دراسات فی نهج البلاغة

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

دراسات في نهج البلاغه

تأليف سماحة آیة الله الشیخ محمد مهدی شمس الدین (قدس سره)

وثق أصوله وحققَهُ وَعَلَقَ عَلَيْهِ الأستاد سامي الغريري (الغرّاوي)

موسسة دار الکتاب الاسلامي

الكتاب:

المؤلف: العلامة محمد مهدي شمس الدين (رحمه الله)

الناشر: مؤسسة دار الكتاب الاسلامي

الطبعة: الاولى 1428 هـ.ق / 2007م

المطبعة: مطبعة ستار

عدد النسخ: (2000) نسخه

الترقيم الدولي: 3- 190 - 465 - 964- 978

ISBN: 978 - 964-465 - 195 - 3

قم - میدان معلم - سميه 22 - پلاك 26 تلفن: 7744970 - 7730991

فاکس: 7837383

محرر الرقمي: ولی الرادمرد

اشارة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

دراسات في نهج البلاغة

تأليف سماحة آیة الله الشیخ محمد مهدی شمس الدین (قدس سره)

وثق أصوله وحققَهُ وَعَلَقَ عَلَيْهِ الأستاد سامي الغريري (الغرّاوي)

موسسة دار الکتاب الاسلامي

جميع حقوق الطبع محفوظة ومسجلة للناشر

الكتاب:

المؤلف: العلامة محمد مهدي شمس الدين (رحمه الله)

الناشر: مؤسسة دار الكتاب الاسلامي

الطبعة: الاولى 1428 هـ.ق / 2007م

المطبعة: مطبعة ستار

عدد النسخ: (2000) نسخه

الترقيم الدولي: 3- 190 - 465 - 964- 978

ISBN: 978 - 964-465 - 195 - 3

قم - میدان معلم - سميه 22 - پلاك 26 تلفن: 7744970 - 7730991

فاکس: 7837383

فَهْرِس المَوضُوعَات

مُقَدَمَةُ الطبعَةِ الثَّالِثَة...9

مُقدِّمةُ الطَّبعةِ الثَّانِيَة... 11

مُقَدَمَةُ الطبعة الأولى... 15

المُجْتَمَعُ وَالطَّبقات الاجتماعية...

فِكْرَةُ المُجْتَمَع في نهج البلاغة... 21

الطَّبَقَة الإجتماعية...27

القيْمَةُ العُليا في الإسلام: التقوى والتقسيم الطبقي... 35

مَدْخَلَ إِلَى دَرَاسَةِ الطَّبَقَاتِ فِي نَهْج البلاغة... 59

العسكريون...69

العسكريون خَطر وضرورة في أن...69

القضاة... 81

الولاة...93

الكتاب...109

الزراع...119

التجار والصناع...133

العُمْالُ وَمَنْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ عَمَلاً...143

المُجتَمَعُ القَبَليَ مَوْقِفُ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)مِنَ الرُّوحِ القَبَلِيْة...151

الحَاكِم

حُكْمُ ضَرُورَة لِكُلِّ مُجْتَمَع...167

مِنْ شُرُوط الحاكم...171

طبيعَة الحُكْمِ عِندَ الإِمَامِ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...175

وَعَلاقَةُ الحَاكِم بالشَّعْب...175

حُقُوقُ الرّعيّةِ عَلَى الحَاكِم...187

طَبيعَة الحَقِّ، وَحُقُوقُ الحَاكِمِ عَلَى الرّعيّة...191

التّعاون بَيْنَ الحُكْمِ وَالشَّعْب...197

المُغَيبات

مَوْقِفُ الرّفض لِلمُغَيِّبَات...203

فَلسَفَةُ مَوْقِفِ الرّفض: نَزْعَة التجريب: عَرضُ وَمُنَاقَشَة...205

اهتمام العلم الحديث بطاقاتِ الإِنسان الخَفِيّة...213

التعليلِ العِلمي لِظَاهِرة المُغيبات...217

المُغيبات في نَهْجَ البَلاغة...223

مُغيبات أُخرَى ذَكرَهَا ابْن أبي الحديد...255

الوَعْظ

خطأ أَسْلُوب الوعاظ التقليديين وَالطَّرِيقَة الصَّحِيحَة لدراسةِ النُّصُوص...273

المَثلُ الأعلى للحَيَاةِ في الإسلام حِينَ تَولَّى الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحُكْمِ...277

الإِدَارَة...291

الحقوق...291

المال...292

النظرَةُ الوَاقِعيّة إِلى الحَياةِ في الإِسْلامِ وَالخُلُقِ العَربي...

دَعْوَةُ إِلَى التَّوازن بَيْنِ الدُّنْيَا وَالآخِرَة مَوقِفُ الإِمَامِ لا مِنَ العَمَل للدُّنيا... 319

إِتِّباعُ الهوَوى وَطُولُ الأَمَل: مَا يَعني بهِمَا الإِمَامُ ؟ وَمَا آثَارُهُمَا فِي حَيَاةِ الإِنسان ؟... 329

المَوعْظَةُ بالتاريخ، وَظِيفَة التاريخ...335

نَظرَةُ الإِسلام في تكوينِ الشَّخْصِيَّة الفَاضِلَة...341

نَمَاذِجُ مِنْ وَعْطِ الإِمَام لا تقلب الدُّنْيَا مَعْنى الزُّهد وَعَنَاصره...349

فَهْرَس الْآيَات... 363

فَهْرَس المصادر...369

بسم الله الرحمن الرحیم

مُقَدِّمَةُ الطبعَةِ الثَالِثَة

يُمثلُ نهجُ البلاغة أكثر النصوص ثباتاً وديمومة وانتشاراً في فكرنا الإسلامي بعد القُرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

ومنشأ ذلك هو مَضمون نهج البلاغة الَّذي يستجيب لحلالاتٍ ثابتة في

الموقف الإنساني:

في صراع الإنسان من أجل العيش والتَّقدّم. والكرامة...

وفي تعاونه مع المُجْتَمع...

وفي تعاون فئاته وتنافرها في المجتمع...

وفي إنتصاراته وخَيبات أمله...

وفي مخاوفه وطموحاته في موقفه أمام الحياة وأمام الموت.....

كلُّ ذلك هو السر فى خُلود نهج البلاغة.

من خلال كلِّ هذه السمات الَّتي تطبع مضمون نهج البلاغة، نَسْتشعر في كَثِيرٍ من الأحيان نَبرة الثورة والإحتجاج... الثورة عَلَى الذَّات بهدف تربيتها عَلَى

خُلُق الإيثار وتجاوز الأنانية نحو الآخرين، والثورة على قيم الجاهلية وتقاليدها المصلحة قيم الحضارة ومثلها.

في هذا العصر، وفي هذا المنعطف الخطير من تأريخنا العربي والإسلامي حيث نواجه أخطر الإحتمالات الَّتي تضعُ موضع التساؤل مصيرنا كلَّه، ودورنا الحضاري أمام هَجمة الإستعمار الجَدِيد من وجوه شتى، وبمظاهر متنوعة أخطرها وأبرزها الصّاهرةُ الصّهيونية.

أقول في هذا العصر، وهذا المنعطف الخطير، يُمثل نهج البلاغة حاجة أساسية لجميع المعنيين بهذه المرحلة وبمواجهة المؤامرة على المصير، لأنه يُضيء طريق الجهاد ويُعزّز روح الصمود ويُنير البصائر، آمل أن يقدّم هذا الكتاب في طبعته الثالثة خِدمة لهذا الهدف، وإِذَا سَاهم هذا الكتاب في إثارة الإهتمام بالقضايا الَّتي تتصل بتعزيز صمود الإنسان أمام المُؤامرة وتعزيز مناعته أمام الإغراء، فإنه يكون قد حقق أعظم أغراضه.

نَسأل الله تَعَالَى أنْ يُعلّمنا ما نجهل، وأن يوفقنا للعمل بخير ما نعلم، وأنْ يَجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، والحَمدُ لله رب العالمين.

مُحَمَّد مَهدي شَمس الدِّين

1402/12/1992هـ

1981/12/6م

بسم الله الرحمن الرحیم

مُقدَّمةُ الطبعةِ الثَّانِيَة

الحمد لله ربّ العالمين. والصَّلاة والسّلام عَلى خَير خَلقه مُحَمَّد وآله الطاهرين.

ذكرتُ في مُقدَّمة الطبعة الأولى لهذا الكتاب «» أنه أثر إنساني خالد لا يحده مكان، ولا تنتهي الحاجة إليه في زمان، لأنه من الآثار الإنسانية الَّتي «لَم تُوضع لفريق دون فَريق، ولَم يُراع فيها شعب دون شعب، وإنما خوطب بها الإنسان أني وجد وكان. ولأنها تُلامس كل قلب، وتُضمد كل جُرح، وتُكفكف كل دمعة، كانت ملكا للنَّاس أجمعين، وكانت خالدة عند الناس أجمعين».

وآمل أنْ يُلبي الكتاب حاجة يحس بها كثير من المثقفين الَّذِين يحملون في قلوبهم هموم الحاضر في العالمين العربي والإسلامي.

فعلى صعيد الشخصية نواجه غزوا فكرياً وحضارياً يهدف إلى تهديم شخصيتنا، وذلك بتدمير مقوماتها من العقيدة والحضارة والتاريخ.

وعلى صعيد المُجْتَمَع نُعاني من تمزقات وصراعات تستنزف قوى الأُمّة، وتجعلها عاجزة عن التصدي لعدوها الصهيوني، والهجوم عليه بغير الكلمات والشعارات والشكاوي إلى مجلس الأمن وما إليه من منظمات الأقوياء الَّتي تخدم مصالحهم و الَّتي تُضفي صفة الشرعية على الظلم الَّذي ليس له مثيل في التأريخ. وهو الظَّلم الَّذي حلّ بالعَرب والمُسلمين في فلسطين بطرد شعبها وتوطين الصهاينة فيها.

وعلى صعيد المفاهيم الإسلاميَّة يُعاني المُسلم المتعلم وغير المُتعلم، المثقف، وغير المثقف، من الإلتباس وسوء الفهم، بحيث أنَّ «الزهد » و «القناعة » و « التَّوكل » و « القضاء والقدر » وغيرها غدت تعنى في ذهن كثير من المُسلمين معاني السّلبِية أمام تحديات الحياة وحركة التَّارِيخ، والإستسلام للآخرين ولما يُريده الآخرون.

وَمَاذَا بَعد ؟.

ثمّة غير هذا كثير ممّا تُعاني منهُ عَلى كلّ صَعيد

وفي نهج البلاغة الَّذي يُمثل الإِسلام في صفاته ونقائه كما فهمه الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعاشه وطبقه - في نهج البلاغة أجوبة مبدئية على كلّ هذه الأمور الَّتي تعاني منها وغيرها.

ولذا فإنّي آمل - كما قلت آنفاً - أَنْ يُلبي هذا الكتاب حاجة يحش بها الكثيرون منا.

وقد دفع بي هذا الأمل إلى الإستجابة للطلبات الكثيرة الَّتي تلح مُنذ سنين عَلى أَنْ يُعاد طبع الكتاب بعد أَنْ نَفد تماماً، فأستجبت إلى ذلك راجياً من الله

تعالى شأنه أَنْ يَجعله نافعاً للنّاس وأنْ ينفعني به يوم ألقاه سُبحانه وتعالى.

وتمتاز هذه الطبعة عن سابقتها بإضافة بعض ما خطر في البال من الأفكار أثناء المُراجعة الشريعة له تمهيداً لطبعه.

كما تمتاز بالتنظيم والترتيب، وطريقة يسهل عَلَى الباحث أَنْ يَرجع إلى نصوص من نهج البلاغة بسرعة، لأني أعتمدتُ - فيما أثبته من النصوص، وما لم أثبته - على ذكر أرقام النصوص، كما وردت في طبعات نهج البلاغة وأكثر - الطبعات الحديثة لنهج البلاغة تحمل أرقاماً متسلسلة لنصوص الإمام علی (عَلَيهِ السَّلَامُ).سوَاء في ذَلكَ الخُطب، أو الكتب، أو الكلمات القصار.

أسأل الله تَعَالى أَنْ يُعلّمنا ما نجهل من الحق، وأَنْ يُوفقنا للعمل بما نعلم من الحق، وأنْ يتقبل هذا العمل بأحسن قبوله، ويجعله خالصاً لوجهه الكَرِيم والحمد لله ربّ العالمين.

مُحَمَّد مَهدي شَمس الدِّين

بيروت: الخميس 13 شعبان 1392 هـ

الموافق: 21 أيلول 1972 م

بسم الله الرحمن الرحیم

مقَدَّمَةُ الطبعَةِ الأُولى

الإرث الثقافي؛ وليس الحضارة المادية؛ هو أثمن ما خلفه الإنسان للإنسان. فبالثقافة يستكمل الإنسان وجوده الحق؛ لأنها تمده بالمعنى الَّذي لا يكون لولاه سوی وجود تافه في ميزان القيم والأقدار.

وليست الحضارة المادية، مهما عظمت سوى حسنة صغيرة من حسنات الثقافة الإنسانيَّة إِذَا قِيست بالآثار المعنوية لهذه الثقافة.

ولا تفوتنا مُلاحظة أنَّ أغلب الآثار الثقافية وقتية وليست خالدة؛ وتخص بعض الشعوب دون أن تكون للإنسانية كلها، وذلك لأنها تصدر بتأثير عوامل إجتماعية مُعينة فتُلبي حاجات عقلية وإجتماعية مُعينة، ثُمَّ تَفقد قيمتها عندما ينتفي العامل الَّذي أثارها، ولا يكون لها من الأصالة والعمق والعمومية ما يُهيء لها أَنْ تَتعدى محيطها الخاص إلى محيط أوسع.

وإلى جانب هذا الإرث الثقافي الموضعي الوقتي تختص كلّ أُمّة من الأُمم بآثار قليلة تعتبرها خالدة عندها لا ينال من جدّتها الزمان مهما طال، لأنّ

البحث فيها يتصل بما يدخل في الكيان الصميمي لتلك الأمّة، فهي لذلك تُعتبر عند هذه الأمة خالدة ما دام لها كيان.

وأقل منها تلك الآثار الَّتي تُعتبر ملكاً للإنسانية كلّها في كلّ زمان. فلئن كان القسم الأعظم من الثقافة الإنسانية محدوداً بحدود الزمان والمكان.

ولئن كان القِسم القَليل منها محدوداً بالمكان وحده.

فإنّ القسم الأقل، والأعظم قيمة، من الثقافة الإنسانية لا يحده زمان ولا مكان. هذه الآثار خالدة عند النّاس كلّهم لأنها لم تُوضع لفريق دون فريق، ولم يُراع فيها شعب دون شعب، وإِنَّما خوطب بها الإنسان أني وجد وكان.

ولأنها تلامس كلّ قلب، وتضمد كلّ جُرح، وتُكفكف كل دمعة، كانت ملكاً للنّاس أجمعين، وكانت خالدة عند الناس أجمعين.

وهي قليلة، ولكنّها لا تزال على قلتها، تُثير في الناس الدوافع الطيبة النبيلة، وتسمو بهم إلى أعلى، إلى ملاعب النور، كلما شدّتهم عوامل الشّر إلى التراب.


ونهج البلاغة من هذه الآثار.

وسواء أنظرت إليه من ناحية الشكل أو من ناحية المضمون وجدته من الآثار الَّتي تقل نظائرها في التُّراث الإِنسَانِي عَلَى ضخامة هذا التُّراث.

فقد قيل في بيان صاحبه أنه « دُون كلام الخالق وفوق كلام المَخلُوق» (1).

بيان معجز البلاغة، تتحول الأفكار فيه إلى أنغام، وتتحول الأنغام فيه إلى


1) أنظر، شَرْح نَهْج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 24/1، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابن الدمشقي: 299/1.

أفكار، ويلتقي عليه العقل والقلب، والعاطفة والفكرة، فَإِذا أنتَ من الفكرة أمام كائن حي، مُتحرك، ينبض بالحياة، ويمور بالحركة.

وتلك هي آية الإعجاز في كلّ بَيان.

ولم يُكرّس هذا البيان المُعجز لمديح سُلطان، أو لإستجلاب نفع، أو للتعبير عن عاطفة تافهة ممّا أعتاد التافهون من النّاس أَنْ يُكرسوا له البيان... إن البيان في نهج البلاغة قد كُرّس لخدمة الإنسان.

فلم يمجد الإمام الأعظم في نهج البلاغة قوة الأقوياء، وإِنَّما مَجد نال الضعفاء، ولَم يُمجّد غني الأغنياء، وإِنَّما أعلن حقوق الفقراء، ولَم يُمجّد الظَّالمين العتاة، وإِنَّما مَجد الأتقياء والصلحاء.

إنّ الحرّية والعبودية، والغنى والفقر، والعدل والظلم والجهل والعلم، والحرب والسلم والنضال الأزلي في سبيل عالم أفضل لإِنسان أفضَل، هو مَدار الحديث في نهج البلاغة.

فنهج البلاغة كتاب إنساني بكلّ ما لهذه الكلمة من مدلُول: إنسَاني بإحترامه للإنسان وللحياة الإنسائية، وإِنسَاني بما فيه من الإعتراف للإنسان بحقوقه في عصر كان الفرد الإنساني فيه عند الحاكمين هباءة حقيرة لا قيمة لها ولا قدر إنساني بمَا يُثيره في الإنسان من حبّ الحياة والعمل لها في حدود تضمن لها سموها ونقاءها.

لهذا ولغيره كان نهج البلاغة، وسيبقى عَلى الدّهر أثراً من جملة ما يَحويه التراث الإنساني من الآثار القليلة الَّتي تعشو إليها البصائر حين تكتنفها الظُّلمات. وحق له أن يكون كذلك وهو عطاء إنسان كان كوناً من البطولات، ودنياً من

الفضائل، ومثلاً أعلى في كلّ ما يُشرِّف الإِنسَان.


وهذه قصدتُ من وضعها إِلى أَنْ أكشف عن ناحية ما فطن لها من كتبوا عن الإمام علی (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي آراؤه في الإجتماع والإقتصاد والسياسة. فإنّ آراء الإمام الإجتماعية والإقتصادية والسياسية لم تُلاق من الكتاب العناية الَّتي تستحقها، وكأنّ البحث في نشاطه السياسي قد صَرفهم عن البحث في نشاطه العلمي، مع أن نشاطه السياسي لا يُمكن أن يفهم حق الفهم إلا إِذَا دُرس على ضوء آرائه الإجتماعيَّة والسياسية والإقتصادية.

وشيء آخر حَفّزني إلى وضع هذه الدّراسات، وهو أن قسماً كبيراً من الوعاظ يُقدمون نهج البلاغة إلى الجماهير على أنه كتاب وعظي يشلّ في الإنسان إرادة الحياة، على ما هو المعروف من أساليب كثير من وعاظ هذه الأيام، فأردت أَنْ أكشف في هذه الدراسات عن أَنَّ نَهج البلاغة ليس كتاباً وعظيّاً بقدر ما هو كتاب يُعنى بمشاكل الإنسان الروحية والإجتماعية والإقتصادية ويضع لها الحلول وحتى القسم الوعظي منه ينكشف، إِذا ردّ إلى أُصوله الإجتماعية، عن مفاهيم لا تمت إلى ما يقوله هؤلاء الوعاظ بصلة، ولا تلتقى معهُ عَلى صعيد (1).

مُحَمَّد مَهدي شمس الدِّين

النجف الأشرف في شعبان 1375 هـ

المُصادف آذار 1956م


1) في هذا الكتاب فصل بعنوان «الوعظ » درسنا في القسم الوعظي من نهج البلاغة على أساس إجتماعي.

المُجْتَمِعُ وَالطَّبَقَات الاجتماعيَّة

اشارة:

فِكْرَةُ المُجْتَمَع فِي نَهْجَ البَلاغَة

لعلّ فكرَة المُجْتَمَع من أقدم الفكر الَّتي اهتدى إليها الإنسَان - الفكر الَّتي لعبت دوراً خطيراً في تطوير الحياة الإنسائية، ودفعت بالإنسان إلى القيام بتجارب كثيرة كانت على ما فيها من أخطاء وحماقات تُربة خصبة لتجارب أعظم أصالة، وأشدّ إحكاماً، وأقرب إلى شريعة الصواب من سابقتها.

وكانت أيضاً حافزاً إلى القيام بمحاولات جديدة تهدف إلى تطوير الحياة الإجتماعيَّة وإرسائها على ركائز تضمن لها أستقرارها ونموها.

ودخلت هذه الفكرة دورها الذهبي - ولا تزال فيه حتَّى اليوم - يوم جعلها العقل العلمي ميداناً لبحثه؛ فخرجت، بهذا، عن أَنْ تكون ميداناً لتجارب عشواء، أو ميداناً لتطبيقات السياسيين الضيقي الأفق، الناظرين إلى قريب، المُبتغين النفع العاجل من جل ما يصنعون - خرجت عن أَنْ تكون ميداناً لمثل هذه التجارب الفجة لتصير ميداناً للنظر العلمي المتزن الرّصين.

وصار من هّم الفيلسوف - وهو رجُل المعرفة الأوّل الَّذي عرفته البشرية بعد النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) - أنْ يَتعرف على آليات الحياة الإجتماعيَّة وقوانينها؛ ويدرس إتّجاهاتها، ويُصنّف هذه القوانين والإتّجاهات.

خصّها بمزيد من العنَاية سُقراط وأرسطو وأفلاطون، هذه القمم الشّامخة في

الفكر الفلسفي، وتعاقب بعدهم فلاسفة كثيرون لم يغفلوا هذه الفكرة ولم يبخسوها حقها من البحث والتفكير.. حتَّى جاء ابن خُلدون فسجل في ( مُقدَّمَته ) حدثاً علمياً عظيماً بالنسبة إلى هذه الفكرة حين خطا الخُطوة الأخيرة، فجعل منها عِلماً قائما بنفسه يفترق عن الفلسفة في مادته وهي الحياة الإجتماعيَّة، ويفترق عنها في منهجه وهو المُلاحظة، ويفترق عنها في غايته وهي التعرف على أحسن الوسائل لتنمية الحياة الإجتماعية.

وجَاء العصر الحَديث، عَصر الجماهير، فزادت أهمية هذه الفكرة، وحصلت على هبتها العُظمى من (أوغست كنت ) في الفلسفة الوضعية، وأصبح لها دوائر معارف خاصة هي دوائر المعارف الإجتماعية، وأصبح لها معاهد علمية خاصة لا تخلو منها جامعة تُشرف عليها هيئات علمية تخصصت في هذا العلم: علم الإجتماع.

هذا عرض خاطف، وأرجو ألا يكون مقتضباً جداً، لمراحل تكوّن فكرة المُجْتَمع وتُبلورها.

وهنا تجيء لَحظه التَّساؤل عن. لحظه التساؤل عن صلة نهج البلاغة بهذا كله ؟. والجواب عن ذلكَ: أننا أردنا أن نكشف عن أَنَّ نَهْج البلاغة لم يحظ بالإلتفات الجدير به من هذه الناحية (1).


1) اللَّهُم إِلا ما كان مؤخراً من المحاولة الموفقة الَّتي قام بها الأستاذ الكبير جورج جرداق في كتابه القيم: «الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): صوت العدالة الإنسائية» ففي هذا الكتاب الَّذي يُعتبر فتحاً جديداً في عَالم التأليف يُبرهن الأستاذ جرداق عن وعي صحيح لآراء الإمام في الإجتماع الإنساني وسياسة الجماعات. والكتاب، « يُعدّ » نصر الحرية الفكر، وللبحث النزيه، ويُرهان حيَّ عَلَى أَنَّ المُؤلف إِنسَان واع لمهمته كأديب قائد.

وسنرى بعد أنْ نَعرف ما لفكرَة المُجْتَمَع في نهج البلاغة من مكان مرموق بين ما اشتمل عليه من بحوث.

وبعد أَنْ نَعرف أنَّ الإِمَام قَد تَمرس بهذه الفكرة وعَاناها كما لم يتمرس بها ولَم يعانها حاكم في زمانه على الإطلاق.

وبعد أَنْ نَعرف أَنَّ مُعاناته لها قد أنتهت به إلى نتائج باهرة - بعد أَنْ نَعرف هذا كله يتبين لنا أَنَّ نَهج البلاغة كان يجب أن ينال حظاً من الإلتفات إليه من الإجتماعيين، لأَنه يُسجل حدثاً مهماً في فكرَة المُجْتَمع.

لا نُريد أن نقول إنّ الإمام قد أخترع علم الإجتماع لترتفع بنسب هذا العلم من أبن خلدون إلى علي بن أبي طالب، بعد أن تبين للدوائر الإجتماعيَّة أَنَّ الأَب الشرعي لهذا العلم ليس ( أوغست كنت ). لا نُريد أن نقول هذا، فلم يُكرّس الإمام نفسه لإختراع العلوم، وإن كان قد شارك في هذا المجال الإبداعي فاخترع وحده العلم الَّذي حفظ للعربية أُصولها وضمن لها الخلود ذَلكَ علم النحو.

لقد كانت مُحاولة تطبيق الصيغة الإسلامية الصحيحة للحياة الإنسانية على المُجْتَمَع في سَبيل بناء الإِنسَان المُتكامل كانت هذه المحاولة هي همه الكبير كقائد رسالي بعد رسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏).

ولقد كانت مشاكل السياسة والإدارة والحرب هي شاغله الأول وهي ميدانه الأصيل كحاكم.

إنَّ الَّذي نُريد أن نقوله هو أنه كحاكم عادل - قد فكر في المجتمعات الَّتي حكمها. وفكر في أفضل الطرق والوسائل الَّتي تنتمي حياتها الإجتماعية وتَرتفع

بها إلى الذروة من الرفاهية والقوة والأمن، مع ملاحظة أنها تُدين بالإسلام وأَنَّ شؤون إقتصادها، وحربها، وسلمها، وعلائقها الإجتماعية، تخضع لقوانين الإِسلام، وأنها يجب أن تأخذ سَبيلها إلى النمو في إطار إسلامي بحت.

وقد هداه تفكيره إلى نتائج باهرة في التنظيم الإجتماعي: فالحكم وضرورته والنزعة القبلية وعقابيلها، وشغب الغوغاء ونتائجه، ودعامات المجتمع ومقوماته، والطبقات الإجتماعيَّة وآليتها - كلّ ذلك خصه الإمام بمزيد من البحث والتفكير وطبق النتائج الَّتي اهتدى إليها عَلى المُجتمعات الإسلامية، ولولا أَنَّ أعداءه الأشرار شغلوه عن أنْ يفرغ لمهام العمل السلمي لبان هُنا من أعماله شيء عظيم.

وإِنَّ مَا بَين أيدينا من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المُجْتَمَع ليدل دلالة واضحة عَلَى أَنَّه رَاصد إجتماعي من الطراز الأول، وإن تقسيمه للطبقات الإجتماعية وتعريفه بآلياتها ليدخل في باب الحدس العبقري والإلهام.

ويقيناً لو أنَّ الشريف الرضي (قدس سره) حفظ لنا كل ما وقع إليه من كلام أمير المُؤمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولم يُؤثر الفصيح الباذخ وحده لإنتهى إلينا من ذلك شيء عظيم. ولو ضمّ ما ضَاع من كلامه إلى ما حفظ إلى زمان الشريف لإنتهى إلينا من ذلكَ شيء أجل وأعظم خطراً وقدر (1).

وسيكون مركز البحث في حديثنا هذا هو الطبقات الإجتماعية في نهج البلاغة. وقبل أَنْ نأخذ سَبيلنا إليه يُحسن بنا أن ندخل في حسابنا أمراً بالغ


1) صَرّح الشريف الرّضي (قدس سره) في مُقدّمة (نهج البلاغة) بأنه أستجاب لرغبة الأصدقاء والأخوان في تأليف «كتاب يحتوي عَلى مُختار كلام مولانا أَمِير المُؤمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ)... فأجبتهم إلى ذلك... فأجمعتُ بتوفيق الله تَعَالى عَلى الابتداء بإختيار محاسن الخُطب، ثُمّ محاسن الكُتب، ثُمّ محاسن الحِكَم والأدب.

الأهمية بالنسبة إلى بحثنا هذا، فلقد قلنا آنفاً إِنَّ الإِمَام لَم يقصد إلى وضع أُصول عِلم جديد، وإِنَّما فكّر -كحَاكم عادل - في شؤون المُجْتَمَع وخرج من تفكيره بنتائج طبقها أو أراد تطبيقها عَلى المُجْتَمَع، فلذلك لم يُفرغ آراءه الإجتماعيَّة كلّها في قالب عِلمي مُجرد وإِنَّما قدَّم بعضها مفرغاً في التجربة العملية، ولا يسلبها قيمتها كحقيقة موضوعية أنها مفرغة في قالب تجريبي إجتماعي يسبغ عليها، بدل جمُود الحقيقة العلمية المجردة، حيوية وحركية تنشآن من حيوية الجماعات وحركيتها.

الطبقة الإجتماعية

لا نعرف متى دخلت فكرة الطبقة، كوحدة إجتماعيَّة كَبيرة وذات مدى رحب، في تركيب المُجتمع الإنساني. ففي تأريخ الإنسان المكتوب لا نجد حضارة تألقت ثُمّ أنطفأت إلا وكانت تعرف فكرة الطبقات، وكان لهذه الفكرة واقع عياني يضرب بجذوره عميقاً في تنظيماتها الإجتماعية.

كلّ المُجتمعات الَّتي وجدت وبادت و الَّتي لا تزال مستمرة الوجود تقوم على النظام الطبقي. وهذا يعني، في ظاهر الحال، أنه لم يمر على البشرية وقتٍ طويل لم تعرف فيه فكرة الطبقات.

وربّما كان هذا حقاً بالنظر إلى ما تُرجحه في تعليل نشوء المُجْتَمَع الإِنسَاني. فالمُجتمع الإنساني، فيما تُرجح، يخضع في نشوءه لعاملين: عامل الغريزة «بمعناها الواسع الَّذي يَشمل عاطفة الأبوة والدوافع النّفسية إلى تكوين العَائلة» وعامل الثقافة بمعناها الواسع أيضاً. وهذا يعني أَنَّ المُجْتَمَع الإِنسَاني وجد مُنذ اللحظة الَّتي تعدد فيها أفراد النوع، فلم يمرّ على الإنسان أمد طويل كان فيه حيواناً غير إجتماعي.

ومنذ أخذ المُجتمع الإنساني في الإتساع وجدت فكرة الطبقة سبيلها إلى العقل. فالأفراد يختلفون في مقدار ما يأتونه من أعمال البر والخير، ويختلفون

في المواهب وفي القدرة البدنية، ويختلفون تبعاً لهذا في القدرة على الصيد وحيازته... هذه الإمتيازات وأخرى غيرها وجدت سبيلها إلى الوعي الإنساني في تصورات طبقية أستتبعت فكرة الطبقات.

هذا، ولكنّنا حين نُريد أن نتناول الطبقات بالبحث لا يمكن أن نتناولها على هذا المستوى الساذج البسيط، فقد أصبحت الطبقة مُؤسّسة اجتماعيَّة ضَخمة تمدها بالغذاء تقاليد عريقة، وتقوم عَلى جُذور موغلة في أعماق الماضي.


مَا المَبدأ الَّذي يقوم عليه الإنقسام الطبقي ؟.

لقد اختلفت آراء الإجتماعيين في هذا المبدأ، فبعضهم يرى أنه المهنة، وثَانٍ يرى أنه الدخل أو الثروة، وثالث يرى أنه الدخل والمهنة معاً.

ولأجل الحصول على جواب صحيح لهذا السؤال نُلاحظ أنَّ هذا المبدأ يختلف باختلاف النظر إلى الطبقة كمؤسسة إجتماعية.

فتارة ينظر إلى الطبقة بإعتبارها تقوم بدور معين في العمليات الإجتماعية، وتُقدّم خدمات معينة إلى المُجتمع.

وأُخرى يُنظر إليها بإعتبارها كُتلة بشرية ذات مستوى «مادي » إقتصادي واحد وذات مزاج نفسي وعقلي خاص يوحد بين مفاهيم أفرادها في الأسرة وغيرها من المُؤسسات الإجتماعيَّة، ومُختلف الأذواق والطباع والعادات.

لا بد من أعتبار المهنة وحدها مبدأ للإنقسام الطبقي إِذَا نَظرنا إلى الطبقة من زاوية الدور الَّذي تقوم به في العمليات الإجتماعية، وذلك لأن هذا الدور يشتق

من المهنة الَّتي تمارسها الطبقة. أما حين ننظر إلى الطبقة من زَاوِيَة مُستوى الحياة المادي والمعنوي الَّذي تتمتع به فلا بُدّ من أعتبار مبدأ الإنقسام الطبقي المهنة والدخل معاً، فالمهنة بما تخلفه في صاحبها من آثار نفسية معينة، والدخل بما يُتيحه لصاحبه من مُستوى معيشي مُعين يَشتركان في صياغة الحياة المادية والنفسية للإنسان.

ويختلف مبدأ الإنقسام الطبقي عن هذا وذاك حين تنظر إلى الطبقة الإجتماعية من زاوية المركز الإقتصادي الَّذي تتمتع به في المجتمع حسب نظام الإنتاج والتوزيع، ففي هذا الحال لابد من جعل مبدأ الإنقسام الطبقي الدخل وحده، لأنَّ مجموع دخل الطبقة يُعبر عن المركز الإقتصادي الَّذي تحتله بين الطبقات الأخرى. والدخل يُنظر إليه هنا بإعتباره شروة مُتكدسة تارة ذات أمكانات إقتصادية، لا بإعتباره وسيلة إلى بلوغ مُستوى معيشي مُعين (1).

هذه مبادىء مختلفة للإنقسام الطبقي، وهي تختلف باختلاف زاوية النظر إلى الطّبقة كمَا رَأينا.

ولكنّنا نُلاحظ أنّ هذه المبادىء كلّها إِنَّما تُعتبر مبادىء انقسام طبقي فقط، ولا تستتبع حُكماً تقويمياً للطبقات. فمبادىء المهنة أو الدخل أو الدخل والمهنة معاً تشير إلى سبب الإنقسام وحده أما أنَّ هذه الطبقة ذات قدر مُعين تحتله في سلّم القيم والأقدار فذلك شيء لا يتضمنه مبدأ من هذه المبادىء على الإطلاق.


1) دكتور مُحَمَّد ثابت الأفندي: الطبقات الإجتماعية: 64 - 80 وثمة خلاف في وجهة النظر إلى مبادىء الإنقسام الطبقي فقد ذكرنا هنا أنها لا تستتبع أحكاماً تقويمية ولا تسلسلاً طبقياً بخلاف ما ذَهَب إِلَيه أَصحَابها.

وهنا نتسأل: ما هو المبدأ الَّذي يَستتبع الحكم التقويمي للطبقات؟.

وبعبارة أخرى: نحن لا نتمثل المُجْتمع في أذهاننا سطحاً مستوياً تتساوى فيه الرؤوس، وإِنَّما تتمثله هرمي الشكل، فبينما توجد طائفة من النّاس تحتل قمّة الهرم توجد طائفة أخرى تحتل قاعدته وتوجد بينهما طوائف تختلف بالرفعة والإنحطاط على حسب قربها أو بعدها عن القمة والحضيض. وإذن، فإذا كان لكلّ طبقة من النّاس قيمة معينة في التصنيف الهرمي الإجتماعي، فمن أين جاء هذا التصنيف الَّذي يَستتبع أحكاماً تقويمية لمختلف الطبقات؟.

إنّنا، فيما أحسب، لا نستطيع أن نضع أيدينا عَلَى ضابط حقيقي لهذا التصنيف الإجتماعي إلا إذا درسناه من زاوية القيمة العليا للحياة. وذلك لأنَّ أي حكم تقويمي إِنَّما حدث بسبب هذه القيمة العليا، فترى أنَّه كلّما قرب المرء من هذه القيمة وشارك فيها وزاد في تأكيدها وأكتسب خصائصها، أرتفعت قيمته وعلت منزلته، وبالعكس نراه كلّما بَعُد عنها ولم يُساهم إلا بقسط ضئيل فيها أو لَم يُساهم فيها على الإطلاق هبط في المنزلة الاجتماعية.

والقيمة العليا للحياة قد تكون المال والثروة، أو الفضيلة، أو السياسة، أو الحرب. وقد تكون هذه القيمة العليا عبارة عن المبدأ الَّذي استدعى التشعب الطبقي، وذلك كما في المجتمعات الَّتي يكون الإقتصاد هو القيمة العليا فيها، فقد رأينا أنّ الإقتصاد وحده أو منضماً إلى المهنة يكون مبدأ للإنقسام الطبقي فإذا ما كان بالإضافة إلى هذا قيمة عُليا أيضاً استتبع حينئذ أحكاماً تقويمية تتفاوت بتفاوت القدرة الإقتصادية الَّتي تملكها كل طبقة من الطبقات.

وقد تكون القيمة العليا شيئاً آخر غَير المبدأ الَّذي سبب الإنقسام الطبقي

وحينئذٍ تحدث هذه القيمة أنقساماً في داخل كلّ طبقة من الطبقات؛ وذلك كما لو كانت القيمة العليا للحياة عبارة عن الفضيلة، فإنّ هذه القيمة تستتبع أحكاماً تقويمية تحدث انقساماً في داخل الطبقات نفسها، فقد يكون الفرد منتسباً من حيث المهنة أو المهنة والدخل أو القوة الإقتصاديَّة إلى طبقة ضعيفة ومنحطة المُستوى المعيشي ولكنه يكون بسبب قربه من القيمة العليا الَّتي هي الفضيلة في ذَروة الهرم الإجتماعي (1).

ومهما يكن من أمر فإنّ هذه القيم الَّتي ذكرنا تستتبع أحكاماً تقويمية تختلف بإختلافها، ويتشكل وضع المُجتمع صحة وفَساداً بسَبب ما تخلفه فيه هذه القيم من آثار، وهذا ما نلمسه حين ندرس الطبقات على أساس أن المثل الأعلى للحياة هو الفضيلة أو الإقتصاد.

فتارة تكون القيمة العُليا للحياة هي الفضيلة... هي أن يكون الإنسان فاضلاً رحيماً بالضُّعفاء، باذلاً لهم المعونة دون أمل في تلقي الجزاء، ساعياً في خدمة النوع مؤثراً لذلك عَلى مصالحه الخاصة وأطماعه، مُستعداً للتعاون مع الغير في سَبيل المنفعة العامة، مُنافحاً عن الحق أيّاً كان موطنه ومُستقره، مُحارباً الباطل في جميع أشكاله وألوانه، شاعراً بمسؤوليته كإنسان، عاملاً على ضوء هذه المسؤولية بحرارة وإيمان.

تارة تكون القيمة العُليا للحياة عبارة عن هذا، وحينئذ تتحدد المراتب الإجتماعيَّة عَلى أساس هذه المفاهيم، فيرقى إلى القمة كلَّ مَن استطاع أنْ يَجعل من نفسه مثلاً أعلى للفضيلة، ويحتل المرتبة الشغلى من المُجْتَمَع أُولئك الَّذِين لا


1) دكتور مُحَمَّد ثابت الأفندي: الطبقات الإجتماعية: 36 - 44.

فَضيلة لهم أو الذين يستمسكون بالفضيلة استمساكاً واهياً، وما بينهما تتفاوت المراتب الإجتماعيَّة عَلى أساس الحصيلة الأخلاقية الَّتي يحويها الإنسان ويعمل عليها.

في مجتمع كهذا تُوجد طبقات، وقد رأيتُ الأساس الَّذي أدى إلى أنقسامها. ولكن هذا التفاوت الطبقي الناشيء عن تفاوت المُستوى الإقتصادي والمعيشي عند هذه الطبقات من الناس لا يأخذ صفة الصراع المتمثل في استغلال الطبقات العليا للسفلى ومحاولة هذه الأخيرة التفلت من أسر هذا الإستغلال بالثورة أو بغيرها من أساليب الصراع، وإِنَّما تنظر الطبقات السفلى إلى العليا نظر حُبّ ورحمة وإكبار، لأنها لا ترى في الطبقات العليا مستغلين يُريدون امتصاص دمائها وجهدها، وإِنَّما تَرى فيهم رُسل إصلاح ضحوا بمصالحهم في سبيل مصالح الجميع، وتنكروا لأنفسهم وشهواتهم في سبيل الآخرين، فهم ليسوا مستغلين لأنَّ أكفهم لم تتعود غير العطاء. وفي مجتمع كهذا تنظر الطبقات العليا إلى السفلى نظرة رحمة وإشفاق وتُحاول جهدها أنْ تنشلها من الوحدة الَّتي قبعت فيها إلى الأفق العالي حيث يُقبّل جبينها نُور الشمس. لأ صراع ولا تناحر لأنَّ الطبقات هنا لم تنحط عن القمّة لأَنها مُنعت من الصعود. لأ صراع ولا تناحر لأنَّ الأجنحة الَّتي يُحلق بها الإنسَان هُنا ليست شَيئاً خارجاً عن النفس يملكه فريق ولا يجده الآخرون، وإِنَّما هي شيء ينبع من النفس.. هي أنتَ بما أودع الله فيك من إمكانات الصعود، ولم تبق حيث أنتَ لأنك لا تملك هذه الإمكانات، وإنما لأنك فضلت واقعك اللاذ على الأفق العالي حيث الثمن هو التضحية وإنكار الذات.

في مجتمع كهذا يحتل الإقتصاد مرتبة ثانوية من حيث التقويم، فَإِذا اتخذه

الإنسان وسيلة لنشر الفضيلة كان مزية يُحمد عليها، وإلا كان رذيلة لا تهبه قيمة ولا تسبغ عليه قدراً.

وأُخرى تكون القيمة العليا للحياة هي الإقتصاد.. النّجاح المادي الخارق القائم على تكديس الأموال وتراكم العقارات، حينئذ تتحدد المراتب الإجتماعية على هذا الأساس فيرتفع إلى القمة أولئك الأغنياء الكبار مُلوك المال والأعمال، ويقبع في الحضيض أُولئك الذين لا يملكون شيئاً أو يملكون شيئاً قليلاً، وتتفاوت مراتب النّاس بين هاتين الطبقتين على مقدار ما يملكون.

في مُجتمع كهذا تُوجد طبقات كما رأيت، ولكن التّفاوت الطبقي يأخذ صفة الصراع، لأَنَّ ما سبب الإنقسام الطبقي هو مصدر القيمة في المجتمع، ولأن القيمة لعليا هنا شيء خارج عن النفس فلا يكون للطبقات السفلى حينئذٍ أمل بالإرتفاع.

ومن هنا ينشأ عند الطبقات السفلى شعور بالإستغلال، ويواكب هذا الشعور شعور آخر، فالطبقات العليا عند هؤلاء تعني - بالنسبة إليهم - المزاحم عَلَى مُتع الحياة والسعادة والقوة، ويُولّد هذا الشعور في أنفسهم مشاعر الحقد والبغضاء، ويَدفع بهم إلى الخيانة والإجرام.

وهذا التّخطيط الَّذي ذكرناه يصح بالنسبة إلى كلّ المُجتمعات الَّتي تجعل الإقتصاد مثلاً أعلى لها، سواء منها ما يرفع إلى القمة الرّأسماليين، أو ما يرفع إليها العمّال والفَلَّاحِين، لأنّ الصراع في هذه الأخيرة هو الصراع في المجتمعات الرّأسماليّة ومنابعه هنا هي منابعه هناك، فالأحقاد، والمطامع، والنيات السيئة. والمكر الخبيث هي المد النفسي الَّذي يطغى على الكتلة الإجتماعية في هذه الحَالَة وينسج مصيرها.

غَايَة ما في البَاب أنّ قمّة الهرم الإجتماعي وقاعدته متعاكستان فبينما يحتل الرأسماليون القمّة في المجتمعات الرأسمالية يحتلها - نظرياً - العمال في المجتمعات الشّيوعية القائمة اليوم على أننا لا نستطيع أَنْ نَعقل ما يُقال من أَنَّ الطبقة العاملة في المجتمعات الشيوعية هي الَّتي تحتل قمة الهرم الإجتماعي. إنّ العلماء والأطباء والمهندسين والكتاب والمُمثلين ورؤساء المصانع ورؤساء الهيئات العمالية والمزارع التعاونية يتمتعون بميزات إجتماعية وإقتصادية لا تتاح لسائر العُمّال.

وإذن لا فرق بين المجتمعات الرأسمالية والشيوعية في العقابيل الَّتي تنشأ من جعل الإقتصاد قيمة عُليا، ولئن كان ثمة فرق فإنّما هو في السطح والشكل، أمّا الأعماق. وأمّا ينابيع الصراع فهي واحدة في كلّ هذه المجتمعات.

وهكذا تَرى كيف أنْ جَعل الإقتصاد قيمة عُليا للحياة يسوق إلى التفسخ الإجتماعي. ولا أتصور جريمة أكبر من جريمة الماديين الذين يُنادون بأنّ الإقتصاد هو القيمة العليا في الحياة، إِنَّهُم بخرافتهم هذه يجرون المُجْتَمَع إِلى شرّ عظيم، ويُشوهون المُثل الإنسانية العُليا.


من هَذين المثلين تعرف أَنَّ الطبقات الإجتماعيَّة لا يُمكن أَنْ تَدرس دراسة موضوعية صحيحة تؤدي إلى فهمها حقاً، وإلى وعي مُستلزماتها القريبة والبعيدة إلا إذا تناولها الباحث عَلى صعيد المثل الأعلى في الحياة للمجتمع الَّذي يدرس الطبقات فيه.

ولا بُدّ لنَا، إِذَا رُمنا وعياً حقيقياً لرأي الإمام في هذه المسألة، أَنْ نتناول مسألة الطبقات الإجتماعية على هذا الصّعيد.

القيْمَةُ العُليا في الإِسْلام: التَّقَوى وَالتَّقسِيم الطَّبقي

إنّ الفقر الَّذي هو عَجز إنسان أو جماعة من الناس في المُجْتَمَع عن وجدان ما يُوفر مستوى الكفاية في العيش - إنّ الفقر بهذا المعنى ظاهرة حاربها الإسلام في تشريعه ووصاياه كما سنرى ذلك فيما يأتي من أبحاث - وأعتبرها شراً إنسانياً بإعتباره يسبب حرمان الإنسان من أحد حقوقه الَّذي هو الكفاية في العيش، وشراً إجتماعياً بإعتباره يعوق المُجْتَمَع عن التَّقدم المادي والمعنوي، وأعتبر الإسلام أَنَّ المُجْتَمَع الأمثل الَّذي يسعى إلى تكوينه هو المُجْتَمَعِ الَّذي لَا فَقَر فيه ولا فُقراء.

ومن هنا فإننا حين نستعمل كلمة «طبقات» في سياق الحَدِيث عن الإسلام فإنّما نقصد بذلك الفئات الإجتماعيَّة، وليس الطبقات بالمعنى الَّذي شاع استعماله في الأدب السياسي في العصر الحاضر، وإنَّما حرصنا على استعمال كَلمَة طبقات لأنها وردت في كلام الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمعنى فئات إجتماعية، ولم تكن في ذلكَ الحِين قد تضمنت معناها الَّذي تعنيه الآن.


لقد أعترف الإسلام كما أعترف الإمام بالطبقات الإجتماعية «الفئات» القائمة على أساس إقتصادي أو مهني أو عليهما معاً، وذلك لأَنَّ وجود هذه الطبقات «الفِئات» ضرورة لا غنى عنها ولا مفر منها في المجتمع، فلا بد أن يوجد تصنيف مهني يقوم بسد حاجات المُجْتَمع المُتجددة، ولا بُدّ أَنْ يوجد أُناس لديهم مال كثير وآخرون لا يملكون من المال إلا قليلاً لأَنَّ التحكم التام في توزيع الثروات على نحو متساو أمر مستحيل إطلاقاً. وإذا اختلفت المهن وتفاوتت الثّروات فلا بُدّ أنْ يَختلف مستوى المعيشة ويتفاوت طراز الحياة المادي والنفسى وحينئذٍ تُوجد الطبقات.

وقد رأينا أَنَّ التفاوت الطبقي يصير منبعاً للصراع الطبقي إذا جعل الإقتصاد مثلاً أعلى للحياة. وإذن، فالتفاوت الطبقي الناشيء عن التفاوت الإقتصادي خطر بقدر ما هو ضروري، وإذا لم يوضع للمجتمع نظام يذهب بالخطر من هذا التفاوت ويستبقي جانب الخير فيه فإنّه خليق بأن يُسبب للمجتمع بلبلة تقوده إلى الدِّمار.

وهنا تتجلى عبقرية الإسلام وعبقرية الإمام.

فقد تدارك الإسلام هذه الثغرة فسدّها بنظام من القوانين عظيم، وجاء الإمام فوضع قيوداً أُخرى تحول بين التفاوت في مستوى الدخل وبين أنْ يُخلّف في المُجتمع عقابيله الضارة، وآثاره الوبيلة.

وعند الحديث عن التدابير الحكيمة الَّتي وضعها الإسلام لوقاية المُجْتَمَع من شرور التفاوت في المستوى الإقتصادي يجيء الحديث عن المثل الأعلى للحياة في الإسلام قَبل كلّ حَديث.

وحديثنا عن المثل الأعلى للحياة في الإسلام يسوقنا إلى الحديث عن المثل الأعلى للحياة عند الإمام. وما نهج البلاغة إلا أنعكاس الإسلام في نفس الإمام. ومن هنا كان الحَدِيث عن أحدهما يُلزمه الحَدِيث عن الآخر كما تستهدي العين بخيوط الشعاع على مركز الإشراق.


إِنَّ المَثل الأعلى للحياة في الإسلام وعند الإمام هو التقوى. فقلَّ أَنْ تَرد سُورة في القُرآن لم يرد فيها الأمر بالتقوى، تقوى الله. وقلَّ أَنْ تَرد خُطبة أو كلام في نهج البلاغة لم يرد فيه الأمر بالتَّقوى، تقوى الله. فالقُرآن أمر بالتقوى، وفصلها، ومَدح المُتَّقين، والإمام أمر بالتقوى، ووصفها، ومدح المُتقين.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« عِبَادَ اللهِ، أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا حَقٌّ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وَالْمُوجِبَهُ عَلَى اللهِ حَقَّكُمْ، وَأَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللهِ، وَتَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اللهِ: فَإِنَّ التَّقْوَىٰ فِي الْيَوْم الْحِرْزُ وَالْجُنَّةُ (1)، وَفِي غَدٍ الطَّرِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ. مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ، وَسَالِكُهَا رَابِحٌ، وَمُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةٌ نَفْسَهَا عَلَى الْأُمَمِ الْمَاضِينَ مِنْكُمْ وَالْغَابِرِينَ، لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً، إِذَا أَعَادَ اللَّهُ مَا أَبْدَى، وَأَخَذَ مَا أَعْطَى، وَسَأَلَ عَمَّا أَسْدَى فَمَا أَقَلَّ


1) الجُنَّة: الدرع الواقية.

مَنْ قَبِلَهَا، وَحَمَلَهَا حَقٌّ حَمْلِهَا ! أُولَئِكَ الْأَقَلُّونَ عَدَداً، وَهُمْ أَهْلُ صِفَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) (1). فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا، وَأَلِطُّوا بِجِدِّكُمْ عَلَيْهَا، وَأَعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَفٍ خَلَفاً» (2).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذي ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ، وَإِلَيْهِ يَكُونُ مَعَادُكُمْ، وَبِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ، وَإِلَيْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِكُمْ، وَنَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ، وَإِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ. فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ، وَبَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ، وَشِفَاءٌ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ. وَصَلاحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ، وَطُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ؛ وَجِلَاءُ عَشَا أَبْصَارِكُمْ، وَأَمْنُ فَزَعِ جَاشِكُمْ، وَضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ. فَأَجْعَلُوا طَاعَةَ اللَّهِ شِعَاراً دُونَ دِنَارِكُمْ، وَدَخِيلًا دُونَ شِعَارِكُمْ، وَلَطِيفاً بَيْنَ أَضْلاعِكُمْ، وَأَمِيراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ، وَمَنْهَلًا لِحِينِ وُرُودِكُمْ، وَشَفِيعاً لِدَرَكِ طَلِبَتِكُمْ، وَجُنَّةٌ لِيَوْمِ فَزَعِكُمْ، وَمَصَابِيحَ لِبُطُونِ قُبُورِكُمْ، وَسَكَناً لِطُولِ


1) سَبَا: 13.

2) أنظر، نهج البلاغة: الخُطبة (191) « لا تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَىٰ ».

وَحْشَتِكُمْ، وَنَفَساً لِكَرْبِ مَوَاطِنِكُمْ. فَإِنَّ طَاعَةَ اللهِ حِرْزُ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَنِفَةٍ، وَمَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَةٍ، وَأُوَارِ نِيرَانٍ مُوقَدَةٍ. فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَىٰ عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوهَا، وَأحْلَوْلَتْ لَهُ الْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا، وَأَنْفَرَجَتْ عَنْهُ الْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمِهَا، وَأَسْهَلَتْ لَهُ الصَّعَابُ بَعْدَ إِنْصَابِهَا، وَهَطَلَتْ عَلَيْهِ الْكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا، وَتَحَدَّبَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورِهَا، وَتَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ النَّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا، وَوَبَلَتْ عَلَيْهِ الْبَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا » (1).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ مِفْتَاحُ سَدَادٍ، وَذَخِيرَةُ مَعَادٍ، وَعِتْقُ مِنْ كُلِّ مَلَكَةٍ، وَنَجَاةٌ مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ. بِهَا يَنْجَعُ الطَّالِبُ، وَيَنْجُو الْهَارِبُ، وَتُنَالُ الرَّغَائِبُ.

فَاَعْمَلُوا وَالْعَمَلُ يُرْفَعُ، وَالتَّوْبَةُ تَنْفَعُ، وَالدُّعَاءُ يُسْمَعُ، وَالْحَالُ هَادِثَةٌ، وَالْأَقْلَامُ جَارِيَةٌ. وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ عُمُراً نَاكِساً، أَوْ مَرَضاً حَابِساً، أَوْ مَوْتاً خَالِساً. فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِكُمْ. زَائِرٌ غَيْرُ مَحْبُوبٍ. وَقِرْنٌ غَيْرُ مَغْلُوبٍ، وَوَاتِرٌ غَيْرُ مَطْلُوبٍ. قَدْ أَعْلَقَتْكُمْ


1) أنظر، نهج البلاغة: الخُطبة (198) «التَّقْوَىٰ دَوَاءٌ ».

حَبَائِلُهُ، وَتَكنَّفَتْكُمْ غَوَائِلُهُ، وَأَقْصَدَتْكُمْ مَعَابِلُهُ، وَعَظُمَتْ فِيكُمْ سَطْوَتُهُ، وَتَتَابَعَتْ عَلَيْكُمْ عَدْوَتُهُ، وَقَلَّتْ عَنْكُمْ نَبْوَتُهُ. فَيُوشِكُ أَنْ تَغْشَاكُمْ دَوَاجِي ظُلّلِهِ، وَاحْتِدَامُ عِلَلِهِ، وَحَنَادِسُ غَمَرَاتِهِ، وَعَوَاشِي سَكَرَاتِهِ وَ أَلیمُ إِرْهَاقِهِ، وَدُجُو أَطْبَاقِهِ، وَجُشُوبَةً مَذَاقِهِ. فَكَأَنْ قَدْ أَتَاكُمْ بَغْتَةٌ فَأَسْكَتَ نَجِيَّكُمْ، وَفَرَّقَ نَدِيَّكُمْ، وَعَفَى آثَارَكُمْ، وَعَطَّلَ دِيَارَكُمْ، وَبَعَثَ وُرَّاتَكُمْ، يَقْتَسِمُونَ تُرَاتَكُمْ، بَيْنَ حَمِيمٍ خَاصٌ لَمْ يَنْفَعْ، وَقَرِيبٍ مَحْزُونٍ لَمْ يَمْنَعْ، وَآخَرَ شَامِتٍ لَمْ يَجْزَع» (1).

وَلَكن ما هي التَّقوى ؟.

إِنَّ الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يتعرض لوصف التقوى من داخل إِذَا صح التعبير. إِنَّه اكتفى - عَلى كَثرة ما قاله فيها - بوصفها من خارج ميزاتها، وفضلها، وثمرتها، وأصحابها، أما هي بذاتها: مُقوماتها، طبيعتها، فأمر لم يتعرض له الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإِنَّما تعرض له القُرآن.

ولعلَّ الإِمَام ترك الكلام في هذه الجهة اعتماداً على ما جاء في القرآن، وأعتماداً عَلَى أَنَّ المُسلِمِين إذ ذاك كانوا ولا شك يعون ما هي التَّقوى، فاكتفى بتشويقهم إلى الأخذ بها والإعتصام بحبلها. أو أنَّ الإمام قد تكلَّم في هذا الموضوع وأعطاه حقه من البيان ولكن الشريف رحمه الله لم يقع على شيء منه، أو وقع عليه ولم


1) أنظر، نهج البلاغة: الخُطبَة ( 230) «الْعَمَلُ يُرْفَعُ ».

يكُن بَين ما أختاره. وعَلى أي حال ففيما قدمه لنا القُرآن غَني وكفاية.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) تَعَالَى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَتَبِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَتَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (1).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) تَعَالَى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَتَبِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ى ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَأَتَى الزَّكَوٰةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُوا وَ الصَّبِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَتَبِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) (2).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) تَعَالَى: ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السُّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (3).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) تَعَالَى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (4).

ورُوي عن النَّبيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) أَنه قَالَ: « جماع التقوى في قوله تَعَالَى:

(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتاي ذِى القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ


1) البقرة: 2 - 5.

2) البقرة: 177.

3) آل عمران: 133 - 134.

4) المائدة: 8.

وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (1)

أنظر، مجمع البيان في تفسير 1 - 37، روضة الواعظين: 437، مستدرك الوسائل: 266/11 ج 12959، نور الثقلين: 2/ 78 ح 197، تفسير الثعلبي: 142/1.

.

من هذه النصوص الإلهية، وغيرها أكثر منها، نَعرف طبيعة التَّقوى: إِنّها الفضيلة في أرفع معانيها وأجلّ صُورها.

إنّها الإيمان بالله في أطهر حالاته وأسمى معانيه.

وبذل المال لمن أعوزه المال.... ولكن كيف...؟ إنها بذل المال على حبّه... حُبّ الله تَعَالى، فلا أمتنان عَلى المُعطى ولا إفضال، ومتى ؟ إِنّها بذله في السراء والضراء.

وهي الصبر في جميع المواطن وجميع الأحوال. وهي كظم الغيظ، وهي العفو عن النّاس، وهي العدل فيهم والإحسان إليهم إلى غير ذلكَ من حَميد الأخلاق وجَميل الخصال.

هَذه هي التَّقوى. فَإِذا حققت التقوى في نفسك: وعَيّت وجود الله وأمره ونهيه في كل ما تلم به من فعل أو قول، وتحرّيت الفضيلة أني كانت فأخذت بها وأخضعت نفسك لها، وجعلت من نفسك وجميع إمكاناتك خلية إنسانية حية، تعمل بحرارة وإخلاص عَلى رفع مستوى الكيان الإجتماعي الَّذي تضطرب فيه وصدرت في ذلك كله عن إرادة الله المتجلية فيما شرع من أحكام، تكون قد حققت في نفسك المثل الأعلى الَّذي نَصبه الإسلام.

فالمال لا يكسب قيمة إِلا إِذَا بُذل حيث أجاز الله أَنْ يُبذل، وإِلا إِذَا اتخذ


1) النحل: 90.

وسيلة إلى رضوان الله. أمّا أُولئك الذين لا يبذلون أموالهم فلا جدوى منهم للجماعة، ولذلك فلا مزيّة لهم عَلى غيرهم من النّاسِ الَّذِين لا مَالَ لهُم.

والسلالة لا قيمة لها حين لا يكون صاحبها مُتقياً لله.

والقوة لا قيمة لها حِين لا يستخدمها صاحبها في مرضاة الله.

والسلطان ؟ إِنَّه لا يكسب صاحبة قيمة إِلا إِذَا كان ذَا تَقوى.

هناك أغنياء وفُقراء، وحاكمون ومحكُومون، وأقوياء وضعفاء، وأُناس تحدروا من سُلالات لها ماض عريق وآخرون ليس لهم ماض مذكور، ولكن كلّ هذا لا يرفع من صاحبه ولا يضع إلا إذا أقترن بالتقوى أو عري عنها. وتعاليم الإسلام صريحة في ذلك لا لبس فيها ولا غموض، فهي تنص عَلَى أَنَّ القُطب الَّذي يَدور عليه التفاضل ليس شيئاً غَير التَّقوى.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) تَعَالَى: ( يَتأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَنكُمْ ) (1)

وقَالَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏):

«ليس لعربي عَلى عَجمي فضل، ولا لأبيض على أسود فضل إلا بالتَّقوى » (2).

وقَالَ الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« وَلا تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَى، وَلَا تَرْفَعُوا مَنْ


1) الحُجرات: 13.

2) انظر، سُنن البيهقي: 118/9، سبل الهدى والرشاد: 242/5، بحار الأنوار: 350/73 ح 13، العقد الفريد: 185/2 تأريخ اليعقوبي: 91/2، نيل الأوطار: 164/5، حلية الأولياء: 100/3، فتح الباري: 527/6، الترغيب والترهيب: 375/3 4494، شعب الإيمان: 289/4 - 5137، مسند أحمد: 411/5 - 23536، المعجم الأوسط: 5 / 86 ح 4749.

رَفَعَتْهُ الدُّنْيَا وَلا تَشِيمُوا بَارِقَهَا، وَلا تَسْمَعُوا نَاطِقَهَا، وَلا تُجِيبُوا نَاعِقَهَا، وَلا تَسْتَضِيئُوا بإِشْرَاقِهَا، وَلَا تُفْتَنُوا بِأَعْلاقِهَا » (1).

وإذن، فالقيم الإجتماعية تتفرع عن هذا الأصل، وتنبثق من هذا الينبوع. وهَكذا تكون الرّغبة في الخير، ورضوان الله، ومُساعدة الضعفاء، وتكريس المواهب في سبيل الجماعة تَقرُباً إلى الله، هي رائد كلّ إنسان وعي مباديء الإسلام. وهكذا يكون المُجتمع متحاباً مُتراحماً مُتآزراً مُتعاوناً على البر والتَّقوى، بدل أنْ يكون في صراع يؤدي به إلى التَّفسخ والإنحلال. هذا هو المثل الأعلى للحياة في الإسلام وعندَ الإِمَام.


ولكن الإسلام حين جعل الفضيلة مصدر القيمة الإجتماعية، وأراد أتباعه أَنْ يحملوا أنفسهم على هذا المركب صوناً للمجتمع من أخطار التفاوت الطبقي لم يَغفل أمر الواقع النفسي والشعوري للإنسان.

فإِنّ القوي الغني يتغنى بالفضيلة في كل آن، ولكنّه عندما تستيقظ فيه نوازع

العدوان يمضي في سَبيل الشّر دون أن يصغي إلى ندَاء فَضيلة أو تقريع ضمير وعندئذٍ تغدو الفضيلة ضلاً لا أثر له في صيانة المُجتمع من أخطار التفاوت الطبقي. لذلك لم يكل أمر تحقيق القيمة العُليا إلى الإنسان وحده، وإِنَّما جعل لها سنداً من القانون، ليكون لها من القوة ما يحمل الأغنياء الأقوياء، وغير الأغنياء على


1) أنظر، نهج البلاغة: الخُطبَة (191) « وَلَا تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَىٰ».

التمسك بها. وكان من ذلكَ أَنْ سَاوى بين جميع الطبقات في الحقوق والواجبات، فالجميع سواء أمام الله، والجميع سواء أمام القانون، وجريمة الغني هي جريمة الفقير، وجريمة الرّفيع هي جريمة الصعلوك، لا يمتهن هؤلاء لضعفهم ولا يُحابي أولئك لشرفهم.

وبهذا حال بين الطبقات العليا وبين أَنْ تَطغى وتَعتز، لأَنه أثبت لهَا أَنَّ الغِنى والسلالة والماضي العريق لن تُجدي شيئا أمام القانون. وحال بين الطبقات الشغلى وبين أَنْ تَشعر بالحيف والضعة والإستغلال، لأنه أثبت لها أَنَّ عَدم الغنى وأَنَّ ضِعة النّسب لا تجعل من القانون لها عدوّاً، وإِنَّما هي أدعى لأنْ تجعله أرفق بها، وأحنى عليها، وأرعى لشؤونها في السراء والضّراء.


وحين تحتد الفروق الإقتصادية، فتتسع وتعمق، تغيض منابع الفضيلة من المُجْتَمع وتسوده نوازع الحيوان.

فأنتَ لا تستطيع أن تطلب من جائع لا يجد القوت أَنْ يَصير فاضلاً، لأنَّ الحِرمان لا يدفع إلى الفضيلة وإِنَّما يخلق تصورات الحرمان الَّتي تدفع إِلى التَّمر والإجرام حين لا يجد المحروم اليد البارّة الوصول.

إِنّ الجائع الَّذي لا يجد ما يسد جوعته وإنْ خَشن وهَان، والعاري الَّذي يَجد للريح مثل لسع السياط، وللشمس مثل مش الحميم، والمريض الَّذي لا يجد تمن الدواء ولا الخلاص من اللأواء - هؤلاء لا يستطيعون أَنْ يَتغنوا بالفضيلة حين يرون الغني الكاسي الصحيح الَّذي لا يعرف معنى للجوع، فالفضيلة ليست

طعاماً ولا كساءً ولا دواء، إن هؤلاء ينقلبون إلى قتلة ومُجرمين ولصوص حين لا يجدون ما يسدون به حاجاتهم الأولية من طريق مشروع.

وهكذا يظهر إلى العيان الصراع الطبقي بالرغم من أَنَّ المَثل الأعلى هو الفَضيلة ومكارم الأخلاق.

وعن الإسلام هذا الواقع فلم يكل أمر صيانة المُجْتَمَع من أخطار التفاوت الطبقي إلى المثل الأعلى وحده، وإِنَّما أولى الإقتصاد ماله من الأهمية في أمر الصيانة والعلاج.

فشرّع الله تَعَالى أحكاماً تحول دون تكون الثروات بطريق غير عادل وغير مشروع - وتحول بين أصحاب الثروات بعد أن تتكون لديهم الثروة بطريق مشروع وبين أَنْ يُستخدموها في أستغلال الآخرين.

وشرع نظاماً للضّرائب ( الزكاة، الخمس ) والمواريث يُفتت هذه الثروات تدريجياً، ويحول بينها وبين التراكم والتعاظم، وأعطى للحاكم حق وضع اليد على ما تقضي به المصلحة العامة من أموال الأغنياء إذا قضت بذلك حاجة طارئة تعجز عن الوفاء بها المصادر التقليدية لتمويل النفقات العامة.

وشرع نظاماً للأموال العامة يُغذّى من الضرائب ومصادر الثروة العامة، يضمن مُستوى الكفاية في العيش لجميع النّاس. وبذلك يحول بين المُجْتَمَع الإسلامي وبَين أَنْ توجد فيه ظاهرة الفقر بالمعنى الإقتصادي الإجتماعي المعروف، وإن كان هذا لا يعني أَنْ يَتساوى النّاس في دَخلهم وفيما يملكون، لأنَّ هذا أمر مُستحيل في أي مجتمع يتخيله الإنسان على الإطلاق. ويدخل في باب الأحلام والتصورات الطوباوية الَّتي تأباها واقعية الإسلام. وبذلك يشعر الفقراء أَنَّهُم

ليسوا مُهملين: لاَ عَين ترعاهم، ولا يد تأسو جراحهم، وتقيلهم عثرات الزمان... بل يَشعرون أنهم ملء سمع المُجْتَمع وبَصره، فتختفي دوافع الإجرام من أنفسهم، وحينذاك يقول لهم الإسلام: إنّ المثل الأعلى هو الفضيلة، ويطلب إليهم أنْ يكونوا فُضلاء.... وأنْ يَجعلوا الأرض أُختاً للسّماء.


فقد وعى الإِمَام أنّ الإِنسَان الجائع، المُستغل، المحروم، المُصفّد بالأغلال لا يستطيع أن يكون فاضلاً، وأَنَّ من اللغو أَنْ يُوعظ بالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، وإن إنساناً كهذا ينقلب كافراً: كافراً بالقيم والفضائل والإنسان.

إنّ معدته الخاوية، وجسده المُعذب، ومُجتمعه الكافر بإنسانيته، المتنكر له، وشعوره بالإستغلال، وميسم الضعة الَّذي يُلاحقه أني كان هذه كلها تجعله لصاً، وسفّاحاً، وعدوّاً للإنسانية الَّتي لم تعترف له بحقه في الحياة الكريمة.

ووعى أنّ المُجْتَمَع القائم عَلى سيادة فريق وعبودية فريق، وعلى استغلال الأسياد للعبيد، والأحرار للمُصفّدين بالأغلال، مُجتمع لا يُمكن أَنْ تُوجد فيه فضيلة ولا يُمكن أن يُوجد فيه فُضلاء. إنَّه ليس إلا مُجتمع لصوص ومُجرمين أَنْ وعبيد، تُسيّر أفراده الأحقاد والمكر والإستغلال، وما كانت اللصوصية والعبودية ومَا إِليها يوماً فضائل تُشرف الإِنسَان.

على أساس من هذا الوعي جعل الإمام الإصلاح الإقتصادي أساساً للإصلاح الإجتماعي.

ولقد كان من الطبيعي جدّاً - حتَّى عند المُفكرين والمصلحين - في ع-صر

الإمام وقبله أَنْ يُوجد أناس جائعون فقراء، وأن يُوجد أغنياء يحارون كيف يُنفقون أموالهم، فلم يكن الفقر بذاته والغنى بذاته مُشكلة اجتماعية تطلب حلاً، لأنها في نظرهم أمر طبيعي لا محيد عنه. إِنَّما المُشكلة هي: كَيف السبيل إلى إسكات الفقراء وحماية الأغنياء ؟ فكان الإمام - بعد النَّبي الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) هو أوَّل من كشف أَنَّ الفقر والغنى مُشكلة إجتماعية خطيرة، ونظر إِلَيْهَا عَلَى أساس أفاعيلها الإجتماعية.

إن فلسفة الفقر عنده تجتمع في هَاتَين الكلمتين:

«إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الْفُقَرَاءِ، فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ، وَاللهُ تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ» (1).

و «ما رأيتُ نِعمة مَوفُورة إلا وإلى جانبها حق مُضَيّع » (2).

ومن هنا أصبح من أبرز المشاكل الَّتي حفل بها منهجه الإصلاحي يوم ولي الحكم، مُشكلة الفقر والغني.

ولقد كان مجتمعه إذ ذاك يُعاني جراحاً عميقة بسبب هذه المشكلة، فقد ولي الإمام الحكم والتفاوت الطبقي في المجتمع الإسلامي على أشدّ ما يكون عُمقاً واتساعاً.

ففي العهد السابق على ولاية الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للحكم كانت الطريقة المُتبعة في التقدير وإظهار الكرامة هي التفضيل في العطاء. وقد أتبعت هذه الطريقة في بعض


1) أنظر، نهج البلاغة: الحِكْمَة (328).

2) انظر، روائع نَهج البلاغة لجورج جرداق: 83 و 233.

الحالات بصُورة خارجة عن حدود المعقول والمقبول، فَفُضَّلَ من لا سابقة له في الدِّين ولا قِدم له في الإِسلام على ذوي السوابق والأقدار.

وقد أوجد هذا اللون من السّياسة المالية طبقة من الأشراف لا تستمد قيمتها من المثل الأعلى للإسلام، وإنما تستمدها من السلالة والغنى والإمتيازات الَّتي ولاً ماض عريق، وكان من عقابيل ذلكَ أنْ أحسّ الفُقراء الضعفاء بالدونية وأستشعر الأشراف الإستعلاء، وحُرم الفقراء المال الَّذي تَدفق إِلَى جُيُوبِ الأَغنياء.

فلما ولي الإمام الحكم ألفى بين يديه هذا الإرث المُخيف الَّذي يُهدد بإستئصال مَا غَرسه النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في نفوس المُسلمين.

وقد عالج هذا الواقع الَّذي سيق إليه بالتسوية بين الناس في العطاء، فالشَّريف والوضيع، والكبير والصغير، والعربي والعجمي، كلّهم في العطاء سواء. فلم يجعل العطاء مظهراً للتفاضل بين الأفراد والأفراد والطبقات والطبقات. وبهذا أظهر للنّاس أَنَّ القِيمة ليست بالمال، وحال بين الفقراء والضعفاء وبين الشعور بالدونية، وبين الأشراف والأقوياء وبين أنْ يَشعروا بالإستعلاء. وأهاب بالنّاس يتوبوا إلى الله فَيَجعلوا التَّقوى منَاط التفاضل ومقياس التَّقويم.

وقد ثارت الطبقة الأرستقراطية لسياسة المساواة المالية الَّتي قام بها الإمام فأشاروا عَليه أَنْ يَصطنع الرجال بالأموال، فقال:

« َتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ! وَاللهِ لا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ، وَمَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً! لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ. فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ! أَلَا وَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي

غَيْرِ حَقَّهِ تَبْذِيرٌ، وَإِسْرَافٌ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا، وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ، وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللهِ. وَلَمْ يَضَعِ أَمْرُو مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَلا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلا حَرَمَهُ اللهُ شُكْرَهُمْ، وَكَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ. فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَأَحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَلِيلٍ، وَالْأَمْ خَدِينٍ» (1).

ولم يكُن هَذا كلّ ما ينتظر الطبقة الأرستقراطية على يديه يوم أمسك بالزمام، لقد كانت أموال الأُمة تتدفق - تحت عينيه - قبل أن يتولى الحكم إلى جيوب فريق من الناس، فأخذ على نفسه عهداً بمُصادرتها، بردّها إلى أهلها، وكان أَنْ أعلن للناس يوم ولي الحُكم مبدأ من جُملة المبادىء الَّتي أعدها لمُحاربة الفقر الكافر فى مجتمعه المُوشك على الإنهيار، فقال:

«أَلاَ إِنَّ كلَّ قطيعة أقطعها عُثمَانِ، وَكلَّ مَال أعطاه مِن مَال الله، فَهو مَردُود في بَيْت المَال» (2).

« وَاللهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوجَ بِهِ النِّسَاءُ، وَمُلِكَ بِهِ الْإِمَاءُ، لَرَدَدْتُهُ، فَإِنَّ فِي الْعَدْلِ سَعَةٌ. وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ، فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيق !» (3).


1) أنظر، نهج البلاغة: الخُطبة (126 ) « أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ».

2) انظر، شَرْح نَهْج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 269/1، شرح نهج البلاغة لمُحَمَّد عَبده: 46/1، روائع نهج البلاغة لجُورج جرداق: 95، السيرة الحلبية: 87/2.

3) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (15) « مِنْ أَينَّ لَكَ هَذَا؟»، وهَذا كلام جُزء من خُطبة خَطبها في اليوم الثاني من بَيعَة النّاس له بالخلافة، ولم يذكر الرّضي النص بكامله.

وكَم كَان يَقض مضجعه عدم التوازن في توزيع الثروات في زمانه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فتراه يُصرخ أكثر من مرّة، من عَلى مِنبر الكوفة، بمثل هذا القول:

«عِبَادَ اللهِ، إِنَّكُمْ - وَمَا تَأْمُلُونَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا - أَثْوِيَاءُ مُؤَجَلُونَ، وَمَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ: أَجَلٌ مَنْقُوصٌ، وَعَمَلٌ مَحْفُوظٌ فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَيَّحٌ، وَرُبَّ كَادِحِ خَاسِرٌ. وَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَنِ لَا يَزْدَادُ الْخَيْرُ فِيهِ إِلا إِدْبَاراً، وَلا الشَّرُّ فِيهِ إِلا إِقْبَالاً، وَلا الشَّيْطَانُ فِي هَلاكِ النَّاسِ إِلا طَمَعاً. فَهَذَا أَوَانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُهُ، وَعَمَّتْ مَكِيدَتُهُ، وَأَمْكَنَتْ فَرِيسَتُهُ. أَضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ تُبْصِرُ إِلا فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً، أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً، أَوْ بَخِيلًا أَتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّهِ وَقْراً، أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً ! أَيْنَ أَخْيَارُكُمْ، وَصُلَحَاؤُكُمْ وَأَيْنَ أَحْرَارُكُمْ، وَسُمَحَاؤُكُمْ! وَأَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ، وَالْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهِمْ! أَلَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَمِيعاً عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ، وَالْعَاجِلَةِ الْمُنَفِّصَة». (1).

ولا يُعالج الفَقر عندَ الإمام بالمواعظ والخُطب، وإِنَّما يُعالج بحماية مال الأُمّة من اللصوص والمُستغلين، ثُمّ بصرفه في موارده.


1) أنظر نهج البلاغة: الخُطبة (129) «الأغنياء والفقراء».

وبهذا عَالجه الإِمَام، فكَان عَيناً لا تنام عن مُراقبة ولاته على الأمصار: وعَن التعرف على أموال الأمة وطرق جبايتها وتوزيعها.

وكم من وَالٍ عُزل وحُوسب حسَاباً عسيراً لأَنه خَان أو ظلم أو استغل.

وكَم من كتاب كتبه إلى ولاته يأمرهم أَنْ يَلزموا جادة العدل فيمن ولوا عليهم من الناس (1)

أَتَرْجُو أَنْ يُعْطِيكَ اللهُ أَجْرَ الْمُتَوَاضِعِينَ وَأَنْتَ عِنْدَهُ مِنَ الْمُتَكَبْرِينَ! وَتَطْمَعُ - وَأَنتَ مُتَمرغ في النعيم. تَمْنَعُهُ الضَّعِيفَ وَالْأَرْمَلَةَ - أَنْ يُوجِبَ لَكَ ثَوَابَ الْمُتَصَدِّقِينَ ؟ وَإِنَّمَا الْمَرْءُ مَجْزِيٌّ بِمَا أَسْلَفَ، وَقَادِمٌ عَلَى مَا قَدَّمَ، وَالسَّلام»، وكتابه إلى بعض عماله، رقم النص: (46): « َمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ، وَأَقْمَعُ بِهِ نَخْوَةَ الْأَثِيمِ، وَأَسُدُّ بِهِ لَهَاةَ النَّفْرِ المَخُوفِ. فَأَسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَىٰ مَا أَهَمَّكَ، وَأَخْلِطِ السِّدَّةَ بِضِعْفٍ مِنَ اللَّينِ، وَارْفُقْ مَا كَانَ الرِّفْقُ أَزْفَقَ، وَأَعْتَزِمْ بِالشِّدَّةِ حِينَ لَا تُغْنِي عَنْكَ إِلَّا السُّدَّةُ. وَأَخْفِضْ لِلرَّعِيَّهِ جَنَاحَكَ، وَأَبْسُطُ لَهُمْ وَجْهَكَ، وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ، وَآسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ، وَالْإِشَارَةَ وَ التَّحِيَّةِ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ، وَلَا يَبْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ، وَالسَّلَامُ»، وغير ذلكَ كَثير نجده في باب المختار من كُتب أَمِير المُؤمِنِين الله في القسم الأخير من نهج البلاغة.

.

وبينما هو يأمرهم بهذا يضع عليهم العيون والرقباء ليرى مدى طاعتهم وتنفيذهم لأوامره.

لقد كان (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بهَذا، أَوَّل مَن أخترع نظام التَّفتِيش.

ولقد كان يكتب إلى ولاته:


1) أنظر، نهج البلاغة - راجع مثلاً كتابه إلى الأشعث بن قيس عامل آذربيجان، رقم النص: ( 5 ): « وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ وَلَكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ، وَأَنْتَ مُسْتَرْعَى لِمَنْ فَوْقَكَ. لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفْتَاتَ فِي رَعِيَّةٍ، وَلَا تُخَاطِرَ الأَ بِوَثِيقَةٍ، وَفِي يَدَيْكَ مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْتَ مِنْ خُزَانِهِ حَتَّىٰ تُسَلِّمَهُ إِلَيَّ، وَلَعَلِّي أَلا أَكُونَ شَرَّ وَلاتِكَ لَكَ، وَالسَّلامُ». وكتابه إلى زياد بن سميّة وهو متول على البصرة، رقم النص: (20 - 21): «وَإِنِّي أُقْسِمُ بِاللهِ قَسَماً صَادِقاً، لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْءٍ الْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبِيراً، لَأَشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةٌ تَدَعُكَ قَلِيلَ الْوَفْرِ، تَقِيلَ الظَّهْرِ، ضَئِيلَ الْأَمْرِ، وَالسَّلامُ »، «فَدَعِ الْإِسْرَافَ مُقْتَصِداً، وَاذْكُرْ فِي الْيَوْم غَداً، وَأَمْسِكْ مِنَ الْمَالِ بِقَدْرِ ضَرُورَتِكَ، وَقَدِّمِ الْفَضْلَ لِيَوْمِ حَاجَتِكَ.

« أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللهِ فِي سَرَائِرِ أَمْرِهِ وَخَفِيَّاتِ عَمَلِهِ، حَيْثُ لا شَهِيدَ غَيْرُهُ، وَلا وَكِيلَ دُونَهُ. وَأَمَرَهُ أَلا يَعْمَلَ بِشَيْءٍ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِيمَا ظَهَرَ فَيُخَالِفَ إِلَىٰ غَيْرِهِ فِيمَا أَسَرَّ، وَمَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ سِرُّهُ وَعَلانِيَتُهُ، وَفِعْلُهُ وَمَقَالَتُهُ، فَقَدْ أَدَّى الأَمَانَةَ، وَأَخْلَصَ الْعِبَادَةَ.

وَأَمَرَهُ أَلا يَجْبَهَهُمْ وَلا يَعْضَهَهُمْ، وَلَا يَرْغَبَ عَنْهُمْ تَفَضُّلًا بِالْإِمَارَةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمُ الْإِخْوَانُ فِي الدِّينِ، وَالْأَعْوَانُ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ.

وَإِنَّ لَكَ فِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً مَفْرُوضاً، وَحَقَّاً مَعْلُوماً، وَشُرَكَاءَ أَهْلَ مَسْكَنَةٍ، وَضُعَفَاءَ ذَوِي فَاقَةٍ، وَإِنَّا مُوَفُوكَ حَقَّكَ، فَوَفِّهِمْ حُقُوقَهُمْ، وَإِلا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ خُصُوماً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَبُؤْسَاً لِمَنْ - خَصْمُهُ عِنْدَ اللهِ - الْفُقَرَاءُ، وَالْمَسَاكِينُ، وَالسَّائِلُونَ، وَالْمَدْفُوعُونَ، وَالْغَارِمُونَ، وَابْنُ السَّبِيلِ وَمَنِ اسْتَهَانَ بِالْأَمَانَةِ، وَرَتَعَ فِي الْخِيَانَةِ، وَلَمْ يُنَزِّهُ نَفْسَهُ وَدِينَهُ عَنْهَا، فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ الذُّلَّ وَالْخِزْيَ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَذَلُّ وَأَخْزَى. وَإِنَّ أَعْظَمَ الْخِيَانَةِ خِيَانَةُ الْأُمَّةِ، وَأَفْظَعَ الْغِضُ غِشُ الأَئِمَّةِ، وَالسَّلام». (1).


1) أنظر، نهج البلاغة - مِن عَهد لهُ إلى بعض عماله عَلى الخَرَاج، رقم النّص: (26). «أَعْظَمُ الْخِيَانَةِ خِيَانَةُ الْأُمَّةِ».

وليس الولاة أعضاء في شركة مُساهمة هدفها أَنْ تَستغل الأُمة وإِنَّما هُم كما كان يكتب إليهم:

«مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَىٰ أَصْحَابِ الْخَرَاج:

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَحْذَرْ مَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ لَمْ يُقَدِّمْ لِنَفْسِهِ مَا يُحْرِزُهَا. وَاَعْلَمُوا أَنَّ مَا كُلِّفْتُمْ بِهِ يَسِيرٌ، وَأَنَّ ثَوَابَهُ كَثِيرٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيما نَهَى الله عَنْهُ مِنَ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ عِقَابٌ يُخَافُ لَكَانَ فِي ثَوَابِ اجْتِنَابِهِ مَا لا عُذْرَ فِي تَرْكِ طَلَبِهِ. فَأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَاصْبِرُوا لِحَوَائِجِهِمْ، فَإِنَّكُمْ خُزَّانُ الرَّعِيَّةِ، وَوُكَلاءُ الأُمَّةِ، وَسُفَرَاءُ الأَئِمَّةِ، وَلا تُحْشِمُوا أَحَداً عَنْ حَاجَتِهِ، وَلَا تَحْبِسُوهُ عَنْ طَلِبَتِهِ، وَلا تَبِيعُنَّ لِلنَّاسِ فِي الْخَرَاج كِسْوَةَ شِتَاءٍ وَلا صَيْفٍ وَلا دَابَّةٌ يَعْتَمِلُونَ عَلَيْهَا، وَلَا عَبْداً، وَلا تَضْرِبُنَّ أَحَداً سَوْطاً لِمَكَانِ دِرْهَم وَلا تَمَسُّنَّ مَالَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، مُصَلِّ وَلا مُعَاهَدٍ، إِلا أَنْ تَجِدُوا فَرَساً أَوْ سلاحاً يُعْدَى بِهِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلامِ، فَإِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ الْإِسْلامِ، فَيَكُونَ شَوْكَةٌ عَلَيْهِ. وَلَا تَدَّخِرُوا أَنْفُسَكُمْ نَصِيحَةٌ،

وَلا الْجُنْدَ حُسْنَ سِيرَةٍ، وَلَا الرَّعِيَّةَ مَعُونَةٌ، وَلَا دِينَ اللهِ قُوَّةً، وَأَبْلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا أَسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ اصْطَنَعَ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ أَنْ نَشْكُرَهُ بِجُهْدِنَا، وَأَنْ نَنْصُرَهُ بِمَا بَلَغَتْ قُوَّتُنَا، وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» (1).

وكون الأموال العامة هي أموال الأمة مفهوم لم يأخذ صيغته الحقة إلا على لسان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفي أعماله. لقد جاءه أخوه عقيل يطلب زيادة عن حقه فرده محتجاً بأن المال ليس له وإِنَّما هو مَال الأمة (2)

وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلًا وَقَدْ أَمْلَقَ حَتَّى اسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرْكُمْ صَاعاً، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْتَ الشُّعُورِ، غُبْرَ الْأَلْوَانِ، مِنْ فَقْرِهِمْ، كَأَنَّمَا سُوْدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ، وَعَاوَدَنِي مُؤكِّداً، وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً. فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي، فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي، وَأَتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقَنِي، فَأَعْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً، ثُمَّ أَدْتَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا، فَضَجٌ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ مِنْ أَلْمِهَا، وَكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا، فَقُلْتُ لَهُ: تَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ، يَا عَقِيلُ أتينُ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلْعِبِهِ، وَتَجُرُّنِي إِلَىٰ نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ! أَتَيْنُ مِنَ الْأَذَى وَلَا أَئِنُّ مِنْ لَظَى ؟! وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ طَارِقٌ طَرَقَنَا بِمَلْفُوفَةٍ فِي وِعَائِهَا، وَمَعْجُونَةٍ شَيْتْتُهَا، كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّةٍ أَوْ قَيْهَا، فَقُلْتُ: أَصِلَةٌ، أَمْ زَكَاةً، أَمْ صَدَقَةً؟ فَذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ ! فَقَالَ: لَا ذَا وَلَا ذَاكَ، وَلَكِنَّهَا هَدِيَّةٌ. فَقُلْتُ: هَبِلَتْكَ الْهَبُولُ: أَعَنْ دِينِ اللَّهِ أَتَيْتَنِي لِتَخْدَ عَنِي ؟ أَمُخْتَبِطَ أَنْتَ أَمْ ذُو جنَّةٍ، أَمْ تَهْجُرُ ؟ وَاللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا، عَلَىٰ أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ، وَإِنْ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا. مَا لِعَلِي وَلِنَعِيمٍ يَفْنَى. وَلَذَّةٍ لَا تَبْقَى تَعُوذُ بِاللهِ مِنْ سُبَاتِ العَقْلِ وَقُبْح الزَّلَلِ، وَبِهِ نَسْتَعِينُ».

، وجاءه تَان يَطلب إليه أَنْ يُعطيه مَالاً، مُدلاً بمَا بَينهما من رابطة الحُبّ فَردّه قائلاً:

1) أنظر، نهج البلاغة - من كتاب له إلى عماله عَلَى الخَرَاج، رقم النَّص: (51).

