ghaemiyeh.com
عنوان و نام پديدآور : الصحیح من سیره النبی الاعظم(ص)/ جعفرمرتضی العاملی
مشخصات نشر : سحرگاهان، ۱۴۱۹ق. = ۱۳۷۷.
مشخصات ظاهری : ج 35
شابک : ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل)
وضعیت فهرست نویسی : فیپا
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر در سالهای مختلف توسط ناشرین مختلف منتشر گردیده است.
يادداشت : افست از روی چاپ بیروت: دار السیره
يادداشت : جلد دهم: الفهارس
یادداشت : کتابنامه
موضوع : محمد (ص)، پیامبر اسلام، ۵۳ قبل از هجرت - ۱۱ق. -- سرگذشتنامه
موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.
رده بندی کنگره : BP۲۲/۹/ع۲ص۳ ۱۳۷۷
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۹۳
شماره کتابشناسی ملی : م۷۷-۱۵۹۲۹
محرر الرقمي: میثم حیدری
بسم الله الرحمن الرحیم
الصحيح من سيرة النبي الأعظم
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر
سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش
الجزء الثالث عشر
الفصل الأول: النصوص و الآثار
الفصل الثاني: نقد أسانيد حديث الإفك
الفصل الثالث: لا حافظة لكذوب تناقض الروايات
الفصل الرابع: عائشة في حديث الإفك
الفصل الخامس: شخصيات و مضامين غير معقولة
الفصل السادس: مفارقات تاريخية
الفصل السابع: القرآن. . و روايات الإفك
الفصل الثامن: نصوص غير معقولة في حديث الإفك
الفصل التاسع: نقاط ضعف أخرى في حديث الإفك
الفصل العاشر: الكيد السياسي في حديث الإفك
الفصل الحادي عشر: الإفك على مارية
الفصل الثاني عشر: قضية مارية بين الأخذ و الرد
الفصل الثالث عشر: نهاية المطاف في حديث الإفك
الفصل الرابع عشر: ما عشت أراك الدهر عجبا
و حيث إنهم يذكرون «حديث الإفك» في مناسبة غزوة المريسيع، فقد آثرنا أن نورده في نفس هذا المورد أيضا رغم اعتقادنا بأن الصحيح هو أنه قد حدث بعد ولادة إبراهيم ابن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من مارية.
و إنما ذكرناه هنا، لتيسير الوصول إليه على القارئ الكريم، فنقول:
إننا قبل أن ندخل في الحديث حول موضوع الإفك نذكر القارئ بالأمور التالية:
الأول: إن ما نذكره هنا، و إن كان يعتمد بصورة أساسية و كبيرة على كتابنا: «حديث الإفك» ، الذي كان قد صدر قبل أكثر من عشرين سنة. . إلا أن ما أجريناه من توضيحات، و تصحيحات، و استدراكات. . ثم ما نال مطالبه من تقليم و تطعيم. . قد جعل هذه الدراسة أكثر فائدة، و أوضح بيانا، و أدق مضمونا، و أعم فائدة، و لأجل ذلك كان لابد من إيرادها في سياق حديث السيرة النبوية الصحيحة. . و هكذا كان.
الثاني: إن علماءنا الأبرار، و هم جهابذة العلم، و الفكر و التحقيق يلتزمون و يؤكدون بإصرار بالغ على حقيقة: أن زوجة أي نبي من الأنبياء يمكن أن تكون كافرة كما ذكره اللّه سبحانه في سورة التحريم حين تعرض
لامرأتي نوح و لوط عليهما و على نبينا و آله الصلاة و السلام. و لكنها منزهة عن الفجور-و العياذ باللّه-بدون أدنى شبهة أو ريب.
و ذلك هو ما نريد أن يجعله القارئ الكريم نصب عينيه، و أن يلتزم به، و لا يفرط فيه.
فزوجات رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» إذن منزهات مبرءات من كل تهمة من هذا القبيل.
الثالث: إنه قد يظهر من كلمات بعض علمائنا الأبرار: أن ثمة تسالما على أن الإفك إنما كان على عائشة.
فقد سئل العلامة الحلي «رحمه اللّه» : «ما يقول سيدنا في قصة الإفك، و الآيات التي نزلت ببراءة المقذوفة، هل ذلك عند أصحابنا كان في عائشة، أم نقلوا: أن ذلك كان في غيرها من زوجات النبي صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! .
فأجاب: «ما عرفت لأحد من العلماء خلافا في أن المراد بها عائشة» (1).
و قال الشيخ المفيد: «و لا خلاف أن حسان كان ممن قذف عائشة، و جلده النبي «صلى اللّه عليه و آله» على قذفه» (2).
غير أننا نقول: أما بالنسبة لكلام العلامة الحلي «رحمه اللّه» . . فيحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون «رحمه اللّه» قد فهم من السؤال: أن الحديث هو عن
خصوص الإفك على زوجاته «صلى اللّه عليه و آله» ، فلا شأن لسراريه «صلى اللّه عليه و آله» . . فإذا كان يرى أن مارية كانت من السراري لا الزوجات فيصح له أن يقول: إنه لم يرد حديث سوى عن عائشة. .
الثاني: و هو الأقرب: أن يكون «رحمه اللّه» غير مطلع على صنوف الأحاديث حول الإفك الذي تعرضت له مارية القبطية. . و سيأتي شطر مما رواه الشيعة و السنة في ذلك. .
و لأجل ذلك قال: «ما عرفت لأحد الخ. .» . فنفى معرفته بذلك، و لم ينف وجوده. و هو إنما كان مهتما بالفقه و علم الكلام. . و ما إلى ذلك كما يظهر من ملاحظة تآليفه «رحمه اللّه» . .
و أما بالنسبة للشيخ المفيد، فإن من العلماء من اعتبر كلامه موجها لأهل السنة و وفق ما هو متسالم عليه عندهم، و ذلك إلزاما لهم بما يلزمون به أنفسهم.
و وجود الخلاف الذي ينفيه يحتم اللجوء إلى هذا الاحتمال، أو الإقرار بأنه هو الآخر لم يطلع على هذا الخلاف، بسبب عدم تقصيه و تتبعه للأقوال و للروايات. .
و أخيرا نقول: إنه لا ريب في عدم دقة كلام الشيخ المفيد، فقد اختلفت الأقوال في ضرب الإفكين و عدمه. . بل لقد أنكر قوم أن يكون حسان قد خاض في أمر الإفك من الأساس. . فلا معنى لقوله: لا خلاف أن حسانا كان ممن قذف عائشة الخ. . و ستأتي أقوالهم في ذلك في فصل: لا حافظة لكذوب و في غيره من الفصول إن شاء اللّه. . فانتظر. .
بسم اللّه الرحمن الرحيم إِنَّ اَلَّذِينَ جٰاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاٰ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اِكْتَسَبَ مِنَ اَلْإِثْمِ وَ اَلَّذِي تَوَلّٰى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذٰابٌ عَظِيمٌ، لَوْ لاٰ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَ قٰالُوا هٰذٰا إِفْكٌ مُبِينٌ، لَوْ لاٰ جٰاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدٰاءِ فَأُولٰئِكَ عِنْدَ اَللّٰهِ هُمُ اَلْكٰاذِبُونَ، وَ لَوْ لاٰ فَضْلُ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيمٰا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَ تَقُولُونَ بِأَفْوٰاهِكُمْ مٰا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَ هُوَ عِنْدَ اَللّٰهِ عَظِيمٌ، وَ لَوْ لاٰ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مٰا يَكُونُ لَنٰا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهٰذٰا سُبْحٰانَكَ هٰذٰا بُهْتٰانٌ عَظِيمٌ، يَعِظُكُمُ اَللّٰهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَ يُبَيِّنُ اَللّٰهُ لَكُمُ اَلْآيٰاتِ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، إِنَّ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اَلْفٰاحِشَةُ فِي اَلَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ اَللّٰهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ، وَ لَوْ لاٰ فَضْلُ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ وَ أَنَّ اَللّٰهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ، يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّبِعُوا خُطُوٰاتِ اَلشَّيْطٰانِ وَ مَنْ يَتَّبِعْ خُطُوٰاتِ اَلشَّيْطٰانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشٰاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ وَ لَوْ لاٰ فَضْلُ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ مٰا زَكىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ يُزَكِّي مَنْ يَشٰاءُ وَ اَللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وَ لاٰ يَأْتَلِ أُولُوا اَلْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ اَلسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي اَلْقُرْبىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينَ وَ اَلْمُهٰاجِرِينَ فِي
سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا أَ لاٰ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللّٰهُ لَكُمْ وَ اَللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، إِنَّ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ اَلْمُحْصَنٰاتِ اَلْغٰافِلاٰتِ اَلْمُؤْمِنٰاتِ لُعِنُوا فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ، يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اَللّٰهُ دِينَهُمُ اَلْحَقَّ وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلْحَقُّ اَلْمُبِينُ، اَلْخَبِيثٰاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ اَلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثٰاتِ وَ اَلطَّيِّبٰاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ اَلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبٰاتِ أُولٰئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمّٰا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (1).
صدق اللّه العلي العظيم
1) الآيات 11-26 من سورة النور.
إن الأولوية في إيراد النصوص ستكون لروايات كتب الصحاح، على أن تكون روايات صحيح البخاري هي الأساس في ذلك.
و سوف لا نتردد في إيراد ما ورد في سائر الكتب و المؤلفات، و ذلك ليمكن إعطاء صورة متكاملة و وافية، لما قيل و يقال من تفاصيل لهذا الحدث فنقول:
1-الرواية المشهورة و المعروفة، و التي أوردها أصحاب الصحاح و غيرهم. .
و هي. .
و النص للبخاري في كتاب التفسير من الصحيح: «حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث بن يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، و سعيد بن المسيب، و علقمة بن وقاص، و عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة رضي اللّه عنها زوج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرّأها اللّه مما قالوا. و كلّ حدثني طائفة من الحديث. و بعض حديثهم يصدّق بعضا، و إن كان بعضهم أوعى له من بعض. . الذي حدثني عروة عن عائشة زوج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قالت:
كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج سهمي، فخرجت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد ما نزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي، و أنزل فيه، فسرنا، حتى إذا فرغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من غزوته تلك و قفل، و دنونا من المدينة قافلين: آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فإذا عقد لي من جزع ظفار (1)قد انقطع، فالتمست عقدي، و حبسني ابتغاؤه.
و أقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت، و هم يحسبون أني فيه-و كان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن اللحم، إنما تأكل العلقة من الطعام (2)-فلم يستنكر القوم خفة الهودج الذي رفعوه، و كنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل و ساروا. .
فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم، و ليس بها داع و لا مجيب، فأممت منزلي الذي كنت فيه، و ظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي. فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني، فنمت. و كان صفوان بن المعطل السلمي، ثم الذكواني، من وراء الجيش، فأدلج (3)فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، و كان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، و اللّه ما
كلمني كلمة، و لا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته، فوطئ على يديها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة.
فهلك من هلك، و كان الذي تولّى الإفك عبد اللّه بن أبي بن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرا، و الناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، و لا أشعر بشيء من ذلك، و هو يريبني في وجعي. . أني لا أعرف من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل علي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيسلم، ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف، فذاك الذي يريبني، و لا أشعر حتى خرجت بعد ما نقهت، فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع (1)-و هو متبرزنا، و كنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، و ذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا. . و أمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط، فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا-.
فانطلقت أنا و أم مسطح-و هي ابنة أبي رهم بن عبد مناف، و أمها بنت صخر بن عامر، خالة أبي بكر، و ابنها مسطح بن أثاثة-فأقبلت أنا و أم مسطح قبل بيتي قد فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها (2)، فقالت: تعس مسطح.
فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرا؟ !
قالت: أي هنتاه (1)، أولم تسمعي ما قال؟
قالت: قلت: و ما قال؟ !
فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا على مرضي.
فلما رجعت بيتي، و دخل علي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -تعني سلم-ثم قال: كيف تيكم؟ !
فقلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ -قالت: و أنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما-قالت: فأذن لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فجئت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه، ما يتحدث الناس؟
قالت: يا بنية، هوّني عليك، فو اللّه لقلما كانت امرأة قط و ضيئة عند رجل يحبها، و لها ضرائر إلا كثرن عليها، قالت: فقلت: سبحان اللّه، و لقد تحدث الناس بهذا؟ !
قالت: فبكيت تلك الليلة، حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، و لا أكتحل بنوم، حتى أصبحت أبكي.
فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علي بن أبي طالب، و أسامة بن زيد رض حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة بن زيد، فأشار على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالذي يعلم من براءة أهله، و بالذي يعلم لهم في نفسه من الود، فقال: يا رسول اللّه، أهلك، و ما نعلم إلا خيرا.
و أما علي بن أبي طالب، فقال: يا رسول اللّه، لم يضيق اللّه عليك،
1) أي هنتاه: يا هذه، يا امرأة.
و النساء سواها كثير، و إن تسأل الجارية تصدقك.
قالت: فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بريرة فقال: أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك؟
قالت بريرة: لا و الذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا أغمصه عليها، أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله.
فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فاستعذر من عبد اللّه بن أبي بن سلول، قالت: فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو على المنبر: يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فو اللّه ما علمت على أهلي إلا خيرا، و لقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، و ما كان يدخل على أهلي إلا معي.
فقام سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: يا رسول اللّه أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، و إن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا ففعلنا أمرك.
قالت: فقام سعد بن عبادة، و هو سيد الخزرج، و كان قبل ذلك رجلا صالحا، و لكن احتملته الحمية، فقال لسعد: كذبت لعمرو اللّه، لا تقتله، و لا تقدر على قتله.
فقام أسيد بن حضير، و هو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمرو اللّه لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين.
فتثاور الحيان: الأوس و الخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا. و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قائم على المنبر، فلم يزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه
و آله» يخفضهم، حتى سكتوا و سكت.
قالت: فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، و لا أكتحل بنوم.
قالت: فأصبح أبواي عندي، و قد بكيت ليلتين و يوما، لا أكتحل بنوم، و لا يرقأ لي دمع، يظنان أن البكاء فالق كبدي.
قالت: فبينما هما جالسان عندي، و أنا أبكي، فاستأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها: فجلست تبكي معي.
قالت: فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسلم ثم جلس، قالت: و لم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، و قد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني.
قالت: فتشهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين جلس، ثم قال:
أما بعد: يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا و كذا، فإن كنت بريئة، فسيبرئك اللّه، و إن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه، و توبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب إلى اللّه تاب اللّه عليه.
قالت: فلما قضى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مقالته قلص (1)دمعي. حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيما قال.
قال: و اللّه، ما أدري ما أقول لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فقلت لأمي: أجيبي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فقالت: ما أدري ما أقول لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
1) أي انقبض.
قالت: فقلت-و أنا جارية حديثة السن، لا أقرأ كثيرا من القرآن-: إني و اللّه، لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث، حتى استقر في أنفسكم، و صدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة، و اللّه يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، و لئن اعترفت لكم بأمر و اللّه يعلم أني منه بريئة لتصدقني، و اللّه ما أجد لكم مثلا إلا قول أبي يوسف:
. . فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اَللّٰهُ اَلْمُسْتَعٰانُ عَلىٰ مٰا تَصِفُونَ (1).
قالت: ثم تحولت، فاضطجعت على فراشي.
قالت: و أنا حينئذ أعلم أني بريئة، و أن اللّه مبرئي ببراءتي، و لكن و اللّه ما كنت أظن أن اللّه منزل في شأني و حيا يتلى، و لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم اللّه فيّ بأمر يتلى، و لكن كنت أرجو أن يرى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في النوم رؤيا يبرئني اللّه بها.
قالت: فو اللّه، ما رام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، و هو في يوم شات، من ثقل القول الذي ينزل عليه، قالت: فلما سرّي عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، سرّي عنه و هو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها: يا عائشة، أما اللّه عز و جل فقد برأك، فقالت أمي: قومي إليه.
قالت: فقلت: و اللّه، لا أقوم إليه، و لا أحمد إلا اللّه عز و جل. و أنزل
1) الآية 18 من سورة يوسف.
اللّه: إِنَّ اَلَّذِينَ جٰاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاٰ تَحْسَبُوهُ. . (1). العشر آيات كلها.
فلما أنزل اللّه هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق-و كان ينفق على مسطح بن أثاثة، لقرابته منه و فقره-: و اللّه، لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد الذي قال لعائشة ما قال.
فأنزل اللّه: وَ لاٰ يَأْتَلِ أُولُوا اَلْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ اَلسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي اَلْقُرْبىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينَ وَ اَلْمُهٰاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا أَ لاٰ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللّٰهُ لَكُمْ وَ اَللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (2).
قال أبو بكر: بلى و اللّه، إني أحب أن يغفر اللّه لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، و قال: و اللّه، لا أنزعها منه أبدا.
قالت عائشة: و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يسأل زينب ابنة جحش عن أمري، فقال: يا زينب، ماذا علمت، أو رأيت؟ !
فقالت: يا رسول اللّه، أحمي سمعي و بصري، ما علمت إلا خيرا.
قالت: و هي التي كانت تساميني من أزواج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فعصمها اللّه بالورع، و طفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك.
و زاد البخاري في روايته في المغازي: بعد أن ذكر عروة: أنه لم يسم غير الأربعة: ابن أبي-متولي الكبر-، و حسان بن ثابت، و مسطح بن أثاثة،
و حمنة بنت جحش، في ناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة» ، ثم ذكر كراهية عائشة: أن يسب عندها حسان، و تقول: إنه الذي يقول:
فإن أبي و والده و عرضيلعرض محمد منكم و قاء
ثم ذكرت: ان الذي قيل له ما قيل، ليقول:
«سبحان اللّه، فو الذي نفسي بيده، ما كشفت من كنف أنثى قط، ثم قتل بعد ذلك في سبيل اللّه» (1).
1) راجع: صحيح البخاري كتاب التفسير ط سنة 1309 ه ج 3 ص 106-108 و ص 25-27 كتاب المغازي عن: عبد العزيز بن عبد اللّه، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، و في كتاب التوحيد ج 4 ص 196 ذكر قطعة منه بسند رواية التفسير و ذكر قطعة منه في كتاب الأيمان و النذور ج 4 ص 100 و قطعة منه في كتاب الجهاد ج 2 ص 97 و قطعة في آخر كتاب الاعتصام كلها بسند رواية المغازي ج 4 ص 174. و في كتاب الأيمان و النذور ج 4 ص 100 عن: الحجاج بن منهال، عن عبد اللّه بن عمر النميري، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري و ذكر قطعة منه بنفس هذا السند في كتاب التوحيد ج 4 ص 189 و قطعة في كتاب الشهادات ج 2 ص 64 عن حجاج، عن عبد اللّه بن عمر النميري، عن ثوبان. و عن الليث عن يونس. و ذكره بطوله في كتاب الشهادات ج 2 ص 67- 69 قال: حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود و أفهمني بعضه أحمد، حدثنا فليح بن سليمان، عن ابن شهاب. . و قال في آخره: و حدثنا فليح عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، و عبد اللّه بن الزبير مثله، و حدثنا فليح، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، و يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر مثله، و علقه في المغازي من طريق النعمان بن راشد عن الزهري. و أما مسلم فقد أخرجه في صحيحه ط سنة 1334 ه ج 8 ص 113-118 عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. . و عن يونس بن يزيد الأيلي، و فليح بن سليمان، عن الزهري، و صالح بن كيسان عنه أيضا، و سنده إلى الأخير هو: الحسن بن علي الحلواني و عبد بن حميد، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح الخ. . و في ج 7 ص 163 ذكر دفاعها عن حسان الذي كان ممن كثر عليها. و أخرجه أيضا: عبد الرزاق في المصنف ج 5 ص 410-419 و مسند أحمد ج 6 ص 194-198 و أسباب النزول للواحدي ص 182-185، و لم يذكر سؤاله «صلى اللّه عليه و آله» لزينب و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 297 و طبقات ابن سعد ج 3 قسم 2 ص 11 و مجمع الزاوئد ج 9 ص 229 و راجع: سنن البيهقي ج 7 ص 302 و الدر المنثور ج 5 ص 25 و 26 عن بعض من تقدم عن: عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و البيهقي في الشعب، و ليراجع أيضا تاريخ الخميس ج 1 ص 475،476، و أدخل فيها زيادات سوف نشير إليها. . و ذكر في فتح الباري ج 8 ص 343 و 344 و إرشاد الساري ج 4 ص 399: أن النسائي قد أخرجه أيضا: و لكنني لم أجد ذلك في سننه، و ذكر أيضا: أن ممن أخرج عن الزهري: أبو عوانة في صحيحه و الطبراني، من رواية: يحيى بن سعيد الأنصاري، و عبيد اللّه بن عمر العمري، و إسحاق بن راشد، و عطاء الخراساني، و عقيل، و ابن جريج، و أخرجه أبو عوانةأيضا من رواية محمد بن إسحاق، و بكر بن وائل، و معاوية بن يحيى، و حميد الأعرج، و عند أبي داود طرف من رواية حميد هذه، و عند الطبراني أيضا من رواية: زياد بن سعد، و ابن أبي عتيق، و صالح بن أبي الأخضر، و أفلح بن عبد اللّه بن المغيرة، و إسماعيل بن رافع، و يعقوب بن عطاء، و أخرجه ابن مردويه من رواية ابن عيينة، و عبد الرحمن بن إسحاق، كل هؤلاء عن الزهري و منهم من طوله و منهم من اختصره. و أخرج أبو داود من طريق وهب عن يونس طرفا منه في السنن، و ذكره الترمذي، عن يونس و معمر، و غيرهما معلقا عقب رواية هشام بن عروة، هذا ما ذكره العسقلاني. و الرواية موجودة أيضا في: حياة الصحابة ج 1 ص 605-611 و تفسير القرآن الكريم لابن كثير ج 3 ص 270 و مجمع الزوائد ج 9 ص 232 و البحار ج 20 ص 310 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 322-333 و 340-352 و الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 16 ص 14-19 و المعجم الكبير ج 23 ص 50-108 بأسانيد تنتهي إلى عائشة على وجه العموم و مجمع البيان ج 7 ص 130 و السيرة الحلبية ج 2 ص 292-309 مع تفصيلات كثيرة، و مغازي الواقدي ج 2 ص 426-435 الكامل لابن الأثير ج 2 ص 195-199 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 309-321 و البداية و النهاية ج 4 ص 160-163-و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 264-270 كلاهما عن السيرة، و جامع البيان ج 18 ص 71- 74 و في تفسير النيسابوري بهامش جامع البيان ج 18 ص 62 ملخص منه، و صفة الصفوة ج 2 ص 21-29 عن الصحيحين، و الترمذي في تفسير سورة النور برقم 3179 و الأوائل لأبي هلال العسكري ج 2 ص 168-170 إلى غير ذلك من كتب الحديث و التاريخ فإنه مما لا يمكن استقصاؤه، و فيما ذكرناه كفاية.
2-قال البخاري أيضا: و قال أبو أسامة، عن هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، عن عائشة، قالت:
لما ذكر من شأني الذي ذكر، و ما علمت به، قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيّ خطيبا، فتشهد، فحمد اللّه، و أثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أشيروا عليّ في أناس أبنو أهلي، و أيم اللّه، ما علمت على أهلي من سوء، و أبنوهم بمن و اللّه ما علمت عليه من سوء قط، و لا يدخل بيتي قط إلا و أنا حاضر، و لا غبت في سفر إلا غاب معي.
فقام سعد بن معاذ، فقال: ائذن لي يا رسول اللّه أن نضرب أعناقهم. و قام رجل من بني الخزرج، و كانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل، فقال: كذبت، أما و اللّه أن لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم، حتى تكاد أن يكون بين الأوس و الخزرج شر في المسجد، و ما علمت.
فلما كان مساء ذلك اليوم خرجت لبعض حاجتي، و معي أم مسطح، فعثرت، و قالت: تعس مسطح، فقلت لها: أي أم تسبّين ابنك؟ ! و سكتت.
ثم عثرت ثانية، فقالت: تعس مسطح.
فقلت لها: تسبّين ابنك؟ !
ثم عثرت ثالثة، فقالت: تعس مسطح. فانتهرتها، فقالت: و اللّه ما أسبّه إلا فيك.
فقلت: في أي شأني؟ !
قالت: فبقرت لي الحديث.
فقلت: و قد كان هذا؟
قالت: نعم و اللّه.
فرجعت إلى بيتي، كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلا و لا كثيرا، و وعكت، فقلت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أرسلني إلى بيت أبي.
فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار، فوجدت أم رومان في السفل، و أبا بكر فوق البيت يقرأ، فقالت أمي: ما جاء بك يا بنية؟
فأخبرتها، و ذكرت لها الحديث، و إذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني، فقالت: يا بنية، خفضي عليك الشأن، فإنه و اللّه لقلما كانت امرأة حسناء عند
رجل يحبها، لها ضرائر إلا حسدنها، و قيل فيها. و إذا هو لم يبلغ منها ما بلغ مني.
قلت: و قد علم به أبي؟
قالت: نعم.
قلت: و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟
قالت: نعم، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و استعبرت، و بكيت.
فسمع أبو بكر صوتي، و هو فوق البيت يقرأ، فنزل، فقال لأمي: ما شأنها؟ !
قالت: بلغها الذي ذكر من شأنها، ففاضت عيناه.
قال: أقسمت عليك أي بنية إلا رجعت إلى بيتك، فرجعت.
و لقد جاء رسول اللّه بيتي، فسأل عني خادمتي، فقالت: لا و اللّه ما علمت عليها عيبا، إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها، أو عجينها.
و انتهرها بعض أصحابه، فقال: أصدقي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى أسقطوا لها به.
فقالت: سبحان اللّه، و اللّه ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر.
و بلغ الأمر إلى ذلك الرجل الذي قيل له، فقال: سبحان اللّه، و اللّه ما كشفت كنف أنثى قط، قالت عائشة: فقتل شهيدا في سبيل اللّه.
قالت: و أصبح أبواي عندي، فلم يزالا حتى دخل عليّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد صلى العصر، ثم دخل، و قد اكتنفني أبواي عن يميني و عن شمالي، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا عائشة، إن كنت قارفت سوءا، أو ظلمت فتوبي إلى اللّه، فإن اللّه يقبل التوبة عن عباده.
قالت: و قد جاءت امرأة من الأنصار، فهي جالسة بالباب.
فقلت: ألا تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئا؟
فوعظ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فالتفتّ إلى أبي.
فقلت: أجبه.
قال: فماذا أقول؟
ثم إن الرواية تمضي في الحديث، بما يقرب من الرواية الأولى، مع اختلافات غير مهمة، إلا أنها تذكر: أنها التمست اسم يعقوب فلم تقدر عليه، و أن أبويها قالا لها: قومي إليه.
فقالت: «و اللّه لا أقوم إليه، و لا أحمده، و لا أحمدكما، و لكن أحمد اللّه عز و جل، الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه، فما أنكرتموه، و لا غيرتموه» .
و تمضي في الحديث إلى أن تقول: «إن الذي كان يتكلم فيه: مسطح، و حسان بن ثابت، و المنافق عبد اللّه بن أبي، و هو الذي كان يستوشيه، و يجمعه. و هو الذي تولى كبره منهم، هو و حمنة» .
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب (1).
1) ذكر الرواية بطولها: البخاري في كتاب التفسير ج 3 ص 108 و 109 و أشار إليها في الشهادات ج 2 ص 69 عن فليح بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، و في كتاب الإعتصام، من رواية محمد بن حرب، عن يحيى بن أبي زكريا، عن هشام الخ. . و وصلها مسلم إلى أبي أسامة، عن هشام عن أبيه في ج 8 ص 119 و الترمذي في جامعه ط الهند ج 4 ص 155 و 156 و أحمد في مسنده ج 6 ص 59 و 60 كلهم عن أبي أسامة، و في فتح الباري ج 8 ص 344: أن الطبري و الإسماعيلي أيضا قد أخرجاها عن أبي أسامة أيضا. و أخرجها أبو عوانة، و الطبراني من رواية حماد بن سلمة، و أبي أويس، و أبو عوانة، و ابن مردويه من رواية يونس بن بكير، و الدار قطني في الغرائب من رواية مالك، و أبو عوانة من رواية علي بن مهر، و سعيد بن أبي هلال. . كل هؤلاء رووا هذه الرواية عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. فتح الباري للعسقلاني كما قلنا. و ذكرها السيوطي في الدر المنثور ج 5 ص 26 و 27 عن البخاري، و الترمذي، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه. و ذكرها أيضا الطبري في تفسيره ج 18 ص 74-76 و في مسند أحمد ج 6 ص 103 قطعة من حديث الإفك عن أبي عوانة، عن عمر عن أبيه، عن عائشة. و راجع: المعجم الكبير ج 23 ص 108-111.
3-و النص للبخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن حصين، عن أبي وائل، قال: حدثني مسروق بن الأجدع، قال: حدثتني أم رومان-و هي أم عائشة-قالت: بينا أنا قاعدة، أنا و عائشة، إذا ولجت امرأة من الأنصار، فقالت: فعل اللّه بفلان و فعل.
فقالت أم رومان: و ما ذاك؟
قالت: ابني فيمن حدث الحديث.
قالت: و ما ذاك؟
قالت: كذا و كذا، قالت عائشة: سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟
قالت: نعم.
قالت: و أبو بكر؟
قالت: نعم، فخرت مغشيا عليها، فما أفاقت إلا و عليها حمى بنافض، فطرحت عليها، فغطيتها.
فجاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقال: ما شأن هذه؟
قلت: يا رسول اللّه أخذتها الحمى بنافض.
قال: فلعل في حديث تحدث به؟
قالت: نعم، فقعدت عائشة، فقالت: و اللّه، لئن حلفت لا تصدقوني، و لئن قلت لا تعذروني، مثلي و مثلكم كيعقوب و بنيه، و اللّه المستعان على ما تصفون.
قالت: و انصرف، و لم يقل شيئا، فأنزل اللّه عذرها، قالت: بحمد اللّه، لا بحمد أحد، و لا بحمدك.
و أخرج البخاري أيضا قطعة منه في كتاب التفسير، عن محمد بن كثير عن سليمان، عن حصين الخ. .
و أخرجه بتمامه في قصة يوسف، عن محمد بن سلام، عن ابن فضيل عن حصين، عن سفيان، عن مسروق (1).
4-روى البخاري و غيره أيضا، عن القاسم، و عن ابن أبي مليكة، عن
1) صحيح البخاري ج 3 ص 27 و 108 و ج 2 ص 155 و مسند أحمد ج 16 ص 367 و 368، بسندين. و في أحدهما: أن أبا بكر هو الذي رجع فأخبرها بنزول عذرها، فقالت: بحمد اللّه لا بحمدك. قال لها أبو بكر: تقولين هذا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! قالت: نعم. و ذكره في الدر المنثور ج 5 ص 27 عن البخاري، و أحمد، و سعيد بن منصور، و ابن المنذر، و ابن مردويه، و أخرجه في منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي ج 2 ص 131 و 132. و راجع: الإحسان ج 16 ص 22 و 23 و المعجم الكبير ج 23 ص 161 و 122 و 123.
ابن عباس: أنه استأذن على عائشة حين موتها، و قرضها بأمور منها: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم ينكح بكرا غيرها، و أنه نزل عذرها من السماء.
و زادت المصادر الأخرى أمورا مثل: أن الملك نزل بصورتها، و أنها كانت أحب النساء إليه، و أنه تزوجها و عمرها سبع، و بنى بها لتسع سنين، و أنها رأت جبرائيل، و أن الوحي كان يأتيه، و هو معها في لحاف واحد، و أنه «صلى اللّه عليه و آله» قبض و هو في بيتها، و لم يله أحد غيرها و غير الملك، و ما إلى ذلك (1).
و في نص آخر عن ابن عباس أيضا قال فيه: «و كان من أمر مسطح ما كان فأنزل اللّه تعالى براءتك من فوق سبع سماواته» (2).
و روي عنها: أنها فضلت على نساء النبي بتسع، و في رواية أخرى: بعشر. فذكرت شطرا مما تقدم، بالإضافة إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم ينكح بكرا غيرها، و نزل عذرها من السماء، فراجع (3)
أسباب النزول للواحدي ص 181 و فتح الباري ج 8 ص 372 عن الإسماعيلي، و أبي نعيم في المستخرج، و طبقات ابن سعد ص 63 و 64 و المعجم الكبير للطبراني ج 23 ص 30 و 31 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 118 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 172 و 179 و 177 و 178 عن ابن سعد، و عن أمالي الوزير نظام، و عن الطبراني برجال الصحيح، و ابن أبي شيبة.
.1) راجع: صحيح البخاري ج 3 ص 108 و صفة الصفوة ج 2 ص 37 و مسند أحمد ج 1 ص 276 و 349 و الدر المنثور ج 5 ص 32 عن ابن مردويه و البخاري، و طبقات ابن سعد ج 8 ص 74 و 75.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 177 و 169 و 170 عن أبي داود، و ابن عساكر، عن عائشة، و الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 16 ص 42 و في هامشه عن: الثقات ج 9 ص 237 و حلية الأولياء ج 2 ص 45 و عن أحمد في فضائل الصحابة رقم 1644 و 1636 و 1639 و مسند أحمد ج 1 ص 220.
3) الدر المنثور ج 5 ص 32 و شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ج 4 ص 388 عن ابن سعد، و الطبراني برجال الصحيح، و ابن أبي شيبة، و أبي يعلى. و راجع:
5-قال البخاري: «و شاور عليا و أسامة، فيما رمى أهل الإفك عائشة فسمع منهما، حتى نزل القرآن، فجلد الرامين، و لم يلتفت إلى تنازعهم، و لكن حكم بما أمره اللّه» (1).
و زعموا: أن أبيات حسان بن ثابت و فيها:
حصان رزان ما تزن بريبةو تصبح غرثى من لحوم الغوافل
إنما هي في مدح عائشة. و الاعتذار من الذي كان منه في شأنها و فيها:
فإن كان ما قد قيل عني قلتهفلا رفعت سوطي إليّ أناملي
و إن الذي قد قيل ليس بلائطبها الدهر بل قيل امرئ متماحل
فكيف و ودي ما حييت و نصرتيلآل رسول اللّه زين المحافل
حليلة خير الخلق دينا و منصبانبي الهدى و المكرمات الفواضل
له رتب عال على الناس كلهمتقاصر عنه سورة المتطاول
أتيتك و ليغفر لك اللّه حرةمن المحصنات غير ذات غوافل (2)
و ذكر البخاري و غيره عدة روايات تقول: إنها كانت تكره: أن يسب عندها حسان، رغم أنه كان ممن كثّر عليها. . (1).
6-و النص للبخاري أيضا، في كتاب المغازي: حدثني عبد اللّه بن محمد، قال أملى عليّ هشام بن يوسف من حفظه، أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: قال لي الوليد بن عبد الملك: أبلغك أن عليا كان فيمن قذف عائشة؟
قلت: لا. و لكن قد أخبرني رجلان من قومك، أبو سلمة بن عبد الرحمن، و أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: أن عائشة قالت لهما: كان علي مسلما في شأنها، فراجعوه فلم يرجع، و قال: مسلما بلا شك فيه و عليه، و كان في أصل العتيق كذلك ! .
7-و النص للترمذي: حدثنا بندار، أنبأنا ابن أبي عدي، عن محمد بن إسحاق، عن عبد اللّه بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة، قالت: لما نزل عذري قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على المنبر، فذكر ذلك، و تلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين و امرأة فضربوا حدهم. هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق.
و في سنن أبي داود فسر الرجلين بحسان و مسطح، ثم قال: قال النفيلي: يقولون: المرأة حمنة بنت جحش.
و في لفظ الدر المنثور: فضربوا حدّين، و فسر الحلبي الرجلين: بعبيد اللّه
1) راجع: صحيح البخاري ج 3 ص 27 و 25 و صحيح مسلم ج 8 ص 118 و مسند أحمد ج 6 ص 197 و 198 و الدر المنثور ج 5 ص 33 و غيرها، عن ابن سعد، و عبد بن حميد، و غيرهم.
بن جحش، و مسطح، و المرأة بحمنة (1).
8-عن ابن عباس: إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، قال: . . عائشة خاصة (2).
و رواه البلاذري عن عكرمة فقط (3).
9-و في رواية أخرى عن ابن عباس: أن صفوان كان: «لا يقرب النساء» . و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد اعتزل عائشة، و استشار فيها زيد بن ثابت و غيره، فقال: يا رسول اللّه، دعها، لعل اللّه أن يحدث أمره فيها، فقال علي بن أبي طالب: النساء كثير. .
و فيها: أن عائشة لما أخبرتها أم مسطح بالأمر: خرّت مغشيا عليها، فنزلت آيات الإفك، فأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أبا بكر أن يأتيها
1) راجع: جامع الترمذي ط الهند ج 4 ص 157 و سنن أبي داود ط الهند ج 4 ص 276، و قال في عون المعبود، و تحفة الأحوذي: أن المنذري و النسائي قد أخرجاه، و سنن البيهقي ج 8 ص 250 و مسند أحمد ج 6 ص 61 و 35 و مصنف عبد الرزاق ج 5 ص 419، لكنه ذكر أنه حد المفترين، بلا تعيين. و فتح الباري ج 13 ص 285 و الدر المنثور ج 5 ص 32 عن أحمد، و عبد الرزاق، و عبد بن حميد، و أبي داود، و الترمذي، و حسنه النسائي، و ابن ماجة، و ابن المنذر، و ابن مردويه، و الطبراني، و البيهقي في الدلائل. و السيرة الحلبية ج 2 ص 305، عن أصحاب السنن الأربعة.
2) مستدرك الحاكم ج 4 ص 10 و 11 و تلخيص الذهبي بهامشه، و المعجم الكبير للطبراني ج 23 و غير ذلك.
3) أنساب الأشراف ج 1 ص 420.
و يبشرها، فجاءها أبو بكر فأخبرها بالعذر و بالآيات، فقالت: بحمد اللّه، لا بحمدك، و لا بحمد صاحبك (1).
10-و في رواية عن ابن عمر، عن عائشة أيضا: أن القرعة أصابت عائشة، و أم سلمة. فخرج بهما معه، فلما كانوا في بعض الطريق مال رحل أم سلمة، فأناخوا بعيرها ليصلحوا رحلها. فاغتنمت عائشة الفرصة، و ذهبت لقضاء حاجتها، و لم يعلم بها أحد، فأتت خربة، فانقطعت قلادتها، فاحتبست في جمعها و نظامها.
فبعث القوم إبلهم، و مضوا، فلما خرجت لم تر أحدا، فاتبعتهم حتى أعيت، فقامت على بعض الطريق فمر بها صفوان-و كان رفيق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان سأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يجعله على الساقة فجعله-فظن أنها رجلا، فقال: يا نومان قم، فإن الناس قد مضوا. فأخبرته أنها عائشة، فاسترجع، و أمرها بالركوب. .
ثم ساق القصة، ثم ذكر أن ابن أبي قال: فجربها و رب الكعبة.
إلى أن ذكر: أن أم مسطح قد وقع السطل من يدها، فقالت: تعس مسطح، فسألتها، فحكت لها، فأخذتها حمى بنافض، و لم تجد المذهب، فرجعت.
ثم استأذنت النبي أن تأتي أهلها، فأذن لها، فذهبت، فسألها أبوها، فقالت: «أخرجني رسول اللّه من بيته.
قال لها أبو بكر: فأخرجك رسول اللّه من بيته، و أؤويك أنا؟ و اللّه لا
1) الدر المنثور ج 4 ص 28، عن ابن مردويه.
آويك حتى يأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فأمره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن يؤويها، فقال لها أبو بكر: و اللّه، ما قيل لنا هذا في الجاهلية قط، فكيف و قد أعزنا اللّه بالإسلام؟
فبكت عائشة، و أمها أم رومان، و أبو بكر، و عبد الرحمن، و بكى معهم أهل الدار.
و بلغ ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فصعد المنبر، فاستعذر ممن يؤذيه. فقام سعد بن معاذ، فسل سيفه، و قال: . . . إلى أن اتهمه سعد بن عبادة، بأنه إنما طلبه بذحول في الجاهلية.
فقال هذا: يا للأوس.
و قال هذا: يا للخزرج، فاضطربوا بالنعال، و الحجارة، و تلاطموا. .
فقام أسيد بن حضير، فقال: فيم الكلام، هذا رسول اللّه يأمرنا بأمره فنفعله على رغم أنف من رغم.
و نزل جبرائيل و هو على المنبر، فلما سري عنه تلا عليهم ما نزل به جبرائيل: وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا. . (1)إلى آخر الآيات، فصاح الناس: رضينا بما أنزل اللّه.
و بعد ذلك بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى علي «عليه السلام» ، و أسامة، و بريرة، و كان إذا أراد أن يستشير في أمر أهله لم يعد عليا، و أسامة بن زيد، بعد موت أبيه زيد، فأشار علي بطلاقها.
أما أسامة، فقد قال: سبحان اللّه، ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك
1) الآية 9 من سورة الحجرات.
هذا بهتان عظيم.
أما بريرة فقالت: إنها نؤوم، تنام حتى تجيء الداجن، فتأكل عجينها، و إن كان شيء من هذا ليخبرنك اللّه.
فذهب النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى بيت أبي بكر، و جرى بينه و بين عائشة ما جرى، حسبما تقدم في الرواية الأولى.
و ذكرت أنها أنسيت اسم يعقوب من الأسف.
و أنها قالت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : بحمد اللّه لا بحمدك.
ثم طلب منها النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن تقوم إلى البيت، فقامت، و خرج رسول اللّه إلى المسجد، فدعا أبا عبيدة بن الجراح، فجمع الناس، ثم تلا عليهم ما أنزل اللّه في براءة عائشة، و بعث إلى عبد اللّه بن أبي، فضربه حدين، و بعث إلى حسان، و مسطح، و حمنة، فضربوا ضربا و جيعا، و وجئ في رقابهم.
قال ابن عمر: إنما ضرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ابن أبي حدين، لأنه من قذف أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» فعليه حدان. .
فبعث أبو بكر إلى مسطح: لا وصلتك بدرهم أبدا، و لا عطفت عليك بخير أبدا، ثم طرده أبو بكر، و أخرجه من منزله.
ثم ذكر ابن عمر نزول الآيات في ذلك، فضاعف أبو بكر على مسطح النفقة (1).
1) راجع: الدر المنثور ج 5 ص 28 و 29 عن ابن مردويه، و الطبراني، و أشار إليها في فتح الباري ج 8 ص 345 و المعجم الكبير ج 23 ص 125-129 و مجمع الزوائد ج 9 ص 240.
11-و عن أنس: أنه كان جالسا عند عائشة، ليقر عينها بالبراءة: و هي تبكي، فقالت: و اللّه، لقد هجرني القريب و البعيد، حتى هجرتني الهرة، و ما عرض علي طعام و لا شراب، و كنت أرقد، و أنا جائعة ظامئة، فرأيت في منامي فتى، فقال لي: ما لك؟
فقلت: حزينة مما ذكر الناس.
فقال لي: ادعي بهذا الدعاء يفرج عنك-ثم ذكرت الدعاء-و قالت: فانتبهت و أنا ريانة، شبعانة، و قد أنزل اللّه منه فرجي.
قال ابن النجار: خبر غريب (1).
12-و روى أحمد عن هشيم، عن منصور، عن عبد الرحمن بن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما نزل عذري من السماء جاءني النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأخبرني، فقلت: بحمد اللّه عز و جل لا بحمدك (2).
13-عن علي «عليه السلام» : «و منه الحديث في أمر عائشة و ما رماها به عبد اللّه بن أبي سلول (3)و حسان بن ثابت، و مسطح بن أثاثة، فأنزل اللّه تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ جٰاؤُ بِالْإِفْكِ. . (4)الآية. فكل ما كان من هذا أو شبهه
في كتاب اللّه، فهو مما تأويله قبل تنزيله» (1).
14-و ذكر الشيخ المفيد: أن عائشة تحدثت عن أمر الإفك: «و استشارته في أمرها أسامة بن زيد.
قالت: و كان عبدا صالحا مأمونا، و ذكر له قذف القوم بصفوان، فقال له أسامة: لا تظن يا رسول اللّه إلا خيرا، فإن المرأة مأمونة، و صفوان عبد صالح.
ثم استشار عليا «عليه السلام» ، فقال له: يا رسول اللّه، صلى اللّه عليك، النساء كثير، و سل بريرة خادمتها، و ابحث عن خبرها منها.
فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : فتولّ أنت يا علي تقريرها.
فقطع له علي «عليه السلام» عسبا من النخل، و خلا بها يسألها عني، و يتهددها و يرهبها، لا جرم أني لا أحب عليا أبدا» (2).
15-و روى مثل ذلك عن علي أمير المؤمنين أيضا (3).
16-و روى المفيد «رحمه اللّه» عن محمد بن عمر الجعابي، عن أحمد بن محمد بن عقدة، عن علي بن الحسن بن فضال في كتابه المعروف بالمنبي، عن أبان بن عثمان، عن الأجلح، عن أبي صالح، عن عبد اللّه بن عباس قال:
لما رمى أهل الإفك عائشة استشار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» فيها، فقال: يا رسول اللّه، النساء كثيرة، و سل الخادمة،
فسألوا بريرة، فقالت: ما علمت إلا خيرا.
فبلغ ذلك عائشة، فقالت: لا أحب عليا بعد هذا أبدا، و كانت تقول: لا أحب عليا أبدا، أليس هو الذي خلا و صاحبه بجاريتي يسألونها عني؟ ! (1).
17-و ذكر الحديث المروي عن عروة عن عائشة: أن الناس تحدثوا في أمر الإفك و شاع فيهم، و قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خطيبا، و لم تشعر به عائشة.
ثم خرجت ذات ليلة مع أم مسطح، فعلمت منها بالأمر و ذهبت إلى منزل أبيها. . فعلمت بالأمر منهم، فقال أبو بكر:
«مكانك حتى نغدو معك على رسول اللّه، فغدونا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عنده امرأة من الأنصار، فما منع النبي «صلى اللّه عليه و آله» مكانها أن تكلم، فقال: يا عائشة إن كنت أسأت أو أخطأت فاستغفري اللّه و توبي إليه.
فقلت لأبي: تكلم.
فقال: بم أتكلم؟
فقلت لأمي: تكلمي.
فقالت: بم أتكلم» ؟
إلى أن تذكر أنه «صلى اللّه عليه و آله» سأل بريرة فبرأتها. . فصعد «صلى اللّه عليه و آله» المنبر فبرأها. . ثم نزل الوحي عليه «صلى اللّه عليه و آله» ببراءتها.
1) المصدر السابق ص 426.
و ذكرت أيضا: أن الذي تولى كبر الإفك هم حسان و مسطح و حمنة «و كان يتحدث به عند عبد اللّه بن أبي، فكان يسمعه و يستوشيه الخ. .» .
و ذكرت أيضا: أن حسانا قال يكذب نفسه:
حصان رزان ما تزن بريبةو تصبح غرثى من لحوم الغوافل
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتمفلا حملت سوطي إلى أناملي
و كيف و ودي ما حييت و نصرتيلآل رسول اللّه زين المحافل
أأشتم خير الناس بعلا والداو نفسا لقد أنزلت شر المنازل (1)
18-عن الحكم بن عتيبة: لما فاض الناس في الإفك أرسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى عائشة، قالت: فجئت و أنا انتفض من غير حمى، فقال: يا عائشة، ما يقول الناس؟ !
فقلت: لا، و الذي بعثك بالحق لا أعتذر بشيء إليك. قالوه حتى ينزل عذري من السماء.
فأنزل اللّه فيها خمس عشرة آية الخ. . (2).
19-و عن الحيين الأوس و الخزرج حين تثاوروا و الرسول يخفضهم، قال ابن جريج: قال مولى لابن عباس: «قال بعضهم لبعض: موعدا لكم الحرة، فلبسوا السلاح و خرجوا إليها، فأتاهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
فلم يزل يتلو عليهم هذه الآية: « وَ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ. . (1)حتى تنقضي، يرددها عليهم حتى اعتنق بعضهم بعضا، و حتى إن لهم لحنانا، ثم انصرفوا قد اصطلحوا» .
ثم تذكر سؤال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأسامة و علي، ثم تقول: «فمكثت يومين و ليليتين، لا تكتحل عيني بنوم، و لا يرقأ لي دمع. و أصبح أبواي عندي الخ. .» .
ثم تذكر الرواية: نزول الوحي على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثم تقول: «قال أبو بكر: فجعلت أنظر إلى رسول اللّه، فأخشى أن يأتي من السماء ما لا مرد له، و أنظر إلى وجه عائشة فإذا هو مفيق، فيطمعني في ذلك منها، فإنما أنظرها هنا و ههنا» (2).
و في نص آخر: أنها بكيت ليلتين و يوما (3).
20-و في رواية أخرى: أنه لما وجدها صفوان بن المعطل: سألها عن أمرها فسترت وجهها عنه بجلبابها، و أخبرته بأمرها فقرب بعيره، فوطّأ على ذراعه، و ولاها قفاه حتى ركبت، و سوت ثيابها، فأقبل يسير بها حتى دخلا المدينة نصف النهار أو نحوه.
ثم ذكرت جفاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» لها. . ثم ذهبت هي و أم مسطح لقضاء حاجتها، ثم استشار عليا «عليه السلام» و أسامة، فأشار
عليه «عليه السلام» بأن يتوعد الجارية بريرة، ففوضه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك. فلم تقر بشيء. . ثم ذكرت خطبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ما جرى بين الأوس و الخزرج، قالت:
«فدخل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بيتي، و بعث إلى أبوي، فأتياه، فحمد اللّه و أثنى عليه الخ. .» ثم تسوق القصة إلى أن تقول:
«و قعد صفوان بن المعطل لحسان بن ثابت بالسيف، فضربه ضربة، فقال صفوان لحسان في الشعر حين ضربه:
تلق ذباب السيف مني فإننيغلام إذا هوجيت لست بشاعر
و لكنني أحمي حماي و أنتقممن الباهت الرامي البراة الطواهر
ثم صاح حسان فاستغاث الناس على صفوان، فلما جاء الناس فر صفوان، فجاء حسان إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فاستعداه على صفوان في ضربته إياه، فسأله النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يهب له ضربة صفوان إياه، فعاضه منها حائطا من نخل عظيم، و جارية. ثم ذكرت أن معاوية اشترى الحائط من حسان بمال عظيم.
قالت عائشة: قال أبو بكر لمسطح في رميه عائشة، فكان يدعى عوفا:
يا عوف و يحك هلا قلت عارفةمن الكلام و لم تبغ له طمعا
فأدركته حميا معشر أنففلم يكن قاطع يا عوف من قطعا
هلا حربت من الأقوام إذ حسدوافلا تقول و إن عاديتم قذعا
لما رميت حصانا غير مقرفةأمينة الجيب لم يعلم لها خضعا
في من رماها و كنتم معشرا أفكا
فإن أعش أجب عوفا في مقالتهسوء الجزاء الغيبة تبعا
يا عوف و يحك هلا قلت عارفةمن الكلام و لم تبغ له طمعا
فأدركته حميا معشر أنففلم يكن قاطع يا عوف من قطعا
هلا حربت من الأقوام إذ حسدوافلا تقول و إن عاديتم قذعا
لما رميت حصانا غير مقرفةأمينة الجيب لم يعلم لها خضعا
في من رماها و كنتم معشرا أفكا
فإن أعش أجب عوفا في مقالتهسوء الجزاء الغيبة تبعا
و قالت أم سعد بن معاذ في الذين رموا عائشة من الشعر:
شهد الأوس كلها و فناؤهاو الخماسي من نسلها و النظيم
و نساء الخزر جيين يشهدنبحق و ذلكم معلوم
أن ابنة الصديق كانت حصاناعفة الجيب دينها مستقيم
تتقي اللّه في المغيب عليهانعمة الله سترها ما يريم
خير هدي النساء حالا و نفساو أبا للعلى نماها كريم
للموالي إذا رموها بإفكأخذتهم مقامع و جحيم
ليت من كان قدر رماها بسوءفي حطام حتى يبول اللئيم
و عوان من الحروب تلظىنفسا قوتها عقار صريم
ليت سعدا و من رماها بسوءفي كظاظ حتى يتوب الظلوم
و قال حسان، و هو يبرئ عائشة:
حصان رزان ما تزن بريبةو تصبح غرثى من لحوم الغوافل
خليلة خير الناس دينا و منصبانبي الهدى و المكرمات الفواضل
عقيلة حي من لؤي بن غالبكرام المساعي مجدها غير زائل
مهذبة قد طيب الله خيمهافطهرها من كل سوء و باطل
فإن كان ما قد جاء عني قلتهفلا رفعت سوطي إلى أنامل
إلى أن تقول الرواية: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمر بالذين
رموا عائشة فجلدوا الحد جميعا.
و قال حسان بن ثابت في الشعر حين جلدوا:
لقد كان عبد اللّه ما كان أهلهو حمنة إذ قالوا: هجيرا و مسطح
تعاطوا برجم القول زوج نبيهمو سخطه ذي العرش الكريم فأترحوا
فآذن رسول اللّه فيها و عمموامخازي سوء حللوها و فضحوا (1)
21-و ذكرت رواية أخرى عن عائشة: أنها حين أخبرتها أم مسطح بالأمر خرت مغشيا عليها، قالت: «فبلغ أم رومان أمي، فلما بلغها الأمر أتتني، فحملتني فذهبت إلى بيتها. فبلغ رسول اللّه أن عائشة قد بلغها الأمر، فجاء إليها فدخل عليها، و جلس عندها و قال:
يا عائشة، إن اللّه قد وسع التوبة، فازددت شرا إلى ما بي، فبينا نحن كذلك، إذ جاء أبو بكر، فدخل علي، فقال: يا رسول اللّه، ما تنتظر بهذه التي خانتك و فضحتني؟ !
قالت: فازددت شرا إلى شر.
قالت: فأرسل إلى علي، فقال: يا علي، ما ترى في عائشة؟ . .» .
إلى أن تقول: «فأرسل إلى بريرة، فقال لها: أتشهدين أني رسول اللّه؟
قالت: نعم.
قال: فإني سائلك عن شيء فلا تكتميني.
قالت: نعم الخ. .» (2).
22-و في نص آخر: أن الآيات قد نزلت ببراءتها حين كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» مع أصحابه. . فبشروا أبا بكر ببراءة ابنته، و أمره بأن ينطلق إلى عائشة و يبشرها قالت: «و أقبل أبو بكر مسرعا يكاد أن ينكب.
قالت: فقلت: بحمد اللّه لا بحمد صاحبك الذي جئت من عنده.
فجاء رسول اللّه، فجلس عند رأسي، فأخذ بكفي، فانتزعت يدي منه، فضربني أبو بكر و قال: أتنزعين كفك من رسول اللّه؟ أو برسول اللّه تفعلين هذا؟ فضحك رسول اللّه» (1).
23-و عن عائشة: لما بلغني ما تكلموا به هممت أن آتي قليبا فأطرح نفسي فيه (2).
24-و عن ابن عباس في رواية: «فعرس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه، و خرجت عائشة للحاجة، فتباعدت، و لم يعلم بها، فاستيقظ النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الناس قد ارتحلوا، و جاء الذين يحملون الهودج فحملوه، و لا يعلمون إلا أنها فيه. و ساروا فأقبلت عائشة فوجدتهم قد ارتحلوا فجلست مكانها. فاستيقظ رجل من الأنصار، يقال له: صفوان بن المعطل، و كان لا يقرب النساء، فتقرب منها، و كان معه بعير له، فلما رآها حملها. .» .
ثم تذكر الرواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» استشار فيها زيد بن ثابت
و غيره. ثم تذكر خروجها مع أم مسطح، و إخبارها إياها بما يجري، و أنها وقعت مغشيا عليها. .
و تذكر أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر أبا بكر «أن يأتيها و يبشرها، فجاء أبو بكر، فأخبرها بعذرها، و بما أنزل اللّه، فقالت: لا بحمدك و لا بحمد صاحبك» (1).
ثم إنهم يوردون في سياق الحديث عن الإفك على عائشة نصوصا قد يقال: إنها غير ظاهرة الدلالة على ذلك. بل هي تتحدث عن هذا الأمر بصورة عامة من دون تحديد الشخص المعني بها. . و لكن المحدثين أحبوا أن يتحفوا عائشة بها.
و بعض ما يلي هو من هذا القبيل. . 1-و النص للبخاري: حدثني محمد بن حرب، حدثنا يحيى بن أبي زكريا الغساني، عن هشام بن عروة، عن عائشة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خطب الناس، فحمد اللّه، و أثنى عليه، و قال: ما تشيرون علي في قوم يسبون أهلي؟
إلى أن قالت: و قال رجل من الأنصار: سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم. . (2).
2-و النص للبخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن معمر، عن
الزهري، عن عروة، عن عائشة: و الذي تولى كبره، قالت: عبد اللّه بن أبي بن سلول (1).
