البحوث الهامة فی المکاسب المحرمة مرتضی انصاری جلد 3

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : خ‍رازی‌، سیدم‍ح‍س‍ن‌، ‏‫۱۳۱۵ ‏-‬

‏عنوان قراردادی : المکاسب.شرح

‏عنوان و نام پديدآور : ‏‫البحوث‌الهامه ف‍ی‌‌ال‍م‍ک‍اس‍ب‌‌ال‍م‍ح‍رم‍ه [ م‍رت‍ض‍ی‌ ان‍ص‍اری‌ ]‬‬‏‫/ ت‍ال‍ی‍ف‌ م‍ح‍س‍ن‌ ال‍خ‍رازی‌.‬

‏مشخصات نشر : ق‍م‌: موسسه در راه‌حق‏‫، ۱۴۲۳ ق‌.‬‏‫= ۱۳۸۱‭‬‬-‬‬

‏مشخصات ظاهری : ‏‫7ج.‬

‏شابک : ‏‫ج. ۶‭‬‬‬‬‏‫‬‬‬‬‬‬‬‬‬‭978-964-5515-01-5 :‬‬‬‬‬‬‬‬‬ ؛ ‏‫ج. ۷‬‏‫‬‮‭978-600-5515-04-6 :

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ج.۴ (چاپ ؟: ۱۳).

‏يادداشت : ‏‫ج. ۷ (چاپ اول: ۱۳۹۰) (فیپا).‬

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌.

‏موضوع : ان‍ص‍اری‌، م‍رت‍ض‍ی‌ ب‍ن‌ م‍ح‍م‍دام‍ی‍ن‌، ۱۲۱۴-۱۲۸۱ق‌ . المکاسب -- نقدو تفسیر

‏موضوع : ‏‫معاملات (فقه)‬‬

کسب و کار حرام

‏شناسه افزوده : ان‍ص‍اری‌، م‍رت‍ض‍ی‌ ب‍ن‌ م‍ح‍م‍دام‍ی‍ن‌، ۱۲۱۴-۱۲۸۱ق‌ . المکاسب . شرح

‏شناسه افزوده : موسسه در راه حق

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۱۹۰/۱‏‫‭/‮ال‍ف‌‬۸م‌۷۰۲۱۴۳ ۱۳۸۱‬‬

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‬‬‬‭۲۹۷/۳۷۲

‏شماره کتابشناسی ملی : ‏‫‭م‌۸۱-۴۵۲۴۴‬

‏اطلاعات رکورد کتابشناسی : فیپا

محرر الرقمي: میثم الحیدري

اشارة

العنوان... البحوث الهامّة في المكاسب المحرّمة ج 3

•

الموضوع... فقه

•

تأليف... آية الله السيّد محسن الخرّازي

•

باهتمام... السيّد علىّ رضا الجعفري

•

نشر... مؤسسه در راه حق

•

التنضيد و الاخراج الفنى... كومبيوتر المجتبى (عليه السلام)

•

الطبعة... الاُولى

•

المطبعة... كيميا

•

العدد... 1000

•

التاريخ... 1426

بسم الله الرحمن الرحيم

البحوث الهامة

المسألة العاشرة التشريح

اشارة

و التشريح بمعناه المصطلح في زماننا هذا عبارة عن تشقيق أجزاء البدن بعد الموت لملاحظتها من جهة تأثير الأمراض و غير ذلك.

و يقع الكلام في مقامات:

المقام الأوّل: في تشريح أجساد الكفّار

لاإشكال في جواز تشريح بدن الحربي، و هو غير الذمّي; إذ لاحرمة للحربي حيّاً و ميّتاً، و لاأولويّة لمن كان الجسد بيده من أهل الحرب.

و أمّا تشريح بدن الذمّي أو المعاهد; فإن كان احترام أبدانهم مشروطاً في عقد الذمّة أو المعاهدة أو كان العقد مبتنياً على ذلك على نحو يكون كالمذكور فلايجوز التشريح.

و أمّا إذا لم يشترط فقد استدلّ لحرمة التشريح بإطلاق صحيحة جميل، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال: «قطع رأس الميّت أشدّ من قطع رأس الحيّ‌»،(1) و صحيحة عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل قطع رأس

**

(1) الوسائل 249:19، ب 25 من ديات الأعضاء، ح 1.

الميّت قال: «عليه الدية; لأنّ حرمته ميّتاً كحرمته و هو حيّ‌»،(1) و غير ذلك من الأخبار; بدعوى أنّ مقتضى إطلاق هذه الأخبار هو عدم الفرق بين المسلم و الكافر في حرمة قطع أعضاء الميّت و لزوم الاحترام.

و يمكن دعوى انصراف تلك الأخبار عن مثل الذمّي; لدلالة تعيين مقدار ديته في بعض الأخبار، على أنّ المراد من الميّت المذكور هو الميّت المسلم و لايشمل غيره; فإنّ تعيين مئة دينار لقطع رأس الميّت لايتناسب مع دية قطع رأس الكافر الذمّي; إذ ديته في حال الحياة ثمانمئة درهم، فلايمكن أن تزيد ديته في حال الممات عن حال حياته، فذكر مئة دينار شاهد على أنّ المراد من الميّت هو الميّت المسلم.

و بالجملة، فالسؤال في مثل خبر الحسين بن خالد عن رجل قطع رأس ميّت، و قول الإمام (عليه السلام): إنّ الله حرّم منه ميّتاً كما حرّم منه حيّاً، و أنّ ديته دية الجنين في بطن اُمّه قبل أن تلج فيه الروح و ذلك مئة دينار،(2) ممّا يشهد على أنّ المراد من الميّت هو الميّت المسلم، و المراد من الدية - في قوله (عليه السلام) في صحيحة عبدالله بن سنان; «عليه الدية» - هي تلك الدية المعهودة.

هذا، مضافاً إلى أنّه مع تسليم الإطلاق و عدم الانصراف يمكن تقييده بالإيمان و الإسلام جمعاً بينه و بين سائر الأخبار الدالّة على اعتبارهما في الحرمة و الاحترام، كقوله (عليه السلام) في صحيحة صفوان: «أبى الله أن يظنّ بالمؤمن إلاّ خيراً، و كسرك عظامه حيّاً و ميّتاً سواء»،(3) و كقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث العلاء بن

**

(1) الوسائل 248:19، ب 24 من ديات الأعضاء، ح 4.

(2) المصدر السابق: ح 2.

(3) الوسائل 251:19، ب 25 من ديات الأعضاء، ح 4.

سيّابة: «حرمة المسلم ميّتاً كحرمته و هو حيّ سواء»،(1) و قوله (عليه السلام) في خبر محمّد بن مسلم: «إنّ الله حرّم من المؤمنين أمواتاً ما حرّم منهم أحياءً‌»،(2) و ذلك لأنّ تقييد الميّت بالمؤمن و المسلم مشعر باختصاص الحكم المذكور بهما، خصوصاً مع تفرّع تسوية الحيّ و الميّت في الحرمة على إبائه تعالى أنّ يظنّ بالمؤمنين إلاّ خيراً، فتأمّل.

مضافاً إلى التصريح بنفي الكرامة عن الميّت النصراني في معتبرة عمار بن موسى عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه سئل عن النصراني يكون في السفر و هو مع المسلمين فيموت، قال: «لايغسله مسلم، و لاكرامة، و لايدفنه، و لايقوم على قبره، و إن كان أباه»،(3) فإنّه حاك عن عدم الحرمة الذاتية للكفّار، و حيث إنّ المعتبرة تدلّ على نفي كرامة الكفّار و احترامهم تقدّم على المطلقات بناءً على تسليم إطلاقها، كما هو مقتضى الجمع بين المثبت المطلق و النافي المقيّد.

على أنّ قوله (عليه السلام): «لأنّ حرمته ميّتاً كحرمته و هو حيّ‌» يدلّ على أنّ الحرمة في المشبّه به ثابتة، و الحرمة الذاتية ثابتة في المسلم لافي أهل الذمّة; لاحتمال أن يكون احترامهم من جهة عقد الذمّة لامن جهة ذواتهم، و الاحترام العقدي دائر مدار حياتهم لابعد مماتهم، كما هو المفروض.

و عليه، فالتمسّك بالحديث في أهل الذمّة مع عدم ثبوت الحرمة الذاتية لهم تمسّك بالعام في الشبهة الموضوعية إن كان الشكّ في صدق الحرمة الذاتية عليهم، و تمسّك بالعام في الشبهة المفهوميّة إن كان الشكّ في تعميم الحرمة بالنسبة إلى الحرمة الناشئة من عقد الذمّة.

و لامجال أيضاً للاستدلال على إثبات حرمة أجسادهم بالآيات و الروايات

**

(1) المصدر السابق: ح 6.

(2) المصدر السابق: ح 3.

(3) التهذيب 336:1.

الدالّة على رفع المقاتلة مع الكفّار بقبول الذمّة و الجزية، كقوله تعالى: (قٰاتِلُوا اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لاٰ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ لاٰ يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ لاٰ يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ‌) ،(1) بدعوى دلالة الآية على أنّهم بعد أداء الجزية يكونون كسائر المسلمين، فلايجوز التعرّض لهم، و بعبارة اُخرى يكونون كالمسلمين في الاحترام في زمان حياتهم و مماتهم.

و ذلك; لأنّها و نظائرها تدلّ على أنّ غاية وجوب المقاتلة معهم هي ما إذا أعطوا الجزية، و أمّا أنّهم كالمسلمين في الاحترام فلادلالة لها بالنسبة إليه، فالتمسّك بها و بنظائرها لإثبات احترام أهل الذمّة كالمسلمين كما ترى.

فتحصّل ممّا ذكر: أنّ الذمّي يستحقّ ما يقتضيه عقد الذمّة من الأمان و حفظ الدماء و الأموال و الاستفادة من مزايا البلد الإسلامي و غير ذلك، و أمّا احترام أبدانهم فإن كان مشروطاً في العقد و لو بالتباني عليه فهو واجب; للزوم الوفاء بالعقود، و إلاّ فلادليل على احترامها خصوصاً إذا كان التشريح متعارفاً عندهم و لايعدّونه هتك حرمة لها.

و بالجملة لاتقاس أبدانهم بأبدان المسلمين و المؤمنين حتى لايجوز تشريحها.

و لقد أفاد و أجاد سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره) حيث قال: «و أمّا غير المسلم فيجوز ذمّياً كان أو غيره، ولادية و لاإثم فيه»،(2) و مثله قول السيّد المحقّق الخوئي (قدس سره) في مستحدثات المسائل: «يجوز تشريح بدن الميّت الكافر بأقسامه»،(3)

**

(1) التوبة: 29.

(2) تحرير الوسيلة 561:2، م 1.

(3) مستحدثات المسائل: 40.

فتشريح أجساد الكفّار بأصنافهم جائز ما لم تعاهدهم الدولة الإسلامية على احترام أجسادهم، و إلاّ فاللازم مراعاته; لعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ،(1) و نحوه.

المقام الثاني: في تشريح أجساد المسلمين و المؤمنين

اشارة

لاإشكال و لاخلاف في حرمة هتك المسلم و إهانته حيّاً و ميّتاً، و يدلّ عليه - مضافاً إلى إطلاق الأخبار المتضافرة الدالّة على حرمة إهانة المؤمن،(2) - الأخبار المستفيضة الواردة في احترام الميّت المسلم:

منها: صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل قطع رأس الميّت قال: «عليه الدية; لأنّ حرمته ميّتاً كحرمته و هو حيّ‌»،(3) و في المصباح المنير: «الحرمة - بالضمّ - ما لايحلّ انتهاكه، و الحرمة... اسم من الاحترام مثل الفرقة من الافتراق»،(4) و ربّما تطلق على الحرام، ولكن الأخبار الآتية تشهد للأوّل; لإضافة الحرمة فيها إلى الميّت، و هي ظاهرة في الاحترام كما لايخفى، فلاوجه لدعوى رجوع الضمير في قوله: «لأنّ حرمته» إلى رأس الميّت، و المقصود منه هو بيان حرمة قطع الرأس في حال الممات كحال الحياة، لااحترام الميّت حال الممات كحال الحياة.

ومنها: خبر العلاء بن سيّابة عن أبي عبدالله (عليه السلام) في بئر مخرج (محرج خل)،(5) فوقع فيه رجل فمات فيه فلم يمكن إخراجه من البئر أيتوضّأ في تلك البئر؟

**

(1) المائدة: 1.

(2) الوسائل 588:8، ب 146 من أبواب العشرة.

(3) الوسائل 248:19، ب 24 من ديات الأعضاء، ح 4.

(4) المصباح المنير 161:1.

(5) المحرج كالمضيق - بكسر الياء - لفظاً و معنى.

قال: «لايتوضّأ فيه يعطّل، و يجعل قبراً، و إن أمكن إخراجه أخرج و غسّل و دفن، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حرمة (المرء) المسلم ميّتاً كحرمته و هو حيّ‌،(1)

ومنها: صحيحة صفوان قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «أبى الله أن يظنّ بالمؤمن إلاّ خيراً و كسرك عظامه حيّاً و ميّتاً سواء»،(2)

ومنها: خبر محمّد بن سنان عمّن أخبره عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: قلت: رجل قطع رأس ميّت، فقال: «حرمة الميّت كحرمة الحيّ‌»،(3)

ومنها: خبر محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «لمّا احتضر الحسن بن عليّ (عليهما السلام) قال للحسين (عليه السلام): يا أخي، اُوصيك بوصيّة فاحفظها - إلى أن قال: - إنّ الله حرّم من المؤمنين أمواتاً ما حرّم منهم أحياءً‌».(4)

إلى غير ذلك من الأخبار الدالّة على حرمة بدن الميّت المسلم.

و عليه، فلايجوز هتكه بالكسر أو الجرح أو القطع أو الحرق أو غيرها، من دون فرق بين أن يكون لذلك داع عقلائي أو لا، ألاترى أنّ من وضع رجله على رأس مؤمن بقصد رفع وجعها مثلاً لاالإهانة عدّ ذلك إهانةً و هتكاً! و من ذلك يظهر أنّ تشريح بدن الميّت المسلم و لو لداع عقلائي كتعليم الغير و تحصيل الحذاقة هتك و إهانة و محرّم; لأنّ احترامه حال كونه ميّتاً كاحترامه حال حياته.

و ربّما يستدلّ على حرمة تشريح بدن الميّت المسلم بالأخبار الناهية عن التمثيل بالميّت الكافر بالأولويّة، منها: ما رواه في الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن معاوية بن عمّار قال: أظنّه عن أبي حمزة الثمالي عن أبي

**

(1) جامع الأحاديث 451:3.

(2) جامع الأحاديث 496:26.

(3) نفس المصدر.

(4) نفس المصدر.

عبدالله (عليه السلام) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أراد أن يبعث سريّة دعاهم فأجلسهم بين يديه، ثمّ يقول: سيروا بسم الله و بالله و في سبيل الله و على ملّة رسول الله لاتغلّوا و لاتمثّلوا...» الحديث،(1) و نحوه موثّقة مسعدة بن صدقة.

و قد اُورد عليه بأنّ التمثيل و المثلة فيما إذا كان لغرض التنكيل و العقوبة، و المفروض عدمهما في التشريح الذي يكون المقصود منه هو ازدياد الحذاقة. و في تاج العروس: «مثّل بفلان مثلاً و مثلةً - بالضمّ - نكّل تنكيلاً بقطع أطرافه و التشويه به، و مثّل بالقتيل جدع أنفه و اُذنه أو مذاكيره أو شيئاً من أطرافه»،(2) و قال أيضاً في بيان معنى التنكيل: «و نكّل به تنكيلاً إذا عاقبه في جرم أجرمه عقوبة تنكّل غيره، أو صنع به صنيعاً يحذر غيره عن ارتكاب مثله».(3)

هذا، مضافاً إلى ظهور التمثيل و المثلة في قطع خاصّ كقطع الأطراف و الاُذن و الأنف و نحوهما، فيكون أجنبيّاً عن التشريح.

نعم، يمكن أن يستدلّ لذلك أيضاً بالأخبار الدالّة على وجوب تجهيز الميّت من تغسيله و تكفينه و دفنه بناءً على عدم جواز تأخير تلك الواجبات; فإنّ التشريح المتوقّف على مضي أيام ينافي الفورية العرفية المستفادة من الأوامر الواردة في تلك الواجبات، و لامجال للتشكيك في أسنادها مع كونها مفتى بها.

و لاينافي وجوب الفورية العرفية استحباب التعجيل; إذ المراد منه هو الإقدام على هذه الاُمور بنحو زائد على الفورية العرفية. و القول بأنّ التأخير لايحرم ما لم يوجب الإهانة أو التحقير مناف مع ظهور الأوامر الواردة في الفورية. نعم لو لم يتوقّف التشريح على مضي أيام فلامنافاة بين التشريح و تلك الواجبات، و لايحرم من تلك الجهة.

**

(1) الوسائل 43:11، ب 15 من أبواب الجهاد، ح 2.

(2) تاج العروس 111:8.

(3) تاج العروس 145:8.

و بالجملة، فتشريح بدن الميّت المسلم لايجوز; لما ذكر من الأدلّة.

موارد مستثناة من حرمة التشريح:

المورد الأوّل: اذا توقّف حفظ حياة المسلم على تشريح جسد ميت مسلم آخر

إنّه إذا توقّف حفظ حياة المسلم على تشريح جسد ميّت مسلم آخر - كما إذا ابتُلي جمع من المسلمين بمرض مهلك فمات بعضهم و لم يمكن تشخيص المرض و علاجه إلاّ بتشريح جسد الميّت المسلم الذي مات بذلك المرض، أو إذا مات الطفل في بطن اُمّه و كان حفظ حياة الاُمّ موقوفاً على إخراجه بالتقطيع أو الكسر و نحوهما، أو إذا ماتت الاُمّ و كان حفظ حياة الطفل موقوفاً على تشقيق بطن اُمّه - فلاإشكال في جواز ذلك، و ادّعى في الجواهر في المثال الأخير عدم الخلاف في جوازه.

و كيف كان، يدلّ عليه - مضافاً إلى أنّ ذلك مقتضى قاعدة التزاحم و تقديم جانب الأهمّ التي عليها بناء العقلاء في الاُمور، و مضافاً إلى شهادة التتبّع في تضاعيف أبواب الفقه نصاً و فتوى على أنّ حفظ النفس المحترمة من أهمّ الواجبات و البديهيات الفقهية و لو توقّف على ترك واجب أو ارتكاب محرّم، و ليس ذلك إلاّ لمعلوميّة أهمّية حفظ النفس في الفقه - النصوص الخاصّة:

منها: صحيحة عليّ بن يقطين المرويّة في الكافي عن حميد بن زياد عن الحسن ابن محمّد بن سماعة عن محمّد بن أبي حمزة عن عليّ بن يقطين قال: سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن المرأة تموت و ولدها في بطنها، قال: «يشقّ بطنها و يخرج ولدها».(1)

**

(1) الكافي 155:3.

ومنها: مرسلة ابن أبي عمير المرويّة في الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله (عليه السلام) في المرأة تموت و يتحرّك الولد في بطنها، أيشقّ بطنها و يخرج الولد؟ قال: فقال: «نعم، و يخاط بطنها».(1)

ومنها: خبر وهب بن وهب عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا ماتت المرأة و في بطنها ولد يتحرّك فيتخوّف عليه فشقّ بطنها و أخرج الولد، و قال في المرأة يموت ولدها في بطنها فيتخوّف عليها، قال: لابأس أن يدخل الرجل يده فيقطّعه و يخرجه إذا لم ترفق به النساء».(2)

ومنها: ما رواه الكشيّ في كتاب الرجال عن حمدويه بن نصير عن محمّد بن عيسى عن ابن فضال عن ابن بكير عن محمّد بن مسلم أنّ امرأة سألته فقالت: لي بنت عروس ضربها الطلق فما زالت تطلق حتى فاتت و الولد يتحرّك في بطنها و يذهب و يجىء، فما أصنع‌؟ قال: قلت: يا أمة الله، سئل محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) عن مثل ذلك فقال: «يشقّ بطن الميّت و يستخرج الولد».(3)

ومنها: ما رواه في التهذيب حيث قال: و في رواية ابن أبي عمير عن ابن أبي اُذينة «يخرج الولد و يخاط بطنها».(4) و غير ذلك من الأخبار.

و لعلّ هذه الأخبار ترشد إلى ما عليه العقلاء من تقديم جانب الأهمّ و هو حفظ الحياة فيما إذا تزاحم مع حرام آخر.

و كيف كان، فلاإشكال في جواز ذلك فيما إذا توقّف حفظ حياة مسلم أو مسلمة على تشقيق أو تشريح خصوص الميّت المسلم بحيث لايمكن التفصّي عنه بطريق آخر.

**

(1) الكافي 206:3.

(2) نفس المصدر.

(3) الوسائل 674:2، ب 46 من أبواب الاحتضار، ح 8.

(4) التهذيب 344:1.

و لذلك قال سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره): «لو توقّف حفظ حياة المسلم على التشريح و لم يمكن تشريح غير المسلم فالظاهر جوازه».(1)

ثمّ إنّ جواز التشريح أو التشقيق المذكور لحفظ حياة المسلم أو المسلمة هل يتوقّف على العلم بموت المسلم لو لم يفعل ذلك، أو يكفي الخوف في ذلك‌؟

ظاهر بعض الروايات كخبر وهب بن وهب هو الثاني. هذا، مضافاً إلى اقتضاء مادة الحفظ الواجب لزوم مراعاة موارد الخوف العقلائي أيضاً; فإنّ مع عدم المراعاة لايصدق الحفظ كما لايخفى، على أنّه لو توقّف وجوب حفظ النفس على العلم بالموت لوقع الإنسان كثيراً في المخالفة الواقعيّة.

و يشكل ذلك - مضافاً إلى ضعف خبر وهب بن وهب - بأنّ وجوب حفظ النفس حيث لم يثبت بالدليل اللفظي العامّ بل الدليل عليه هو الإجماع و الاصطياد من الموارد الخاصّة فاللازم هو الاقتصار فيه على القدر المتيقّن و هو صورة العلم بالتوقّف، فلاوجه لرفع اليد عن حرمة التشريح مع فعليّتها بالتكليف الاحتمالي و هو حفظ حياة المسلم ولو كان المحتمل أهمّ‌.

اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ المرجع في أمثال المقام هو بناء العقلاء، فإذا كانوا ملتزمين بمراعاة صورة الخوف بحيث يجعلون الإهمال فيها سبباً لاستحقاق المذمّة فيجوز عند خوف تلف النفوس أيضاً التشريح أو التشقيق.

هذا، مع إمكان الاستدلال بترك الاستفصال في النصوص المذكورة و إن كان خبر وهب بن وهب ضعيفاً، و المسألة محتاجة إلى التأمّل الزائد.

المورد الثاني: اذا توقّف غرض اهم من حرمة الميت المسلم على التشريح و التقطيع

إنّه إذا توقّف غرض أهمّ من حرمة الميّت المسلم على التشريح و التقطيع

**

(1) تحرير الوسيلة 561:2، م 2.

فلاإشكال في جواز ذلك; لأنّه أيضاً مقتضى قاعدة التزاحم التي عليها بناء العقلاء و لم يردع عنه الشارع، بل يؤيّده ما روي عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) من الأمر بنبش القبر و أخذ ضلع من أضلاع الميّت لإثبات النسب و الإرث.(1)

و مصاديق هذه الكبرى متعدّدة، و حيث كانت دليلاً لبيّاً يؤخذ بها في القدر المتيقّن، و لعلّ منها: ما إذا توقّف حفظ النظام الإسلامي على تشريح بدن مسلم و تقطيعه، كما إذا بلع رجل من المسلمين ما يكون حاوياً لأسامي الذين كانوا في صدد القضاء على النظام الإسلامي أو كان حاوياً لاُطروحة أراد الأعداء إجراءها لهدم النظام الإسلامي و مات هذا الرجل فلاإشكال في جواز ذلك إذا لم يمكن أخذه إلاّ بذلك; لأهمّية حفظ النظام الإسلامي، بل يجب ذلك; لأنّ حفظ النظام من أهمّ الواجبات.

ومنها: ما إذا توقّف تشخيص نوع سلاح من أسلحة الأعداء على تشقيق أبدان الشهداء حتى يقوم المسلمون بمقابلته أو رفع آثاره عن جيش المسلمين; لأهمّية حفظ نفوس المجروحين و تحكيم النظام الإسلامي.

ومنها: ما إذا توقّف إثبات القتل أو النسب على تشريح جسد الميّت المسلم; لأهمّيته من حرمة المسلم. هذا، مضافاً إلى إمكان دعوى عدم صدق الهتك و الإهانة مع رجوع المصلحة إليه أو إلى أهله; إذ قتل القاتل رعاية لمصلحة المقتول و أهله.

هذا كلّه فيما إذا كان التوقّف المذكور معلوماً، و أمّا مع احتمال ذلك لاالعلم فالحكم بالجواز مشكل; إذ رفع اليد عن الحرام الفعلي باحتمال إحياء الحقّ كما ترى، و أيضاً قاعدة التزاحم لاتجري مع عدم العلم بالتزاحم.

نعم، لو علم من الخارج أنّ المحتمل الأهمّ يزاحم الغير فتجري القاعدة فيه.

و هل يكون كسب المهارة اللازمة لمعالجة بعض الأعضاء الخطيرة كالقلب أو

**

(1) بحار الأنوار 225:40.

الكبد و نحوهما من موارد الأهمّ حتى يجوز التشريح و التقطيع أم لايكون، فيه بحث:

يمكن أن يقال: وجود الماهر للمعالجات الخطيرة ممّا يهتمّ به العقلاء، و لايقصر ذلك عندهم عن إثبات القتل أو النسب بالتشريح، بل لعلّه أهمّ منها; لأنّ عدمه ربّما يؤدّي إلى تلف النفوس الكثيرة.

و يشكل ذلك بأنّ لازمه هو رفع اليد عن الحرمة الفعلية بالأمر غير الفعلي أو الاحتمالي الاستقبالي، و هو مشكل إلاّ إذا علم من الخارج أنّ الأمر غير الفعلي الاستقبالي أو احتمال الأمر الاستقبالي، على حدّ يزاحم الأمر الفعلي ولكن ذلك فيما إذا كان متوقّفاً على تشريح خصوص جسد الميّت المسلم، و أمّا إذا لم يتوقّف بل أمكن تحصيله من تشريح غير المسلم أو الحيوانات أو المزاولة مع التماثيل المصنوعة لذلك أو غيرها فلايجوز.

و الأصعب من ذلك ما إذا كان المقصود من التشريح و التقطيع هو مجرّد الارتقاء العلمي و المصالح الطبّية و غيرها من الاُمور الراجحة العقلائية التي يسعى كلّ مجتمع نحوها فإنّ مجرّد ذلك لايوجب تقدّمه على المحرم الفعلي.

نعم، لو توقّفت مصلحة النظام الإسلامي على كسب المهارة أو التعلم للارتقاء العلمي بحيث لو لم يراع الحاكم الإسلامي ذلك لعدّ خائناً - كما إذا كان اهمال الارتقاء العلمي موجباً لضعف الإسلام و المسلمين و الحاجة إلى الأعداء و سلطة الأجانب - لجاز للحاكم الإسلامي تجويز ذلك فيما إذا توقّف عليه بخصوصه; لأنّ مراعاة المصالح العامّة التي لايرضى الشارع بإهمالها و تركها مما يلزم على الحاكم الإسلامي.(1)

**

(1) كما فصّلناه في بحث حول التشريح، نُشِر في مجلّة نور علم، فراجع.

المورد الثالث: اذا كانت مصلحة التقطيع أو الكسر عائدة إلى الميّت

إنّه إذا كانت مصلحة التقطيع أو الكسر عائدة إلى الميّت، كما إذا وقع جسده لسبب من الأسباب، كالزلزلة أو غيرها - بين الأشياء بحيث لايمكن إخراجه لتجهيزه إلاّ بالقطع أو الكسر و نحوهما فلاإشكال في جوازه بل وجوبه; لتوقّف تجهيزه عليه. و لاينافي ذلك حرمة الميّت; إذ ليس ذلك هتكاً و إهانة، لأنّ مصلحة التجهيز عائدة إلى نفس الميّت. كما أنّ ذلك ليس بمُثلة; لأنّها كما عرفت تنكيل و عقوبة، بل ترك الجسد بحاله خلاف حرمة الميّت; و لذا جرت السيرة العقلائية بل المتشرعيّة على إخراج الميّت و تجهيزه في أمثاله.

نعم، إن وقع في بئر و لم يمكن إخراجه فاللازم هو جعل البئر قبراً له، كما ورد بذلك رواية العلاء بن سيّابة و أفتى بها جماعة.

و إن أمكن إخراجه سالماً بتخريب الدار أو غيرها كالسيارة و نحوها فهو مقدّم و لو احتاج ذلك إلى مؤونة فيمكن أن يقال إنّ تلك أيضاً من مؤونة تجهيزه، فتخرج من أصل ماله إن كان له المال، و تقدّم على ديونه و وصاياه و ميراثه. و إن لم يكن له المال فإن كان الميّت زوجة ففي التنقيح لايبعد الحكم بوجوب سائر مؤن التجهيز على الزوج، لصحيحة عبدالرحمن المتقدّمة الدالّة على أنّ الزوجة و الاُمّ و الأب و الابن و المملوك لايعطى لهم الزكاة لأنّهم عيال الرجل و يلازمونه; فإنّ معنى العيال و كونهم لازمين له أنّهم لازمون له في مؤنهم و مصارفهم و أنّ معونتهم على ذمّته و هو متعهد بها كما هو معنى كون شخص عيالاً لآخر تقول: عال أهله; أي قام بمعيشتهم و مصارفهم و كونهم لازمين له لايختصّ بحال الحياة، فيجب عليه القيام بجميع مؤن تجهيز الزوجة إذا لم يكن لها مال يفي بذلك.(1) بل مقتضى الصحيحة أنّ‌

**

(1) التنقيح 397:8.

الأمر كذلك في مثل الأب و الاُمّ و الابن.

و كيف كان، فإن لم يكن الميّت الذي ليس له المال زوجة أو مثل الأب و الاُمّ و الابن فقد ادّعي الإجماع على عدم وجوب الكفن - فضلاً عن سائر مؤن تجهيزه على المسلمين، بل هي واجبة على بيت المال.

و ربّما يستدلّ له بموثقّة الفضل قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) فقلت له: ما ترى في رجل من أصحابنا يموت و لم يترك ما يكفّن به، اشتري له كفنه من الزكاة‌؟ فقال: أعطِ عياله من الزكاة قدر ما يجهّزونه، فيكونون هم الذين يجهّزونه. قلت: فإن لم يكن له ولد و لاأحد يقوم فاُجهّزه أنا من الزكاة‌؟ قال: كان أبي يقول إنّ حرمة بدن المؤمن ميّتاً كحرمته حيّاً، فوارِ بدنه و عورته و جهّزه و كفّنه و حنّطه و احتسب بذلك من الزكاة و شيّع جنازته».(1)

و إن لم تكن زكاة فهل تكون مؤونة تجهيزه واجبة على المسلمين أم لا؟

ذهب في التنقيح إلى عدم وجوبه; لحديث نفي الضرر و إن عدّت مؤونة التجهيز مقدّمة للواجب كالتكفين و الدفن،(2) و هو و إن كان ظاهر عبائر العلماء، و مقتضاه هو دفنه عارياً، ولكن يشكل ذلك في مثل المقام; فإنّ ترك الميّت بحاله من دون تجهيز هتك لحرمته و لايرضى الشارع بذلك، و اللازم احتياطاً هو إعطاء المسلمين القرض إلى بيت المال و احتسابه من الزكاة عند وجوبها عليهم، فليتأمّل.

المورد الرابع: اذا أوصى مسلم بتشريح جسده بعد الموت لترقيع بدن المحتاجين

إذا أوصى مسلم بتشريح جسده بعد الموت لترقيع بدن المحتاجين فهل تكون الوصية نافذة أم لا؟

**

(1) الوسائل 759:2، باب 33 من أبواب التكفين، ح 1.

(2) التنقيح 410:8.

يمكن القول بالجواز و النفوذ، لالعدم صدق الضرر مع المصلحة العقلائية كما قيل; لأنّ الضرر لايخرج عن الضررية بالدواعي العقلائية، بل لاختصاص المانع الشرعي و هو عنوان الضرر بحال الحياة، فلامانع من نفوذ الوصية بعد ارتفاع العنوان المانع بالموت; لأنّ المشروعيّة حال العمل كافية كما أنّ القدرة حال العمل كافية في حسن الخطاب.

لايقال: إنّ مقتضى الروايات الدالّة على أنّ حرمة الميّت كحرمة الحيّ هو عدم نفوذ الوصية بالتشريح; لمنافاته مع حرمة الميّت.

لأنّا نقول: إنّ المنافي للحرمة هو التقطيع العدواني لاالمأذون فيه، و مورد الروايات هو التقطيع العدواني.

لايقال: إنّ حرمة الميّت ليست من الحقوق حتى تسقط بالوصية والإذن، بل هي من الأحكام، فلاتسقط بالإذن كالإذلال.

لأنّا نقول: مقتضى تشبيه حرمة الميّت بحرمة الحيّ هو مشابهة احترام الميّت مع الحيّ‌، و حيث كان احترام الحيّ من باب الحقوق عدا صورة الإذلال، و لذا يسقط بالإذن - كوضع الرجل على رأس الغير أو منكبه فإنّه خلاف احترامه; ولكن مع إذن الغير بذلك لداع من الدواعي لايكون منافياً لاحترامه، كما يؤيّد أو يشهد لذلك الروايات الدالّة على تفويض الاُمور كلّها إلى المؤمن عدا الإذلال(1) فإنّها ظاهرة في أنّ غير الإذلال من الحقوق - فإنّ احترام الميّت أيضاً كذلك.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الوصية بالتشريح ربّما تنافي وجوب التغسيل و التكفين و الدفن، و تكون من هذه الجهة غير مشروعة، فلاتكون نافذة. اللّهمّ الاّ أن يقال: ان التغسيل أو ما يقوم مقامه ممكن و التكفين و الدفن اُتى بهما مع تأخير و لايفوتان و

**

(1) الوسائل 424:11.

انما الفائت هو الإسراع فيهما و حيث ان الإسراع من باب الكرامة و الاحترام فلاينا فيه التأخير المأذون فيه بالوصية فتأمّل. نعم لو أوصى بإعطاء بعض الأعضاء لاتكون منافية للواجبات المذكورة، و أيضاً ربّما تستلزم الإذلال، و من هذه الجهة لاتكون نافذة.

و كيف كان، فلو شكّ في الجواز لاحتمال كون الوصيّة وصيّة بالإثم فلايجوز التمسّك بعمومات أدلّة نفوذ الوصيّة; لأنّه تمسّك بالعامّ في الشبهات المصداقية بعد تخصيص العمومات بعدم كون الوصيّة وصيّة بالإثم.

المورد الخامس: اذا شكّ فى بدن أنّه لمسلم أو كافر غير ذمى أو معاهد

إنّه إذا شكّ في بدن أنّه لمسلم أو كافر غير ذمّي أو معاهد فقد ذهب بعض الأعلام إلى جواز تشريحه و لووجد في البلاد الإسلامية.

و يشكل ذلك إذا وجد المشكوك في البلاد الإسلامية لأنّ البلد الإسلامي من الأمارات و الطرق على كون المشكوك ملحقاً بالأعمّ الأغلب في الأحكام.

و يدلّ عليه إلحاق المشكوك في غير موردنا بالأعمّ الأغلب في صحيحة أحمد بن أبي نصر عن الرِّضا (عليه السلام) «سألته عن الخفّاف يأتي السوق فيشتري الخفّ لايدري أذكيّ هو أم لا، ما تقول في الصلاة فيه و هو لايدري أيصلّي فيه‌؟ قال: نعم، أنا أشتري الخفّ من السوق و يصنع لي واُصلّي فيه، وليس عليكم المسألة».(1)

و في موثقة إسحاق عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: «لابأس بالصلاة في القزّ اليماني و فيما صنع في أرض الإسلام، قلت له: فإن كان فيها غير أهل الإسلام‌؟ قال:

**

(1) التهذيب 371:2.

إذا كان الغالب عليها المسلمون فلابأس».(1)

إذ ظاهرهما و نظائرهما هو أنّ الملاك في اعتبار السوق أوأرض الإسلام هو غلبة المسلمين، فالغلبة معيار كلّي في إلحاق المشكوك بالأعمّ الأغلب، و لاعبرة بخصوصيّة المورد بعد عموم الملاك.

كما لاوقع لما يقال من أنّ الالحاق فيها إلحاق في الفعل لافي الفاعل لأنّ الإلحاق في الفعل مسبوق بالالحاق في الفاعل; بدلالة الاقتضاء، حيث إنّ الفعل المشكوك لايلحق بالمعلوم إلاّ بإلحاق فاعله المشكوك حاله بمعلوم الإسلام، فقبل إلحاق الفعل اُلحق فاعله بمعلوم الإسلام.

هذا، مضافاً إلى أنّ العبرة بالمعيار الكلّي المستفاد من الروايات، و هو أنّ الغلبة أمارة على الإلحاق و عدمه ما لم يدلّ دليل على الخلاف كدعوى الإجماع على إلحاق لقيط دار الكفر بالمسلم مع وجود المسلم فيها و احتمال كونه منه مع أنّ الغلبة مع الكفّار(2) أو كدعوى شمول الإطلاقات الدالّة على تغسيل الميّت للقيط دار الكفر إذا احتمل كونه من مسلم بعد استصحاب عدم التنصّر أو الكفر باستصحاب العدم الأزلي(3) مع ما في الأخير من أنّه يمكن أن يقال إنّ الاستصحاب لايجري مع قيام الأمارة و هي الغلبة على كفره فإن الدار دار الكفر، نعم لو قام الإجماع على إلحاقه بالمسلم فلاكلام.

هذا كلّه فيما إذا قامت الغلبة على الإلحاق بالأعمّ الأغلب، و أمّا إذا لم تقم تلك الأمارة فهل هنا أمارة اُخرى أم لا؟

يمكن الاستدلال بمصححة حماد بن عيسى المروية في التهذيب بإسناده عن

**

(1) التهذيب 368:2.

(2) راجع المستمسك 70:4.

(3) راجع التنقيح 94:8.

محمّد بن أحمد بن يحيى عن إبراهيم بن هاشم عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن حمّاد بن عيسى (يحيى خل) عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم بدر: «لاتواروا إلاّ من كان كميشاً - يعني من كان ذكره صغيراً - و قال: لايكون ذلك إلاّ في كرام الناس»(1) فإنّ مقتضى تلك المصححة هو العمل بهذه العلامة; و لذا ذهب جماعة على المحكيّ - منهم الفاضلان و الشهيد - إلى العمل بها في وجوب تجهيزه بالتغسيل و التكفين و غيرهما.

لايقال: إنّ هذه العلامة مخصوصة بموردها.

لأنّا نقول: كما في المستمسك إنّ موردها و إن كان واقعة بدر لكن التعليل في ذيلها يقتضي عموم الحكم.

اللّهمّ إلاّ أن يكون المقصود منه بيان وجه المناسبة و رفع الاستيحاش لاالتعليل للحكم.(2)

هذا، مضافاً إلى ما أفاده في التنقيح من أنّ‌: «الصحيح أنّ الرواية لادلالة لها على أنّ ذلك علامة مميزة بين الطائفتين; و ذلك للجزم بأنّ الإسلام و الكفر ليسا من الأسباب الموجبة لصغر الآلة و كبرها; فإنّ غير أمير المؤمنين و فاطمة (سلام الله عليهما) كانوا كفّاراً ثمّ أسلموا فهل يحتمل أن اختلفت آلتهم عمّا كانت عليه بإسلامهم‌؟! إذن، كيف يجعل ذلك أمارة مميّزة بين الكفّار و المسلمين‌؟!

و الرواية أيضاً لم تدلّ على أنّها مميزة بين الطائفتين، و إنّما دلّت على الأمر بمواراة كميش الذكر من غير فرق في ذلك بين المسلمين و غيرهم; لأنّ صغر الآلة - على ما يقولون و لعلّه الصحيح - إنّما يوجد في الكرام و النجباء، كما أنّ كبرها

**

(1) الوسائل 112:11.

(2) المستمسك 111:4.

علامة على عدمهما; فكأنّه كلّما قرب من الحيوانات وجد بعض أوصافها.

و النبيّ (صلى الله عليه وآله) قد منّ على الكفّار بعد غلبة المسلمين في وقعة بدر بالأمر بمواراة النجباء منهم و الأشراف فحسب لئلاّ تبقى أجسادهم من غير دفن، فلادلالة في الرواية على التمييز بذلك بين المسلمين و الكافرين».(1)

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الظاهر من المصحّحة هو أنّ المذكور فيها لتمييز أجساد المسلمين عن غيرهم، و من البعيد جدّاً أن يحسن النبيّ إلى الكفّار المعاندين بدفنهم بعنوان أنّهم من الكرام، فيمكن الاستناد إلى العلامة المذكورة تعبّداً في المشكوك و إن لم تكن حقيقتها واضحة.

المورد السادس: هل يكون الجنين الميّت المسلم بحكم من مات من الأحياء؟

هل يكون الجنين الميت المسلم بحكم من مات من الأحياء حتى لايجوز تشريحه أو تقطيعه أو لايكون‌؟

و الذي ينبغي أن يقال: إنّ الجنين إن ولجت فيه الروح ثمّ زهقت عنه يشمله قوله (عليه السلام): «إنّ حرمته ميّتاً كحرمته و هو حيّ‌»; لأنّ الجنين في حال حلول الروح فيه كان ذا حرمة بحيث لايجوز إيراد النقص و الضرر عليه، فبعد زهوق روحه كان إيراد النقص عليه بأي نحو كان محرّماً كزمان حلول الروح فيه.

و يشهد له أيضاً موثقة سماعة عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال: «سألته عن السقط إذا استوت خلقته يجب عليه الغسل و اللحد و الكفن‌؟ قال: نعم، كلّ ذلك يجب عليه».(2)

**

(1) التنقيح 202:8.

(2) الوسائل 695:2، ب 12 من أبواب غسل الميّت، ح 1.

فإنّ الظاهر من السؤال و الجواب فيها أنّ أحكام الجنين بعد الاستواء هي أحكام الأحياء بعد عروض الموت من الغسل و اللحد و الكفن، و هذا يحكي عن كون الجنين له حرمة بعد مماته كحرمته حال حياته.

و إن لم تلج فيه الروح و لم تستو خلقته فبعد السقط لايصدق عليه الميّت من الإنسان حقيقة; لعدم و لوج الروح فيه و إن كان قبل السقط له روح حيوانيّة، فلايشمله قوله (عليه السلام): «حرمته ميّتاً كحرمته و هو حيّ‌».

و عليه، فالاستدلال به على حرمة التعرّض له بالتشريح و نحوه كما ترى.

و أيضاً لايدلّ على حرمة ذلك ما دلّ على حرمة إسقاط النطفة، كصحيحة رفاعة(1); لأنّ حرمة إسقاط النطفة أجنبية عن حرمة التعرّض لها بعد سقوطها و هلاكها.

نعم، تنظير الميّت المسلم بالجنين قبل و لوج الروح فيه في بعض الروايات - لثبوت الدية و مقدارها - مشعر بكونهما متماثلين في الأحكام. هذا، مضافاً إلى إطلاق عنوان «الميّت» عليه قبل و لوج الروح كقوله تعالى: (وَ كُنْتُمْ أَمْوٰاتاً فَأَحْيٰاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ‌) ،(2) فتأمّل.

و عليه، فلايجوز التعرّض للجنين بتشريحه و تقطيعه و غير ذلك.

ولكن مقتضى مفهوم موثّقة سماعة هو عدم جريان أحكام التجهيز عليه قبل الاستواء. و عليه، فلامانع من حفظه في القارورة و نحوها لولا الإجماع على الخلاف. فتأمّل.

المورد السابع: لو بلع احد مالاً لغيره... مع بقاء عينه فى بطنه و موته هل يجوز شق بطنه‌؟

إنّه لو بلع أحد مالاً لغيره فإن صار تالفاً ببلعه فلابحث، و أمّا مع بقاء عينه في

**

(1) الوسائل 582:2، ب 33 من أبواب الحيض، ح 1.

(2) البقرة: 28.

بطنه و موته فهل يجوز شقّ بطنه وردّه أو لابل يجب ردّ بدله إن أمكن‌؟

المحكيّ عن الشيخ (قدس سره) في الخلاف أنّه قال: ليس لنا نصّ فيه، و الأولى أن لايشقّ جوفه; لقوله (عليه السلام): «حرمة المسلم ميّتاً كحرمته حيّاً» و لايشق جوف الحيّ فكذا الميّت و المحكيّ عن الشافعي أنّه يشق و يردّ الى صاحبه; لما فيه من دفع الضرر عن المالك بردّ ماله إليه و عن الميّت بإبراء ذمّته و عن الورثة بحفظ التركة لهم. و رجّح ذلك في التذكرة حيث قال بعد نقل القولين: «و هو (أي قول الشافعي) الوجه عندي».(1)

و فيه: أنّ مجرّد كون ذلك موجباً لحفظ التركة للورثة أو لإبراء ذمّة الميّت حتى من العين - و هما إحسان إلى الميّت أو الورثة - لايصلح لتجويز التشقيق مع عموم حرمة المسلم ميّتاً كحرمته حيّاً; لأنّ غايته أنّ الإحسان إليهمامستحبّ‌، فلايرفع اليد به عن الحرمة الفعلية. و أمّا التمسّك بحديث نفي الضرر ففيه أوّلاً: أنّ الضرر المالي يزاحمه الضرر غير المالي، و هو هتك المسلم و تشقيق بدنه، فاللازم هو تقديم أقلّ الضررين إن كان، و إلاّ فإن لم يكن ترجيح بينهما فالتخيير، فيجوز التشقيق مع لزوم الدية عليه.

لايقال: إنّ البالع أقدم على الضرر، فلايشمله حديث نفي الضرر حتييتزاحم الضرران.

لأنّا نقول: إنّه أقدم على البلع لاعلى الضرر، فلاوجه لعدم الشمول. و ثانياً: إنّ بلعه في حكم الإتلاف فتشتغل ذمّته بمثله أو قيمته، فلايجوز تشقيق البدن تمسّكاً بحديث نفي الضرر مع إتلاف المال و اشتغال ذمّته بمثله أو قيمته، و أيضاً بعد كونه تالفاً لامجال للتمسّك بحديث «على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه»; لوجوب ردّ عين المال، بل يحكم بوجوب ردّ بدله، فالأقوى هو ما ذهب إليه الشيخ من عدم جواز التشقيق.

**

(1) التذكرة 57:1. ط - حجرية.

المورد الثامن: لو بلع مالاً لنفسه هل يجوز ان يشق بطنه بعد الموت‌؟

إنّه لو بلع مالاً لنفسه فهل يجوز أن يشقّ بطنه بعد الموت و يؤخذ هذا المال أم لا؟ و المحكي عن الشيخ (قدس سره) أنّه لم يشقّ و وجّهه في التذكرة بأنّه ماله استهلكه في حياته فلم يثبت للورثة فيه حقّ‌.(1)

و يشكل ذلك بمنع صدق التلف و الاستهلاك مع وجود العين في البدن، ولكن يمكن أن يقال: إنّ بلع شيء من الأموال و الجواهر مع حرمة تشقيق بدن المسلم بعد الموت كالإتلاف; إذ الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي، و العين و إن كانت موجودة لكنّها كالتالفة و لايتعلّق بها حقّ الورثة بعد الموت; لأنّ التركة لاتشمل التالفات. و التمسّك بحديث نفي الضرر لرفع حرمة التشقيق فرع تعلّق حقّ الورثة بالتالف فمع عدم تعلّق حقّهم به فلاموضوع للحديث، كما لايخفى.

نعم، لو صار الجسد متلاشياً بمرور الزمان وبرز المال فالظاهر أنّه من التركة; لأنّ الزائل العائد كالذي لم يزل عرفاً، ويرثه الورّاث الموجودون حال البروز، فتأمّل.

و ممّا ذكر يظهر حكم ما إذا اُجري عملية جراحيّة و استوجب ذلك وضع بعض الفلزات النفيسة في جوف بعض أعضائه ثمّ مات فإنّه بوضعه في البدن يصير تالفاً، فلايتعلّق به حقّ الورثة; لعدم صدق التركة عليه ما دام موجوداً في البدن الذي يحرم تشقيقه. و كيف كان، فالعجب من العلاّمة (قدس سره) حيث حكم هنا باستهلاك المال بالبلع و لم يحكم به في المسألة السابقة مع أنّه لافرق بينهما; فإن عدّ ذلك مستهلكاً بالبلع كان كذلك في كلا المسألتين و إلاّ فلايكون كذلك فيهما.

**

(1) التذكرة 57:1.

تنبيهات

التنبيه الأوّل: الظاهر أنّ لجسد الميت المسلم دية كدية جنين المسلم قبل ولوج الروح

لايخفى عليك أنّ الظاهر من كلمات الأصحاب أنّ لجسد الميّت المسلم دية، و هي كدية جنين المسلم قبل و لوج الروح فيه، قال في الجواهر: و في قطع رأس المسلم الميّت الحرّ مئة دينار على المشهور بين الأصحاب، بل عن الخلاف و الانتصار و الغنية الإجماع عليه، انتهى.(1)

و يدلّ على ثبوت الدية موثّقة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل قطع رأس الميّت، قال: «عليه الدية; لأنّ حرمته ميّتاً كحرمته و هو حي».(2)

و يدلّ على مقدارها خبر الحسين بن خالد الذي عبّر عنه صاحب الجواهر بالحسن و عمل به الأصحاب، روى محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن محمّد بن حفص عن الحسين بن خالد [عن أبي الحسن (عليه السلام)] قال: سئل أبو عبدالله (عليه السلام) عن رجل قطع رأس ميّت قال: «إن الله حرّم منه ميتاً كما حرّم منه حيّاً، فمن فعل بميّت فعلاً يكون في مثله اجتياح نفس الحي فعليه الدية، فسألت عن ذلك أبا الحسن (عليه السلام) فقال: صدق أبو عبدالله، هكذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قلت: فمن قطع رأس ميّت أو شقّ بطنه أو فعل به ما يكون فيه اجتياحنفس الحيّ فعليه دية النفس

**

(1) الجواهر 384:43.

(2) الوسائل 248:19، ب 24 من ديات الأعضاء، ح 4.

كاملة‌؟ فقال: لا. ولكن ديته دية الجنين في بطن اُمّه قبل أن تلج فيه الروح; و ذلك مئة دينار، و هي لورثته، ودية هذا هي له لاللورثة» الحديث.(1) و رواه البرقي في المحاسن عن أبيه عن إسماعيل بن مهران عن حسين بن خالد مثله.

و الظاهر من جامع الرواة أنّ المراد من حسين بن خالد هو الصيرفي،(2) و عليه فطريق المحاسن موثّق.

و رواه الشيخ أيضاً بإسناده عن عليّ بن إبراهيم نحوه.

و بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب عن محمّد بن الحسين عن محمّد بن أشيم عن الحسين بن خالد مثله.(3)

و كيف كان، فهذا الخبر يكفي بعد اعتبار بعض أسناده و عمل الأصحاب به لإثبات مقدار دية الميت، فانقدح أنّ دية الميّت دية الجنين قبل و لوج الروح فيه.

ثمّ إنّ تجويز التشريح في الموارد المستثناة لايوجب سقوط الدية إلاّ إذا كانت حياة المسلم متوقفة على ذلك، فلايبعد التمسّك حينئذ بإطلاق الأخبار - الواردة في تشقيق بطن الاُم و إخراج الولد - لعدم وجوب الدية، لأنّ تلك الأخبار كانت في مقام البيان و لم يذكر الدية فيها إذ السؤال فيها; عن الوظيفة، فلو تعلّق ذمّة الذي يشقّ بطن الاُمّ بالدية لذكره الإمام (عليه السلام)، فحيث اقتصر على غير الدية يستفاد منه أنّه لادية في ما إذا توقّف حفظ الحياة على ذلك بناءً على عدم خصوصية الاُمومة و الولدية، فافهم.

كما أنّه لادية إذا كان التقطيع أو الكسر و غيرهما في مصلحة الميّت، كما إذا وقع بين الأشياء أو تحتها بحيث لايمكن تخليصه للتجهيز إلاّ بالكسر أو الجرح أو القطع; لظهور موثقة عبدالله بن سنان و غيرها في أنّ علّة الدية هو هتك حرمة

**

(1) المصدر السابق: ح 2.

(2) جامع الرواة 238:1.

(3) الوسائل 248:19، ب 24 من ديات الأعضاء، ح 2.

الميّت، و حيث إنّ في مثل المورد الذي يكون ذلك في مصلحة الميّت نفسه لايصدق الهتك و الإهانة فلاوجه للدية; إذ المفروض أنّه لادليل على ثبوت الدية للميّت غير أمثال هذه الرواية ممّا تكون معلّلة بأنّ الدية لهتك الحرمة. و احتمال كونه من باب الحكمة معارض باحتمال كونه من باب العلّة و حيث كان هذان الاحتمالان في كلام واحد فلاينعقد اطلاق للحكم بالدية، فالأصل فيما إذا لم يكن هتك هو عدم الدية، و الله العالم.

و لادية أيضاً إذا أوصى الميّت بإعطاء جسده للتشريح مجّاناً بناءً على مشروعية تلك الوصية; فإنّه مع عدم صدق الهتك و الإهانة يكون ذلك مقتضى الوصية، و أمّا إذا كان التشريح من جهة تزاحم الأهمّ فلاإشكال في رفع الحكم التكليفي و هو الحرمة بالتزاحم، و أمّا الحكم الوضعي فلادليل على رفعه.

و دعوى الملازمة بين الحكم بالجواز و سقوط الدية غير ثابتة، مع إمكان اجتماع الجواز مع ثبوت الدية; كاجتماع جواز الارتكاب مع ثبوت الكفّارة في بعض محرّمات الإحرام.

بل مقتضى إطلاق أدلّة الدية هو ثبوتها و لو كان التشريح أو التقطيع جائزاً من جهة التزاحم.

نعم، لو أذن ولي أمر المسلمين بالتشريح من دون الدية لاقتضاء المصلحة الموجبة لذلك مع عدم إمكان أداء الدية من بيت المال فالدية ساقطة; لأنّ الولي يقوم مقام الإمام الأصل في أولوية التصرّف فيما إذا رأى المصلحة في ذلك، فتأمّل.

ثمّ إنّ مقتضى تنزيل الميّت منزلة الجنين في ثبوت الدية و مقدارها هو ثبوتها في الأعضاء و الجوارح أيضاً بحسب نسبتها إلى كلّ الدية على حسب ما قرّر في الحيّ‌، و لذلك قال المحقّق في الشرائع: «و في قطع جوارحه بحساب ديته و كذا في شجاجه و جراحه».

ثمّ إن مقتضى موثقة حسين بن خالد أنّ الوارث لايرث من الدية شيئاً، و إنّما

يصرف في وجوه القرب عنه، و يؤيّده مرسلة محمّد بن الصباح عن بعض أصحابنا عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال: «ليس لورثته فيها شيء، إنّما هذا شيء أتى إليه في بدنه بعد موته يحجّ بها عنه أو يتصدّق بها عنه أو تصير في سبيل من سبل الخير» الحديث.(1)

هذا، ولكن ذهب علم الهدى (قدس سره) إلى أنّ الدية تكون لبيت المال; لأنّها عقوبة جناية، و لاقاطع بوجوب الصرف في وجوه الخير عنه، و لأنّ إسحاق بن عمّار قال للصادق (عليه السلام): فمن يأخذ ديته‌؟ قال الإمام (عليه السلام): «هذا لله، و إن قطعت يمينه أو شيء من جوارحه فعليه الأرش للإمام».(2)

و أورد عليه في الجواهر بأنّ فيه ما لايخفى; فإنّ ما عرفت من النصّ و غيره كاف في القاطع، و خبر إسحاق يمكن أن يكون المراد منه أنّ الإمام و من نصبه يقبضها و يتصدّق بها عنه فإنّه الولي لمثل ذلك، كما أشار إليه المفيد قال: يقبضها إمام المسلمين أو من نصبه للحكم في الرعية و يتصدّق عن الميّت بها، كما هو واضح.(3)

ثمّ إنّه تختلف الأقوال في صرف الدية في أداء ديون الميّت، و لعلّ قوله (عليه السلام): «ودية هذا هي له لاللورثة» يشمل أداء الديون; حيث إنّ شموله يوجب تفريغ ذمّة الميّت، و يكون ذلك له و بنفعه، و لعلّ الحجّ و التصدّق مذكور من باب المثال.

و إليه يؤول ما في الجواهر من أنّ التحقيق قضاء الدين منها على كلّ حال; ضرورة بقاء خطاب الوضع في ديته و إن سقط عنه خطاب التكليف.(4)

التنبيه الثاني: لايجوز نظر الرجل الى المرأة و بالعكس فى موارد جواز التشريح

لايجوز نظر الرجل إلى المرأة و بالعكس في موارد جواز التشريح، و هكذا

**

(1) الوسائل 247:19، ب 24 من ديات الأعضاء، ح 1.

(2) المصدر السابق: ح 3.

(3) الجواهر 388:43.

(4) الجواهر 389:43.

لايجوز اللمس و المسّ من دون فرق بين المسلم و الكافر، و أيضاً لايجوز للمماثل كشف العورة; كلّ ذلك لإطلاق أدلّة حرمة النظر و اللمس و المسّ‌، فلايجوز رفع اليد عنه ما لم يزاحمه الضرورة و الاضطرار.

التنبيه الثالث: اللازم فى موارد جواز التشريح و نحوه الاكتفاء بالارفق فالارفق

إنّ اللازم في موارد جواز التشريح و نحوه هو الاكتفاء بالأرفق فالأرفق، فلايجوز الزائد على القدر الواجب كما صرّح بذلك الشهيد الثاني (قدس سره) في موردإخراج الولد الحيّ من بطن اُمّه الميّت و ذلك لأنّ الضرورة تتقدّر بقدرها، و بقي الباقي تحت عمومات المنع فإن تجاوز عنه عصى و كان ضامناً للدية من دون فرق بين الموارد المستثناة.

التنبيه الرابع: تجب خياطة مواضع التشريح

تجب خياطة مواضع التشريح على الأحوط; لموثّقة ابن أبي عمير حيث قال الصادق (عليه السلام) - في الجواب عن السؤال في المرأة تموت و يتحرّك الولد في بطنها أيشقّ بطنها و يخرج الولد؟: «نعم و يخاط بطنها».

اللّهمّ إلاّ أن يقال: «إنّ عدم ذكر ذلك في سائر الأخبار مع كونها في مقام البيان يشهد على عدم وجوب ذلك»، فتأمّل.

التنبيه الخامس: حكم العضو من اعضاء المسلم كحكم جسده الكامل

إنّ حكم العضو من أعضاء المسلم كحكم جسده الكامل، فكما لايجوز تشريح جسده الكامل كذلك لايجوز تشريح بعض أعضائه. و عليه، فلو وجد بعض الأعضاء في مقابر المسلمين ممّا يحكم بكونه من المسلم يترتّب عليه ما يترتّب على جسده الكامل. و دعوى انصراف قوله (عليه السلام): «إنّ حرمته ميّتاً كحرمته و هو حيّ‌»

عن الأعضاء، بلاوجه.

التنبيه السادس: تغسيل الميت واجب و مقدم على التشريح

إنّ تغسيل الميّت واجب و مقدّم على التشريح في موارد الجواز إلاّ إذا زاحمه حفظ حياة مسلم آخر فيجوز تأخيره، فإذا قدّم التغسيل لايجب إعادته بعد التشريح، نعم وجب تطهير البدن من النجاسة إن أمكن و تجهيزه و تكفينه، و لايجوز إلقاء بعض الأجزاء فضلاً عن الأعضاء في المزابل و نحوها; لعموم وجوب احترام المسلم، و عموم أدلّة الدفن و التكفين.

و يؤيّده ما ورد في لزوم دفن ما سقط من الميّت من الشعر و نحوه، كموثّقة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «لايمسّ من الميّت شعر و لاظفر، و إن سقط منه شيء فاجعله في كفنه».(1)

**

(1) الوسائل 694:2، ب 11 من غسل الميّت، ح 1.

المسألة الحادية عشر: في تصفية الوقف الذريّ (النسلي)

قال الشيخ الحلّي (قدس سره) من المؤسّف له أن يكون الوقف مثار جدل و نقاش في الأونة الأخيرة، فيتصدّي الكثير ممّن لم يهمّه أمر الدين الإسلامي الحنيف للمطالبة بإلغائه و تخويل السلطة بتصفية ما هو موجود منه و قائم بين الناس متذرّعين بحجج واهية لاأساس لها و لااعتبار.

و من ذلك مايصرّحون به من أنّ الوقف أصبح منشأ لوجود الخصومات بين الأسر و الجماعات أو أنّه إسقاط العين الموقوفة عن معرض الازدهار و الترقّي إذ لاتكون قابلة للإنتقال من ملك شخص لآخر و من ثمّ إجراء ما يقتضيه هذا من إدخال التحسينات على العين الموقوفة و ما إلى ذلك من الأعذار غافلين عن جهة دقيقة هي أنّ ما يدّعونه يعود بالنتيجة إلى سوء تصرّف المتولّين و الإهمال منهم بشؤون الوقف.

و كان الأحرى بهؤلاء أن يطالبوا بتشديد العقوبات و الضرب على أيدي العابثين بالوقف ليكون ذلك أجدر بهم كمسلمين ينظرون إلى الشريعة المقدّسة نظر اعتبار و تفهّم، فإنّ ديننا الإسلامي الحنيف لم يكن وليد تفكير سطحيّ عادي. بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى جماعة من البشر يوم لم يكن للحضارة مالها اليوم من الترقّي و الازدهار بل إنّها رسالة السماء إلى الأرض بعد ما شاءت الحكمة الإلهيّة أن تكون

هذه الرسالة خاتمة الرسالات الإلهيّة و آخر قانون يبقى ليتحدّى الزمن فينشر لهم كلّ يوم من الأسرار ما عجزت عن فهمه القرون السالفة فلاغرو أن كانت الرسالة الإسلاميّة المحمديّة (صلى الله عليه وآله) تكفّل للبشر حياة هانئة و سعادة أفضل إلى اليوم الذي يختار الله عزّوجلّ للبشريّة النهائيّة المحتومة.

و ما ساقنا لهذا الكلام إلاّ أن نبيّن لهؤلاء الذين طالبوا بإلغاء الوقف الذريّ بأنّ سوء التصرّف الذي يصدر من القائمين بشؤون الوقف لايكون منشأ لتصفية الوقف و تشويه حقيقته و لاإخفاء ما قصده المشرع الأعظم من وراء تشريعه من المنافع التي تعود إلى الصنف البشري; فحلال محمّد (صلى الله عليه وآله) حلال إلى يوم القيامة كما و أنّ حرام محمّد (صلى الله عليه وآله) حرام إلى يوم القيامة.(1)

و لقد أفاد و أجاد لأنّ الوقف بعد تماميّة إنشائه و حصول القبض و غيره من الشرائط لايجوز تغييره و تبديله في غير موارد الإستثناء كما يقتضيه عنوان الوقف لأنّ حقيقة الوقف هو تحبيس الأصل و تسبيل المنفعة أو الثمرة.

و دلّت عليه الأخبار من جملتها: «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها».(2)

و قوله (عليه السلام): «صدقة لاتباع و لاتوهب و لاتورث».(3)

فإنّ الظاهر منه إنّ عدم جواز البيع و النقل و الانتقال داخل في حقيقته. هذا مضافاً إلى صريح صحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يقف الضيعة ثم يبدو له أن يحدث في ذلك شيئاً، فقال إن كان وقفها لوُلده و لغيرهم ثمّ جعل لها قيّماً لم يكن له أن يرجع فيها، و إن كانوا صغاراً و قد شرط ولايتها لهم حتّى بلغوا فيحوزها لهم لم يكن له أن يرجع فيها، و إن كانوا كباراً و لم

**

(1) بحوث فقهية: 131-132.

(2) الكافي: 37/7.

(3) الكافى: 39/7.

يسلّمها إليهم و لم يخاصموا حتّى يحوزوها عنه فله أن يرجع فيها لأنّهم يحوزونها عنه و قد بلغوا.(1)

و عليه فالإستدلال بالمذكورات في مقابل هذه الأخبار اجتهاد في مقابل النصوص و لاوقع له. ربّما استدلّ في كتب أهل التسنّن لذلك بما أفتى به شريح القاضي من إبطال الوقف و هو كماترى، لأنّه لاعبرة بفتوى مثل شريح في قبال النصوص و الإجماع بل الاتّفاق فيما إذا حكم بالوقف حاكم شرعيّ بناء على اعتباره عند أبي حنيفة.

و أمّا ما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) من أنّه نهى عن الحبس فالجواب عنه واضح كما في بحوث فقهيّة، فإنّه على تقدير ثبوته لايضرّ بما نحن فيه من الوقف إذ الحبس شيء و الوقف شيء آخر و لكلّ أحكامه الخاصّة; و لم يعلم إرادة الوقف من نهي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمجرّد نهيه عن الحبس كما في بحوث فقهيّة.(2) و عليه فتصفية الوقف الذري بدعة ممنوعة عند جميع المذاهب كما لايخفى.

و أمّا موارد الاستثناء فهي ليست من باب التصفية المذكورة بل تدلّ عليه الروايات الشرعيّة بالخصوص، فلاتغفل.

**

(1) الوسائل: الباب 4 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات: ح 4.

(2) بحوث فقهيّة: 137.

المسألة الثانية عشر التصوير

اشارة

لايخفى أنّ الصور إمّا مجسّمات و إمّا غير مجسّمات، و كلاهما إمّا ذوات أرواح و إمّا غير ذوات أرواح.

و لاإشكال في جواز تصوير غير ذوات الأرواح، سواء كان مع التجسيم أو بدونه، كما تدلّ عليه صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لابأس بتماثيل الشجر»،(1) و غير ذلك من الأخبار، مضافاً إلى السيرة القطعيّة المستمرة إلى زمان المعصوم (عليه السلام) على تصوير الأشجار و الفواكه و الجبال و الشطوط و الحدائق و غيرها من دون إنكار عليه.

إنّما الكلام في تصوير ذوات الأرواح و يقع البحث عنها في مقامات:

**

(1) جامع أحاديث الشيعة 223:17، باب تحريم تصوير تماثيل ذوات الأرواح، ح 14.

المقام الأوّل في حرمة عمل الصور المجسَّمة

اشارة

صرّح صاحب الجواهر و الشيخ الأعظم (قدّس سرّهما) بعدم الخلاف فتوى و نصّاً في حرمة عملها، و قال في الجواهر: «بل الإجماع بقسميه عليه، بل المنقول منه مستفيض كالنصوص».(1)

و يمكن الاستدلال عليها بعدّة طوائف من الأخبار:

الطائفة الاُولى: الروايات الدالّة على أنّ المصوّر مكلّف يوم القيامه بنفخ الروح

الروايات الدالّة على أنّ المصوّر مكلّف يوم القيامة بنفخ الروح فيه:

منها: ما رواه في الكافي، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «من مثّل تمثالاً كُلّف يوم القيامة أن ينفخ فيه الروح».(2)

ومنها: ما رواه الصدوق في ثواب الأعمال، عن محمّد بن الحسن (رضي الله عنه)، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن الحسن الميثمي، عن هشام بن أحمر و عبدالله بن مسكان، عن محمّد بن مروان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال:

**

(1) جواهر الكلام 41:22.

(2) الكافي 527:6، باب تزويق البيوت، ح 4.

سمعته يقول: «ثلاثة يعذّبون يوم القيامة: من صوّر صورة من الحيوان يعذّب حتى ينفخ فيها...».(1)

و الطريق إلى محمّد بن مروان موثّق، ولكن لاتوثيق لمحمّد بن مروان، إلاّ أنّ رواية الأجلاّء عنه - كالحلبي و أبان و عبدالله بن مسكان و أبي أيّوب و غيرهم - كافية في الوثاقة.

ومنها: ما رواه الكليني في الكافي، عن أبي عبدالله (عليه السلام): «ثلاثة معذّبون يوم القيامة: رجل كذب في رؤياه يكلّف أن يعقد بين شعيرتين، وليس بعاقد بينهما، و رجل صوّر تماثيل يكلّف أن ينفخ فيها، و ليس بنافخ...».(2)

ومنها: ما رواه في الفقيه و الأمالي; من أنّه نهى النبيّ (صلى الله عليه وآله) عن التصاوير و قال: «من صوّر صورة كلّفه الله يوم القيامة أن ينفخ فيها، و ليس بنافخ».(3)

ومنها: ما رواه في المحاسن، عن سعد بن ظريف، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إنّ الذين يؤذون الله و رسوله هم المصوّرون، يكلّفون يوم القيامة أن ينفخوا فيها الروح».(4)

يدلّ هذا الخبر على عِظم حرمة التجسيم; لكونه موجباً لإيذاءالله و رسوله (صلى الله عليه وآله).

وبالجملة: فالظاهر من مجموع أخبار هذه الطائفة هو حرمة عمل المجسّمات لذوات الأرواح، و لاضير في ضعف بعضها بعد اعتبار البعض الآخر، هذا مضافاً إلى استفاضتها.

**

(1) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: 223، عقاب من صوّر صورة، ط - منشورات الشريف الرضي.

(2) الكافي 528:6، باب تزويق البيوت، ح 10.

(3) من لايحضره الفقيه 5:4، باب مناهي النبيّ‌، ح 4968. ط - مؤسّسة جماعة المدرّسين.

(4) المحاسن 455:2، باب تزويق البيوت، ح 43.

الطائفة الثانية: الروايات الناهية عن التماثيل و التصاوير

اشارة

الروايات الناهية عن التماثيل و التصاوير:

منها: صحيحة أبي العبّاس البقباق المرويّة بطرق متعدّدة، من جملتها ما في الكافي، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد و عبدالله ابني محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن أبي العبّاس، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله عزّو جلّ‌: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ‌)؟ فقال: «و الله ما هي تماثيل الرجال و النساء، ولكنّها تماثيل الشجر و شبهه».(1)

بدعوى: أنّ الظاهر من الرواية أنّ حرمة تماثيل ذوات الأرواح مفروغ منها لدى السائل و المسؤول، و لذا حلف الإمام (عليه السلام) لتنزيه ساحة سليمان النبيّ‌، على نبيّنا و آله و عليه أالسلام.

و أورد سيّدنا الإمام (قدس سره) على هذه الدعوى بقوله: «إنّ إنكار أبي عبدالله (عليه السلام) لايدلّ على كونها محرّمة على سليمان النبيّ (عليه السلام)، بل لعلّها كانت مكروهة عليه كراهة شديدة لايليق ارتكابها بمثل النبيّ‌، فالتمسّك بها لإثبات المطلوب ضعيف جدّاً».(2)

ولكنّه محلّ نظر; لأنّ وقوع المكروهات لبيان جواز الأشياء غير عزيز، و لايوجب السؤال، و لايحتاج في دفع احتماله إلى القَسم، نعم لاإطلاق له; فإنّه ليس في مقام البيان، فتأمّل.

ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن تماثيل الشجر و القمر، فقال: «لابأس ما لم يكن شيئاً من الحيوان».(3)

و اُورد عليه: بأنّ السؤال هو عن التماثيل الموجودة; فإنّه منصرف إليها، و

**

(1) الكافي 527:6، باب تزويق البيوت، ح 7. والآية من سورة سبأ: 13.

(2) المكاسب المحرّمة 266:1. طمؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني (قدس سره).

(3) جامع أحاديث الشيعة 223:17، باب تحريم تصوير تماثيل ذوات الأرواح، ح 15.

يؤيّده المروي عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام) أنّه سأل أباه عن التماثيل، فقال: «لايصحّ أن يلعب بها»(1); فإنّ إطلاق السؤال - كما يظهر من الجواب - حمل على التماثيل الموجودة فأجاب عن عدم صلاحية اللعب بها، و عليه فالسؤال عن حكم الأفعال المناسبة للتماثيل الموجودة; من اللعب و الاقتناء و البيع و الشراء، فالرواية أجنبيّة عن المقام من تجسيم ذوات الأرواح و إيجادها. هذا مضافاً إلى أنّ استعمال «لابأس» في نفي المرجوحيّة و الكراهة شائع، فثبوت البأس في إيجاد صور ذوات الأرواح لايفيد الحرمة.

و يمكن أن يقال: إنّ شيوع استعمال «لابأس» في نفي المرجوحيّة محلّ منع; لأنّ ظاهر البأس هو العقوبة، فنفيه نفي العقوبة لانفي الكراهة و المرجوحيّة، و مجرّد الاستعمال في بعض الأحيان لاينافي الظهور المذكور، و عليه فثبوت البأس يفيد العقوبة.

هذا، مضافاً إلى أنّ اكتفاء السائل بالجواب في المروي عن عليّ بن جعفر قرينة على أنّ سؤاله عن خصوص اللعب بالتماثيل لامطلقاً، و ليس هذا شاهداً على أنّه في كلّ مورد كذلك، بل ورد في بعض الأخبار النهي عن التصاوير و كان المقصود منه النهي عن الإيجاد، فتأمّل.

ومنها: خبر أبي بصير المروي في المحاسن، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أتاني جبرئيل فقال: يامحمّد، إنّ ربّك ينهى عن التماثيل».(2)

و لعلّه يشمل النهي عن إيجاد التصاوير، و يؤيّده ما رواه في الفقيه من أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) نهى عن التصاوير، و قال: «من صوّر صورة كلّفه الله...».(3)

ومنها: خبر أبي بصير المروي في الكافي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «قال

**

(1) المصدر السابق: 224، ح 16.

(2) المحاسن 453:2، باب تزويق البيوت، ح 36.

(3) من لايحضره الفقيه 5:4، مناهي النبيّ 6، ح 4968.

رسول الله (صلى الله عليه وآله): أتاني جبرئيل و قال: يا محمّد، إنّ ربّك يقرئك السلام و ينهى عن تزويق البيوت. قال أبوبصير: فقلت: ما تزويق البيوت‌؟ فقال: تصاوير التماثيل».(1)

بناءً على أنّ المراد من متعلّق النهي هو المعنى المصدري للتصوير; لااتّخاذ الصور و اقتناؤها في البيوت; وإلاّ فلاحاجة إلى إضافة التصاوير إلى التماثيل، هذا مضافاً إلى أنّ السائل سأل عن التزويق، و هو معنى مصدري، فمناسبة الجواب للسؤال تقتضي أن يكون المراد من التصاوير معناه المصدري، ولكنّه ضعيف السند.

ومنها: خبر تحف العقول: «و صنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مُثُل الروحاني... فحلال فعله و تعليمه».(2)

ومنها: خبر الخصال في حديث الأربعمئة: حدّثنا أبي (رضي الله عنه) قال: حدّثنا سعد ابن عبدالله قال: حدّثني محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد، عن أبي بصير و محمّد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: حدّثني أبي عن جدّي عن آبائه (عليهم السلام) أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) علّم أصحابه في مجلس واحد أربعمئة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه... إيّاكم و عمل الصور فتُسألوا عنها يوم القيامة».(3)

و الأقوى أنّ اليقطيني موثّق; لعدم التفات النجاشي إلى ما ورد في قدحه، و قال: رأيت أصحابنا ينكرون هذا القول و يقولون: من مثل أبي جعفر العبيدي اليقطيني! و لقول فضل بن شاذان: ليس في أقران اليقطيني مثله، و كان الفضل يحبّه و يثني عليه و يمدحه، و لرواية الأجلاّء عنه.(4)

و هكذا لاوقع لتضعيف ابن الغضائري للقاسم بن يحيى، كما أفاد الوحيد

**

(1) الكافي 526:6، باب تزويق البيوت، ح 1.

(2) جامع أحاديث الشيعة 149:17، باب وجوب الاجتناب عن الحرام، ح 15.

(3) الخصال 610:2 و 635.

(4) انظر جامع الرواة 171:2.

البهبهاني; لعدم اعتبار تضعيفاته، خصوصاً مع عدم تضعيف المشايخ إيّاه، و رواية الأجلاّء عنه، سيّما مثل أحمد بن محمّد بن عيسى، و عليه فالرواية معتبرة.

ومنها: خبر عبدالله بن طلحة - المروي في إكمال الدين - عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال: «من أكل السحت سبعة - إلى أن قال: - و الذين يصوّرون التماثيل».(1)

ومنها: خبر الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «من جدّد قبراً أو مثّل مثالاً فقد خرج من الإسلام».(2)

و لاتبعد دعوى تمامية دلالة غالبها على حرمة عمل المجسّمات مع صحّة بعض أسنادها، مضافاً إلى تعدّدها.

إشكال:

أشكل سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره) على هذه الدعوى بقوله:

«إنّ ظاهر طائفة من الأخبار بمناسبة الحكم والموضوع أنّ المراد بالتماثيل والصور فيها هي تماثيل الأصنام التي كانت مورد العبادة، كقوله: «من جدّد قبراً أو مثّل مثالاً فقد خرج عن الإسلام»، و قوله: «من صوّر التماثيل فقد ضادّ الله» - إلى أن قال: - و قوله: «أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتل نبيّاً أو قتله نبي، و رجل يضلّ الناس بغير علم، أو مصوّر يصوّر التماثيل» و قوله: «إنّ من أشدّ الناس عذاباً عند الله يوم القيامة المصوّرون»، و أمثالها.

فإنّ تلك التوعيدات و التشديدات لاتناسب مطلق عمل المجسّمة أو تنقيش الصور; ضرورة أنّ عملها لايكون أعظم من قتل النفس المحترمة أو الزنا أو اللواطة

**

(1) جامع أحاديث الشيعة 223:17، باب تحريم تصوير التماثيل، ح 12.

(2) الوسائل 562:3، ب 3، أحكام المساكن، ح 10.

أو شرب الخمر و غيرها من الكبائر.

و الظاهر أنّ المراد منها تصوير التماثيل التي هم لها عاكفون، مع احتمال آخر في الأخيرة، و هو أنّ المراد ب‍ - «المصوّرون» القائلون بالصورة و التخطيط في الله تعالى، كما هو مذهب معروف في ذلك العصر.

و المظنون الموافق للاعتبار و طباع الناس أنّ جمعاً من الأعراب بعد هدم أساس كفرهم و كسر أصنامهم بيد رسول الله (صلى الله عليه وآله) و أمره كانت علقتهم بتلك الصور و التماثيل باقية في سرّ قلوبهم، فصنعوا أمثالها حفظاً لآثار أسلافهم و حبّاً لبقائها... فنهى النبي (صلى الله عليه وآله) عنه بتلك التشديدات و التوعيدات التي لاتناسب إلاّ الكفّار و من يتلو تلوهم; قمعاً لأساس الكفر و مادة الزندقة، و دفعاً عن حوزة التوحيد. و عليه تكون تلك الر وايات ظاهرة أو منصرفة إلى ما ذكر.

و عليه تحمل رواية ابن القداح عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هدم القبور و كسر الصور»، و رواية السكوني عنه قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة فقال: لاتدع صورة إلاّ محوتها، و لاقبراً إلاّ سوّيته، و لاكلباً إلاّ قتلته».

فإنّ بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين لذلك دليل على اهتمامه به. و الظاهر أنّ الصور كانت صور الهياكل و الأصنام و من بقايا آثار الكفر و الجاهلية.

و لايبعد أن يكون الكلب في الرواية الثانية بكسر اللام; و هو الذي عرضه داء الكلب، و هو داء شبه الجنون يعرضه، فإذا عقر إنساناً عرضه ذلك الداء.

إلى أن قال: و لعلّ أمره بهدم القبور لأجل تعظيم الناس إيّاها بنحو العبادة للأصنام، و كانوا يسجدون عليها، كما يشعر به بعض الروايات الناهية عن اتّخاذ قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله) قبلة و مسجداً:

فعن الصدوق قال: قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): «لاتتّخذوا قبري قبلة و لامسجداً; فإنّ الله عزّ و جلّ لعن اليهود حيث اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

و يشهد له بُعد بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين لهدم القبور و كسر الصور لكراهة بقائهما، و سيأتي جواز اقتناء الصور المجسّمات.

و أمّا على ما ذكرناه يكون الحكم على وجه الإلزام، كما يساعده الاعتبار.

و تؤيّد ما ذكرناه صحيحة عبدالله بن المغيرة، قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: «قال قائل لأبي جعفر (عليه السلام): يجلس الرجل على بساط فيه تماثيل‌؟ فقال: الأعاجم تعظّمه، و إنّا لََنمْتَهِنُه»; أي نحتقره.

و ما عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: «دخل قوم على أبي جعفر (عليه السلام) و هو على بساط فيه تماثيل، فسألوه، فقال: أردت أن اُهينه».

و في رواية: «قال جبرئيل: إنّا لاندخل بيتاً فيه تمثال لايوطأ».

فإنّ الظاهر أنّ التحقير و الإهانة بالصور في مقابل تعظيم الأعاجم; لأنّهم كانوا يعبدون أصناماً و تماثيل، و كانوا يعتقدون أنّها مثال أرباب الأنواع التي يعتقدون أنّها و سائل إلى الله تعالى.

و بالجملة، لاتستفاد من تلك الروايات حرمة مطلق المجسّمات فضلاً عن غيرها، بل هي مربوطة - ظاهراً - بعمل الأصنام و حفظ آثار الجاهلية و حفظ عظمتها الموهومة، و لايبعد القول بحرمتها مطلقاً و حرمة اقتنائها لذلك و وجوب محوها».(1)

الجواب:
اشارة

يمكن أن يقال:

اوّلاً: لاوجه لاستبعاد العذاب الشديد لمثل التصوير و التماثيل

أوّلاً: إنّه لاوجه لاستبعاد العذاب الشديد لمثل التصوير و التماثيل; فإنّ جعل العذاب الشديد لبعض المعاصي غير عزيز، كما روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): «من أكل الربا

**

(1) المكاسب المحرّمة 257:1.

أملأ الله بطنه من نار جهنّم بقدر ما أكل»،(1) و عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «من يغضب غضبة عمّمه الله عزّوجلّ بعمامة من نار».(2)

و المراد من عنوان الخروج عن الإسلام هو الخروج الحكمي لاالخروج الحقيقي; كقوله (صلى الله عليه وآله): «من أصبح لايهتمّ باُمور المسلمين فليس بمسلم»،(3) و قوله (صلى الله عليه وآله): «مَن يغضب أو يُغضب له فقد خلع ربق الإسلام (الإيمان) من عنقه»،(4) و قوله (صلى الله عليه وآله): «و من خان أمانته في الدنيا و لم يردّها على أربابها مات على غير دين الإسلام».(5) فالخروج عن الإسلام بالتصوير حكمي لاحقيقي; و إلاّ فمن المعلوم أنّ صنع الصنم لايوجب الكفر و الخروج عن الإسلام حقيقة، فضلاً عن عمل المجسّمات، فدعوى عدم المناسبة لتلك التشديدات لعمل المجسّمات كما ترى.

ثانياً: انّ دعوى ظهور أخبار المطلقة في الأصنام أو انصرافها اليها لاشاهد لها

وثانياً: انّ دعوى ظهور الأخبار المطلقة المذكورة في الأصنام أو انصرافها إليها لاشاهد لها، و استبعاد تلك التشديدات - مع ما فيه - لايوجب ذلك، لاسيّما مع احتمال أن تكون المعصية معصية كبيرة تليق بهذه التشديدات كما تشير إليه روايات النفخ، فلاوجه لرفع اليد عن إطلاق النهي عن التماثيل و التصاوير، نعم لو كثر استعمالهما في الأصنام لصحّ دعوى الانصراف، ولكنّه ليس كذلك.

و كون جمع من عبدة الأصنام في صدد حفظ آثار أسلافهم، لايوجب حمل الإطلاق في الأخبار المذكورة عليه.

كما أنّ ورود روايات تدلّ على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) بعث عليّاً (عليه السلام) لكسر الصور و

**

(1) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: 285، عقاب مجمع عقوبات الأعمال.

(2) المصدر السابق: 271، عقاب مَن يغضب.

(3) الوسائل 562:3، ب 3، أحكام المساكن، ح 7 و 8.

(4) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: 270، عقاب مَن يغضب.

(5) المصدر السابق: 285، عقاب مجمع عقوبات الأعمال.

محوها(1) لاينافي إطلاق هذه الروايات، سواء قلنا بأنّ الصور المأمور بكسرها هي الأصنام أو مطلق المجسّمات.

ثالثاً: انّ حكمة تشريع حرمة عمل الصور هى التشبّه بالخالق

وثالثاً: كما في المواهب -: «إنّ التعبير في الروايات بأنّ المصوّر يكلّف يوم القيامة بالنفخ في الصورة و ليس بنافخ يستفاد منه أنّ حكمة التشريع هي التشبّه بالخالق تعالى، لاترويج الكفر و الشرك الذي هو العلّة للتحريم في الطائفة الأخيرة (أي الأخبار الدالّة على كسر الصور)، و لو كانت الروايات (المطلقة) ناظرة إلى المعنى المستفاد من الطائفة الأخيرة لكان المناسب أن يعبّر فيها بأنّ المصوّر يكلّف يوم القيامة بالاستشفاع من الصور، و لاينفعونه، حيث كان المشركون يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله».(2)

و يحتمل أن يكون المقصود من قوله (عليه السلام): «من صوّر التماثيل فقد ضادّ الله» هو ذلك.

و كيف كان، فحكمة الحكم لاتنحصر في المنع عن عبادة الأصنام، و مع عدم انحصار الحكمة في المنع عن عبادة الأصنام لاوجه لحمل المطلقات على خصوص عمل الأصنام.

رابعاً: انّ التحقير و الإهانة لايدّلان على انّ تلك التماثيل

ورابعاً: انّ التحقير و الإهانة في مقابل تعظيم الأعاجم للتماثيل المرسومة على الوسادة و البساط لايدلاّن على أنّ تلك التماثيل هي الأصنام التي كان يعبدها الأعاجم، بل لعلّها مطلق التماثيل و أراد الإمام (عليه السلام) مخالفة العادة الجاهلية; من تعظيم التماثيل و نصبها، و نقشها على السقوف و الجدران.

هذا، مضافاً إلى أنّها لو كانت تماثيل الأصنام لَمحوها كما اُمر علي (عليه السلام) بمحوها و كسرها، و لَما أبقوها.

**

(1) الوسائل 562:3، ب 3، أحكام المساكن، ح 7 و 8.

(2) المواهب في تحرير أحكام المكاسب: 341.

خامساً: انّه لو سلّمنا انصراف هذه الطائفة إلى عمل الأصنام فلاوجه لرفع اليد عن الطائفة الاولى

وخامساً: انّه لو سلّم انصراف هذه الطائفة إلى عمل الأصنام فلاوجه لرفع اليد عن الطائفة الاُولى الدالّة على حرمة عمل صور ذوات الأرواح.

و الظاهر من كلام سيّدنا الإمام (قدس سره) هو أنّه قائل بحرمة عمل مطلق المجسّمات; حيث خصّص الإشكال المذكور بظاهر هذه الطائفة من الأخبار، بل صرّح بحرمة عمل مطلق المجسّمات من ذوات الأرواح، حيث قال: «و الأقوى هو الأخير، و هو المتيقّن من معقد الإجماع المحكي»(1); و هو أنّ المحرّم عمل ذوات الأرواح المجسّمات، و صرّح في ذيل أخبار تكليف المصوّر بالنفخ بأنّ‌: «الظاهر من تلك الطائفة هو حرمة عمل المجسّمة من ذي الروح لاغيره»،(2) و صرّح في آخر عبارته بقوله: «و المتيقّن هو حرمة المجسّمات المدّعى عليها الإجماع».(3) فإسناد الحلّيّة إلى الإمام المجاهد (قدس سره) خال عن إمعان النظر في كلامه.

الطائفة الثالثة: الروايات الدالّة على انّ الائمة عليهم السلام كرهوا الصور

الروايات الدالّة على أنّ الأئمّة (عليهم السلام) كرهوا الصور:

منها: ما رواه في التهذيب، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جرّاح المدائني، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «لاتبنوا على القبور و لاتصوّروا سقوف البيوت فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كره ذلك».(4)

و لايخفى أنّ القاسم بن سليمان و جرّاح المدائني لاتوثيق لهما، عدا أنّهما مذكوران في أسناد كامل الزيارات.

ثمّ إنّ تعليل النهي بكراهة رسول الله (صلى الله عليه وآله) مردّد بين تقوية النهي - بأن يكون

**

(1) المكاسب المحرّمة 255:1.

(2) المصدر السابق: 262.

(3) المصدر السابق: 268.

(4) تهذيب الأحكام 461:1، باب تلقين المحتضرين، ح 150.

المقصود بيان الحرمة و أنّه ممّا حرّمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) و بين تضعيف النهي; بأن يكون المقصود أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) جعله مكروهاً، و عليه فلايدلّ على الحرمة.

ومنها: ما رواه في الكافي، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن المثنّى، عن أبي عبدالله (عليه السلام): «إنّ عليّاً (عليه السلام) كره الصور في البيوت».(1) و الطريق موثّق; لنقل ابن أبي عمير و البزنطي عن المثنى.

و غير ذلك من الأخبار.

ولكنّها لاتدلّ على الحرمة; لأنّ «كره» أعمّ من الحرمة. هذا مضافاً إلى تسليم أنّ كراهة الصور تشمل إيجادها، و لاتختصّ بالاقتناء، على أنّ النهي و الكراهة متقيّدان بالسقوف أو البيوت، اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّه لاخصوصيّة له.

ولكن إلغاء الخصوصيّة ينافي الروايات الدالّة على تحقير التماثيل و الصور بالجلوس عليها، خلافاً لما يفعله الأعاجم من نقشها و نصبها على السقوف و الجدران.

و كيف كان، فلادلالة لهذه الطائفة على حرمة عمل المجسّمات، ولكن الطائفتين المذكورتين قبلها تكفيان لإثبات حرمة عمل المجسّمات من ذوات الأرواح، و الطائفة الاُولى منهما ظاهرة في ذوات الأرواح; بقرينة تكليفهم يوم القيامة بأن ينفخوا فيها الروح، و إطلاق بعض روايات الطائفة الثانية من جهة ذوات الأرواح و غيرها يقيَّد ببعضها الآخر، كصحيحة أبي العبّاس - الوارد فيها قوله (عليه السلام): «ولكنّها تماثيل الشجر وشبهه» - و خبر التحف; فإنّ المستفاد منهما أنّ تصوير صور غير ذوات الأرواح لامانع منه.

و عليه، فلاينبغي الإشكال في تحريم عمل المجسّمات من ذوات الأرواح، كما لامجال للإشكال في جواز عمل المجسّمات من غير ذوات الأرواح.

**

(1) الكافي 527:6، باب تزويق البيوت، ح 5.

المقام الثاني في حكم رسم ذوات الأرواح من دون تجسيم

اشارة

وقد أفتى جماعة بحرمة ذلك، واستدلّوا بروايات:

منها: ما رواه الصدوق بإسناده عن شعيب بن واقد، عن الحسين بن زيد، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عليهم السلام) في حديث المناهي قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ينقش شيء من الحيوان على الخاتم».(1)

أورد عليه بضعف السند واختصاصه بالنقش على الخاتم ودعوى رفع الضعف باستناد الفقهاء إليه مع عدم إحراز ذلك كما ترى، وهكذا دعوى استفاضة الرواية مع أنّه ليس لها طرق متعدّدة، غير مسموعة.

ومنها: الأخبار الدالّة على أنّ مَن صوّر صورة كلّفه الله يوم القيامة أن ينفخ فيها وليس بنافخ.

بدعوى أنّ النفخ يمكن تصوّره في الرسم بملاحظة محلّه، بل بدونها; كما في أمر الإمام (عليه السلام) الأسد المرسوم على البساط بأخذ الساحر في مجلس الخليفة، أو بملاحظة لون الرسم الذي هو في الحقيقة أجزاء لطيفة من الصبغ.

وفيه: - كما في تعليقة الميرزا الشيرازي (قدس سره): - أنّه ليس مراد القائل عدم إمكان تحقّق فعل النفخ في غير الجسم حتى يجاب بما ذكر، بل المراد - كما لعلّه

**

(1) من لايحضره الفقيه 10:4، مناهي النبيّ‌، ح 4968.

الظاهر من عبارة الجواهر - أنّ الظاهر أن يكون المنفوخ فيه ممّا يصير حيواناً من الحيوانات المتعارفة بمجرّد نفخ الروح فيه، و لاريب أنّ اللون لو فرض النفخ فيه و صيرورته بذاك ذا حياة لايصير بذلك من الحيوانات المتعارفة; إذ ليس شيء من الحيوانات على هذا النحو، و إرادة الأمر بجعله حيواناً من الحيوانات المتعارفة بالنفخ خلاف الظاهر; إذ الظاهر إرادة مجرّد نفخ الروح لاجعل تجسّم زائد فيه لو فرض تجسّمه في الجملة - إلى أن قال: - و لاأقلّ من كونه موجباً للشكّ في إرادة الإطلاق منها،(1) انتهى.

ثمّ إنّ الإيراد على هذه الأخبار بضعف السند لاوقع له بعد ما عرفت من اعتبار بعضها; كموثّقة ابن أبي عمير و محمّد بن مروان، و استفاضة مجموعها.

و بالجملة، فشمول تلك الأخبار لمجرّد رسم ذوات الأرواح غير ثابت، و لاأقلّ من الشكّ‌، فلايجوز التمسّك بها; لأنّه تمسّك بالعامّ في الشبهات الموضوعيّة.

لايقال: إنّ مقتضى اختصاص الأخبار المذكورة بما إذا كانت الحاجة إلى النفخ فقط هو عدم حرمة عمل المجسّمات أيضاً; لأنّها بحسب الأجزاء الداخلية كالقلب و الكلى و الأمعاء ناقصة.

لأنّا نقول: إنّ المقصود أنّ صيرورة المجسّمات التي ليس لها أجزاء داخلية ذوات حياة بمجرّد النفخ لايوجب خروجها عن الحيوانات المتعارفة، و هذا بخلاف صيرورة الرسم ذا حياة، كما لايخفى.

ومنها: الأخبار الناهية عن الصور و التماثيل:

كقوله (عليه السلام) في موثّقة أبي بصير: «... وينهى عن تزويق البيوت، قلت: و ما تزويق البيوت‌؟ فقال: تصاوير التماثيل»،(2) بناءً على ما مرّ من أنّ الظاهر من

**

(1) حاشية المكاسب (للميرزا محمّدتقي الشيرازي): 64، ط - حجري.

(2) الوسائل 560:3، ب 2، أحكام المساكن، ح 1.

التصاوير هو معناها المصدري، فيدلّ على النهي عن تصوير التماثيل، وهو يشمل تصوير ذوات الأرواح مع عدم التجسيم أيضاً.

و أورد عليه الميرزا الشيرازي (قدس سره): بأنّ الظاهر اعتبار التجريد في تصاوير التماثيل; يعني جعل التماثيل، و في شموله لما عدا المجسّمة تردّد، مضافاً إلى عدم سلامة السند،(1) فتأمّل.

وكقوله (عليه السلام) في خبر تحف العقول: «و صنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثل الروحاني... فحلال تعلّمه و تعليمه».(2)

المثل - بضمّتين - جمع المثيل، كالقتيل، و هو الشبيه و النظير.

وفيه: - مضافاً إلى ضعف السند، و إلى أنّه كما أفاد سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره) في مقام بيان الصنوف المحلّلة لاالمحرّمة، فلاإطلاق في عقد المستثنى يشمل المجسّمات و غيرها،(3) انتهى، و إلى ظهور الصنعة في التجسيم لافي الرسم -: أنّه لايشمل مطلق ذوات الأرواح كالحشرات، و الطيور و البهائم، كما أفاد فيجامع المدارك.(4)

وكصحيحة أبي العبّاس البقباق الدالّة على مفروغية حرمة تماثيل الرجال و النساء.(5)

وفيه: أنّ مورد السؤال هو عمل التماثيل، و شمول العمل للرسم محلّ تأمّل، هذا مضافاً إلى أنّه قضية شخصية، فلاإطلاق لها.

**

(1) حاشية المكاسب: 64.

(2) تحف العقول: 249، معايش العباد.

(3) المكاسب المحرّمة 264:1.

(4) انظر جامع المدارك 14:3.

(5) الوسائل 561:3، ب 3، أحكام المساكن، ح 4.

وكمعتبرة الخصال: «و إيّاكم و عمل الصور فتُسألوا عنها يوم القيامة».(1)

وفيه أيضاً ما أوردناه على السابقة.

و لعلّه لذلك أفاد سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره) بأنّه: «لايبعد ظهور قوله: عمل الصور في عمل المجسّمة، و انصرافه عن ترسيمها و نقشها».(2)

وكقوله في صحيحة محمّد بن مسلم: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن تماثيل الشجر و الشمس و القمر؟ قال: «لابأس، ما لم يكن شيئاً من الحيوان».(3)

قال الشيخ الأعظم (قدس سره): هي أظهر من الكلّ‌; فإنّ ذكر الشمس و القمر قرينة على إرادة مجرّد النقش.(4)

و اُورد عليه: بأنّه لادلالة لها على عدم جواز التصوير بمعناه المصدري; حيث إنّ من المحتمل رجوع السؤال فيها إلى اقتناء الصور أو اللعب بها بعد فرض وجودها، فلايدلّ الخبر على حكم إيجادها.

و الأولى أن يقال: إنّ السؤال غير مخصوص بالعمل بل يشمل الاقتناء أيضاً، فلاوجه لتخصيصه بالعمل أو بالاقتناء، فتأمّل.

كما أنّ اختصاصه بمجرّد الرسم لاوجه له مع إمكان تجسيمها، خصوصاً في مثل الشجر و غيره، فمقتضى إطلاق السؤال و ترك الاستفصال هو تعميم السؤال و الجواب.

ولكن أورد عليه المحقّق الإيرواني بأنّ‌: «مقتضى الصحيحة عدم البأس بالتمثال ما لم يكن تمثال حيوان، و هذه قضيّة مهملة بالنسبة إلى تمثال الحيوان

**

(1) الخصال: 635.

(2) المكاسب المحرّمة 267:1.

(3) الوسائل 563:3، ب 3، أحكام المساكن، ح 17.

(4) انظر المكاسب 185:1. ط - تراث الشيخ الأعظم.

لاتقتضي عموم البأس لتمام أفراد تمثال الحيوان».(1)

و يشهد له أنّ السائل في مقام السؤال عن تماثيل غير ذوات الأرواح، كما يدلّ عليه اختصاص سؤاله بمثل الشجر و الشمس و القمر، و عليه فلم يحرز كون الإمام (عليه السلام) في صدد بيان خصوصيات حكم تماثيل الحيوان، و إنّما ذكره تفضّلاً، و عليه فشموله للرسم مع إهماله غير واضح; لاحتمال أن يكون الممنوع هو تجسيم الحيوان.

هذا، مضافاً إلى ما في جامع المدارك من أنّه يمكن أن يقال: بعد كون الاستثناء منقطعاً من جهة المصوَّر حيث إنّ الحيوان خارج يمكن أن يكون منقطعاً من جهة التصوير; بأن يكون النظر إلى التصوير مع التجسّم بالنسبة إلى الحيوان.(2)

و لايخفى ما فيه بعد إطلاق المستثنى منه من جهة التجسيم و غيره; فإنّ المستثنى حينئذ يكون أعمّ‌. نعم دعوى الإهمال في محلّها، فلاإطلاق له بالنسبة إلى الرسم.

وكقوله (عليه السلام): «من جدّد قبراً أو مثّل مثالاً فقد خرج عن الإسلام».(3)

بدعوى أنّ المثال و التصوير مترادفان، على ما حكاه كاشف اللثام عن أهل اللغة، مع أنّ الشائع من التصوير و المطلوب منه هو الصور المرسومة على أشكال الرجال و النساء و الطيور و السباع، دون الأجسام المصنوعة على تلك الأشكال.

وفيه: أنّ الرواية ضعيفة السند. هذا مضافاً إلى أنّ شأن اللغويّين بيان موارد الاستعمال لابيان المعاني الحقيقية، فدعوى أنّ الشائع من التصوير هو الصور المرسومة دون الأجسام المصنوعة - مع شيوع مثل «من صوّر صورة كلّف...»، مع أنّ المراد منه هو عمل الأجسام - كما ترى.

**

(1) حاشية المكاسب (للإيرواني): 21. ط - حجري.

(2) انظر: جامع المدارك 14:3.

(3) الوسائل 562:3، ب 3، أحكام المساكن، ح 10.

و في قبال تخصيص المثال و التصوير بالصور المرسومة ما ذهب إليه سيّدنا الإمام (قدس سره) من: «انّ الأخبار على كثرتها تدور مدار عنوانين، هما: التصوير و التمثيل، باختلاف التعابير، إلاّ رواية النواهي المذكور فيها النقش، و لايبعد أن يكون الظاهر من تمثال الشيء و صورته بقول مطلق هو المشابه له في الهيئة مطلقاً; أي من جميع الجوانب لامن جانب واحد، و تمثال الوجه أو مقاديم البدن تمثاله بوجه لامطلقاً، كما أنّ تمثال خلفه كذلك، و إطلاق التمثال على تمثال الوجه أو المقاديم بنحو من المسامحة كإطلاقه على تمثال الخلف، و إن صار في الأوّلين شائعاً حتى على خصوص الوجه مع عدم كونه حقيقياً بلاإشكال.

و أمّا الصورة فهي بمعنى الشكل الذي هو الهيئة، و هيئة الشيء كتمثاله; ما يكون شبهه في جميع الجوانب، و إطلاقه على النقوش و التصاوير بنحو من المسامحة; و لذا يطلق على تمثال الوجه فقط. و الإطلاق الشائع على النقش و الرسم في الروايات - على فرض تسليمه و عدم دعوى أنّ الوسائد و غيرها ممّا وردت فيها الروايات لعلّها كانت الصور و التماثيل فيها بنحو التجسيم; كهيئة غزال مثلاً نائم أو قائم بحيث كان صدق عليه الغزال المجسّم - كان لأجل القرائن; و لهذا لو سئل من العرف أنّ هذه الصورة أو المثال صورته من جميع الوجوه لأجاب بالنفي، و لاأقلّ من كون الصدق الحقيقي محلاًّ للشكّ سيّما مع الشواهد المذكورة في الجواهر و غيره».(1)

و استشهد في الجواهر بما دلّ على تغيير رؤوس الصور أو قطعها أو كسرها في حال الصلاة; بدعوى أنّ لها نوع إشعار بالتجسيم، فذهب إلى الجواز في غير المجسّمة.(2)

**

(1) المكاسب المحرّمة 255:1.

(2) انظر: جواهر الكلام 42:22.

ويمكن أن يقال: إنّ التصوير و التمثال كما يصحّ إطلاقهما على الأجسام المصنوعة كذلك يصحّ إطلاقهما على الرسوم أيضاً، و لايصحّ سلبهما عنها عرفاً; فكما يطلق على مجسّمة الفردوسي أنّها تمثال و تصوير الفردوسي كذلك يطلق على صورته أنّها تصوير الفردوسي، و لايجوز أن يقال إنّها ليست تصويره و تمثاله، و هذا علامة أعمّيّتهما، و عليه فلاوجه لتخصيصهما بالمجسّم، و لذلك أفاد اُستاذنا الأراكي (قدس سره) بأنّ‌: «إطلاق التماثيل و التصاوير على النقوش أيضاً شائع».(1)

و حمل جميع الموارد على قيام القرائن كما ترى; ألاترى قوله (عليه السلام): «لابأس بأن تصلّي على التماثيل إذا جعلتها تحتك»(2) مستعمل في الصورة المرسومة من دون قرينة! و ليس ذلك إلاّ لشيوع استعماله فيها أيضاً، و مثله كثير.

و أمّا قولكم: إنّه لو سئل من العرف أنّ هذه الصورة أو المثال صورته من جميع الوجوه لأجاب بالنفي، ففيه: أنّ سلب التشابه من جميع الوجوه لايمنع من صدق التشابه معه من بعض الوجوه، و لو لزم في الصدق التشابه من جميع الجهات و الوجوه للزم أن لايصدق التصوير و التمثال فيما إذا كانت الصورة أكبر أو أصغر من جهة الأبعاد بالنسبة إلى ذيها، مع أنّه خلاف المرتكز و المشهود; لأنّ المجسّمات ربّما تكون أصغر أو أكبر و مع ذلك يصدق عليها التصاوير و التماثيل، فيعلم من ذلك أنّ التشابه في جميع الجهات ليس لازماً في صدق التشابه، فإذا كان كذلك في ناحية المجسّمات فليكن كذلك في الرسوم.

وبالجملة: المعيار هو الصدق العرفي، و هو موجود في الرسوم و الأجسام المصنوعة كليهما، فلامجال للإشكال من ناحية معنى التصوير و التمثال، بل الإشكال من جهة قصور الأدلّة سنداً، و من جهة عدم كونها في مقام البيان، و غير ذلك.

**

(1) المكاسب المحرّمة: 104، والمراد من «النقوش» الرسوم.

(2) الوسائل 462:3، ب 32 من مكان المصلّي، ح 7.

ثمّ‌ إنّ الشيخ الأعظم (قدس سره) أيّد حرمة الصور المنقوشة على أشكال ذوات الأرواح بحكمة التشريع حيث قال: «إنّ الظاهر أنّ الحكمة في التحريم هي حرمة التشبّه بالخالق في إبداع الحيوانات و أعضائها على الأشكال المطبوعة التي يعجز البشر عن نقشها على ما هي عليه، فضلاً عن اختراعها، و لذا منع بعض الأساطين عن تمكين غير المكلّف من ذلك، و من المعلوم أنّ المادة لادخل لها في هذه الاختراعات العجيبة، فالتشبّه إنّما يحصل بالنقش و التشكيل لاغير».(1)

وفيه:

أوّلاً: أنّه لاوجه لتخصيص الحكمة بذلك مع احتمال أن يكون من وجوه المنع أيضاً هو التشبّه بعابد الصنم.

وثانياً: أنّا لانسلّم عدم مدخليّة المادّة في التشبّه; لأنّ الدالّ عليه هو أخبار تكليف المصوّر بالنفخ، و هي ظاهرة في المجسّم كما مرّ، و عليه فلاوجه لتعميم الحرمة لرسم الصور أخذاً بالحكمة المذكورة.

وثالثاً: إنّ الاستدلال بالحكمة مبنيّ على معمّمية الحكمة كالعلّة، ولعلّه كذلك.

فتحصّل: أنّ الأخبار قاصرة إمّا سنداً أو دلالة بالنسبة إلى حرمة رسم ذوات الأرواح، فبعض أخبار التمثيل و إن كان مطلقاً - كما ذكر - و يشمل الصور المرسومة لكن لاسند له، فلايمكن الاعتماد عليه، و بعضها الآخر مقرون بقرينة تدلّ على اختصاصها بالأجسام المصنوعة، و لاأقلّ من الشكّ‌، فلاإطلاق له.

هذا مضافاً إلى ما يقال: من أنّ النهي عن التصاوير و التماثيل يشمل الاقتناء أيضاً، فإذا قلنا بجواز الاقتناء في الصور بل المجسّمات يدور الأمر بين التخصيص و الحمل على الكراهة، و هكذا النهي عن التماثيل و عمل الصور يشمل

**

(1) المكاسب: 185.

غير ذوات الأرواح، فمع القطع بعدم الحرمة في غير ذوات الأرواح أيضاً يدور الأمر بين التخصيص بذوات الأرواح، و حفظ العموم، و حمل النهي على الكراهة، و مع الدوران فلايتعيّن القول بحرمة التصاوير و التماثيل، نعم يتعيّن القول بالحرمة في المجسّمات من ذوات الأرواح; لما عرفت من استفاضة الأخبار على معذّبية المصوّر حتى ينفخ الروح في صور صوّرها; إذ العذاب لايجامع الكراهة.

ولكن يمكن الذبّ عن ذلك: بأنّ إخراج موارد الجواز عن المطلقات هو مقتضى الجمع العرفي بين المطلقات و مقيّداتها، فلامجال بعد إمكان الجمع العرفي - بحمل المطلقات على المقيّدات - لحمل المطلقات على الكراهة حتى يدور الأمر بين الأمرين.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: - كما أفاد سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره) -: «إنّ الأدلّة على فرض إطلاقها و عمومها و شمول مثل قوله: «من مثّل مثالاً فكذا، و من صوّر صورة فكذا» تماثيلَ جميع الموجودات و إنّ ذكر النفخ فيها لمجرّد التعجيز لاللتناسب، يوجب ذلك و هناً على المطلقات و العمومات; لأنّ عدم ذكر المتعلّق فيها يدلّ على العموم. و هذه العناوين أي التصوير و الصورة و التمثال تصحّ إضافتها إلى كلّ موجود جسماني بل و روحاني، و كذا إلى أجزاء و أعضاء كلّ موجود، بل بعض أعضائه، فيصدق تمثال الرأس و صورة الرجل و اليد و الشجر و ساقه و ورقه، و هكذا. فحينئذ يكون إخراجُ جميع الموجودات كلاً و بعضاً عن العمومات و الإطلاقات و إبقاءُ الصور التامّة للحيوان فقط تحتها من التخصيص الكثير المستهجن، فيكشف ذلك عن قرائن حافّة بها حين الصدور خرجت بها عن الاستهجان، و المتيقّن هو حرمة المجسّمات المدّعى عليها الإجماع.

و دعوى الانصراف إلى خصوص الصور التامّة أو خصوص صور الحيوانات

كما ترى - إلى أن قال: - لكن الإنصاف أنّ هذا الوجه قابل للمناقشة، و الله العالم».(1)

و لعلّ وجه المناقشة فيه: أنّ التخصيص العنواني لايوجب الاستهجان، هذا مضافاً إلى أنّ بعض الأخبار - كأخبار النفخ - مختصّ بالمجسّمات من ذوات الأرواح بقرينة النفخ; لظهوره في تكميل الصورة بما يناسبها من نفخ الروح، و عليه فلايشمل غير ذوات الأرواح، فلاتغفل.

فروع:

الأوّل: هل يكون عمل المجسمه و لو كانت غير كاملة محرّماً أو لا؟

إنّه هل يكون عمل المجسّمة و لو كانت غير كاملة محرّماً، أو لا؟

قال في الجواهر: «إنّ المدار في صورة الحيوان على صدق الاسم، و تصوير البعض مع عدم صدقه عليه و كون المقصود من أوّل الأمر البعض خاصّة لامانع منه».(2)

و تبعه شيخنا الأعظم (قدس سره) حيث قال: «إنّ المرجع في الصورة إلى العرف، فلايقدح في الحرمة نقص بعض الأعضاء، و ليس فيما ورد من رجحان تغيير الصورة بقلع عينها أو كسر رأسها دلالة على جواز تصوير الناقص.

و لو صوّر بعض أجزاء الحيوان ففي حرمته نظر بل منع، و عليه فلو صوّر نصف الحيوان من رأسه إلى وسطه فإن قدّر الباقي موجوداً بأن فرضه إنساناً جالساً لايتبيّن ما دون وسطه - حرم، و إن قصد النصف لاغير لم يحرم إلاّ مع صدق الحيوان على هذا النصف».(3)

و لذلك قال شيخنا الاُستاذ الأراكي (قدس سره): «لو صوّر جسماً بلارأس أو رأساً

**

(1) المكاسب المحرّمة 267:1.

(2) جواهر الكلام 43:22.

(3) المكاسب: 189.