2) أنظر، نهج البلاغة: الْخُطْبَةُ (224): « وَاللهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهْداً، أَوْ أَجَرَّ فِي الأَغْلالِ مُصَفًّداً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ، وَغَاصِباً لِشَيْءٍ مِنَ الْحُطَامِ، وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسِ يُسْرِعُ إِلَى البِلَى قُفُولُهَا، وَيَطُولُ في الثرى حُلُولُها ؟!.

« إِنَّ هَذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلَا لَكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَجَلْبُ أَسْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ، كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظْهِمْ، وَإِلَّا فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لَا تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ» (1)

قَالَ الشَّريف الرضي: كلَّمَ الإِمَام بهذا عبد الله بن زمعة، وهو من شيعته، ( عبد الله بن زمعة بن الأسود أبن المُطلب بن عبدالعزى بن قصي. أُمه قريبة بنت أبي أُمية بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم).

أنظر، رجال الطوسي: 23، مجمع الزوائد: 13/10، تهذيب التهذيب: 5 / 192، تهذيب الكمال: 115/33.

.

بهذا كلّه لم يكل الإسلام ولا الإمام أمر التزام الفضيلة في السلوك إلى الضمير وحده وإِنَّما جَعلا لها سنداً من القانون يكفل لها أن تصير واقعاً إجتماعياً تنبني عليه العلاقات الإجتماعيَّة والسّلوك الإنساني.

ولكنّهما لم يجعلا القانون كلّ شيء في حياة الإنسان لئلا يكون آلة مسيرة لا تملك أختيار ما تُريد، وإِنَّما أناطا جانباً من سلوكه بملزمات الضمير بعد أن أَنْ أيقضًا هذا الضمير. ولم يكلا أمر صيانة المُجْتَمَع من أخطار التفاوت الطبقي إلى الفضيلة وحدها، لأنها لا تسدّ حاجات الإنسان الَّتي لا يقوى بدونها على التزام الفضيلة ومكارم الأخلاق، وإنَّما أناطا جانباً من مهمة الصيانة بالإقتصاد لأنه هو الَّذي يَسد حاجات الإِنسَان.

وهكذا، بين الضمير اليقظ والقانون الواعي لحاجات الفرد والمجتمع ينمو الإنسان المُسلم، ويأخذ سَبيله إلى الكمال النسبي الَّذي يُتاح للإِنسَان.


1) أنظر، نَهْج البلاغة: الخُطبة (232) «حَول المال ».

وحيث قد تبين لنا موقف الإسلام وموقف الإمام من الطبقات الإجتماعية والتفاوت الطبقي، فَلنسلك سبيلنا إلى دراسة الطبقات الإجتماعيَّة في نهج البلاغة.


راجع الأوامر بالتقوى، ووصفها، ووصف المتقين في نهج البلاغة في النّصوص التالية:

رقم: « 15، و 62 و 81 و 82 و 112 و 130 و 5 15 و 159 و 165 و 171 81 و 180 و 181 و 186 و 189 و 190 (القاصعة ) و 191 و 192 و 193 و 194 و 196 و 228 » (1)

أنظر الخُطْبَة رقم ( 234 ) من شرح النهج للسيد علي نقي فيض الإسلام: 802، والْخُطْبَة: (192) من خُطب الشريف الرَّضِي.

، وفي باب الكُتب رقم ( 12 و 25 و 26 و 27 و 30 و 31، (وصيته لابنه الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)) و 45 و 47 و 53 (عَهْد الأشتر ) و 46 وفي المُختار من حكمه وكلماته القصار - رقم ( 95 و 203 و 210 و 242 و 344 و 388 و 410 )..

1) «وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَالْمَنْزِلَةِ الخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ، وَأَنا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْتُفُنِي فِي فِرَاشِهِ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَيُضِمُّنِي عَرْفَهُ، وَكَانَ يَعْضَعُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، وَمَا وَجَدَ لِي كَذَّبَةٌ فِي قَوْلٍ، وَلَا خَطْلَةٌ فِي فِعْلٍ، وَلَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَهُ، وَنَهَارَهُ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتَّبَاعَ الفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً، وَيَأْمُرُنِي بِالْإِقْتِدَاءِ بِهِ، وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ، وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي، وَلَمْ يَجْمَعْ يَيْتُ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ ».

مَدْخَل إلى دَرَاسَةِ الطَّبَقَاتِ فِي نَهْجَ البَلاغة

مصدرنا الكبير والأساس من نهج البلاغة، في دراسة الطبقات الإجتماعية عند الإمام هو كتابه إلى مالك بن الحارث الأشتر النخعي حين ولاه مصر وعزل به مُحَمَّد بن أبي بكر عنها يوم شعب الحزب الأموي على هذا الأخير، وضعف أمره.

ولكن لم يُطبّق في مصر شيء من هذا القانون الَّذي كتبه الإمام. فقد دسّ مُعاوية من قضى عَلى الأَشْتَر وهو في أعتاب مصر (1)بسم دسّ في كأس من عَسل، وذلك في سنة ( 38 هجرية ) (2)

التأريخ في كل يوم يكشف لنا منقبة من مناقب هَذا الصعلوك ! وهَذا التقويم لمعاوية ليس من الشيعة حتَّى تَقول هَذا من مُفتريات الشيعة، بل إن الأعجب هنالك إعتراف صريح من قبل مُؤرّخِيكُم ممَّن يَخلط بين الحَقِّ، والباطل بعد إطلاعه على أحاديث الرَّسُول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏)، وَكَذلك أَقوال بعض الصحابة والتابعين، بَل حَتَّى من مُستشاري مُعاوية نفسه، وبطانته، بأنّ مُعَاوية مَلعُون على لسان رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏)، بل أمر المُصطَفى الأمجد، والَّذي لا ينطق عن الهوى: ( إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) المُسلِمِين إِذَا رَأيتُم مُعاوية على منبري فاقتلوه، و...و... ثُمّ بَعد هذا الإطلاع يقول بكلِّ صَلافَة وَوقاحة أَنَّ سيدنا مُعاوية دَسّ السُّم لسيدنا الحسن، بواسطة جعدة بنت الأشعث، واشترك سيدنا معاوية بسم الأَشْتَر، و... ثُمَّ يَقول: قتل سيدنا يزيد سيدنا الحُسَيْن، وَهَكذا يستمر في هذه الخُزعبلات والترهات ثُمَّ يَدعي بأنه من المُؤَرِّخين المُنصِفِّين المحايدين... وهَا هُو عَبد الله بن بدِيل يَقول في مُعاوية: « إنّ مُعَاوِية ادَّعَى مَا لَيس لهُ، ونَازع الأمر أهله، ومن ليس مثله...».

أنظر، وَقعَة صِفِّين: 234، طبعة القاهرة، تأريخ الطبري: 9/6، ابن الأثير: 128/3 الإستيعاب: 340/1، شرح النهج لابن أبي الحديد: 483/1 المقاتل: 43، وأنساب الأشراف: 404/1، وأبن أبي الحَدِيد في شرح النهج: 11/4 و 17، أبن كثير: 41/8، تأريخ الخُلَفَاء: 138، الإصابة ترجمة الحَسَن، ابن قتيبة: 150، الصَّواعق: 81، المسعودي في مروج الذهب بهامش الكامل: 353/2، 55/6، وتَهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر: 226/4، وأسماء المُغتالين من الأشراف: 44، وتأريخ اليعقوبي: 225/2، وأبن الأثير: 197/2، وابْن شُحنة بهامش أبن الأثير: 11/ 132، تأريخ الدول الإسلامية: 53/1، تذكرة الخواص: 62، تأريخ أبي الفداء: 194/1، الإستيعاب: 1/ 389، تأريخ الخُلَفَاء للسيوطى: 74، مُستَدرَك الحاكم: 176/3.

أنظر، في شرح الخُطبة: (19).

العسل الَّذي كَانَ يَدس فِيهِ السمّ، وَقَتل بِهِ الْأَشْتَرِ النَّخَعِي.

العَسل الَّذي كَانَ يَدس فِيهِ السّمّ، وَقَتل بِهِ عَبد الرَّحْمَانِ بن خَالد.

العَسل الَّذي كَانَ يَدس فِيهِ السَّمَ، وَقَتل بهِ خَالد بن الوليد عِندَما دَخل دِمَشْقَ مُستَخفياً. أنظر، الإستيعاب: 396/2 تحت رقم 1697، أسد الغابة: 289/3، تأريخ الطَّبَري: 128/6، وابن الأَثير: 195/3، المُغتالين من الأشراف: 47، أبن كثير في البداية والنَّهَايَة: 31/8، الأغاني: 13/14، مُختصر ابن شُحنة في هامش أبن الأثير: 133/11، عُيُون الأنباء في طبقات الأطباء: 171 طبعة بيروت.

، وبعد ذلكَ قُتل مُحَمَّد بن أبي بكر (3)

وهي الَّتي خاطبت أم حبيبة أخت مُعاوية بن أبي سفيان عندما عملت الأخيرة شوت كبشاً وبعثت بهِ إلى عائشة تشفّياً بقتل مُحَمّد بطلب دمّ عُثمان، فقالت عائشة: قاتل الله ابنة العاهرة، والله لا أكلت شوَاءً أبداً، ثمّ ضمّت عياله إليها، وزعت حقه ولم تنسه مدى الحياة، وهو القائل لها بعد أن أنتهت معركة الجمل وأدخل رأسه إليها، قالت: مَن أنتَ ويلك ؟.

قَالَ: أبغض أهلك إليك.

قالت: أبن الخثعمية ؟.

قَالَ: نعم.

قالت: الحمد لله الَّذي عافاك...

أنظر، تذكرة خواص الأُمّة: 114 طبعة النجف، التمهيد والبيان: 209، الأغاني: 9/21، الإشتقاق: 371، الطبري وأبن الأثير وأبن كثير في ذكر حوادث سنة ( 36 هـ)، الإصابة حرف الميم: 3 ق 451/2، الإستيعاب: 328/3، الفتوح لابن أعثم: 472/1 وما بعدها، الإمامة والسياسة لابن قتيبة: 55/1 وما بعدها، تهذيب الكمال: 541/24 الرقم 5097، شرح النهج لابن أبي الحديد: 190/3.

،

1) القلزم - منطقة السويس حالياً.

2) الأشتر هو مالك بن الحارث النخعي، أدرك الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وكان رئيس قومه، شترت عينه في اليرموك فلقب بالأشتر، وله مواقف شهيرة في الجمل وصفين مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفي سنة (38 هـ) ولاه على مصر، فأمر مُعاوية دهقاناً وكان بالعريش - مدينة من أوّل أعمال مصر من ناحية الشام - أنْ يَدس له السم فلما نزل الأشتر العريش سته الدهقان في عسل، فقال مُعاوية: «الله جنُود من العسل». أنظر، مُروج الذهب: 2/ 139 طبعة بيروت المغتالين من الأشراف: 39، وتأريخ اليعقوبي: 139/2 طبعة بيروت ومُعجم البلدان: لغة بعلبك، شرح النهج لابن أبي الحديد: 29/2، والطبري في تأريخه: حوادث سنة ( 38 - 39هـ)، تهذيب الكمال: 126/27 الرّقم 5731، مُعجم رجال الحديث: 161/14 الرقم 9796.

3) محمد بن أبي بكر وأُمِّه أسماء بنت عُميس الخثعمية تزوّجها أبو بكر بعد استشهاد جعفر بن أبي طالب فولدت له مُحمّداً في حجة الوداع بطريق مكة. ثمّ نشأ في حجر عليّ بعد أبيه وشهد معه حرب الجمل وكان على الرجالة وشهد معه صفين، ثمّ ولاه مصر فدخلها في 15 شهر رمضان (37هـ). فجهز مُعاوية جيشاً بقيادة عمرو بن العاص لفتح مصر فتغلب عمرو عليه سنة ( 38هـ) وقتله معاوية بن خديج صبراً، ثمّ أدخلوا جسده في بطن حمار ميت وأحرقوه، وعندما بلغ ذلك عائشة بكت بكاءً شديداً.

وتمّت المُعاوية الغلبة على مصر فنزل عنها لعمرو بن العاص وفاء بالعهد الَّذي بينهما (1)

ومِنهَا: « عَجَباً لِابْنِ النَّابِغَةِ يَزْعُمُ لِأَهْلِ الشَّامِ أَنَّ فِي دُعَابَةً، وَأَنِّي أمْرُو تِلْعَابَةُ: أَعَافِسُ، وَأَمَارِسُ! لَقَدْ قَالَ بَاطِلاً، وَنَطَقَ أَيْماً. أَمَا وَشَرُّ الْقَوْلِ الْكَذِبُ إِنَّهُ لَيَقُولُ فَيَكْذِبُ، وَيَعِدُ فَيُخْلِفُ، وَيُسْأَلُ فَيَبْخَلُ، وَيَسْأَلُ فَيُلْحِفُ، وَيَخُونُ الْعَهْدَ، وَيَقْطَعُ الْإِلَّ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْحَرْبِ فَأَيُّ زَاجِرٍ، وَآمِرٍ هُوَا مَا لَمْ تَأْخُذِ السُّيُوفُ مَا خِذَهَا، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ أَكْبَرُ مَكِيدَتِهِ أَنْ يَمْنَحَ الْقَوْمَ سُبتَه. أما والله إني ليَمْنَعُنِي مِنَ اللعِبِ ذِكْرُ الْمَوْتِ، وَإِنَّهُ لَيَمْنَعُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ نِسْيَانُ الْآخِرَةِ، إِنَّهُ لَمْ يُبَايِعْ مُعَاوِيَة حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهُ أَتِيَّةٌ. وَيَرْضَعَ لَهُ عَلَىٰ تَرْكِ الدِّينِ رَضِيخَةٌ ». نهج البلاغة: الخُطبَة ( 84 ).

.

1) لَم يُوافق عمرو بن العاص عَلى الإشتراك مع مُعاوية في العمل السياسي والعسكري ضد أمير المُؤمِنِين عَليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِلا بعد أَنَّ تَعهد مُعاوية بأنْ يُولي عمرو بن العاص عَلَى مَصر ولاية مُطلقة. وقَد جَاء في صك الولاية المذكورة «إنّ مُعاوية أعطى عمروا أبن العاص مصر وأهلها هبة يتصرف كيف يشاء». وقد وردت بعض الإشارات في نَهْج البلاغة: الخُطبَة (26) إِلى هَذه الإتفاقية بين مُعاوية وعمرو بن العاص منها قوله: « وَلَمْ يُبَايِعْ حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهُ عَلَى الْبَيْعَةِ ثَمَناً، فَلَا ظَفِرَتْ يَدُ الْبَائِعِ، وَخَزِيَتْ أَمَانَةُ الْمُبْتَاعِ، فَخُذُوا لِلْحَرْبِ أَهْبَتَهَا، وَأَعِدُّوا لَهَا عُدْتَهَا، فَقَدْ شَبَّ لَظَاهَا، وَعَلَا سَنَاهَا، وَاسْتَشْعِرُوا الصَّبْرَ، فَإِنَّهُ أَدْعَى إِلَى النَّصْرِ».

وما بين أيدينا من هذا العهد ليس تمامه. لا، إنَّما قُطَع منه أختارها الشريف الرضي رحمه الله. وليته أثبته كله، إذن لزدنا بصراً بآراء الإمام في هذا الموضوع، ولكن ماذا نصنع والشّريف لم يختر إلا البليغ من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ويُحسن بنا أَنْ تُنوه، ونحنُ عَلى أعتاب البحث عن الطبقات الإجتماعيَّة في نهج البلاغة، بأن التقسيم الطبقي الَّذي ذكره الإمام يقوم بالدرجة الأولى على الوظيفة الاجتماعية الَّتي تُؤديها كلّ طبقة، وهناك تقسيم آخر يت-م في داخل الطبقات هو التقسيم على أساس المثل الأعلى، والتقسيم الأوّل لاَ يَستتبع حُكماً تقويمياً على الشخص المُنتسب إلى طبقة ما يجعله في القمة أو ينحدر به إلى الحضيض.

إنّ التقسيم الَّذي يستتبع الحُكم التقويمي، أعني الَّذي يُحدّد قيمة الشخص إِنَّما هو التَّقسيم الثاني، فالإنسان الَّذي يَستغل إمكاناته في سَبيل خَير المُجْتَمع هو في القمة أما الإنسان الَّذي يتخذ هذه الإمكانات سبيلاً إلى العيث والإفساد وإضرار المُجْتمع فذلك شخص يحتل مركزه في الطبقات السُّفلى.

وإذن فترتيب الطبقات في التقسيم لا يعني ترتيبها في القيمة، فيكون الجُنُود

هم الطبقة العليا ويكون المُعدمون هم الطبقة السفلى، وتكون قيمة ما بينهما على هذا الترتيب قُرباً من الجُنُود وبعداً عنهم. لا، فقد عَرَفت أنّ الإِمَام لَم يُراع قيمة كل طبقة حين قدمها وأخرها، وإِنَّما راعى الخدمات الإجتماعيَّة الَّتي تقوم بها، أمّا القيمة فلا تُقاس إلا بالتَّقوى.

وتقدم بين يدي بحثنا هذا مُلاحظة لها خَطرها، وهي: أنَّ هناك طبقات «فِئات » أفترض الإمام وجودها وتحدث عنها كأهل الخراج، والتجار والصُّنَّاع، والمُعدمين، وهناك طبقات لم يفترض وجودها، وإِنَّما تَكلّم رَأْساً في كَيفية إنشائها وتكوينها، فإلام تُشير هذه المُلاحظة ؟.

إنّ ما تُشير إليه هذه المُلاحظة، فيما أرى أمر طريف جدّاً ومُعجب حقاً، فالطبقات الَّتي تكلّم الإمام في كيفية إنشائها وتكوينها هي: طبقات «فئات» العسكريين، والوزراء، والولاة، والقُضاة. وهذه الهيئات هي الَّتي تشرف على تنظيم المُجْتَمع وسَير الحياة الاجتماعيَّة والإقتصادية والسياسية والدفاعية، وبها يتعلق مصير المُجْتَمَع النير أو الوبيل، وقد كانت هذه الأجهزة قبل عهد الإمام فاسدة ومتهرئة فأراد الإِمَام أَنْ يُنشئها من جديد.

ومن هذه المُلاحظة نستكشف مدى عظمة الإمام في المسائل الإجتماعية. فالمجتمع، خيره وشره، نحنُ نَصنعه بأيدينا، وليس ضَربة لآزمة لنا أَنْ نَعيش فی مُجتمع متذائب متداع لا يُوفر لأفراده فرصاً حسنة، وإِنَّما بإمكاننا أَنْ نَعيش في مُجتمع حَسن التنظيم يجد فيه كل فرد من الأفراد المجال الرحب لتحقيق مطامحه الَّتي يُريد، ولا يتم ذلك إلا إذا أصلحنا الأجهزة الَّتي تُدير آلة الحكم أو بدلناها بأخرى أجدى منها.

بهذه العقلية العظيمة الواعية نظر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)إلى المُجْتَمَع الإسلامي في أيامه وبهذه العقلية العظيمة الواعية وضع له هذا النهج وسنّ له هذا القانون، ولكن مجتمع مصر لم يسعد بتطبيق هذا النظام.


قسّم الإمام الرّعية إلى طبقات « فئات » تسع

1 - ( جُنُودُ اللهِ ).

2 - (كُتَابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ )، وهُم بمنزلة الهيئة الوزارية ومُساعديها.

3 - ( قُضَاةُ الْعَدْلِ ).

4 - (عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَالرَّفْقِ ).

5 - (أَهْلُ الْجِزْيَةِ.... مِنْ أَهْلِ الذّمَّةِ ).

6 - ( وَالخَرَاج... مِنْ مُسْلِمَةِ الأمَّة ).

7- (التُجَّارُ ).

8 - (أَهْلُ الصِّنَاعَاتِ ).

9 - (الطَّبَقَةُ السُّفلى).

ولكنّه في مورد ثان جَعل القُضاة والولاة والكتاب طبقة واحدة، وإِنْ كَان فيما بعد قد جرى في الكلام عن الطبقات على تقسيمه الأوّل.

ومع أنه يُمكن إدراج الكتاب والولاة في طبقة واحدة بإعتبارهم إداريين من حيث الوظيفة، وبإعتبار أنّ «نوع «الحياة» الَّذي يُحيونه واحد أيضاً، فَإِنَّ مُستوى الدخل والإنفاق والتصورات الإجتماعية عندهُم واحدة أو متقاربة تقارُباً شديداً

أقول مع أنه يُمكن إدراج هاتين الطائفتين في طبقة واحدة جعلهما الإِمَام طَبقتين متمايزتين. وأحسب أَنَّ الَّذي دفعه إلى ذلكَ رَغبته الأكيدة في التنصيص التّام على كيفية تأليف كلّ جهاز من أجهزة الحكم في الدولة لئلا يقع اللبس والإبهام من أشتراك طَائفتين مختلفتي مجال النشاط في حديث واحد.

ونحنُ، مُحافظة منا عَلى إبراز جميع خصائص العهد، سنجري في كلامنا عن الطبقات حسب تقسيمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإن لم تكن ثُمَّ ضَرورة، بلحاظ الطبقات ذاتها، تدعو إِلى اتباع هذَا النّهج.


وبعد أَنْ قسم الإمام الطبقات على النحو الَّذي رأيت، تقدّم بمُلاحظة ذات مغزى، وهي أنَّ كلّ واحدة من هذه الطبقات، عدا الطبقة الَّتي لا تستطيع عملاً، ضرورية للمجتمع، والعمل الَّذي تقوم به ضروري الوجود، وكما أنه يعتد في وجُوده على جهود الآخرين كذلك جهود الآخرين لم تكن لتوجد لولاه. ولذلك قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«وَأَعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلا بِبَعْضٍ، وَلا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ: فَمِنْهَا جُنُودُ اللهِ، وَمِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَمِنْهَا قُضَاهُ الْعَدْلِ، وَمِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَالرِّفْقِ، وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاج مِنْ أَهْلِ الذَّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ. وَمِنْهَا التَّجَّارُ وَأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ، وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ

السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَكُلٌّ قَدْ سَمَّى اللهُ لَهُ سَهْمَهُ، وَوَضَعَ عَلَى حَدِّهِ فَرِيضَةٌ فِي كِتَابِهِ، أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً » (1).

لولاً الجُنُود لإنعدم الأمن، وحينئذ تنعدم التجارة ويختل نظام الزراعة، وإِذَا اختل هَذان أنهار الكيان الإجتماعي.

ولولاً التجارة والزراعة لما وجدت الضّرائب الَّتي تمد الجُنُود بالمال والسلاح.

ولولا التجارة لحدثت أزمات إجتماعيَّة تنشأ من تكدس الإنتاج في غير مكان الحاجة إليه، وعدم وجوده في مكان الحاجة إليه.

والعمّال «الولاة » والكتاب يشرفون على تنظيم هذا النشاط ولولاهم لتسيب وأتجه اتجاهات غير صالحة.

ولولا القُضَاة للجأ النّاس إلى تسوية مشاكلهم بالعُنف، وذلكَ يؤدي إلى بَلبلة الإجتماع.

وإذن، فالنشاطات الإجتماعيَّة مُتشابكة ومتداخلة، وليس فيها لأحد على أحد فضل، فكلّ واحد من النّاس يُؤدي عملاً يأخذ في مُقابله من المُجْتَمع أعمالاً كثيرة، ولوكفّ المُجتمع عن تقديم المعونة له لما أمكنه أن يقوم بشيء.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«فَالْجُنُودُ، بِإِذْنِ اللهِ، حُصُونُ الرَّعِيَّةِ، وَزَيْنُ الْوُلاةِ، وَعِزُّ الدِّينِ، وَسُبُلُ الْأَمْنِ، وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلا بِهِمْ.


1) انظر، نهج البلاغة: الرسالة (53) « النَّاسِ طَبقات».

ثُمَّ لا قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلا بِمَا يُخْرِجُ اللهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاج الَّذي يَقْوَوْنَ بِهِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ، وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيَما يُصْلِحُهُمْ، وَيَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ.

ثُمَّ لا قِوَامَ لِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إِلا بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَالْكِتَابِ، لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ، وَيَجْمَعُونَ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَيُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصُ الْأُمُورِ وَعَوَامِّهَا.

وَلا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إِلا بِالتَّجَارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ، فِيما يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ، وَيُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، وَيَكْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُقِ بِأَيْدِيهِمْ مَا لا يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ» (1).

عَهْدُ الأَشْتَرِ

حيث كان النّشاط الاجتماعي مُتشابكاً عَلى هذا النحو، مُتداخلاً عَلى هَذه الشاكلة، فيجب أن تشق لهُ القنوات الَّتي يجري فيها على نحو لا يختل ولا يتدافع، ولا يطغى لون منهُ عَلى لَون، وأمر هذا مَوكُول إلى الحاكم.

قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« وَفِي اللهِ لِكُلِّ سَعَةٌ، وَلِكُلِّ عَلَى الْوَالِي حَقٌّ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ، وَلَيْسَ يَخْرُجُ الْوَالِي مِنْ حَقِيقَةِ مَا


1) أنظر، نهج البلاغة: الرَّسالة ( 53 ) « الجُنُودِ حُصُونُ الرَّعِيَّة ».

أَلْزَمَهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ إِلا بِالْاهْتِمَامِ وَالْإِسْتِعَانَةِ بِاللهِ، وَ تَوْطِينِ نَفْسِهِ عَلَى لُزُومِ الْحَقِّ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ فِيما خَفَّ عَلَيْهِ أَوْ ثَقُلَ » (1)

عَهْدُ الأَشْتَر


1) أنظر، نهج البلاغة: الرّسالة (53) «الجُنُودِ حُصُونُ الرَّعِيَّةِ ».

العَسكريَّون

العسكريون خطر وضرورة في أن: هم خَطر لأَنَّ الطبقة الَّتي ينتمون إليها هي أقوى طبقات الأُمَّة كلّها؛ فالجيش طوع أمرهم، والسلاح تحت أيديهم، ولا قوة تمنعهم من الثورة إِذَا ما أرادوا، ولا حاجز يحول بينهم وبين ظُلم الرعية إِذَا تَمكن ذلك من أنفسهم، ووجد هوى في صدورهم.

والوجدان الَّذي ينتظم أفراد هذه الطبقة يقتضيهم ذلك وينزع بهم نحوه، فإِنَّ التصورات الَّتي يتكون منها هذا الوجدان هي تصورات القوة والغلبة والفتك، وما يتبع هذه من تصورات الخيلاء والإستعلاء.

وطبيعة عملهم العَشكري تقتضيهم أَنْ يُواجهوا مشاكلهم من طريق العنف والقسر وتحملهم عَلى أَنْ يَحلّوها من هذا الطريق. وطبيعة عملهم أيضاً تجعلهم ينظرون إلى المجموعات الإنسانية «كوحدات عددية » تقوم بعمل مُعين لا أكثر ولا أقل وذلك لأنهم لا ينظرون من الجُندي الَّذي يدين لهم بالطاعة إلى أكثر من أنه آلة تُجيد استعمال السلاح، أما ما وراء ذلك من صفات نفسية وسمات ذاتية فلا ينظرون إلى شيء منها، لأنَّ هذه كلّها تنطمس في التجمع البَشري الضخم المُسمى بالجيش، ولأنها لا تعني كثيراً في أداء المُهمة المطلوبة من الجندي.

وإذا كانوا ينظرون إلى الجماعة الإنسانيَّة عَلى هذا النحو فلا يؤمنون من الإنحراف عن جادة الصواب في مُعاملتهم مع الناس، لأنَّ الصفات النفسية هي الَّتي يَجب أن تلحظ في هذه المعاملة، وهم يُغفلونها لأَنَّ طَبيعة عملهم تقتضي ذلك كما رأيت.

هذا الوجدان الطبقي « وهو ضروري إِذْ لولاه لما كانوا عَسْكريين» خَطر إِذَا أحتدّ، وعبّر عن نفسه في غير أوانه وجرى في غير أقنيته الحقيقية.

هذا هو وجه الخطر فيهم.

وهُم ضَرورة لأنَّ وجودهم يحفظ الأمن ويصون الدولة، ويردع السفيه ويضرب على يد المُعتدي.

وحيث كانوا ضرورة فلابد من وجودهم وحيث كانوا خطراً فلا بد من تفاديه وإذ قد لزم هذا وذاك فقد شرع الإمام الا للحاكم نظاماً يستهدي به في تأليف هذه الطبقة من جديد، وشريعة يجري عليها في انتخاب مَن يُريد ضمّه إليها من رعيته، وسنّة يأخذ بها في معاملتها. وقصد من ذلكَ كلَّه إِلى أَنْ يُؤمن من هذه الطبقة جانب الضرورة، وينأى بها عن أن تكون مصدر خطر وإرهاب


الشخصية العسكرية ضرورة لأزمة للقائد العسكري لزوم الهواء لكلّ كائن حيّ. وهذه الشخصية عبارة عن طائفة من الصفات تلتقي في القائد فتكون له شخصيته. فيجب أن يكون القائد العسكري متصفاً بصفة النفوذ والهيبة الَّتي تجعله نافذ الأمر، وذلكَ لأَنَّ الصفة الأولى المطلوبة من الجندي هي الطاعة وبدونها لا يمكن

أَنْ يَنجح جيش على الإطلاق، وما لم يكن للقائد العسكري صفة النفوذ والهيبة بعُدت الطاعة عن منال يديه، وحينئذ لا ينجح في عمله العَسكريّ.

ويَجب أنْ يكون واجداً لصفة الخُبرة بمن يعمل تحت يديه من مرؤوسيه، عارفاً بإمكاناتهم وكفاءاتهم، لتضع كلاً منهم في موضعه اللائق به، لأَنَّ خَطأ بسيطاً في تعيين قائد ربّما أدّى إلى كارثة قومية.

ويجب أنْ يكون واجداً للثقافة العشكريَّة: عارفاً بأساليب قيادة الجيش وحركاته، والإستراتيجية العسكرية.

ولمّا كان القائد هو المثل الأعلى للجندي وجب أن يكون هذا القائد مَثلاً يُحتذى لجنوده في الصبر على المكاره، والتفاني في القيام بالواجب، وهما من ألزم الصفات العسكريَّة في الجُنُود والقادة على السواء.

ولا توجد هذه الصفات في عامة النّاس، وهي ليست صفات تنحدر بالوراثة من جيل إلى جيل، بل لابد فيها من التربية المنهجية الواعية.

ولَم تكُن في زمن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مدارس وكليات عسكرية تُقدّم مثل هؤلاء القادة في كل وقت.

هذه الملاحظات دفعت بالإمام إلى تعيين العناصر الَّتي يؤخذ منها هؤلاء. هذه العناصر هي البيوتات الشَّريفة ذات الأحساب والتقاليد المتوارثة، فقد كانت هذه البيوتات تأخذ أبناءها بتربية قاسية واعية توفر لهؤلاء الأبناء الثقافة العسكرية، وهي من أهم ما كان يأخذ به العرب ويعنون بإتقانه، وتغرس في أنفسهم الشعور بالمسؤولية والتحمل والصبر على المكاره. وقد كانت هذه البيوتات تحتل في نفوس أبناء الشعب، وهم الَّذِين يُؤخذ منهم عامّة الجُند، مركزاً سامياً حصلت

عليه بسبب الخدمات الَّتي تُقدّمها هذه البيوت للأُمّة في الحرب والسّلم عَلى السواء، وهذا يُوفّر للقائد صفة الهيبة، ويضمن له نفوذ الأمر وحصول الطاعة.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَالْأَحْسَابِ، وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ؛ ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَالسَّخَاءِ وَالسَّمَاحَةِ؛ فَإِنَّهُمْ جمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ، وَشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ. ثُمَّ تَفَقَدْ مِنْ أمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا، وَلَا يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ، وَلا تَحْقِرَنَّ لُطفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ: فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ. وَلا تَدَعْ تَفَقْدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَالاً عَلَى جَسِيمِهَا، فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ

لُطفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَلِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ» (1).

عَهْدُ الأَشْتَر


وَلكن هؤلاء القادة يستمدون من وسطهم العائلي تصورات القوة والإستعلاء لمكان ما لهم من مركز مرموق في المجتمع، ويستمدون من وظيفتهم الجديدة ما يُعزز هذه التصورات ويمدها بالحرارة والفعالية، ويَنزع بها إلى التحقيق نظراً إلى


1) انظر، نهج البلاغة: الرّسالة (53) «رُوْسَاء الجَيْش ».

ما توفر لهم من الهيمنة على الجيوش والسلاح، ويستمدون من ثقافتهم ما يُزين لهُم الفعل ويُبرر لهم العمل - هذه الينَابيع الثلاثة للوجدان الطبقي عند العسكريين تعمل دائماً على إثارة هذا الوجدان وبعثه. وهنا يظهر وجه الخطر فيهم، وقد وضع الإمام العلاج الواقي من هذا الخطر.

فإلى جانب الصفات السابقة يجب أن تتوفر في القائد صفات أُخرى:

منها: الثقافة الدينية، وهذه الثقافة لا يكفي فيها أَنْ تَكُون «عِلماً » بالواجبات الدِّينية فقط وإِنَّما يَجب أَن تكون «وعيّاً » لهذه الواجبات بحيث تكون في جهاز القائد النفسي قوة دافعة تحمله عَلى أَنْ يَسير على هديها في حياته العملية، ولا تبلغ هذه الثقافة هذا المدى في تأثيرها إلا إذا استحالت في القائد إلى «طاقة شعُورية » مُحركة.

ومِنْهَا: أَنْ يَكُون أميناً لا تمتد يده إلى ما ليس له، حليماً لا يحمله الغضب على فعل ما لا تحمد عقباه، واسع الصدر يجد العُذر موقعاً في نفسه، رحيماً بالضعيف لا يتخذه موضعاً لإظهار مدى سلطته... وهكذا، فإلى جانب الثقافة الدينية الَّتي يجب أن تبلغ من نفس القائد مرتبة الطاقة الشعورية يجب أَنْ يَكُون عَلَى مُستوى أخلاقي عال يصدّه عن الإفساد، ويُمسكه على الجادة، ويأخذ بعُنقه إلى الهدى.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«فَوَلٌ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ اللَّهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِإِمَامِكَ، وَأَنْقَاهُمْ جَيْباً، وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً، مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ، وَيَسْتَرِيحُ إِلَى

الْعُذْرِ، وَيَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ، وَيَنْبُو عَلَى الْأَقْرِيَاءِ، وَمِمَّنْ لا يُثِيرُهُ الْعُنْفُ، وَلا يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ» (1).

عَهْدُ الأَشْتَر


وبعد أَنْ نَهْجِ الإِمَامِ القواعد الَّتي يَجب أَنْ تُتبع في أختيار أفراد هذه الطبقة أخذ في بيان الأسلوب الَّذي يَجب أَنْ تُعامل بهِ.

يرى الإمام أنه لا يجوز للحاكم أنْ يَعتمد على التربية وحدهَا، وعَلى الخُلق الشخصي وحده فيما يرجع إلى ضمان إخلاص هذه الطبقة. فهو بقدر ما يحرص عَلى أَنْ يكون القادة العَسْكريون ذوي تربية عالية وخُلق متين يحرص كذلك على توفير ما يتوقون إليه من الناحيتين: المادية والمعنوية.

فهَؤلاء القادة يتوقون إِلَى أَنْ يَروا أعمالهم الَّتي يقومون بها تُلاقي التَّقدير الَّذي تستحقه عند الحاكم، ويتوقون إلى أَنْ يَروا أَنَّ عَين من فوقهم ترعاهم وتتعاهد أعمالهم وتوفّيها ما تستحق من جزاء. وهؤلاء القادة، كغيرهم من الناس خاضعون للضرورات الإقتصادية، وربّما كانت حاجتهم إلى المال أكثر من حاجة غيرهم إليه، وإذ كانوا كذلك فلا بد للحاكم من مُراعاة حالتهم الإقتصاديَّة.

ولا يجوز له أنْ يَعتمد على الخُلق والتربية في ضمان إخلاصهم وتمسكهم بمثلهم العليا، فإنّ الحاجة تدفع إلى الإجرام أو الإنحراف ولا بد له من تتبع مآثرهم والإشادة بها، ومدحهم والثناء عليهم بما أبلوا من بلاء حسن، وأتوا من فِعلٍ عَظيم.


1) أنظر، نهج البلاغة: الرسالة (53) «رُؤسَاءِ الجَيْش».

فأما حين تغفل عنهم عينه: فلا يتفقد أحوالهم، ولا يُوليهم منه جانب اللين والرأفة - حين يجدون هذا منهُ يَشعرون بأنّ أعمالهم لا تجد ثوابها وإنّ جُهدهم يذهب أدراج الرياح، ويعظم في أعينهم الصغير ويصغر العظيم، وتنعدم ثقتهم بالحاكم، ويذهب ودّه من قلوبهم، فلا يمحضونه النصح، ولا يخدمونه بصدق، لأنهم لا يجدون في أنفسهم ما يدفعهم إلى خدمته وهو مُتخاذل عنهم مقصر معهم، ويدفعهم هذا الموقف النفسي إلى استثقال دولته، واستطالة مدته، والتبرم بحكمه، فماذا يمنعهم، وهذا موقفهم منه، عن أَنْ يَنتقضُوا عليه ويكيدوا له ويُواجهوه بما لو أحسن السياسة لإتقاه.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«ثُمَّ تَفَقَدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا، وَلا يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ، وَلا تَحْقِرَنَّ لُطفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ؛ فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ.

وَلا تَدَعْ تَفَقْدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمْ أَنْكَالاً عَلَى جَسِيمِهَا، فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَلِلْجَسِيم مَوْقِعاً لا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ.

وَلْيَكُنْ آثَرُ رُءُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ، بِمَا يَسَعُهُمْ وَيَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ، حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ؛ فَإِنَّ عَطَفَكَ عَلَيْهِمْ

76

يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ.

وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلاةِ أَسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلادِ، وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّة. وإِنَّهُ لا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلا بِسَلَامَةِ صُدُورِهِمْ، وَلا تَصِحُ نَصِيحَتُهُمْ الأ بِحِيطَتِهِمْ عَلَى وُلاةِ الْأُمُورِ، وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ، فَأَفْسَحْ فِي آمَالِهِمْ، وَوَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَتَعْدِيدِ مَا أَبْلَى ذَوُو الْبَلاءِ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّ كَفْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشَّجَاعَ وَتُحَرِّضُ النَّاكِلَ، إِنْ شَاءَ اللهُ » (1).

عَهْدُ الأَشْتَر

وتأمل الفقرة الأخيرة: « فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهْزُ الشُّجَاعَ وَتُحَرِّضُ النَّاكِلَ...» فإنّها تتضمن مَغزى عَميقاً، فبدلاً من أَنْ يُوجه اللوم إلى النَّاكل لنكولة مما قد يُولّد في قلبه الضغن والنّية السيئة - بدلاً من هذا يُبعث إلى العمل عن طريق المنافسة، فحين يسمع الثناء على ذوي البلاء الحسن من أقرانه، وحين يرى أنَّ العمل يجد صدى مُستحباً عند الرّئيس يُعبّر عنه بالتقدير يندفع إلى العمل بباعث نفسى فيجد فيه مُتعة ولذة يدفعانه إلى إتقانه، بدل أَنْ يُزاوله مكرهاً، لو دفع إليه عن طريق اللوم فلا يجد فيه لذة، ولا يشعر نحوه بأي سُرور نَفسي يَدفعه إلى التجويد والإتقان.

و على الحاكم أَنْ يكون يقظاً في تتبع أفعالهم، فينسب الفعل إلى صاحبه، ولا


1) انظر، نَهْج البلاغة: الرّسالة ( 53 ) « رُوْسَاء الجَيْش ».

يتجاوز به إِلى غيره، ولا يقصر في جزائه، فإنّ غَفلته عنهم تشعرهم بأن أعمالهم لا تجد ثوابها الحق، ولا تلقى التَّقدير الَّذي تستحق.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«ثُمَّ أَعْرِفْ لِكُلِّ أَمْرِي مِنْهُمْ مَا أَبْلَى، وَلَا تَضُمَّنَّ بَلاءَ أَمْرِي إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَايَةِ بَلائِهِ » (1).

عَهْدُ الأَشْتَر

والمقياس في الجزاء والثواب وحُسن الأُحدوثة نفس العمل، لا السلالة ولا الغنى ولا أي شيء آخر.

قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«وَلا يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ أَمْرِي إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلاتِهِ مَا كَانَ صَغِيراً، وَلَا ضَعَةُ أَمْرِي إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلائِهِ مَا كَانَ عَظِيماً » (2).

عَهْدُ الأَشْتَر


والمشاركة الوجدانية من الأمور الَّتي يجب توفرها بين القائد وجنوده. فحينما تتوفر المشاركة الوجدانية بين القائد وجنوده، ويشعرون بأنهم ليسوا تحت سلطان جبار يسومهم العذاب، ويتخذهم سُبلاً إلى إظهار سلطانه، ووسائل


1) انظر نهج البلاغة: الرّسالة (53) «رُوْسَاء الجَيْش».

2) انظر، نهج البلاغة: الرّسالة (53) «رُوْسَاء الجَيْش».

لخدمة مآربه، وإِنَّما هُم تحت رعاية أبٌ بَارٌ يَعمل لخَيرهم، ويسعى لإسعادهم، ويحدب عليهم، ويرأف بهم، ويُوجههم نحو ما فيهم صلاحهم.. حينما يستقر في أعماقهم هذا الشعور يعملون بإخلاص وإتقان وحرارة وإيمان، ويُقبلون على عملهم بشوق رغبَةً منهم في إيهاج قائدهم وإشاعة الزهو والفرح في قلبه، فإنّ القائد بجنوده، وكلما كان عملهم رائعاً ومُتقناً دلَّ ذَلكَ عَلَى حُسن توجيهه وواسع خُبرته وعظيم معرفته. وليس بخاف ما يعود به هذا على الدولة من القوّة والتماسك.

وكمّا أَنَّ المَحبّة والعطف والخُلق الحَسن شُروط الأزمة في حصول هذا الشعور عند الجُنُود فإنّ تأمين الناحية الإقتصادية شرط لازم أيضاً. فلا يسع جندياً أَنْ يَخلص لعمله وهو يسمع بقلبه، صُراخ زوجته وأطفاله من الجوع أو العري أو المرض، لذلك أرشد الإمام الحاكم إِلَى أَنَّ طَبقة العَسْكريين يَجب أَنْ تتألف ممّن يولون كلا الناحيتين: الإقتصادية والمعنوية عظيم أهتمامهم، وإنَّ خَير قواده خَيرهم لجنوده، وأحدبهم عليهم، وأرفقهم بهم، وأرعاهم لشؤونهم في السراء والضّراء، فإنّ هذا هو السبيل الوحيد إلى توليد هذه المشاركة الوجدانية الَّتي تعود عَلى الدَّولة بأجل القوائد وأعظم الخيرات.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«وَلْيَكُنْ آثَرُ رُءُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ، بِمَا يَسَعُهُمْ وَيَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ، حَتَّى يَكُونَ

هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ » (1).

عَهْدُ الأَشْتَرِ

ولأجل التوسع في معرفة موقفه من الجيش وقادته راجع قِسماً من كتابٍ لهُ إِلَى أُمَرَائه عَلى الجيش (2)

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَصْحَابِ الْمَسَالِح:

«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ حَقّاً عَلَى الْوَالِي أَلَّا يُغَيِّرَهُ عَلَى رَعِيَّتِهِ فَضْلٌ نَالَهُ، وَلَا طَوْلٌ خُصَّ بِهِ، وَأَنْ يَزِيدَهُ مَا قَسَمَ اللهُ لَهُ مِنْ نِعَمِهِ دُنُوّاً مِنْ عِبَادِهِ، وَعَطْفاً عَلَىٰ إِخْوَانِهِ.

أَلَا وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدِي أَلَّا أَحْتَجِزَ دُونَكُمْ سِراً إِلَّا فِي حَرْبٍ، وَلَا أَطْوِي دُونَكُمْ أَمْراً إِلَّا فِي حُكم، وَلَا أُؤَخِّرَ لَكُمْ حَقًّا عَنْ مَحَلِّهِ، وَلَا أَقِفَ بِهِ دُونَ مَقْطَعِهِ، وَأَنْ تَكُونُوا عِنْدِي فِي الْحَقِّ سَوَاءٌ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ وَجَبَتْ اللَّهِ عَلَيْكُمُ النِّعْمَةُ، وَلِي عَلَيْكُمُ الطَّاعَةُ؛ وَأَلَّا تَنْكُصُوا عَنْ دَعْوَةٍ، وَلَا تُفَرِّطُوا فِي صَلَاحٍ، وَأَنْ تَخُوضُوا الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ، فَإِنْ أَنتُمْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا لِي عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِمَّن أَعْوَج مِنْكُمْ، ثُمَّ أُعْظِمُ لَهُ الْعُقُوبَةَ، وَلَا يَجِدُ عِنْدِي فِيهَا رُخْصَةٌ، فَخُذُوا هَذَا مِنْ أُمَرَائِكُمْ، وَأَعْطُوهُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ ما يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ أَمْرَكُمْ، وَالسَّلام».

. ووصيته لشريح بن هانيء عندما وجهه عَلَى مُقدِّمته إلى الشام (3)

«اتَّقِ اللهَ فِي كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ، وَخَفْ عَلَى نَفْسِكَ الدُّنْيَا الْغَرُورَ، وَلَا تَأْمِنْهَا عَلَى حَالٍ، وَأَعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَرْدَعْ نَفْسَكَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا تُحِبُّ، مَخَافَةَ مَكْرُوةٍ؛ سَمَتْ بِكَ الْأَهْوَاءُ إِلَىٰ كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَرِ. فَكُنْ لِنَفْسِكَ مَانِعاً رَادِعاً، وَلَنَزْوَتِكَ عِنْدَ الْحَفِيظَةِ وَاقِمَا قَامِعاً».

. وكتابه إلى العُمّال الَّذِين يطأ الجيش عملهم (4)

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ مَرَّ بِهِ الْجَيْشُ مِنْ جُبَاةِ الخَراجِ وَعُمَّالِ الْبِلادِ.

«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ سَيِّرْتُ جُنُوداً هِيَ مَارَةٌ بِكُمْ إِنْ شَاءَ الله، وَقَدْ أَوْ صَيْتُهُمْ بِمَا يَجِبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِنْ كَفْ الْأَذَى، وَصَرْفِ الشَّذَى، وَأَنَا أَبْرَأُ إِلَيْكُمْ وَإِلَى ذِمَّتِكُمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْشِ، إِلا مِنْ جَوْعَةِ الْمُضْطَرُ، لَا يَجِدُ عَنْهَا مَذْهَباً إِلَى شِبَعِهِ. فَنَكُلُوا مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُمْ شَيْئاً ظُلْماً، عَنْ ظُلْمِهِمْ وَكُفُّوا أَيْدِيَ سُفَهَائِكُمْ عَنْ مُضَادَّتِهِمْ، وَالتَّعَرُّضِ لَهُمْ فِيمَا اسْتَكْتَيْنَاهُ مِنْهُمْ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِ الْجَيْشِ، فَأَرْفَعُوا إِلَيَّ مَظَالِمَكُمْ، وَمَا عَرَاكُمْ مِمَّا يَغْلِبُكُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَا لَا تُطِيقُونَ دَفْعَهُ إِلا بِاللَّهِ وَبِي، فَأَنا أُغَيْرُهُ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، إِنْ شَاءَ الله».

. وفقرات من كتابه

1) انظر، نهج البلاغة: الرّسالة (53) «رُوْسَاء الجَيْش ).

2) أنظر، نهج البلاغة: الرسالة ( 50 ). «لَا سِرَّ دُونَكُمْ إِلَّا فِي حَرْبٍ».

3) أنظر، نَهْج البلاغة: الرِّسالة ( 56 ). « إِلَى شُرَيْح بن هَانِيء».

4) أنظر، نهج البلاغة: الرِّسالة ( 60). « الْجَيْشِ وَالْمُوَاطِنُون».

إلى أمراء الأجناد لما أستخلف (1)

«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ مَنَعُوا النَّاسَ الْحَقَّ فَاشْتَرَوْهُ، وَأَخَذُوهُمْ بِالْبَاطِلِ فَاقْتَدَوْهُ».

.

هذه النصوص في «باب المُختار من كُتب مولانا أَمِير المُؤْمِنِين».


1) أنظر، نَهْج البلاغة: الرَّسالة (79). « إِلى أُمَرَاء الْجُنْد »..

القُضَاة

السّلطة القضائيَّة من أعظم سُلطات الدولة، بها يُفرق بين الحق والباطل، وبها ينتصف للمظلوم من الظالم. وحين تجنح الظروف بهذه السلطة إلى الإسفاف فإنّها لا تنزل إلى الحضيض وحدهَا وإِنَّما تَجر معها المُجْتَمَع كلّه أو بعضه.

حين تسف تصير في عون الظالم وتعضد المُجرم، وحيث أنها تنطق باسم العدالة فإنّها تسكت كلّ فمّ، وتُطفيء جذوة الحياة في كلّ إنسان يتصدى لها.

وماذا يحدث حينئذٍ ؟.

يحدث أَنْ يَستشري الفساد، ويعظم الجور، وتعم الفتنة، ويكون المَظْلُوم في الخيار بين أَنْ يُرفع أمره إلى هذه السلطة فيُسلب حقه بأسم العدل بعد أَنْ سَلبته إيَّاه القوّة، وبين أنْ يَسكت حتَّى تُحين الفرصة فيستعيد حقه عن طريق العُنف، وفي بعض هذا شرٌ عَظِيم.

وإنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليقدر هذه السلطة حق قدرها، فيختم وصاياه إلى عامله فيما يتعلق بها بقوله:

« ثُمَّ اَخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ، وَلَا تُمَحْكُهُ الْخُصُومُ، وَلا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ، وَلَا يَحْصَرُ مِنَ

الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ، وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَع، وَلا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهُم دُونَ أَقْصَاهُ: وَأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ، وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشْفِ الْأُمُورِ، وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ أَتَّضَاحِ الْحُكْمِ، مِمَّنْ لا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءُ، وَلا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ، وَأُولَئِكَ قَلِيلٌ » (1).

عَهْدُ الأَشْتَر

وهذا ما لم تُشاهده منه في غير هذه الطبقة من الطبقات الَّتي يتألف منها جهاز الحكم، ممّا يدل على أنه كان يعي كيف أن القضاء حين يصير إلى غير أهله ينقلب إلى أداة للظلم: ظُلم الضعفاء، ويصير مُؤسّسة ترعى مصالح الأقوياء فحَسَب.

وقد تحدث كثيراً عن هؤلاء الَّذِين يَتسنمون مناصب القضاء وليسوا لها بأهل، فيتحولون بهذا المنصب إلى أداة للشر والإفساد.

قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً وَلَيْسَ بِهِ، فَأَقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَالٍ، وَأَضَالِيلَ مِنْ ضَلالٍ، وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ، وَقَوْلِ زُورٍ، قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ، وَعَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ، يُؤْمِنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ، وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ، يَقُولُ: أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ، وَفِيهَا وَقَعَ،


1) انظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة (53). «القُضَاة».

وَيَقُولُ: أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ، وَبَيْنَهَا أَضْطَجَعَ، فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ، وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ، لاَ يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ، وَلاَ بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ. وَذَلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ ! » (1).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« وَرَجُلٌ قَمَشَ جَهْلاً، مُوضِع فِي جُهَّالِ الْأُمَّةِ، عَادٍ فِي أَغْبَاشِ الْفِتْنَةِ، عَمِ بِمَا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ، قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالِماً وَلَيْسَ بِهِ، بَكَّرَ فَأَسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْع؛ مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ، حَتَّىٰ إِذَا أَرْتَوَىٰ مِنْ مَاءٍ آجِنٍ، وَأَكْتَثَرَ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ، جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصٍ مَا الْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى الْمُبْهَمَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً رَنَّا مِنْ رَأْيِهِ، ثُمَّ قَطَعَ بِهِ، فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبوتِ: لا يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ، فَإِنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَاً، وَإِنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ. جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهَالاتٍ، عَاشٍ رَكَابُ عَشَوَاتٍ، لَمْ يَعَضُّ عَلَى الْعِلْمِ بِضِرْسٍ قَاطِعٍ. يَذْرُو الرِّوَايَاتِ ذَرْوَ الرِّيحِ الْهَشِيمَ لا مَلِيٌّ - وَاللهِ - بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ، وَلَا أَهْلٌ لِمَا قُرْظَ بِهِ، لا


1) أنظر، نهج البلاغة: الخُطبَة (87) « يَصِفُ الْحَقُّ، وَيَعْمَلُ بِهِ ».

يَحْسَبُ الْعِلْمَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَنْكَرَهُ، وَلَا يَرَىٰ أَنَّ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ مَذْهَباً لِغَيْرِهِ، وَإِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرٌ أَكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ. تَصْرُحُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ الدَّمَاءُ، وَتَعَجٌ مِنْهُ الْمَوَارِيتُ إِلَى اللَّهِ أَشْكُو مِنْ مَعْشَرٍ يَعِيشُونَ جُهَّالاً، وَيَمُوتُونَ ضُلالاً، لَيْسَ فِيهِمْ سِلْعَةُ أَبْوَرُ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ، وَلَا سِلْعَةُ أَنْفَقُ بَيْعاً، وَلا أَغْلَى ثَمَناً مِنَ الْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلا عِنْدَهُمْ أَنْكَرُ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَلا أَعْرَفُ مِنَ الْمُنْكَرِ » (1).

ولأجل تفادي هذا المصير الشيء لسلطة القضاء، وضَع لا نظاماً يجب أَنْ يُتبع في تأليف هذه الفئة، يضمن أن تكون على مستوى عال من الكفاءة للمُهمات المناطة بها.


تُؤتى السُّلطة القضائية من نَاحِيَتين.

الأولى: نَاحِيَّة القَاضِي نَفسه فَإِذا كَان غَير كُف، لمنصبه أَسفَّ بهَذا المنصب، ولَم يُؤد حقه المفروض.

الثانية: ناحية المنصب نفسه، فما لم يكن القاضي مُستقلاً في حُكمه لا يَخضع لتأثير هذا وإرادة ذلك، لم تكن هناك سلطة قضائية بالمعنى الصحيح، وإِنَّما تكون


1) أنظر نهج البلاغة: الخُطبة (17) «ضَالٌ مُضل».

السُّلطة القَضَائيَّة حينئذٍ أداة لا لباس رَأي فُلان ثوب الحق وإسباغ مُسحة الباطل على دعوى فُلان. ولا تؤتى السلطة القضائية من غَير هاتين الناحيتين.

وقد رسم الإمام في عهده إِلى الأَشْتَر ثلاثة أُمُور ينبغي أَنْ تُتَّبع في انتقاء أفراد هذه الطبقة ومعاملتهم، وأتباع هذه الأمور يكفل لهم أَنْ يُمارسوا مهمتهم بحرية، وأَنْ يُؤدوا هذه المهمة بإخلاص.

هَل يَكفي في صلاحية الرّحل للقضاء أنْ يكُون عَلى مَعرفة بمَواد القانون الَّذي يقضي به دون أعتبار لتوفر ميزات أخرى فيهِ ؟

إنّ الجواب السديد على هذا السؤال هو النفي، فلا يكفي في القاضي أن يكون على علم بمواد القانون فحسب، لأنه إذا لم تتوفر فيه غير هذه الصفة يكون عالماً بالقانون، ولا يصلح أن يكون قاضياً، لأَنَّ منصب القضاء يتطلب من شاغله إلى جانب عِلمه بالشَّريعة، صفات أُخرى فصلها الإمام في عهده، وأناط أختيار طبقة القُضَاة بتوفرها، وهذا يعني أنّ فاقدها ليس جديراً بهذا المنصب الخَطِير.

يجب أن يكون القاضي واسع الصدر كريم الخُلق، وذلك لأَنَّ منصبه يقتضيه أَنْ يُخالط صنوفاً من النّاس، وألواناً من الخَلق، ولا يستقيم لهُ أَنْ يُؤدي مهمته على وجهها إلا إذا كان عَلَى مُستوى أخلاقي عَال يُمسكه عن التورط فيما لا تحمد عقباه.

ويَجب أن يكون من الورع، وثبات الدين، وتأصل العقيدة، والوعي لخطورة أَنْ مُهمته وقيمة كلمته، بحيث يرجع عن الباطل إذا تبين له أنَّه حَاد عن شريعة العدل في حكمه، ولم يُصبها إجتهاده ولَم يُؤده إليها نظره، فلا يمضي حكماً تَبين لهُ خطأه خشيَة قَالة النّاس.

ويَجب أنْ يكون من شرف النفس، ونقاء الجيب، وطُهر الضمير، بحيث «لاَ تشرف نَفسه عَلَى طَمع » في حظوة أو كرامة أو مال وفضلاً عن أَنْ يَتأصل فيه الطمع ويدفعه إلى تحقيق موضوعه، وذلكَ لأَنَّ القَاضِي يَجب أَنْ يَجلس للحكم ضميراً نقياً، ورُوحاً طَاهراً، وعقلاً صَافياً، ونَفساً مُتعالية عن مسَاف الأغراض، وألا يشغل نفسه بعرض من أعراض الدُّنيا، لأَنَّ ذَلكَ ربّما انحرف به من حيث لا يدري فأدان من له الحق، وبرأ من عليه الحق. لتأثره بهاجس نفسه، وهاتف قلبه، ومطمح هواه.

ويجب أنْ يكون من الوعي لمُهمّته بحيث لا يعجل في الحكم، ولا يُسرع في إبرامه، وإِنَّما عَليه أنْ يمضي في دراسة القضية ويقتلها بحثاً ويستعرض وجُوهها المُختلفة، فإنّ ذلك أحرى أَنْ يَهديه إلى وجهة الحق وسُنَّة الصواب، فَإِذا مَا أستغلق الأمر وأشتبه عليه فلا يجوز له أَنْ يَلفق للقضية حكماً من عِند نفسه، وإِنَّما عَليه أَنْ يقف حتَّى يَنكشف لهُ مَا غَمض عنه، وينجلي له ما اشتبه عليه.

هذه الصفات يجب أن تتوفر في القاضي، ويجب أنْ يُناط أختيار الرّجل لمنصب القضاء بمَا إِذَا توفرت فيه، وبذلك يضمن الحاكم الا يشغل منصب القضاء إلا الأكفاء في عملهم، ودينهم، وبصرهم بالأُمور.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«ثُمَّ اَخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ، وَلا تُمَحكُهُ الْخُصُومُ، وَلا يَتَمادَى فِي الزَّلَّةِ، وَلَا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إِذا عَرَفَهُ، وَلا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى

طَمَع، وَلا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهُم دُونَ أَقْصَاهُ؛ وَأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ، وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَثْفِ الأُمُورِ، وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ أَتَّصَاحَ الْحُكْمِ، مِمَّنْ لا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ، وَلا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ، وَأُولَئِكَ قَلِيلٌ » (1).

عَهْدُ الأَشْتَر


وهُنا كما في كلّ موطن يضع الإِمَام بَين عينيه التأمين الإقتصادي ليضمن الإستقامة والعدل وحُسن السيرة.

فالقاضي مهما كان من سمو الخُلق، وعُلو النفس، وطهارة الضّمير، إنسان من النّاس يجوز عَليه أَنْ يَطمع في المزيد من المال، والمزيد من الرفاهية، وإِذَا جَاز عليه هذا جاز عَليه أَنْ يَنحرف في ساعة من ساعات الضعف الإنساني، فتدفعه الحاجة إلى قبول الرشوة، ويدفعه القدم إلى الضعف أمام الإغراء، وإِذَا جَاز عَليه ذلك أصبحت حقوق النّاس في خَطر، فلا سبيل للمظلوم إلى الإنتصاف من الظالم وتغدو الحكومة حكومة الأقوياء والأغنياء.

هَذه أمور قدرها الإمام حق قدرها، وأدرك مدى خطرها، فوضع الضمانات لتلافيها.

وذلك يكون:

أَوَّلاً: بأنْ يتعاهد الحاكم قضاء قاضيه، وينظر فيما أصدره من الأحكام، فَانّ


1) أنظر، نهج البلاغة: الرَّسَالَة (53) «القُضَاة».

ذَلكَ كَفيل بأنْ يَمسك القاضي عن الإنحراف، ويستقيم به عَلَى السُّنن الواضحة لأنه حينئذٍ يعلم أنَّ المُراقبة ستكشف أمر الحكم الجائر، ووراء ذلك ما وراءه من عار الدُّنيا وعذاب الآخرة.

وَثَانياً: بأنْ يُعطي المزيد من المال لينقطع داعي الطمع من نفسه، فيجلس للقضاء وليس في ذهنه شيء من أحلام الثّروة والمال.

قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ، وَأَفْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ. وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ، لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ، فَأَنْظُرْ فِي ذَلِكَ نَظَراً بَلِيغاً، فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيراً فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ، يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى، وَتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا » (1).

عَهْدُ الأَشْتَر


والقاضي، بعد، إِنسَان يَخاف: يَخاف عَلَى مَالَه أَنْ يُنهب، ويخاف عَلَى مَكَانَته أَنْ تَذهب، ويخاف عَلى كرامته أَنْ تنال، ويخاف على حياته أَنْ يَعتدي عليها بَعضُ من حكم عليهم من الأقوياء، فإذا لم تكن لديه ضمانات تُؤمِّنه من كلّ ذَلكَ أضطره الخوف إِلى أَنْ يُصانع القوي لقوته، والشرير لشره، وحينئذٍ يُطبق القانون


1) أنظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة (53). «القُضَاة».

من جهة واحدة. يُطبق على الفقراء والضعفاء الَّذِين يُؤمن جانبهم.

هَذا الخوف ينشأ من عدم تأمين مركز القضاء وصيانته ضدّ الشفاعات، وينشأ من زجه في المُساومات السياسيَّة وغَيرها، وحينئذٍ تكفي كَلمَة من قوي أو غَني ليسلب القاضي مركزه ومكانته.

هذه الناحية وعاها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأعد لها علاجها، فيجب أن يكون القاضي، لكي يَأ من ذلك كله من الحاكم بمكانة لا يطمع فيها أحد غيره، ولا تُتاح لأحد سواه، وبذلك يأمن دسّ الرّجال له عند الحاكم، ويثق بمركزه وبنفسه، وتكسبه منزلته هذه رهبة في قلوب الأشرار يقوى بها على حملهم على الحق، وردهم إِليه حين ينحرفون عنه ويتمردون عليه.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ، لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ، فَأَنْظُرْ فِي ذَلِكَ نَظَراً بَلِيغاً، فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيراً فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ، يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى وَتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا» (1).

عَهْدُ الأَشْتَر

هذه هي الضمانات الثلاث الَّتي وضعها الإمام، مبيناً فيها النهج الَّذي يُحسن أنْ يُتبع في انتخاب أفراد هذه الطبقة، وشارحاً كيفية معاملتهم ليؤدوا مهمتهم على نحو نموذجي.


1) أنظر، نهج البلاغة: الرسالة (53) «القضاة».

وقد سجّل الإِمَام بما شرعه هُنا سَبقاً عظيماً على إنسان اليوم، وذلكَ لأَنَّ استقلال مركز القضاء وعدم تأثره بأي سلطة أخرى، وتأمين الناحية الإقتصادية للقاضي، ونظام التفتيش القضائي، جهات تُنبه لها الإِمَام وجَعلها واقعاً يخلف في حياة المُجتمع آثاره الخَيرة، في عصر كانت سُلطة القضاء أداة يُديرها الحاكمون والمُتسلطون كما يُحبّون.

**

ولا شيء أدعى إلى ثقة الناس بالقضاء من نفوذ حكم القاضي عَلى جَميع النّاس، حتَّى عَلَى مَن تربطهم بالحاكم الأعلى قرابة قريبة أو صداقة حميمة، فَإِنَّ ذلكَ خَليق بأن يطمئن الرّجل العادي، ويدخل في روعه أنه حينما يدخل مجلس القضاء لا يُواجه بنظرة احتقار. وإن الحاكم الأعلى لأحرى الناس بالمحافظة عَلَى ذَلكَ والحرص عليه، فَإِذا ما أعتدى بعض خاصته على بعض النّاسِ وَجب عَليه أنْ يَرده إلى الحق حين يروغ عنه، ويرده إلى الجادة حين يُؤثر العصيان.

قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«وَأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَكُنْ فِي ذَلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً، وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وَخَاصَّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ، وَابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَنْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ، فَإِنَّ مَغَبَّةَ ذَلِكَ مَحْمُودَةٌ » (1).



1) أنظر نهج البلاغة: الرسالة (53) « بِطَانَة الوَالِي وَحَوَاشِيه ».

راجع عهد الأشتر: وراجع كلاماً له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صفة من يتصدى للحكم بين الأُمَّة وليس لذلك بأهل (1). وبعض خُطبة له في صفات الفساق (2)

وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً وَلَيْسَ بِهِ، فَأَقْبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَالٍ، وَأَضَالِيلَ مِنْ ضَلالٍ، وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ، وَقَوْلِ زُورٍ، قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ، وَعَطَفَ الْحَقُّ عَلَىٰ أَهْوَائِهِ، يُؤْمِنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ، وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ، يَقُولُ: أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ، وَفِيهَا وَقَعَ، وَيَقُولُ: أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ، وَبَيْنَهَا أَضْطَجَعَ، فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ، وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ لاَ يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ، وَلَا بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ. وَذَلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ: ( فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ) ؟ التكوير: 26. ( فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) الأنعام: 95، وَالْأَعْلامُ قَائِمَةٌ، وَالآيَاتُ وَاضِحَةٌ، وَالْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ، فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ وَكَيْفَ تَعْمَهُونَ ؟ وبَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نبيكُمْ وَهُمْ أزمة الحَقِّ، وَأَعْلامُ الدِّينِ، وَأَلْسِنَةُ الصِّدْقِ، فَأَنزَلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْآنِ. وَرِدُوهُمْ وُرُودَ الهيم الْعِطَاش».

.

1) أنظر، نهج البلاغة: الخُطبة (16). « هَلَكَ مَنِ ادَّعَى، وَخَابَ مَنِ افْتَرى. مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ للْحَقِّ هَلَكَ. وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلا يَعْرِفَ قَدْرَهُ لا يَهْلِكُ عَلَى التَّقْوَى سِنْخُ أَصْلٍ، وَلَا يَظْمَأُ عَلَيْهَا زَرْعُ قَوْمٍ. فَاسْتَتِرُوا فِي بُيُوتِكُمْ، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنَكُمْ، وَالتَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ، وَلا يَحْمَدْ حَامِدٌ الأَرَبَّهُ، وَلا يَكُم لأيم الأنفسَهُ».

2) أنظر، نهج البلاغة: الخُطبة (87).

الولاة

إِنَّهُم رجال الإدارة، وأيدي الحاكم الَّتي تمتد في أطراف بلاده، والأداة الَّتي يَستعين بها عَلَى تَنفيذ أمره، وإمضاء مَا يُريد إمضاءه من الشّؤون.

وهُم المِرآة الَّتي ينظر بها الرعية إليه، وأعمالهُم تُنسب إليه وتحمل عليه، ويناله خَيرها وشرها.

والوجدان الطَّبقي لهذه الطبقة ينزع بها نحو التسلط الناشيء من ت-صورات القوّة والهيبة والنفوذ، ويصبح هذا الوجدان خطراً وَبِيلاً إِذَا عبَّر عن نفسه في غَير موضعه، وجَرى في غَير أقنيته.

لهذا وذاك: لمكان الخطر فيهم، ومبلغ الفائدة منهم، أحتاط لهم الإمام وأحتاط منهم، فوضع الشروط الَّتي يُنتخبون على أساسها، والطَّريقة الَّتي يعاملون بها، و «الكوابح » الَّتي تزعهم عن أَنْ يَسيئوا سُلطانهم وأَنْ يَخرجوا به عمّا أُنشىء لأجله من منفعة الرعية إلى استغلاله في سبيل المنافع الخاصة والمصالح الشخصية.


لا يدخل في هذه الطبقة كلَّ مَن شَاء له الحاكم أَنْ يَدخل، وإِنَّما يَدخل فيها من

خبر المُجتمع عن كتب، فعرف حاجاته، وتبين نقائصه، فإنسَان كهَذا إذا ولي عملاً مضى فيه على بصيرة، فلا يرتجل الخُطط إرتجالاً دون أَنْ يَعي حاجات المُجْتَمَع، ويُلبي في خُططه ومناهجه هذه الحَاجَات.

وإلى جانب التجربة والخُبرة العملية يجب أَنْ يَتوفر لهُ مُستوى عال من الأخلاق، فهو كما قلنا، المرآة الَّتي يُنظر بها الشعب إلى الحاكم، ولذلك فينبغي أَنْ يكُون عَلى خُلق رفيع يُمسكه عن الشطط ومُجانبة العدل، ويستقيم به على الجادة، ويَوْم به قصد السبيل. فالحياء خُلق يجب أن يتوفر فيه، والحياء هنا ليس على معناه المُبتذل، وإِنَّما هو الحياء من النفس.. من تلويثها بالظلم والعدوان والتهاون في القيام بالواجب، وهذا الخُلق يدفع بصاحبه دائماً إلى التعالي والتسامي.

ويجب أَنْ تَتوفر فيه صفة القناعة، بأنْ لا يُلوث نفسه برذيلة الطّمع الَّتي تُوشك أَنْ تَنقلب إلى حقيقة خارجية حين تجد لها محلاً في نفس الإنسان، وصدى في تصوراته.

وإلى جانب هذه الميزات يجب أن يجمع بعد النظر، وأصالة الفكر، وجودة الفهم، فهذه الصفات ضرورية لمَن أُنيط به أمر جماعة من النّاس وأعتبر مسؤولاً عن أمنهم ونشاطهم الإجتماعي.

ولم يكُن في زمن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مدارس تعدّ الموظفين الإداريين، وتُلقنهم الثقافة الإدارية، لذلك أرشد الإمام الحاكم إلى أختيار هؤلاء من بين أبناء الأسر المُحافظة على التقاليد، الآخذة أبنائها بطراز عال من التربية العاملة على تنشئتهم تنشئة نموذجية.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«ثُمَّ أنْظُرْ فِى أُمُورِ عُمَّالِكَ فَأَسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَاراً، وَلا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةٌ وَأَثَرَةٌ، فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ. وَتَوَجَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَجْرِبَة وَالْحَيَاءِ، مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالْقَدَمِ فِي الْإِسْلامِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلاقاً، وَأَصَحُ أَعْرَاضاً، وَأَقَلُّ فِي الْمَطَامِعِ إِشْرَاقاً، وَأَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَراً. ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ، فَإِنَّ ذَلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلاح أنْفُسِهِمْ، وَغِنىً لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ تَلَمُوا أَمَانَتَكَ (1).

عَهْدُ الأَشْتَر

وَيَخضع هؤلاء الولاة في ولايتهم للإختبار، فحين ينتقيهم الحاكم ممن توفرت فيهم الشروط السابقة يجب عليه أنْ يُوليهم أختباراً، فيرى، وقد عرف نظرياً مدى كفاءاتهم، إلى كفاءاتهم في المجال العملي، فَإِذا أثبتوا أنهم أكفاء حقاً، وأنهم يعون مسؤوليات عملهم وآلياته ثبتوا وإلا عُزلوا، واستبدل بهم غيرهم.

لهذا المبدأ، مبدأ الإختبار، يجب أنْ يَخضع أختيار الوُلاَة، أمّا أَنْ يُوليهم الأعمال تحباً إليهم، ودون أنْ يَستشير في أمرهم، ودون أن يعرف مدى


1) أنظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة ( 53 ) « العُمَّال ».

كفاءاتهم، فذلك جور عن الحق، وأنحراف عن الجادة، وخيانة للأُمة في مصالحها، فإن مصالح الأُمَّة أمانة في يد الحاكم يجب أنْ يُسلمها إلى أكفاً ولاته.

ومن هنا نعلم أَنَّ القوانين الحديثة الَّتي تنص على وجوب خضُوع الموظف الإداري الحَدِيث العهد بالوظيفة لفترة اختبار تطول وتقصر، لم تأت بجديد، فقد أدرك الإمام قبلها بقرون وقُرون هَذه الحقيقة وسجّلها في قانونه العَظِيم.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«ثُمَّ أنْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ فَأَسْتَعْمِلُهُمُ اخْتِبَاراً، وَلا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةٌ وَأَثَرَةٌ، فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ » (1).

عَهْدُ الأَشْتَر


وليس يكفي في حُسن الظَّن بهم والركون إليهم مُراعاة الدقة في انتخابهم، فَإنّ الوجدان الطبقي لهؤلاء ينزع بهم نحو التسلط وإظهار القوة، وحين يجري هذا الوجدان في غير أقنيته يصير خَطراً على الرعية، لأَنه يَدفع صاحبه حِينئذٍ إِلَى الإنحراف والزيخ.

لأجل هذا يُقرّر الإمام أنّ عَلى الحاكم ألأ يغفل عن تعقب هذه الطبقة ومراقبتها، فيُلزمه بإنتخاب رُقباء من أهل الدين والمعرفة والأمانة يبثهم في أطراف البلاد، ويجعلهم عيوناً لهُ عَلى عماله، يُراقبونهم في أعمالهم، ويرصدون مبلغ ما يتمتع به هؤلاء الولاة من خُبرة في الإدارة، وقُدرة على التنظيم، ومعرفة


1) أنظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة (53 ) « العُمَّال ».

بوجوه الإصلاح، ثُمّ يرفعون ذلك كلّه إلى الحاكم فيُنكل بالمُنحرف الَّذي خَان أمانته، ويَستأديه مَا حَاز لنفسه من أموال المُسلمين، ويجعله عبرة لغيره. ويُشجع الصالح في نفسه، الصالح في عمله. ويُرشد المُخطيء إلى وجه الصواب.

إن هذا التدبير يُمسك الوالي عن الإسراف ويحمله على العدل في الرعية، لأنه حين يعلم أنَّ ثمّة عَيناً ترقب أفعاله يحذر من الخروج عن الجادة، ويحرص على أتباع ما يصلح بلاده وهذا التدبير الَّذي نهجه الإمام هو نظام التفتيش المعمول به الآن في الدُّول المعاصرة.

قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«ثُمَّ تَفَقَدْ أَعْمَالَهُمْ، وَأَبْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لأُمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْأَمَانَةِ، وَالرِّفْقِ بالرَّعِيَّةِ. وَتَحَفَّظ مِنَ الْأَعْوَانِ؛ فَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَةٍ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ، أَكْتَفَيْتَ بِذَلِكَ شَاهِداً، فَبَسَطتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ، وَأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ، ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ، وَوَسَمْتَهُ بِالْخِيَانَةِ، وَقَلَّدْتَهُ عَارَ الشُّهَمَةِ » (1).

عَهْدُ الأَشْتَر

ولقد كان الإِمَام يَحرص أشد الحرص على اتباع هذا الأسلوب مع ولاته،


1) انظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة (53) «العُمَّال ».

ففي نهج البلاغة طَائِفَة كَبيرة من كُتبه إِلى عُمّاله تدور كلّها حول هذا المعنى، فِيها تنديد بخيانة، وعَزل عن ولآية، وزجر عن ظُلم الرعية، وفيها توجيه وإرشاد ونَصيحة.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ وَلَكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ، وَأَنْتَ مُسْتَرْعى لِمَنْ فَوْقَكَ. لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفْتَاتَ فِي رَعِيَّةٍ، وَلا تُخَاطِرَ إِلا بِوَثِيقَةٍ، وَفِي يَدَيْكَ مَالٌ مِنْ مَالِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْتَ مِنْ خُزَّانِهِ حَتَّى تُسَلَّمَهُ إِلَيَّ، وَلَعَلِّي أَلا أَكُونَ شَرَّ وَلاتِكَ لَكَ، وَالسَّلام (1)

من كتَابِ لَهُ إِلَى الأَشعث بن قيس عامله عَلى آذربیجان، رقم النّص: ( 5 ): « وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ وَلَكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ، وَأَنْتَ مُسْتَرْعَى لِمَنْ فَوْقَكَ. لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفْتَاتَ فِي رَعِيَّةٍ، وَلا تُخَاطِرَ إلا بِوَثِيقَةٍ، وَفِي يَدَيْكَ مَالٌ مِنْ مَالِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْتَ مِنْ خُزَانِهِ حَتَّى تُسلمه إلَى، وَلَعَلّي ألا أكون شر ولاتِكَ لَكَ، وَالسَّلامُ».

.

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«فَإِنَّ دَهَاقِينَ أَهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةٌ وَقَسْوَةٌ، وَاحْتِقَاراً وَجَفْوَةً، وَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلاً لأَنْ يُدْنَوْا لِشِرْكِهِمْ، وَلا أَنْ يُقْصَوْا وَيُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ، فَالْبَسْ لَهُمْ جِلْبَاباً مِنَ الدِّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَفٍ مِنَ الشِّدَّةِ، وَدَاوِلْ لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ وَالرَّأْفَةِ، وَأَمْرُجْ لَهُمْ


1) انظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة ( 5 ) « الوَظِيفَة أَمَانَة لَا طُعْمَة».

بَيْنَ التَّقْرِيبِ وَالْإِدْنَاءِ، وَالْإِبْعَادِ وَالْإِقْصَاءِ إِنْ شَاءَ الله» (1).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ، إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطتَ رَبَّكَ، وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ، وَأَخْزَيْتَ أَمَانَتَكَ. بَلَغَنِي أَنَّكَ جَرَّدْتَ الْأَرْضَ فَأَخَذْتَ مَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ، وَأَكَلْتَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ، فَأَرْفَعْ إِلَيَّ حِسَابَكَ، وَأَعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ، وَالسَّلَامُ» (2).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطَتَ إِلَهَكَ، وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ: أَنَّكَ تَقْسِمُ فَيْءَ الْمُسْلِمِينَ الَّذي حَازَتْهُ رِمَاحُهُمْ وَخُيُولُهُمْ، وَأُرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ فِيمَنِ اعْتَامَكَ مِنْ أَعْرَابِ قَوْمِكَ. فَوَالَّذي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ (3)، لَئِنْ كَانَ ذَلِكَ حَقًّا لَتَجِدَنَّ لَكَ عَلَيَّ هَوَاناً، وَلَتَخِفَّنَّ عِنْدِي مِيزَانَا، فَلَا تَسْتَهِنْ بِحَقِّ رَبِّكَ، وَلَا تُصْلِحْ دُنْيَاكَ بِمَحْقِ دِينِكَ، فَتَكُونَ


1) انظر، نَهْج البلاغة: الرِّسَالَة (19) «المُعَاهَدُون».

2) انظر، نهج البلاغة: الرَّسَالَة (40) «إِلَى بَعْضَ عُمَّالِهِ ».

3) بَرَا: خَلق. والنَّسَمَةَ: الرّوح.

مِنَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً.

أَلَا وَإِنَّ حَقَّ مَنْ قِبَلَكَ وَقِبَلَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي قِسْمَةِ هَذَا الْفَيْءِ سَوَاءٌ يَرِدُونَ عِنْدِي عَلَيْهِ، وَيَصْدُرُونَ عَنْهُ » (1).

وقد كَانت شُرور هَذه الطبقة هي الَّتي سَبِّبت الثورة عَلَى عُثمَانِ، فَقد ولَّىٰ عَلَى البلاد الأحداث من ذوي قرابته، ممّن لا خُبرة لهم في الحكم، ولا عاصم لهم من دين، ولا ورع لهم عن المحارم، فَظلموا الرعية، وأمتصوا دمائها، وكانت عاقبة ذَلكَ وبَالاً (2)

1 - طَلَبَ مِنْهُ عَبد الله بن خالد بن أُسَيد الأُمُوي صِلَةَ، فَأَعطاه أَربَعِينَة أَلِف دِرهَم.

2 - أَعَادَ الحَكَم بن العاص بعد أَنْ نَفَاه رَسُول الله، وَأَعطَاهُ مِنَة أَلِف دِرهَم. 3 - تَصَدق رَسُول الله بموضع سُوق المَدِينَة عَلَى المُسلمين، فَأَعطَاءِ عُثمان للحارث الأُمُوي.

4 - أَعطَى مَرَوَان فَدكَاً، وَقَد كَانَت فَاطِمَة طَلَبَتهَا بَعد أَبِيهَا، فَدُفعَت عَنْهَا.

5 - حَمَى المَرَاعِي حَول المَدِينَة كُلّها مِنْ مواشي المُسْلِمِين كُلَّهُم إِلا عَنْ بَنِي أُمَيَّة.

6 - أغطى عبد الله بن أبي الشرح جميع ما أفاء الله مِنْ فَتح إفريقيا بالمغرب، مِن غَير أَنْ يُشرك فيه أحداً من المُسْلِمِين.

7- أعْطى أبا سُفْيَان مِئَتي ألف، ومروان مِئَة ألف من بيت المُسلمين في يوم واحد.

8- أتاه أبو مُوسى الأشعري بأموال كثيرة من العراق، فقسمها كُلّها فِي بَني أُمَيَّة.

9 - تَزوّج الحارث بن الحكم، فَأَعْطَاء مِئَة أَلف مِن بَيت المال.

10 - نفى أَبَا ذَرٌ رَحِمه الله إِلَى الرَّبذَة، لمُناهضته مُعَاوِيَة فِي كُنز الذهب والفضّة.

11 - ضَرَب عَبدالله بن مَسْعُود حَتَّىٰ كَسَر أَضلاعه.

12 - عَطَّل الحُدُود، وَلَم يَرد المظالم، وَلَم يَكف الأيدي العادية.

13 - كَتَب إِلَى عامله في مصر يأمره بقتل قادة الثورة».

أنظر، يوم الإسلام: 58 طَبعَة 1958م، المَصابيح، لأحمد بن إبراهيم: 288، العقد الفَرِيد 1، الإِمَامَة والسَّيَّاسَة: 491/1، وتأريخ الطبري: 477/3، المَصابيح، لأحمد بن إبراهيم: 288، « الزَّيدِيَّة بَيْن الإِمَامِيَّة وَأَهْل السُّنَّة درَاسَة تَارِيخِيَة تحليلية في نَشأَتهَا وَظُهُورهَا وَعَقائِدهَا وفرقهَا »: 72، للأستاذ سامي الغريري.

وقَالَ أحمد أمين المصري: « وكان من أكبر الشخصيات البارزة في مُحَارِبتِه، وَتَأْلِيب النَّاسِ عَلَيهِ عائشة بنت أبي بكر ».

أنظر، يَوْمِ الإِسلام: 57 طَبعَة 1958م، النهاية لابن الأثير: 80/5، تأريخ الفتوح: 155، شرح النهج: 77/4، تأريخ اليعقوبي: 152/2 طبعة الغري، الاستيعاب بهامش الإصابة: 2/ 192، تذكرة الخواص: 61 و 43، تأريخ الطبري: 407/4 و 459 و 465، الكَامِل لابن الأثير: 206/3، العقد الفريد: 295/4 الطبقات الكبرى: 25/5 و 36 طبعة لندن، أنساب الأشراف: 5/ 70 و 75 و 91، تأريخ أبي الفِدَاء: 1/ 172، الإمامه والسياسة: 43/1.

وقَالَ: « إِنْ قَتل عُمَر وعَلي كَان حادثة فَرْدِيَة، وَمُؤامرة جزئية، أمَّا مَقْتل عُثْمَان فَقَد كَان شَورَة شَعبية للأقطار الإِسلامية ». أَي أَنَّ عَليَّاً وعُمَر لَم يقتلهما المُسلِمُون، أَمَّا عُثمَان فَقْد قَتَلَهُ المُسلِمُون أَنفسهم.

أنظر، يَوْم الْإِسْلام: 61 طَبْعَة 1958م.

وقَالَ: «كَرِهَ كَثِير مِنْ الصَّحَابَة أَنْ يَجْمع بَينَ النُّبوَّة والخِلافَة، وَلِعِلمهم بشدّة عَليّ في الحَقِّ وَعَدم تساهله».

أنظر، يَوْم الإِسْلام: 53 طَبْعَة 1958م.

.

1) أنظر، نَهْج البلاغة: الرِّسَالَة (43) « إِلَى مَصْقَلَة بن هُبَيْرَة».

2) «وكَان أَهُم مَا نَقَمِ النَّاسِ عَلَى عُثمَان»:

وعلى النقيض من هَذا كَانت سياسة الإمام مع ولاته، فهو ينتخبهم إنتخاباً، ثُمّ يُوليهم أختباراً، ثُمّ يُراقبهم ويحملهم على الإصلاح ما وجد إِلَى ذَلكَ سَبيلاً.


والعامل الإقتصادي أداة يستخدمها الإمام هُنا - كما في كلّ موطن - لأجل ضمان استقامة الوُلاَة عَلى مَا سنّه لهُم من شرائع العدل. ولذلك لم يغفل الإمام ال ما للعامل الإقتصادي من عظيم الأثر في إصلاح هذه الطبقة وإفسادها، فقد تدفع

الحاجة أحدهم إلى الخيانة والظَّلم، وهم - كما عبّر عنهم الإمام في بعض كُتبه: « خُزَانُ الرَّعِيَّةِ، وَوُكَلَاءُ الْأُمَّةِ، وَسُفَرَاءُ الْأَئِمَّةِ » (1). فَلَو ضَيّق عليهم الحاكم في الرّزق، ولم يُرفه عليهم في النعمة، كان حرمانهم مدعاة إِلَى أَنْ تَطمح أعينهم إلى ما أنتمنوا عليه من مال، وذلك داعية إلى الرّغبة في الخيانة، وأختلاس شيء من أموال الأُمَّة.

لهَذا أشار الإِمَام عَلى حَاكم مصر بأن يُوسّع على الولاة في الرّزق، لثلاً يتخذوا الحاجة مبرراً للخيانة.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«ثُمَّ أَسْبِعْ عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ، فَإِنَّ ذَلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلاح أَنْفُسِهِمْ، وَغِنىً لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ تَلَمُوا أَمَانَتَكَ» (2).

عَهْدُ الأَشْتَر


راجع في باب الكُتب عَهْد الأَشْتَر: وكتاباً منه إلى الأشعث بن قيس (3)

وعَن أبن سيرين أن الأشعث بن قيس صحب رَجُلاً فرأى أمرأته فأعجبته، قَالَ فتوفّىٰ فِي الطَّريق فخَطبها الأشعث بن قيس، فَأبت أن تتزوجه الا على حكمها فتزوجها عَلَى حُكمها، ثُمَّ طَلقها قبل أنْ تحكم، فقال: أحكمي ! فقالت: أحكم فُلاناً وفُلاناً رَقِيقين، كانوا لأبيه من بلاده فقال: أحكمي غير هَؤُلاء ؟ فَأتى عُمَرَ، فَقَال يَا أَمير المُؤمِنِين عَجزت ثلاث مَرَّات، فقَال مَا هنَ؟ قَالَ: عَشقت أمرأة... أنظر، في كتاب الأم للإمام الشافعي: 77/5.

وقد نَزَلَ فِيهِ قَولَه تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَبِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ آلِ عِمْرَانَ: 77، لأَنه خَاصم رَجُلاً فِي بئرٍ.

أنظر، صَحِيح البخاري: 159/3 و: 5 / 167، صحیح مُسلم: 86/1، سُنن ابن ماجه: 778/2، سُنن الترمذي: 370/2 و: 292/4، المجموع: 43/14، المُغني لابن قُدَامَة: 12 / 114 و 121، بداية المجتهد: 383/2، نيل الأوطار: 216/9، دعائم الإسلام: 369/1.

عامل

1) أنظر، نهج البلاغة - من كتاب له إلى عماله عَلَى الخَرَاج، رَقمِ النَّص: (51).

2) أنظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة (53) «العُمَّال ».

3) أنظر، ترجمته في المعارف لابن قتيبة: 168، أسد الغابة: 18/1، الأخبار الطوال: 156، الفتوح لابن أعتم: 367/2، العقد الفريد: 330/4، الشافي: 4 / 129 - 135 المَطبوع و: 193 رقم 1282 المخطوط في مكتبة السَّيِّد المرعشي النجفي، وتلخيص الشافي للشيخ الطوسي: 162/3 - 167، شرح النهج لابن أبي الحَدِيد: 30/2 - 33 طَبعَة القديم، المسترشد في الإمامة للطبري: 353 تحقيق الشيخ المحمودي.

