رسالة فی الاستخارة من القرآن المجید والفرقان الحمید

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

رسالة في الاستخارة من القرآن المجيد والفرقان الحميد

تصنیف

العالم الربانى الشيخ الميرزا أبي المعالى

الكلباسي الاصفهانی (قدس سره)

1247 - 1315 هـ. ق

معمقدمة في تشريع الخيرة

العلامة السيد عبد الحسين الموسوى التسترى

تحقیق و نشر

مؤسسة الامام المهدى (عَلَيهِ السَّلَامُ)

قم المقدسة

(40)

محرر الرقمي: مرتضی حاتمي فرد

اشارة

هوية الكتاب

الكتاب : رسالة في الاستخارة من القرآن المجيد والفرقان الحميد

(مع مقدمة في تشريع الخيرة وكيفية الاستخارة في للعلامة السيد عبد الحسين الموسوي التستري)

المؤلف : الشيخ المجتهد الكبير الميرزا أبو المعالي الكلباسي الاصفهاني (قدس سره)

باشراف : سماحة السيد محمد باقر نجل آية الله المرتضى الموحد الأبطحي الأصفهاني

تحقيق وطبع و نشر : مؤسسة الامام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)

الطبعة : الأولى / محرم الحرام 1411 هـ. ق

العدد : (1000) نسخة

تلفون : 33060

حقوق الطبع والنشر كلها محفوظة لمؤسسة الامام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) / قم المقدسة

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله العالم بخير العباد في الغيب والشهادة، وهاديهم بالاستشارة والاستخارة إلى سبل الخير والعافية، والصلاة والسلام على محمد صفوة الخير وخيرة البررة من خير البرية، واللعن الدائم على من نا و أهم وعاداهم من أهل الحيرة والضلالة، ما دامت مفاتيح الغيب خافية، و أبواب رحمته بالاستخارة زاهية، وأنوار المعارف والخير جارية، وجبال الحقائق راسية، ونعمة الله على صفوته خالدة باقية.

أما بعد : فقد جبلت نفوس أهل الحيرة على مسألة الخيرة والاستخارة، كما غلبت على أكثر الطبائع البشرية الاستشارة، وأخذ رأي الاخرين من ذوي المعرفة خاصة - قبل الدخول في أمر ما، بل الحث عليها معتبراً إياها من حلقات الكمال، متمثلا بقول الشاعر :

ولا تجعل الشوري عليك غضاضة***فريش الخوافي قوة للقوادم

وذهب بعض إلى التفاؤل والتطير ببعض مظاهر الحياة أو ظواهر الطبيعة، فهذه الظاهرة تشجعه وتلك تثنيه، فتدخل شيئاً فشيئاً في تفاصيل حياته اليومية، وتحيل كيانه إلى مجرد أداة تتحكم بها تلك العوامل و الظروف.

وقد عالج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هذا المرض النفسي بقوله «كفارة الطيرة التوكل» فنجع العلاج، وأيقن الناس خلو الطيرة من كل معنى، وافتقارها لأي أساس علمي بعد أن أهاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالانسان تحسس قدراته، وتفحص طاقاته، والاعتماد على نفسه - بعد الاتكال على الله - و المضي قدماً في تحقيق مشاريعه، وتنفيذ اموره، فيقول واثقاً:

ولا أنا ممن يزجر الطير همه )))أصاح غراب أم تعرض ثعلب

وأمام هذه وتلك نلمس ونتحسس حالة تعبدية أساسها الايمان بالله تعالى والتوكل عليه، وسبيلها الدعاء والتضرع إليه جل شأنه، بخلوص نية و صفاء سريرة، ألا وهي الاستخارة في مراتب حالاتها.

و الاحاديث المأثورة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) و آله الأطهار بصدد الخيرة والاستخارة مشهورة، وقد استوفيناها في كتاب «الاستخارة» من موسوعتنا «جامع الأخبار والآثار

عن النبي والأئمة الأطهار (عَلَيهِم السَّلَامُ)» وكلها تجمع على أن المستخير، يسأل الله تبارك وتعالى الخير والهداية، والعصمة من الغواية، ويبتهل إليه مخلصاً، ويتوكل عليه موقناً ومؤمناً بأنه - جل وعلا - ضامن الاصابة والتوفيق، فيسأله ويستخيره أن يلقي في قلبه الهداية، ويلهمه السلوك القويم من خلال آية مباركة، أو من الرقاع، أو المسبحة أو الحصى أو القرعة حسب طريقته، و على ما نواه.

فانه على كل شيء قدير و «إذا أراد شيئاً يقول له كن فيكون».

فالاستخارة إذن ليست من البدع والضلالة، وإنما هي شكل من أشكال العبادة و التقرب إلى الله بالدعاء خالصاً، وما أروع أن يستخير العبد خالقه إذا التبست عليه الامور ولسان حاله يقول: «رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير» فيجري له - تعالى - الخيرة على لسان أحد خلقه، فيقدم على عمله مطمئن القلب مرتاح البال فيكون مصداقاً لقول الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما أبالي إذا استخرت الله على أي طرفي وقعت».

ثم ان الناس مختلفون في نظرتهم للاستخارة : فمن مثبت يعول عليها في كل أمور حياته، أو مهامها فقط، و من ناف لا يستخير أبداً، فيكون بذلك كما قال الامام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «من دخل في أمر بغير استخارة ثم ابتلي، لم يؤجر».

فان لي أن أقول حامداً : سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت، عالم الغيب والشهادة خالق الخير وجاعل الخيرة، سبحانك استخيرك برحمتك، أنت كما قلت :

«وما كان لهم الخيرة، إذا قضى الله ورسوله أمراً»، وأنت كما أخبرنا :

ما حار من استخارك، و ماندم من استشارك، وما استخارك الأخرت له ورميته بالخير.

سبحانك أنت دعوتنا للدعاء والمسألة، وضمنت لنا الاجابة ورفع الحيرة فاطمأن وسعد من فوض إليك أمره، واستجار ببابك حيره، واستخار منك عافية، وخاب وشقى من لا يستشيرك و لا يستخيرك خيرة، سبحانك يا خير من دعي وخير من سئل، اجعل أفضل صلواتك على صفوة الخير ممتن اختر تهم على علم على العالمين محمد و آله خير البرية.

و خر لي واختر لي بأفصل ما اخترت لهم ولأحد من خلقك، و لا تخر علي ولا تجعلني من أهل الحيرة و الضلالة فانهم شر البرية. و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، والسلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى.

سید محمد باقر الموحد الابطحي

تشريع الخيرة

و بيان كيفية الخيرة، و القرعة، والمباهلة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الحنان المنّان المفتح علينا أبواباً من الخير والاحسان بتشريع الخيرة والقرعة والتكلان، وجعلها بمنزلة الوحي للحيران في كشف الغيوب من قبل الرحمن

فيقول العبد المتحير في البلدان، والمتبعد عن الأهل و الأوطان، المبتلي بنوائب الزمان و طوارق الحدثان، و افتراق الأحبة و الاخوان

«عبد الحسين الموسوي التستري» :

إنه قد اختلفت الآراء في أصل شرعية الخيرة، و الفرعة، وكيفية تشريعها و كميتها على وجوه، بل أقوال :

فعن بعض العامة إنكار شرعيتها مطلقاً، وأنها كالقمار والمقامرة.

ثم القائلين بشرعيتها كالخاصة، اختلفوا في كيفية الشرعية، والكمية على وجوه بل أقوال:

1- فمنها : ماعن ابن إدريس والمحقق على ما حكى في «الذخيرة» من الاقتصار على شرعية أصل الاستخارة وصلاتها دون الاستخارة بالرقاع و القرعة و السبحة و الحصى، و ما يؤدي إليه القلب، و المشاورة، و أول ما يرى من المصحف بناء منهما على استناد ذلك كله إلى ما يقصر عن الحجية من أخبار الشذوذة و الآحاد.

2 - ومنها : ما كنت أزعمه سابقاً من شرعية أصل الاستخارة، والعمل بمؤداها في ضمن جميع الكيفيات المأثورة المذكورة على وجه التعبد، دون شيء من مراتب الطريقية ولا أحكامها.

ومنها : ما احتمله بعض فضلاء العصر من شرعية أصل الاستخارة، والعمل بمؤداها على وجه العمل بالاصول العملية لمصلحة رفع الحيرة ونحوها.

بمعنى أنها إمارة و طريق تعبدي، تعبدنا الشارع بترتيب أحكام الطرق الواقعية على مؤداها تعبداً، وإن لم تكن طريقاً.

4- ومنها : ما لعله المشهور و المنصور من طريقيتها واقعاً كطريقية البينة و اليد والسوق ونحوها، لا مجرد التعبد بترتيب أحكام الطريقية عليها.

5 - ومنها : ما ترقى بعض الأصحاب من الالتزام باستحالة تخلف مؤداها عن الواقع، و دوام مطابقته وإيصاله إليه.

6- ومنها : الترقي إلى تعميم شرعيتها لغير مورد التحير أيضاً من موارد وجود المرجحات لأحد الطرفين.

7 - ومنها : الترقي إلى تعميم شرعيتها بغير الكيفيات الخاصة المأثورة أيضاً، كما جرت عليها سيرة أكثر العوام.

8 - ومنها : ما عن بعضهم من الترقي إلى وجوب العمل بعد الاستخارة بمؤدى الخيرة.

وقبل الخوض في تحقيق الحق منها ينبغى تشخيص معنى الخيرة والقرعة، وبيان النسبة، و الفرق بينهما، فنقول :

أما معنى الخيرة - بالكسر فالسكون - في اللغة: فكالاستخارة والاختيار،وهو مطلق طلب الخير، ويقال : إسم لما يتخير كالطيرة لما بتطير.

وفي الاصطلاح: هو خصوص طلب الخير بالخصوصيات المأثورة من شخص خاص، ومورد خاص، وكيفية خاصة.

وأما القرعة في اللغة - فمن القرع هو الضرب والطرق -: إسم لما يقرع في مرة كاللقمة لما يلقم في مرة، والجرعة لما يتجرع في مرة، وفي اصطلاح الشرع : إسم لما يقرع بالخصوصيات المأثورة من شخص خاص، ومورد خاص"، وكيفية خاصة

و أما النسبة والفرق بين القرعة والخيرة : فبحسب المفهوم اللغوي بينهما تباين كلي وبحسب المفهوم الشرعي بينهما عموم من وجه، يجتمعان في المساهمة بالخصوصيات المأثورة لتشخيص بعض المنافع والمضار كماورد به بعض روایات الباب.

و يفرق مفهوم الخيرة عن القرعة في مفهوم صلاة الاستخارة المأثورة مجردة عن الأخذ بشيء، كما ورد به أيضاً بعض روايات الباب

و يفرق مفهوم القرعة عن الخيرة في مفهوم المساهمة على تشخيص بعض الحقوق الجزئية بالخصوصيات المأثورة مجردة عن طلب الخير كما هو مورد بعض نصوص الباب أيضاً.

وأما بحسب المصداق الشرعي والمورد الخارجي، فمقتضى عموم قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) القرعة لكل أمر مشكل (1)وعموم قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ما حار من استخار»(2)هو تساويهما في المصداق والموارد الخارجية، ولكن مقتضى وهن العمومين، والاقتصار على مواردهما المجبورة بعمل الأصحاب، هو اختصاص الخيرة بموارد الجهل بالمنافع والمضار الدنيوية، لا الجهل بالحكم، ولا بالموضوع، و اختصاص القرعة ببعض موارد الجهل بالمنافع والمضار، و ببعض موارد الجهل بالحقوق الجزئية و الموضوعات الصريحة، بخلاف الجول بالحكم، أو بالموضوع المستنبط، فان المرجع فيهما إلى الاصول العملية على ما استقر عليه عمل الأصحاب.

أدلة شرعية الاستخارة من الكتاب والسنة والاجماع

واذ قد وقفت على هذه المقدمة

فلنرجع إلى ما كنا فيه من تحقيق الحق في المسألة فنقول :

لا يخفى أن نفي شرعية الخيرة والقرعة رأساً إفراط من بعض العامة، كذلك الالتزام ببعض مراتبها المذكورة تفريط من أصحابنا المتأخرين، وخير الأمور أوسطها.

وتفصيل هذا الاجمال هو أن يقال:

أما شرعية الخيرة والقرعة والعمل بمؤد اهما، فهو وإن أنكرها العامة قياساً على القمار والمقامرة إلا أنه لاخلاف ولا إشكال بين الخاصة نصاً، ولافتوى في ثبوتها في الجملة في مقابل السلب الكلي.

و يدل عليه - ماعدا العقل المستقل - كل واحد من سائر الأدلة الثلاثة الباقية :

أما من الكتاب : فيكفي في شرعية أصل الاستخارة عموم قوله تعالى : «أدعوني


1) انظر الوسائل : 191/18 ح 18.

2) جامع أحاديث الشيعة : 4/293/7.

أستجب لكم» (1)«قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ» (2).

و عموم قوله تعالى : «وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ» (3).

«وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (4)«إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» (5)

«وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا» (6)و عموم قوله تعالى - في مؤمن آل فرعون - :

«وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ» (7).

نظراً إلى ما تقدم من كون أصل الاستخارة نوعاً من الدعاء والتوكل والتفويض إلى الله تعالى، وحسن الظن به.

ويكفي في شرعية العمل و الأخذ بمؤداها من الكتاب أيضاً قوله تعالى - في بيان أحوال يونس (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «فساهم فكان من المدحصين» (8).

