ghaemiyeh.com
عنوان و نام پديدآور : الصحیح من سیره النبی الاعظم(ص)/ جعفرمرتضی العاملی
مشخصات نشر : سحرگاهان، ۱۴۱۹ق. = ۱۳۷۷.
مشخصات ظاهری : ج 35
شابک : ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل)
وضعیت فهرست نویسی : فیپا
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر در سالهای مختلف توسط ناشرین مختلف منتشر گردیده است.
يادداشت : افست از روی چاپ بیروت: دار السیره
يادداشت : جلد دهم: الفهارس
یادداشت : کتابنامه
موضوع : محمد (ص)، پیامبر اسلام، ۵۳ قبل از هجرت - ۱۱ق. -- سرگذشتنامه
موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.
رده بندی کنگره : BP۲۲/۹/ع۲ص۳ ۱۳۷۷
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۹۳
شماره کتابشناسی ملی : م۷۷-۱۵۹۲۹
محرر الرقمي: میثم حیدری
بسم الله الرحمن الرحیم
الصحيح من سيرة النبي الأعظم
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر
سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش
الجزء الخامس و العشرون
الفصل الأول: أوطاس في الحديث و التاريط
الفصل الثاني: حصار الطائف
الفصل الثالث: المنجنيق في الطائف
الفصل الرابع: من أحداث أيام الحصار
الفصل الخامس: نهايات حرب الطائف
الفصل السادس: حقائق تجاهلوها
بسم اللّه الرحمن الرحيم و الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و اللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين. .
و بعد. .
نتابع فيه حديثنا عن هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الإسلام، و التي انتهت بسقوط عنفوان الشرك، في المنطقة بأسرها. . لتكون الهيمنة المطلقة للإسلام و للمسلمين، باعتراف صريح من رموز الشرك، و عتاته، و فراعنته، و جباريه.
و تتمثل نهايات هذه المرحلة بحسم الأمر بالنسبة لقبيلة هوازن في حنين و أوطاس. . و سقوط ثقيف و خثعم في الطائف. .
ثم تبع هذه المرحلة تداعيات طبيعية، تمثلت بانثيال و فود قبائل العرب على المدينة، ليعلنوا ولاءهم، و تأييدهم، و قبولهم بالإسلام دينا، و اعترافهم بمحمد نبيا. .
و الذي يعنينا الحديث عنه في هذا الباب و فصوله هو عرض ما جرى في حنين، و أوطاس، و الطائف. .
و أما الحديث عن الوفود، و عن سائر الأحداث الهامة، فنأمل أن نوفق للتعرض له فيما سوى ذلك من أبواب إن شاء اللّه تعالى. .
فنقول. . و نتوكل على خير مأمول و مسؤول:
تتدرج رواياتهم في تضخيم الأمور، فتراها على النحو التالي:
1-قالوا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» بعث أبا عامر و جماعة معه في أثر فرّار هوازن يوم حنين، فأدرك بعض المنهزمين فناوشوه القتال، فرمي أبو عامر بسهم فقتل، فأخذ الراية أبو موسى، ففتح اللّه عليه، و هزمهم اللّه (1).
2-و قالوا: إن هوازن لما انهزمت يوم حنين ذهبت فرقة منهما فيهما رئيسهم مالك بن عوف النصري، فلجأت إلى الطائف، فتحصنت.
و فرقة أخرى عسكرت بمكان يقال له: أوطاس، فبعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى هذه سرية، و أمّر عليهم أبا عامر الأشعري.
ثم سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه الكريمة إلى الطائف فحاصرها.
قال أبو موسى الأشعري: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبا عامر الأشعري على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد،
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 107 و راجع: المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 181 و أسد الغابة ج 5 ص 238 و تاريخ الإسلام لذهبي ج 2 ص 589 و البداية و النهاية ج 4 ص 387 و السيرة النبوية لابن هاشم ج 4 ص 902 و عيون الأثر ج 2 ص 219 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 641.
و هزم اللّه تعالى أصحابه (1).
3-و زعموا أيضا: أن أبا عامر بارز تسعة فرسان يقال: إنهم إخوة، فقتلهم واحدا بعد واحد، بعد أن كان يدعوهم إلى الإسلام. ثم برز أخوهم العاشر فقتل أبا عامر (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 206 عن الجماعة، و ابن إسحاق، و ابن هشام، و الواقدي و ابن سعد، و راجع: المجموع للنووي ج 19 ص 298 و نيل الأوطار ج 8 ص 73 و صحيح البخاري ج 5 ص 101 و صحيح مسلم ج 7 ص 170 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 335 و فتح الباري ج 8 ص 34 و ج 9 ص 51 و 91 و عمدة القاري ج 17 ص 301 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 224 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 588 و البداية و النهاية ج 4 ص 388 و السيرة النبوية ج 3 ص 642 و مسند أبي يعلى ج 13 ص 299 و صحيح ابن حبان ج 16 ص 171 و 172 و الإستيعاب ج 4 ص 1704 و 1705 و كنز العمال ج 10 ص 566 و تاريخ مدينة دمشق ج 32 ص 37 و 38 و ج 38 ص 221 و أسد الغابة ج 5 ص 238 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 384 و 385 و الإصابة ج 7 ص 210 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 351 و ذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 58.
2) تاريخ الخميس ج 2 ص 107 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و السيرة الحلبية ج 3 ص 199 و (ط دار المعرفة) ص 214 و راجع: فتح الباري ج 8 ص 35 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 152 و ج 4 ص 357 و تاريخ مدينة دمشق ج 32 ص 26 و ج 38 ص 222 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 587 و البداية و النهاية ج 4 ص 387 و إمتاع الأسماع ج 9 ص 235 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 904 و عيون الأثر ج 2 ص 219 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 641 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 206 و 208.
4-و عن أبي موسى أيضا أنه قال: بعثني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع أبي عامر، قال سلمة بن الأكوع، و ابن هشام: لما نزلت هوازن عسكروا بأوطاس عسكرا عظيما، و قد تفرق منهم من تفرق، و قتل من قتل، و أسر من أسر، فانتهينا إلى عسكرهم، فإذا هم ممتنعون، فبرز رجل معلم يبحث للقتال، فبرز له أبو عامر فدعاه إلى الإسلام، و يقول: اللهم اشهد عليه.
فقال الرجل: اللهم لا تشهد علي.
فكف عنه أبو عامر، فأفلت، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه.
فكان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذا رآه يقول: «هذا شريد أبي عامر» (1).
و قال ابن هشام: و رمى أبا عامر أخوان: العلاء، و أوفى، ابنا الحارث، من بني جشم بن معاوية، فأصاب أحدهما قلبه، و الآخر ركبته فقتلاه (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 206 و تاريخ الخميس ج 2 ص 107 عن الإكتفاء، و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 904 و قاموس الرجال ج 11 ص 389 و البداية و النهاية ج 4 ص 387 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 642 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 214.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 206 و 208 و تاريخ الخميس ج 2 ص 108 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 904 و فتح الباري (المقدمة) ص 305 و الدرر لابن عبد البر ص 227 و السيرة الحلبية ج 3 ص 200 و (ط دار المعرفة) ص 215 و قاموس الرجال ج 11 ص 389 و البداية و النهاية ج 4 ص 387 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 642.
قال أبو موسى: رمي أبو عامر في ركبته، رماه جشمي (1).
و في حديث سلمة: أن العاشر ضرب أبا عامر فأثبته. قال سلمة: فاحتملناه و به رمق.
و قال أبو موسى: فانتهيت إلى أبي عامر، فقلت له: يا أبا عامر، من رماك؟
فأشار إلى أبي موسى، و قال: ذاكه قاتلي الذي رماني. (أي هو صاحب العصابة الصفراء) .
قال أبو موسى: فقصدت له فلحقته، فلما رآني ولىّ، فاتبعته، و جعلت أقول له: ألا تستحي، ألا تثبت؟
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 206 و تاريخ الخميس ج 2 ص 107 و عمدة القاري ج 17 ص 301 و البداية و النهاية لابن كثير ج 4 ص 388 و السير النبوية لابن كثير ج 3 ص 642 و راجع: صحيح البخاري ج 5 ص 101 و صحيح مسلم ج 7 ص 170 و فتح الباري (المقدمة) ص 305 و ج 8 ص 34 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 240 و مسند أبي يعلى ج 13 ص 299 و صحيح ابن حبان ج 16 ص 171 و الإستيعاب ج 4 ص 170 و كنز العمال ج 10 ص 566 و تاريخ مدينة دمشق ج 32 ص 37 و 38 و ج 38 ص 221 و أسد الغابة ج 5 ص 238 و الإصابة ج 7 ص 210 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 351 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 588.
فكفّ، فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته.
ثم قلت لأبي عامر: قتل اللّه صاحبك.
قال: فانزع هذا السهم فنزعته، فنزا منه الماء.
فقال: يا ابن أخي أقرئ النبي «صلى اللّه عليه و آله» السلام، و قل له: استغفر لي.
قال أبو موسى: و استخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرا ثم مات (1).
و في حديث سلمة: و أوصى أبو عامر إلى أبي موسى، و دفع إليه الراية و قال: ادفع فرسي و سلاحي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).
فقاتلهم أبو موسى حتى فتح اللّه تعالى عليه، و انهزم المشركون
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 206 و 207 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 107 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و السيرة الحلبية ج 3 ص 200 و صحيح البخاري ج 5 ص 102 و عمدة القاري ج 17 ص 301 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 240 و كنز العمال ج 10 ص 567 و تاريخ مدينة دمشق ج 32 ص 38 و ج 38 ص 221 و سير أعلام النبلاء للذهبي ج 2 ص 385 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 351 و تاريخ الإسلام ج 2 ص 588 و البداية و النهاية ج 4 ص 388 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 643.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 207 و السيرة الحلبية ج 3 ص 200 و (ط دار المعرفة) ص 215 و تاريخ مدينة دمشق ج 38 ص 222 و إمتاع الأسماع ج 9 ص 235.
بأوطاس، و ظفر المسلمون بالغنائم و السبايا، و قتل قاتل أبي عامر، و جاء بسلاحه و تركته و فرسه الى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قال: إن أبا عامر أمرني بذلك.
و في حديث أبي موسى: «فرجعت، فدخلت على النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بيته، و هو على سرير مرمل، و عليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره و جنبيه، فأخبرته بخبرنا و خبر أبي عامر، و قال: قل له: استغفر لي.
فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بماء فتوضأ، ثم رفع يديه فقال: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر» .
و رأيت بياض إبطيه، ثم قال: «اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس» .
فقلت: ولي، فاستغفر.
فقال: «اللهم اغفر لعبد اللّه بن قيس ذنبه، و أدخله يوم القيامة مدخلا كريما (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 207 و في هامشه عن: البخاري ج 4 ص 41 و مسلم ج 4 ص 1944(165-2498) و راجع: المجموع ج 3 ص 509 و صحيح البخاري ج 5 ص 102 و صحيح مسلم ج 7 ص 170 و 171 و فتح الباري ج 11 ص 116 و عمدة القاري ج 17 ص 301 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 241 و مسند أبي يعلى ج 13 ص 300 و صحيح ابن حبان ج 16 ص 172 و كنز العمال ج 10 ص 567 و ج 11 ص 736 و تاريخ مدينة دمشق ج 32 ص 37 و 39 و ج 38 ص 221 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 23 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 385 و ذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 58 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 142 و البداية و النهاية ج 4 ص 388 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 643 و الفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 510 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 107 و 108 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 112 و السيرة الحلبية ج 3 ص 200.
و نقول:
أوطاس: واد في ديار هوازن، و هو موضع قرب حنين إلى جهة الطائف. و كانت هوازن و ثقيف في بادئ الأمر قد عسكروا هناك، ثم التقوا هم و المسلمون بحنين-اسم جبل-فانهزمت هوازن و من معها، فصارت طائفة من المشركين إلى الطائف، و أخرى إلى نخيلة، و ثالثة إلى أوطاس (1).
و سرير مرمل: أي منسوج بحبل و نحوه، و هي حبال الحصر التي يضفر بها الأسرة.
! ! : قال أبو موسى الأشعري: لما هزم اللّه المشركين يوم حنين، بعث رسول
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 206 و تاريخ الخميس ج 2 ص 107 و معجم البلدان ج 1 ص 281 و راجع: سبل السلام ج 3 ص 209 و نيل الأوطار للشوكاني ج 7 ص 109 و فتح الباري ج 8 ص 34 و عمدة القاري ج 17 ص 301 و معجم ما استعجم ج 1 ص 212 و احصون المنيعة ص 59.
اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على خيل الطلب أبا عامر الأشعري، و أنا معه.
فقتل ابن دريد أبا عامر، فعدلت إليه فقتلته، و أخذت اللواء (1).
و نحن نشك في صحة أقوال أبي موسى.
فأولا: قد اختلفوا في قاتل أبي عامر. هل هو سلمة بن دريد؟ أو اشترك فيه رجلان أخوان، هما: العلاء، و أوفى، ابنا الحارث، من بني جشم؟ ! رماه أحدهما في قلبه، و الآخر في ركبته، فقتلاه (2).
ثانيا: هل قتل أبو موسى قاتل أبي عامر قبل أن يموت أبو عامر، كما تقدم في حديث سلمة؟ أو قتله بعد موت أبي عامر، كما دلت عليه الرواية المتقدمة و سواها؟
و هل قتل رجلا واحدا أم رجلين؟ !
إن الروايات قد اختلفت في ذلك، فلا شك في أن بعضها مكذوب، و يبقى البعض الآخر الذي لا بد من التأكد من صدقه أيضا. .
ثالثا: هل أخذ أبو موسى اللواء بمبادرة منه، بمجرد قتل ابن دريد،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 207 عن ابن عائذ، و الطبراني في الأوسط، و تاريخ الخميس ج 2 ص 107، و راجع: فتح الباري ج 8 ص 35 و عمدة القاري ج 17 ص 302 و راجع: مسند أحمد ج 4 ص 399 و مسند أبي يعلى ج 13 ص 188 و صحيح ابن حبان ج 16 ص 164 و المعجم الأوسط ج 7 ص 22 و الإستيعاب ج 4 ص 1705 و قاموس الرجال للتستري ج 11 ص 388 و تاريخ مدينة دمشق ج 64 ص 318.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 208 و 206 و تاريخ الخميس ج 2 ص 108 و السيرة الحلبية ج 3 ص 200 و راجع المصادر المتقدمة.
و ذلك بعد موت أبي عامر، كما صرحت به الرواية الآنفة الذكر، التي هي محل البحث؟ أو أن أبا عامر أوصى بدفع الراية إلى أبي موسى قبل موته، و قال له: ادفع فرسي و سلاحي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! الخ. .
رابعا: تقدم أنهم زعموا: أن أبا عامر قد لقي عشر إخوة، فقتلهم واحدا بعد واحد، حتى كان العاشر، فحمل عليه أبو عامر، و هو يدعوه إلى الإسلام، و يقول: اللهم اشهد عليه.
فقال الرجل: اللهم لا تشهد علي.
فكف عنه أبو عامر، ظنا منه أنه قد أسلم، فقتله العاشر ثم أسلم بعد.
ثم ذكروا أيضا: أن نفس هذا العاشر قد عاد إلى أبي عامر فقتله. ثم بقي هذا القاتل حيا، و قد أسلم بعد، فحسن إسلامه، فكان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يسميه: «شهيد أبي عامر» (1)، أو «شريد أبي عامر» (2).
فما معنى قولهم: إن أخوين قتلاه؟ ! و إن أبا موسى قد قتل قاتله؟ !
و إن كان الصالحي الشامي قد شكك بهذه الرواية التي تقول: إن الأخ العاشر قد قتل أبا عامر، زاعما: أنها من قول ابن هشام لا من قول ابن إسحاق. و أن ما نقله عن ابن إسحاق ليس في رواية البكائي و. . و. .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 207 و 208 عن ابن هشام، و عن القطب، و تاريخ الخميس ج 2 ص 107 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و السيرة الحلبية ج 3 ص 199 و فتح الباري ج 8 ص 35.
2) و البداية و النهاية ج 4 ص 387 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 904 و السيرة النبوية لاين كثير ج 3 ص 642 سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 206 و قاموس الرجال ج 11 ص 389 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 214.
الخ. . (1).
غير أننا نقول:
إن عدم وجودها في رواية البكائي لا يعني أنها لا توجد في رواية غيره.
و جزم ابن سعد، و الواقدي: بأن العاشر لم يسلم، لا يدفع الشك الذي أو جدته الرواية التي تقول: إنه قد أسلم، و إنه لم يقتل (2).
قد تقدم: أن أبا موسى قال: «و استخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرا ثم مات» (3).
و في حديث سلمة ابن الأكوع: «و دفع إليه الراية» (4).
غير أن ذلك أيضا موضع شك، فإن ابن هشام قال: «و ولى الناس أبا موسى» (5).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 208.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 208 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 358 و تاريخ مدينة دمشق ج 32 ص 26 و 27 و ج 38 ص 223 و إمتاع الأسماع ج 9 ص 235 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 215.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 207 و راجع المصادر المتقدمة.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 207 و 208 عن ابن سعد و راجع المصادر المتقدمة.
5) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 208 عن ابن هشام، و السيرة الحلبية ج 3 ص 200 و (ط دار المعرفة) ص 215 و تاريخ الخميس ج 2 ص 108 و البداية و النهاية ج 4 ص 387 و قاموس الرجال ج 11 ص 389 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 904 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 642.
و نحن لا ننكر أن يكون أبو عامر قد قتل بعض المشركين، كما أننا لا نريد أن نشكك في أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد كلفه بمهمة من نوع ما في حرب حنين. . غير أننا نقول:
إنه يظهر لنا: أن ثمة تضخيما للأمور أخرج قضية أبي عامر عن سياقها الطبيعي، و لعل سبب هذا التضخيم هو إرادة منح أبي موسى الذي خان اللّه و رسوله في التحكيم في صفين نصيبا كان يرغب في الحصول عليه. .
و لعل الذي حصل هو: أن من طبيعة الحروب أن تكون هناك بعض المجموعات التي تتولى ملاحقة المهزومين، لتفريق شملهم، و تشتيتهم، لمنعهم من التجمع مرة أخرى، ثم العودة لمباغتة الجيش المنتصر، و إلحاق الأذى به.
و هذا بالذات هو ما حصل فعلا، فقد تقدم قول أبي موسى: «لما هزم اللّه المشركين يوم حنين، بعث «صلى اللّه عليه و آله» على خيل الطلب أبا عامر الأشعري، و أنا معه الخ. .» (1).
و يشير إلى ذلك أيضا قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» بعث أبا عامر «في
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 207 عن ابن عائذ، و الطبراني في الأوسط، و تاريخ الخميس ج 2 ص 107، و راجع: فتح الباري ج 8 ص 35 و عمدة القاري ج 17 ص 302 و راجع: مسند أحمد ج 4 ص 399 و مسند أبي يعلى ج 13 ص 188 و صحيح ابن حبان ج 16 ص 164 و المعجم الأوسط ج 7 ص 22 و الإستيعاب ج 4 ص 1705 و قاموس الرجال للتستري ج 11 ص 388 و تاريخ مدينة دمشق ج 64 ص 318.
آثار فرّار هوازن، فأدرك بعض المنهزمين فناوشوه القتال الخ. .» (1). فلما ذا إذن يضخمون الأمور، فيقولون: لما نزلت هوازن عسكروا بأوطاس عسكرا عظيما. .
إلى أن قال: فانتهينا إلى عسكرهم، فإذا هم ممتنعون.
ثم تذكر الرواية: حديث المبارزة بين أبي عامر و عشرة إخوة من المشركين. . فإن قولهم: إنهم كانوا قد أنشأوا معسكرا هناك بعد هزيمتهم، لا يصح، لأن من تقع عليهم الهزيمة، و تكون الخيل في أثرهم، لا تكون لديهم فرصة لإنشاء عسكر عظيم، ثم الإمتناع فيه.
على أن هذا القائل لم يذكر لنا بأي شيء كانوا ممتنعين. إلا إن كان مقصوده بالإمتناع: أنهم متيقظون حذرون، لا أكثر. .
و إن كان المراد: أن معسكر هوازن الذي أنشأوه قبل الهزيمة، و قد قتل منه من قتل، و سبي فيه من سبي، و تفرق من تفرق، و بقيت بقية منه قد امتنعت في مواضعها، و معسكرها.
فذلك أيضا لا يصح، لأن المفروض: أن أبا عامر قد لحق بهم بعد هزيمتهم، و كان يطاردهم على الخيل، فهم لم يبقوا في مواضعهم، ليعسكروا و يمتنعوا. .
و أما ما ذكر في النص السابق: من أن أبا عامر قد لقي دريد بن الصمة،
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 107 و راجع: فتح الباري ج 8 ص 34 و أسد الغابة ج 5 ص 238 و البداية و النهاية ج 4 ص 387 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 902 و عيون الأثر ج 2 ص 219 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 641.
فقتل دريد، و هزم اللّه تعالى أصحابه (1).
فهو أيضا: غير دقيق، فإن دريد بن الصمة كان أعمى، و كان طاعنا في السن، و كان محمولا في شجار له، و لم يرض بأن يوكل إليه أمر القيادة في ذلك الجيش، لا عليه كله، و لا على بعضه. . و لم يكن معه جماعة يقاتل بهم، أو معهم.
بل تقدم: أن أحد المقاتلين لقيه دريد بن الصمة-و اسمه قنيع-فقتله، و كان قد ظن في بادئ الأمر أنه امرأة (2).
و عن الرواية التي تزعم: أن أبا عامر قد بارز عشرة من الرجال كلهم إخوة، فقتل تسعة منهم، ثم خدعه العاشر، و أفلت منه، ثم عاد ذلك الذي
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 206.
2) راجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 72 و شرح الأخبار ج 1 ص 314 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 92 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 224 و الإستيعاب ج 2 ص 491 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 73 و الأنساب للسمعاني ج 4 ص 185 و كتاب المحبر ص 298 و تاريخ مدينة دمشق ج 17 ص 238 و 242 و أسد الغابة ج 2 ص 167 و الإصابة ج 2 ص 378 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 351 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 588 و الوافي بالوفيات ج 14 ص 9 و البداية و النهاية لابن كثير ج 4 ص 386 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278 و 280 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 901 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 640 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 333 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 72 و خزانة الأدب ج 11 ص 126.
أفلت إلى أبي عامر، فقتله، نقول:
1-إنه إذا كان أبو عامر يقود خيل الطلب، و هي الخيل التي تطارد فلول المنهزمين، فلا تسنح الفرصة لتلك الفلول للإصطفاف، و طلب البراز، بل تكون همة هؤلاء في النجاة بأنفسهم، و همة أولئك في الإمعان بتشتيتهم، و أخذ من يمكن أخذه منهم.
2-على أن ما تقدم في حرب حنين، قد دل على أن جيش المشركين قد ملئ رعبا و خوفا، بل إن المنهزمين حسب تصريحهم قد أمعنوا في الهرب، حتى دخلوا حصن ثقيف، و هم يظنون أن المسلمون خلفهم، يطاردونهم، و يوشكون أن يدخلوا معهم إلى الحصن. .
و هذا ما صنعه اللّه تعالى لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث إن رؤيتهم للجنود التي أنزلها اللّه له قد أرعبتهم، و قد رسخ هذا الرعب و ضاعفه لديهم ما عانوه من سيف علي «عليه السلام» ، الذي حصد منهم العشرات، بل المئات حسبما تقدم. مع العلم بأن أحدا غير علي «عليه السلام» لم يطعن برمح، و لم يرم بسهم، و لم يضرب بسيف، كما صرحت به النصوص.
و قد قلنا: إن ذلك يدل على: أن جميع قتلى المشركين في حنين قد قتلوا بسيفه «عليه السلام» ، و لا يمكنهم إثبات خلاف ذلك، إلا على سبيل التحكم، و المكابرة
و قد تقدم: أن راجعة المسلمين ما رجعت من الهزيمة حتى وجدت الأسارى مكتفين عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هم أكثر من ألف فارس، و ستة آلاف سبية، و عشرات الألوف من الإبل، و المواشي المختلفة. .
3-على أنه قد تقدم في حديث سلمة بن الأكوع: أن أبا موسى سأل
أبا عامر: من رماك؟ فدله عليه أبو عامر بالإشارة. . فلو أن أبا عامر قد بارز الإخوة العشرة، و قتل في المبارزة، فلا بد أن يراه كل الناس، و لا سيما الفرسان المعروفون منهم، و الذين يقفون عادة في الصفوف الأولى، و يشاهدون ما يجري.
إلا إن كان لم يقتله حين المبارزة، بل قتله بعد ذلك حين اختلط الناس.
إلا أن ذلك يتعارض مع ما زعموه: من أنه قتل على يد رجلين، و من أن أبا موسى قد قتل قاتله، مع أن ذلك العاشر قد أسلم و حسن إسلامه و غير ذلك.
4-قولهم: إنه حين نزع السهم نزا من جرحه الماء.
نقول فيه: إن المفروض هو: أن يسيل الدم و ليس الماء، إذ من أين يأتي الماء؟ سواء أكان قد أصاب السهم قلبه، أو أصاب ركبته، حسبما ورد في الروايات الأخرى.
و عن دعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأبي موسى نقول:
إن الكلام حول أبي موسى الأشعري و استقامته على جادة الحق يحتاج إلى فرصة أخرى.
غير أننا نكتفي هنا بالقول: إن دعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» مستجاب بلا شك، و لا يصح لعن من دعا له النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن يدخله اللّه يوم القيامة مدخلا كريما.
فكيف كان علي «عليه السلام» -بعد قضية التحكيم، التي خان فيها أبو
موسى اللّه تعالى و رسوله-يقنت في الفجر و المغرب و يلعن معاوية، و عمرو بن العاص، و المغيرة، و الوليد بن عقبة، و أبا الأعور، و الضحاك بن قيس، و بسر بن أبي أرطأة، و حبيب بن مسلمة، و أبا موسى الأشعري، و مروان؟ !
و كان هؤلاء يقنتون عليه، و يلعنونه (1).
و فيما كتبه الإمام الرضا «عليه السلام» للمأمون، من محض الإسلام: أن البراءة من الذين ظلموا آل محمد «صلى اللّه عليه و آله» واجبة، و ذكر لعن معاوية، و عمرو بن العاص، و أبي موسى الأشعري (2).
و قال أبو موسى لأبي ذر: يا أخي.
فطرده أبو ذر عن نفسه، و قال له: لست بأخيك، إنما كنت أخاك قبل
1) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 79 و عنه إثبات الهداة ج 4 ص 326 ح 145 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 11 ص 325 و راجع: طرائف المقال للبروجردي ج 2 ص 141 و منتهى المقال لأبي علي الحائري ج 7 ص 258 و 259 و الغدير ج 10 ص 112 و جامع السعادات ج 1 ص 280 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 178 و النصائح الكافية ص 52.
2) عيون أخبار الرضا «عليه السلام» ج 2 ص 126 باب 25 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 1 ص 129 و البحار ج 10 ص 352-359 و ج 65 ص 261- 265 و مسند الإمام الرضا ج 2 ص 496-503 و منتهى المقال ج 7 ص 258 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 459 و التفسير الصافي ج 3 ص 268 و طرائف المقال للبروجردي ج 2 ص 149 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 311 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 1 ص 259-266 و ج 4 ص 204-208.
أن تستعمل (1).
و قال له الأشتر لما بعثه علي «عليه السلام» لإخراج أبي موسى من الكوفة: «فو اللّه، إنك لمن المنافقين قديما» (2).
و قال أبو عمر في الإستيعاب: روي فيه لحذيفة كلام كرهت ذكره.
قال المعتزلي: مراد الإستيعاب: أن أبا موسى ذكر عند حذيفة بالدين، فقال: أما أنتم فتقولون ذلك، و أما أنا فأشهد أنه عدو للّه و لرسوله، و حرب لهما في الحياة الدنيا و يوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، و لهم اللعنة، و لهم سوء الدار (3).
و كان حذيفة عارفا بالمنافقين، أسرّ إليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمرهم، و عرفه أسماءهم (4).
1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 230 و تاريخ مدينة دمشق ج 66 ص 210 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 74 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 408 و 413 و المنتخب من ذيل المذيل للطبري ص 35.
2) تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 501 و الغارات للثقفي ج 2 ص 922 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 21 و قاموس الرجال ج 11 ص 527 و أعيان الشيعة ج 1 ص 455 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 5 ص 160 و مواقف الشيعة ج 2 ص 242.
3) قاموس الرجال ج 6 ص 108 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 314 و 315 و القول الصراح في البخاري و صريحه ص 213 و الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ص 286 و أعيان الشيعة ج 4 ص 601.
4) قاموس الرجال ج 6 ص 108 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 314 و 315 و راجع: المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 165 و تفسير الرازي ج 16 ص 120 و 121 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 262 و تهذيب الكمال ج 5 ص 502 و راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 68 و البداية و النهاية ج 5 ص 25 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 35 و راجع: الهداية الكبرى للخصيبي ص 82 و المسترشد للطبري ص 593 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 100 و العمدة لابن البطريق ص 341 و الصوارم المهرقة ص 7 و 8 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 135 و البحار ج 21 ص 233 و 234 و 247 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 200 و مجمع الزوائد ج 1 ص 109 و المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 164 و 165 و كنز العمال ج 1 ص 369 و الدر المنثور ج 3 ص 259 و سماء المقال في علم الرجال للكلباسي ج 1 ص 16 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 75 و ج 9 ص 328 و إعلام الورى ج 1 ص 246.
و روي أيضا: أن عمارا سئل عن أبي موسى، فقال: لقد سمعت فيه من حذيفة قولا عظيما، سمعته يقول: صاحب البرنس الأسود، ثم كلح منه كلوحا علمت أنه كان ليلة العقبة بين ذلك الرهط (1).
و روي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أنه وصفه بالسامري (2).
1) قاموس الرجال ج 6 ص 108 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 315 و الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ص 286 و أعيان الشيعة ج 4 ص 601 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 12 ص 44.
2) قاموس الرجال ج 6 ص 109 و اليقين لابن طاووس ص 444 و أمالي المفيد ص 30 و معجم رجال الحديث ج 11 ص 306 و المفيد من معجم رجال الحديث ص 344 و البحار ج 30 ص 208 و ج 37 ص 342 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 386 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 391 و 392 و ج 5 ص 684 و 685 و غاية المرام ج 5 ص 347.
و قال أبو بردة بن نيار: لما كنا بأوطاس، نزلنا تحت شجرة، و نظرنا إلى شجرة عظيمة، فنزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تحتها و علق سيفه و قوسه، و كنت أقرب أصحابي إليه، فما راعني إلا صوته: يا أبا بردة.
فقلت: لبيك يا رسول اللّه. فأقبلت سريعا، فإذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جالس، و عنده رجل جالس.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن هذا الرجل جاءني و أنا نائم، فسل سيفي، و قام به على رأسى، فانتبهت و هو يقول: يا محمد، من يمنعك مني؟
فقلت: اللّه تعالى.
قال أبو بردة: فسللت سيفي.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : شم سيفك.
فقلت: يا رسول اللّه، دعني أضرب عنق عدو اللّه، فإنه من عيون المشركين.
فقال لي: «اسكت يا أبا بردة» .
فما قال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شيئا، و لا عاقبه.
قال: فجعلت أصيح به في العسكر لأشهره للناس، فيقتله قاتل بغير أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأما أنا فقد كفني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن قتله.
فجعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقول: «يا أبا بردة، كف عن الرجل» .
فرجعت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «يا أبا بردة، إن اللّه
مانعي و حافظي، حتى يظهر دينه على الدين كله» (1).
و نقول:
إن علينا أن ننبه القاري الكريم هنا إلى ما يلي:
قد يتبادر إلى ذهن القارئ هنا سؤال يقول: إن هذا الحادث قد ذكر في أكثر من غزوة، و أكثر من مقام. . فلما ذا كان ذلك؟ !
و كيف يجب أن نتعامل مع هذه الظاهرة؟ !
و نجيب: لعل أحدا لا يستطيع أن يتيقن بعدم تكرار محاولات قتل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ما دام أن الناس يتشابهون في تفكيرهم، و اندفاعاتهم، حين تتوفر لهم عناصر ذلك و يرونها ماثلة أمام أعينهم، و في متناول يدهم، كما هو الحال في هذه الحوادث. فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في جميع سفراته، و تحركاته يأتي إليه الناس، و يحضرون مجالسه، و يسيرون في ركابه، و بالقرب منه، و قد يراه بعض أعدائه وحده، فتظهر لديه رغبة في اغتنام الفرصة لقتله، و يزين له الشيطان أنه قادر على ذلك. .
و لا سيما إذا آنس منه غفلة عنه، أو ظن أنه مستغرق في النوم، أو أنه لا يراه، فيبادر إلى فعل مقدمات ذلك، و إذ به يفاجأ بكرامة اللّه لنبيه، و يكون ذلك برهانا لكل جاحد، و حجة على كل معاند، و تثبيتا لأهل الإيمان على إيمانهم.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 315 و 316 عن الواقدي. و المغازي للواقدي ج 3 ص 892 و إمتاع الإسماع ج 2 ص 11 و ج 14 ص 14 و 15.
و قد يقال: إن ذلك، و إن كان ممكنا في نفسه، و لكن التحقيق في وقوعه يحتاج إلى وسائل إثبات تكفي لذلك، و هي لا تكاد توجد، لأن نقلة هذه الأخبار ليسوا في المستوى المطلوب من حيث الوثاقة، و الدقة و التحري. بل قد وجدنا في نقولاتهم الكثير من أسباب الشك و الريب، و فيها ما يقطع بكذبه، أو بتحريفه.
غير أننا نقول:
إن ذلك لا يعني: أنه يجب الحكم بسقوط هذه الأخبار عن الإعتبار، و لزوم صرف النظر عنها جميعها، فإن الموقف العلمي منها يقضي: بلزوم تصفيتها، و تنقيتها من كل ما هو موهون و مشكوك، و مكذوب، ثم الأخذ بعصارتها، و صفوتها، حتى و إن عسر تحديد زمان وقوعها، أو لم يمكن تحديد الواقع منها. هل هو مرة؟ أو مرات؟ ما دام ان ذلك لا يؤثر على أصل ما ينبغي أن يستفاد منها، من عبرة أو فكرة، أو مفهوم إيماني، أو تربوي، أو ما إلى ذلك. .
و قد اظهرت الروايات السابقة: أن أبا بردة بن نيار يصر على مخالفة امر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . بل هو يسعى في الناس ليجد من يبادر إلى القيام بعمل ظهر له أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يريده. .
فلما ذا أصبح أبو بردة حريصا على قتل هذا الرجل إلى هذا الحد؟ ! و هل يريد أن يثبت للناس و للرسول شدة حبه له بهذه الطريقة المؤذية لشخص الرسول، من حيث إنه يريد أن يثبت أنه يتفانى في حبه؟ ! و كيف جاز له أن
يخالف أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الذي أصدره إليه بالسكوت و الكف. .
إن أبا بردة إن كان أراد أن يطيع اللّه، فهو قد عصاه بفعله هذا، و لا يطاع اللّه من حيث يعصى. .
و قد صرحت الرواية المذكورة آنفا: بأن هذه القضية جرت في أوطاس، و من الواضح: أن التجمع الذي كان في أوطاس قد فضه-كما يزعمون-أبو عامر الأشعري بأمر من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و إن كنا نعتقد: أن أمر أوطاس أيضا قد حسم على يد علي «عليه السلام» دون سواه.
إلا أن يقال: لعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد مرّ من أوطاس حين عودته من الطائف إلى الجعرانة. . كما ربما يشير إليه قول الراواية: لما كنا بأوطاس، نزلنا تحت شجرة، و نظرنا إلى شجرة، فنزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تحتها و علق سيفه و قوسه، و كنت أقرب أصحابي إليه الخ. . فإنه ظاهر في أن ذلك كان حين المسير و الإستطراق، و ليس حين نزل فيها لأجل الحرب.
إنهم يزعمون: أن عباد بن بشر، و محمد بن مسلمة، و أبا نائلة (1)كانوا يحرسون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأين كان هؤلاء عنه في هذه اللحظة
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 320 و راجع: مجمع الزوائد ج 6 ص 196 و أسد الغابة ج 3 ص 100.
بالذات؟ ! و هل الحراسة تكون له «صلى اللّه عليه و آله» إلا في هذه الحال؟ !
بل أين علي بن أبي طالب «عليه السلام» ؟ فإنه هو الذي كان يحرس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حضره و في سفره، كما هو معلوم.
ثم إن الرواية لم توضح لنا: كيف و لماذا عدل ذلك الرجل عن تصميمه على قتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! و لماذا و متى جلس ذلك الرجل إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! مع العلم: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد نادى أبا بردة لحظة أخذ ذلك الرجل السيف بيده، ليقتل به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و هل كان سيف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يزال معه حين جلس إليه؟ ! أم أخذ منه قهرا، أو أعاده طائعا مختارا؟ ! و على هذا لماذا اختار أن يعيده؟ !
و كيف عرف أبو بردة: أن ذلك الرجل كان من عيون المشركين، و لم لا يظن أنه كان من المنافقين الحاقدين؟ !
و لماذا يدافع الرسول «صلى اللّه عليه و آله» عن ذلك الرجل؟ هل لإنه كان قد اسلم؟ ! فإن كان الأمر كذلك، فلما ذا لم يخبر أبا بردة بإسلامه ليفرح بذلك؟ و ليكف عنه من أجل إسلامه؟ !
و إن لم يكن قد أسلم، فهل يدافع عنه لأنه يأمل إسلامه؟ ! أو لأنه كان قد أعطاه أمانا، و لا يريد أن ينقض ما أعطاه؟ !
إن جميع هذه الأسئلة و سواها يحتاج إلى جواب مقنع و مقبول، و أين؟ ! و أنى؟ !
الطائف بلد كبير، يقع على ثلاث مراحل، أو على مرحلتين من مكة، إلى جهة المشرق (1).
و قالوا: إنه لما فتح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حنينا لعشر، أو لأحد عشر من شوال، خرج إلى الطائف يريد جمعا من هوازن و ثقيف، و كانوا قد هربوا من معركة حنين (2).
و يذكرون في بيان ما جرى: أنه لما قدم فلّ ثقيف الطائف رمّوا حصنهم، و أغلقوا عليهم أبواب مدينتهم، و تهيؤا للقتال.
و كانوا أدخلوا فيه قوت سنة لو حصروا، و جمعوا حجارة كثيرة، و أعدوا سككا من الحديد، و رتبوا عليه المجانيق، و أدخلوا معهم قوما من العرب من عقيل و غيرهم، و أمروا بسرحهم أن يرفع في موضع يأمنون فيه.
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 110 و عمدة القاري ج 17 ص 302 و عون المعبود ج 8 ص 184 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 408 و تاج العروس ج 12 ص 360.
2) تاريخ الخميس ج 2 ص 110 و راجع: عمدة القاري ج 12 ص 137 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 22 و فتوح البلدان ج 1 ص 65 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 206 و عون المعبود ج 5 ص 295 و تفسير البيضاوي ج 3 ص 144 و تفسير الآلوسي ج 10 ص 92.
و قدّم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بين يديه خالد بن الوليد في ألف من أصحابه إلى الطائف، فأتى خالد الطائف، فنزل ناحية من الحصن، و قامت ثقيف على حصنها بالرجال و السلاح.
و دنا خالد في نفر من أصحابه، فدار بالحصن، و نظر إلى نواحيه، ثم وقف في ناحية من الحصن فنادى بأعلى صوته: ينزل إلي بعضكم أكلمه، و هو آمن حتى يرجع، أو اجعلوا لي مثل ما جعلت لكم، و أدخل عليكم حصنكم أكلمكم.
قالوا: لا ينزل إليك رجل منا، و لا تصل إلينا.
و قالوا: يا خالد، إن صاحبكم لم يلق قوما يحسنون قتاله غيرنا.
قال خالد: فاسمعوا من قولي، نزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأهل الحصون و القوة بيثرب، و خيبر، و بعث رجلا واحدا إلى فدك، فنزلوا على حكمه.
و أنا أحذركم مثل يوم بني قريظة، حصرهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أياما، ثم نزلوا على حكمه، فقتل مقاتلتهم في صعيد واحد، ثم سبى الذرية، ثم دخل مكة فافتتحها، و أوطأ هوازن في جمعها، و أنتم في حصن في ناحية من الأرض، لو ترككم لقتلكم من حولكم ممن أسلم.
قالوا: لا نفارق ديننا.
ثم رجع خالد بن الوليد إلى منزله (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 382 و 383 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 110 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112.
و نقول:
إننا نذكر القارئ الكريم بالأمور التالية:
1-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أبقى جيشه على نفس التعبئة التي خرج عليها من مكة، فأبقى خالدا على مقدمته التي كانت تتكون من أهل مكة، و من بني سليم، و كانوا ألف رجل كما يقولون.
و الظاهر: أنهم كان معهم مائة فرس.
و قال الحلبي: «و قدّم «صلى اللّه عليه و آله» خالد بن الوليد على مقدمته، أي و هي خيل بني سليم، مائة فرس، قدّمها من يوم خرج من مكة، و استعمل عليهم خالد بن الوليد الخ. .» (1).
أي أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يرد أن يغير في تعبئة الجيش لسببين:
أولهما: أن المصلحة التي اقتضت جعل خالد على مقدمته، و قبول أهل مكة في المقدمة، لا تزال قائمة، بل لعلها أصبحت أكثر إلحاحا من ذي قبل، لأن الهزيمة التي وقعت على المسلمين. و كانت قد جاءت أولا من المقدمة بالذات ربما تكون قد أعطت الإنطباع للمشركين: بأن حضور أهل مكة في جيش المسلمين قد كان مجاراة منهم. و هذا يجعلهم غير مطمئنين، و يثير لديهم مخاوف تمنعهم من التفكير بدخول الإسلام، لأنهم ربما يخشون من عودة فراعنة الشرك إلى ملاحقة من يسلم بالتنكيل و الأذى. فلا بد أن تنتهي الحرب، و أهل مكة في مواقعهم، و لا بد أن يظهروا حرصا على دعوة الناس للدخول في هذا الدين، و أن يبذلوا جهدا في الذب عنه، مهما
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 115 و (ط دار المعرفة) ص 77.
اختلفت أهواؤهم، و دوافعهم. و تباينت ميولهم و اتجاهاتهم.
الثاني: لو أدخل «صلى اللّه عليه و آله» أي تغيير على تركيبة جيشه، لظن كثير من الناس: أن لا لوم على الذين انهزموا، لأن سبب الهزيمة هو الخطأ في التعبئة، و وضع الأمور في غير موضعها الصحيح، و لبطل أثر الآيات الإلهية التي أنبت المنهزمين و لا متهم، و حملتهم المسؤولية. .
بل لعل زعماء الهزيمة أنفسهم يثيرون في الناس هذه المعاني، و يحملون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه مسؤولية الهزيمة، و يصورون للناس البريء المجاهد الصابر على أنه هو المذنب، و القاصر و المقصر. . و يظهرون العاصي و المجرم على أنه البريء، بل هو المظلوم. .
2-لا ندري مدى صحة قولهم: إنه لما قدم فلّ ثقيف من حنين رمّوا حصنهم، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد جاء في أثرهم، و ربما لم يفصل بين وصوله إلى حصنهم، و وصول فلّ ثقيف إليه إلا اليسير من الوقت قد لا يتجاوز اليوم واحد. . و حتى لو زاد على ذلك، فإن ترميم الحصن قد يحتاج إلى وقت طويل، و إلى جهد كبير. .
إلا أن يقال: لعل ترميمه كان لا يحتاج إلى وقت كبير، لأنه كان جزئيا و يسيرا.
مع أننا نعتقد: أن إدخال الأقوات لسنة، و إعداد سكك الحديد، و جمع الحجارة الكثيرة، و ترتيب المجانيق، الذي يقولون: إنه قد حصل في وقت سابق على حنين، لا بد أن يرافقه أو يسبقه ترميم للحصن أيضا، إذ لا معنى لهذا الإعداد و الإستعداد العظيم، إذا كان الحصن نفسه غير صالح لحمايتهم.
و هذا معناه: أن التعبير المتقدم قاصر عن إفادة المراد، أو أن ثمة غفلة
عرضت لمنشئه، فنتج عنها هذا الخطأ.
3-و نقرأ في النص السابق قول ثقيف: إن صاحبكم لم يلق قوما يحسنون القتال غيرهم. .
هذه الكلمة التي لم نزل نسمعها من كل مغرور بقوته، معجب بعديده و عدته، و قد سبقهم إليها مالك بن عوف الذي هزم معهم بالأمس، و التجأ إليهم اليوم، و أنها شارة الغرور الذي يورد صاحبه المهالك، و يعمّي عليه السبل و المسالك.
و إنه لمن أغرب الأمور: أن تقول ثقيف هذه الكلمة اليوم مع أنها لم تخلع ثياب الهزيمة في حنين عنها بعد، و كان الذي هزمها هو علي «عليه السلام» وحده. فلما ذا لم يحسنوا القتال تحت راية مالك بن عوف؟ ! و ما الذي تغير بالنسبة إليهم؟ ! سوى أنهم أصبحوا يقاتلون في قرى محصنة، و من وراء جدر؟ ! كما قال تعالى: لاٰ يُقٰاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاّٰ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرٰاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتّٰى ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاٰ يَعْقِلُونَ (1).
و سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في إثر خالد، و لم يرجع إلى مكة، و لا عرّج بها على شيء إلا على غزو الطائف، قبل أن يقسم غنائم حنين و قد ترك السبي بالجعرانة، و ملئت عرش مكة منهم.
و كان مسيره في شوال سنة ثمان.
1) الآية 14 من سورة الحشر.
و قال شداد بن عارض الجشمي في مسير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :
لا تنصروا اللات إن اللّه مهلكهاو كيف ينصر من هو ليس ينتصر؟
إن التي حرقت بالسّدّ فاشتعلتو لم تقاتل لدى أحجارها هدر
إن الرسول متى ينزل بلادكميظعن و ليس بها من أهلها بشر
قال ابن إسحاق: فسلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -يعني من حنين إلى الطائف-على نخلة اليمانية، ثم على قرن، ثم على المليح، ثم على بحرة الرغاء من ليّة، فابتنى بها مسجدا، فصلى فيه.
و أقاد يومئذ ببحرة الرغاء حين نزلها بدم، و هو أول دم أقيد به في الإسلام، أتي برجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل فقتله به.
و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو بليّة بحصن مالك بن عوف فهدم. و صلى الظهر بلية (1).
ثم سلك في طريق يقال لها: الضيقة، فلما توجه إليها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سأل عن اسمها، فقيل: الضيقة.
فقال: «بل هي اليسرى» .
فخرج منها على نخب حتى نزل تحت سدرة يقال لها: الصادرة، قريبا من مال رجل من ثقيف، قد تمنع فيه، فأرسل إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 383 و راجع: المغازي للواقدي ج 3 ص 925 و تاريخ الخميس ج 2 ص 110 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و السيرة الحلبية ج 3 ص 115.
و آله» : «إما أن تخرج، و إما أن نحرق عليك حائطك» .
فأبى أن يخرج.
فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بإحراقه (1).
و نقول:
و يثير الإنتباه هنا عدة أمور، نذكر منها:
كان من الطبيعي: أن يصلي النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أسفاره في أي بقعة يصل إليها، و يحل فيها وقت الصلاة، و أما أن يتعمد بناء مسجد في هذه البقعة أو تلك، فذلك أمر له دلالاته و إيحاءاته بالنسبة للتخطيط لمستقبل المنطقة بأسرها. . لا سيما في هذه المرحلة التي تجري فيها حروب خطيرة و حاسمة، مع عتاة الكفر في ذلك المحيط.
و الأهم من ذلك: أن يكون هذا المسجد في نفس المكان الذي كان فيه حصن مالك بن عوف رئيس الجيوش التي حاربته «صلى اللّه عليه و آله» في حنين. و محور الإرتكاز للطغيان و الغطرسة و البغي. .
و يزيد ذلك أهمية: إذا رافق بناء المسجد، في خصوص هذا المكان هدم حصن ذلك العاتي الخاسر، مالك بن عوف. ليقطع بذلك أمله في أي شيء يمكن أن يثير فيه حالة الغطرسة، و الغرور بالقوة، و لكي لا يجد هو و لا
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 382 و راجع: المغازي للواقدي ج 3 ص 925 و تاريخ الخميس ج 2 ص 110 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و السيرة الحلبية ج 3 ص 115.
غيره في هذا المسجد نقطة ارتكاز تتجمع حولها ذكريات، قد يشعر معها بشيء من الزهو، في حين لا بد أن يكون الخجل، و الشعور بالخزي هو المهيمن على كل وجوده، و كلما مرت هذه الذكريات في خياله. .
و ليس بعيدا عن هذا السياق أيضا أن نرى هذا الرسول الكريم، و النبي العظيم «صلى اللّه عليه و آله» يمارس الأمور، و يتصرف في المنطقة بنحو يعطي الإنطباع بأن قضية الحرب و السلم قد أصبحت محسومة، و أن أمر البلاد و العباد قد عاد إلى موقعه الطبيعي، و هو موقع النبوة، و لذلك صار «صلى اللّه عليه و آله» يتصدى حتى لأعلام البقاع كما تصدى لمعالمها، لتصبح أسماءها متوافقة مع نهجه، و ملائمة لأطروحته، و مفاهيمه، و توجهاته. .
فلا يرضى باسم إحدى الطرق التي يمر بها، فيبادر إلى تغيير اسم «الضيقة» ليصبح اسمها «اليسرى» .
و من الطبيعي جدا: أن نراه «صلى اللّه عليه و آله» يعمل على اقتلاع كل الجيوب التي يحتمل أن تكون مثار قلق، و ريبة بالنسبة إليه، إذ لا يمكن ان يرضى قائد مجرب، و عاقل أريب، بإبقاء أي من الأعداء يسرح و يمرح خلف ظهره، في وقت يكون هو منشغلا بحرب من هم أمامه. . فإن فعل ذلك، فسيكون في نظر العقلاء، و أهل الحزم، و التدبير ممعنا في السذاجة، و الغباء، و التغفيل، إلى الحد الذي يسلبه الأهلية لأي موقع قيادي، يمكن أن يحتاج فيه الناس إلى قائد حكيم، يقظ، و حازم.
و لذلك نرى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» حين رأى ذلك الثقفي مصرا على موقفه العدواني، و يرى نفسه: أنه قد تمنّع في الموقع الذي هو فيه، و لم يستجب للإنذار الذي وجهه إليه، و أنه قد أخذ بأسباب الحذر، و بادر إلى التفكير بإلحاق حرمان ذلك الرجل من مناعة موقعه، لكي يعود إليه صوابه، و ليفقد القدرة على أي نوع من أنواع الأذى بأهل الإيمان، و جيش الإسلام. .
و أما بالنسبة للقود الذي أجراه «صلى اللّه عليه و آله» في حق رجل من بني ليث، فذلك أيضا يؤكد للناس كلهم: أن مواجهة الأعداء، و ممارسة الحرب و القتال، مهما كان ضاريا و شرسا، و خطيرا، لا يعني: أن ثمة تهاونا في فرض النظام العادل، و إقامة شرع اللّه، أو تعني التهاون بدماء الناس، و استرخاص أرواحهم، و الإستخفاف بحقوقهم. . بل إن هذا القتال نفسه، إنما يأتي في سياق إرساء العدل و حفظ الكرامات، و صيانة الأرواح، و حقن الدماء، و رعاية الحقوق. . لأنه يراد الذب عن المبادئ، و حفظ القيم، التي ينبثق عنها ذلك كله. .
و لذلك لم تشغله «صلى اللّه عليه و آله» تلك الحرب الضارية عن أخذ حق المظلوم من ظالمه، و إقادته منه. .
إن على الجميع أن يعرف: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يقود حروبه ليسقط القيم، و المبادئ، بل ليؤكدها، و يقويها، و يحفظها. . كما أنه لا يريد بها إشاعة الخوف و الرعب، بل يريدها أن تنتج الشعور بالسكينة، و السلام، و الأمن. . و لا يريد منها زرع الموت و الدمار، و الفناء، بل يريد أن تكون
ذلك الكوثر الذي يهب الحياة، و يعطي شجرتها المزيد من الرواء، و النماء، لتصبح جذورها قوية و راسخة، و أغصانها غضة و باسقة. . تثمر الحب و الرضا، و السلامة و السلام على الدوام. .
و ليطمئن الناس كلهم، فإن الحكم لم يعد للأهواء، و لا بيد العتاة و الأشقياء، بل الحكم لشرع اللّه، بيد الأنبياء، و الأوصياء، و الأولياء.
عن عبد اللّه بن عمر: أنهم حين خرجوا مع رسول اللّه، فمروا بقبر أبي رغال، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «هذا قبر أبي رغال، و هو أبو ثقيف، و كان من ثمود، و كان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، و آية ذلك: أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه» .
قال: فابتدره الناس فنبشوه، فاستخرجوا منه الغصن (1).
و قالوا: إنه بقي بعد قومه أربعين يوما و كان بالحرم، فجاءه حجر ليصيبه في الحرم، فقام إليه ملائكة الحرم، فقالوا للحجر: ارجع من حيث جئت، فإن الرجل في حرم اللّه تعالى.
فرجع فوقف خارجا من الحرم أربعين يوما بين السماء و الأرض، حتى
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 383 عن ابن إسحاق، و أبي داود، و البيهقي. و في هامشه عن: أبي داود (3088) و عبد الرزاق (20989) و البيهقي في السنن الكبرى 4/156 و في الدلائل 6/297،7/497. و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 110 و السيرة الحلبية ج 3 ص 115.
قضى الرجل حاجته، و خرج من الحرم إلى هذا المحل أصابه الحجر، فقتله، فدفن فيه (1).
و نقول:
إن لدينا ما يبعث على الشك في صحة هذا المضمون، فلاحظ ما يلي:
أولا: إن أبا رغال هذا-كما يدّعون-قد عاش إلى زمن أبرهة، و عبد المطلب. و قوم ثمود قد أهلكوا قبل مئات السنين من ذلك؛ لأنهم يذكرون: أن أبرهة حين قصد مكة مر بالطائف، و تلقاه أهله، و أظهروا له الطاعة، و قالوا له: نرسل معك من يدلك على الطريق، فأرسلوا أبا رغال معه (2).
فهل عاش هذا الرجل هذه المئات و الألوف من السنين كلها حتى أصبحت ذريته قبيلة تعد بالألوف، و صارت تنشئ الحصون، و تؤلف الجيوش، و تصبح بحيث ترى في نفسها القوة على حرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دون حكمة ظاهرة تبرر هذا البقاء الطويل؟ !
ثانيا: إذا كان أبو رغال من قوم ثمود، و قد أنرل اللّه عذاب الإستئصال عليهم، و لم يبق منهم أحد، فكيف بقي أبناء أبي رغال حتى تكونت قبيلة ثقيف؟ ! مع أن أبناءه هم من قبيلته أيضا. .
و إذا كان اللّه تعالى قد أنزل العذاب على ثمود في مساكنهم. فهل يتعدى العذاب تلك الديار، ليشمل كل من كان غائبا عنها، إذا كان ينتسب إليهم؟ ! و هل كان العذاب على نحو التطهير العرقي الشامل؟ !
و إذا كان أبو رغال من هؤلاء القوم، فلما ذا حين خرج من مكة لم يرجع إلى بلده، الذي هو بالقرب من تبوك (1)إلى جهة الشام. بل ذهب بالإتجاه المخالف نحو الطائف؟ !
ثالثا: لماذا يدفنون مع أبي رغال غصنا من ذهب، و هو لم يكن من أهل الأموال، لأن أهل الأموال كانت لهم في تلك المجتمعات المنحرفة مكانة مرموقة في أقوامهم، و من كان كذلك فلا يرضى بأن يعمل دليلا على طرقات البلاد، لأي كان من الناس.
رابعا: إذا كانت الملائكة تنتظر أبا رغال إلى أن يخرج من الحرم، فلما ذا صبرت عليه حتى ابتعد هذا المقدار الكبير عنه؟ !
أليس من واجبها المبادرة إلى قتله بمجرد خروجه من حرم اللّه، ليكون عبرة لسواه؟ !
قال ابن إسحاق: ثم مضى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى نزل قريبا من الطائف، فضرب عسكره، و أشرفت ثقيف على حصنهم-و لا مثال له في حصون العرب-و أقاموا رماتهم، و هم مائة رام، فرموا بالسهام و المقاليع من بعد من حصنهم، و من دخل تحت الحصن دلوا عليه سكك الحديد محماة بالنار يطير منها الشرر، فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا، كأنه رجل جراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراح، و قتل منهم اثنا عشر
1) راجع: مجمع البحرين مادة: ثمد.
رجلا (1).
فارتفع «صلى اللّه عليه و آله» إلى موضع مسجده اليوم، الذي بنته ثقيف بعد إسلامها، بناه أمية بن عمرو بن وهب بن معتب بن مالك، و كانت فيه سارية لا تطلع عليها الشمس صبيحة كل يوم، حتى يسمع لها نقيض أكثر من عشر مرات، فكانوا يرون أن ذلك تسبيح.
و كان معه «صلى اللّه عليه و آله» من نسائه أم سلمة و زينب، فضرب لهما قبتين، و كان يصلي بين القبتين طول حصار الطائف كله.
و قال عمرو بن أمية الثقفي-و قد أسلم بعد ذلك، و لم يكن عند العرب أدهى منه-: لا يخرج إلى محمد أحد، إذا دعا أحد من أصحابه إلى البراز، و دعوه يقيم ما أقام.
و أقبل خالد بن الوليد و نادى: من يبارز؟
فلم يطلع إليه أحد، ثم عاد فلم ينزل إليه أحد، ثم عاد فلم ينزل إليه أحد.
فنادى عبد يا ليل: لا ينزل إليك أحد، و لكنا نقيم في حصننا، خبأنا فيه ما يصلحنا سنين، فإذا أقمت حتى يذهب هذا الطعام خرجنا إليك بأسيافنا جميعا حتى نموت عن آخرنا (2).
فقاتلهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالرمي عليهم، و هم يقاتلونه
بالرمي من وراء الحصن، فلم يخرج إليه أحد، و كثرت الجراحات له من ثقيف بالنبل، و قتل جماعة من المسلمين (1).
و نحن لا نناقش في أكثر هذا الذي ذكر آنفا، و لا نرى في أكثره ما يدعو إلى الريبة و الشك.
قالوا: و أصيبت عين أبي سفيان، فأتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و عينه في يده، فقال: يا رسول اللّه، هذه عيني أصيبت في سبيل اللّه.
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : إن شئت دعوت، فردّت عليك، و إن شئت فعين في الجنة.
قال: في الجنة. . و رمى بها من يده (2).
و نحن نتيقن بعدم صحة هذه المزعمة، فعدا عن أن التي تصاب بمثل هذا لا يمكن أن تبقى على حالها بحيث يأخذها بيده، فإن أبا سفيان-كما يقول أبو عمر في الإستيعاب-لم يزل كهفا للمنافقين منذ أسلم (3).
كما أنه لم يزل يبغي للإسلام شرا حسبما ورد عن أمير المؤمنين «عليه
السلام» .
بل هو القائل بعد أن ركل قبر حمزة برجله: إن الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس في يد غلماننا اليوم يتلعبون به (1).
و هو القائل لعثمان: تداولوها يا بني أمية تداول الولدان الكرة، فو اللّه ما من جنة و لا نار (2).