3-و اللفظ للبخاري في كتاب المغازي: حدثني بشر بن خالد، أخبرنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: دخلنا على عائشة، و عندها حسان بن ثابت ينشدها شعرا، يشبب بأبيات له، و قال:
حصان رزان ما تزن بريبةو تصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت له عائشة: لكنك لست كذلك.
قال مسروق: فقلت لها: لم تأذني له أن يدخل عليك، و قد قال اللّه تعالى: « وَ اَلَّذِي تَوَلّٰى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذٰابٌ عَظِيمٌ ؟ !
فقالت: و أي عذاب أشد من العمى؟
قالت له: إنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول اللّه. . (2).
4-قالوا في حديث الإفك: ثم إن صفوان بن المعطل اعترض حسان بن ثابت بالسيف، حين بلغه ما يقول فيه. و قد كان حسان قال شعرا-مع ذلك-يعرض بابن المعطل فيه، و بمن أسلم من مضر، فقال:
1) صحيح البخاري كتاب التفسير ج 3 ص 106.
2) صحيح البخاري ج 3 ص 27 و كتاب التفسير ج 3 ص 108 عن: محمد بن يوسف، و ذكره في العقد الفريد ط دار الكتاب العربي ج 4 ص 43 إلى قولها: لكنك لست كذلك، مضيفا قوله: و كان حسان من الذين جاؤوا بالإفك، و راجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 419 لكنه قال: إن البيت المذكور قد قاله حسان لابنته. و المعجم الكبير ج 23 ص 135 و 36 و 137.
أمسى الجلابيب قد عزوا و قد كثرواو ابن الفريعة أمسى بيضة البلد
الأبيات. . فاعترضه صفوان بالسيف، فضربه، ثم قال:
تلق ذباب السيف عني فإنّنيغلام إذا هو جيب لست بشاعر
فأخذوا صفوان فقيدوه، فلما علم عبد اللّه بن رواحة، أمرهم بإطلاقه فأطلقوه، و أتوا الرسول، فقال ابن المعطل: يا رسول اللّه آذاني و هجاني، فاحتملني الغضب، فضربته.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لحسان: يا حسان، أتشوهت على قومي أن هداهم اللّه للإسلام؟
ثم قال: أحسن يا حسان في الذي قد أصابك، قال: هي لك يا رسول اللّه. فأعطاه رسول اللّه عوضا منها بيرحا، و هي قصر بني حديلة، و أعطاه سيرين أمة قبطية، أخت مارية، فولدت له عبد الرحمن بن حسان (1).
5-في كتاب الإشارات للفخر الرازي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان في تلك الأيام التي تكلم فيها بالإفك يقضي أكثر أوقاته في البيت، فدخل عليه عمر فاستشاره «صلى اللّه عليه و آله» في تلك الواقعة، فقال: يا رسول اللّه، أحمي
1) تاريخ الطبري ج 2 ص 269 و 270 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 317 و 318 و 319 و تاريخ الخميس ج 1 ص 478، و ليراجع أيضا: الإستيعاب بهامش الإصابة ج 2 ص 188 و الإصابة ج 2 ص 191 و أسد الغابة ج 3 ص 26 و فتح الباري ج 8 ص 359 و المحبر ص 109 و 110 و الدر المنثور ج 5 ص 33 عن ابن جرير، و السيرة الحلبية ج 2 ص 303 و 304 و مغازي الواقدي ج 2 ص 436 و 437 و البداية و النهاية عنه ج 4 ص 163 و الكامل ج 2 ص 199. و الأغاني ط ساسي ج 4 ص 11 و 12 و راجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 452.
سمعي و بصري، و اللّه، أنا قاطع بكذب المنافقين، لأن اللّه عصمك عن وقوع الذباب على جلدك، لأنه يقع على النجاسات، فيتلطخ بها، فلما عصمك عن ذلك القدر من القذر، فكيف لا يعصمك عن صحبة من تكون متلطخة بمثل هذه الفاحشة؟ ! فاستحسن «صلى اللّه عليه و آله» كلامه. .
و دخل عليه عثمان، فاستشاره، فقال: إن اللّه ما أوقع ظلك على الأرض، لئلا يضع إنسان قدمه على ذلك الظل، أو تكون الأرض نجسا، فلما لم يمكن أحدا من وضع القدم على ظلك، كيف يمكن أحدا من تلويث عرض زوجتك؟ !
و دخل عليه علي، فاستشاره، فقال: يا رسول اللّه، كنا نصلي خلفك فخلعت نعليك في أثناء الصلاة، فخلعنا نعالنا، فلما أتممت الصلاة سألتنا عن سبب الخلع، فقلنا: الموافقة.
فقلت: أمرني جبرائيل بإخراجهما لعدم طهارتهما، فلما أخبرك أن على نعلك قذرا و أمرك بإخراج النعل من رجلك بسبب ما التصق من القذر، فكيف لا يأمرك بإخراجها، بتقدير أن تكون متلطخة بشيء من الفواحش؟ ! و في المشكاة عن أبي سعيد مثله.
قال الحلبي: و يحتاج أئمتنا إلى الجواب عن خلع إحدى نعليه في أثناء الصلاة، لنجاسة بها، و استمر في الصلاة» (1).
1) تاريخ الخميس ج 1 ص 476 و 477 و السيرة الحلبية ج 2 ص 306.
لقد روى الرواة حديث الإفك عن ثمانية من الصحابة هم:
1-ابن عمر. \2-ابن عباس.
3-عبد اللّه بن الزبير. \4-أبو هريرة.
5-أبو اليسر الأنصاري. \6-عائشة.
7-أم رومان. \8-أنس بن مالك.
أما رواية أبي هريرة، و أبي اليسر، و أنس، و ابن عباس، و ابن عمر: فلم ترد في صحاح أهل السنة، و هي مجرد نتف صغيرة، باستثناء رواية ابن عباس ففيها بعض التفصيل. و كذا رواية ابن عمر.
أما رواية ابن الزبير فلم نجدها، غير أن البخاري، بعد أن ذكر رواية الزهري، ساق سندا آخر إلى عبد اللّه بن الزبير، و قال: مثله. .
و إذا أردنا أن نعطي القارئ لمحة موجزة عن بعض ما يرتبط بالأسانيد، فإننا نقول:
أما بالنسبة لرواية ابن عمر، فإنها لم ترد في كتاب الصحاح-تماما كما هو الحال بالنسبة لرواية ابن الزبير-و هي رواية ضعيفة السند، و هي في الحقيقة نفس رواية عائشة، كما يظهر من ملاحظة سياقها. . و قد رواها الطبراني، و ابن مردويه. . حسبما تقدم في الفصل السابق.
فالحديث عنها يرجع إلى الحديث عن رواية عائشة. خصوصا فيما يرتبط بمناقشة المضمون، كما سنرى. .
هذا، مع أن ابن الزبير، كابن عمر و ابن عباس، بل و كذا سائر الرواة، لا بد أن يرووا هذه الرواية عن عائشة نفسها، أو عن أمها و أبيها، لأن هؤلاء هم الذين يعرفون ما جرى بينها و بين أم مسطح، و ما جرى بينها و بين أبيها، و أمها. . و بينهم و بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ما جرى لها مع صفوان. . و ما إلى ذلك. . فإذا ذكر ابن عمر و غيره رواية فيها هذه التفاصيل فإن ذلك يحتم أن يكون الراوي قد أخذ من هؤلاء فقط، فما هو المقدار الذي أخذه منهم؟ ! هل هو كل هذه التفاصيل، أم بعضها؟ و هل أخذ ذلك منهم مباشرة أو بواسطة آخرين؟ كل ذلك غير واضح. . فلا مجال إذن لنسبة الرواية-خصوصا مع احتوائها لهذه التفاصيل-لخصوص روايها، و هو ابن الزبير أو ابن عمر، أو ابن عباس، أو غير هؤلاء. .
أما ابن عباس، فإن كان راويا لحديث الإفك حقا، فلا شك أنه رواه عن غيره. و ذلك:
أولا: لأنه كان حين قضية الإفك طفلا صغيرا، لا يحسن رواية أحداث كهذه، حتى لو شهدها، لأنه ولد سنة الهجرة، أو قبلها بثلاث سنوات. .
ثانيا: إنه حتى لو كان رجلا كاملا، فإنه لم يكن حين قضية الإفك في المدينة لأنه إنما قدم إليها مع أبيه في سنة ثمان (1)، أي بعد قضية الإفك بعدة سنوات.
على أن هناك الكثير الكثير من الشك حول ما يروى عن ابن عباس.
فقد ذكر العسقلاني: أن غندرا قال: «ابن عباس لم يسمع من النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلا تسعة أحاديث. و عن يحيى القطان عشرة. و قال الغزالي في المستصفى: أربعة» (2).
مع أنهم يذكرون: أن البخاري قد روى عن ابن عباس مئتين و سبعة عشر حديثا (3). . فتبارك اللّه أحسن الخالقين.
و لا نستطيع أن نقول: إنه قد روى ذلك عن الصحابة الموثوقين جزما، فقد روى عن غير المؤمنين، و عن غير الصحابة، و روى حتى عن مسلمة أهل الكتاب، فقد روى عن معاوية، و أبي هريرة، و كعب الأحبار، و تميم الداري، و غيرهم. .
هذا كله، بالإضافة إلى ضعف سند حديث الإفك، الذي ينتهي إليه. و لذلك لم ترد روايته في الكتب التي يعتبرها أهل السنة صحاحا.
أما بالنسبة لابن الزبير، فإننا نقول:
أولا: قد ذكرنا فيما تقدم بحثا مفصلا حول تاريخ ولادة ابن الزبير، و قلنا هناك: إن الأرجح هو: أنه قد ولد سنة اثنتين، أو ثلاث من الهجرة، و ذلك استنادا إلى العديد من الأدلة و الشواهد، فراجع.
فيكون عمره حين الإفك ثلاث أو أربع أو حتى خمس سنوات.
ثانيا: إنه قد روى الحديث عن عائشة نفسها، كما يظهر من رواية البخاري (1).
ثالثا: إن حديث ابن الزبير ضعيف السند برجال آخرين، سوف يأتي الحديث عنهم إن شاء اللّه.
إن أنس حين قضية الإفك لم يكن قد بلغ الحلم. . بل لقد أنكرت عليه عائشة روايته عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . فقد روى: «علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن ابيه: أن عائشة قالت: ما علم أنس بن مالك، و أبو سعيد الخدري بحديث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إنما كانا غلامين صغيرين» (2).
سنده ليس بمتصل، لأن أبا هريرة قد أسلم بعد حديث الإفك،
و بالذات في سنة خيبر. . فعمن روى أبو هريرة ذلك؟ عن كعب الأحبار؟ عن عائشة؟ لا ندري. .
غير أن ما نعلمه هو: أن علاّمة مصر الشيخ محمود أبو رية، و الإمام شرف الدين في كتابه «أبو هريرة: شيخ المضيرة. .» قد وضعا علامات استفهام كبيرة على كل ما يرويه أبو هريرة. .
لم ترد روايته، و لا رواية أنس، و لا رواية أبي هريرة في الصحاح. . كما أنه يناقض في روايته جميع روايات الإفك على الإطلاق، و لذا فلا يمكن الاعتماد عليه.
1-قد جاء في سندها: أن الراوي عن أم رومان هو مسروق بن الأجدع، الذي تبنته عائشة. و الذي كان ولاه زياد على السلسلة (1). و مسروق لم ير أم رومان، لأنها توفيت في حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو إنما قدم المدينة بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» (2). . و لسوف يأتي ما يثبت أنها توفيت قبل حديث الإفك، أي في حين كان عمر مسروق-في بلده-لا يزيد عن خمس سنين، فكيف حدثته أم رومان بحديث الإفك، فروايته مرسلة؟ ! .
و احتمل أبو عمر صاحب الإستيعاب أن يكون سمع ذلك من عائشة (1).
هذا. . عدا عن أن لنا في مسروق نفسه مقالا، لأنه كان منحرفا عن علي، معاديا له. فقد روى سلمة بن كهيل: أن مسروق بن الأجدع، و الأسود بن يزيد كانا يمشيان إلى بعض أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» و لا نستبعد أنها عائشة ، فيقعان في علي «عليه السلام» .
كما أن زوجة مسروق نفسه تصرح: بأنه كان يفرط في سب علي «عليه السلام» .
و روى أبو نعيم، عن عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق: قال: ثلاثة لا يؤمنون على علي بن أبي طالب: مسروق، و مرة، و شريح. و روي أن الشعبي رابعهم، و روي أنه عاد إلى موالاته «عليه السلام» في أواخر أيامه. .
و عده الثقفي ممن كان بالكوفة من فقهائها أهل عداوة لعلي، و بغض له، الخارجين عن طاعته (2). .
و صرح ابن سعد: بأنه أبطأ عن علي، و عن مشاهده، و لم يشهد معه شيئا. و كان يحتج لإبطائه هذا، و يدافع عنه بما لا مجال لذكره هنا (3).
2-و في السند أيضا: أبو وائل: شقيق بن سلمة. .
و كان عثمانيا يقع في علي «عليه السلام» .
و يقال: إنه كان يرى رأي الخوارج. و لا خلاف في كونه خرج معهم على علي «عليه السلام» .
و قد روى خلف بن خليفة قال: قال أبو وائل: خرجنا أربعة آلاف، فخرج إلينا علي، فما زال يكلمنا، حتى رجع منا ألفان. .
و عده الثقفي فيمن خرج عن طاعة علي، و من فقهاء الكوفة، ممن كان أهل عداوة له و بغض (1).
و قال لمن سبّ الحجاج و ذكر مساوئه: لا تسبّه! و ما يدريك؟ لعله قال: اللهم اغفرلي، فغفر له (2).
و قال عاصم بن أبي النجود: قلت لأبي وائل: شهدت صفين؟ !
قال: نعم، و بئست الصفوف كانت (3).
3-و في السند محمد بن كثير العبدي، قال ابن معين: لم يكن بثقة.
و قال ابن قانع: ضعيف.
و قال ابن معين أيضا: لم يكن يستاهل أن يكتب عنه (4).
و قال أيضا: لا تكتبوا عنه (5).
4-و في السند أيضا: غندر، و الحصين بن عبد الرحمن السلمي. و فيهما أيضا كلام يراجع في كتب الرجال و التراجم (1).
و فيما ذكرناه كفاية.
فقد رواها عنها، حسب إحصائية العسقلاني، عشرة من التابعين، و هم:
1-عروة بن الزبير.
2-سعيد بن المسيب، و لكن في سيرة ابن هشام: سعيد بن جبير.
3-علقمة بن وقاص.
4-عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود.
5-القاسم بن محمد بن أبي بكر.
6-عمرة بنت عبد الرحمن.
7-عباد بن عبد اللّه بن الزبير.
8-أبو سلمة بن عبد الرحمن.
9-الأسود بن يزيد.
10-مقسم مولى ابن عباس.
و قد رواها الزهري عن الأربعة الأول، و رواها عن الزهري ثلاثة و عشرون رجلا، خمسة منهم روايتهم في الصحاح، و هم:
1-يونس بن يزيد الأيلي.
1) راجع: تهذيب التهذيب ج 9 ص 98 و ج 2 ص 382 و 383.
2-فليح بن سليمان.
3-صالح بن كيسان.
4-معمر.
5-النعمان بن راشد.
و رواها في غير الصحاح-حسب إحصائية العسقلاني-ثمانية عشر رجلا. . و قد تقدمت أسماؤهم، عند ذكرنا لمصادر رواية الزهري، في الفصل الأول في الهوامش. فلا نعيد. و لسوف تأتي المناقشة في غالبهم إن شاء اللّه تعالى.
ففي أسانيدها عدد ممن لا يمكن قبول روايتهم، و هم:
1-عروة بن الزبير نفسه:
فقد عده الإسكافي من التابعين، الذين كانوا يضعون أخبارا قبيحة في علي (1).
و يقولون أيضا: إنه كان يتألف الناس على روايته (2).
و روى عبد الرزاق، عن معمر، قال: كان عند الزهري حديثان عن عروة، عن عائشة في علي «عليه السلام» ، فسألته عنهما يوما، فقال: ما تصنع بهما و بحديثهما؟ إني لأتهمهما في بني هاشم (3).
و قال يحيى بن عروة: كان عروة إذا ذكر عليا نال منه (1).
و كان عروة أيضا إذا ذكر عليا أخذه الزمع، فيسبه و يضرب بإحدى يديه على الأخرى الخ. . (2).
و قال لابن عمر: إنا نجلس إلى أئمتنا هؤلاء، فيتكلمون بالكلام نعلم أن الحق غيره، فنصدقهم، و يقضون بالجور فنقويهم، و نحسّنه لهم، فكيف ترى في ذلك؟ !
فقال له ابن عمر: يا ابن أخي، كنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نعدّ هذا النفاق؛ فلا أدري كيف هو عندكم (3).
2-هشام بن عروة: كان أبو الأسود يعجب من حديث هشام عن أبيه، و ربما مكث سنة لا يكلمه.
و قال ابن خراش: كان مالك لا يرضاه، و نقم عليه حديثه لأهل العراق.
و قال العسقلاني: في كبره تغير حفظه، فتغير حديث من سمع منه (4).
و قد حاول أن يقبل يد المنصور، فيمنعه إكراما له (5).
1) الغارات للثقفي ج 2 ص 576 و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 102.
2) قاموس الرجال ج 6 ص 300.
3) السنن الكبرى ج 8 ص 165 و راجع ص 164 لكنه لم يصرح في هذه الصفحة باسم عروة، و مثله في الترغيب و الترهيب ج 4 ص 382 عن البخاري. و إحياء علوم الدين ج 3 ص 159 و أشار في هامشه إلى الطبراني.
4) راجع: تهذيب التهذيب ج 11 ص 50 و 51 و فتح الباري المقدمة ص 448. و تهذيب الكمال ج 30 ص 239 و 238.
5) تاريخ بغداد ج 14 ص 39 و ميزان الإعتدال ج 4 ص 302 و تهذيب الكمال ج 30 ص 240.
و قال ابن حبيب: «. . و حدّ أبو بكر بن عمرو بن حزم الأنصاري، و هو عامل عبد الملك على المدينة، هشام بن عروة بن الزبير في فرية على رجل من بني أسد بن عبد العزى. .
وحد عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري، و هو عامل المدينة للوليد بن عبد الملك هشام بن عروة بن الزبير في فرية افتراها على رجل من بني المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم (1).
3-أبو أسامة، و هو حماد بن أسامة: قال ابن سعد: كان يدلس، و يبين تدليسه.
و قال وكيع: نهيت أبا أسامة أن يستعير الكتب. و كان دفن كتبه. .
و قال سفيان بن وكيع: كان أبو أسامة يتبع كتب الرواة، فيأخذها و ينسخها، قال لي ابن نمير: أن المحسن لأبي أسامة يقول: إنه دفن كتبه، ثم تتبع الأحاديث بعد من الناس.
قال سفيان بن وكيع: إني لأعجب كيف جاز حديث أبي أسامة، كان أمره بينا، و كان من أسرق الناس لحديث جيد، و ذكره الأزدي في الضعفاء (2).
و عدّه المسترشد فيمن يحمل على علي «عليه السلام» (3).
4-فليح بن سليمان: ممن روى عن هشام بن عروة، حسب رواية البخاري، و وقع أيضا في
رواية الزهري عند البخاري و مسلم معا. .
قال ابن معين، و أبو حاتم، و مظفر بن مدرك، و النسائي، و أبو داود و أبو أحمد، علي بن المديني-كلهم قالوا-: ضعيف. .
و قال الطبري: ولاّه المنصور على الصدقات، لأنه كان أشار عليهم بحبس بني حسن (1). .
و قال ابن معين: ليس قوي و لا يحتج به، و كذا قال أبو حاتم، و كان يحيى بن معين يقشعر من أحاديث فليح بن سليمان (2).
و قال أبو زرعة: واهي الحديث. و ذكره العقيلي، و ابن عدي، و ابن الجوزي، و الذهبي في جملة الضعفاء (3).
و هكذا الحال بالنسبة ل: 5-يونس بن بكير.
6-يحيى بن زكريا.
7-حماد بن سلمة.
8-أبي أويس، عبد اللّه بن عبد اللّه الأصبحي.
و غيرهم.
قلنا فيما سبق: إنها وردت في الصحيح عن خمس من الرواة عن
الزهري، و في غير الصحيح عن ثمانية عشر، رووها عنه أيضا حسب إحصائية العسقلاني. .
و نحن نتكلم أولا على ما ورد في صحاح أهل السنة منها، ثم نعطف الكلام للإشارة إلى حال بعض من رواها عن الزهري في غير الصحيح. . غير أننا نبدأ حديثنا حول الذين روى الزهري عنهم، حسبما ورد في صحاح أهل السنة، فنقول:
لقد رواها الزهري، عن: عروة بن الزبير، و علقمة بن وقاص، و سعيد بن المسيب، و عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة. . فأما:
1-عروة بن الزبير: فقد تقدم بعض ما يشير إلى حاله، و أن الزهري، و غيره، قد اتهموه بوضع الأحاديث، و الكذب على بني هاشم، و علي. . و أما:
2-سعيد بن المسيب: فنحن لا نثق بروايته أيضا، لانحرافه عن علي «عليه السلام» . . و قد جبهه عمر بن علي بكلام شديد، حيث جعله من المنافقين، و فهم هو نفسه ذلك، فقال له: يا ابن أخي، جعلتني منافقا؟ !
قال: ذلك ما أقول لك.
قال: ثم انصرف (1).
1) الغارات للثقفي ج 2 ص 580 و شرح النهج ج 4 ص 101 و البحار ط قديم ج 11 ص 41 و ج 8 ص 730.
و قال المفيد «رحمه اللّه» : و أما ابن المسيب فليس يدفع نصبه، و ما اشتهر عنه من الرغبة عن الصلاة على زين العابدين. .
قيل له: ألا تصلي على هذا الرجل الصالح، من أهل البيت الصالح؟
فقال: صلاة ركعتين أحب إلي من الصلاة على هذا الرجل الصالح، من أهل البيت الصالح (1). .
و روي عن مالك: أنه كان خارجيا (2). . و إذا كان عدوا لعلي «عليه السلام» فهو عدو اللّه عز و جل، لما روي من قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : عدوك عدوي، و عدوي عدو للّه عز و جل. .
و بعد هذا، فكيف يصح الاعتماد على روايته، و الوثوق بأقواله؟ !
3-و أما عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود، فإننا لم نجد تاريخ ولادته. .
و لكن قال علي بن المديني: إنه لم يصح له سماع من زيد بن ثابت. و لا رؤية (3). .
فإذا أضفنا إلى ذلك: أن من الأقوال في وفاة زيد هو سنة 55 ه. فإننا لا نستطيع حينئذ أن نجزم برؤيته لعائشة، و سماعه منها أيضا، لأنها إنما توفيت في سنة سبع، أو ثمان و خمسين. .
4-و أما الزهري نفسه، فهو أيضا كان منحرفا عن علي «عليه السلام» .
قال محمد بن شيبة: شهدت مسجد المدينة، فإذا الزهري، و عروة بن الزبير قد جلسا، فذكرا عليا، فنالا منه، فبلغ ذلك علي بن الحسين، فجاء حتى وقف عليهما، فقال، أما أنت يا عروة، فإن أبي حاكم أباك إلى اللّه. فحكم اللّه لأبي على أبيك. . و أما أنت يا زهري، فلو كنت أنا و أنت بمكة لأريتك كنّ أبيك (1).
و عدّه الثقفي من فقهاء الكوفة، الذين خرجوا عن طاعة علي، و كانوا أهل عداوة له و بغض، و خذلوا عنه (2). .
و كان الزهري يرى بني أمية في عداد المؤمنين، و أن الخارج عليهم يعد من جملة البغاة (3)
و تزلفه لهم، و تعليمه لأولادهم، و توليه القضاء لهم معروف و مشهور (4)
و عن عبيد اللّه بن عمر: كنت أرى الزهري يعطى الكتاب فلا يقرؤه و لا يقرأ عليه، فيقال له: نروي ذلك عنك؟
فيقول: نعم (5).
و عن سفيان الثوري قال: أتيت الزهري فتثاقل علي، فقلت له: لو أنك أتيت أشياعنا فصنعوا بك مثل هذا.
فقال: كما أنت، و دخل فأخرج إليّ كتابا فقال: خذ هذا فاروه عني، فما رويت عنه حرفا (1).
5-و أما علقمة. . فلا يمكن الاعتماد على روايته بمجردها، لأننا لا نعرف ما الذي رواه عن الزهري بالتحديد. . و خاصة بعد أن كنا لا نثق بسماع الزهري من عروة، و لا بسماع عبيد اللّه من عائشة. .
و بالأخص إذا لاحظنا: أن الروايات التي نقلت عن بعض هؤلاء تتناقض و تختلف مع بعضها البعض بشكل واضح و ملموس.
و أما من روى حديث الإفك عن الزهري في الصحاح فهم:
1-النعمان بن راشد مولى بني أمية: علقه عن الزهري في البخاري، في كتاب المغازي. . و قد ضعفه يحيى القطان جدا.
و قال أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث، روي له أحاديث مناكير.
و قال العقيلي: ليس بالقوي، يعرف فيه الضعف.
و قال النسائي: ضعيف كثير الغلط.
و قال البخاري، و أبو حاتم: في حديثه و هم كثير.
و قال ابن أبي حاتم: أدخله البخاري في الضعفاء.
و قال أبو داود: ضعيف.
1) تهذيب الكمال ج 26 ص 440.
و قال ابن معين: ضعيف.
و قال مرة: ليس بشيء (1). .
2-فليح بن سليمان: و قد تقدم الحديث عنه في رواية عروة.
3-يونس بن يزيد الأيلي: قال وكيع: كان سيئ الحفظ.
و قال أحمد: لم يكن يعرف الحديث، و كان يشتبه عليه.
و قال: إن في حديثه عن الزهري منكرات.
و قال ابن سعد: حلو الحديث كثيره، و ليس بحجة، و ربما جاء بالشيء المنكر. .
و قال ابن يونس: كان من موالي بني أمية (2). هو مولى معاوية بن أبي سفيان.
4-عبد الرزاق الصنعاني: هو الراوي عن معمر، عن الزهري.
1) تهذيب التهذيب ج 10 ص 452 و تهذيب الكمال ج 29 ص 446 و 447 و 448 و الجرح و التعديل ج 8 رقم الترجمة 2060 و الضعفاء الكبير للعقيلي و العلل و معرفة الرجال ج 2 ص 251 و التاريخ الكبير للبخاري ج 8 الترجمة رقم 2248 و المحلى ج 6 ص 121.
2) تهذيب التهذيب ج 11 ص 450-452 و راجع: مقدمة فتح الباري ص 455 و تهذيب الكمال ج 32 ص 554 و 555 و 557 و الجرح و التعديل ج 9 الترجمة رقم 1042.
قال ابن شبويه: كان بعد ما عمي يلقن.
و قال أحمد: كذلك.
و قال أيضا: من سمع منه بعد ما ذهب بصره فهو ضعيف السماع.
و قال النسائي: فيه نظر لمن كتب عنه بآخرة، كتب عنه أحاديث مناكير.
و قال ابن حبان: كان ممن يخطئ إذا حدث من حفظه.
و قال العباس العنبري-حين قدم من صنعاء-: لقد تجشمت إلى عبد الرزاق، و إنه لكذاب، و الواقدي أصدق منه، و عن زياد قال: لم يخرج أحد من هؤلاء الكبار من ههنا إلا و هو مجمع ألا يحدث عنه (1). .
و عن زيد بن المبارك قال: كان عبد الرزاق كذابا يسرق الحديث (2).
و قال فيه سفيان بن عيينة: أخاف أن يكون من الذين أضل سعيهم في الحياة الدنيا (3).
5-صالح بن كيسان: و الرواية عن صالح بن كيسان الذي كان معلما لأولاد الوليد بن عبد الملك (4)نجد في سندها:
1) تهذيب التهذيب ج 6 ص 312-315 و مقدمة فتح الباري ص 418 و سير أعلام النبلاء ج 9 ص 571 و ما سبقها و لحقها، و تهذيب الكمال ج 18 ص 57 و 58 و راجع: الضعفاء للعقيلي.
2) سير أعلام النبلاء ج 9 ص 574.
3) راجع كتاب: الضعفاء الكبير للعقيلي.
4) سير أعلام النبلاء ج 5 ص 454 و تهذيب الكمال ج 13 ص 81 و تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 380.
أ-عبد العزيز بن عبد اللّه الأويسي. و قد ضعفه أبو داود (1).
ب-إبراهيم بن سعد، الذي ولي بيت المال ببغداد، و قد ذكر عند يحيى بن سعيد، فجعل كأنه يضعفه. و كان يجيز الغناء بالعود، و قال صالح جزرة: كان صغيرا حين سمع من الزهري (2).
ج-الحسن بن علي الحلواني، قال أبو سلمة بن شبيب عنه: يرمى في الحش، من لم يشهد بكفر الكافر فهو كافر.
و قال الإمام أحمد: ما أعرفه بطلب الحديث، و لا رأيته يطلبه، و لم يحمده، ثم قال: يبلغني عنه أشياء أكرهها.
و قال مرة: أهل الثغر عنه غير راضين، أو ما هذا معناه (3).
هؤلاء هم الذين وردت روايتهم عن الزهري في الصحاح، و قد رأينا أنهم و الزهري، و من يروي عنه الزهري جميعا لم يسلموا من الطعن و التجريح، من قبل العلماء و الرجاليين. .
و قد بقي عدد ممن رواها عن الزهري، في غير الصحاح، تقدمت أسماؤهم عن فتح الباري، عند ذكر مصادر رواية الزهري.
و نحن نكتفي بالإشارة إلى حال طائفة منهم على سبيل المثال. . فنقول:
1-يعقوب بن عطاء: قال أحمد: منكر الحديث.
و قال ابن معين، و أبو زرعة، و النسائي: ضعيف.
و قال أحمد: ضعيف.
و قال أبو حاتم: ليس بالمتين. إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه (1).
2-عبد الرحمن بن إسحاق: فإن كان هو الذي يقال له: عباد بن إسحاق. .
فقد قال القطان: سألت عنه بالمدينة، فلم أرهم يحمدونه، و مثل ذلك نقل عن إسماعيل بن إبراهيم، و علي بن المديني.
و قال العجلي: ليس بالقوي.
و قال أبو حاتم: يكتب حديثه، و لا يحتج به.
و قال الحاكم: لا يحتجان «يعني مسلم و البخاري» به، و لا واحد منهما.
و قال السعدي: غير محمود في الحديث.
و قال الدارقطني: ضعيف، يرمى بالقدر، إلى غير ذلك (2).
و إن كان هو الواسطي، فقد قال البخاري: فيه نظر.
و كان أحمد يضعفه، و يقول: ليس بشيء منكر الحديث.
و قال ابن معين: ضعيف ليس بشيء.
و قال ابن سعد، و العجلي، و العقيلي، و أبو حاتم، و يعقوب بن سفيان، و أبو داود، و النسائي، و ابن حبان: ضعيف. . إلى غير ذلك (1).
3-سفيان بن عيينة: قد اختلط في أواخر عمره.
و قد ورد بسند قوي: أنه هو نفسه قد اعترف أنه يزيد و ينقص في الحديث، و علل ذلك بأنه قد كبر و سمن.
و قال سليمان بن حرب: إنه أخطأ في عامة حديثه عن أيوب. . و كان من أعداء أهل البيت «عليهم السلام» ، و كان يدلس كما عن جامع ابن الأثير (2).
4-يحيى بن سعيد الأنصاري: يحيى بن سعيد الأنصاري قاضي المدينة و الذي أقدمه المنصور و ولاه القضاء بالهاشمية أو بغداد. متهم بالتدليس، اتهمه بذلك الدمياطي و يحيى بن سعيد القطان (3).
5-إسحاق بن راشد: قال ابن معين: إنه ليس في رواية الزهري بذاك.
و قال ابن خزيمة: لا يحتج بحديثه. . و اعترف هو: أنه لم يلق الزهري، و إنما يحدث من كتاب له وجده ببيت المقدس.
و قال الذهبي: إن في حديثه عن الزهري اضطرابا شديدا.
و قال النسائي: ليس بذاك القوي (1).
6-إسماعيل بن رافع: إسماعيل بن رافع-الذي كان قاصا-.
قال عمر بن علي: منكر الحديث، في حديثه ضعف.
و قال أحمد: ضعيف.
و قال في رواية عنه: منكر الحديث.
و قال ابن معين: ضعيف.
و في رواية الدوري عنه أنه قال: ليس بشيء.
و قال أبو حاتم: منكر الحديث.
و قال الترمذي: ضعفه بعض أهل العلم.
و قال النسائي: متروك الحديث.
و قال مرة: ضعيف.
و قال مرة: ليس بشيء، و مرة: ليس بثقة.
و قال ابن خراش و الدارقطني، و علي بن الجنيد: متروك.
و قال ابن عدي: أحاديثه كلها مما فيه نظر، إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء.
و قال العجلي: ضعيف الحديث.
1) تهذيب التهذيب ج 1 ص 230 و 231 و مقدمة فتح الباري ص 386 و راجع: تهذيب الكمال ج 2 ص 421 و 422 و تهذيب تاريخ دمشق ج 2 ص 439.
و قال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم.
و ذكره يعقوب بن سفيان في باب من يرغب في الرواية عنه.
و قال البزار: ليس بثقة، و لا حجة، و ضعفه أبو حاتم، و العقيلي، و أبو العرب و المقدمي، و محمد بن عبد اللّه بن عمار، و ابن الجارود، و ابن عبد البر، و ابن حزم، و الخطيب، و أبو داود، و غيرهم (1).
7-عطاء الخراساني: ذكره البخاري: في الضعفاء.
و قال سعيد بن المسيب: كذب علي عطاء، ما حدثته هكذا.
و قال ابن حبان: كان رديء الحفظ، يخطئ و لا يعلم، فبطل الاحتجاج به (2).
و ذكره ابن الجوزي في الضعفاء و قال ابن حجر: يهم و يخطئ و يدلس. و نسبه سعيد بن المسيب إلى الكذب (3).
8-صالح بن أبي الأخضر: قال ابن معين: ليس بالقوي.
و قال مرة: ضعيف.
و قال الجوزجاني: اتهم في أحاديثه. .
و قال أبو زرعة: ضعيف الحديث.
و قال البخاري، و النسائي: ضعيف.
و قال الترمذي: يضعف في الحديث، ضعفه يحيى القطان و غيره.
و قال ابن عدي: في بعض حديثه ما ينكر، و هو من الضعفاء الذين يكتب حديثهم، و ذكره الفسوي في باب من يرغب في الرواية عنهم، و كنت أسمع أصحابنا يضعفونهم.
و قال الدارقطني: لا يعتبر به.
و قال المروزي: لم يرضه أحمد، إلى آخر ما هنالك (1).
9-معاوية بن يحيى الصدفي: الذي كان على بيت المال بالري من قبل المهدي العباسي.
قال يحيى بن معين: هالك، ليس بشيء.
و قال الجوزجاني: ذاهب الحديث.
و قال أبو زرعة: ليس بقوي، أحاديثه كأنها منكرة. .
و قال أبو حاتم: ضعيف في حديثه إنكار.
و قال أبو داود، و النسائي، و أبو علي النيسابوري: ضعيف.
و قال النسائي أيضا: ليس بثقة.
و قال في موضع آخر: ليس بشيء.
1) تهذيب التهذيب ج 4 ص 380 و 381 و راجع: سير أعلام النبلاء ج 7 ص 304. و تهذيب الكمال ج 13 ص 13-15 و الجرح و التعديل ج 4 الترجمة رقم 1727 و أحوال الرجال الترجمة رقم 182 و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 320 و الضعفاء و المتروكون للنسائي الترجمة رقم 302 و المجروحون ج 1 ص 368 و 369 و راجع تقريب التهذيب.
و قال ابن عدي: عامة رواياته فيها نظر.
و قال الحاكم أبو أحمد: يروي عنه الهقل بن زياد، عن الزهري أحاديث منكرة، شبيهة بالموضوعة.
و قال الساجي: ضعيف الحديث جدا، و كان اشترى كتابا للزهري من السوق، فروى عن الزهري. .
و قال أحمد بن حنبل: تركناه (1). إلى آخر ما هنالك. .
10-ابن أبي عتيق: قال ابن حبيب: «. . و حد مروان أيضا: ابن أبي عتيق. و اسمه: عبد اللّه، بن محمد، بن عبد الرحمن، بن أبي بكر، في الخمر، فلقيه أبو قتادة بن ربعي الأنصاري، بعد ما ضرب، فقال: يا ابن أخي، ما صنع بك في خليلة ضربوك؟
فقال: كلا و اللّه يا عمرو، إنها لصهباء من داروم، أو بابلية، أو من بلاس، بلد بها الخمور، فقال أبو قتادة: فلا أراهم إذن ظلموك. .» (2).
و قد قالت فيه امرأته، و هي أعرف الناس به:
أذهبت مالك غير متّركفي كل مومسة و في الخمر (3)
كل ما تقدم كان استطرادا في مناقشة سند بعض ما روي عن الزهري
في غير الصحاح الستة. . و الباقون من الرواة عنه: إما مجهول، و إما لا يمكن الاعتماد على روايته. إما لضعفه في نفسه، و إما لضعف من يروي عنه. .
فالراوون عن الزهري إذن ترد بضاعتهم إليهم، و لسنا على ذلك من النادمين. .
و من رواة حديث الإفك عن عائشة، من غير طريق الزهري: 1-الأسود بن يزيد: و قد كان يقع في علي «عليه السلام» عند بعض أمهات المؤمنين. و مات على ذلك.
و قالت امرأة مسروق بن الأجدع: إنه كان يفرط في سب علي «عليه السلام» ، و بقي على ذلك حتى مضى لشانه.
وعده الثقفي من فقهاء الكوفة الخارجين عن طاعة علي «عليه السلام» ، و من أهل العداوة و البغض له (1).
2-مقسم مولى ابن عباس: ممن روى ذلك عن عائشة في غير الصحاح-باختصار-قال ابن حزم: ليس بالقوي.
و قال الساجي: تكلم بعض الناس في روايته.
و قال ابن سعد: كان كثير الحديث ضعيفا.
و ذكره البخاري في الضعفاء، و قال في التاريخ الصغير: لا يعرف لمقسم
1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 97 و 98 و الغارات للثقفي ج 2 ص 559.
سماع من أم سلمة، و لا ميمونة، و لا عائشة (1).
3-أفلح مولى أبي أيوب: و هو لم يحضر قضية الإفك، لأنه من سبي أبي بكر من عين التمر، فروايته مرسلة.
4-سفيان بن وكيع: روى عنه ابن جرير قضية الإفك، عن علقمة بن وقاص. و سفيان هذا لا يمكن الاعتماد عليه أصلا. .
فقد قال عنه البخاري: يتكلمون فيه لأشياء لقنوه.
و قال أبو زرعة حينما سئل عنه: لا يشتغل به و كان يتهم بالكذب.
و ذهب إليه أبو حاتم و جماعة من مشايخ أهل الكوفة، و نصحوه، و أخبروه أن ورّاقه يدخل بين حديثه ما ليس منه. . و لكنه لم يفعل شيئا.
و قال النسائي: ليس بثقة. و في موضع آخر: ليس بشيء.
إلى غير ذلك مما لا مجال لاستقصائه (2).
5-محمد بن المثنى:
1) تهذيب التهذيب ج 2 ص 382 و 383 و راجع: التاريخ الصغير للبخاري ج 1 ص 294 و طبقات ابن سعد ج 7 ص 471 و المحلى ج 2 ص 189 و ج 5 ص 219 و ج 10 ص 80 و 81 و ج 11 ص 45 و ميزان الإعتدال ط سنة 1416 ه ج 6 ص 508.
2) راجع: تهذيب التهذيب ج 4 ص 124 و سير أعلام النبلاء ج 12 ص 152 و تهذيب الكمال ج 11 ص 202 و 203 و ميزان الإعتدال ط سنة 1416 دار الكتب العلمية ج 3 ص 249 و 250 و الجرح و التعديل ج 4 ص 231 و 232.
روى عنه البخاري قضية دخول ابن عباس على عائشة عند موتها الخ. .
و قد قال فيه صالح بن محمد: صدوق اللهجة، و كان في عقله شيء.
و قال النسائي: لا بأس به، كان يغير في كتابه (1).
6-بندار: في رواية الترمذي و أبي داود، و ابن ماجة-و هو محمد بن بشار-قال عبد اللّه بن محمد بن سيار: سمعت عمرو بن علي يحلف: أن بندارا يكذب فيما يروي عن يحيى. و كان يحيى بن معين، لا يعبأ به و يستضعفه.
و كان القواريري لا يرضاه و قال: كان صاحب حمام، و سئل ابن المديني عن حديث رواه بندار، فقال: هذا كذب. و أنكره أشد الإنكار. . إلى غير ذلك (2).
7-ابن أبي مليكة: و أما رواية البخاري، عن ابن أبي مليكة: أن ابن عباس دخل على عائشة حين موتها و مدحها بما تقدم، فهي رواية لا يمكن الاعتماد عليها، فإن ابن أبي مليكة كان مؤذنا لعبد اللّه بن الزبير و قاضيا له (3).
1) راجع: تهذيب التهذيب ج 9 ص 426 و 427 و ميزان الإعتدال ط سنة 1416 ج 6 ص 318 و سير أعلام النبلاء ج 12 ص 24 و تهذيب الكمال ج 26 ص 363.
2) راجع: تهذيب التهذيب ج 9 ص 71 و 72 و سير أعلام النبلاء ج 12 ص 147 و 148 و تهذيب الكمال ج 24 ص 55 و راجع ص 516 و تاريخ بغداد ج 2 ص 103 و فتح الباري المقدمة و ميزان الإعتدال ط سنة 1416 ه ج 6 ص 79.
3) تهذيب الكمال ج 15 ص 256.
هذا عدا عن أن الرواية مرسلة، إذ قد أورد هذه الرواية ابن سعد، و أحمد، عن ابن أبي مليكة، عن ذكوان، فأسقط البخاري ذكوان من سند الرواية، أو أنه أسقط غيره لا ندري، فتكون مرسلة لا حجة فيها، لأن ابن أبي مليكة لم يشهد ذلك و لا سمعه من ابن عباس حال قوله لعائشة من دون توسط ذكوان أو غيره (1).
و وجه العسقلاني ذلك: بأن من المحتمل أن يكون شهد ذلك لكنه نسيه، فذكره به ذكوان (2).
و بقي في المقام كلمات بعض التابعين، كالضحاك، و مجاهد، و ابن سيرين، و أضرابهم حول كون حديث الإفك في عائشة. . و يكفي إرسالها ضعفا فيها، فضلا عن سوى ذلك.
و حسبنا ما ذكرناه حول أسانيد روايات الإفك، فإن فيما ذكرناه مقنعا للمنصف الخبير، و الناقد البصير. .
و تكون النتيجة بعد تلك الجولة هي: أنه لا روايات الصحاح، و لا غيرها يصح الاعتماد عليها سندا لإثبات حديث الإفك، و نسبته إلى عائشة. . و إن غالب ما ورد في ذلك إما مرسل، أو معلق، أو منقطع. . و المتصل منه ضعيف السند، لا يصح الاعتماد عليه. .
و قد اتضح أيضا: أن عمدة تلك الأحاديث، و جلها إن لم يكن كلها
ينتهي إلى عائشة، و يبدأ بها. . و فضلا عن أنها جميعا لم تسلم أسانيدها من الطعن و التضعيف: فإننا قد وجدناها متناقضة متباينة كما سيتضح. .
و لعله يجوز لنا هنا أن نسأل: إن قضية بهذه الأهمية، و حصل لها مثل ذلك الشيوع و الاشتهار، حتى لم يبق بيت، و لا ناد، إلا طار فيه، حتى إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد خطب الناس لأجلها مرتين، و نزلت فيها آيات قرآنية كثيرة، نعم، إن قضية هذا حالها، كيف لم ترو إلا عن عائشة؟ أو على الأقل لا يمكن إثباتها إلا من قبلها؟ ! إن ذلك لعجيب حقا! ! و أي عجيب! ! . .
و أخيرا. . و إذا جاز للزهري: أن يتهم عائشة، و عروة على بني هاشم و علي «عليه السلام» ، و ينسب إليها: أنها لا تتورع من أن تنسب لهم ما ليس بحق، بدافع من حقدها عليهم، و بغضها لهم.
فلماذا لا نجيز نحن لأنفسنا: أن نحتمل أن حب عائشة لنفسها، أو على الأقل حب أتباعها لها، و بغضهم لعلي و لا سيما عروة بن الزبير، و ذكوان، و مسروق بن الأجدع و من هو منها بسبب، أو بسبيل، قد دفعهم إلى نسبة القضية لعائشة و تزيدوا فيها ما شاءت لهم قرائحهم، على اعتبار: أن ذلك يرفع من شأن عائشة، لنزول آيات قرآنية فيها من جهة. . و يحرم عليا من فضل كشفه لحقيقة الإفك التي جرت لمارية، و يبرئ أقواما قد دنسوا أنفسهم فيها؟
و لهذا نلاحظ: حرص رواية عائشة على اتهام علي «عليه السلام» بمجانبة الحق و اتباع الهوى، و لهذه القضية نظائر كثيرة.
و على كل حال. . فإننا سوف نرجئ إصدار حكم قاطع في ذلك بعد النظر في متون روايات الإفك هذه، و التدبر فيها؛ فإلى الفصول التالية.
إن من أمعن النظر في روايات الإفك المتقدمة، و غيرها، يجد التناقض و الاختلاف الكثير الكثير فيما بينها واضحا بينا. . حتى إنه ليجد طائفة من هذه الاختلافات و التناقضات في الرواية الواحدة. . بل إننا نستطيع أن نؤكد أن كل كلمة فيها قد وقع الاختلاف و التغيير فيها، كما لا يخفى على من يراجع الروايات.
و حيث إن استقصاء ذلك يستدعي إسهابا في القول، و وقتا طويلا، فقد آثرنا أن نقتصر على موارد محدودة من هذه التناقضات و الاختلافات لنعرضها على سبيل المثال، لا الحصر. . و نترك بقية ذلك إلى من يهمه الأمر، و تقتضي حاجته الاستقصاء فنقول:
1-اختلفت الروايات فيمن تولى كبر الإفك: فبعضها يقول: هو عبد اللّه بن أبي فقط كمجاهد و غيره (1).
و بعضها يقول: هي حمنة.
1) الدر المنثور ج 5 ص 33 و راجع: البحار ج 20 ص 314 و المعجم الكبير للطبراني ج 23 ص 137 و قد تقدم عن البخاري و غيره في فصل النصوص و الآثار.
و في رواية أنهم: ابن أبي، و حسان، و مسطح (1). .
و ثالث يذكر: أنهم حسان، و مسطح، و حمنة (2).
و رابع يذكر-و هو قتادة-: «أن الذي تولى كبره رجلان من الصحابة، أحدهما من قريش، و آخر من الأنصار» (3). . و نظن أن المقصود هو: ابن أبي، و مسطح-أو علي-.
و خامس يقول: الذي تولى كبره هو حسان، كما في رواية مسروق، عن عائشة.
و عند ابن هشام: أنه ابن أبي في رجال من الخزرج (4)و مسطح، أو حسان، و مسطح (5).
و عند الطبراني هم: ابن أبي، و مسطح، و حسان، و حمنة (6).
و بنو أمية يقولون: هو علي «عليه السلام» . .
2-و اختلفت أيضا الروايات فيمن جلد الحد: فبعضها يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أمر برجلين و امرأة فجلدا
1) جامع البيان ج 18 ص 70 و البحار ج 20 ص 314 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 355 -338 و راجع: مسند أحمد ج 6 ص 60.
2) و هو قول الضحاك، تفسير النيسابوري، هامش الطبري ج 18 ص 62.
3) الدر المنثور ج 5 ص 33 عن عبد بن حميد.
4) السيرة النبوية ج 3 ص 312 و البداية و النهاية ج 4 ص 161 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 267 و الكامل ج 2 ص 267.
5) المعجم الكبير ج 23 ص 138.
6) المعجم الكبير ج 23 ص 137.
الحد، و فسر الرجلان بحسان، و مسطح، و المرأة ب «حمنة» .
و ورد التصريح بذلك في روايات أخرى، و كتب السير و التاريخ تميل عموما إلى هذا. .
و صرح البعض: بأن ابن أبي لم يجلد (1).
و يذكر البعض بدل حمنة: «أم حسنة» بنت جحش (2). و لربما تكون أم حسنة كنية لحمنة. .
و بعضها يقول: إنه ضرب ابن أبي حدين، و بعث إلى حسان و مسطح و حمنة، فضربهم ضربا وجيعا، و وجئ في رقابهم. .
و بعضها، و هي رواية أبي اليسر: لا تذكر الوجأ في الرقاب (3)كما أنها لم تذكر حسان بن ثابت.
و ذكر ابن حبيب أسماء من حدّ من قريش، فقال: «حد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب بن عبد مناف، و هو ابن خالة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه في قذفه عائشة رضي اللّه عنها بالإفك» (4).
لكن ذلك لا يعني أنه لم يحد أحد من الأنصار.
و ذكر المفيد: ضرب حسان الحد (5).
و في بعضها: أنه أمر برجلين و امرأة، فضربوا حدين.
و بعضهم: يقتصر على ذكر حسان و مسطح، و لا يذكر حمنة (1).
و البعض يذكر: أنه ضرب الأربعة، حسان، و مسطح، و ابن أبي، و حمنة ثمانين ثمانين (2). .
و بعضها يضيف إليهم: زيد بن رفاعة (3).
و ذكرت رواية أخرى: ثلاثة جلدوا ثمانين، و لم تذكر ابن أبي (4).
و يضيف البعض: عبيد اللّه بن جحش أيضا (5).
و أضيف أيضا: عبد اللّه بن جحش.
و يقول البعض، و العبارة لابن عبد البر: «. . و أنكر قوم أن يكون حسان خاض في الإفك، و جلد فيه» .
و روي عن عائشة: أنها برأته من ذلك. . ثم ذكر أنها قالت في حال
1) الكشاف ج 3 ص 221 و تفسير النيسابوري بهامش الطبري ج 18 ص 66.
2) المعجم الكبير ج 23 ص 152 و 111-117 و مجمع الزوائد ج 7 ص 80 و ج 9 ص 236.
3) تاريخ الخميس ج 1 ص 479، و قال: كذا في معالم التنزيل، و الإكتفاء.
4) مسند أبي يعلى ج 8 ص 339 و أشار في الهامش إلى المصادر التالية: المصنف لعبد الرزاق برقم 9750 و 9749 و سنن أبي داود برقم 4475 و 4474 و سنن البيهقي ج 8 ص 250 و سنن ابن ماجة برقم 2567 و الجامع الصحيح للترمذي برقم 3180 و مسند أحمد ج 6 ص 35.
5) السيرة الحلبية ج 2 ص 300.
الطواف لأم حكيم و رفيقتها: «بل لم يقل شيئا» (1).
و قال الدياربكري: و في السمط الثمين، قال أبو عمر: و هذا عندي أصح، لأنه لم يشتهر جلد حسان، و لا عبد اللّه، و لا من اشتهر من الجميع (2). .
و أخرج البيهقي عن فليح بن سليمان، قال: و سمعت ناسا من أهل العلم يقولون: إن أصحاب الإفك جلدوا الحد، و لا نعلم ذلك فشا (3). .
و صحح الماوردي: أنه لم يجلد أحد (4). .
و قال ابن الأثير عن حمنة: «فقال بعضهم: إنها جلدت مع من جلد، و قيل: لم يجلد أحد» (5).
و قال الواقدي: «قال أبو عبد اللّه: و يقال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يضربهم، و هو أثبت عندنا» (6).
3-بعض تلك الروايات يقول: إن براءة عائشة، و الوحي نزل في حضور عائشة، و إنه «صلى اللّه عليه و آله» بشرها ببراءتها في نفس ذلك المجلس، بعد أن طلب منها الإقرار به و التوبة. .
و في بعضها عن عائشة: «أنها لم تكن حين نزول براءتها، و إنما أمر النبي
«صلى اللّه عليه و آله» أبا بكر أن يأتيها و يبشرها، فجاء يعدو يكاد يعثر» (1).
4-و أما من الذي قرأ آية البهتان العظيم، فهو أيضا غير واضح، فبعضها يقول: إنه أبو أيوب. . و بعضها يضيف: زيد بن حارثة. .
و ثالثة: تنسب ذلك إلى سعد بن معاذ. .
و رابعة: تنسب ذلك إلى رجل أنصاري دون تعيين. .
و خامسة: إنه أسامة بن زيد. .
و سادسة: إنه أبي بن كعب. .
و سابعة: إن قتادة بن النعمان هو الذي قال ذلك. .
و احتمال أن يكون كل واحد من هؤلاء قد قرأ هذه الآية، لكن كل راو قد أخبر بما رآه أو بما بلغه. . غير مقبول، لأن ظاهر سياق الروايات هو: أن الذي قال ذلك هو واحد بعينه في حادثة بخصوصها.
5-بعض الروايات يقول: إن زيد بن حارثة كان حيا حينئذ، و أنه قال: سبحانك هذا بهتان عظيم. .
و بعضها يقول: إنه كان قد توفي. .
6-ظاهر طائفة من الروايات كرواية ابن إسحاق: أنها خرجت وحدها في تلك الغزوة، حيث تقول: أقرع بين نسائه فخرج سهمي عليهن.
و يقول مغلطاي، و السمهودي، و في رواية الواقدي، و حديث ابن
1) الدر المنثور ج 5 ص 31، عن الطبراني، و ابن مردويه و المعجم الكبير ج 23 ص 120 و 123 و 124 و مجمع الزوائد ج 9 ص 230 و 237.
عمر (1): أنها خرجت هي و أم سلمة.
7-رواية تقول: إنها فقدت قلادتها، فحبسها ابتغاءها. .
و أخرى تقول: انفرط نظام قلادتها، فاحتبست في جمعها و نظامها.
8-رواية تقول: إنها بعد عودتها من قضاء حاجتها يممت منزلها فمكثت فيه، على أمل أن يعودوا إليها إذا فقدوها. .
و رواية ابن عمر تقول: إنها تبعتهم حتى أعيت، فقامت على بعض الطريق، فمر بها صفوان (2).
9-رواية تقول: إن صفوان ركب، و أردفها خلفه كما في مرسل مقاتل. .
و أخرى تقول: ركبت الراحلة، و كان صفوان يقودها. .
10-رواية تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» استشار عليا و أسامة، و قرر بريرة، ثم ذهب إلى المسجد، و خطب الناس. .
و أخرى تقول: إنه ذهب إلى المسجد قبل ذلك. .
11-رواية تقول: إنه صعد المنبر، و استعذر من ابن أبي، قبل أن تعلم عائشة بالأمر (3).
1) فتح الباري ج 8 ص 346 و وفاء الوفاء ج 1 ص 143 و المواهب اللدنية ج 1 ص 109 و سيرة مغلطاي ص 55 و المعجم الكبير ج 23 ص 125-129 و مجمع الزوائد ج 9 ص 240 و الدر المنثور ج 5 ص 28 و 29 عن ابن مردويه، و الطبراني.
2) فتح الباري ج 8 ص 349 و المصادر في الهامش السابق.
3) كما في رواية علقمة في جامع البيان ج 18 ص 76 و رواية عروة عن عائشة كما في مسند أبي يعلى ج 8 ص 335-338 و راجع مسند أحمد ج 6 ص 60.
و بعضها يقول: إنها علمت بالأمر، و ذهبت إلى أهلها، و كان ما كان من بكاء أبي بكر، و سائر أهل الدار، فبلغ ذلك النبي «صلى اللّه عليه و آله» فاستعذر ممن يؤذيه.
و رواية تقول: إنها علمت الأمر قبل ذهابها لبيت أهلها، فاستأذنت بالذهاب إليهم لتستيقن الخبر منهم.
و أخرى تقول: بل علمت بالأمر بعد ذهابها إليهم.
12-و ثمة رواية يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن استعذر عاد إلى عائشة، و حاول تقريرها، و هذا يتناقض مع استعذاره من ابن أبي، و إظهاره حسن ظنه بصفوان في المسجد.
13-بعض الروايات تقول: إنها لما وصلت إلى أمها و كلمتها في الأمر، سمع أبو بكر، فأقسم عليها أن ترجع إلى بيتها فرجعت. . و نزلت براءتها في بيتها عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
و رواية مقاتل تقول: إن أباها طردها كما طردها الرسول، فانطلقت تجول لا يؤويها أحد، حتى أنزل اللّه عذرها (1).
و تناقضها رواية أخرى تقول: إن أبا بكر رفض إيواءها، فأمره الرسول «صلى اللّه عليه و آله» أن يؤويها ففعل.
14-و رواية تقول: إنها علمت بالأمر من أم مسطح، ثم ذهبت إلى أمها لتستيقن الخبر.
و أخرى تقول: إن أمها كانت حاضرة حينما علمت بالأمر من المرأة
1) فتح الباري ج 8 ص 353، عن الحاكم في الإكليل، و بعض من تأخر عنه.
الأنصارية.
15-و واحدة تقول: إن أم مسطح المهاجرية أعلمتها بالأمر في طريقها إلى المناصع ذهابا، أو إيابا.