وقوله تعالى: «وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ» (9).

وأما من السنة: فيكفى في شرعية أصل الاستخارة

عموم مثل قوله من أعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من أعطي الدعاء أعطي الاجابة، ومن أعطي الشكر أعطي الزيادة، ومن أعطي التوكل أعطي الكفاية». (10)

و خصوص ما رواه الكليني في الصحيح عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : صل ركعتين واستخر الله، فوالله ما استخار الله مسلم إلا خار الله له ألبتة (11).

وفي شرعية العمل والاخذ بمؤداها ما رواه الصدوق في الفقيه، عن حماد بن عيسى، عمن أخبره عن حريز، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :

أول من سوهم عليه مريم بنت عمران و هو قول الله عزوجل" «وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ» و السهام ستة.


1) سورة غافر : 60.

2) الفرقان : 77.

3) سورة ابراهيم: 12.

4) سورة المائدة : 23.

5) سوره آل عمران : 159.

6) سورة الطلاق : 3.

7) سورة غافر : 44.

8) سورة الصافات : 141.

9) سورة آل عمران : 44.

10) المحاسن : 3/1 ح 1، عنه الوسائل : 1087/4ح 17.

11) الکافی: 470/3 ح1، عنه الوسائل: 204/5 ح1.

ثم استهموا في يونس (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما ركب مع القوم فوقفت السفينة في اللجنة، فاستهموا فوقع السهم على يونس (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثلاث مرات.

فمضى يونس إلى صدر السفينة، فاذا الحوت فاتح فاه، فرمی نفسه.

ثم كان عند عبد المطلب تسعة بنين، فنذر في العاشر إن رزقه الله غلاماً أن يذبحه فلما ولد عبد الله لم يكن يقدر أن يذبحه و رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في صلبه، فجاء بعشر من الابل، فساهم عليها وعلى عبد الله فخرجت السهام على عبدالله، فزاد عشراً، فلم تزل السهام تخرج على عبد الله ويزيد عشراً، فلما أن خرجت مائة خرجت السهام على الابل.

فقال عبد المطلب : ما أنصفت ربي. فأعاد السهام ثلاثاً فخرجت على الابل فلم يزل يزيد الابل ويساهم حتى بلغت الابل مائة، فخرجت السهام على الابل ثلاث مرات.

فقال : الآن علمت أن ربي قد رضي. فنحرها (1).

وما في الوسائل : عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قلت له : ربما أردت الأمر يفرق مني فريقان : أحدهما يأمرني، والآخر ينهاني.

قال: فقال : إذا كنت كذلك فصل ركعتين واستخر الله مائة مرة ومرة، ثم انظر أحزم الأمرين لك فافعله، فان الخيرة فيه إن شاء الله.

ولتكن استخارتك في عافية، فانه ربما خير للرجل في قطع يده، وموت ولده وذهاب ماله (2).

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خبر آخر : «فصل ركعتين و استخر الله مائة مرة ثم انظر أي شيء يقع في قلبك، فاعمل به» (3).

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما أبالي إذا استخرت على أي جنبي وقعت» (4).


1) الفقيه : 3 /89 ح 3388، والخصال: 156/1 ح 198، عنهما الوسائل: 189/18 ح 12.

2) المحاسن : 599/2 ح 7، الكافى : 472/32 ح 7، و التهذيب : 181/3 ح 5، عنهما الوسائل : 205/5 ح 65.

3) الكافى : 471/3 ح 4، التهذيب : 311/3 ح 10، عنهما الوسائل : 5/ 205 ح 4.

4) فتح الابواب ص، عنه الوسائل : 207/15 ح 10.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : في خبر آخر: «ثم انظر ما يلهمك، تفعله فهو الذي أشار عليك به» (1).

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): في خبر آخر : «ثم يشاور فيه، فانه إذا بدأ بالله تبارك وتعالى أجرى له الخيرة على لسان من يشاء من الخلق» (2).

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): بعد الاستخارة : »أنظر إذا قمت إلى الصلاة فان الشيطان أبعد ما يكون من الانسان إذا قام إلى الصلاة، فانظر إلى أي شيء يقع في قلبك، فخذ به وافتح المصحف، فانظر إلى أول ماترى فيه، فخذ به إن شاء الله» (3).

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : في ذات الرقاع: «فان كان على ظهرها إفعل، فافعل وامض لما أردت فانه يكون لك فيه إذا فعلته الخيرة إن شاء الله، وإن كان فيها على ظهرها لا تفعل فاياك أن تفعله أو تخالف، فانك إن خالفت لقيت عنتاً، وإن تم لم تكن لك فيه الخيرة»(4)الحديث

إلى غير ذلك من الأخبار المبوبة في الوسائل وغيرها الآمرة بالعمل و الأخذ بعد الاستخارة وصلاتها بما يقع في القلب، أو المشاورة، أو المصحف أو الرقاع، أو السبحة، أو الحصى، أو المساهمة والقرعة على الوجه المأثور.

وأما من الاجماع فيكفي ما استقر عليه قول الامامية و فعلهم على شرعية الاستخارة، والعمل بمؤداها على وجه يكون ذلك من شعائرهم الكاشفة عن رأي رئيسهم و تقريره إياهم قطعاً.

وأما اقتصار ابن إدريس، وبعض من تبعه على شرعية أصل الاستخارة وصلاتها دون شرعية الأخذ بمؤدى القرعة والرقاع والسبحة، وغيرها مما ذكره

فمبني على شبهة زعمه استناد ما عدى صلاة الاستخارة إلى أخبار الآحاد، وعلى شبهة عدم حجية أخبار الآحاد وكلا مقدمتيه مشبهتان ممنوعتان :

أما الأولى فيما سبق، وأما الثانية فيما تقرر في محلّه.


1) أمالي الطوسى : 281 ح63، عنه الوسائل : 213/5 حسب 4.

2) المحاسن : 598/2 ح 2 عنه الوسائل : 213/5 ح 2 معانی الاخبار : 144 ح1.

3) التهذيب : 310/3 ح6، عنه الوسائل : 216/5 ح 1.

4) الوسائل: 209/5 ح3.

هذا كله في ثبوت شرعية الاستخارة والقرعة وشرعية العمل بمؤداهما.

طريقية مؤدى الاستخارة للواقع وقد يتخلف

وأما طريقية مؤداها فتفصيل الكلام فيه هو أن الشيء المشروع والمعتبر :

إما أن يعتبر تعبداً صرفاً وإن كان في نفسه طريقاً كاعتبار الاستصحاب على وجه.

وإما أن يعتبر طريقاً صرفاً وإن لم يكن طريقاً في نفسه.

وإما أن يعتبر طريقاً تعبدياً كالاصول العملية.

وإذ قد عرفت ذلك، فاعلم أن ؤدى الاستخارة والقرعة، وإن لم يكن طريقاً في نفسه بالبداهة الأولية والضرورة العيانية، ولا دلالة أيضاً فى مجرد الأوامر الأمرة بالعمل، والأخذ به على طريقيته التعبدية فضلا عن طريقيته الواقعية إلا أن تعليلات العمل، والأخذ بمؤدى الاستخارة بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «فان الخيرة فيه» (1).

و بقوله «فهو الذي أشار عليك به» (2)و بقوله «فانه يكون لك فيه إذا فعلته الخيرة»(3)ظاهرة في طريقية الاستخارة والموصلية إلى المنافع و المقاصد المقصود انكشافها.

خصوصاً تعليلات العمل والأخذ بمؤدى القرعة «بأنه يخرج سهم المحق» (4)وبأن من خرج سهمه بالقرعة فهو المحق (5)كالصريح في الطريقية والموصلية إلى الواقع.

فان قلت : إن مؤدى الاستخارة والقرعة إذالم يكن طريقاً في نقسه، فكيف يمكن أن يجعله الشارع طريقاً بالجعل ؟

أليس ذلك من قبيل قلب الماهية المحال، وجعل النار ماءاً، والماء ناراً؟

قلت : هذا ليس من قبيل ما ذكر من قلب الماهية المحال، و جعل النار ماءاً و بالعكس، بل هو من قبيل تبديل الخواص والآثار، أعني من قبيل جعل آثار النار وخواصه في الماء، وبالعكس، وهو أمر ممكن بل واقع كثيراً من القادر المطلق تعالى في جعله النار نوراً [ وبرداً] على إبراهيم.

فان قلت : سلمنا إمكان جعل آثار ذات الطريق من الموصلية والايصال في غير


1) تقدم ص 5.

2) تقدم ص 6.

3) تقدم ص 6.

4) التهذيب : 238/6 ح 15، عنه الوسائل : 188/18 ح 4 يأتي تفصيله ص 8.

5) الكافى : 240/7 ح 2، عنه الوسائل : 18 / 184 ح 8.

ذي الطريق من القادر المطلق تعالى إلا أنه بملاحظة كونه من خوارق العادات نادر جداً، بل معدوم النظير في خصوص الامارات المعتبرة طريقاً إلى الواقع شرعاً.

قلت : ندور طريقية الاستخارة و القرعة في الكشف و الايصال إلى الواقع إنما هو مع قطع النظر عن أسبابه و مقتضياته المحصلة له.

وأما بالنظر إلى أسبابه ومقتضياته المحصلة من مثل الأدعية المأثورة له من الصلاة وطلب الخير، والاستشارة والاسترشاد منه، والتوكل والاعتماد عليه، وتفويض الأمر إليه، وحسن الظن به، فلا غرو ولا عجب، ولا ندور في طريقية الاستخارة و القرعة بتلك الضمائم و الاسباب المنضمة إليه الملزمة لتنجيز مواعيده تعالى

سيما بعد تصريحه بطريقيته كما عرفته من أدلتها المتقدمة من الكتاب والسنة.

فان قلت : لو كانت الخيرة و القرعة من الطرق الواقعية لا التعبدية الصرفة فما وجه ما نراه في مؤدى الخيرة والقرعة من التخطي والتخلف و عدم الايصال إلى الواقع في كثير من الأحيان والموارد ؟ قلت: تدفع هذه الشبهة :

أولا : بالنقص بجميع الامارات و الطرق الواقعية حيث لم يكن منها طريق وإمارة إلا وله مادة تخلف عن الواقع أحياناً حتى الطرق المنجعلة كالعلم والتواتر.

وثانياً : بالحل بان ما يتفق من تخلف الطريق والامارة عن الايصال إلى الواقع بعد ثبوت الطريقية له، فلابد من حمله على الندور والشذوذ الغير المنا في الطريقية الطريق وإماريته المنوطة بواسطة الجعل بغلبة الوصول والايصال.

أو حمله على حصول مانع أو انتفاء شرط من شروطه المأثورة من توجه القلب، والصلاة، والدعاء والتوكل والتفويض، وحسن الظن بالله تعالى

كما يرشد إليه ما عن التهذيب صحيحاً عن جميل قال :

«قال الطيار : لزرارة ما تقول في المساهمة أليس حقاً ؟ فقال زرارة: بل هي حق".

فقال الطيار : أليس قد رووا أنه يخرج سهم المحق ؟ قال : بلى

قال : فتعال حتى أدعي أنا وأنت شيئاً، ثم نساهم عليه، وننظر هكذا هو ؟

فقال له زرارة : إنما جاء الحديث بأنه ليس (من) قوم فوضوا أمرهم إلى الله

ثم اقترعوا إلا خرج سهم المحق"، فأما على التجارب فلم يوضع على التجارب.

فقال الطيار : أرأيت إن كانا جميعاً مدعيين، إدعيا ما ليس لهما من أين يخرج سهم أحدهما ؟ فقال زرارة : إذا كان ذلك جعل معه سهم مبيح، فان كانا إدعيا ماليس لهما خرج سهم المبيح» (1).

فتلخص مما ذكرنا ثبوت طريقية مؤدى الاستخارة والقرعة في الجملة.

وأما استحالة تخلف مؤداها عن الواقع أحياناً كماهو أحد الوجوه بل الأقرال فلا دلالة عليه في شيء مما ذكر، ولا فيما استدل عليه مدعيه :

من أن الاستخارة استرشاد، و استشارة للخير من الله تعالى، وكما أن نصح المستشير وإرشاد المسترشد واجب على الناس، فعلمى الله بالأولوية القطعية، وبأنه كما أن بعث الرسل وإنزال الكتب واجب على الله عقلا بقاعدة اللطف، كذلك الارشاد إلى المصلحة واجب عليه بتلك القاعدة.

و بأنه كما أن إرشاد الناس إلى المصالح الدينية الراجعة إلى المعاد واجب على الله، كنصب الرسل وإنزال الكتب، كذلك إرشادهم إلى المصالح والمفاسد الدنيوية الراجعة إلى المعاش واجب عليه.

وبأن تخلف الاستخارة عن تلك المصلحة الواقعية يستلزم الاغراء المحال على الله تعالى بعد فرض الأمر بها وتفويت المصلحة عن العبد.

إلى غير ذلك مما يقصر دلالته عن إثبات مدعاه جداً، كما لا يخفى.

و تفصيل ذلك أن استفادة استحالة تخلف مؤداها عن الواقع إما يكون من نفس مؤدى الاستخارة والقرعة مع قطع النظر عن دليل إعتبارهما بالخصوص.

وإما من دليل إعتبارهما شرعاً بالخصوص.

وإما من دليل آخر خارجي كعموم قاعدة اللطف ونحوه، مما تمسك به المتوهم أما استفادة ذلك من نفسهما فمن البديهيات الأولية والضروريات العيانية عدمها.