و النصوص حول سقطات أبي سفيان كثيرة، و هي تشير إلى عدم صحة إيمانه، و أنه كان يظهر الإسلام، و يبطن الكفر. . و لا حاجة إلى ذكر أكثر من ذلك. .
و روي: أنه لما حاصر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أهل الطائف قال عيينة بن حصن: إئذن لي حتى آتي حصن الطائف فأكلمهم.
فأذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فجاءهم، فقال: أدنو منكم و أنا آمن؟
قالوا: نعم.
و عرفه أبو محجن، فقال: أدن.
فدخل عليهم، فقال: فداكم أبي و أمي، و اللّه، لقد سرني ما رأيت منكم. و ما في العرب أحد غيركم. و اللّه، ما في محمد مثلكم، و لقد قلّ المقام و طعامكم كثير، و ماؤكم وافر، لا تخافون قطعه.
و في نص آخر: تمسكوا بمكانكم، فو اللّه، لنحن بأذل من العبيد. و أقسم باللّه لو حدث به حدث ليملكن العرب عزا و منعة، و إياكم أن تعطوا بأيديكم، و لا يتكاثر عليكم قطع هذا الشجر (1).
فلما خرج قال ثقيف لأبي محجن: فإنّا قد كرهنا دخوله، و خشينا أن يخبر محمدا بخلل، إن رآه فينا، أو في حصننا.
فقال أبو محجن: أنا كنت أعرف به، ليس أحد منا أشد على محمد منه، و إن كان معه.
فلما رجع إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: قلت لهم: ادخلوا في الإسلام، فو اللّه لا يبرح محمد من عقر داركم حتى تنزلوا، فخذوا لأنفسكم أمانا، فخذلتهم ما استطعت.
فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لقد كذبت، لقد قلت لهم: كذا. . و كذا. .
و عاتبه جماعة من الصحابة، و قال: أستغفر اللّه، و أتوب إليه، و لا أعود أبدا (2).
و نقول:
1-إن هذا النص يدل دلالة واضحة على نفاق عيينة بن حصن، و أنه إلى تلك الساعة كان لا يزال على شركه. .
بل إن هذا الرجل قد استمر على هذا الحال، حتى إنه تبع طليحة بن
خويلد، و آمن به، ثم عاد إلى إظهار الإسلام.
2-قد صرحت الرواية المذكورة: بأن عيينة كان أشد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أهل الطائف أنفسهم، رغم أنه كان معه، يظهر له الولاء و المحبة، و كان أهل الطائف يعلنون الشرك، و البغض له، و الحرب معهم قائمة على قدم و ساق.
3-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أعلن للملأ: بأن عيينة كاذب فيما ينقله. . ذلك بحضور عيينة نفسه، و في مواجهة صريحة معه. .
و لعل ذلك يرمي: إلى قطع الطريق على كل من يريد أن يسير في طريق النفاق و الخيانة، و يزرع في داخل نفوس من يفكر بهذه الطريقة الخوف من افتضاح أمره بواسطة جبرئيل «عليه السلام» . . حتى إذا حدّث أحدهم نفسه بالإقدام على عمل من هذا القبيل، فإنه يحتاج إلى أن يكون في منتهى الجرأة على اللّه و على رسوله، و في غاية الصلف و الوقاحة، و عدم المبالاة بالنتائج التي سيكون أقلها الفضيحة، التي قد تأتيه على لسان جبرئيل «عليه السلام» . .
4-إن هذه القضية تظهر حقيقة أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و إلى أي مدى يمكن لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يعتمد على جيش من هذا القبيل، و هذا نموذج من قيادات ذلك الجيش، و عرض حي لمدى إخلاص تلك القيادات له «صلى اللّه عليه و آله» ، و بينان لحقيقة إيمانها بالقضية التي يحارب من أجلها. .
خصوصا بعد أن تنضم تلك القيادات إلى بعضها البعض، و تتضامن فيما بينها، و تتعاون، و تتكاتف على الوصول إلى ما ترمي إليه من أهداف، و منهم خالد بن الوليد، و عيينة بن حصن، و الأقرع بن حابس، و أضرابهم،
فضلا عن رجالات مكة و بني سليم و سواها. .
و لا ندري أين كان عمر بن الخطاب عن عيينة هذا؟ ! فلما ذا لا نسمع له صوتا، و لا نرى من هملجته شيئا، مثلما كنا نراه في مواقفه السابقة تجاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الحديبية و غيرها؟ ! و لماذا لم يقم ليقول: دعني أقتله يا رسول اللّه، كما كان يفعل في المواقف المشابهة؟ !
و لذلك نقول:
إن من الطبيعي: أن نرى هؤلاء يتفقون على الفرار في أول لحظات المواجهة في حنين، و يتبعهم الجيش كله، و يبقى في مواجهة العدو رجل واحد، يأتي اللّه تعالى بالنصر على يديه، و هو علي بن أبي طالب «عليه السلام» . .
و لعلك تقول: إن أهداف هؤلاء تختلف و تتفاوت، و ليس لهم لون واحد، و لا كانت عصبياتهم متوافقة!
و نجيب: بأن من الطبيعي أن يختلف طلاب الدنيا فيما بينهم، و لكنه يبقى اختلافا في الجزئيات و التفاصيل. و تبقى لهم جامعة تربط بعضهم ببعض، و توحد جهدهم، و وجهتهم إلا و هي الإضرار بالأطروحة التي يظهرون الإلتزام بها نفاقا، و القبول بكل أشكال السلوك و المواقف التي تنشأ عن تلك الأطروحة، و يقتضيها ذلك النهج.
و لكن الحقيقة هي: أن كل همهم و جهدهم منصب على إفشال تلك الأطروحة، و إسقاط ذلك النهج. . و هذا ما حصل بالفعل في حرب حنين و لا يزال يتكرر في الطائف و في غيرها. .
5-إن مصارحة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعيينة، حتى اضطر عيينة للإعتراف و الإستغفار، و التعهد بعدم العود قد صعّب عليه القيام بأي
عمل آخر من هذا النوع بعد ذلك، لأن هذه المصارحة قد عزلته عن محيطه الذي هو فيه، و جعلت أي اتصال به مرصودا و مراقبا من كل الناس. .
6-إن ما جرى يجعل أولئك الذين تآمروا على الفرار في حنين، بهدف إلحاق الأذى بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» و بالمؤمنين، يشكون في أنفسهم، و يعيشون العقدة في أن يكون جبرئيل «عليه السلام» قد فضح أمرهم لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و فرض عليهم أن يتوقعوا إعلان هذه الخيانة عند ظهور أول إخلال آخر منهم. .
و بذلك يكون خيارهم الوحيد هو: الإنضباط التام، و عدم القيام بأي شيء من شأنه أن يضعهم أمام ذلك الإمتحان الصعب و الخطير، المتمثل بالفضيحة على أقل تقدير. .
و لسوف لن تنفعهم التبريرات و الإعتذارات في تلك الحال، و لربما لا يصدقهم الناس حين يعلنون توبتهم، و يقدمون تعهداتهم بعدم العود.
و سوف تلتهمهم باستمرار نظرات الريبة و الشك، و لن يكون ذلك سهلا عليهم، بل هو سيعرقل الكثير من مشاريعهم، و يفشل من خططهم ما هو أدهى و أخطر. .
غير أن حرص بعض أولئك على دنياهم قد دفعهم إلى تصرفات فضحت أمرهم، مرة بعد أخرى. . فقد كتبوا صحيفتهم الملعونة، و نفروا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليلة العقبة، و تجرؤا عليه مرات و مرات بعد ذلك أيضا.
و رووا: عن عمرو بن عبسة أنه قال: حاصرنا قصر الطائف مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسمعته يقول: «من بلغ بسهم فله درجة في الجنة» . فبلغت يومئذ ستة عشر سهما.
و سمعته يقول: «من رمى بسهم في سبيل اللّه فهو عدل محرر، و من شاب شيبة في سبيل اللّه كانت له نورا يوم القيامة، و أيما رجل أعتق رجلا مسلما، فإن اللّه سبحانه و تعالى جاعل كل عظم من عظامه وقاء، كل عظم بعظم، و أيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة فإن اللّه عز و جل جاعل كل عظم من عظامها وقاء كل عظم من عظامها في النار (1).
و نقول:
إن الحديث الثاني، الذي أوله: من رمى بسهم في سبيل اللّه، فهو عدل محرر، قد يكون عمرو بن عبسة سمعه من النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مناسبة أخرى غير مناسبة حصار الطائف.
غير أننا لا ندري مدى صحة ما زعمه في ذيل الحديث الأول: من أن السهام التي بلغت كانت ستة عشر سهما. و تبقى عهدة ذلك على مدّعيه.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 386 عن يونس بن بكير، و أبي داود، و الترمذي، و صححه. و النسائي، و قال في هامشه: أخرجه أبو داود (3965) و أحمد 4 ص 384 و النسائي ج 7 ص 104 و الحاكم ج 3 ص 50 و أحمد ج 4 ص 113 و 384، و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 159، و في السنن ج 10 ص 272.
قال اليعقوبي: إنه قد نزل من حصن ثقيف إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أربعون رجلا (1).
و لعل هؤلاء هم الذين استجابوا للنداء الذي أطلقه النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيهم، فقد قالوا:
نادى منادي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :
«أيما عبد نزل من الحصن و خرج إلينا فهو حر» .
فخرج من الحصن بضعة عشر رجلا: ثم ذكروا أسماءهم على النحو التالي:
المنبعث، و كان اسمه المضطجع فسماه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المنبعث حين أسلم. و كان عبدا لعثمان بن عامر بن معتب، و كان جوادا روميا.
و الأزرق بن عقبة بن الأزرق. و كان عبدا لكلدة الثقفي، ثم صار حليفا في بني أمية.
و وردان، و كان عبدا لعبد اللّه بن ربيعة الثقفي.
و يحنس-بضم التحتية-النبال. و كان عبدا ليسار بن مالك الثقفي، و أسلم سيده بعد، فردّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليه ولاءه.
و إبراهيم بن جابر، و كان عبدا لخرشة الثقفي.
و يسار، و كان عبدا لعثمان بن عبد اللّه.
1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 64.
و أبو بكرة نفيع-بضم النون-بن مسروح و كان عبدا للحارث بن كلدة، و إنما كني بأبي بكرة لأنه نزل في بكرة-و هي خشبة مستديرة في وسطها محز، يستقى عليها-من الحصن.
و نافع أبو السايب، و كان عبدا لغيلان بن سلمة، فأسلم غيلان بعد، فرد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ولاءه إليه.
و نافع بن مسروح.
و مرزوق غلام لعثمان بن عبد اللّه (1).
و عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الطائف: «من خرج إلينا من العبيد فهو حر» .
فخرج عبيد من العبيد، فيهم أبو بكرة، فأعتقهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).
و في رواية: نزل إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثلاثة و عشرون من
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 384 عن ابن إسحاق، و الواقدي، و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 111 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 114 و الروض الأنف ج 4 ص 164. و راجع: إعلام الورى ص 124 و عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 605 و 606 و البحار ج 21 ص 168 و ج 41 ص 95.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 384 و في هامشه قال: أخرجه أحمد ج 1 ص 248 و ابن سعد ج 2 ق 1 ص 115، و انظر المجمع ج 4 ص 245 و البداية و النهاية ج 4 ص 347. و راجع: السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 114.
الطائف (1)، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة، و اغتاظوا على غلمانهم، فأعتقهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و دفع «صلى اللّه عليه و آله» كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين، يمونه، و يحمله. فكان أبو بكرة إلى عمرو بن سعيد بن العاص، و كان الأزرق، إلى خالد بن سعيد بن العاص، و كان وردان إلى أبان بن سعيد بن العاص، و كان يحنس النبال إلى عثمان بن عفان، و كان يسار بن مالك إلى سعد بن عبادة، و كان إبراهيم بن جابر إلى أسيد بن الحضير.
و أمرهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يقرئوهم القرآن، و يعلموهم السنن.
فلما أسلمت ثقيف تكلمت أشرافهم في هؤلاء المعتقين، منهم الحارث بن كلدة، يردونهم إلى الرق، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أولئك عتقاء اللّه، لا سبيل إليهم» (2).
و نقول:
1-قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن سعد بن أبي وقاص كان أول من رمى بسهم في سبيل اللّه. و لسنا هنا بصدد تحقيق ذلك، غير أننا نقول:
إن شانئي علي «عليه السلام» يهتمون بتسطير الفضائل و الكرامات
لمناوئيه «عليه السلام» و قد عرفنا في فصل: في موقع الحسم، في غزوة أحد: أن سعدا كان أحد الستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم، فجعل سعد حقه لعبد الرحمن بن عوف (1).
كما أنه قعد عن علي «عليه السلام» في حروبه، و لم يخرج معه. . و أبى أيضا أن يبايعه، فأعرض عنه علي «عليه السلام» و قال: وَ لَوْ عَلِمَ اَللّٰهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ (2)» (3).
و شكاه أهل الكوفة بأنه لا يحسن يصلي (4).
و أخذ مالا من بيت المال و لم يؤده، و عزله عمر و قاسمه ماله كما عن أبي الفرج في الأغاني.
و حينما دعاه عمار ليبايع عليا «عليه السلام» أظهر الكلام القبيح (5).
و صارمه عمار (6).
1) شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 188 و أي كتاب يذكر أحداث السقيفة.
2) الآية 23 من سورة الأنفال.
3) قاموس الرجال ترجمة سعد بن أبي وقاص.
4) مسند أبي يعلى ج 2 ص 89 و الأوائل ج 1 ص 310 و المصنف للصنعاني ج 2 ص 360 و في هامشه عن: البخاري، و العقد الفريد ج 6 ص 249 و الثقات ج 2 ص 220 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 569 و المعجم الأوسط ج 6 ص 208 و الأذكار النووية ص 279 و رياض الصالحين للنووي ص 589 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 155 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 202 و عن البداية و النهاية ج 7 ص 120 و 121 و ج 8 ص 82.
5) الإمامة و السياسة ج 1 ص 53.
6) عيون الأخبار لابن قتبة ج 3 ص 111.
و قطع علي «عليه السلام» عطاءه (1).
و تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد رد ولاء بعض العبيد الذين نزلوا إليه من حصن الطائف و أعتقهم. . إلى الذين كانوا يملكونهم، و لكنه أمضى عتقهم. و لم يعدهم إليه. . و المراد برد ولائه أن يجعل لسيده الحق في أن يرثه، إذا لم يكن للعتيق قرابة قريبة أو بعيدة.
و هذا تفضل من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أولئك الذين أسلم عبيدهم قبلهم، حيث لم يجعل إرثهم إليه «صلى اللّه عليه و آله» في حياته، ثم للإمام «عليه السلام» بعد وفاته. .
إلا أن يقال: إن نزولهم من الحصن إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يعني إسلامهم، لكي يقال: إن المشرك لا يرث المسلم، فلعلهم نزلوا طمعا بالحرية التي وعدهم «صلى اللّه عليه و آله» بها، ثم بقوا على شركهم. .
و يجاب: بأنهم قد أسلموا بلا ريب، لتصريحهم: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» دفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين، و أمرهم أن يقرؤوهم القرآن، و يعلموهم السنن. و هذا إنما يصح إذا كانوا قد أسلموا. .
و أما الحديث عن: أن عتقهم إن كان قبل إسلامهم، فعتقهم لا يقطع علاقة الولاء بينهم و بين مواليهم. . فإن كلا الفريقين في تلك الحال كان على حال الشرك. .
1) راجع: إختيار معرفة الرجال ص 39 و صفين للمنقري ص 551 و 552.
و إن كانوا قد أسلموا قبل عتقهم، فإن إسلامهم قد أزال حكم الولاء، لأن المشرك لا يرث المسلم.
و في هذا البحث تفصيلات و مناقشات ليس ها هنا محلها.
و إذا تأملنا هذا النداء، أعني: «نداء الحرية» فسنرى: أن فيه سمات و آثارا هامة، نشير إلى بعض منها فيما يلي:
1-إن العبيد هم الطرف الأضعف و المستضعف في أي مجتمع كان، فكيف بالمجتمع الجاهلي الذي يعيش الإنحراف، و الظلم و التعدي، بأجلى صوره، و أوضح معانيه؟ ! و لم يكن يعرف معنى للرأفة و الرحمة، حتى على الأب و الأخ و الولد، فهل يرحم عبدا اشتراه بماله، أو قهره بسيفه؟ !
إن من يدفن ولده حيا لأنه لا يريد أن يشاركه في طعامه، و لو بلقمة، فهل تراه يسخى على عبده بشيء من حطام الدنيا، فضلا عمن سواه؟ ! إن من يراجع التاريخ سيجد: أن الناس كانوا في ذلك المجتمع يمارسون سلطتهم على عبيدهم بأبشع صورها و أخبث أشكالها. .
2-إن الذين كانوا يملكون العبيد هم الرؤساء و الأعيان، و أهل الحول و الطول، دون غيرهم من سائر الناس. . و هؤلاء هم الذين يملكون قرار السلم و الحرب و غير ذلك في قبائلهم، فإذا خرج حتى عبيدهم عن طاعتهم، فإن الآخرين سوف يكونون أجرأ على الخروج من هذه السلطة، و سوف ينظرون إلى أولئك الرؤساء و الزعماء بشيء من المهانة و الإستهانة، و الإستخفاف، و ستهتز الأرض تحت أقدامهم، و سيضعف موقفهم
القيادي بصورة كبيرة، و هذا يمثل نكسة، بل ضربة روحية كبرى لهم.
و لذلك يقول المؤرخون-حسبما تقدم-: «فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة و اغتاظوا على غلمانهم» .
بل تقدم: أن أولئك الأسياد حتى بعد ان أسلموا قد بذلوا محاولة لإعادة أولئك العبيد إلى الرق، فلم يفلحوا في ذلك.
و من البديهي: أن الإسلام لا يرضى باحتكار العلم على فريق من الناس دون سواه، كما نجده لدى بعض الشعوب، بل طلب العلم في الإسلام فريضة على كل مسلم.
فطبيعي إذن: أن يرتب «صلى اللّه عليه و آله» لهؤلاء العبيد معلمين يعلمونهم القرآن و السنن فورا حتى و هم في حال الحرب و الحصار، و لم يؤجل ذلك إلى أن تضع الحرب أوزارها. . لأنه يرى: أن العلم ضروري كالطعام و الشراب فمن ترك الطعام و الشراب هلك، لكن من ترك العلم هلك و أهلك.
و لذلك نرى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد رتب لهم كلا هذين الأمرين في آن واحد، فسلمهم لمن يمونهم و يحملهم، و لمن يعلمهم القرآن و السنن.
قالوا: و شاور رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه في أمر حصن الطائف، فقال له سلمان الفارسي: يا رسول اللّه، أرى أن تنصب المنجنينق على حصنهم، فإنّا كنّا بأرض فارس ننصب المنجنيقات على الحصون.
و تنصب علينا، فنصيب من عدونا و يصيب منا بالمنجنيق، و إن لم يكن منجنيق طال الثواء.
فأمره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فعمل منجنيقا بيده، فنصبه على حصن الطائف. و هو أول منجنيق رمي به في الإسلام (1).
و عن مكحول: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يوما (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 385 عن الواقدي، و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 110 و السيرة النبوية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و السيرة الحلبية ج 3 ص 117 و إعلام الورى ص 123 و البحار ج 21 ص 168 و 169 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 64.
2) تاريخ الخميس ج 2 ص 110 عن المنتقى، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 385 عن ابن سعد و إعلام الورى ص 123 و البحار ج 21 ص 168 و 169.
و يقال: قدم به يزيد بن زمعة بن الأسود، و بدبابتين.
و يقال: بل قدم به الطفيل بن عمرو، لما رجع من سرية ذي الكفين (1).
و يقال: إن خالد بن سعيد قدم من جرش بمنجنيق، و بدبابتين (2).
و نثر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الحسك، شقتين من حسك من عيدان حول حصنهم، و دخل المسلمون من تحت الدبابة، و هي من جلود البقر. و ذلك اليوم يقال له: يوم الشدخة، لما شدخ فيه من الناس.
ثم زحفوا بها إلى جدار الحصن ليحفروه، فأرسلت ثقيف بسكك الحديد المحماة بالنار، فحرقت الدبابة، فخرج المسلمون من تحتها و قد أصيب منهم من أصيب، فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتل منهم رجال (3)، فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بقطع أعنابهم و نخيلهم و تحريقها.
قال عروة: أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كل رجل من المسلمين أن يقطع خمس نخلات، و خمس حبلات، فقطع المسلمون قطعا ذريعا.
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 110 عن المنتقى، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 385 و إعلام الورى ص 123 و البحار ج 21 ص 168 و 169.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 385 و إعلام الورى ص 123 و البحار ج 21 ص 168 و 169.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 385 و السيرة النبوية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و السيرة الحلبية ج 3 ص 117 و إعلام الورى ص 123 و البحار ج 21 ص 168 و 169. و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 110 و فيه: فقتلوا منهم رجلا.
فنادت ثقيف (أو فنادى سفيان بن عبد اللّه الثقفي) : لم تقطع أموالنا؟ إما أن تأخذها إن ظهرت علينا، و إما أن تدعها للّه و للرحم.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : فإني أدعها للّه و للرحم.
فتركها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و كان رجل يقوم على الحصن، فيقول: روحوا رعاء الشاء، روحوا جلابيب محمد، أتروننا نبتئس على أحبل أصبتموها من كرومنا؟
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم روّح مروّحا إلى النار» .
قال سعد بن أبي وقاص: فأرميه بسهم فوقع في نحره، فهوى من الحصن ميتا. فسر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك (2).
و نقول:
إننا نتوقف هنا لنسجل ما يلي:
قد ظهر من النصوص المتقدمة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استفاد من وسائل حربية لم يكن المسلمون قد استعملوها من قبل، فقد استعملوا الدبابة لنقب الحصون، فواجههم عدوهم بسكك الحديد المحماة بالنار،
التي تخترق تلك الدبابات، و تصل إلى من فيها فتؤذيهم.
و نشروا الحسك حول الحصون، و هي أوتاد من الخشب تزرع في ساحة المعركة بكثافة، فلا تتمكن الخيل من الجولان فيها، و هي بمثابة عراقيل و موانع مؤثرة في ردع العدو عن التفكير بالمباغتة السريعة، و توجيه الضربات الخاطفة، التي من شأنها أن تزعزع ثبات الطرف الآخر، و تشوش تفكيره و تشل حركته، و توزع اهتماماته، و تؤثر عليه من الناحية النفسية.
كما أنه قد استفاد من المنجنيق الذي يجعل العدو حتى و هو في حصونه يترقب الكارثة، و يخشاها، ليس على نفسه كمقاتل و حسب، و إنما هو يخشى أن تصيبه في أهله، و ولده و نسائه، و كل ما و من يتعلق به.
و يرى أن هذا الحصن الذي وضع نفسه في داخله غير قادر على حمايته، و لا يستطيع أن يتترس بأحد، و يصبح همّ كل مقاتل هو ان يجد لنفسه و لأهله موضعا آمنا.
و هذا يسقط النظرية، التي أطلقها أهل الطائف، و الخطة التي اعتمدوها في أول الأمر، و التي تقول:
إنهم قادرون على تحمل الحصار لمدة سنة كاملة، لأن أقواتهم معهم.
فقد ظهر لهم: أن مجرد تحمل الحصار شيء، و تحمل الخطر الداهم، و العيش في محيط الرعب و الخوف الدائم شيء آخر، و هم قد خططوا للحصار، لا لسواه. .
و لم تعد الحرب سجالا بينهم و بين الطرف الآخر. بل أصبحت حربا من طرف واحد، حيث لم يعد المسلمون بحاجة للإقتراب من الحصن، لتنالهم نبال أهله. . و لا كان أهل الحصن يقدرون على أية مناورة من شأنها
أن تربك حركة المسلمين، أو تشوش أفكارهم.
بل أصبح بإمكان المسلمين الإستغناء عن طائفة من الجيش، ليقوم بمهام أخرى تموينية أو غيرها، مما من شأنه أن يعزز صمود من بقي منهم.
بل قد يمكنهم الإنطلاق في مهمات قتالية أو غيرها في مواقع أخرى أيضا. .
أما أهل الطائف فلا حول لهم و لا قوة. بل هم بانتظار قذائف المنجنيقات، و ليس لهم همّ إلا ترميم الخراب، و مداواة الجراح، و دفن الأموات. .
و لعل هذا الأمر كان من أهم أسباب سرعة استسلام أهل الطائف، و إرسال الوفود إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ليعفوا عنهم، و يقبل منهم، و يرضى عنهم.
المنجنيق: آلة حربية تصنع من جلود، و خشب و حديد يقذفون الحجارة بها.
و الدبابة: آلة حربية توضع الجلود عليها، و يدخل فيها الرجال، فيدبون إلى أسوار الحصن لينقبوها.
تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد نصب المنجنيق على الطائف و ضربهم به (1).
1) راجع بالإضافة إلى ما تقدم المصادر التالية: دعائم الإسلام ج 1 ص 376 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 249 و تذكرة الفقهاء ج 1 ص 412 و جواهر الكلام ج 21 ص 65 و 70 و المبسوط للطوسي ج 2 ص 11 و البداية و النهاية ج 4 ص 348 و الثقات ج 2 ص 76، و منتهى المطلب ج 2 ص 909 و السرائر ص 157 و ميزان الحكمة ج 2 ص 333 و زاد المعاد ج 2 ص 196 و سنن البيهقي ج 9 ص 84 و المنتقى ج 2 ص 771 عن الترمذي، و كنز العمال ج 10 ص 362 و المدونة الكبرى ج 2 ص 25 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 154 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 159 و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 94 و المغازي للواقدي ج 3 ص 927 و الأم للشافعي ج 7 ص 318 و بداية المجتهد ج 1 ص 396 و مختصر المزني (بهامش الأم) ج 5 ص 185 و مجمع الأنهر ج 2 ص 589 و قاموس الرجال ج 4 ص 429 عن أنساب البلاذري، و العبر و ديوان المبدأ و الخبر (المعروف بتاريخ ابن خلدون) ج 2 ق 2 ص 47 و في تفسير المنار ج 10 ص 62: أن ذلك كان في غزوة خيبر. و نصب الراية ج 3 ص 382 و 383 و في هامشه عن: الترمذي، و الواقدي، و العقيلي في الضعفاء، و عن: التراتيب الإدارية ج 1 ص 374 و 375. و نقله بعض أهل التتبع عن المصادر التالية، و العهدة عليه: المهذب ج 1 ص 302 و القواعد ص 247 و المختصر النافع ص 227 و الجمل و العقود ص 11 و المغني لابن قدامة ج 1 ص 495 انتهى. و راجع: نيل الأوطار ج 8 ص 70 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 658 و السيرة الحلبية ج 3 ص 117 و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 266 و تاريخ الخميس ج 2 ص 110 و الروض الأنف ج 4 ص 149 و النظم الإسلامية ص 508 و أنساب الأشراف ج 1 ص 366.
و قالوا أيضا: إن هذا الذي وضع على الطائف كان أول منجنيق رمي به في الإسلام (1).
و تقدم قولهم: إن سلمان الفارسي هو الذي أشار به، و قال: إنهم كانوا بأرض فارس ينصبون المنجنيقات على الحصون.
و مرّ بنا قولهم: إن سلمان عمله لهم بيده.
و قد حاول بعضهم أن يناقش في ذلك: بأنهم وجدوا في أحد حصون خيبر، و هو حصن الصعب منجنيقات و دبابات. . فما معنى أن يقال: إن سلمان قد صنعه لهم؟ !
و أجيب: بأن ما وجدوه في حصن الصعب في خيبر، لعله بقي في المدينة (2)، بل ذلك هو الراجح. و حين احتاجوا إليه في الطائف، فإنهم سيصنعون ما يكفيهم منه، و لا يرسلون إلى المدينة من يأتيهم به، ثم ينتظرون الأيام و الأسابيع من أجل ذلك. .
و لكن قولهم: إن سلمان هو الذي أرشدهم إليه، قياسا على ما كانوا يصنعونه في بلاد فارس، يبقى موضع ريب أيضا.
إذ قد تقدم: أنهم حين حاصروا حصن الوطيح و السلالم في خيبر، و طال الحصار، همّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يجعل عليهم المنجنيق (3).
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 117 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 80 و أسد الغابة ج 1 ص 23 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 385.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 117 و (ط دار المعرفة) ص 80 و راجع ج 2 ص 743.
3) السيرة الحلبية ج 3 ص 117 و البداية و النهاية ج 4 ص 226 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 376 و (ط دار المعرفة) ص 80 و راجع ج 2 ص 744.
بل تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد نصب المنجنيق على حصن البراء فعلا (1).
إلا أن يقال: إن نصبه لا يستلزم الرمي به. فلعله لم يرم به إلا في حصن الطائف؟ (2).
و قد يقال: ما هو المبرر لتجويز النبي «صلى اللّه عليه و آله» لجيشه رمي حصن الطائف بالمنجنيق، و هو قد يصيب الشيوخ و الأطفال و النساء، و قد كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» في وصاياه لبعوثه و سراياه ينهى عن قتلهم، كما أنه قد يصيب بعض المسلمين، إن كان في البلد أقلية مسلمة من سكان، أو من تجار، أو كان فيه أسرى، و أراد العدو أن يتخذ منهم دروعا بشرية؟ !
و أين هي الرأفة و الرحمة، التي لم يزل الإسلام يدعو إليها، و يحث عليها؟ !
ألا يدل هذا: على عدم صحة قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد نصب المنجنيق على الطائف، و رماهم به؟ !
و نجيب:
أولا: أما بالنسبة لقتل الشيوخ من المشركين، فلا ريب في جواز قتل القادة منهم، و كذا الحال بالنسبة لأهل الرأي في الحرب، و قتل دريد بن
الصمة في حنين خير شاهد على ذلك (1).
إلا أن يقال: إنه لم يقتل بأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» «صلى اللّه عليه و آله» .
و يجاب: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد رضي بقتله، و اعتبره من أئمة الكفر الذين لا محذور في قتلهم كما تقدم. .
و كذا لا إشكال في جواز قتل النساء، إذا شاركن في القتال (2).
1) راجع: تذكرة الفقهاء ج 1 ص 412، و المبسوط للشيخ الطوسي ج 2 ص 12 و تحرير الأحكام ج 1 ص 136 و الكافي لأبي الصلاح ص 256، و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 92، و أقضية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ص 660 و كشف الغطاء ص 408، و مجمع الأنهر ج 1 ص 591 و راجع: مختصر المزني ص 272 و الجوهر النقي ج 9 ص 92 و المحلى ج 7 ص 299 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 224 و التمهيد لابن عبد البر ج 16 ص 142 و مصادر كثيرة أخرى.
2) راجع: كشف الغطاء ص 408 و الكافي لأبي الصلاح ص 256 و النهاية للطوسي ص 292 و تذكرة الفقهاء ج 1 ص 412 و المحلى ج 7 ص 296 و رياض المسائل ج 7 ص 471 و 507 و بداية المجتهد ج 1 ص 394 و الشرايع ج 1 ص 312 و المبسوط ج 2 ص 13 و فتح الباري ج 6 ص 103 عن الشافعي، و الكوفيين، و ابن حبيب بن المالكية، و فيه حكى الحازمي قولا بجواز قتل النساء، و الصبيان. و الوسيلة (المطبوع في الجوامع الفقهية)ص 696، و جواهر الكلام ج 21 ص 68 و 69 و 74 و 75 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 52 و التهذيب ج 6 ص 156 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 64 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 47 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 148 و 212 و المهذب (ضمن الينابيع الفقهية، كتاب الجهاد)ص 90 و المختصر النافع ص 112 و قد منع من قتلهن حتى مع المعاونة، إلا مع الضرورة. و السرائر ص 156. و نقله بعض أهل العلم عن: المختصر النافع ص 227 و عن المهذب ج 1 ص 303 و عن المغني لابن قدامة ج 10 ص 534 و قال: لا نعلم فيه خلافا، و به قال الشافعي، و الأوزاعي، و أبو ثور، و الثوري، و الليث، و أصحاب الرأي، و عن الأم ج 4 ص 239 و عن القواعد ص 237 و راجع: نيل الأوطار ج 8 ص 73 و البحار ج 19 ص 178 و الخراج ص 211 و 212.
و مثله: ما لو تترس العدو بالأسرى، و لم يمكن التحرز عن قتلهم، و توقف عليه تحقيق النصر، و حفظ الدين و أهله.
أما بالنسبة للأطفال، فقد دلت بعض الروايات: على جواز قتلهم أيضا (1).
1) مسند أبي عوانة ج 4 ص 96 و 95 و السرائر ص 157 و السنن الكبرى البيهقي ج 9 ص 78 و مجمع الزوائد ج 5 ص 315 و آثار الحرب في الفقه الإسلامي ص 502 عنه و عن: فتح الباري ج 6 ص 102 و 103 و عن إرشاد الساري ج 5 141. و راجع أيضا: نيل الأوطار ج 8 ص 70 و الرسالة للشافعي ص 298 و كتاب الأم ج 7 ص 369 و المجموع ج 19 ص 297 و مغني المحتاج ج 4 ص 223 و المغني لابن قدامة ج 10 ص 386 و 503 و الشرح الكبير ج 10 ص 390 و كشاف القناع ج 3 ص 52 و سبل السلام ج 4 ص 49 و فقه السنة ج 2 ص 657 و كتاب المسند ص 238 و مسند أحمد ج 4 ص 71 و 72 و ج 4 ص 73 و صحيح البخاري ج 4 ص 21 و صحيح مسلم ج 5 ص 144 و شرح مسلم للنووي ج 12 ص 49 و عمدة القاري ج 14 ص 260 و مسند الحميدي ج 2 ص 343 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 185 و المنتقى من السنن المسندة ص 262 و صحيح ابن حبان ج 1 ص 345 و معرفة السنن و الآثار ج 7 ص 13 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 135.
و لكنها ناظرة-كما هو صريح الروايات الأخرى-: إلى صورة إرادة تبييت العدو إذا توقف التخلص من معرته على هذا التبييت، و كذا لو احتاج الأمر إلى ضرب العدو بالمنجنيق، حيث لا يمكن التحرز عن قتل الأطفال في مثل هذه الأحوال (1)، فيما إذا كان لا يمكن حفظ الدين و الإسلام و المسلمين إلا بذلك.
و أما الإثم و المؤاخذة، فإنما يلحق من تترس بهم، أو من اعتدى و ظلم، و ساق الأمور إلى هذه الحال، حيث إنه بسوء اختياره قد وضع الإسلام و أهله في خطر، و اضطرهم إلى الدفاع و درء الخطر عن أنفسهم من دون أن يحترز على أطفاله، و شيوخه، و يهيء لهم الموضع الآمن، فهو الذي فرط فيهم، و هيأ الظروف لقتلهم، فهو الظالم و الآثم لهؤلاء الأطفال من خلال
1) راجع: المبسوط للشيخ الطوسي ج 2 ص 11 و المدونة الكبرى ج 2 ص 25 و المحلى ج 7 ص 296 و صحيح البخاري ج 2 ص 111 و صحيح مسلم ج 5 ص 144 و 145 و مسند أبي عوانة ج 4 ص 96 و 95 و كنز العمال ج 4 ص 272 عن الطبراني، و سنن ابن ماجة ج 2 ص 947 و المنتقى ج 2 ص 771 و قال: رواه الجماعة إلا النسائي. و سنن البيهقي ج 9 ص 78 و مجمع الزوائد ج 5 ص 316 عن الطبراني، و نصب الراية ج 3 ص 387 و الجامع الصحيح للترمذي ج 4 ص 137، و سنن أبي داود ج 3 ص 54 و مسند الحميدي ج 2 ص 343 و شرح الموطأ للزرقاني ج 3 ص 290 عن الستة، و الأم للشافعي ج 7 ص 318 و نيل الأوطار ج 8 ص 70 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 202 و عمدة القاري ج 14 ص 260 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 12 ص 388 و عن أحكام القرآن للجصاص ج 5 ص 274 و راجع المصادر في الهامش السابق.
تجنيه على الدين، و ظلمه لأهله، و التبييت لاضطرارهم إلى الدفع عن أنفسهم بهذه الطريقة.
ثانيا: إنه لم يظهر من أي نص على الإطلاق: أن أحدا من الشيوخ، و الأطفال، و النساء، و الأسرى، قد أصيب في الطائف بسبب المنجنيق.
فلعل ضرب أهل الطائف بالمنجنيق قد اقتصر على المواضع التي يؤمن فيها من إصابة غير المقاتلين. .
فلا يصح قولهم: إن تجويز الضرب بالمنجنيق ينافي الرحمة، أو أنه يستبطن تجويز ضرب الأقليات المسلمة، أو الأسرى منهم، أو الأطفال، أو الشيوخ و النساء، فإن النصوص التي توفرت لنا لم تصرح بشروط جواز الضرب بالمنجنيق، و لا شرحت الظروف التي تم فيها هذا الفعل، كما أنها تذكر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد صرح لهم بما دل على إلزامهم، أو على الإذن لهم بقتل أحد من غير المقاتلين. .
ثالثا: إن اللّه سبحانه، قد أخذ بعض الأمم بعذاب الإستئصال، فقال: فَلَمّٰا جٰاءَ أَمْرُنٰا جَعَلْنٰا عٰالِيَهٰا سٰافِلَهٰا وَ أَمْطَرْنٰا عَلَيْهٰا حِجٰارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (1).
و قال عن قوم عاد: بَلْ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهٰا عَذٰابٌ أَلِيمٌ، تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهٰا فَأَصْبَحُوا لاٰ يُرىٰ إِلاّٰ مَسٰاكِنُهُمْ كَذٰلِكَ نَجْزِي اَلْقَوْمَ اَلْمُجْرِمِينَ (2).
و قال تعالى على لسان نبيه، نوح عليه و على نبينا و آله السلام: وَ قٰالَ نُوحٌ رَبِّ لاٰ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكٰافِرِينَ دَيّٰاراً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبٰادَكَ وَ لاٰ يَلِدُوا إِلاّٰ فٰاجِراً كَفّٰاراً (1). فتجويز قتل النساء و الأطفال، و الشيوخ ليس بالأمر المستهجن.
و قد دلت بعض النصوص على: أن اللّه تعالى يقدر قبض أرواحهم في تلك اللحظة، فلا يكون ما يحل بهم من باب العذاب لهم. .
رابعا: قال القاضي النعمان: «ذكر أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نصب المنجنيق على أهل الطائف، و قال: إن كان في حصنهم قوم من المسلمين، و أوقفوهم معهم، فلا تتعمدوا إليهم بالرمي، و ارموا المشركين. و أنذروا المسلمين ليتقوا، إن كانوا أقيموا كرها، و نكبوا عنهم ما استطعتم، فإن أصبتم أحدا ففيه الدية» (2).
و لعلك تقول: لكن رواية حفص بن غياث تقول: إنه لا دية و لا كفارة في قتل المسلمين و التجار، إن أصيبوا بضرب المنجنيق، او غيره، فقد قال:
سألت أبا عبد اللّه «عليه السلام» عن مدينة من مدائن الحرب، هل يجوز
1) الآيتان 26 و 27 من سورة نوح.
2) الكافي ج 5 ص 28 و تهذيب الأحكام للطوسي ج 6 ص 142 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 46 و البحار ج 19 ص 178 و مختلف الشيعة (ط حجرية) ج 2 ص 155 و جواهر الكلام ج 21 ص 65 و 66 و منتهى المطلب ج 2 ص 909 و 910 و إيضاح الفوائد ج 1 ص 357 و تذكرة الفقهاء (ط حجرية) ج 1 ص 412 و دعائم الإسلام ج 1 ص 376 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 155 و مستدرك الوسائل ج 11 ص 42 و ميزان الحكمة ج 1 ص 568.
أن يرسل عليها الماء، أو تحرق بالنار، أو ترمى بالمنجنيق حتى يقتلوا، و فيهم النساء و الصبيان، أو الشيخ الكبير، و الأسارى من المسلمين و التجار؟ !
فقال: يفعل ذلك بهم، و لا يمسك عنهم لهؤلاء، و لا دية عليهم للمسلمين، و لا كفارة (1).
و يمكن أن يجاب: بأنه لا منافاة بين رواية حفص بن غياث، و بين رواية القاضي النعمان، فإن رواية حفص بن غياث قد تكون ناظرة إلى صورة ما لو لم يعلم الرامي بوجود مسلمين، فصادف وجودهم، و إصابتهم، فلا تجب عليه الدية.
أما رواية الدعائم: فهي ناظرة إلى صورة علم الرامي بوجودهم، فرماهم، فتجب دية المسلمين الذين أصيبوا منهم.
و تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» شرع بقطع نخيل و شجر الطائف، و تحريقه. و وكل كل رجل من أصحابه، بقطع خمس نخلات، ثم تركها لهم، لأجل اللّه و للرحم، حين ناشدوه ذلك.
مع أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان في وصاياه لسراياه و بعوثه ينهاهم عن ذلك و يقول: «و لا تقطعوا شجرا إلا أن تضطروا إليها» .
1) دعائم الإسلام ج 1 ص 376 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 249 و التحفة السنية (مخطوط) ص 199 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 62 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 46 و تذكرة الفقهاء ج 9 ص 69 و مختلف الشيعة ج 4 ص 391 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 142.
فإن كان «صلى اللّه عليه و آله» قد اضطر إلى قطع الشجر، من أجل تمكين جيشه من التحرك في ساحات القتال، و منع العدو من الإستفادة من ذلك الشجر، و منعه من وضع كمائن قتالية في بعض المواضع. . فلما ذا عاد فترك قطعها حين ناشدوه اللّه و الرحم؟ !
و إن كان قد قطعها من غير ضرورة، بل تشفيا و إمعانا في أذى أعدائه، فكيف يفعل ما كان هو ينهى عنه بعوثه و سراياه؟ !
و يمكن أن يجاب: بأنه من الجائز أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد احتاج لمنع تسلل أعدائه إليه، أو لإعطاء قدر أكبر من حرية الحركة و سهولتها حلى جيشه-احتاج-إلى قطع طائفة من الأشجار، لأنها كانت في مواضع يشكل بقاؤها خطرا على جيش المسلمين، لإمكان استفادة العدو منها، أو لأنها كانت تعيق حركة الجيش، أو لغير ذلك. . فظن أهل الطائف، و كذلك بعض المسلمين أو كلهم، أنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد قطع جميع نخيلهم، و أعنابهم و شجرهم، فناشدوه أن يترك ذلك، فترك استكمال قطعها، مكتفيا بما قطع منها، و آثر أن يتحمل قسطا من الجهد بالنسبة لما بقي، تعظيما للّه، وصلة للرحم.
و الغريب في الأمر هنا: أن تلجأ ثقيف في مطالبتها النبي «صلى اللّه عليه و آله» بترك قطع الأشجار إلى أمر لم تزل هي تنقضه، و تحارب النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أجله.
فثقيف هي التي أعلنت الحرب على اللّه و رسوله، و تسعى في قتل النبي
و المسلمين، و قد بدأت بجمع الجموع لحربهم قبل سنة، من غير ذنب أتوه إليها.
إلا أنهم يقولون: ربنا اللّه، و هي تريد منعهم من ذلك.
و ثقيف هي التي قطعت رحمه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا تزال تجهد في تأكيد هذه القطيعة، و هذا الوضع الذي أوجدته هي لنفسها هو من أجلى ذلك.
فما معنى: أن تناشده اللّه و الرحم، من أجل نخلات اضطر إلى قطعها ليدفع الخطر عن نفسه، و يحفظ أرواح أصحابه، و ليتمكن من إنهاء الحرب بأقل الخسائر في الأرواح؟ ! و لعل ذلك يوفر على ثقيف نفسها أيضا الكثير من الخسائر، إذا أمكن حسم أمر الحرب، و سقطت مقاومة ثقيف بسرعة، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يريد استئصالها، بل كان يريد لها الحياة، و الكرامة، و السعادة. .
و قد أثبت «صلى اللّه عليه و آله» ذلك بالأفعال لا بالأقوال. . كما أظهرته الوقائع، حتى حين أراد تقسيم غنائم حنين، و تعيين مصير الأسرى و السبايا فيها، حيث عمل على إطلاق سراحهم جميعا، و اكتفى بتقسيم الغنائم، لا على أصحابه المؤمنين، و إنما على الذين نابذوه و حاربوه في الفتح و في حنين. . ليتألّفهم بها، و ليطفئ نار حقدهم، و ليطمئنهم على أنه لا يريد بهم سوءا. . و ليمنعهم من مواصلة مؤامراتهم، و العبث بأرواح الناس، و التلاعب بمصائرهم، و بأمنهم.
و لم تكن مناشدة ثقيف إياه اللّه و الرحم، إلا لأنهم يعرفون صدقه في دعوته، و التزامه بشعاراته، و وقوفه عند تعهداته، و انسجامه مع قناعاته، لا
يحيد عنها قيد شعرة في أي من الظروف و الأحوال.
و لعل هذه الإستجابة منه «صلى اللّه عليه و آله» لثقيف كانت من جملة المحفزات لها أيضا على ترك الحرب، و إرسال وفودها إليه، لتعلن إسلامها، و ذلك بعد أيام يسيرة من هذه الوقائع.
قال ابن إسحاق: و بلغني أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال لأبي بكر: «إني رأيت أنى أهديت لي قعبة مملوءة زبدا، فنقرها ديك، فهراق ما فيها» .
فقال أبو بكر: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «و أنا لا أرى ذلك» (1).
و عن جابر «رضي اللّه عنه» قال: «قال: يا رسول اللّه، أحرقتنا نار ثقيف، فادع اللّه تعالى عليهم، فقال: اللهم اهد ثقيفا، و أت بهم» (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 387 و تاريخ الخميس ج 2 ص 111 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 114 و راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 355 و البداية و النهاية ج 4 ص 401 و إمتاع الأسماع ج 8 ص 133 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 922 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 662.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 388 عن الترمذي، و حسنه، و قال في هامشه: أخرجه الترمذي (3942) و أحمد ج 3 ص 343 و ابن سعد ج 2 ص 1 ص 115 و ابن أبي شيبة ج 12 ص 201 و ج 14 ص 508 و انظر البداية ج 4 ص 350 و 352. و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 112 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 114 و السيرة الحلبية ج 3 ص 118 و (ط دار المعرفة) ص 82 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 159 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 25 و ج 14 ص 24 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 925 و عيون الأثر ج 2 ص 232 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 663 و 667 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 2 ص 499 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 267 و البداية و النهاية ج 4 ص 402 و 404 و سنن الترمذي ج 5 ص 386 و فتح الباري ج 8 ص 36 و عمدة القاري ج 12 ص 136 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 307 و عون المعبود ج 8 ص 185 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 560 و الآحاد و المثاني ج 3 ص 184 و ضعيف سنن الترمذي ص 527.
و نقول:
بالنسبة للرؤيا التي يزعمون أن أبا بكر قد عبرها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نقول:
أولا: إننا لا نستطيع أن نؤكد صحة روايتها، فإن ابن إسحاق لم يذكر لنا من الذي أبلغه بها، فلعله ممن لا يصح الإعتماد على روايته، ممن كان ابن إسحاق يتحرج من ذكر اسمه، خوفا من أن ينسب إليه: أنه يأخذ عن غير الموثوقين، فيسقط محله بين أهل العلم.
ثانيا: إن التعبير الذي جاء به أبو بكر، لا يتلاءم مع طبيعة الرؤيا، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي اختار ترك أهل الطائف، و لم يكن هناك من يمكن أن يكون سببا في تضييع فتحها عليه «صلى اللّه عليه و آله» ، لكي
يقال: «إن الديك الذي نقر القعبة، فهراق ما فيها، هو فلان مثلا» .
ثالثا: سيأتي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أدرك من الطائف ما أراد، بفضل اللّه تعالى، و بجهاد علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، حيث ألقى اللّه الرعب في قلوبهم، و طلبوا من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يتنحى عنهم حتى يقدم عليه وفدهم، ففعل، رفقا منه «صلى اللّه عليه و آله» بهم، و سار حتى نزل مكة، فجاءه وفدهم بإسلامهم، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى (1).
و بذلك يظهر: أنه لا صحة لما يدّعونه، من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تركهم، لأنه لم يدرك منهم ما أراده.
و لا صحة أيضا: لما يذكرونه، من أن قدوم وفدهم قد تأخر عدة أشهر، فقدم في شهر رمضان المبارك. . و لا أقل من أن ذلك مشكوك فيه.
رابعا: لو سلمنا أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد انصرف عنهم، من دون أن يطلبوا منه ذلك، و لكن من الذي قال: إنه كان يريد من حصاره للطائف فتح الطائف عنوة، ثم غيّر رأيه، و انصرف عنها عجزا و ضعفا. . فلعل هدفه «صلى اللّه عليه و آله» كان من أول الأمر هو: أن يذيق أهل الطائف مرارة الحصار، و الخوف من ضربات المنجنيق، ثم يتركهم ليتدبروا أمرهم بعد ذلك، وفق ما توفر لديهم من معطيات. .
و لم يكن يريد أن يلجئهم إلى العناد و اللجاج، و المكابرة، أكثر مما كان،
1) الأمالي للطوسي ص 516 و 517 و البحار ج 21 ص 153 و تاريخ الإسلام ج 2 ص 596 و البداية و النهاية ج 4 ص 402 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 24 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 663.
بل يريد أن يجعل طريق الرشد و الغي واضحين لهم.
و قد ظهر لهم بالفعل: أن عليا «عليه السلام» قد أخضع محيطهم كله لإرادة اللّه، و رسوله، و أدركوا أن لا قدرة لهم على منابذة و معاداة محيطهم، الذي قبل بالإسلام دينا، و أصبح يحارب من أجله. و هم إنما يعيشون على التجارات، و على بيع ثمرات نخيلهم و أعنابهم، و غيرها، في مكة و سواها من البلاد المجاورة.
و قد أصبحوا يواجهون عزلة مريرة في المنطقة، و قد يفاجؤهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» في كل وقت بحصارات، أو بغارات ربما لا يتمكنون من الصمود أمامها، و سوف يكلفهم عنادهم، و إصرارهم على موقفهم هذا أثمانا غالية، لا مبرر للتفريط بها، و لا سيما مع رؤيتهم المزيد من الرفق، و مراعاة الحال، و الحفاظ على الرحم فيهم ممن عادوه و نابذوه و حاربوه، و هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فلما ذا العناد إذن؟ ! و لماذا الإصرار؟ !
و قد أظهرت الوقائع: أن المستقبل سيكون مع هذا الدين، و مع المسلمين أرحب، و الفرص فيه أوفر، و السعادة و راحة البال أيسر، و أكبر.
بل قد أصبحت الحياة في خارج هذا المحيط صعبة و قاسية، و مريرة، و غير مؤهلة للإستمرار، و لا للإستقرار. .
و بالنسبة لحديث جابر، و طلبه من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يدعو على ثقيف، نقول:
1-إن من الجائز أن يكون جابر قد طلب من النبي «صلى اللّه عليه
و آله» أن يدعو على ثقيف، انطلاقا من حميمته الدينية، إلا أن نبي الرحمة قد أبى إلا أن يكون الرحيم الرؤوف حتى بمن يحاده و يضاده.
و من الجائز أن يقال في تفسير ذلك أيضا: أنه يظهر مفارقة مثيرة بين مرامي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و نظرته إلى الأمور، و أهدافه من الحرب. . و بين نظرة و مرامي، و أهداف غيره. .
فإن الحرب، و آلامها و قسوتها قد أثرت حتى على مثل جابر، فأظهر حرصه على التخلص منها، و لو بقيمة هلاك ثقيف بدعوة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
فأصبح يرى: أن المشكلة تتمثل في نار ثقيف التي أحرقتهم، و أن التخلص من هذه النار إنما يكون بهلاك أصحابها. .
أما النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيرى: أن المشكلة هي كفر ثقيف و استكبارها، و حميتها الجاهلية، و جهلها، و لا أخلاقيتها، و انقيادها لأهوائها. . و أن التخلص من هذه المشكلة إنما يكون بإيمان ثقيف، و فتح باب الهداية لها، و الكشف عن بصيرتها، و عندئذ سوف تصبح نارها بردا و سلاما، و حقدها محبة و وئاما. .
و لأجل ذلك قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في جوابه لجابر: «اللهم اهد ثقيفا» .
2-ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكتف بطلب هدايتهم، بل طلب من اللّه تعالى أن يأتي بهم. .
فلما ذا أضاف «صلى اللّه عليه و آله» هذا الطلب إلى طلب الهداية؟ ! . .
و الجواب:
أن مجرد معرفة الحق، و الوقوف على معالمه لا يكفي، بل ليس هو المطلوب، بل المطلوب هو العلم و العمل معا، و ذلك يحتاج إلى أخلاقية مبدؤها نبذ الإستكبار، و أخلاقية تدعوه إلى الإنقياد، و تصونه من الجحود، و تبعث فيه روحا إلهية تغمره بالروحانية، و تفيض عليه السكينة، و الرضا، و السلام.
و لأجل ذلك: كان الإتيان بثقيف منقادة لأمر اللّه، نابذة للإستكبار و الجحود، هو المطلوب النهائي في دعاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و عن طلب خولة بنت حكيم، زوجة عثمان بن مظعون، من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يعطيها حلي بادية بنت غيلان، أو حلي الفارعة بنت عقيل، إن فتح اللّه عليه الطائف نقول:
إننا لا نراه طلبا معقولا، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يعود الناس على إقتراحات لعطاءات من هذا القبيل، بل كان يقسم الغنائم بين المقاتلين وفق شرع اللّه تبارك و تعالى؟ ! .
كما أننا لم نعرف السبب الذي جعل خولة تستحق هذا العطاء الكبير، و تطالب به! !
و لا ظهر لنا: المبرر لجرأتها و إقدامها على هذا الطلب! ! و كيف لم تتوقع من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يقول لها: لماذا أعطيك و أحرم غيرك؟ ! .
و هل كانت هذه المرأة محبة لزينة الحياة الدنيا إلى هذا الحد؟ ! و هل التي يقولون: إنها تصوم النهار، و تقوم الليل، و هي امرأة صالحة، فاضلة (1)، فهل
1) الإصابة ج 4 ص 291 و (ط دار الكتب العلمية) ج 8 ص 117 و راجع: الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 290 و (ط دار الجيل) ج 4 ص 1832 و مجمع الزوائد ج 4 ص 301.
من يكون هذا حالها تسعى للإستئثار بحلي أحلى نساء ثقيف، دون سائر النساء اللواتي حضرن تلك الحرب؟ !
و قد كان البلاء و العناء لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يأتيه من قبل أصحابه، الذين كانوا-و خصوصا الزعماء و الرؤساء منهم-على درجة كبيرة من المباينة معه، فهم شيء و النبي «صلى اللّه عليه و آله» شيء آخر. . سواء من ناحية التفكير، أو من ناحية المرامي و الأهداف، أو المميزات و الملكات و الصفات، أو في طريقة الحياة. أو في أي شأن من الشؤون. .
بل إن الكثيرين منهم هم إلى اعدائه أقرب منهم إليه. . و من شواهد ذلك-و ما أكثرها-ما روي: من أنه حين أراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» الرحيل عن الطائف نادى: ألا إن الحي مقيم.
فقال عيينية: أجل و اللّه، مجدة كراما.
فقال له رجل من المسلمين: قاتلك اللّه يا عيينة، تمدح المشركين بالإمتناع عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد جئت تنصره؟ !
قال: و اللّه، إني جئت لأقاتل ثقيفا معكم، و لكني أردت أن يفتح محمد الطائف، فأصيب من ثقيف جارية أطؤها لعلها تلد لي رجلا، فإن ثقيفا قوم مناكير (1).
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 111 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 355 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 267 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 922 و البداية و النهاية ج 4 ص 402 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 23 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 662.
و عن استشارة النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفيل بن معاوية في أمر أهل الطائف نقول:
أولا: لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» محتاجا إلى مشورة أحد، لأنه كان مستغنيا بالوحي. .
ثانيا: لماذا خص نوفل بن معاوية بالإستشارة، فإن المقام ليس مقام تأليف، و تقريب، إذ لو كان الأمر كذلك لاستشار أبا سفيان، و صفوان بن أمية، و سهيل بن عمرو، و نظراءهم. .
و إن كان يريد الإستشارة في أمر الحرب، فاللازم هو: إستشارة من يتحملون أعباءها، و يطلب منهم التضحية فيها بأرواحهم، و بعلاقاتهم، و بغير ذلك من أمور.
و المفروض: أن الذين كانوا معه «صلى اللّه عليه و آله» ، يزيدون على عشرة آلاف مقاتل، و لم يكن نوفل بن معاوية يمثلهم في شيء من ذلك.
عن أم سلمة، قالت: كان عندي مخنث (1). و ذلك في أيام محاصرة الطائف، فقال ذلك المخنث لعبد اللّه أخي: إن فتح اللّه عليكم الطائف غدا،
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 111 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 223 و الإستذكار ج 7 ص 286 و التمهيد لابن عبد البر ج 22 ص 272 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 593 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 386.
فإني أدلك على ابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع و تدبر بثمان (1).
فسمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قوله، فقال: «لا أرى هذا يعلم ما هاهنا، لا تدخلن هؤلاء عليكن» .
و كانوا يرونه من غير أولي الإربة من الرجال (2).
قال ابن جريج: اسمه هيت (3).
1) أي أربع عكن في بطنها، لكل عكنة طرفان، فيكون ثمان من خلفها. راجع: المجموع للنووي ج 16 ص 140 و كتاب الموطأ ج 2 ص 767 و نيل الأوطار ج 6 ص 246 و ذخائر العقبى ص 253 و صحيح البخاري ج 6 ص 159 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 223 و عمدة القاري ج 20 ص 215 و بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ص 270 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 396 و مسند أبي يعلى ج 12 ص 394 و الإستذكار ج 7 ص 286 و التمهيد لابن عبد البر ج 22 ص 269 و 270 و 272 و أسد الغابة ج 3 ص 118 و تاريخ الإسلام ج 2 ص 593 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 387 و جامع البيان للطبري ج 18 ص 164 و تفسير ابن أبي حاتم ج 8 ص 2579 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 412 و تفسير الثعلبي ج 7 ص 88.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 387 و بدائع الصنائع ج 5 ص 123 و الشرح الكبير ج 7 ص 347 و مسند أحمد ج 6 ص 153 و تفسير ابن أبي حاتم ج 8 ص 2579 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 412 و تفسير الثعلبي ج 7 ص 88 و موارد الظمآن ج 6 ص 252 و جامع البيان للطبري ج 18 ص 164.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 387 و مسند الحميدي ج 1 ص 143 و التمهيد ج 22 ص 270 و البداية و النهاية ج 4 ص 400 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 661 و مقدمة فتح الباري ص 305 و راجع: نيل الأوطار ج 6 ص 246 و شرح مسلم ج 14 ص 163 و عون المعبود ج 13 ص 189 و فتح الباري ج 9 ص 291.
قال ابن إسحاق: كان مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مولى لخالته فاختة بنت عمرو بن عايد (عائذ) ، مخنث يقال له: ماتع، يدخل على نساء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يكون في بيته. و لا يرى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنه يفطن لشيء من أمور النساء مما يفطن الرجال إليه، و لا يرى أن له في ذلك إربا، فسمعه و هو يقول لخالد بن الوليد: يا خالد، إن فتح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الطائف، فلا تفلتن منك بادية بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع و تدبر بثمان.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين سمع هذا منه: «لا أرى الخبيث يفطن لما أسمع» .
ثم قال لنسائه: «لا تدخلنه عليكن» .
فحجب عن بيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و يقال: إنه نفاه من المدينة إلى الحمى (2).