و أخرى تقول: علمت بذلك من أنصارية، و أمها كانت عندها.
و من المضحك المبكي هنا محاولة العسقلاني رفع التنافي بالقول: بأنها علمت أولا من أم مسطح، فذهبت إلى أمها لتستيقن الخبر، فأخبرتها مجملا، ثم جاءت الأنصارية، فأخبرتها بمثل ذلك، بحضرة أمها (1). . فإن ذلك لا شاهد له، و لا سيما بملاحظة: خصوصيات الروايات الأخرى، كما لا يخفى على من راجعها. . و بملاحظة: أن الأنصارية قد أخبرت عائشة بالأمر في بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لا في بيت أمها. . و أنها غشي عليها لما علمت بالأمر من الأنصارية. إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه.
16-و عن أحوال مرضها، رواية تقول: إنها مرضت بضعا و عشرين ليلة (2).
و رواية الزهري تقول: مرضت شهرا كاملا.
و ثالثة: سبعا و ثلاثين يوما، كما حكاه السهيلي عن بعض المفسرين، و كذا الحلبي. . و عند ابن حزم: أن مدة المرض كانت خمسين يوما أو أزيد! !
و جمع العسقلاني: بأن رواية الزهري قد ألغت الكسر الذي في غيرها. .
و رواية الخمسين، أو الأكثر: هي المدة التي كانت بين قدومهم المدينة، و نزول القرآن ببراءتها. .
و أما التقييد بالشهر: فهو المدة التي أولها إتيان عائشة إلى بيت أبويها (1).
و لكن قد فاته: أن نزول القرآن بالبراءة قد كان بعد قدومها بيت أبويها بمدة قليلة جدا أي ليلتين و يوما، كما نصت عليه الرواية الأولى و في الثانية ليلة واحدة. .
و لم يعرفنا العسقلاني: أي الكسرين هو الصحيح؟ هل هو كسر البضع و العشرين؟ أم كسر السبع و الثلاثين؟
و قوله في وجه ذكر الخمسين: لم يقم على صحته دليل، بل هو محض تخرص، و رجم بالغيب.
17-و ثمة رواية تقول: إنها خرجت بعد أن نقهت، أي برئت من مرضها. .
و نفس الرواية تعود فتقول: فازددت مرضا على مرضي.
و رواية تقول: أنها و عكت و مرضت عندما أخبرتها أم مسطح بالأمر. . و لم تكن قبل ذلك تجد شيئا.
و واحدة تقول: أخذتها الحمى النافض، عندما أخبرتها أم مسطح، قبل أن تصل إلى بيتها.
و أخرى تقول: أخذتها الحمى في البيت حينما أخبرتها الأنصارية.
18-واحدة تقول: إنها نقهت من مرضها، ثم ذهبت إلى بيت أبيها.
1) راجع: فتح الباري ج 8 ص 363.
و أخرى تقول: إنها ذهبت، ثم مرضت (1).
19-و هناك رواية تقول: إن عليا «عليه السلام» أشار على النبي «صلى اللّه عليه و آله» بسؤال بريرة.
و أخرى تقول: إن الذي أشار بذلك هو: أسامة بن زيد، و علي أشار بطلاقها (2).
20-و أيضا، رواية تقول: إن عليا «عليه السلام» أشار بطلاقها. .
و أخرى تقول: إنه أشار ببراءتها، و لم يذكر عن الطلاق شيئا. .
21-رواية تقول: إن أم مسطح عثرت قبل قضاء عائشة حاجتها. . و أنها بعد أن علمت بالأمر رجعت دون قضاء حاجتها، كأن الذي خرجت له لا تجد منه قليلا و لا كثيرا. .
و رواية أخرى تقول: إنها عثرت بعد قضاء الحاجة في حال رجوعها.
22-و أيضا فإن رواية تقول: إنها أخبرتها من حين العثرة الأولى.
و رواية علقمة (3): أنها أخبرتها في الثانية. .
و رواية ثالثة تقول: بعد الثالثة. .
23-و أيضا رواية تقول: عثرت في مرطها. .
و أخرى تقول: وقع السطل من يدها. .
و ثالثة: إنها وطئت على عظم أو شوكة (4). .
24-و أيضا رواية: أنها ذهبت إلى المناصع مع أم مسطح من بيت أبي بكر (1). و أخرى تقول: من بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» (2). .
25-هناك رواية تذكر: خروجها مع نساء منهن أم مسطح.
و رواية أخرى: تقتصر على ذكر أم مسطح التي حملت لها الأداوة إلى المناصع.
26-و أما ما جرى بعد رحيل الجيش، فإن ثمة رواية تقول: و اللّه ما كلمني بكلمة، و لم أسمع غير استرجاعه.
و بعضها يذكر: أنه سألها عن سبب تخلفها عن الجيش، فأخبرته بأمر القلادة، و كلاما غير ذلك.
و ثالثة تقول: إنه سألها فلم تجبه.
27-رواية تقول: إن البراءة أتتها و هي في بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
و أخرى تقول: أتتها البراءة و هي في بيت أبيها.
و حاول العسقلاني الجمع: بأن أبويها جاءا إليها في المكان الذي هي فيه: و هو بيت أبيها نفسه (3).
و نحن لا ندري كيف يمكن فهم كلام العسقلاني هذا، فمن فهم منه شيئا فليتفضل علينا به، و له مزيد الشكر، إذ أننا نجد التصريح في الروايات بأن أباها امرها بالعودة إلى بيتها.
و في أخرى: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمره بإيوائها.
و كلا الروايتين لا تنسجم مع كلام العسقلاني.
28-رواية تقول: إن صفوان قد عرفها فور رؤيته لها، لأنه كان يراها قبل ضرب الحجاب.
و رواية ابن عباس، و أبي هريرة، تقول: إنه ظنها رجلا، و لم يعرفها حتى عرفته بنفسها.
29-في رواية ابن عمر: أنها استأذنت الرسول «صلى اللّه عليه و آله» أن تأتي أهلها فأذن لها و أرسل معها الغلام.
مع أن الرواية نفسها تنص على أنها قالت لأبيها: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» طردها. فرفض أبو بكر حينئذ إيواءها.
و قال: أؤويك و طردك رسول اللّه؟ ! فلم يؤوها. . حتى طلب الرسول «صلى اللّه عليه و آله» منه ذلك، ففعل.
فإذا كان الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قد طردها حقا. . فلماذا تقول: إنها استأذنته، فأذن لها، و أرسل معها الغلام؟ ! و إن كان الرسول لم يطردها، فلابد من التأمل في الدوافع التي دفعتها لأن تخبر أباها بغير الحقيقة.
30-لقد اختلفت الروايات في من استشارهم الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في أمر الإفك، فذكرت تلك الروايات كلا أو بعضا: الأسماء التالية: عمر، عثمان، أم أيمن.
و في رواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» سأل زينب بنت جحش عن أمرها.
و في أخرى: أنه سأل زيد بن ثابت.
و لكننا نجد: أن رواية ابن عمر المتقدمة تصرح بأنه «صلى اللّه عليه
و آله» إذا أراد أن يستشير في أمر أهله لم يعد عليا و أسامة! !
31-و بعضها يقول: إن عائشة سألت أمها عن علم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالأمر، فأخبرتها.
و أخرى تقول: إن المسؤول و المجيب، هو المرأة الأنصارية بحضور أم رومان.
32-و في بعضها: أنه قد هجرها القريب و البعيد، حتى الهرة.
و في بعضها: أن أبويها، و لا سيما أمها، كانا عندها يخففان من مصابها، و أن امرأة من الأنصار كانت تبكي حالها، و كذا أم مسطح. .
بل في بعضها: أن الهرة أيضا كانت تبكي حالها (1). .
33-و ثمة رواية تقول: إنها لما خاض الناس في الإفك أرسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى عائشة قالت: «فجئت و أنا انتفض من غير حمى» (2).
فسألها عما يقول الناس: فقالت: إنها لا تعتذر حتى ينزل عذرها من السماء.
و في رواية أم رومان: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه قد جاء فوجدها قد أخذتها حمى بنافض، لأنهم أخبروها بقول أهل الإفك، فقالت: و اللّه لئن حلفت لا تصدقوني. .
إلى أن تقول: و انصرف و لم يقل شيئا، فأنزل اللّه عذرها.
34-و في رواية: أنه لما استعذر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ممن أفك على أهله، تثاور الحيان الأوس و الخزرج، فلم يزل يخفضهم و هو قائم على المنبر
حتى سكتوا و سكت.
و ظاهر رواية ابن عمر عن عائشة أيضا ذلك.
لكن رواية أخرى تقول: إن الأوس و الخزرج تواعدوا في الحرة، فلبسوا السلاح، و خرجوا إليها، فأتاهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» هناك (1).
35-و ثمة نص يقول: إنها بكت ليلتين و يوما.
و نص آخر يقول: إنها بكت يومين و ليلتين (2).
36-و في رواية: «أنه «صلى اللّه عليه و آله» دخل عليها و قد اكتنفها أبواها عن يمينها و عن شمالها، فسألها، فأجابته، فنزل الوحي ببراءتها» . .
و في أخرى: «أنه «صلى اللّه عليه و آله» دخل بيتها، و بعث إلى أبويها، فأتياه، فحمد اللّه، و أثنى عليه الخ. .» (3).
37-ثم هناك رواية تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد فوض عليا «عليه السلام» تقرير بريرة، فقررها.
و أخرى تقول: إنه هو «عليه السلام» و النبي «صلى اللّه عليه و آله» معا خليا بجاريتها يسألانها عنها (4).
و رواية ثالثة تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي سأل بريرة فبرأتها.
و حسبنا ما ذكرناه هنا. . فإن استقصاء كل ذلك صعب، و يحتاج إلى وقت طويل، و صبر جميل. . و لا سيما إذا أردنا تتبع الاختلاف فيما يؤثر من الأقوال و الأفعال. . فإنك تكاد لا تجد صيغة واحدة متفقا عليها، حتى في روايات الراوي الواحد.
فإن رواية الزهري من طريق فليح تختلف اختلافا بينا عنها من طريق صالح بن كيسان مثلا.
و على كل حال. . فإن الاختلاف لا يكاد يخفى على المتتبع الخبير، و الناقد البصير. . و فيما ذكرناه كفاية.
إن عائشة هي بطلة حديث الإفك، و يبدو لكل متأمل: أن ثمة عناية ظاهرة بإزجاء الإطراء، و المديح، و تسطير الفضائل الكثيرة لها في هذه المناسبة.
و قد حفلت فصول هذا الكتاب بالكثير من الدلائل على ذلك. . و في فصول أبواب حديث الإفك دلائل كثيرة ايضا. .
غير أن ذلك لا يغني عن عقد هذا الفصل الذي نورد فيه بعض الأمور التي احتاجت إلى بعض البيان لوجه الحق فيها، بالإضافة إلى التذكير بأمور تضمنها حديث الإفك بالذات. .
مع العلم بأن في هذا الكتاب مناقشات قوية، تؤكد بصورة قاطعة و جازمة عدم صحة كل تلك الفضائل المدعاة. .
و نحن نجمل ما أوردنا تفصيله أو إجماله في هذا الفصل مما يرتبط بحديث الإفك على النحو التالي. .
إن قضية الإفك التي نتحدث عنها قد كانت في غزوة المريسيع بالإجماع.
و قد تقدم: أن هذه الغزوة قد كانت سنة ست (1)، و قيل: سنة خمس، و قيل: أربع. .
و قد ذكرنا تفصيل ذلك كله، و من قال بهذا أو بذاك، و أثبتنا: أن القول الأول هو الصحيح في الجزء السابق من هذا الكتاب (2)فأغنى ذلك عن إيراده هنا.
قد ذكرت روايات الإفك: أن عائشة كانت حين قضية الإفك جارية حديثة السن، لا تقرأ كثيرا من القرآن، و أنها كانت تنام عن عجين أهلها حتى تأتي الداجن فتأكله.
و نقول: إن ذلك لا يمكن قبوله، فقد ذكرنا في مجلد سابق من هذا الكتاب: أنها لم تكن جارية حديثة السن حين قضية الإفك، بل كان عمرها حين تزوجها الرسول حوالي عشرين سنة، إن لم يكن أكثر من ذلك بكثير، بدليل أنها أسلمت في أول البعثة، بعد ثمانية عشر إنسانا فقط، بالإضافة إلى أمور أخرى ذكرناها هناك، فراجع. .
ثم إنهم من أجل التأكيد على حداثة سن عائشة، ادّعوا: 1-إنها كانت في ذلك الوقت لا تقرأ كثيرا من القرآن. .
2-إنها كانت تنام عن عجين أهلها حتى تأتي الداجن فتأكله، على حد التعبير المنسوب إلى بريرة.
و لنا مع هذا الكلام وقفات و تساؤلات، نوجزها كما يلي: أولا: إن من كان عمرها حوالي عشرين سنة، و قد مضى على وجودها في بيت الرسول «صلى اللّه عليه و آله» حوالي خمس أوست سنوات، كيف لم تقرأ حتى الآن كثيرا من القرآن؟ !
ثانيا: إذا كانت في قلة الفطنة و الوعي بحيث تنام عن عجين أهلها، حتى تأتي الداجن فتأكله، و هي بهذه السن العالية فمتى تجاوزت هذا الدور الطفولي الساذج يا ترى؟ !
و كيف روت عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك القدر العظيم من الروايات، حتى لا يضارعها أحد في ذلك كثرة، اللهم إلا إن كان أبو هريرة؟ ! .
ثالثا: هل كانت الجارية حديثة السن، التي تنام عن عجين أهلها، تحسن القيام بذلك الدور التي تنسبه لنفسها في حديث الإفك؟ ثم التكلم بتلك الكلمات القوية، ذات المغزى العميق التي يقال: إنها واجهت النبي بها و غيره؟ !
هذا كله. . عدا عن مواقفها و أفعالها الذكية مع أم سلمة، و زينب بنت جحش، و سائر أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد قضية الإفك و قبلها.
و احتمل العسقلاني: أن يكون قولها: و كنت جارية حديثة السن، يراد به: الإشارة إلى إقامة عذرها في حرصها على العقد، و تركها إعلامها أهلها،
و لذا أعلمت النبي «صلى اللّه عليه و آله» بضياع عقدها في حادثة التيمم (1).
و لقد فات العسقلاني: أولا: أن سياق الكلام ظاهر في أنها تقيم العذر على عدم التفاتهم لخفة الهودج، بسبب صغر حجمها الناشئ عن صغر سنها.
ثانيا: إن حادثة التيمم، كانت في نفس هذه السفرة أيضا كما سيأتي. فكيف انتبهت هناك، و غفلت هنا، مع أنها في كلتيهما كانت لا تزال جارية حديثة السن؟ !
ما ورد في الرواية: من أنهم رحلوا هودجها، و لم يشعروا بأنها لم تكن فيه بسبب هزالها و خفتها، يرد عليه:
أولا: قد روي عن عائشة نفسها أنها قالت: «أرادت أمي تسمنني لدخولي على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فلم أقبل منها بشيء مما تريد حتى أطعمتني القثاء و الرطب، فسمنت عليه أحسن السمن» (2).
ثانيا: إننا نجد التصريح في الروايات: بأنها كانت في هذه الغزوة سمينة، فقد روى في الإمتاع، و روى الواقدي و غيرهما: أنه «صلى اللّه عليه و آله» تسابق في هذه الغزوة-المريسيع-مع عائشة، فتحزمت بقبائها، و فعل
هو كذلك، ثم استبقا، فسبقها رسول اللّه، و قال لها: هذه بتلك التي كنت سبقتني، يشير إلى مسابقة أخرى سابقة (1).
و ينص ابن الجوزي: و أبو داود، و غيرهما: أنها كانت في الغزوة التي سبقها فيها النبي قد سمنت و حملت اللحم (2).
إذن، فكيف تكون مهزولة تارة، حتى لا يحس بها حاملوها، و سمينة تحمل اللحم أخرى، حتى يسبقها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! !
ثالثا: مهما فرض فيها من ضعف البنية، و حتى لو فرضناها هيكلا عظميا فقط، فإن وزنها لابد أن يكون 30 كيلو غراما على الأقل. .
و على هذا. . فكيف لا يشعر الذين يحملونها في هودجها، بأنها ليست فيه؟ ! إن ذلك لعجيب حقا! و أي عجيب! !
و يتأكد العجب و الغرابة. . حينما نجدهم يقولون: إن الذين كانوا يحملونها في هودجها لا يزيدون على رجلين، أحدهما أبو موهبة (3)أو أبو مويهبة وحده (4).
1) مغازي الواقدي ج 2 ص 427 و السيرة الحلبية ج 2 ص 290.
2) راجع: سنن أبي داود ج 3 ص 530 و صفة الصفوة ج 1 ص 176 و قال: رواه الإمام أحمد، و أخرجه أيضا النسائي و ابن ماجة.
3) مغازي الواقدي ج 2 ص 427 و 428.
4) السيرة الحلبية ج 2 ص 292. . ثم احتمل الحلبي: أن يكون معه غيره يعاونه، و قال البلاذري: شهد أبو مويهبة غزوة المريسيع، و كان يخدم بعير عائشة، راجع: فتح الباري ج 8 ص 347 و إرشاد الساري ج 4 ص 391 و البداية و النهاية ج 5 ص 324.
حدث العاقل بما لا يليق له، فإن لاق له، فلا عقل له.
و من الطريف هنا قولهم: إن عائشة نفسها قد شعرت بعدم معقولية و لا مقبولية دعوى أن لا يشعر بها حاملوها، بسبب هزالها، و ضعفها، فعللت ذلك بأن النساء كنّ يأكلن العلقة من الطعام.
ثم ادّعت: أنها جارية حديثة السن لأجل ذلك و لغيره. .
و لكن. . و بعد ما قدمناه، هل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟ !
تنص الرواية على: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يحب عائشة، و لها حظوة عنده، و كانت حسناء جميلة. . و أن لها ضرائر حسدنها، فقلن فيها، و أكثرن عليها. .
و نحن نقول: قد تقدم أن جمال عائشة، و محبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لها و غيرة زوجات النبي «صلى اللّه عليه و آله» منها، و حسدهن لها لهو من الأمور التي لا يمكن أن تصح، و الصحيح هو العكس تماما، و هو الحقيقة التي كانت تؤلم عائشة، و كانت تسعى لإشاعة ما يناقضها.
و قد تقدم الحديث عن ذلك في بعض أجزاء هذا الكتاب (1)، فلا مجال
1) راجع: هذا الكتاب ج 4 ص 285-288.
لإعادته هنا.
فلا معنى لما تدّعيه لنفسها من جمال و وضاءة، و لا لما يدّعى لها: من بياض، فإنها كانت سوداء أو أدماء، و كانت أشبه الناس بأبيها، الذي لم يكن له حظ في الجمال، كما يظهر من وصفهم له.
أما تسميتها بالحميراء، فلعله كان لأجل صفرة أو حمرة في شعرها، فإذا انضم ذلك إلى أدمة الوجه، أو السواد فيه، فإن الأمر يصبح أكثر مجانبة للحالات الجمالية، لأنه يكون بعيدا كل البعد عن التناسق و الانسجام. . و يصبح وصف الجمال له أشبه بالنكتة و الدعابة.
و أما حظوتها، فقد عرفنا: أنها أيضا بعيدة عن الحقيقة، و أن غيرتها من سائر نسائه «صلى اللّه عليه و آله» ، و من مارية لخير شاهد على ما نقول. . فلا وقع لدعواها: أن زينب بنت جحش وحدها هي التي كانت تساميها من بين سائر نسائه «صلى اللّه عليه و آله» .
و قد ذكرت روايات الإفك التي رويت عن عائشة، و عن ابن عباس: أن عائشة قد اختصت بخصال: أربع، أو تسع، أو عشر، مثل:
أن الملك نزل إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بصورتها.
و كان يأتيه «صلى اللّه عليه و آله» الوحي، و هو معها في لحاف واحد.
و أنها رأت جبرائيل.
و أنه «صلى اللّه عليه و آله» قبض في بيتها، و لم يله أحد غيرها و غير الملك. و أنها كانت أحب الناس إليه.
و أنه تزوجها لسبع، و بنى بها لتسع.
و أنها نزل عذرها من السماء، أو نزلت فيها آيات كادت الأمة تهلك فيها.
و أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يتزوج بكرا غيرها.
و أنه كان يصلي و هي معترضة بين يديه.
و أنها، و أنها. .
فراجع: فصل: النصوص و الآثار، الحديث رقم 4 لتجد مصادر حديث خصائص عائشة هذه، و التي تضمنت الإشارة إلى حديث الإفك أيضا.
و نقول: قد تحدثنا في هذا الكتاب و في غيره عن موضوعات عديدة تعرضت لها هذه الروايات. . و أثبتنا عدم صحتها.
فقد ظهر مثلا عدم صحة قولها: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد تزوجها لسبع، و بنى بها لتسع.
و عدم صحة قولها: إنها كانت أحب الناس إليه، و أحظى نسائه عنده.
و عدم صحة قولها: إنها رأت جبرائيل، فإن من يرى جبرائيل يصاب بالعمى، كما هو معلوم.
و قد تحدثنا عن هذا الأمر فيما سبق (1).
و قد أثبتنا أيضا عدم صحة قولها: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» مات في بيتها، بل هو قد توفي في بيت فاطمة «عليها السلام» ، و دفن فيه.
و قد أثبت علماؤنا الأبرار عدم صحة قولها أيضا: إن النبي «صلى اللّه
1) راجع: هذا الكتاب ج 11 ص 86 و 87.
عليه و آله» قد مات في حجرها، بل هو قد مات في حجر علي.
و أما أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يصلي و هي معترضة بين يديه، فهذا من موجبات ذمها، لأن هذا سوء أدب منها معه «صلى اللّه عليه و آله» .
هذا بالإضافة إلى ما أثبتناه في هذا الكتاب من عدم صحة حديث الإفك الذي نسبته إلى نفسها، و بالتالي فلا يصح قولها: إن اللّه قد أنزل عذرها من السماء، أو أنزل في حقها آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيها. و تقصد بها الآيات التي تحدثت عن الإفك.
و أما دعوى: أن الملك قد نزل بصورتها للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فهي دعوى من تجرّ النار إلى قرصها، و لا تستطيع أن تجد من يشهد لها بصحتها، رغم: أن خديجة و غيرها من نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» اللواتي لم يظهر منهن أي شيء يؤذيه «صلى اللّه عليه و آله» أو يعكر عليه صفو حياته، و لم يظهر منهن أي بغض و أذى له، و لا خرجن على وصيه، و لا أظهرن الكره لسبطيه، إن هؤلاء أولى بهذا الإكرام و أحق بهذه العناية الإلهية، و قد كن جميعا محسودات من قبلها كما عرفنا، من كل حدب و صوب، و نحسب أن ذلك كله يكفي لإثبات عدم صحة روايات الإفك، و كذلك الحال بالنسبة لروايات خصائص عائشة.
بقي أن نشير إلى الشك الكبير الذي يراودنا فيما ذكرته روايات الإفك من أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يتزوج بكرا غير عائشة. . و هو الأمر الذي لم نزل نسمعها تردده على مسامع الناس، و يتبجح به محبوها؛ مع أن ذلك
موضع شك و ريب، كما يظهر من ملاحظة ما يلي:
أولا: قد تقدم في هذا الكتاب ما يدل على أن السيدة خديجة قد تزوجها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هي بكر، إذ قد ظهر عدم صحة ما يدّعونه من أنها قد تزوجت قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأحد من الناس.
فلا تصح دعوى عائشة: أنه لم يتزوج بكرا غيرها.
و ربما يجد الباحث في حرص عائشة على إتحاف نفسها بهذا الوسام، و بغيره من أوسمة ثبت بطلان نسبتها إليها، و حرمان سائر نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أية ميزة ثبتت لهن، ربما يجد في ذلك ما يبرر الشك في أن تكون عائشة نفسها و محبوها وراء الشائعات الباطلة عن زواج خديجة «عليها السلام» بغير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
ثانيا: قال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد اللّه الحضرمي، حدثنا عبد اللّه بن عمر بن أبان، حدثنا أبو أسامة، عن الأجلح، عن ابن أبي مليكة، قال: «خطب النبي «صلى اللّه عليه و آله» عائشة إلى أبي بكر، و كان أبو بكر قد زوجها جبير بن مطعم، فخلعها منه، فزوجها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هي ابنة ست سنين الخ. .» (1).
فهو يصرح في هذا النص: بأنها كانت متزوجة برجل آخر قبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يمكن أن يقدم على خطبة امرأة متزوجة فإن هذا يعطينا: أن أبا بكر قد خلعها من زوجها، ثم عرضها على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
1) المعجم الكبير ج 23 ص 26.
و أما أن عمرها كان آنئذ ست سنين، فقد أثبتنا أنه غير صحيح، بل كان عمرها حين تزوجها الرسول «صلى اللّه عليه و آله» حوالي عشرين سنة، أو أكثر.
ثالثا: قال ابن سعد: أخبرنا عبد اللّه بن نمير، عن الأجلح، عن ابن أبي مليكة، قال: خطب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عائشة إلى أبي بكر الصديق، فقال: يا رسول اللّه، إني كنت أعطيتها مطعما لابنه جبير، فدعني حتى أسلها منهم فاستسلّها منهم، فطلقها، فتزوجها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
فهذا النص يصرح أيضا بحدوث طلاقها بسبب: أن أبا بكر قد استسلها منهم. . و هو نص صريح لا مجال للمناقشة فيه.
و هو يدل على: أن الحديث عن خطبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لها، ما هو إلا تزوير أريد به إعطاء امتياز لعائشة، إذ لا يمكن أن يقدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» على خطبة امرأة متزوجة، أو لا يعلم أنها خلية. .
فالحديث عن طلاقها، ثم زواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» منها، يدل على ما ذكرناه: من أن هذا الطلاق كان سابقا على تلك الخطبة، و يؤيد ذلك:
ألف-ما روي عن ابن عباس: قال: خطب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أبي بكر الصديق عائشة، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، قد كنت وعدت بها، أو ذكرتها لمطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، لابنه جبير، فدعني حتى أسلها منهم، ففعل، ثم تزوجها رسول اللّه «صلى اللّه عليه
1) الطبقات الكبرى ج 8 ص 59 و زوجات النبي لسعيد أيوب ص 47.
و آله» و كانت بكرا (1).
و يظهر من هذا النص و هو قوله: «ذكرتها لمطعم بن عدي. . لابنه جبير» أن أبا بكر هو الذي كان قد عرضها على مطعم، لابنه جبير. . الأمر الذي يجعلنا نظن-كما سيأتي-: أن أبا بكر أيضا هو الذي سعى بطلاقها من جبير، ليزوجها من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و ربما يجد في نفسه أكثر من سبب و مبرر لذلك.
ب-إن نصوصا أخرى تتحاشى التعبير بكلمة «تزوجها» ، و تلجأ إلى التعبير بأنها كانت مسماة له، فسلها أبو بكر سلا رفيقا (2).
و بعضها يكتفي بالقول: بأنها كانت تذكر لجبير بن مطعم، و تسمى له (3).
قال ابن الجوزي: «كانت مسماة لجبير بن مطعم، فخطبها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال أبو بكر: دعني حتى أسلها من جبير سلا رفيقا. فتزوجها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمكة الخ. .» (4).
ج-و النص الآنف الذكر مقتبس من الرواية التي تقول:
إن خولة بنت حكيم جاءت إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فعرضت عليه التزوج بعائشة، و بسودة بنت زمعة، فقال لها: فاذهبي فاذكريهما علي، فأتت أم رومان، فأخبرتها بذلك، فقالت أم رومان: وددت.
ثم إنها لما كلمت أبا بكر قال لها: «و هل تصلح له؟ ! إنما هي ابنة أخيه؟ ! فرجعت إلى الرسول فأخبرته، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ارجعي إليه فقولي له: أنت أخي في الإسلام، و أنا أخوك، و ابنتك تصلح لي.
فأتت أبا بكر فأخبرته، فقال لها: انتظريني حتى أرجع.
فخرج، حتى أتى المطعم بن عدي، و إذا امرأته عنده، فقالت العجوز له: لعلنا إن زوجنا ابننا ابنتك أن تصبئه، و تدخله في دينك! !
فقال أبو بكر لزوجها: ما تقول هذه؟ !
فقال: إنها تقول ذاك.
فخرج أبو بكر و قد أذهب اللّه العدة التي كانت في نفسه من عدته التي وعدها إياه فرجع، و قال لخولة: ادعي لي رسول اللّه، فدعته فجاء، فأنكحه (1).
د-عن ابن أبي مليكة: «قال أبو بكر: كنت قد أعطيتها مطعما لابنه
1) راجع المصادر التالية: المعجم الكبير للطبراني ج 23 ص 23 و 24 و تاريخ الأمم و الملوك ط مطبعة الاستقامة ج 2 ص 411 و 412 و المنتظم ج 3 ص 16 و 17 و مسند أحمد ج 6 ص 210 و 211 و دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 2 ص 411 و 412، و راجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 225 و 227 و 226 عن الطبراني و تاريخ الخميس ج 1 ص 305 و السيرة الحلبية ج 1 ص 348 و شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ج 4 ص 381 و 382 عن أحمد و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 139 و 140 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 142 و 143 و 14 عن أحمد و البيهقي و البداية و النهاية ج 3 ص 131 و 132 و 133 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 165 و 166.
جبير، فدعني حتى أسألها منهم، فاستلبثها» (1). لعل الصحيح: حتى أسلها منهم فاستلها .
و فسر البعض كلمة «مسماة على جبير» : بأنها كانت مخطوبة لابنه من أبيها (2).
و نستطيع أن نستفيد من النصوص المتقدمة عدة أمور، هي: 1-لا ندري: كيف يبادر رجل لعرض ابنته على رجل مشرك، و قد قاطع المشركون المسلمين و حصروهم عدة سنوات، و منعوا من التزوج منهم و التزوج لهم. فحتى لو لم يكن قد نزل من اللّه نهي عن إنكاح المشركين، و هو قوله تعالى: . . وَ لاٰ تُنْكِحُوا اَلْمُشْرِكِينَ حَتّٰى يُؤْمِنُوا وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَ لَوْ أَعْجَبَكُمْ. . (3)، فإن طبيعة الأمور تقضي بالترفع عن القبول بذلك، فضلا عن قولهم: إن أبا بكر هو الذي ذكرها لهم، و عرضها عليهم! ! .
فما معنى أن نقرأ في الروايات المتقدمة: أنه ذكرها لمطعم ليزوجها بابنه جبير، أو كانت مسماة له، أو أنه أعطاها له، أو وعده بها أو نحو ذلك؟ ! .
2-هل كان من عادات أهل ذلك الزمان حقا خطبة بناتهم سنوات، ثم يكون العقد، ثم يكون الزواج؟ ! ! أم أن ذلك من خصوصيات عائشة التي يدّعى: أنها كانت صغيرة السن، و بعمر ست سنوات فقط! !
مع أن الصحيح هو: أن عمرها كان حوالي عشرين سنة أو اكثر من ذلك، حسبما حققناه في هذا الكتاب.
كما أننا نشك في: أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد تزوجها فور وفاة خديجة «عليها السلام» ، لوجود ما يدل على أنه قد تزوجها بعد موت خديجة بثلاث سنين (1).
بل قال بعضهم: إن هناك رواية تقول: إنه تزوجها في السنة الثانية أو الثالثة من الهجرة (2).
3-إذا كانت مسماة لجبير، أو معطاة له، أو أنه قد وعده بها، أو أنه كان قد تزوجها. . فكيف يخطب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» امرأة هذه حالها، و يرضى بأن تطلّق، أو بأن تخلع امرأة من زوجها؟ !
بل كيف يرضى بأن يسلها أبو بكر حتى من خطيبها، المسماة له؟ ! . .
و قد حاول البعض أن يعتذر عن ذلك: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد خطبها، لأنه لم يعلم بالخطبة، أو كان قبل النهي (3).
و لكنه اعتذار بارد، و رأي فاسد. . فإن النصوص قد ذكرت: أنه قد أخبره بأنه وعد بها، أو ذكرها لفلان، ثم استمهله ليسلها منهم.
أضف إلى ذلك: أن نفس هذا التصرف مما تدرك الناس خروجه عن حدود اللياقات على الأقل، فهو مرفوض حتى لو لم يرد نهي عنه.
4-إن الروايات تصرح: بأن أبا بكر هو الذي عرضها على الزواج الأول، ثم تصرح: بأنه كان يسعى لاستلالها منهم، و يصرح بعضها: بأنه خلعها، أو طلقها. . مما يعني: أن أبا بكر كان شديد الحرص على التفريق بينها و بين جبير.
فإذا ضممنا ذلك إلى قولهم: إن أم رومان قد عبرت عن فرحتها بقولها: «وددت» ثم قول بعضهم: «و في رواية: أن أبا بكر استلها منهم قبل أن تخطبها خولة بنت حكيم السلمية امرأة عثمان بن مظعون لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله» (1).
فإذا ضممنا بعض ذلك إلى البعض الآخر، فإننا نسمح لأنفسنا بأن نحتمل: بأن أبا بكر كان هو الذي أرسل خولة بنت حكيم إلى رسول اللّه. . و بأنه قد خلعها من ذاك و طلقها منه، ليفرضها على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لحاجة في نفسه قضاها.
5-إن تلك الروايات تقول: إن أبا بكر قد تعجب من خطبة النبي لها، لتوهمه أنها لا تحل له لكونها ابنة أخيه.
و يرد عليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن المراد بلا شك هو الأخوة في الإسلام و الإيمان.
و حينئذ نقول: هل كان أبو بكر يظن: أنه لا يجوز للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يتزوج ابنة رجل مسلم. . لأن المؤمنين إخوة؟ !
و إذا صح ذلك فهو يعني: أن لا يجوز زواج أي مسلم من أي مسلمة، لنفس السبب. .
1) زوجات النبي «صلى اللّه عليه و آله» لسعيد أيوب ص 47.
أو هل كان يظن: أنه أخ للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بما هو أبعد من أخوة الإسلام؟ ! و كيف؟ !
6-إن ظاهر الروايات المتقدمة تارة هو: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه قد جاء لخطبة عائشة.
و تارة أخرى: أنه أرسل خولة بنت حكيم، فقامت بالمهمة، ثم هيأ أبو بكر الأمر و طلب منها أن تدعو الرسول «صلى اللّه عليه و آله» فدعته، فزوجه. .
7-إن هناك نصا آخر يتحدث عن كيفية زواجه «صلى اللّه عليه و آله» بعائشة يفيد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» رأى عائشة على أرجوحة، فأعجبته، فأتى منزل أبي بكر، و لم يكن حاضرا، فقالت له أم رومان: ما حاجتك يا رسول اللّه؟
قال: جئت أخطب عائشة.
قالت: إن عندنا يا رسول اللّه من هي أكبر منها.
قال: إنما أريد عائشة.
ثم خرج. و دخل أبو بكر. فأخبرته أمها بما قال رسول اللّه، فخرج، فزوجها إياه (1).
و يستوقفنا في هذا النص عدة أمور: منها: مناقضته لسائر النصوص في أمور عديدة، تظهر بالملاحظة.
و منها: أنه يكذب قولها: إن الملك قد جاء بصورتها إلى رسول اللّه
1) أنساب الأشراف ج 1 ص 411.
«صلى اللّه عليه و آله» بسرقة من حرير.
رابعا: و مما يدل أيضا على أن عائشة كانت متزوجة قبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» برجل آخر، ما يلي:
1-لقد روى أبو داود و غيره بالأسانيد الصحيحة (1)عن عائشة: أنها قالت: يا رسول اللّه، كل صواحبي أو كل نسائك، أو كنيت نساءك فاكنني، أو لهن كنى.
قال: فاكتني بابنك عبد اللّه.
قال الراوي: يعني عبد اللّه بن الزبير، و هو ابن أختها أسماء بنت أبي بكر.
و كانت عائشة تكنى بأم عبد اللّه حتى ماتت.
أضاف أحمد و الصنعاني، و أبو نعيم: قوله: و لم تلد قط (2).
2-و في نص آخر: أنه قال لها: اكتني بابنك، يعني عبد اللّه بن الزبير، فكانت تكنى أم عبد اللّه (3).
3-و عنها قالت: كناني النبي «صلى اللّه عليه و آله» أم عبد اللّه، و لم يكن
1) الأذكار النووية ص 295.
2) سنن أبي داود ج 4 ص 294 بعدة أسانيد، و الأذكار النووية ص 295 و المعجم الكبير للطبراني ج 23 ص 18 بعدة أسانيد، و كنز العمال ج 16 ص 424 و مسند أحمد ج 6 ص 107 و 213 و 151 و ذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 315 و 93 و المنصف للصنعاني ج 11 ص 42 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 18 و راجع: الغدير ج 6 ص 315 و طبقات ابن سعد ج 8 ص 64 و 63.
3) الأدب المفرد ص 125 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 164 و صفة الصفوة ج 2 ص 15 و مسند أحمد ج 6 ص 186.
ولد لي قط (1).
4-و قد حددت وقت تكنيتها بذلك، حيث روي عنها: لما ولد عبد اللّه بن الزبير أتيت به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فتفل في فيه، فكان أول شيء دخل في جوفه، و قال: هو عبد اللّه، و أنت أم عبد اللّه.
أضاف ابن حبان قولها: فما زلت أكنى بها، و ما ولدت قط (2).
5-و في نص آخر عنها: أنها قالت: يا رسول اللّه، كل نسائك لها كنية غيري، قال: أنت أم عبد اللّه (3).
6-و حسب نص الحلبية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعائشة: «هو عبد اللّه، و أنت أم عبد اللّه.
قالت: فما زلت أكتني به، أي و كان يدعوها أما، لأنه تربى في حجرها» (4).
7-و روي تكنيها بأم عبد اللّه عن الإمام الصادق «عليه السلام» أيضا (5)فراجع.
1) المعجم الكبير ج 23 ص 18.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 164 و الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 16 ص 54 و 55 و شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ج 4 ص 392 و 393، عن ابن سعد، و ابن حبان، و قال: و له طرق كثيرة عنها، و راجع: معرفة علوم الحديث ص 190.
3) مسند أحمد ج 6 ص 186.
4) السيرة الحلبية ج 3 ص 314.
5) راجع: الخصال ط سنة 1389 ه طهران ص 419 و البحار ج 22 ص 194 و الوسائل ج 14 ص 182 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 298.
فقد دلت هذه النصوص على: 1-أنه قد كان لعائشة ابن.
2-أن اسم هذا الابن هو عبد اللّه. و قد كناها النبي «صلى اللّه عليه و آله» به.
3-ثم جاء الرواة و قالوا: إن عائشة، حسب أقوالها هي، و أقوال محبيها كانت حين زواجها برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صغيرة السن.
4-و قال الرواة أيضا: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تزوجها بكرا، مستندين في ذلك أيضا إلى أقوال عائشة نفسها، و إصرارها الشديد على ذلك.
و نقول: إننا نسجل على ما تقدم الملاحظات التالية: ألف-قد عرفنا في أجزاء هذا الكتاب السابقة:
أن دعواها: أن عمرها قد كان حينما تزوجها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ست سنين أو سبع. . غير صحيحة بل كان عمرها حوالي عشرين سنة، إن لم يكن أزيد من ذلك.
و يتأكد هذا الإشكال: إذا أخذ بنظر الاعتبار قولها: إن تكنيتها بأم عبد اللّه كان حين ولادة ابن الزبير، أي في أوائل الهجرة، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن قد تزوج سوى سودة بنت زمعة، و خديجة و لا تعرف لهن أية كنية.
ب-قد عرفنا هنا أن دعواها: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد تزوجها بكرا لا تصح أيضا. .
ج-إن دعواها: أنها لم تتزوج أحدا غير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لا تصح، بل هي كانت متزوجة برجل آخر هو جبير بن مطعم. و قد
طلقت منه.
و في نصوص أخرى: سلها أبو بكر منه سلا رفيقا. .
د-إننا لم نجد لأي من نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» أية كنية سوى ل «أم سلمة، و أم حبيبة، و زينب بنت خزيمة، أم المساكين» ، فكيف تقول عائشة: إن جميع نسائه «صلى اللّه عليه و آله» لهن كنى.
ه-إنه قد كان لها ابن اسمه عبد اللّه.
و-إنها لم تلد من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قط. كما زعمت، و سيأتي: أننا نشك في ذلك كله، و أن ما ذكرناه فيما تقدم يدلنا على: أنه كان لها ابن من ذلك الذي كان زوجها و طلّقها، ثم تزوجها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعده.
ز-إن حصيلة ذلك هي: أن تطبيق كلمة «ابنك عبد اللّه» على ابن الزبير، ما هو إلا اجتهاد من الرواة، كما ظهر مما تقدم تحت رقم 1 حيث قال الراوي: «يعني عبد اللّه بن الزبير» ، و قوله رقم 2، اكتني بابنك يعني عبد اللّه بن الزبير.
كما أن بعض النصوص المتقدمة قد ذكرت تكنية النبي «صلى اللّه عليه و آله» لها بأم عبد اللّه من دون إشارة لابن الزبير كما في رقم 3 و 5.
و أما الرواية رقم 4 و كذلك رقم 6 فلا دلالة فيهما على وجود ربط بين تسمية المولود الذي جاءت به للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بعبد اللّه، و بين تكنيتها بهذا الاسم، سوى تشابه الاسمين.
و بناء على ما تقدم نقول: لقد أصبح واضحا: أنه لا مجال لقبول الروايات التي جعلت كلمة ابن الزبير من تتمة كلام الرسول، و لذلك فلا مجال لقبول روايتهم عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أنه قال:
أ-اكتني بابنك عبد اللّه بن الزبير (1).
زاد الصالحي الشامي قوله: إن السبب في ذلك هو «أنها كانت استوهبته من أبويه، فكان في حجرها، يدعوها أما» (2).
ب-أو: اكتني بابنك عبد اللّه، فإن الخالة والدة (3).
1) راجع: مسند أبي يعلى ج 7 ص 473 و 474 و كنز العمال ط مؤسسة الرسالة ج 16 ص 424 و ج 13 ص 693 عن ابن سعد، و البيهقي، و الحاكم، و أحمد، و الطبراني، و الآحاد و المثاني ج 5 ص 388 و 389. و راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 9 ص 190 و ج 14 و ص 22 و مسند أحمد ج 6 ص 260 و مسند ابن راهويه ج 2 ص 310 و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 4 ص 358 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 164 و طبقات ابن سعد ج 8 ص 66 و شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ج 4 ص 393 و زوجات النبي «صلى اللّه عليه و آله» لسعيد أيوب ص 47 و 48.
2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 18 و راجع: شرح المواهب للزرقاني ج 4 ص 393 عن ابن إسحاق و غيره.
3) الأدب المفرد ص 125 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 363 عنه و طبقات ابن سعد ج 8 ص 66 و شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ج 4 ص 393 عن الروض.
ج-أو: تكني بابن أختك عبد اللّه (1).
د-قال بعض المؤرخين: «كنيتها: أم عبد اللّه. كناها النبي «صلى اللّه عليه و آله» باسم ابن أختها عبد اللّه بن الزبير» (2).
فإن زيادة كلمة «ابن الزبير» في النص الأول، و كلمة: «فإن الخالة والدة» في النص الثاني. . قد جاءت من قبل الرواة، إما جريا على ما ارتكز في أذهانهم. . و إما تبرعا عمديا بهدف دفع الإشكال، لاقتناعهم بالروايات التي تتحدث عن صغر سن عائشة، و عن أنها كانت بكرا لم تتزوج قبله «صلى اللّه عليه و آله» .
و أما الرواية الأخيرة: التي أقحمت كلمة «ابن أختك» فهي موضع شك كبير، بل إننا نرفضها و نردها، استنادا إلى الروايات الصحيحة المتقدمة التي صرحت: بأن التفسير قد جاء من الراوي، أو جاءت بكلمة: «يعني» حسبما أسلفنا.
و إذا أردنا أن نحسن الظن، فإننا نقول: إننا نحتمل احتمالا قويا أن يكون ثمة تصحيف لكلمة «جبير» بكلمة «زبير» . . بسبب التشابه بين الكلمتين في مقام النطق، فيقع الخطأ في سماع الصوت بسبب اختلاط الحروف.
فلا معنى لإطلاق القول: بأن النبي قد كناها بأم عبد اللّه بابن أختها
ابن الزبير، كما فعله ابن الأثير مثلا (1).
و خلاصة الأمر: أن الرواية واحدة في نصوصها و في أسانيدها. . و قد جاءت نصوصها الصحيحة بدون هذا التفسير. و صرحت: بأنه تفسير من قبل الرواة و لم يرد على لسان النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
و أما ما ذكره الدياربكري و غيره، فهو لا يخرج عن السياق الذي أشرنا إليه، و لذا فإنه ليس له أية قيمة علمية، أو تاريخية.
و الذي يحتاج إلى التنبيه عليه و الإشارة إليه هنا: هو ذلك النص المتقدم، الذي تقول فيه: كناني النبي «صلى اللّه عليه و آله» أم عبد اللّه، و لم يكنّ ولد لي قط (2).
و عن هشام بن عروة، عن بعض أصحابه قال: كنى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عائشة، و لم يولد لها قط (3).
و على أي تقدير، فإن دعوى أنها لم يولد لها قط، و التي جاءت من قبلها و من قبل محبيها (4)، تحتاج إلى مزيد من التأمل و التدقيق، و نكتفي هنا بالإلماح إلى ما يلي:
أولا: إن النفي المطلق لأن تكون قد ولدت يقابله قولهم: «و قيل: إنها ولدت من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ولدا مات طفلا.
ثم قالوا: و هذا غير ثابت. و الصحيح الأول، لأنه قد ورد عنها من طرق كثيرة» (1).
و في نص آخر: إنها أسقطت من النبي سقطا، يسمى عبد اللّه، كانت تكنى به. و هذا مروي عنها أيضا بطرق كثيرة (2).
فهم إذن، يستندون إلى نفيها هي لهذا الأمر عن نفسها، و هو نفي يبقى موضع شبهة و ريب، حيث يظن قويا: أنها و محبيها يسعون لإثبات الفضائل لها، و قد ظهر: أن تلك الفضائل غير قادرة على الصمود أمام البحث العلمي الموضوعي و الرصين.
و قول السهيلي: إن ذلك لم يثبت، لأنه يدور على داود بن المحبر، و هو ضعيف (3). . يقابله القول: إن الروايات الأخرى أيضا تدور على عائشة، و من يدور في فلكها كعروة بن الزبير و أمثاله. . و هي تجر النار إلى قرصها، و ما أكثر الفضائل التي أثبتتها لنفسها، و أثبتها لها هذا الفريق الذي يهمه
1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 164.
2) كذا قال الصالحي الشامي، فراجع: سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 164 و 18 عن ابن الأعرابي في معجمه، و الأذكار النووية ص 295 و 288 و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 315 و ج 8 ص 99 و شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ج 4 ص 392 و تاريخ الخميس ج 1 ص 358 و السيرة الحلبية ج 3 ص 314 و الإصابة ج 4 ص 360.
3) راجع: شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ج 4 ص 392.
أمرها، ثم ثبت عدم صحتها. . و ليس حديث الإفك إلا واحدا من هذه الأحاديث الموهومة.
ثانيا: إن قولها لم يولد لها قط-لو صح-فلابد من حمله على أنها لم يولد لها من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و بذلك يتم الجمع بين النصوص، و يرتفع التكاذب أو احتماله فيما بينها. . و على هذا تحمل النصوص التالية:
الأول: أن ابن عباس قال لها بعد حرب الجمل: «إنا جعلناك للمؤمنين أما، و أنت بنت أم رومان. و جعلنا أباك صديقا، و هو ابن أبي قحافة، حامل قصاع الودك لابن جدعان إلى أضيافه» .
فقالت: يا ابن عباس، تمنون علي برسول اللّه؟
فقال: و لم لا يمنّ عليك بمن لو كان منك قلامة ظفر منه، مننتنا به، و نحن لحمه و دمه، و منه و إليه. و ما أنت إلا حشية من تسع حشايا خلفهن بعده، لست بأبيضهن لونا، و لا بأحسنهن وجها، و لا بأرشحهن عرقا، و لا بأنضرهن ورقا» (1).
و يستفاد من هذا النص الأمور التالية: 1-إنه يدل على وضاعة حال أبي بكر قبل الإسلام. . و أنه لم يكن له
1) بحار الأنوار ج 32 ص 270 و رجال الكشي ط جامعة مشهد ص 59 و الدرجات الرفيعة ص 109 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 229 و معجم رجال الحديث ج 11 ص 249 و وسائل الشيعة ج 20 هامش ص 240 و جواهر المطالب في مناقب علي «عليه السلام» ج 2 ص 25 و مجمع النورين ص 266 و مواقف الشيعة مع خصومهم ج 1 ص 169 و ج 2 ص 40 و أحاديث أم المؤمنين عائشة ج 2 ص 249.
نصيب من المجد و السؤدد، لا في نفسه، و لا من خلال أبيه. . و كذلك كان حال أم رومان.
2-إنه ينفي أن يكون لعائشة أي سبب من قبل رسول اللّه، يعطيها الحق بالمن به على الآخرين، لا من حيث ولادة الأولاد، و لا من أي جهة أخرى، لكنه لا ينفي حدوث سقط منها.
3-إن عائشة لم تكن هي المميزة على نساء النبي في حسن الوجه. .
4-إنها لم تكن أبيضهن لونا.
5-إنها لم تكن أنضرهن.
الثاني: إنها حين وقعت في خديجة و ذكرتها بسوء، و أن اللّه قد أبدله خيرا منها، قال «صلى اللّه عليه و آله» : ما أبدلني اللّه خيرا منها، لقد آمنت بي حين كفر بي الناس، و صدقتني حين كذبني الناس، و أشركتني في مالها حين حرمني الناس، و رزقني اللّه ولدها، و حرمني ولد غيرها، أو حرمني أولاد النساء (1).
الثالث: إنها حينما تجرأت على خديجة فتنقصتها أمام فاطمة «عليها السلام» ، فبكت، فسألها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فذكرت له سبب بكائها «عليها السلام» ، قال:
1) راجع: الإستيعاب مطبوع بهامش الإصابة ج 4 ص 287 و 286 و إسعاف الراغبين مطبوع بهامش نور الأبصار ط العثمانية ص 85 و ط السعيدية بمصر و ص 90 و مسند أحمد ج 6 ص 118 و راجع: الإصابة ج 4 ص 283 و أسد الغابة ج 5 ص 438 و قاموس الرجال ج 10 ص 332 و البحار ج 16 ص 12 عن كشف الغمة.
«مه يا حميرا، فإن اللّه تبارك و تعالى بارك في الولود الودود، و إن خديجة رحمها اللّه ولدت مني طاهرا، و هو عبد اللّه، و هو المطهر. و ولدت مني القاسم، و فاطمة، و رقية، و أم كلثوم، و زينب، و أنت ممن أعقم اللّه فلم تلدي شيئا» (1).
و يلاحظ: أنه لم يعش له أحد من ولده من خديجة سوى فاطمة «عليها السلام» .
و أما رقية و أم كلثوم، و زينب، فقد قلنا: إن الظاهر هو أنهن قد متن في حال الصغر أيضا، أما زوجتا عثمان، و زوجة أبي العاص فهن ربيبات له «صلى اللّه عليه و آله» على الظاهر و لسن بناته «صلى اللّه عليه و آله» على الحقيقة.
1) الخصاص ص 404 و 405 و البحار ج 16 ص 3 و شجرة طوبى ج 2 ص 233 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 396.
قد تحدثنا في الفصل السابق عن أمور عديدة ترتبط بعائشة، لا نرى ضرورة لها هنا، غير أننا نشير إلى:
حيث تقدم: أن قولها: إنها كانت جارية حديثة السن، لا يمكن قبوله، بل كان عمرها حين تزوجها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حوالي عشرين سنة، أو أكثر من ذلك بسنوات أيضا، فيكون عمرها حين قضية الإفك في حدود الثلاثين سنة أو أزيد من ذلك. .
و السؤال هنا هو:
متى توفي سعد بن معاذ؟
و هل كان حيا حين قضية الإفك؟ .
و الجواب:
إننا قد ذكرنا فيما تقدم: أن سعد بن معاذ مات إثر غزوة الخندق، من الرمية التي أصابته، و ذلك بعد أن حكم في بني قريظة.
و قد قدمنا: في الجزء العاشر من هذا الكتاب: الصحيح هو أن غزوة الخندق قد كانت سنة أربع، و قيل سنة خمس. و قد ذكرنا الأدلة و الشواهد على ذلك.
أما غزوة المريسيع فكانت في سنة ست كما أسلفنا، فسعد بن معاذ إذن لم يكن حيا في سنة ست.
و من قال بأن المريسيع كانت قبل الخندق، فإنه إنما أراد تصحيح حديث الإفك، مع غفلته عن أنه لا ضرورة لتغيير حقائق التاريخ لأجله، مع توفر الأدلة و الشواهد التي تمنع من الأخذ به، و توجب الانصياع لما هو الحق في ترتيب تواريخ هذه الأحداث.
غير أن المسعودي قال: إن غزوة الخندق كانت سنة خمس، و غزوة المريسيع كانت سنة أربع (1).
كما أن بعض من قال بأن الخندق و المريسيع كانتا معا في سنة خمس، فإنهم قد حرصوا على اعتبار الخندق بعد المريسيع أيضا، لأجل حديث الإفك بالذات، حيث أيدوا قولهم هذا بأن سعد بن معاذ قد مات بعد الخندق مباشرة، فلو كانت المريسيع سنة ست لكان ذكر سعد في حديث الإفك غلطا، فلابد من أن تكون المريسيع قبل الخندق (2).
1) مروج الذهب ج 2 ص 289.
2) راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 341 و فتح الباري ج 7 ص 332 و نقله ص 360 و 361 عن إسماعيل القاضي، و نقله عن إسماعيل أيضا في شرح مسلم للنووي مطبوع بهامش إرشاد الساري ج 10 ص 227. و نقله المعلق على السيرة النبوية لابن هشام ج 3 بهامش ص 302 عن الزرقاني. و راجع أيضا: وفاء الوفاء ج 1 ص 314.
ثم أيدوا ذلك أيضا: بأن الإفك كان بعد فرض الحجاب. و قد فرض الحجاب سنة أربع، على قول بعضهم. بل لقد «جزم خليفة، و أبو عبيدة و غير واحد بأنه سنة ثلاث» (1). و كذا قال اليافعي (2).
و نحن هنا لا نستطيع أن نقبل أقوال هؤلاء و تأييداتهم و نخالف المعروف و المشهور، و ذلك لأسباب عديدة:
أولا: إن جعل ذكر سعد بن معاذ في حديث الإفك دليلا على وهم من قال بكون المريسيع سنة ست، ليس بأولى من العكس، و جعل قول أهل الحديث و التاريخ دليلا على الوهم في حديث الإفك، و من أسباب الشك فيه، و لا سيما بملاحظة: أن أكثر المحدثين يذهبون الى ذلك كما تقدم.
و قد صرح عدد من العلماء بالإشكال على حديث الإفك بذلك، كالقاضي عياض، الذي قال: إن بعض شيوخه قد نبّه على أن ذكر سعد بن معاذ في الرواية وهم. و الأشبه أنه غيره، و لهذا ذكر ابن إسحاق: أن المتكلم أولا و آخرا هو أسيد بن حضير (3).
و ممن استظهر أن المحاورة كانت مع أسيد بن حضير: ابن عبد البر، لأن ابن معاذ كان قد توفي.
و تعرض لهذا الإشكال أيضا: ابن العربي. حتى لقد قال: «اتفق الرواة: على أن ذكر ابن معاذ في قصة الإفك و هم» . و تبعه على هذا الإطلاق
القرطبي (1).
و قال في الإمتاع: «إن تقدم قريظة على المريسيع هو الصحيح، و الوهم لم يسلم منه أحد» (2).
و يصر ابن خلدون أيضا على: أن ابن معاذ قد توفي قبل المريسيع بأكثر من عشرين شهرا (3).
و نحن نقول أيضا: إن ذكر ابن معاذ في الروايات لا يصح. . مع أن هذه الروايات قد وردت في كتب الصحاح، و مختلف كتب الحديث! !
بل في بعض الروايات: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد صالح بين السعدين بعد ذلك! ! (4)فإصلاح ذلك بأن المراجعة كانت مع ابن حضير فقط، لا يجدي لأنه مجرد دعوى، لا تستند إلى دليل، و لماذا اختير أسيد بن حضير ليحل الإشكال من خلاله، و لم يختاروا شخصا آخر؟ ! و لماذا تخلوا عن معاذ بهذه السهولة، بعد إجماع الروايات، حتى الروايات الصحاح على ذلك كما قلنا؟ !
و إن الإشكالات الكثيرة جدا تسقط رواية الإفك عن الاعتبار، و توجب ضعفها و وهنا في نفسها، و لا تصلح سببا لضعف غيرها بأي وجه. . و سيأتي ما فيه الكفاية في ذلك كما سنرى.
ثانيا: إن تأييد البعض رأيه هذا بقضية الحجاب غريب، فإن ذلك دليل
عليه لا له، لأن أكثر المؤرخين الأثبات يذكرون: أن الحجاب كان في سنة خمس، في شهر ذي القعدة (1). .