بلاجسم أو يداً واحدة أو رجلاً كذلك أو غير ذلك ممّا لايصدق عليه أنّه صورة الحيوان فليس بحرام».(1)

وذلك لأنّ العناوين المحرّمة هي: «صورة الحيوان» و «تماثيل الحيوان و الإنسان» و «عمل الصور»; أي صور الحيوان و الإنسان، و من المعلوم أنّ الظاهر منها هو تصوير الشيء بحيث يصدق عليه عنوان الحيوان و الإنسان بالحمل الشائع من دون عناية، لاأبعاضه و أجزائه، و عليه فليس تصوير بعض الأعضاء تصويراً لصورة الحيوان أو الإنسان، بل ليس تصوير نصف الحيوان من رجله إلى وسطه أو بالعكس تصويراً لصورة الحيوان الفلاني، إلاّ إذا كان الباقي مقدّراً فيها بحيث يصدق صورة الحيوان أو الإنسان عليه، و لاأقلّ من الشكّ في صدق الحيوان على الصورة الناقصة، فلايحرم; لأصالة البراءة.

وربّما استدلّ‌ على حرمة الأبعاض و الأجزاء بإطلاق قوله (عليه السلام): «من صوّر صورة» أو «مثّل مثالاً»، و إطلاق قوله (عليه السلام): «ما لم يكن شيئاً من الحيوان»(2) بناءً على تعميمه بالنسبة إلى الأجزاء كما يكون كذلك بالنسبة إلى الأفراد و الأنواع.

وفيه: أنّ المراد من الصورة أو التمثال هو الصورة المضافة إلى الحيوان و تمثاله لامطلق الصورة و التمثال، كما تشهد له معتبرة محمّد بن مروان، حيث قال: «من صوّر صورة من الحيوان يعذّب حتى ينفخ فيها».(3)

هذا، مضافاً إلى أنّ الظاهر من أخبار النفخ أن يكون المنفوخ فيه ممّا يصير حيواناً من الحيوانات المتعارفة بمجرّد النفخ فيه، فالناقص الذي لايصدق عليه اسم الحيوان المتعارف لايكون مشمولاً لإطلاق الدليل.

و أيضاً لم يثبت تعميم قوله (عليه السلام): «ما لم يكن شيئاً من الحيوان» بالنسبة إلى

**

(1) المكاسب المحرّمة: 105.

(2) الوسائل 220:12، ب 94 ممّا يكتسب به، ح 3.

(3) المصدر السابق: 221، ح 7.

الأجزاء لو لم نقل بظهوره في الأفراد و الأنواع.

و ممّا ذكر يظهر بُعد ما احتمله المحقّق الإيرواني (قدس سره) حيث قال: «إنّ من المحتمل قريباً حرمة كلّ جزء جزء أو حرمة ما يعمّ الجزء و الكلّ‌».(1)

و على ما ذكر ينقدح جواز تصوير الرأس فقط على الدراهم و الدنانير أو غيرهما، سواء قلنا باختصاص الحرمة بعمل المجسّمة أو لم نقل; لأنّه ليس صورة كاملة للحيوان أو الإنسان.

وأمّا تصوير الحيوان الكامل على الحجر و غيره، فلو كان بنحو الرسم فلايحرم بناءً على عدم حرمة الرسم، و أمّا إذا كان التصوير على الحجر على نحو التجسيم، فإن كان التصوير كاملاً و لو بنحو تقدير باقي الأعضاء أو تقدير الخلف فيحرم; لصدق تجسيم الحيوان و تصويره، و إلاّ فصدق الحيوان المتعارف عليه مع أنّه لاخلف له و لو مقدّراً محلّ إشكال.

الثاني: المحرّم فى تصوير الحيوان و تمثيله هل هو تصوير الاجزاء أو

إنّ المحرّم في تصوير الحيوان و تمثيله هل هو تصوير الأجزاء، أو تصوير مجموع الأجزاء، أو تصوير الجزء الأخير، أو تصوير الصورة المنطبقة على تمام الأجزاء؟

لامجال للأوّل; لأنّ الحكم متعلّق بعنوان تصوير الصورة لاالأجزاء، ولذا فإنّ من صوّر بعض الأعضاء بقصد الإتمام ثمّ بدا له في إتمامه لم يفعل الحرام، فلو كانت الأجزاء محرّمة لزم الحكم بكون ما أتى به من فعل حراماً. قال سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره): «تصوير بعض الأعضاء و لوبقصد الإتمام ليس تصوير الصورة، و عليه فلو اشتغل بصورة شيء ولكن بدا له قبل إتمامها أو منعه مانع عن الإتمام لم يفعل

**

(1) حاشية المكاسب (للإيرواني): 21.

الحرام و إن كان متجرّياً».(1)

و ممّا ذكر يظهر ما في كلام الشيخ الأعظم (قدس سره) حيث قال: «و لو اشتغل بتصوير حيوان فعل حراماً حتى لو بدا له في إتمامه. و هل يكون ما فعل حراماً من حيث التصوير أ و لايحرم إلاّ من حيث التجرّي‌؟ و جهان; من أنّه لم يقع إلاّ بعض مقدّمات الحرام بقصد تحقّقه، و من أنّ معنى حرمة الفعل عرفاً ليس إلاّ حرمة الاشتغال به عمداً فلاتراعى الحرمة بإتمام العمل، و الفرق بين فعل الواجب - المتوقّف استحقاق الثواب على إتمامه - و بين الحرام هو قضاء العرف».(2)

وذلك لما عرفت من أنّ متعلّق الحرمة هو تصوير الصورة، و لم يحصل مع البداء، و لافرق بين التكليف الإيجابي و التحريمي بعد وحدة المتعلّق، فكما أنّه لو أمر بتصوير الصورة - أي صورة الحيوان - و أتى المكلّف بنقش أو رسم بعضها أو تجسيم بعضها لم يأتِ بالواجب و لم يستحقّ الثواب، كذلك لو نهي عن تصوير صورة الحيوان و أتى ببعض الأجزاء و حصل له البداء لم يأتِ بالحرام و لم يستحقّ العقاب على الحرام - أعني الصورة - و إن استحقّ عقوبة التجرّي، و لعلّه لذلك أمر بالتأمّل. و كيف كان فلاوجه للتردّد في المسألة كما لايخفى.

لايقال: إنّ الصورة هي الأجزاء بعينها، فالنهي عنها نهي عن الأجزاء.

لأنا نقول: إنّ الصورة هي هيئة خاصّة تركيبية و متّحدة مع الأجزاء مع كيفيّة خاصّة، و النهي عنها ينحلّ على الأجزاء ولكنّه بتبع النهي عن الصورة، فما دامت الصورة لم تتحقّق لم يتوجّه النهي إلى الأجزاء، فاتّصاف كلّ جزء بكونه حراماً مشروط بتحقّق الأجزاء الاُخر مع كيفيّة معتبرة فيها، و المفروض في المقام أنّه لم تتمّ الأجزاء، فلادليل على حرمة ما أتى به بعد حصول البداء.

**

(1) راجع المكاسب المحرّمة 283:1.

(2) المكاسب للشيخ الأعظم (قدس سره) 189:1.

و ممّا ذُكر يظهر أنّ مجموع الأجزاء - بما هو مجموع الأجزاء - أيضاً ليس محرّماً; لأنّ الأدلّة تدلّ على حرمة تصوير الصورة، و هي و إن كانت منطبقة على مجموع الأجزاء ولكنّها غير هذا العنوان، و يترتّب عليه أنّه لو كان المحرّم هو مجموع الأجزاء فابتدأ بالتصوير واحد و أتمّه آخر لم يفعل أيّ واحد منهما حراماً، و هذا بخلاف ما إذا كان المحرّم هو الصورة; فإنّ من أتمّ ما صوّره الآخر صدق على إتمامه تصوير الصورة، فيحكم بالحرمة، و المتّبع هو موضوع الأدلّة.

و هكذا لاوجه لجعل المحرّم هو الجزء الأخير، مع أنّ موضوع الأدلّة الدالّة على الحرمة هو تصوير الصورة، و هي لاتصدق على الجزء الأخير فقط.

فتحصّل: أنّ المحرّم هو الأخير، و هو تصوير الصورة المنطبقة على الأجزاء بكيفيّة خاصّة.

الثالث: لو اشترك اثنان أو أكثر فى عمل صورة

إنّه لو اشترك اثنان أو أكثر في عمل صورة فالظاهر أنّه يشمله قوله (عليه السلام): «إيّاكم و عمل الصور...»; فإنّ إطلاقه يشمل صورة الاشتراك أيضاً.

هذا، مضافاً إلى إطلاقات النهي عن التماثيل و التصاوير بناءً على أنّ النهي عن عملها لاعن خصوص اقتنائها، كما مرّ البحث عنه، فحينئذ تدلّ على النهي عن عملها، و هو بإطلاقه أيضاً يشمل صورة الاشتراك.

وما يقال: من أنّ مفادها هو النهي عن كون الشخص عاملاً للصور و التماثيل، و هو ظاهر في الموجد للصورة المستند إيجادها إليه وحده.

كما ترى; إذ لاوجه للتخصيص بالوحدة بعد إطلاقها.

هذا، مضافاً إلى إمكان إلغاء الخصوصيّة في مثل قوله (عليه السلام): «من قتل نفساً...» الظاهر في الفاعل الواحد، فكما أنّه لو اشترك اثنان أو أكثر في قتل نفس محترمة لكان فعلهما محكوماً بالحرمة بإلغاء الخصوصيّة من وحدة الفاعل، كذلك نقول في

المقام: بأنّ من صوّر صورة أو مثّل مثالاً و إن كان ظاهراً في وحدة الفاعل إلاّ أنّه يشمل صورة الاشتراك بإلغاء الخصوصيّة عرفاً، و يكون محكوماً بالحرمة.

و مع الغمض عمّا ذكر كلّه يشكل الحكم في صورة الاشتراك - كما أفاد سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره) - من جهة قصور الأدلّة عن إثبات الحرمة لفعل كلّ من الفاعلَين أو الأكثر بعد عدم صدق عنوان «صوَّر الصور» أو «مثّل المثال» على واحد منهما بلاريب; ضرورة أنّ التمثال و الصورةً عبارة عن مجموع الصورة الخارجية، و الأجزاء لاتكون تمثالاً لحيوان و لاصورةً له، و الفاعل للجزء لايكون مصوّراً للحيوان، من غير فرق بين اشتغالهما بتصويره من الأوّل إلى الآخر أو تصوير أحدهما نصفه و الآخر نصفه الآخر، أو عمل واحد منهما الأجزاء و تركيب الآخر بينها; لعدم الصدق في شيء منها; فإنّ الظاهر من قوله: «من صوّر صورة» كون صدور الصورة - أي هذا الموجود الخارجي الذي يقال له التمثال - من فاعل، و الفرض عدم صدورها منه، و هو نظير قوله: من قال شعراً، أو من كتب سطراً، أو من مشى من بلده إلى مكّة. و احتمال أن يكون المراد بهما أنّه من أوجد هيئة الصورة أو هيئة المثال - و هو صادق على من أتمّهما إمّا بإتيان النصف الباقي أو بتركيب الأجزاء - بعيد عن ظاهر اللفظ، و مخالف للمتفاهم من الأخبار.(1)

و هذا هو ما ذهب اليه الشيخ الأراكي (قدس سره)، حيث قال: «إنّ الموجد للصورة إنّمايصدق إذا كان وجود الصورة بتمام أبعاضها بإيجاد واحد و اختيار واحد، كما أنّ الماشي فرسخاً لايصدق فيما إذا مشى نصفه واحد و نصفه الآخر آخر، و ممسك النهار لايصدق إلاّ مع الإمساك في تمام النهار إذا كان بتمامه صادراً من اختيار واحد، و كذلك المصلّي لايصدق إذا صدر تمام الصلاة من اختيارين.

و بالجملة، قد اُخذ في مفهوم الموجد للصورة وحدة الفاعل و المختار،

**

(1) المكاسب المحرّمة 278:1.

مضافاً إلى عدم تعقّل توجيه نهي واحد إلى شخصين - إلى أن قال: - فعلم ممّا ذكرنا أنّه لاوجه لكون كلّ من المشتركين مصوّراً; لأنّ ما هو الصادر منه ليس إيجاداً للصورة و إنّما هو إيجاد بعض الصورة، و هو غير العنوان المحرّم كما عرفت، و الصادر من صاحبه لاربط له به - إلى أن قال: - نعم من الممكن في مقامنا أيضاً تعلّق الحرمة بالعنوان الأوسع; أعني مطلق الدخالة و إعمال القوّة في وجود الصورة، سواء صدق عليه إيجاد الصورة أو صدق عليه إيجاد بعضها، لكنّه محتاج إلى الإثبات، و لامناط منقّح في البين حتى يلاحظ أنّه شامل لصورة الاشتراك أو لا».(1)

يمكن أن يقال: إنّ عنوان «من صوّر صورة أو عملها» و هكذا «من مثّل مثالاً» أعمّ من أن يكون موجداً لجميع الأجزاء من البدء إلى الختم، أو متمّماً للأجزاء الموجودة بفعلِ آخر، أو من دون فعل أحد، كما إذا كان بعض الأجزاء موجوداً بمقتضى الطبيعة، كأغصان الأشجار - مثلاً - المتّخذ منها بدناً أو يداً أو رجلاً لصورة حيوان أو إنسان، فلو كان من اللازم أن تكون جميع الأجزاء مصنوعة بفعله لما صدقت الصورة على فعل من اتّخذ من الأشجار أو الأخشاب أو غيرهما من الفلزات الموجودة لتصوير صورة حيوانية، مع أنّ الظاهر هو صدق الصورة على فعله، و هو شاهد على أنّ المراد من قوله: «صوّر صورة» أو «مثّل مثالاً» أعمّ من أن تكون جميع الأجزاءمن عمله.

و لعلّ منشأ القول بعدم الصدق هو توهّم لزوم الإتيان بجميع ما له دخل في الصورة من فاعل واحد في صدق التصوير، مع أنّك عرفت عدم لزوم ذلك في الصدق.

و عليه، فاعتبار وحدة الفاعل لايمنع من صدق المصوّر على من أتمّ الأجزاء عقيب إيجادها بفعل شخص آخر.

**

(1) المكاسب المحرّمة: 107 و 108.

والقول: بأنّ المحرّم هو تصوير كلّ مكلّف صورة الحيوان أو الإنسان لاإتمام صورتهما، و تصويرهما لايصدق على مجرّد إتمامهما كما أنّه لايصدق على تصوير بعضهما.

كما ترى بعد ما عرفت من إطلاق قوله: «صوّر صورة» أو «مثّل مثالاً»، فتدبّر جيّداً.

و ذهب في الجواهر إلى صدق الاستناد إلى الأوّل أيضاً، حيث قال: «ومع التدرّج ففي شرح الاُستاذ أنّ المدار على الأخير. قلت: لعلّ الأقوى التعلّق بالأوّل أيضاً إذا فرض كون المقصود لهما ذلك من أوّل الأمر; لصدق الاستناد إليهما».(1)

وفيه: أنّ الاستناد إليهما صحيح، ولكن ظاهر «من صوّر أو مثّل» هو وحدة الفاعل، فلايشمل صورة الاشتراك.

هذا بناءً على عدم تماميّة الأدلّة و الغمض عنها، و أمّا بناءً على تماميّتها - كما هو الأقوى - فلاإشكال في الحرمة عند اجتماع اثنين أو أزيد للشركة في صنع الصورة من الابتداء إلى الختام; لإطلاق الأدلّة الدالّة على حرمة عمل الصور و التصاوير و التماثيل، ففعل كلّ واحد ممّن اشترك في عملها محكوم بالحرمة; لاشتراكه في عمل الصورة.

وإذا افترق الأفراد في التصوير; بأن أوجد النصف الأوّل شخص وأتمّه آخر، فقد عرفت أنّ الأخير هو الموجد للصورة، فيترتّب على فعله الحرمة.

وأمّا الموجد للنصف الأوّل ففيه تفصيلات على ما أفاده شيخنا الاُستاذ الأراكي (قدس سره)، حيث قال: «فإن كان عالماً بعدم إتمامه بإلحاق النصف الآخر لامن نفسه و لامن غيره فلاإشكال في معذوريّته، فإن ألحق النصف انكشف كون عمله دخالة و إعمالاً للقوّة في وجود الصورة و أنّه كان محرّماً واقعيّاً معذوراً فيه.

**

(1) جواهر الكلام 43:22.

و كذلك الحال في صورة الشكّ في إلحاق النصف الآخر و عدمه; لأنّه شبهة موضوعية، و الأصل فيه البراءة ولو فرض كونه بحسب الواقع بواسطة لحوق النصف الآخر داخلاً في العنوان المحرّم.

كما لاإشكال في صورة علمه بالإلحاق و أنّه معصية واقعيّة معه و تجرٍّ مع عدمه.

• ثمّ عطف حكم صورة البداء عليه و قال: -

و من هنا يظهر الكلام فيما إذا اشتغل بالتصوير قاصداً للإتمام ثمّ بدا له في الأثناء و رفَع اليد، فإنّه حين رفع اليد عن التتمّة لايخلو: إمّا أن يكون عالماً بلحوق النصف الآخر إمّا منه و إمّا من غيره أو بعدم اللحوق، و إمّا شاكّ‌، فإن كان عالماً باللحوق فلاكلام، و إن كان شاكّاً فلايورث هذا الشكّ معذوريّته لو ألحق التتمّة واقعاً متمّم، كما يورثها لو كان الشكّ من ابتداء العمل، فإنّه نظير من شرب الخمر عالماً بحرمتها و بعد الفراغ صار شاكّاً في الخمرية فإنّه لايورث المعذوريّة، و هو واضح.

بل نقول في صورة العلم بعدم اللحوق أيضاً: لو ألحقه ملحِق استحقّ العقوبة; إذ الفرض أنّ العمل كان مبغوضاً واقعاً و هو أيضاً كان عالماً، فالتكليف موجود مع شرائط تنجّزه، فلايجدي انقلاب العلم بعد العمل بالعلم بالخلاف في رفع الاستحقاق، و هذا أيضاً واضح، فيجب بحكم العقل في كلتا الصورتين الاحتياط بمحو ما أتى به من الصورة».(1)

ولكن لايخفى عليك أنّ مع البداء و رفع اليد كلّياً لاوجه لعطفه على صورة استمرار القصد و العلم بالإلحاق; إذ استناد المبغوض - و هو صورة الحيوان - إلى الأوّل مشروط ببقاء القصد، فمع عدم استمرار القصد لاوجه لاستناده إليه في صورة العلم باللحوق، فضلاً عن صورة الشكّ أو العلم بعدم اللحوق، و العمل ما لم تنطبق

**

(1) المكاسب المحرّمة: 109.

عليه الصورة لايكون مبغوضاً، و المفروض أنّه قبل انطباق الصورة عدل عن نيّة الإدامة، و عليه فبعد العدول لايكون محكوماً بالحرمة إلاّ من جهة التجرّي الصادر منه، و لاتكليف له حينئذ إلاّ الممانعة من الإتمام من جهة النهي عن المنكر.

و هكذا لاوجه للحكم بالحرمة الواقعية فيما إذا أوجد النصف و كان عالماً بعدم إتمامه بإلحاق النصف الآخر لامن نفسه و لامن غيره; فإنّ المحرّم هو فعل المتمّم لو اُلحق اتّفاقاً بعد ما عرفت من إطلاق «من صوّر الصور» على مثله أيضاً، لافعل من أوجد النصف مع العلم بعدم إتمامه; لأنّ فعله ليس بمبغوض ظاهراً و واقعاً، و إنّما المبغوض هو فعل المتمّم.

الرابع: هل تعتبر فى حرمة تصوير الصورة مباشرة الفاعل بيده

إنّه هل تعتبر في حرمة تصوير الصورة مباشرة الفاعل بيده بلاوساطة واسطة في البين غير ما هو من قبيل الآلة، أو لاتعتبر مطلقاً، أو يفرّق بين ما إذا كانت الواسطة فاعلاً مختاراً - كما إذا أكره أو بعث إنسان إنساناً على التصوير - فلايصدق على المكرِه و الباعث أنّه مصوّر، و بين ما إذا كانت الواسطة فاعلاً طبيعياً بلاشعور، فيصحّ حينئذ إسناد التصوير إلى الإنسان الذي أعمل هذا الفاعل، نظير إسناد الإحراق إلى من ألقى الحطب في النار، و كما يقال: إنّ فلاناً خاط الثوب إذا أعمل الآلة المعدّة للخياطة‌؟

ذهب شيخنا الاُستاذ الأراكي (قدس سره) إلى التفصيل حيث قال: «الظاهر في مادة التصوير إيجاد الصورة بأيّ نحو كان، و فيما كان الواسطة فاعلاً مختاراً لايصدق أنّه الموجد للصورة، و فيما كان فاعلاً طبيعياً يصدق ذلك... نعم بعض المواد يعتبر فيه عدم وساطة هذا القسم أيضاً كما في الأكل و الكتابة، حيث إنّه لو أعمل الآلة المعدّة

للكتابة لايقال على من أعمله إنّه الكاتب».(1)

و يشهد على ذلك قوله (عليه السلام): «و إيّاكم و عمل الصور»; إذ مقتضى إطلاقه هو عدم دخالة المباشرة، و هكذا قوله (عليه السلام): «نهى النبيّ (صلى الله عليه وآله) عن التصاوير و التماثيل» من دون تقييده بالمباشرة، بناءً على عدم اختصاصه بالاقتناء.

والقول: بأنّ المتداول في التصوير و التمثيل في تلك الأعصار تحصيلهما بمباشرة اليد و قدرة الصنع دون المكائن و القوالب; فظاهر الأدلّة هو ما كان المصنوع بيد الفاعل مباشرة.

كما ترى بعد كون القضايا بنحو الحقيقيّة لاالخارجيّة، و أنّ المبغوض هو نفس عمل الصور و إيجادها من دون خصوصيّة للمباشرة كالقتل، فعمل الصور و إن لم يكن بمباشرته، منهيّ عنه بإطلاق أدلّة مبغوضيّة عمل الصور.

فكما أنّه لو صنعت ماكنة لإعدام الأشخاص و باشر شخص توصيل الكهرباء بها فاُعدموا بذلك، اُسند القتل إليه و ترتّب عليه أحكامه و إن لم يفعل إلاّ مباشرة التوصيل المذكور و إنّما الماكنة أعدمتهم.

كذلك لو فُرضت ماكنة صنعت لإيجاد المجسّمات و باشر شخص توصيل الكهرباء بها فخرجت لأجلها الصور المجسّمة منها، اُسند إليه عمل الصور و أتى بالمبغوض و إن لم يباشر التصوير و التمثيل بنفسه.

و ممّا ذكر يظهر ما في دعوى أنّ الظاهر من قوله: «من مثّل صورة أو مثالاً» هو تصوير الصورة و تمثيلها بقدرته و علمه بذلك الصنع، و المباشر لاتّصال القوّة بالماكنة أو لإلقاء الجصّ في القالب ربّما لايكون مصوّراً و عالماً بالتصوير و لاقادراً عليه.(2)

**

(1) المصدر السابق: 105.

(2) المكاسب المحرّمة للإمام الخميني 1 271:1.

و ذلك لما عرفت من أنّ المستفاد من معتبرة الخصال - «و إيّاكم و عمل الصور» - و غيرها من مطلقات الأخبار هو أنّ نفس عمل الصور بأيّ نحو وُجد مبغوض، فالنهي عن عمل الصور يشمل الإيجاد التسبيبي من دون حاجة إلى إلغاء خصوصيّة المباشرة حتى يشكل في ذلك: بأنّ ظاهر هيئة الفعل هو الإيجاد المباشري، و إن أمكن الجواب عنه: بأنّ العرف لايرى للمباشرة خصوصيّة، و عدم التداول في تلك الأعصار لايمنع من إلغاء الخصوصية في عصرنا هذا، فإذا ورد - مثلاً - استحباب إيقاد السراج في ليلة كذا، لم يختصّ ذلك بالمتعارف في تلك الأعصار ممّا يكون بالمباشرة، بل يكون عامّاً لمثل زماننا ممّا يكون بالتسبيب أيضاً.

هذا، مضافاً إلى أنّ الحكمة في ممنوعية التصوير هي التشبّه بالخالق في عمل هياكل الحيوانات، و هي حاصلة في إيجاد هياكل الحيوانات بالمعامل الكهربائية.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الحكمة متحقّقة فيما إذا كان التصوير بالمباشرة لابتسبيب المعامل.

ولكنّه كما ترى; لأنّ الخلقة من الله تعالى أعمّ‌، فربّما تكون من دون تسبيب كخلقة آدم (عليه السلام)، و ربّما تكون مع الأسباب كتوالد الحيوانات و الإنسان، فالحكمة - و هي التشبّه - لاتختصّ بما إذا لم يكن سبب، بل هي موجودة فيما إذا كان بسبب المعامل.

و بالجملة، إطلاق الروايات و إطلاق الحكمة يقتضيان عدم اعتبار المباشرة.

ثمّ‌ لو قلنا بحرمة الرسم يقع الكلام في حرمة الصور المنطبعة بآلات التصوير، و قد ذهب سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره) إلى أنّ المصوّر ليس مصوّراً و ممثّلاً إلاّ بضرب من التأويل و التجوّز، و لايصار إليه إلاّ بدليل و قرينة، من غير فرق بين الصور المنطبعة في الزجاجة(1) و المنعكسة منها إلى الصحائف، و إن كان عدم

**

(1) مراده 1 من «الزجاجة» الفلم.

الصدق في الأوّل أوضح.(1)

و هو كذلك; لأنّ انعكاس الصورة في فلم آلة التصوير و كذا انعكاس الصورة على الصحائف - بجعل آلة التصوير قبال صور الأشخاص أو جعل الصحائف قبال الفلم، كجعل المرآة بحذاء شخص - لاإشكال فيه، و التصوير المنعكس في الفلم و الصحائف يتحقّق بنفسه لابفعل المصوّر، و إنّما فعله هو حفظ ما انعكس في الفلم أو الصحائف، و عليه فلايكون المباشر مصوّراً، و لايكون ذلك عمل الصور و إيجاداً لها و لو بالتسبيب أيضاً، بل هو عمل على بقاء الصورة الواقعة من الشيء في الشيء الآخر بنفسه.

و قال شيخنا الاُستاذ الأراكي (قدس سره): «لاشبهة في عدم صدق المصوّر لاعلى من ألصق وراء الشيشة ما أعدّه للحكاية و لاعلى القائم بحذاء الشيشة المذكورة بل و الماء، و كذلك الحال في العكس(2) فإنّه مركّب من عملين

أحدهما: وضع الشيشة بحذاء الجسم.

والثاني: وضع دواء مخصوص على سطح الشيشة من خاصيّته إمساك ما وقع في الشيشة من صورة الجسم المحاذي، فالوقوع هنا حاله حال الوقوع في المرآة، و قد عرفت عدم صدق المصوّر على من وضعها بحذاء الجسم لتقع صورته فيها، غاية ما في الباب أنّ العكّاس(3) يتصرّف بتوسّط دواء أو غيره في هذه الصورة الواقعة فيجعلها ثابتة بحيث لاتزول بعد المحاذاة أيضاً، فهو كما لو تصرّف أحد في الصورة الواقعة في المرآة فجعلها ثابتة، فكما لايصدق على هذا المثبِت أنّه مصوّر فكذلك على العكّاس.

نعم، لاإشكال في صدق التصوير على النقل من الشيشة إلى الكاغذ و نحوه،

**

(1) المكاسب المحرّمة 270:1.

(2) المراد من «العكس» الصورة الفوتوغرافية.

(3) المراد من «العكّاس» المصوّر للصور الفوتوغرافية.

لكن لايوجب حرمة العمل الأوّل; لعدم كون مقدّمة الحرام حراماً إلاّ ما ينسلب بعدها الاختيار، و هنا ليس كذلك، نعم لو كان من قصده التوصّل به إلى العمل الثاني كان تجرّياً، كالحاضر عند العكّاس إذا حضر بقصد أن ينقل العكّاس عكسه، فإنّه إعانة على الإثم لو ترتّب النقل، و تجرٍّ لو لم يترتّب.

اللّهمّ إلاّ أن يلتزم بصدق المصوّر على من أثبت الصورة الواقعة في المرآة و نحوها; فإنّ التصوير هو إحداث الصورة الثابتة، و يكفي في صحّة استناد ذلك إلى الشخص كون الثبات بإحداثه و لو لم يكن أصل الصورة حاصلاً بإحداثه، و قد التزم بذلك الاُستاذ - دام ظلّه - و الاحتياط في محلّه.

و يمكن أن يقال: إثبات الصورة الثابتة غير إيجاد الصورة، و على هذا فالتصوير المتعارف في زماننا من قبيل الأوّل، ومع الشكّ في مفهوم التصوير الأصل البراءة; لكون الشبهة مفهوميّة دائرة بين الأقلّ و الأكثر».(1)

و لقد أفاد و أجاد، ولكن لايخفى عليك أنّ ما حكاه عن اُستاذه من صدق التصوير على النقل من الفلم إلى الكاغذ و نحوه منظور فيه; فإنّ الكاغذ كالمرآة بالنسبة إلى الفلم، فكما أنّ جعل المرآة محاذية لشخص لايكون حراماً كذلك جعل الكاغذ محاذياً للفلم، فمع انعكاس الصورة من الفلم إلى الكاغذ بنفسه الذي هو كانعكاس الصور في المرآة لايكون عمل المصوّر إلاّ إثبات تلك الصورة المنعكسة في الكاغذ و إن لم تكن مرئية، لاإيجاد الصورة.

و عليه، فلو قلنا بحرمة تنقيش و رسم ذوات الأرواح لم يكن التصوير المتعارف في زماننا هذا محرّماً; لأنّ جميع مراحله من قبيل إثبات الصورة لاإيجادها.

نعم، لايبعد صدق ذلك في المطابع الرائجة، فإنّها تطبع الصور على الورق،

**

(1) المكاسب المحرّمة: 106.

و لذا قال في مصباح الفقاهة: «لايفرّق في حرمة التصوير بين أن يكون باليد أو بالطبع أو بالصياغة أو بالنسج، سواء كان أمراً دفعياً كما إذا كان بالآلة الطابعة أم تدريجياً».(1)

الخامس: هل يجوز تصوير خصوص عظام الانسان تصويراً كاملاً أم لا؟

إنّ مقتضى ما مرّ سابقاً - من أنّ المحرّم هو تصوير ما يصدق عليه صورة الحيوان - جواز ما لايصدق عليه الصورة، كبعض الأعضاء من اليد و الرجل و الرأس و نحوها، فهل يجوز تصوير خصوص عظام الإنسان تصويراً كاملاً أم لايجوز؟

فيه و جهان:

أحدهما; صدق صورة الانسان على مجرّد العظام.

وثانيهما - و هو الأظهر -; أنّ صورة الإنسان ليست مجرّد العظام، بل هي مركّبة منها و من العروق و اللحم و الجلد و الشعر، فالعظام المذكورة و إن كانت كاملة ولكنّها كبعض الأجزاء بالنسبة إلى الصورة الكاملة، فكما أنّ الدار لاتصدق بمجرّد نصب الأعمدة و غيرها من الفلزّات و إن كملت، كذلك لاتصدق صورة الإنسان بمجرّد تجسيم العظام أو العروق و نحوهما.

وهكذا الأمر فيما يصنع كالظلال للحيوانات من دون أجزاء لها و إنّما تشير بها إلى أبعادها، فإنّ مثله لايصدق عليه صورة الإنسان المركّبة من اليدين و الرجلين و الرأس و بقيّة الأجزاء، و إنّما هذه الصورة تحكي عن أبعادها لاعن أجزائها و هيئتها.

وأمّا تصوير ما يكون نشوء الإنسان منه، فما لم يصدق عليه الحيوان فلاإشكال فيه، قال في الجواهر; «و تصوير البيضة و العلقة و المضغة و بزر القزّ و

**

(1) مصباح الفقاهة 233:1.

نحو ذلك ممّا هو نشوء الحيوان لابأس به».(1)

و هو جيّد ما لم يصدق اسم الحيوان على بعض المراحل المذكورة، و إلاّ فهو حرام من جهة صورة ذلك الحيوان لامن جهة صورة الإنسان.

السادس: هل تلحق صورة الجن و الشيطان و الملك بالصورة الحيوانية أم لا؟

إنّه هل تلحق صورة الجنّ و الشيطان و الملك بالصورة الحيوانية أو لا؟

قال في الجواهر; «و الظاهر إلحاق تصوير الملك و الجنّي بذلك، بل قد يقوى جريان الحكم في تصوير ما يتخيّله في ذهنه من صورة حيوان مشارك للموجود في الخارج من الحيوان في كلّي الأجزاء، دون أعدادها و أوضاعها مثلاً».(2)

و يشهد له عموم ممنوعية عمل الصور و بنائها; إذ الخارج منه هو صور غير ذوات الأرواح و بقي الباقي تحت العموم، و المفروض أنّ الملك و الجنّي و الشيطان ذوو أرواح عرفاً. قال في المستند; «و لايشترط في صدق صورة الحيوان أو ذي الروح وجود ما يطابقها عرفاً شخصاً أو نوعاً في الخارج، بل يكفي كونها بحيث يقال عرفاً إنّه صورة الحيوان; لأنّ معنى صورة الحيوان أو ذي الروح الصورة المختصّة به، و المراد شيوع الاختصاص و تعارفه و جريان العادة به، فلو صوّر صورة حيوان لم يعلم وجود نوعه ولكن كان بحيث لو فرض وجود مطابقه لكان من الحيوان بحسب العادة كان محرّماً».(3)

و قد استشكل فيه سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره) بأنّ‌; «العمدة في الأدلّة هو المستفيضة المشتملة على قوله; يكلّف أن ينفخ فيها و ليس بنافخ - إلى أن قال; - فالظاهر منها أنّ المحرّم هو تمثال موجود يكون نحو إيجادها بالتصوير و النفخ

**

(1) جواهر الكلام 22; 43.

(2) المصدر السابق.

(3) مستند الشيعة 2; 338. ط - حجري.

كالإنسان و سائر الحيوانات، فمع تصوير صورة حيوانية و تتميم تصويرها و بقاء نفخ الروح فيها و لو بنحو من المسامحة كأنّه تشبّه بالخالق في مصوّريّته ما في الأرحام، فيقال له يوم القيامة; أيّها المصوّر، انفخ فيها كما نفخ الله تعالى في الصور بعد تسويتها.

و أمّا مثل الجنّ و الشيطان و الملك - ممّا تكون كيفيّة إيجادها بغير التصوير و التخليق التدريجيّين، و بغير التسوية و النفخ، بل إيجادها بدعيّة دفعيّة سواء قيل بكونها مجرّدة أم لا، و لايكون فيها نفخ روح كما في الحيوانات - فخارج عن مساق تلك الأخبار التي هي المعتمدة في حرمة عمل المجسّمات، لاستفاضتها و اعتبار أسناد بعضها كمرسلة ابن أبي عمير.

هذا، مضافاً إلى أنّ المظنون بل الظاهر من مجموع الروايات أنّ وجه تحريم الصور و التماثيل هو التشبّه بالخالق - جلّت قدرته - في المصوّرية التي هي من صفاته الخاصّة، و التصوير الخيالي من المذكورات ليس تشبّهاً به تعالى; لأنّه لم يصوّرها كذلك حتى يكون التصوير تشبّهاً به.

إلاّ أن يقال; إنّه صار شبيهاً به في مطلق التصوير، و هو كما ترى.

و لايلزم ممّا ذكرناه الالتزام بجواز تصوير حيوان غير موجود، كالعنقاء مثلاً، أو مخلوق ذي رؤوس عديدة; لأنّا لانقول باختصاص الأدلّة بالحيوانات الموجودة في الخارج، بل نقول باختصاصها بما يكون موجوديّته كموجوديّة الحيوانات بالتخليق و التصوير، و المذكورات ليست كذلك. مع أنّ الالتزام بعدم الحرمة في بعض مصاديق مورد النقض ليس ببعيد، و ليس بتال فاسد».(1)

ويمكن أن يقال; إنّ تقييد بعض الأخبار بالتصوير و التخليق التدريجيّين و النفخ لايوجب عدم شمول الدليل للجنّي و الملك و الشيطان; لأنّ تلك الحقائق

**

(1) المكاسب المحرّمة 1; 271 و 272. ط - مؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني.

تكون عند العرف أيضاً كذلك، و الذي اُفيد من كون إيجادها بدعيّاً دفعيّاً ممّا قرّر في محلّه أجنبي عن فهم العرف، و المتّبع في مصاديق المفاهيم هو العرف، كما أنّ في تشخيص المفاهيم أيضاً كذلك، و عليه فدعوى خروج تلك الأمثال عن مساق الأخبار كما ترى.

هذا، مضافاً إلى أنّ خصوصيات بعض الروايات لاتسري إلى سائر المطلقات بعد كونهما من المنفيات، فلاوجه لرفع اليد عن عموم المنع عن عمل الصور و بنائها عدا غير ذوات الأرواح، كما عرفت.

على أنّ الحكمة هي التشبّه بالخالق في المصوّرية، و هي حاصلة بمثل تلك الأمثلة و الصور الخيالية و لو لم تكن لتلك الصور موجودية، و لاوجه لتقييد المصوّرية بالصورة الموجودة.

و ربّما يقال في وجه الحرمة; إنّ المتعارف من تصوير الجنّ و الملائكة ما هو بشكل واحد من الحيوانات، فيحرم من هذه الجهة; لعدم اعتبار قصد كونه حيواناً مع فرض العلم بكونه صورة له.

و أورد عليه سيّدنا الإمام (قدس سره); بأنّ فيه - مضافاً إلى أنّه ليس اعتبار القصد في صور المشتركات ببعيد -; أنّ الصور المتعارفة من تصويرهما ممتازة عرفاً عن صور الحيوانات و إن كانت شبيهة من بعض الوجوه بالإنسان، لكن العرف يراها غير صورة الإنسان، ففرق بين كون صورة للإنسان أو لموجود آخر شبيه به، و الصور المعمولة من قبيل الثانية.(1)

و هكذا أفاد في مصباح الفقاهة; من أنّ من يصوّر صورة الملك و الجنّ إنّما يقصد صورتهما لاصورة الحيوان و لابما هو أعمّ منهما و من الحيوان.(2)

**

(1) انظر; المكاسب المحرّمة 1; 277.

(2) مصباح الفقاهة 1; 229.

و عليه فلايصحّ القول بالحرمة من جهة ما لم يقصده.

وربّما استدلّ على الحرمة بصحيحة البقباق المتقدّمة; بدعوى أنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) فيها; «و الله ما هي تماثيل الرجال و النساء ولكنّها الشجر و شبهه» هو المقابلة بين ذي الروح و غيره من حيث جواز التصوير و عدمه، و ذكر الاُمور المذكورة فيها إنّما هو من باب المثال، و الله العالم.(1)

و أورد عليه سيّدنا الإمام (قدس سره) بقوله; و أمّا التشبّث برواية أبي العبّاس ففيه مالايخفى; من أنّها نقل قضية خارجية... و لامعنى لإطلاق قضيّة شخصيّة.(2)

و كيف كان، فلاحاجة إلى التجشّم بالاستدلالات المذكورة بعدما عرفت من إدراج المقام في عموم أو إطلاق ممنوعية عمل الصور و بنائها، مضافاً إلى حكمة الحكم، فلاتغفل.

السابع: لو دعت الحاجة الى عمل شىء يكون شبيها بشىء من خلق الله و لو كان حيواناً

إنّه لو دعت الحاجة إلى عمل شيء يكون شبيهاً بشيء من خلق الله ولو كان حيواناً من غير قصد الحكاية فالظاهر من الجواهر أنّه ليس بمحرّم، حيث قال; «و لو اشتركت الصورة بين الحيوان أو غيره اتّبع القصد».(3)

و صرّح به الشيخ الأعظم (قدس سره) أيضاً حيث قال; «فلو دعت الحاجة إلى عمل شيء يكون شبيهاً بشيء من خلق الله و لو كان حيواناً من غير قصد الحكاية فلابأس قطعاً».(4)

و أوضحه في مصباح الفقاهة بأنّه; «لاشبهة في اعتبار قصد حكاية ذي

**

(1) انظر; المصدر السابق.

(2) انظر; المكاسب المحرّمة 1; 277 و 265.

(3) جواهر الكلام 22; 43.

(4) المكاسب 1; 189. ط - تراث الشيخ الأعظم.

الصورة في حرمة التصوير; لأنّ المذكور في الروايات النهي عن التصوير و التمثيل، و لايصدق ذلك إذا حصل التشابه بالمصادفة و الاتّفاق من غير قصد الحكاية، و هذا نظير اعتبار قصد الحكاية في صحّة استعمال الألفاظ في معانيها، و بدون ذلك ليس هناك استعمال.

و عليه، فإذا احتاج أحد إلى عمل شيء من المكائن أو آلاتها أو غيرهما من الأشياء اللازمة على صورة حيوان فلايكون ذلك حراماً; لعدم صدق التصوير عليه بوجه، و المثال الواضح لذلك الطائرات المصنوعة في زماننا هذا، فإنّها شبيهة بالطيور و مع ذلك لم يفعل صانعها فعلاً محرّماً، و لايتوهّم أحد حتى الصبيان أنّ صانع الطائرة يصوّر صورة الطير، بل إنّما غرضه صنع شيء آخر للمصلحة العامّة، و كونه على هيئة الطير إنّما هو اتّفاقي».(1)

و عليه، فالمعتبر في حرمة التصوير هو قصد الحكاية عن الحيوان، و لم يتحقّق ذلك في المشتركات التي يؤتى بها بقصد شيء آخر، فكما أنّه إذا أتى شخص بقول; «الحمد لله ربّ العالمين» بقصد الشكر لابقصد القراءة لم يأتِ بالقراءة، إذ اللازم في القراءة هو قصد الحكاية عن الألفاظ المنزلة على النبيّ (صلى الله عليه وآله)، كذلك إذا صوّر صورة لابقصد الحكاية عنها بل بقصد شيء آخر من الصناعات - كالطائرات مثلاً - لم يفعل حراماً، و لاأقلّ من الشكّ‌، فمقتضى الأصل هو البراءة. نعم لو قصد الحكاية مع شيء آخر فالأظهر أنّه فعل حراماً من دون فرق بين كون الحكاية أصلاً أو تبعاً، فتدبّر جيّداً.

و على هذا، فالمحرّم هو الحكاية و إراءة ذي الصورة بالصورة من دون فرق بين الأصالة و عدمها، فعمل بعض الحلويات بصورة الحيوانات مع قصد الحكاية عنها يكون محرّماً.

**

(1) مصباح الفقاهة 1; 231.

وهل يكون تصنيع الإنسان الآلي في عصرنا محرّماً أو لا؟

يمكن أن يقال; إن كان المقصود من ذلك هو الحكاية عن ذي الصورة (الإنسان الحقيقي) و لو تبعاً فالعمل المذكور محرّم، و إلاّ فلايحرم.

الثامن: لايحرم التصوير على غير البالغ لرفع التكليف عنه

إنّه ربّما يقال; إنّه لايحرم التصوير على غير البالغ; لرفع التكليف عنه، فلو صوّر لم يفعل محرّماً، و لايجب المنع و النهي عنه; لأنّه ليس كالقتل و هتك عرض المؤمن ممّا لايرضى الشارع بوقوعه و وجوده و لو صدر من البهائم، كما يشهد له جواز الاقتناء، بناءً على جوازه.

و لذلك ذهب السيّد اليزدي (قدس سره) إلى جواز تمكينه أيضاً حيث قال; «الظاهر عدم وجوب منع غير المكلّف إذا باشر ذلك بنفسه، بل جواز تمكينه أيضاً إذا لم يكن بحيث يسند الفعل إلى الممكّن; و ذلك لعدم الدليل على وجوب المنع أو حرمة التمكين، كما في سائر المحرّمات التي لم يعلم من أدلّتها أو من الخارج اهتمام الشارع بها بحيث لايريد وجودها في الخارج أصلاً فإنّه لايجب منع غير المكلّف منها... و معلوم أنّ المقام ليس من هذا القبيل; إذ الحكمة التي ذكرها المصنّف (قدس سره) قد عرفت عدم تماميّتها، مع أنّ مقتضاها - على فرض التمامية - حرمة الإبقاء، و لايلتزم به كما سيأتي».(1)

ولقائل أن يقول; إنّ الظاهر من الأخبار هو أنّ حكمة المنع عن التصوير هو التشبّه بالخالق في المصوّرية التي هي من صفاته تعالى، و التشبّه بالله تعالى في المصورية أمر مبغوض في نفسه، و هو حاصل بنفس التصوير، و الإبقاء ليس تشبّهاً في المصوّريّة، و عليه فتمكينه منه كتمكين الجاهل الغافل غير جائز; لأنّ الشارع

**

(1) حاشية المكاسب; 20. ط - حجري.

لايريده و إن جاز إبقاؤه بعد التصوير، بل مقتضى مبغوضيّة التشبّه هو المنع و النهي عن تصوير غير البالغ و إن لم يكن مكلّفاً بالحرمة، فافهم.

التاسع: الرسم على الكرة و نحوها بصورة الحيوان لايحرم

إنّ الرسم على الكرة و نحوها بصورة الحيوان لايحرم; لأنّ الرسم لايصدق عليه التجسيم و إن صارت بعد ذلك كالحيوان المجسّد، و المفروض أنّ نفس الرسم لادليل على حرمته، فلاوجه لحرمة ذلك كما لايخفى.

العاشر: اخذ الاجرة على التصوير المحرّم غير جائز

إنّ أخذ الاُجرة على التصوير المحرّم غير جائز; لأنّ العمل المحرّم بذاته مسلوب الماليّة شرعاً، و أخذ المال في قباله يكون أكلاً للمال بالباطل.

و لقد أفاد و أجاد سيّدنا الإمام (قدس سره) حيث قال; «إنّ أخذ الاُجرة على التصوير المحرّم غير جائز; لأنّ الإجارة لذلك حرام و فاسدة; لما ذكرناه فيما سلف من أنّ الفعل المحرّم الذي يجب على الناس منع الفاعل عنه بأدلّة النهي عن المنكر لايكون محترماً و مالاً، و لهذا لايضمن المانع عنه اُجرة المثل للعمل بلاشبهة، فلو منع مانع عبد غيره عن عمل الصورة المجسّمة لايكون ضامناً، فلايكون ذلك العمل مالاً لدى الشارع، فلايجوز أخذ الأجر عليه، و يكون الأخذ أكلاً للمال بالباطل»(1).

**

(1) المكاسب المحرّمة 1; 298.

المقام الثالث في اقتناء الصور المحرّمة

اشارة

ظاهر كلام بعض القدماء هو حرمة بيع التماثيل و ابتياعها، قال في المقنعة; «و عمل الأصنام و الصلبان و التماثيل المجسّمة و الشطرنج و النرد و ما أشبه ذلك حرام، و بيعه و ابتياعه حرام».(1)

و في النهاية; «و عمل الأصنام و الصلبان و التماثيل المجسّمة و الصور و الشطرنج و النرد و سائر أنواع القمار حتى لعب الصبيان بالجوز فالتجارة فيها و التصرّف و التكسّب بها حرام محظور».(2)

و الظاهر من هذه الكلمات أنّ استعمال و اقتناء المجسّمات و التماثيل ممنوعان، و إلاّ فلاوجه لحرمة المعاملة بها.

و العجب من صاحب الجواهر حيث ذهب إلى جواز البيع و الاقتناء و الاستعمال و الانتفاع قائلاً; بأنّا لم نجد من أفتى بذلك (أي الحرمة) عدا ما يحكى عن الأردبيلي.(3)

أدلّة حرمة الاقتناء:

استدلّ على حرمة الاقتناء بوجوه;

**

(1) المقنعة; 587.

(2) النهاية; 363.

(3) جواهر الكلام 22; 44.

منها; أنّ الظاهر من تحريم عمل الشيء مبغوضيّة وجود المعمول ابتداءً و استدامة، كحرمة عمل الأصنام.

و أورد عليه الشيخ الأعظم (قدس سره); بأنّ الممنوع هو إيجاد الصورة، و ليس وجودها مبغوضاً حتى يجب رفعه، نعم قد يفهم الملازمة من سياق الدليل أو من خارج، كما أنّ حرمة إيجاد النجاسة في المسجد يستلزم مبغوضيّة وجودها فيه المستلزم لوجوب رفعها.(1)

و استشكل فيه سيّدنا الإمام (قدس سره) بقوله: إنّ المتفاهم العرفي من الأوامر و النواهي المتعلّقة بالماهيّات التي لها بقاء و ثبات في الخارج أنّ تلك الماهيّة القارّة الذات محبوبة أو مبغوضة له، و إنّما أمر بإيجادها لمحبوبيّتها بوجودها المستقرّ المستمرّ، و نهى عنها لمبغوضيّتها كذلك، و لاتنتقل الأذهان إلى الإيجاد و الوجود بنحو الاستقلال - إلى أن قال; - و عليه يكون المدّعى هو التفاهم العرفي لاالملازمة العقلية.

فقول الشيخ إن رجع إلى نفي الملازمة عقلاً فلاينافي التفاهم العرفي، و هو كاف في المقام، و إن رجع إلى إنكار فهم العرف فهو غير وجيه; لمساعدة العرف لما ذكر بالتقريب المتقدّم.

ثمّ أجاب عن ذلك بقوله;

لكن يرد على هذا الاستظهار: بأنّالمقام ممّا قامت القرينة على أنّالمحرّم و المبغوض هو هذا المعنى المصدري لاالماهية بوجودها البقائي; و ذلك لأنّ عمدة المستند في المسألة كما تقدّم هي المستفيضة المشتملة على الأمر بالنفخ، و الظاهر منها بمناسبة الحكم و الموضوع أنّ الأمر به لأجل تعجيزه عن تتميم ما خلق، و كأنّه يقال له; إذا كنت مصوّراً فكن نافخاً كما كان الله كذلك، فيفهم منها أنّ الممنوع و

**

(1) المكاسب 1; 193.

المبغوض هو التشبّه به تعالى في مصوّريّته، فهذا المعنى المصدري هو المنظور إليه.(1)

ويمكن المناقشة في دعوى الملازمة العرفية; بالنقض بحرمة الغشّ في المعاملة، مع أنّ بقاءها - لو غشّ - ليس بمحرّم، و إنّما كان للمشتري خيار الفسخ للتدليس.

أو بحرمة الوطء و الاستيلاد حال الحيض أو حال الصيام، و لو فعل ذلك فلايجوز إلقاء النطفة عن رحمها.

أو بحرمة الزنا - كما أفاد المحقّق الإيرواني - فإنّه حرام، و مع ذلك لاتحرم تربية من تولّد من الزنا، بل يجب حفظه من التلف،(2) فتأمّل.

أو بحرمة خياطة ثوب الغير - مثلاً - من دون إذن صاحبه، فلو خاطه كذلك لايحرم بقاؤه، بل لايجوز إتلافه، و هكذا البناء في دار الغير بموادّ البناء التابعة لصاحبها من دون إذنه، و نحوها.

نعم، ربّما يقال; إنّ الإيجاد و الوجود في الحقيقة شيء واحد و إنّما يختلفان بالاعتبار، فإنّ الصادر من الفاعل بالنسبة إليه إيجاد و بالنسبة إلى القابل وجود، فإذا حرم الإيجاد حرم الوجود.

ولكن يمكن الجواب عنه بما في مصباح الفقاهة; من أنّ حرمة الإيجاد و إن كان ملازماً لحرمة الوجود إلاّ أنّ الكلام هنا ليس في الوجود الأوّلي الذي هو عين الإيجاد أو لازمه، بل في الوجود في الآن الثاني الذي هو عبارة عن البقاء، و من البديهي أنّه لاملازمة بين الحدوث و البقاء لاحكماً و لاموضوعاً - إلى أن قال; - على أنّا إذا سلّمنا الملازمة بين مبغوضيّة الإيجاد و بين مبغوضيّة الوجود فإنّما يتمّ‌

**

(1) انظر; المكاسب المحرّمة 1; 285 و 286.

(2) انظر; حاشية المكاسب; 22.

بالنسبة إلى الفاعل فقط، فيجب عليه إتلافه دون غيره، مع أنّ المدّعى وجوب إتلافه على كلّ أحد، فالدليل أخصّ منه.(1)

هذا، مضافاً إلى أنّ الدليل لاينحصر في المستفيضة، لما عرفت من معتبرة الخصال و غيرها، و هي لاتتقيّد بما تقتضيه المستفيضة; لأنّ الحكمة ليست كالعلّة حتى تكون مخصّصة، و إن لم يبعد القول بمعمّميتها كما ذهب إليه اُستاذنا المحقّق الداماد (قدس سره).

فتحصّل; أنّ الجواب منحصر في نفي الملازمة، و على تقدير تسليم الملازمة اختصّ وجوب الإتلاف بالفاعل، فلاتغفل.

ومنها; صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة; سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن تماثيل الشجر و الشمس و القمر؟ فقال; «لابأس ما لم يكن شيئاً من الحيوان».(2)

بناءً على أنّ الظاهر من سؤال الراوي عن التماثيل هو سؤاله عن حكم الفعل المتعارف المتعلّق بها العامّ البلوى و هو الاقتناء، و أمّا نفس الإيجاد فهو عمل مختصّ بالمثّال; ألاترى أنّه لو سئل عن الخمر فأجاب بالحرمة أو عن العصير فأجاب بالإباحة انصرف الذهن إلى شربهما دون صنعهما! بل ما نحن فيه أولى بالانصراف; لأنّ صنع العصير و الخمر يقع من كلّ واحد بخلاف صنع التماثيل.

و أجاب عنه شيخنا الأعظم (قدس سره); بأنّ الصحيحة غير ظاهرة في السؤال عن الاقتناء; لأنّ عمل الصور ممّا هو مركوز في الأذهان، حتى أنّ السؤال عن حكم اقتنائها بعد معرفة حرمة عملها; إذ لايحتمل حرمة اقتناء ما لايحرم عمله.(3)

وفيه; أنّه لاوجه لتخصيص السؤال بصورة الإيجاد، بل استبعاد عدم معرفة محمّد بن مسلم لحرمة الإيجاد يقوّي أن يكون سؤاله عن حكم اقتنائها بعد معرفته

**

(1) مصباح الفقاهة 1; 234 و 235.

(2) الوسائل 3; 563، ب 3، أحكام المساكن، ح 17.

(3) المكاسب 1; 194.

بحرمة عملها، و عليه فالرواية تدلّ على التفصيل بين تماثيل غير ذوات الأرواح فلابأس باقتنائها، و بين تماثيل ذوات الأرواح فالبأس باقتنائها.

اللّهمّ إلاّ أن يقال; إنّ السائل في مقام تبيّن الحدود و قيود المحرّم من أنّه هل يشمل غير ذوات الأرواح أو لا، وعليه فلايختصّ السؤال بالاقتناء بل يعمّ الإيجاد أيضاً.

نعم، يمكن أن يقال; إنّ قوله (عليه السلام); «ما لم يكن شيئاً من الحيوان» - مع كونالسائل في مقام السؤال عن تماثيل غير ذوات الأرواح كما يشهد له تخصيص سؤاله بها - قضيّة مهملة; لأنّ ذكرها من باب التفضّل، و حيث إنّ الإمام (عليه السلام) ليس في مقام بيان خصوصيات أحكام تصوير ذوات الأرواح فعليه لاإطلاق لقوله (عليه السلام); «ما لم يكن شيئاً من الحيوان» حتّى يؤخذ بإطلاقه في الاقتناء.

ومنها; موثّقة السكوني قال; قال أميرالمؤمنين (عليه السلام); «بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة فقال; لاتدع صورة إلاّ محوتها، و لاقبراً إلاّ سوّيته، و لاكلباً إلاّ قتلته».(1)

و أورد عليه الشيخ الأعظم (قدس سره); بأنّ النبوي سياقه ظاهر في الكراهة، كما يدلّ عليه عموم الأمر بقتل الكلاب، و قوله (عليه السلام) في بعض هذه الروايات; «و لاقبراً إلاّ سوّيته».(2)

وفيه; أنّ المكروه لايوجب جواز التصرّف فيه بالهدم و المحو و القتل، اللّهمّ إلاّ أن يكون ذلك من جهة اقتضاء و لايتهم في الاُمور لمصلحة، فتأمّل.

هذا، مضافاً إلى أنّه قضيّة في واقعة، كما في تعليقة الإيرواني.(3)

و لعلّ تصاوير المدينة كانت أصناماً و كلابها مؤذيات و قبورها مسنّمات (أي

**

(1) الوسائل 3; 562، ب 3، أحكام المساكن، ح 8.

(2) المكاسب 1; 194.

(3) حاشية المكاسب; 21. ط - حجري.

مرتفعات غير مسطّحات، نحو السنام).

و لعلّ التسنيم من شعائر النصارى و غيرهم.

ومنها; ما رواه في قرب الإسناد، عن عبدالله بن الحسن، عن جدّه، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)، قال; سألته عن التماثيل هل يصلح أن يلعب بها؟ قال; «لا».(1)

و رواه فيه أيضاً عن المحاسن، عن موسى بن القاسم، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام) أنّه سأل أباه عن التماثيل فقال; «لايصلح أن يلعب بها».(2)

و أورد عليه الشيخ الأعظم (قدس سره); بأنّها لاتدلّ إلاّ على كراهة اللعب بالصورة و لانمنعها، بل و لاالحرمة إذا كان اللعب على وجه اللهو.(3)

و لعلّ مراده (قدس سره) من أنّها لاتدلّ إلاّ على الكراهة هو أنّ عدم الصلاحية أعمّ من الحرمة، فلايدلّ عليها.

هذا، مضافاً إلى ما في مصباح الفقاهة من أنّه; «لو سلّمنا دلالته على حرمة اللعب بها فلاملازمة بين حرمته و حرمة اقتنائها; فإنّ حرمة اللعب أعمّ من حرمة الاقتناء».(4)

ومنها; ما ورد في إنكار أنّ المعمول لسليمان - على نبيّنا وآله و عليه السلام - هي تماثيل الرجال والنساء; فإنّ الإنكار إنّما يرجع إلى مشيئة سليمان للمعمول - كما هو ظاهر الآية - دون أصل العمل، فدلّ على كون مشيئة وجود التمثال من المنكرات التي لاتليق بمنصب النبوّة.

و أجاب عنه شيخنا الأعظم (قدس سره); بأنّ ما في تفسير الآية ظاهره رجوع الإنكار

**

(1) قرب الإسناد; 295، باب ما يجوز من الأشياء، ح 1165. ط - مؤسّسة آل البيت.

(2) المحاسن 2; 458، باب تزويق البيوت، ح 52.

(3) المكاسب 1; 195.

(4) مصباح الفقاهة 1; 236.

إلى مشيئة سليمان - على نبيّنا و آله و عليه السلام - لعملهم; بمعنى إذنه فيه، أو إلى تقريره لهم في العمل.(1)

و أورد عليه في بلغة الطالب; بأنّ الموصول في قوله; «ما يشاء» مفعول ل‍ - «يعملون»، فهي عبارة اُخرى عن معمولهم، فمتعلّق المشيئة نفس المعمول، و المفروض أنّه (عليه السلام) أنكر في الرواية أن يكون ذلك تماثيل الرجال و النساء بل هي تماثيل الأشجار و الشمس و القمر، فيدلّ على أنّ مشيئة سليمان وجود التماثيل من المنكرات; و إلاّ لم يكن وجه لإنكار تعلّق مشيئة سليمان بها، و هذا ممّا لاينبغي أن ينكر - إلى أن قال; - يمكن أن يقال; إنّ الظهور بحسب اللفظ هو رجوع المشيئة إلى المعمول، إلاّ أنّ الظاهر أنّ مجرّد حبّ النبيّ و ميله إلى المرجوح لم يثبت منافاته لمرتبة النبوّة ما لم يظهر منه أثر، بل و ظهر ما ينافيه، مثلاً لو لم يحبّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) استرقاق أقاربه و قتلهم بل أحبّ راحتهم و مع ذلك أمر بقتلهم و أسرهم لايكون فيه منافاة للعصمة و منصب النبوّة، فتكون هذه قرينة على رجوع الإنكار إلى إذنه و تقريره لفعله هذا.(2)

و لايخفى ما في هذا التوجيه من التعسّف و منع الظهور، و بعد كون الظاهر رجوع المشيئة إلى المعمول - كما اعترف بظهوره في ذلك - كان ظاهر الإنكار هو حرمة الاقتناء.

اللّهمّ إلاّ أن يقال; إنّ مجرّد الإنكار لايدلّ إلاّ على عدم المناسبة لمقام النبوّة لاالحرمة، فإنّ الإنكار أعمّ من الحرمة; لأنّ عدم اللياقة بمنصب النبوّة لايستلزم الحرمة، فإنّ فعل المكروه أو بعض المباحات أيضاً لايليق بمنصب النبوّة، فتأمّل.

**

(1) المكاسب 1; 195.

(2) بلغة الطالب 1; 97.

ومنها; صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال; «لابأس بأن يكون التماثيل في البيوت إذا غيّرت رؤوسها منها و ترك ما سوى ذلك».(1)

بدعوى أنّ مفهومها هو ثبوت البأس بها مع عدم التغيير، و ثبوت البأس في شيء مطلقاً مقتضاه الحرمة.

و أجاب عنه شيخنا الأعظم (قدس سره); بأنّ البأس فيها محمول على الكراهة لأجل الصلاة أو مطلقاً، مع دلالته على جواز الاقتناء و عدم وجوب المحو.(2)

و لعلّ وجه دلالته على جواز الاقتناء هو ما أشار إليه في بلغة الطالب; من أنّه من أجل أنّ تغيير رأسها لايوجب زوال صدق الصورة، و الصحيحة نصّ في الجواز بعد التغيير.(3) فلو كان الاقتناء حراماً فلاوجه لزوال الحرمة بمجرّد التغيير مع صدق المجسّمة.

هذا، مضافاً إلى أنّ التقييد بالبيوت يدلّ أو يشعر بعدم الحرمة; إذ لو كان إبقاؤها محرّماً لما ناسب ذلك التعبير و التقييد، فتخصيص البأس فيها - حال عدم التغيير - بالبيوت مشعر أو دالّ على جواز الإبقاء و الاقتناء.

و لعلّ التقييد بالبيوت لأجل أنّ البيت معدّ للصلاة فيه، و يكره وجود الصورة في بيت يصلّى فيه مطلقاً أو إذا كانت بحذاء القبلة.(4)

ومنها; موثّقة ابن أبي عمير، عن المثنّى، عن أبي عبدالله (عليه السلام); «إنّ عليّاً (عليه السلام) كره الصور في البيوت».(5)

بدعوى أنّ هذه الرواية - بضميمة ما ورد في رواية اُخرى مرويّة في باب

**

(1) الوسائل 3; 564، ب 4، أحكام المساكن، ح 3.

(2) المكاسب 1; 195.

(3) بلغة الطالب 1; 97.

(4) انظر; المكاسب (للإمام الخميني قدس سره) 1; 291.

(5) الوسائل 3; 561، ب 3، أحكام المساكن، ح 3.

الربا من أنّ عليّاً (عليه السلام) لم يكن يكره الحلال(1) - تدلّ على حرمة الاقتناء.

و أجاب عنه شيخنا الأعظم (قدس سره); بأنّ ما ورد من أنّ عليّاً (عليه السلام) لم يكن يكره الحلال محمول على المباح المتساوي طرفاه; لأنّه - صلوات الله عليه - كان يكره المكروه قطعاً.(2)

و حيث إنّ الكراهة المذكورة في الرواية الاُولى أعمّ من الحرمة و الكراهة الاصطلاحيّة فلاتدلّ على حرمة اقتناء الصور. هذا مضافاً إلى أنّ التقييد بالبيوت مشعر بجواز اقتنائه، و إنّما المنع لأجل أنّ البيت معدّ للصلاة.

ومنها; ما رواه في مكارم الأخلاق، عن الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال; ربّما قمت اُصلّي و بين يديّ و سادة فيها تماثيل طائر فجعلت عليه ثوباً. و قال; «و قد اُهديت إليَّ طنفسة من الشام فيها تماثيل طير فأمرت به فغيّر رأسه فجعل كهيئة الشجر. و قال; إنّ الشيطان أشدّ ما يهمّ بالإنسان إذا كان وحده».(3)

و الطنفسة - بالمثلّثة في الطاء و الفاء - البساط و الحصير و الثوب.

و أجاب عنه الشيخ الأعظم (قدس سره); بأنّ رواية الحلبي لادلالة لها على الوجوب أصلاً.(4)

و قال في مصباح الفقاهة; «إنّ أمر الإمام (عليه السلام) بتغيير الصورة في الطنفسة التي اُهديت إليه ليس إلاّ كفعله بنفسه، و من الواضح أنّ فعل الإمام (عليه السلام) لايدلّ على الوجوب، و لايقاس ذلك بسائر الأوامر الصادرة منه (عليه السلام) الدالّة على الوجوب - إلى أن قال; - على أنّ الرواية مرسلة فلايجوز الاستناد إليها».(5)

**

(1) الوسائل 12; 447، ب 15 من الربا، ح 1.

(2) المكاسب 1; 195.

(3) مكارم الأخلاق; 132، الفصل العاشر في النجد و الأثاث.

(4) المكاسب 1; 195.

(5) مصباح الفقاهة 1; 238.

هذا، مضافاً إلى أنّ صدر الرواية اكتفي فيه بتغطيته بالثوب، فلو كان اقتناؤها محرّماً لم يُكتفَ بذلك، على أنّ تعليل الأمر بالتغيير بأنّ الشيطان.. إلخ مشعر بأنّ الأمر ليس وجوبياً، بناءً على أنّ الصدر و الذيل كانا جزءً من الرواية و لم يكونا مستقلّين، فتأمّل.

ومنها; ما رواه في قرب الإسناد، عن عبدالله بن الحسن، عن جدّه عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال; سألته عن مسجد يكون فيه تصاوير و تماثيل أيصلّى فيه‌؟ قال; «يُكسَّر رؤوس التماثيل و يُلطَّخ رؤوس التصاوير و يصلّى فيه، و لابأس».(1) و يُلطَّخ أي يُغيَّر.

بدعوى أنّ الأمر بالكسر و التلطيخ لحرمة إبقائها.

و أجاب عنه سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره); بأنّها راجعة إلى الصلاة في مسجد فيه التصوير، و لاينافي جواز إبقائها في غير المسجد، أو فيه في غير حال الصلاة، فالأمر بالكسر و التلطيخ لرفع البأس عن الصلاة فيه، لالحرمة إبقائها كما هو واضح - إلى أن قال; - بل يستشعر منها جواز الإبقاء لو لم نقل بدلالتها عليه.(2)

و لعلّ وجه الاستشعار أنّ الإبقاء لو كان حراماً لم يقيّد التغيير في الرؤوس بحال إقامة الصلاة.

ومنها; رواية تحف العقول، حيث دلّت على الحصر في قوله; «إنّما حرّم الله الصناعة التي حرام هي كلّها التي يجيء منها الفساد محضاً... و ما يكون منه و فيه شيء من وجوه الصلاح».(3)

فإنّ ظاهره أنّ كلّ ما يحرم صنعته - ومنها التصاوير - يجيء منه الفساد محضاً، فيحرم جميع التقلّب فيه بمقتضى ما ذكر في الرواية بعد هذه الفقرة.

**

(1) قرب الإسناد; 205، ح 793.

(2) المكاسب المحرّمة 1; 292.

(3) تحف العقول; 250، معايش العباد.

و أجاب عنه شيخنا الأعظم (قدس سره); بأنّ الحصر - بقرينة الفقرة السابقة منها الواردة في تقسيم الصناعات إلى ما يترتّب عليه الحلال و الحرام و ما لايترتّب عليه إلاّ الحرام - إضافي بالنسبة إلى هذين القسمين; يعني لم يحرم من القسمين إلاّ ما ينحصر فائدته في الحرام و لايترتّب عليه إلاّ الفساد. نعم يمكن أن يقال; إنّ الحصر وارد في مساق التعليل و إعطاء الضابطة للفرق بين الصنائع، لالبيان حرمة خصوص القسم المذكور.(1)

وفيه;

أوّلاً; إنّه لم يسبق الحصر أمران حتى يكون بالنسبة إلى أحدهما إضافيّاً.

وثانياً; إنّ الحصر و إن كان حقيقيّاً لكنّه لايدلّ على أنّ كلّ محرّم يجيء منه الفساد محضاً، بل يدلّ على أنّ كلّ ما يجيء منه الفساد محضاً هو محرّم بجميع شؤونه.

و بعبارة اُخرى; تحريم جميع شؤون الصناعة منحصر فيما إذا كان الفساد المحض مترتّباً عليها; فإنّ الفقرة المذكورة وقعت عقيب الحكم بحلّية الصنائع المحلّلة كالخياطة و الكتابة، و إن كان قد يستعان بها على وجوه المعاصي بعنوان العلّة لتحليل هذا القسم من الصنائع.

و عليه، فلايبتني الجواب عن رواية تحف العقول على كون الحصر إضافياً، بل مع كون الحصر حقيقيّاً أيضاً لايدلّ على أنّ كلّ محرّم لايجوز اقتناؤه و التقلّب فيه، بل يدلّ على أنّ حرمة جميع الشؤون مخصوصة بما يجيء منه الفساد محضاً و منحصرة فيه.

و لذلك قال سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره); «إنّ الظاهر من الرواية - من أوّل تعرّضها لتفسير الصناعات إلى آخرها بعد التأمّل الأكيد فيها - أنّ ما كان فيه الفساد

**

(1) المكاسب 1; 194.

محضاً حرّم الله تعالى جميع وجوه التقلّب فيه، كالبرابط و المزامير و نحوهما ممّا ذكر فيها; فإنّ قوله; «و ذلك إنّما حرم الله...» تعليل لكلامه السابق الدالّ على أنّ ما فيه مصلحة للعباد - كالأمثلة فيها - حلال جميع تقلّباته، و إن كانت تلك الصناعة قد يستعان بها على وجوه الفساد و المعاصي و تكون معونة على الحقّ و الباطل; و ذلك لأنّ المحرّم من جميع الجهات و جميع التقلّبات ما كان فيه الفساد محضاً.

و الظاهر أنّ قوله; «و ما يكون منه و فيه الفساد» تفسير لما أجمل فيها; أي قوله; «إنّما حرّم الله الصناعة»، و يكون المراد من هذه الفقرة مقابل الفقرات السابقة أنّ الصناعة التي هي حرام بجميع شؤونها هي التي يجيء منه الفساد محضاً كالأمثلة المذكورة.

فلاتدلّ الرواية على أنّ كلّ محرّم يجيء منه الفساد محضاً، بل تدلّ على أنّ المحرّم بجميع شؤونه هو ما يجيء منه الفساد محضاً.

فالكاشف إنّاً من الفساد المحض هو المحرّم بجميع الشؤون لاالمحرّم في بعضها، و عليه فلاتدلّ على مطلوبهم و لو كان الحصر حقيقياً.

هذا، مضافاً إلى أنّ الظاهر منها التعرّض للصنائع التي نشأت الحرمة فيها عن الفساد الكائن في المصنوع كالبرابط و المزامير و سائر الأمثلة المذكورة فيها، دون ما كانت الصنعة محرّمة لفساد فيها، لاالمصنوع كما في المقام حيث تكون الحرمة متعلّقة بالتصوير لفساد فيه; لكونه تشبّهاً بالله تعالى في مصوّريته. و تشهد لما ذكرناه فقرات الرواية سيّما قوله; «و ما يكون منه و فيه الفساد...».(1)

و لقد أفاد و أجاد. و ممّا ذكر يظهر ما في كلام الميرزا الشيرازي (قدس سره) حيث قال; «إنّ الحصر كاشف عن عدم تحقّق الفرض، يعني عن عدم ثبوت مصداق له في الخارج، و مجرّد احتمال وجود فرد للعام يعلم بخروجه عن الحكم على تقدير

**

(1) المكاسب المحرّمة 1; 294.

وجوده في الخارج لايوجب إجمالاً في شمول العام لما يحتمل من أفراده أن يكون كذلك، كما إذا قال; أكرم جيراني، و علم أنّه على تقدير وجود عدوّ له في جيرانه لايريد إكرامه، فإنّه لايوجب إجمال العامّ في من يحتمل من جيرانه أن يكون عدوّاً له، بل يحكم بوجوب إكرامه و عدم كونه عدوّاً له.

ففيما نحن فيه إذا ثبت حرمة الاكتساب بشيء - كالتصوير مثلاً - ولكن لم يعلم أنّه ممّا يجوز سائر الانتفاعات به بعد تحقّق موضوعه بالفعل المحرّم حتى يكون ذلك تخصيصاً في حكم الحصر المزبور لكون ذلك إثباتاً لحرمة الاكتساب في غير ما يكون فيه الفساد المحض، أو يكون ممّا يحرم جميع الانتفاعات به لعدم كون جهة صلاح فيه، فالمتعيّن الثاني; عملاً بأصالة العموم السليم عمّا يصلح للمعارضة، كما تقرّر في محلّه».(1)

و حاصله هو الأخذ بأصالة العموم لتعيين حال المشكوك و عدم التخصيص، كما يؤخذ بها فيما إذا دار الأمر بين التخصيص و التخصّص، ولكن لابناء من العقلاء على ذلك لافي المقام و لافيما إذا دار الأمر بين التخصيص و التخصّص. هذا مضافاً إلى ما عرفت من معنى الرواية.

و لذلك أورد عليه سيّدنا الإمام (قدس سره) بقوله; «إنّ مفاد الرواية بعد التأمّل في مجموعها هو أنّ كلّ ما يحرم من جميع الوجوه ففيه الفساد و كلّ ما كان فيه الفساد محضاً فهو حرام من جميع الوجوه، لاأنّ كلّ حرام ففيه الفساد محضاً، فعليه يكون الحصر حقيقياً، و لايستفاد منه الحكم المطلوب، و لايكون المورد من قبيل العامّ المذكور لو سلّم في مورده جواز التمسّك به لكشف حال الفرد.

بل قد عرفت أنّها - كما يظهر من فقراتها - متعرّضة لموضوعات فيها فساد محض أو صلاح كذلك، أو فيها صلاح و إن تستعمل أحياناً في الفساد.

**

(1) حاشية المكاسب; 67. ط - حجري.

و الحصر إن كان حقيقياً لايوجب استفادة حكم خارج عن مدلول الكلام، فكأنّه قال; الحرمة الناشئة من الموضوعات منحصرة بما فيها الفساد، و الحرمة الناشئة من نفس العمل - كما في المقام - خارجة عن مفادها موضوعاً، و هو لايوجب إضافيّة الحصر».(1)

هذا كلّه مضافاً إلى ضعف الرواية.

أدلّة جواز الاقتناء:

و استدل للجواز بروايات;

منها; صحيحة محمّد بن مسلم، قال: سألت أحدهما (عليهما السلام) عن التماثيل في البيت‌؟ فقال: «لابأس إذا كانت عن يمينك و عن شمالك و عن خلفك أو تحت رجليك، و إن كانت في القبلة فألق عليها ثوباً».(2)

قال سيّدنا الإمام (قدس سره): «و الظاهر أنّ السؤال عن وجودها في البيت، فأجاب بعدم البأس إلاّ إذا كانت في القبلة فيلقى عليها الثوب، و إلقاؤه لأجل الصلاة، و مقتضى عمومها عدم الفرق بين المجسّمات و غيرها. و ليس قوله: «أو تحت رجليك» قرينة على الاختصاص بغيرها; ضرورة أنّ الطبيعة إذا كانت ذات أفراد مختلفة يمكن إلقاء بعضها تحت الرجل يصحّ أن يقال فيها ما ذكر، ألاترى عدم الشبهة في شمول العموم للصور المنقوشة على الجدران مع عدم إمكان إلقائها تحت الرجل‌؟! فلاإشكال في عمومها.

و توهّم أنّ التماثيل في تلك الأعصار كانت غير مجسّمات، فالدليل منصرف عنها.

**

(1) المكاسب المحرّمة 1; 296.

(2) الوسائل 3; 317، ب 45، لباس المصلّي، ح 1.

فاسد; لعدم إحراز ذلك. بل يمكن أن يقال; تلك الأعصار لأجل قربها بعصر صنعة الأصنام المجسّمات كانت فيها صنعة المجسّمات متعارفة، مع أنّ قلّة الأفراد لاتوجب الانصراف...

و أضعف منه توهّم كون الدليل في مقام بيان حكم آخر و هو الصلاة في البيت، فلو قال; لو كان في البيت صنم أو آلة لهو هل يجوز الصلاة فيه، فأجاب بعدم البأس، لايدلّ على جواز إبقائهما.

و ذلك لأنّ السؤال - كما تقدّم - إنّما هو عن التماثيل في البيت، و الظاهر منه أنّ السؤال عن وجودها فيه، و قوله: إذا كانت بحذاء القبلة ألقِ عليها الثوب لايدلّ على أنّ السؤال عن الصلاة، و الظاهر أنّه (عليه السلام) أجاب عن مسؤوله مع شيء زائد فقال: «لابأس»; أي لابأس بوجودها في البيت، و إذا كانت بحذاء القبلة ألقِ عليها الثوب; لمكان الصلاة...

و أمّا توهّم أنّ تلك الرواية هي عين صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام); اُصلّي و التماثيل قدّامي و أنا أنظر إليها؟ قال: «لا، اطرح عليها ثوباً و لابأس بها إذا كانت عن يمينك أو شمالك أو خلفك أو تحت رجلك أو فوق رأسك، و إن كانت في القبلة فألقِ عليها ثوباً وصلِّ‌»،(1) فكما أنّها في مقام بيان حكم آخر فكذلك هي.

ففيه ما لايخفى، بعد كون ألفاظهما مختلفة، و المسؤول منه في إحداهما أبوجعفر (عليه السلام) وفي الاُخرى أحدهما. و بالجملة، لاحجّة على وحدتهما بعد استفادة حكم زائد من إحداهما».(2)

هذا، و لو سلمنا وحدتهما فإلقاء الثوب على التماثيل و الصلاة ملازم لتجويز

**

(1) الوسائل 3; 318، ب 45، لباس المصلّي، ح 6.

(2) المكاسب المحرّمة 1; 288.

إبقائها و اقتنائها، فلو كان الإبقاء محرّماً لأمر بكسرها و تغييرها، و التماثيل أعمّ من المجسّمة، فلاتغفل.

ومنها: ما رواه في المحاسن، عن أبيه، عن فضالة بن أيّوب و صفوان جميعاً، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قال له رجل: رحمك الله، ما هذه التماثيل التي أراها في بيوتكم‌؟ فقال: «هذا للنساء أو بيوت النساء». و عن ابن محبوب، عن العلا، عن محمّد بن مسلم مثله.(1)

فقوله: «هذا للنساء» لايساعد على حرمة اقتناء التماثيل; إذ لو كان محرّماً لنهاهنّ الإمام عن ذلك. اللّهمّ إلاّ أن يقال; إنّ تلك القضية قضيّة في واقعة; لعدم العلم بأنّ التماثيل مجسّمات أو لا.

ومنها: ما رواه في قرب الإسناد، عن عبدالله بن الحسن، عن جدّه عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام); سألته عن البيت قد صوّر فيه طير أو سمكة أو شبهه يلعب به أهل البيت، هل تصلح الصلاة فيه‌؟ قال: «لا، حتى يقطع رأسه أو يفسده، و إن كان قد صلّى فليس عليه إعادة».(2)

بدعوى أنّ عدم أمره (عليه السلام) بمحو تلك الصورة مطلقاً قرينة على جواز اقتنائها و إبقائها.

لايقال; لعلّ المراد من الصورة هي المرسومة لاالمجسّمة.

لأنّا نقول - كما أفاد سيّدنا الإمام (قدس سره) -: لايبعد ظهورها في المجسّمات; لأنّ الظاهر منها أنّ أهل البيت كانوا يلعبون بنفس الصورة لابشيء فيه ذلك، و هو يناسب المجسّمات، بل الظاهر من قوله: «فيه صورة طير أو سمكة» أنّ الصورة بنفسها فيه، لاأنّ فيه شيئاً عليه الصورة، تأمّل. كما يشعر قوله; «و يقطع رأسه» بذلك أيضاً.

**

(1) الوسائل 3; 564، ب 4، أحكام المساكن، ح 6.

(2) الوسائل 3; 321، ب 45، لباس المصلّي، ح 18.

و لو نوقش فيما ذكر فلاشبهة في إطلاقها، فتشمل المجسّمات.

كما لاشبهة في تقريره للعب أهل البيت بها و تجويزه ذلك، فجواز الإبقاء و اللعب بها مفروغ عنهما».(1)

ومنها: ما رواه بالإسناد المذكور في قرب الإسناد، عن موسى بن جعفر (عليهما السلام); سألته عن رجل كان في بيته تماثيل أو في ستر و لم يعلم بها و هو يصلّي في ذلك البيت ثمّ علم، ما عليه‌؟ فقال: «ليس عليه فيما لايعلم شيء، فإذا علم فلينزع الستر و ليكسر رؤوس التماثيل».(2)

بناءً على أنّ الأمر بالنزع و الكسر لمكان الصلاة لاللوجوب كما هو واضح، سيّما مع اقتران أمره بالكسر للأمر بالنزع; فإنّ الرواية حينئذ تدلّ على جواز الاقتناء مع قطع النظر عن الصلاة.

ومنها: ما رواه الشيخ الطوسي في التهذيب، بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن حسين (يعني ابن عثمان)، عن ابن مسكان، عن الحلبي، قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «ربّما قمت فاُصلّي و بين يدي الوسادة و فيها تماثيل طير، فجعلت عليها ثوباً».(3)

ولكنّه ظاهر في غير المجسّمة.

ومنها: ما رواه في قرب الإسناد، عن عبدالله بن الحسن، عن جدّه عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام); سألته عن الخاتم يكون فيه نقش تماثيل سبع أو طير يُصلّى فيه‌؟ قال: «لابأس».(4)

و فيه; أنّه ظاهر في غير المجسّمة.

**

(1) المكاسب المحرّمة 1; 290.

(2) الوسائل 3; 321، ب 45، لباس المصلّي، ح 20.

(3) الوسائل 3; 461، ب 32، مكان المصلّي، ح 2.

(4) الوسائل 3; 321، ب 45، لباس المصلّي، ح 23.

ومنها: ما رواه في الكافي، عن أحمد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن الوسادة و البساط يكون فيه التماثيل، فقال: «لابأس به يكون في البيت. قلت; التماثيل‌؟ فقال: كلّ شيء يوطأ فلابأس به».(1)

قال الشيخ الأعظم (قدس سره): «و سياق السؤال مع عموم الجواب يأبى عن تقييد الحكم بما يجوز عمله».(2)

ولكنّه غير ظاهر في المجسّمة.

ومنها: ما رواه في المحاسن، عن موسى بن قاسم، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى أنّه سأل أباه عن التماثيل، فقال: «لايصلح أن يلعب بها».(3)

إذ إطلاق السؤال و تخصيص الحرمة أو الكراهة باللعب يدلاّن على جواز أصل الاقتناء.

ومنها: ما رواه في المحاسن أيضاً، عن أبيه، عمّن ذكره، عن مثنّى رفعه قال: «التماثيل لايصلح أن يلعب بها».(4)

ومنها: الروايات الدالّة على كراهة الصور في البيوت، كموثّقة محمّد بن أبي عمير، عن المثنّى، عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّ عليّاً (عليه السلام) كره الصور في البيوت.(5)

بدعوى أنّ الظاهر منها أنّ الكراهة إنّما تعلّقت بخصوص كونها في البيوت، فلو كان إبقاؤها محرّماً لما يناسب ذلك التعبير كما هو واضح. كما أنّ الظاهر أن الكراهة هي بالمعنى المعروف، و لايبعد أن تكون لأحد وجهين على سبيل منع

**

(1) الوسائل 564:3، ب 4، أحكام المساكن، ح 2.

(2) المكاسب 1; 196.

(3) الوسائل 3; 563، ب 3، أحكام المساكن، ح 15.

(4) المصدر السابق; ح 16.

(5) الوسائل 3; 561، ب 3، أحكام المساكن، ح 3.

الخلو; إمّا لأجل أنّ الملائكة لاتدخل بيتاً فيه صورة، كما ورد في روايات متضافرة «أنّ الملائكة لاتدخل بيتاً فيه صورة و لابيتاً فيه كلب»، و في بعضها «و لابيتاً فيه بول مجموع في آنية»، و في بعضها «و لاجنب»، أو لأجل أنّ البيت معدّ للصلاة فيه، و يكره وجود الصورة في بيت يصلّى فيه مطلقاً أو إذا كانت بحذاء القبلة.(1)

ومنها: الروايات الدالّة على أنّ جبرئيل (عليه السلام) قال: «إنّا معاشر الملائكة لاندخل بيتاً فيه كلب و لاتمثال جسد و لاإناء يبال فيه».(2)

بدعوى أنّ هذا اللحن هو لحن الكراهة، هذا مضافاً إلى وحدة السياق.

وبالجملة، فهذه الأخبار في الجملة تدلّ على جواز الاقتناء للمجسّمات و غيرها، و بها يرفع اليد عن الأخبار الدالّة على الحرمة لو تمّت دلالتها بحملها على الكراهة.

و لذلك قال الشيخ الأعظم (قدس سره): «و لو سلّم الظهور (أي ظهور الأخبار المانعة) في الجميع فهي معارضة بما هو أظهر و أكثر، مثل صحيحة الحلبي - إلى أن قال; - و كيف كان، فالمستفادُ من جميع ما ورد من الأخبار الكثيرة في كراهة الصلاة في البيت الذي فيه التماثيل إلاّ إذا غيّرت أو كانت بعين واحدة أو اُلقي عليها ثوب جوازُ اتّخاذها، و عمومها يشمل المجسّمة و غيرها. و يؤيّد الكراهة الجمع بين اقتناء الصور و التماثيل في البيت و اقتناء الكلب و الإناء المجتمع فيه البول في الأخبار الكثيرة».(3)

و قال سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره) أيضاً; «و كيف كان، يظهر من تلك الروايات جواز إبقائها و إن كانت مكروهة في خصوص البيوت، و مقتضى إطلاقها عدم الفرق

**

(1) انظر; المكاسب المحرّمة (للإمام الخميني قدس سره) 1; 291.

(2) انظر; الوسائل 3; 464، ب 33، مكان المصلّي.

(3) المكاسب 1; 195.

بين المجسّمة و غيرها».(1)

و قال السيّد اليزدي (رحمه الله): «الإنصاف أنّ ملاحظة مجموع الأخبار الواردة في ذلك الباب و في باب لباس المصلّي في كراهة الصلاة في ثوب فيه تماثيل أو درهم كذلك، توجب القطع بعدم حرمة الإبقاء بالنسبة إلى غير المجسّمة، و القريب من القطع بالنسبة إليها، فلاينبغي التأمّل في الجواز».(2)

و ممّا ذكر يظهر ما في جامع المدارك من أنّ الأخبار الظاهرة في جواز الاقتناء لاتشمل المجسّمات، فيشكل استفادة جواز الاقتناء بالنسبة إلى المجسّمات.(3)

و ذلك لإطلاق بعض الروايات، كصحيحة محمّد بن مسلم و صحيحة موسى بن قاسم، و روايات كراهة الصور في البيوت مع عدم دخل البيوت لو كان الاقتناء محرّماً، و لحن الأخبار الدالّة على أنّ الملائكة لايدخلون بيتاً فيه التماثيل، هذا مضافاً إلى عدم تماميّة أدلّة المانعة كما عرفت.

ثمّ‌ إنّه بعد جواز الاقتناء و الإبقاء لاإشكال في المعاملة على التماثيل; لأنّها بعد الإحداث أموال، فيشملها عموم الأدلّة الدالّة على البيع و الشراء. نعم لايجوز أخذ الاُجرة في قبال عمل المجسّمة بعد ما عرفت من حرمته، كما لايخفى.

و لذلك قال سيّدنا الإمام (قدس سره); «ثمّ أنّ أخذ الاُجرة على التصوير المحرّم غير جائز، لأنّ الإجارة لذلك حرام و فاسدة، لما ذكرناه فيما سلف من أنّ الفعل المحرّم الذي يجب على الناس منع الفاعل عنه بأدلّة النهي عن المنكر لايكون محترماً و مالاً، و لهذا لايضمن المانع عنه اُجرة المثل للعمل بلاشبهة، فلو منع مانع عبد غيره من عمل الصورة المجسّمة لايكون ضامناً، فلايكون ذلك العمل مالاً لدى الشارع،

**

(1) المكاسب المحرّمة 1; 291.

(2) حاشية المكاسب; 22.

(3) جامع المدارك 3; 15.

فلايجوز أخذ الأجر عليه، و يكون الآخذ آكلاً للمال بالباطل».(1)

ثمّ‌ إنّ المستفاد من بعض الروايات - كصحيحة محمّد بن مسلم، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام); اُصلّي و التماثيل قدّامي و أنا أنظر إليها، قال: «لا، اطرح عليها ثوباً» - هو كراهة الصلاة في مكان يكون التمثال مقابله، من غير فرق بين المجسّم و غيره، و من دون فرق بين كونه كاملاً أو ناقصاً نقصاً لايخرجه عن صدق الصورة و التمثال، كلّ ذلك لإطلاق التماثيل و الحكم بالكراهة.

ثمّ‌ إنّ الكراهة تزول هنا بطرح ثوب عليها، و لذلك قال السيّد (رحمه الله) في العروة الوثقى; «الثامن عشر (كراهة الصلاة) في مكان يكون مقابله تمثال ذي الروح، من غير فرق بين المجسّم و غيره، و لو كان ناقصاً نقصاً لايخرجه عن صدق الصورة و التمثال، و تزول الكراهة بالتغطية».(2)

و تزول الكراهة أيضاً بجعل التماثيل تحت الأقدام; لصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لابأس أن تصلّي على كلّ التماثيل إذا جعلتها تحتك».(3)

و هكذا يدلّ على كراهة وجود التماثيل في البيوت الرواياتُ الدالّة على أنّ جبرئيل (عليه السلام) قال: «إنّا لاندخل بيتاً فيه صورة و لاكلب، يعني صورة إنسان، و لابيتاً فيه تماثيل»،(4) و الرواياتُ الدالّة على أنّ عليّاً (عليه السلام) كره الصور في البيوت.(5)

ولكن لايوجب ذلك كراهة الصلاة فيها، كما ذهب إليه السيّد في العروة حيث قال; «التاسع عشر (من مواضع كراهة الصلاة); بيت فيه تمثال و إن لم يكن مقابلاً

**

(1) المكاسب المحرّمة 1; 298.

(2) العروة الوثقى 1; 430.

(3) الوسائل 3; 319، ب 45، لباس المصلّي، ح 10.

(4) الوسائل 3; 465، ب 33، مكان المصلّي، ح 2.

(5) الوسائل 3; 561، ب 3، أحكام المساكن، ح 3.

له»،(1) بل غايته هو كراهة وجود التماثيل في البيوت، فلاوجه للحكم بكراهة الصلاة فيها إلاّ من باب التجوّز كما أفاد السيّد الخوئي (قدس سره)، حيث قال بعد نقل الخبر المذكور; «إذن لابأس بالالتزام بكراهة الصلاة فيها تجوّزاً من باب كراهة المكث فيها لالخصوصية في الصلاة نفسها».(2)

هذا، ولكن ترتفع الكراهة بإلقاء ما فيه التمثال تحت الأقدام; لصحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال; «... كلّ شيء يوطأ فلابأس به»(3) و يؤيّده ما رواه عبدالله بن يحيى الكندي، عن أبيه، و كان صاحب مطهرة أميرالمؤمنين (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «قال جبرئيل: إنّا لاندخل بيتاً فيه تمثال لايوطأ».(4)

و ترتفع الكراهة أيضاً بتغيير ما و لو لم يوجب عدم صدق الاسم; لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «لابأس بأن يكون التماثيل في البيوت إذا غيّرت رؤوسها منها و ترك ما سوى ذلك».(5)

إذ التغيير أعمّ ممّا يوجب عدم صدق الاسم كما مرّ. اللّهمّ إلاّ أن يقال; إنّ إضافة قوله; «منها» بعد قوله: «إذا غيّرت رؤوسها» مع عدم لزوم ذلك مشعر بتغيير المحلّ‌، فهو يساوق القطع الذي ذكر في بعض الأخبار، فتأمّل.

ثمّ‌ إنّ المراد من البيوت هي المساكن، و في تاج العروس: «وبيت الرجل داره».(6)

و عليه فوجود التماثيل في الدار كاف في كراهة اقتناء التماثيل، ولكنّ الصلاة

**

(1) العروة الوثقى 1; 430.

(2) مستند العروة الوثقى (الصلاة) 2; 217.

(3) الوسائل 3; 564، ب 4، أحكام المساكن، ح 2.

(4) المصدر السابق; ح 5.

(5) المصدر السابق; ح 3.

(6) تاج العروس 4; 458.

في محل من الدار لم يكن فيه التماثيل لاتكون مكروهة من حيث الصلاة. نعم تكره تجوّزاً باعتبار كراهة المكث في الدار من جهة وجود التماثيل فيها.

و يؤيّد ذلك ما في قرب الإسناد عن عبدالله بن الحسن، عن جدّه عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن الدار و الحجرة فيها التماثيل أيصلّى فيها؟ قال: «لاتصلِّ فيها و شيء منها مستقبلك إلاّ أن لاتجد بدّاً فتقطع رؤوسها و إلاّفلاتصلِّ‌».(1)

ثمّ‌ إنّ كراهة التماثيل مخصوصة بالبيوت، و أمّا في غيرها من الدكاكين و الطرق و الشوارع فلاكراهة في اقتنائها، بل الكراهة في البيوت حيثيّة، فلايبعد زوال كراهتها بانطباق بعض العناوين الراجحة عليها كشعائر الدين، كما إذا كان نصب التماثيل موجباً لتكريم علماء الدين و ترسيخ الحكومة الإسلامية، نظير ارتفاع كراهة لبس الثياب السود إذا انطبق عليه عنوان تعظيم عزاء الحسين أو الأئمّة (عليهم السلام)، فتدبّر جيّداً.

و هكذا يمكن أن يقال بزوال الكراهة لمجرّد المرافقة مع من يريد ذلك، كما لعلّه يدلّ عليه صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال له رجل: رحمك الله، ما هذه التماثيل التي أراها في بيوتكم‌؟ فقال: «هذا للنساء أو بيوت النساء»،(2) فتأمّل.

**

(1) الوسائل 3; 321، ب 45، لباس المصلّي، ح 21.

(2) الوسائل 3; 564، ب 4، أحكام المساكن، ح 6.

المسألة الثالثة عشر التطفيف

أوّلا - المراد بالتطفيف و البخس:

إنّ التطفيف - على ما في تاج العروس - نقص يخون به صاحبه في كيل أو وزن، و قد يكون النقص ليرجع إلى مقدار الحق فلايسمى تطفيفاً.(1)

و يقرب منه ما حكي عن الشيخ الطوسي (قدس سره) في تفسير التبيان من أنّ المطفّف المقلّل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في الكيل أو الوزن، و التطفيف: التنقيص على وجه الخيانة في الكيل أو الوزن.(2)

ثمّ إنّ البخس أيضاً بمعنى نقصان الحق كما نقله ابن السكيت عن الأزهري; و لذا قال في القاموس و تاج العروس: «البخس: النقص و الظلم».(3) و مما ذكر ينقدح أنّ التطفيف متقوّم بالخيانة، كما أنّ البخس متقوّم بالظلم.

و عليه فلاوجه لما في تعليقة الإيرواني من أنّ التطفيف بنفسه ليس عنواناً من العناوين المحرّمة - أعني الكيل بالمكيال الناقص - و كذا البخس في الميزان مع وفاء الحق كاملا; كما إذا كان ذلك لنفسه، أو تمّم من المشتري من الخارج، أو أراد المقاصّة منه، أو نحو ذلك. كما أنّ إعطاء الناقص أيضاً ليس حراماً بل قد يتّصف

**

(1) تاج العروس 182:6.

(2) التبيان 295:10.

(3) تاج العروس 105:4.

بالوجوب، و إنّما المحرّم عدم دفع بقية الحق إذا لم يكن الحق مؤجلا; و إلاّ لم يكن ذلك أيضاً بمحرّم بل يكون التعجيل فيما أعطاه تفضّلا و إحساناً.(1)

و لذلك أورد عليه في مصباح الفقاهة: بأنّ التطفيف قد اُخذ فيه عدم الوفاء بالحق، و البخس هو نقص الشيء على سبيل الظلم و هما بنفسهما من المحرمات الشرعية و العقلية.(2)

و بالجملة، النقص في الكمية سواء كان وزناً أو كيلاً أو عدّاً أو ذرعاً يكون تطفيفاً و بخساً إذا كان على سبيل الخيانة و الظلم و هما من العناوين المحرمة، كما أنّ الغش و التدليس من العناوين المحرّمة و هما خيانة و خديعة; كمزج اللبن بالماء، أو خلط الجيّد بالرديء، أو إخفاء العيب الذي فيه، أو إظهار ما ليس فيه من الكمالات، و غير ذلك. و إنّما الفرق بين التطفيف و البخس و بين الغش و التدليس في أنّ الأوّل في الكمّيات و الثاني في الكيفيات، و في اعتبار الجهل في الثاني دون الأوّل، فلاتغفل.

ثانياً - موارد تحقق التطفيف و البخس:

إنّ البخس - كما عرفت - لايختص بنقصان الكيل أو الوزن، بل يشمل أيضاً النقصان في العدد و الذرع و المدة و الوقت و غيرها من الاُمور المقررة في استحقاق الاُجرة للأجير، بل لعل التطفيف أيضاً كذلك; لإمكان أن يكون الكيل و الوزن مذكورين من باب الغلبة، و يعضده ما حكي عن المصباح من أنّ التطفيف مثل التقليل وزناً و معنىً‌، و عليه فالنقص في العدد أو الذرع داخل في البخس و التطفيف موضوعاً. فلاوجه لما أفاده شيخنا الأعظم (قدس سره) حيث قال: «إنّ البخس في العدد و

**

(1) التعليقة: 22.

(2) مصباح الفقاهة 243:1.

الذرع يلحق به حكماً و إن خرج عن موضوعه».(1)

ثالثاً - العنوان المأخوذ في الحرمة:

إنّ وجه الحرمة هو كون التطفيف و البخس متقوّمين بعنوان الظلم و هو من العناوين المحرّمة، و عليه فلاوجه للترديد في تعليقة السيد (قدس سره) من أنّ حرمته هل هي من حيث إنّه عنوان مستقل من العناوين المحرّمة، أو باعتبار كونه داخلا في عنوان أكل مال الغير بالباطل و العدوان‌؟

و تظهر الثمرة فيما لو طفّف و لم يتصرف بعد في العوض; فعلى الأوّل يكون مرتكباً للحرام بمجرد هذا، و على الثاني لايحصل الحرام إلاّ بعد الأخذ و التصرف، نعم يحرم التطفيف من باب كونه مقدّمة للحرام، فتدبر.(2)

و ذلك لما عرفت من أنّ التطفيف و البخس متقوّمان بعنواني الظلم و الخيانة و هما من العناوين المحرمة. هذا مضافاً إلى أنّ التصرف في مال الغير محرّم آخر يحصل بنفس أخذ العوض زائداً على ما استحقّه من المشتري; فإنّه تصرّف عدواني و لاتتوقف الحرمة على صرف العوض في شيء آخر، فلاتغفل.

رابعاً - حرمة التطفيف و البخس:

إنّ التطفيف و البخس محرّمان بنصّ الكتاب و السنّة; أمّا الكتاب فقوله تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ اَلَّذِينَ إِذَا اِكْتٰالُوا عَلَى اَلنّٰاسِ يَسْتَوْفُونَ وَ إِذٰا كٰالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ‌) ،(3) أي اذا اشتروا يستوفون و إذا باعوا يُخسِرون.

**

(1) المكاسب: 25.

(2) التعليقة: 22.

(3) المطففين 1-3.

و قوله تعالى: (وَ لاٰ تَنْقُصُوا اَلْمِكْيٰالَ وَ اَلْمِيزٰانَ‌) .(1)

و قوله تعالى: (وَ لاٰ تَبْخَسُوا اَلنّٰاسَ أَشْيٰاءَهُمْ وَ لاٰ تَعْثَوْا فِي اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ‌) .(2)

و أمّا السنّة فقد ورد النهي عن التطفيف و البخس في جملة من الروايات:

منها: ما رواه الصدوق في عقاب الأعمال بسند صحيح عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن أبان الأحمر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خمس إن أدركتموهنّ فتعوّذوا بالله منهن: لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوها إلاّ ظهر فيهم الطاعون(3) و الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، و لم ينقصوا المكيال و الميزان إلاّ اُخذوا بالسنين(4) و شدة المؤونة و جور السلطان، و لم يمنعوا الزكاة إلاّ منعوا القطر(5) من السماء و لو لاالبهائم لم يمطروا، و لم ينقضوا عهد الله و عهد رسوله إلاّ سلّط الله عليهم عدوّهم و أخذ بعض ما في أيديهم، و لم يحكموا بغير ما أنزل الله إلاّ جعل الله بأسهم بينهم.(6)

و الرواية و إن كانت في مقام بيان آثار تلك المحرمات لاأحكامها ولكن الظاهر منها مفروغية حرمتها، كما لايخفى.

ومنها: معتبرة حمران عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث (يخبر فيه عما يقع في آخر الزمان) - قال: «ألا تعلم أنّ من انتظر أمرنا و صبر على ما يرى من الأذى و

**

(1) هود: 84.

(2) هود: 85.

(3) في نسخة «الوباء».

(4) بكسر السين: أي سنين القحط.

(5) في نسخة: «المطر».

(6) وسائل الشيعة 512:11 و 513، ب 41 من الأمر والنهي، ح 1.

الخوف فهو غداً في زمرتنا؟! فإذا رأيت الحق قد مات و ذهب أهله و رأيت الرجل معيشته من بخس المكيال و الميزان - إلى أن قال: - فكن على حذر، و اطلب إلى الله النجاة، و اعلم أنّ الناس في سخط الله عزّوجلّ و إنّما يمهلهم لأمر يراد بهم; فكن مترقّباً و اجتهد ليراك الله عزّوجلّ في خلاف ما هم عليه، فإن نزل بهم العذاب و كنتَ فيهم عجلت إلى رحمة الله، و إن اُخّرتَ ابتُلوا و كنت قد خرجت مما هم فيه من الجرأة على الله عزّوجلّ‌، و اعلم أنّ الله لايضيع أجر المحسنين و أنّ رحمة الله قريب من المحسنين».(1)

فذيل الرواية يدل على أنّ الاُمور المذكورة التي منها البخس في المكيال و الميزان موجبة لسخط الله و عذابه، و هو يكفي في الدلالة على الحرمة.

ومنها: ما رواه الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه الصلاة والسلام عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار (رضي الله عنه) بنيسابور، في شعبان سنة اثنين و خمسين و ثلاثمئة، قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري عن الفضل بن شاذان قال: سأل المأمون علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز و الاختصار، فكتب (عليه السلام) له: «إنّ محض الإسلام شهادة أن لاإله إلاّ الله وحده لاشريك له - إلى أن قال: - و اجتنابُ الكبائر; و هي: قتل النفس التي حرّم الله تعالى، و الزنا... و البخس في المكيال و الميزان».(2)

و رواه الصدوق بطريقين آخرين، و قال: «و حديث عبد الواحد بن محمد بن عبدوس (رضي الله عنه) عندي أصح، و لاقوة إلاّ بالله».(3) و عليه فالسند معتبر، هذا مضافاً إلى تصحيح العلاّمة لخبر عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، و اعتماد الكشي على علي بن محمّد بن قتيبة النيسابوري، و صحبة علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري،

**

(1) وسائل الشيعة 514:11-518، ب 41 من الأمر والنهي، ح 6.

(2) عيون الأخبار 127:2. جامع الأحاديث 353:13.

(3) عيون الأخبار 127:2.

للفضل بن شاذان.

و عليه فلاوجه لما عن بعض من أنّه لايضرّ ضعف أسانيد الصدوق بعد كثرة هذه الأخبار و تعدّدها; لما عرفت من صحة الأسناد و اعتبارها، فلاتغفل.

و كيف كان، فالآيات الكريمة و الروايات المعتبرة تدل على حرمة البخس و التطفيف، هذا مضافاً إلى حكم العقل بقبح الظلم و الخيانة، و قد عرفت أنّهما متقوّمان بهما.

و أمّا الاستدلال بالإجماع - مع ما عرفت من الكتاب و السنّة - ففيه: أنّ الإجماع فيما إذا كان محتمل المدرك أو معلومه لايكشف عن شيء آخر. و مما ذكر يظهر ما في كلام شيخنا الأعظم (قدس سره) حيث قال: «و يدل عليه الأدلّة الأربعة».(1)

خامساً - حكم المعاملة من ناحية الصحة والفساد:

1 - إن جرت المعاوضة على الوزن المعلوم الكلي فيدفع الموزون على أنّه بذلك الوزن، فإن طفّف في أحدهما صحت المعاوضة ولكن اشتغلت ذمته بما نقص. و لافرق فيه بين كون المعاملة ربوية أو غير ربوية، كما لافرق بين كون الكلي كلياً ذمياً أو كلياً معيّناً خارجياً.

2 - إن جرت المعاوضة على الموزون المعين الخارجي بموزون آخر باعتقاد المشتري أنّه بذلك الوزن مع أنّه ناقص عنه، فسدت المعاوضة في الجميع، للزوم الربا لو كان العوضان متجانسين.

و لو لم يكن العوضان متجانسين; فلو كان المقصود شراء الموجود كائناً ما كان و كان كيله أو وزنه من جهة حصول العلم بالمقدار ليخرج عن كونه بيع المجهول، فإذا اعتقد المشتري وزنه و لو من دون كيل أو وزن و علم البائع بمقداره

**

(1) المكاسب: 25.

كانت المعاملة صحيحة; لارتفاع الجهالة باعتقاد المشتري و علم البائع بالحال.

و لاخيار إلاّ خيار الغبن إذا ظهر أنّ الموجود لايساوي الثمن بنحو يصدق الغبن.

نعم لو كان البائع جاهلاً بمقدار ما طفّف قال السيد المحقق اليزدي (قدس سره): «يبطل البيع من جهة جهله بمقدار المبيع; إذ يحتمل أن يعتبر علم كلا الطرفين».(1)

3 - إن جرت المعاوضة على الموزون المعيّن الخارجي بشرط كونه بالمقدار المساوي للعوض الآخر بجعل ذلك عنواناً للعوض فحصل الاختلاف بين العنوان و المشار إليه، فقد ذهب شيخنا الأعظم (قدس سره) إلى الصحة، حيث قال: «لم يبعد الصحة».(2)

و أورد عليه الفاضل الإيرواني بأنّ المعاملة باطلة حيث قال: «بطلت المعاملة بظهور عدم الوجود للمبيع; فإنّ المبيع العنوان المتحقق في هذا المشاهَد، و لاعنوان متحقق في هذا المشاهد، و ليس المبيع هذا المشاهد بأيّ عنوان كان، و لاالعنوان في أيّ مصداق كان; إذ لاوجه لإلغاء الإشارة أو الوصف بل اللازم الأخذ بكليهما، و نتيجته ما ذكرناه من البطلان، و هذا الحكم سيّال في كل مشاهَد بِيعَ تحت عنوان من العناوين; كما إذا بِيعَ هذا الذهب فظهر أنّه مُذهَّب، أو هذا البغل فظهر أنّه حمار، أو هذه الجارية فظهر أنّه عبد. و ربما يفرّق بين الأوصاف الذاتية و العرضية فيحكم بالصحة مع الخيار في الثاني; كما إذا باع هذا الرومي فبان أنّه زنجي، أو هذا الكاتب فبان أنّه اُمّي; فكأنّه لاستظهار الشرطية في الأوصاف العرضية، وليكن المقام من ذلك، و المسألة مشكلة; فإنّ الظاهر دخل العنوان و إن كان عرضياً، و مع استظهار عدم الدخل فليكن العن و ان الذاتي أيضاً غير دخيل.(3)

وفيه: أنّ العناوين المشروطة سواء كانت ذاتية أو عرضية تكون دخيلة، و

**

(1) التعليقة: 23.

(2) المكاسب: 25.

(3) التعليقة: 23.

لانقول بعدم الدخل حتى يقال: لايضرّ ذلك في الذاتية أيضاً، و إنّما الفرق بينهما في أنّ العناوين الذاتية تكون من الصور النوعية للشيء عند العرف بحيث يكون تخلّفها عند العرف مساوقاً لعدم وجود المبيع أصلا، و هذا بخلاف العناوين العرضية فإنّها ليست كذلك عندهم، بل يوجب تخلّفها تخلّف الوصف عن المبيع الموجود عرفاً; فله الخيار بسبب التخلّف.

هذا، مضافاً إلى إمكان أن يقال: إنّ المقام من صغريات تعارض الإشارة و العنوان.

و قد ذهب الشيخ في أمثاله إلى تقديم جانب الإشارة.(1)

و مقتضاه أنّ العبرة بالخارج لابالوصف، و عليه فتصحّ المعاملة مع ثبوت الخيار.

ولكن أورد عليه في مصباح الفقاهة: بأنّ كبرى [تعارض الإشارة و العنوان] و إن كانت مذكورة في كتب الشيعة و السنّة إلاّ أنّها لاتنطبق على ما نحن فيه; فإنّ البيع من الاُمور القصدية، فلامعنى لتردد المتبايعين فيما قصداه، نعم قد يقع التردد منهما في مقام الإثبات من جهة اشتباه ما هو المقصود بالذات.(2)

وفيه: أنّ كلاّ من الوصف و الإشارة مقصود في المقام، و إنّما الكلام في الأقوى منهما فيما إذا لم يكن العنوان مطابقاً للواقع، فإن كان الأقوى هو الإشارة فلاعبرة بالوصف، كما يظهر من الشيخ الأعظم في خيار الرؤية حيث قال: «و أمّا كون الاشارة أقوى من الوصف عند التعارض فلو جرى فيما نحن فيه لم يكن اعتبار بالوصف، فينبغي لزوم العقد و إثبات الخيار من جهة كونه وصفاً لشخص لامشخصاً لكلي حتى يتقوّم به».(3)

**

(1) انظر: المكاسب: 250.

(2) مصباح الفقاهة 245:1.

(3) المكاسب: 250.

و عليه، فلاعبرة بالوصف و إنّما المعتبر هو الإشارة; لأنّ العناوين في البيوع الشخصية واسطة في الثبوت لافي العروض، و عليه فالخارج مقصود، بل البيع في الأعيان الخارجية لايتعلّق بالعنوان الذهني; لأنّ العرف يرى التبادل بين الأعيان الخارجية بلاتوسّط شيء، فلاوجه للبطلان، و غايته هو الخيار; لتخلّف ما شرط فيه.

لايقال: لاوجه للخيار مع كون التبادل بين الأعيان.

لأنّا نقول: إنّ المبيع و إن كان هو العين الخارجية ولكن شرط فيه شيء يتخلّف، فيوجب الخيار

نعم، لو كان العوضان متجانسين فاختلافهما في المقدار يوجب الربا، فيحكم ببطلان المعاملة من جهة الربا، فلاوجه لإطلاق الحكم بالصحة، كما يظهر من شيخنا الأعظم (قدس سره).

لايقال: إنّ شرط المقدار بعنوان وصف المبيع يرجع إلى التعليق في الإنشاء يوجب البطلان بالإجماع.

لأنّا نقول: لاتعليق في الإنشاء، و إنّما الشرط المذكور كسائر الشروط التي تكون التزاماً في ضمن الالتزام، فلاوجه للبطلان من هذه الناحية أيضاً.