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 386 و 387 عن يونس بن بكير في زيادة المغازي، و عن البخاري، و مسلم، و قال في هامشه: أخرجه البخاري (4324، 4325) ، و البيهقي في السنن الكبرى ج 8 ص 224، و في الدلائل ج 5 ص 161. و راجع: المجازات النبوية (ط سنة 1387) ص 127 و صحيح مسلم ج 7 ص 11 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 111 و السيرة الحلبية ج 3 ص 116 و 117 و البحار ج 101 ص 47 و فتح الباري ج 9 ص 292 و الإستذكار ج 7 ص 287 و أسد الغابة ج 4 ص 268 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 661.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 116 و (ط دار المعرفة) ص 79 و كتاب الأم للشافعي ج 6 ص 157 و راجع: مستدرك البحار ج 10 ص 577 و معرفة السنن و الآثار ج 6 ص 338 و فتح الباري ج 9 ص 294 و عمدة القاري ج 17 ص 303 و التمهيد لابن عبد البر ج 22 ص 276 و الجامع لأحكام القرآن ج 12 ص 236.
و نقول:
1-إن هناك اختلافا بل تناقضا في روايات هذه الحادثة، فهل قال المخنث ذلك لخالد بن الوليد، أو لعبد اللّه أخي أم سلمة؟ !
و هل نفى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ماتعا و هيتا (1)، أو نفى ماتعا فقط؟ !
2-هل جزاء من غلغل النظر إلى النساء هو النفي و الإخراج من البلد؟ ! مع أنهم لم يعدّوا هذا الذنب من الكبائر، إلا إذا أصر عليه فاعله! !
إلا أن يقال: لعل سبب هذه العقوبة القاسية هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» اتهم ذلك المخنث بالتظاهر بالتغفيل و الحمق، ربما لكي يدخل على نساء الناس، و يرى منهن ما يحرم رؤيته على الرجال. .
و لكن ليس لدينا ما يؤيد هذا الإحتمال، فيبقى غير قادر على دفع الإشكال.
3-هل صحيح: أنه يجوز إدخال المخنثين على نساء الناس، و رؤية محاسنهن؟ !
و هل صحيح: أنهم كانوا يدخلون على نساء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالخصوص، مع ما عرفه كل أحد من شدة غيرته «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
4-على أننا نجد في الروايات عن علي «عليه السلام» : «إن فاطمة «عليها السلام» استأذن عليها أعمى، فحجبته، فقال لها النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لما
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 116 و (ط دار المعرفة) ص 79.
حجبته و هو لا يراك؟
فقالت: إن لم يكن يراني، فأنا أراه، و هو يشم الريح.
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أشهد أنك بضعة مني» (1).
و نقول:
أولا: إن فاطمة «عليها الصلاة السلام» قد استدلت بأمرين:
الأول: أنه إن لم يكن ذلك الرجل يراها فهي تراه، و معنى ذلك: أن على المرأة أن لا تنظر إلى الرجل أيضا، فكيف علمت الزهراء ذلك، و لم يعلمه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى سمح بدخول المخنثين على نسائه؟ !
الثاني: إن الرجل يشم الريح أيضا، حتى لو كان أعمى، و هذا يدعوها إلى حجبه، و منعه من التواجد في موضع قريب منها، فهل المخنث ليس
1) مسند فاطمة الزهراء «عليها السلام» ص 337 و مناقب الإمام علي «عليه السلام» لابن المغازلي ص 380 و 381 و البحار ج 43 ص 91 و 92 و ج 100 ص 250 و ج 101 ص 38 و فاطمة بهجة قلب المصطفى ص 258 و العوالم ج 11 ص 123 و إحقاق الحق ج 10 ص 258 و مستدرك الوسائل ج 14 ص 289 و 182 و في هامشه عن: الجعفريات ص 95 و دعائم الإسلام ج 2 ص 214 و مكارم الأخلاق ص 245. و النوادر للراوندي ص 119 و جامع أحاديث الشيعة ج 20 ص 299 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 9 ص 171 و الدر النظيم لابن حاتم العاملي ص 457 و العدد القوية للحلي ص 224 و الخصائص الفاطمية للشيخ الكجوري ج 2 ص 470 و صحيفة الزهراء «عليها السلام» للشيخ جواد القيومي ص 292 و شرح إحقاق الحق ج 10 ص 258 و الأسرار الفاطمية ص 354.
رجلا، و لا يشم الريح أيضا؟ ! و هل كونه مخنثا يمنعه من ذلك؟ !
ثانيا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لفاطمة حينئذ: أشهد أنك بضعة مني. و لا يقصد من هذه الكلمة في هذا المورد بالذات: أنها «عليها السلام» بضعة منه «صلى اللّه عليه و آله» جسديا و حسب، بل هي بضعة منه من الناحية الإيمانية، و الفكرية و الروحية، و في مستوى وعيها للأمور، و معرفتها بالأحكام و بأهدافها، و ملاكاتها، و حقائقها و دقائقها. و هو تصويب لفهمها و لموقفها كله. .
فكيف يصوبها هنا، ثم هو يتصرف بخلاف هذا الصواب، و يدخل المخنث إلى بيته، ليرى محاسن نسائه؟ !
4-روي: أن ابن أم مكتوم استأذن على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و عنده عايشة و حفصة، فقال لهما: قوما فادخلا البيت.
فقالتا: إنه أعمى.
فقال: إن لم يركما فإنكما تريانه (1).
5-و عن أم سلمة، قالت: كنت عند رسول اللّه، و عنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، و ذلك بعد أن أمر بالحجاب، فقال: احتجبا.
فقلنا: يا رسول اللّه، أليس أعمى؟ !
1) الكافي ج 5 ص 534 و الحدائق الناضرة ج 23 ص 66 و مستند الشيعة ج 16 ص 33 و مستمسك العروة ج 14 ص 25 و 47 و كتاب النكاح للسيد الخوئي ج 1 ص 52 و 99 و الوسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج 20 ص 232 و (ط دار الإسلامية) ج 14 ص 171 و البحار ج 22 ص 244 و جامع أحاديث الشيعة ج 20 ص 298 و قاموس الرجال ج 11 ص 591.
قال: أفعميا و ان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ ! (1).
1) تحرير الأحكام ج 3 ص 420 و جامع المقاصد و كشف اللثام (ط ج) ج 7 ص 29 و الحدائق الناضرة ج 23 ص 66 و مستند الشيعة ج 16 ص 33 و مستمسك العروة ج 14 ص 47 و كتاب النكاح للسيد الخوئي ج 1 ص 53 و 99 و المجموع للنووي ج 16 ص 133 و 139 و روضة الطالبين للنووي ج 5 ص 371 و مغني المحتاج للشربيني ج 3 ص 132 و المغني لابن قدامه ج 7 ص 465 و الشرح الكبير ج 7 ص 352 و كشاف القناع ج 5 ص 13 و نيل الأوطار ج 6 ص 248 الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 20 ص 232 و (ط دار الإسلامية) ج 14 ص 172 و مكارم الأخلاق ص 233 و عوالي اللآلي ج 1 ص 57 و ج 2 ص 134 و البحار ج 101 ص 37 و جامع أحاديث الشيعة ج 20 ص 299 و مسند أحمد ج 6 ص 296 و سنن أبي داود ج 2 ص 272 و شرح مسلم للنووي ج 10 ص 97 و فتح الباري ج 9 ص 294 و ج 12 ص 32 و عمدة القاري ج 20 ص 216 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 241 و عون المعبود ج 6 ص 271 و مسند ابن راهويه ج 4 ص 85 و تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 210 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 393 و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 102 و صحيح ابن حبان ج 12 ص 387 و 389 و معرفة السنن و الآثار ج 5 ص 227 و التمهيد لابن عبد البر ج 19 ص 154 و 156 و رياض الصالحين للنووي ص 642 و موارد الظمآن ج 6 ص 258 و كنز العمال ج 5 ص 328 و الكشاف للزمخشري ج 3 ص 61 و تفسير جوامع الجامع للطبرسي ج 2 ص 616 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 588 و تفسير الميزان ج 15 ص 117 و تفسير البغوي ج 3 ص 338 و أحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 380 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 4 ص 178 و تفسير الرازي ج 23 ص 204 و الجامع لأحكام القرآن ج 12 ص 228 و 249 و تفسير الثعالبي ج 4 ص 182 و الدر المنثور ج 5 ص 42 و تفسير الآلوسي ج 18 ص 140 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 176 و 178 و العلل لابن حنبل ج 3 ص 264 و ضعفاء العقيلي ج 4 ص 108 و تاريخ بغداد ج 3 ص 226 و 227 و 228 و ج 8 ص 334 و 335 و تاريخ مدينة دمشق ج 54 ص 433 و 434 و 436 و تهذيب الكمال للمزي ج 26 ص 182 و 184 و سير أعلام النبلاء ج 9 ص 455 و تهذيب التهذيب ج 9 ص 323 و 324 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 14 ص 362 و الوافي بالوفيات ج 4 ص 168 و عيون الأثر ج 1 ص 30 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 315 و الكبائر ص 177.
فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» يستدل على عائشة، و حفصة، و ميمونة، و أم سلمة على لزوم احتجابهن من ابن أم مكتوم بأنهن يريانه، و هذا الأمر حاصل في دخول المخنث على زوجاته «صلى اللّه عليه و آله» ، بزيادة أن ذلك المخنث يراهن أيضا. .
فإن كانت هذه الأمور قد حصلت قبل قضية الطائف، و قضية ذلك المخنث، فالمفروض هو: أن لا يرضى «صلى اللّه عليه و آله» بدخول ذلك المخنث على أهل بيته. .
و إن كانت قد حصلت بعد ذلك، فالسؤال هو: ألم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعرف هذا الأمر قبل ذلك؟ ! فإن كان يعرفه، فلما ذا مكن المخنثين من الدخول على نسائه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إن كان لا يعرف ذلك، فهذا يوجب الطعن في مقام النبوة، لما فيه من ارتكاب ما لا يرضاه الشارع بالإضافة إلى نسبة الجهل إلى أفضل الأنبياء بأمر بديهي، كما ظهر من طريقة استدلاله «صلى اللّه عليه و آله» على زوجاته. .
6-إن هناك روايات كثيرة تتحدث عن لزوم الإحتراز عن المخنثين، و عن لعن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم و غير ذلك. . و قد رواها السنة و الشيعة عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
فمما رواه شيعة أهل البيت «عليهم السلام» نذكر ما يلي:
ألف: لعن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المخنثين، و قال: أخرجوهم من بيوتكم.
و عن علي «عليه السلام» مثله (1).
ب: و عنه «صلى اللّه عليه و آله» : لا يجد ريح الجنة زنوق، و هو المخنث (2).
ج: و عن الإمام الصادق «عليه السلام» قال: لعن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المتشبهين من الرجال بالنساء، و المتشبهات من النساء بالرجال و هم المخنثون (3).
و مما رواه أهل السنة نذكر: ألف: روى البخاري، و أحمد، و الترمذي، و الدارمي و غيرهم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعن المخنثين من الرجال، و المترجلات من النساء،
1) البحار ج 101 ص 46 و 47 و الجعفريات (ط حجرية) ص 127 و مكارم الأخلاق ص 244 و دعائم الإسلام ج 2 ص 455 و مستدرك الوسائل ج 13 ص 202 و ج 14 ص 348 و 349 و 352 و النوادر ص 191 و البحار ج 101 ص 47 و جامع أحاديث الشيعة ج 20 ص 367 و 368 و مستدرك سفينة البحار ج 1 ص 277 و ج 3 ص 217.
2) البحار ج 76 ص 67 و معاني الأخبار ص 330.
3) البحار ج 76 ص 68 و ثواب الأعمال ص 238.
و قال: أخرجوهم من بيوتكم (1).
ب: و قد روي في كتاب الحدود: «. . و إذا قال: يا مخنث، فاضربوه عشرين» (2).
1) المحلى ج 11 ص 385 و سبل السلام ج 4 ص 14 و نيل الأوطار ج 6 ص 343 و فقه السنة ج 3 ص 492 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 224 و مجمع الزوائد ج 6 ص 273 و ج 8 ص 103 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 57 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 242 و مسند سعد بن أبي وقاص ص 80 و المعجم الصغير ج 1 ص 14 و المعجم الأوسط ج 5 ص 30 و المعجم الكبير ج 11 ص 208 و 226 و 249 و 279 و 320 و ج 12 ص 306 و ج 22 ص 85 و رياض الصالحين ص 643 و تاريخ بغداد ج 5 ص 87 و البخاري، كتاب اللباس 62 في موردين، و كتاب الحدود 33 و الجامع الصحيح، ج 4 ص 194 الأدب 34 و سنن الدارمي ج 2 ص 280 و مسند أحمد ج 1 ص 225 و 227 و 237 و 354 و 365 و ج 2 ص 65 و 91 و 287 و 289 و سنن أبي داود ج 2 ص 462 و كشف الخفاء ج 2 ص 143 و فيض القدير ج 5 ص 346 و الكامل ج 2 ص 188 و 409 و الجامع الصغير ج 2 ص 207 و العهود المحمدية ص 768 و عن الإصابة ج 1 ص 270 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 396 و 397 و تاريخ بغداد ج 5 ص 87 و الإصابة ج 1 ص 270 و كشف الخفاء ج 2 ص 144 و معرفة السنن و الآثار ج 6 ص 338.
2) سنن ابن ماجة ج 2 ص 857 و المحلى لابن حزم ج 11 ص 285 و عوالي اللآلي ج 1 ص 190 و ميزان الحكمة ج 3 ص 2513 و سنن الترمذي ج 3 ص 12 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 25 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 428 و كنز العمال ج 5 ص 387 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 253 و المعجم الكبير للطبراني ج 11 ص 183 و سنن الدراقطني ج 3 ص 96 و كتاب المجروحين لابن حبان ج 1 ص 110 و الكامل لابن عدي ج 1 ص 234 و ج 5 ص 286 و الموضوعات لابن الجوزي ج 3 ص 130 و ميزان الإعتدال ج 1 ص 19 و ج 2 ص 663.
7-و لا أدري لماذا يسيؤون إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حين ينسبون إليه قوله عن المخنث: «لا أرى هذا يعلم ما ها هنا» .
أو قولهم: «و لا يرى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أنه يفطن لشيء من أمور النساء، مما يفطن الرجال إليه، و لا يرى أن له في ذلك إربا» .
أو أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «لا أرى الخبيث يفطن لما أسمع» . ثم يظهر خلاف ما توقعه أو رآه «صلى اللّه عليه و آله» .
سواء قلنا: إن المراد بالمخنث هو الذي لا إرب له في النساء، كما تقدم في الرواية، أو من لا هم له في النساء كما نسبه الصالحي الشامي إلى عرف السلف (1)، لأن من لا يكون له في النساء إرب ليس بالضرورة أن لا يفطن لما يفطن إليه الرجال.
أو قلنا: بأنهم قيل لهم مخنثون، «لأنه كان في كلامهم لين، و كانوا يختضبون بالحناء كخضاب النساء، لا أنهم يأتون الفاحشة الكبرى» (2).
فإن لين كلامهم لا يجعلهم يجهلون خصوصيات الجمال في النساء، أو لا يفطنون لشيء من أمور أمورهن.
و كذلك الحال لو فسر المخنث بالذي يؤتى في دبره، فإن ذلك لا يجعله، غير عارف بخصوصيات النساء، و لا يحسن وصفهن. .
فما هو المبرر لتكوّن هذا الإعتقاد الخاطئ في أمر ظاهر و بديهي لدى نبي هو عقل الكل، و إمام الكل، و مدبر الكل؟ !
مضافا إلى ضرورة التنبيه على أن تفسيبر المخنث بأنه الذي لا هم له في النساء، أو لا إرب له بهن، أو: بأنه الذي يختضب بالحناء، و في كلامه لين، هو مجرد اختراع و تبرع، من أناس يريدون ترقيع الأمور، و التستر على السقطات بأي نحو كان. و لو بالضحك على اللحى، و تزوير الحقائق.
و من البديهي: أن الأحاديث التي تذم المخنثين، و تعلن بلعنهم، و لزوم طردهم من البيوت، من أقوى الشواهد على زيف هذه التفسيرات. . و سقوطها، و سوء رأي أصحابها.
و بعد، فإن كان لهذه القضية أصل، فهو: أن هذا المخنث ربما يكون قد دخل مع عبد اللّه بن أبي أمية إلى بيت أم سلمة، و بقيت هي في خدرها، دون أن يراها أو تراه، حيث بقي مع أخيها في خارجه، فسمعته يقول لأخيها ذلك القول، و سمعه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فمنعه من الدخول مطلقا. . و لم يكن هناك شيء أكثر من ذلك.
و لا صحة لما تدعيه الروايات: من أن ذلك المخنث كان يدخل على أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنهم كانوا يعدونه من غير أولي الإربة و ما إلى ذلك من ترهات و أباطيل. .
و هذه الصورة تتوافق مع ما رواه مسلم عن زينب بنت أم سلمة، عن
أم سلمة، فراجع (1).
و لعلنا نستطيع أن نتصور: أن من دوافع جعل هذه النصوص التي تسيء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو: التخفيف من حدة النقد الذي يتعرض له الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، بسبب ما فعله بنصر بن الحجاج و غيره، حيث يذكرون:
أن عمر كان يعس بالمدينة، إذ مرّ بامرأة في بيت، و هي تقول أبياتا منها:هل من سبيل إلى خمر فأشربهاأم هل سبيل إلى نصر بن حجاج؟
و كان رجلا جميلا، فقال عمر: أما و اللّه و أنا حي فلا، فلما أصبح دعا نصر بن حجاج، فأبصره، و هو من أحسن الناس وجها، و أصبحهم، و أملحهم حسنا، فأمره أن يطم شعره فخرجت جبهته، فازدادت حسنا.
فقال عمر: إذهب فاعتم.
فاعتم، فبدت و فرته.
فأمره بحلقها، فازداد حسنا.
فقال له: فتنت نساء المدينة يا ابن حجاج، لا تجاورني في بلدة أنا مقيم بها، ثم سيّره إلى البصرة، فكتب إليه أبياتا يشكو فيها ما هو فيه، و يطلب منه أن يعيده إلى بلده، فرفض عمر ذلك (2).
1) صحيح مسلم ج 7 ص 11.
2) راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد (ط دار صادر-بيروت) ج 3 ص 385 و راجع: تاريخ عمر بن الخطاب ص 106 و 107 و الإصابة ج 3 ص 579 عن ابن سعد، و الخرائطي بسند صحيح، و كتاب سليم بن قيس ص 230 و البحار ج 31 ص 20 و 23 و مناقب أهل البيت للشيراوني ص 353 و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 27-30 و ج 3 ص 59 و تاريخ مدينة دمشق ج 12 ص 109 و ج 40 ص 275 و تاج العروس ج 10 ص 350 و النص و الإجتهاد ص 365 و 366.
و هناك قصة أخرى لعمر مع رجل آخر أيضا.
و حيث إن هذا النفي لنصر بن حجاج بلا مبرر، لأن الرجل لا ذنب له، أرادوا أن ينسبوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما يشبهه، من حيث أنه نفي لشخص بلا مبرر ظاهر، لكي يقال: إن مثل هذا الإجراء قد يكون احترازيا يهدف إلى منع حدوث الفساد، و ليس عقوبة له. .
و الإجراء الإحترازي يرجع إلى الحاكم، و تقديره للأمور، حتى و إن أضرّ هذا الإجراء بحال من يتخذه في حقه. . فإن ما فيه من مصلحة يجيز للحاكم أن يمارس هذا المقدار من الظلم.
و لكن هذا المنطق مرفوض في الإسلام جملة و تفصيلا.
إذ لا يطاع اللّه من حيث يعصى، و لا تزر وازرة وزر أخرى. .
و إذا كان النساء يقعن في الفتنة، فالواجب هو: قمع النساء، و منعهن عنها، لا معاقبة الأبرياء، أو التعدي على حرياتهم. .
بل ظاهر كلمات عمر: أنه يعامل نصر بن حجاج معاملة المذنب. فراجع.
عن أبي هريرة قال: لما مضت خمس عشرة من حصار الطائف، إستشار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نوفل بن معاوية الديلي، فقال: «يا نوفل ما ترى في المقام عليهم» .
قال: يا رسول اللّه، ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته، و إن تركته لم يضرك (1).
ثم إن خولة بنت حكيم السلمية، و هي امرأة عثمان بن مظعون، قالت: يا رسول اللّه، أعطني، إن فتح اللّه عليك الطائف-حلي بادية بنت غيلان، أو حلي الفارعة بنت عقيل. . و كانتا من أحلى نساء ثقيف.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 387 عن الواقدي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 118 و (ط دار المعرفة) ص 82 و الإصابة ج 4 ص 291 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 4 ص 290 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 114 و عون المعبود ج 8 ص 184 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 355 و البداية و النهاية ج 4 ص 401 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 662 و فتح الباري ج 8 ص 36 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 159 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 267 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 663 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 599 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 23 و عيون الأثر ج 2 ص 232.
فروي: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال لها: «و إن كان لم يؤذن لنا في ثقيف يا خولة» ؟
فخرجت خولة، فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا رسول اللّه ما حديث حدثتنيه خولة؟ زعمت أنك قلته؟
قال: «قد قلته» .
قال: «أو ما أذن فيهم» ؟
قال: «لا» .
قال: أفلا أؤذن الناس بالرحيل؟
قال: «بلى» .
فأذن عمر بالرحيل (1).
و في نص آخر: أنها قالت: يا رسول اللّه، ما يمنعك أن تنهض إلى أهل الطائف؟ !
قال: لم يؤذن لنا الآن فيهم، و ما أظن أن نفتحها الآن (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 387 عن ابن إسحاق، و السيرة الحلبية ج 3 ص 118 و (ط دار المعرفة) ص 82 و تاريخ الخميس ج 2 ص 111 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 114 و عون المعبود ج 8 ص 185 و البداية و النهاية ج 4 ص 401 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 662 و فتح الباري ج 8 ص 36 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 25 و ج 14 ص 22 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 922 و الإستيعاب ج 4 ص 1832.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 118 و (ط دار المعرفة) ص 81 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 21.
و روى الشيخان عن ابن عمرو أو ابن عمر قال: لما حاصر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الطائف، و لم ينل منهم شيئا، قال: «إنا قافلون غدا إن شاء اللّه تعالى.
فثقل عليهم، و قالوا: أنذهب و لا نفتح؟
و في لفظ: فقالوا: لا نبرح أو نفتحها.
فقال: «اغدوا على القتال» .
فغدوا، فقاتلوا قتالا شديدا، فأصابهم جراح، فقال: «إنا قافلون غدا إن شاء اللّه تعالى» .
قال: فأعجبهم، فضحك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . أي تعجبا من سرعة تبدل رأيهم حين رأوا: أن رأي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبرك و أنفع (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 388 عن البخاري، و مسلم، و قال في هامشه: أخرجه البخاري (4325) ، و مسلم في الجهاد باب غزوة الطائف (82) ، و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 169. و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 111 و 112 و السيرة الحلبية ج 3 ص 118 و (ط دار المعرفة) و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 114 و شرح مسلم للنووي ج 12 ص 123 و 124 و المغني لابن قدامة ج 10 ص 545 و مسند أحمد ج 2 ص 11 و صحيح البخاري ج 5 ص 102 و صحيح البخاري ج 7 ص 93 و صحيح مسلم ج 5 ص 169 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 43 و عمدة القاري ج 17 ص 304 و ج 22 ص 149 و ج 25 ص 151 و جزء سفيان بن عيينة ص 53 و مسند الحميدي ج 2 ص 309 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 543 و مسند أبي يعلى ج 10 ص 150 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 101 و معرفة علوم الحديث ص 95 و أحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 477 و تاريخ مدينة دمشق ج 37 ص 256 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 595 و البداية و النهاية ج 4 ص 401 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 661.
قال عروة كما رواه البيهقي: و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الناس أن لا يسرحوا ظهرهم، فلما أصبحوا، ارتحل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه، و دعا حين ركب قافلا و قال: «اللهم اهدهم، و اكفنا مؤنتهم» (1).
و قالوا: فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه، حين أرادوا أن يرتحلوا: «قولوا: لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، صدق وعده، و نصر عبده، و أعز جنده، و هزم الأحزاب وحده» .
فلما ارتحلوا و استقبلوا قال: «قولوا: آيبون، إن شاء اللّه، تائبون، عابدون، لربنا حامدون» (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 388 و البداية و النهاية ج 4 ص 402 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 21 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 597 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 663 و عون المعبود ج 8 ص 185 و مسند أحمد ج 3 ص 157 و صحيح مسلم ج 3 ص 107.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 388 عن الواقدي، و تاريخ الخميس ج 2 ص 112 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 114 و عيون الأثر ج 2 ص 232 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 82 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 159 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 25 و ج 14 ص 23.
و عن مدة الحصار نقول:
قال أنس: إنهم حاصروا الطائف أربعين ليلة، و استغربه في البداية (1).
و قال ابن إسحاق: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حاصر أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك، ثم انصرف عنهم، و لم يؤذن فيهم.
فقدم وفدهم في رمضان فأسلموا (2).
قال اليعقوبي و ابن إسحاق: «و حاصرهم بضعا و عشرين ليلة (3).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 388 عن أحمد، و مسلم، و راجع: عمدة القاري ج 17 ص 305 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 22 و ج 8 ص 388 و سبل السلام ج 4 ص 54 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 191 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 600 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 673.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 388 و تاريخ الخميس ج 2 ص 111 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 114 و إعلام الورى ص 124 و (ط آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 235 و البحار ج 21 ص 168 و 169 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 596 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 663 و البداية و النهاية ج 4 ص 402 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 24 و راجع: عمدة القاري ج 12 ص 137 و ج 17 ص 305 و عيون الأثر ج 2 ص 231 و راجع: سبل السلام ج 4 ص 54.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 388 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 64 و عون المعبود ج 6 ص 10 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 66 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 354 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 592 و البداية و النهاية ج 4 ص 120 و 397 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ص 47 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 920 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 201 و 656 و تاريخ خليفة بن خياط ص 54 و راجع: سبل السلام ج 4 ص 54.
و قيل: عشرين يوما (1).
و قيل: بضع عشرة ليلة» (2).
قال ابن حزم: و هو الصحيح بلا شك (3).
و قيل: حاصرهم تسعة عشر يوما (4).
و قيل: ثمانية عشر يوما (5).
و عن عبد الرحمن بن عوف: حاصر الطائف في عشرة، أو سبع عشرة (6).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 388 و عمدة القاري ج 17 ص 305.
2) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 656 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 388 و راجع: الإرشاد للمفيد ج 1 ص 153 و عمدة القاري ج 17 ص 305 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 93 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 22 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 47 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 1 ص 257 عن: كشف الغمة ج 1 ص 223 و عن إعلام الورى ج 1 ص 387 و عن كشف اليقين ص 175.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 388 و تاريخ الخميس ج 2 ص 110 و راجع: إعلام الورى ص 124 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 153 و البحار ج 21 ص 164 و 168 و ج 41 ص 95 و عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 605 و 606.
4) إمتاع الأسماع ج 2 ص 22 و ج 8 ص 388 و ج 14 ص 20.
5) السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و السيرة الحلبية ج 3 ص 116 و (ط دار المعرفة) ص 78 و عمدة القاري ج 17 ص 305 و عيون الأثر ج 2 ص 231 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 158 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 22 و ج 8 ص 388 و ج 14 ص 20.
6) البحار ج 21 ص 152 و ج 40 ص 30 و الأمالي للطوسي ص 516 و راجع: عمدة القاري ج 17 ص 305 و عيون الأثر ج 2 ص 231 و راجع: و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 920 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 656.
و عنه: فحاصرهم سبع عشرة، أو ثماني عشرة ليلة (1). أو سبعة عشر أو تسعة عشر يوما (2).
و عنه أيضا: ثمانية عشر أو تسعة عشر يوما (3).
1) الأربعون حديثا لمنتجب الدين بن بابويه ص 26 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 120 و مجمع الزوائد ج 9 ص 134 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 498 و معجم الرجال و الحديث لمحمد حياة الأنصاري ج 2 ص 106 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 342 و 243 و مناقب علي بن أبي طالب للأصفهاني ص 254 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 9 ص 434 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 450 و ج 31 ص 112 و ج 33 ص 79.
2) خلاصة عبقات الأنوار ج 1 ص 296 و الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» للرحماني ص 284 و مجمع الزوائد ج 9 ص 163 و معجم الرجال و الحديث لمحمد حياة الأنصاري ج 2 ص 5 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 343 و ينابيع المودة ج 1 ص 124 و ج 2 ص 402 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 450 و ج 17 ص 16 و ج 24 ص 209.
3) مناقب آل أبي طالب «عليه السلام» للكوفي ج 1 ص 488 و الأمالي للطوسي ص 504 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 543 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 165 و كنز العمال ج 13 ص 163 و شرح إحقاق الحق ج 17 ص 16 و 17 و ج 22 ص 481 و 482 و الإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص 139 و فضائل أمير المؤمنين «عليه السلام» لابن عقدة الكوفي ص 191.
و قيل: خمسة عشر يوما (1).
قالوا: و كأن الحكمة في أنه لم يؤذن له «صلى اللّه عليه و آله» في فتح الطائف ذلك العام أن لا يستأصل أهل ذلك الحصن قتلا، فأخر اللّه أمرهم، حتى جاؤوا طائعين مسلمين» (2).
و نقول:
إن لنا وقفات عديدة مع ما تقدم، نذكر منها ما يلي:
قد ذكرت الروايات المتقدمة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أمر أصحابه بالرحيل و فك الحصار، معللا ذلك بأنه لم يؤذن لهم في أهل الطائف. .
غير أننا نقول:
أولا: تقدم و سيأتي: ما يدل على أن أهل الطائف هم الذين طلبوا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يبتعد عن حصنهم، حتى يأتيه وفدهم. فذهب إلى مكة، فجاءه وفدهم بإسلامهم. .
فإن كان «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لأصحابه: «إنه لم يؤذن له فيهم» ، فهو يقصد هذا المعنى. .
و في غير هذه الصورة، فإن رجوع النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن
حصارهم معناه: إظهار العجز و الضعف، و ربما يشجع ذلك بعض الفئات في المنطقة على الإلتفاف حولهم، و تشجيعهم و شد أزرهم على المقاومة و الصمود في وجه الإسلام و المسلمين. .
ثانيا: إنه لا مبرر لإعلان هذا العجز في الوقت الذي فتح فيه «صلى اللّه عليه و آله» حصون خيبر، و قتل علي «عليه السلام» مرحب اليهودي، و اقتلع الباب الحجري لأهم حصونها، و اقتحم الحصن. .
فأين هو عن علي «عليه السلام» ؟ و لماذا لا يرسله إلى حصن الطائف لقلع بابه، و فتحه، و اقتحامه و قتل أفرس فرسانه فيه؟ !
فلما ذا أعلن الرحيل بمجرد حضور علي «عليه السلام» من سراياه التي كان قد أرسله فيها، حتى لقد قالوا: «فلما قدم علي، فكأنما كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على و جل فارتحل، فنادى سعيد بن عبيد: ألا إن الحي مقيم. أي و نحن مرتحلون لأننا لسنا من أهل الحي (1).
غير أننا نحتمل: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يرد أن يخبر الناس بمراسلة أهل الطائف له بالإبتعاد عن حصنهم، لكي يأتوه مسلمين مستسلمين، فاكتفى بقوله: إنه لم يؤذن له فيهم. . و هو كلام صحيح، فإنهم إذا كانوا قد أبلغوه بعزمهم على الإستسلام، فاللّه سبحانه لا يأذن له فيهم، بل يجب
1) إعلام الورى ص 124 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث-قم) ج 1 ص 235 و البحار ج 21 ص 169 و 176 و راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 355 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 267 و البداية و النهاية ج 4 ص 402 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 32 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 922 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 662.
إفساح المجال لهم لتنفيذ ما عقدوا العزم عليه. .
و لعل السبب في إخفاء ذلك عن الناس: أنه أراد أن يحفظ بعض ماء الوجه لأهل الطائف، بالإضافة إلى: أنه أراد أن يبعد أهل الطمع عن روائح الغنيمة التي سيرون أنها قد فاتتهم، و لربما يتعرض الناس لبعض التعديات الحانقة منهم، بل قد يفكرون بإثارة حالات من الشغب تؤدي إلى تصعيب اتخاذ أولئك المحاصرين القرار بقبول الإسلام و الاستسلام.
و في بعض النصوص: أن عمر بن الخطاب كلّم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في النهوض إلى أهل الطائف.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «لم يؤذن لنا في قتالهم» .
فقال: «كيف نقبل في قوم لم يأذن اللّه فيهم» ؟ ! (1).
و لا ندري على من يعترض عمر بن الخطاب! ! هل يعترض على اللّه سبحانه، لأنه لم يأذن بأهل الطائف؟ ! أم يعترض على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنه أقبل بهم إلى قوم لم يأذن اللّه تبارك و تعالى فيهم؟ ! رغم علم كل أحد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» معصوم، و مسدد بالوحي، و لا يفعل إلا ما يريده اللّه، و ما يأمره به تبارك و تعالى. .
ألم يكن بإمكان هذا الرجل أن يفهم القضية بتقدير أن اللّه سبحانه أراد أن يري أهل ثقيف هذا المقدار من الإرادة، و العزم، و التصميم، لكي
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 118 و (ط دار المعرفة) ص 81.
يهيأهم لقبول الإسلام طوعا، و يوفر على المسلمين و عليهم خسائر في الأرواح و الأموال، و في جهات مختلفة أخرى؟ !
غير أن رواية أخرى، قد ذكرت: أنه بعد اعتراض عمر بن الخطاب على النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مناجاته عليا «عليه السلام» بمجرد وصوله. . و سمع الجواب، ثم اعترض عليه بما جرى في الحديبية، قالوا:
«لما قدم علي «عليه السلام» ، فكأنما كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على و جل فارتحل.
فنادى سعيد بن عبيد ألا إن الحي مقيم، فقال-يعني عمر بن الخطاب-: لا أقمت و لا ظعنت، فسقط فانكسر فخذه» (1).
و لا نريد ان نسجل أي تعليق على هذه الحادثة، فإنها بنفسها تحكي عن نفسها، و لا سيما بعد ملاحظة ما سيأتي من قول لنا عن اعتراضاته على مناجاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» .
أما بالنسبة لقولهم: إن المسلمين رفضوا التحول عن حصن الطائف، فأمرهم «صلى اللّه عليه و آله» بأن يغدوا على القتال، فأصابتهم جراحات، فرضوا بالإرتحال، فضحك «صلى اللّه عليه و آله» . .
1) إعلام الورى ص 124 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 235 و البحار ج 21 ص 169 و 176.
فهو كلام غير مقبول:
أولا: إن مجرد أن تصيبهم بعض الجراحات، لا يبرر أن يفرحوا بالإرتحال عن الطائف، بعد أن كانوا رافضين لذلك أشد الرفض.
ثانيا: كيف ينسب هؤلاء إلى الصحابة هذه المعصية الظاهرة، الممتثلة بتمردهم على أوامر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و رفضهم الطاعة له بصورة فجة و بعيدة عن اللياقة، و الأدب؟ !
مع أن هؤلاء ما فتئوا ينزهون الصحابة عن كل شين و عيب، و يسعون لإبعادهم عن كل شبهة و ريب، و يعلنون: أنهم جميعا عدول، و مطيعون للّه و للرسول.
ثالثا: قلنا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» انصرف منتصرا عن الطائف.
بوعد من أهل الطائف، بأن يأتيه وفدهم لحسم الأمور وفق الشروط التي يضعها هو «صلى اللّه عليه و آله» .
رابعا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد علم أصحابه أن يقولوا حين انصرافهم: «لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، صدق وعده، و نصر عبده، و أعز جنده، و هزم الأحزاب وحده» . .
فلما ذا لم يعترضوا عليه بالقول: إننا لم نر نصرا، و لم يتحقق وعد اللّه تعالى لنا، و لم تحل الهزيمة بعدونا، و لم نر هذا العز في حصارنا للطائف، بل رجعنا خائبين، غير منتصرين؟ !
و سيأتي: أن هذا الدعاء الذي علمه النبي «صلى اللّه عليه و آله» لجنده
دليل على صحة رواية الشيخ الطوسي في أماليه، و التي صرحت: بحصول هذا النصر للنبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» . .
قالوا: و استشهد من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الطائف اثنا عشر رجلا (1)، سبعة من قريش، و أربعة من الأنصار، و رجل من بني ليث (2)، و هم:
سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية.
و عرفطة-بضم العين المهملة-بن حباب، حليف لهم من الأسد بن عوف.
و يزيد بن زمعة بن الأسود. جمح به فرسه إلى حصن الطائف فقتلوه.
و عبد اللّه بن أبي بكر الصديق. رماه أبو محجن بسهم، فلم يزل جريحا
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 112 و راجع: السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 114 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 158 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 355 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 267 و عيون الأثر ج 2 ص 231 و البداية و النهاية ج 4 ص 402 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 924 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 664 و تاريخ خليفة بن خياط ص 56 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 78.
2) تاريخ الخميس ج 2 ص 112 و راجع: السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 114 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 355 و البداية و النهاية ج 4 ص 402 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 924 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 664.
حتى مات بالمدينة بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو غير شهيد عند الشافعية، لأنه توفي بعد انقضاء الحرب بمدة مديدة.
و عبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، رمي في الحصن.
و عبد اللّه بن عامر بن ربيعة. حليف لهم.
و السائب بن الحارث بن قيس السهمي، و أخوه عبد اللّه بن الحارث بن قيس.
و جليحة بن عبد اللّه.
و ثابت بن الجذع (أو سالم بن الجذع) و اسمه ثعلبة السلمي.
و الحارث بن سهل بن أبي صعصعة.
و المنذر بن عبد اللّه بن نوفل (1).
و ذكر في العيون هنا: رقيم بن ثعلبة، مع ذكره له فيمن استشهد بحنين، تبع هناك ابن إسحاق، و هنا ابن سعد (2).
و قيل: و كان من استشهد بالطائف أحد عشر رجلا (3).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 388 و 389 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 110 و 112 و تاريخ خليفة بن خياط ص 55 و 56 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 923 و 924 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 663 الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 152 و البداية و النهاية ج 4 ص 402.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 389 و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 152.
3) إمتاع الأسماع ج 2 ص 25.
و قد عدّوا عبد اللّه بن أبي بكر في جملة شهداء الطائف، بدعوى: أنه أصابه سهم أبي محجن، و طاوله ذلك الجرح إلى أن مات في خلافة أبيه (1).
و نقول:
إننا لا ندري مدى صحة ما زعموه من أمر جرح عبد اللّه بسهم أبي محجن بالطائف. و لا مانع من أن يصح هذا الزعم منهم، مع احتمال أن يكون ذلك من مصنوعات محبي أبي بكر، لكي لا يفوته فضل تقديم الشهداء من الأهل و الأبناء، بعد ان فاتته فضائل الصمود في ساحات الجهاد، حيث ابتلي بالفرار من الزحف في مختلف المقامات التي فر فيها الناس، مثل: أحد، و خيبر، و حنين، و سواها مما ذكرنا في ثنايا هذا الكتاب طائفة منه عن المصادر الموثوقة عند السنة و الشيعة على حد سواء. .
و ما دمنا نتحدث عن موت عبد اللّه بن أبي بكر، متأثرا بسهم أبي محجن، يحسن بنا أن نشير إلى أمر ينسبونه إلى أمير المؤمنين، دون أن يبينوا وجه الصواب فيه. .
و هذا الأمر هو: أن عمر بن الخطاب تزوج عاتكة بنت زيد في سنة 12
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 389 و السيرة الحلبية ج 3 ص 118 و (ط دار المعرفة) ص 82 و الآحاد و المثاني ج 1 ص 468 و الإستيعاب ج 3 ص 874 و الثقات ج 2 ص 171 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 474 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 341 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 49 و الوافي بالوفيات ج 17 ص 49 و البداية و النهاية ج 6 ص 372.
للهجرة، و قبل وفاة زوجها عبد اللّه، فأولم عليها و دعا أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و فيهم علي «عليه السلام» ، فاستأذن عمر أن يكلمها، فقال: نعم.
فقال لها «عليه السلام» يا عدية نفسها، أين قولك؟ ! (أي في رثائها لزوجها عبد اللّه) :
فآليت لا تنفك عيني حزينةعليك و لا ينفك جلدي أصفرا
فقالت: لم أقل هكذا، و بكت، و عادت إلى حزنها.
فقال له عمر: يا أبا الحسن، ما أردت إلا إفسادها علي.
أو قال: ما دعاك إلى هذا يا أبا حسن، كل النساء يفعلن هذا.
فقال: قال اللّه تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ (1)» (2).
و نقول:
إن هذا اتهام خطير من عمر، يوجهه إلى علي أمير المؤمنين، يتضمن من الطعن في دينه و في استقامته «عليه السلام» .
و الحقيقة هي: أن ثمة أمورا هامة دعت أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى هذه المبادرة، التي نحتمل قويا أنها لم تنقل إلينا بدقة و أمانة.
و لعل من هذه الأمور:
1-أن عاتكة كانت قد آلت ألا تتزوج بعد عبد اللّه بن أبي بكر (1).
و لعل متعلق هذا اليمين كان راجحا إذا كانت تعلم أن زواجها سيكون-بحكم ظروف معينة-سيكون من رجل سوف يؤثر على دينها، أو على مكانتها. .
2-إن عاتكة كانت قد أخذت طائفة من مال عبد اللّه بن أبي بكر-أو حديقة أو أرض-مقابل أن لا تتزوج أحدا بعده.
فقد روى بسند حسن، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: «كانت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل تحت عبد اللّه بن أبي بكر الصديق، فجعل لها طائفة من ماله على أن لا تتزوج بعده و مات.
فأرسل عمر إلى عاتكة: إنك قد حرمت عليك ما أحل اللّه لك.
فردي إلى أهله الذي أخذتيه، و تزوجي، ففعلت، فخطبها عمر فنكحها» (2).
و حكى يحيى بن حاطب رؤيا عن ربيعة بن آمنة بعد موت عبد اللّه، و قيل وفاة أبي بكر، مفادها: أن أبا بكر مات و أن عمر بعث إلى عاتكة.
1) البداية و النهاية ج 8 ص 23 و (ط دار إحياء التراث) ص 26 و الغدير ج 10 ص 38 و كنز العمال ج 13 ص 633 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 265 و الإصابة ج 8 ص 228.
2) الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 8 ص 193 و 194 و (ط دار صادر) ص 265 و 266 و الإصابة ج 4 ص 357 و (ط دار الكتب العلمية) ج 8 ص 228 و منتخب كنز العمال (مطبوع مع مسند أحمد) ج 5 ص 279 و كنز العمال ج 13 ص 633.
ليتزوجها. . و أن منامه قد تحقق فزجره عمر.
قال: «و كانت تحت عبد اللّه بن أبي بكر، فأصيب يوم الطائف، فجعل لها طائفة من ماله على أن لا تنكح بعده» (1).
لكن ما ذكرته الرواية: من أن عاتكة قد ردت المال إلى أهله، ثم خطبها عمر، و تزوجها، غير صحيح.
و الصحيح هو: أنها بقيت محتفظة بتلك الأراضي و الأموال حتى طالبتها عائشة بها.
فقد روي عن خالد بن سلمة: «إن عاتكة بنت زيد كانت تحت عبد اللّه بن أبي بكر، و كان يحبها، فجعل لها بعض أرضيه على أن لا تزوج بعده، فتزوجها عمر بن الخطاب، فأرسلت إليها عائشة: أن ردّي علينا أرضنا» (2).
و كانت عاتكة قد قالت حين مات عبد اللّه بن أبي بكر:
آليت (3)لا تنفك نفسي حزينةعليك و لا ينفك جلدي أغبرا
قال: فتزوجها عمر بن الخطاب، فقالت عائشة:
آليت (4)لا تنفك عيني قريرةعليك و لا ينفك جلدي أصفرا
ردي علينا أرضنا (5).
3-روى ابن سور، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد: أن عاتكة بنت زيد كانت تحت عبد اللّه بن أبي بكر، فمات عنها، و اشترط عليها أن لا تزوج بعده، فتبتلت، و جعلت لا تزوج، و جعل الرجال يخطبونها، و جعلت تأبى، فقال عمر لوليها: اذكرني لها.
فذكره لها، فأبت عمر أيضا.
فقال عمر: زوجنيها. فزوجه إياها.
فأتاها عمر، فدخل عليها، فعاركها حتى غلبها على نفسها، فنكحها، فلما فرغ قال: أف، أف، أف. أفف بها. ثم خرج من عندها، و تركها لا يأتيها.
فأرسلت إليه مولاة لها: أن تعال، فإني سأتهيأ لك (1).
و هذه الرواية على جانب كبير من الأهمية، حيث تضمنت: إتهاما خطيرا للخليفة الثاني عمر بن الخطاب بأحد أمرين:
إما الجهل الذريع أحكام اللّه، الذي أوقعه في وطء الشبهة. . و يتبع ذلك اتهام الصحابة بذلك، حيث سكتوا جميعا عن عمله هذا، باستثناء علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، إما جهلا منهم بالحكم، و إما ممالأة له، خوفا و رهبة منه.
و إما أنه كان يعلم بالحكم، و قد أقدم على مخالفته، و ارتكاب جريمة الزنى. و هذا أمر خطير بالنسبة لخليفة لمسلمين، الذي يتلقى الناس أفعاله
1) الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 8 ص 194 و (ط دار صادر) ص 265 و كنز العمال ج 13 ص 633 و منتخب كنز العمال (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج 5 ص 279 و الغدير ج 10 ص 38.
بالرضا و القبول و التسليم، و يأخذونها عنه على أنها موافقة لشرع اللّه تبارك و تعالى. . و يتبع ذلك إلقاء قدر كبير من اللوم على الصحابة الذين سكتوا و لم يعلنوا بالنكير عليه. .
و أما محاولة الإيحاء بسلامة تصرفه هذا من خلال تصريح الرواية: بأنه أمر وليها بأن يزوجه إياها، ففعل فلذلك جاءها عمر فعاركها حتى غلبها على نفسها، فنكحها، فيكون قد فعل ذلك بمن هي زوجته شرعا. .
فيجاب عنها: بأنهم قد صرحوا: بأنه ليس للولي أن يزوج المرأة الثيب بدون إذنها. و لا بد في إذنها من تصريحها بالرضا. و لو فعل ذلك، فإن رفضت بطل العقد (1).
و المفروض: أن عاتكة قد رفضت قبل العقد و بعده، حتى لقد اضطر عمر إلى العراك معها حتى غلبها على نفسها. فكيف يمكن تصحيح هذا العقد، أو الحكم بمشروعية هذا الوطء؟ !
1) راجع: الفقه على المذاهب الأربعة ج 4 ص 30 حتى 37 و راجع: حاشية الدسوقي ج 2 ص 227 و المجموع للنووي ج 16 ص 165 و 170 و بدائع الصنائع ج 2 ص 244 و نيل الأوطار ج 6 ص 252 و 253 و صحيح البخاري ج 8 ص 63 و عمدة القاري ج 20 ص 128 و كتاب الأم للشافعي ج 5 ص 20 و الجوهر النقي ج 7 ص 115 و 116 و المحلى ج 9 ص 459 و معرفة السنن و الآثار ج 5 ص 241 و الإستذكار ج 5 ص 398 و 402 و التمهيد ج 19 ص 79 و 100 و 318 و الكافي لابن عبد البر ص 232 و فيض القدير ج 1 ص 76 و مجمع الزوائد ج 4 ص 279 و الآحاد و المثاني ج 4 ص 386 و الجامع الصغير ج 1 ص 7.
و زعموا: أن عاتكة تزوجت بعدة أشخاص كلهم مات عنها، تزوجها زيد بن الخطاب فقتل باليمامة. فتزوجها عمر فقتل، ثم الزبير فقتل.
و زعموا أيضا: أن عليا «عليه السلام» خطبها بعد موت الزبير، فقالت: إني لأضن بك عن القتل. .
أو قالت: يا أمير المؤمنين، أنت بقية الناس، و سيد المسلمين، و إني أنفس بك عن الموت، فلم يتزوجها (1).
بل لقد قالوا أيضا: إن الحسين «عليه السلام» قد خطبها، و تزوجها، بعد الزبير، فقتل عنها، فرثته كما رثت عبد اللّه بن أبي بكر، و عمر بن الخطاب و الزبير، فقالت:
واحسينا و لا نسيت حسيناأقصدته أسنة الأعداء
غادروه بكربلاء صريعاجادت المزن في ذرى كربلاء (2)
1) الإصابة ج 4 ص 357 و (ط دار الكتب العلمية) ج 8 ص 227 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 366 و (ط دار الجيل)1876-1880 و أسد الغابة ج 5 ص 499 و الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص 321 و البداية و النهاية ج 8 ص 64 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 6 ص 389 و راجع ص 26 ج 7 ص 157 و الأعلام ج 3 ص 242 و راجع: المعارف لابن قتيبة ص 246 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 112 و أنساب الأشراف ص 260 و السيرة الحلبية ج 3 ص 83.
2) راجع: الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص 321 و 322 و معجم البلدان للحموي ج 4 ص 445 و شرح إحقاق الحق ج 27 ص 491 و راجع: الإستيعاب ج 4 ص 1880 و راجع: الوافي بالوفيات ج 16 ص 319.
و يقولون: إن مروان خطبها بعد الحسين «عليه السلام» ، فقالت: ما كنت متخذة حما بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
بل لقد زعموا: أن عمر قال: من أراد الشهادة، فليتزوج عاتكة (2).
و نقول:
إن ذلك لا يصح، فلاحظ ما يلي:
أولا: بالنسبة لما نسبوه إلى عمر من أنه قال: من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة. . نلاحظ: أنه لم يكن قد مات عن عاتكة إلا عبد اللّه بن أبي بكر، أما زيد بن الخطاب، فيشك في أن يكون قد تزوجها من الأساس (3).
فما معنى أن يقول عمر: من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة؟ !
ثانيا: إن زواجها بالحسين بن علي «عليهما السلام» ، و استشهاده عنها، ثم رثاءها إياه، ثم خطبة مروان لها بعده، يقتضي: أن تكون قد عاشت إلى ما بعد سنة ستين أو إحدى و ستين. مع أن هناك من يصرح: بأنها قد ماتت في
1) راجع: الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص 321 و 322 و عن تذكرة الخواص ص 148.
2) الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص 321 و راجع: الطبقات الكبرى ج 3 ص 112 و الوافي بالوفيات ج 16 ص 319 و السيرة الحلبية ج 3 ص 83.
3) الإصابة ج 4 ص 357 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 365 و (ط دار الجيل) ص 1878 و أسد الغابة ج 5 ص 498. و راجع أغلب المصادر المتقدمة فإنها ذكرت أن عمر تزوج عاتكة بعد عبد اللّه بن أبي بكر، إضافة إلى روايات استفتاء علي «عليه السلام» في أمر زواجها بعمر.
أوائل خلافة معاوية، أي في سنة اثنتين و أربعين للهجرة (1)، أي قبل استشهاد الحسين «عليه السلام» ، بما يقرب من عشرين سنة.
و قالوا: «إن عمر استفتى عليا «عليه السلام» في أمر عاتكة، فأفتاه: بأن تردّ الحديقة لورثة عبد اللّه بن أبي بكر، و تتزوج، ففعلت، و تزوجها عمر، فذكرّها علي «عليه السلام» بقولها:
آليت لا تنفك نفسي حزينةعليك و لا ينفك جلدي أغبرا
ثم قال: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ (2)» (3).
و نقول:
إن من الواضح: أن موقف علي «عليه السلام» من عاتكة، و قراءته للآية الكريمة: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ يدل على: أنه يرى أن ما فعلته كان أمرا بالغ السوء، و أنه مما يمقته اللّه تعالى، و هذا لا ينسجم مع القول: بأنه «عليه السلام» قد أفتى لها بجواز ذلك، إذا ردت الحديقة إلى ورثة زوجها عبد اللّه بن أبي بكر. فإن اللّه لا يمقت من يفعل الحلال، فضلا عن أن يكون ذلك من المقت الكبير عند اللّه تعالى.
يضاف إلى ذلك: أنه لم يأمرها بالتكفير عن قسمها، و لا أشار في تلك
الفتوى إلى هذا القسم بشيء! !
و قد ذكرنا في بعض فصول هذا الكتاب: أن عمر بن الخطاب كان مغرما بالنساء بشكل غير مألوف، و قد قال محمد بن سيرين: إن عمر قال: ما بقي فيّ شيء من أمر الجاهلية إلا أني لست أبالي أي الناس نكحت، و أيهم أنكحت (1).
و قد أتى جارية له، فقالت: إني حائض، فوقع بها فوجدها حائضا، فأتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره، فقال: يغفر اللّه لك يا أبا حفص! تصدق بنصف دينار (2).
و هو الذي نزل فيه قوله تعالى: عَلِمَ اَللّٰهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتٰانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتٰابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفٰا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ. . (3)، و ذلك أنه قبل حلية الرفث إلى النساء ليلة الصيام، واقع أهله في إحدى الليالي، ثم غدا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره.
1) راجع: كنز العمال ج 16 ص 534 و المصنف للصنعاني ج 6 ص 152 و الطبقات الكبرى ج 3 ص 289 و الغدير ج 10 ص 37 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 433 و 466.
2) راجع: المحلى ج 2 ص 188 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 213 و كنز العمال ج 16 ص 566 و السنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 316 و الغدير ج 10 ص 37 و بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ص 46.
3) الآية 178 من سورة البقرة.
فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : «لم تكن حقيقا بذلك يا عمر» ، فنزلت الآية» (1).
و الكلام حول هذا الموضوع يطول، فالإكتفاء بهذه الإشارة أولى و أجمل، إن شاء اللّه تعالى. .
قالوا: لما دخل ذو القعدة (2)، خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الطائف فأخذ على دحنا، ثم على قرن المنازل، ثم على نخلة، ثم خرج إلى الجعرانة، و هي على عشرة أميال من مكة (3)، و قيل: على سبعة أميال من مكة (4).
1) الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 210 و جامع البيان للطبري ج 2 ص 96 و (ط دار الفكر) ص 225 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 220 و الغدير ج 10 ص 38 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 115 و الدر المنثور ج 1 ص 197 و تفسير الآلوسي ج 2 ص 64.
2) البحار ج 21 ص 181 و مجمع البيان ج 5 ص 18 و 19 و (ط دار الفكر) ص 35 و تفسير الميزان ج 9 ص 232 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 24 و تفسير البغوي ج 2 ص 279 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 235 و مجمع البحرين ج 1 ص 590.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 389.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 262 و ج 5 ص 360 و مجمع البحرين ج 3 ص 247 و (ط سنة 1408 ه) ج 1 ص 376 و تارج العروس ج 6 ص 201 و كشف اللثام (ط ق) ج 1 ص 307(ط ج) ج 5 ص 219 و الحدائق الناضرة ج 14 ص 456 و كشف الغطاء (ط ق) ج 2 ص 448 و المصباح المنير ج 1 ص 141 مادة «جعر» .
قال سراقة بن جعشم: لقيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو منحدر من الطائف إلى الجعرانة، فتخلصت إليه، و الناس يمضون أمامه أرسالا، فوقفت في مقنب من خيل الأنصار، فجعلوا يقرعونني بالرماح و يقولون: إليك إليك، ما أنت؟ و أنكروني.
حتى إذا دنوت، و عرفت أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يسمع صوتي، أخذت الكتاب الذي كتبه لي أبو بكر، فجعلته بين إصبعين من أصابعي، ثم رفعت يدي به، و ناديت: أنا سراقة بن جعشم، و هذا كتابي.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هذا يوم وفاء وبر، ادنوه» .
فأدنيت منه، فكأني أنظر إلى ساق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غرزه كأنها الجمارة، فلما انتهيت إليه سلمت، و سقت الصدقة إليه، و ما ذكرت شيئا أساله عنه إلا أني قلت: يا رسول اللّه، أرأيت الضالة من الإبل تغشى حياضي و قد ملأتها لإبلى هل لي من أجر إن سقيتها؟
قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «نعم، في كل ذات كبد حرى أجر» .
قال محمد بن عمر: و قد كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتب لسراقة كتاب موادعة، سأل سراقة إياه، فأمر به فكتب له أبو بكر، أو عامر بن فهيرة (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 389 و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 114 و السيرة الحلبية ج 3 ص 119 و البداية و النهاية ج 5 ص 18 و 348 و 351 و الجامع للقيرواني ص 268 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 134 و المغازي للواقدي ج 3 ص 941 و الترتيب الإدارية ج 1 ص 123 و المعجم الكبير ج 7 ص 158 و 159 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 278 و راجع: أسد الغابة ج 2 ص 265 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 2 ص 26 و 27.
و نقول:
و سراقة هو الذي تبع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين الهجرة، فساخت قوائم فرسه بالأرض، فطلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يكتب له كتاب أمان، و هو هذا الكتاب الذي نتحدث عنه.
و قد أظهر النص المتقدم: أن ثمة خلافا حول الشخص الذي كتب الكتاب لسراقة بأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . هل هو أبو بكر، أو غيره؟ !
و قد شكك العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» في صحة ما يدّعى: من أن أبا بكر كان من كتّاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . إذ لا يوجد أي شاهد على ذلك سوى ما يزعمونه من كتابته لكتاب سراقة الآنف الذكر، و هذا مشكوك لسببين:
أحدهما: أن ابن عبد ربه، و غيره لم يذكروا أبا بكر في جملة من كان يحسن الكتابة في صدر الإسلام (1).
الثاني: أنه قد قال جمع: إن الكاتب لهذا الكتاب هو عامر بن فهيرة (2).
1) مكاتيب الرسول ج 1 ص 106 و 117 و راجع: العقد الفريد ج 4 ص 157 و 158 و راجع: فتوح البلدان ص 660 و (ط مكتبة النهضة المصرية) ج 3 ص 583 و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 120 و 199 و.
2) مكاتيب الرسول ج 1 ص 146 و 168 عن المصادر التالية: المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 394 و الشفاء للقاضي ج 1 ص 687 و مسند أحمد ج 4 ص 176 و الدر المنثور ج 3 ص 244 عن عبد الرزاق، و أحمد، و عبد بن حميد، و البخاري، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم من طريق الزهري عن عروة عن عائشة. و راجع: البخاري ج 5 ص 76 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 7 و البداية و النهاية ج 3 ص 185 و ج 5 ص 348 و راجع: فتح الباري ج 7 ص 188 و السيرة الحلبية ج 2 ص 48 و عمدة القاري ج 17 ص 48 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 123 و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 157 و (ط دار إحياء التراث) ص 133. و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 342 و البداية و النهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 5 ص 370 و 373 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 60 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 685 و 691 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 248 و ج 5 ص 389 و ج 11 ص 385 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 220 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 186 و الثقات ج 1 ص 123 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 326.
و ما ذكر في السيرة الحلبية: أنه «يمكن أن يكون كتب عامر بن فهيرة أولا، فطلب سراقة أن يكون أبو بكر هو الذي يكتب، فأمره «صلى اللّه عليه و آله» بكتابة ذلك (1).
فأحدهما كتب في الرقعة من الأدم، و الآخر كتب في العظم أو الخرقة.
و لا يخفى بعد ما في هذا التأويل، مع عدم الدليل على ذلك» .
بل لو صح هذا لتناقله الناس، و رووه لنا، لأن الإصرار على أن يكون ابا بكر هو الكاتب للكتاب أمر لافت للنظر.