وأما استفادة ذلك من دليل إعتبارهما وتشريعهما فهو منحصر بالاستقراء في


1) التهذيب : 238/6 ح15، عنه وسائل الشيعة : 188/18 ح4.

الأدعية المأثورة، أو الأوامر الأمرة بالأخذ بمؤداها، أو المواعيد الموعودة عليها على سبيل منع الخلو".

فأما الادعية المأثورة للخيرة - من مثل «أستخير الله برحمته خيرة في عافية اللهم اختر لي ما هو خير لي في ديني ودنياي» (1)

راجع جامع الاحاديث: 304/7 - 306 ح 23 - 25.

، ومن مثل «اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم أنت الله لا إله إلا أنت عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، فأسألك أن تخرج سهم المحق» (2)و نحو ذلك.

فلا دلالة فيها على ما يريد من كون الاستخارة والقرعة من الأدعية المأثورة لطلب الخيرة في مقام الحيرة، كما هو معنى الخيرة والاستخارة لغة، وصريح مضامين أدعيتها المأثورة جميعاً.

وأما الاوامر الآمرة بالخيرة والقرعة في مقام الاشكال والحيرة، فلا تزيد دلالة على الأوامر الآمرة بالعمل بالاصول العملية عند الشك لمجرد التعبد بسلوكها إلا للارشاد إلى ما في سلوكها.

وأما المواعيد الموعودة عليها من مثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «ما استخار الله مسلم إلا خار الله له البتة» (3)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«ليس من قوم فوضوا أمرهم إلى الله عز و جل ثم اقترعوا إلا خرج سهم المحق» (4)فانما هي في المفاد و السياق كساير المواعيد الموعودة على مطلق الدعاء من مثل قوله تعالى : «أدعوني أستجب لكم» (5).


1) الكافي : 470/3 ح3، عنه الوسائل: 208/5 ح 1.

2) جامع الحديث : 315/7 بابه، وفيه أحاديث كثيرة و بأسانيد مختلفة عن التهذيب :234/6 ح7 وفتح الابواب.

3) الكافي : 470/3 ح 1، والتهذيب : 179/3 ح 1 عنهما الوسائل : 1204/5.

4) التهذيب : 238/6 ح 15، عند الوسائل: 188/18 ح4.

5) سورة المؤمن : 40.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب له»(1).

المخصصة عمومها بمثل قوله تعالى : «أوفوا بعهدي أوف بعهدكم» (2).

و بمثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «من اغتاب مسلماً لم يقبل الله تعالى صلاته ولا صيامه أربعين يوماً وليلة، وأن من أكل لقمة من حرام... لم يستجب دعاؤه أربعين صباحاً» (3).

إلى غير ذلك من المخصصات التي يقف عليها المتتبع في الآثار المأثورة.

بل كثيراً ما يؤخر استجابة دعاء المؤمن حباً لسماع صوته على ما في بعض الأخبار.

بل قد ورد أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد دعى الله تعالى في ليلة المعراج أن يرفع الخلاف عن امته فلم يجبه تعالى بعد ما أجابه في دعوات كثيرة التي :

منها «أن لا يسلط على أمته من سوى أنفسهم ظالم» (4).

و أن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال في مناجاته : «أسألك يا رب" أن لايقال في ما ليس في فقال: يا موسى مافعلت هذا لنفسي فكيف لك».

على ما في باب الثاني والاربعين من (ارشاد الديلي) (5).

إلى غير ذلك من الأدعية و الأسئلة التي لم تستجب لمثل الأنبياء مع عصمتهم و خلوهم عما لم تخل منه من موانع الاستجابة و مقتضيات عدم الاستجابة.

هذا كله مضافاً إلى أن استجابة الدعاء كثيراً ما يتعقبه الرد والتبديل والمحو والاثبات بالبداء ونحوه، كما يشهد به قوله تعالى : «يمحو الله ما يشاء ويثبت» (6).

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «اللهم اجعل فيما تقضي، وفيما تقدر من الأمر المحتوم، وفيما تفرق

من الأمر الحكيم ليلة القدر من القضاء الذي لا يرد ولا يبدل» الدعاء (7).

ومع ذلك كله كيف يستفاد من الادعية المأثورة في الاستخارة والقرعة استحالة تخلف مؤداها عن الاجابة المتوقفة على اجتماع. الم يجتمع فينا من مقدمات كثيرة التي :


1) عدة الداعى : 8/34، عنه الوسائل : 1086/4 ح 9.

2) البقرة : 40.

3) جامع الاخبار : 171 عنه جامع الاحادیث: 192/9 ح 4، كنز العمال: 15/4 ح 9266.

4) لم نعثر عليه.

5) ارشاد القلوب : 134.

6) سورة الرعد : 39.

7) اقبال الاعمال : 211 س 2 و 24، عنه البحار : 164/98 ص 7.

منها أو لا استجماع الداعي لشرايط الدعاء ومقتضيات الاجابة.

ومنها ثانياً استجماعه لفقد الموانع المانعة من استجابته مع عدم استجماعها حتى في الاوحديسين منا.

ومنها ثالثاً مصادفة الدعاء لتعلق المشية باجابته، وعدم منافاته للمصالح النوعية الكلسية الذي هو الباعث لعدم استجابة بعض الأدعية، من مثل الانبياء والأولياء أحيانا مع استجماعهم الشرائط، وفقد الموانع، لامحالة.

ومنها رابعاً عدم تعقب الاجابة بعد تحققها بود وتبديل ومحو وتحويل بواسطة تعقب بداء، ونحوه.

هذا كله مضافا إلى أنه سلمنا تجاوز الدعاء عن جميع هذه العقبات و بلوغه إلى ساحة الاجابة والقضاء الذي لايرد ولا يبدل، ووصوله إلى عرصة الاثبات والتنجز الذي لا يبدل.

ولكن مع ذلك لا يكشف الدعاء عن بلوغ الداعي للمدعو به على الوجه المدعو به بل قد يعوض على تقدير إجابته بما هو أصلح بحال الداعي.

والعوض أيضاً قد يؤخر إلى الآخرة، ولا ينال الداعي في الدنيا الذي هو مآله كما ورد عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) إني دعوت الله أن يجعل الامامة في ابني إسماعيل فعوضني عنه بجعله أول من يخرج مع القائم (عَلَيهِ السَّلَامُ)» لم نعثر على أصل للحديث، مضافا الى أن فيه نظراً وتأملا. (1).

وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) «إن المؤمن ليدعو الله، فيؤخر الله إجابته إلى يوم الجمعة» (2).

وفي خبر آخر «قلت لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يستجاب المرجل الدعاء ثم يؤختر ؟ قال : نعم إلى عشرين سنة» (3).

و في خبر آخر كان بين قوله تعالى قد أجيبت دعوتكما» وبين أخذ فرعون أربعين عاماً (4).


1)

2) الكافى : 489/2 ح6،و 4، عنه الوسائل : 1108/4 ح 3 و 4.

3) الكافى : 489/2 ح6،و 4، عنه الوسائل : 1108/4 ح 3 و 4.

4) الكافي : 489/22 ح 5، عنه الوسائل : 1108/4 ح 2.

1 - وعن النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «ما من مؤمن دعا الله سبحانه دعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم، إلا أعطاه الله أحد خصال ثلاثة :

إما أن يعجل دعته، وإما أن يؤخر عدة له، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها». (1)

2 - وعنه أيضا «الدعاء مخ العبادة، وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب له إما أن يعجل له في الدنيا، أو يؤجل له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا، ما لم يدع بمأثم» (2).

إلى غير ذلك مما هو كالصريح، بل صريح في إمكان تخلف الأدعية المأثورة للخيرة والقرعة عن الاجابة والواقع أحياناً، وعدم استحالة تخلف مؤداها عن الواقع لان حال الادعية المأثورة للخيرة والقرعة والمواعيد الموعودة عليها من الاجابة هو حال سائر الأدعية والمواعيد الموعودة عليها في المفاد والسياق، فيتحدان في أنه قد يستجاب وقد لا يستجاب، وعلى تقدير الاجابة قد يمحى وقد يثبت، وعلى تقدير الاثبات قد يعوض وقد لا يعوض، وعلى تقدير عدم التعوض قد يعجل وقد يؤجل.

ومع كل هذه التقادير كيف يعقل الجزم والقطع باستحالة تخلفها عن الاجابة والكشف عن تنجز المطلق؟! وهل هو إلا الجمود على العمومات، والاغماض عن المخصصات، أو على المتشابهات، والاغماض عن المحكمات، كجمود الاخبارية على مثل «إسماعيل يشهد أن لا إله إلا الله».

وأما تعليلات الاخذ بمؤدى الخيرة والقرعة بمثل قوله التلا: «فان الخيرة فيه» (3)و «إنه يخرج سهم المحق» (4)فغاية ما فيها هو الظهور في طريقية مؤداهها إلى الواقع دون استحالة تخلفها عنه.

وأما التمسك بأن الاستخارة استشارة وإسترشاد من الله تعالى، ونصح المستشير وإرشاد المسترشد واجب على الناس، فعلى الله بالأولوية، ففيه منع الكبرى :

أولا : بأنه لادليل عقلا ولا شرعاً على وجوب نصح المستشير على الناس - في


1) عدة الداعى : 24، عنه الوسائل : 1086/4 ح 908.

2) عدة الداعى : 24، عنه الوسائل : 1086/4 ح 908.

3) تقدم ص 5 و ص 7.

4) تقدم ص 5 و ص 7.

الموضوعات - الذي هو المقيس عليه ما لم يؤد إلى مثل هلاك نفس محترمة و نحوه نعم الذي يجب على الناس في الموضوعات هو عدم إغراء الجاهل.

وأما سكوتهم عند الاستشارة، فكعدم إصغائهم لسؤال السائل، وعدم إجابتهم لدعوة الداعي لا يحرم ولا يقبح من حيث هو، وليس مثل رد السلام واجباً.

وثانياً : لو سلمنا وجوبه من حيث هو كرة السلام كما يجب عليهم من حيث استلزامه لمثل هلاك نفس محترمة ونحوه، ولو لم يكن في مقام الاستشارة.

إلا أن الحكم في المقيس ممنوع، ضرورة أنه ليس كلما يجب على الناس يجب على الله بالأولوية، إلا ما كان وجوبه عقلياً، كحسن العدالة وقبح الظلم.

و أما ما كان وجوبه شرعياً كأغلب تكاليف الموالي للعبيد من مثل : لا يغتب بعضكم بعضاً، ولا يقتل بعضكم بعضاً، ولا يتصرف بعضكم في مال آخر إلا باذن منه، ويجب عليكم تحفظ الأيتام، و رد السلام، و إطعام الطعام، ونصح المستشير على تقدير القول به -

فلا يجب على المولى قطعاً، فضلا عن الأولوية على الله كما لا يخفى.

وأما مقايسة إرشاد المسترشد بنصب الرسل، وإنزال الكتب في وجوبه على الله بقاعدة اللطف فقياس مع الفارق، من جهة أن اللطف الواجب في الاصطلاح خاص بما يقرب العبد إلى الطاعة، ويبعده عن المعصية، لا مطلق ما يقربه إلى المنافع والمصالح، ويبعده عن المضار و المفاسد، و لو من الأمور الدنيوية.

بل لعل التقرب إلى المنافع والمصالح الدنيوية خلاف اللطف المصطلح وجوبه على الله تعالى في أغلب موارد الناس.

مضافاً إلى أن اللطف - المصطلح الخاص بالمقرب إلى الطاعة والمبعد عن المعصية أيضاً لا يجب على الله تعالى مطلقاً، بل الواجب منه عليه مقدار خاص، وهو المقدار القاطع لمعاذير العباد بحيث لا يبقى للناس على الله حجة، كما في إنزال الكتب وإرسال الرسل.

ولهذا اكتفى في اللطف ببعث رسول واحد، وكتاب واحد إلى جميع أهل العالم

من الجن والانس، ولولا ذلك لوجب عليه أن يبعث إلى كل عصر، بل إلى كل مصر، بل إلى كل قصر، بل إلى كل نفر رسولا وكتاباً على حدة، لكونه أقرب إلى الطاعة قطعاً، وأبعد عن المعصية جداً، ومع ذلك لم يجب، ولم يقع أصلا ورأساً.

وأما توهم استلزام تخلف المصلحة للاغراء بالجهل، فمدفوع بوضوح منع الملازمة، إذ ليس في أدلة تشريع الخيرة و القرعة تصريح، ولا تلويح بتضمين الشارع دوام إيصال مؤداها إلى الواقع لامحالة، حتى يلزم من تخلفه الاغراء والكذب.

بل غاية ما في أدلة تشريعها هو الوعد بالايصال في الجملة على وجه الاجمال لا بالجملة على وجه يستلزم من تخلفه المحال.

وأما توهم استلزام تخلفها لتفويت المصلحة الواقعية، فمدفوع بمنع بطلان اللازم إذا كان في نفس التشريع وأمر الشارع، أو في سلوك الفعل المشروع والمأمور به مصلحة تدارك الفائت من المصلحة الغائية المقصودة للمسالك بالسلوك

كما هو وجه من وجوه صحة التعبد بماهو غير دائم المطابقة من سائر الطرق و الامارات الواقعية، ورد من منع صحة التعبد بها لتلك الملازمة.