و إذا كانت المريسيع في شعبان، فلا بد أن يكون هو شعبان السنة السادسة، لأن المراد شعبان الذي بعد الحجاب.
و إذا كان الحجاب في ذي القعدة من الخامسة، فهو بلا شك بعد بني قريظة على جميع الأحوال و الأقوال، لأن الخندق و قريظة كانتا قبل ذلك.
و قد صرح البيهقي: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تزوج زينب بنت جحش بعد بني قريظة (2).
و حين تزوجها فرض الحجاب، بل سيأتي: أنه تزوجها بعد المريسيع أيضا.
و المفروض: أن سعدا مات في بني قريظة، و كانت المريسيع بعد فرض
1) تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 231 و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 177، و التنبيه و الإشراف ص 217 و مروج الذهب ج 2 ص 289 و طبقات ابن سعد ج 2 قسم 1 ص 81 و ج 8 ص 125 و 126 و 127 و تاريخ الخميس ج 1 ص 500 و 501 و 267، و نقله أيضا عن أسد الغابة، و عن المنتقى، و نقله في البداية و النهاية ج 4 ص 145 عن قتادة، و الواقدي، و بعض أهل المدينة، و البيهقي. و نقله في السيرة الحلبية ج 2 ص 293 عن الإمتاع، عن بعض أهل الأخبار، ثم أشكل على ذلك بما ورد في حديث الإفك. . و نقله في فتح الباري ج 8 ص 351 عن الواقدي، وصفة الصفوة لابن الجوزي ج 2 ص 46 و وفاء الوفاء للسمهودي ج 1 ص 310.
2) راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 145.
الحجاب على الفرض، فمتى كان سعد موجودا في قضية الإفك؟ ! . . و كيف يكون فرض الحجاب مؤيدا لوجوده؟ بل هو مؤيد لموته كما هو ظاهر.
ثالثا: قد ثبت أن ابن عمر كان ممن شهد المريسيع، و المفروض أن الخندق كانت أول مشاهده، فلابد أن تكون المريسيع بعد الخندق، و المفروض أن سعد بن معاذ قد مات بعد الخندق و قريظة مباشرة.
أ-و قد حاول العسقلاني: أن يجيب على هذا باحتمال أن يكون قد حضرها دون أن يشترك في القتال، إذ لا ملازمة بين شهوده و بين أن يكون قد أجيز بالقتال، كما ثبت عن جابر أنه كان يمنح أصحابه الماء في بدر، مع الاتفاق على عدم شهوده بدرا (1).
و لكنها محاولة فاشلة، إذا أن التعبير بشهد غزوة كذا إنما يعني شهود قتال، لا مجرد حضور، هكذا اصطلح و تعارف عليه الرواة و المؤرخون في تعبيراتهم، و صرف اللفظ عن هذا المعنى يحتاج إلى شاهد، و هو مفقود، بل الشواهد قائمة على خلافه.
ب-و حاول عياض توجيه ذلك باحتمال أن تكون الخندق و المريسيع معا سنة أربع، مع تقدم المريسيع على الخندق (2).
و نقول: إن هذا مخالف لأقوال جل المؤرخين، كما أنه يصطدم بقضية فرض الحجاب في سنة خمس بعد قريظة، لأنهم يقولون: إن الإفك كان بعد
فرض الحجاب، و هو يصطدم بقضية شهود ابن عمر للمريسيع، و غير ذلك مما تقدم و سيأتي بيانه.
ج-قد احتمل البيهقي: أن يكون جرح سعد لم ينفجر بعد قريظة مباشرة، بل تأخر إلى ما بعد المريسيع، و لم يشهدها بسبب جرحه، و بعدها، و بعد قضية الإفك، و مراجعته لسعد بن عبادة انفجر جرحه، فمات.
و نقول: إن مقتضى كلام البيهقي هذا هو: أن موت سعد قد تأخر عن قريظة إلى حوالي سنة، أي من ذي القعدة إلى شوال تقريبا. . لأن المريسيع في شوال، و كانت المراجعة و المحاورة بعدها بأكثر من شهر.
و كلام البيهقي هذا مما لا يوافقه عليه أحد، و لا مبرر له إلا إرادة تصحيح ما ورد في الصحاح. . حتى لو اقتضى ذلك مخالفة كل النصوص و المسلمات التاريخية.
د-احتمل القطب الحلبي: أن يكون المراد سعدا آخر غير ابن معاذ، بقرينة قولهم في بعض الروايات: «. . فقام سعد أخو بني عبد الأشهل، و في بني عبد الأشهل جماعة كلهم يسمى سعدا. فيحتمل أن يكون هو سعد بن زيد الأشهلي. .» .
ورده العسقلاني: بأن ذلك مردود بالتصريح بسعد بن معاذ في رواية الزهري، و غيره (1).
و بعد كل ما تقدم. . فإننا نعرف: أن الشواهد الدالة على موت سعد بن معاذ قبل المريسيع قوية جدا. . و لا أقل من كونه مشكوكا فيه.
1) فتح الباري ج 8 ص 360.
و لا يصلح ذلك القول: بأن المريسيع كانت سنة خمس.
لأن تقدم الخندق عليها هو المعتمد عند جلّ المؤرخين كما تقدم. . و لذا نجد فريقا منهم يقول: إن الخندق كانت سنة أربع.
و أما ما ذكر من إعطاء سيرين لحسان، عند ما ضربه ابن المعطل بالسيف و جرحه، فهو أمر غريب و عجيب:
فأولا: إن سيرين هذه هي أخت مارية القبطية باتفاق، و هي إنما أهداها المقوقس للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و وصلت إلى المدينة سنة سبع، أو ثمان (1).
و الإفك كان على أبعد الأقوال في سنة ست.
و لا مجال للقول بأن من الممكن: أن يتأخر إعطاء سيرين لحسان، لتأخر ضرب ابن المعطل له، أو لتأخر تصدي النبي «صلى اللّه عليه و آله» للصلح بينهما.
فإنه كلام مرفوض جملة و تفصيلا، إذ إن ابن المعطل إنما اعترض حسانا و ضربه بالسيف بمجرد أن بلغه أنه يقول فيه ذلك الأمر.
كما أن صريح الرواية: أنهم قيدوا ابن المعطل، و جاؤوا به للرسول «صلى اللّه عليه و آله» بمجرد أن قام بضرب حسان.
1) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 38 و طبقات ابن سعد ج 8 ص 153 و أسد الغابة ج 5 ص 544 و 585 و الإصابة ج 4 ص 404، و غير ذلك. . فإن ذلك من الأمور المتسالم عليها و يظهر ذلك بالمراجعة إلى كتب التراجم، ترجمة حسان، و مارية، و سيرين، و عبد الرحمن بن حسان.
ثانيا: قال ابن عبد البر: «. . أما إعطاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سيرين أخت مارية لحسان، فمروي من وجوه، و أكثرها أن ذلك ليس لضربه صفوان، بل لذبه بلسانه عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في هجاء المشركين له. و اللّه أعلم. .» (1).
ثالثا: إن ابن المعطل إنما اعتذر عن ضربه له بأنه آذاه و هجاه، و أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لحسان: أتشوهت على قومي أن هداهم اللّه للإسلام؟ ! و ليس ثمة من ذكر لأمر الإفك، و لو كان للإفك شأن، فإن الاعتذار به، و اللوم عليه، أولى و أجدر.
هذا. . و ثمة رواية تفيد: أن النبي قد عوض حسانا، و أعطاه حائطا، في ضربة ابن المعطل له عند ما هجا النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . فلعل سيرين كانت من جملة ما أعطاه إياه النبي «صلى اللّه عليه و آله» في ذلك. .
و ستأتي الرواية عند الكلام حول بيت الشعر القائل:
أمسى الجلابيب قد عزواالخ. .
فإلى هناك. . رابعا: لقد ذكر عبد الرزاق: أن صفوان بن المعطل هو الذي أعطى الجارية لحسان و هي أم عبد الرحمن بن حسان (2)و ربما كان اسمها سيرين أيضا.
فإذا صح هذا فإن سيرين هذه تكون غير أخت مارية، و قد جاء اسمها
موافقا لاسم أخت مارية سرية النبي «صلى اللّه عليه و آله» من باب الاتفاق.
لقد زاد الزمخشري فيمن جاء بالإفك، و جلد الحد: «زيد بن رفاعة» (1).
قال العسقلاني: و لم أره لغيره. .
و لكن زيد بن رفاعة لم يشهد قضية الإفك، لأنهم عند ما رجعوا من غزوة المريسيع إلى المدينة و جدوه قد مات (2). . و لذا احتمل الحلبي أن يكون ثمة زيد بن رفاعة آخر (3). . و هو احتمال لا شاهد له، لا من خبر، و لا من أثر، إلا إرادة تصحيح جلده و تقوية قضية الإفك، فلا يعدو عن أن يكون رجما بالغيب.
و قد يمكن للبعض، أن يحتمل احتمالا وجيها هنا، و يقول: لعل الاسم اشتبه على الرواة هنا، و المقصود هو: «رفاعة بن زيد» لا العكس. . لعدم ذكره في تراجم الصحابة. .
و لكنه احتمال لا يجدي أيضا. . لأن المقصود إن كان هو رفاعة بن زيد
الجذامي، ثم الضبي، فهو إنما قدم على النبي «صلى اللّه عليه و آله» في هدنة الحديبية، و هو غلام، فأسلم، و حمله النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتابا إلى قومه يدعوهم فيه إلى الإسلام، فأسلموا. ثم ساروا إلى حرة الرجلاء (1).
و إن كان المقصود هو رفاعة بن زيد بن التابوت، أحد بني قينقاع، الذي كان من عظماء اليهود. . و كهفا للمنافقين-و هذا هو الراجح-فهو أيضا عند ما عادوا من غزوة المريسيع، و جدوه قد مات في ذلك اليوم (2).
لقد تعودنا دعاوى تعدد الشخصيات من هؤلاء القوم، كلما تضايقوا، و لم يجدوا مخرجا، و كان يعز عليهم وجود شخصية ما، في موقع ما.
فقد ادّعوا تعدد خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، لأنه عز عليهم أن يجدوه إلى جانب علي «عليه السلام» في حروبه.
و ادّعوا تعدد سعد بن معاذ.
و هنا ادّعوا تعدد زيد بن رفاعة. . و ما أكثر مثل هذه الدعاوى في كلامهم، كما يظهر لمن تتبع كتبهم.
و ذكر فيمن جاء بالإفك، و جلد الحد: «عبد اللّه بن جحش» زاده الربيع
بن سالم، تبعا لأبي الخطاب بن دحية (1).
و هذا غريب. . فإن عبد اللّه بن جحش قد استشهد في غزوة أحد (2).
أي قبل غزوة المريسيع بثلاث سنين أو بسنتين على الأقل، فكيف يكون ممن جاء بالإفك، و جلد الحد؟ !
و ذكر أيضا فيمن جاء بالإفك، و جلد الحد «عبيد اللّه بن جحش» أبو أحمد (3).
و لابد هنا من تصحيح: أن أبا أحمد هو أحد أخوة عبيد اللّه، و اسمه: «عبد» و ليس أبو أحمد كنية لعبيد اللّه (4).
و مهما يكن من أمر. . فإن هذا أيضا لا يصح، لأن من المجمع عليه: أن عبيد اللّه بن جحش كان ممن هاجر إلى الحبشة، و تنصر هناك، و مات هناك. و هو زوج أم حبيبة، التي زوجها النجاشي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . لا نجد خلافا في ذلك (5).
1) فتح الباري ج 8 ص 352.
2) طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 64 و أسد الغابة ج 3 ص 131 و الإصابة ج 2 ص 287 و السيرة الحلبية ج 2 ص 300 و صفة الصفوة ج 1 ص 386.
3) السيرة الحلبية ج 2 ص 300.
4) طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 62 و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 2 ص 272.
5) راجع: أسد الغابة ج 3 ص 131 و الإصابة ج 4 ص 4 و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 2 ص 272-274 و طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 62 و التنبيه و الإشراف ص 223.
بعض روايات الإفك تقول: إن عبد الرحمن بن أبي بكر قد قعد مع أبيه، و أمه و أخته، و أهل الدار، يبكون. . حين قضية الإفك.
و لكن الحقيقة هي: أن عبد الرحمن كان في سنة ست في مكة على دين قومه، و لم يسلم-على ما يقول أهل السير-إلا في هدنة الحديبية، بعد المريسيع (1).
و قد قال أبو الفرج في الأغاني: «لم يهاجر مع أبيه، لأنه كان صغيرا. و خرج قبل الفتح أي الذي كان سنة ثمان في فتية من قريش، منهم معاوية إلى المدينة، فأسلموا.
أخرجه الزبير بن بكار، عن ابن عيينة، عن علي بن زيد بن جدعان» (2).
و نحن و إن كنا نشك في وجود معاوية معهم، لأنه قد ثبت أنه من الطلقاء. . لكن لا مانع من صحة خروج عبد الرحمن هذا في فتية من قريش آنئذ.
و قيل: إنما أسلم عبد الرحمن يوم الفتح.
و يقال: إنه شهد بدرا مع المشركين. و كذلك أحدا (3).
و على جميع التقادير، فإن عبد الرحمن بن أبي بكر لم يكن موجودا في المدينة حين قضية الإفك، ليقوم بذلك الدور الذي أو كل إليه.
و عن بريرة نقول: أ-و الجارية بريرة لم تحضر غزوة المريسيع، فكيف أشار علي «عليه السلام» على النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يسألها عن أمر غابت عنه؟ ! .
و كيف يزعمون أن عليا «عليه السلام» قد ضربها لينتزع منها إقرارا على سيدتها في أمر لم تشهده؟ ! .
ب-و حتى لو كانت معها في تلك السفرة، فإنها لم تكن معها حين وجدها صفوان وحدها في قلب الصحراء، و أتى بها.
ج-ثم كيف لم تخبر أبا مويهبة حامل الهودج أن سيدتها ليست فيه، و أنها قد ذهبت لقضاء حاجة، و عليه أن ينتظر حتى ترجع؟ !
د-ثم هم يزعمون أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد استند إلى قول بريرة في حكمه بكذب الآفكين، و لم يستند إلى الوحي، و لا إلى شهادة معتبرة. . و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» عاد-حسب زعمهم-و شكك، و طلب من عائشة أن تتوب إن كانت قد ألمت بذنب! !
ه-بل إننا نشك في وجود بريرة آنئذ في بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و في تملك عائشة لها، إذ قد ورد أن عائشة قد اشترتها بعد فتح مكة، و أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد خيرها، فاختارت نفسها، و كان زوجها يبكي، فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» للعباس: يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة؟ ! (1).
1) صحيح البخاري ج 3 ص 176 و 177 و إرشاد الساري ج 4 ص 394 و ج 7 ص 261 و فتح الباري ج 8 ص 358.
و في رواية أخرى يقول للعباس: «ذاك مغيث، عبد بني فلان يعني زوج بريرة كأني أنظر إليه يتبعها في سكك المدينة، يبكي عليها» (1).
و العباس إنما هاجر قبل الفتح بقليل (2).
و قد اشار إلى هذا الإشكال غير واحد أيضا، كابن القيم الحنبلي، و غيره (3).
و حاول العسقلاني الإجابة على ذلك: تبعا للسبكي، و كذا القسطلاني باحتمال: أن تكون بريرة قد كانت تخدم عائشة، و هي في رق مواليها، ثم كانت قصة مكاتبتها بعد ذلك. .
أو أنها اشترتها و أخّرت عتقها إلى ما بعد الفتح.
أو دام حزن زوجها عليها مدة طويلة.
أو حصل لها الفسخ، و طلب أن يردها بعقد جديد.
أو كانت لعائشة، ثم باعتها، ثم استعادتها بعد الكتابة.
أو أن بريرة هذه غير بريرة تلك.
و جزم بهذا الاحتمال الأخير: الزركشي.
و ناقشه العسقلاني: بأن الحكم بأنها كانت تخدم عائشة بالأجرة أولى من تغليط الحفاظ (4).
هذه طائفة من فنون الرجم بالغيب، الذي لا دليل له، و لا شاهد عليه.
لا من أثر، و لا من خبر، بل هو محاولة لتضعيف الشاهد على خلافه. . و أما غيرة العسقلاني على الحفاظ، و المحافظة عليهم من التغليط، فنحن نرى شدة حفظهم و سلامته في كل الروايات، و خير شاهد على سلامته هو حديث الإفك الذي عرفت طائفة من التناقضات فيه.
هذا. . و لكن السهيلي يرى: أن قضية الإفك قد كانت بعد تحرير بريرة، و عتقها من قبل عائشة. و لذا قال في مقام توجيه ما روي من ضرب علي «عليه السلام» لها: «. . و إن ضرب علي للجارية و هي حرة، و لم تستوجب الخ. .» (1).
فقوله: و هي حرة، دليل على ما قلناه. .
فالإشكال المتقدم إذن يحتاج منه و من غيره إلى الجواب. . و أنى له و لهم.
تنص الرواية على: أن أم رومان، أم عائشة، قد قامت بدور كبير في قضية الإفك. و قد ورد التصريح باسمها في عدة مواطن من الروايات المتقدمة.
و لكننا نشك كثيرا في: أن تكون أم رومان على قيد الحياة، في وقت قضية الإفك هذه. لأن غزوة المريسيع كانت-على ما هو الصحيح-في سنة
1) الروض الأنف ج 4 ص 20.
ست، بعد الخندق و قريظة، كما قدمنا، و قد اختلف في وقت وفاة أم رومان، فبعضهم يقول و منهم مغلطاي (1): توفيت سنة أربع، و قيل: سنة خمس.
و قال الزبير بن بكار و البلاذري، و الواقدي، و ابن سعد: توفيت سنة ست (2).
فوجود أم رومان إذن على قيد الحياة في وقت قضية الإفك يكون مشكوكا فيه، على أقل تقدير.
و محاولة البعض جعل ورود اسمها في حديث الإفك دليلا على تأخر وفاتها عن الإفك (3)، و أنها توفيت بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» مصادرة على المطلوب.
إذ لماذا لا يكون العكس هو الصحيح، و يكون قول هؤلاء من موجبات الشك في حديث الإفك، الذي توالت عليه الأمراض و العلل من مختلف النواحي؟
1) سيرة مغلطاي ص 54.
2) راجع الأقوال في وفاتها في: تهذيب الأسماء و اللغات ج 2 ص 350 و أسد الغابة ج 5 ص 583 و فتح الباري ج 7 ص 337 و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 4 ص 449 و أنساب الأشراف ج 1 ص 420 و الإصابة ج 4 ص 451 و 452 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 467 و طبقات ابن سعد ج 8 ص 202 و تاريخ الخميس ج 2 ص 26 و الروض الأنف ج 4 ص 21 و إرشاد الساري ج 6 ص 343 و السيرة الحلبية ج 2 ص 79 و غير ذلك.
3) أسد الغابة ج 5 ص 583 و تهذيب الأسماء و اللغات ج 2 ص 350 و 351 عنه.
و مما يدل على أنها توفيت في زمن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» : أ-أنهم يذكرون: أنها لما دليت في قبرها، قال الرسول «صلى اللّه عليه و آله» : من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين، فلينظر إلى أم رومان (1).
ب-يروون أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد نزل في قبرها (2).
و هذا يدل على: أنها لم تبق على قيد الحياة إلى ما بعد وفاة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، ليأتي مسروق بن الأجدع-المتولد في أول سني الهجرة-من اليمن، في خلافة أبي بكر أو عمر (3). . و يسمع منها حديث الإفك، و غيره، و هو ابن خمس عشرة سنة، كما جزم به ابن الحربي (4). . فضلا عن أن يقال: إن وفاتها قد كانت في خلافة عثمان (5).
و قد أنكر هذا: أبو عمر صاحب الإستيعاب، و السهيلي، و ابن السكن، و الخطيب، و صاحب المشارق و المطالع، و ابن سيد الناس، و المزي في الأطراف،
1) راجع المصادر الكثيرة المتقدمة، و غيرها من كتب التاريخ و التراجم، في ترجمة أم رومان. . أو في عام وفاتها.
2) طبقات ابن سعد ج 8 ص 202 و الروض الأنف ج 4 ص 21 و وفاء الوفاء ج 3 ص 897 و السيرة الحلبية ج 2 ص 79.
3) فتح الباري ج 7 ص 337 و الإصابة ج 4 ص 451 و إرشاد الساري ج 6 ص 343.
4) الإصابة ج 4 ص 451 و تهذيب التهذيب ج 12 ص 468.
5) تهذيب التهذيب ج 12 ص 468، عن البخاري في تاريخيه الأوسط و الصغير، و أيده العسقلاني.
و الذهبي في مختصراته، و العلائي في المراسيل، و آخرون (1).
بل لقد قال السهيلي: إن مسروقا ولد بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بلا خلاف، و لم ير أم رومان قط (2).
و استدلال البخاري على بقائها حية برواية مسروق عنها (3)، ليس بأولى من الحكم بإرسال رواية مسروق، استنادا إلى إجماع من سبق هذا القائل من المؤرخين و الرجاليين على أنه قد ولد بعد وفاة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنها ماتت في حياته «صلى اللّه عليه و آله» . .
أضف إلى ذلك: أن السهيلي نقل عن شيخه أبي بكر (4): أنه تتبع روايات مسروق عن أم رومان فوجد أن في بعضها: حدثتني أم رومان، و في بعضها: عن مسروق، عن أم رومان، معنعنا، و قال: و العنعنة أصح فيه، و إذا كان الحديث معنعنا كان محتملا، و لم يلزم فيه ما يلزم في «حدثنا» ، و في «سألت» ، لأن للراوي أن يقول: عن فلان، و هو لم يدركه (5).
1) الإستيعاب بهامش الإصابة ج 4 ص 452 و الروض الأنف ج 4 ص 21 و الإصابة ج 4 ص 452 و فتح الباري ج 7 ص 337 و 338، و ليراجع تهذيب التهذيب ج 12 ص 468 عن الخطيب.
2) الروض الأنف ج 4 ص 21 و في السيرة الحلبية ج 2 ص 79، من دون قوله: و لم ير أم رومان قط.
3) نقله عن العسقلاني في كتابه: تهذيب التهذيب ج 2 ص 468 و فتح الباري ج 7 ص 337 و الإصابة ج 4 ص 451 و السيرة الحلبية ج 2 ص 79.
4) المراد به: الخطيب البغدادي.
5) الروض الأنف ج 4 ص 21.
و لقد حاول العسقلاني إثبات بقائها إلى ما بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليسمع منها مسروق مستندا إلى روايتين:
أولاهما: أن عبد الرحمن بن أبي بكر يذكرها في حديث ضيوف أبي بكر، حيث قال عبد الرحمن فيها: و إنما هو أنا و أبي، و أمي، و امرأتي، و خادم.
و فيها: فلما جاء أبو بكر قالت له أمي: احتبست عن أضيافك الخ. . و أم عبد الرحمن هي أم رومان بلا خلاف. . و لم يهاجر عبد الرحمن إلا في هدنة الحديبية في سنة سبع في قول ابن سعد، و تردد الزبير بن بكار بينها و بين التي بعدها.
أقول: بل بعد ذلك، فإنه قد أسلم يوم الفتح كما تقدم.
و معنى ذلك: هو أن وفاتها قد كانت بعد سنة أربع و خمس و ست، و أنها في سنة سبع أو ثمان قد كانت على قيد الحياة.
الثانية: أنه قد روي في مسند أحمد-و السند جيد-عن محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة: عن عائشة: أنه لما نزلت آية التخيير استدعاها الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال لها: إني عارض عليك أمرا، فلا تفتئتي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك: أبي بكر، و أم رومان الخ. .
و أصل هذا الحديث في الصحيح، و لكنه يكتفي بذكر: «أبويك» و لا يصرح باسم أم رومان.
و آية التخيير إما نزلت في سنة تسع، فهذا يدل على تأخر موت أم
رومان عن قضية الإفك (1).
هذا ما ذكره العسقلاني في مقام تأييد سماع مسروق منها، و لكنه كما ترى لا يدل على مطلوبه، و ذلك لما يلي:
أولا: لأن ما ذكره لا يثبت حياتها إلى ما بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليثبت سماع مسروق منها.
ثانيا: إن ذلك ليس بأولى من جعل قول المؤرخين، و الرجاليين، و الرواة دليلا على أنها توفيت سنة أربع أو خمس، أو ست دليلا على عدم صحة هاتين الروايتين.
ثالثا: و يمكن أن نقول: إن التعبير بالأم في هذه الرواية عن زوجة أبيه قد جاء على سبيل المجاز، و هو تعبير متعارف عند الناس، و بذلك يتم الجمع، و يكون حديث وفاتها في زمنه «صلى اللّه عليه و آله» صحيحا. .
و هذه الرواية أيضا صحيحة، و لا مانع من ذلك بعد ثبوت موتها في حياته «صلى اللّه عليه و آله» .
هذا. . عدا عن المناقشة في سند هاتين الروايتين، فإن الكلام فيه يطول.
رابعا: إن رواية أضياف أبي بكر ذكرها البخاري في ثلاثة مواضع: في آخر مواقيت الصلاة، و في كتاب الأدب في باب ما يكره من الغضب و الجزع عند الضيف، ثم في الباب الذي بعده (2).
و الأولى قد اختلفت نسخ البخاري فيها، فنسخة الكشميهني، و المستملي تذكر كلمة: «و أمي» و لا تذكرها سائر النسخ.
هذا بالإضافة إلى أن عبد الرحمن يقول فيها: «قالت له امرأته» و «فقال لامرأته» مما يشعر بأن زوجة أبي بكر حينئذ لم تكن أما لعبد الرحمن، و إلا لكان قال: «قالت له أمي» .
و أما الرواية الثانية: فليس فيها أي ذكر للنساء. و مجرد ذكر «كلمة أمي» في الثالثة، مع شدة الاختلاف بين الروايات الثلاث، مع أن راويها واحد، و هو أبو عثمان النهدي، عن عبد الرحمن بن أبي بكر، يسقطها عن الصلاحية للاحتجاج، لوضوح وقوع التصرف فيها، و إلا لما كان ثمة اختلاف. . فليقارن بين الروايات الثلاث، ليعلم مدى الاختلاف بينها.
هذا كله عدا عن أن في رواية الأضياف اتهاما صريحا لأبي بكر بسوء الخلق، و بذاءة اللسان، و هو ما لا يرضى به العسقلاني و نظراؤه.
خامسا: لعل ما ورد في هذه الرواية من قول أبي بكر لزوجته: يا أخت بني فراس. . هو معتمد من قال: إن أم رومان فراسية، و يمكن أن يفهم ذلك من كلام العسقلاني في إصابته و غيره (1).
و نقول: إن سلسلة نسبها تدل على خلاف ذلك، فإننا لم نجد في هذه السلسلة
1) الإصابة ج 4 ص 450، و راجع: تهذيب التهذيب ج 2 ص 467 و جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 188.
-التي اختلف فيها ابتداء من أبيها إلى كنانة (1)-اسما لفراس بن غنم بن ثعلبة. .
بل ذكروا: أنها بنت عامر بن عويمر، بن عبد شمس، بن عتاب، بن أذينة، بن سبيع، بن دهمان، بن الحارث، بن غنم. . و لم يذكروا اسم فراس بن غنم أصلا.
فلا معنى لقول ابن إسحاق: إنها بنت دهمان أحد بني فراس بن غنم.
بل إن ابن حزم و العسقلاني قد ناقضا نفسيهما هنا، لأنهما قد حكما أولا بأنها فراسية، و لكنهما حينما يذكران سلسلة نسبها يذكرانها على نحو ما قدمناه. . أي ينهيانها إلى الحارث بن غنم (2)لا إلى فراس بن غنم! !
و ليكن ذكر كلمة: «يا أخت بني فراس» في رواية أضياف أبي بكر مؤيدا و شاهدا على: أن زوجة أبي بكر في تلك الرواية لم تكن هي أم رومان بل كانت زوجة أخرى له، إذ لم نجد في جميع ما لدينا من الكتب المتعرّضة لسلسلة نسبها ما يدل على فراسية أم رومان. . بل جميعها متفقة على عدم ذكر فراس بن غنم في سلسلة نسبها (3).
سادسا: أما بالنسبة لآية التخيير التي استدل بها العسقلاني على حياتها
إلى ما بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» . . فللكلام فيها مجال واسع، و نحن نكتفي هنا بذكر الأمور التالية:
ألف-إن كلمة «أم رومان» ربما تكون من تفسيرات الرواة، و لا سيما بملاحظة: أن أحمد و غيره قد ذكروا الرواية في عدة مواضع بلفظ: «أبويك» (1). و لفظ الأبوين يصح إطلاقه على الأب و زوجته، و إن لم تكن أما.
ب-إن آية التخيير قد وردت في سورة الأحزاب، و هي قد نزلت في وقعة الخندق سنة أربع أو خمس. و لا سيما بملاحظة: أن هذه السورة قد اشتملت على ذكر قضية زواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بزينب. . فكيف يكون التخيير في سنة تسع (2)، و آياته نزلت في سنة أربع أو خمس؟ !
و يؤيد ذلك: أنه قد ورد بطرق صحيحة: أن الصحابة ما كانوا يعرفون انتهاء السورة إلا إذا نزلت: « بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ » . مما يدل على أن نزول السور كان منظما، بلا تخليط، و لا تشويش كما سيأتي، أضف إلى ذلك قول مالك الآتي.
ج-و مما يدل على أن التخيير كان قبل سنة تسع بعدة سنين، ما رواه مسلم، و السيوطي عن غير واحد، عن عمر بن الخطاب: من أن آية التخيير قد نزلت عندما تظاهرتا عليه عائشة و حفصة، فاعتزلهن الرسول في مشربته تسعا و عشرين ليلة. . و ذلك قبل أن يفرض الحجاب على نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأنزل اللّه آية التخيير: عَسىٰ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ
أَزْوٰاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ ، وَ إِنْ تَظٰاهَرٰا عَلَيْهِ فَإِنَّ اَللّٰهَ هُوَ مَوْلاٰهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صٰالِحُ اَلْمُؤْمِنِينَ. . و الرواية طويلة (1).
و معلوم: أن فرض الحجاب-كما يقولون-قد كان في السنة الخامسة، أو في الرابعة، أو في الثالثة. فكيف يكون تخيير نسائه في التاسعة؟ !
و قبل أن نمضي في الحديث نشير إلى: أن عمر بن الخطاب قد غلط هنا، فإن آية التخيير ليست هي الآية المذكورة. و إنما هي قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلاً (2). كما أنه قد غلط في ترتيب الآيتين المذكورتين.
د-إن في رواية التخيير المذكورة نقاط ضعف أخرى، كقولها: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بدأ بعائشة، فخيّرها، فاختارت اللّه و رسوله، و نحن نشك في ذلك، لما يلي:
1-إن رواية القمي تقول: إن أم سلمة هي التي اختارت اللّه و رسوله أولا، ثم تبعنها سائر أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» (3).
و يؤيد ذلك، و يدل عليه: ما رواه ابن سعد، عن عمر بن الخطاب: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» اعتزل نساءه في المشربة شهرا، حين أفشت حفصة لعائشة ما أسره الرسول إليها.
و كان قال: ما أنا بداخل عليكن شهرا. موجدة عليهن.
فلما مضت تسع و عشرون دخل على أم سلمة، و قال: الشهر تسع و عشرون.
قال: و كان ذلك الشهر تسعا و عشرين (1).
2-إن قتادة يصرح: بأن سبب هجر النبي «صلى اللّه عليه و آله» لنسائه، ثم نزول آية التخيير، هو قضية فيها غيرة من عائشة، في شيء أرادته من الدنيا (2).
فهل من المعقول: أن تكون هي السبب في كل ما حصل، ثم بعد ذلك. يظهر لها النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذا الحب و العطف؟ . و يميزها-في هذه المناسبة بالذات-أم أن المناسب هو إهمالها؟ و عدم الاعتناء بها، و عدم تمييزها على سائر أزواجه؟ بل تمييزهن عليها، لتشعر بعظيم الذنب الذي ارتكبته في حقه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى اعتزل نساءه لشدة موجدته عليهن، كما صرحت به الروايات؟ !
و الكلام في آية التخيير طويل. . و ما يهمنا هنا هو ما ذكرناه، و لذا فنحن نقتصر على ذلك، على أمل أن نوفق لبحث ذلك مفصلا في فرصة أخرى إن شاء اللّه تعالى.
و لكن. . مما لا ريب فيه، هو: أن آية التخيير لم تنزل في سنة تسع، و إنما
نزلت قبل ذلك بعدة سنين، فلا مانع من أن تحضرها أم رومان، حتى لو فرض أننا صرفنا النظر عن الإشكالات الأخرى في الرواية.
و يتضح من جميع ما قدمناه عدم صحة قولهم: إنها عاشت إلى ما بعد وفاة النبي كما يريد العسقلاني، حتى يروي عنها ابن الأجدع. . و لذا يبقى الشك في حضورها قضية الإفك على حاله.
صريح روايات الإفك: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد استشار في أمر أهله أسامة بن زيد.
و إذا أردنا أن نأخذ بالرواية القائلة: بأنه إنما استشاره بعد وفاة أبيه زيد -و هي من روايات الإفك المتقدمة-فإننا نجد إجماع المؤرخين و الرواة على أن زيدا أباه كان حيا في سنة ست، و إنما قتل في غزوة مؤتة في سنة ثمان -و على هذا-فلابد أن يكون الإفك بعد وفاة زيد، بينما تقول تلك الروايات المتقدمة إن الإفك كان سنة ست.
و إذا أردنا: أن لا نلتفت إلى التصريح بوفاة زيد آنئذ، فإننا سوف نجد: أن أسامة نفسه حين الإفك المذكور في تلك الروايات لم يكن قد بلغ الحلم بعد.
بل يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يقعده على فخذه هو و الحسن «عليه السلام» ، الذي ولد في الثانية أو الرابعة من الهجرة (1). و هذا يدل على أن عمره كان حين الإفك في سنة ست أو خمس أو أربع كان أربع
1) الطبقات لابن سعد ج 4 ص 43 و تهذيب الأسماء و اللغات ج 1 ص 114.
عشرة سنة أو ثلاث عشرة أو اثني عشرة سنة. و هو ينسجم مع ما هو المعروف و المشهور، من أن عمره كان حين توفي الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ثمانية عشر عاما فقط (1).
فكيف يترك النبي «صلى اللّه عليه و آله» شيوخ المهاجرين و الأنصار، و بني هاشم، و يلجأ إلى استشارة هذا الطفل الذي لم يمارس الأمور، و لم تحكمه التجارب بعد؟ !
و اعتذار العسقلاني: بأن للشاب من صفاء الذهن ما ليس لغيره، و لأنه أكثر جرأة على الجواب بما يظهر له من المسن، لأن المسن غالبا يحسب العاقبة، فربما أخفى بعض ما يظهر له، رعاية للقائل تارة، و للمسؤول عنه أخرى (2).
هذا الاعتذار بارد حقا. . فإن المطلوب في مثل هذه الأمور هو حساب العواقب، و اللجوء إلى من أحكمتهم التجارب. لا التصرف بناء على آراء أطفال جهال لم يبلغ الواحد منهم الحلم.
ثم إذا صح قول العسقلاني هنا، فقد كان يجب: أن لا يستشير النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» لأنه، حين قضية الإفك، قد كان
له من العمر حوالي ثلاثين عاما. و كان يجب أن لا يستشير عثمان، و عمر، و أم أيمن، و لا غير هؤلاء ممن أسنّوا و تكاملت عقولهم. . مع اعتراف العسقلاني بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استشار هؤلاء أيضا.
نعم، لقد كان على النبي «صلى اللّه عليه و آله» -حسب منطق العسقلاني- أن يذهب إلى الشارع و يأتي بمجموعة أطفال، و يطرح عليهم مشكلته، ليضعوا لها الحلول المناسبة! !
و لكان يجب أن ينال هؤلاء الأطفال درجة النبوة و الولاية العظمى، و قيادة الجيش، و مناصب القضاء. . و غير ذلك من المناصب و المقامات! !
و لو صح ما ذكره فقد كان اللازم: أن يستشير الأطفال في أهم الأمور العامة أيضا، ليستفيد من صفاء ذهنهم، و سلامة فطرتهم، مع اعتراف العسقلاني بأنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يستشير في الأمور العامة ذوي الأسنان من أكابر الصحابة! ! (1).
لقد وقع في رواية الطبراني، عن ابن عباس: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد استشار زيد بن ثابت في أمر عائشة (2).
فقال: «دعها فلعل اللّه يحدث لك فيها أمرا» .
و لكن ذلك غير معقول. . أولا: إن رواية ابن عمر تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن
يعدو في استشارته عليا و أسامة.
ثانيا: لماذا اختص زيد بن ثابت، الشاب المراهق، الذي كان عمره في المريسيع حوالي خمسة عشر عاما فقط، لأنه إنما أجيز عام الخندق، حسب رواية عنه (1)-نعم، لماذا اختص هذا الشاب أو فقل هذا الطفل-بهذه المشورة دون سائر شيوخ المهاجرين و الأنصار من صحابته «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
و احتمل العسقلاني: أن يكون ثمة اشتباه من الراوي، و أنه كان في الأصل زيد بن حارثة.
و لكن هذا غير مسموع.
أولا: لأنه رجم بالغيب. لا شاهد له و لا دليل عليه.
ثانيا: إن رواية ابن عمر المتقدمة تقول: إنه لم يكن يعدو في استشارته عليا و أسامة.
و هذه الرواية ترد حديث استشارته لعمر، و عثمان، و بريرة، و غيرهم أيضا.
ثالثا: إن رواية ابن عمر تنص على أن زيد بن حارثة كان قد توفي، فلا معنى للتصحيح بها. . و إلا فالأولى تصحيح ذلك بأن المقصود هو أسامة بن زيد، فذهل الراوي عن أسامة و توجه إلى كلمة زيد، و أضاف إليها كلمة ابن ثابت دون قصد. . لكن هذا كله أيضا مجرد تخرص و رجم بالغيب. لا شاهد له، و لا دليل عليه.
1) الإصابة ج 1 ص 561، روى ذلك عنه الواقدي. . و قيل: بل أجيز يوم أحد.
لقد جاء في رواية أم رومان قولها: «. . بينما أنا قاعدة عند عائشة، إذ و لجت امرأة من الانصار.
فقالت: فعل اللّه بفلان و فعل.
فقالت أم رومان: و ما ذاك؟
قالت: ابني فيمن حدث الحديث. .» .
و لكن ذلك موضع شك و ريب، فإن اللذين جاءا بالإفك من الانصار هما: عبد اللّه بن أبي، و حسان بن ثابت، و لم تكن أم واحد منهما موجودة (1).
و أما رفاعة بن زيد. . فقد قدمنا: أنه مات قبل ذلك.
و احتمل البعض: أن يكون لأحدهما أم من رضاع، أو غيره (2). . و هو احتمال لا شاهد له، و لا دليل عليه، إلا الالتزام بتصحيح ما ورد في حديث الإفك. . و ليس هو مما يستحق هذا التكلف، بعد أن تواردت عليه العلل و الأسقام.
تنص رواية ابن عمر على: أن زيد بن حارثة كان حين قضية الإفك قد توفي و لذلك استشار النبي «صلى اللّه عليه و آله» ولده أسامة.
و نقول: إن من الواضح: أن الإفك قد كان في سنة ست، أو قبلها. و زيد بن حارثة قد استشهد في غزوة مؤتة في سنة ثمان، فكيف يكون حين الإفك قد توفي؟ !
لقد وردت آيات الإفك في سورة النور، و الظاهر أن سورة النور قد ابتدأ نزولها في السنة الثامنة، على وجه التقريب. و ذلك لعدة أدلة:
الأول: أنها نزلت بعد سورة النصر (1). و سورة النصر نزلت في سنة ثمان، فقد ورد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» عاش بعدها سنتين فقط (2).
الثاني: أنها نزلت بعد الأحزاب، التي ابتدأ نزولها في سنة خمس. و بينها و بين سورة النور-حسب رواية ابن عباس-عدة سور: فالأحزاب، ثم الممتحنة، ثم النساء، ثم إذا زلزلت، ثم الحديد، ثم القتال، ثم الرعد، ثم الرحمن، ثم الإنسان، ثم الطلاق ثم لم يكن، ثم الحشر، ثم إذا جاء نصر اللّه. ثم النور (3).
و في هذه السور شواهد كثيرة على نزول عدد من آياتها بعد سنة ست. .
الثالث: أن آيات اللعان الواقعة في صدر السورة قد نزلت سنة تسع، بعد رجوع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من غزوة تبوك في قصة عويمر بن
ساعدة، و اتهامه شريك بن السمحاء بأنه زنى بامرأته، فراجع (1).
الرابع: إذا أضفنا إلى ذلك: أن هناك من يرى أن ترتيب القرآن هو نفس الترتيب الذي في اللوح المحفوظ، بلا تصرف، و لا تغيير،
و مالك يقول: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعون من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كذا قال البغوي: أنهم كتبوا القرآن كما سمعوا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» من غير أن قدموا شيئا، أو أخروا (2)،
و أضفنا إلى ذلك: أنه قد ذكر في أول هذه السورة-سورة النور-ما يدل على أنها نزلت جملة واحدة، حيث قال تعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْنٰاهٰا وَ فَرَضْنٰاهٰا وَ أَنْزَلْنٰا فِيهٰا آيٰاتٍ بَيِّنٰاتٍ. . ،
و أضفنا إليه: أن الصحابة ما كانوا يعرفون انتهاء السورة، و ابتداء غيرها إلا بعد نزول البسملة (3)،
1) تفسير القمي ج 2 ص 98 و تفسير الميزان ج 15 ص 85 و تفسير البرهان ج 3 ص 125 و 126 و تاريخ الخميس ج 2 ص 133، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 167 و راجع ط مطبعة مصطفى محمد بمصر ص 407 و البحار ج 21 ص 367 و 368 عن الكازروني في المنتقى و راجع أيضا: المواهب اللدنية، و أسد الغابة.
2) الإتقان ج 1 ص 61.
3) راجع: مقالة العلامة السيد أبو الفضل مير محمدي، في مجلة الهادي سنة 5 عدد 3 و فتح الباري ج 9 ص 39، كما أخرجه أبو داود، و صححه ابن حبان، و الحاكم، و المصنف لعبد الرزاق ج 2 ص 92 و مجمع الزوائد ج 2 ص 109 أو قال: أخرجه البزار بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح.
فإننا سوف نطمئن-بعد كل ذلك-إلى أن آيات الإفك قد تأخر نزولها إلى سنة ثمان. من دون أي تصرف في آيات السورة أصلا. .
زعموا: أن الحجاب قد نزل فرضه في سنة خمس من الهجرة (1). و ذلك حين تزوج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بزينب بنت جحش.
و نقول: إن ذلك غير صحيح، و ذلك لما يلي: أولا: تذكر قضية الإفك: أن الإفك قد كان بعد فرض الحجاب، مع أن آيات الحجاب قد وردت في سورة النور، و سورة النور قد نزلت بعد سنة ست، كما قدمنا في المبحث السابق.
ثانيا: إن الظاهر من قوله تعالى في أول سورة النور: سُورَةٌ أَنْزَلْنٰاهٰا وَ فَرَضْنٰاهٰا أن هذه السورة قد نزلت كلها دفعة واحدة. . و تقدمت شواهد أخرى تدل على ذلك. .
و هذا معناه: أن آيات الحجاب قد نزلت مع آيات الإفك في سورة واحدة، و دفعة واحدة، فكيف يكون الحجاب قد فرض قبل ذلك؟ !
فما في روايات الإفك من افتراض الحجاب و وجوبه قبل نزول سورة النور مما لا يجتمعان.
ثالثا: إنهم يقولون: إن الحجاب إنما فرض حينما تزوج «صلى اللّه عليه
1) طبقات ابن سعد ط دار صادر ج 8 ص 174 و 176.
و آله» بزينب بنت جحش، حيث بقي الرجال جالسين، حتى تضايق النبي «صلى اللّه عليه و آله» منهم، ففرض الحجاب حينئذ (1).
كما أن حمنة-حسب روايات الإفك-قد طفقت تحارب لأختها زينب. . لكن اللّه قد عصم أختها بالورع.
مما يعني: أن زينب كانت حين قضية الإفك زوجة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إنما نزل الحجاب بمناسبة تزويجها به «صلى اللّه عليه و آله» . و لكننا نقول: إن ذلك موضع شك كبير، بل منع. . فإننا إذا أخذنا بقول من يقول: إن الإفك كان سنة أربع أو خمس، فإنما كان في شعبان منها. . و لا خلاف عندهم في كون الحجاب قد فرض في ذي القعدة سنة خمس (2)، حسبما تقدم. فهو إذن بعد قضية الإفك بلا ريب.
بل إن ابن سعد، و الطبري، و البلاذري يطلقون الحكم هنا، و يقولون: إن تزوّج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بزينب قد كان بعد المريسيع (3). أضاف البلاذري قوله: و يقال: إنه تزوجها في سنة ثلاث و ليس بثبت (4).
و إن قلنا: أن الإفك كان في السنة السادسة-كما هو الصحيح- فبالإضافة إلى حكم البلاذري، و الطبري، و ابن سعد المتقدم نلاحظ ما يلي:
أولا: إن هناك رواية تقول: إن عمرة بنت عبد الرحمن سألت عائشة: متى تزوج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» زينب بنت جحش؟
قالت: مرجعنا من غزوة المريسيع، أو بعده بقليل (1).
ثانيا: يظهر من عبد الرزاق، بل صريحه: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تزوج بزينب بعد تزوجه بصفية، حيث قال، و هو يعدد زوجات النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «. . ثم نكح صفية بنت حيي، و هي مما أفاء اللّه عليه يو خيبر، ثم نكح زينب بنت جحش. .» (2)و الحجاب إنما فرض-كما يقولون-: في قصة زينب، ففرض الحجاب إذن يكون بعد المريسيع.
فكيف تقول عائشة: إن الإفك كان بعد فرض الحجاب، و بعد تزوجه «صلى اللّه عليه و آله» بزينب؟ ! و أنها خمرت وجهها بجلبابها، و أن حمنة طفقت تحارب لأختها زينب، التي عصمها اللّه بالورع. . و أنه سأل زينب عن أمرها في الإفك، فبرأتها؟ !
و أما دعوى: أن حديث الإفك يدل على تقدم زواجه «صلى اللّه عليه و آله» بزينب، و فرض الحجاب (3)، فهي مصادرة و تحكم بلا دليل.
بل إن العكس هو الصحيح، لأن حديث الإفك فيه الكثير من الإشكالات الأساسية الموجبة لضعفه و وهنه، فلا يقوى على مقاومة النصوص التاريخية الأخرى.
و لو أردنا: أن نصحح حديث الإفك لوجب ان نغير جانبا عظيما من التاريخ ليوافقه و ينسجم معه. . و لا يمكن ذلك، و لا يصح، من أجل رواية واحدة، متناقضة، ضعيفة السند و المتن. . و تنتابها العلل من كل جانب و مكان.
ثالثا: قد عرفنا: أن سورة النور قد نزلت في سنة تسع لأجل آيات اللعان، التي نزلت في سنة تسع بعد رجوعه «صلى اللّه عليه و آله» من تبوك.
رابعا: هناك روايات تذكر: أن سبب نزول الحجاب هو جرأة عمر على نساء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين نادى سودة بنت زمعة و هي تذهب إلى المناصع ليلا، و قال لها: قد عرفناك يا سودة (1).
و في نص آخر: أن آيات الحجاب نزلت في إيذاء المنافقين لنسائه «صلى اللّه عليه و آله» حين كن يخرجن بالليل لحاجاتهن (2). أو حين أكل عمر مع بعض نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأصابت يده بعض أيدي نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» (3).
أ-لقد ورد في روايات الإفك: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد صعد المنبر، و استعذر من ابن أبي، و أن الحيين تثاورا، فما زال يخفضهم و هو على المنبر، حتى سكتوا و سكت.
مع أنهم يذكرون: أن المنبر لم يكن قد اتخذ بعد. و إنما اتخذ في السنة الثامنة (1)، بل في السنة التاسعة. كما يدل عليه ذكر تميم الداري في روايات المنبر، و تميم إنما قدم المدينة سنة تسع.
و ذلك لأنهم يقولون: إن تميم الداري هو الذي صنعه (2).
ب-و فيه أيضا: ذكر للعباس بن عبد المطلب، الذي قدم المدينة في آخر سنة ثمان، فقد جاء في رواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ، عندما اقترح عليه تميم الداري المنبر شاور العباس بن عبد المطلب، فقال العباس: إن لي غلاما يقال له: كلاب، أعمل الناس، فقال: مره أن يعمل (3). . الحديث.
و في المبهمات لابن بشكوال قال: قرأت بخط ابن حبان قال: ذكر عبد اللّه بن حسين الأندلسي في كتابه في الرجال، عن عمر بن عبد العزيز: أن
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 300 عن كتابي: الأصل، و النور، و في فتح الباري ج 2 ص 330 و وفاء الوفاء ج 2 ص 397: أن ابن النجار جزم بهذا، و أما ابن سعد فقد جزم بأنه اتخذ في السابعة.
2) الأوائل للعسكري ج 1 ص 336 و وفاء الوفاء ج 2 ص 391 و 396، عن أبي داود، بسند أحمد، و فتح الباري ج 2 ص 330 عن أبي داود، و الحسن بن سفيان، و البيهقي، و العسقلاني، و إسناده جيد، و سيأتي ذكره في علامات النبوة و في البخاري أشار إليه، و طبقات ابن سعد ط دار صادر ج 1 ص 250.
3) الإصابة ج 3 ص 304، عن الطبقات، و طبقات ابن سعد ج 1 قسم 2 ص 9، و في وفاء الوفاء ج 2 ص 393، عن الطبقات، و قيل: إن رجاله ثقات ما عدا الواقدي، و كذا قيل في فتح الباري ج 2 ص 330، و هو من حديث أبي هريرة، و في كتاب يحيى بن سعيد، منقطعا عن أبي الزناد، و غيره.
المنبر عمله صباح مولى العباس (1).
و قد حاول البعض توجيه ذلك: بأن المقصود: أنه وقف على شيء مرتفع من الطين (2).
و لكن هذا التوجيه لا يعدو كونه تخرصا لا مبرر له. . و لا سيما بملاحظة: أن لفظ المنبر لا يطلق على ذلك لغة، كما هو ظاهر. .
و يرده أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قبل اتخاذ المنبر يخطب و هو مستند إلى جذع. فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، فأتاه فمسح يده عليه، حتى سكن (3).
قال عياض: حنين الجذع مشهور منتشر، و الخبر به متواتر، أخرجه أهل الصحيح، و رواه من الصحابة بضعة عشر (4).
1) الإصابة ج 2 ص 175.
2) السيرة الحلبية ج 2 ص 300، عن صاحب كتاب النور. .
3) راجع: الوفاء لابن الجوزي ج 1 ص 321-324 و وفاء الوفاء للسمهودي ج 2 ص 388، فصاعدا عن البخاري بعدة طرق، و عن النسائي، و ابن خزيمة، و عن الدارمي، و أحمد، و ابن ماجة، و ابن عساكر في تحفته، و عياض، و ابن عبد البر، و كتاب يحيى بن سعيد، و الإسفراييني، و كتاب ابن زبالة، و البخاري ج 2 ص 11 و فتح الباري ج 2 ص 330 عن بعض من تقدم، و عن الترمذي، و ابن خزيمة، و صححاه، و طبقات ابن سعد ج 1 قسم 2 ص 10 و 11 و 12 و مصنف عبد الرزاق ج 3 ص 186 و دلائل النبوة ج 2 ص 274-271.
4) راجع: وفاء الوفاء ج 2 ص 394.
لقد ارتأينا: أن نبحث حديث الإفك هنا من وجهة نظر قرآنية أيضا.
و قد تقدم في الفصل السابق البحث عن أمور عديدة، كان من بينها نقاط ثلاث، تعتبر أيضا من الأمور القرآنية. . و نحن بعد أن ذكرناها هناك، لا نرى حاجة لإعادتها بصورة تفصيلية في هذا الفصل، و هذه الأمور الثلاثة هي:
الأول: ما تقدم من أن آيات الإفك لابد أن تكون قد نزلت بعد الإفك بحوالي ثلاث سنين. .
فإن الظاهر هو: أن سورة النور قد نزلت بأجمعها دفعة واحدة. .
مع أنهم يقولون: إن حديث الإفك كان في السادسة، أو التي قبلها في غزوة المريسيع. . و الآيات إنما نزلت في وقت حدوث الإفك، حسب تصريح الروايات. فكيف يكون الإفك في سنة ست، و الآيات نزلت بعد هذه المدة الطويلة؟ ! . .
الثاني: إن صريح روايات الإفك: أنه كان بعد فرض الحجاب، و آيات فرض الحجاب قد نزلت في سورة النور نفسها بعد سنة ثمان؛ فكيف يكون الإفك في سنة ست أو قبلها، و آيات فرض الحجاب نزلت في سنة ثمان؟ !
هذا. . عدا عما تقدم من أن زواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بزينب، التي نزلت آيات الحجاب في قضيتها، إنما كان بعد المريسيع. . بل بعد خيبر أيضا كما عرفت.
الثالث: إن آيات اللعان الواردة في أول سورة النور تدل على أن الإفك قد كان في السنة التاسعة أيضا؛ لأن اللعان إنما كان بعد غزوة تبوك حسبما تقدم.
و ما نريد أن نذكره في هذا الفصل-بالإضافة إلى ما تقدم-هو الأمور التالية:
لقد وصف القرآن الكريم تلك المرأة التي تعرضت للإفك عليها بالمؤمنة، قال تعالى: اَلَّذِينَ يَرْمُونَ اَلْمُحْصَنٰاتِ اَلْغٰافِلاٰتِ اَلْمُؤْمِنٰاتِ (1).
لكننا إذا راجعنا سورة التحريم، فسنواجه آيات فيها تعريض قوي، و إيحاء بالغ الدلالة على ضد ذلك، إذ إن عائشة و حفصة كانتا هما السبب في نزول تلك السورة، فتكونان بالتالي هما المقصودتان بتلك الآيات. فلاحظ ما يلي:
أ-قال تعالى: عَسىٰ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوٰاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمٰاتٍ مُؤْمِنٰاتٍ (2)فإن ظاهر السياق هو: أن هذه الصفات غير موجودة فيهن، و إنما هي موجودة في البدائل، و ذلك ليصح الامتنان بهذا الأمر على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ليصح تهديدهن به و التعريض به لهن.
ب-إنه سبحانه قد اتخذ هو و جبرائيل، و صالح المؤمنين، و الملائكة
أيضا جانب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ليكون من يتظاهر على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الجانب الآخر. قال تعالى:
إِنْ تَتُوبٰا إِلَى اَللّٰهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمٰا وَ إِنْ تَظٰاهَرٰا عَلَيْهِ فَإِنَّ اَللّٰهَ هُوَ مَوْلاٰهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صٰالِحُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمَلاٰئِكَةُ بَعْدَ ذٰلِكَ ظَهِيرٌ (1).
ج-ثم إنه سبحانه قد عرّض بخيانتهما لرسول اللّه-من خلال إفشاء سره الخطير-فجعلهما في صف امرأتي نوح و لوط، فقال تعالى: ضَرَبَ اَللّٰهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَتَ نُوحٍ وَ اِمْرَأَتَ لُوطٍ كٰانَتٰا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبٰادِنٰا صٰالِحَيْنِ فَخٰانَتٰاهُمٰا فَلَمْ يُغْنِيٰا عَنْهُمٰا مِنَ اَللّٰهِ شَيْئاً وَ قِيلَ اُدْخُلاَ اَلنّٰارَ مَعَ اَلدّٰاخِلِينَ (2).
و كل ذلك و سواه. . يثير شكوكا قوية حول إمكانية أن تكون الآيات الشريفة في سورة النور قد نزلت في عائشة، لتصفها بهذه الأوصاف المادحة، التي لا تتلاءم مع أجواء سورة التحريم. .
و أما وصف «الغافلات» الوارد في آيات الإفك، فإنه هو الآخر يزيد من صعوبة دعوى أن تكون آيات الإفك قد نزلت في عائشة.
و هي أشدّ مناسبة و التصاقا بما جرى لمارية، إذ إن مارية كانت تعيش في مشربتها في معزل عن الناس، و لا تلتقي إلا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بنسيبها، أو أخيها مأبور، و ليس ثمة من حدث لافت و مثير في
حياتها تلك العادية و الرتيبة.
أما عائشة فقد تركها النبي «صلى اللّه عليه و آله» في قلب الصحراء، و قد صادفها صفوان بن المعطل وحدها نائمة، أو مستيقظة، على اختلاف رواياتها. . و قد بقيت معه حتى قدم بها في اليوم التالي في نحر الظهيرة على جيش فيه الكثير من المنافقين، الذين يبحثون عن أية فرصة للنيل من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فكيف لم يخطر في بالها-و الحالة هذه-: أن يتهمها المنافقون الحاقدون بما يسيء إلى سمعتها؟ !
إلا إن كانت على درجة عالية جدا من السذاجة، البالغة إلى حد البله، و ليست عائشة بهذه المثابة على أي حال. بل هي المرأة اليقظة الذكية التي استطاعت أن تقود حربا ضد وصي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . يقتل فيها ألوف كثيرة من المسلمين.