1) مكاتيب الرسول ج 1 ص 146 عن الحلبي، و راجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 220.
عن أبي رهم الغفاري قال: بينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يسير و أنا إلى جنبه، و عليّ نعلان غليظان، إذ زحمت ناقتي ناقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يقع حرف نعلي على ساق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأوجعته، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أوجعتني أخر رجلك» ، و قرع رجلي بالسوط.
فأخذني ما تقدم من أمري و ما تأخر، و خشيت أن ينزل فيّ قرآن لعظم ما صنعت.
فلما أصبحنا بالجعرانة، خرجت أرعى الظهر و ما هو يومي، فرقا أن يأتي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و رسول اللّه يطلبني، فلما روّحت الركاب سألت.
فقيل لي: طلبك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فقلت: إحداهن و اللّه، فجئت و أنا أترقب.
فقال: «إنك أوجعتني برجلك، فقرعتك بالسوط فأوجعتك، فخذ هذه الغنم عوضا عن ضربي» .
قال أبو رهم: فرضاه عني كان أحب إليّ من الدنيا و ما فيها.
و قال: فأعطاني ثمانين نعجة بالضربة التي ضربني (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 390 عن الواقدي، و ابن إسحاق، و راجع: مكارم الأخلاق لابن ابي الدنيا ص 123 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 360 و البداية و النهاية ج 4 ص 407 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 672 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 244.
و نقول:
1-كيف يصح هذا و هم يقولون: إن أبارهم الغفاري لم يحضر غزوة الفتح، و حنين و الطائف؛ لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان قد استخلفه على المدينة، فلم يزل بها حتى انصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الطائف (1). فإما أن يكون المقصود أبارهم آخر، و تكون كلمة «الغفاري» مقحمة من الرواة، جريا على عادتهم في إضافة توضيحات، بالاستناد إلى ما هو مرتكز في أذهانهم.
أو تكون هذه الرواية مكذوبة من الأساس.
أو يقال: إن أبارهم لم يتول المدينة في مناسبة الفتح. بل تولاها رجل آخر حسبما تقدم.
2-إن إعطاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأبي رهم ثمانين نعجة بالضربة التي ضربه إياها يثير أسئلة عديدة، حيث يقال: إذا كان قد أعطاه هذه النعاج. لأجل إبراء ذمته من ضربته، فكيف يبادر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى إعطاء عوض بهذا الحجم؟ !
و هل كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يضرب الناس بالإستناد إلى ردة فعل لا شعورية، غير مدروسة، و لا خاضعة لضابطة؟ !
و إذا كان ذلك الرجل قد أوجع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يكن
1) الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 69 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 1327 و راجع: الإصابة ج 4 ص 71 و تاريخ خليفة بن خياط ص 60 و البحار ج 28 ص 170 و الوافي بالوفيات ج 24 ص 270 و أسد الغابة ج 5 ص 197.
لدى النبي «صلى اللّه عليه و آله» سبيل إلى التخلص من معرته إلا بقرعه بالسوط، فما هو الضير في ذلك؟ ! شرط أن يبقى في الحدود المسموح بها شرعا و هي إشعار ذلك الرجل: بأن عليه أن يلتفت إلى نفسه، و لا يؤذي الآخرين. .
3-بالنسبة لتخوف أبي رهم من نزول القرآن فيه نقول:
إننا لم نجد مبررا لهذا التخوف، فإن القضية لا تعدو أن تكون أمرا غير مقصود لا يؤاخذ اللّه عليه، فكيف إذا كان قد أوجب لهم الضيق و الألم حين ظهر لهم و عرفوه؟ ! إن اللّه تعالى أكرم و أحلم و أرحم مما يظنون. .
و يقولون: بينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يسير ليلا، بواد بقرب الطائف، و ذلك حين منصرفه عنها، إذ غشي سدرة في سواد الليل، و هو في و سن النوم، فانفرجت السدرة له نصفين، فمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بين نصفيها، و بقيت منفرجة على حالها (1).
و نقول:
بديهي: أن المعجزات و الكرامات كانت تحدث وفق خطة إلهية هادفة، و لم تكن مجرد هبات تأتي على غير انتظار، و من دون وجه مصلحة، بل المصلحة كانت هي المحور الأساس لها. .
و يلاحظ: أنه كلما كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يريد ان يقدم على أمر
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 119 و (ط دار المعرفة) ص 83 و البحار ج 17 ص 375 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 8 و إعلام الورى ج 1 ص 88.
حساس و كبير، ربما تأخذ الناس الشبهات و الأوهام فيه يمينا و شمالا، أو كلما أراد أن يعالج أمرا يشكّل خطرا على إيمان الناس، فإنك تجد المعجزة أو الكرامة تظهر لهم، و تضبط حركتهم، و تعطيهم السكينة و الطمأنينة، و تعيدهم على حالة التوازن، و هي من مظاهر رحمة اللّه تعالى بهم.
و قضية السدرة التي انفرجت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تأتي في هذا السياق. فهي أمر صنعه اللّه تعالى لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» ، لكي تتهيأ القلوب لتقبّل الإجراء الذي سيتخذه في أمر الغنائم، فلا يعطي منها الأنصار، و يخص بها المؤلفة قلوبهم. فإنه أجراء سيكون قاسيا على المسلمين، الذين يرون أنهم أحق بها من كل أحد، لأنهم تحملوا أعباء الأسفار، و لاقوا الأهوال و الأخطار في حروب أثارها ضدهم نفس هؤلاء الذين يأخذون غنائمها الآن، كما تؤخذ الغنيمة الباردة.
فإذا رأى هؤلاء هذه المعجزة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم بقيت آثارها ماثلة أمامهم، و يرونها بأعينهم، و يتحسسونها بكل جوارحهم، فإن ذلك سيسهل عليهم قبول ذلك القرار الذي سيكون في غاية الصعوبة عليهم، حيث سيشعرون في أجواء هذه المعجزة أنه ليس قرارا من شخص الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، بقدر ما هو قرار إلهي حكيم، و إن لم يعرفوا وجه الحكمة فيه. .
2-إن ما ذكرته الرواية: من انه «صلى اللّه عليه و آله» قد اقتحم السدرة و هو في وسن النوم مما لا يمكن قبوله. . فإن قائل ذلك إنما يتحدث عن حدس و تخمين، لا عن حس و يقين. . فإن المفروض: أنهم يسيرون في ظلمة الليل، فكيف رأى ذلك الشخص هذا الوسن في عين رسول اللّه «صلى اللّه
عليه و آله» ؟ !
و لم لا يقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تعمد اقتحام السدرة، ممتثلا أمر اللّه تعالى له بذلك، لكي يصنع اللّه تعالى هذه المعجزة له من أجل هذه المصلحة التي تهدف إلى حفظ إيمان الناس الذين معه، و إلى صيانتهم من الوقوع في الأوهام المضلة؟ !
و لكن هؤلاء الرواة يقيسون الأمور على أنفسهم، و يرون: أن حال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يشبه حالهم. . مع أن الأمر ليس كذلك.
قد ذكرنا في الفصول المتقدمة: رواياتهم التي عرضت أحداث غزوة الطائف و ناقشناها ببعض ما رأيناه مناسبا.
و ظهر لنا: أن فيها الكثير من الهنات و النقائص. فما علينا من حرج بعد هذا العرض إذا لجأنا إلى ما رواه شيعة أهل البيت عن أئمتهم «عليهم السلام» ، أو عن غيرهم مما أغفله الآخرون و تجاهلوه عن سابق عمد و إصرار.
و لن نرهق القارئ بالتعليق عليها، و إن احتاج الأمر إلى شيء من ذلك، فسيكون بصورة موجزة، و خاطفة، لاعتقادنا بأن نباهة القارئ الكريم تجعلها لا تحتاج إلى أكثر من ذلك، فإلى ما يلي من نصوص، و مطالب:
يفهم من كلام بعض المؤرخين، مثل اليعقوبي و غيره: أن ثمة سرايا اهمل المؤرخون ذكرها، أو مروا عليها مرور الكرام، مع أنها قد حصلت قبل أو اثناء حصار الطائف.
و اللافت هنا: هو أن هذه السرايا ترتبط بأمير المؤمنين علي «عليه السلام» على وجه التحديد. . و منها:
قال اليعقوبي و غيره: «و وجه عليا «عليه السلام» لكسر الأصنام، فكسرها» (1)، و هو «عليه السلام» لم يعد إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا بعد الإنتهاء من حصار الطائف كما سنرى، فيلاحظ:
أولا: إنه لم يحدد لنا مكان هذه الأصنام، و لا ذكر لنا اسماءها.
ثانيا: إنه عبر بصيغة الجمع: «الأصنام» ، و ذلك يدل على تعددها.
ثالثا: إننا لم نسمع، و لم نقرأ: أن ثمة أصناما مجموعة في مكان واحد.
رابعا: إنها إذا كانت متعددة في أنفسها، و تعددت أمكنتها، فالمفروض: أن يعتبر إرسال علي «عليه السلام» لكسر أي واحد منها سرية، فتكون له عدة سرايا من أجل ذلك، و لم نجدهم فعلوا ذلك. .
خامسا: إن ذلك يدعونا إلى الشك فيما يزعمونه: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسل فلانا لهدم العزى، و فلانا الآخر لهدم سواع، و أرسل ثالثا إلى ذي الكفين، و رابعا لهدم مناة، و أبا سفيان و المغيرة لهدم الطاغية و هو اللات. . و ما إلى ذلك مما تقدم ذكره.
1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 64، و إعلام الورى ص 123 و 124 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 387 و 388 و كشف الغمة ج 1 ص 226 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 1 ص 265 و البحار ج 21 ص 163 و 164 و 169 و ج 41 ص 95 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 33 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 332 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 92 و أعيان الشيعة ج 1 ص 280 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 151-153.
و ذلك كله يثير لدينا احتمال أن يكون الهدف هو أن يجعلوا لغير علي «عليه السلام» نصيبا في هدم الأصنام، إذ يكفيه هو كسره و هدمه للأصنام التي كانت في الكعبة، و ليسمح لغيره بأن يكون له نصيب في هذا أيضا، ما دام أنهم حرموا من شرف الصمود في ساحات الجهاد، بل باؤوا بعار الهزيمة، و معصية اللّه تعالى. .
و يؤكد حاجتهم إلى السطو على هذه المكارم، و نسبتها إلى غير أهلها:
عجزهم عن التشكيك في كسره «عليه السلام» للأصنام التي في الكعبة. . فاخترعوا سرايا و أحداثا، و نسبوها لمن يحبون. على النحو الذي قرأناه و نقرؤه في كتب التاريخ.
و هناك سرية أخرى ذكروها أيضا، فقالوا-و النص لليعقوبي: «خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الطائف، و وجه علي بن أبي طالب، فلقي نافع بن غيلان بن سلمة بن معتب في خيل من ثقيف (ببطن و ج و هو واد بالطائف) فقتله، و انهزم أصحابه» .
زاد المفيد و غيره قوله: و لحق القوم الرعب، فنزل منهم جماعة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1).
1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 64 و إعلام الورى ص 124 و (ط آل البيت لإحياء التراث-قم) ج 1 ص 388، و البحار ج 21 ص 164 و 168 و ج 41 ص 95 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 153 و أعيان الشيعة ج 1 ص 281 و الدر النظيم لابن حاتم العاملي ص 185 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 1 ص 257 و عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 605 و 606 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 93.
و ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد هزيمة المشركين في حنين و تفرقهم على ثلاث فرق، بعث أبا سفيان، صخر بن حرب إلى الطائف.
و بعث أبا عامر الأشعري إلى أوطاس، فقاتل حتى قتل، فقال المسلمون لأبي موسى الأشعري: أنت ابن عم الأمير، و قد قتل، فخذ الراية حتى نقاتل دونها.
فأخذها أبو موسى، فقاتل المسلمون حتى فتح اللّه عليهم (1).
و أما أبو سفيان، فإنه لقيته ثقيف، فضربوه على وجهه، فانهزم، و رجع إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: بعثتني مع قوم لا يرقع بهم الدلاء من هذيل و الأعراب، فما أغنوا عني شيئا.
فسكت النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنه.
ثم سار «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه إلى الطائف (في شوال سنة ثمان، فحاصرهم بضعة عشر يوما (2)أو) فحاصرهم أياما.
1) إعلام الورى ص 123 و (ط آل البيت لإحياء التراث-قم) ج 1 ص 333 و البحار ج 21 ص 163 و 168 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 151 و 152 و أعيان الشيعة ج 1 ص 280 و راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 181.
2) إعلام الورى ص 123 و (ط آل البيت لإحياء التراث-قم) ج 1 ص 387 و البحار ج 21 ص 164 و 168 و مستدرك سفينة البحار ج 6 ص 598 و راجع: قصص الأنبياء للراوندي ص 348 و الدر النظيم ص 185 و كشف الغمة ج 1 ص 226 و الإرشاد ج 1 ص 153 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 93 و أعيان الشيعة ج 1 ص 281 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 1 ص 257.
و أنفذ أمير المؤمنين علي «عليه السلام» في خيل، و أمره أن يطأ ما وجد، و أن يكسر كل صنم وجده.
فخرج حتى لقيته خيل خثعم في جمع كثير، فبرز له رجل من القوم يقال له شهاب، في غبش الصبح، فقال: هل من مبارز؟
فقال أمير المؤمنين «عليه السلام» : «من له» ؟
فلم يقم أحد، فقام إليه أمير المؤمنين «عليه السلام» .
فوثب أبو العاص بن الربيع (زوج بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله») ، فقال: تكفاه أيها الأمير.
فقال: «لا، و لكن إن قتلت فأنت على الناس» .
فبرز إليه أمير المؤمنين «عليه السلام» و هو يقول:
إن على كل رئيس حقاأن يروي الصعدة أو تدقا (1)
ثم ضربه فقتله. و مضى في تلك الخيل، حتى كسر الأصنام، و عاد إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو محاصر لأهل الطائف (ينتظره) .
فلما رآه النبي «صلى اللّه عليه و آله» كبر (للفتح) ، و أخذ بيده، فخلا به، و ناجاه طويلا (2).
1) الصعدة: القناة المستوية من منبتها لا تحتاج إلى تعديل. راجع: الصحاح-صعد- ج 2 ص 498.
2) راجع: إعلام الورى ص 123 و 124 و (ط آل البيت لإحياء التراث-قم) ج 1 ص 235 و 388 و 389، و الدر النظيم ص 185 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 115 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 605 و 606 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 182 و ج 2 ص 332. و البحار ج 21 ص 163 و 164 و 169 و ج 41 ص 95 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 92 و أعيان الشيعة ج 1 ص 281 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 1 ص 266 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 151-153 و في هامش الإرشاد قال: روي باختلاف يسير في سنن الترمذي ج 5 ص 303، و تاريخ بغداد ج 7 ص 402، و مناقب المغازلي ص 124، و أسد الغابة ج 4 ص 27، و كفاية الطالب ص 327 و كشف الغمة ج 1 ص 226.
فروى عبد الرحمن بن سيابة، و الأجلح جميعا، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما خلا بعلي بن أبي طالب «عليه السلام» يوم الطائف، أتاه عمر بن الخطاب، فقال: أتناجيه دوننا، و تخلوا به دوننا؟
فقال: «يا عمر، ما أنا انتجيته، بل اللّه انتجاه» (1).
قال: فأعرض عمر و هو يقول: هذا كما قلت لنا قبل الحديبية: لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اَللّٰهُ آمِنِينَ (2)، فلم ندخله، و صددنا عنه.
فناداه النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «لم أقل: إنكم تدخلونه في ذلك العام» ! (3).
1) راجع المصادر المتقدمة.
2) الآية 27 من سورة الفتح.
3) راجع: إعلام الورى ص 124 و (ط آل البيت لإحياء التراث-قم) ج 1 ص 388 و البحار ج 21 ص 164 و 169 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 153 و قال في هامشه: أنظر قطعا منه في سنن الترمذي ج 5 ص 639/3726. و جامع الأصول ج 8 ص 658/6505، و تاريخ بغداد ج 7 ص 402، و مناقب المغازلي ص 124 و 163، و كفاية الطالب ص 327، و أسد الغابة ج 4 ص 27، و مصباح الأنوار ص 88، و كنز العمال ج 11 ص 625/33098 عن الترمذي، و الطبراني. انتهى. و حديث المناجاة مذكور في كثير من مصادر أهل السنة، و لكنهم يتحاشون غالبا التصريح باسم المعترضين على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فراجع على سبيل المثال: إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 525-531 عن المصادر التالية: صحيح الترمذي (ط الصاوي) ج 13 ص 173 و تاريخ بغداد ج 7 ص 402 و مناقب علي «عليه السلام» لابن المغازلي، و الرسالة القوامية للسمعاني، و المناقب للخوارزمي (ط تبريز) ص 83، و النهاية في اللغة ج 4 ص 138 و تذكرة الخواص (ط الغري) ص 47 و نهج البلاغة (ط القاهرة) ج 2 ص 167 و 411 و مسند أحمد، و أسد الغابة (ط مصر سنة 1285) ج 4 ص 27، و در بحر المناقب (مخطوط) ص 47 و الرياض النضرة (ط الخانجي) ج 2 ص 200، و ذخائر العقبى (ط القدسي) ص 85، و البداية و النهاية ج 7 ص 356 و مشكاة المصابيح (ط دهلي) ص 564 و شرح ديوان أمير المؤمنين للميبدي (مخطوط) ص 187 و المناقب لعبد اللّه الشافعي (مخطوط) ص 164 و مفتاح النجا للبدخشي (مخطوط) ص 47 و أسنى المطالب لمحمد الحوت، و تاج العروس ج 1 ص 358 و ينابيع المودة ص 58 و تجهيز الجيش ص 374 و سعد الشموس و الأقمار (ط التقدم العلمية بمصر) ص 210 و أرجح المطالب (ط لاهور) ص 594 عن الترمذي، و النسائي، و الطبراني عن أبي هريرة.
و عن جابر، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : أن أمير المؤمنين «عليه السلام» قال يوم الشورى: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد ناجاه رسول اللّه
يوم الطائف، فقال أبو بكر و عمر: «يا رسول اللّه ناجيت عليا دوننا» .
فقال لهما النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «ما أنا ناجيته، بل اللّه أمرني بذلك» غيري؟
قالوا: لا (1).
و نقول:
إن أغرب ما رأينا في النصوص المتقدمة: أن أبا سفيان ينهزم في الطائف، ثم ينحى بالائمة على أصحابه، بل هو يكاد يتهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه: بأنه هو السبب في هذه الهزيمة، من حيث إنه هو الذي اختار له هذه الطائفة من الناس، و أمّره عليهم، و أرسله في إثر أهل الطائف، فهو يقول: «بعثتني مع قوم لا يرقع بهم الدلاء، من هذيل و الأعراب، فما أغنوا عني شيئا» .
و لعل أبا سفيان كان يريد من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يوكل هذه المهمة إلى أهل مكة. أو إلى بني سليم، و كأنه نسي أو هو يتناسى ما فعلوه في حرب حنين، حيث انهزموا أمام هوازن أقبح هزيمة، و لحقهم سائر الجيش، حتى لم يبق مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» سوى علي أمير المؤمنين «عليه السلام» الذي كان يحطم المشركين بسيفه، و بضعة نفر من بني هاشم أحاطوا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لئلا يصل إليه المشركون بسوء. .
1) البحار ج 21 ص 180 و ج 31 ص 337 و الإحتجاج ج 1 ص 202 و 203 و مصباح البلاغة للمير جهاني ج 3 ص 221 و غاية المرام ج 2 ص 132.
و اللافت هنا: قول أبي سفيان لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «فما أغنوا عني شيئا» . و كأنه يريد أن يؤكد بهذه الكلمة حرصه على إنجاح المهمة، و لكن الآخرين هم الذين خذلوه. .
و يلاحظ هنا: أن الرواية تقول: فسكت النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنه، في إشارة إلى وضوح عدم صوابية أقوال أبي سفيان، لكن المصلحة كانت تقضي بالسكوت.
و قد تأخر أبو العاص بن الربيع في إظهار استعداده للبراز، و لكن ذلك خير من الإحجام المطلق. .
و مبادرته هذه تدل على أنه كان هو الأفضل و الأمثل لمقام القيادة من سائر أفراد السرية، و لذلك اختاره «عليه السلام» لهذا المقام، إن أصيب.
و نود أن نشير: إلى أن أبا العاص كان مع أمير المؤمنين «عليه السلام» لما أرسله النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى اليمن، و كان مع علي «عليه السلام» أيضا لما بويع أبو بكر، و هو أبو أمامة التي تزوجها أمير المؤمنين «عليه السلام» بعد استشهاد الزهراء «عليها السلام» (1).
و قد قرر أمير المؤمنين «عليه السلام» في الشعر المنسوب إليه: أن
1) راجع: قاموس الرجال (ط مركز نشر كتاب) ج 10 ص 110 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ج 9 ص 22 و ج 11 ص 385 و مستدركات علم الرجال ص 413.
المفروض بالرئيس هو: أن يتصدى بنفسه لقتال العدو، بصورة مؤثرة، و حاسمة. و أن عليه أيضا أن يروي رمحه من دماء أعدائه، أو أن يتحطم ذلك الرمح و يتلاشى، و هذا معناه:
1-أن سلاح الرئيس ليس لمجرد الدفاع عن نفسه، و حفظ روحه من الأخطار، بل هو سلاح فاعل و مؤثر في العدو بدرجة كبيرة. .
2-أن على ذلك الرئيس أن لا يعتمد على سائر المقاتلين، مكتفيا بإصدار الأوامر، و التوجيهات، كما يفعله الكثير من الرؤساء قديما و حديثا. .
و إن مناجاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» تتضمن إشارة عملية إلى أنه «عليه السلام» هو صاحب سرّ النبي «صلى اللّه عليه و آله» دون سائر الناس، و من شأن ظهور هذا الأمر أن يفسد على بعض الطامحين خططهم الرامية إلى إظهار أنفسهم على أنّ لهم من الخصوصية من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما يؤهلهم لمقام الخلافة من بعده. . و لذلك ثارت ثائرة بعضهم حين عاين هذه المناجاة الطويلة، و جاهر بالإعتراض على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
فجاءه الجواب الصاعق الذي كان أشد عليه، و أبعد أثرا في الإضرار بطموحاته، حيث أعلن «صلى اللّه عليه و آله» : أن ثمة أمرا إلهيا بهذه النجوى، بل هو «صلى اللّه عليه و آله» قد أعلن: أن عليا «عليه السلام» هو موضع سر اللّه تبارك و تعالى مباشرة، لأنه قال: بل اللّه انتجاه.
و هذا معناه: أن حاله «عليه السلام» لا يختلف عن حال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ذلك. . و إن كان انتجاء اللّه لعلي «عليه السلام» كان بواسطة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و من الروايات التي دلت على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عليا و الأئمة «صلوات اللّه عليهم أجمعين» هم موضع سر اللّه، ما ورد في دعاء الإفتتاح: «اللهم صل على محمد عبدك، و رسولك، و أمينك، و صفيك، و حبيبك، و خيرتك من خلقك، و حافظ سرك، و مبلغ رسالاتك» .
و في الزيارة الجامعة للأئمة «عليهم السلام» : «السلام على محال معرفة اللّه، و مساكن بركة اللّه، و حفظة سر اللّه» .
و روي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي «عليه السلام» : إنك لحجة اللّه على خلقه، و أمينه على سره، و خليفة اللّه على عباده (1).
1) ينابيع المودة ص 53 و (ط دار الإسوة) ج 1 ص 167 و فضائل أمير المؤمنين «عليه السلام» لابن عقدة ص 135 و بشارة المصطفى للطبري ص 437 و مشارق الشموس للمحقق الخوانساري ج 2 ص 442 و الأمالي للصدوق ص 155 و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 267 و فضائل الأشهر الثلاثة للصدوق ص 79 و روضة الواعظين ص 346 و إقبال الأعمال لابن طاووس ج 1 ص 27 و البحار ج 42 ص 191 و ج 93 ص 358 و جامع أحاديث الشيعة ج 9 ص 21 و مسند الإمام الرضا «عليه السلام» ج 2 ص 187 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ص 269 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 146 و ج 8 ص 180 و غاية المرام ج 1 ص 109 و 170 و ج 2 ص 191 و ج 5 ص 25 و شرح حقاق الحق ج 4 ص 82 و ج 5 ص 50 و ج 22 ص 324 و ج 23 ص 404.
و روي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قوله لعلي «عليه السلام» : «هذا وصيي، و موضع سري، و خير من أترك بعدي» (1).
1) إحقاق الحق (قسم الملحقات) ج 4 ص 75 و 76 و 350 و راجع: ج 15 ص 153 و 154 و ج 21 ص 600 و ج 23 ص 521 و 555 و ج 31 ص 192 و 247 عن ميزان الإعتدال (مطبعة السعادة بمصر) ج 1 ص 298 و (ط البابي الحلبي بالقاهرة) ص 635 و (ط دار الكتب العلمية) ج 6 ص 446 و ج 7 ص 5 عن جامع الأحاديث (ط دمشق) تأليف عباس صقر، و أحمد عبد الجواد بمصر ج 3 ص 97، و مجمع الزوائد ج 9 ص 113 و 114 و منتخب كنز العمال (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج 5 ص 32 عن الطبراني، و ابن مردويه، و عن مفتاح النجا (مخطوط) ص 94 عن العقيلي، و عن در بحر المناقب (مخطوط) ص 60 عن ابن المغازلي، و كنز العمال (ط الهند) ج 12 ص 209 و أرجح المطالب ص 24 و 589 و قرة العينين في تفضيل الشيخين ص 234 و راجع: مناقب أمير المؤمنين «عليه السلام» ج 1 ص 335 و 385 و 387 و 445 و شرح الأخبار ج 1 ص 117 و 195 و الأمالي للمفيد ص 61 و مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 2 ص 246 و 247 و 256 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 49 و البحار ج 38 ص 12 و ميزان الحكمة ج 1 ص 137 و المعجم الكبير للطبراني ج 6 ص 221 و كنز العمال ج 11 ص 280 و (ط مؤسسة الرسالة) ص 610 و الإكمال في أسماء الرجال ص 96 و 204 و قاموس الرجال ج 10 ص 335 و الفوائد المجموعة و الأحاديث الموضوعة ج 1 ص 346 و معجم الرجال و الحديث ج 2 ص 62 و كتاب المجروحين ج 1 ص 279 و ج 3 ص 5 و الموضوعات لابن الجوزي (ط المكتبة السلفية) ج 1 ص 375 و الموضوعات لأبي الفرج القرشي ص 259 و 281 و 283 و تهذيب التهذيب ج 3 ص 91 و أعيان الشيعة ج 6 ص 295 و كشف الغمة ج 1 ص 156 و كشف اليقين ص 255 و أهل البيت «عليهم السلام» في الكتاب و السنة ص 143 و الكامل في ضعفاء الرجال ج 6 ص 397 و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 328 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 57 و ذخيرة الحفاظ لابن القيسراني محمد بن طاهر المقدسي ج 3 ص 1588 و معرفة التذكرة لابن القيسراني ج 1 ص 117 و محاضرات الأدباء للأصفهاني ج 2 ص 496.
و قال «صلى اللّه عليه و آله» لأم سلمة: هذا علي سيد مبجل، مؤمل المسلمين، و أمير المؤمنين، و موضع سري، و علمي، و بابي الذي أوتى إليه الخ. .» (1).
و عنه «صلى اللّه عليه و آله» : هذا خازن سري، فمن أطاعه فقد أطاعني (2).
1) المحاسن و المساوي للبيهقي (ط بيروت) ص 44 و الغدير ج 3 ص 116 و ج 7 ص 176 و مواقف الشيعة ج 1 ص 214 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 180 و ج 8 ص 103 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 15 ص 10 و 61 و 424 و 564 و 565 و ج 20 ص 290 و 293 و 295 و ج 21 ص 160 و معاني الأخبار ص 204 و البحار ج 22 ص 222 و ج 29 ص 421 و ج 32 ص 298 و 348 و ج 38 ص 123 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 125 و 252 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 11 ص 83 و بشارة المصطفى للطبري ص 102 و 103 و الدر النظيم ص 319 و كشف الغمة ج 1 ص 300 و ج 2 ص 27 و كشف اليقين ص 469 و غاية المرام ج 1 ص 180 و ج 2 ص 44 و 49 و 113 و 204 و ج 5 ص 106 و ج 6 ص 33 و ج 7 ص 46.
2) إحقاق الحق (الملحقات) ج 4 ص 81 عن در بحر المناقب (مخطوط) ص 60 و الروضة في فضائل أمير المؤمنين «عليه السلام» ص 99 و البحار ج 40 ص 122 و راجع ص 185 و مجمع النورين ص 244 و الفضائل ص 124 و الدر النظيم ص 317 و شرح العينية الحميرية للفاضل الهندي ص 275 و راجع: الأمالي ص 641 و مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 1 ص 311 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 8 ص 104 و ج 10 ص 30 و غاية المرام ج 5 ص 211.
و عن سلمان: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لكل نبي صاحب سر، و صاحب سري علي بن أبي طالب (1).
و عنه «صلى اللّه عليه و آله» : صاحب سري علي بن أبي طالب (2).
و حين قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن علي «عليه السلام» : ما أنا انتجيته، بل اللّه انتجاه. و ظهر أن عليا «عليه السلام» موضع سر اللّه سبحانه، بذلت محاولة للتشكيك في صحة نسبة ذلك إلى اللّه تبارك و تعالى، و ذلك بإطلاق دعوى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» وعدهم عام الحديبية: بأن يدخلوا المسجد الحرام، ثم لم يدخلوه، بل أبرموا صلح الحديبية مع قريش، و عادوا إلى المدينة، و انتظروا سنة، حتى عادوا إلى مكة، فدخلوها في عمرة القضاء.
1) ينابيع المودة ج 2 ص 239 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 20 ص 313 و ج 4 ص 226 عن مناقب عبد اللّه الشافعي (مخطوط) ص 48.
2) ينابيع المودة ج 2 ص 77 و كنوز الحقائق للمناوي (ط بولاق بمصر) ص 89 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 62 و البحار ج 38 ص 300 و ميزان الحكمة ج 1 ص 142 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 317 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 8 ص 103 و إحقاق الحق (الملحقات) و ج 4 ص 226 و ج 15 ص 426 و 427 و ج 20 ص 312 و 313 و ج 31 ص 189.
فإذا ظهر للناس: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يخبر عن أشياء لا واقع لها، ثم قدّم شاهد عملي على ذلك، فستلقى هذه الدعوى قبولا عند الناس، و سيصعب اقتلاعها من أذهانهم.
فكانت إجابة النبي «صلى اللّه عليه و آله» على هذا التشكيك الذي لو استقر في النفوس لأضر في إيمان الناس، و إسلامهم، هي أنني لم اقل لكم: إن دخول مكة سيكون في نفس ذلك العام، بل قلت لكم: سوف تدخلون مكة، و لم أحدد لهذا الدخول وقتا. فلما ذا تنسبون لي ما لم أقله؟ !
و هي إجابة واضحة المأخذ، يستطيع كل أحد أن يفهم مرماها، و مغزاها، و لا تسمح بعد هذا باستقرار أية شبهة، أو باختزان أدنى شك أو ريب، و هكذا كان.
بل إن هذه الإجابة الصريحة، قد سجلت إدانة لأولئك الذين نسبوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما لم يقله، و بقيت تلاحقهم عبر الأجيال، و إلى يومنا هذا. . خصوصا مع ظهور أن هذا الإتهام منهم لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن هو المرة الأولى، بل كان قيل-حرفيا-في نفس يوم الحديبية. و أجاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» بنفس هذه الإجابة، فلما ذا الإصرار؟ ! و لماذا التكرار؟ !
و قد لا حظنا: أن طائفة من المسلمين تهتم بالتكتم على أسماء المعترضين على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مناجاته عليا «عليه السلام» ، فلاحظ التعابير التالية:
فقال الناس:
فقالوا:
فقال ناس من أصحابه:
فقال رجل:
فقال بعض أصحابه:
فقال قوم:
حتى كره قوم من الصحابة ذلك، فقال قائل منهم: هذا بالإضافة إلى محاولة التكتم على الإعتراض بقضية الحديبية، و جواب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فلما ذا كان ذلك من أولئك، و كان هذا من هؤلاء. . إن الفطن الذكي يعرف الجواب. .
و قد أظهرت المصادر أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ناجى عليا «عليه السلام» في غير الطائف و يمكن مراجعة بعض مصادر ذلك في كتاب إحقاق الحق (قسم الملحقات) (1)و في مصادر أخرى.
1) إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 534-536 و راجع: ج 4 ص 98 و ج 17 ص 56 و ج 18 ص 185 و 186 و ج 20 ص 335 و ج 21 ص 672 و ج 22 ص 553 و ج 23 ص 30 و 31 و 524 و 585 و ج 30 ص 654 و راجع: مناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج 1 ص 457 و ج 2 ص 87 و المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 203 و ج 2 ص 64 و العمدة لابن البطريق ص 287 و ذخائر العقبى ص 72 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 128 و البحار ج 22 ص 473 و ج 38 ص 312 و مسند أحمد ج 6 ص 300 و مجمع الزوائد ج 9 ص 112 و كتاب الوفاة للنسائي ص 52 و المعجم الكبير للطبراني ج 23 ص 375 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 154 و خصائص أمير المؤمنين «عليه السلام» للنسائي ص 130 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 494 و مسند أبي يعلى ج 12 ص 364 و كنز العمال ج 13 ص 146 و معجم الرجال و الحديث ج 2 ص 172 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 394 و 395 و ذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 251 و البداية و النهاية ج 7 ص 397 و أعيان الشيعة ج 1 ص 358 و سبل الهدى و الرشاد 12 ص 255 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 1 ص 305.
عن المطلب بن عبد اللّه، عن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه أنه «صلى اللّه عليه و آله» حاصر أهل الطائف إلى عشرة أو سبعة عشر، فلم يفتحها، ثم أوغل روحة أو غدوة، ثم نزل، ثم هجّر، فقال:
«أيها الناس، إني لكم فرط، و إن موعدكم الحوض، و أوصيكم بعترتي خيرا. .» .
ثم قال: «. . و الذي نفسي بيده، لتقيمنّ الصلاة، و لتأتنّ الزكاة، أو لأبعثنّ إليكم رجلا مني، أو كنفسي، فليضربنّ أعناق مقاتليكم، و ليسبين ذراريكم» .
فرأى أناس: أنه يعني أبا بكر أو عمر.
فأخذ بيد علي «عليه السلام» ، فقال: هو هذا.
قال المطلب بن عبد اللّه: فقلت لمصعب بن عبد الرحمن بن عوف: فما
حمل أباك على ما صنع؟ !
قال: أنا-و اللّه-أعجب من ذلك (1).
و عن أبي ذر قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -و قد قدم عليه و قد أهل الطائف-: يا أهل الطائف، و اللّه لتقيمنّ الصلاة، و لتؤتنّ الزكاة أو لأبعثنّ إليكم رجلا كنفسي، يحب اللّه و رسوله، و يحبه اللّه و رسوله، يقصعكم بالسيف.
فتطاول لها أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخذ بيد علي «عليه السلام» ، فأشالها، ثم قال: هو هذا.
فقال أبو بكر و عمر: ما رأينا كاليوم في الفضل قط (2).
و قد ذكرت النصوص المتقدمة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» حاصر الطائف أسبوعين أو ثلاثة أو أكثر. . ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» أوغل روحة، أو غدوة، ثم نزل، ثم هجّر، ثم أطلق تهديداته القوية: بأنه سوف يرميهم بعلي «عليه السلام» ، ليضرب أعناق مقاتليهم، و يسبي ذراريهم، أو يقيمون
1) البحار ج 21 ص 152 و ج 40 ص 30 و الأمالي للطوسي ص 516 و (ط دار الثقافة) ص 504.
2) أمالي الطوسي ص 590 و (ط دار الثقافة) ص 579 و البحار ج 21 ص 179 و 180 و ج 38 ص 324 و مناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج 1 ص 463 و ج 2 ص 24 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 11 ص 224.
الصلاة، و يؤتون الزكاة. . فهل من تفسير لذك كله؟ !
و نجيب: إننا نلاحظ هنا ما يلي:
1-أنه «صلى اللّه عليه و آله» بتحركاته تلك، حيث كان يتركهم ثم يعود إليهم في أوقات مختلفة، و بعضها لم يعتد الناس على التحرك فيها، مثل: وقت الهاجرة-كأنه يريد أن يفهم أهل الطائف عملا، لا قولا: أنهم غير متروكين، و أن عليهم أن يتوقعوا مفاجأتهم في كل وقت و زمان. و إن عليهم أن يبقوا على أهبة الإستعداد، و الحذر، و الإحتماء بالأسوار، و الإحتفاظ بإبلهم و بما شيتهم، و بكل شيء في داخلها. . إلى ما شاء اللّه. .
و بديهي: أنه لا يمكنهم العيش في مثل هذه الأجواء الصعبة، و المرهقة، و المخيفة. .
2-أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أطلق تهديداته لهم: بأنهم إن لم يستجيبوا لنداء المنطق، و العقل، فسوف يرميهم بأخيه علي «عليه السلام» الذي أذاقهم وحده طعم الهزيمة المرة، و الذليلة، و المخزية قبل أيام يسيرة، و حين كانوا قد جمعوا عشرات الألوف. فهل يمكنهم الصمود في وجهه بعد أن تفرق الناس عنهم، و أصبحوا وحدهم؟ ! و قد قطعت عنهم كل الإمدادات، و انصرف عن نصرتهم جميع المعارف و الأصحاب؟ !
3-و بعد. . فإن الحصار الذي يعانون منه لم يكن سهلا، و قد أضرّت بهم قذائف المنجنيق، مع العلم بأن عليا «عليه السلام» لم يكن مشاركا في ذلك الحصار، و أهل الرأي منهم يعرفون: أن السبب في استمرار صمودهم هو انشغال علي «عليه السلام» عنهم بتصفية الجيوب، المنتشرة في المنطقة، و منها جماعات من مقاتليهم قضى عليها علي «عليه السلام» ، و أخضع سائر
المناطق أيضا لحكم اللّه، و لم يعد لهم أمل في وصول أي معونة لهم، من أي جهة كانت. .
4-و فوق ذلك كله، فإن مصيتبهم العظمى إنما تكون حين يأذن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» فيهم. . فإنه لا شيء يقف في وجهه «عليه السلام» ، و لا تجدي الحصون، و لا غيرها في دفعه عنهم.
و قد رأى الناس كلهم ما جرى على يديه لحصون خيبر، و كيف قتل فرسانها، و اقتلع أبوابها، و كانت من الحجارة، التي لا يقوى على تحريكها عشرات الرجال. . و اقتحمها، و حطم كل مقاومة فيها. .
5-و لأجل ذلك جاء التهديد لهم من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأن يبعث إليهم برجل منه، أو كنفسه، ليضرب أعناق مقاتليهم، و يسبي ذراريهم.
6-و يلاحظ هنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اقتصر على هذين الأمرين، و هما: قتل المقاتلين، و سبي الذراري. . و ذلك وفقا لأحكام الشرع الشريف، و انسجاما مع أهدافه و مراميه، في التخلص من الظلم و الظالمين، و إفساح المجال للناس ليتمتعوا بحرية اختيار معتقداتهم بالإستناد إلى الدليل القاطع، و طريقة عيشهم، من دون تسلط من أحد، أو انقياد لأي كان، إلا للإرادة الإلهية، و الإلتزام بشرع اللّه، وحده لا شريك له. .
7-و من جهة أخرى: فإنه «صلى اللّه عليه و آله» قد احتفظ في بادئ الأمر باسم ذلك الذي يريد أن يرميهم به، بطريقة تدعو كل الناس لإطلاق خيالها للبحث عنه، و التعرف عليه، لا سيما و أنه قد وصفه بأوصاف جليلة و هامة جدا، حيث جعله كنفسه، أو منه. .
و من شأن ذلك: أن يوجه الأنظار إلى أولئك الناس الطامحين و الطامعين،
و يحرجهم، من حيث إنهم ما فتئوا يوحون للناس: بأنهم هم الأقرب إلى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و الأكثر اختصاصا به، و الأخص منزلة منه. .
8-فإذا سأل سائل عن اسم ذلك الشخص المعني، مصرحا بالترديد بين أسماء بعينها، و هم أولئك الناس بالتحديد. .
يأتي الجواب: بأن المقصود لا هذا و لا ذاك، بل هو علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، و ذلك يمثل صدمة قوية، و خيبة قاتلة، و تصحيحا لتوهم باطل. . لا بد أن يبقى في ذاكرة كل إنسان، مقترنا بمزيج من المشاعر التي سوف تقتحم كل وجوده، و تغير الكثير من معالم فكره، و توجهاته، و ارتباطاته، و ما إلى ذلك. .
9-و هذا يوضح لنا مغزى سؤال المطلب بن عبد اللّه لمصعب بن عبد الرحمان بن عوف: فما حمل إباك على ما صنع؟
و يؤكد لنا بعمق معنى جواب مصعب: و أنا و اللّه أعجب من ذلك.
و المقصود هو: الإشارة إلى ما صنعه ابن عوف في قضية الشورى، حيث سعى في إبعاد الخلافة عن علي «عليه السلام» .
و عن الإمام الصادق «عليه السلام» أنه «صلى اللّه عليه و آله» لما واقع- و ربما قال: فزع (1)-رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من هوزان، سار حتى نزل الطائف، فحصر أهل وج (2)أياما، فسأله القوم أن يبرح عنهم ليقدم
عليه وفدهم، فيشترط له، و يشترطون لأنفسهم.
فسار حتى نزل مكة، فقدم عليه نفر منهم باسلام قومهم. و لم يبخع القوم له بالصلاة و لا الزكاة.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : إنه لا خير في دين لا ركوع فيه و لا سجود.
أما و الذي نفسي بيده ليقيمنّ الصلاة، و ليؤتنّ الزكاة، أو لأبعثنّ إليهم رجلا هو مني كنفسي، فليضربنّ أعناق مقاتليهم، و ليسبينّ ذراريهم، و هو هذا.
و أخذ بيد علي «عليه السلام» فأشالها.
فلما صار القوم إلى قومهم بالطائف أخبروهم بما سمعوا من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأقروا له بالصلاة، و أقروا له بما شرط عليهم.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ما استعصى عليّ أهل مملكة، و لا أمة إلا رميتهم بسهم اللّه عز و جل.
قالوا: يا رسول اللّه: و ما سهم اللّه؟
قال: علي بن أبي طالب. ما بعثته في سرية إلا رأيت جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل عن يساره، و ملكا أمامه، و سحابة تظله، حتى يعطي اللّه عز و جل حبيبي النصر و الظفر (1).
و هذا معناه: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد حقق نصرا عظيما،
1) الأمالي للطوسي ص 516 و 517 و (ط دار الثقافة-قم) ص 505 و البحار ج 21 ص 153 و ج 38 ص 305 و ج 39 ص 101 و ج 40 ص 32 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 315 و مناقب أمير المؤمنين «عليه السلام» ج 1 ص 359 و شرح الأخبار ج 2 ص 414 و الثاقب في المناقب ص 121 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 67 و 77 و مدينة المعاجز ج 2 ص 308.
يوازي ما حققه في غزوة الخندق و خيبر و سواهما. .
و يدل على ذلك أيضا: ما تقدم من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لأصحابه حين أرادوا أن يرتحلوا عن الطائف: «قولوا: لا إله إلا اللّه، وحده لا شريك له، صدق وعده، و نصر عبده، و أعز جنده، و هزم الأحزاب وحده» (1).
فلو لم يكونوا منتصرين، لم يكن وجه لأمرهم بأن يقولوا ذلك، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يطلق الشعارات جزافا.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 388 عن الواقدي، و تاريخ الخميس ج 2 ص 112 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 114 و راجع المصادر المتقدمة.
الفصل الأول: الأسرى و السبايا أحداث و تفاصيل
الفصل الثاني: قبل قسمة الغنائم
الفصل الثالث: قسمة الغنائم و عتب الأنصار
الفصل الرابع: المستفيدون. . و المعترضون
الفصل الخامس: نهايات السفر الطويل. . إلي المدينة
قالوا: كان السبي ستة آلاف رأس، و الإبل أربعة و عشرين ألف بعير، و الغنم أكثر من أربعين ألف شاة، و أربعة آلاف أوقية فضة (1).
و عن سعيد بن المسيب قال: سبى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يومئذ ستة آلاف سبي، بين امرأة و غلام (2).
1) راجع: السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و 114 و السيرة الحلبية ج 3 ص 119 و (ط دار المعرفة) ص 84 و عن الواقدي، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 338 و 390 عن الحلبية، و ابن سعد، و قال في هامشه: أخرجه أبو داود (2157) و أحمد ج 3 ص 62 و الحاكم ج 2 ص 95 و البيهقي في السنن الكبرى ج 5 ص 359، ج 7 ص 449 و ج 9 ص 124 و الدارمي ج 2 ص 171 و انظر نصب الراية ج 3 ص 233 و راجع: تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 65 و إمتاع الأسماع ج 9 ص 295 و راجع: عمدة القاري ج 12 ص 136 و ج 15 ص 61 و ج 17 ص 295 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 152 و أعيان الشيعة ج 1 ص 281 و عيون الأثر ج 2 ص 219 و فتح الباري ج 8 ص 38.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 339 عن عبد الرزاق، و ص 390 عن ابن إسحاق، و راجع: المصنف للصنعاني ج 5 ص 381 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 65 و كنز العمال ج 10 ص 547 و تفسير القرآن للصنعاني ج 2 ص 270 و جامع البيان ج 10 ص 131 و تفسير الثعالبي ج 5 ص 25 و تفسير البغوي ج 2 ص 279 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 102 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 155 و تاريخ مدينة دمشق ج 33 ص 460 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 606 و إمتاع الأسماع ج 9 ص 295 و راجع: المجموع للنووي ج 19 ص 314.
و مثله عند الزهري، و زاد قوله: و من البهائم ما لا يحصى و لا يدرى (1).
و عند اليعقوبي: «سبى منهم سبايا كثيرة، بلغت عدتهم ألف فارس، و بلغت الغنائم اثني عشر ألف ناقة، سوى الأسلاب» (2).
و لكن المروي عن الإمام الصادق «عليه السلام» قوله: «سبى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم حنين أربعة آلاف فارس، و اثني عشر ألف ناقة، سوى ما لم يعلم من الغنائم» (3).
و قد تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد جعل بديل بن ورقاء على السبي الذين أرسلهم من حنين إلى الجعرانة.
و لكن السهيلي يقول: «كان سبي حنين ستة آلاف رأس قد ولى أبا
1) البحار ج 21 ص 183 و 181 عن المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 181 و عن مجمع البيان ج 5 ص 18-20 و الدر النظيم ص 183.
2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 63.
3) إعلام الورى ص 123 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 233 و البحار ج 21 ص 168 و 183 عنه، و عن المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 181 و الدر النظيم ص 182 و الأنوار العلوية ص 205.
سفيان بن حرب أمرهم، و جعله أمينا عليهم» (1).
غير أن ذلك غير صحيح، فإن أبا سفيان قد حضر الطائف مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» (2). إلا أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد وكله بحفظهم في بعض الليالي، بعد عودته إلى الجعرانة، في الأيام التي كان ينتظر فيها قدوم وفد هوازن. . (3).
و قالوا: إن أبا جهم بن حذيفة العدوي كان على الأنفال يوم حنين، فجاءه خالد بن البرصاء، و أخذ من الأنفال زمام شعر، فمانعه أبو جهم، فلما
1) الروض الأنف ج 4 ص 166 عن الزبير بن بكار، و السيرة الحلبية ج 3 ص 115 و (ط دار المعرفة) ص 76.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 115 و (ط دار المعرفة) ص 76 و عمدة القاري ج 1 ص 79 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 63 وفيات الأعيان ج 6 ص 351 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 106 و راجع: الإفصاح للمفيد ص 103 و أسد الغابة ج 2 ص 313 و ج 3 ص 12 و 51 و ج 5 ص 216 و تهذيب الكمال ج 13 ص 120 و الإصابة ج 3 ص 94 و 237 و 334 و 448 و الآحاد و المثاني ج 1 ص 363 و الإستيعاب ج 2 ص 714 و ج 4 ص 1860 و كنز العمال ج 10 ص 554 و خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 172 و الأعلام للزركلي ج 3 ص 102 و المعارف ص 586 و كتاب المحبر ص 302 و فتوح البلدان ج 1 ص 160 و الإكمال في أسماء الرجال ص 104 و تاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 435 و 437 و 456 و 465 و 468 و ج 24 ص 469 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 368.
3) الروض الأنف ج 4 ص 166.
تمانعا ضربه أبو جهم بالقوس فشجه منقلة (و هي شجة تكسر العظم حتى يخرج منها فراش العظم) ، فاستعدى عليه خالد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال له: خذ خمسين شاة و دعه.
فقال: أقدني منه.
فقال: خذ مائة ودعه.
فقال: أقدني منه.
فقال: خذ خمسين و مائة، ودعه. و ليس لك إلا ذلك. و لا أقيدك من وال عليك.
فقوّمت المائة و الخمسون بخمس عشرة فريضة من الإبل، فمن هنا جعلت دية المنقلة خمس عشرة فريضة (1).
و نقول:
1-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد جعل على الغنائم مسعود بن عمرو الغفاري كما تقدم، و ليس أبا جهم العدوي.
إلا أن يكون المقصود: أنه قد كانت هناك أنفال أخذت من دون حرب أيضا، فجعل عليها أبا جهم المذكور. و لكن ذلك لم يتضح لنا من خلال ما توفر لدينا من نصوص.
2-لقد كان أبو الجهم مسؤولا و مؤتمنا على الغنائم، و أمره نافذ على
1) السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 86 و الروض الأنف ج 4 ص 166 و المصنف للصنعاني ج 9 ص 463 و كنز العمال ج 15 ص 92 و تاريخ مدينة دمشق ج 38 ص 175.
جميع الناس، فيما يرتبط بعدم أخذ شيء منها، ما دام النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يأذن، فليس لخالد بن البرصاء أن يأخذ شيئا منها.
فضلا عن أن يحاول أخذ شيء منها بالقوة، ففي هذه الحالة يحق لأبي جهم أن يدفعه عن نفسه، و عنها، حتى لو أدى ذلك إلى استعمال القوة. .
فإذا نشأت عن ذلك جراحة لم يكن لذلك المعتدي الحق بالمطالبة بالقصاص، و لذلك قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لخالد بن البرصاء: ليس لك إلا ذلك. .
3-إن إعطاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» له مائة و خمسين شاة لم يكن لأجل أن الدية هي ذلك. بل هو قد جاء على سبيل التفضل و التكرم منه «صلى اللّه عليه و آله» .
و الدليل على ما نقول: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد عرض عليه أولا: أن يأخذ خمسين شاة، ثم عرض عليه مائة شاة، ثم ترقى إلى مائة و خمسين. . فهذا التدرج في العرض، يدل على: أنه لا يعطيه ما هو حقه، من حيث إن ذلك هو مقدار دية المنقلة. .
و ذلك يدل على عدم صحة قولهم: «فلذلك جعلت دية المنقلة خمس عشرة فريضة» (1). باعتبار: أن كل فريضة من الإبل تقابل بعشرة من الغنم. . إذ لو صح ذلك لكانت دية المنقلة مخيرة بين الخمسين شاة، و المائة شاة،
1) الروض الأنف ج 4 ص 166 و راجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 87 و الإستذكار ج 8 ص 94 و 95 و كتاب الموطأ ج 2 ص 858 و سنن النسائي ج 8 ص 60 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 246.
و المائة و خمسين شاة. . و ليس الأمر كذلك.
و نريد أن نستبق الحديث عن أمر الغنائم و السبايا، فنقول:
قد تقدم: أن المسلمين انهزموا جميعا عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . و أن راجعتهم حين رجعت وجدت الأسارى مكتفين عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و أن المسلمين المهزومين لم يضربوا بسيف، و لم يطعنوا برمح. .
و تقدم أيضا: أن الذين بقوا عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كانوا تسعة أشخاص، أو اقل من ذلك، كلهم من بني هاشم. . فكان ثمانية منهم أو أقل، قد احتوشوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لكي لا يصل إليه أحد من المشركين بسوء، و المهاجم الوحيد لجيوش المشركين كان علي بن أبي طالب «عليه السلام» . . فهزم اللّه المشركين على يديه شر هزيمة.
فالنصر إنما تحقق بجهاد علي «عليه السلام» ، و بالتأييد الإلهي للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بإنزال الملائكة. .
و هذا يبين السبب في أن اللّه سبحانه رد أمر الغنائم و السبي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ليعطيها لمن يشاء، فأعطاها لمن أراد أن يتألفهم، و لم يعط منها حتى أقرب الناس إليه، و هم الأنصار. . لأنهم لم يكن لهم، و لا للمهاجرين، و لا لغيرهم حق فيها. . و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» قد طيب نفوس الأنصار، بعد ما نفّذ ما أمره اللّه تعالى به (1).
1) الروض الأنف ج 4 ص 167.
غير أننا نلاحظ: أن النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» ، قد عامل الأنصار، و غيرهم من الذين شاركوا معه في حرب حنين، و كأنهم اصحاب حق في الغنائم و السبايا، مغمضا نظره عن الهزيمة التي بدرت منهم، و كأن شيئا لم يحدث. .
و لعل سبب ذلك هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد حفظ ماء وجوههم، و معالجة الجرح الروحي و المعنوي الذي أحدثته تلك الهزيمة، حيث إن التكرم عليهم، و معاملتهم و كأن لهم الحق في الغنيمة و السبايا. . يعيد إليهم الثقة بأنفسهم، و الشعور بأن ما حدث لم يترك أثرا سلبيا في قلب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لم يبدّل نظرته إليهم، و لم يغير من تعامله معهم. .
و لو أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعلن لهم: بأنهم لا حق لهم في الغنيمة و في السبي. . لبقي ذلك جرحا نازفا في قلوبهم إلى ما شاء اللّه، و قد تنشأ عنه عقد نفسية و مشكلات و تعقيدات يصعب علاجها.
بل لعل إعلانا من هذا القبيل سيكرس انقساما عميقا في صفوف المسلمين و قد يكون سببا في بدء سلسلة من الإتهامات، و التعييرات تتسبب بنشوء أحقاد، و مشكلات يختزنها السابق ليورثها للاحق. . و هيهات ان يتمكن أحد من استئصالها و اقتلاعها بعد ذلك! !
و قد لا يسلم من رياح الحقد و الضغينة حتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و علي «عليه السلام» ، و هنا سوف تكون الكارثة أكبر، و المصيبة أعظم، لأن الفساد يكون قد سرى إلى دين الناس، و إلى الأساس الذي يقوم عليه إيمانهم.
و لا يتوهمن أحد أن هذه السياسة النبوية ستكون مضرة بسلامة المعرفة الدينية لأحكام الشرع، من حيث إنها توجب وقوع الناس في خلل معرفي، و الجهل بالحكم الشرعي الذي يخص الغنائم، بل قد يفهمون أن الغنائم إنما تكون لمن شارك في الحرب دون سواه. .
فإنه توهم باطل، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بين الحكم الشرعي للغنائم بصورة قاطعة لعذر أي كان من الناس. و ما فعله في حنين هو أنه أغفل عمدا تنبيههم إلى كيفية تطبيق الحكم على الوقائع التي جرت. . و هذا لا يوجب نقصا و لا خللا في معرفتهم للأحكام، . . بدليل أن الحكم الشرعي الصحيح و الصريح بقي محفوظا فيما بين المسلمين إلى يومنا هذا. . و كان نفس أولئك الذين جرى لهم في حنين ما جرى عارفين به، واقفين عليه، و هم الذين نقلوه للأجيال.
و ما ذكرناه آنفا يوضح لنا: المسار الذي كان «صلى اللّه عليه و آله» قد فرضه على حركة الأحداث في قبوله بشفاعة الشيماء، و إطلاق سراح الأسرى، و السبايا من النساء و الغلمان، ثم قبول شفاعتها بمالك بن عوف قائد هوازن، و ذلك بعد انتظاره لوفد هوازن بضعة عشر يوما، و قبوله طلبهم الذي انضم الى طلب الشيماء، ثم ساعدت هي و ذلك الوفد على إقناع الناس بالتخلي عن السبايا.
و سيأتي ذلك كله بالتفصيل إن شاء اللّه تعالى. .
قال محمد بن عمر: و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بطلب العدو، و قال لخيله: إن قدرتم على «بجاد» -رجل من بني سعد بن بكر-فلا يفلتن منكم، و قد كان أحدث حدثا عظيما، كان قد أتاه رجل مسلم، فأخذه فقطعه عضوا عضوا، ثم حرقه بالنار (1).
و كان قد عرف جرمه فهرب، فأخذته الخيل، فضموه إلى الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى، أخت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الرضاعة، و أتعبوها في السياق، فتعبت الشيماء بتعبهم، فجعلت تقول: إني و اللّه أخت صاحبكم، فلا يصدقونها.
و أخذها طائفة من الأنصار، و كانوا أشد الناس على هوازن، فأتوا بها إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقالت: يا محمد! ! إني أختك.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «و ما علامة ذلك» ؟
فأرته عضة بإبهامها، و قالت: عضة عضضتنيها و أنا متوركتك بوادي السرر، و نحن يومئذ نرعى البهم، و أبوك أبي، و أمك أمي، و قد نازعتك الثدى، و تذكر يا رسول اللّه حلابي لك عنز أبيك أطلان.
فعرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» العلامة، فوثب قائما، فبسط رداءه، ثم قال: «اجلسي عليه» ، و رحب بها، و دمعت عيناه، و سألها عن أمه و أبيه، فأخبرته بموتهما.
1) المغازي للواقدي ج 3 ص 913 و 914 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 333 عنه و إمتاع الأسماع ج 2 ص 18.
فقال: «إن أحببت، فأقيمي عندنا محببة مكرمة، و إن أحببت أن ترجعي إلى قومك و صلتك، و رجعت إلى قومك» (1).
قالت: بل أرجع إلى قومي، فأسلمت، فأعطاها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثلاثة أعبد و جارية، و أمر لها ببعير أو بعيرين، و قال لها: «ارجعي إلى الجعرانة تكونين مع قومك، فأنا أمضي إلى الطائف» .
فرجعت إلى الجعرانة، و وافاها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالجعرانة، فأعطاها نعما و شاء، و لمن بقي من أهل بيتها، و كلمته في بجاد أن يهبه لها و يعفو عنه، ففعل «صلى اللّه عليه و آله» (2).
و قالوا: «فاستأنى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالسبي بضع عشرة ليلة، لكي يقدم عليه وفدهم، ثم بدأ بقسمة الغنائم، ثم قدم عليه الوفد مسلمين» (3).
1) المغازي للواقدي ج 3 ص 913 و 914 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 380 و ج 5 ص 333 عنه، و راجع: مكارم الأخلاق ص 122 و أسد الغابة ج 5 ص 489 و الإصابة ج 8 ص 205 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 352 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 266 و البداية و النهاية ج 4 ص 418 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 905 و عيون الأثر ج 2 ص 221 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 689 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 170 و ج 3 ص 93.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 333 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 108 و المغازي للواقدي ج 3 ص 914 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 93.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 390 عن ابن إسحاق، و راجع: السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 114 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 152 و راجع: إمتاع الأسماع ج 2 ص 28 و أعيان الشيعة ج 1 ص 281 و عيون الأثر ج 2 ص 219.