وأي مصلحة أعظم وأفضل وأشرف وأنفع وأفيد من المصلحة الموجودة في نفس تشريع الخيرة، وفى نفس سلوكها عند الحيرة من الخضوع، والخشوع، والصلاة والدعاء، والطلب والتعظيم، والتمجيد، والتحميد الله عزوجل، وذكر صفاته الحميدة وأسمائه الحسنى، وتوجه القلب إلى ساحة قدسه والاتكال عليه، وتفويض الأمر إليه وإن لم تحصل الغاية المقصودة للسانك من المنافع الجزئية الدنيوية الفانية الزائلة أفلم يكف بتلك المصالح الكلية المترتبة على الأمر بالخيرة والعمل بها في صحة تشريعها، والحث والتأكيد عليها، والالتزام بها عند الحيرة حتى يلتزم بدوام مطابقتها و كاشفيتها عن مصالح جزئية دنيوية فانية زائلة لا تبلغ معشاراً من تلك المصالح الكلية

شرعية الاستخارة، وفوائدها وفى الخيرة جهتان : نفسي، وطریقی

فنلخص مما ذكرنا أن العمدة في تشريع الخيرة و فوائدها :

هو رجحانها النفسي لا التوصلي، كسائر العبادات النفسية، بل هي أفضلها نظراً إلى اشتمالها على التعظيم والتمجيد والصلاة والدعاء والتوكل والتفويض

و أن الظاهر من تعليلات الأخذ بمؤداها : هو وجود جهة التوصلية فيها أيضاً، إلا أن الجهة النفسية أقوى و أغلب من الجهة التوصلية في الخيرة، وبالعكس في القرعة.

ومن هنا قد توهم إنحصار رجحان الخيرة في الرجحان النفسي.

ولكن قد عرفت اندفاعه بظهور تعليلات الأخذ بمؤداها بأن فيه الخيرة و نحوه في اشتمالها على جهة التوصلية و الطريقية أيضاً.

وأما توهم تعميم تشريعها لغير مورد التحير فلعله ناظر إلى عموم مثل «ما استخار الله مسلم إلاخار الله له ألبتة» (1)و عموم قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وأي قضية أعدل من القرعة» (2).

مع الاغماض عن أن موضوعها و موردها بحسب الاخبار الاخر هو خصوص مقام التحير والاشكال، الذي لاسبيل إلى رفعه بغير الخيرة و القرعة.

وأما توهم تشريعها بغير الكيفيات الخاصة المأثورة فأيضاً مبني على اقتصار النظر على العمومات والاغماض عن مخصصاتها المتراكمة، أو على توهم أن مسألة الخيرة، و القرعة من المستحبات التي لا تقيد مطلقاتها بالمقيدات، أو يدفعه أن الخيرة المشروعة تارة تشتمل على جهة العبادية النفسية كذات الصلاة والدعاء المجرد عن جهة الاستعلام بشيء من العلامات التوصلية، وتارة تشتمل على الجهتين المذكورتين.

وعدم جريان تقييد المطلق، بل جريان دليل التسامح إنما هو في القسم الأول من الخيرة وفي الجهة الأولى من القسم الثاني، بخلاف الجهة الثانية من القسم الثاني.

فان عمومات الخيرة مخصصة فيها بمثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «الذي سنه العالم (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الاستخارة بالرقاع والصلاة» (3)في جواب السائل عن الاستخارة بغيرهما.

وبمثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «كان أبي يعلمني الاستخارة كما يعلمني السورة من القرآن» (4)ولا يجري دليل التسامح فيها أيضاً لعدم إثبات دليل التسامح ما عدا الثواب من


1) الكافي : 470/3 ح 1، التهذيب : 179/3 ح 1 عنهما الوسائل : 204/5 ح1.

2) الفقيه : 3/ 92 ح 3391، عنه الوسائل : 190/18 ح13.

3) الاحتجاج : 314/2، عنه البحار : 227/91 ذح 2ب 5.

4) الوسائل : 218/5 ح 9.

الآثار الوضعية، كالكاشفية والموصلية التي هي الغرض الاصلي للمستخير غالباً.

فتبين أن الخيرة إما ذوجهة أو ذو جهتين، كالوضوء، فمن جهة رجحانها النفسي وإن لم يقيد مطلقاتها إلا أنه من جهة رجحانها التوصلي وهو الطريقية والايصال إلى الواقع يقيد مطلقاتها لامحالة.

بل المنقول عن ابن طاووس في الوسائل (1)ترجيح استخارة ذات الرقاع على سائر أنواع الاستخارة بوجوه :

منها : تقييد عموم سائر أنواع الاستخارات بذات الرقاع.

ولكن يضعفه أنه من حيث اشتمال ذات الرقاع على الخصوصيات الزائدة التي لم يعتبر في غيرها من الصلاة و نحوها، وإن كان يوهم التقييد، وكون نسبتها إليها كنسبة المطلق والمقيد، والأقل والأكثر، إلا أنه من سائر الحيثيات الاخرى كالاستعلام بأحد العلائم المباينة بعضها مع بعض مباينة لا يمكن الجمع بالتقييد بينها.

مضافاً إلى أن حمل المطلق على المقيد إنما هو بعد إحراز اتحاد المطلق منها كما في التكاليف الالزامية.

وأما في الاحكام الندبية والوضعية كالسببية فلا مقتضى للحمل، ومنه مانحن فيه كما لا يخفى على المتأمل فيها.

وأما وجه القول بحرمة مخالفة مؤدى الخيرة فلعله الجمود على ظهور النواهي عن مخالفته في الحرمة النفسية التعبدية.

ولكن يضعفه ظهور تعليل النهي عن المخالفة بقوله : «إن خالفت لقيت عنتاً»(2)في كون النهي نهي غيري للارشاد إلى التحذر عن مخافة العنت، وهو المشقة والصعوبة، كالنهي في قوله: «تغد" وتعش ولا تأكل فيما بينهما فان ذلك إفساد للبدن» والنهي الغيري للارشاد عن الشيء لا يحرم ذلك الشيء إلا في صورة فرض العلم أو الظن المعتبر بأداء ذلك الشيء إلى الوقوع في ضرر المرشد إليه. ومع ذلك لايدل على حرمة ذلك الشيء مطلقاً، بل يدل على انسحاب حكم


1) ج 211/5.

2) تقدم ص 6.

الضرر إلى تلك المخالفة المؤدية إليه إن حراماً فحرام، وإن مكروهاً فمكروه.

ولو سلمنا دلالة النهي عن مخالفة الخيرة على الحرمة النفسية، فلا نسلمه في خصوص المخالفة المقترنة بنوع من الاعراض عن أمر الله تعالى، وسوء الظن به كما هو محل بعض النصوص.

إلى هنا تم المقال في رفع الجدال، ولولاضيق المجال، وتشتت البال لاختتمنا المنوال بما يشتمل على آداب الخيرة والقرعة و المباهلة وكيفياتها، و شروطها المأثورة، وجملة من أحكامها المنظورة على وجه يكون ذخراً، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمراً إن شاء الله. حرره في سنة 1315

بسم الله الرحمن الرحيم

الكلام في بيان كيفية الخيرة والقرعة والمباهلة بالاداب والسنن المأثورة وجملة من أحكامها المستورة في ضمن أبواب محصورة.

الباب الاول :في بيان كيفية الاستخارة

الاستخارة - بمعنى استعلام الخير - على أقسام : بالمشاورة، بالسبحة أو الحصى أو بمراجعة القلب أو المصحف و الاستخارة بالمساهمة، بالرقاع، بالقرعة

و نقول مقدمة

الاستخارة - لغة - هو مطلق طلب الخير، والخيرة - بسكون الياء - إسم منه.

وفي اصطلاح الشرع: هو خصوص طلب الخير بالخصوصيات المأثورة من شخص خاص، و مورد خاص"، وكيفية خاصة.

و هل هي في هذا الاصطلاح الخاص عبارة عن خصوص طلب معرفته الخير، و استعلامه بالخصوصيات المأثورة؟ أم أعم منه ومن طلب المستخير الخير والبركة في فعله المنظور له، ومن طلب توفيقه إلى ما فيه الخير من الافعال؟

و جهان ناشتان من اختلاف الأخبار المأثورة في كيفية الاستخارة بالاطلاق عن الاستعلامات في طائفة، وبالتقييد بأحد الاستعلامات في طائفة أخرى.

والتحقيق : أنه إن قيدنا إطلاقات الطائفة الاولى بالطائفة الثانية اختصت الاستخارة في اصطلاح الشرع بالمعنى الاول : وهو استعلام الخير، ولم يكن لها بالمعنيين الاخرين كيفية خاصة مشروعة وراء كيفيات مطلق الدعاء وطلب الحاجة.

وأما إن لم نقيدها بها كما هو الاصل في مطلقات الاحكام التدبية والوضعية لم تختص بالمعنى الأول، بل عمت المعاني الثلاثة، وكان لها بالمعنيين الآخرين كيفية خاصة مشروعة وراء كيفيات مطلق الدعاء، كما لها بالمعنى الأول مثل ذلك أيضاً من الكيفيات الخاصة.

فأما كيفيتها بأحد المعنيين الاخرين، فتفصيلها أنه متى أراد الدخول في أمر وأراد من الله تعالى الخير فيه، أو التوفيق إلى ما فيه الخير منه، استخار الله تعالى قبله مرة واحدة، أو ثلاث مرات أو سبعاً أو عشراً على اختلاف الروايات في الأمر اليسير، وسبعين مرة، أو مائة مرة ومرة، على اختلاف الروايات في الأمر الجسيم بلفظ «أستخير الله برحمته» أو بزيادة «خيرة في عافية» أو بلفظ :

«يا أبصر الناظرين، ويا أسمع السامعين، ويا أسرع الحاسبين، ويا أرحم الراحمين ويا أحكم الحاكمين، صل على محمد و أهل بيته، وخر لي في كذا و كذا».

أو بلفظ : «اللهم إني أسألك بأنك عالم الغيب والشهادة إن كنت تعلم أن كذا و كذا خير لي، فخيره لي ويسره، وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي و آخرتي، فاصرفه عني إلى ما هو خير، ورضني في ذلك بقضائك، فانك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وتقضي ولا أقضي، إنك علام الغيوب».

أو بأحد الادعية المأثورة للاستخارة في مصباح الكفعمي والصحيفة السجادية.

والكمال المأثور في هذا النوع من الاستخارة أن تكون عند قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأكمله أن تكون عند رأسه، وأكمله أن تكون في آخر سجدة من صلاة الليل أو من ركعتي الفجر، أو في كل ركعة من الزوال.

وأكمله أن تكون بعد صلاة ركعتين في غير وقت الفريضة.

وأكمله أن يقرأ فيهما «قل هو الله أحد» و «قل يا أيتها الكافرون».

وأكمله أن يقرأ فيهما بسورة الحشر وسورة «الرحمن»، ثم يقرأ «المعوذتين» و«قل هو الله أحد».

وأكمل ذلك كله أن يصوم الثلاثاء والاربعاء والخميس، ثم يصلي يوم الجمعة - في مكان نظيف - ركعتين، ثم يستخير الله ناظراً إلى السماء قائلا :

«اللهم إني أسألك بأنك عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، إن كان هذا الأمر خيراً فيما أحاط به علمك، فيسره لي، وبارك لي فيه، وافتح لي به، وإن كان ذلك لي شراً فيما أحاط به علمك، فاصرفه عني بما تعلم، فانك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وتقضي وأنت علام الغيوب «يقولها مائة مرة».

بل وأكمله أن يتصدق في يومه على ستين مسكيناً، كل مسكين صاعاً بصاع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فاذا كان اللسيل يغتسل في ثلث الليل الباقي، ويلبس أدنى ما يلبس من يعوله من الثياب إلا أن عليه في تلك الثياب إزاراً.

ثم يصلي ركعتين، فاذا وضع جبهته في الركعة الأخيرة المسجود هلل الله وعظمه ومجده، وذكر ذنوبه، فأقر بما يعرف منها مسمي، ثم يرفع رأسه، فاذا وضع في السجدة الثانية استخار الله مائة مرة يقول : «اللهم إني أستخيرك».

ثم يدعو الله بما شاء ويسأله إياه كلما سجد، وليفض بركبتيه إلى الأرض برفع الازار حتى يكشفها، ويجعل الازار من خلفه بين اليتيه وباطن ساقيه.

إنتهت مراتب كمال الاستخارة بمعنييها الأخيرين بموجب النصوص المعتبرة الواردة، وإلا فلا تنتهي إلى ما ذکر، بل تزداد بازدیاد كل ما له مدخلية في إستجابة الدعاء، وبعد الشيطان عنه من : شرف المكان والزمان والأحوال والأقوال والأفعال لأن المفروض كون المقام نوع منه.

وأما كيفية الاستخارة بالمعنى الاول - وهو استعلام الخير - فعلی اقسام :

1 - منها : الاستخارة بالمشاورة

و كيفيتها المأثورة: أن لا يشاور في الأمر أحداً حتى يبدأ، فيستخير الله فيه أو لا ثم يشاور فيه، فانه إذا بدأ بالله أجرى له الخيرة على لسان من يشاء.