لايقال: إنّ البيع على أن يكون المبيع بذلك الوزن يوجب الغرر في المعاملة; إذ لم يصر المشتري بسبب ذلك الشرط عالماً بمقدار المبيع، و الغرر يفسد البيع.

لأنّا نقول: بأنّ الغرر يندفع ببناء المتعاملين على ذلك المقدار; فإنّ ذلك - كما أفاد شيخنا الأعظم (قدس سره) في مسألة إخبار البائع بمقدار المبيع(1) - ليس بأدون من بيع العين الغائبة على أوصاف مذكورة في العقد، فيقول: بعتك هذه الصبرة على أنّها كذا و كذا صاعاً، فالمتعيّن حينئذ هو الصحة و الخيار في غير المتجانسين و البطلان في

**

(1) انظر: المكاسب: 194.

المتجانسين; للربا. هذا كله بناءً على أنّ المراد من شرط المقدار هو وصف المبيع بكونه كذا و كذا مقداراً من دون انحلال و تقسيط.

و أمّا إذا كان المراد من الشرط المذكور انحلال المبيع و تقسيط الثمن فالمعاملة صحيحة في مقابل الموجود و باطلة في مقدار الناقص، من دون فرق بين المتجانسين و غيرهما.

و لعلّه إليه أشار الشيخ الأعظم (قدس سره) حيث قال: «و يمكن ابتناؤه على أنّ لاشتراط المقدار مع تخلّفه قسطاً من العوض أم لا؟ فعلى الأوّل يصح دون الثاني».(1)

سادساً - عدم اختصاص الحكم بالبيع و الأعيان:

إنّ مقتضى ما مرّ من تعميم البخس موضوعاً هو حرمة نقصان العمل المستحق له، فإذا صار أحد أجيراً لغيره لعمل فلايجوز للعامل أن ينقصه; فمثلا إذا صار بنّاء أجيراً لغيره لبناء البيت فلم يتمّه فهو بخس، و إذا صار أحد للخدمة في مدة فلم يُتمّ المدة فهو بخس، فلاتختص الحرمة بالبيع، بل البخس في الإجارة أيضاً محرّم; لتعميم عنوان البخس أو التطفيف بناءً على عدم اختصاصه بالنقصان في الكيل أو الوزن في البيع.

وهكذا مقتضى تعميم معنى البخس هو حرمة نقصان الحقوق والامتيازات المستحقة، فإذا كان شخص مالكا لامتياز الهاتف أو الكهرباء أو الحج ونظائرها فلايجوز لمن عليه هذه الامتيازات أن يبخس فيها، كما لايخفى.

**

(1) المصدر السابق: 250.

المسألة الرابعة عشر تغيير الجنسيّة

اشارة

لانعني بتغيير الجنسية صِرف قطع آلة التناسل و إيجاد حفرة مكانها حتى يكون الرجل شبيهاً بالمرأة في إمكان المجامعة معه; لأنّه لايوجب تغيير الجنسية.

بل نعني بذلك تغيير هويّة الرجل و جنسيّته بالكلّ‌، كما لو تناول الرجل مثلاً شيئاً من الأدوية بحيث يتغيّر جنسه و يدخل في جنس آخر، و هذا مجرّد فرض و لم يُحكَ وقوعه إلاّ بالإعجاز، و على فرض إمكان وقوعه لاإشكال في جوازه; لأنّه من باب تبدّل عنوان بعنوان آخر من دون حاجة إلى مقدّمات محرّمة، و مقتضى أصالة الحلّية و أصالة البراءة هو الجواز. هذا مضافاً إلى قاعدة «الناس مسلّطون على أموالهم و أنفسهم» بناءً على أنّها قاعدة عقلائية، فتأمّل.

لايقال: إنّ ذلك تغيير لخلق الله و هو محرّم; لقوله تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّٰ إِنٰاثاً وَ إِنْ يَدْعُونَ إِلاّٰ شَيْطٰاناً مَرِيداً * لَعَنَهُ اَللّٰهُ وَ قٰالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبٰادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً * وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذٰانَ اَلْأَنْعٰامِ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللّٰهِ وَ مَنْ يَتَّخِذِ اَلشَّيْطٰانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اَللّٰهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرٰاناً مُبِيناً) .(1)

لأنّا نقول:

أوّلاً: لاإطلاق للآية; لكونها في مقام مذمّة ما يدعوه المشركون و عداوة

**

(1) النساء: 117-119.

الشيطان و طغيانه و الإشارة إلى أقواله الناشئة عن الطغيان و الأهواء الصادّة عن الفطرة التوحيدية و المؤدّية إلى الشرك و التشريعات المحرّمة.

و ثانياً: إنّ مطلق التغيير في التكوينيات لو كان محرّماً لزم تخصيص الأكثر و هو مستهجن.

فالآية - كما يشهد صدرها و ذيلها - راجعة إلى حرمة التغييرات الناشئة من إغواء الشيطان التي تؤدّي إلى خلاف الفطرة التوحيدية من الشرك و التشريعات المحرّمة.

و هل يلحق بهذا القسم - أي تغيير الجنسية بتناول دواء و نحوه - تغيير الرجل أو المرأة بالعمل الجراحي و الترقيع; بأن يبدّل كلٌّ بآخر بتبديل أجهزة مختصّة بأحدهما، أو لايلحق‌؟

يمكن القول بالثاني من ناحية ملازمته للمحرّمات; إذ أنّ إيجاد النقص في البدن محرّم، و لايرفعه إمكان ترقيعه بما للجنس المخالف، فإنّ الترقيع مؤكّد للنقص الوارد، و النقص هو الضرر، و إيراده و لو على النفس محرّم بحديث نفي الضرر.

هذا، مضافاً إلى استدعائه النظر إلى العورة أو لمسها و هما محرّمان. نعم لو كان ذلك لغرض المعالجة كما إذا كان شخص له ميول مخصوصة بالجنس المخالف بحيث صارت تلك الميول موجبة لحدوث اختلالات في جسمه و روحه أو كانت مصلحة ملزمة اُخرى للتغيير هي أهمّ فلاإشكال. أمّا الأوّل فلأنّه معالجة وضرورة المعالجة تبيح المحظورات، و أمّا الثاني فلأهمّية المصلحة الملزمة بالنسبة إلى حرمة الإضرار، و حرمة النظر و حرمة اللمس أيضاً مرتفعتان بضرورة المعالجة و أهمّية المصلحة الملزمة.

هذا مضافاً إلى إمكان أن يكون المعالج زوجاً أو زوجة بناءً على أنّ مجرّد قلع عضو التناسل في الرجل أو المرأة و تعويضه بعضو الجنس المقابل و خياطة المحل لايخرجه عن الزوجية، و لاأقلّ من الشكّ فتستصحب; فإنّ الترقيع يحتاج

إلى مضي مدّة حتى يلتئم العضو و يصير جزءً لمن يرقع.

و أمّا الخنثى - سواء كان مشكلاً أو غير مشكل - فقلع إحدى آلتيه لتقوية الاُخرى لايكون تغييراً للجنسية; فإنّ إحدى الآلتين في كلّ منهما زائدة. ففي غير المشكل تكون زيادته و اضحة، فقلع الزائدة لايوجب تغييراً كما هو واضح، و في المشكل فالعضو يمكن أن يكون زائداً كما يمكن أن يكون عضواً أصلياً، فالقلع مردّد بين كونه تغييراً أو غير تغيير، فهو شبهة موضوعية للتغيير فلايترتّب عليه حكم التغيير، فلو كان التغيير للجنسية محرّماً لما أمكن القول بحرمة ذلك في الخنثى; لعدم إحراز أنّه تغيير للجنسية.

و علاج الخنثى - سواء كان مشكلاً أو غير مشكل - لاإشكال فيه; لأنّ ضرورة المعالجة تبيح المحظورات و لو كان مستلزماً للنظر و اللمس، و لاحرمة من جهة إيراد الضرر; لما عرفت من أنّه رفع الزائدة لاالنقص، و أيضاً لعدم إحراز أنّه نقص و ضرر في المشكل.

و ممّا ذكر يظهر أيضاً أنّ مَن له إحدى الآلتين فقط إلاّ أنّها قد غطّيت بجلدة و نحوها فإخراجها من تحت الغطاء ليس تغييراً للجنسية، بل هو إظهار للرجولية أو الاُنوثية، و لاإشكال فيه حتى فيما إذا كان ملازماً للنظر و اللمس، لأنّها معالجة و ضرورة المعالجة تبيح المحظورات.

فتحصّل أنّ تغيير الجنسية في غير المورد النادر المذكور أوّلاً لايجوز إلاّ إذا كان معالجة أو كان فيه مصلحة ملزمة أهمّ‌.

فروع:

الفرع الأوّل: هل يجوز تغيير الجنسية من دون استئذان زوجها؟

لو قلنا بجواز تغيير الجنسية فهل يجوز للزوجة ذلك من دون استئذان زوجها أو لايجوز؟

يمكن أن يقال: إنّ الإقدام على ذلك من دون استئذان الزوج خروج عن طاعة الزوج و دخول في النشوز إذا كان ذلك مزاحماً لحقّ الزوج من الاستمتاع و نحوه، و النشوز محرّم، كما أشار إليه قوله تعالى: (وَ اَللاّٰتِي تَخٰافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ‌...) الآية.(1)

و يدلّ على ذلك طائفة من الروايات:

منها: ما رواه في الكافي: عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن الجاموراني، عن ابن أبي حمزة، عن أبي المغرّا، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «أتت امرأة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت: ما حقّ الزوج على المرأة‌؟ فقال: أن تجيبه إلى حاجته و إن كانت على قَتَب، و لاتعطي شيئاً إلاّ بإذنه، فإن فعلت فعليها الوزر و له الأجر، و لاتبيت ليلة و هو عليها ساخط. قالت: يا رسول الله، و إن كان ظالماً؟ قال: نعم. قالت: و الذي بعثك بالحقّ لاتزوّجت زوجاً أبداً».(2)

و من المعلوم أنّ تغيير الجنسية مع مزاحمة حقّ الزوج ينافي قوله (صلى الله عليه وآله): «أن تجيبه إلى حاجته و إن كانت على قتب».

ومنها: موثّقة محمّد بن مسلم المروية في الكافي: عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت: يا رسول الله، ما حقّ الزوج على المرأة فقال لها: أن تطيعه و لاتعصيه، و لاتصدّق من بيته إلاّ بإذنه، و لاتصوم تطوّعاً إلاّ بإذنه، و لاتمنعه نفسها و إن كانت على ظهر قَتب، و لاتخرج من بيتها إلاّ بإذنه، و إن خرجت من بيتها بغير إذنه لعنتها ملائكة السماء و ملائكة الأرض و ملائكة الغضب و ملائكة الرحمة حتى ترجع إلى بيتها...» الحديث.(3)

**

(1) النساء: 34.

(2) الكافي 508:5، ح 8.

(3) المصدر السابق: 506، ح 1.

و من المعلوم أنّ قوله (صلى الله عليه وآله): «و لاتمنعه نفسها» يدلّ على حرمة منع نفسها إيّاه إن دعاها إلى ذلك، و الإقدام على تغيير الجنسية في حال دعوة الزوج إيّاها للاستمتاع نشوز و محرّم; لأنّها بذلك تمنعه نفسها، بل لعلّه كذلك إرضاع الزوجة من تصير بإرضاعه محرّمة على زوجها، أو تأخير طواف النساء لمنع زوجها عن الاستمتاع بها، فإنّها كلّها مشمولة لقوله: «و لاتمنعه نفسها». هذا كلّه فيما إذا كانت دعوة الزوج إلى الاستمتاعات فعليّة، و أمّا إذا لم يدعُها زوجها للاستمتاع بالفعل فهل يكون إقدامها على تغيير الجنسية محرّماً أو لايكون‌؟ فهنا وجوه:

الوجه الأوّل: إنّ الظاهر أنّ المحرّم هو منع نفسها عند فعليّة دعوة زوجها إلى الاستمتاع فلايشمل ما إذا لم تكن له دعوة بالفعل، اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ معرضية الدعوة كافية في عدم جواز منع نفسها بتغيير الجنسية. و لعلّ من ذلك عدم جواز خروجها من البيت من دون استئذان الزوج بحيث إنّ الزوج إذا أراد الاستمتاع في أي ساعة كانت أمكن له ذلك، فالإقدام المذكور مناف لذلك.

و فيه: أنّه لم يحرز أنّه ملاك وجوب الاستئذان; لاحتمال أن يكون للاستئذان موضوعية ولو لم يكن معرضيّة لذلك فضلاً عن الفعليّة.

الوجه الثاني: إنّه إذا كان الخروج من دون استئذان محرّماً فالخروج عن الجنسية من دون استئذان محرّم بالأولوية و إن لم يدعُها الزوج للاستمتاع.

و فيه: أنّه أولوية ملاكية، و لايدلّ الكلام عليها بالفحوى، و الأولوية الملاكية تحتاج إلى القطع.

الوجه الثالث: إنّ الإقدام على التغيير موجب لتضييع حقوق الزوج، و تضييع الحقوق محرّم لكونه ظلماً.

و هكذا يمكن القول بعدم جواز إقدام الزوج على ذلك في وقت ينافي حقّ الزوجة، كما إذا أراد الإقدام على تغيير الجنسية في ليلة يجب عليه المبيت عند زوجته بناءً على لزوم القسمة بين الزوجات، بل لايجوز مطلقاً لو قلنا بأنّ حقوق

الزوجة التي تحقّقت بالعقد - من حقّ المضاجعة و حقّ النفقة تنافي الإقدام على تغيير الجنسية، لأنّه تضييع لحقّها. اللّهمّ إلاّ أن يقال: كما أنّ الطلاق جائز كذلك تغيير الجنسية; فإنّهما متشابهان، فتأمّل.

و بالجملة، لايجوز تغيير الجنسية لكلّ واحد من الأزواج و الزوجات إذا كان التغيير مزاحماً لحقّ الآخر أو مضيّعاً له.

الفرع الثاني: هل يجوز للعبيد و الاماء أن يغيّرواجنسيّتهم من دون اذن مواليهم‌؟

لو قلنا بجواز تغيير الجنسية فهل يجوز للعبيد و الإماء أن يغيّروا جنسيّتهم من دون إذن مواليهم أو لايجوز؟

و لاإشكال في أنّ تغيير الجنسية تصرّف في نفس العبد و الأمة، و حيث إنّ العبد و الأمة غير قادرين في التصرّفات فالواجب عليهم هو استئذان مواليهم في تغيير الجنسية، و إلاّ فالإقدام عليه محرّم.

و الأدلّة الدالّة على ممنوعيّتهم من النكاح و غيره من دون إذن مواليهم تدلّ على ممنوعيّتهم من تغيير الجنسية بطريق أولى. و لو فعل عبد أو أمة ذلك من دون استئذان لايخرج عن المملوكية للمولى و إن عصى في الإقدام عليه من دون استئذان; لأنّ تغيير الجنسية ليس من الأسباب المخرجة عن الملكية، و العين مملوكة من دون فرق بين الرجولية و الاُنوثية.

نعم تتغيّر بعض أحكام المملوك بتغيير الجنسية، فإن كان المملوك عبداً و غيّر جنسيّته جاز وطؤها مع أنّ ذلك لم يكن جائزاً قبل ذلك، كما أنّ المملوك لو كان أمة و غيّرت جنسيّتها حرم وطؤه; لأنّه عبد حينئذ و لايجوز للمالك وطء عبيده.

الفرع الثالث: هل يجوز تغيير الجنسية للأجير في مدّة اجارة نفسه للغير

لو قلنا بجواز تغيير الجنسية فهل يجوز تغيير الجنسية للأجير في مدّة إجارة

نفسه للغير مع اشتراط المباشرة بحيثيّة الرجولية أو الاُنوثية أم لايجوز؟

يمكن أن يقال: إنّ ذلك لايجوز لأنّه مناف لوجوب العمل بعقد الإجارة و ملازم لتفويت حقّ الغير بدون إذنه، فلايجوز أن يقدم الأجير في مدّة الإجارة على عمل ينافي حقّ المستأجر إلاّ مع إذنه، و المفروض أنّ تغيير الجنسية يوجب المنافاة.

و لذلك ذهب الفقهاء إلى عدم جواز أن يعمل الأجير الخاصّ - و هو الذي يستأجر مدّة معيّنة للعمل بنفسه على وجه الاستغراق و التقييد للعمل لغيره بالإجارة أو الجعالة أو التبرّع و لالنفسه عملاً ينافي حقّ المستأجر إلاّ مع إذنه، مستدلّين له بالإجماع، مضافاً إلى موثّقة إسحاق بن عمّار: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يستأجر الرجل باُجرة معلومة، فيبعثه في ضيعة، فيعطيه رجل آخر دراهم و يقول: اشترِ بهذا كذا و كذا و ما ربحت بيني و بينك، فقال: «إذا أذن له الذي استأجره فليس به بأس»(1) فإنّ مفهومه هو البأس فيما إذا لم يأذن المستأجر، و ظاهر البأس هو العقوبة.

و بالجملة، كلّ مورد يكون تغيير الجنسية منافياً لحقّ الغير لايجوز.

الفرع الرابع: بطلان التزويج من حين تغيير جنسيّة الزوجة

لو تزوّجت امرأة فغيّرت جنسها فصارت رجلاً بطل التزويج من حين التغيير; لعدم إمكان بقاء الزواج بعد صيرورة المرأة رجلاً; فإنّه لامشروعية لزواج رجل مع رجل أو امرأة مع مماثلتها فبطل التزويج بعدم بقاء موضوعه.

و لاكلام في هذه الصورة، بل لاكلام فيما إذا غيّر الرجل جنسه بعد تغيير المرأة جنسها; فإنّ الزوجية بينهما صارت باطلة بمجرّد تغيير المرأة جنسها، و عودها بعد صيرورة الرجل مرأة محتاج إلى دليل أو عقد جديد و هو مفقود.

**

(1) المصدر السابق: 287، ح 1.

و إنّما الكلام فيما إذا تقارن التغيير فيهما فهل يبطل النكاح أو يبقيان على نكاحهما و إن اختلفت الأحكام، فيجب على الرجل الفعلي النفقة و على المرأة الإطاعة‌؟ ذهب سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره) إلى أنّه لايبعد بقاء نكاحهما، و إن كان الأحوط تجديد النكاح و عدم زواج المرأة الفعلية بغير الرجل الذي كان زوجته إلاّ بالطلاق بإذنهما.(1)

و لعلّ وجه ذلك هو أنّ حقيقة النكاح هي إيجاد علقة الزوجية بين الرجل و المرأة، و هي تقتضي أن يكون كلّ واحد من الطرفين زوجاً للآخر، كما يشهد له إطلاق الزوج على كلّ واحد منهما، و جواز جعل المرأة مقدّمة على الرجل و بالعكس في إنشاء التزويج; كأن يقول الوكيل: زوّجت موكّلتي موكّلك، أو زوّجت موكّلك موكّلتي، و في القرآن المجيد: (زَوَّجْنٰاكَهٰا) .(2)

فالنكاح هو زوجيّة كلّ منهما للآخر ليس إلاّ، و هذه العلقة مقطوعة الحدوث بينهما، فإذا تغيّر جنس الزوجين في زمان واحد نشكّ في ارتفاعها، و حيث إنّ أحدهما امرأة أمكن بقاء علقة الزوجية المعلومة الحدوث بينهما، فيجري فيها الاستصحاب. و بعبارة اُخرى: تحدث بين الرجل و المرأة الزوجية، و بعد تغيير الجنسية نشكّ في بقائها فتستصحب.

و يشكل ذلك: بأنّ حقيقة اعتبار النكاح هو صيرورة الرجل و المرأة زوجاً و زوجة; بمعنى أنّ الرجل المعهود يكون رجلاً لامرأة معهودة و المرأة المعهودة تكون امرأة له، و من المعلوم أنّ الهوية و الشخصية دخيلة في تلك العلقة.

و غير خفي أنّ الزوجية و إن كانت من الإضافات ولكن لاتكون كالاُخوّة متشابهة الأطراف، بل هي كالاُبوّة و البنوّة من الإضافات غير المتشابهة الأطراف

**

(1) تحرير الوسيلة 564:2، المسألة 4، ط - جماعة المدرسين.

(2) الأحزاب: 37.

كما هو واضح بمراجعة المرتكزات العرفية، و لذا يشترط تعيين الزوج و الزوجة على وجه يمتاز كلّ منهما عن غيره بالاسم أو الوصف الموجب له أو الإشارة; لاختلاف أغراض العقلاء باختلافهما، فالزوجان في النكاح كالعوضين في سائر العقود في لزوم معرفتهما، بخلاف باب البيع فإنّه لايتعلّق غرض بخصوص المشتري أو البائع، وليس الإنشاء في عقد النكاح متعلّقاً بالكلّي المردّد بينهما حتى يصحّ استصحاب علقة النكاح، بل متعلّق بخصوص كون هذا زوجاً لتلك و تلك زوجةً لهذا، و هذه الخصوصية غير باقية بتبدّلهما.

و أمّا إطلاق الزوج على كلّ واحد منهما فليس باعتبار هذه العلقة الحادثة، بل هو باعتبار كون كلّ منهما ثانياً للآخر و زوجاً له بمفهوم إضافي عامّ ينتزع من كلّ من القرينين، كالخفّين و المصراعين و نحوهما.

و لعلّ معنى قوله: زوّجت موكّلك موكّلتي، هو أنّي جعلت في حبالة موكّلك موكّلتي، كما أنّ معنى قوله تعالى: (زَوَّجْنٰاكَهٰا) كذلك; أي جعلنا في حبالتك إيّاها.

و عليه، فحقيقة الزوجية المذكورة مقطوعة الارتفاع بتغيير الجنسية; لأنّ للرجل و المرأة موضوعية فيها، و مع تغيير الجنسية لابقاء لموضوع الإضافة المذكورة. و أمّا الزوجية المطلقة و الكلّية فهي مشكوكة الحدوث، فلامجال للاستصحاب في كليهما; لعدم المجرى لهما، أمّا الزوجية الخاصّة فللقطع بارتفاعها، و أمّا الزوجية المطلقة فللشكّ في حدوثها.

الفرع الخامس: اذا بطل النكاح بتغيير جنسية هل يجب على الزوج كل المهر مطلقاً

إذا بطل النكاح بتغيير الجنسية فهل يجب على الزوج السابق كلّ المهر مطلقاً، أو ليس عليه شيء مطلقاً، أو يجب جميعه إن كان التغيير بعد الدخول بها و نصفه إن كان قبل الدخول، أو ليس عليه شيء إذا كان تغيير الجنسية من جانب الزوجة بلارضاية الزوج‌؟

في المسألة وجوه:

أمّا الوجه الأوّل فلعلّه هو مقتضى عقد النكاح الذي يكون مقروناً بذكر المهر; فإنّ الزوجة تصير مالكة لما جعل مهراً لها بنفس العقد، كما يشهد له الروايات الدالّة على أنّ النماءات الحاصلة بين العقد و الطلاق تكون لها; كموثّقة عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل تزوّج امرأة على مئة شاة، ثمّ ساق إليها الغنم، ثمّ طلّقها قبل أن يدخل بها و قد ولدت الغنم، قال (عليه السلام): «إن كانت الغنم حملت عنده رجع بنصفها و نصف أولادها، و إن لم يكن الحمل عنده رجع بنصفها ولم يرجع من الأولاد بشيء».(1)

فإنّ ظاهر الرجوع هو تملّكها بالعقد، و بعد وضوح الملكية بنفس العقد فعند تغيير الجنسية نشكّ في بقائه على ملكيّتها و عدمها، فمقتضى الاستصحاب هو بقاؤه على ملكيّتها من دون تفصيل بين كلّ المهر ونصفه.

و لاكلام فيه فيما إذا كان تغيير الجنسية بعد الدخول; لأنّ المهر صار مملوكاً لها بالعقد و استقرّ تمامه لها بالدخول و لاسبب لانتفائه، بل الأمر كذلك فيما إذا لم يدخل بها; لما عرفت من أنّه مقتضى العقد و استصحاب البقاء، و لادليل على إلحاق تغيير الجنسية بالطلاق في التفصيل بين الدخول و تمام المهر و عدمه و نصف المهر; إذ الأدلّة مخصوصة بالطلاق، فلايشمل صورة تغيير الجنسية، و لذا ذهب جماعة إلى عدم التفصيل في الموت و الردّة و الإرضاع. و لعلّه لذلك ذهب سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره) إلى وجوب التمام، حيث قال: فهل عليه نصفه مع عدم الدخول أو تمامه‌؟ فيه إشكال، و الأشبه التمام.(2)

و اُورد عليه: بأنّ مقتضى إناطة وجوب جميع المهر بالدخول في الأخبار هو

**

(1) الكافي 106:6، ح 4.

(2) تحرير الوسيلة 564:2، المسألة 3.

عدم وجوب جميع المهر إذا كان التغيير قبل الدخول:

منها: صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سأله أبي و أنا حاضر عن رجل تزوّج امرأة فاُدخلت عليه ولم يمسّها ولم يصل إليها حتى طلّقها، هل عليها عدّة منه‌؟ فقال: «إنّما العدّة من الماء». قيل له: فإن كان واقعها في الفرج و لم ينزل‌؟ فقال: «إذا أدخله وجب الغسل و المهر و العدّة».(1)

بدعوى أنّ مورد السؤال إنّما هو العدّة و البحث عن موجبها، و الإمام (عليه السلام) قد تفضّل في الجواب و أفاد أنّ موضوع وجوب كلّ من المهر و الغسل و العدّة واحد و هو الإدخال و الجماع.

ومنها: صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إذا التقى الختانان وجب المهر و العدّة و الغسل».(2)

ومنها: صحيحة داود بن سرحان عنه (عليه السلام) قال: «إذا أولجه فقد وجب الغسل و الجلد و الرجم، و وجب المهر».(3)

و غير ذلك من الأخبار الدالّة على أنّ الدخول يوجب المهر كلّه.

فإنّ مفهومه أنّه إذا لم يولج فليس عليه كلّه، فإذا حصل الفراق بتغيير جنسيّة أحدهما قبل الدخول فلامحالة لايجب عليه كلّه; فإنّ المفروض هو عدم الدخول و الإيلاج.

و لادافع عن دلالة الروايات إلاّ دعوى انصرافها إلى خصوص مورد الطلاق، و هو ممّا لاوجه له بعد كونه في مقام بيان موضوع حكمه كما في حكم العدّة و الغسل و الرجم، أو دعوى أنّها في مقام بيان خصوص ما يوجب جميع المهر في الموارد التي قد ينصّف فيها المهر، و أمّا أنّ هذه الموارد ما هي فليطلب من دليل

**

(1) الوسائل 65:15، ب 54 من المهر، ح 1.

(2) المصدر السابق: ح 4.

(3) المصدر السابق: ح 5.

آخر. و فيها: أنّها أيضاً دعوى بلاشاهد، بل الشاهد على خلافها كما عرفت.(1)

و بهذا يظهر الوجه الثالث أيضاً.

و كيف كان فيمكن أن يقال:

أوّلاً: إنّ القضية الشرطية لاتدلّ على العلّية المنحصرة، بل غايتها هو أنّ الدخول و الإيلاج علّة للاُمور المذكورة، و أمّا أنّ غير الدخول لايوجب ذلك فلاتعرّض لها، و عليه فلايدلّ قوله (عليه السلام): «إذا أولجه فقد وجب الغسل و الجلد و الرجم، و وجب المهر» على أنّ الدخول علّة منحصرة لوجوب تمام المهر، كما لايدلّ على أنّ الدخول تمام العلّة للعدّة و الغسل; لوجوب العدّة في الوفاة و لو لم يدخل، و لوجوب الغسل بالاحتلام، فلاينافي أن تكون هنا اُمور اُخرى توجب تلك الاُمور أيضاً.

و لعلّه لذلك ذهب المشهور - كما في الجواهر - إلى استقرار المهر بموت الزوج قبل الدخول، و إلى إلحاق ردّة الزوج عن فطرة بموته في الاستقرار كما صرّح به غير واحد، بل عن غاية المراد أنّه المشهور في الفتاوى.(2)

قال في المستمسك: و الذي يقتضيه الذوق العرفي أنّ الفراق إن كان لقصور في موضوع العقد لموت أو ارتداد أو رضاع موجب لكون الزوجة من المحارم أو نحو ذلك لزم جميع المهر; لعدم خلل في العقد بل الخلل في موضوعه، فهو باق في موضوعه الحقيقي الذي ارتفع بطروّ الطارئ، فالطارى إنّما يرفع موضوع العقد ولايرفع نفس العقد، نظير ما لو باعه أو وهبه طعاماً فأكله; فإنّ الأكل لايبطل البيع و لاالهبة، و كذا موت أحد الزوجين لايبطل النكاح، و لذلك كان الأصل فيه بقاء تمام المهر كما هو المشهور - ثمّ قال:

**

(1) انظر: كلمات سديدة: 112-113.

(2) الجواهر 326:39-332.

و على هذا يتعيّن تمام المهر في جميع الصور المذكورة - ثمّ قال: و إذا كان الفراق بالفسخ الاختياري بطل تمام المهر; لأنّ المهر قائم بالعقد و قد ارتفع و انحلّ‌.(1)

وثانياً: بأنّ الأخبار المذكورة مسوقة لبيان عدم استقرار تمام المهر بمجرّد الخلوة مع الزوجة بل يحتاج إلى الدخول، فلاينفي تلك الأخبار عدم استقرار تمام المهر بغير الدخول بمثل تغيير الجنسية، اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ ذلك و إن كان محتملاً في بعض الأخبار ولكنّه لاشاهد له في البواقي.

وثالثاً: إنّ التالي في القضية الشرطية إذا كان مجموع أشياء كان مفهومه سلب هذا المجموع، و من المعلوم أنّ سلب المجموع لايفيد سلب كلّ جزء كمالايخفى.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ القضية الواحدة في حكم القضايا المتعدّدة، و كلّ واحدة منها لها مفهوم، و لعلّه يؤيّده الجمع بين المحرّم و المحلّل في التالي في بعضها، كالجلد و الرجم فإنّه للدخول المحرّم، و المهر للدخول المحلّل، هذا مضافاً إلى تكرار الوجوب.

و كيف كان فتحصّل أنّ تغيير الجنسية يوجب استقرار تمام المهر مطلقاً، سواء كان قبل الدخول أو بعده، كما أنّ الموت و الارتداد و الرضاع كذلك، و لادليل على انحصار إيجاب استقرار تمام المهر في الدخول.

و أمّا الوجه الثاني فهو أن يقال: إنّ حقيقة النكاح معاوضة تقع بين بضع المرأة و المهر، و حيث إنّ تغيير الجنسية يوجب انفساخ هذه المعاوضة فلامحالة يرجع كلّ عوض إلى مكانه الأوّل، وعليه فيصير كلّ المهر ملكاً للزوج، ومقتضاه أنّ الزوجة لاتملك شيئاً منه بتغيير الجنسية.

**

(1) المستمسك 308:4-309.

و قد أجاب عنه في كتاب كلمات سديدة: «بأنّ التحقيق أنّ حقيقة اعتبار النكاح عند العقلاء ليس إلاّ صيرورة هذا زوجاً لها و هذه زوجة له، أو إلاّ كون كلّ منهما زوجاً للآخر، فينشأ بينهما بالإيجاب و القبول هذا الأمر الاعتباري يوجبه أحدهما و يقبله الآخر، و لاتتقوّم حقيقته إلاّ بهذا، و المهر بمنزلة هديّة يهديها الرجل زوجته، و أوجبه الشرع زائداً على قوام النكاح مع اعترافه بصحّة نكاح مفوّضة البضع.

و نطق القرآن الكريم بانعقاد النكاح قبل فرض المهر في قوله تعالى: (لاٰ جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ اَلنِّسٰاءَ مٰا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً (1) وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى اَلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى اَلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتٰاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ‌) .(2) فإنّ فرض الطلاق قبل فرض المهر لايكون إلاّ إذا انعقد النكاح قبله، فإذا طلّقها قبل فرض مهر لها و قبل مسّها فلايجب عليه المهر أصلاً، و إن وجب عليه أن يمتّعها متعة على حسب وسعه فعلى الموسع قدره و على المقتر قدره.

و بالجملة: فحقيقة النكاح ليست معاوضة شيء بالمهر ليقتضي انفساخه رجوع المهر إلى مالكه.

ثمّ لو سلّمنا كونها تلك المعاوضة لما نسلّم أنّ مآل بطلانه بتغيير الجنسية إلى انفساخه، فإنّه إنّما كان يسلّم ذلك إذا كان هنا إنشاء الفسخ كالفسخ بالخيار أو الرجوع في الطلاق، و أمّا هنا فليس إلاّ عدم إمكان بقاء اعتبار الزوجية لصيرورتهما رجلين أو امرأتين مثلاً، و لادليل على أنّ العقد و القرار السابق ينفسخ من الحين بل

**

(1) وفي جوامع الجامع (156:1): «أو تفرضوا لهنّ فريضة: إلاّ أن تفرضوا لهنّ فريضة أو حتى تفرضوا لهنّ فريضة، وفرض الفريضة تسمية المهر» انتهى. وعليه فكلمة «أو» في الآية الكريمة بمعنى «إلى» أو بمعنى «إلاّ» وهي تدخل على المضارع فيُنصب بإضمار «أن».

(2) البقرة: 236.

غاية الأمر أنّه لايمكن بقاؤه».(1)

فالطارئ يرفع موضوع العقد لانفس العقد، فالفسخ و الانفساخ لامورد له.

وأمّا الوجه الأخير فهو أنّ الزوجة إذا كانت مقدمة على التغيير فقد أوردت على زوجها ضرراً مالياً يجب عليها ضمانه، فإن أخذته قبل التغيير فعليها ردّه، و لايجوز لها أخذه إذا لم تكن أخذته.

و يرد عليه: أنّ إتلاف الزوجة للمال ممنوع، و إنّما هي مانعة من نيل الزوج أهدافه، ولكنّه ليس من موجبات الضمان و إن قلنا بحرمة ذلك تكليفاً، بل اشتغال الذمّة بالمهر حصل بالعقد، و الزوجية ليست بمال حتى تكون متلفة لها، و لافرق في السبب الطارئ أن يوجد باختيار الزوج لاالزوجة أو باختيارهما معاً; إذ في كلّ و احد من الصور يلزم جميع المهر; لعدم الخلل في العقد بل الخلل في موضوعه، و قد عرفت أنّ مقتضى العقد هو مالكية الزوجة لجميع المهر.

فتحصّل أنّ الأقوى هو الوجه الأوّل، وهو وجوب تمام المهر مطلقاً، سواء كان قبل الدخول أو بعده، وسواء استأذنت الزوجة الزوج أو لم تستأذنه.

تنبيه: إنّ ما ذكر إنّما يتمّ بالنسبة إلى النكاح الدائم، وأمّا بالنسبة إلى المتعة فلايخلو من تفاوت; لإمكان أن يقال: إنّ الظاهر أنّ المتعة من المعاوضات كما تدلّ عليه الأخبار المستفيضة:

منها: رواية عبيد بن زرارة، عن أبيه، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: ذكرت له المتعة أهي من الأربع‌؟ قال: «تزوّج منهنّ ألفاً فإنّهنّ مستأجرات».(2)

ومنها: رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) - في المتعة قال: «ليست من الأربع; لأنّها لاتطلّق ولاترث (ولاتورث)، وإنّما هي مستأجرة».(3)

**

(1) كلمات سديدة: 111-112.

(2) جامع الأحاديث 24:21.

(3) المصدر السابق: 23.

ومنها: ما رواه العيّاشي عن عبدالسلام، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت له ما تقول في المتعة‌؟ قال: «قول الله: (فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً - إلى أجل مسمّى - وَ لاٰ جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ فِيمٰا تَرٰاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ‌)(1) » قال: قلت: جعلت فداك، أهي من الأربع‌؟ قال: «ليست من الأربع، إنّما هي إجارة...» الحديث.(2)

إذ لاوجه لتخصيص التنزيل بمنزلة المستأجرة في مجرّد أنّها تخرج عن عقد الزوج بانقضاء المدّة. و يؤيّده أنّه ذهب المشهور إلى أنّه لو ظهر أنّ المهر ملك لغير الزوج لم يصحّ العقد; لأنّ المهر عوض البضع، و لابدّ أن يخرج العوض من ملك من يدخل في ملكه العوض. و أيضاً يؤيّد ذلك ما دلّ على أنّ الزوج له أن ينقص من المهر مع عدم وفاء المرأة، كصحيح عمر بن حنظلة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت له: أتزوّج المرأة شهراً فأحبس عنها شيئاً؟ قال: «نعم خذ منها بقدر ما تخلفك; إن كان نصف شهر فالنصف، و إن كان ثلثاً فالثلث».(3)

وفيه: أنّ كون المتعة من مصاديق الإجارة تنزيلاً أو حقيقةً غير ثابت; لعدم عموم التنزيل، و لعدم التزام أحد بجواز إنشاء عقد المتعة بصيغة الإجارة، ولكن مع ذلك لو تغيّر جنس الزوجة من دون إذن زوجها تخلّفت عن زوجها، فيرجع الزوج إليها بنسبة مدّة التخلّف من دون فرق فيه بين الدخول و عدمه، كما دلّ عليه صحيح عمر بن حنظلة.

فتحصّل: أنّ في المتعة يرجع من المهر بمقدار تخلّف المدّة، فالزوجة إذا تغيّرت جنسيّتها وجب عليها أن تردّ من المهر بمقدار زمان التخلّف.

نعم، لو استأذنت زوجها في ذلك لم تضمن شيئاً; لإقدام الزوج على ذلك، و

**

(1) النساء: 24.

(2) جامع الأحاديث 23:21.

(3) الكافي 461:5، ح 2.

لعلّه يرجع إلى إبراء المدّة كما لايخفى.

الفرع السادس: تغيير جنس المرأة في زمان عدّتها

لو تغيّر جنس المرأة في زمان عدّتها، ذهب سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره) إلى أنّ عدّتها ساقطة حتى عدّة الوفاة.(1) و وجهه واضح; لأنّ العدّة تكون على النساء، فإذا تغيّر جنس المرأة خرجت عن موضوع الحكم، و لامعنى لبقاء الحكم مع عدم بقاء الموضوع، كما لاتبقى سائر الأحكام بانتفاء موضوعها كحرمة النظر إليها و وجوب الستر عليها، و عدّة الوفاة و إن كانت للحداد - أي ترك الزينة لاحترام الميّت ولكن موضوعها هو أيضاً المرأة، كما في صحيحة محمّد بن مسلم و بريد بن معاوية وزرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال في الغائب عنها زوجها إذا توفّي قال: «المتوفّى عنها تعتدّ من يوم يأتيها الخبر; لأنّها تحدّ عليه (له خل)».(2)

و لذلك عبّر سيّدنا الإمام في قوله بلفظة «حتى» في عدّة الوفاة; ليعلم أنّها أيضاً مرتفعة و إن كانت مشروعيّتها لحكمة رعاية احترام الزوج; بشهادة لزوم ابتدائها من زمن بلوغ الخبر، فربّما يمكن أن يتوهّم بهذه الملاحظة بقاؤها قضاءً للاحترام، فلاتغفل.(3)

الفرع السابع: تغيير جنس الرجل الولى الى المخالف

لو تغيّر جنس الرجل الولي إلى المخالف، ذهب سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره) إلى أنّ الظاهر سقوط ولايته على صغاره، كما أنّه لو تغيّر جنس المرأة إلى جنس الرجل

**

(1) انظر: تحرير الوسيلة 564:2، المسألة 6.

(2) الوسائل 446:15، ب 28 من العدد، ح 3.

(3) انظر: كلمات سديدة: 114.

لاتثبت لها الولاية على الصغار بل ولايتهم للجدّ للأب، و مع فقده للحاكم.(1)

أمّا وجه الأوّل فلأنّ الملاك في الولاية هو أمران: الرجولية، والاُبوّة أو الجدودة، و هما غير باقيين مع تغيير الجنسية، و قد دلّت على ذلك الروايات الواردة في تزويج الصغير و الصغيرة، و الروايات الواردة في الوصية إلى رجل بولده و بماله، و غير ذلك من الموارد، و هذه الروايات كثيرة:

منها: خبر عبيد بن زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إنّي لذات يوم عند زياد بن عبيدالله الحارثي إذ جاء رجل يستعدي على أبيه فقال: أصلح الله الأمير، إنّ أبي زوّج ابنتي بغير إذني، فقال زياد لجلسائه الذين عنده: ما تقولون فيما يقول هذا الرجل‌؟ قالوا: نكاحه باطل - قال: ثمّ أقبل عليَّ فقال: ما تقول يا أبا عبدالله‌؟ فلما سألني أقبلت على الذين أجابوه فقلت لهم: أليس فيما تروون أنتم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّ رجلاً جاء يستعديه على أبيه في مثل هذا فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت و مالك لأبيك‌؟ قالوا: بلى، فقلت لهم: فكيف يكون هذا و هو و ماله لأبيه و لايجوز نكاحه [عليه]؟! - قال: فأخذ بقولهم و ترك قولي».(2)

ومنها: موثّقة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «إذا زوّج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه، و لابنه أيضاً أن يزوّجها»، فقلت: فإن هوى أبوها رجلاً وجدّها رجلاً؟ فقال: «الجدّ أولى بنكاحها».(3)

ومنها: خبر عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل هل يصلح أن يزوّج ابنته بغير إذنها؟ قال: «نعم، ليس يكون للولد مع الوالد أمر إلاّ أن تكون امرأة قد دخل بها قبل ذلك، فتلك لايجوز نكاحها إلاّ أن

**

(1) انظر: تحرير الوسيلة 564:2، المسألة 6.

(2) جامع الأحاديث 144:20.

(3) المصدر السابق: 143.

تستأمر».(1)

ومنها: خبر محمّد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه سئل عن رجل أوصى إلى رجل بُولده و بمال لهم، و أذن له عند الوصية أن يعمل بالمال و أن يكون الربح بينه و بينهم، فقال: «لابأس به; من أجل أنّ أباه قد أذن له في ذلك و هو حيّ‌».(2) و غير ذلك.

و هذه الروايات تدلّ على القيدين; أي الرجولية و الاُبوّة أو الجدودة، و يكفي للأوّل قوله (عليه السلام): «إذا زوّج الرجل...»، وللثاني قوله (عليه السلام): «لابأس به من أجل أنّ أباه قد أذن له في ذلك و هو حيّ‌». فإذا عرفت أنّ موضوع الولاية هو عنوان الأب أو الجدّ في الرجل فمع ارتفاع الموضوع بتغيير الجنسية تسقط الولاية.

و قد اُورد عليه: بأنّ الوجه المذكور منوط إمّا بعدم صدق الأب عليه بعد التغيير مع أنّ الولاية مترتّبة على عنوان الأب، و إمّا باختصاص الولاية بالأب بشرط بقائه على صفة الرجولية و عنوانها.

و كلاهما ممنوعان.

أمّا الأوّل: فلأنّ المعيار في صدق الاُبوّة هو مجرّد إفراغ المني في رحم اُمّ الولد و كون النطفة من منيّه، و هذا لايتغيّر بتغيّر الجنسية; إذ بعد التغيير يكون هو هو، و لذا يصدق عليه عنوان الأب بالفعل بهذا المعنى حقيقةً من باب صدق عنوان المشتقّ على المتلبّس بالمبدأ; فإنّه يصحّ و لاينكر أن يقول ولدها أنّ أبانا هو هذه المرأة إلاّ أنّه صار امرأة.

و أمّا الثاني: فمن الممكن أن يمنع الاختصاص بحالة الرجولية، غايته أنّ الأدلّة لاتدلّ على ثبوتها له إذا صار امرأة، فحينئذ مع زوال الرجولية يمكن إثبات

**

(1) المصدر السابق: 137.

(2) الوسائل 478:13، ب 92 من الوصايا، ح 1.

بقاء الولاية ببركة الاستصحاب بعد كون الموضوع هو هذا الشخص.(1)

ويمكن أن يقال:

أوّلاً: إنّ الرجل بعد تغيير جنسيّته وصيرورته امرأة لايصدق عليه عنوان الأب بالفعل مع كونها معنونة بالمرأة. نعم يصدق عليها أنّ هذه المرأة كانت قبل ذلك رجلاً و أباً لذلك الولد، و عليه فحيث لم يصدق عليه عنوان الأب بالفعل فلاتبقى ولاية للأب; لعدم بقاء موضوعه، فتأمّل; لكفاية حدوث المبدأ في الصدق في أمثال المقام.

وثانياً: أنّ المسلّم في أذهان المتشرّعة هو دخالة الرجولية في الولاية، فجعلها من الأحوال و كون الموضوع هو الشخص و لو صار امرأة خلاف الارتكاز، و لاأقلّ من الشكّ في كون الموضوع هو الشخص أو الرجل، و معه لامجال لاستصحاب الولاية لعدم إحراز الموضوع، و لايمكن إبقاء الموضوع بالاستصحاب أيضاً; لأنّ الشكّ في موضوعية الباقي و هو الشخص، و عنوان الرجل في المقام ليس من الأحوال عرفاً كعنوان تغيّر الماء بالنجاسة في الماء المتغيّر، فلايصحّ قياسه بها مع دخالة الرجولية في الولايات، بل هو كبيع الفرس فبان حماراً في المباينة بين المبيع و بين الموجود، و ليس كبيع الفرس العربي فبان غير عربي، فلاتغفل.

وأمّا الوجه الثاني - أعني عدم حدوث الولاية للاُمّ بتغيير الجنسية و صيرورتها رجلاً - فهو واضح; لأنّ العنوان الذي ثبت له الولاية هو الأب، و لاتصير الاُمّ بمجرّد تغيير جنسها إلى الرجل أباً; إذ الأب هو الذي تكوّن الولد من منيّه، و هو ليس من كان شأنه حمل الولد و وضعه.

هذا مضافاً إلى إمكان دعوى أنّها بعد تغيير جنسها أيضاً يصدق عليه بالفعل أنّه اُمّ لولده; لأنّه هو الذي حمله بشخصه و نفسه، و مع صدق الاُمّ عليه لايصدق

**

(1) انظر: كلمات سديدة: 115-116.

عليها الأب; لأنّهما لايجتمعان في واحد.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّه لايصدق عليه عنوان الاُمّ بالفعل; لفقدان ملاكه فيه; إذ الرجل ليس بالفعل حاملاً و واضعاً.

نعم، كان ذلك الرجل هي التي حملته و وضعته. و هذا غير كاف لصدق الاُمومة عليه بالفعل مع كونه معنوناً بالرجل، ولكن عرفت أنّ حدوث المبدأ في أمثال المقام كاف في الصدق، ألاترى أنّ عنوان القاتل صادق مع أنّ المبدأ لايدوم‌؟! و هكذا في المقام.

و كيف كان، فتحصّل أنّه لاتبقى و لاية للأب مع تغيير جنسه كما لاتثبت للاُمّ ولاية بعد صيرورتها رجلاً، فلاتغفل.

الفرع الثامن: لاتتغيّر عناوين النسبيّه بتغيير الجنسيّة

لو قلنا بتغيير عنوان الأب أو الجدّ بتغيير الجنسية فهو غير جار في غيرهما من العناوين النسبية كعنوان الاُخوّة و العمومة و الخؤولة، فإنّ تلك العناوين لاتتغيّر بتغيّر الجنسية; لبقاء منشأ انتزاعها و هو الاشتراك في الأب أو الاُمّ بلاواسطة أو معها.

فلو تغيّر جنس كلّ من الأخ و الاُخت بالمخالف لم ينقطع انتسابهما بل صار الانتساب معكوساً، فيصير الأخ اُختاً و الاُخت أخاً، و تبدّل العنوانين لايخرجهما عن الاُخوّة و اشتراكهما في الانتساب و ولادتهما من الأب الواحد أو الاُمّ الواحدة.

و هكذا الكلام في العمومة و الخؤولة و نحوهما.

فحينئذ لو كانت الآثار مترتّبة على عنوان الاُخوّة و العمومة و الخؤولة من دون فرق بين الذكر و الاُنثى - كحرمة النكاح و جواز النظر بقيت على حالها; إذ الموضوعات باقية، بخلاف الأحكام التي ترتّبت على بقاء العناوين المختصّة بالذكر أو الاُنثى كالابن و البنت و الأخ و الاُخت و نحوهما; فإنّها لاتبقى بعد عدم صدق

موضوعاتها بالفعل، فإذا كان شخص رجلاً و ابناً ثمّ غيّر جنسيّته قبل موت والده فلايرث إرث الأبناء بل له إرث البنت; لأنّ المعيار هو صدق تلك العناوين بالفعل حال الموت.

و عليه فلو مات عن ابن جديد و بنت جديدة فللذكر الفعلي ضعف الاُنثى الفعلية، و هكذا في سائر طبقات الإرث، فكما أنّ الدليل يشمل القديم منهما كذلك يشمل الجديد منهما; و ذلك لإطلاق أدلّة الإرث، كقوله تعالى: (لِلرِّجٰالِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ اَلْوٰالِدٰانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّسٰاءِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ اَلْوٰالِدٰانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ مِمّٰا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) ،(1) وكقوله عزّ وجلّ‌: (يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ‌) .(2)

ثمّ إنّ عنوان الأب و الاُمّ إن كانا ثابتين - و إن تغيّر جنسهما كما هو الظاهر - فلافرق بينهما و بين عنوان الاُخوّة و العمومة و نحوهما من سائر العناوين في بقاء أحكامها من الإرث و غيره، و أمّا إن قلنا بتغيّرهما مع تغيير الجنسية فيشكل ذلك في إرثهما; فإنّ المرأة بعد تغيير جنسها إلى الرجل ليس الرجل الفعلي اُمّاً و لاأباً بالفعل، كما أنّ الرجل بعد تغيير جنسه إلى المرأة ليست المرأة الفعلية أباً و لااُمّاً بالفعل.

فحينئذ يقع الكلام في أنّهما يرثان أو لايرثان أصلاً، و قد ذهب في تحرير الوسيلة إلى الأوّل، واستدلّ له بالأخبار المستفيضة التي فيها المعتبرة على أنّ ميراث الميّت إنّما يكون للأقرب إليه، ففي موثّقة زرارة قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: (وَ لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مَوٰالِيَ مِمّٰا تَرَكَ اَلْوٰالِدٰانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ‌) قال: إنّما عنى بذلك اُولي الأرحام في المواريث و لم يعنِ أولياء النعمة، فأولاهم بالميّت أقربهم إليه من الرحم

**

(1) النساء: 7.

(2) المصدر السابق: 11.

التي يجرّه إليها».(1)

فإنّ ظاهرها أنّ ملاك الأولوية الموجبة لأن يكون هو الوارث إنّما هو الأقربية إلى الميّت، و ذكر الوالدين في قبال الأقربين لايضرّ بهذا الاستظهار، كما أنّ الأولوية عبارة اُخرى عن الحاجبية لمن لم يكن مشتركاً مع الأقرب في المرتبة، و من المعلوم أنّ أقربية الوالدين لايحصل فيها تغيير بتغيير الجنسية.

فأصل إرثهما و لو بعد التغيّر ممّا لاينبغي الشكّ فيه، كما أنّهما يحجبان من تتأخّر مرتبة قربه من الميّت عنهما.(2)

و تشهد له صحيحة أبي أيّوب الخزّاز عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إنّ في كتاب عليّ (عليه السلام) أنّ كلّ ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجرّ به إلاّ أن يكون وارث أقرب إلى الميّت منه فيحجبه»(3); لدلالتها على أنّ المعتبر في الإرث هو الأقربية.

و يؤيّده أيضاً خبر حسين الرزّاز قال: أمرت من يسأل أبا عبدالله (عليه السلام) المال لمن هو; للأقرب أو العصبة‌؟ فقال: «المال للأقرب، و العصبة في فيه التراب».(4)

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الرواية في مقام نفي العصبة، فلاإطلاق لها بالنسبة إلى المقام.

ولكن لقائل أن يقول: نعم، ولكن نفي إرث العصبة بملاك الإرث - و هو الأقربية يكفي في الدلالة على أنّ المعيار في الإرث هو الأقربية، كما يشهد له تعليل إرث كلّ مرتبة في معتبرة يزيد الكناسي بأولويّتها ممّن دونها; حيث روى عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: «ابنك أولى بك من ابن ابنك، و ابن ابنك أولى بك من أخيك، قال: و أخوك لأبيك و اُمّك أولى بك من أخيك لأبيك، و أخوك لأبيك أولى بك من أخيك

**

(1) الوسائل 414:17، ب 1 من موجبات الإرث، ح 1.

(2) انظر: كلمات سديدة: 117-118.

(3) الوسائل 418:17، ب 2 من موجبات الإرث، ح 1.

(4) المصدر السابق: 415، ب 1 من موجبات الإرث، ح 3.

لاُمّك...» الحديث.(1)

لايقال: إنّ الأولوية متفرّعة على صدق الاُبوّة و الاُمومة، و هما غير صادقين كما هو المفروض.

لأنّا نقول: إنّ الأولوية ناشئة عن كونهما منشأ للولادة و لو بمدخليتهما فيها حدوثاً، فلاوجه لتفرّع الأولوية على صدق الاُبوّة و الاُمومة فعلاً كما لايخفى.

هذا مضافاً إلى إمكان الفرق بين عنوان الوالدين و عنوان الأب و الاُمّ‌; فإنّ عنوان الوالدين بعد التغيّر صادق عليهما و إن لم نقل بصدق عنوان الأب و الاُمّ‌; لكفاية حدوث إلقاء النطفة في رحم المرأة و وضع الحمل في الصدق، و عنوان الوالدين موضوع للإرث كما نصّت عليه الآية الكريمة.

ثمّ‌ إنّ هنا كلاماً في مقدار إرثهما بعد معلومية إرثهما بملاك الأقربية، و قد ذهب في تحرير الوسيلة إلى أنّ اختلافهما في الإرث بلحاظ حال انعقاد النطفة; فللأب حال انعقاد النطفة ثلثان و للاُمّ ثلث، و الأحوط التصالح.(2)

واُشكل ذلك: بأنّ استفادته من منطوق الأدلّة مشكل; لأنّ موضوع المقدار هو الأب و الاُمّ أو ما يرجع إليهما، و هو لايصدق عليهما - على ما هو الفرض فلامحيص إلاّ إلغاء الخصوصية هنا عن العنوان الفعلي إلى الأعمّ حتى يشمل من كان مصداقاً للعنوانين و زال عنه بالتغيّر أيضاً.

وفيه: أنّ الأولى هو أن يقال: إنّ الأقربية و إن كانت مشتركة بينهما ولكن صدق الوالد والوالدة ليس بمشترك، و مقتضى اختصاص الوالد بمن تكون منه النطفة والوالدة بمن وضعت حملها هو الاختلاف في الإرث بالثلث، و عليه فالعبرة بلحاظ حال انعقاد النطفة كما ذهب إليه سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره) في التحرير. و إلغاء

**

(1) المصدر السابق: 414، ح 2.

(2) تحرير الوسيلة 564:2، المسألة 7.

الخصوصية عن العنوان الفعلي - مع أنّه ظاهر فيه كما ترى.

و لاحاجة مع صدق عنوان الوالد والوالدة إلى استصحاب إرث شخصهما قبل تغيير الجنسية; إذ الأصل دليل حيث لادليل، فمع صدق العنوانين يشملهما إطلاق أدلّة الإرث.

هذا مضافاً إلى ما في الاستصحاب المذكور من عدم الحالة السابقة; لأنّ الحكم الجزئي - و هو وارثيّة شخص الرجل أو شخص المرأة منوط بموت المورّث قبل تغيير الجنسية، و المفروض هو عدم وقوع ذلك; و لذا لايقاس المقام باستصحاب الولاية لشخص الأب قبل التغيير; لأنّ الحكم الكلّي المجعول شرعاً في باب الولاية انطبق على الأب قبل التغيير، فحدث حكم جزئي، فيجري فيه الاستصحاب; لإثبات بقائه لما بعد التغيير.

نعم، يصحّ الاستصحاب التعليقي; بمعنى أنّ المورّث إن مات قبل التغيير كان لأبويه كذا و كذا و الآن كان كذا، كما نصّ عليه سبحانه و تعالى في قوله: (وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ مِمّٰا تَرَكَ إِنْ كٰانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَوٰاهُ فَلِأُمِّهِ اَلثُّلُثُ‌) الآية.(1)

لايقال: لايجري الاستصحاب في الحكم التعليقي إلاّ إذا كان شرعياً، كالضمان في قوله (صلى الله عليه وآله): «على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه»(2) - بناءً على دلالته على وجوب الرد و على الضمان إن تلف و ليس المقام كذلك.

لأنّا نقول: ظاهر الآية هو تعليق السدس فيهما على الموت و وجود الولد، أو الثلثين و الثلث على الموت و عدم وجود الولد.

و أيضاً لاوجه للقول بأنّ الاستصحاب التعليقي معارض لأصالة عدم انتقال

**

(1) النساء: 11.

(2) المستدرك 88:17، ب 1 من الغصب، ح 4.

الزائد كالثلث إلى الأب; لأنّ الشكّ في عدم الانتقال ناشئ عن بقاء الحكم السابق و عدمه، فمع جريان الاستصحاب في ناحية السبب لامجال لجريانه في ناحية المسبّب، فلاتغفل.

ثمّ‌ إنّ التصالح - بناءً على مراعاة الاحتياط هل يكون بينهما فقط؟ أو بينهما و بين غيرهما من الورّاث أيضاً؟ فإن فرغنا عن أصل إرثهما بالأقربية فلامجال للتصالح بينهما و بين غيرهما، فإنّهما أولى بالإرث من غيرهما، و أمّا إن شككنا في ذلك و قلنا بلزوم صدق عنوان الأب و الاُمّ و هما غير صادقين - بناءً على عدم صدقهما بتغيير الجنسية فالتصالح بينهما و بين غيرهما من الورّاث ممّن في طبقتهما أو مَن دونها.

المختار هو عدم لزوم التصالح بينهما; لصدق الوالد والوالدة بعد تغيير الجنسية; لكفاية حدوث المبدأ في صدقهما ولو لم نقل بصدق الأب و الاُمّ‌، و مقتضاه هو إرث كلّ واحد منهما بما يتعيّن لهما; و هو الثلثان في الأب و الثلث في الاُمّ عند عدم الولد.

الفرع التاسع: حكم حرمة النكاح و جواز النظر فى غير الابوين لايتغيّر بتغيير الجنسيّة

إنّ حكم حرمة النكاح و جواز النظر في غير الأبوين لايتغيّر بتغيير الجنسية; لعدم تغيير النسبة و العنوان مع بقاء ملاك انتزاعهما و هو الاشتراك في الأب و الاُمّ بلاواسطة أو معها. فتغيير جنسيّة كلّ من الأخ و الاُخت لايخرجهما عن الاُخوّة، و هكذا في العمومة و الخؤولة، فكما أنّه كان يحرم النكاح بينهما و كان يجوز نظر كلٍّ منهما إلى الآخر قبل التغيير كذلك يكون بعده; لبقاء الملاك.

بل الأمر كذلك بالنسبة إلى غيرهما، فكلّ من الأخ و الاُخت كما أنّه كان يحرم نكاحهما من أولاد الآخر و كان يجوز نظر كلّ منهم إلى الآخر كذلك يحرم النكاح و يجوز النظر بعد التغيير، لأنّهما لايخرجان بالتغيير عن الخؤولة و العمومة.

و هكذا بنت اُخت الزوجة و بنت أخيها تحرمان على الزوج إلاّ برضاها، و لايختلف ذلك بتغيّر جنس الاُخت بالأخ و بالعكس; لأنّ بنتهما لاتخرج عن بنت الاُخت و الأخ بتغيّر جنسهما كما لايخفى.

الفرع العاشر: لو تغيّر جنس الأمّ و صارت رجلاً هل يجوز له نكاح بناته‌؟

لو تغيّر جنس الاُمّ و صارت رجلاً فهل يجوز له نكاح بناته أو لا؟

الذي ينبغي أن يقال: إنّه لايجوز ذلك; لأنّ موضوع الحرمة هو نكاح البنت، و هو صادق بعد التغيير و صيرورة الاُمّ رجلاً أيضاً; فإنّ البنات أولاده و نكاحهنّ محرّم بالضرورة.

هذا مضافاً إلى إمكان الاستدلال بعموم قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ‌...)(1) ; إذ قوله: (بَنٰاتُكُمْ‌) يعمّ الرجل الجديد أيضاً في حرمة نكاحهنّ و دعوى الانصراف عن مثله كما ترى; فإنّه بدوي، فالعنوان بعمومه يشمله.

هذا مضافاً إلى تأييد ذلك بإشعار قوله: (وَ بَنٰاتُكُمْ‌) أنّ المناط في الحرمة هو البنتيّة، و هو قرينة على إرادة العموم.

لايقال: إنّ نسبة البنتيّة إليه باعتبار كونه امرأة سابقاً لاباعتبار الرجولية، و عنوان المرأة غير صادق بعد تغيير الجنسية.

لأنّا نقول: إنّ النسبة باعتبار كونها والدة، و هي صادقة بعد تغيير الجنسية أيضاً، فالمعيار هو الوالدية والولدية و هما باقيان. هذا مضافاً إلى تنقيح المناط القطعي في المقام بعدم جواز النكاح مع الأولاد.

و أمّا جواز نظر الاُمّ إلى بناتها بعد صيرورتها رجلاً فللملازمة بين حرمة النكاح و جواز النظر. هذا مضافاً إلى استصحاب جوازه لكلّ منهما الثابت قبل

**

(1) النساء: 23.

حدوث هذا التغيير بناءً على ولادة البنات قبل هذا التغيير، و الموضوع باق على ما هو عليه; فإنّ كلاًّ من الاُمّ و البنات كان باقياً بشخصه، ولكنّه مبنيّ على كون الاُنوثية و الرجولية من الأحوال، كما يؤيّده ما إذا بيع مملوك بعنوان أنّه رجل أو اُنثى ثمّ بان خلافه، فإنّ البيع ليس باطلاً بل محكوم بالخيار; لأنّه من باب تخلّف الأوصاف. و هذا بخلاف ما إذا بيع الفرس ثمّ بان حماراً أو كان المورد من باب الولايات; فإنّ للرجولية خصوصية في ذلك الباب.

لايقال: إنّ الموضوع لجواز النظر هو دخول كلّ منهما في عموم «نسائهنّ‌»، و المفروض خروجه بتغيّر الجنس عن عنوان النساء المذكور في المستثنى; من حرمة إبداء الزينة، و لزوم الستر، و عدم صيرورته أباً لأولادها إذا صارت رجلاً حتى يشمله عنوان «آبائهنّ‌» في المستثنى في قوله تعالى: (وَ لاٰ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّٰ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبٰائِهِنَّ‌)(1) الآية، وعليه فلايكون الرجل الفعلي الذي كان اُمّاً قبل التغيير مشمولاً للمستثنى و إن توهّم صدق الأب عليه، و لخروجه عن عنوان النساء، و هذان العنوانان من أسباب جواز النظر.

لأنّا نقول: نعم، ولكن عدم صدق الموضوع الدليلي لايضرّ في جريان الاستصحاب بعد بقاء الموضوع عرفاً، و من المعلوم أنّ الموضوع في جواز النظر بعد تطبيق العنوان الدليلي على الاُمّ و بناتها هو شخص الاُمّ و البنات، و كلّ منهما باق على ما هو عليه، بناءً على أنّ الرجولية و الاُنوثية من الأحوال و عدم تغاير النظر إلى المماثل مع النظر إلى غير المماثل، و عليه فيطول عمر المستثنى و هو «نسائهنّ‌» بجريان الاستصحاب في معنون «نسائهنّ‌»، فتأمّل.

الفرع الحادي عشر: اذا تغيّر جنس الأب فصار امرأة فزواجها مع ابنائها محرّم بالضرورة

أنّه إذا تغيّر جنس الأب فصار امرأة، فزواجها مع أبنائها محرّم بالضرورة و

**

(1) النور: 31.

تنقيح المناط القطعي، و عدم التعرّض في الأدلّة لايمنع من حرمته، كالشرب من الإناء الذي نصفه فضّة و نصفه ذهب، و من المعلوم أنّه محرّم، مع أنّه ليس في الأدلّة إلاّ إناء الفضّة أو إناء الذهب.

و ربّما يستدلّ بالآية الكريمة: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ وَ عَمّٰاتُكُمْ وَ خٰالاٰتُكُمْ وَ بَنٰاتُ اَلْأَخِ وَ بَنٰاتُ اَلْأُخْتِ وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اَللاّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ اَلرَّضٰاعَةِ وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ وَ رَبٰائِبُكُمُ اَللاّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسٰائِكُمُ اَللاّٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاٰ جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ وَ حَلاٰئِلُ أَبْنٰائِكُمُ اَلَّذِينَ مِنْ أَصْلاٰبِكُمْ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ اَلْأُخْتَيْنِ إِلاّٰ مٰا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اَللّٰهَ كٰانَ غَفُوراً رَحِيماً) .(1)

ولكنّه محلّ تأمّل و إشكال; فإنّ المخاطب بها هو الرجال، و الأبناء و إن كانوا داخلين في الخطاب ولكن لم يذكر في عداد المحرّمات نكاح الآباء; إذ لايتصوّر نكاح الرجال مع آبائهم في المتعارف، و مثل المقام - و هو الأب الذي صار امرأة فرد نادر، و الآية الكريمة غير متعرّضة له حتّى يقال بشمولها للأب المذكور، فالأبناء و إن كانوا من المخاطبين بحرمة المذكورات في الآية، و يحرم عليهم التزوّج بالمذكورات، ولكنّ تزويج الأب الذي صار امرأة خارج عن نطاق الآية، فلو ذكر في الآية تحريم الآباء أمكن القول بشموله على إشكال، ولكنّ الآية غير متعرّضة له.

و لذلك ذهب في (كلمات سديدة) لإثبات حرمة النكاح مع أبنائها إلى التمسّك بالملازمة بين جواز النظر في المحارم النسبيّة و حرمة النكاح(2); حيث إنّ المفروض في المقام هو جواز نظر المرأة المذكورة إلى أبنائها كما يدلّ عليه قوله

**

(1) النساء: 22.

(2) كلمات سديدة: 119.

تعالى: (وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَ لاٰ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّٰ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلىٰ جُيُوبِهِنَّ وَ لاٰ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّٰ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبٰائِهِنَّ أَوْ آبٰاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنٰائِهِنَّ‌) الآية.(1) لأنّ قوله تعالى: (أَوْ أَبْنٰائِهِنَّ‌) يكفي في الدلالة على جواز نظر المرأة المذكورة إلى أبنائها; لصدق الأبناء عليهم بالنسبة إلى الأب الذي صار امرأة.

و كيف كان فمع قيام الضرورة و ثبوت الملازمة المذكورة و تنقيح المناط القطعي لامجال للأصل في المقام; إذ الأصل دليل حيث لادليل.

هذا مضافاً إلى أنّ ما له حالة سابقة هو حرمة لواط الأب مع الابن قبل تغيير الجنسيّة، لاحرمة النكاح، فالحرمة المذكورة متعلّقة بعنوان لواط الرجل مع الرجل، فمع تبدّل الرجل إلى امرأة و إن كان متعلّق الحكم باقياً بناءً على كون الرجوليّة و الاُنوثيّة من الأحوال، لكنّ الحكم المتيقّن و المشكوك غير متّحد; إذ اللواط و النكاح متغايران، ألاترى أنّه لو شكّ في جواز تقليد زيد و كان زيد جائز الاقتداء في السابق لم يكف بقاء زيد لاستصحاب جواز الاقتداء لإثبات جواز التقليد؟! و اللاّزم في الاستصحاب هو الاتّحاد بين القضيّتين محمولاً و موضوعاً.

الفرع الثاني عشر: لو تغيّر جنس الأم فصارت رجلاً فهل تكون بعد الرجوليه كالأب

أنّه لو تغيّر جنس الاُمّ فصارت رجلاً، فهل تكون بعد الرجوليّة كالأب في تحريم حليلة الأبناء أم لا؟

ذهب سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره) إلى التحريم على إشكال،(2) و استدلّ للحرمة بأنّ الضمير في قوله تعالى: (وَ حَلاٰئِلُ أَبْنٰائِكُمُ‌) يعمّ الرجل الجديد أيضاً، وتوصيف

**

(1) النور: 31.

(2) تحرير الوسيلة 565:2، المسألة 8.

الأبناء بقوله تعالى: (اَلَّذِينَ مِنْ أَصْلاٰبِكُمْ‌) لايوجب الاختصاص بالآباء بتوهمّ أنّ الأصلاب مختصّ بالرجال الآباء; بتخيّل أنّ منيّ المرء يخرج من الصلب دون المرأة.

وذلك أمّا أوّلاً: فلأنّ الصلب قد فسّر ببعض من البدن محصور بين جداري عظام الظهر و عظام الصدر،(1) فلايختصّ بالآباء.

وأمّا ثانياً: فلما مرّت الإشارة إليه من أنّ إضافة الحلائل إلى الأبناء دالّة على أنّ الملاك للحرمة كونها حليلة الابن، فلاينبغي للإنسان أن ينكح حليلة ابنه، و يكون حينئذ التوصيف المذكور لمجرّد إخراج الأدعياء، و لذلك فلاينافي حرمة حلائل الأبناء الرضاعيّين.

هذا مضافاً إلى أنّ استصحاب الحرمة أيضاً قاض بحرمة نكاحها; فإنّه لاأقلّ من عروض الإجمال في عموم تحريم حليلة الابن، فيسري إلى عموم قوله: (وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ‌) فلادليل اجتهادي على الجواز، والاستصحاب يقضي بعدم ترتّب الأثر بعد إنشاء العقد، فتأمّل.(2)

و لايخفى عليك أنّه لايخلو عن المناقشة; لأنّ الخطاب - في آية تحريم المحارم النسبيّة و السببيّة مع الرجال، و هو موجب لتخصيص الأصلاب بهم و إن لم يكن الصلب و التريبة مختصّين في نفسهما بالرجال بل يعمّان النساء أيضاً بحسب اللغة، و عليه فشموله للرجال الذين ليسوا بآباء غير واضح و محلّ تأمّل.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ مع تعميم الرجال للرجال المتجدّدين لايكون لفظ الأصلاب مخصوصاً بالرجال الآباء.

ثمّ إنّ إلحاق حلائل الأبناء الرضاعيّين للدليل لايوجب إلحاق غيرهم مما

**

(1) تفسير الميزان 381:20.

(2) كلمات سديدة: 120-121.

نحن فيه من دون قيام الدليل.

هذا مضافاً إلى أنّ حرمة المساحقة - الثابتة قبل تغيير الجنسيّة بين الاُمّ و الحليلة مغايرة مع حرمة النكاح بين الرجل و الحليلة، و مع المغايرة لاتتّحد القضيّة المشكوكة مع المتيقّنة موضوعاً و محمولاً، فلامجال لاستصحاب الحرمة.

و أيضاً استصحاب عدم ترتيب الأثر بعد إنشاء العقد جار فيما إذا لم يدلّ دليل على نفي المانعيّة عن صحّة العقد، و إلاّ فلامجال له; لأنّ الشكّ في ترتيب الأثر ناشئ عن الشكّ في المانعيّة و عدمها، فلو قلنا بأنّ حديث الرفع يجري لنفي الشرطيّة و المانعيّة لم يكن مجال لاستصحاب عدم ترتيب الأثر بعد إنشاء العقد.

ولكن بعد اللتيا و التي يمكن القول بالاعتماد على أنّ ملاك الحرمة هو حلائل الأبناء، و هو صادق، و المسألة محلّ إشكال.

و أمّا جواز نظر الاُمّ بعد صيرورتها رجلاً إلى حليلة أبنائها فلايستفاد من قوله عزّ وجلّ‌: (وَ لاٰ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّٰ لِبُعُولَتِهِنَّ‌... أَوْ نِسٰائِهِنَّ‌)(1) لخروج الاُمّ بعد التغيير عن عنوان «نسائهنّ‌» و ليس هاهنا عنوان آخر يشمله.

نعم يكفي لذلك الملازمة بين حرمة النكاح مع حليلة الأبناء و جواز النظر، أو استصحاب جواز النظر الثابت بين الاُمّ و حليلة ابنها قبل التغيير فيما إذا كان تغيير الجنسيّة بعد نكاح ابنها، بناءً على أنّ الرجوليّة و الاُنوثيّة من الأحوال و عدم مغايرة النظر إلى المماثل مع النظر إلى غير المماثل، فتأمّل.

الفرع الثالث عشر: اذا تغيّر جنسيّة حليلة الابن فصارت رجلاً

أنّه إذا تغيّرت جنسيّة حليلة الابن فصارت رجلاً، فالحكم بحرمة زواجه حينئذ مع اُمّ زوجه السابق كجواز نظره إليها و بالعكس محتاج إلى الدليل، و

**

(1) النور: 31.

المفروض عدم انطباق العناوين المحرّمة على نكاح اُمّ الزوج، و جواز النظر لكلّ منهما إلى الاُخرى تابع لصدق «نسائهنّ‌»، و المفروض هو عدم ذلك بعد تغيير الجنسيّة.

قال في (كلمات سديدة): إنّ قوله تعالى: (وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ‌) يدلّ على جواز العقد على كلّ من لم تذكر من النساء في الآية السابقة ومنها اُمّ الزوج; فإنّها قبل العقد تكون أجنبيّة للرجل الجديد كسائر الأجانب لايجوز له النظر إليها و لالها النظر إليه.

و أمّا دعوى أنّ نسبة الرجل الجديد إلى اُمّ زوجه السابق كنسبة الاُمّ المتغيّرة رجلاً - و قد عرفت حرمة زواجها إذا صارت رجلاً مع حليلة الابن، فكذا هنا فهي من القول بالرأي الذي نحن منه براء.(1)

و يمكن أن يقال: إنّ جواز النظر لكلّ منهما إلى الآخر ثابت قبل تغيير الجنسيّة، فيمكن استصحابه بناءً على أنّ الرجوليّة و الاُنوثيّة من الأحوال، و وحدة حكم النظر إلى المماثل مع النظر إلى غير المماثل، و مع ثبوت جواز النظر يحكم بحرمة تزويج اُمّ زوجه بعد تغيير الجنسيّة; للملازمة بين جواز النظر و حرمة النكاح، و لعلّ هذا هو وجه ما ذهب إليه سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره) من أنّه لايبعد الحرمة على إشكال.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ مع صيرورة الحليلة رجلاً يندرج الرجل الجديد تحت قوله: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ‌)(2) و مع اندراجه فيه لامجال للاستصحاب حتى يكون جواز النظر باقياً، و مع بقائه يحكم بحرمة التزويج من باب الملازمة بينهما، و كذلك لامجال لاستصحاب حرمة المساحقة الثابتة في حال

**

(1) كلمات سديدة: 122.

(2) النور: 30.

كونه امرأة لإثبات حرمة النكاح بعد التغيّر; لمغايرة المساحقة مع النكاح، و الوحدة في القضيّة المتيقّنة و المشكوكة غير محفوظة، على أنّ الأصل المذكور يتمّ لو لم يدلّ دليل اجتهادي على جواز النكاح، و هو موجود أعني قوله تعالى: (وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ‌) نعم الاحتياط طريق النجاة.

الفرع الرابع عشر: اذا تغيّرت جنسية الزوج و صار امرأة ارتفعت علقة الزوجية

أنّه إذا تغيّرت جنسيّة الزوج و صار امرأة ارتفعت علقة الزوجيّة بينه و بين زوجته; لعدم تصوّر الزوجيّة بين المتماثلين، فإن عاد بعد صيرورته امرأة إلى الحال الأوّل وصار رجلاً فهل يحكم بعودة تلك العلقة من دون حاجة إلى العقد أو يحتاج إلى عقد جديد؟

يمكن أن يقال: إنّ العرف لمّا كان يرى جواز إعادة المعدوم يحكم بأنّ هذا العائد هو عين الرجل السابق كأنّه لم يزل، و يرتّب عليه جميع آثاره: من زوجيّة زوجته، و ملكيّة أمواله، و بقاء بدنه على النجاسة لو كان قبل التغيير نجساً و لم يحصل التطهير... و هكذا.

كما و قد حكم بنظير ذلك اُستاذنا المحقّق الشيخ محمّد علي الآراكي (قدس سره) في حالة استحالة الماء بخاراً ثمّ ماءً‌; حيث قال: إنّ العرف لايرى العرق الحاصل بالتصعيد شيئاً آخر وراء نفس الماء المستحيل بخاراً، بل إنّهم يرون أنّ الماء صار بخاراً ثمّ صار ثانياً ماءً‌، و يرون الماء الثاني عين الماء الأوّل من دون حاجة إلى الاستصحاب; حتّى يشكل بانفصال زمان الشكّ عن زمان اليقين.(1)

وفيه: أنّ أهل العرف كما يحكمون بأنّه هو الرجل الأوّل - ويكون حكمهم بعينيّة هذا مع هذا كحكمهم في المفاهيم و تطبيقها على المصاديق حجّة كذلك

**

(1) الطهارة 26:1-31.

يحكمون بأنّه متكوّن من المرأة المتغيّرة و المتبدّلة، و حيث إنّه في حال كونه امرأة يحكم العرف بعدم وجود العلقة بينهما فيقع التعارض، و هو يوجب التساقط، و مع التساقط يحكم بلزوم عقد جديد.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّه لاتعارض بين اللاّاقتضاء و اقتضاء الزوجية; إذ هما يجتمعان، فالمرأة المتبدّلة من الرجوليّة بالنسبة إلى الزوجيّة لااقتضاء; إذ لاموجب لزوجيّتها، و عينيّة الرجل مع الرجل السابق مقتضية للزوجيّة; لوجود سبب الزوجيّة بينهما، فيجتمعان كما تجتمع الطهارة الذاتيّة مع النجاسة العارضة.

ثمّ إنّه لو تزوّجت زوجته مع آخر بعد التغيّر وقبل عود الرجل الذي صار امرأة إلى الحال الأوّل، فبعد العود إن قلنا بعينيّة الرجل مع الرجل السابق وبقاء الزوجيّة السابقة بطل نكاحها مع الثاني من حين العود، و كانت زوجة للزوج الأوّل من السابق بالسبب السابق، فيعتبر بالعود بقاء زوجيّته زوجه الأوّل بسببه السابق.

و لامنافاة بين هذا الاعتبار و اعتبار زوجيّتها مع الآخر في حال تغيير جنسيّة زوجها قبل العود إلى شكله الأوّل; لتعدّد الأسباب وتعدّد زمان الاعتبار; إذ زمان اعتبار زوجيّتها للغير غير زمان اعتبار زوجيّتها للأوّل، والزوجيّة في كليهما مستندة إلى السبب، ولكنّ مقتضى تقدّم السبب الأوّل وعينيّة الرجل بعد العود مع الرجل السابق هو تأثير السبب الأوّل فيما بقي، وبطلانه في الثاني من حين العود; جمعاً بين السببين.

لايقال: إنّ اللازم هو التفصيل بين النكاح المنقطع و الدائم; حيث إنّ السبب الأوّل يقتضي زوجيّتها للزوج الأوّل مرسلة ومن دون قيد، فإذا بدّل الزوج جنسيّته و صار امرأة لامجال لاقتضائه زوجيّتها في حال التبدّل; لأنّ الزوجيّة لاتكون مشروعة إلاّ بين الجنسين المتخالفين، فإذا تبدّلت المرأة - المتبدّلة جنسيّتها إلى الرجل فحيث إنّ العرف يحكمون بعينيّته مع الرجل الأوّل فلايمنع مانع من تأثير السبب الأوّل في مقتضاه من الزوجيّة مطلقاً عدا مدّة تبدّله إلى المرأة، فكان السبب

الأوّل منقطع الوسط، ومعه فالسبب الثاني إن كان عقد التمتّع فهو أيضاً صحيح في الوسط، و لايكون معارضاً مع سبب عقد النكاح لاقبلاً و لابعداً كما لايكون السبب الأوّل معارضاً له; لأنّ في تلك الحال لامجال لتأثيره لكونهما متجانسين، و إن كان النكاح الدائم فالسبب الثاني باطل من أصله; لعدم إمكان وقوعه بحسب الواقع بعد فرض عودة المرأة إلى صورة الرجل، و إن كان العاقدان حال وقوع السبب الثاني جاهلين بالأمر; حيث لم يكونا يعلمان بعودة المرأة المتبدّلة إلى صورة الرجل; إذن قصدا ما لم يقع في الخارج، فما قصداه لم يقع و ما وقع لم يقصداه.

لأنّا نقول: إنّ الإرسال لم يلحظ في حال العقد، بل نفس النكاح و الدوام من جهة عدم التقيّد، فعقد النكاح وقع صحيحاً، و إنّما يرفع اليد عنه بقاءً كالفسخ لقوّة السبب الأوّل، وعليه فلاوقع للتفصيل المذكور.

ولله الحمد أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً

المسألة الخامسة عشر التلقيح

اشارة

إنّ التلقيح له صور مختلفة، و قد تختلف أحكام هذه الصور تكليفاً و وضعاً، لذا فسنبحث حكم كل صورة على حدة:

الصورة الاُولى: اذا ألقى مني الزوج بوسيلة ما في رحم زوجته

ما إذا اُلقي مني الزوج بوسيلة ما في رحم زوجته أو مني المالك في رحم مملوكته.

و لايخفى أنّ ذلك جائز في نفسه; إذ لامنع من هذه الكيفية و إن لم تكن عاديّة، و لو شكّ في حلّيتها أو حرمتها فمقتضى البراءة الشرعية و العقلية هو الجواز.

نعم، لو توقّفت هذه الكيفيّة على مقدّمات محرّمة - ككون الملقّح أجنبياً، أو استلزام التلقيح للنظر إلى ما لايجوز النظر إليه و لو لم يكن الملقّح أجنبياً، أو استلزام إخراج المني بالاستمناء - يجب الاحتراز عن ذلك; لوجوب الاجتناب عن المقدّمات المحرّمة.

و هذا بخلاف ما إذا لم تتوقّف على هذه الاُمور كما إذا فرض أنّ النطفة خرجت بوجه محلّل و لقّحها شخص الزوج بزوجته، فلاوجه للحرمة كما لايخفى.

ثمّ إنّ الولد المتكوّن من هذا الطريق الجديد ولد لهما حقيقةً و إن كانت المقدّمات محرّمة; لأنّ المفروض أنّ الولد خلق من مائهما و لامدخلية للجماع، و

لذا لو أفرغ الزوج ماءه خارج الفرج ثمّ جذبه إليه - بنفسه أو بإعانة فلاريب في أنّ الحمل منه و الولد لهما، و لااصطلاح خاصّ في الولادة، و لانهي شرعي في مثل المقام، فصدق الولد عليه كاف في ترتّب جميع أحكامه.

الصورة الثانية: اذا كان التلقيح بماء غير الزوج هل يجوز ذلك ام لا؟

فيما إذا كان التلقيح بماء غير الزوج فهل يجوز ذلك أم لايجوز؟

ذهب سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره) إلى عدم الجواز.(1)

و استُدلّ له بآيات كريمة و روايات شريفة و غيرهما:

أمّا الآيات، فمنها:

1 - قوله تعالى - في وصف المؤمنين و المصلّين -: (وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ * إِلاّٰ عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ اِبْتَغىٰ وَرٰاءَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلعٰادُونَ‌) .(2)

بدعوى: أنّ حفظ الفرج عن غير الزوجة و ملك اليمين مطلق يشمل كلّ حفظ، فيعمّ حفظه عن الجماع و التفخيذ و إرسال منيّه إلى فرج امرأة غيرها، فمن لم يحفظ فرجه وصبّ ماءه في رحم امرأة محرّمة و لو بمثل الوسائل الحديثة فهو عاد و عاص.

واُورد عليه: بأنّ المنصرف القطعي من حفظ الفرج على النساء أن لايستمتع بفرجه بهنّ و أن لايباشرهنّ بفرجه بالجماع و سائر الاستمتاعات، فحفظ الفرج عليهن كناية عن خصوص الاستمتاع بهنّ بالفرج، و لايعمّ مثل صبّ قطرة من

**

(1) تحرير الوسيلة 559:2، المسألة 2.

(2) المؤمنون: 5-7.

ماء خرج من الفرج بواسطة شيء غيرِ الفرج - كيد زوج المرأة مثلا - في فرجهنّ من دون مقدّمات محرّمة.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ حذف المتعلّق في الآية يدلّ على لزوم حفظ الفرج حتى عن الاستيلاد بالنحو المذكور، فلاوجه لدعوى الانصراف لو كان إطلاق.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ الآية الكريمة بقرينة ما قبلها و بعدها في مقام وصف المؤمنين بأوصاف مذكورة إجمالاً و ليست في مقام بيان تفصيلها، و لذلك لاإطلاق لها بحيث يشمل الاستيلاد بالطرق الحديثة.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّه يكفي للاستدلال قوله تعالى في سورة النور: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ - إلى قوله: - وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ‌)(1) الآية; إذ المقام مقام بيان غضّ البصر و حفظ الفرج، و مقتضى الإطلاق هو عدم جواز مثل الاستيلاد; لأنّ حذف المتعلّق يدلّ على الإطلاق و التعميم.

2 - قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ‌... وَ اَلْمُحْصَنٰاتُ مِنَ اَلنِّسٰاءِ‌) .(2)

بدعوى: أنّ الطوائف المذكورة قد حكم بكونها محرّمة على الرجال، و الحرمة هي الممنوعية، و حيث إنّها مطلقة اُسندت إلى الذوات دلّت على حرمة كلّ فعل يتعلّق بهنّ‌، فيحرم تلقيح الماء في رحمهنّ حتى لو كان بوسيلة غيرِ الفرج أيضاً.

واُورد عليه: بأنّ الاستدلال بالآية الكريمة ضعيف; من جهة انصراف الحرمة في أمثال المقام - بمناسبة الحكم و الموضوع - إلى خصوص النكاح و

**

(1) النور: 30-31.

(2) النساء: 23 و 24.

الاستمتاع بهنّ‌. و لذلك قال في زبدة البيان: «الظاهر أنّ المراد تحريم نكاحهنّ‌; لما تقدّم و تأخّر، و للتبادر من مثله كتبادر الأكل في (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ‌) ،(1) و لعدم تحريم الذات، و النكاح أولى ما يمكن تقديره».(2)

و لعلّ مراده بقوله: «ما تقدّم و تأخّر» هو الذي أشار إليه في كتاب «كلمات سديدة» من قوله تعالى في الآية الثانية بعد ذكر المحصنات: (وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوٰالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسٰافِحِينَ‌)(3) ; فإنّ ظاهره أنّ ما أحلّ الله للرجال من سائر النساء التي ما وراء ذلكم فهو محرّم منهنّ و هو العقد بهنّ و الازدواج معهنّ بالصداق، و قوله تعالى في الآية السابقة على الآيتين: (وَ لاٰ تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ مِنَ اَلنِّسٰاءِ إِلاّٰ مٰا قَدْ سَلَفَ‌...)(4) الآية; فإنّه ظاهر و قرينة على أنّ مورد الكلام في هذه الآيات هو النكاح بالنساء، و الآيات في مقام بيان الحلال و الحرام منهنّ في هذه الجهة.(5)

ولقائل أن يقول: إنّ موارد الاستشهاد لاتدلّ على انحصار مدلول آية تحريم الاُمّهات في النكاح لو لم نقل بانصرافها عن غير النكاح. هذا مضافاً إلى منع دعوى الانصراف و التبادر إلى خصوص النكاح، بل حذف المتعلّق يدلّ على إرادة عموم ما يتعلّق بهنّ من النكاح و الاستمتاعات و الاستيلاد.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ الآية الكريمة حيث كانت في مقام ذكر موارد المحرّمات من النساء - نسبية كانت أو رضاعية أو سببية - لاإطلاق لها بالنسبة إلى

**

(1) المائدة: 3.

(2) زبدة البيان: 523.

(3) النساء: 24.

(4) النساء: 22.

(5) كلمات سديدة: 86.

خصوصيات المحرّم و كيفيّاته، و عليه فلاتشمل الاستيلاد بالطرق الحديثة.

وأمّا الروايات، فمنها:

1 - ما رواه محمّد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن عليّ بن سالم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إنّ أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة رجل أقرّ نطفته في رحم يحرم عليه».(1)

بدعوى: أنّ ظاهر الحديث أنّ العذاب الشديد مترتّب على إقرار النطفة في الرحم الذي يحرم عليه بحيث لو زنى الزاني و عزل ماءه لما تحقّق موضوع لهذا العذاب الأشدّ، فيدلّ الحديث دلالة واضحة على أنّ نفس جعل نطفته في رحم يحرم عليه معصية كبيرة.

و حينئذ، فكونه بالزنى و الجماع طريق عادي للوصول إلى هذا الأمر المحرّم، و إلاّ فإذا أوجده بطريق آخر غير عادي أيضاً لما كان شكّ في حصول موضوعه و شمول الإطلاق له و ترتّب حكم الحرمة عليه.

و في التعبير بالنطفة - التي هي أمشاج من منيّ الرجل و بييضة المرأة - دلالة على أنّ تمام موضوع الحرمة هو عقد النطفة بماء امرأة محرّمة عليه، فلو كان مجرّد إفراغ المني من دون أن ينعقد به نطفة لما تحقّق موضوع هذا الحرام.

و بالجملة، فالمتحصّل من مثل هذاالحديث - إذا لوحظ مع أدلّة حرمة الزنى - أنّ نفس الزنى و الإيلاج حرام، و وضع نطفته المنعقدة من منيّه و بييضة المزني بها في رحمها حرام آخر، و هو - لاسيّما بتناسب الحكم و الموضوع - مطلق يعمّ ما إذا كان بطريق الإفراغ العادي أو بطريق آخر; فإنّ الحرام إنّما هو إقرار النطفة في رحم

**

(1) الكافي 541:5، ح 1.

يحرم عليه فارغاً عن خصوصية أسبابه.(1)

وفيه:

أوّلاً: إنّ الخبر ضعيف بعليّ بن سالم لجهالته، اللّهمّ إلاّ أن يكتفى بنقل ابن أبي عمير عنه.

وثانياً: إنّ إقرار النطفة في الرحم منصرف إلى الزنى و الإيلاج و الإدخال حتى يتحقّق الإقرار في الرحم، و يؤيّده كون فاعل ذلك أشدّ عذاباً يوم القيامة من جميع الناس; إذ مجرّد صبّ المني في الفرج المحرّم ليس أشدّ عذاباً من الزنى من دون إفراغ المني، كما أنّه ليس له حدّ الزاني، ويؤيّده ورود أشدّ العذاب في المعاصي الكبيرة العظيمة، كقوله (عليه السلام): «إنّ أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة من وصف عدلاً ثمّ خالفه إلى غيره»،(2) و كقول الصادق (عليه السلام): «إنّ أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة سبعة نفر: أوّلهم ابن آدم الذي قتل أخاه، ونمرود الذي حاجّ إبراهيم في ربّه، واثنان من بني إسرائيل هوّدا قومهم و نصّراهم، و فرعون الذي قال: أنا ربّكم الأعلى، و اثنان من هذه الاُمّة».(3) و غير ذلك، و لاأقلّ من الشكّ‌، فلايشمل مثل المقام.

ثمّ لاشاهد في التعبير بالنطفة على أنّ تمام موضوع الحرمة هو عقد النطفة بماء امرأة محرّمة عليه; فإنّ إسناد النطفة إلى من أقرّ دون صاحب الرحم المحرّم عليه ظاهر في خصوص نطفة المقرّ لانطفة مركّبة من الرجل و بييضة المرأة، و استعمال النطفة في بعض الموارد بذلك المعنى لايدلّ على أنّه المراد في جميع الموارد، و يؤيّده ما سيأتي من الأخبار من التعبير بإفراغ الماء.

وثالثاً: إنّ غاية مفاده هو حرمة إقرار صاحب النطفة، فلايشمل ما إذا أفرغ

**

(1) كلمات سديدة: 81-82.

(2) أعلام الدين: 83.

(3) الخصال: 346.

شخص منيّه في وعاء ثمّ أقرّه زوج امرأة في رحم زوجته; فهو أخصّ من المدّعى.

و القول: بأنّ الإفراغ للإقرار يوجب إسناد إقرار الزوج أو المرأة إليه، كما ترى; لقوّة المباشر في الإقرار، كما لايخفى.

و ممّا ذكر يظهر ما في الاستدلال بما رواه الصدوق في الفقيه(1) جازماً و مرسلاً عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) و في الخصال بإسناده عن ابن الوليد، عن سعد بن عبدالله، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود، قال: سمعت غير واحد من أصحابنا يروي عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال: قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): «لن يعمل ابن آدم عملاً أعظم عند الله تبارك و تعالى من رجل قتل نبيّاً أو إماماً، أو هدم الكعبة التي جعلها الله عزّوجلّ قبلة لعباده، أو أفرغ ماءه في امرأة حراماً».(2)

لما عرفت من الانصراف إلى الزنى مع إفراغ الماء في رحم محرّم عليه، كما يناسبه تشديد العذاب عليه و جعله في عداد قتل النبي أو الإمام أو هدم الكعبة.

و دعوى ظهور الحديث في الإفراغ و لو بدون الزنا، بعيدة جدّاً.

هذا، مضافاً إلى احتمال أنّ الحرام وصف للإفراغ، و مع هذا الاحتمال لايدلّ إلاّ على المنع عن الإفراغ الحرام، فلايصلح للتمسّك به في المقام; لأنّه تمسّك بالعام في الشبهات الموضوعية; إذ حرمة الإفراغ بالطريق المفروض أوّلُ الكلام. اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الحرام وصف للمرأة لقربه منها، فافهم.

على أنّ سند الرواية لايخلو من الضعف من جهة الإرسال و جهالة القاسم بن محمّد، إلاّ أن يقال: إنّ الإسناد الجزمي من الصدوق مع تصريح جامع الرواة بوحدة القاسم بن محمّد الإصبهاني و القاسم بن محمّد الجوهري و القاسم بن محمّد القمّي; لاشتراكهم في الراوي و المروي عنه، ونقل الأجلاّء كابن أبي عمير وصفوان عن

**

(1) الفقيه 559:3.

(2) الخصال 120:1.

الجوهري، يكفي في الاعتبار.

ثمّ إنّ التعبير بالإفراغ في هذه الرواية شاهد على أنّ المراد إقرار النطفة أيضاً هو ذلك، لاعقد مني الرجل مع مني المرأة، فالحديث كالحديث السابق يدلّ على تغليظ حرمة المركّب من الأمرين، وهما: الزنى، مع إفراغ الماء وإنزاله، ومن المعلوم أنّه أشدّ عذاباً من نفس الإيلاج والإدخال الذي هو الزنى من دون إفراغ; لأنّه - مضافاً إلى كونه زنى - سبب لانعقاد النطفة بوجه غير مشروع.

2 - ما رواه في الكافي عن محمّد بن أحمد، عن أبي عبدالله الرازي، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبدالله المؤمن، عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): الزنى أشدّ أو شرب الخمر؟ وكيف صار في الخمر ثمانين وفي الزنى مئة‌؟ فقال: «يا إسحاق، الحدّ واحد، ولكن زِيد هذا لتضييعه النطفة، ولوضعه إيّاها في غير موضعها الذي أمره الله عزّوجلّ به».(1)

بدعوى: أنّه (عليه السلام) علّل ضرب العشرين جلدة المزيدة في حدّ الزنى باستلزامه تضييع النطفة، فقد دلّ على أنّ تضييع النطفة حرام حتى أنّه أوجب زيادة العشرين جلدة على ما هو الحدّ الواحد.

وقد فسّر تضييع النطفة المذكور فيه بقوله (عليه السلام): «ولوضعه إيّاها في غير موضعها الذي أمره الله عزّوجلّ به».

و الظاهر أنّ المراد بالنطفة هي المركّبة من مني الرجل و بييضة المرأة، و هي أوّل ما يخلق من مبدأ نشوء الإنسان، كما في موثّقة إسحاق بن عمّار الواردة في النهي عن شرب الدواء المسقط للحمل من قول أبي الحسن (عليه السلام): «إنّ أوّل ما يخلق النطفة».(2)

**

(1) الكافي 262:7، ح 12.

(2) انظر: الوسائل 25:29، ب 7، قصاص النفس، ح 1.

و حينئذ، فوجه إسناد وضع النطفة - في ظاهر الحديث - إلى الرجل مع أنّه لايضع إلاّ ماءه و منيّه هو أنّ إفراغه لمائه هو السبب القوي في تكوّن نطفة الإنسان و قرارها في رحم المرأة.

فقد دلّ الحديث على أنّ إقراره لنطفته المتكوّنة من مائه و بييضة المرأة في غير موضعها الذي أمره الله عزّوجلّ به حرام، و هذا عنوان عامّ يشمل ما كان بالطريق المتعارف و ما كان بالطريق المفروض فيما نحن فيه; و ذلك لما مرّ من أنّ المستفاد من مثله أنّ تمام الموضوع و الموجب للحرمة هو وضع النطفة و إقرارها في غير موضعها الذي أمره الله به، و هو صادق على مفروض ما نحن فيه.

و لو سلّم أنّ المراد بالنطفة مجرّد منيه فلاينبغي الشكّ في أنّ المقصود من «وضعها في غير موضعها المأمور به» ليس مطلق قرارها في غير رحم زوجته حتى يعمّ مثل العزل الذي قد وردت أخبار مستفيضة بجوازه و إن أمر مائه بيده يصرفه حيث يشاء لاسيّما إذا رضيت به زوجته، بل المراد به خصوص وضعها في رحم غير زوجته، فيساوق ما مرّ في خبر الخصال بقوله (عليه السلام): «أفرغ ماءه في امرأة حراماً».(1)

وفيه:

أوّلاً: إنّ الرواية لاشتمالها على المجاهيل ضعيفة.

وثانياً: إنّ الحكمة المذكورة ليست عامّة بل مختصّة بالزاني. و حاصله: أنّ الزاني حيث ضيّع نطفته بحسب الغالب - إذ ربّما لايوجب الإنزال - استحقّ المزيد من الحدّ على حدّ الشارب، و لايستفاد منه حرمة مطلق الوضع مع عدم صدق التضييع، و وضع النطفة في غير الموضع المأمور به - أي الحرام - مشكوك الصدق على المقام.

**

(1) كلمات سديدة: 84-85.

هذا، مضافاً إلى أنّه لاأظنّ أحداً يلتزم بحرمة تضييع النطفة مطلقاً ولو لم يرتكب محرّماً آخر.

3 - ما ورد في لزوم الاحتياط في باب الفروج و الاستيلاد، كصحيحة شعيب الحدّاد قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل من مواليك يقرئك السلام، و قد أراد أن يتزوّج امرأة، وقد وافقته وأعجبه بعض شأنها، وقد كان لها زوج فطلّقها على غير السنّة، و قد كره أن يقدم على تزويجها حتى يستأمرك فتكون أنت تأمره. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «هو الفرج و أمر الفرج شديد، و منه يكون الولد، و نحن نحتاط، فلايتزوّجها».(1)

و الشبهة موضوعية لاحكمية; إذ الإمام (عليه السلام) لم يحتط فيها بل بيّن حكمها، ثمّ إنّ وجه الاحتياط لعلّه لأنّ الطلاق البدعي على أقسام: منها باطل إن صدر منّا، كطلاق الحائض بعد الدخول مع حضور الزوج معها أو مع غيبته من دون مضي المدّة المشترطة، و هكذا النفساء، أو كطلاقها في طهر المواقعة، ومنها صحيح، كطلاق الثلاث مترتّبةً‌; بمعنى إنشاء الطلاق ثلاث مرّات في مجلس واحد، فإنّه - كما صرّح في الجواهر - لاخلاف في وقوع الواحدة به.(2) و حيث إنّ الراوي لم يعيّن الموضوع علم أنّه لم يتمكّن من إحراز كيفيّة وقوع الطلاق البدعي فصار مشتبهاً، فأوصى - الإمام (عليه السلام) في مفروض المسألة - بالاحتياط و ترك التزويج. و لاينافي هذه الرواية ما دلّ على صحّة طلاق الثلاث و حسابها واحدة إذا اجتمعت الشرائط; لأنّ الرواية في مورد الشبهة لاالعلم بالكيفية. هذا، مضافاً إلى أنّ النسبة بينهما هي الإطلاق و التقييد.

**

(1) التهذيب 470:7، ح 93.

(2) الجواهر 117:32.

و أمّا حمل الرواية على الأولوية و الاحتياط دون الحكم و الوجوب، ففيه: أنّه غير واضح بعد كون بعض أقسام مورد الرواية باطلا، فلايجوز تزويج زوجة الغير. هذا، مضافاً إلى عدم مناسبة تشديد أمر الفرج مع الأولوية و الاستحباب، فالظاهر من الرواية هو الأمر بالاحتياط في باب النكاح و الاستيلاد فيما إذا لم يجرِ أصل منقّح - كالاستصحاب - للجواز، ولكن الرواية في الشبهات الموضوعية، و كلامنا في حكم التلقيح الصناعي، و هو شبهة حكمية.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الاحتياط إذا كان لازماً في الشبهات الموضوعية المذكورة يكون الأمر كذلك في الشبهات الحكمية بطريق أولى.

4 - ما رواه الشيخ (قدس سره) بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب، عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن عليّ بن حسّان، عن علي بن عقبة، عن موسى بن اكيل النميري، عن العلاء بن سيابة، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن امرأة وكّلت رجلاً بأن يزوّجها من رجل - إلى أن قال: - فقال (عليه السلام): «إنّ النكاح أحرى وأحرى أن يحتاط فيه، و هو فرج و منه يكون الولد...» الحديث.(1)

و طريق الشيخ إلى العلاء صحيح، ولكن لاتوثيق للعلاء نفسه إلاّ أن يكتفى بما يظهر من جامع الرواة من أنّ ابن أبي عمير روى عنه.(2)

و كيف كان، فالإمام (عليه السلام) في هذه الرواية بعد تصريحه بصحّة تزويج الموكّل قبل إعلام العزل إليه أمَرَ بالاحتياط في أمر النكاح، و الشبهة فيه شبهة حكمية. و الإمام (عليه السلام) اعترض على من أفتى ببطلان التزويج لو كان بعد العزل و لو لم يعلمه بالعزل، و مع هذا الاعتراض لايكون الأمر بالاحتياط أمراً استحبابياً، كما لايخفى.

**

(1) التهذيب 214:6، ح 5.

(2) جامع الرواة 543:1.

و عليه، فمقتضى تعليل الاحتياط في الفرج و النكاح بكونه منشأ للولد هو لزوم الاحتياط في التلقيح الصناعي، و لامجال للرجوع إلى البراءة في مثله. فالمستفاد من هذه الروايات هو لزوم الاحتياط في الشبهات الموضوعية و الحكمية في النكاح و الاستيلاد، و يعتضد ذلك بما تقرّر في محلّه من عدم جواز الرجوع إلى البراءة العقلية و الشرعية في الشبهة الموضوعية و المصداقية في باب الدماء و الفروج و الأعراض و النفوس مستدلاًّ باهتمام الشارع بحفظ هذه الموارد، و هو يمنع عن الترخيص في الاقتحام في شبهاتها و كاشف عن إيجاب الاحتياط; فلهذا لو رئي شبح من بعيد لم يُعلم أنّه مهدور الدم أو محقونه لايجوز رميه.

قال شيخنا الاُستاذ الأراكي (قدس سره): «ففي صورة الشكّ في تحقّق الموضوع و عدمه و إن كان الشكّ من جهة نفس الموضوع شكّاً في الموضوع لكن ما هو المضاف إلى هذا الموضوع من الاحترام و الحفظ منقّح الموضوع، فإنّ حفظ الشيء من التلف يصدق حقيقة في مورد احتماله كما أنّ عدم المبالاة فيه صادق حقيقة على ترك الحفظ و لو لم يكن لنفس الشيء تحقّق و واقعيّة.

و بالجملة، حال الحفظ حال الاحتياط، فكما أنّه صادق في مورد احتمال الضرر و لو لم يكن ضرر واقعاً و تركه تهوّر كذلك أيضاً و لايدور شيء منهما مدار وجود الواقع بل الاحتمال هو الدخيل التامّ في صدقهما، فكذلك الحفظ و رعاية الجانب، فإذا رأيت شخصاً و احتملت كونه مسلماً و رميته فقد صدق عليك أنّك ما حافظت عن نفس المسلم و صرت بمقام تعريضه في الخطر، فأنت فاعل للحرام و إن كان المرمي كافراً واقعاً، و هكذا لو سلكت طريقاً لايؤمن اللص أو السبع فيه، فأنت بنفس السلوك مندرج في عنوان من لايتقيّد بحفظ نفسه من الوقوع في معارض الخطر و مظانّه و لو فرض أنّه لم يعترضك شيء منهما في الطريق.

و من هذا يعلم أنّ حكمهم بعصيان سالك الطريق المظنون الضرر - فيجب

عليه إتمام الصلاة ولو انكشف عدم الضرر - على طبق القاعدة، و ليس من باب التجرّي في شيء».(1)

و على هذا، لاشبهة موضوعية أو مصداقية في البين; لأنّ الدليل متكفّل لإثبات الحرمة و الاحترام و الرعاية و الحفظ في هذه الموضوعات الواقعية.

ثمّ قال (قدس سره): «و على هذا فلامساغ للرجوع إلى أصل البراءة، لكن لاينافي هذا مع جريان الأصل المنقّح للموضوع نفياً و إثباتاً، فإذا كان عدم الضرر له الحالة السابقة يجري الاستصحاب و يحكم بجواز السلوك، و كذلك بجواز الصوم لو شكّ في كونه ضررياً أم لامع سبق عدم ضرريّته، و هكذا لو كان مسبوقاً بالكفر أو عدم الإيمان أو التجاهر أو عدم الكراهة جاز استصحاب ذلك - إلى أن قال -: إنّ الحكم و إن رتّب على الاحتمال و الاحترام بنحو تمام الدخل لكن من المعلوم أنّ الواقع علّة لهذا الحكم، فهو و إن لم يكن حيثيّة تقييدية لكنّه حيثية تعليلية; فإنّ الشارع إنّما حرّم الإقدام و الاقتحام في محتمل الضرر لكون النفس و العرض من المسلم عنده محترماً و ذا شأن، فإذا قام أصل على نفي هذه العلّة و أنّ هذا موضوع لايرى له الشارع شأناً و احتراماً فلامحالة يكون حاكماً على الدليل الدالّ على احترام المؤمن و وجوب احتفاظ دمه و عرضه; فإنّ الدليل لسانه في مورد الشكّ أنّ المؤمن ذو شأن عند الشارع فاحتفظه، و الأصل لسانه أنّ هذا الشخص ليس مؤمناً قد أوجب الشارع احترامه و حمايته، و من المعلوم حكومة هذا على الأوّل - ثمّ قال -: و الحاصل: إنّ مورد الاحتمال و إن حكمنا بكونه مشمولاً للدليل و مورداً للتمسّك به لكنّه ما دام لم يكن حاكم عليه فإذا كان الاستصحاب موجوداً فهو حاكم على ذلك

**

(1) المكاسب المحرمة: 236-237.

الدليل، و بهذا الأصل نرفع اليد عن ذلك الدليل، فافهم و اغتنم».(1)

و مع دلالة بعض الأخبار على لزوم الاحتياط في الفرج و الاستيلاد لاوجه لتخصيص دائرة الاحتياط بمورد النكاح و الدماء و الفروج، فكما أنّ الاحتياط فيها مطلوب كذلك في الاستيلاد. هذا، مضافاً إلى أنّ الإحصان و العفّة ممّا أكّد عليهما الشارع المقدّس; لأنّ قوام العائلة بهما، و ينافيهما عدم حفظ الرجل ماءه عن الأجنبية و عدم حفظ المرأة فرجها عن ماء غير زوجها.

على أنّ دعوى قيام سيرة المتشرّعة على الاجتناب عن مياه غير الأزواج و لو مع عدم تمكّن الأزواج من الاستيلاد غير مجازفة، و القول بعدم اتّصالها إلى زمان المعصوم أو أنّها مستندة إلى الفتاوى غير مسموع.

و أيضاً تجويز التلقيح الصناعي بماء الأغيار مع عدم إقامة الشهود و اختفاء الفعل يوجب اختلاط الأنساب و ذهابها، لاسيّما إذا كان صاحب الماء غير معلوم، و قد دلّ بعض الأخبار على أنّ من حكمة تحريم الزنى هو ذهاب الأنساب:

فقد روى الصدوق بإسناده عن محمّد بن سنان، عن الرضا (عليه السلام) فيما كتب إليه من جواب مسائله: «و حرّم الله الزنى لما فيه من الفساد; من قتل النفس، و ذهاب الأنساب، و ترك التربية للأطفال، و فساد المواريث، و ما أشبه ذلك من وجوه الفساد».(2)

و روى أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسي في الاحتجاج، عن أبي عبدالله (عليه السلام) - في حديث - أنّ زنديقاً قال له: لِمَ حرّم الله الزنى‌؟ قال: «لما فيه من الفساد و ذهاب المواريث و انقطاع الأنساب، لاتعلم المرأة في الزنى من أحبلها، و

**

(1) المصدر السابق: 237-239.

(2) الوسائل 311:20، ب 1 من أبواب النكاح المحرّم، ح 15.

لاالمولود يعلم من أبوه، و لاأرحام موصولة، و لاقرابة معروفة...» الحديث.(1)

و ربّما يقرّب الاستدلال بهما: بأنّهما تدلاّن على أنّ ذهاب الأنساب سرّ من أسرار حرمة الزنى، فهو أمر مبغوض يجب الاجتناب عنه مهما كان، و كونه حكمة لايدور حرمة الزنى مدارها لايضرّ بالقول بحرمة كلّ عمل اشتمل على هذه الحكمة; فإنّ الحكمة لاتقصر عن العلّة في موارد ثبوتها بل تزيد عليها في موارد انتفائها; فإنّ الحكمة بمثابة من الأهمّية توجب احتمالها و مظنّتها إنشاء الحكم بنحو الإطلاق بخلاف العلّة، و تمام الكلام في محلّه.(2)

اللّهمّ إلاّ أن يقال: الرواية الاُولى ضعيفة من جهة اشتمال طريق الصدوق إلى محمّد بن سنان على القاسم بن الربيع الصحّاف و عليّ بن عبّاس و هما ضعيفان، هذا مع الغمض عن محمّد بن سنان، و الرواية الثانية ضعيفة من جهة الإرسال.

هذا، مضافاً إلى أنّ الاُمور المذكورة - من حكم جعل الشارع و تشريعه حرمة الزنى و معمّميّة الحكمة - متوقّفة على الإحاطة بعدم المانع في سائر الموارد، و هو أوّل الكلام، فتأمّل.

و كيف كان، فتحصّل ممّا ذكر - من تماميّة دلالة بعض الآيات و الروايات، و مقتضى العفّة و الإحصان، و قاعدة الاحتياط في النفوس و الأعراض و الدماء و الأموال - هو لزوم الاجتناب عن تلقيح ماء الأجنبي.

حكم الولد بالنسبة إلى صاحب الماء:

ثمّ إنّ المتكوّن من طريق التلقيح من ماء الأجنبي المعلوم هو ولد لصاحب الماء و صاحب الماء أب له; لصدق عنوان الأب و الابن عرفاً; إذ المعيار فيه هو

**

(1) المصدر السابق: 332، ب 17 من أبواب النكاح المحرّم، ح 12.

(2) كلمات سديدة: 87-88.

تكوّنه من ماء صاحب الماء و هو حاصل.