و قالوا أيضا: «و قد كان فيما سبي أخته بنت حليمة، فلما قامت على رأسه قالت: يا محمد، أختك شيماء بنت حليمة.
قال: فنزع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» برده، فبسطه لها، فأجلسها عليه، ثم أكب عليها يسائلها، و هي التي كانت تحضنه، إذ كانت أمها ترضعه.
و أدرك وفد هوازن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالجعرانة، و قد أسلموا (و كانوا أربعة عشر رجلا) ، فقالوا: يا رسول اللّه، لنا أصل و عشيرة، و قد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا منّ اللّه عليك.
و قام خطيبهم زهير بن صرد، فقال: يا رسول اللّه، إنا لو ملكنا الحارث ابن أبي شمر، أو النعمان بن المنذر، ثم ولي منا مثل الذي وليت لعاد علينا بفضله و عطفه، و أنت خير المكفولين، و إنما في الحظائر خالاتك و بنات خالاتك، و حواضنك، و بنات حواضنك اللاتي أرضعنك، و لسنا نسألك مالا، إنما نسألكهن.
و قد كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قسم منهن ما شاء اللّه، فلما كلمته أخته قال: «أما نصيبي، و نصيب بني عبد المطلب فهو لك، و أما ما كان للمسلمين فاستشفعي بي عليهم» .
فلما صلوا الظهر، قامت فتكلمت، و تكلموا، فوهب لها الناس أجمعون، إلا الأقرع بن حابس، و عيينة بن حصن. فإنهما أبيا أن يهبا، و قالوا: يا رسول اللّه، إن
هؤلاء قوم قد أصابوا من نسائنا، فنحن نصيب من نسائهم مثل ما أصابوا.
فأقرع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بينهم، ثم قال: «اللهم توّه سهميهما» ، فأصاب أحدهما خادما لبني عقيل، و أصاب الآخر خادما لبني نمير، فلما رأيا ذلك وهبا ما منعا.
قال: و لو لا أن النساء وقعن في القسمة لوهبهن لها كما وهب ما لم يقع في القسمة. و لكنهن وقعن في انصباء الناس، فلم يأخذ منهم إلا بطيبة النفس (1).
و في نص آخر: أن أبا جرول، زهير بن صرد بعد أن خطب بنحو ما تقدم، أنشأ يقول:
امنن علينا رسول اللّه في كرمفإنك المرء نرجوه و ننتظر
امنن على بيضة قد عاقها قدرمشتت شملها في دهرها غير
أبقت لنا الدهر هتافا على حزنعلى قلوبهم الغماء و الغمر
إن لم تداركها نغماء تنشرهايا أرجح الناس حلما حين يختبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعهاإذ فوك مملؤة من مخضها الدرر
إذ أنت طفل صغير كنت ترضعهاو إذ يزينك ما تأتي و ما تذر
لا تجعلنّا كمن شالت نعامتهو استبق منا فإنا معشر زهر
إنا لنشكر للنعما إذا كفرتو عندنا بعد هذا اليوم مدخر
1) إعلام الورى ص 126 و 127 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 239 و 240 و البحار ج 21 ص 172 و 173 و راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 63 و قصص الأنبياء للراوندي ص 348.
فالبس العفو من قد كنت ترضعهمن أمهاتك إن العفو مشتهر
يا خير من مرحت كمت الجياد بهعند الهياج إذا ما استوقد الشرر
إنا نؤمل عفوا منك تلبسههادي البرية إن تعفو و تنتصر
فاعف عفا اللّه عما أنت راهبهيوم القيامة إذ يهدى لك الظفر
فلما سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هذا الشعر قال: «ما كان لي و لبني عبد المطلب فهو لكم» .
و قالت قريش: ما كان لنا فهو للّه و لرسوله (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 390-392، و ذكر لهذا الحديث أسانيد مفصلة، و قال في هامشه: أخرجه البيهقي في السنن ج 6 ص 336 و ج 9 ص 75 و في الدلائل ج 5 ص 195 و البداية و النهاية ج 4 ص 353 و راجع: الفرج بعد الشدة للقاضي التنوخي ج 1 ص 92 و حلية الأبرار ج 1 ص 305 و مجمع الزوائد ج 6 ص 186 و 187 و مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ص 117 و المعجم الأوسط ج 5 ص 45 و المعجم الصغير ج 1 ص 237 و المعجم الكبير ج 5 ص 270 و 271 و الإستيعاب ج 2 ص 521 و الأربعين البلدانية لابن عساكر ص 137 و كتاب الأربعين العشارية لعبد الرحيم العراقي ص 234 و تغليق التعليق ج 3 ص 474 و 475 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 28 و تاريخ بغداد ج 7 ص 109 و أسد الغابة ج 2 ص 208 و 209 و لسان الميزان ج 4 ص 101 و راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 356 و الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 2 ص 269 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 607 و الوافي بالوفيات ج 14 ص 155 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 2 ص 31 و 32 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 668 و عيون الأثر ج 2 ص 223 و 224 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 94 و 95.
هذا حديث جيد الإسناد عال جدا، رواه الضياء المقدس في صحيحه، و رجح الحافظ بن حجر: أنه حديث حسن. و بسط الكلام عليه في بستان الميزان (1).
قال ابن إسحاق: فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «نساؤكم و أبناؤكم أحب إليكم أم أموالكم» ؟ (2).
و في الصحيح، عن المسور بن مخرمة، و مروان بن الحكم: «فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : فيمن ترون؟ و أحب الحديث إلي أصدقه، فاختارو إحدى الطائفتين، إما السبي، و إما المال. و قد كنت إستأنيت بكم» .
و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غير راد عليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: يا رسول اللّه، خيرتنا بين أحسابنا و أموالنا؟ بل أبناؤنا و نساؤنا أحب إلينا، و لا نتكلم في شاة و لا بعير.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أما ما كان لي و لبني عبد المطلب (في نص آخر: لبني هاشم) فهو لكم، و إذا أنا صليت بالناس فأظهروا إسلامكم، و قولوا: إنّا إخوانكم في الدين، و إنّا نستشفع برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المسلمين، و بالمسلمين إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإني
سأعطيكم ذلك، و أسال لكم الناس» (1).
و علمهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» التشهد، و كيف يكلمون الناس.
فلما صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالناس الظهر قاموا فاستأذنوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الكلام، فأذن لهم، فتكلم خطباؤهم بما أمرهم به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأصابوا القول، فأبلغوا فيه، و رغبوا إليهم في رد سبيهم.
فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين فرغوا ليشفع لهم.
و في الصحيح، عن المسور، و مروان: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قام في المسلمين، فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 392 و 393 و البحار ج 21 ص 184 و 185 عن خط الشيخ محمد علي الجبعي، عن خط الشهيد «قدس سره» ، من طرق العامة. و قال أيضا: قال ابن عساكر: هذا غريب، تفرد به زياد بن طارق عن زهير. و راجع: المجموع للنووي ج 19 ص 307 و نيل الأوطار ج 8 ص 149 و مسند أحمد ج 4 ص 326 و صحيح البخاري ج 3 ص 62 و 122 و 139 و ج 4 ص 54 و ج 5 ص 99 و سنن أبي داود ج 1 ص 609 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 360 و ج 9 ص 64 و عمدة القاري ج 12 ص 137 و ج 13 ص 101 و 163 و ج 15 ص 56 و ج 17 ص 297 و عون المعبود ج 7 ص 255 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 64 و كنز العمال ج 3 ص 345 و تفسير البغوي ج 2 ص 280 و تاريخ الإسلام الذهبي ج 2 ص 605 و البداية و النهاية ج 4 ص 406 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 670 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 94.
«أما بعد. . فإن إخوانكم قد جاءونا تائبين، و إني قد رأيت أن أرد عليهم سبيهم، فمن أحب أن يطيّب ذلك فليفعل، و من أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول فيء يفيئه اللّه علينا فليفعل» .
فقال الناس: قد طبنا ذلك يا رسول اللّه.
فقال لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إنّا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» .
فرجع الناس (فكلمهم)عرفاؤهم، فكلموه: أنهم طيبوا و أذنوا (1).
و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أما ما كان لي و لبني عبد المطلب فهو لكم» .
فقال المهاجرون: و ما كان لنا فهو للّه و لرسوله.
1) راجع: صحيح البخاري (ط سنة 1309 ه) ج 2 ص 54 و 126 و 28 و ج 3 ص 43 و 44 و ج 4 ص 154 و (ط دار الفكر-سنة 1401 ه) ج 3 ص 122 و 139 و ج 4 ص 54 و ج 5 ص 100 و ج 8 ص 115 و مسند أحمد ج 4 ص 327 و سنن أبي داود ج 1 ص 609 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 360 و عمدة القاري ج 13 ص 101 و 164 و ج 15 ص 57 و ج 17 ص 297 و ج 24 ص 254 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 276 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 64 و تفسير البغوي ج 2 ص 280 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 392 و 393 و المغازي للواقدي ج 3 ص 952 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 502 و (ط دار الكتاب العربي) ج 2 ص 605 و أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 83 و البداية و النهاية ج 4 ص 406 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 670 و فتح الباري ج 13 ص 149 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 235. و راجع: البحار ج 21 ص 182 و مجمع البيان ج 5 ص 20.
و قالت الأنصار: و ما كان لنا فهو للّه و لرسوله.
فقال الأقرع بن حابس: أما أنا و بنو تميم فلا.
و قال عيينة بن حصن: أما أنا و بنو فزارة فلا.
و قال العباس بن مرداس: أما أنا و بنو سليم فلا.
فقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فقال العباس بن مرداس: وهنتموني.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «من كان عنده منهن شيء فطابت نفسه أن يرده فسبيل ذلك، و من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ست فرائض من أول فيء يفيئه اللّه، فرد المسلمون إلى الناس نساءهم و أبناهم، و لم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن، فإنه أخذ عجوزا فأبى أن يردها، كما سيأتي» (1).
قالوا: و كسى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» السبي قبطية، قال ابن
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 393 عن ابن إسحاق، و راجع: البحار ج 21 ص 173 و 184 و 185 و إعلام الورى ص 127 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 293 و راجع: كتاب الأم ج 7 ص 358 و نيل الأوطار للشوكاني ج 8 ص 152 و مسند أحمد ج 2 ص 218 و سنن أبي داود ج 1 ص 609 و سنن النسائي ج 6 ص 263 و مجمع الزوائد ج 6 ص 188 و فتح الباري ج 8 ص 27 و مكارم الأخلاق ص 117 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 120 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 153 و أسد الغابة ج 2 ص 209 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 356 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 269 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 607.
عقبة: كساهم ثياب المعقد (1).
قالوا: و كلمته أخته شيماء في مالك بن عوف، فقال: إن جاءني فهو آمن.
فأتاه، فرد عليه ماله، و أعطاه مائة من الإبل (2).
قالوا: و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لوفد هوازن: «ما فعل مالك بن عوف» ؟
قالوا: يا رسول اللّه، هرب فلحق بحصن الطائف مع ثقيف.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أخبروه أنه إن أتاني مسلما رددت عليه أهله و ماله، و أعطيته مائة من الأبل» (3).
و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمر بحبس أهل مالك بمكة عند عمتهم أم عبد اللّه بنت أبي أمية.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 393 عن الواقدي، و ابن سعد، و ابن عقبة، و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 154 و عيون الأثر ج 2 ص 223 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 97 و تاريخ مدينة دمشق ج 56 ص 484.
2) إعلام الورى ص 127 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 240 و البحار ج 21 ص 173 و قصص الراوندي ص 348.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 405 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 114 و تاريخ مدينة دمشق ج 56 ص 486 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 34 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 357 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 269 و أعيان الشيعة ج 1 ص 281 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 927 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 97.
فقال الرفد: يا رسول اللّه، أولئك سادتنا، و أحبنا إلينا.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إنما أريد بهم الخير» .
فوقف مال مالك فلم يجر فيه السهام.
فلما بلغ مالكا ما فعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في قومه، و ما وعده رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن أهله و ماله موفور، و قد خاف مالك ثقيفا على نفسه أن يعلموا أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال له ما قال، فيحبسونه، فأمر راحلته، فقدمت له حتى وضعت لديه بدحنا، و أمر بفرس له فأتي به ليلا، فخرج من الحصن، فجلس على فرسه ليلا، فركضه حتى أتى دحنا فركب بعيره حتى لحق برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأدركه بالجعرانة (أو بمكة) .
فرد عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أهله و ماله، و أعطاه مائة من الإبل، و أسلم فحسن إسلامه، فقال مالك حين أسلم:
ما إن رأيت و لا سمعت بمثلهفي الناس كلهم بمثل محمد
أوفى و أعطى للجزيل إذا احتذيو متى تشأ يخبرك عما في غد
و إذا الكتيبة عردت أنيابهابالسمهري و ضرب كل مهند
فكأنه ليث على أشبالهوسط الهباءة خادر في مرصد
فاستعمله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على من أسلم من قومه، و من تلك القبائل من هوازن، و فهم، و سلمة، و ثمالة.
و كان قد ضوى إليه قوم مسلمون، و اعتقد له لواء، فكان يقاتل بهم من كان على الشرك و يغير بهم على ثقيف فيقاتلهم بهم، و لا يخرج لثقيف سرح إلا أغار عليه، و قد رجع حين رجع، و قد سرح الناس مواشيهم،
و أمنوا فيما يرون حين انصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عنهم، و كان لا يقدر على سرح إلا أخذه، و لا على رجل إلا قتله.
و كان يبعث إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالخمس مما يغنم، مرة مائة بعير، و مرة ألف شاة، و لقد أغار على سرح لأهل الطائف، فاستاق لهم ألف شاة في غداة واحدة (1).
و نقول:
إن لنا مع ما تقدم العديد من الوقفات، نذكر منها ما يلي:
قد عرفنا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل شفاعة الشيماء في مالك بن عوف، فقد ذكر اليعقوبي: أن الشيماء بنت حليمة السعدية هي التي كلمت النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مالك بن عوف النصري، رئيس جيش هوازن، و آمنه، فجاء فأسلم. و وجهه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لحصار الطائف (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 405 و 406 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 609 و تاريخ مدينة دمشق ج 56 ص 484-488 و البداية و النهاية ج 4 ص 414 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 683 و راجع: مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ص 123 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 359 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 97 و راجع: أسد الغابة ج 4 ص 290.
2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 63.
و لنا هنا ملاحظات هامة، و هي:
أولا: إن الشيماء امرأة من النساء لم تكن أكرم و لا أعز عند اللّه تعالى، و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» من فاطمة «عليها السلام» ، و لم يكن لها قدم في الإسلام و لا تاريخ في نصرة دين اللّه، أو في الدفاع عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . بل هي لم تكن قد أسلمت بعد. .
ثانيا: إنها أخذت أسيرة و لا تزال في الأسر في نفس حربه «صلى اللّه عليه و آله» هذه مع هوازن في حنين.
ثالثا: لم نعهد في رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنه يحابي أقاربه، أو أصدقاءه، و يميزهم على غيرهم. بل قد تقدم في غزوة بدر في قضية أسر عمه العباس، ما يدل على: أنه كان يعاملهم كغيرهم، حتى إنه لم يرض بالإرفاق بعمه، و لا أن يرخى من وثاقه، حتى فعل ذلك بالأسرى كلهم. .
كما أنه لم يرض بإطلاقه من الأسر إلا بعد أن أعطى الفداء، كسائر الأسرى الذين افتدوا أنفسهم، أو افتداهم أهلوهم. .
مع أن العباس كان عم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فهو أقرب إليه من الشيماء. .
أما الشيماء فكانت ابنة حليمة السعدية التي أرضعته، بأجرة بذلها لها جده عبد المطلب، و لم ترضعه تكرما و تفضلا. و إن كان الإسلام قد جعل هذا الرضاع منشأ لحقوق، و رتب عليه تعاملا إنسانيا و أخلاقيا يرقى به إلى درجة لحمة النسب، كما ظهر من طريقة تعامل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع الشيماء.
رابعا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أطلق سراح جميع أسرى حرب حنين بما فيهم قائدهم الأول، و جميع الأسرى و السبايا، و الذراري بشفاعة
هذه المرأة الأسيرة و المسنة التي لم يرها النبي «صلى اللّه عليه و آله» منذ ما يقرب من ستين عاما، حيث كان رضيعا عند أمها حليمة السعدية. .
خامسا: إن ذلك يعطي: أن للمرأة مكانة عظيمة في الإسلام، حتى لو كانت عجوزا و لا تزال أسيرة، و لم تظهر ما يدل على قبولها الإسلام، و ليس لها أي فضل أو يد عنده «صلى اللّه عليه و آله» . . بل غاية ما ظهر منها مجرد إظهار رغبتها بإطلاق سراح الأسرى. . فاعتبرها «صلى اللّه عليه و آله» مبادرة إنسانية منها تشير إلى أنها تملك بعض التوازن، و تختزن قدرا من الإحساس بما يعانيه الآخرون، و ذلك يدل على نبل عاطفتها، و على صدق مشاعرها، حين حاولت أن تستفيد من مكانتها و موقعها من أجل حل مشكلة الآخرين، فعرف لها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك.
سادسا: و الأهم من ذلك: أن بدرا لا تزال تقترن بحنين، و قد حاول أبو بكر أن يتوسط لأسرى بدر، فرفض اللّه و رسوله و ساطته، و لم يستجب له إلا بعد أن أثار عاصفة من الإعتراض لدى سائر المسلمين.
و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» يعلّم الشيماء كيف تكلّم المسلمين، لكي تقنعهم بقبول إطلاق سراح الأسرى. .
و قد قرأنا فيما سبق: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قسم من السبايا ما شاء اللّه، فلما كلمته أخته فيهن، قال لها: أما نصيبي و نصيب بني عبد المطلب، فهو لك الخ. .
غير أننا نشك في صحة ذلك، فقد ذكروا: أنه «صلى اللّه عليه و آله»
استأنى بالسبي بضع عشرة ليلة، لكي يقدم عليه وفد هوازن، ثم بدأ بقسمة الغنائم، ثم قدم عليه الوفد مسلمين، فقال لهم: أيهما أحب إليكم: السبي أم الأموال؟ ! فاختاروا السبي (1). إذ لا معنى لتخيير الوفد بين الأمرين إذا كان قد قسم السبي بين المقاتلين.
بل لا معنى لذلك إن كان قد قسم الأموال أيضا. .
و لا نرى أن ثمة تعارضا بين أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد أرجع السبي إجابة لطلب الشيماء، أو إجابة لطلب وفد هوازن. . إذ الظاهر هو: أن وفد هوازن قد جاء حين شفعت الشيماء في السبي، فشفع الوفد في السبي أيضا بنفس الطريقة، و عبّر عن نفس الفكرة. . فاستجاب «صلى اللّه عليه و آله» لها و لهم، و علمها و علمهم كيفية الكلام مع المسلمين، الذين كانوا يعتقدون أن لهم في السبي حقا. . وفق ما شرحناه في موضع سابق. .
فاستجاب الناس. . و وهبوا ما رأوا أنه نصيبهم، إلا الأقرع بن حابس، و عيينة بن حصن. .
و قد برر عيينة بن حصن، و الأقرع بن حابس امتناعهما عن هبة سهميهما:
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 390 عن ابن إسحاق، و راجع: السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 114 و راجع: البحار ج 21 ص 182 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 37 و تفسير الميزان ج 9 ص 233 و راجع المصادر المتقدمة.
بأنهما يريدان أن يصيبا من نساء هوازن، على سبيل المعاملة بالمثل. .
و نقول:
إن المعاملة بالمثل، و إن كانت عدلا في بعض الأحيان، لكنها تصبح على درجة من الهجنة و القبح، حين تتضمن استهانة و رفضا لطلب أشرف الخلق و أكرمهم على اللّه، و هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي لا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ (1).
و هذا ما حصل بالفعل، من قبل عيينة بن حصن، و الأقرع بن حابس، اللذين كانا من الأعراب الأجلاف، فاستحقا أن يعاملهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالرفق، و بطرف من العدل، فقد كان رفيقا بهم حين لم يؤاخذهما بمنطقهما المسيء، بل أعلن أنه يريد أن يقر العدالة أيضا في تحديد نصيبهما من السبي، و ذلك عن طريق إجراء القرعة، إقرارا منه «صلى اللّه عليه و آله» لمبدأ المساواة و دعا اللّه أن يتوّه سهميهما. . فخرجت القرعة على عجوزين كما أوضحته الروايات. .
و عن إرشاد النبي «صلى اللّه عليه و آله» لوفد هوازن، و للشيماء إلى ما يقولونه للناس، لإقناعهم بالتخلي عما يرون أنه حقهم في السبي، نقول:
إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان ظاهر الرغبة في إطلاق سراح السبي و الذرية، حتى إنه استأنى بوفد هوازن بضعة عشر يوما، و قد أرشد أخته إلى أن
1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.
تستشفع به «صلى اللّه عليه و آله» على الناس ليهبوا حصتهم من السبي، و طلب من الوفد أن يظهروا إسلامهم أمام الناس، ليأنفوا من استرقاق نساء و ذرية إخوانهم من المسلمين، و وعدهم بأن يكلم المسلمين، و يشفع لهم. .
ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» حين كلم الناس بادر أولا إلى هبة سهمه و سهم بني هاشم، و طلب من الناس أن يهبوا نصيبهم طوعا، و من كره ذلك فليأخذ الفداء من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، لا من السبي، و أهله و عشيرته. . و جعل فداء كل إنسان ست فرائض من أول فيء يصيبه. .
و يلاحظ: أنه قال: من أول فيء يصيبه، و لم يقل: «من أول غنيمة» ، لأن الفيء يكون خالصا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أما الغنيمة فللمقاتلين حق فيها.
و يبقى سؤال يقول: لماذا يهتم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بإطلاق سراح السبي إلى هذا الحد، حتى إنه ليتكفل هو بإعطاء الفداء؟ !
و ربما يكون من جملة ما يصح أن يجاب به: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يعرف: أن قضية العرض حساسة جدا في المجتمع العربي، و إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» يرغب في إسلام هوازن و سائر القبائل في المنطقة، فإن صيرورة نسائهم و ذراريهم رقيقا، سيكون عارا و سبة عليهم، و سوف يشكل ذلك عقدة كبيرة جدا في هذا السياق، و قد يستفيد المنافقون و اليهود و غيرهم من أعداء اللّه و رسوله لإثارة حفيظة تلك القبائل ضد الإسلام، و أهله. أو على الأقل سوف يعطيهم الفرصة لإثارة نزاعات، و إيجاد بؤر توتر، في مختلف المواقع و المواضع، و لربما تتطور الأمور إلى حدوث جرائم،
و حروب بين القبائل.
و هذا خطر كبير، يجب أن لا يفسح المجال له. و لا بد من القضاء على كل مكوناته في مهدها.
و قد رأينا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد وهب نصيبه، و نصيب بني هاشم، و في رواية أخرى نصيب بني عبد المطلب من السبي. . و نشير إلى:
1-أنه «صلى اللّه عليه و آله» أولى بالمؤمنين من أنفسهم. و قد كان يمكنه أن يهب جميع السبي بالإستناد إلى هذه الولاية، المعطاة له من اللّه تعالى. و لكنه اقتصر على نصيبه، و نصيب بني هاشم، أو بني عبد المطلب.
2-و يمكنه أيضا أن يهبهم جميع السبي استنادا إلى: أنه لا حق لأحد بالسبي و الغنائم، سوى علي «عليه السلام» ، لأنه هو وحده الذي ثبت في حنين، و هزم جموع المشركين.
و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يعامل الناس بالرفق و الرحمة و الكرم. و لذلك لم يستند إلى أي من هذين الأمرين، بل وهب سهم بني هاشم، اعتمادا على أنهم لا يردون له كلمة، و لا يخالفون له أمرا، و يبتغون رضاه. و أراد بذلك تشجيع سائر الناس على التأسي ببني هاشم، و بذل أموالهم في رضا اللّه تعالى، و رضاه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و لعل سبب ذلك هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد من الناس أن يعتبروها يدا عنده هو، لكي لا يمن أحد على أهل السبي بشيء. و بذلك يكون قد جنّبهم الكثير من الإحراجات التي ربما يتعرضون لها في حياتهم مع الناس.
و قد ذكرت النصوص المتقدمة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكتف بإعلان الأنصار رضاهم بقسمة الغنائم على المؤلفة قلوبهم، بل أرجأ الحسم في هذا الأمر إلى حين يرفع عرفاؤهم هذا الأمر عنهم، رغم أننا نعلم أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن بحاجة إلى العرفاء، ليعرف حالهم، لأنه كان مسددا بالوحي.
و مع غض النظر عن ذلك، فقد كان يمكنه الإكتفاء بما أظهروه. خصوصا مع ما قلناه من أنهم لم يكن لهم حق في تلك الغنائم، و لعل هذا كان واضحا لكثيرين منهم، إن لم يكن لأكثرهم، أو جميعهم. .
و لكن الظاهر هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يعرف الأجيال كلها أنه لم يأخذ الأنصار على حين غرة، و لم يفرض عليهم قراره، كما أنه لم يأخذ الأموال منهم بواسطة التخجيل و الإحراج، بل هو قد فتح لهم أبواب التخلص المشرّف، الذي لا إحراج فيه، كما أنه قد توغل في استكناه سرهم و كشف دخائلهم، مع أنه لم يكن بحاجة إلى ذلك كله.
و على كل حال، فإننا لا نريد أن ندخل في موضوع نظام العرفاء بالتفصيل، غير أننا نكتفي بالقول: بأن النصوص قد دلت على: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أنشأ أنظمة في المجتمع الإسلامي، و أوكل إليها مهمات محددة، و قد عمل بهذه الأنظمة علي أمير المؤمنين «عليه السلام» من بعده أيضا.
فكان هناك:
1) راجع: البحار ج 19 ص 24 و ج 78 ص 376 و مستدرك سفينة البحار ج 1 ص 458 و ج 2 ص 13 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 258 القواعد الفقهية للبجنوردي ج 1 ص 206 و الفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 285 و تفسير مجمع البيان ج 4 ص 494 و تفسير القرآن للصنعاني ج 1 ص 129 و نقد الرجال ج 1 ص 203 و تاريخ مدينة دمشق ج 9 ص 76 و ج 20 ص 240 و 241 و 248 و ج 25 ص 475 و ج 26 ص 189 و ج 28 ص 82 و الصراط المستقيم ج 2 ص 103 و الغدير ج 1 ص 42 و ج 2 ص 69 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 107 و شرح مسند أبي حنيفة للملا علي القاري ص 587 و المصنف لابن أبي شيبة ج 1 ص 364 و الآحاد و المثاني ج 4 ص 129 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 243 و مسند الشاميين ج 2 ص 431 و سنن الدارقطني ج 1 ص 362 و ج 3 ص 150 و كنز العمال ج 1 ص 325 و 326 و ج 8 ص 52 و ج 13 ص 421 و 556 و ج 14 ص 58 و فتوح البلدان ج 1 ص 5 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 96 و البداية و النهاية ج 3 ص 193 و 198 و 204 و 280 و ج 4 ص 30 و 44 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 3 ص 472.
2) الصحاح-مادة نكب-ج 1 ص 228 و راجع: النهاية في غريب الحديث ج 5 ص 113 و لسان العرب ج 1 ص 772 و تارج العروس ج 2 ص 451.
3) جامع البيان ج 6 ص 203 و راجع: النهاية في غريب الحديث ج 5 ص 113 و لسان العرب ج 1 ص 772 و تارج العروس ج 2 ص 451.
3-العرفاء (1).
و ما يعنينا هنا هو: هذا النظام الأخير، و هو نظام العرافة و العرفاء. .
فقد ذكرت النصوص: أنه قد كان هناك عرفاء للقبائل (2)، و عريف أيضا لكل خلية تتألف من عشرة أشخاص، و قد عرّف «صلى اللّه عليه و آله» عام خيبر و حنين على كل عشرة عريفا (3)، مما يعني: أنه «صلى اللّه عليه
1) مغني المحتاج ج 3 ص 96 و كنز العمال ج 5 ص 780 و 798 و روضة الطالبين ج 5 ص 319 حواشي الشيرواني ج 7 ص 135 و أحكام القرآن ج 2 ص 497 و أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 83 و الخصال للصدوق ص 492 و تفسير غريب القرآن ص 126 و مجمع البيان ج 3 ص 294 و جامع البيان ج 6 ص 103 و الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 112 و جواهر العقود ج 1 ص 378 و زاد المسير ج 2 ص 251 و أصول السرخسي ج 1 ص 380 و الكامل لابن عدي ج 6 ص 461 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 194 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 452 و البداية و النهاية ج 7 ص 43.
2) راجع: تهذيب الكمال ج 17 ص 412 و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 319 و ج 35 ص 444 و الإصابة ج 1 ص 617 و الشرح الكبير ج 10 ص 611 و روضة الطالبين للنووي ج 5 ص 319 و كشاف القناع ج 3 ص 117 و 143 و مغني المحتاج للشربيني ج 3 ص 96 و المغني لابن قدامة ج 7 ص 310 و جواهر العقود ج 1 ص 378 و فتح الباري ج 5 ص 202 و ج 13 ص 149 و راجع: بصائر الدرجات ص 516 و البحار ج 34 ص 250.
3) المبسوط للشيخ الطوسي ج 2 ص 75 و منتهى المطلب (ط ق) ج 2 ص 958 و 970 و تذكرة الفقهاء (ط ق) ج 1 ص 437 و (ط ج) ج 9 ص 270 و 323 و تحرير الأحكام (ط ق) ج 1 ص 151 و (ط ج) ج 2 ص 211 و جواهر الكلام ج 21 ص 215 و كتاب الأم للشافعي ج 4 ص 166 و مختصر المزني ص 154 و المجموع ج 19 ص 380 و 383 و معرفة السنن و الآثار ج 5 ص 168 و مغني المحتاج للشربيني ج 3 ص 96 و المغني لابن قدامة ج 7 ص 310 و ج 10 ص 621 و الشرح الكبير ج 10 ص 551 و كشاف القناع ج 3 ص 72 و 117 و البداية و النهاية ج 7 ص 43 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 92 و راجع: تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف بمصر) ج 3 ص 437 و 487 و 488.
و آله» قد بنى المجتمع بناء هرميا يبدأ من هذه الخلية و ينتهي بالنقباء، و هو «صلى اللّه عليه و آله» رأس الهرم الذي تنتهي الأمور إليه و تصدر الأوامر و التوجهات و القرارات عنه.
و قد ورد: أنه كان إذا جاءه تسعة أشخاص يرفض أن يعقد لهم لواء، حتى يأتوه بعاشر (1).
و يمكن أن يفهم من النصوص: أنه قد كان لدى المسلمين قبول و رضا، و رغبة في الإنخراط في هذا النظام، أعني نظام العرفاء، فكانوا هم الذين يسعون للحصول على عريف لهم.
و معنى هذا: أنهم يشعرون بحاجتهم إلى نظام كهذا، و أنه مقتنعون بفائدته لهم.
و قد ورد: أنه لا بد للناس من عريف (2).
و ورد في مقابل ذلك: النهي عن التصدي لهذا الأمر، فلا يكونن عريفا (1).
و لعل النهي الوارد عن العرافة، إنما هو لمن تولاها من قبل سلطان
(2) -ص 152 و مجمع الزوائد ج 5 ص 234 و فتح الباري ج 13 ص 149 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 57 و ج 7 ص 163 و فيض القدير ج 6 ص 497 و العهود المحمدية ص 733 و كشف الخفاء ج 2 ص 59 و طبقات المحدثين بإصبهان ج 1 ص 343 و ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 117 و مستدرك الوسائل ج 13 ص 110 و المصنف لابن أبي شيبة ص 266 و المعجم الصغير و كنز العمال ج 6 ص 90 و ج 9 ص 317 و فيض القدير ج 6 ص 496 و الكامل ج 5 ص 374 و أسد الغابة ج 1 ص 289 و 595.
1) المطالب العالية ج 1 ص 237 و راجع ص 236 و الأمالي للصدوق ص 185 و البحار ج 74 ص 399 و ج 72 ص 342 و 343 و ج 73 ص 359 و الخصال ج 1 ص 337 و 338 و مروج الذهب ج 4 ص 193 و كمال الدين، و نهج البلاغة، و حلية الأولياء ج 1 ص 79 و ج 6 ص 53 و الأمالي للمفيد ص 71 و ربيع الأبرار ج 2 ص 256 و مستدرك الوسائل ج 13 ص 112 و دستور معالم الحكم ص 92 و كنز الفوائد ص 30 و الوسائل ج 12 ص 234 و 235 و غرر الحكم ج 1 ص 209 و جامع أحاديث الشيعة ج 17 ص 199 و ج 17 ص 251 و نور الثقلين ج 4 ص 533 و راجع: مسند أحمد ج 4 ص 133 و سنن أبي داود ج 2 ص 14 و مجمع الزوائد ج 5 ص 233 و 240 و عون المعبود ج 8 ص 108 و المصنف للصنعاني ج 2 ص 383 و ج 11 ص 326 و مسند الشاميين ج 2 ص 297 و 300 و الجامع الصغير ج 1 ص 196 و العهود المحمدية ص 733 و 784 و كنز العمال ج 6 ص 15 و الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 312 و معجم رجال الحديث ج 20 ص 203 و تاريخ مدينة ج 60 ص 194 و ج 62 ص 305 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 428 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 6 ص 204.
جائر كما يظهر من الحديث عن الإمام الباقر «عليه السلام» عن عقبة بن بشير الأسدي قال: دخلت على أبي جعفر «عليه السلام» ، فقلت: إني في الحسب الضخم من قومي، و إن قومي كان لهم عريف فهلك، فأرادوا أن يعرفوني عليهم فما ترى لي؟
قال: فقال أبو جعفر «عليه السلام» : تمن علينا بحسبك؟ إن اللّه تعالى رفع بالإيمان من كان الناس سموه وضيعا إذا كان مؤمنا، و وضع بالكفر من كان يسمونه شريفا إذا كان كافرا، و ليس لأحد على أحد فضل إلا بتقوى اللّه.
و أما قولك: إن قومي كان لهم عريف فهلك، فأرادوا أن يعرفوني عليهم، فإن كنت تكره الجنة و تبغضها فتعرف على قومك، و يأخذ سلطان جائر بامرئ مسلم لسفك دمه، فتشركهم في دمه و عسى لا تنال من دنياهم شيئا (1).
و دل عليه أيضا: قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : يكون في آخر الزمان أمراء ظلمة، و وزراء فسقة، و قضاة خونة، و فقهاء كذبة، فمن أدرك منكم ذلك الزمن فلا يكونن لهم جابيا، و لا عريفا، و لا شرطيا (2).
1) راجع: الكافي ج 2 ص 328 و شرح أصول الكافي ج 9 ص 373 و إختيار معرفة الرجال ج 2 ص 459 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 463 و ج 17 ص 250 و الوسائل ج 11 ص 280 و 281 و البحار ج 70 ص 229 و ج 72 ص 349 و مستدرك الوسائل ج 13 ص 113 و نور الثقلين ج 5 ص 98 و معجم رجال الحديث ج 12 ص 165 و جامع السعادات للنراقي ج 1 ص 315.
2) المعجم الصغير ج 1 ص 204 و المعجم الأوسط ج 4 ص 277 و المعجم الكبير ج 9 ص 299 و مجمع الزوائد ج 5 ص 240 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 362 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 446 و موارد الظمآن ج 5 ص 127 و العهود المحمدية ص 794 و كنز العمال ج 6 ص 77 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 138 و تاريخ بغداد ج 12 ص 63.
و بعض الأحاديث ناظر إلى تعدي العرفاء على عن حدود الشرع. كما ورد في حديث علي «عليه السلام» عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : ألا و من تولى عرافة قوم حبسه اللّه عز و جل على شفير جهنم بكل يوم ألف سنة، و حشر يوم القيامة و يداه مغلولتان إلى عنقه، فإن قام فيهم بأمر اللّه أطلقه اللّه، و إن كان ظالما هوى به في نار جهنم و بئس المصير (1).
و لعل مما يؤكد هذه الحقيقة: أن المهمات التي كانت توكل إلى العريف كانت حساسة و هامة، فمثلا قد ذكرت النصوص أن:
1-العريف: هو القائم بأمر طائفة من الناس، و هو من ولي أمر سياستهم، و حفظ أمورهم و سمي بذلك لكونه يتعرف أمورهم حتى يعرّف بها من فوقه عند الإحتياج (2).
2-أن العريف كان هو الذي يتولى تقسيم العطاء على من عرّف
1) راجع: أمالي الصدوق ص 388 و (ط دار المعرفة) ص 518 و عقاب الأعمال ص 339 و البحار ج 7 ص 216 و ج 72 ص 343 و 373 و ج 73 ص 337 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 353 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 282 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 18 و روضة المتقين ج 9 ص 432 و كتاب المكاسب ج 2 ص 72 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 135 و 192.
2) فتح الباري ج 13 ص 148 و إرشاد الساري ج 10 ص 246 و عمدة القاري ج 24 ص 254 و نيل الأوطار ج 8 ص 151.
عليهم، و يوصل إليهم عطاءهم (1).
3-كان العريف هو الذي يتولى هدم بيوت بعض الذين يخونون الإمام العادل، و يذهبون إلى عدوه، فقد ورد: أنه لما هرب حنظلة أمر علي «عليه السلام» بداره فهدمت، هدمها عريفهم بكر بن تميم، و شبث بن ربعي (2).
4-إن العريف هو الذي يتولى معرفة دخائل الناس، و حقيقة نواياهم، إذا احتاج الإمام إلى معرفة ذلك، فقد ورد: أن أبا زيد الهلقام سأل الإمام الباقر «عليه السلام» عن تفسير قول اللّه عز و جل: وَ عَلَى اَلْأَعْرٰافِ رِجٰالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمٰاهُمْ (3)ما يعني بقوله: وَ عَلَى اَلْأَعْرٰافِ رِجٰالٌ ؟ ! .
قال: ألستم تعرّفون عليكم عريفا على قبائلكم، لتعرفوا من فيها من صالح أو طالح؟
قلت: بلى.
قال: فنحن أولئك الرجال الذين يعرفون كلا بسيماهم (4).
5-العريف، الذي يتعرف به أحوال الجيش (5)أو القائم بأمور القبيلة
1) الطبقات الكبرى ج 6 ص 194 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 152 و تاريخ الكوفة ص 160.
2) صفين ص 97 و شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 177 و أعيان الشيعة ج 1 ص 474.
3) الآية 46 من سورة الأعراف.
4) بصائر الدرجات ص 495 و 496 و (ط الأعلمي) ص 516 و البحار ج 8 ص 336 و ج 24 ص 250 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 33 و تفسير الميزان ج 8 ص 145 و تفسير العياشي ج 2 ص 18 و أهل البيت «عليهم السلام» في الكتاب و السنة ص 159 و غاية المرام ج 4 ص 45.
5) التراتيب الإدارية ج 1 ص 235 عن الباجي في المنتقى.
و الجماعة من الناس، يلي أمورهم، و يتعرف الأمير منه أحوالهم (1).
6-فسرت العرافة بالرياسة (2).
7-العريف: القيم و السيد، لمعرفته بسياسة القوم (3).
8-و ربما يكون من مهماته أيضا: أن يكون هو المسؤول عن حضور و غياب من هم في نطاق مسؤوليته، و الإخبار عن أسباب ذلك، و ربما عن مرضهم و صحتهم، و حياتهم، و موتهم، و كل ما يعرض لهم من مشاكل و أزمات، و باختصار: إنه يمثل همزة الوصل بينهم و بين إمامهم. .
و قد ورد: أنه حين جاء إلى علي «عليه السلام» عسل و تين من همدان، أمر العرفاء أن يأتوا باليتامى، فأمكنهم من رؤوس الأزقاق يلعقونها (4).
و ورد أيضا: أنه كان الرجل إذا قدم المدينة، و كان له بها عريف نزل
1) التراتيب الإدارية ج 1 ص 235 عن النهاية، و راجع: كشاف القناع ج 3 ص 72 و نيل الأوطار ج 9 ص 166 و القاموس الفقهي للدكتور سعدي أبو حبيب ص 249 و البحار ج 2 ص 107 و ج 32 ص 40 و ج 52 ص 195 و ج 84 ص 166 و عون المعبود ج 8 ص 108 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 106 و النهاية في غريب الحديث ج 3 ص 218 و لسان العرب ج 9 ص 238 و تاج العروس ج 6 ص 195.
2) راجع: روضة المتقين ج 9 ص 432 و شرح السير الكبير للسرخسي ج 1 ص 142.
3) لسان العرب ج 9 ص 238.
4) الكافي ج 1 ص 406 و البحار ج 27 ص 248 و ج 41 ص 123 و شرح أصول الكافي ج 7 ص 29 و مجمع البحرين ج 4 ص 124 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 584.
على عريفه، فإن لم يكن له بها عريف نزل الصفة (1).
و أما بالنسبة للنقباء: فنقباء بني إسرائيل هم الذين أرسلهم موسى «عليه السلام» ليأتوا بني إسرائيل بأخبار الشام و أخبار الجبارين فيها، و كان بنو إسرائيل اثنا عشر سبطا، فاختار من كل سبط رجلا ليكون لهم نقيبا، أي أمينا كفيلا (2).
و كان النقباء في المدينة اثنا عشر نقيبا أيضا: ثلاثة من الأوس، و تسعة من الخزرج. أمر «صلى اللّه عليه و آله» أهل المدينة في بيعة العقبة أن يختاروهم، فلما اختاروهم قال «صلى اللّه عليه و آله» : أبايعكم كبيعة عيسى بن مريم للحوارين كفلاء على قومهم بما فيه، و على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم و أبناءكم فبايعوه على ذلك (3).
1) المستدرك للحاكم ج 3 ص 15 و ج 4 ص 548 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 77 و دلائل النبوة للإصبهاني ج 3 ص 993 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 2 ص 486 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 400 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 486 و إمتاع الأسماع ج 10 ص 158 و شعب الإيمان ج 7 ص 284 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 445 و كنز العمال ج 7 ص 200 و مجمع الزوائد ج 10 ص 323 و المعجم الكبير ج 18 ص 320 و إمتاع الأسماع ج 10 ص 158 و ج 12 ص 318.
2) راجع: مجمع البيان ج 3 ص 171 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص 295 و التبيان ج 3 ص 265 و 466 و الخصال ج 2 ص 492 و التفسير الكبير للرازي ج 11 ص 184 و جامع البيان ج 6 ص 95 و 96 و الكشاف للزمخشري ج 1 ص 615 و البحار ج 13 ص 201.
3) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 157 و البحار الأنوار ج 19 ص 26 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 695 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 18 و مسند أحمد ج 3 ص 462 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 58 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 1 ص 311.
و قال «صلى اللّه عليه و آله» : الخلفاء بعدي اثنا عشر، كعدة نقباء بني إسرائيل (1).
و نقول أخيرا:
قال الصدوق: النقيب: الرئيس من العرفاء.
و قيل: إنه الضمين.
و قد قيل: إنه الأمين.
و قد قيل: إنه الشهيد على قومه.
و أصل النقيب في اللغة من النقب و هو الثقب الواسع، فقيل: نقيب القوم لأنه ينقب عن أحوالهم كما ينقب عن الأسرار، و عن مكنون الأضمار (2).
1) الأمالي للصدوق ص 378 و الخصال ص 468 و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 54 و كفاية الأثر ص 27 و كمال الدين و تمام النعمة ص 272 و كتاب الغيبة للنعماني ص 117 و 118 و البحار ج 36 ص 230 و 271 و ينابيع المودة ج 2 ص 315 و غاية المرام ج 2 ص 271 و راجع: مقتضب الأثر ص 8 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 258 و الصوارم المهرقة ص 93 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 381 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 383 و مسند أحمد ج 1 ص 398 و 406 و مجمع الزوائد ج 5 ص 190 و فتح الباري ج 13 ص 183 و تحفة الأحوذي ج 6 ص 394 و كنز العمال ج 12 ص 33 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 34 و كشف الغمة ج 1 ص 58 و ج 3 ص 309 و كشف اليقين للحلي ص 331 و شرح إحقاق الحق ج 13 ص 44 و 45.
2) الخصال ج 2 ص 492 و التبيان ج 3 ص 465 و راجع: التفسير الكبير ج 11 ص 184 و راجع: مجمع البيان ج 3 ص 170 و الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 112.
و لنا مع حديث إسلام مالك بن عوف بعض الملاحظات، نذكر منها:
1-إن إغارة مالك بن عوف على ثقيف تبقى موضع ريب، فقد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» تركهم و ذهب إلى مكة حتى لحقه وفدهم بإسلامهم. .
إلا أن يقال: إن الذين أسلموا هم جماعة منهم، فحقنوا بذلك دماءهم و بقيت بعض الجماعات، التي لم تكن قادرة على المقاومة، فسكتت على مضض، فكان مالك بن عوف يلاحقهم بعد ذلك، حين تظهر منهم بوادر العصيان، و يصيب منهم بعض الغنائم.
ثم إنهم بعد عدة أشهر وفدوا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة، فأعلنوا إسلامهم، و أمنوا من أن يتعرض إليهم مالك بن عوف، أو غيره بأذى. .
2-قد تقدم: أن الشيماء، قد شفعت في مالك بن عوف، و لعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد ذكره أيضا لوفد هوازن، فبلغه هذا و ذاك، فخاف على نفسه من ثقيف، فجاء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
3-إن خوف مالك من أن تحبسه ثقيف، لو علمت بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد ذكره يدل على أن هؤلاء الناس لا يثقون ببعضهم. فإذا اجتمعوا لحرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فلا يعني ذلك: أنهم يحبون بعضهم بعضا، أو أن بعضهم يثق ببعض، بل هم وفقا لما حكاه القرآن عن اليهود: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتّٰى (1).
1) الآية 14 من سورة الحشر.
4-و يلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد حفظ مالكا في أهله و ماله، و لم يأخذ رأي أحد من المسلمين، فلو كان للمسلمين حق في السبي و الغنائم، لاستجازهم في ذلك. .
و قد رووا عن أبي الطفيل أنه قال: كنت غلاما أحمل عضو البعير، و رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقيم بالجعرانة، و امرأة بدوية، فلما دنت من النبي «صلى اللّه عليه و آله» بسط لها رداءه فجلست عليه، فقلت: من هذه؟
فقالوا: أمه التي أرضعته (1).
و نقول:
قد تقدم في حديث الشيماء: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد سألها عن أمه و أبيه، فأخبرته بموتهما (2).
فالصحيح هو: أن هذه المرأة هي الشيماء بنت حليمة السعدية، التي
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 406 عن أبي داود، و البيهقي، و أبي يعلى، و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 109 و الإصابة ج 4 ص 274 و البداية و النهاية ج 4 ص 418 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 690 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 618 و مجمع الزوائد ج 9 ص 259 و كنز العمال ج 12 ص 443 و تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 115 و تهذيب الكمال ج 21 ص 232 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 610.
2) المغازي للواقدي ج 3 ص 913 و 914 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 333 عنه و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 93.
أرضعته «صلى اللّه عليه و آله» . .
1-إننا يمكن أن نتعقل: أن يصر إنسان على موقفه، أو أن يتمسك بدينه و معتقده، حتى لو كان بمستوى الخرافة.
و نتعقل أيضا: أن يعادي، و أن يقاتل من يخالفه دينه.
و لكنننا لا نتعقل، و لا نرى مبررا لهذه القسوة التي أظهرها بجاد تجاه إنسان مسلم ظفر به، إذ ما هو المبرر لأن يقطّعه عضوا عضوا، و يحرقه بالنار؟ !
2-و لكن لنرجع إلى الإجراء الذي اتخذه النبي «صلى اللّه عليه و آله» تجاه هذا الشخص بالذات، لكي نرى: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أوصى مقاتليه بأن لا يفلت منهم، و لذلك أخذوه و احتفظوا به حيا، حتى يكون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي يحكم فيه بحكمه. .
3-إن إصدار الأمر لأصحابه «صلى اللّه عليه و آله» بهذه الصيغة، يمثل إرفاقا بذلك الشخص، لأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يريد أن يحرم حتى هذا الرجل القاسي من سماحة الإسلام، و يريد أن يمنحه فرصة للتوبة و الأوبة، فلعل اللّه يقبل بقلبه و يدخل في دين اللّه تعالى، أو يكرم به من يستحق التكريم؛ إذا رغب بالعفو عنه.
و قد ذكروا: أن أبا جرول هو الذي ترأس وفد هوازن، و كلم النبي «صلى اللّه عليه و آله» في السبايا، و أنشد الشعر.
و نقول:
إن رواية ذلك عن أبي جرول غير دقيقة، فإن أبا جرول قد قتل على يد أمير المؤمنين «عليه السلام» قبل ذلك حسبما تقدم. و لو كان المقصود به شخصا آخر، لكان عليه البيان.
و الظاهر: أن الصحيح هو: أبو صرد، و هو زهير بن صرد الجشمي السعدي (1).
و قال ابن عبد البر: زهير بن صرد أبو صرد الجشمي السعدي من بني سعد بن بكر و قيل: يكنى أبا جرول (2).
1) راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 114 و 153 و الإصابة ج 2 ص 474 و ج 7 ص 48 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 31 و عيون الأثر ج 2 ص 223 و أعيان الشيعة ج 1 ص 282 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 390 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 94 و راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 356 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 134 و إعلام الورى ج 1 ص 239 و التاريخ الصغير للبخاري ج 1 ص 31 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 268 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 606 و البداية و النهاية ج 2 ص 338 و ج 4 ص 404 و 419 و أسد الغابة ج 2 ص 208 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 233 و ج 3 ص 667 و 690 و الفرج بعد الشدة ج 1 ص 92 و البحار ج 21 ص 172 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 75 و مجمع الزوائد ج 6 ص 187 و فتح الباري ج 8 ص 27 و مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ص 116 و المعجم الكبير للطبراني ج 5 ص 270 و تغليق التعليق ج 3 ص 473 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 27.
2) راجع: الإستيعاب ج 2 ص 520.
قال الصالحي الشامي: في انتظار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بقسم غنائم هوازن إسلامهم، جواز انتظار الإمام بقسم الغنائم إسلام الكفار و دخولهم في الطاعة فيه، ورده عليهم غنائمهم و متاعهم (1).
و نلاحظ على كلامه هذا: أن انتظار النبي «صلى اللّه عليه و آله» لوفد هوازن لم يتضمن تصريحا منه، بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد انتظر أن يأتوه بإسلام قومهم. . فلعله «صلى اللّه عليه و آله» انتظرهم لأجل الحديث عن فدائهم، أو لأجل أن يطلبوا هم من المسلمين و من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المن على السبايا، و إطلاق سراحهم. .
فقد قدمنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يترقب إسلام هوازن في وقت قريب. و لو أن السبي انتقل إلى أيدي الناس، فلربما يشكّل ذلك مانعا لدى الكثيرين منهم عن الدخول في هذا الدين، بصدق نية، و سلامة طوية.
بل إن القبائل التي لها سبي بهذه الكثرة-حتى إن كل بيت فيها كانت له بنت، أو أخت، أو زوجة، أو ولد-حتى لو دخلت في الإسلام. . فلربما تحدث أمور لا تحمد عقباها، و لا سيما إذا أراد أهل النفاق استغلال هذا الأمر، الذي يتحسس منه الإنسان العربي بصورة كبيرة. .
و قد أوضحنا ذلك فيما سبق، فلا حاجة للإعادة.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 350 و 581.
عن عطية السعدي: أنه كان ممن كلم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في سبي هوازن، و كلم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه، فردوا عليهم سبيهم إلا رجلا واحدا، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم أخس سهمه» .
فكان يمر بالجارية، فيدع ذلك حتى مر بعجوز، فقال: آخذ هذه فإنها أم حي، فيفدونها عليه.
فكبر عطية و قال: خذها. خذها و اللّه ما فوها ببارد، و لا ثديها بناهد، و لا زوجها بواحد، عجوز يا رسول اللّه ما لها أحد.
فلما رأى أنه لا يعرض لها أحد تركها (1).
و ذكر ابن إسحاق، و محمد بن عمر-و اللفظ له-: أن عيينة بن حصن حين أبى أن يرد حظه من السبي خيروه في ذلك، فنظر إلى عجوز كبيرة، فقال: هذه أم الحي، لعلهم أن يغلوا فداءها، فإنه عسى أن يكون لها في الحي نسب.
فجاء ابنها إلى عيينة، فقال: هل لك في مائة من الإبل؟
فقال عيينة: لا، فرجع عنه و تركه ساعة.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 394 و ج 10 ص 219 عن أبي نعيم، و راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 73 و البحار ج 18 ص 16 و مجمع الزوائد ج 6 ص 188 و المعجم الكبير ج 17 ص 168 و كنز العمال ج 10 ص 547 و تاريخ مدينة دمشق ج 40 ص 465.
فقالت العجوز: ما أربك فيّ، بعد مائة ناقة، أتركه فما أسرع أن يتركني بغير فداء، فلما سمعها عيينة قال: ما رأيت كاليوم خدعة.
قال: ثم مر عليه ابنها، فقال له عيينة: هل لك في العجوز لما دعوتني إليه؟
قال ابنها: لا أزيدك على خمسين.
قال عيينة: لا أفعل.
قال: فلبث ساعة ثم مر به أخرى و هو يعرض عنه، فقال له عيينة: هل لك في العجوز بالذي بذلت لي؟
قال الفتى: لا أزيدك على خمس و عشرين فريضة، هذا الذي أقوى عليه.
قال عيينة: لا أفعل و اللّه، بعد مائة فريضة خمس و عشرون! !
فلما تخوف عيينة أن يتفرق الناس و يرتحلوا، جاء عيينة فقال: هل لك إلى ما دعوتني إليه إن شئت؟
فقال الفتى: هل لك في عشر فرائض أعطيكها.
قال عيينة: و اللّه لا أفعل.
قال الفتى: و اللّه ما ثديها بناهد، و لا بطنها بوالد، و لا فوها ببارد، و لا صاحبها بواجد، فأخذتها من بين من ترى.
قال عيينة: خذها لا بارك اللّه لك فيها.
فقال الفتى: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد كسا السبي فاخطأها من بينهم بالكسوة، فهل أنت كاسيها ثوبا؟
فقال: لا و اللّه، ما ذلك لها عندي.
قال: لا، و تفعل، فما فارقه حتى أخذ منه سمل ثوب، ثم ولى الفتى
و هو يقول: و اللّه إنك لغير بصير بالفرض (1).
و ذكر محمد بن إسحاق: أنه ردها بست فرائض (2).
و روى البيهقي عن الشافعي: أنه ردها بلا شيء (3).
و نقول:
1-إننا لا نستطيع أن نؤيد صحة أي من هذه الروايات. . غير أننا نقول: لعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أجرى القرعة، فخرجت تلك العجوز في سهم عيينة، فلم يرض بها، ثم لما خيروه اختارها هي، لأجل هذه الإعتبارات التي ذكرت في رواية ابن إسحاق، و رواية عطية. .
2-إن طمع عيينة قد دعاه إلى رفض إجابة طلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و نفس هذا الطمع هو الذي أرداه، و جعله أضحوكة، و حجزه عن الوصول إلى ما أمله.
بل هو قد خسر ثقة الناس أيضا، و أظهر نفسه على أنه إنسان لا يهتم إلا بحطام الدنيا، حتى لو كان الذي يتمنى عليه هو أفضل الأنبياء، و أكرمهم. و قد أظهر أنه على درجة من الفظاظة و الجفاء حين رد طلب
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 394 عن ابن إسحاق، و راجع: تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 350 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 407 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 927 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 671.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 394 و راجع: كتاب الأم للشافعي ج 7 ص 358 و معرفة السنن و الآثار ج 6 ص 526 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 357 و البداية و النهاية ج 4 ص 407 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 927.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 394.
النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
3-ثم إنه عرض نفسه لفتى ليتلعب به، و يسخر منه، و يجعله أضحوكة بين الناس. و هذا جزاء من تصغر نفسه أمام حفنة من المال، و لا يبالي بكرامته، و لا يهتم لصون ماء وجهه، و لا يراعي مقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
4-قد ذكرنا فيما تقدم: أنه لا حق لعيينة، و لا لغيره في هذا السبي، بل هو للنبي العظيم «صلى اللّه عليه و آله» ، و لوصيه الكريم «عليه السلام» ، و حتى لو كان لأحد فيه نصيب فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فله أن يأخذ ذلك منهم، و لكنه الكرم و السخاء، و الشمم، و الإباء، و الرحمة، و الرأفة منه «صلى اللّه عليه و آله» بأصحابه.
1-قالوا: و كانت هذيل بعثت رجلا يقال له: ابن الأكوع أيام الفتح عينا على النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى علم علمه، فجاء إلى هذيل بخبره، فأسر يوم حنين، فمر به عمر بن الخطاب، فلما رآه أقبل على رجل من الأنصار، و قال: عدو اللّه الذي كان عينا علينا، ها هو أسير، فاقتله.
فضرب الأنصاري عنقه.
و بلغ ذلك النبي «صلى اللّه عليه و آله» فكرهه، و قال: «ألم آمركم ألا تقتلوا أسيرا» ؟ .
2-و قتل بعد جميل بن معمر بن زهير، و هو أسير.
فبعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الأنصار، و هو مغضب، فقال:
«ما حملكم على قتله، و قد جاءكم الرسول: ألا تقتلوا أسيرا» ؟ ! .
فقالوا: إنا قتلناه بقول عمر.
فأعرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى كلمه عمير بن وهب بالصفح عن ذلك (1).
و نقول:
إننا نلاحظ ما يلي:
أولا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان باستمرار ينهى عن قتل الأسرى، و قد ضمّن اعتراضه على قتلة الأسيرين تذكيرا لهم بنهيه هذا، فقال: «ألم آمركم ألاّ تقتلوا أسيرا» ؟ !
ثانيا: لماذا لم يبادر عمر إلى قتل ذلك الأسير بنفسه؟
و لماذا طلب من أنصاري في المرة الأولى، و في المرة الثانية أيضا. و لم يطلب من مهاجري؟ !
هل أراد أن ينصبّ غضب النبي على الأنصار فقط، و يجنب نفسه و المهاجرين هذا الأمر؟ !
أم أنه أراد أن تكثر ثارات الناس عند الأنصار، و تتوسع و تنتشر العداوات لهم؟ !
أم أن الأمر كان محض صدفة، حيث لم يكن ثمة مهاجري قريبا منه حين رأى ذلك الأسير؟ !
1) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 144 و 145 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 87 و البحار ج 21 ص 158 و النص و الإجتهاد ص 324.
و ما هو المبرر لهذه العجلة؟ فإن الرجل أسير غير قادر على الهرب، فليبحث عن مهاجري و يكلفه بقتله.
ثالثا: لماذا لم يرتدع عمر عن هذا الأمر حين رأى كراهة النبي «صلى اللّه عليه و آله» له في المرة الأولى؟ !
فهل كان هناك مبرر أو داع لمعاودة قتل الأسير الثاني؟ !
و علينا أن نتوقع أن تكون الإجابة ستكون بالنفي قطعا، إذ لو كان هناك مبرر لم يغضب «صلى اللّه عليه و آله» لقتله.
إلا أن يقال: إن عمر كان يتلذذ بقتل الأسرى، فلم يكن يمكنه امتثال أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و لكن هل كان يتلذذ بقتلهم أيام خلافته، أو في أيام خلافة أبي بكر أيضا؟ !
فلما ذا إذن اعترض على خالد حين قتل مالك بن نويرة بعد أسره و نزا على امرأته في نفس ليلة قتل زوجها؟ !