و هذه الملاحظة تزيد من مشكلات حديث الإفك على عائشة، و تؤكد عدم صحته.
و عن الإفك المبين نقول:
ألف: إن الآيات القرآنية توبخ المؤمنين، لأنهم لم يظنوا خيرا، و تكلفهم أن يحكموا بمجرد سماعهم بالإفك بأنه بهتان عظيم، و بأنه إفك مبين. . فلا بد أن يكون إفكا بينا و معلوما لدى كل أحد، ليمكن لكل من سمعه أن يحكم بكونه بهتانا، و إفكا مبينا.
و الأمر في قضية عائشة المروي عنها ليس كذلك، فالإيهام و الإبهام فيها
موجود، فتكليف الناس بأن يحكموا بأنه كذب مبين، لا معنى له.
فإنه إن كان الخطاب في الآيات متوجها للناس في قضية إفك عائشة، لكان ذلك تكليفا بما لا يطاق. . لعدم كون الإفك في قصة عائشة-و بيتوتتها مع رجل غريب-واضحا بينا لكل من سمعه.
ب: إنه لو كان إفكا مبينا لم يهتم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالأمر، و لم يرتب الأثر على قول الآفكين، حسب روايات إفك عائشة.
فهذه الآيات إذن لا بد أن تكون ناظرة لقضية أخرى، يكون الإفك فيها واضحا و بينا جدا. . بحيث يصح معها توبيخ المؤمنين على موقفهم غير المنسجم مع طبيعة الأحداث. . فما هي هذه القضية التي تنظر إليها الآيات؟ ! هذا ما سوف نجيب عنه في الفصول الآتية، إن شاء اللّه تعالى.
يقول اللّه تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ جٰاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ. . .
و إذا لاحظنا معنى العصبة في اللغة، فسنرى أن معناها: الجماعة المتعصبة المتعاضدة.
فيكون مفاد الآية: أن ثمة جماعة قد تعاضدت و تعاونت على صنع قضية الإفك، و المجيء به وافترائه. . و إلا لعبر بكلمة: جماعة، أو طائفة، أو نحو ذلك.
مع أن الأمر في قضية الإفك على عائشة لم يكن كذلك، لأن روايات الإفك على عائشة تفيد: أنها لما قدمت مع صفوان. . مرت معه على ابن أبي. . فقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت. أو قال: «فجر بها و رب
الكعبة» و العياذ باللّه. . ثم صار يجمع، و يستوشي الأخبار.
و هذا معناه: أن بدء الإفك كان من رجل واحد و بشكل عفوي، من دون اتفاق و تعاضد مسبق.
كما أن ظاهر الآية: أنهم جاؤوا بالإفك معا، لا أن أحدهم جاء به، ثم تبعه آخر و صدقه، و قذف متابعة له.
ثم إن قول أم رومان: إن الإفك كان من الضرائر، لعله يقرب: أن المراد من قوله في الآية عُصْبَةٌ مِنْكُمْ : أن بعض نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد اشترك في قضية الإفك، بشكل رئيسي و فعال بحيث يصح نسبة ذلك إليهن من قبل أم رومان. . و قد انضم إليهن أقرباؤهن أو من له اتصال بهن بسبب أو نسب. . حتى صاروا عصبة و لذا قال تعالى: مِنْكُمْ ! ! . . هنا.
و لكنه صرح بكلمة اَلْمُؤْمِنُونَ في قوله: ظَنَّ اَلْمُؤْمِنُونَ مما يعني: أن ثمة تمايزا من نوع ما بين من يطلب منهم الظن الحسن، و الذين جاؤوا بالإفك. . و لو كان المقصود ب «منكم» أي من المؤمنين، لكان اللازم أن يقول: «ظننتم بأنفسكم خيرا» ليتحد السياق و ينسجم الكلام.
ثم إن عددا من روايات الإفك قد صرّح في تفسير كلمة عصبة منكم
بأن المراد هو: أربعة منكم (1). و هذا هو ما تذكره غالب روايات الإفك فإنها لم تذكر أزيد من أربعة أشخاص، هم: ابن أبي، مسطح، حسان، حمنة.
و زاد بعضهم: عليا، و عبد اللّه بن جحش، و عبيد اللّه بن جحش.
و زاد بعضهم: زيد بن رفاعة.
و قد ذكرنا: أن تهمة الثلاثة الأواخر لا تصح تاريخيا، و يبقى الأربعة الأوائل. . و قد برأت عائشة حسان. . أو برأ نفسه، و برأه عدد من المؤرخين، و أنكر مسطح أيضا: أن يكون ممن خاض في الإفك.
و علي أيضا: ذكروا أنه برأها. و برأه الزهري.
و لم يبق على الساحة سوى ابن أبي، و حمنة بنت جحش.
إذا عرفنا هذا. . فلنعد إلى النص القرآني حول قضية الإفك، لنجده يقول: إِنَّ اَلَّذِينَ جٰاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ. . .
و العصبة لغة: هي الجماعة من العشرة إلى الأربعين (2).
و فسرها في أقرب الموارد بالعصابة، و فسر العصابة ب «الجماعة من الرجال، و من الخيل، و من الطير، و قيل: العشرة، و قيل: ما بين العشرة إلى الأربعين» (3).
و قال العسقلاني: «العصابة-بكسر العين-الجماعة من العشرة إلى الأربعين. و لا واحد لها من لفظها. .» (4).
و يؤيد ذلك: أن عروة قال: «لم يسم من أهل الإفك غير عبد اللّه بن أبي، و حسان، و حمنة، و مسطح في آخرين، لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة. .» (1).
مما يعني: أن العصبة هم أكثر من ذلك.
و عليه. . فلا يمكن أن نصدق ما نسب إلى ابن عباس من تفسير العصبة بالأربعة فقط (2). . فإن ذلك خلاف اللغة و العرف. . و ابن عباس من البلغاء الفصحاء، لا يصدر عنه مثل ذلك.
و على كل حال. . فإن السبعة أو الثمانية لا يصدق عليهم: أنهم عصبة. . فكيف بالاثنين أو الأربعة. . سواء أفسرنا العصبة بالعشرة. . أو فسرناها بما بين العشرة و الأربعين.
و مجرد إفاضة الناس في أمر الإفك. . لا يعني أن هؤلاء الناس هم الذين جاؤوا بالإفك. . كما هو ظاهر.
. . فأين ذهبت أسماء بقية العصبة؟ و كيف غفل الناس عن أمر هام كهذا الأمر؟ ! .
نعم. . لا بد أن يكون ذكر أسمائهم مضرا بمصالح الذين يهتمون برواية حديث الإفك على هذا النحو الذي ذكرناه.
و لعل هذه النقطة تجعلنا أكثر يقينا في القول: بأن الرواية تنطبق على مارية. حيث اشترك في الإفك عليها من لا يجمل بنا التصريح باسمه
و كانت السياسة تقضي بمحو كل الآثار الدالة على حقيقة الإفكين-و لربما يأتي بعض ما يدل على ذلك.
هذا. . و لعل جميع الروايات متضافرة على: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد رتب الأثر على قول الإفكين، و كان في ريب من عائشة، حيث تغيرت معاملته لها، و لم تعد تعرف منه ذلك اللطف و صار يقف على الباب و يقول: كيف تيكم؟ مع ما في هذه الكلمة من الإهانة، ثم هو يطلب منها التوبة، إن كان قد صدر منها ذنب، ثم إنه قد استشار في أمرها عدة أشخاص، و قرر بريرة و غيرها.
و في رواية عمر: «فكان في قلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» مما قالوا» .
ثم إن نفس عائشة تلومهم على ترتيبهم الأثر، و شكهم. . حتى إنها تقول للذي بشرها بالبراءة: بحمد اللّه، و ذمكما، تقصد أباها و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أو: بحمدك لا بحمد صاحبك الذي أرسلك. . أو: بحمد اللّه لا بحمدك. أو نحو ذلك.
مع أن آيات الإفك توبخ على عدم الظن الحسن في هذا المورد و تقول: إنه كان يجب تكذيب هذه الفرية رأسا. . فقد قال تعالى: لَوْ لاٰ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَ قٰالُوا هٰذٰا إِفْكٌ مُبِينٌ .
و قال: وَ لَوْ لاٰ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مٰا يَكُونُ لَنٰا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهٰذٰا سُبْحٰانَكَ هٰذٰا بُهْتٰانٌ عَظِيمٌ .
فمن لوازم الإيمان حسن الظن، و النبي أحق من يتصف بهذه الصفة،
و هو أبعد ما يكون عن الوقوع في الإثم، و له مقام النبوة، و العصمة الإلهية.
قال الزمخشري: «و هذا توبيخ و تعنيف للذين سمعوا الإفك فلم يجدوا في دفعه و إنكاره، و احتجاج عليهم بما هو ظاهر مكشوف في الشرع، من وجوب تكذيب القاذف بغير بينة، و التنكيل به إذا قذف امرأة محصنة من عرض نساء المسلمين، فكيف بأم المؤمنين. .» (1).
و نلاحظ: أن روايات الإفك تقول: إن عشرة من الصحابة، بل أكثر، قد ظنوا بعائشة خيرا. . و لم يظن بها السوء إلا النبي و علي «صلوات اللّه و سلامه عليهما» .
و حتى علي فإن بعض الروايات تقول: إنه قد برأها. . فاللوم القرآني على هذا إنما توجه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقط، لأنه هو الذي هجرها شهرا، و أظهر الشك في براءتها.
أما أبو أيوب، فقد ظن خيرا و قال: لما سمع بالإفك: سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم (2).
و كذلك سعد بن معاذ (3).
و عثمان.
و عمر.
و زيد بن حارثة.
و أسامة (1).
و بريرة.
و زينب بنت جحش.
و أم أيمن.
و علي، و غيرهم، ممن استنكر مثل هذا الأمر، و كذبه.
و قالت لها أم مسطح: أشهد أنك من الغافلات المؤمنات (2).
فهل ذلك يعني: أن هؤلاء جميعا كانوا أعرف من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أشد إيمانا، و أقوى يقينا و أتقى منه «صلى اللّه عليه و آله» . العياذ باللّه من الزلل، في القول و العمل.
و اللافت أيضا: أنهم يذكرون: أن عائشة نفسها عند ما جاءها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و طلب منها الإقرار، أو الاستغفار، قالت: لقد سمعتموه و ما أنكرتموه، و لا غيرتموه. . هذا مطابق تقريبا لقوله تعالى: لَوْ لاٰ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَ قٰالُوا هٰذٰا إِفْكٌ مُبِينٌ .
و عائشة تواجه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقولها: و ما أنكرتموه، فتسند إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» عين ما أنكره اللّه على من أفاض في الإفك و لم ينكره. . فكيف غاب ذلك عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أدركته عائشة، حديثة السن، و التي لم تكن تعرف كثيرا من القرآن؟ ! و كانت تغفل عن
عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله؟ !
إن ذلك لعجيب حقا، و أي عجيب؟ ! لقد كانت النبوة إذن تليق بأحد هؤلاء: عائشة، بريرة، أبو أيوب، عمر، عثمان، أسامة، أبي زيد، أم أيوب، أم أيمن، زينب بنت جحش، سعد بن معاذ، أبي بن كعب، قتادة بن النعمان على ما في بعض الروايات، و حتى علي «عليه السلام» ، حسبما ذكرته روايات أخرى أيضا. . دون النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ! ! !
أليس عجيبا أن يكون موقف كل هؤلاء موافقا للقرآن لكي يكون الأعجب من ذلك أن يكون موقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو المناقض تماما لكتاب اللّه سبحانه؟ ! !
إن هذا بالذات: هو الانطباع الذي تسعى روايات الإفك إلى تقديمه كحقيقة تاريخية راهنة. . و لتكون من ثم أعجوبة الأعاجيب هي: أن يحرم هؤلاء الأفذاذ من مقام النبوة، أو حتى الألوهية. . و يعطى مقام النبوة لمن يكون هذا حاله، و إلى هذا المصير و المستوى يكون مآله! ! حسبما صورته لنا رواية الإفك، أعاذنا اللّه من الزلل إنه ولي المؤمنين.
ثم إنهم يقولون: إن زوجة النبي «صلى اللّه عليه و آله» يجوز أن تكون كافرة، كامرأة نوح، و امرأة لوط، و لا يجوز أن تكون فاجرة، لأن النبي مبعوث إلى الكفار، ليدعوهم، فيجب أن لا يكون معه ما ينفرهم عنه، و الكفر غير منفر عندهم، و أما الفاحشة فمن أعظم المنفرات (1).
1) تاريخ الخميس ج 1 ص 477 و تفسير النيسابوري هامش الطبري ج 18 ص 64 و الكشاف ج 3 ص 220 و السيرة الحلبية ج 2 ص 305 و الميزان تفسير ج 15 ص 102.
فكيف أدرك هؤلاء هذه الحجة العقلية، المثبتة واقعا-لا ظاهرا فحسب-نزاهة نسائه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يدركها النبي نفسه، و رتب الأثر على قول الإفكين، و ارتاب بأهله؟ ! ! . .
و يقولون أيضا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أتى إلى عائشة، و طلب منها الاعتراف قائلا: «. . إن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب إلى اللّه تاب اللّه عليه» .
و قد حمل عياض هذا الكلام على أنه قد طلب منها التوبة فقط (1).
و لكن هذا التوجيه يخالف ظاهر الكلام بصورة واضحة. .
كما أن نفس جواب عائشة ينافي كلام عياض، فقد قالت: لئن قلت لكم: إني بريئة لا تصدقوني بذلك، و لئن اعترفت لكم بأمر، لتصدقني الخ. .
و على كل حال. . فيرد هنا سؤال، على تقدير أن لا يكون صفوان بن المعطل عنينا: أنه قد كان اللازم، هو أن يندبها النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الكتمان، كما فعل «صلى اللّه عليه و آله» مع الذين جاؤوا ليعترفوا له بأمر من هذا القبيل، حيث صرف وجهه عنهم عدة مرات، و حاول تشكيكهم فيما يريدون الاعتراف به.
و أجاب الداودي: بالفرق بين أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فيجب عليهن الاعتراف، لأنه لا يحل لنبي إمساك من يقع منهن ذلك. . بخلاف نساء الناس: فإنهن ندبن إلى الستر، و لذا صح منه «صلى اللّه عليه
1) فتح الباري ج 8 ص 364 عنه.
و آله» طلب الاعتراف منها.
و هذه دعوى لا يمكن قبولها، لا من الداودي و لا من غيره، إذ إن حرمة إمساك من يقع منهن ذلك تكليف متوجه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . و ذلك لا يعني إلزام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالبحث عن هذا الأمر. . بل يحرم عليه الإمساك لو علم بهذا الأمر وفقا لأسلوب الشارع و طريقته، و ضمن حدوده و شرائعه، التي منها التستر، و عدم الرغبة في الإقرار به. . و لم يرد ما يدل على أنه يجب على الرسول «صلى اللّه عليه و آله» أن يتقصى هذا الأمر، و أن يستخرجه، و لو عن طريق الإصرار على الإقرار به.
كما أن ذلك لا يلزم منه وجوب اعتراف النساء أنفسهن بذلك. . و لا يكون ذلك دليلا على الفرق بينهن و بين نساء غير الأنبياء في هذا الأمر.
هذا، بالاضافة إلى الحقيقة المسلمة عند كل أحد: أن أمرا كهذا لا يصدر من زوجات الأنبياء «عليهم السلام» ، فكيف عرفه الناس و لم يعرفه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! !
إن بعض روايات الإفك-و هي رواية ابن عمر-أفادت: أن آية وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا. . قد نزلت في هذه المناسبة. و ذلك عند ما تثاور الحيان: الأوس و الخزرج، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» على المنبر، فما زال يخفضهم حتى سكتوا.
مع أن المعروف و المشهور، هو: أنها قد نزلت في مناسبة أخرى-غير حديث الإفك-فقد:
أخرج أحمد، و البخاري، و مسلم، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن مردويه، و البيهقي في سننه، عن أنس قال: قيل للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : لو أتيت عبد اللّه بن أبي، فانطلق، و ركب حمارا، و انطلق المسلمون يمشون، و هي سبخة، فلما انطلق إليهم، قال: إليك عني، فواللّه لقد آذاني ريح حمارك، فقال رجل من الأنصار: و اللّه لحمار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أطيب ريحا منك، فغضب لعبد اللّه رجال من قومه، فغضب لكل منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد، و بالأيدي، و النعال، فأنزل فيهم: وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا. . (1).
و أخرج عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر عن قتادة، قال: ذكر لنا: أن هذه الآية نزلت في رجلين من الأنصار، و كانت مماراة في حق بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذن عنوة، لكثرة عشيرته، و أن الآخر دعاه ليحاكمه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأبى. فلم يزل الأمر حتى تدافعوا، و حتى تناول بعضهم بعضا بالأيدي و النعال، و لم يكن قتال بالسيوف (2).
و أخرج ابن جرير، و ابن أبي حاتم، عن السدي: أنها نزلت في رجل من الأنصار، يقال له: عمران، منع امرأته من زيارة أهلها، فأرسلت إليهم، فجاؤوا ليأخذوها، فاستعان الرجل بأهله، فتدافعوا، و اجتلدوا بالنعال، فنزلت الآية، فأصلح النبي «صلى اللّه عليه و آله» بينهم (3). فمن نصدق؟
هل نصدق رواية عائشة، التي توالت عليها العلل و الأسقام، و فيها تحاول عائشة تضخيم الأمر، وجر النار إلى قرصها؟
أم نصدق الروايات التي لا مجال للتشكيك فيها سوى معارضتها برواية عائشة التي هذا حالها؟ ! !
و بالنسبة إلى قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ اَلْمُحْصَنٰاتِ. . ، نقول:
قال الزمخشري: «فإن قلت: إن كانت عائشة هي المرادة، فكيف قيل المحصنات؟ يعني بصيغة الجمع .
قلت: فيه و جهان:
أحدهما: أن يراد بالمحصنات أزواج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن يخصصن بأن من قذفهن، فهذا الوعيد لا حق به، و إذا أردن-و عائشة كبراهن منزلة و قربة عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -كانت المرادة أولا.
و الثاني: أنها أم المؤمنين، فجمعت إرادة لها، و لبناتها من نساء الأمة الموصوفات بالإحصان، و الغفلة، و الإيمان الخ. .» (1).
و قال الإسكندراني في حاشيته على الكشاف: «و الأظهر: أن المراد عموم المحصنات، و المقصود بذكرهن على العموم: و عيد من وقع في عائشة على أبلغ الوجوه، لأنه إذا كان هذا وعيد من قذف آحاد المؤمنات، فما الظن بوعيد من قذف سيدتهن، و زوج سيد البشر «صلى اللّه عليه و آله» ؟ على أن
1) الكشاف ج 3 ص 224 و تفسير النيسابوري بهامش الطبري ج 18 ص 69.
تعميم الوعيد أبلغ و أقطع من تخصيصه» (1).
و قال البعض المراد عائشة، و الجمع للتعظيم (2). .
و نقول: إن هذا كله قد قيل بسبب الإصرار على أن تكون آية: الطيبات للطيبين قد نزلت في عائشة، مع أننا نرى أن البعض يقول: قد «نزلت الآية في مشركي مكة، حين كان بينهم و بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عهد، و كانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة، و قالوا: إنما خرجت لتفجر» (3).
هذا بالإضافة إلى عموم الآية الظاهرة في إعطاء ضابطة كلية، يرجع إليها في الموارد المختلفة، إذا أمكن تطبيق تلك الضابطة عليها.
و قالوا: إن قوله تعالى: وَ لاٰ يَأْتَلِ أُولُوا اَلْفَضْلِ قد نزل في خصوص أبي بكر، و مسطح. . فإن أبا بكر كان قد حلف أن لا ينيل مسطحا خيرا أبدا بعد الذي كان منه في عائشة، فلما نزلت الآية تحلل من يمينه، و عاد إلى الإنفاق عليه.
و في بعضها: أن مسطحا كان يتيما في حجره. . و نصوص الرواية كثيرة (4).
و نقول:
إن ذلك لا يصح، و ذلك للأمور التالية: أولا: روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، و معمر، قالا: أخبرنا هشام بن عروة، عن عائشة، أنها أخبرته: أن أبا بكر لم يكن يحنث في يمين يحلف بها، حتى أنزل اللّه كفارة الأيمان، فقال: و اللّه لا أرى يمينا حلفت عليها غيرها خيرا منها، إلا قبلت رخصة اللّه، و فعلت الذي هو خير. . (1)و السند صحيح عند الراغبين في منح عائشة و أبيها الأوسمة و الكرامات.
و من المعلوم: أن آية كفارة الأيمان قد جاءت في سورة المائدة، و هي قد نزلت في أواخر حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . فكيف حنث أبو بكر في قضية مسطح، ثم قال: «لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا تحللتها، و أتيت الذي هو خير. .» ؟ ! (2).
إن هذا القول ينافيه قول عائشة السابق و يدفعه، إذ إن عائشة تقول: إن أبا بكر قد قال هذا القول عند ما نزلت آية كفارة الأيمان، لا في مناسبة الإنفاق على مسطح. . و هو دليل على عدم حنثه بيمينه في مسطح، إن كان قد حلف حقا.
ثانيا: أخرج ابن جرير و ابن مردويه، عن ابن عباس، قال: كان ناس من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد رموا عائشة بالقبيح، و أفشوا ذلك، و تكلموا فيه. فأقسم ناس من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه
عليه و آله» ، منهم أبو بكر: أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشيء من هذا، و لا يصلوه الخ. . (1)و روي مثل ذلك عن الضحاك أيضا (2). .
و هذا يعني: أن الآية لم تنزل في أبي بكر خاصة، بل نزلت في ناس من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و لعل قول الراوي: «منهم أبو بكر» قد جاء على سبيل الانصياع لرواية حديث الإفك التي تتوارد عليها العلل، و تعبث بها الحقائق الثابتة أيما عبث.
و مهما يكن من أمر، فإن السؤال هو: لماذا تحصر الروايات نزول الآية في خصوص أبي بكر؟ !
أضف إلى ذلك: أن الطبرسي «رحمه اللّه» قد ذكر هذه الرواية في مجمعه، لكنه لم يذكر فيها أبا بكر (3).
ثم. . لماذا تخصيص أبي بكر بالذكر هنا من بين سائر من حلف من أولئك الصحابة. . فهل لقسمه خصوصية؟ أو طعم أو لون خاص؟ ! لست أدري! !
و لكن الذي يتبادر إلى ذهني: أن تكون رواية الطبرسي هي الصحيحة، و أن ذكر أبي بكر هنا ليس إلا من تزيد الرواة. . و لا سيما بملاحظة ما سيأتي. . من أن مسطحا لم يكن ممن جاء بالإفك أصلا.
بقي أن نشير هنا: إلى أن رواية الطبرسي هذه هي الموافقة لظاهر القرآن، الذي عبر عن هؤلاء الصحابة بصيغة الجمع، كما أنه جاء بثلاثة
أنواع من أناس، قد حلف الصحابة على عدم نفعهم، عبر عنهم كلهم بصيغة الجمع، و هم: أولو القربى، و المساكين، و المهاجرون. . فجعل ذلك كله متوجها إلى رجل واحد، هو مسطح، خلاف الظاهر. .
ثالثا: لقد أنكر مسطح نفسه أن يكون ممن خاض في الإفك، و أقسم أنه ما قذف عائشة، و لا تكلم بشيء، فقال له أبو بكر: لكنك ضحكت، و أعجبك الذي قيل فيها، قال: لعله قد كان بعض ذلك. . فأنزل اللّه في شأنه: وَ لاٰ يَأْتَلِ أُولُوا اَلْفَضْلِ مِنْكُمْ الآية (1). .
و لعل ما ورد في مرسلة سعيد بن جبير من قوله: «. . و خاض بعضهم، و بعضهم أعجبه» (2). . ناظر إلى هذا.
إذن. . فكيف حلف أبو بكر أن لا ينفعه بنافعة أبدا؟ .
و كيف تقول عائشة في روايتها: إنه كان قد خاض في الإفك حتى نزلت الآية الشريفة في حقه؟ !
رابعا: في رواية عن ابن سيرين: أن أبا بكر حلف في يتيمين كانا في حجره، أحدهما: مسطح، الذي شهد بدرا، و الآية نزلت بهذه المناسبة (3).
و نحن. . لا نعرف لماذا عبر ابن سيرين عن مسطح بأنه يتيم، مع أنه قد
1) الدر المنثور ج 5 ص 34، عن ابن أبي حاتم، عن مقاتل.
2) فتح الباري ج 8 ص 352، و أشار إليه النيسابوري، هامش الطبري ج 18 ص 68.
3) فتح الباري ج 8 ص 352 عن ابن مردويه و الدر المنثور ج 5 ص 35 عن ابن مردويه، و عبد بن حميد. . و في جامع البيان ج 18 ص 82: «إن أبا بكر حلف أن لا ينفع يتيما كان في حجره» . و نقل رواية الحسن و مجاهد أيضا، في مجمع البيان ج 7 ص 133، و نص على يتمه أيضا في السيرة الحلبية ج 2 ص 294، فراجع.
شهد بدرا، فهل الذي يشهد بدرا يكون صغيرا بحيث يطلق عليه أنه يتيم في حجر من يربيه؟ ! أليس قد مضى على بدر من حين الإفك أكثر من أربع سنين؟ ! أليس شهوده بدرا يدل على أنه كان حينئذ في سن البلوغ على الأقل، و قادر على الحرب، و يجيد الطعن و الضرب؟ و إلا لكان «صلى اللّه عليه و آله» قد رده كما رد ابن عمر.
و هل يصح إطلاق عبارة: «يتيم في حجر فلان» على الرجل الكامل العاقل!
و إذا كان قد جلد حدا أو حدين، كما في بعض الروايات، فهل يجلد اليتيم القاصر؟ !
خامسا: نقول كل ذلك. . مع غض النظر عن التناقض الشديد في الرواية التي تتحدث عن أبي بكر و مسطح، كما ربما يظهر ذلك مما ذكرناه آنفا. . و أيضا مع غض النظر عن أن هذه الرواية لم ترو إلا عن عائشة، و ابن عباس من الصحابة. . و قد كان ابن عباس حين الإفك صغيرا، يترواح عمره بين الست و التسع سنين، لو كان الإفك في سنة ست، فتبقى رواية عائشة فقط.
سادسا: قد روي من طرق شيعة أهل البيت «عليهم السلام» : أن سبب نزول هذه الآية: أنه جرى كلام بين بعض الأنصار، و بين بعض المهاجرين، فتظاهر المهاجرون عليهم، و علوا في الكلام، فغضب الأنصار من ذلك. . و آلت بينها: أن لا تبر ذوي الحاجة من المهاجرين، و تقطع معروفها عنهم، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، فاتعظت الأنصار (1).
سابعا: إن إنفاق أبي بكر على مسطح غريب، و عجيب. . و لا سيما في
1) تلخيص الشافي ج 3 ص 216.
فترة وقعة المريسيع. . التي كانت من الفترات الصعبة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أهل بيته، حتى إنه ربما كانت تمضي عليه ثلاثة أيام بلا طعام. و كان يشد الحجر على بطنه من الجوع، و لم تنفرج الحالة إلا بعد خيبر، كما تقول عائشة في معرض وصفها لحالة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أهل بيته المقرحة للقلوب في هذه الفترة (1).
و قد ذكرت: أن الأنصار كانوا دائما يتفقدونهم بجفان الطعام، و جفنة سعد بن عبادة مشهورة.
فإذا كان أبو بكر من أهل الفضل و السعة في المال، كما تنص عليه الآية. . فلماذا لم يكن ينفق على ابنته، فضلا عن أن يهدي للنبي «صلى اللّه عليه و آله» و أهل بيته، كما كان يفعل سعد بن عبادة؟ ! و إذا كان يفعل ذلك، فلماذا لم يرو لنا أحد شيئا يذكر من ذلك؟ !
و لقد كان أبو بكر خياطا، و لم يكن قسمه في الغنائم إلا كواحد من المسلمين، و لهذا احتاج إلى مواساة الأنصار له (2)في المدينة.
و أما المال الذي يقال: إنه حمله من مكة إلى المدينة: خمسة آلاف أو ستة آلاف. . فنحن لا نجده أنفق منه على ابنته أسماء التي تزوجت الزبير، و هو فقير لا يملك شيئا سوى فرسه، فكانت تخدم البيت، و تسوس الفرس، و تدق النوى لناضحه، و تعلفه، و تستقي الماء. . و تنقل النوى على رأسها من
أرض الزبير التي أقطعه إياها الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، على بعد ثلثي فرسخ من المدينة. . (1).
فلماذا لا ينفق على ابنته، و يكفيها حاجاتها، و هي بتلك الحالة من التعاسة، و الفقر؟ !
نعم، هي قد ادّعت: أن أبا بكر أرسل إليها خادما كفتها سياسة الفرس، قالت: فكأنما أعتقني (2). . لكنها بقيت على ضنك العيش و شدته. و مكابدة الفقر وحدته. . و لم يلتفت إليها أبو بكر، و لا أنفق عليها.
بل لقد هاجر و حمل ماله معه، و لم يترك لهم شيئا حسبما يزعمون.
لكنه ينفق على مسطح لتنزل فيه الآيات القرآنية، و ينال الأوسمة. . لإنفاقه على مسكين، مهاجر، ذي قربى. . و كأن أسماء ابنته لا تجتمع فيها هذه الصفات الثلاث على أكمل وجه و أدقه، فهي مهاجرة، و مسكينة، و ذات قربى لأبي بكر.
و عن حديث الخمسة أو الستة آلاف درهم التي يقال: إن أبا بكر قد جاء بها من مكة إلى المدينة حين هاجر نقول: إننا نشك في وجودها. . بعد أن رأيناه أشفق من تقديم الصدقة اليسيرة، و لو درهمين في قضية النجوى، حتى نزلت آية قرآنية توبخه هو و سائر الصحابة باستثناء علي «عليه
السلام» ؛ لإشفاقهم أن يقدموا بين يدي نجواهم صدقة (1).
و بعد أن رأينا القصة التي تروى في سياق إثبات هذا المال، فيها إشكال كبير. . و هي قصة مجيء أبي قحافة إلى أسماء بعد مهاجرة أبي بكر، حيث سألها إن كان قد ترك أبو بكر لهم شيئا. . و كان أعمى حينئذ، فجمعت أسماء له حصى، و وضعته في مكان المال، و أخذت يده و وضعتها على الحصى، لتوهمه أنه ترك لهم مالا كثيرا.
نعم. . إن هذه القصة فيها إشكال كبير. . فإن أبا قحافة كان سليم العينين حينئذ صحيحهما، «قال الفاكهي: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال عبد اللّه-و الظاهر أنه ابن مسعود-: لما خرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الغار، ذهبت أستخرج، و أنظر هل أحد يخبرني عنه، فأتيت دار أبي بكر، فوجدت أبا قحافة، فخرج علي، و معه هراوة، فلما رآني اشتد نحوي، و هو يقول: هذا من الصباة الذين أفسدوا علي ابني» (2).
و سند هذه الرواية: معتبر عند هؤلاء القوم، فكيف يكون قد كف بصره في ذلك الوقت، لتلمسه أسماء الحصى، بحجة أنه مال؟ !
قد أشرنا فيما سبق خصوصا في فصل «عائشة. .» إلى أمور عديدة غير معقولة في حديث الإفك. . مثل قولها:
إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يتزوج بكرا غيرها.
و ما تدعيه لنفسها من جمال.
و أن ضرائرها كن يحسدنها.
و أنها كانت لها حظوة عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و أنها كانت على درجة من الضعف و الهزال.
و أنها كانت صغيرة السن جدا.
و أنها كانت على درجة من قلة الفطنة و الغفلة، لا تفقه كثيرا من القرآن.
بالإضافة إلى خصائصها التي ميزتها على سائر نساء النبي. و نذكر في هذا الفصل طائفة أخرى من الأمور التي لا مجال لقبولها مما جاء في حديث الإفك فنقول:
عند ما سألت عائشة أمها عما يقوله الناس، قالت: «هوّني عليك، فو اللّه، لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، و لها ضرائر إلا
حسدنها، و أكثرن عليها» .
إذن. . فضرائر عائشة هن اللواتي جئن بالإفك، و أكثرن عليها لوضاءتها، و لمحبة النبي لها.
و نقول: إن عائشة نفسها تصرح: بأن نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عصمن عن الخوض في الإفك. . إلا أن حمنة طفقت تحارب لأختها. . أما أختها نفسها فقد عصمها اللّه بالورع. . فلا ندري من نصدق: البنت؟ ! أم أمها؟ !
و لقد اعتذر الحلبي بقوله: «إلا أن يقال: ظنت أمها ذلك على ما هو العادة في ذلك» (1).
أما العسقلاني فحاول الاعتذار عن ذلك: بأن أمها أرادت تطييب نفسها، و أنها ذكرت صفة الضرائر عموما، و لم تتهم ضرائر عائشة (2). .
و نقول: أولا: إنها احتمالات أقل ما يقال فيها: إنها خلاف الظاهر. . فلا يصار إليها إلا بدليل.
و مجرد الرغبة في دفع الإشكال عن حديث الإفك لا يكفي مبررا لهذه التمحلات، و لا سيما مع كثرة مواقع الضعف و الوهن في هذا الحديث.
ثانيا: كيف ظنت أمها ذلك؟ مع كون الخائضين بالإفك هم ابن أبي، و أضرابه ممن لا ربط لهم ببيت النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» . . و يعلم بهم
كل أحد، و لم يبق ناد إلا طار فيه هذا الخبر. . فهذا مجرد اتهام للضرائر لا مبرر له، مع وجود الشياع العظيم في خارج بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .
هذا مع علم أم رومان بشيوع الحديث، و وصوله إلى أبي بكر، و إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و تحدث الناس به. .
ثالثا: أما أنها أرادت تطييب نفسها، فهل يكون ذلك باتهام الأبرياء، و زرع الحقد و الضغينة لهن في نفس عائشة؟ ! . . لست أدري. . و لا أظن أحدا يدري. . إلا إن كان العسقلاني نفسه. .
و تقول روايات الإفك: إن صفوان بن المعطل لم يكن له مأرب في النساء، و إنه كان حصورا لا يأتي النساء، أي إنما معه مثل الهدبة. . أي أنه كان عنينا. . كما صرّح به في كثير من الموارد (1).
و أنه ما كشف كنف أنثى قط (2).
و لكن كل ذلك لا يصح، و ذلك لما يلي: أولا: إننا نجد ما يدل على أنه كان متزوجا، و قد شكته زوجته إلى النبي
1) راجع: المحبر ص 109 و الأغاني ط ساسي ج 4 ص 64 و السيرة الحلبية ج 2 ص 301 و فتح الباري ج 8 ص 350 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 319 و البداية و النهاية ج 4 ص 319 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 270 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 199 و تقدم ذلك عن المعجم الكبير للطبراني ج 23 ص 123 و 124 و مجمع الزوائد ج 9 ص 237.
2) المعجم الكبير ج 23 ص 129.
«صلى اللّه عليه و آله» بأنه لا يمكنها من الصيام. . فكان عذره: أنه رجل شهواني، لا يصبر عن النساء، و إسناد هذه الرواية صحيح.
فلا معنى لجعل البزار و البخاري حديث الإفك دليلا على عدم صحتها (1).
و لم لا يكون العكس هو الصحيح، و لا سيما بملاحظة: أن حديث الإفك قد تواردت عليه العلل و الأسقام الموجبة لضعفه و سقوطه؟ !
و قد حاول العسقلاني الجمع و التوجيه: بأنه ربما يكون قد تزوج بعد حديث الإفك، و معنى أنه لم يكشف كنف أثنى قط: أنه لم يجامع (2).
و لكن ماذا يعمل العسقلاني بالنصوص الكثيرة التي تقول: إنه كان عنينا، و له مثل الهدبة، و لا مأرب له بالنساء! إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه هنا؟ !
و الصحيح في القضية هو ما ذكرناه نحن، و أيدناه بما تقدم.
ثانيا: لقد روى القرطبي أيضا: أن زوجة صفوان جاءت تشكوه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» : و معها ابنان لها منه، فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أشبه به من الغراب بالغراب (3).
فكيف يكون للعنين الذي له مثل الهدبة أولاد؟ !
و حين لم يستطع العسقلاني أن يجيب على هذا، حاول التشكيك بقول
القرطبي بقوله: إنه لم يقف على مستنده في ذلك. . ثم يورد احتمال أن يكون الذي قال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك هو صفوان آخر (1).
و لكنه بعد تصريح القرطبي بأن المراد هو ابن المعطل، فلا يصغى لاحتمالات العسقلاني، و توجيهاته التبرعية، فإنها اجتهاد في مقابل النص.
و إذا كان العسقلاني لم يقف على مستند القرطبي، فإن ذلك لا يسقط الرواية عن درجة الاعتبار، بل هو يحتّم على العسقلاني أن يقوم بمزيد من البحث و التتبع.
و إذا لم يوجد للرواية سند، فإن ذلك لا يعني أن تكون كاذبة، لا سيما مع تقوّيها بالرواية الصحيحة التي سبقتها.
ثالثا: من أين علمت عائشة و سواها أن لصفوان بن المعطل مثل هذه الهدبة؟ ! بل من أين علمت أن لا مأرب له بالنساء؟ !
رابعا: إذا كان صفوان عنينا، و له مثل الهدبة، فلماذا لم يبادر كل من سمع الإفك إلى تكذيب ذلك، و السخرية من القاذفين و الإفكين؟ ! !
و كيف شاع الإفك و ذاع، حتى دخل كل ناد و بيت، كما نص عليه الزمخشري؟ !
و كيف لم يلتفت الإفكون إلى أنهم لن يجدوا من يصدقهم في فريتهم، و الحالة هذه؟ !
و لماذا احتاج النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الوحي و الاستعذار من ابن أبي؟ !
1) المصدران السابقان.
و لماذا قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعائشة: إن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه و توبي إليه.
و لماذا تبكي عائشة و أمها و أبوها، و تحمّ و تمرض؟ ! .
و كيف استقر في قلوبهم ذلك؟ . .
و لم لم يبادر أحد منهم و لا النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الذبّ عنها، و تكذيب القائلين؟ ! . .
و صفوان. . لماذا لم يبادر إلى إظهار نفسه، و الإعراب عن واقع القضية، و حقيقة الأمر؟ ! .
و أما احتمال أن يكون القذف فيما هو دون الزنا، فيرده: أن الآيات تطلب الشهداء الأربعة من القاذفين. .
و يرده أيضا: أنهم يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد حد من قذف، و لم يقولوا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد عزّرهم! !
و أيضا: لماذا يجازف ابن المعطل بضرب حسان، ثم يعرّض نفسه لغضب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، من أجل ذلك؟
إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه و استقصائه.
و قد يقال: إن المراد بكونه حصورا: أنه ممن يحبس نفسه عن شهوته.
و نقول: أولا: قد تقدم: أنه لم يكن يمكن زوجته من الصيام حتى شكته إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
ثانيا: إن هذا الأمر لا ينفع في مقام التبرئة، لأنه وصف اختياري فيمكن أن يكون الإنسان كافا نفسه اليوم غير كاف لها غدا أو بعد غد. و كم تجد من الناس من يكون على صفة العدالة اليوم ثم يخرج عن ذلك إلى دائرة الفسق و تعمّد ارتكاب الفواحش و المعاصي.
ثالثا: إن هذا المعنى لا يناسب قولهم: إنهم وجدوه كذلك.
و أما قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» على المنبر عن صفوان: إنه ما كان يفارقه في سفر و لا حضر، و لم يكن يدخل على أهله إلا معه. .
و في لفظ: «بيتي» .
و في لفظ: «بيتا من بيوتي إلا معي» (1)فهو أيضا غريب و عجيب.
فأولا: إن صفوان حسبما يقولون: لم يسلم إلا في تلك السنة، و يرى بعض المؤرخين-و هو الواقدي و من تبعه-: أن أول مشاهده الخندق.
بينما يرى فريق آخر: أن أول مشاهده هو غزوة المريسيع نفسها، و كان إسلامه قبلها (2).
1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 299 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 312 و البداية و النهاية ج 4 ص 161 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 267 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 197. و مصادر كثيرة أخرى تقدمت في فصل النصوص و الآثار.
2) الإستيعاب بهامش الإصابة ج 2 ص 187 و أسد الغابة ج 3 ص 26 و الإصابة ج 2 ص 190 و فتح الباري ج 8 ص 349.
فكيف صح أن يقال: إنه لم يفارق النبي «صلى اللّه عليه و آله» في سفر، و لا في حضر، و هو لم يسلم، و لم يتبع النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلا قبل مدة و جيزة جدا. و كانت أول مشاهده المريسيع نفسها. . فهل كان يدخل على زوجات النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يسافر معه، لا يفارقه و هو مشرك؟ !
ثانيا: لو أننا تجاوزنا ذلك، فإن قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لم يكن يدخل على أهلي إلا معي. . غريب و عجيب، و لا سيما إذا صدقنا ما قالته الرواية: من أن الحجاب كان قد ضرب على نساء النبي. .
فما هو المبرر لدخول صفوان على نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو رجل أجنبي عنهن، سواء في حضوره «صلى اللّه عليه و آله» ، أو في حال غيابه؟ !
و أين هي الغيرة، و الحمية، و الدين إذن؟ !
ألا يعتبر ذلك طعنا في شخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» و العياذ باللّه؟ ! . .
هذا النبي الذي أمر زوجاته أن يستترن حتى من ابن أم مكتوم الأعمى، و حين قلن له «صلى اللّه عليه و آله» : إنه أعمى، قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ (1).
اللهم إلا أن نأخذ بقول ابن زيد: إن الناس كانوا لعائشة محرما، فمع أيهم سافرت فقد سافرت مع محرم، و ليس لغيرها من النساء ذلك (2). و لكن:
1-ليت شعري: ما الفرق بين عائشة، و بين سائر أزواج النبي «صلى
اللّه عليه و آله» ، و لماذا اختصت عائشة بهذه الفضيلة دونهن؟ !
2-لماذا إذن ضرب عليها الحجاب؟ فإن ذلك سفه و لغو، لعدم وجوب الستر عليها أصلا، و جواز تبرجها تبرج الجاهلية! !
و كذلك لماذا يمنعها حتى من رؤية الأعمى ابن أم مكتوم؟ !
ثالثا: إنه لا معنى لقوله «صلى اللّه عليه و آله» : لم يكن يدخل على أهلي إلا معي، فإن الإفك كان في حال غياب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لا في حال حضوره، و لا في حال دخوله على أهله. .
إذ لم يدّع أحد: أن صفوان قد دخل على أهل النبي بدون علمه، بل ادّعوا الإفك عليه في بقائه مع عائشة في الصحراء، فقد قال ابن أبي كما يروون: زوجة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت. . أو ما هو أقبح من هذا الكلام.
و أما ما ذكروه في روايات الإفك: من أن حسان بن ثابت قد هجا صفوان بقوله:
أمسى الجلابيب قد عزوا و قد كثرواو ابن الفريعة أمسى بيضة البلد
فعدا عليه صفوان فضربه بالسيف،
و تقدم في نص آخر: أنه قعد له، فضربه ضربة بالسيف، و هو يقول:
تلقّ ذباب السيف مني فإننيغلام إذا هو جيب لست بشاعر
و لكنني أحمي حماي و انتقممن الباهت الرامي البراة الطواهر
فاستغاث حسان الناس، ففر صفوان، فجاء حسان إلى النبي «صلى اللّه
عليه و آله» فاستعداه عليه، فاستوهبه، فعاضه من نخل عظيم، و جارية (1)، فإنه أيضا: محل شك كبير، فقد ورد:
1-أن فتية من المهاجرين و الأنصار تنازعوا على الماء، و هم يسقون خيولهم، فغضب من ذلك حسان، فقال هذا الشعر.
و تفصيل القضية: أن جهجاه أورد فرسا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و فرسا له الماء، فوجد على الماء فتية من الأنصار، فتنازعوا فاقتتلوا، فقال ابن أبي: هذا ما جزونا به، آويناهم ثم هم يقاتلوننا.
فبلغ حسان بن ثابت، فهجا المهاجرين بالأبيات الإحدى عشرة، التي منها هذا البيت:
أمسى الجلابيب قد عزوا و قد كثرواو ابن الفريعة أمسى بيضة البلد
قال: فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا حسان نفست علي إسلام قومي؟ ! و أغضبه كلامه.
فعدا صفوان على حسان، و ضربه بالسيف، و قال:
تلقّ ذباب السيف مني فإننيغلام إذا هو جيت لست بشاعر
و لكنني أحمي حماي و انتقممن الباهت الرامي البراة الطواهر
ثم ذكر: أن قوم حسان أخذوا صفوان، و أطلقه سعد بن عبادة، و كساه. . ثم أتوا بحسان إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» مرتين، فلم يقبله، و قبله في الثالثة (2).
و هذه هي الرواية المنسجمة مع سائر النصوص. . كتعبير ابن أبي عن المهاجرين ب «الجلابيب» (1).
2-إن روايات الإفك تصرح: بأن حسانا كان يعرّض بمن أسلم من مضر.
و نقول: ما شأن من أسلم من مضر بقضية الإفك؟ !
3-و بالنسبة لقول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لحسان: «أتشوهت على قومي أن هداهم اللّه للإسلام» ؟
نقول: لماذا لم يؤنبه النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» على قذفه، و إنما أنبه على هجائه لقومه فقط؟ !
4-و بالنسبة لقول صفوان لحسان حين ضربه بالسيف:
تلقّ ذباب السيف مني فإننيغلام إذا هو جيت لست بشاعر
نقول: إن هذا الشعر يشير إلى أن صفوان بن المعطل إنما ينتقم من حسان بسبب هجائه له. . و هو الأمر الذي عجز صفوان عن مواجهته، فلجأ إلى طريقة العنف.
5-إن قول صفوان في البيت التالي:
و لكنني أحمي حماي و أنتقممن الباهت الرامي البراة الطواهر
صريح في أنه يؤنبه على رميه الطواهر من النساء، و ليس بالضرورة أن يكون مقصوده هو عائشة، فيما يرتبط بالإفك عليها، بل المقصود-كما صرح به الصنعاني-هو أم صفوان، فإن حسان بن ثابت كان يهجو صفوان
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 304.
بن المعطل و يذكر أمه، فضربه من أجل ذلك (1).
6-قد ذكرت بعض الروايات أن صفوان قال: «آذاني، و هجاني، و سفه عليّ، و حسدني على الإسلام، ثم أقبل على حسان، و قال: أسفهت على قوم أسلموا» ؟ (2).
فلو كانت القضية في موضوع الإفك، لكان المناسب احتجاج صفوان عليه بذلك، ليكون باب العذر له أوسع. . و كان على النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن يؤنبه على ذلك أيضا، لأن ذلك عند اللّه عظيم، كما عبّرت به الآية الشريفة.
7-و قال السمهودي، و أبو الفرج: روى عقبة، عن العطاف بن خالد، قال: كان حسان يجلس في أجمة فارع، و يجلس معه أصحابه: و يضع لهم بساطا يجلسون عليه، فقال يوما-و هو يرى كثرة من يأتي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من العرب يسلمون-:
أرى الجلابيب قد عزوا و قد كثرواو ابن الفريعة أمسى بيضة البلد
فبلغ ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: من لي من أصحاب البساط؟
فقال صفوان بن المعطل: أنا لك يا رسول اللّه منهم، فخرج إليهم، و اخترط سيفه، فلما رأوه مقبلا عرفوا من وجهه الشر، ففروا و تبددوا، و أدرك حسان داخلا بيته، فضربه، ففلق ثنّته.
فبلغني: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» عوضه، و أعطاه حائطا، فباعه
من معاوية بن أبي سفيان بمال كبير، فبناه معاوية بن أبي سفيان قصرا (1).
و خلاصة الأمر: أن كل الدلائل و الشواهد تشير إلى أن ضرب صفوان لحسان لا علاقة له بقضية الإفك على الإطلاق.
8-و بعد كل ذلك. . لماذا يلجأ صفوان إلى ضرب حسان في قضية الإفك، و إلى استعمال أسلوب العنف معه، أليس قد علم الناس: أنه لا يقرب النساء، و أنه كان عنينا، و أن له مثل الهدبة؟ !
و لماذا. . لا يضرب ابن أبي أيضا، أليس هو أولى بذلك، بعد ان تولى كبر الإفك، كما يقولون؟ !
9-و إذا كان قد ضرب حسانا، فلماذا يظهر النبي «صلى اللّه عليه و آله» التغيظ على صفوان، و يدافع عن قاذف زوجته، و يحاول المحافظة عليه، ثم يتبرع من ماله بسيرين، و بيرحاء-على ما يقولون-ليرضي حسانا عن ضربته؟ !
و لماذا لا يرضيه من مال صفوان قصاصا له؟ !
و لماذا يهتم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالصلح بينهما، و يحاول إرضاء حسان بهذا النحو من التضحية بالمال و غيره، مع أن الصلح في قضية تتعلق بزوجة هذا المصلح نفسه؟ ! و تتضمن بالأخص رميها بالزنا. . نعوذ باللّه من ذلك.
10-و أما إذا كان صفوان قد ضربه بعد نزول آيات التبرئة. . و كان حسان قد عاد إلى القذف. . فقد كان اللازم: أن يقيم النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليه الحد من جديد، مع أن الأمر يصير أشد و أعظم حينئذ، لأنه
1) الأغاني ج 4 ص 11 و وفاء الوفاء ج 3 ص 962 و 963.
يتضمن تكذيب القرآن.
إلى غير ذلك من الأسئلة، التي لم و لن تجد لها جوابا مقنعا و مقبولا على الإطلاق. (1).
و يقولون: إن صفوان بن المعطل ضرب حسان بن ثابت في قضية الإفك، فعوّض النبي «صلى اللّه عليه و آله» حسانا عن ذلك-بالإضافة إلى سيرين- أرضا اسمها: بيرحاء.
و نحن نشك في ذلك: إذ قد ورد في البخاري: أن أبا طلحة قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» :
إن اللّه يقول في كتابه: لَنْ تَنٰالُوا اَلْبِرَّ حَتّٰى تُنْفِقُوا مِمّٰا تُحِبُّونَ . و إن أحب أموالي إليّ بيرحاء، و إنها صدقة للّه. . أرجو برّها و ذخرها عند اللّه، فضعها يا رسول اللّه حيث أراك اللّه.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، و قد سمعت ما قلت، و إني أرى أن تجعلها في الأقربين.
فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول اللّه. فقسمها أبو طلحة في أقاربه، و بني عمه (2).
فأعطاها لحسان، و أبي بن كعب، لأن حسانا يجتمع معه في الأب الثالث، و أبي ابن عمته (1). .
و أضاف ابن زبالة، عن أبي بكر بن حزم إليهما: ثبيط بن جابر، و شداد بن أوس، أو أباه أوس بن ثابت، يعني أخا حسان فتقاوموه، فصار لحسان، فباعه لمعاوية بمائة ألف درهم (2). .
تذكر روايات الإفك: أن حسان بن ثابت قد اعتذر لعائشة بأبيات يقول فيها:
حصان رزان ما تزن بريبةو تصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت له: لكنك لست كذلك. . و فيها:
فإن كان ما قد قيل عني قلتهفلا رفعت سوطي إلي أناملي
إلى آخر الأبيات.
و نحن نشك في صحة ذلك، لما يلي: 1-إن قوله: فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم، يدل على: أنه يكذب ما نسب إليه من الإفك، و ليس فيه اعتذار لأحد.
بل هو يستدل على عدم صحة ذلك بقوله:
و كيف و ودي ما حييت و نصرتيلآل رسول اللّه زين المحافل
أأشتم خير الناس بعلا و والداو نفسا لقد أنزلت شر المنازل (1)
كما أنه ليس فيه تكذيب لنفسه كما زعمت بعض الروايات (2)بل هو تكذيب لما نسب إليه مع استدلال و إيراد شواهد.
2-ما رواه ابن هشام، عن أبي عبيدة، قال: إن امرأة مدحت بنت حسان بن ثابت عند عائشة، فقالت:
حصان رزان ما تزن بريبةو تصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت عائشة: لكن أباها (3).
3-و في بعض طرق رواية مسروق: أن حسانا قال ذلك: «يشبب ببنت له» (4).
4-لقد ورد: أن أنس بن زنيم، حينما بلغه إهدار النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمه جاء إليه معتذرا، و أنشده أبياتا كان منها قوله:
و نبّي رسول اللّه: أني هجوتهفلا رفعت سوطي إلي إذن يدي (5)
و على هذا. . فلا يستبعد أن تكون هذه القصيدة منحولة لحسان بما فيها
1) مسند أبي يعلى ج 8 ص 335-338 و تاريخ الخميس ج 1 ص 479 و فتح الباري ج 8 ص 374 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 320.
2) راجع: مسند أبي يعلى ج 8 ص 335-338.
3) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 320 و فتح الباري ج 8 ص 374.
4) فتح الباري ج 8 ص 374.
5) مغازي الواقدي ج 2 ص 790 و الإصابة ج 1 ص 69 و السيرة الحلبية ج 2 ص 302.
أبيات التبري كما ربما تشير إليه الشواهد.
و قد قال الأصمعي عن حسان: «تنسب له أشياء لا تصح عنه» (1).
و محاولة العسقلاني التأكيد على: أن اللامية قد قالها حسان في عائشة، إذ قد ورد فيها:
فإن كنت قد قلت الذي زعموا لكمالخ. . . (2)،
ما هي إلا محاولة فاشلة، بعد أن ثبت التصرف في الأبيات. . و أيضا فإن هذا البيت عام المضمون؛ فيمكن أن يكون قد بلغ ابنة حسان عن المادحة شيء يسوؤها، فتريد أن تبرئ نفسها منه. أو لعل البيت لأنس بن زنيم، ثم نحل لحسان، لحاجة في النفس قضيت.
هذا كله. . عدا عن أن البيت الأول، أعني قوله: حصان رزان الخ. . عام المضمون كذلك.
و يلاحظ أيضا: أن بعض الأبيات المذكورة فيها ضعف و لين، لا يناسب شعر حسان. فليلاحظ قوله:
تعاطوا برجم القول زوج نبيهمو سخطة ذي العرش الكريم فاترحوا
فآذوا رسول اللّه فيها و عمموامخازي سوء عمموها و فضحوا (3)
و اخيرا:
فإن مما يلفت النظر هنا: أن البعض قد جعل قوله:
فلا رفعت سوطي. . . .الخ. .
دليلا على أنه لم يجلد في الإفك، و لا خاض فيه (1). .
و لكنهم لما رأوا: أن قول الآخر:
لقد ذاق حسان الذي كان أهلهو حمنة، إذ قالوا هجيرا و مسطح
ينافي ذلك، ادّعوا: أنه محرّف، و أن الصحيح هو الرواية الأخرى:
لقد ذاق عبد اللّه الذي كان أهله (2)الخ. .
بل لقد قالوا: إن هذا الشعر هو لحسان نفسه في ابن أبي، و أنه قد قاله في الإفكين حين جلدوا (3).
مع أن قائل هذا الشعر هو عبد اللّه بن رواحة، أو كعب بن مالك، كما سيأتي. . كما أن أبا عمر صاحب الإستيعاب قال: إن الأصح هو قوله:
لقد ذاق حسان الذي كان أهله (4)الخ. .
و على كل حال. . فإن عندنا مثل عامي يقول: الفاخوري يجعل أذن الجرة أين و كيفما أراد.
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 302 و الروض الأنف ج 4 ص 23.
2) الروض الأنف ج 4 ص 24 و المعجم الكبير ج 23 ص 116 و 117.
3) الإستيعاب، بهامش الإصابة ج 4 ص 359 و 360 و المعجم الكبير ج 23 ص 116 و 117 و راجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 236.
4) الإستيعاب بهامش الإصابة ج 4 ص 359 و 360 و المعجم الكبير ج 23 ص 116 و 117 و راجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 236.
و قد ذكروا: أن عائشة قد رجت الجنة لحسان، و قالت، في قوله:
فإن أبي، و والده، و عرضيلعرض محمد منكم وقاء. . .
بهذا البيت يغفر اللّه له كل ذنب. . و برأته من أن يكون قد افترى عليها، ثم لما قيل لها: أليس ممن لعنه اللّه في الدنيا و الآخرة بما قال فيك؟
قالت: لم يقل شيئا الخ. . (1).
و أيضا. . فإننا نجد في بعض الروايات: أن ابن عباس يؤكد على توبة حسان، و مسطح، و حمنة! !
و يقول الصفدي: «تاب اللّه على الجماعة إلا عبد اللّه السلولي» (2). يقصد بالجماعة: حمنة، و حسانا، و مسطحا.
و في رواية: أن اللّه تعالى سوف يستوهب المهاجرين من الإفكين يوم القيامة، فيستأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» عائشة. . فتهبه إياهم (3).
و نحن إزاء هذه المنقولات نشير إلى ما يلي: 1-كيف تبرئ عائشة حسانا، و هم يقولون: إنه ممن تولى كبر الإفك؟ ! .
و كيف نجمع بين جعلها العذاب العظيم له هو عماه. . و بين قولها: لم يقل شيئا؟ !