آذربايجان (1). وكتاباً منه إلى عبد الله بن عباس عامل البَصْرَة (2)

«وَأَعْلَمْ أَنَّ الْبَصْرَةَ مَهْبِطُ إبْلِيسَ، وَمَغْرِسُ الْفِتَنِ، فَحَادِتْ أَهْلَهَا بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَأَحْلُلْ عُقْدَةً الْخَوْفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ. وَقَدْ بَلَغَنِي تَنَمُّرُكَ لِبَنِي تَمِيمٍ، وَغِلْظَتُكَ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّ بَنِي تَمِيمٍ لَمْ يَغِبْ لَهُمْ نَجْمَ إِلا طَلَعَ لَهُمْ آخَرُ، وَإِنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا بِوَغْمٍ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلامِ، وَإِنَّ لَهُمْ بِنَا رَحِماً مَاشَةٌ، وَقَرَابَةٌ خَاصَّةً، نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِهَا، وَمَأْزُورُونَ عَلَى قَطِيعَتِهَا. فَأَرْبَعْ أَبَا الْعَبَّاسِ، رَحِمَكَ اللَّهُ، فِيمَا جَرَىٰ عَلَىٰ لِسَانِكَ وَيَدِكَ مِنْ خَيْرٍ وَ شَرًا فَإِنَّا شَرِيكَانِ فِي ذَلِكَ، وَكُنْ عِنْدَ صَالِحٍ ظَنِّي بِكَ، وَلَا يَفِيلَنَّ رَأْيِي فِيكَ، وَالسَّلام».

وَأنظر، نهج البلاغة: الرَّسَالَة (76). « لابن عباس».

« سَعِ النَّاسَ بِوَجْهِكَ، وَمَجْلِسِكَ، وَحُكْمِكَ، وَإِيَّاكَ وَالْغَضَبَ فَإِنَّهُ طَيْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَأَعْلَمْ أَنَّ مَا قَرَّبَكَ مِنَ اللهِ يُبَاعِدُكَ مِنَ النَّارِ، وَمَا بَاعَدَكَ مِنَ اللهِ يُقَرِّبُكَ مِنَ النَّارِ ».

كَانَ عَبدالله بن عَبَّاس قَد أَشتد عَلَى بَني تميم لأنهم كانوا مَع طَلحَةُ وَالزُّبَيرُ يَوم الجَمَل، فأقصى الكَثِير مِنهُم، حَتَّى كَان يُسميهم بشِيعَة الجَمَل، وأنصار عَسكر، وحزب الشيطان، فَعَظُم ذَلِكَ عَلى بعضهم من شيعة الإمام، ومِنهُم حَارثة - جَارِية - بن قُدَامَة، فَكَتَب حَارثة إِلى الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، يَسْكُو إِلَيْهِ عَبدالله بن عَبَّاس.

ولِبَني عَمرُو بن تميم خصال تعرفها لهُم العَرَب ولا يُنَازعم فيها أحد، فمِنها أكرم النَّاس عمّاً وعمة. وجداً وجدة، وهو هند بن أبي هالة، وأسم أبي هالة - نباش بن زرارة - أحد بني عمرو بن تميم، وكانت خَدِيجَة بنت خُوَيْلد (عَلَيهَا السَّلَامُ)، تحت أبي هالة فولدت له هنداً، ثُمَّ تزوّجها رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏)، وهند بن أبي هالة غلام صغير فتبناه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏)، ثُمَّ ولدت له خَدِيجَة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، القاسم والطَّاهر وزينب، وفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، فكان هند بن أبي هالة أخاهم لأنهم، ثُمّ أولد هند بن أبي هالة هند بن هند. فهذا الثاني أكرم النَّاسِ جَداً وجَدة - يعني رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏)، وخَدِيجَة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وأكرم الناس عماً وعمة - يعني بني النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) وَبَنَاته.

أنظر، شرح نهج البلاغة لابن مِيثَم البحراني: 395/4، شرح نهج البلاغة لمُحَمَّد عَبدَه: 18/3، شَرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 125/15 و 132.

. وكتاباً منه إلى

1) تَقدَّم ذَلكَ.

2) انظر، نهج البلاغة: الرَّسَالَة (18). « لابن عَبَّاس ».

بَعض عُمّاله (1)

« أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ دَهَاقِينَ أَهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةٌ وَقَسْوَةٌ، وَاحْتِقَاراً وَجَفْوَةً، وَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلاً لِأَنْ يُدْنَوْا لِشِرْكِهِمْ، وَلا أَنْ يُقْصَوْا وَيُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ، فَالْبَسْ لَهُمْ جِلْبَاباً مِنَ الدِّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَفٍ مِنَ الشِّدَّةِ، وَدَاوِلُ لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ وَالرَّأْفَةِ، وَأَمْرُجْ لَهُمْ بَيْنَ التَّقْرِيبِ وَالْإِدْنَاء، وَالْإِبْعَادِ وَالْإِقْصَاءِ، إِنْ شَاءَ الله».

. وكتابين منه إلى زياد بن أبيه (2)

«وَإنِّي أُقْسِمُ بِاللهِ قَسَماً صَادِقاً، لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْءٍ الْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبِيراً. لأَشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةٌ تَدَعُكَ قَلِيلَ الْوَفْرِ، ثَقِيلَ الظَّهْرِ، ضَيْيلَ الْأَمْرِ، وَالسَّلام».

أنظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة ( 21 ). « مَوْعِظَة زِيَاد أبن أَبِيه».

« فَدَع الإسْرَافَ مُقْتَصِداً، وَاذْكُرْ فِي الْيَوْم غَداً، وَأَمْسِكْ مِنَ الْمَالِ بِقَدْرِ ضَرُورَتِكَ، وَقَدم الفَضْلَ اليَوْم حَاجَتِكَ. أَتَرْجُو أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ أَجْرَ الْمُتَوَاضِعِينَ وَأَنْتَ عِنْدَهُ مِنَ الْمُتَكَبِرِينَ وَتَطْمَعُ وَأَنتَ مُتَمَرغ في النعيم، تَمْنَعُهُ الضَّعِيفَ والأَرْمَلَةَ - أَنْ يُوجِبَ لَكَ ثَوَابَ المُتَصَدِّقِينَ؟ وَإِنَّمَا الْمَرْءُ مَجْزِي بِمَا أَسْلَفَ. وَقَادِمٌ عَلَى مَا قَدَّمَ، وَالسَّلام».

. وكتَابَين منهُ إِلى بَعض عُمّاله (3)

«أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ، إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطتَ رَبَّكَ، وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ، وَأَخْزَيْتَ أَمَانَتَكَ. بَلَغَنِي أَنَّكَ جَرَّدْتَ الْأَرْضَ فَأَخَذْتَ مَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ، وَأَكَلْتَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ، فَأَرْفَعْ إِلَيَّ حِسَابَكَ، وَأَعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ، وَالسَّلَامُ ».

أنظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة (41). «قَلَبْتَ لِابْنِ عَمِّكَ ظَهْرَ الْمِجَنِّ ».

« أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي كُنْتُ أَشْرَ كُتُكَ فِي أَمَانَتِي، وَجَعَلْتُكَ شِعَارِي وَبِطَانَتِي، وَلَمْ يَكُنْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي أَوْ تَقَ مِنْكَ فِي نَفْسِي لِمُوَاسَاتِي وَمُوَازَرَتِي وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَيَّ؛ فَلَمَّا رَأَيْتَ الزَّمَانَ عَلَى ابْنِ عَمِّكَ قَدْ كَلِبَ، وَالْعَدُوَّ قَدْ حَرِبَ، وَأَمَانَةَ النَّاسِ قَدْ خَزِيَتْ، وَهَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ فَنَكَتْ وَشَفَرَتْ، قَلَبْتَ لِابْنِ عَمِّكَ ظَهْرَ الْمِجَنِّ فَفَارَقْتَهُ مَعَ الْمُفَارِقِينَ، وَخَذَلْتَهُ مَعَ الْخَاذِلِينَ، وَخُنْتَهُ مَعَ الْخَائِنِينَ، فَلَا أَبْنَ عَمِّكَ آسَيْتَ، وَلَا الْأَمَانَةَ أَدَّيْتَ. وَكَأَنَّكَ لَمْ تَكُنِ اللهَ تُرِيدُ بِجِهَادِكَ، وَكَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكَ، وَكَأَنَّكَ إِنَّمَا كُنْتَ تَكِيدُ هَذِهِ الْأُمَّةَ عَنْ دُنْيَاهُمْ، وَتَنْوِي غِرَّتَهُمْ عَنْ فَيْنِهِمْ، فَلَمَّا أَمْكَنَتْكَ السُّدَّةُ فِي خِيَانَةِ الْأُمِّةِ أَسْرَعْتَ الْكَرَّةَ، وَعَاجَلْتَ الوَثْبَةَ، وَاخْتَطَفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمُ الْمَصُونَةِ لِأَرَامِلِهِمْ وَأَيْتَامِهِمُ اخْتِطَافَ الذَّنْبِ الْأَزَلُ دَامِيَةَ الْمِعْزَى الْكَسِيرَةَ، فَحَمَلْتَهُ إِلَى الْحِجَازِ رَحِيبَ الصَّدْرِ بِحَمْلِهِ، غَيْرَ مُتَأَتُم مِنْ أَخْذِهِ، كَأَنَّكَ لَا أَبَا - لِغَيْرِكَ حَدَرْتَ إِلَى أَهْلِكَ تُرَانَكَ مِنْ أبِيكَ وَأُمِّكَ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ! أَمَا تُؤْمِنُ بِالْمَعَادِ ؟ أَوَمَا تَخَافُ نِقَاشَ الْحِسَابِ».

،

1) أنظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة ( 19 ). الخِطَاب مِن الْإِمَام لِبَعض عُمَّالِهِ ».

2) انظر، نَهج البلاغة: الرِّسَالَة ( 20 ). « تَهْدِيد زِيَاد أبن أبيه ».

3) أنظر، نَهج البلاغة: الرِّسَالَة ( 40 ). « إِلَى بَعْضَ عُمَّالِهِ ».

وكتاباً منه إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني عامل أردشير خرّة (1)

بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ إِلَهَكَ، وَ عَصَيْتَ إِمَامَكَ: أَنَّكَ تَقْسِمُ فَيْءَ الْمُسْلِمِينَ الَّذي حَازَتْهُ رِمَاحُهُمْ وَخُيُولُهُمْ، وَأُرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ، فِيمَن أَعْتَامَكَ مِنْ أَعْرَابِ قَوْمِكَ، فَوَالَّذي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَئِنْ كَانَ ذَلِكَ حَقّاً لَتَجِدَنَّ لَكَ عَلَيَّ هَوَاناً، وَلَتَخِفْنَّ عِنْدِي مِيزَانَا، فَلَا تَسْتَهِنْ بِحَقِّ رَبِّكَ، وَلَا تُصْلِحْ دُنْيَاكَ بِمَعْقِ دِينِكَ، فَتَكُونَ مِنَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا. أَلَا وَإِنَّ حَقٌّ مَنْ قِبَلَكَ وَقِبْلَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ فِي قِسْمَةِ هَذَا الْفَيْءِ سَوَاءٌ: يَرِدُونَ عِنْدِي عَلَيْهِ، وَيَصْدُرُونَ عَنْهُ».

أَنَّ مَصْقَلَة بن هُبَيرَة هَرَب إِلى مُعَاوِيَة لأنَّ الإمام طالبه بحَقِّ المُسلِمِينَ، وَكَان عَامِلاً لهُ عَلَى بَلدة من بلاد العجم تُسمّى أردشير خُرّة - أنظر، مُعجم البلدان: 146/1، فتوح البلدان: 476/2. وهي بلدة من بلاد العجم، بل هي أكبر كُور فارس، ومن مدنها شيراز. وتُكتب أردشير خُرَّة، بضم الخاء وتشديد الرّار المهملة، والهاء المهملة، وتَارَة بِفتح الخاء، والرَّاء والهاء مُهملة. وكَان قَد بَلَغَ الْإِمَام أَنَّ مَصقَلَة - قَبلَ هَرُوبه إِلى مُعَاوِيَة كَان يَحرُم المُسلِمِين من أموالهم، ويُؤثر بها أرحامه، وأبناء قبيلته فَكَتب إِلَيْهِ بِذَلِكَ.

. وكتاباً منه إلى

1) أنظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة (43). « إِلَى مَصْقَلَة بن هُبَيْرَة».

عُثمان بن حنيف الأنصاري (1)

أنظر، التَّارِيخ الكبير: 209/1، الجرح والتعديل: 146/6، الاستيعاب: 89/3، الإصابة: 459/2، تهذيب التهذيب: 103/7، أسد الغابة: 371/3، وتَارِيخ الطَّبَري: 465/3.

وَكَانَت فِتنَة الجَمَل الأَصغَر فِي البَصَرَةِ لخَمس بَقِين من ربيع الثاني سَنَة ( 36 ها قبل وصول الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِلَيْهَا، وكان عاملها عُثمان بن حُنَيف الأنصاري الَّذي أَسْرَه جيش أُمّ المُؤمِنِين، وطَلحَة، والزبير، والَّذي قتل مَن في المسجد (40) رَجُلاً من شيعة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَقُتل أيضاً (70) آخرين في مكانٍ آخر. وكان عُثمان من الصَّحَابَة الأجلاء. وأرادوا قتله لَكِنَّهُم خَافُوا مِن أَنْ يَثأر لَهُ أَخُوه سَهل، والأنصار جَمِيعاً فَعَمدُوا عَلى نَتف لحيته، وشاربيه وحاجبيه وشعر رأسه، وضَرَبُوه ضَربَاً مُبرحاً، وطَردُوه من البصرة. وقَابَلهُم بَعد ذلِكَ حَكيم بن جبلة مَع جَمَاعَة من بني عبد القيس، ومن ربيعة فأقتَتَلُوا مَعهُم حَتَّى استشهد منهم جماعة، ومنهم الأشرف بن حكيم، وأخوه الرَّعل، وفتحت البصرة كما ذكر صاحب أسد الغابة: 38/2، وشرح نهج البلاغة: لابن أبي الحَدِيد: 481/2 طبعة بيروت أفست، وأنساب الأشراف للبلاذري: 228/2، ومروج الذهب للمسعُودي: 358/2 تَارِيخ الطبري: 178/5.

عامل البَصْرَة (2)

«أَمَّا بَعْدُ، يَا أَبْنَ حُنَيْفٍ: فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إِلَىٰ مَأْدُبَةٍ فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ الْأَلْوَانُ، وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ. وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامٍ قَوْمٍ، عَائِلُهُمْ مَجْفُةٌ، وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُو. فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ، فَمَا أَشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ، وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيبٍ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ.

أَلَا وَإِنَّ لِكُلٍّ مَأْمُومٍ إِمَاماً، يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ: أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَىٰ مِنْ دُنْيَاهُ بِعِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ. أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعَ وَأَجْتِهَادٍ، وَعِفْةٍ وَسَدَادٍ. فَوَاللَّهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً، وَلَا أَدَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً، وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي تَوْيِي طِمْراً. وَلَا حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبراً، وَلَا أَخَذْتُ مِنْهُ إِلَّا تَقُوتِ أَتَانٍ دَبِرَةٍ، وَلَهِيَ فِي عَيْنِي أَوْهَىٰ وَأَوْهَنُ مِنْ عَفْصَةٍ مَقِرَةٍ. بَلَىٰ كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكَ مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ، فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ قَوْمِ آخَرِينَ، وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ. وَمَا أَصْنَعُ بِقَدَكٍ وَغَيْرِ فَدَكٍ، وَالنَّفْسُ مَظَانُهَا فِي غَدٍ جَدَتْ تَنْقَطِعُ في ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا، وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا، وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا، وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا، لَأَضْغَطَهَا الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ، وَسَدَّ فُرَجَهَا التَّرَابُ الْمُتَرَاكِمُ: وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَىٰ لِتَأْتِيَ آمِنَةٌ يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبَرِ، وَتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ. وَلَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفًّى هَذَا الْعَسَلِ، وَلُبَابِ هَذَا الْقَمْحِ، وَنَسَائِحِ هَذَا الْقَزْ. وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِيَنِي هَوَايَ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَىٰ تَخَيْرِ الْأَطْعِمَةِ - وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ، وَلَا عَهْدَ لَهُ بِالشَّبَع - أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْتَىٰ وَأَكْبَادٌ حَرَّى، أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:

وَحَسْبُكَ دَاءٌ أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ *** وَ حَوْلَكَ أَكْبَادُ تَحِنُّ إلى القد

يُنْسَب هَذَا البيت لحاتم بن عبد الله الطَّائي كما جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 288/16، ودِيوان الحمَاسَة بِشَرح الزرقاني: 1668/4.

. وكتاباً منه إلى عُمّاله على

1) هُوَ عُثمان بن حنيف بن واهب بن الحكيم الأنصاري الأُوِيسِي أَبُو عَمْرُو، وَأَبُو عَبد الله، شَهِد أَحداً وما بعدها، أستعمله عُمر بن الخَطَّابِ عَلى مساحة العِرَاق، وأستعمله عليّ على البصرة.

2) أنظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة ( 45 ). « إِلى عُثْمَانَ بن حُنَيْفَ الْأَنْصَارِي ».

الخَراج (1)وكتاباً منه إلى الأسود بن قحطبة (2)صاحب جُند حلوان (3)

« أمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْوَالِي إِذَا اخْتَلَفَ هَوَاهُ مَنَعَهُ ذَلِكَ كَثِيراً مِنَ الْعَدْلِ، فَلْيَكُنْ أمْرُ النَّاسِ عِنْدَكَ فِي الْحَقِّ سَوَاءٌ: فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَوْرِ عِوَضٌ مِنَ الْعَدْلِ، فَاجْتَنِبْ مَا تُنْكِرُ أَمْثَالَهُ، وَابْتَذِلْ نَفْسَكَ فِيمَا أَفْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ، رَاجِياً تَوَابَهُ، وَمُتَخَوْفاً عِقَابَهُ. وَأَعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ يَلِيَّةٍ لَمْ يَفْرُغْ صَاحِبُهَا فِيهَا قَطُّ سَاعَةُ الأَكَانَتْ فَرْغَتُهُ عَلَيْهِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّهُ لَنْ يُغْنِيَكَ عَنِ الْحَقِّ شَيْءٌ أَبَداً؛ وَمِنَ الْحَقِّ عَلَيْكَ حِفْظُ نَفْسِكَ، وَالْإِحْتِسَابُ عَلَى الرَّعِيَّةِ بِجُهْدِكَ، فَإِنَّ الَّذي يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنَ الَّذي يَصِلُ بِكَ، وَالسَّلامُ ».

«حُلْوَان إِيَّالَة مِن إِيَالات فارس». أنظر، شرح النهج: 115/3.

والإيالة قطعة من البلاد يحكمُها وَال. وَقَالَ الشيخ الطريحي في مجمع البحرين: «حُلْوَان بَلَد مَشْهُور، وهو آخر مُدن الْعِرَاقِ مِن طَرَف الْمَشرقِ والقَادِسِيَة ».

أنظر، مجمع البحرين: 567/1. وَتَبعُد عَن بَعْدَاد خَمس مراحل، وهي من طرف العراق من المشرق، والقادسية من طرفه المغرب، وقيل سُمِّيت بأسم بانيها وهو حُلْوَان بن عِمرَان بن الحاف بن قُضَاع. وهي مشهورة بالرمان والتين فتحها المُسلِمُون سَنَة ( 19 هـ )

أنظر، معجم البلدان: 291/2، مراصد الإطلاع: 1/ 418، لسان العرب: 14 / 194.

. وكتاباً منه

1) تقدم ذلك.

2) قَالَ ابن أبي الحَدِيد في شرح النهج: 145/17، لم أقف عَلى نَسَب الأسود بن قحطبَة، وقَرَأْتُ فِي كَثِير مِن النسخ أنه حارثي من بَني الحَارِث بن كعب، ولم أتحقق ذَلِكَ، وَالَّذي يَغلب عَلَى ظَنِّي أَنَّه الأسود بن زيد بن قحطبَة بن غنم الأنصاري مِن بَنِي عُبيد بن عدي. ذكره أبو عمر بن عبدالبر في كتابه الاستيعاب، وَقَالَ: إِنَّ مُوسى بن عَقِبَه عَده فيمن شَهِد بَدراً.

3) أنظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة ( 59 ). « إلى الأسود بن قُطْبَة ».

إِلى كُميل أبن زياد (1)

أنظر، البداية والنهاية: 49/9، الفصول الفخرية في أصول البرية لجمال الدين أحمد بن عنبة: 56، الإشتقاق لابن دريد: 404، جامع الرواة: 31/2، رجال ابن داود: 281، رجال الشيخ: 56 و 69، خُلاصة الرِّجَال: 94، الإرشاد للشَّيخ المُفيد: 154، تهذيب التهذيب: 447/8، تأريخ دمشق: 1588/46.

وجه إليه مُعَاوِيَة سُفيان بن عوف في ستة آلاف وأمره أنْ يقطع هيت، ويَأْتي الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها. فأتى سُفيان هيت فلم يجد بها أحداً، ثُمَّ أتى الأنبار، وفيها مَسلحة لعَليَّ تَكُون خَمسمئة رَجُل، وقد تفرقُوا، ولم يبق مِنهُم الأمان لأنه كان عليهم كميل، فَبلغه أنَّ قَوماً بقِرْقِيسِيَا يُريدُون الغَارة عَلى هِيت فَسار إِلَيهِم بغَير أَمر عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأتى أصحاب سفيان، وكُمَيل غائب عَنهَا، وخَليفته أَشرس بن حَسَّان البكري، فَطَمع سفيان في أصحاب عَليّ لقلتهُم، فَقَاتَلَهُم فَصَبرُ والهُ، وقتل صاحبهم أَسْرَس وتَلاتُون رَجُلاً، وأحتملوا ما في الأنبار من أموال أهلها ورَجِعُوا إِلَىٰ مُعَاوِيَة، وَبَلَغَ الخَبَرِ عَلِيَّاً، فَغَضب عَلى كُمَيل، وكَتَب إليه يُنكر عَلَيه فعله.

أنظر، الكَامِل فِي التَّارِيخ: 189/3.

وقَبر كُمَيل عَلى يمين الطَّرِيق من الكوفة إلى النجف الأشرف، وكَان كُمَيل بن زِيَادِ عَامِل الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَلى هِيت وكَان ضَعِيفاً يَمر عليه سَرايا مُعاوية تنهب أطراف العراق ولا يردهَا. ويُحاول أنْ يَجبر مَا عِنده مِن الضَّعف بِأنْ يُغير عَلى أطراف أعمال مُعَاوِيَة مِثل قِرْقِيسِيَا ومَا يَجري مجراها من القُرى على الفرات، فأنكَر (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذَلِكَ من فعله، ولذَا قَالَ لَهُ إِنَّ مِن: « العَجْزُ حَاضِرٌ، وَرَأَي مُتَبَّرٌ...».

أنظر، شَرح النهج لابن أبي الحَدِيد: 149/17.

.

1) هُو كُميل بن زياد بن سهيل بن هيثم بن سعد بن مالك بن الحارث بن صَهْبَان بن سعد بن مالك أبن النَّخع بن عَمرو بن وَعلَة بن خالد بن مالك بن أدد، كان من أصحاب الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشيعته خَاصَّة، شهد صِفِّين مَعَ الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكَان شريفاً، ثقةً، عابداً، مُطاعاً، وَلدَ سَنَة ( 12 هـ)، وهو المَنسُوب إِليه الدُّعاء المشهور لَيلَة الجُمُعَة، والمَشروح بعدة شروح، قتله الحَجَّاج عَلَى المَذهَب فيمن قتل من الشَّيعَة سَنَة ( 82 أو 83 هـ )، وإِنَّما نَقَم منهُ الحَجَّاج لأنه طلب القصاص من عُثمان بن عَفَّان من لَطْمَة لَطمهَا أَيَّاه. فلمَّا أَمكنه عُثمان من نَفسَه عفَا عَنه، فَقَالَ لهُ الحَجَّاج: أو مثلُك يَسأله من أمير المُؤمِنِين القِصَاص ؟.

الكتاب

الكتاب وأعوانهم هم الهيئة الوزارية، ووكلاؤها، ومُديروها. وإلى هذه الطَّائفة يرجع أمر الدولة كلّه: سلمها، وحربها، وإقتصادها، وكلّ ما يلم بها من أو شرٌّ. فهي الجهاز الأعلى الَّذي يُنظم نشاط الدَّولة، ويُشرف عَلى تَوجيهه. وعلى قدر ما تكون عليه هذه الطائفة من الصلاح والإستقامة، تصلح الدولة، وتَستقيم ويعظم شأنها.

وقد نص الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهده عَلى مَن يَصلح أن يلحق بهذه الطائفة ومَن لا يصلح لذلك، وأفاض في ذكر الصفات الَّتي يجب أن تتوفر في الوزير، وبين الأُسلوب الَّذي يُحسن بالحاكم أنْ يَتَّبعه في الأخذ منه والسماع عنه.


مِن جُملة ما قدمناه بين يدي هذا البحث مُلاحظة ذكرنا فيها أَنَّ الإِمَام كَتَب هذا العَهْد وهو يطمح إلى إنشاء جهاز جديد للحكم في مصر، جهاز واع لمسؤولياته، تَقدُّمي في برامجه ومشروعاته، ليستجيب للحاجات الَّتي يفتقر إِلَيها المُجْتَمَع. وقد رأيناه في البحوث المُتقدّمة محافظاً على هذه السمة في عَهده، فهو دائماً يؤكّد أن جهاز الحكم يجب أن يكون سَليماً، واعياً، تَقدُّميّاً،

عاملاً لمصلحة المُجْتَمع.

وهَا هو، بالنسية إلى طائفة الوزراء ومَن يَتعلق بهم، ينص على هذا المعنى ويُؤكّده تأكيداً وافياً.

فلا يجوز أَنْ يَدخل في هذه الطبقة رجال كانوا وزراء للظلمة والأشرار.

وذَلكَ لأَنَّ تأليف هذه الطبقة من هؤلاء يستتبع عواقب وخيمة تعود بالضرر على الدولة.

فهُم، وقد أستمرء وافعل الظلم وتعودوا على مُقارفته لا يعفُّون عن العودة إِلَيه والإرتكاس فيه. وإذا كانوا ذوي أنفس شريرة مست أعمالهم المُجتمع كله نظراً إلى سعة سُلطانهم، وعَظيم قدرتهم، لأَنَّ مَلاك القوى كلّها مُجتمع عِندَهم.

وضرر آخر يَنجم عن دخولهم في هذه الطبقة، فالشعب الَّذي عرفهم بالجور، وذَاق منهم مرّ الظلم تذهب ثقته بالحُكم المُهيمن عليه حين يراهم قد عادوا إلى مراكزهم، ويعتبره حكماً أُقيم لمصلحة طبقة خاصة، ومتى ذهب إيمان الشعب بحاكمية أهمل من حقوق الحاكمين عليه ما يجب أنْ يُؤديه، لإعتقاده أنه حين يُلبيهم فيما يطلبون لا يقوم بعمل يعود بالنفع عليه.

وقد أصبح من المعطيات البديهية في علم الإجتماع أنَّ ما يُثير الشعوب ليس الظُّلم نَفسه وإنَّما الشعور بالظُّلم، وسيطرة أشخاص مِثل هَؤلاء على دفة الحكم يوقظ في الشعب تصورات الظلم الَّذي ذاقه على أيديهم في عهودهم السابقة، وهذا كَاف لأَنَّ يُولد في نفسه الشعور بالظُّلم وإنْ لم يكونوا ظَالمين. وهكذا تحدث بين الحاكم والمحكوم هوة تُبعد أحدهما عن الآخر، وتسلب ثقة كلّ منهما بالآخر، وفي بعض ذَلكَ ما يَجر الدولة إلى مصير وبيل.

قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«إِنَّ شَرَّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيراً، وَمَنْ شَرِكَهُمْ فِي الْآثَامِ فَلا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً، فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ، وَإِخْوَانُ الظُّلَمَةِ، وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَادِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَأَوْزَارِهِمْ وَآثَامِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ، وَلا آثِماً عَلَى إِثْمِهِ: أُولَئِكَ أَخَفْ عَلَيْكَ مَؤُونَةٌ، وَأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةٌ، وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفاً، وَأَقَلُّ لِغَيْرِكَ إِلْفَاً، فَأَتَّخِذْ أُولَئِكَ خَاصَّةً لِخَلَوَاتِكَ وَحَفَلَاتِكَ، ثُمَّ ليَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرُ الْحَقِّ لَكَ، وَأَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةٌ فِيمَا يَكُونُ مِنْكَ مِمَّا كَرِهَ اللهُ لِأَوْلِيَائِهِ، وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَعَ. وَالْصَقَ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَالصِّدْقِ؛ ثُمَّ رُضَهُمْ عَلَى أَلا يُطْرُوكَ وَلَا يَبْجَحُوكَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ، وَتُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ. وَلَا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِي الْإِحْسَانِ، وَتَدْرِيباً لأَهْلِ الْإِسَاءَةِ عَلَى الْإِسَاءَةِ وَأَلْزِمْ كُلَّا مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ، وَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَىٰ إِلَىٰ حُسْنِ ظَنَّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، وَتَخْفِيفِهِ الْمَؤُونَاتِ

عَلَيْهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ. فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلًا. وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظُنُّكَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلاؤُكَ عِنْدَهُ، وَإِنَّ أَحَقُّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ سَاءَ بلأوكَ عِنْدَهُ» (1).

عَهْدُ الأَشْتَر

ولا يجوز أَنْ يُناط أختيار أفراد هذه الطبقة بالفراسة وحُسن الظن، فَإِنّ الرّجال يتصنعون الصلاح، ويتظاهرون بالمقدرة والأمانة، ليظفروا بمثل هذا المنصب، فيخدعون الفراسة، وينتزعون حُسن الظَّن بتصنعهم، دون أنْ يكونوا على شيء من الصلاح والكفاءة.

إنّ اختيار أفراد هذه الطبقة يجب أنْ تُلاحظ فيه أعتبارات متعددة.

يجب أن يكونوا على معرفة تامة بمُحيطهم وبحاجاته، ليصدروا في إدارته عن وعي.

ويجب أن يكونوا إلى جانب المعرفة أكفاء، ذوي مقدرة على تصريف ما أُنيط

بِهم من أُمور.

ويجب أن يكونوا - إلى جانب هذا وذاك - ممّن يعرفهم الشعب بالحبّ له، والحدب عَليه، ورعاية مصالحه وتيسير حاجاته، والسهر على رفاهيته وسَعَادته، فَإِنّ هذه الطبقة حين تتألف من مِثل هَؤلاء يطمئن الشعب إلى الحكم،


1) أنظر، نهج البلاغة: الرّسالة (53) «كُن مَّعَ الصَّادِقِينَ ».

ويستريح إلى أعمال الحاكم.

ويُعرف ذلك كله بالنظر إلى سابق ما ولّوه من أعمال الصالحين من الحُكّام هل أحسنوا إدارته ؟ وهل برهنوا فيه على دراية بأساليب الإصلاح ؟ وهل كانت للشعب فيهم ثقة ؟ فَإِذا اجتمعت فيهم هذه الصفات: من قدرتهم وكفائتهم إلى معرفتهم بمُحيطهم، إلى حبّ الشعب لهم، وإيمانه بهم، حق لهُم أنْ يَدخلوا في هذه الطَّائفة، وحق عَلى الحاكم أنْ يُؤلفها منهم.

قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«ثُمَّ لا يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ وَاسْتِنَامَتِكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ، فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاةِ بِتَصَنُّعِهِمْ وَحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالْأَمَانَةِ شَيْءٌ، وَلَكِنِ أَخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ، فَأَعْمِدُ لِأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً، وَأَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَةِ وَجْهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ اللَّهِ وَلِمَنْ وُلِّيتَ أَمْرَهُ» (1).

عَهْدُ الأَشْتَر


لقد نَظر الإمام فرأى أَنَّ طَائِفَة الوزراء هى أعظم أجهزة الدولة أهمية، لأَنَّ جميع الشؤون تُناط بها، وترجع إليها، وتصدر عنها، في السياسة والإدارة والحرب.


1) أنظر، نهج البلاغة: الرَّسَالَة ( 53 ) « الكتاب ».

ولا يصح أن تُناط هذه المهام بشخص واحد أو بمجموعة من الأشخاص، فَإِنّ الإحاطة بدقائق كلّ هذه المهام ومعرفة أسرارها لا تتاح في العادة للشخص الواحد، ولو أتيحت لواحد فأنيط به أمرها لما أحسن التصرف، ولوقع في الخطأ وسُوء التدبير، لأنَّ أضطلاعه بها يُرهقه ويُبهظه، فإِما أَنْ يَصرفها كلّها فيقع في الخطأ، وينأى عنه بعد النظر، وأصالة الرأي، وسلامة التدبير وإما أَنْ يُهمل بعضها ويصرف بعضها الآخر فيقع الإضطراب في أعمال الدولة بسبب إهماله.

وإنْ أُنيطت المهام بجماعة من الناس دون تحديد المُهمة المُلقاة على عاتق كلّ منهم وقعت البلبلة وشاع الإهمال، فينقض أحدهم ما أبرمه الآخر، ويصرف أحدهُم ما أمسكه صاحبه، ويمضي أثنان أمرين متضادين، ويهمل كل واحد منهم بعض المهمات أتكالاً على رفاقه.

فأحسن الوسائل لضمان سَير أعمال الدَّولة عَلى مُستوى عال من حُسن التدبير، وإصابة الهدف هو ما قرره الإمام، وهو أَنْ يُناط بكلّ واحد من هؤلاء الوزراء بعض مُهمات الدولة، ويُراعى في إلحاق من أختير للوزارة لعمل من الأعمال أن يكون ذا اختصاص بذلك العمل وذَا خُبرة بدقائقه وأسراره ليُؤدي ما أستعصى منه عَلى خَير وَجه.

وبهذا يكون الإمام قد قرر مبدأ الإختصاص وتوزيع الأعمال في الإدارة الحكومية: ويكون بذلك قد تجاوز مفاهيم عصره الَّذي لم يكن يعرف هذا المبدأ العظيم الأهمية في مُهمة الحكم والإدارة.

قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«وَاجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ.

لا يَفْهَرُهُ كَبِيرُهَا، وَلا يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا، وَمَهُمَا كَانَ فِي كِتَابِكَ مِنْ عَيْبٍ فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ». (1).

عَهْدُ الأَشْتَر

وفي هذه الفقرة الأخيرة «وَمَهُمَا كَانَ » قرّر الإمام أن الحاكم مسؤول عمّا يكُون في وزرائه من العيوب، وذلك لأنه - وقد أختار - يجب أن يتحمل مسؤولية أختياره.


وعَلى رَأس هؤلاء جَميعاً رئيسهم، وهو مَن يُقال له (كاتب الكتاب).

ومُهمة هذا الوزير هي الإشراف على من دونه من الوزراء، ومُراقبة أعمالهم. ومُهمته أيضاً هي تولي السياسة العليا للدولة مع الحاكم، فهو عضد الحاكم في رسم الخطط السياسية، وإعلان الحرب، وعقد معاهدات الصلح، والتعرف على نيات مَن يَخاف منهم على أمن الدولة وكيانها، فهو مع الحاكم الأعلى، العقلان اللذان يُديران عميلة الحكم كلّها.

هَذا الوزير يُشترط فيه الإِمَام شُروطاً لا يصلح بدونها:

فيجب أَنْ يَمتاز عن بقية الوزراء بأن يكون خَيرهم، وذلك بأنْ يكون أكثر منهم إلماماً بشؤون الدولة وإمكاناتها، ليتسنى لهُ أَنْ يُوجه كلاً منهُم إِذَا انحرف ويفهم عنهُ إِذَا قَالَ.

ويجب أن يكون عارفاً بمركزه وأنه لا يخرج عن كونه وزيراً يَستمد الصلاحية


1) أنظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة (53) «الكتاب».

ممّن أستوزَره، فلا تُبطره الكرامة الَّتي حصل عليها، فتدفعه إلى إشاعة خلافه مع الحاكم بين النّاس، لأنَّ ذلك يشعر النّاس بأنّ في جهاز الحُكم خَللاً، وربّما سَبب شيُوع ذلك تحفز المشاغب إلى إظهار شعبه أغتناما لفرصة الإنشقاق.

إِنَّ الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا يطلب من الوزير أنْ يُسلّم بوجهة نظر الحاكم في كل ما يقول، لأَنه حينئذٍ يكُون يَبغاء لا وزيراً، إِنَّ عَليه أنْ يُجاهر برأيه حين يرى الحق في جانبه، ولكن ذلكَ يَجب أَنْ يَبقى سرّاً بَينه وبين الحاكم، ولا يجوز أنْ يُذاع في الناس.

ويجب أن يكون على وعي بحقيقة السياسة الَّتي تسير عليها الدولة فيتبع في أوامره الَّتي يصدرها إلى الولاة وفي مُباحثاته السياسية هدى سياسة الدولة، ولا يغفل عنها فيلزم نفسه بما يتنافى وسياسة دولته الَّتي يُمثلها.

ويجب أَنْ يكون عارفاً بأحابيل السياسة وألاعيبها، فيُحافظ على التزامات الدولة السياسية الَّتي تعود عليها بالنفع والقوة، ويعرف وجه الحيلة في إخراج الدولة من المآزق السياسيَّة الَّتي يَكيدها بها أعداؤها.

ويجب أن يكون، إلى جانب هذه جميعاً، أجمع وزرائه لوجوه صالح الأخلاق، لأَنَّ المهام الَّتي تُناط به تتطلب قوة في الدين تمسكه على الجادة، وشعُوراً بالمسؤولية يحمله على الإخلاص والإتقان، وعفة تعصمه من الإغراء.

قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«ثُمَّ أَنْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ، فَوَلٌ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ، وَأَخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَائِدَكَ وَأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُوهِ صَالِحِ الْأَخْلَاقِ

مِمَّنْ لا تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ، فَيَجْتَرِئَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلافٍ لَكَ بِحَضْرَةِ مَلَا، وَلَا تَقْصُرُ بِهِ الْغَفْلَةُ عَنْ إيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمالِكَ عَلَيْكَ، وَإِصْدَارٍ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْكَ، فِيمَا يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنْكَ، وَلا يُضْعِفُ عَقْداً أعْتَقَدَهُ لَكَ، وَلَا يَعْجِزُ عَنْ إِطلاقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ، وَلا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الْأُمُورِ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ» (1).

عَهْدُ الأَشْتَر

وفي هذه الفقرة الأخيرة: « وَلَا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الْأُمُورِ » يَشترط الإمام في الوزير أنْ يكُون واقعياً، ينظر إلى الأمور نظرة جدّية، ويعرف واقعة تمام المعرفة، فَإِذا كَان مركزه ضعيفاً أحتاط لنفسه بمَا يَحتاط به الضعيف، ولا يهمل الإحتياط غُروراً منه واستعلاء، وإِذَا كَان قوي المركز وجَب عَليه أنْ يُمثل دور القوي ولا يهن أمام خصُومه فيُعطيهم من نَفسه ما لو شَاء لمنعه، ثُم لا يلحقه من وراء ذلك شيء.


قلنا أَنَّ الوزير الَّذي يصوّب كلّ ما يقُوله الحاكم حَتَّىٰ إِذَا كَان مخطئاً فيه لَيس وزيراً وإِنَّما هو ببغاء تقمصت أهاب وزير. وظيفة الوزير هي أن يتعاون مع


1) أنظر، نهج البلاغة: الرسالة (53) «الكتاب»

الحاكم الأعلى على إدارة جهاز الحكم إدارة صحيحة، وعليه إِذَا أخطأ الحاكم في الرّأي أنْ يَردّه إِلَى الصّواب.

وعليها أَنْ يَتعاونا عَلَى مَعرفة أصلح الوجوه فيما يأخذان ويدعان من الأُمور لذلك يجب أنْ يُعطي الوزير حرية الرأي بحيث لا يُقيده في هذا المجال شيء، لأنه بقدر ما يكون متمتعاً بالحرية يكون عظيم الفائدة.

ويجب أنْ يَنال الوزير من الحضوة بمقدار ما يكون صريحاً في رأيه، مُعالنَاً الحاكم بالحق راداً لهُ إلى الصواب، فكلما ازداد قولاً بالحق وإيثاراً للصدق أزداد كرامة ورفعة. وأما حين يتبين الوزير في الحاكم أنه لا يطلب النُّصح وإِنَّما يَطلب المُوافقة عَلَى رَأيه فقط فإنّه ينقلب إلى ببغاء، وحينئذ يسير الحاكم بالدولة معصوب العينين لأنَّ أحداً لا يجرؤ أنْ يقُول في وجهه كَلمة الحق.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« ثُمَّ ليَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَكَ، وَأَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةٌ فِيمَا يَكُونُ مِنْكَ مِمَّا كَرِهَ الله لِأَوْلِيَائِهِ، وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَعَ. وَالْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَالصِّدْقِ؛ ثُمَّ رُضَهُمْ (1)عَلَى أَلا يُطرُوكَ وَلا يَبْجَحُوكَ (2)بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ (3)، وَتُدْنِي (4)مِنَ الْعِزَّةِ » (5).


1) رُضُهُمْ: عَودهُم عَلى الأَ يمدحوك.

2) بَجَحَ: فَرَح عَودهُم عَلى الأ يتقربُوا إِلَيك بنسبة أعمال إليك، ولم تكن قد فعلتها. وَيَبْجَعُوكَ: يَفْرَحُوك.

3) الزَّهْوَ: الإِعْجَاب بالنفس.

4) تُدْنِي: تُقرّب.

5) أنظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة (53) «كُن مَّعَ الصَّادِقِينَ».

الزُّرَّاع

هذه الطبقة من أعظم الطبقات الإجتماعية، وأبلغها أثراً في حياة المُجتمع ففي زمان الإمام لا كانت هذه الطبقة أضخم الطبقات الإجتماعيَّة، وكانت مركز الكثافة فى المُجْتَمَع، كَمَا أَنَّ مَركز الكثافة فيه هي طبقة العُمّال في العصر الحَدِيث.

وكانت المجتمعات القديمة مجتمعات زراعية في الدرجة الأولى، فكان كيان الأُمَّة الإقتصادي يقوم على الأرض ومنتجاتها، لأَنَّ الصناعة لم تكُن إِذ ذَاكَ عَلَى حال تسمح بأن يقوم عليها الصرح الإقتصادي للأُمة، لضعفها وضيق نطاقها.

ولم تكن التجارة وحدها كذلك لتسمح بإقامة هذا الصرح في كثير من البلدان، لقدم انتظام التجارة العالمية إذ ذاك، ولضعف المواصلات، ولعدم وجود طرق تجارية كافية ومأمونة في جميع الأوقات.

وإذن فقد كان الكيان الإقتصادي يقوم في الدرجة الأولى على الأرض ومنتجاتها، والرفاهية الإقتصادية منوطة بأن تُتاح للأرض أفضل الفرص الَّتي تُمكنها من أنْ تُعطي عطاءً كَثيراً، ومنوطة بأنْ تُتاح للزارع أفضل الوسائل الَّتي تعينه على صيانة أرضه، وخدمتها، والحصول منها على نتاج وفير.

وقَد بَر هن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عَهْده إلى الأَشْتَرِ أَنه عَلى وعي تام لمدى أهمية هذه الطبقة في الكيان الإجتماعي، ثُمّ للعمليات الَّتي يُعتبر نشاط هذه الطبقة ضرورياً لإستمرارها.

يقرر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنَّ النشاط الإقتصادي كله يتوقف على ما يدفعه أهل الخَرَاج من الأموال.

فسكّان المُدن على أقسام: الجُنُود المُقاتلة، وأصحاب الحرف والصناع، وأصحاب التجارات، والَّذِين لا يستطيعُون عملاً يَرتزقون منه، أو لديهم أعمال لا يكفيهم ريعها.

ويُوزع قسم كبير من أموال الخَرَاج عَلى الجُنُود، وعَلى الفقراء، وعلى من لا يَكفيه عمله من ذوي الأعمال.

وبهذه القوة الشرائية الَّتي يحدثها هذا المال تستمر الحركة الإقتصادية، فتنشط حركة التجارة والصناعة، لأنَّ في أهل المدن حاجة إلى الطعام. والكساء، والآنية والوقود وغيرها، يحصلون عليها من التجار والصُّنَّاع والعُمّال وبهَؤلاء حاجة إلى الزراع فيشترون منهم المواد الحيوانية والنباتية وغيرها، لأجل أَنْ يُلبوا حاجات المُدن المتجددة، وبالزراع حاجة إلى الكساء والآنية والسلاح وما إليها: فيحصلون بهذا المال الَّذي يَصير إِلَيهِم عَلى ما يريدون.

هكذا يتوقف أزدهار النشاط الإقتصادي عَلى طبقة الزراع، وإذن فأضطراب أمور هذه الطبقة لن يعود بالضّرر عليها وحدهَا وإِنَّما يمتد بآثاره الضارة إلى المُجْتَمَع كلّه، فيشل نشاطه، ويؤدي به إلى أزمات إقتصاديَّة حَادّة ينجم منها التفسخ الاجتماعي.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«وَتَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاج بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صَلاحِهِ وَصَلاحِهِمْ صَلَاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلَا صَلاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلا بِهِمْ، لأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ» (1).


عَهْدُ الأَشْتَر

وتعتمد هذه الطبقة اعتماداً مُطلقاً على الأرض، وعلى العناصر الطبيعية، وعلى سواعدها.

فيجب أنْ تُصان الأرض لتبقى في حالة جيدة، ولتستفيد من العناصر الطبيعية إلى أقصى مقدار ممكن، فيجب أن تُشق الترع، وتُبنى القناطر والسدود، وتُحفر الآبار، لتتوفر للأرض حاجاتها من المياه وينتظم الرّي، ويجب شق الطرق الزراعية التى تُمكن هذه الطبقة من الإتصال ببعضها، وتُسهل قضاء المهام الزراعية والإستعانة بالعُمّال الزّراعيين.

وصيانة الأرض ليست أمراً يعود بالنفع على هذه الطبقة وحدها، وإِنَّما يعود بالنفع على الدولة كلّها، فقد رأينا ما لنشاط طبقة الفلاحين من تغلغل حيوي في العمليات الإجتماعيَّة، فصيانة الأرض والحال هذه من المصالح العامة، فيجب الإنفاق عليها من الأموال العامة.

فأما حين تهتم الحكومة بالجباية فقط وتُهمل أمر الإصلاح والعمارة، حين


1) أنظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة (53) «الخَرَاج ».

تتجه هذا المتجه يصير بها الأمر إلى أن تخرب البلاد وتهلك العباد، ثم لا تجد مورداً تُجبى منه المال، لعدم وجود إنتاج وفير لأَنَّ الخَرَاج كثرة وقلة مُتصل بحالة الأرض، فعلى مقدار ما تأخذ الأرض تُعطي، وعَلى مُقدار ما تُعطي تكُون قدرة أهلها عَلَى إِجابة الحاكم إلى أداء ما يفرضه عليهم من خراج.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«وَتَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صَلاحِهِ وَصَلاحِهِمْ صَلاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلا صَلاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلا بِهِمْ، لأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ. وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجَلابِ الْخَرَاجِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ إلا بِالْعِمَارَةِ وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلادَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلا قَلِيلًا (1).

عَهْدُ الأَشْتَر


وطبقة الفَلَّاحِين أكثر الطبقات كَدحاً، وأشقها عملاً. فعند من عداهم من الطبقات والطوائف وقت مُخصص من اليوم للعمل، وأوقات أُخرى للراحة والتسلية، بخلاف الفَلَّاحِين فَإنّ عملهم يمتد طول اليوم، وعلى مدار العام. وهذا العمل إمّا في مركز الإنتاج وهو الحقل، وإما في بيوتهم بإعداد البذار والآلات وما إليها. وحتَّى في الأوقات الَّتي ينقطعُون فيها عن العمل هنا وهناك لا يَنقطعُون عنه


1) أنظر، نهج البلاغة الرسالة: (53) «الخَرَاج ».

في أحاديثهم وتصوراتهم.

وطَبيعة عملهم تفرض عليهم هذا اللون من الحياة، وهذا المقدار من الجهد فغَيرهم من الناس يستطيع أنْ يتحكم بعمله فيختار الوقت المُلائم لأدائه ثُمّ ينقطع عنه، أمّا الفلاح فَعَمله ينحصر في مُساعدة العناصر الطبيعية على أَنْ تُؤدي وظيفتها على الوجه الأكمل، فهو أسير لهذه العناصر، وعَليه أَنْ يكون يقظاً دائماً ليعمل ما يجب عمله، ولمّا كان عمله مُتصلاً بهذه العناصر فَإِنَّ أي تقصير منه يعود عليه بضرر كبير، لأنه لا يستطيع أن يتحكم في الظواهر الطبيعية ويُسخرها حسب هواه.

هَذا العمل المُرهق يجب أَنْ يُقابله مُستوى من المعيشة، ومقدار من الدخل يُشعر أنّ هذه الطبقة بأنها حين تعمل لا تُستغل لصالح الآخرين وإِنَّما تعمل لنفسها في الدّرجة الأولى.

ويجب أَنْ يَشعر الفلاح بأنه سيد أرضه وأَنْ لا أحد يُمكن أنْ يُنازعه في هَذه السيادة.

و حيث كان من اللَّازم مُراعاة حَال الفَلَّاح وتمكينه من أَنْ يَحيا عَلَى مُستوى لا يشعر معه بالإضطهاد والإستغلال.

وحيث كان من اللازم إشعاره بأنه سيِّد أرضَه.

لهذا، وذاك يجب أَن يكون مسموع الكلمة فيما يتصل بأرضه وبقدرتها على الإنتاج، فَإذا اشتكى ثَقل الخَرَاج لعدم تناسبه مع إنتاج الأرض، أو شكى آفة ألمت بالأرض فأثرت على إنتاجها، أو ذهبت به فلذلك لا يستطيع دفع ما فُرض عَليه من المال، إِذَا شَكَى شَيئاً من هَذا كَان من اللازم أنْ يَسمع كلامه فيُوضع عنهُ

من المال مُقدار ما يُصلحه.

وقد يذهب الظن بالبعض إلى أنَّ هذه المُعاملة تُؤثر عَلى مالية الدولة وتضعفها ولكن هذا الظَّن بعيد عن الصواب، لأنَّ هَذه الوضيعة الَّتي يحصل عليها الفلاح تعود عَلى الدَّولة نفسها بفوائد عظيمة تُزيد في أزدهارها ورفاهيتها. وذَلكَ لأَنَّ هذا المال يُصرف في إصلاح الأرض وعمارتها، ويُصرف في سدّ حاجات الفلاح نَفسه من مسكنه وملبسه ومرافق حياته الأخرى، فيكون في ذلكَ تَزيين للبلاد بمَا أتاح لها هذا المال من العُمران ويكون في ذلك شعُور هذه الطبقة بالطُّمانية والرّضى ممّا يدفعها وهي أكثر طبقات المُجتمع عدداً وأعظمها إنتاجاً، إلى المحافظة على الحكم القائم، والدفاع عنه لأنه يحفظ لها مصالحها.

ولَدَينا شاهد من التَّارِيخ عَلى هذا، فقد كان نابليون الثالث (إمبراطور فرنسا) ممّن حَدبوا عَلى هذه الطبقة ورعوا مصالحها، وحموها من عُتاة الظلمة، وأشعروا الفلاح الفرنسي أنَّه سيّد أرضه وأن أمرها منوط به وحده، وقدگان موقفه هذا مما دفع بالفَلَّاحِين إلى أَنْ يَخصوه بتأييدهم دائماً لما لموه من رعايته لمصالحهم وفهمه لموقفهم.

وهذه النتيجة «عَطفهم عَلى الحُكم القائم » مع عُمران أرضهم تجعلهم على أستعداد للمعونة حين تُطلب منهم، لحُسن ظنّهم بالحُكم القائم ورغبتهم في استمراره من جهة، ولأنَّ حالهم المالية تسمح لهم بالمساعدة لوفرة الإنتاج.

فهَذا المال الَّذي وضع زاد في عُمران البلاد، ومن ثمَّ زَاد في إيرادها، ومَن ثُمَّ جعلها تحتمل من الضرائب فوق ما كانت تحتمل وهي أقل عُمراناً، وحمل الفلَّاحين عَلى حُبّ الحُكم القائم وبذل المعونة له حين يَشكو العجز وتأييده حين

يَشكو الخُذلان.

قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلًا أَوْ عِلَّةٌ (1)، أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالَّةٍ (2)، أَوْ إِحَالَةَ أَرْضِ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ، أَوْ أَجْحَفَ بهَا عَطَش (3)، خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ».

وَلَا يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمَؤُونَةٌ (4)عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلادِكَ، وَتَزْيِينِ وِلايَتِكَ، مَعَ اسْتِجْلابِكَ حُسْنَ تَنَائِهِمْ، وَتَبَححِكَ (5)بِاسْتِفَاضَةِ (6)الْعَدْلِ فِيهِمْ، مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ، بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ


1) ثقلاً - شكوا من ثقل الضريبة عَليهم ( عِلَّة ) شكو من مَرض زراعي أتلف محاصيلهم.

2) الشرب بكسر الشين: مَاء الرّي في المناطق الزراعية الَّتي تعتمد على الأنهار ومَا إِلَيهِم (بَالة ) بتَشدِيد اللأم وفتحها: ماء المطر في المناطق الَّتي تعتمد في الرِّي عَلى الأمطار.

3) إِحَالَة أرْض - فساد البذور فيها، ( أعْتَمرهَا غَرَق ) غَمرها الماء وطاف عليها ففرقت بهِ ( وأجحف بها عَطَش) لَم تَأْخذ ما يلزمها من الماء للرّي - يعني أَنَّ الزُّراع إِذَا شكوا من فساد موسمهم الزراعي بسبب طوفان المَاء عَلى الأرض المَزروعة أو بسبب قلة الماء وعطش الأرض، فينبغي أَنْ تَأخذ شكواهم بنظر الاعتبار.

4) المَؤُونَة: النفقة.

5) تَبجُحِكَ: سُرُورك بمعاملتك العادلة لهم.

6) الاسْتِفَاضَة: الإنتشار والشيوع.

إِجْمَامِكَ (1)لَهُمْ، وَالنّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ وَرِفْقِكَ بِهِمْ، فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الْأُمُورِ مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طَيِّبَةٌ أَنْفُسُهُمْ بِهِ فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلُ مَا حَمَّلْتَهُ» (2).

عَهْدُ الأَشْتَر


ولهذه الفقرات وجوه أخرى من الدلالة، عَظيمة القِيمة، بالغة الأم همیَّة.

فمِن الشّروط الأساسية لنجَاح العمل وأزدهاره أنْ يَقبل العامل عليه بهمّة ونشاط، وأَنْ يَشعر نَحوه بالحُبّ والرّغبة. وأنْ يحسّ حِين يُزاوله أَنه يُنمي بهِ شخصيته الإنسائية، ويُؤكد قدرتها على الإبداع - إِذَا كَان هذا هو موقف العامل النفسى من عمله أزدهر العمل وتَقدَّم، ولا يُمكن أنْ يقف العامل من عمله هذا الموقف إِلا إِذَا شعر بأن عمله له، وبأنه يعود عليه بالنفع والفائدة.

ومن هنا أعتُبرت الملكية الخاصة من أعظم الأسباب الدافعة إلى أزدهار العمل، لأَنَّ هَذا اللّون من المِلكية يَدفع العامل إلى بذل طاقته كلها مع شعُوره بالشرور لأنه يعمل لنفسه.

ويتغير هذا الموقف حين يكون العمل للغير ولا يرجع إلى العامل من ثمراته شيء يُذكر، فإنّه حين ذاك يشعر بالكراهية نحو عمله، ويتهاون فيه ولا يتحرى كماله وإتقانه ويتحرى القُرض للتهرب منه، وهذا يُضعف سير العمل، ويهبط به،


1) إِجْمَامِكَ: الترفيه والإِراحة.

2) أنظر، نهج البلاغة: الرَّسَالَة (53) «الخَرَاج ».

ويَسري هذا الموقف النفسي إلى صاحب العمل نفسه فيتمني العامل هلاكه، ليتخلص منه.

هَذه المُلاحظات تفيدنا هنا.

فحينما تُوضع عَلَى الفَلَّاحِين الضرائب الفادحة الَّتي لا تتناسب مع دخلهم مع إهمال عمارة الأرض وصيانتها يشعر هَؤلاء الفلاحون أنهم لا يعملون لأنفسهم، ولا يجنون من وراء كدحهم المُرهق شيئاً ذا قيمة، وإِنَّما يعملون لغيرهم، ويُستغلون لهذا الغَير استغلالاً بشعاً وذَلكَ يَخلق في نفوسهم كراهية عملهم والتذمر منه.

إنّ هذه المعاملة الَّتي تحدث هذا الشعور وتدفع إلى هذا الموقف تُخلف في المُجتمع آثاراً ضارة قد تقوض المُجْتَمَع من أساسه.

هذه المُعاملة تدفع بأضخم طبقة في الأُمَّةِ إِلى إنحلال أخلاقي فظيع، فهَذا الفلاح الَّذي يستغل الحاكم جُهده دون أن يُعوضه عَليه شَيئاً يُريد أَنْ يَعيش، وهو يتوصل إلى غايته هَذه بالكذب والغش والتهريب والسرقة فبدلاً من أَنْ يَعيش من أرضَه بجُهده يَضطر إلى العيش من جيوب الآخرين بسلاحه، وينقلب قاطع طريق، مُجرماً، عدوّاً للمجتمع، بعد أن كان المفروض فيه أَنْ يَكُون لبنة تزيد صرح المُجْتَمَع قوّة ومناعة.

ومن جملة آثارها أَنْ تنتقل الأَيدي الفتية الشابة إلى بلاد أُخرى هرباً من الظلم، وطلباً للقُمة العَيش. فمَن لا يصبر على الظّلم إِمّا أَنْ يَتحول إلى قاطع طَريق وإمّا أَنْ يُهاجر، وهذا يسلب من البلاد زهرة شبابها، فإنّ الَّذِينَ يُهاجرون هم الأقوياء المُغامرون، ذوي المستوى الأخلَاقي العالي الَّذي يمنعهم من الإجرَام.

وإلامَ يُؤدي هَذا؟ إِنَّه يُؤدي إلى هبوط الإنتاج، فهذه الأيدي الفتية هي الَّتي تدير عمليته، وحين تنقطع عن العمل فَلا بُدّ أنْ يُصاب الإنتاج بالشلل.

ومن جملة آثارها أن تنتقل رؤوس الأموال الكبيرة إلى خارج البلاد، فَإِنّ أصحاب الثروات يستغلون أموالهم عن طريق الزراعة في المجتمعات الزراعية، فيُعمرون الأرض، ويُحيون مواتها، ويُصلحون نظام الرّي، ويُوجدون عملاً للكثيرين ولكن غَايَة هؤلاء هي الربح، فَإذا ما رأوا أن الضرائب والمظالم تذهب بثرواتهم فضلاً عن أرباحهم آثروا تجميد أموالهم أو نقلها إلى بلد آخر يَأمنون فيه العدوان وينجم عن هذا تعطيل شُبّان كثيرين يتجهون إلى الهجرة أو إلى الإجرام وتزيد البلاد خراباً، ويزيد الكيان الإقتصادي ضعفاً.

و من جُملة آثارها أنْ تتحد الأُمَّة عَلى بُغض الحكم القائم، ثُمَّ لاَ تَلبث أَنْ تَثور عَليه وتجعله أثراً بَعد عَين.

هذه الكوارث الإجتماعيَّة تنشأ من عدم التبصر في إمكانات الإنتاج وحالة المُنتجين. وقد وضع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المُبادىء ما يعصم أتباعه من التردي، فبَيَّن أنّ عَلى الحاكم قبل أن يُفكر في وضع الضريبة أنْ يُلاحظ حالة الأَرض فيُعمرها ويُصلحها، وأنْ يُراعي حالة العامل النفسية والمعيشية فيضمن له العيش في مُستوى لائق لئلا يشعر بالإضطهاد، وعندما يفرغ من ذلك كله يحق له أنْ يَضع الضّريبة الَّتي تتناسب مع مستوى الإنتاج ومقدرة المنتجين.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ (1)أَهْلِهَا،


1) الإِعْوَاز: الحَاجَة.

وَإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لِإِشْرَافِ (1)أَنْفُسِ الْوُلاةِ عَلَى الْجَمْع، وَسُوءِ ظَنّهِمْ بِالْبَقَاءِ وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ» (2).

عَهْدُ الأَشْتَر


ولا يكفي هذا وحده في أزدهار هذه الطبقة وتقدّمها، فَقد يكون الحاكم مُحسناً إِلَيها رؤوفاً بهَا، ومع ذلكَ ينالها الظلم، ويلحق بها الحيف.

إِنّ هذه الطبقة بحاجة إلى الحماية من طبقة الخاصة والنبلاء.

فهؤلاء يظلمون، ولا يتناهون عن منكر فعلوه، ولا يفيئون إلى حق، أعتزازاً بقوتهم وغناهم وصلتهم بالحاكمين، ولذلك فيجب أن تُحمى هذه الطبقة منهم بقطعهم عنها، ويكون ذلك بألا يجعل الحاكم لهُم سَبيلاً عَليها ولا صلة بها فلاً يقطعهم الحاكم أرضاً تتصل بأرض مَن هم دونهم قوّة وقدراً لأَنهم يَستغلوا المرافق العامة في سَبيل منافعهم الخاصة، ويعتدون على أرض غيرهم فيلحقونها بأرضهم، ويعفيهم الجُبَاة من الضرائب مُراعاة لمنزلتهم، ويضعون ما رفعُوه عنهم على أعناق غيرهم ممن ليس لهُ مِثل منزلتهم، وذلك أفدح الظلم وأقبحه.

فَإذا ما حدث شيء من ذلك وتعدى أحد هؤلاء على بعض الناس فظلمه بأنْ


1) إِشْرَافِ أَنفس الولاة: الإشراف: التطلع، أي أن الولاة يتطلعون إلى جمع المال لأنفسهم، لعدم ثقتهم بالإستمرار في الحكم.

2) أنظر، نَهْج البلاغة: الرَّسَالَة (53) « الخَرَاج ».

وضع عليه خراجه، أو سلبه أرضه، أو حُرمه الإنتفاع بالمرافق العامة، وجب على الحاكم أنْ يُؤد به ويرده إلى العدل كائناً مَن كَان.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِي خَاصَّةٌ وَبِطَانَةٌ (1)، فِيهِمُ اسْتِثْثَارٌ وَتَطَاوُلٌ، وَقِلَّةُ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ، فَأَحْسِمْ مَادَّةَ أُولَئِكَ بِقَطع أَسْبَابِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ. وَلَا تُقْطِعَنَّ لِأَحَدٍ مِنْ حَاشِيَتِكَ وَحَامَّتِكَ (2)قَطِيعَةٌ، وَلَا يَطْمَعَنَّ مِنْكَ فِي أَعْتِقَادِ عُقْدَةٍ (3)، تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيهَا (4)مِنَ النَّاسِ، فِي شِرْبٍ (5)أَوْ عَمَلٍ مُشْتَرَكٍ، يَحْمِلُونَ مَتُونَتَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَيَكُونَ مَهْنَا (6)ذَلِكَ لَهُمْ دُونَكَ، وَعَيْبُهُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».

وَأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَكُنْ


1) الخَاصَّة وَالبِطَانَة: رجَال الحاشية المُقربون من الحاكم البِطَانَة) من بطانة التوب لأنها أقرب إلى جلد الإِنسَان، فأستعيرت الكلمة للتعبير عن الناس المُقربين إلى الحاكم.

2) الحَامَّة - المُقربون جداً من الحاكم وأقاربه.

3) قطيعة - عُقْدَة: الضيعة، المزرعة، الأرض الزراعية، (إعتقاد عُقْدَة) أقتناء مزرعة.

4) يَلي: يُقرّب، أي لا تجعل أحداً من حاشيتك يقتني مزرعة إِذَا كَان يُخشى منهُ أَنْ يَظلم جيرانه من المُزارعين ويضرهم بأخذ أكثر من حصّته المُقروة له من الماء، أو بتكليفهم بأعمال زراعية مشتركة بينه وبينهم دون أَنْ يَتحمل ما يترتب عليه من النفقات.

5) الشِّرْب - بكسر الشين - ماء الرّي.

6) المَهْنَأُ - المنفعة الهَنيئة.

فِي ذَلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً، وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وَخَاصَّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ، وَأَبْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَثْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ، فَإِنَّ مَغَيَّةَ (1)ذَلِكَ مَحْمُودَةٌ » (2).

عَهْدُ الأَشْتَر

راجع: عَهْدُ الأَشْتَر وراجع كتاباً منهُ إِلى عُمّاله عَلَى الخَرَاج رقم النّص (3).


1) المَغَبَّة: العَاقِبَة.

2) انظر، نَهْج البلاغة: الرَّسَالَة ( 53 ) « بِطَانَةِ الْوَالِي وَحَوَاشِيه ».

3) تَقَدَّم ذَلكَ.

التُّجَّار والصُّنَّاع

إِذَا كَانت الزراعة هي ينبوع النشاط الإقتصادي في العصور القديمة، فَإِنّ التجارة هي المظهر الأكمل لهذا النشاط في جميع العصُور.

وإذن فَطبقة التُجَّار تُشكل وحدة إجتماعيَّة عظيمة القيمة، بعيدة الأثر في الكيان الإجتماعي.

ولو أنَّ أضطراباً ألم بنشاط هذه الطبقة لإضطرب المُجتمع كله، فتحدث المجاعات في بعض الأطراف بينما تتكدس المواد الغذائية في أطراف أُخرى. وبينما توجد في بعض المناطق سلع كثيرة للإستهلاك، تُوجد مناطق أُخرى نَقصاً في سلع الإستهلاك.

وهَؤلاء التُجَّار - في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على قسمين: منهم المُقيم المُستقر بماله وتجارته. ومنهم المُتجول المضطرب بماله بين البلدان يرصد حاجة كل بلد فينجر فيه بالسلعة الَّتي يفتقر إليها.

وأمّا الصُّنَّاع فيجب أنْ نَدخلهم في طبقة التَّجَّار ونُفهمهم على أنهم منهَا هُنا، وذلك لأمرين.

الأَوَّل: أَنَّ لكلّ من هَؤلاء الصُّنَّاع عملاً خاصاً مستقلاً يتجر به وحده أو يُشاركه فيه غيره فهو يتمتع بنتيجة عمله وليس مُستخدماً عند غيره كما هو حال

العامل الآن.

الثاني: إنّ الوجدان الطبقي عند التجار والصناع واحد كما سنرى. والميزان في عد طائفتين من النّاس طبقة واحدة هو وحدة الوجدان الطبقي فيهما.


هناك تلازم وثيق بين الإزدهار الاقتصادي وبين التجارة، فكلما نشطت حركة التجارة ارتفعت نسبة الإنتاج، وكلّما ضعف أمر التجارة هبطت هذه النسبة، وتبعتها في الهبوط المكانة الإقتصاديَّة للأمة.

نضرب لهذا مثلاً بحالة المُقاطعات الفرنسية في عصر الإقطاع، ثُمّ بحالة هذه المقاطعات بعد ضعف أمر الإقطاع ونشوء البرجوازية.

فَفي عهد الإقطاع الَّذي سَاد أُوربا منذُ إنهيار إمبراطورية (شرلمان) إلى ما بعد الحركة الأولى للحروب الصليبية ضعفت الحَركة التجارية في أوربا ضعفاً عظيماً فتبعها الإنتاج في الهبوط، واكتفى سكان كلّ إقطاعية بإنتاج ما يُلزمهم ويكفيهم من المواد الغذائية وأقتصروا منها على أنواع خاصة تسدّ حاجتهم. ولا تَستدعيهم بذل جهد كبير فلم يكُن شيء سوى سدّ الحاجة مطلباً لهُم. نعم كانت ثمة أستثناءات خاصة في السّلاح والثياب والأثاث للزعيم، وكانت هذه تُنقل من أقاليم بعيدة نسبياً. وهكذا كانت المقاطعات الفرنسية كلّها، تجنح في الإقتصاد نحو سياسة الإكتفاء الذاتي، وعدم إنتاج ما يزيد على الحاجة.

ولكن ما أن التهبت شرارة الحروب الصليبية الَّتي ذهبت بكثير من النبلاء والإقطاعيين، وما أنْ حدثت تطورات إجتماعيَّة أُخرى كالنزوح من الريف إلى

المدينة، وتأييد الملك، وأختراع المدفع الَّذي ذَهب بقيمه الحصون... ما أن حدث هذا حتَّى عادت التجارة فنَشطت نشاطاً عَظيماً، ونشأت طبقة البرجوازيين التجارية الَّتي يتنقل أفرادها بين البلدان، واستتبع ذلك ارتفاع مُستوى الإنتاج، فزَرع الزراع أنواعاً جديدة لم يكُن ليزرعها لولا طَلب التجار لها، وأشترى أشياء جديدة «ملابس وأسلحة، وآتية، وأدوات زينة» لم يكن ليقدر على شرائها لولا نشاطه الجديد، وتفنن الصانع في صنعه، فلم يعد يصنع ما يسد الحاجة فقط، وإِنَّما أخذ يصنع ما يُرضي حاسة الجمال أيضاً. وقامت المشاريع الصناعية الكبرى فنشأت البرجوازية المالية والبرجوازية الصناعية. وهكذا أرتفع مستوى الإنتاج بسبب نشاط الحركة التجارية.

وعندما تبحث عن أسباب التدهور الَّذي حلّ بفرنسا وغيرها من دول أوربا في عصر الإقطاع نجد أسباباً مختلفة.

مِنْهَا: عدم وجود الطرق التجارية الصالحة في جميع الأوقات بين مختلف أنحاء البلاد.

وَمِنْهَا: قطَّاع الطرق، وعصابات اللصوص والقتلة الَّتي تترصد القوافل التجارية.

مِنْهَا: عدم وجود سلطة مركزية تبث الأمن، وتضرب على أيدي المُفسدين في الأَرض، لأَنَّ السلطة المركزية في عصر الإقطاع كانت واهنة وكان السلطان الفعلي بأيدي الإقطاعيين وكان هؤلاء في حالة حَرب دَائمة فيما بينهم في شغل عن تأمين السبل والضرب على أيدي المُفسدين.

مِنْهَا: الرسوم الجُمركية الفاحشة، والضرائب الباهظة الَّتي تُفرض على البضاعة عند حدود كلّ مُقاطعة، وعند كلّ جسرٍ ومعبر ممّا يرتفع بثمن السلعة

إلى مبلغ كبير لا يقوى عليه الفَرد المحدود الدّخل.

هذه الأمور أضعفت الحركة التجارية وحصرتها في نطاق شديد الضّيق.

ولكن الوضع تغير عندما حدثت التطورات الإجتماعيَّة الَّتي أشرنا إليها. فَلَقد استتبع ضعف شأن الإقطاعيين تحول الشعب إلى تأييد الملك فأشتد ساعد السلطة المركزية، وعند ذلكَ ضَربت هذه السلطة على أيدي اللصوص وقطاع الطرق ومَهدت الشبل التجارية وأمنتها، ووحدت الضرائب فأتسع مجال التجارة، ونجم عنها الإزدهار الإقتصادي الَّذي أشرنا إليه.

وما نشك في أنَّ الإِمَام كان على وعي لهذا كله يوم كتب للأشْتَر عَهْده الَّذي عَهْدَ إِلَيه.

فقد استوصاه بالتَّجَّار خَيراً، وأمره بأنْ يُوصي بذلك ولاته وعُمّاله.

وما هذا الخير الَّذي أراده لهم إلا تسهيل مهمتهم، ليُؤدوا خدماتهم للمُجتمع على الوجه الأكمل، فلا يجوز أَنْ تَكُون المكوس والضرائب باهظة تستصفي الربح كلّه، أو تُبقي منه شيئاً لا يسد الحاجة، ولا يحمل صاحبه على المخاطرة، لأَنَّ ذَلكَ يُلجئه إلى أنْ يُجمّد ماله فلا يُنميه بالتجارة، ويُلحق بالمُجتمع من ذَلكَ ضَرر كبير ينشأ من توقف حركة العرض والطلب الَّتي ينجم عنها هبوط المُستوى الإقتصادي.

ويَجب أَنْ تَكُون الطرق التجارية صالحة في جميع الأمكنة ليتيسر للتجار التنقل بين أطراف البلاد، وليتمكنوا من تلبية الرغبات في جميع الأنحاء، وليستطيعوا نقل فائض الإنتاج من منطقه فيَسدّوا به حاجة منطقة أخرى تُعاني نقصاً فيه.

ويَجب أَنْ يَستتب الأمن، لئلا يمسك الخوف التاجر عن التنقل، ويقعد به الفرق من أَنْ يَذهب ضحيّة العُدوان.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتَّجَّارِ وَذَوِي الصَّنَاعَاتِ، وَأَوْصِ بِهِمْ خَيْراً: الْمُقِيمِ مِنْهُمْ وَالْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ (1)، وَالْمُتَرَقِّقِ بِبَدَنِهِ (2)، فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ، وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ (3)، وَجُلَّابُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَالْمَطَارِحِ (4)، فِي بَرَكَ وَبَحْرِكَ، وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ، وَحَيْثُ لا يَلْتَيم (5)النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا، وَلا يَجْتَرِءُونَ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لا تُخَافُ بَائِقَتُهُ (6)، وَصُلْحُ لَا تُخْشَىٰ غَائِلَتُهُ. وَتَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَفِي حَوَاشِي بِلادِكَ » (7).

عَهْدُ الأَشْتَر


ذَهب «سان سيمون» إِلى أَنَّ الوجدان الطَّبقي الَّذي يُميز طَبقة الصُّنَّاعِ والتَّجَّارِ


1) الْمُضْطَرِبِ بِمَالِه: التاجر المتنقل بين البلاد.

2) المُتَرَفِّق بِبَدَنِه: العامل اليدوي.

3) الْمَرَافِقِ: الأدوات والآلات، وما إليها.

4) الْمَطَارِح: الأماكن البعيدة.

5) يَلْتَتِمُ: يَجْتَمَعِ النَّاسِ.

6) البَائِقَتُهُ الدَّاهية، والخَطر، أي أن التجار والصناع مُسالمون.

7) أنظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة (53) «التجار وأرْبَاب الصَّنَاعَة».

هو الإنتاج، وإنماء بالثروة الفردية عن طريق تشكيل المادة على نحو ينتفع به الإنسان، أو عن طريق الإتجار بهذه المادة.

وهُم، بهذا، يُخالفون طبقة الحاكمين لأَنَّ هَؤلاء يَجعلون مظهر سُلطانهم عَلَى الإِنسَان (1)أما التجار والصُّنَّاع فقد جعلوا سُلطانهم على المادة، ولذلك فهم طبقة مُسالمة لا يخشى منها شرّ، بخلاف من كان سُلطانهم على الإنسان، فإنّهم يُنزعُون إلى الشر والتسلط.

وهو يرى أَنَّ البر جوازية الصناعية والتجارية قد حققتا إنقلاباً هائلاً في نظرة الإِنسان إلى وسيلة جمع المال، وبدلتا المفاهيم الإقتصادية الَّتي سيطرت على العقل الإنساني آلاف السنين.

فبينما كانت هذه المفاهيم تقتضي بأنّ أحسن الوسائل لجمع المال هي السيطرة على طائفة من النّاس واستخدامها، نرى هذه الطبقة الناشئة تؤكد أَنَّ السبيل الأفضل لذلك هو السيطرة على المادة وتسخيرها لحاجات الإنسان بواسطة قوى العلم.

ويرى ( سيمون ) أَنَّ من الضروري للتقدم الإِنسَانِي أَنْ تُتاح لهذه الطبقة جميع قُرص النمو لتعم ثروتها المُباركة على النظرة التقليدية لوسائل جمع المال (2)وهذه الفكرة بديهيَّة. وقد أكدت جميع التجارب صحتها.

ولا يصعب علينا أنْ تتبين روح هذه الفكرة في عهد الإمام، فقد رأيت أنه قد أوصى الحاكم بالتجار والصُّنَّاع وأمره أن يرعى شؤونهم ويتفقد أحوالهم،


1) كَان سيمُون يَكتب هذا في سنة ( 1818م).

2) دكتور مُحَمَّد ثابت الفندي: الطبقات الإجتماعية: 47 - 51.

ويفسح لهم في المجالات ليتسنى لهم أن يُساهموا مُساهمة خصبة في رفع مستوى الإنتاج وإنّماء الحياة الإقتصادية.

وتأمل في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): « فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لا تُخَافُ بَاتِقَتُهُ، وَصُلْحٌ لَا تُخْشَيْ غَائِلَتُهُ » (1). فإنّه يؤكّد فيهِ وجُوب العناية بهم والرعاية لهم، لأنهم لا يخشى منهُم شر، فطبيعة عملهم، والوجدان الَّذي يدفعهم إلى هذا العمل فيهما خَير المُجْتَمع ورفاهه.

وأما قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): « وَتَفَقَدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَفِي حَوَاشِي بِلادِكَ » (2). بَعد أَنْ أمره وأمرَ عُمّاله برعايتهم، فإنّه يشبه أنْ يكون أمراً بإنشاء دائرة خاصة تعنى بشؤون التجار.


قُلتُ: أننا لا يصعب علينا أن نتبين روح هذه النظرية في عهد الإمام ولكن في هذَا العهد مُلاحظة عميقة واعية غفل عنها «سان سيمون»، وأولتها الأبحاث الإجتماعيَّة الحَديثة عناية كبيرة.

وذلك أَنه إِذَا كَان من الحقِّ أَنْ نَعترف بأنّ طبقة التجار والصُّنَّاع طبقة محبّة للسّلم، طَبقة يعود نشاطها عَلى المُجْتَمع بالخير، فَإنَّ من الحق أن نعترف أيضاً أنها تصير في بعض الأحيان ذات نشاط عُدواني مضر بالمجتمع فعندما تستحكم «العقلية التجارية » في التاجر والصانع إلى حدٍ أنها تدفع بهما إلى التماس القروة


1) أنظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة ( 53 ) «التجار وَأَرْبَاب الصَّنَاعَة ».

2) انظر، نَهْج البلاغة: الرِّسَالَة (53) «التجار وَأَرْبَاب الصَّنَاعَة».

من أقرب الطرق - عندما يحدث هذا تجنح هذه الطبقة إلى التسلط والسيطرة» عَلى الإِنسَان بصُورة غَير مُباشرة، ولكنها بالغة الضّرر، وذلك بالإحتكار والتّوسل بهِ إِلى السيطرة على الأسواق والتحكم بالأسعار، وبالتطفيف في الموازين، وبالغُش وبيع الأصناف الرديئة، وبكل طريق يضمن ربحاً وفيراً في مقابل رأسمال قليل.

عندما يحدث هذا الإنحراف في عمل هذه الطبقة تصير خَطراً.

وإذن فكما تجب معونتها، تجب مراقبتها أيضاً لثلاً تنحرف إنحرافا يضر بالشعب، ويُحرم الفقير من بلغة عَيشه، فحينما ترتفع الأسعار وتبقى الأجور كما هي تحدث أزمة عند من لا تفي أُجورهم بالأسعار الجديدة.

هذه الظاهرة، ظاهرة إنقلاب هذه الطبقة إلى خَطر، لاحظها الإِمَام، وتَقدَّم إِلَى عامله بأنْ يُلاحظها، وبَيَّن له العلاج.

فعندما يحدث الإنحراف يتعيَّن على الحاكم بأن يقوم بتدبير زَجري يُرجع الأمور إلى نصابها، وذلك إما بمنع المحتكر من الإحتكار، وإجباره على البيع بالسعر المعقول، وإما بتعميم المادة المُحتكرة على تجار عديدين يبيعونها بالسعر العادل بالنسبة إلى الفريقين: البائع والمُستهلك، فإذا ما أحتكر تاجر بعد النهي عُوقب لير تدع.

وأمر عامله أَنْ يَجعل الأسعار عَلى مُستوى لا يعجز عنه أوساط الناس، ولا يخسر به التاجر.

وأمرهُ أَنْ يَضبط المكائيل والموازين لئلا يبخس البائع المُبتاع.

قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«وَأَعْلَمْ - مَعَ ذَلِكَ - أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضِيقا (1)فَاحِشَاً، وَشُحا (2)قَبِيحاً، وَاحْتِكَاراً لِلْمَنَافِعِ، وَتَحَكُماً فِي الْبِيَاعَاتِ، وَذَلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ، وَعَيْبٌ عَلَى الْوُلاةِ. فَاَمْنَعْ مِنَ الْإِحْتِكَارِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) مَنَعَ مِنْهُ وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً: بِمَوَازِينِ عَدْلٍ،

. وَأَسْعَارٍ لا تُجْحِفُ (3)بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ. فَمَنْ قَارَفَ (4)حُكْرَةٌ بَعْدَ نَهْيِكَ إِيَّاهُ فَنَكُلْ (5)بِهِ، وَعَاقِبُهُ فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ (6).

عَهْدُ الأَشْتَر


1) ضيقاً: سُوء الخُلق في المُعَامَلة.

2) الشح: البخل.

3) الإجحاف: الظُّلم، يعني أن تكون الأسعار عادلة بالنسبة إلى: التاجر والمستهلك.

4) قَارَف: ارتَكَب وفَعَل.

5) النكل، النِّكَال: العِقَابِ أي عاقب التاجر إِذَا احتكر بعد نَهيك له.

6) أنظر، نَهْج البلاغة: الرِّسَالَة (53) «التجار وَأرْبَاب الصَّنَاعَة ».

العُمَّالُ وَمَنْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ عَمَلاً

هذه الطبقة، طبقة الفقراء تتألف ممّن لا يستطيعون عملاً، لعاهة فيهم لا يقدرون معها على العمل، أو لا يستطيعونه لكبر السن وضعف البنية، أو لا أولاً يستطيعونه لصِغَر السّن كالأيتام الَّذِين لا كافل لهم، أو يستطيعُون ويعملون، ولكن عملهم لا يمدهم بالكفاية، ولا يُيَّسر لهُم مُستوى لائقاً من العيش.

هذه الطبقة تتألف من هذه الطوائف، وإذا لم تُلاق عناية من المُجْتَمَع ينحرف قويها إلى طريق الجريمة، ويموت ضعيفها جوعاً، وهي في الحَالَين سُبّة وخَطر عَلى المُجْتَمَع. وإذن فلا بد من تدبير يدفع البؤس عن أفرادها، ويُحوّل قَوّيهم إلى خَليَّة إنسانية عاملة وينهض بهم إلى مستوى الحياة الحرّة الكريمة.

وقد سنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَانُوناً تُعامل به هَذه الطبقة إستجاب فيه إلى أحكام الإسلام. وفي كلام الإمام عن هذه الطبقة نَرى تشريعاً عُمّالياً ناضجاً إلى أبعد الحدود، ومُستوعباً تمام الإستيعاب، وهو عَلى نُضجه الكامل وإستيعابه التام، سابق للتشريعات العُمّالية الحديثة بأكثر من ألف ومئتي عام.


ففي النصف الثاني من القرن الثامن عشر ظهرت طلائع الثورة الصناعية في

إنجلترا، وهي أوّل بلد أُوربي شهد الإنقلاب الصناعي الحَدِيث.

وقد تمت للثورة الصناعية عناصرها المُكونة حين أخترع البخار كقوة مُحركة وعُمم في صناعة المُحركات واستتبع ذلك أتساع نطاق الصناعة وتركزها في المُدن، وحينئذٍ حدثت الهجرة من الريف إلى المدينة، فقد بَاع الفلاحون أرضهم من كبار الملاك، وأنتقلوا إلى المصانع الجَدِيدة كعُمّال، وعند ذَلكَ ظهرت طبقة العُمّال إلى الوجُود عَلى نحو فعّال، وأنتقلت مراكز الكثافة فى المُجتمع من الفَلَّاحِين إليها.

ومن هذا الحين بدأت هذه الطبقة تستشعر الظَّلم أفدح وأقسى ما يكُون، فلم يكُن لمطامع أصحاب المصانع حدّ ولا غَايَة، وكان العامل يعمل أكثر سَاعَات نهاره بأجر زهيد، فإذا ما أستغنى عنه صاحب العمل، أو حلّت به آفة، أو اعتراه وهن، أو بلغ سنّاً لا يقوى فيها على العمل، طُرد من عمله.

وبَدا كَأنّ هذا الوضع الشائن سيستمر إلى الأبد.

وبدا كأن الكيان الإقتصادي القائم على هذا الإستغلال سيبقى منيعاً.

وبَدا كأنّ واقع العُمّال التّعس أمر لا مفر منه ولا معدى عنه.

ولَكن شَيئاً من هذا لم يستمر، فقد نبهت هذه المظالم الوعي العُمّالي، ودفعتهم إلى تحسين مستواهم الإقتصادي عن طريق الصراع.

وقد عملوا كَثيراً، وقد أخفقوا كثيراً، ولكنهم وفقوا أخيراً إلى تخفيض ساعات العمل ورفع الأجور، والتعويض عند الصرف من العمل، والضمان الإجتماعي بإعانة مالية تدفع للعامل المُتعطل من صندوق الدولة.

وتقدم هنا ملاحظات:

الأولى: إِنّ هذا لَم يَتم إِلا بجهود العُمّال أنفسهم، فلا المجالس التشريعية ولا أصحاب العمل أنتبهوا إلى حالة العُمّال وأهتموا بتحسينها، ولَم يُستجب أصحاب العمل لمطالب العُمّال، ولَم تُسن التشريعات المُلائمة إلا بعد صراع دَام عقوداً من السنين.

الثانيَة: إنّ هذه الإعانة الَّتي تُعطي للعامل المتعطل إِنَّمَا تُعطى له بشكل إِحْسَان وصَدَقة، ولا بإعتبارها حقاً له.

الثَّالِثَة: إنّ هذه التشريعات لا تشمل بعض الحالات، فمن يعمل ولا يكفيه عمله لا يَدخل فيها، ومَن يَعمل ويحصل على أجر مُناسب ولكن عَرض له مَا جَعله مُفتقراً إلى المزيد من المال لا يدخل فيها، وكذلك لا يدخل فيها الأيتام، ومَن لا كَافل لهم ولا يستطيعُون العمل لصغر السّن أي لا تعتبر الدولة نفسها مسؤولة عنهم.

وإذا رجعنا إلى عَهْدِ الإِمَام لتقارن بينه وبين النتائج الَّتي خرجنا بها ؟ فمَاذَا نجد ؟.

نُلاحظ أوَّلاً: أن التشريعات الحافلة للطبقة العاملة ومُطلق من لا يستطيع العمل للمرض أو لكبر السن أو لصغره - هذه التشريعات صدرت من فوق، من طبقة الحاكمين، ومَغزى أَنْ تكون التشريعات الحامية لطبقة العُمّال قد صدرت من فوق من دون أن يحدث من هذه الطبقة تحسس يلجيء إلى هذا، كبير القيمة، فهو يدل عَلَى أَنَّ الإِمَام كَان يُفكر في هذه الطبقة ويعمل لخَيرها.

وثانياً: إن ما تدفعه الدولة إلى هؤلاء ليس إحساناً مِنها إِليهم، وإِنَّما هو حق إِنّ لهُم عَليها، يَجب أَنْ تُؤديه. وعَهْد الإِمَام صَريح في هذا كما سترى.

ومغزى هذه المُلاحظة عظيم، فعندما يأخذ المعوز مَا يَأْخذه عَلَى أنه «إِحْسَان» يَشعر بالدونية، أما حين يأخذه على أنه « حق » فإنّه يَشعر بشيء من هذا.

وثالثاً: إِنَّ التشريع الَّذي سنّه الإِسلام وذكره الإِمَام يَشمل كل حالة عجز، فمَن لا يستطيعون عملاً لمرض أو هرم أو صغر سن، أو يعملون ولكن أجرهم لا يكفيهم - هؤلاء جَميعاً تكفلهم الدَّولة، وتعتبر نفسها مسؤولة عنهم.

وعَهْدُ الإِمَام صَريح في أَنَّ عَلَى الحاكم أَنْ يُنشيء لهذه الطبقة دائرة خاصة ترعى شؤونها، فهو يقول:

«فَفَرِّغْ لِأُولَئِكَ ثِقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ وَالتَّوَاضُع. فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ» (1).