2- ومنها : الاستخارة بالسبحة أو الحصى

وكيفيتها المأثورة : أن تقرأ «الفاتحة» عشر مرات، وأقله ثلاثاً، ودونه مرة، ثم يقرأ «القدر» عشراً، ثم تقول هذا الدعاء ثلاثاً أو مرة: «اللهم إني أستخيرك لعلمك بعاقبة الامور، وأستشيرك لحسن ظني بك في المأمول والمحذور، اللهم إن كان هذا الأمر الفلاني مما قدنيطت بالبركة أعجازه وبواديه، وحقت بالكرامة أيامه ولياليه فخر لي اللهم فيه خيراً ترد شموسه ذلولا وتقعض(1)أيامه سروراً.

اللهم إما أمر فأئتمر، وإما نهي فأنتهي.

اللهم إني أستخيرك برحمتك خيرة في عافية» (2)

ثم تقبض على قطعة من السبحة، أو كف من الحصى، وتضمر الأمر في زوجية العدد المقبوض، و النهي في فرديته، أو بالعكس.

والكمال المأثور لتلك الكيفية من الاستخارة هو أن توتر العدد المفروض أمراً لا أن تشفعه.

3 - ومنها : الاستخارة بمراجعة القلب او المصحف

وكيفيتها المأثورة : أن تسجد عقيب المكتوبة وتقول :

«اللهم خرلي: مائة مرة ثم تتوسل بالأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وتصلي عليهم وتتشفع بهم أو تصلي ركعتين في غير وقت الفريضة، ثم تستخير الله مائة مرة، أومائة مرة ومرة.

ثم تنظر إلى ما يقع، وما يلهم في قلبك، فاعمل به، وافتح المصحف، فانظر إلى أول ماترى فخذ به.

والكمال المأثور لهذه الكيفية : أن لا تتكلم بين أضعاف الاستخارة حتى تتم المائة وهل المراد بأول ماترى فيه من الآيات أو الصفحة ؟ وجهان :

حقيقة اللفظ تقتضي الثاني والمناسب لطريقته والاستعلام به هو الاول.

4- ومنها : الاستخارة بالمساهمة

وكيفيتها المأثورة : قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) - لمن سأله عن بعث متاعه إلى اليمن - :


1) «قعضت العود : عطفته».

2) البحار : 248/91.

«ساهم بين مصر و اليمن، ثم فوض أمرك إلى الله عز وجل، فأي البلدين خرج اسمه في السهم، فابعث إليه متاعك».

فقلت كيف أساهم ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) اكتب في رقعة : «بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت عالم الغيب والشهادة، أنت العالم و أنا المتعلم، فانظر في أي الأمرين خير لي حتى أتوكل عليك فيه و أعمل به».

ثم اكتب مصر إن شاء الله.

ثم اكتب رقعة أخرى مثل ما في الرقعة الاولى شيئاً شيئاً. ثم اكتب اليمن إن شاء الله.

ثم اكتب رقعة أخرى مثل ما في الرقعتين شيئاً شيئاً.

ثم اكتب بحبس المتاع، ولا يبعث إلى بلدة، فهما، وادفعهن إلى من يسترها عنك.

ثم ادخل يدك، فخذ رقعة، وتوكل على الله، واعمل بها. (1)

5 - ومنها: الاستخارة بالرقاع

وكيفيتها المأثورة على وجوه، أوسطها : أن تأخذ ست رقاع، فاكتب في ثلاث منها : بسم الله الرحمن الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم، لفلان بن فلانة، افعل.

و في ثلاث منها : بسم الله الرحمن الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم، لفلان بن فلانة، لا تفعل.

ثم ضعها تحت مصلاك، ثم صل ركعتين، فاذا فرغت فاسجد سجدة وقل فيها مائة مرة : «أستخير الله برحمته خيرة في عافية».

ثم استو جالساً وقل: «اللهم خر لي و اخترلي في جميع أموري في يسر منك وعافية» ثم اضرب بيدك إلى الرفاع فشوشها، و أخرج واحدة واحدة.

فان خرج ثلاث متواليات «إفعل» فافعل الأمر الذي تريده.

و إن خرج ثلاث متواليات «لا تفعل» فلا تفعل.

وإن خرجت واحدة «إفعل» والأخرى «لا تفعل» فأخرج من الرقاع إلى خمس، فانظر أكثرها، واعمل به، و دع السادسة، لاتحتاج إليها. (2)


1) فتح الابواب ح 105، عنه البحار : 226/91 و 233.

2) جامع أحاديث الشيعة : 317/7 ح6.

و دونه فى الكمال أن تكتب رتعتين في واحدة «لا» وفي واحدة «نعم» واجعلهما في بندقتين من طين، ثم صل ركعتين، واجعلهما تحت ذيلك، وقل :

«يا الله إنتي أشاورك في أمري هذا، وأنت خير مستشار ومشير، فأشر علي بما فيه صلاح وحسن عاقبة».

ثم أدخل يدك فان كان فيها «نعم» فافعل، وإن كان فيها «لا» لا تفعل.

وأكملهما. وأفضلهما: ما روي من أنك إذا أردت أمراً فأسبغ الوضوء، وصل ركعتين، تقرأ في كل ركعة «الحمد» و «قل هو الله أحد» - مائة مرة -.

فاذا سلمت فارفع يدك بالدعاء وقل في دعائك: «يا كاشف الكرب ومفرج الهم» وذكر الدعاء إلى أن قال - : «وأكثر الصلاة على محمد وآله».

ويكون معك ثلاث رقاع قد اتخذتها في قدر واحد، واكتب في رقعتين منها :

«اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اللهم إنك تعلم و لا أعلم، و تقدر و لا أقدر، و تمضي ولا تمضى، وأنت علام الغيوب، صل على محمد و آل حمد، وأخرج أحب السهمين إليك، وخيرهما لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري إنك على كل شيء قدير، وهو عليك يسير»

وتكتب في ظهر إحدى الرقعتين «إنعل» و في ظهر الاخرى «لا تفعل».

وتكتب على ظهر الرقعة الثالثة: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إستعنت بالله، توكلت على الله وهو حسبي ونعم الوكيل، توكلت في جميع أموري على الحي الذي لا يموت، واعتصمت بذي العزة والجبروت، وتحصنت بذي الحول والطول والملكوت، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله الطاهرين».

ثم تترك ظهر الرقعة أبيض، ولا تكتب عليه شيئاً، وتطوي الثلاث رقاع طبعاً شديداً على صورة واحدة، و تجعل في ثلاث بنادق شمع أوطين على هيئة واحدة و ادفعها إلى من تثق به وتأمره أن يذكر الله، ويصلي على محمد وآله، يطرحها إلى كمه

ويدخل يده اليمنى، ويجعلها في كمّه، ويأخذ منها واحدة من غير أن يتعمدها بعينها.

فاذا أخرجها، أخذتها منه وأنت تذكر الله، وتسأله الخيرة فيما يخرج لك.

ثم فضها واقرأها، واعمل بما يخرج على ظهرها.

وإن لم يحضرك من تثق به طرحتها أنت إلى كمك وأخذتها بيدك، وفعلت كما وصفتها لك، فان كان على ظهرها» إفعل» فافعل وامض لما أردت، فانه يكون لك فيه إذا فعلته الخيرة إن شاء الله، وإن كان فيها «لا تفعل» فاياك أن تفعله أو تخالف فانك إن خالفت لقيت عنتاً، وإن لم يكن لك فيه الخيرة.

وإن خرجت الرقعة التي لم تكتب على ظهرها شيئاً، فتوقف إلى أن تحضر صلاة مفروضة، ثم قم فصل ركعتين - كما وصفت لك - ثم صل الصلاة المفروضة أو صلهما بعد الفرض ما لم يكن الفجر أو العصر.

فأما الفجر فعليك بالدعاء بعدها إلى أن تبسط الشمس، ثم صلتهما.

وأما العصر فصلهما قبلها، ثم ادع الله بالخيرة كما ذكرت لك، ثم أعد الرقاع واعمل بحسب ما يخرج لك، وكلما خرجت الرقعة التي ليس فيها شيء مكتوب على ظهرها فتوقف إلى صلاة مكتوبة كما أمرتك، إلى أن يخرج ما تعمل عليه إن شاء الله. (1)

6 - و منها : الاستخارة بالقرعة

وكيفيتها المأثورة : أن تفوض الأمر إلى الله تعالى و تقول:

«اللهم رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، أنت الله لا إله إلا أنت عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، فأسألك أن تخرج أو تبين لنا كذا و كذا».

ثم تقارع، فتعمل بما تخرجه القرعة بالقاء الأقلام في النهر، فمن خرج سهمه كان له الحظ.

أو بالكتابة على السهم أو الرقاع ما هو مقصوده من الحق والباطل، أو المنفعة


1) انظر ص 6.

والمضرة، أو إفعل ولا تفعل، ثم يشوشها، و يخرج أحدها فيعمل به.

أو بالقبض على كف من السبحة أو الحصى أو النوى، بل مطلق العدد ظاهراً ثم يعمل بما أضمر كونه أمراً، أو نهياً من العدد المقبوض.

و كمال هذه الاستخارة : أن يجمع فيها بين الآداب المأثورة للخيرة من الصلاة والدعاء، وبين الآداب المأثورة للقرعة من التفويض والدعاء المتقدم، لأنها مادة اجتماع لكل من مصداقي الخيرة و القرعة.

فلاجل ذلك يترجح الجمع بين وظيفتيهما فيه إحتياطاً

و الى ذلك انتهت أقسام الخيرة و القرعة و جميع كيفياتها المأثورة بناء على الاقتصار على الخصوص المعتبر فيها من الاخبار الصادرة عن الأئمة الأطهار (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين هم المرجع للاسرار، وعلى قولهم ينبغي الاقتصار.

وإلا فلا تنتهي إلى ما ذكر، بل لها أقسام وأنحاء لا تعد، ولا تحصى.

ولكن لم نقف لها على أثر صحيح، ولاخبر معتبر صريح سوى المسامحة والمقايسة أو الأخذ بعموم مثل «ما حار من استخار» (1)وبمثل ماشد من المراسيل والمجاهيل و الأخبار الموقوفة الخارجة عن الكتب المعتبرة، أو بما هو من البدع المستحدثة في الاسلام من الجهال والعوام كالاستعلام بكتاب الحافظ والمثنوي والفال نامه والرمال والجفر والنجوم والأعداد ونحوها من مخترعات أهل البدع والفساد لاغراء العباد.

كما لا نقف أيضاً على أثر صحيح ولا خبر صريح في تقييد شيء من أقسام الاستخارة ببعض الساعات دون بعضها سوى إستناده إلى عمل بعض المتور عين أخذاً من روايتين متعارضتين في «اختیارات محمد باقر بن محمد تقى المشتبه بالمجلسي» من جهة اشتراك الاسم ظاهراً.

وهما مع معارضة أحدهما للآخر لم ينقلا في غير الكتاب المذكور في شيء من الكتب المعروفة على كثرتها أصلا ورأساً، ولعله مأخوذ من استنباطات بعض المنجمين كما هو ديدنهم من تقييد كل شيء بساعة دون ساعة.


1) تقدم ص 3.

مضافاً إلى أن التقييد بهما لو سلم وروده لا يوجب تقييد سائر المطلقات به.

نظراً إلى إنتفاء المقتضي لحمل المطلق على المقيد في الأحكام الندبية الوضعية حسبما تقدم من كون المقتضي له هو إحراز اتحاد المطلوب منهما، كما في التكليفات الالزامية.

الباب الثاني: في جملة من أحكامها

1 - فمنها : أن الأوامر والنواهي في العمل بمؤدى الاستخارة وترك مخالفته هل هي من الأوامر والنواهي الالزامية المفيدة للوجوب و الحرمة نظراً إلى ظهور الأمر والنهي في الالزام؟

أم من غير الالزامية المفيدة للندب والكراهة، نظراً إلى شيوع استعمال الأوامر والنواهي الشرعية فيهما ؟.

أم من الارشاديات المجردة عن الطلب كأوامر الطبيب ؟ فيه وجوه :

أوسطها الوسط لوقوعه بين ما هو إفراط أو تفريط، نظراً إلى أن كلا من فهم المشهور، و من شيوع استعمال الأمر والنهي في الندب و الكراهة، و من ملاحظة تعليلات الأمر والنهي في المقام، إن لم يصلح لصرف الأمر و النهي عن الالزام، فلا أقل من أن يكون تراكم مجموعها صالحاً لصرفهما عن الالزام، وكذا لتعيين الندب والكراهة ولو بضميمة كونه أقرب المجازات، وبطلان الطفرة عنه، وعدم منافاته الارشاد كما لا يخفى.

مضافاً إلى أن لازم القول الأول وهو تحريم مخالفة مؤدى الاستخارة. إنما هو انقلاب حكم الأكل والشرب، أو السفر المباح بالأصل إلى الحرمة، وسفر المعصية بمجرد تأدية الاستخارة إلى المنع عنها.

ولازم القول الثالث انسلاخ المطلوبية والرجحان النفسي عن جل الأوامر الشرعية بل كلها، لتضمنها الارشاد إلى شيء لا محالة، ولا نظن أحداً يلتزم بشيء من اللازمتين، وكفى به بعداً للملزومين.

فتعين المطلوب وهو استحباب الموافقة وكراهة المخالفة لمؤدى الاستخارة.

بل لو فرضنا حصول العلم أو الظن المعتبر من تجربة ونحوه باداء مخالفة الاستخارة إلى الوقوع في الضر"، فلا يدل أيضاً على حرمة المخالفة مطلقاً.

بل غايته الدلالة على إنسحاب حكم ذلك الضرر إلى المخالفة المؤدية إليه. إن كان حراماً فحرام، وإن كان مكروهاً فمكروه.