فمن لم يقل شيئا لماذا يكون له هذا العذاب العظيم؟
2-كيف حكمت عائشة بمغفرة كل ذنب لحسان، و كيف يكون العذاب العظيم له هو عماه، مع أن القرآن قد نص على أن العذاب العظيم يكون في الآخرة، لا في الدنيا؟ ! و أنه عذاب ينتظر الإفكين، و لا مفر لهم منه، قال تعالى: . . لُعِنُوا فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ . .
3-كيف يحكم ابن عباس و الصفدي بتوبة الإفكين، و كذلك عائشة، مع أن ابن عباس نفسه و غيره يصرحون: بأن من يقذف أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لا توبة له، و أما من يقذف غيرهن فله توبة؟ ! (1).
و روى الزمخشري و غيره: عن ابن عباس: أنه كان يوم عرفة في البصرة يفسر القرآن، و كان يسأل عن تفسيره، حتى سئل عن هذه الآيات، فقال: من أذنب ذنبا ثم تاب منه قبلت توبته، إلا من خاض في أمر عائشة.
قال الزمخشري: و هذا منه مبالغة، و تعظيم لأمر الإفك (2). و هذا موافق لصريح الآيات القرآنية.
4-كيف يحكم ابن عباس و الصفدي بتوبة الثلاثة، و حصر العذاب الأخروي في ابن أبي، و نحن نرى: أن آيات القرآن قد نصت على أن العذاب العظيم في الآخرة لجميع الإفكين؟
قال تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ اَلْمُحْصَنٰاتِ اَلْغٰافِلاٰتِ اَلْمُؤْمِنٰاتِ لُعِنُوا فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ إلى آخر الآيات.
هذا. . و يرى البعض أن لقاذف زوجة النبي «صلى اللّه عليه و آله» توبة، و أنه إنما طوي ذكر التوبة في آيات الإفك لكونها معلومة (1). .
و نحن إزاء هذا الادّعاء نشير إلى ما يلي: 1-إن من يقذف أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» يؤذي نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» . و لا أعظم و أشد من أذيته «صلى اللّه عليه و آله» في ناموسه، و شرفه. . و حال من يؤذيه «صلى اللّه عليه و آله» في الدنيا و الآخرة معلوم من الآيات القرآنية و غيرها. . و لا سيما إذا كانت أذية من هذا النوع! !
2-إن هذا الرأي لا يضر بما قلناه آنفا، من تناقض كلام ابن عباس و غيره في هذا المقام.
3-قال الزمخشري: «. . و لو فليت القرآن كله، و فتشت عما أوعد به من العصاة، لم تر اللّه تعالى قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة! ! رضوان اللّه عليها، و لا أنزل من الآيات القوارع، المشحونة بالوعيد الشديد، و العتاب البليغ، و الزجر العنيف، و استعظام ما ركب من ذلك، و استفظاع ما أقدم عليه، ما أنزل على طرق مختلفة، و أساليب مفتنة، كل واحد منها كاف في بابه. . و لو لم ينزل إلا هذه الآيات الثلاث يعني قوله: وَ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ. . إلى قوله: اَلْحَقُّ اَلْمُبِينُ . . لكفى بها: حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعا، و توعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، و بأن ألسنتهم،
1) راجع: تفسير النيسابوري بهامش الطبري ج 18 ص 69.
و أيديهم، و أرجلهم تشهد عليهم بما أفكوا. .» (1).
و مع ذلك كله هم يقولون: إن لقاذف زوجة النبي توبة، لماذا؟ لكي يصح قولهم بتوبة حسان و أضرابه، ممن لهم بهم هوى سياسي أو غيره! !
ما عشت أراك الدهر عجبا! !
و تذكر روايات الإفك: أن عليا «عليه السلام» قد انتهر الجارية بريرة، و في بعضها: أنه ضربها.
و في رواية: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي: شأنك بالجارية. . فسألها علي، و توعدها، فلم تخبره إلا بخير، ثم ضربها و سألها.
و في رواية الاكتفاء، و ابن إسحاق: فقام إليها علي، فضربها ضربا شديدا، يقول: أصدقي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).
و عند ابن أبي الحديد: لما استشار النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا، قال له: «ما هي إلا شسع نعلك، و قال له: سل الخادم و خوفها، و إن أقامت على الجحود فاضربها، إلى أن قال: و نقل النساء إليها كلاما كثيرا عن علي و فاطمة، و أنهما قد أظهرا الشماتة، جهارا و سرا، بوقوع هذه الحادثة لها،
فتفاقم الأمر و غلظ. .» ثم ذكر: أنه عند ما نزل القرآن ببراءتها، كان منها ما يكون من المغلوب حين ينتصر. . (1).
و نقول: و في نص آخر: أنه «عليه السلام» قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : «و سل بريرة خادمتها، و ابحث عن خبرها منها، فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : فتول أنت يا علي تقريرها.
فقطع لها علي «عليه السلام» عسبا من النخل، و خلا بها يسألها عني، و يتهددها، و يرهبها. لا جرم أني لا أحب عليا أبدا» (2).
و نقول: 1-إننا لا نعرف المبرر لضرب بريرة-هذه التي عجب الناس من فقهها! ! -كما يزعمون. . بل ما هو المبرر حتى لانتهارها؟ ! . بل ما هو المبرر لأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» له بذلك، بقوله: «شأنك بالجارية» ؟ ! .
نعم. . لا نعرف المبرر لهذا الأمر الذي يقع بمرأى من النبي «صلى اللّه عليه و آله» و بمسمع، بل بموافقته و أمره، سعيا لانتزاع إقرار منها على زوجة هذا النبي الأعظم بالقبيح. . مع أن هذا النبي نفسه قد حرم التوسل بالقوة، أو بأي من أساليب التخويف، لانتزاع إقرار من أحد على غيره. و إذا كان علي «عليه السلام» قد بادر إلى ذلك من عند نفسه، و كان ذلك يمثل عدوانا عليها، فلماذا
لا يقتص منه ما دام أنه قد اعتدى عليها بالضرب و التهديد؟ !
2-هل كانت بريرة حاضرة و ناظرة لما جرى بين صفوان و عائشة لتعرف بالأمر و تقر به إثباتا أو نفيا؟ !
و من الطريف هنا أن يوجه السهيلي ذلك بقوله: «. . و إن ضرب علي للجارية، و هي حرّة و لم تستوجب ضربا، و لا استأذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ضربها. . فأرى معناه: أنه أغلظ لها بالقول، و توعدها بالضرب، و اتهمها أن تكون خانت اللّه و رسوله، فكتمت من الحديث ما لا يسعها كتمه، مع إدلاله، و أنه كان من أهل البيت. .» (1).
و نقول: 1-إننا لا ندري متى تغيرت اللغة، و صار معنى قولهم: «ضربه» : أنه تهدده بالضرب؟ ! .
2-و لا ندري أيضا. . ما الفرق بين الحرة و الأمة، حتى يجوز ضرب الأمة بلا ذنب، و لا يجوز ضرب الحرة؟ !
3-و لا ندري كذلك. . إن كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يأذن في ضرب البريء، أو لا يأذن؟ !
4-و لا ندري رابعة: إن كان مجرد الاتهام لأحد يبرر ضربه، و الاعتداء عليه، و تهديده؟ !
1) الروض الأنف ج 4 ص 20، و ليراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 298.
5-و لا ندري أخيرا! ! و ليتنا كنا ندري. . إن كان مجرد كون علي «عليه السلام» من أهل البيت «عليهم السلام» ، و إدلاله بذلك، يسوّغ له الاعتداء على الأبرياء بالضرب و التهديد؟ !
فمن كان يدري. . فليعلمنا، فلسوف نكون له من الشاكرين.
و أين قولهم: إنهم قد ضربوا بريرة لانتزاع إقرار منها على سيدتها، من قول بعض الروايات: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد استشار بريرة، ثم صعد المنبر فبرأ عائشة؟
و بعض الروايات تعكس الأمر، و تقول: إنه برأها، ثم استشار في أمرها.
و نحن لا يمكننا قبول ذلك أيضا، و ذلك لما يلي: أولا: إنه حينما برأها أولا. . قد دل على أنه قاطع بطهارة ذيلها. . فما معنى محاولة تقريرها ثانيا؟ فإن كان في شك من أمرها فقد كان الأجدر: أن يقررها قبل أن يقف في المسجد ذلك الموقف، و يقول ذلك القول، الذي كاد أن يوقع الفتنة بين الحيين الأوس و الخزرج. . فإن ذلك هو التصرف الطبيعي لكل إنسان يواجه مشكلة من هذا النوع.
و كذلك الحال. . لو كان قد سأل عنها بريرة، ثم برأها على المنبر أولا، ثم عاد فاستشار في أمرها، كما تقول بعض الروايات الأخرى. . فما المبرر لهذه الاستشارة اللاحقة؟ فإن الأولى و الأجدر، و التصرف الطبيعي هو عكس ذلك. إذ أن السؤال و التبرئة لها لا يبقيان موقعا للاستشارة في أمرها، لأن الأمر يكون قد حسم و انتهى.
و إن كان الأمر لم يحسم بذلك، فكيف اعتمد على قول بريرة حينما برأها أولا على المنبر؟ (1).
ثانيا: إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد أعلن في المسجد براءة عائشة، ثم عاد فقرّر بريرة، فماذا سيكون موقفه لو أن بريرة أقرت بخلاف ما أعلنه، و ماذا سيقول للناس يا ترى؟ !
ثالثا: هل كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذي هو عقل الكل، و إمام الكل، و مدبر الكل بحاجة إلى الاستشارة حقا؟ !
و كيف أدركت بريرة براءة عائشة، و عجب الناس من فقهها، و كذلك عمر و عثمان، و أسامة، و. . و. . و. . و لم يستطع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، نبي الأمة أن يدرك ذلك؟ !
و هل لم يكن عنده من الفقه بمقدار ما عند بريرة؟ ! .
و أين كان فقه علي «عليه السلام» ، و كذلك فقه غيره من صحابة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! .
رابعا: لنفرض أن بريرة اتهمت عائشة، و العياذ باللّه، مع أنها سيدتها، و ولية نعمتها، و واهبة حريتها. . فهل يستطيع النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يرتب الأثر على اتهام بريرة، و هو يعلم: أنها لم تكن معها في تلك الغزوة؟ !
و إذا كانت معها، فلماذا لم تخبر حاملي الهودج أن سيدتها ليست فيه؟ !
خامسا: هل يمكن للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يرتب الأثر على اتهامها لسيدتها، و هي شاهد واحد. . و هذا الشاهد هو امرأة، و ليست رجلا؟ !
1) إرشاد الساري ج 4 ص 395.
سادسا: إنها لم تشهد بالنفي، بل أظهرت عدم علمها بشيء؛ فكيف جاز-بعد هذا-للقسطلاني أن يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اعتمد على قول بريرة، عند ما برأ عائشة على المنبر، كما تقدم؟ ! !
سابعا: ما هو المبرر لاستشارة أولئك الذين لم يحضروا و لم يشهدوا غزوة المريسيع أصلا، مثل بريرة، و أم أيمن، و زينب بنت جحش و غيرهن؟ !
و لم لم يختر من زوجاته إلا خصوص زينب بنت جحش، التي تقول عائشة: إنها الوحيدة التي كانت تساميها من بين زوجات النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليسألها؟ فهل يريد حقا: إثبات التهمة عليها؟ ! . .
ثم لماذا يترك سؤال و استشارة أم سلمة، التي تنص الروايات على أنها كانت معها في غزوة المريسيع؟ !
ثامنا: حتى لو كانوا جميعا معها في غزوة المريسيع، فأيهم ذلك الذي كان معها حينما وجدها ابن المعطل وحيدة في الصحراء، ثم لحقهم بها؟ ! !
فحتى لو شهد الكل عليها بالإثبات أو بالنفي. . فإن ذلك لا يفيد، و لا يصح ترتيب الأثر عليه، و لا يمكن إثبات شيء في أمر كهذا إلا عن طريق الإقرار و حسب، فلا معنى للاستشارة، و لا لسؤال أحد.
تقول عائشة: «فقام سعد بن عبادة، سيد الخزرج-و كان قبل ذلك رجلا صالحا-» (1).
1) النص موجود في الرواية في هذا المجلد.
و تقول عن أسيد بن حضير: «. . و كان أسيد رجلا صالحا في بيت من الأوس عظيم» (1).
فهل يعني ذلك: أن صلاح ابن عبادة قد ذهب الآن؟ !
و إذا كان قد ذهب، فما الذي يكفل عودته إليه؟ ! فلعله استمر على عدم الصلاح إلى ما بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى طالب بالخلافة لنفسه، و نازع أباها، و لم يبايعه، حتى اغتالته السياسة في الشام، على حد تعبير طه حسين.
أما أسيد بن حضير-الذي شهدت له أم المؤمنين بالصلاح الفعلي! !
و جعلته في بيت من الأوس عظيم! ! ! -سيأتي بعض ما يفسر لنا هذا الموقف تجاهه-فإن ذلك يرتبط بتاريخه و مواقفه-في موضعه كما سنرى إن شاء اللّه تعالى.
ثم. . هناك وصف أسيد بن حضير لسعد بن عبادة بأنه: منافق يجادل عن المنافقين! ! . فإننا لا ندري ما هو المبرر لهذا، إذ من المعلوم لدى كل أحد أن ابن عبادة لم يكن منافقا، بل هو من كبار الصحابة، و هو ينافس أباها في أمر الخلافة! !
و الأنكى من ذلك: أن عائشة تحاول الإيحاء بصحة كلام ابن حضير، و ذلك حينما تقول: و كان قبل ذلك رجلا صالحا.
و أهم من ذلك كله: أن نجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» يسكت عن وصفهم لسعد بالنفاق.
1) مغازي الواقدي ج 2 ص 427.
و أجاب البعض عن هذا: بأن النبي إنما ترك الإنكار على ابن حضير، لأنه إنما قال ذلك مبالغة في زجر سعد، و على سبيل الغيظ و الحنق.
و هذا الجواب لا يصح، لأن المنكر الذي صدر من أسيد، هو منكر على أي حال، سواء صدر منه على جهة الغيظ، أو لأجل الزجر، و لا يخرجه ذلك عن كونه قذفا بأمر فظيع، و خطير جدا، و معصية عظمى.
و قد اعتذر ابن التين-و حسّنه العسقلاني-: بأن مقصود عائشة: أنه لم يتقدم منه الوقوف مع أنفة الحمية (1).
و هو كلام فارغ. . فإن ذلك يعني: أن سعدا قد وقف هنا مع أنفة الحمية، و أن ذلك لم يصدر منه قبل هذا.
و من الواضح: أن هذا يكفي مبررا للطعن في صلاحه، و لا سيما إذا كان هذا الوقوف يجر إلى إيذاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و النيل من كرامته و شرفه، و يؤدي إلى النزاع بين الأوس و الخزرج.
هذا كله بالإضافة إلى: أن ابن معاذ لم يتكلم بما يثير الحمية الجاهلية عند ابن عبادة! !
و أما توجيه كلام أسيد تارة: بأن سعدا أراد أن يصنع صنيع المنافقين، لا أنه منافق بالفعل، و أخرى-كما يقول المازري-: بأنه ليس المراد: نفاق الكفر، بل المراد، أنه كان يظهر المودة للأوس، ثم ظهر عدمه،
أما هذه التوجيهات، فهي أيضا لا يمكن أن تكون مقبولة. . و ذلك لبعدها
1) فتح الباري ج 8 ص 362.
عن مدلول اللفظ، و سياق الكلام، فإنه إنما أثبت لابن عبادة عين نفاق المنافقين الذين يجادل عنهم سعد. . لأنه يريد أن يجعله منهم، و مدافعا عنهم.
ثم ما هو الربط بين المودة للأوس و قضية الإفك على عائشة، و الاستعذار من ابن أبي و بين حمية الجاهلية؟ و لم يصدر من ابن معاذ شيء يثير حمية الجاهلية أبدا، و إنما هو قد تعهد بتنفيذ أوامر النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقط. . فهل تنفيذ أوامره «صلى اللّه عليه و آله» يتنافى مع المودة للأوس؟ !
و روايات جلد الإفكين مختلفة جدا أيضا كما قدمنا حين الحديث عن تناقضات روايات الإفك، فاستقصاء الكلام فيها يحتاج إلى وقت طويل. . و لكن ما لا يدرك كله، لا يترك كله، و لذا فنحن نكتفي هنا بالإشارة إلى ما يلي:
1-إن أغرب ما في روايات الإفك: أن بعضها يقول: إن الإفكين قد جلدوا حدين. . و تزيد بعضها: إنه وجئ في رقابهم. . و بعضها يكتفي: بالوجأ في الرقاب للبعض منهم.
و نحن لم نستطع أن نفهم: لماذا جلدوا الحد الآخر! ! كما أننا لم نعرف: السبب في ضم بالوجأ في الرقاب إلى الحد الشرعي، فهل هو جزء منه؟ أم هو من قبيل البخشيش؟ ! أم ماذا؟ .
و لعل روايات الإفك المضطربة في هذا الأمر جدا هي التي دعت أصحاب النوايا الحسنة! ! ! إلى أن ينسبوا إلى ابن عمر القول: بأن قاذف
أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» يحد حدين، و هذا مما تفردت به روايات الإفك، و ابن عمر.
بل إن البعض يقول: من قذف عائشة يقتل، و من قذف أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» يحد حدين (1). . و لعل حكمهم بقتله، لأجل أن قذفه لها حينئذ يتضمن تكذيبا للقرآن النازل في براءتها.
و ليس في القرآن نص يفيد: أن الإفك كان على عائشة، و إنما سمتها الروايات-التي قد تبين حالها. أما جلد أهل الإفك جلدين فإننا لم نفهم حتى الآن، لماذا حكم بالحدين لمن يقذف سائر أزواجه «صلى اللّه عليه و آله» ؟
2-ثم هناك الرواية التي تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أمر برجلين و امرأة فجلدا الحد، و فسروا الرجلين بحسان و مسطح، و المرأة بحمنة، و يؤيده قول ابن رواحة، أو كعب بن مالك (2).
لقد ذاق حسان الذي كان أهلهو حمنة إذ قالوا هجيرا و مسطح
الأبيات. . و لم يذكر معهم ابن أبي.
لكن في الطبراني قال: أما ابن أبي فقد سلم من الجلد، كما تقوله هذه الرواية. و روى هذا البيت بصيغة لقد ذاق عبد اللّه. . و نسب مع بقية الأبيات لحسان نفسه (3).
و لكن لماذا لم يجلد ابن أبي، مع أنه هو الذي تولى كبر الإفك، حسبما ذكرته روايات كثيرة؟ ! و كيف جاز لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يعطل الحد الشرعي الثابت عليه؟ !
و اعتذر البعض عن ذلك: بأن قبيلته كانت تمنعه بحيث لو أراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يحده للزم فساد كبير.
و لكن كل ذلك لا يجدي؛ إذ ما الفرق بين حسان، و ابن أبي؟ فابن أبي خزرجي، و كذلك حسان، فلماذا لا يمنع الخزرج حسانا شاعرهم، و لسانهم، كما منعوا ابن أبي؟ ! أم يعقل أنهم يمنعون المنافق، و لا يمنعون المسلم؟ ! . و قد تلاوموا على أخذهم صفوان بن المعطل، عندما كسع حسانا بالسيف، بدون إذن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم في أخذه. . فلماذا إذن، يمنعون النبي «صلى اللّه عليه و آله» من إقامة حدّ من حدود اللّه تعالى. . و لا سيما في قضية ترتبط بناموس و شرف هذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه؟ ! !
و اعتذر الحلبي بعذر آخر، حيث قال: «الحد كفارة، و ليس من أهلها، و قيل: لم تقم عليه البينة بخلاف أولئك، و قيل: لأنه كان لا يأتي بذلك على أنه من عنده، بل على لسان غيره» (1).
و هو اعتذار عجيب و غريب، فإن الحدود لا تعطل بحجة الأهلية و عدمها. . و لا ورد في تشريع الحدود تقييد من هذا القبيل.
و أما عن البينة فنقول: كيف لم تقم عليه البينة، و هم يقولون: إنه هو الذي تولى كبر الإفك، أي معظمه؟ ! و من ينص القرآن على أنه قد تولى كبره
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 305.
منهم و له عذاب عظيم. . كيف يترك من دون أن يصيبه العذاب الأليم في الدنيا؟ !
و كيف كان ينقل ذلك على لسان غيره؟ و هم يقولون: إنه أول من قال: فجر بها و رب الكعبة. . ثم تبعه من تبعه. . فلماذا لا يشهدون عليه بما سمعوه منه؟
إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة، و المحيرة التي لا تجد جوابا مقنعا و لا مقبولا.
3-ثم هناك قول أبي عمر في الإستيعاب، و صححه الماوردي: أن حدّهم لم يشتهر، و الذي اشتهر هو أنه لم يجلد أحد.
فكيف لم يجلد أحد؟
و هل عطل النبي «صلى اللّه عليه و آله» حدا من حدود اللّه؟ !
و هل للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يعطل الحدود؟ !
4-و إذا كان مسطح قد نفى عن نفسه الاشتراك في الإفك، و حسان قد برأته عائشة، و قالت: لم يقل شيئا. . فلماذا تقول الروايات الأخرى: إنهما جلدا حدين، أو حدا واحدا، أو وجئ في رقبتيهما، أو ضربا ضربا وجيعا؟ !
5-و إذا نظرنا إلى رواية أخرى، فإننا نجد أنها تقول: إن ابن أبي حدّ حدّين و وجئ في رقاب الباقين، كما عن الطبراني، و ابن مردويه، أو ضربوا ضربا وجيعا، كما في بعض الروايات.
فلا ندري لماذا اختص ابن أبي بالحدين، دون بقية رفقائه. . الذين شاركوه في الإفك؟
و كون ابن أبي قد تولى كبر الإفك، لا يوجب الحدين له، دون غيره، إذ
لم يقل أحد من الأئمة: أن ذلك يوجب حدين. . كما أنه لم يقل أحد: أن العذاب العظيم في الآية هو ذلك (1).
6-و أما حدّهم في الآخرة، ثمانين ثمانين (2)، فلم نعرف له وجها، بعد أن كانت الحدود تشريعات دنيوية محضة. . و ليس في الآخرة سوى العذاب الأليم لهم، بنص آيات الإفك نفسها.
7-و يبقى هنا سؤال. . لماذا أخّر النبي «صلى اللّه عليه و آله» حد القاذفين طيلة شهر، أو أكثر من خمسين يوما، من بدء إفكهم، حسبما تقدم؟ ! حتى شاع، و تناقلته الألسن! !
و قد يعتذر عن ذلك: بأن آيات حد القذف لم تكن قد نزلت بعد، فلما نزلت حدّهم، و يدل عليه: استعذار النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن ابن معاذ قال: إنه يقتل الإفك، و لو كان حكم القذف معلوما لقال ابن معاذ و سائر الناس حكم القذف معلوم، و يدك مبسوطة (3).
و جوابه: أن معنى ذلك: أنهم قد ارتكبوا ذنبا لم يكن قد نزل حكمه بعد، فكيف يؤاخذون به؟ ! فإن ذلك غير مقبول في العادة و العرف.
و لو كان للحدود هذا المفعول الرجعي للزم أن يعاقب النبي الصحابة جميعا على كثير من المخالفات التي صدرت منهم، ثم نزلت عقوباتها بعد
أشهر. . مع أننا لم نجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد فعل ذلك في أي مورد أبدا.
و ربما يقال في الجواب أيضا: إن حكم القذف كان معلوما مع عدم الشاهد، و هو الجلد، و تبرئة المقذوف شرعا. . فتأخير النبي «صلى اللّه عليه و آله» إجراء الحد عليهم، كان بهدف الانتظار إلى حين نزول براءة ذيلها واقعا بالآيات.
و لكنه جواب لا يصح أيضا: لأن ما أتى به الوحي لا يزيد على ما تعينه آية القذف من براءة المقذوف براءة شرعية و ظاهرية، لأن الآيات الست عشرة تستدل على كذب الإفكين بعدم إتيانهم بالشهداء، و هذا دليل البراءة الظاهرية لا الواقعية. . و لا ملازمة بين الحكم الشرعي بالبراءة، و بين البراءة الواقعية. . و قوله تعالى: وَ اَلطَّيِّبٰاتُ لِلطَّيِّبِينَ . . إنما أثبت البراءة، التي يشترك بها جميع المقذوفين، من غير قيام بينة. . و البراءة المناسبة لهذا المعنى هي الشرعية (1).
قال النيسابوري و الزمخشري، و النص له: «جعل اللّه التفصلة بين الرمي الصادق و الكاذب ثبوت شهادة الشهود الأربعة، و انتفاؤها. . و الذين رموا عائشة لم تكن لهم بينة، على قولهم، فقامت عليهم الحجة عند اللّه ، أي في حكمه و شريعته كاذبين. .» (2).
و هذا هو معنى البراءة الشرعية لا الواقعية.
و على هذا. . فالآيات لا يمكن أن تتناسب مع روايات الإفك هنا، بل لابد من البحث عن مصداق آخر لها. . و سيأتي تحقيق الكلام في ذلك في موضعه إن شاء اللّه تعالى.
تذكر بعض روايات الإفك: أن مسطحا قد عمي، و أن ذلك كان من جملة ضروب العقاب له، لافترائه على أم المؤمنين عائشة (1).
و نحن لا نستطيع أن نقبل بهذا: فأولا: إن ذلك لم يذكر في أي من كتب التاريخ و التراجم، حتى الكتب التي خصصت لذكر العميان، و شرح أقوالهم، و استقصاء أخبارهم كنكت الهميان، و معارف ابن قتيبة، و غير ذلك.
ثانيا: إن المؤرخين يقولون: إن مسطحا قد شهد حرب صفين، مع سيد الأوصياء «عليه السلام» ، و مات سنة 37 للهجرة (2).
و واضح أنه لو كان أعمى لم يشهد صفين، لأن الأعمى لا يستطيع الحرب، و لا يجيد الطعن و الضرب.
ثالثا: قد عرفنا: أن بعض الروايات تقول: إنه لم يشارك في الإفك إلا في حدود أنه ضحك و أعجبه.
و أما عمى حسان، الذي تقول عائشة: إنه العذاب العظيم له (3):
فإن كان مقصودها: أنه كان بسبب ضرب صفوان له،
فالجواب: إن ذلك غير صحيح، و ذلك لما يلي: أولا: إن ضربة صفوان إنما وقعت في يد حسان (1)و لم تقع على رأسه، و لا في وجهه. . فكيف أوجبت عماه؟ ! !
ثانيا: في الصحيحين من طريق سعيد بن المسيب قال: مرّ عمر بحسان في المسجد، و هو ينشد، فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد و فيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك اللّه الخ. . (2).
فإدراكه لحظ عمر له يدل على أنه كان بصيرا حتى ذلك الوقت.
إلا أن يقال: إنه قد عمي بعد ذلك التاريخ.
و يجاب عنه: بأن مجرد حدوث العمى بعد سنوات كثيرة ليس دليلا على أنه كان على سبيل العقوبة.
ثالثا: لقد ذكروا: أنه كان جبانا، و جعلوا ذلك هو سبب عدم شهوده مع النبي في أي من مشاهده (3).
أضف إلى ذلك: أن أبا عمر قد قال في مقام اعتذاره عن عدم شهوده مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» مشاهده: «. . و قيل: إنما أصابه ذلك الجبن منذ ضربه صفوان بن المعطل بالسيف» (4).
و نقول:
بناء على هذا: إنه لو كان ضريرا لكان الاعتذار عن عدم حضوره الحروب بالعمى أولى من الاعتذار بالجبن.
و أما إذا كان مقصود عائشة: أن اللّه ابتلاه بالعمى بعد الإفك بسنوات عديدة، و بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ليكون ذلك هو العذاب العظيم له،
فالجواب: أن ذلك مجرد اجتهاد من عائشة إذ من الذي أخبرها: أن هذا العمى قد جاء على سبيل العقوبة و ليس له سبب آخر؟ ! و لقد رأينا كثيرين ابتلوا بالعمى، و لا يعتبر ذلك أحد أنه عقوبة و عذاب عظيم لهم. . مثل: عقيل، و العباس، و ابن عباس، و جابر الأنصاري، و أبي سفيان بن الحارث. . و غيرهم.
و أما قولهم: بأن جبن حسان كان بسبب ضربة صفوان له:
فيكذبه أولا: قولهم: إن الضربة وقعت في يده، كما تقدم.
و يكذبه ثانيا: قضيته مع صفية و اليهودي الذي قتلته، و جبن حسان عن النزول لقتله، و حتى عن سلبه.
و هذه القضية كانت في وقعة الخندق (1). . التي عرفت تقدمها على المريسيع، و على حديث الإفك، و على ضرب صفوان له.
1) الإصابة ج 4 ص 349 و نكت الهميان ص 134 و 135 و غرر الخصائص الواضحة ص 355 و قاموس الرجال ج 3 ص 119 و أسد الغابة ج 5 ص 493 و معاهد التنصيص ج 1 ص 74 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 246 و عن تاريخ ابن عساكر ج 4 ص 140.
ثالثا: إنهم يصرحون: بأنه لم يشهد أيا من المشاهد، لا بدرا، و لا أحدا، و لا غيرهما، بسبب جبنه (1).
فلو كان الجبن إنما أتاه بسبب ضربة صفوان، لوجب أن يكون لحسان أدنى أثر في الحروب قبل السنة السادسة، و لا نجد له شيئا من ذلك.
رابعا: إن البعض يقول: «إن حسان بن ثابت كان لسنا شجاعا، فأصابته علة أحدثت له الجبن» (2). فالعلة هي سبب جبن حسان، و ليس ضربة صفوان.
و أخيرا. . فإن البعض ينكر: أن يكون حسان جبانا، بدليل: أنه كان يهاجي قريشا، و يذكر مثالبهم و مساويهم، و لم يبلغنا: أن أحدا عيره بالجبن، و الفرار من الحروب. . و قد عير هو نفسه الحارث بن هشام بالفرار. . و ما أجابه بما ينقض به أو يطعن به عليه، بل اعتذر عن فراره بأمور أخرى (3).
خامسا: إنهم يذكرون: أن عائشة قد برأته من قضية الإفك. . و أنه هو أنكر ذلك كما تقدم.
ثم إن بعض الروايات تصرح: بأن ضربة صفوان لحسان، قد أوجبت
شلل يدي حسان. . (1)و ذلك غريب و عجيب:
أولا: إنهم يقولون: إن الضربة أصابت إحدى يديه (2)لا كلتاهما، فكيف صارت إذن سببا لشلل اليد الأخرى؟ !
ثانيا: لماذا لا يعتذرون عن عدم شهوده المشاهد، إلا بجبنه، و قد كان الاعتذار بشلل يديه أعذر و أولى.
هذا كله. . عدا عن أن أحدا من المؤرخين لم يذكر شلل يدي حسان على الإطلاق. . مع اعتنائهم التام بذكر مثل هذه الأمور لا سيما بالنسبة للصحابة الكبار، و الشخصيات منهم. . حتى لقد ألفوا كتبا خاصة في ذوي العاهات منهم. . أو عقدوا لبيانها فصولا مطولة في كتبهم.
لقد ذكرت عائشة في حديث الإفك: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول اللّه.
قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزاة غزاها فخرج سهمي، فخرجت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بعد ما نزل الحجاب.
و نقول: أولا: إن ثمة روايات تقول: إن أم سلمة أيضا كانت مع رسول اللّه
«صلى اللّه عليه و آله» في غزوة المريسيع (1). و قد قدمنا ذلك أيضا في ضمن النصوص و الآثار لحديث الإفك، الرواية رقم 10.
ثانيا: لماذا لم تنبّه أم سلمة حاملي الهودج إلى غيبة رفيقتها؟ ! أم أنها لم ترها حين ذهبت من بينهم؟ . .
و إذا كانت أم سلمة قد غفلت عن غيبة عائشة، أو لم ترها حين تركت هودجها، فهل لبست عائشة قبعة الإخفاء، و خرجت من بين ذلك الجيش كله، فلم يرها أحد؟ !
ثالثا: إنه إذا كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يستصحب بعض نسائه، فإن الجيش أيضا سيفعل كما كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يفعل، فسيصطحب المتزوجون أو كثير منهم نساءهم. . و من الراجح أن تسير النساء في مجموعات تخصهن، لا أن تسير كل امرأة مع زوجها، و هذا معناه: أن النسوة يرين بعضهن، و لا سيما في حالات نزول الجيش للاستراحة، و يعرفن من تغيب منهن لقضاء الحاجة و من لا تغيب.
فلماذا لم تخبر النسوة حامل هودج عائشة بغيبتها عن هودجها؟
و لماذا تركنها تذهب وحدها، ألم يخفن عليها من سبع، أو من أي طارق و طارئ في ذلك الليل البهيم، قد يلحق بها الأذى، و لا أقل من أن تفاجئها حركة بعض الحيوانات، فتصاب ببعض الحالات العصبية بسبب الرعب القاتل، و الخوف العظيم؟ !
1) راجع: الجزء الثاني عشر من هذا الكتاب تحت عنوان الباب الرابع: غزوة المريسيع، أحداث و قضايا .
رابعا: إننا لا ندري لماذا اختارت أن تذهب وحدها في ذلك الليل و في قلب الصحراء؟
و لماذا اختارت أن تبعد عن الجيش هذا المقدار الكبير، الذي فقدت معه سماع جلبة الرحيل و ضوضاء حركة الجيش، مع أن الليل ساتر؟ .
و نحن نعلم: أنها هي نفسها قد ذكرت: أنها حتى و هي في المدينة، و حيث الأمن و الأمان متوفر أكثر مما هو في الصحراء، قد خرجت إلى حاجتها مع أم مسطح، و تقول: إنها علمت بأمر الإفك من قبل هذه المرأة بالذات، و في نفس هذه المناسبة.
فيا سبحان اللّه كيف أن الإفك عليها قد كان بسبب قضاء الحاجة، ثم كانت معرفتها بأمر الإفك، أيضا، في مناسبة قضاء الحاجة! !
و من الأمور التي تحتاج إلى تأمّل دعوى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان إذا خرج في سفر أقرع بين نسائه. .
فإن بعض الباحثين يشك كثيرا في صحة ذلك، و يقول: إن ذلك لم يرد إلا عن عائشة، و في خصوص غزوة بني المصطلق.
و لأجل ذلك، فإن ثمة قدرا من الطمأنينة إلى أن الأمر كان على عكس ذلك تماما، أي أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يستصحب نساءه في أسفاره الحربية.
و بعد هذا الكم الهائل من المؤاخذات و الإشكالات في حديث الإفك، فقد بات بديهيا: أنه حديث موضوع، و مصطنع لأسباب لا تخفى.
و اللافت للنظر هنا: أن ما ذكرناه ليس هو الحصيلة النهائية لموارد الخلل، بل هناك الكثير مما لم نشر إليه، و ربما يكون هناك كثير أيضا مما لم نقف عليه.
و سنورد في هذا الفصل أيضا طائفة أخرى من موارد الخلل هذه، مع توخي الاختصار قدر الإمكان.
و إذا كان بعض ما سوف نذكره لا يرقى إلى درجة الحسم و اليقين، لكنه قادر و لا شك على المساعدة على ذلك، من حيث إنه يضع علامات كبيرة على طبيعة هذه الرواية و صحتها و سلامتها.
و الذي سوف نشير إليه هنا يتلخص في النقاط التالية:
لقد صرح عدد من الروايات: بأن ما جاء به الإفكون قد أوجب أذى النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى قال: ما بال رجال يؤذوني في أهلي، أو قال: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، أو نحو ذلك. .
و من المعلوم: أن من يؤذي النبي «صلى اللّه عليه و آله» يجب قتله (1).
و لكننا نرى النبي «صلى اللّه عليه و آله» يدافع عن الإفكين فيغضب على صفوان، لضربه حسان بن ثابت، كما تزعم بعض روايات الإفك. . و هي الأشهر.
كما يقول ابن عبد البر: إنه لم يجلد أحد. . و هذا هو الأعجب و الأدهى حقا.
و إذا قيل: لعل ذلك لأجل عدم ثبوت ذلك عليهم بالشهود،
فالجواب هو في ضمن سؤال: كيف يطلب هو إذن من الناس أن يتدخلوا لمنعهم من أذاه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ و كيف جاز له أن يعلن بالاتهام لهم؟ !
يقول أسيد بن حضير، لسعد بن عبادة: كذبت. . فأسيد في قوله هذا إما صادق في نسبة الكذب إلى سعد، أو كاذب. فأحد الرجلين كاذب على كل حال. . فكيف يكون صحابيا و يكذب؟ ! فإنه وفق أصول أنصار عائشة و محبيها، و هم جماعة أهل السنة، مما لا مجال لقبوله، لأن الصحابة عندهم عدول كلهم، لا يكذبون.
و كذلك الحال في اتهام ابن عبادة لابن معاذ بأنه قد علم أنهم من الخزرج، و لا يريد نصرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إنما ينطلق في
1) إرشاد الساري ج 7 ص 262.
موقفه هذا من ضغائن و إحن جاهلية (1).
و يقول ابن أبي الحديد المعتزلي: «. . لو كان هذا صحيحا ما احتاجت عائشة إلى نزول براءتها من السماء. . بل كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أول يوم يعلم كذب أهل الإفك، لأنها زوجته، و صحبتها له آكد من صحبة غيرها، و صفوان بن المعطل أيضا كان من الصحابة، فكان ينبغي ألا يضيق صدر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا يحمل ذلك الهم و الغم الشديد اللذين حملهما.
و يقول: صفوان من الصحابة، و عائشة من الصحابة. و المعصية عليهما ممتنعة» (2).
هل كان مسطح بدريا حقا؟ !
لقد ادّعى النيسابوري الإجماع على ذلك (3). . و يؤيده التصريح به في كثير من المصادر.
و نقول: إذا كان كذلك، فلماذا يحده النبي «صلى اللّه عليه و آله» على الإفك؟
أليس قد رووا: أن اللّه تعالى قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم؟ . . فإذا كان ذنبه مغفورا فلماذا يعاقب عليه؟ !
هذا إذا فسرنا هذه الكلمة بأن الذنوب تقع منهم، لكنها تكون مقرونة بالمغفرة.
و أما إذا أخذنا بالاحتمال الآخر، و هو أن المراد: أن المعصية لا تقع من البدري أصلا (1). . فالأمر يصير أعقد و أشكل.
و فسرها النيسابوري بأن المراد: اعملوا من النوافل قليلا أو كثيرا، فقد أعطيتكم الدرجات العالية في الجنة، و قد غفرت لكم، لعلمي أنكم تموتون على التوبة (2).
و نقول: أولا: ما الدليل على أن هذا هو المراد من قوله «صلى اللّه عليه و آله» : اعملوا ما شئتم؟ !
و لماذا هذه التبرعات التفسيرية بلا شاهد و لا دليل؟ !
ثانيا: هل للذي يؤذي رسول اللّه ويتهم زوجته بهذا البهتان العظيم توبة؟ !
ثالثا: إن هذا ينافي قوله تعالى: وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ .
فإنها تدل على عدم قبول توبتهم إن لم نقل إنها تدل على عدم حصول
التوبة من الاساس. و الصحيح في معنى هذه الرواية لو صحت: أن المؤمنين الذين شاركوا في بدر-بشرط الإيمان-قد غفر اللّه لهم ذنوبهم السالفة، فليستأنفوا العمل، و سوف يحاسبهم اللّه عليه إن خيرا فخير، و إن شرا فشر، لكن شرط أن لا يكونوا من المنافقين، فإنّ المنافق كافر، فليس مشمولا للحديث من الأساس حتى لو شارك في بدر.
قال في حديث الإفك: و أقبل الرهط الذين كانوا يرحلون الخ. .
و الرهط في اللغة يطلق على العدد من الثلاثة إلى العشرة (1).
مع أننا نجد الواقدي يقول: إن الذين كانوا يرحلون رحلها هم اثنان فقط.
و الحلبي قال: إن الذي كان يتولى ذلك رجل واحد، هو أبو مويهبة. . فراجع ما تقدم من الكلام عن عمر عائشة. .
تقول رواية علقمة عن عائشة: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» استشار بريرة. و أجابته بأنها لئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنك اللّه.
1) أقرب الموارد ج 1 ص 439 و من معاني العصبة: القوم و القبيلة. و راجع: فتح الباري ج 4 ص 347 و في المفردات للراغب ص 204، الرهط: العصابة دون العشرة، و قيل: يقال إلى الأربعين.
قالت: فعجب الناس من فقهها (1).
و لكن ليت شعري. . أين كان فقه النبي «صلى اللّه عليه و آله» آنئذ؟ . .
و لم لم يدرك هو هذه الحقيقة قبل بريرة؟ ! و هو الذي تعلّم منه الناس الفقه؟ !
و لم لم يدرك أحد غير بريرة ذلك؟ !
و لم لم يعجب الناس من فقه أبي بكر أيضا؟ ففي رواية أبي أويس، أنه قال: هو رسول اللّه، و الوحي يأتيه. .
ثم. . ألا ترى معي: أن من غير المألوف: أن أفضل الأنبياء و المرسلين. . و أعظم و أشرف إنسان وجد على وجه الأرض يترك زوجته في الصحراء و يذهب، ثم لا يفتقدها إلا بعد مضي يوم كامل؟ !
بل في بعض النصوص: أنها لم يفتقدها أحد أصلا.
ففي رواية ابن إسحاق، قالت: «. . فو اللّه، ما أدركنا الناس، و لا افتقدت، حتى نزلوا و اطمأنوا طلع الرجل يقودني. .» (2). و كان نزولهم طبعا في نحر الظهيرة، كما تقدم.
و إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد افتقدها، فكيف لم يرسل
السرايا للبحث عنها في كل حدب و صوب، و يبذل كل ما في وسعه من أجل الوصول إليها؟ !
ثم إن الرسول الكريم لا يمكن أن يغفل عن واجباته، و هو أشد الناس اهتماما براحة مرافقيه، و توفير حاجاتهم. . فهل يعقل أن لا يفكر في أن زوجته قد تحتاج إلى الطعام و الشراب طيلة ليلة و نصف يوم؟ ! إن ذلك لا يصدر عن أي إنسان عادي، فكيف بالنسبة لعقل الكل، و إمام الكل، و مدبر الكل؟ !
و إذا كان هو «صلى اللّه عليه و آله» قد غفل عن ذلك، فهل غفل عنه أيضا سائر من كانوا معها و يفترض فيهم أن يهيئوا لها حاجاتها؟ !
و كيف لم يلتفتوا إليها أيضا في أوقات الصلاة، حيث تحتاج إلى تجديد الوضوء، و إلى المكان المستور الذي تؤدي فيه صلاتها؟ ! و لو أنها قد صلت في رحلها، فكيف توضأت؟
و الغريب في الأمر هنا: أن عائشة نفسها تقول: إنها كانت تظن أنهم سوف يفتقدونها. . و لكن ظنها قد خاب، حيث لم يفتقدها أحد حتى زوجها.
يضاف إلى ما تقدم: أنهم يذكرون: أنه قد كان من عادته «صلى اللّه عليه و آله» أن يساير هودجها، و يتحدث معها (1).
و لكنه في تلك الليلة بالذات. . و لأن عقدها ضاع، و ضاعت معه. . و لأنه لا بد من إحكام قضية الإفك. . غيّر النبي عادته، و لم يساير هودجها، و لا تحدث معها! ! !
1) فتح الباري ج 8 ص 349.
و وجّه العسقلاني ذلك: بأن عدم افتقادها يمكن أن يكون لأجل أنهم استصحبوا وجودها معهم، أو أنهم اشتغلوا بحط رحالهم، و لم يفتقدوها (1).
و لكنه توجيه غير مقبول، فإنها قد صرحت بأنهم قد نزلوا و اطمأنوا.
و إن الذين مشوا ليلة و نصف يوم لا بد أن يفتقدوا زوجة نبيهم، و لو لأجل الطعام و الشراب، فضلا عن الصلاة! !
و الغريب هنا: أننا نجدها تقول-على ما في رواية الواقدي-: «كنت أظن: أني لو أقمت شهرا لم يبعثوا بعيري، حتى أكون في هودجي» (2).
و هذا يعني: أنهم كانوا يعرفون بخروجها من هودجها، و أنها ليست فيه. فهل قد تعمدوا تركها في الصحراء؟ !
و إذا كانوا لا يعرفون بنزولها من هودجها-كما تقوله بعض الروايات الأخرى-فكيف إذن كانت تظن هذا الظن. . أم أنها ترى أنهم كانوا يعلمون الغيب؟ ! أو ترى أن لديهم حاسة شم قوية، يدركون فيها وجودها و عدمه؟ عجيب أمر عائشة و أي عجيب! !
و في بعض الروايات تذكر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما سمع ببكاء آل أبي بكر، قام إلى المسجد، فاستعذر من الإفكين، ثم عاد و استشار، و قرر عائشة.
و نقول:
أولا: متى كان البكاء شاهدا على البراءة؟ ! !
ثانيا: لماذا استعذر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من عبد اللّه بن أبي خاصة مع أن الذين جاؤوا بالإفك كانوا عصبة؟
فإن قيل: إن الاستعذار منه، إنما هو لأجل أنه هو الذي تولى كبر الإفك؟
فالجواب هو: أن في مقابل ذلك: القول بأن الذي تولى كبر الإفك هو حسان أو حمنة.
و هناك من يقول: إن ابن أبي لم يجلد الحد، و جلد غيره.
و الغريب في الأمر: أن نجد التصريح في الروايات: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استعذر من ابن أبي استنادا إلى قول جارية! !
ثم هي جارية عائشة بالذات! ! و هي جارية لم تكن مع عائشة في تلك الرحلة.
ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يجلده الحد، رغم نزول الوحي الإلهي فيه. . فهل كان قول الجارية أقوى تأثيرا في نفس الرسول «صلى اللّه عليه و آله» من الوحي الإلهي و أوثق؟ !
نعوذ باللّه من الزلل، في القول، و في العمل! !
و إننا في حين نلاحظ: أن عائشة تحاول التعظيم و التهويل في القضية، حيث ادّعت: أنها قد بكت حتى ليظن أبواها: أن البكاء فالق كبدها. . و أن الأمة كادت تهلك بسببها. . و أنها حين سمعت بالأمر من أم مسطح خرت
مغشيا عليها، فبلغ ذلك أمها أم رومان فجاءتها، فحملتها إلى بيتها (1)،
و أنها همت أن ترمي نفسها في قليب (2)أي بئر،
إنها. . و هي تتحدث عن كل ذلك تكثر من حلف الأيمان، و لا سيما و هي تقترب من نهايات الحديث. . حيث لا بد لها من زرع القناعة بأن الإفك كان عليها. . و لابد أن ينسى الناس قصة مارية، و أن لا يعيروها أي اهتمام.
إنها ليست فقط تقسم لتأكيد ما تنقله عن نفسها، بل هي تقسم على ما تنقله عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عن أبيها، و عن أمها أيضا. .
فلماذا هذه الأيمان الكثيرة المنهي عنها في الشرع الشريف؟ ! و لماذا هذا التهويل و المبالغة فيه؟ !
فهل كانت تشعر بضعف دعواها، فاعتمدت طريقة التقوي بالأيمان؟ !
أم أن المريب كاد أن يقول خذوني؟ !
إن ذلك ليس بعيدا-فيما نعتقد-عن ذهن من نسب هذه الروايات إليها.
أو فقل: عن ذهن صانع الرواية، من أجل أن يكسبها فضيلة و شرفا، ما أشد شوقها إليه، و ما أعظم حرصها عليه.
1) راجع: المعجم الكبير ج 23 ص 117 و 118 و 123 و 124 و راجع أيضا: مجمع الزوائد ج 9 ص 230 و 237 و راجع سائر المصادر التي قدمناها في فصل النصوص و الآثار الحديث رقم 3.
2) راجع: المعجم الكبير ج 23 ص 121 و فتح الباري ج 8 ص 355 عن الطبراني بسند صحيح، و إرشاد الساري ج 4 ص 393 و الدر المنثور ج 5 ص 32 عن الطبراني، و ابن مردويه.
و يذكرني قول عائشة لأبيها: بحمد اللّه لا بحمدك، و لا بحمد صاحبك الذي أرسلك (1).
يذكرني بخالد بن الوليد: الذي قتل مالك بن نويرة بحجة أن مالكا عبر له عن أبي بكر ب «صاحبك» فقال له: كأنك لا تراه لك صاحبا، فاستحل بذلك دمه، و قتله.
فحمدت اللّه و شكرته على أن خالدا لم يسمع من عائشة هذه الكلمة عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إلا لكان ألحقها بمالك بن نويرة! . . و لأصبح أخوها محمد شاعرا يرثي أخته الشهيدة! ! كما كان متمم يرثي أخاه مالكا الشهيد «رحمه اللّه» تعالى.
و لسنا ندري ما هو ذنب النبي «صلى اللّه عليه و آله» تجاه عائشة، حتى تقول له: بحمد اللّه لا بحمدك، أو بحمد اللّه و ذمكما. . و ما أشبه ذلك؟
ثم قولها له: ألا تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئا؟ !
ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» لما حاول أن يغازلها ! ! حيث أخذ بذراعها، أمام أبويها، قد أبعدت يده عنها، حتى اضطر أبو بكر أن يأخذ النعل ليضربها، فمنعه النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . كما أنه حاول أن يأخذ
1) راجع: الدر المنثور ج 5 ص 31 عن الطبراني، و ابن مردويه.
النبي «صلى اللّه عليه و آله» بيدها، فتنتزع يدها منه، فنهرها أبو بكر (1). بل هو قد ضربها فعلا كما في بعض الروايات (2).
نعم، إننا: أولا: لا ندري ما هو المبرر لهذا العنف مع النبي الأكرم، مع أنه لم يصدر منه «صلى اللّه عليه و آله» تجاهها ما يستدعي ذلك، بل إنه قد برأها على المنبر، و بلغ الأمر حدا كادت تقع الفتنة بين الأوس و الخزرج؟
ثانيا: ألا يعتبر ذلك سوء أدب منها مع الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ؟ و إيذاء له!
و ما حكم من يقدم على ذم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و مواجهته بكل تلك التعابير و التصرفات؟
و قول البعض: إن ذلك لعتبها عليهم، لعدم تبرئتهم إياها، مع تحققهم من حسن طريقتها، أو أنها قالت ذلك إدلالا منها عليه «صلى اللّه عليه و آله» ،
أو أنها فهمت من قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لها: احمدي اللّه: إفراد اللّه بالحمد، و بقية الألفاظ؛ باعثها الغضب (3)،
إن هذا القول لم نفهم له معنى. و لا سيما بملاحظة قولها: بحمد اللّه و ذمكما.
و أيضا بملاحظة أنها هي نفسها تقول: إن النبي اعتذر من ابن أبي على المنبر.
و أما تحققهم من حسن طريقتها، فيكذبه قولهم: إن أبا بكر كان يشك في أمرها. . و كذلك النبي «صلى اللّه عليه و آله» حسبما تقدم. . و حتى لو غضبت، فهل إن ذلك يجوّز لها الجرأة على نبي الأمة، و مواجهته بهذه الطريقة؟ !
و من أغرب ما يذكر هنا: ما ذكره ابن التين من أن ثمن عقد عائشة كان 12 درهما (1).
و إذا كانت هذه قيمته فقد قال العسقلاني: إن معنى ذلك: أنه ليس من جزع ظفار، و إلا لكانت قيمته أكثر من ذلك (2). .
مع أنها هي نفسها تنص على أنه كان من جزع ظفار.
و بالمناسبة: فإن العقد الذي سقط في الأبواء أيضا كان من جزع ظفار. و كانت قيمته 12 درهما كما سيأتي. . فتبارك اللّه أحسن الخالقين.
و لسنا ندري من أين عرف ابن التين قيمة ذلك العقد المبارك! ! و كيف اختص هو دون سواه بنزول الوحي عليه ببيان قيمة ذلك العقد. .
لعل بين ابن التين و مقوّم ناقة صالح، قرابة نسبة أو حرفية! ! ! و حسبنا هنا أن نتذكر قول الآخر:
لي حيلة في من ينمّو ليس في الكذاب حيلة
من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلة
لقد قالت عائشة: إن أسامة بن زيد قد أشار على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ببراءة أهله.
و لكننا إذا أمعنا النظر في كلام أسامة: فإننا لا نجده زاد على القول: بأنه لا يعلم إلا خيرا. و هذا لا يعني تبرئتها، و إنما غاية ما يدل عليه هو: عدم اطلاعه على ما يريب. . فهو كقول زينب بنت جحش: أحمي سمعي و بصري الخ. .
لماذا تطلب من أبيها: أن يجيب رسول اللّه، مع أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» كان يسألها عن واقع و باطن الأمر، و لا اطلاع لأبويها على ذلك؟ !
و اعتذار العسقلاني: بأنها أرادت بذلك الإشارة إلى أن باطنها لا يخالف الظاهر الذي يعلمه أبواها. . و إنما أجابها أبو بكر ب: لا أدري، لأنه كثير الاتباع لرسول اللّه، فأجاب بما يطابق السؤال المعنى. . و لأنه كره أن يزكي ولده (1).
هذا الاعتذار لا يصح، و ذلك لما يلي: أولا: إن عائشة نفسها تخاطبهم جميعا بقولها: حتى استقر في أنفسكم.
1) فتح الباري ج 8 ص 364.
و في رواية هشام بن عروة: و أشربته قلوبكم.
ثانيا: إنها لما عاتبت أباها بقولها: ألا عذرتني؟ !
قال: أي سماء تظلني، و أي أرض تقلني، إذا قلت ما لا أعلم (1)؟
ثالثا: تقول عائشة: إنه لما أخذ رسول اللّه برحاء الوحي، ما فزعت لعلمها ببراءة نفسها. . و أما أبواها فما سري عن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى ظنت لتخرجن أنفسهما، فرقا من أن يأتي من اللّه تحقيق ما يقول الناس (2).
رابعا: إن أبا بكر نفسه كما يروي عنه العسقلاني و غيره قد فزع أن ينزل من السماء ما لا مرد له (3).
و بعد كل هذا. . فلا نصغي إلى اعتذار العسقلاني هنا أيضا: بأنهم أرادوا إقامة الحجة على من تكلم في ذلك، و لا يكفي في ذلك النفي المجرد.
كما لا يصح قوله: بأن مرادها ممن صدق به، هو أصحاب الإفك، لكن ضمت إليهم من لم يكذبهم تغليبا (4).
1) الدر المنثور ج 5 ص 32 عن البزار و السيرة الحلبية ج 2 ص 396 و فتح الباري ج 8 ص 366.
2) مغازي الواقدي ج 2 ص 33 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 315 و البداية و النهاية ج 4 ص 162 عنه، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 198 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 268 و فتح الباري ج 8 ص 365 و السيرة الحلبية ج 2 ص 296.
3) فتح الباري ج 8 ص 365 و المعجم الكبير ج 23 ص 72 و 168.
4) فتح الباري ج 8 ص 364.
و تذكر الروايات: أن حمنة طفقت تحارب لأختها، حتى هلكت فيمن هلك. . و حتى أقيم عليها الحد، و ذكرت فيمن تولى كبر الإفك. .
لكن أختها نفسها عصمها اللّه بالورع.
و نقول: عجيب هذا! !
أو ليس يقولون: ليست الثكلى كالمستأجرة؟ !
و إذا لم تكن أختها راضية بفعلها، فأي فائدة تعود على حمنة من موقفها هذا؟ !
و لماذا اختصت زينب بهذا الأمر من بين سائر نساء النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! .
و هل لم يكن لسائر نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» أخوات و لا أقارب يتولين المحاربة لهن؟ !
قالوا: إن جواب سعد بن عبادة لابن معاذ غير مناسب، لأن ابن معاذ لم يقل إن كان من الخزرج قتلناه (1).
و أجاب الحلبي: بأن ابن عبادة يريد بجوابه ذاك: أنه لو كان من الأوس لا تقدر على قتله لأنه يظهر الإسلام. . و لا يقتل النبي «صلى اللّه
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 299.
عليه و آله» من يظهر الإسلام.
فكأنه قال له: لا تقل ما لا تفعل، أو ما لا تقدر على فعله (1).
و اعتذر آخر: بأن المقصود: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يجعل حكمه إليك (2).
و اعتذر ثالث: بأن ابن معاذ لا يستطيع قتل الإفك؟ إذ يسبق إليه الخزرج أنفسهم (3).
و نقول: إن ذلك كله غير سليم، إذ يكذب الأول: أن ابن عبادة قال: «ما قلت هذه المقالة، إلا لأنك قد عرفت أنهم من الخزرج، و لو كانوا من قومك من الأوس ما قلت هذا. .» (4).
و يكذب الثاني و الثالث. .
رد ابن حضير على ابن عبادة: بأنك منافق تجادل عن المنافقين.
لماذا قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مجلس الاستعذار: بلغني أذاهم في أهلي، أو أبنوا أهل بيتي، فجاء بلفظ الأهل و أهل البيت، مع أن المقصود هو عائشة فقط.
أجاب العسقلاني: بأنه «لما كان يلزم من سبها سب أبويها، و من هو
بسبيل منها، و كلهم كانوا بسبب عائشة معدودين في أهله. . صح الجمع. .» .