وقَد جَرى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَلى هذا فيما نقل أبن أبي الحَدِيدِ إِذ قَالَ:

« وكان لأمير المُؤمِنِين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيت سمّاه بيت القصص يُلقي النّاس فيه رُقاعهم» (2).

وإِذن، فبالرغم من سبق عَهْدِ الإِمَام عَلى التشريعات العمالية الحديثة بأكثر من ألف ومئتي عام نُلاحظ أنه أوعى لحاجات هذه الطبقة وأرعى لشؤونها، وأشمَل لطوائفها من هذه التشريعات.

نعم تمتاز هذه التشريعات بأنها أكثر تفصيلاً من عَهْد الإِمَام، وبأنها تشتمل عَلى مُلاحظات لَم تَرد في هذا العهد، ولكن ذلك لا يكسبها ميزة حقيقيَّة، فَالعِبرة بروح التشريع وبشموله، ولا شك، بعدما عرفت في أَنَّ عَهْد الإمام أشمل.


1) أنظر، نَهْج البلاغة: الرَّسَالَة (53) «الطبقة السفلى».

2) انظر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 78/17.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«ثُمَّ الله الله فِى الطَّبَقَةِ السُّفلى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ، مِنَ الْمَسَاكِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَأَهْل الْبُؤْسَى (1)وَالزَّمْنَى (2)، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَائِعاً وَمُعْتَرا (3).

وَأَحْفَظِ اللَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكِ، وَقِسْماً مِنْ غَلَّاتِ (4)صَوَافِي (5)الْإِسْلامِ فِي كُلِّ بَلَدٍ، فَإِنَّ لِلأَقْصَى (6)مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذي لِلأَدْنَى، وَكُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ (7).

وَلا يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرُ (8)، فَإِنَّكَ لا تُعْذَرُ يتَضيعِكَ التَّافِة لإحْكامِكَ الْكَثِيرَ الْمُهِمَّ فَلا تُشخص هَمَّكَ عَنْهُمْ (9)، وَلَا تُصَعُرُ (10)خَدَّكَ لَهُمْ،


1) البُوْس جَمع بَائِس، الَّذِين يُعانون من الفقر الشَّدِيد.

2) الزَّمْنى: جَمع زَمين - والزمانَة العَاهَة.

3) القانع: السائل - المُعْتَر: المُتعرض لأخذ العَطَاء دون سُؤال وَطَلب.

4) الغلات المحاصيل الزراعية.

5) الصوافي: الأرْض المَفتوحة عنوة (بالقوة)، فإنها مُلك لجَمِيعِ المُسلمين، ويعود ريعها إِلى بَيت مال المسلمين.

6) الأَقْصَى الأَبْعَد في القَرَابة أو في المكان والأدنى: الأقرب، أي أنه لا فرق في لزُومِ الرعاية لهؤلاء بين القريب والبعيد.

7) وَجَبت عَلَيك رعاية حقه.

8) البطر: الطغيان بالنعمة.

9) لا تُشْخص همك: لا تصرف عنايتك وأهتمامك عن هؤلاء الفقراء.

10) لا تتكبر عليهم.

«وَتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لا يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُيُونُ (1)، وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ: ثُمَّ أَعْمَلْ فِيهِمْ بِالْإِعْذَارِ إلَى اللهِ يَوْمَ تَلْقَاهُ (2)، فَإِنَّ هَؤُلاءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَخْرَجُ إِلَى الْإِنْصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ.

وَكُلٌّ فَأَعْذِرْ إِلَى اللَّهِ فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إِلَيْهِ. وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُثْمِ وَذَوِي الرِّقَةِ فِي السِّنِّ (3)مِمَّنْ لا حِيلَةَ لَهُ. وَلا يَنْصِبُ لِلمَسْأَلَة نَفْسَهُ.

وَذَلِكَ عَلَى الْوُلاةِ ثَقِيل، وَالْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيل: وَقَدْ يُخَفِّفُهُ اللهُ عَلَى أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ، وَوَيْقُوا بِصِدْقٍ مَوْعُودِ اللهِ لَهُمْ» (4).

عَهْدُ الأَشْتَر

ونَستَطِيع أن نتصور عظيم أهتمامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الطبقة حِين نتأمّل قوله: «ثُمَّ الله أَنْ اللهَ فِى الطَّبَقَةِ السُّفلى مِنَ الَّذِينَ لا حِيلَةَ لَهُمْ»، وَقَوله: «فَلَا تُشْخِصْ هَمَّكَ عَنْهُمْ، وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ». يَأمر واليه بأنْ يتواضع لهم لئلا يَشعروا بالذُّل من جهة، وليضرب لأغنياء رعيته مثلاً من نَفسه في معاملته لهذه الطبقة. وقوله: «فَإِنَّ هَؤُلاءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إِلَى الْإِنْصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ». وأمَّا قَوله «فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَمُعْتَراً»، وقوله: « وَتَفَقَدْ أُمُورَ مَنْ لا يَصِلُ إِلَيْكَ


1) تَقْتَحِمُه العُيُون: تَحْتقره، فلا تَنظُر إِليه.

2) ليَكُن عَملك بالنسبة إلى هؤلاء الفقراء عُذراً لكَ عندَ الله تَعَالَى.

3) ذَوي الرَّقَة في السِّنِّ: الَّذِينَ بَلغُوا مَرحلة الشَّيخُوخة.

4) أنظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة: (53) « الطَّبَقَة السُّفْلَى».

مِنْهُمْ»، وقوله: « وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُثْمِ وَذَوِي الرَّقَةِ فِي السِّنُ مِمَّنْ لا حِيلَةَ لَهُ، وَلَا يَنْصِبُ لِلمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ»؛ فإنّها تَنطوي عَلَى مَضمُون عَظِيم القِيمَة، فَهَؤلاء الَّذِين يمنعهم الحَياء وشرف النّفس من إظهار فقرهم ومن نَصب أنفسهم للمسألة يَمُوتون جوعاً إِذَا لَم يبحث عنهم الحاكم ويرعى أُمورهم، ولذلك أمرَ الإِمَام وَاليه بأنْ يتفقد هَؤلاء وأمثالهم، ويُوكَّل بهم من يتفقدهم.

ولا أظنّ أَنَّ حكومة من الحكومات الحَدِيثة بلغ فيها التشريع العُمّالي، والتأمين الإجتماعي من النضوج والوعي للمسؤولية الإجتماعيَّة إلى حد أَنْ تُؤلّف هيئة تبحث عن ذوي الحاجة والفاقة فترفع حاجتهم بأموال الدولة، كما نَرَى ذَلكَ في عَهْد الإِمَام.

ولا أظنّ أَنَّ قُلُوب المُشرعين وعقولهم إجتمعت عَلَى أَنْ تَخرج للدُّنْيَا تَسْرِيعَاً عُمّالياً فأفلحت في أن تخرجه أتبض من تشريع الإمام بالشعور الإنساني العميق.

رَاجع عَهْدِ الأَشْتَر

المُجتَمَعُ القَبَليّ مَوْقِفُ الإِمَامِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) مِنَ الرُّوحِ القَبَلِيَّة

كنا فيما تتحدث عن آراء الإمام في المُجْتَمع بإعتبار تركيبه الداخلي، أعني

الطبقات الإجتماعيَّة. والآن نُريد أن نتحدث عن رَأي الإِمَام في المُجْتَمَع كوحدة عامة، فلا ننظر إليه من داخل كمَا صَنعنا في بحث الطبقات، وإنَّما ننظر إليه من خارج بإعتباره وحدة إنسانية عامة لا نلحظ فيها الفروق. وكنا نتحدث عن آراء الإِمَام في إصلاح المُجْتَمَع عَلَى هَدي الإسلام عن طريق التأمين الإقتصادي وإصلاح جهاز الحكم، وتتحدث الآن عن آراءه في إصلاح المُجتمع عن طريق العوامل النفسية ذات الأثر في الجماعة الإنسانية.

للإِجتماع الإِنسَانِيِّ مَظهران: مَظهر حقيقي، ومَظهَر مُزيف. أما المظهر الحقيقي للإجتماع الإنساني فهو ذَلكَ الَّذي يبدو النّاس فيه وقد شاعت بينهم الألفة، وجمعتهم المحبة، وقاربت ما بينهم وحدة الوسائل والغَايَات. وهو ذَلكَ الَّذي يعي فيه الأفراد المسؤولية، ويشعرون أنّ القانون الَّذي يَجب

أنْ يَسود هو قانون حقي وواجبي.

وهو الَّذي يعي فيه الأفراد أنَّ الغاية من الإجتماع الإِنسَاني هي التّعاون عَلى إيجاد الفرص المُناسبة الَّتي تُمكن كلّ فرد من إظهار قدرته، وتحقيق ذاته على نحو فعّال مُجد، وليس عملاً يُراد منه إيجاد القُرص المُناسبة لطائفة من النّاس على حساب آخرين.

وأما المظهر المُزيف للإجتماع الإنساني فهو ذلك الَّذي يبدو فيه الأفراد « مُجْتَمَعِين» فحسب، فلا توجد بينهم ألفة، ولا تلم شتاتهم محبّة، ولا يلتقون عَلى هَدف صحيح. وهو ذَلكَ الَّذي يَسعى فيه كلّ فرد أو كلّ جماعة إلى إمتلاك كلَّ مَا يَستطيع

دون وعي لحاجات الآخرين ودون أهتمام لمصائرهم.

وهو ذَلكَ الَّذي يَسود فيه قانون الكلمة الواحدة، قانون حقي، فقط. إنّ هذا الطراز من الإجتماع أحق بأنْ يُسمّى «تجمعاً » ذنبياً من أَنْ يَسمى إجتماعاً: إِنْسَانيًاً.

هذَان مظهران للإجتماعي الإنساني ويُحسن بنا أَنْ نَلتمس الأسباب الَّتي تسوق إلى هذا وذاك.

رُوح العدوان غريزة أصيلة في نفس الإنسان.

وإنما كانت أصيلة فيه لأنها ضرورية لحياته، فلولاها لما كان في الإنسَان مَا يُحفزه إلى حماية نفسه من كواسر السباع وفواتك الهوام، ولما كانت له القدرة على الصيد، ولا عَلى أي عمل يتطلب صراعاً مع كائن حي آخر في سبيل حفظ الحياة.

المُجتَمَعُ القَبَليّ مَوْقِفُ الإِمَام مِنَ الرُّوح القَبَلِيَّة

وأوقات الحاجة إلى هذه الغريزة هي حين تتعرض الحياة الإنسانية لخطر فاتك سواء كان من الإنسان أو الحيوان.

وليس في النفس الإنسانية جهاز يُولّد هذه الغريزة في أوقات الخطر ويعدمها في أوقات الأمان. ولذَا فَإِنّ هذه الغريزة موجودة في جميع الأوقات.

وهي في أوقات الخطر تعمل عملها الَّذي يَسِّرت له وأودعت في الإِنسان لأجله. وأمّا في أوقات الأمان فَإنّ وجُودها يُصبح مُشكلة خطيرة قد تمتد بآثارها إلى الآخرين من أفراد وجماعات.

ففي المجتمعات الَّتي تُدين بحضارة لا تجعل للإنسان هدفاً سامياً في الحياة، ولا تعلمه إلا أَنْ يُبالغ في إرواء شهواته ونزعاته، تُعبر هذه الغريزة عن نفسها في عدوان بعض الأفراد على بعض أو عُدوان بعض الجماعات على بعض، لأَنها - كفَريزة - لا بُدّ لها من التعبير عن نفسها، وحيث لا تُقدم لها الحضارة موضوعاً للتعبير يصرفها ويُحولها عن الأفراد، لا بدّ أَنْ تُعبر عن نفسها في هَؤلاء الأفراد، وحينئذٍ ينقلب المُجْتَمَع الإِنسَانِي إِلى مُجتمع ذئبي تناحري، ذي غرائز عُدوانية ضارية، تُعبّر عن نفسها بإستمرار.

هذه هي الأسباب الَّتي تذهب بروح الإجتماع الإنساني وتسبغ عليه مظهراً إجتماعياً مُزيّفَاً.

وجاء الإسلام والمُجْتَمَع الإِنسانيّ كلّه في واقع تعس نَشأ من أَنَّ الحضارات

الَّتي كان يُدين بها كانت في الغالب حضارات لا تتجاوز بالإنسان مدى الحش. وكان المُجْتَمَع العربي يُعاني الأزمة في أحد مظاهرها، فقد كان يقوم إلى جانب ما يُعانيه من جدب روحي على أساس قبلي. وكان هذان العاملان

الجدب الروحي والرّوح القبلية يُثيران غريزة العدوان أعتى وأخرى ما تكون. وقد عَالج الإسلام هذه المُشكلة.

أوَّلاً، بأنْ حَارب عناصر الفساد والإنحلال في الإرث الثقافي المهلهل الَّذي دعت إليه تلك الحضارات، وجاء بثقافة جديدة حرّية بأنْ تُعيد تكوين الإنسان الروحي من جديد، وجعل للحياة الإنسانية هدفاً أعلى من إرواء الحسّ باللذة جعل لها الفضيلة هدفاً، وأمر الإنسَان بالمسير إليه.

وثانياً، بأن وجه غريزة المُقاتلة إِلى مَوضُوعين؛ أحدهما أعدَاء الإِسلام الَّذِين يكيدون له، ويبغون عليه، ويُريدون إطفاء نُور الله فيه. وَالثَّاني هو الشّيطان، هذا الكائن الَّذي هو أعدى أعداء الإنسان: يُزين له الظَّلال، ويُحبب إليه الإنحراف، ويدفعه عن طريق الإغواء والإغراء إلى تشويه شخصية الإنسانية وتلويثها.

وقد أكد الإسلام عداوة الشيطان للإنسان تأكيداً مُطلقاً، وأكد وجوب الإحتراز منه، والحذر من مكائده، والتحصن من شباكه، تأكيداً مُطلقاً وبذلك وجّه غَريزة القتال والعدوان إلى مَوضُوع يَستفيد منهُ المُجْتَمع أعظم الفائدة، فالإنسان، مُنذ اليوم، يُكافح الشيطان من أجل أَنْ يَسمو... من أجل أَنْ يُحقق الإنسان.

وقد أحرز النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) نصراً باهراً حين استطاع، عن طريق الإسلام، أَنْ يَجمع العرب على عقيدة تُوحد بينهم في الوسائل والغايات، وأن يكون من الشّراذم العربية أُمة عربية. ولكن الظرف الزماني لم يُسعفه على إستئصال الروح القبلية من نفس العربي، فمَا أَنْ قَبضه الله إليه حتَّى حدث ما بعث هذه الروح من جديد... حتَّى وليَ الخلافة عُثمَان فعبرت عن نفسها بسبب سياسات معينة تعبيرات شديدة، فلمّا ولي الإمام الحكم جُوبه بهذا الواقع واقع المُجتمع العربي المُسلم

الَّذي ساقته الروح القبلية إلى مصير وبيل. فنَصب نَفسه لمُحاربة هذه الرّوح.


وقد كانت طريقته في العلاج فذّة رائعة، سَنقف في فصل آتٍ عَلى جانب منها يتناول التثقيف الفردي، وتعليم أصحابه رُوح الإسلام أمّا هُنا فتتحدث عن كفاحه للرّوح القبلية بإعتبارها نزعة هدّامة.

ولا بد أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) تكلَّم كَثيراً في هذا الموضوع، لأَنَّ واقعه كان يَدعوه إلى ذَلكَ، ولئن لم يصل إلينا كلّ ما قَالَ أو أكثره فَإنّ ما في نهج البلاغة يُغني في مقام التّعرف على آراءه في هذه المسألة، وثمّة خُطبة من طوال خُطبه خصصها لمُحاربة هذه النزعة في مجتمعه، وقد ذكر الشريف مختاراً منها، ونحنُ ذاكرون طَرفاً ممّا اختار نَستَشهد بهِ عَلى أَنَّ الإِمَام كَان يعي العمليات الإجتماعية، وكان يعي ما وراء هذه العمليات من دوافع نفسية تحمل عليها وتدفع إليها.


تكرر ذكر الشيطان في نهج البلاغة كَثِيرَاً:

1 - قصة آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإغراء الشيطان له.

2 - الشيطان أخطر عدوّ للإنسان، يُزين له المعصية، ويحمله على تسويف التوبة، ويَدفعه إلى مُقارفة الإثم، حتَّى إِذَا حق الحق تبرأ منه وتركه بين يدي عذَاب غليظ.

3- من جُملة مهام الأنبياء الكبرى أنْ يحذروا الناس من إغواء الشيطان.

وقد كان الإمام يهدف من كلّ ذلك إلى تأكيد عداوة الشيطان في النفوس

لتنصرف إِلَيه غَريزة العُدوان.

وأعظَم خُطبة تضمنت ذلك، وتجلى فيها غرض الإمام الإجتماعي هي خُطبته المُسمّاه ( القاصعة » (1).

ففيها: صرّح الإمام بأن الإجتماع الإنساني الحق لا يُمكن أن يجتمع مع النزعة القبلية.

وففيها: يُصرّح بأن النزعة القبلية إن هي إلا إرث شيطاني يُزينه الشيطان لأوليائه.

وفقيها: يُبين أَنَّ الشَّيطان أحق بالمُحاربة من هؤلاء الضعفاء الَّذِين يقع عليهم الظَّلم ويُلحقهم الحيف بسبب النزعة القبلية.

وففيها: يضرب الأمثال الَّتي تشهد لدعاواه و الَّتي تدل عَلى أَنَّ النّزعة القبلية. بمَا لهَا من آثار سيئة، هي الَّتي محقت المجتمعات القديمة.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« الْحَمْدُ للهِ الَّذي لَبِسَ الْعِزَّ وَالْكِبْرِيَاءَ، وَاخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وَجَعَلَهُمَا حِمَى وَحَرَماً عَلَى غَيْرِهِ، وَأَصْطَفَاهُمَا لِجَلَالِهِ، وَجَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ.

ثُمَّ اخْتَبَرَ بِذَلِكَ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ، لِيمِينَ الْمُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ الْقُلُوبِ، وَمَحْجُوبَاتِ


1) تَقدَّم ذلك.

الْغُيُوبِ: إِنِّى خَلِقُم بَشَرًا مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ و وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ و سَجِدِينَ فَسَجَدَ المَلَكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ (1). أَعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ، وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لأَصْلِهِ. فَعَدُوُّ اللَّهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ، وَسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ الَّذي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ » (2).

وبعد أَنْ بَيَّن أَنَّ الله أبتلى خَلقه بهَذا لينفي عنهم التَّكبر والخيلاء، وبعد أَنْ أمرهُم أَنْ يَعتبروا بما صار إليه إبليس حين تكبر، قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللَّهِ عَدُوٌّ اللَّهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ، وَأَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ بِنِدَائِهِ، وَأَنْ يُجْلِبَ عَلَيْكُمْ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ (3)، فَلَعَمْرِي لَقَدْ فَوَّقَ لَكُمْ سَهْمَ الْوَعِيدِ، (4)، وَأَغْرَقَ إِلَيْكُمْ بِالنَّزْعِ الشَّدِيدِ (5)، وَرَمَاكُمْ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ، فَقَالَ: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَتِنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (6، قَذفاً بِغَيْبٍ بَعِيدٍ، وَرَجْماً بِظَنْ غَيْرِ مُصِيبٍ، صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ الْحَمِيَّةِ،)


1) سُورَة صَ: 71 - 74.

2) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (192) « مَا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ وصَدَاقَة».

3) أجْلَب بخَيْله، يعني استعان بفرسانه. وأجْلَب برجله، يعني أستعان بمشاته.

4) فوق السهم: أعده للرمي.

5) أغْرَق بالنزع: شدّ وتَر قَوسه إلى أقصاء ليُصيب الهدف إصابة مُهلكة.

6) الحِجْرِ: 39.

وَإِخْوَانُ الْعَصَبِيَّةِ، وَفُرْسَانُ الْكِبْرِ وَالْجَاهِلِيَّةِ. حَتَّى إذا انْقَادَتْ لَهُ الْجَامِعَةُ مِنْكُمْ (1، وَأَسْتَحْكَمَتِ الطَّمَاعِيَّةُ مِنْهُ فِيكُمْ، فَنَجَمَتِ الْحَالُ مِنَ السِّرِّ الْخَفِيِّ إِلَى الْأَمْرِ الْجَلِيِّ (2)، اسْتَفْحَلَ سُلْطَانُهُ عَلَيْكُمْ، وَدَلَفَ (3)بِجُنُودِهِ نَحْوَكُمْ، فَأَقْحَمُوكُمْ وَلَجَاتِ الذُّلّ (4)، وَأَحَلُوكُمْ وَرَطَاتِ الْقَتْلِ، وَأَوْطَنُّوكُمْ إِنْخَانَ الْجِرَاحَةِ (5)، طَعْناً فِي عُيُونِكُمْ، وَحَزّاً فِي حُلُوقِكُمْ، وَدَقاً لِمَنَاخِرِكُمْ، وَقَصْداً لِمَقَاتِلِكُمْ، وَسَوْقاً بِخَزَائِم الْقَهْرِ إِلَى النَّارِ الْمُعَدَّةِ لَكُمْ. فَأَصْبَحَ أَعْظَمَ فِي دِينِكُمْ حَرْجاً، وَأَوْرَىٰ (6)فِي دُنْيَاكُمْ قَدْحاً، مِنَ الَّذِينَ أَصْبَحْتُمْ لَهُمْ مُنَاصِبِينَ، وَعَلَيْهِمْ مُتَالبِينَ. فَأَجْعَلُوا)


1) الجَامحَة: من جَمح الفرس، إِذَا فَرَّ وشَرد، يُريد الإمام بذلك من عصاه من أصحابه الذين تأثروا بالروح القبلية.

2) نَجْم: ظَهَر، يُريد أَنَّ العَصبية القبلية كانت في أوّل الأمر مجرد فكرة، ولكنها بعد أن أثر الشيطان أثره، تحولت العصبية من مُجرد فكرة خَفية إلى حقيقية خارجية ظاهرة جَلية.

3) دَلَفَ: تَقدَّم.

4) وَلَجَات مُفرَده: وَلجَة، المَأوى في الطريق، يلجأ إليه الناس.

5) أَوطَأ: أَركَب، (أنْخَان الجراحة) يُقال: أثخن في العدوّ: أي أوقع فيهِ إِصَابات شَدِيدَة، فيكُون مَعنى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (أَوْ طَتُوكُمْ إِثْخَانَ الْجِرَاحَة) أنهم أشعلُوا نَار الفتنة بينكُم، فَفَتك بعضكُم بالبعض الآخر فتكاً شديداً.

6) أَوْرَى النّار: جَعلها تشتعل بشدّة وقوة.

عَلَيْهِ حَدَكُمْ، وَلَهُ جِدَّكُمْ (1، فَلَعَمْرُ اللَّهِ لَقَدْ فَخَرَ عَلَى أَصْلِكُمْ، وَوَقَعَ فِي حَسَبِكُمْ، وَدَفَعَ فِي نَسَبِكُمْ، وَأَجْلَبَ بِخَيْلِهِ عَلَيْكُمْ، وَقَصَدَ بِرَجِلِهِ سَبِيلَكُمْ، يَقْتَنِصُونَكُمْ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَيَضْرِبُونَ مِنْكُمْ كُلَّ بَنَانٍ. لا تَمْتَنِعُونَ بِحِيلَةٍ، وَلا تَدْفَعُونَ بِعَزِيمَةٍ، فِي حَوْمَةِ ذُلّ، وَحَلْقَةٍ ضِيقٍ، وَعَرْصَةِ مَوْتٍ، وَجَوْلَة بَلاء. فَأَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ نِيرَانِ الْعَصَبِيَّةِ وَأَحْقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّمَا تِلْكَ الْحَمِيَّةُ تَكُونُ في الْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ الشَّيْطَانِ وَنَخَوَاتِهِ، وَنَزَغَاتِهِ (2)وَنَفَتَاتِهِ (3). وَاعْتَمِدُوا وَضَعَ التَّذَلُّلِ عَلَى رُءُوسِكُمْ، وَإِلْقَاءَ التَّعَزُّزِ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ، وَخَلْعَ التَّكَبُرِ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ، وَاتَّخِذُوا التَّوَاضُعَ مَسْلَحَةٌ (4)بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّكُمْ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ، فَإِنَّ لَهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ جُنُوداً وَ أَعْوَاناً، وَرَجِلًا وَفُرْسَاناً، وَلَا تَكُونُوا كَالْمُتَكَبِّرِ عَلَى ابْنِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ مَا فَضْلٍ جَعَلَهُ اللهُ فِيهِ سِوَى مَا أَلْحَقَتِ الْعَظَمَةُ بنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةِ الْحَسَدِ، وَقَدَحَتِ)


1) الحَدّ: هُنا الغَضَب. وَالجِد هنا القطع. يُريد: صُبُوا عَليه غَضبكم، وأقطعوا الصّلة بينكُم وَبَينه.

2) النزع: الإفساد.

3) النفث: النفخ. كَانَ الشَّيطان ينفخ الشر والفساد في عقول الناس وقلوبهم.

4) المَسْلَحة: مكان تجمع الجُنُود المُسلمين على الحدود لدفع العدو. يُريد: أجعلوا التواضع سلاحكم في حد إبليس الَّذي يدعوكم إلى التكبر.

الْحَمِيَّةُ فِي قَلْبِهِ مِنْ نَارِ الْغَضَبِ، وَنَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي أَنْفِهِ مِنْ رِيحِ الْكِبْرِ الَّذي أَعْقَبَهُ اللَّهُ بِهِ النَّدَامَةَ، وَأَلْزَمَهُ آثَامَ الْقَاتِلِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ » (1.)ثُمّ يَضرب لهم الشواهد، ويُبصرهم عبر التَّارِيخ.فهَذا الواقع الإجتماعي المُزري جرٌ أُمماً قَبلهم إلى الإنهيار، وجدير بهم أَنْ يعتبروا بمن قبلهم ممّن غفلوا عن عدوهم الكامن في أعماقهم، وصرفوا بإغرائه وإيحائه - عدوانهم إلى إخوانهم في الدين والإنسانية:« فَأَعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الْأُمَمَ الْمُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللهِ وَ صَوْلاتِهِ، وَوَقَائِعِهِ وَمَثْلَاتِهِ (2، وَأتَّعِظُوا بِمَثَاوِي خُدُودِهِمْ (3)، وَمَصَارِعِ جُنُوبِهِمْ، وَاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ لَوَاقِعِ الْكِبْرِ (4)، كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدّهر (5)» (6).)« أَحْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ الْمَثْلَاتِ بِسُوءِ الْأَفْعَالِ، وَذَمِيمِ الْأَعْمَالِ. فَتَذَكَّرُوا فِي الْخَيْرِ


1) أنظر، نهج البلاغة: الخُطبة (192) « فِي كُلِّ أُمَّةٍ جُنُودٌ لإبْلِيسَ».

2) المثلات: العُقوبات الشديدة.

3) المثوى: المنزل - مثاوي الخدود: موضع الخد على التراب بعد الموت. كناية عن أنَّ المصير الأخير هو الموت، فلماذا الأحقاد والصراعات. وهذا المعنى هو المراد من الفقرة التاليه (وَمَصَارِعِ جُنُوبِهِمْ ).

4) لواقح: من اللقاح، وَمَعناه مَعروف. أي أَنَّ الكبر يُلقح النفس بالشّر فأستعيذوا بالله من ذَلكَ.

5) طَوَارِقِ الدَّهر: مَصَائِبه.

6) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة: (192) «لا تُطِيعُوا الْأَدْعِيَاءَ».

وَالشَّرِّ أَحْوَالَهُمْ، وَاَحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ (1.)« فَإِذَا تَفَكَّرْتُمْ فِي تَفَاوُتِ حَالَيْهِمْ، فَأَلْزَمُوا كُلَّ أَمْرٍ لَزِمَتِ الْعِزَّةُ بِهِ شَأْنُهُمْ، وَزَاحَتِ الْأَعْدَاءُ لَهُ عَنْهُمْ، وَمُدَّتِ الْعَافِيَةُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَأَنْقَادَتِ النِّعْمَةُ لَهُ مَعَهُمْ، وَوَصَلَتِ الْكَرَامَةُ عَلَيْهِ حَبْلَهُمْ مِنَ الْإِجْتِتَابِ لِلْفُرْقَةِ، وَاللُّزُومِ لِلْأُلْفَةِ، وَالتَّحَاضُ عَلَيْهَا، وَالتَّوَاصِي بِهَا، وَاجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْرٍ كَسَرَ فِقْرَتَهُمْ (2، وَأَوْهَنَ مُتَتَهُمْ (3)، مِنْ تَضَاعُنِ الْقُلُوبِ، وَتَشَاحُنِ)الصُّدُورِ، ! وَتَدَابُرِ النُّفُوسِ، وَتَخَاذُلِ الْأَيْدِي» (4.)ثُمّ يَضرب لهُم الأمثال بال بني إسرائيل كيف جمعتهم الدعوة الواحدة، ولمَّ شَعثهم الهَوى الجميع، فعظم أمرهم، ثُمّ أختلفوا فذهب ريحهم ووهنوا وذُلوا.وضَرب لهُم الأمثال بحال العرب قبل الإسلام كَيف كَانوا، ثُمَّ كَيف أتحدوا بالإسلام فأصبحوا يُطاعون في بلاد كانوا فِيها أَذلَّة ضُعفاء.ثم ذكر أنَّ أعظم ما أمتنَّ الله به عليهم هو أنه جمعهم، وألف بين قلوبهم، وجَعلهم إِخْوَاناً، قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ:)« فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هَذِهِ


1) أنظر، نَهْج البلاغة: الخُطْبَة (192) «الْعِبَادَةُ رِيَاضَةٌ نَفْسِيَّةٌ ».

2) كَسَر فِقْرَتَهُم: كَسَر ظهورهم لأنَّ الفقار في ظهر الإِنسَان يقوم عليها كيانه فَإِذا كَسَرت عجز عن الوقوف والعمل.

3) أَوْهَنَ مُنْتَهُمْ: أَضْعَف قوتهم.

4) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (192) « الْأَذَى فِي سَبِيلِ الْحَقِّ».

الْأُمَّةِ فِيمَا عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلٍ هَذِهِ الْأُلْفَةِ الَّتي يَنْتَقِلُونَ فِي ظِلِّهَا، وَيَأْوُونَ إِلَى كَنَفِهَا، بِنِعْمَةٍ لا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمخْلُوقِينَ لَهَا قِيمَةٌ، لِأَنَّهَا أَرْجَعُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ، وَأَجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ» (1.)***ورُؤساء القبائل هم أصحاب المصلحة فى استشراء العصبية القبلية والتفكك الإجتماعي، فلو وعى النّاس الحياة الإجتماعيَّة الصّحيحة وراعوا المصلحة العامة وحدها، لما بقيت لهؤلاء الرؤساء قيمة، لأنَّ وجودهم منوط بهذه العصبية وقَد عَرَف الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ ذَلكَ، فوجّه إليهم صفعة مُدوية حين صَرخ بالنّاس:)« أَلاَ فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمْ ! الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ، وَتَرَفَعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ، وَأَلْقَوُا الْهَجِينَةَ (2عَلَى رَبِّهِمْ، وَجَاحَدُوا اللهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ، مُكَابَرَةً لِقَضَائِهِ، وَمُغَالَبَةً لآلاتِهِ (3). فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ الْعَصَبِيَّةِ، وَدَعَائِمُ أَرْكَانِ الْفِتْنَةِ، وَسُيُوفُ أَعْتِرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ (4). فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تَكُونُوا لِنِعَمِهِ عَلَيْكُمْ أَضْدَاداً، وَلا)


1) انظر، نَهْج البلاغة: الخُطْبَة (192) « النِّعْمَة بِرَسُولِ الله ».

2) الْهَجِينَة: الفِعْلة القَبِيحَة.

3) آلآء الله: نعمه وإحسانه.

4) الإعتزاء: الإنتساب، إعتزاء الجاهلية: العادات الجاهلية في المفاخرة بالسُّلالة والنسب.

لِفَضْلِهِ عِنْدَكُمْ حُسَّاداً. وَلَا تُطِيعُوا الْأَدْعِيَاءَ (1الَّذِينَ شَرِبْتُمْ بِصَفْوِكُمْ كَدَرَهُمْ، وَخَلَفْتُمْ بِصِحتِكُمْ مَرَضَهُمْ، وَأَدْخَلْتُمْ فِي حَقِّكُمْ بَاطِلَهُمْ، وَهُمْ أَسَاسُ الْفُسُوقِ، وَأَخْلَاسُ الْعُقُوقِ (2). اتَّخَذَهُمْ إِبْلِيسُ مَطَايَا ضَلالٍ، وَجُنْداً بِهِمْ يَصُولُ عَلَى النَّاسِ، وَتَرَاجِمَةً يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، أَسْتِرَاقاً لِعُقُولِكُمْ، وَدُخُولاً فِي عُيُونِكُمْ، وَنَفْثاً فِي أَسْمَاعِكُمْ. فَجَعَلَكُمْ مَرْمَىٰ نَيْلِهِ، وَمَوْطِئَ قَدَمِهِ، وَمَأْخَذَ يَدِهِ » (3).)وعَلى هَذا النسق العالي من البيان الشامخ يمضي الإِمَام صلوات الله عَليه في بيان أمراض المُجْتَمع. ويكشف عن أسبابها النفسية، ويُبرهن بذلك على وعي خارق للعمليات الإجتماعية وأسباب إنحرافها، وطرق إصلاحها.وتنصح بالرجوع إلى الخُطْبَة القاصعة وقراءتها بإمعان، فقد لا يُعطي مَا قَدَّمناه فكرة تامة عن جميع الأفكار الَّتي تحتويها.


1) الدعي هو الَّذي ينتسب إلى غير أضله. يُريد هنا أن رؤساء القبائل أدعياء على أهل الخير وأهل الصلاح، وهُم في الحقيقة أشرار.

2) الحِلْس كسَاء يَكون عَلى ظهر البعير مُلازم له، وأستعير للتعبير عن كلّ ملازم لشيء. فيقال جلس بالمكان: لَزمه: وحِلس بفلان: لم يُفارقه. ويُريد الإمام هُنا أَنَّ هَؤلاء الزعماء مُلازمون للعقوق، عُقوق الله وعقوق إمامهم.

3) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (192) « لا تُطِيعُوا الْأَدْعِيَاءَ».

## الحَاكِم### اشارة:صفاتهحقُوقهواجباتهطَبيعَة الحَاكِم

### الحُكْمُ ضَرُورَة لِكُلِّ مُجْتَمَعقل الإمامة أمرٌ مُحتم، فلا يجوز أَنْ يَمضي عَلى المُسلمين وقت دون إمام يسير بهم على كتاب الله وسُنَّة الرسول ؟ أم أنَّها أمرٌ جَائز وليس فرضَاً، فَإِذا شاء المُسلمون أقاموا إِمَاماً، وإذا لم يُريدوا فليس في الشريعة ما يُلزمهم بذلك، بل الأمر في ذَلكَ منوط بهم ومُوكل إليهم ؟.أختلفت الفرق الإسلامية بين هذين المبدأين، فذهبت الكثرَة العُظمى من المُسلمِين إِلى أَنَّ الإِمَامَة أمرٌ مُحتم، فهو مذهب أهل السُّنَّة جَميعاً، ومَذهب الشيعَة جَميعاً، ومَذهب الكثرة الغالبة من المعتزلة والكثرة الغالبة من الخوارج. أمّا الجواز فقد ذهب إليه ( الهشاميَّة من المعتزلة أصحاب هشام بن عمرو القوطي، فهم يقولون: ( يَجوز عقدها في أيام الإتفاق والسّلامة أما في أيام الفتنة فلا) (1)وهو كذلكَ مَذهب ( المُحكّمة الأولى من الخوارج) فإِنّهم أجازوا ألاً يكُون في العالم إمام أصلاً...)


1) شرح تجريد الإعتقاد للحلي: 303، شرح الأصول الخمسَة: 521، شرح المقاصد: 240/5، الملل والنحل: 102/1 و 53 و 57، تفسير الرازي: 144/1 هَذه المصادر ذكرت على سبيل المثال لا الحصر.

وكذلك (النجدات ... و ( العَجَاردة ) من الخوارج أيضاً (1).)وإذن فالمُسلمُون جَميعاً مُجمعون على وجوب نَصب الحاكم، ومن رأيت خلافه فهو شاذ لا يُعتنى به وتشهد للوجوب النّصوص الكثيرة الصّريحة فيه.وبعد، فلو لم تكن ثمّة نصوص تقضي بوجوبه لكفى العقل في الإلزام به فالحكم من ضرورات الإجتماع، لأنَّ النشاط الإنساني - وقد تشابك بفعل الحياة الإجتماعيَّة - لا بُدّ لهُ من هيئة تشرف عليه وتُنظمه، وتشق له القنوات، وتوجهه الوجهة الصحيحة المُستقيمة، وبدون هذه الهيئة يتسيب هذا النشاط فيطغى لون منهُ عَلى لَون، ويتجه إتجاهات غير مَحمُودة تؤول به في النهاية إلى الضمور ومن ثم تنتهي بالمُجتمع إلى الإنحلال.والحكومة في الأصل مؤسسة إجتماعيَّة، لأنَّ طَبيعة الإجتماع تقتضيها كما رأينا، ولكنّها في الإسلام، تتخذ بالإضافة إلى صفتها الإجتماعيَّة، طابعاً دينياً أيضاً وذلك لأَنَّ المُجْتَمَع الإسلامي مُجتمع ديني في الدرجة الأولى، أي أنّ الَّذي يُستلهم في التنظيم: الإقتصادي والسياسي والعسكري هو الدين وحده.وها هو الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ يُقرّر هذه الحقيقة، راداً على الخوارج يوم نادوا ( لا حكم الا لله ) (2)قَائلاً:)


1) راجع كتابنا: نظام الحكم والإدارة في الإسلام: 70-71.

2) الحَرُوريَّة: جَمَاعَة من الخَوَارج، والنواصب والنسبة لبلد قُرب الكُوفَة عَلَى ميلين مِنهَا تُسمّى حروراء، نزل بها هؤلاء بعد خروجهم عَلَى أمير المُؤمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما قبل بالتحكيم بَينَه، وبَينَ مُعَاوِيَة، قيل لَهُم حينذاك: أَنتُم الحَرُورية لإجتماعكم بحروراء وَقَالَ: شَاعرهم:)إذَا الحَرُورِيَّة الحَرَىٰ رَكَبُوا *** لا يَستَطِيع لَهُم أَمثالك الطلباوَسُموا أيضاً بالخَوَارج، والمحكمة، والسبب الَّذي سُمّوا خوارج هُو خروجهم عَلَى أَمِير المُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ، والسبب الَّذي سُمّوا محكمة هو إنكارهم الحكمين: وقولهم لا حكم إلا لله... وأنظر أيضاً فرق الشيعة للتو بختي: 6 دار الأضواء الطبعة الثانية.)وَقِيل: هُم الغُلاة في إثبات الوعيد، والخَوف عَلَى المُؤمِنِين، والتخليد في النار مع وجود الإيمان. وَهُم قَوم مِن النواصب الخَوَارج، ومن مفرداتهم أنَّ من أرتكب كَبيرَةٍ فَهُوَ مُشرك، ومَذهَب عامة الخوارج أنه كافر، ولَيسَ بمشرك، فَقَالَ بَعضَهم: هُو مُنافق في الدرك الأسفل من النار. وقيل لَهُم الحَرُورِيَّة لأَنَّهُم خَرِجُوا إِلَى حَروراء لقتال علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ و حروراء: قرية بظاهر الكوفة، نزل بها الخَوَارِج الَّذِين خالفوا عَليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكَانَ بها أول تحكيمهم وإجتماعهم حين خالفوا عليه.... أنظر، المعارف لابن قتيبة: 274، الخُطط للمقريزي: 350/2، معجم الفرق الإسلامية لشريف الأمين: 94، مقالات الإسلاميين للأشعري: 127 - 128، معجم البلدان: 256/3.

«قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ: كَلِمَةُ حَيّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ - نَعَمْ إِنَّهُ لا حُكْمَ إلا للهِ، وَلَكِنَّ هَؤُلاَءِ يَقُولُونَ: لا إِمْرَةَ إِلا لله، وَإِنَّهُ لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍ، أَوْ فَاجِرٍ يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتعُ فِيْهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللَّهُ فِيْهَا الْأَجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفَ مِنَ الْقَوِيِّ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ » (1).)فقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: ( إِنَّهُ لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍ، أَوْ فَاجِرٍ) تقرير لهذه الضّرورة، الَّتي يفرضها واقع الإجتماع الإنساني، ولا معدى عنها بحال من الأحوال، ولئن كانت إمرة الإمام الفاجر - حين لا يوجد العادل - شراً، فهي عَلى ما فيها من شرّ خَير من الفوضى الَّتي تُمزق أواصر الإجتماع.)


1) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (40) كَلِمَةُ حَيْ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ ».

وغير خفي أنّ الإمام لم يقصد في كلمته الآنفة إلى بيان طبيعة الحكم الإسلاميّ، وإِنَّما قصد فيها إلى بيان ضرورة الحكم في قبال دعوى الخوارج الفوضويين.

### مِنْ شُرُوط الحَاكِموإِذَا كَانت الإِمَامَة أمراً لازماً فهل يصح أنْ يَتولاها كلّ مَن قَدر عَلى بلوغها دون نظر إلى صفاته الشخصية وكفاءاته أم أنَّ مَن يَصح لَهُ أَنْ يَلي منصب الإِمَامَة يَجب أنْ تتوفر فيهِ شُروط خاصة يمتاز بها عن غيره من الناس ؟.المسلمون على اتفاق فيما بينهم على أَنَّ مَنصب الإِمَامَة لا يليه إلا من توفرت فيهِ شُروط مُميزة، واختلفوا في أمور أخرى فذهب بعض إِلى اشتراطها وذَهب آخرون إلى عدمه.وَلَسنا هنا في مقام استعراض شُروط الإمام الحاكم عند مختلف الفرق الإسلامية. وقد عالجنا هذا الموضوع علاجاً وافياً في كتابنا ( نظام الحكم والإدارة في الإسلام.فَإِذا رجعنا إلى نهج البلاغة لم نجد فيه تفصيلاً دقيقاً لهذه الشروط، فَلَيس فيما بين أيدينا من كلام أَمِير المُؤمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ قِسم مُستقل تعرّض فيه لبَيَانها وإِنَّما ذكر منها، في عرض كلامه، طائفة وأهمل طائفة.)فاشترط في الإمام أنْ يكُون كَريم النفس لئلا تدفعه الطماعية وشدّة الحرص إلى العدوان على أموال المُسلمين.وَاشْتَرط فيه أنْ يكُون عالماً لأنه قائد المُسلمين الأعلى فيجب أَنْ يَهديهم ولو

كَان جاهلاً لأَضلَّهم.وَاشْتَرط فيه أَنْ يكُون لين العريكة، رحب الصدر.وَاشْتَرط فيه أنْ يكون عادلاً في إعطاء الأموال فيسوي بين الناس في العطاء ولا يُفضل قوماً على حساب آخرين إستجابة لشهوات نفسه وميول قلبه.وَاشْتَرَط فيه أَنْ يَكُون نَزيهاً في القضاء فلا يَرتشي لأَنَّ ذَلكَ مُؤذن بذهَاب العدل فى الأحكام.وَاشْتَرط فيه أَنْ يكُون عاملاً بالسُّنَّة فيجري الحدود ولو على أقرب الناس إليه، ويُعطي الحق من نفسه كما يطلبه من غيره.قال (عَلَيهِ السَّلَامُ:)«أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الْمُخْتَلِفَةُ، وَالْقُلُوبُ الْمُتَشَةُ، الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، وَالْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ، وَأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ ! هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ، أَوْ أُقِيمَ أعْوِجَاجَ الْحَقِّ أَللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةٌ فِي سُلْطَانٍ، وَلَا الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ، وَلَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، وَتُظهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلادِكَ، فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ، وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ. أَللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَتَابَ، وَسَمِعَ وَأَجَابَ لَمْ يَسْبِقْنِي إِلا رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏ الصَّلاةِ.)

وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ، وَالدِّمَاءِ، وَالْمَغَائِمِ، وَالْأَحْكَامِ، وَإِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ، فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ (1، وَلَا الْجَاهِلُ فَيَقْطَعَهُمْ)مْ بِجَهْلِهِ، وَلا الْجَافِي بِجَفَائِهِ، وَلَا الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ (2وَلا الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ، وَيَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِع "، وَلَا الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الْأُمَّةَ» (3).)وَقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ:) «لَا يُقِيمُ أَمْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِلَّا مَنْ لَا يُصَانِعُ (4)، وَلَا يُضَارِعُ (5)، وَلَا يَتَّبِعُ الْمَطَامِعَ » (6).

وقَالَ مُتحدثاً عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ:)« مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأُ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ


1) نَهْمَتُه: الإفراط في الشهوة.

2) الحَائِف للدول - الحائف: الظَّالم، والحيف: الظلم، والدول: المال لأنه يتداول أي ينتقل من يَد إلى يد. مُرَاده: الإِنسَان الظالم في تقسيم الأموال فيفضل قوماً على قوم بغَير مُوجب للتفضيل.

3) الْمَقَاطِع: حُدُود الله.

4) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة: (131) « مَتَى يَأْمَن المَظْلُوم». يُصانع: يُدَاري، أي أنَّ الَّذي يُقيم أمر الله هو الَّذي لا يُدَاري أحداً في إحقاق الحق.

5) يُضارع: المُضَارِعَة المُشَابِهَة، أي لا يَتَشبه في عَمَله بالمُبطلين.

6) نهج البلاغة، باب المُختار من كلام أمير المُؤمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، رقم النّص: 109.

بِلِسَانِهِ؛ وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلَالِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ » (1).

وهذه الكلمات تقوم على فلسفة للحكم عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ تتلخص في الحكم، وهو ضَرورة إجتماعيَّة، أُقيم لصالح المُجْتَمَع، ولا يُمكن أَنْ يَعمل الحكم الصالح المُجْتَمَع إِلا إِذَا كَان عَلَى رَأْسه إِنسَان كَامل الصفات، واع لمُهمّته، أمّا حِين يكون الحاكم إنسَاناً غَير وَاع للمسؤولية وغير عامل عَلَى إصلاح المُجْتَمَع ورفع شَأنه، فإنّ الحكم ينقلب إلى وسيلة للظلم، وتتضح لنا الخطوط الكبرى لهذه الفَلسفَة فيمَا يَأْتي.)


1) نهج البلاغة، باب المُختار من كلام أمير المُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، رَقمِ النَّص: 71.

### طَبيعَة الحُكْمِ عِندِ الإِمَامِ (عَلَيهِ السَّلَامُ وَعَلاقَةُ الحَاكِم بالشعب)حقوق الرّعيّة على الحاكم تستمد معناها من طبيعة الحكم الَّذي يُمارسه الحاكم. فهناك حكم يقوم لأجل عائلة من العائلات الكبيرة وحينئذ يعمل الحاكم لأجل هذه العائلة، ويُسخّر جميع مرافق الدَّولة لها ولمن يقوم عليه سُلطانها.وهناك حكم يقوم لصالح طَبقة من الطبقات وحينئذٍ يعمل الحاكم لأجل هذه الطبقة، ولا ينيل الرعية شَيئاً إلا إذا كان فيه ما يعود بالخَير عَلَى هَاتيك الطبقة الَّتي يقوم من أجلها الحكم.ومرة يقوم الحكم من أجل الرعية وحدها، وحينئذٍ يعمل الحاكم للرعية وحدها. وفي هذا اللون من الحكم تُوجد للرعية على الحاكم حقوق يَصحَ أَنْ تتحدث عنها. فأي لون من ألوان الحكم بشر به نهج البلاغة، ووضع قواعده الإمام ؟.إِذَا رَجعنا إلى نَهْج البلاغة وجدنا أن الحكم الَّذي كان يُمارسه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ والَّذي كَان يَحمل عُمّاله عَلى أَنْ يُمارسوه هو هذا الحكم الَّذي يقوم من أجل الرعية وحدها.)وقد تقدم منا في حديثنا عن المُجْتَمع والطبقات الاجتماعية في نهج البلاغة

أَنْ عرضنَا إلى طرف من ذلك، فرأينا كَيف أَنَّ الإِمَام في عهده العظيم إِلَى مَالك الأَشْتَر قد وضع الأسس المتينة لإنشاء جهاز حكم يعمل للشعب وللشعب فقط، غَير مَلقٍ بالاً إلى منافع طبقة خاصة تسعد على حساب الشعب وتنعم بجهوده.وسَنَعرض في حديثنا هذَا طَرفاً من الشواهد الَّتي تَدل عَلَى أَنَّ الحُكم الَّذي مارسه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ ودعا إلى مُمارسته هو الحكم من أجل الشعب، وما تقدّم في بحث الطبقات الإجتماعيَّة، وما سيمر هنا يُؤلّف هَيكلاً يكاد أَنْ يَكُون كَاملا لفلسفة الحكم عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).)***من ضرورات الحُكم الصّالح المُشاركة الوجدانية بَين الرّاعي والرعية، إذ بها يستطيع الحاكم أَنْ يَتعرف على آمال المحكومين وآلامهم ومطامحهم، وأَنْ يَعي حاجاتهم ومخاوفهم، فيعمل لخَيرهم ويضع كلّ شيء ممّا يصلحهم موضعه. ويُشعرهم ذلك برعايته لهم، وحياطته لأُمو برعايته لهم، وحياطته لأمورهم، وعمله لصالحهم، فيدعمون حكمه بحبهم وإيثارهم له، ويُؤازرونه في السراء والضّراء على السواء.ولا يحصل شيء من هذا إذا ما أغلق الحاكم دونهم قلبه وأغمض عنهم عينه.إِنَّه حِينذاك لا يعرف شيئاً من أُمورهم ليعمل على الإصلاح، وتكون عاقبة ذَلكَ أَنْ يَفقد حبّه في قلوبهم، ويشعرون بأنه شيء غريب عنهُم مَفروض عليهم، كالحشرة الطفيليَّة الَّتي تعيش على دماء الحيوان الَّذي تلتصق بهقال (عَلَيهِ السَّلَامُ:)«وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّة، والمحبَّةَ لَهُمْ،

وَاللُّطَفَ بِهِمْ، وَلا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبْعاً صَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرُ لَكَ فِي الْخَلْقِ، يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ (1، وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ، وَيُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَا، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذي تُحِبُّ وَتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ، وَوَالِي الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ، وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَاكَ! وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ، وَابْتَلَاكَ بِهِمْ» (2).)عَهْدُ الأَشْتَرِوَلكي تحصل هذه المُشاركة الوجدانية ولكي تُؤتي أُكلها يجب على الوالي أَنْ يُخالط الرعية، وأنْ يُمكنهم من مُخالطته ومُطالعته بما يُريدون، لأَنَّ اختجابه عنهُم سَبب لجهله بأحوالهم، وسَبب لإنصراف قلوبهم عنه وتفاقم مُوجدتهم عليه.قال (عَلَيهِ السَّلَامُ:)« وَأَمَّا بَعْدُ، فَلا تُطَوَّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّكَ. فَإِنَّ اَحْتِجَابَ الْوُلاةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضَّيقِ، وَقِلَّةُ عِلم بِالْأُمُورِ، وَالْإِحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا أَحْتَجَبُوا دُونَهُ فَيَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْكَبِيرُ، وَيَعْظُمُ


1) يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ: يَفْرُطُ: يَسبق، الزَّلَل: الخَطَأ.

2) انظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة (53) «كُلِّ النَّاسِ مِن تُرَاب ».

الصَّغِيرُ، وَيَقْبُحُ الْحَسَنُ، وَيَحْسُنُ الْقَبِيحُ، وَيُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ. وَإِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ لا يَعْرِفُ مَا تَوَارَىٰ عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ، وَلَيْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتٌ (1تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ، وَإِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ: إِمَّا أَمْرُو سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَدْلِ فِي الْحَقِّ، فَفِيمَ أَحْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍ تُعْطِيهِ، أَوْ فِعْلٍ كَرِيمٍ تُسْدِيهِ! أَوْ مُبْتَلَى بِالْمَنْعِ، فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذَا أَيسُوا مِنْ بَذَلِكَ ! مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ مِمَّا لا مَؤُونَةً فِيهِ عَلَيْكَ، مِنْ شَكَاة مَظْلِمَةٍ، أَوْ طَلَبِ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ » (2).)عَهْدُ الأَشْتَرولكي يبقى ما بين الوالي ورعيته من وشائج الود، وَيَبقى ما للوالي في قُلوب الرعية من جميل الأثر وحُسن الظَّن، يجب عليه أَنْ يُبدد من أذهانهم كلّ ما يَتوهمُون فيه الظلم والحيف، فَيُبِينَّ لهُم خُطته ويشرح لهُم نَهجه ليُؤيدُوا سَيَاسَته عن قناعة بها وإيمان بصلاحها وجدواها.وَيَجب عليه ألا يمنّ عَلى رعيته بما يفعل، فإنّ منصبه يفرض عليه أَنْ


1) سمات جمع سمة، وهي العلامة، أي ليس للحق علامات ظاهرة يتميز بها الصدق من الكذب، وإنما يُعرف ذلك بالإمتحان والتجربة.

2) انظر، نهج البلاغة: الرَّسَالَة ( 53 ) «حَاجَاتِ النَّاسِ وَفَرَائِض الله».

يخدمهم، ولو منَّ عَليهم لذهب جميل أثره من قلوبهم. وعَليه أَنْ يَتجنب الكذب فيمَا يُعطي من عَهد والتزيد فيما يصف من عمل، فإنّ الكذب داعية المقت والتزيد أخو الكذب.قال (عَلَيهِ السَّلَامُ:)« وَإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفا (1فَأَصْحِرْ (2)لَهُمْ بِعُذرِكَ، وَأَعْدِلْ (3)عَنْكَ ظُنُّونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رِيَاضَةً (4)مِنْكَ لِنَفْسِكَ، وَرِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ، وَإِعْذَاراً (5)تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ» (6).)عَهْدُ الأَشْتَروقال (عَلَيهِ السَّلَامُ:)«وَإِيَّاكَ وَالْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ، أو التَّزَيَّدَ (7فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِكَ، أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ)


1) الحَيْف: الظُّلم.

2) أصْحَر: أظهر، والإصحار: الإظهار. يعني إذا ظنّت الرعية أنك كُنتَ ظَالماً في تصرف من التصرفات فاكشف عُذرك لهم، وبيّن الأسباب الموجبة الَّتي دعتك إلى اتخاذ ذلك الإجراء.

3) أغدل هُنا مَعَنَاها: حَوّل. أي أن إعلانك لتفسير موقفك يجعلهم يحولون ظنونهم واتهاماتهم لك بالظُّلم، عنك.

4) رياضة: تَعويدَاً لنفسك عَلى أَنْ تَكُون عادلاً، وَصَريحاً.

5) الإعذار: هو إعلان العُذر والحجة.

6) أنظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة ( 53 ) « بِطَانَة الْوَالِي وَحَوَاشِيه ».

7) التزيد - كالتقيد إظهار الزيادة في الأعمال، وإظهارها بأكبر من حقيقتها في الواقع، فيكون من المفاخرة بالباطل والكذب.

مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ، فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الْإِحْسَانَ، وَالتَّزَيَّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ، وَالْخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ (1عِنْدَ اللهِ وَالنَّاس. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) تَعَالَى: ﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ) (2)» (3). عَهْدُ الأَشْتَر

والسبيل الأقوم الَّذي يُؤدي إلى تأكيد حُبّ الحُكم في نفوس الرعية ويحملها عَلَى عَصْدٍ والدفاع عنه هو مَا أَشَار (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله:

«وَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَى إِلَى حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، وَتَخْفِيفِهِ الْمَؤُونَاتِ عَلَيْهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ (4). فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلًا (5). وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظُنُّكَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلاؤُكَ عِنْدَهُ، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ


1) المَقْت: البغض.

2) الصَّفُ: 3.

3) انظر، نَهْج البلاغة: الرِّسَالَة ( 53 ) « مِن شُرُوط الْقِيَادَة».

4) قِبَلَهُم: عِندَهُم.

5) النَّصَب: التَّعَب.

سَاءَ بَلاؤُكَ (1)عِنْدَهُ » (2).

عَهْدُ الأَشْتَرِ

وَلمَ كلّ هَذا ؟.

لأَنَّ الحُكم إِنَّما أُقيم لصالح الشعب، ولذلك فيجب أَنْ يَرعى مصالح الشعب، وَيَجب أَنْ يَستلهم في أعماله حاجات هذا الشعب.

أما هذه الطبقة، طبقة الخاصة والنبلاء، الَّتي تُحسب أَنَّ كلّ شيء مُسخر لها ومَا عَليها إِلا أَنْ تَدعو فتُجاب وتأمر فتطاع، هذه الطبقة ليس لها في حكومة الإمام أمتيازات، فهي وسائر الناس سواء، وعلى الحاكم، حين تتعدى حدودها وتطلب مَا لَيس لها، أنْ يردها إلى قصد السبيل.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« أَنْصِفِ اللَّهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّة أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوَى مِنْ رَعِيَّتِكَ (3)، فَإِنَّكَ إِلا تَفْعَلْ تَظْلِمْ ! وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللهِ كَانَ اللهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ (4)، وَكَانَ اللهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ (5)أَوْ يَتُوبَ.


1) البلاء، هنا، الصنع مُطلقاً حسناً كان أو سيئاً. أي أنَّ مَن صَنعت معهُ صَنيعاً حَسَناً يكون موضعاً لحُسن ظنك به. ومن صنعت معه صنيعاً سيئاً يكون موضعاً لسوء ظنك به.

2) انظر، نَهْج البلاغة: الرَّسَالَة (53) « «كُن مَّعَ الصَّادِقِينَ ».

3) وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوى: تَمِيل إليه أكثر من غيره من النّاس.

4) أَدْحَضَ حُجَّتَهُ: أَبْطَل حُجَّته.

5) يَنْزع: يَكفّ عن ظُلمه.

وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَىٰ إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللَّهِ وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمِ (1)، فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ، وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ » (2).

«وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الْأُمُور إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ (3)بِرِضَى الْخَاصَّةِ، وَإِنَّ سُخطَ الْخَاصَّةِ يُعْتَقَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ. وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَؤُونَةٌ فِي الرَّخَاءِ، وَأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلاءِ، وَأَكْرَهَ لِلْإِنْصَافِ، وَأَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ (4)، وَأَقَلَّ شُكراً عِنْدَ الْإِعْطَاءِ، وَأَبْطَأَ عُذراً عِنْدَ الْمَنْعِ، وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْل الْخَاصَّةِ. وَإِنَّمَا عِمَادُ الدِّينِ، وَجِمَاعُ (5)الْمُسْلِمِينَ، وَالْعُدَّةُ لِلأَعْدَاءِ، الْعَامَّةُ مِنَ الْأُمَّةِ؛ فَلْيَكُنْ صِغُوكَ (6)لَهُمْ، وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ» (7).


1) الإقامة عَلى الظلم: الإِصْرَار عَليه، وعَدَم الرّجوع عنه.

2) انظر، نَهْج البلاغة الرَّسَالَة (53) «كُلِّ النَّاسِ مِن تُرَاب».

3) يُجْحِف: يُذْهِب. أي أَنَّ سَخط عامة الشعب لا ينفع معه رضا طبقة المُترفين الإريستوقراطية. أما إذا رَضيت عَامّة الشعب وسخط المُترفون فلا يضر سَخطهم مع رِضى عامة الشعب.

4) الْإِلْحَافِ: الإلحاح والشّدّة في السؤال.

5) أي جماعة الإسلام.

6) صِغَرُكَ: مِيْلُك، فليكن ميلك إلى عامة الشعب لا إلى الخاصة المُترفين.

7) أنظر، نَهْج البلاغة: الرَّسَالَة (53) « رِضَا الرَّعِيَّة ».

وهكذا حَكَم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنّ الحُكم إِنَّما أُقيم من أجل الشعب فَيَجب أَنْ يَبقى خالصاً للشعب وللشعب وحده.

وإِذَا كَان الحكم قد أُقيم من أجل الشعب، فهذه الأموال الَّتي تُجبى منه لم تجب لتُنفق على إرواء شهوات طائفة من الناس يومها دَهرها، وبغيتها لذتها وهي تتمتع بحياة فارغة لاهية، إِنَّما جَبي هذا المال من الشعب ليرد عليه في صُورة خدمات عامة، ومؤسسات عامة، هذا هو مصرف أموال الدولة.

وأمير المُؤمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ) صريح في هذا فقد تكرّر منه أمرَه إِلَى عُمّاله بصيانة مال الأمة، وصرفه في موارده وعدم التفريط به.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«أَمَّا بَعْدُ، فَأَقِمْ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ، وَأَجْلِسْ لَهُمُ الْعَصْرَيْنِ، فَأَفْتِ الْمُسْتَفْتِي، وَعَلّم الْجَاهِلَ، وَذَاكِرِ الْعَالِمَ. وَلَا يَكُنْ لَكَ إِلَى النَّاسِ سَفِيرٌ إِلَّا لِسَانُكَ، وَلَا حَاجِبٌ إِلَّا وَجْهُكَ. وَلَا تَحْجُبَنَّ ذَا حَاجَةٍ عَنْ لِقَائِكَ بِهَا، فَإِنَّهَا إِنْ ذِيدَتْ عَنْ أَبْوَابِكَ فِي أَوَّلِ وِرْدِهَا لَمْ تُحْمَدْ فِيمَا بَعْدُ عَلَى قَضَائِهَا.

وَأَنْظُرْ إِلَى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مَالِ اللَّهِ فَأَصْرِفْهُ إِلَى مَنْ قِبَلَكَ (1)مِنْ ذَوِي الْعِيَالِ وَالْمَجَاعَةِ، مُصِيباً بِهِ مَوَاضِعَ الْفَاقَةِ (2)


1) قَبلَك: عِندَك.

2) الْفَاقَة: الفَقْر.

وَالْخَلَاتِ (1)، وَمَا فَضَلَ عَنْ ذَلِكَ فَحْمِلْهُ إِلَيْنَا لِنَفْسِمَهُ فِيمَنْ قِبَلَنَا.

وَمُرْ أَهْلَ مَكَّةَ أَلَّا يَأْخُذُوا مِنْ سَاكِن أَجْراً، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذي جَعَلْنَهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادِ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (2). فَالْعَاكِفُ: الْمُقِيمُ بِهِ، وَالْبَادِي: الَّذي يَحُجُّ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ. وَفَّقَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ لِمَحَابهِ، وَالسَّلَامُ » (3).


راجع في باب الكُتب: «كتابه إلى أشعث بن قيس عامل آذربيجان رقم النَّص ( 5 )، وكتابه إلى زياد بن أبيه رقم النص ( 20 )» (4)، ووصيته لمن كان يستعمله على الصدقات رقم النَّص (25) (5)و « (26) و 41 )، وكتابه إلى مصقلة بن هبيرة


1) الْخَلَّات: الحاجات.

2) الْحَج: 25.

3) أنظر، نهج البلاغة: الرِّسَالَة ( 67 ) « إلى قتم بن العباس ».

4) تَقَدَّم ذَلكَ.

5) أَنْطَلِقْ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَلا تُرَوِّعَنَّ مُسْلِماً وَلا تَجْتَازَنَّ عَلَيْهِ كَارِها، وَلَا تَأْخُذَنَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ حَى اللَّهِ فِي مَالِهِ، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى الْحَيِّ فَأَنْزِلْ بِمَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخَالِطَ أَبْيَانَهُمْ، ثُمَّ أَمْضِ إِلَيْهِمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، حَتَّى تَقُومَ بَيْنَهُمْ فَتُسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَلا تُخْدِج بِالتَّحِيَّةِ لَهُمْ، ثُمَّ تَقُولَ: عِبَادَ اللهِ، أرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اللَّهِ وَخَلِيفَتُهُ، لأخُذَ مِنْكُمْ حَقَّ اللَّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ، فَهَلْ الله فِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ حَي فَتُؤدُّوهُ إلَى وَلِيهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لا، فَلا تُرَاجِعْهُ، وَإِنْ أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِمُ فَانْطَلِقَ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخِيفَهُ، أَوْ تُو عِدَهُ، أَوْ تَعْسِفَهُ، أَوْ تُرْهِقَهُ فَخُذْ مَا أَعْطَاكَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَاشِيَةٌ أَوْ إِبِلٌ فَلَا تَدْخُلُهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهَا لَهُ، فَإِذَا أَتَيْتَهَا فَلا تَدْخُلْ عَلَيْهَا دُخُولَ مُتَسَلْطٍ عَلَيْهِ، وَلا عَنِيفٍ بِهِ. وَلَا تُنَفِّرَنَّ بَهِيمَةٌ وَلَا تُفْزِ عَنْهَا، وَلا تَسُوأَنَّ صَاحِبَهَا فِيهَا، وَأَصْدَعِ الْمَالَ صَدْعَيْنِ ثُمَّ خَيْرُهُ، فَإِذَا أَخْتَارَ فَلَا تَعْرِضَنَّ لِمَا أَخْتَارَهُ. ثُمَّ أَصْدَعِ الْبَاقِيَ صَدْعَيْنِ، ثُمَّ خَيْرُهُ، فَإِذَا اخْتَارَ فَلَا تَعْرِضَنَّ لِمَا أَخْتَارَهُ، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّىٰ يَبْقَىٰ مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِحَقِّ اللَّهِ فِي مَالِهِ، فَأَقْبِضْ حَقَّ اللَّهِ مِنْهُ. فَإِنِ اسْتَقَالَكَ فَأَقِلْهُ، ثُمَّ أَخْلِطْهُمَا ثُمَّ أَصْنَعْ مِثْلَ الَّذي صَنَعْتَ أَوَّلاً حَتَّى تَأْخُذَ حَقَّ اللَّهِ فِي مَالِهِ. وَلَا تَأْخُذَنَّ عَوْداً وَلا هَرِمَةٌ وَلا مَكْسُورَةٌ وَلَا مَهْلُوسَةٌ، وَلا ذَاتَ عَوَارٍ، وَلَا تَأْمَنَنَّ عَلَيْهَا إِلا مَنْ تَيْقُ بِدِينِهِ، رَافِقاً بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّىٰ يُوَصِّلَهُ إِلَىٰ وَلِيْهِمْ فَيَقْسِمَهُ بَيْنَهُمْ، وَلا تُوَكَّلْ بِهَا الأَنَاصِحاً شَفِيقاً، وَأَمِيناً حَفِيظاً، غَيْرَ مُعْنِفٍ وَلا مُجْحِفٍ، وَلا مُلْعِبٍ وَلا مُنْعِبٍ. ثُمَّ أَحْدُر إلَيْنَا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ نُصَيْرُهُ حَيْثُ أَمَرَ اللهُ بِهِ، فَإِذَا أَخَذَهَا أَمِينُكَ فَأَوْعِرُ إِلَيْهِ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَ نَاقَةٍ وَبَيْنَ فَصِيلِهَا، وَلا يَعْصُرَ لَبَنَهَا فَيَضُرَّ ( فَيُضِرَّ ) ذَلِكَ بِوَلَدِهَا: وَلا يَجْهَدَنَّهَا رُكُوباً، وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِي ذَلِكَ وَبَيْنَهَا، وَلْيُرَفِّهُ عَلَى اللَّاغِبِ، وَلْيَسْتَأْنِ بِالنَّقِبِ وَالظَّالِعِ، وَلْيُورِدْهَا مَا تَمُرُّ بِهِ مِنَ الْغُدْرِ، وَلَا يَعْدِلْ بِهَا عَنْ نَبْتِ الْأَرْضِ إِلَى جَوَادُ الطُّرُقِ، وَلْيَرَوْحْهَا فِي السَّاعَاتِ، وَلْيُمْهِلْهَا عِنْدَ النِّطَافِ وَالْأَعْشَابِ، حَتَّى تَأْتِينَا بِإِذْنِ اللَّهِ بُدْنا مُنْقِيَاتٍ، غَيْرَ مُتْعَبَاتٍ وَلَا مَجْهُودَاتٍ لِنَفْسِمَهَا عَلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) فَإِنَّ ذلِكَ أعظم لأخركَ، وَأَقْرَبُ لِرُشْدِكَ، إِنْ شَاءَ الله».

رقم النص (43)، وكتابه إِلى عُثمان بن حنيف عامله عَلى البَصْرَة رقم النص (45)، وكتابه إلى عُمّاله عَلى الخَرَاج رقم النص (51)، وكتابه إلى قثم بن العباس عامله عَلى مكّة رقم النص (67) » (1)، وعَهْد الأَشْتَر رقم النص (53) (2)

أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَإِيْتَارِ طَاعَتِهِ، وَأَتْبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ: مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ، الَّتي لَا يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلا بِاتِّبَاعِهَا، وَلا يَشْقَى إِلا مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا، وَأَنْ يَنْصُرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ وَيَدِهِ وَلِسَانِهِ؛ فَإِنَّهُ، جَلَّ أَسْمُهُ، قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرٍ مَنْ نَصَرَهُ، وَإِعْزَازِ مَنْ أَعَزُّهُ.

وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ، وَيَزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ، فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، إِلا مَا رَحِمَ اللهُ. ثُمَّ أَعْلَمْ يَا مَالِكُ، أَنِّي قَدْ وَجَهْتُكَ إِلَى بِلادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلُ قَبْلَكَ، مِنْ عَدْلٍ وَجَوْرٍ، وَأَنَّ النَّاسَ يَنظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِي مِثل مَا كُنتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الوَلَاةِ قَبْلَكَ، وَيَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنتَ تَقُولُ فِيهِمْ. وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللَّهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ، فَلْيَكُنْ أَحَبُّ الذِّخَائِرُ إِلَيْكَ ذَخِيرَةً الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَأَمْلِكُ هَوَاكَ، وَشُحٌ بِنَفْسِكَ عَمَّا لا يَحِلُّ لَكَ. فَإِنَّ السُّحُ بالنَّفْسِ الإِنصَافُ مِنْهَا فِيمَا أحَبَّتْ أَوْ كَرِهَتْ».

.

1) تَقَدَّم ذلك.

2) «هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ، حِينَ وَلَاهُ مِصْرَ: جِبَايَةَ خَرَاجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا، وَأَسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلادِهَا.

حُقُوقُ الرّعيَّةِ عَلَى الحَاكِم

وإِذَا كَان الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد وضع أُسس هذا الون من الحكم ومارسه، ودعا إلى مُمارسته، فللحديث عن حقوق الرعية محل في هذا البحث كما أسلفنا. ولَم يَغفل الإِمَام الحَدِيث عن هذه الحقوق بل عرض لها بالذكر في مواطن كثيرة فمَا هي حقوق الرعية على الوالي؟.

لقد تحدث مرّة عن هذه الحقوق فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ (1)، وَيْقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلصَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ» (2).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« وَأَيْمُ اللهِ إِنِّي لَأَظُنُّ بِكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى. وَاسْتَحَرَّ الْمَوْتُ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ انْفِرَاجَ الرَّأْسِ. وَاللَّهِ إِنَّ أَمْرَأَ يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ يَعْرُقُ لَحْمَهُ، وَيَهْشِمُ عَظْمَهُ، وَيَفْرِي جِلْدَهُ، لَعَظِيم


1) الفَيءُ: الخَرَاج ومَا يَحويه بَيت المال.

2) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (40) كَلِمَةُ حَيّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ ».

عَجْزُهُ، ضَعِيفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ. أَنْتَ فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ، فَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ دُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيَّةِ تَطِيرُ مِنْهُ فَرَاسُ الْهَامِ، وَتَطِيعُ السَّوَاعِدُ، وَالْأَقْدَامُ، وَيَفْعَلُ اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَشَاءُ.

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقًّاً، وَلَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ: فَأَمَّا حَقُكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ، وَتَوْفِيرُ فَيْتِكُمْ عَلَيْكُمْ، وَتَعْلِيمُكُمْ كَيْلاَ تَجْهَلُوا، وَتَأْدِيبُكُمْ كَيْمَا تَعْلَمُوا، وَأَمَّا حَتَّي عَلَيْكُمْ فَالْوَفَاءُ بِالْبَيْعَةِ وَالنَّصِيحَةُ فِي الْمَشْهَدِ، وَالْمَغِيبِ، وَالْإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ، وَالطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ» (1).

وَقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«أَيُّهَا النَّاسُ، أَسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاحٍ وَاعِظِ مُتَّعِطٍ، وَأَمْتَاحُوا مِنْ صَفْوِ عَيْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْكَدَرِ عِبَادَ اللهِ، لاَ تَرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِكُمْ، وَلاَ تَنْقَادُوا لِأَهْوَائِكُمْ، فَإِنَّ النَّازِلَ بِهَذَا الْمَنْزِلِ نَازِلَ بِشَفَا جُرُفٍ هَارٍ، يَنْقُلُ الرَّدَىٰ عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِع، لِرَأَي يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْيِ، يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لَا يَلْتَصِقُ، وَيُقَرِّبَ مَا لاَ يَتَقَارَب ! فَالله الله أَنْ تَشَكَوْا


1) انظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة ( 34) « فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ ».

إِلَىٰ مَنْ لَا يُشْكِي شَجْوَكُمْ، وَلَا يَنْقُضُ بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أَبْرَمَ لَكُمْ إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ إِلَّا مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ: الْإِبْلَاغُ فِي الْمَوْعِظَةِ، وَالإِجْتِهَادُ فِي النَّصِيحَةِ، وَالْإِحْيَاء لِلسُّنَّةِ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِفِّيهَا، وَإِصْدَارُ السُّهْمَانِ (1)عَلَى أَهْلِهَا. فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحٍ نَبْتِهِ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ مُسْتَتَارِ الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ، وَأَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَتَنَاهَوْا عَنْهُ، فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْي بَعْدَ التَنَاهِي » (2).

وفي هذه النصوص أجمَلَ الإِمَام حقوق الرّعيّة عَلَى الرّاعي في توفير الأمن في الداخل والخارج، وتأمين الحياة الإقتصاديَّة، والتَّعليم والتوجيه الإجتماعي، وإقامة العدل.

ولا يضرنا إجمال هذه النصوص بعد أن عرفنا أَنَّ أطول وثيقة كتبها (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأجمعها لحقوق الرعية هي عَهْده إلى الأَشْتَر، ففي صدر هذا العَهْد أجمَل هَذه الحقوق إجمالاً تُم فصلها بعد ذلك تفصيلاً. أجْمَلها فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ، حِينَ وَلَاهُ مِصْرَ: جِبَايَةَ خَرَاجِهَا، وَ جِهَادَ عَدُوِّهَا، وَ اسْتِصْلاحَ


1) إِصْدَارُ السُّهْمَان: السُّهِمَان - بالضّم - جمع شهم، بمعنى الحظ والنصيب، وإصدار السُّهمان: إعادتها إلى أهلها المُتسَحقِين لها بدون إنقاص شيء منها.

2) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة ( 105) «وَظِيفَةُ الْإِمَام ».

أَهْلِهَا، وَ عِمَارَةَ بِلادِهَا » (1).

عَهْدُ الأَشْتَر

ثُمَّ فَصلها بعد ذلكَ.

فَأفَاض أوَّلاً في بيان وظيفة العسكريين وواجباتهم والسبيل الَّذي يُحسن بالحاكم أَنْ يتبعه للإستفادة منهم.

ثُمَّ فصل الكلام في جهاز الحُكم الوُلاة والوزراء والقضاة، فوضع أسس الحكم العادل التقدمي الواعي.

وتكلّم بعد ذلكَ عَلى الزراع والتجار والصُّنَّاع وَالفُقَرَاء، فبين حقوقهم عَلَى الحاكم من توفير المجالات لهم، وإعداد أحسَن الفرص لنجاحهم في أعمالهم. ثُمَّ تَحدث عن حالة البلاد العُمرانية فأفاض في الحديث وبين خُطورة هذه الناحية في أمن الرعية ورفاهها وإطراد تقدّمها.

في هَذا العهد نظر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى المُجتمع كله بما فيه من طوائف وطبقات، وبيَّن فيه حقوق هذا المُجْتَمَع كلّها، ولا نرى مَا يَدعُونَا إِلَى تَفصيل الكَلَام فِي ذَلكَ هُنا بعد أَنْ تَبين من خلال حَدِيثنا عن الطبقات الإجتماعية، لأنَّه حينما تحدث عن الطبقات لم يتناولها على نحو تجريدي، وإِنَّما تناولها بالحَدِيث بإعتبار ما لها من حقوق، وقد قدّمنا مُلاحظة بَين يَدي ذَلكَ الحَدِيث قُلْنا فِيها:

(لم يُفرغ آراءه الإجتماعيَّة كلّها في قالب عِلمي مُجرد وإِنَّما قدَّم بعضها مفرغاً في التجربة العملية، ولا يسلبها قيمتها كحقيقة موضوعية أنها مفرغة في قالب تجريبي إجتماعي يسبغ عليها، بدل جمُود الحقيقة العلمية المجردة، حيويةً وحَركيةٌ تنشآن من حيوية الجماعات وحركيتها ).


1) أنظر، نهج البلاغة: الرَّسَالَة (53) « عَهْدُ الأَشْتَره».

طَبيعَة الحَقِّ، وَحُقُوقُ الحَاكِمِ عَلَى الرّعيَّة

تحدث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن طبيعة الحق فَلاحَظ أنه لا يُمكن أَنْ يَكُون لأحد حق على غيره إلا ويكون عليه لغيره واجب، وهناك تقابل دائم بين الحق والواجب فحيثما يكون الحق يتّبعه الواجب.

وَلَكن الناس - غالباً - يُريدون إستيفاء حقوقهم دون أَنْ يُؤدّوا ما عليهم من واجبات غير عالمين أنه حينما يتمرد الإنسَان عَلى واجبه فلا يَأْتي به يُسقط حقه الَّذي يَدْعِيه.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« فَقَدْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقًّا بِوِلَايَةِ أَمْرِكُمْ، وَلَكُمْ عَلَیَّ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذي لِي عَلَيْكُمْ، فَالْحَقُّ أَوْسَعُ أَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ (1)، وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ، لَا يَجْرِي لِأَحَدٍ إِلَّا جَرَىٰ عَلَيْهِ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلَّا جَرَى لَهُ. وَلَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلَا يَجْرِيَ عَلَيْهِ، لَكَانَ ذَلِكَ خَالِصاً للهِ سُبْحَانَهُ دُونَ


1) يتسع القول في وصف الحق، حتَّى إِذَا حَان وقت العمل والتنفيذ عَلى الإِنسَانِ الَّذي يَصف الحَقِّ يَفر من أَدَاء الحق ولَم ينصف.

خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضَّلًا مِنْهُ، وَتَوَشعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ» (1).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« ثُمَّ جَعَلَ - سُبْحَانَهُ - مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَةُ (2)في وُجُوهِهَا، وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَلَا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ» (3).

ونِنبّه هُنا إلى أَنَّ هَذه الحقوق، حقوق الإمام، ليست امتيازات على سائر الناس يحصل عليها الإمام بسبب الحكم، وذلك لأنَّ الحُكم، عند الإمام، لاَ يُسبب للحاكم أي أمتياز شخصي أبداً.

وهَا هو يُخاطب الأَشْتَر، عامله عَلى مَصر، بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«وَإِيَّاكَ وَالْإِسْتِثْقَارَ (4)بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ (5). وَالتَّغَابِيَ عَمَّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ، فَإِنَّهُ


1) أنظر، نَهْج البلاغة: الخُطْبَة ( 216 ) « الرَّاعي وَالرَّعيَّة ».

2) تَتَكَافَاً: تَساوى.

3) أنظر، نَهْج البلاغة: الخُطْبَة ( 216) «الراعي وَالرَّعيَّة ».

4) الْإِسْتِثْنَارَ: تخصيص النفس بزيادة في الحصّة عن الآخرين.

5) أَسْوَةٌ: مُتساوون. وَالتَّغَابِيَ: التَّغَافل.

مَأْخُوذٌ مِنْكَ لِغَيْرِكَ. وَعَمَّا قَلِيلٍ تَنْكَشِفُ عَنْكَ أَغْطِيَةٌ الأُمُورِ، وَيُنْتَصَفُ مِنْكَ لِلْمَظْلُوم»(1).

عَهْدُ الأَشْتَر

وقالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) مُخَاطَبَاً أَصْحَابه في صفّين (2):

« وَإِنَّ مِنْ أَسْخَفِ(3)حَالَاتِ الْوُلَاةِ عِنْدَ صَالِحِ النَّاسِ، أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ، وَيُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْكِبْرِ، وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الإِطْرَاءَ، وَأَسْتَمَاعَ الثَّنَاءِ، وَلَسْتُ - بِحَمْدِ اللهِ - كَذَلِكَ. وَلَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطاً للهِ سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، وَرُبَّمَا أَسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّنَاءَ بَعْدَ الْبَلاءِ (4)، فَلَا تُثنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ تَنَاءٍ لِإِخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَ إِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِيَّةِ (5)فِي حُقُوقِ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا، وَفَرَائِضَ لَا بُدَّ مِنْ


1) أنظر، نهج البلاغة: الرَّسَالَة (53) « مِن شُرُوط الْقِيَادَة ».

2) صِفِّين كَسِجِّين - موقع عده الجُغرافيون من بلاد الجزيرة (مَا بَين الفُرات ودجلة) والمُؤرّخون العرب عدوه من أرض سوريا. وهو اليوم في محافظة حلب.

3) وَإِنَّ مِنْ أَسْخَف: أَصل السُّخف رقة العقل وغيره، والمُراد: أن أدنى حالات الولاة أَنْ يظن بهم الصالحون أنهم يُحبّون الفخر، ويَبنُون أمورهم عَلى أساس الكبر.

4) الْبَلَاءِ: إِجهاد النفس في إتقان العمل وإحسانه.

5) التَّقِيَّة: الخوف، والمُراد هنا بها العقاب، ومعنى الجُملة: أي لا أستحق الثناء لأني قمت بأداء حقوق واجبة عليّ خوفاً من عقاب الله إِذَا تَركت أداءها.

إِمْضَائِهَا، فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَلَا تَتَحَقَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ(1)، وَلَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ (2)» (3).

عَهْدُ الأَشْتَر

وإِذَا لَم تكن حقوق الحاكم من هذا الباب فما هي طبيعتها إِذَن ؟.

حقوق الحاكم كما يجملها الإمام في نهج البلاغة هي أُمور يُعطاها لأنها ضرورية لإستمرار الحكم وصلاحه فهذه الحقوق هي: وَهي:

«وَأَمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ فَالْوَفَاءُ بِالْبَيْعَةِ، وَالنَّصِيحَةُ فِي الْمَشْهَدِ، وَالْمَغِيبِ، وَالْإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ، وَالطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ» (4).

وهي:

« وَلِي عَلَيْكُمُ الطَّاعَةُ؛ وَأَلَّا تَنْكُصُوا عَنْ دَعْوَةٍ (5). وَلَا تُفَرِّطُوا فِي صَلَاحٍ، وَأَنْ تَخُوضُوا الْغَمَرَاتِ (6)إلَى الْحَقِّ» (7).


1) أَهْل الْبَادِرَة: سَريعو الغَضب. ينهاهم أَنْ يُكلموه بألقاب العظمة الَّتي أعتاد الناس أَنْ يُخاطبوا بها الجبارين، وينهاهم عن أَنْ يُقابلوه بالتحفظ والرهبة خشية غضبه.

2) وَلَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ: يَعني لا تُصانعوني فتتظاهرون بطاعتي دون أن تكونوا راغبين في ذلك.

3) أنظر نهج البلاغة: الخُطْبَة (216) «كَرَاهِيَة الإطراء».

4) أنظر، نَهْج البلاغة: الخُطْبَة (34) فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ ».

5) نَكَص: تأخر ورجع: يعني لا تتأخروا عن إجابتي إذا دعوتكم.

6) الْغَمَرَات: الشَّدَائِد.

7) نَهْج البلاغة، بَاب الكتب، رقم النص: ( 50 ).

و هي:

« وَلَا تَتَحَقَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَقَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَلَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ، وَلَا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالًا فِي حَقٍ قِيلَ لِي، وَلَا الْتَمَاسَ إِعْظَامِ لِنَفْسِي. فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَنْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ الْعَدْل أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ. فَلَا تَكفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقِّ، أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِيءَ، وَلَا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلَّا أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ مِنِّي، فَإِنَّمَا أَنَا وَأَنتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبِّ لَا رَبَّ غَيْرُهُ» (1).

وتكاد ترجع كلّ هذه الحقوق إلى الوفاء بالبيعة، فإِنَّ الإِمَامِ يُبايع على السمع والطاعة. وإذا لم يسمع المحكومون حين يَدعُوهم ولَم يَطيعُوا حِين يأمرهم، وَلَم ينصحوا له ولم يثبتوا على ولائه لم يستطع الإمام أَنْ يَسير أداة الحُكم على نحو صالح.


1) أنظر، نَهْج البلاغة: الخُطْبَة (216) «كَرَاهِيَة الإِطْرَاء».

التَّعَاونِ بَيْنَ الحُكْمِ وَالشَّعْب

ولا يُمكن أَنْ يَصلح شيء من أُمور الدولة إِلَّا إِذَا وُجد جو صالح للعمل، ويُوجد هذا الجو بتحقق الرّغبة المشتركة بين الحاكم والمحكومين في إصلاح ما يفتقر إلى الإصلاح وتقويم مَا يَحتاج إِلى التَّقويم من شؤون النّاس وشُؤون البلاد. والَّذي يُعبّر عن هذه الرغبة المشتركة هو تعاون الوالي مع الرعية على القيام بذلك كله، ويتحقق التعاون بينهما بأن يقوم كلّ منهما بمَا عَليه من واجبات بَعد أَنْ يَتلقى كلّ مِنهُما مَا لَهُ من حقوق.

فعلى الرعية أنْ تُعطي الوالي ما لهُ عَليها من حقوق، فتُطيعه إذَا أمر، وتُجيبه إِذَا دَعَا، وتنصحه إِذَا كَان في حاجة إِلى ذَلكَ.

وعلى الوالي إِذَا حَصل عَلَى ذَلكَ كلّه أَنْ يَستَغله في إصلاح شؤون رَعِيته.

أمّا حِين لا تبذل الرعية للوالي طاعتها ولا تمحضه نصيحتها، ولا تلبي دعوته إذا دعا، وأما حين تفعل ذلك كله ولكن الوالي يستغله في رعاية مصالح نفسه، ويُهمل مصالح رعيته فإنّ ذَلكَ مُؤذن بشيوع الظلم، وسيطرة الظلمة، وفساد الدولة.

قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«وَأَعْظَمُ مَا أَفْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَحَقَّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي.

فَرِيضَةً فَرَضَها الله - سُبْحَانَهُ - لِكُلّ عَلَى كُلِّ ! فَجَعَلَهَا نِظَاماً لأُلْفَتِهِمْ، وَعِزّاً لِدِينِهِمْ، فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِصَلَاحٍ الْمُلَاةِ، وَلَا تَصْلُحُ الوَلَاةُ إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ، فَإِذَا أَدَّتْ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ، وَأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ، وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلَالِهَا السُّنَنُ (1)، فَصَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَيَبْسَتْ مَطَامِعُ الْأَعْدَاءِ. وَإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا، أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ (2)، اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ، وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ، وَكَثُرَ الْإِدْغَالُ فِي الدِّينِ (3)، وَتُرِكَتْ مَحَاجُ السُّنَنِ (4)، فَعُمِلَ بِالْهَوَى، وَعُطِّلَتِ الْأَحْكَامُ، وَكَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ، فَلَا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيم حَق عُطِّلَ (5)، وَلَا لِعَظِيمِ بَاطِلٍ فَعِلَ: فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ، وَتَعِزُّ الْأَشْرَارُ، وَتَعْظُمُ


1) ذِلّ الطريق - بكسر الدال - وسطه. والسُّنَنُ: جمع سُنّة، هي أوامر الله ونواهيه، وهي طريق المؤمن في حياته، معنى الجُملة: إن أحكام الله حينئذٍ تُطبق بدقة وإحكام.

2) أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ، الإِجْحَافَ: الظُّلم، يعني ظلم الوالي رَعِيَّته.

3) الْإِدْغَالُ فِي الشَّيء: إدخال مَا يُفسده فيه، والإدغال في الدين: إفساده.