ولو سلمنا الحرمة النفسية في المخالفة أيضاً فلا نسلمه إلا في خصوص المخالفة المقترنة بنوع من الاعراض عن أمر الله، وعدم الرضا بتقديره، وسوء الظن به كما هو محل بعض النصوص.

2 - ومنها: أن الكيفيات المأثورة المذكورة للاستخارة هل تعتبر فيها على وجه الشرطية تثلا يجوز التعدي عنها بوجه؟ أم تعتبر على وجه الأكملية ليجوز التعدي؟ و جهان، بل قولان:

من عموم «ما حار من استخار» (1)و اتحاد المناط والمسامحة في أدلة السنن.

ومن أن العموم مخصص بظاهر الحصر من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «الذي سنه العالم (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الاستخارة بالرقاع والصلاة» (2)في جواب السائل عن الاستخارة بغيرهما.

و بظاهر التشبيه من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : كان أبي يعلمني الاستخارة كما يعلمني السورة». (3)

و المناط المنصوص مفروض العدم والمستنبط لا عبرة باتحاده، فالتعدي قياس.

والدليل: التسامح في أدلة السنن، وهو إنما يثبت الثواب على العمل برجائه الآثار الوضعية من الكاشفية والسببية والموصلية التي هي الغرض الأصلي للمستخير.

فالتحقيق هو التفضيل

بين الاستخارة بمعنى طلب الخير وتوفيقه، فتعتبر الكيفيات المأثورة فيها على وجه الأكملية، لا الشرطية، فيجوز التعدي عنها إلى مطلق ما بدا له من الدعاء وكيفياته، لأنه نوع منه بالفرض، ولأن التسامح في أدلة السنن مثبت له أيضاً

وبين الاستخارة بمعنى استعلام الخير، واستكشاف الغيب. فتعتبر الكيفيات


1) تقدم ص 3.

2) تقدم ص 16.

3) تقدم ص 16.

المأثورة فيها على وجه الشرطية، لا المكملية.

فلا يجوز التعدي عنها إلى مطلق ما يبدو له من الانحاء والكيفيات.

لما عرفت من أن عمومات هذا القسم من الاستخارة مخصصة، والمناط المتحد مستنبط، ودليل التسامح قاصر عن إثبات المطلوب منه، فالتعدي قياس يستلزم التشريع لا محالة.

وأما ما قال فى الجواهر : «من أن الاستخارة بهذا الطريق وغيره من السنن التي يتسامح في أدلتها فلا بأس في نية القربة للمستخير بذلك حينئذ، ولا ينافيه اشتمال الدليل على علامة الخيرة، إذ لا ريب في أن للفاعل إيقاع فعله كيف شاء، ومباح له الفعل والترك، فلا حرج عليه باناطة الفعل والترك على هذه العلامة، لاحتمال إصابتها الواقع ولا تشريع فيه، وعليه فرع شرعية جميع أقسام الاستخارة حتى الضعاف سنداً».

ففيه أن نفي الحرج و التشريع، إنما هو في إناطة الفعل والترك على تلك العلامة من باب احتمال الاصابة ورجائها، أما إناطتها على تلك العلامة من باب التدين والالتزام، بكونها علامة، وترتيب أحكام العلامة عليها من باب اعتقاد رجحان الموافقة ومرجوحية المخالفة، فهذا إفتراء وتشريع لامحالة.

وبالجملة كما أن ترجيح ابن طاووس ذات الرقاع على سائر أقسام الاستخارات المعتبرة، كاقتصار ابن ادريس على خصوص ذات الصلاة والدعاء دون غيرهما إفراط ناشيء عن شدة التورع في الاحتياط.

كذلك تعدي بعض المتأخرين عن الأقسام والكيفيات المأثورة في الكتب المعتبرة إلى مطلق ما بدا له من الأقسام والأدعية، أو نقل له من الصفات من الضعاف أو المراسيل الغير المعتبرة تفريط ناشيء عن المسامحة والمقايسة.

3 - ومنها : أن الاستخارة قابلة للاستنابة والوكالة أم لا؟ وجهان بل قولان:

من وجود المقتضي وهو العمومات و الاطلاقات القاضية بالقابلية وعدم المانع من تخصيص وتقييد.

ومن أن الأصل في التوقيفيات الاقتصار على القدر المتيقن و عدم المشكوك

شرعيته وعدم القابلية.

ويضعف أن الأصل دليل حيث لادليل، والعموم والاطلاق دليل لايفارقه الأصل هذا مضافاً إلى ما تقدم بالخصوص من ورود الاستعانة بالغير وتشريكه في بعض كيفيات ذات الرقاع على الوجه المقيد لقابلية الاستنابة.

بل لعل ما يكون التوكيل والاستنابة في الاستخارة أرجح و أقرب من المباشرة نظراً إلى أن التماس الدعاء من الغير، والدعاء من الغير في حق الغير أقرب وأسرع إلى الاجابة والتنجيز جداً.

4 - ومنها : أنه هل يجوز تكرار الخيرة على أمر خاص بخصوصيتها المستخار عليها أو لا ؟ أم لا ؟ وجهان : من عموم «ما استخار الله مسلم إلاخار الله له» (1).

ومن إنتفاء موضوع الحيرة بعد التعرف بالخيرة إلا أن يفرض الاجمال في مؤدى الاولى، كوقوع آية مجملة في أول مارأى من المصحف، أو تطرق الاجمال باشتباه المقصود، وإلا فلا وجه ولامحل للتكرار فيها.

وإنما تظهر ثمرة الخلاف بين الوجهين فيما إذا اختلف مؤدى الخيرة بالتكرار، فعلى الوجه الأول يقع التعارض في مؤدى الخيرتين، و ترجع الحيرة التي هي موضوع الخيرة، سواء قلنا بتساقط الاولتين المتعارضتين كما في تعارض الأصلين، أو قلنا بالتوقف كما في تعارض الامارتين.

وعلى الوجه الثاني لايقع التعارض بينهما، بل المرجع إلى الأولى، وتلغى الثانية لعدم المحل لها، وأما في صورة إتفاق الاتحاد في مؤدى التكرار فهو مؤكد لما قبله لا محالة، على كلا الوجهين.

الباب الثالث: في المباهلة

وهي في اللغة : مطلق الملاعنة والمداعية. يقال: «بهله الله» من باب نفع : أي لعنه. و«نبتهل» أي نلعن وندعو على الظالمين، وابتهل بالدعاء: أي تضرع به.


1) جامع أحاديث الشيعة : 292/7.

وابتهل باللعن إلى قاتل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أي اجتهد باللعنة عليه وبأهل قبيله.

وأما في الاصطلاح الشرعي : فهي خصوص المداعية والملاعنة بالخصوصيات المأثورة من شخص خاص، وزمان خاص، وكيفية خاصة.

فأما كيفيتها الخاصة، فأكملها : ما عن ابن مسروق، عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قلت له : إننا نكلم الناس، فنحتج عليهم - إلي أن قال - :

فقال لي: إذا كان كذلك فادعهم إلى المباهلة. قلت : كيف أصنع ؟ قال : أصلح نفسك ثلاثاً. وأظن أنه قال: وصم واغتسل، وأبرز أنت وهو إلى الجبان (1)، فشبتك أصابعك من يدك اليمنى في أصابعه، ثم أنصفه وابدأ بنفسك، وقل:

«اللهم رب السمارات السبع و رب الارضين السبع، عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، إن كان أبو مسروق جحد حقاً، وادعى باطلا، فأنزل عليه حسباناً من السماء أر عذاباً أليما». ثم رد الدعوة عليه، فقل:

«وإن كان فلان جحد حقاً أوادعى باطلا فأنزل عليه حسباناً من السماء أو عذابا أليماً».

ثم قال لي: فانك لا تلبث أن ترى ذلك فيه، فو الله ما وجدت خلقأ يجيبني إليه. (2)

و دونه مافى رواية اخرى عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المباهلة قال :

تشبتك أصابعك في أصابعه، ثم تقول : «اللهم إن كان فلان جحد حقاً، وأقر بباطل، فأصبه بحسبان من السماء، أو بعذاب من عندك» و تلاعنه سبعين مرة. (3)

ودونهما ما روي من أنه إذا جحد الرجل الحق، فان أراد أن تلاعنه قل :

« اللهم رب السماوات ورب الأرضين السبع، ورب العرش العظيم، إن كان فلان جحد الحق، وكفر به، فأنزل عليه حسباناً من السماء أو عذاباً أليماً». (4)

وأما زمانيا الخاص فهو : ماروي عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :

الساعة التي «يباهل فيها ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس» (5).


1) أى الصحراء.

2) الکافی : 513/2-15 ح 15 و 4و5، عنه الوسائل 4 / 1167 ح 1، 2، 4.

3) الکافی : 513/2-15 ح 15 و 4و5، عنه الوسائل 4 / 1167 ح 1، 2، 4.

4) الکافی : 513/2-15 ح 15 و 4و5، عنه الوسائل 4 / 1167 ح 1، 2، 4.

5) الكافي : 2/514.

وأما خصوصية شخص المباهل، فهو : أن يكون المباهل عالماً بحقية دعواه، و بمبطلمية خصمه على وجه الجحود للحق، لا لاشتباه فيه قصوراً، ولا تقصيراً.

فلو لم يعلم بحقية دعواه أو علمها، ولكن لم يعلم مبطلية خصمه أو علمهما، ولكن لم يعلم بجحوده كما لو احتمل اشتباهه في البطلان عن قصور، ولا تقصير، فلا يجوز له المباهلة والتلاعن حينئذ، سيما مع المسلم، كما يشهد عليه مشاهدة مورد النصوص المذكورة ومصبتها وأدعيتها، كما لا يخفى.

واما خواص المباهلة، ففى ضمن قصص وحكايات :

1 منها : قوله تعالى : « فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ: (تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)(1).

قوله : «فيه» أي في عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ). قوله «نبتهل» أي نتباهل بأن نقول «بهلمة الله على الكاذب منا ومنكم» والبهلة - بالضم والفتح - : اللعنة. هذا هو الأصل، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعاناً، نزلت الايات في وفد نجران العاقب والسيد ومن معهما، ولما دعاهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى المباهلة قالوا حتى نرجع وننظر.

فلما خلا بعضهم إلى بعض قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم : يا عبد المسيح ماترى ؟

قال : والله لقد عرفتم أن محمداً نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم، ولا نبت صغيرهم.

فان أبيتم ألا ألف دينكم، فدعوا الرجل، وانصرفوا إلى بلادكم.

وذلك بعد أن غدا النبي آخذاً بيد علي والحسن والحسين بين يديه، وفاطمة خلفه وخرج النصارى يقدمهم أسقفهم «أبو حارثة».

فقال الاسقف : إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلا لأزاله بها، فلا تباهلوا


1) سورة آل عمران: 61.

فلا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.

فقالوا : يا أبا القاسم إنا لا نباهلك، و لكن نصالحك. و صالحهم رسول الله على أن يؤدوا إليه في كل عام ألفي حلة : ألف في صفر، وألف في رجب.

وعلى عادية ثلاثين درعاً، وعادية ثلاثين فرساً، وثلاثين رمحاً

وقال : «والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا». (1)

2- ومنها ما في رجال أبي علي وغيره في ترجمة محمد بن أحمد بن عبدالله بن فضاعة بن صفوان بن مهران الجمال، من أنه شيخ هذه الطائفة ثقة فقيه فاضل. - إلى أن قال -:

وكان له منزلة عند السلطان، كان أصلها أنه ناظر قاضي الموصل في الامامة بين يدي ابن حمدان، فانتهى القول بينهما إلى أن قال للقاضي : تبادلني ؟ فوعده إلى غد ثم حضر، فباهله، وجعل كفه في كفته، ثم قاما من المجلس، وكان القاضي يحضر دار الأمير ابن حمدان في كل يوم، فتأخر ذلك اليوم ومن غده

فقال الأمير : اعرفوا خبر القاضي. فعاد الرسول، فقال : إنه منذ قام من موضع المباهلة حم وانتفخ الكف الذي مده للمباهلة، وقد اسودت، ثم مات من الغد فانتشر لأبي عبد الله الصفواني بهذا ذكر عند الملوك، وحظي منهم، وكانت له منزلة. (2)

تم بعون الله على يد الأقل فخر الدين في تاسع شهر صفر المظفر سنة 1317


1) راجع البحار في المباهلة: 257/35 - 271، ص 258 خاصة.

2) رجال النجاشي : 393، عنه معجم رجال الحديث : 11/15.

رسالة فى الاستخارة من القرآن المجيد لأبى المعالى

إشارة:

والفرقان الحميد

تصنيف

المجتهد الكبير، والمصنف الخبير والاستاذ الشهيد

الشيخ الميرزا أبى المعالى الكلباسي الاصفهاني (قدّس سرّه)

(1247 - 1315) هـ. ق

تحقيق ونشر

مؤسسة الامام المهدى (عَلَيهِ السَّلَامُ)

قم المقدسة

«40»

ترجمة المؤلف :

بسم الله الرحمن الرحيم

هو الشيخ الميرزا أبو المعالي بن الشيخ محمد إبراهيم بن الحاج محمد حسن الكلباسي الاصفهاني، عالم ورع، وفتيه جليل، وأصولي بارع، ومصنف مكثر خبير.