ثم استشهد على ذلك بما ورد في حديث الهجرة، من قول أبي بكر: إنما هم أهلك يا رسول اللّه، يعني: عائشة، و أمها، و أسماء بنت أبي بكر (1).
و نحن لا نريد أن نناقش في صحة ما استشهد به من حديث الهجرة، فقد تكلمنا على بعض نقاط الضعف فيه في الجزء الثالث من هذا الكتاب، فراجع. .
و إنما نريد فقط أن نسجل هنا ما يلي: أولا: إننا لا نحتاج إلى تمحلات العسقلاني و توجيهاته، فقد نص أهل اللغة على أن «أهل الرجل» زوجته (2). بل هي ليست حتى من أهل الرجل، و إنما يقال لها ذلك مجازا (3).
و أما كلمة «أهل البيت» ، فلا تشمل الزوجة من الأساس كما سيتضح.
ثانيا: لو صح كلام العسقلاني، فكيف يصح إذن: أن يقول أسامة بن زيد، عند ما استشاره النبي «صلى اللّه عليه و آله» في فراق أهله: هم أهلك، و ما نعلم إلا خيرا. . فهل يستشير الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في طلاق جميع آل أبي بكر، فيشير عليه أسامة: بأنه لا يعلم منهم إلا خيرا؟ !
ثالثا: إذا كان يلزم من سبها سب أبويها و غيرهم، فلماذا يحاول النبي «صلى اللّه عليه و آله» تقريرها، و انتزاع اعتراف منها؟
فهل يريد فضيحة آل أبي بكر، «أهله» ! ! فضيحة أبدية؟ !
لا. . و لا كل ذلك. . و لكن ثمة أمر آخر يرمي إليه العسقلاني، و من هم على شاكلته.
إنهم يريدون بهذا اللف و الدوران أن يقولوا: إن آل أبي بكر هم آل بيت النبي الذين أذهب اللّه عنهم الرجس، و طهرهم تطهيرا. . و ليس علي، و فاطمة، و الحسنان. . أو على الأقل يريدون إضافة هؤلاء إلى أولئك. . و لكن يأبى الحق و الرسول عليهم ذلك، كما سيتضح في الإيرادات التالية.
رابعا: بالنسبة لاعتبار عائشة، و آل أبي بكر هم أهل البيت نقول:
إن ذلك لا يمكن قبوله، لأسباب عديدة، هي:
ألف: أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» نفسه قد فسر المراد من كلمة «أهل البيت» حيث بقي ستة أشهر، أو سبعة عشر شهرا أو إلى آخر عمره الشريف (1)، يأتي إلى بيت فاطمة «عليها السلام» ، و يقول: «السلام عليكم أهل البيت، و رحمة اللّه و بركاته» .
ب: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد صرح بخروج زوجته أم سلمة عن دائرة أهل بيته، حيث قال لها: إنك من أهلي خير، و هؤلاء أهل بيتي (2).
1) راجع كتابنا: أهل البيت في آية التطهير ط الثانية 1423 ه ص 40-44 عن كثير من المصادر.
2) راجع: المستدرك على الصحيحين ج 2 ص 416 و تلخيصه، و شواهد التنزيل ج 2 ص 82 و 88 و الخصال ج 2 ص 403 و التبيان ج 8 ص 308 و متشابه القرآن و مختلفه ج 2 ص 52 و البحار ج 35 ص 231 و 316 و جامع البيان ج 22 ص 7 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 483 و مشكل الآثار ج 1 ص 336 و تفسير فرات ص 377 و غير ذلك.
أو قال لها بعد أن منعها من الدخول: إنك على خير، فراجع حديث الكساء المشهور (1).
ج: قد تقدم عن أهل اللغة: أن أهل الرجل يطلق على الزوجة مجازا. .
د: سئل أنس بن مالك: أليس نساؤه من أهل بيته؟ !
فقال: نساؤه من أهل بيته؟ !
و لكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده: آل علي، و آل عقيل، و آل جعفر، و آل عباس (2). و روي ذلك عن أحمد أيضا (3).
1) راجع مصادره الكثيرة جدا في كتابنا: أهل البيت في آية التطهير ط الثانية 1423 ه ص 36 و 51.
2) صحيح مسلم ج 7 ص 130 و الدر المنثور ج 5 ص 199 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 486 و فتح القدير ج 4 ص 280 و كنز العمال ط جديد ج 13 ص 641 و المواهب اللدنية ج 2 ص 122 و التفسير الحديث ج 8 ص 261 و البرهان تفسير ج 3 ص 324 و الصواعق المحرقة ص 226 و راجع ص 227 و 228 و السنن الكبرى ج 2 ص 148 و تهذيب الأسماء و اللغات ج 1 ص 347 و سليم بن قيس ص 104 و نور الأبصار ص 110 و إسعاف الراغبين ص 108 و الإتحاف بحب الأشراف ص 22 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 300 و البحار ج 35 ص 229 و كفاية الطالب ص 53 و ليس فيه عبارة: نساؤه من أهل بيته عن مسلم، و أبي داود، و ابن ماجة. و في هامشه عن: مسند أحمد ج 4 ص 366 و عن كنز العمال ج 1 ص 45 و عن مشكل الآثار ج 4 ص 368 و عن أسد الغابة ج 2 ص 12 و عن مستدرك الحاكم ج 3 ص 109 و راجع أيضا: منهاج السنة لابن تيمية ج 4 ص 21 و تاريخ دمشق ج 4 ص 208.
3) منهاج السنة ج 4 ص 21.
ه: سئل أنس بن مالك مرة أخرى: من أهل بيته؟ نساؤه؟
قال: لا، و أيم اللّه، إن المرأة لتكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها، فترجع إلى أبيها، و قومها. أهل بيته أصله و عصبته، الذين حرموا الصدقة من بعده (1).
و: إن نفس آية التطهير تدل على عدم شمول عنوان «أهل البيت» للنساء، فإنه تعالى يقول: . . إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ. . (2).
و لم يقل: «يريد أن يذهب» مع أن الأوامر و الزواجر في الآيات الشريفة متوجهة للزوجات، فلو كان التطهير لهن، لوجب تعلق الإرادة الإلهية بالمصدر المأخوذ من كلمتي أن يذهب، و لكنه عدل عن المصدر و جاء باللام في قوله «ليذهب» ليفيد: أن هذه الأوامر و الزواجر للزوجات إنما تهدف لتطهير أناس آخرين هم أهل البيت «عليهم السلام» .
1) صحيح مسلم ج 7 ص 123 و الصراط المستقيم ج 1 ص 185 و تيسير الوصول ج 2 ص 161 و البرهان تفسير ج 3 ص 324 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 486 و الطرائف ص 122 و البحار ج 35 ص 230 و ج 23 ص 117 و العمدة لابن بطريق ص 35 و التفسير الحديث ج 8 ص 261 و التاج الجامع للأصول ج 308 و 309 و خلاصة عبقات الأنوار ج 2 ص 64 عن دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب ص 227 و 231 و إحقاق الحق الملحقات ج 9 ص 323 عن الجمع بين الصحيحين و الصواعق المحرقة ص 148 و عن جامع الأصول ج 10 ص 103.
2) الآية 33 من سورة الأحزاب.
و إذا كان حديث الإفك قد شاع و ذاع، حتى لم يبق بيت و لا ناد إلا طار فيه على حد تعبيرهم و كان من الواضح: أن ليس في الإفكين أوسي أصلا، فلماذا:
أولا: يقول سعد بن معاذ: إن كان من الأوس ضربت عنقه، و إن كان من الخزرج أمرتنا فيه بأمرك؟ ! و ما معنى هذا الترديد، بعد شهرة الأمر، و طيرانه في كل بيت و ناد؟ !
أم يعقل: أن يعلم بهذا الأمر كل أحد، و سيد الأوس وحده هو الذي يجهل به من بين الجميع؟ !
و إذا كان يعلم، فما معنى قول ابن عبادة له: بأنه يعرف أنه من الخزرج؟ !
ثانيا: ما الذي أثار حفيظة ابن عبادة، مع أن ابن معاذ لم يجترئ على الخزرج، بل ذكر أنه يعمل فيهم بأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
و هل يرد سعد بن عبادة أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو صحابي، و هم يقولون: إن الصحابة عدول؟ !
و لو أراد أن يفعل ذلك، فهل يجرؤ أو هل يستطيع ذلك؟ !
و توجيه العسقلاني بأنه أراد أن ابن عبادة كان يعلم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يأمر بقتل خزرجي، لا يصح لما يلي:
أولا: إذا كان الخزرجي مجرما، مستحقا للقتل، فلماذا لا يأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقتله؟
ثانيا: لو أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقتل خزرجي، فهل يستطيع
ابن معاذ أن لا يمتثل الأمر؟ ! و متى جرت عادة النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يأمر قبيلة الرجل بقتل الرجل؟ ! . أليس عكس ذلك هو الصحيح؟ ! أو على الأقل أليس عدم تقيده بذلك هو المعروف عنه؟ !
و أجاب البعض: بأن كلام ابن معاذ كان عن حنكة و سياسة، فهو يلقي الكلام بهذه الصورة، و بنحو الترديد ليظهر نفسه على أنه بمنأى عن التعصب القبلي، و التحيز لفئة دون فئة.
و لكن ما هذه الحنكة و ما هذه السياسة المفضوحة لدى كل أحد؟ !
و نحن نربأ بابن معاذ، الرجل التقي الورع: أن ينطلق في مواقفه من تعصبات قبلية مقيتة، و نربأ بعقله و حكمته و درايته أن يتصرف تصرفا مفضوحا بعيدا عن الحنكة و الدراية، كهذا التصرف! !
و إذا كان ابن عبادة يغضب، عند ما يبدي ابن معاذ استعداده لتنفيذ أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» في الإفكين، كما أن الخزرج قد وافقوا على قول ابن عبادة، حتى تلاطموا مع الأوس بالأيدي و النعال، فلماذا سكت الخزرج، و ابن عبادة معهم حينما جلد النبي الإفكين، الذين كان فيهم خزرجيان، و ليس بينهم أوسي؟ ! و رضوا بالعار و الشنار بذلك؟ !
بل يقولون: إن ابن عبادة نفسه هو الذي أطلق ابن المعطل، عند ما أخذه الخزرج لأجل ضربته لحسان بن ثابت، و أعطاه حائطا يتحصل منه مال كبير، بما عفا عن حقه.
فكيف كانوا أتقياء حينما كسع حسانا بالسيف، حتى شارف على الموت،
و لم يفعلوا مع صفوان شيئا، حتى استشاروا النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أمره، و كان الصلح على يديه، حسبما تقدم؟ !
و لم يكونوا أتقياء و لا أبرارا، بل كانوا منافقين كسعد بن عبادة عند ما كانت القضية تمس شرف النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قدس حضرته، و هو الذي أخرجهم من الظلمات إلى النور، و من الموت إلى الحياة؟ !
أم أنهم بين ليلة و ضحاها انقلبوا من أشقياء فجار منافقين، إلى أتقياء أبرار؟ ! يدافعون عن الإفكين، و يتلاطمون مع الأوس-الأتقياء الأبرار دائما-بالنعال و الأيدي، ثم يتركون ابن المعطل و لا يكلمونه، مع أنه أو شك أن يقتل صاحبهم، حتى يستشيروا النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أمره، و يسكتون أيضا على عار جلد أبنائهم الحد؟
إن البلاذري يروي عن مجاهد، قال: «لما أنزل اللّه عذر عائشة، قام إليها أبو بكر، فقبل رأسها، فقالت: بحمد اللّه لا بحمدك و لا بحمد صاحبك، يا أبتاه، ألا عذرتني؟ !
فقال: و كيف أعذرك بما لا أعلم؟ ! أي أرض تقلني يوم أعذرك بما لا علم لي به» (1).
و تقدم أيضا: أنه كان يخشى أن يأتي من الشيء، ما لا مرد له.
فلماذا لا يظن بها أبو بكر خيرا، مع أن الآيات تقول:
1) أنساب الأشراف ج 1 ص 419.
لَوْ لاٰ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ؟ !
هل هو عوف؟ ! أم مسطح؟ !
و قد ذكرت رواية أبياتا نسبتها إلى أبي بكر، و أنه قالها في مسطح في رميه عائشة.
و اللافت: أنه قد سمى فيها مخاطبه ب «عوف» في أربع أبيات من أبياتها التي لا تزيد على سبع، و لا يذكر اسم «مسطح» أبدا.
فكيف تكون خطابا لمسطح، و يكون الخطاب و الحديث كله عن عوف؟ ! و ما ربط عوف بمسطح؟ !
و قد تقدمت الأبيات في فصل: النصوص و الآثار، الحديث رقم 18 فراجع (1).
و الغريب في الأمر: أننا نجد أبا بكر يتهم عائشة بما رماها به أهل الإفك، و يحرض الرسول «صلى اللّه عليه و آله» على الانتقام منها، لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يستجيب له، و لا يعتبره في جملة الإفكين فلا يجلده الحد. فإنه لما بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن الأمر قد بلغ عائشة، دخل و جلس عندها، و قال: «يا عائشة إن اللّه قد وسع التوبة، فازددت شرا إلى ما بي، فبينا نحن كذلك إذ جاء أبو بكر، فدخل علي، فقال: يا رسول اللّه، ما تنتظر بهذه التي خانتك و فضحتني؟ !
1) و هي في المعجم الكبير ج 23 ص 111 و 117 و راجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 236.
قالت: فازددت شرا إلى شر» .
فأرسل «صلى اللّه عليه و آله» إلى بريرة فاستشارها (1).
و تذكر روايات الإفك أبياتا من الشعر تنسبها لأم سعد بن معاذ تتهم فيها «الموالي» بالإفك، فهي تقول:
للموالي إذا رموها بإفكأخذتهم مقامع و جحيم (2)
و نحن لا نجد في روايات الإفك على عائشة أحدا يمكن أن ينسب إلى الموالي، فهم: ابن أبي، و مسطح، و حسان، و حمنة، و زادت بعض الروايات: زيد بن رفاعة، و ليس في هؤلاء أحد من الموالي.
فما معنى هذا؟ ! و كيف نفسره؟ !
إلا أن نفسر كلمة الموالي بالمحبين، أو نفسرها بالأنصار. و لكن، هل كان عبد اللّه بن أبي من محبي أبي بكر، أو من أنصاره؟ ! و هل كانت حمنة أيضا من هؤلاء؟ !
ثم إن أبيات أم سعد بن معاذ تتضمن الدعاء على سعد، فتقول:
ليت سعدا و من رماها بسوءفي كظاظ حتى يتوب الظلوم (3)
فإن كانت تقصد ولدها سعد بن معاذ، فإنه:
أولا: قد مات قبل قضية الإفك، فلماذا تدعو عليه؟ !
ثانيا: إنه قد أنكر على الإفكين-حسب روايات عائشة-و أبدى استعداده لمعاقبتهم، فلماذا تدعو أمه عليه؟ !
و إن كانت تقصد سعد بن عبادة، فإنه هو الآخر لم يكن في جملة الإفكين، و غاية ما صدر منه-بحسب دعوى رواية عائشة-أنه واجه ابن معاذ منتصرا لقومه، رافضا أن يمكّنه من تولي معاقبة أحد من قومه، أو فقل: رافضا أن يكون له الحق في معاقبة أحد.
ألف: و يقولون: إن الذين قالوا-حينما سمعوا الإفك-: سبحانك هذا بهتان عظيم، هم:
1-أبو أيوب: فإنه قال لزوجته لما أخبرته الخبر: فعائشة خير منك، و صفوان خير مني.
و قال: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم.
قالت عائشة: فأنزل اللّه عز و جل: وَ لَوْ لاٰ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مٰا يَكُونُ لَنٰا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهٰذٰا سُبْحٰانَكَ هٰذٰا بُهْتٰانٌ عَظِيمٌ (1).
1) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 268 و مغازي الواقدي ج 2 ص 434 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 315 و أسباب النزول للواحدي ص 185 و الدر المنثور ج 5 ص 33 و 34، عن ابن مردويه، و ابن إسحاق، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن عساكر، و الحاكم، و فتح الباري ج 8 ص 359 و ج 13 ص 287 عن ابن إسحاق، و الحاكم، و الطبراني، و الآجري، و تاريخ الخميس ج 1 ص 477. و تفسير النيسابوري بهامش الطبري ج 18 ص 63 و الكشاف ج 3 ص 218.
و قال ذلك أيضا:
2-أسامة بن زيد (1).
3-أبي بن كعب في قصة شبيهة بقصة أبي أيوب (2).
4-سعد بن معاذ (3).
5-زيد بن حارثة (4).
6-قتادة بن النعمان (5).
7-عمر بن الخطاب (6).
ب: و من الذين نزل القرآن بموافقتهم في آية: . . اَلْمُحْصَنٰاتِ اَلْغٰافِلاٰتِ اَلْمُؤْمِنٰاتِ. . نذكر:
1-أم مسطح، فإنها عندما عثرت، و سبت مسطحا، سألتها عائشة عن
1) فتح الباري ج 8 ص 359 و ج 13 ص 287، و جامع البيان.
2) فتح الباري ج 13 ص 287، عن الحاكم في الإكليل من طريق الواقدي.
3) الدر المنثور ج 5 ص 30 و 35 عن ابن أبي حاتم، و الطبراني، و عن سنيد في تفسيره، و فتح الباري ج 8 ص 59 و ج 13 ص 287.
4) الدر المنثور ج 5 ص 34 عن ابن سمي في فوائده، و فتح الباري ج 3 ص 287.
5) فتح الباري ج 13 ص 287.
6) السيرة الحلبية ج 2 ص 298.
السبب، فقالت: أشهد أنك من الغافلات المؤمنات (1).
و هذا موافق لقوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ اَلْمُحْصَنٰاتِ اَلْغٰافِلاٰتِ اَلْمُؤْمِنٰاتِ لُعِنُوا. . .
2-بريرة التي ذكرت أن عائشة تنام عن عجين أهلها.
و في رواية مقسم: أنها غفلت عن العجين، فجاءت الشاة فأكلتها. و نحن نسأل اللّه أن لا تكون هذه هي نفس تلك الشاة التي أكلت قسما من القرآن! ! (2).
3-ابن المنير، لقد قال ابن المنير: «فغفلتها عن عجينها أبعد لها من مثل الذي رميت به، و أقرب إلى أن تكون من المحصنات الغافلات المؤمنات» (3). فالآية أيضا قد نزلت بموافقة بريرة و ابن المنير.
ج: و قد نزل أيضا قوله تعالى: لَوْ لاٰ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً. . ليوافق أبا أيوب الأنصاري. حسبما عرفناه.
نعم. . لقد نزل القرآن بموافقة كل هؤلاء باستثناء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و علي «عليه السلام» ، فإن القرآن قد خالفهما، و أنبهما على موقفهما من قضية الإفك. . لست أدري لماذا لم تكن النبوة من نصيب هؤلاء الأفذاذ، الذين تجذر فيهم عنصر الوحي؟ ! و لماذا اختصت بذلك الرجل الذي هو أبعد ما يكون في هذه القضية عن الموقف الإلهي الصحيح؟ !
إن المراجع للروايات يرى: أن في رواية أبي أيوب اختلافا، فبعضها يفيد: أن أبا أيوب كان يعلم بالخبر قبل إخبار زوجته إياه، و بعضها يدل: على أنه لم يكن يعلم بالأمر إلا حين أعلمته زوجته به.
كما أن ثمة رواية تقول: إن أبا أيوب قد وافق قوله آية: لَوْ لاٰ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً. . .
و الأخرى تقول: بل وافق قوله تعالى: مٰا يَكُونُ لَنٰا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهٰذٰا سُبْحٰانَكَ. . .
و إن من يراجع هذه الرواية يجد: أن رواتها هم: رجل من بني النجار. . مجهول. . و أفلح، مولى أبي أيوب، الذي لم يكن حين الإفك، بل هو من سبي اليمامة، و عائشة.
إننا لم نستطع أن نفهم متى و كيف أصبح صفوان بن المعطل خيرا من أبي أيوب و أفضل. . مع أنه لم يسلم إلا قبل قضية الإفك بقليل، حتى ليقولون: إن أول مشاهده المريسيع التي هي غزوة الإفك.
مع أن أبا أيوب كان من كبار الصحابة و خيارهم، و هو مضيف النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين مقدمه المدينة، و شهد العقبة و بدرا، و سائر المشاهد.
و على حسب مقاييسهم: لا يقاس بالبدريين أحد، و لكن من يدري؟ ! فلعل صفوان كان يقطع ما يحتاج الناس فيه إلى سنوات بأشهر، أو بأيام، لاستعداده النادر، و مواهبه الفذة، التي قصّرت به عن أن يكون له أي دور سوى دوره في حديث الإفك، و قصّرت به أيضا عن أن يكون نادرة زمانه، و فريد عصره و أوانه! ! .
نعم، له في التاريخ فضائل أخرى نادرة: فهو الذي كان لا يصلي الصبح، و كان يضرب زوجته، و كان يمنعها من الصيام، و كل ذلك كان بعد المريسيع! ! ثم هو خير من أبي أيوب و أفضل! !
و اللافت هنا: أن الإشكالات على حديث الإفك لا تنحصر فيما قدمناه بل هناك إشكالات أخرى ستظهر لنا من خلال البحوث الآتية: و منها حديث:
حيث سنذكر: أن عقد عائشة قد ضاع مرة أخرى في نفس غزوة المريسيع، أو انقطع. .
و كان ذلك في وقت الرحيل أيضا.
و هو من جزع ظفار.
و قيمته أيضا كانت اثني عشر درهما.
و في مكان لا ماء فيه، فأقام الجيش كله على التماسه حتى نزلت آية التيمم.
و لأسيد بن حضير دور رئيس أيضا في هذه القضية، و سيأتي تفصيل ذلك.
و سنذكر أيضا: أن في هذه الغزوة بالذات حصل السباق الشهير! ! ! بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ! ! ! و بين عائشة! ! ! في قلب الصحراء. . و فاز الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في هذا السباق. كما سيأتي. .
فتبارك اللّه و ما شاء اللّه، و حيا اللّه هذه الغزوة المباركة، التي ظهرت فيها كل هذه البركات! !
إن ملاحظة حديث الإفك بدقة تعطي: أن هذا الحديث يهدف إلى تحقيق عدة أهداف سياسية معينة، و مدروسة. .
و نحن نشير منها إلى ما يلي:
إن أول ما يطالعنا في حديث الإفك هو: موقف أسيد بن حضير، الذي تقول عنه عائشة: «و كان أسيد رجلا صالحا في بيت من الأوس عظيم» كما تقدم. . و أسيد هذا يدّعون له: أنه أحد الثلاثة الذين لم يكونوا يلحقون في الفضل، هو و ابن معاذ، و عباد بن بشر (1).
و قالت عنه: إنه كان من أفاضل الناس (2).
و كان أبو بكر يكرمه، و لا يقدم أحدا من الأنصار عليه، و يقول: لا خلاف عنده (3).
و كان ابن خالة أبي بكر، و كان في الذين جاؤوا مع عمر لإحراق بيت علي إن لم يبايع (1).
و كان أول من بايع أبا بكر، حسدا لسعد بن عبادة (2). و له في بيعة أبي بكر أثر عظيم (3).
هذا هو أسيد بن حضير، و هذه هي مواقفه، و هذه هي مكانته عندهم، مع أنه هو الذي كذبه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صراحة في بعض القضايا على ما رواه ابن سعد (4).
و على هذا. . و إذ قد عرفنا منزلة ابن حضير عندهم، و أثره في تثبيت حكمهم، فالمقابلة في حديث الإفك بين أسيد، و جعله يتخذ جانب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الحق، و بأنه رجل صالح، و من بيت في الأوس عظيم، و بين سعد بن عبادة، الذي وصف بأنه كان قبل ذلك رجلا صالحا! ! و بأنه منافق يجادل عن المنافقين!
و سعد: هو المنافس لأبي بكر في الخلافة، و المغاضب للخلفاء، و المقتول غيلة في الشام و قد اغتالته السياسة-على حد تعبير طه حسين-ثم إعطاؤه في حديث الإفك دور العداء للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و المجانبة للحق، إن هذه المقابلة، تكون حينئذ طبيعية، و لها مبرراتها المقبولة، و من منطلقات سياسية عميقة الجذور، و بعيدة الأغوار، لا تكاد تخفى على الناقد البصير،
و المتتبع الخبير، و من أمعن النظر و تدبر في مرامي الأهواء، و عثرات و شطحات الميول.
ثم. . هناك المقابلة بين قبيلتي الأوس، التي هي قبيلة أسيد بن حضير و قبيلة الخزرج، التي هي قبيلة سعد بن عبادة.
فقبيلة أسيد تقوم لنصرة الحق و تأييد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أما الخزرج، فتتحمس لزعيمها سعد، فتشاركه في النفاق، و في الجدال عن المنافقين على حساب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الحق، و الدين.
و أولئك قد بلغوا الغاية في التقوى و الورع و الصلاح. . و هؤلاء. . قد بلغوا الغاية في قلة الدين، و عدم مراعاة مقام النبوة و الرسالة.
نعم، لقد بلغ الفريقان الغاية، هذا في باطله، و ذاك في حقه، فكان التشاتم، و التضارب بينهما بالأيدي و النعال. . حتى لقد كان من الممكن أن ينتهي الأمر إلى سل السيوف، و إزهاق النفوس. . و الكل لا يحترمون النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي كان يسكتهم، و هو لا يزال قائما على المنبر.
و كل ذلك من بركات: نفاق سعد بن عبادة طبعا. . إن ذلك لعجيب حقا! ! و أي عجيب! !
أما علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فهو أيضا لا يجوز أن ينسى، بل لابد أن يعطى-و قد واتتهم الفرصة-نصيبه الأوفى في هذا الأمر. . و ها هو الوليد بن عبد الملك، و أخوه هشام يقولان: إنه هو الذي تولى كبر الإفك،
و تفصيل ذلك:
أ-لقد قال الزهري: إن الوليد بن عبد الملك قال له: الذي تولى كبره منهم، علي؟
قلت: لا. و لكن حدثني سعيد بن المسيب، و عروة، و علقمة، و عبيد اللّه، كلهم عن عائشة، قال: الذي تولى كبره عبد اللّه بن أبي (1).
زاد في الدر المنثور: «فقال لي: ما كان جرمه؟
قلت: حدثني شيخان من قومك: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، و أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أنهما سمعا عائشة تقول: كان مسيئا في أمري» (2).
و في حلية أبي نعيم، من طريق ابن عيينة عن الزهري: كنت عند الوليد بن عبد الملك، فتلا هذه الآية: . . وَ اَلَّذِي تَوَلّٰى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذٰابٌ عَظِيمٌ ، فقال: نزلت في علي بن أبي طالب.
قال الزهري: أصلح اللّه الأمير، ليس الأمر كذلك، أخبرني عروة، عن عائشة.
قال: و كيف أخبرك؟
قلت: أخبرني عروة عن عائشة، أنها نزلت في عبد اللّه بن أبي بن سلول (3).
و لابن مردويه من وجه آخر، عن الزهري: كنت عند الوليد بن عبد الملك
ليلة من الليالي، و هو يقرأ سورة النور مستلقيا، فلما بلغ هذه الآية: إِنَّ اَلَّذِينَ جٰاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ. . حتى بلغ: . . وَ اَلَّذِي تَوَلّٰى كِبْرَهُ جلس.
ثم قال: يا أبا بكر، من الذي تولى كبره منهم؟ أليس علي بن أبي طالب؟ !
قال: فقلت في نفسي: ماذا أقول؟ لئن قلت لا، لقد خشيت أن ألقى منه شرا، و لئن قلت: نعم، لقد جئت بأمر عظيم.
قلت في نفسي: لقد عودني اللّه الصدق خيرا.
قلت: لا.
قال: فضرب بقضيبه على السرير، ثم قال: فمن؟ فمن؟ حتى ردد ذلك مرارا.
قلت: لكن عبد اللّه بن أبي (1).
ب-و أخرج يعقوب بن شيبة في مسنده، عن الحسن بن علي الحلواني، عن الشافعي، قال: حدثنا عمي، قال: دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك، فقال له: يا سليمان، الذي تولى كبره من هو؟ !
قال: عبد اللّه بن أبي.
قال: كذبت، هو علي.
قال: أمير المؤمنين أعلم بما يقول.
فدخل الزهري فقال: يا ابن شهاب من الذي تولى كبره؟ !
قال: ابن أبي.
1) فتح الباري ج 7 ص 336 و السيرة الحلبية ج 2 ص 302 و المعجم الكبير ج 23 ص 97.
قال: كذبت، هو علي.
فقال: أنا أكذب لا أبا لك. و اللّه لو نادى مناد من السماء: أن اللّه أحل الكذب لما كذبت. . حدثني عروة، و سعيد، و عبيد اللّه، و علقمة، عن عائشة: أن الذي تولى كبره هو عبد اللّه بن أبي. فذكر قصته مع هشام.
و قد جاء في آخرها، قول هشام: نحن هيجنا الشيخ، أو ما بمعناه. و أمر فقضى عنه ألف ألف درهم (1).
فالوليد بن عبد الملك إذن، و كذلك هشام بن عبد الملك يريدان تأكيد الفرية على أمير المؤمنين «عليه السلام» ، إلى درجة أنهم قد افتروا عليه: أنه هو الذي تولى كبر الإفك.
كما أن عائشة قد ذكرت: أن عليا «عليه السلام» كان مسيئا في شأنها، كما تقدم في الرواية التي ذكرها البخاري-حسب رواية النسفي و غيره عنه- حول ما جرى بين الزهري و بين الوليد، حيث قال الزهري: قلت: لا.
و لكن أخبرني رجلان من قومك: أبو سلمة بن عبد الرحمن، و أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: أن عائشة قالت لهما: كان علي مسيئا في شأنها (2).
قال العسقلاني: ذكر عياض: أن النسفي رواه عن البخاري بلفظ مسيئا، قال: و كذلك رواه أبو علي بن السكن، عن الفربري، و قال الأصيلي
بعد أن رواه بلفظ مسلما: كذا قرأناه، و الأعرف غيره (1).
و كذلك نقله في الدر المنثور، عن البخاري كما تقدم، و عن ابن المنذر، و الطبراني و ابن مردويه، و البيهقي.
و رواه عبد الرزاق أيضا بلفظ «مسيئا» ، و كذلك أخرجه الإسماعيلي و أبو نعيم في المستخرجين.
و يقوي الرواية التي فيها: «مسيئا» ما في رواية ابن مردويه بلفظ: إن عليا أساء في شأني، و اللّه يغفر له. انتهى (2).
و قال العسقلاني أيضا: إن عائشة قد نسبت عليا إلى الإساءة في شأنها (3).
و ذلك كله يشير إلى: أن رواية البخاري قد حرفت من قبل النساخ، للتقليل من بشاعة هذا الأمر، و فظاعته، و حفاظا على عائشة، و الوليد، و الزهري، و من لف لفهم.
و أيضا حفاظا على كرامة البخاري نفسه، إذ ليس من السهل تكذيب القرآن من خلال توجيه هذه الفرية لعلي، الذي أذهب اللّه عنه الرجس و طهره تطهيرا. . و هو مع الحق، و الحق معه يدور معه حيث دار.
و اللافت هنا: أنهم في حين يصرون على تأكيد الفرية على أمير المؤمنين «عليه السلام» فإنهم لا يجرؤون على القول: بأن عليا «عليه السلام» قد جلد، بل يقولون بكل وضوح و إصرار: لم يجلد علي «عليه السلام» مع من
جلد، و لم يحده النبي معهم بالاتفاق! ! رغم أن عائشة، و الوليد، و هشاما يصرون على نسبة الإساءة إليه، و على أنه ممن قذفها، و على أنه تولى كبره في ذلك! ! نعوذ باللّه؟ ! ! فلماذا عفا عنه النبي «صلى اللّه عليه و آله» إذن؟ ! و هل للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يعفو عن حد من حدود اللّه؟ ! حتى لو كان مستحقه هو صهره و ابن عمه! !
و عائشة قد ربحت أيضا، و كان لها حصة الأسد، حيث نزل في حقها طائفة من الآيات القرآنية.
و لا سيما مثل قوله تعالى: . . وَ اَلطَّيِّبٰاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ اَلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبٰاتِ أُولٰئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمّٰا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ و نظائر هذه الآية، مما يفهم منه المدح العظيم للتي رميت بالإفك حتى قال ابن الأثير: «و لو لم يكن لعائشة من الفضائل إلا قصة الإفك، لكفى بها فضلا، و علو مجد، فإنها نزل فيها من القرآن ما يتلى إلى يوم القيامة» (1).
و هذا و سام عظيم، و شرف باهر، هي بأمس الحاجة إليه و لا بد لها من الحصول عليه، لدعم الموقف السياسي لها في مقابل علي، و أهل البيت «عليهم السلام» ، و ليبطل مفعول آيات سورة التحريم، التي نزلت في أحد مواقف عائشة، التي لا تحسد عليها.
1) أسد الغابة ج 5 ص 504.
ثم هناك مسطح، الذي زج في حديث الإفك لأمرين: أولها: إظهار فضل أبي بكر، لتنزل فيه آية قرآنية تقرضه، و تمدحه.
و ثانيهما: إنه قد حضر حرب صفين إلى جانب علي أمير المؤمنين «عليه السلام» .
ثم نالته درجة تخفيف، لقرابته من أبي بكر، كما هو معلوم من الروايات.
و حسان بن ثابت يتهم أولا. . ثم نجد محاولات جادة لتبرئته، و إعادة الاعتبار له، و لا نكاد نشك في أن عثمانيته، و انحرافه عن علي، و عدم بيعته له قد كان لذلك كله دور كبير في تبرئته.
و لعله إنما اتهم بهذا الأمر من أجل إثارة الشبهة في مصداقية ما قاله من الشعر في علي «عليه السلام» ، و بيعته يوم الغدير، و النص عليه صلوات اللّه و سلامه عليه في ذلك اليوم. . مما لعله أثار حفيظة أم المؤمنين و محبيها، فأسرت لهم، و منهم عروة بن الزبير ابن أختها، أو فقل: أسرّ واضع الرواية -و هو الأنسب-إلى خاصته، و من يثق به، بتوجيه التهمة له ليمثل ذلك صفعة قوية له، ثم اشتهر ذلك وذاع.
و لكن ظهور انحراف حسان عن علي «عليه السلام» ، و امتناعه عن بيعته، و عن تأييده قد شفع له، فكان السعي لتبرئته، و إبعاد الشبهات عنه. .
حتى إن عائشة قالت: بل لم يفعل شيئا، بعد أن كانوا قد ذكروا أنه قد جلد الحد، بل جعلوه هو الذي تولى كبر الإفك! !
بل لعل نفيهم الحد من الجميع قد كان إكراما له: إذ من أجل عين ألف
عين تكرم! !
و ربما يكون الذين زجوا باسم حسان بالأمر بسبب: شعره في الغدير و في أمير المؤمنين قد فعلوا ذلك بدون علم أم المؤمنين، التي أرادت أن تكافئه على موقفه السلبي من علي «عليه السلام» بعد ذلك، فوقع الاختلاف و اضطرت إلى التدخل لإنقاذ الموقف.
ثم هناك دور أسامة، في مقابل علي «عليه السلام» ، فقد ذكرت الرواية: أن موقفهما في المشورة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان على طرفي نقيض، فادّعت أن أسامة يشير على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ببراءتها، مع أنه لم يزد على أن أظهر عدم علمه بشيء من أمرها، كما تقدم.
أما علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فإن المقابلة بين موقفه و موقف أسامة، تريد أن توحي بأنه «عليه السلام» قد أشار بغير ما يعلم. أي أنه مع علمه ببراءتها قد أشار على النبي «صلى اللّه عليه و آله» بطلاقها! ! .
و قد تقدم: أنها نسبت عليا «عليه السلام» إلى الإساءة في شأنها. .
و لا نكاد نرتاب: في أن الهدف من وراء ذلك، هو الإمعان في توجيه الإهانة و الاتهام إلى علي «عليه السلام» . علي الذي كان دائما الشجا المعترض في حلقهم جميعا، حتى إن عائشة كانت لا تستطيع-كما يقول ابن عباس-أن تذكر عليا بخير أبدا (1).
1) راجع: مسند أحمد بن حنبل ج 6 ص 288 و 38 و الجمل للشيخ المفيد ط سنة 1413 ه ص 158 و السنن الكبرى ج 1 ص 3 و الإحسان ج 8 ص 198 و المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 56 و طبقات ابن سعد ط سنة 1405 ه ج 2 ص 231 و 232. و راجع: صحيح البخاري ط سنة 1401 ه دار الفكر، بيروت ج 1 ص 162 و صحيح مسلم بشرح النووي ج 4 ص 138 و 139 و الصوارم المهرقة ص 105 و الإرشاد للمفيد ص 194 و تاريخ الأمم و الملوك ط ليدن ج 1 ص 1801 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 175.
و إذا عرفنا: أن موقف أسامة كان يتصف بالتذبذب. . بل لقد كان منحرفا عن علي «عليه السلام» ، حيث لم يبايعه، و لم يشترك معه في أي من حروبه (1)، و لم يعطه علي «عليه السلام» من العطاء (2).
و إذا عرفنا ذلك. . فإننا نعرف سر المقابلة المذكورة بين الموقفين لأسامة و لعلي «عليه السلام» تجاه عائشة التي حاربت عليا، و أزهقت في حربها له الآلاف من الأرواح البريئة المسلمة.
و نعرف أيضا: سر جعلهم أسامة حبّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و مستشاره الذي لا يعدوه، و هو لما يبلغ الحلم. . ثم تكون إشارته موافقة للحق و للضمير على عكس ما أشار به غيره حتى علي «عليه السلام» .
و تذكر الروايات: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استشار زيد بن ثابت، بدل أسامة، أو معه. . و لا يختلف حال زيد عن حال أسامة في الموقف
السياسي، فإن عثمانيته كانت معروفة و مشهورة، و هو لم يشهد مع علي «عليه السلام» شيئا من حروبه، و كان كاتبا للخلفاء قبل علي (1).
و لأن هوى عثمان كان في قراءته، فقد منع الحجاج قراءة غيره، و فرض قراءته، كما ذكره الإسكافي في رده على عثمانية الجاحظ (2).
إذن. . فلا بد أن يجعل له في هذا الأمر نصيب، و أن تجعل آراؤه و أقواله موافقة للحق و للقرآن، تماما على عكس آراء و أقوال أمير المؤمنين «عليه السلام» بزعمهم.
ثم هناك إصرار روايات الإفك على اتهام حمنة بنت جحش، حيث لم يكن إلى اتهام أختها سبيل، لأن أختها زينب كانت تنافس عائشة في بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» -كما تقول-و لها التقدم عليها في كثير من الشؤون، و نزل تزويجها من السماء (3). و لم يكن لحمنة شافع، فلم تجد أحدا يدافع عنها، أو يكذب التهمة الموجهة إليها. . و ذلك أيضا هو سر اتهام أخويها: عبد اللّه، و عبيد اللّه ابني جحش.
1) أسد الغابة ج 2 ص 222 و قاموس الرجال ج 4 ص 239 و 240، و غير ذلك. .
2) راجع: قاموس الرجال ج 4 ص 239 و 240.
3) و إن كانت قد بذلت محاولة لجعل تزويج عائشة أيضا من السماء، حيث أتاه جبرائيل-كما تقول هي-بسراقة من حرير. . و لكن موقف زينب أحكم و أقوى، لوجود نص قرآني في قضيتها، لا يمكن المراء و الجدل فيه لأحد.
ثم بذلت محاولة لإشراك ضرائر عائشة في ذلك، كما يفهم من قول أم رومان المتقدم. . ثم أدركتهن درجة تخفيف، و ربما بسبب أنهم-بعد ذلك- رأوا أن من غير المناسب توسيع جبهة المعارضة لعائشة، و لا سيما إذا أراد من ينتسب إلى سائر زوجاته «صلى اللّه عليه و آله» أن ينتصروا لمن تتصل بهم بسبب أو نسب، أو لأن زمان المعارضة كان قد مضى و ذهب، فلا حاجة إلى فتح جدال جديد معهن. و لهذا فقد اكتفوا بكلام أم رومان المتقدم.
أما زينب، فقد كانت قد توفيت و ذهبت أيامها، و ليس ثمة من ينتصر لها.
و شدد الأمر على حمنة. . لأن أختها ما كان أحد من زوجات النبي «صلى اللّه عليه و آله» يساميها غيرها. . على حد تعبير عائشة، و لأنها هي التي نزل تزويجها من السماء، دون سائرهن! ! كما ألمحنا إليه.
ثم هناك من يجد في حديث الإفك العذر و المبرر لمواقف عائشة العدائية من أمير المؤمنين، و أهل بيته «عليهم السلام» . . إذ بعد أن أشار «عليه السلام» بطلاقها، كما يزعمون، و تولى ضرب بريرة، في محاولة لانتزاع إقرار منها ضد عائشة، كما يدّعون. . فإن من الطبيعي أن يجعلوا ذلك هو المبرر لأن-بعد هذا-تحقد عليه عائشة، و تتأكد نفرتها منه، و كراهيتها له.
إذن. . فيجوز للعقاد، و لابن أبي الحديد (1)أن يجعلوا من مشورة علي غير الموفقة-على حد تعبير العقاد-مبررا لحقد عائشة على علي «عليه السلام» ، و تخف بذلك تبعة و بشاعة الجريمة التي ارتكبتها في حرب الجمل، التي قتل فيها الألوف من أبرياء المسلمين، حيث يمكن إلقاء قسط كبير من التبعة على عاتق علي «عليه السلام» نفسه.
و لكن. . و بعد أن تحقق أن حديث الإفك لا أساس له من الصحة. . و إنما هو مجعول لأهداف سياسية معينة. . فلسنا ندري ما هو الموقف الذي سوف يتخذه أولئك الذين يهمهم تبرير الأمر الواقع، على أساس عدم التعرض لتحقق النص التاريخي صدقا أو كذبا. . و إنما يأخذونه على علاته، و يشرعون في تبريره و توجيهه، و إظهاره على أنه حقيقة مسلمة، لا ريب فيها، و لا شك يعتريها؟ !
و أما القاذفون. . الذين تحدثت عنهم رواية الإفك المزعوم فهم اثنان خزرجيان، هما:
1-عبد اللّه بن أبي.
2-و حسان بن ثابت.
و يظهر: أن ذنبهما هو أنهما من قبيلة سعد بن عبادة، المنافس لأبي بكر في الخلافة، حسبما تقدم، و قرب آل عبادة خصوصا قيس بن سعد من علي
1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 23 و ج 9 ص 194 فما بعدها، و كتاب: الصديقة بنت الصديق، للعقاد.
«عليه السلام» .
و أما ذنب حسان فهو مدحه لعلي صلوات اللّه و سلامه عليه، و إشادته بيوم الغدير.
3-علي «عليه السلام» ، و هو ذلك الرجل الذي لم تكن لتصفو له قلوب الأمويين، و الزبيريين، و عائشة. التي لم تكن تستطيع أن تذكره بخير أبدا، كما قدمنا.
4-و مسطح، و ذنبه: أنه شهد مع علي «عليه السلام» صفين. كما أن اتهامه هو الذي يمكّنهم من ادعاء نزول الآيات في فضل أبي بكر، الذي كان بأمس الحاجة إلى إدعاءات من هذا القبيل.
5-و حمنة، و سائر أبناء جحش، الذين لم نعرف لهم ذنبا، إلا أن أختهم زينب، التي زوجها اللّه رسوله، و نزلت في ذلك آيات قرآنية خالدة، و ليس لعائشة مثل هذه الفضيلة. .
ثم يبرؤ من هؤلاء: حسان فقط. و ترضى عنه عائشة كل الرضا، لعثمانيته، و انحرافه عن علي «عليه السلام» . و تحكم له بالجنة، و تقول: إنه لم يقل شيئا.
و يخفف ذنب مسطح، إذ قد تصارع فيه عاملان متضادان: شهوده صفين إلى جانب علي «عليه السلام» ، و قرابته من أبي بكر؛ فكان هذا الجمع العجيب هو الحل، فهو يعفى من الحد، لقرابته من أبي بكر.
و يقال: إنه لم يأفك، بل أعجبه الأمر، و ضحك له، و يبقى في حظيرة
الاتهام بهذا المقدار لشهوده مع علي «عليه السلام» حرب صفين، و لتنزل الآية القرآنية في أبي بكر فيما يرتبط بالإنفاق عليه.
و تكون الخلاصة هي: أن كل المواقف غير المشرفة تنسب إلى خصوم عائشة، و خصوم الجهاز الحاكم عموما.
أما المواقف المشرفة، فهي خاصة بالموالين لهم، و المتعاطفين معهم، حتى إذا ما نسب إلى هؤلاء شيء في وقت ما، نراهم يسارعون إلى بذل محاولات تبرئته بكل وسيلة، كما كان الحال بالنسبة لحسان، حينما اتضح لهم انحرافه عن علي «عليه السلام» .
و أما الآخرون: علي «عليه السلام» و ابن عبادة، و مسطح، و غيرهم فالتهمة عليهم باقية.
و هؤلاء الخصوم فقط هم الذين تبقى التهم ثابتة عليهم، و هم الذين لا حمية لهم و لا صلاح عندهم.
أما ابن حضير، و حسان، و زيد بن ثابت العثماني النزعة، و أسامة نظيره، فهم أهل الحمية و الإنصاف، و الصلاح و الفلاح! !
قال ابن أبي الحديد: «. . و قوم من الشيعة زعموا: أن الآيات التي في سورة النور لم تنزل فيها يعني عائشة ، و إنما نزلت في مارية القبطية، و ما قذفت به، مع الأسود القبطي.
و جحدهم لإنزال ذلك في عائشة جحد لما يعلم ضرورة من الأخبار المتواترة. .» (1).
و لكن قد تقدم: أن حديث الإفك على عائشة لا يمكن أن يكون متواترا كما علم حين الحديث عن سنده، لأنه إما مسند منقول عنها، و إما منقول عن صحابي لم يحضر الإفك أو مات قبله، أو كان صغيرا لا يعقل، أو منقطع، أو مرسل، أو مروي عمن يلوذ بعائشة و حزبها بسبب سياسي أو نسب أو غيره، كل ذلك قد تقدم بالتفصيل فلا حاجة إلى إعادته.
أضف إلى ذلك: ما قدمناه من وجوه الإشكال الكثيرة جدا في روايات الإفك على عائشة التي تسقط مضمونها عن الاعتبار، و هي إشكالات لا يمكن غض النظر عنها و لا تجاهلها.
1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 23.
إذن فهؤلاء القوم من الشيعة هم بلا شك محقون في نفيهم الإفك عنها، و إن أبى ذلك ابن أبي الحديد (1)و غيره.
و يبقى أن نعرف: إن كانوا محقين في القضية الأخرى، و هي قولهم: إن الإفك كان على مارية.
هذا ما سوف يطلع عليه القارئ الكريم فيما يأتي، و باللّه التوفيق، و منه نستمد الحول و القوة.
قال القمي: « إِنَّ اَلَّذِينَ جٰاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ. . الآية. . إن العامة رووا: أنها نزلت في عائشة، و ما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة، و أما الخاصة فإنهم رووا: أنها نزلت في مارية القبطية، و ما رمتها به عائشة.
حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضّال، قال: حدثني عبد اللّه بن بكير عن زرارة، قال:
سمعت أبا جعفر «عليه السلام» يقول: لما مات إبراهيم ابن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حزن عليه حزنا شديدا، فقالت عائشة: ما الذي يحزنك عليه؟ ! فما هو إلا ابن جريح، فبعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» و أمره بقتله، فذهب علي «عليه السلام» و معه السيف،
1) و لكن. . المصيبة العظمى هي: أننا سوف نخسر-بإسقاطنا حديث الإفك عن الاعتبار-عشرات الفوائد الفقهية فيه. . و قد ذكر جانبا منها العسقلاني في فتح الباري ج 8 ص 368 و 371.
و كان جريح القبطي في حائط، فضرب علي «عليه السلام» باب البستان، فأقبل جريح، ليفتح له الباب، فلما رأى عليا «عليه السلام» ، عرف في وجهه الغضب، فأدبر راجعا، و لم يفتح الباب، فوثب علي «عليه السلام» على الحائط، و نزل إلى البستان، و اتبعه. و ولى جريح مدبرا، فلما خشي أن يرهقه صعد في نخلة، و صعد علي في أثره، فلما دنا منه رمى بنفسه من فوق النخلة، فبدت عورته، فإذا ليس له ما للرجال، و لا ما للنساء.
فانصرف علي «عليه السلام» إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقال: يا رسول اللّه، إذا بعثتني في الأمر أكون فيه كالمسمار المحمي في الوبر، أم أثبّت؟ قال: لا بل اثبّت.
فقال: و الذي بعثك بالحق ما له ما للرجال، و لا ما للنساء، فقال: الحمد للّه الذي يصرف عنا السوء أهل البيت. .» (1).
و عنه في رواية عبد اللّه بن موسى، عن أحمد بن راشد، عن مروان بن مسلم، عن عبد اللّه بن بكير، قال: قلت لأبي عبد اللّه «عليه السلام» : جعلت فداك، كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمر بقتل القبطي، و قد علم أنها كذبت عليه؟ أو لم يعلم؟ و قد دفع اللّه عن القبطي القتل بتثبيت علي «عليه السلام» ؟
1) تفسير القمي ج 2 ص 99 و 100 و ص 318 و 319 و تفسير البرهان ج 3 ص 126 و 127 و ج 4 ص 205 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 581 و 582 عنه، و تفسير الميزان ج 5 ص 103 و 104 و في تفسير القمي و البرهان في سورة الحجرات: أن آية: إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا نزلت في هذه المناسبة، و البحار ج 22 ص 155.
فقال: بل كان و اللّه يعلم، و لو كان عزيمة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما انصرف علي «عليه السلام» حتى يقتله، و لكن إنما فعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لترجع عن ذنبها، فما رجعت، و لا اشتد عليها قتل رجل مسلم (1).
و روى الصدوق «رحمه اللّه» ، عن ماجيلويه، عن عمه عن البرقي، عن محمد بن سليمان، عن داود بن النعمان عن عبد الرحيم القصير، قال: قال لي أبو جعفر «عليه السلام» : أما لو قد قام قائمنا «عليه السلام» لقد ردت إليه الحميراء، حتى يجلدها الحد، و حتى ينتقم لابنة محمد فاطمة «عليها السلام» منها، قلت: جعلت فداك، و لم يجلدها الحد؟ !
قال: لفريتها على أم إبراهيم «عليها السلام» .
قلت: فكيف أخره اللّه للقائم؟
قال: لأن اللّه تعالى بعث محمدا «صلى اللّه عليه و آله» رحمة، و بعث القائم «عليه السلام» نقمة (2).
و روي أيضا: أن أمير المؤمنين «عليه السلام» قال في حديث المناشدة مع الخمسة الذين في الشورى: نشدتكم باللّه هل علمتم: أن عائشة قالت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن إبراهيم ليس لك، و إنه ابن فلان القبطي؟
قال: يا علي، اذهب فاقتله.
فقلت: يا رسول اللّه، إذا بعثتني أكون كالمسمار المحمي في الوبر، أو أثبت؟ !
قال: بل تثبت.
فلما نظر إلي استند إلى حائط، فطرح نفسه فيه، فطرحت نفسي على أثره، فصعد على نخلة، فصعدت خلفه، فلما رآني قد صعدت رمى بإزاره، فإذا ليس له شيء مما يكون للرجال، فجئت، فأخبرت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: الحمد للّه الذي صرف عنا السوء أهل البيت.
فقالوا: اللهم لا.
فقال: اللهم اشهد. . (1).
و ثمة رواية أخرى ذكرها في البرهان عن الحسين بن حمدان، و فيها دلالة: على أن عائشة و حفصة، و أبا بكر و عمر قد اشتركوا في قضية مارية.
و لكننا: أضربنا عن ذكرها بطولها، لأن الحسين بن حمدان ضعيف جدا، فاسد المذهب، صاحب مقالة ملعونة، لا يلتفت إليه، كما يقولون في كتب الرجال (2).
و إنه، و إن كان لا يمتنع أن يصدق الكاذب، و لكننا لا يمكن لنا أن نقول: إن رواية ابن حمدان هي الصحيحة هنا ما لم يدعمها دليل قوي من غيرها، و حينئذ فيكون هو الدليل، لا هي! !
و قد روى القمي أيضا هذه القضية في تفسير قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا. . (1).
إن نصوص هذه القضية المرتبطة بمارية عديدة، نذكر منها ما يلي: 1-روى مسلم و غيره، و النص لمسلم، عن أنس: أن رجلا كان يتهم بأم ولد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعلي: اذهب، فاضرب عنقه، فأتاه علي، فإذا هو في ركي (2)يتبرد فيها.
فقال له علي: اخرج، فناوله يده، فأخرجه، فإذا هو مجبوب، ليس له ذكر، فكف علي عنه.
ثم أتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا رسول اللّه، إنه لمجبوب ما له ذكر (3).
2-عن أنس بن مالك، قال: كانت أم إبراهيم سرية للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في مشربتها، و كان قبطي يأوي إليها، و يأتيها بالماء و الحطب،
1) تفسير القمي ج 2 ص 318 و 319 و البحار ج 22 ص 153 و 154.
2) الركي: البئر.
3) صحيح مسلم ط مشكول ج 8 ص 119 و مستدرك الحاكم ج 4 ص 39 و 40، و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 273 و المحلى ج 11 ص 413 و تلخيصه للذهبي، نفس الصفحة و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 4 ص 411 و 412 و الإصابة ج 3 ص 334 و السيرة الحلبية ج 3 ص 312. و ليراجع: أسد الغابة ج 5 ص 542 و 544 و ج 4 ص 268 و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 313.
فقال الناس في ذلك: علجة يدخل على عجلة.
فبلغ ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأرسل علي بن أبي طالب، فوجده على نخلة، فلما رأى السيف وقع في نفسه، فألقى الكساء الذي كان عليه، و تكشف، فإذا هو مجبوب.
فرجع علي إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأخبره فقال: يا رسول اللّه، أرأيت إذا أمرت أحدنا بالأمر ثم رأى، في غير ذلك، أيراجعك؟
قال: نعم فأخبره بما رأى من القبطي.
قال: و ولدت مارية إبراهيم، فجاء جبرائيل «عليه السلام» إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم، فاطمأن رسول اللّه إلى ذلك» (1).
و في رواية أخرى مثل ذلك، غير أنه قال: «خرج علي، فلقيه على رأسه قربة مستعذبا لها من الماء، فلما رآه علي شهر السيف، و عمد له، فلما رآه القبطي طرح القربة، ورقى في نخلة و تعرى، فإذا هو مجبوب، فأغمد علي سيفه، ثم رجع إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره الخبر، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أصبت، إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» (2).
«و روى الواقدي في إسناده قال: كان الخصي الذي بعث به المقوقس مع مارية، يدخل إليها و يحدثها، فتكلم بعض المنافقين في ذلك و قال: إنه
غير مجبوب، و أنه يقع عليها، فبعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علي بن أبي طالب، و أمره أن يأتيه، و يقرره، و ينظر في ما قيل فيه، فإن كان حقا قتله، فطلبه علي، فوجده فوق نخلة، فلما رأى عليا يؤمه أحس بالشر فألقى إزاره، فإذا هو مجبوب ممسوح.
و قال بعض الرواة: إنه ألفاه يصلح خباء له فلما دنا منه ألقى إزاره و قام متجردا. فجاء به علي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأراه إياه، فحمد اللّه على تكذيبه المنافقين بما أظهر من براءة الخصي، و اطمأن قلبه» (1).
3-في مستدرك الحاكم و تلخيصه للذهبي و النص له: عن عائشة قالت: «أهديت مارية و معها ابن عم لها، فقال أهل الإفك و الزور: من حاجته إلى الولد ادّعى ولد غيره.
قالت: فدخل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بإبراهيم عليّ فقال: كيف ترين؟ !
قلت: من غذي بلبن الضأن يحسن لحمه.
قال: و لا الشبه؟ !
قالت: فحملتني الغيرة.
فقلت: ما أرى شبها.
قالت: و بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما يقول الناس، فقال لعلي: خذ هذا السيف، فانطلق فاضرب عنق ابن عم مارية، فانطلق، فإذا هو في حائط على نخلة يخترف، فلما نظر إلى علي، و معه السيف استقبلته
1) أنساب الأشراف ج 1 ص 450.
رعدة، فسقطت الخرقة، فإذا هو ممسوح» (1).
4-و أصرح من ذلك ما رواه السيوطي، عن ابن مردويه، عن أنس: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنزل أم إبراهيم منزل أبي أيوب، قالت عائشة: فدخل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بيتها يوما، فوجد خلوة، فأصابها، فحملت بإبراهيم.
قالت عائشة: فلما استبان حملها، فزعت من ذلك، فمكث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى ولدت، فلم يكن لأمه لبن، فاشترى له ضائنة يغذي منها الصبي، فصلح عليه جسمه، و صفا لونه، فجاء به يوما يحمله على عنقه.
فقال: يا عائشة، كيف تري الشبه؟
فقلت-أنا غيرى-: ما أرى شبها (2).