و ما في الجواهر - من أنّ مجرّد كون الماء من شخص لايكفي في لحوق الولد شرعاً; ضرورة كون الثابت من النسب فيه الوطء الصحيح و لو شبهةً‌، و ليس هذا منه، و ليس مطلق التولّد من الماء موجباً للنسب شرعاً; ضرورة عدم كون العنوان فيه الخلق من مائه، و الصدق اللغوي بعد معلومية الفرق بين الإنسان و غيره من الحيوان بمشروعيّة النكاح فيه دونه، بل المراد منه تحقّق النسب(1) - منظور فيه:

أوّلاً: بأنّه لادليل على دخالة الوطء الصحيح في صدق الولد وتحقّق النسب شرعاً، كما يشهد له انتساب عيسى - على نبيّنا وآله و عليه السلام - إلى مريم و آبائها (عليهم السلام) مع أنّه لاوطء فيه، و أيضاً انتساب الولد المنخلق من ماء الزوج إلى أبيه شرعاً و لو لم يتحقّق الوطء; بأن أنزل ماءه على فرج زوجته و جذبته إليه، و كذلك انتساب الولد إلى الزوج شرعاً إذا وطئ زوجته في حال الحيض أو النفاس أو الصوم مع أنّه لم يقع الوطء الصحيح.

و عليه، فلامجال لدعوى دخالة الوطء الصحيح في تحقّق النسب شرعاً، كما لادخالة له في صدق الولد عرفاً. و يدلّ على عدم دخالة الوطء ما ورد - في قضيّة الشيخ الكبير الذي نكح جارية حدثة فصارت الجارية حاملاً مع أنّ الشيخ لم يجامعها و إنّما أنزل الماء في قبلها من غير وصول إليها بالافتضاض - من أنّ أميرالمؤمنين (عليه السلام) قال: «الحمل له، و الولد ولده».(2)

نعم، يكون الوطء الصحيح مقارناً غالبياً له، و مع عدم دليل على لزوم ذلك فلاوجه لرفع اليد عن المعيار العرفي في صدق الولد و النسب من تكوّن الولد من ماء صاحب الماء.

**

(1) جواهر الكلام 398:41.

(2) الوسائل 379:21، ب 16، أحكام الأولاد، ح 2.

ثمّ إنّ نفي الولدية في الزنى - بمثل قوله (عليه السلام): «الولد لُغْية (ملغى) لايورث» في خبر محمّد بن الحسن الأشعري(1); أو قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي: «أيّما رجل وقع على وليدة قوم حراماً ثمّ اشتراها فادّعى ولدها فإنّه لايورث منه شيء; فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: الولد للفراش و للعاهر الحجر، و لايورث ولد الزنى إلاّ رجل يدّعي ابن وليدته»،(2) و غير ذلك من الأخبار مخصوص بالزنى، فلايشمل مثل المقام.

و إلحاقه بالزنى في نفي الولدية لادليل له بعد عدم صدق الزنى عليه، بل إجراء حكم الزنى عليه قياس; لأنّه إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر.

و القول بأنّ الملاك في نفي الولد في الزنى هو عدم وجود العلقة الشرعية بينهما و هو جار في مثل التلقيح الصناعي، غير سديد بعد عدم معلوميّة الملاك، و لعلّ للوطء مدخلية في ذلك، كما أنّه موجب للحدّ الشرعي. و عليه فمع صدق العناوين من الابن و الولد و الأب و الوالد تشمله الأدلّة الدالّة على أحكام الولد و الوالد، و لاينافي الصدق المذكور اقتران التلقيح بمقدّمات محرّمة و عدمه. هذا، مضافاً إلى أنّه لو وقع خطأً فاشتبه منيّ زوجها بمنيّ الأجنبي لم تقع مقدّمات محرّمة، بل هو كالوطء بالشبهة.

وثانياً: إنّ مناقشة صاحب الجواهر المذكورة مع قطع النظر عن النصوص، و إلاّ فهي اجتهاد في مقابل النصّ‌، و يكفي في ذلك الروايات المستفيضة الواردة في حكم ما لو جامع الرجل امرأته فساحقت جارية فحملت:

منها: ما رواه محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عمرو بن عثمان و عن أبيه جميعاً، عن هارون بن الجهم، عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر و أبا عبدالله (عليهما السلام) يقولان: «بينما الحسن بن علي (عليهما السلام)

**

(1) المصدر السابق 274:26، ب 8، ميراث ولد الملاعنة، ح 2.

(2) المصدر السابق: ح 1.

في مجلس أمير المؤمنين (عليه السلام) إذ أقبل قوم فقالوا: ياأبا محمّد، أردنا أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: و ما حاجتكم‌؟ قالوا: أردنا أن نسأله عن مسألة، قال: و ما هي تخبرونا بها؟ فقالوا: امرأة جامعها زوجها، فلما قام عنها قامت بحموتها(1) فوقعت على جارية بكر فساحقتها، فألقت النطفة فيها فحملت، فما تقول في هذا؟ فقال الحسن (عليه السلام): معضلة و أبو الحسن لها، و أقول فإن أصبت فمن الله ثمّ من أمير المؤمنين، و إن أخطأت فمن نفسي، فأرجو أن لااُخطئ إن شاء الله: يعمد إلى المرأة فيؤخذ منها مهر الجارية البكر في أوّل وهلة; لأنّ الولد لايخرج منها حتى تشقّ فتذهب عذرتها، ثمّ ترجم المرأة لأنّها محصنة، ثمّ ينتظر بالجارية حتى تضع ما في بطنها، ويردّ الولد إلى أبيه صاحب النطفة، ثمّ تجلد الجارية الحدّ. قال: فانصرف القوم من عند الحسن (عليه السلام) فلقوا أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: ما قلتم لأبي محمّد، وما قال لكم‌؟ فأخبروه، فقال: لو إنّني المسؤول ما كان عندي فيها أكثر ممّا قال ابني».(2)

ومنها: ما رواه الصدوق (رحمه الله) بإسناده عن عليّ بن أبي حمزة، عن إسحاق ابن عمّار، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إذا أتى رجل امرأة فاحتملت ماء (ماءه) فساحقت به جارية (جاريته) فحملت، رجمت المرأة وجلدت الجارية و اُلحق الولد بأبيه».(3) و غير ذلك من الأخبار.

و هذه الروايات تدلّ على أنّ الولد لصاحب النطفة، و هي معمول بها، و لايضرّ بالعمل بها ما حكي عن ابن إدريس من أنّ أصحابنا لايرجمون المساحقة، فلايجترى على رجمها بخبر واحد لايعضده كتاب أو سنّة متواترة أو إجماع(4); لعدم ثبوت مدّعاه; لما حكي عن الشيخ و القاضي و ابن حمزة من أنّهم عملوا بها

**

(1) أي بشهوتها، و حمو الشيء حرّه.

(2) الكافي 202:7 ح 1.

(3) الوسائل 170:28، ب 3، حدّ السحق و القيادة، ح 5.

(4) الجواهر 397:41.

في الرجم أيضاً، و على فرض التسليم فعدم العمل مخصوص بتلك الفقرة.

ثمّ إنّ الروايات و إن كانت واردة في مورد معلومية صاحب الماء لكن تعليق الحكم بالوصف في قوله (عليه السلام): «يرد الولد إلى أبيه صاحب النطفة» يشعر بأنّ الولد لصاحب النطفة معلوماً كان أو مجهولاً، فتدبّر.

و لامجال للحكم بكون الولد للزوج مستدلاًّ بقوله عليه الصلاة والسلام: «الولد للفراش و للعاهر الحجر»(1); لأنّ الولد متكوّن من ماء غير الزوج يقيناً، و معه لامجال للأخذ بقوله: «الولد للفراش»; لأنّه أمارة فيما إذا شكّ أنّ الحمل منه أو من الغير، و أمّا إذا علم أنّه من الغير فلامعنى لجعل الأمارة فيه، كما لايخفى.

و مورد الأخبار الدالّة على أنّ الولد للفراش و للعاهر الحجر هو صورة التداعي و الشكّ‌، فراجع.(2)

نعم، لو لقّحت نطفة الأجنبي في الزوجة و قاربها زوجها ثمّ حملت و احتمل أنّ الولد من ماء الزوج صحّ الأخذ بعموم ما ورد «الولد للفراش» للحكم بكون الولد للزوج.

ثمّ إنّه حكي عن ابن إدريس أنّه قال - في إلحاق الولد بصاحب الماء في فرض مساحقة زوجته مع غيرها -: إنّ الولد غير مولود على فراش الرجل فكيف يلتحق به(3)؟!

ويمكن الجواب عنه: بأنّ قوله (عليه السلام): «الولد للفراش و للعاهر الحجر» لايدلّ على حصر الولد في الفراش حتى ينافي إلحاق الولد في الصورة المذكورة و إنّما هو في مقابل الزاني، فالولد في الفرض المذكور ملحق بصاحب الماء; لأنّه ماء غير زان، و قد

**

(1) الوسائل 274:26، ب 8، ميراث ولد الملاعنة، ح 1.

(2) انظر: الوسائل 274:26، ب 8، ميراث ولد الملاعنة.

(3) جواهر الكلام 398:41.

انخلق منه الولد فيلحق به شرعاً; لأنّه الموافق للعرف و اللغة، و أقصى ما هناك أنّ الزاني خارج منه فيبقى غيره.

و الأولى من ذلك ما إذا وقع التلقيح بتوهّم أنّ الماء ماء زوجها أو بتوهّم أنّ المرأة زوجته فبان الخلاف; فإنّ المورد المذكور كالوطء بالشبهة.

حكم الولد بالنسبة إلى المرأة:

أ - إن كانت المرأة الملقّحة بماء غير الزوج ذات بييضة و انعقدت نطفة الغير مع نطفتها فالولد متكوّن منها أيضاً كما أنّه متكوّن من صاحب الماء، و مع كون تكوّنه منهما يصدق أنّها اُمّه و أنّه ولدها كما يصدق أنّه ولد لصاحب الماء و أنّه أب له، و مع صدق هذه العناوين تترتّب عليها أحكامها.

لايقال: إنّ ظاهر قوله (عليه السلام) في صحيحة محمّد بن مسلم: «و يردّ الولد إلى صاحب النطفة...» من دون ذكر انتسابه إلى الاُمّ هو اختصاص صاحب النطفة بالولد، فهو ينافي كونه ولداً بالنسبة إلى المرأة.

لأنّا نقول:

أوّلاً: إنّ الرواية ساكتة من جهة نسب المرأة ولاتدلّ على نفي الولدية عنها، و مجرّد قوله: «يردّ الولد إلى صاحب النطفة...» لايدلّ على النفي; إذ إثبات شيء لاينفي ما عداه.

وثانياً: إنّه من الممكن أن تكون المساحقة كالزنى في إيجاب نفي الولد، و حيث إنّ الجارية طاوعت في ذلك كانت كالزانية، و لذا لم ينسب الولد إليها، فتأمّل.

وثالثاً: إنّ السكوت لعلّه من جهة مفروغية انتساب الولد إلى الجارية، فافهم.

و كيف كان، فمع عدم وضوح دلالة الرواية على نفي الولد بالنسبة إلى الاُمّ لاوجه لرفع اليد عن حكم العرف بالولدية; لوجود معيارها و هو انخلاق الولد من مائها أيضاً.

ب‍ - و إن كانت المرأة عقيماً فلقّحت نطفة الرجل مع بييضة مرأة اُخرى غير

عقيمة فانعقدت نطفة الولد، فهل يلحق بالمرأة صاحبة البييضة أم بالاُخرى التي تصير ملقّحة‌؟ هنا وجوه:

الوجه الأوّل:

هو ما ذهب إليه السيّد الخوئي (قدس سره) من أنّ المرأة المذكورة التي زرع المنيّ في رحمها اُمّ للولد شرعاً; فإنّ الاُمّ هي المرأة التي تلد الولد، كما هو مقتضى قوله تعالى: (اَلَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسٰائِهِمْ مٰا هُنَّ أُمَّهٰاتِهِمْ إِنْ أُمَّهٰاتُهُمْ إِلاَّ اَللاّٰئِي وَلَدْنَهُمْ‌)(1) ... إلخ.(2)

وحاصله: أنّ الاُمّ - كما صرّحت الآية الكريمة - هي التي تلد الولد سواء كانت صاحبة البييضة أم لم تكن.

وفيه: أنّ الحصر في الآية الكريمة إضافي; حيث كان ذلك في مقابل ما كانوا يتوهّمونه من الحرمة الأبدية لزوجاتهم بالظهار بمثل قولهم لهنّ‌: «أنتِ عليَّ كظهر اُمّي»، فقال سبحانه و تعالى في ردّهم بأنّ هذا القول لايوجب صيرورة الزوجة اُمّاً لزوجها حتى تترتّب عليها أحكام الاُمومة، بل الاُمّ هي التي ولدته، فلاتدلّ الآية إلاّ على نفي الاُمومة عن اللاّتي ظاهرهنّ أزواجهنّ‌.

و أمّا اعتبار التولّد في صدق الاُمومة في جميع الموارد حتى مثل المقام فلاتكون الآية في مقام بيانه، فلادخالة للتولّد في الاُمومة، و يشهد لذلك أنّه لو اُخرج الجنين من غير الموضع الطبيعي لاتصدق الولادة، و مع ذلك لاريب في صدق الاُمومة. و عليه فلعلّ ذكر الولادة للطفل بملاحظة كونها أمراً غالبياً أو دائمياً في تلك الأزمنة، أو لعلّ المراد من الولادة هو تكوّن الولد من مائها كما أنّ بهذا

**

(1) المجادلة: 2.

(2) مسائل وردود: 99.

الاعتبار أيضاً يطلق الوالد على الأب، فتأمّل.

و أمّا القول بأنّ إطلاق الوالد على الأب باعتبار كونه سبباً للحمل و الوضع فهو ممنوع; لأنّ لازمه هو أن يكون إطلاق الوالد على الأب مجازاً من باب علاقة السبب و المسبّب، و هو كما ترى.

و كيف كان، فلاوجه لرفع اليد عن الحكم العرفي في باب الولدية بمثل الآية الكريمة التي لاإطلاق لها بالنسبة إلى المقام، فالمحكّم هو ما مرّ من أنّ الأب هو صاحب الماء و الاُمّ هي صاحبة البييضة.

الوجه الثاني:

هو ما ذهب إليه السيّد المجاهد الإمام الخميني (قدس سره) من أنّه لو ثبت أنّ نطفة الزوجين منشأً للطفل فالظاهر إلحاقه بهما، سواء انتقل إلى رحم المرأة أو رحم صناعية.(1)

و قد أوضحه في كلمات سديدة حيث قال: و لايبعد أن يقال: إنّ ملاك الاُمومة عند العرف مثل ملاك الاُبوّة; و هو كون الطفل في مبدأ خلقته مخلوقاً بمائها، فإذا كان المفروض أنّ نطفته التي هي مبدأ خلقته و أوّل ما يخلق حاصلة من تركّب ماءين فهذا المخلوق الأوّل هو أوّل مراحل وجود الطفل، فالطفل بوجوده الأوّل متقوّم ومستند إلى صاحب المنيّ والبييضة، بل هو مركّب من جزأين كلّ منهما لواحد من صاحبي البييضة و المنيّ‌، و التغذّي الذي يلحقه و يحصل له إنّما يوجب نموّه.

فالغذاء الذي يتغذّى به في رحم المرأة كالغذاء الذي يتغذّى به بعد أن تولّد و خرج من الرحم لايوجب انقلابه عمّا كان عليه من كونه طفلاً لصاحبي الماءين،

**

(1) تحرير الوسيلة 560:2، مسألة 10.

فكما أنّه لو أجهض النطفة و ربّيت في مصنع معدّ لمثل ذلك إلى أن بلغت مرحلة نفخ الروح و تمكّنت من إدامة الحياة خارج المصنع كسائر أبناء البشر فكما أنّه لاريب حينئذ في أنّه ولد لصاحبي البييضة و المنيّ‌، فهكذا إذا كان رحم المرأة مكان ذاك المصنع المفروض، فالطفل يلحق بصاحبة البييضة، و هي اُمّ له عند العرف.(1)

الوجه الثالث:

هو ما يظهر من شيخنا الاُستاذ الأراكي (قدس سره) من الاحتياط; لعدم تمامية الأدلّة المذكورة لتعيين الاُمّ‌.(2)

و لعلّ وجه الشبهة هو أنّ مقتضى الآية الكريمة اعتبار الولادة ولو بإمكانها، فلاينافي ذلك صدق الاُمومة على من اُخرج من غير الموضع الطبيعي. ولكن لاإطلاق لها، و عدم وضوح حكم العرف بانخلاق الولد من ماء المرأة، مع ذهابهم إلى أنّ الاُمّ هي وعاء.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: هذا مع عدم علمهم بتأثير بييضة المرأة، فمع كون امرأة عقيماً والتأثير لبييضة امرأة اُخرى يحكمون بانخلاقها ممّن لها البييضة.

وكيف كان، فلو شكّ في اُمومتهما كانت المسألة من أطراف العلم الإجمالي، و مقتضى القاعدة هو الاحتياط برعاية أحكامهما بينهما; فإنّ الاُمومة ليست خارجة عنهما، ففي مثل الإرث يكون اللازم هو تصالحهما، و في مثل النكاح و النظر و نحوه يكون اللازم هو لزوم الاجتناب على الولد بالنسبة إليهما، و عليهما بالنسبة إلى الولد، و هكذا.

ج‍ - هذا كله فيما إذا لم تُزرع بييضة امرأة لها بييضة برحم امرأة عقيم، و إلاّ فبعد

**

(1) كلمات سديدة: 98-99.

(2) استفتاءات (بالفارسية): 250، سؤال 7 من المسائل الطبية.

زرعها و صيرورتها جزءً لها فالولد المتكوّن منها ولد للمرأة التي كانت عقيماً دون من اُخذت البييضة منها و إن قيل إنّ البييضة واجدة لما يتركّب منها من أوّل الأمر; فإنّ الجزئية أمر عرفي، فإذا زُرعت و صدقت الجزئية للثانية كان كلّ ما يتولّد منها متولّداً من المرأة التي تكون البييضة جزءً لها فعلاً، و لذلك قال شيخنا الاُستاذ الأراكي (قدس سره) هنا: إنّ البييضة إن صارت جزءً لبدن المرأة الثانية كان الولد ملحقاً بها.(1)

الصورة الثالثة: أن يؤخذ المنى أو البييضة من النباتات

أن يؤخذ المني أو البييضة من النباتات فيلقح في رحم إنسان فتنعقد النطفة هناك إلى آخر مراتب النمو.

و الظاهر عدم دخول شيء منها في موضوع الحرمة المستفادة من الأدلّة و لو بإلغاء الخصوصية، فيكون الأصل جوازها.

و ذلك لعدم صدق إقرار النطفة في رحم الأجنبية بناءً على تمامية ذلك الدليل على الحرمة، فإنّه غير صادق على المفروض في المقام; لأنّ ظاهره هو إقرار الأجنبي نطفته في رحم يحرم عليه، و في المقام ليست النطفة للأجنبي، كما لايكون في ذلك مخالفة للإحصان و العفّة أو اختلاط الأنساب و غير ذلك، و لايشمله أيضاً قوله تعالى: (وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ‌)(2) ; لانصرافه إلى الحفظ عن الإنسان.

ثمّ إنّ المتولّد من ذلك ليس له أب و إنّما له اُمّ إن كان المأخوذ من النباتات هو المنيّ‌، و ليس له اُمّ إن كان المأخوذ منها هو البييضة و قلنا بعدم كون المرأة الملقّحة اُمّاً، و ليس له أب و اُمّ لو كان المأخوذ منها كليهما و قلنا بعدم كون المرأة الملقّحة اُمّاً.

**

(1) انظر: المصدر السابق.

(2) النور: 31.

فأولاد الأب و الاُمّ من غير هذا الطريق إخوة لمن عدّ ابناً له أو لها، و أمّا إذا لم يكن ابناً لهما فلاقرابة بينه و بينهما و بين أولادهما.

و هكذا الأمر إذا كان المنيّ و البييضة كلاهما مأخوذين من النباتات و جعلا في رحم صناعية، فإنّه لاقرابة بين المتولّدين من هذا الطريق و بين غيرهم، و لذلك يجوز تزويج بعضهم لبعض.

الصورة الرابعة: أن يؤخذ مني الزوج و بييضته الزوجة و يركّبان في خارج الرحم ثم يزرع في رحم الزوجة

أن يؤخذ منيّ الزوج و بييضة الزوجة و يركّبان في خارج الرحم، ثمّ تزرع النطفة بعد مدّة قليلة أو كثيرة في رحم الزوجة.

و لاإشكال فيه لو كان ذلك بمقدّمات غير محرّمة.

ثمّ إنّ الطفل منسوب إليهما; لأنّ انخلاق الطفل من مائهما، و مجرّد كون التركيب في الخارج لايضرّ بذلك، فالطفل ولد لهما.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ اللازم في النسب الشرعي هو الوطء الصحيح و هو غير موجود في المقام، ولكن عرفت سابقاً عدم دليل على ذلك و إن ادّعاه صاحب الجواهر (قدس سره)، و مجرّد غلبة الوطء الصحيح في موارد النسب الشرعي لايدلّ على الاعتبار، بل عرفت موارد لم يكن فيها وطء أو وطء صحيح و مع ذلك حكم بالنسب الشرعي فيها.

و كيف كان، فمع عدم وضوح دليل على ذلك لاوجه لرفع اليد عن الحكم العرفي; لصدق الأب و الاُمّ و الولد بذلك.

و لعلّ زرعهما في رحم حليلته الاُخرى أيضاً كذلك; إذ مع حلّية رحم حليلته الاُخرى لايصدق إقرار النطفة في رحم يحرم عليه بناءً على تمامية دلالته، و المرأة قد حملت نطفة زوجها أو سيّدها. و أمّا لزوم المنع من ورود نطفة امرأة اُخرى فلادليل له، اللّهمّ إلاّ أن يستدلّ بقوله تعالى: (وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ‌) بدعوى إطلاقه

لمثل تلقيح بييضة امرأة اُخرى.

و ينقدح ممّا ذكر حكم زرعهما في رحم يحرم عليه أيضاً بالأولوية، و دعوى الانصراف في الآية الكريمة غير ثابتة، و عليه فلايجوز إجارة الرحم بهذا المعنى.

و هكذا يظهر ممّا ذكر حكم ما إذا لُقّحت بييضة امرأة في رحم امرأة اُخرى عقيم فجامعها عقيبه زوجها فحبلت; فإنّ قبول بييضة امرأة ينافي إطلاق قوله تعالى: (وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ‌) .

نعم، لو كان تلقيح البييضة من حيوان في رحم امرأة عقيم مثلاً فجامعها زوجها فالظاهر هو الجواز; لعدم دليل على حرمته، و الآية الكريمة منصرفة عنه.

الصورة الخامسة: أن يؤخذ منى الزوج و الزوجة و يركّبان في خارج الرحم ثم يزرع في رحم صناعية

أن يؤخذ منيّ الزوج و الزوجة و يركّبان في خارج الرحم ثمّ يجعل المزيج منهما في رحم صناعية لتنشئته و تربيته حتى يتكامل و يصير حيّاً سويّاً خارج الرحم من دون وطء و حمل و وضع و تغذية الاُمّ و غير ذلك.

و الحكم العرفي موجود في هذا الفرض أيضاً، فالزوج أب و الزوجة اُمّ و لو لم يقع وطء و حمل و غير ذلك، و مع صدق عناوين الأب و الاُمّ و الولد تترتّب عليها أحكامها، و أولادهما من غير هذا الطريق إخوة للولد المذكور، و هكذا.

و لايضرّ عدم وجود هذا النوع من الأولاد في الصدر الأوّل; لأنّ موضوع الأدلّة ليس مأخوذاً بنحو القضية الخارجية بل بنحو القضية الحقيقية، فالولد مأخوذ في الأدلّة بأنّ كلّ شيء يوجد و يصدق عليه الولد فحكمه كذا، و من المعلوم أنّه صادق على الولد المذكور.

الصورة السادسة: أن يؤخذ ماء رجل معلوم و بييضة امرأة معلومة من دون ان يكون بينهما علقة الزوجية

أن يؤخذ ماء رجل معلوم و بييضة امرأة معلومة من دون أن تكون بينهما

علقة الزوجية و يركّبان معاً ثمّ يجعل المزيج منهما في رحم صناعية ليتربّى و ينشأ و يتكامل و يصير حيّاً سويّاً.

ربّما يقال: إنّ عقد النطفة بالوجه المذكور لاينبغي الريب في أنّه ليس مشمولاً للعناوين المأخوذة في أدلّة الحرمة، فإنّها عناوين خاصّة منتزعة من قرار الماء أو النطفة في الرحم، و المفروض هنا انعقاد النطفة خارج الرحم فلاتعمّه أدلّة الحرمة.

اللّهمّ إلاّ أن تلغى عنها خصوصية قرارها في الرحم و يدّعى أنّ تمام الموضوع إنّما هو انعقاد النطفة بماء الرجل و بييضة امرأة تحرم عليه و أنّ ذكر الرحم مثلاً إنّما هو بلحاظ أنّه كان هو الطريق المتعارف، أو يقال: إنّ عقد النطفة في المكائن الصناعية الحديثة وضع لها في غير موضعها الذي أمر الله عزّوجلّ به، فيعمّه العنوان المأخوذ في خبر إسحاق بلاحاجة إلى دعوى إلغاء الخصوصية، لكنّك خبير بأنّ المنصرف من «غير موضعها» هو رحم غير حليلته، و لايعمّ مثل المكائن الحديثة.

و أمّا دعوى إلغاء الخصوصية فهي على عهدة مدّعيها... و مع الشكّ و عدم الجزم بها فأصالة البراءة تقتضي الجواز، و طريق الاحتياط واضح.

هذا كلّه إذا كان الرجل صاحب المنيّ معلوماً، و أمّا إذا لم يعلم هو بعينه فاللازم من عقد النطفة حينئذ ذهاب الأنساب الذي قد عرفت مبغوضيّته شرعاً.(1)

وفيه: أنّه يكفي لحرمة إعطاء الماء من الرجل و المرأة إلى غيرهما إطلاق قوله تعالى: (وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ‌) وقوله عزّوجلّ‌: (وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ‌) ; فإنّ من أعطى ماءه غيره لم يحفظ فرجه عنه. و دعوى الانصراف مع حذف المتعلّق لاوجه لها; فإنّ الحفظ من الوطء و الاستمتاعات و الاستيلاد، و الانصراف لو كان فهو

**

(1) كلمات سديدة: 93-94.

بدوي. و لافرق في ذلك بين معلوميّة صاحب الماء و عدمها.

و ممّا ذكر يظهر حكم زرعها بعد عقدها في الرحم; فإنّ ذلك ينافيه إطلاق الآية الكريمة الدالّة على وجوب حفظ الفرج; إذ من المعلوم أنّ من جعل فرجه في معرض مياه الأغيار لم يحفظ فرجه.

ثمّ لو عصى بأخذ الماء من الطرفين و عقدهما و جعلهما في رحم صناعية فالمتكوّن منهما ولد لهما; فإنّ معيار الاُبوّة هو انخلاق نطفة الطفل من منيّ الشخص فهذا الشخص أب له، و هكذا ملاك الاُمومة إنّما هو انعقاد نطفته من بييضة الشخص فهذا الشخص اُمّه، فلامحالة يلحق المولود بصاحب المنيّ فيكون أباه و بصاحبة البييضة فتكون اُمّه، و لادخل للحمل و الوضع كما مرّ.

و لامحالة تترتّب عليهما أحكام الأب و الاُمّ‌، و كذا تترتّب على سائر من انتسب بهما إلى الطفل الأحكام الخاصّة المترتّبة على عناوينها، فأولاد الأب و الاُمّ إخوة لهذا الطفل المصنوع خارج الرحم، و هكذا.

ثمّ‌ إنّ هنا صوراً اُخرى:

كأخذ منيّ إنسان و بييضة حيوان و عقدهما و زرعهما في رحم إنسان آخر محلّل أو محرّم أو في رحم حيوان، أو أخذ بييضة إنسان و منيّ حيوان و عقدهما و زرعهما في رحم إنسان محلّل أو محرّم أو رحم حيوان، أو أخذ المنيّ و البييضة من حيوانين أو نباتين أو من نبات وحيوان، و غير ذلك.

و يظهر حكم هذه الصور ممّا تقدّم، و لاحاجة إلى تفصيلها و تكرار ماذكرنا.

المسألة السادسة عشر التنجيم و علم النجوم

حكم التنجيم:

اشارة

في هذا البحث نتعرّض إلى الصور المختلفة للإخبار استناداً إلى النجوم و الأوضاع الفلكية:

1 - الإخبار عن الأوضاع الفلكية المبتنية على سير الكواكب:

اشارة

ليس ثمّة دليل على حرمة الإخبار عن الأوضاع الفلكية المبتنية على سير الكواكب; كالخسوف الناشئ عن حيلولة الأرض بين النيّرين، و الكسوف الناشئ عن حيلولة القمر أو غيره بين الأرض و الشمس.

قال الشيخ الأعظم (قدس سره): «يجوز الإخبار بذلك إمّا جزماً إذا استند إلى ما يعتقده برهاناً، أو ظناً إذا استند إلى الأمارات».(1)

فإذا لم يكن الإخبار عن ذلك محرّماً، فالنظر فيها و الاعتقاد بها أيضاً ليس محرّماً; إذ لادليل لدعوى الحرمة فيها، فعدم الدليل كما يقتضي عدم الحرمة في الإخبار كذلك يقتضي عدمها في النظر و الاعتقاد; و لذلك قال الفاضل الإيرواني (قدس سره): «و الظاهر أنّ كل الأفعال الثلاثة جائزة لابأس بها; ليست بكفر و لافسق; لعدم

**

(1) المكاسب: 25.

الدليل على المنع عنها».(1)

فمقتضى الأصل و القاعدة هو جواز النظر فيها و الإذعان بها و الإخبار عنها. فالتنجيم بهذا المعنى جائز، و لاإشكال فيه.

وربما قيل: إنّه خارج عن التنجيم; لاختصاصه بمعرفة آثار الكواكب في الحوادث الأرضية، أو ارتباط بعض الحوادث السفلية بالأجرام العلوية، بل هو داخل في علم الهيئة.

وفيه: أنّ التنجيم أعمّ‌; لأنّه معرفة مواقيت النجوم و سيرها في طلوعها و غروبها، و هو يشمل أوضاعها. قال في تاج العروس: «و المنجِّم - كَمُحَدِّث - و المتنجِّم والنَّجّام - كَشَدّاد -: مَن ينظر في النجوم بحسب مواقيتها و سيرها في طلوعها و غروبها».(2)

و كيف كان، فالمحكي عن السيد المرتضى و الكراجكي - و غيرهم ممن أنكر التنجيم - الاعتراف بجواز هذا النوع، حيث قالا: «إنّ الكسوفات و اقتران الكواكب و انفصالها من باب الحساب و سير الكواكب، و له اُصول صحيحة و قواعد سديدة، و ليس كذلك ما يدّعونه من تأثير الكواكب في الخير و الشر و النفع و الضرر».

و قد أشار إلى جواز ذلك في جامع المقاصد مؤيداً ذلك بما ورد من كراهة السفر و الزواج في برج العقرب، كما حكاه الشيخ الأعظم (قدس سره). و لعل وجه التأييد أنّ ما ورد في كراهة السفر راجع إلى الفلكيات، فلايرتبط بالمقام إلاّ بالأولوية.

الأدلّة المجوّزة:

و يدل على جواز ذلك: ما رواه في البحار عن كتاب النجوم للسيد ابن

**

(1) التعليقة: 23.

(2) تاج العروس 72:9.

طاووس قال: «رويت بعدة طرق إلى يونس بن عبد الرحمان في جامعه الصغير بإسناده قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك! أخبرني عن علم النجوم ما هو؟ فقال: «هو علم من علم الأنبياء». قال: فقلت: كان علي بن أبي طالب يعلمه‌؟ فقال: «كان أعلم الناس به»».(1) و ظاهره تصحيح أصل علم النجوم.

و يؤيده خبر عبد الله بن سيّابة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت لك الفداء! إنّ الناس يقولون: إنّ النجوم لايحل النظر فيها، و هي تعجبني; فإن كانت تضرّ بديني فلاحاجة لي في شيء يضرّ بديني، و إن كانت لاتضرّ بديني فوالله إنّي لأشتهيها و أشتهي النظر فيها. فقال: «ليس كما يقولون; لاتضرّ بدينك - ثم قال: - إنّكم تنظرون في شيء منها كثيرُه لايدرَك، و قليله لاينتفع به...»(2) الحديث.

و هو و إن كان قد ورد في جواز المعرفة بالآثار، ولكن يدل على المقام بالأولوية.

قال السيد ابن طاووس: «روى هذا الحديث أصحابنا في المصنفات و الاُصول».(3)

و خبر محمد بن يحيى الخثعمي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن النجوم حقٌّ هي‌؟ قال: «نعم». فقلت له: و في الأرض من يعلمها؟ قال: «نعم، و في الأرض من يعلمها».(4)

و خبر الكراجكي عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «العلوم أربعة: الفقه للأديان، و الطب للأبدان، و النحو للّسان، و النجوم للأزمان».(5)

**

(1) بحار الأنوار 235:58.

(2) الروضة: 195.

(3) نقل قوله هذا النجفي في جواهر الكلام 103:22.

(4) المستدرك 432:2.

(5) المستدرك 433:2.

و خبر هشام الخفاف قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «كيف بصرك بالنجوم‌؟» قال: قلت: ما خلّفت بالعراق أبصر بالنجوم منّي. قال: «كيف دوران الفلك عندكم‌؟ - إلى أن قال: - ما بال العسكرين يلتقيان; في هذا حاسب و في هذا حاسب، فيحسب هذا لصاحبه بالظفر، و يحسب هذا لصاحبه بالظفر، فيهزم أحدهما الآخر؟! فأين كانت النحوس‌؟!». قال: فقلت: لا و الله ما أعلم ذلك قال: فقال: «صدقت، إنّ أصل الحساب حق، ولكن لايعلم ذلك إلاّ من علم مواليد الخلق كلّهم».(1)

و خبر حفص بن البختري قال: ذكرت النجوم عند أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال: «ما يعلمها إلاّ أهل بيت بالهند و أهل بيت من العرب».(2)

و خبر محمد و هارون ابني سهل و كتبا إلى أبي عبد الله (عليه السلام): إنّ أبانا و جدّنا كان ينظر(3) في النجوم، فهل يحلّ النظر فيها؟ قال: «نعم».(4)

و في إكمال الدين أنّهما كتبا إليه (عليه السلام): نحن ولد بني نوبخت المنجّم [و قد كتبنا إليك: هل يحلّ النظر في علم النجوم‌؟ فكتبت: «نعم» و المنجّمون] يختلفون في صفة الفلك - إلى أن قال: - فكتب (عليه السلام): «نعم، ما لم يخرج من التوحيد».(5)

و في جامع الأحاديث نقلا عن كتاب نزهة الكرام و بستان العوام(6): «روي أنّ هارون الرشيد بعث إلى موسى بن جعفر (عليهما السلام) فأحضره، فلمّا حضر عنده قال [له]: إنّ الناس ينسبونكم - يا بني فاطمة - إلى علم النجوم، و إنّ معرفتكم بها معرفة جيّدة، و فقهاء العامة يقولون: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «إذا ذكروا (ذكر) في

**

(1) جامع الأحاديث 225:17.

(2) المصدر السابق: 228.

(3) كذا، و لعلّ المناسب أن يقال: «كانا ينظران».

(4) جامع الأحاديث 228:17.

(5) المصدر السابق.

(6) مؤلّف هذا الكتاب: محمّد بن الحسين بن الحسن الرازي.

أصحابي فاسكتوا، و إذا ذكروا القدر فاسكتوا، و إذا ذكر النجوم فاسكتوا». و أمير المؤمنين (عليه السلام) كان أعلم الخلائق بعلم النجوم، و أولاده و ذرّيته - الذين تقول الشيعة بإمامتهم - كانوا عارفين بها.

فقال له الكاظم (عليه السلام): «هذا حديث ضعيف، و إسناده مطعون فيه. و الله - تبارك و تعالى - قد مدح النجوم، و لولا أنّ النجوم صحيحة ما مدحها الله عزّوجل، و الأنبياء كانوا عالمين بها. و قد قال الله - تبارك و تعالى - في حق إبراهيم خليل الرحمان - صلوات الله عليه -: (وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ‌) ، و قال في موضع آخر: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي اَلنُّجُومِ فَقٰالَ إِنِّي سَقِيمٌ‌) ; فلو لم يكن عالماً بعلم النجوم ما نظر فيها و ما قال: إنّي سقيم. و إدريس (عليه السلام) كان أعلم أهل زمانه بالنجوم. و الله - تبارك و تعالى - قد أقسم بها فقال: (فَلاٰ أُقْسِمُ بِمَوٰاقِعِ اَلنُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ‌) ، و قال في موضع آخر: (وَ اَلنّٰازِعٰاتِ غَرْقاً - إلى قوله: - فَالْمُدَبِّرٰاتِ أَمْراً) ; و يعني بذلك: اثني عشر برجاً و سبعة سيّارات. و الذي يظهر بالليل و النهار بأمر الله عزّوجلّ بعد علم القرآن ما يكون أشرف من علم النجوم. و هو علم الأنبياء و الأوصياء و ورثة الأنبياء الذين قال الله عزّوجلّ [فيهم]: (وَ عَلاٰمٰاتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ‌) . و نحن نعرف هذا العلم و ما نذكره».

فقال له هارون: بالله عليك يا موسى! لاتظهروه عند الجهّال و عوام الناس حتى لايشنعوا عليك - إلى أن قال: - أخبرني: أنت تموت قبلي أو أنا أموت قبلك; لأنّك تعرف هذا من علم النجوم‌؟ فقال له موسى (عليه السلام): «آمنّي حتى اُخبرك». فقال: لك الأمان. فقال: «أنا أموت قبلك، و ما كذبت و لاأكذب، و وفاتي قريب»».(1)

و خبر محمد بن بسام عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قوم يقولون: النجوم أصحّ من

**

(1) جامع الأحاديث 229:17.

الرؤيا، و ذلك هو كانت صحيحة حين لم تُرَدّ الشمس على يوشع بن نون و على أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلمّا ردّ الله عزّوجلّ الشمس عليهما ضلّ فيها علماء النجوم; فمنهم مصيب و مخطئ».(1)

و روي عن ابن أبي عمير أنّه قال: كنت أنظر في النجوم و أعرفها و أعرف الطالع، فيدخلني من ذلك شيء، فشكوت ذلك إلى أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام)، فقال: «إذا وقع في نفسك شيء فتصدّق على أوّل مسكين ثم امضِ‌; فإنّ الله يدفع عنك».(2)

قال العلاّمة المجلسي في مرآة العقول: روى الصدوق في الفقيه بسند صحيح عن أبي عمير... و ذكر الحديث.(3) ولكن في صحة السند تأمل.

الأدلّة المانعة:

و في قبال تلك الروايات المجوّزة هناك روايات تدل على مذموميّة علم النجوم، و تشبِّه المنجّم بالكاهن و الساحر، منها: موثقة نصر بن قابوس المروية في الخصال: حدّثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه) قال: حدّثنا محمد بن الحسن الصفار، عن الحسن بن علي الكوفي، عن إسحاق بن إبراهيم، عن نصر بن قابوس قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «المنجّم ملعون، و الكاهن ملعون، و الساحر ملعون، و المغنّية ملعونة، و من آواها و أكل كسبها ملعون». و قال (عليه السلام): «المنجّم كالكاهن، و الكاهن كالساحر، و الساحر كالكافر، و الكافر في النار».(4)

و غير ذلك مما يدل على ذمّ المنجّم و تشبيهه بالكاهن.

**

(1) المصدر السابق: 233.

(2) من لايحضره الفقيه 269:2، ح 2406.

(3) مرآة العقول 478:2.

(4) جامع الأحاديث 195:17.

يمكن أن يقال: إنّها لاإطلاق لها بعد كونها في مقام عدّ الملعونين و تشبيههم، فلاتنافي جواز ما مرّ من الإخبار عن الأوضاع الفلكية المبتنية على سير الكواكب كالكسوف و الخسوف و نحوهما.

هذا مضافاً إلى وجود شواهد في الروايات تدل على أنّ المراد من المنجّم: من اعتقد و آمن بتأثير النجوم، و كذّب القدر و قضاء الله سبحانه و تعالى.(1)

و من ضادّ الله في علمه بزعمه أنّه يردّ قضاء الله عن خلقه.(2)

و من أخبر جزماً و بتّاً بوقوع الحوادث بحيث لامجال للاستعانة بالله تعالى.

و لذا قال علي (عليه السلام) - بعدما منعه بعضٌ‌، من طريق النجوم، عن السير -: «أتزعم أنّك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها صُرِف عنه السوء و تُخوِّفُ مِن الساعة التي من سار فيها حاق به الضرّ؟! فمن صدّقك بهذا فقد كذّب القرآن و استغنى عن الاستعانة بالله في نيل المحبوب و دفع المكروه - إلى أن قال (عليه السلام) -: أيّها الناس، إيّاكم و تعلّم النجوم! إلاّ ما يهتدى به في برّ أو بحر; فإنّها تدعو إلى الكهانة، و المنجّم كالكاهن، و الكاهن كالساحر، و الساحر كالكافر، و الكافر في النار، سيروا على اسم الله».(3)

و لعله من ذلك الباب أيضاً ما رواه في مرآة العقول عن الصدوق في الفقيه بسند حسن عن عبد الملك بن أعين قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّي قد ابتُليت بهذا العلم، فاُريد الحاجة، فإذا نظرت إلى الطالع و رأيت الطالع الشرّ جلست و لم أذهب فيها، و إذا رأيت الطالع الخير ذهبت في الحاجة‌؟ فقال لي: «تقضي‌؟» قلت: نعم. قال: «اِحرق كتبك».(4)

**

(1) انظر: المصدر السابق: 221، ح 18.

(2) انظر: المصدر السابق: 233، ح 23.

(3) المصدر السابق: 236 عن نهج البلاغة: 168.

(4) من لايحضره الفقيه 267:2، ح 2402.

قال العلاّمة المجلسي في شرح الخبر: «قوله: «تقضي‌؟» أي: تحكم للناس بأمثال ذلك و تخبرهم بأحكام النجوم و سعودها و نحوسها؟ أو بالمجهول أي: إذا أذهبت في الطالع الخير تُقضى حاجتك و تعتقد ذلك‌؟ و على التقديرين يدل على عدم جواز النظر في النجوم و الإخبار بأحكامها و مراعاتها. و تأويله بأنّ المراد: الحكم بأن للنجوم تأثيراً، بعيدٌ».(1)

و لايخفى أنّ العبارة في الفقيه هكذا: «و روي عن عبد الملك بن أعين».(2) و مقتضاها أنّ الرواية مرسلة لاحسنة.

و كيف كان، فالخبر يدل على جواز النظر فيها من دون القضاء و الاعتقاد، و عدم جوازه مع القضاء و الاعتقاد بالتأثير على التقديرين. و حمله على مطلق النظر و الإخبار من دون القضاء و الاعتقاد، بعيد.

فتحصّل ممّا مرّ: أنّ الإخبار عن الأوضاع الفلكية و النظر فيها و الاعتقاد بها - من الكسوف و الخسوف و غيرهما - لامانع فيه; لانصراف الأخبار عن هذه الصورة، أو لقيام شواهد في الأخبار تدل على أنّ الموضوع المنهي عنه غير هذه الصورة، و لاأقلّ من الشك في شمول الأدلّة الناهية لمثل ذلك، فمقتضى القاعدة هو الجواز.

قال الصدوق - بعد نقل قوله (صلى الله عليه وآله): «المنجم كالكاهن...» -: «المنجّم الملعون هو الذي يقول بقِدم الفلك و لايقول بمُفلكه و خالقه تعالى».(3)

و قال الشيخ البهائي: «ما يدّعيه المنجّمون من ارتباط بعض الحوادث السفلية بالأجرام العلوية، إن زعموا أنّ تلك الأجرام هي العلّة المؤثرة في تلك الحوادث بالاستقلال أو أنّها شريكة في التأثير فهذا لايحلّ للمسلم اعتقاده، و علم

**

(1) مرآة العقول 478:26.

(2) من لايحضره الفقيه 267:2، ح 2402.

(3) مرآة العقول 479:26.

النجوم المبتني على هذا كفر - و العياذ بالله - و على هذا حمل ما ورد في الحديث من التحذير عن علم النجوم و النهي عن اعتقاده صحته».(1)

و أمّا جواز الاعتماد على إخباره فقد فصّل الشيخ الأعظم (قدس سره) بين إخباره في البديهي فيجوز، و بين غيره فلايجوز، حيث قال: «إنّ خطأهم في الحساب في غاية الكثرة; و لذلك لايجوز الاعتماد في ذلك على عدولهم، فضلا عن فسّاقهم; لأنّ حسابهم مبتن(2) على اُمور نظرية مبتنية على نظريات اُخر، إلاّ فيما هو كالبديهي; مثل إخبارهم بكون القمر في هذا اليوم في برج العقرب، و انتقال الشمس من برج إلى برج في هذا اليوم، و إن كان يقع الاختلاف بينهم فيما يرجع إلى تفاوت يسير. و يمكن الاعتماد في مثل ذلك على شهادة عدلين منهم إذا احتاج الحاكم لتعيين أجَلِ دين أو نحوه».(3)

وفيه: أوّلا: أنّ الظاهر من عبارته أنّه جعله من باب الشهادة، مع أن الشهادة مبتنية على الحسّ‌، و النجوم مبتنية على المحاسبات.

وثانياً: أنّ اعتبار التعدد في الشهادة على الموضوعات محل بحث; لعدم الدليل عليه، مع قيام بناء العقلاء على جواز الاكتفاء بقول ثقة واحد. نعم ورد في خبر مسعدة بن صدقة - في مورد ما شكّ في حرمته - أنّ الأشياء كلّها على الحلّية ما لم تستبن حرمتها أو تقوم بها البينة، و هو ردع للبناء المذكور، بناءً على أنّ المراد من البينة هو البينة الاصطلاحية التي هي شهادة عدلين. ولكن لايخلو سنده و دلالته عن كلام. نعم مقتضى الاحتياط هو التعدد.

وثالثاً: أنّ قول المنجّم يمكن اعتباره من باب كونه من أهل الخبرة، فلابأس بالاعتماد عليه ما لم يرد نهي في مورد بخصوصه; كقولهم (عليهم السلام): «صم للرؤية و أفطر

**

(1) المصدر السابق: 463.

(2) في المصدر: «حسابهم مبتنية»، و الصحيح ما أثبتناه، كما أنّه صحيح أيضاً أن يقال: «حساباتهم مبتنية».

(3) المكاسب المحرمة: 25.

للرؤية»، من دون فرق بين كون إخباره في البديهي أو غيره. و أمّا عروض الخطأ فلايختص بهذا العلم، بل هو شائع في العلوم، و إنّما الاختلاف في القلة و الكثرة، فما لم تكن الكثرة بحدّ لايعتني العقلاء بقوله فلابأس بالاعتماد عليه. و لذا احتمل في البلغة جواز الرجوع إلى المنجم من باب كونه من أهل الخبرة.(1)

و أمّا النهي عن تصديق المنجم فسيأتي في الفروع الآتية اختصاصه بغير المقام، فانتظر.

2 - الإخبار عمّا يقع في المستقبل استناداً إلى الأوضاع الفلكية مع عدم اعتقاد تأثيرها:

قال الشيخ الأعظم (قدس سره): «يجوز الإخبار بحدوث الأحكام عند الاتصالات و الحركات المذكورة; بأن يحكم بوجود كذا في المستقبل مستنداً إلى الوضع المعيّن من القرب و البعد و المقابلة و الاقتران بين الكوكبين، إذا كان على وجه الظن المستند إلى تجربة محصّلة أو منقولة في وقوع تلك الحادثة بإرادة الله عند الوضع الخاص من دون اعتقاد ربط (أي السببية و العلّية) بينهما أصلا، بل الظاهر حينئذ جواز الإخبار على وجه القطع إذا استند إلى تجربة قطعية; إذ لاحرج على من حكم قطعاً بالمطر في هذه الليلة نظراً إلى ما جرّبه من نزول كلبه عن السطح إلى داخل البيت مثلاً إلى أن قال: - ثم إنّ ما سيجيء في عدم جواز تصديق المنجّم يراد به غير هذا، أو ينصرف إلى غيره; لما عرفت من معنى التنجيم».(2)

بل الظاهر أنّ القول و الاعتقاد بربط الحركات بالحوادث كربط الكاشف و المكشوف لم يقل أحد بكونه كفراً، كما صرح به الشيخ، و حكى عن الشيخ

**

(1) بلغة الطالب 99:1-100.

(2) المكاسب المحرّمة: 25.

البهائي (قدس سره) قوله: «إن قالوا: إنّ اتصالات تلك الأجرام و ما يعرض لها من الأوضاع علاماتٌ على بعض حوادث هذا العالم ممّا يوجده الله سبحانه بقدرته و إرادته... فهذا لامانع منه و لاحرج في اعتقاده، و ما روي في صحة علم النجوم و جواز تعلّمه محمول على هذا المعنى».(1)

و يظهر من محكي العلاّمة (قدس سره) أيضاً أنّ المقام خارج عن مورد طعن العلماء على المنجّمين حيث قال: «إنّ المنجّمين بين قائل بحياة الكواكب و كونها فاعلة مختارة، و بين من قال إنّها موجبة».(2)

و يؤيده ما ذكره السيد المرتضى - على ما حكاه الشيخ الأعظم عنه - من أنّه ما في المنجّمين أحد يذهب إلى أنّ الله تعالى أجرى العادة بأن يفعل عند قرب بعضها من بعض أو بعده أفعالا من غير أن يكون للكواكب بأنفسها تأثير في ذلك، قال: «و من ادّعى منهم هذا المذهب الآن فهو قائل بخلاف ما ذهب إليه القدماء، و متجمل بهذا المذهب عند أهل الإسلام».(3)

فتحصّل: أن الإخبار و الاعتقاد بحدوث الحوادث عن الاتصالات عند كذا و كذا - من دون اعتقاد بالربط و السببية بل بإرادته تعالى - لاإشكال فيه، و لايكون تنجيماً اصطلاحياً، و إن صدق عليه التنجيم لغةً‌.

واُورد عليه: بأنّ الحكم القطعي بنزول المطر في هذه الليلة داخل في التنجيم المنكر في الأخبار.(4)

وفيه: أنّ الإخبارَ المذكور و لو كان قطعياً من دون اعتقاد ربط و سببية و علّية بين الفلكيات و السفليات و من دون نفي تأثير الدعاء و الصدقات، مشكوكُ‌

**

(1) المصدر السابق: 28.

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق.

(4) إرشاد الطالب 137:1.

الدخول في الأخبار المانعة، و اللازم هو الاقتصار على المتيقن منها: من اعتقاد العلّية و السببية الاستقلالية و الاشتراكية، أو الإخبار عن مكتوم الاُمور الذي لايبتني على المحاسبات و التجارب بل يعدّ من المغيّبات; كإخبارات الكهنة عن الاُمور الغيبية كما يقتضيه تشبيه المنجّم بالكاهن. و لذا حمل الشهيد (قدس سره) قوله (صلى الله عليه وآله) في خبر زيد بن خالد الجهني: «إنّ ربكم يقول: من عبادي مؤمن بي و كافر بالكواكب، و كافر بي و مؤمن بالكواكب; فمن قال: مطرنا بفضل الله و رحمته فذلك مؤمن بي و كافر بالكواكب، و من قال: مطرنا بنوء كذا و كذا فذلك كافر بي و مؤمن بالكواكب» على اعتقاد مدخليتها في التأثير، - قال الشهيد - و النوء: سقوط كوكب في المغرب و طلوع رقيبه في المشرق.(1)

و قد مر المنع من الإيمان بالكواكب و الكفر بالله تعالى، و أنّ التنجيم الممنوع هو ما يؤدي إلى المضادّة مع الله تعالى في الفعل و الإخبارات الغيبية. و هذه الاُمور لاتأتي في المقام، و لاإطلاق للأدلّة الناهية أو الذامّة حتى يشمل المقام، هذا مضافاً إلى ضعف كثير منها.

نعم، لو أخبر جزماً على نحو يوجب الاستغناء عن الاستعانة بالله تعالى بحيث لايكون للدعاء و الصدقات و نحوهما أيّ تأثير فهو كفر من جهة المخالفة مع واضحات الإسلام. ولكنه ليس بمراد في المقام; لأنّ الإخبار القطعي المبتني على التجارب لاينافي التغيير الحاصل بالدعاء و إرادةِ الله سبحانه و تعالى، و إن كان ينبغي له الاجتناب عن الحكم القطعي و أن يحكم على سبيل التقريب; لكثرة وقوع الخطأ في حساب المنجّمين، و عدم الإحاطة بالموانع و الروادع، كما تدل عليه الأخبار; كخبر الريان بن الصلت عن الرضا (عليه السلام) - في جواب سؤاله عن علم النجوم -: «هو علم في أصل [أصله - ظ] صحيح... فلم يستدرك المنجّمون الدقيقة [الدقيق]

**

(1) انظر: جامع الأحاديث 234:17-235.

منها، فشابوا الحق بالكذب».(1) و غير ذلك من الأخبار الكثيرة.

و لذلك قال شيخنا الأعظم (قدس سره): «إنّ مجرد كون النجوم دلالات و علامات لايجدي مع عدم الإحاطة بتلك العلامات و معارضاتها، و الحكم مع عدم الإحاطة لايكون قطعياً بل و لاظنياً - ثمّ قال في آخر العبارة: - فالأولى التجنب عن الحكم بها، و مع الارتكاب فالأولى الحكم على سبيل التقريب و أنّه لايبعد أن يقع كذا عند كذا، و الله المسدّد».(2)

فتحصّل: أنّ التنجيم بالمعنى الثاني أيضاً لاإشكال فيه.

3 - الإخبار عن الحوادث و الحكم بها مع الاعتقاد بحياة الأفلاك عدم استقلاليتها في التأثير:

لو كان الإخبار عن الحوادث و الحكم بها مستنداً إلى تأثير الاتصالات المذكورة، و وجود الربط بين العلويات و السفليات، و كون العلويات ذات حياة; بأن يعتقد أن العلويات تفعل الآثار المنسوبة إليها ولكن الله هو المؤثّر الأعظم، سواء يقال إنّها حية مختارة أو إنّها موجبة، فهل يعدّ ذلك كفراً؟

قال الشيخ الأعظم (قدس سره): «ظاهر أكثر العبارات أنّه كفر، و لعل وجهه أن نسبة الأفعال - التي دلت ضرورة الدين على استنادها إلى الله تعالى كالخلق و الرزق و الإحياء و الإماتة و غيرها - إلى غيره تعالى مخالف لضرورة الدين.

• ثم أورد عليه بأن: - ظاهر شيخنا الشهيد في القواعد عدم الكفر، فإنّه قال: «و إن اعتقد أنّها تفعل الآثار المنسوبة إليها و الله سبحانه هو المؤثر الأعظم فهو مخطئ; إذ لاحياة لهذه الكواكب ثابتة بدليل عقلي و لانقلي».

**

(1) المصدر السابق: 226.

(2) المكاسب المحرّمة: 28-29.

• ثم قال الشيخ الأعظم: - و ظاهره أن عدم القول بذلك لعدم المقتضي له و هو الدليل، لالوجود المانع منه و هو انعقاد الضرورة على خلافه; فهو ممكن غير معلوم الوقوع.

و لعل وجهه أن الضروري عدم نسبة تلك الأفعال إلى فاعل مختار باختيار مستقل مغاير لاختيار الله، كما هو ظاهر قول المفوّضة، أمّا استنادها إلى الفاعل بإرادة الله المختار بعين مشيّته و اختياره حتى يكون كالآلة بزيادة الشعور و قيام الاختيار به بحيث يصدق أنّه فعله و فعل الله، فلا; إذ المخالف للضرورة إنكار نسبة الفعل إلى الله تعالى على وجه الحقيقة، لاإثباته لغيره أيضاً بحيث يصدق أنّه فعله.

نعم، ما ذكره الشهيد من عدم الدليل عليه حق، فالقول به تخرّص، و نسبة فعل الله إلى غيره بلادليل، و هو قبيح. و ما ذكره (قدس سره) مأخذه ما في الاحتجاج عن هشام بن الحكم قال: سأل الزنديق أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: ما تقول فيمن يزعم أن هذا التدبير الذي يظهر في هذا العالم تدبير النجوم السبعة‌؟ قال (عليه السلام): «يحتاجون إلى دليل أنّ هذا العالم الأكبر و العالم الأصغر من تدبير النجوم التي تسبح في الفلك و تدور حيث دارت منقّبة لاتفتر و سائرة لاتقف - ثم قال: - و أن لكل نجم منها موكّل مدبّر، فهي بمنزلة العبيد المأمورين المنهيّين; فلو كانت قديمة أزلية لم تتغيّر من حال إلى حال...»،(1) الخبر.

و الظاهر أن قوله: «بمنزلة العبيد المأمورين المنهيّين» يعني في حركاتهم، لاأنّهم مأمورون بتدبير العالم بحركاتهم; فهي مدبّرة باختياره المنبعث عن أمر الله تعالى.

• ثمّ قال: - و بالجملة، فكفر المعتقد بالربط على هذا الوجه لم يظهر من

**

(1) الاحتجاج 94:2.

الأخبار، و مخالفته لضرورة الدين لم تثبت أيضاً; إذ ليس المراد العلّية التامة».(1)

ثم إنّ الفرق بين الثالث و الثاني واضح; لعدم فرض أي ربط في الثاني دون الثالث كما عرفت، فالاعتقاد بالربط المذكور لايوجب الكفر، ولكنه لادليل عليه. كما أنّ الإخبار به لامانع منه إذا كان مستنداً إلى المحاسبات، سواء كانت تلك المحاسبات ظنية أو قطعية، نعم يلزم أن يكون الإخبار على نحو لاينافي تأثير الدعاء و الصدقات و نحوهما، و إلاّ لكان مخالفاً لضروريّ الدين. و أمّا الإخبار بنحو لايستند إلى المحاسبات بل كان بنحو يشبه إخبار الكهنة فلعله لايجوز; لما مر من دخوله في أخبار تشبيه المنجّم بالكاهن.

4 - الإخبار مع عدم الاعتقاد بحياة الأفلاك:

لو كان إخباره بحيث أسند الحوادث إلى العلويات، و اعتقد بوجود الربط بينها و بين السفليات من دون استقلال في التأثير أو الاشتراك، و من دون وجود حياة في العلويات، كما يستند الإحراق إلى النار، فهل يجوز ذلك أم لا؟

و الفرق بين الرابع و الثالث واضح من جهة اعتبار الحياة في الثالث دون الرابع.

أقول: إن الاستناد محتاج إلى الدليل، و استناد بعض الأشياء إلى العلويات - كبعض الاُمور التكوينية - لايشهد على أنّ الاُمور الاُخر أيضاً مستندة إليها.

و كيف كان، فإنّ من اعتقد بوجود الربط بينهما - كربط بعض الأشياء في السفليات إلى بعض - فهو غير معتقد بما يوجب الكفر إن اعتقد بأنّ المؤثر الأعظم هو الله سبحانه و تعالى، و أنّ الربط ربما يتغيّر بسبب الدعاء و التوكل و الصدقات، فلاإشكال في الاعتقاد المذكور و الإخبار به.

**

(1) انظر: المكاسب المحرمة: 27.

قال شيخنا الأعظم (قدس سره): «ظاهر كلمات كثير ممن تقدم كون هذا الاعتقاد كفراً.

•

ثم أورد عليه بأنّه: - قال شيخنا الشهيد في القواعد: «و أمّا ما يقال: من استناد الأفعال إليها كاستناد الإحراق إلى النار و غيرها من العاديّات - بمعنى أن الله تعالى أجرى عادته أنها إذا كانت على شكل مخصوص أو وضع مخصوص يفعل ما ينسب إليها، و يكون ربط المسببات بها كربط مسببات الأدوية و الأغذية بها مجازاً باعتبار الربط العادي لاالربط العقلي الحقيقي - فهذا لايكفّر معتقده، لكنه مخطئ و إن كان أقل خطأً من الأوّل; لأنّ وقوع هذه الآثار عندها ليس بدائم و لاأكثر». انتهى.

•

ثم قال شيخنا الأعظم (قدس سره): - و غرض الشهيد من التعليل المذكور - أعني قوله: «لأنّ وقوع هذه الآثار...» إلخ - هو الإشارة إلى عدم ثبوت الربط العادي; لعدم ثبوته بالحسّ - كالحرارة الحاصلة بسبب النار و الشمس، و برودة القمر - و لابالعادة الدائمة و لاالغالبة; لعدم العلم بتكرر الدفعات كثيراً حتى يحصل العلم أو الظن، ثم على تقديره فليس فيه دلالة على تأثير تلك الحركات في الحوادث، فلعل الأمر بالعكس أو كلتاهما مستندتان إلى مؤثر ثالث، فيكونان من المتلازمين في الوجود. و بالجملة، فمقتضى ما ورد من أنّه أبى الله أن يجري الأشياء إلاّ بأسبابها: كون كل حادث مسبّباً، و أمّا أن السبب هي الحركة الفلكية أو غيرها فلم يثبت.

هذا، مضافاً إلى أنّه لو سلّم ذلك لم يثبت أيضاً كونه مخالفاً لضرورة الدين، مع ما في بعض الأخبار من ظهور تأثير الكواكب; كقول أبي عبد الله (عليه السلام) لليماني المنجّم: «... فما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت الإبل‌؟» فقال اليماني: لاأدري. قال أبو عبد الله (عليه السلام): «صدقت» فقال: «فما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت البقر؟» فقال اليماني: لاأدري. فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): «صدقت. فما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت الكلاب‌؟» فقال اليماني: لاأدري. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «صدقت في قولك:

لاأدري...» الحديث.(1) و غير ذلك من الأخبار».(2)

هذا تمام الكلام في نقل كلام الشيخ مع تلخيص و توضيح ما في العبارة.

و لايخفى عليك أن إنكار التأثير في الأدوية و الأغذية و نحوها من السفليات حقيقةً كما ترى، بل لامجال لإنكار التأثير في العلويات في الجملة; كتأثير الكواكب و القمر في بعض الحوادث، كالجزر و المدّ، و تلوين الفواكه، و نموّ الأشجار، و تقوية التربة، و غيرها.

و بالجملة، لافرق بين تأثير الأجرام العلوية و تأثير الجواهر السفلية; فكما أن الثاني لاينافي الاعتقادات و لاالضروريات فكذلك الأوّل.

والقول: بأنّ تأثير الفلكيات في السفليات يوجب المخالفة مع ضروريّ الدين من تأثير الدعاء و الصدقة و التوكل.

مندفع: أوّلا: بأنّ ضروريّ الدين - كما أفاد المحقق الإيرواني - هو تأثير الدعاء و الصدقة في الجملة لافي كل مقام; و لذا نرى التخلّف كثيراً ما، فليكن هذا من موارد التخلّف، فكان اعتقاد التخلّف في مقام غير مناف لضروريّ الدين، و كما يحصل هذا الاعتقاد بعد حصول التخلّف فليحصل في مقام قبله.(3)

وثانياً: أنه لو أخبر على سبيل القطع بوقوع شيء من دون احتمال التخلّف بالدعاء و الصدقة في جميع الموارد لكان مخالفاً لضروريّ الدين، مضافاً إلى أنّه لامجال لدعوى القطع مع احتمال التخلّف بالدعاء و الصدقة باختلاف الأسباب الظاهرية و محكوميتها بالأسباب الباطنية; و لذا يأتي احتمال البداء في الاُمور لو لم يخبر الله تعالى بحيثية وقوع الشيء، كما هو واضح.

و عليه، فالإخبار عمّا تقتضيه العلويات بنحو الإخبار عمّا تقتضيه السفليات

**

(1) بحار الأنوار 219:58.

(2) انظر: المكاسب المحرّمة: 27-28.

(3) انظر: التعليقة: 24.

لايدخل في الأخبار الناهية إذا استند إلى المحاسبات و لم يكن قصد المخبر الإخبار بما يشبه المغيبات; و إلاّ فلعله يدخل في أخبار تشبيه المنجّم بالكاهن. فمجرد الاعتقاد بتأثير العلويات مع كون المؤثر الأصلي هو الله - سبحانه و تعالى - و الإخبار به من دون نفي احتمال تأثير الدعاء، لايوجب الكفر و لايكون حراماً.

5 - الإخبار مع الاعتقاد بما يتنافى مع الإيمان بالله و وحدانيته:

هل يجوز الإخبار عن الحوادث و الحكم بها مع إسناد ذلك إلى تأثير الاتصالات - المذكورة - فيها بالاستقلال أو بالمدخلية بحيث ينافي الاعتقاد بالمبدأ المتعال أو ينافي الوحدانية‌؟

قال شيخنا الأعظم (قدس سره): «... و هو المصطلح عليه بالتنجيم، فظاهر الفتاوى و النصوص حرمته مؤكدة - و أشار إلى جملة منها بقوله: -

«قال السيد المرتضى - فيما حكي عنه -: و كيف يشتبه على مسلم بطلان أحكام النجوم و قد أجمع المسلمون قديماً و حديثاً على تكذيب المنجّمين و الشهادة بفساد مذهبهم و بطلان أحكامهم‌؟! و معلوم من دين الرسول (صلى الله عليه وآله) ضرورة تكذيب ما يدعيه المنجّمون و الإزراء عليهم و التعجيز لهم، و في الروايات عنه (صلى الله عليه وآله) ما لايحصى كثرة، و كذا عن علماء أهل بيته و خيار أصحابه، فما زالوا يبرؤون من مذاهب المنجّمين و يعدّونها ضلالا و محالا. و ما اشتهر هذه الشهرة في دين الإسلام كيف يصرّ بخلافه منتسب إلى الملة و مصلٍّ إلى القبلة‌؟!» انتهى.(1)

و قال العلاّمة في المنتهى - بعدما أفتى بتحريم التنجيم و تعلّم النجوم مع اعتقاد أنّها مؤثرة أو أنّ لها مدخلاً في التأثير في الضرّ و النفع - قال: «و بالجملة، كل من اعتقد ربط الحركات النفسانية و الطبيعية بالحركات الفلكية و الاتصالات

**

(1) مرآة العقول 461:26.

الكوكبية، كافر». انتهى.(1)

و قال الشهيد في قواعده: «كل من اعتقد في الكواكب أنّها مدبّرة لهذا العالم و موجدة له فلاريب أنّه كافر».(2)

و قال في جامع المقاصد: «و اعلم أنّ التنجيم مع اعتقاد أنّ للنجوم تأثيراً في الموجودات السفلية ولو على جهة المدخلية، حرام. و كذا تعلّم النجوم على هذا الوجه، بل هذا الاعتقاد كفر في نفسه، و نعوذ بالله».(3) انتهى.

و قال شيخنا البهائي: «ما يدّعيه المنجّمون من ارتباط بعض الحوادث السفلية بالأجرام العلوية إن زعموا أنها هي العلة المؤثرة في تلك الحوادث بالاستقلال أو أنّها شريكة في التأثير فهذا لايحلّ للمسلم اعتقاده، و علم النجوم المبتني على هذا كفر و العياذ بالله. و على هذا حمل ما ورد من التحذير عن علم النجوم و النهي عن اعتقاد صحته». انتهى.(4)

و قال في البحار: «لانزاع بين الاُمّة في أن من اعتقد أن الكواكب هي المدبّرة لهذا العالم و هي الخالقة لما فيه من الحوادث و الخيرات و الشرور، فإنّه يكون كافراً على الإطلاق». انتهى.

و عنه في موضع آخر أن «القول بأنّها علة فاعلية بالإرادة و الاختيار و إن توقف تأثيرها على شرائط اُخر، كفر». انتهى.(5)

بل ظاهر الوسائل نسبة دعوى ضرورة الدين على بطلان التنجيم و القول بكفر معتقده إلى جميع علمائنا; حيث قال: «قد صرح علماؤنا بتحريم علم النجوم و

**

(1) المصدر السابق.

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق: 463.

(4) المصدر السابق: 463.

(5) بحار الأنوار 308:58.

العمل بها، و بكفر من اعتقد تأثيرها أو مدخليتها في التأثير، و ذكروا أن بطلان ذلك من ضروريات الدين».(1) انتهى.

بل يظهر من المحكي عن ابن أبي الحديد أنّ الحكم كذلك عند علماء العامة أيضاً، حيث قال في شرح نهج البلاغة: إنّ المعلوم ضرورةً من الدين إبطال حكم النجوم، و تحريم الاعتقاد بها، و النهي و الزجر عن تصديق المنجّمين. و هذا معنى قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «فمن صدّقك بهذا فقد كذّب بالقرآن و استغنى عن الاستعانة بالله».(2) انتهى».(3)

و لاإشكال في كفر من اعتقد باستقلال العلويات أو اشتراكها في التأثير بحيث ينافي الاعتقاد بالمبدأ المتعال أو وحدانيّته، و الإخبار بذلك إظهار للكفر، و هو غير جائز بلاكلام.

ثم إنّ المستفاد من ظاهر بعض العبائر المذكورة شمول الاعتقاد بالتأثير ولو لم يكن بنحو استقلالي أو اشتراكي في التأثير، بل يكون مؤثّراً كتأثير السفليات في الأشياء; في طول تأثير الله سبحانه و تعالى.

ولكن لايخفى ما فيه; حيث إنّ هذا الاعتقاد ليس اعتقاداً بمحال، و ليس بكفر في نفسه; إذ هو في طول علّية الباري تعالى. نعم، دعوى لزوم الكفر من ناحية كيفية الإخبار بنحو يستدعي انتفاء فاعلية الدعاء و يلزم منه الاستغناء عن الاستعانة بالله في جلب الخير و دفع الشر، غير مجازفة مع الالتفات إلى ذلك و عدمه على اختلاف المباني; لأنّ ذلك مناف لضروريّ الدين من تأثير الدعاء في الجملة.

فلاوجه للحكم بكفرِ مطلقِ من اعتقد بتأثير الكواكب، بل الكافر هو من اعتقد بالتأثير بنحو ينكر الصانع - جلّ جلاله - أو من اعتقد بقدم الأجرام العلوية و

**

(1) وسائل الشيعة 101:12، هامش ب 24.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 212:6.

(3) المكاسب المحرمة: 25-26.

تأثيرها، أو من اعتقد بحدوثها و تفويض التدبير إليها و صيرورة يده تعالى مغلولة. و لاإشكال في ذلك; لأنّ إنكار المبدأ المتعال كفر كما أنّ الاعتقاد بتعدّد القدماء شرك، بل الاعتقاد بالتفويض و استقلال المخلوقات في البقاء أيضاً شرك; لرجوعه إلى الاعتقاد بعدم حاجتها في البقاء إلى المبدأ المتعال. دون من لم يقل بإحدى الصور الثلاث، بل يعتقد بأنّ حركة الأفلاك تابعة لإرادة الله، فهي مظاهر لإرادة الخالق تعالى و مجبولة على الحركة على طبق اختيار الصانع - جلّ ذكره - أو بزيادة أنّها مختارة باختيار هو عين اختياره تعالى; فإنّه لِم لايلزم منه إنكار المبدأ المتعال أو الشرك‌؟! كما لايخفى.

و لعل ظاهر قول السيد المرتضى (قدس سره): «فما زالوا يبرؤون من مذاهب المنجّمين و يعدّونها ضلالا و محالا» هو اختصاص ذلك بالصور الثلاث، و عليه فإطلاق المنع في كلمات القدماء ممنوع; لانحصار المحال في الصور المذكورة. بل يحمل كلام العلاّمة و الشهيد عليه; بقرينة سائر كلماتهما، و هكذا قول المحقق الثاني: «بل هذا الاعتقاد في نفسه كفر» قرينةٌ على أنّ مراده هو الصور الثلاث; لأنّها تكون في نفسها كفراً.

و كيف كان، فلم يثبت الإجماع على حرمة اعتقاد تأثير الفلكيات على نحو يشمل غير الصور الثلاث، كما إذا اعتقد بتأثيرها بإرادة الله تعالى سواء كانت الفلكيات مختارة أو مجبولة. نعم استشكل الشيخ الأعظم (قدس سره) في غير الصور الثلاث من جهة الجواز حيث قال: «إنّ ظاهر ما تقدم في بعض الأخبار - من أنّ المنجّم بمنزلة الكاهن الذي هو بمنزلة الساحر الذي هو بمنزلة الكافر - مَن عدا الفرق الثلاث الاُول; إذ الظاهر عدم الإشكال في كون الفرق الثلاث من أكفر الكفّار لابمنزلتهم».(1)

و ظاهره عدم جواز الاعتقاد باقتضاء العلويات للحوادث السفلية و إن لم

**

(1) المصدر السابق: 26.

يستلزم الكفر بأحد الوجوه; لدخوله تحت تنزيله و تشبيهه بالكاهن.

ويمكن أن يقال: إنّ مقتضى تشبيه المنجّم بالكاهن و اشتراكهما في وجه من الوجوه أن يكون المقصود هو الإخبار بالمغيّبات كالكهنة، لامجرد الإخبار عمّا تقتضيه العلويات مستنداً إلى المحاسبات، و إنّما الفرق بينهما: أنّ الكهنة استندوا في إخباراتهم إلى الجنّ‌، و المنجّمين استندوا إلى العلويات و الطوالع، فهذا الأمر و إن لم يكن كفراً في نفسه، ولكنه منزّل بمنزلة الكهانة و محرّم، و لاأقلّ من الشك، و عليه فلاتشمل الرواية مجرد الاعتقاد بما تقتضيه العلويات مستنداً إلى المحاسبات بالنسبة إلى التكوينيات و نحوها على وجه لايشابه إخبارات الكهنة.

نعم، لايجوز الحكم بوقوع المقتضَيات بتّاً و جزماً; للمنع عن ذلك في بعض الأخبار من جهة منافاته لضرورة تأثير الدعاء و التوكل و الصدقات في الجملة، و لزوم الاستغناء عن الله تعالى. و مما ذكر يظهر ما في الجواهر أيضاً حيث اقتصر في الاستثناء من مورد النهي على صورة كون الأوضاع الفلكية أمارة دالة على ما جرت العادة من فعل الله له في هذا العالم، و إن جاز تغييرها بالصدقة و الدعاء... إلخ.(1)

مع أنّه لاوجه له; لعدم الفرق بين هذه الصورة و ما إذا اعتقد التأثير على نحو لاينافي التغيير بالصدقة و الدعاء.

فتحصل: أن مجرد الاعتقاد أو الإخبار لايوجب الكفر، فالواجب هو الرجوع فيما يعتقده المنجّم إلى ملاحظة مطابقته لأحد موجبات الكفر; كإنكار الصانع، أو إنكار وحدانيّته، أو إنكار تدبيره بقاءً‌، أو استلزام إخباره إنكار ضروريٍّ من الدين مع الالتفات إلى ذلك; فإن كان اعتقاده مطابقاً لأحد هذه الاُمور أو أخبر بما يوجب إنكار الضروري عن التفات يُحكم بكفره، و إلاّ فلادليل على كفره و إن كان إخباره محرماً; كما إذا أخبر على نحو إخبار الكهنة بالمغيبات، سواء لم يعتقد

**

(1) انظر: جواهر الكلام 106:22.

بالربط أو اعتقد به على نحو لايلزم منه إنكار الصانع أو وحدانيّته أو تدبيره. بل يجوز النظر و الاعتقاد و الإخبار فيما إذا لم يخبر على نحو إخبار الكهنة أو على نحو البتّ و الجزم حتى ينافي تأثير الدعاء بالكل.

لايقال: مقتضى إطلاق النهي عن النظر في النجوم هو الحرمة، كما في خبر القاسم بن عبد الرحمان أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن خصال منها مهر البغي، ومنها النظر في النجوم،(1) و كما في خبر نصر بن قابوس: «المنجّم ملعون، و الكاهن ملعون، و الساحر ملعون».(2)

لأنّا نقول: إنّ ذلك محمول على الصور الموجبة للكفر في نفسه، أو المستلزمة لإنكار ضروريّ من الدين، أو التي يتشابه الإخبار فيها مع إخبار الكهنة، و أمّا غيرها فيجوز جمعاً بينها و بين أخبار تدل على جواز النظر في النجوم فيما إذا لم تكن الاُمور المذكورة. هذا، مضافاً إلى منع الإطلاق في خبري القاسم بن عبد الرحمان و نصر بن قابوس; فإنّ الأوّل في مقام ذكر الخصال المذمومة، والثاني في صدد عدّ الملعونين، فلاإطلاق لهما.

و بالجملة، فالأخبار الناهية عن النجوم إمّا أن ترجع إلى الاُمور الموجبة للكفر - كالإيمان بالنجوم و تكذيب القدر،(3) و كزعم المنجّم أنّه يردّ قضاء الله عن خلقه بعلمه و يضادّه،(4) فضلا عمّا إذا أنكر المبدأ المتعال أو وحدانيّته أو تدبيره - أو ترجع إلى إنكار تأثير الدعاء و الإخبار القطعي بالمغيبات بنحو إخبار الكهنة; كقول الصادق (عليه السلام): «المنجّم كالكاهن...» الحديث.(5)

**

(1) انظر: وسائل الشيعة 103:12، ب 24 من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

(2) المصدر السابق: ح 7.

(3) انظر: المصدر السابق 270:8، ب 14 من آداب السفر إلى الحج، ح 6.

(4) انظر: المصدر السابق 104:12، ح 10.

(5) المصدر السابق: 104، ح 8.

و الكاهن - كما في القواعد و نسبه إلى المشهور في التنقيح - هو الذي له رائد من الجن يأتيه بالأخبار.(1)

قال في المفاتيح: «من المعاصي المنصوص عليها الإخبار عن الغائبات على البتّ لغير نبيّ أو وصي نبيّ‌، سواء كان بالتنجيم أو الكهانة أو القيافة أو غير ذلك».(2)

و كقول مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): «أيها الناس، إيّاكم و تعلّم النجوم! إلاّ ما يهتدى به في برّ أو بحر; فإنّها تدعو إلى الكهانة، و الكاهن كالساحر، و الساحر كالكافر، و الكافر في النار».(3)

و كقول الصادق (عليه السلام): «إنّ الحكم بالنجوم خطأ».(4)

و كقوله أيضاً - لمن نظر إلى الطالع الشر فجلس، و إلى الطالع الخير فذهب، ثمّ سأل عن حكمه -: «تقضي‌؟» قال: نعم. فقال: «احرق كتبك».(5)

فموضوع النواهي مختص بالمذكورات، فلامانع من النظر و التعلّم و التعليم و الإخبار عما تقتضيه العلويات بإذنه تعالى لاعلى وجه القطع و البتّ‌، سواء اعتقد أنّ العلويات أمارات أو مؤثرات; لأنّه خارج عن موضوع النواهي.

هذا، مضافاً إلى أخبار الجواز: كقول أبي عبد الله (عليه السلام) - في جواب عبد الرحمان بن سيابة القائل: إنّ الناس يقولون: إنّ النجوم لايحلّ النظر فيها، و هي تعجبني، فإن كانت تضرّ بديني فلاحاجة لي في شيء يضرّ بديني، و إن كانت لاتضرّ بديني فوالله إنّي لأشتهيها و أشتهي النظر فيها -: «ليس كما يقولون: لاتضر بدينك -

**

(1) جواهر الكلام 89:22.

(2) المصدر السابق: 91.

(3) وسائل الشيعة 271:8، ح 8.

(4) المصدر السابق: 270، ح 5.

(5) المصدر السابق: 268، ح 1.

ثم قال: - إنّكم تنظرون في شيء منها كثيره لايدرك و قليله لاينتفع به».(1)

و من المعلوم أن عبد الرحمان بن سيابة الذي كان مضطرباً من جهة كونه مضراً بدينه لم يعتقد بتأثير النجوم على نحو الاستقلال أو الاشتراك على نحو يخالف الاعتقاد بالمبدأ المتعال و وحدانيّته، و لم يمكنه الإخبار القطعي مع ما أفاده الإمام (عليه السلام) من أن كثيره لايدرك.

و كقول ابن أبي عمير: إني كنت أنظر في النجوم و أعرفها و أعرف الطالع، فيدخلني من ذلك شيء، فشكوت ذلك إلى أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) فقال: «إذا وقع في نفسك شيء فتصدّق على أوّل مسكين ثم امضِ‌; فإنّ الله يدفع عنك».(2)

و من المعلوم أنّ ابن أبي عمير لم يعتقد بما يوجب الكفر، و لم يحكم بالقطع و البتّ‌، و لم يخبر بنحو إخبار الكهنة الذين يخبرون إخبارات قطعية غيبية، و لم ينكر تأثير الصدقات; و لذا أمره (عليه السلام) بالتصدّق و لم يمنعه من النظر في النجوم.

على أنّ هنا روايات كثيرة تدل على أنّ علم النجوم في نفسه حقٌّ‌، و أنّ تأثير النجوم في السفليات حقّ‌، ولكن لايكون بحيث يعلمه الناس; إذ كثيراً ما يخطئون. و إليك بعض الأخبار:

قال الصادق (عليه السلام): «إنّ أصل الحساب حق، ولكن لايعلم ذلك إلاّ من علم مواليد الخلق كلّهم».(3)

و قال أيضاً: «قوم يقولون: النجوم أصح من الرؤيا، و ذلك هو كانت صحيحة حين لم تُردّ الشمس على يوشع بن نون و على أمير المؤمنين (عليهما السلام)، فلما ردّ الله عزّوجلّ الشمس عليهما ضلّ فيها علماء النجوم; فمنهم مصيب و مخطئ».(4)

**

(1) المصدر السابق 102:12، ب 24 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2) من لايحضره الفقيه 269:2.

(3) وسائل الشيعة 102:12، ب 24 من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

(4) المصدر السابق 271:8، ب 14 من آداب السفر إلى الحج، ح 9.

و من المعلوم أنّ الظاهر منها أنّه لايجوز الاعتقاد و الإخبار البتّي و القطعي بتأثير النجوم; لعدم مطابقتهما مع الواقع، و أكثر المحذورات من لوازم البتّ و القطع، فإذا علم بكثرة الخطأ فعليه ألاّ يعتقد و لايخبر عنه بالبتّ و القطع.

قال في الجواهر: «و التحقيق ما عرفت من أنّه لابأس بالنظر في هذا العلم، و تعلّمه و تعليمه، و الإخبار عما يقتضيه مما وصل إليه من قواعده، لاعلى جهة الجزم بل على معنى جريان عادة الله تعالى بفعله كذا عند كذا».(1)

بل مقتضى ما عرفت - من أنّ الاعتقاد بالتأثير لاعلى جهة الجزم بل بمعنى أن العلويات مؤثّرات بإذنه تعالى - لادليل على منعه.

و قال في البلغة: «و أمّا إخبار المنجّم عما يترتب عليه من الآثار فلاإشكال فيه أيضاً إن كان على سبيل الظن مع احتمال الخلاف، بل و إن كان على سبيل الجزم مع إظهار اعتقاد أنّ الله تعالى يمحو ما يشاء و يثبت و عنده علم الكتاب.

نعم، لو كان على سبيل الجزم و أنّه لايحتمل الخلاف فهو سحر و كهانة و تنجيم، على الوجه المحرم الذي اُشير إليه في الأخبار السابقة من أنّه تكذيب للقرآن و للنبي محمّد (صلى الله عليه وآله)».(2)

فروع مرتبطة بالتنجيم

الأوّل: هل يجوز تصديق المنجّم وترتيب الأثر على قوله أم لايجوز؟

لاإشكال في عدم جوازه إذا أخبر عن اُمور تكون كفراً; كاستقلال العلويات أو اشتراكها في التأثير أو تفويض التأثير إليها بعد خلقها. بل التصديق الجناني في

**

(1) جواهر الكلام 108:22.

(2) بلغة الطالب 100:1.

أمثال ذلك مساوق للكفر.

و هكذا لايجوز تصديقه فيما إذا أخبر بتّاً و جزماً عن تأثيرها مع الاعتقاد بكونها مخلوقة للباري تعالى و أنّه هو المؤثر الأعلى; لأنّ الإخبار البتّي و الجزمي ينافي الضروري من الدين من تأثير الدعاء و الصدقات و نحوهما، بل لو التفت إلى أنّ ذلك يؤدي إلى إنكار ضروريّ من الضروريات كان التصديق المذكور موجباً للكفر.

و أيضاً إذا أخبر عن اُمور مع تأثير العلويات أو بدونه عند صيرورة الأفلاك في أوضاع خاصة - كإخبار الكهنة بالمغيبات - لايجوز تصديقه و لو عملا; للمنع عنه في الأخبار التي منها: ما رواه في الأمالي بإسناده عن عبد الله بن عوف بن الأحمر قال: لمّا أراد أمير المؤمنين (عليه السلام) المسير إلى أهل النهروان أتاه منجّم فقال: يا أمير المؤمنين، لاتسر في هذه الساعة و سر في ثلاث ساعات يمضين من النهار، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): «ولِم‌؟». قال: لأنّك إن سرت في هذه الساعة أصابك و أصاب أصحابك أذىً و ضرّ شديد، و إن سرت في الساعة التي أمرتك ظفرت و ظهرت و أصبت كلّ ما طلبت. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «تدري ما في بطن هذه الدابة أذَكَر أم اُنثى‌؟» قال: إن حسبت علمت. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «من صدّقك على هذا القول فقد كذّب بالقرآن: (إِنَّ اَللّٰهَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلسّٰاعَةِ وَ يُنَزِّلُ اَلْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ مٰا فِي اَلْأَرْحٰامِ وَ مٰا تَدْرِي نَفْسٌ مٰا ذٰا تَكْسِبُ غَداً وَ مٰا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اَللّٰهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) .(1) ما كان محمّد (صلى الله عليه وآله) يدّعي ما ادّعيت، أتزعم أنّك تهدي إلى الساعة التي من صار فيها صرف عنه السوء و الساعة التي من صار فيها حاق به الضرّ؟! من صدّقك بهذا استغنى بقولك عن الاستعانة بالله في ذلك الوجه، و أحوج إلى الرغبة إليك في دفع المكروه عنه، و ينبغي أن يوليك الحمد دون ربّه عزّوجلّ‌، فمن آمن لك بهذا فقد اتّخذك من دون الله ضدّاً و ندّاً - ثم قال: - اللّهمّ لاطير إلاّ طيرك، و لاضير

**

(1) لقمان: 34.

إلاّ ضيرك، و لاخير إلاّ خيرك، و لاإله غيرك - ثم التفت إلى المنجّم و قال: - بل نكذّبك و نسير في الساعة التي نهيت عنها».(1)

و ظاهره هو المنع عن تصديق المنجّم فيما أخبر عنه بالإخبار القطعي، سواء كان التصديق جنانياً أو عملياً، هذا مضافاً إلى أنّه لادليل على اعتبار قولهم، فلاوجه للاعتماد عليهم.

و يؤيد ما ذكر: موثقة محمد بن قيس المروية في الفقيه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لاتأخذ بقول عرّاف و لاقائف و لالصّ‌. و لاأقبل شهادة فاسق إلاّ على نفسه»،(2) بناءً على أنّ المراد من العرّاف هو المنجّم، و أمّا بناءً على أن المراد منه هو الكاهن فلاتدل إلاّ بضميمة أن المنجّم كالكاهن، ولكنه منوط بعموم التنزيل.

و كيف كان، فالمراد من النهي عن الأخذ هو النهي عن التصديق العملي بقول المنجّم، فلايجوز التصديق العملي بقول المنجّم الذي أخبر عن اُمور بالإخبار القطعي، بل اللازم هو العمل بالقواعد و الاُصول الشرعية.

و خبر الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه وآله) في حديث المناهي قال: «و نهى عن إتيان العرّاف و قال: من أتاه و صدّقه فقد برئ مما أنزل الله على محمد (صلى الله عليه وآله)».(3)

و خبر يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله تعالى: (وَ مٰا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّٰهِ إِلاّٰ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ‌)(4) ؟ قال: «كانوا يقولون: يمطر نوء كذا، و نوء

**

(1) وسائل الشيعة 269:8، ب 14 من آداب السفر إلى الحج، ح 4.

(2) المصدر السابق: ح 2.

(3) المصدر السابق: 269.

(4) يوسف: 106.

كذا لايمطر، ومنها أنّهم كانوا يأتون العرفاء فيصدّقونهم بما يقولون».(1)

و مرسلة المعتبر حيث قال: «و لايجوز التعويل على قوله (أي المنجّم); لقول النبي (صلى الله عليه وآله): «من صدّق كاهناً أو منجّماً فهو كافر بما اُنزل على محمد (صلى الله عليه وآله)».(2)

و لايخفى أنّ المستفاد من هذه الأخبار هو النهي عن تصديق المنجّم الذي أخبر بتّاً و جزماً بحيث يوجب استغناء المخاطب عن الله تعالى، أو الذي اعتقد أن العلويات مستقلات أو مشتركات في التأثير، أو غير ذات حاجة إلى المبدأ المتعال بقاءً في الوجود و التأثير، كما يشير إليه إطلاق المشرك عليه و أنّه كافر بما اُنزل على محمّد (صلى الله عليه وآله).

و لايشمل ما إذا لم يكن كذلك; كما إذا أخبر بأنّ اقتضاءها بإذن الله تعالى كذا و كذا بحيث لايستغني المخاطب عن الله تعالى، و لايوجب الشرك، و لايستلزم الكفر بما اُنزل على محمّد (صلى الله عليه وآله)، و لايكون إخباره شبيهاً بإخبار الكاهن، فضلا عما إذا لم يعتقد باقتضائها أصلا، فالتصديق الجناني بالنسبة إليه لايوجب المحذور; وأمّا التصديق العملي فلايجوز ما لم يوجب قوله الاطمئنان.

لايقال: إنّ قوله: «من صدّق منجّماً أو كاهناً فقد كفر بما اُنزل على محمّد (صلى الله عليه وآله)» يدل على أن تصديق المنجّم تكذيب للشارع المكذّب له، و يدل على ذلك عطف الكاهن عليه، كما أفاده شيخنا الأعظم (قدس سره).(3)

لأنّا نقول: أوّلا: إن الخبر مرسل.

و ثانياً: إن الظاهر من الرواية هو الكفر من جهة لزوم إنكار ما أنزل الله لاتكذيب الشارع في تكذيبه للمنجّم، و لعل وجه الإنكار هو الإخبار القطعي و البتّي الذي يؤول إلى الاستغناء عن الله تعالى، و هو كفر لو التفت إليه، و المفروض

**

(1) وسائل الشيعة 271:8، ب 14، ح 7.

(2) جامع الأحاديث 231:17.

(3) انظر: المكاسب المحرّمة: 27.

غيره، فتدبر جيداً.

و ثالثاً: إنّه لادليل على تكذيب الشارع لمطلق المنجّم.

فتحصّل: أن التصديق الجناني بالنسبة إلى المنجّم فيما كان يعتقده كفراً و إنكاراً للضروري من الدين غير جائز، دون ما لم يكن كذلك فإنّه جائز. بخلاف التصديق العملي فإنه لايجوز إلاّ إذا حصل الاطمئنان من قوله.

الثاني: هل يجوز تعلّم علم النجوم و تعليمه أم لا؟

يمكن أن يقال: لادليل على حرمته لو لم يكن المقصود منه هو ترتيب الأثر أو الإخبار بمقتضاه على جهة الجزم.

قال في الجواهر - في الكهانة -: «قد يقال بعدم الحرمة في العلم و التعلّم و التعليم لاللعمل; للأصل و غيره بعد انصراف الكهانة و الكاهن للعمل و العامل. اللّهمّ إلاّ أن يقال بعدم انفكاك العلم عن العمل هنا، و فيه منع».(1)

فإذا كان الأمر في الكاهن هكذا ففي المنجّم الذي شُبّه به أوضح.

و أمّا الأخبار الدالة على كثرة الخطأ في علم النجوم فهي لاتدل على النهي عن ذلك، بل غايتها أن كثرة الخطأ مانعة من الحكم البتّي و القطعي في الحوادث.

قال في الجواهر: «لكن الإحاطة بتمام دقائق هذا العلم مما لايتيسر إلاّ لخزّان علم الله دون غيرهم الذين قد يتخيّلون دلالة القِران المخصوص على النحس و هو سعد و بالعكس، كما اتفق للمنجّم مع أمير المؤمنين (عليه السلام); لعدم الإحاطة بتمام اقتراناتها و أحوالها، لكن ذلك لايمنع من النظر فيما دوّنوه من بعض أحوالها الجارية مجرى الغالب، و لامن العمل بما يقوله أهلها على وجه الاحتياط. و على ذلك يحمل تعلّم جماعة من الشيعة و غيرهم و فيهم العلماء و المحدثون و غيرهم من

**

(1) جواهر الكلام 90:22.

الشيعة; كالحسن بن موسى النوبختي، و موسى بن الحسن و غيره من بني نوبخت، و أحمد بن محمد بن خالد البرقي، و أحمد بن محمد بن طلحة، و الجلودي البصري، و محمد بن أبي عمير، و محمد بن مسعود العياشي، و الفضل بن أبي سهل الذي أخبر المأمون بخطأ المنجّمين في الساعة التي اختاروها لولاية العهد للرضا (عليه السلام)، فزجره المأمون و نهاه أن يخبر بذلك أحداً، فعلم أنّه تعمّده - إلى أن قال: - و غيرهم ممن وقفنا لهم على أشياء يقطع الإنسان بأنّها ليست محض اتفاق - على ما زعمه المرتضى - كما لايخفى على من تتبع أحوالهم، و وقف على جملة مما نقل من إخباراتهم».(1)

و لقد أفاد و أجاد، ولكن لاوجه لقصر الجواز على التعلّم و التعليم و العمل على وجه الاحتياط; لما عرفت من جواز الإخبار لاعلى جهة الجزم. و عليه فلامانع من جوازهما للإخبار من دون جزم و قطع، فافهم.

و ذهب السيد ابن طاووس - على ما حكي عنه - إلى جواز التعليم و التعلّم و النظر في النجوم مع اعتقاد كونها علامات و دلالات على ما يحدث من الحوادث و الكائنات أكثر، لكن بحيث يجوز للقادر الحكيم أن يغيّرها و يبدّلها لأسباب و دواع على وفق إرادته و حكمته.(2)

و قد عرفت أن الأمر كذلك مع اعتقاد كونها مؤثرات بإذن الله بحيث يجوز للقادر الحكيم التغيير و التبديل، بل يجوز الإخبار من دون بتّ و حكم و قطع. و عليه فالمحرم في التنجيم هو الاعتقاد بكون العلويات مؤثرات استقلالا أو اشتراكاً، أو مفوّضات في التأثير، أو مؤثرات من دون إمكان التغيير و التبديل، أو الإخبار البتّي و القطعي على نحو ينافي الضروري من الدين من تأثير الدعاء و الصدقات، أو على نحو الإخبار الغيبي كإخبارات الكهنة، فلاتغفل.

**

(1) المصدر السابق: 106-107.

(2) انظر: مرآة العقول 461:26.

الثالث: هل يكون الكلام في الرمل و الفأل و غيرهما كذلك أم لا؟

قال في الجواهر: «و كذا الكلام في الرمل و الفأل و نحوهما من العلوم التي يستكشف بها علم الغيب، فإنها تحرم مع اعتقاد المطابقة لامع عدمه، و قد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحبّ الفأل و يكره الطيرة، بل ورد عنهم - صلوات الله و سلامه عليهم - اُمور كثيرة كالاستخارة و بعض الحسابات و غيرهما مما يستفاد منه كثير من المغيبات، لكن لاعلى وجه الجزم و اليقين، و لعل ذلك كله من فضل الله على عباده و هدايته بهم، نحو ما جاء عنهم في الرُّقى أنها تدفع القدر، فقال: إنها من القدر. و إن هذا الباب باب عظيم ليس المقام مقام ذكره، خصوصاً ما يتعلق في الحروز و الطلسمات و خواص الحروف و بعض الأشياء و غيرها و ما يتولد منها من المصالح و المفاسد، ولكن ينبغي تجنّب ما فيه ضرر على الناس، و استعمال ما فيه نفع لهم مما هو ليس بسحر، و الله العالم».(1)

و الظاهر منه أن الإخبار عن الغائبات على سبيل الجزم محرم من أي طريق كان، و يدل عليه صحيحة حسن بن محبوب عن الهيثم قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إنّ عندنا بالجزيرة رجلا ربما أخبر من يأتيه يسأله عن الشيء يُسرق أو شبه ذلك فنسأله‌؟ فقال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذّاب يصدّقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل الله من كتاب...»،(2) الخبر.

قال الشيخ الأعظم (قدس سره): «و ظاهر هذه الصحيحة أن الإخبار عن الغائبات على سبيل الجزم محرّم مطلقاً، سواء كان بالكهانة أو بغيرها; لأنّه (عليه السلام) جعل المخبر بالشيء الغائب بين الساحر و الكاهن و الكذّاب، و جعل الكل حراماً...».(3)

**

(1) جواهر الكلام 109:22.

(2) وسائل الشيعة 108:12، ب 26 من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

(3) المكاسب المحرمة: 53.

المسألة السابعة عشر في حرمة حفظ كتب الضلال

اشارة

يقع الكلام في جهات:

الجهة الاُولى في نقل كلمات الأصحاب:

قال المفيد (قدّس سرّه) في المقنعة: و الأجر على كتب المصاحف و جميع علوم الدين و الدنيا جائز و لايحلّ كتب الكفر و تخليده الصحف إلاّ لإثبات الحجج في فساده و التكسّب بحفظ كتب الضلال و كَتْبِه على غيره (غير ظ) ما ذكرناه حرام.(1)

قال الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) في النهاية: و التكسّب بحفظ كتب الضلال و نسخه حرام محظور.(2) و قال فيها أيضاً: و لابأس بأخذ الأجر على نسخ كتب العلوم الدينيّة و الدنيويّة و لايجوز نسخ كتب الكفر و الضلال و تخليدها إلاّ لإثبات الحجج بذلك على الخصم أو النقض له.(3)

و قال أيضاً في المبسوط كتاب الجهاد: إذا وجد في المغنم كتب نظر فيها فإن كانت مباحة يجوز إقرار اليد عليها مثل كتب الطبّ و الشعر و اللغة و المكاتبات فجميع ذلك غنيمة و كذلك المصاحف - إلى أن قال -: و إن كانت كتباً لايحلّ‌

**

(1) سلسلة الينابيع 22:13.

(2) سلسلة الينابيع 76:13.

(3) سلسلة الينابيع 77:13.

إمساكها كالكفر و الزندقة و ما أشبه ذلك، كلّ ذلك لايجوز بيعه و ينظر فيه، فإن كان ممّا ينتفع بأوعيته إذا غسل كالجلود و نحوها فإنّها غنيمة و إن كان ممّا لاينتفع بأوعيته كالكاغذ فإنّه يمزّق و لايحرّق لأنّه ما من كاغذ إلاّ و له قيمة، و حكم التوراة و الإنجيل هكذا كالكاغذ، فإنّه يمزّق لأنّه كتاب مغيّر مبدّل.(1)

قال سلاّر في المراسم: في عداد المحرّم من المكاسب و الأجر على كتب الكفر إلاّ أن يراد به النقص.(2)

قال ابن البرّاج في المهذّب: في عداد المحرّم من المكاسب و نسخ كتب الضلال و حفظه و إيراد الشبهة القادحة و تخليدها في الكتب من غير نقض لها.(3)

قال ابن زهرة في الغنية: في عداد المحرّمات و أحاديث القُصّاص و أسباب الفرح بالأباطيل.(4)

قال الصهرشتي في إصباح الشيعة: في عداد المحرّمات و التكسّب ينسخ كتب الضلال و حفظها - إلى أن قال -: و أما أخذ الاُجرة على مدائح أهل الإيمان بالصدق و على نسخ كتب الضلال و انتساخها لإثبات الحجج على الخصم و النقض فلابأس.(5)

قال ابن إدريس في السرائر في عداد المحرمات و نسخ الضلال و حفظه و الاُجرة عليه و إيراد الشُبه القادحة و تخليدها باتّخاذ الكتب من غير نقض لها.(6)

**

(1) المبسوط 30:2.

(2) سلسلة الينابيع 108:13.

(3) سلسلة الينابيع 132:13.

(4) سلسلة الينابيع 208:13.

(5) سلسلة الينابيع 275:13.

(6) سرائر: 207 ط قديم.

و قال: فيه أيضاً في عداد المحرّمات و أحاديث القُصّاص.(1)

قال يحيى بن سعيد الحلّي، في نزهة الناظر في عداد المحرّمات و بيع كتب الضلال.(2)

قال الفاضل الآبي: في عداد الأعمال المحرّمة و حفظ كتب الضلال و نسخها لغير النقض.(3)

قال المحقّق الحلّي: في الشرائع في عداد الأعمال المحرّمة و حفظ كتب الضلال و نسخها لغير النقض.(4)

قال العلاّمة (قدّس سرّه): في القواعد في عداد ما نصّ الشرع على تحريمه و حفظ كتب الضلال و نسخها لغير النقض أو الحجّة و نسخ التوراة و الإنجيل و تعليمهما و أخذ الاُجرة عليها.(5)

و قال في التبصرة: في عداد الأعمال المحرّمة و حفظ كتب الضلال و نسخها لغير النقض.(6)

و قال في إرشاد الأذهان: و حفظ كتب الضلال و نسخها لغير النقض و الحجّة.(7)

و هكذا في تلخيص المرام مع إضافة التوراة و الإنجيل.(8)

**

(1) سرائر: 206.

(2) سلسلة الينابيع 281:35.

(3) كشف الرموز 440:1.

(4) سلسلة الينابيع 414:14.

(5) سلسلة الينابيع 497:14.

(6) سلسلة الينابيع 200:35.

(7) سلسلة الينابيع 312:35.

(8) سلسلة الينابيع 335:35.

و قال في التذكرة: يحرم حفظ كتب الضلال و نسخها لغير النقض أو الحجّة و تعلّمها و نسخ التوراة و الإنجيل; لأنّهما منسوخان محرّفان و تعليمهما و تعلمهما حرام و أخذ الاُجرة على ذلك.(1)

و قال في المنتهى: و يحرم حفظ كتب الضلال و نسخها لغير النقض و الحجّة عليهم بلاخلاف، و كذا يحرم نسخ التوراة و الإنجيل و تعليمهما و أخذ الاُجرة على ذلك كلّه; لأنّ في ذلك مساعدة على الحقّ و تقوية الباطل و لاخلاف فيه.(2)

و قال في نهاية الأحكام في ضمن مسائل: السابع: حفظ كتب الضلال و نسخها لغير النقض أو الحجّة و نسخ التوراة و الإنجيل; لأنّهما منسوخان و خرج عليّ عليه السلام يوماً إلى المسجد و في يد عمر شيء من التوراة فأمره بإلقائها و قال: لو كان موسى و عيسى (عليهما السلام) حيّين لما وسعهما إلاّ اتّباعي(3); و لأنّهما قد حرّفا و غيّرا و بدّلا، و كذا تعليمهما و أخذ الاُجرة عليهما لما تقدّم.(4)

قال الشهيد الأوّل: و يحرم نسخ الكتب المنسوخة و تعلّمها و تعليمها و كتب اهل الضلال و البدع إلاّ لحاجة من نقض أو حجّة أو تقيّة.(5)

و قال الشهيد الثاني (قدّس سرّه): في عداد المحرّمات و حفظ كتب الضلال عن التلف أو عن ظهر القلب و نسخها و درسها قرائة و مطالعة و مذاكرة لغير النقض

**

(1) التذكرة 582:1 ط قديم.

(2) المنتهى 1013:2 ط قديم.

(3) لم توجد الرواية في الجوامع إلاّ بكيفية اُخرى روى في مسند أحمد عن عبدالله بن ثابت قال جاء عمر بن الخطّاب إلى النبيّ صلّى الله عليه و آله فقال يا رسول الله إنّي مررت بأخ لي من بني قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك فتغيّر وجه رسول الله صلى الله عليه و آله و قال: و الذي نفس محمّد بيده لو أصبح فيكم موسى ثمّ اتّبعتموه و تركتموني لظللتم أنّكم حظّي من الاُمم و أنا حظّكم من النبيّين مسند احمد: 10. مسند الكوفيّين حديث 176/3 و غير ذلك من الروايات.

(4) نهاية الاحكام 471:2.

(5) الدروس: 327 ط قديم.

لها أو الحجّة على أهلها بما اشتملت عليه مما يصلح دليلاً لإثبات الحقّ أو نقض الباطل لمن كان من أهلها أو التقيّة و بدون ذلك يجب إتلافها ان لم يمكن أفراد مواضع الضلال و إلاّ اقتصر عليها.(1) و قال السيّد على الطباطبائي في الرياض: «و حفظ كتب الضلال عن الإندراس أو عن ظهر القلب و نسخها و تعليمها و تعلّمها لغير النقض لها و الحجّة على أربابها بما اشتملت عليه ممّا يصلح دليلاً لإثبات الحق أو نقض الباطل لمن كان من أهلهما و يلحق به الحفظ للتقيّة أو لغرض الاطّلاع على المذاهب و الآراء ليكون على بصيرة و تمييز الصحيح من الفاسد أو لغرض الإعانة على التحقيق أو تحصيل ملكة للبحث و الاطّلاع على الطرق الفاسدة ليتحرّز عنها أو غير ذلك من الأغراض الصحيحة كما ذكره جماعة، و ينبغى تقييده بشرط الأمن على نفسه من الميل إلى الباطل بسببها، و أما بدونه فمشكل مطلقاً; لاحتمال الضرر الواجب الدفع عن النفس و لو من باب المقدمة اجماعاً. و من هنا يظهر الأصل في المسألة في الجملة. و يتمّ ذلك بعدم القول بالفرق بين الطايفة مضافاً إلى عدم الخلاف فيها مطلقاً، بل و عليه الإجماع عن ظاهر المنتهى مع أنّ فيه نوع إعانة على الإثم و وجوه الفساد الواجب دفعها من باب النهي عن المنكر.(2)

الجهة الثانية في تبيين الموضوع للبحث:

و المذكور في كلمات الأصحاب هو كتب الكفر و كتب الضلال و كتب الكفر و الزندقة و ما أشبه ذلك و إيراد الشبهة القادحة و التوراة و الإنجيل و الكتب المنسوخة و كتب أهل الضلال و البدع.

و الظاهر من الكلمات و معقد الإجماع أنّ المحرّم هو ما يكون موجباً

**

(1) شرح اللمعة 225/1-232 ط قديم.

(2) الرياض اوائل كتاب التجارة ط قديم.

للضلال و هو عنوان أعمّ و لاينافيه تخصيص بعضهم موضوع البحث بعنوان أضيق كالكفر أو التوراة و الإنجيل و الكتب المنسوخة لأنّ مرادهم ليس هو إنحصار الموضوع في هذه العناوين المضيّقة بل ذكرها من باب مصداق ما يوجب الضلال و عليه فلايبعد دعوى أنّ الأصحاب أجمعوا على أنّ موضوع حرمة الحفظ هو ما يوجب الضلال.

قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) لم يظهر من معقد نفي الخلاف إلاّ حرمة ما كان موجباً للضلال و هو الذي دلّ عليه الأدلّة المتقدّمة.(1)

ثمّ لافرق في صدق الضلال بين أن تكون الكتب موضوعة لغرض الضلال و إغواء الناس و بين أن يكون موجبة لذلك و لولم تكن محرّرة بقصد ذلك فإنّها على كلّ تقدير يترتّب عليهم الضلال نعم اللازم حينئذ من هو غلبة المفسدة و أمّا إذا كانت المصلحة غالبة في الكتب التي لم توضع للإضلال مشمول الكلمات و الأدلّة بالنسبة إليها غير ثابت إذ مع ترتّب المصلحة الغالبة لاينطبق عليه عنوان يجيء منها الفساد محضاً و نحوه و لايحكم العقل بعدم الجواز في هذه الصورة إن لم نقل بأنّه يحكم بالوجوب حفظاً للدين كما في جامع المدارك.(2)

و هل يمكن التفوّه بحرمة حفظ الأحاديث المشكلة و المستصعبة التي ربما توجب ضلالة بعض النفوس النازلة و ليس ذلك إلاّ لما عرفت من أنّ الملاك في الحرمة هو المفسدة الغالبة فمع المصلحة الغالبة لاينطبق عليه عنوان ما في الأدلّة من الفساد المحض أو ما يقوى به الكفر بل بعلّة لاينطبق على نافيه مصلحة غير نادرة بعد كون الموضوع متّخذاً من الأدلّة ثمّ إنّ المراد من الضلال هل هو الضلال في المعارف الدينيّة أو يراد به الأعمّ من الفاسد الإطلاقيّة و العمليّة.

**

(1) المكاسب المحرّمة / 30 ط تبريز.

(2) ج 21:3.

قال الميرزا الشيرازي (قدّس سرّه): المنصرف من الضلال هو الضلال عن الدين بالإنكار أو الشكّ في أحد المعارف الخمس و ما يتبعها و يحتمل أن يراد به في المقام الأعمّ من ذلك و ممّا يوجب الفسق و الاقدام على المعاصي كالكتب المفسقة في علم السحر و الشعبدة و الكهانة و نحوها و يدلّ عليه عموم بعض الأدلّة الآتية.(1)

و لايخفى عليك أنّه لاوجه لدعوى الإنصراف مع تصريح بعض الأصحاب و البدع و الشبهات القادحة، هذا مضافاً إلى عدم خصوصيّة في الضلال عن المعارف الدينيّة بل عموم الأدلّة يكفى للتجاوز عن خصوص الضلال عن المعارف الدينية كما أشار إليه و سيأتي إن شاء الله تعالى. و لقد أفاد و أجاد في مصباح الفقاهة حيث قال: ثمّ إنّ المراد بكتب الضلال كلّ ما وضع لغرض الإضلال و إغواء الناس و أوجب الضلالة و الغواية في الاعتقادات أو الفروع فيشمل كتب الفحش و الهجو و السخرية و كتب القصص و الحكايات و الجرائد المشتملة على الضلالة و بعض كتب الحكمة و العرفان و السحر و الكهانة و نحوها ممّا يوجب الإضلال.(2)

ثمّ لايذهب عليك أنّ مجرّد اشتمال الكتب على الأمور الباطلة لايدرجها في الكتب الضالّة و عليه فيشكل شمول عنوان الضلالة لمثل كتب القصص و الهجو و السخريّة من دون أن يكون مضلّة و إن كانت باطلة بل يشكل إدراج الكتب المحرّفة في كتب الضلال من جهة أنّها لاتوجب ضلالة بالنسبة إلى المسلمين بعد بداهة نسخها نعم إنّها كانت موجبة للضلال بالنسبة إلى اليهود و النصارى قبل نسخ دينهما إلاّ أنّ عنوان الضلالة لايصدق عليها بالفعل بعد الإسلام لضلالة اليهود و النصارى بعد البعثة النبويّة فلايوجب الكتب المحرّفة ضلالة اُخرى في حقّهم كما لاتوجب

**

(1) التعليقة / 71.

(2) مصباح الفقاهة: 254.

ضلالة في حقّ المسلمين لعلمهم بالنسخ مع أنّ اللازم هو صدق عنوان الضلالة عليها بالفعل.

قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه): فلابدّ من تنقيح هذا العنوان و أنّ المراد بالضلال ما يكون باطلاً في نفسه فالمراد الكتب المشتملة على المطالب الباطلة أو أنّ المراد به مقابل الهداية فيحتمل أن يراد بكتبه ما وضع لحصول الضلال و أن يراد ما أوجب الضلال و إن كان مطالبها حقّة كبعض كتب العرفاء و الحكماء المشتملة على ظواهر منكرة يدعون أنّ المراد غير ظاهرها فهذه أيضاً كتب ضلال على تقدير حقيقتها.