(آل الكلباسي) من أقدم بيوتات إصفهان و أعرقها في العلم و الفضل و الأدب أنجبت هذه الاسرة عدداً من العلماء. فجد المترجم له - الحاج محمد حسن كان من أجلاء العلماء يقيم الجماعة بمحلة (حوض كرباس) فكان بها زماناً.

و والده الشيخ محمد إبراهيم المتوفى (1261هـ) من مشاهير علماء الشيعة في عصره، ألقت إليه الرياسة أزمتها فاذا به مرجع إصفهان الجليل، وزعيمها الروحي ورئيسها المطاع، وقائدها الديني، صاحب كتاب (المنهاج و النخبة والاشارات).

تتلمذ على العلامة الطباطبائي السيد بحر العلوم، والشيخ الأكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء، وصاحب (الرياض) وغيرهم (رضوان الله عليهم) بل أدرك مجلس الاستاذ الأكبر المحقق البهبهاني، وقبره باصفهان جنب مسجد الحكيم مزار معروف.

والمترجم له من أعلام هذا البيت - كان أحد مفاخر الشيعة في عصره علماً وعملا ولد باصفهان في (7 شعبان 1247هـ) ونشأ هناك، كما قرأمقدمات العلوم فيها وأتقنها.

ثم حضر أبحاث فطاحل علمائها أمثال : العالم الفقيه و المرجع التقي الميرسيد محمد بن عبد الصمد الشهشهاني، المتوفى سنة (1289هـ) صاحب الشرح الشريف

الموسوم بـ (أنوار الرياض) على الشرح الكبير و (العروة الوثقى و الغاية القصوى) و المير سيد حسن بن السيد علي بن محمد باقر الشهير بالمدرس المتوفى سنة (1273ھ) وكان من أعلام التحقيق وفحول المدرسين، وغيرهما.

و بعد بلوغ - المترجم له المراد و تصديق مشايخه له بالاجتهاد قام بالوظائف الشرعية أحسن قيام وثنيت له الوسادة، وحصلت له المرجعية العامة و الخاصة بامامة الجماعة والتدريس، كل ذلك مع اشتغاله بالتصنيف والتأليف.

فمن آیات فضله واجتهاده: رسائله الأصولية الخمسة عشر.

في (أعيان الشيعة) ج 2 ص 433 للسيد محسن الأمين العاملي بعد أن أطراه قائلا : عالم عامل، متجرد، فاضل، دقيق النظر، كثير التتبع، حسن التحرير، كثير التصنيف كثير الاحتياط، شديد الورع، عالم رباني، متقطع إلى العلم، لا يفتر عن التحصيل ساعة، لم يكن في عصره أشد" انكباباً منه على الاشتغال

ثم سرد قائمة بمؤلفاته نيفت على الخمسة والستين عنواناً.

وكان في جميع أدواره مقدماً على زملائه وأقرانه، لكثرة استعداده ومزيد جده. وعكف طلاب العلم عليه وكان لهم عليه تهافت غريب لما امتاز به من جودة البيان وحسن التقرير، وغزارة العلم والتحقيق، وقد خرج من معهد درسه جماعة أصبحوا بعد حسين من أفذاذ الطائفة ودراري فلك العلم، نذكر منهم على سبيل المثال أعظم علماء عصره وأشهرهم و أعلى مراجع الامامية في سائر الأقطار الأسلامية بوقته الحاج آغا حسين الطباطبائي البروجردي (طيب الله رمسه) فحضر عليه الفقه والاصول والرجال والفلسفة والرياضيات مدة تقرب من عشر سنوات، وكانت عمدة تلمذه عليه ومرجعه في حل المشكلات و المعضلات العلمية

و كانت إصفهان يومذاك مركزاً دينياً للشيعة، تشد إليها الرحال لحضور بحث العلامتين الجليلين الكبيرين السيد محمد باقر الدورجه إلى والميرزا أبي المعالي الكلباسي

وما أكثر مدارسها.. خرجت عدداً لا يستهان به من فطاحل العلماء ومراجع الدين.

وكان (قدّس سِرُّه) شديد الولاء لأمير المؤمنين علي وأولاده المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) فيما نقل عنه أنه وبالرغم من كبر سنه وتألق نجمه وذيوع وشيوع اسمه وما احتل من مركز عظيم، وحصل له رياسة عامة ومرجعية كبرى وزعامة عظمى، لم يكن يتقدم على سيد من ولد علي وفاطمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) حتى ولو كان تلميذاً له.

كتب ولده الميرزا أبو الهدى و كان عالماً فقيهاً ورجالياً متبحراً رسالة في ترجمته سماها «البدر التمام في أحوال الوالد القمقام والجد العلام»، وعد في تصانيفه عدة رسالات مستقلة في أحوال جملة من الرجال والرواة، منها «رسالة في أحو الحمادبن عثمان» و «رسالة في أحوال المحقق الخوانساري» و «رسالة في سليمان بن داود» و «رسالة في علي بن الحكم» و «رسالة في علي بن السندي» و«رسالة في علي بن محمد في أول بعض أسانيد الكافي» و «رسالة في قاسم بن محمد» و «رسالة في محمد ابن أبي عبد الله» و «رسالة في محمد بن الحسن» المذكورين في أول سند الكافي و «رسالة في محمد بن زياد» و «رسالة في محمد بن شريح» و «رسالة في محمد بن الفضل» و «رسالة في نقد مشيخة الفقيه» و «رسالة في حفص بن غياث» و«رسالة في أبي بكر الحضرمي» و «رسالة في أصحاب الاجماع» و«رسالة في تزكية الرواة» و رسالة في معنى لفظ ثقة»

وله رسائل كثيرة في المسائل الفقهية منها:

رسالة في النية، وأخرى في وجوب الطهارة، وثالثة في الصلاة في الماهوت ورسائل أخر في الصلاة في حمام الوقف، وفي تفطير الغبار والدخان، وفي الرجوع إلى الكفاية، وفي الحج، وفي استيجار العبادة، وفي الشرط ضمن العقد، وفي المعاطاة وفي الاسراف، وفي أصوات النساء، وفي التداوي بالمسكر، وشرح مبحث الوضوء من

[ الكفاية ] للسبزواري، وشرح الخطبة الشقشقية ورسالة في زيارة عاشوراء، ورسالة في التربة الحسينية طبعتا معاً ورسالة في سند (الصحيفة السجادية) و رسالة في الجبر والتفويض و رسالة في شبهة الالتزام و رسالة في الجهة التقييدية و أجزاء في التفسير وحواشي على القرآن من سورة النساء إلى سورة المعارج، و مختصر في الحساب و مجموع يبلغ ثلاثين ألف بيت

ذكر ذلك العلامة الشيخ آغا بزرك الطهراني (قدّس سِرُّه) في طبقات أعلام الشيعة ج 1 ص 80.

ولم يزل في جاه وجيه، وعز لا يقنط مرتجيه، حتى وافته منيته، و انقطعت من الحياة أمنيته. فتوفي يوم الأربعاء (27 صفر 1315 هـ) في إصفهان و دفن في المقبرة الخاصة المعروفة في «تخت فولاذ» بين قبري ولديه العالمين التقيتين الميرزا جمال الدين، و الميرزا أبو الهدى، و له قبة عظيمة مشهورة يلجأ إليها الناس فيتقربون إلى الله تعالى بتلاوة سورة الفاتحة أربعين مرة عندها لقضاء حوائجهم لاسيما الديون وقد جرب ذلك.

و للمترجم أخوة كلهم علماء أجلاء منهم العالم المقدس الشيخ آغا محمد والمجتهد الفاضل الكامل الشيخ محمد مهدي المجاز من والده إجازة اجتهاد والشيخ محمد جعفر. (رضوان الله عليهم أجمعين).

خطبة کتاب الاستخارة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي خلق الانسان وجعله سميعاً بصيراً، وأنزل من السماء ماءاً ليحيي به بلدة ميتاً ويسقيه مما خلق أنعاماً وأناسي كثيراً.

ووعد المتقين الذين يخافون يوماً عبوساً،قمطريراً، بأن لهم - بما صبروا- جنة وحريراً، متكئين فيها على الأرائك لايرون فيها شمساً و لا زمهريراً، ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا، قوارير من فضة قدروها تقديراً.

و اعتد لمن كذب بالساعة سعيراً خالدين فيها، كانت لهم جزاءاً و مصيراً إذا تراهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً.

والسلام على نبيه الذي أرسله بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله باذنه وسراجاً منيراً ومبشراً للمؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيراً.

وأنزل عليه كتاباً لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، فارجع البصر هل ترى له نفيراً، ثم ارجع البصر ينقلب إليك البصر خاسئاً حسيراً.

واصطفاه بالنبوة قبل أن يخمر طينة آدم تخميراً.

وعلى آله الذين أراد الله ليذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيراً، ويخافون يوماً كان شره مستطيراً، ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً.

سيما ابن عمه الذي نصبه للخلافة يوماً يكون بيوم الغدير شهيراً.

رب اغفر لي ولوالدي، وارحمهما كما ربياني صغيراً، وأدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً.

توكلت على الحي الذي لا يموت، وكفى به بذنوب عباده خبيراً بصيراً

و بعد : فهذه رسالة فى الاستخارة من الكتاب المبين

الذي لا ريب فيه هدى للمتقين، وشفاء للمؤمنين، ولو نزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله رب العالمين، ومالك يوم الدين.

ومن المهم الاهتمام في المقام لاشتداد الحاجة إليه في تمام الايام.

والمسؤول من عنايته سبحانه إتمام التوفيق بتوفيق الاتمام، وعلى الله التوكل وبه الاعتصام إلى قيام الساعة وساعة القيام.

المناقشة في الرواية سنداً ومتناً

فنقول : إنه روي في التهذيب في باب الصلاة المرغب فيها، عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه، عن الحسن ابن الجهم، عن أبي علي، عن اليسع القمي، قال : قلت لأبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ):

إنتي أريد الشيء فأستخير الله فلا يوفق له الرأي أفعله؟ أو أدعه؟

قال : انظر إذا قمت إلى الصلاة فان الشيطان أبعد ما يكون من الأنسان إذا قام إلى الصلاة، أي شيء يقع في قلبك فخذ به.

و افتح المصحف فانظر إلى أول ماترى فيه، فخذ به إن شاء الله تعالى. (1)

قال بعض أصحابنا : و لم نقف على غير الخبر المزبور - يعنى في باب الاستخارة من القرآن - وإلا فالأخبار في باب الاستخارة متعددة بل كثيرة.

وقد رواه في الذكرى مرسلا عن اليسع القمي، ونقله العلامة المجلسي في رسالته المعمولة في الاستخارة عن كتاب الغايات، وعن ابن طاووس. (2)

أقول : إن السند المذكور، ضعيف لاشتراك أبي علي بين الثقة وغيره، وجهالة اليسع القمي، وإن قلت : إن عمل الأصحاب يوجب جبر ضعف السند.

قلت : إن الشهرة في المقام من باب الشهرة المطابقة، لا الشهرة العملية، حيث نه لم يثبت كون قيام طريقة الأصحاب على الاستخارة من القرآن المجيد، مستنداً


1) التهذيب : 310/3 ح6 الغايات لجعفر بن أحمد القمى: 87 جامع أحاديث الشيعه 1/325/7.

2) التهذيب : 310/3 ح6 الغايات لجعفر بن أحمد القمى: 87 جامع أحاديث الشيعه 1/325/7.

إلى العمل بالخبر المذكور.

و الحق أن الشهرة المطابقة غير موجبة لجبر ضعف السند أو الدلالة على الأظهر وإن توجب الترجيح في تعارض الخبرين، لكونها موجبة لرجحان المضمون، حيث أن مرجح المضمون من أقسام المرجح.

لكن يتأتى الاشكال في اعتبار رجحان المضمون بناءاً على اعتبار الظنون الخاصة لاستناد الظن إلى مجموع الخبر والشهرة، أو إلى الشهرة، وعدم اطراد التدبير - لاستناد الظن إلى الخبر بشرط الشهرة - الذي صنعه الوالد الماجد (رَحمهُ اللّه) في باب الخبر الضعيف المنجبر بالشهرة العملية، لو تم التدبير المذكور، بعد أن الأظهر عدم لزوم العمل بالراجح، بناءاً على حجية الظنون الخاصة، وإن يمكن الذب" بأن مقتضى الاجماعات المنقولة على لزوم العمل بالراجح، عموم لزوم العمل بالراجح» لما لو كان الظن مستنداً إلى مجموع الخبر والشهرة - مثلا - أو إلى الشهرة بالاستقلال.

و شرح الحال موكول إلى ما حررنا في الرسالة المعمولة في حجية الظن.

ومع ذلك فطريق الشيخ إلى محمد بن علي بن محبوب ضعيف أيضاً، حيث أن طريقه إليه هو الحسين بن عبيد الله، عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن أبيه عن محمد بن يحيى.

و الحسين بن عبيد الله مشترك بين جماعة بعضهم،ثقة، هذا، و الحسين بن عبيد الله المذكور روى عنه الشيخ في التهذيب كثيراً عن عدة من أصحابنا.

وصرح في الاستبصار في أبواب الوضوء في باب وجوب الترتيب بين الأعضاء حيث قال : أخبرني الحسين بن عبيد الله، عن عدة من أصحابنا منهم :

«أبو غالب أحمد بن محمد الزراري، وأبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، وأبو محمد هارون بن محمد بن موسى التلعكبري، وأبو عبيد الله بن أبي رافع الصيمري، وأبو المفضل الشيباني».