4) مَحَاجُ السُّنَن: جَمع مَحجّة، وجمع سُنّة: تركت طرق الله وأحكامه الواضحة وانْحَرف النّاس عَنها.

5) فَلَا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمٍ حَقٍ عُطَّل ولا يستغربون من تعطيل الحق لتعودهُم عَلَى تعطيل الحقوق وأفعال الباطل.

تَبِعَاتُ اللهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْعِبَادِ. فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذلِكَ، وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ» (1).

وقَالَ في التعاون بين الراعي والرعية:

« وَلَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغ جُهْدِهِمْ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ بَيْنَهُمْ. وَلَيْسَ أَمْرُزُ - وَإِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ - بِفَوْقِ أَنْ يُعَانَ (2)عَلَى مَا حَمَّلَهُ اللهُ مِنْ حَقِّهِ. وَلَا أَمْرُو - وَإِنْ صَغَرَتْهُ النُّفُوسُ، وَاقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ (3)- بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ» (4).


1) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة ( 216) «الرَّاعي وَالرَّعيَّة ».

2) أي بأعْلَى مِن أَنْ يَحتاج إِلَى المُسَاعِدَة والإِعَانَة.

3) اقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ: أَحْتَقرته « بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ » أي بأعْجَز من أَنْ يُساعد غَيره.

4) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة ( 216) «الرَّاعِي وَالرَّعيَّة ».

المُغَيبات

اشارة:

مَوْقِفُ الرّفض لِلمُغَيِّبَات

في ناس هذا العصر من إِذَا وَقعت أبصارهم عَلى هذا العُنوان طَاف عَلى تغُورهم شبح أبتسامة، ولاح في أعينهم بريق الهزء، واتسمت معالم وجوههم بإمارات الإستنكار. ولم كلّ هذا ؟ لأننا في هذا العصر الآلي لا نستطيع - إذا أردنَا أَنْ نَحترم أنفسنا وعقولنا - أَنْ نُؤمن بوجود إِنسَان يَعلم الغيب، إِنسَان تَنقَشع من أمام عينيه حُجب القُرون وتنطوي المسافات فيقرأ المُستقبل البعيد أو الخاطر المَحجُوب كمَا يَقرأ في كتاب مفتوح، ويعي حوادثه كأنها بنت الساعة الَّتي هو فيها.

وكلّ إِنسَان يقول هَذا فلا بُدَّ أَنْ يَكُون واحداً من اثنين: إمّا مَجنُوناً، وإِمّا جاهلاً بما قدر للعقل الإنساني أنْ يَعيه من نظام الكون. وقد لا يقولون هذا بألسنتهم ولكنّهم يقُولونه بوجوههم وأيديهم.

فَلسَفَةُ مَوْقِفِ الرّفض: نَزْعَة التجريب: عَرضُ وَمُنَاقَشَة

في ناس هذا العَصر مَن يقول هذا.

وطبيعة الثقافة المُنحرفة الَّتي يُلقاها إنسَان هذَا العصر في كلّ مكان هي الَّتي تدفع بهؤلاء إلى أنْ يقفوا هذا الموقف ويتجهوا هذَا المُتجه في إنكار كلّ دعوى تَذهب إِلى أَنَّ في الإنسَان شَيئاً آخر ورَاء غُدَده وخلاياه.

الثقافة الحديثة هي الَّتي تفرض عَلَى الإِنسَان مثل هذا الموقف فهذه الثقافة تعتبر الإنسان - آلة - آلة دقيقة الصنع فقط، وهي تخضع في عملياتها لقانون الآلة وحده، فلا شيء وراء الغدد والأعصاب يُمكن أَنْ يُعتبر موجهاً للنشاط الإنساني وباعثاً له.

هذه النظرية، نظرية الإنسان الآلة، وجدت أول تعبير لها على لسان (ديكارت) في فلسفته حينما أعتبر الإنسان آلة وأنشأ ثنائية النفس والجسد ثُم وجدت تعبيراً أشدّ صراحة على لسان ( توماس هوبس) في فلسفته الميكانيكية، والَّذي جُرد الكائن الإنساني من كلّ قوّة غَير مُدركة. وبينما كان (ديكارت) يعترف بنشاط داخلي سمّاه «الأفكار الباطنية» نَرى (هوبس) قد

تنكر لهذا وأرجع مضمون الفكرة إلى الخبرة الحسية وحدها.

وبين القرنين - الثامن عشر والتاسع عشر - ساهمت عُلوم أُخرى غير الفلسفة في تأكيد هذه النظرية.

ومهما تكن حظوظ هذه العلوم من قوة التأثير وضعفها في صياغة هذه النظرية وإقرارها فلا مراء في أو عِلم النفس المُعاصر من أعظم العُلُومِ أَبْرَاً في تأكيدهَا.

فقد بدأ علم النفس عهده التجريبي في أواخر القرن التاسع عشر ( 1879م) عَلى يد ( فلهلهم فونت) الَّذي أسس سيكولوجيا الإستبطان، والَّذي حاولت مدرسته إحلال كَلمَة ( شعُور ) المرادفة للحس في العمليات النفسية محل كَلمَة ( رُوح ) الَّتي هي إرث دِيني وغَير مُدرَك.

وبعدها تتابعت المدارس النفسية: السلوكية، التحليل النفسي، علم النفس التحليلي، علم النفس الفردي، ( الجشطلت )، القصد. وكلّها تتنكر للروح، ولأي غَيبية أخرى، وترد السلوك الإنساني إلى إفرازات الغدد، وعمليات الجهازين الحَشوي والعصبي، اللاَّوعي، والغَرَائز.

وقد بلغ التعصب لهذه العُلوم ذَروته في القرن التاسع عشر، ففيه أستحوذ الغُرور على العلماء المحدثين، وظنوا أنهم قد تمكنوا من اكتشاف جميع القوانين الميكانيكيَّة الَّتي تُسيّر الكون، وذهبوا إلى أَنَّ كُلَّ دعوىٰ يُراد منها إِثْبَات أَنَّ ثمَّة قوى غير مُدركة تُهيمن عَلينا، وتتحكم فينا هي دعوى خرافة ذهب زمنها - خرافة صنعها الإنسان يوم كان أُفق تفكيره غائماً وضبابياً إلى حد يُثير الإشفاق.

ولعلّ من الخير لنا أنْ تتبين الأساس الَّذي يَقوم عَليه إنكار الرّوح في الثقافة الحَدِيثة.

الميزة الكبرى للحضارة الحَدِيثة الَّتي هي مُعطى للثقافة الحديثة أنها حضارة التجريب، فكلّ شيء يَجب أَنْ يَخضع للتجربة المَعْمَليَة ليصح أَنْ يُؤْمن به، فَإِذَا لَم يخضع للتجربة لَم يَصح أَنْ يُؤمن به كما لو خَضع لها وكشفت زيفه.

وقد عاد هذا الإتجاه التجريبي على الحضارة بما لا يتصور مدى خصبه من النتائج، ولكن الخطأ وقع حين داخلت العِلم العزّة بنَفسه فَادّعى أَنَّ بوسعه أَنْ يدخل الإنسان إلى المعمل ويجعله موضوعاً للتجريب. وليس الإنسان موضوع التجريب هنا هو هذه الكتلة من اللحم والعظم المشدودة إلى بعضها بجهاز من العصب، وإِنَّما هو النفس الإنسانية. فقد أدعى العِلم الحَدِيث أَنَّ بإمكانه أن يفحص صحة الدعوى الكبرى القائلة بوجود الرّوح والنفس ليثبت صحتها أو بطلانها عن طريق التجربة المعملية.

وقد أضطلع بهذه المهمة عِلمان تجريبيان، هما (الفيزيولوجيا والسيكولوجيا)، هَذان العِلمان أدخلا الإنسان إلى المَعْمل ليريا أحق ما يُقال من أنَّ ورَاء هَذه التشكيلة الدَّقيقة من الغُدد والخلايا والأجهزة العصبيَّة والحشوية شَيئاً يُسمّى نَفساً ورُوحاً، أو أنّ هذه خرافة من جُملة الخرافات؟.

ولقد كانت النتيجة بطبيعة الحال - وهذا شيء كان من المُمكن أن نجزم به سلفاً - هي أنَّ لا روح ولا نفس ولا شيء وراء جسم الإنسان.

وأُذيعت هذه النتائج على أنها « حقائق» أثبتها العلم التجريبي وآمن بها النّاس، لأنَّ العِلم التجريبي والتطبيقي، الَّذي أخضع الأمراض لسلطانه، وكشف عللها ووضع أدويتها، والَّذي لا يزال يُفجؤنا كل يوم بجديد لا يُمكن أَنْ يَستعصي عَليه هذا الموضوع.

وعَلى هذا النحو المسرحي حلّت المُشكلة - أعقد وأعضَل مُشكلة واجهت العقل الإنسانيّ مُنذ القدم - وأعتبر أمر الروح الإنسانية قد أنقضى.

وهنا نقول كلمتنا في المسألة.

نحنُ نُؤمن بالعِلم قوّة في يد الإنسان وسبيلاً إلى إنماء الحياة الإنسانية وإغنائها.

ونحنُ نُؤمن بالتجربة منهجاً للبحث أفضل من جميع المناهج الأخرى.

ولَكنّنا نُؤمن بالعِلم إلى حدّ محدود، ونُؤمن بالتجربة منهجاً للبحث فيما هو قابل للتجربة.

إن المَيدان الأصيل للعِلم التَّجريبي هو المَوضُوع القابل لأَنْ يَقع تحت أدوات التجريب: يَد الإِنسَان وعينه وحاسة الشم فيه وموازين الحرارة والضغط والمشارط وأنابيب الإختبار وما إليها. فكلّ مَوضُوع خَارجي يَصلح أَنْ يَقع تحت أداة التجريب يصلح أن يكون ميداناً للعلم الَّذي يستخدم هذه الأداة. ويُمكن أنْ يَتوصل فيه بواسطتها إلى نتائج مُعتمدة نسبياً.

ونتسأل:

هل الروح من هذا القبيل ؟ وهل يُمكن أن تقع مَوضُوعاً صالحاً لأداة التجربة المَعْملية ؟ الله اللهم لا. فالباحثون عنها لا يجرؤن عَلى القول بأنها شيء ذو كيان يُمكن أَنْ يَصل إليه الحسّ أو ما يصطنعه الإنسان من أدوات.

ونتسأل كرّة أخرى:

إِذَا كَانت الروح شَيْئاً لا يُمكن أنْ يقع مَوضُوعاً لأداة التجربة فكيف يصح أَنْ تتخذ هذه الأداة سبيلاً إلى البَتْ في أمرهَا ؟.

نعم، إن «أساطين » السّيكولوجيا - وخاصة السّلوكيون - والفيزيولوجيا يقولون لنا إنّ بإستطاعتهم أَنْ ( يختبروا ) وجود الروح عن طريق مُراقبة الإنفعالات الَّتي تَطرأ على مختلف أجهزة الإنسان بفعل السوائل الكيماوية المختلفة.

ونَتَسأل ثَالثَة:

هل عواطف الإنسان ومطامحه وأفكاره تتجمع كلّها في بضعة من عصب، تنفعل بالسوائل الكيمائية الَّتي تُراق عليها لتحكم بأن لا روح ولا شيء سوى هذه البضعة الخاضعة للفعل الكيماوي ؟ وهل يمكن أَنْ يَعتمد على نتيجة هذه مقدماتها في تقرير موقفنا من الحياة والكون، وفي تحديد مصيرنا الَّذي نُريد ؟.

إنّ العلم التجريبي نَفسه يأبى علينا الأخذ بنتيجة هذه مُقدّماتها، فنتيجة كهذه لا يُمكن أنْ تُسمّى نتيجة علمية بحال.

وإذن، فلا دليل يُمكن أنْ ينهض عَلى أَنَّ الرّوح الإنسانية لا واقع لها، وأكثر من دليل يدل عَلَى أَنَّ الروح الإنسائية، أعظم واقعية من بعض الأشياء الَّتي نَحسبها واقعية.

ما هو الواقعي ؟.

أهُو الشيء الَّذي تُدركه حواسنا ؟ لا، لقد أصبح هذا التفسير الساذج «للواقعي » شَيئاً بعيداً عن المفهوم العلمي الحَدِيث، ولو شئنَا أَنْ نُفسّر الواقعي بهذا التفسير لوجب علينا أَنْ تُكفّر بأشيع الحقائق في حياتنا الحاضرة وأعني بها الكهرباء. « فالكهرباء - كما يقول ( يعقوب فأم في البراجماتزم - لا صورة ذهنية لها عندنا ولا شكل نستطيع أن نراه بعين العقل أو نتخيله، ومع ذلك فمدلوله لهُ وجُود ذَاتي مُستقل في هذا النظام الموضوعي للكون. وبعبارة أخرى: الكهرباء

موجود حقيقي وإن كان الذهن لا يستطيع أن يتخيلها لأننا نشاهد آثارها وعملها في الحياة اليوميَّة ».

وإذن، فليس الواقع هو ما نحسه، وإِنَّما الواقع هو ما يعمل على صياغة حياتنا بآثاره وإِنْ لم يبلغ علمنا مدى كنهه. وإذا كان هذا هو الواقع فما الَّذي يمنع أَنْ تكون الرّوح حقيقة من الحقائق الجمّة الَّتي تصنع حياتنا بآثارها ؟ إنّ جَهلنا بحقيقتها لا يبرر نكران وجودها. وقد عرفت أنّ الَّذِينَ يُنكرونها يبنون نُكراهم على ما لا يصلح أن يكون أساساً للموقف العقلي الذي التزموه تجاه الروح فالأداة الَّتي أصطنعوها لمعرفة الرّوح قاصرة عن أَنْ تَنيلهم ما أرادوا.

لقَد حَدس القدماء فلم يهدهم حدسهم إلى شيء، وَلَقَد جَرّب المُحدثون فلم تهدهم تجربتهم إلى شيء، ويقف الإِنسَان مكتوف اليدين أمام غياهب الأسرار، ويُردد حُكم القُرآن في أعتراف بالعجز: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (1).

ونَخلص من هَذا كله إلى القول بأنّ مُنكري «المُغيبات» ليسوا سوى طائفة من الناس تنظر إِلى الإِنسَان من أحد جوانبه وتبني أحكامها على ما ترى غير حاسبة أَنَّ ثمّة غَير هذا الجانب، وأَنَّ حُكمها عَلى الإِنسَان قبل الإحاطة به من أقطاره - في الحدود الَّتي تبلغها المعرفة - ضَرب من الخَبط العشوائي الَّذي لا يُليق بمن يدعي العِلم ويستهديه فيما يفعل أو يقول، وهؤلاء أشبه بمن يحكم بأنّ لون الهرم أحمر لمجرد أنه رأى ضلعاً واحداً من أضلاعه بهذا اللون قبل أَنْ يَرَى بقية الأضلاع.


1) الإسراء: 85.

وحيث قد عرفنا أنَّ في الإنسان قوى وراء جهازه العصبي والحشوي ووراء غدده وخلاياه لأنُدركها بما لدينا من وسائل المعرفة، فلا مبرر لإنكار «إمكان» أَنْ يكون لدى إنسان من النّاس، بسبب ما يتمتع به من سمو رُوحي ونقاء داخلي - وهذه صفات قابلة للتفاوت - قُدرة على معرفة ما يُخبئه الغد وتضطم عليه أحشَاء المُستقبل.

وإذا كان « يُمكن» أَنْ يُوجد إِنسَان كهَذا فلنقم بنقلة تثبت أَنَّ إِنسَاناً كهذا «مَوجُود بالفعل».

اهتمامُ العلم الحديث بطاقاتِ الإِنسان الخَفِيَّة

منذ القدم لاحظ الناس في بعض الأفراد شيئاً خارقاً للعادة، وكان ذلك الشيء هو الإطلاع على حادث وقع في مكان يبعد عن مكان الرائي بمئات الأميال، أو قراءة أفكار الآخرين الخفية، أو التنبؤ بما سيقع لبعض الناس في الغد القريب أو البعيد.

وقد أعتبر القدماء هذه الظواهر شَيئاً صادقاً ولكن لا سبيل إلى تعليله، وأنتهت المسألة عند هذا الحد.

وغَبرت القُرون والنّاس يُؤمنون بهذا حتَّى نَجمت طلائع الثقافة الحديثة، فجرفت فيما جرفته من مخلفات القُرون هذه الفكرة، أستناداً إلى أنَّ الروح لا واقع لها، فلا شيء من هذا يُمكن أن يكون موضع إيمان وإذعان.

ولكن ظاهرة كهذه لا يُمكن أَنْ تَذهب وتُنسى بمثل هذه السهولة، فليس أمراً عاديّاً أَنْ يَتمتع إنسان من الناس بقوى خارقة تتجاوز كل قانون علمي معروف. وهَكذا عادت هذه الظاهرة ففَرضت نفسها عَلى العُلماء من جديد، وعدت موضوعاً للبحث العلمي عند عُلماء مشهورين مشهود لهم بدقة النّظر، أمثَال: سير اوليفر لودج، ووليم كروكس والفرد رسل ولاس)، وهؤلاء الثلاثة من أعضاء الجمعية العلمية الملكية. و ( وليم جيمس، وشارل ريشيه، وهنري

سدجوك، وهانز دريش، وهنري برجسون والدكتور ميرس، ورتشارد هودسون، وتشارلس اليوث نورثون أستاذ بجامعة هارفارد، ووليمر ليوبولد أستاذ علم النّفس والفلسفة في جامعة بنسلفانيا، والفلكي الفرنسي المشهور كاميل فلامريون، وتوماس هكسلي )، وغيرهم، وهذا العدد في تعاظم يوماً بعد يوم.

وكانت أوّل خُطوة جدية في سَبيل التثبت من صدق هذه الظاهرة هي تأليف جمعية المباحث النفسية في بريطانيا سنة ( 1882م)، وقد أشترك فيها عدد جم من العلماء والفلاسفة، فأصدرت مجلة تنطق بلسانها. وكان أول رئيس أنتخب لها هو البروفيسور (هنري سدجوك).

وقد أنتهجت هذه الجمعية في بحثها طَريقة جمع الوثائق وفحصها، فَإِذا سمع الباحثون بشخص ما يمتلك موهبة خارقة أرسلوا إليه مُلاحظين مُعتمدين يقومون بدراسة ما يقوم به ذَلكَ الشخص ويَضعُونه تحت المُراقبة الدَّقيقة، ثُمّ يُقدمون عنه تقريراً بما شاهدوه.

وقد كان لنجاح هذه الجمعية صداه في أنحاء العالم، فأسست لها فروع في أقطار أُخرى (كفرنسا وأمريكا وهولندا والدانمارك والترويج وغيرها ).

وقد أكتشف الباحثون الذين اشتملت عليهم هذه الجمعيات وغيرهم أَنَّ في الإِنسَان مَلكات نفسية خارقة أهمها ثلاث: ( تناقل الأفكار، ورُؤية الأشياء من وراء حاجز أو عن بُعد، والتنبؤ ).

وقد تُعزى إصابة الإنسان في التنبؤ إلى الصدفة، ولكن جمعيات المباحث النفسية أثبتت كذب هذه الدعوى بصُورة قاطعة، فقد أثبت (السير أوليفر لودج) عُضو جمعية المباحث النفسية البريطانية والعالم الطبيعي المشهور، أنَّ قدرة

الإنسان على التنبؤ أعلى جدّاً من مستوى الصدفة حسب قانون الإحتمالات.

وعلى أثر إطلاع البروفيسور ( راين) عَلى حِلم عجيب ذي تفاصيل عجيبة دقيقة تحقق في الخارج بحذافيره، أُسس في سنة ( 1930م) فرعاً في جامعة ( ديوك ) في ولاية كارولينا الشمالية في أمريكا لدراسة القوى النفسية دراسة مختبرية.

وقد أيده وساعده في عمله ( وليم مكدوجل) الباحث النفساني المشهور.

وقد اتخذ ( راين) في بحثه طريقاً غَير طَريق جمعيات المباحث النفسية، فَبَينما كانت تلك الجمعيات تهتم بذوي المواهب الخارقة وحدهـم أهت-م هو بفحص الفرد العادي لمعرفة مقدار ما لديه من قوى خارقة. وقد أثبتت التجارب المُتعددة الَّتي أجراها ( راين) وغيره، أَنَّ الإِنسَان يَملك في الغَالب قُدرة على الحَدس بمُعدل يفوق معدل الصدفة قليلاً أو كَثيراً.

وذلك هو ما أثبته أختبار جامعة «كولورادو» الَّذي أجري عَلَى ثلاثمئة شخص وقد أثارت تجارب ( راين) ضجّة كُبرى في الأوساط العلمية، حتَّى لَقد حاول بعض الباحثين أنْ يَجري تجاربه سرّاً مخافة أَنْ يَنفضح أمره بين زملائه فيكون موضع السُّخرية منهم.

ويروي ( راين ) أنَّ أحد الباحثين في أمريكا توصل في تجاربه إلى نتائج هامة، ولكنّه أمتنع عن نشرها وقَالَ: إِنْ عَائلتي تُريد طعاماً. أي أنه يخشى نَشر أبحاثه فتَعزله الجامعة الَّتي يعمل فيها وتبقى عائلته بغَير طعام.

وقد كان من آثار هذه الضجة أن إجتمع مؤتمر الإحصاء الرياضي في أمريكا وناقش الناحية الإحصائية من أبحاث ( راين )، ثُمّ أذاع البلاغ التالي

«إِنّ أبحاث - راين - لها ناحيتان: تجريبيَّة وإحصائية. والرياضيون لا يستطيعون أنْ يقُولوا شيئاً عن الجانب التجريبي منها. أما الناحية الإحصائية، فقد أظهرت الأبحاث الرياضية الحديثة أنَّ التحليل الإحصائي فيها صحيح. وإذا كان من الممكن أنْ تُهاجم أبحاث ( راين) فإنّها يَنبغي أَنْ تُهاجم من ناحية أخرى غير الناحية الرياضية».

ويَظهر أَنَّ الرّأي العلمي أخذ يتجه حَديثاً إلى الإعتراف بحقيقة هذه القوى الخارقة، وقد أدلى ( البروفيسور تولس ( أستاذ علم النفس بجامعة كمبردج ببيان في هذا الصدد قَالَ فيه:

«إِنّ هذه الظّاهرة يَجب أَنْ تُعتبر حقيقة ثابتة كأية حقيقة أُخرى توصل إليها البحث العلمي، فلنترك إذن أمر البرهنة على وجودها في سَبيل إقناع المُرتَابين، ولنتوجه عُوض ذلك نحو الإستمرار على دراستها بقدر الإمكان، فإننا بإطلاعنا على طبيعتها أطلاعاً أوفى نجد الصعوبات الَّتي تكتنف التصديق بوجودها قد قلت إلى حدّ بعيد (1).


1) هَذا البحث مُقتبس من الدكتور علي الوردي: خوارق اللاشعور: 176 - 165. ولأجل التوسع في: الموضوع يُحسن بالراغب مُراجعة: عَلى أطلال المذهب المادي بأجزائه الأربعة للباحث مُحَمَّد فَريد وجدي، فقد أفاض إفاضة طيبة في الناحية الوصفية للمسألة.

التَّعِليلِ العِلمي لِظَاهِرة المُغيَبات

وإِذْ قَد أُعتبرت هذه الظاهرة شَيئاً واقعاً لا سبيل إلى نكرانه فقد أتجه العلماء إِلى تُبيَّن القانون العلمي الَّذي يُمكن إدراجها فيه، وإِلى مَعرفة ماهية هذه القوى ومصادرها في الإنسان.

وقد وضعت لأجل هذا فرضيات كثيرة تعتمد كلّ واحدة منها وجهة نظر مُعينة في المسائل الطبيعية، ولكن لفرضية - سينل - من بين هذه الفرضيات مؤيدين كثيرين، ويبدو أنَّ عدداً كبيراً من العُلماء الطبيعيين يميلون إليها، وذلك لما فيها من بساطة وملائمة للنظريات الفيزيائية الحديثة.

فالرأي السائد بين الفيزيائيين يتجه إلى أعتبار الكون كله مُؤلّفاً من أمواج كهربائية، وما المادة إلا أمواج كهربائية قد كُورت في حيز ضيق.

وعلى هذا الأساس يبني - سينل - فرضيته، فهو يرى أَنَّ كُلَّ مَادة في الكون تبعث ذبذبات وأمواجاً أثيرية خاصة لا تُدركها الحواس الخمس « وهذه حقيقة قررها البروفيسور (دنكان) أُستاذ العلوم الطبيعية في جامعة نيويورك سابقاً».

ويُؤيد فَرضية - سينل - هَذه أنَّ الأبحاث الحديثة أكتشفت أنواعاً مُعينة من الأمواج الكهربائية تنطلق من دماغ كلّ إنسان. ويذهب الدكتور ( دايفس) إلى القول بأنّ كلّ فرد يطلق من رأسه أمواجاً دماغية خاصة به دون غيره.

وإذن، فسبب هذا الإحساس الخارق هو أَنَّ مَنطقة معينة من جسم الإنسان تتلقى أمواجاً كهربائية يتأثر بها الإنسان من حيث لا يشعر.

وقد أعترض على هذا التفسير:

أوَّلاً: بأنّ الأمواج الكهربائية تضعف ببعد المسافة، وقد أكتشف الباحثون أَنَّ الإحساس الخارق لا يتأثر بالمسافة.

وثانياً: بأنّ التنبؤ يدخل في جُملة الظواهر الخارقة عند الإنسان كما عرفت، وهذا يُنا في فَرضية الأمواج إِذْ لا يتصور صدور أمواج من شيء لَم يُوجد بَعد.

وقد أُجيب عن الإعتراض الأوّل بأن سرعة الأمواج الكهربائية تختلف بإختلافها طُولاً وقصراً، فالموجة القصيرة لا يُؤثر عليها البعد والقُرب، وقد تكُون الأمواج الَّتي يُطلقها الدماغ ويتلقاها من أقصر الأمواج الكهربائية.

وأما التنبؤ فيُمكن أَنْ يُبنى عَلَى نَظرية (البرت أينشتاين) في الزمان.

يختلف تصورنا التقليدي للفضاء عن تصور ( أينشتاين) له. فالفضاء كما نتصوره - فراغ ذو ثلاثة أبعاد: الطول والعرض والإرتفاع، بينما يذهب ( أينشتاين) إلى أنّ للفضاء أربعة أبعاد: الطول والعرض والإرتفاع والزمان.

وإذن، فللزمان، في النظام الموضوعي للكون، كيان حقيقي وليس عبارة عن اختراع أقررناه لنقيس أعمالنا. وهو، لذلك، بعد للفضاء لا يفترق عن الأبعاد الثلاثة الأُخرى، غير أننا لا نعيه لأنَّ أدوات الإدراك عندنا قاصرة عن إدراكه.

ومَعنى هَذا أَنَّ التنبؤ عن حوادث المُستقبل لا يختلف في جوهره عن الإحساس بأشيَاء مَوجُودة في الوقت الحاضر، فالنفس البشرية الَّتي تستطيع تخترق حاجز المسافة المكانية بما تملك من قوى خارقة تستطيع أيضاً أن

تخترق حاجز المسافة الزمانية بهذه القوى. إنها قد تُبصر بها شيئاً مُغيباً عنها في ثنايا المستقبل، بنفس السهولة الَّتي تُبصر بها شيئاً مغيباً عنها في أحد الأبعاد الثلاثة الأخرى من الفضاء.

والأمواج الكهربائية على مختلف أنواعها تتحرك في فضاء ذي أربعة أبعاد، أي الأبعاد الثلاثة مُضافاً إليها بعد الزمان، والقرائن الَّتي تدل عَلى هَذا هي:

أوَّلاً: كَشَفت الأبحاث الفيزيائية الحديثة أنّ شعاع الضوء يظهر على شكل موجات تارة وعلى شكل دفقات متتالية تارة أُخرى. وقد حار العلماء في تفسير هذا الإزدواج العجيب في شخصية الشعاع الضوئي. ومن المُحتمل أننا حين نَرى الضوء على شكل دفقات متتالية، إِنَّما نَستبين منه قمم الموجات فقط أما البقية المُختفية من الموجات فتذهب في الزمان أي في البعد الرابع، لأنَّ أمواج الضوء تتحرك في فضاء ذي أربعة أبعاد.

ثانياً: كَشفت الأبحاث الذُّرية عن أنَّ الالكترون يقفز داخل الذرة من مدار إِلى آخر ولا يلتزم مداراً ثابتاً. وهو حين يقفز من مدار إلى آخر لا يمر بالمسافة الَّتي تفصل بين المدارين، إنَّه يَختفي من مدار ليظهر في المدار الآخر، فأين يذهب أثناء القفز ؟ إِنَّه في الظاهر يذهب في الزمان الَّذي هو بعد رابع، لأَنه يسبح في فضاء ذي أربعة أبعاد.

ثالثاً: لا يَخضع الالكترون في سيره لقانون، وإِنَّما هو يَسير سيراً عشوائياً في الظاهر. وهُناك طَائِفَة كَبيرة من العُلماء يُفسرون هذه الحركة العشوائية في سير الألكترون بأنها ناتجة عن قصورنا عن مُراقبة حركته عَلَى نَحو صحيح، وذلكَ أننا، في نظر هؤلاء العلماء، تُراقب ظلّ الألكترون فقط ولا نستطيع أن نُراقبه

نَفسه لأنه يتحرك في فضاء ذي أربعة أبعاد، ونحنُ نُراقبه من خلال أبعادنا الثلاثة، فهذه الفوضى الَّتي نراها في سير الألكترون إِنَّما تَرجع إلى أننا لا نراه نفسه وإِنَّما نَرى ظله، لأَنَّ مَا يَتحكم في سيره كامن في الزمان الَّذي هو بعد يخضع له الألكترون في سيره.

فهذه الفرضية، فرضية سير الأمواج الكهربائية في فضاء ذي أربعة أبعاد، لا تجد صعوبة في قبولها بناء عَلى مَا جَاء به (أينشتاين ) من مفهوم جديد للزمان والمكان. وعَلى هذا، فالتنبؤ بحوادث المُستقبل ليس مستحيلاً، لأَنَّ الأمواج الخفية الَّتي تُساعدنا على الإحساس الخارق لا يصعب عليها أن تتصل بالمُستقبل وتكشف ما يحدث فيه، فهي تتحرك في كون ليس فيه مُستقبل ولا ماض (1).


وإِذَن فهذه الظاهرة الَّتي تشمل الرؤية عن بعد، وأنتفال الأفكار، والتنبؤ، أمر واقع لا سبيل إلى نكرانه، كما أعترف بذلك جمهرة من العُلماء الأثبات مرت عليك أسماء بعضهم.

وقد عرفت أيضاً أَنَّ العِلم الحَدِيث يتجه إلى البحث عن ماهية هذه الظاهرة وحقيقتها.

وَقَد رَأيت الفرضية الَّتي يُفسّرون بها هذه الظاهرة، وهي، إِذا صحت، لا تبين لنا حقيقتها وماهيتها، فالعلم لا يعرف عن ماهية هذه الأمواج النفسية شيئاً وإِنَّما تُوضح آليات عملها ومجالاته.


1) هذا البحث مُقتبس من الدكتور علي الوردي: خوارق اللأشعُور: 179 - 196.

وإِذَا كَان العِلم الحَدِيث يقبلها كحقيقة موضوعية لا مراء فيها.

وإِذَا كَان العلماء المُحدثون يسعون إلى الكشف عن حقيقتها والتعرف على آلياتها فهل يبقى بعد ذلك مجال لتكرانها لأننا لا نعرف ماهيتها ؟ أَللَّهُم لا، لأَننا سنكُون حِينئذٍ كذَلكَ الأعمى الَّذي يُنكر وجُود النور لأَنه لا يَرَاه.

وإذ كانت هذه الظاهرة حقيقة واقعة، وإذ كانت القوانين العلمية الحديثة لا تأباها، فلا حرج علينا إذن في أن ندرسها عندَ أَمِير المُؤمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما تبدو لنا في نهج البلاغة وغيره.

المُغيبات في نَهْجِ البَلاغَة

قد دلّت الأبحاث الحديثة كما عرفت عَلَى أَنَّ كلَّ إِنسَان يَملك مُقداراً من هَذ. القوّة الخارقة الَّتي تكشف له عمّا أضطمت عليه أحشاء المُستقبل، ولكن النّاس إِذَا تساووا في نوع هذه القوة فإِنّهم يختلفون في مقدارها.

فقد ثبت أنَّ هذه الحاسة تُوجد عند بعض النّاس بقوّة تُثير الدهشة، بينما تُوجد في بعض آخر عَلى حَال من الضعف والوهن لا تكاد تُبين معه، فما السبب فى هذا التفاوت؟

لَقَد تبين للباحثين أَنَّ قوّة هذه الحاسّة تتناسب تناسُباً طَردياً مع درجة الصفاء الرّوحي والنقاء الداخلي الَّتي يتمتع بها الشخص، فكلما كان الإنسَان صَافي النفس، نقي الضمير، منعتقاً من أسر التقاليد الإجتماعية الضارة، متفلتاً من قيد الضّرورة وما إليها، خالى النفس من العقد والأحقاد والمطامع، كانت هذه الحاسّة فيه قوية بالغة القوة، وكلّما كان الإنسَان مُشوش النفس مُوزع الضمير مُستغرقاً في حواسه، أسيراً لضرورات جسده وشهواته، غارقاً في مجتمعه، كانت هذه الحَاسّة فيه ضامرة لا تكاد تبين (1).


1) هذا البحث مُقتبس من الدكتور علي الوردي: خوارق اللاشعور.

فهذه الحاسة لا تنشط إلا في ساعات الصفاء العقلي والروحي والوجداني، فعند ذلك تبلغ أقصى قوّتها.

فَإذا شئنا أن نبحث عن هذه الظاهرة في حياة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) طالعتنا فيه على أتم وأكمل ما تكون، فلقد بلغ من الصفاء الروحي حداً لم يُدانه فيه إنسان على الإطلاق ولم يَزِدْ عَليه فيه إِلا النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏).

وتأريخ حياتها (عَلَيهِ السَّلَامُ) سلسلة ذهبية من هذه الظواهر الرائعة الفاتنة.

وإِذَا صح أنَّ تجرداً وصفاء وقتيين يقوم بهما إنسان عادي يُتيحان له إطلاق قواه الخارقة، فما قولك فيمن كانت حياته كلها تجرداً رُوحيّاً وصفاء لا يعدله في بني الإنسان صفاء ؟.

إنّ هذه الظاهرة الَّتي تبدو لأعيننا في تأريخ حياته لتدلّ عَلى أَنه كَان يَدخل في وسعه أنْ يُطلق قواه الخارقة متى أراد، وأَنْ يَعِي مَا غَاب عنه في أحشاء الزمان وطوايا المكان متى شاء.

ويصدق قولنا هذا ما أثبته المؤرخون وتسالموا عليه من إخباراته بالمغيبات وصدق ما أخبر به ووقوعه بعده بأزمان.


لم يعن الشريف رحمه الله، حين الى عَلى نَفسه أَنْ يَجمع كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بهَذه الناحية عناية تستحق الذكر، فما في نهج البلاغة من إخباراته بالمُغيبات لا يبلغ عُشر مَا نُسب إِلَيه وصحٌ عنه.

وهذه الطَّائفة الَّتي ذكرها الشّريف من إخباراته تجيء على أقسام:

1 - غَرق البَصْرَة.

2 - تسلط الظَّالمين على الكوفة.

3 - تغلب مُعاوية على الخلافة.

4 - مصير الخوارج ونهاية أمرهم.

5 - مروان و خلافته.

6 - حرب الزنج.

7- ولاية الحجّاج.

8 - الأتراك.

9 - بنو أُميَّة: ظُلمهم ونهايتهم.

10 - خُروج المهدي عَجِّل الله فرجه.

11 - فِتن تَشمل الدُّنيا وتهلك الحرث والنسل.

فى هذه العناوين ينحصر ما ذكره الشريف في نهج البلاغة من الإخبار بالمُغيبات، وسَتَتكلم في كلّ واحد من أولئك على حدة. ذاكرين بعد ذلكَ مَا أهمَله الشّريف ولَم يُعن بهِ.


لقد تحدث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن علمه بالمُغيبات في مُناسبات كثيرة منها قوله:

« أَمَّا بَعْدَ حَمْدِ اللهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، أَيُّهَا النَّاسُ. فَإِنِّي فَقَاتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا، وَأَشْتَدَّ كَلَبُهَا. فَسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَوَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَسْأَلُونِي

عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَةِ، وَلا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِائَةٌ، وَتُضِلُّ مِائَةٌ، إلا أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا (1). وَقَائِدِهَا، وَسَائِقِهَا، وَمُنَاخ (2)رِكَابِهَا، وَمَحَطَّ رِحَالِهَا، وَمَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلاً، وَمَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً. وَلَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي، وَنَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ الْأُمُور (3)، وَحَوَازِبُ الْخُطُوبِ (4)، لَأَطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ. وَفَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْئُولِينَ، وَذَلِكَ إِذَا قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ، وَشَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ، وَضَاقَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضيقاً، تَسْتَطِيلُونَ مَعَهُ أَيَّامَ الْبَلاءِ عَلَيْكُمْ، حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ لِبَقِيَّةِ الْأَبْرَارِ مِنْكُمْ» (5).

وقد ذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه أستقى عِلمه هَذا من رسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏).

فقد أتى في كلام لهُ بَعد أَنْ هزم أصحاب الجمل في البَصْرَة، عَلى ذكر بَعض مَا يلم بالبصرة من الخُطُوب، فذكر فتنة الزنج (6)وذكر التتر، فقال له بعض أصحابه لقد أعطيت يَا أَمِير المُؤمِنِين عِلم الغَيب، فَضحك الإِمَام َوقَالَ للرَّجُل:


1) نَاعِقِهَا: الدَّاعِي إِلَيْها مَأْخُوذ من نَعق بغَنمه » إِذَا صَاح بها لتجتمع.

2) مُنَاخ فِي الأصل: مَحل بُروك الإبل، أستعمل هنا للتعبير عن مصير الفِئة الضالة أو الهادية ونهايته.

3) كَرَائِهُ الْأُمُورِ: جَمع كَرِيهَة، المَصَائبِ الكُبرى.

4) الحَازِبُ الْخُطُوبِ: الخَطب الشَّدِيد، يُقال «حزبه الأمر » إِذَا أَسْتَد عَلَيه.

5) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (93) «أَسْأَلُونِي ».

6) يقصد الشيخ (قُدِّسَ سِرُّه) الخطبة الَّتي أشار إليها الإمام على تحت رقم (128): (يَا أَحْتَفُ كَأَنِّي بِهِ وَقَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ الَّذي لا يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ، وَلا لَجَبٌ، وَلا قَعْقَعَةُ لُجُمٍ، وَلَا حَمْحَمَةُ خَيْلٍ يُثِيرُونَ الْأَرْضَ بأَقْدَامِهِمْ: كَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَامِ، قَالَ الشَّرِيف يُومى، بِذَلِكَ إِلى صاحب الزنج.

«لَيْسَ هُوَ بِعِلْمٍ غَيْبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلَّمُ مِنْ ذِي عِلْمٍ. وَإِنَّمَا عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَمَا عَدَّدَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ و عِلمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسُم بِأَيِّ أَرْضِ تَمُوتُ (1)، فَيَعْلَمُ اللهُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الْأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى، وَقَبِيحِ، أَوْ جَمِيلٍ، وَسَخِيّ، أَوْ بَخِيلٍ، وَشَقِيّ، أَوْ سَعِيدٍ، وَمَنْ يَكُونُ فِي النَّارِ حَطَبَاً، أَوْ فِي الْجِنَّانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقاً. فَهَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذي لا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إلا اللهُ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللهُ نَبِيَّهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) فَعَلَّمَنِيهِ، وَدَعَا لِي بِأَنْ يَعِيَهُ صَدْرِي، وَتَضْطَمَ (2)عَلَيْهِ جَوَانِحِي» (3).)وقَالَ مُخَاطباً أصحَابه في موقفٍ آخر:« وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ، وَمَوْلِجِهِ (4، وَجَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ، وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِيَّ بِرَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ ‏)، أَلَا وَإِنِّي مُفْضِيهِ (5)إِلَى)


1) لُقمان: 34.

2) تَضْطَمَّ: افتعال من الضّم، أي وتنظم عليه جوانحي، والجوانح الأضلاع تحت الترائب مما يلي الصدر، وأنضمامها عَليه: اشتمالها عَلى قَلب يعيها.

3) أنظر، نَهْج البلاغة: الخُطْبَة (128) «لَيْسَ هُوَ بِعِلْمٍ غَيْبٍ ».

4) المَخْرَج: مَحل الخروج، والمَوْلج: محل الولوج، الدخول، أي: أخبره من أين يخرج، وأين يدخل.

5) مُفْضِيه: أصله من «أَقْضَى إِليه» إِذَا خلاً به. والمراد أنه موصله إلى أهل اليقين ممن لا تخشى عليهم الفتنة.

الْخَاصَّةِ مِمَّنْ يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ. وَالَّذي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، وَأَصْطَفَاهُ عَلَى الْخَلْقِ، مَا أَنْطِقُ إِلا صَادِقاً، وَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَبِمَهْلِكِ مَنْ يَهْلِكُ، وَمَنْجَى مَنْ يَنْجُو، وَمَآل هَذَا الْأَمْر. وَمَا أَبْقَى شَيْئاً يَمُرُّ عَلَى رَأْسِي إِلا أَفْرَغَهُ فِي أُذُنَيَّ، وَأَفْضَىٰ بِهِ إِلَيَّ »(1.)وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ:)« أَيُّهَا النَّاسُ، لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي (2، وَلاَ يَسْتَهْوِ يَنَّكُمْ (3)عِصْيَانِي، وَلَا تَتَرَامَوْا بِالْأَبْصَارِ (4)عِنْدَ مَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّي. فَوَالَّذي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ (5)، إِنَّ الَّذي أَنْتُكُمْ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ. (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) مَا كَذَبَ الْمُبَلِّغُ، وَلاَ جَهِلَ السَّامِعُ » (6).)في هذه النصوص يُصرّح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ بأنّ علمه بالمُغيبات جاءه عن طريق رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏).)والَّذي يَستوقفنا في هذا هو أننا لا نستطيع أن نتصور أَنَّ النَّبِيِّ قَد أفضى إلى


1) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة ( 175) «أَيُّهَا الْغَافِلُونَ».

2) لا يَجْرِمَنَّكُمْ: لَا يَحْملكم ويكسبنكُم شِقَاقِي » عصياني. أي لا يكسبنكم عصياني الخُسران والضياع.

3) لا تقعوا في هوى العصيان.

4) تَتَرَامَوا بالأَبْصَار: ينظر بعضكُم إِلى بَعض تَعجباً واستنكاراً.

5) أَثْبَت الحَبّة، وخَلق الرّوح.

6) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (101) «كُله عن النَّبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)»، ولاحظ في النَّص رَقم (16) قوله: « وَلَقَدْ نُبُثْتُ بِهَذَا الْمَقَامِ، وَهَذَا الْيَوْمِ».

الإِمَام بكلّ حادثة من الحوادث المُقبلة على نحو التفصيل، لأنَّ الظرف الزماني الَّذي جمع بين النَّبي والإِمَام لَا يَسع شَيئاً مِثل هَذَا حَتَّى لو فرضنا أَنَّ الإِمَام قَد اختص بأوقات فراغ النَّبِيِّ كلّها، فهو (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول:)«فَوَ الَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَةِ، وَلا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِائَةٌ وَتُضِلُّ مِائَةٌ، إِلا أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا » (1.)ويقول (عَلَيهِ السَّلَامُ:)« أَيُّهَا النَّاسُ، سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَلَأَنَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الْأَرْضِ، قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا فِتْنَةٌ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا، وَتَذْهَبُ بِأَخْلَامٍ قَوْمِهَا» (2.)ويقول (عَلَيهِ السَّلَامُ:)«وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ، وَمَوْلِجِهِ، وَجَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ، وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِيَّ بِرَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ ‏، أَلَا وَإِنِّي مُفْضِيهِ إِلَى الْخَاصَّةِ مِمَّنْ يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ. وَالَّذي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، وَأَصْطَفَاهُ عَلَى الْخَلْقِ، مَا أَنْطِقُ إِلا صَادِقاً، وَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَبِمَهْلِكِ مَنْ يَهْلِكُ، وَمَنْجَى مَنْ)


1) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (93) «أَسْأَلوني».

2) انظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (189) « فِي الْإِيمَانِ وَالهِجْرَةِ. »

يَنْجُو، وَمَالِ هَذَا الْأَمْرِ. وَمَا أَبْقَى شَيْئاً يَمُرُّ عَلَى رَأْسِي إِلا أَفْرَغَهُ فِي أُذُنَيَّ، وَأَفْضَى بِهِ إِلَيَّ » (1.)فهَذا عِلم واسع بالغ السعة مُتراحب الآفاق، ومهما يكُن الظرف الزماني الَّذي قضاه الإمام مع النَّبي طويلاً، ومهما تكن الأوقات الخاصة الَّتي يفرغ فيها النَّبِيِّ للإمام وحده طويلة وكثيرة، فإنّ ذلك كله لا يسع الإفضاء ببعض هذا العلم إلى الإِمَام عَلى نحو التفصيل، بحيث يتناول التعليم الجزئيات الدقيقة، والتفصيلات الكَثِيرة، فضلاً عن أنْ يَسع الإفضاء إليه بكلّ هذا العلم على هذا النحو من الإفضاء.وإذ كانت الحال على هذا فلا نستطيع أن نتصور أَنَّ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏ قد أفضى إلى الإِمَام بكلّ حادثة من الحوادث المُقبلة إلى قيام الساعة على نحو التفصيل ولكن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُصرح بما لا يدع مجالاً للشك بأنه قد استقى عِلمه هذا من النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏)، فكيف السبيل إلى ملاءمة هذا الَّذي يَقوله الإِمَام مع مَا تَبين لنا من عدم استيعاب الظرف الزماني للإفضاء بكلّ هذه العُلُوم ؟.)الَّذي أراه هو أَنَّ النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ لم يُفْضِ إلى الإِمَام بالمُغيبات عَلَى نَحو التَّفصِيل الَّذي يَلّم بجميع الجُزئيات، فقد رأينا أنَّ العقل يُحيل ذَلكَ لأَنَّ الزَّمانِ مَهما يَطلُ لا يتسع له. وإِنَّما أفضى إليه بهذه المُغيبات عَلى نحو الإجمال لا التَّفصيل.)فقد رأينا أنّ نشاط هذه القوى الخَفيّة المودعة في الإنسان و الَّتي تصله بالمجهول المحجوب في أحشاء الزمان أو ثنايا المكان، يتوقف على الحالة العقلية والروحية والوجدانية الَّتي يكون عليها الإِنسَان، فكلما كَانَ الإِنسَان عَلَى


1) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (175) «أَيُّهَا الْغَافِلُون».

حال رفيعة من الصفاء العقلي والطهارة الروحية والنقاء الوجداني كانت هذه القوى أنشط وأبلغ في النفوذ إلى المُغيّب المحجوب، والَّذي نراه بالنسبة إلى الإِمَام هو أنّ النّبي قد أخبره بالمُغيبات على نحو الإجمال ثُمّ هَداه إلى أقوم السبل الَّتي تؤدي به إلى أرفع درجات هذه الحالة الروحية الَّتي تُتيح لقواه الخفية أنْ تَعمل عملها الخارق فيعى بسَببها تفصيل ما أجمله له رسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ.)وبهذا التفسير وحدَه نَستطيع أنْ تلائم بين علم الإِمَام الواسع بالمُغيبات الَّذي يَسنده إلى الرسول وبين الظرف الزماني الضيق نسبياً الَّذي جمع بينه وبين الرّسول، وليس هذا التفسير أعتباطياً فَلدينا عَليه شَاهد مقبول.وهَذا الشاهد الَّذي نعني هو أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏ خلا بالإمام فأدخله في ثوبه ونَاجَاه في اللحظات القليلة الأخيرة الَّتي قُبض بعدها، فلما فرغ من نجواه خَرجَ الإِمَام عنده فسأله الناس عمّا أفضى به إليه فقال: «أَنَّ رَسُول الله عَلَّمَني أَلف بَاب مِن العِلْمِ، وَيَفْتَح كُلِّ بَاب أَلف بَاب» (1).)فمهما كانت اللّحظات الَّتي خلاً بها النَّبيِّ مع الإِمَام كَثيرة لا نستطيع أَنْ نَتصور كيف أفضى إليه فيها بألف بَاب من العِلم على نحو التفصيل، لأنها مهما طال مداها لا تتسع للإفضاء ببعض هذا العدد الكبير، فلا بد من القول بأنه أفضى إِلَيهِ بهَذه الأَلف بَاب على نحو الإجمال وذلك بإعطاء الضوابط الكبرى الَّتي تشمل كَثيراً من الأبواب.


1) أنظر، تأريخ دمشق ابْن عَساكر: 385/42 البداية والنهاية لابن كَثِير: 396/7، سير أعلام النبلاء 24/8، ميزان الإعتدال في نقد الرِّجَال: 174/4، الكامل في التاريخ: 2 / 450، الكشف الحثيث: 1 / 160 ح 415، العِلَل المتناهية: 221/1 - 347.

ولعلّ قوله: « ينفتح لي من كلّ باب أَلف باب» أبلغ دلالة على ما نقول من أنه علمه على نحو الإجمال لا على نحو التفصيل، وأنه أتكل في معرفة الجزئيات والتفاصيل إلى ما يتمتع به الإِمَام من مواهب تُسعفه في معرفة ما غاب وتَهدِيهِ إِلَى شَريعة الصّواب.***قُلنا إنّ إخبارَاته الَّتي ذكرها الشريف تجيء عَلَى أقسام مِنها إِخباره بمَا يَلم بالبصرة من الخُطُوب.فأخبر بعد فراغه من أصحاب الجمل، عن غرق البَصْرَة كلّها بقوله:«كُنتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ وَأَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ، رَغَا فَأَجَبْتُمْ، وَعُقِرَ فَهَرَبْتُمْ. أَخْلاقُكُمْ دِقَاقَ، وَعَهْدُكُمْ شِقَاقَ، وَدِينُكُمْ نِفَاقٌ، وَمَاؤُكُمْ زُعَاقٌ، وَالْمُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهَنَّ بِذَنْبِهِ، وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ مُتَدَارَكَ بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ. كَأَنِّي بِمَسْجِدِكُمْ كَجُوجُو (1سَفِينَةٍ قَدْ بَعَثَ الله عَلَيْهَا الْعَذَابَ مِنْ فَوْقِهَا، وَمِنْ تَحْتِهَا، وَغَرِقَ مَنْ فِي ضِمِنْهَا.)وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَيْمُ اللهِ لَتَغْرَقَنَّ بَلْدَتُكُمْ حَتَّى كَأَنَّى أَنْظُرُ إِلَى مَسْجِدِهَا كَجُوجُو سَفِينَةٍ، أَوْ نَعَامَةٍ جَاثِمَةٍ (2.)


1) الجُوجُو: الصَّدر. هُنا: صَدر السَّفِينَة.

2) جَتَمَ الطَّائر: تلبد بالأرض، وهَيئة النعامة الجائمة على الأرض كهيئة السفينة من مُقدّمها.

وَفِي رِوَايَةٍ: كَجُوجُو طَيْرٍ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ.وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: بِلادُكُمْ أَنْتَنُ بِلادِ اللهِ تُرْيَةٌ: أَقْرَبُهَا مِنَ الْمَاءِ، وَأَبْعَدُهَا مِنَ السَّمَاءِ، وَبِهَا تِسْعَةُ أَعْشَارِ الشَّرِّ الْمُحْتَبَسُ فِيْهَا بِذَنْبِهِ، وَالْخَارِجُ بِعَفْوِ اللهِ. كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى قَرْيَتِكُمْ هَذِهِ قَدْ طَبَّقَهَا الْمَاءُ، حَتَّى مَا يُرَى مِنْهَا إِلا شُرَفُ الْمَسْجِدِ، كَأَنَّهُ جُوجُو طَيْرٍ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ ! » (1.)وقد صدقت الحوادث هَذه النُّبوءَة، فقد ذكر ابن أبي الحَدِيد أَنَّ البَصْرَة غَرقت مرتين: مرّة في أيّام القادر بالله (2، ومرّة في أيام القائم بأمر الله (3)، غرقت بأجمعها ولم يبقَ مِنها إِلا مَسجدها الجامع بَارزاكجُوجُو الطَّائر حسب ما أَخبر بهِ مير المؤمنين... وخَربت دورها وغَرق كلّ ما في ضمنها وهَلَك كَثير من أهلها. وأخبار هَذين الغَرقين معروفة عند أهل البَصْرَة يَتناقله خَلفهم عن سلفهم (4).)وأخبر عن هلاك البَصْرَة بالزنج، فقال مُخاطباً الأحنف بن قيس بعد حرب الجمل:


1) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (13) «أَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ ».

2) القادر بالله، أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر. بويع بالخلافة في يوم ( 12 رمضان سنة 35381 أكتوبر تشرين الأول 991م) وأستمر خَليفة إِلى أَنْ تُوفّي في نهاية ( ذي الحجة سنة 422 هـ 18 ديسمبر كانون الأول (1031م).

3) القائم بأمر الله، أبو جعفر عبد الله بن القادر. بويع بالخلافة في ذي الحجة سنة 422 هـ 1031م) وأستمر خَليفة إلى (13) شعبان سنة 467هـ 3 إبريل نيسان سنة 1075م).

4) أنظر، شَرْح النَّهْج لابن أبي الحديد: 253/1.

« يَا أَحْنَفُ، كَأَنِّي بِهِ وَقَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ الَّذي لَا يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ، وَلا لَجَبٌ (1، وَلَا قَعْقَعَةُ لُجُم (2)، وَلا حَمْحَمَةُ خَيْلٍ (3)، يُثِيرُونَ الْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ كَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَامِ.)ثُمَّ قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ: وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ الْعَامِرَةِ، وَالدُّورِ الْمُزَخْرَفَةِ الَّتي لَهَا أَجْنِحَةُ كَأَجْنِحَةِ النُّسُور (4)وَخَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الْفِيْلَةِ (5، مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لا يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ، وَلا يُفْقَدُ غَائِبُهُمْ (6)، أَنَا كَابُ الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا، وَقَادِرُهَا بِقَدْرِهَا، وَنَاظِرُهَا بِعَيْنِهَا » (7).)هذه النُّبوءة صدقتها الحوادث، ففى سنة خمس وخمسين ومئتين ظهر


1) اللَّجَبُ: الصِّيَاح.

2) اللجم، جمع لجام. وقَعْقَعَة اللُّجم ما يُسمع من صوت أضطرابها بين أسنان الخيل.

3) الحَمْحَمَةُ: صَوت البَرذُون عندَ الشَّعِير.

4) السكك: الطرق. والْمجَانُ - بفتح الميم - جمع مِجَن - بكسرها - وهو التّرس. ومُطَرَّقَةُ: وضَع بَعْضَهَا فوق بَعْض حَتَّى صَارت طَبقتين، أو أَكْثَر. والسَّرَقَ: الحَرِير، والدِّيباج: سِدَاه، ولحِمتَه حَرِير.)ويَعْتَقِبُونَ: يَحْتَسِبُون. وعِتَاقَ الخَيْلَ: كَرائِمها. واسْتِحْرَارُ القَتل: اشتدَادَه.وتَضْطَمَّ: تَنضَمّ. والجَوَانِح: الأَضْلاع مِمَّا يَلِي الصَّدر، والْمُرَاد بِهِ هُنَا الْقَلْب.أَجْنِحَةِ النُّسُورِ: روَاشنها ( جَمع رَوشن، بمعنى شُرفة «برندة » وذَلكَ عَلى التشبيه بأجنحة الطَّير.)

5) خَرَاطِيم الدور: هي الميازيب تُطلى بالقار.

6) أصحاب الزنجي، وإنما لا يُندب قتيلهم، لأن ليس لهم زوجات وأهل يبكون عليهم لأنهم كانوا عَبيداً لَيسَت لهُم أسر.

7) أنظر نهج البلاغة: الخُطْبَة (128) «لَيْسَ هُوَ بِعِلْمٍ غَيْبٍ».

المدعو عَليَّاً بن مُحَمَّد بن عبد الرحيم (1وجمع الزنوج وخرج بهم عَلَى المُهتدي العباسي (2، وأسْتَشرى أمره، وكاد يُبيد البَصْرَة ويُفني أهلها، وأستمرت الحرب بَينه وبين السلطة المركزية خمسة عشر عاماً، فقد قُتل في سنة سبعين ومئتين، وقد كتب أبن أبي الحَدِيد فَصلاً كبيراً عن هَذه التُّبوءة (3).)ولا يَقُوتنا التَّنبيه عَلى تَنبُوئه (عَلَيهِ السَّلَامُ، في النص الآنف، بما ستكون عليه حال البَصْرَة من الناحية العُمرَانية.)


1) زَعم أنه علي بن مُحَمَّد بن أحمد بن عِيسَى بن زيد بن علي بن الحُسَين بن علي بن أبي طالب، وَلَكن ذكره صاحب الأعلام: 324/4، وابن خُلدون: 18/4، فقالا: هو علي بن مُحَمَّد الورزنيني العلوي، المُلقب بصاحب الزَّنْج، من كبار أصحَاب الْفِتَن في العصر العباسي، وفتنته معروفة بفتنة الزِّنْج، لأن أكثر أنصاره مِنْهُم وُلد ونشأ في ورزنين، إحدى قرى الري، وظهر في أيام المهتدي بالله العباسي سنة ( 255 هـ).)كَانَ يَرىَ رَأي الأزارقة، وألتف حوله سودان أهْل البَصْرَة، ورعاعها، وبلغ عدد جَيْشَه تَمِنمئة ألف مقاتل، وقد عجز عن قتاله الخُلَفَاء، حتى ظفر به الموفق بالله فقتله سنة ( 270 هـ، وبعث برأسه إلى بغداد. قَالَ المرزباني: تُروى له أشعار كَثيرة في البسالة، والفَتكَ كَانَ يَقُولها وينحلها غَيْره.)وفي نسبه العلوي طعن وخلاف. أنه من عبد القيس، وأنه علي بن مُحَمَّد بن عبدالرحيم، وأُمّه أسدية من أسد بن خُزَيْمَة جدّها محمد بن حكيم الأسدي، من أهل الكوفة، أحد الخارجين مع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِم السَّلَامُ على هشام بن عبد الملك، ولما قتل زيد (رضی الله عنه)، هرب ولحق بالرّي، وسكن القرية الَّتي يُقَال لها ورزنين، وكَانَ مَولد أبوه في طالقان، ثُمَّ قَدم العراق وأشترى جَارِيَة أَسدية فأولدها مُحَمَّداً أَبَاء.)أنظر، مُروج الذهب: 4 / 194، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 130/8، مُعجم الشُّعَرَاء للمرزباني: 29، تأريخ الطبري: 174/11، تأريخ دمشق: 220/52، سير أعلام النبلاء: 15 / 143، البداية والنهاية: 41/11. الكامل في التاريخ: 205/7.

2) المُهتَدي بالله مُحَمَّد بن هَارون الواثق أبن المُعتصم بن الرّشيد بويع له بالخلافة يوم (27) رجب، سنة 255ه11 يوليو / تموز (869م)، وخُلع في ( 14 رجب سنة 256هـ 17 يونيو سنة 870م).

3) شَرْح نَهْج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 310/2 - 361.

وأخبر عن هلاك البَصْرَة بالتتر فقال لا:«كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْماً كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُ الْمُطَرَّقَةُ (1، يَلْبَسُونَ السَّرَقَ (2، وَالدِّيبَاجَ، وَيَعْتَقِبُونَ الْخَيْلَ الْعِتَاقَ (3). وَيَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ (4)قَتْلِ حَتَّى يَمْشِيَ الْمجْرُوحُ عَلَى الْمَقْتُولِ، وَيَكُونَ الْمُفْلِتُ أَقَلَّ مِنَ الْمَأْسُور !» (5).)هذه النبوءة تحققت بظهور التتار واكتساحهم للممالك حتَّى وصلوا إلى العراق فلقيت البَصْرَة منهم أعظم البلاء وأشنَعه، فقد تكدست الجُثث في الشوارع


1) المَجَان، جمع مجن - بكسر الميم - وهو الترس، وسُمّي مجناً لأنه يستتر به عن العدو، والجنة - بالضم - السترة، والمُطَرْقَة، هي الَّتي الزّق بها الطراق - ككتاب - وهو جُلد يُفصل على مقدار الترس ثُمّ يُلزق به.)أنظر، البداية والنهاية: 250/6، سُبل الهدى والرشاد: 79/10، ينابيع المودة: 206/1، النهاية في غريب الحديث: 122/3، أسد الغابة: 634/5، تهذيب الكمال: 28 / 364 - 6127، كتاب الفتن لابن حمّاد: 414، الجامع الصغير: 654/1 - 4253، گنز العُمَّال: 14 / 205 - 38404، الدر ح المنثور: 54/6، الكامل لابن الأثير: 130/2، علل الدار قطني: 183/9 ح 1704، مسند الشاميين: 4 / 267 ح 3235، صحيح ابن حبان: 144/15، المعجم الأوسط: 19/1 و: 317/8. المجموع: 88/20، صحیح مُسلم: 184/8، سُنن أبي داود: 315/2 - 4304، السنن الكبرى: 9 / 176، الديباج عَلى مُسلم: 232/6 - 62 و 63، مجمع الزوائد: 311/9، سُنن ابن ماجه: 2 / 1354 - 4072، مسند أحمد: 4/1، صحيح البخاري: 233/3، مسند أبي داود: 161، ح المصنف لا بن أبي شيبة: 375/11 ح 20782.

2) الشرق: شقق الحرير الأبيض.

3) يَعْتَقِبُون الخَيْل... أي يَحْتَبِسُون كرَائم الخيل لأنفسهم ويمنعُون غَيرهم منها.

4) أَسْتِحْرَارُ قَتْلِ: أَسْتدَاد قَتْلِ.

5) أنظر نهج البلاغة الخُطْبَة (128) «لَيْسَ هُوَ بِعِلْم غَيْبٍ ».

والأزقة وحلَّ بالناس منهُم خَوف عَظِيم. وقد وقعت هذه الأحداث في زمن أبن أبي الحَدِيد فكتب عنها فصلاً كبيراً (1.)***وقد تنبأ (عَلَيهِ السَّلَامُ بمَا سَيحلُّ بالكوفة من الظَّالِمِين فقال:)«كَأَنِّي بِكِ يَا كُوفَةٌ تُمَدِّينَ مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيّ (2، تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ (3)، وَتُرْكَبِينَ بِالزَّلازِلِ (4)، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِكِ جَبَّارٌ سُوءاً إلا أَبْتَلاهُ اللهُ بِشَاغِلٍ، وَرَمَاهُ بِقَاتِل ! » (5).)وقَد صَدَقت الحوادث نبوءَته، فقد تعاقب عَلى الكوفة سلسلة من ولاة الجَور، وأعوان الظلمة، أذاقوها الصّاب وسَامُوها العذاب، فزياد أبن أبيه (6،


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 361/2 - 371.

2) الأديم: الجلد المدبوغ، والمُكَاظِي نسبة إلى عُكاظ - كغراب - وهو سوق كانت تقيمه العرب في صحراء بين نخلة والطَّائف، يجتمعُون إِليه من بداية شهر ذي القعدة ليتعاكظوا، أي يتفاخروا، وأكثر ما كان يُباع الأديم يتلك الشوق فنُسب إليها. وقوله: « تُمَدِّينَ مَدَّ الأَديمِ الْمُكَافِيِّ » استمارة لما ينالها من العسف والشَّدائد، كأن ما ينزل بها من الظلم يشبه ما ينزل بالجلد حين يُراد أَنْ يُدبغ من الخبط والدّق.

3) تَعْرَكِين مَأخوذ من عَرَكتهُم الحَرب » إِذَا مَارَستهُم حَتَّى أتعبتهم، والنوازل: الشَّدائد.

4) الزلازل: المُزعجات من الخُطُوب.

5) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (47) «الكُوفَة».

6) زِيَادِ هَذَا هُو الَّذي يُقال له زياد بن أبيه؛ لأنه استلحقه مُعاوية وأدعى أنه أخوه لأبيه، وشَهد له بذلِكَ بَيْنَة شَهد أحدهُم أنه سمع عَليَّاً يَقول: كُنتُ عند عُمر بن الخَطاب فَقَدم زياد بكتاب أبي مُوسَى فَتَكَلَّم زياد بكلام أعجب عُمَر. فقال:)«أَكُنت قائلاً هَذَا للنَّاسِ عَلى المنبر.فقال: هُم أهون عَلى مِنك يا أمير المُؤمِنِين.فقال أبو سُفْيَانَ وكَان حاضراً، هُو أبني.فَقُلتُ: وما يمنعك ؟.فقَال: هَذَا القاعد على المنبر يعني عُمَر، ثُمَّ شَهد آخر بذلك.فقَال أَبو مَريَم السلولي: ما أدري ما شهادة عَليّ، ولكنني كُنت خَمَّارٌ بِالطَّائف فمر بي أبو سفيان في سفره فَطعم، وشَرب، ثُمّ سَألني فأتيته بسُمية جارية بني عجلان، وهي من أصحاب الرايات يعني زانية بالطَّائف، فوقع عَلَيْهَا.فقال: ما أصبت مثلها، لقد أستلت ماء ظهري إستلالاً تَبيَّنتُ أَثر الحمل في عينها.فقال لهُ زِيَاد: مهلاً يَا أَبَا مَريَم إِنما بعثت شاهداً، ولَم تُبعث شاتماً.فقال: قُلتُ الْحَقِّ عَلَى مَا كَان، ولو أعفيتموني لكان أحبّ».أنظر، الطبقات الكبرى لابن سعد: 54/7، أسد الغابة: 4 / 248، الإصابة: 344/3 تحت الرقم 7131»، تُزهَة الألباب في الألقاب: 420/1 و: 112/2، تأريخ ابن عساکر: 173/19، مُرُوج الذهب: 54/2، تأريخ اليعقوبي: 195/2، تأريخ ابن كثير: 28/8، تأريخ أبي الفداء: 194، الكامل في التاريخ: 3/ 192، تأريخ الطَّبَرِيّ: 259/4، الأغاني: 351/17 طبعة ساسي، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 70/4.ثُمَّ قَام يُونس بن أبي عُبَيد الثقفي، فَقَالَ يَا مُعَاوِيَة: قَضَى رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏: « الوَلَد للفراش، وللعاهر الحَجَر »، فَعَكَستَ ذَلكَ، وخَالفتَ سُنَّة رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).)فقال: أعد، فأعاد يُونس مقالَهُ هَذَا.فقَالَ مُعَاوِيَة: يَا يُونس ! والله لتنتهين أو لأطيرنَ بِك طيراً بطياً وقوعها، فأنفذ مُعَاوِيَة هَذه الشهادة، وأثبت زِيَاداً لأَبي سفيان، وَكَفَى بذَلَك ذَمّاً، وقبحاً لَعَبَيد الله بن زِيَاد.وَرَد الحَدِيث في مصادر عديدة لا يُمكن ذكرهَا، ولكن تذكر بعضاً مِنهَا عَلَى سَبيل المثال لا الحصر.أنظر، مُسند الإمام الشافعي: 188، مُسند الإمام أحمد: 386/2، سنن الدارمي: 152/2، صَحِيح البخاري: 39/3، صحیح مُسلم: 171/4، سُنن ابن ماجه: 646/1، سنن الترمذي: 293/3، مِصبَاح الزُّجَاجَة فِي زَوَائِد ابن ماجه: 122/2، مُسند الشَّهَاب لَمُحَمَّد بن سَلَامَة بن جَعفَر القُضَاعِيّ، حَقَّقَهُ وَخَرَّج أَحَادِيثَهُ، حَمْدِي عَبد المَجِيد السَّلَفي: 190/1، البيان والتعريف: 130/2 و 267، التمهيد لابن عبد البر: 191/8، كشف الخَفَاء: 451/2، شَرح النووي عَلى صَحِيح مسلم: 37/10.

وعبيد الله أبن زياد (1، والحجاج (2، ويُوسف بن عُمر (3، والمُغيرة بن شعبة (4،


1) لم ينصّ المؤرّخون على ولادة ابن زياد نصاً دقيقاً، فقد ذكر ابن كثير في البداية: 283/8 نقلاً عن ابن عساكر أنّ مولد عُبيد الله بن زياد سنة (39 هـ)، وذكر ابن جرير في تأريخه: 166/6 أنّ ولادته سنة (28هـ). لأنّ مُعاوية ولاه خراسان وله (25) سَنة ولذا يكون عُمره يوم الطّف (32) سنة وهذا يتفق مع ابن كثير في البداية، وذكر ابن حجر في تعجيل المنفعة: 217 أنه ولد سنة (32 هـ) أو (33هـ).)وأنظر ترجمته وترجمة أُمه في المعارف لابن قتيبة: 347، وعُمدة القاري في شرح البخاري: 656/7، وتأريخ الطبري: 6/7، 268/6، الكامل لابن الأثير: 103/4 و 34، سير أعلام النبلاء، للذهبي: 359/2، الصَّواعق المحرقة: 116، تأريخ ابن عساكر: 339/4، أنساب الأشراف: 17/4 و 81 و 86، و: 84/5، البيان والتبيان: 1/ 75، و: 167/2، النقود القديمة الإسلامية للتبريزي: 50، كشف الغمة: 61، مآثر الإناقة للقلقشندي: 1 / 185.

2) يَقول صَاحب مُرُوج الذهب، وَصَاحب العقد الفريد في أقوال النّاس في الحَجَّاج: (أحصي مَن قَتلهم الحَجَّاجِ صَبراً سَوَاء مَن قُتل في حُرُوبه فكَانُوا (120) أَلفَاً، وكَانَ في حَبسه (50) أَلف رجلاً، و (30) ألف أمَرأَة سِنَة عَشر مِنْهُن عَاريات، وكَانَ يُطعم المَسَاجين كما يَقُول ابن الجوزي في تَارِيخه، الخُبز ممزوجاً بالرَّماد). وَجَاء فِي العِقد الفَرِيد أَيضاً عَلَى لِسَان عُمَر بن العَزِيز: (لَو جَاء النَّاسِ يَوْمِ القِيَامَة بفُسَاقهم، وَجِبْنَا بِالحَجَّاج لزُدْنَا عَلَيْهِم).)أنظر، فتح الباري: 455/3 و: 327/8، المُستَدرَك عَلَى الصَّحيحَين: 636/3، التمهيد لابن عبد البر: 143/16، شرح الزرقاني: 397/2 و: 159/3، تهذيب الأسماء: 1/ 237، سُبل السَّلام: 54/4، المُحلى: 16/11 و 116، نصب الراية: 382/3، تهذيب التهذيب: 2 / 185 و 338 و: 188/5، عون المعبود: 166/12، سير أعلام النبلاء: 343/4 و: 218/22، أخبار مَكَّة: 2 / 360، تعجيل المنفعة: 452/1.

3) يُوسُف بن عُمر الَّذي بَدَأْ سِياسَة الإِضْطهاد والتنكيل بِشِيعَة بَني هاشم، وَكَان لَا يَدَع أَحَداً يُعرف بمُوالاة بني هاشم، وَمَودَة أَهل بَيت رَسُول الله إِلا وَبَعث إِلَيْهِ فَحَبْسَه عِنده بواسط.)أنظر، الأخبار الطَّوَال: 339 العراق في ظِلّ العهد الأموي: 114.

4) المُغيرة بن شعبه بن أبي عامر بن مسعود الثقفي. أمه أمرأة من بني نصر بن مُعاوية، أسلم عام الخَندق وهاجر إلى المدينة، وشهد الحديبية، وأرسله الرسول مع أبي سفيان لهدم صنم تقيف بالطائف، وأصيبت عينه يوم اليرموك، ولاه عُمر البصرة وعزله عَنها لما شهدوا عليه بالزنا، ثُمّ ولاه الكوفة، وتوفّي أميراً عليها من قبل معاوية سنة ( 50 هـ) بعد أن أحصن (300) أمرأة في الإسلام وقيل بل ألف أمرأة.)أنظر، الإصابة: 432/3، الإستيعاب بهامش الإصابة: 368/3، أسد الغابة: 406/4.

وخالد بن عبد الله القسري (1وأضرابهم... كلّهم أقاموا الحكم في الكوفة على رُكام من الجماجم وأنهار من الدماء (2.)***وقد تَنبَّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ بتغلب مُعاوية على الخلافة وسيطرته على الكوفة وأنه سيأمر أهل الكوفة من الشيعة بسب الإمام والبراءة منه (3)، فقال:


1) خالد بن عبدالله القسري أحد عُملاء الأمويين يَقُول عَلَى المِنبَر وَفِي مَكَّة المُكَرمَة: أَللَّهُمَّ أَلعَن - وَالعِيَاذ بِالله عَليّ بن أبي طالب بن عبد المُلطلب بن هاشم صهر رَسُول اللَّه عَلَى أَبْنَتِهِ، وَأَبا الحسن والحُسَيْن، ثُمَّ يُقبل عَلَى النَّاس، ويَقُول: هَل كَنيت ؟! ثُمَّ يَتبع سبّ عَليَّ بِسَبِّ الحَسن والحُسَيْن.)أنظر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 57/4، الكامل في التَّارِيخ: 414 طَبعَة أُوربا.

2) شَرْح نَهْج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 286/1 - 287.

3) فَقد سبّ أمير المُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذلك من مُعاوية بن أبي سفيان الَّذي وَلَعنه في الأقطار الإسلامية وطلب التبري منهُ وإنْ لم يكن ذلك فالضّرب والشتم والهتك والقتل للمُؤمِنِين، وهذا مشهور ولا يحتاج إلى برهان ودليل بل يكفي كُلّ مُؤرّخ أن يسأل عن قتل حجر بن عدي ( رضی الله عنه) وأصحابه كمثال على ذلك.)بهذه الكَلمَة الصَّغيرة: « حَتَّى يَربُو الصَّغير، وَيَهرم الكَبِير » عَبَّر مُعَاوِيَةٌ عَن نَفْسه، وَأَبْرِزَهَا عَلَى حقيقتها، فَلَيس من قصده وَغَايته المُلك والسيطرة فقط، بل عُقدة في نفسه يُحاول حلَّها، وَحِقد في قلبه يُغلي وَيَفور، وَلا يجد مَخرجَاً مِن ِلذَعَه وألمه إلا الشباب والتقتيل، وهَذه غَايَة الغَايَات عند مُعَاوِيَة وَمَا عَدَاها وسيلة لإشباع الحقد، وإِلا فَليدُ لنا الذين وصفوا مُعَاوِيَة بالحلم وَسِعة الصدر عن مكَان هَذَا الحلم في قوله: « حَتَّى يَربُو الصَّغِير، وَيَهرم الكَبير »...ولَم يَشف غَلَيل مُعَاوِيَة السَّب عَلى المَنابر، والكتابة به إِلَى عُمَّاله، واتخاده سُنَّة وَديَانه، حَتَّى تَعمده في محضر أولاد الإمام وأقاربه، بل كان يدعو أحدهم إلى بيته، وَيُجمع حوله شَيَاطِينه وزبانيته، ثُمَّ يَسْرِعُون بِالسُّبابِ وَالشَّتائم !... لَقَد سَمِعنَا أَنَّ عدوّاً أَعْتَالَ عَدوّه، وَهُو سَائر في طريقه، وَنَائِم عَلَى فراشه، أما أن يَدعُوه إلى بيته، ثم يغدر به، فلم تعهده إلا من معاوية وأمثاله. نادى مُنَادِي الرَّسُول يَوم الفتح: « مَن دَخَل دار أبي سفيان فهو آين». وأزاد معاوية أَنْ يُرد لهُ هَذَا الإحسان.أنظر، صحيح مسلم: 1408/3 ح 86، سنن أبي داود: 163/3 ح 3012.فهَذَا أبو سفيان أشدّ عَدَاوة لرَّسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏ فِي مُحَارَبَته، وَغَزواته تَشْهَد بِذَلكَ، وَإِنَّمَا أَسلَم عَلَىٰ يَد العباس الَّذي مَنع النَّاس من قتله، وَجَاء به رديفاً، شَرَّفه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏)، وَكَرْمهِ فَكَانَ جَزَاء ذَلكَ من بَنِيهِ أَنْ حَارِبُوا عَلِيَاً (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَسَمّوا الحَسَن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَقَتَلُوا الحُسَين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَحَمِلُوا النِّسَاء عَلى الأقتاب حواسراً، وَقَيدوا بالحَدِيد زين العَابِدِين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الَّذي أوقفوه على مدرج جامع دمشق في محلّ عَرض الشبايَا.)وأنظر، خصائص الوحي المُبين: 131 فصل 21 الطبعة الأولى، كشف الغمة: 316/1، الدرّ المنثور: 6 / 79، و 319، و: 305/7، مجمع الزوائد: 131/9، و: 17/7.

«أَمَّا إِنَّهُ سَيَظْهَرُ (1عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ (2)، مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ (3)، يَأْكُلُ مَا يَجِدُ، وَيَطلُبُ مَا لا يَجِدُ، فَاقْتُلُوهُ، وَلَنْ تَقْتُلُوهُ أَلَا وَإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي، وَالْبَرَاءَةِ مِنِّي، فَأَمَّا السَّبُّ فَسُتُونِي، فَإِنَّهُ لِي زَكَاةً، وَلَكُمْ نَجَاةٌ، وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلا تَتَبَرَّءُوا مِنِّي (4)فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَسَبَقْتُ إِلَى الإِيمَانِ، وَالْهِجْرَة» (5).)


1) سَيَظْهَر: سَيَغلب.

2) الرخب: الواسع.

3) مُنْدَحِقُ الْبَطْن: عَظِيم البطن بارزه كانه لعظمه مندلق من بَدنه يَكَاد يبين عنهُ.

4) قد يكون الشب نتيجة للإكزاء من الظالم مع إيطان الحب والولاء، وأما البراءة من إنسان فهي الإنسلاخ من مذهبه.

5) أنظر نهج البلاغة: الخُطْبَة (57) « سُبُوا وَلا تَبرَّءُ وا».

هذه النبوءة تحققت بتمامها، فقد غَلب مُعاوية بعد صُلح الحسن وأمرَ النّاس بسبّ الإِمَام صلوات الله وسلامه عليه، والبراءة منه، وقتل طائفة من عُظماء أصحابه الا لأَنهم ثَبتوا عَلى ولائه فلم يَتبرَّؤوا منهُ، منهم حجر بن عدي الكندي وجماعته (1. وقال قوم إن المعني بهذا الكلام زياد بن أبيه، وقَالَ قَوم إِنَّه المُغيرة ابن شعبة، وكلُّ وَليَ الكُوفة، وأمرَ بالسّبّ والبراءة (2.)***وَتَنبأ (عَلَيهِ السَّلَامُ بمَا سَيصِير إِليه أمر الخَوَارج من بعده فقال:)«أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ، وَلا بَقِيَ مِنْكُمْ آثِرٌ. أَ بَعْدَ إِيمَانِي بِاللهِ، وَجِهَادِي مَعَ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏، أَشْهَدُ)


1) هو حجر بن عدي الأدبر الكندي المُلقب بحجر الخير، وكان من فضلاء الصحابة، وقد إلى النبي و شهد القادسية، وقد قتله مُعاوية صَبراً، ويُقال: إِنه أوّل من قتل صَبراً في الإسلام، قتل معه ستة من أصحابه، وهم: شريك بن شدّاد الحضرمي، وصيفي بن فسيل الشَّيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، ومحرز بن شهاب السَّعدي، وكدام بن حيان العنزي، وعبد الرحمن بن حسان العنزي. وكان حجر ثقة عيناً ولم يرو عن غَير علي شيئاً، وهو الَّذي أفتتح مرج عذراء، وكان شريفاً في قومه مُطاعاً، آمراً بالمعروف، صالحاً عابداً يُلازم الوضوء، وبَاراً بأُمِّه، كثير الصَّلاة والصيام.)أنظر، ترجمته في طبقات ابن سعد: 151/6 و 154، المستدرك: 468/3، الإستيعاب: 1 / 134 الرقم 548، طبعة حيدرآباد، أسد الغابة: 385/1، سير أعلام النبلاء: 305/3 الترجمة رقم،314،، کثیر 31 تأريخ الذهبي: 276/3 تأريخ ابن كثير: 50/8، الإصابة: 315/1، تأريخ الطبري: 111/2 - 149 و 277/5، تأريخ ابن الأثير: 403/3 و 404، وقعة صفين: 103، مروج الذهب: 3/3 - 4، تهذيب الكمال: 485/5 الرقم 1141، المعارف لابن قتيبة: 334، الأغاني: 10/16. تأريخ دمشق: 379/2.

2) انظر، شَرْح نَهْج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 355/1.

عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ ﴿ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (1)! فَأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ، وَارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الْأَعْقَابِ. أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلاً شَامِلاً، وَسَيْفاً قَاطِعاً، وَأَثَرَة (2)يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّةً » (3). وَهَكذا كان، فإنّ الخوارج، بعد العدل الَّذي لاقوه من حكومته والحُريّة الَّتي تمتعوا بها، لم يُعاملوا في جميع العهود التالية إلا بالإضطهاد والحرب والمُطاردة.


وقَالَ لما قتل الخوارج وقيل له: هَلَكَ القَوم بأجمعهم:

«كَلأَ وَاللهِ، إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ، وَقَرَارَاتِ النِّسَاءِ (4)، كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطع (5)، حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلابِينَ لا تُقَاتِلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي، فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقِّ فَأَخْطَأَهُ، كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ » (6).

وقد صحت نبُوءَ ته، فلم يمضِ زَمن طويل حتَّى نجم أمرهم مرة أُخرى


1) الأنعام: 56.

2) الأثَرَة: الإستبداد بفوائد المُلك، وحِرمان الآخرين منه.

3) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة ( 58 ) « أَبَعْدَ الإِيمَان، وَالجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ؟ ».

4) قَرَارَاتِ النِّسَاء: كناية عن الأرحام.

5) كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِع: كُلّما ظهر منهم رئيس قتل.

6) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة ( 60) و (61) « طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ».

واستمرت بينهم وبين السلطات المركزية المُتعاقبة حُروب طاحنة، وكانت نهايتهم أَنْ صَاروا قُطَّاع طرق ولُصُوصاً سَلابِينَ.


وَقَد تَنبَّأ بعدد مَن يُقتل من أصحابه وبقدر مَن يبقى من الخوارج قَبل أَنْ يشتبك معهم في النهروان (1)

وكان ذلك في أول يوم من ذي الحجة سنة ست وثلاثين من الهجرة، فأتوه ودخلوا عليه، فابتدأ بشير بن عمرو الأنصاري فحمد الله وأثنى عليه وقَال:

يا معاوية، إن الدنيا عنكَ زائلة وإنك راجع إلى الآخرة، وإن الله تعالى مُحاسبك بعملك ومُجازيك بما قدمت يداك وإِنِّي أنشدك الله تعالى أن لا تُفرّق جماعة هذه الأمة وأن لا تسفك دماءها فيما بينها. فقطع مُعاوية عليه كلامه وقال: هلا أوصَيتَ بذلك صاحبك.

فقال: إن صاحبي ليس أحد مثله وهو صاحب السابقة في الإسلام والفضل والدين والقرابة من رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ). أنظر، تأريخ الطبري: 242/5، و: 569/3 طبعة أخرى.

قَال: فما الَّذي عندك يا ابن عمرو ؟ وما الَّذي تأمرني به ؟.

قال: الَّذي عندي وما أمرك به تقوى الله وإجابة أبن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق فإنه أسلم لك في دنياك وخيرٌ لك في عاقبة أمرك.

قَالَ مُعاوية: ونُطل دمّ عُثمان والله لا أفعل ذلك أبداً.

تم تكلّم سعد بن قيس وشبث بن ربعي، فلم يلتفت معاوية إلى كلامهم وقال: أنصرفوا من عندي فإنّه ليس بيني وبينكم إلا السيف، فقال له شبث بن ربعي: أفعلينا تهول بالسيف ؟ وأقسم ليعجلن بها إليك.

فأتوا عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخبروه بالَّذي كان، فجعل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد إتيانهم بكلام معاوية يأمر الرجل ذا الشرف من أصحابه أن يخرج في خَيل يخرج إليه جماعة من أصحاب معاوية في خيل مثلها فيقتتلان، ثم تنصرف كلّ خَيل إلى أصحابها وذلك لما كرهوه من مُلاقاة جمع أهل العراق لجمع أهل الشام فيكون فيه إستئصال العسكرين وذهاب الفئتين وهلاك المُسلمين. أنظر، تأريخ الطبري: 570/3 مع إختلاف يسير في اللفظ.

فكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخرج مرة، ومرة الأشتر، ومرة حجر بن عدي الكندي، ومرة شبث بن ر ومرّة خالد بن المعمر، ومرّة زياد بن النضر الحارث، ومرة زياد بن خصفة التيمي، ومرة سعد بن قيس الهمداني، ومرة معقل بن قيس الرياحي، ومرة قيس بن سعد الأنصاري رضي الله عنهم. أنظر، وقعة صفين: 195، تأريخ الطبري: 571/3.

ثم دخلت سنة سبع وثلاثين فحصل في شهر المُحرّم منها بين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومعاوية موادعة على الحرب طمعاً في الصلح وأختلفت الرسل بينهما فلم يتفق صلح.

ذكر ذلك الطبري في تأريخه: 571/3 بإختلاف يسير في اللفظ: قال: فلما انقضى ذو الحجة تداعي النّاس إلى أنْ يكفّ بعضهم عن بعض المحرم لعل الله أن يجري صلحاً أو إجتماعاً، فكف بعضهم عن بعض. وذكر ذلك أيضاً نصر بن مزاحم في وقعة صفين: 196، وأبن أعثم في الفتوح: 21/2.

وأنظر تأريخ الطبري أيضاً: 2/4 ففيه: فكان أول شهر منها - يعني سنة (37) هـ) - وهو المحرم موادعة الحرب بين عليّ ومُعاوية قد توادعا على ترك الحرب فيه إلى إنقضائه طمعاً في الصلح. وذكر الطبري في نفس الصفحة، وأبن مزاحم في وقعة صفين: 197 أنّ الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أرسل إلى معاوية عدي بن حاتم، وشبث بن ربعي ويزيد بن قيس، وزياد بن خصفة فدخلوا على معاوية فحمد الله عدي بن حاتم وأثنى عليه ثمّ قال: أما بعد فإنا أتيناك لندعوك إلى أمر يجمع الله عزّ وجلّ به گلمتنا وأمتنا... إلخ، وسبق وأن أشرنا إلى هذه المساجلات ومصادرها.

، فقال:

1) دعا علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبا عمرة بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري، وسعد بن قيس الهمداني وش-بث بن ربعي التميمي فقال لهم: اذهبوا إلى هذا الرجل يعني مُعاوية - وأدعوه إلى الله تعالى وإلى الطاعة والجماعة لعلّ الله تعالى أَنْ يَهديه ويلتئم شمل هذه الأمة. أنظر، الفتوح لابن أعثم: 17/2.

« مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَة (1)، وللهِ لا يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ، وَلَا يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ» (2)

أنظر، الفتوح لابن أعثم: 275/2، الإِمَامَة وَالسَّيَاسَة: 1/ 169. رَجُلان هَربا إِلَى حَرَاسَان وَبِها نسلهما إلى الآن، وَرَجُلان صَارا إلى بلاد عُمان وبها نَسلَهُما إلى الآن، وَرَجُلان إلى بلاد اليَمَن وَبِهَا نَسلهما وهُم الذين يُقَال لَهُم الأباضية - أصحاب عبدالله بن أباض من بني مُرَّة بن عُبَيْد مِن بَني تميم رهط الأحنف بن قيس كما جاء في المعارف: 622. وَقَالَ: هُم فُرقه من الخَوَارِج، وهُم يسكنون الآن مرَّ بهم ابن بطوطة الرحالة المَعرُوف في سياحته الَّتي كانت في القرن الثامن للهجرَة وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة في الإِمَامَة وَالسَّيَاسَة: 172/1 وما بعدها: هُم أباضية المذهب، ويصلّون الجُمُعَةِ ظُهراً أَرْبعَاً، فَإِذَا فَرغوا قرأ الإِمَام آيات من الْقُرآن، وَنَثر كَلاماً شُبه الخُطبَة يَرضى فيه عَن أبي بكر، وعُمر، وَيَسكت عن عُثمان، وعلي، وَإِذَا أَرَادوا ذكر علي كنوا عَنْه بالرَّجل، وَيَرضُون عَن الشَّقي اللَّعِين ابن مُلجَم ويَقُولُون فيه العبد الصالح مَعَ الفِتْنَة... راجع ينابيع المَوَدَّة: 252، المناقب المرتضوية: 203، الغدير للأميني: 4 / 322. وَرَجُلان صَارًا إِلى الجَزِيرة، وَرَجل صَار إلى تل موذن وهي مَدِينَة عَلَى دِجلَة فَوق تكريت. وفي: 297/2 «البوازيج » بلد قُرب تكريت عَلَى فَم الرّاب الأسفل حيث يصب في دجلة. وَغَنم أَصحَاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مِنهُم غنائم كَثيرَة، وقتل من شيعة عَلي رَجُلان. كشف اليقين: 166، الفتوح: 275/2. وَقُتل من أَصْحَاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) تسعة، عدد مَن سَلم مِن الخَوَارِج. أنظر، شَرح النَّهْج للمُعتزلي: 206/2 وما بعدها، وتذكرة الخواص: 95، وتأريخ الطَّبَرِيّ: 62/4.