ثمّ الكتب السماويّة المنسوخة الغير المحرّفة لاتدخل في كتب الضلال و أمّا المحرّفة كالتوراة و الإنجيل على ما صرّح به جماعة داخلة في كتب الضلال بالمعنى الأوّل بالنسبة إلينا حيث إنّها لايوجب للمسلمين بعد بداهة نسخها ضلالة نعم توجب الضلالة لليهود و النصارى قبل نسخ دينهما فالأدلّة المتقدّمة لاتدلّ على حرمة حفظهما.(1)

اللّهمّ إلاّ أنّ يقال: إنّ نفي الضلالة عن مثل التوراة و الإنجيل المحرّفة غير مقبول لرجوع اليهود و النصارى إليهما نسلاً بعد نسل مع أنّها محرّفة كما أنّ نشرها في الجوامع الإسلاميّة ربّما توجب الضلالة في بعض النفوس النازلة فيصدق عليهما عنوان الضلالة بالفعل.

ثمّ يظهر ممّا ذكر حكم تصانيف المخالفين في الاُصول و الفروع و الحديث و التفسير و اُصول الفقه و غيرها من العلوم، فإنّها إن اشتملت على الضلالة و الإضلال فهي مندرجة تحت كتب الضلال بلاكلام. و أمّا إذا لم تكن كذلك فلايكون حفظها محرّماً كبعض الكتب التاريخيّة.

قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه): «الظاهر عدم جريان الأدلّة في حفظ شيء

**

(1) المكاسب المحرّمة: 30.

من تلك الكتب إلاّ القليل مما الّف في خصوص إثبات الجبر و نحوه و إثبات تفضيل الخلفاء أو فضائلهم و شبه ذلك.(1) و ممّا ذكر يظهر حكم تصانيف الكفّار و لايخفى عليك أنّ المحرّم هو موضع الضلالة لاغيره.

ثمّ إنّ كتب الضلال لاخصوصيّة لها في تحريم حفظها، بل يحرم حفظ كلّ ما يوجب الضلالة و إن لم تكن كتباً كالمسجّلات و الأفلام و المقابر المضلّة و نحوهما ممّا يتعارف في زماننا هذا. و لقد أفاد و أجاد السيّد المحقّق اليزدى (قدّس سرّه) حيث قال: و لاخصوصية للكتب في ذلك، فيحرم حفظ غيرها أيضاً ممّا من شأنه الإضلال كالمزار و المقبرة و المدرسة و نحو ذلك فكان الأولى تعميم العنوان و لعلّ غرضهم المثال لكون الكتب من الأفراد الغالبة لهذا العنوان».(2)

ثمّ إنّ معيار الضلالة هو الإنحراف عن الضروريّات الدينيّة أو المذهبيّة أو اليقينيّات من الدين و المذهب سواء كانت اعتقاديّة أو عمليّة أو أخلاقيّة.

قال في المستند: «و المراد بالضلال، ما خالف الحق واقعاً كما يخالف الضروري أو بحسب علم المكلّف خاصّة و أما ما خالفه بحسب ظنّه فلا».(3)

و عليه فلايكون الأقوال الفقهيّة النادرة من مصاديق الضلال; لاحتمال موافقتها للواقع، و أيضاً لايكون ما يخالف العادات و الرسوم الغير الدينيّة و المذهبيّة من مصاديق الضلال; لأنّ العادات المذكورة لسيت من الدين و المذهب.

ثمّ إنّ كلّ ما يوجب الفساد الأخلاقي أو العملي مندرج في الإنحراف العملي و الأخلاقي.

ثمّ لايخفى عليك أنّ الإنحراف المذكور أعمّ من أن يكون عين الكتاب أو من لوازمه.

**

(1) المكاسب المحرّمة: 30.

(2) التعليقة على المكاسب: 23.

(3) المستند ج 346:1 ط قديم.

ثمّ لايخفى عليك أنّ الظاهر من الأدلّة هو إلحاق كتب السحر و القيافة و أمثالهما بكتب الضلال، إن كانت مفاسدها غالبة.

ولكن في المستند أنّه هل يلحق بكتب الضلال كتب السحر و القيافة و أمثالهما من المحرّمات‌؟ الظاهر من رواية التحف ذلك ولكن لعدم تصريح الأصحاب به، لم يعلم الشهرة الجابرة. فالأصل ينفيه إلاّ مع قصد التوصّل إلى المحرّم.(1)

يمكن أن يقال بعد كون المذكور في كلمات الأصحاب من باب المثال، لاضير في عدم التصريح بخصوص كتب السحر و نحوه. هذا مضافاً إلى أنّ المعتبر هو الأدلة و لاإشكال في انطباق الفساد عليها إذا كانت مفاسدها غالبيّة، و لاينحصر الأدلّة برواية التحف.

ثمّ لايذهب عليك أنّه لو علم بعدم ترتّب الضلال على كتب الضلال هل يكون حفظه محرّماً أو لا؟

قال الميرزا الشيرازي (قدّس سرّه): في ذيل الاستدلال برواية تحف العقول «لافادة حرمة ما يجيء منه الفساد» لايخفى أنّه قد تقدّم الاستدلال بمثل هذه الأدلّة على حرمة بيع الأعيان التي لايقصد منها إلاّ الحرام كهياكل العبادات المخترعة و آلات اللهو و القمار و نحوها و لم يعتبروا في ذلك ترتّب الحرام أو القصد إلى وقوعه و العلم بترتبه عليه، فلايكون بيع الأعيان المذكورة بنفسها قسماً محرّماً مقابلاً للأقسام المذكورة و هو خلاف صريح كلماتهم هناك.

و الحاصل إنّ مقتضى كلماتهم هناك أن المحرّم بمقتضى تلك الأدلة هو ما لايكون له فائدة إلاّ الحرام و إن لم يترتّب على هذا البيع تلك الفائدة بأن يعلم أنّ هذا الصنم الذي يبيعه لايقع عليه عبادة في الخارج.

و مقتضى ذلك في ما نحن فيه أن يقال فيما نحن فيه: بحرمة حفظ كتب الضلال و إن علم بعدم ترتّب ضلال على هذه الكتب الشخصيّة فضلاً عن صورة الشكّ فيه.

و مقتضى كلماتهم في هذا المقام عدم ثبوت الحرمة إلاّ مع العلم بترتّب

**

(1) المستند 346:1.

الضلال عليه أو احتمال معتدّ به و التدافع بين الكلامين و الاستدلال في المقامين ظاهر.

و لعلّ الأظهر ما ذكروه هناك بقرينة إطلاق الأمثلة المذكورة في الرواية من هياكل العبادة المحرّمة و البرابط و المزامير و غيرها، بل عمومها المانع من دعوى انصرافها إلى ما يترتّب عليه الحرام و الفساد فعلا مضافاً إلى مقابلة تلك الفقرة بالفقرة السابقة في بيان ضابط ما يصحّ إجارته و بيعه بما فيه الصلاح و المنافع; إذ لايعتبر في صحّة البيع و الإجارة ترتّب الصلاح و الانتفاع عليهما مخلاً قطعاً. و يؤيّد ذلك حينئذ بما ذكره (قدّس سرّه) من اطلاق نفي الخلاف المحكيّ عن التذكرة و المنتهى.(1)

ولقائل أن يقول: إنّ الّذي يستفاد من الأدلة أنّ وجه الحرمة هو إمكان الإضلال و ترتّب الفساد المحض و هما لاينطبقان على ما علم أنّه لايترتّب عليه الإضلال و الفساد و لايرد عليه بالخصوص نهي شرعيّ حتّى يؤخذ به فيما إذا علم بأنّه لايترتّب عليه الاُمور المذكورة و قياس المقام بباب الآلات الملاهي و نحوهما ممّا ورد فيها النهي بالخصوص في غير محلّه.

و عليه فلو علم بعدم ترتّب الإضلال أو الفساد فلاوجه لحرمة حفظه و الاستشهاد بقرينة المقابلة ينتج عكس المقصود; إذ المستفاد من القرينة المقابلة هو اشتراط إمكان ترتّب الصلاح و الانتفاع لافعليّتهما، فكما أنّ إمكانهما شرط في صحّة الإجارة و البيع فكذلك إمكان الإضلال و ترتّب الفساد المحض شرط في

**

(1) التعليقة: 72.

حرمة الأمثلة المذكورة في رواية تحف العقول. فإذا علم بعدم ترتب الفساد و الإضلال فلاوجه للحرمة، و عليه فما جعل من الكتب في محلّ آثار قديمة لاراءة قدمتها بحيث لايمكن الاستفادة منها لايشمله أدلّة حرمة الحفظ.

و يؤيّد ما ذكر رواية عبد الملك حيث شكى إلى الصادق عليه السلام إنّي ابتليت بالنظر إلى النجوم، فقال عليه السلام أتقضى‌؟ قلت: نعم، قال: «احرق كتبك». بناء على أنّ الأمر للوجوب دون الإرشاد للخلاص من الابتلاء بالحكم بالنجوم; إذ مقتضى الاستفصال في هذه الرواية أنّه إذا لم يترتّب على إبقاء كتب الضلال مفسدة لم يحرم.

ثمّ إنّ حفظ كلّ شيء بحسبه و حفظ الكتب أو الأقلام و المسجّلات اقتنائها في محلّ تبقى و تصون من الآفات سواء كان المحلّ المذكور هو المكتبات أو تصوير صورها في الأجهزة الحديثة نحو ميكروفيلم أو كامبيوتر بل يشمل حفظها في الأذهان بأن تكرّر بحيث تثبت في الحافظة و لايعرضها السهو و النسيان و لقد أفاد و أجاد الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) حيث قال: ثمّ الحفظ المحرّم يراد به الأعمّ من الحفظ بظهر القلب و النسخ و المذاكرة و جميع ما له دخل في بقاء المطالب المضلّة.(1)

الجهة الثالثة: في الأدلّة

في الأدلّة، منها: حكم العقل بوجوب قطع مادّة الفساد كما في المكاسب للشيخ الأعظم (قدّس سرّه). و قال في جامع المدارك: «و هو العمدة، و المراد من مادّة الفساد هو ما يوجب الفساد.

و اُورد عليه في مصباح الفقاهة بأنّ مدرك حكمه إن كان هو حسن العدل و قبح الظلم بدعوى أنّ قلع مادّة الفساد حسن و حفظها ظلم و هتك للشارع فيرد عليه

**

(1) المكاسب المحرّمة: 30.

أنّه لادليل على وجوب دفع الظلم في جميع الموارد و إلاّ لوجب على الله و على الأنبياء و الأوصياء الممانعة عن الظلم تكويناً مع أنّه تعالى هو الذي أقدر الإنسان على فعل الخير و الشرّ و هداه السبيل إما شاكراً و إما كفوراً و إن كان مدرك حكمه وجوب الإطاعة و حرمة المعصية لأمره تعالى بقلع مادّة الفساد فلادليل على ذلك إلاّ في موارد خاصة كما في كسر الأصنام و الصلبان و سائر «هياكل العبادة».(1)

وفيه: إنّ حكم العقل بوجوب دفع مادّة الإفساد واضح لأنّ المراد من قبح الظلم أنّ فاعله مستحق للذمّ بحكم العقل، و هذا أمر من بديهيّات العقول فمقتضى كون الظلم قبيحاً بحكم العقل هو أن يكون الإضلال و الإفساد أيضاً قبيحاً لأنّه من أظهر مصاديقه; إذ هو ظلم في حقّ الله و حقّ العباد.

و لافرق بين أن يكون الإضلال و الإفساد فعلاً مباشرياً أو فعلاً تسبيبيّاً، فكما أنّ إلقاء الشبهة للإضلال محكوم بالقبح، فكذلك حفظ كتب الضلال مع معرضيّتها للمراجعة إليها، و الإضلال قبيح عقلاً; لأنّه نوع إضلال تسبيبيّ‌.

و هل ترى الإضلال التسبيبي أهون من فتح باب السيّارة مع معرضيّة لطرح الأطفال و نحوهم‌؟ ألا ترى أن العقل يحكم باستحقاق مذمّة الفاتح لو طرح طفل من السيّارة و قتل‌؟ فإذا حكم العقل في مثله بذلك فكيف لايحكم به في حفظ ما يكون له المعرضية للإضلال و الإفساد؟.

ثمّ إنّ عدم مخالفة الله تعالى عن تحقّق الظلم تكويناً لاينافي ذلك لأنّ النظام الأتمّ يتقوّم بالاختيار فمع الممانعة التكوينيّة لايبقى الاختيار، و المفروض أنّ الحكمة أوجبت وجود النظام الأتمّ المتقوّم بالإختيار ليحصل فيه التكامل الاختياري الذي ليس له بدل في عالم من العوالم، فلو منع الله تعالى تكويناً عن تحقّق الظلم و الإفساد لزم الجبر و الإلجاء، و هو مناقض مع غرضه من خلقة النظام

**

(1) مصباح الفقاهة: 254.

الأتمّ المذكور، و عليه فاقداره تعالى الناس بالنسبة إلى فعل الخير و الشرّ معنون بعنوان مصلحة أتمّ و لايكون قبيحاً، بل هو مقتضى الحكمة العالية كما لايخفى. فلا مجال لدعوى التلازم بين وجوب دفع الظلم و ممانعة التكوينيّة من الله سبحانه و تعالى.

و السرّ في ذلك هو ترتّب المصلحة التي هي أتمّ على الإقدار، و من المعلوم أنّ حكم العقل في مصاديق العدل و الظلم يختلف باختلاف الحيثيّات و الجهات، فإذا كان شيء معنون بعنوان أحسن و أتمّ يتحقّق التكامل الإختياري به فهو محكوم بالحسن و الوجوب، و عليه فلايقاس المقام بفعله تعالى، فالعقل يحكم بقبح الإضلال و الإفساد المباشري أو التسبيبي. و دعوى الملازمة المذكورة ممنوعة.

هذا مضافاً إلى إمكان دعوى إستقلال العقل بوجوب دفع المنكر كدفعه من جهة الحكمة المقتضية لتقريب الجامعة نحو السعادة و تبعيدهم عن الشقاوة و المفاسد فإنّها دليل عامّ لايختصّ بالمبدأ المتعال في إيجاب الشعبة و الرسالة بل يشملنا بعموم الملاك، فإذا وجب دفع المنكر كرفعه فدفع الكتب الضالّة واجب، فإنّ ما يوجب الضلال من أنكر المنكرات.

قال سيّدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه): «إنّ العقل مستقلّ بوجوب منع تحقّق معصية المولى و مبغوضة و قبح التواني عنه، سواء في ذلك التوصّل إلى النهي أو الأمور الآخر الممكنة، فكما تسالموا على وجوب المنع من تحقّق ما هو مبغوض الوجود في الخارج سواء صدر من مكلّف أم لا; لمناط مبغوضيّة وجوده، فكذلك يجب المنع من تحقّق ما هو مبغوض صدوره من مكلّف و يرى العبد صدوره منه. فإنّ المناط في كليهما واحد و هو تحقّق المبغوض، و إن اختلفا في أنّ الأوّل نفس وجوده مبغوض، و الثاني صدوره من مكلّف مبغوض.(1)

**

(1) المكاسب المحرّمة 137:1.

و ممّا ذكر يظهر ما في بلغة الطالب من منع استقلال العقل بوجوب دفع المنكر الذي منه ما نحن فيه و أنّه يكفي في اللطف الواجب الترحيب و الترهيب الصادران من الشرع.(1)

و لايخفى ما فيه: فإنّ الحكم العقلي سابق على الترغيب و الترحيب الصادرين من الشرع، فينبغي أن يبحث بأنّ ما ورد في الشرع بعد حكم العقل هل هو إرشاديّ أو مولويّ‌.

و كيف كان، فالعقل يحكم بلزوم المنع عن تحقّق المبغوض عند إمكانه و يرى الإخلال به خروجاً عن زيّ العبديّة بالنسبة إلى المولى و يحكم باستحقاق المخل للمذمّة. و هذا ليس إلاّ معنى الوجوب العقلي.

نعم، التكليف العقلي بوجوب دفع مادّة الفساد كسائر التكاليف مشروط بالقدرة العقليّة، فما كان خارجاً عن قدرته لم يكن محكوماً بالوجوب.

لايقال: إنّ حكم العقل بقبح التحفّظ على مادّة الفساد و الضلال المتتبّع بحرمته شرعاً بقاعدة الملازمة غير مسلّم و إلاّ لاستقلّ العقل بإزالة كلّ ما فيه أو منه فساد كالهجوم على أهل الكفر و الشرك و محو شوكتهم و معابدهم و كتبهم فإنّهم و ما معهم منشأ الفساد على الأرض و لااستقلال للعقل بذلك، و وجوب الجهاد حكم شرعيّ تعبدّيّ لالحكم العقل بلزوم قهر الناس على الإيمان مع أنّ الدنيا دار امتحان يكون فيها الخيار بين الهدى و الضلال و الكفر و الإيمان.(2)

و لايخفى عليك أنّه لااستيحاش في استقلال العقل بإزالة كلّ ما يكون منشأ للفساد ولكنّه كما عرفت مشروط بالقدرة العقليّة، فما خرج عن طاقة الفاعل لايجب عليه ذلك.

**

(1) بلغة الطالب 100:1.

(2) ارشاد الطالب 140:1.

هذا مضافاً إلى إمكان منع كلّ كافر مفسداً كما إذا صار الكفّار من أهل الذمّة أو المعاهدة أو الاستيمان فليس القلع محكوماً بالوجوب، بل العهد و الميثاق يقتضي وجوب الوفاء به فلاتغفل.

ثمّ إنّ التحفّظ على مادّة الفساد بحكم العقل لاينافي إختيار العباد و كون الدنيا دار امتحان; لأنّهم لايصيرون بالوجوب المذكور مسلوب الإرادة و الإختيار.

و ممّا ذكر يظهر ما في كلام المحقّق الإيرواني (قدّس سرّه) أيضاً حيث قال: «إنّ العقل لو حكم بذلك لحكم بوجوب قتل الكافر، بل مطلق من يضلّ عن سبيل الله بعين ذلك الملاك، و لحكم أيضاً بوجوب حفظ مال الغير عن التلف، لكن حكمه بذلك ممنوع. و المتيقّن من حكمه هو حكمه بقبح إلقاء الفساد و مصداقه فيما نحن فيه تأليف كتب الضلال، لاحفظ المؤلّف منها أو عدم التعرّض لإتلافها أو إثبات اليد عليها».(1)

لما عرفت من أنّ الدليل القطع يعمّ الإضلال التسبيبي، و عليه فلايختصّ حكم العقل بصورة تأليف كتب الضلال بل يشمل المؤلّف منها; لأنّ حفظه يكون معرضاً للإضلال و الإفساد التسبيبي.

ثمّ إنّ حرمة قتل بعض الكفّار كالذمّيّين و المعاهدين و المستأمنين لوجود مصالح آخر لاينافي حكم العقل بوجوب قلع مادّة الإفساد، كما لايلزم من الحكم العقلي في المقام الحكم بوجوب حفظ مال الغير عن التلف; لأنّ المراد من قلع مادّة الفساد هو قلع ما يوجب الإفساد لاكلّ فاسد و تألّف، كما لايخفى.

فتحصّل تماميّة حكم العقل بقبح حفظ ما يوجب الإضلال و الإفساد و معناه هو وجوب قلع مادّة الإفساد و الإضلال.

و هنا تقريب آخر ذهب إليه الشيخ مرتضى الحائري (قدّس سرّه) حيث قال:

**

(1) التعليقة: 25.

«ومنها: و هو العمدة حكم العقل، و تقريبه بما لم يسبق إليه على ما أعلم أنّه بعد ما علم أنّ بعض الاُمور تكون أهمّيّته عند الشارع بمثابة أوجب الاحتياط في محتمله، كما في الدماء و الفروج و الأموال، لاسيّما بالنسبة إلى الدماء، فإنّ دخالة شطر كلمة في قتل المؤمن و لو بنحو الإحتمال موجب للعقوبة، كما ورد في الأخبار، بل يأتي يوم القيامة و مكتوب على وجهه، أنّه آيس من رحمة الله فلاريب أنّ حفظ الإيمان و العقائد الحقّة أولى بالمراعات، فإنّه يهراق له الدماء، فحينئذ يحكم العقل بوجوب الاحتياط أو يكشف عن وجوب الاحتياط شرعاً على الوجهين في مقدّمات الإنسداد، بل يمكن أن يقال: بكشف العقل عن وجوب الاجتناب حتّى بالنسبة إلى القاطع بعدم ترتّب الضلال إذا كان الواقع في مجموع موارد القطع على خلاف الواقع. لكن في تقريب الحكومة في هذا الفرض اشكال ذكرناه في التعليق على المكاسب فتأمّل.

و لايخفى أنّ مقتضى ذلك سدّ طريق احتمال حصول الضلالة، فكلّ كتاب يكون في حفظه أو نسخه أو بيعه أو شرائه أو ترك إتلافه احتمال الضلالة لنفسه أو لغيره يحرم عليه ذلك كلّه،(1) و هو صحيح، ولكنّه دليل آخر; لأنّه كشف أولويّة التحفّظ عن الضلال شرعاً من وجوب الاحتياط و التحفّظ الشرعي في الاُمور المتّهم بها.

و الظاهر أنّه غير حكم العقل بقبح حفظ ما يوجب الضلال، و يقرب منه ما في المواهب، من أنّ العقل يحكم بوجوب التحفّظ على مقاصد المولى و حفظ حرمتها.(2)

ثمّ إنّه ربّما يتمسّك بوجوب دفع الضرر المحتمل أو المظنون عن النفس، كما في الرياض. ولكن أورد عليه في المستند، بأنّه ضعيف; لأنّه إنما يفيد لو انحصر

**

(1) ابتغاء الفضيلة 59:1-60.

(2) المواهب: 383.

الدفع بذلك، و ليس كذلك; لاندفاعه بعدم الرجوع أو المجاهدة في دفع الشبهة و لذا يتعلّق التكليف به.(1)

و فيه: أنّ محلّ الكلام ليس هو ما علم عدم ترتّب الضلال أو صورة اعداد الجواب، كما هو سيرة العلماء في حفظ الكتب الضلال، بل غير هذه الموارد. و لاإشكال في أنّ الكتب الضلال تكون معرضاً للضلال، و الضلال ضرر أبديّ لايقاس به الضرر الدنيوي فكلّ مورد يحتمل أن يكون حفظ الكتاب مؤدّياً إلى ضلال النفس أو الأهل فلاإشكال في حكم العقل بدفعه، و دفعه بإتلافه أو وضعه في مكتبة لامعرضية للإضلال فيها.

نعم، لقائل أن يقول: إنّ ذلك الدليل أخصّ من المدّعى فإنّه يدلّ على حرمة حفظ الكتاب فيما إذا كان مؤدياً لضرر نفسه أو أهله; لأنّ ضررهم كضرره. و أمّا إذا لم يؤدّ إلى ذلك بل يؤدي إلى ضرر الأغيار، فهذا الدليل قاصر بالنسبة إلى تلك الصورة; لأنّ ضررهم ليس ضرراً لنفسه. اللّهمّ إلاّ أن يقال ضلالتهم و إن لم تكن ضلالة له ولكن عقوبة إضلال الأغيار ضرر لنفسه فإضلال الأغيار مشمول لذلك الدليل بهذه العناية. فتحصّل تماميّة التقريبات المذكورة للدليل العقلى.

ومنها: قوله تعالى: (وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ اَلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ‌) ،(2) كما استدلّ به صاحب الجواهر و الشيخ الأعظم (قدّس سرّهما).

و قال: في الكشّاف: إضافة اللهو إلى الحديث معناها التبيين - إلى أن قال -: و يجوز أن تكون الإضافة بمعنى (مِن) التبعيضية كأنّه قيل: و من الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه، و اللهو كلّ باطل اَلْهى عن الخير.

**

(1) المستند 346:1.

(2) لقمان: 6.

و في الميزان: بغير علم متعلّق ب‍ - (يضلّ‌) و هو في الحقيقة وصف ضلال الضالّين دون إضلال المضلّين، و إن كانوا أيضاً لاعلم لهم. ثمّ هدّدهم بقوله: (أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ‌) .(1)

و عن المجمع يدخل فيه كلّ شيء يلهي عن سبيل الله و عن طاعته من الأباطيل و المزامير و الملاهي و المعازف. و يدخل فيه السخريّة في القرآن و اللغو فيه و كلّ لهو و لعب و الأحاديث الكاذبة و الأساطير الملهية عن القرآن. - إلى أن قال -: و يتخذها هزواً، أي ويتّخذ آيات القرآن هزواً، و يتّخذ سبيل الله هزواً يستهزأ بها.

و قال المحقّق الأردبيلي: «و الظاهر حينئذ أنّه يدخل فيه القصص و الحكايات السالفة التي لافائدة تحتها، بل جميع الأشياء التي ليس بعبادة فتأمّل، ولكن قد يخصّ بالمعاصي فتأمّل.(2)

و لعلّ وجه التأمّل الأوّل أنّ صورة عدم الفائدة ليس هو الإضلال عن سبيل الله و اتّخاذ سبيل الله هزواً، فشمول الآية بالنسبة إليها غير واضح، كما أنّ وجه التأمّل الثاني هو أنّ الآية الكريمة لاتشمل الصغائر بقرينة توعيد النار.

و كيف كان فقد قال السيد (قدّس سرّه): «و الظاهر أنّ غرض الشيخ من الاستدلال بالآيتين (أي هذه الآية و آية الاجتناب عن قول الزور كما سيأتى إن شاء الله تعالى) هو الاستدلال بفحوى الآيتين.(3)

و لعلّ مراد السيّد (قدّس سرّه) من الفحوى أنّ الآية الدالّة على حرمة اشتراء الأحاديث اللهويّة بفرض حصول الإضلال تدل بالفحوى على حرمة اشتراء كتب الضلال بذلك الفرض.

**

(1) الميزان 221:16.

(2) زبدة البيان 525:2.

(3) التعليقة: 23.

و فيه: أنّ التمسّك بالآية الكريمة في المقام منظور فيه; لأنّ المذمّة فيها عن التعاطى بفرض الإضلال و هو لايشمل المقام، فإنّ غرض من يشتري الكتب الضالّة و يجعلها في مكتبته ليس إضلال الناس، بل يكون مقصوده هو أن تصير مكتبته جامعة لأنواع الكتب.

و لذا أورد على الاستدلال بالآية الكريمة في مصباح الفقاهة بأنّ المذموم في ظاهر الآية هو اشتراء لهو الحديث للإضلال، و من الواضح أنّ هذا المعنى أجنبيّ عن حفظ كتب الضلال.(1)

نعم، لو قلنا: بأنّ اللام في قوله ليضلّ عن سبيل الله للعاقبة و النتيجة كقوله تعالى (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً) ،(2) أمكن الاستدلال بها في المقام لترتّب الإضلال على حفظ كتب الضلال، ولكن حمل اللام للعاقبة خلاف الظاهر من الآية، فإنّ المستفاد منها خصوصاً بقرينة عطف قوله: «و يتخذها هزواً» الذي هو ظاهر في الاتّخاذ القصدي على قوله: «ليضلّ عن سبيل الله» هو كون اللام للغاية، لاللعاقبة، و المراد من الإضلال هو الإضلال القصدي لاالقهري، كما يؤيّده أيضاً ما ورد في شأن نزولها من أنّها نزلت في النضر بن الحارث و كان يشتري كتباً فيها أخبار الأعاجم و يحدث بها أهل مكّة و يقول: محمد حدثكم أحاديث عاد و ثمود و أنا اُحدّثكم أحاديث فارس و الروم و ملوك الحيرة (مدينة بقرب الكوفة)(3).

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ تطبيق الآية الكريمة على مثل شراء الغناء و المغنيّات في الروايات مع أنّ الإضلال في الشراء كثيراً ما يكون قهريّاً لاقصديّاً; لأنّه اشتري الغناء للتعيّش و التفرّج، لاللإضلال ممّا يشهد على أنّ اللام للعاقبة، ولكنّه محلّ‌

**

(1) مصباح الفقاهة 255:1.

(2) القصص: 8.

(3) تفسير غريب القرآن لابن تيبة: 344.

تأمّل; لإمكان أن يكون إدراج شراء الغناء إدراجاً حكميّاً لأهميّته فلاينافي مع ظهور اللام في الغاية فتأمّل.

هذا مضافاً إلى تقريب آخر كما في ابتغاء الفضيلة، و هو أن من يشتري لهو الحديث لايقطع بكونه مضلاً، بل يكون ذلك برجاء الإضلال و احتماله. و الظاهر عند العرف أنّ القصد تابع للمقصود فإنّه لولاحرمة الإشتراء الذي يحتمل أن يقع في سبيل الإضلال فلاوجه لحرمة قصده فالعمل الذي يمكن أن يقع في سبيل الإضلال حرام.(1)

و فيه: أنّ المقصود في الآية هو الإشتراء الذي يأتي به للاضلال لاالاشتراء الذي يقع بنفسه في سبيل الإضلال، فشمول الآية للمقام الذي لايريد الإضلال غير واضح.

ثمّ إنّه بعد تسليم تماميّة الآية في الدلالة على حرمة إشتراء كتب الضلال، ربّما يقال: إنّ المستفاد من الآية حرمة إشتراء كتب الضلال و لادلالة فيها على حرمة ابقائها و حفظها بعد الشراء، كما أنّ التصوير حرام و أمّا اقتناؤها فليس بحرام، و الزنا حرام و تربية أولاد الزنا ليس بحرام، كما في مصباح الفقاهة،(2) ولكنّه محلّ نظر و قبح; إذ ملاك حرمة اشتراء كتب الضلال هو حرمة الإضلال و هو موجود في الإلقاء و الحفظ. هذا بخلاف الأمثلة المذكورة، فإنّ ملاك حرمة التصوير هو التشبّه بالخالق في الخلقة و هو ليس باقياً في الاقتناء، كما أنّ وجه حرمة الزنا اجنبيّ عن تربية أولاد الزنا.

ومنها: قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثٰانِ وَ اِجْتَنِبُوا قَوْلَ اَلزُّورِ) .(3)

**

(1) ابتغاء الفضيلة: 58.

(2) مصباح الفقاهة: 255.

(3) الحج: 31.

قال الكشّاف: «و الزور من الزَور و الإزورار، و هو الانحراف، كما أنّ الإفك من أفكه إذا صرفه» و قيل: الزور قولهم هذا حلال و هذا حرام و ما أشبه ذلك من افترائهم، و قيل: شهادة الزور عن النبي صلى الله عليه و آله و سلّم إنّه صلّى الصبح فلمّا سلّم قام قائماً و استقبل الناس بوجهه، و قال: عدلت شهادة الزور الاشراك بالله و كرّر ثلاثاً وتلا هذه الآية. و قيل: الكذب و البهتان.(1)

و لايخفى أنّ الظاهر أنّ المراد من الزور هو المعنى العام و هو الإنحراف و الميل عن الحق و الموارد المذكورة من باب ذكر بعض المصاديق و لاتختصّ الموارد بما ذكر، بل ورد في بعض الأخبار أيضاً تفسير قول الزور بالغناء و قول الرجل للّذي يغنّي أحسنت، كما في صحيحة حمّاد و هو شاهد على تعميم المعنى.

قال في تفسير القرطبي: و الزور الباطل و الكذب و سمّى زوراً; لأنّه أميل عن الحق، و منه «تزاور عن كهفهم» و مدينة زوراء أي مائلة و كلّ ما عدا الحق فهو كذب و باطل و زور.(2)

و كيف كان فقد استدلّ صاحب الجواهر (قدّس سرّه) بالآية الكريمة حيث قال: بل قد يستفاد حرمته أيضاً ممّا دلّ على وجوب اجتناب قول الزور.(3) و الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) أيضاً استدلّ بها حيث قال: و يدلّ عليه الأمر بالاجتناب عن قول الزور.

أورد المحقّق الإيرواني (قدّس سرّه) على الاستدلال المذكور بأنّ الأمر بالاجتناب عن قول الزور، كالأمر بالاجتناب عن الغيبة و البهتان و غيرهما من سائر المحرّمات يراد به ترك إيجاده لاترك الموجود منه بالفرار منه أو إعدامه مع أنّ صدق القول على الكتابة غير واضح; ليكون كتابته و نسخه مندرجاً تحت قول

**

(1) ج 12:3.

(2) ج 55:12.

(3) الجواهر 56:22.

الزور مضافاً إلى أنّ أحداً لم يلتزم بوجوب إعلام الأكاذيب المحرّرة أو بحرمة إثبات اليد عليها.(1)

يمكن أن يقال: إنّ الإضافة في قول الزور بيانيّة، و المعنى و الله العالم اجتنب عن القول و هو الزور، و الزور ظاهر في المعنى الغير المصدري، و هو الباطل فالمراد من المقول هو القول، و الاجتناب عن الباطل له أنحاء. منها: ترك إيجاده، ومنها: ترك حفظه، ومنها: ترك نشره و هكذا. و مقتضى حذف المتعلّق في مثله هو إفادة العموم فلاوجه لتخصيصه بترك الايجاد لاترك الموجود. و عليه فلفظ القول بمعنى المقول لابمعنى التقوّل، و هو يصدق على الملفوظ و المكتوب.

هذا مضافاً إلى ما أفاده الميرزا الشيرازي (قدّس سرّه) حيث قال في توضيح الاستدلال بالآية: إن الإجتناب عن قول الزور و إن كان ظاهراً في نفسه في الاجتناب عن القول الباطل بمعنى التكلّم به، إلاّ أنّه بعد ما فسّرت الآية الشريفة في الأخبار بالاجتناب عن استماع الغناء، علم أنّ المراد بها الأعمّ من الاجتناب عن تكلّم نفسه به، و حينئذ لايستبعد أن يستفاد منها لزوم الاجتناب عن كتبه، كما قد يدّعى عن استفادة حجّيّة ما يكتبه العادل ممّا دلّ على اعتبار قوله و وجوب تصديقه في أقواله. و حاصله أنّ المستفاد من أمثال تلك العبارات الاجتناب عن مطلق ما يدل على الباطل قولاً كان أو كتابةً‌، و كذا حجيّة كلّ صادر من العادل ممّا يحكي عن الواقع قولاً كان أو فعلا.(2)

لايقال: إنّ المذكور في الروايات بعنوان تفسير قول الزور هو الغناء لااستماع الغناء فلايصحّ الاستشهاد بهذه الأخبار على إرادة الأعمّ من قول الزور; لأنّا نقول: أنّ الغناء ظاهر في المعنى الإسم المصدري، و الاجتناب عن الغناء بهذا

**

(1) التعليقة على المكاسب: 25.

(2) التعليقة على المكاسب: 72.

المعنى يقتضى الاجتناب عن التغنّي و الاستماع كليهما، و هذا يشهد على أنّ المراد من قول الزور هو المقول، و الاجتناب عنه أعمّ من ترك الإحداث و الحفظ و النشر.

و لعلّ إليه يؤوّل ما أفاده السيّد (قدّس سرّه) حيث قال: يمكن دعوى شمول الآية و عمومها، فإنّ مقتضى إطلاق الاجتناب عن القول الزور الاجتناب عنه بجميع الأنحاء الذي منها ما نحن فيه فتأمّل.(1)

هذا كلّه مع إمكان أن يقال: كما أشار إليه السيّد أيضاً، أنّ غرض الشيخ من الاستدلال بالآية الكريمة هو الاستدلال بالفحوى فلايرد على الاستدلال ما قيل: من منع الشمول بدعوى أنّ الظاهر بوجوب الاجتناب عن نفس القول الزور على وجوب الاجتناب عن الكذب و البهتان و نحوهما، فلايشمل حفظ الأقوال الكاذبة عن الإندراس فتدبّر.(2)

و لعلّ المراد من الفحوى أنّ الآية الكريمة التي تدلّ على حرمة القول المصدري مع أنّه لايدوم و لايكون قابلاً للإشاعة الكثيرة الوسيعة، تدلّ بالفحوى على حرمة تأليف كتب الضلال أو حفظها في محالّ يترتّب عليه الضلالة و الانحراف في سطح وسيع فتأمّل.

ومنها: قوله تعالى: (وَ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرٰاراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصٰاداً لِمَنْ حٰارَبَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنٰا إِلاَّ اَلْحُسْنىٰ وَ اَللّٰهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكٰاذِبُونَ لاٰ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى اَلتَّقْوىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجٰالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اَللّٰهُ يُحِبُّ اَلْمُطَّهِّرِينَ أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيٰانَهُ عَلىٰ تَقْوىٰ مِنَ اَللّٰهِ وَ رِضْوٰانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيٰانَهُ عَلىٰ شَفٰا جُرُفٍ هٰارٍ فَانْهٰارَ بِهِ فِي نٰارِ جَهَنَّمَ وَ اَللّٰهُ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظّٰالِمِينَ لاٰ يَزٰالُ بُنْيٰانُهُمُ اَلَّذِي

**

(1) التعليقة على المكاسب: 23.

(2) التعليقة: 23.

بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاّٰ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‌) .(1)

و في جوامع الجامع روى أنّ بنى عمروبن عوف لمّا بنوا مسجد قباء و صلّى فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حسدتهم إخوتهم بنو غَنْم بن عوف و قالوا: نبني مسجداً نصلّي فيه و لانَحْضُر جماعة محمّد، فبنوا مسجداً إلى جنب مسجد قباء و قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) و هو يتجهّز إلى تبوك إنّا نحبّ أن تأتينا فتصلّي لنا فيه، فقال: (صلى الله عليه وآله) إنّي على جناح سفر، و لمّا انصرف من تبوك نزلت فأرسل من هدم المسجد و إحرقه و أمر أن يتّخذ مكانه كناسة تُلقى فيها الجيف و القمامة.(2)

يمكن أن يقرّب الاستدلال بالآية الكريمة بأنّها تدلّ على هدم المسجد فيما إذا كان المسجد موجباً للضرار و الإضلال و التفريق بين المؤمنين و الحماية عن المحاربين لله و للرسول. و الأمر بالهدم مع النهي عن إقامة الصلاة فيه يدلّ على عدم جواز حفظ محلّ يوجب الضلال فإذا كان المسجد مع إمكان العبادة فيه ممنوع الحفظ من جهة وقوع الضلال فيه، فحفظ الكتب الضلال يكون كذلك بطريق أولى; لأنّ الكتب الضلال لايترتّب عليها إلاّ الضلال، و لاداعى لتأليفها إلاّ إيّاه.

و فيه: أوّلاً: أنّ الآية الكريمة لاتدلّ على الهدم أو عدم جواز الحفظ. نعم، روى ذلك ولكن الرواية مرسلة.

و ثانياً: أنّه لو ثبت أمر النبىّ (صلى الله عليه وآله) بهدمه فهو حكم سلطانيّ لاإطلاق له حتّى يؤخذ به.(3)

**

(1) التوبة: 107-110.

(2) جوامع الجامع 84:1.

(3) ضراراً مفعول لإجله كما أنّ كفراً و تفريقاً الذين عطفا عليه كذلك و من قبل إمّا متعلّق بقوله اتّخذوا و إمّا بقوله لمن حارب الله قوله لاتقم فيه أبداً خبر لقوله و الذين اتّخذوا أو أنّ قوله و الذين اتّخذوا عطف على قوله و آخرون مرجون أو أنّ قوله و الذين اتّخذوا مبتدأ خبره محذوف أي و فيمن و صفنا «الذين اتّخذوا» أو أنّ قوله و الذين اتّخذوا منصوب على الاختصاص و الشفا الشفير وجرف الوادي جانبه الذي يتحفّر

و دعوى استظهار لزوم الهدم من قوله تعالى: (لاٰ يَزٰالُ بُنْيٰانُهُمُ اَلَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاّٰ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ‌) الآية، من جهة دلالته على أنّ البنيان موجب للريبة دائماً وهو لايكون إلاّ إذا كانوا في مقام الإفساد والإضلال، مندفعة: بأنّ الآية في مقام أنّ ما بنوه صار قلقاً في قلوبهم وموجباً لاضطراب أنفسهم حتّى يدركهم الموت أو تابوا، فلايكون الآية في مقام جواز الهدم فضلاً عن وجوبه.

وأمّا الاستدلال بمثل قوله تعالى: (قٰالَ لَهُمْ مُوسىٰ وَيْلَكُمْ لاٰ تَفْتَرُوا عَلَى اَللّٰهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذٰابٍ وَ قَدْ خٰابَ مَنِ اِفْتَرىٰ‌) .(1)

وقوله عزّوجلّ‌: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ اَلْكِتٰابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هٰذٰا مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا يَكْسِبُونَ‌) .(2)

ففيه: أنّ غاية ما يدلّ عليه الآيات المذكورة ونحوها هو حرمة الإفتراء على الله تعالى ولاربط له مع المقام الذي هو مجرّد حفظ الكتاب. نعم، يشمل تأليف الكتب الضالّ التي تحتوي الإفتراء على الله تعالى وأين هو من حفظ الكتب الضلال.

واستدل في ابتغاء الفضيلة بقوله تعالى: (وَ إِذٰا رَأَيْتَ اَلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيٰاتِنٰا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّٰى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ‌) ،(3) بناء على أنّ المقصود التوجّه إلى الباطل والضلالة.

وفيه: أنّ غايته حرمة الإستفادة لاحرمة حفظ الكتاب.

**

( اصله بالماء وتجرفه السيول و انهار الهائر الذي اشفى على السقوط و التهدّم فانهار به في نار جهنّم أي هو به الباطل في نار جهنّم ريبة أي شكا في الدين و نفاق.

(1) طه: 61.

(2) البقرة: 79.

(3) الأنعام: 68.

واستدلّ أيضاً بقوله عزّوجلّ‌: (وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلْكِتٰابِ أَنْ إِذٰا سَمِعْتُمْ آيٰاتِ اَللّٰهِ يُكْفَرُ بِهٰا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهٰا فَلاٰ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّٰى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ‌) الآية.(1) فإنّها تشمل ما لو قرء كتاب الضلال الذي فيه الكفر بها. ولافرق عند العرف بينه ومطالعته، فإذا حرم الإنتفاع به حرم التكسّب به، ولكن أورد عليه في آخر كلامه بأنّها لاتدلّ على حرمة الحفظ ووجوب الإتلاف.(2)

وأمّا الاستدلال بقوله تعالى: (وَ اُنْظُرْ إِلىٰ إِلٰهِكَ اَلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عٰاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي اَلْيَمِّ نَسْفاً) ،(3) بدعوى أنّ المستفاد منه هو لزوم إتلاف ما يوجب الضلالة.

ففيه: أوّلاً: أنّ عجل السامري كان من هياكل العبادة ولزوم إتلافه لايلازم لزوم إتلاف كلّ ما يوجب الضلالة.

وثانياً: أنّه لايدلّ إلاّ على فعل موسى على نبيّنا وآله وعليه السلام وهو لايدلّ على اللزوم. اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ التأكيد المكرّر في قوله: لنحرّقنّه و لننسفنّه يشهد على اللزوم فتأمّل.

وأمّا الروايات، فمنها: ما استدلّ به في المستند، وهو موثقة أبي عبيدة الحذّاء المرويّة في الكافي عن أحمد عن محمّد بن عبد الحميد عن العلاء بن رزين عن أبي عبيدة الحذّاء عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «من علّم باب هدى فله مثل أجر من عمل به ولاينقص اولئك من اُجورهم شيئاً ومن علّم باب ضلال كان عليه مثل أوزار من عمل به ولاينقص اولئك من أوزارهم شيئاً».(4)

و يقرّب منها موثّقة محمّد بن مسلم المرويّة في المحاسن عن أحمد بن

**

(1) النساء: 140.

(2) ابتغاء الفضيلة: 59.

(3) طه: 97.

(4) الوسائل 436:11 الباب - 16 من ابواب الأمر والنهي وما يناسبها ح، 2.

محمّد بن أبي نصر عن أبان بن محمد البجلّي عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «من عمل باب هدى كان له أجر من عمل به و لاينقص اولئك من اُجورهم و من عمل باب ضلال كان عليه مثل و زر من عمل به و لاينقص اولئك من أوزارهم».(1)

و يؤيّدهما أيضاً خبر عبد الرحمن بن أبي عبدالله قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام) «لايتكلّم الرجل بكلمة حقّ يؤخذ بها إلاّ كان له مثل أجر من أخذ بها، و لايتكلّم بكلمة ضلال يؤخذ بها إلاّ كان عليه مثل و زر من أخذ بها».(2)

و تقريب الإستدلال بأن يقال: إنّ حفظ كتب الضلال و إن لم يكن تعليماً أو تكلّماً أو عملاً بالضلال ولكنّه مشترك مع هذه الاُمور في ترتّب الضلالة، فإنّها كما يحتمل أن تترتّب على العمل بالضلالة أو التكلّم بكلمة الضلال، فكذلك يحتمل ترتّبها على حفظ كتب الضلال، فإذا منع من العمل أو التكلّم بها من جهة احتمال ترتّب الضلالة فحفظ كتب الضلال أيضاً ممنوع بهذه الجهة.

و بالجملة لاموضوعيّة للتعليم أو العمل أو التكلّم، بل المعيار هو الإضلال و هو مترتّب على حفظ الكتاب أيضاً فإثبات الوزر على التعليم و العمل يكفي في إثباته في صورة الحفظ مع احتمال ترتّب الضلال.

وفيه: أنّ مورد الروايات هو ما إذا كان المقصود هو الإضلال و ليس ذلك في حفظ الكتب.

ومنها: عدّة فقرات من رواية تحف العقول كقوله (عليه السلام) «و ذلك إنّما حرّم الله الصناعة التي هى حرام كلّها التي يجيء منها الفساد محضاً نظير البرابط و المزامير والشطرنج و كلّ مَلْهُوّ به و الصُلْبان و الأصنام و ما أشبه ذلك من صناعات الأشربة الحرام».(3)

**

(1) الوسائل 438:11 الباب المذكور في السابق ح 9.

(2) الوسائل 437:11 الباب المذكور ح 4.

(3) المحرمة ط.

و كقوله (عليه السلام): «أو يقوي به الكفر و الشرك في جميع وجوه المعاصي أو باب يوهن به الحق فهو حرام محرّم بيعه و شراؤه و إمساكه و ملكه و هبته و عاريته و جميع التقلّب فيه إلاّ في حال تدعوا الضرورة فيه إلى ذلك.

و كقوله (عليه السلام): «و ما يكون منه و فيه الفساد محضاً و لايكون منه و لافيه شيء من وجوه الصلاح، فحرام تعليمه و تعلّمه و العمل به و أخذ الاُجرة عليه و جميع التقلّب فيه من جميع وجوه الحركات كلّها».(1)

كما استدل بها صاحب الجواهر و الشيخ الأعظم (قدّس سرّهما)، و تمسّك بها النراقي (قدّس سرّه) و قال: ينجبر ضعفها بالعمل.(2)

أورد عليه المحقّق الإيرواني (قدّس سرّه) بأنّ مورد هذه الرواية هي الصنعة و لئن استفيد منها المناط العامّ يتعدّى منها إلى غير الصنعة ممّا يشاركها في علّة المنع، و هي منشأيّة الفساد، لا إلى حفظ المصنوع أو الموجود ممّا هو منشأ للفساد.

نعم، إن استفيد منها مبغوضيّة الفساد بوجوده حتّى كان إعدامه و قلع مادّته مطلوباً فضلاً عن المحافظة عليه من التلف صحّ الاستدلال بها في المقام.(3)

و لعلّ المراد من قوله: مما هو منشأ للفساد هو ما يوجد للفساد حتّى يفترق عن الذي يكون علّة للفساد التي ذكرها قبله.

و يقرّب منه ما في بلغة الطالب من أنّه: لم نفهم وجه الاستدلال حتّى لو سلّمنا أنّ الحصر حقيقيّ‌; إذ غايته أنّ ما حرم صناعته حرم جميع منافعه و الإحساس لذلك بحفظه، إلاّ أن يكون صناعته عبارة عن تأليفه و الانتفاع عبارة عن إبقائه.(4)

**

(1) الوسائل 5:12 كتاب التجارة الباب 2 من ابواب ما يكتسب به - بحار 44/100.

(2) المستند 346:1.

(3) التعليقة: 25.

(4) ج 100:1.

و أنت خبير بأنّ المستفاد من الرواية هو أنّ ما يقوّي به الكفر و الشرك أو يوهن به الحق فهو حرام حتّى إمساكه. و من المعلوم أنّه يشمل حفظ كتب الضلال فإنّ في حفظها و إمساكها يقوّي به الكفر و يؤمن به الحق فهو ممنوع.

هذا مضافاً إلى أنّ قوله (عليه السلام): «ما يكون منه و فيه الفساد محضاً جميع التقلب فيه من جميع وجوه الحركات كلّها محرّم». و هو أيضاً يشمل اشتراء الكتب و نقلها إلى المكتبات و حفظها فيها; لأنّه من وجوه التقلّب و الحركات و التصرّفات، بل يشمل المقام قوله (عليه السلام): إنّما حرّم الله الصناعة التي يجيء منها الفساد محضاً باعتبار أنّ تأليف كتب الضلال صنعة تأليف، فإذا استفيد منها حرمة جميع منافعها تدلّ الرواية على حرمة إبقاؤها أيضاً فإنّ الإبقاء من منافع صنعة التأليف عرفاً.

و ممّا ذكر يظهر ما في مصباح الفقاهة حيث قال: إنّ المستفاد من هذه الفقرة هو حرمة الصناعة و الصناعة صادقة على تأليف كتب الضلال و استنساخها. و أمّا الحفظ و الإبقاء فلايصدق عليه الصنعة، كما أنّ صدق التقلّب على الحفظ ممنوع، و ليس الحفظ تقوية للكفر و إهانة للحق.

هذا مضافاً إلى ضعف السند و عدم إنجبارها; لعدم العلم باستناد العمل بها;(1) لما عرفت من أنّ البقاء و الإبقاء من منافع الصنعة و لاحاجة إلى صدق الصنعة على نفس البقاء.

و أيضاً لاخفاء في أنّ حفظ كتب الضالّة ممّا يوجب تقوية الكفر و إهانة الحقّ و إنكار ذلك مكابرة، كما أنّ حفظ الكتاب في المكتبة لايمكن بدون التقلّب و التصرف، فالأولى في الإشكال هو الاقتصار في السند بكونه ضعيفاً; لأنّ استناد الأصحاب إليه غير معلوم، و إن اخترنا جبران الضعف في صورة استناد الأصحاب خلافاً لبعض الأعلام حيث ذهب إلى منع جبران الضعف بعمل الأصحاب; معلّلاً بأنّه لايفيد الوثوق بالراوي. و ذلك لأنّ اللازم هو الوثوق بالصدور لاالوثوق

**

(1) مصباح الفقاهة: 256.

بالراوي، و اعتبار كون الراوي ثقة لاخصوصيّة فيه، بل هو طريق إلى الوثوق بالصدور.

و كيف ما كان فتطابق مضمون فتوى المشهور للمرسلة لايوجب الوثوق بالاستناد حتّى يحصل الوثوق بالصدور لوجود القواعد و الأدلّة الاُخرى، و من المحتمل أن يكون استنادهم إلى الأدلّة و القواعد لارواية التحف.

ومنها: حسنة عبد الملك بن أعين المروية في الفقيه بإسناده عنه قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إنّي قد ابتليت بهذا العلم فاُريد الحاجة فإذا نظرت إلى الطالع و رأيت الطالع الشرّ جلست و لم أذهب فيها و إذا رايت طالع الخير ذهبت في الحاجة، فقال لي: تقضي‌؟ قلت: نعم، قال: أحرق كتبك.(1)

و قد استدلّ به في ابتغاء الفضيلة حيث قال: «ومنها: مصحّح عبدالملك الوارد في التنجيم و فيه أحرق كتبك».(2)

هذا يبتني على أن يكون الأمر بالإحراق أمراً مولويّاً، فإنّه حينئذ يكون ظاهراً في الإيجاب النفسي فيدلّ على عدم جواز إبقاء الكتب النجوم، فيتعدّى من كتب النجوم إلى كتب الضلال; لأنّها لولم تكن أكثر فساداً من كتب النجوم فلاأقلّ من مساواتها لها.

وفيه: أوّلاً: منع كون الأمر مولوياً لاحتمال أن يكون الأمر للإرشاد للخلاص من الابتلاء بالحكم بالنجوم، كما يشعر به قوله: في ابتداء السؤال إنّي قد ابتليت بهذا العلم.

وثانياً: إنّ مقتضى التفصيل في الرواية هو جواز حفظ كتب النجوم و الاستفادة منها مع عدم الحكم، كما قال في مصباح الفقاهة: «إنّ مقتضى التفصيل في

**

(1) الوسائل 268:8 الباب 14 من ابواب آداب السفر إلى الحج ح 1.

(2) ابتغاء الفضيلة: 59.

الرواية القاطع للشركة هو جواز الحفظ مع عدم الحكم»،(1) و عليه فالرواية تنافي سائر الأدلّة التي تدلّ على عدم جواز الحفظ و الاستفادة من الكتب الضالّة.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ ضلال كتب النجوم في اعتقاد التأثير الاستقلالي و الحكم الجزمي، فإذا كان حفظها بدون ذلك، لامانع من حفظها; لأنّها ممّا لايترتّب عليها الفساد فلامنافاة، بين هذه الرواية و سائر الأدلّة الدالّة على حرمة حفظ الكتب الضالّة فيما إذا ترتّب عليها الفساد قطعاً أو احتمالاً دون ما إذا لم يترتّب الفساد، بل تكونان متوافقتين.

الجهة الرابعة: في اعتبار ترتب الفساد عليه و عدمه

في أنّ المحرّم هل هو مجرّد كون كتاب، كتاب الضلال و الباطل من دون اعتبار ترتّب مفسدة الضلالة عليه قطعاً أو احتمالا قريباً أو المحرّم هو كتاب الضلال من حيث احتمال ترتب مفسدة الضلالة عليه بحيث لولم يترتّب عليها المفسدة لم يكن محرّماً.

ربّما يدّعى قيام الإجماع على حرمة عنوان كتب الضلال من دون اعتبار ترتّب الفساد. و استدلّ له بقوله تعالى: (وَ اِجْتَنِبُوا قَوْلَ اَلزُّورِ) ، بناء على أنّ معناه هو الأمر بالاجتناب عن الباطل. و عليه فالمحرّم هو كتاب الضلال و الباطل من دون إعتبار ترتّب مفسدة الضلالة.

وفيه: أنّ الاستدلال بالإجماع في المسألة مع وجود الأدلّة المختلفة في الباب كما ترى.

هذا مضافاً إلى أنّ مقتضى الجمع بين الأدلّة هو تقيّد المطلقات بصورة ترتّب الفساد، كما قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه): أنّ مقتضى الاستفصال في حسنة

**

(1) مصباح الفقاهة: 257.

عبدالملك أنّه إذا لم يترتّب على إبقاء كتب الضلال مفسدة لم يحرم، و هذا أيضاً مقتضى ماتقدّم من أناطة التحريم بما يجيء منه الفساد محضاً - إلى أن قال -: «و قد تحصّل من ذلك أنّ حفظ كتب الضلال لايحرم إلاّ من حيث ترتّب مفسدة الضلالة قطعاً أو احتمالاً قريباً».(1)

و الحاصل أنّ مقتضى الجمع بين الأدلّة هو تقييد العنوان بما إذا ترتّب عليه المفسدة ولو احتمالا و إلاّ فما لايجيء منه الفساد فلايشمله الدليل الذي يدلّ على حرمة ما يجيء منه الفساد، كما لايشمله وجوب دفع الضرر المحتمل إذ لاضرر على الفرض.

هذا مضافاً إلى الاستفصال في حسنة عبد الملك بناء على كون الأمر فيه بالإحراق مولويّاً. و مضافاً إلى أنّه القدر المتيقّن من الأدلّة الاُخرى.

الجهة الخامسة: في جواز الحفظ عند وجود مصلحة و عدمه

إنّ مقتضى ما تقدّم هو حرمة حفظ الكتاب فيما إذا ترتّب المفسدة عليه قطعاً أو احتمالاً، فيقع الكلام حينئذ فيما أنّه هل يجوز الحفظ فيما إذا كان معه المصلحة أم لايجوز؟

يمكن أن يقال وجود المصلحة لايوجب الجواز مع ترتّب المفسدة قطعاً أو احتمالاً; لأنّ مقتضى الأدلّة العقليّة، كوجوب دفع الضرر أو كوجوب قلع مادّة الفساد و الإضلال أو كوجوب التحفظ على مقاصد المولى، هو عدم جواز الحفظ و لو مع وجود المصلحة و الأغراض الصحيحة. نعم، لو أمن من الخلل الاعتقاديّة لنفسه و أهله و غيره، فلامانع من أن يحفظ الكتاب لكلّ فائدة و غرض صحيح، كما يظهر من جامع القاصد حيث قال بعد ذكر استثناء القواعد صورة نقض مسائل

**

(1) المكاسب المحرمة: 29-30.

الضلال أو الحجّة على مسائل الحقّ من كتب الضلال و ظاهره حصر جواز الحفظ و النسخ في الأمرين.

و الحقّ أنّ فوائده كثيرة فلو اُريد نقل المسائل أو الفروع الزائدة أو معرفة بعض اُصول المسائل أو الدلائل و نحو ذلك، جاز الحفظ و النسخ أيضاً لمن له أهليّة النقض لامطلقاً لأنّ ضعفاء البصيرة لايؤمن عليهم خلل الاعتقاد.(1) ولكنّه خروج عن الفرض; لأنّ البحث فيما إذا ترتّب المفسدة على الحفظ مع وجود المصلحة.

و قد عرفت أنّ مجرّد وجود المصلحة لايوجب جواز الحفظ و لذلك قال الميرزا الشيرازي (قدّس سرّه): «و في صورة ترتّب المفسدة على بقائه لايكفي مجرّد ترتّب مصلحة على بقائه أيضاً في رفع الحرمة; لأنّ المحرّم لايصير محلّلاً بمجرّد وجود مصلحة في فعله، كالمصلحة في الكذب و الغناء و نحوهما من المحرّمات، بل لابدّ في ذلك من كون المصلحة مصلحة ملزمة يترتّب على تركها وفواتها المفسدة، و حينئذ يصير من باب التزاحم الواجب و الحرام فنختار الأهمّ و إلاّ فالتخيير.(2)

و لعلّ إليه يؤوّل ما أفاده الشيخ (قدّس سرّه) حيث قال: و قد تحصّل من ذلك أنّ حفظ كتب الضلال لايحرم إلاّ من حيث ترتّب مفسدة الضلالة قطعاً أو احتمالا، فإن لم يكن كذلك أو كانت المفسدة المحقّقة معارضة بمصلحة أقوى أو عارضت المفسدة المتوقّعة مصلحة أقوى أو أقرب وقوعاً منها، فلادليل على الحرمة إلاّ أن يثبت إجماع أو يلتزم بإطلاق عنوان معقد نفي الخلاف الذي لايقصر عن نقل الإجماع.(3) بحمل الأقوى في كلامه على المصلحة الملزمة.

**

(1) جامع المقاصد 205:1 ط قديم.

(2) التعقيلة: 72.

(3) المكاسب المحرّمة: 30.

و كيف ما كان يبقى السؤال عن أنّ المصلحة التي تكون مقدمة على مفسدة الضلال أيّة شيء هي.

و لعلّ من أمثلتها هو ما إذا كان احتمال مفسدة الضلال ضعيفاً في مقابل لزوم وجود الكتب الضلال عند جماعة من المتّفقين في الجامعات حتّى يفيد نفورهم عن هذه المقالة الضالّة و النفور العلمي عن هذه المكاتب أمر لازم لاسيّما في الجوامع الثقافيّة.

و من أمثلتها أيضاً لزوم نقل الشبهات القادحة و الجواب عنها في الكتب و الحوزات العلميّة يحتمل أن يكون تلك الشبهات موجبة لضلالة بعض النفوس المتّبعة للمتشابهات و أيضاً ربّما يتوقّف النقض و قلع مادّة الفساد على ايجاد المجال للمضلّ حتّى يتكلّم أو يكتب ما أراد حتّى يجيب عند المحقّقون فإيجاد المجال ربّما لايخلو عن المفسدة ولكن مصلحة الجواب و النقض ملزمة تتقدّم عليه.

الجهة السادسة: في بطلان المعاملة و عدمه

إنّه لاإشكال في بطلان معاملة الكتب الضالّة فيما إذا لم تترتّب عليها المصلحة و لاالمفسدة أو لم يترتّب عليها إلاّ خصوص المفسدة لعدم المنفعة المحلّلة المقصودة العقلائيّة في كلاالصورتين.

و يلحق بما ذكر ما إذا ترتّبت عليها المصلحة النادرة أو موهومة سواء ترتَّبت عليها المفسدة أو لالعدم المنفعة المحلّلة المقصودة فيها.

و أمّا إذا ترتّبت عليها المفسدة مع المصلحة الشايعة، فإن كانت المصلحة ملزمة صحّت المعاملة و جاز بيعها و شراؤها، و أمّا إذا لم تكن المصلحة ملزمة فلايجوز بيعها و شراؤها لإطلاق الأدلّة المانعة إذ العقل يحكم بوجوب دفع الضرر المحتمل و بوجوب التحفّظ على مقاصد الشارع و بوجوب قلع مادّة الفساد و الإضلال، ولكن لو عصى و باع أمكن القول بصحّة بيعها و شرائها لوجود المنفعة

المحلّلة فيها كالاطّلاع على الأدبيّات أو بعض الفنون و نحوها.

ثمّ إنّه لو كان بعض الكتاب موجباً لمحض الضلال فالواجب هو إتلاف البعض الضالّ دون غيره. نعم، لو توقّف محو البعض الضالّ على محو جميع الكتاب لجاز ذلك إلاّ أن يزاحم مصلحة وجوده مع مفسدة وجود الضلال، كما ذهب إليه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه).

ثمّ إنّ مع تمحض البعض في الضلال لايصحّ بيع المجموع لاشتماله على الضالّ و هل يكون مصلحة البعض الآخر مزاحمة لمفسدة وجود الضلال في البعض الآخر أو لا؟ يمكن أن يقال بالثاني; لأنّ المصلحة إن كانت ملزمة وجب شراء البعض الذي فيه المصلحة فلامجوّز لبيع البعض الآخر الذي يكون ممحّضاً في الضلالة إلاّ إذا لايمكن بيع البعض الذي له مصلحة ملزمة إلاّ ببيع المجموع فيجوز بيع الواحد بتمامه.

الجهة السابعة: هل يجب اتلاف كتب الضالة أوْ لايجب

إنّ الكتب الضالّة هل يجب إتلافها أو لايجب‌؟ و لايخفى عليك أنّ معنى في حرمة الحفظ هو وجوب إتلافها لايقال: عدم الحفظ أعمّ من الإتلاف لأنّا نقول: نعم، ولكن مقتضى الأدلّة العقليّة الماضية هو قلع مادّة الإفساد و الإضلال و دفع الضرر المحتمل و ممّا لايتحقّقان بدون الإتلاف و تفويت جميع ما يكون موجباً للضلال.

نعم، لو أمكن وضعها في مكتبة لاتترتّب عليها الضلالة فلايجب إتلافها، بل يجوز له الأمران، بل ربّما يقال: كما في الجواهر بخروج غالب كتب المخالفين و الملل الفاسدة عن الضلال في هذه الأوقات باعتبار ما وقع من جملة من أصحابنا من نقضها و إفسادها، فهي حينئذ كالتالفة فلايجب حينئذ إتلافها بمعنى اعدامها عن الوجود، بل لابأس ببيعها و شرائها و الاستيجار على كتابتها و نحو ذلك، ضرورة صيرورتها بذلك كالكلام المنقوض في كتب أهل الحقّ مثل الشافي و كشف الحق و

نحوهما; إذ من المعلوم اعمّيّة النقض للأمرين معاً فتأمّل جيّداً.(1)

و لايخفى ما فيه; لأنّ ما ذكره الجواهر صحيح فيما إذا لم يترتّب عليه الضلال ولو احتمالاً و إلاّ فمعه لايكفي في رفع وجوب الإتلاف مجرّد كونها كالمنقوص في الكتب كما لايخفى.

ثمّ يقع الكلام في أنّه هل يكون في إتلاف كتب الضلال ضمان أم لا؟

و الظاهر هو الثاني; لعدم كونها مالاً ولو تعبّداً، كما صرّح به في المستند حيث قال: فرع: مقتضى ما ذكر وجوب إتلاف ما فيه ضلال من الكتب و عدم لزوم غرامة على من أتلفه من غيره إلاّ إذا احتمل الغرض المستثنى في حقّه مع ادّعائه.(2)

ثمّ إنّ إتلاف الكتب الضالّة و نحوها إن أمكن بدون إتلاف مادّتها كمحو الخطوط و إزالتها فلايجوز إتلاف المادّة فلو أتلفها مع إمكان إعدام المكتوبات بدون إتلاف المادّة فمقتضى القاعدة هو الضمان بالنسبة إلى المادّة كما لايخفى.

و عليه فمثل الكتب لايجوز إحراقها أو إلقائها في البحر مع إمكان تخميرها أو تمزيقها; إذ مع إمكان التخمير و التمزيق و حفظ المادّة كان الإحراق أو الإلقاء في البحر إتلافاً للمال و موجباً للضمان.

قال الشيخ في المسبوط في الغنيمة: إذا وجد في المغنم كتب نظر فيها - إلى أن قال -: و إن كانت كتباً لايحلّ إمساكها كالكفر و الزندقة و ما أشبه ذلك، كلّ ذلك لايجوز بيعه، و ينظر فيه فإن كان ممّا ينتفع بأوعيته إذا غسل كالجلود و نحوها فإنّها غنيمة، و إن كان ممّا لاينتفع بأوعيته كالكاغذ، فإنّه يمزق و لايحرق لأنّه ما من كاغذ إلاّ و له قيمة.(3)

**

(1) الجواهر 59:22-60.

(2) المستند 346:1 ط قديم.

(3) المبسوط 30:2.

و عليه فمثل الأشرطة أو المسجلات لايجوز إتلافها، بل اللازم هو إمحاء محتواها و هكذا لايجوز إعدام موادّ غير الكتب كأبنية الضلال.

و عليه فالموادّ أو الكاغذ بعد تمزيقها أو تخميرها يرجع إلى صاحبها و لايجوز إتلافها و مع الإتلاف محكوم بالضمان لصاحبها.

ثمّ لو أتلف شخص كتاب الضلال الذي يكون عند من يؤمن عليه من الفساد و الضلال، فإن كان له منافع محلّلة فهو ضامن بنسبة المالية الحاصلة لها بلحاظ خصوص المنافع المحلّلة و بالنسبة إلى موادّها. و أمّا مطالبها الضالّة فلاضمان بالنسبة إليها; لأنّها باطلة و الباطل لامالية له.

نعم، لو كان خطوط المطالب الباطلة من جهة نوع الخط أو قدمة الخط و نحوهما، لها مالية أمكن القول بالضمان بالنسبة إليها فافهم.

و هل يجوز إتلاف كتب الضلال الذي يشتمل على القرآن بمثل الإحراق و التمزيق أو لايجوز يمكن القول بالثاني إذا صدق هتك القرآن، و عليه فاللازم هو الاقتصار في مثله بالتخمير و الإمحاء بنحو لايوجب الهتك.

الجهة الثامنة: في وجوب النهى عن ابقاء كتاب الضلال او نشره

إنّه لاإشكال في وجوب النهي عن إبقاء كتاب الضلال أو عن نشر كتاب الضلال فإنّه من المنكرات فمع الإصرار و عدم الإنتهاء فعلى الحكومة أن تأمره بالإتلاف، فإن أتلف فهو و إلاّ فاللازم عليها أن يتلفها مع حفظ مادتها ولو لم يمكن إتلافها إلاّ بالمصادرة إتلاف المادة لجاز ذلك للحكومة، ولكن لادليل على عدم ضمان المادة; إذ لاملازمة بين جواز الإتلاف و عدم ضمان المادة; لأنّ تجويز إتلاف المادة من باب المزاحمة.

نعم، لو ورد نص خاص على لزوم إتلاف المادة لايبعد استفادة عدم الضمان ولكنه غير موجود.

الجهة التاسعة: هل يجوز الاشتراك فى الاتصالات المخابرية الحديثة

إنّه هل يجوز الاشتراك في الاتّصالات المخابريّة الحديثة ك‍ - «إنترت» التي تكون معرضة لإرائة مطالب أو تصاوير ضالّة مضلّة أو لايجوز؟ يمكن القول بالجواز لمن أمكن أن يجتنب عن البرنامج المضلّة; لعدم اختصاصها بالمطالب الضالّة و المضلّة. اللّهمّ إلاّ أن يمنع الحكومة الإسلاميّة، فاللازم حينئذ هو الاجتناب عن ذلك، و أمّا إذا لم يتمكّن من الاجتناب أو صار وسيلة لإضلال الآخرين فلايجوز; لأنّه ممّا يضلّ‌.

و مقتضى ما عرفت من الأدلّة العقليّة الدالّة على قلع مادّة الإفساد و الإضلال أو دفع الضرر المحتمل أو وجوب التحفّظ على مقاصد المولى هو حرمة الاشتراك و تهيئة الأدوات المربوطة بذلك.

الجهة العاشرة: يجب على الحكومة أن تقابل مع البر نامج المضرّة

إنّ على الحكومة أن تقابل مع البرنامج المضرّة التي تنشر بالأدوات الحديثة من ناحية الدول الاستكباريّة بقدر الاستطاعة، و يجب عليها أن ينهى الناس عن الإقبال إليها و ترغّب أهل الفنّ و الصناعة نحو الممانعة عن نشر البرنامج المضرّة.

الجهة الحادية عشر: طرح الافكار المضرّة في مجالس العام او في الراديو و التلفزيون... غير جائز

إنّ الترخيص لطرح الأفكار المضرّة في مجالس العامّ أو في الراديو و التلفزيون أو في الجرائد غير جائز. نعم، لو كان المجلس مجلس الخواصّ فلامانع منه، كما أنّه يجوز ذلك في الراديو أو التلفزيون و نحوهما مع حضور من يتمكّن من الإيراد و النقض.

و دعوى أنّ مقتضى الحرّيّة هو ترخيص كلّ فرد لإظهار أفكاره و على العلماء أن يجيبوا عن ذلك، سخيفة جدّاً; لأنّ صيانة الاجتماع عن الضلال من أهمّ‌

الواجبات، و من المعلوم أنّ ترخيص المضلّين في إضلالهم مع عدم إمكان مقابلتهم في سطح وسيع يخلّ بصيانة الإجتماع الإسلامي.

الجهة الثانية عشر: في تبدل عنوان الضلال

إنّ الحكم أعني حرمة الحفظ في الكتب الضالّة أو ما يضلّ دائر مدار ترتّب المفسدة، فلو صار ما يضلّ غير ما يضلّ بحيث لايترتّب عليها المفسدة كما إذا جيء بكتب لاشتغال الناس بها و تبعيدهم عن الرجوع إلى أهل البيت عليهم السلام ثمّ يغيّر بمرور الزمان و صار تلك الكتب من مقدّمات تبيين مكتب أهل البيت عليهم السلام، ارتفع حرمة حفظها، كما أنّه لو صارت بعض الكتب مضلّة بعد ما لم يكن كذلك صار حفظها محرّماً بعد ما كان جايزاً، فالعبرة يترتّب المفسدة و الإضلال.

المسألة الثامنة عشر حق التأليف

اشارة

و لايخفى عليك أنّ البحث في ذلك يقع في مقامات:

المقام الأوّل: ان العمل العلمى و الابتكار الفكرى... ملك العامل

إنّ العمل العلمي والابتكار الفكري أو الأدبي أو الاختراعي أثر وملك العامل والمبتكر والأديب والمؤلف والمخترع ونحوهم، ولذلك كان إسناده إلى غير من صدر ذلك عنه ظلم، كما إنّ ادّعاء ذلك من الغير لنفسه خيانة.

بل لايجوز لصاحب هذه الأعمال أن ينسبها إلى غيره، لأنّه كذب في الحقيقة. والإجازات المعمولة بين أصحاب الكتب والرواة تصلح للشهادة على كون العمل العلمي ممّا يختصّ بالعامل وإلاّ فلاوجه لتلك الإجازات; بل يشهد لذلك قبل الإجازات سوق العكاظ الذي يقوم عند هلال ذي القعدة وتستمرّ عشرين يوماً وقيل شهراً يجتمع فيها قبائل العرب فيتناشدون ويتفاخرون ويتبايعون.(1)

اذ هذه الاُمور لاتصحّ بدون اختصاص الآثار بعاملها وهذا واضح إلى حدّ سُمّي منتحل عمل الآخرين سارقاً.

قال في البيوع الشايعة لقد سمّى العلماء منتحل أعمال الآخرين (العلميّة أو

**

(1) المنجد.

الأدبية أو الفنيّة) سارقاً، فهتكوا ستره وفضحوا جريمته والّفوا في شأنه الكتب التي تكشف سوء فعلته، وقد مرّ معنا أنّ السيوطي ادّعى أمام القاضي الشيخ زكريا الأنصاري على القسطلاني سرقة بعض أعماله العلميّة و انتحالها و أبرز الأدّلة على ذلك.(1)

ثمّ إنّ هذا و ان كان يجري بالارتكاز من العهود السابقة إلاّ أنّه لم يكن قانوناً إلاّ في القرون المتأخّرة بالنسبة إلى بعض أنواعها.(2)

المقام الثاني: هذه الانتاجات بعد وضوح كونها ملكاً لصاحبها... يقع السؤال عن ماليتها

في أنّ هذه الإنتاجات بعد وضوح كونها ملكاً لصاحبها و مضافة إليه يقع السؤال عن ماليّتها و الجواب عن ذلك ظاهر و هو أنّ الملكية و إن لاتستلزم الماليّة - لجواز أن كانت الإنتاجات وافرة إلى حدّ لايوجب رغبة الناس نحو بذل مال بإزائها - ولكنّها كثيراً ما تكون مستلزمة للماليّة لعدم الوفور أوّلاً، و لامتياز بعضها بالنسبة إلى البعض الآخر. و لعلّ المبادلات و المعاملات التي كانت تقع في سوق العكاظ تدلّ على ذلك، كما لايخفى.

**

(1) البيوع الشايعة: ص 217.

(2) و المحكيّ في ذلك كما في البيوع الشايعة إنّ في عام 1709 الميلادي صدر في بريطانيا قانون حقّ النسخ الذي يمنح المؤلّف وحده الحقّ في طباعة أعماله ثمّ صدر في الدانمارك قانون مماثل 1741، و في العقد الأخير من القرن نفسه أصدرت أمريكا و فرنسا قانوناً مماثلاً ثمّ اتّجهت الجهود لتنظيم الحماية الدولية هما الصناعية و الأدبية فتمّ توقيع اتفاق بهذا الشأن بين بريطانيا و فرنسا و البرتغال في عام 1851، ثمّ ظهرت اتفاقية باريس في 1883/3/20 ثمّ نظمت اتفاقية (برن) قواعد الحماية الدولية للملكية الأدبية في 1886/9/9، و في عام 1952 أقرّت منظمة اليونسكو الاتفاقية العالمية لحقوق المؤلف إلى أن تمّ إنشاء المنظمة العالمية للملكية الفكرية (البيوع الشايعة / 210-209 تأليف محمّد توفيق رمضان).

و يشهد لذلك أيضاً قوله (صلى الله عليه وآله): «أحقُّ ما أخذتم عليه أجراً كتابُ الله(1)» إذ الاُجرة لاتعطي إلاّ لمّا له الماليّة و القيمة.

هذا مضافاً إلى شهادة تزويج النبي (صلى الله عليه وآله) بعض أصحابه ببعض بتعليم القرآن كما تلي، روى الكليني بسند صحيح عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت: زوّجني، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من لهذه‌؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله، زوجنيها فقال (صلى الله عليه وآله): ما تعطيها؟ فقال: مالي شيء قال (صلى الله عليه وآله): لا، فأعادت فأعاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الكلام، فلم يقم أحد غير الرجل ثمّ أعادت فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المرّة الثالثة أتحسن من القرآن شيئاً قال: نعم قال: قد زوّجتكها على ما تحسن من القرآن فعلّمها ايّاه.(2)

مع أنّ اللازم في المهور أن تكون من الأموال كما لعلّه يظهر من قوله تعالى: (وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوٰالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسٰافِحِينَ‌) .(3)

و يدلّ عليه أيضاً الحكم بالرجوع إلى نصف اُجرة المثل في تعليم السورة عند الطلاق قبل الدخول كما في خبر زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل تزوّج امرأة على سورة من كتاب الله ثمّ طلّقها قبل أن يدخل بها فبما يرجع عليها؟ قال: بنصف ما تعلّم به مثل تلك السورة.(4)

هذا مع شيوع أخذ الاُجرة بإزاء تعليم الأحاديث و الأدبيّات و غيرهما من العلوم، إذ الاُجرة لاتكون إلاّ في قبال التعليم و لاتعطى الاُجرة في قبال شيء إلاّ إذا كان له المالية فاتّضح ممّا ذكرناه إنّ أعمال الآخرين من العلميّة و الأدبية و الفنيّة تكون ملكاً لأربابها و مالاً مرغوباً فيها.

**

(1) البخاري في الطب، باب الشرط في الرقية بقطيع من الغنم (رقم 5405 - فتح الباري: 452/4).

(2) الوسائل: الباب 2 من أبواب المهور: ح 1.

(3) النساء: 24.

(4) الوسائل: الباب 17 من أبواب المهور: ح 1.

المقام الثالث: انّ التوليد الفكرى... عمل للنفس و الروح

إنّ التوليد الفكري أو الأدبي أو الفنّي عمل للنفس و الروح و هو كعمل الجوارح في الملكيّة و الماليّة و جواز أخذ الاُجرة عليه، و عليه فيترتّب عليه أحكام الإجارة فإذا استأجر أحد شخصاً لذلك في مدّة معينة بمبلغ معيّن وجب على الشخص الأجير العمل المذكور، كما وجب على المستأجر أداء المبلغ المزبور، و لاحقّ للأجير عدى ماتوافق عليه مع المستأجر من الاُجرة عملاً بمقتضى الإجارة كعمل الجوارح من دون فرق و تفاوت.

المقام الرابع: انّ المولّد للفكر و الادب... كان مالكا لما يحتويه

إنّ المولّد للفكر و الأدب و الفنّ لو لم يأخذ في مقابل عمله الأدبي و الفكري شيئاً أودع حصيلة عمله في كتاب و نحوه من مسجّلات كان الكتاب و نحوه ملكاً و مالاً له، و لايجوز لأحد أن يتصرّف فيه و لو بالاستنساخ إلاّ بإذنه، و جاز له بيع نسخته بشرط استنساخ مقدار معيّن منه دون الزائد عنه، و جاز أيضاً إجارته لاستنساخ مقدار معيّن منه، فلايجوز للمشتري أو المستأجر الناشر استنساخ الزائد عن المقدار المشروط أو المأذون، قضاء للشرط المذكور في ضمن البيع أو الإجارة.

ولو تعدّي عن ذلك عصى و أثم و هكذا لو شرط صاحب النسخة على الناشر أن يشترط على المشتري منه أن لايستنسخ منه لايجوز للمشتري عن الناشر الاستنساخ أو التعدّي عن المقدار المشروط أو المأذون عند اشتراط الناشر عليه ذلك.

ولو تعدّى المشتري عن الناشر عن المقدار المشروط عصى و أثم ولو لم يشترط الناشر مع المشتري منه ذلك الشرط عصى الناشر، لوجوب اشتراط الشرط المذكور عليه في العقد الأوّل، و مع عدم اشتراط ذلك مع المشتري منه جاز له تكثير ذلك، لعدم اشتراط ذلك معه في عقد من العقود، إذ المفروض إنّ شرط المولّد مع

الناشر لاالمشترى من الناشر، و عليه فيجوز للمشتري عن الناشر ذلك لأنّه ملكه.

بل قد يشكل ذلك الاشتراط في الناشر أيضاً بأنّ نفوذ ذلك الشرط مع الناشر ينافي سلطة المالك على ملكه، فإنّه إذا باعه صار الناشر مالكاً و المالك له السلطة على ملكه فاشتراط عدم التكثير ينافي سلطنة المالك.

ولكن يمكن الجواب عنه: بأنّ السلطة على الملك ليست من اللوازم غير المفارقة، لانفكاكها عن الملكيّة في موارد كالحجر أو النذر على ترك التصرّف فيه كالبيع، و من المعلوم أنّ الشرط كالنذر سبب من الأسباب الموجبة للانفكاك. و يشهد له بعض النصوص الدالّ على صحّة شرط عدم بيع الجارية وهبتها، كصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «سألته عن الشرط في الإماء لاتباع و لاتورث و لاتوهب فقال: يجوز ذلك غير الميراث فإنّها تورث و كلّ شرط خالف كتاب الله فهو ردّ».(1)

لايقال إنّ الغرض النوعيّ المعاملي من التمليك و التملّك هو تحصيل وجوه التصرّفات فشرط عدم التكثير ينافي الغرض المذكور.

لأنّا نقول إنّ شرط عدم تصرّف خاصّ من أنحاء التصرّفات لايكون منافياً، و إنّما المنافي هو شرط عدم مطلق التصرّف، و بعبارة اُخرى الشرط ينافي إطلاق التصرّف لانفس التصرّف. نعم يشكل الشرط المذكور من ناحية أنّه شرط الفعل و هو أنّه و إن كان واجباً و لايجوز خلافه و مع التخلّف يوجب خيار الفسخ ولكنّه لايوجب حقّاً ماليّاً كما لايخفى.

اللّهمّ إلاّ أن يشترط في متن البيع أو الإجارة بنحو شرط النتيجة أن يكون له حقّ الطبع بحسب ما هو المتعارف، من دون تفاوت بين التكثير من نسخة المؤلّف أو من نسخة نفسه، فلايجوز له حينئذ التعدّي عن المأذون، ولو تعدّى عنه وجب عليه

**

(1) الوسائل: الباب 15 من أبواب بيع الحيوان، ح 1.

أداء حقّ المؤلّف بحسب ما يقتضيه المتعارف، ولكن هذا مختصّ بالناشر الذي شرط المؤلّف معه و أمّا المشتري من الناشر فلاشرط معه.

و لذا جاز له التكثير ولم يجب عليه أداء شيء، و الاشتراط مع الناشر أجنبيّ عن المشتري من الناشر إلاّ إذا اشترط الناشر عليه أن يكون للمؤلّف حقّ الطبع بحسب المتعارف بالنحو الذي شرط معه، فوجب حينئذ على المشتري عن الناشر أيضاً مراعاة هذا الشرط، ولو تخلّف وجب عليه أداء حقّ المؤلّف بحسب ما هو المتعارف، فشرط النتيجة يوجب الحقّ المالي للمؤلّف في مورد تحقّق شرط النتيجة فقط لاغير. ثمّ إنّ المتعارف هو ما يعرفه العرف بحسب الزمان و المقدار و مع معلوميّة ذلك فلاكلام و إلاّ فاللازم هو تعيين ذلك في متن العقد، و بالجملة فمع اشتراط ذلك بنحو شرط النتيجة يشتغل ذمّة المشروط عليه بذلك سواء كان هو الناشر أو المشتري عنه و يجب عليه أداء هذا الحقّ إلى مؤلّفه أو ورّاثه، و أما مع عدم تحقّق شرط النتيجة و لاشرط الفعل فلامنع من هذه الناحية.

لايقال إنّ التمليك له اسباب خاصّة و لايحصل بمثل الشرط، لأنّا نقول إنّ ذلك ممنوع جدّاً، لأنّ التمليك يحصل بكلّ سبب من الأسباب ولو كان هو الشرط في ضمن المعاملة و لايقاس بمثل النكاح أو البيع أو الطلاق و غير ذلك ممّا له أسباب خاصّة.

المقام الخامس: اذا لم يشترط المؤلف شيئاً فهل له حق التأليف‌؟

إنّه إذا لم يشترط المؤلّف شيئاً فهل له حقّ التأليف أو ليس له‌؟ اختلفت الآراء فيه و قد ذكروا هنا توجيهات مختلفة حول كيفية ثبوت حقّ التأليف.

منها: ما قاله في كتاب البيوع الشائعة من أنّ الكتاب في الحقيقة يتكون من:

•

الهيكل الماديّ المتمثّل بالورق و الحبر و الجلد.

•

المادّة العلميّة التي اجتهد المؤلّف في جمعها و تحصيلها.

و مشتري الكتاب يملك رقبة هذا الكتاب أي الهيكل المادّي له و يستحقّ أن ينتفع بما تضمّنه من فوائد علميّة ولكنّه لايملك هذه الفوائد.

و لعلّ قائلاً يقول إنّ الكتاب يرتفع ثمنه بما يتضمّنه من (مادّة علميّة) و هذا يعني أنّ القيمة ليست لمجرّد الورق و الحبر و يعني بالتالي أنّ ثمن الكتاب يتضمّن قيمة المادّة العلميّة أيضاً.

أقول: أجل، إنّ الكتاب يرتفع ثمنه بما يتضمّنه من (مادّة علميّة)، كما يرتفع ثمن البيت لموقعه و ما يحيط به، و إذا كان لصاحب البيت أن يرفع ثمنه لموقعه و ما يحيط به فإنّ لصاحب الكتاب أن يرفع ثمنه بطريق أولى، لأنّ صاحب الكتاب يملك المنفعة التي يتضمّنها الكتاب بينما قد لايملك صاحب البيت تلك المزايا التي ارتقت بسببها قيمة البيت.

ولكن لايلزم من ذلك إنّه باعه تلك المادّة العلميّة كما لايلزم من ارتفاع قيمة البيت إنّه باعه مايحيط به من مزايا.

إنّ ثمّة ثلاثة أمور:

•

رقبة الشيء من كتاب أو بيت أو غيره..

•

منفعة هذا الشيء.

•

الانتفاع.

و هذه الاُمور الثلاثة قد تكون مجتمعة كمن يسكن بيتاً يملكه، و قد يملك المرء رقبة الشيء دون منفعته وذلك كالوارث بيتاً أوصى مورّثه بمنفعته دون رقبته فإنّ الوارث هنا يملك الرقبة دون المنفعة.

و قد يملك المرء منفعة الشيء دون رقبته كالمستأجر مدّة استيجاره و المنفعة هنا شيء اعتباريّ معياره الزمن كلمّا مرّ وقت مضىّ جزء منه.

و قد يكون للمرء حقّ الانتفاع بالشيء مع أنّه لايملك الرقبة و لاالمنفعة كالضيف مثلاً.

و هذا يدلّ على أنّه ليس ثمّة تلازم بين حقّ الانتفاع و ملك المنفعة كما أنّه ليس ثمّة تلازم بين ملك المنفعة و ملك العين.

و في المثال الذي بين أيدينا يملك مشتري الكتاب رقبة الكتاب و لايملك منفعته المتمثّلة بالمادّة العلميّة الموجودة فيه لكنّه استحقّ الانتفاع بهذه المادّة العلميّة عند ما أتاح له المؤلّف ذلك بشرائه الكتاب.

و قد يقال لماذا لم يكن هذا الحقّ (الملكيّة الأدبية مثلاً) ذا قيمة مادّيّة في العصور السالفة و لاسيّما عند العلماء المسلمين.

جواباً على ذلك أقول:

إنّ إعطاء هذه (المادّيّة العلميّة أو الفنيّة) قيمة ماديّة كان له وجود في العصور السالفة تجلي في الجوائز التي كان ولاة الأمر يكرمون بها المؤلفين، و في الرواتب المقرّرة للمدرسين و المعلّمين و المربّين، و قد نصّ الفقهاء على جواز أخذ معلّم القرآن الأجر على ذلك مقدّراً بالمدّة أو بالمقدار الذي يعلم. إلى أن قال: و إنّما لم يكن ثمّة حقّ نشر و طبع لأنّه لم يكن ثمّة نشر و لاطبع بالمفهوم السائد اليوم، كان ثمّة نسخ للكتاب ينفق فيه الناسخ جهداً مضينا و مشقّة كبيرة لاتدع مجالاً لاستثمار الكتاب كما هو متاح للمطابع اليوم و كان الناسخ يستثمر قدرته على النسخ و ليس القيمة العلميّة للكتاب.

إلى أن قال: لم يكن المؤلّف في الزمن الماضي يمنع النسّاخ من نسخ كتابه و لم يكن يطلب منهم مكافاة على السماح بنسخه، لأنّهم في الحقيقة لايستثمرون عمله العلمي و إنّما يريدون أن ينالوا أجر جهدهم في نسخه ولكنّه كان يمنعهم من احتكار استنساخ كتابه، أمّا اليوم فإنّ في وسع المطابع أن تقذف في ساعات آلاف النسخ من الكتاب القيّم الذي بذل مؤلّفه فيه الجهد و الوقت و المال حتّى جمع مادّته العلميّة و صاغها و أفرغها في هذا السفر.

إنّ هذه المادّة العلميّة حقّ لمؤلّفها، لايجوز لأحد أن ينتحلها لنفسه، و كذلك

لايجوز أن يستثمرها غيره، و إنّ الناس عندما يقبلون على شراء هذا الكتاب إنّما يقبلون على شرائه للمادّة العلميّة التي فيه و ليس لمجرّد الورق و الحبر و الجلد.

و بناء على ذلك فإنّ هذه المادّة العلميّة حقّ لمؤلّفها يحرم شرعاً أن يدّعيها أحد لنفسه، و هي حقّ لمؤلّفها يملك أن يبيح للآخرين بتداولها و نشرها كما أنّ لمؤلّفها الحقّ في أن يستثمرها لنفسه و أن يمنع الآخرين من استثمارها.

إلى أن قال:

إذا صحّ أنّ الانتاج العلمي أو الإبداع الفنّي أو الابتكار الصناعي هو المنفعة التي أودعت في وعاء يحتويها و يظهرها هو (الكتاب) أو (اللوحة) أو الشريط المسموع أو المرئي أو (رقائق الحاسوب CD ) و أنّ هذه المنفعة ملك لصاحبها الذي انتجها، و أنّ صاحبها عندما باع الكتاب أو اللوحة أو الشريط أو نحوه الذي يحتوي تلك المنفعة إنّما باع الوعاء و أتاح للمشتري الانتفاع بتلك المنفعة التي تظهر من خلال الكتاب و نحوه و لم يبع تلك المنفعة المتمثّلة بالمادّة العلميّة أو الإبداع الفنّي و نحوه و أنّ المشتري يملك رقبة هذا الكتاب المتمثّلة بالورق و الحبر و الجلد و يتمتع بحقّ الانتفاع بما فيه من الفوائد العلميّة ولكنّه لايملك تلك الفوائد.

إلى أن قال يمكن أن أضرب مثلاً للتصرف أراها صحيحة في النقاط التالية:

أ - أن يبيح المؤلّف و نحوه هذا الإنتاج، فيسمح لمن شاء أن ينتفع بقراءته أو طبعه. و قد يشترط شروطاً تنسجم مع سلامة المضمون العلمي و صيانته، و عندئذ فإنّ شروطه تؤخذ بعين الاعتبار.

ب‍ - أن يبيع حقّ نشر هذا المؤلّف لإحدى دور النشر مثلاً بقيمة معيّنة متّفق عليها.

و لمّا كان هذا الحقّ منفعة فإنّ بيعها على التأبيد يقتضي أن تكون تبعاً لرقبة تحتوي هذه المنفعة، و لذلك فإنّه يمكن إجراء هذا العقد على مخطوط مثلاً وضعه المؤلّف، أو على نسخة أعدّها على النحو الذي يراه ملائماً، فيبيح عندئذ هذه

النسخة مع ما تضمّنته من منفعة بحيث يملك هذا الناشر هذا المؤلّف رقبةً ومنفعةً و يحقّ له بذلك أن يستثمر هذه المنفعة لنفسه بالطبع و النشر و التوزيع و لايملك المؤلّف حقّ التصرّف بالمنفعة المادية لهذا الكتاب.

ولكن ليس من حقّ الناشر أن يتصرّف بالمضمون العلمي بأي شكل من أشكال التصرّف التي يمكن أن تغيّر من صيغته، و لا أن ينتحلّه و لا أن ينسبه إلى غير مؤلّفه، بل يجب أن ينسبه إلى مؤلّفه كما هو مقتضى الأمانة العلميّة.

ج‍ - أن يستأجر المؤلّف ناشراً لطبع هذا الكتاب و توزيعه مقابل أن تكون للناشر اُجرة مقدّرة بنسبة محدّدة من قيمة الكتاب الموضّحة في العقد من كامل النسخ المطبوعة و المحدّدة عددها أيضاً. و الأجر هنا غير مجهول ما دام عدد نسخ الكتاب معروفاً و قيمة النسخة معروفة أيضاً.

إلى أن قال: و يلاحظ هنا أنّ ثمن الورق و تكاليف الطبع و التجليد هنا على المؤلّف، كما يلاحظ إمكان أن يستأجر المؤلّف ناشراً لتوزيع الكتاب في منطقة محدّدة أو مطلقاً مع حفظ حقّ الناشر بعدم طبع الكتاب من ناشر آخر في المنطقة المعينة إذا حدّدت، أو مطلقاً إذا تمّ الاتفاق على ذلك، مادامت نسخ الكتاب متوفّرة لم تنفد.

د - أن يؤجر المؤلّف الناشر هذا الكتاب لمدّة محددة (أن يبيعه منفعة الكتاب مدّة محدّدة) بقيمة معيّنة و هو مايمكن أن يوضح بمايلي:

أن يشتري الناشر حقّ نشر هذا الكتاب لمدّة محدّدة بحيث ينقطع حقّ المؤلّف بالتصرّف بحقّه في هذا الكتاب هذه المدّة، كمن آجر داراً مدّة سنة مثلاً، فهو قد باع بذلك منفعة هذه الدار لمدّة سنة ثمّ يعود البيت رقبةً ومنفعةً إلى صاحبه و كذلك الكتاب.(1)

**

(1) البيوع الشايعة تأليف محمد توفيق رمضان. 225-216.

و أنت خبير بأنّ ما ذكر لتوجيه حقّ التأليف في صورة عدم اشتراط المؤلّف شيئاً لنفسه محلّ منع و نظر، أوّلاً بالنقض بجميع الأشياء التي تضمّنت مادة علميّة أو فنّيّة أو أدبيّة فإنّها منتقلة بجميع خصوصيّاتها إلى من اشتراها و لم يقل أحد بانتقال الأعيان دون الموادّ العلميّة أو الفنيّة أو الأدبيّة و لذا لايحتاج من اشتراها إلى تجديد قرار في المواد مع بايعها كما لايخفى، و ثانياً بالحلّ‌.

فإنّ الخطوط الحاكية عن المادّة العلميّة أو الفنيّة أو الأدبيّة تصير بالطبع أو الكتابة من أوصاف الكتاب و هي تابعة للعين في الملكية و توجب ازدياد منفعتها فيعقبها ازدياد قيمتها، و يجوز لمالك العين أن ينتفع بها من دون توقيتها بمدّة، فمن ملك عيناً ملك وصفها و منفعتها أيضاً و لامعنى بعد شراء العين من المالك لبقاء الوصف أو المنفعة على ملكية المالك، نعم لو نقل المالك منفعة العين بالإجارة إلى الغير قبل البيع فلاينتقل المنفعة في مدّة الإجارة إلى المشتري فإذا انقضت المدّة صارت المنفعة تبعاً للعين.

و عليه فدعوى الانفكاك في الملكيّة بين المادّة العلميّة الموجودة في الكتاب و بين العين لاوجه له، بل يخالفه جواز الانتفاع من المادّة العلميّة الموجودة فيها، من دون حاجة إلى تجديد الاستيذان أو تجديد القرار مع مالك المواد، مع أنّه لو لم يكن المادّة العلميّة ملكاً للمشتري لزم الاستيذان أو تجديد القرار في الانتفاع و هو كما ترى.

و لعلّ منشأ الخلط هو اشتراك عنوان الملكية بين التكوينية و الاعتبارية، فإنّها كما تطلق على الملكيّة التكوينيّة تطلق على الملكية الاعتبارية أيضاً، فيتوهّم اختصاص الملكية الاعتبارية بالمؤلّف من جهة اختصاص الملكيّة التكوينيّة به مع أنّه لاملازمة بينهما فالمادّة العلميّة التي صارت و صفاً للعين هي ملك اعتباريّ لمالك العين بتبع ملكية العين في عين كونها ملكاً تكوينيّاً للمؤلّف خاصّة، فإنّ الملك بمعنى الأثر مخصوص به و لامنافاة بينهما لجواز اجتماعهما في الشيء الواحد.

إذ يمكن أن يكون المادّة العلميّة الموجودة في الكتاب ملكاً اعتباريّاً لصاحب العين و هو المشتري في عين كونه أثراً تكوينيّاً للمؤلّف، و يترتّب على كلّ واحد منهما حكمه، فلاتغفل.

و ممّا ذكر يظهر ما في قوله من أنّ مشتري الكتاب يملك رقبة هذا الكتاب أي الهيكل المادّي له و يستحقّ أن ينتفع بما تضمنه من فوائد علميّة ولكنّه لايملك هذه الفوائد.

و ذلك لمّا عرفت من أنّ ملكية العين تستبع ملكيّة الأوصاف و الخطوط الموجودة في الكتاب الحاكية عن الموادّ العلميّة، فهي ملك مالك العين، و مع مالكيّته لها لامجال لدعوى استحقاق الانتفاع من دون تملّك للفوائد العلميّة، اللّهمّ إلاّ أن يكون المقصود أنّ ما استفاده منها لايكون أثراً لمالك العين بل هو أثر لمؤلّفه، إذ الملك بمعنى الأثر مختصّ بالمؤلّف ولكنّه لايساعد كلامه و لايجدى في إثبات اختصاص الملكيّة الاعتباريّة به، كما لايخفى.

ثمّ إنّ التفكيك بين رقبة الشيء من كتاب أو بيت و نحوهما و بين منفعتهما لايحصل من دون سبب، لما عرفت من أنّ مقتضى القاعدة هي تبعيّة المنفعة للعين في الملكيّة ما دام لم يتعلّق عقد بالمنفعة قبل انتقال العين.

و عليه فمشترى الكتاب يملك رقبة الكتاب و منفعته المتمثّلة بالمادّة العلميّة الموجودة فيه لعدم التفكيك بينهما بحسب القاعدة ما دام لم يتعلّق عقد بالمنفعة.

ولو كان بيع الكتاب متعلّقاً بالهيكل المادّي فقط و جاز للمشتري الانتفاع بتلك المنفعة التي تظهر من خلال الكتاب و نحوه بإباحة البايع لزم أن لايجوز للمشتري أن ينتفع بتلك المنفعة التي تظهر من خلال الكتاب مع عدم إدامة الإباحة المذكورة، و هو كماترى.

و بالجملة لاوجه لمنع التبعيّة للعين بالنسبة إلى الخطوط الحاكية عن الموادّ العلميّة و كون الموادّ العلميّة أثراً للمؤلّف لايمنع عن انتقال الخطوط الحاكية إلى

المشتري، نعم يمكن أن يكون ذلك أي كون المواد العلميّة أثراً للمؤلّف موجباً لاعتبار عرف العقلاء حقّاً للمؤلّف في بعض الاحيان كما ادّعاه بعض في الأزمنة المتأخّرة، و لاينافي اعتبار الحقّ للمؤلّف مع انتقال الخطوط الحاكية إلى المشتري فيملك المشتري العين و المنفعة، ولكن لايجوز له التكثير لو اعتبر عرف العقلاء ذلك حقّاً للمؤلّف، و سيأتي تقريب اعتبار العرف و التحقيق فيه إن شاء الله تعالى.

و مع عدم اعتبار العرف حقّاً للمؤلّف فلايكون له شيء بعد بيع نسخته أو إجارتها حتّى يمنع المشتري عن التكثير، بل يجوز للمشتري بعد البيع التكثير أيّاً ما شاء و هكذا يجوز للمستأجر ذلك في مدّة الإجارة.

فإذا اتّضح أنّ مع عدم اشتراط شيء في العقد للمؤلّف لاموجب للاستحقاق المؤلّف شيئاً فلايكون للمؤلّف شيء بعنوان الحقّ حتّى يبيعه أو يستأجره المستأجر; هذا مع الغمض عن الإشكالات الاُخرى الواردة على هذا التوجيه، فتدبّر جيّداً.

ومنها ما ذكره في كتاب حقوق مؤلّفان من أنّ الفكر العلمي أو الأدبي أثر المؤلّف و الأديب و هذا الاثر كالفاكهة المجتنية من الشجرة في أنّ له وجوداً مستقّلاً، و يوضع بعد انفصاله عن فكر المؤلّف و نحوه في ظروف كالكتاب كما أنّ الفواكه توضع في ظروف تختصّ بها، فمشتري النسخة من المؤلّف و هو الناشر يملك المنفعة الموجودة في هذه النسخة و هي المادّة الموجودة فيه، لاأصل المنفعة ولو في غير هذه النسخة.

كما أنّ مشتري الفواكه يملك بالإشتراء الفواكه الموجودة في ظروف تختصّ بها التي تنقل إليه لاغيرها من الفواكه التي لاتكون في الظروف المنتقلة إليه، وهكذا الأمر في المشتري من الناشر فإنّه لايملك إلاّ المنفعة الموجودة في الكتب المنتقلة إليه لاأصل المنفعة ولو كانت في غيرها.

و عليه فإذا توافق الناشر مع المؤلّف في طبع عدد خاصّ من النسخة الأصليّة صار

مالكاً للمنفعة الموجودة في هذا العدد الخاصّ و لايجوز له أن يطبع أزيد منه، لأنّه تجاوز و غصب، إذ المنافع الموجودة في العدد الزائد لايملكها بسبب من الأسباب، كما أنّ من اشترى من صاحب الأشجار مقداراً معيّناً من الفواكه الموجودة في ظروفها المختصّة بها لايجوز له أن يأخذ الفواكه زائدةً عليها لأنّه غصب و لاسبب لانتقالها إليه و المعاملة عليها باطلة.(1)

و لايذهب عليك أنّ مجرد تشبيه التوليد الفكري بإنتاج الفواكه و تنظير الكتب و المسجلاّت بالظروف الحاوية للفواكه لايجدي شيئاً، لأنّه قياس و لانقول به; هذا مع مافي نفس التشبيه المذكور لأنّ الفواكه الاُخرى - غير ما اشتراها المشتري - فواكه متماثلة لما اشتراها لاعينها، و المنفعة التي أراد تكثيرها عين المنفعة الموجودة و ليست غيرها، فالتصوير عن الكتاب تصوير لعين الكتاب و عليه و ليس إنتاجاً فكريّاً مستقلاً آخر، و عليه فكما أنّ التصوير عن نفس الفواكه المشتراة أو ايجاد مماثلها بقدرة الله تعالى لامانع منه فكذلك في الكتاب لامانع من تصويره أو ايجاد مماثله.

هذا مضافاً إلى إمكان منع استقلال وجود المنفعة المذكورة لأنّ الخطوط المطبوعة في الكتاب عين الكتاب و ليس لها وجود مستقلّ حتّى يمكن تشبيهها بالفواكه الموضوعة في ظروفها; بل الخطوط المذكورة كالنقوش في الفرش فكما أنّ النقوش بالنسج صارت عين الفرش فكذلك الخطوط المذكورة بالطبع صارت عين الكتاب فلاوجه لتشبيه الخطوط الحاكية عن الفكر العلميّ بالفواكه الموضوعة في ظروفها المختصّ بها، و ليس هذا التشبيه إلاّ قياس ناقص، و لايترتّب عليه حكم القياس حتّى عند من يقول به فضلاً عمّن لايقول به، فلاتغفل.

ومنها إنّه ربمّا يستدلّ لثبوت حقوق المؤلّفين ونحوهم من أصحاب الأدب و

**

(1) حقوق مؤلّفان، ترجمه افتخار زاده: 91-93.

الفكر بالعرف، بدعوى أنّه المرجع في ثبوت الحقّ وعدمه.

و التحقيق أنّ العرف السابق و إن ثبت بالنسبة إلى ماليّة الآثار الفكريّة و الأدبية و جواز المعاملة عليها في الجملة - كما عرفت وقوع المعاملة عليها في سوق العكاظ - و بالنسبة إلى اعطاء الجوائز و الرواتب من السلاطين للمؤلّفين ولكن لم يثبت عرف في العهد السابق على استحقاق المؤلّفين شيئاً بعد بيعهم نسختهم من دون شرط شيء في متن العقد، بل يشهد له تصريح جماعة بإنكاره في الزمن السابق. ولو كان العرف فيه أمراً ثابتاً لما أختلفوا في ذلك ولما انكروا هذا مضافاً إلى اعتراف جماعة اُخرى بكون أمثال هذه الحقوق من الاُمور المستحدثة و عليه فاللازم هو البحث عن وجود العرف المقارن و حجّيّته.

ربّما يقال إنّ الارتكاز العقلائي الحديث على بعض الاختصاصات المعنوية كحقّ التأليف و النشر على حدّ الاختصاصات المادّية الساذجة المتمثلة في الحيازة مثلاً، و لافرق بين هذه السيرة المستحدثة و السيرة القديمة في كونهما بالارتكاز، و لاوجه لحرص الفقهاء في الاستدلال بالسيرة القديمة دون السيرة العقلائيّة المستحدثة مع أنّ وضع العقلاء في تقدّم ون ضج و تزايد خبرائهم الفكريّة و الاجتماعيّة و القانونيّة.

ويمكن أن يقال كما أفاد الشهيد الصدر (قدس سره) إنّ هذا الكلام إنّما يصح فيما إذا كان الاستدلال بالسيرة العقلائية بما هي سيرة العقلائية و متابعة لهم لابما هي كاشفة عن موقف الشارع، و قد عرفت إنّ الذي يفيد في مجال استنباط الحكم الشرعي هو الثاني لاالأوّل، و هو موقوف على معاصرة السيرة زماناً لعصر الشارع.

وقد يقال إنّ الشارع قد أمضى السيرة المعاصرة لابوصفها الشخصي بل بوصفها النوعيّ العقلائي، بمعنى أنّه يفهم من عدم تصدّي الشارع لبيان أحكام و تأسيس تشريعات في أبواب متعدّدة من الحياة ممّا للعقلاء شأن فيه أنّه قد تركها إليهم و حوّل على ارتكازاتهم، فيكون هذا إمضاءاً إجماليّاً لما ينعقد عليه بنائهم إلاّ

ما ثبت جزئيّاً عدم متابعة الشارع لهم فيه وردعهم فيه.

و الجواب عنه كما أفاد الشهيد الصدر (قدس سره)

أوّلاً: بأنّه لم يثبت سكوت الشارع عن اعصار الأحكام(1) و التشريعات في ساير الموارد التي يراد التحويل فيها على السيرة العقلائيّة، بل قد بيّنت أحكامها أيضاً أو ورد ما يحتمل صدوره عن الشارع في مقام بيانها ولو بنحو العموم أو الإطلاق أو القاعدة الكليّة و عدم كثرة ذلك لعلّه ناتج عن عدم كثرة الاستثناءات لتلك القواعد العامّة الكليّة.

و ما قد يقال من عدم كفاية مجرّد الإطلاق للردع عن سيرة مرتكزة إنّما يصحّ في سيرة معاشة حيّة لاما سوف يحدث بعد عصر التشريع مع عدم ابتلاء المكلّفين بها في زمانه.

وثانياً: بأنّ سكوت الشارع إنّما يدلّ على إمضاء السيرة بنحو القضيّة الخارجيّة و ليس فيه تقرير لأكثر من ذلك، فلايمكن استكشاف إمضاء عامّ منه لمطلق السيرة العقلائيّة بنحو القضيّة الحقيقيّة إذ ليس الاستدلال في المقام بكلام و دلالة لفظيّة ليكون ظاهراً في القضيّة الحقيقيّة و إنّما بسكوت و تقرير و هو لايقتضي أكثر من إمضاء القضيّة الخارجيّة، كما هو واضح.(2)

و لقائل أن يقول كما أشار إليه في الجملة بعض الأعلام إنّ الشارع حيث تصدّى لبيان الشريعة الخالدة و تصحيح البناءات العقلائيّة إلى يوم القيامة فاللازم عليه هو الردع عن البناءات مطلقاً سواء كانت معاصرة أو المستحدثة ولو بمثل عموم أو إطلاق، و حينئذ بعد تحقّق السيرة المستحدثة لزم أن يتفحّص عن الردع عنها فإن ثبت الردع العامّ أو الخاص فالسيرة المستحدثة مردوعة، كالسيرة الحدثيّة

**

(1) أي الأحكام العصريّة.

(2) مباحث الحجج: 237/1-238.

على بعض أنواع الفحشاء و المنكرات كاختلاط الرجال و النساء بنحو غير مشروع و إلاّ فيمكن استكشاف امضائه بالنسبة اليها بسكوته و عدم ردعه عموماً و خصوصاً. ولكنّه محلّ تأمّل لعدم دليل على ذلك بعد أنّ حكمة الباري تعالى تقتضي أن يكون الإمام ظاهراً بين الناس و هادياً لهم في الاُمور ولكن امتنعوا عن امتثال الإمام و حفظه حتّى غاب الإمام، و عليه فمع الغيبة المستندة إلى الناس دعوى أنّ الشارع في صدد تصحيح البناءات المستحدثة محتاجة إلى إقامة الدليل.

ولو سلّمنا ذلك فهو فيما إذا لم يقم على خلافها السيرة السابقة و أمضاها الشارع. و في المقام يكون كذلك فإنّ الفنون كالخطوط و التصويرات و نحوهما كانت في عهد قديم موجودة ولم ير لهم العرف حقّاً بالنسبة اليها ولم يكن بناء عليه، و الشارع المقدّس أمضى ذلك و عليه فحدوث الحقّ لهم في زماننا هذا لايكفي مع الردع عن ذلك في العهد القديم بنحو مذكور، فالمسألة محلّ تأمّل و إشكال هذا بالنسبة إلى تبادل العرف في الأحكام.

و الأولى أن يقال إنّ تبادل البناءات معتبر في ناحية الموضوعات لاالأحكام و عليه فلايضرّ التبادل بصحّة الأخذ بأحكامها، مثلاً إنّ نفقة الزوجة واجبة على زوجها و هي تختلف باختلاف الأزمنة و الأمكنة و الأشخاص، و اللازم هو ملاحظة العرف عند العمل بها، و لاوجه للقول بأنّ المتّبع هو المقدار الذي كان ينفق في العهد القديم كما لايخفى، و عليه فيمكن إنّ يقال ان مع فرض اعتبار حقّ التأليف للمؤلّف في الأعصار المتأخّرة اندرج ذلك تحت أموال الناس و حقوقهم و معه يترتّب عليه أحكام المال فلايكون أكل المال بإزائه أكلاً بالباطل بل عدم إعطاء حقّهم يوجب أن يكون تصرّفاً في أموال الناس بالباطل و يكون منهيّاً عنه بقوله تعالى (وَ لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ‌)(1) ويندرج المعاملة معهم حينئذ في

**

(1) سورة البقرة: 188.

قوله عزّوجلّ (إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌)(1) كما يصحّ التمسّك بقوله تبارك و تعالى (وَ لاٰ تَبْخَسُوا اَلنّٰاسَ أَشْيٰاءَهُمْ‌)(2) لوجوب إعطاء حقوق المؤلّفين إليهم لأنّها من الأشياء المضافة إليهم عند العرف لو ثبت ذلك في عهدنا.

ولكنّ الاستدلال حينئذ يكون بالأدلة اللفظية في ناحية الأحكام، لابالعرف و عدم الردع.