و أصاب المسلمون يومئذ السبايا، فكانوا يكرهون أن يقعوا عليهم و لهن أزواج، فسألوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن ذلك، فأنزل اللّه تعالى: وَ اَلْمُحْصَنٰاتُ مِنَ اَلنِّسٰاءِ إِلاّٰ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ (1).
و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يومئذ: «لا توطأ حامل من
1) الآية 24 من سورة النساء.
السبي حتى تضع، و لا غير ذات حمل حتى تحيض» (1).
و نقول:
أولا: قد تقدم: أن ثمة ريبا كبيرا في أن يكون السبايا قد قسمن على المسلمين، بل نحن نطمئن إلى أن ذلك لم يحصل، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقي ينتظر بهم قدوم وفد هوازن، فلما قدم الوفد خيرهم بين الأموال و بين السبي، فاختاروا السبي، و هذا لا ينسجم مع قولهم: إن السبي كانوا قد قسموا على الناس. .
ثانيا: إن كان لهذا الكلام نصيب من الصحة، فلا بد أن يكون ذلك بالنسبة لموارد يسيرة جدا، حيث يبدو من بعض الروايات: أن أفرادا من النساء قد سبين في سرية أوطاس، عندما أرسلهم النبي «صلى اللّه عليه
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 338 و قال في هامشه: أخرجه أبو داود (2157) و أحمد ج 3 ص 62 و الحاكم ج 2 ص 95 و البيهقي في السنن الكبرى ج 5 ص 359 و ج 7 ص 449 و ج 9 ص 124 و الدارمي ج 2 ص 171 و انظر نصب الراية ج 3 ص 233. و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 108 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 20 و المجموع للنووي ج 19 ص 328 و فتح الوهاب ج 2 ص 190 و الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ج 2 ص 134 و ج 3 ص 408 و إعانة الطالبين ج 4 ص 63 و 68 و الجوهر النقي ج 7 ص 426 و المغني لابن قدامة ج 7 ص 507 و كشف القناع ج 1 ص 237 و المحلى لابن حزم ج 10 ص 319 و تلخيص الحبير ج 2 ص 576 و سبل السلام ج 3 ص 205 و 207 و 209 و المعجم الأوسط ج 2 ص 267 و سنن الدارقطني ج 4 ص 63 و معرفة السنن و الآثار ج 7 ص 76 و الإستذكار ج 5 ص 456 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 72 و 230 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 174.
و آله» إليها، فلقوا عدوا لهم، فسبوا بعض النساء، أو سبوهم من بعض أحياء العرب كما رواه أبو سعيد الخدري (1).
و عن الشعبي في الآية: وَ اَلْمُحْصَنٰاتُ مِنَ اَلنِّسٰاءِ إِلاّٰ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ (2)قال: نزلت يوم أوطاس (3).
1) الدر المنثور ج 2 ص 137 و 138 عن الطيالسي، و عبد الرزاق، و الفريابي، و ابن أبي شيبة، و أحمد، و عبد بن حميد، و مسلم، و أبي داود، و الترمذي، و النسائي، و ابي يعلى، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و الطحاوي، و ابن حبان، و البيهقي في سننه. و راجع: الجامع الصحيح للترمذي ج 3 ص 438 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 643 و 644 و راجع: نيل الأوطار ج 6 ص 165 و تفسير المراغي ج 5 ص 6 و سنن النسائي (بشرح السيوطي) ، و حاشية السندي ج 6 ص 110 و سنن أبي داود ط سنة 1371 ج 1 ص 497 و صحيح مسلم ج 4 ص 170 و 171 و تفسير عبد الرزاق ج 1 ص 153 و جامع البان ج 5 ص 4 و 7 و المصنف ج 6 ص 182 و ج 7 ص 192 و 193 و روح المعاني ج 5 ص 3 و نور الثقلين ج 1 ص 466 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 473 عن بعض من تقدم، و عن ابن ماجة.
2) الآية 24 من سورة النساء.
3) الدر المنثور ج 2 ص 138 عن ابن أبي شيبة، و راجع: المبسوط للسرخسي ج 5 ص 52 و المغني لابن قدامة ج 10 ص 473 و الشرح الكبير ج 10 ص 413 و جامع أحاديث الشيعة ج 21 ص 74 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 372 و التمهيد لابن عبد البر ج 3 ص 144 و التبيان للطوسي ج 3 ص 162 و تفسير مجمع البيان ج 3 ص 59 و نور الثقلين ج 1 ص 466 و جامع البيان للطبري ج 5 ص 4 و 5 و 13 و تفسير الثعلبي ج 3 ص 284 و 285 و تفسير البغوي ج 1 ص 413 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 2 ص 34 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 121 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 222 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 484 و العجاب في بيان الأسباب لابن حجر ج 2 ص 855 و علل الدارقطني ج 11 ص 351.
فلعل بعض الناس قد حاول التحرش بهن، مستغلا وحدتهن و قلتهن، معتبرا أنهن ملك لمن سباهن و لهن أزواج، فعولجت هذه القضية بالصورة المناسبة.
ثالثا: عن أنس: إن الآية نزلت في سبايا خيبر، و ذكر مثل حديث أبي سعيد (1). إلا إذا كانت كلمة خيبر تصحيفا لكلمة حنين. كما هو غير بعيد.
و في نص آخر عن أبي سعيد الخدري: أن الآية نزلت في سبي أوطاس، حيث أصاب المسلمون نساء المشركين، و كانت لهن أزواج في دار الحرب، فلما نزلت نادى منادي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن، و لا غير الحبالى حتى يستبر أن (2).
رابعا: قال في الأحكام: المروي: أنه لما كان يوم أوطاس لحقت الرجال
1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 473 و أضواء البيان للشنقيطي ج 1 ص 234 و المعجم الأوسط ج 4 ص 298 و مجمع الزوائد ج 7 ص 3 و المعجم الكبير ج 12 ص 90.
2) مواهب الرحمن ج 8 ص 23 عن مسلم، و أحمد، و الدر المنثور، و راجع: سنن أبي داود ج 1 ص 497 و كتاب الأم ج 7 ص 366 و البحر الرائق ج 1 ص 378 و حاشية رد المختار ج 6 ص 691 و مجمع البيان ج 5 ص 37 و تفسير الميزان ج 4 ص 267 و ج 9 ص 233.
بالجبال و أخذت النساء، فقال المسلمون: كيف نصنع و لهن أزواج، فأنزل اللّه تعالى الآية، و كذا في حنين (1).
فقوله: و كذا في حنين دليل على أن هؤلاء غير أولئك.
خامسا: عن عكرمة: إن آية وَ اَلْمُحْصَنٰاتُ مِنَ اَلنِّسٰاءِ إِلاّٰ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ قد نزلت في امرأة، يقال لها: معاذة.
و كانت تحت شيخ من بني سدوس يقال له: شجاع بن الحرث، و كان معها ضرة لها، قد ولدت لشجاع أولادا رجالا. و أن شجاعا انطلق يمير أهله من هجر، فمر بمعاذة ابن عم لها، فقالت له: احملني إلى أهلي، فإنه ليس عند هذا الشيخ خير.
فاحتملها فانطلق بها، فوافق ذلك جيئة الشيخ؛ فانطلق إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال:
يا رسول اللّه و أفضل العرب، إني خرجت أبغيها الطعام في رجب، فتولت و الطّت بالذنب. و هي شر غالب لمن غلب. رامت غلاما واركا على قتب. لها و له أرب.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : عليّ عليّ. فإن كان الرجل كشف بها ثوبا، فارجموها، و إلا، فردوا على الشيخ امرأته.
فانطلق مالك بن شجاع، و ابن ضرتها، فطلبها، و جاء بها، و نزلت
1) روح المعاني ج 5 ص 3 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 173 و تفسير الآلوسي ج 5 ص 3.
بيتها (1).
فقولهم: إن هذه الآية قد نزلت في حنين، باعتبار أن الناس قد تحرجوا من وطء النساء السبايا ذوات الأزواج، لا يمكن تأكيده، و لا الجزم به.
سادسا: إن سبي أوطاس كانوا عبدة أوثان، و لم يدخلوا في الإسلام، و لا يحل نكاح الوثنية بالمسلم (2).
و حمل خبر أبي سعيد على أن ذلك قد حصل بعد إسلامهن (3)لا يصح.
فإنهن لم يسلمن بمجرد السبي، و لو كنّ قد أسلمن لم يرجعهن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى قومهن حيث أزواجهن، الذين كانوا لا يزالون على شركهم، إذ لا يجوز تمكينهم منهن.
! ! : قالوا: صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الظهر يوما بحنين، ثم تنحى إلى شجرة، فجلس إليها، فقام إليه عيينة بن حصن يطلب بدم عامر
1) الدر المنثور ج 2 ص 139 عن عبد بن حميد، و راجع: العجاب في بيان الأسباب للعسقلاني ج 2 ص 856 و الإصابة ج 3 ص 255 و تفسير الميزان ج 4 ص 287.
2) التبيان ج 3 ص 162 و نور الثقلين ج 1 ص 466 و مجمع البيان ج 5 ص 70 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 3 ص 59 و جامع البيان ج 5 ص 7 و (ط دار الفكر) ص 13 و راجع: المغني لابن قدامة ج 7 ص 507 و جامع أحاديث الشيعة ج 21 ص 74.
3) راجع: مجمع البيان ج 5 ص 70 و نور الثقلين ج 1 ص 466 و نور الثقلين ج 1 ص 466 و مجمع البيان ج 5 ص 70 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 3 ص 59 و جامع أحاديث الشيعة ج 21 ص 74.
بن الأضبط الأشجعي، و هو يومئذ سيد قيس، و معه الأقرع بن حابس، يدفع عن محلم بن جثامة، لمكانه من خندف، فاختصما بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عيينة يقول: يا رسول اللّه، و اللّه لا أدعه حتى أدخل على نسائه من الحرب و الحزن ما أدخل على نسائي.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «تأخذ الدية» ؟
فأبى عيينة حتى ارتفعت الأصوات و كثر اللغط، إلى أن قام رجل من بني ليث يقال له: مكيتل، قصير مجتمع، عليه شكة كاملة، و درقة في يده، فقال: يا رسول اللّه، إني لم أجد لما فعل هذا شبها في غرة الإسلام إلا غنما وردت، فرمي أولها فنفر آخرها. فاسنن اليوم و غيّره غدا.
فرفع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يده و قال: «تقبلون الدية خمسين في فورنا هذا، و خمسين إذا رجعنا إلى المدينة» .
فلم يزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالقوم حتى قبلوا الدية.
و في رواية: فقام الأقرع بن حابس، فقال: يا معشر قريش، سألكم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه؟ أفامنتم أن يغضب عليكم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فيغضب اللّه تعالى عليكم لغضبه؟ أو يلعنكم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فيلعنكم اللّه تعالى بلعنته؟
و اللّه، لتسلمنه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أو لآتين بخمسين من بني ليث كلهم يشهدون أن القتيل كافر ما صلى قط، فلا يطلبن (قال ابن هشام: فلا طلبن) دمه.
فلما قال ذلك قبلوها.
و محلم القاتل في طرف الناس، فلم يزالوا يؤزونه، و يقولون: إئت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يستغفر لك.
فقام محلم و هو رجل ضرب طويل آدم. محمر بالحناء، عليه حلة قد كان تهيأ فيها للقتل للقصاص، فجلس بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عيناه تدمعان، فقال: يا رسول اللّه، قد كان من الأمر الذي بلغك، و إني أتوب إلى اللّه، فاستغفر لي.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ما اسمك» ؟
قال: أنا محلم بن جثامة.
فقال: «أقتلته بسلاحك في غرة الإسلام؟ اللهم لا تغفر لمحلم» بصوت عال ينفذ به الناس.
قال: فعاد محلم، فقال: يا رسول اللّه، قد كان الذي بلغك، و إني أتوب إلى اللّه فاستغفر لي.
فعاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لمقالته بصوت عال، ينفذ به الناس: «اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة» .
حتى كانت الثالثة. فعاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لمقالته، ثم قال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «قم من بين يدي» .
فقام من بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو يتلقى دمعه بفضل ردائه.
فكان ضمرة السلمي يحدث-و قد كان حضر ذلك اليوم-قال: كنا نتحدث فيما بيننا أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حرك شفتيه بالإستغفار
له، و لكنه أراد أن يعلم الناس قدر الدم عند اللّه تعالى (1).
و نقول:
أولا: قد تقدم هذا الحديث أو ما يقرب منه في أكثر من مناسبة، و نسب إلى أكثر من شخص، و منهم أسامة بن زيد، لكنهم حافظوا على ماء وجه أسامة، فزعموا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد رضي عنه، و لم يمت، فدفن، فلفظته الأرض كما جرى لمحلم بن جثامة. فراجع ما ذكرناه حول هذا الموضوع في جزء سابق من هذا الكتاب.
ثانيا: لماذا لا يقبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» توبة ابن جثامة، مع أن الآيات القرآنية صريحة بأن اللّه يقبل التوبة عن عباده، و قد قال تعالى:
وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جٰاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اَللّٰهَ وَ اِسْتَغْفَرَ لَهُمُ اَلرَّسُولُ لَوَجَدُوا اَللّٰهَ تَوّٰاباً رَحِيماً (2).
و قد جاءه محلم بن جثامة، و طلب منه أن يستغفر له، بعد أن استغفر هو نفسه، فلما ذا يحرمه الرسول من رحمة اللّه، و هو الذي أرسله اللّه رحمة للعالمين؟ ! و لماذا لم يجد اللّه توابا رحيما، كما هو صريح الآية؟ !
ثالثا: لماذا هذه القسوة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على محلم بن جثامة، مع أنهم يقولون: إنه إنما قتله بتوهم: أنه قد أسلم متعوذا؟ !
و لا يصح أن يعد مثل هذا من موارد قتل المؤمن عمدا، ليطرده النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يعاقبه بهذه الطريقة القاسية.
رابعا: إن كان قد تعمد قتله، فإن ذلك يوجب الإقتصاص منه، فلما ذا لم يقتص منه؟ !
و لا يصح أن يطلب من اللّه تعالى أن لا يغفر له، خصوصا بعد أن تاب من ذنبه، لو كان ذلك يعد ذنبا.
خامسا: قيل: أن محلما لم يقتل عامر بن الأضبط، بل قتله شخص آخر (1).
سادسا: ادّعوا: أن محلما مات في زمن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بعد سبع ليال لفظته الأرض مرة أخرى (2).
مع أنه قد قيل: إن محلما نزل حمص، و مات بها أيام ابن الزبير. و جزم به ابن السكن (3).
سابعا: لماذا سكت عيينة بن حصن عن المطالبة بدم عامر بن الأضبط
1) الإصابة ج 3 ص 369 و (ط دار الكتب العلمية) ج 5 ص 584 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 3 ص 497.
2) الإصابة ج 3 ص 369 و (ط دار الكتب العلمية) ج 5 ص 584 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 3 ص 496 و 497 و تاريخ الخميس ج 2 ص 76 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 309 و فتح الباري ج 12 ص 172 و التبيان ج 3 ص 298 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 2 ص 96 و تفسير الثعالبي ج 2 ص 281.
3) الإصابة ج 3 ص 369 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 3 ص 497 و (ط دار الجيل) ج 4 ص 1462 و الجرح و التعديل للرازي ج 8 ص 427.
إلى هذا الوقت؟ ! مع أنه هو و إياه كانا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة الفتح، و حنين، و الطائف. . و مع أنه كان يمكنه أن يطالب بدمه فور لقائه بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» . . لأنه كان قد قتل في سرية أبي قتادة إلى بطن إضم (1). و هم قد لحقوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» في الطريق، و رافقوه إلى مكة و حنين و. . و. .
ثامنا: لماذا سكت النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن هذه الجريمة؟ و لماذا لم يستحضر محلم بن جثامة قبل هذا الوقت و يؤنبه، و يدعو عليه و. . و. . الخ. . ؟ !
مع أنهم قد أخبروا النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالأمر بمجرد رجوعهم من سرية بطن إضم، و قد أنزل اللّه تعالى عليه «صلى اللّه عليه و آله» قرآنا يتلى في ذلك؟ !
1) الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 3 ص 396 و أسد الغابة ج 3 ص 77 و 141 و ج 4 ص 309 و البداية و النهاية ج 4 ص 255 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 318 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 454 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 20 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1043 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 423 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 115 و مجمع الزوائد ج 7 ص 8 و فتح الباري ج 8 ص 194 و عمدة القاري ج 18 ص 184 و المنتقى من السنن المسندة ص 196 و جامع البيان ج 5 ص 302 و أسباب النزول للواحدي ص 116 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 552 و الدر المنثور ج 2 ص 199 و لباب النقول (ط دار إحياء التراث) ص 77 و (ط دار الكتب العلمية) ص 66 و فتح القدير ج 1 ص 502 و تفسير الآلوسي ج 5 ص 120 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 282 و تاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 333 و 334 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 190 و 234.
تاسعا: قالوا: إن الآية التي نزلت في مناسبة قتل عامر بن الأضبط هي قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لاٰ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقىٰ إِلَيْكُمُ اَلسَّلاٰمَ لَسْتَ مُؤْمِناً (1).
و هي تدل على: أن المطلوب هو مجرد التبين، و لم تتضمن إدانة صريحة للقاتل؟ !
بل قد يقال: إنها تدل على براءة ابن جثامة، و على أنه لا يستحق المؤاخذة بهذا المقدار، و لا بما هو أخف من ذلك.
عاشرا: إن هذه الآية قد ألمحت إلى: أنه لو كان القتل لأجل هدف دنيوي، فإن اللّه تعالى خبير بالنوايا، واقف على حقيقة أعمال العباد. .
و المفروض: أن ابن جثامة لم يعترف بأنه قتل ابن الأضبط لأجل الدنيا، بل ادّعى: أن الأمر اشتبه عليه، فلما ذا يدان بأمر كتمه اللّه تعالى عليه، و لم يعترف هو به؟ ! فإذا كانت الحجة على ابن جثامة هي: أنه لم يشق عن قلب ابن الأضبط، ليعرف إن كان صادقا أو متعوذا. .
فإن له أن يحتج بنفس هذه الحجة أيضا، فيقول: إنكم لم تشقوا عن قلبي، لتعرفوا إن كنت قتلته خطأ، أو قتله لأجل الدنيا.
حادي عشر: قال ابن عبد البر: و الإختلاف في المراد من هذه الآية مضطرب فيه جدا.
قيل: نزلت في المقداد (2).
1) الآية 94 من سورة النساء.
2) راجع: الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 467 و 498 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 348 و عمدة القاري ج 18 ص 184 و 185 و أسد الغابة ج 4 ص 309 و مجمع الزوائد ج 7 ص 8 و فتح الباري ج 12 ص 168 و جامع البيان ج 5 ص 305 و زاد المسير ج 2 ص 174 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 341 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 552 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 233 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 337.
1) راجع: الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 467 و 498 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 1386 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 348 و عمدة القاري ج 18 ص 185 و أسد الغابة ج 4 ص 309 و جامع البيان ج 5 ص 304 و البحار ج 21 ص 11 و ج 22 ص 92 و ج 65 ص 234 و جامع أحاديث الشيعة ج 19 ص 524 و تفسير القمي ج 1 ص 148 و التفسير الأصفى ج 1 ص 231 و التفسير الصافي ج 1 ص 485 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 535 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 580 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 1 ص 250 و تفسير ابن أبي حاتم ج 3 ص 1041 و تفسير السمرقندي ج 1 ص 354 و أسباب النزول للواحدي ص 116 و تفسير الواحدي ج 1 ص 282 و تفسير السمعاني ج 1 ص 466 و التسهيل لعلوم التنزيل ج 1 ص 153 و الدر المنثور ج 2 ص 202 و أعيان الشيعة ج 3 ص 249 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 337 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 342.
2) راجع: الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 467 و 498 و (ط دار الجيل) ج 4 ص 1462 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 348 و ج 13 ص 352 و عمدة القاري ج 18 ص 184 و 185 و أسد الغابة ج 3 ص 141 و ج 4 ص 309 و عيون الأثر ج 2 ص 177 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 426 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 115 و مجمع الزوائد ج 7 ص 8 و جامع البيان ج 5 ص 302 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 309 و الدر المنثور ج 2 ص 200 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 282 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 454 و البداية و النهاية ج 4 ص 257 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 190 و 234 و تفسير مجمع البيان ج 3 ص 164 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 342.
و قال ابن عباس: نزلت في سرية، و لم يسم أحدا (1).
و قيل: نزلت في غالب الليثي (2).
و قيل: نزلت في رجل من بني ليث يقال له: فليت، كان على السرية (3).
1) راجع: الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 467 و 498 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 348 و عمدة القاري ج 18 ص 185 و أسد الغابة ج 4 ص 309 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 235 و مسند أحمد ج 1 ص 272 و سنن الترمذي ج 4 ص 307 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 115 و المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 577 و ج 7 ص 652 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 59 و المعجم الكبير ج 11 ص 222 و موارد الظمآن ج 1 ص 111 و جامع البيان ج 5 ص 302 و أسباب نزول الآيات للواحدي ص 115 و تفسير البغوي ج 1 ص 466 و زاد المسير ج 2 ص 174.
2) راجع: الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 467 و 498 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 348 و عمدة القاري ج 18 ص 185 و أسد الغابة ج 4 ص 309 و راجع: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 2 96 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 337 و جامع البيان ج 5 ص 303 و تفسير البغوي ج 1 ص 466 والدر المنثور ج 2 ص 200 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 2 ص 451 و تفسير ابن زمنين ج 1 ص 397 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 342.
3) راجع: الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 467 و 498 و (ط دار الجيل) ج 4 ص 1462 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 348 و عمدة القاري ج 18 ص 185.
1) راجع: الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 467 و 498 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 348 و عمدة القاري ج 18 ص 185 و أسد الغابة ج 4 ص 309 و جامع البيان ج 5 ص 305 و البحار ج 19 ص 148 و المحرر الوجيز في تفسير القرآن العزيز ج 2 ص 96 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 337 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 342.
2) راجع: الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 467 و 498 و (ط دار الجيل) ج 4 ص 1462 و عمدة القاري ج 18 ص 185 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 348.
قالوا: و جمعت الغنائم بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فجاءه أبو سفيان بن حرب، و قال: يا رسول اللّه أصبحت أكثر قريش مالا، فتسبم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و عن جبير بن مطعم، و ابن عمر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما فرغ من رد سبايا هوازن، ركب بعيره و تبعه الناس، يقولون (أو علقت الأعراب برسول اللّه يسألونه) : يا رسول اللّه، اقسم علينا فيئنا.
حتى اضطروه إلى شجرة، فانتزعت رداءه، فقال: «يا أيها الناس، ردوا علي ردائي، فو الذي نفسي بيده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة (أو عدو هذه العظاه) نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا و لا كذابا (و لا جبانا)» (2).
ثم قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى جنب بعيره، فأخذ من سنامه
وبرة، فجعلها بين إصبعيه، فقال: «أيها الناس، و اللّه، ما لي من فيئكم و لا هذه الوبرة إلا الخمس، و الخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط و المخيط. و إياكم و الغلول، فإن الغلول عار، (و نار) ، و شنار على أهله يوم القيامة» .
فجاء رجل من الأنصار بكبة خيط من خيوط شعر، فقال: يا رسول اللّه، أخذت هذه الوبرة لأخيط بها برذعة بعير لي دبر.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أما حقي منها فهو لك» .
فقال الرجل: أما إذ بلغ الأمر فيها هذا فلا حاجة لي بها، فرمى بها من يده (1).
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 395 و 338 عن ابن إسحاق، و عن الحاكم بسند صحيح، و راجع: إعلام الورى ص 128 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 242 و البحار ج 21 ص 174 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 49 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 303 و موارد الظمآن رقم (1693) عن ابن حبان، و راجع: كتاب الموطأ ج 2 ص 457 و مسند أحمد ج 2 ص 184 و ج 4 ص 84 و سنن النسائي ج 6 ص 264 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 337 و ج 7 ص 17 و مجمع الزوائد ج 5 ص 338 و ج 6 ص 188 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 243 و ج 11 ص 106 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 530 و مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ص 115 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 120 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 149 و المعجم الأوسط ج 2 ص 242 و ج 7 ص 236 و المعجم الكبير ج 2 ص 130 و معرفة السنن و الآثار ج 7 ص 43 و الإستذكار لابن عبد البر ج 5 ص 76 و ج 20 ص 37 و 49 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 116 و نظم درر السمطين ص 62 و كنز العمال ج 4 ص 372 و ج 10 ص 537 و أسد الغابة ج 4 ص 132 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 216 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 358 و الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 2 ص 269 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 608 و البداية و النهاية ج 4 ص 405 و 407 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 211 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 669 و 672 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 395.
عن أنس قال: كنت أمشي مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجذبه جذبة شديدة، ثم قال: مر لي من مال اللّه الذي عندك.
فالتفت إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو يضحك، ثم أمر له بعطاء ورداء (1).
و روي: أن عقيل بن أبي طالب دخل يوم حنين على امرأته فاطمة بنت شيبة، و سيفه ملطخ دما، فقالت: إني علمت أنك قاتلت اليوم المشركين، فماذا أصبت من غنائمهم؟
فقال: دونك هذه الإبرة، تخيطين بها ثيابك. فدفعها إليها.
1) مكارم الأخلاق للطبرسي ص 17 و حلية الأبرار ج 1 ص 307 و البحار ج 16 ص 230 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 1 ص 137 و صحيح البخاري ج 4 ص 60 و ج 7 ص 40 و 94 و صحيح مسلم ج 3 ص 103 و شرح مسلم للنووي ج 7 ص 147 و عمدة القاري ج 15 ص 73 و ج 21 ص 311 و ج 22 ص 150 و رياض الصالحين للنووي ص 329 و نظم درر السمطين ص 59 و تفسير البغوي ج 4 ص 376 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 458 و البداية و النهاية ج 4 ص 413 و ج 6 ص 43 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 203 و ج 6 ص 386 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 682 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 396 و ج 7 ص 10.
فسمع منادي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : من أخذ شيئا، فليرده حتى الخياط و المخيط، فرجع عقيل و قال: ما أجد إبرتك إلا ذهبت منك، فأخذها فألقاها في المغنم (1).
و عن عبادة بن الصامت قال: صلى بنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم حنين إلى جنب بعير من المغانم، فلما سلم تناول و برة بين أنملتين.
و في رواية: فجعلها بين إصبعيه. ثم قال: «أيها الناس، إن هذه من مغانمكم، و ليس لي فيها إلا نصيبي معكم، الخمس، و الخمس مردود عليكم فأدوا الخيط و المخيط، و أكثر من ذلك و أصغر، و لا تغلوا فإنه عار و نار و شنار على أهله في الدنيا و الآخرة» .
و أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الناس يوم حنين في قبائلهم يدعوهم، و ترك قبيلة من القبائل وجدوا في برذعة رجل منهم عقدا من جزع غلولا.
فأتاهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فكبر عليهم كما يكبر على
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 395 و 338 عن عبد الرزاق، و عن مسند أحمد ج 2 ص 184 و 218، و عن النسائي، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 135 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 929 و أنساب الأشراف (ط الأعلمي) ج 2 ص 71 و أسد الغابة ج 5 ص 525 و الإصابة ج 4 ص 382 و الطبقات لابن سعد ج 4 ص 43 و 44 و لم يصرح بحنين، و راجع: شرح الأخبار ج 1 ص 316 و كنز العمال ج 4 ص 544 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 395 و السيرة الحلبية ج 3 ص 86 و عقيل بن أبي طالب ص 97.
إن أول ما يستوقفنا هنا: قول أبي سفيان للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أصبحت أكثر قريش مالا. و لا شك في أن أبا سفيان يعني ما يقول، و لم يكن بصدد مداعبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهذا القول. . لأن هذا هو منطق أبي سفيان، و هذه هي نظرته، و على أساسها يتخذ مواقفه، و يصوغ
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 338 و 395 ج 9 ص 128 و راجع: كتاب الأم للشافعي ج 7 ص 364 و المجموع للنووي ج 19 ص 370 و المبسوط للسرخسي ج 10 ص 27 و نيل الأوطار ج 8 ص 89 و مسند أحمد ج 5 ص 316 و 326 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 49 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 104 و مجمع الزوائد ج 5 ص 337 و 338 و الآحاد و المثاني الضحاك ج 3 ص 432 و 433 و المنتقى من السنن المسندة ص 271 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 241 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 193 و مسند الشاميين ج 4 ص 370 و التمهيد لابن عبد البر ج 20 ص 49 و 50 و ج 23 ص 429 و موارد الظمآن ج 5 ص 308 و كنز العمال ج 4 ص 372 و 377 و 544 و ج 5 ص 75 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 68 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 324 و الدر المنثور ج 3 ص 225 و أضواء البيان للشنقيطي ج 2 ص 60 و التاريخ الكبير للبخاري ج 8 ص 57 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 78 و تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 176 و السيرة الحلبية ج 3 ص 86.
تعامله، فهو يرى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يتصرف كملك، و الملك يعتبر كل إنجازات جيوشه في حروبها، و ما يحصل عليه رعاياه ملكا له. . بل هو يعتبر الناس خولا و خدما، ليس لهم أي حق إلا ما يمنحهم هو إياه.
و قد بقيت هذه النظرة لدى أبي سفيان زمنا طويلا بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و هو القائل مخاطبا عثمان حين استخلف: «فأدرها كالكرة، و اجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك، و لا أدري ما جنة و لا نار» (1).
و قد رأينا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يجب أبا سفيان بشيء، بل اكتفى بالتبسم، ربما لأن أبا سفيان قد صدق في اعتباره هذه الغنائم ملكا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنها إنما حصلت بصبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» و جهاد علي «عليه السلام» .
و إن كانت نظرة أبي سفيان إلى مقام النبوة و النبي خاطئة و مسيئة، و لا بد من العمل على تصحيحها، و لكن ذلك يحتاج إلى أن يفهمه بالعمل لا بالقول: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليس من طلاب الدنيا، و أنه يبذل كل
1) قاموس الرجال ج 10 ص 89 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ج 11 ص 352 عن الإستيعاب، و راجع: شرح الأخبار القاضي النعمان المغربي ج 2 ص 528 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 407 و الغدير ج 8 ص 278 و 331 و ج 10 ص 83 و الإستيعاب ج 4 ص 1679 و مستدركات علم رجال الحديث ج 8 ص 398 و النزاع و التخاصم للمقريزي ص 59 و النصائح الكافية لمحمد بن عقيل ص 110 و فصل الحاكم في النزاع و التخاصم لمعمر بن عقيل بن عبد اللّه بن يحيى ص 197 و 228.
شيء في سبيل اللّه و المستضعفين في الأرض. . فكانت قسمته لتلك الغنائم بالذات هي الجواب العملي، و البرهان القوي، و الجلي القاطع لكل عذر، و المزيل لأية شبهة.
إن المشهد الذي رسمته النصوص المتقدمة، الذي يصور الناس، و هم يلاحقون النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يضايقونه حتى اضطروه إلى شجرة، فعلق بها رداؤه، و هم يسألونه أن يقسم الغنائم بينهم، إن دل على شيء، فهو يدل على شره و حرص غير عادي، كان أولئك الناس يعانون منه.
و هذه لا شك حالة مرضية تحتاج إلى علاج بصير، و حاذق خبير، بمعالجة نفوس البشر، و تطهير أرواحهم و قلوبهم، فيا ساعد اللّه قلب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الذي ابتلي بهؤلاء الناس، كم عانى من متاعب، و واجه من مصاعب و مصائب، و إنّا للّه و إنّا إليه راجعون. .
و لعل مما زاد هذا الحرص لديهم على نيل الغنائم، هو تخوفهم من أن تكون هناك نية لتفويتها عليهم كما فاتتهم السبايا. . رغم أنهم لا حق لهم في هذه و لا في تلك، كما أشرنا إليه أكثر من مرة.
و لا ندري إن كان «صلى اللّه عليه و آله» حين قال لهم: «و الذي نفسي بيده، لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نعما، لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا، و لا كاذبا، و لا جبانا» -لا ندري-إن كان يشير بذلك إلى تهم أطلقوها، أو أوهام راودتهم في أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» كذابا
-و العياذ باللّه-لا يفي لهم بوعوده بقسمة الغنائم عليهم.
أو أنهم توهموا فيه: البخل و حب المال، الذي سيدعوه إلى العدول عن رأيه في قسمة الأموال.
أو أنهم توهموا: أن ما دعاه إلى إعادة السبايا إلى أهلها هو خوفه من جيوش هوازن و حلفائها من أن يهاجموه على حين غرة، و هو على غير استعداد. . و هم يخشون أن يدعوه خوفه و جبنه هذا إلى إعادة الأموال أيضا. .
فاحتاج من أجل أن يقنعهم بحتمية وفائه، و بأنه ليس كذابا في وعده، و لا بخيلا محبا للمال، و لا جبانا خائفا من كثرة هوازن و أحلافها إلى التوسل بالقسم لهم بقوله: «و الذي نفسي بيده» . و لا شك و لا ريب في أنه كان في أصحابه و جيشه من يتهمه بالكذب، و بعض ذلك ظهر في صلح الحديبية.
و في مناجاته لعلي «عليه السلام» ، و هذا بعض ما ظهر لنا و ما وصلنا، و لعل ما خفي علينا أكبر، و لا نظن أن ذلك منهم حادث عابر في زمن غابر، بل كان ذلك منهم سعي و عمل دائب و جهد راتب.
و قد طمأنهم «صلى اللّه عليه و آله» إلى أن الفيء الذي يحصلون عليه بأسيافهم و بجهادهم و تضحياتهم فليس له فيه و لو بمقدار الوبرة التي أخذها بين أصبعيه، و هذا دليل يجب أن يقنعهم بأنه لا بد أن يفي لهم بوعده، و أنه لن يمنعه من ذلك بخل و لا حرص، لإن الإنسان قد يبخل بماله و يحرص عليه، أما مال غيره فلا شأن له فيه، فلا معنى لهذا الإصرار و الملاحقة له منهم؟ !
ثم طمأنهم إلى أنه ليس فقط سوف يعطيهم ما يرون أنه من حقهم، بل هو سوف يعطيهم حقه الذي أثبته اللّه تعالى في كتابه الكريم أيضا، و هو الخمس. .
و يلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أجرى كلامه بصورة مطلقة، و لم يشر فيه إلى الغنائم من هوازن، أي أنه تحدث عن حكم شرعي ثابت في موارده، حسب البيان الإلهي، و هو أن الفيء لأصحابه. . ثم وعدهم بأن يتخلى لهم عن حقه فيه أيضا. .
و هو يقصد بذلك جميع الموارد التي يكون الخمس ثابتا فيها، و هذا معناه: أنه لا يقصد غنائم حنين، لأنها كلها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ليس خمسها فقط. .
فمحصل كلامه «صلى اللّه عليه و آله» هو: أن هذا المال إن كان لهم، فلن يأخذ منه و لو وبرة واحدة، بل سوف يجود عليهم به، و يعطيهم خمسه أيضا معه. .
و إن كان هذا المال له، فسوف لا يبخل به عليهم، بل هو سوف يعطيهم إياه أيضا تفضلا منه و كرما. .
و قد ورد في رواية أخرى، عن عبادة بن الصامت: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أخذ الوبرة بين أصبعيه، و قال لهم: «أيها الناس، إن هذه الوبرة من مغانمكم، و ليس لي فيها إلا نصيبي معكم الخمس الخ. .» .
و نلاحظ: أن هذه الرواية تريد أن تقول: إن تلك المغانم للناس و من
جملتها تلك الوبرة. . و لكن ذلك موضع شك كبير، لما قدمناه من أنها للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، كما أن الرواية الأخرى قد صرحت: بأن البعير الذي أخذ منه الوبرة ليس من مغانمهم. بل هو بعير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه. .
و هذا يشير إلى: أن ثمة بعض التصرف في النص، كما هو ظاهر. .
و قد نسبوا إلى عقيل: أنه غل إبرة، و أعطاها لزوجته، ثم أعادها إلى الغنيمة، بعد أن قال لزوجته: ما أرى إبرتك إلا ذهبت. .
و نقول:
إننا لا ننكر أن يكون أمر كهذا قد حصل فعلا، و لكن ذلك لا يدل على أي سلبية في شخصية عقيل، فإن من الطبيعي أن يتناول الإنسان إبرة من الغنائم، ظنا منه أنها أمر تافه و زهيد، و لا ينظر إليه، و لا يحسب له حساب، أمام غيره من الغنائم الثمينة من الإبل أو البقر و الغنم، أو الذهب و الفضة، فيجوز تناوله لكل أحد، إذا احتاج إليه. .
ثم إن إرجاع الإبرة إلى الغنيمة، إن دل على شيء، فإنما يدل على تقوى عقيل، و شدة رعايته لأحكام اللّه تبارك و تعالى. .
و لكن ما يؤسف له هو أن تؤخذ قضية كهذه، لو كانت قد حصلت فعلا، مغمزا فيه، و سببا للإنتقاص من عقيل، بدلا من اعتبارها دليلا على التزامه و تقواه.
و قد صرحت نفس هذه القضية: أن سيف عقيل كان ملطخا دما، و أن زوجته علمت أنه قاتل المشركين، و هذا معناه: أن عقيلا كان من المجاهدين الثابتين في حرب حنين و قد عدوه في جملة من ثبت فيها أيضا (1).
فلا صحة لقول ابن سعد: إنه رجع من مؤتة، فعرض له مرض، فلم يسمع له بذكر في فتح مكة، و لا الطائف، و لا خيبر، و لا حنين (2).
نعم، لقد ثبت عقيل في حين فرّ جميع المسلمين عن نبيهم، و قد كان سيفه ينضح دما من رقاب أهل الشرك، بينما كان جبين غيره ينضح بعرق الخجل، ممن كان يخفي وجهه من الناس خجلا، و إحساسا بالعار من ذلك الفرار المشؤوم. .
أما الذين لا يخجلون، فلا نتحدث عنهم، و لا يليق بعاقل أن يذكرهم بخير أبدا.
1) أسد الغابة ج 3 ص 423 و الإصابة ج 3 ص 494 عن الزبير بن بكار، عن الحسن بن علي «عليهما السلام» ، و تهذيب التهذيب ج 7 ص 254 و (ط دار الفكر) ص 227 عن الحسين بن علي «عليهما السلام» ، و البحار ج 21 ص 178 و 179 و الأمالي للطوسي ص 574 و عقيل بن أبي طالب للأحمدي الميانجي ص 43 و 49 و كنز العمال ج 10 ص 542 و تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 299.
2) الطبقات لابن سعد ج 4 ص 43 و الإصابة ج 3 ص 494 عنه، و أسد الغابة ج 3 ص 422 و تاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 9 و راجع: تهذيب التهذيب ج 7 ص 227 و المنتخب من ذيل المذيل ص 30 و تهذيب الأسماء و اللغات ج 1 ص 337 و لكنهم لم يذكروا خيبرا، و راجع: مكاتيب الرسول ج 3 ص 635.
و أما ما ذكره ابن سعد: من أنه لم يسمع له بذكر في خيبر، فهو غير صحيح أيضا:
أولا: لأن المرض إذا كان عرض له في مؤتة، فمؤتة كانت بعد خيبر، فما معنى تغيبه عن خيبر بسبب مرض عرض له في مؤتة؟ !
ثانيا: قال الطبراني و غيره: إن عقيلا حضر فتح خيبر، و قسم له النبي «صلى اللّه عليه و آله» من خيبر (1).
و ورد اسمه في كتاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لمقاسم أموال خيبر أيضا (2). فراجع.
و إن رؤية سيف عقيل ملطخا بالدم إنما كانت في يوم حنين بالذات، حيث كانت الحرب دائرة، و سيفه يعمل فيها في رقاب المشركين، و أما تقسيم الغنائم و إرجاع الإبرة، فقد كان في الجعرانة، بعد الإنتهاء من الطائف. . و هذا معناه: أن تلك الإبرة قد بقيت كل هذه الأيام عند امرأة عقيل. .
مع أن الرواية تصرح: بأنه قد جاء بالإبرة في نفس اليوم الذي حارب فيه المشركين، و لطخ سيفه بدمهم.
فذلك يدل على: أن عقيلا لم يأخذ الإبرة من الغنائم المجموعة، لتكون غلولا كما زعموا. بل أخذها من ساحات القتال مباشرة، ثم أعادها إلى
الغنائم المجموعة في الجعرانة.
1-إن الإهتمام بأمر الغلول إلى هذا الحد الذي أظهرته كلمات الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، لا بد أن يعطي الإنطباع للناس بلزوم التدقيق في الأمور، و أن لا يستهين أحد منهم بشيء مهما كان بنظره صغيرا، و لو بمقدار خيط، و مخيط إبرة، في مقابل آلاف من الإبل، و سواها.
2-إن ذلك يؤكد على معنى الأمانة، و على معيار القيمة لدى الناس، فإنه إذا كان أخذ خيط، أو إبرة مجلبة للعار، و الخزي، و العيب، و العذاب بالنار في الآخرة، فما بالك بما سوى ذلك من أنواع الخيانات، و التعديات، و المخالفات؟ !
3-إنه «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الإعلان يكون قد رسم حدا يمكن الإنطلاق منه و الإنتهاء إليه في تحديد ما هو خطأ، و ما هو صواب، و ما هو حسن و قبيح، و لم تعد القضية خاضعة لمزاجات الأشخاص، و اعتباراتهم و تسامحاتهم، التي لو فسح لها المجال، لربما أغمضت العين عن كثير من الشرور، بحجة أنها مقبولة، أو صغيرة، و غير ذات أهمية.
4-إنه «صلى اللّه عليه و آله» حين ذكر مساوئ الغلول قد مزج بين الضررين: الدنيوي و الأخروي، و بين المادي الجسدي، و المعنوي الروحي. كما أنه لم يكتف بذكر العار الذي قد يمكن تحمل تبعاته، بزعم أنه أثر لزلة، أو خطيئة مضت و انقضت، و يمكن أن يكون الإنسان قد تجاوز هذا الأمر، و تخلص منه. .
بل أضاف الشنار إلى العار. و الشنار هو أقبح العيب، لكي يبين بذلك: أن الناس يرون منشأ العار لا يزال موجودا، و ملازما للشخص، و ليس أمرا قد مضى و انقضى. . و سيكون هذا أدعى للإنسان لكي يبادر للتخلص منه بكل ما يقدر عليه. .
كما أن جمع العار و الشنار، قد يفيد: أن تخلص الإنسان من العيب الحاضر، لا يعني: أن عاره لا يلاحقه في مستقبل الأيام. . فلما ذا يلوث نفسه بما يكون من هذا القبيل؟ !
و في مجال التربية العملية المؤثرة، نلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أجاب صاحب كبة خيط الشعر، بقوله: أما حقي فيها فهو لك.
و هذا معناه: أن لسائر الناس حقوقا فيها أيضا، فعليه أن يؤديها لهم، فسماح النبي «صلى اللّه عليه و آله» له بحقه لا يعفيه من لزوم الحصول على سماح الآخرين له بحقوقهم.
فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يرد طلبه، و لم يستجب له، بل جمع بين الأمرين، و بيّن له عدم إمكان إجابة طلبه بصورة تامة.
و إذ قد ظهر أن لدى إحدى القبائل عقد جزع غلولا، و قد تمالأت تلك القبيلة على هذا الأمر، و تسترت عليه، فإن ذلك يدل على: أن الوجدان الإنساني لديها لم يكن مؤثرا في منعها عن هذا الفعل الشنيع، الذي يدل على: أنها ترضى بحرمان الآخرين من حقوقهم، و الإستئثار بأموالهم، فكان أن ألقى
عليها درسا عمليا، من خلال فعل يرمز إلى أنها تعاني من موت في الوجدان، و في الضمير الإنساني، فلا بد من إجراء المراسم التي تجري عادة للأموات. .
و ذلك يرمز إلى أن وجدان و ضمير الإنسان، المرتبط بالفطرة السليمة، و العقل القويم، هو العنصر الأهم في الكيان الإنساني. فإذا مات الضمير و الوجدان ماتت المعاني الإنسانية في الإنسان.
و كما يكون بقاء الميت بين الأحياء، مضرا، و موجبا لنشوء الأمراض، و يتسبب بمزيد من الضيق و الأذى، و الإحساس بلزوم التخلص منه. . فإن من يموت ضميره، و يتلاشى وجدانه يكون بقاؤه أعظم ضررا، و أشد خطرا. . فلا بد من المبادرة للتخلص منه، كما يتخلص الناس من موتاهم. .
عن أنس قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «من قتل قتيلا فله سلبه» .
قال: فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا و أخذ أسلابهم (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 336 عن أبي شيبة، و أحمد، و ابن حبان. و تاريخ الخميس ج 2 ص 106 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و السيرة الحلبية ج 3 ص 112 و (ط دار المعرفة) ص 71 و راجع: المستدرك للحاكم ج 2 ص 130 و مغني المحتاج للشربيني ج 3 ص 99 و المغني لابن قدامه ج 10 ص 421 و الشرح الكبير لابن قدامه ج 10 ص 449 و كشاف القناع ج 3 ص 80 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 335 و نيل الأوطار ج 8 ص 91 و مسند أحمد ج 3 ص 190 و 279 و سنن الدارمي ج 2 ص 229 و سنن أبي داود ج 1 ص 617 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 130 و فتح الباري ج 8 ص 33 و عمدة القاري ج 8 ص 76 و عون المعبود ج 7 ص 277 و مسند أبي داود الطيالسي ص 277 و الآحاد و المثاني ج 4 ص 242 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 167 و 169 و معرفة السنن و الآثار ج 5 ص 118 و الإستيعاب ج 4 ص 1698 و التمهيد لابن عبد البر ج 23 ص 245 و 252 و نصب الراية ج 4 ص 296 و موارد الظمآن ج 5 ص 273 و 349 و أضواء البيان للشنقيطي ج 2 ص 82 و الإكمال في أسماء الرجال ص 118 و الكامل لابن عدي ج 2 ص 266 و تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 411 و أسد الغابة ج 5 ص 235 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 32 و ج 18 ص 428 و المعارف لابن قتيبة ص 271 و فتوح الشام للواقدي ج 1 ص 216 و الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 10 ص 57 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 585 ج 3 ص 426 و البداية و النهاية ج 4 ص 374 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 4 ص 267 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 227 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 620 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 336.
و قال أبو قتادة: يا رسول اللّه، إني ضربت رجلا على حبل عاتقه، و عليه درع فأجهضت عنه، فانظر في أخذها، فقام رجل-قال محمد بن عمر: اسمه أسود بن خزاعي الأسلمي، حليف بني سلمة. كذا قال. و في الصحيح كما سيأتي: أنه قرشي-فقال: يا رسول اللّه، أنا أخذتها، فارضه منها و أعطنيها.
قال: و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يسأل شيئا إلا أعطاه، أو سكت.
فسكت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فقال عمر: و اللّه لا يغنها اللّه تعالى على أسد من أسد اللّه تعالى و يعطيكها.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «صدق عمر» (1).
و عن أبي قتادة الحارث بن ربعي قال: خرجنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة. فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين.
و في رواية: نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين، و آخر من المشركين يختله، فضربته من ورائه على حبل عاتقة بالسيف، فقطعت الدرع، و أقبل علي فضمني ضمة، وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت، فأرسلني، فلحقت.
و في رواية: فلقيت عمر بن الخطاب في الناس الذين لم يهزموا، فقلت: ما بال الناس؟
قال: أمر اللّه تعالى.
فرجعوا و جلس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه» .
فقمت، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مثله.
فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 336 و قال في هامشه: أخرجه عبد الرزاق في المصنف (3973) و أحمد ج 1 ص 245 و ابن أبي شيبة ج 2 ص 125 و ج 14 ص 531 و ابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1671) و البيهقي ج 6 ص 306 و الطبراني في الكبير ج 12 ص 216 و الصغير ج 1 ص 124 و راجع المصادر في الهامش السابق.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مثله، فقال: «مالك يا أبا قتادة» ؟ فأخبرته (1).
و ذكر محمد بن عمر: أن عبد اللّه بن أنيس شهد له، فقال رجل: صدق سلبه عندي، فارضه مني-أو قال منيه.
فقال أبو بكر: لاها اللّه إذا، لا تعمد إلى أسد من أسد اللّه تعالى يقاتل عن اللّه تعالى و رسوله فيعطيك سلبه!
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 336 عن البخاري، و مسلم، و الترمذي، و أبي داود، و ابن ماجة، و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 7 ص 630(4321) و مسلم ج 3 ص 1370(41/1751) ، و أبو داود في الجهاد باب (146) ، و البيهقي في السنن ج 6 ص 306 و الدلائل ج 5 ص 148 و الشافعي في المسند (223) ، و مالك في الموطأ (454) ، و كتاب الموطأ ج 2 ص 454 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 226 و معرفة السنن و الآثار ج 5 ص 117 و الإستذكار ج 5 ص 59 و التمهيد لابن عبد البر ج 23 ص 242 و كتاب الأم ج 4 ص 149 و ج 7 ص 239 و المجموع للنووي ج 18 ص 32 و 33 و ج 19 ص 317 و نيل الأوطار ج 8 ص 90 و عمدة القاري ج 15 ص 68 و المنتقى من السنن المسندة ص 270 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 131 و 168 و تفسير ابن أبي حاتم ج 5 ص 1651 و تفسير البغوي ج 2 ص 250 و أضواء البيان ج 2 ص 82 و شرح السير الكبير ج 2 ص 601 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 147 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 584 و البداية و النهاية ج 4 ص 376 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 623. و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 106 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 112.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «صدق فأعطه إياه» ، فأعطانيه (1).
و عند محمد بن عمر: فقال لي حاطب بن أبي بلتعة: يا أبا قتادة، أتبيع السلاح؟ !
فبعته بسبع أواق، فابتعت به مخرفا-و في رواية: خرافا في بني سلمة- فإنه لأول مال تأثلته-و في رواية: اعتقبته-في الإسلام (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 337 عن الواقدي. و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 106 و السيرة الحلبية ج 3 ص 112 و (ط دار المعرفة) ص 72 و راجع: المجموع للنووي ج 18 ص 35 و المغني ج 10 ص 419 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 10 ص 447 و مسند أحمد ج 5 ص 306 و الآحاد و المثاني ج 3 ص 435 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 365 و البداية و النهاية ج 4 ص 376 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 898 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 623.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 337 و تاريخ الخميس ج 2 ص 106 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 148 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 455 و تاج العروس ج 12 ص 159 و كتاب الأم ج 4 ص 149 و ج 7 ص 239 و مختصر المزني ص 149 و المجموع للنووي ج 18 ص 33 و 99 و ج 19 ص 317 و موطأ مالك ج 2 ص 455 و راجع: نيل الأوطار ج 8 ص 91 و صحيح البخاري ج 3 ص 16 و ج 4 ص 58 و ج 5 ص 101 و ج 8 ص 113 و صحيح مسلم ج 5 ص 148 و سنن أبي داود ج 1 ص 617 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 306 و ج 9 ص 50 و عمدة القاري ج 11 ص 219 و ج 15 ص 68 و ج 17 ص 299 و ج 17 ص 302 و ج 24 ص 248 و المنتقى من السنن المسندة ص 270 و شرح معاني ج 3 ص 226 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 132 و 168 و معرفة السنن و الآثار ج 5 ص 118 و الإستذكار ج 5 ص 59 و 87 و التمهيد ج 2 ص 5.
زاد محمد بن عمر: يقال له: الرديني.
قال في البداية في الرواية السابقة عن أنس: إن عمر قال ذلك. و هو مستغرب.
و المشهور: أن قائل ذلك أبو بكر، كما في حديث أبي قتادة (1).
و قال الحافظ: الراجح: أن الذي قال ذلك أبو بكر، كما رواه أبو قتادة، و هو صاحب القصة، فهو أتقن لما وقع فيها من غيره (2).
قالا: فلعل عمر قال ذلك متابعة لأبي بكر و مساعدة له، و موافقة، فاشتبه على الراوي (3).
قال العلماء: لو لم يكن من فضيلة أبي بكر الصديق إلا هذا لكفى، فإنه بثاقب علمه، و شدة صرامته، و قوة إنصافه، و صحة توفيقه، و صدق تحقيقه، بادر إلى القول بالحق، فزجر، و أفتى، و حكم، و أمضى، و أخبر في الشريعة عن المصطفى بحضرته و بين يديه، و بما صدقه، فيه و أجراه على قوله (4).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 337 و تاريخ الخميس ج 2 ص 106 و البداية و النهاية ج 4 ص 374 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 620.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 337 و فتح الباري ج 8 ص 33 و راجع: عمدة القاري ج 17 ص 300.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 337 و راجع: عمدة القاري ج 17 ص 300 و فتح الباري ج 8 ص 33. و البداية و النهاية ج 4 ص 377 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 624.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 337 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 67 هامش ص 147 عن أبي عبد اللّه الحميدي في الجمع بين الصحيحين.
و نقول:
إن لنا ملاحظات على ما تقدم، هي التالية:
زعمت الرواية المتقدمة: أن أبا طلحة قتل من المشركين عشرين رجلا، و أخذ أسلابهم. . و لكن لنا أن نتساءل: متى قتل أبو طلحة هؤلاء؟ هل قتلهم قبل الهزيمة؟ أم بعدها؟ !
فإن كان ذلك قبل الهزيمة، فقد تقدم: أن الهزيمة وقعت بمجرد ورود خالد بمقدمة الجيش إلى وادي حنين، و كانت المقدمة تتكون من بني سيلم و أهل مكة، فخرج عليهم المشركون من الشعاب و المضايق، فوقعت الهزيمة على المقدمة و تبعها الجيش كله، و لم يفعل أبو طلحة و لا غيره شيئا. و لم يبق عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غير علي «عليه السلام» يقاتل و يناضل، و بضعة نفر من بني هاشم كانوا حول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و أما بعد وقوع الهزيمة، فقد صرحوا: بأن راجعة المسلمين رجعت فوجدت الأسرى مكتفين حول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و صرحوا: بأنه لم يطعن أحد من المسلمين برمح، و لا ضرب بسيف، و لا رمى بسهم. . باستثناء عقيل، الذي يشهد لقتاله قصة الإبرة المزعومة التي أرجعها إلى الغنيمة.
و معنى ذلك: أن أبا طلحة لم يقتل أحدا بعد عودته من هزيمته أيضا. .
و مهما يكن من أمر: فإن لأبي طلحة مكانة عند هؤلاء الناس، لأن عمر بن الخطاب أمره في يوم الشورى أن يضرب أعناق ستة من أهل الشورى،
و منهم علي «عليه السلام» إن خالفوا، و إن لم يتفقوا على ما يريد عمر، و ما خطط له.
و روى المعتزلي: أن أبا طلحة قال لهم: لا، و الذي ذهب بنفس عمر لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي وقتت لكم، فاصنعوا ما بدا لكم (1).
و نفس هذا الكلام نقوله بالنسبة لما ادّعاه أبو قتادة أيضا في روايته الأولى، و الذي صور لنا فيها: أن معركة حامية جرت، حتى أجهضه زحام المقاتلين عن سلب قتيله.
و ادّعى في الرواية الثانية: أن الرجل الذي قتله، أراد بقتله إياه أن يدفع عن مسلم آخر كان يواجه مأزقا بين المقاتلين من أهل الشرك.
غير أننا نقول:
إن ذلك لا يتوافق مع أجواء الهزيمة في البداية، و لا مع ما حدث بعد العودة في النهاية.
و لو أغمضنا النظر عن ذلك، و قبلنا: أن حدوث ذلك أكثر احتمالا من مزاعمهم عن بطولات أبي طلحة، فإن الترجيح إنما يكون للرواية الأولى دون الثانية، لأن الثانية تضمنت:
أولا: الزعم: بأن فريقا من المسلمين لم ينهزموا، و أن عمر بن الخطاب كان من جملة هؤلاء. . مع أنه قد تقدم: أن ذلك غير صحيح، و أن عليا
1) شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 192 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 3 ص 927 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 295 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 68.
«عليه السلام» فقط هو الذي ثبت في ساحات الجهاد، بالإضافة إلى نفر من بني هاشم أحاطوا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد تقدمت أسماؤهم. و ليس من بينهم عمر بن الخطاب و لا غيره من الجماعة التي يشير إليها.
ثانيا: هناك اختلاف و تدافع ظاهر بين روايات قتل أبي قتادة لذلك المشرك، فهل هو قتل المشرك الذي علا رجلا من المسلمين؟ ! أم قتل الذي كان يختل المسلم، حيث كان المسلم منشغلا بقتال مشرك آخر؟ !
كما أننا نجد الإختلاف في الذي اعترض على أخذ ذلك الرجل للسلب، و صدقه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، هل هو أبو بكر، أم عمر؟ !
ثالثا: إذا كان أبو قتادة يطالب بالسلب، و يشهد له به عبد اللّه بن أنيس، فلما ذا يقحم شخص آخر نفسه في حديث يكون بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بين غيره؟ !
و كيف يصدر ذلك الشخص حكما جازما-سواء أصاب فيه أم أخطأ- في أمر يطلب من الرسول نفسه أن يصدر حكمه فيه؟ ! أليس هذا من أوضح الموارد التي نهت الآية الشريفة عنها، حيث تقول: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1).
فكيف أصبح الأمر المنهي عنه بنص القرآن الكريم فضيلة و كرامة يتبجح بها المتبجحون، حتى يقول من يسمونهم بالعلماء: «لو لم يكن من فضيلة أبي بكر الصديق إلا هذا لكفى. .» ؟ !
و لعلك تقول: ما دام أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد سكت عن
1) الآية 1 من سورة الحجرات.
الجواب، فلا ضير في مبادرة غيره لحسم الأمر، و إعطاء الضابطة. .
و نجيب بما يلي:
ألف: إن سكوت النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يبرر الإقدام على أي شيء من دون اسئذان منه.
ب: إن كلام أبي بكر أو عمر معناه: أن إعطاء سلب من يقاتل عن اللّه و رسوله لغيره ظلم و عدوان. .
و هذا يعني: أنه لا مبرر لسكوت النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن بيان هذه الحقيقة، و الدفاع عن المظلوم.
ج: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما يسكت لو كان يطلب منه ما يمكنه أن يعطيه، مما قد يكون هناك مصلحة تمنع من إعطائه، و لكن لا يمكن أن يسكت إذا طلب منه أن يأخذ مال زيد، و يعطيه لعمرو مثلا.
د: إن الرجل لم يطلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» شيئا يوجب هذه الصولة عليه من عمر، أو من أبي بكر، لأنه إنما طلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يرضي أبا قتادة و لو بالمال، و لم يطلب اغتصاب السلب منه ليخصّه به. فلما ذا يكون ذلك مرجوحا، و ما معنى إخبار أبي بكر بالشريعة عن المصطفى؟ ! و لماذا زجر؟ ! و بماذا حكم و أفتى؟ !
عن أنس بن مالك، و عبد اللّه بن يزيد بن عاصم، و أبي سعيد الخدري: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصاب غنائم حنين، و قسم للمتألفين من قريش و سائر العرب ما قسم.
و في رواية: طفق يعطي رجلا المائة من الإبل، و لم يكن في الأنصار منها شيء قليل و لا كثير.
(و قيل: جعل للأنصار شيئا يسيرا، و أعطى الجمهور للمنافقين، فغضب قوم من الأنصار) (1).
فوجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثر فيهم القالة حتى قال قائلهم: يغفر اللّه تعالى لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، إن هذا لهو العجب يعطي قريشا-و في لفظ: الطلقاء و المهاجرين-و يتركنا و سيوفنا تقطر من دمائهم! ! إذا كانت شديدة فنحن ندعي، و يعطى الغنيمة غيرنا!