أَمَّا فِي الفتوح لابن أعثم: 275/2 فقد ذكرهُم بالتسلسل القِتَالِي: رُويبَه بن وَبر البَجَليَ الَّذي دَفع إِلَيْهِ الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) اللواء، وَأَمره بالتقدم فتقدم وأرتجز شعراً، وحمل حَتَّى أستشهد، وتقدّم من بعده عبدالله بن حمّاد الحِميري حَتَّى استُشهِدَ، ثمّ رفاعة بن وائل الأرحبي حَتَّى اسْتُشْهِدَ ثُمَّ كَيْسُوم بن سلمة الجهني حَتَّى قُتل، ثُمَّ عَبد بن عُبيد الخولاني حَتَّى قُتل، ثُمَّ قَالَ: وأَقبل التاسع واسمُه حَبِيب بن عاصم الأَرْدِي. فَقَالَ: يا أَمِير المُؤمِنِين، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نُقَاتِلهُم أَكُفَّار هُم ؟

فَقَالَ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الكفر هَربوا، وفيه وقعوا.

قَالَ: أَفْمُنَافِقُون؟.

فَقَالَ عَليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَذكرُونَ الله إلا قليلاً.

قَالَ: فمَا هُم يا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين حَتَّى أقاتلهُم عَلَى بَصِيرَة وَيَقين ؟.

فَقَالَ: علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): هُم قَوْم مَرقوا من دين الإسلام...» وهو التاسع من أصحاب عليّ فَقَاتل وقُتل. أنظر كَنز العُمَّال: 71/6 ح 1179، و: 11/ 289 و 302، ومجمع الزوائد: 242/6.

وَلَم يَسلَم من الخَوَارِج - المَارِقِينَ - المقتولين غَير هَذِه التسعة المذكُورِين خَذَلَهُم الله. وهَذِه كرامة مِن أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين عَليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإِنَّه قَالَ قبل ذلك. المصدر السابق: 205/1.

.

1) يعني بالنطفة ماء النهر، وقد جرت المعركة معهم عند النهروان.

2) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (59) «حَوْلَ الْخَوَارِج ».

«فلم يُقتل من أصحاب الإِمَام إِلا ثمانية، ولَم يَنجُ من الخوارج إِلا تسعة » (1)

وكلّ ما أُخبر به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الغيب فَهُوَ عن رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) عن جبريل عن الله، وإِلَىٰ هَذَا أَشَار الإِمَام بقوله: «لَيْسَ هُوَ بِعِلْم غَيْبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلَّمُ مِنْ ذِي عِلْمٍ، عَلَّمَهُ الله نَبِيَّة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَعَلمَنِيهِ». أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَةُ (128)، شرح نهج البلاغة: 1/ 379 - 380 و 424 - 427 و 445 - 446.

.

1) قَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه: « ما نَجا مِنهُم - الخَوَارِج - إلا تسعة، تفرقوا في البلاد، ومَا قُتل من أصحاب أَمِير المُؤمِنِين إِلَّا ثمانية ». أنظر، شرح نهج البلاغة لمحَمَّد عَبدَه: 1/ 107.

وقد كثر كلامه عمّا سيحل بالنّاس من بَني أُميَّة وظُلمهم، وكأنه يعد بذلك أنفس النّاس لتلقى فَادح الظلم.

وقد تنبأ بخلافة مروان بن الحكم وبما سيحل بالأمة منه ومن أولاده، وتَنبَّاً عن نهاية بني أُمَيَّة مَتى تحين.

قَالَ مُتنبئاً بمصير الخلافة إلى مروان:

«أَوَ لَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَان ؟ لا حَاجَةً لِي فِي بَيْعَتِهِ إِنَّهَا كَلٌّ يَهُودِيَّةٌ، لَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّهِ لَغَدَرَ بِسُبْهِ. أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةٌ كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ (1)، وَهُوَ أَبُو الْأَكْبُش الْأَرْبَعَةِ (2)، وَسَتَلْقَى الْأُمَّةُ مِنْهُ وَمِنْ وَلَدِهِ يَوْماً أَحْمَرَ ! » (3).

وقد تمّ كلّ مَا قَالَ، فقد كانت إمرة مروان قصيرة جداً إِذْ لَم تَرْد عَلَى تِسعَة أشهر، وقد كَان له من الأبناء أربعة هم: عبد الملك، وعبد العزيز وبشر، ومُحَمَّد. وَليَ عَبد الملك الخلافة، ووَليَ مُحَمَّد الجَزيرة، ووَلي عَبد العَزيز مصر، ووَلي بشر.العراق. وقد حلّ بالمُسلمين منهُم ظُلم عظيم (4)

أختار عبدالملك هَذَا السَّفّاح، ليوطد المُلك في العراق والحجاز، فأخذ يقتل النَّاس بالجملة، وَكَأَنَّهُم ذُبَاب وَحَسْرَاتِ، حَتَّى الَّذِين خلدوا إِلَى الهدوء والسكون، بَل حَتَّى الضُّعَفَاء مِنْ النِّسَاء. وَالشَّيوخ، والأطفال وَمِن أجل هَذِه الفَائع وَالفَجَائع الَّتي روعت الوحوش كان الحَجاج مُكَرَماً وَمُعظَماً عِند عَبد المَلك وَأَشرَكه فِي الحُكم فوَلاً، فضلاً عن العراق بلاد فارس، وَكِرمان، وَسِجستان، وَخُراسان، ثُمَّ ضَمَّ إِلَيْهَا بِلاد عُمان، واليمن وسائر البلاد العَرَبيَّة وَأَكرَمه وَحَافظ عَلَيه في حياته؛ وأوصى بهِ أَولاده بعد مماته.

قَالَ ابْن الأَثير: « لمَّا شَعر عَبد الملك بهلاكه قَالَ لأولاده وأوصيكُم بتقوى الله، وإكرام الحجاج فَإِنَّه الَّذي وَلَّد لَكُم المنابر، ودوخ البلاد، وَأَذَلَّ الأعداء». أنظر، التعازي والمرائي للمبرد: 123 - 125 وَصِيَّة عَبد المَلك لأولاده، تأريخ دمشق: 171/63، تأريخ ابن خُلدون: 58/3، الإِمَامَة وَالسَّيَاسَة: 68/2، الأخبار الطوال: 325.

يا لسخرية المنطق!... أتقوا الله وَأَكرموا الحجاج.

قَالَ صَاحب العقد الفريد:

«خَطَب يَومَاً عَبد المَلك، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسِ إِنِّي والله ما أنا بالخَلِيفَة المُستضعَف - يُريد عُثمَان - وَلَا بالخَلِيفَة المُدَاهن - يُريد مُعَاوِيَة وَلاَ بالخليفة المأفون - يُريد يزيد - فَمَن قَالَ برأسه كَذا أَي لا - قُلْنَا يسيفنا كَذَا - ضربَت عُنقه - ثُمَّ نَزَل.

أنظر، العقد الفريد: 263/2، أحكام القرآن للجصاص: 86/1، تأريخ دمشق: 135/37، البداية والنهاية: 77/9، النزاع والتخاصم: 41، تأريخ الخُلفاء للسُّيُوطي: 218، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 17/6 و: 257/15.

أَخذ عَبد المَلك هَذَا الخطاب «البليغ » مِن خَطَاب يَزيد بن المُقنع العُذري، حيث قَالَ: « إِنْ هَلَك هَذَا - وَأَشَارَ إِلَى مُعَاوِيَة - فَهَذا - وَأَشار إلى يَزِيد - وَمَن أَبي فَهَذا وَأَشَارَ إِلَى سَيفه.. عَلَى هَذَا الأَسَاس قام حُكم الأمويين، عَلى القوة والعنف، وَمِن هُنا كَان زوَالهُم وَمَحوهُم مِنْ الوجود.

قَد أَتَّضح ذلكَ عِندما أَرسل إليهم في أخذ البيعة ليزيد ولياً للعهد قام يزيد بن المقنع فَلَخص الموقف الأموِي مِن الخِلافَة بعبارة وَجِيزه ولكنّها بليغه قال: «أمير المؤمِنِين هَذَا، وأشار إلى مُعَاوِيَةَ... فإن هَلك فهذا، وأشار إلى يَزِيد... فَمَن أبَى فهذا وأشار إلى سَيْفه !... فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةَ: إجلس فإنّك سَيِّد الخُطْبَاء». أنظر، العقد الفريد: 112/5، طبعة سنة 1953م، دار الكتب العلمية بيروت. و: 302/2 - 304، الكامل لابن الأثير: 214/3 - 216 و 511، الإمامة والسَّيَاسَة تحقيق الشيري: 1/ 193، البيان والتبيين: 1/ 300.

.

1) تَصویر بالحرکة لقُصر مُلک مَروان بن الحکم.

2) كناية عن أولاده.

3) أنظر، نَهْج البلاغة: الخُطْبَة (73) « مَرْوَان بن الحَكَم».

4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 53/2 - 60. تصوير بالحَركَة لقصر مُلك مروان بن الحكم.

وقَالَ في ظُلم بني أُمية:

« وَاللهِ لاَ يَزَالُونَ حَتَّى لَا يَدَعُوا اللَّهِ مُحَرَّماً إِلَّا اسْتَحَلُوهُ (1)، وَلا عَقْداً إِلَّا حَلُوهُ، وَحَتَّى لَا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ، وَلاَ وَبَرٍ (2)إِلَّا دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ، وَنَبَا بِهِ سُوءُ رَعْيِهِمْ (3)، وَحَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ: بَاكٍ يَبْكِي لِدِينِهِ، وَبَاكٍ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ، وَحَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ، إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ، وَإِذَا غَابَ أَغْتَابَهُ، وَحَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَكُمْ فِيهَا عَنَاءً أَحْسَنُكُمْ بِاللهِ ظَنّاً، فَإِنْ أَتَاكُمُ اللهُ بِعَافِيَةٍ فَأَقْبَلُوا، وَإِنِ ابْتُلِيتُمْ فَأَصْبِرُوا، فَإِنَّ العَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (4)» (5).

ولا يجهل أحد مبلغ مَا نَزل بالنّاس من ظُلم بني أمية وأنتهاكهم للحرمات، واستهتارهم بالفضيلة حتَّى صار خُلفاؤهم مثلاً في الظلم والفسق والتهتك (6).


1) استحلال المُحرم: اشتباحته.

2) بيوت المدر: المبنية من حجر، وبيوت الوبر الخيام، أي أنَّ ظلم بني أمية يشمل جميع الناس حيث كانوا.

3) أصْله مِن «نَبابِهِ المَنزل) إِذَا لم يوافقه، فَار تحل عنه. أي أن ظُلم بني أُمية وسوء سياستهم في النَّاس، يجعل المُجْتَمَع مُضطرباً غَير مستقر ولا آمن.

4) القَصَص: 83، وطه: 132، والأعراف: 128.

5) أنظر، نَهْج البلاغة: الخُطبة (98) « بَنُو أُمَيَّةَ ».

6) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 466/2 - 467 وراجع: 193/2 - 194 و 408 - 409 في شَأن عبد الملك بن مروان والفتن في عَهْده.

وَقَد تحدث (عَلَيهِ السَّلَامُ) كَثيراً عن نهاية بني أُمَيَّة وأَنَّ الأَمر سَيصِير إِلى أعدائهم بعدهم في الوقت الَّذي يَحسب النّاس فيه أَنَّهم مُخلدون.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

أَيُّهَا النَّاسُ، خُذُوهَا عَنْ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏): « إِنَّهُ يَمُوْت مَنْ مَاتَ مِنَّا وَلَيْسَ بِمَيِّتٍ، وَيَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا وَلَيْسَ بِبَالٍ فَلَا تَقُولُوا بِمَا لَا تَعْرِفُونَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ اَلْحَقِّ فِيمَا تُنْكِرُونَ، وَأَعْذِرُوا مَنْ لاَ حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ - وَهُوَ أَنَا. أَلَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَلِ الْأَكْبَرِ ! وَأَتْرُكْ فِيكُمُ الثَّقَلَ الْأَصْغَرَ ! قَدْ رَكَزْتُ فِيكُمْ رَايَةَ الْإِيمَانِ، وَوَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلالِ، وَالْحَرَامِ، وَأَلْبَسْتُكُمُ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي، وَفَرَشْتُكُمُ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِي، وَفِعْلِي، وَأَرَيْتُكُمْ كَرَائِمَ الْأَخْلَاقِ مِنْ نَفْسِي، فَلاَ تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيمَا لاَ يُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ، وَلاَ تَتَغَلْغَلُ إِلَيْهِ الْفِكَرُ.

حَتَّى يَظُنَّ الظَّانُ أَنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ (1)، تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا (2)، وَتُورِدُهُمْ صَفْوَهَا، وَلاَ يُرْفَعُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَوْطُهَا، وَلَا سَيْفُهَا، وَكَذَبَ


1) مَعْقُولَةٌ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ: مَقصُورة عَلَيهم، مُسخرة لهم، كأَنهم شَدّوها بعقال الناقة.

2) دَرَّهَا: لبنها.

الظَّانُ لِذَلِكَ. بَلْ هِيَ مَجَّةٌ (1)مِنْ لَذِيذ الْعَيْشِ يَتَطَعُمُونَهَا بُرْهَةً، ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةٌ !» (2).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« حَتَّى بَعَثَ اللهُ مُحَمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، شَهِيداً، وَبَشِيراً، وَنَذِيراً، خَيْرَ الْبَرِيَّةِ طِفْلاً، وَأَنْجَبَهَا كَهْلاً، وَأَظْهَرَ الْمُطَهَّرِينَ شِيمَةٌ، وَأَجْوَدَ الْمُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةٌ.

فَمَا أَحْلَوْلَتْ لَكُمُ الدُّنْيَا فِى لَذَّتِهَا، وَلاَ تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلافِهَا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا صَادَفْتُمُوهَا جَائِلاً خِطَامُهَا، قَلِقاً، وَضِينُهَا، قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ السِّدْرِ الْمَغْضُودِ، وَحَلالُهَا بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودٍ، وَصَادَفْتُمُوهَا، وَاللَّهِ ظِلَّا مَمْدُوداً إِلَى أَجْلٍ مَعْدُودٍ. فَالْأَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ، وَأَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ، وَأَيْدِي الْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ، وَسُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ، وَسُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ. أَلاَ وَإِنَّ لِكُلٍّ دَمٍ ثَائِراً، وَلِكُلٍّ حَقٍ طَالِباً. نَّ النَّائِرَ فِي دِمَائِنَا كَالْحَاكِمِ فِي حَقٌّ نَفْسِهِ، وَهُوَ اللَّهُ الَّذي لاَ يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ، وَلَا يَقُوتُهُ مَنْ هَرَبَ. فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ، يَا بَنِي أُمَيَّةَ، عَمَّا قَلِيلٍ لَتَعْرِفُنَّهَا فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ، وَفِي دَارِ


1) مَجّة: مَصدَر من «مج الشراب من فِيه » إِذَا رَمى به.

2) أنظر نهج البلاغة الخطبة (87) « لا تشتفيلُوا الرأي..».

عَدُوِّكُمْ أَلَا إِنَّ أَبْصَرَ الْأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي الْخَيْرِ طَرْفُهُ أَلَا إِنَّ أَسْمَعَ الْأَسْمَاعِ مَا وَعَى التَّذْكِيرَ، وَقَبِلَهُ ! » (1).

هذه النبوءات بزوال مُلك بني أُمَيَّة عَلى يد العباسيين، ومَا يَصنعه العباسيون من القتل والتشريد قد تحققت بحذافيرها (2).

وقد تنبأ بولاية الحجّاج وبما سيحل بالعراق من بلوائه فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« وَ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ، إذاً لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ، وَ تَلْتَدِمُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَتَرَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ لَا حَارِسَ لَهَا وَ لَا خَالِفَ عَلَيْهَا، وَ لَهَمَّتْ كُلَّ أَمْرِي مِنْكُمْ نَفْسُهُ، لَا يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهَا، وَلَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ مَا ذكرْتُمْ، وَأَمِنْتُمْ مَا حُذُرْتُمْ، فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأْيُكُمْ، وَ تَشَبَّتَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ. وَ لَوَدِدْتُ أَنَّ اللهَ فَرَّقَ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ، وَالْحَقِّنِي بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِي مِنْكُمْ. قَوْمٌ وَاللهِ مَيَامِينُ الرَّأْيِ، مَرَاجِيحُ الْحِلْمِ، مَقَاوِيلُ بِالْحَقِّ، مَتَارِيكُ لِلْبَغْي. مَضَوْا قُدماً عَلَى الطَّرِيقَةِ، وَأَوْجَفُوا عَلَى الْمَحَجَّةِ، فَظَفَرُوا بِالْعُقْبَى الدَّائِمَةِ، وَالْكَرَامَةِ الْبَارِدَةِ. أَمَا وَاللهِ، لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلَامُ تَقِيفٍ


1) أنظر نهج البلاغة: الخُطبة (105 ) « لاَ يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ».

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 132/2 - 133 و 178 - 200 - 202 و 466 - 467.

الذَّيَّالُ الْمَيَّالُ (1)، يَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ، وَيُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ، إِبِهِ أَبَا وَذَحَةَ (2)

وقد أورد أبن أبي الحَدِيد عند شرح هذه الفقرة عدة روايات عن الحجاج الثقفي في شأن الوَذحَة. راجع الجزء: 279/7 - 280 من شرح نهج البلاغة بتحقيق مُحَمَّد أبو الفضل إبراهيم، نشر دار إحياء الكتب العربية سنة ( 1960م)، وَشَرح نهج البلاغة لمُحَمّد عَبدَه: 1/ 230، شرح مِئة كَلِمَة لابن مِيثَم: 241، مَجْمَع البحرين: 485/4، تاج العروس: 246/2.

!»(3)

وقَالَ فِيما رواه ابن أبي الحَدِيد من تتمّة خُطْبَة أُخرى تَنبّأ فيها بولاية الحجاج أبن يوسف الثقفي ويُوسف بن عمرو الثقفي:

«وَسَتَليكُم مِن بَعْدِي وُلاَة يُعذِّبُونكُم بالسياط والحَدِيد. وَسَيَأْتِيكُم غُلاَمَا ثَقِيف: أخْفَش وجَعبوب، يَقتُلان ويَظَلمَان وقَلِيل مَا يَمكتَان».

قَالَ ابن أبي الحَدِيد:

« الأَخْفَش الضعيف البصر خَلقة، والجَعبوب القصير الدَّمِيم، وهُما الحجاج ويُوسف بن عمرو وفي كتاب عبد الملك إلى الحجاج: قَاتَلك الله أُخَيفش العينين أصل الجاعرتين. ومن كلام الحسن البصري (قدس سره) يذكر فيه الحجاج: أتانا أُخَيفش اعيمش يمد بيد قَصِيرة البنان ما عرق فيها عنان في سَبيل الله. وكان المثل يُضرب بقصر يُوسف بن عمرو كَان يَعْضَب إِذَا قِيل لهُ قَصِير » (4).


1) الذَّيَّال: الطويل القد، الطويل الذيل المُتبختر في مشيته، والمَيَّال: الجائر المائل عن طريق الحق والعدل.

2) الوَذَحَة: قَالَ الشَّريف الرضي رَحمهُ الله بَعد أنْ أورد هذا النّص: الوَذَحَةَ: الخُنْفُسَاء. وهَذا القَول يومى به إلى الحجاج، وله مع الوذحَة حَدِيث ليس هذا موضع ذكره.

3) أنظر نهج البلاغة الخطبة: (116). «نَسِيتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ».

4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 132/2 - 133 و 257 - 258، و: 383/6 بتحقيق مُحَمَّد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، طبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه.

راجع النّصوص التالية: رقم ( 13 و 14 و 46 و 56 و 57 و 70 و 84) ( آخر النص) و 90 و 95 و 98 و 99 و 102 و 105 و 113 و 125 و 136 و 145 و 148 و 149 و 156 و 164 و 173 و 185 و 187).

مُغِيبَات أُخْرَىٰ ذَكرَهَا ابْن أَبي الحَديد

قُلنا أَنَّ الشَّريف رحمه الله لم يذكر في نَهْج البلاغة كل ما صح عن أمير المُؤمِنِين من أخباره بالمُغيبات ولكن أبن أبي الحَدِيد قد سدّ هذا النقص حين أفاض في ذكر ما صح عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هَذا البَاب.

وممّا يُحسن ذكره هُنا أَنَّ ابن أبي الحَدِيد لَم يَنقل كلّما وَقع إِلَيه من أخبار الإِمَام بالمُغيبات، بل حقق فيما وقع إِليه من ذَلكَ فَطَرح المُشتبه أمرَه، وذكر ما صح عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ).

قَالَ ابن أبي الحَدِيد:

«وقد وقفت لهُ عَلى خُطب مُختلفة فيها ذكر الملاحم (1)فوجدتها تشتمل على ما يجوز أَنْ يُنسب إليه وما لا يجوز أَنْ يُنسب إليه، ووجدت في كثير منها اختلالاً ظاهراً. وهذه المواضع الَّتي أنقلها ليست من تلك الخُطب المُضطربة بل من كلام وجدته مُتفرقاً في كُتب مُختلفَة» (2).

وعلل أبن أبي الحَدِيد هذه الظاهرة الفذة في الإمام بقوله:

وأعلم أنه غَير مُستَحيل أنْ تكون بعض الأنفُس مُختصة بخاصية تُدرك بها


1) المَلاحم: جمع مَلحمة، وهي الواقعَة العَظِيمَة.

2) شرح النهج لابن أبي الحَدِيد: 508/2.

المُغيبات، وقد تقدّم من الكلام فى ذلك ما فيه الكفاية (1)، وَلَكن لا يُمكن أن تكُون نَفس تدرك كلّ المُغيبات، لأنَّ القوة المتناهية لا تُحيط بأمور غير متناهية، وكلّ قوّة في نَفس حادثة فهي مُتناهية. فوجب أَنْ يُحمل كلام أَمِير المُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَلى أَنْ يُريد به عموم العالمية، بل يعلم أموراً محدودة من المغيبات، ممّا اقتضت حكمة الباري سُبحانه أَنْ يُؤهله لعلمه» (2).


ولابن أبي الحَدِيد هذا نص طويل ذكر فيهِ طائفة كبيرة من إخبارات الإمام بالمُغيبات، نذكره لطرافته، ولما له من الصلة ببحثنا هذَا، عَلى أَنْ نَتَّبعه بذكر ما أهمل ابن الحَدِيد ذكره في هذا النّص وذكره في مُنَاسَبَات أُخرى. قَالَ:

« وَهَذه الدعوى ليست منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ادعاء الربوبية ولا أدعاء النبوة، ولكنه كان يقُول إنّ رسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) أخبره بذلك، ولقد أمتحنَا إخباره فوجدناه مُوافقاً، فاستدللنا بذلك عَلى صِدق الدعوى المذكورة.

«كإخباره عن الضّربة الَّتي يُضرب في رأسه فتُخضب لحيته ».

« وإخباره عن قتل الحُسَين ابنه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وما قاله في كربلاء حيث مرَّ بها ».

« وإخباره بمُلك مُعاوية الأمر من بعده».

«وإخباره عن الحجّاج وعن يُوسف بن عمرو ».

«وما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان».


1) تَقدَّم منهُ كلام في هذا في: 425/1 و 426 - 427.

2) المصدر السابق: 508/2.

«وما قدمه إلى أصحابه من إخباره بقتل مَن يُقتل منهُم وصَلب مَن يُصلب».

« وإخباره بقتال الناكثين (1)

ذكر قصة الجمل، وكلاب الحوأب، الطَّبري في تأريخه: 475/3، واسم جَمل أُمّ المُؤمِنِين يسمّى « عَسكراً » وكان عظيم الخَلق شديداً، فلمَّا رَأته أعجبها، وأنشأ الجمال يُحدثها بقوته، وشدته، ويقول في أثناء كلامه « عَسكر » فلما سمعت هذه اللفظة أسترجعت، وقالت: ردّوه لا حاجة لي فيه، وذكرت حين سُئلت أنَّ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) ذكر لها هذا الاسم، ونهاها عن ركوبه وأمرت أَنْ يُطلب لها غيره، فلم يوجد لها ما يشبهه فغيّر لها بجلال غير جلاله، وقيل لها: قد أصبنَا لَك أعظم منه خلقاً، وأشدّ منه قوة، وأتيت به فرضيت !.

أنظر، شرح النهج لابن أبي الحديد: 224/6، وفي: 227/6 ( أنْ عَائِشَة رَكبت يوم الحرب الجمل المُسمّى عَسكراً في هودج قد ألبس الرفوف، ثمّ ألبس جلود النمر، ثمّ ألبس فوق ذَلكَ دُروع الحَدِيد)، في تأريخ أبن أعتَم: 176 مثله، وزاد الطَّبري في تأريخه: 212/5، وأبن الأثير: 97/3 أنّ ضبة، والأزد أطَافت بعائشة يوم الجمل. وإذا رجال من الأزد يَأخذون بَعر الجَمل يفتونه - يَكسرُونه بأصابعهم - ويَشمِّونه ويقولون: بعر جمل أمنا ريحه ريح المسك...

أنظر، مُروج الذهب للمسعودي: 366/2، تأريخ الطبري: 178/5، وطبعة أُوروبا: 3127/1، ابن كثير في تأريخه: 212/6، السيوطي في خصائصه: 137/2، والبيهقي، والمُستدرك: 119/3، والإصابة لابن حجر العسقلاني: 62، السيرة الحلبية للحلبي الشَّافِعِي: 320/3، مُسنَد الإِمَام أحمد: 97/6، السَّمعاني في ترجمة الحوأب في الأنساب، والسيرة الحلبية للحلبي الشافعي: 320/3، ومُنتخب الكنز: 444/5.

والقاسطين (2)

أنظر، شرح نهج البلاغة: 47/7، المطالب العالية: 4 / 297 - 4462، مناقب الخوارزمي: 110، طبعة النجف الأشرف، الحاكم في المُستدرك: 139/3، تأريخ ابن عساكر ترجمة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): 3 / 168 ح 1205، ميزان الإعتدال: 1/ 127، کنز العمال: 82/6، الروض الأزهر: 389 طبعة حیدر آباد شرح المقاصد: 217/2، تأريخ بغداد: 340/8، أرجح المطالب: 602، فرائد السمطين: 1 / 150، كفاية الطالب: 169، ينابيع المودة: 128، تأريخ الطبري: 156/5، الأربعين حديثاً لابن حجر: 74ح 30 و 31 باب 9، مُنتخب الكنز بهامش مُسند الإمام أحمد: 435/5، البداية والنهاية: 218/6، المصنف لابن أبي شيبة: 12 / 64 ح 12131، أُسد الغابة لابن الأثير: 602/3 ح 6111، دلائل النبوة للبيهقي: 435/6، مُسند الإمام أحمد: 82/3.

والمارقين » (3)

أنظر، أربعة قرون من تأريخ العراق: 21 الطبعة الثانية، الفتوح لابن أعثم: 2 / 275، شرح النهج للمعتزلي:: 206/2، تذكرة الخواص: 95، تأريخ الطبري: 62/4، کنز العمال: 71/6 ح 1179، و: 11 / 289 و 302، مجمع الزوائد: 242/6.

.

1) النَّاكثون أهل الجمل.

2) القاسطون: أهل الشام.

3) المَارقُون: أهل النهروان.

«وإخباره بعدة الجيش الوارد إليه من الكوفة لمّا شَخص (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِلَى البَصْرَة لحرب أهْلهَا ».

« وإخباره عن عبد الله بن الزبير وقوله فيهِ: خبّ ضبّ، يَروم أمراً ولا يُدركه ينصب حبالة الدين لإصطياد الدُّنيا، وهو بَعد مَصلوب قُرَيش».

« وكإخباره عن هلاك البَصْرَة بالفرق وهلاكها تارة أُخرى بالزنج...».

« وكإخباره عن ظهور الرّايات السود من خراسان، وتنصيصه على قوم من أهلها يُعرفون ببني رزيق - بتقديم المُهملة - وهم آل مُصعب الَّذِين منهم طاهر بن الحُسَين وولده وإسحق بن إبراهيم، وكانوا هُم وسلفهم دُعاة الدولة العباسية».

«وكإخباره عن الأئمة الَّذِين ظهروا من وُلده بطبرستان كالناصر والداعي وغيرهما في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«وإِنّ لآل مُحَمَّد بالطالقان لكنزاً سَيُظهره الله إِذَا شَاءَ، دُعاؤه حق، حتَّىٰ يَقوم بإذن الله فيدعو إِلى دِين الله».

«وكإخباره عن مقتل النفس الزكية بالمدينة وقوله إِنَّه يُقتل عند أحجار الزيت».

« وكقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بباخمرا:

«يُقتل بعد أَنْ يَظهر ويُقهر بعد أَنْ يَقَهر».

وقوله فيه أيضاً:

259

«يَأْتيه سَهم غَرب تكُون فيه مَنيّته، فيَا بُؤساً للرامي شُلَّتْ يَده ووهنَ عَضده»

«وكإخباره عن قتلى وجّ وقوله فيهم: « هُم خَير أهل الأرض» (1).

«وكإخباره عن المملكة العلوية بالمغرب، وتصريحه بذكر كتامة، وهُم الَّذِين نصروا أبا عبد الله الدّاعى «المُعلم ».

وكقوله، وهو يُشير إلى أبي عبد الله المهدي، وهو أوَّلهم: «ثُمّ يَظهر صاحب القيروان الغضَ النّض ذو النسب المحض المُنتخب من سلالة ذي البداء المُسجى بالرداء».

وكَان عُبيد الله المهدي أبيض مُترفاً مشرباً بحُمرة، رخص البدن، تارّ الأطراف، وذو البداء إسماعيل بن جعفر بن مُحَمَّد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)وهو المُسجى بالرداء لأَنَّ أباه أبا عبد الله جعفر أسجَاه بردائه لما مات وأدخل إِليه وجُوه الشيعة يُشاهدونه لتعلموا موته وتزول عنهم الشُّبهة في أمره».

وكإخباره عن بني بويه وقوله فيهم: « ويخرج من ديلمان بنو الصياد » إشارة إليهم، وكان أبوهُم صيّاد السمك، يصيد منه بيده ما يتقوّت هو وعياله بثمنه، أخرج الله تَعَالى من ولده لصلبه مُلوكاً ثلاثة، ونشر ذرّيتهم حتَّى ضُربت الأمثال بملكهم. وكقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيهم: « ثُمَّ يَستشري أمرهم حتَّى يَملكوا الزوراء ويخلعوا الخُلفاء»، فقال له قائل: فكَم مُدَّتهم يَا أَمِير المُؤمِنِين ؟.

فقَال: « مِئة أو تزيد قَليلاً».


1) شرح نهج البلاغة - أبن أبي الحديد: 175/2 - 176، و: 53/7 - 59 طبعة أخرى.

وكقوله فيهم: « والمُترف بن الأجذم يقتله أبن عمه على دجلة، وهو إشارة إلى عزّ الدَّولة بختيار بن معزّ الدَّولة أبي الحُسَين، وكان مُعزّ الدَّولة أقطع اليد، قُطعت يده في الحرب، وكان أبنه مُعزّ الدَّولة بختيار مُترفاً صَاحب لهو وطَرب، وقتله عضد الدولة فناخسر و أبن عمه بقصر الجص على دجلة في الحرب وسلبه مُلكه». فأما خَلعه للخُلفاء، فَإِنّ مُعزّ الدَّولة خلع المستكفي ». «ورَتِّب عُوضه المُطيع، وبهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة خلع الطَّائع ورَتِّب عُوضه القادر. وكانت مُدّة مُلكهم كما أخبَر بِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ).

« وكإخباره (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعبد الله بن العباس رحمه الله تعالى عن انتقال الأمر إلى أولاده، فَإنّ عليّ بن عبد الله لمّا وُلد أخرجه أبوه عبد الله إِلَى عَلَيَّ، (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخذه وتفل في فيه وحَنَّكه بتمرة قد لاكها، ودفعه إليه وقَالَ: خُذْ إِليك أبا الأملاك (1).

« وَكَم لهُ من الأخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى ممّا لو أردنا استقصاءه لگسرنا کزاريس كثيرة، وكتب السير تشتمل عليها مشروحة » (2).

وقَالَ:

«وَالمُراد بقوله: فلأنا بطرق السّماء أعلم منّي بطرق الأرض، ما أختص به من العِلم بمُستقبل الأمور ولا سيما في الملاحم والدول، وقد صدق هذا القول عنه ما تواتر عنه من الأخبار بالغيوب المُتكرّرة لا مرّة ولا مئة مرّة حتَّى زَال الشك والريب في أنه إخبار عن عِلم وليس عن طريق الصدفة والإتفاق» (3).


1) انظر، شَرْحٍ نَهْج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 47/7 - 50.

2) شرح نهج البلاغة - أبن أبي الحديد: 2/ 175 - 176، و: 53/7 - 59 طبعة أخرى.

3) المصدر السابق.

ونَأخذ الآن في ذكر ما أهمل أبن أبي الحَدِيد ذكره في النص السابق وأتى عَلَى ذِكره في مُنَاسِبَات أخرى.

1 - لمَّا شَجَرهم (1)- الخوارج – علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالرماح قَالَ: «أطلبوا ذَا التّديّة » فَطَلَبُوه طَلباً شديداً حتَّى وجدوه في وهدَة من الأرض تحت ناس من القتلى فأتي بهِ وإِذَا رجُل عَلى تَديَه مِثل سُبلات السنور، فكبر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكبر الناس معه (2)

وهُو حَرقُوص بن زُهير، وكَان أسود مُنتَن الريح، ولهُ عَضد وليس لهُ ذِراع، وعَلَى رَأس العَضُد مثل تَدي المَرأَة، ومن أجل هَذَا لُقب بذِي التّديّة والمخدّج أي الناقص، وبذِي الخُوِيصرَة، وكان من رُؤُوس الخَوَارِج.

أنظر الفتوح لابن أَعتَم 2/ 260 و 261 و 265، الأخبار الطوال: 206، الإِمَامَة وَالسَّيَاسَة: 1 / 161 و 163، وأنظر ترجمته في أسد الغابة: 396/1، والإصابة: 329/1 الترجمة 1661 القسم الأول وهو ذو الخُويصرة، وكَانَ رَجُلاً أَسْوَد مُنْتِن الريح لهُ تَدي كندي المرأَة، إِذَا مُدّت كَانَتْ بطول اليد الأخرى، وَإِذَا تركت أجتمعت وتقلصت، وصارت كندي المَرْأَة، عليها شعرات مثل شوارب الهرة...

أنظر شرح النهج لابن أبي الحَدِيد: 276/2 تحقيق محمد أبو الفضل، وكشف اليقين: 165، نيل الأوطار للشوكاني: 185/7، البداية والنهاية: 4 / 362.

وفِي صَحِيح مُسلِم كِتَاب «الزَّكَاة»، وأبي داود بَاب قِتَالَ الخَوَارِجِ: إِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَد أَشَارَ إِلَىٰ هَذَا الشَّيْطَان بقوله: « يَخرج قَوْم - أي الخَوَارِج - مِن أُمَّتِي يَقرأون القُرْآن لَيس قَرَاء تكُم إِلَى قَرَاءَ تهُم يشي..... يمرقون في الإِسْلام كما يمرق السهم من الرمية... وإن فيهم رَجُلاً لهُ عَضُد، وليس له ذارع عَلَى رَأس عَضُده مثل حِلمة التّدي. أنظر، صَحِيح البخاري: 21/9، صحیح مُسلم: 741/2.

وروى البخاري: « وإنّ هَذَا الشَّيطان أتى النبي، وهو يقسم قسماً، فَقَالَ: يَا رَسُول الله أعدل ؟

فقَالَ لَهُ: وَيلكَ ! وَمَن يَعدِل إِذَا لَمْ أَعْدل ؟ ». أنظر، صَحِيح البُخَارِيّ: 4 / بَاب علامات النُّبُوَّة فِي الإِسْلام، شرح النهج لابن أبي الحَدِيد: 266/2 تحقيق مُحَمّد أبو الفضل، تاج العروس: 379/4 أيضاً أسمه حرقوص بن زُهير، وأنظر النهاية: 19/2، وأنظر تأريخ الطبري: 72/5ط أخرى، ومروج الذهب: 415/1، وتذكرة الخواص لابن الجوزي: 100، والمسترشد في الإمامة: 673. وروى أَهْل التَّارِيخ أنّ الإِمَام بَعد أن أنتهى من قتل الخَوَارِج، قال: « أَطلَبُوا ذَا القديَة بَينَ القَتلَى، فَبحثوا عَنهُ فَلم يجدوه. فقال الإِمَام: لقد أخبرني رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) بقتله، والله ما كَذَّبَت ولا كُذبت. أنظر، مُسْنَد أحمد: 1/ 139، صَحِيح مُسلم: 116/3، فتح الباري: 12 / 264، المُصَنَّف لعبد الرزاق الصنعاني: 358/3 - 5962، المُصَنَّف للكوفي: 453/7 5 و: 737/8 35، مُسند أبي يعلى: 1/ 374ح 480، نظم درر السمطين: 116، الهدَايَة الكُبرى: 146، خصائص النسائي: 138، تاريخ بغداد: 159/1، المُدونة الكُبرى: 49/2، كفاية الطالب: 177.

وأطلبوا الرجل وإِنه مَع القتلى، فَبحثُوا عَنهُ حَتَّى وجدوه في حفرَةٍ، فَنُسِب إِلَيْهَا.

أنظر، تَارِيخ الطَّبَرِيّ: 64/4، و: 49/6، الإمامة والسَّيَاسَة: 1 / 169، تأريخ الطَّبَرِيّ: 86/5، وأبن الأثير: 406/2، والفتوح لابن أعثم: 125/4، أسد الغابة: 1 / 385 وما بعدها، و: 351/2 و 371 و 375، و: 3 / 150 و 354، و: 4 / 100 و 315، و: 5 / 122 و 143 و 274، وشرح النهج للعلامة الخوئي: 4/ 122، وشرح النهج لابن أبي الحَدِيد: 272/2، ومروج الذهب: 2 /416، ومُستَدرَك الوَسَائل: 254/2، والطَّبَرِيّ: 49/6، كنز العُمَّال: 6 / 71 ح 1179، و: 289/11 و 302، ومجمع الزوائد: 242/6.

.

1) شَجَرهُم حَارَبَهُم أو رمامهم.

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 205/1.

2- قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمن قال له: أخبرني بما في رأسي ولحيتي من طاقة الشعر، بعد كلام: وإن في بيتك سَخلاً يقتل أبن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏). قال ابن أبي الحَدِيد: وكان ابنه، قاتل الحُسَين (عَلَيهِ السَّلَامُ) طفلاً يحبو، وهو سِنَان أبن أنس النّخعي (1)

ذَكَر أبن قُتَيْبَة فِي معارفه: 213 بلفظ « سِنَان بن أبي أنس النخعي » وَفي ينابيع المودة للقندوزي: الحنفي: 82/3 - 83 طبعة أسوة بلفظ: سِنَان بن أنس النخعي... ثُمَّ دَنَا مِنهُ - مِن الحُسَين (عَلَيهِ السَّلَامُ)- فَفَتح عينيه في وجهه فَأَر تَعدَت يَده وَسَقط السَّيف مِنهَا وَولّى هَارَبَاً... وذكر القُندوزي في نفس الصفحَة أَنَّ القاتل هو الشِّمر بن ذي الجوشن الضّبابي. وَأمَّا الشَّيخ المُفيد في الإرشاد فَقَد ذَكَر في: 2 / 112 بلفظ طعَنهُ سِنَان بن أنس بالرُّمح فَصَرعه... وَنَزل شِمرٌ إِلَيه فَذبحه، ثُمَّ دَفَعَ رَأْسَه إِلى خَولَّى بن يَزِيد... وَأَمَّا في اللهوف: 51، فَقَد ذَكَر أَنَّ الَّذي أحتر رأسه (عَلَيهِ السَّلَامُ) سِنَان بن أنس النَّحْيِي وَزَاد أَنَّ سَنَانَا هَذَا كَان يَقُول للإمام الحُسَين (عَلَيهِ السَّلَامُ) « وَالله إِنِّي لأجتَزَ - لأحتَر، اَحْتَزَ - رَأسك وأعلَم أَنَّكَ ابن رَسُول اللَّهِ وَخَيرِ النَّاسِ أَبَاً وَأُمّاً. ثُمَّ اجتَزْ رَأسه المُقدّس المُعَظَّم (عَلَيهِ السَّلَامُ)».

وَفِي المَناقب لابن شهر آشوب: 3/ 215 و 233، و: 4 / 58 طبعَة آخر ذكرَ أَنَّ الَّذي أحتَرٌ رأسه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الشِّمر وعندَما جَلَس اللعين عَلى صَدرَه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَقَبض لحيته... فَضَحك الحُسَين وَقَال له: «أَتَقْتُلني وَلَا تَعلم مَن أَنَا ؟.

فَقَالَ: أَعرفُكَ حَق المعرفة، أُمّك فاطمة الزهراء، وأبوك عَليّ المُرتَضى، وَجَدِّكَ مُحَمَّد المُصطَفى وَخَصمك العَليّ الأعلى أقتلك وَلا أَبَالِي فَضَربه بسيفه أثنتَا عَشرَة ضَرَبَة، ثُمَّ جَزْ رَأْسَه صَلوات الله وَسَلَامه عَلَيه... وَقَال له أيضاً بعد أن طلب الماء: يَا أبن أبي تُرَاب ! أَلَستَ تَزِعَمَ أَنَّ أَبَاكَ عَلَىٰ حَوضِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) يَسقي مَن أحبه ؟ فَأَصبر حَتَّى تأخذ الماء من يده... أنظر، النهاية: 343/4، تذكرة الخواص: 253، و: 144 طَبعَة آخر.

أَمَّا الطَّبري فِي تَارِيخه: 346/4، و: 40 طَبعَة آخر فَقَد ذَكَر بَعد كَلام طويل فَقَال... وَحَمل عَلَيهِ فِي تِلكَ الحَالَ سِنَان بن أنس بن عَمرو النخعي فَطَعنه بالرُّمح فَوقَع ثُمَّ قَالَ لخَولَّى بن يَزِيد الأصبحي أحتر رَأسه، فَأَراد أَنْ يَفعَل فَضَعف فَارعَد فَقَالَ لَهُ سنان بن أنس: فَنَّ الله عَضُدَيكَ، وَأَبَان يَدَيك، فَنَزل إِلَيهِ فَذَبحه وَأَحتَر رَأسَه، ثُمَّ دَفع إِلى خَولَّى بن يَزِيد وَقَد ضَرب قَبل ذَلكَ بالسَّيف... وَفي الفتوح لابن أعتَم: 137/3 بعد كَلام طويل قَالَ: فَنَزل إِلَيهِ خَولَّى بن يَزِيد الأَصبَحي فَأَحتَر رَأْسه.

أنظر، ابن الأثير في الكامل: 40/4، مُرُوج الذَّهَب للمَسعُودي: 91/2، الأخبار الطوال: 258. تَهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر: 342/3، سمط النُّجُوم العوالي: 76/3، مقتل الحُسَين لأبي مخنف: 200، مقتل الحُسَين للخوارزمي: 36/2 و 37 الفصول المُهمة في معرفة الأئمة: 151/2. بتحقيقنَا.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 208/1.

3- وخطب ذات يوم فقام رجُل من تحت مِنبره فقَالَ: يَا أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، إِنِّي مرّرت بوادي القرى فوجدت خالد بن عرفطة قد مات فاستغفر له.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): « وَالله مَا مَات ولا يموت حتَّى يقود جيش ظلالة صاحب لوائه حبيب بن حمّار».

فقام رجُل آخر من تحت المنبر فقال: يَا أَمِير المُؤمِنِين ! أنا حَبيب بن حمّار وإِنِّي لكَ شِيعة ومُحبّ.

فقال: «أنتَ حَبيب بن حمّار » ؟.

قَالَ: نَعم.

فقال لهُ ثَانية: « وَالله إِنَّكَ لحَبيب بن حمّار » ؟.

فقال: أي والله.

قَالَ: «أما والله إنّك لحاملها ولتحملنها ولتدخلن بها من هذا الباب، وأشار إلى باب الفيل بمسجد الكُوفَة».

قَالَ ثابت - وهو راوي الحَدِيث-: فوالله ما مات حتَّى رأيت أبن زياد وقد بعث عُمر بن سعد إلى الحُسَين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجعل خالد بن عرفطة على مُقدّمته و حبيب بن حمّار صاحب رايته، فدخل بها من باب الفيل (1).

4 - كان جالساً في مسجد الكوفة وبين يديه قوم منهم عمرو بن حريث إذ أقبلت أمرأة مُختمرة لا تعرف فوقفت فقالت لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا من قتل الرجال وسفك الدّماء وأيتم الصبيان وأرمل النساء.

فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): « وأنها لهي هذه السلقلقة الجلعة الجَعة، وإنّها لَهي هذه الشبيهة الرجال والنساء الَّتي ما رأت دماً قط.

قَالَ يَزيد الأحمسي - وهو راوي الحَدِيث - فولت هاربة مُنكسة رأسها، فتبعها عمرو ابن حريث، فلمّا صَارت بالرحبة قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): والله لقد سُررت بمَا كَان منك اليوم إلى هذا الرجل فأدخلي منزلي حتَّى أهب لكِ وأكسُوك، فلما دخلت منزله أمرَ الجواري بتفتيشها وكشفها ونزع ثيابها لينظر صدقه فيما قاله عنها، فبكت وسألته أَنْ لا يَكشفها وقالت: أنا والله كما قَالَ، لي رُكب النساء وأنتيان كانتي


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 208/1.

الرجال، وما رأيتُ دماً قط، فتركها وأخرجها، ورجع إلى مجلسه مع الإمام ال فحدّث بذلك » (1).

5 - قام أعشى باهلة وهو يومئذ غُلام حدث إلى عَلَيَّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو يخطب ويذكر الملاحم، فقال: يا أَمِير المُؤْمِنِين:

ما أشبه هذا الحَدِيث بحَدِيث خرافة.

فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«إِنْ كُنت آئماً فيما قُلت يَا غُلام فرماك الله بغُلام تَقِيف»، ثُمّ سَكت.

فقام رجال فقالوا: ومَن غُلام ثَقِيف يَا أَمِيرِ المُؤْمِنِين ؟.

قالَ: « غُلام يملك بلدتكُم هَذه لا يترك حُرمة إلا أنتهكها يضرب عُنق هذا الغُلام بسيفه ».

فقالوا: كَم يَملك يَا أَمِير المُؤمِنِين ؟.

قَالَ: « عِشرين إِنْ بَلغها ».

قالوا: فيقتل قتلاً أم نمُوت مَوتَاً ؟.

قَالَ: «بَل يموت حتف أنفه بداء البطن، يثقب سريره لكثرة ما يخرج من جوفه». قَالَ إِسماعيل بن رجاء - وهو الراوي - فوالله لقد رأيت بعيني أعشى باهلة وقد أحضر في جُملة الأسرى الَّذِين أسروا من جيش عبد الرحمن بن مُحَمَّد بن الأَسْعَتْ بين يدي الحجاج فقرعه ووبخه واستنشده بشعره الَّذي يُحرض فيهِ عبد الرّحمن عَلى الحَرب ثُمَّ ضَرب عُنقه في ذَلكَ المَجلس » (2).


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 208/1 - 209.

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 209/1.

6 - قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعمرو بن الحمق الخُزاعي في حديث:

«يَا عمر و إِنَّكَ لمَقْتُول بعدي، وإِنَّ رَأسك لمنقول، وهو أوَّل رَأس نُقل في الإسلام، والويل لقاتلك، أما إنّك لا تنزل بقوم إلا أَسلموك برمتك، إلا هذا الحي من بني عمرو بن عامر من الأزد فإِنهم لَن يَسلموك ولَن يَخذلُوك.

قَالَ شمير بن سدير الأزدي - وهو الرّاوي - فوالله مَا مَضت الأَيَّام حتَّىٰ تَنقل عمرو بن الحمق في خلافة مُعاوية في بعض أحياء العرب خائفاً مَذعوراً حتَّى نزل في قومه من بني خُزاعة فأسلموه، فقتل، وحُمل رأسه من العراق إِلَى مُعاوية بالشّام وهو أوّل رَأس حُمل في الإِسلام من بَلدٍ إِلى بَلد » (1).

7 - دخل جويرية بن مسهر العبدي على عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوماً وهو مُضطجع وعنده قوم من أصحابه، فنَادَاه جُويرية:

«أيُّها النائم أستيقظ فلتضر بن عَلى رَأسك ضَربة تخضب بهَا لِحيَتك».

قال حيّة العربي - وهو الراوي - فتبسم أمير المُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقَالَ: « وأُحدثك يَا جويرية بأمرك، أما والَّذي نَفسي بيده لتَتَكَّن إلى العِل الزنيم، فليقطعنَّ يدك ورجلك وليصلبنك تحت جذع كافر ».

« قَالَ حيّة العربي: فوالله ما مَضت الأيام على ذلك، حتَّى أخذَ زياد جُويرية فقطع يده ورجله وصلبه إلى جانب أبن مُكعبر وكان جذعاً طويلاً فَصلبه على جذع قصير إلى جانبه» (2).

8- قَالَ الإِمَام لميثم الثمار يوماً بمحضر من خَلق كثير من أصحابه وفيهم


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 209/1.

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 209/1 – 110.

الشاك والمُخلص:

« يَا مَيثم إِنَّكَ تُؤخذ بعدي وتُصلب، فإذا كان اليوم الثاني أبتدر منخراك وفَمك دَماً حتَّى يُخضب لحيتك، فَإِذا كَان اليوم الثالث طعنت بحربة تقضي عليك فأنتظر ذَلكَ، والموضع الَّذي تُصلب فيه عَلى بَاب دَار عمرو بن حريث، إنّك لعاشر عشرة أقصرهُم خَشبة وأقربهم من المطهرة، يعني الأرض، ولأرينك النّخلة الَّتي تُصلب على جذعها، ثُمَّ أَرَاهُ إِيَّاها بَعد ذَلكَ بيَومين».

وقد تحققت هذه النبوءة بحذافيرها كما ذكر ذلك أبن أبي الحَدِيد في حديث طويل يضيق به المقام (1).

9 - روى إبراهيم بن العباس النهدي في سَند ينتهي إلى زياد بن النضر الحارثي أنه قال:

«كنتُ عند زياد وقد أُتي برشيد الهجري وكان من خواص أصحاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له:زياد: مَا قَالَ لكَ خَليلك أنا فاعلون بك ؟.

قَالَ: تَقطعُون يدي ورِجلي وتصلبونني.

فقال زياد: أما والله لأُكذبنٌ حَديثه، خَلّو سَبيله، فلمّا أَراد أَنْ يَخرج، قَالَ: رُدوه، لا نجد شَيئاً أصلح ممّا قَالَ لكَ صَاحبك، إِنَّكَ لا تزال تبغي لَنَا سُوءاً إِنْ بقيت أقطعوا يديه ورجليه، فقطعوا يديه ورجليه وهو يتكلّم.

فقال: أصلبُوه خَنقاً في عُنقه.

فقَال رُشَيد: قَد بَقي لكُم عندي شيء ما أراكم فَعلتموه ؟.

فقال زياد: أقطعوا لسانه، فلما أخرجوا لسانه ليقطع.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 210/1 - 211.

قَالَ: نَفسوا عني أتَكلّم كَلمة واحدة، فنَفَسوا عنه.

فقال: هذا والله تصديق خَبر أَمِير المُؤمِنِين أخبرني بقطع لساني، فَقطعُوا السَانه وصَلَبُوه (1).

10 - حَدّث سعد بن وهب، فقال في حديث:

«فَأتيتهُ - يَعني عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)- في كربلاء، فوجدته يُشير بيده ويَقُول: هَهُنا هَهُنا فقال لهُ رجُل: ومَا ذَاكَ يا أَمِير المُؤمِنِين ؟.

فقال: ثَقل لآل مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) ينزل هَهُنا، فَويلٌ لهم منكُم ووَيلٌ لكُم منهم.

فقال له الرّجل: ما معنى هذا الكلام يا أمير المُؤمِنِين ؟.

قَالَ: وَيلٌ لهم منكُم تَقتلونهم وويل لكم منهم يدخلكم الله بقتلهم النّار ) (2)

11 - ذكر ابن أبي الحَدِيد تتمّة خُطبته في الملاحم تَنبأ فيها الإمام بأنّ السلاح سَيُحمل على الظهر بقوله: ( وحتّى يكون موضع سلاحكم على ظهوركم وكأنه يُشير بذلك إلى البندقية وما إليها من الأسلحة الحديثة، وتنبأ فيها بولاية الحجاج ويُوسف بن عُمر » (3).

12 - قَالَ ابن الحَدِيد: ومِن عَجِيب ما وقفتُ عَليه من ذلك قوله في الخُطْبَة الَّتي يذكر فيها الملاحم وهو يُشير إلى القرامطة: « ينتحلون لنا الحُبّ والهَوى ويَضمرون لنا البغض والقلى، وآية ذلك قتلهم وراثنا وهجرهم أحداثناً».

قال ابن أبي الحَدِيد: وصحٌ مَا أُخبر به، لأنَّ القرامطة قتلت من آل أبي طالب


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 211/1 - 300.

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 278/1.

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 133/2.

خلقاً كثيراً وأسماؤهم مَذكورة في كتاب مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصفهاني. وفي هذه الخُطْبَة قَالَ، وهو يُشير إلى السارية الَّتي كَان يَستند إليها في مسجد الكُوفَة: كأني بالحجر الأسود منصُوباً هنا، ويحهم أنّ فَضِيلته ليست في نفسه بَل في موضعه وأُسه، يمكث هنا بُرهة، ثُمّ هَهُنا بُرهة، وأشار إلى البحرين، ثُمّ يعود إلى مأواه وأُمّ مَثواه». ووقع الأمر في الحجر الأسود بموجب ما أُخبريه (1).


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 508/2، وذكر ابن أبي الحَدِيد في: 2 / 4 - 50، عن المدائني في كتاب صفين خُطْبَة للإمام في الملاحم خَطبها بعد النهروان.

الوَعْظُ

اشارة:

تمهید:

خطأ أُسْلُوب الوُعّاظ التقليديين وَالطَّرِيقَة الصَّحِيحَة لدَرَاسَةِ النُّصُوص

يحسب بعض المثقفين من ناشئة هذا الجيل أنَّ الإسلام يدعو إلى التنكر للدُّنيا والتزهيد فيها واعتبارها أذىً كَبيراً لا يجمل بالمرء أنْ يصيب منه قليلاً ولا كثيراً.

والكُتب الموضوعة للتبشير بالحضارة الغربية، عدوّة كل دعوة روحية، تساعد على تركيز هذه الفكرة عن الإسلام في نفوس هؤلاء. وتُسهم إسهاماً كبيراً في تركيزها أيضاً البرامج التعليمية المدخولة الَّتي تهمل دور الإسلام العظيم في إنقاذ العالم وتقدّمه، وإن عرضته فإنّما تعرض إسلاماً مشوهاً خالياً من الحياة.

كلّ هذا جعل هذه الناشئة تنظر إلى الإسلام نظر ذعر وتخوف مبعثهما الجهل لا العلم والعمى لا البصر.

وتوجه هذه النظرة أيضاً إلى التُّراث الإسلامي في ميادين الفلسفة والأخلاق والأدب.

ونَهج البلاغة من جملة هذا التُّراث الَّذي يُنظر إِلَيهِ عَلى هذا النحو.

فهذا الكتاب، عند ناشئة الجيل، يحتوي عَلى طَائفة من الخُطب قيلت في

التزهيد بالدُّنيا والتنفير منها، والنّعي عَلى المُتمسكين بها، والآخذين بنصيب من مباهجها وأفراحها، وهو لذلك كتاب لا يُلائم روح عصرنا هذا، لأنه يشل في الإِنسَان رغبته في العمل ويُعطل حسّ الحياة فيه، ويدفعه إلى القناعة بحياة ذليلة واهنة مُظلمة شوهَاء.

ولَم لا ؟ ألم تصدر هذه الخُطب والأقوال من رجل ركل الدنيا بقدمه، وخرج عنها، ودعا النّاس إلى أنْ يركلوها بأقدامهم ويخرجوا عنها ؟.

هذه نظرة طَائِفَة كَبيرَة من شباب الجيل إلى نهج البلاغة.

لأسلوب الوعظي الَّذي يتناول فيه كثير من الوعاظ في المساجد والمحافل مهمتهم يدعم نظرة ناشئة الجيل إِلى نَهْج البلاغة ويُعززها، فهم يتناولون مهمتهم على نحو خاطيء، لأنهم يعتمدون في وعظهم أعتماداً مطلقاً على التنفير من الدُّنيا وعَلى ذمها والتزهيد فيها وأعتبارها أذىً كبيراً يحول بين الإِنسَان وبين أَنْ يصبح إنساناً حقاً، ويجدون في نهج البلاغة على الخصوص معيناً لا ينضب من الشواهد عَلى ما يقولون.


إننا إذ نرجع إلى مبادىء الإسلام لنتعرف على وجهة نظره إلى الدُّنيا نجد هذه المبادىء تشجع الإقبال على الدُّنيا، وتحترم العمل، وتمجد العامل، وتعنى بنشاط الإنسان الدنيوي كما تُعنى بنشاطه الأخروي، يدل على ذلك ما شرعه الإسلام من قوانين تتناول جميع ألوان نشاطه الدنيوي.

والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو أعظم أصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) فهما للإسلام ووعياً لأَسراره فلا يعقل أَنْ يقول شيئاً يُخالف روح الإسلام العامة ونظرته الشاملة إلى الإنسان. ولكنّنا

نرجع إلى نهج البلاغة فنجده مكتظاً بالتنفير من الدُّنيا، وردع الناس عنها.

فكيف تلائم بين ما نراه في نهج البلاغة، وبين ما نعرفه عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

الَّذي أراه هو أنَّ الوعاظ والناشئة جميعاً راحوا ضحية خطأ كبير سبب لهم سوء الفهم وسوء التأويل لما جاء في نهج البلاغة من ذمّ الدُّنيا.

فعندما نريد أن نفهم نصاً من النصوص يتضمن رأياً في الإنسان وفي مصيره يجب علينا أولاً أن نفهم الثقافة الَّتي صدر عنها هذا النص، ثُمّ يجب علينا ثانياً أَنْ نفهم الواقع التّأريخي الَّذي صدر فيه النص، فَإذا تمَّ لنا من ذلك ما أردنا وضعنا النّص في إطاره التأريخي الخاص وأحطناه بظروفه النفسية المعينة، وفسرناه من وجهة نظر الثقافة الَّتي ألهمته قائله، فحينئذ يتهيأ لنا أن نفهم النص فهماً صحيحاً.

أما حين تُجرد النص من إطاره التأريخي ؟ ثُمَّ ننظر إليه بغير الروح الَّتي صدر عنها، فإنّ أملنا بالفهم الصحيح يكون عقيماً لأننا حينئذ لن نحصل على الفهم الصحيح أبداً.

وهنا يكمن الخطأ الكبير الَّذي أنزلق إليه من حسب نهج البلاغة كتاباً يدعو إلى رفض الحياة الدنيا والتنفير عنها.

إنّ هؤلاء حينما ذهب بهم الوهم هذا المذهب كانوا على جهل بالمثل الأعلى للحياة في الإسلام من جهة أولى، وكانوا على جهل بنظرة الإسلام الواقعية إلى الحياة والموت والمال من جهة ثانية، وكانوا على جهل بالواقع التَّاريخي الَّذي صدر فيه القسم الوعظي من نهج البلاغة من جهة ثالثة.

فعلينا لكي نفهم القسم الوعظي من نهج البلاغة فهماً صحيحاً أن نعني بفهم هذه الأمور الثلاثة، وسيكون هذا سبباً في دراسة الواقع الاجتماعي في زمان الإمام دراسة موسعة.

المَثلُ الأعْلَى لِلحَيَاةِ في الإِسْلامِ وَالوَاقِعُ الإِجتماعي والسياسي حِينَ تَولَّى الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحُكْم إِصْلاحات الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَرُدودُ الفِعْل ضدّهَا

اشارة:

وتبدأ بالمثل الأعلى للحياة في الإسلام.

لقد عرفنا أنَّ المثل الأعلى للحياة في الإسلام هو التَّقوى.

وقد فهمنا أَنَّ التَّقوى هي الفضيلة في أرفع معانيها، وعرفنا أَنَّ الإِنسَان المتقي هو الإنسان الَّذي وعى وجود الله وأمره ونهيه في كلّ ما يلم به من فعل أو قول، وجعل من نفسه خلية إنسانية حيّة تعمل بحرارة وإخلاص على رفع مستوى الكيان الإجتماعي الَّذي تضطرب فيه، وصدر في ذلك كله عن إرادة الله المتجلية فيما شرع من أحكام.

هذا هو المثل الأعلى للحياة في الإسلام، فما الَّذي يحول بين الإنسان وبين بلوغه ؟.

الَّذي يَحول بين الإنسان وبين بلوغ هذا المثل الأعلى هو أن تقفر حياته من الشعور بالله كطاقة نفسية فاعلة، ويتبع ذلك بصورة حتمية أن يفقد الدين ما له من أثر توجيهي في حياة الإنسان، وإذا فقد الإنسان هذين (الشعور بالله، والدِّين ) لم

تعد الجماعة الَّتي يعيش فيها تعني بالنسبة إليه شيئاً، ولا يعود يستلهم في سلوكه سوى ذاته هو، والنتيجة الطبيعية لهذا هي أن يصبح إنساناً فردياً أنانياً.

إِذَا استوى وجود الإنسَان عَلى هذا النحو كان بعيداً عن التَّقوى، وكان واقعه حائلاً بينه وبين التَّقوى.

وقد قلنا إن وجه الفائدة في جعل التَّقوى مثلاً أعلى للحياة هو أنْ يكون مفهوم الطبقة الَّذي يستتبع حكماً تقويمياً لطائفة من الناس منبثقاً من التَّقوى، بدلاً من أَنْ ينبثق هذا المفهوم من الإقتصاد أو الحرب، وبذلك تكون الطبقات ظاهرة إجتماعيَّة تعود على المُجتمع بالخير بدلاً من أن تكون تعبيرا حاداً عن التفسخ الإجتماعي.

فإذا عدنا لنرى واقع المُجتمع الإسلامي في الوقت الَّذي ولّي فيه الإمام الحكم ألفيناه مجتمعاً مريضاً منحرفاً فقد الدِّين قوته الدافعة عندهم، واستشرت الرّوح القبلية فيهم، وعاد المثل الأعلى للحياة عندهم المال والقوة.

ويقتضينا فهم هذا الواقع أَنْ نَلم بالأسباب الَّتي أدت إليه.


ولّى عُثمان بن عفان الخلافة بعد عُمر بن الخطاب فكانت خلافته إيذانا بأفول سياسة وبزوغ عهد سياسي جديد.

فلقد أتبع عُثمان مُنذ ولّي الحُكم سياسة خطرة في المال والولايات.

فقد طفق يهب خواصه وذوي رحمه ومن يمت إليه بنسب أو سبب الأموال العظيمة ويخصهم بالمنح الجليلة، ويحملهم على رقاب الناس.

وولّى عَلى البلدان الإسلاميَّة شُبّاناً من بني أُمية، لا يحسنون الحكم ولا السياسة، ذوي روح تسلطية عاتية، لم ينل منها الإسلام شيئاً مذكوراً.

وهكذا كوّنت هذه الطبقة طبقة أريستوقراطية من الأغنياء المُترفين الَّذِين لا تزال تعتمل في صدورهم القيم البدوية الجاهلية.

وقد أمتد نفوذ هذه الطبقة في خلافة عُثمان أمتداداً هائلاً، فسيطرت على الحكم سيطرة مُطلقة، وحازت الأموال العظيمة الَّتي أفاءها الله عَلَى المُسلِمِين، و الَّتي كان المفروض فيها أن تذهب إلى المعدمين والفقراء، وأنتشرت هذه الطبقة في طول البلاد الإسلامية وعرضها حين فتح لها عُثمان باب الهجرة والتنقل في البلاد الإسلامية.

وإلى جانب هؤلاء كانت ثمّة طبقة أخرى تتألف من الأعراب وأهل البادية وكانت القوى المُسلحة في الدولة الإسلامية مكونة منهم، ينضم إليهم من دخلوا في الإسلام من الأمم غير العرب، هؤلاء كانوا يلقون في زمن عُثمان حيفاً كبيراً من طبقة الاريستوقراطيين الناشئة، الطامحة إلى مزيد من القوة والإستعلاء بسبب ما يعتمل في نفوس أفرادها من قيم البداوة.

وكانت عاقبة ذلكَ أنْ تضخمت الفروق بين الطبقات تضخماً كبيراً من الناحية المادية والمعنوية.

وأنقلبت الأثرة إلى طغيان، وأنقلب الحقد إلى زئير، وتراكم الطغيان حتَّى وجد رد فعل طاغ في ثورة المظلومين، الذين أثقلهم الظلم الفادح، على حكومة عُثمَان وعَلى ولاته.

وكانت عاقبة ذَلكَ كلّه قَتل عُثمَان (1)

ودولة عُثمانَ ظهر فيها النفاق وبلغ أوج عظمته إن كانت له عظمة - إن صح التعبير - لأنَّ العظمة الله وحده سبحانه وتعالى.

منع كتبة الحديث ليس من دراستنا هذه، ولكن تذكرها أستطراداً؛ لأَنَّ عُثمانَ هُو أيضاً منع كتابة الحديث، وأوَّل خطوة بدأ بها قوله: « لا يحل لأحد يروي حديثاً لم يُسمع به في عهد أبي بكر ولا في عهد عُمر بن الخطاب».

أنظر، الطبقات الكبرى: 336/2، گنز العُمَّال: 10 / 295، وراجع أضواء عَلَى السُّنَّة المحمدية، أو دفاع عن الحديث، مَحمُود أَبُو رَيَّه: 46.

إِذَنْ هُو لا يختلف عَن صَاحبيه، بل زاد عليهم وأتسعت الطَّبقة الإرستقراطية العثمانية وزادت قائمة النبلاء. ومن هنا ظهرت الحركات المضادة الَّتي تئن تحت العباءة الأموية، ولذا نرى عُثمانَ يقف ويقول: «أَيُّها النَّاس إِنَّ أبابكر، وعُمر كَانا يتأوّلان هَذا المال ظلف أَنفسهما وذوي أرحامهما، وإِنِّي تَأوّلت فيه صلة رحمي ». أنظر، الطبقات الكبرى: 64/3، كَنز العُمَّال: 627/5.

ويقول: «.. لو أنَّ بيدي مفاتيح الجنَّة لأعطيتها بني أُميَّة حتَّى يدخلوا عن آخرهم...

أنظر، أسد الغابة في معرفة الصَّحابة: 380/3، تطهير الجنان واللسان لابن حجر: 46.

وترك عُثمانَ نفسه يوم قتله، ثلاثين ألف ألف درهم وخمسمئة ألف درهم، وخمسون ومئة ألف دينار وترك ألف بعير ». أنظر، الفتح الرباني: 332/22، الطبقات الكبرى: 76/3.

كمَا أَنَّ عُثمان سَار عَلى سيرة عُمر بن الخَطَّاب في إختيار الأمراء، فقد عين أبا زُبيد النصراني، وإياس بن جيح - من أصحاب مسيلمة الكذاب - وطلحة بن خويلد - الَّذي ادعى النُّبُوَّة - فسار عُثمان على منهج صاحبه فعين الوليد أبن عقبة حَتَّى ظهر منه شُرب الخمر، وهُو الَّذي نَزَلت فيه: ( إن جَاءَكُمْ فَاسِقُم بِنَبَةٍ فَتَبَيَّنُوا )، الحُجُرات: 6.

ونَزلت فيه: (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ. السَّجِدَة: 18.

وَلا أَدري كَيف يرد الأُستاذ مُحَمَّد زَكي الدين مُحمَّد قاسم على هذا وغيره عندما قَالُوا: (الصَّحابة كُلَّهُم من أهل الجنَّة قطعاً، وَلاَ يدخل أحد منهم النَّار ).

أنظر، في عالم القيم مع الخُلفاء الراشدين، مُحَمَّد زَكي الدين مُحمَّد قاسم: 15.

واستعمل سعد بن العاص على الكوفة وظهر منه أشياء مُنكرة حتَّى قَالَ: «إِنَّما السَّواد بستان لقُريش تأخذ منه ما شاءت وتترك منه ما شاءت». حَتَّى إِنَّه لم يعزله بأختيارة بعد أن أبلغ بأفعاله، بل رده أميراً على الكوفة، وأمره بالتضييق على أهلها، فَلمَّا جاء ليدخل الكوفة خرج أهلها عليه بالسلاح فتلقوه فردوه، وكتبوا إلى عُثمان: « لا حاجة لنا في سعيدك ولا وليدك».

أنظر، تأريخ الطبري: 88/5 و 94، ابن الأثير في الكامل: 67/3و: 73/3، الإستيعاب: 621/2. وجعل عبد الله بن أبي الشرح أخا عُثمان من الرضاعة والياً على مصر بعد أن عزل عمرو بن العاص عنها - وعبد الله كان كاتباً للوحي كما يدعُون، ثُمَّ أرتد مشركاً وأمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بقتله ولو وُجد متعلقاً بأستار الكعبة لكنَّ عبد الله اختفى عند عُثمان إلى أن جاء دوره وأمره أن يغزو بلاد إفريقيه؛ فَإِنْ فتحها فلهُ خُمس الخمس من الغنيمة، فسار إليها في عشرة آلاف فأفتتحها، وقتل خلقاً كثيراً من أهلها.

أنظر، البداية والنهاية لابن كثير: 152/7، أبن الأثير: 43/3، الطبري: 49/5.

وسير أبا ذر إِلَى الزَّبدة مطروداً، وهي خارج المدينة، وعندما ودعه الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) غضب عُثمان، ولكن لما سمع الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بغضب عُثمان، قال مقولته المشهورة: (غَضَبِ الخَيل على الجام).. أنظر، تأريخ الطبري: 112/5، الكامل في التاريخ: 69/3، مروج الذهب: 350/2.

وستر عامر بن عبد قيس، من البصرة إلى الشّام، وطلب منه عبد الله بن خالد بن أسيد صلة فأعطاه أربعمئة ألف... وأفتتح إفريقيه وأخذ خُمسها فوهبه لمروان».

وَقَالَ ابن هشام في السيرة الحلبية: وسَبب هذه الفتنة أنهم نقموا عليه أموراً منها عزله لأكابر الصحابة ممَّنْ وَلَا، رَسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏)، ومنهم من أوصى عُمر بأن يبقى على ولايته وَهُو أَبُو مُوسَىٰ فَعَزله عُثمانَ وولى ابن خالد عبدالله ابن عامر محله، وعزل عمرو بن العاص عن مصر وَوَلاها أبن أبي سَرح. وعَزل المُغيرة عن الكوفة، وعَزل ابن مسعود عَنها وأشخصه إلى المدينة، وغزل سعد بن أبي وقاص عَن الكوفة وولى أخاه لأُمِّه الوليد بن عُقبة الَّذي سماء الله تعالى فاسقاً... ومنها أنه أدخل عمه الحكم وكَان يُقال لهُ طَرِيد رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) ولعينه... وأنه حبس عَطاء عبد الله ابن مسعود وهجره، وحبس عطاء أبي بن كعب، ونفى أبا ذر إلى الربذة، وأشخص عبادة بن الصامت من الشام لما شگاه معاوية... وضَرب عَمَّار بن ياسر، وكعب بن عبيدة، ضربه عشرين سوطاً ونفاه إلى بعض الجبال.

وقال لابن عوف إِنَّكَ مُنافق... وأنه أحرق الصحف الَّتي فيها القُرآن، وأنه أتم الصَّلاة بمنى... وأنه ترك قتل عُبيد الله وقد قتل الهرمزان...».

أنظر، المصابيح، لأحمد بن إبراهيم: 288، العقد الفريد: 77/3 و 91، السيرة النبوية: 82/2، الطَّبعة الثانية مصر، شَرْح النهج: 1 / 66 و 233، مستدرك الحاكم: 337/3 و 345، أبن الأثير: 3 / 65 و 73، تأريخ الطبري: 5 / 80 و 94، مسند أحمد: 5 / 155 و 166، و 6: 457، كنز العمال: 170/6، المعارف لابن قتيبة: 84، ابن كثير: 452/7، تأريخ أبي الفداء: 168/1، الإصابة: 619/3، سُنن البيهقي: 61/8، الطبقات لابن سعد: 8/5، أنساب الأشراف: 28/5، مرآة الجنان: 85/1، كُلّ هذه المصادر وغيرها نقلت لنا هذه المساوىء العثمانية بشكل مفصل. فمن أراد المزيد فليراجع.

وَقَد أخرج صاحب الأغاني قول عُثمان: «... أما يجد مُراق أهل العراق وفساقهم ملجأ إلا بيت عائشة ؟ فسمعت عائشة فرفعت نعل رسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وقالت: تركت سُنَّة رسُول الله صَاحِب هَذَا النَّعل، فتسامع النَّاس فجاءوا حَتَّى مَلأوا المسجد فمن قائل: أحسنت، ومَن قائل: مَا للنساء ولهذا ؟ حَتَّى تحاصبوا وتضاربوا بالنعال... وقد واجهه جُندب وما أدراك ما جُندب، وزيد بن صوحان. فزيد هو القائل لعثمان: «مِلتَ فقالت أُمتك أعتدل تعتدل أُمتك». أنظر، الطبقات الكبرى: 124/6.

وتجري الأحداث يوماً بعد يوم ضد عُثمان عندما كشر عن نواياه السيئة وأظهرها في خُطبته حين قال: « فَقَد والله عبتُم عَلَيَّ بمَا أقررتُم لابن الخطاب بمثله، ولكنه وطنكم برجله وضربكم بيده وقمعكم بلسانه... ». أنظر، تأريخ الطبري: 97/5، البداية والنهاية لابن كثير: 169/7، الإمامة والسياسة: /38341، الكامل لابن الأثير: 3 / مقتل عُثمان.

وَلذَا عندما طُلب من عُثمان أنْ يستقيل من منصب الخِلافَة قَال: « لا أَنزَع قميصاً ألبسنيه الله عزَّ وجل...». أنظر، المصدر السابق: 371/4 و 372 و 375 و 377، الكامل لابن الأثير: 169/3، بيروت، شرح النهج: 2 / 150.

وَقَالَ أبو سفيان في جمع ضمَّ بني أُمية في دار عُثمان بن عفان: « يَا بَني أُمية تلقفُوها تلقف الكرة، فوالَّذي يحلف به أبو سفيان مَا زِلتُ أَرجُوها لكُم ولتصيرن إلى صبيانكُم وراثة».

أنظر، مروج الذهب: 351/2، النزاع والتخاصم، تحقيق: حُسين مؤنس: 38.

و من هذا وغيره من الأسباب هي الَّتي جعلت الثوار يقتحمون باب المجاهد ويردونه قتيلاً بعد أن استنجد بمُعاوية حليفه وصاحب بطانته، ولكنه تباطأ عنه كما يذكر الطبري. أنظر، تأريخ الطبري: 5/115.

وأَمَّا السَّيدة عائشة فَإنَّها أول من كفّرته وقالت: « أقتلوا نعثلاً فقد كفر ». أنظر، تأريخ الفتوح لابن أعثم: 155، النهاية لابن الأثير: 80/5، شرح النهج: 4 / 077

أَمَّا طَلحة بن عُبيد الله فكَان يَوم قتل عُثمان مُقنعاً بثوب أُستتر به عن أعين الناس، وكان يرمي دار عُثمانَ بالسّهام كما ذكر شرح النهج لابن أبي الحديد، ولطلحة قصَّة مشهورة مع عُثمان عندما أشرف من الخوخة عَلى التّوار. أنظر، شرح النهج لابن أبي الحَدِيد: 404/2، الفتح الرباني: 112/22، تأريخ الطبري: 122/5.

وأَمَّا عَمرو بن العاص المُستشار السياسي السابق له فقد ناداه يوم القتل من ناحية المسجد: أتق الله يَاعُثمانَ فإِنَّكَ قَد ركبت نَها بيراً وركبناها معك فتب إلى الله نتب. فناداه عُثمان: وإِنَّكَ هُناكَ يَا ابن النابغة قملت جُبتك مُنذ تركتك من العمل... فناداه النَّاس... يا عُثمانَ تُبْ إِلى الله وأظهر التوبة يكف النَّاسِ عنك. أنظر، تأريخ الطبري: 111،108/5.

وأَمَّا مَروان بن الحكم فقد كانت مُهمته تصعيد الموقف وهُو العُنف من قبل الثوار ضدّ (المجاهد) عُثمان بكتابته الكتب المزورة والمختومة بختم ذي النورين في قتل مُحَمَّد بن أَبي بكر وأصحابه من أهل مصر، حَتَّى نَائلة زوّج عُثمان حَذَّرته من مروان وقالت لعثمان: «إِنَّكَ إِنْ أَطعت مروان قتلك». ومروان هُو القائل للنَّاس: « شَاهَت الوجوه إِلَّا مَن أُريد..».

أنظر، البداية والنهاية لابن كثير: 173/7، تأريخ الطبري: 112/5.

ومن جراء ضعف عُثمان لأن لهم حَتَّى ركب، ولو كانت بيده مفاتيح الجَنَّة لأعطاها لبني أُمية كما يقول هو. أنظر، تطهير الجنان واللسان، لابن حجر: 46، أسد الغابة في معرفة الصحابة: 380/3، الطبقات الكبرى، لابن سعد: 172/5، تأريخ الطبري: 35/5.

لم يكن عُثمانَ يتحمل حَتَّى النقد البسيط، فحين سخر أبو ذر الغفاري عندما تساءل عثمان: أترُون بَأْساً أنْ نَأخذ مَالاً من بيت المُسلمين فننفقه فيما يقوينا من أمرنا ونعطيكموه ؟ قال له عُثمان: « مَا أَكثر أَذَاكَ لي ! غَيْب وجهك عَني فقد آذَ يتنا»، فخرج أبو ذَرٌ إِلَى الشّام، فَكتب مُعاوية إلى عُثمانَ أَنَّ أَبَا ذرّ تَجتمع إليه الجمُوع، وَلا آمن أنْ يُفسدهم عليك. فكتب إليه عُثمان ليحمله على بعير عليه قنب يابس ويرسله إلى المدينة، وقد تسلخت بواطن أفخاذه!». وقد قيل له: « آتقِ الله يَاعُثمان، فإنك قد ركبت أموراً، وركبناها معك، فتب إلى الله تتب معك...». أنظر، مُروج الذهب: 344/2.

.

1) قتل بعد أن أشتد الطعن عليه بسبب مخالفاته الَّتي لا تُحصى، ولكن تذكر طرفاً منها للتعرف على مخلفات الفلتة في بيعة أبي بكر، وعُمر، كما أعترفا هُما بذلك، وكذلك على عقابيل السُّورَىٰ... والبَاب الَّذي فتحهُ عُثمان لبني أُمية... ثُمَّ كيف أنقضوا عليه وبتروه بعد أن تبرءوا منه؛ لأنَّ المنافق لا يُؤمن شره....

وجاء النَّاسِ إِلى الإِمَام يَطلبون منه أنْ يلي الحكم، ولكنه أبى عليهم ذلك، لا

لأنه لم يأنس من نفسه القوة على ولآية الحكم وتحمل تبعاته، فقد كان على تمام الأهبة لولاية الحكم، كان قد خبر المُجتمع الإسلامي من أقطاره، وخالط كافة طبقاته، وراقب حياتها عن كتب، ونفذ إلى أعماقها، وتعرف على الوجدان الطبقي الَّذي يشدها ويجمعها.

وقد مكنه من ذلك كله المركز الفريد الَّذي كان يتمتع به من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) فهو وزيره ونجيبه، وأمين سرّه، وقائد جيوشه، ومُنفذ خططه، ومعلن بلاغاته... هذه المنزلة الفريدة الَّتي لم يكن أحد من الصحابة يتمتع بها أعدته إعداداً تاماً المهمة الحكم.

وقد كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ ‏) يبتغي من وراء إناطة هذه المهام كلّها به إعداده للمنصب الإسلامي، ليصل إِلَيه وهو عَلى أتمّ ما يكون أهلية واستعداداً.

ولقد غدا من نافلة القول أَنْ يُقال أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الخليفة الَّذي كان يجب أن يلي حكومة النَّبيِّ في المُجْتَمَع الإسلامي.

وإذا لم يقدر له أن يصل إلى الحكم بعد النَّبيِّ فإِنه لم ينقطع عن الحياة العامة، بل ساهم فيها مُساهمة خصبة، فقد كان أبو بكر ثُمّ عُمر ومن بعدهما عُثمَان لا يسعهم الإستغناء عن آراءه في السياسة والقضاء والحرب، وخاصة في خلافة عُثمان فقد كان فيها عَلى أتمّ الصّلة بالتيارات الَّتي تمخر المُجتمع الإسلامي لكن عُثمان لم ينتفع كثيراً بالتوجيه الَّذي كان الإمام يُقدِّمه إليه لأَنَّ بطانة متعفنة كانت تُحيط بهذا الخَليفة.

فأنت ترى أنّه لم يأبَ الحُكم لأنه لم يأنس من نفسه القوّة عليه، وإِنَّما أباه لأمر آخر:

لقد كان يرى المُجْتَمَع الإسلاميّ وقد تردى في هوّة من الفوارق الاجتماعي الَّتي ازدادت اتساعاً بسبب السّياسة الَّتي أتبعها ولاة عُثمَان مُدة خلافته.

ولقد كان يرى التوجيهات الدينية العظيمة الَّتي عمل النَّبيِّ طيلة حياته على إرساء أصولها في المُجتمع العربي قد فقدت فاعليتها في توجيه حياة النّاس.

وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعرف السبيل الَّذي يرد الأشياء إلى نصابها، فإنّما صار الناس إلى واقعهم هذا لأنهم فقدوا الثقة بالقوة الحاكمة الَّتي تُهيمن عليهم. فقدوا الثقة بهذه القوّة كناصر للمظلوم وخصم للظالم، فراحوا يسعون إلى إقرار حقوقهم وصيانتها بأنفسهم. وهكذا، رويداً رويداً أنقطعت الصلة بينهم وبين الرموز المعنوية الَّتي يجب أن تقود حياتهم.

والسبيل إلى تلافي هذا الفساد كله هو إشعار النَّاسِ أَنَّ حُكماً صحيحاً يُهيمن عليهم، لتعود إلى النّاس ثقتهم الزائلة بحكامهم.

ولكن شيئاً كهذا لم يكن سهلاً قريب المنال، فهناك طبقات ناشئة لا تسيغ مثل هذا، ولذلك فهي حَريَّة أَنْ تقف في وجه كل برنامج إصلاحي وكل محاولة تطهيرية، ولذلك أبى عليهم قبول الحكم، لأنه قدر - وقد أصاب - أنه سيلاقي معارضة عنيفة من كلّ طبقة تجد صلاحها في أن يبقى الفساد على حاله.

لأجل هذا قال للجماهير يوم هَرعت إليه تسأله أنْ يلي الحكم:

«دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي، فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ، وَأَلْوَانٌ، لا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ، وَلا تَقْبتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ (1). وَإِنَّ الْآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ (2)، وَالْمحَجَّةَ


1) لا تصبر له، ولا تطيق أحتماله.

2) أَغَامَت: غُطيت بالغَيم.

قَدْ تَنَكَّرَتْ (1). وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ، وَلَمْ أُضْعَ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ، وَعَتْبِ الْعَاتِبِ. وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ، وَلَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ، وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ، وَأَنَا لَكُمْ وَزِيراً، خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّى أَمِيراً (2).

ولكن القوم أبوا عليه إلا أنْ يلي الحكم، وربّما رأى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنَّه إِذا لم يُستجب لهم لا فربّما توثب عَلى حُكم المُسلمين من لا يصلح له، فيزيد الفساد فساداً، ورجَا أَنْ يخرج بالنّاس من واقعهم الإجتماعي التعس الَّذي أحلتهم فيه أثنتا عشرة سنة مضت عليهم في خلافة عُثمان إلى واقع أنبل وأحفل بمعاني الإسلام، وهكذا استجاب لهم، فبويع خَليفة للمُسلمين.

ولقد دأب، بعد أن بويع على بيان الهدف الَّذي أبتغى من وراء ولاية الحكم، وذلك بأن يكون في مركز يُمكنه من أن يصلح ما يفتقر إلى الإصلاح من شؤون الناس، وأن يرفع عن المظلومين فادح ما رزحوا تحته من ظلم، فتراه يقول:

«فَمَا رَاعَنِي إِلا وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ، يَنْتَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبِ، حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ، وَشُقَ عِطْفَايَ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ. فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَتَتْ طَائِفَةٌ، وَمَرَقَتْ


1) المحَجَّة: الطَّريق المُستَقِيمَة تَنَكَّرَت: تَغيَّرت معالمها فصارت مجهولة.

2) شَرْح نَهْج البلاغة: الخُطْبَة (92) «وَأَلْتَمِسُوا غَيْرِي ».

أُخْرَى، وَقَسَطَ آخَرُونَ: كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهِ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: ( تِلْكَ الدَّارُ الأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (1)بَلَى ! وَاللهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا، وَوَعَوْهَا، وَلَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ، وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُها !.

أَمَا وَالَّذي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَة (2)، لَوْلاً حُضُورُ الْحَاضِرِ (3)، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ (4)وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلا يُقَارُوا عَلَى كِظَةِ (5)ظَالِمٍ، وَلا سَغَبٍ مَظْلُومٍ (6)، لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى (7)غَارِبِهَا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسٍ أَوَّلِهَا، وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ (8)عَنْزِ ! » (9).


1) القصص: 83.

2) بَراً: خَلق. والنَّسَمَةَ: الروح.

3) مَن حَضَر لبيعته مِن النّاس.

4) أي أنه مع وجود المُقاتلين الناصرين للحق لا يجوز القُعود عن التصدي للقيام بمهمات الحكم والإصلاح. فوجود الأنصار على الحق حجة على القائد لابد معها من الحركة والقيام بالأمر.

5) الكِفَّة: مَا يَعتري الآكل من الضيق عند امتلاء البطن بالطعام. والمُراد هنا تعدي الظَّالم على حقوق الناس.

6) السَّغَب: شدّة الجُوع. والمُراد هنا هضم حقوق الضعيف.

7) الغَارِب: الكاهل الناقة حين يتركها قائدها فلا يقودها يرخي لها الخطام، فالكلام تصوير للترك وإرسال الأمر.

8) عَفْطَة العَنز ما تنثره من فمها.

9) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (3) «عَفْطَةُ عَنْز ».

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« أَللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةٌ فِي سُلْطَانٍ، وَلَا الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ (1)، وَلَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ (2)مِنْ دِينِكَ، وَتُظْهِرَ الإِصْلَاحَ فِي بِلادِكَ، فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ، وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ » (3).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ ‏)نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَمُهَيْمِناً عَلَى الْمُرْسَلِينَ. فَلَمَّا مَضَى (عَلَيهِ السَّلَامُ) تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ. فَوَاللَّهِ مَا كَانَ يُلْقَى فِي رُوعِي، وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِي، أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ ‏) عَنْ أَهْل بَيْتِهِ، وَلَا أَنَّهُمْ مُنَحوه عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ! فَمَا رَاعَنِي إِلَّا أَنْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فَلَانٍ يُبَايِعُونَهُ، فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ، يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَيْنِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ ‏) فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ


1) الْحُطَام: مَا يُحطم ويَتَفتت من عيدان الزرع إِذَا يَبس. والمُراد هنا: متاع الحياة الدُّنيا.