و بعبارة اُخرى أنّ القضيّة في أمثال هذه الأدلّة قضيّة حقيقيّة و التمسك بها بهذه الملاحظة، و العرف مؤثّر في ناحية الموضوعات. مثلاً إنّ موضوع المعاملات هو الأموال، و النجاسات حيث كانت في السابق بلافائدة لم تعد عند العرف في ذلك الزمان أموالاً و لذا لم يصحّ معاملتها ولكن بعد مرور الزمان و حدوث الفائدة بالنسبة إلى بعضها مثل الدم كما في زماننا هذا، يعدّ عند العرف من الأموال فيصحّ المعاملة فيها، لو لم نقل بقيام الإجماع على عدم الصحّة ولو مع عدّ كونها أموالاً، و عليه فالعرف مرجع لتشخيص الموضوع و هو المال لاالحكم، لأنّ الحكم يستفاد من الأدلّة الشرعيّة، و لايحتاج تشخيص العرف بالنسبة إلى الموضوعات إلى إمضاء الشارع لأنّ القضايا المحكومة بالأحكام في الشرع مأخوذة بنحو القضايا الحقيقيّة بمعنى أنّ كلّ موضوع يوجد في الخارج و يكون مالاً يصحّ بيعه أو غيره من المعاملات و يجب الوفاء بالعقد عليه، و هكذا لم يكن التأليف و نحوه في السابق موجباً لاعتبار الحقّ للمؤلّف و نحوه ولكن اعتبروا بعد مرور القرون للمؤلّف الذي هو مولّد لتأليفه حقّ التكثير لو بعد معاملة النسخة الأصلية و السبب فيه هو كونه مولّداً لذلك فكما أنّ الحيازة توجب حقّاً لمن حاز فكذلك توليد كتاب، و نحوه يوجب حقّاً في عهدنا للمولّد.

**

(1) سورة النساء: 29.

(2) الاعراف: 85.

و بالجملة ففي المقام أمكن أن يقال بعد فرض ثبوت حقّ التأليف في عهدنا هذا و كونه أمراً موجوداً و مضافاً إلى أصحاب التأليف و النشر يشمله عموم (وَ لاٰ تَبْخَسُوا اَلنّٰاسَ أَشْيٰاءَهُمْ‌) ،(1) لأنّ حقوق المؤلّفين ونحوهم من الأشياء المضافة إليهم و التعدّي إليه ظلم و يشمله أدلّة النهي عن الظلم و حقّ التأليف مال و المعاملة عليه يعمّها عمومات نفوذ المعاملات.

و لعلّ إليه يؤوّل ما أفاده بعض المراجع الدينيّة في جواب السؤال عن حقّ التأليف حيث قال إنّ حقّ التأليف حقّ عقلائي يعرفه العقلاء و يكون التجاوز بالنسبة إليه ظلماً و ممنوعاً و عليه فنشر آثار المؤلّفين و الشعراء من دون استجازة عنهم غير جايز.

و لايخفى هذه النكتة و هي أنّه لايزال يؤخذ المصاديق من العرف و الأحكام من الشرع و لامانع مع مرور الزمان و مضيّه يتجدّد حقوق عقلائية فيشملها الأحكام الكليّة الشرعية.(2)

و بالجملة فمع فرض ثبوت حقّ التأليف عند العرف لايبعد لزوم مراعاة حقوق المؤلّفين و الناشرين ولو لم يشترطوا ذلك أو لم يكن ذلك مبنيّاً عليه في المعاملات.

و إنّما الكلام في ثبوت حكمهم بذلك إذ مجرّد وضع المقرّرات و القوانين من ناحية الحكومة لايوجب حكم العرف بذلك. نعم كثيراً ما يكون المعاملات مبنيّة عليها فتجب مراعاتها من هذا الباب كما إذا توافق المؤلّف مع غيره بشرط كون حقّ التكثير له.

بل هنا إشكال و هو أنّ المقام لايقاس بمورد صدق المال على الدم مع

**

(1) الاعراف: 85.

(2) مجموعة استفتاءات جديد: 500. آية الله جناب آقاى مكارم شيرازى مد ظله العالى.

وجود الفائدة له، فإنّ صدق المال ليس من باب بناء العرف و حكمهم بل من باب تشخيص صدق مصداق من مصاديق المال بنظر العرف و لاكلام في حجّيتّه هذا، بخلاف المقام فإنّ صدق الحقّ بالنسبة إلى تأليف و نحوه لايكون إلاّ ببناء العرف و حكمهم، لامن باب تشخيص صدق مصداق من مصاديق الحقّ و عليه لاحجّيّة له بعد كونه مستحدثاً، اللّهمّ إلاّ أن يكون صدق الحقّ من باب تشخيص مصداق من المصاديق، باعتبار أنّ من أوجد شيئاً كان ذلك له بجميع فوائده، و التكثير في سابق الزمان لايعدّ فائدة للتأليف حتّى يختص بالمؤلّف لصعوبته و عدم وفوره و عدم كونه موجباً للاستغلال بخلاف زماننا هذا فإنّ التكثير يعدّ من فوائد التأليف و موجباً للاستغلال فيختصّ بالمؤلّف و يكون من حقوقه فيمكن له أن يبقى المؤلّف هذه الفائدة لنفسه، كما يمكن له أن ينقلها إلى الغير، وكيف كان فالأحوط عند عدم ذكر الشرط أو عدم كون المعاملة مبنيّة عليه هو التصالح بين المؤلّفين و الناشرين.

هذا كلّه فيما إذا كان بيع النسخة الأصليّة من دون شرط إسقاط حقّ التكثير و نحوه ممّا له بسبب تأليف الكتاب ونحوه، و أما إذا كان بيعها مع اشتراط إسقاط حقّه فلاكلام في عدم استحقاق المؤلّف ونحوه شيئاً بعد ذلك الشرط، فلاتغفل.

تنبيهات:

التنبيه الأوّل: يجوز للمؤلف أن يتنازل عن حقه فى قبال عوض او بدونه

إنّه يجوز للمؤلّف أن يتنازل عن حقّه بناء على ثبوت الحقّ له في قبال عوض ماليّ أو بدونه لشخص أو جهة من الجهات، فإذا تنازل عن حقّه بالنسبة إلى طبع كتاب خاصّ انتقل هذا الحقّ إلى الشخص المذكور الذي يكون طرفاً لتنازله و يترتّب عليه مايترتّب على الحقّ قبل انتقاله، فلايجوز حينئذ لأحد حتّى المؤلّف أن يطبع الكتاب المذكور من دون توافق مع من انتقل الحقّ إليه قضاء لانتقال الحقّ‌

المالي إليه، ففي هذه الصورة يحلّ المتنازل له محلّ المؤلّف في جميع حقوقه الماليّة التي تنازل عنها.

ولكن هذا كلّه بالنسبة إلى الحقّ المالي.

و أما الحقّ المعنوي و الأدبي من كونه أثراً و فعلاً للمؤلّف فلايكون قابلاً للانتقال إلى الغير لأنّه حقّ تكوينيّ‌، و الواقع التكويني لاينقلب عمّا هو عليه، كما لايخفى.

و لذا قال في كتاب «حماية حقوق المؤلّف بين النظرية و التطبيق»(1): غير إنّ هذا التنازل لايلزم المؤلّف بالتخلّي عن الحقوق الأدبيّة أو المعنوية و بخاصّة حقّ احترام المصنّف و حقّ الاُبوّة أي نسبة المصنّف إلى مؤلِّفه و تبقى هذه الحقوق يتمتّع بها المؤلّف ولو أنّه تنازل عن الحقوق الماليّة للغير.(2)

و لافرق فيما ذكرنا بين أن يكون الكتاب باسم حقيقيّ للمؤلّف أو باسم مستعار لعدم دخالة الاسم في الحقّ المالي أو المعنوي بل المؤثّر هو المسمّى و هو المؤلّف المولّد ثمّ إنّ نسبة تأليف الغير إلى نفسه كذب و خيانة و لعل يشمله قوله تعالى (لاٰ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمٰا أَتَوْا وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمٰا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاٰ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفٰازَةٍ مِنَ اَلْعَذٰابِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ‌)(3) نعم لابأس بذلك مع توافق المؤلّف لو كان له داع عقلائي مشروع في ذلك و لافرق فيه أن يكون توافق المؤلّف بعوض أو بدونه.

ثمّ إنّ التنازل يحصل بلفظ أو فعل أو بمعاوضة و غيرها كالهبة و نحوها و لادخالة للكتابة فيه. و ممّا ذكر يظهر ما في كتاب حماية حقوق المؤلّف حيث قال: و يشترط التنازل عن الحقّ المالي للمؤلّف أن يكون مكتوباً و الكتابة هنا عنصر في

**

(1) تأليف الدكتور تركي صقر.

(2) حماية حقوق المؤلّف: تأليف: الدكتور تركي صقر، 180.

(3) آل عمران: 188.

انعقاد التصرّف لامجرّد وسيلة للإثبات و ذلك ما لم يكن التصرّف هبة مباشرة فيجب أن يكون بورقة رسميّة لإحكام الهبة.(1)

و ذلك لأنّ الكتابة أو الورقة الرسمية وسيلة للإثبات لاعنصر في انعقاد التصرّف اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ المقصود من الكتابة أو الورقة هو ما يقع إنشاء المعاملة بها بنحو المعاطاة فتكون حينئذ عنصراً لانعقاد التصرّف بها، ولكن لايذهب عليك أنّ المعاملة لاتنحصر وقوعها بالكتابة أو الورقة الرسميّة و لعل ذلك من ناحية قرار الحكومة بأن يكون تعهّدها بإجراء القانون فيما إذا كان التنازل مكتوباً فلو لم يكتب لم يتعهّد الحكومة بشيء في هذه الصورة و إن تحقّق التنازل بحسب الواقع كما ذكرناه.

ثمّ إنّ تنازل المؤلّف عن حقّه المعيّن لايستبع تنازله عن حقّ آخر لعدم الملازمة بينهما، فإذا تنازل عن حقّ الطبع لايستلزم ذلك تنازله عن حقّ الترجمة و غيره، و الوجه فيه واضح لأنّ بعد قيام الدليل على أنّ للمؤلّف حقوقاً متعددة فرفع اليد عنها محتاج إلى الدليل فإذا اختصّ الدليل ببعضها فلاوجه لرفع اليد عن غيره.

هذا كلّه في التأليفات الموجودة، فإن نقل حقّه بالنسبة إليها للغير فلامانع منه و أمّا نقل الحقّ قبل التأليف فلاأثر له و إن عيّن المصنّف المستقبل بذكر الأوصاف، لأنّ الحقّ متفرّع على وجود الكتاب و المفروض هو عدم التأليف.

و دعوى صحّة ذلك، لجواز التعامل في الأشياء المستقبليّة إلاّ أنّه يجب أن يكون المصنَّف معيّناً تعييناً نافياً للجهالة و إلاّ كان التصرّف باطلاً لعدم تعيّنه(2) مندفعة بأنّ المعاملة في الأشياء المستقبليّة إن كانت بمثل النسية أو السلف فالمتعلّق هو الكلّي في الذمّة و هو أمر موجود و لايقاس به حقّ التأليف، لأنّه يتكوّن بعد وجود خارجيّ للتأليف و يتفرّع عليه، فلاحقّ قبل التأليف فنقله للغير قبل وجوده

**

(1) حماية حقوق المؤلّف: 185.

(2) حماية حقوق المؤلّف: 189.

لاأثر له، فإنّه نقل ما لاوجود له اللّهمّ إلاّ أن يكون المقصود هو النقل بعد فرض الثبوت بنحو القضيّة التعليقية و التقديرية فإنّه لامانع منه في حدّ نفسه لولاالإجماع على خلافه; و عليه فالنقل لو كان بمثل البيع في الفرض المذكور لايصحّ لقيام الإجماع على بطلان البيع التعليقي و التقديري كما قرّر في محلّه، هذا بخلاف ما إذا كان ذلك بمثل المصالحة، فلاإشكال فيه لو كان المعاملة المذكورة متعارفة، فتدبّر جيّداً.

التنبيه الثاني: فى عقد النشر

في عقد النشر و هو أن يعقد المؤلّف مع الناشر لنشر مصنّفه أو مصنّفاته مع التعيين لدفعة أو دفعات معيّنة بقرار معلوم، ففي هذه الصورة لاينتقل إلى الناشر الحقّ المالي للمؤلّف و لايحلّ الناشر محلّ المؤلّف في حقوقه و إنّما يكون الناشر ملتزماً بنشر الكتاب طبقاً لشروط عقد النشر و للمدّة المحدّدة في هذا العقد أو للطبعة أو الطبعات المذكورة فيه.

و إن أخلّ الناشر بالتزامه أو لم يقم بإعادة الطبع للمصنّف في مدّة مقبولة بعد نفاد الطبعة السابقة فللمؤلّف استعادة حقه في استغلال الكتاب بالفسخ للتخلّف عن الشروط فينشره المؤلّف بنفسه أو عن طريق ناشر آخر.

و أمّا إذا لم يخلل الناشر بالتزامه و قام بإعادة الطبع للمصنّف في المدّة المقبولة فلايجوز للمؤلّف فسخ و لاالقرار في تلك المدّة مع ناشر آخر قضاء للعقد الذي كان بينه و بين الناشر.

التنبيه الثالث: لاخلاف بين من أثبت الحق للمؤلف في ثبوت ذلك الحق في زمان حياته الاّ انهم اختلفوا في مدة استمراره بعد الفوت

إنّه لاخلاف بين من أثبت الحقّ للمؤلّف في ثبوت ذلك الحقّ طول حياة المؤلّف إلاّ أنّهم اختلفوا في مدّة استمراره بعد وفاة المؤلّف للورثة.

قال في كتاب حماية حقوق المؤلّف: ولكن الجدل الذي استمرّ طويلاً و أخذ

مناحي كثيرة بين الفقهاء و المشرّعين هو مدّة الحماية بعد وفاة المؤلّف و حقّ الورثة و امتداداته بعد وفاة المؤلّف، فهل هذا الحقّ موقّت أو محدّد بمدة قصيرة أو ممتدّة أكثر من اللازم، و لماذا لايتمتع المجتمع أيضاً الذي نشأ منه المؤلّف و استمدّ منه المؤلّف أفكاره و عطاءه الفكري بهذه المصنّفات، أي لماذا لايسقط حقّ المؤلّف المالي في المال أو الملك العام و يصبح من حقّ العامّة أن يعيدوا نشر المصنف دون مقابل و لمصلحة الجمهور و الناس و تقدّم المجتمع‌؟

إذن، كما قلنا إنّ الخلاف كان على مدّة حماية الحقّ المالي للمؤلّف بعد الوفاة و هذه المسألة مرّت بمراحل عديدة في فرنسا فبحسب قانون (13-19 تموز 1793) كانت مدّة الحماية خمس سنوات، و على أساس قانون (19-24 تموز 1797) صارت عشر سنوات، ثمّ اصبحت مدّة حماية الحقّ المالي للمؤلّف عشرين سنة جعلها المشرّع الفرنسي (عام 1810) ثلاثين سنة، و أخيراً استقرّ على جعل هذه المدّة خمسين سنة (بقانون 1861).(1)

و لايخفى عليك أنّ البحث المذكور له مجال لو قلنا بأنّ ثبوت الحقّ للمؤلّفين من باب حكم العرف بثبوت الحقّ و بنائهم عليه، لامن باب تشخيص العرف وجود مصداق من مصاديق الحقّ‌، فإنّ في الأوّل على تقدير حجيّته يصحّ تحديده بزمان خاصّ‌، لأنّ الأمر بيدهم بخلاف الثاني فإنّ مع ترتّب الفائدة على التكثير في الأزمنة المتأخّرة كان التكثير حقّاً من حقوق المؤلّف فما دام هذه الفائدة موجودة كان الحقّ ثابتاً كما عرفت في صدق المال على الدم، فإنّ مثل الدم لم يكن في العهد السابق مالاً لعدم ترتّب فائدة عليه ثمّ صار ذا فائدة و مع صيرورته كذلك يصدق عليه المال عرفاً و يكون مصداقاً من مصاديق المال، و لامجال لتحديد ذلك بالسنوات بل هو كذلك ما دام كان له الفائدة في الواقع، و عليه فيمكن في المقام أن

**

(1) حماية حقوق المؤلّف: 181.

يقال بدوام الحقّ بعد موت المؤلّف للورثة مادام كان للتكثير فائدة و العرف ليس بموجد الحقّ بل هو كاشف عن الحقّ‌، فلاوجه للتحديد بناء على ثبوت الحقّ لافي زمان المؤلّف و لابعده، فلاتغفل. ثمّ لو كان هذه الفائدة مترتّبة على التكثير في بعض البلاد دون الاُخرى اختص صدق الحقّ بالبعض المذكور و لادليل على صدق الحقّ في بلاد أخرى التي لم يترتّب فائدة على التكثير فيها.

كما أنّه لو قلنا بأنّ ثبوت الحقّ من باب حكم العرف بثبوت الحقّ وبنائهم عليه اختصّ ذلك بالبلد الذي يحكم العرف بذلك فيه فلاوجه للتعدّي منه إلى سائر البلدان لو لم يوافقوا على ذلك فيها.

ثم إنّه لو شكّ في مدّة اعتبار الحقّ بناء على أنّ ثبوت الحقّ من باب حكم العرف و بنائهم يؤخذ بالقدر المتيقّن و يرجع فيما زاد إلى الأصل، و لامجال للاستصحاب في البناءات مع فرض كونهم شاكّين، كما لامجال له في الأحكام العقلية لأنّ نفس الشكّ فيها يكفي في الحكم بالعدم إذ لو كان بناء أو حكم عقليّ لمّا شكوا فيه، هذا بخلاف ما إذا قلنا بأنّ العرف مرجع في تشخيص الموضوع فإنّه بعد وجود الموضوع يمكن استصحابه لو شكّ في بقاء الموضوع، كما لايخفى.

التنبيه الرابع: مجرّد تملّك النسخة الأصلية لايستتبع نقل حق المؤلف الى المتملّك

إنّ مجرّد تملّك النسخة الأصليّة لايستتبع نقل حقّ المؤلّف إلى المتملّك بناء على ثبوت حقّ التأليف بالعرف بالتقريب الماضي و إن لم يشترط ذلك في عقد من العقود، بل يجب على المتملّك تمكين المؤلّف من استنساخها ما لم يقع قرار بين المتملّك و المؤلّف على انتقال حقّ المؤلّف إلى المتملّك رأساً، إذ لايكون مجرّد نقل النسخة الأصلية قرينة على انتقال حقّ المؤلافّ لمشتري، ولو أرادا ذلك لزم عليهما التصريح به في متن العقد و مع عدم إحراز ذلك لايجوز للمشتري أن يمنع المؤلّف عن استيفاء حقّه.

نعم لو ثبت حقّ التأليف من ناحية الاشتراط فمع عدم الاشتراط لايثبت حقّ للمؤلّف و جاز للمتملّك للنسخة التصرّف فيها كيف ما يشاء.

و ممّا ذكرناه يظهر ما في كتاب حماية حقوق المؤلّف حيث قال: و هناك على أيّة حال مشكلان إمّا أن يتّفق مع مؤلّف مالك النسخة الأصليّة على تمكينه من نسخ هذه النسخة أو نقلها بمقابل أو غير مقابل أو يتّفق مالك النسخة الأصليّة مع المؤلّف على ان ينقل إليه حقوقه ففي الصورة الاولى يستطيع ان ينسخ النسخة الاصلية أو ينقلها و أن يباشر حقّه في استغلاله المالي لمصنَّفه، و في الصورة الثانية يستطيع مالك النسخة الأصليّة و قد انتقلت إليه حقوق المؤلّف أن يباشر هذه الحقوق، أمّا إذا لم يتّفق المؤلّف مع مالك النسخة الأصليّة على تمكينه من نسخها و لم ينفق مالك النسخة الأصليّة على أن ينقل إليه حقوقه ولم يكن هناك سبيل آخر للمؤلّف للحصول على نسخة اُخرى من مصنفه فإنّ النسخة الأصليّة تبقى منفصلة عن حقوق المؤلّف و لايستطيع المؤلّف و لامالك النسخة الأصليّة مباشرة هذه الحقوق.(1)

و ذلك لأنّ حقّ التأليف إن ثبت بالعرف بالتقريب الماضي ولو لم يشترط شيء عند الانتقال جاز تصرّف المؤلّف في الاستنساخ و نحوه و لزم على المتملّك التمكين لذلك و لايجوز للمتملّك أن يتصرف في حقوق المؤلّف.

و إن ثبت حقّ التأليف من ناحية الاشتراط فمع عدم الاشتراط لايجوز للمؤلف أن يتصرف في النسخة الأصليّة بعد بيعها و يجوز للمتملّك أن يتصرّف فيها كيف مايشاء، فلاتغفل.

التنبيه الخامس: حق المؤلف بعد ثبوته يكون حقاً مالياً

إنّ حقّ المؤلّف بعد ثبوته يكون حقّاً ماليّاً و من جملة تركة الميّت ويرثه

**

(1) حماية حقوق المؤلّف: 190-191.

ورّاث المؤلّف و لافرق في ذلك بين أن يكون حقه مفروزاً أو حقّاً مشتركاً، فإذا تعيّن سهم المؤلّف يرثه ورّاثه و إذا اشترك في تأليف مصنَّف أكثر من مؤلّف واندمج عملهم في وحدة بحيث لايمكن الفصل بين نصيب كلّ واحد منهم فإن اتفقوا على تقسيم الحصص المختلفة فهو و الاّ فقد يقال يكون حقّ المستحقّين على الشيوع و تكون حصتّة كلّ منهم متساوية مع حصّة الآخر.(1)

ولكنّه محلّ تأمّل و نظر لأنّ مع عدم التوافق يستحقّ كلّ واحد بمقدار تأثير عمله في تكوين التأليف، فإنّ أمكن تعيين ذلك بالتقويم و إلاّ فيحكم بالتصالح بينهم إن كانوا أحياء و إلاّ فبين ورثة بعض و بقيّة الأفراد إن مات بعضهم أو بين الورّاث إن مات جميعهم.

هذا إذا لم يمكن تمييز و فصل بين نصيب كلّ مؤلّف من المساهمين في المصنَّف المشترك و إلاّ فمع تعين و تميز ذلك كما إذا اشتركوا في تأليف كتاب بحيث يقوم كلّ واحد منهم بتأليف فصل خاصّ منه ففي هذه الصورة يتعيّن نصيب كلّ مؤلّف بتعيين فصله الذي ألّفه و لااشتراك، كما لايخفى.

ثمّ إنّ المصنفات الجماعيّة كما إذا ساعد أشخاص متعدّدة للّذي له الفكرة و هو يوجّه الجميع نحو الفكرة المطلوبة لاتكون محكومة بأحكام المصنَّفات المشتركة، بل صاحب الفكرة هو المؤلّف و حقّ التأليف مختصّ به والبقيّة لهم اُجرة عملهم بالتوافق الذي بينهم و بين صاحب الفكرة، فيرث حقّ صاحب الفكرة خصوص ورّاثه، كما لايخفى.

التنبيه السادس: حق المؤلف و نحوه مركب من حق مالى و معنوى

إنّ حقّ المؤلّف و نحوه مركّب من حقّ ماليّ و معنوي، و لذلك قد يعبّر عن

**

(1) حماية حقوق المؤلّف: 202.

حقّ المؤلّف بحقّ مزدوج لأنّه من جانب حقّ مالي للمؤلّف و من جانب آخر حقّ معنويّ أو أدبي له.

و المراد من الحقّ المالي واضح و المراد من الثاني هو أن لايجوز للغير نسبته إلى نفسه أو الإضافة فيه أو الحذف منه و غير ذلك من التغييرات.

ثمّ إنّ الحقّ المالي يجب مراعاته و التخلّف عنه موجب للضمان بناء على ثبوت الحقّ المالي للمؤلّفين كما مرّ تفصيل ذلك.

و أمّا مراعاة الحقّ المعنوي فهي أيضاً من الواجبات لأنّ التخلّف عنها خيانة بالنسبة إلى المؤلّفين و إنقاص لشخصيتهم و موجب لإيذائهم أحياناً، كما لايخفى.

نعم إذا كان الكتاب من الكتب الضالّة فهو مسلوب الحقّ و الماليّة فيجوز تغييره، بل يجب المنع عن نشره و إمحائه إلاّ إذا كان مورداً لحاجة المحقّقين للردّ عليه، فيجوز إبقاء نسخ منها لذلك، و إذا كان مثل المسجّلات و نحوها من المضلاّت فاللازم هو الاقتصار على الإمحاء و لايجوز كسر نفس المسجّلات و نحوها، كمالايخفى.

التنبيه السابع: في حكم ما اذا وضع الورثة اسم مؤلف اخر بجوار اسم مورثهم

إنّه ربّما يقال إنّ الورثة بعد فوت المؤلّف لو وضعوا اسم مؤلّف آخر - مازال على قيد الحياة - بجوار اسم مورّثهم على المصنَّف فالحقّ المالي يبقى في هذه الحالة طوال حياة هذا المؤلّف و لمدّة خمسين عاماً بعد وفاته.(1)

و لايخفى ما فيه إذ لاحقّ لمؤلّف آخر بالنسبة إلى هذا التأليف و مجرّد وضع اسمه على مصنّف آخر لايوجب شيئاً، فالحقّ يكون لخصوص مؤلّف هذا التأليف على التفصيل الذي عرفت، فإذا لم يكن له حقّ لمؤلّفه فوضع اسم مؤلّف آخر بالنحو

**

(1) حماية حقوق المؤلّف: 207.

المذكور من الحيل الباطلة غير المشروعة، و ما أخذ بسبب ذلك يكون أكل المال بالباطل; هذا بناء على عدم ثبوت حقّ التأليف لمؤلّفه بالاشتراط أو غيره، و إلاّ فمع ثبوت حقّ التأليف لمؤلّفه و عدم إمكان استيفائه إلاّ من طريق انضمام اسم مؤلّف آخر بالنحو المذكور فلايكون ذلك من الحيل الباطلة من هذه الحيثية، نعم لو كان ذلك موجباً للغرور أو الإغراء بالجهل لما كان جايزاً فتدبّر جيّداً.

و يجوز أخذ وجه لوضع اسمه في جوار اسم المؤلّف إذا لم يكن من الحيل الباطلة و لايلزم منه إغراء أو غرور، كما يجوز ذلك في مثل إعطاء الأسناد العلميّة أو التجارية أو نحوهما للغير في مقابل أخذ شيء، كلّ ذلك فيما إذا لم يترتّب عليه محذور من المحذورات ولم يشترط في الأسناد المذكورة الاستفادة المباشريّة ولم يمنع عند الحكومة الصالحة، فلاتغفل.

التنبيه الثامن: لو شرط المؤلف و نحوه في ضمن معاملة نسخة تأليفه مع الناشر ان يكون له كذا و كذا

إنّه لو شرط المؤلّف و نحوه في ضمن معاملة نسخة تأليفه مع الناشر أن يكون له عشرة نسخة مثلاً من كلّ مأة نسخة تطبع كان له ذلك ويصير شريكاً بنحو الكلّي في المعيّن مع الناشر عند طبع كلّ مأة نسخة كما توافقا عليه بنحو الشرط النتيجة، ولو شرط أن يعطيه الناشر المقدار المذكور من كلّ مأة نسخة بنحو شرط الفعل وجب على الناشر أن يعطيه ذلك المقدار ولكن لم يصر بذلك شريكاً مع الناشر، و هذا واضح عند اشتراط المؤلّف مع الناشر.

و اذا لم يشترط المؤلّف شيئاً في عقد من العقود فإن لم يثبت له حقّ التأليف عند عدم الاشتراط فإذا أقدم الناشر على طبعه لم يكن للمؤلّف شيء لأنّ المفروض إنّه لم يشترط شيئاً لنفسه و لم يثبت له شيء عند العرف بناء على عدم ثبوت شيء له، فلاموجب لدعوى الشركة.

و دعوى الشركة في هذا الفرض، بدليل أنّ التأليف أوجب تحقّق إضافة ماليّة

قائمة بما ألّف، فإنّ التأليف يكون نتيجة أعماله و تفكّره فهو يكون مملوكاً له و تحت سلطنته فله منع الغير من التصرّف فيه بالطبع و النشر، لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم عرفاً و شرعاً قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ الناس مسلّطون على أموالهم.(1)

مندفعة بأنّ الملكيّة بالنسبة إلى نتيجة عمله و إن كانت أمراً ثابتاً و لاإشكال فيه ولكن بعد المعاملة عليه بالبيع أو المصالحة من دون اشتراط حقّ التأليف لنفسه و عدم حكم العرف بكونه مستحقّاً لحقّ التأليف لاموجب للشركة في عين مال الناشر، نعم إن ثبت له حقّ التأليف بالعرف فغاية الأمر أنّ ملكيّة المؤلّف بالنسبة إلى نتيجة عمله تقتضي حقّاً له عند العرف و أين هو من الشركة، فإنّ الحقّ أمر وراء عين مال الناشر، فتدبّر جيّداً.

و لو تخلّف الناشر عن أداء حقّ المؤلّف ضمنه فيما إذا ثبت له حقّ التأليف، بخلاف من اشترى من الناشر المذكور نسخاً من الكتاب فإنّه لاضمان له بالنسبة الى حقّ التأليف، إلاّ إذا كان حقّ التأليف مشروطاً بنحو شرط النتيجة و عليه فالمؤلّف شريك في النسخ لو كان بنحو الإشاعة بخلاف ما إذا اشترط بنحو الكلّيّ في المعيّن فإنّ بيع النسخ و اشترائها لايوجب الضمان، إلاّ إذا كان النسخ الباقية بقدر حقّ المؤلّف فلايجوز معاملتها بدون رضاية المؤلّف.

التنبيه التاسع: اذا اختلف العرف بحسب اختلاف الأمكنة

انّه إذا اختلف العرف بحسب اختلاف الأمكنة ففي كلّ مكان يعتبر عرف هذا المكان، فإذا كان حقّ التأليف ثابتاً عند بلد يترتّب عليه أحكامه في هذا البلد بخلاف سائر البلاد التي لم يكن الحقّ المذكور ثابتاً عندهم، كما إنّ ماليّة الأشياء كذلك ففي كلّ بلد يكون شيء كالدم مالاً يترتّب عليه أحكام المالية.

**

(1) المسائل المستحدثة: 95-97.

نعم اللازم في كون حقّ أو مال عرفياً هو بناء نوع أفراد ذلك البلد عليه بحيث يكون ارتكازياً لهم و لايكفي فيه بناء بعض الأفراد عليه، كما لايخفى.

و ممّا ذكر يظهر اختلاف العرف بحسب الأزمنة ففي كلّ زمان يعتبر عرف هذا الزمان، فإذا رأى العرف للتكثير و الاستنساخ فائدة صار ذلك حقّاً ماليّاً للمؤلّف و يشمله الأدلة الدالّة على لزوم مراعاة حقوق الآخرين، كما لايخفى.

التنبيه العاشر: كلّما نقول بالنسبة الى الكتب من جهة اختصاص حق تكثيرها يجرى في غيرها من الافلام و نحوها

إنّ كلّما نقول بالنسبة إلى الكتب من جهة اختصاص حقّ تكثيرها أو ترجمتها بالمؤلّف أو المترجم يجري حرفاً بحرف في أمثالها من رقائق الكومبيوتر و اللوحة و الأفلام و نحوها لتعلق حقّ مولّديها بها، و ما ذكرناه في حقّ التأليف يكون من باب المثال و عليه فيجري في غير الكتب أيضاً، فمن يستأجر فيلماً لعرضه على الجمهور قد انتقل إليه حقّ الاداء العلني في المدّة المعيّنة أو في المكان المتّفق عليه و بمقابل متّفق عليه. فلايجوز له التعدّي عن ذلك، كما لايجوز لمولّده منعه عن ذلك في المدّة المعيّنة بعد لزوم المعاملة لو لم يكن له خيار الفسخ.

و بالجملة كلّ أثر يعتبر فيه لمؤثّره حقّ بالنسبة إلى نشره أو تكثيره أو ترجمته أو إرائته لايجوز ذلك فيه إلاّ مع التوافق مع مؤثّره.

و ينقدح من ذلك حكم التقليد و التكثير بالنسبة إلى الأجناس المخترعة المصنوعة فإنّ التكثير أو التقليد في مثلها مع كونه ذا فائدة من حقوق المخترع فلايجوز ذلك من دون تحصيل رضاية المخترع و المبتكر لأنّه تجاوز بالنسبة إلى حقّهما عرفاً.

نعم يجوز ذلك إذا كان المصنوع اللاحقّ مغايراً مع السابق و إن كان شبيهاً به في بعض الجهات، كما إنّ تأليف كتاب لاحق يشبه للكتاب سابق لامانع منه و يجوز نشره لأنّ ذلك لايكون تجاوزاً بالنسبة إلى حقّ من سبق إلى تأليف أو صناعة و نحوها.

فالملاك في جواز صنعة المشابه هو صدق المغايرة عرفاً مع الشيء الذي صنع قبلاً، و إلاّ فلايجوز التقليد و التكثير لأنّه تجاوز بالنسبة إلى حقّ مبتكره و مخترعه عدى موارد الاستثناء; منها كون المخترع حربيّاً ومنها استلزام عدم التقليد و التكثير لسلطة الكفّار على المسلمين أو هدم النظام الاسلامي فإنّ مقتضى قوله تعالى: (وَ لَنْ يَجْعَلَ اَللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) ،(1) عدم جواز تسبيل سبيلهم و هدم النظام، و هكذا لو امتنع الكفّار من تعليم علوم الصنايع النظاميّة ونحوها جاز للمسلمين أو وجب عليهم أن يطّلعوا عليها ولو بالوسائل الخفيّة، إذا توقّف عليه حفظ النظام أو نفوس المسلمين أو المنع عن سلطة الكفّار. ولكن جواز ذلك أو وجوبه لايستلزم عدم الضمان فيما إذا كانت أموالهم أو حقوقهم ذات احترام في نفسها، فتدبّر جيّداً.

التنبيه الحادي عشر: لااشكال في جواز تغيير المؤلف تأليفه

إنّه لايذهب عليك أنّه لاإشكال ولاكلام في جواز تغيير المؤلّف تأليفه أو المنع عن طبعه لتبدّل نظره وإنّما الكلام في أنّ تضرّر الناشرين من هذه الناحية هل يمنعه عن ذلك أو هل يلزم المؤلّف بجبران الضرر لو اقدم على ذلك أم لا؟

و قد يقال بأنّه يلزم على المؤلّف إذا طرأت أسباب خطيرة أن يطلب من المحكمة الحكم بسحب مصنّفه من التداول أو بإدخال تعديلات جوهريّة عليه على الرغم من تصرّفه في حقوق الاستغلال المالي، و يلتزم المؤلّف في هذه الحالة بأن يعوّض مَن مُقدّماً ممّن آلت إليه حقوق الاستغلال المالي تعويضاً عادلاً يدفع في غضون مدّة تحدّدها المحكمة و إذا لم يحصل ذلك الإجراء يزول أي أثر للحكم

**

(1) سورة النساء: 141.

الذي اقتضى صدوره.(1)

و التفصيل يقتضي الكلام في ضمن صور:

أحدها: أن لايكون للمؤلّف قرار مع غيره بالنسبة إلى الضرر الحاصل من التغيير أو المنع عن الطبع الجديد ففي هذه الصورة يجوز له ذلك و لادليل على تداركه الضرر الناشي من التغيّر و التبديل إذ الضرر المذكور مقدّم عليه لشيوع ذلك من المؤلّفين فإنّهم كثيراً ما يغيّرون أو يمنعون عن النشر بجهة من الجهات.

ثانيها: أن يتعهّد المؤلّف مع الناشر أن لايغيّر تأليفه و لايمنع عن نشره إلى مدّة معيّنة ففي هذه الصورة يجب عليه أن يعمل بشرطه حتّى انقضت المدّة نعم يجوز له أن يكتب موارد التغيير في كتيب و ينشرها كما لايخفى.

ثالثها: أن ينتقل المؤلّف نسخته مع جميع حقوقه إلى الناشر و اشترط عليه أنّ له أن يغيّر الكتاب إذا شاء ففي هذه الصورة لايجوز للناشر أن يمنعه عن ذلك طبقاً للشرط المذكور، نعم لو نقل المؤلّف جميع حقوقه بدون اشتراط شيء لنفسه فلاحقّ للمؤلّف بالنسبة إلى التغيير و التبديل بل للناشر أن يمنعه عن ذلك، نعم ربّما يقال إنّ الممانعة عن التغيير و التبديل يوجب توقّف السير التكاملي في العلوم و هذا يتطلّب جواز ذلك للمؤلّفين. و يمكن الجواب عنه بالمنع لتمكّن المؤلّف من أن يؤلّف تأليفاً جديداً أو ينشر كتيبات و يذكر فيها الأفكار الجديدة.

التنبيه الثاني عشر: قديقال انّ الالتزام بحق التأليف والترجمة و نحوهما يوجب اعطاء كثير

إنّه قد يقال أن الالتزام بحقّ التأليف و الترجمة و نحوهما يوجب إعطاء كثير من الدلارات للبلاد الغربية حتّى يرخّص في ترجمة آثارهم و ليس لنا في مقابل كتبهم شيء يعامله حتّى يتهاتر ما أعطينا مع ما أخذناه.

**

(1) حماية حقوق المؤلّف: 227-228.

فلو لم يمكن لنا أداء حقوق تأليفاتهم و ترجمتها فالالتزام بوجوب الإعطاء ينتهي إلى إيقاف المسلمين عن الرشد العلمي و الاطلاع و الإشراف بالنسبة إلى العلوم الموجودة هو خسارة عظيمة.

يمكن أن يقال: إنّ الإشكال المذكور يأتي في غير الكتب من اللوازم المصنوعة في البلاد الغربيّة أيضاً فكما إنّ الحاجة إليها توجب إعطاء ثمنها و أخذها فكذلك الحاجة توجب إعطاء ثمنها و أخذ ها بالنسبة إلى الكتب، و على فرض تسليم عدم تمكّنهم من ذلك لزم على الحكومة أن تساعدهم في ذلك بحيث لايلزم من ذلك الإيقاف و عدم الاطلاع بالنسبة إلى العلوم الحديثة الرائجة.

و بالجملة فمع قبول حقّ التأليف و الترجمة لافرق فيه بين الكتب الموجودة في بلادنا و بين الكتب الموجودة في بلاد الكفّار، نعم لو كان الكفّار في حرب مع المسلمين جاز تكثير تأليفاتهم أو ترجمتها من دون حاجة إلى إعطاء شيء إليهم لعدم حرمة لأموالهم كنفوسهم، فلاتغفل.

و أمّا الاستدلال لجواز التكثير أو الترجمة بالنسبة إلى الكتب الغربيّة بأنّهم سرقوا كتبنا في القرون الماضية و لها سهم وافر فيما ألّفوا وصنّفوا و ذلك يوجب جواز التكثير أو الترجمة و نحوهما من باب التقاص ففيه مالايخفى، فإنّ السارق ربّما لايكون هو المؤلّف حتّى يجوز التكثير أو ترجمة آثاره من ذلك الباب، هذا مضافاً الى أنّ حقّ التأليف و الترجمة من الحقوق المستحدثة، اللّهمّ إلاّ أن يكون النظر في المقاصة إلى سرقة أعيان الكتب السابقة، فتأمّل.

و دعوى أنّ المؤلّفين منهم في عصرنا و إن لم يكونوا هم السارقون ولكنّهم استفادوا من الكتب المسروقة من البلاد الإسلاميّة و عليه فيضمنون بالنسبة إلينا فيجوز حينئذ أخذ تأليفاتهم أو ترجمتهم من دون إعطاء حقّ التأليف مقاصةً‌.

مندفعة بأنّ الاستفادة من الأعيان المسروقة و إن كانت موجبة للضمان ولكنّ الضمان بالنسبة إلى مالكها و ورّاثها لابالنسبة إلينا و إن كان النظر إلى ضمانهم

بالنسبة إلى عنوان المسلمين بدعوى أنّهم سرقوا تمدّن مجتمع المسلمين في الأزمنة السابقة ففيه أنّ الضمان لعنوان المسلمين لالآحادهم حتّى يجوز لهم تكثير آثارهم أو ترجمتهم من باب مقاصة الضمان، و المسألة محتاجة إلى تأمّل زائد.

التنبيه الثالث عشر: لو كان تأليف كتاب و نحوه في زمان لايعتبر فيه حق التأليف ولكن بقى الى زمان الاعتبار

إنّه لو كان تأليف كتاب و نحوه في زمان لايعتبر فيه حقّ التأليف ولكن بقي الكتاب إلى زمان يعتبر فيه حقّ التأليف فهل العبرة بزمان التأليف حتّى لايستحقّ المؤلّف شيئاً بالنسبة إليه أو العبرة بزمان الاعتبار؟ و الظاهر هو الثاني لأنّ الكتاب مستند إلى المؤلّف و اعتبر العرف في الزمان الثاني له حقّ التكثير و إن ألّفه في زمان لم يعتبر ذلك حقّاً له و عليه فإن كان المؤلّف في زمان الاعتبار حيّاً استوفى حقّه و إن كان ميّتاً فهو من التركة ويرثه وارثه، فتدبّر جيّداً.

المسألة التاسعة عشر حقّ السرقفليّة أو بدل الخُلُو

اشارة

المسألة: في ما يسمّى في مصر ببدل الخلو و في المغرب ببدل الجلسة أو المفتاح و في الإيران ببدل السرقفلي و في غير تلك البلاد بعناوين اُخر كالفراغ أو الإفراغ، و كيف كان يمكن تعريفه باختصار بأنّه هو ما يأخذه المستأجر و لو بعد انقضاء مدّة الإجارة في قبال تخليته محلّ الإجارة و تنازله عنه أو انتقال حقّه.

و يلحق به بدل العرق بالنسبة إلى الزرّاع الذين استاجروا الأراضي للزراعة حيث أنّهم لايخرجون عنها إلاّ بأخذ شيء يسمّونه بدل العرق الذي يسمّى في اللغة الفارسيّة به حقّ الريشة.

و قد اعتقد العرف في زماننا هذا إنّ ذلك من الحقوق الماليّة فاللازم حينئذ هو بيان الوجوه المذكورة لتبيّن كيفيّة كونه من الحقوق.

تصويرات فقهية لكونه من الحقوق

اشارة

1 - ربّما يقال في بيان حقيقة ذلك إنّه هو حقّ الإيجار و المراد به هو اعتبار المالك عند العقد سلطة للمستأجر في ايجار المحل لنفسه أو لغيره، و هذا الحقّ له اعتبار ماليّ عند العقلاء و قائم بالعين و يقابل بالعوض.

أورد عليه بأنّ إطلاق الحقّ عليه ليس حقيقة شرعيّة له إذ مضافاً إلى عدم الدليل عليه أنّ الحقّ يستعمل كثيراً في الأخبار و كلمات علمائنا الأبرار في الحكم

و عليه فتشخيص كون مورد خاصّ من قبيل الحكم أو الحقّ يتوقّف على ملاحظة الخصوصيّات و القرائن و لايستفاد ذلك من مجرّد إطلاق الحقّ عليه.(1)

يمكن أن يقال: إنّ حقّ الإيجار لايطلق إلاّ إذا اعتبر السلطة للمستأجر في إيجار المحلّ لنفسه أو لغيره، و هذا الاعتبار ليس بإباحة الإيجار أو الإذن أو الوكالة له في ذلك، بل هو حقّ ينشعب من شؤون المالكيّة و سلطنته على العين، إذ هو كما يملك تمليك الشيء للغير فكذلك يملك اعطاء بعض سلطنته عليه للغير، كتمليك منفعة المحلّ أو حقّ الاستطراق أو حقّ الشرب أو غير ذلك لأنّ كلّ ذلك من مراتب المالكيّة و السلطنة، و العرف يحكم بتحقّق الحقّ حقيقة فيما إذا اُعطي المالك سلطنة الإيجار للمستأجر و مع حكم العرف بذلك لاوجه للتشكيك في ثبوته، و لاينافيه استعمال الحقّ في بعض الموارد في الحكم لأنّه إطلاق مجازيّ و مسامحي و الشاهد على ثبوت الحق إنّ ذلك لو كان حكماً و ترخيصاً لجاز للمالك ان يقدّم بنفسه للإيجار كما جاز له ذلك بعد الإباحة أو الإذن و الوكالة، مع أنّ المعلوم خلافه، و هذا يكفي شاهداً على كون هذا حقّاً من الحقوق و ليس من الأحكام.

أورد عليه بأنّا لو سلّمنا أنّه حق من الحقوق فالحقّ له أقسام مختلفة:

منها: مالايقبل المعاوضة أي لايقبل النقل و الإسقاط كحقّ الحضانة و الولاية.

ومنها: مايقبل الإسقاط و لايقبل النقل كحقّ الشفعة و الخيار.

ومنها: مايقبل النقل و الانتقال و الإسقاط كحقّ التحجير.

و لاإشكال في عدم صحّة جعل العوض في مقابل الأوّل و أمّا البقيّة فيصحّ جعل العوض فيها، غاية الأمر فيما لايقبل الانتقال يصحّ جعله في مقابل الإسقاط ولكن أخذ المال بإزاء إعطاء المالك حق الايجار للمستأجر لايصح، إذ لايظهر من

**

(1) المسائل المستحدثة: 19.

دليل كونه من الحقوق القابلة للانتقال و بناء العرف عليه في هذا الزمان لايجدي.(1)

يمكن أن يقال: لامجال للإشكال المذكور بعد تسليم كونه حقّاً، لأنّ العرف و العقلاء يعتبرون الماليّة لذلك الحق و هو يكفي لقابلية النقل و الانتقال لشمول عمومات أدلّة نفوذ المعاملات، لأنّها من القضايا الحقيقيّة و مقتضاها أنّ كلّما و جد و كان مالا عند العرف و العقلاء صحّ معاملته و عدم إجداء البناءات الجديدة مخصوص بالبناءات العرفيّة في الأحكام دون الموضوعات و لذا حكم جماعة من الأصحاب بصحّة بيع الدم بعد حكم العرف بكونه من الأموال في زماننا هذا، فتأمّل.

و ممّا ذكر يظهر ما في بحوث فقهيّة حيث قال: إنّ هذا لو كان فإنّه لايتعدّى أن يكون شرطاً من الشروط و للمستأجر قابليّة إسقاطه بأن لايستأجر المحل في السنة الثانية، أمّا نقله إلى الغير كحقّ من الحقوق سواء كان مجاناً أو بعوض من صلح و نحوه فهذا ممّا لادليل عليه.

و لو فرضنا أنّ المستأجر القديم اشترط بنحو الشرط الصريح على المالك بأنّ له الحق في تجديد عقد الايجار معه عند حلول الموعد و انتهاء مدّة الايجار فإنّ هذا الشرط يلزم على المالك إجابته في هذه الجهة، أمّا أنّ المستأجر يتنازل عن المحل إلى غيره بأن يأخذ في قبال تنازله مبلغاً من المال فهذا ممّا لم يكن مستفاداً من ذلك الشرط الصريح فكيف به لو كان ضمنيّاً، انتهى.(2)

و ذلك لما عرفت من ثبوت الحقّ بالشرط المذكور و حيث كان مالاً عند العرف و العقلاء يشمله عمومات أدلّة المعاملات الدالّة على النقل و الانتقال، و دعوى أنّ البناءات المستحدثة لاتجدي مندفعة بأنّ ذلك في البناءات المستحدثة في ناحية الأحكام و أمّا الموضوعات فالبناء الجديد فيه يكفي لإثبات الموضوع.

**

(1) المسائل المستحدثة: 19-20.

(2) بحوث فقهيّة: 122.

مثلاً موضوع المعاملات هو المال و حيث إنّ الدم في السابق لافائدة فيه لم يكن مالاً و لذا لايجوز بيعه و أمّا في زماننا هذا اعتبره العقلاء مالاً لترتّب الفوائد عليه و مع هذا الحكم يشمله أدلّة المعاملات و مقتضى شمولها هو النقل و الانتقال، فتأمّل.

ثمّ على تقدير تصوّر حقّ الإيجار يمكن تحقّقه بالجعل ابتداء للمستأجر بإزاء أخذ شيء كما يمكن اشتراطه في ضمن عقد الإجارة في مقابل شيء أو بدون ذلك.

2 - و قد يوجّه ذلك بأنّه هو حقّ البقاء و حقّ السكنى، و ليس المراد به هو إباحة السكنى و إذن المالك له في هذا التصرّف، فإنّه يرجع إلى العارية و للمالك أن يرجع في إذنه و المفروض في السرقفلي هو عدم إمكان رجوع المالك عن إذنه.

كما لايكون ذلك عن ملك لهذه المنفعة، فإنّها إجارة و يبقى إلى أن انقضت مدّة الإجارة و بعد الانقضاء يجوز الرجوع للمالك.

بل المراد من حقّ السكنى كما أفاد السيّد المحقّق الخوئي (قدس سره) هو حقّ محض متعلّق بالسكنى و هو قابل للجعل الابتدائي في عقد مستقلّ كما في باب السكنى. و يترتّب عليه أحكامه، فيجوز له السكونة فيه لاعلى نحو يكون مالكاً للمنفعة و لذا لايسوغ له نقلها إلى الغير بإجارة و نحوهما، و لاتنقل إلى ورثته بعد موته لو كان الحقّ له خاصّة أو لعنوان عام كالطلبة، و لاعلى نحو يتمكّن المالك من الرجوع لفرض لزوم العقد كما في الوقف.

و كذلك يمكن جعله و اشتراطه بشرط صريح أو ضمنيّ إرتكازي في ضمن عقد من العقود، كما لو باع داره واشترط على المشتري أن تكون له السكنى في هذا الدار شهراً إمّا بعوض أو مجاناً، لابأن يبيعها مسلوبة المنفعة في هذه المدّة بل قد باعها بتمام منافعها، و لذا لايجوز له إجارتها خلال الشهر لعدم كون المنفعة ملكاً له بل للمشتري إلاّ أنّه يجعل لنفسه حقّ السكنى و لاريب في نفوذ هذا الشرط عملاً بإطلاق دليله فليس للمالك منعه عن السكنى و لاالإيجار في هذه المدّة من شخص

آخر و ربّما يشترط هذا الحق في ضمن عقد الإيجار فيستأجر الدكّان مثلاً و يجعل لنفسه حقّ السكنى، و هذا يكون على وجوه:

فتارة يكون الشرط هو سكنى نفسه فقط، فمتى رفع اليد يرتفع الحقّ‌، و للمالك إيجاره عندئذ من شخص آخر إذ مورد الحقّ إنّما هو سكنى نفسه مباشرة و قد سقط و من ثمّ لم يكن له نقله لغيره و لااسترجاع المال الذي دفعه للمالك بإزائه إمّا على سبيل الزيادة على الأجرة أو الزيادة في الأجرة، فإنّه قد ذهب من كيسه و لاعودة فيه.

و اُخرى يكون الشرط أوسع من ذلك فيجعل الحقّ لنفسه و لمن يجعل له هذا الحق و ينقله إليه بلاواسطة أو بوساطة أو وسائط، فيكون مورد الحقّ أعمّ من المباشرة و هذا يتصوّر بل يقع كثيراً في الخارج على قسمين:

فتارة يحتاج المالك إلى مال كثير كخمسة آلاف دينار مثلاً لعمارة دار أو بناية دكّان أو فتح محلّ و نحو ذلك ليؤجرها بعدئذ بقيمة لايقدّم عليها أحد قبل التعمير، فيدفع له المستأجر ذلك المال بإزاء أن يكون له حقّ السكنى بالمعنى الجامع، أي بنحو قابل للنقل بالاُجرة التي إتفقا عليها فعلاً مشروطاً بأن لايزيد عليها في السنين الآتية و إن ترقّت القيمة السوقيّة أضعاف ما هي عليه الآن، كما هو كذلك غالباً. فللمستأجر بعد ذلك حقّ السكنى لامجّاناً بل باُجرة معيّنة لاتزيد أبداً، قد حصل على هذا الحقّ بإزاء المبلغ الذي دفعه أوّلاً، المعبّر عنه بالسرقفليّة. و هو حقّ كساير الحقوق له ماليّة عقلائيّة و قابل للنقل إلى الغير ببيع أو إرث ونحوهما بمقتضى الاتفاقيّة إلى أن قال:

و تارة أخرى يشترط على المالك حقّ السكنى كي يستقرّ و لاينتقل من محلّه إلى آخر ولكن كلّ سنة بقيمتهما الفعليّة و لايلزم حينئذ دفع شيء إليه مسبقاً، فلو وافق المالك على هذا الشرط و رضى بالحق لم يكن له بعدئذ إخراجه و لازيادة الاُجرة زيادة فاحشة أضعاف الاُجرة السوقيّة، لكونه بمثابة منعه عن حقّ السكنى

المفروض ثبوته له، وإنّما له الزيادة بالمقدار المتعارف حسب القيمة الوقتية. ثمّ إنّ هذا الحقّ إذا كان ثابتاً له بالمعنى الجامع الأعم تمّ من المباشرة كما هو المفروض، ساغ له نقله إلى الغير و أخذ السرقفليّة منه الخ.(1)

و لايخفى عليك إمكان الصورة الثالثة و هي أن يأخذ مبلغاً في مقابل حقّ السكنى مع إجارة المحل في كلّ سنة بقيمتها الفعليّة في ذلك الوقت.

3 - ربّما يقال إنّ بدل الخلو هي قيمة مدّة باقية من منفعة العقار المستأجر التي تمّ التعاقد عليها ببيع حقّه في سكنى العقار لتلك المدّة لمستأجر آخر (بشروط...) أو لمالك العقار. قال صاحب البيوع الشايعة: فقد أقرّ بصحّة هذا التصرّف قرار مجلس المجمع رقم 6 في البند الثالث و الرابع بشرط أن يكون ذلك أثناء مدّة الإجارة على أنّ ذلك له ضوابط عند من قال به. من ذلك أن يكون وجه انتفاع المستأجر الجديد متكافئاً مع وجه إنتفاع القديم و هناك من الفقهاء من منعه، فقد نصّ في الفتاوى الهنديّة على منعه عند الحنفية و القول بمنعه مروي عن الإمام أحمد و روى عنه الجواز مطلقاً.(2)

و فيه ما لايخفى، فإنّ ذلك لايوجب حقّاً بعد انقضاء مدّة الإجارة بل ينتفى الحقّ المذكور بانتفاء الإجارة، بل هو في الحقيقة إجارة مشروطة بشروطها و ليس شيئاً آخر، فلاتغفل.

4 - ربّما يوجّه ذلك بأنّ بدل الخلو هو ما يطالب به المستأجر مالك العقار مقابل إخلائه للعقار بعد انتهاء مدّة الإيجار التي تمّ التعاقد عليها في الأصل، أو هو ما يأخذه المستأجر القديم من مستأجر جديد مقابل إخلائه العقار له مع أنّ عقد الإيجار بين المستأجر القديم و المالك قد استوفيت مدّته المتّفق عليها. و فيه كما

**

(1) مستند العروة، كتاب الإجارة: 507-510.

(2) البيوع الشايعة: 245-246.

نصّ في البيوع الشايعة أنّه ليس لبدل الخلو وجه أبداً في هذه الصورة لأنّ المستأجر قد إستوفى حقّه من العقار المستأجر و مايبيعه لايملكه.(1)

5 - و المحكيّ عن سيّدنا الإمام المجاهد أنّ العقلاء يعتبرون عند تجافي المالك عن استيفاء ما له حق الاستيفاء من مورد الإجارة و تفويضه للمستأجر مالية قائمة بالعين المستأجرة، نظير ما ذكروه في إرث الزوجة من قيمة الأعيان - لانفسها و سيأتي تفصيل كلامه (قدس سره).

و كيف كان فإذا عرفت الوجوه المذكور لتصوّر حقيقة بدل الخلو حان الوقت لملاحظة مقام الإثبات و صوره.

الصورة الاُولى: من السرقفليه هى ان يستأجر شخص عيناً من الموجر من دون اشتراط ان لايكون له حق إخراجه

من السرقفلية هي أن يستأجر شخص عيناً من الموجر من دون اشتراط أن لايكون له حقّ إخراجه. فمجرّد استيجار تلك العين لايوجب حدوث حقّ للمستأجر فيها بحيث لايكون للموجر إخراجه بعد تمام الإجارة، فإذا تمّت مدّة الإجارة يجب على المستأجر إخلاء المحلّ و تسليمه إلى صاحبه، و لايجوز له أخذ شيء بعنوان السرقفلية إذ لاحق له، فالمأخوذ لامقابل له و يكون أكل المال بالباطل.

و دعوى - أنّ طول بقائه في المحل و تجارته فيه مع وجاهته و قدرته في التجارة يوجب ازدياد رغبة النفوس بالنسبة إلى المحلّ المذكور فالمحلّ بسبب ذلك يصير مرغوباً و للمستأجر دخل في هذه المرغوبيّة و هذه المدخليّة توجب حقّاً له على المحلّ المذكور، فكيف لايجوز له أخذ شيء بعنوان السرقفلي في مقابل الوصف الذي عرض على المحل بواسطته.

**

(1) البيوع الشايعة: 246.

مندفعة بأنّ هذه الزيادة حصلت في المحلّ قهراً و الزيادة القهريّة لاتوجب الحقّ‌، و للمستأجر حق استيفاء المنفعة و قد استوفاها. فكما أنّ ازدياد قيمة المواد كالقطن باستيجار شخص لنسجها مربوط بصاحب المواد و لاسهم للأجير فيه و إنّما له الاُجرة فقط فكذلك في المقام يكون زيادة المرغوبيّة للمالك لاللمستأجر فيما إذا لم يشترط في العقد شيء من ذلك للأجير، كما لايخفى.

و يؤيّد ذلك بل يشهد له سيرة العقلاء في الأزمنة السابقة على عدم استحقاق المستأجر شيئاً من زيادة المرغوبيّة; مع أنّ كلّ محلّ يكسب زيادة المرغوبيّة بالاشتغال التجاري فيه كما لايخفى.

و يتفرّع على ما ذكرناه أنّه لو آجر المستأجر محلّ كسبه بعد تمام مدّة الإجارة كانت الإجارة باطلة ولو أخذ شيئاً بعنوان مال الإجارة كان حراماً و إن تلف المأخوذ أو أتلفه كان ضامناً للدافع، كما أنّه ليس للدافع أن يأخذ المحل ولو سكن فيه من دون إذن مالكه كان ضامناً لمالكه و عليه اُجرة مثله له.

ولو أخذ المستأجر الأول شيئاً بعنوان السرقفلي كان حراماً لعدم كونه مالكاً له، و لو تلف المأخوذ أو أتلفه كان ضامناً لدافعه.

هذا كلّه فيما إذا لم يشترط حقّ الإيجار أو حقّ السكنى للمستأجر و لم يكن بناء عليه كما هو مفروض المسألة، و الضابط كما أفاد السيد المحقّق الخوئي (قدس سره) في جواز أخذ السرقفليّة و عدمه هو أنّه في كلّ مورد كان للموجر حقّ الزيادة في بدل الإيجار أو تخلية المحلّ بعد انتهاء مدّة الإيجار و لم يكن للمستأجر الامتناع عن دفع الزيادة أو التخلية لم يجز أخذها، و التصرّف في المحلّ بدون رضا مالكه حرام.(1)

قال بعض المعاصرين: نعم لو كان المالك طالباً لإيجاره إيّاه بحيث لو

**

(1) منهاج الصالحين: 422/1.

استدعى تجديد الإجارة يقدّمه على غيره - هناك طرق لحليّة ما يأخذه المستأجر القديم من المستأجر الجديد:

الطريق الأول: أن يعطيه المستأجر الجديد المبلغ و يشترط عليه أن لايزاحمه في استيجاره.

الطريق الثاني: أن يهبه ملبغاً بعوض عدم المزاحمة، فيكون من قبيل الهبة المعوّضة.

الطريق الثالث: تنزيله على الجعالة بأن يدفع المستأجر الجديد مبلغاً إلى المستأجر القديم على أن لايزاحمه، بناء على أنّه يكفي في الجعالة أن لايعمل شيئاً إذا كان عدم العمل أمراً له مالية عند العقلاء.(1)

و هو كلام متين ولكن لزم أن يعلم أنّ مجرّد كونه طالباً لإيجاره لايوجب حقّاً للمستأجر القديم حتّى يجوز انتقاله إلى المستأجر الجديد بإزاء ما يدفعه إليه، بل غايته أنّ ذلك يوجب إباحة السكنى له و لابأس حينئذ بأخذ شيء في قبال عدم إقدامه على الإجارة و إن لم يكن له حقّ في ذلك، و حينئذ يكون حكم سكونته فيه كحكم السكونة في المشتركات من المدارس و المساجد و نحوهما، فكما يجوز بذل شيء فيها في قبال رفع اليد عن السكونة فيها فكذلك في المقام يجوز بذل شيء في قبال رفع اليد عن السكونة و تجديد الإجارة و لعلّ ذلك مشمول لصحيحة محمّد بن مسلم عن الإمام الصادق (عليه السلام) «عن الرجل يرشو الرجل الرشوة على أن يتحوّل من منزله فيسكنه قال (عليه السلام): لابأس به(2)».

فما أخذه المستأجر القديم يكون حلالاً له ولكن ذلك لايوجب استحقاق المستأجر الجديد لحقّ السرقفلي كما لايخفى.

**

(1) المسائل المستحدثة: 24.

(2) الوسائل: الباب 85 من أبواب مايكتسب به، ح 2.

الصورة الثانية: أن يستأجر المحلات التى توجر بلا سرقفلية ولكن اشترط

أن يستأجر المحلاّت التي توجر بلا سرقفليّة ولكن اشترط في عقد الإجارة على المالك أن يكون لشخص المستأجر حقّ السكنى في المحلّ بتجديد عقد الاجارة مع توافق جديد و لايكون له حقّ إيجار المحلّ للغير.

ففي هذه الصورة لايجوز للمستأجر أن يوجر المحلّ من دون إذن مالكه و لكن يجوز له أخذ شيء في إزاء تنازله عن حقّه من البقاء في المحلّ و تخليته فقط، ولكنّه ليس بعنوان السرقفلي أيضاً لأنّ حقّه ليس قابلاً للانتقال. لاختصاص حقّ السكنى بشخص المستأجر القديم فلايجوز نقله إلى غيره، و متى رفع اليد عنه زال حقّه و للمالك إيجاره من شخص آخر، إذ مورد الحقّ إنّما هو سكنى نفسه مباشرة و قد سقط برفع اليد عن المحل.

قال السيد المحقّق الخوئي (قدس سره): و لايجوز أيضاً استرجاع المال الذي دفعه للمالك إمّا على سبيل الزيادة على الاُجرة أو الزيادة في الاُجرة فإنّه قد ذهب من كيسه و لاعودة فيه.

نعم له أن يأخذ شيئاً بإزاء رفع اليد و إسقاط الحقّ بإفراغ المحلّ و اخلائه كي يتمكّن المستأجر الجديد من مراجعة المالك و الاستيجار منه إمّا مع حقّ السرقفليّة أو بدونها، و هذا شيء آخر غير السرقفليّة، كما لايخفى.(1)

و لقائل أن يقول يجوز للمالك أن يشتري حقه المختصّ حتّى يصير المحلّ خالياً عنه و يتمكّن من إجارته للغير، و حينئذ يجوز للمستأجر أن لايرضى بالمعاملة إلاّ باسترجاع المال الذي دفعه للمالك.

الصورة الثالثة: ان يستأجر شخص محلاً للتجارة و اشترط في العقد ان يكون له حق البقاء

هي أن يستأجر شخص محلاًّ للتجارة و اشترط في العقد أن يكون له حقّ‌

**

(1) مستند العروة، كتاب الاجارة: 509-510.

البقاء و السكونة و لمن يتنازل له مع توافق جديد مع المالك في الإجارة، و حينئذ يكون مقتضى اشتراط حقّ البقاء في المحلّ مع التوافق الجديد مع المالك في الاجارة الجديدة هو جواز المعاملة على هذا الحقّ كسائر الحقوق، و معه فإذا اتّفق أنّ شخصاً دفع مبلغاً للمستأجر في مقابل هذا الحقّ صار قائماً مقام المستأجر الأوّل في استحقاقه للبقاء في المحلّ مع لزوم التوافق مع مالك المحلّ في الاجارة الجديدة، و عليه فالحقّ ينتقل من المستأجر إلى الثاني و منه إلى الثالث و منه إلى الرابع و هكذا.

و دعوى أنّ الاشتراط المذكور اشتراط إباحة السكونة في المحلّ لااشتراط حقّ السكونة حتّى يمكن نقله بالمعاملة إلى آخر مندفعة بأنّ الكلام مفروض فيما إذا كان الشرط هو حقّ السكنى و البقاء في المحلّ لاالإباحة و لامانع من جعل حقّ البقاء للمستأجر الأوّل بحيث يجوز له نقل هذا الحقّ إلى آخر كما مرّ تفصيله عند تصوير حقّ السرقفلي، فراجع.

و عليه فالمالك بعد تخلية المستأجر الأوّل لم يكن حرّاً في إيجار المحلّ بل اللازم عليه أن يوجر المحلّ للثاني الذي أعطى شيئاً في مقابل حقّ المستأجر الأوّل بعنوان السرقفليّة، و انتقل حقّ السرقفلي إليه و عليه فيجوز للمستأجر الجديد أيضاً أخذ حقّ السرقفليّة من المالك أو غيره. و هكذا يدوم هذا الحقّ لكلّ من يقوم مقامه بالشرح المذكور.

و بالجملة فمع اشتراط حقّ البقاء و السكنى بالمعنى الجامع الأعمّ من المباشر يجوز أخذ شيء في إزاء الحقّ المذكور و مقتضاه هو انتقاله إلى الدافع و لايلزم في ذلك أن يكون الأخذ المذكور في أثناء مدّة الإجارة و لا أن يكون المأخوذ في قبال الإيجار كما يظهر من تحرير الوسيلة حيث قال في مسألة 8: للمالك أن يأخذ أي مقدار شاء بعنوان السرقفليّة من شخص ليوجر المحلّ منه كما أنّ للمستأجر في أثناء مدّة الإجارة أن يأخذ السرقفليّة من ثالث للإيجار منه إذا

كان له حقّ الإيجار.(1) إذ حقّ البقاء و السكنى ممّا يصلح للمقابلة و المعاوضة بعدما عرفت من صحّة اعتباره عند العقلاء و لايلزم جعل السرقفلي في مقابل الايجار أو في مقابل التخلية و لاتقييده بكونه في أثناء مدّة الإجارة لما عرفت من تصوّر حقّ البقاء و السكنى جواز اشتراطه.

ثم إنّه يمكن جعل حقّ السكنى و البقاء بنحو المعاوضة أو بنحو الاشتراط في ضمن عقد الإجارة و لافرق بين أن يكون الاشتراط في إزاء أخذ شيء أو لايكون، لأنّ مقتضى قوله عليه الصلاة والسلام «المؤمنون عند شروطهم» هو نفوذ الشرط المذكور مطلقاً.

و ممّا ذكرناه أيضاً يظهر ما في منهاج الصالحين حيث قال: في المحلاّت التي توجر بلاسرقفليّة إلاّ أنّه يشترط في عقد الإيجار مايأتي:

(1) ليس للمالك إجبار المستأجر على التخلية و للمستأجر حقّ البقاء في المحل.

(2) للمستأجر حقّ تجديد عقد الإجارة سنوياً بالصورة التي وقع عليها في السنة الاُولى فإذا اتّفق أنّ شخصاً دفع مبلغاً للمستأجر إزاء تنازله عن المحلّ و تخليته فقط حيث لم يكن له إلاّ حقّ البقاء مع أنّ للمالك بعد التخلية الحريّة في إيجار المحلّ و الثالث يستأجر المحلّ من المالك، فعندئذ يجوز للمستأجر أخذ المبلغ المذكور و تكون السرقفليّة لقاء التخلية فحسب لابإزاء انتقال حقّ التصرّف منه إلى ثالث.(2)

و ذلك لمّا عرفت من أنّ حقّ البقاء إذا لم يكن قائماً بشخص المستأجر الأوّل قابل للانتقال. هذا مضافاً إلى أنّه لاملزم لجعل المبلغ بإزاء التخلية مع أنّ المشروط

**

(1) تحرير الوسيلة: 742/2.

(2) منهاج الصالحين: 423/1.

في العقد هو حقّ البقاء و قد مرّ تصريح السيد المحقّق الخوئي (قدس سره) في كتاب الإجارة بجواز الاشتراط أو جعل شيء في مقابل حقّ السكنى و حقّ البقاء، فراجع.

و يؤيّد ما ذكرناه الروايات الواردة في جواز اشتراء حقّ الدهاقين في الأراضي الخراجيّة، منها مصحّحة أبي بُردة بن رجاء قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) كيف ترى في شراء أرض الخراج قال: و من يبيع ذلك هي أرض المسلمين قال: قلت يبيعها الذي هي في يده قال و يصنع بخراج المسلمين ماذا ثمّ قال: لابأس اشترى حقّه منها و يحوّل حقّ المسلمين عليه و لعلّه يكون أقوى عليها وأملى بخراجهم منه.(1)

تدلّ هذه الرواية على أنّ حقّ من كانت أراضي الخراج بيده قابل للاشتراء إلاّ أن اللازم هو مراعاة خراج الأرض التي تكون للمسلمين.

و دعوى ضعف الرواية بأبي بُردة بن رجا مندفعة بأنّ نقل صفوان بن يحيى عنه يكفي في وثاقته. و يشكل دلالة هذه الرواية بأنّ المراد من الحقّ هو ما له من الآثار التي أوجدها في الأرض من تعميرها بحفر الأنهار و تسويتها و نحوهما لامثل حقّ التقدّم و الأولويّة.

و اُجيب عنه بأنّ قوله «منها» ظاهر في خصوص حقّ الأوّلوية إذ لو كان المراد هو الحقّ الحاصل بمثل حفر النهر لكان المناسب أن يقول «فيها».

الصورة الرابعة: أن الاجارة لو وقعت بعد فرض صدور قانون منع المالك من اجبار المستأجر

أنّ الإجارة لو وقعت بعد فرض صدور قانون منع المالك من إجبار المستاجر على التخلية و كون حقّ السكونة له، فهل يكون إنشاء الإجارة حينئذ مبتنياً على حقّ البقاء في المحّل أو لايكون‌؟

**

(1) الوسائل: الباب 71 من أبواب جهاد العدو ح 1.

ربّما يقال بالأوّل و إنّ الشرط المبنيّ عليه كالشرط المذكور واجب الوفاء، ألا ترى أنّه لو باع شخص كتابه من آخر بدينار كان نقدية الثمن بإزاء المثمن شرطاً ضمنياً لجريان العرف على تسليمه نقداً فلامجال حينئذ للمشتري أن يحتسب المبلغ ديناً بذمّته و لم يسلمه نقداً.

و فيما نحن فيه حيث جرت عادة العرف بعد صدور القانون المذكور على أنّ من كان قد استأجر محلاًّ من آخر لايخرجه المالك إلاّ برضائه و لايتخلّف المالك عن عقد الإيجار معه بعد انتهاء مدّة الايجار، مراعاة لأحقيّته في الإيجار عرفاً، كان ذلك شرطاً ضمنيّاً و يوجب حقّاً عرفيّاً صالحاً للنقل و الانتقال بصلح و نحوه، لكونه مالاً من الأموال و يجب الوفاء به كالشرط المذكور في العقد. فكما أنّه لو شرط على المالك ذلك الحقّ في العقد كي يستقر و لاينتقل من محلّه إلى آخر و وافق المالك على هذا الشرط و رضى به لم يكن له بعدئذ إخراجه و ساغ للمستأجر نقل هذا الحقّ إلى الغير بعنوان حقّ السرقفليّة فكذلك يكون إذا بنى العقد عليه.

و استشكل فيه بعض الأعلام بأنّ هذا المقدار من الحقّ من حقوق المستأجر بدرجة أنّ المالك يكون ملزماً بإجابته على الإجارة لو أراد ذلك بعد انتهاء المدّة أمر يتوقّف على الدليل ما دام لم يثبت عند العرف إنّ ذلك من قبيل الحقوق العائدة إلى المستأجر و لابدّ للمالك عندها من الاجابة و عدم التخلّف، و أقصى ما في البين إنّه قد جرت العادة العرفيّة على أنّ المالك لايتصدّي لإخراج مستأجره بل يدعه و طبعه مراعاة لاسبقيتّه طالما لم يخل بشروط العقد، لكن عدم تصدّيه لإخراجه لايكون موجباً لأن يكون عدم إخراجه من الشروط الضمنيّة التي يجب الوفاء بها من قبل المالك.

و من البعيد جدّاً أن يكون الموجر حين عقد الإيجار يقصد إنشاء هذا الحقّ للمستأجر.

و على فرض أنّ العرف يرى أنّ ذلك حقّ فإنّما هو من الحقوق و الأحكام

الثانويّة التابعة لحصول الإجارة، بحيث يتحقّق بعد حصولها في الخارج فتكون في مرتبة متأخّرة عن العقد و إنشائه و هذا لايتمّ للنقض الذي يرد عليه، فإنّا لو أردنا أن نأخذ مثل هذا التباني العرفي بنظر الاعتبار كشرط من الشروط الضمنية كما هو الحال في موضوع تسليم نقد البلد في المعاملة الواقعة بين الطرفين أو التسليم و التسلم فلابدّ من أن نعتبر خدمة الزوجة في بيت زوجها من جملة الشروط الضمنية للبناء العرفي على أن المرأة تخدم في بيت زوجها كربّة بيت فلايجوز حينئذ التخلّف عن ذلك و لاأخذ الأجرة عليه لو أرادت ذلك، في حين أنّ الزوجة حرّة في خدمة بيتها و الشارع المقدّس لم يوجب عليها ذلك، إنّما ذلك فضل منها في ترتيب بيتها.

إلى أن قال إنّ هذا لو كان فإنّه لايتعدّى أن يكون شرطاً من الشروط و للمستأجر قابلية إسقاطه بأن لايستأجر المحلّ منه في السنة الثانية أمّا نقله إلى الغير كحقّ من الحقوق سواء كان مجّاناً أو بعوض من صلح و نحوه فهذا ممّا لادليل عليه.

و لو فرضنا إنّ المستأجر القديم اشترط بنحو الشرط الصريح على المالك بأنّ له الحقّ في تجديد عقد الإيجار معه عند حلول الموعد فإنّ هذا الشرط يلزم على المالك اجابته من هذه الجهة، أمّا أنّ المستأجر يتنازل عن المحلّ إلى غيره بأن يأخذ في قبال تنازله مبلغاً من المال فهذا ممّا لم يكن مستفاداً من ذلك الشرط الصريح فكيف به لو كان ضمنيّاً و على فرض تسليمه.

إذاً فلا مجال لتصحيح أخذ المال و إعطائه إلاّ أن ينزّل الأخذ المذكور على الهبة بنحو يشترط الواهب و الذي هو المستأجر الجديد على المستأجر القديم أن لايزاحمه في استيجار المحلّ في المستقبل، و هذا أمر سائغ لابأس فيه.

إلى أن قال أو نجعل ذلك من قبيل الهبة المعوّضة و العوض هو مجرّد عدم المزاحمة و التخلي عن الإقدام على استيجار المحلّ‌، و بهذا المضمون وردت الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) حيث دلّت على صحّة أخذ المال عوضاً عن انتقال الشخص

عن المنزل، فيسأله الراوي «عن الرجل يرشو الرجل الرشوة على ان يتحوّل من منزله فيسكنه قال (عليه السلام) لابأس به».(1)

و ربّما نزّلنا ذلك على الجعالة بناء على أن لايشترط أن يكون بإزاء الجعالة عمل من الأعمال بل يكفي نفس عدم الإقدام على الإيجار.

و هناك طريق ثالث لتصحيح أخذ المال و هو تخريج هذه الاتفاقيّة بين المستأجر الجديد و القديم على الصلح.(2)

يمكن أن يقال لاكلام فيما إذا لم يكن بناء أو كان و لم يلتفت طرفا العقد إليه أو التفتا إليه ولكنّهما لم يلتزما به.

و إنّما الكلام فيما إذا عقدا مع الالتفات إلى ما عليه العرف بكلّ ما التزم به العرف من اشتراط الحقّ الذي يمكن نقله إلى الغير.

فالظاهر أنّ بعد صدور القانون و التزام العرف به يكون إنشاء الإجارة مبنيّاً عليه و لاوجه لإشكالات المذكورة بحسب مقام الإثبات و إنّما هي ليست إلاّ استبعادات و لامجال لتوجيه هذا الحقّ بالعادة من دون التزام أو الأحكام الثانوية المترتبة على الإجارة من دون التزام فيها بعد كون العقد في الفرض المذكور مبنياً على الالتزام.

و تنظير المقام بخدمة الزوجة بعد ما شاع بين الناس من أنّه لاحقّ للزوج في استخدامها في البيت كما ترى، إذ لاتكون الخدمة حينئذ ممّا بني العقد عليه، خصوصاً في زماننا هذا، كما هو واضح.

ثمّ مع قبول إفادة الاشتراط حقّاً غير مباشري للمستأجر في البقاء و السكونة فلامجال للاشكال في جواز نقله إلى الغير مجّاناً أو بعوض، لأنّ المفروض أنّ له

**

(1) الوسائل: الباب 85 من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

(2) بحوث فقهية: 120-123.

حقّ البقاء و السكونة أو حقّ الإيجار من دون قيد المباشرة. ولكن هذا يتمّ بشرط وجود هذا القانون، والتزأم طرفي العقد به وإلاّ فلاحقّ للمستأجر كما لايخفى.

الصورة الخامسة: أن يأخذ المالك مبلغاً بعنوان القرض و اشترط فيه ان يكون للمستأجر

أن يأخذ المالك مبلغاً بعنوان القرض و اشترط فيه أن يكون للمستأجر حقّ الإيجار للغير. ففي هذه الصورة يكون الشرط باطلاً لأنّه شرط ربويّ يجرّ نفعاً في القرض و مع بطلان هذا الشرط لايكون المالك ملزماً بالإيجار الى الثالث في صورة توافق المستأجر القديم مع الثالث في الإيجار لأنّه مالك و الأمر بيده لعموم قوله (عليه السلام) «الناس مسلطون على أموالهم».

الصورة السادسة: ان يقول المالك للمستأجر آجرتك المحل و شرطت عليك اعطاء القرض

أن يقول المالك للمستأجر آجرتك المحلّ بخمسين ديناراً سنويّاً و شرطت عليك أن تقرضني مأتي دينار و في الوقت نفسه فقد شرطت على نفسي بأن لاأمنعك من إيجار المحلّ لمن تشاء عند انتهاء مدّتك أو قبلها. و لاإشكال في صحّة الإجارة لو كانت المدّة معلومة و لاإشكال أيضاً في صحّة الشرط لأنّه ليس في قبال القرض بل هو شرط في عقد الإجارة.

قال الشيخ حسين الحلي (قدس سره) إنّ هذا الشرط الذي يعود نفعه إلى المستأجر يكون شرطاً في عقد الإجارة لافي عقد القرض، و إنّما أخذ هذا الشرط و نفس القرض شرطاً في عقد الإجارة فلامانع منه في هذه الجهة.

ولكن هذا كما عرفت مخرج على التصريح بهذا الشرط، أمّا لو لم يصرّح به و بقي الموضوع موكولاً إلى كونه من شروط التباني - كما لايبعد كون السرقفليّة في هذه الأيّام المخرجة على هذا القسم الثاني من هذا النوع ن الشروط حيث لم يصرّح بمنع صلاحية إيجار المحلّ للمستأجر بل يوّكل إلى التباني - فقد تقدّم

الإشكال فيه و إنّ المالك يبقى مسلّطاً على ماله و له الحقّ في فسخ الإجارة الجديدة و دفع مابذمّته إلى من أخذت منه السرقفليّة.(1)

و قد عرفت عدم الفرق بين الشرط الصريح و الشرط المبنيّ عليه فإن قلنا بجواز الإيجار في الفرض المذكور عند التصريح بالشرط كان الإيجار جايزاً مع الشرط المبنيّ عليه أيضاً، و لاوجه للإشكال المذكور كما لايخفى.

ثمّ مع القول بصحّة الإيجار من المستأجر بنحو المذكور يمكن للمستأجر أن يأخذ المبلغ الذي أعطاه في إجارته للمالك من المستأجر الثاني بعنوان القرض و إحالته على المالك عند انتهاء أمد الإجارة، و يكون للمستأجر الثاني أيضاً حقّ إيجار المحلّ لمن يشاء لو شرط ذلك في عقد الإجارة مع المستأجر الأوّل و كان للمستأجر الأول حقّ ذلك.

الصورة السابعة: لو استأجر محلاً للتجارة في مدّة طويله و اشترط ان يكون له حق الايجار

إنّه لو استأجر محلاًّ للتجارة في مدّة طويلة كعشرين سنة مثلاً و اشترط في العقد أن يكون له في المدة المذكورة حقّ إيجاره من غيره في مقابل إعطاء شيء أو بدونه جاز له في أثناء المدّة إجارته مع أخذ مقدار بعنوان السرقفليّة في مقابل إعطاء حقّ الإيجار إليه في المدّة المذكورة ولو كان المجموع أزيد من المقدار الذي استاجره به.

و ربّما يشكل ذلك من جهة إزدياده على مال الإجارة، حيث سيأتي عدم جواز إزدياد الإجارة من دون إحداث حدث في محلّ الإجارة. ولكن يمكن أن يقال إنّ إعطاء شيء في مقابل حقّ الإيجار لايوجب إدراجه في الإجارة بالزائد عن المقدار الذي دفعه بعنوان الاُجرة، لأنّ الشيء مقابل للحقّ لالتمليك المنفعة و

**

(1) بحوث فقهية: 126-127.

الممنوع كما سيأتي هو إزدياد الاُجرة المأخوذة في مقابل تمليك المنفعة عن الاُجرة المدفوعة إلى المالك، فلاتغفل. ثمّ إنّ مقتضى اختصاص حقّ الإيجار بالمدّة المذكورة أن لايبقى حقّ الإيجار للمستأجر الثاني بالنسبة إلى المالك بعد إتمام مدّة الإجارة، لأنّ المفروض هو انقضاء مدّة الإجارة و مقتضى اختصاص حقّ الإيجار بالمدّة المذكورة عدم بقائه بإنقضائها.

نعم لو كان الشرط في عقد الإجارة هو حقّ الإيجار مطلقاً - سواء كان في المدّة المعيّنة المذكورة في الإجارة أو بعدها - للمستأجر الأوّل و لمن يتنازل معه كان الحقّ باقياً لمن كانت العين بيده سواء كان هو المستأجر الأوّل أو المستأجر الثاني كما مرّ في الأنواع المتقدمة.

و مثله ما إذا اشترط المستأجر مع المالك في عقد الإجارة أن يكون إجارة المحل بعد انقضاء المدّة بإجازته و رضايته و إجازة من يأخذ المحلّ من المستأجر الأوّل و رضايته و هكذا، و حينئذ يجوز للمستأجر الأوّل أو الثاني أو غيرهما أن يأخذ شيئاً في مقابل الرضاية و الاجازة ولو بعد انقضاء مدّة الإجارة.

الصورة الثامنة: يجوز للمستأجر قبل أن يقضى مدة الاجارة أن يأخذ من الموجر مبلغاً

انّه يجوز للمستأجر قبل أن يقضي مدّة الإجارة أن يأخذ من الموجر مبلغاً بعنوان السرقفليّة ليهب بقيّة المدّة و يخلّيها. و ذلك و إن أوجب جواز أخذ المبلغ المذكور للمستأجر ولكن اطلاق السرقفلي عليه كماترى، لأنّه في الحقيقة رفع اليد عن ملكية المنفعة أو هبة المنفعة في بقيّة المدّة و لاارتباط له بحقّ السرقفلي، نعم لابأس بجعلها حيلة للوصول إلى مبلغ ربّما يؤخذ بعنوان السرقفلي، فتدبّر.

الصورة التاسعة: ان المستأجر للدكان أو الدار يجوز له أن يوجرهما في مدة الاجاره

انّ المستأجر للدكّان أو الدار يجوز له أن يوجرهما في مدّة الإجارة بالزائد

على ما استأجره إذا تغيّر المحلّ بالتعمير، كتبيّض الغرفة أو إصلاح الدرج أو توسيع المسلك و نحو ذلك ممّا يصدق معه أنّه عمل عملاً و أحدث حدثاً فيه، فحينئذ لاإشكال في جواز أخذ الزيادة المذكورة إن لم يشترط استيفاء المنفعة بالمباشرة و ذلك لاختصاص الأدلّة المانعة عن الإجارة بالزيادة بما إذا لم يحدث فيه حدثاً.

و في صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «لو أنّ رجلاً استأجر داراً بعشرة دراهم فسكن ثلثيها و آجر ثلثها بعشرة دراهم لم يكن به بأس و لايؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها به إلاّ أن يحدث فيها شيئاً».(1)

و الموضوع في هذه الرواية و إن كان هو الدار ولكن لاخصوصيّة لها، و عليه فيمكن التعدّي عنها إلى الدكّان فيجوز ازدياد الاُجرة بإحداث حدث فيه. و في موثّقة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه عليهما السلام «إنّ أباه كان يقول لابأس أن يستأجر الرجل الدار أو الأرض أو السفينة ثمّ يؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها به إذا أصلح فيها شيئاً».(2)

لايقال إنّ النهي في إجارة الأرض محمول على الكراهة بقرينة معتبرة أبي المغراء عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في الرجل يؤاجر الأرض ثمّ يؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها قال: لابأس إنّ هذا ليس كالحانوت و لاالأجير إنّ فضل الحانوت و الأجير حرام(3)». فإذا حمل النهي في الأرض على الكراهة لايستفاد منه الحرمة في غيرها من الدكّان و الدار لأنّا نقول حمل النهي بالنسبة إلى الأرض على الكراهة لايستلزم استعمال النهي في الكراهة، لما قرّر في محلّه من أنّ الوجوب و الحرمة و الكراهة و الاستحباب اُمور ليست داخلة في معنى الامر و النهي بل إنّما هي منتزعة عنهما عند وجود الترخيص و عدمه عند العقلاء. و عليه فلامانع من استفادة الكراهة

**

(1) الوسائل: الباب 22 من أبواب أحكام الإجارة: ح 3.

(2) الوسائل: الباب 22 من أبواب أحكام الإجارة: ح 2.

(3) الوسائل الباب 20 من أبواب أحكام الإجارة: ح 3.

بالنسبة إلى الأرض دون الدار و الدكّان لوجود القرينة في الأرض دون الدار و الدكّان هذا مضافاًتصريح المعتبرة بحرمة الزيادة في الحانوت و هو الدكّان.

و الحاصل أنّه لايجوز الإجارة بالأكثر من دون إحداث حدث في مثل الدكّان و الدار. نعم يجوز ذلك من دون إحداث حدث في الأرض جمعاً بين الأخبار و أمّا حكم سائر الموارد فيطلب من محلّه. ثمّ لايذهب عليك أنّ جواز أخذ الزيادة عند إحداث حدث في العين المستأجرة لاارتباط له بحقّ السرقفلي فإنّه في الحقيقة إجارة نعم هو حيلة للوصول إلى مثل مبلغ ربّما يؤخذ بعنوان السرقفلي، فتدبّر.

الصورة العاشرة: ما افادها الامام (ره) من انّ ملاّك الاماكن احتالوا الأجل

هي ما أفادها سيدنا الامام المجاهد (قدس سره) من أنّ ملاّك الأماكن من المنازل و الفنادق و الدكّاكين و نحوها احتالوا لأجل تنمية الثروة أن يؤجروها بأنزل من ثمن إجارتها الفعلي المرغوب فيه و يعطوا للمستأجرين حقّ تفويض الأعيان لمن يشاؤون بأيّ ثمن من الأثمان و على المستأجرين في قبال هذا الترخيص و التفويض مال معيّن و ثمن معلوم من الطرفين في ظرف المعاملة على ما هو الشائع الذائع بين الناس.

و الذي ينبغي أن يتكلّم فيه أنّ ما تقع عليه المعاوضة و يقابل بالمال هل هو من سنخ الحقوق عند العرف أو من سنخ الأموال‌؟

يحتمل الأوّل بتقريب أنّ ترخيص الكراء و التفويض المشار إليهما من المالك صاراً منشأً للحقّ عند العقلاء القابل للمبادلة بالمال.

و يحتمل الثاني بتقرير أن تجافي المالك عن استيفاء ما له حقّ الاستيفاء منه في ظرف الإجارة صار منشأً لمالية اُخرى في ظرف اعتبار العقلاء قائمة بالعين المستأجرة تقابل بالعوض، كنفس العين المستأجرة من حيث منافعها و لاغرو في ذلك، كما قالوا بنظيره في ميراث الزوجة «من أنّها لاترث من الأعيان المسكونة

عينها بل ترث من قيمتها»(1) فإنّك على خبرة من أنّ قوام القيم و منشأ انتزاعها هو المال فلو لاتعلّق حقّها بالمالية القائمة بالأعيان لمّا تصوّر لها من القيم شيئاً فكذا ما نحن فيه. إلاّ أنّ الجاعل في الأوّل هو يد الصنع و التكوين و فيما نحن فيه هو اعتبار العقلاء الناشي من تجافي المالك عن الاستيفاء. و هذا الإحتمال أقرب و عليه فتكون المعاملة من سنخ البيع و تشملها العمومات من غير قصور و ليس هنا ما يصلح للمانعيّة إلاّ تخيّل أنّه أكل للمال بالباطل، و قد عرفت بالتقريب المذكور و هنه، فالحكم بالصحّة واقع في محلّه بلاارتياب.(2)

و لقد أفاد و أجاد في تصوير حقّ السرقفلي، إلاّ إنّ التقابل بين الحقوق و الأموال غير ظاهر فإنّ الحقوق المذكورة في مثل المقام من الأموال و قسم الشيء لايكون قسيماً له، و إن لم تكن من الأموال فلاتصلح لوقوع المعاملة عليها، و عليه فدعوى أقربيّة الاحتمال الثاني كماترى لأنّ المعاملة عليها يمكن أن تكون من سنخ البيع. ودعوى اختصاص البيع بالأموال دون الحقوق - مع صدقه حقيقة في الحقوق أيضاً - محلّ تأمّل و نظر، لأنّ مع صدق البيع يشمله عمومات نفوذ البيع، كما لايخفى.

نعم اللازم في البيع أن لايكون المبيع أمراً موقّتاً لأنّ‌، البيع هو تمليك الشيء مرسلاً من دون تحديد بزمان خاصّ‌، و هو لايساعد مع الموقّت ولكن لافرق في ذلك بين كون المبيع حقّاً أو مالاً.

ثمّ إنّ تقييد التجافي بظرف الإجارة عند قوله «و يحتمل الثاني بتقرير أن تجافي المالك عن استيفاء ماله حقّ الاستيفاء منه في ظرف الإجارة»; ينافي ماذكره في صدر الكلام حيث قال «و يعطوا للمستاجرين حقّ تفويض الأعيان لمن

**

(1) راجع مفتاح الكرامة 192:8 سطر 6.

(2) تقريرات آية الله المحمّدي الجيلاني: 258.

يشاؤون بأيّ ثمن من الأثمان» فإنّ المستفاد منه هو أنّ التجافي للتالي من دون تحديد بمدّة خاصّة، و هو المناسب للسرقفلي، كما لايخفى.

ثم إنّ المقام أنسب بالاحتمال الأوّل إذ المجعول للمستأجر عند إعطاء شيء بعنوان السرقفليّة هو حقّ الإيجار و تفويض أمره لاجعل المستأجر مستحقّاً في ماليّة العين المستأجرة فإنّه بعيد عن الأذهان، و لايقاس المقام بإرث الزوجة من الأعيان المسكونة لورود دليل خاصّ فيه بذلك، و لادليل في المقام على أنّ المستأجر عند تجافي المالك يكون مستحقّاً في ماليّة نفس العين كاستحقاق الزوجة بالنسبة إلى مالية نفس العين.

نعم يعتبر عند العقلاء لحقّ الايجار و تفويض الأعيان المستأجرة مالية، ولكنّها غير مالية نفس العين، كما لايخفى.

الصورة الحادية عشر: في شرط توكيل الايجار

كما قيل أن يتوافق المالك مع المستأجر بأن يؤجر المحلّ سنويّاً بمبلغ كألف تومان و يشترط في ضمن عقد الإجارة أن يكون المستأجر وكيلاً في إيجار المحلّ بعد انتهاء المدّة لنفسه أو لغيره بذلك المبلغ و وكيلاً في توكيل الثالث و إعطائه الوكالة، و يجعل بإزاء هذه الوكالة مبلغاً كخمسة آلاف تومان، فالشرط هو الوكالة بإزاء هذا المبلغ.

و هذه الوكالة بما أنّها مشروطة في ضمن العقد اللازم و هي الإجارة تكون لازمة و ليس للموكّل عزل الوكيل.

و حيث أنّ هذه الوكالة لها مالية فتنقل إلى ورثة الوكيل بعد موته.

فإن قيل إنّ الوكالة لاتورث كما يظهر من الأصحاب، حيث ذكروا في باب الرهن أنّه لو شرط وكالة المرتهن في بيع العين المرهونة لوفاء دينه صحّ ولو مات المرتهن لم ينتقل إلى وارثه.

قلنا أوّلاً فرق بين المقام و ماذكروه بثبوت المالية للوكالة في المقام.

وثانياً: أنّ الأصحاب في تلك المسألة صرّحوا بالانتقال مع الشرط، فيشترط في المقام الانتقال.

ثم قال: و بما أنّ الاظهر عندنا عدم بطلان الوكالة بموت الموكّل سيّما في الوكالة اللازمة كما حقّقنا في محلّه فهذه الوكالة تكون باقية بعد موت الموكّل.

و على هذا فيحلّ للمالك ما أخذه بإزاء الوكالة و المستأجر بمقتضى الوكالة مختار وله كامل الحريّة في أن يوجر الفندق بعد إنتهاء المدّة بنفسه أو بغيره.(1)

و فيه أنّ الوكالة من العقود الإذنيّة و جواز تصرّف الوكيل منوط بالإذن، و بالموت يرتفع الإذن. اللّهمّ إلاّ أن يقال ارتفاع الإذن بالموت ممنوع بعد تصحيح تقرّب الميّت إلى الله تعالى بالعبادات المأتيّ بها نيابة عنه برضاه في عالم الآخرة مع أنّه لم يصدر منه عمل لابالمباشرة و لابالتسبيب.

و العمدة هو قيام الإجماع على بطلان الوكالة بموت الموكّل أو الوكيل.(2)

ولكن لقائل أن يقول إنّ ارتفاع الإذن بالموت أمر عرفيّ و الحكم بإتيانه شرعاً مخصوص بموردها، فتأمّل.

و أمّا دعوى أنّ المال الموكّل فيه بعد الموت ينتقل إلى الوارث فهي مندفعة بأنّه لامانع في الثلث الذي يكون راجعاً إليه(3) هذا مضافاً إلى أنّ انتقال المال إلى الوارث لايمنع عن بقاء حقّ المستأجر لو كان بنحو شرط النتيجة.

نعم شرط النتيجة في الوكالة التي تحتاج إلى الإيجاب و القبول - كاشتراط المبيعيّة في ضمن عقد لازم - لايخلو عن الإشكال، لأنّ سببهما خاصّ و هو العقد لاالشرط، هذا بخلاف ما إذا كان الشرط هو الإذن و المأذونيّة فإنّه يصحّ‌، لعدم

**

(1) المسائل المستحدثة: 23.

(2) جامع المدارك: 480/3.

(3) جامع المدارك: 480/3.

اعتبار سبب خاصّ في الإذن، ولكن أحكام الوكالة لاتترتّب على الإذن المحقّق بنحو شرط النتيجة.

ثمّ مع فرض صحّة شرط النتيجة في الوكالة، المعروف (كما في باب الرهن) عدم انعزال الوكيل بعزل الراهن، لكون الشرط في ضمن العقد اللازم من طرف الراهن، و فيه أيضاً تأمّل لإمكان أن يقال إنّ الوكالة استنابة للوكيل من طرف الموكّل بحيث يعدّ فعله فعله و مع عزل الموكّل كيف يعدّ فعله فعله و بهذا الإشكال يتأمّل في بقاء الإذن مع فرض كون الوكالة من الإيقاعات الغير المحتاجة إلى القبول.(1) فشرط الإذن بنحو شرط النتيجة و إن كان موجباً لوجوب الوفاء به ولكن لو عصى ورفع إذنه فلايبقى الإذن، كما لايخفى.

و بالجملة لايخلو اشتراط الوكالة بل الإذن عن الاشكال. هذا مضافاً إلى ظهور بعض الكلمات في قيام الإجماع على بطلانها بموت الموكّل أو الوكيل.

و دعوى أنّ الإجماع محتمل المدرك و معه لايجدي مندفعة بأنّ المتّصل من الإجماع إلى زمان المعصوم - لو ثبت - فهو كاشف عن تقرير المعصوم لقولهم و إلاّ لزم السكوت في قبال خطأهم، و هو كماترى. ثمّ لو قلنا ببقاء الوكالة بعد الموت و عدم بطلانها به يشكل الأمر فيما إذا لم يوكّل المستأجر الوكيل شخصاً فإنّه لم يوكّل شخصاً آخر حتّى يقال إنّه مايبطل بموت المستأجر الوكيل، فتأمّل.

المختار

و التحقيق أنّ تصوير حقّ السرقفلي بنحو الصورة الثالثة أحسن الوجوه، و هي أن يستاجر شخص محلاًّ للتجارة و اشترط في العقد أن يكون له حقّ السكونة و البقاء بعد انقضاء مدّة الإجارة و هكذا يكون هذا الحقّ لمن يتنازل له مع التوافق

**

(1) جامع المدارك: 352/3.

في مقدار الإجارة من الأوّل أو فيما سيأتي، و قد يعبّر عنه بحقّ الإيجار و لابأس به.

فهذا الحقّ كسائر الحقوق المالية قابل للمعاوضة، و لايجوز للمالك بعد إعطاء هذا الحقّ إيجار المحلّ بدون الموافقة مع المستأجر الذي يكون ذا حقّ بالنسبة إلى السكونة و البقاء في المحلّ‌، و هذا الحقّ ينتقل من المستأجر الأوّل إلى الثاني و هكذا فيما إذا لم يكن اشتراط المباشرة في استيفاء الحقّ المذكور.

و يلحق بهذه الصورة ما أشرنا إليه في ذيل الصورة السابعة من اشتراط المستأجر في عقد الإجارة أن يكون إجارة المحلّ بعد انقضاء إجارته برضايته و إجازته و من يتنازل له هذا الحقّ فحينئذ يجوز للمستأجر الأوّل و من يتنازل له هذا الحقّ أن يأخذ شيئاً بعنوان السرقفليّة في قبال الرضاية و الاجازة.

و لايجوز أخذ شيء بعنوان السرقفليّة فيما إذا لم يشترط حقّ السكنى و البقاء ونحوهما بعد انتهاء مدّة الإجازة لأنّه أكل للمال بالباطل.

نعم لو كان المالك طالباً لايجاره إيّاه بحيث لو استدعى تجديد الإجارة يقدّمه على غيره جاز له أن يأخذ شيئاً في قبال رفع اليد و التخلية، سواء كان بعنوان الهبة المعوّضة أو الصلح أو الجعالة، على إشكال في الأخير كما أشرنا إليه في ذيل الصورة الاُولى فراجع.

تنبيهات

التنبيه الأوّل: فى استحقاق ارتفاع قيمة السرقفلية

أنّه إذا كان للمستأجر حقّ السرقفليّة شرعاً ثمّ مات و لم يبع الورثة السرقفليّة، فارتفعت قيمة السرقفليّة فهل يستحقّ الورثة ارتفاع قيمة السرقفليّة أو لا؟ و الجواب واضح لأنّ إرتفاع القيمة تابع لأصل السرقفليّة فمن ورّث السرقفليّة

صارت ملكاً له و من ملكها كانت الزيادة له، كالزيادة في سائر الأموال.

التنبيه الثاني: في عدم جواز مطالبة بعض الورثة حصة من سائر الورثة

أنّه لايجوز لبعض الورثة مطالبة حصته من السرقفليّة من سائر الورّاث قبل بيع المحلّ أو بيع السرقفليّة، ولو كان غيره ساكناً في المحلّ مع العوض; أو بدونه مع الإذن، اذ لاموجب لذلك.

نعم يجوز له أن يطالب غيره من الورّاث أن يبيعوها و يحصل له حصّته، كما يجوز له بيع حصّته مشاعاً قبل أن يبيعوها تماماً.

التنبيه الثاني: في عدم جواز مطالبة بعض الورثة حصة من سائر الورثة

أنّه لايجوز اجارة حقّ السرقفليّة، لاختصاص الإجارة بالأعيان إذ هي تمليك منفعة العين أو تسليط الغير على العين لإستيفاء المنفعة. و عليه فلايجوز لمن له السرقفليّة أخذ شيء بعنوان الإجارة بإزاء حقّ السرقفليّة لأنّه ليس بعين و المنافع و النمائات المتّصلة و المنفصلة سواء كانت تكوينية أو اعتبارية تابعة لملكية العين لأنّها من توابعها لاتوابع المالية، ولذا لم تشترك الزوجة في منافع الأعيان لأنّها تابعة لنفس الأعيان و ان كان لها حقّ بالنسبة إلى مالية الأعيان. نعم يجوز له أن يأخذ مبلغاً في مقابل تخلية المحلّ لمدّة معلومة بعنوان المصالحة أو بعنوان الهبة المعوّضة فمع انقضاء المدّة كان حقه باقياً لأنّ حقّه لايختصّ بوقت محدود بل له حقّ السرقفليّة للتالي.

و لايجوز بيعه لمدة معلومة، لأنّ الملكيّة في البيع مرسلة و تحديدها بمدّة معلومة ينافيه.

و كيف كان لايجوز للمالك اجارة المحلّ الذي يكون حقّ السرقفليّة للغير إلاّ مع موافقته، فإن آجره كانت الإجارة فضوليّاً لتعلّق حقّ المستأجر بالمحلّ‌، فتدبّر يّداً.

التنبيه الرابع: في حكم من سكن في محل من دون معاملة او اذن من صاحب السرقفلية

إنّه لو سكن أحد في محلّ من دون معاملة أو إذن من صاحب السرقفليّة فلاإشكال في حرمة ذلك تكليفاً; و أمّا الضمان بالنسبة إلى حقّ السرقفليّة فمحلّ تأمّل و إشكال، لإمكان أن يقال إنّ الحقّ موجود و ليس بتالف حتّى يضمنه، و أيضاً الحقّ ليس عيناً حتّى يحكم بضمان اُجرة المثل للتصرف فيه. اللّهمّ إلاّ أن يقال بعد فرض اعتبار الماليّة لحقّ السرقفليّة إنّ السكونة المذكورة في المحلّ تساوي إتلاف الماليّة في تلك المدّة و مقتضاه هو الضمان لعدم اختصاص الضمان بالأعيان و المنافع بل تجري في الحقوق أيضاً و ذلك لإطلاق قوله (عليه السلام) من أتلف مال الغير فهو ضامن.

هذا مضافاً إلى ضمانه بالنسبة إلى العين حيث لم يعقد عليها عقد الإجارة بعد تعلّق حقّ صاحب السرقفليّة بها و الضمان بالنسبة إليها هو ضمان اُجرة المثل.

التنبيه الخامس: اذا اشترى حق السرقفلية من ارباح سنته فهل يجب عليه الخمس أو لا؟

إنّه إذا اشترى حقّ السرقفليّة من أرباح سنته فهل يجب عليه الخمس بالنسبة الى حقّ السرقفليّة في آخر السنة أم لا؟

ذهب السيد المحقّق الخوئي (قدس سره) إلى الأوّل حيث قال وجب عليه خمسه في آخر السنة بقيمته الفعليّة التي ربّما تزيد على ما اشتراه به و ربّما تنقص و ربّما يتساويان.(1) لقد أفاد و أجاد إلاّ أنّ تعلّق الخمس بالنسبة إلى الزائد متفرّع على صدق حصول الفائدة قبل بيعه في آخر السنة، و أمّا إذا قلنا بأنّ صدق حصول الفائدة قبل البيع غير ثابت فلايجب خمسه فيما زاد على المبلغ الذي اشتراه به إلاّ بعد بيع حقّ السرقفلي و عليه فالزيادة لاخمس لها إلاّ بعد البيع، و أمّا تعلق الخمس

**

(1) مستند العروة، كتاب الإجارة: 509.

بالنسبة الى المبلغ الذي اشتراه به من أرباح المكاسب فهو واضح فيما إذا لم يكن اشتراء الحقّ المذكور من المؤونة، و إلاّ كما إذا لم يتمكّن من المعيشة إلاّ بأن يشتري حقّ السرقفليّة و يكتسب في المحلّ فلاخمس ما دام كذلك بالنسبة إلى ما اشترى به الحقّ المذكور أيضاً، كما لايخفى.

التنبيه السادس: ان مجرد الوكالة في الابجار عن المالك لايوجب حقاً له بالنسبة الى المالك

إنّه إذا كان المستأجر القديم وكيلاً من ناحية المالك في الإيجار لنفسه متى شاء، أو شرط له أن يؤجره المالك و لايكون وكيلاً في الإيجار للغير و لاشرط له ذلك، ففي هذه الصورة للمستأجر القديم أن يأخذ مبلغاً يساوي ما دفعه إلى المالك أو أقلّ منه أو أكثر من المالك و يرفع اليد عن حقّه.(1)

يمكن أن يقال إذا كان الشرط هو مجرّد الوكالة من ناحية المالك في الإيجار لنفسه متى شاء فلايوجب ذلك حقّاً له بالنسبة إلى المالك لأنّ الوكالة في طول مالكيّة المالك و عليه فيجوز للمالك أن يوجره للغير قبل إعمال الوكيل كسائر موارد الوكالة، و لايجوز له أخذ شيء في قبال رفع اليد عن الوكالة لأنّ جعل الوكالة لايوجب حقّاً له حتّى يصحّ أخذ العوض عنه.

بل المعاملة عليه لغو إذ بدونها كان للمالك الإيجار للغير، لأنّ الوكيل في طول الموكّل و لايزاحمه. اللّهمّ إلاّ أن يكون المقصود من قوله «إذا كان المستأجر القديم وكيلاً» هو اشتراط الوكالة في عقد الإجارة لنفسه في إيجار المحل لنفسه متى شاء، و عليه فالوكالة حقّ له ولكنّه مبنيّ على جواز اشتراط الوكالة بنحو شرط النتيجة و قد عرفت الإشكال في ذلك، لأنّ الشرط ليس من أسبابها، و شرط التوكيل هو شرط الفعل و هو واجب بالشرط ولكنّه لايوجب حقّاً ماليّاً.

**

(1) المسائل المستحدثة: 25.

نعم لو كان الشرط هو إعطاء حقّ الإيجار له بنحو الإنحصار بحيث لايجوز للمالك الإيجار للغير فالإيجار حقّ له، فيجوز له أخذ شيء من المستأجر الجديد في قبال رفع اليد عن حقّه بعنوان الهبة أو الجعالة، ليتحوّل عن ذلك المحلّ و لايزاحمه في الاستيجار.

ولكن إذا أعطى المستاجر الجديد شيئاً في قبال ذلك لم يصر ذا حقّ بالنسبة الى المحلّ‌، لإختصاص الحقّ بشخص المستأجر الأوّل و يكون للمالك كمال الحرّيّة في إيجاره إيّاه و عدمه، لأنّ المفروض أنّ الحقّ المذكور لايقبل الانتقال إلى الغير و إنّما وقع المبذول في مقابل رفع يد المستاجر الأوّل عن حقه المختصّ به، فلاتغفل.

التنبيه السابع: في حكم ازدياد اجرة المحل من ناحية المالك الجديد

انّه لو طلب المالك الجديد عن المستأجر السابق بعد انقضاء مدّة الإجارة زيادة اُجرة المحلّ و كان للمستأجر السابق حقّ السرقفلي في المحلّ فإن شَرَط المستأجر مع المالك السابق في عقد الإجارة الاُولى أن لايزاد مقدار الإجارة في السنوات الآتية و انتقل الملك بهذا الشرط إلى المالك الجديد فلايجوز للمالك الجديد أن يطالب الأزيد، و يجوز للمستأجر السكونة فيه بالإجارة المعيّنة المقرّرة في عقد الإجارة قضاء للشرط، و لزم على المالك الجديد تجديد الإجارة كما يقتضيه الشرط السابق، ولو امتنع عن ذلك يجبره الحاكم عليه، و مع الامتناع يتصدّى الحاكم بنفسه لإجارة المحلّ بالذي توافقا عليه في العقد الأوّل للإجارات اللاحقة، أو بقيمته المتعارفة لو شرط في العقد الأوّل تجديد إجارة المحلّ بقيمته المتعارفة بعد انقضاء مدّة الإجارة السابقة. و ربّما يظهر من بعض الأكابر أنّ اللازم هو أن يكون تصرّف المستأجر في المحلّ مع رضاية المالك الجديد ولكن له أن

يطالب السرقفلي بقيمته الفعليّة عند التخلية و التحويل.(1)

و لايخفى عليك أنّ اشتراط رضاية المالك الجديد لاوجه له بعد تعيين مقدار الاُجرة للتالي في الإجارة الاوُلى و المفروض هو انتقال الملك بهذا الشرط إلى المالك الجديد اللّهمّ إلاّ أن يكون المقصود إن رضاية المالك الجديد معتبرة ولكنّها مقيّدة بما توافق المالك الأوّل مع المستأجر في عقد الإجارة الاوُلى.

التنبيه الثامن: في حكم اسقاط المالك حق السرقفلية

في أنّه قيل إنّ للمالك أن لايأخذ حقّ السرقفليّة من المستأجر و يسقطه، و حينئذ فلو آجر ملكه للغير مع إسقاط حقّ السرقفليّة لم يتمكّن بعد ذلك من أن يأخذ من المستأجر شيئاً بعنوان حقّ السرقفليّة.

و بعبارة اُخرى بعد ما عرفت من إمكان القول بوجود حقّ السرقفليّة و اعتباره في بعض الأمكنة المعدّة للتجارة أمكن مراعاته حال الإجارة و أخذ مبلغ بإزائه و عدمها بأن لايأخذ شيئاً في مقابله و يسقطه و مع الإسقاط لايتمكن الموجر من مطالبة شيء بعنوان السرقفليّة من المستأجر.

والتحقيق إنّ عدم رعاية حقّ السرقفليّة

إمّا بنحو يملّكه للمستأجر بلاعوض، أو يعرض عنه ويحيّزه المستأجر بحيازة المحلّ‌، فلاكلام في أنّه ينتقل إلى المستأجر و يملّكه هو ومع تملّك المستأجر لامجال لمطالبة حقّ السرقفليّة من المستأجر.

وإمّا بنحو يرفق به مع المستأجر لابمعنى تمليكه إيّاه و لابمعنى إعراضه عنه بحيث يتملّكه المستأجر بالحيازة، بل حقّ السرقفليّة باق على ملكيّة الموجر و إنّما هو لم يطالب من المستأجر شيئاً بإزائه ما دام العين في إجارته، و من المعلوم أنّ مع

**

(1) استفتاءات سيدنا الامام المجاهد (قدس سره): 171/2 - س 217.

الإرفاق المذكور يتمكّن الموجر من مطالبة شيء بعنوان السرقفليّة بعد الإجارة لأنّ حقّ السرقفليّة باق على ملكه و لاموجب لانتقاله إلى المستأجر كما لايخفى.

ثمّ إنّ التعبير بإسقاط حقّ السرقفليّة كالتعبير باسقاط حقّ الخيار شايع بالنسبة إلى الحقوق المعتبرة القابلة للاسقاط و من المعلوم إنّ السرقفليّة من جملتها.