و ددنا أنّا نعلم ممن كان هذا، فإن كان من أمر اللّه تعالى صبرنا، و إن كان
1) راجع: إعلام الورى ص 124 و 125 و (ط آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 236 و البحار ج 21 ص 159 و 169 و 170 و الإرشاد للمفيد ص 145 و شجرة طوبى ج 2 ص 311.
من رأي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» استعتبناه (1).
و في حديث أبي سعيد: فقال رجل من الأنصار لأصحابه: لقد كنت أحدثكم أن لو استقامت الأمور لقد آثر عليكم. فردوا عليه ردا عنيفا.
و قال أبو سعيد: فمشى سعد بن عبادة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا رسول اللّه، إن هذا الحي قد وجدوا عليك في أنفسهم.
قال: «فيم» ؟
قال: فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك و في سائر العرب، و لم يكن فيهم من ذلك شيء.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «فأين أنت من ذلك يا سعد» ؟
قال: ما أنا إلا امرؤ من قومي.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 402 عن ابن إسحاق، و أحمد، و مسلم، و البخاري، و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 90 و راجع: صحيح البخاري ج 5 ص 106 و فتح الباري ج 8 ص 40 و راجع: عمدة القاري ج 17 ص 311 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 88 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 34 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 600 و البداية و النهاية ج 4 ص 409 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 676.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 402 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 90 و راجع: مجمع الزوائد ج 10 ص 29 و الدرر لابن عبد البر ص 235 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 36 و تفسير الميزان ج 9 ص 232 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 80 و البداية و النهاية ج 4 ص 411 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 935 و عيون الأثر ج 2 ص 221 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 678.
و قال أنس: فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من أدم و لم يدع غيرهم، فجاء رجال من المهاجرين فأذن لهم فيهم، فدخلوا، و جاء آخرون فردهم، حتى إذا لم يبق أحد من الأنصار إلا اجتمع له. أتاه، فقال: يا رسول اللّه، قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم.
فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «هل منكم أحد من غيركم» ؟
قالوا: لا يا رسول اللّه إلا ابن أختنا.
قال: «ابن أخت القوم منهم» .
فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «يا معشر الأنصار، ألم آتكم ضلالا فهداكم اللّه تعالى؟ ! و عالة فأغناكم اللّه؟ و أعداء فألف بين قلوبكم؟ !
و في رواية: متفرقين فألفكم اللّه؟
قالوا: بلى يا رسول اللّه، اللّه و رسوله أمن و أفضل (1).
و فصل ذلك في نص آخر، فقال: . . و بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عنهم مقال سخطه، فنادى فيهم، فاجتمعوا، ثم قال لهم: «اجلسوا، و لا يقعد
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 402 و 403 و راجع: مسند أحمد ج 3 ص 76 و الدرر لابن عبد البر ص 235 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 361 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 271 و البداية و النهاية ج 4 ص 410 و 411 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 34 و 35 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 935 و عيون الأثر ج 2 ص 221 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 678 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 91 و راجع: مسند الشاميين ج 2 ص 66.
معكم أحد من غيركم» .
فلما قعدوا جاء النبي «عليه السلام» يتبعه أمير المؤمنين «عليه السلام» حتى جلس وسطهم، فقال لهم: «إني سائلكم عن أمر فأجيبوني عنه» .
فقالوا: قل يا رسول اللّه.
قال: «ألستم كنتم ضالين فهداكم اللّه بي» ؟
قالوا: بلى، فلله المنة و لرسوله.
قال: «ألم تكونوا على شفا حفرة من النار، فأنقذكم اللّه بي» ؟
قالوا: بلى، فلله المنة و لرسوله.
قال: «ألم تكونوا قليلا فكثركم اللّه بي» ؟
قالوا: بلى، فلله المنة و لرسوله.
قال: «ألم تكونوا أعداء فألف اللّه بين قلوبكم بي» ؟ !
قالوا: بلى، فلله المنة و لرسوله.
ثم سكت النبي «صلى اللّه عليه و آله» هنيهة، ثم قال: «ألا تجيبوني بما عندكم» ؟
قالوا: بم نجيبك؟ فداك آباؤنا و أمهاتنا؟ ! قد أجبناك بأن لك الفضل و المن و الطول علينا! !
قال: «أم لو شئتم لقلتم: و أنت قد كنت جئتنا طريدا فآويناك، و جئتنا خائفا فآمناك (و مخذولا فنصرناك) ، و جئتنا مكذبا فصدقناك» .
فارتفعت أصواتهم بالبكاء و قام شيوخهم و ساداتهم إليه، فقبلوا يديه و رجليه، ثم قالوا: رضينا باللّه و عنه، و برسوله و عنه، و هذه أموالنا بين يديك، فإن شئت فاقسمها على قومك، و إنما قال من قال منا على غير وغر صدر،
و غل في قلب، و لكنهم ظنوا سخطا عليهم، و تقصيرا بهم. و قد استغفروا اللّه من ذنوبهم، فاستغفر لهم يا رسول اللّه.
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم اغفر للأنصار، و لأبناء الأنصار، و لأبناء أبناء الأنصار. يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يرجع غيركم بالشاة و النعم، و ترجعون أنتم و في سهمكم رسول اللّه» ؟
قالوا: بلى رضينا.
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «الأنصار كرشي و عيبتي، لو سلك الناس واديا و سلكت الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار، اللهم اغفر للأنصار» (1).
و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بعد قوله لهم: لو شئتم لقلتم فصدقتم و صدقتم، جئتنا طريدا فآويناك، و عائلا فآسيناك، و خائفا فآمناك، و مخذولا فنصرناك، و مكذبا فصدقناك» .
فقالوا: المن للّه تعالى و رسوله.
فقال: «و ما حديث بلغني عنكم» ؟ فسكنوا.
فقال: «ما حديث بلغني عنكم» ؟
فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا فلم يقولوا شيئا، و أما أناس منا حديثة أسنانهم، قالوا: يغفر اللّه تعالى لرسوله «صلى اللّه عليه و آله» يعطي قريشا و يتركنا، و سيوفنا تقطر من دمائهم! !
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إني لأعطي رجالا حديثي عهد
1) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 145 و 146 و إعلام الورى ص 125 و 126 و البحار ج 21 ص 159 و 171 و 172 و شجرة طوبى ج 2 ص 311 و كشف الغمة ج 1 ص 223.
بكفر لأتألفهم بذلك» (1).
و في رواية: «إن قريشا حديثو عهد بجاهلية و مصيبة، و إني أردت أن أجبرهم و أتالفهم، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا، و وكلتكم إلى ما قسم اللّه تعالى لكم من الإسلام؟ !
أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة و البعير و تذهبون برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى رحالكم! تحوزونه إلى بيوتكم؟ ! فو اللّه، لمن تنقلبون به خير مما ينقلبون به، فو الذي نفسي بيده، لو أن الناس سلكوا شعبا و سلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 403 و قال في هامشه: أخرجه البخاري (3146، 3147،3528،3778،3793،4331،4332،4333،4334) و راجع: مسند أحمد ج 3 ص 166 و صحيح مسلم ج 3 ص 105 و فتح الباري ج 8 ص 40 و 41 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 91 و فضائل الصحابة ص 68 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 601 و البداية و النهاية ج 4 ص 409 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 674 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 337 و ج 7 ص 18 و عمدة القاري ج 17 ص 309 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 275 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 60 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 89 و مسند أبي يعلى ج 6 ص 283 و راجع: مسند الشاميين ج 4 ص 153.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 403 و البداية و النهاية ج 4 ص 410 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 676 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 91 و مسند أحمد ج 3 ص 172 و صحيح البخاري ج 5 ص 105 و صحيح مسلم ج 3 ص 106 و سنن الترمذي ج 5 ص 371 و عمدة القاري ج 17 ص 310 و مسند أبي يعلى ج 5 ص 356 و كنز العمال ج 12 ص 4.
و في رواية: لو سلك الناس واديا و سلكت الأنصار شعبا و أخذ الأنصار شعبا لأخذت شعب الأنصار، أنتم الشعار، و الناس دثار، الأنصار كرشي و عيبتي، و لو لا أنها الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، و أبناء الأنصار (1).
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، و قالوا: رضينا باللّه و رسوله حظا و قسما (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 403 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 154 و الثقات ج 2 ص 81 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 35 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 146 و البحار ج 21 ص 160 و 172 و شجرة طوبى ج 2 ص 311 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 70 و مسند أحمد ج 3 ص 156 و ج 3 ص 246 و فضائل الصحابة ص 66 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 541 و ج 8 ص 553 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 87 و صحيح ابن حبان ج 16 ص 258 و الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 148 و كنز العمال ج 12 ص 16 و 17 و ج 14 ص 62 و الدر المنثور ج 3 ص 270 و البداية و النهاية ج 4 ص 410 و إعلام الورى ج 1 ص 239 و السيرة النبوية ج 3 ص 677 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 92.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 403 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 154 و الثقات ج 2 ص 81 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 35 و مسند أحمد ج 3 ص 77 و فتح الباري ج 8 ص 42 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 554 و الدرر لابن عبذ البر ص 236 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 272 و البداية و النهاية ج 4 ص 411 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 935 و عيون الأثر ج 2 ص 221 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 679 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 92.
و ذكر محمد بن عمر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أراد حين إذ دعاهم أن يكتب بالبحرين لهم خاصة بعده دون الناس، و هي يومئذ أفضل ما فتح عليه من الأرض.
فقالوا: لا حاجة لنا بالدنيا بعدك.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» (1).
و كان حسان بن ثابت قال قبل جمع النبي «صلى اللّه عليه و آله» الأنصار:
زاد الهموم فماء العين منحدرسحا إذا حفلته عبرة درر
وجدا بشماء إذ شماء بهكنةهيفاء لا دنس فيها و لا خور
دع عنك شماء إذ كانت مودتهانزرا و شر وصال الواصل النزر
و ائت الرسول فقل يا خير مؤتمنللمؤمنين إذا ما عدد البشر
علام تدعى سليم و هي نازحةقدام قوم هموا آووا و هم نصروا
سماهم اللّه أنصارا بنصرهمدين الهدى و عوان الحرب تستعر
و سارعوا في سبيل اللّه و اعترضواللنائبات و ما خانوا و ما ضجروا
و الناس إلب علينا فيك ليس لناإلا السيوف و أطراف القنا وزر
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 403 و راجع: صحيح البخاري ج 4 ص 60 و فضائل الصحابة ص 69 و السنن الكبرى ج 6 ص 337 و فتح الباري ج 13 ص 361 و مسند أحمد ج 3 ص 166 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 89 و مسند أبي يعلى ج 6 ص 283 و مسند الشاميين ج 4 ص 132.
نجالد الناس لا نبقي على أحدو لا نضيّع ما توحي به السور
و لا تهر جناة الحرب ناديناو نحن حين تلظى نارها سعر
كما رددنا ببدر دون ما طلبواأهل النفاق ففينا ينزل الظفر
و نحن جندك يوم النعف من أحدإذ حزّبت بطرا أحزابها مضر
فما و نينا و ما خمنا و ما خبروامنا عثارا و كل الناس قد عثروا (1)
و لخص اليعقوبي ذلك، فقال: «و سألته الأنصار، و دخلها غضاضة، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إني أعطي قوما تألفا، و أكلكم إلى إيمانكم.
و تكلم بعضهم، فقال: قاتل بنا محمد حتى إذا ظهر أمره و ظفر أتى قومه و تركنا.
فأسقط اللّه سهمهم، و أثبت للمؤلفة قلوبهم سهما في الصدقات (2).
و روي بسند صحيح عن أبي جعفر الباقر «عليه السلام» : أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم حنين تألف رؤساء العرب من قريش و سائر مضر، منهم أبو سفيان بن حرب، و عيينة بن حصين الفزاري، و أشباههم من الناس، فغضبت الأنصار، و اجتمعت إلى سعد بن عبادة.
فانطلق بهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالجعرانة، فقال: يا رسول اللّه، أتاذن لي في الكلام؟
فقال: نعم.
فقال: إن كان هذا الأمر من هذه الأموال التي قسمت بين قومك شيئا أنزله اللّه رضينا، و إن كان غير ذلك لم نرض.
قال زرارة: و سمعت أبا جعفر «عليه السلام» يقول: فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا معشر الأنصار أكلّكم على قول سيدكم سعد؟
فقالوا: سيدنا اللّه و رسوله.
ثم قالوا في الثالثة: نحن على مثل قوله و رأيه.
قال زرارة: فسمعت أبا جعفر «عليه السلام» يقول: فحط اللّه نورهم.
و فرض اللّه للمؤلفة قلوبهم سهما في القرآن (1).
و نقول:
إن مقالة سعد بن عبادة في محضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كانت في غاية القبح و السقوط، من جهتين:
إحداهما: أن يكون سعد، و من معه يعتقدون بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد يأتي بالأمر من اللّه، و قد يأتي به من عند نفسه، فيجوز لهم
1) الكافي ج 2 ص 411 و شرح أصول الكافي ج 10 ص 123 و البحار ج 21 ص 177 و ج 93 ص 58 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 232 و تفسير العياشي ج 2 ص 91 و 92 و راجع: الحدائق الناضرة ج 12 ص 176 و جواهر الكلام ج 15 ص 340 و مصباح الفقيه ج 3 ص 95 و جامع المدارك ج 2 ص 65 و غنائم الأيام للميرزا القمي ج 4 ص 137 و جامع أحاديث الشيعة ج 8 ص 175 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 7 ص 191.
النكول عن طاعته حين يكون أمر من النوع الثاني حتى لو كان مصيبا فيه.
و هذا توهم باطل، و خيال زائف، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» مسدد بالوحي، وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ (1)، و تجب طاعته في كل أمر يأمر به، و ينهى عنه، قال تعالى: أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ اَلرَّسُولَ (2).
الثانية: أنه أعلن: أن هذا الأمر إن كان مما لم ينزله، فإنهم لا يرضون به، مع أن الإنسان المؤمن يتوخى كل ما يرضي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يبادر إلى العمل به، و يبذل كل جهد من أجل تحصيل هذا الرضى. . فالمتوقع من سعد، و من معه أن يقولوا له «صلى اللّه عليه و آله» : إن هذا الأمر يرضيك، فنحن لا نتردد في بذله، و بذل كل ما نملك من أجل الفوز برضاك.
و أما إن كانوا يعتقدون: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يخطئ في قراراته التي لا تنزل من عند اللّه، فالأمر أشنع و أقبح، و هو يشير إلى خلل اعتقادي خطير لدى الأنصار، رغم مرور سنوات كثيرة على إسلامهم. طول عشرتهم معه «صلى اللّه عليه و آله» . .
إلا أن يقال: لعلهم ظنوا: أن ثمة من يحاول فرض هذا القرار على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، على غير رضا منه، فأرادوا أن تكون هذه المبادرة عونا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لمواجهة تلك الضغوط.
و لكن هذا الإحتمال يبقى تائها، و عاجزا عن حل الإشكال، لأسباب عديدة.
منها: أن الشواهد تشير إلى أنه كان هو صاحب القرار، و لم يكن لدى الآخرين أي حول أو قوة تخولهم فرض أي أمر، مهما كان عاديا أو غير ذي أهمية. .
و منها-و هو الأهم-: أن الروايات الأخرى قد صرحت بما دل على جرأتهم، و أنهم قالوا: و إن كان من رأي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» استعتبناه، أو نحو ذلك.
من أجل ذلك و سواه نقول:
لعل هذه الطريقة التي تكلم بها سعد لم تكن مما اتفق عليه مع الأنصار، بل هم فوضوا إليه الكلام، فوقع هو في هذه الزلة التي لم يظهر أنهم يوافقونه عليها.
و ربما يشير إلى ذلك عدم رضاهم بسيادة سعد عليهم كما سيتضح فيما يلي:
و قد يمكن اعتبار إجابة الأنصار-ثلاث مرات-بقولهم: سيدنا اللّه و رسوله، حين سألهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أكلكم على قول سيدكم سعد؟ ! -يمكن اعتبارها-أدب من الأنصار، و مراعاة منهم لجانب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
كما أنها يمكن أن تكون تعبيرا عن امتعاضهم من طريقة سعد بن عبادة في عرض القضية أمام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و قد يعكر على الأخذ بهذا الإحتمال و يقوي الإحتمال الأول، قولهم أخيرا: «نحن على مثل قوله و رأيه» .
إلا أن يكون المقصود هو: أنهم على مثل قوله و رأيه في عدم رضاهم بتقسيم الأموال على المؤلفة قلوبهم، و الذين لا يزالون يقاتلونهم على الإسلام إلى ذلك الوقت. حسبما صرحوا به. . و ليسوا على مثل رأيه فيما يرتبط بطاعة الرسول، أو في تخطئته فيما يراه كما ورد في أقواله.
و لعل حط نورهم، و إنزال سهم المؤلفة في القرآن قد جاء عقوبة لهم على هذه الجرأة على مقام الرسالة، و الرسول حتى لو لم يكونوا على مثل رأي سعد فيما يتضمن جرأة على مقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فإن المفروض هو: التسليم المطلق، حتى لو كانت الأموال لهم على الحقيقة، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فكيف إذا كانت الأموال له. . و لا نريد أن نقول أكثر من ذلك. .
و نلاحظ: أن النصوص المتقدمة التي ذكرت كلام الأنصار و عتبهم، سواء أكان ذلك على لسان سادتهم و ذوي البصائر منهم، أو على لسان شبابهم و جهالهم قد خلت من رأي إشارة إلى أنهم يطالبون بحق لهم، منحهم اللّه إياه من خلال نصر أحرزوه، أو جهد بذلوه. . رغم كثرة القالة فيهم، بل رغم جرأتهم على شخص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و لو أن شيئا من ذلك كان قد حصل بالفعل، لبادروا إلى عرض هذه الحجة، فإنها أشد وقعا، و أبعد اثرا، و أكثر إلزاما. .
و قد مر معنا آنفا: أن بعض المشككين من أصحاب الأهواء، حاول الطعن و التشكيك بشخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و اعتبار ما حصل شاهدا على انطواء الشخصية النبوية على درجة من العصبية للقوم و العشيرة، تدعوه إلى نقض تعهداته، أو التقصير في الوفاء بما يتوقّع من أهل الوفاء. . حيث قال أحدهم لأصحابه: لقد كنت أحدثكم أن لو استقامت الأمور قد آثر عليكم.
و لكن رد الأنصار قد جاء حاسما و عنيفا. و هذا هو المتوقع منهم، فإنهم يعرفون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حق المعرفة، و لا يظنون به إلا أنه قد قصد بفعله هذا غاية إصلاحية و استصلاحية لا تبلغ حد إلزامهم بالتخلي عما ظنوا أن لهم الحق في المطالبة به. . فبادروا إلى الطلب، فعرفهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما ينبغي لهم أن يعرفوه.
و اللافت هنا: أنه حين أخبر سعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» بوجد الأنصار، كان أول ما سأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنه سعدا هو: أن يفصح سعد عن نفسه، فيحدد موقعه من هذا الأمر بالنسبة إلى قومه.
و إذ به يسمع منه إجابة مخيبة للآمال، حيث قال له سعد: ما أنا إلا امرؤ من قومي.
و قد أظهرت هذه الإجابة: أن القضية ليست أمرا عابرا، صنعته يد الجهالة و الطيش من شباب أغرار، لا تجربة لهم، بل هي قناعة استقرت في
و عي كثير من عقلاء القوم و رؤسائهم، حتى لدى سعد بن عبادة زعيم الخزرج، فكيف بسائر الناس.
و هذا يحتم المبادرة إلى علاج القضية بما يتناسب مع حجمها، مع عقليات مختلفة، و أهواء متباينة، و مستويات لا تلتقي فيما بينها. .
و لأجل ذلك كلف «صلى اللّه عليه و آله» سعدا نفسه بجمع قومه، و لا يكون أحد من غيرهم معهم، لأنه يريد أن يحسم الأمر قبل أن يقف أصحاب الأهواء على دقائقه و تفاصيله، فإن ذلك ربما يعطيهم الأهواء، لبث سمومهم، بطريقة خبيثة و مؤذية، و هكذا كان.
و عن حوار الرسول «صلى اللّه عليه و آله» مع الأنصار نقول: 1-إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يشر إلى أي شيء يمكن أن يفسّر على أنه إقرار منه لهم: بأن لهم حقا من الغنائم قد أخذه منهم. بل هو قد ذكّرهم بما جنوه من فوائد، بسبب قبولهم الهداية الإلهية، و عدّد ذلك عليهم، حتى جعلهم يشعرون أن مطالبتهم هذه ذنب يجب عليهم الاستغفار منه. . و قد أكد لهم على صحة هذا الأمر، حين بادر إلى الإستغفار لهم، و لأبنائهم، و لأبناء أبنائهم.
2-إنه أراد بتذكيره لهم بهداية اللّه تعالى له، و بسائر النعم، أن يعالج مشكلة الخطأ لديهم في المعايير، و في تحديد الأهداف، و محط الطموحات و الآمال، و محاور التفكير فيما يريد الإنسان أن يفكر فيه، و يخطط للوصول إليه و الحصول عليه. .
فنقلهم «صلى اللّه عليه و آله» من دائرة التفكير في المصالح الفردية الضيقة، و اللذة الآنية الزائلة، ليصلهم بمصدر الفيوضات و الهدايات، و باللامتناهي، و بالغني القوي، و المدبر، و الخالق، و الرازق، و المهيمن، و الباقي. . و. . و. .
3-و لم ينته الأمر عند هذا الحد بل هو افهمهم أنه يعرف ما يدور بخلدهم تجاهه، حيث يرون أن لهم فضلا و منة عليه «صلى اللّه عليه و آله» بإيوائهم و نصرهم له، و بتصديقهم إياه، فدفعهم إلى المقارنة بين ما يرون لأنفسهم فضلا فيه، و بين ما منّ اللّه و رسوله به عليهم، ليدركوا مدى الإسفاف الذي وقعوا فيه.
و لذلك ارتفعت أصواتهم بالبكاء، و قام شيوخهم و ساداتهم فقبّلوا يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و رجليه، و قالوا: رضينا باللّه و عنه، و برسوله و عنه.
و عرفوا: أنهم في وهم كبير، و أمام أمر خطير يودي بهم إلى المهالك، لو لا أن تداركهم اللّه برحمة منه، و اعترفوا بذنبهم، و طلبوا من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يستغفر لهم.
و قد استغفر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للأنصار، و لأبنائهم، و لأبناء أبنائهم. مع أن الأنصار لم يطلبوا منه إلا أن يستغفر لهم، و لم يذكروا أبنائهم، و لا أبناء أبنائهم.
و لعله «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يشير إلى: أن هذا التراجع من الأنصار كان صادقا، و لم يكن قبولا على مضض، و لا كانت تشوبه أية شائبة
من الإحساس بالغبن، و لا صاحبه أي و غر في الصدور، أو غل في القلوب.
كما أن هذا الإستغفار للأبناء، و لأبناء الأبناء، يعطي: أن التوفيق الذي يناله الإنسان بعمله، إذا كان صادقا قد لا يقتصر عليه، بل يشمل ذريته من أبنائه، و أبناء أبنائه أيضا. و كذلك الحال بالنسبة للذنوب و الآثام، فإنها تترك آثارها على الأبناء و أبناء الأبناء.
و إدراك هذه الحقيقة من شأنه أن يزيد من اندفاع الناس إلى الطاعات، و عمل الخير، و نيل التوفيقات، و الإبتعاد عن المآثم.
و قد ألمحت كلماته «صلى اللّه عليه و آله» عن الأنصار إلى أنهم لم تكن لهم سياسة خاصة بهم، بحيث تؤثر في طبيعة تعاملهم مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و في مستوى هذا التعامل، و حدوده.
بل كانوا مجرد جماعة من الناس، يتلقون من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يستفيدون منه، بمقدار ما تتسع له أفهامهم، و تنفتح له عقولهم، و تنفعل به قلوبهم و مشاعرهم. .
و هذا هو السر في التعبير النبوي عنهم ب «كرشي و عيبتي» ، حيث يتسع الكرش و العيبة لوضع ما يراد حفظه. و بذلك يكون الأنصار صادقين في الإنقياد و التسليم للّه و لرسوله. .
أما غير الأنصار فلعل لهم مشاريع تفرض عليهم أن يتعاملوا حتى مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ضمن حدود و قيود، قد تتعارض مع ما أمرهم اللّه تعالى به من الطاعة و التسليم لرسوله، بحيث لا يكون في أنفسهم حرج
مما يقضي به «صلى اللّه عليه و آله» لهم أو عليهم.
عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: أن قائلا قال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أصحابه-قال محمد بن عمر: هو سعد بن أبي وقاص-: يا رسول اللّه، أعطيت عيينة بن حصن، و الأقرع بن حابس مائة (و أضاف في نص آخر: أبا سفيان، و سهيل بن عمرو) ، و تركت جعيل بن سراقة الضمري؟ !
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أما و الذي نفس محمد بيده، لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلهم (الصحيح: كلها) مثل عيينة بن حصن، و الأقرع بن حابس، و لكني تألفتهما ليسلما، و وكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه» (1).
و روى البخاري عن سعد بن أبي وقاص، قال: أعطى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رهطا و أنا جالس، فترك منهم رجلا هو أعجبهم إلي، فقمت
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 401 عن ابن إسحاق، و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ص 237 و 238 و (ط دار الجيل) ج 1 ص 246 و الإصابة ج 1 ص 239 و (ط دار الكتب العلمية) ص 569 و راجع: شرح الأخبار ج 1 ص 317 و الدرر لابن عبد البر ص 236 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 246 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 359 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 30 و ج 9 ص 300 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 933 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 85 و تفسير الآلوسي ج 26 ص 142 و البداية و النهاية ج 4 ص 414.
فقلت: ما لك عن فلان؟ ! و اللّه إني لأراه مؤمنا؟ !
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أو مسلما» .
ذكر ذلك ثلاثا، و أجابه بمثل ذلك، ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إني لأعطي الرجل و غيره أحب إلي منه، خشية أن يكبه اللّه تعالى في النار على وجهه» (1).
و روى البخاري عن عمرو بن تغلب قال: أعطى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قوما و منع آخرين، فكأنهم عتبوا عليه، فقال: «إني أعطي أقواما أخاف هلعهم و جزعهم، و أكل أقواما إلى ما جعل اللّه تعالى في قلوبهم من الخير و الغنى، منهم عمرو بن تغلب» .
قال عمرو: فما أحببت أن لي بكلمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حمر النعم (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 401 عن البخاري، و أشار في هامشه إلى: البخاري ج 3 ص 399(1478) . و راجع: سنن سعد بن أبي وقاص ص 40 و صحيح مسلم ج 3 ص 104 و صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 2 ص 131 و عمدة القاري ج 9 ص 62 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 221 و سنن أبي يعلى ج 2 ص 83 و تغليق التعليق ج 2 ص 32.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 402 عن: البخاري ج 6 ص 388(3145) . و راجع: الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1167 و البداية و النهاية ج 4 ص 415 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 684 و نيل الأوطار ج 8 ص 126 و صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 4 ص 59 و عمدة القاري ج 15 ص 71 و كنز العمال ج 11 ص 730.
و نقول:
إننا لا نستطيع أن نؤيد صحة هذه الروايات، بل لعلنا نكاد نطمئن إلى عكس ذلك، فلاحظ ما يلي:
ألف: بالنسبة لجعيل بن سراقة نقول:
1-إن جعيل بن سراقة، هو الذي قالوا: إن إبليس تصور في صورته يوم أحد (1).
و ابن إسحاق يقول: جعيل. و غير ابن إسحاق يقول: جعال (2).
فمن يكون كذلك كيف يكون بهذه المثابة التي يريدونها له؟ !
مع ملاحظة: أن العبارة المنسوبة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» هي: أوكله إلى إسلامه. و لم يقل: إلى إيمانه. و بينهما فرق واضح.
2-على أننا نجد هذا الرجل غير معروف بالدرجة الكافية التي تجعلنا نصدق بصحة مقارنته أو مقارنة دوره بأبي سفيان، و عيينة بن حصن،
1) الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 260 و (ط دار الجيل) ص 274 و راجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 575 و 632 و ج 3 ص 85 و مستدرك سفينة البحار ج 1 ص 411.
2) الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 238 و (ط دار الجيل) ص 246 و عمدة القاري ج 20 ص 87 و راجع: فتح الباري ج 11 ص 237 و فيض القدير ج 6 ص 474 و الإكليل للكرباسي ص 539 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 246 و إكمال الكمال ج 2 ص 106 و أسد الغابة ج 1 ص 283 و 284 و 290 و راجع: الإصابة ج 1 ص 596 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 702 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 503 و 632 و تاج العروس ج 14 ص 109.
و الأقرع بن حابس، و سهيل بن عمرو، و غيرهم من ذوي النفوذ الذين كان «صلى اللّه عليه و آله» يتألفهم على الإسلام، دفعا لشرهم، أو لأجل ما لهم من تأثير في الناس.
فما معنى أن يطالب النبي «صلى اللّه عليه و آله» بإعطاء جعيل، أو جعال مثل ما أعطى هؤلاء النفر؟ !
3-بل إن جعيل بن سراقة كان مسكينا فقيرا، كشكله من الناس، كما في بعض الروايات (1). و لا يقرن أمثاله بالرؤساء في المطالبة بإعطائه مثلهم.
4-على أن جعال بن سراقة، و هو من فقراء المهاجرين قد لطم وجه سنان بن وبرة، حين ازدحموا على الماء، و كادت تكون فتنة، لو لا أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» تداركها بحكمته، حيث يروى: أن ابن أبي قال في هذه المناسبة: لَئِنْ رَجَعْنٰا إِلَى اَلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ اَلْأَعَزُّ مِنْهَا اَلْأَذَلَّ (2)» (3).
و لعل المراد-لو كان للقضية أصل-: أنه حتى جميل بن سراقة، الذي تشبه به إبليس اللعين، كان أفضل من هؤلاء الناس، لأنه يظهر الإسلام، و لا يحاربه، و لا يضرّ به بالمقدار الذي يضرّ به أبو سفيان، و عيينة، و الأقرع.
ب: بالنسبة لحديث عمرو بن تغلب نقول:
1) الإصابة ج 1 ص 239 و عمدة القاري ج 20 ص 87 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 85 و في الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 260 و (ط دار الجيل) ص 274: أنه كان من فقراء المسلمين. و راجع: المجازات النبوية ص 76 و تاريخ مدينة دمشق ج 24 ص 170 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 217 و ج 6 ص 343.
2) الآية 8 من سورة المنافقون.
3) راجع: فصل «ليخرجن الأعز منها الأذل» من هذا الكتاب.
1-إنه هو الذي يروي هذا الأمر عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو يتضمن مدحا له، فهو يجر النار إلى قرصه.
2-يضاف إلى ذلك: أن هذه الرواية و نظائرها قد اشتملت على قرائن تدل على أنه يتحدث عن قصة أخرى غير قصة حنين. . حيث ذكر فيها: أن مالا قد جاء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقسمه «صلى اللّه عليه و آله» على ذلك النحو المشار إليه (1).
و لم نجد في النصوص المتوفرة لدينا ما يدل على حصول أمر كهذا في غير غزوة حنين. . فليلاحظ ذلك. .
في رواية زرارة عن أبي جعفر «عليه السلام» ، قال: قال أبو جعفر «عليه السلام» : فلما كان في قابل جاؤوا بضعف الذي أخذوا، و أسلم ناس كثير، قال: فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خطيبا، فقال: هذا خير أم الذي قلتم؟ ! قد جاؤوا من الإبل كذا و كذا ضعف ما أعطيتهم. و قد أسلم للّه عالم و ناس كثير.
و الذي نفس محمد بيده، لوددت أن عندي ما أعطي كل إنسان ديته على أن يسلم للّه رب العالمين (2).
و هذا معناه: أن نتائج كبيرة و هامة جدا ترتبت على إعطاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» الغنائم للمؤلفة قلوبهم في حنين، و قد تضمن هذا النص الإشارة إلى بعض تلك الفوائد، و هي التالية:
1-إن هؤلاء الذين حصلوا على هذه الأموال، قد شمروا عن ساعد الجد، و عملوا على كسر شوكة أهل الشرك في المحيط الذي يعيشون فيه، و بذلك يكون الأمن و الإسلام قد شملا المنطقة بأسرها. .
2-إن هؤلاء الناس الذين أعطاهم سوف يشعرون: أن عودتهم إلى الشرك أصبحت في غير صالحهم، كما أن اللامبالات و اعتزال الساحة، سوف يفوّت عليهم فرصا كبيرة، طالما حلموا بها. .
3-إن ما حصل عليه المسلمون من غنائم بعد حنين كان أضعاف ما قسمه النبي «صلى اللّه عليه و آله» في المؤلفة قلوبهم.
4-إن الفرصة قد تهيأت لدخول عالم و ناس كثير في الإسلام، حيث أمن الناس غائلة نفس هؤلاء الذين كانوا يخشون من سطوتهم، و بطشهم بعد رجوع النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة. .
إذ إن ما صنعه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غنائم حنين، قد حفز نفس هؤلاء الزعماء الذين يخشاهم الناس إلى السير في البلاد و دعوة العباد إلى الدخول في دين محمد «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن كانوا يصدون عنه و عن دينه. . ثم كانوا يسعون في إخضاع كل المناوئين الذين يسيرون في الإتجاه الآخر. .
و هذا كله من بركات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و من نتائج حسن تقديره للأمور، و من روائع و سياسته الحكيمة.
و روي بسند صحيح، عن أبي جعفر الباقر «عليه السلام» في المؤلفة قلوبهم قال: هم قوم و حدوا اللّه عز و جل، و خلعوا عبادة من يعبد من دون اللّه، و شهدوا أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هم في ذلك شكاك في بعض ما جاء به محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، فأمر اللّه عز و جل نبيه «صلى اللّه عليه و آله» أن يتألفهم بالمال و العطاء، لكي يحسن إسلامهم، و يثبتوا على دينهم الذي دخلوا فيه، و أقروا به (1).
و في حديث آخر عن أبي جعفر «عليه السلام» قال: المؤلفة قلوبهم قوم وحدوا اللّه، و خلعوا عبادة (من يعبد)من دون اللّه، و لم تدخل المعرفة قلوبهم: أن محمدا رسول اللّه.
و كان رسول اللّه «عليه السلام» يتألفهم، و يعرفهم لكيما يعرفوا، و يعلمهم (2).
1) الكافي ج 2 ص 411 و تفسير العياشي ج 1 ص 91 و 92 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 231 و البحار ج 21 ص 177 و ج 93 ص 58 و راجع: غنائم الأيام ج 4 ص 137 و جواهر الكلام ج 15 ص 339 و شرح أصول الكافي ج 10 ص 123 و الحدائق الناضرة ج 12 ص 175 و ج 25 ص 165 و مستند الشيعة ج 9 ص 275 و جامع المدارك ج 2 ص 65 و مستدرك الوسائل ج 7 ص 102 و جامع أحاديث الشيعة ج 8 ص 175 و مستدرك سفينة البحار ج 1 ص 167 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 7 ص 191.
2) الكافي ج 2 ص 411 و راجع: الحدائق الناضرة ج 12 ص 176 و شرح أصول الكافي ج 10 ص 122 و جامع أحاديث الشيعة ج 8 ص 176.
و في نص ثالث: و هم قوم وحدوا اللّه، و خرجوا من الشرك، و لم تدخل معرفة محمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قلوبهم، و ما جاء به، فتألفهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تألفهم المؤمنون بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لكيما يعرفوا (1).
و نقول:
1-إن الحكام بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ألغوا سهم المؤلفة قلوبهم، و لكن المؤمنين من الناس هم الذين كانوا يتألفونهم كما ظهر من الرواية المتقدمة.
2-إن الإمام «عليه السلام» لا يريد أن يتحدث عن ذلك القسم من الناس الذين اتخذوا طريق النفاق، و كانت ثمة حاجة لدفع شرهم، أو الحدّ من نشاطهم التخريبي، فيلجمهم هذا الموقف المواتي منهم على المبادرة على شيء من ذلك خوفا من فوات بعض المنافع، التي كانوا يأملون بالحصول عليها في المستقبل، بعد أن ظهر لهم في حنين أن سلوكهم الرضي، و الملائم، قد يحقق لهم مكاسب ثمينة جدا. .
3-كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يتحدث عن أولئك الناس الذين يراد أن يعيشوا حياة السكون و الطمأنينة، و توقع المكاسب في داخل
1) الكافي ج 2 ص 412 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 232 التفسير الصافي ج 2 ص 352 و راجع: الحدائق الناضرة ج 12 ص 176 و مصباح الفقيه ج 3 ص 95 و شرح أصول الكافي ج 10 ص 125 و جامع أحاديث الشيعة ج 8 ص 176 و غنائم الأيام ج 4 ص 137 و شرح أصول الكافي ج 10 ص 122 و 125 و الخصال هامش ص 334.
المجتمع الإسلامي، و يتألفهم ليدفع شرهم عن الكثيرين من المسلمين الذين هم من أقاربهم، أو ممن يمكن أن يمارسوا عليهم نفوذا أو ضغوطا قوية تمنعهم من التفاعل مع هذا الدين. .
عن ابن مسعود، قال: لما قسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لنا هوازن يوم حنين و آثر أناسا من أشراف العرب، قال رجل من الأنصار: هذه قسمة ما عدل فيها، و ما أريد فيها وجه اللّه.
فقلت: و اللّه لأخبرن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبرته، فتغير وجهه حتى صار كالصرف، و قال: «فمن يعدل إذا لم يعدل اللّه و رسوله، رحمة اللّه على موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» (1).
و الرجل المبهم: قال محمد بن عمر: هو معتب بن قشير.
روى ابن إسحاق، عن ابن عمرو، و الإمام و الشيخان عن جابر،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 404 عن البخاري، و مسلم، و البيهقي، و في هامشه عن: البخاري (1138) و مسلم ج 2 ص 739(140) . و راجع: الروض الأنف ج 4 ص 168 و 169 و الأذكار النووية ص 315 و رياض الصالحين ص 82 و نيل الأوطار ج 8 ص 125 و صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 3 ص 109 و البداية و النهاية ج 4 ص 416 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 686.
و الشيخان و البيهقي عن أبي سعيد: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بينا هو يقسم غنائم هوازن إذ قام إليه رجل-قال ابن عمر و أبو سعيد: من تميم يقال له: ذو الخويصرة (و في بعض النصوص: طوال آدم: أجنأ (1)بين عينيه أثر السجود، فسلم، و لم يخص النبي «صلى اللّه عليه و آله») ، فوقف عليه، و هو يعطي الناس، فقال: يا محمد، قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أجل، فكيف رأيت» ؟
قال: لم أرك عدلت. إعدل.
فغضب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قال: «شقيت إن لم أعدل. ويحك، إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون» ؟
فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللّه، دعني أقتل هذا المنافق.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «معاذ اللّه أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يوجد فيه شيء، ثم في القدح فلا يوجد فيه شيء، ثم في الفوق فلا يوجد فيه شيء.
و في لفظ: ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نصيبه- و هو قدحه-فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث و الدم، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم و صيامه مع صيامهم» .
و لفظ رواية جابر: «إن هذا و أصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية، آيتهم أن فيهم رجلا أسود، إحدى
1) الأجنا: الأحدب.
عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس» .
و في رواية: «على حين فرقة» (1).
قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم و أنا معه، و أمر بذلك الرجل فالتمس حتى أتي به، حتى نظرت إليه على نعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الذي نعت (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 404 و 405 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 148 و 149 و إعلام الورى ص 127 و 128 و البحار ج 21 ص 161 و 173 و 174 و ج 33 ص 335 و النص و الإجتهاد ص 103 و تاريخ الخميس ج 2 ص 115 و راجع: نيل الأوطار ج 7 ص 345 و صحيح البخاري ج 4 ص 179 و صحيح مسلم ج 3 ص 112 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 171 و عمدة القاري ج 16 ص 142 و 143 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 159 و خصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 137 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 140 و التمهيد لابن عبد البر ج 23 ص 330 و تهذيب الكمال ج 13 ص 264.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 405 و إعلام الورى ص 127 و 128 و البحار ج 21 ص 173 و 174 عن صحيح البخاري. و راجع: المصنف للصنعاني ج 10 ص 147 و 149 و الجوهرة في نسب علي بن أبي طالب و آله ص 110 و كنز العمال ج 11 ص 296 و 297 عن عبد الرزاق، و ابن أبي شيبة. و الخصائص للنسائي ص 138 و 139 و في هامشه عن المصادر التالية: أسد الغابة ج 2 ص 140 و البداية و النهاية ج 7 ص 301 و ميزان الإعتدال ج 2 ص 263 و مسند أحمد ج 3 ص 56 و ج 1 ص 91 و العقود الفضية ص 67 و المناقب للخوارزمي ص 183 و نزل الأبرار ص 58 و في هامشه عن بعض من تقدم و عن: حلية الأولياء ج 4 ص 186 و عن مجمع الزوائد ج 6 ص 239 و عن سنن البيهقي ج 8 ص 170 و عن صحيح مسلم ج 2 ص 748 و عن المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 91 و عن تاريخ بغداد ج 13 ص 186 و عن المستدرك للحاكم ج 2 ص 145 و عن سنن أبي داود ج 2 ص 282.
و في نص آخر: فقال المسلمون: ألا نقتله يا رسول اللّه؟ !
فقال: دعوه، سيكون له أتباع يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، يقتلهم اللّه على يد أحب الخلق إليه بعدي.
فقتله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» في من قتل يوم النهروان من الخوارج (1).
و روى سماعة عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن «عليهما السلام» : أن ذلك الرجل قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : ما عدلت حين قسمت.
فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : ويلك، ما تقول؟ ! ألا ترى قسمت الشاة حتى لم يبق لي شاة؟ !
أ و لم أقسم البقر حتى لم يبق معي بقرة واحدة؟ !
1) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 148 و 149 و البحار ج 21 ص 161 و 173 و 174 و إعلام الورى ص 127 و 128 و (ط ؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث) ج 1 ص 388 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 88 و مستدرك سفينة البحار ج 3 ص 47 و درر الأخبار ص 176 و الدر النظيم ص 184 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في القرآن و السنة ج 6 ص 310.
أ و لم أقسم الإبل حتى لم يبق معي بعير واحد؟ ! الخ. . (1).
و نقول:
إن لنا مع ما تقدم العديد من الملاحظات، و التوضيحات، نذكر منها ما يلي:
و هذا النص الأخير يشير إلى وجود بقر في جملة الغنائم. . فلا واقع لقول بعضهم: لعل عدم ذكر عدد البقر كان لأجل عدم اغتنام شيء منه، لأن تلك القبائل لم تكن تقتني البقر عادة.
و ربما يكون سبب عدم ذكر أعداد البقر الذي وقع في الغنائم هو عدم معرفة الرواة بعددها، أو أن قلة عددها أوجب صرفهم النظر عن ذكرها. .
هذا. . و قد زخرت كتب الحديث و التاريخ بما روي عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حق الخوارج، سواء في ذلك ما قاله يوم حنين، أو ما قاله في غيرها. .
و قد وصفهم «صلى اللّه عليه و آله» : بأنهم يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، هم شر الخلق و الخليقة (2).
1) البحار ج 21 ص 164 و تفسير العياشي ج 2 ص 92 و 93.
2) راجع على سبيل المثال في أمثال هذه العبارات ما يلي: مسند أحمد ج 1 ص 88 و 92 و 108 و 113 و 131 و 147 و 151 و 156 و 160 و 256 و 404 و 411 و 441 و 435 و 380 و 395 و ج 2 ص 209 و 219 و ج 3 ص 5 و 15 و 32 و 33 و 34 و 38 و 39 و 52 و 56 و 60 و 64 و 65 و 68 و 73 و 159 و 183 و 197 و 224 و 353 و 486 و ج 4 ص 422 و 425 و ج 5 ص 31 و 42 و 146 و راجع: ص 253 و مجمع الزوائد ج 6 ص 228 و 229 و 231 و 230 و 232 و 235 و 239 و ج 9 ص 129 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 145 و 146 و 147 و 148 و 146 و 154 و كشف الأستار عن مسند البزار ج 2 ص 360 و 361 و 363 و 364 و الجوهرة في نسب علي و آله ص 109 و المعجم الصغير ج 2 ص 100 و المصنف للصنعاني ج 1 ص 146 و 148 و 151 و 154 و 157 و كنز العمال ج 11 ص 126 و 127 و 128 و 129 و 130 و 131 و 175 و 180 و 182 و 271 و 312 عن مصادر كثيرة. و كفاية الطالب ص 175 و 176 و تاريخ بغداد ج 12 ص 480 و ج 10 ص 305 و العقود الفضية ص 66 و 70 و المغازي للواقدي ج 3 ص 948 و الإصابة ج 2 ص 302 و الغدير ج 10 ص 54 و 55 عن الترمذي ج 9 ص 37 و سنن البيهقي ج 8 ص 170 و 171 و تيسير الوصول إلى علم الأصول ج 4 ص 31 و 32 و 33 عن الصحاح الستة كلها، و عن أبي داود ج 2 ص 284 و فرائد السمطين ج 1 ص 276 و نظم درر السمطين ص 116 و الإلمام ج 1 ص 35 و الخصائص للنسائي ص 136 و 137-149 و ميزان الإعتدال ج 2 ص 263 ترجمة عمر بن أبي عائشة، و أسد الغابة ج 2 ص 140 و تاريخ واسط ص 199 و التنبيه و الرد ص 182 و صحيح البخاري ج 2 ص 173 و ج 4 ص 48 و 122 و مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 53 و 57 و الجامع الصحيح للترمذي برقم (3896) و صحيح مسلم ج 1 ص 1063 و 1064 و في هامش مناقب المغازلي عن الإصابة ج 2 ص 534 و عن تاريخ الخلفاء ص 172 و راجع: إثبات الوصية ص 147 و ذخائر العقبى ص 110 و المناقب للخوارزمي ص 182 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 400 و نور الأبصار ص 102. و راجع: نزل الأبرار ص 57-61 و الرياض النضرة ج 3 ص 225 و راجع ص 226 و 224 و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 94 و البداية و النهاية ج 7 ص 379-350 عن مصادر كثيرة و من طرق كثيرة جدا. و تذكرة الخواص ص 104 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 183 و ج 1 ص 201 و ج 2 ص 261 و 266 و 268 و 269 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 347. و تتبع مصادر هذا الحديث متعذر، فنكتفي هنا بهذا القدر.
و في بعض الروايات: طوبى لمن قتلهم و قتلوه (1).
1) راجع: مسند أحمد ج 4 ص 357 و 382 و العمدة لابن البطريق ص 444 و الصراط المستقيم ج 1 ص 318 و البحار ج 18 ص 124 و ج 32 ص 255 و ج 33 ص 329 و الغدير ج 10 ص 54 و سنن أبي داود ج 2 ص 428 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 147 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 188 و مجمع الزوائد ج 6 ص 230 و 232 و عون المعبود ج 13 ص 79 و كتاب السنة لعمرو بن أبي عاصم ص 425 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 296 و ج 5 ص 426 و ج 7 ص 15 و المعجم الكبير ج 8 ص 121 و 267 و 269 و 338 و كنز العمال ج 11 ص 140 و 201 و 202 و 203 و 204 و 205 و 207 و 297 و 297 و 313 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 503 و ج 3 ص 532 و الجامع لأحكام القرآن ج 4 ص 9 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 302 و طبقات المحدثين بأصبهان ج 2 ص 152 و تاريخ مدينة دمشق ج 12 ص 366 و ج 23 ص 409 و ج 24 ص 52 و ج 31 ص 47 و أنساب الأشراف للبلاذري ص 375 و الجوهرة في نسب الإمام علي و آله للبري ص 111 و البداية و النهاية ج 7 ص 325 و 328 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 2 ص 278 و إعلام الورى ج 1 ص 92 و كشف الغمة ج 1 ص 126 و دفع الشبه عن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ص 82 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 132.
1) المغني لابن قدامة ج 10 ص 51 و الشرح الكبير ج 10 ص 51 و مسند أحمد ج 4 ص 382 و 355 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 62 و الجامع الصغير ج 1 ص 638 و مجمع الزوائد ج 6 ص 230 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 280 و المصنف للصنعاني ج 10 ص 152 و المعجم الصغير ج 1 ص 20 و ج 8 ص 267 و 274 و كنز العمال ج 11 ص 207 و تاريخ مدينة دمشق ج 12 ص 366.
2) مصادر ذلك لا تكاد تحصر، فراجع على سبيل المثال: مسند أحمد ج 1 ص 95 و 92 و 88 و 113 و 108 و 121 و 140 و 141 و 147 و 151 و 155 و 160 و ج 3 ص 33 و 56 و 65 و المصنف للصنعاني ج 10 ص 147 و 148 و 149 و 151 و الخصائص للنسائي ص 138 و 139 و 141 و 142 و 143 و 144 و 145 و 146 و السنن الكبرى ج 6 ص 170 و الجوهرة في نسب علي و آله ص 109 و 110 و كشف الأستار عن مسند البزار ج 2 ص 361 و 362 و كنز العمال ج 11 ص 130 و 178 و 272 و 277 و 280 و 281 و 282 و 285 و 286 و 278 و 289 و 296 و 298 و 301 و 302 و 307 و 308 و 310 و 311 عن مصادر كثيرة جدا. و مجمع الزوائد ج 6 ص 227 و 234 و 235 و 238 و 239 و المحاسن و المساوئ ج 2 ص 98 و منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 434 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 347 و 348 و مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 414 و 416 و الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 130 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 153 و 154 و تلخيص الذهبي بهامشه، و كفاية الطالب ص 179 و 177 و فرائد السمطين ج 1 ص 276 و 277 و مروج الذهب ج 2 ص 406 و نظم درر السمطين ص 116 و تاريخ بغداد ج 12 ص 480 و ج 1 ص 160 و 206 و 199 و 174 و ج 13 ص 158 و 222 و ج 11 ص 118 و ج 11 ص 305 و ج 14 ص 365 و ج 7 ص 237 و صحيح مسلم (طبعة دار الفكر-بيروت-لبنان) ج 3 ص 115 و العقود الفضية ص 66 و 67 و المعجم الصغير ج 2 ص 85 و راجع ص 75 و عن المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 191 و الثقات ج 2 ص 296 و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 130 و ج 13 ص 183 و ج 2 ص 266 و 268 و 275 و 276 و خصائص أمير المؤمنين للرضي ص 30 و ذخائر العقبى ص 110 و نزل الأبرار ص 57 و 61 و الرياض النضرة ج 3 ص 224 و 225 و البداية و النهاية ج 7 ص 280- 307 بطرق كثيرة جدا، و تذكرة الخواص ص 104 و المغازي للواقدي ج 3 ص 948 و 949 و المناقب للخوارزمي ص 182 و 183 و 185.
و تقدم أيضا التصريح: بأن عليا «عليه السلام» هو الذي يقتلهم، و قد قتلهم بالفعل. .
و المثير هنا: أننا نجد عمر بن الخطاب يبادر دائما إلى الإستئذان بقتل هذا، أو ذاك. . و بقلع أسنان ذلك. . ثم يواجه رفض النبي «صلى اللّه عليه و آله» لطلبه باستمرار، و يسمعه «صلى اللّه عليه و آله» نفس التعليل الذي تقدم ذكره.
و قد أشرنا إلى ذلك في أواخر غزوة أحد، فراجعها في هذا الكتاب.
فهل كان عمر بن الخطاب ينسى ما يقوله له النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» فيعاود الطلب، و حتى يتكرر منه ذلك في مناسبات كثيرة، فيذكّره النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالقاعدة التي ينطلق منها؟ ! أم أن في
الأمر سرا آخر، لا يزال خافيا علينا؟ !
إننا نرجح هذا الإحتمال الأخير، إذ لم نعهد من عمر أنه كان شديد النسيان إلى هذا الحد، و قد حكم الناس حوالى عقد من الزمن، و لم يظهر عليه شيء من ذلك طيلة كل السنين! !
و قد تقدم في بعض الروايات: أن الخوارج يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما خرج السهم من الرمية.
و نقول:
إن كان المراد بالتعمق في الدين التشديد فيه حتى يتجاوز الحد (1)، كما قيل، و كما يظهر من الرواية عن الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» : إياكم و التعمق في الدين، فإن اللّه تعالى قد جعله سهلا، فخذوا منه ما تطيقون (2). فعو و إن كان المراد به التدقيق فيه، و إعمال أفكارهم و عقولهم، و استنباط ما لا يصح نسبته إليه، فقد روي عن أمير المؤمنين «عليه السلام» : الكفر على أربع دعائم: على التعمق و التنازع و الزيغ و الشقاق، فمن تعمق لم ينب إلى الحق. . (3).
1) راجع: فتح الباري ج 13 ص 233 و راجع: الثمر الداني للآبي ص 164.
2) الجامع الصغير للسيوطي ج 1 ص 452 و كنز العمال ج 3 ص 35 و فيض القدير ج 3 ص 173.
3) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 4 ص 9 و راجع: الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 342 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 271 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 105 و الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة للحر العاملي ص 46.
و عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ليتعمقن أقوام من هذه الأمة حتى يقول أحدهم: هذا اللّه خلقني، فمن خلقه» ؟ ! (1).
فالتعمق هو التكلف الحاصل بما لم يكلّف به الإنسان، و المبالغة في ذلك من غير برهان، سواء أكان الأمر عباديا أم عقيديا.
إن ذالك غير دقيق، فقد وصفتهم الروايات عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأوصاف لا تتلاءم مع التعمق في الدين، فهم: أحداث الأسنان، سفهاء، الأحلام (2).
1) المعجم الأوسط ج 9 ص 78 و راجع: مسند أحمد ج 2 ص 282 و 539 و صحيح مسلم ج 1 ص 85 و الديباج على مسلم ج 1 ص 149 و المصنف للصنعائي ج 11 ص 244 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 330 و كتاب السنة ص 292 و كنز العمال ج 1 ص 248.
2) راجع من المصادر المتقدمة: مسند أحمد، و المعجم الصغير ج 2 ص 100 و كشف الأستار ج 2 364 و كنز العمال ج 11 ص 128 و 129 و 179 و 181 و 299 و 204 و 206 و رمز له بما يلي: (ق، خ، د، ن، ج، ت، ه، ط، حم، أبو عوانة، ع، حب. عن علي، و الخطيب، و ابن عساكر، و الحكيم. و ابن جرير) ، و التنبيه و الرد ص 182. و راجع: تيسير الوصول ج 4 ص 32 عن الخمسة ما عدا الترمذي. و المغني لابن قدامة ج 10 ص 50 و الشرح الكبير ج 10 ص 50 و المحلى ج 11 ص 97 و نيل الأوطار ج 7 ص 338 و الإيضاح ص 49 و مناقب أمير المؤمنين للكوفي ص 330 و العمدة لابن البطريق ص 458 و 460 و البحار ج 33 ص 331 و 340 و الغدير ج 10 ص 54 و مسند أحمد ج 1 ص 81 و 113 و صحيح البخارى ج 4 ص 179 و ج 6 ص 115 و ج 8 ص 52 و صحيح مسلم (كتاب الزكاة) ج 3 ص 114 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 59 و سنن أبي داود ج 2 ص 429 و سنن النسائي ج 7 ص 119 و السنن الكبرى البيهقي ج 8 ص 170 و 188 و شرح مسلم للنووي ج 7 ص 169 و شرح سنن النسائي ج 7 ص 119 و عون المعبود ج 13 ص 80 و مسند أبي داود ص 24 و المصنف للصنعاني ج 10 ص 157 و مسند ابن الجعد ص 380 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 193 و ج 8 ص 729 و كتاب السنة لعمرو بن أبي عاصم ص 429 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 312 و خصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 140 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 226 و 273 و ج 9 ص 277 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 136 و المعجم الصغير ج 2 ص 100 و المعجم الأوسط ج 6 ص 186 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 267 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 532 و علل الدارقطني ج 3 ص 228 و سير أعلام النبلاء ج 18 ص 259 و البداية و النهاية ج 6 ص 242 و ج 7 ص 322 و كشف الغمة ج 1 ص 127 و دفع الشبه عن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» للحصني الدمشقي ص 81 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 131.
و عن علي «عليه السلام» : أنهم أخفاء الهام، سفهاء الأحلام (1).
و أنهم: يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم (2).
1) الموفقيات ص 327 و نهج البلاغة (تحقيق عبده) ج 1 ص 87 و البحار ج 33 ص 357 و نهج السعادة ج 2 ص 393 و ميزان الحكمة ج 1 ص 734 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 265 و تاريخ الأمم و الملوك ج 4 ص 63 و مصباح البلاغة للميرجهاني ج 1 ص 108 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 344 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 6 ص 272 و 366 و 370 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 32 ص 534.
2) راجع: مسند أحمد ج 5 ص 44 و 36 و المعيار و الموازنة ص 170 و كنز العمال ج 11 ص 180 و 294 و رمز له ب(حم. ق. ط. و ابن جرير) و مجمع الزوائد ج 6 ص 230 عن أحمد، و الطبراني، و البزار، و تاريخ بغداد ج 1 ص 160 و ج 3 ص 305 و فرائد السمطين ج 1 ص 277 و البداية و النهاية ج 7 ص 291 و نظم درر السمطين ص 116 و الإيضاح لابن شاذان ص 49 و مناقب أمير المؤمنين للكوفي ج 2 ص 326 و شرح الأخبار ج 1 ص 318 و ج 2 ص 43 و 61 و العمدة لابن البطريق ص 444 و 445 و 464 و البحار ج 18 ص 124 و ج 21 ص 173 و ج 33 ص 329 و 334 و 335 و 339 و الغدير ج 10 ص 54 و مسند أبي داود ص 24 و 124 و 303 و 350 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 377 و مسند الحميدي ج 2 ص 535 و مسند ابن الجعد ص 380 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 192 و 193 و ج 8 ص 729 و 730 و 738 و 739 و الأدب المفرد للبخاري ص 168 و الآحاد و المثاني ج 2 ص 264 و كتاب السنة لعمرو بن أبي عاصم ص 429 و 434 و 441 و 444 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 312 و ج 5 ص 32 و 159 و 161 و خصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 137 و 140 و 141 و 142 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 296 و 375 و ج 2 ص 298 و 409 و ج 5 ص 337 و 426 و المعجم الأوسط ج 3 ص 58 و ج 6 ص 187 و ج 9 ص 35 و المعجم الكبير ج 6 ص 91 و ج 8 ص 338 و مسند الشاميين ج 4 ص 15 و 49 و 74 و دلائل النبوة للأصبهاني ص 116 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 271 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 266 و فيض القدير ج 3 ص 425.
أو أنهم: يقرأون القرآن، و يحسبون أنه لهم و هو عليهم (1).
1) راجع: نيل الأوطار ج 7 ص 345 و 347 و الغدير ج 10 ص 275 و صحيح البخارى ج 4 ص 179 و ج 7 ص 111 و ج 8 ص 53 و صحيح مسلم ج 3 ص 113 و شرح مسلم للنووي ج 7 ص 166 و الديباج على مسلم ج 3 ص 160 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 141 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 266 و كنز العمال ج 11 ص 203 و تفسير الميزان ج 9 ص 319 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 16 ص 318 و الدر المنثور ج 3 ص 250 و فتح القدير ج 5 ص 64 و أسد الغابة ج 2 ص 140 و تهذيب الكمال ج 13 ص 264 و الجوهرة في نسب الإمام علي و آله ص 110 و البداية و النهاية ج 4 ص 417 و ج 6 ص 241 و ج 7 ص 309 و 333 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 688 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 405.