2) الْمَعَالِم جَمع مَعلم - بفتح فسكون، وهو الأثر الَّذي يُستدل به على الطريق.

3) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (131) « مَتَى يَأْمَن الْمَظْلُوم».

أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَا يَتِكُمُ الَّتي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ، يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ، كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ، أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ: فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ، وَاَطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَة.

إِنِّي وَاللهِ لَوْ لَقِيتُهُمْ وَاحِداً وَهُمْ طِلاعُ الْأَرْضِ كُلِّهَا مَا بَالَيْتُ وَلَا أَسْتَوْحَشْتُ، وَإِنِّي مِنْ ضَلَالِهِمْ الَّذي هُمْ فِيهِ وَالْهُدَىٰ الَّذي أَنَا عَلَيْهِ لَعَلَىٰ بَصِيرَةٍ مِنْ نَفْسِي وَيَقِينِ مِنْ رَبِّي. وَإِنِّي إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ لَمُشْتَاقُ، وَحُسْنِ ثَوَابِهِ لَمُنْتَظِرُ رَاجِ؛ وَلَكِنَّنِي آسَى (1)أَنْ يَلِىَ (2)أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ سُفَهَاؤُهَا وَفُجَّارُهَا، فَيَتَّخِذُوا مَالَ اللهِ دُوَلاً (3)، وَعِبَادَهُ خَوَلا (4)، وَالصَّالِحِينَ حَرْباً (5)، وَالْفَاسِقِينَ حِزْباً، فَإِنَّ مِنْهُمُ الَّذي قَدْ شَرِبَ فِيكُمُ الْحَرَامَ (6)، وَجُلِدَ حَداً فِي الْإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى رُضِخَتْ لَهُ (7)عَلَى الْإِسْلَامِ


1) آسي: فعل مضارع من «أسيت عليه » أي حزنت، والمراد أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحزن أَنْ يَتولى أمر الأُمَّة السفهاء والفجار.

2) يَلي: يحكم الأمة.

3) دُوَلا: أي شَيْئاً يَتداولونه بينهم، كأن الحكم لعبة أو كُرة يتقاذفونها.

4) خَوَلا: أي عَبِيداً.

5) حَرْباً: أي يُحاربون الصَّالحين، وينصرون الفاسقين، ويتخذونهم حزباً لهم.

6) الحَرَام: الخمر.

7) الرَّضَائِحَ: العَطَايا، ورُضِخَتْ لَهُ: أعطيتُ له. وقالوا أَنَّ عمرو بن العاص لم يسلم حتَّى طلب عطاء من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ ‏) فلما أعطاء أسلم.

الرَّضَائِحُ فَلَوْ لَا ذَلِكَ مَا أَكْثَرْتُ تَأْلِيبَكُمْ وَتَأْتِيبَكُمْ. وَجَمْعَكُمْ وَتَحْرِيضَكُمْ، وَلَتَرَكْتُكُمْ إِذْ أَبَيْتُمْ وَوَنَيْتُمْ.

أَلَا تَرَوْنَ إِلَى أَطْرَافِكُمْ قَدِ انْتَقَصَتْ، وَإِلَى أَمْصَارِكُمْ قَدِ افْتِحَتْ، وَإِلَى مَمَالِكِكُمْ تُزْوَىٰ، وَإِلَى بِلَادِكُمْ تُغْزَى ! أَنْفِرُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - إِلَى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ، وَلَا تَتَّاقَلُوا إِلَى الْأَرْضِ فَتَفِرُّوا بِالْخَسْفِ، وَتَبُوءُوا بِالذُّلِّ، وَيَكُونَ نَصِيبُكُمُ الْأَخَسَ، وَإِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الْأَرِقُ، وَمَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ، وَالسَّلَامُ)» (1).

لأجل هذا كله قبل (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَنْ يتولى الحكم.

ومَا أَنْ بُويع حتَّىٰ عَالَن النَّاس بسياسته الَّتي عزم على أتباعها من أجل تحقيق الأهداف الَّتي قبل الحكم لأجلها.

وقد عرفت أنَّ هذه السياسة لم تكن شيئاً مُرتجلاً أصطنعه لنفسه يوم ولي الخلافة، وإِنَّما كانت خُططاً مدروسة ومنتزعة من الواقع الَّذي كان يُعانيه المُجْتَمَع الإسلامي آنذاك، ومعدة لأنَّ تبلغ بهذا المُجْتَمَع خُطوات إلى أمام ومُهَيَّأة لتنيل هذا المُجْتَمَع المَطامح الَّتي كان يحلم بها ويصبو إليها.

وقد كانت إصلاحاته السياسية تتناول ثلاثة ميادين: الإدارة، والحقوق، والمال.


1) أنظر نهج البلاغة: الرسالة (62) « إلى أَهْل يضر».

أ - الإدارة:

ففيما يرجع إلى سياسة الإدارة عزل ولاة عُثمان عن الأمصار، هؤلاء الولاة الَّذِين كانوا السبب المباشر في الثورة لظلمهم وبغيهم وعدم درايتهم بالسياسة وأُصول الحكم، وولى من قبله رجالاً ذوي دين وعقل وبعد نظر وحُسن تدبير.

ب - الحقوق:

وفيما يرجع إلى الحقوق نادى بأنّ المُسلمين جميعاً سواء في الحقوق والواجبات في الإسلام، وقد كانت هناك فروق حقوقية جاهلية نسفها الإسلام ولكن عهد عُثمَان أعادها، فقُريش ذات الماضي العريق في السيادة على القبائل العربية عادت فى زمن عُثمان فأتلعت جيدها وأعادت تلك الفروق، فغدا أُناس ليس لهم مَاضٍ مُشرّف بالنسبة إلى الإسلام ونَبيه يَتعالون عَلَى أَعظَم المُسلمين جهاداً وسابقة وبلاء، لمُجرد أنهم قرشيون.. هذه الفروق المعنوية الجاهلية حطمها الإمام، فقال: « فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا، وَتَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا وَنَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا وَمَضَيْتُ بِنُورِ اللَّهِ حِينَ وَقَفُوا. وَكُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً، وَأَعْلاهُمْ فَوْتاً، فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا، وَاسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا. كَالْجَبَلِ لا تُحَرِّكُهُ الْقَوَاصِفُ، وَلا تُزِيلُهُ الْعَوَاصِفُ. لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فِيَّ مَهْمَنٌ، وَلا لِقَائِلٍ فِيَّ مَعْمَةٌ. الدَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى أَخُذَ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى أَخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ. رَضِينَا عَنِ اللَّهِ قَضَاءَهُ، وَسَلَّمْنَا

للهِ أَمْرَهُ. أَ تَرَانِي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ ‏)؟ وَاللهِ لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ، فَلا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ. فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِي، فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيْعَتِي، وَإِذَا الْمِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَيْرِي » (1).

ج - المَال:

وفيما يرجع إلى سياسة المال وقف موقفاً صارماً، فصادر جميع ما أقطعه عُثمان من القطائع وما وهبه من الأموال العظيمة لطبقة الإريستوقراطيين، وقد صَرّح بذلك في أوّل خُطبة خطيها بعد خلافته، فقال:

« أَيُّها النّاس ! إِنِّي رَجُل مِنكُم لِي مَا لَكُم وعَليّ مَا عَلَيْكُم، وإِنِّي حَامِلكُم عَلى مَنْهج نَبِّيكُم، وَمُنفّذ فِيكُم مَا أمرَ بهِ، ألا وَإِنْ كُلِّ قَطِيعَة أَقْطَعَهَا عُثمَان، وكُلِّ مَال أعْطَاه مِن مَال الله، فهو مَردُود فِي بَيْت المَال فإنّ الحَقِّ لا يُبطلهُ شَيء، وَاللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوجَ بِهِ النِّسَاءُ، وَمُلِكَ بِهِ الْإِمَاءُ، لَرَدَدْتُهُ، فَإِنَّ فِي الْعَدْلِ سَعَةٌ. وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ، فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ! » (2).

وكانت سُنّة رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ ‏) في توزيع الأموال هي التسوية بين الفاضل


1) انظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (37) «القوَّة للحقِّ».

2) نهج البلاغة، رقم النّص: (15) ولم يذكر الشريف الرضي هذا النّص بتمامه، وإِنما ذكره أبن أبي الحَدِيد، وغيره من شُرّاح نهج البلاغة.

والمَفضُول، لأنَّ النظر في هذا الأمر إلى الحاجة لا إلى الفضل، ولأنَّ الفضل ليس عرضاً يُشرى ويُباع، ولأنَّ الفاضل يجد عند الله وعند الناس ثواب فضله، ولكن أبا بكر وعمر فضلا بعض الناس على بعض، وإذا كانا قد فضلا فإنّهما قد فعلا ذلكَ بحكمة أمّا عُثمَان فقد فضّل دون مقياس للتفضيل، وبذلك زاد التفاوت بين الطبقات فُحشاً وبُعداً، فلما جاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عدل عن هذه السياسة وسوّى بين الله النّاس في العطاء.

وبقدر ما كانت هذه السياسة مصدر جذل وفرح للطبقة المُستضعفة الفقيرة الرازحة تحت أثقال من الظلم كانت أيضاً صفعة مدوية لقريش ولغُرورها وخيلاتها وأستعلائها عَلى النّاس.

فمن أين لها بعد اليوم أن تحوز الأموال العظيمة دون أن تنفرج شفتان تقولان لهَا: « مِنْ أَينَّ لَكَ هَذَا ؟ ».

وكيف لها بعد اليوم أن تستعلي، وتستبد، وتفرض على الناس في ظلّ الإسلام سلطانها عليهم في الجاهلية ؟.

وكانت هذه السياسة صفعة مُدوية لزعماء القبائل العربية الَّذِين كانوا يقبضون ليسكتوا.

وكانت هذه السّياسة صفعة مدوية لمن مالاً ولاة عُثمَان عَلى سياستهم من أهل المدينة وغيرهم.

وكانت صفعة مدوية لولاة عُثمان المعزولين، المُجردين من السلطان، الَّذِين ينتظرهم مصير لا يُحسدون عليه عند الحاكم الجَدِيد بما ظَلموا، وأساء وا السيرة، وجَاروا عَلى الرّعية.

كلّ هؤلاء أورثهم كرباً شديداً مصير الحكم إلى علي بن أبي طالب، ولعلهم قد فكروا أَنْ يُساوموه على بذل طَاعتهم له عَلى أَنْ يُغضي عمّا سَلف منهم، ويأخذهم باللين والهوادة فيها يستقبلون، فأرسلوا إليه بعض زُعماء بني أمية يقُول له:

«يَا أبا الحسن... إنك قد وترتنا جميعاً... ونحنُ نُبايعك عَلَى أَنْ تَضع عنا ما أصبناه من المال أيّام عُثمَان...» (1)

فقَال: أما ما ذكرتُم من وتري إيَّاكم فالحق وتركم، وأما وضعي عنكم ما أصبتُم فليس لي أنْ أضع حق الله عنكم ولا عن غيركم، وأمّا قتلى قتلة عُثمان فلو لزمني قتلهم اليوم لقتلتهم أمس، ولكن لكُم عَليَّ إن خفتموني أن أؤمنكُم وإنْ خِفتكُم أن أسيركم.

أنظر، شَرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 39/7 - 38.

.

ولكنّه أبى عليهم ذلك وأصر عَلَى أَنْ يَحملهم عَلى الخُطَّة الَّتي يُريد، و الَّتي يرى الصلاح في أتباعها.


وقد حدث ردّ الفعل عند هؤلاء في حرب الجمل الَّتي كانت تدبيراً دبره من لم يماش الحكم الجديد أهواءهم من بني أُمَيَّة وغيرهم من ولاة عُثمان إلا أنَّ الحَركة في صميمها كانت أموية خالصة. وقد كان القائمون بهذه الحركة يُريدون أن يعطفوا أزمة الحكم إلى جانبهم بعد


1) القائل هو الوليد بن عقبة بن أبي المعيط: «يَا أبا الحسن، إنك قد وترتنا جميعاً، أما أنا فقتلت أبي يوم بدر صبراً، وخذلت أخي يوم الدار بالأمس، وأما سعيد فقتلت أباه يوم بدر في الحرب - وكان ثور (نُور ) قريش وأما مروان فسخفت أباه عند عُثمان إذ ضمه إليه، ونحنُ إخوتك ونظراؤك من بني عبد مُناف، ونحنُ نُبايعك اليوم عَلَى أَنْ تَضع عنا ما أصبنَاء من المال في أيَّامٍ عُثمَان، وأَنْ تَقتل قتلته، وإِنَّا إِنْ خفناك تركناك، فالتحقنا بالشام.

أَنْ صَفِرت أيديهم من مساعدة الإمام لهم على ما يبتغون. ولكن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قضى عَلَى الحَركة في مهدها، ففرّ من أخطأه السّيف، ممّن تولى كبرها إلى الشّام.


وأنتقل الإمام، بعد أن فرغ من أمر الجمل، بحكومته من الحجاز إلى العراق، وأتخذ الكوفة قاعدة لحكمه. والكوفة يومئذ مركز النقل في المجتمع الإسلامي الناشيء.

وفي العراق استمر الإمام على سياسته المالية والإدارية الَّتي استنها لنفسه، وأذاعها في النّاس، فالمساواة في الأعطية أمر مفروغ منه، ومؤاخذة العُمّال عَلَى الصغيرة والكبيرة، ومراقبتهم وإذكاء العيون عليهم أمر لازم لا معدى عنه.

وكانت العناصر المُسلمة غير العربية كثيرة في الكوفة، فكانت تضم عدداً كبيراً من الفرس وغيرهم ممن دخلوا في الإسلام، وكان هؤلاء يحتلون طبقة إجتماعيَّة منحطة في نظر العرب ذوي النزعة القبلية، وكان من العسير على العربي أن يتصور أنه مساءٍ في القيمة لهؤلاء، ولذلك كان يطمح إلى أَنْ يَتميز عليهم، ولكن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يُلْقِ بالاً إلى كلّ هذا، فالمساواة مبدأ شامل يسري على كلّ فرد عربياً كان أو أعجمياً.

لقد كان حرباً بهذه السياسة الواعية لآلام الشعب وآماله، الطامحة إلى إسعاده، أن تنجح لو لم تعاكسها سياسة أُخرى.

ففي الوقت الَّذي قامت فيه حكومة الإمام في الكوفة، قامت حكومة أُخرى في الشّام برئاسة معاوية بن أبي سفيان.

وبينما كانت حكومة الإمام تسير على نهج إسلامي خالص، أي أنها كانت تحقق للرعية أقصى قدر مُستطاع - في ظروفها الإقتصادية والسياسية والعسكريَّة - من الرفاهية والأمن والعدالة كانت حكومة مُعاوية تسير عَلَى نَهْج آخر في الحُكم يقوم على شراء الضّمائر بالمال، وتفضيل طَائِفَة عَلى حساب حِرمان طَائفة أُخرى، وتعطيل السبل، وتعكير الأمن.

ولم يكن مُعاوية يُبالي في أَنْ يُنْزِل بدافعي الضرائب من الزراع والتجار أفدح الظلم، في سَبيل أنْ يحصل منهم على مزيد من المال يغذي به أطماع حفنة من رؤساء القبائل العربية يُؤلفون جهازه العسكري المُتأهب دائماً لقمع أي حركة تحررية: رية تقوم بها جماعة من النّاس.

وقد أتت هذه السياسة أكلها جيداً في العراق.

فقد كان رُؤساء القبائل في العراق يرون سياسة مُعاوية فيعجبون بها، فهي تُلبي ما يطمحون إليه من غنى ووجاهة وأرتفاع قدر، بينما هم لا يجدون شيئاً من هذا في حكومة الإمام.

وقد كان المُجتمع العراقي قبلياً، فلكل قبيلة رئيسها وأشرافها وتقاليدها وأمجادها.

والرجل ذو الرّوح القبلية كما يثبت علم الإجتماع - عالمه قبيلته فهو ينفعل بإنفعالاتها، ويطمح إلى ما تطمح إليه، ويُعادي من تعادي، وينظر إلى الأمور من الزاوية الَّتي تنظر منها هذه القبيلة، وذلك لأنه يخضع للقيم القبلية الَّتي تُدين بها هذه القبيلة.

وتتركز مشاعر القبيلة كلّها في رئيسها، فالرّئيس في المُجْتَمَع القبلي هو

المهيمن، والمرجع، والموجه الأوحدي للقبيلة كلّها. فيكفي أن يقول الرئيس كلمة لتصبح قانون القبيلة كلّها، ويكفي أن يتخذ موقفاً ليكون موقف القبيلة كلها، ولا أحسب أنَّ من يتعالون على هذا الأسر يتجاوزون أصابع اليدين كثيراً.

هذه هي طبيعة المُجتمع القبلي.

وقد أثر الإسلام عَلى هذه الطّبيعة بلا شك، ولكن التأثير لم يكن حاسماً، فقد وقعت في الحقب السياسية الَّتي خلفت النَّبيِّ أخطاء سببت عودة الروح القبلية على أشدها.

وإذا عرفنا هذا وسعنا أن نفهم الأثر البعيد الَّذي كانت تتركه سياسة مُعاوية في المجتمع العراقي أبَان ذَلكَ العهد.

فهذا المُجْتَمَع قبلي يدين لرؤسائه بالطاعة المطلقة.

وهؤلاء الرؤساء يطمحون إلى مزيد من القوة والسلطان والغنى والمنزلة لاجتماعية ولا يجدون شيئاً منها عند الإمام بينما هم يجدونها عند معاوية كما يشتهون.

ويقول هؤلاء الرؤساء إن حكومة مُعاوية خير من حكومة علي وهي خير لهم بلا إشكال، وتسمع القبيلة كلّها مقالة زعيمها فتدين بها، غير واعية أَنَّ حكومة مُعاوية إنْ كانت خَيراً لرؤسائها فحكومة على خير لها، وذلكَ لأَنَّ هذه تَسْتنُ المساواة سياسة لهما بينما تشتنّ تلك سياسة الأثرة، وهم لا يعون هذا، لأنَّهم ينظرون إلى الأمور بالمنظار الَّذي ينظر به الرؤساء.

على هذا النحو كانت سياسة مُعاوية تؤثر في العراق، وقد وعى ذلك جماعة من المخلصين للإمام فقالوا له:

« يا أَمِير المُؤمِنِين أعطِ هَذه الأموال، وفضّل هؤلاء الأشراف من العرب وقُريش على الموالي والعجم وأستمل من تخاف خلافه من الناس (1).

ناظرين إلى ما يصنع مُعاوية، ولم يكن رؤساء القبائل العربية في العراق يطمعون بأكثر من هذا، ولكن الإمام أجَابهم قائلاً:

« أَتَأْمُرُوني أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ وَاللهِ لا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ (2)، وَمَا أَمَّ نَجْمٌ ! فِي السَّمَاءِ نَجْماً (3)! لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ! أَلَا وَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ، وَإِسْرَافٌ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا، وَيَضَعُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ، وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللهِ. وَلَمْ يَضَعِ اَمْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَلا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلا حَرَمَهُ اللهُ شُكْرَهُمْ، وَكَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ. فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَأَحْتَاجَ إِلَىٰ مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَلِيلٍ، وَأَلْأَمُ خَدِينٍ» (4).

وقد صارت الشّام ملاذاً لمَن يغضب عَليه الإمام لخيانة خانها في عمله، أو جريرة جرّها عَلى نَفسه. ومطمحاً لمن يُريد الغنى والمنزلة، فيجد عند مُعاوية


1) شرح النهج لابن أبي الحديد: 182/2.

2) مَا أَطُورُ: مِن طَار يَطُور حول الشّيء» إِذَا حَام حوله، أي: ما أمر به، ولا أقاربه «مَا سَمَرَ سَمِيرٌ » أي مدى الدَّهر، وهو مثل. قالوا: السمير هو الدهر.

3) أَمَّ: قصد: أي مَا قَصَد نَجْم نَجْماً.

4) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (126) «لا أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ».

الإكرام، والرّفعة، والعطاء، والمنزلة الاجتماعية.

وقد كتب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مرة إلى عامله سهل بن حنيف في شأن قوم من أهلها لحقوا بمُعاوية:

« أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِمَّنْ قِبَلَكَ يَتَسَلَّلُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَلَا تَأْسَفْ عَلَى مَا يَقُوتُكَ مِنْ عَدَدِهِمْ، وَيَذْهَبُ عَنْكَ مِنْ مَدَدِهِمْ، فَكَفَى لَهُمْ غَيّاً، وَلَكَ مِنْهُمْ شَافِياً، فِرَارُهُمْ مِنَ الْهُدَى وَالْحَقِّ، وَإِيضَاعُهُمْ إِلَى الْعَمَى وَالْجَهْلِ؛ فَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ دُنْيَا مُقْبِلُونَ عَلَيْهَا، وَمُهْطِعُونَ إِلَيْهَا (1)، وَقَدْ عَرَفُوا الْعَدْلَ وَرَأَوْهُ، وَسَمِعُوهُ وَوَعَوْهُ، وَعَلِمُوا أَنَّ النَّاسَ عِنْدَنَا فِي الْحَقِّ أُسْوَةٌ، فَهَرَبُوا إِلَى الْأَثَرَةِ (2)، فَبُعْداً لَهُمْ وَسُحقاً !!.

إِنَّهُمْ - وَاللهِ - لَمْ يَنْفِرُوا مِنْ جَوْرٍ، وَلَمْ يَلْحَقُوا بِعَدْلٍ، وَإِنَّا لَنَطْمَعُ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَنْ يُذَكَّلَ اللهُ لَنَا صَعْبَهُ، وَيُسَهِّلَ لَنَا حَزْنَهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالسَّلَامُ» (3).

وقد وصف (عَلَيهِ السَّلَامُ) سياسة مُعاوية بقوله:

« طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبّهِ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَأَحْمَىٰ


1) مُهْطِع: مُشرع.

2) الأثرة بالتحريك - اختصاص النفس بالنفع، وتفضيلها عَلى غَيرها. والسحق - بضم السين - البعد.

3) انظر، نَهْج البلاغة: الرَّسَالَة (70) « إِلى سَهْل بن حُنَيْف ».

مَوَاسِمَهُ (1)، يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، مِنْ قُلُوبِ عُني، وَآذَانٍ صُمّ، وَأَلْسِنَةٍ بُكْم، مُتَتَبَّعُ بِدَوَانِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ، وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ، لَمْ يَسْتَضِيتُوا بِأَضْوَاءِ الْحِكْمَةِ، وَلَمْ يَقْدَحُوا بِزِنَادِ الْعُلُومِ الثَّاقِبَةِ، فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالأَنْعَامِ السَّائِمَةِ، وَالصُّخُورِ الْقَاسِيَةِ. قَدِ أَنْجَابَتِ السَّرَائِرُ لِأَهْلِ الْبَصَائِرِ، وَوَضَحَتْ مَحَجَّةُ الْحَقِّ لِخَابِطِهَا، وَأَسْفَرَتِ السَّاعَةُ عَنْ وَجْهِهَا، وَظَهَرَتِ الْعَلامَةُ لِمُتَوَسِّمِهَا. مَا لِي أَرَاكُمْ أَشْبَاحاً بِلاَ أَزْوَاحِ، وَأَرْوَاحاً بِلاَ أَشْبَاحٍ، وَنُسَّاكاً بِلاَ صَلاَحٍ، وَتُجَّاراً بِلا أَرْبَاحٍ، وَأَيْقَاظاً نُوْماً، وَشُهُوداً غُيَّباً، وَنَاظِرَةً عَمْيَاءَ، وَسَامِعَةً صَمَّاءَ، وَنَاطِقَةً بَكْمَاءَ » (2)!.

وهكذا فعلت سياسة مُعاوية فعلها في مُجتمع الإمام، فتمالاً رؤساء أصحابه عَلى الخيانة، وتخاذلوا عن نَصره فلا يُجيبونه حين يدعوهم، ولا ينصرونه حين يستنصرهم، وما أكثر خُطبه وكلماته الَّتي أعلن فيها شكواه منهم، وبَرَمَه بهم، من ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«يَا أَشْبَاءَ الرِّجَالِ، وَلا رِجَالَ حُلُومُ الأَطفَالِ، وَعُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ (3)، لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ، وَلَمْ


1) مُوَاسِمَه، جَمع مِيسَم - بكسر الميم - وهو المُكواة.

2) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (108) «أَشْبَاحٌ بِلا أَرْوَاحٍ ».

3) حِجَال: جمع حجلَة، وهي القبة تكون فيها المرأة، وموضع يُزن بالثياب للعروس. وربات الحِجال: النِّسَاء.

أَعْرِفْكُمْ مَعْرِفَةٌ - وَاللهِ - جَرَّتْ نَدَماً، وَأَعْقَبَتْ سَدَماً (1). قَاتَلَكُمُ اللهُ ! لَقَدْ مَلَأْتُمْ قَلْبِي قَيْحاً، وَشَحَتْتُمْ صَدْرِي غَيْظاً، وَجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ التَّهْمَامِ أَنْفَاساً (2). وَأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالْعِصْيَانِ، وَالْخِذْلانِ، حَتَّى لَقَدْ قَالَتْ قُرَيْسُ: إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ رَجُلٌ شُجَاعٌ، وَلَكِنْ لا عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ، للهِ أَبُوهُمْ وَهَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً، وَأَقْدَمُ فِيْهَا مَقَاماً مِنِّي ! لَقَدْ نَهَضْتُ فِيْهَا، وَمَا بَلَغْتُ الْعِشْرِينَ، وَهَا أَنَا ذَا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِّينَ ! وَلَكِنْ لا رَأْيَ لِمَنْ لأ» (3).

وقد ظَهر أثر هذه السياسة على أشده بعد صفّين، فحِين أنتهت مهزلة التَّحكيم -كمَا شَاء دهاء عمرو بن العاص وغباء أبي موسى الأشعري أو سوء نيته - دأب مُعاوية على إرسال جيوش صغيرة سريعة فتضرب، وتَقتل، وتَنهب، وتُروع الآمنين دون أن يعترضها مُعترض. فَإذا ما دعا الإِمَام رؤساء أصحابه إلى اللحاق بها تقاعسوا عنه وصموا أسماعهم دونه.

وأظهر مصاديق هذه الخيانة تجلت يوم سَيّر مُعاوية جيوشه إلى مصر، فقد دعا الإمام رؤساء أصحابه إلى إنجاد مُحَمَّد بن أبي بكر قبل أن تفوت الفرصة وتملك عليهم مصر، فلم يجبه منهم مُجيب حتَّى أنتهى الأمر بسقوط مصر في يد


1) السدم: الهم مع أسف أو غيظ.

2) النَّغَب: بمعنى جرع، وعلى وزنها، وهي جمع نَغبة كجرعة، وبمعناها. والتهمام - بالفتح - الهم. وقوله أَنْفَاسَاً » أي جرعة بعد جرعة.

3) أنظر نهج البلاغة: الخطبة (27) « يَا أَشْيَاءَ الرَّجَالِ، وَلا رِجَال».

مُعاوية ومقتل مُحَمَّد بن أبي بكر رَحمهُ الله.

وقد كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعرف كيف يجعلهم إلى صفه لو أراد، فيُفضلهم، ويُعطيهم الأموال، ويحملهم على رقاب النّاس، ويُرضي غرورهم القبلي، ولكن ذلك كان ينقلب به إلى جبار يدعم ملكه بالسيف، بدل أن يكون أباً للرعية تدعم سلطانه القلوب. لقد قالَ لهم مرّة:

«كَمْ أَدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى الْبِكَارُ الْعَمِدَةُ، وَالنِّيَابُ الْمُتَدَاعِيَةُ كُلَّمَا حِيصَتْ مِنْ جَانِبٍ تَهَتَّكَتْ مِنْ آخَرَ، كُلَّمَا أَطَلَّ عَلَيْكُمْ مَنْسِرٌ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ أَغْلَقَ كُل رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَهُ، وَأَنْجَحَرَ أَنْجِحَارَ الضَّيَّةِ فِي جُحْرِهَا، وَالضَّبُعِ فِي وِجَارِهَا. الذُّلِيلُ وَاللهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ وَمَنْ رُمِيَ بِكُمْ فَقَدْ رُمِيَ بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ. إِنَّكُمْ - وَاللهِ - لَكَثِيرٌ فِي الْبَاحَاتِ، قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ، وَإِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ، وَيُقِيمُ أَوَدَكُمْ (1). وَلَكِنِّي لا أَرَى إِصْلاحَكُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِي، أَضْرَعَ الله خُدُودَكُمْ، وَأَتْعَسَ جُدُودَكُمْ لا تَعْرِفُونَ الْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِلَ، وَلَا تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإِبْطَالِكُمْ الْحَقِّ ! » (2).



1) أَوَدَكُم: إعوجاجكُم.

2) أنظر، نَهْج البلاغة: الخُطْبَة (69) «أَفْسِد نَفْسِي بِصَلاحَكُمْ».

هذا هو الواقع الإجتماعي والسياسي الَّذي كان عليه مُجتمع الإمام.

و من الجليّ أنّ مُجتمعاً يُمارس حياته الإجتماعيَّة والسياسيَّة عَلى هذا النحو مُجتمع بعيد عن التَّقوى بُعداً شاسعاً، فالتقوى والقبلية شيئان متضادان، والتَّقوى ونُصرة الباطل شيئان متضادان، والتَّقوى وحبّ الأثرة والتكبر شَيئان متضادان. هذا الواقع كيف كان يسع الإمام أنْ يعدله، هل كَان عَليه أَنْ يُجاري أهواء أصحابه فيبذل لهم ما تطمح إليه أنفسهم؟ لقد قَالَ:

«تَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ » (1).

هل يقتلهم ؟ إنّ ذلك كفيل بإحراج مركزه وإثارة النّاس عليه.

هل ينفيهم ؟ إِنْ ذَلكَ يَدفعهم إلى المُجاهرة بولائهم لمعاوية وبذلك يجرون وراءهم قبائلهم.

لقد كان آمن المواقف معهم أبقاؤهم تحت سمعه وبصره، إن قعدوا عن نصرته لا يستطيعون نُصرة عدوّه. ثُمّ حاول أن يُبدل نظرة الناس إليهم ويُبدل نظرتهم إلى هذه المطامح الَّتي يطمحون إليها بوسِيلَتين:

الأولى: وقد كان يتوجه بها إلى الرجل العادي - هي مُحاربة النزعة القبلية.

فقد كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعلم أَنَّ قوّة هؤلاء الرؤساء مُستمدة من إيمان قبائلهم بهم، فَإذا تزعزع هذا الإيمان لم يعد لهم من قيمة.

الثانية: هي الموعظة، وهو بين فيها للرؤساء أنَّ ما يطمحون إليه وهُم من الوهم، وإنّ حاضرهم خَير لهم من دنيا يصيبونها عن طريق الخيانة والغدر ونُصرة الباطل.


1) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (126) «لَا أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ».

وسنرى أَنَّ الألوان الوعظية في نهج البلاغة تدور حول هذا القُطب.

وقد كان يتوجّه بهذه المواعظ أيضاً إلى الأفراد العاديين الَّذِين يخشى من أَنْ يفتنهم رؤساؤهم بتحبيب دُنيا مُعاوية إلى أنفسهم.

ولعلّ هذا يُفسر كثرة تكرار الإمام لمواعظه. فقلما ترى خُطبة من خُطبه خالية عن الموعظة. إنَّه كان يقصد من وراء هذا التكرار أن يُثبت توجيهاته في ضمائرهم، لتكتسب هذه التوجيهات قوة الطاقة الشعورية في من زيغهم وإنحرافهم.

هذا عن الحَالَة السِّياسيّة والإجتماعيَّة الَّتي كانت تسود عصره (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعن صلتها بالقسم الوعظي من النّهج.


راجع في تعليل طلبه للحكم وسياسته النصوص التالية: ( الشقشقية ) (1)

الشَّاعر هُو مَيمُون بن قيس بن جندل بن ثعلبة الوائلي، ويُكنى أبا بَصِير، كَمَا جَاء فِي طبقات ابن سلام: 36. أنظر، ديوان الْأَعْشَى قَيْس الكَبِير: 96.

شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَىٰ كُورِهَا *** وَيَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرٍ

فَيَا عَجَباً !! بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ - لَشَدُّ مَا تَشَطَّرًا ضَرْعَيْهَا فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كَلْمُهَا، وَيَخْشُنُ مَسُّهَا، وَيَكْتُرُ الْعِثَارُ فِيْهَا، وَالاِعْتِدَارُ مِنْهَا، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ، وَإِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَدَّمَ، فَمُنِيَ النَّاسُ - لَعَمْرُ اللَّهِ - بِخَيْطٍ، وَشِمَاسٍ، وَتَلَونِ وَاعْتِرَاضٍ، فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ، وَشِدَّةِ الْمِحْنَةِ».


1) «أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَا. يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلَا يَرْقَىٰ إِلَيَّ الطَّيْرُ، فَسَدَلْتُ دُونَهَا تَوْباً، وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً، وَطَفِقْتُ أَرْتَنِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَدًّاءَ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فِيْهَا الْكَبِيرُ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ فِيْهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ !. فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى، فَصَبَرْتُ وَ فِي الْعَيْنِ قَنِّى، وَ فِي الْحَلْقِ شَبًا، أَرَى تُرَاتِي نَهْباً، حَتَّى مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ، فَأَدْلَىٰ بِهَا إِلَىٰ فَلَانٍ بَعْدَهُ. ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الْأَعْشَى:

و ( 15 و 37 و 85 و 90 و 124 و 129 و 157 و 222 و 230) وكتابه إِلى عُثمَان ابن حنيف الأنصاري عامله عَلى البَصْرَة - باب الكتب - رقم النص: (45) وكتابه إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لما ولاه إمارتها - باب الكتب - رقم النص (62) (1).

وراجع في ذَمّه لأصحابه وتبرمه بهم النصوص التالية:

(25 و 27 و 29 و 34 و 39 و 67 و 69 و 95 و 104 و 160 و 117 و 123 117 123 و 164 و 178 و 180 و 190 ) ( القاصعَة ) وكتابه إلى عبد الله بن عبّاس بعد مقتل مُحَمَّد بن أبي بكر - باب الكتب - رقم النص: (35)، وكتابه إلى سهل بن حنيف عامله عَلى المَدينة في معنى قوم من أهلها لحقوا بمُعاوية - باب الكُتب - رقم النص: (70) ورقم: ( 261 ) في المُختار من حكم أمِير المُؤمِنِين (2).


1) تقدم ذلك.

2) تقدم ذلك.

النظرَةُ الوَاقِعِيَّة إِلى الحَياةِ في الإِسْلَام وَالخُلُقِ العَربيّ

في الخُلق (1)العربي الأصيل ظاهرة جديرة بالتنويه، حقيقة بالشرح، لأن-ها مفتاح كثير من الأخلاق العربية الكريمة. هذه الظاهرة الَّتي عُنيت هي ( الواقعية ( كما يفهمها العربي ويَسير على ضوئها في الحرب، ومنع الجار، ونَصر الضعيف، وبذل المال وطلب اللذة.

إنّ الموت حتم عَلى كلّ إنسان ومصير لكلّ حي. وموعد الموت مجهول غامض فلا يدري متى يحل ويأزف، وكما يدخل في الظَّن أنْ يكون بعيداً يدخل في الظَّن كذلكَ أَنْ يكون قريباً. وماذا بعد الموت؟ إِنَّه القبر والوحدة والوحشة. والمصير إلى القبر لازم فلا مفرّ منه ولا معدى عنه.

والدُّنيا ؟.. أليس التقلب طبعاً أصيلاً فيها ؟ أليس التلون مُلازماً لها ؟ فقد ينقلب الحال بالعزيز إلى الذل، وبالغني إلى الفقر، بالصحيح إلى المرض،


1) فكرة هذا الفصل مُقتبسة من الأستاذ عبد اللطيف شرارة في كتابه: رُوح العروبة، من فصل قيم أدار فيه الحدث حول ظاهرة الكرم العربي وقد نقلنا عنه الشواهد الشعرية الأربع الأول، ونقلنا بقية الشواهد عن كتاب البخلاء للجاحظ.

وبالسعيد إلى الشقاء.

وإذا كان هذا كله حقاً فلماذا أصدّ النفس عن اللذة حين تشتهي اللذة ؟ ولماذا الفرار من الحَرب حين تستعر الحرب ؟ ولماذا إمساك اليد عن بذل المال حين يَفِد صاحب الحاجة الفقير، وصاحب الغرم التقيل ؟.

إنّ أيامنا على الأرض معدودة، ونها يتنا بعد الحياة الموت، وبعد الموت القبر، وبعد ذلكَ في حسبان الجاهليين - النسيان والفراغ، فلماذا لا نمتع أنفسنا بلذاتها ؟ ولماذا نمسك أيدينا عن صنع وجود كريم لنا يبقى بعد ذهابنا في قُلوب النّاس وعلى ألسنتهم بما نصنع من خير، وبما نُسدي من معروف ؟.

إنّ العجز كل العجز والخرق كل الخرق أنْ يتمرد إنسان على واقعه فيظن الخلود لنفسه، ويدفعه ذلك إلى إمساك يده عن البذل، وإمساك نفسه عن الحرب، والظَّن عليها بلذتها.

هذه النظرة الواقعية ليست شيئاً مُرتجلاً، وإِنَّما هي نتاج تفكير يُفلسف الحياة والموت، وتقلب الأنساب بينهما، وهي أكثر ما تكون شيوعاً في الشعر العربي.

إسمع طُرفة بن العبد كيف يقول في تعليل إسرافه في إنفاقه، وإسرافه في ملاذه، وعدم إمساك يده عن البذل، وعدم إمساك نفسه عن اللذة (1).

أرى قبر نحّامٍ (2)بخيل بماله *** كقبر غوي في البطالة مُفسد

ألا أيهذا اللأئمي أحضر الوغى *** وأن أشهد اللذات هل أنتَ مُخلدي ؟


1) ديوان طرفة بن العبد: 31 تأريخ الطبري: 27/5، كتاب العين للخليل الفراهيدي: 252/3، الصحاح للجوهري: 2039/5، لسان العرب: 12 / 572، تاج العروس: 17 / 681.

2) النَّحِيم: الزّحير والتنحنح، وذلك لأنَّ البخيل إِذَا طلبت إليه حاجة كثر شعاله عندها ليداري أرتباكه.

فإن كنت لا تستطيع دفع منيَّتي *** فدعني أُبادرها بما ملكت يدي


ويقُول يَزيد بن الحكم التّقفي وهو ينصح أبنه (1):

ما بخلُ من هو للمنُون *** وريبها غرض رجيم؟

ويرى القرون أمامه *** هَمَدوا كمَا هَمَد الهَشيم (2)!


وحاتم الطائي يقُول لزوجته (3):

أمَاوِيَّ ما يُغني الشراء عن الفتى *** إِذَا حَشرجتْ يَوماً وضَاق بها الصدر ؟

أمَاوِيَّ إِنْ يصبح صداي (4)بقفرة *** من الأرض لا ماء لديَّ ولا خمر

تري أَنَّ ما أنفقتُ لم يَكُ ضَرَّني *** وأَنَّ يَدي ممّا بخلت به صفر (5)



1) الوافي بالوفيات للصفدي: 46/28.

2) الهَشِيم: اليابس من النبت.

3) الغارات لإبراهيم بن مُحَمَّد الثقفي: 742/2، أمالي السَّيِّد المرتضى: 63/4، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد: 152/1 و 329، جامع البيان لابن جرير الطبري: 40/13، أحكام القرآن للجصاص: 502/3، تأريخ مدينة دمشق لابن عساکر: 375/11.

4) صَدَاي: الصدى، ذكر البوم. والصدى: الَّذي يُجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها. والصدى: العطش. والصدى هنا: ما يبقى من الميت في قبره، يُكني الشاعر بذلك عن الوحدة والوحشة.

5) الصفر - بالكسر: الخَالي «بيت صفر » خال من المتاع. ورجل صفر اليدين: ليس فيها شيء.

وأيَاس بن القائف يقُول (1):

يقيم الرّجال الأغنياء بأرضهم *** وترمي النوى (2)بالمُقترين (3)المراميا

فأكرم أخاك الدهر ما دمتما معاً *** كفى بالممات فُرقة وتناثيا


وقَالَ النّمر بن تولب (4):

وحتَّت عَلى جَمع ومنع، ونفسها *** لها في صُروف الدهر (5)حق كذوب

وكائن رأينا من كريم مرزا (6)*** أخي ثقة، طَلْقِ اليدين وهوب

شهدت، وقاتوني وكنتُ حَسبتني *** فقيراً إلى أن يشهدوا وتغيبي

أعاذلُ إِنْ يَصبح صداي بقفرة *** بعيداً نآني صاحبي وقريبي

تَرَي أَنْ مَا أبقيت لم أك ربَّه *** وأَنَّ الَّذي أمضيت كان نصيبي

وذي إبل يسعى ويحسبها له *** أخي أخي نَصَبٍ (7)في رعيها ودؤوب


1) تاریخ بغداد: 75/1 معجم البلدان: 464/1، الوافي بالوفيات: 8/13، و: 300/21، فوات الوفيات للكتبي: 364/1 و: 131/2، أعلام الدين وصفات المؤمنين للديلمي: 180، الإصابة لابن حجر: 309/5، خزانة الأدب للبغدادي: 291/8.

2) النّوى: البعد. يقولون: «بعدت نواهم إِذَا بَعدوا بُعداً شديداً.

3) المُقترين جمع مُقتر: الفقير المُقل.

4) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي: 118/3، لسان العرب: 454/4 و: 15 / 300، تاج العروس: 594/19، خُزانة الأدب: 2 / 74 و: 199/4.

5) صُروف الدهر: تقلباته ومصائبه.

6) رجل مرزاً: أي كَريم يُصيب النّاس خَيره.

7) النصب: التعب والجهد.

عدت وغدا ربَّ سواه يسوقها *** وبدل أحجاراً وجال قليب (1)


وقال أيضاً (2):

قامت تباكي أَنْ سَبَأت (3)لفتيةٍ *** زقا (4)وخابية بعود مقطع (5)

وقَرْيت في مِقْرَى (6)قَلائص أربعاً *** وقريت بعد قرى قلائص (7)أربع

أتبكيا من كلّ شيء هين؟ *** سَفة بكاء العين ما لم تدمع

فإذا أتاني إخوتي فدعيهم *** يتعللوا بالعيش أو يلهوا معي

لا تطرديهم عن فراشي إنَّه *** لا بُدَّ يومَاً أَنْ سَيخلو مضجعي

هَلاً سألت بعَادياءَ (8)، وبيته *** والخل والخمر الَّتي لم تُمْنَع ؟


1) القليب: البئر. والجَال: جدار البئر.

2) الديوان: 79، الصحاح للجوهري: 4323/6 و: 3/ 515 و 1268 و 1686، لسان العرب: 323/3 و 279/8 و: 211/11 و: 43/15، خزانة الأدب: 310/1، تأريخ الطبري: 453/1، تاج العروس: 5 / 141 و: 205/14 و: 666/19.

3) سبأ الخمر: إذا أشتراها ليشربها. ولا يُقال ذَلكَ إلا في الخمر خاصة.

4) الزق - بالكسر: الشقاء، أو جلد يجز شعره أو صُوفه ولا يُنتف، يُتخذ للشّراب وغيره.

5) العود: الجَمل المُسن. والمقطع - بفتح الطاء - فحل الإبل الَّذي أنقطع عن الضّراب. يُريد الشاعر أَن صاحبته تباكت أسفَاً عَلى أنْ أشترى لأصدقائه خَمراً بتعير مُسن أنقطع عن الضراب لا خير في لحمه ولا ينسل.

6) المِقْرَى - بكسر الميم - وسكون القاف، وفتح الراء - إناء يقرى فيه الضيف وقريت الضيف: أحسنت إليه.

7) قَلائص: جَمع قَلوص: والقَلوص من النوق الشابة، وهي بمنزلة الجارية من النساء.

8) عَاديَاءَ مُراده: السموأل بن عادياء. قوله: « هلأ سَألتِ بعادياءَ...» الباء هنا بمعنى « عَن » مُراده «هلاً سَأَلتِ عن عادياة...» عَلَى نَحو قوله تَعَالَى: سَأَلَ سَالِكُم بِعَذَابٍ وَاقِع ) المعارج: 1. أي عن عذاب، فالبَاء هُنا بمعنى عن. يُريد الشاعر أنْ يقول لصاحبته الَّتي تَلُومه عَلَى بَذله وكَرمه أَنَّ عَليها أَنْ تَسأل عن ابن عادياء الكَرِيم الباذل لتعرف أَنَّ صاحبها مثله.

وقَالَ الحارث بن حلزة (1):

بَيْنا الفتى يسعى ويُسعى له *** تاح (2)لهُ من أمره خَالِجُ (3)

يترك ما رَقَّح (4)من عيشه *** يعيث فيه هَمَجٍ هَامج (5)

لا تكسَع الشَّوْل بأغبَارها (6)*** إنك لا تدري من الناتج (7)


وقَالَ الهذلي (8):

إنَّ الكرام مناهبوك المجد كلّهم فنَاهِبْ *** أخلَف وأتلف، كلّ شيء ذَرّ عنهُ الرّيح ذَاهِبْ


1) ترتيب إصلاح المنطق لابن السكيت الأهوازي: 410، غريب الحديث لابن قتيبة: 354/1، الصحاح للجوهري: 351/1، لسان العرب: 2 / 392 و 451، تاج العروس: 53/4.

2) تاح له الشيء، وأتيح له: قَدّر له.

3) الخَالِجُ: الشاغل، يُقال: خَلجني كذا، أي شغلني، ويُقال: خَلجته أُمور الدُّنيا.

4) رَقّح مَاله: أَصْلَحه.

5) الهَمَج: ذُبَاب صَغير كالبعوض يسقط على وجوه الغنم والحمير وأعينها. وقوله: هَامج توكيد. يُريد أن الإنسان إذا أصلح عيشه وأطمأن يعرض له ما يُفسد حاله ويُنغص عليه عيشه.

6) الكَسَع: أَنْ تَضرب دُبر الإِنسَان بيدك أو بصدر قدمك. والسؤل - بسكون الواو - النوق الَّتي خَفٌ لبنها. والأغبار جمع غُبر - بضم فسكون - بقيَّة اللبن في الضرع. وكَسعت الناقة بغُبرها أي ضربت ضَرعها بالماء البارد ليتراد اللبن في ظهرها.

7) الناتج: الَّذي سَتَنتج له هذه النوق، فربما تكون أنتَ، وربما يكون غيرك.

8) ديوان الهذليين: 2 / 190.

وقالت أمرأة (1):

أنتَ وهبتَ الفِتيةِ السّلاهب (2)*** وإبلاً يحارُ فيها الحالب

وغنماً مثل الجراد الهارب *** متاع أيام وكلّ ذَاهِب


وقَالَ تَمِيم بن مُقبل (3):

فأخلف وأتلف إنَّما المال عمارة *** وكُله مع الدهر الَّذي هو آكله


هذه الواقعية هي في العربي خُلق أصيل كما رأيت.

وقد جاء الإسلام فأكدها، وهذبها، وسما بها، ووجهها وجهة إجتماعيَّة.

فَإذا كان الموت شيئاً لأزماً لنا، وكنا نعتقد بأنّ وراء دنيانا هذه دنيا أُخرى أعظم وأحفل وأنبل، أو دنيا أخرى أنكد وأجفى وأبلغ في الإيذاء فلماذا لا نعد العدّة لرحيلنا، ولماذا يُلهينا حاضرنا الحقير عن مُستقبلنا المرقوب ؟» «ولماذا التكالب والوحشية ؟ ولماذا نُصرّ عَلى أخذ الدُّنيا عن طريق الختل والغدر ؟ ولماذا نصر عَلَى ظُلم إخواننا من النّاس في سبيل أَنْ نَزِيد ذَهبنا المُكدّس درهماً جديداً؟ ولماذا تباغض إخواننا في الدين والإنسانية والوطن في سبيل عرض


1) كتاب المُنمق لمُحَمَّد بن حَبيب البغدادي: 329 معجم ما استعجم للبكري الأندلسي: 35/1.

2) السلهب من الخَيل: الفرس الطويل عَلى وجه الأرض.

3) الصحاح للجوهري: 761/2 و: 1357/4، لسان العرب: 619/4، و: 88/9، تاج العروس: 7/275 و: 198/12.

حقير ؟ فتفسد حياتنا على أنفسنا، ونفسد حياة إخواننا، ونعيش غرباء، لا تجمعنا عاطفة، ولا تصل بين قلوبنا رحمة، ولا يتألق في أعيننا لإخواننا حبّ. ألا يكفينا أَنَّ المَوت سيُفرّق بيننا ؟ لا... لا.

فأكرم أخاك الدهر ما دمتما معاً *** كفى بالممات فرقة وتنائيا

هذه الواقعية الوادعة المُحببة، وهذا الشعور الإنساني الفياض الدافق، كانا غَريبَين عن نفوس الناس وقُلُوبهم في مجتمع العراق أيام الإمام، وقد كان الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَعمل على إعادة الشعور بها إلى النفوس، وسنجده في بعض الألوان الَّتي احتواها القسم الوعظى من كلامه ينعى عَلى النّاس تركها، ويحضّهم على الرّجوع إليها، والصدور في سلوكهم عنها.


وثمة لون آخر من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ربّما لا يسمّى وعظاً، ولكنّه يُندد فيه بالنّاس على تركهم لهذا اللون من النظر إلى الحياة والموت، ويَدعوهم إلى الرّجوع إليه.

قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« عِبَادَ اللهِ، إِنَّكُمْ - وَمَا تَأْمُلُونَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا - أَنْوِيَاءُ مُؤَجَّلُونَ، وَمَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ: أَجَلٌ مَنْقُوصُ، وَعَمَلٌ مَحْفُوظٌ. فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَيَّعَ، وَرُبَّ كَادح خَاسِرٌ. وَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَنِ لَا يَزْدَادُ الْخَيْرُ فِيهِ إِلاّ إِدْبَاراً، وَلا الشَّرُّ فِيهِ إِلا إِقْبَالاً، وَلا الشَّيْطَانُ فِي هَلاكِ النَّاسِ إِلا طَمَعاً. فَهَذَا أَوَانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُهُ،

وَعَمَّتْ مَكِيدَتُهُ، وَأَمْكَنَتْ فَرِيسَتُهُ. أَضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ تُبْصِرُ إِلا فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً، أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً، أَوْ بَخِيلًا اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّهِ وَفْراً (1)، أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً (2)! أَيْنَ أَخْيَارُكُمْ، وَصُلَحَاؤُكُمْ ! وَأَيْنَ أَحْرَارُكُمْ، وَسُمَحَاؤُكُمْ وَأَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ، وَالْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهِمْ أَلَيْسَ قَدْ طَعَنُوا جَمِيعاً عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ، وَالْعَاجِلَة الْمُنَفِّصَة» (3).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« وَلَيْسَ لِوَاضِعِ الْمَعْرُوفِ فِي غَيْرِ حَقٍّهِ، وَعِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ، مِنَ الْحَقِّ فِيمَا أَتَى إِلَّا مَحْمَدَةُ اللُّنَامِ. وَتَنَاءُ الأَشْرَارِ، وَمَقَالَةُ الْجُهَالَ، مَا دَامَ مُنْعِماً عَلَيْهِمْ: مَا أَجْوَدَ يَدَهُ وَهُوَ عَنْ ذَاتِ اللَّهِ بِخَيْلُ. فَمَنْ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَلْيَصِلْ بهِ الْقَرَابَةَ، وَلْيُحْسِنُ مِنْهُ الضَّيَافَةَ، وَلْيَقُكَ بِهِ الْأَسِيرَ، وَالْعَانِي، وَلْيُعْطِ مِنْهُ الْفَقِيرَ، وَالْغَارِمَ (4).


1) الوفر: المال الكَثِير.

2) الوقر: ثقل الأذن وقلّة سماعها.

3) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (129) «الأغنياء والفقراء».

4) الغَارِم: مَن عَلَيه دَين.

وَلْيَصْبِرْ نَفْسَهُ (1)عَلَى الْحُقُوقِ، وَالنَّوَائِبِ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ، فَإِنَّ فَوْزاً بِهَذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا، وَدَرْكُ فَضَائِلِ الْآخِرَةِ، إِنْ شَاءَ اللهُ» (2).


راجع النّصوص التالية: رقم (23) (3)

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لا يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ - وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ عَنْ عِشْرَتِهِ، وَدِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَالسِتَهم. وَهُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَيْطَةٌ مِنْ وَرَائِهِ، وَأَلَتُهُمْ لِشَعَيْهِ، وَأَعْطَفُهُمْ عَلَيْهِ عِنْدَ نَازِلَةٍ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ. وَلِسَانُ الصِّدْقِ يَجْعَلُهُ الله لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يَرِثُهُ غَيْرُهُ.

وَمِنْهَا: أَلا لا يَعْدِلَنَّ أَحَدُكُمْ عَنِ الْقَرَابَةِ يَرَى بِهَا الْخَصَاصَةَ أَنْ يَسُدَّهَا بِالَّذي لَا يَزِيدُهُ إِنْ أَمْسَكَهُ وَلَا يَنْقُصُهُ إِنْ أَهْلَكَهُ، وَمَنْ يَقْبِضُ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ، فَإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْهُ عَنْهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ، وَتُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أَيْدٍ كَثِيرَةٌ، وَمَنْ تَلِنْ حَاشِيَتُهُ يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ الْمَوَدَّةُ ».

و (108) (4)

1) صُبِرْ نَفْسَه: حَبسَهَا.

2) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة ( 142) صَانِعِ الْمَعْرُوفِ ».

3) «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْأَمْرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ كَقَطَرَاتِ الْمَطَرِ إِلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا قُسِمَ لَهَا مِنْ زِيَادَةٍ، أَوْ نُقْصَانٍ، فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ لِأَخِيهِ غَفِيرَةٌ فِي أَهْلٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ نَفْسٍ فَلا تَكُونَنَّ لَهُ فِتْنَةٌ، فَإِنَّ المَرْة الْمُسْلِمَ مَا لَمْ يَغْشَ دَنَاءَةٌ تَظْهَرُ فَيَخْشَعُ لَهَا إِذَا ذُكِرَتْ، وَيُغْرَى بِهَا لِتَامُ النَّاسِ، كَانَ كَالْفَالِجِ الْيَاسِرِ الَّذي يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ تُوجِبُ لَهُ الْمَغْنَمَ، وَيُرْفَعُ بِهَا عَنْهُ الْمَغْرَمُ، وَكَذَلِكَ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ الْبَرِيءُ مِنَ الْخِيَانَةِ يَنْتَظِرُ مِنَ اللَّهِ إِحْدَى الْحُسْنَتَيْنِ: إِمَّا دَاعِيَ اللَّهِ فَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ، وَإِمَّا رِزْقَ اللَّهِ فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْلٍ، وَمَالٍ، وَمَعَهُ دِينُهُ، وَحَسَبُهُ. وَإِنَّ الْمَالَ وَالْبَنِينَ حَرْتُ الدُّنْيَا، وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ حَرْتُ الْآخِرَةِ، وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَقْوَامٍ، فَاحْذَرُوا مِنَ اللهِ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَخْشَوْهُ خَشْيَةٌ لَيْسَتْ بِتَعْذِيرٍ، وَأَعْمَلُوا فِي غَيْرِ رِيَاءٍ، وَلا سُمْعَةٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ لِغَيْرِ اللَّهِ يَكِلْهُ اللهُ لِمَنْ عَمِلَ لَهُ. نَسْأَلُ اللهَ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَمُعَائِشَةَ السُّعَدَاءِ، وَمُرَافَقَةَ الْأَنْبِيَاءِ.

4) «الْحَمْدُ للهِ الْمُتَجَلِّي لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ، وَالظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ. خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ، إِذْ كَانَتِ الرَّوِيَّاتُ لاَ تَلِيقُ إِلَّا بِذَوِي الضَّمَائِرِ، وَلَيْسَ بِذِي ضَمِيرٍ فِي نَفْسِهِ. خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَيْبِ السُّتُرَاتِ، وَأَحَاطَ بِغُمُوضٍ عَقَائِدِ السَّرِيرَاتِ أَخْتَارَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمِشْكَاةِ الصِّيَاءِ، وَذُوابَةِ الْعَلْيَاءِ، وَسُرَّةِ الْبَطْحَاءِ، وَمَصَابِيح الظُّلْمَةِ، وَيَنَابِيعِ الْحِكْمَةِ. طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِيِّهِ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَأَحْمَىٰ مَوَاسِمَهُ، يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ قُلُوبٍ عُمْيِ، وَآذَانٍ صُمّ، وَأَلْسِنَةٍ بُكْم، مُتَنَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ، وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ، لَمْ يَسْتَضِينُوا بِأَضْوَاءِ الْحِكْمَةِ، وَلَمْ يَقْدَحُوا بِزِنَادِ الْعُلُومِ الثَّاقِبَةِ، فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالْأَنْعَامِ السَّائِمَةِ، وَالصُّخُورِ الْقَاسِيَةِ. قَدِ انْجَابَتِ السَّرَائِرُ لِأَهْلِ الْبَصَائِرِ، وَوَضَحَتْ مَحَجَّةُ الْحَقِّ لِخَابِطِهَا، وَأَسْفَرَتِ السَّاعَةُ عَنْ وَجْهِهَا، وَظَهَرَتِ الْعَلَامَةُ لِمُتَوَسمِهَا. مَا لِي أَرَاكُمْ أَشْبَاحاً بِلا أَزْوَاحٍ، وَأَرْوَاحاً بِلاَ أَشْبَاحٍ، وَنُشَاكاً بِلا صَلَاحٍ، وَتُجَّاراً بِلَا أَرْبَاحٍ، وَأَيْقَاظاً نُوْماً، وَشُهُوداً غَيْباً، وَنَاظِرَةٌ عَمْيَاءَ، وَسَامِعَةً صَمَّاءَ، وَنَاطِقَةٌ بَكْمَاءَ... إلخ » !.

و ( 115) (1)و (127) (2)


1) «أَللَّهُمَّ قَدِ انْصَاحَتْ جِبَالُنَا، وَأغْبَرَّتْ أَرْضُنَا، وَهَامَتْ دَوَابْنَا، وَتَحَيَّرَتْ فِي مَرَابِضِهَا، وَعَجَّتْ عَجِيجَ التَّكَالَىٰ عَلَىٰ أَوْلَادِهَا، وَمَلَّتِ التَّرَدُّدَ فِي مَرَاتِعِهَا، وَالْحَنِينَ إِلَى مَوَارِدِهَا ! أَللَّهُمَّ فَأَرْحَمْ أَنِينَ الْآنَّةِ، وَحَنِينَ الْحَانَّةِ: أَللَّهُمَّ فَأَرْحَمْ حَيْرَتَهَا فِي مَذَاهِبِهَا، وَأَنِينَهَا فِي مَوَالِجِهَا أَللَّهُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِينَ اعْتَكَرَتْ عَلَيْنَا حَدَابِيرُ السِّنِينَ، وَأَخْلَفَتْنَا مَخَايِلُ الْجُودِ، فَكُنْتَ الرَّجَاءَ لِلْمُبْتَيْسِ، وَالْبَلَاغَ لِلْمُلْتَمِسِ. نَدْعُوكَ حِينَ قَنَطَ الأَنامُ، وَمُنِعَ الْغَمَامُ، وَهَلَكَ السَّوَامُ، أَلَّا تُؤَاخِذْنَا بِأَعْمَالِنَا، وَلَا تَأْخُذَنَا بِذُنُوبِنَا، وَأَنْشُرْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ بالسَّحَابِ الْمُنْبَعِقِ، وَالرَّبِيعِ الْمُغْدِقِ، وَالنَّبَاتِ الْمُونِقِ، سَحْاً وَابِلًا تُحْيِي بِهِ مَا قَدْ مَاتَ، وَتَرُدُّ بِهِ مَا قَدْ فَاتَ. أَللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ مُحْيِيَةٌ مُرْوِيَةٌ، تَامَّةً عَامَّةٌ، طَيِّبَةٌ مُبَارَكَةٌ، هَنِينَةٌ مَرِيعَةً، زَاكِياً نَبْتُهَا، ثَامِراً فَرْعُهَا، نَاضِراً وَرَقُهَا، تُنْعِشُ بِهَا الضَّعِيفَ مِنْ عِبَادِكَ، وَتُحْيِي بِهَا الْميت مِنْ بِلَادِكَ... إلخ » !.

2) «فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلا أَنْ تَزْعُمُوا أَنِّي أَخْطَأَتُ، وَضَلَلْتُ، فَلِمَ تُضَلِّلُونَ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ ‏) بِضَلَالِي، وَتَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَتِي، وَتُكَفُرُونَهُمْ بِذُنُوبِي سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِتِكُمْ تَضَمُونَهَا مَوَاضِعَ الْبُرْءِ وَالسُّقْمِ، وَتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبُ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) رَجَمَ الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ وَرَّتَهُ أَهْلَهُ، وَقَتَلَ الْقَاتِلَ وَوَرَّتَ مِيرَانَهُ أَهْلَهُ، وَقَطَعَ السَّارِقَ، وَجَلَدَ الزَّانِي غَيْرَ الْمُحْصَنِ، ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْءِ، وَنَكَمَا الْمُسْلِمَاتِ، فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) بِذُنُوبِهِمْ، وَأَقَامَ حَقَّ اللهِ فِيهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الْإِسْلامِ، وَلَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ. ثُمَّ أَنْتُمْ شِرَارُ النَّاسِ، وَمَنْ رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ، وَضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ وَسَيَهْلِكُ فِي صِنْفَانِ: مُحِبُّ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَىٰ غَيْرِ الْحَقِّ، وَمُبْغِضٌ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْبَغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَخَيْرُ النَّاسِ فِي حَالاً النَّمَطُ الْأَوْسَطُ فَالْزَمُوهُ، وَالْزَمُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ. وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَة. فَإِنَّ الشَّاذُ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ، كَمَا أَنَّ الشَّاء مِنَ الْغَنَمِ لِلذُّنْبِ. أَلا مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ، وَلَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هَذِهِ... إلخ ».

و ( 140) (1)

يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَعْجَلْ فِي عَيْبِ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ، فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، وَلَا تَأْمَنْ عَلَىٰ نَفْسِكَ صَغِيرَ مَعْصِيَةٍ، فَلَعَلَّكَ مُعَذَّبٌ عَلَيْهِ. فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَيْرِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَيْبِ نَفْسِهِ، وَلْيَكُنِ الشُّكْرُ شَاغِلَا لَهُ عَلَى مُعَافَاتِهِ مِمَّا أَبْتُلِيَ بِهِ غَيْرُهُ.. إلخ ».

و ( 164) (2)و (165)(3).

1) «وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِصْمَةِ، وَالْمَضْنُوعِ إِلَيْهِمْ فِي السَّلامَةِ أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوبِ، وَالْمَعْصِيَةِ، وَيَكُونَ الشُّكْرُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ، وَالْعَاجِزَ لَهُمْ عَنْهُمْ، فَكَيْفَ بِالْعَائِبِ الَّذي عَابَ أَخَاهُ، وَعَيَّرَهُ بِبَلْوَاهُ! أَمَا ذَكَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذي عَابَهُ بِهِ وَكَيْفَ يَذْمُّهُ بِذَنْبٍ قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ ! فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَكِبَ ذَلِكَ الذَّنْبَ بِعَيْنِهِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ فِيمَا سِوَاهُ، مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَاَيْمُ اللهِ لَئِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَاهُ فِي الكَبِيرِ، وَعَصَاهُ فِي الصَّغِيرِ، لَجَرَاءَتُهُ عَلَى عَيْبِ النَّاسِ أَكْبَرُ !.

2) «إِنَّ النَّاسَ وَرَائِي وَقَدِ اسْتَسْفَرُونِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، وَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ! مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ، وَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ لا تَعْرِفُهُ، إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْءٍ فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ، وَلَا خَلَوْنَا بِشَيْءٍ فتبلغَكَهُ. وَقَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا، وَسَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا، وَصَحِبْتَ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) - كَمَا صَحِبْنَا. وَمَا أَبْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَلا ابْنُ الْخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الْحَقِّ مِنْكَ، وَأَنْتَ أَقْرَبُ إِلَىٰ أَبِي رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) - وَشِيجَةَ رَحِمٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِهِ مَا لَمْ يَنَالَا فَالله اللهَ فِي نَفْسِكَ ! فَإِنَّكَ - وَاللهِ - مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمَيٍّ، وَلَا تُعَلَّمُ مِنْ جَهْلٍ، وَإِنَّ الطرق لوَاضِحَةٌ، وَإِنَّ أَعْلامَ الدِّينِ لَقَائِمَةٌ. فَأَعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللهِ عِنْدَ اللهِ إِمَامٌ عَادِلٌ، هُدِيَ وَهَدَى، فَأَقَامَ سُنَّةٌ مَعْلُومَةٌ، وَأَمَاتَ بِدْعَةٌ مَجْهُولَةٌ. وَإِنَّ السُّنَنَ كثيرةٌ، لَهَا أَعْلام، وَإِنَّ البدع لَظَاهِرَةٌ، لَهَا أَعْلَامٌ. وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَضُلَّ بِهِ، فَأَمَاتَ سُنَّةٌ مَأْخُوذَةٌ، وَأَحْيَا بِدْعَةٌ مَتْرُوكَةٌ... إلخ ».

3) «أَبْتَدَعَهُمْ خَلْقاً عَجِيباً مِنْ حَيَوَانٍ وَمَوَاتٍ، وَسَاكِنٍ وَذِي حَرَكَاتٍ، وَأَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ الْبَيِّنَاتِ عَلَىٰ لَطِيفِ صَنْعَتِهِ، وَعَظِيمٍ قُدْرَتِهِ، مَا أَنْقَادَتْ لَهُ الْعُقُولُ مُعْتَرِفَةٌ بِهِ، وَمَسَلَّمَةٌ لَهُ، وَنَعَقَتْ فِي أَسْمَاعِنَا دَلائِلُهُ عَلَىٰ وَحْدَاثِتِهِ، وَمَا ذَرَأَ مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الْأَطْيَارِ الَّتي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ الْأَرْضِ، وَخُرُوقَ فِجَاجِهَا، وَرَوَاسِيَ أَعْلامِهَا، مِنْ ذَاتِ أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَهَيْئَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ، مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامِ التَسْخِيرٍ، وَمُرَفْرِفَةٍ بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ الْجَوْ الْمُنْفَسِحِ، وَالْقَضَاءِ الْمُنْفَرِج كَوْنَهَا بَعْدَ إِذْ لَمْ تَكُنْ فِي عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ. وَرَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَةٍ، وَمَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُوَ فِي الْهَوَاءِ خُفُوفاً، وَجَعَلَهُ يَدِفُّ دَفِيفاً. وَنَسَقَهَا عَلَى اخْتِلَافِهَا فِي الْأَصَابِيغِ بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ، وَدَقِيقِ صَنْعَتِهِ. فَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي قَالَبِ لَوْنٍ لا يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيهِ، وَمِنْهَا مَغْمُوسُ فِي لَوْنِ صِبْغٍ قَدْ طُوَّقَ بِخِلَافِ مَا صُبغَ بِهِ... إلخ ».

دَعْوَةً إِلى التوازن بَيْن الدُّنْيَا وَالآخِرَة مَوقِفُ الإِمَامِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) مِنَ العَمَل لِلدُّنْيَا مَوْقِفُهُ مِنَ الفَقْر

لا يريد منا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن نقطع أنفسنا عن دنيانا وأَنْ نَحرمها لذات هذه الدُّنيا، وأَنْ نَغل غرائزنا وشهواتنا عن الإنطلاق إن التحرر عن طريق الحرمان شيء عظيم ونبيل، ولكن أكثر النّاس لا يستطيعونه، ولا يقوون على أحتماله.

فها هو (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُقرّر في إحدى كلماته المُضيئة الهادية عُقم كلّ مُحاولة ترمي إلى اقتطاع الإنسان من واقعه: واقع جسمه وغرائزه ورغباته كإنسان، وواقع حياته ذات المطالب والحاجات، وواقع كينونته الإجتماعيَّة.

يُقرر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عُقم كلّ مُحاولة ترمي إلى اقتطاعه من هذا الواقع بالتنكر ل-غرائزه ورغباته وحاجات حياته ولكن لماذا ؟. لأَنَّ أُسر هذه الغرائز والرغبات مودع في طبيعة الإنسان، ولا يسعه التفلت من أسرها إلا بالإستحالة إلى ذات أُخرى.

قال(عَلَيهِ السَّلَامُ):

«النَّاسُ أَبْنَاءُ الدُّنْيَا، وَلاَ يُلاَمُ الرَّجُلُ عَلَى حُبِّ أُمه » (1).

كنّى بذلك عن أَنَّ دوافع الإنسان إلى إجابة حاجات نفسه وشهواتها مودعة فيه، وإذا كانت مودعة فيه فهي جُزء من كيانه، وهي تُسهم في حَبْكَ جُزء من نَسيج وجُوده الإنساني، ولذلك فهو يحبّها ويُقبل عليها، ويأخذ بحظ منها، ولكن لا لوم عليه في ذَلكَ، فهو حينما يُقبل عليها إِنَّما يُلبي بإقباله هاتفاً مُلحاً لا قبل له بكتم صوته مهما أوتي من عزيمة ومضاء.

وهُنا تأتي قصة عاصم بن زياد شاهد صدق عَلى ما نَقُول:

دخل (عَلَيهِ السَّلَامُ) على العَلاء بن زياد الحارثي يعوده فلما رأى سعَة دَاره قَالَ(عَلَيهِ السَّلَامُ):

« مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هَذِهِ الدَّارِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنْتَ إِلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ كُنْتَ أَحْوَجَ؟ وَبَلَىٰ إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَةِ: تَفْرِي فِيهَا الضَّيْفَ، وَتَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ، وَتُطلعُ مِنْهَا الْحُقُوق مَطَالِعَهَا (2)، فَإِذا أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَة.

فَقَالَ لَهُ الْعَلَاءُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَشْكُو إِلَيْكَ أَخِي عَاصِمَ بْنَ زِيَادٍ.

قَالَ: وَمَا لَهُ ؟.

قَالَ: لَبِسَ الْعَبَاءَةَ وَتَخَلَّى عَنِ الدُّنْيَا. قَالَ: عَلَيَّ


1) نَهْج البلاغة، باب المُختار من حكم أمير المُؤمِنِين، رقم النَّص: (303).

2) أطلع الحق مطلعه: أظهره حيث يجب أن يظهر. ومطالع الحقوق مصارفها الشرعية.

به، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ:

يَا عُدَيَّ (1)نَفْسِهِ لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكَ الْخَبِيثُ (2)! أَمَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ! أَتَرَى اللَّهَ أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ، وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا ! أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ !.

قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا أَنْتَ فِي خُشُونَةِ مَلْبَسِكَ وَجُشُوبَة مَأْكَلِكَ !.

قَالَ: وَيْحَكَ، إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى (3)فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ، كَيْلَا يَتَبَيَّعَ (4)بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ » (5)!.

ففي هذه القصة نرى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يلوم العلاء على سعَة دَاره، ويتخذ لومه سَبيلاً إِلى بَيان وجوه الإنتفاع بها، فيُشير إلى أنه لا حرج عَلى المَرء في أَنْ يَجمع بَين الدنيا والآخرة، فيمتع نفسه في الدُّنيا بمباهجها، ويبلغ في الآخرة عُليا الدرجات.

ثُمَّ يُؤنّب عاصماً عَلى فِعله حين هَجر الدُّنيا ولبس العباءة، فَبَيَّن له أنه بفعله هذا أناني يعمل لنفسه، إذ أَنَّ جدوى عمله لو أستطاعه ووالاه لا ترجع إِلا إِليه، وأمّا غَيره من النّاس فلا يصيب منهُ نَفعاً وخاصة أهله وولده وهم ألصق النّاس به، وبيَّن أَنَّ من الخير لهُ أَنْ يَجمع بين العمل لنفسه والعمل لغيره، وأن يجمع بين


1) عُدَيَّ: مُصَفِّر عدوّ.

2) الخَبِيث: الشيطان. أستهام بكَ: تعلقَ بكَ.

3) يُقَدِّرُوا أنفسهم: يُساووا أنفسهم بضُعفاء الناس، فيكونوا قدوة للأغنياء.

4) يَتَبَيَّعَ: يَهيج بالفقير ألم الفَقْر فيهلكه.

5) نهج البلاغة: الخطبة (209) « الْعَلاء وأخوه عَاصِمَ».

الدُّنيا والآخرة. والطيبات ؟ هل حرمها الله ؟ كلاً إن الإنسان مدعو لأن يُصيب مِنها شَريطة ألا يستغرق فيها على نحو يلهيه عن الغاية الرفيعة لوجوده.


وقال(عَلَيهِ السَّلَامُ):

« لِلْمُؤْمِنِ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةً يَرُمُ مَعَاشَهُ (1)، وَسَاعَةً يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ. وَلَيْسَ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ شَاخِصاً إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: مَرَمَّةٍ لِمَعَاشِ، أَوْ خُطْوَةٍ فِي مَعَادٍ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّم (2).

وقال(عَلَيهِ السَّلَامُ):

« خُذْ مِنَ الدُّنْيَا مَا أَتَاكَ، وَتَوَلَّ عَمَّا تَوَلَّى عَنْكَ؛ فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَأَجْمِلْ فِي الطَّلَبِ (3)» (4).


هذا موقفه من الدُّنيا: لا حرج على الإنسَان أَنْ يَطلب الدُّنيا ويسعى إليها ويُصيب من لذاتها، ولكن عليه أنْ يَطلب الدُّنيا من طريق الحلال، ويُصيب من


1) يَرُمُ مَعَاشَهُ: يُصْلح معَاشَه.

2) نهج البلاغة، باب المُختار من حكم أمير المُؤمِنِين، رقم النَّص: ( 388).

3) أي فإِنْ لَم تَترك ما تَولى عَنك وأردت أن تطلبه، فليكن طلبك جميلاً، واقفاً بكَ عند الحق.

4) نَهْج البلاغة، باب المُختار من الحكم، رقم النّص: (391).

دَعْوَةٌ إلى التوازن بَيْن الدُّنيا والآخرَة مَوقِفُ الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مِنَ العَمَل لِلدُّنيَا، مَوْقِفُهُ مِنَ الفَقْر

323

لذتها ما يحلّ ويجمل، ثُمّ لا يتهالك عَلى الدُّنيا ولذاتها على نحو غير إنساني، بحيث ينقلب من إنسان ذي مشاعر نبيلة، وإمكانات رفيعة عالية إلى مُجرد آلة... آلة لجمع النقود وتكديسها، لتنفق في وجوه غير إنسانية. إن هذا ليس جديراً بالإنسان أَنْ يَفعله، أجمل في الطّلب لتعطي لنفسك حقها ولربّك حقه.


والفقر...؟ ما موقف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) منه ؟:

إنّ الإمام لتكره الفقر، ويستعيذ بالله منه، ويأمر الناس بالإستعاذة بالله منه، وينعته بأقبح النعوت. قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«الْغِنَى فِي الْغُرْبَةِ وَطَنٌ، وَالْفَقْرُ فِي الْوَطَنِ غُرْبَةٌ» (1).

«اَلْبُخْلُ عَارٌ، وَالْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ، وَالْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ، وَالْمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ. وَالْعَجْزُ آفَةٌ، وَالصَّبْرُ شَجَاعَةُ، وَالزُّهْدُ تَرْوَةٌ، وَالْوَرَعُ.جنه» (2).

«الْفَقْرُ الْمَوْتُ الأَكْبَرُ» (3).

«أَلَا وَإِنَّ مِنَ الْبَلَاءِ الْفَاقَةَ، وَأَشَدُّ مِنَ الْفَاقَةِ مَرَضُ الْبَدَنِ، وَأَشَدُّ مِنْ مَرَضِ الْبَدَنِ مَرَضُ الْقَلْبِ؛


1) نهج البلاغة، باب المُختار من حكم أمير المُؤْمِنِين، رقم النَّص: ( 55 ).

2) نهج البلاغة، باب المُختار من حكم أمير المُؤمِنِينَ، رَقمِ النّص: (3).

3) نهج البلاغة، باب المُختار من حكم أمير المُؤْمِنِين، رقم النَّص: ( 162 ).

أَلَا وَإِنَّ مِنْ النِّعَمِ سَعَةَ الْمَالِ، وَأَفْضَلُ مِنْ سَعَةِ الْمَالِ صِحَّةُ الْبَدَنِ، وَأَفْضَلُ مِنْ صِحَّةِ الْبَدَنِ تَقْوَى الْقَلْبِ» (1).

وقَالَ لابنه مُحَمَّد بن الحنفية:

« يَا بُنَيَّ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ الْفَقْرَ، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، فَإِنَّ الْفَقْرَ مَنْقَصَةٌ لِلدِّينِ، مَدْهَشَةٌ لِلْعَقْلِ، دَاعِيَةٌ لِلْمَقْت» (2).

وإِنَّ إِنسَاناً ينعت الفقر بهذه النعوت لا يمكن أَنْ يُقال عنهُ إِنَّه يُحبذ الفقر ويكره الغنى، ولقد كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يستعيذ بالله من الفقر، ويسأله أَنْ يُغنيه، فمِن دُعاء له (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« أَللَّهُمَّ صُنْ وَجْهِي بِالْيَسَارِ (3)، وَلَا تَبْذُلْ جَاهِيَ بِالْإِقْتَارِ (4)فَأَسْتَرْزِقَ طَالِبِي رِزْقِكَ، وَأَسْتَعْطِفَ شِرَارَ خَلْقِكَ، وَأُبْتَلَى بِحَمْدِ مَنْ أَعْطَانِي، وَأُفْتَتَنَ بِذَمٌ مَنْ مَنَعَنِي، وَأَنْتَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلِيُّ الْإِعْطَاءِ وَالْمَنْعِ. (إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (5)» (6).

ومِن دُعَاء له (عَلَيهِ السَّلَامُ):


1) نهج البلاغة، باب المُختار من حكم أمير المُؤْمِنِينَ، رَقم النَّص: (387).

2) نهج البلاغة، باب المُختار من حكم أمير المُؤمِنِين، رقم النّص: (319).

3) صيانة الوجه: حفظه من ذل السؤال، واليَسَار الغنى. يَسأل الله تَعَالى أَنْ يُغنيه لئلا يضطر إلى السؤال.

4) بَذل الجَاه: إسقاط المنزلة. والإفتقار الفقر. يَسأل الله تَعَالى ألا يَفْقره فتسقط منزلته.

5) آل عمران: 26 والتحريم: 8.

6) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة ) (225) «أَعُوذُ بِالله مِن الفَقْر».

« الْحَمْدُ للهِ الَّذي لَمْ يُصْبحْ بِي مَيْتاً، وَلَا سَقِيماً، وَلَا مَضْرُوباً عَلَى عُرُوقِي بِسُوءٍ، وَلَا مَأْخُوذاً بِأَسْوَإِ عَمَلِي، وَلَا مَقْطُوعاً دَابِرِي، وَلَا مُرْتَدَّاً عَنْ دِينِي، وَلَا مُنْكِراً لِرَبِّي، وَلَا مُسْتَوْحِشاً مِنْ إِيمَانِي، وَلَا مُلْتَبِساً عَقْلِي، وَلَا مُعَذَّباً بِعَذَابِ الأُمَمِ مِنْ قَبْلِي. أَصْبَحْتُ عَبْداً مَمْلُوكاً ظَالِماً لِنَفْسِي، لَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ وَلَا حُجَّةَ لِي. وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ إِلَّا مَا أَعْطَيْتَنِي، وَلَا أَتَّقِيَ إِلَّا مَا وَقَيْتَنِي. أَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَفْتَقِرَ فِي غِنَاكَ، أَوْ أَضِلَّ فِي هُدَاكَ، أَوْ أَصَامَ فِي سُلْطَائِكَ، أَوْ أَضْطَهَدَ وَالْأَمْرُ لَكَ. أَللَّهُمَّ اجْعَلْ نَفْسِي أَوَّلَ كَرِيمَةٍ تَنْتَزِعُهَا مِنْ كَرَائِمِي، وَأَوَّلَ وَدِيعَةٍ تَرْتَجِعُهَا مِنْ وَدَائِعِ نِعَمِكَ عِنْدِي. أَللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَذْهَبَ عَنْ قَوْلِكَ، أَوْ أَنْ تُفْتَتَنَ عَنْ دِينِكَ. أَوْ تَتَابَعَ بِنَا أَهْوَاؤُنَا دُونَ الْهُدَى الَّذي جَاءَ مِنْ عِنْدِكَ » (1).

وَهَكذا ترى أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُحارب الفقر حرباً لا هوادة فيها، ويُحذِّر منه، ويَستعيذ بالله أَنْ يَبتليه به.

إن الدنيا عِندَه جديرة بالإقبال عليها، والعمل فيها، والأخذ بحظ من مُتعها ولذاتها، وإنّ الفقر عنده أمرٌ مَذموم خَطر، عَلى الإِنسَان أَنْ يَتخلص منهُ ويَستعيذ


1) انظر، نَهْج البلاغة: الخُطْبَة ( 215) «الله الحُجَّة».

بالله من بلوائه.


راجع النّصوص التالية: ( 205) (1)و (211) (2)و 221 (3))، وفي باب المختار من حكم أمير المُؤمِنِين راجع النصوص التالية: رقم (3) و (56)


1) « تَجَهَّرُوا رَحِمَكُمُ اللهُ ! فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ، وَأَقِلُوا الْعُرْجَةَ عَلَى الدُّنْيَا، وَأَنقَلِبُوا بِصَالِحٍ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ، فَإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةٌ كَؤُوداً، وَمَنَازِلَ مَخُوفَةٌ مَهُولَةٌ، لَا بُدَّ مِنَ الْوُرُودِ عَلَيْهَا، وَالْوُقُوفِ عِنْدَهَا. وَاعْلَمُوا أَنَّ مَلَاحِظَ الْمَنِيَّةِ نَحْوَكُمْ دَانِيَةٌ، وَكَأَنَّكُمْ بِمَخَالِبِهَا وَقَدْ نَشِبَتْ فِيكُمْ، وَقَدْ دَهَمَتْكُمْ فِيهَا مُفْظِعَاتُ الأُمُورِ، وَمُعْضِلَاتُ المَحْذُورِ. فَقَطْعُوا عَلَائِقَ الدُّنْيَا، وَاسْتَظْهِرُوا بِرَادِ التَّقْوَى».

2) « وَكَانَ مِن أَقْتِدَارِ جَبَرُوتِهِ، وَبَدِيعِ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ، أَنْ جَعَلَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ الزَّاخِرِ الْمُتَرَاكِمِ الْمُتَقَاصِفِ، يَبَاً جَامِداً، ثُمَّ فَطَرَ مِنْهُ أَطْبَاقاً، فَفَتَقَهَا سَبْعَ سَمَاوَاتٍ بَعْدَ ارْتِتَاقِهَا، فَأَسْتَمْسَكَتْ بِأَمْرِهِ، وَقَامَتْ عَلَىٰ حَدِّهِ. وَأَرْسَىٰ أَرْضاً يَحْمِلُهَا الْأَخْضَرُ الْمُتَعَنْجِرُ، وَالْقَمْقَامُ الْمُسَخَّرُ، قَدْ ذَلَّ لِأُمْرِهِ، وَأَذْعَنَ لِهَيْبَتِهِ، وَوَقَفَ الْجَارِي مِنْهُ لِخَشْيَتِهِ. وَجَبَلَ جَلَامِيدَهَا، وَنُشُوزَ مُتُونِهَا وَأَطْوَادِهَا، فَأَرْسَاهَا فِي مَرَاسِيهَا، وَأَلْزَمَهَا قَرَارَاتِهَا، فَمَضَتْ رُءُوسُهَا فِي الْهَوَاءِ، وَرَسَتْ أُصُولُهَا فِي الْمَاءِ، فَأَنْهَدَ جِبَالَهَا عَنْ سُهُولِهَا، وَأَسَاخَ قَوَاعِدَهَا فِي مُتُونِ أَقْطَارِهَا وَمَوَاضِعِ أَنْصَابِهَا، فَأَشْهَقَ قِلَالَهَا، وَأَطَالَ أَنْشَازَهَا، وَجَعَلَهَا لِلْأَرْضِ عِمَاداً، وَأَرْزَهَا فِيهَا أَوْتَاداً، فَسَكَنَتْ عَلَى حَرَكَتِهَا مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا، أَوْ تَسِيخَ بِحِمْلِهَا، أَوْ تَزُولَ عَنْ مَوَاضِعِهَا. فَسُبْحَانَ مَنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ مَوَجَانِ مِيَاهِهَا، وَأَجْمَدَهَا بَعْدَ رُطُوبَةِ أَكْنَافِهَا، فَجَعَلَهَا لِخَلْقِهِ مِهَاداً، وَبَسَطَهَا لَهُمْ فِرَاشاً ! فَوْقَ بَحْرٍ لُجِّيَ رَاكِدٍ لَا يَجْرِي، وَقَائِم لَا يَسْرِي، تُكَرْكِرُهُ الرِّيَاحُ الْعَوَاصِفُ، وَتَمْخُضُهُ الْعَمَامُ الذَّوَارِفُ».

3) « يَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ وَزَوْراً مَا أَغْفَلَهُ وَخَطَراً مَا أَفْظَعَهُ لَقَدِ اسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ أَيَّ مُدَّكِرٍ، وَتَنَاوَشُوهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ! أَفَبِمَصَارِع آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ! أَمْ بِعَدِيدِ الْهَلَكَى يَتَكَاتَرُونَ! يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوَتْ، وَحَرَكَاتٍ سَكَنَتْ، وَلَأَنْ يَكُونُوا عِبَراً، أَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُفْتَخَراً، وَلَأَنْ يَهْبِطُوا بِهِمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ، أَحْجَى مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ ! لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِأَبْصَارِ الْعَشْوَةِ، وَضَرَبُوا مِنْهُمْ فِي غَمْرَةِ جَهَالَةٍ، وَلَوِ أَسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْكَ الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ، وَالرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ، لَقَالَتْ: ذَهَبُوا فِي الْأَرْضِ ضُلَّالًا، وَذَهَبْتُمْ فِي أَعْقَابِهِمْ جُهَّالاً، تَطَئُونَ فِي هَامِهِمْ، وَتَسْتَنْبِتُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ، وَتَرْتَعُونَ فِيمَا لَفَظُوا، وَتَسْكُنُونَ فِيمَا خَرَّبُوا، وَإِنَّمَا الْأَيَّامُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ بَوَادٍ وَنَوَائِحُ عَلَيْكُمْ».

و ( 162) و (319) و (388) و ( 390) و (1393) (1)و (416) (2).


1) تقدم ذلك.

2) «اقتلُوا الْخَيْرَ، وَلَا تَحْفِرُوا مِنْهُ شَيْئاً، فَإِنَّ صَغِيرَهُ كَبِيرٌ، وَقَلِيلَهُ كَثِيرٌ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنَّ أَحَداً أَوْلَىٰ يفعل الخَيْرِ مِنِّي، فَيَكُونَ وَاللهِ كَذَلِكَ. إِنَّ الخَيْرِ وَالشَّر أهلا، فمهما تركتُمُوهُ مِنْهُمَا كَمَا كُمُوهُ أَهْلُه».

إِتِّباعُ الهوَوى وَطُولُ الأَمَلِ: مَا يَعني بهِمَا الإِمَامُ ؟ وَمَا آثَارُهُمَا فِي حَيَاةِ الإِنسان ؟

وإِذْ قد تمّ لنَا أَنْ نَكم بالمثل الأعلى للحياة في الإسلام، والواقع الإجتماعي الَّذي كان يُعانيه الإمام والواقعية العربية الَّتي أحتضنها الدين، ورأي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الدُّنيا والآخرة، والغنى والفقر، فلنأخذ سَبيلنا إلى دراسة القسم الوعظي من نَهْج البلاغة.