التنبيه التاسع: في حكم ما اذا كان حق السرقفلى لشخص و الملك لآخر

إنّه لو كان حقّ السرقفلي لشخص و الملك لآخر فصالح صاحب حقّ السرقفلي غيره في حقّ السرقفلي مع جعل الخيار له و آجره المالك أيضاً عين المحلّ مع جعل الخيار له كان للغير المذكور حينئذ حقّ الفسخ بالنسبة إلى كليهما أي المصالحة و الإجارة، فإذا فسخهما يقع الكلام في أنّه هل يبقى لصاحب حقّ السرقفلي أن يسكن المحلّ كالأوّل من دون حاجة إلى إجازة أو إذن أو تملّك عين، أو لا؟ ربّما يقال في الفرض المذكور إنّ التصرّف في الملك المذكور حرام من دون إجازة و رضاية المالك بل يحتاج إلى كسب الإجازة و الرضاية الجديدة، فمع الفسخ لايبقى لصاحب حقّ السرقفلي حق.

و التحقيق التفصيل بين ما إذا كان المراد من حقّ السرقفلي هو مجرّد إباحة السكونة له فيه، فإذا رفع اليد عن المحلّ مع العوض فلايبقى له حقّ بالنسبة إلى المحلّ‌، و السكونة الجديدة في المحلّ تحتاج إلى إباحة جديدة، فمع فسخ المصالحة لايبقى شيء لمن أبيح له السكونة في المحلّ‌.

و بين ما إذا كان المراد من حقّ السرقفلي هو جعل حقّ من حقّ السكنى و البقاء في المحلّ أو اشتراط دخالة رضايته و اجازته في إيجار المحلّ‌، كما هو المختار في حقّ السرقفلي، فالمصالحة المذكورة توجب انتقال هذا الحقّ إلى الغير و مقتضى الفسخ هو عودته إلى صاحبه. و عليه صار الحقّ منقّلاً إليه بعد الفسخ كالأوّل، فيعود له الحقّ المذكور و يجوز له التصرّف في المحلّ مع التوافق مع مالكه

في الإجارة على ما توافقا عليه في الأوّل كما يجب على المالك أيضاً أن يوافق مع صاحب الحقّ في إجارة المحلّ‌، طبقاً لما عقدا عليه في أوّل الأمر.

بل يلحقّ به الإباحة أيضاً إذا كانت إباحة معوّضة، فإذا صالحها من أبيح له ثمّ حصل الفسخ عادت كالأوّل طبقاً على ما توافقا عليه، فتدبّر جيّداً.

التنبيه العاشر: في الفرق بين حق السرقفلية و حق الكسب و الاشتغال بالتجارة

إنّ حقّ السرقفلي كما عرفت إنّه حقّ التقدّم في إجارة الأماكن التجاريّة بعد انقضاء مدّة الإجارة أو حقّ السكنى في تلك الأماكن للاستيجار بعقد جديد أو حقّ الإيجار بمعنى اشتراط رضاية المستأجر و إجازته في الإجارة للغير، و كيف كان يتحقّق هذا الحقّ بالمعاني المذكورة مع دفع مبلغ من المستأجر للمالك في ابتداء عقد الإجارة، أو مع اشتراط الحقّ المذكور معه في متن العقد ولو لم يدفع مبلغاً في ذلك. ثمّ إنّ هذا الحقّ لايتوقّف على شروع الكسب فضلاً عن إدامته بل يتحقّق بمجرّد المعاوضة و الاشتراط المذكور في متن العقد.

و لذا لايصح تفسير هذا الحقّ بحقّ الكسب و الاشتغال بالتجارة، لما عرفت من عدم توقّفه على شروع الكسب فضلاً عن إدامته، فلو استأجر شخص مكاناً للتجارة مع اشتراط حقّ السرقفلي أو المعاوضة عليه ثمّ لم يكسب في المحلّ أصلاً ثبت له حقّ السرقفلي مع أنّه لايصدق الكسب و الاشتغال في المحلّ‌، وهذا شاهد واضح على عدم اتّحادهما.

و يشهد له أيضاً أنّه لو لم يعامل المستأجر مع المالك بالنسبة إلى حقّ السرقفلي ولم يشترط عليه ذلك و إنّما اتّخذ المحلّ للكسب لم يكن له حقّ السرقفلي مع أنّ له حقّ الكسب و الاشتغال عند من قال به. و عليه فالنسبة بين حقّ السرقفلي و حقّ الكسب بناء على القول به هي العموم من وجه لجواز افتراقهما و اجتماعهما كما إذا استأجر محلاًّ للكسب و اشترط عليه حقّ السرقفلي ثمّ شرع

للتجارة و مضى مدّة في ذلك، فإنّ حقّ السرقفلي و حقّ الكسب بناء على اعتباره يجتمعان فيه.

ثم إنّك عرفت إمكان تصوير حقّ السرقفلي، و أمّا حقّ الكسب فقد مرّ وجه المنع فيه، لأنّه نفع عائد إلى المحلّ قهراً بسبب اشتغال المستأجر في المحلّ و هو لايوجب حقّاً للمستأجر بالنسبة إلى المحلّ و إن صار المحلّ مرغوباً بالاشتغال و الكسب، و الحكم بمشروعيّته كما عن مجمع تشخيص المصلحة، لو كان من ناحية حقّ السرقفلي ففيه أنّهما ليسا بواحد و إن كان من ناحية نفس الاشتغال و الكسب فقد عرفت أنّه نفع عائد إلى المحلّ قهراً و يملكه الموجر لاالمستأجر، كارتفاع قيمة المواد بعمل الأجير فيها قهراً.

قال مدير مجلس صيانة الدستور: إنّ حقّ الكسب و التجارة في ملك الغير - المذكور في مادّة 19 من قانون روابط موجر و مستأجر - ليس له عنوان شرعيّ‌، و إن كان المقصود منه هو حقّ السرقفلي فليعمل على طبق تحرير الوسيلة، و أيضاً لزم رعاية هذا النظر في ساير الموادّ المربوطة بحقّ الكسب و التجارة.(1)

و عليه فالمعاملات الواقعة على حقّ الكسب و التجارة محرّمة و لاأثر لها من حيث الأحكام الوضعيّة.

لايقال اّنّ المصرّح في ما أفاده مدير مجلس صيانة الدستور هو أن حقّ الكسب و الاشتغال و التجارة لايكون له عنوان شرعيّ و لاملازمة بين نفي عنوان شرعيّ و إثبات الحرمة.(2)

لأنّا نقول إنّ الحكم بنفي عنوان شرعي يؤوّل إلى عدم وجود أسباب شرعيّة لحقّ الكسب و التجارة و مع عدم وجود أسباب الانتقال لايجوز التصرّف لأحد

**

(1) سرقفلي و حقّ كسب و پيشه و تجارت تأليف بهمن كشاورز: 128.

(2) سرقفلي و حقّ كسب و پيشه و تجارت: 128-129.

الطرفين و لامعنى للحرمة إلاّ ذاك.

نعم لو اشترط في عقد الإجارة أنّ مقداراً معيناً ممّا يعرض المحلّ من المرغوبية للتجارة للمستأجر فلاإشكال حينئذ في صحّة ذلك و انتقال هذا الحقّ إلى الوارث و جواز المعاملة عليه أيضاً. و هكذا إذا كان العقد منصرفاً إليه.

و أمّا إذا لم يشترط في العقد ولم ينصرف العقد إليه فلاشرعيّة لحقّ الكسب و التجارة، و لادخالة للعرف إلاّ إذا كان متعارفاً بحيث أفاد الاشتراط، كما إذا توافق الموجر و المستأجر بما صار متعارفاً أو أفاد الانصراف، و أمّا إذا لم يتوافقا في ذلك و لم يقصدا المتعارف فلاملزم على المالك الموجر أن يعطيه حقّ الكسب و التجارة. و حكم العرف في أمثال المقام مع عدم قصد المتعاقدين لاأثر له، إذ العرف بما هو العرف لاحجيّة له إلاّ في تشخيص المفاهيم أو تطبيق المعاني على المصاديق، و دعوى أنّ العرف منبع آخر وراء الأدلّة الأربعة للفقه الإسلامي(1) فاسدة، لما عرفت من أنّ العرف بما هو العرف لاحجيّة له إلاّ في تشخيص المفاهيم و تطبيقها على المصاديق، و أمّا حكم العرف بالنسبة إلى الأحكام فإن كان في عصر الأئمّة عليهم السلام فيحتاج إلى إمضائهم أو تقريرهم حتّى يكون حجّة و إن لم يكن في عصرهم فلاحجيّة له أصلاً. و كيف كان فلايكون حكم العرف في نفسه منبعاً للأحكام الشرعيّة. و سيأتي بقيّة الكلام في مسألة حقوق المؤلفين و نحوهم إن شاء الله تعالى.

التنبيه الحادي عشر: في ان معاملة المستاجر مع المالك في حق السرقفلية لازمة

إنّ ما يبذله المستأجر للموجر بعنوان أن يكون له حقّ السرقفلي في المحلّ بناء على ما مرّ من تصوّره بنحو من الأنحاء المشروعة يكون ملكاً للموجر قضاءاً للمعاملة التي تدلّ على نفوذها عمومات التجارة، و عليه فلايجوز للمستأجر أن

**

(1) سرقفلي و حقّ كسب و پيشه و تجارت: 135.

يطالب من الموجر ردّ ما أعطاه في مقابل حقّ السرقفلي سواء إنقضت مدّة الإجارة أو لم تنقض. نعم لو أخذ الموجر عند الإجارة مبلغاً بعنوان القرض بحيث يكون الاُجرة مركّبة من مبلغ بعنوان اُجرة و مبلغ آخر بعنوان قرض وجب عليه ردّ ما أخذه بعنوان القرض بعد انقضاء مدّة الإجارة، إذ القرض ليس تمليكاً مجّانيّاً بل هو تمليك بإزاء ضمان المثل، و عليه فيجب على الموجر عند انقضاء مدّة الإجارة ردّ مثل ما اقترضه إلى المستأجر ولكنّه أجنبيّ عن حقّ السرقفلي، كما لايخفى.

المسألة العشرون في الحلق

اشارة

ويقع الكلام في جهات:

الجهة الاوُلى: في حرمة حلق اللحية

في حرمة حلق اللحية: و لايخفى عليك أنّه ذهب أكثر العامّة كالحنفيّة و المالكيّة و الحنابلة إلى حرمة حلق اللحية و خالفهم الشافعيّة حيث ذهبوا إلى كراهة حلق اللحية و المبالغة في قصّها.(1) و عن التاج حلق اللحية مكروه عند الجمهور و حرام عند الحنفية.(2) و عن كتاب ما لايجوز فيه الخلاف بين المسلمين حلق اللحية حرام عند الجمهور مكروه عند غيرهم.(3)

و أمّا الخاصّة فقد نسب المجلسي الأوّل حرمة حلق اللحية إلى ظاهر أكثر العلماء(4) و المجلسي الثاني (قدس سره) إلى المشهور(5) و هو ظاهر يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع(6) و ظاهر الشهيد الأوّل في القواعد حيث قال: و لايجوز للخنثى

**

(1) راجع الفقه على المذاهب الأربعة 44/2-46. ط الرابع.

(2) التاج، 170/3.

(3) كتاب ما لايجوز فيه الخلاف بين المسلمين/ 21، ط كويت.

(4) شرح الفقيه 242/1.

(5) حلية المتّقين / 60.

(6) ص 30.

حلق لحيته لجواز رجوليّته.(1) كما هو ظاهر المحكي عن فخر المحقّقين و الشيخ البهائي(2) و غيرهم من المتأخّرين و متأخّريهم كالميرداماد في شارع النجاة و كاشف الغطاء و صاحب الجواهر و الشيخ الأعظم الأنصاري و الشيخ جعفر الشوشتري و الميرزا الشيرازي و غيرهم من الأكابر، بل لعلّ المستفاد من قول صاحب الجواهر هو أنّ الأصحاب عملوا بماروي في حلق اللحية حيث قال: و ليس على النساء حلق... و يجزيهن التقصير بل يحرم عليهنّ ذلك بلاخلاف أجده فيه أيضاً بل عن المختلف الإجماع عليه و هو الحجّة بعد المرتضوي(3) أي في الإحلال لامطلقا، فإنّ الظاهر عدم حرمته عليها في غير المصاب المقتضى للجزع، للأصل السالم عن معارضة دليل معتبر، اللّهمّ إلاّ أن يكون هناك شهرة بين الأصحاب تصلح جابراً لنحو المرسل المزبور بناءً على إرادة الإطلاق، فيكون كحلق اللحية للرجال.(4) بناء على دلالة قوله «فيكون كحلق اللحية للرجال» على أنّ مع قيام الشهرة على المرسلة يصير حلق المرأة رأسها كحلق الرجل لحيته في كونه حراماً مشهوراً بين الأصحاب. ولكن يحتمل أن يكون التشبيه في أصل الحرمة لافي الشهرة.

ولكنّ المسألة لم تكن مذكورة في الكتب الفقهيّة المربوطة بما قبل القرن السابع، على ما ادّعاه شيخنا الصديق الاُستاذى مدّظلّه في رسالته التحقيق في حلق اللحية.(5) و كيف كان فقد صرّح آية الله البلاغى (قدس سره) بأنّ جماعة من العلماء أرسلوا الفتوى بالتحريم إرسال المسلّمات و لم يشيروا إلى خلاف أو شبهة خلاف، كما هو

**

(1) القواعد 232/1.

(2) فى رسالته الاعتقادية / 8-6.

(3) نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن تحلق المرأة راسها.

(4) الجواهر 236/19.

(5) رسالة التحقيق حول حلق اللحية، 84.

دأبهم في المسائل التي فيها خلاف، إلى أن قال بل صرّح بعضهم بأنّ التحريم متسالم عليه.(1)

الجهة الثانيه: استدل لحرمة حلق اللحية بامور

اشارة

إنّه استدل لحرمة حلق اللحية بأمور:

الأوّل: الآيات

الأوّل: الآيات; منها قوله تعالى (وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاٰلاً بَعِيداً إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّٰ إِنٰاثاً وَ إِنْ يَدْعُونَ إِلاّٰ شَيْطٰاناً مَرِيداً لَعَنَهُ اَللّٰهُ وَ قٰالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبٰادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذٰانَ اَلْأَنْعٰامِ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللّٰهِ وَ مَنْ يَتَّخِذِ اَلشَّيْطٰانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اَللّٰهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرٰاناً مُبِيناً يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَ مٰا يَعِدُهُمُ اَلشَّيْطٰانُ إِلاّٰ غُرُوراً) .(2)

بدعوى أنّ حلق اللحية من مصاديق تغيير الخلقة، فيندرج في الكبرى المستفادة من الآية الكريمة، كما حكي الاستدلال بها عن السيّد ميرداماد في شارع النجاة و الفيض في الوافى(3) و السيد حسن الصدر في رسالته ذكرى ذوى النهى في حرمة حلق اللحىَ‌(4) و السيد جعفر آل بحر العلوم في رسالته تحفة للطالب.(5)

أورد عليه في مصباح الفقاهة بأنّه إن كان المراد بالتغيير في الآية المباركة تغييراً خاصّا فلاشبهة في حرمته على إجماله ولكن لادليل على كون المراد به ما يعمّ حلق اللحية، و إن كان المراد به مطلق التغيير فالكبرى ممنوعة، ضرورة عدم الدليل على حرمة تغيير الخلقة على وجه الإطلاق و إلاّ لزم القول بحرمة التصرّف

**

(1) رسالة التحقيق حول حلق اللحية / 54-55.

(2) النساء / 116-120.

(3) الوافي، ج 99/4.

(4) ذكرى ذوى النهى في حرمة حلق اللحى، ص 4.

(5) تحقيق دريك مساله فقهى (ريش تراشى) ص 105.

في مصنوعاته تعالى حتّى بمثل جري الأنهار و غرس الأشجار و حفر الآبار و قطع الأخشاب و قلم الأظفار و غيرها من التغييرات في مخلوقاته سبحانه.

و الظاهر أنّ المراد به تغيير دين الله الذي فطر الناس عليها وفاقاً للشيخ الطوسي (قدس سره) في تفسيره، أعني التبيان; و يدلّ عليه قوله تعالى (فِطْرَتَ اَللّٰهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنّٰاسَ عَلَيْهٰا لاٰ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللّٰهِ ذٰلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ‌) .(1) و قد نقل الشيخ في تفسير الآية أقوالاً شتّى و ليس منها مايعمّ حلق اللحية.(2)

و أنت خبير بأنّ الاستدلال بعدم وجود المقتضي أولى من الاستدلال بوجود المانع، فالأولى هو المنع عن الإطلاق من جهة أنّ الآية بقرينة سابقها و لاحقها تكون في مقام مذمّة مايدعوه المشركون من دون الله تعالى من الإناث و الشيطان المريد و بيان عداوة الشيطان و طغيانه و الإشارة إلى مقالاته الناشئة عن الطغيان و الأهواء الصادرة عن الفطرة التوحيديّة و المؤدّية إلى الشرك و التشريعات المحرّمة، فالآية ليست في مقام الإطلاق من ناحية ما أمره الشيطان بتغييره، بل الآية كما يشهد صدرها و ذيلها راجعة إلى حرمة التغييرات الناشئة عن إغواء الشيطان التي تؤدي إلى خلاف الفطرة التوحيديّة من الشرك و التشريعات المحرّمة فلاإطلاق لعدم إحراز كونه في مقام البيان، و هذا أولى من أن يقال إنّ الاطلاق يستلزم التخصيص الأكثر لما عرفت من أنّ الاستدلال بعدم وجود المقتضي مقدّم على الاستدلال بوجود المانع. هذا مضافاً إلى امكان دعوى الانصراف عن بعض الأمثلة المذكورة أو دعوى أنّ الخروج عنوانيّ لاأفراديّ فلايلزم التخصيص الأكثر كما أنّ ماذكرناه في وجه عدم الإطلاق أولى ممّا حكي عن السيد اليزدي (قدس سره) في غاية القصوى من أنّ الإنصاف هو عدم دلالة الآية لإمكان أن يكون المراد هو تغيير دين الله و المخالفة

**

(1) الروم/ 30.

(2) مصباح الفقاهة / 258.

مع أوامره و نواهيه كما رواه في مجمع البيان عن الصادق (عليه السلام) مع أنّ الآية ليست في مقام بيان حكم التغيير و أنّه حلال أو حرام حتّى يمكن الاستدلال بها. و لما أورد عليه - كما في رسالة التحقيق حول حلق اللحية لأخي الصديق الاُستاذى حفظه الله تعالى و وفّقه لمرضاته - من أنّ حرمة تغيير خلق الله الذي يكون من أعمال الشيطان و آماله واضحة و لامجال للتشكيك فيها.(1)

و أمّا تأييد الاستدلال بالآية لحرمة حلق اللحية بما ورد عن العامّة من قوله (صلى الله عليه وآله) لعن الله الواشرات و المتنمّصات و المستوشمات المغيرات خلق الله.(2)

لظهورها في أنّ تحديد المرأة أسنانها و ترقيقها او أخذ شعر الجبين بخيط لنتفه أو غرز اليد بالأبرة ثم ذرّ النوؤر عليها من مصاديق تغيير خلق الله، و بما ورد عن العامّة أيضاً في مرئة خدشت وجهها و خرق جلدها مالها لعنها الله غيّرت خلق الله،(3) و بما روى عن بن عباس و عكرمة من أنّ إخصاء الحيوان هو المراد من تغيير خلق الله،(4) و بما روي عن ابن مسعود من أنّ المراد من تغيير خلق الله هو الوشم،(5) و غير ذلك مّما حكاه في رسالة التحقيق حول حلق اللحية;

ففيه أوّلاً: أنّها ضعاف لايمكن الاعتماد عليها. و ثانياً: أنّ عدم الإطلاق كما عرفت لاينافي التصريح في بعض الموارد بأنّه من مصاديق تغيير خلق الله و عليه فيقتصر فيه على المقدار المتيقن، اللّهمّ إلاّ أن يستظهر من الموارد المذكورة عدم الخصوصية، فيتعدّي عن مواردها، فتأمّل.

**

(1) راجع ص 104.

(2) الكشاف 568/1; تفسير ابن كثير 566/1.

(3) تفسير طبرى 182/5.

(4) تفسير ابن كثير 556/1; مجمع البيان 112/3.

(5) مجمع البيان 112/3.

ومنها قوله تعالى (فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرٰاهِيمَ حَنِيفاً)(1) و تدلّ على هذا المضمون الآيات المتعدّدة و مفادها هو وجوب الاتباع عن طريقة إبراهيم (عليه السلام). و من هذه الطريقة على ماورد في بعض الأخبار الطهارة «و هي عشرة أشياء خمسة منها في الرأس و خمسة منها في البدن، فأما التى في الرأس فأخذ الشارب و إعفاء اللحى و طمّ الشعر(2) و السواك و الخلال، و أمّا التى في البدن فحلق الشعر من البدن و الختان و تقليم الاظفار و الغسل من الجنابة و الطهور بالماء، فهذه الحنفيّة الظاهرة التى جاء بها إبراهيم فلم تنسخ و لاتنسخ إلى يوم القيامة و هو قوله و اتّبع ملّة إبراهيم حنيفاً.(3)

و عليه فمفاد الآية وجوب الاتباع عن ملّة إبراهيم (عليه السلام) و حيث إنّ أخذ الشارب و إعفاء اللحى بحكم بعض الأخبار من طريقته فيجب إعفاء اللحى و أخذ الشارب.

أورد عليه بأنّ أكثر الاُمور المذكورة من المستحبّات فمن الممكن أن يكون إعفاء اللحى منها كما أنّ أخذ الشارب ليس بواجب. أجاب عنه السيد اليزدى بأنّ اشتمال بعض الأخبار على بعض المستحبات و ذكر إعفاء اللحى في عدادها لايكون دليلاً على استحباب الإعفاء، لكون بعض آخر كغسل الجنابة و الختنة من الواجبات،(4) فلاوجه لرفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب. كما حكي عن السيد الخوئي (قدس سره) أنّ رفع اليد عن ظهور الامر في الوجوب في بعض متعلّقه لقرينة لايوجب رفع اليد عنه في غير مورد القرينة كما في قوله اغتسل للجمعة و

**

(1) آل عمران / 95.

(2) أي جزّه و قطعه أو عقصه.

(3) الوسائل 423/1 الباب 67 من أبواب آداب الحمّام ح 5. مجمع البيان 200/1.

(4) غاية القصوى 71/2.

الجنابة.(1)

نعم يرد عليه أنّ الخبر المذكور الدال على أنّ من طريقته (عليه السلام) هو إعفاء اللحى ضعيف لإرساله فلااعتبار له في تعيين الملة و الطريقة. هذا مضافاً إلى أنّ الإعفاء هو توفير الشعر و تكثيره و من المعلوم أنّه ليس بواجب قطعاً. هذا تمام الكلام في الآيات.

الثاني: الروايات:

اشارة

والثاني: الروايات; و هي كثيرة:

منها: ما دلّ على اعفاء اللحى و حفّ الشوارب

منها ما في جملة من الروايات من الأمر بإعفاء اللحى و حفّ الشوارب و النهي عن التشبّه بالمجوس و المشركين. مثل ما أرسله الصدوق جازماً إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنّه قال حفّوا الشوارب و اعفوا اللحى و لاتشبّهوا باليهود. ونظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى رجل طويل اللحية فقال ما كان على هذا لو هيّأ(2) من لحيته فبلغ الرجل ذلك فهيّأ من لحيته بين اللحيتين(3) ثمّ دخل على النبي (صلى الله عليه وآله) فلمّا رآه قال هكذا فافعلوا. و قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنّ المجوس جزّوا لحاهم و وفّروا شواربهم و إنّا نحن نجزّ الشوارب و نعفي اللحاء و هى الفطرة.(4) و مثل ما رواه في معاني الأخبار حدّثنا الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتب رضي الله عنه، قال حدّثنا محمّد بن جعفر الأسدي قال حدّثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد، قال حدثني علي بن غراب، قال حدثني خير الجعافر جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه عن أبيه عليهم السلام قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حفّوا الشوارب(5) و اعفوا

**

(1) محاضرات في الفقه الجعفرى/ 195.

(2) هيّأه أي أصلحه.

(3) أي جعل لحيته معتدلة بين القصيرة و الطويلة.

(4) من لايحضره الفقيه 31/1 ح 11 8 و 119 ط قديم.

(5) حفّ رأسه و شاربه و اللحية أخذ منها.

اللحى و لاتتشبّهوا بالمجوس.(1)

و هذا المضمون مرويّ عن طرق العامّة أيضاً كما روى البلاغي عن المسلم و الترمذي و النسائي في جوامعهم من الصحاح الستّة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنّه قال احفوا الشوارب و اعفوا اللحى. و عن البخاري عن بن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله) انهكوا(2) الشوارب و اعفوا اللحى.(3) و عن أحمد بن حنبل عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) اعفوا اللحى و جزّوا الشوارب و غيّروا شيبكم و لاتشبّهوا باليهود و النصارى.(4) و عن مسلم عن أبي هريرة عنه (صلى الله عليه وآله) جزّوا الشوارب و ارخوا اللحى و خالفوا المجوس.(5) و عن البخارى و مسلم عن بن عمر عنه (صلى الله عليه وآله) خالفوا المشركين و وفّروا اللحى و احفوا الشوارب(6) و عن مسند أحمد عن أبي هريرة قصّوا الشوارب و اعفوا اللحى(7) و غير ذلك من الأخبار الكثيرة التى تكون بهذا المضمون.(8)

تقريب الاستدلال بهذه الروايات أنّ ظاهر الامر هو الوجوب و تركه و هو الضدّ العام محرّم و حيث إنّ الحلق من مصاديق الضدّ العام فهو محرّم أيضاً. هذا مضافاً إلى النهي عن التشبّه بالمجوس في حلق اللحية و مقتضى النهي هو الحرمة.

أورد عليه في مصباح الفقاهة أوّلاً بأنّها ضعيفة السند. وثانياً أنّها لاتدلّ على الوجوب لأنّ المامور به حينئذ هو الإعفاء و إبقاء اللحية بما لايزيد على القبضة و

**

(1) معاني الأخبار / 291.

(2) المبالغة في أخذ الشوارب.

(3) البخاري 207/7.

(4) مسند أحمد 356/2 و فيه خذوا مكان جزّوا.

(5) صحيح مسلم 153/1.

(6) البخارى 206/7. صحيح مسلم 153/1.

(7) مسند أحمد 229/2.

(8) راجع رسالة البلاغي في حرمة حلق اللحية، المطبوعة في رسالة التحقيق حول حلق اللحية لصديقنا الاُستاذي / 35.

هو ليس بواجب قطعاً; وثالثاً بأنّ النهي عن التشبّه بالمجوس عقيب الإعفاء والإحفاء ظاهر في النهي عن مجموع الأمرين أي الحلق وترك الشوارب كما يصنعون، وأمّا فعل كلّ واحد منفرداً فليس بمحرّم إذ يحصل نفي التشبيه بفعل أي منهما، فيجوز أن يحلق الشارب و اللحية كما يجوز ان يعفى الشارب و اللحى فالمحرّم هو حلق اللحية و ترك الشوارب للتشبيه بالمجوس.(1)

و يمكن الجواب أمّا عن الأوّل فبما أفاده الفاضل الشعراني (قدس سره) من أنّ الحق أن لاينبغي الترديد في صدور ماروي في ذلك عن النبى (صلى الله عليه وآله) من جهة الإسناد، لاتّفاق الرواة من العامّة والخاصّة على نقله و شهرته بينهم و قيام القرائن عليه وليس مثل هذه الواقعة مّما يخفى على الناس أو يحتمل أوهام الرواة له، إذ لم يختلف أهل السيرة و المورّخون في أنّ جماعة من مجوس العجم جاوؤا رسلاً من جانب أمير اليمن لتبليغ رسالة سلطان العجم فقال لهم ما هذا الزيّ والهيئة، حلقتم اللحى وفتلتم الشوارب، فقالوا أمرنا ربّنا بذلك، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكنّ ربّي أمرني بالعكس، بإعفاء اللحى و إحفاء الشوارب، وبالجملة فصدوره من النبي (صلى الله عليه وآله) مسلّم و لاينبغي الشكّ فى إسناده.(2) وعليه فالرواية مقطوعة الصدور في الجملة ولعلّه لذلك أسندها الصدوق رحمه الله تعالى إلى النبى (صلى الله عليه وآله) جازماً.

و أمّا عن الثاني بأنّ قوله (صلى الله عليه وآله): و لاتتشبّهوا بالمجوس بعد قوله (صلى الله عليه وآله) حفّوا الشوارب واعفوا اللحى في معاني الأخبار; أو قوله و خالفوا المجوس بعد قوله (صلى الله عليه وآله) جزّوا الشوارب وارخوا اللحى في صحيح مسلم، أو قوله (صلى الله عليه وآله) خالفوا المشركين قبل قوله (صلى الله عليه وآله) وفّروا اللحى واحفوا الشوارب في صحيح البخاري; دليل على أنّ المقصود هو النهي عن الحلق والأمر بالإعفاء من جهة كونه مقابلاً للحلق، فالتشبّه بالمجوس

**

(1) راجع مصباح الفقاهة / 259، بأدنى تغيير وتفاوت.

(2) شرح اُصول الكافي للمازندراني 265/6.

في الحلق محرّم، فمنع عنه باختيار مقابله و هو الإعفاء، و لايضرّ كون الإعفاء مستحبّاً بعد كونه مأموراً به للفرار من المحرّم وهو التشبّه باليهود. و لعلّ إليه يؤوّل مافي الوافي حيث قال ذكر الإعفاء عقيب الإحفاء ثمّ النهي عن التشبّه دليل على أنّ المراد بالإعفاء أن لايستأصل ويؤخذ منها من دون استقصاء.(1) نعم هنا تأمّل في استفادة الحرمة من النهي عن التشبه بالمجوس فيما إذا يكن الداعي هو الدخول في زيّ المجوس و الخروج عن زىّ المسلمين أو التبعيّة عن المجوس والتقليد عنهم في الاُمور، لذكر نظير هذا التعليل غالباً في المكروهات، كقوله عليه السلام اكنسوا أفنيتكم ولاتشبّهوا باليهود(2) وكقوله (صلى الله عليه وآله) غيّروا الشيب و لاتشبّهوا باليهود والنصارى(3) و قوله (صلى الله عليه وآله) اعفوا اللحى و لاتشبّهوا باليهود(4) لعدم حرمة ازدياد اللحية على القبضة.

وأمّا عن الثالث فبأنّ النهي هو مطلق التشبيه و هو بإطلاقه يشمل ما إذا حلق اللحية و لم يوفّر الشارب فإنّه يصدق عليه أنّه تشبه بالمجوس في حلق اللحية. كما أنّ المخالفة معهم تصدق بإعفاء اللحى ولو لم يوفّر الشارب، هذا مضافاً إلى ما في رسالة التحقيق حول حلق اللحية من أنّه لو كان المجموع محرّمة كفى أن يقال اعفوا اللحى والشوارب أو احفوا الشوارب و اللحى أو اعفوا الشوارب و احفوا اللحى إذ يرتفع المجموع بأحد هذه الصور، و يؤيّد ذلك ورود الأمر لكلّ واحد منفصلاً عن الآخر.(5)

بقى لنا إشكال و هو أنّ موضوع الحرمة على تقدير التسليم هو التشبّه

**

(1) وافى 99/4.

(2) الوسائل 510/3.

(3) الوسائل 401/1.

(4) الوسائل 423/1.

(5) رسالة التحقيق حول حلق اللحية / 126.

بالمجوس و المشركين.

و بعد شيوع حلق اللحية في الجوامع الإسلاميّة لايبقى موضوع للتشبّه كما في ألبستهم فإنّ جملة منها كانت في الأزمنة المتقدمة مختصّة بالكفار و لذا اجتنب عنها المتّقون و الصالحون ولكن في زماننا هذا لااختصاص لها بهم فلاحزازة في لبسها اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ التشبه ليس علّة حتّى يكون الحكم دائراً مدار وجوده بل لعلّه هو الحكمة بمعنى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن الحلق بحكمة عدم تشبّه المسلمين بالمجوس في صدر الإسلام فلاوجه لرفع اليد عن الحكم المذكور عند نفي التشبّه، فتأمّل.

هذا مضافاً إلى مطلقات اُخرى تدلّ على حرمة الحلق فلاوجه لرفع اليد عن إطلاقها مع انفصالها عن الأخبار الدالة على النهي عن التشبّه إذ إجمال أخبار التشبه لايسري إليها.

ومنها ما يدلّ على أنّ الحلق من أفعال أقوام مسخوا. مثل مارواه في الكافي عن علي بن محمّد عن أبي على محمّد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أحمد بن القاسم العجلي، عن أحمد بن يحيى المعروف بكرد،(1) عن محمّد بن خداهي عن عبد الله بن أيّوب، عن عبد الله بن هاشم، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعميّ‌، عن حبابة الوالبيّة قالت: رأيت أمير المؤمنين (عليه السلام) في شرطة الخميس(2) و معه درّة(3) لها سبابتان (السبابة الشعبة) يضرب بها بيّاعي الجرّيّ و المارَ ماهي و الزمّار(4) و يقول لهم يا بيّاعي مسوخ بني اسرائيل و جند بني مروان فقام إليه فرات

**

(1) ببرد - إكمال الدين.

(2) و عن النهاية الشرطة أوّل طائفة من الجيش تشهد الوقعة و الخميس الجيش سمّي به لأنّ الجيش مقسوم بخمسة أقسام المقدمة و الساقة و الميمنة و الميسرة و القلب.

(3) الدرّة بكسر الدال و تشديد الراء السوط و السبابة رأس السوط.

(4) الجرّيّ بكسر الجيم و تشديد الراء و الياء، نوع من السمك الذى لافلوس له و هكذا المار ماهي بفتح الراء و الزمّار بكسرالزاء و تشديد الميم و حكى عن إكمال الدين الزيار الزمير و الطافي.

بن أحنف فقال يا أمير المؤمنين و ما جند بني مروان قال فقال له أقوام حلقوا اللحى و فتلوا الشوارب فمسخوا، الحديث.(1) بتقريب أنّ المسخ عذاب لايستحقّه إلاّ من ارتكب المحرّم.

اُورد عليه في مصباح الفقاهة بأنّ الرواية و إن كانت ظاهرة في الحرمة إلاّ أنّها ضعيفة السند.(2) و لعلّ وجه الضعف هو مجهوليّة جمع من رواتها، ولكن قال العلامة البلاغي (قدس سره) و روى الصدوق هذه الرواية في إكمال الدين و هي معتبرة من حيث السند(3) إلاّ إنّي لم أجد الرواية المشتملة على قوله أقوام حلقوا اللحى و فتلوا الشوارب فمسخوا بسند آخر فيها اللّهمّ إلاّ أن يكون مقصوده هو الرواية غير المشتملة فإنّها قسمة منها فيحدس أنّهم روُوا تمامها. فتأمّل.

و ربّما يشكل في دلالتها بأنّ ظاهرها عدم جواز حلق اللحية مع تفتيل الشوارب لامطلقاً.(4) و فيه أنّه اشتراط المعيّة و المجموع يحتاج إلى مو نة زائدة و مقتضى الإطلاق عدمه، و عليه فظاهرها هو أنّ الأمرين مبغوضان فرفع اليد عن أحدهما بقرينة لايوجب رفع اليد عن حرمة الآخر.

و إليه يؤوّل ماحكي عن السيد حسن الصدر (قدس سره) من أنّ احتمال كون الحرمة بمجموع الحلق و الفتل معاً كاحتمال اختصاص الحكم ببني اسرائيل من الواهيات التي لايحتملها أهل العلم و من رزقه الله لحن الخطابات و مساق المحاورات.(5) و لذلك استبعده في المواهب حيث قال و يمكن المناقشة بأنّه لعلّه لارتكاب كلا

**

(1) الكافي / 346 1.

(2) مصباح الفقاهة / 261.

(3) رسالة التحقيق لصديقنا آية الله الاُستاذي / 49.

(4) كما في إرشاد الطالب 146/1.

(5) رسالة ذكرى ذوى النهى / 5.

الأمرين إذ لعلّ المحرّم هو المجموع من حيث المجموع و فيه بعد.(1)

ثم يشكل على هذا الحديث بأنّه إنّما يدلّ على حرمة حلق اللحية بل تطويل الشارب أو أحدهما في شرع من قبلنا لا في شرعنا.(2) و اُجيب عنه بأن ذكره عليه السلام ذلك في مقام الذمّ يدلّ على حرمتهما في هذه الشريعة أيضاً.

أورد عليه المجلسي (قدس سره) في مرآة العقول بأنّه عليه السلام ليس في مقام ذمّ هذين الفعلين بل في مقام ذمّ المسوخ بهذا السبب كما أنّ مسوخ بني إسرائيل مسخوا لصيد السبت و ذكرهم هنا لايدلّ على تحريمه.(3) و غاية ما يستفاد منه هو حرمته في الشرع السابق و لاإحراز بالنسبة إلى بقائها في شرعنا. أجاب عنه العلامة البلاغي بأنّ مع احتمال نسخ الحرمة يمكن استصحاب الحرمة لوفرض قصور ما مضى و ما يأتي من الأحاديث عن إثبات الحرمة.(4)

منها: ما دلّ على أنّ حلق الحية يكون من المثلة

ومنها مادلّ على أنّ حلق اللحية يكون من المثلة

و هو مارواه في المستدرك عن الجعفريّات، أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمّد، حدثني موسى، حدّثنا أبي عن أبيه عن جدّه جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه عليّ بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلق اللحية من المثلة و من مثّل فعليه لعنة الله.(5)

اُورد عليه أوّلاً بضعف موسى بن اسماعيل بن موسى بن جعفر عليهما السلام اللّهمّ إلاّ أن يقول إنّه من مشايخ محمّد بن محمّد الأشعث الذى وثّقه النجاشي. و

**

(1) المواهب 2 / باب آداب الحمّام.

(2) مرآة العقول 79/4.

(3) مرآت العقول 79/4.

(4) رسالة التحقيق في حلق اللحية لصديقنا آية الله الاُستاذي / 49.

(5) مستدرك الوسائل 59/1.

ثانياً بأنّ الأشعثيّات المعبّر عنها بالجعفريات لم تثبت.

بيان ذلك - كما في مباني تكملة المنهاج - أنّ كتاب محمّد بن محمّد الاشعث (الذي وثّقه النجاشي و قال له كتاب الحج، ذكر فيه ما روته العامّة عن جعفر بن محمّد عليهما السلام في الحجّ‌) و إن كان معتبراً إلاّ أنّه لم يصل إلينا و لم يذكره الشيخ في الفهرست و هو لاينطبق على ما هو موجود عندنا جزماً فأنّ الكتاب الموجود بأيدينا مشتمل على أكثر أبواب الفقه و ذلك الكتاب في الحج خاصّة و في خصوص ما روته العامّة عن جعفر بن محمّد عليهما السلام.

و أمّا ما ذكره النجاشى و الشيخ في ترجمة اسماعيل بن موسى بن جعفر عليهم السلام من أنّ له كتباً يرويها عن أبيه عن آبائه منها كتاب الطهارة إلى آخر ما ذكراه فهو و إن كان معتبراً أيضاً فإنّ طريقهما إلى تلك الكتب هو الحسين بن عبيدالله عن سهل بن أحمد بن سهل عن محمّد بن محمّد الاشعث عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر عن أبيه إسماعيل عن أبيه عن آبائهم عليهم السلام و الطريق لابأس به; إلاّ أنّ ما ذكراه لاينطبق على ما هو موجود بأيدينا. فإنّ الموجود بأيدينا مشتمل على كتاب الجهاد و كتاب التفسير و كتاب النفقات و كتاب الطبّ و المأكول و كتاب غير مترجم و هذه الكتب غير موجودة فيما ذكره النجاشي و الشيخ و كتاب الطلاق موجود فيما ذكراه و غير موجود فيما هو عندنا.

فمن المطمأنّ به إنّهما متغايران و لاأقلّ من أنّه لم يثبت الاتّحاد حيث إنّه لاطريق لنا إلى إثبات ذلك و أنّ الشيخ المجلسي و صاحب الوسائل (قدس سرهما) لم يرويا عن ذلك الكتاب شيئاً و لم يصل الكتاب إليهما جزماً بل الشيخ الطوسي نفسه لم يصل إليه الكتاب و لذلك لم يرو عنه في كتابيه شيئاً. فالنتيجة إنّ الكتاب الموجود بأيدينا لايمكن الاعتماد عليه بوجه.(1)

**

(1) مباني تكملة المنهاج 226/1-227.

أجاب عنه في جامع المدارك بأنّ عدم انطباق ماذكر اعتباره في كلام النجاشي و الشيخ على ما بأيدينا لايوجب عدم اعتبار ما بأيدينا بعد اشتهار انتساب ما بأيدينا إلى من وثّقه الشيخ و النجاشي و إلاّ لزم فتح باب الخدشة في الكتب المنسوبة إلى الأعلام.(1) و يمكن أن يقال اشتهار انتساب ما بأيدينا إلى من وثّقه النجاشي غير واضح هذا بخلاف سائر الكتب. هذا مضافاً إلى ما أفاده المحقق آية الله العظمى السيد موسى الزنجاني مدّ ظلّه أنّ الجعفريات و إن استند إليها بعض القدماء كصاحب الدعائم في كتابه الإيضاح المخطوط(2) ولكن لااعتبار لها لموافقة رواياتها مع روايات العامّة فتأمّل.

وثالثاً أنّ المثلة هو التنكيل بالغير بقصد هتكه و اهانته بحيث تظهر آثار فعل الفاعل لمنكّل به، و عليه فتكون الرواية دالّة على حرمة هتك الغير بإزالة لحيته لكون ذلك مثلة و المثلة محرّمة، فلاترتبط بحلق اللحية بالاختيار سواء كان ذلك بمباشرة نفسه أم بمباشرة غيره.(3)

و يمكن أن يقال إنّ المثلة لاتكون قرينة على أنّ المراد من الحلق حلق لحية الغير، بل حلق اللحية مطلق يشمل حلق لحية نفسه و غيره و تنزيله بالمثله لايوجب أن يكون بيقصد التنكيل أو الإهانة، كما أنّ تنزيل شرب الخمر بعبادة

**

(1) جامع المدارك 60/7.

(2) و في مقدّمة كتاب الجعفريات

ص: 85 و الظاهر من الإقبال أنّ هذا الكتاب كان عند ابن طاووس و إنّه كان مسمّى بالجعفريات عندهم و حكي عن بن شهر آشوب في المعالم أنّ إسماعيل بن موسى بن جعفر الصادق عليهما السلام سكن مصر و ولده بها كتبه الطهارة الصلاة الزكاة الصوم الحج الجنايز النكاح الطلاق الحدود الديات الدعاء السنن و الاداب الرؤيا، و قال العلامة في إجازته الكبيرة لبني زهرة المعروفة بين العلماء إلى يومنا هذا في مقام ذكر المصنفات و طريقه إليها و من ذلك كتاب الجعفريات و هي ألف حديث الخ. فاللازم هو الفحص عن اشتهاره و أما الموافقة للعامة فلايضرّ.

(3) مصباح الفقاهة / 260-259.

الصنم لايوجب أن يكون الشرب بقصد العبادة، و انطبقت المثلة في بعض الأخبار على حلق رأس نفسه كما في صحيحة البزنطي عن أبي الحسن عليه السلام قال قلت له إنّ أصحابنا يروُون أن حلق الرأس في غير حج و لاعمرة مثلة فقال كان أبوالحسن عليه السلام إذا قضى نسكه عدل إلى قرية يقال لها ساية فحلق; و في خبر علي بن محمّد رفعه قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام إنّ الناس يقولون حلق الراس مثلة فقال عليه السلام عمرة لنا و مثلة لأعدائنا.(1) فكلمة المثلة لاتشهد على أنّ المراد هو حلق لحية الغير و لاشاهد آخر على ذلك الحمل بل مقتضى الاطلاق هو الأعمّ‌.

ورابعاً أن اللعن كما يجتمع مع الحرمة فكذلك يجتمع مع الكراهة أيضاً فترجيح أحدهما على الآخر يحتاج إلى القرينة المعيّنة. و يدلّ على هذا ورود اللعن على فعل المكروه في موارد عديدة و من تلك الموارد مافي وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) يا علي لعن الله ثلاثة آكل زاده وحده و راكب الفلاة وحده و النائم فى بيت وحده.(2) و فيه مضافاً إلى ضعف الرواية المذكورة أنّ الاستعمال مع العناية في غير المحرّم لاينافي ظهوره في المحرّم قال في إرشاد الطالب أنّ اللعن ليس هو البعد مطلقاً بل البعد الناشي عن الطرد و الغضب و هذا لايكون إلاّ مع حرمة الفعل و لايفرق في ذلك بين الإنشاء و الإخبار بكون الفاعل لكذا ملعوناً و مطروداً، حيث إنّه لو لم يكن فعله محرّماً فلاموجب لطرده و لعنه، و اللعن في مثل قوله ملعون من أخّر الصلاة محمول على مثل ما إذا كان التأخير للاستخفاف بها.(3)

منها: ما دلّ على عدم جواز السلوك مسلك اعداء الدين

ومنها مادلّ على عدم جواز السلوك مسلك أعداء الدين

مثل مارواه في التهذيب عن محمّد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم،

**

(1) الوسائل 415/1.

(2) مصباح الفقاهة / 260.

(3) ارشاد الطالب / 147.

عن النوفلي عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال أوحى الله إلى نبي من الأنبياء أن قل لقومك لايلبسوا لباس أعدائي و لايطعموا طعام أعدائي و لايشاكلوا بمشاكل أعدائى فيكونوا أعدائي كماهم اعدائي.(1) و مثل مارواه في المستدرك عن الراوندي في لب اللباب أوحى الله إلى نبيّ أن قل لقومك لاتطعموا مطاعم أعدائي و لاتشربوا مشارب أعدائي و لاتركبوا مراكب أعدائي و لاتلبسوا ملابس أعدائي و لاتسكنوا مساكن أعدائي فتكونوا أعدائي كما كان اولئك أعدائي.(2) و مثل ما رواه في المحاسن عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة و محمّد بن سنان، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام أنّ علياً عليه السلام كان لاينخل له الدقيق(3) و كان علي يقول لاتزال هذه الأمّة بخير ما لم يلبسوا لباس العجم(4) و يطعموا أطعمة العجم فإذا فعلوا ذلك ضربهم الله بالذلّ‌.(5) قال الشيخ (قدس سره) في طلحة بن زيد كتابه معتمد.

و تقريب الاستدلال أنّ المستفاد منها هو ممنوعيّة الاتصاف بأوصاف الأعداء و حيث إنّ من أوصافهم هو حلق اللحية فالحلق ممنوع.

اُورد على الأخبار المذكورة أوّلاً بضعفها. و فيه أنّ رواية طلحة بن زيد معتبرة، و لعلّ مقصود من رمي بالضعف هو رواية السكوني، و النوفلي ولكن السكوني موثق و النوفلي و إن لم يوثق ولكنه وقع في طرق كثيرة من الأخبار المروية في الكتب المعتبرة و هو كاف في و ثاقته و إلاّ لم ينقل عنه الأصحاب بهذه الكثرة، هذا مضافاً إلى أن ناشر رواياته هو ابراهيم بن هاشم و هو من القميين الذين

**

(1) التهذيب 172/6 كتاب الجهاد الباب 79 - باب النوادر ح 10.

(2) المستدرك 208/1-209. كتاب الصلاة الباب 10 من أبواب أحكام الملابس في غير الصلاة ح 4.

(3) نخل الدقيق أي غربله و أخرج منه النخالة.

(4) العجم هو غيرالعرب.

(5) المحاسن 440/2 الباب 38 من أبواب كتاب المآكل ح 299.

لم يتحمّلوا ضعاف الأخبار و لذا طعنوا على أحمد بن محمّد بن خالد البرقي بأنّه يروي عن الضعفاء و أخرجه أحمد بن محمّد بن عيسى عن قم ثم أعاده و اعتذر إليه.

وثانياً بأنّ السلوك مسلك أعداء الدين عبارة عن اتخاذ سيرتهم شعاراً و زيّاً و هذا لايتحقق بمجرّد الاتصاف بوصف من أوصافهم.

وثالثاً أنّ لسان هذه الروايات هو الإرشاد إلى الواقعيات لأنّ التشبه بهم و لو من دون قصد اتّخاذ سيرتهم شعاراً و زيّاً يوجب كونهم معرضاً للتأثّر من أفكار الاعداء و مقاصدهم بحيث يساقون من حيث لايشعر إلى ما عليه الأعداء، فقوله (عليه السلام) فيكونوا أعدائي كماهم أعدائي كقولنا لاتعاشر مع أهل الدنيا فتكون من أهل الدنيا كما هم أهل الدنيا، و من المعلوم أنّ الحكم الارشادي تابع لما يرشد إليه فالاتّصاف بماهو ليس بمحرم، ألا ترى أنّ مثل غربال الدقيق ليس بمحرّم و لذا لم أر أحدا يفتي بحرمة الغربال، نعم يختلف حكم ما يرشد اليه باختلاف الموارد شدّة و ضعفاً و ربّما يكون محرّماً.

منها: ما اُمر فيه بترك الحلق

ومنها ما اُمر فيه بترك الحلق

مثل مارواه في المستدرك عن الكازروني في المنتقى في حوادث السنة السادسة بعد أن ذكر كتابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الملوك و أنّه كتب كسرى إلى عامل اليمن بازان أن يبعثه إليه و إنّه بعث كاتبه بانويه و رجل آخر يقال له خرخسك اليه قال و كانا قد دخلا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) و قد حلقا لحاهما و اعفيا شواربهما فكره النظر اليهما و قال و يلكما من أمركما بهذا قالا أمرنا بهذا ربنا، يعنيان كسرى، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكني ربّي أمرني بإعفاء لحيتي وقصّ شاربي(1) بتقريب أنّ ظاهر المقابلة هو الأمر بضدّ الحلق و الأمر ظاهر في الوجوب، هذا مضافاً إلى المذمّة عن

**

(1) المستدرك 59/1 الباب 40 من أبواب آداب الحمّام.

الحلق و التوبيخ عليه بقوله و يلكما من أمر كما الخ.

و فيه أولاً أنّ الرواية ضعيفة اللّهمّ إلاّ أن يكتفى بما أفاده المحقق الشعراني من أنّ القصة مورد وفاق أهل التاريخ.(1)

و ثانياً أنّ المأمور به إنّما هو الإعفاء و هو ليس بواجب قطعاً. و يمكن أن يقال إن ظاهر المقابلة هو الأمر بترك الحلق و اختيار الاعفاء من باب أفضل مصاديق ترك الحلق، هذا مضافاً إلى إمكان أن يراد من الاعفاء أوّل مراتب الوفورو التكثير الذي يكون موجباً لصدق اللحية.

و منها: مادلّ على أنّ الحلق من أعمال قوم لوط

ومنها مادلّ على أنّ الحلق من أعمال قوم لوط

روى السيوطى في جامعة عن ابن عساكر مرسلاً عن الحسن المجتبى عليه السلام عن النبي (صلى الله عليه وآله) عشر خصال عمل بها قوم لوط فاُهلكوا و عدّ منها قصّ‌(2) اللحية و طول الشارب.(3) بتقريب أنّ سوق الكلام إنّ كل واحد من المذكورات منكر محرّم له أثر في استحقاق الهلاكة.

و فيه أنّ الرواية ضعيفة و إن تصلح للتأييد لما دلّ على الحرمة.

ومنها ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً عن كتاب البزنطي صاحب الرضا عليه آلاف التحيّة و الثناء قال و سألته عن الرجل هل يصلح له أن يأخذ من لحيته قال أمّا من عارضيه فلابأس و أمّا من مقدّمها فلا.(4) و رواه الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه مثله، و رواه علي

**

(1) حاشية شرح اُصول الكافي للمازندراني 265/6.

(2) قصّ الشعر والصوف والظفر وغيرها أي قطع منها بالمقض أي المقراض

(3) المستدرك 59/1 الباب 40 من أبواب آداب الحمّام - جامع الصغير 99/2.

(4) الوسائل 420/1-419 الباب 63 من أبواب آداب الحمّام.

بن جعفر في كتابه إلاّ أنّه قال في آخره فلايأخذ.(1)

العارض صفحة الخدّ، جانب الوجه امرأة نقية العارض أي نقية عرض الفم كقوله أتذكر يوم تصقل عارضيها، قال أبو نصر يعنى به الأسنان ما بعد الثنايا و الثنايا ليست من العارض، و قول الناس فلان خفيف العارضين فيه حذف، و الأصل فلان خفيف شعر العارضين.(2) و كيف كان فالرواية تدلّ على منع الأخذ من مقدّم اللحية و هو بإطلاقه يشمل الحلق.

اُورد عليه أوّلاً بأنّ إسناد ابن ادريس إلى جامع البزنطي غير معروف لنا. يمكن أن يقال إنّ الكتاب معروف في عصره و لاحاجة إلى معروفيّة إسناده إليه مع أنّ بن إدريس ممّن لم يعمل بخبر الآحاد. هذا مضافاً إلى نقله في كتاب علي بن جعفر و سند الشيخ إلى الكتاب المزبور صحيح فلااشكال في اعتبار الرواية، قال آية الله البلاغي (قدس سره) و الرواية عالية في الصحة.

وثانياً بأنّ ظاهرالرواية حرمة الأخذ من مقدّم اللحية ولو لم يصدق عليه الحلق و هذا لايمكن الالتزام به و حمله على جواز حلق العارضين دون مقدّم اللحية بلاقرينة غير ممكن.(3) يمكن أن يقال إنّ اطلاق جواز الأخذ في العارضين يقتضى جواز الأخذ ولو بنحو الحلق كما أنّ إطلاق عدم جواز الأخذ في مقدم اللحية يقتضي عدم جواز الأخذ مطلقاً; ولكن حيث ينصرف عن الزائد عن القبضة بقي الباقي و هو إمّا الحلق و إما ما يشبه الحلق و أمّا الأقلّ من القبضة و يرفع اليد عن هذا الإطلاق بما ثبت بالضرورة من عدم حرمة الأقل من القبضة فبقي الباقي على حرمته.(4) و بالجملة عدم جواز الأخذ من اللحية في جانب مقدّم اللحية

**

(1) المصدر السابق.

(2) المصباح المنير للفيّومي.

(3) ارشاد الطالب / 146.

(4) راجع رسالة التحقيق لصديقي آية الله الاُستاذي مدّ ظلّه / 120.

مطلق، فيتقيّد بالنصوص و الضرورة و لاإشكال في ذلك.

ولكن لقائل أن يقول ظاهر السئوال في الرواية هو السئوال عن إصلاح اللحية لأنّ الأخذ من اللحية، غير أخذ اللحية، و ظاهر كلمة «من» هو التبعيض فالجواب ظاهر في جواز إصلاح العارضين دون مقدّم اللحية و عليه فلايدلّ على عدم جواز الحلق. نعم لايمكن الحكم بعدم جواز إصلاح مقدّم اللحية فليحمل على النهي التنزيهي عن إصلاح المقدّم و إطلاقه يتقيّد بما زاد على القبضة فأخذ اللحية من المقدّم مكروه مالم يبلغ القبضة. و لعل إليه يؤول ما أفادة آية الله البلاغي (قدس سره) من أنّ دلالتها متوقّفة على كون الأخذ الذي رخّص فيه في العارضين هو الحلق و نحوه في موضع التحسين الذي هو فوق اللحية من العارضين لكي يبقي البأس في الأخذ من مقدّمها و النهي عنه سالماً عمّا يصرفه إلى الكراهة.

و أمّا إن كان الأخذ بمعنى الإصلاح بالمقراض من نفس اللحية فهو إن جاز في العارضين جاز في مقدّم اللحية، فيحمل البأس و النهي على الكراهة نظرا إلى أن توفير اللحية في طولها أهمّ منه في عرضها و لايصح أن يجعل الأخذ المرخّص به في العارضين هو إصلاح اللحية بالمقراض و الذي فيه البأس و التحريم هو الحلق و شبهه و ذلك لأنّ الأخذ المسئول عنه و وقع الجواب عنه هو واحد بمراد واحد(1)

و أما التمسك بماورد في الخصال: حدّثنا أبي رضي الله عنه قال: حدّثنا سعد بن عبدالله عن محمّد بن خالد الطيالسي قال: حدّثنا عبدالرحمن بن عون عن أبي نجران التميمي قال: حدّثنا عاصم بن حميد الحناط عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: ثلاثة لايكلّمهم الله يوم القيامة و لاينظر اليهم و لايزكّيهم و لهم عذاب أليم الناتف شيبه و الناكح نفسه و المنكوح في دبره(2); ففيه أوّلاً إنّ نتف

**

(1) رسالة التحقيق حول حلق اللحية / 52.

(2) الخصال / 106

الشيب غير حلق اللحية، وثانياً إنّ الخبر ضعيف لجهالة عبدالرحمن بن عون، أو عوف و احتمال زيادة عون أو عوف و كون الراوي هو عبدالرحمن بن أبي نجران غير ثابت. كما إنّ دعوى عدم وجود عبدالرحمن بن عوف مندفعة بوجوده في جامع الرواة، وثالثاً إنّه محمول على الكراهة جمعاً بينه و بين موثقة ابن سنان لابأس بجزّ الشمط(1) و نتفه و جزّه أحبّ اليّ من نتفه(2) و مرسلة ابن فضّال لابأس بجزّ الشمط(3) و نتفه من اللحية(4) و موثّقة السكوني إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان لايرى بجزّ الشيب بأساً و يكره نتفه.(5) و ممّا ذكر يظهر ما في الاستدلال بحديث الأربعمأة عن عليّ عليه السلام: لاينتف الشيب فإنّه نور للمسلم.(6) هذا مضافاً إلى أنّ التعليل يساعد الحكم التنزيهي لاالتحريمي.

الثالث: السيرة القطعية من المتشرّعة

الثالث السيرة القطعية من المتشرّعة. قال في مصباح الفقاهة تدلّ على ذلك أيضاً السيرة القطعية بين المتديّنين المتصلة إلى زمان النبي (صلى الله عليه وآله) فإنّهم ملتزمون بحفظ اللحية و يذمّون حالقها بل يعاملونه معاملة الفسّاق في الاُمور التى تعتبر فيها العدالة و يؤيّد ما ذكرناه دعوى الإجماع عليه كما في كلمات جملة من الأعلام.(7)

و قال آية الله البلاغي أيضاً لاينبغي الريب في أنّ المتشرعين من أوّل الإسلام إلى هذا الزمان يعرف من أمرهم أنّ حلق اللحية عندهم من المنكرات في دين الاسلام لايرتكبه إلاّ متّبع الهوى و الشهوات و من لايقف عند حدود الشريعة و

**

(1) (الشبيب خ ل).

(2) الوسائل 432/1 الباب 79 من أبواب آداب الحمام.

(3) (الشيب خ ل)

(4) المصدر السابق.

(5) المصدر السابق.

(6) المصدر السابق.

(7) مصباح الفقاهة / 261.

لايبالي بنكير أهل الدين مضافاً إلى أنّه لم يعرف قول عالم يعتدّ به بجواز حلق اللحية و نحوه و كفى بذلك دليلاً ينادي بتسالم المسلمين في أجيالهم على الحرمة و أخذهم لها بالتسليم يداً عن يد إلى مصدر الشريعة المطهّرة هذا، مضافاً إلى استفادة نقل الإجماع من الشيخ البهائي (قدس سره) في رسالته في عقائد الإمامية.(1)

قال المجلسي الأوّل و يؤيّده أنّه لم ينقل تجويزه من النبى (صلى الله عليه وآله) و الائمّة عليهم السلام ولو كان جائزاً لفعلوه مرّة لبيان الجواز كما في كثير من المكروهات أو وقع منهم الرخصة لأحد، مع أنّه معلوم منهم متواتراً بل من أصحابهم المداومة على جزّ الشارب و إعفاء اللحية.(2) و منهم صاحب المواهب حيث قال ربما بلغ من الاستهجان مبلغاً يتّبعه التقبيح و التشنيع و العار.(3) و منهم السيد هبة الدين الشهرستاني حيث قال و تشهد أيضاً بالتحريم السيرة المستمرة من علمائنا الأعلام إلى زمان ائمّتنا الكرام و هذا تسمّى إجماعا عملياً(4) و غيرهم من الاعلام.

ثمّ إنّ احتمال حدوث ارتكاز المتشرعة أخيراً بسبب الرجوع إلى جماعة أفتوا بحرمته فلايحرز إنتهاء هذا الارتكاز إلى عصر الشارع ساقط جدّا، مع معلومية السيرة جميع العصور، و يؤيّده عدم وجود الفتوى قبل القرن السابع في أيدي المتشرعة و مع ذلك يجتنبون عن الحلق و من حلق بالارتكاز و من المعلوم أنّ الارتكاز ينافي التقليد، فتدبّر.

لايقال انّ جمعاً من المسلمين في كلّ عصر حلقوا لحاهم فكيف تدعى سيرة المسلمين على ذلك لأنّا نقول موضوع السيرة هم المتشرّعة فالذين كانوا لايبالون خارجون عن الموضوع كما لايخفى. لايقال إنّ السيرة لاتدلّ على الحرمة لأنّا نقول

**

(1) التحقيق حول حلق اللحية للأستاذى/ 54.

(2) روضة المتقين 333/1.

(3) التحقيق حول حلق اللحية للاستاذى/ 98.

(4) التحقيق حول حلق اللحية للاستاذى / 98.

الالتزام بعدم الحلق و مذمّة مَن حلق و المعاملة معه معاملة الفساق يشهد على أنّ المتشرعة تركوا الحلق من باب أنّه من المحرّمات و المنكرات.

فتحصّل ممّا تقدّم أنّ القول بالحرمة لولم يكن أقوى يكون موافقاً للاحتياط.

الجهة الثالثة: في موضوع الحرمة

في موضوع الحرمة و قد عرفت أنّ الأخبار تدلّ في الجملة على أنّ المحرّم هو الحلق، و من المعلوم أنّ المقصود من الحلق هو إعدام اللحية و عليه فلاتختصّ الحرمة بالحلق بالموسى، بل يشمل الإزالة و نتفها بأيّ آلة اُخرى. نعم لاحرمة لأكل شيء من أول البلوغ ليمنع عن ظهور اللحية.

ولو حلق و عصى فهل يجوز له بعد الحلق المنع عن ظهور اللحية بإمرار موسى كلّ يوم قبل أن يصدق اللحية أو لايجوز؟ يمكن أن يقال إنّ إمرار الموسى قبل صدق اللحية، لايكون حلق فلايشمله الأدلة الدالة على حرمة الحلق بمعناه المصدري اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ المستفاد من الأدلة هو أنّ الواجب وجود اللحية ممّن له شأنية اللحية كما يشهد له السيرة على مذمّة مَن حلق بنحو المذكور. هذا مضافاً إلى إمكان تنقيح المناط. فتدبر.

ثمّ إنّه هل يجوز حلق بعض اللحية أو لايجوز؟ يمكن أن يقال إنّ اللحية من شعرالخدّين و الذقن و مقتضى النهي عن حلقها هو حرمة إزالة شعر الخدّين و الذقن بأي نحو كان. لأنّ الزجر عن طبيعة حلق اللحية يقتضي الاجتناب عن جميع ما يصدق عليه اللحية بنحو الاستغراق، و احتمال كون اللحية اسم لمجموع ما نبت على الخدّين و الذقن، فالمحرّم هو حلق المجموع لاحلق كلّ جزء، مندفع بصدق اللحية على كل جزء جزء من دون عناية و لايختصّ صدقه بوجود المجموع، و عليه فالنهي يفيد الاستغراق نعم. لو شكّ في مورد أنّه من اللحية أم لاجاز حلقه لإصالة البرائة بعد كون الشكّ في حدود المفهوم و الشبهة مفهوميّة.

الجهة الرابعة: في مقدار اللحية

في مقدار اللحية قال في مصباح الفقاهة أمّا مقدار اللحية في جانب القلّة فلم يرد في تحديده نصّ خاصّ‌، فالمدار في ذلك هو الصدق العرفي بوجود اللحية(1) و هذا هو أوّل مراتب الجواز.

و يستحبّ مقدار المتوسّط أو القبضة و يدلّ عليه مرسلة الصدوق (قدس سره) قال قال رسول (صلى الله عليه وآله) حُفّوا الشوارب و اعفوا اللحى و لاتشبّهوا باليهود، بناء على أنّ وجه المنع عن التشبه هو طول لحية اليهود، فالمطلوب هو عدم الطول و مرسلة يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام في قدر اللحية قال تقبض بيدك على اللحية و تجزّ بأفضل.(2) و موثّقة هشام بن المثنّى عن سدير الصيرفي قال رأيت أبا جعفر عليه السلام يأخذ عارضيه و يبطن لحيته،(3) و مرسلة الفقيه إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نظر إلى رجل طويل اللحية فقال ما كان على هذا لو هيّأ من لحيته فبلغ الرجل ذلك فهيّأ من لحيته بين اللحيتين ثمّ دخل على النبى (صلى الله عليه وآله) فلمّا رآه قال هكذا فافعلوا.(4) و فيه أنّه لم يعلم حدّ المتوسط، اللّهمّ إلاّ أن يستفاد من قوله «فهيّأ من لحيته بين اللحيتين» فإنّه محمول على المتوسط العرفي.

و أمّا الزائد على القبضة فهو مكروه و يدلّ عليه أخبار منها مرسلة محمّد بن أبي حمزة عمّن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال مازاد على (عن خ) القبضة ففي النار يعني اللحية.(5)ومنها خبر معلى بن خنيس عن أبي عبد الله عليه السلام قال مازاد

**

(1) مصباح الفقاهة / 262.

(2) الوسائل 42/1 الباب 65 من أبواب آداب الحمام.

(3) الوسائل 419/1 الباب 63 من أبواب آداب الحمام.

(4) الفقيه 31/1.

(5) جامع الأحاديث 607/16.

من اللحية عن القبضة فهو في النار،(1) و لايخفى أنّ ظاهر الرواية أنّ مازاد من اللحية في النار لاصاحب مازاد و هو قرينة الكراهة، ومنها الجعفريّات «و ما جاوز القبضة من مقدّم اللحية فجزّوه»(2)ومنها مرسلة يونس عن أبي عبدالله (عليه السلام) تقبض بيدك على اللحية و تجزّ مافضل.(3)

الجهة الخامسة: في حكم أخذ الشوارب

في حكم أخذ الشوارب، هنا أخبار منها مرسلة الصدوق عن الصادق عليه السلام قصّها إذا طالت.(4)ومنها خبر علي بن غراب عن جعفر بن محمّد عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلّى الله عليه و آله وسلّم حُفُّوا الشوارب و اعفُوا اللحى و لاتشبّهوا باليهود، ومنها خبر حبابة الوالبية أقوام حلقوا اللحى و فتلوا الشوارب فمسخوا،(5)ومنها مارواه السيوطي عن النبي (صلى الله عليه وآله) عشر خصال عمل بها قوم لوط فاهلكوا وعدّ منها قصّ اللحية و طول الشارب.(6)ومنها مارواه في المستدرك عن النبي (صلى الله عليه وآله) لكن ربّي أمرني بإعفاء لحيتي وقصّ شاربي،(7)ومنها ما رواه البخاري عن النبي (صلى الله عليه وآله) إنّه قال أنهكوا الشوارب و اعفوا اللحى،(8)ومنها مارواه أحمد بن حنبل عن النبى (صلى الله عليه وآله) إنّه قال اعفوا اللحى و جزّوا الشوارب(9) و غير ذلك من الأخبار.

**

(1) المصدر السابق.

(2) جامع الأحاديث 606/16.

(3) جامع الأحاديث 607/16.

(4) الوسائل 434/1 الباب 80 من أبواب آداب الحمّام و منها.

(5) جامع الأحاديث 608/16.

(6) جامع الصغير 99/2.

(7) المستدرك 59/1 الباب 40 من أبواب آداب الحمام.

(8) البخارى 206/7.

(9) مسند أحمد 356/2.

و المراد من الحف و القصّ و الجزّ هو الأخذ من الشوارب كما إنّ المراد من الانهاك هو المبالغة في الأخذ من الشوارب و الشارب على ما في أقرب الموارد هو ماينبت من الشعر على الشفة العليا من الانسان و ما سال على الفم من الشعر من يمين السَبَلة أي الدائرة وسط الشفة العليا و شمالها كل من الطرفين شارب و ثنّاهما الكلابيون فقالوا شاربان، وما طال من ناحية السبلة و السبلة كلّها شارب و لايثنّى بهذا الإعتبار ولكن يجمع باعتبار أطرافه و أجزائه ج شوارب.

قال في الجواهر و الشارب على ما في فقه اللغة للثعالبي «شعر الشفة العليا» و عن مصباح الفيومي «الشعر الذي يسيل على الفم» و الديوان «شاربا الرجل ناحيتا سبلته» و عن العين «الشاربان ماطال من ناحيتي السبلة و منه سمّى شارب السيف و بعض يسمّي السبلة كلّها شارباً واحداً و ليس بصواب» و نحوه عن تهذيب اللغة و عن المحيط «الشاربان ماطال من ناحيتى السبلة» و الأمر سهل بعد أن كفى العرف موؤنة ذلك كلّه.(1) و قال في تاج العروس و الشوارب ماسال على الفم من الشعر إلى أن قال و الشاربان على ما في التهذيب و غيره ما طال من ناحية السبلة أو السبلة كلّها شارب واحد قاله بعضهم وليس بصواب إنتهى.

فتحصّل أنّ لفظ الشوارب يطلق على ماسال على الفم من الشعر و على ماطال من الطرفين بل يطلق على ماينبت من الشعر على الشفة من دون طول أو سيلان على ماعرفت من تصريح الثعالبي و غيره.

ثم إنّ ظاهر الأخبار وجوب القطع و الجزّ لظهور الامر في الوجوب، مضافاً إلى النهي عن الإطالة و التفتيل، ولكن يرفع اليد عنه بمثل موثقة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن عليه السلام قال سألته عن قصّ الشارب أمن السنّة قال نعم و رواه

**

(1) الجواهر 328/11.

علي بن جعفر في كتابه مثله،(1) بناء على أنّ المراد من السنّة هي الاحكام الاستحبابية و التنزيهية، و بمثل معتبرة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من السنّة أن تأخذ من الشارب حتّى يبلغ الإطار(2) و الإطار حرف الشفة الأعلى الذي يحول بين منابت الشعر و الشفة.

هذا مضافاً إلى التعليل في معتبرة السكوني قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لايطوّلنّ أحدكم شاربه فإنّ الشيطان يتّخذه مخبئاً (مجنّاً) يستتر به،(3) و خبر إسماعيل بن مسلم عن جعفر بن محمّد عن آبائه عليهم السلام عن النبى (صلى الله عليه وآله) قال لايطوّلنّ أحدكم شاربه و لاشعر إبطيه و لاعانته فإنّ الشيطان يتّخذها مخبئاً يستتر بها،(4) فإنّه يناسب كراهة الإطالة لاعدم جوازها، كما يؤيده عدم حرمة إطالة شعر الإبط و العانة.

و هكذا الأخبار الدالّة على ترتّب الامان من الجذام و زيادة الرزق على أخذ الشارب.(5) تشهد على عدم اللزوم، فإنّ لسان مثل هذه الأحاديث هو لسان عدم الوجوب. هذا مضافاً إلى خبر الكناني قال سالت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يريد الحجّ أيأخذ شعره في أشهر الحج فقال لاو لا من لحيته لكن يأخذ من شاربه و من أظفاره و ليطل إن شاء.(6) بناء على رجوع قوله، و ليطل إن شاء إلى فعل الأخذ، لاإلى خصوص الأضفار.

و كيف كان فقد ذهب المشهور إلى كراهة الإطالة و استحباب الأخذ من

**

(1) الوسائل 421/1. الباب 66 من أبواب آداب الحمام.

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق.

(4) الوسائل 422/1 الباب 66 ح 6.

(5) الوسائل 48/5 الباب 33 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها.

(6) الوسائل 7/9 الباب 4 ح 4.

الشارب، قال العلامة الحلّي (قدس سره) في المنتهى، أخذ الشارب من الفطرة.(1) و قال العلامة المجلسي إنّ أخذ الشارب، يعني أخذ شعر الشفة العليا من أصله سنّة مؤكّدة.(2) و عليه فاحتمال الحرمة و مراعاة الاحتياط كما في روضة المتقين(3) في غير محلّه.

ثمّ إنّ الظاهر من الأخبار الدالة على النهي عن الإطالة هو كراهة الإطالة و إنّها لاترفع إلاّ بأن يؤخذ الشارب إلى أن يصل إلى الإطار، كما يشهد له معتبرة السكوني، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من السنّة أن تأخذ من الشارب حتّى يبلغ الإطار،(4) و الإطار حرف الشفة الأعلى، الذي يحول بين منابت الشعر و الشفة. و خبر عبدالله بن عثمان أنّه رأى أبا عبد الله عليه السلام، أنّه أحفى شاربه حتّى ألصقه بالعسيب(5) و العسيب منبت الشعر.

ثمّ إنّ مقتضى إطلاق الأخبار الدالّة على الأمر بأخذ الشارب و المبالغة فيه هو استحباب أخذ مانبت على الشفة العليا، و لو لم يسل على الفم، و لم يطل من نواحي السبلة، لصدق الشارب على شعر الشفة العليا، كما عرفت. ثمّ لو ترك مانبت على الشفة العليا ولم يأخذه لم يفعل مكروهاً، ما لم يسل و لم يطل، بل هو ترك أمراً مستحبّاً. اللّهمّ إلاّ أن يقال أنّ الإطالة تصدق عليها عند كثرتها و لولم يسل على الفم و لم يطل من النواحي، فيشملها قوله (صلى الله عليه وآله) لايطوّلنّ أحدكم شاربه، و مقتضاه هو الكراهة. نعم، لوكان بمقدار لايصدق عليه الإطالة فهو غير مكروه و إن استحبّ أخذه و المبالغة فيه، فتدبّر جيّداً.

**

(1) المنتهى 319/1، ط جديد.

(2) حلية المتقين آداب الحمام.

(3) 327/1.

(4) الوسائل 421/1 الباب 66 من أبواب آداب الحمام.

(5) المصدر السابق.

الجهة السادسة: في حلق الرأس، يدل على استحبابه روايات يستثنى من استحباب حلق الرأس موارد

في حلق الرأس: يدلّ على استحبابه روايات، منها، موثّقة ابراهيم بن عبد الحميد، قال سمعت أبا الحسن عليه السلام، يقول ألقوا عنكم الشعر، فإنّه يحسّن، (نجس خ).(1) رواه أيضاً عن محمّد بن علي بن محبوب عن يعقوب بن يزيد، عن الحَجّال، عن أبان، قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: القوا و ذكر مثله.(2) و موثقة إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال قال لي استأصل شعرك يَقِلّ درنه و دوابّه و وسخه، و تغلظ رقبتك، ويجلو بصرك.(3)

و خبر سهل بن زياد عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال قلت لأبى الحسن عليه السلام إنّ أصحابنا يروُون أنّ حلق الرأس في غير حج و لاعمرة مُثْلَةٌ‌، فقال كان ابوالحسن عليه السلام إذا قضى مناسكه، عدل إلى قرية يقال لها ساية فحلق.(4) و ما أرسله الصدوق عليه الرحمة إلى الإمام الصادق عليه السلام، حلق الرأس في غير حجّ و عمرة مثلة لأعدائكم و جمال لكم.(5) و من المعلوم أن المراد من الجمال هو الجمال المعنوي الذى لايراه إلاّ ذو البصيرة. و خبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال إنّي لأحلق كلّ جمعة فيما بين الطلية إلى الطلية.(6)

و موثّقه معمّر بن خلاّد قال سمعت علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) يقول: ثلاث من سنن المرسلين العطر، و إحفاء الشعر، و كثرة الطروقة،(7) و الإحفاء هو المبالغة

**

(1) جامع الأحاديث 599/16.

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق.

(4) جامع الأحاديث 600/16.

(5) المصدر السابق.

(6) جامع الأحاديث 601/16.

(7) جامع الأحاديث 598/16.

في أخذ الشعر. و موثّقة معمّر بن خلاّد عن أبي الحسن عليه السلام قال: ثلاث من عرفهنّ لم يدعهنّ جزّ الشعر، و تشمير الثياب، و نكاح الإماء،(1) و الجزّ القلع. و خبر هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن جزّ الشعر و تقليم الأظافير فقال (عليه السلام): لم يزده ذلك إلاّ طهارة.(2) و مرسلة الفقيه قال الصادق (عليه السلام): أربع من أخلاق الأنبياء (عليهم السلام) التطيّب، و التنظيف بالموسى، و حلق الجسد بالنورة، و كثرة الطروقة.(3) و موثّقه البزنطي عن علي بن يقطين عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال سمعته يقول: إنّ شعر الرأس إذاطال ضعف البصر و ذهب بضوئه و نوره، و طمّ الشعر يجلي البصر و يزيد في ضوء نوره، و شعر الجسد إذا طال قطع ماء الصلب و أرخى المفاصل و ورث الضعف و السلّ‌، و أنّ النورة تزيد في ماء الصلب، و تقوي البدن، و تزيد في شحم الكليتين و تسمن البدن.(4)

و موثّقة ابن سنان قال قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) ماتقول في إطالة الشعر؟ فقال: كان أصحاب محمّد (صلى الله عليه وآله) مشعرين، يعنى الطمّ‌.(5) و الطمّ‌، الحلق، و القص، و النسج، ولو اُريد الأوّل استعمل قوله مشعرين من باب التضادّ فيمن أخذ شعره فتأمّل و غير ذلك من الأخبار.

و لاإشكال في دلالة تلك الأخبار على استحباب الحلق، بل يمكن أن يقال إنّ الجزّ و القطع و الإلقاء و لولم يصدق عليها الحلق أيضاً مستحب، إذ لادليل على تقييد الإلقاء و الاستئصال و الجزّ و القطع بالحلق بعد تعدّد المطلوب في المستحبّات. نعم يكون الحلق أرجح للفوائد المترتّبة عليه و لإلتزام الانبياء و

**

(1) جامع الأحاديث 599/16.

(2) المصدر السابق.

(3) جامع الأحاديث 600/16.

(4) جامع الأحاديث 601/16.

(5) المصدر السابق.

الائمّة (عليهم السلام) به كما ورد أنّ النبى (صلى الله عليه وآله) مافرّق و لاكانت الأنبياء تمسك الشعر.(1) و كما ورد في خبر أحمد بن أبي نصر عن علي بن أبي حمزه عن أبي بصير، عن الصادق (عليه السلام)، إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) حين صدّ عن البيت و قد كان ساق الهدى و أحرم أراه الله الرؤيا التى أخبره الله بها في كتابه إذ يقول لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحقّ لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم و مقصّرين لاتخافون، فعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنّ الله سيفيء له بما أراه، فمن ثمّ وفّر ذلك الشعر الذى كان على رأسه حين أحرم انتظاراً لحلقه في الحرم، حيث وعده الله عزّوجلّ‌، فلمّا حلقه لم يعد في توفير الشعر، و لاكان ذلك من قبله (صلى الله عليه وآله).(2)

ثم لايذهب عليك أنّ العلامة المجلسي (قدس سره) ذهب إلى أنّ السنّة في الرجال أحد الأمرين الحلق أو اتخاذ الشعر على الرأس مع تربيته بالغسل و التمشّط و الفرق.(3) و استدلّ له بمعتبرة السكونى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من اتخذ شعراً فليحسن ولايته أو ليجزّه.(4) بدعوى أنّ الظاهر من هذا الخبر هو الاستحباب التخييري بين حلق الراس و إطالته بشرط حسن تربيته بالتمشط و الإدهان و التطيّب و الفرق و غيره، و إن كان ظاهر الأخبار كون الحلق أفضل.

و فيه أنّه لايستفاد من هذا الخبركون المستحب أحد الأمرين إذ لم يقل اتّخذوا الشعر بخلاف أخبار الحلق، فإنّها وردت بلفظ الأمر بل في فرض اتّخاذ الشعر أمر بأحد الأمرين. و عليه فمن اتّخذ الشعر يستحب له أن يحسّن ولايته، و إلاّ فليجزّه، كما دلّ عليه الخبر المذكور، و ما رواه في الجعفريّات من رسول الله (صلى الله عليه وآله)

**

(1) جامع الأحاديث 604/16.

(2) المصدر السابق.

(3) راجع حلية المتقين آداب شعر الرأس.

(4) جامع الأحاديث 625/16.

من كان له شعر فليحسّن إليه.(1)

يمكن أن يقال مقتضى الجمع بين مرسلة الفقيه «قال الصادق (عليه السلام) الشعر الحسن من كسوة الله عزّوجلّ فأكرموه(2)» الدالّة على أنّ الشعر الحسن من كسوة الله تعالى و مقتضاه هو مطلوبية حفظه و تربيته، و بين أخبار الحلق هو التخيير لرفع اليد عن ظهور كلّ واحد منهما في التعيين. هذا مضافاً إلى ماوردفى أوصاف النبى (صلى الله عليه وآله)، من أنّه رَجْل الشعر(3) إذا (ان خ ل) انفرقت عقيصته(4) (عقيقته خ ل) فرق، و إلاّ فلايجاوز شعره شحمة(5) اُذنيه إذا هو وفّرة.(6) فإنّ الظاهر منه أنّه و فّر الشعر حتّى يحتاج إلى الفرق.

ولكن يعارضه خبر عمرو بن ثابت عن أبي عبد الله (عليه السلام) مافرق النبي (صلى الله عليه وآله): و لاكانت الأنبياء تمسك الشعر.(7) و خبر أيّوب بن هارون عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: أكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يفرق شعره‌؟ قال: لاإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا طال شعره كان إلى شحمة اُذنه.(8) اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ هذه الأخبار و إن كانت متعارضة بالنسبة إلى كونه (صلى الله عليه وآله) ذافرق و عدمه، ولكنّها متّفقة على أنّه طال شعره حتّى بلغ شحمة اُذنه، و هو كاف للاستدلال على استحباب اتّخاذ الشعر و يؤيّده ما أرسله

**

(1) جامع الأحاديث 625/16.

(2) الفقيه / 31 ط قديم و المروية فى الجعفريات و المستدرك 60/1.

(3) رجل بفتح الراء و سكون الجيم أي كان شعره بين السبوطة و الجعودة.

(4) العقيصة خصلة تأخذها المرأة من شعرها فتلويها ثمّ تعقدها حتّى يبقى فيها التواء ثمّ ترسلها، العقيقة شعر كلّ مولود من الناس والبهائم يولد و هو عليه وصوف الجذع.

(5) شحمة الاُذن ما من أسفلها و هو معلّق القرط.

(6) جامع الأحاديث 604/16.

(7) المصدر السابق.

(8) المصدر السابق.

الصدوق (قدس سره)، حيث قال و كان شعر رسول الله (صلى الله عليه وآله) و فّرة لم يبلغ الفرق.(1)

ولكن بعد اللتيا و التى لايخلوا الاستدلال المذكور عن كلام، من جهة أنّ رفع اليد عن الأخبار الكثيرة الدالّة على استحباب خصوص الحلق بمثل المرسلة المذكوره و المروية في الجعفريات مشكل. هذا مضافاً الى أنّ الاستدلال بما حكي عن فعل النبي (صلى الله عليه وآله) أخصّ من المدعى و أيضاً يحتمل أن يكون ذلك منه كما في روضة المتّقين من جهة أنّ العرب لايحلقونه، و كانوا يعيرون من حلقه، فالنبي (صلى الله عليه وآله) لم يداوم الحلق، لئلاّ يتنفّر منه الطباع. و لمّا ارتفع قبحه بالتدريج، كان الائمة (عليهم السلام) يداومون على الحلق و يأمرون به كما يظهر من الأخبار.(2)

و كيف كان، فالأقوى هو استحباب الحلق.

و أمّا ماذهب اليه العلاّمة الحلي (قدس سره) في المنتهى، من أفضليّة اتّخاذ الشعر من إزالته،(3) فهو أضعف من القول بالتخيير. و الاستدلال له بمعتبرة السكوني عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من اتّخذ شعراً فليحسن ولايته أو ليجزّه،(4) مخدوش بما عرفت من أنّها لاتدل على استحباب اتّخاذ الشعر، فضلاً عن أفضليّته لأنّ الاتّخاذ ليس بمأمور به، كما أنّ الاستدلال بالمرسلة المذكورة في الفقيه، و المروية في الجعفريات بناء على دلالتها على مطلوبية حفظ الشعر و تربيته كما ترى، لضعف السند و عدم مقاومته في مقابل الأخبار الكثيرة الدالة على استحباب الحلق، هذا مضافاً إلى أنّ غايته هو الاستحباب، لاالأفضليّته من الحلق.

و لايختص أخبار استحباب الحلق بقوله (صلى الله عليه وآله) لرجل أحلق فإنّه يزيد في

**

(1) الفقيه / 31 ط قديم.

(2) روضة المتّقين 332/1.

(3) منتهى 31/1/1 ط جديد.

(4) جامع الأحاديث 625/16.

جمالك.(1) حتّى يحمل على أنّ المراد هاهنا مادلّ عليه اللفظ صريحاً و هو التخصيص لمعرفته بحال المأمور من زيادة جماله بحلق شعره، كما حمله العلاّمة (قدس سره).(2) هذا مضافاً إلى مافي التوجيه المذكور، فإنّ إضافة الجمال إلى الخطاب لايوجب أن تكون القضية قضية شخصيّة كما في سائر الموارد فتحصّل أنّ استحباب الحلق هو الواضح من الأخبار، و يشهد له تداوم الائمة (عليهم السلام) على الحلق فتدبّر جيّداً.

ويستثنى من استحباب حلق الرأس موارد:

منها المتمتّع و المعتمر، فإنّه يستحبّ لهما توفير شعرهما. فالمتمتّع يستحبّ له التوفير من أوّل ذي القعدة، و المعتمر يسحتبّ له التوفير شهراً، وفاقاً للمشهور. و يدلّ عليه صحيحة معاوية بن عمار: فمن أراد الحج وفّر شعره إذا نظر إلى هلال ذي القعدة و من أراد العمرة وفّر شعره شهراً(3) بناء على حمل الأمر على الاستحباب جمعاً بينها و بين موثّقة سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) سألته عن الحجامة و حلق القفا في أشهر الحج فقال: لابأس به الحديث.(4) و صحيحة على بن جعفر عن أخيه عليه السلام سألته عن الرجل، إذا همّ بالحج يأخذ من شعر رأسه ولحيته و شاربه مالم يحرم‌؟ قال: لابأس.(5)

ثمّ إنّه لااستحباب لتوفير الشارب لمن يريد الحجّ كما يدلّ عليه خبر أبي الصباح الكنانيّ قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يريد الحجّ أيأخذ شعره في

**

(1) جامع الأحاديث 600/16.

(2) منتهى 318/1 ط جديد.

(3) الوسائل 4/9 الباب 2 من أبواب الاحرام ح 4.

(4) الوسائل 7/9 الباب 4 ح 3.

(5) الوسائل 6/9 الباب 4 ح 6.

أشهر الحج‌؟ فقال: لا و لامن لحيته، لكن يأخذ من شاربه و من أظفاره وليطل إن شاء.(1)

ومنها الشابّ‌ روى في السرائر من كتاب أنس العالم للصفواني إنّه قال، و روي أنّ حلق الرأس مثلة بالشباب، و وقار بالشيخ (للشيخ ظ).(2) الشباب جمع الشابّ اسم فاعل من شبّ الغلام شباباً، أي صار فتياً، و يقال للغلام شابّ من حدّ البلوغ إلى الثلاثين.(3)

ولكنّ الرواية مرسلة، و لاتنهض في مقابل الأخبار المطلقة الكثيرة الدالّة على استحباب الحلق.

ومنها المحرم، فإنّ إزالة المحرم الشعر، قليله و كثيره، حتّى الشعرة و نصفها عن الرأس أو اللحية أو الإبط أو غيرها بالحلق أو القصّ أو النتف أو النورة، أو غيرها في حال الإحرام محرّمة بلاخلاف، بل الإجماع بقسميه عليه، كما يدلّ عليه قوله تعالى: ولاتحلقوا رؤوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه.(4)

ومنها أنّ المتمتّع في عمرة التمتّع لايجوز له التقصير بالحلق، يدلّ عليه موثّقة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث، قال و ليس في المتعة إلاّ التقصير.(5) و موثّقة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: طواف المتمتّع أن يطوف بالكعبة، و يسعى بين الصفا و المروة، و يقصّر عن شعره، فإذا فعل ذلك فقد أحلّ‌.(6)

ومنها وجوب الحلق على الصرورة في الحج، و يدلّ عليه مارواه الكافي

**

(1) الوسائل 7/9 الباب 4 ح 4.

(2) جامع الأحاديث 600/16-601، السرائر / 492.

(3) أقرب الموارد.

(4) البقره / 196.

(5) الوسائل 542/9 الباب 4 من أبواب التقصير ح 2.

(6) الوسائل 539/9 الباب 1 من أبواب التقصير ح 2.

عن أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام قال: على الصرورة أن يحلق رأسه و لايقصّر، إنّما التقصير لمن قد حجّ حجّة الاسلام،(1) و به يقيّد إطلاق قوله - و من لم يلبّده تخيّر إن شاء قصّر و إن شاء حلق و الحلق أفضل - في موثّقة الحلبي(2) خلافاً لمن ذهب إلى رفع اليد عن ظهور لزوم الحلق على الصرورة، بقرينة إطلاق الخبر، فإنّ التقييد أولى من ارتكاب خلاف الظاهر، و بقية الكلام في محلّه.

ومنها المرئة المحرمة، فإنّه يجب عليها التقصير و لايجوز لها الحلق، و يدلّ عليه خبر الأعرج في حديث أنّه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن النساء، فقال إن لم يكن عليهنّ ذبح فليأخذن من شعورهنّ و يقصّرن من أظفارهن.(3) و خبر الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: ليس على النساء حلق و يجزيهنّ التقصير.(4)

بل ذهب بعض الى حرمة الحلق عليهنّ في غير حال الاحرام مستدلاً بالمرسلة الناهية عن الحلق مطلقا، «نهى النبي (صلى الله عليه وآله) أن تحلق المرأة رأسها» ولكن حملها، في الجواهر على حال الإحرام و قال إنّ الظاهر عدم حرمته عليها في غير المصاب المقتضي للجزع، للأصل السالم عن معارضة دليل معتبر. اللّهمّ إلاّ أن يكون هناك شهرة بين الأصحاب تصلح جابراً لنحو المرسل المزبور، بناءً على إرادة الإطلاق، فيكون كحلق اللحية للرجال.(5) و لعلّ لذلك ذهب العلامة المجلسي إلى حرمة الحلق على النساء مالم تكن ضرورة.(6) ولكنّ اللازم هو إحراز استناد المشهور إلى المرسلة، و هو غيرثابت و عليه فلادليل على الحرمة في غير المصيبة

**

(1) الوسائل 186/10 الباب 7 من أبواب الحلق والتقصير.

(2) الوسائل 188/10 الباب 7 من أبواب الحلق والتقصير.

(3) الوسائل 188/10 الباب 8 من أبواب الحلق و التقصير.

(4) المصدر السابق.

(5) الجواهر 236/19.

(6) حلية المتقين في آداب شعر الراس.

و المحرمة و إن كان الأحوط هو ترك الحلق مطلقا، و لعلّ عليه السيرة المتشرّعة فتأمّل.

ومنها جزّ الشعر من جهة المصيبة فإنّه يحرم على الأحوط و يدلّ عليه مارواه فى التهذيب عن أحمد بن محمّد بن داود القميّ في نوادره، عن محمّد بن عيسى عن أخيه جعفر بن عيسى، عن خالد بن سدير أخي حنّان بن سدير، قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل شقّ ثوبه على أبيه أو على أمّه أو على أخيه أو على قريب له، فقال: لاباس بشقّ الجيوب إلى أن قال عليه السلام فإذا خدشت المرأة وجهها أو جزّت شعرها أو نتفته ففى جزّ الشعر عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستّين مسكيناً، و في الخدش إذا دميت و في النتف كفّارة حنث يمين.(1)

قال الشهيد في الذكرى يحرم اللطم و الخدش و جزّ الشعر إجماعاً قاله في المبسوط، و لما فيه من السخط لقضاء الله، و لرواية خالد بن سدير عن الصادق (عليه السلام) لاشيء في لطم الخدود سوى الاستغفار و التوبة، و روى العامّة عن النبي (صلى الله عليه وآله) في صحاحهم أنا بريء ممّن حلق و صلق أي حلق الشعر و رفع صوته.(2)

أورد عليه السيد الخوئي قدّس سرّه بأنّ خالداً ضعيف لعدم توثيقه، إلى أن قال و معه لايمكن الحكم بحرمة الجزّ فضلاً عن إثبات الكفّارة فيه.(3) و فيه أنّ ضعف الخبر منجبر بالعمل و الإجماع، إلاّ أن الرواية لاتدلّ إلاّ على وجوب الكفّارة بناءً على استظهار الوجوب من لفظة «في» حيث تفيد السببيّة و الغمض عمّا أورد عليه فى جامع المدارك، من أنّ السببيّة متحقّقه مع عدم الوجوب، كما في الزكاة المستحبّة مع حصول سببها.(4) و دعوى الملازمة بين وجوب الكفّارة و الحرمة غير ثابتة، ألا ترى أنّ التظليل للمحرم ولو كان للضرورة موجب للكفّارة مع أنّه لاحرمة، و بقيّة الكلام في محلّه. اللّهمّ إلاّ أن تستظهر الملازمة من فخامة الكفّارة، فتأمّل.

**

(1) الوسائل 583/15 الباب 31 من أبواب الكفارات.

(2) ذكرى الشيعة / 72.

(3) التنقيح 232/9.

(4) جامع المدارك 14/5.

المسألة الاحدى و العشرين في خلق المشابه أو الاستنساخ

اشارة

مسألة: في خلق المشابه أو الاستنساخ و هو من الأمور المستحدثة.

و يقع الكلام في أمور:

الأمر الأوّل: أنّ خلق المشابه و التكاثر على انواع

في أنّ خلق المشابه و التكاثر على أنواع:

منها: خلق مشابه العضو و التّكاثر العضوي و ذلك يحصل بتكثير خلايا بعض الأعضاء كالجلد و العظم و الكبد و القلب و غير ذلك و هذا القسم من التّكاثر ينتفع به في علاج المرضى.

ومنها: خلق المشابه و التكاثر الإستتئامي و هو أنّ الخلية الموجودة في البييضة بعد اللّقاح و وقوعها في الرحم تبدأ بالتّكاثر من الواحد إلى اثنين و منهما إلى أربعة و منهما إلى ثمانية و هكذا إلى اثنين و ثلاثين و حينئذ يصير كلّ خلية من الخلايا موظّفاً بأعمال خاصّة كإيجاد الأعضاء بحسب ماقدره الله تعالى.

و كيف كان فهذه الخلايا داخلة في غطاء واحد و في زماننا هذا أمكن بعد الثّورة العلميّة أن يخرق ذلك الغطاء و يفرق الخلايا المتكثّرة و يجعل كلّ واحدة من اثنين و ثلاثين تحت غشاء مخصوص صناعي مأخوذ من بعض أجزاء البحر ثمّ يوضع كلّ واحد منها بالتّدريج في الرّحم ليصير جنيناً كاملاً و نتيجة ذلك هو تكثير

الجنين بصورة واحدة بحيث يشبه كلّ واحد بالآخر فجميع هذه الخلايا تكون توأمات و متماثلات في غالب الخصوصيات.

نعم حيث أمكن أن يكون وضع الخلايا في الرّحم بالتّدريج كانت الخلية التي تقدّم وضعها فيها أكبر سنّاً من الخلية التي توضع فيها بعدها بسنة أو سنوات عند حفظها في محال الانجماد كما لايخفى.

ومنها: خلق المشابه والتّكاثر البشري أو الحيواني و هو يحصل بتخلية البييضة عن نواتها و جعل نواة خلية الجلد أو نفس خلية الجلد و نحوه من سائر الأعضاء (على اختلاف الأخصاء في عباراتهم) مكان نواة البييضة فالخلية المتحصلة من نواة خلية الجلد و نحوه و من البييضة التي هي المادة السائلة و الغلاف اللتين كانتا للبييضة داخل الرّحم تشرع في التكاثر إلى أن تبلغ اثنين و ثلاثين خلية ثمّ تسير مراحل الجنين حتّى يصير طفلاً شبيهاً لصاحب الجلد الذي أخذ منه نواة خلية جلده.

و لايذهب عليك أنّ العبارات مختلفة بالنسبة إلى اعتبار اللقاح في البييضة و عدمه. صرح الدكتور لي سيلفر(1) على المحكي عنه في كتاب الاستنساخ بين العلم و الفقه تأليف الدكتور داود سليمان السعدي المطبوع بلبنان في سنة 1423 ه‍ - / 2002 م بعدم اعتبار كونها ملقحة حيث قال لوازم العمل نسيج بشري خلايا بشرية نقية لينسج واحد تؤخذ من الشخص المراد استنساخه - إلى أن قال - خلايا بويضات بشرية غير ملقحة الخ.(2)

و صرّح أيضاً الدكتور أحمد رجائي الجندي حيث قال الاستنساخ التقليدي عبارة عن نقل نواة خلية جسمية (تحتوي على 46 كرو موسوما) مكان نواة بييضة

**

(1) Lee siver - من جامعه برنستون - وهو على المحكي خبير بارز في الاستنساخ.

(2) رسالة من آية الله مؤمن القمي غير مطبوعة.

(تحتوي 23 كروموسوما) و يتولى السيتوبلازم المحيط بالنواة الجديدة في البييضة حثّ النواة المزروعة و تثبيتها على الانقسام.(1)

إذ ظاهر اختصاص نواة البييضة بما يحتوي على 23 كروموسوما أنّ البييضة المذكورة غير ملقحة و إلاّ لكان محتواها 46 كروموسوما كما لايخفى.

خلافاً لما صرّح به الدكتور مسعود هوشمند الذي هو من أعضاء الجمعية العلميّة لمركز تحقيقات مهندسية الجينيّة من اعتبار اللقاح في البييضته المذكورة.(2)

و صرّح به أيضاً المؤتمر الطّبيّة في بلدة مشهد المقدّسة في بعض الكتيبات المنتشرة منه في حوالي سنة 1380 ه‍ -- ش.

الأمر الثاني: جواز خلق المشابه و الاستنساخ في نفسه بانواعه المذكورة و عدم جوازه

في جواز خلق المشابه و الاستنساخ في نفسه بأنواعه المذكورة و عدم جوازه ذهب جماعة إلى الثاني و استدلّوا عليه بوجوه:

منها: إنّ ذلك دخالة فيما أمره بيد الله تعالى من الخلقة و هو ينافي اختصاص الخلقة بنفسه عزّوجلّ كما قال سبحانه و تعالى: (ذٰلِكُمُ اَللّٰهُ رَبُّكُمْ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ خٰالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ فَاعْبُدُوهُ وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَكِيلٌ‌)(3) و قال تبارك و تعالى (أَلاٰ لَهُ اَلْخَلْقُ وَ اَلْأَمْرُ)(4) و غير ذلك من الايات الكثيرة الدالّة على اختصاص الخالق و الربّ و المدبّر بالله تعالى و عليه فلايجوز الاستنساخ لأنّه تدخّل في الخلقة مع أنّها مختصّة بالله سبحانه و تعالى.

**

(1) الندوة الفقهية الطبية التاسعة من 14-17 يونيو 1997.

(2) راجع مجلة «دانش زندگى» من المجلات المنتشرة للنسوان باللغة الفارسية الرقم السادس و التسعين المطبوعة في شهر بهمن من سنة 1381 ه‍ - ش. الصفحة 44.

(3) الانعام: 102.

(4) الاعراف: 54.

ويمكن الجواب عنه أوّلاً: بأنّ الآيات المذكورة لاتنافي صدور الخلقة من غيره تعالى بنحو الطوليّة لأنّ الخلقة مطلقاً منتهية إليه تعالى. نعم تنافي الآيات المذكورة مع الخلقة العرضية ولكن لامجال لها بعد اختصاص وجوب الوجود بالله تعالى و عليه فلايصدر شيء في العالم إلاّ أنّه ينتهي إلى الله تعالى فكلّ مايفعله الإنسان من التصرّفات فهو مخلوق لله تعالى و لاعرضية له حتّى تنافي اختصاص الخلقه به تعالى و لامزاحمة لما يكون وجوده و بقائه من الله تعالى. و الشاهد لما ذكرناه من عدم المنافاة مع الخلقة الطوليّة هو إسناد الخلقة إلى عيسى بن مريم في قوله سبحانه و تعالى: (وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ بِإِذْنِي)(1) فلو كان صدور الخلقة من غيره مطلقاً منافياً مع اختصاص الخلقة به تعالى فلامجال لقوله عزّوجلّ‌: (وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ بِإِذْنِي) فالجمع بينهما بأن يقال إنّ الخلقة المستقلّة مختصّة به تعالى لعدم إمكان أن تقع الخلقة من غيره تعالى إلاّ بإذنه الخاصّ أو العام و هي الخلقة الطوليّة و الخلقة من عيسى بن مريم وقعت بإذنه الخاصّ و كلّ مايقع من الابتكارات و الاختراعات فهو واقع بإذنه العام في النظام العلّي و المعلولي.

وثانياً: بأنّ الاستنساخ لو كان حراماً لكونه تدخّلاً في الخلقة لكان كلّ تركيب صناعي أو شيميائي يوجب إيجاد شيء آخر ممنوعاً لكونه تدخّلاً في الخلقة و هو كما ترى ضرورة جوازها عند جميع الأقوام و الملل.

وثالثاً: بأنّ الاستنساخ المذكور ليس بخلقة بل هو فعل مايوجب الشباهة و أمّا الخلقة فهي جارية على مجاريها الطبيعيّة الّتي جعلها الله تعالى كما أنّ التصرّف في بعض النباتات كالمركّبات ليس بخلقة بل هو إعمال أمر طبقاً للمجاري الطبيعيّة و بعبارة اُخرى الخلقة على قسمين: أحدهما الخلقة العادية وثانيهما غير العادية و

**

(1) المائدة: 109.

هي مكتومة و كشف المكتوم ليس هو خلقة بل هو كشف جديد عن الخلقة فتدبّر جيّداً.

ومنها: أنّ الاستنساخ تغيير لخلق الله و هو ممّا وعد إبليس لعنه الله أن يأمر به بني آدم في قوله المحكي: (وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللّٰهِ‌) .(1)

و بعبارة اُخرى أنّ تغيير الخلقة ممّا يأمر به إبليس و يكون مبغوضاً لله تعالى و يمكن أن يقال أوّلاً: إنّ المراد منه ليس مطلق التغيير و إلاّ لَزِمَ حرمة جميع الصنائع و التوليدات لأنّها متقوّمة بالتغيير مع أنّها جائزة بالضرورة و كان عليها بناء العقلاء و سيرة المتشرّعة و القول بالإطلاق و خروج هذه الموارد بالسيرة و نحوها غير سديد لأنّه يوجب التخصيص أو تقييد الأكثر و هو مستهجن.

وثانياً: إنّه ليس من البعيد كما في «الميزان» أن يكون المراد من التغيير في الآية الكريمة هو ترك العمل بالدين الحنيف و الخروج عن حكم الفطرة.

قال الله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللّٰهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنّٰاسَ عَلَيْهٰا لاٰ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللّٰهِ ذٰلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ‌..) .(2)

و يؤيده مارواه العياشي عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: (وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللّٰهِ‌) قال: دين الله.(3)

وثالثاً: إنّه لو سلّمنا أنّ التغيير ليس هو تغيير الفطرة و الدين فالمراد منه بمناسبة الحكم و الموضوع و سياق الآية هو تغيير خاصّ و هو مطالبة الشيطان من الناس أن يغيّروا طبيعة الرجل أو المرأة عمّا خلقا له كجعل الرجل نفسه مكان المرأة و بالعكس في الأمور الجنسية كاللواط و المساحقة و نحوهما من العمليات الشيطانيّة المضلّة لامطلق التغيير كالاستنساخ و نحوه.

والحاصل أنّه إذا لم يكن المراد من التغيير مطلق التغيير فلابدّ من حمله

**

(1) النساء: 119.

(2) سورة الروم: 30.

(3) تفسير البرهان: 416/1.

على بعض الوجوه و عليه فلاتدلّ الآية الكريمة على حرمة الاستنساخ كما لايخفى.

ومنها: أنّ المستفاد من قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ إِنّٰا خَلَقْنٰاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثىٰ وَ جَعَلْنٰاكُمْ شُعُوباً وَ قَبٰائِلَ لِتَعٰارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ‌) أنّ مشيّة الله تعالى تعلّقت بأن يكون الإنسان من الطريق العادي شعوباً و قبائل متفاوتة فالمسير إلى غير الطرق العادية خروج عن مشيّة الله في خلقه و هو غير جائز.

و فيه أنّ كلّما وقع في الخارج لايخرج عن مشيّته تعالى في خلقه و عادية الطريق و عدمها لادخل لهما في الدخول في المشيّة و الخروج عنها لأنّ كلّ واحد منهما مخلوق له تعالى و الملاك في الدخول في المشيّة هو إمكان الموجودات و تقيّدها بوجوده سبحانه و تعالى و هو متحقّق على كلا التقديرين كما هو واضح.

هذا مضافاً إلى أنّ تعلق المشيّة بخصوص الطريق العادي - مع أنّ حكمته لاتتوقّف على الطريق العادي لحصول التعارف بغير الطريق العادي أيضاً - لادليل له.

ومنها: أنّ تجويز الاستنساخ ربما يوجب المرض أو الموت في الأطفال التي توجد من هذا الطريق و هو غير جائز.

و فيه أنّه لو سلّم ذلك فلادليل على حرمة ذلك لأنّ الإضرار ليس بصادق إذ لاوجود لهم حتّى يكون الضرر صادقاً باعتبار إيجاد النقص فيهم أترى حرمة الاستيلاد للوالدين الذين يوجب استيلادهما انتقال المرض عنهما إلى أولادهما فتامّل.

ومنها: أنّ الاستنساخ ينافي أصل التنوّع و الاختلاف في الأشكال و الخصوصيات الذي كان عالم الخلقة متقوّماً به و الإخلال به يؤدّي إلى مفاسد كثيرة في الحياة الاجتماعية إذ كثيراً مايشتبه المجرم بغيره و بالعكس أو الدائن بالمدين و بالعكس أو الزوج بغيره و بالعكس أو الأولاد بغيرهم أو بعضهم ببعض و هذا مناف للحكمة و لذا جعل الله سبحانه و تعالى في كتابه الاختلاف في الألسن و الألوان و

الثمرات و النفوس من الآيات الدالة على حكمة صنعه تعالى و إليك بعض هذه الآيات: (وَ مٰا ذَرَأَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوٰانُهُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ‌)(1)

(أَ لَمْ تَرَ. أَنَّ اَللّٰهَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمٰاءِ مٰاءً فَأَخْرَجْنٰا بِهِ ثَمَرٰاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوٰانُهٰا وَ مِنَ اَلْجِبٰالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَ حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوٰانُهٰا وَ غَرٰابِيبُ سُودٌ وَ مِنَ اَلنّٰاسِ وَ اَلدَّوَابِّ وَ اَلْأَنْعٰامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوٰانُهُ كَذٰلِكَ‌...) .(2)

(أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللّٰهَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمٰاءِ مٰاءً فَسَلَكَهُ يَنٰابِيعَ فِي اَلْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوٰانُهُ‌...) .(3)

(وَ مِنْ آيٰاتِهِ خَلْقُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلاٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوٰانِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِلْعٰالِمِينَ‌) .(4)

يمكن أن يقال أوّلاً: إنّا نمنع أن يكون خلق المشابه منافياً لأصل التنوّع و الاختلاف لأنّ المشابهة لاتنافي التنوّع و الاختلاف بل هما باقيان بحالهما و إنّما خلق المشابه يوجب أن يكون كلّ نوع يوجد طبقاً لأعلى أفراده في الخصوصيات و الصفات و من المعلوم أنّ المشابهة المذكورة لاتنافي التنوع كما لايخفى.

وثانياً: إنّ المأخوذ منه الخلية ليس فرداً واحداً حتّى يلزم منه الشباهة الكلّيّة المستلزمة للاشتباهات المذكورة بل أفراد مختلفة من جهات مختلفة فيبقى الاختلافات بحالها هذا مضافاً إلى أنّ الاختلاف في الألسن ناش من الاختلاف في التعليمات لامن اختلاف الطبيعة و النوع.

نعم يشكل معرفة الأفراد المأخوذة من خلية واحدة ولكن يمكن حلّ هذه

**

(1) سورة النحل: 13.

(2) سورة فاطر: 27-28.

(3) سورة الزمر: 21.

(4) سورة الروم: 22.

المشكلة فيهم بما يرفع المشكلة في التوأمات الطبيعة من وضع علائم في بدنهم أو لباسهم أو غير ذلك من المميّزات هذا مضافاً إلى أنّ الشباهة فيهم أيضاً ليست من جميع الجهات بل الاختلاف في زمان الحمل و الأغذية و الحوادث الطارئة يؤثّر في حدوث بعض الخصوصيّات كما لايخفى.

وثالثاً: إنّ المحذور المذكور على فرض التسليم لايترتّب على جميع أنواع خلق المشابه إذ الشباهة الكلّيّة في خلق المشابه في الأعضاء أو النباتات أو الحيوانات لايوجب محذوراً فلامجال للمنع من جميع أنواعه.

ومنها: إنّ الاستنساخ البشري يغاير إرادة الله تعالى في خلقة الزوجين كما نصّ عليه في قوله عزّوجل: (وَ خَلَقْنٰاكُمْ أَزْوٰاجاً)(1) و في قوله سبحانه: (فَجَعَلَ مِنْهُ اَلزَّوْجَيْنِ اَلذَّكَرَ وَ اَلْأُنْثىٰ‌)(2) بناء على انسلاخ الفعل عن الزمان إذ خلق المشابه يؤدّي إلى الاكتفاء في التوالد و التناسل بالنساء بأن يؤخذ خليه من جلودهنّ أو غيرها من أعضائهن و يجعل خليتها أو نواتها مكان نواة بييضتهنّ غير الملقحة فلاحاجة حينئذ في التوالد و التناسل إلى الرجال و هو أمر يغاير إرادة الله تعالى في خلقة الإنسان زوجين كما لايخفى.

يمكن أن يقال إنّ المغايرة المذكورة لازمة لو كان خلق المشابه منحصراً في أخذ الخلية من النساء أو من البييضة غير الملقحة و اكتفى في التوالد و التناسل بهما و أمّا إذا لم يكن كذلك لافي أخذ الخلية لإمكان أخذها من الرجال أيضاً و لا في البييضة المذكورة لإمكان كونها ملقحة فلايلزم ذلك المحذور.

ومنها: أنّ الاستنساخ بمعنى تولّد طفل من ناحية أخذ خلية أو نواتها من عضو أحد وجعلها مكان نواة خلية بييضة امرأة غير الملقحة بعد إخراج نواتها ينجرّ

**

(1) سورة النبأ: 8.

(2) سورة القيامة: 39.

إلى أن يكون الطفل بلا أب و لاأمّ فيصير منزوياً و لايتمكّن من أن يبلغ المدارج العالية الإنسانيّة و هو إضرار به.

يمكن الجواب عنه أوّلاً: بأنّا نمنع ذلك لإمكان القول بأنّ صاحب الخلية أو نواتها أب له و المرأة ذات البييضة أمٌ له.