فقال: و لا باللحم؟
فقلت: لعمري، لمن تغذى بألبان الضأن ليحسن لحمه.
قال: فجزعت عائشة رضي اللّه عنها و حفصة من ذلك، فعاتبته حفصة، فحرّمها، و أسرّ إليها سرا، فأفشته إلى عائشة، فنزلت آية التحريم، فأعتق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رقبة (3).
5-و هو مهم في المقام كسابقه: أنه لما استبان حمل مارية بإبراهيم جزعت عائشة قالت: فلما ولد إبراهيم جاء به رسول اللّه إلي، فقال: انظري إلى شبهه بي.
فقلت-و أنا غيرى-: ما أرى شبها.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ألا ترين إلى بياضه و لحمه؟ !
فقلت: إن من قصر عليه اللقاح أبيض و سمن (1).
6-روى محمد بن الحنفية رحمة اللّه عليه، عن أبيه أمير المؤمنين «عليه السلام» ، قال: كان قد كثر على مارية القبطية أم إبراهيم في ابن عم لها قبطي، كان يزورها، و يختلف إليها.
فقال لي النبي «صلى اللّه عليه و آله» : خذ هذا السيف، و انطلق، فإن وجدته عندها فاقتله.
قلت: يا رسول اللّه، أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسكة المحماة، أمضي لما أمرتني؟ أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟
1) قد تقدم هذا النص عن الحاكم في المستدرك، و الذهبي في تلخيصه، و السيوطي عن ابن مردويه. و نزيد هنا: طبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 88 و البداية و النهاية ج 3 ص 305 و قاموس الرجال ج 11 ص 305 عن البلاذري و أنساب الأشراف ج 1 ص 450 و السيرة الحلبية ج 3 ص 309، من دون الفقرة الأخيرة من كلامها، و تاريخ اليعقوبي ط دار صادر ج 2 ص 87، مع حذف كلمة «ما» من قولها: «ما أرى شبها» لكن المقصود معلوم من اعتراضه «صلى اللّه عليه و آله» . و قد تكون قد قالت ذلك على سبيل السخرية أو الاستفهام الإنكاري.
فقال لي النبي «صلى اللّه عليه و آله» : بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
فأقبلت متوشحا بالسيف، فوجدته عندها، فاخترطت السيف، فلما أقبلت نحوه، عرف أني أريده، فأتى نخلة فرقى إليها، ثم رمى بنفسه على قفاه، و شغر برجليه، فإذا به أجب أمسح، ما له مما للرجال قليل و لا كثير.
قال: فغمدت السيف، و رجعت إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبرته، فقال: الحمد للّه الذي يصرف عنا أهل البيت (1). .
7-قال الزمخشري: «بلغه صلى اللّه تعالى عليه و آله و سلم: أن قبطيا يتحدث إلى مارية، فأمر عليا «عليه السلام» بقتله.
قال علي «عليه السلام» : فأخذت السيف و ذهبت إليه، فلما رآني رقى على الشجرة، فرفعت الريح ثوبه، فإذا هو حصور، فأتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأخبرته، فقال: إنما شفاء العي السؤال» .
و قيل: الحصور ههنا: المجبوب، لأنه حصر عن الجماع (2).
8-روت عمرة عن عائشة حديثا فيه ذكر غيرتها من مارية، و أنها كانت جميلة، قالت: و أعجب بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان
1) أمالي السيد المرتضى ج 1 ص 77 وصفة الصفوة ج 2 ص 78 و 79 و البداية و النهاية ج 3 ص 304، و قال: إسناد رجاله ثقات، عن الإمام أحمد و كشف الأستار عن مسند البزار ج 2 ص 188 و 189 و مجمع الزوائد ج 4 ص 329 و قال: رواه البزار و فيه ابن إسحاق، و هو مدلس و لكنه ثقة و بقية رجاله ثقات، و قد أخرجه الضياء في أحاديثه المختارة على الصحيح. و البحار ج 22 ص 167 و 168.
2) الفائق ج 1 ص 287.
أنزلها أول ما قدم بها في بيت لحارثة بن النعمان، و كانت جارتنا، و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عامة النهار و الليل عندها، حتى قذعنا لها -و القذع الشتم-فحولها إلى العالية، و كان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشد، ثم رزقها اللّه الولد و حرمناه منه (1).
1) وفاء الوفاء ج 3 ص 826.
لقد رأينا: أن النصوص عند جميع المسلمين تكاد تكون متفقة على صورة قضية الإفك على مارية.
و رأينا أيضا: أن ما رواه الحاكم في مستدركه، و السيوطي عن ابن مردويه، و غير ذلك مما تقدم، يؤكد على أن عائشة قد غارت من مارية، و نفت شبه إبراهيم بأبيه «صلى اللّه عليه و آله» ، رغم إصرار النبي «صلى اللّه عليه و آله» على خلافها، و رغم أنه كان أشبه الخلق به «صلى اللّه عليه و آله» كما في الرواية عن الطبراني.
مما يعني: أنها كانت تسعى لإثارة الشبهة في انتسابه إليه «صلى اللّه عليه و آله» و الإيحاء بحصول خيانة من مارية رحمها اللّه، كما أن إصرارها على رفض قول رسول اللّه في تأكيده لشبهه به يستبطن التكذيب و الأذى له «صلى اللّه عليه و آله» . و كان الحامل لها على ذلك هو غيرتها الشديدة، حسب اعتراف عائشة نفسها.
و مما يجعلنا نطمئن إلى صحة ذلك الحوار، و أن عائشة قد حاولت أن تلقي شبهة على طهارة مارية هو ما قالته عائشة نفسها عن حالتها مع مارية:
«. . ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على مارية، و ذلك أنها كانت جميلة جعدة، و أعجب بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
إلى أن قالت: و فرغنا لها، فجزعت، فحولها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى العالية، فكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشد علينا. ثم رزقه اللّه الولد و حرمناه. .» (1).
لكن عند السمهودي-كما تقدم-: حتى قذعنا لها، و القذع الشتم كما أشرنا إليه هناك.
و عن أبي جعفر: «. . و كانت ثقلت على نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و غرن عليها، و لا مثل عائشة» (2).
و يقول ابن أبي الحديد المعتزلي عن موقف عائشة حين موت إبراهيم «عليه السلام» : «. . ثم مات إبراهيم فأبطنت شماتة، و إن أظهرت كآبة. .» (3).
و بعد كل ما تقدم، نعرف: أن أم المؤمنين قد ساهمت في إثارة الشكوك و الشبهات حول مارية، و ولدها إبراهيم.
و لعلنا نستطيع أن نفهم أيضا من رواية السيوطي عن ابن مردويه: أن حفصة أيضا قد شاركت في تأليب رأي النبي «صلى اللّه عليه و آله» ضد
مارية، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد حرّم مارية على نفسه، بعد المحاورة التي جرت بينه و بين عائشة، و بعد جزعهما، و عتاب حفصة له في شأنها.
و يفهم أيضا من رواية الحاكم أن تكثير الناس على مارية قد كان بعد المحاورة المشار إليها بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عائشة.
و كل ذلك يجعلنا نطمئن إلى: أن سبب تحريم مارية هو ما ذكر من الشبهات حولها، لا مجرد أنه و طأها في بيت حفصة أو عائشة.
و لا سيما بملاحظة: أن آيات التحريم، في سورة التحريم، تدل على: أن ما ارتكبوه كان أمرا عظيما جدا، لا مجرد قول حفصة: «يا رسول اللّه في بيتي، و على فراشي» ، فإن هذا كلام طبيعي، و ليس فيه أي إساءة أدب، أو خروج عن الجادة، و لا يستحق هذا التأنيب العظيم الوارد في الآيات.
و على هذا فإن الظاهر هو: أن آيات تحريم مارية التي في سورة التحريم قد نزلت في معالجة الشبهات التي أثارتها عائشة و حفصة حول مارية حينما حرمها النبي «صلى اللّه عليه و آله» على نفسه لذلك، و أما آية الإفك، فنزلت في الإفك عليها أيضا.
و لقد احتمل بعض العلماء: أن عمر أيضا قد شارك في إثارة الشبهات حول مارية بالإضافة إلى حفصة و عائشة، و مستنده في ذلك ما عند الطبراني و غيره، حيث ذكروا رواية تضمنت أن ظهور براءة مارية كان على يد عمر،
لا علي «عليه السلام» ، و أنه لما رجع إلى الرسول، قال له «صلى اللّه عليه و آله» : «ألا أخبرك يا عمر: إن جبرائيل أتاني فأخبرني، أن اللّه عز و جل قد برأ مارية و قريبها مما وقع في نفسي، و بشرني: أن في بطنها مني غلاما، و أنه أشبه الخلق بي، و أمرني أن أسميه إبراهيم. .» (1).
فقد احتمل المظفر استنادا إلى هذه الرواية: أن لعمر بن الخطاب شأنا في اتهام مارية، و إلا. . فلماذا يخصه الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بهذه المقالة؟ ! (2).
و لكننا بدورنا نقول: إن هذه الرواية محل إشكال، لأن الروايات متفقة و متضافرة على أن براءة مارية كانت على يد علي «عليه السلام» ، و هذه تقول: بل كانت على يد عمر.
و أجاب العسقلاني عن ذلك باحتمال: أن يكون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل عمر أولا، فأبطأ في العودة، لأنه لما رآه ممسوحا اطمأن و تشاغل ببعض الأمر، فأرسل «صلى اللّه عليه و آله» عليا بعده، و رجع علي «عليه السلام» ، فبشره «صلى اللّه عليه و آله» بالبراءة، ثم جاء عمر بعده
فبشره بها (1).
و لكن هذا التوجيه منه يحتاج إلى إثبات، و على الأقل إلى شواهد تؤيده، كما أن تلكؤ عمر في إخباره للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى يذهب علي «عليه السلام» ، و يكشف الأمر مرة ثانية، و يرجع، بعيد عن التصرف الطبيعي في مناسبات حادة، تثير الأزمات بدرجة غير عادية كهذه المناسبة.
إذن. . فبملاحظة التشابه بين هذه الرواية، و بين ما يرد عن علي «عليه السلام» ،
و بملاحظة: أن تبرئه علي «عليه السلام» لها مجمع عليها، و لا شك فيها، فإننا لا يمكن أن نصدق هذه الرواية: فإن عمر لم يذهب إلى مأبور، و لا شارك في تبرئة مارية.
فقولهم: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال له: ألا أخبرك يا عمر الخ. . -إن صح-فهو ابتداء كلام معه، و حينئذ فيحتاج ما ذكره المظفر إلى الجواب.
لقد مر علينا آنفا: أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» يخبر عمر بن الخطاب بأن جبرائيل قد أخبره أن اللّه تعالى قد برأ مارية.
و قد يمكن أن يفهم من ذلك: أن هذا يؤيد كون آيات الإفك قد نزلت في شأن مارية. . و أن اللّه تعالى قد برأها بواسطتها، و إلا فما معنى تبرئة اللّه تعالى لها فيما سوى ذلك؟ إذ إن براءتها قد ثبتت على يد علي «عليه السلام» ،
1) الإصابة ج 3 ص 335.
فتبرئة اللّه تعالى لها، لا بد أن تكون بنحو آخر، غير ما فعله علي «عليه السلام» ، و ليس هو إلا نزول آيات الإفك في شأنها.
هذا. . و يبدو أن الشك في شأن مارية قد استمر إلى حين وفاة إبراهيم ابن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنه قد كان ثمة من يصر على الاتهام، و لو بالخفاء.
و لعل عائشة التي يقول المعتزلي: إنها أظهرت كآبة، و أبطنت شماتة، كان يهمها هذا الأمر أكثر من غيرها. و لذا نجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى حين موت ولده إبراهيم يؤكد على: أن إبراهيم هو ولده.
فقد روي في صحيح مسلم: أنه «. . لما توفي إبراهيم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن إبراهيم ابني و إنه مات في الثدي، و إن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة. .» (1).
فليس لقوله «صلى اللّه عليه و آله» : «إن إبراهيم ابني» مبرر إلا أن يقال:
إنه أراد أن يقوم بمحاولة أخيرة، لدفع كيد الإفكين، و شك الشاكين.
و أشكل السيد المرتضى و غيره على الرواية الأخيرة، من روايات الإفك على مارية: بأنه كيف جاز لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الأمر بقتل رجل
1) صحيح مسلم ط مشكول ج 7 ص 77 و فتح الباري ج 3 ص 140 و تاريخ الخميس ج 2 ص 146 و كنز العمال ج 14 ص 98 عن أبي نعيم.
على التهمة بغير بينة، و لا ما يجري مجراها؟
و على حد تعبير ابن حزم: «كيف يأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بقتله دون أن يتحقق عنده ذلك الأمر، لا بوحي، و لا بعلم صحيح، و لا بينة، و لا بإقرار؟ !
و كيف يأمر «عليه السلام» بقتله في قصة، بظن قد ظهر كذبه بعد ذلك و بطلانه؟ !
و كيف يأمر «عليه السلام» بقتل امرئ قد أظهر اللّه تعالى براءته بعد ذلك بيقين لا شك فيه؟ !
و كيف يأمر «عليه السلام» بقتله، و لا يأمر بقتلها، و الأمر بينه و بينها مشترك؟ !» .
و قد أجاب ابن حزم بقوله: «لكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد علم يقينا أنه بريء، و أن القول كذب، فأراد «عليه السلام» أن يوقف على ذلك مشاهدة، فأمر بقتله لو فعل ذلك الذي قيل عنه، فكان هذا حكما صحيحا في من آذى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و قد علم «عليه السلام» أن القتل لا ينفذ عليه لما يظهر اللّه تعالى من براءته» .
ثم ذكر قصة اختلاف امرأتين في مولود، و تحاكمهما إلى داود، فحكم به للكبرى، فخرجتا على سليمان، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما.
فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك اللّه، هو ابنها، فقضى به للصغرى.
ثم قال: «إن سليمان لم يرد قط شق الصبي بينهما، و إنما أراد امتحانهما بذلك، و بالوحي فعل هذا بلا شك، و كان حكم داود للكبرى على ظاهر الأمر، لأنه كان في يدها، و كذلك فعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ما
أراد قط إنفاذ قتل ذلك المجبوب، لكن أراد امتحان علي في إنفاذ أمره، و أراد إظهار براءة المتهم و كذب التهمة عيانا. و هكذا لم يرد اللّه تعالى إنفاذ ذبح إسماعيل بن إبراهيم «عليهما السلام» إذ أمر أباه بذبحه، لكن أراد اللّه تعالى إظهار تنفيذه لأمره» (1).
و ليت ابن حزم قال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد إظهار طاعة علي «عليه السلام» كما هو حال إبراهيم حين أمره اللّه بذبح ولده اسماعيل.
و أجاب السيد المرتضى «رحمه اللّه تعالى» : بأن من الجائز أن يكون القبطي معاهدا، و أن النبي كان قد نهاه عن الدخول إلى مارية، فخالف و أقام على ذلك، و هذا نقض للعهد، و ناقض العهد من أهل الكفر مؤذن بالمحاربة، و المؤذن بها مستحق للقتل.
و إنما جاز منه «صلى اللّه عليه و آله» أن يخير بين قتله و الكف عنه، و تفويض ذلك إلى علي «عليه السلام» ، لأن قتله لم يكن من الحدود و الحقوق، التي لا يجوز العفو عنها، لأن ناقض العهد إذا قدر عليه الإمام قبل التوبة له أن يقتله، و له أن يعفو عنه.
و أشكل أيضا: بأنه كيف جاز لأمير المؤمنين «عليه السلام» الكف عن القتل، و من أي جهة آثره لما وجده أجب، و أي تأثير لكونه أجب فيما استحق به القتل، و هو نقض العهد؟ !
و أجاب: بأنه كان له «عليه السلام» أن يقتله مطلقا حتى مع كونه أجب لكنه «عليه السلام» آثر العفو عنه، من أجل إزالة التهمة و الشك الواقعين في أمر
1) المحلى ج 11 ص 413 و 414.
مارية، و لأنه أشفق من أن يقتله، فيتحقق الظن، و يلحق بذلك العار (1).
أما نحن فنقول: إن الجواب على الإشكال الأول محل تأمل، ذلك للشك في كون مأبور معاهدا، فقد صرحوا: بأن مأبورا قد أسلم في المدينة.
إلا أن يقال: إنه أسلم بعد قضية مارية.
و لكن ذلك يحتاج إلى إثبات ليمكن اعتماد جواب السيد المرتضى «رحمه اللّه» .
على أننا نقول: إن من القريب جدا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن أمره بالقتل على الحقيقة، و إنما كان ذلك مقدمة لإظهار البراءة الواقعية لمارية، فأراد علي «عليه السلام» أن يظهر للناس قصد النبي هذا، فسأله بما يدل عليه، و أجابه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك أيضا.
و لعل هذا الاحتمال، أولى مما ذكره السيد المرتضى: لأن ما ذكره السيد يحتاج إلى إثبات المعاهدة لمأبور، و لا مثبت لها.
أما هذا، فهو موافق للسنة الجارية في أمور مثل هذه يحتاج الأمر فيها إلى الكشف و اليقين، و رفع التهمة، لا سيما و أن آيات الإفك إنما دلت على البراءة الشرعية، فتحتاج إلى ما يدل على البراءة الواقعية أيضا.
و يؤكد هذه البراءة الواقعية: أن مأبورا-كما يقولون-كان أخا لمارية، و كان شيخا كبيرا (2).
و قال النووي في مقام الجواب عن الإشكال المتقدم: «قيل: لعله كان منافقا، و مستحقا للقتل بطريق آخر، و جعل هذا محركا لقتله بنفاقه، و غيره، لا بالزنى. . و كف عنه علي رضي اللّه عنه اعتمادا على أن القتل بالزنى، و قد علم انتفاء الزنى. .» (1).
و لكن قد فات النووي: أن عقوبة الزنى ليست هي القتل أيضا، و إنما هي الجلد أو الرجم.
إلا أن يقال: إن ذلك هو حكم من يعتدي على حرمات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و خلاصة الأمر: أن دعوى نفاقه تبقى بلا دليل، فلا يمكن الاعتماد عليها، فما أجبنا به نحن هو الأظهر و الأولى.
بل إننا حتى لو سلمنا: أنه كان منافقا ظاهر النفاق، فإن قتله له في هذه المناسبة لأجل نفاقه سيوجب تأكد تهمة الفاحشة و الزنى على مارية، و هذا خلاف الحكمة منه «صلى اللّه عليه و آله» ، و فيه ضرر عظيم على الدعوة و على قضية الإيمان كلها.
فكان لا بد من إظهار كذب تلك التهمة بصورة محسومة، ثم يعاقب على نفاقه بالصورة التي يستحقها.
و قد ناقش العلامة الطباطبائي «رحمه اللّه» موضوع الإفك على مارية
1) النووي على مسلم، هامش القسطلاني ج 10 ص 237.
في رواية القمي «رحمه اللّه» بمناقشتين:
أولاهما: أن قضية مارية لا تقبل الانطباق على الآيات التي نزلت في الإفك، و لا سيما قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ جٰاؤُ بِالْإِفْكِ الآية.
و قوله: لَوْ لاٰ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَ قٰالُوا هٰذٰا إِفْكٌ مُبِينٌ الآية. .
و قوله: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَ تَقُولُونَ بِأَفْوٰاهِكُمْ مٰا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ. . الآية.
فمحصل الآيات: أنه كان هناك جماعة مرتبط بعضهم ببعض، يذيعون الحديث، ليفضحوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» . و كان الناس يتداولونه لسانا عن لسان، حتى شاع بينهم، و مكثوا على ذلك زمانا، و هم لا يراعون حرمة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و كرامته من اللّه. . و أين مضمون الروايات من ذلك؟
اللهم إلا أن تكون الروايات قاصرة في شرحها للقصة.
ثانيتهما: أن مقتضى القصة، و ظهور براءتها إجراء الحد على الإفكين، و لم يجر. . و لا مناص عن هذا الإشكال، إلا بالقول بنزول آية القذف بعد قصة الإفك بزمان.
و الذي ينبغي أن يقال-بالنظر إلى إشكال الحد الوارد على الصنفين- يعني ما روته العامة، من أن الإفك كان على عائشة، و ما رواه القمي و غيره -حسبما بيناه-: أن آيات الإفك قد نزلت قبل آية حد القذف، و لم يشرّع بنزول آيات الإفك إلا براءة المقذوف، مع عدم قيام الشهادة، و تحريم القذف.
و لو كان حد القاذف مشروعا قبل حديث الإفك، لم يكن هناك مجوز
لتأخيره مدة معتدا بها، و انتظار الوحي، و لا نجا منه قاذف منهم.
و لو كان مشروعا مع آيات الإفك لأشير فيها إليه، و لا أقل باتصال آيات الإفك بآية القذف، و العارف بأساليب الكلام لا يرتاب في أن قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ جٰاؤُ بِالْإِفْكِ الآيات. . منقطعة عما قبلها.
و لو كان على من قذف أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» حدان، لأشير إلى ذلك في خلال آيات الإفك بما فيها من التشديد، و اللعن، و التهديد بالعذاب على القاذفين.
و يتأكد الإشكال على تقدير نزول آية القذف، مع نزول آية الإفك، فإن لازمه أن يقع الابتلاء، بحكم الحدين، فينزل حكم الحد الواحد (1).
هذا مجمل كلام العلامة الطباطبائي في المقام.
و قد رأينا أنه «رحمه اللّه» قد أجاب هو نفسه عن كلا المناقشتين في المقام بما فيه مقنع و كفاية، فيبقى حديث إفك مارية سليما من الإشكال، بخلاف حديث الإفك على عائشة، فإن ما تقدم في هذا البحث لا يدع مجالا للشك في كونه إفكا مفترى.
و نزيد نحن هنا: أن ما ذكره العلامة الطباطبائي من أن رواية مارية قاصرة في شرحها للقصة، صحيح. و لعل ذلك يرجع إلى أن الاتجاه السياسي كان يفرض أن لا تذكر جميع الحقائق المتعلقة بهذا الموضوع، لأنه يضر بمصلحة الهيئة
1) الميزان ج 15 ص 104 و 105.
الحاكمة، أو من يمت إليها بسبب سياسي، أو نسب أو غيره. .
و أيضا: فإننا إذا أضفنا من ذكرتهم روايات عائشة في جملة الإفكين، إلى من ذكرتهم، أو لمحت إليهم الروايات الأخرى، و لا سيما أولئك الآخرون الذين لم يعرفهم عروة بن الزبير. . فإن المجموع يصير طائفة لا بأس بها، و يصدق عليهم أنهم عصبة.
و لا سيما بملاحظة: أن بعض روايات الإفك على مارية قد ذكرت: أن هذه القضية قد شاعت و ذاعت و تناقلتها الألسن و كثر عليها في هذا الأمر.
و أما بالنسبة لمناقشته الثانية-أعني موضوع إجراء الحد-فجوابه الأول هذا محل نظر إذ قد تقدم: أن سورة النور قد نزلت جملة واحدة.
و لذا فإن الظاهر هو: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يقم الحد على الإفكين، و هو ما صرح به أبو عمر بن عبد البر من أنه لم يشتهر جلد أحد.
و يتأكد ذلك: إذا كان ثمة مفسدة كبرى تترتب على إقامته، تهدد كيان الدولة الإسلامية، و بناء المجتمع الإسلامي، أو تترتب عليه أخطار جسيمة على مستقبل الدعوة بشكل عام.
و لهذا الأمر نظائر كثيرة في السيرة النبوية، فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يقتل ابن أبي رغم استحقاقه للقتل، في كثير من الموارد، و ذلك حتى لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه. مما يصير سببا في امتناع الناس عن الدخول في الإسلام، و هو لا يزال في أول أمره، أو خروج أصحاب النفوس الضعيفة منه.
و كذلك هو لا يقتل خالد بن الوليد، رغم ما ارتكبه في بني جذيمة، حيث قتلهم قتلا قبيحا، و هم مسلمون موحدون، يقيمون الصلاة. .
بل إن الحكومات الغاصبة تمارس نفس هذا الأسلوب، فإن أبا بكر لم يقتل خالد بن الوليد، و لم يقم عليه حد الزنا في قضية مالك بن نويرة، و ذلك حفاظا على حكومته و قوتها في قبال علي «عليه السلام» صاحب الحق الشرعي بنص الكتاب الحكيم و بتنصيب الرسول الكريم «صلى اللّه عليه و آله» .
إلى كثير من الشواهد الأخرى على ذلك.
هذا كله، لو فرض: أن آية حد القذف قد نزلت مباشرة مع آيات الإفك، أو قبلها، كما هو الظاهر.
و أما إذا كان قد تأخر نزولها-و هو أمر غير مقبول، لما قدمناه في مطاوي البحث-فلا يكون ثمة إشكال على رواية مارية أصلا. نعم يبقى الإشكال في روايات الإفك على عائشة التي تقول: إن الإفكين قد جلدوا حدا، أو حدين، أو وجىء في رقابهم! ! كما تقدم.
قد عرفنا: أن الافتراء على مارية و قذفها، و اتهامها الباطل بمأبور مما أجمعت الأمة على حصوله. و قد ذكر ذلك كل من ترجم لمارية أو لمأبور، أو لإبراهيم ابن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ذكروه بالتفصيل تارة، و بالإجمال أخرى، فالإفك عليها أمر لا ريب فيه.
و لكن يبقى سؤال: هل هي التي نزلت فيها آيات سورة النور؟
أم هي عائشة؟ !
و الجواب: إننا قد أثبتنا فيما تقدم: أن حديث الإفك على عائشة، لا يمكن أن يصح من أساسه. .
و أما الإفك على مارية فهو الصحيح، الذي لا مجال للمراء فيه، إذ رغم تصريح رواية القمي المتقدمة: بأن عائشة قد قذفت مارية بمأبور، و تأييد ذلك بما ورد في الروايات الأخرى التي وردت من طرق غير الشيعة،
و لربما يفهم من بعضها: أن لحفصة و غيرها أيضا مساهمة في هذا الأمر، نعم، رغم كل ذلك. . فإننا نجد: شواهد كثيرة تدل على ذلك في نفس حديث الإفك على عائشة، مما يدل دلالة واضحة على: أن رواية الإفك على
مارية، التي ماتت في عهد عمر، و ليس لها أحد يهتم بقضاياها أو يدافع، قد حرفت لتنطبق على عائشة. و قد كان هذا تحريفا فاحشا، أفقدها معظم معالمها، حتى لم يبق منها إلا لمحات خاطفة، تشير بصراحة أحيانا، و بشيء من الوهن أحيانا أخرى إلى القضية الأم، التي ذهبت ضحية الأهواء و الميول، و الخطط السياسية التي لا ترحم، و لا تقف عند حد.
و نحن نجمل هنا بعض تلك الشواهد في النقاط التالية:
: 1-إن الآيات التي في سورة النور، ليس فيها إلا ما يدل على البراءة الشرعية، دون الواقعية، فهي لا تصلح لدفع ما يدّعى أن أهل الإفك قالوه في عائشة، إذ لهم أن يقولوا: صحيح أن ذلك لم يثبت شرعا، لكن عدم ثبوته شرعا بالشهداء، لا يدل على البراءة واقعا، و لا كان مع عائشة أحد يمكنه تبرئتها، كما هو مفروض الرواية.
أما في قضية مارية فالبراءة الشرعية قد حصلت بالآيات، و البراءة الواقعية قد حصلت على يد الإمام علي «عليه السلام» ، بانكشاف حقيقة مأبور.
فسياق الآيات الشديد لا يتلاءم إلا مع وجود براءة واقعية، و إلا لم يكن معنى لهذه الشدة، و التوعد باللعن في الدنيا، و العذاب العظيم في الآخرة. كما لا معنى للوم الناس على عدم ظنهم خيرا، و على عدم حكمهم بأن ذلك بهتان عظيم، و إفك مبين.
قال ابن أبي الحديد المعتزلي: «. . و جرت لمارية نكبة مناسبة لنكبة عائشة،
فبرأها علي «عليه السلام» منها، و كشف بطلانها، أو كشفه اللّه تعالى على يده. و كان ذلك كشفا محسا بالبصر، لا يتهيأ للمنافقين أن يقولوا فيه ما قالوه في القرآن المنزل ببراءة عائشة، و كل ذلك مما كان يوغر صدر عائشة عليه أي على علي «عليه السلام» ، و يؤكد ما في نفسها منه، ثم مات إبراهيم، فأبطنت شماتة، و إن أظهرت كآبة. .» (1).
2-الآيات تنص على: أن الإفك كان إفكا ظاهرا مبينا، يفهمه كل أحد. و لذا صح منه تعالى توبيخ المؤمنين على عدم مبادرتهم لتكذيب ذلك ورده. و روايات الإفك على عائشة تفيد ضد ذلك تماما، بخلاف الإفك على مارية فإنه ظاهر مبين، يفهمه كل أحد، لأن مابورا كان شيخا كبيرا، و كان أخا لمارية-كما يقولون-و كان مجبوبا أيضا.
3-لقد قدمت مارية إلى المدينة سنة سبع أو ثمان، و ولدت إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان بالاتفاق (2)، و توفي سنة عشر، كما تذكره المصادر التاريخية.
و في رواية عائشة عدد من الشواهد الدالة على أن الإفك كان في سنة ثمان، و نذكر من ذلك ما يلي:
ألف: ما تقدم من أن المنبر قد صنع سنة سبع، أو بعد الفتح الذي كان سنة ثمان.
و الروايات تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» صعد المنبر، و صار يخفضهم و هو على المنبر، ثم نزل. . إلى آخر ما تقدم.
ب: ما تقدم من إهداء سيرين أخت مارية لحسان، بدلا من ضربته، و سيرين، إنما قدمت مع أختها مارية سنة سبع أو ثمان.
ج: قولهم: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» استشار أسامة بن زيد بعد وفاة أبيه. و أبوه إنما مات سنة ثمان شهيدا في غزوة مؤتة.
د: قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استشار أسامة بن زيد، و هو إنما كان سنة ست أو قبلها صغيرا، لم يبلغ الحلم، فاستشارته سنة ثمان، أو في التي بعدها، تكون أكثر انسجاما و معقولية من استشارته سنة ست، أو قبلها.
ه: ما قدمناه: من أن سورة النور قد نزلت دفعة واحدة في حدود سنة ثمان، بل نزلت في السنة التاسعة على وجه التحديد، لأجل وجود آيات اللعان فيها.
و: دور بريرة الذي أعطيته في القضية، و بريرة كما قلنا: إنما اشترتها عائشة بعد سنة ست بزمان طويل، بل بعد فتح مكة الذي كان سنة ثمان.
ز: استشارته «صلى اللّه عليه و آله» زيد بن ثابت الذي كان عمره في غزوة المريسيع لا يزيد على الخمسة عشر عاما، فإن استشارة شاب مراهق كهذا بعيدة في الغاية عن شأن نبي الأمة «صلى اللّه عليه و آله» .
و هذا يقرب: أن يكون الإفك في الثامنة أو التاسعة، ليصح و يجوز للنبي استشارة زيد، الذي يكون حينئذ في الثامنة عشرة تقريبا، فإن ذلك يكون أقرب إلى المعقولية و أبعد عن الخفة، و أقرب إلى الحكمة و الحزم.
ح: ذكر هم زيد بن رفاعة في الإفكين، و في الذين أقيم عليهم الحد.
و قد قلنا: إنه لا يعقل أن يكون هو زيد بن رفاعة الذي وجدوه قد مات عند عودتهم من المريسيع، فلا بد أن يكون هو رفاعة بن زيد الضبي، الذي قدم في هدنة الحديبية على النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأسلم، و هدنة الحديبية قد كانت بعد المريسيع بالاتفاق.
ط: ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر في روايات الإفك، و هو إنما أسلم في هدنة الحديبية، أو يوم الفتح، و هاجر إلى المدينة سنة ثمان قبل الفتح.
ي: قول روايات الإفك على عائشة: بأن قضيتها كانت بعد فرض الحجاب.
و قد قلنا: إن آيات فرض الحجاب وردت في سورة النور، التي نزلت دفعة واحدة، بعد سنة ست، بل في سنة ثمان على وجه التقريب، أو في التاسعة.
ك: إن روايات الإفك تذكر: أن ذلك كان بعد زواجه «صلى اللّه عليه و آله» بزينب، و قد ذكرنا عن الطبري و ابن سعد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد تزوج بزينب بعد المريسيع.
بل في بعض المصادر: أنه تزوجها بعد خيبر، بعد تزوجه بصفية كما تقدم.
4-أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال على المنبر: إن المتهم لم يكن يدخل على أهله إلا معه، و كان لا يفارقه في سفر و لا في حضر. و هذا لا يناسب صفوان بن المعطل، الرجل الغريب عن بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الذي لم يسلم إلا قبل المريسيع بقليل، و لا سيما إذا كان ذلك بعد فرض الحجاب، حسبما تنص عليه الرواية، و إنما يناسب حال مأبور أخي
مارية، أو ابن عمها، الذي كان يدخل عليها، و يسليها.
5-قول أم رومان: إن الإفك كان من الضرائر، الذي تؤكده كلمة منكم في قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ جٰاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ. . .
و قد تقدم: أن لعائشة دورا في تأكيد التهمة على مارية، مع أن رواية عائشة تصر على خلاف ذلك، و أنهن جميعا قد عصمهن اللّه بالورع.
6-محاولة وصف صفوان: بأنه كان عنينا، أو أن له مثل الهدبة، مع أنه كان لا يمكن زوجته من الصيام لشدة شبقه. و كان له ولدان أشبه به من الغراب بالغراب. فهذه المحاولة ما هي إلا من أجل تقريب حاله إلى حال مأبور الخصي الذي كان مجبوبا. و لا يتهيأ القول فيه كما يتهيأ في غيره على حد تعبير المعتزلي المتقدم. و لهذا بقيت عائشة حانقة، كما قال. .
7-ما تقدم: من أن ظاهر الآيات هو: أنه قد كان ثمة جماعة قد اتفقوا و تعاضدوا على الإفك. و هذا لا ينطبق على قضية عائشة، لأن الرمي كان عفويا، و من رجل واحد. ثم صار يجمعه و يستوشيه، كما تقول رواياتها. و أما رواية الإفك على مارية، فظاهرها: أنه قد كان ثمة من يقصدها بالضرر و الأذى.
8-قد عرفنا: أن الإفكين على عائشة، إما لم يكونوا موجودين ثمة، أو أنهم كانوا موجودين، لكن لا تنطبق القضية عليهم، مع أن الكل في الإفك على مارية كانوا موجودين. و لا مانع من اشتراكهم جميعا و تواطئهم على قذفها: حسان، مسطح، رفاعة بن زيد، ابن أبي، حمنة و من لم يعرفهم عروة، و غيرهم ممن شارك في تأكيد الشبهة عليها-كما تقول روايات مارية-فلم يكن ثمة مانع من اشتراكهم، و تعاضدهم، و صيرورتهم عصبة. بخلاف
الأمر بالنسبة لعائشة.
9-إن سؤال زينب بنت جحش، و بريرة، و أم أيمن إنما يصح إذا كان عن أمر يمكنهن معرفته، و ذلك ممكن في قضية مارية، التي كانت تعيش معهن، و يعرفن اتصالاتها، و يمكنهن رؤية من يدخل عليها، أو يخرج.
أما بالنسبة لعائشة فلا يصح سؤالهن عن أمرها مع ابن المعطل، لأنهن لم يكنّ معها في تلك الغزوة.
و حتى لو كنّ معها، فإنها حين تخلفت عن الجيش، و وجدها صفوان بن المعطل كما تقول روايتها، لم يكن معها أي مخلوق.
بل إن سؤال النبي لأي إنسان يصبح أمرا غير معقول و لا مقبول، و ستكون نتيجته معلومة سلفا.
10-إن الآيات قد وصفت المرأة التي أفك عليها الإفكون بأنها من المؤمنات، لكن الآيات في سورة التحريم التي نزلت في عائشة و حفصة لا تؤيد هذا المعنى.
و ليس لدى مارية مشكلة من هذا القبيل.
11-لقد وصفت الآيات المرأة التي تعرضت للإفك عليها بالغافلة و هذا الوصف إنما يناسب ما جرى لمارية التي كانت تعيش في مشربتها، حياة عادية رتيبة، خالية من أي حدث مثير و غير عادي.
أما عائشة، فقد تركها الجيش وحيدة في قلب الصحراء، و قد صادفها صفوان بن المعطل-وحدها-نائمة، أو مستيقظة، حسب زعم رواياتها. و بقيت معه إلى أن قدم بها في اليوم التالي في نحر الظهيرة على جيش فيه الكثير من المنافقين.
فكيف لم يخطر في بالها: أن يتخذ المنافقون ذلك ذريعة لاتهامها بما يسيء إلى سمعتها و كرامتها؟ ! إلا إذا كانت على درجة عالية من البله و السذاجة، و ليست عائشة بهذه المثابة على أي حال.
كانت تلك دراسة تكاد تكون موجزة حول موضوع الإفك، و قد رأينا أن الروايات القائلة بأن الإفك كان على عائشة لا يمكن أن تصح. و إنما الذي يقرب في النظر هو صحة ما اتفقوا على نقله من الإفك على مارية.
و أن الظاهر هو: أن الآيات قد نزلت في هذه القضية خاصة لا في عائشة كما يقولون.
و نرى: أن يد السياسة هي التي آثرت تحجيم قضية مارية، إن لم يمكن القضاء عليها، و إعطاء كل النقاط، و الامتيازات للفريق الآخر، عائشة، و من يدور في فلكها، ثم استغلال ذلك لاهداف سياسية ذات طابع معين، كما بيناه في الفصول المتقدمة، و لا سيما فصل: الكيد السياسي في حديث الإفك، و اللّه الموفق و البادي.
و من الأمور الجديرة بالملاحظة هنا: أن هذه الغزوة كانت عظيمة البركة على عائشة، و على الأمة. كما أن بركة هذا العقد كانت أجل و أعظم. .
ففي هذه الغزوة أيضا-غزوة المريسيع-جرت المسابقة الشهيرة في قلب الصحراء بين رسول الإسلام، أعظم رجل على وجه الأرض، و بين حبيبته عائشة، حيث تحزمت بقبائها، و كذلك فعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و جرى البطلان في حلبة السباق، و فاز الرسول فيها على البطلة القوية و الذكية، و قال لها: هذه بتلك.
و كان قد سابقها مرة قبل ذلك، فسبقته، فبقي الرسول «صلى اللّه عليه و آله» يترصد الفرصة، حتى سمنت عائشة، و ثقلت، و طلب منها في هذه الغزوة السباق من جديد، فسابقته، فسبقها، فقال لها: هذه بتلك (1).
1) صفة الصفوة ج 1 ص 176 و مسند أحمد ج 6 ص 129 و 182 و 280 و 39 و 261 و 264 و السيرة الحلبية ج 2 ص 290 و مغازي الواقدي ج 2 ص 427 و سنن أبي داود ج 3 ص 30 و رواه النسائي، و ابن ماجة. و شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ج 4 ص 386 عن أبي داود و النسائي و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 173 و مسند الطيالسي ج 3 ص 253 و المعجم الكبير للطبراني ج 23 ص 47 و مسند أحمد رقم 2492 و مسند الحميدي رقم 261 و سنن ابن ماجة رقم 1979.
فهل يليق هذا بمقام الرسول؟ !
و هل هذا هو تفكيره؟
و هذه هي آفاقه؟
و هذه هي حياته؟ !
إننا نربأ نحن بأنفسنا عن تصرف كهذا، فكيف برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا نريد أن نقول أكثر من هذا.
قد تقدم: أن قضية الإفك كانت في غزوة المريسيع و نزل عذر عائشة من السماء، و كان ذلك بسبب ضياع عقدها المبارك في وقت الرحيل، و كان عقدها من جزع ظفار، و كان يساوي اثني عشر درهما.
و في هذه الغزوة كذلك ضاع عقد عائشة بالذات مرة أخرى! ! أو انقطع! ! و في وقت الرحيل أيضا! ! و كذلك هو من جزع ظفار! ! و أيضا فإنه كان يساوي-كعقد الإفك-اثني عشر درهما! ! (1)و في مكان لا ماء فيه، و أقام النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الجيش كله و عائشة على التماسه، و أرسل «صلى اللّه عليه و آله» في طلبه الرجال، حتى نزلت آية التيمم.
1) المواهب اللدنية ج 1 ص 109 و إرشاد الساري ج 1 ص 366 و فتح الباري ج 1 ص 366.
و لأسيد بن حضير ههنا أيضا دور! -و في كل واد أثر من ثعلبة-حيث كان مع الرجال الذين أرسلوا في طلب العقد.
و لما نزلت آية التيمم قال: ما هذا بأول بركتكم يا آل أبي بكر، ثم لما بعثوا الجمل و جدوا العقد تحته (1).
و قال ابن عبد البر في التمهيد: يقال: إنه كان في غزوة بني المصطلق،
1) هذه الرواية-كرواية الإفك أيضا-لا يكاد يخلو منها كتاب في الحديث و الفقه، و مع ذلك نشير إلى: مصنف عبد الرزاق ج 1 ص 227 و 214 و 228 و صحيح مسلم ص 192 و صحيح البخاري ط الميمنية ج 1 ص 46 و ط مشكول ج 1 ص 86 و ج 6 ص 64 و سنن أبي داود ج 1 ص 86 و أسباب النزول للواحدي ص 88 و تاريخ الخميس ج 1 ص 473 و السيرة الحلبية ج 2 ص 307 و مغازي الواقدي ج 2 ص 426 و 427 و المعجم الكبير ج 23 ص 49 و 50 و راجع ص 121 و 122 و مسند أحمد ج 6 ص 179 و أبو داود رقم 313 و النسائي ج 1 ص 163 و 164 و جامع البيان ج 18 ص 89-92 و ج 5 ص 72. و طبقات ابن سعد ج 2 ص 65 و صفة الصفوة ج 2 ص 37 و الثقات ج 1 ص 264 و حبيب السير ج 1 ص 359 و زاد المعاد ج 2 ص 112 و المحافل ج 1 ص 245 و 246 و شرحه للأشخر اليمني ج 1 ص 245 و المواهب اللدنية ج 1 ص 79 عن ابن عبد البر في التمهيد، و جزم به في الإستذكار، و سبقه إليه ابن سعد، و ابن حبان، و الجامع للقيرواني ص 283 و التنبيه و الإشراف ص 216 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 506 و وفاء الوفاء ج 1 ص 300 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 267 و الدر المنثور ج 2 ص 67 عن ابن مردويه، و البيهقي، و غير ذلك كثير. . و عدد ممن ذكرنا كالواقدي و غيره قد نص على: أن هذه القضية كانت في غزوة المريسيع.
و جزم بذلك ابن عبد البر في الاستذكار. و سبقه إلى ذلك ابن سعد، و ابن حبان (1).
و أضاف الديار بكري و غيره قولهم: و فيها كانت قصة الإفك لعائشة، و كان ذلك بسبب وقوع عقدها أيضا، فإذا كان ما جزموا به ثابتا، حمل على أنه سقط منها في تلك السفرة مرتين، لاختلاف القضيتين (2).
و الواقدي جاء بحديث التيمم، و حديث الإفك، و حديث مسابقة البطلين عن عائشة في سياق واحد، و قد صرح: بأن ذلك كان في غزوة المريسيع (3).
و قال محمد بن حبيب الأخباري، و غيره: إن عقد عائشة سقط في ذات الرقاع، و المصطلق (4).
و نقول:
و مستندنا في ذلك ما يلي: أولا: كيف يكون ذلك في غزوة المريسيع، و هم يقولون: إن هذا العقد قد وقع في البيداء، أو بذات الجيش، و هما بين خيبر و المدينة، و المريسيع بين
مكة و المدينة كما جزم به النووي (1).
أي أنها بين قديد و الساحل (2).
و قد يناقش في ذلك: بأن ابن التين قد جزم بأن البيداء و ذات الجيش يقعان بين مكة و المدينة (3).
فإن البيداء هو ذو الحليفة بالقرب من المدينة من طريق مكة. أما ذات الجيش فهي وراء ذي الحليفة، على بريد من المدينة، بينها و بين العقيق سبعة أميال، و العقيق على طريق مكة لا على طريق خيبر (4).
و قيل: إن ذا الجيش على ستة أميال، أو عشرة، أو ميلين من ذي الحليفة، و هي أحد المنازل النبوية إلى بدر (5).
و في مسند الحميدي: أن القلادة سقطت بالأبواء، و هي بين مكة و المدينة، و في رواية جعفر القرناني: أنها سقطت بمكان يقال له: الصلصل-بضم المهملتين-جبل عند ذي الحليفة. قاله البكري (6).
1) المواهب اللدنية ج 1 ص 109 و تاريخ الخميس ج 1 ص 473.
2) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 246.
3) المواهب اللدنية ج 1 ص 109 و تاريخ الخميس ج 1 ص 473 و شرح بهجة المحافل للأشخر اليمني ج 1 ص 246.
4) تاريخ الخميس ج 1 ص 473 و المواهب اللدنية ج 1 ص 109، و راجع: شرح بهجة المحافل للأشخر اليمني ج 1 ص 246.
5) تاريخ الخميس ج 1 ص 473 عن خلاصة الوفاء، و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 246.
6) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 246.
و يصرح أبو عبد اللّه البكري: بأن البيداء أدنى إلى مكة من ذي الحليفة (1). و كل ذلك يؤيده ما ذكره ابن التين.
إلا أن يقال: إن تناقض الروايات يمنع من الوثوق بها، خصوصا مع جزم النووي بخلاف ذلك كما أوضحناه، كما أنه يمكن أن يكون قد اعتمد في ذلك على الرواية القائلة: إن قضية التيمم و الإفك كانتا معا في غزوة المريسيع.
ثانيا: لقد روى البيهقي في سننه، و ابن جرير طريقة لهذا التيمم الذي نزل بسبب عقد عائشة، و هي أن يضرب بيده ضربة للوجه، و ضربة أخرى باليدين إلى المناكب و الآباط.
و من الواضح: أن هذه الطريقة مخالفة لجميع الروايات الأخرى، حتى اضطر الشافعي إلى الحكم بأن ما ورد في رواية عقد عائشة منسوخ (2).
ثالثا: إننا لو أغمضنا النظر عن قولهم: إن العقد كان يساوي اثني عشر درهما، و لا يعقل أن يتوقف الجيش بكامله حيث لا ماء من أجل عقد ثمنه اثنا عشر درهما فقط حتى يضج الجيش، ثم يرسل الرسول الرجال في طلبه، و أغمضنا النظر عن تناقض رواياته و عن إشكالات أخرى فيه.
فإننا نقول: لقد صرح البخاري: بأن آية التيمم التي نزلت هي الآية التي في سورة
المائدة (1).
و من المعلوم: أن سورة المائدة قد نزلت في وقت متأخر عن غزوة المريسيع بسنوات، و هي من أواخر ما نزل. .
رابعا: يقول أبو هريرة-حسبما روى ابن أبي شيبة-: لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع (2). .
و من المعلوم: أن أبا هريرة قد أسلم بعد المريسيع بمدة طويلة بلا خلاف (3).
خامسا: إنهم يقولون: إن آية التيمم نزلت في الأسلع بن شريك كما رواه غير واحد (4).
أو في الأنصار الذين كانوا يمرون في المسجد في حال الجنابة (5).
1) راجع البخاري في تفسير سورة المائدة.
2) المواهب اللدنية ج 1 ص 109 و فتح الباري ج 1 ص 368 و تاريخ الخميس ج 1 ص 474.
3) تاريخ الخميس ج 1 ص 473 و المواهب اللدنية ج 1 ص 109.
4) السيرة الحلبية ج 2 ص 309 و الدر المنثور ج 2 ص 165 عن الطبراني في سننه و معجمه، و الضياء في المختارة، و البيهقي في سننه، و البارودي في الصحابة، و أبي نعيم في المعرفة، و الطحاوي في مشكل الآثار، و القاضي إسماعيل في الأحكام، و الحسن بن سفيان في مسنده، و عبد بن حميد، و الدارقطني، و ابن سعد، و ابن جرير، و البغوي.
5) الدر المنثور ج 2 ص 166، عن ابن جرير.
أو في مريض لم يكن يقدر على الوضوء (1).
أو في الصحابة الذين فشت فيهم الجراح، ثم ابتلوا بالجنابة، فإن اغتسل أحدهم خاف أن يموت، فشكوا ذلك إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فنزلت الآية: وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ (2).
و هكذا. . فإن هذه الرواية التي تحاول أن تضيف فضيلة أخرى لعائشة، و نزول آية قرآنية فيها، و فيها تعظيم لبركة عائشة، و بركة عقدها و ثناء من أبي بكر تارة، و من أسيد بن حضير أخرى. . إن هذه الرواية ليست إلا كسراب بقيعة، أو كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.
و الحمد للّه و الصلاة و السلام على عباده الذين اصطفى محمد و آله الطاهرين.
1-الفهرس الإجمالي
2-الفهرس التفصيلي
الباب الخامس: حديث الإفك الفصل الأول: النصوص و الآثار 13-50
الفصل الثاني: نقد أسانيد حديث الإفك 51-82
الفصل الثالث: لا حافظة لكذوب تناقض الروايات83-100
الفصل الرابع: عائشة في حديث الإفك 101-130
الفصل الخامس: شخصيات و مضامين غير معقولة 131-164
الفصل السادس: مفارقات تاريخية 165-174
الفصل السابع: القرآن. . و روايات الإفك 175-200
الفصل الثامن: نصوص غير معقولة في حديث الإفك 201-244
الفصل التاسع: نقاط ضعف أخرى في حديث الإفك 254-278
الفصل العاشر: الكيد السياسي في حديث الإفك 279-296
الفصل الحادي عشر: الإفك على مارية 297-310
الفصل الثاني عشر: قضية مارية بين الأخذ و الرد 311-326
الفصل الثالث عشر: نهاية المطاف في حديث الإفك 327-336
الفصل الرابع عشر: ما عشت أراك الدهر عجبا 337-347
الفهارس 347-360
الباب الخامس: حديث الإفك بداية:7
حديث الإفك في فصول:7
آيات الإفك:11
الفصل الأول: النصوص. . و الآثار بداية:15
النصوص الصريحة:15
مؤيدات أخرى:47
الفصل الثاني: نقد أسانيد حديث الإفك رواة حديث الإفك من الصحابة:53
تفاصيل حول الأسانيد:53
1-رواية ابن عمر:54
2-رواية ابن عباس:54
3-عبد اللّه بن الزبير:56
4-أنس بن مالك:56
5-أبو هريرة:56
6-أبو اليسر الأنصاري:57
7-و أما رواية أم رومان ففيها:57
8-و أما الرواية عن عائشة:60
أما رواية عروة:61
رواية الزهري:64
الزهري و من روى عنهم الزهري:65
الرواة عن الزهري:68
خلاصة جامعة:81
الفصل الثالث: لا حافظة لكذوب تناقض الروايات بداية:85
ختام:100
الفصل الرابع: عائشة. . في حديث الإفك توطئة، و بيان:103
1-تاريخ حديث الإفك:103
2-عمر عائشة:104
3-جهل عائشة. . و فطنتها:105
4-هزال عائشة المفرط:106
4-جمال عائشة المميز 108
5-حظوة عائشة عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله 108
6-حسد ضرائرها لها و غيرتهن منها 108
7-الإفك في خصائص عائشة:109
لم يتزوج بكرا غير عائشة:111
التصرفات غير المقبولة:124
عائشة لم يولد لها قط! !126
الفصل الخامس: شخصيات و مضامين غير معقولة مما سبق:133
1-عمر عائشة:133
2-سعد بن معاذ:133
توجيهات لا تصح:138
3-سيرين:140
4-زيد بن رفاعة:142
هل من اشتباه؟142
ملاحظة:143
5-عبد اللّه بن جحش:143
6-عبيد اللّه بن جحش:144
7-عبد الرحمن بن أبي بكر:145
8-بريرة:146
توجيهات و لمحات:147
9-أم رومان:148
من دلائل وفاتها في زمن الرسول صلّى اللّه عليه و آله:150
أدلة وفاتها بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله:152
10-أسامة بن زيد:159
اعتذار لا يصح:160
11-زيد بن ثابت:161
اعتذار غير صحيح:162
12-الأنصارية و ابنها:163
و لابد أيضا من الاعتذار:163
13-زيد بن حارثة:163
الفصل السادس: مفارقات تاريخية 1-متى نزلت آيات الإفك:167
2-متى كان فرض الحجاب؟169
3-المنبر:172
الفصل السابع: القرآن. . و روايات الإفك مما تقدم:177
1-المؤمنات:178
2-الغافلات:179
3-الإفك المبين:180
4-الذين جاءوا بالإفك:181
5-عصبة «منكم» :182
6-العصبة:182
7-موقف النبي صلّى اللّه عليه و آله يخالف القرآن:185
8-فأصلحوا بين أخويكم، في من نزلت؟ !190
9-آية رمي المحصنات:192
10-آية: الإنفاق على مسطح:193
لا مال لأبي بكر لينفق على أحد:198
الفصل الثامن: نصوص غير معقولة في حديث الإفك مما سبق:203
1-الإفك من الضرائر:203
2-هل كان صفوان حصورا حقا؟205
اعتذارات واهنة:208
3-صفوان يدخل على أهل النبي صلّى اللّه عليه و آله:209
4-هجاء حسان لصفوان و ضربة صفوان له:211
5-بيرحاء:216
6-شعر حسان في الاعتذار لعائشة:217
7-توبة الإفكين أو تبرئتهم:221
هل لقاذف زوجة النبي صلّى اللّه عليه و آله توبة:223
8-ضرب بريرة:224
التوجيه البارد:226
9-استشارة بريرة و تقريرها:227
10-نفاق سعد بن عبادة:229
تأويلات موهونه:231
11-جلد الإفكين:232
إعتذارات غير مقبولة:236
12-عمى مسطح:238
13-حسان: الأعمى-الجبان-المشلول! !238
أ-عمى حسان:238
ب-جبن حسان:240
ج-شلل يدي حسان:241
14-قبّعة الإخفاء:242
15-القرعة بين النساء:244
الفصل التاسع: نقاط ضعف أخرى في حديث الإفك ملاحظات. . و مؤاخذات:247
1-أذى النبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله:247
2-كذب الصحابي:248
3-براءة الصحابة:249
4-هل كان مسطح بدريا؟ !249
5-الرهط:251
6-فقه بريرة و فقه الرسول صلّى اللّه عليه و آله:251
7-لم يفقد النبي صلّى اللّه عليه و آله زوجته:252
8-البكاء شاهد على البراءة:254
9-التهويل! ! و الأيمان! !255
10-لو أن خالدا سمع عائشة؟ !257
11-الإساءة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:257
12-ثمن عقد عائشة:259
13-أسامة: و براءة عائشة:260
14-هل كان أبو بكر يعرف الحقيقة؟ !260
15-حمنة تحارب لأختها:262
16-جواب ابن عبادة:262
17-أهلي و أهل بيتي:263
18-ليس في الإفكين أوسي:268
19-التناقض في المواقف:269
20-أبو بكر لا يعذر ابنته:270
21-لماذا لم يجلد النبي صلّى اللّه عليه و آله أبا بكر:271
22-الموالي و الإفك:272
23-الدعاء على سعد:272
24-الذين نزل القرآن بموافقتهم:273
ملاحظات ثلاث:276
الأولى: اختلاف الروايات:276
الثانية: سند رواية أبي أيوب:276
الثالثة: هل ابن المعطل خير من أبي أيوب:276
مما يأتي:277
1-مشتركات:277
2-سباق البطلين:278
الفصل العاشر: الكيد السياسي في حديث الإفك الإفك و السياسة:281
1-ابن حضير و ابن عبادة:281
2-بين الأوس و الخزرج:283
3-علي عليه السّلام:283
4-عائشة:288
5-ذنب مسطح:289
6-حسان:289
7-أسامة:290
8-زيد بن ثابت:291
9-اتهام إخوة زينب:292
10-ضرائر عائشة:293
11-التعذير و التبرير:293
12-من هم المتهمون:294
براءة. . و تخفيف:295
الفصل الحادي عشر: الإفك على مارية الشيعة، و حديث الإفك:299
روايات القمي و غيره لحديث الإفك:300
روايات غير الشيعة لقضية مارية:304
الفصل الثاني عشر: قضية مارية بين الأخذ و الرد مع الأجواء الطبيعية لقضية مارية:313
شواهد على إلقاء الشبهة:313
شراكة حفصة:314
سبب تحريم مارية:315
دور عمر في قضية مارية تبرئة أو اتهاما:315
من الذي برأ مارية 316
براءة مارية 317
استمرار آثار الاتهام 318
كلام السيد المرتضى 318
مناقشات العلامة الطباطبائي رحمه اللّه 322
و لنا هنا كلمة 324
الفصل الثالث عشر: نهاية المطاف في حديث الإفك 327
واقع القضية، و حقيقة الأمر 329
شواهد من حديث عائشة 330
خلاصة أخيرة لحديث الإفك 336
الفصل الرابع عشر: ما عشت أراك الدهر عجبا 337
المسابقة بين البطلين 339
ضياع العقد مرة أخرى 340
إن ذلك أيضا إفك بيّن 342
الفهارس 347
1-الفهرس الإجمالي 349
2-الفهرس الفصيلي 351