والقسم الوعظي عَلى ضُروب وألوان، ففيه مواعظ بالتحذير من أتباع الهوى وطُول الأمل، وَأُخرى بالحثّ عَلى العمل قبل فوات الفرصة، وثالثة بالتذكير بالماضين، وَرَابعة بتقلب الدُّنيا.


ماذا يعني أتباع الهوى وطول الأمل في الدُّنيا ؟

أما أتباع الهوى فهو يعني أَنَّ الإِنسَان يبني مشاريعه عَلى أُسس غير عقلية، ومن ثم فهي غير واقعية، وإِنَّما هي قائمة على نزوات وشهوات ضخمها الخيال.

وأما طول الأمل فيعني أنَّ الإنسان يغمض عينيه عن أعظم حقيقة هو لابد ملاقيها وهي الموت.

وإذا فهذا اللَّون من الوعظ مُوجّه إلى الَّذِين يَتهالكون على الدُّنيا تهالكاً خطراً يجرهم إلى أمرين خطيرين: أولهما تزييف الواقع الَّذي يَحيونه، وهذا ما يُسميه بطول الأمل، وَثَانيهما ضمور الحاسة الأخلاقية في النفس، إلى حد يجعل الإنسان ضعيفاً أمام رغائبه وأهوائه. ويترك إلى هذه الرغائب والأهواء أمر صياغة مصيره.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَثْنَانِ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الْأَمَلِ، فَأَمَّا أَتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَن الْحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ. أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَاءَ (1)، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا الأ صُبَابَةٌ (2)كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ أَصْطَبَّهَا صَابُّهَا. أَلَا وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَلِكُلِّ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ وَلَدٍ سَيُلْحَقُ بِأَبِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَداً حِسَابٌ وَلا عَمَلَ » (3).

العمل للدُّنيا عَلى نحو يوجب ضمور الحس الأخلاقي في النفس، وعلى نحو يُوجب تَزييف الواقع وحسبان الخُلود، ممّا يُوجب نسيان الآخرة، والإندفاع في


1) حَذَاء: سَريعة.

2) الصُّبَابَة: البقية من الماء واللبن في الإِناء.

3) أنظر نهج البلاغة: الخُطبة (42) « الْهَوَى وَطُولُ الْأَمَلِ».

حياة مادية، تجرد الإنسان من معناه الإنساني لتحيله إلى مجرد آلة لجمع النقود والإستمتاع، هذا العمل شركلّه، لأنه يفسد الشخصية الإنسانية ويهبط بها، ولذلك فهو عمل منهي عنه.

ثُمَّ نبه إِلى أَنَّ طول الأمل والتزييف للواقع أمر لا مبرر له فالدُّنيا سَريعة ( حذاء ) وهي بالنسبة إلى كلّ شخص، « فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلا صُبَابَةٌ كَصْبَابَةِ الْإِنَاءِ» فلماذا طول الأمل وما مبرره ؟.

وهاتان الآفتان النفسيتان: أتباع الهوى وطول الأمل، لا تحلان إلا في نفس طَرحت النَّظرَة الواقعية الإسلامية. وقد كان الواقع الاجتماعي في زمن الإِمَام يبعد بين الإنسان وبين هذه الواقعية وينأى به عنها.

وهذا النحو من العمل للدُّنيَا يُسبب التفسخ الإجتماعي، فهو لا يقتصر بآثاره الضارة عَلَى الفَرد وحده، وإِنَّما يمتد بهذه الآثار إلى المُجْتَمع.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

« وَأَسْمِعُوا دَعْوَةَ الْمَوْتِ آذَانَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى بِكُمْ إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وَإِنْ ضَحِكُوا، وَيَشْتَدُّ حُزْتُهُمْ وَإِنْ فَرِحُوا، وَيَكْتُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَإِنِ اغْتَبَطُوا بِمَا رُزِقُوا. قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ الآجَالِ (1)، وَحَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ الْأَمَالِ، فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ الْآخِرَةِ، وَالْعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ الْآجِلَةِ، وَإِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانٌ عَلَىٰ دِينِ


1) انقضاء آجالهم قطعهم (شذ بهم) عن بلوع آمالهم.

اللهِ، مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلَّا خُبْتُ السَّرَائِرِ، وَسُوءُ الضَّمَائِرِ. فَلاَ تَوَازَرُونَ، وَلاَ تَنَاصَحُونَ، وَلاَ تَبَاذَلُونَ، وَلاَ تَوَادُّونَ. مَا بَالُكُمْ تَفْرَحُونَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا تُدْرِكُونَهُ، وَلاَ يَحْزُنُكُمُ الْكَثِيرُ مِنَ الْآخِرَةِ تُحْرَمُونَهُ وَيُفْلِقُكُمُ الْيَسِيرُ مِنَ الدُّنْيَا يَفُوتُكُمْ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِكُمْ، وَقِلَّةِ صَبْرِكُمْ عَمَّا زُوِيَ (1)مِنْهَا عَنْكُمْ كَأَنَّهَا دَارُ مُقَامِكُمْ، وَكَأَنَّ مَتَاعَهَا بَاقٍ عَلَيْكُمْ، وَمَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا يَخَافُ مِنْ عَيْبِهِ، إِلَّا مَخَافَةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْله. قَدْ تَصَافَيْتُمْ عَلَى رَفْضِ الْآجِلِ، وَحُبِّ الْعَاجِلِ، وَصَارَ دِينُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةٌ (2)عَلَى لِسَانِهِ، صَنِيعَ مَنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ، وَأَحْرَزَ رِضَى سَيِّدِهِ » (3).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ إِلا وَيَكَادُ صَاحِبُهُ يَشْبَعُ مِنْهُ، وَيَمَلُّهُ إِلا الْحَيَاةَ فَإِنَّهُ لا يَجِدُ فِي الْمَوْتِ رَاحَةً. وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحِكْمَةِ الَّتي هِيَ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ الميّت، وَبَصَرُ لِلْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ، وَ سَمْعَ لِلْأُذُنِ


1) زُوِي عَنكُم: زوَاه أي نحّاه.

2) عبر باللعقة عن الإقرار باللسان مع كونه مُخالفاً بالقلب.

3) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (113) «أَسْمِعُوا دَعْوَةَ الْمَوْتِ».

الصَّمَّاءِ، وَرِيٌّ لِلظَّمْآنِ، وَفِيهَا الْغِنَى كُلُّهُ، وَالسَّلامَةُ كِتَابُ اللهِ تُبْصِرُونَ بِهِ، وَتَنْطِقُونَ بِهِ، وَتَسْمَعُونَ بِهِ، وَيَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَيَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَلا يَخْتَلِفُ فِي اللهِ، وَلا يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللهِ. قَدِ أَصْطَلَحْتُمْ عَلَى الْغِلٌّ فِيَما بَيْنَكُمْ (1)، وَ نَبَتَ الْمَرْعَى عَلَى دِمَنِكُمْ (2). وَتَصَافَيْتُمْ عَلَى حُبِّ الْآمَالِ، وَتَعَادَيْتُمْ فِي كَسْبِ الْأَمْوَالِ. لَقَدِ أَسْتَهَامَ بِكُمُ الْخَبِيثُ (3)، وَتَاهَ بِكُمُ الْغُرُورُ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ نَفْسِي، وَأَنْفُسِكُمْ» (4).

أرأيت إلى هؤلاء الذين جمعتهم الإنسانية فوحدت غرائزهم وقواهم ومداركهم، ثُمَّ جمعهم الدين والوطن فوحدا آمالهم وآلامهم، وأهدافهم، ومطامحهم، كَيف جَعلهم العمل للدُّنيا، على نحو جنُوني، يفقدون أجل ميزاتهم الإنسانية فلا يتوازرون، ولا يتناصحون ولا يتباذلون. واستحالت هذه النبالات


1) أَصْطَلحتُم أتفقتُم، والغِلّ: الحقد. أي أتفقتُم عَلى تمكين الحقد في النفوس.

2) الدمن: جمع دِمنة، وهي الحقد القديم. ونبت المرعى عَلى دِمنكُم: أي أَنَّ عِقد بعضكم على بعض مستور بظواهر النفاق فيما بينكم وأصل معنى الدِّمن: نفايات الإِنسَان من بطنه وأروات الماشية وأبوالها، وسميت بها الأحقاد لأنها أشبه شيء بها، وقد تنبت على هذه القذارات الأعشاب الخضراء فتسترها بمنظر جميل، يُخفي تحته قذارة تقافها النفس، فهكذا الأحقاد الإنسانية المُخبأة تحت ستار من التصنع والرياء.

3) أَسْتَهَام: أضله من «هَام عَلى وجهه » إِذَا خَرج لا يدري إلى أين يذهب، أي أخرجكم الشيطان من نُور الفِطرة وضياء الشريعة إلى ظلمات الضلال والحيرة.

4) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (133) « الله، وَمُحَمّد، وَالْقُرْآن».

في أعماقهم إلى غرائز ذئبية فخبثت سرائرهم، وفسدت ضمائرهم، وأنفصمت عرى الودّ فيما بينهم، وأنظر كيف ساقهم ذلك إلى الجبن الإجتماعي، فيغضي أحدهم عن عيب صاحبه، لأنه يخشى أن يُواجهه بعيبه.

وقد عرفت أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتنكر لمن يعمل للدُّنيا عَلى نحو لا يلهيه عن الآخرة، ولا يحيله إلى آلة جشعة لا تعرف معنى للشبع ولا للوقوف، وهو في هذا اللون الوعظي لا يدعو إلى هَجر الدُّنيا وإِنَّما يَدعو إلى التخفيف من الظراوة في طلبها ويَدعو إلى النظر إليها من زاوية الواقع وحده.

وإن طائفة من النّاس تحيا هذا اللون البشع من الحياة المادية الخالصة الَّتي وصفها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في النَّص الَّذي قدمناه لبعيدة كلّ البُعد عن المثل الأعلى للحياة في الإسلام، فهؤلاء الذين أقفرت ضمائرهم من الشعور بالله، وصار دين أحدهم لعقة على لسانه، قد أنقلب كلّ منهم إلى أنانية تمشي، فيتنكر لمجتمعه ويسير عَلى هدى شهواته.

وإنّ العمل للدُّنيا عَلى هذا النحو الَّذي يفقد الإنسان أجل ميزاته لهو عمل جدير بأنْ يُحارب.


راجع النّصوص التالية: رقم (42 و 84 و 103 و 111 و 131)، وفي بَاب المختار من الحكم راجع: رَقم (18) و (36).

المَوعْظَةُ بالتأريخ، وَظِيفَة التاريخ

والتذكير بالماضين وبما عرض لهم من طوارق الدهر ونوازل الأيام، وبما ألم بهم من نكبات وآلام وكيف أَنَّ كلّ ما نصبوا أنفسهم لجمعه من مال لم يُغن عنهم شَيئاً حين حلَّ بهم الموت.. هذا التذكير بالماضين يتخذه الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسيلة إلى تجسيم الواقع الَّذي يُزِيفه النّاس، ويفرون منه، ويتمردون عليه.

والتَّارِيخ عند العاملين للدُّنيا عَلى نحو جنوني ينقلب إلى مادة للتسلية والله وبَدل أَنْ يكُون منبعاً للعبرة ومقيلاً من العشرة، وينقلب أيضاً صدى ميتاً لكائنات لا تصلهم بها صلة، ولا تشدّهم إليها وشيجة، فلا تُثير مآسية فيهم طائف حُزن، ولا تمدهم تجاربه بالبصيرة.

ويُحاول الإمام في هذا اللون من مواعظه أنْ يَصل ما انقطع بَينَهُم وبَين التَّارِيخ بصلات الفكر والعاطفة، ووشائج العقل والقلب، ليعُود التَّارِيخ في أنفسهم مادة غنية بالحياة والحَركَة، فهي تُوجه وتُرشد، وتُمسك بالإنسان عن الزيغ والإنحراف.

قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِي مَا عَنَاهَا، وَأَبْصَاراً لِتَجْلُو عَنْ عَشَاهَا، وَأَضْلاَءٌ جَامِعَةٌ لأَعْضَائِهَا، مُلائِمَةٌ لِأَحْنَائِهَا، فِي تَرْكِيبٍ صُوَرِهَا، وَمُدَدِ عُمُرِهَا،

بِأَبْدَانٍ قَائِمَةٍ بِأَرْفَاقِهَا، وَقُلُوبٍ رَائِدَةٍ لِأَرْزَاقِهَا، فِي مُجَلِّلاتِ نِعَمِهِ، وَمُوجِبَاتِ مِنَنِهِ، وَحَوَاجِزِ عَافِيَتِهِ. وَقَدَّرَ لَكُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ، وَخَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ، مِنْ مُسْتَمْتَع خَلاَقِهِمْ (1)، وَمُسْتَفْسَح خَنَاقِهِمْ (2). أَرْهَقَتْهُمْ (3)الْمَنَايَا دُونَ الْآمَالِ، وَشَذَّبَهُمْ عَنْهَا تَخَرُّمُ الْآجَالِ (4). لَمْ يَمْهَدُوا فِي سَلامَةِ الْأَبْدَانِ (5)، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِي أُنفِ الْأَوَانِ (6). فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ الشَّبَابِ الأ حَوَانِيَ الْهَرَمِ؟ وَأَهْلُ غَضَارَةِ الصِّحَّةِ الأَنَوَازِلَ السَّقَمِ؟ وَأَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلا آوِنَةَ الْفَنَاءِ؟ مَعَ قُرْبِ الزِّيَالِ، وَأُزُوفِ الاِنْتِقَالِ، وَعَلَزِ الْقَلَقِ، وَأَلَم الْمَصَضِ، وَغُصَصِ الْجَرَضِ، وَتَلَفْتِ الاِسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ الْحَفَدَةِ، وَالْأَقْرِبَاءِ، وَالْأَعِزَّةِ، وَالْقُرَنَاءِ! فَهَلْ دَفَعَتِ الْأَقَارِبُ، أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ، وَقَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الْأَمْوَاتِ رَهِيناً، وَفِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً،


1) الخَلاق: النصيب الوافر من الخير.

2) الخَنَاقِ حَبل يُحْنَق به كناية عن أنهم لم يغتنموا الفُسحة في العمر.

3) أَرْهَقَتَهُم: أعْجَلتهم.

4) إنقضاء آجالهم قَطَعهم (شدّ بهم) عن بلوغ آمالهم.

5) لَم يَنهدُوا. أي لم يُهيأوا أنفسهم للقاء الله تَعَالَى، وهُم فِي حَالَ السّلامَة.

6) أمر أُنف - بضَمَتين - أي أمر جديد مستأنف لم يسبق به قدر.

قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُّ جِلْدَتَهُ، وَأَبْلَتِ النَّوَاهِكُ جِدَّتَهُ، وَعَفَتِ الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ، وَمَعَا الْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ، وَصَارَتِ الْأَجْسَادُ شَحِبَةٌ بَعْدَ بَضَتِهَا، وَالْعِظَامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِهَا، وَالْأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا، مُوقِنَةً بِغَيْب أَنْبَائِهَا، لا تُسْتَرَادُ مِنْ صَالِحٍ عَمَلِهَا، وَلا تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَمِّي زَلَلِهَا أَوَلَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَالآبَاءَ، وَإِخْوَانَهُمْ، وَالْأَقْرِبَاءَ؟ تَحْتَذُونَ أَمْئِلَتَهُمْ، وَتَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ (1)، وَتَطَئُونَ جَادَتَهُمْ (2)؟ ! فَالْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ عَنْ حَظْهَا، لأهِيَةٌ عَنْ رُشْدِهَا، سَالِكَةٌ فِي غَيْرِ مِضْمَارِهَا ! كَأَنَّ الْمَعْنَى سِوَاهَا (3)، وَكَأَنَّ الرُّشْدَ فِي إِحْرَازِ دُنْيَاهَا » (4).

وهكذا يُقرّر (عَلَيهِ السَّلَامُ) صلة التاريخ بهم، وأنه ليس غريباً عنهم فهو تأريخ آبائهم وأمثالهم.

ويُقرّر أيضاً أَنَّ هذا التَّارِيخ مشلول عن عمله، فهو لا يقوم بدوره في صياغة الَّتي إنتهجها من قبل آباؤهم، حياتهم، لأنهم لا يزالون ينتهجون نفس فكأنَّ الدُّنيا عندهُم غَايَة كلّ شيء ومُنتهى كلّ غَايَة.

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):


1) القدة: الطريقة.

2) تَطَئُونَ جَادَّتَهُمْ: تَسيرون عَلى سَبيلهم بلا إنحراف عنهم في شيء.

3) كَأَنَّ الْمَعْنَى سِوَاهَا: كأن المقصود بالتكاليف الشرعية سواها.

4) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (83) « الْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ لا هِيَةٌ ».

« نَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَخَذَ وَأَعْطَى، وَعَلَى مَا أَبْلَى وَابْتَلَى. الْبَاطِنُ لِكُلٍّ خَفِيَّةٍ، وَالْحَاضِرُ لِكُلِّ سَرِيرَةٍ، الْعَالِمُ بمَا تُكِنُ الصُّدُورُ، وَمَا تَخُونُ الْعُيُونُ. وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ ‏)نَجِيبُهُ، وَبَعِيتُهُ، شَهَادَةً يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الْإِعْلانَ، وَالْقَلْبُ النِّسَانَ.

فَإِنَّهُ وَاللهِ الْجِدُّ لا اللَّعِبُ، وَالْحَقُّ لا الْكَذِبُ. وَمَا هُوَ إِلا الْمَوْتُ أَسْمَعَ دَاعِيهِ، وَأَعْجَلَ حَادِيهِ. فَلاً يَغُرَّنَّكَ سَوَادُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ، وَقَدْ رَأَيْتَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِمَّنْ جَمَعَ الْمَالَ، وَحَذِرَ الْإِقْلَالَ (1)، وَأَمِنَ الْعَوَاقِبَ - طُولَ أَمَلٍ، وَاسْتِبْعَادَ أَجَلٍ - كَيْفَ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَأَزْعَجَهُ عَنْ وَطَيْهِ، وَأَخَذَهُ مِنْ مَأْمَنِهِ، مَحْمُولاً عَلَى أَعْوَادِ الْمَنَايَا (2)يَتَعَاطَى بهِ الرِّجَالُ الرِّجَالَ، حَمْلًا عَلَى الْمَنَاكِبِ، وَإِمْسَاكاً بِالْأَنَامِلِ أَمَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَأْمُلُونَ بَعِيداً، وَيَبْنُونَ مَشِيداً، وَيَجْمَعُونَ كَثِيراً، كَيْفَ أَصْبَحَتْ بُيُوتُهُمْ قُبُوراً، وَمَا جَمَعُوا بُوراً (3)، وَصَارَتْ أَمْوَالَهُمْ لِلْوَارِثِينَ، وَأَزْوَاجُهُمْ لِقَوْمٍ آخَرِينَ، لَا فِي حَسَنَةٍ يَزِيدُونَ، وَلَا)


1) الإقلال: الفَقْر.

2) أَعْوَادِ الْمَنَايَا: النعش. «يَتعاطى به الرجال» يتداولونه تارة على أكتاف هَؤلاء، وأُخرى على أكتاف هؤلاء.

3) البور: الفاسد الهالك. وقَالَ تَعَالَى: وَكَانُواْ قَوْمَام بُورًا الأَنْعَام: 18، أي هَالكين.

مِنْ سَيِّئَةِ يَسْتَعْتِبُونَ! فَمَنْ أَشْعَرَ التَّقْوَى قَلْبَهُ بَرزَ مَهَلُهُ، وَفَازَ عَمَلُهُ. فَأَهْتَبِلُوا هَبَلَهَا، وَاعْمَلُوا لِلْجَنَّةِ عَمَلَهَا: فَإِنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقْ لَكُمْ دَارَ مُقَامِ، بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ مَجَازاً لِتَزَوَّدُوا مِنْهَا الْأَعْمَالَ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ. فَكُونُوا مِنْهَا عَلَى أَوْفَارٍ. وَقَرِّبُوا الظُّهُورَ لِلزِّيَالِ» (1.)وإِذَن فَلم يُغن عن هؤلاء تَزييفهم لواقعهم، وغرورهم بأنفسهم، وحُسبانهم أنهم خَالِدُون.لقد دَهمهم هذا الواقع وهُم يَحسبون أنهم في أمان، فهل أغنّت عنهُم أموالهم وهل حصنتهم قصورهم ؟ لا، لقد ذهبوا، فليكن لك فيمَا صَار إليه أمرهُم عِبرة تدفعك إلى اليقظة، وتُرحض عنك الغفلة.ومن البين أَنَّ الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ في هذا اللون من مواعظه لا يُريد النَّاسِ عَلَى أَنْ يَفروا من دنياهم، ويتركوا العمل لها، فقد رأيناه يكره هذا اللون من السلبية إِنَّما يُريد أنْ يحملهم على أن ينظروا إلى الحياة من زاوية الواقع وأَنْ يَصدروا في سلوكهم عن هذه النظرة الواقعية الوادعة المُصيبَة.)***راجع النّصوص التالية: رقم ( 20 و 32 و 81 و 109 و 130 و 180 و 224، وفي بَاب الكُتب وصيته إلى ولده الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) رقم: (31) (2).)


1) انظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (132) « عَاقِبَةُ المُتْرَفِين».

2) تَقدَّم ذَلكَ.

### نَظرَةُ الإِسلام في تكوينِ الشَّخْصِيَّة الفَاضِلَةذكر الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ أَنَّ طُول الأمل يُنسى الآخرة.)ومن البيِّن أَنَّ الإِنسَان حين يَنسى أَنَّ ثمة عالماً آخر سيصير إليه، فإنّه يحصر جميع وجوه نشاطه في العمل لدنياه، ولا يتورع في عمله هذا عن سلوك أقبح الطرق الموصلة إلى حيازة المزيد من المال، والتمتع بالمزيد من القوة، وهكذا يدفع طول الأمل إلى أتباع الهوى، الَّذي عرفه الإمام بأنه يَصدُّ عن الحق، فهو يحمل صاحبه عَلى رَكُوب كلّ شيء في سَبيل الوصول إلى ما يُريد.فإذا تمكن طول الأمل وأتباع الهوى من نَفسٍ إِنسَان حَمَلاهِ عَلَى طَلب الدُّنيا على نحو جنُوني يجعله خطراً إجتماعياً، وعلى نسيان العمل للآخرة.في بعض الألوان الوعظية الَّتي يحتويها القسم الوعظي من نَهْج البلاغة يُحارب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ هذا الإنحراف، ويدعو الغافلين عن مصيرهم إلى العمل له.)فإذا كان طول الأمل غُروراً خَادعاً، وكان أتباع الهوى باطلاً، وكنا نعلم بأن المصير هو الموت، وأننا سنصير بعد الموت إلى دُنيا أُخرى نُجزى فيها بما قدمناه من أعمالنا: تُتاب إن أحسنَا وتُؤخذ بجرائرنا إن كنا من ذوي الجرائر.وإذا كان هذا كله حقاً فلماذا لا نقدم لأنفسنا ما نحرزها به غداً، ونحن نعلم أننا حينذاك لا نملك أَنْ نَعمل شَيئاً، فالْيَوْمَ عَمَلٌ وَلا حِسَابَ، وَغَداً حِسَابٌ وَلا

عَمَلَ، ونحنُ نَعلم أَنَّ المَوت قد يلم بنا في أي لحظة، فلماذا التسويف ؟.ومن البين أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ يدعو إلى ترك الدُّنيا وإنَّما يَدعو إلى العمل للآخرة. وكأنّ الإِمَام يَدعو إلى الجمع بين الآخرَة والدُّنيا، فهو لا ينهى عن العمل للدُّنيا، وإِنَّما ينهى عن الاستغراق في هذا العمل، بحيث ينسى الإنسان الآخرة ويقفر ضميره الشعور بالله، وينقطع ما بينه وبين مُجتمعه من أواصر الود والرّحمة، وذلك كلّه من يحول بينه وبين أنْ يَبلغ المثل الأعلى في الإِسلام.)قال (عَلَيهِ السَّلَامُ:)« قَدْ عَلِمَ السَّرَائِرَ، وَخَبَرَ الصَّمَائِرَ، لَهُ الْإِحَاطَةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْغَلَبَةُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَالْقُوَّةُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُ مِنْكُمْ فِي أَيَّامٍ مَهْلِهِ (1، قَبْلَ إِرْهَاقِ أَجَلِهِ (2)، وَفِي فَرَاغِهِ قَبْلَ أَوَانِ شُغْلِهِ، وَفِي مُتَنَفَّسِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ بِکَظَمِهِ (3)، وَلْيُمَهِّدُ لِنَفْسِهِ، وَقَدَمِهِ، وَلْيَتَزَوَّدْ مِنْ دَارِ ظَعْنِهِ لِدَارِ إِقَامَتِهِ. فَالله الله أَيُّهَا النَّاسُ، فِيمَا أَسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، وَاسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ حُقُوقِهِ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقُكُمْ عَبَثاً، وَلَمْ يَتْرُكُكُمْ سُدىً، وَلَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهَالَةٍ،)


1) المهل: المُهلة والفُسحة.

2) إرهاق الأَجَل: أَنْ يُقرب الأجل، فلا يبقى للمُفرط فُرصة يتدارك بها ما فاته من العمل.

3) الكَظَم - بالتحريك - الحَلق، أو مَخرج النفس، والأخذ بالكظم كناية عن التضيق عندَ قُرب الأجل أو حلوله.

وَلا عَمَيَّ، قَدْ سَمَّى آثَارَكُمْ، وَعَلِمَ أَعْمَالَكُمْ، وَكَتَبَ آجَالَكُمْ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ ﴿الْكِتَبَ تِبْيَنًا لِكُلِّ شَيْءٍ (1)وَعَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّهُ أَزْمَاناً، حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَلَكُمْ - فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ - دِينَهُ الَّذي رَضِيَ لِنَفْسِهِ، وَأَنْهَى إِلَيْكُمْ - عَلَى لِسَانِهِ - مَحَابَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَمَكَارِهَهُ، وَنَوَاهِيَهُ، وَأَوَامِرَهُ، وَأَلْقَى إِلَيْكُمُ الْمَعْذِرَةَ، وَاتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ، وَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ، وَأَنْذَرَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ » (2).)وما نشك في أنَّ هؤلاء الذين كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ يدعوهم إلى العمل للآخرة قبل لا فوات الفُرصة كانوا قوماً يُقيمون الصلاة لأوقاتها، ويصومون رمضان، ويحجون البيت، فماذا كان يُريد الإمام منهم غير هذا ؟.)نعم، إنّ هؤلاء كانوا يأتون كلّ هذا وزيادة، وقد يحسب السطحيون أنَّ هذا وحده كافٍ لجعل الإِنسَان فَاضلاً، ولكنّه في ميزان الإمام أضعف الإيمان.فهَؤلاء الذين كان يتوجه إليهم الإمام بكلامه هذا كانوا يصلون ويصومون، ويحبّون البيت.ولكن القبلية كانت تعصف بهم عَصفاً شديداً.ولكن الأحقاد والمطامع كانت تدفعهم إلى التناكر فيما بينهم، وكانت تسلّ من أرواحهم كلّ خُلق إنساني حميد.


1) النَّحْلِ: 89.

2) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (86) «لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً ».

ولكن سياسة مُعاوية كانت تستهويهم، فتحملهم على الخيانة وتحملهم على الرّضا بالذلة، وتحملهم عَلَى أَنْ يَصيروا عبيداً.ولكنّهم كانوا فَرديين لا يأبهون للمجتمع ولا يحسبون لآلامه حسَاباً.كانوا غُرباء عن هذه الخلائق. ولذلك لم يَرضَ عنهم الإمام، ولذلك استئارهم إلى العمل للآخرَة قبل فوات الفُرصة.ولم يكن هذا العمل الَّذي أراده منهم صلاة ولا صوماً ولا حجّاً، فتلك أُمور كانوا يأتون بها، ولا يقعدون عنها.لقد كان العمل الَّذي أراده هو الفضيلة، هو أنْ يكون كل منهم خلية إجتماعية حية، تكدح في سبيل خير المجموع، هو أن يكونوا أحراراً فلا تستعبدهم الشهوات، فتحملهم على الإنحراف عن الحق، ولا تستعبدهم الحياة فتحملهم عَلى الرّضا بها مُسفّة حقيرة عارية من كلّ نبالة رفيعة وهدف عظيم. كان يُريدهم أَنْ يحطموا أصنام اللحم الَّتي يعبدونها، أعني ساداتهم ورؤسائهم ومن له عليهم سلطان ليخلصوا العبادة الله وحده.قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ:)« إِنَّ مِنْ عَزَائِمِ اللهِ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ الَّتي عَلَيْهَا يُتيبُ، وَيُعَاقِبُ، وَلَهَا يَرْضَى، وَيَسْخَطُ، أَنَّهُ لا يَنْفَعُ عَبْداً - وَإِنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ، وَأَخْلَصَ فِعْلَهُ - أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا، لأقِياً رَبَّهُ بِخَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا: أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فِيمَا أَفْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ

عِبَادَتِهِ، أَوْ يَشْفِيَ غَيْظَهُ بِهَلَاكِ نَفْسٍ، أَوْ يَعُرُ (1بِأَمْرٍ فَعَلَهُ غَيْرُهُ، أَوْ يَسْتَنْجِحَ (2)حَاجَةٌ إِلَى النَّاسِ بِإِظْهَارِ بِدْعَةٍ فِي دِينِهِ، أَوْ يَلْقَى النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ، أَوْ يَمْشِيَ فِيهِمْ بِلِسَانَيْنِ. أَعْقِلْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمِثْلَ دَلِيلٌ عَلَى شِبْهِهِ، إِنَّ الْبَهَائِمَ هَمُّهَا بُطُونُهَا، وَإِنَّ السِّبَاعَ هَمُّهَا الْعُدْوَانُ عَلَى غَيْرِهَا، وَإِنَّ النِّسَاءَ هَمُّهُنَّ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْفَسَادُ فِيهَا، إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَكِينُونَ إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُشْفِقُونَ إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ خَائِفُونَ» (3).)وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ:)« فَأَسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامِكُمْ، وَاصْبِرُوا لَهَا أَنْفُسَكُمْ، فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِيرِ الْأَيَّامِ الَّتي تَكُونُ مِنْكُمْ فِيهَا الْغَفْلَةُ، وَالتَّشَاغُلُ عَنِ الْمَوْعِظَةِ، وَلا تُرَخِّصُوا لأَنْفُسِكُمْ (4، فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الظُّلَمَةِ، وَلا تُدَاهِنُوا فَيَهْجُمَ بِكُمُ الْإِدْهَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (5). عِبَادَ اللهِ، إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ)


1) يَعُرُ: يُعيب ويُلطَّخ، أي أن من أعظم الجرائم أَنْ يُعيب الإِنسَان غَيره بأمر قد فعله هو.

2) يَسْتَنجح: أي يَطلب نجاح حاجته من الناس بالإبتداع في الدين.

3) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (153) « سَيِّئَاتٌ لَا تَنْفَعُ مَعَهَا الْحَسَنَات».

4) أي لا تُسامحوا أنفسكم في ترك المعصية، ولا تستهينوا الصغائر الذنوب، لأنَّ ذلكَ يَصير عادة لكُم فتقعوا فيما وقع فيه الظلمة من الإستهانة بالجرائم.

5) المداهنة: النفاق، وإظهار خلاف ما في الباطن والإدهَان مِثْله.

أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ، وَإِنَّ أَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ. وَالْمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ (1، وَالْمَغْبُوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ (2)، « وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ » (3)، وَالشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ، وَغُرُورِهِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ « يَسِيرَ الرِّيَاءِ (4)شِرْكٌ» (5)، وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ لِلإِيمَانِ (6). وَمَحْضَرَةٌ لِلشَّيْطَانِ (7). جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبٌ لِلْإِيمَانِ. الصَّادِقُ عَلَى شَفَا مَنْجَاةٍ، وَكَرَامَةٍ، وَالْكَاذِبُ عَلَى شَرَفِ مَهْوَاةٍ، وَمَهَانَةٍ. وَلا تَحَاسَدُوا، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ «كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ» (8).)


1) المَغْبُون: المَخْدُوع.

2) المَغْبُوط: الَّذي نَال نعمة أستحق بها أن تتطلع النفوس إليه، وأَنْ تَرغب في نيل مثل نعمته.

3) أنظر، أمالي الشيخ الصدوق: 292، المُصنَّف للصنعاني: 116/11، المعجم الأوسط: 31/8، المعجم الكبير: 175/3، المبسوط للسرخسي: 242/11، تكملة حاشية رد المحتار: 24/1، الكافي: 74/8، الخصال: 621، شرح مئة كلمة للبحراني: 172.

4) الرِّيَاء: أَنْ تَعمل ليراك النّاس، وقلبك غير راغب في العمل.

5) أنظر، نيل الأوطار: 35/8، عيون الحكم والمواعظ: 552، تُحف العقول: 151، سُنن ابن ماجه: 1321/2 ح 3991، تُحفة الأحوذي: 114/5، المعجم الصغير: 45/2، المعجم الأوسط: 145/7، كَنر العمال: 482/2 7479، تهذيب الكمال: 929/22، عُيون الحكم والمواعظ: 552.

6) مَنْسَاة للإِيْمَان: مُوجبة لنسيان الإيمان، والغفلة عنه.

7) مَحْضَرَة للشَّيطان: مكان لحضُوره.

8) أنظر، الفردوس بمأثور الخطاب: 159/2 ح 2812، مسند أبي يعلى: 330/6 ح 3656، المُصنَّف لابن أبي شيبة: 330/5 - 26594، سُنن ابن ماجه: 1408/2 ح 4210، سنن أبي داود: 4 / 276 ح- 4903، مصباح الزجاجة: 238/4، تفسير القرطبي: 251/5.

« وَلا تَبَاغَضُوا فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ (1» (2)، وَاعْلَمُوا أَنَّ الأَمَلَ يُسْهِي الْعَقْلَ، وَيُنْسِي الذِّكْرَ فَأَكْذِبُوا الْأَمَل فَإِنَّهُ غُرُورٌ، وَصَاحِبُهُ مَغْرُورٌ » (3).)في كلّ هذا لا يدعو الإمام إلى ترك الدُّنيا والإنعتاق من أسرها، وإِنَّما يَدعو إلى تناولها برفق، ويدعو النّاس إلى أن يكونوا كائنات سامية، تجمع الدُّنيا إلى الآخرة، فلا تُمعن في تلك إمعاناً يُلهيها عن الإستعداد لهذه، ولا تغرق في هذه إلى حد يعطل فيها شخصية الإنسان.***راجع النصوص التالية: رقم (28 (4)و (62 و 81 و 83 و 84 و 88 و 92 و 151 و 155 و 171 و 181 و 188 و 196 و 201 و 212 و 228 و 235) (5).)


1) فإنّها الحَالقَة: فإِنّ المُباغضَة الحالقة، أي الماحية لكلّ خَير وبركة.

2) أنظر، سُنن الترمذي: 4 / 664 ح 2510، مسند الطيالسي: 1/ 27 ح 193، الفردوس بمأثور الخطاب: 2/ 220 ح 3071، مُسند أبي يعلى: 32/2 - 669، مُسند أحمد: 1 / 164، مُوطأ مالك: 2 / 904 ح 1608، سُنن البيهقي الكبرى: 232/10، مجمع الزوائد: 30/8.

3) أنظر نهج البلاغة: الخُطْبَة (86) « الْحَسَدَ يَأْكُلُ الإِيمَانَ ».

4) «إِذَا كُنْتَ فِي إِدْبَارٍ، وَالْمَوْتُ فِي إِقْبَالٍ، فَمَا أَسْرَعَ الْمُلْتَقَى ! ».

5) تَقدَّم ذلكَ.

### نَمَاذِجُ مِنْ وَعْظِ الْإِمَامِ (عَلَيهِ السَّلَامُ بتقَلبِ الدُّنْيَا مَعْنى الزُّهد وَعَنَاصِره)والقسم الَّذي يعظ فيه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ بتقلب الدُّنيا وعدم قرارها عَلَى حَال هو أشدّ الألوان الوعظية، فيما يبدو، حلُوكةً وتَشاؤماً، إِنَّه يصف فيه الدُّنيا بالتقلب والمكر والخداع. ويُشبهها بالحيّة السامة، ويدعو إلى الزُّهد فيها، والإنقطاع عنها.)ويُلوّح، في بادي النظر، أَنَّ الإمام في هذا القسم يدعو إلى ترك العمل للحياة، ويدعو إلى الإستراحة إلى خيالات الموت والقبر فيشل في الإنسان الرّغبة في الحياة والإقبال عليها، ويقعد به عن الجهاد من أجلها، ويُحيله إلى إنسان متذائب واهن القوى.ولكن قليلاً من التأمل والإمعان كفيل بأن يُبين خطأ هذَا الرأي.فقد سبق منا أَنْ تَعرفنا عَلى رَأيه في الدُّنيا والعمل لها، فرأيناه يُحبّذ العمل للدنيا والإقبال عليها، والتمتع بطيباتها، شريطة ألا يقعد به ذلك عن العمل لآخرته والإستعداد لها، وشريطة ألا ينقلب به العمل للدُّنيا إلى وحش يُصيب مُجتمعه بالضَّرر في سَبيل أَنْ يَزيد ثرائه، ورأيناه لا يُشجع الإنقطاع عن الدُّنيا والاستغراق في العمل للآخرة وحدها، ويَعْتبر ذَلكَ أنانية لا يجمل بالرّجل

الكامل أَنْ يُمارسها، يتبيَّن ذلك كله في موقفه من العلاء بن زياد وأخيه عاصم. ورَأيناه يَجمل رَأيه في الدُّنيا والآخرة في هذه الفقرات:« لِلْمُؤْمِنِ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ: فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يَرُمُّ مَعَاشَهُ (1، وَسَاعَةٌ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ. وَلَيْسَ لِلْعَاقِل أَنْ يَكُونَ شَاخِصاً إِلَّا فِي ثَلَاثٍ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشِ أَوْ خُطْوَةٍ فِي مَعَادٍ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّم (2).)هذا هو موقف الإمام من الدُّنيا والآخرة، فهو يُشجع على العمل للدُّنيا في غير إسراف، ويأمر بالعمل للآخرة ولكن في غير إعنات. وهذا هو الموقف الطبيعي المَعقُول من الدُّنيا والآخرة، فلا هو يقعد بالمُجتمع عن تقدمه، ولا هو يحيل الإِنسان إلى آلة حاسبة فحسب.ولكن هذا الموقف لا يُلائم ما يُقال عن هذا اللون من ألوان وعظه (عَلَيهِ السَّلَامُ من أنه يدعو فيه إلى الإستراحة إلى خيالات الموت والقبر.)وإِذَا شِئنَا أَنْ نَلتمس حلاً صحيحاً لهذا التنافي الَّذي يلوح بين رأي الإمام في الدُّنيا وبين ما يبدو من هذا اللون الوعظي وجدنا مفتاح هذا الحل في وصفه للزهد وتعريفه له.فالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ يعرض في هذا اللون الوعظي جُملة من الحقائق الَّتي لا مراء فيها بأسلوب وعظي أعني مثير للرهبة في النفس.)


1) يَرُمُّ مَعَاشَهُ: يُصْلح معاشه.

2) نهج البلاغة، باب المُختار من حكم أمير المُؤْمِنِين، رقم النَّص: ( 388).

فهو يُقرّر في كلامه أَنَّ حياتنا بقدر ما تبدو رتيبة هي مُتقلبة في عُنف، وبقدر ما تبدو مُسالمة هي تتربص في كتمان، وبقدر ما تبدو جميلة عظيمة فإنّها تنطوي على حقارات وقبائح كثيرة، ثُمّ يكون ختامها الموت، وهو حتم علينا سواء أرضيناه أم كرهناه.وإذن فهؤلاء الَّذِين يحسبونها مُسالمة وادعة دائماً، ويعتبرونها جميلة عظيمة دائماً، ويعتبرونها حُلوة سائغة دائماً، مخدوعون إذ لا واقع لما يحسبون، فهي في واقعها خليط من السعادة والشقاء، والقلق والإطمئنان، والشّدّة واللين.والإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ يبتغي في هذا اللون الوعظي أن يُعرفهم بواقعها ليزهدوا فيها.)والزُّهد الَّذي يُريده الإِمَام غير الزُّهد في وعي العامة من الناس.فالزُّهد في وعي هؤلاء لا يعدو أن يكون موقفاً سلبياً من الحياة، يشلّ في الإِنسان إمكانات الخلق والإبداع عنده، ويُحيله إلى إنسَان مُتذائب واهن. وكَلمَة (زاهد في وعي هؤلاء تستدعي صُورة كائن أقل ما يُقال فيه أنه عَالة عَلى المُجْتَمع.)أمّا الزُّهد عند الإمام فهو تعبير آخر عن رأيه السابق في الدُّنيا والآخرة.قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ في صفة الزُّهد:)« أَيُّهَا النَّاسُ، الزَّهَادَةُ قِصَرُ الْأَمَلِ، وَالشَّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ، وَالتَّوَرُّعُ (1عِنْدَ الْمِحَارِمِ، فَإِنْ عَزَبَ ذَلِكَ عَنْكُمْ (2)فَلا يَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَكُمْ، وَلَا تَنْسَوْا عِنْدَ)


1) الورع: الكفّ عن الشبهات خَوف الوقوع في المُحرمات، وأيضاً الكفّ عن المعاصي مع القدرة عليها وترك الشبهات.

2) فَإِنْ عَزَبَ ذَلِكَ عَنْكُمْ: أي بَعُد. أي فَإِنْ عَسر عَليكُم أَنْ تَقصروا آمالكُم، وتكونوا في الزهادة على الكمال المطلوب فلا يفوتكم التحلي بفضيلة شُكر النعم، والصبر عند المحرمات.

النَّعَمِ شُكْرَكُمْ، فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ بِحُجَجٍ مُسْفِرَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَكُتُبِ بَارِزَةِ الْعُذْرِ وَاضِحَةٍ » (1.)فقد رأينا أَنَّ طُول الأمل يُنسي الآخرة، ونسيان الآخرة يدفع بالمرء إلى أتباع هواه، وعند ذلك يعود الإنسان خطراً إجتماعيَّاً، لأَنَّ ذَلكَ ينقلب به إلى حيوان ذي غرائز طَاغية، لا كَابح لها، تطلب المزيد من كلّ شيء.فقصر الأمل عبارة عن وعي الإنسان لواقع حياته، وأَنَّ الموت مُدركه الآن أو غداً. وهذا الوعي يُمسك يده عن الظلم حين لا يستطيع أنْ يصل إلى أغراضه إِلا عن طريق الظلم، ويسل من نفسه الشّره والمطامع والأحقاد.والشُّكر عِند النعم، وهو الركيزة الثانية الَّتي يقوم عليها الزُّهد، عبارة عن فعل الخير، وإسداء المَعرُوف إلى النّاس، فليس المراد من الشكر هنا الشكر باللسان لأَنَّ الشُّكر باللسان لا يُقدِّم ولا يُؤخر في رُقي المجتمع وتقدّمه. إن الشكر المُراد هنا هو الشكر بالفعل. فهذا الَّذي يَعرف الدُّنيا على واقعها زاهد فيها ولذلك فهو لا يُمسك يده عن أصطناع المَعرُوف لأنه يعي أَنَّ مَا يُنفقه في سُبل الخَير بَاقٍ له عند الله وعندَ النّاس. أما ما أمسك يده عليه فيصير إلى غيره ليتمتع به.والورع عند المحارم وهو الدعامة الثالثة من دعائم الزُّهد نتيجة طبيعية لفهم الدُّنيا على واقعها، فإذا كانت الدُّنيا لا تستقر عَلى حَال، وكانت خاتمتها الموت، فلماذا نَتهالك عَليها عَلى نحو يذهب بما فيها من بهجة، فتَغدُو ؟ (سلسلة من القلق والتربص والخداع والآلام ؟ لماذا لا نأخذ منها بقدر، مُترقبين نهايتها سعيدة كانت أو شقية، فلئن كانت سعيدة فستنقضي ولماذا لا نقضيها عَلَى نَحو)


1) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (81) «التَّوَرُّعُ عِنْدَ الْمِحَارِمِ».

أفضل، ولئن كانت شقية فسَتَنقضي أيضاً، ولماذا نزيدها شقاء وتعاسة ؟.. حَسبنا ما تلقى منها.هَذا هو الزُّهد.فَهل تجد فيه تنفيراً من الدُّنيا، وإقصاء عنها ؟ لا، إنَّه الموقف الصحيح من الدُّنيا بَين موقف المُتهالكين عليها عَلى نحو جنوني وبين موقف المُباعدين لها عَلَى نَحو مَرضي.وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ:)« الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ؛ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ سُبْحَانَهُ: ( لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا اللكُمْ) (1)، وَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي، وَلَمْ يَفْرَحْ بِالْآتِي فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ » (2).)فأُولئك الذين يملك عليهم ألبابهم فوات شيء كانوا يترقبون الحصول عليه، لا يُؤمن منهم أنْ يُقارفوا الإثم في سبيل الحصول عليه، وهؤلاء الذين تمتلىء أنفسهم بتصورات هذا الفائت لا يعود لديهم من فراغ النفس وصفاء الضمير ما يُتيح لهم السامي إِلى دُنيا أرحب وأنبل وأحفل بمثل الخير.وهَؤلاء الذين يأسون عَلى ما فاتهم، ويفرحون بما أتاهم لا يستطيعون أَنْ يَشكروا الله على نعمته بأفعالهم، فليسوا، والحال هذه، ذوي فائدة للمجتمع.إنّ الزّاهدين هم الذين ينظرون إلى الأمور نظرة واقعية، فلا يملك عليهم


1) الحَدِيد: 23.

2) نهج البلاغة - باب المختار من حكم أمير المُؤمِنِين - رقم النَّص: ( 432 ).

ألبابهم فوات ما فاتهم، ولا يعمي بصائرهم عن واقع حياتهم فرحهم بما أُوتُوا.هذَا هو الزُّهد الَّذي دعا إليه الإمام أصحابه وأرادهم عليه، فهل فيه تنفير عن الدُّنيا ؟ أَللَّهمَّ، وإِنَّما هو كما قلنا الموقف الطّبيعي بين موقف المتهالكين على الدُّنيا عَلى نحو جنُوني، والمُباعدين لها عَلى نَحو مَرَضي.هَذا هو الزُّهد الَّذي يدعو إليه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ في هذا القسم الوعظي من كلامه، وهو موقف يُوازن بين حاجات الإنسان الجسميّة والرّوحيّة، وهو موقف يجعل من الإنسان كائناً اجتماعياً ذَا جدوى لمجتمعه، ينفعه ويُغنيه. ويَجب أَنْ نَعِي أَنَّ المتهالك عَلى الدُّنيا، الفاقد للحسّ الأخلاقي، المُجرد من الإنسانية، غير الشاكر، وبعبارة وجيزة غير الزاهد، هو خَطر عَلى المُجْتَمَع وعَالة عَليه أكثر من خَطر ذَلكَ الزاهد الَّذي فَهم الزُّهد فهماً خاطئاً فأتخذ من الدُّنيا موقفاً سلبياً مَرَضياً. لأَنَّ غَايَة صَنيع هذا أنه لا يعمل، وأنه يعيش عالة على أهله وذويه، أما ذاك فَعمله أنَّه يمتص دماء الفقراء بنشاطه الَّذي لا يعُود عَلَى هَؤلاء الفُقَرَاء في صُورة خدمات إجتماعية.)ولا نُريد أَنْ تُنكر أنَّ هذا اللون من وعظ الإمام يظهر الدُّنيا في صورة كالحة منفرة إلى حد بعيد، ولكن هذا لا يدل على رأي الإِمَام في الدُّنيا بقدر ما يدل على أَنَّ مُعاصريه الَّذِين توجّه إليهم بهذا الخطاب كانوا مُغرقين في الدُّنيا إغراقاً خَطراً دفعهم إلى الخيانة: خيانة مُجتمعهم وكيانهم السّياسي، ودفعهم إلى التناحر فيما بَينَهُم، ودفعهم إلى عبادة أصنام اللحم: رُؤساء القبائل والزعماء، فإِنسَان يُمارس هذا اللون من الحياة لا يُمكن إنتشاله من واقعه لحظة يتملى فيها مصيره بعين بصيرة إلا بهذا اللون من التعبير والتصوير، وقديماً قَالَ عُلماء البلاغة: « أنّ المُخاطب

كلما ازداد إغراقاً في الإنكار حَسن من المُتكلّم أَنْ يَمعن في تأكيد مَا يَقُول وهؤلاء الذين كان الإمام يتوجّه بخطابه إليهم كانوا على هذا الحال أو قريب منه، فقد بلغ من تَزييفهم لواقع حياتهم أنْ خانوا مُجتمعهم فتما لاوا مع مُعاوية وباعوه ضمائرهم بالمال، وأشعلوا في هذا المُجْتَمَع روح القبلية الَّتي دفعت بهيئاته إلى أن يقف كلّ منها موقفاً تناحرياً ذا عواقب وخيمة.وإذن فليس في هذا اللون الوعظي تشويه للحياة الدُّنيا، وإبعاد عنها، وذَمّ لها، إذا تناولها الإنسان كما ينبغي أَنْ يَتناولها، فلم يسرف فيها إسرافاً يحمله على الظلم، وينقلب به إلى حيوَان خَطر.وإِنَّما هو كَبقية الألوان الَّتي قدمنا فيما سبق، ينصح فيه بالنظر إلى الدُّنيا كما هي لاكما تصورها لنا أوهامنا وأحلامنا، فإذا ما تم لنا فهمها دعانا إلى العمل فيها على هدى هذا الفهم. وقد رأينا أنَّ موقفه من الحياة هو الموقف الصحيح الَّذي يدعو إليه الإسلام، أما الوعاظ الذين أخذوا كلامه على ظاهره، وأما ناشئة الجيل التى أنفعلت بإيحاءات غربية، فهم جميعاً مُخطئون في فهمهم للقسم الوعظي من نهج البلاغة، لأنهم لم يلقوا بالاً إلى المثل الأعلى في الإِسلام الَّذي أراد الإِمَام أصحابه على الصعود إليه، ولم يلقوا بالاً إلى الواقع الإجتماعي الَّذي حمل الإِمَام عَلى أنْ يَفيض في مواعظه هذه الإفاضة ويعرض فيها هذه الألوان. ولم يعرفوا النظرة الواقعية الإسلامية إلى الحياة الدُّنيا، النظرة الَّتي تُعبر عن نظرة الإمام إلى الحياة والإنسان.***وفي خاتمة هذه الدراسة نُقدّم بعض نماذج هذا اللون الوعظي الَّذي أدرنَا

حوله هذَا الحَدِيث.قال (عَلَيهِ السَّلَامُ:)« نَحْمَدُهُ عَلَى مَا كَانَ، وَتَسْتَعِينُهُ مِنْ أَمْرِنَا عَلَى مَا يَكُونُ، وَنَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الْأَدْيَانِ، كَمَا نَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الْأَبْدَانِ.عِبَادَ اللهِ، أُوصِيكُمْ بِالرَّفْضِ لِهَذِهِ الدُّنْيَا الثَّارِكَةِ لَكُمْ وَإِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْكَهَا، وَالْمُبْلِيَةِ لِأَجْسَامِكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا، فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمِثْلَهَا كَسَفْرٍ (1سَلَكُوا سَبِيلاً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ، وَأَمُّوا عَلَماً (2)فَكَأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوهُ. وَكَمْ عَسَى الْمَجْرِي إِلَى الْغَايَةِ أَنْ يَجْرِيَ إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا (3)! وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ ! مَنْ لَهُ يَوْمٌ لاَ يَعْدُوهُ، وَطَالِبٌ حَثِيتُ مِنَ الْمَوْتِ يَحْدُوهُ، وَمُزْعِجٌ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا رَغْماً ! فَلاَ تَنَافَسُوا فِى عِزّ الدُّنْيَا، وَفَخْرِهَا، وَلَا تَعْجَبُوا بِزِينَتِهَا، وَنَعِيمِهَا، وَلاَ تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا، وَيُؤْسِهَا، فَإِنَّ عِزَّهَا، وَفَخْرَهَا إِلَى أَنْقِطَاعٍ، وَإِنَّ)


1) السفر - بفتح فسكون - جماعة المسافرين، أي أنّ الإنسان في هذه الحياة كالمسافر في مَسَافة الطَّريق، فإنه يصل إلى نهاية طريقه، والإنسان لابد واصل إلى نهاية حياته.

2) أَمُّوا: قصدوا.

3) المجري: الَّذي يَجري فَرسه إِلى غَايَة معلومة، فإنّه مهما طال جريه لابد واصل في النهاية إلى غايته.

زِينَتَهَا، وَنَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ، وَضَرَّاءَهَا، وَبُؤْسَهَا إِلَى نَفَادٍ (1، وَكُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى أَنْتِهَاءٍ، وَكُلُّ حَيَّ فِيهَا إِلَى فَنَاءٍ. أَوَ لَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ الْأَوَّلِينَ مُزْدَجَرٌّ (2)، وَفِي آبَائِكُمُ الْمَاضِينَ تَبْصِرَةٌ، وَمُعْتَبَر، إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ! أَوَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِينَ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُونَ، وَإِلَى الْخَلَفِ الْبَاقِينَ لاَ يَبْقَوْنَ أَوَلَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُصْبِحُونَ، وَيُمْسُونَ عَلَى أَحْوَالِ شَتَّى: فَمَيِّتُ يُبْكَى وَآخَرُ يُعَزَّى وَصَرِيعٌ مُبْتَلَى، وَعَائِدٌ يَعُودُ، وَآخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ (3)، وَطَالِبٌ لِلدُّنْيَا وَالْمَوْتُ يَطلُبُهُ، وَغَافِلٌ وَلَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ، وَعَلَى أَثَرِ الْمَاضِي مَا يَمْضِي الْبَاقِي! أَلاَ فَاذْكُرُوا هَاذِمَ اللَّذَّاتِ، وَمُنَفِّصَ الشَّهَوَاتِ، وَقَاطِعَ الْأُمْنِيَاتِ، عِنْدَ الْمُسَاوَرَةِ لِلأَعْمَالِ الْقَبِيحَةِ، وَأَسْتَعِينُوا اللَّهَ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبٍ حَقِّهِ، وَمَا لَا يُحْصَى مِنْ أَعْدَادِ نِعَمِهِ، وَإِحْسَانِهِ » (4).)وقال(عَلَيهِ السَّلَامُ:)«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ


1) نَفَاد: فَنَاء.

2) مُزْدَجَرٌ: مكان للإنزجار والإرتداع.

3) مِن «جَاد بنفسه » إِذَا قَارب أنْ يقضي نحبه، كأنه يسخو بها ويُسلمها إلى خالقها.

4) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (99) « وَكُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَىٰ أَنْتِهَاءٍ ».

خَضِرَةٌ، حُقَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، وَتَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ، وَرَاقَتْ بِالْقَلِيلِ، وَتَحَلَّتْ بِالْآمَالِ، وَتَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ. لاَ تَدُومُ حَبْرَتُهَا (1، وَلاَ تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا. غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ، حَائِلَةٌ (2)زَائِلَةٌ، نَافِدَةٌ بَائِدَة (3)، أَكَالَةٌ غَوَّالَةٌ (4). لَا تَعْدُو إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا، وَالرِّضَاءِ بِهَا - أَنْ تَكُونَ كَمَا قال اللَّه تَعَالَى سُبْحَانَهُ ﴿ وَأَضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِى نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا (5)تَذْرُوهُ الرِّيَحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا) (6). وَ لَمْ يَكُن أَمْرُو مِنْهَا فِي حَبْرَةٍ إِلَّا أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةً (7)وَلَمْ يَلْقَ فِي سَرَّائِهَا بَطْناً، إِلَّا مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً (8)، وَلَمْ تَطلَّهُ (9)فِيهَا دِيمَةُ رَخَاءٍ (10)، إِلَّا هَتَنَتْ


1) حَبْرَتُهَا - بالفتح - السرور والنعمة.

2) حَائِلَةٌ: مُتغيرة.

3) نَافِذَة: فَاتِيَة، بَائِدَة: هَالكة.

4) غَوَّالَة: مُهلكة.

5) الهَشِيم: النَّبت اليابس المُتكسّر.

6) الكهف: 45.

7) العَبْرَة: الدَّمعَة قَبل أَن تفيض.

8) كنّى بالبطن والظهر عن الإقبال والإِدبار.

9) الطَّل: المَطَر الضّعِيف.

10) الدِّيمَة: مَطر يدوم في سكون لا برق ولا رعد معه والرخاء: السَّعَة.،.

عَلَيْهِ مُزْنَةٌ (1)بَلَاءٍ ! وَحَرِيٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنْتَصِرَةٌ أَنْ تُمْسِيَ لَهُ مُتَنَكِّرَةً، وَإِنْ جَانِبٌ مِنْهَا أَعْذَوْذَبَ، وَأَحْلَوْلَى، أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَأَوْبَى (2)! لَا يَنَالُ أَمْرُو مِنْ غَضَارَتِهَا رَغَباً (3)، إِلَّا أَرْهَفَتْهُ مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَباً (4)! وَلَا يُمْسِي مِنْهَا فِي جَنَاحٍ أَمْنٍ، إِلَّا أَصْبَحَ عَلَى قَوَادِمِ (5)خَوْفٍ ! غَرَّارَةٌ غُرُورٌ مَا فِيهَا، فَانِيَةٌ فَانِ مَنْ عَلَيْهَا، لَا خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَزْوَادِهَا إِلَّا التَّقْوَى (6).


راجع النصوص التالية: رقم ( 45 و 52 و 61 و 79 و 80 و 81 و 97 و 101 و 109 و 111 و 112 و 131 و 143 و 189 و 194 و 244 ) وكتابه إلى الحارث الهمداني - بَاب الكُتب: رقم ( 69) وفي باب المختار من الحكم النص رقم: (119) ورقم: (191).

وصف الزُّهد ومعناه: رقم النص (79) وفي باب المُختار من الحكم النص رقم: (439 ).


1) المُزْنَة: السّحابَة البيضاء. وهَتَنَت: انصبت وتدفقت.

2) أُوبَى: صار كَثِير الوباء.

3) الغضارَة: النعمة والسَّعَة.

4) الحقت به التّعب.

5) القَوَادِم: جمع قَادِمة، وهي الواحدة من أربع أو عشر ريشات في مُقدّم جناح الطائر.

6) أنظر، نهج البلاغة: الخُطْبَة (111) « غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ ».

الفهارس الفنيّة العَامَّة

اشارة:

1 - فَهْرَس الْآيَات

2 - فَهْرَس المَصَادر

فَهْرَس الآيات

الآية رَقْمَهَا الصَّفْحَة

الْبَقَرَة

(ليْسَ البر أن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ ) 177...41

(ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) 5-2...41

آل عمران

(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً ) 77...102

(وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ) 133...41

(إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) 26...324

المائدة

(وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا أَعْدِلُوا ) 8...41

الأنعام

(قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ) 56...243

(فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) 95...91

(وَكَانُواْ قَوْمَامِ بُورًا )

الأعراف

(العنقبَةُ لِلمُتَّقِينَ) 128...249

الحجر

(رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيْنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ) 39..157

النُحلِ

(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَايِ ) 90...41

(الْكِتَابَ تِبْيَنَا لِكُلِّ شَيْءٍ ) 89...343

الإسراء

(وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) 85...210

الكهف

(وَأَضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَهُ) 45...358

طه

(الْعَقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ) 132...249

الْحَجِّ

(وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذي جَعَلْتَهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً ) 25...184

القَصَص

(تِلْكَ الدَّارُ الْأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ) 83...287

(العقبةُ لِلمُتَّقِينَ) 83...249

لُقمان

(إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ و عِلمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ) 34...227

سَبَا

(وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) 13...38

ص

(إِنِّى خَلِقُم بَشَرًا مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوْيْتُهُو) 71-74...157

الحجرات

(يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَنكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ ) 13...43

(إن جَاءَكُمْ فَاسِقُم بِنَبَإٍ فَتَبَيِّتُواْ ) 6...280

المعارج

(سَأَلَ سَآللُم بِعَذَابٍ وَاقِعِ ) 1...311

السجدة

(أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ ) 18...280

التكوير

(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ) 26...91

الحديد

(لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَا ) 23...353

التحريم

(إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) 8...324

الضف

(كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) 3...180

النجم

(إنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) 4...59

فهرس المصادر

.1 شرح نهج البلاغة للشيخ محمد عبده، طبعة دار الكتاب العربي 1406هـ، طبعة الفجالة الجديدة - مصر 1403هـ.

2.

شرح نهج البلاغة؛ للخُوئيّ، طبعة دار الفكر بيروت 1406هـ.

3.

شرح نهج البلاغة، لا بن أبي الحديد المعتزليّ ( ت 656 ه ق )، تحقيق: مُحمَّد أبو الفضل، طبعة - بيروت 1409هـ.

4.

شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد عبدالحميد بن هبة الله ( ت: 655 هـ). طبعة بيروت ( 1374هـ). وبتحقيق: مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم. طبعة دار إحياء الكتب العربية - مصر.

5.

جواهر المطالب في مناقب الامام أبي الحسنين علي بن أبي طالب، لابي البركات محمد الباعوني الشافعي (النسخة مُصورة في المكتبة الرضوية بخراسان ).

6.

جواهر المطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الشمس الدين أبي البركات أحمد بن مُحمَّد الدمشقي الباعوني المتوفى سنة ( 871هـ) تحقيق مُحمَّد باقر المحمودي، طبع مجمع إحياء الثقافة الإسلامية الطبعة الأولى سنة ( 1415 هـ).

7.

مجمع البيان في تفسير القرآن لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي ( ت 548 هـ ق )، طبعة دار المعرفة - بيروت 1419هـ، طبعة دار إحياء التراث العربي.

8.

روضة الواعظين، لمُحمّد بن الحسن بن علي الفتال النيسابوري، (508 هـ ق )، طبعة

بيروت 1402 هـ و طبع مؤسسة الأعلمي بيروت الطبعة الأولى 1406 هـ

9.

مُستدرك الوسائل ومُستنبط المسائل للشيخ الميرزا حسين النوري، طبعة طهران ناصر خسرو.

10.

المُستدرك على الصحيحين، لأبي عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري، دار الكُتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ، طبعة حيدر آباد.

11.

تفسير الثَّعلبي ( الكشف والبيان في التفسير، لأحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري، ( ت 437 هـ)، مطبوع الجزء الأول على الحجر، و (مخطوط) في مكتبة المرعشي النجفي العامة.

12.

تفسير الجلالين، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، طبعة القاهرة 1364هـ.

13.

تفسير الحبري، لأبي عبد الله الحسين بن الحكم بن مسلم الحبري الكوفي ( ت 268 هـ)، توزیع رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة الرياض.

14.

تفسير الخازن لعلاء الدين الخازن الخطيب البغدادي، ( ت 725 هـ ق )، طبعة دار الفكر - بيروت 1409هـ، وطبعة مصر 1415 هدار الكتب العربية الكبرى.

15.

سُبل الهدى والرشاد، لصَّالح الشَّامي. طبعة مصر.

16.

بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، للعلامة محمَّد باقر بن محمد تقي المجلسي (ت 1110 هـ ق )، تحقيق ونشر: دار إحياء التراث، الطبعة الأولى - بيروت 1412هـ وطبعة مؤسسة الوفاء بيروت 1400 هـ، والطبعة الرابعة - بيروت 1405هـ

17.

سفينة البحار، المُسمَّى سفينة بحار الأنوار ومدينة الحكم والآثار. عباس ابن محمد رضا القُمي. طبعة النجف سنة 1355 هـ.

18.

العقد الفريد، أحمد بن مُحمَّد بن عبد ربَّه الأندلسي ( ت 328 هـ). دار الكتب العلمية. بيروت لبنان. وبتحقيق أحمد أمين وجماعة، طبعة القاهرة وتحقيق: محمد سعيد العريان.

19.

تأريخ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر العباسي المعروف باليعقوبي، طبعة النَّجف الأشرف 1354 هـ.

20.

تأريخ اليعقوبي، لابن واضح طبعة دار صادِر بيروت. وأيضاً النَّجف.

21.

نيل الأوطار للشوكاني.

22 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أحمد بن عبد الله. أبو نعيم الإصبهاني (المُتوفّى 430هـ).

23.

الترغيب والترهيب. عبد العظيم بن عبد القوّي المنذري (ت 656هـ). تحقيق: مُصطفى عمارة. بيروت ( 1968 م ).

24.

مُسند أحمد، لمحمَّد بن حنبل الشيباني (ت 241 هـ ق)، تحقيق: عبد الله محمد الدرويش، طبعة دار الفكر، الطبعة الثانية - بيروت 1414 هـ، طبعة جامعة أم القرى السعودية، طبعة دار العلم 1403هـ.

25.

مُسند ابن ماجه، لمحمَّد بن يزيد القزويني ( ت 275 هـ ق )، تحقيق: فُؤاد عبد الباقي، نشر دار الفكر، طبعة - بيروت 1371 هـ، دار إحياء التراث، بيروت، الطبعة الأولى 1395هـ.

26.

مُسند الطيالسي، لسُليمان بن داود الطيالسي ( ت 204 ه ق )، طبعة دار صادر - بيروت 1402هـ.

27.

مُسند الإمام الرضا اللا، المنسوب إلى الإمام الرضا، مُؤسسة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه ) - قم، الطبعة الأولى 1408 هـ

28.

مُسند الإمام زيد بن عليّ زين العابدين، جمع علي بن سالم الصنعاني، طبعة دار الصَّحابة 1412هـ. طهران دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثانية.

29.

المعجم الأوسط، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبري ( 360 هـ). مكتبة المعارف - الرياض. الطبعة الأولى ( 1407هـ. قام بإخراجه: إبراهيم مظفر وآخرون. تحت إشراف: مجمع

اللغة العربية - مصر.

30.

المعجم الكبير، لأبي القاسم سليمان بن أحمد اللخمي الطبراني ( ت 360 هـ)، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، دار إحياء التراث العربي، بيروت الطبعة الثانية 1404 هـ.

31.

المعجم الأوسط، لأبي القاسم سليمان ابن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي الطبراني ( ت 360 هـ)، تحقيق: طارق بن عوض الله، وعبد الحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين، القاهرة، 1415هـ.

32.

السيرة الحلبية (إنسان العُيُون في سيرة الأمين المأمون )، علي بن بُرهان الشافعي الحلبي، دار الفكر العربي بيروت 1400هـ.

33.

رجال الطوسي، لأبي جعفر محمد بن الحسن المعروف بالشيخ الطوسي، تحقيق: جواد القيومي، مؤسّسة النّشر الإسلامي - قم، 1415هـ.

34.

مجمع الزوائد ومنبع الفوائد لعلي بن أبي بكر الهيثمي (ت 807 هـ ق)، تحقيق: عبدالله مُحمَّد درويش، طبعة دار الفكر، الطبعة الأولى - بيروت 1412 هـ ق)، مُصوّرة عن طبعة القدسي 1389 هـ ق، طبعة - القاهرة الثانية بدون تأريخ.

35.

مروج الذهب ومعادن الجوهر، لأبي الحسن علي بن الحسين المسعودي (ت 346 هـ ق). تحقيق: مُحمَّد مُحيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، الطبعة الرابعة - القاهرة 1384 هـ.

36.

مُعجم البلدان، لأبي عبدالله شهاب الدين ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي (ت 626 هـ)، طبعة دار إحياء التراث العربي بيروت الطبعة الأولى 1399 هق.

37.

تهذيب الكمال، يُوسُف بن عبدالرحمن المزي (ت 742ها. طبعة دار المأمون دمشق ومطبعة مؤسسة الرسالة

38.

معجم رجال الحديث السيد أبو القاسم بن عليّ أكبر الخوئي، طبعة دار إحياء التراث

بيروت 1406هـ، ومنشورات مدينة العلم، قم، الطبعة الثالثة 1403 هـ.

39. وقعة صفين لنصر بن مزاحم المنقري، تحقيق وشرح عبدالسلام هارون، القاهرة،

الطبعة الثانية ونشر مكتبة السَّيِّد المرعشي النجفي قُم 1382هـ.

40.

تأريخ الطبري تأريخ الرُّسل والأمم والملوك، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (... - 310 هـ)، تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم دار المعارف القاهرة ( 1960 م ) طبعة أوربا، طبعة الإستقامة مصر.

41.

تأريخ المدينة المنورة (أخبار المدينة)، لعمر بن شيبة. تحقيق: فهيم مُحمَّد شلتون. دار الثراث والدار الإسلامية 1990 م بيروت: أبنان.

42.

الإستيعاب في معرفة الأصحاب، يُوسُف بن عبد الله بن مُحمَّد القُرطبي أبو عُمْر المشهور بابن عبد البر النمري، (ت 463ه). تحقيق: عليّ مُحمَّد مُعوض دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان. وتحقيق علي البجاوي. طبعة القاهرة وبهامش الإصابة.

43.

أنساب الأشراف، لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، (ت 279 هق)، تحقيق: كمال الحارثي، طبعة مكتبة الخانجي - مصر 1125 هـ، طبعة مكتبة المُثنَّى بغداد 1396 هـ، و وتحقيق المحمودي، مُؤسسة الأعلمي بيروت.

44.

تأريخ الخلفاء لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911 ه)، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، طبعة القاهرة، 1959م) طبعة دار السعادة مصر عام (1416 هـ).

45.

الإصابة في تمييز الصحابة، مُحمَّد بن حبيب البغدادي. طبعة مولاي عبد الحفيظ.

القاهرة ( 1328 هـ).

46. الإصابة في تمييز الصحابة، بهامش الإستيعاب لابن عبدالبر). أحمد ابن حجر العسقلاني (773 - 852هـ). دار العلوم الحديثة. وطبعات أُخرى لاحقة.
47.

الصواعق المحرقة، لابن حجر الهيثمي (974هـ). تحقيق: عبد الوهاب اللطيف. مكتبة القاهرة.

48.

تهذيب الأحكام، لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (المُتوفّى 460هـ)، تحقيق الحُجَّة السَّيِّد حسن الخرسان، الطبعة الثَّالثة، بيروت دار الأضواء عام (1406 هـ ).

49.

تهذيب المقال في تنقيح كتاب الرّجال للشيخ الجليل النَّجاشي، للسيد محمد علي الأبطحي.

50.

الجداول المرضية في تأريخ الدول الإسلامية ( تأريخ الدول الإسلامية بالجداول المرضية ) كما أثبت في آخره. أحمد زيني دحلان، مفتي الشافعية. بمكة. طبعة مصر 1306 هـ..51 المختصر في أخبار البشر، ( تأريخ أبي الفداء)، لعماد الدين إسماعيل أبو الفداء، ت 732 هـ ق )، نشر مكتبة القُدسي، طبعة - القاهرة 1408هـ، طبعة إدارة ترحاب السنة - پاکستان، المكتبة الإعدادية.

51.

أسد الغابة في معرفة الصَّحابة، لأبي الحسن عز الدين علي بن أبي الكرم محمد ابن مُحمَّد بن عبد الكريم الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري (ت 630 هـ ق)، تحقيق: مُحمَّد إبراهيم، طبعة - القاهرة 1390 هـ، وطبع بالأنست في المكتبة الإسلامية للحاج رياض، وطبع - 1390هـ المطبعة الوهبية بمصر.

52.

الأغاني، لأبي الفرج الإصبهاني (ت 356هـ)، تحقيق: خليل مُحيي الدين دار الكتب المصرية، الطبعة الأولى 1358 هـ، وكذا طبعة دار الفكر بيروت عام (1412 هـ).

53.

عيون الأنباء في طبقات الأطباء، طبع بيروت.

54.

تذكرة الخواص (تذكرة خواص الأُمة)، ليُوسُف بن فرغلي بن عبد الله المعروف بسبط ابن الجوزي، الحنبلي ثُمَّ الحنفي، نزيل دمشق (ت 654ها، طبعة - بيروت الثانية 1401 هـ، طبعة

النَّجف الأشرف، طبعة مضر.

56.

التمهيد والبيان في فضائل الخليفة عثمان، لأبي بكر الأشعري (مخطوط).

57.

الإشتقاق. محمد بن الحسن بن دريد ( ت 321 هـ). تحقيق: عبدالسلام هارون. طبعة القاهرة ( 1958 م )، طبعة جواتنجن عام ( 1854 م )، طبعة بغداد العراق، منشورات مكتبة المثنى.

58.

الإمامة والسياسة، لأبي مُحمَّد عبد الله ابن مسلم المعروف بابن قتيبة الدينوري ( ت 276 هـ ق)، مكتبة ومطبعة مُصطفى بابي الحلبي، مصر 1388 هـ.

59.

المصابيح، لأحمد بن إبراهيم بن الحسن بن عليّ بن إبراهيم بن محمد بن سلیمان ابن داود بن الحسن بن الحسن السبط بن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب: 248، تحقیق عبدالله بن عبدالله بن أحمد الحوثي، طبع مؤسسة الإمام زيد ابن عليّ الثقافية.

60.

البداية والنهاية، لأبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، تحقيق: علي شيري، دار الكتب العلمية، الطبعة الخامسة، ( 1409) هـ، مطبعة السعادة مصر عام 1351 هـ.

61.

البداية والنهاية، مُحمَّد بن عبد الحرّ الكناني ( ت 1312 هـ). طبعة القاهرة ( 1351 - 1358 هـ).

62.

حاشية البجيرمي على شرح النهج لمُحمّد علي البجيرمي، المطبعة الهندية العربية مصر 1313هـ.

63.

الطبقات الكبرى، لمحمَّد بن سعد الواقدي الزهري (ت 230 ه)، دار صادر، بيروت 1405هـ، طبعة أوربا، طبعة ليدن.

64.

الأخبار الطوال، لأحمد بن داود الدينوري أبو حنيفة ت 282 ه) تحقيق: عبدالمنعم عامر. طبعة دار المسيرة - بيروت، طبعة دار إحياء الكتب العربية سنة ( 1960 م).

65.

الشافي - في الجواب على الرسالة الخارقة للفقيه عبدالرحيم بن أبي القبائل، تأليف

الإمام عبدالله بن حمزة الحسني ( 561 - 614 ). الطبعة الأولى 1989م. منشورات مكتبة اليمن الكبرى، اليمن - صنعاء.

66.

فتح الباري شرح صحيح البخاري، مُحمَّد بن حبيب البغدادي ( ت 245 هـ). طبعة بولاق (1301 هـ). طبعة السَّلفية ) 1390هـ).

67.

فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني، ( ت 852 ه ق )، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، والمطبعة السلفية مصر 1380 هـ، وتحقيق: عبد العزيز بن عبدالله بن باز - القاهرة 1398هـ

68.

صحيح البخاري، لأبي عبد الله مُحمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري، (ت) 256 هـ)، تحقيق: مُصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، بيروت، الطبعة الرابعة 1410هـ. ومطبعة المصطفائي 1307هـ.

69.

شرح صحيح البخاري، عبد الله محمد بن إسماعيل، لمحمود بن أحمد العيني (ت 855 هـ ق )، مطبعة الفجالة الجديدة - مصر 1376هـ.

70.

صحيح مسلم، لأبي الحسين مُسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، (ت 261 هـ ق)، تحقيق: مُحمَّد فُؤاد عبد الباقي، طبعة - بيروت 1374 هـ. دار الحديث - القاهرة، الطبعة الأولى 1412 هـ، ودار إحياء التراث العربي، بيروت.

71.

الجامع الصحيح صحيح مسلم بشرح النووي، لمُسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيشابوري (ت 261 هـ ق)، تحقيق: مُحمَّد فُؤاد عبد الباقي، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الأولى 1412هـ.

72.

سنن ابن ماجه لا بي عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني ( ت 275 هق)، تحقيق: فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث، بيروت، الطبعة الأولى 1395 هـ. ونشر دار الفكر، طبعة -

بیروت 1371 هـ.

73.

سُنن الترمذي، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (ت 297ه) تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار إحياء التراث، بيروت.

74.

سُنن الدار قطني، لأبي الحسن علي بن عُمر البغدادي المعروف بالدار قطني، ت 285هـ ) تحقيق: أبو الطيب مُحمَّد آبادي، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الرابعة 1406هـ، طبعة بولاق بالقاهرة.

75.

سُنن النسائي، الحافظ المتوفى سنة (303 هـ). طبعة دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان.

76.

سنن أبي داود، لأشعث السجستاني الأزدي (ت 275هـ ق)، إعداد وتعليق: عزّت عبد الدعاس، طبعة دار الحديث الطبعة الأولى - حمص 1388هـ وطبعة مصطفى البابي - مصر 1391 هـ.

77.

المُغني، لأبي مُحمَّد موفق الدين محمد بن عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي ( ت 620 هـ)، دار الكتاب العربي بيروت 1359هـ، طبعة محمد علي صبيح وأولاده..

78.

المُغني، لأبي مُحمَّد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، على مختصر لأبي القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد الخرقي مطبعة المنار - مصر 1342هـ.

79.

مُغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، الشرح للشيخ محمد الشربيني الهجري، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

80.

الملل والنحل، لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد التميمي البغدادي

(ت 429 هـ)، تحقيق: البير نصري نادر، طبعة دار المشرق، بيروت 1970م.

81.

الملل والنحل، لأبي الفتح، محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت 548هـ) على هامش ( الفصل)، لابن حزم الظاهري، الطبعة الثانية، أفست، دار المعرفة بيروت.

82.

تهذيب تأريخ دمشق الكبير لابن عساكر، الشيخ عبد القادر ريدران. دار المسيرة

بيروت: لبنان.

83.

تاریخ ابن عساکر (تاريخ دمشق)، الأجزاء الَّتي حققها المحمودي، ترجمة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والإمام الحسن والإمام الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ).

84.

تأريخ دمشق، حمزة بن أسد القلانسي (ت 555هـ). طبعة بيروت عام (1908 م). 85. تأريخ دمشق، علي بن الحرّ بن عساكر (ت: 571ه). طبعة دمشق 1951 - 1954م. طبعة ( 1982م).

85.

سير أعلام النبلاء، مُحمَّد بن أحمد بن عُثمان الذهبي (ت 1374 م). تحقيق: مجموعة من الباحثين تحت إشراف: شُعيب الأرناؤط. مُؤسسة الرسالة بيروت - لبنان.

86.

ميزان الإعتدال في نقد الرجال، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، ( ت 748 هق )، تحقيق مُحمَّد البجاوي، طبعة دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت 1963م، وطبع القاهرة 1325هـ، دار الفكر بيروت.

87.

الكامل في التأريخ لأبي الحسن علي بن أبي الكرام مُحمَّد مُحمَّد بن عبدالكريم الشيباني المعروف بابن الأثير (ت) 630 هـ. عُني بمراجعة أصوله: نُخبة من العلماء. دار الكتاب العربي. بيروت - لبنان.

89 الكشف الحثيث، لإبراهيم بن محمد بن سبط ابن العجمي، أبو الوفا الحلبي الطرابلسي، عالم الكتب، مكتبة النّهضة العربية، بيروت، 1407 هـ، ط 1، تحقيق: صبحي السامرائي.

90. الكشف الحثيث عمّن رُمي بوضع الحديث لبرهان الدين الحلبي، طبعة القاهرة. 91. العلل، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (ت 297ه])، (مخطوط). 92. العلل المتناهية في الأحاديث الواهية لابن الجوزي، تحقيق: إرشاد الحق الأثري، طبعة الهند لاهور.
93.

ينابيع المودة لذوي القربى، لسليمان ابن إبراهيم القندوزي الحنفي (ت 1294 هـ)، تحقيق: علي جمال أشرف الحُسيني، طبعة أسوة الطبعة الأولى - قُم 1416هـ، والطَّبْعة الحيدرية في النجف الأشرف.

94.

النّهاية في غريب الحديث والأثر، لأبي السعادات مُبارك بن مُبارك الجزري المعْرُوف بابن الأثير الشَّيباني الشافعي (ت 606هـ)، تحقيق: ظاهر أحمد الزاوي، مُؤسسة إسماعيليان، قم، الطبعة الرابعة 1367 هـ.

95.

الفتن لنعيم بن حماد، نعيم بن حماد المروزي، أبو عبد الله، مكتبة التوحيد، القاهرة 1412 هـ، ط 1، تحقيق: سمير أمين الزهيري

96.

الجامع الصغير، في أحاديث البشير النذير جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت 911 هـ ق)، الطبعة الأولى - القاهرة 1365 هـ.

97.

كنز العُمّال في سُنن الأقوال والأفعال، لعلاء الدين عليّ المُتقي ابن حسام الدين الهندي (ت 975 هـ)، تصحيح صفوة السقا، مكتبة التراث الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى 1397 هـ، وطبع دار الوعي حلب 1396هـ.

98.

الدر المنثور في طبقات ربات الخدور، العاملي - زينب (ت 1332 هـ). طبعة القاهرة (1312هـ )

99.

الدر المنثور في التفسير بالمأثور، جلال الدين السيوطي (ت 911ه). دار الفكر بيروت: لبنان.

100.

الديباج لعبد الرحمن بن أبي بكر، أبو الفضل السيوطي، دار ابن عفان، الخبر، السعودية، 1416 ه-، تحقيق: أبو إسحاق الحويني الآثري.

101.

الديباج على صحيح مسلم طبع دار الكتاب الإسلامي.

102.

الديباج المُذهب في معرفة أعيان المذهب. إبراهيم بن علي ابن فرحون (ت 799 هـ). تحقيق: مُحمَّد الأحمدي أبو النور. طبعة القاهرة (1351ه).

103.

البيان والتعريف لإبراهيم بن محمد بن كمال الدين المعروف بابن حمزة الحسيني الحراني الدمشقي الحنفي (ت 1120هـ)، طبعة بيروت.

104.

التمهيد لابن عبدالبر، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبدالبر النمري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، ومحمد عبدالكبير البكري.

105.

كشف الخفاء، لإسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي، مؤسسة الرسالة 1405ه، ط 4، تحقيق: أحمد القلاش

106.

كشف الخفاء ومزيل الإلباس عمَّا اشتهر من الأحاديث على ألسنة النَّاس للمفسّر إسماعيل بن مُحمَّد العجلوني الجرّاحي المتوفى سنة (1162 هـ).

107.

تاج العروس في جواهر القاموس مُحمَّد مُرتضى الزبيدي. طبعة مصر 108 الروض الأزهر، للسيد شاه تقي العلوي الكاظمي الهندي الحنفي الكاكوردي الشهير بالقندر، أُخذ بالواسطة.

108.

تأريخ بغداد، لأحمد بن علي الخطيب البغدادي، طبعة دار السعادة مصر.

109.

أرجح المطالب لعبد الله الرّازي الأمر تسري، طبعة لاهور 1416هـ.

110.

فرائد السمطين في فضائل المُرتضى والبتول والسبطين والأئمة من ذُريتهم، لإبراهيم ابن مُحمَّد بن المُؤيد بن عبد الله الجويني الحمويني، ت 722 و 730 هـ ق)، تحقيق: مُحمَّد باقر المحمودي، طبعة مُؤسّسة المحمودي بيروت 1398هـ.

111.

الخصائص الكبرى (كفاية الطالب اللبيب في خصائص الحبيب)، جلال الدين السيوطي. طبعة دار الكتاب العربي.

113.

أمالي المُرتضى عليّ بن الحسين العلوي. طبعة مصر عام 1325 هـ / 1907م بتحقيق / محمد أبو الفضل إبراهيم. دار الكتاب العربي - بيروت. لبنان.

114.

أمالي الشيخ الطوسي، لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي منشورات المكتبة الأهلية، او فسيت مكتبة الداوري، قُم - إيران، والمطبعة الإسلامية، طهران 1404 هـ و طبعة مُؤسسة البعثة دار الثقافة قُم 1414هـ.

115.

أحكام القرآن لأبي بكر أحمد بن عليّ الرّازي الجصاص، دار إحياء التراث العربي، بيروت (1405هـ ). وطبع عبدالرحمان محمد.

116.

أحكام القرآن، لمحيي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي الطائي الحاتمي المرسي الدمشقي ( ت 638 هق، تحقيق: حسن حسني الأزهري، طبع الحلبي، ومطبعة السعادة - بيروت 1406هـ

117.

مُنتخب كنز العُمَّال عليّ بن حسام الدين بن عبد الملك ( 885 - 975 هـ). دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان.

118.

المنتخب من صحيحي البخاري ومسلم لمُحمَّد بن عُثمان البغدادي: (مخطوط).

119.

المنتخب من ذيل المُذيل للطَّبري، طبعة مُؤسسة الأعلمي بيروت سنة ( 1358 هـ ).

120.

مودة القُربى، للسيد علي بن شهاب الدين الحسيني العلوي الشافعي الهمداني، طُبع 1990م.

121.

الميزان في تفسير القرآن، لمحمَّد حسين الطباطبائي، دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الثالثة 1397هـ.

122.

ميزان الإعتدال، محمد بن أحمد بن عُثمان الذهبي ( ت 748هـ). تحقيق: علي البجاوي. طبعة القاهرة ( 1963م).

123.

نسب قريش، لأبي عبد الله المُصعب بن عبد الله بن المُصعب الزبيري ( 156 - 236 هـ). عني بنشره. إليفي بروفنسال. دار المعارف - القاهرة.

124.

الوافي، لمحمد محسن بن مُرتضى الفيض الكاشاني، نشر مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي اللا إصفهان 1406هـ.

125.

الوفاء بأخبار المصطفى، لابن الجوزي. طبعة 1395م. مطبعة السعادة. مصر. 126. الوافي بالوفيات، لصفي الدين خليل بن أيبك الصفدي، دار النشر فرانزشتانيز - قيسبادان.

126.

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لشَّمْس الدين أبي العباس أحمد بن محمد البرمكي المعروف بابن خلكان ( ت 681 هـ ق )، تحقيق: الدكتور إحسان عباس، طبعة دار صادر - بيروت 1398 هـ.

127.

فوات الوفيات. مُحمَّد بن شاكر الكتبي (ت 764ه). تحقيق: إحسان عباس. طبعة بيروت (1973 م).

128.

خُزانة الأدب ولُب لباب لسان العرب. عبد القادر بن عُمر البغدادي. طبعة عام 1299هـ..

129.

لسان العرب، لأبي الفضل جمال الدين مُحمَّد بن مُكرم بن منظور الأفريقي المصري، (ت 711 هـ ق)، الطبعة الأولى دار صادر - بيروت 1410هـ.

130.

لسان الميزان، لأبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ( ت 852 هـ ق )، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، وعلي مُحمَّد معوض، طبعة دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى 1416هـ.

131.

الوسائل في مُسامرة الأوائل للسيوطي طبعة بيروت سنة ( 1406 هـ).

132.

وسيلة النَّجاة لمُحمَّد مُبين الهندي، طبعة كلشن فيض الكائنة في لكنهو.

133.

وسيلة المآل في عد مناقب الال (مخطوط) نُسخة في مكتبة الظاهرية بدمشق.

135.

السنن الكبرى، لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ( ت 458 هق)، تحقيق: مُحمَّد مُحيي الدين عبد الحميد، دار إحياء التراث العربي - بيروت 1405هـ. وتحقيق: مُحمَّد عبد القادر عطا، طبعة دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى - بيروت 1414هـ مُصوَّرة من دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن 1353هـ.

136.

مُسند الشهاب لمُحمَّد بن سلامة بن جعفر القُضاعي، حققه وخرَّج أحاديثه، حمدي عبدالمجيد السلفي.

137.

الطبقات الإجتماعية دكتور محمد ثابت الأفندي.

138.

الغارات لإبراهيم بن مُحمَّد الثقفي.

139.

مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه للبوصيري.

140.

المعارف لأبي محمد عبد الله بن مسلم المعروف بابن قتيبة الدينوري (ت 276 هـ ق). حققه وقدم له ثروت عكاشه: منشورات الشريف الرضي الطبعة الأولى 1415هـ.

141.

شرح الاخبار في فضائل الأئمة الأطهار للقاضي أبي حنيفة النعمان بن مُحمَّد التميمي المغربي المُتوفى سنة ( 363هـ)، مُؤسَّسة النَّشر التابعة لجماعة المُدرسين بقم المُقدّسة، تحقيق السَّيِّد مُحمَّد الحسيني الجلالي.