و قد صرحت الروايات المتقدمة: بأنهم يخرجون على حين فرقة من الناس (1).
و واضح: أن وجود الفرقة بين الناس يكون من دلائل عدم نضجها فكريا، أو دليل كثرة الطامحين و الطامعين في المواقع و المناصب، أو في الأموال و المكاسب. .
و لعل هذين العاملين معا قد أثرا في خروج الخوارج أيضا، فهم كانوا
1) راجع: نيل الأوطار ج 7 ص 338 و المجازات النبوية للشريف الرضي ص 355 و مسند أحمد ج 1 ص 92 و صحيح مسلم ج 3 ص 115 و سنن أبي داود ج 2 ص 429 و البداية و النهاية ج 7 ص 321 و كشف الغمة ج 1 ص 126 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 132 و العمدة لابن البطريق ص 463 و البحار ج 33 ص 329 و نهج السعادة ج 2 ص 373 و المصنف للصنعاني ج 10 ص 147 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 164 و خصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 144 و نظم درر السمطين ص 116 و كنز العمال ج 11 ص 142 و 294، و نزل الأبرار ص 60 و تيسير الوصول ج 4 ص 30 و الغدير ج 10 ص 54، و عن السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 170.
طامحين و طامعين، كما أن الناس الذين يتعاملون معهم، كانوا على درجة كبيرة من الجهل، و الفقر من الناحية الإيمانية، و الفكرية و الثقافية، فيسهل خداعهم بإظهار الصلاح و العبادة، و الدين و الزهادة، و تزيين الباطل لهم، و استفزاز مشاعرهم الساذجة بالشعارات الطنانة و العبارات الرنانة. . حتى لو كانت مخالفة لحقائق الدين، و مناقضة لاعتقادات، و لمنطلقات أهل الإيمان و اليقين. .
إن البعض، يريد أن يعتبر: أن هناك أكثر من حادثة جرت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مع الذي كان يحمل فكرة الخوارج و هو يقول: إن رواية ابن مسعود تتحدث عن رجل أنصاري، اسمه معتب بن بشير، و الروايات الأخرى تتحدث عن رجل تميمي، هو المخدج و ذو الثدية، و لم يكن أنصاريا. .
فيرد عليه:
أن هذا يؤيد ما نذهب إليه من أن الصحابة فيهم الأخيار و غيرهم كما صرح به القرآن الكريم. . لكن أتباع المذاهب الأخرى ينكرون ذلك، و يدّعون لهم العدالة التامة، و الإيمان الصحيح. . خصوصا البدريين منهم.
كما أنهم يقولون: إن معتب بن قشير، قد شهد بدرا و أحد و العقبة (1)،
1) الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 3 ص 462 و راجع: الإصابة ج 3 ص 443 و (ط دار الكتب العلمية) ج 6 ص 138 عن ابن إسحاق و أسد الغابة ج 4 ص 394 و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 463 و قاموس الرجال للتستري ج 10 ص 146 و مستدركات علم رجال الحديث ج 7 ص 452 و إكمال الكمال ج 7 ص 280 و مجمع الزوائد ج 1 ص 111 و المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 166 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 96 و تهذيب الكمال ج 5 ص 503 و عيون الأثر ج 2 ص 380.
فكيف يصح نسبة هذا الأمر الموجب للحكم بنفاقة إليه، و هم ينزهون أهل بدر عن نسبة النفاق إليهم؟ !
و أما احتمال أن يكون تميميا (1)أنصاريا، فهو أبعد، و أبعد. فإن الأنصار هم أهل المدينة الذين عاشوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يكن بنو تميم من أهلها. .
و قد أشار النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بيانه لحال ذي الخويصرة و أصحابه إلى: أن الناس يحقرون صلاتهم، مع صلاتهم، و صيامهم مع صيامهم. .
و لكن واقع هؤلاء هو: أنهم ليسوا من الدين في شيء، بل هم قد خرجوا منه خروج السهم في الرمية.
و هذا يؤكد حقيقة هامة، و هي أن على الناس أن لا يغتروا بالمظاهر، و أن يبحثوا عن واقع و حقيقة الإيمان لدى الأشخاص. .
كما أنه يعطي: أن على الإنسان المسلم أن يمتلك المعايير الصحيحة، و يعتمدها في التقييم، و اتخاذ المواقف، و إصدار الأحكام.
1) قد صرح بأنه كان تميميا في: تاريخ الخميس ج 2 ص 115 و غير ذلك.
و بذلك يصبح التدقيق في صحة المعايير المعتمدة ضرورة لا بد منها لكل مسلم، لكي لا يقع في المآزق، بسبب اعتماده معايير غير واقعية. .
كما أن هذه الحادثة قد أظهرت: أن التسليم المطلق للّه و لرسوله، و حقيقة الإعتقاد في الرسول، و في صفاته و ميزاته، و كيفية التعاطي معه، و طبيعة النظرة إليه، هي من تلك المعايير الصحيحة التي لا مجال للإغماض عنها في تقييم الآخرين، و معرفة مدى انسجامهم مع الأهداف الإلهية، و سلوكهم طريق السداد و الرشاد في حياتهم بصورة عامة.
و قد أظهر قوله «صلى اللّه عليه و آله» : معاذ اللّه أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي. . أحد المرتكزات الهامة في سياسة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» للناس، حيث إن مصلحة الإسلام العليا تقضي بالرفق بهم، و غمض العين عن كل هفوة تصدر عنهم، إذا كان المستهدف بها شخص الرسول الكريم «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن أكثر الناس، سواء في ذلك الذين يعيشون في زمنه «صلى اللّه عليه و آله» أو الذين يأتون بعده، سيكونون في معرض الخطر الشديد و الأكيد في اعتقاداتهم، حين يطرح أهل الأهواء هذه القضايا لهم من زاوية أنها قضايا شخصية، و أن منطلقات النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيها و دوافعه لا تختلف عن دوافع و منطلقات سائر الحكام و ملوك أهل الدنيا، الذين ديدنهم البطش بمن يحوم حول أشخاصهم في أية كلمة أو موقف.
و ربما يصورون لهم: أن التشريع الذي يحمي شخصية الرسول من أي
ظن أو تهمة، قد تضمن قدرا من المحاباة لشخصه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و بذلك تحدث ثغرة خطيرة في الجدار الإعتقادي الذي يفترض أن يكون هو الأقوى، و الأكثر صلابة و قدرة على مقاومة الشبهات المضعفة للإعتقاد بحقيقة النبوة و ميزاتها و خصائصها. . فكان أن أعطى اللّه لرسوله الكريم «صلى اللّه عليه و آله» فسحة في هذا المجال، رفقا منه تبارك و تعالى بالناس، و صيانة لإيمانهم، و أوكل أمر وعي التشريع، و بلورة حقائقه في وجدان الناس إلى حقب لا حقة، تتلاشى فيها جميع مبررات هذا الفهم الخاطئ.
قالوا: كان «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطى العباس بن مرداس أربعا (1)(و قيل أربعين (2)) من الإبل يوم حنين، فسخطها، و أنشد يقول:
أتجعل نهبي و نهب العبيد (3)بين عيينة و الأقرع
فما كان حصن و لا حابسيفوقان شيخي في المجمع
و ما كان (كنت) دون امرئ منهماو من تضع اليوم لا يرفع
فبلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، فاستحضره، و قال له: أنت القائل:
أتجعل نهبي و نهب العبيدبين عيينة و الأقرع
فقال له أبو بكر: بأبي أنت و أمي، لست بشاعر.
قال: و كيف؟ !
قال: قال: بين عيينة و الأقرع.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأمير المؤمنين «عليه السلام» : «قم-يا علي-إليه، فاقطع لسانه» .
قال: فقال العباس بن مرداس: فو اللّه، لهذه الكلمة كانت أشد علىّ من يوم خثعم، حين أتونا في ديارنا.
فأخذ بيدي علي بن أبي طالب، فانطلق بي، و لو أرى أحدا يخلصني منه لدعوته، فقلت: يا علي، إنك لقاطع لساني؟ !
قال: إني لممض فيك ما أمرت.
قال: ثم مضى بي، فقلت: يا علي، إنك لقاطع لساني.
قال: إني لممض فيك ما أمرت، فما زال بي حتى أدخلني الحظائر، فقال لي: اعتد ما بين أربع إلى مائة.
قال: قلت: بأبي أنتم و أمي، ما أكرمكم، و أحلمكم، و أعلمكم! !
قال: فقال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أعطاك أربعا، و جعلك مع المهاجرين. فإن شئت فخذ المائة، و كن مع أهل المائة.
قال: قلت: أشر علي.
قال: فإني آمرك أن تأخذ ما أعطاك، و ترضى.
قلت: فإني أفعل (1).
1) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 146-148 و البحار ج 21 ص 160 و 161 و 170 و 171 و إعلام الورى ص 125 و (ط مؤسسة أهل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 237 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 398 و 399 و السيرة الحلبية ج 3 ص 120 و عن دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 181 و كشف الغمة ج 1 ص 225 و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 272 و تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 415 و أعيان الشيعة ج 1 ص 281.
و ذكروا في توضيح ما جرى: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما قال: اقطعوا عني لسانه، قام عمر بن الخطاب، فأهوى إلى شفرة كانت في وسطه ليسلها، فيقطع بها لسانه.
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأمير المؤمنين «عليه السلام» : قم أنت فاقطع لسانه، أو كما قال (1).
و في نص آخر: فقال أبو بكر: بأبي أنت و أمي، لم يقل كذلك، و لا و اللّه ما أنت بشاعر، و ما ينبغي لك، و ما أنت براوية.
قال: فكيف قال؟
فأنشده أبو بكر.
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : اقطعوا عني لسانه.
ففزع منها ناس، و قالوا: أمر بالعباس بن مرداس أن يمثل به، و إنما أراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بقوله: اقطعوا عني لسانه، أي يقطعوه بالعطية من الشاء و الغنم (2).
و قد ذكروا كذلك: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسل إليه بحلة (1).
و في رواية: فأتم له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ماءة (2).
و الظاهر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطاه ذلك مكافأة له، لقبوله ما عرضه عليه أمير المؤمنين علي «عليه السلام» .
و نقول:
إن لنا هنا بيانات عديدة، نذكر منها:
ذكر السهيلي: أن تقديم النبي «صلى اللّه عليه و آله» للأقرع على عيينة بالذكر كان مقصودا، و هو الأفصح لسببين:
أحدهما: أنه مقدم عليه في الرتبة، لأنه من خندف، ثم من تميم، فهو أقرب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» من عيينة.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 399 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 272 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 425.
2) صحيح مسلم ج 3 ص 108 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 17 و مسند الحميدي ج 1 ص 200 و معرفة السنن و الآثار ج 5 ص 199 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 271 و كنز العمال ج 10 ص 543 و تفسير البغوي ج 2 ص 280 و تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 413 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 602 و البداية و النهاية ج 4 ص 412 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 680 و السيرة الحلبية ج 3 ص 120 و (ط دار المعرفة) ص 84 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 399 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 48.
الثاني: أن الأقرع قد حسن إسلامه. أما عينية، فلم يزل معدودا في أهل الجفاء، حتى ارتد و آمن بطلحة، و أخذ أسيرا، فجعل الصبيان يقولون له: ويحك يا عدو اللّه، ارتددت بعد إيمانك.
فيقول: و اللّه ما كنت آمنت.
ثم أسلم في الظاهر، و لم يزل جافيا أحمق حتى مات.
و قد سماه النبي «صلى اللّه عليه و آله» : الأحمق المطاع.
و قد نزل به عمرو بن معد يكرب ضيفا، فعرض عليه الخمر، فقال: أليست محرمة في القرآن؟ !
فقال عينية: إنما قال: فهل أنتم منتهون؟
فقلنا نحن: لا. فشربا (1).
و زعمت بعض المرويات: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لأبي بكر: «اقطع لسانه عني، و اعطه مائة» (2).
فأولا: إنهم ذكروا: أن العباس بن مرداس توهم: أنه يريد قطع لسانه بالفعل (3)،
1) الروض الأنف ج 4 ص 168.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 120 و (ط دار المعرفة) ص 84 عن الكشاف، و تفسير أبي السعود ج 5 ص 169 و تفسير الآلوسي ج 15 ص 65.
3) السيرة الحلبية ج 3 ص 120 و (ط دار المعرفة) ص 84 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 146-148 و كنز العمال ج 10 ص 517 و إعلام الورى ص 125 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 237 و البحار ج 21 ص 160 و 161 و 170 و 171 و تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 413 و أعيان الشيعة ج 1 ص 281.
و ظن ذلك ناس آخرون أيضا (1). فلو كان «صلى اللّه عليه و آله» قد أمره بأن يعطيه مائة من الإبل، فلما ذا يتوهم هو، و يتوهم غيره بأنه قد أمر بقطع لسانه على الحقيقة؟ !
ثانيا: إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يرى: أن أبا بكر لم يستطع أن يميز بين ما هو أفصح من القول، و هو ما اختاره النبي «صلى اللّه عليه و آله» في التعبير عن مقاصده، فهل يأمن عليه أن يخطئ في فهم قوله: «اقطع عني لسانه» ، فيبادر إلى قطع لسانه على الحقيقة؟ !
ثالثا: إن وحدة الحال التي كانت قائمة بين أبي بكر و بين عمر بن الخطاب لربما تدعوه إلى أن يفسح المجال لرفيقه و صديقه عمر بن الخطاب لكي يبادر إلى قطع لسان الرجل بشفرته التي أهوى إليها ليسلها من وسطه. . و لسوف لن ينفع الأسف و الندم بعد ذلك. .
و لا شك في: أنه لا يجوز لأحد أن يخيف أحدا بلا سبب يرضاه اللّه تعالى. . فكيف يمكن تفسير إقدام النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و علي أمير المؤمنين «عليه السلام» على إخافة عباس بن مرداس. حتى إن كلمة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» كانت أشد عليه من يوم خثعم حين أتوهم في ديارهم؟ !
بل إن عليا «عليه السلام» قد أمعن في ذلك حين سأله عباس بن
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 120 و (ط دار المعرفة) ص 84 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 399.
مرداس مرتين عن هذا الأمر، فأكده له بقوله: إني ممض فيك ما أمرت! !
و نجيب:
أولا: إن المحرّم هو: المبادرة إلى فعل أمر من شأنه أن يخيف الناس، أما لو فعل الإنسان ما هو حلال له، فتوهم متوهم و وقع في الخوف، بسبب قلة تدبره، أو لأجل أنه سمع الكلام بصورة خاطئة، أو فسره بطريقة خاطئة، فلا يدخل هذا في دائرة الحرام، بل إن على ذلك المتوهم نفسه، أن يفهم الأمر بصورة صحيحة أو أن يدقق فيما يسمعه، و يتدبر فيه.
و ما نحن فيه من هذا القبيل، فإن عباس بن مرداس لم يحسن فهم الكلام الذي سمعه. . لا استفادة من الضوابط التي تعينه على فهم المقاصد بصورة صحيحة. فهو الذي أوقع نفسه في هذا الخوف بلا مبرر.
ثانيا: إن المطلوب من المتكلم هو: أن يفهم مقاصده لمن يوجه إليه خطابه بالكلام تارة، و بالإشارة أخرى، بالطريقة التي يعرف أنه يفهمها، و لا يقع في الإشتباه فيها، و ربما تكون هناك لغة، أو رموز، و مصطلحات خاصة بهما، لا يعرفها غيرهما. .
و لا يطلب منه أن يفهم الآخرين شيئا من ذلك، فقد يفهمون منه شيئا، و قد يعجزون. .
بل قد يكون عدم إفهام من حوله لمقاصده، و تعمية الأمور عليهم مقصودا له أيضا. . فإن أخطأوا في الفهم، فهو لا يتحمل أية مسؤولية تجاههم، لأنه لم يوجه الخطاب إليهم. .
و هذا هو حال عباس بن مرداس، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يوجه إليه خطابا، بل وجه الخطاب لعلي «عليه السلام» .
و لأجل ذلك نلاحظ: أنه لما سأل عباس بن مرداس عليا «عليه السلام» : إن كان سينفذ أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ أجابه «عليه السلام» بالإيجاب، و لم يزد على ذلك.
و قد كان جوابه دقيقا، لا يتضمن تخويفا و لا تطمينا أيضا. . لكي تحصل المفاجأة لابن مرداس، و ينقلب الخوف و الغم و الهم سعادة و فرحا و ابتهاجا، و شعورا بالإمتنان للّه و لرسوله. .
و تأتي نصيحة أمير المؤمنين «عليه السلام» لابن مرداس لتكون إسهاما في تكامل هذا الرجل روحيا، و تعميق شعوره بالكرامة و بالقيمة الإنسانية، و ليصبح معيار الربح و الخسارة عنده ليس هو الحصول على الأموال، و المناصب، بل هو الحصول على الميزات الروحية و الإيمانية، و السابقة في الدين، و التحلي بالشيم و الميزات الإنسانية.
و قد رسمت مشورة علي «عليه السلام» لابن مرداس حدودا أظهرت له: أن ثمة نوعان من الناس، هم:
أهل الهجرة و السابقة، و الجهاد، و التضحية بالمال، و النفس، و الولد، و التخلي عن الأوطان، و عن الأهل و العشيرة من أجل دينهم، و حفظ إيمانهم.
و يقابلهم: أهل الطمع و طلاب الدنيا، الذين يقيسون الأمور بالأرقام و الأعداد.
و قد جاء رسم هذه الحدود له في نفس اللحظة التي انفتحت فيها بصيرته على معنى القيمة، حين ساقته تحولات الأمور معه إلى أن يلهج بالقول:
«بأبي أنتم و أمي، ما أكرمكم، و أحلمكم، و أعلمكم. .» ! !
فوجد نفسه أمام كرم لا يضاهى، و تجلى بهذا العطاء الجليل. .
و أمام حلم لا يجارى، حيث اعترض على من دانت له العرب، و لم تقصر همته عن مناهضة العجم، و لم يجد إلا الخلق الرضى، و إلا السماح، و السماحة، و الحلم و النبل، و كمال الرصانة و العقل، و العفو، و العدل. .
فقد استدعاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و سأله سؤالا واحدا، و لم ينتظر منه جوابا، بل بادر إلى اتخاذ القرار الحاسم بحقه.
و لكنه لم يكن قرار ملك أو جبار، بل كان قرار الرحمة و الرضا، و الكرم، و الحلم.
و وجد نفسه كذلك أمام علم لا يوصف، اضطره إلى البخوع و التسليم، و طلب المشورة من علي «عليه السلام» بالذات، فجاءته مشورته الصادقة، فلم يجد حرجا من العمل و الإلتزام بها. .
قد رأينا: أن عمر بن الخطاب قد أخطأ في فهم أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حق عباس بن مرداس، و لو فسح له المجال لارتكب جريمة كبرى في حق ذلك الرجل المسكين، مع أن ما نطق به «صلى اللّه عليه و آله» لا يعدو كونه كلاما عربيا فصيحا واضحا، و لم يتكلم باللغة الهندية، و لا السنسكريتية.
و قد بادر عمر إلى سلّ شفرته من وسطه، رغم أن الأمر لم يوجه إليه، و لا طلب منه شيء مما يهم بالأقدام عليه. . و لو لا أن النبي «صلى اللّه عليه
و آله» تدارك الأمر، و خص عليا «عليه السلام» بالتكليف بإنجاز المهمة، لحلت المصيبة بالرجل. .
و اللافت: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في كلامه، لم يعدّل و لم يقدّم لعلي «عليه السلام» أية توضيحات، بل اكتفى بنفس الكلام الصادر عنه أولا، فذهب علي «عليه السلام» بالرجل، و أنجز المهمة، و لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» معهما، ليأخذ على يد علي «عليه السلام» لو أخطأ في فهم ما طلب منه. .
و هذا يدل على: ثقة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بفهم أمير المؤمنين «عليه السلام» لمقاصده، و مراميه. . رغم ظهور خطأ غيره في فهمها. .
إذن. . فمن أولى بخلافة النبي «صلى اللّه عليه و آله» من بعده؟ !
هل هذا العالم بمقاصد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أم غيره؟ !
فإن كان «عليه السلام» قد عرف بمراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» من خلال فهمه لمقاصد اللغة، و ضوابطها، فذلك يحتم استخلافه هو، دون ذلك الذي يخطئ في فهم لغة العرب، و لا يعرف مراميها، و أساليبها، و ضوابطها. .
و إن كان قد عرف ذلك من خلال إسرار الرسول «صلى اللّه عليه و آله» إليه بمقاصده، و لم يسرّ بذلك إلى غيره، فمن يكون موضع سر النبي «صلى اللّه عليه و آله» يكون هو الأولى بخلافته من بعده. .
على أن ثمة أمرا آخر يحسن لفت التنبه إليه، و هو: أنه إذا كان عمر يخطئ في فهم هذا الكلام العربي المبين، أو يعجز عن فهمه، فما بالك بدقائق المعاني القرآنية، و المفاهيم و الحقائق العالية التي بينها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . مما يحتاج إلى المزيد من التأمل و التدقيق، و البحث و التحقيق؟ !
و نفس هذا الكلام ينسحب على أبي بكر، الذي لم يستطع التمييز بين الأفصح و غيره، حتى جاء السهيلي أو غيره ليوضح له الفرق بين كلام ابن مرداس، و كلام الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ! ! .
عن حكيم بن حزام قال: سألت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بحنين مائة من الإبل، فأعطانيها.
ثم سألته مائة من الإبل فأعطانيها.
ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا حكيم، إن هذا المال حلوة خضرة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، و من أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، و كان كالذي يأكل و لا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى، و ابدأ بمن تعول.
فقال: و الذي بعثك بالحق، لا أرزأ أحدا بعدك شيئا.
فكان عمر بن الخطاب يدعوه إلى عطائه، فيأبى أن يأخذه، فيقول عمر: أيها الناس، أشهدكم على حكيم بن حزام، أدعوه إلى عطائه فيأبى أن يأخذه (1).
نعم. . هكذا يتأنقون في صياغة الفضائل للمؤلفة قلوبهم، حتى من هو مثل حكيم بن حزام، الرجل الذي لم يف بما وعد به رسول اللّه «صلى اللّه
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 397 عن البخاري، و مسلم، و الواقدي، و اللفظ له، و قال في هامشه: أخرجه البخاري (1472) . و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 119 و تاريخ مدينة دمشق ج 15 ص 110 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 9 ص 298.
عليه و آله» ، من أنه سوف لا يرزأ أحدا بعده شيئا، فإنه صار يصادر أرزاق الناس، و يحتكر جميع الطعام الذي يدخل المدينة، حتى في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و قد بلغ الأمر إلى حد: «أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يأذن لحكيم بن حزام في تجارته حتى ضمن له إقالة النادم، و إنظار المعسر، و أخذ الحق وافيا و غير واف» (2).
و كل ذلك يدلك على نضوب العاطفة الإنسانية لدى هذا الرجل، و على الجفاف الروحي، و انعدام الرحمة في قلبه.
و لكن لا بد من منحه الأوسمة الفخمة، لأنه كان عثمانيا متصلبا، و قد
1) قاموس الرجال ج 3 ص 630 و الكافي ج 5 ص 165 و نهاية الإحكام ج 2 ص 513 و الحدائق الناضرة ج 18 ص 66 و مستند الشيعة ج 14 ص 46 و كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري ج 4 ص 364 و جامع المدارك ج 3 ص 140 و التوحيد للشيخ الصدوق ص 389 و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 266 و الإستبصار للشيخ الطوسي ج 3 ص 115 و ج 7 ص 160 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 17 ص 428 و (ط دار الإسلامية) ج 12 ص 316.
2) الكافي ج 5 ص 151 و تهذيب الأحكام ج 7 ص 5 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 12 ص 286 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 17 ص 386 و جامع أحاديث الشيعة ج 18 ص 46 و 309 و تذكرة الفقهاء (ط. ج) ج 12 ص 179 و (ط. ق) ج 1 ص 586 و الحدائق الناضرة ج 18 ص 29 و جامع المدارك ج 3 ص 133 و 396 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 2 ص 114 و فقه القرآن للقطب الراوندي ج 2 ص 57.
تلكأ عن بيعة علي «عليه السلام» (1).
و قد جاء كلام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لحكيم، بعد أن ظهر لكل أحد مدى اهتمامه بالمال، من خلال طلباته المتكررة، الهادفة للإستئثار لنفسه بمال كان يمكن أن يشاركه فيه الكثيرون من الفقراء و المعدمين.
و مهما يكن من أمر، فإن هذا الرجل كان من المؤلفة قلوبهم، و قد أسلم عام الفتح، و كان له قبل ذلك دور ظاهر في تأييد مسيرة الشرك في مكة. . بصورة عامة.
عن صفوان قال: ما زال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعطيني من غنائم حنين، و هو أبغض الخلق إلي، حتى ما خلق اللّه تعالى شيئا هو أحب إلي منه (2).
و في صحيح مسلم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أعطاه مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة (3).
1) قاموس الرجال ج 3 ص 629.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 398 و ج 12 ص 14 عن البخاري، و البداية و النهاية ج 4 ص 414 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 683 و مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ص 119 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 159 و راجع: أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 465 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 379 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 449 و تاريخ مدينة دمشق ج 24 ص 115 و 116.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 398 عن صحيح مسلم ج 2 ص 737.
و يقال: إن صفوان طاف مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يتصفح الغنائم، إذ مر بشعب مملوء إبلا مما أفاء اللّه به على رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، فيه غنم و إبل، و رعاؤها مملوء، فأعجب صفوان، و جعل ينظر إليه.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب؟
قال: نعم.
قال: هو لك بما فيه.
فقال صفوان: أشهد أنك رسول اللّه، ما طابت بهذا نفس أحد قط إلا نبي (1).
و نقول:
لقد ظهرت معجزات كثيرة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و وضحت دلائله لكل أحد، و لم يزل يتوالى ظهورها لهم-و صفوان منهم-منذ أكثر من عشرين سنة.
و من معجزاته و دلائله «صلى اللّه عليه و آله» : القرآن العظيم، و كثير من المعجزات الحسية، مثل: شق القمر، و تسبيح الحصى بين يديه، و نبع الماء من بين أصابعه و طاعة الجمادات له.
و منها أيضا: إخباره بالغائبات، و انتصاره على المشركين، و تأييد اللّه له في بدر، و في أحد، و الخندق، و خيبر، حتى إن وصيه يقتلع باب أحد حصونها بيد
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 398 عن الواقدي. و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 24 ص 105 و 115 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 2 ص 29 و ج 9 ص 298 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 2 ص 720.
واحدة. . و غير ذلك. .
و كل ذلك لا يدعو صفوان بن أمية للإيمان، و لا يفتح بصره و بصيرته على الحق، كما لا تقنعه البراهين، و الحجج العقلية و الفطرية و سواها: بأن محمدا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و يقنعه فقط: أن يعطيه «صلى اللّه عليه و آله» هذا المقدار من الإبل، فيرى فيه دلالة على النبوة، و الإرتباط باللّه تبارك و تعالى. .
فتبارك اللّه أحسن الخالقين! ! .
و يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أعطى اثني عشر رجلا مائة من الإبل، و هم: أبو سفيان بن حرب، و معاوية بن أبي سفيان، و حكيم بن حزام، و الحارث بن الحارث بن كلدة العبدري، و الحارث بن هشام بن المغيرة، و سهيل بن عمرو، و صفوان بن أمية، و حويطب بن عبد العزى، و العلاء بن حارثة الثقفي، و مالك بن عوف، و عيينة بن حصن، و الأقرع بن حابس. و أعطى الباقين ما دون ذلك (1).
و قال الصالحي الشامي ما ملخصه:
قال ابن إسحاق: أعطى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المؤلفة قلوبهم، و كانوا أشرافا من أشراف العرب، يتألفهم، و يتألف بهم قومهم.
قال محمد بن عمر، و ابن سعد: بدأ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالأموال فقسمها، و أعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس.
قلت: فمنهم من أعطاه مائة بعير و أكثر، و منهم من أعطاه خمسين، و جميع ذلك يزيد على الخمسين، و قد ذكرهم أبو الفرج ابن الجوزي في التلقيح، و ابن
1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 63.
طاهر في مبهماته، و الحافظ في الفتح، و البرهان الحلبي في النور، و هو أحسنهم سياقا، و أكثرهم عددا. و عند كل منهم ما ليس عند الآخر، و لم يتعرض أحد منهم لما أعطى كل واحد، و قد تعرض محمد بن عمر، و ابن سعد، و ابن إسحاق لبعض ذلك، كما سأنبه عليه، و هم:
أبي، و هو الأخنس بن شريق.
أحيحة بن أمية.
أسيد بن جارية الثقفي، أعطاه مائة.
الأقرع بن حابس التميمي، أعطاه مائة.
جبير بن مطعم.
الجد بن قيس السهميّ، كذا أورده التلقيح، و لم يذكره الحافظ في الفتح و لا في الإصابة، و إنما ذكره فيهما الجدّ بن قيس الأنصاري، و لم يتعرض لكونه من المؤلفة. و لم يذكر في النور أنه سهمي، أو أنصاري. فإن صح أنه سهمي فهو وارد على الإصابة.
الحارث بن الحرث بن كلدة أعطاه مائة.
الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، أعطاه مائة.
حاطب بن عبد العزى العامري.
حرملة بن هوذة بن ربيعة بن عمرو بن عامر العامري.
حكيم بن حزام بن خويلد، أعطاه مائة، ثم سأله مائة أخرى، فأعطاه إياها.
قال ابن أبي الزناد: أخذ حكيم المائة الأولى فقط و ترك الباقي.
حكيم بن طليق بن سفيان.
حويطب بن عبد العزى القرشي العامري، أعطاه مائة.
خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية.
خالد بن قيس السهمي.
خالد بن هوذة بن ربيعة بن عامر العامري.
خلف بن هشام، نقله في النور عن بعض مشايخه عن الصغاني، ثم قال في النور: أنا لا أعرفه في الصحابة.
قلت: لم يذكره الذهبي في التجريد، و لا الحافظ في الإصابة، فإن صح فهو وارد عليه.
و ذكر في العيون: رقيم بن ثابت بن ثعلبة، و تقدم: أنه استشهد بحنين، و اللّه أعلم.
زهير بن أبي أمية بن المغيرة، أخو أم المؤمنين أم سلمة.
زيد الخيل بن مهلهل الطائي، عزاه في الفتح لتلقيح ابن الجوزي، و لم أجده في نسختين.
السائب بن أبي السائب.
صيفي بن عائذ المخزومي.
سعيد بن يربوع بن عنكثة، أعطاه خمسين.
سفيان بن عبد الأسد المخزومي.
سهل بن عمرو بن عبد شمس العامري.
و أخوه سهيل بن عمرو، أعطاه مائة.
شيبة بن عثمان القرشي العبدري.
صفوان بن أمية الجمحي، أعطاه مائة.
طليق بن سفيان والد حكيم السابق.
العباس بن مرداس.
قال ابن إسحاق: أعطاه أباعر، و قال محمد بن عمر، و ابن سعد: أربعا من الإبل، فسخطها. . و ستأتي قصته. .
عبد الرحمن بن يربوع الثقفي.
عثمان بن وهب المخزومي. أعطاه خمسين.
عدي بن قيس بن حذافة السهمي. أعطاه خمسين.
عكرمة بن عامر العبدري.
عكرمة بن أبي جهل.
عمرو بن هشام، نقله في النور عن بعض مشايخه، عن ابن التين.
علقمة بن علاثة بن عوف.
عمرو بن الأهتم.
عمرو بن بعكك، أبو السنابل.
عمرو بن مرداس السلمي أخو عباس.
عمير بن وهب الجمحي، أعطاه خمسين.
العلاء بن جارية الثقفي أعطاه خمسين. و قال ابن إسحاق: مائة.
عيينة بن حصن الفزاري، أعطاه مائة.
قيس بن عدي السهمي، أعطاه مائة. كذا ذكره ابن إسحاق، و محمد بن عمر. و قال بعضهم: صوابه عدي بن قيس-على العكس-و قال الحافظ: هما واحد فانقلب؟ أم اثنان؟
قلت: و هو الظن، لاتفاق ابن إسحاق و الواقدي على ذلك.
قيس بن مخرمة بن المطب بن عبد مناف.
كعب بن الأخنس. نقله في النور عن بعض مشايخه، ثم قال: و لا أعرفه أنا.
قلت: لا ذكر له في التجريد، و لا في الإصابة.
لبيد بن ربيعة العامري.
مالك بن عوف النصرى، رأس هوازن، أعطاه مائة.
مخرمة بن نوفل الزهري، أعطاه خمسين.
مطيع بن الأسود القرشي العدوي.
معاوية بن أبي سفيان.
أبو سفيان صخر بن حرب، أعطاه مائة من الإبل، و أربعين أوقية فضة.
المغيرة بن الحارث، أبو سفيان القرشي الهاشمي.
النضير بن الحرث بن علقمة، أعطاه مائة من الإبل.
نوفل بن معاوية الكناني.
هشام بن عمرو القرشي العامري، أعطاه خمسين.
هشام بن الوليد المخزومي.
يزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب، أعطاه مائة بعير و أربعين أوقية.
أبو الجهم بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي.
أبو السنابل، اسمه عمرو، تقدم.
فهؤلاء بضع و خمسون رجلا (1).
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 396-400 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 119 فما بعدها و راجع: و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 153.
و كان أبو سفيان هو الذي طلب إعطاء و لديه، معاوية و يزيد. فلما أعطاهما «صلى اللّه عليه و آله» ، قال أبو سفيان: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، لأنت كريم في الحرب و السلم.
أو قال: لقد حاربتك فنعم المحارب كنت، و قد سالمتك فنعم المسالم أنت. هذا غاية الكرم، جزاك اللّه خيرا.
قالوا: ثم أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» زيد بن ثابت بإحضار الناس و الغنائم، ثم فضها على الناس فكانت سهامهم، لكل رجل أربع من الإبل، أو أربعون شاة، فإن كان فارسا أخذ اثنتي عشرة من الإبل، أو عشرين و مائة شاة، و إن كان معه أكثر من فرس واحد لم يسهم له (1).
و نقول:
لقد حاول بعضهم تسجيل بعض الإستفادات هنا، نذكر منها ما يلي:
1-لما منع اللّه سبحانه و تعالى الجيش غنائم مكة، فلم يغنموا منها ذهبا و لا فضة، و لا متاعا، و لا سبيا، و لا أرضا. و كانوا قد فتحوها بإيجاف الخيل و الركاب، و هم عشرة آلاف، و فيهم حاجة إلى ما يحتاجه الجيش من أسباب القوة، حرك اللّه سبحانه و تعالى قلوب المشركين في هوازن لحربهم، و قذف في قلب كبيرهم مالك بن عوف إخراج أموالهم، و نعمهم، و شابهم و شيبهم معهم، نزلا و كرامة، و ضيافة لحرب اللّه تعالى و جنده، و تمم تقديره تعالى بأن
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 401 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 153 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 31 و ج 6 ص 236 و 301.
أطمعهم في الظفر، و ألاح لهم مبادئ النصر، ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا.
و لو لم يقذف اللّه تعالى في قلب رئيسهم مالك بن عوف أن سوقهم معهم هو الصواب لكان الرأي ما أشار به دريد، فخالفه، فكان ذلك سببا لتصييرهم غنيمة للمسلمين.
فلما أنزل اللّه تعالى نصره على رسوله و أوليائه، و ردّت الغنائم لأهلها، و جرت فيها سهام اللّه تعالى و رسوله، قيل: لا حاجة لنا في دمائكم، و لا في نسائكم و ذراريكم، فأوحى اللّه تعالى إلى قلوبهم التوبة فجاؤوا مسلمين.
فقيل: من شكران إسلامكم و إتيانكم أن ترد عليكم نساؤكم و أبناؤكم و سبيكم، و إِنْ يَعْلَمِ اَللّٰهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّٰا أُخِذَ مِنْكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اَللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1).
2-اقتضت حكمة اللّه تعالى: أن غنائم الكفار لما حصلت قسمت على من لم يتمكن الإيمان من قلبه، من الطبع البشرى من محبة المال، فقسمه فيهم لتطمئن قلوبهم، و تجتمع على محبته، لأنها جبلت على حب من أحسن إليها، و منع أهل الجهاد من كبار المجاهدين، و رؤساء الأنصار، مع ظهور استحقاقهم لجميعها، لأنه لو قسم ذلك فيهم لكان مقصورا عليهم، بخلاف قسمه على المؤلفة، لأن فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم، فلما كان ذلك العطاء سببا لدخولهم في الإسلام، و لتقوية قلب من دخل إليه قبل، تبعهم من دونهم في الدخول، فكان ذلك مصلحة عظيمة.
3-ما وقع في قصة الأنصار، اعتذر رؤساؤهم بأن ذلك من بعض
1) الآية 70 من سورة الأنفال.
أتباعهم و أحداثهم، و لما شرح لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما خفي عليهم من الحكمة فيما صنعوا رجعوا مذعنين، و علموا: أن الغنيمة الحقيقية هي ما حصل لهم من عود رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى بلادهم.
فسلوا عن الشاة و البعير و السبايا بما حازوه من الفوز العظيم، و مجاورة النبي الكريم حيا و ميتا، و هذا دأب الحكيم يعطي كل أحد ما يناسبه.
4-رتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما منّ اللّه تعالى به على الأنصار على يديه من النعم ترتيبا بالغا، فبدأ بنعمة الإيمان التي لا يوازنها شيء من أمور الدنيا، و ثنى بنعمة الأمان، و هي أعظم من نعمة المال، لأن الأموال قد تبذل في تحصيلها و قد لا تحصل، فقد كانت الأنصار في غاية التنافر و التقاطع، لما وقع بينهم من حرب بعاث و غيرها، فزال ذلك بالإسلام كما قال تعالى: لَوْ أَنْفَقْتَ مٰا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً مٰا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ (1).
5-قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «لو لا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار» .
قال الخطابي: أراد بهذا الكلام: تأليف الأنصار، و استطابة نفوسهم، و الثناء عليهم في دينهم، حتى رضي أن يكون واحدا منهم لو لا ما منعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها.
و نسبة الإنسان تقع على وجوه: الولادة، و الإعتقادية، و البلادية، و الصناعية، و لا شك أنه لم يرد الإنتقال عن نسب آبائه، لأنه ممتنع قطعا، و أما الإعتقادي فلا معنى للإنتقال عنه، فلم يبق إلا القسمان الأخيران.
1) الآية 63 من سورة الأنفال.
و كانت المدينة دار الأنصار و الهجرة إليها أمرا واجبا، أي لو لا أن النسبة الهجرية لا يسعني تركها لانتسبت إلى داركم.
و قال القرطبي: معناه: لتسميت باسمكم، و انتسبت إليكم، لما كانوا يتناسبون بالحلف، لكن خصوصية الهجرة و ترتيبها سبقت فمنعت ما سوى ذلك، و هي أعلى و أشرف، فلا تبدل بغيرها (1).
عن أبي موسى الأشعري، قال: كنت عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو نازل بالجعرانة، بين مكة و المدينة-و معه بلال-فأتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أعرابي، فقال: ألا تنجزني ما وعدتني؟
فقال له: «أبشر» ! !
فقال: قد أكثرت علي من البشر.
فأقبل على أبي موسى و بلال كهيئة الغضبان، فقال: رد البشرى! ! فاقبلا أنتما.
قالا: قبلنا.
ثم دعا بقدح فغسل يديه و وجهه، و مج فيه، ثم قال: «اشربا منه، و أفرغا على وجوهكما و نحوركما، و أبشرا» .
فأخذا القدح، ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر: أن أفضلا لأمكما، فأفضلا منه طائفة (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 409 و 410 و فتح الباري ج 8 ص 42.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 401 عن البخاري، و راجع: صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 5 ص 103 و صحيح مسلم ج 7 ص 170 و فتح الباري (المقدمة) ص 163 و عمدة القاري ج 17 ص 306 و مسند أبي يعلى ج 13 ص 302 و صحيح ابن حبان ج 2 ص 318 و كنز العمال ج 13 ص 609 و تاريخ مدينة دمشق ج 32 ص 40 و 41 و البداية و النهاية ج 4 ص 413.
و نقول:
أولا: إن الجعرانة ليست بين مكة و المدينة، بل هي بين مكة و الطائف.
ثانيا: هل صحيح: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعد أعرابيا، و لا يفي بوعده؟ ! و أنه يكثر من البشارات له، دون أن يصل ذلك الأعرابي إلى شيء؟ !
ثالثا: إن هذا الحديث إنما رواه أبو موسى، و هو يجر النار إلى قرصه.
رابعا: لو صح هذا الحديث، فالمفروض هو أن تثمر البشارة النبوية لأبي موسى خيرا و صلاحا، و استقامة، يؤهله لاستقبال الكرامات الإلهية في الآخرة. و نحن لا نرى من أبي موسى إلا الإمعان في الإبتعاد عما يرضي اللّه و رسوله، خصوصا بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» .
و قد قال الإمام الحسن «عليه السّلام» عنه: إنه في قضية التحكيم قد حكم بالهوى دون القرآن (1).
و قد وصفته بعض الروايات عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : بالسامري (2).
و كتب إليه علي «عليه السّلام» : اعتزل عملنا يا ابن الحائك مدفوعا
مدحورا، فما هذا بأول يومنا منك، و إن لك فينا لهنات و هنات (1).
و الحديث عن أبي موسى طويل، و يمكن مراجعة طرف منه في ترجمته في كتاب قاموس الرجال للتستري و غيره.
خامسا: إن تصرف النبي «صلى اللّه عليه و آله» مع ذلك الأعرابي لا يلائم ما هو ثابت قطعا و معروف من أخلاقه الرضية و الكريمة، و الهادية إلى طريق الرشاد، بل هو تصرف غير مبرر، و يتسم بالإبهام، و تظهر عليه ملامح التشنج، و التسرع الغريب و المنفّر، و الغريب الأطوار الذي نجل عنه مقامه الشريف. .
قال بجير بن زهير بن أبي سلمى يذكر حنينا و الطائف و رميها بالمنجنيق:
كانت علالة يوم بطن حنينو غداة أو طاس و يوم الأبرق
جمعت باغواء هوازن جمعهافتبددوا كالطائر المتمزق
لم يمنعوا منا مقاما واحداإلا حبارهم و بطن الخندق
و لقد تعرضنا لكيما يخرجوافتحصنوا منا بباب مغلق
ترتد حسرانا إلى رجراجةشهباء تلمع بالمنايا فيلق
ملمومة خضراء لو قذفوا بهاحصنا لظل كأنه لم يخلق
1) مروج الذهب ج 2 ص 359 و راجع: نهج السعادة ج 4 ص 47 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 162 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السّلام» في الكتاب و السنة و التاريخ للريشهري ج 12 ص 44.
مشي الضراء على الهراس كأنناقدر تفرق في القياد و تلتقي
في كل سابغة إذا ما استحصنتكالنهي هبت ريحه المترقرق
جدل تمس فضولهن نعالنامن نسج داود و آل محرق (1)
و قال كعب بن مالك في مسير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الطائف:قضينا من تهامة كل ريبو خيبر ثم أجممنا السيوفا
نخبرها و لو نطقت لقالتقواطعهن دوسا أو ثقيفا
فلست بحاضن إن لم تروهابساحة داركم منا ألوفا
و ننتزع العروش ببطن وجو تصبح دوركم منكم خلوفا
و يأتيكم لنا سرعان خيليغادر خلفه جمعا كثيفا
إذا نزلوا بساحتكم سمعتملها مما أناخ بها رجيفا
بأيديهم قواضب مرهفاتيزدن المصطلين بها الحتوفا
كأمثال العقائق أخلفتهاقيون الهند لم تضرب كتيفا
تخال جدية الأبطال فيهاغداة الزحف جاديا مدوفا
أجدهم أليس لهم نصيحمن الأقوام كان بنا عريفا
يخبرهم بأنا قد جمعناعتاق الخيل و النجب الطروفا
و أنا قد أتيناهم بزحفيحيط بسور حصنهم صفوفا
رئيسهم النبي و كان صلبانقي القلب مصطبرا عزوفا
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 407 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 403 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 925 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 644.
رشيد الأمر ذا حكم و علمو حلم لم يكن نزقا خفيفا
نطيع نبينا و نطيع رباهو الرحمن كان بنا رؤوفا
فإن تلقوا إلينا السلم نقبلو نجعلكم لنا عضدا و ريفا
و إن تأبوا نجاهدكم و نصبرو لا يك أمرنا رعشا ضعيفا
نجالد ما بقينا أو تنيبواإلى الإسلام إذعانا مضيفا
نجاهد لا نبالي من لقيناأأهلكنا التلاد أم الطريفا
و كم من معشر ألوا عليناصميم الجذم منهم و الحليفا
أتونا لا يرون لهم كفاءفجذعنا المسامع و الانوفا
بكل مهند لين صقيلنسوقهم بها سوقا عنيفا
لأمر اللّه و الإسلام حتىيقوم الدين معتدلا حنيفا
و نفني اللات و العزى ووداو نسلبها القلائد و الشنوفا
فأمسوا قد أقروا و اطمأنواو من لا يمتنع يقبل خسوفا (1)
و عن داود بن الحصين قال: كان بشير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أهل المدينة بفتح اللّه تعالى عليه، و هزيمة هوازن، نهيك بن أوس
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 408 و 263 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 395 و 396 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 918 و 919 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 652 و 653 و أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 466 و 467.
الأشهلي، فخرج في ذلك اليوم ممسيا، فأخذ في أوطاس حتى خرج على غمرة، فإذا الناس يقولون: هزم محمد هزيمة لم يهزم هزيمة مثلها قط، و ظهر مالك بن عوف على عسكره.
قال: فقلت: الباطل يقولون، و اللّه، لقد ظفّر اللّه تعالى رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، و غنّمه نساءهم و أبناءهم.
قال: فلم أزل أطأ الخبر حتى انقطع بمعدن بني سليم، أو قريبا منها.
فقدمت المدينة، و قد سرت من أول أوطاس ثلاث ليال، و ما كنت أمسي على راحلتي أكثر مما كنت أركبها، فلما انتهيت إلى المصلى ناديت: أبشروا يا معشر المسلمين بسلامة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين، و لقد ظفّره اللّه تعالى بهوازن، و أوقع بهم، فسبى نساءهم، و غنم أموالهم، و تركت الغنائم في يديه تجمع.
فاجتمع الناس يحمدون اللّه تعالى على سلامة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين، ثم انتهيت إلى بيوت أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأخبرتهن، فحمدن اللّه تعالى على ذلك.
قال: و كانت الهزيمة الأولى التي هزم المسلمون ذهبت في كل وجه، حتى أكذب اللّه تعالى حديثهم (1).
و قالوا أيضا: إنتهى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الجعرانة ليلة
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 340 عن الواقدي.
الخميس، لخمس ليال خلون من ذي القعدة، فأقام بالجعرانة ثلاث عشرة ليلة.
و أمر ببقايا السبي، فحبس بمجنة، بناحية مر الظهران.
و الظاهر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما استبقى بعض المغنم ليتألف به من يلقاه من الأعراب بين مكة و المدينة.
فلما أراد الإنصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء، لا ثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلا، فأحرم بعمرة من المسجد الأقصى، الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى، و دخل مكة، فطاف، و سعى ماشيا، و حلق و رجع إلى الجعرانة من ليلته، و كأنه كان بائتا بها (1).
و استخلف عتاب ابن أسيد-كأمير-على مكة، و كان عمره حينئذ نيفا و عشرين سنة-و خلف معه معاذ بن جبل، و زاد بعضهم: أبا موسى الأشعري (2)يعلمان الناس القرآن و الفقه في الدين.
و ذكر عروة بن عقبة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خلف عتابا
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 406 عن الواقدي، و ابن سعد، و البداية و النهاية، و راجع: البحار ج 21 ص 174 و أعلام الورى ص 178 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 154.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 312 و 406 عن الواقدي و الحاكم و راجع: إعلام الورى ص 128 و تاريخ الخميس ج 2 ص 100 و البحار ج 21 ص 174 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 108 و راجع: العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 48 و 49 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 10 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 137 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278.
و معاذا بمكة، قبل خروجه إلى هوازن، ثم خلفهما حين رجع إلى المدينة (1).
قال ابن هشام: و بلغني عن زيد بن أسلم، أنه قال: لما استعمل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عتابا على مكة رزقه كل يوم درهما، فقام فخطب الناس فقال: أيها الناس، أجاع اللّه كبد من جاع على درهما، فقام فخطب الناس فقال: أيها الناس، أجاع اللّه كبد من جاع على درهم! ! فقد رزقني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» درهما كل يوم، فليست لي حاجة إلى أحد (2).
فلما فرغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أمره غدا يوم الخميس راجعا إلى المدينة، فسلك في وادي الجعرانة، حتى خرج على سرف، ثم أخذ في الطريق إلى مر الظهران، ثم إلى المدينة يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي القعدة فيما زعمه أبو عمرو المدني (3).
قال أبو عمرو: و كانت مدة غيبته «صلى اللّه عليه و آله» من حين خرج من المدينة إلى مكة فافتتحها، و واقع هوازن، و حارب أهل الطائف إلى أن رجع إلى المدينة شهرين و ستة عشر يوما (4).
و نقول:
1-إن ما ذكروه: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» أمر ببقايا السبي، فحبس بمجنة، بناحية مر الظهران، قد يكون غير دقيق، بملاحظة ما قدمناه: من أنه
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 406 و 407 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 422 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 697.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 407 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 422 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 697.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 407 عن الواقدي، و ابن سعد.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 407.
أطلق سراح السبي بشفاعة الشيماء، و وفد هوازن. .
إلا أن يدّعى: أن الذين أطلق سراحهم هم: خصوص سبي هوازن، دون سواها من سائر القبائل. .
و لكن هذا يبقى مجرد احتمال يحتاج إلى مؤيد، و شاهد. و لعل إطلاق كلامهم الشامل لجميع السبي، و كذلك ما ذكرناه من رغبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بإطلاق سبي حنين، لحكمة بالغة، ذكرناها فيما سبق يكفيان للتدليل على عدم صحة الإحتمال أيضا.
و ربما كان هناك بعض سبي، من بعض أحياء العرب، جاءت به السرايا المختلفة، و لم يمكن إرجاعهن إلى القبائل.
أو يكون المقصود بالسبي: الأسرى من الرجال، الذين لم يجدوا من يسعى في فك أسرهم.
2-و أما ما ذكر عن عتاب بن أسيد، و معاذ بن جبل، فقد تقدم بعض القول فيه في غزوة حنين، فلا نعيد. .
1-الفهرس الإجمالي
2-الفهرس التفصيلي
الباب الرابع: حرب أوطاس. . و حصار الطائف الفصل الأول: أوطاس في الحديث و التاريخ 9-34
الفصل الثاني: حصار الطائف 35-64
الفصل الثالث: المنجنيق في الطائف 65-88
الفصل الرابع: من أحداث أيام الحصار 89-106
الفصل الخامس: نهايات حرب الطائف 107-142
الفصل السادس: حقائق تجاهلوها 143-168
الباب الخامس: الأنصار. . و السبي و الغنائم الفصل الأول: الأسرى و السبايا أحداث و تفاصيل 171-234
الفصل الثاني: قبل قسمة الغنائم 235-260
الفصل الثالث: قسمة الغنائم و عتب الأنصار 261-288
الفصل الرابع: المستفيدون. . و المعترضون 289-322
الفصل الخامس: نهايات السفر الطويل. . إلى المدينة 323-346
الفهارس 347-355
الباب الرابع: حرب أوطاس. . و حصار الطائف الفصل الأول: أوطاس في الحديث و التاريخ رواياتهم عن أوطاس:11
قتل أبي عامر:13
أبو موسى يخلف أبا عامر:15
دعاء النبي صلّى اللّه عليه و آله لأبي عامر، و أبي موسى:16
إيضاحات:17
أبو موسى بطل شجاع! ! :17
من الذي ولى أبا موسى:20
أبو عامر على خيل الطلب:21
قتل دريد بن الصمة:22
خيل الطلب، و المبارزة، و قتل أبي عامر:23
دعاء النبي صلّى اللّه عليه و آله لأبي موسى:25
محاولة اغتيال الرسول صلّى اللّه عليه و آله:29
1-تشابه الأحداث:30
2-لا يطاع اللّه من حيث يعصى:31
3-في حنين، أم في أوطاس؟ ! :32
4-أين الحرس؟ !32
5-أسئلة تحتاج إلى أجوبة:33
الفصل الثاني: حصار الطائف غزوة الطائف بروايتهم:37
أحداث جرت في مسيرة النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى الطائف:41
بناء المسجد، و هدم حصن مالك:43
تغيير أسماء البقاع:44
جيوب لا بد من اقتلاعها:44
الإقادة من قاتل:45
قبر أبي رغال:46
بدء حصار الطائف:48
أبو سفيان يرغب في الجنة:50
نفاق عيينة بن حصن:51
ثواب من رمي بسهم:56
نداء: من نزل من العبيد فهو حر:57
رد الولاء:61
مغزى نداء الحرية:62
تعليم العبيد بعد عتقهم:63
الفصل الثالث: المنجنيق في الطائف رمي الطائف بالمنجنيق:67
إجراءات حربية أخرى:68
أعتدة حربية، و أساليب قتالية:69
توضيحات:71
المنجنيق. . و مشورة سلمان:71
ضرب العدو بما يعم إتلافه:74
قطع شجر الطائف:80
لأجل اللّه و الرحم:81
ليس المطلوب أكثر من الحصار:83
أبو بكر و تعبير الرؤيا:84
اللهم اهد ثقيفا، وائت بهم:86
الفصل الرابع: من أحداث أيام الحصار خولة تطلب الحلي من الطائف:91
عيينة بن حصن يمدح الأعداء:92
النبي يستشير في أمر الطائف:93
دخول المخنثين على النساء:93
الصحيح في القضية:104
دوافع الإساءة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:105
الفصل الخامس: نهايا حرب الطائف الرجوع عن حصار الطائف:109
لم يؤذن لنا في أهل الطائف:116
اعتراض عمر على من؟ ! :118
عمر بن الخطاب يكسر رجله! ! :119
إختبار القوى:119
نصر عبده:120
شهداء المسلمين في الطائف:121
ابن أبي بكر مع الشهداء:123
علي عليه السّلام يخطب عاتكة، و الحسين عليه السّلام يتزوجها:129
تزوجها بعد أن استفتى عليا عليه السّلام:131
عمر مغرم بالنساء:132
في الطريق من الطائف إلى الجعرانة:133
كتاب سراقة:135
الإقتصاص من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:137
إنفراج السدرة للنبي صلّى اللّه عليه و آله:139
الفصل السادس: حقائق تجاهلوها بداية:145
سرايا لم يذكرها المؤرخون! ! :145
1-سرايا لكسر الأصنام:146
2-سرية لمواجهة خيل لثقيف:147
3-سرية علي عليه السّلام إلى خثعم:148
أبو سفيان يبرر الهزيمة:152
إن قتلت فأنت على الناس:153
إن على كل رئيس حقا:153
مناجاة النبي صلّى اللّه عليه و آله لعلي عليه السّلام:154
محاولة إبطال أثر المناجاة:158
كتمان الأسماء للإيهام و الإبهام:159
تكرار المناجاة:160
تحركات، و تهديدات مؤثرة:161
أفعال أفصح من الأقوال:162
فك الحصار. . لتسهيل الإستسلام:165
الباب الخامس: الأنصار. . و السبي. . و الغنائم الفصل الأول: الأسرى و السبايا أحداث و تفاصيل السبايا و الغنائم:173
الأمين على السبايا:174
الأمين على الأنفال:175
غنائم حنين للنبي صلّى اللّه عليه و آله و علي عليه السّلام:178
المرونة في التعامل النبوي:179
نتائج ما سبق:180
الشيماء في محضر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:181
شفاعة الشيماء، و وفد هوازن بالسبايا:182
قائد هوازن يقدم، و يسلم:190
قيمة المرأة في الإسلام:192
هل قسمت نساء هوازن؟ ! :194
هل استجاب للوفد أم للشيماء؟ ! :195
منطق الأجلاف:195
النبي صلّى اللّه عليه و آله مهتم بإطلاق السبي:196
لماذا وهب نصيب بني هاشم؟ ! :198
ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم:199
وقفة مع إسلام مالك بن عوف:210
حليمة. . أو الشيماء؟ ! :211
قسوة بجاد:212
حديث أبي جرول:212
إنتظار الوفد:214
عيينة و العجوز:215
عمر يأمر بقتل أسيرين، و النبي صلّى اللّه عليه و آله يغضب:218
السبايا. . لم تقسم على الناس:220
اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة! ! :225
الفصل الثاني: قبل قسمة الغنائم روايات و نصوص:237
النبي صلّى اللّه عليه و آله أكثر قريش مالا:241
الشره و الحرص:243
ما ذا يظنون بالنبي صلّى اللّه عليه و آله؟ ! :243
ما لي إلا الخمس، و هو مردود عليكم:244
من أين أخذ الوبرة؟ ! :245
ما أرى أبرتك إلا ذهبت:246
عقيل ثبت في حنين:247
متى أخذ عقيل الإبرة؟ ! :248
الغلول: نار، و عار، و شنار:249
أما حقي فهو لك:250
التكبير على الأموات:250
من قتل قتيلا فله سلبه:251
بطولات أبي طلحة:257
هنات في حديث أبي قتادة:258
الفصل الثالث: قسمة الغنائم و عتب الأنصار الأنصار يعتبون. . و النبي صلّى اللّه عليه و آله يسترضيهم:263
ما أقبح هذا المنطق:272
أدب الأنصار:274
فحط اللّه نورهم:275
لا يجرؤ الأنصار على ادّعاء حق لهم:275
الرد العنيف على المشككين:276
أين أنت من ذلك يا سعد؟ ! :276
حوار الرسول صلّى اللّه عليه و آله مع الأنصار:277
الإستغفار للأنصار، و لأبنائهم:278
الأنصار كرشي و عيبتي:279
لماذا أعطى؟ و لماذا منع؟ ! :280
نتائج قسم غنائم حنين:284
من هم المؤلفة قلوبهم؟ ! :286
الفصل الرابع: المستفيدون. . و المعترضون. . إعتراض الخارجي:291
قصة أخرى:291
البقر من الغنائم:295
الخوارج في حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:295
عمر بن الخطاب هو المبادر دائما:299
الخوارج يتعمقون في الدين:300
يخرجون على حين فرقة من الناس:304
هل الخارجي كان من الأنصار؟ ! :305
الإغترار بالظواهر:306
لا يتحدث الناس: أني أقتل أصحابي:307
إقطع لسانه:308
قول النبي صلّى اللّه عليه و آله هو الأولى و الأفصح:311
من المأمور بقطع لسان ابن مرداس؟ ! :312
إخافة الناس حرام:313
مشورة علي عليه السّلام على ابن مرداس:315
شفرة عمر، و خلافة النبي صلّى اللّه عليه و آله:316
طمع حكيم بن حزام:318
يعطي صفوان بن أمية فيصير محبا:320
الفصل الخامس: نهايات السفر الطويل. . إلى المدينة. . حصيلة مجموعة عن المؤلفة قلوبهم:325
إستفادات نعرضها، و لا نتعرض لها 330
و سام لأبي موسى في الجعرانة! ! 333
بعض ما قيل من الشعر في هذه الغزوة 335
صدى الهزيمة. . و فرحة النصر 337
رجوع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى المدينة 338
الفهارس 343
1-الفهرس الإجمالي 345
2-الفهرس التفصيلي 347