وثانياً: بأنّه لامجال لدعوى عدم التمكن من أن يبلغ المدارج العالية الإنسانية إذ ذلك تابع للمحيط الذي تولّد فيه من هذا الطريق فإن كان محيطاً سالماً ذا ثقافة تمكّن الطفل المذكور من ذلك بقدر استعداده و إلاّ فهو و غيره ممّن تولّد بالطريق الطبيعي سيّان في عدم الوصول إلى المدارج المذكورة.

و القول بأنّ الإقدام على عمل مذكور يكون نتيجته هو أن لايكون لطفل أب و لاأم و هو ممنوع غير سديد لعدم دليل على حرمة ذلك و الذي يمكن القول بحرمته كما أفاد بعض الأعاظم هو الإقدام على عمل يوجب عدم معرفة أبي أحد أو اُمّه مثلاً و هو المعبرّ عنه أحياناً باختلاط المياه.

و المقام ليس كذلك إذ لااختلاط فيه من جهة المياه و الأنساب بل الطفل على تقدير تسليم ماذكر لايكون له أب و لاأمّ فلاتغفل.

ومنها: إنّ المستفاد من الآيات الآمرة بحفظ الفرج في الرجال و النساء كقوله تعالى في الرجال المؤمنين: (وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ * إِلاّٰ عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ اِبْتَغىٰ وَرٰاءَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلعٰادُونَ‌) .(1)

و قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكىٰ لَهُمْ إِنَّ اَللّٰهَ خَبِيرٌ بِمٰا يَصْنَعُونَ * وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ وَ

**

(1) سورة المؤمنون: الآية 5-7، سورة المعارج الآية: 29-31.

يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ‌..) .(1)

أنّ على كلّ من الذكر و الاُنثى حفظ الفرج عن غير الزوج و الزوجة و من بحكمهما و لادليل على اختصاص المراد من الحفظ بخصوص حفظه عن الجماع بل يقتضى إطلاقه وجوب حفظه عن كلّ انتفاع و لو كان هو الاستيلاد.

و عليه فجعل نواة خلية جلد أحد مثلاً مكان نواة خلية بييضته غير ملقحة بالمني أو الملقحة بعد تفريغها عن نواتها أو جعل بعض الخلايا منفصلاً عن البقية ثمّ وضعه في رحم امرأة اُخرى أجنبية حتّى يسير في سبيل الرشد استفادة أجنبيّ من فرج أجنبيّة و ممنوع لعموم الآيات المذكورة.

أجاب عنه بعض الأعاظم أوّلاً: بأنّ هذه المناقشة ليست إيراداً على جواز أصل الاستنساخ الاستتآمي بل على وضع الأجنة الحاصلة بعد التكاثر في رحم غير الزوجة فإن جعلت هذه الأجنة في رحم نفس الزوجة صاحبة البييضة أو في رحم زوجته الاُخرى أو مملوكته مثلاً لما كان للمناقشة مجال أصلاً.

و هكذا الأمر إذا جعلت الأجنة في مصانع جديدة تنمو و تصير أولاداً كاملين و مثله الكلام على إيراد النقاش في الاستنساخ التقليدي كما هو واضح و بالجملة فالمناقشة على التعميم على أصل الجواز.

وثانياً: بأنّ حفظ الفرج على غير الزوجة منصرف إلى حفظه عن الاستمتاع من غيرها و هكذا الأمر في المرأة و لايذهب ذهن أحد إلى أمر غيره فلاتدلّ الآيات على وجوب الحفظ عن غير ذلك، هذا.

و يشهد لإرادة هذا المعنى ماجاء في أخبار عديدة:

أ - ففي صحيحة أبي بصير المروية في تفسير علي بن إبراهيم ذيل آيات سورة النور عن أبي عبدالله عليه السلام قال كلّ آية في القرآن في ذكر الفروج فهي

**

(1) سورة النور: الآية 30-31.

من الزنا إلاّ هذه الآية فإنّها من النظر فلايحلّ للرجل المؤمن أن ينظر إلى فرج أخيه و لايحلّ للمرأة أن تنظر إلى فرج اُختها.(1)

فالصحيحة واضحة الدلالة على عدم إرادة حفظ الفرج عن الاستيلاد في شيء من موارد بل إنّما اُريد الحفظ عن الزنا في آيات المؤمنون و المعارج و عن نظر الأجنبي إليه في آيات سورة النور فهي دليل معتبر على أن لم يرد الحفظ عن الاستيلاد في شيء من الموارد انتهى موضع الحاجة.(2)

و لقائل أن يقول إنّ مفاد الصحيحة ليس أنّ آيات الفروج غير آية النور لاتدلّ إلاّ على وجوب حفظ الفرج من الزنا و إلاّ لزم منه جواز عدم الحفظ بالنسبة إلى الاستمتاعات مع أنّ المعلوم خلافه فآيات الفروج غير آية النور تدلّ على وجوب الحفظ عن الزنا و غيره من الاستمتاعات بخلاف آية النور فإنّ حفظ الفرج عن الزنا ليس منظوراً فيها بل المنظور فيها هو حفظ الفرج عن النظر.

و بعبارة اُخرى هذه الصحيحة في مقام حصر مفاد آية النور في النظر لافي مقام حصر مفاد آيات الفروج غير آية النور في الزنا.

و دعوى أنّ مفاد آيات غير سورة النور بقرينة هذه الرواية هو الحصر في وجوب الحفظ عن الزنا و وجوب حفظ الفرج عن الاستمتاعات مستفاد من الروايات الأخرى لامن هذه الآية.

مندفعة بأنّ هذا رفع اليد عن عموم آيات الفروج غير آية سورة النور بلا وجه لما عرفت من أنّ مفاد الصحيحة هو أنّ آيات الفروج غير آية النور متعرّضة للزنا بخلاف آية سورة النور فإنّها لاتتعرّض إلاّ النظر فتدبّر.

و عليه فآيات الفروج تشمل بإطلاقها الاستمتاعات و الاستيلاد نعم يمكن

**

(1) تفسير القمي: 101/2.

(2) رسالة من آية الله المؤمن غير المطبوعة.

دعوى الانصراف عن مثل الاستيلاد فتأمّل جيّداً.

ومنها أنّ الخلية الحاصلة من التقاح البييضة بمنيّ الرجل في الرحم نطفة و قد وردت روايات معتبرة على حرمة إعدام النطفة بجميع مراحلها و قد صرّح في بعضها أنّ إلقائها من الرحم في حكم قتل الولد.

و عليه فالاستتئام الذي يوجب في الأغلب فقد بعض الخلايا الموجودة في النطفة و لو واحدة منها يكون حراماً.

بل إخلاء النواة من الخلية و وضع نواة خلية الجلد أو غيره مكانه في غير الاستتئام يرجع إلى إعدام نواة الخلية أيضاً كما لايخفى و الروايات الدالّة على حرمة إعدام النطفة يشمل الموردين.

ففي موثّقة إسحاق بن عمّار قلت لأبي الحسن عليه السلام المرأة تخاف الحبل فتشرب دواء فتلقي مافي بطنها قال لافقلت إنّما هو نطفة فقال إنّ أول مايخلق نطفة.(1) تدلّ هذه الرواية بقوله في الجواب «أنّ أوّل مايخلق نطفة» على حرمة إعدام أوّل مراتب خلقة الإنسان و هو النطفة.

و في صحيحة أبي عبيدة سألت أبا جعفر عليه السلام عن امرأة شربت دواء و هي حامل و لم يعلم بذلك زوجها فألقت ولدها قال: فقال إن كان له عظم و قد نبت عليه اللحم عليها ديّة تسلّمها إلى أبيه و إن كان حين طرحته علقة أو مضغة فإنّ عليها أربعين ديناراً أو غرّة(2) تؤدّيها إلى أبيه. قلت فهي لاترث ولدها من ديته مع أبيه قال لالأنّها قتلته فلاترثه.(3) و التعبير بالقتل في مثل العلقة و المضغة مع عدم و لوج الروح فيهما يدلّ على حرمة إسقاط الجنين ولو لم يلج فيه الروح و عليه فالملاك في حرمة ذلك هو كونهما مستعدّتين للنيل إلى مراحل الإنسانيّة و هذا

**

(1) الوسائل: الباب 12 من أبواب حدّ الزنا ح 4.

(2) بالضم العبد أو الأمة.

(3) الوسائل: الباب 8 من أبواب موانع الارث ح 1.

الاستعداد موجود في النطفة أيضاً و مقتضاه هو حرمة إعدامها بعموم التعليل أعني قوله (عليه السلام): «لأنّها قتلته فلاترثه».

و لذلك ذهب بعض الأعاظم إلى حرمة إعدام النطفة و قال فإن كان اعمال افراز الخلايا في الاستتئام مستلزمة لإعدامها كان إعدامها حراماً ولكنّه عمل محرّم يقع في مقدّمة الوصول إلى الاستتئام و إلاّ فنفس الاستتئام ليس بمحرّم بمقتضى هذه الروايات أيضاً.

من دون فرق بين أن تكون النطفة في الرحم أو في المجاري إليه لأنّها بالالتقاح تصير مستعدّة و تشملها عموم قوله عليه السلام: «لأنّها قتلته فلاترثه».

هذا مضافاً إلى صحيحة رفاعة قال قلت لأبي عبدالله عليه السلام اشتري الجارية فربما أحتبس طمثها من فساد دم أو ريح في رحم فتسقى دواء لذلك فتطمث من يومها أفيجوز لي ذلك و أنا لاأدري من حبل هو أو غيره فقال (عليه السلام): لاتفعل ذلك، فقلت له إنّه إنّما ارتفع طمثها منها شهراً ولو كان ذلك من حبل إنّما كان نطفة كنطفة الرجل الذي يعزل فقال لي أنّ النطفة إذا وقعت في الرحم تصير إلى علقة ثمّ إلى مضغة ثمّ إلى ماشاء الله و إنّ النطفة إذا وقعت في غير الرحم لم يخلق منها شيء فلاتسقها دواء إذا ارتفع طمثها شهراً و جاز و قتها الذي كانت تطمث فيه.(1)

بدعوى أنّها تدلّ على أنّ المعيار هي صلاحية النطفة لخلقة الإنسان منها و هي موجودة في التي وقعت في الرحم و المجاري. و يشكل ذلك من جهة شمولها للنطفة التي تكون في المجاري قبل وصولها إلى الرحم و تعلقها به لأنّها ليست بجنين و الموضوع للحرمة و الدية هو الجنين و المجاري لايطلق عليها الرحم و لاأقلّ من الشكّ فلايشمل صحيحة رفاعة للنطفة التي تكون في المجاري قبل وصولها إلى الرحم و التعلّق به.

**

(1) الوسائل: الباب 33 من أبواب الحيض ح 1.

و لعلّ عموم التعليل بقوله عليه السلام: «لأنّها قتلته فلاترثه» أيضاً لايشمل النطفة التي تكون في المجاري قبل أن تصل إلى الرحم و تشرع مراحل الإنسانيّة كما يرشد إليه عنوان القتل فإنّه مختصّ بما إذا تشرع النطفة مراحل الإنسانيّة و هي حال الشروع في تكوّن الجنين و بعده.

و ممّا ذكر يظهر اختصاص موضوع الحرمة بالنطفة المتعلّقة بجدار الرحم فإسقاطها بأيّ نحو كان يكون محرّماً و هو بعمومه يشمل صورة إخلاء النواة من الخلية المتعلّقة بجدار الرحم فإنّ الإخلاء في حكم قتل النواة المخرجة. و تجديد السير بعد وضع نواة الجلد أو خليّته مكان نواة الخلية سير للنواة الموضوعة لاالنواة المخرجة بل هي صارت تالفة بإخراجها فلاوجه لجعل الحرام في مقدّمة الوصول إلى الاستتئام بل إخلاء النواة و وضع نواة اُخرى مكانها لاينفكّ عن إعدام النواة المخرجة و هو عين خلق المشابة في الاستنساخ البشري. نعم إذا كانت النطفة غير ملقحة لم يكن مستعدّة للسير إلى مراحل الإنسانية و بهذا الاعتبار لايشمله أدلّة حرمة إعدام النطفة لظهورها في النطف المستعدّة كما يدلّ عليه عنوان القتل و التقيّد بكونها في الرحم و غير ذلك.

فتحصّل أنّ الإخلاء من النطفة الملقحة محرّم اللّهمّ إلاّ أن يقال أنّ تعويض النواة لايعدّ إتلافاً للنطفة بل هو تغيير فيها. فتامل هذا مضافا الى و أنّ الإخلاء من النطفة غير الملقحة لاإشكال فيه بعدما عرفت من اختصاص الحرمة بالنطف المستعدّة و هكذا لاإشكال في جواز الإخلاء من النطف الملقحة قبل وصولها إلى الرحم إن أمكن فتأمل. فتحصل أنّ الاستتئام لاإشكال فيه فيما إذا لم يوجب إعدام بعض الخلايا المستعدة فتدبّر جيّداً.

ومنها: أنّ إخراج النواة من بييضة المراة و إدخال نواة خلية جسد المرء الأجنبي مكانها يؤول إلى إلقاء الماء الأجنبي في رحم المرأة الأجنبيّة و هو منهيّ عنه بمثل موثّقة علي بن سالم عن أبي عبدالله عليه السلام قال إنّ أشدّ الناس عذاباً

يوم القيامة رجل أقرّ نطفته في رحم يحرم عليه.(1)

لايقال إنّ سند الرواية ضعيف بسبب جهالة علي بن سالم لأنّا نقول يكفي في الوثاقة رواية ابن أبي عمير عنه لأنّه لايروي إلاّ عن الثقة كما صرّح به الشيخ الطوسي (قدس سره) في عدّة الأصول.

يمكن الجواب عنه أوّلاً: بمنع الصغرى لأنّ إخلاء البييضة من النواة و تبديلها بنواة خلية الجسد كخلية الجلد لايكون التقاءاً للمياه المختلفة من الزوج و الأجنبي فيما إذا كانت البييضة ملقحة فضلاً عمّا إذا كانت غير ملقحة.

و ذلك لأنّ نواة خلية الجسد ليس بمني حتّى يلزم منه ذلك.

وثانياً: بمنع الكبرى فإنّ الظاهر من إقرار النطفة في الرحم هو الزنا و شموله لمجرّد إقرار النطفة محلّ تأمّل. فضلاعى اقرار خلية الجسة و ذلك للانصراف هذا مضافا الى ان مجرّد صبّ المني في الفرج المحرّم ليس أشدّ عذاباً من الزنا من دون إفراغ المني كما أنّه ليس له حدّ الزاني و لاأقلّ من الشكّ فلايشمل إقرار الزوج منيّ غيره في رحم زوجته فضلاً عن إقرار نواة خلية جسد الغير في بييضة زوجته فليتأمّل.

ومنها: أنّ عمل المجسّمات لذوات الأرواح محرّم لاستفاضة الأخبار عليه منها مرسلة ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبدالله عليه السلام قال من مثّل تمثالاً كلّف يوم القيامة أن ينفخ فيه الروح.(2)

ومن جملتها: معتبرة محمّد بن مروان عن أبي عبدالله عليه السلام يقول: ثلاثة يعذّبون يوم القيامة من صور صورة من الحيوان يعذّب حتّى ينفخ فيها.(3) و غير ذلك من الأخبار الظاهرة في حرمة عمل المجسّمات لامطلق التصوير إذ النفخ

**

(1) الكافي: 541/5.

(2) الكافي: 527/1.

(3) ثواب الأعمال: 223.

يدلّ على كون الصورة مجوّفة كما لايخفى فإذا كان عمل المجسّمات لذوات الأرواح محرّماً مع أنّه ليس بخلق إنسان أو حيوان فخلق المشابه في الإنسان أو الحيوان محرّم بالأولويّة.

يمكن أن يقال: إنّ الاستنساخ البشري أو الحيواني ليس بتجسيد و تجسيم حيوان و لابخلق و صنع، و إنّما هو إعمال عمل يوجب المشابهة في المجاري الطبيعيّة التي خلقها الله تعالى فكما أنّ التصرّف في الأشجار بأخذ جلد من شجر خاصّ و ترقيع شجر آخر به لايعدّ خلقاً و صنعاً فكذلك جعل نواة خلية الجسد مكان نواة خلية بييضة المرأة ليس بخلق و صنع و عليه فدعوى الأولويّة في الاستنساخ ممنوعة و حرمة عمل المجسّمات الذي هو من صنع الإنسان مختصّة بموردها و لايتعدّي عنها إلى غيرها و لاأولويّة مع كون عمل المجسّمات أشبه بخلق شيء من الاستنساخ.

و لاأقل من الشك فيجري فيه أصالة البراءة كما لايخفى.

ومنها أنّ خلق المشابه يترتّب عليه اللوازم الفاسدة التي تصلح لتحريم خلق المشابه و هي متعدّدة منها إمكان استفادة المجرمين من هذا الاُسلوب في إدامة الجنايات و التفصّى عن المؤاخذة و المجازاة بإسناد الجناية و الخيانة إلى أشباههم.

ومنها: إمكان جعل كلّ ذي قدرة إنساناً آخر يستنسخ منه إنساناً بدلياً له بحيث كلّما أراد أخذ عضو منه لترقيع عضوه أخذه منه و جعله ناقصاً بحيث لايبقى له كرامة و استقلال.

و يمكن الجواب عنه أوّلاً بمنع كونها من اللوازم و ثانياً بأنّ ملاحظة العوارض و اللوازم لاارتباط لها بملاحظة حكم أصل الاستنساخ الذي هو محلّ الكلام و ثالثاً بأنّ آثارها لاتختصّ بالآثار السلبية بل يترتّب عليه الفوائد الكثيرة و الآثار الإيجابيّة كاكتساب المعلومات الضخمة التي سيكسبها العلماء في تمايز الخلايا و معرفة جذور الأمراض و معالجتها و تشخيص موانع الحمل و رفع العقم و

سلامة الجيل الآتي و تحسين حياته و الاستفادة من الخصائص المتفرّدة الثابتة لخاصّ من الأفراد و ترميم بعض الأعضاء المختلة بخلق المشابه و غير ذلك و حينئذ فالأولى هو ملاحظة جميع الأطراف و العوارض حتّى يظهر أنّ الراجح أيّ طرف فمع وضوح الراجح يؤخذ به و إلاّ فيحكم بالتخيير و الجواز فيما إذا لم يرجّح أحد الأطراف على الآخر.

فيتحصّل أنّه لادليل على حرمة الاستنساخ في نفسه فيما إذا كانت النطفة غير الملقحة أو غير واصلة الى الرحم و إلاّ فجواز الاستنساخ البشرى محل تأمّل لكونه إتلافاً للنطفة و قد عرفت أنه ممنوع و هكذا لو لم يترتّب عليه إلاّ الفساد كما أنّه ربما يقال يحكم بحرمته من باب أنّه موجب للفساد و أمّا إذا لم يكن كذلك فلاوجه للتحريم باعتبار بعض العوارض السلبيّة مع وجود العوارض الإيجابيّة بل اللازم حينئذ هو الحكم بحلّيّة الاستنساخ في نفسه و حرمة الاستفادة المحرّمة منه كسائر الأشياء التي تصلح لاستفادة الحرام و الحلال منها.

ثمّ أنّه لو كانت للاستنساخ مقدّمات محرّمة لزم ترك تلك المقدّمات و الأخذ بالمقدّمات المحلّلة لو كانت فلو عصى في المقدّمات أو الاستفادات المحرّمة لم يوجب ذلك حرمة الاستنساخ في نفسه كما لايخفى.

و إذا عرفت حكم انواع الاستنساخ حان الوقت إلى ملاحظة الأحكام المترتّبة على كلّ نوع من أنواع الاستنساخ و سيجيء إن شاء الله تعالى حكم كلّ واحد في الأمور الآتية.

الأمر الثالث: في الأحكام المترتبة على الاستنساخ العضوى

اشارة

في الأحكام المترتبة على الاستنساخ العضوي و هو تكثير خلايا بعض الأعضاء و تنميتها و لاإشكال في جواز ذلك للانتفاع في العلاجات و لايترتّب عليه مفسدة كما لايخفى.

و هنا مسائل:

المسألة الأولى: لااشكال في أنّ الأجزاء المبانة من الانسان الحىّ محكومة بحكم الحىّ‌

أنّه لاإشكال في أنّ الأجزاء المبانة من الحيّ محكومة بحكم الحيّ في عدم جواز النظر أو اللّمس إذا كانت مأخوذة من مواضع يحرم النظر أو لمسها بالنسبة إلى الجنس المخالف فإذا كان من أخد منه الأجزاء المذكورة رجلاً لايجوز للنساء النظر إليها و لالمسها عدى المحارم و هكذا بالعكس و لاكلام في ذلك لأنّ الأجزاء المبانة من الرجل أو المرأة مع الانفصال لاتخرج عن الإضافة إليهما و عليه فيشملها أدلّة تحريمهما التي كانت موضوعها هو بدن الرجل أو المرأة و هذه الأدلة طوائف من الأخبار منها أدلّة حرمة النظر أو اللّمس لأنّهما لايتحقّقان بدون البدن و الجسد و الشعر كموثّقة علي بن عقبة عن أبيه عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: النظرة سهم من سهام إبليس مسموم و كم من نظرة أورثت حسرة طويلة.(1)

و معتبرة محمد بن سنان عن الرضا (عليه السلام) فيما كتبه إليه من جواب مسائله و حرّم النظر إلى شعور النساء المحجوبات بالأزواج و إلى غيرهّن من النساء لما فيه من تهييج الرجال و ما يدعو إليه التهييج من الفساد و الدخول فيما لايحلّ و لايجمل و كذلك ما أشبه الشعور إلاّ الّذي قال الله تعالى و القواعد من النساء اللاّتي لايرجون نكاحاً فليس عليهنّ جناح أن يضعن ثيابهنّ غير متبّرجات بزينة أي غير الجلباب فلابأس بالنظر إلى شعور مثلهن.(2)

ومنها أدلّة إستثناء الوجه و الكفّين و القدمين فإنّ المفهوم منها عدم جواز سائر البدن و الجسد كمرسلة مروك بن عبيد عن بعض أصحابنا عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت له: ما يحل للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرماً قال: الوجه و

**

(1) الوسائل: الباب 104 من أبواب مقدمات النكاح، ح 1.

(2) الوسائل: الباب 104 من أبواب مقدمات النكاح، ح 12.

الكفان و القدمان.(1)

و صحيحة الفضيل قال سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الذراعين من المرأة هما من الزينة قال الله: (وَ لاٰ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّٰ لِبُعُولَتِهِنَّ‌) قال: نعم و ما دون الخمار من الزينة و ما دون السوارين.(2)

ومنها: أدلّة استثناء رؤوس الأعراب و أهل السواد و المجانين كصحيحة عبّاد ابن صهيب قال سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول لابأس بالنظر إلى رؤوس أهل تهامة و الأعراب و أهل السواد و العلوج لأنّهم إذا نهوا لاينتهون قال و المجنونة و المغلوبة على عقلها لابأس بالنظر إلى شعرها و جسدها مالم يتعمّد ذلك.(3)

و المراد من قوله لأنّهم إذا نهوا لاينتهون إمّا عدم تأثير النهي فيهم أو عدم كونهم أهل الفهم و الدرك.

ومنها روايات المصافحة كصحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قلت: له هل يصافح الرجل المرأة ليست بذات محرّم فقال: لاإلاّ من وراء الثوب.(4)

و غير ذلك من طوائف الأخبار الدالّة على حرمة النظر واللمس بالنسبة إلى البدن و الجسد و الشعر و لاكلام فيه و إنّما الكلام في شمول هذه الأخبار بالنسبة إلى الخلية و نواتها عند الأخذ فإنّ موضوع تلك الأخبار هو البدن و الجسد و الشعر و هذه العناوين لايصدق على الخلية و نواتها لعدم قابلتها للنظر و الرؤية و لالِللمس من دون فرق بين أخذها من المواضع التي لايجوز اللمس و النظر إليها حتّى بالنسبة إلى بعض المحارم و بين أخذها من غير تلك المواضع لوحدة الملاك و لاأقلّ من الشكّ في الشمول فيرجع فيه إلى الأصل كما لايخفى.

**

(1) الوسائل: الباب 109 من أبواب المقدمات، ح 2.

(2) الوسائل: الباب 109 من أبواب المقدمات ح 1.

(3) الوسائل الباب 113 من المقدمات ح 1.

(4) الوسائل: الباب 115، ح 1.

المسألة الثانية: انّ الخلية المأخوذة من الجسد اذا نمت و كبرت هل يترتب عليها احكام اعضاء صاحبها

أنّ الخلية المأخوذة من الجسد إذا نمت و كبرت فهل يترتّب عليها أحكام أعضاء صاحبها من حرمة النظر أو مسّها بالنسبة إلى الأجنبي و الأجنبيّة أو لا.

يمكن القول بالأوّل بدعوى شمول أدلّة حرمة النظر أو المسّ لمثلها لأنّها قابلة للرؤية و المسّ‌.

ولكن يشكل ذلك بما أفاده بعض الأعاظم من أنّ أدلّة حرمة المسّ و النظر موضوعهما الأعضاء التي تكون عضواً لبدن الإنسان في الخارج كيده و بدنه و غيرهما و أمّا هذا الجسم الجديد الذي لم يكن عضواً له فلايعمّه تلك الأدلّة فإذا لم تعمّه أدلّة الحرمة و لادليل على حرمته من سائر الجهات فمن الواضح أنّ مقتضى أصالة البراءة العقليّة و النقليّة أن لابأس بالنظر إليه و لابلمسه انتهى.

و بالجملة ليس الموضوع لحرمة النظر أو اللمس مطلق الأعضاء بل الموضوع لها هو ما يضاف إلى الرجل أو المرأة من الأعضاء و الجوارح و المفروض أنّ الخلية المأخوذة من الجسد عند نمائها و كبرها ليست مضافة إلى الرجل أو المرأة بحيث يقال إنها من أعضائهما نعم يصدق عليها أنّ أصلها هو خلية الرجل أو المرأة و هو غير كاف في إثبات الحرمة كما لايخفى.

المسألة الثالثة: اخراج خلية من جسد الغير لايجوز بدون اذن صاحبها

أنّ إخراج خلية من جسد الغير لايجوز بدون إذن صاحبها و لايوجب إخراجها نفي اختصاصها بصاحبها مالم يعرض صاحبها عنها و عليه فلايجوز الانتفاع بها إلاّ بإذن صاحبها و الاختصاص باق على حاله و إن نمت بتغذية الغير كما أنّ ملكية الزرع باقية على مالكه و إن نمى في ملك الغير و تغذيته بمال الغير لايوجب اشتراك الغير فيه كما لايخفى.

نعم لو أعرض صاحب الخلية عنها ملكها من أخذها كسائر الأشياء التي

أعرض عنها صاحبها.

لايقال ماالفرق بين الاختصاص و بين النظر و اللمس فإن كان الموضوع في الاحكام هو عنوان البدن فلابدّ من أن يكون الاختصاص كالنظر و اللمس في عدم الترتّب على الخلية لعدم صدق البدن عليها و إن لم يكن الموضوع فيها هو عنوان البدن بل هو أعمّ منه فلامحيص عن ترتّب حرمة النظر و اللمس كالاختصاص لأنّا نقول إنّ الفرق ناش من اختلاف الموضوع لأنّ الموضوع في الاختصاص هو أصل وجود الخلية و هو معلوم و لادخالة للرؤية و اللمس فيه بخلاف الموضوع في النظر و اللمس فإنّه هو البدن فالفرق ناش عن اختلاف الموضوع.

المسألة الرابعة: اذا قلنا بجواز النظر إلى الأعضاء المتجددّة و لمسها كان ذلك باقيا ما لم تصر اجزاء لبدن اللإنسان الاخر

إنّه إذا قلنا بجواز النظر إلى الأعضاء المتجدّدة و لمسها بدعوى انصراف الحرمة عن مثلها لعدم إضافتها إلى الرجل أو المرأة كان هذا الجواز باقياً مالم تصر أجزاء لبدن الإنسان فإذا رقعت لبدن رجل و صارت من أجزائه فلايجوز للنساء النظر إليها و لالمسها إلاّ إذا كان الرجل من المحارم و هكذا الأمر إذا رقعت لبدن امرأة و صارت من أجزائها فلايجوز للرجال أن ينظروا إليها أو يلمسوها إلاّ إذا كانت من المحارم و إذا رقعت لبدن كافر كانت محكومة بالطهارة مالم تصر من أجزائه و إذا صارت من أجزاء و صارت محكومة بالنجاسة ثمّ إنّ الجزئية هل تصدق بمجرّد الترقيع أو يتوقّف على جريان الدم فيها و تقبّل البدن لها و الأظهر هو الثاني و إذا شكّ في صيرورتها جزءاً و عدمها أمكن التمسّك باستصحاب جواز النظر و اللمس و الطهارة و غيرها كما لايخفى.

المسألة الخامسة: انّ الظاهر من الاخبار أنّ الأجزاء المبانة من الحي محكومة بحكم الميته

أنّ الظاهر من الأخبار أنّ الأجزاء المبانة من الحيّ محكومة بحكم الميتة في

عدم جواز الانتفاع و النجاسة و غيرهما كقوله عليه السلام في موثّقة الكاهلي سأل رجل أبا عبدالله عليه السلام و أنا عنده عن قطع ألَيات الغنم فقال لابأس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك ثمّ قال إنّ في كتاب عليّ عليه السلام إنّ ماقطع منها ميّت لاينتفع به.(1)

و كقوله في صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام ماأخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يداً أو رجلاً فذروه فإنّه ميّت. الحديث.(2)

و غيرهما من الأخبار الدالّة على أنّ الأجزاء المبانة محكومة بحكم الميّت في حرمة الانتفاع و النجاسة و غيرهما و لذا صرّح في الجواهر بأنّه أمّا لو كانت نجاسته ذاتيّة كالألية المقطوعة من ميّت أوحيّ لم يجز نقله و لاانتقاله و لااستعماله حتّى بالاستصباح تحت السماء بلاخلاف معتدّ به أجده فيه لإطلاق مادلّ على المنع فيما لايقبل التطهير و على الميتة و خصوص مادلّ عليه في إسراج المقطوع من الحي فضلاً عن الميّت فلم يبق للمعارض و إن صحّ سنده أهليّة المعارضة.(3)

و ممّا ذكر يظهر الجواب عن الاستدلال بصحيحة البزنطي على جواز ذوب الأليات المبانة عن الأحياء و الأسراج بها(4) و ذلك لعدم أهليّة المعارضة بعد عدم كونها معمولاً بها.

ولكن يشكل التمسّك بتلك الأخبار لنجاسة الخلية المنفصلة من الحيّ أو حرمة الانتفاع بها لأنّ الأخبار المذكورة منصرفة عن مثل الخلية التي لاترى بالعين و لاتحسّ باللمس بل بعد نماء الخلية و صيرورتها عضواً لاتكون مشمولة للأخبار

**

(1) الوسائل: الباب 30 من أبواب الذبائح ح 1.

(2) الوسائل: الباب 24 من كتاب الصيد و الذبائح ح 1.

(3) الجواهر: 16/22.

(4) الوسائل الباب: 7 من أبواب مايكتسب به ح 6.

لعدم كونها عضواً مباناً من الأحياء فلايترتّب عليها مايترتّب على الأعضاء المبانة من الأحياء فموضوع الأخبار الواردة في الأجزاء المبانة هي الأجزاء العادية كاليد و الرجل و الأليات لاكلّ جزء و لذلك لايمكن القول بحرمة الانتفاع من نفس الخلية أو بنجاستها لخروجها عن موضوع تلك الأخبار و لامجال لإلغاء الخصوصيّة عن الأعضاء الكبيرة إلى الأجزاء الصغيرة أي الخلية مع أنّها لاترى و لاتحسّ باللمس.

و لاأقلّ من الشك فيرجع فيه إلى أصالة البراءة كما لايخفى.

المسألة السادسة: لا مانع من أخذ العوض في مقابل رفع اليد عن الخلية

إنّه لامانع من أخذ العوض في مقابل رفع اليد عن الخلية لاختصاصها بصاحبها فيجوز المصالحة عليه بل يجوز البيع بناء على عدم اختصاصه بمبادلة الأعيان كما هو الظاهر لعدم كونها محكومة بحكم الميتة بعدما عرفت من انصراف أدلّة حرمة الميتة و النجاسة عن مثلها.

و دعوى أنّ الإنسان لايملك أجزاء بدن نفسه حتّى يملكها بعوض، مندفعة بمنع ذلك ألاترى جواز معاملة على الشعور فإنّه دليل على المالكيّة نعم لايجوز البيع شرعاً في مثل الأجزاء المبانة لما عرفت من كونها محكومة بحكم الميتة و أمّا مثل الخلية التي لاتشملها أدلّة حرمة الأجزاء المبانة فلامانع من معاملتها إذا كانت لها الماليّة من جهة الرغبة فيها لبعض الدواعي و أمكن تحويلها من صاحبها.

بل يجوز المعاملة عليها و لو لم تكن مالاً عند غالب الأفراد لكفاية كونها مالاً عند المتعاملين إذا كان الداعي العقلائي موجوداً للمعاملة عليها و مع وجود الداعي العقلائي ليست المعاملة عليها سفهية و على فرض تسليم كونها سفهية في هذه الصورة فلادليل على بطلانها لاختصاص الدليل الدالّ على البطلان بمعاملة السفهاء فلايشمل المعاملة السفهية من العقلاء نعم لو لم يكن المعاملة معاملة عند العقلاء فالحكم بالصحة مشكل بناء على عدم وجود إطلاق دليل تعبّديّ على ذلك

إذ لابناء من العقلاء حتّى يقال يكفي ذلك في الصحة مع عدم الردع عنه و لاإطلاق شرعي يمكن التمسّك به و دعوى وجود الإطلاق الشرعي بمثل قوله تعالى (أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا) ، لصدق البيع على المقام فيشمله الاطلاق المذكور و لو لم يثبت بناء من العقلاء عليه.

مندفعة بأنّ قوله تعالى: (أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا) في مقام نفي الربا القرضي لأنّه الشائع في ذلك العصر، وردع قياسهم بيع النسيئة بالربا القرضي و معه فلاإطلاق له حتّى يتمسّك به فتدبّر.

الأمر الرابع: في احكام التكاثر الاستتئامى

اشارة

في أحكام التكاثر الاستتئامي و قد عرفت جواز ذلك لو لم يتوقّف على فعل حرام كما إذا تصدّى ذلك زوج المرأة أو الأجنبي من دون حاجة إلى الرؤية المباشريّة أو لمسها.

ثمّ لايلزم محذور من الاستنساخ المذكور من جهة النسب لأنّ كلّ واحدة من هذه الخلايا تكون من التوأمات و يترتّب عليه مايترتّب على التوأمات فيما إذا أخذ كلّ خليته من الخلايا المذكورة من منيّ الزوج و بييضته ملقحة من زوجته فالزوج أب لكل واحد من الخلايا و الزوجه اُمّ له و كلّ واحد من الخلايا يكون ولداً لهما و لافرق في ذلك بين أن يتغذّى كلّ خلية في رحم الزوجة أو في محلّ صناعي خارج الرحم فإذا عرفت أنّ النسبة بين الخلايا المذكورة و الزوج و الزوجة هي الأبوّة و الأمومة و البنوّة اتضح أنّ النسبة بين الخلايا هي نسبة الأخوّة أو الأخوات كما أنّ النسبة بين هذه الخلايا و بين سائر أولاد أبويها أيضاً كذلك فهم إخوة أو أخوات و هكذا نسبتهم بالإضافة إلى سائر المنسوبين تكون عين النسبة بين المتولّدين بالتوالد الطبيعي.

فانقدح بذلك أنّه لايلزم اختلال النسب من جهة التكاثر الاستتئامي و هنا مسائل:

المسألة الأولى: الخلايا المخرجة من رحم الزوجة و اعادتها بعد موت زوجها هل تكون محكومة بحكم الحمل

إنّه لاكلام فيما ذكر إذا كان الاستتئام المذكور في حياة الزوج.

و أمّا إذا كان ذلك أو بعضه بعد حياة الزوج يقع الكلام في أنّ الخلايا التي تخرج من رحم الزوجة ثمّ توضع في رحمها بعد موت زوجها هل تكون محكومة بحكم الحمل في حال حياته حتّى يرث و يورث أو لاتكون.

يمكن أن يقال إنّ الخلايا المذكورة تخرج عن عنوان الحمل بإخراجها عن رحم الزوجة و مع خروجها عن هذا العنوان فلايشمله أدلّة إرث الحمل كصحيحة ربعي ابن عبدالله الثقة عن أبي عبدالله عليه السلام قال سمعته يقول في المنفوس إذا تحرّك ورث أنّه ربما كان أخرس.(1)

و حسنة ربعي قال سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول في السقط إذا سقط من بطن أُمّه فتحرّك تحرّكاً بيّنا يرث و يورث فإنّه ربما كان أخرس.(2)

و صحيحة ابن سنان عن أبي عبدالله عليه السلام في المنفوس لايرث من و الديه (الديّة) شيئاً حتّى يصيح و يسمع صوته.(3)

و صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبدالله عليه السّلام قال سألته عن رجل مات و ترك امرأته و هي حامل فوضعت بعد موته غلاماً ثمّ مات الغلام بعدما وقع إلى الأرض فشهدت المرأة التي قبلتها أنّه استهل و صاح حين وقع إلى الأرض ثمّ مات بعد ذلك قال على الإمام أن يجيز شهادتها في ربع ميراث الغلام.(4)

و عليه فإذا أخرجت الخلايا من الرحم و توضع في محال الانجماد ثمّ توضع بعد موت الأب في رحم زوجته لايترتّب عليها مايترتّب على الحمل لعدم صدق

**

(1) الوسائل: الباب 7 من أبواب الفرائض و المواريث ح 23، المنفوس المولود.

(2) الوسائل: ح 4.

(3) الوسائل: ح 6.

(4) التهذيب 442/2.

الحمل عليها بعد إخراجها.

اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ الخلايا المخرجة عن الرحم يصدق عليها الحمل ولو بعد إخراجها هذا مضافاً إلى أنّ مع عدم صدق الحمل عليها يمكن إلغاء الخصوصيّة بينها و بين الحمل عند العرف في ترتّب مايترتّب على الحمل و عليه فيجب من باب الاحتياط أن يوقف للخلايا نصيب الذكور كما حكى المحقّق الإيقاف في بعض الموارد عن الشيخ قدّس سرّهما حيث قال في المختصر النافع الثالثة قال الشيخ يوقف للحمل نصيب ذكرين احتياطاً انتهى. فإنّ الإيقاف المذكور لاوجه له إلاّ الاحتياط و عليه فمقتضى الاحتياط في المقام هو أن يجعل لكلّ واحد من الخلايا المذكورة نصيب ذكر فتأمّل.

على أنّه يكفي في الإرث صدق الأولاد على الخلايا بعد حمل الزوجة إيّاها و وضعها ولو بعد موت الأب فيشملهم مثل قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ‌) .(1)

و عليه فلو قسّم الإرث قبل تولّد الولد المذكور لزم ردّ سهمه بعد تولّده إن كان عينه موجوداً أو مثله أو قيمته إن كان تالفاً.

و حيث عرفت أنّ الملاك في الإرث هو تولّده حيّاً حال موت أبيه أمكن التعدّي عن المقام إلى ماإذا أخذت الخلية الجنسيّة الملقحة قبل ورود النطفة في رحم الزوجة لو أمكن ذلك فإنّها بعد وضعها في رحم الزوجة و تولّدها يصدق عليه الولد ولو لم يصدق عليه الحمل حين أخذها لكفاية صدق الولد عليه في ترتّب أحكامه بل ينقدح ممّا ذكرناه من أنّ الملاك هو صدق تولّده حيّاً بعد موت أبيه أو بعده أنّ الأمر يكون كذلك إذا وضعت الخلية بعد أخذها من نطفة الزوج و الزوجة في الرحم المصنوعي لصدق الولد عليه لعدم توقّف ذلك على تولّده من الرحم

**

(1) النساء: 11.

الطبيعي و دعوى عدم الإرث للولد في أمثال ماذكر مندفعة بأنّه لاأظنّ الالتزام به من أحد و المسألة محتاجة إلى تأمّل زائد.

المسألة الثانية: هل يجوز القاء الخلية المخرجة من رحم الزوجة في رحمها بعد موت زوجها

انّ بناء على حرمة إلقاء الخلية في رحم الأجنبيّة يقع الكلام في أنّه هل يجوز تكليفاً إلقاء الخلية المذكورة في رحم الزوجة بعد موت زوجها أو لايجوز لصيرورتها أجنبيّة بالموت.

يمكن القول بالأوّل بناء على استكشاف بقاء علقة الزوجية و لو تعبّداً من جهة تجويز التغسيل و النظر لكلّ زوج و زوجة بالنسبة إلى الآخر إذ مع بقاء علقة الزوجية لاتكون أجنبية حتّى يترتّب عليها أحكامها و يشهد له الأخبار الواردة في جواز النظر و تغسيل الزوجة زوجها و بالعكس.

منها صحيحة عبدالله بن سنان قال سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الرجل أيصلح له أن ينظر إلى امراته حين تموت أو يغسلها إن لم يكن عندها من يغسلها و عن المرأة هل تنظر إلى مثل ذلك من زوجها حين يموت فقال لابأس بذلك إنّما يفعل ذلك أهل المرأة كراهية أن ينظر زوجها إلى شيء يكرهونه منها.(1)

و هذا الرواية تدلّ على جواز التغسيل و النظر لكليهما و كراهية أهل المرأة لذلك لايوجب حرمته بل و لاكراهته لأنّ النهي من جهة أمر خارجي.

هذا مضافاً إلى إطلاق امراته أو زوجها بعد الموت في نفس الرواية.

ومنها صحيحة محمّد بن مسلم قال سألته عن الرجل يغسل امرأته قال: نعم إنّما يمنعها أهلها تعصّباً.(2)

**

(1) الوسائل الباب 24 من أبواب غسل الميت ح 1.

(2) الوسائل: الباب 24 من أبواب غسل الميت ح 4.

هذه الصحيحة تدلّ على جواز تغسيل الرجل لزوجته.

ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام أنّه سئل عن الرجل يموت و ليس عنده من يغسله إلاّ النساء قال تغسله امرأته أو ذو قرابته إن كان له و تصبّ النساء عليه الماء صباً و في و المرأة إذا ماتت يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها.(1)

و الأمر بدخول اليد تحت القميص من جهة كراهة الأهل فلادليل على وجوب ذلك فيجوز النظر و تغسيل الميّت مجرّداً هذا مضافاً إلى أنّ دخول اليد تحت القميص لايخلو عن لمسها كما لايخفى.

ومنها: معتبرة داود بن سرحان عن أبي عبدالله عليه السلام في رجل يموت في السفر أو في الارض ليس معه فيها إلاّ النساء قال يدفن و لايغسل قال و في المرأة تكون مع الرجال بتلك المنزلة إلاّ أن يكون معها زوجها فإن كان معها زوجها فليغسلها من فوق الدرع و يسكب عليها الماء سكباً و لتغسله امرأته إذا مات و المرأة ليست مثل الرجل المرأة أسوء منظراً حين تموت.(2)

ومنها صحيحة محمد بن مسلم قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن امرأة توفّيت أيصلح لزوجها أن ينظر إلى وجهها و رأسها قال: نعم.(3)

و غير ذلك من الأخبار الدالّة على جواز النظر و الغسل لكلّ واحد من الزوجين و حمل هذه الروايات على بيان بعض أحكام الزوجيّة من دون بقاء علقة الزوجية بعيد عن مساقها لظهورها في بقاء العلقة و لاينافي ذلك تخصيص بعض أحكام الزوجية بعد الموت كتجويز الخامسة بمجرد موت الرابعة.

هذا مضافاً إلى الأخبار الواردة في تعليل جواز غسل الزوجة زوجها بكونها

**

(1) الوسائل: الباب 24 من أبواب غسل الميت ح 3.

(2) الوسائل: الباب 24 من أبواب غسل الميت ح 7.

(3) الوسائل: الباب 24 من أبواب غسل الميت ح 10.

عنه في عدّة إذ مع هذا التعليل تكون الأخبار صريحة في بقاء العلقة الزوجيّة بينهما و لو تعبّداً في زمان العدّة.

و في صحيحة الحلبي سئل أبو عبدالله عليه السلام عن الرجل يغسل امرأته قال نعم من و راء الثوب لاينظر إلى شعرها و لاإلى شيء منها و المرأة تغسل زوجها لأنّه إذا مات كانت في عدّة منه و إذا ماتت هي فقد انقضت عدّتها.(1)

و في صحيحة زرارة عن أبي عبدالله عليه السلام في الرجل يموت و ليس معه إلاّ النساء قال تغسله امرأته لأنه منه في عدّة و إذا ماتت لم يغسلها لأنّه ليس منها في عدة.(2)

هذه الأخبار صريحة في بقاء العلقة الزوجية بين الزوج و الزوجة في زمان العدّة و لذا يجوز للمرأة أن تنظر إلى زوجها و أن تغسله لبقاء تلك العلقة و مقتضى بقاء العلقة بينهما هو أن يجوز للرجل أيضاً ذلك ولكن ينافيه قوله عليه السّلام و إذا ماتت هي فقد انقضت عدّتها و لعلّه محمول على أنّه تقريب لكراهة الناس ذلك كما أشير إليها في بعض النصوص أو محمول على التقيّة لأنّ أبا حنيفة ذهب إلى عدم جواز غسل الرجل زوجته و إن خالفه جمهور العامّة و قالوا بجواز ذلك.(3) لكفاية مخالفة أبي حنيفة في عهد الإمام الصادق للحمل على التقيّة لشيوع حكمه في عهده عليه السلام.

فهذه الأخبار تدلّ على بقاء علقة الزوجية في زمان العدّة عدى ماخرج بالأدلّة الخاصّة و تخصيص بعض الأحكام بالموت لايستلزم عدم بقاء العلقة فتجويز الخامسة بمجرّد الموت الرابعة لايدلّ على عدم بقاء العلقة و هكذا تجويز التزويج مع الأخت بمجرّد موت أختها لإمكان موضوع الحرمة هو الجمع بينهما أو بينهنّ في حال الحياة لاالموت و الحياة فتدبّر جيّداً.

**

(1) الوسائل: الباب 24 من أبواب غسل الميت، ح 11.

(2) الوسائل: ح 13.

(3) بداية المجتهد: 228/1.

على أنّ هنا روايات اُخرى تصلح لتأييد بقاء علقة الزوجيّة بعد موت أحد الزوجين مثل مارواه في مدينة المعاجز من أنّ امرأة من الأنصار يقال لها أمّ فروة تكلّمت مع أبي بكر بكلام غليظ في ذمّه و مدح علي عليه السلام فقال اقتلوها فقد ارتدت فقتلت: و كان علي في ضيعة له فلمّا قدم و بلغه قتل أمّ فروة إلى أن قال فوقف على قبرها و مدّ يده إلى السماء و قال يامحيي النفوس بعد الموت.. أحي لنا أمّ فروة و اجعلها عبرة لمن عصاك فخرجت أمّ فروة إلى أن قال و ردّها أمير المؤمنين عليه السلام إلى زوجها و ولدت له غلامين و عاشت بعد علي ستة أشهر.(1)

إطلاق الزوج مع حيلولة الموت يدلّ على بقاء العلقة بعد الموت بل ظاهرها إنّ بقاء علقة الزوجية مرتكز بين الناس بحيث لاحاجة إلى عقد جديد.

و مثل مارواه في المناقب عن الأصبغ بن نباتة قال مرّ مولاي أمير المؤمنين عليه السلام بمقبرة و نظر إلى القبور فقال أتحبّ أن أريك آية بإذن الله تعالى فقلت نعم يامولاي فأشار بيدة إلى قبر و قال قم ياميّت و قام شيخ و قال السلام عليك ياأمير المؤمنين و خليفة ربّ العالمين فقال عليه السلام من أنت ياشيخ فقال أنا عمرو ابن دينار الهمداني إنّي قتلت في واقعة الأنبار قتلني أصحاب معاوية مع أمير الأنبار فقال إذهب إلى أهلك و أولادك وحدّثهم بما رأيت و قل لهم إنّ علي بن أبي طالب أحياني بأمر الله تعالى وردّني إليكم.(2)

إطلاق الأهل مع حيلولة الموت ممّا يؤيّد بقاء علقة الزوجيّة.

و مثل مارواه في مدينة المعاجز عن الرقّي حجَّ رجل من أصحابنا فدخل على أبي عبدالله عليه السلام فقال فداك أبي و اُمي إنّ أهلي قد توفّيت و بقيت وحيداً فقال أبو عبدالله عليه السلام أوَكنت تحبّها قال نعم جعلت فداك قال ارجع

**

(1) مدينة المعاجز: 1، ح 153.

(2) المناقب: 210 ح 14.

إلى منزلك فإنّك سترجع إلى المنزل و هي تأكل شيئاً قال فلمّا رجعت من حَجّتي و دخلت منزلي رأيتها قاعدة و هي تأكل.(1)

ظاهرها أنّ الرجوع إلى المنزل لايحتاج إلى إجراء عقد الزوجيّة لحصول المحرمية و هو حاك عن بقاء علقة الزوجيّة.

و مثل مارواه في مدينة المعاجز عن الراوندي قال أنّ عيسى بن مهران قال كان رجل من أهل خراسان و كان محبّاً لأهل البيت فجع بزوجته... ثمّ انصرف إلى منزله فوجد امراته تجود بنفسها فغمضها و سجّاها و شدّ حنكها و تقدّم في إصلاح ماتحتاج إليه من الكفن و الكافور و حفر قبرها و صار إلى أبي عبدالله عليه السلام فأخبره و سأله أن يتفضّل بالصلاة عليها فقام عليه السلام فصلّى ركعتين و دعا ثمّ قال للرجل انصرف إلى رحلك فإنّ أهلك لم تمت و ستجدها في رحلك تأمر و تنهى... فبينما المرأة تطوف بالبيت إذ رأت أبا عبدالله عليه السلام و قالت و الله هذا الرجل الذي رأيته يتشفّع إلى الله حتّى ردّ روحي في جسدي.(2)

و مثل ماروي عن الطبري عن إبراهيم بن سهل قال لقيت علي بن موسى الرضا عليهما السلام في حديث أنّه شك في إمامة الرضا عليه السلام فأخبره عليه السلام بما معه من المال و قال عليه السلام و أمّا أهلك فإنّها ماتت منذ سنة و قد أحييتها الساعة و أتركها معك سنة أخرى لتعلم أني إمام ثمّ انطلقت إلى منزلي فإذا بأهلي جالسة فقلت لها ماالذي جاء بك فقالت إنّي كنت نائمة إذ أتاني آت ضخم شديد السمرة فوصفت لي صفة الرضا فقال لي ياهذه قومي و ارجعي إلى زوجك فإنّك ترزقين بعد الموت ولداً فرزقت و الله.(3)

و مثل مارواه في مدينة المعاجز عن دلائل الإمامة للطبري قال: حدّثنا

**

(1) مدينة المعاجز: 370/5 ح 150.

(2) مدينة المعاجز: 386/5 ح 160.

(3) دلائل الامامة للطبري: ح 21.

المعلّى بن فرج قال حدّثنا معبد بن حنبل الشامي قال دخلت على علي بن موسى الرضا عليهما السّلام فقلت قد كثر الخوض فيك و في عجائبك فلو شئت أنبأتني بشيء اُحدّثه عنك فقال ماتشاء؟ فقلت تحيى أبي و اُمّي فقال انصرف إلى منزلك فقد احييتهما لك فانصرفت و الله و هما في البيت أحياءً فأقاما عندي عشرة أيّام ثمّ قبضهما الله تبارك و تعالى.(1) لظهورها في بقاء علقة الزوجية بين أبويه.

هذا مع ظهور بعض الآيات الكريمة على بقاء علقة الزوجية كقوله عزّوجلّ‌: (اُحْشُرُوا اَلَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْوٰاجَهُمْ وَ مٰا كٰانُوا يَعْبُدُونَ‌)(2) لظهور إطلاق الأزواج حين الخطاب للملائكة في بقاء العلقة الزوجيّة فتأمّل.

و كقوله تبارك و تعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ اَلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ وَ صٰاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ‌) .(3)

بدعوى أنّ إطلاق الصاحبة بعد الموت و الحشر شاهد على بقاء العلقة الزوجية فتأمّل.

و كيف كان يكفي بعض ماأشرنا إليه من الأدلّة لبقاء العلقة الزوجية في زمان العدّة و مع بقائها يترتّب الأحكام عدى ماخرج و إن أبيت عن ذلك ففي الاستصحاب إشكال لاحتمال أن يكون الحياة و الممات من المقوّمات فمع صيرورة الزوجة ميتّا أو الرجل ميّتاً لاعلم ببقاء الموضوع و حينئذ فإن أمكن الاستصحاب الحكمي مثل أن يقال إنّ إلقاء هذه الخلية في رحم زوجة الرجل كان في زمان حياته جائزاً و الآن يكون كذلك فهو و إن أبيت عن جريان الاستصحاب موضوعاً و حكماً فلامانع من الأخذ بأصالة البراءة و الحكم بجواز الإلقاء المذكور و إن قلنا بحرمة ذلك في رحم الأجنبيّة لعدم ثبوت كون المرأة المذكورة أجنبيّة و مع عدم

**

(1) مدينة المعاجز: 24/7 ح 20.

(2) الصافات: 22.

(3) سورة عبس: 34-36.

ثبوت ذلك تكون من الشبهات الموضوعية لدليل حرمة إلقاء النطفة في رحم الأجنبية بناء على حرمته و عدم انصرافه عن مثل المقام ولكن الانصراف غير بعيد.

اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ مقتضى دليل وجوب حفظ الفرج عن الأجنبي و الأجنبية هو الاجتناب حتّى عن موارد الاحتمال أيضاً قضاء لمادّة الحفظ و مع وجوب ذلك لامجال لأصالة البراءة لأنّ الأصل دليل حيث لادليل و المفروض هو دلالة الدليل الاجتهادي على الاحتياط.

لايقال إنّ عموم دليل وجوب الحفظ حيث خصّص بجواز ذلك في الزوجة و ملك اليمين فالفرد المشكوك زوجيّتهما يكون من الشبهات المصداقية لأنّ العام معنون بغير الزوجة و صدقه على المشكوك زوجيّتهما غير ثابت فلايجوز التمسّك به فيه كما لايجوز التمسك بالخاصّ كما لايخفى.

لأنّا نقول نعم لو لم يكن مادّة الحفظ فإنّ مقتضى تلك المادّة و لزوم الحفظ حتّى عن المحتملات هو أن يكون الخاص هو المعلوم الزوجيّة و عليه يبقى تحت العام محتمل الأجنبيّة فلاتغفل.

و الذي يسهّل الأمر هو ما عرفت من أنّ أدلّة حفظ الفرج منصرفة عن مثل المقام و مع الانصراف لايبقى إلاّ حرمة إلقاء النطفة في فرج الأجنبية و هي متفرّعة على إثبات الأجنبيّة و مع الشكّ في كونها أجنبيّة أو زوجة فلايكون مشمولاً لأدلّة حرمة إلقاء النطفة بناء على ثبوت حرمته فتحصّل أنّه لادليل على حرمة إلقاء الخلية في رحم الزوجة بعد موت زوجها في زمان العدّة لظهور بقاء علقة الزوجيّة في زمان العدّة على الأقل.

و أمّا مع عدم ثبوت بقاء علقة الزوجيّة بعد الموت ففي جريان الاستصحاب إشكال لعدم بقاء الموضوع عرفاً بعروض الموت كما أنّه لامجال للبراءة مع لزوم حفظ الفرج و لو في موارد الاحتمال بمقتضى مفهوم الحفظ.

نعم لو قلنا بانصراف أدلّة وجوب حفظ الفرج عن الاستيلاد فلاتشمل المقام

إلاّ أن يستدلّ بما دلّ على حرمة إلقاء النطفة في فرج الأجنبيّة ولكنّه فرع ثبوت موضوعه و هو كونها أجنبيّة فتدبّر جيّداً.

المسألة الثالثة: هل يحوز وضع الجنسيّة بعد اللقاح و اخراجها من رحم الزوجة فى رحم الاجنبية

أنّه هل يجوز وضع الخلية الجنسيّة بعد اللقاح و إخراجها من رحم الزوجة في رحم الأجنبيّة أو لايجوز لأنّه من موارد التلقيح بماء غير الزوج و دعوى أنّه لايطلق عليه ماء الأجنبي بعد إخراج الخلايا و جعل كلّ واحدة في غشاء خاصّ كما ترى.

فقد صرّح في تحرير الوسيلة بأنّه لايجوز التلقيح بماء غير الزوج سواء كانت المرأة ذات بعل أو لارضى الزوج و الزوجة بذلك أو لاكانت المرأة من محارم صاحب الماء كأمّه و اخته أو لا.(1)

و يستدلّ له بقوله تعالى: (وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ إِلاّٰ عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ اِبْتَغىٰ وَرٰاءَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلعٰادُونَ‌) .(2)

بدعوى إنّ حذف المتعلّق في حفظ الفرج يدلّ على الإطلاق و العموم فلايختصّ الحفظ بالجماع و الاستمتاع بل يشمل مثلاً الاستيلاد حتّى بمثل التلقيح المذكور أيضاً.

هذا مضافاً إلى موثّقة علي بن سالم عن أبي عبدالله عليه السلام قال إنّ أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة رجل أقرّ نطفته في رحم يحرم عليه.(3)

بتقريب أنّ الظاهر منه أنّ العذاب الأشدّ مترتّب على إقرار النطفة في الرحم

**

(1) تحرير الوسيلة: 748/2 مسألة 2.

(2) سورة المؤمنون: 5-7.

(3) الكافي: 541/5.

الذي يحرم عليه بحيث لو زنى الزاني و عزل ماءه لما تحقق موضوع لهذا العذاب الأشدّ فيدلّ الحديث دلالة واضحة على أنّ نفس جعل نطفته في رحم يحرم عليه معصية كبيرة اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ إقرار النطفة في الرحم منصرف إلى الزنا و الإيلاج و الإدخال حتّى يتحقّق الإقرار في الرحم فلا يشمل مجرّد إلقاء النطفة من دون جماع و من دون اختلاط الأنساب.

ثمّ لو شككنا في كون المقام مشمولاً للأدلّة الدالّة على الحرمة و عدمه فقد يقال بلزوم الاجتناب للأمر بالاحتياط في باب الفروج كما يدلّ عليه صحيحة شعيب الحدّاد قال قلت لأبي عبدالله عليه السلام رجل من مواليك يقرئك السلام و قد أراد أن يتزوّج امرأة و قد وافقته و اعجبه بعض شأنها و قد كان لها زوج فطلّقها على غير السنّة و قد كره أن يقدم على تزويجها حتّى يستأمرك فتكون أنت تأمره فقال أبو عبدالله عليه السلام هو الفرج و أمر الفرج شديد و منه يكون الولد و نحن نحتاط فلا يتزوّجها.(1)

ولكن مورد الرواية هو الشبهة الموضوعية لاالحكمية لأنّ الطلاق البدعي يطلق على أقسام منها باطل إن صدر منّا كطلاق الحائض بعد الدخول مع حضور الزوج أو مع غيبته من دون مضيّ مدّة يقطع بانقطاع الحيض و هكذا النفساء أو كطلاقها في طهر المواقعة ومنها صحيح كطلاق الثلاث مترتّبة بمعنى إنشاء الطلاق ثلاث مرّات في مجلس واحد فإنّه كما صرّح به في الجواهر لاخلاف في وقوع الواحدة به و حيث إنّ الراوي لم يعيّن الموضوع لعدم تمكّنه من إحراز كيفيّته وقوع الطلاق البدعي كانت الشبهة عنده موضوعية لاحكميّة.

و يشهد له أنّ الإمام عليه السلام لايحتاط في الشبهات الحكميّة بل بين حكمها فلا يصحّ التمسّك بها في مثل المقام من موارد الشبهات الحكميّة اللّهمّ إلاّ أن

**

(1) التهذيب 470:7 ح 93.

يقال باستفادة لزوم الاحتياط في المقام بالأولويّة فتأمّل.

هذا مضافاً إلى إمكان القول بأنّ الحفظ الواجب في قوله تعالى: (وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ‌) الآية. يشمل موارد الاحتمال أيضاً سواء كانت الشبهة موضوعيّة أو حكميّة بناء على عدم اختصاص الآية المذكورة بخصوص الحفظ من الزنا كما مرّ البحث عنه و معه لامجال لأصالة البراءة لأنّ الأصل دليل حيث لادليل و يؤيّده ماذهب إليه شيخنا الأستاذ الأراكي (قدس سره) حيث قال في صورة الشكّ في تحقّق الموضوع و عدمه و إن كان الشكّ من جهة نفس الموضوع شكّاً في الموضوع لكن ما هو المضاف إلى هذا الموضوع من الاحترام و الحفظ منقّح للموضوع فإنّ حفظ الشيء من التلف يصدق حقيقة في مورد احتماله كما أنّ عدم المبالاة فيه صادق حقيقة على ترك الحفظ و لو لم يكن لنفس الشيء تحقّق و واقعيّة و بالجملة حال الحفظ حال الاحتياط فكما أنّه صادق في مورد احتمال الضرر ولو لم يكن ضرر واقعاً و تركه تهوّر كذلك أيضاً و لا يدور شيء منهما مدار وجود الواقع بل الاحتمال هو الدخيل التام في صدقهما فكذلك الحفظ و رعاية الجانب... و على هذا فلا مساغ للرجوع إلى أصل البراءة.(1)

اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ الحفظ في الآيات منصرف عن مثل الاستيلاد لاسيّما عن مثل إلقاء الخلية من دون استمتاع و انقطاع الأنساب و اختلاطه.

المسألة الرابعة: إذا وضعت الخلية الجنسيّة بعد اللقاح و انفصالها عن سائر الخلايا في رحم امرأة اخرى من دون دخالة لها و لزوجها

انّه إذا وضعت الخلية الجنسيّة بعد اللقاح و انفصالها عن سائر الخلايا و إخراجها من رحم الزوجة في رحم امرأة أخرى من دون دخالة لبييضتها أو نطفة زوجها فهي من الزوج و الزوجة و الرحم المستأجرة أو المستعارة كالرحم

**

(1) المكاسب المحرمة: 236-239.

المصنوعي في عدم دخالتها في الأمومة فالزوج أبوها و الزوجة اُمّها.

و الأغذية التي استفادت الخلية من رحم المرأة المذكورة في مدّة الحمل لاتوجب خروج الخلية عن انتسابها إلى أبيها و أمّها الذين كانا منشأ لوجودها فالنسبة بين الخلية المذكورة و بين أبيها و أمّها باقية و لو تغذّت في رحم المرأة الأخرى و نمت في مدّة الحمل.

و دعوى أنّ ملاك الاُمومة شرعاً هو حمل الطفل و الولادة فمن حملته ثمّ ولدته فهي أمّ له شرعاً و لو كانت النطفة لغيرها لقوله تعالى: (اَلَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسٰائِهِمْ مٰا هُنَّ أُمَّهٰاتِهِمْ إِنْ أُمَّهٰاتُهُمْ إِلاَّ اَللاّٰئِي وَلَدْنَهُمْ‌) .(1)

لدلالتها على أنّ الاُمّ هي المرأة التي تلد الولد فالمرأة الحاملة هي اُمّ شرعاً و الولد ملحق بها لابصاحبة البييضة و إن كان لها مدخلية في تكّون النطفة من بييضتها و منّي زوجها.(2)

مندفعة بأنّ الحصر في الآية الكريمة إضافيّ لاحقيقي و المقصود من الحصر هو نفي الاُمومة عن النسوة التي ظاهروهنّ بقولهم لهنّ أنت أو ظهرك عليّ كظهر اُمّي لانفي الاُمومة عن مطلق من لم تلد و جعل الاُمومة في اللائي ولدنهم ليس من باب اعتبار الولادة العادية في صدق الاُمومة بل يكون من باب أنّ الاُمومة بحسب العادة تحصل للنساء بالولادة فلذا عبّر في الآية بذلك هذا مضافاً إلى أنّه لايستفاد من الآية الكريمة خلاف ماعليه العقلاء من حكمهم بالاُمومة و لو لم يكن ولادة عادية ألا ترى أنّهم حكموا بالاُمومة للحاملة التي يشقّ بطنها و يخرج ولدها مع عدم الولادة العادية بالنسبة إليها فيعلم من ذلك أنّ الولادة العادية لامدخلية لها في صدق الأمومة فالملاك في الاُبوّة و الاُمومة هو مبدئيّة ماء الزوج و الزوجة في

**

(1) المجادلة: 2.

(2) مسائل وردود: 99 للسيد المحقق الخوئي (قدس سره).

تكّون الطفل و هو بإطلاقه يشمل المقام و لايستفاد من الآية الكريمة تعبّد شرعيّ في قبال ماعليه العرف كما هو واضح و بعبارة اُخرى تدلّ الآية الكريمة على أنّ الوالدات هنّ اللائي لهنّ المبدئية في التولّد و هذا معنى يصدق على المقام كما لايخفى.

ربما يقال إنّ النطفة المفروزة حيث تغذّت في رحم المرأة المذكورة و نبت لحمها و اشتدّ عظمها صارت كالمرتضع و المرأة المذكورة تكون كالاُمّ الرضاعي و ذلك لأنّ ملاك كون الرضاع موجباً للحرمة هو نبت اللحم و شدّ العظم و هو موجود في ارتزاقها عن المرأة في حال الحمل و يشهد له التعليل الوارد في بعض أخبار الرضاع. كصحيحة علي بن رئاب قال قلت مايحرم من الرضاع قال عليه السلام ماأنبت اللحم و شدّ العظم. قلت فيحرم عشر رضعات قال لا لأنّه لاتنبت اللحم و لاتشدّ العظم عشر رضعات(1) لدلالته على أنّ الملاك في نشر الحرمة هو نبت اللحم و اشتداد العظم سواء كان بالرضاع أو غيره.

يمكن أن يقال إنّ التعليل المذكور لايدلّ على أنّ نبت اللحم و شدّ العظم هو العلّة من أىّ ناحية كان بل يدلّ على عدم كفاية عشر رضعات لعدم كونها موجبة لنبت اللحم و شدّ العظم لأنّ اللازم هو خمسة عشر رضعات حتّى يحصل النبت و الشدّ المذكور الموجب نشر الحرمة و بعبارة اُخرى في مقام تعيين مصداق ماأنبت اللحم و شدّ العظم من الرضاع لاأنّ كلّ نبت و شدّ يوجب نشر الحرمة و لو لم يكن رضاع فلا تغفل.

و الأهون من ذلك هو الاستدلال لذلك بالأولويّة بأن يقال إنّ الارتضاع في المقام و إن لم يكن له عين ولا أثر إلاّ أنّ النطفة التي جعلت في رحم المرأة غير صاحبة البييضة إنّما تنموا و تتكاثر و تصل إلى مرحلة جنين كامل بتغذيها من بدن هذه المرأة و ينبت جميع أعضاءه منها فهذا الإنبات أشدّ و أولى بمراتب من ذلك

**

(1) الوسائل الباب 2 من أبواب مايحرم من الرضاع.

الإنبات و الاشتداد الحاصل بالارتضاع فلذلك كان ذلك الموجب للحرمة في الرضاع موجباً بعينه لها بطريق قطعي.

و ذلك لمنع القطع بالأولويّة و معه فليس في البين إلاّ الأولويّة الظنيّة و من المعلوم عدم حجّيّتها و لو سلّمنا إلحاق المرأة المذكورة بالمرضعة فهي محكومة بأحكامها فحينئذ يكون للنطفة المذكورة أبوان و أمّ كأمّ الرضاعيّة.

المسألة الخامسة: هل يجوز وضع الخلية في رحم الاجنبية من غير طريق الفرج

أنّه هل يجوز وضع الخلية في رحم الأجنبيّة من غير طريق الفرج أو لايجوز تكليفاً.

يمكن أن يقال بالثاني لأنّه يرجع إلى إقرار النطفة في رحم الأجنبية و هو حرام لقوله عليه السلام إنّ أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة رجل أقرّ نطفته في رحم يحرم عليه.(1)

اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ ذلك منصرف إلى الزنا و الإيلاج و الإدخال في الفرج و لا يشمل الإدخال توسط الأبر من غير طريق الفرج و لا أقلّ من الشكّ فيمكن الأخذ بالبراءة.

و لايلزم من القول بالاحتياط في باب الفروج القول بالاحتياط في المقام لأنّ المفروض وضع الخلية في الرحم من غير طريق الفرج و الاحتياط مربوط بحفظ الفرج هذا مضافاً إلى مامرّ من دعوى انصراف الآية عن مثل الاستيلاد حتّى من الفرج نعم يمكن أن يقال إنّ المستفاد من بعض الأخبار أنّ من الحكمة في الزنا هو انقطاع الأنساب و هو يقتضي التحريم في المقام أيضاً و في رواية محمد بن سنان عن الرضا عليه السلام فيما كتب إليه من جواب مسائله و حرّم الله الزنا لما

**

(1) الكافي: 541/5.

فيه من الفساد من قتل النفس و ذهاب الأنساب الحديث.(1)

و مرسل الاحتجاج في حديث أنّ زنديقاً قال لأبي عبدالله عليه السلام لم حرّم الله الزنا قال لما فيه من الفساد و ذهاب المواريث و انقطاع الأنساب لاتعلم المرأة في الزنا من أحبلها و لا المولود يعلم من أبوه. الحديث.(2)

بتقريبهما كما في كلمات سديدة أنّهما تدّلان على أنّ ذهاب الأنساب سرّ من أسرار حرمة الزنا فهو أمر مبغوض يجب الاجتناب عنه مهما كان و كونه حكمة لايدور حرمة الزنا مدارها لايضرّ بالقول بحرمة كلّ عمل اشتمل على هذه الحكمة فإنّ الحكمة لاتقصر عن العلّة في موارد ثبوتها.(3)

اللّهمّ إلاّ أن يمنع وجود انقطاع الأنساب في المقام مع معلوميّة صاحب النطفة المذكورة على المفروض نعم لو لم يعلم صاحبها كانت الحكمة المذكورة موجودة و مقتضاها هو عدم الجواز.

و ممّا ذكر يظهر مافي الاستدلال على الحرمة بقوله عليه السلام في صحيحة شعيب الحداد بأنّه الفرج و أمر الفرج شديد و منه يكون الولد و نحن نحتاط فلا يتزوجها.(4)

لما عرفت من أنّ محلّ كلامنا هو الوضع من غير ناحية الفرج لامنه كما لايخفى إلاّ أن يقال إنّ الظاهر من قوله و منه يكون الولد أنّ حكم الفرج و الرحم واحد فإنّ الرواية دلّت على أنّ الولد من الفرج مع أنّه من الرحم و عليه فلزوم الاحتياط في الفرج يسري إلى لزومه في الرحم أيضاً بناء على شمول حفظ الفرج للاستيلاد و عدم انصرافه عنه و إلاّ كما عرفت فلا دليل على حرمة ذلك و إن كان الأحوط هو الاجتناب.

**

(1) الوسائل الباب 1 من أبواب النكاح المحرم ح 15.

(2) الوسائل الباب 17 من أبواب النكاح المحرم ح 12.

(3) كلمات سديدة: 87-88.

(4) التهذيب 470:7 ح 93.

المسألة السادسة: هل يجوز استيجار رحم المرأة أو لايجوز

أنّه هل يجوز استيجار رحم المرأة أو لايجوز؟

يمكن أن يقال إنّ ذلك فرع تصوّر مالكية الحر لنفسه و اجزائه و أيضاً فرع جواز إشغال رحم الغير بالاستيلاد فإن تصوّرنا المالكيّة و قلنا بجواز إشغال رحم الغير بالاستيلاد فلا إشكال في ذلك لو كانت المدّة معلومة و إلاّ فمع الجهل بالمدّة فالإجارة باطلة نعم يجوز أن يستأجر المرأة للحمل و الوضع و الفرق بينهما واضح فإنّ مورد الإجارة في الصورة الأولى هو نفس الرحم و الحمل و الوضع غاية لذلك بخلاف مورد الإجارة في الصورة الثانية فإنّه نفس العمل و هو الحمل و الوضع و أيضاً يجوز جعل الجُعل في قبال الحمل و الوضع و إن لم نقل بجواز إشغال رحم الغير أو الحمل و الوضع فالعمل حينئذ يكون محرّماً و مقتضى الحرمة هو عدم جواز المعاوضة عليه لأنّه أكل المال بالباطل و لافرق في ذلك بين الإجارة و الجعالة و إن لم نقل بمالكيّة الحرّ لنفسه و أجزائه فلاتجوز الإجارة بالنسبة إلى الرحم ولكن يجوز بالنسبة إلى الحمل و الوضع لأنّهما من الأفعال و الأعمال التي يجوز الإجارة فيها بلاكلام.

الأمر الخامس: في أحكام الاستنساخ البشري و هو على أقسام:

اشارة

أحدها: أن تؤخذ نواة خلية أو الخلية من جلد المرأة و نحوه و توضع مكان نواة خلية بييضة غير ملقحة من نفس تلك المرأة فتصير جنيناً و تلده المرأة ففي هذه الصورة أنّ المرأة المذكورة أمّ له و ليس للولد أب، إذ البييضة غير ملقحة و المفروض أنّ نواة خلية الجلد تكون من نفس المرأة و لاارتباط للولد المذكور مع زوج المرأة مطلقاً سواء كان زوجاً لها في تلك الحال أو لم يكن ثم يتزوّج معها نعم يكون ولدها المذكور ربيبة له إن كان انثى أو مرتضعاً بلبنه إن ارضعته بلبن زوجها

فيكون حينئذ ولداً رضاعياً له و يترتّب عليه أحكامه.

وثانيها: عكس الأوّل إن كان وقوعه ممكناً و لو في الآتي من الأزمنة بأن يؤخذ نواة خلية من جلد الرجل و تجعل مكان نواة خلية من منى الرجل المذكور من دون لقاح مع منى مرأة و توضع في رحم مصنوعي فهذا الجنين ليس له اُمّ و لاارتباط له بزوجة الرجل مطلقاً سواء كانت زوجة في تلك الحال أو تصير بعد ذلك زوجة له نعم هو ولد زوجها فيكون محرماً لها من هذه الناحية كما أنّها لو ارضعت هذا الو لد بلبن زوجها صار الولد المذكور رضيعاً لها و يترتّب عليه أحكامه.

وثالثها: أن تؤخذ نواة خلية من جلد زوج المرأة و توضع مكان نواة خلية بييضة زوجته الملقحة ففي هذه الصورة احتمالان: أحدهما أنّه يشترك الزوج و الزوجة في تكوّن الجنين و مقتضى ذلك هو نسبة الجنين إليهما كما لو صارت البييضة الملقحة جنيناً بنفسها.

و ثانيهما إنّ الدخيل في تكوّن الجنين حينئذ هو نواة خلية الزوج و أمّا الزوجة فبعد إخلاء نواة خلية بييضتها فلادخل لها إلاّ بمثل التغذية و لادليل على أنّ التغذية بالدم كالتغذية باللبن في إيجاد المحرميّة فالولد حينئذ يكون ولداً لزوجها و يترتّب عليه أحكامه و ليس ولداً لها و لايترتّب عليه أحكام الولد نعم يترتّب عليه أحكام ولد الزوج فيكون محرماً لها من هذه الناحية أو أحكام الرضيع إن ارضعته بلبن زوجها و ربما يرجّح الأوّل بأنّ صاحبة البييضة تعتبر أُمّاً عند العرف لأنّ الاُمّ عرفاً هي صاحبة البييضة و المفروض أنّ الزوجة صاحبة البييضة كما أنّ المعيار عرفاً في الأبوّة أيضاً هي الخلية الجنسيّة الحاصلة بالتلقيح أو نواة الخلية الجسدية من الزوج و هما موجودان و مقتضاهما هو اشتراكهما في تكوّن الولد اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ حكم العرف بذلك مالم يعلم بأنّ المؤثّر بعد إخلاء البييضة الملقحة عن نواتها هو خلية جلد الزوج و أمّا بعد العلم بتوسط أخبار الأخصّاء فالمؤثّر عنده أيضاً هو نواة خلية جلد الزوج و لادخل للبييضة إلاّ بمثل التغذية فتدبّر.

ورابعها: أن تؤخذ نواة خلية جلد رجل و توضع مكان نواة بييضة ملقحة من زوجة الغير ففي هذه الصورة أيضاً احتمالات منها أنّه يشترك في الجنين الزوج و الزوجة و الرجل المأخوذ منه نواة خلية جلده و ذلك لأنّ النطفة الملقحة مركّبة من نطفة الزوج و الزوجة و هذه النطفة لها تأثير تام و لو بعد إخراج نواتها و تبديلها بنواة خلية جلد الغير في انقسام النواة إلى خلية و الخلية إلى خلايا من نفس النوع حتّى يصير جنيناً كاملاً و هي التي عبّر عنها بالسائل الخلوي (السيتوبلازم) الذي يحيط بالنواة و هكذا تأثير تام لِنواة خلية جلد الرجل الأجنبي في تكوين الجنين المشابه له و مقتضى دخالة المجموع هو كون الزوج و الزوجة و الدين للجنين المذكور و الغير والد أيضاً إن كان رجلاً أو والدة إن كانت انثى.

ونتيجة ذلك هو أن يكون للجنين المذكور والدان مع الوالدة أو الوالدتان مع الوالد.

ومنها أنّ الدخيل في تكوّن الجنين هو نواة خلية جلد الرجل و لادخل للزوجين في ذلك بعد إخلاء نواة خلية بييضة الزوجة الملقحة إلاّ بمثل التغذية فمنشأ الولد هو الرجل المأخوذ منه نواة خلية جلده و لاأبوّة و لاأمومة للزوجين بل لامحرميّة بين الزوجة و إيّاه إلاّ إذا ارضعت إيّاه بعد الولادة فيترتّب عليه أحكام الرضاع و هو مقتضى حكم بعض الأخصّاء بأنّ النطفة بعد إخلائها عن النواة لاتأثير لها إلاّ بمثل التغذية.

ومنها أنّ صاحبة السيتوبلازم و هي البييضة تعتبر أُمّاً لأنّ الاُمّ عرفاً هي صاحبة البييضة كما أنّ الأب عرفاً هو صاحب الخلية الجنسية لامطلق الخلية الجسدية و إن كان للجسدية دخل في المشابهة هذا مضافاً إلى أنّ الخلية المأخوذة بعد وضعها في البييضة صارت جزءاً منها عرفاً و يحكم عليها مايترتّب على البييضة و عليه فالأب و الاُم هما الزوجان و لو شكّ في ذلك فمقتضى الاستصحاب أنّ الجنين للزوجين إذ النطفة الملقحة قبل إخلائها عن النواة و جعل نواة خلية جلد

الرجل فيها كانت من الزوجين و بعد إخلائها عن النواة و جعل نواة الرجل مكانها شككنا في أنّها باقية على ماكانت أو لافمقتضى الاستصحاب أنّها باقية على ماكانت.

و قد يرجّح القول الثاني بأنّ حكم العرف مادام لم يطّلع على أنّ المؤثّر في تكوين الجنين هو نواة خلية الجلد و أمّا بعد اطّلاعه على ذلك فهو يصّدق عرف الأخصّاء(1) فمع تصديقه لذلك يحكم بما حكم به الأخصّاء و لايقاس المقام بالموت السريري فإنّ العرف بعد اطلاعه على أنّ المخ صار باطلاً يحكم ببقاء حياته مادام كان القلب ذا حركة فتدبّر.

هنا مسائل:

مسألة 1: إذا أخذت خلية جسد الرجل و وضعت في بييضة زوجته

إذا أخذت خلية جسد الرجل و وضعت في بييضة زوجته بعد إخلاء نواتها ثمّ بعد الالتقاح يحفظ في محفظة الانجماد الشديد انتظاراً لوقت مناسب حتّى توضع في رحم الزوجة ثمّ مات الزوج فهل يحتاج وضع النطفة في رحم الزوجة إلى الاستيذان من الورثة أو لايحتاج.

ربما يقال لايبعد جواز ذلك من دون حاجة إلى الإذن و الوجه فيه أنّ اللقيح و إن كان متعلّقاً بالزوج نحو تعلّقه بالزوجة إلاّ أنّه ليس ملكاً له لينتقل من الزوج هذا الملك إلى ورثته فيجب الإذن منهم في وضعه في رحمها غاية الأمر أنّه كجزء صغير قد انفصل عن بدنه في زمن حياته و له تعلّق به في هذا الزمن ربما يوجب الاستيذان منه في أيّ فعل يفعل به و أمّا بعد موته فلاينبغي الريب في عدم بقاء ذلك الحق و بما أنّه لادليل على عدم جواز وضعه في رحم الزوجة فقاعدة البراءة العقلية

**

(1) و قد صرّح الدكتور حتحوت في رسالته بأنّ النواة للخلية هي سرّ النشاط الحياتي للخلية.

و النقلية مقتضية للجواز.

و يمكن الجواب عنه بأنّ الفضولات المنفصلة عن الإنسان و إن لم تكن ملكاً لمن انفصلت عنه ولكنها تكون مورداً لحق الأولويّة كالتسميد و أدلّة الإرث تعمّ الحقوق كما تشمل الأملاك و دعوى أنّها ليست مورداً للحق و إن جاز له التصرّف كما جاز له التصرف في أجزاء بدنه في زمان حياته من دون كونها ملكاً له مندفعة بأنّ الأجزاء قبل انفصالها محكومة بحكم الجواز و لاملكية و لاأولويّة و لذا يجوز لكلّ فرد من الأفراد أن يأخذ من شعره أو دمه و نحوهما و لايكون الشعر و الدم مثلاً ملكين له و لايتعلّق حقّ الأولويّة بالنسبة إليهما و أمّا بعد الانفصال فبناء العقلاء على أنّه أولى من غيره بالنسبة إلى التصرّف فيه و لذا أفتى الأصحاب بجواز المصالحة على حقّ الأولويّة في مثل التسميد فالأحوط إن لم يكن الأقوى هو مراعاة الإذن من الورثة كما لايخفى.

مسألة 2: هل يجب اجراء عقد الزوجية بين الرجل و المرأة اذا ارادا عملية خلق المشابه

هل يجب إجراء عقد الزوجية بين الرجل و المرأة إذا أرادا عمليّة خلق المشابه أو لايجب.

ربما يقال بوجوب ذلك و الوجه فيه هو رفع الحرمة عن التصرّف في فرج الأجنبيّة.

و لايخفى أنّ ذلك صحيح إذا كان التصرّف في الفرج بمثل وضع خلية الجسد حراماً و أمّا إذا قلنا بأنّ الأدلّة الدالّة على حفظ الفرج منصرفة عن مثل ذلك فلاحرمة و معه فلادليل على وجوب إجراء العقد و إنشائه و إن كان هو الأحوط.

مسألة 3: هل يجوز اخذ الخلية من جسد الولد و وضعها فى بييضتة امه

هل يجوز أخذ الخلية من جسد الولد و وضعها في بييضة أمّه الملقحة بعد

إخلائها من النواة أو لايجوز؟

و لقائل أن يقول لايجوز لأنّ الولد في حكم الأجنبي بالنسبة إلى فرج أمّه ولكن ذلك متوقّف على حرمة التصرّف في فرج الأجنبية بمثل الاستيلاد و قد عرفت انصراف الأدلّة عن مثل هذا التصرّف و على فرض تحقّق ذلك صار الجنين ولداً لصاحب البييضة و نطفة زوجها بناء على حكم العرف بذلك و حينئذ صار ولد الولد ولداً لهما إن قلنا بأبوّة من أخذت الخلية من جسده و هكذا كان الجنين أخاً أو أختاً مع سائر أولاد والديه في عين كونه ابن الأخ أو ابن الأخت إن قلنا بأبوّة من أخذت الخلية من جسده و إن لم نقل بأبوّة من أخذت الخلية من جسده فانحصر الأبّوة و الأمومة في صاحب البييضة ونطفة زوجها كما أنّه لو لم نقل بأبوّة و أمومة صاحب البييضة و نطفة زوجها بعد إخلاء نواة البييضة فانحصرت الأبوّة أو الأمومة في من أخذت الخلية منه و قد مضى أنّ بعض الأعاظم رجّح الأخير و لابأس به لو لم نقل بأنّ المأخوذ من جسد الغير صار جزءاً للبييضة الملقّحة عرفاً و بعد ذلك لايترتّب عليه إلاّ ما ترتّب على البييضة الملقّحة اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ العرف بعد العلم بما ذكره الأخصّاء لايحكم بجزئيّة المأخوذ للبييضة الملقّحة فتأمّل.

مسألة 4: هل يجوز أن يؤخذ نواة الخلية من جلد الحيوان و توضع في بييضته امرأة

هل يجوز أن يؤخذ نواة الخلية من جلد الحيوان و توضع في بييضة امرأة أو لايجوز قيل بالثاني قائلاً بأنّ ذلك موجب للنقص أو تشويه منظر المولود.

و يمكن أن يقال على تقدير لزوم ذلك لادليل على أنّه موجب للحرمة بل مقتضى الأصل هو الجواز و دعوى أنّ النقص ضرر و هو حرام ممنوعة لأنّ الضرر هو إيراد النقص على ماهو يكون كاملاً بالفعل و هو لايصدق في المقام لأنّ النطفة لها قابليّة الكمال لافعليّة الكمال و لادليل على حرمة الممانعة عن صيرورة مابالقّوة فعليّاً فتدبر.

مسألة 5: هل يرث اللقيح الذى وضع في رحم امرأة بعد موت المأخوذ منه

هل يرث اللقيح الذي وضع في رحم امرأة بعد موت المأخوذ منه الخلية منه أو لايرث منه قيل بالثاني و استدل له بأنّ مقتضى القواعد أن لايرث الميّت إلاّ من كان مصداقاً للعناوين النسبية الموجبة للإرث بعد موت المورّث و الأدلّة الخاصّة من الأخبار إنّما دلّت على إرث خصوص من كان في رحم الزوجة حين موت المورّث و هو لايشمل مانحن فيه ممّا كان المفروض انفصال اللقيح عند موت الأب عن الأرحام كلّها فلاتدلّ الروايات الخاصّة على إرثه و قد عرفت أنّ القواعد لاتقتضيه فاللازم أن لانقول بإرثه منه.

يمكن أن يقال لاأظنّ أن يلتزم أحد بكون الولد محروماً عن الإرث و عليه فلايبعد أن يقال إنّ قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ‌) قضية حقيقيّة و يشمل بعمومه مثل المقام ممّا يصدق عليه الولد و إن لم يتولّد حين موت من أخذت الخلية أو النطفة منه و دعوى تقييد الآية المباركة المذكورة و غيرها من آيات الإرث بمن تولد من أمّه و جاء إلى الدنيا حين موت الأب مندفعة بإمكان أن يقال إنّ الغلبة الخارجيّة و إن كانت كذلك ولكن لاتوجب تقييد إطلاق الآيات لاسيّما مع ورود الروايات الدالّة على أنّ الحمل يرث بشرط أن يتولّد حيّاً مع أنّه حال موت أبيه لايكون متولّداً و اكتفى بتولّده بعد موت أبيه و عليه فيمكن أن يكون المعيار هو موت الأب و تولّد الولد و إن كان التولّد مع الانفصال و دعوى أنّ الولد ظاهر في المتولّد لاماسيولد أوّل الكلام لأنّ المراد منه الأعمّ لو كان القضيّة بنحو القضيّة الحقيقيّة هذا مع أنّ المراد من الولد هو الابن و البنت و لاخصوصيّة للولد و هما ممّا لاشكّ في صدقه ولو مع الانفصال و ترتّب أحكامه من جواز النظر و حرمة النكاح فتأمّل.

مسألة 6: هل يجوز اخذ نواة الخلية من جلد امرأة و وضعها فى بييضة امرأة أخرى

هل يجوز أخذ نواة الخلية من جلد امرأة و وضعها في بييضة امرأة أخرى أم لايجوز؟

يمكن القول بالثاني بدعوى أنّ رحم المرأة الأخرى أجنبية بالنسبة إلى المرأة التي أخذت الخلية منها هذا بناء على حرمة التصرّف في رحم الأخرى و لو بمثل الاستيلاد و أمّا إذا قلنا بانصراف الأدلّة عن مثل الاستيلاد فلاإشكال فيه ثمّ في أمومة المأخوذة منها الخلية أو الموضوعة فيها الخلية خلاف سابق فراجع.

الأمر السادس: هل يجوز خلق المشابه في الحيوانات

اشارة

أنّه هل يجوز خلق المشابه في الحيوانات أو لايجوز يمكن القول بالجواز إذ لادليل على الحرمة في نفسه و الاستدلال على الحرمة بكون الحيوان المأكول اللحم الذي خلق كذلك يصير اكله مضراً محل إشكال لأنّه مع فرض تسليم ذلك أجنبي عن حكم نفس خلق المشابه لأنّ الكلام في خلق المشابة في نفسه و أمّا بلحاظ العوارض فقد يكون ذلك مفيداً كما قد يكون مضرّاً فاللازم هو ملاحظة كلّ مورد بخصوصه في الحكم بالجواز و عدمه و هكذا لايتمّ الاستدلال على الحرمة بأنّ ذلك ربما يوجب إيذاء للحيوان إذ مع فرض تسليم ذلك أجنبي عن حكم نفس خلق المشابه و ممّا ذكرناه في خلق المشابه في الحيوانات يظهر حكم خلق المشابه في النباتات أيضاً فإنّه لامانع من جوازه كما لايخفى.

هنا مسائل:

مسألة 1: لابأس بخلق المشابه فى الجين للبن المرأة

إنّه لابأس بخلق المشابه في الجين (ژن) للبن المرأة و إدخاله في خلية الضئان حتّى يحصل منه لبن يشبه بلبن المرأة فنفس ذلك جائز و الاستفادة منه

لامانع منه مالم يترتّب عليه ضرر أو فساد.

مسألة 2: هل يجوز توليد لحوم من الحيوانات مع تركيبها مع الجين

هل يجوز توليد لحوم من الحيوانات مع تركيبها مع الجين (ژن) للانسان أو لغيره حتّى يكون له طعم خاص أو لايجوز و الظاهر هو الجواز و لادليل على الحرمة و أخذ الجين من الإنسان لاحرمة فيه اللّهمّ إلاّ أن يقال أنّ أخذ الجين و الاستفادة منه بالنحو المذكور في حكم الاستفادة من الأجزاء المبانة فإن قلنا بحرمة مطلق الاستفادة من الأجزاء المبانة فالاستفادة المذكورة لايجوز ولكن عرفت أنّ أدلّة الحرمة منصرفه عن مثل ذلك.

لايقال إنّ الاستفادة المذكورة و إن لم تكن محرمة إلاّ أنّ أكل هذه الأجزاء محرّم لأنّا نقول لو سلّمنا ذلك و لم يكن الأدلّة الدالّة على حرمة أكل الأجزاء المبانة منصرفة عن مثل الجين إنّما ذلك فيما إذا لم يصر جزءاً لمأكول اللحم و إلاّ جاز أكلها كما لايخفى.

فتحصّل أنّ جواز خلق المشابه و الاستنساخ البشرى إن كان موجباً لإتلاف النطفة المتعلّقة على جدار الرحم او النطفة الملقحة المستعدة للانسانية و لو لم تكن متعلقة على جدار الرحم محلّ تأمّل بل منع للنهي عن إتلافها في الأخبار المتعدّدة، مع التعليل بأنّ أوّل ما يخلق نطفة و أمّا سائر أنواع خلق المشابه حتّى الاستتئامى منه فلاإشكال فيه.

هذا بالنسبة إلى الحكم التكليفي و أمّا الأحكام الوضعيّة فقد مرّ بيانها بالتفصيل و الله هو الهادي.

الفهرس

(1) المسألة العاشرة: التشريح... 7

(2) المقام الأوّل: في تشريح أجساد الكفّار... 7

(3) المقام الثاني: في تشريح أجساد المسلمين و المؤمنين... 11

(4) موارد مستثناة من حرمة التشريح

(5) المورد الأوّل: اذا توقّف حفظ حياة المسلم على تشريح جسد ميت مسلم آخر... 14

(6) المورد الثاني: اذا توقّف غرض اهم من حرمة الميت المسلم على التشريح و التقطيع... 16

(7) المورد الثالث: اذا كانت مصلحة التقطيع أو الكسر عائدة إلى الميّت... 19

(8) المورد الرابع: اذا أوصى مسلم بتشريح جسده بعد الموت لترقيع بدن المحتاجين... 20

(9) المورد الخامس: اذا شكّ فى بدن أنّه لمسلم أو كافر غير ذمى أو معاهد... 22

(10) المورد السادس: هل يكون الجنين الميّت المسلم بحكم من مات من الأحياء؟... 25

(11) المورد السابع: لو بلع احد مالاً لغيره... مع بقاء عينه فى بطنه و موته هل يجوز شق بطنه‌؟... 26

(12) المورد الثامن: لو بلع مالاً لنفسه هل يجوز ان يشق بطنه بعد الموت‌؟... 28

(13) تنبيهات

(14) التنبيه الأوّل: الظاهر أنّ لجسد الميت المسلم دية كدية جنين المسلم قبل ولوج الروح... 29

(15) التنبيه الثاني: لايجوز نظر الرجل الى المرأة و بالعكس فى موارد جواز التشريح... 32

(16) التنبيه الثالث: اللازم فى موارد جواز التشريح و نحوه الاكتفاء بالارفق فالارفق... 33

(17) التنبيه الرابع: تجب خياطة مواضع التشريح... 33

(18) التنبيه الخامس: حكم العضو من اعضاء المسلم كحكم جسده الكامل... 33

(19) التنبيه السادس: تغسيل الميت واجب و مقدم على التشريح... 34

(20) المسألة الحادية عشر: في تصفية الوقف الذريّ (النسلي)... 35

(21) المسألة الثانية عشر: التصوير... 39

(22) المقام الأوّل: فى حرمة عمل الصور المجسّمة... 40

(23) الطائفة الاُولى: الروايات الدالّة على أنّ المصوّر مكلّف يوم القيامه بنفخ الروح... 40

(24) الطائفة الثانية: الروايات الناهية عن التماثيل و التصاوير... 42

(25) الجواب:

(26) اوّلاً لاوجه لاستبعاد العذاب الشديد لمثل التصوير و التماثيل... 47

(27) ثانياً: انّ دعوى ظهور أخبار المطلقة في الأصنام أو انصرافها اليها لاشاهد لها... 48

(28) ثالثاً: انّ حكمة تشريع حرمة عمل الصور هى التشبّه بالخالق... 49

(29) رابعاً: انّ التحقير و الإهانة لايدّلان على انّ تلك التماثيل... 49

(30) خامساً: انّه لو سلّمنا انصراف هذه الطائفة إلى عمل الأصنام فلاوجه لرفع اليد عن الطائفة الاولى... 50

(31) الطائفة الثالثة: الروايات الدالّة على انّ الائمة عليهم السلام كرهوا الصور... 50

(32) المقام الثاني: فى حكم رسم ذوات الارواح من دون تجسيم... 53

(33) فروع:

(34) الأوّل: هل يكون عمل المجسمه و لو كانت غير كاملة محرّماً أو لا؟... 62

(35) الثاني: المحرّم فى تصوير الحيوان و تمثيله هل هو تصوير الاجزاء أو...... 64

(36) الثالث: لو اشترك اثنان أو أكثر فى عمل صورة...... 66

(37) الرابع: هل تعتبر فى حرمة تصوير الصورة مباشرة الفاعل بيده...... 71

(38) الخامس: هل يجوز تصوير خصوص عظام الانسان تصويراً كاملاً أم لا؟... 76

(39) السادس: هل تلحق صورة الجن و الشيطان و الملك بالصورة الحيوانية أم لا؟... 77

(40) السابع: لو دعت الحاجة الى عمل شىء يكون شبيها بشىء من خلق الله و لو كان حيواناً..... 80

(41) الثامن: لايحرم التصوير على غير البالغ لرفع التكليف عنه...... 82

(42) التاسع: الرسم على الكرة و نحوها بصورة الحيوان لايحرم... 83

(43) العاشر: اخذ الاجرة على التصوير المحرّم غير جائز... 83

(44) المقام الثالث: فى اقتناء الصور المحرّمه... 85

(45) أدلّة حرمة الاقتناء... 85

(46) أدلّة جواز الاقتناء... 98

(47) المسألة الثالثة عشر: التطفيف... 109

(48) المراد بالتطفيف... 109

(49) موارد تحقق التطفيف و البخس... 110

(50) العنوان المأخوذ في الحرمة... 111

(51) حرمة التطفيف و البخس... 111

(52) حكم المعاملة من ناحية الصحة والفساد... 114

(53) عدم اختصاص الحكم بالبيع و الأعيان... 118

(54) المسألة الرابعة عشر: تغيير الجنسيّة... 119

(55) فروع:

(56) الفرع الأوّل: هل يجوز تغيير الجنسية من دون استئذان زوجها؟... /// 121

(57) الفرع الثاني: هل يجوز للعبيد و الاماء أن يغيّرواجنسيّتهم من دون اذن مواليهم‌؟... 124

(58) الفرع الثالث: هل يجوز تغيير الجنسية للأجير في مدّة اجارة نفسه للغير..... 124

(59) الفرع الرابع: بطلان التزويج من حين تغيير جنسيّة الزوجة... 125

(60) الفرع الخامس: اذا بطل النكاح بتغيير جنسية هل يجب على الزوج كل المهر مطلقاً..... 127

(61) الفرع السادس: تغيير جنس المرأة في زمان عدّتها... 135

(62) الفرع السابع: تغيير جنس الرجل الولى الى المخالف... 135

(63) الفرع الثامن: لاتتغيّر عناوين النسبيّه بتغيير الجنسيّة... 139

(64) الفرع التاسع: حكم حرمة النكاح و جواز النظر فى غير الابوين لايتغيّر بتغيير الجنسيّة... 144

(65) الفرع العاشر: لو تغيّر جنس الأمّ و صارت رجلاً هل يجوز له نكاح بناته‌؟... 145

(66) الفرع الحادي عشر: اذا تغيّر جنس الأب فصار امرأة فزواجها مع ابنائها محرّم بالضرورة... 146

(67) الفرع الثاني عشر: لو تغيّر جنس الأم فصارت رجلاً فهل تكون بعد الرجوليه كالأب...... 148

(68) الفرع الثالث عشر: اذا تغيّر جنسيّة حليلة الابن فصارت رجلاً...... /// 150

(69) الفرع الرابع عشر: اذا تغيّرت جنسية الزوج و صار امرأة ارتفعت علقة الزوجية...... 152

(70) المسألة الخامسة عشر: التلقيح... 155

(71) الصورة الاُولى: اذا ألقى مني الزوج بوسيلة ما في رحم زوجته... /// 155

(72) الصورة الثانية: اذا كان التلقيح بماء غير الزوج هل يجوز ذلك ام لا؟... 156

(73) الصورة الثالثة: أن يؤخذ المنى أو البييضة من النباتات...... /// 178

(74) الصورة الرابعة: أن يؤخذ مني الزوج و بييضته الزوجة و يركّبان في خارج الرحم ثم يزرع في رحم الزوجة... 179

(75) الصورة الخامسة: أن يؤخذ منى الزوج و الزوجة و يركّبان في خارج الرحم ثم يزرع في رحم صناعية... 180

(76) الصورة السادسة: أن يؤخذ ماء رجل معلوم و بييضة امرأة معلومة من دون ان يكون بينهما علقة الزوجية...... 180

(77) المسألة السادسة عشر: التنجيم و علم النجوم... 183

(78) حكم التنجيم:

(79) 1 - الإخبار عن الأوضاع الفلكية المبتنية على سير الكواكب... 183

(80) الأدلّة المجوّزة... 184

(81) الأدلّة المانعة... 188

(82) 2 - الإخبار عمّا يقع في المستقبل استناداً إلى الأوضاع الفلكية مع عدم اعتقاد تأثيرها... 192

(83) 3 - الإخبار عن الحوادث و الحكم بها مع الاعتقاد بحياة الأفلاك... 195

(84) 4 - الإخبار مع عدم الاعتقاد بحياة الأفلاك... 197

(85) 5 - الإخبار مع الاعتقاد بما يتنافى مع الإيمان بالله تعالى و وحدانيته... 200

(86) فروع:

(87) الأوّل: هل يجوز تصديق المنجّم وترتيب الأثر على قوله...... 208

(88) الثاني: هل يجوز تعلّم علم النجوم و تعليمه أم لا؟... 212

(89) الثالث: هل يكون الكلام في الرمل و الفأل و غيرهما كذلك أم لا؟... 214

(90) المسألة السابعة عشر: في حرمة حفظ كتب الضلال... 215

(91) الجهة الاُولى: في نقل كلمات الأصحاب... 215

(92) الجهة الثانية: في تبيين الموضوع للبحث... 219

(93) الجهة الثالثة: في الأدلّة... 226

(94) الجهة الرابعة: في اعتبار ترتب الفساد عليه و عدمه... 246

(95) الجهة الخامسة: في جواز الحفظ عند وجود مصلحة و عدمه... 247

(96) الجهة السادسة: في بطلان المعاملة و عدمه... 249

(97) الجهة السابعة: هل يجب اتلاف كتب الضالة أوْ لايجب... 250

(98) الجهة الثامنة: في وجوب النهى عن ابقاء كتاب الضلال او نشره... /// 252

(99) الجهة التاسعة: هل يجوز الاشتراك فى الاتصالات المخابرية الحديثة... 253

(100) الجهة العاشرة: يجب على الحكومة أن تقابل مع البر نامج المضرّة...... 253

(101) الجهة الحادية عشر: طرح الافكار المضرّة في مجالس العام او في الراديو و التلفزيون... غير جائز... 253

(102) الجهة الثانية عشر: في تبدل عنوان الضلال... 254

(103) المسألة الثامنة عشر: حق التأليف... 255

(104) المقام الأوّل: ان العمل العلمى و الابتكار الفكرى... ملك العامل... 255

(105) المقام الثاني: هذه الانتاجات بعد وضوح كونها ملكاً لصاحبها... يقع السؤال عن ماليتها... 256

(106) المقام الثالث: انّ التوليد الفكرى... عمل للنفس و الروح... 258

(107) المقام الرابع: انّ المولّد للفكر و الادب... كان مالكا لما يحتويه... 258

(108) المقام الخامس: اذا لم يشترط المؤلف شيئاً فهل له حق التأليف‌؟... 260

(109) تنبيهات:

(110) التنبيه الأوّل: يجوز للمؤلف أن يتنازل عن حقه فى قبال عوض او بدونه... 274

(111) التنبيه الثاني: فى عقد النشر... 277

(112) التنبيه الثالث: لاخلاف بين من أثبت الحق للمؤلف في ثبوت ذلك الحق في زمان حياته الاّ انهم اختلفوا في مدة استمراره بعد الفوت... 277

(113) التنبيه الرابع: مجرّد تملّك النسخة الأصلية لايستتبع نقل حق المؤلف الى المتملّك... 279

(114) التنبيه الخامس: حق المؤلف بعد ثبوته يكون حقاً مالياً... 280

(115) التنبيه السادس: حق المؤلف و نحوه مركب من حق مالى و معنوى... 281

(116) التنبيه السابع: في حكم ما اذا وضع الورثة اسم مؤلف اخر بجوار اسم مورثهم... 282

(117) التنبيه الثامن: لو شرط المؤلف و نحوه في ضمن معاملة نسخة تأليفه مع الناشر ان يكون له كذا و كذا... 283

(118) التنبيه التاسع: اذا اختلف العرف بحسب اختلاف الأمكنة... 284

(119) التنبيه العاشر: كلّما نقول بالنسبة الى الكتب من جهة اختصاص حق تكثيرها يجرى في غيرها من الافلام و نحوها... 285

(120) التنبيه الحادي عشر: لااشكال في جواز تغيير المؤلف تأليفه... 286

(121) التنبيه الثاني عشر: قديقال انّ الالتزام بحق التأليف والترجمة و نحوهما يوجب اعطاء كثير... 287

(122) التنبيه الثالث عشر: لو كان تأليف كتاب و نحوه في زمان لايعتبر فيه حق التأليف ولكن بقى الى زمان الاعتبار... 289

(123) المسألة التاسعة عشر: حقّ السرقفليّة أو بدل الخُلُو... 291

(124) تصويرات فقهية لكونه من الحقوق... 291

(125) الصورة الاُولى: من السرقفليه هى ان يستأجر شخص عيناً من الموجر من دون اشتراط ان لايكون له حق إخراجه... 297

(126) الصورة الثانية: أن يستأجر المحلات التى توجر بلا سرقفلية ولكن اشترط...... 300

(127) الصورة الثالثة: ان يستأجر شخص محلاً للتجارة و اشترط في العقد ان يكون له حق البقاء... 300

(128) الصورة الرابعة: أن الاجارة لو وقعت بعد فرض صدور قانون منع المالك من اجبار المستأجر...... 303

(129) الصورة الخامسة: أن يأخذ المالك مبلغاً بعنوان القرض و اشترط فيه ان يكون للمستأجر...... 307

(130) الصورة السادسة: ان يقول المالك للمستأجر آجرتك المحل و شرطت عليك اعطاء القرض... 307

(131) الصورة السابعة: لو استأجر محلاً للتجارة في مدّة طويله و اشترط ان يكون له حق الايجار... 308

(132) الصورة الثامنة: يجوز للمستأجر قبل أن يقضى مدة الاجارة أن يأخذ من الموجر مبلغاً... 309

(133) الصورة التاسعة: ان المستأجر للدكان أو الدار يجوز له أن يوجرهما في مدة الاجاره...... 309

(134) الصورة العاشرة: ما افادها الامام (ره) من انّ ملاّك الاماكن احتالوا الأجل...... 311

(135) الصورة الحادية عشر: في شرط توكيل الايجار... 313

(136) المختار... 315

(137) تنبيهات:

(138) التنبيه الأوّل: فى استحقاق ارتفاع قيمة السرقفلية... 316

(139) التنبيه الثاني: في عدم جواز مطالبة بعض الورثة حصة من سائر الورثة... 317

(140) التنبيه الثالث: في عدم جواز اجارة حق السرقفلية... 317

(141) التنبيه الرابع: في حكم من سكن في محل من دون معاملة او اذن من صاحب السرقفلية... 318

(142) التنبيه الخامس: اذا اشترى حق السرقفلية من ارباح سنته فهل يجب عليه الخمس أو لا؟... 318

(143) التنبيه السادس: ان مجرد الوكالة في الابجار عن المالك لايوجب حقاً له بالنسبة الى المالك... 319

(144) التنبيه السابع: في حكم ازدياد اجرة المحل من ناحية المالك الجديد... 320

(145) التنبيه الثامن: في حكم اسقاط المالك حق السرقفلية... 321

(146) التنبيه التاسع: في حكم ما اذا كان حق السرقفلى لشخص و الملك لآخر... 322

(147) التنبيه العاشر: في الفرق بين حق السرقفلية و حق الكسب و الاشتغال بالتجارة... 323

(148) التنبيه الحادي عشر: في ان معاملة المستاجر مع المالك في حق السرقفلية لازمة... 325

(149) المسألة العشرون: في الحلق... 327

(150) الجهة الاوُلى: في حرمة حلق اللحية... 327

(151) الجهة الثانيه: استدل لحرمة حلق اللحية بامور... 329

(152) الأوّل: الآيات... 329

(153) الثاني: الروايات:... 333

(154) منها: ما دلّ على اعفاء اللحى و حفّ الشوارب... 333

(155) منها: ما دلّ على أنّ حلق الحية يكون من المثلة... 339

(156) منها: ما دلّ على عدم جواز السلوك مسلك اعداء الدين... 342

(157) منها: ما اُمر فيه بترك الحلق... 344

(158) و منها: مادلّ على أنّ الحلق من أعمال قوم لوط... 345

(159) الثالث: السيرة القطعية من المتشرّعة... 348

(160) الجهة الثالثة: في موضوع الحرمة... 350

(161) الجهة الرابعة: في مقدار اللحية... 351

(162) الجهة الخامسة: في حكم أخذ الشوارب... 352

(163) الجهة السادسة: في حلق الرأس، يدل على استحبابه روايات يستثنى من استحباب حلق الرأس موارد... 356

(164) المسألة الاحدى و العشرون: في خلق المشابه أو الاستنساخ... 365

(165) الأمر الأوّل: أنّ خلق المشابه و التكاثر على انواع... 365

(166) الأمر الثاني: جواز خلق المشابه و الاستنساخ في نفسه بانواعه المذكورة و عدم جوازه... 367

(167) الأمر الثالث: في الأحكام المترتبة على الاستنساخ العضوى... 381

(168) المسألة الأولى: لااشكال في أنّ الأجزاء المبانة من الانسان الحىّ محكومة بحكم الحىّ‌... 382

(169) المسألة الثانية: انّ الخلية المأخوذة من الجسد اذا نمت و كبرت هل يترتب عليها احكام اعضاء صاحبها... 384

(170) المسألة الثالثة: اخراج خلية من جسد الغير لايجوز بدون اذن صاحبها... 384

(171) المسألة الرابعة: اذا قلنا بجواز النظر إلى الأعضاء المتجددّة و لمسها كان ذلك باقيا ما لم تصر اجزاء لبدن اللإنسان الاخر... 385

(172) المسألة الخامسة: انّ الظاهر من الاخبار أنّ الأجزاء المبانة من الحي محكومة بحكم الميته... 385

(173) المسألة السادسة: لا مانع من أخذ العوض في مقابل رفع اليد عن الخلية... 387

(174) الأمر الرابع: في احكام التكاثر الاستتئامى... 388

(175) المسألة الأولى: الخلايا المخرجة من رحم الزوجة و اعادتها بعد موت زوجها هل تكون محكومة بحكم الحمل... 389

(176) المسألة الثانية: هل يجوز القاء الخلية المخرجة من رحم الزوجة في رحمها بعد موت زوجها... 391

(177) المسألة الثالثة: هل يحوز وضع الجنسيّة بعد اللقاح و اخراجها من رحم الزوجة فى رحم الاجنبية... 398

(178) المسألة الرابعة: إذا وضعت الخلية الجنسيّة بعد اللقاح و انفصالها عن سائر الخلايا في رحم امرأة اخرى من دون دخالة لها و لزوجها... 400

(179) المسألة الخامسة: هل يجوز وضع الخلية في رحم الاجنبية من غير طريق الفرج...... 403

(180) المسألة السادسة: هل يجوز استيجار رحم المرأة أو لايجوز... 405

(181) الأمر الخامس: في احكام الاستنساخ البشري و هو على أقسام:... 405

(182) هنا مسائل:

(183) مسألة 1: إذا أخذت خلية جسد الرجل و وضعت في بييضة زوجته...... 408

(184) مسألة 2: هل يجب اجراء عقد الزوجية بين الرجل و المرأة اذا ارادا عملية خلق المشابه... 409

(185) مسألة 3: هل يجوز اخذ الخلية من جسد الولد و وضعها فى بييضتة امه...... 409

(186) مسألة 4: هل يجوز أن يؤخذ نواة الخلية من جلد الحيوان و توضع في بييضته امرأة... 410

(187) مسألة 5: هل يرث اللقيح الذى وضع في رحم امرأة بعد موت المأخوذ منه...... 411

(188) مسألة 6: هل يجوز اخذ نواة الخلية من جلد امرأة و وضعها فى بييضة امرأة أخرى... 412

(189) الأمر السادس: هل يجوز خلق المشابه في الحيوانات... 412

(190) هنا مسائل:

(191) مسألة 1: لابأس بخلق المشابه فى الجين للبن المرأة... 412

(192) مسألة 2: هل يجوز توليد لحوم من الحيوانات مع تركيبها مع الجين... 413