لكن ضعف الطريق إنما يضر على القول بوجوب نقد الطريق، و إلا فلا ضير فيه

إلا أن يقال : إن الظاهر - بل بلا اشكال وفاقاً لما ينصرح من ثلة من من الأصحاب كالفاضل الاسترابادي، و السيد السند التفرشي وغيرهما - أن المراد به هو الحسين بن عبيد الله الغضائري الذي هو من مشايخ الشيخ الطوسي رحمه الله، و النجاشي كما صرح به العلامة في الخلاصة.

ويرشد إليه ما ذكره في الاستبصار، في باب سؤر ما لا يؤكل لحمه، فانه قال: أخبرني الحسين بن عبيد الله، عن عدة من أصحابنا، عن محمد بن يعقوب.

وما ذكره في الفهرست في ترجمة محمد بن يعقوب الكليني، فانه قال : أخبرني الحسين بن عبيد الله قراءة عليه أكثر كتاب الكافي، عن جماعة وهو من أجلة الأصحاب كما قال في المعارج: إن جلالته وعدالته مما لا ينبغي الريب فيها.

و في وسيط الفاضل الاسترابادي : ويستفاد من تصحيح العلامة لطريق الشيخ - رحمه الله - إلى محمد بن علي بن محبوب توثيقه، ولم أجد إلى يومنا من خالفه.

وقال في الرواشح : إنه العالم الخبير، البصير، والمشهور العارف بالرجال والأخبار، شيخ الشيخ الأعظم أبي جعفر الطوسي، والشيخ أبي العباس النجاشي.

والعلامة في الخلاصة، والحسن بن داود، قد صححا طريق الشيخ إلى محمد بن علي بن محبوب، وهو في الطريق، والعلامة ومن تأخر عنه من الاصحاب إلى زمننا هذا في كتبهم الاستدلالية، قد استصحوا أحاديث كثيرة هو في أسانيدها و أمره أجل من ذلك، فانه من أعاظم فقهاء الأصحاب و علمائهم إلى آخر ما ذكره وقد حررنا الكلام فى الرسالة المعمولة في ابن الغضائري السند.

هذا هو الكلام فى السند، وأما الكلام في الدلالة

فقوله : «أستخير الله» لغرض، إما الاستخارة من القرآن المجيد، أو بطريق

آخر تعبدي، أو بقراءة الدعاء من نحو أستخير الله كما يقتضيه ما في بعض الأخبار من «أستخير الله مائة مرة فما عزم لك فافعل».

وما في خبر آخر وتصلي ركعتين في غير وقت فريضة ثم تستخير الله مائة مرة ومرة ثم تنظرفان عزم الله لك على البحر، فقل الذي قال الله عز وجل : بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم.

وقال في خبر ثالث : «صل ركعتين واستخر الله مائة مرة ومرة، ثم انظر ألزم الأمرين لك، فافعل، فان الخيرة فيه.

وما في خبر رابع« واستخر الله مائة مرة ثم انظر إلى ما يقع في قلبك، فاعمل به».

واحتمال كون الغرض أن يقال : «أستخير الله» ويعمل بما يقع في القلب فهو ينافي حكاية عدم موافقة الرأي للاستخارة.

قوله : «فلا يوفق فيه الرأي» الظاهر - بعد كون الظاهر يوفق بالفاء ثم القاف -أن الغرض عدم مساعدة الرأي: أي عدم مساعدة ملاحظة المصالح والمفاسد.

وجرى في مفتاح الكرامة، على أن الغرض عدم حصول العزم للشيء المستخار له فمن عدم توفيق الرأي له في الشيء، عدم حصول العزم له.

قال : ولهذا أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالاستخارة ثانياً، لتعرف الخير، وخيره في ذلك بين الطريقين، وقد تبع في ذلك للوافي.

والظاهر أن غرضه، أن الأمر باعادة الاستخارة يرشد إلى كون الغرض من عدم توفيق الرأي، هو عدم حصول العزم بمضي الزمان و اختلاف مورد الاستخارة

والظاهر أنه مبني على كون «يوفق» من باب التفعيل من التوفيق بالمعنى المعروف حيث أنه تعارف في المحاورات أن يقال: لم أوفق بذلك. إعتذاراً لترك فعل، وكذا ما يقال: أفعله إن وفقت له.

و ربما يتراءى بادي الرأي أن الأمر باعادة الاستخارة، ينافي كون الغرض عدم مساعدة الرأي لاتحاد مورد الاستخارة.

لكنه يمكن أن يقال : إن الظاهر أن الأمر باعادة الاستخارة، إنما هو للاعادة بطريق مخصوص، لكون الاستخارة عند القيام إلى الصلاة لكونه أبعد الأزمنة بالنسبة إلى مخاطرة الشيطان.

فلعل - عدم توفيق الرأي أولا كان بملاحظة مخاطرة الشيطان، ففي إعادة الاستخارة عند القيام إلى الصلاة لا تتأتى المخاطرة ويوافق فيه الرأي لما يحكم به الاستخارة.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وافتح المصحف» الاستدلال بالحديث، على اعتبار الاستخارة بالقرآن المجيد، مبني على كون الواو فيه بمعنى «أو» وعليه يبتني ما سمعت من مفتاح الكرامة من قوله : «وخيره بين الطريقين» وهو مقتضى كلام العلامة المجلسي.

لكن ذلك خلاف الظاهر بلاشبهة، والظاهر أن الواو بمعنى نفسها أعني الجمعية والغرض ما ينجر إليه الرأي والخيال، وما يحكم به الاستخارة من كلام الله المتعال.

والظاهر أن الغرض من الأخذ - في كل من الصدر والذيل - هو الضبط في القلب، فالغرض أن يضبط في القلب ما يقع في القلب، وكذا يضبط في القلب أول ما يتفق رؤيته، ويعمل بالمضبوطين، فالمقدمتان مذکورتان والنتيجة محذوفة.

و إلا فلا معنى للامر بالعمل بكل ما وقع في القلب بالاستقلال، وما جاء في أول ما يرى من القرآن المجيد بالاستقلال، لاحتمال الاختلاف وعدم التطابق.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أول ماترى فيه الظاهر بالظهور القوي - أن الغرض أول ما يتفق رؤيته، واختاره في مفتاح الكرامة، ونقله عن صريح بعض.

لكن قال بعض أصحابنا : «ولم نعثر على ذلك البعض» (مع أن) المقصود بالبعض هو المحدث القاشاني في الوافي لكن المتعارف كما في مفتاح الكرامة أيضاً، هو البناء على أول الصفحة.

وهو الظاهر مما نقله في مفتاح الكرامة عن الموجز والحاوي من بيان الاستخارة بالمصحف بأن يفتح المصحف وينظر أول مافيه ويؤخذ به.

وقد ذكر بعض أصحابنا أنه عبر بما في النص، وغرضه أن هذه العبارة تحتمل كلا الوجهين المذكورين، كما هو الحال في النص، و هو كما ترى لكون العبارة

المذكورة نصاً في أول الصفحة، وعلى ذلك جرى العلامة المجلسي في رسالته تعليلا بأن الغالب كون أول الصفحة أول ما يرى، وحكى القول بذلك عن ابن طاووس نقلا عن الخطيب، (كما) حكى القول بذلك عن المحقق القمي (أيضاً).

فاعتبار الاستخارة بالقرآن المجيد على ما هو المتعارف، مبني على كون «الواو» بمعنى أو، وكون الغرض «من الأخذ» في الذيل هو العمل، وكون الغرض من «أول ماترى» هو أول الصفحة، وكل من المقدمات كما ترى.

و بعد ما مر أقول : إن الخبر المتقدم، وإن لا يتم الاستناد إليه في اعتبار الاستخارة من القرآن المجيد بالطريق المعروف والمتعارف، لاختلاله سنداً ودلالة كما يظهر مما مر، ومستند الاستخارة بالقرآن المجيد، منحصر في ذلك الخبر، بل قد سمعت أن بعض أصحابتا، نفى الوقوف على غير ذلك، لكن لا بأس بالبناء عليها، بملاحظة ماظهر من الاستخارة، أو التفؤل بالقرآن المجيد من وقائع عجيبة، غريبة غاية العجب والغرابة، كما تأتي طائفة منها.

ولكن يتطرق الاشكال بأنها لو كانت مستندة إلى عناية الله سبحانه، يلزم عناية غير معتادة، وهي نادرة غاية الندرة، كيف لا ولوعد العناية الغير المعتادة، من ابتداء الخلقة إلى يومنا هذا، لكانت معدودة قليلة، فلعلها كانت من باب البخت والاتفاق.

إلا أن يقال : إن كثرة الوقائع المشار إليها تمانع عن اعتناء العقل بالاحتمال المذكور، بل الاحتمال المذكور نظير احتمال الخلاف في المحسوس بملاحظة كون الحس في معرض الخطأ، كما نقل عن بعض أنه جرى على التشكيك في المحسوس المخصوص بملاحظة ماذكر.

تذييلات

الاول : [ هل المدار في الاستخارة على مدلول الاية أو الاعم والسياق؟]

إن المدار في الاستخارة بناء على ما تقتضيه الآية بنفسها، من دون اعتبار السياق في تأييد مدلول الآية لو كانت الآية ضعيفة، أو صرف الآية، لوكان السياق منافياً للظاهر، أو لابد من ملاحظة السياق.

ونظير ذلك ما يأتي من الكلام في أن المدار في التوعيد بالنار في الكبيرة - بناءاً على كون المدار فيها على التوعيد بالنار فى الكتاب - على مدلول الآية بالدلالة الظاهرة بنفسها، أو أعم من المدلول بتوسط أمر خارج، ومنه المدلول بدلالة الايماء والتنبيه، بناءاً على تعميمها لكلام المتكلم الواحد، كما هو الأظهر، حيث أن المدار فيها على ملاحظة الاقتران بالسابق أو اللاحق.

والمشهور تخصيصها بسؤال السائل، كما في المواقعة في واقعة الأعرابي حيث قال

السائل : هلكت وأهلكت واقعت أهلي في نهار رمضان». فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : كفر. (1)

فان قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحتمل أن يكون خطاباً مستقلا، و يحتمل أن يكون جواباً للسائل فتكون المواقعة علّة لوجوب الكفارة، والظاهر هو الثاني، فانه لولا علية المواقعة لوجوب الكفارة لبعد اقتران السؤال بالأمر بالكفارة.

و الأحسن تعميمها لوقوع الواقعة، كما لو رأى الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) نجاسة في ظرف ماء قليل، فقال: اهرقه. فان الظاهر منه أن العلة للامر باهراق الماء، هو نجاسته، وكذا تعميمها لكلام المتكلم الواحد، ومنه قوله سبحانه :

(لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (2)حيث أنه وقلنا بأن الظاهر كون قوله سبحانه :


1) جامع أحاديث الشيعة : 193/9 ح 1 و 2.

2) سورة آل عمران : 130 - 131.

(وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) مربوطاً بالسابق، أعني آية الرباكما جرى عليه شيخنا السيد، وجريت عليه أيضاً، في سوابق الأزمان فيثبت كون الربا من الكبائر.

وإن قلنا بكونه مستقلا غير مربوطاً بالسابق و لعله الأظهر، لتخلل الفصل أعني قوله سبحانه : (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) مضافاً إلى تخصيص النار بالكفار حيث أنه لو كان التوعيد على الربا لكان المناسب إطلاق النار.

فضلا عما ذكره البيضاوي (1)من أن تخصيص النار بالكفار من جهة التنبيه، على أن النار بالذات معدة للكفار، وبالعرض العصاة، حيث أن مقتضاه عدم ارتباط التوعيد بالربا، وكونه كلاماً مستأنفاً، مع أنه قد تفطن باستنباط بعض المطالب بدلالة التنبيه في بعض الموارد، بل في موارد متعددة، ومنه ماذكره بعد قوله سبحانه:

(رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ) (2)بعد النهي عن التأفيف بالنسبة إلى الوالدين و الأمر بامور بالنسبة إليهما، من أنه كأنه تهديد على إضمار السوء للوالدين.

حيث أن استنباط التهديد، مبني على تعميم دلالة الايماء والتنبيه لكلام المتكلم الواحد، بعد كونه مبني أعلى تلك الدلالة قضية بعد الاقتران أعني ذكر قوله سبحانه.

وقد حررنا الكلام في الدلالة المذكورة في البشارات، و الرسالة المعمولة في حجية الظن. وبالجملة قد اختار في مفتاح الكرامة القول بالأول.

و نقل عن بعض أنه استخار بالقرآن المجيد للمهاجرة لطلب العلم فوقع نظره على قوله سبحانه: (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (3)وهو مسبوق بقوله سبحانه :

(أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) (4).

فهاجر، فوفق لما أراد، وبلغ المراد.

ومقتضى كلام بعض أصحابنا كما يأتي :

أن المتجه تجديد الاستخارة، مع التوسل والدعاء في أن يريه الله الترشد


1)

2) تفسير البيضاوي

3) سورة الاسراء: 25.

4) سورة هود : 87.

صريحاً، لو كان السياق مخالفاً لظاهر الآية بنفسها، ويظهر الكلام فيه بما يأتي.

يمكن القول بالأول، نظراً إلى أن الظاهر من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «فانظر أول ما ترى» في الخبر المتقدم (1)كون المدار على ما تقتضيه الآية بنفسها، إلا أن يقال : إن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «فانظر أول ما ترى» و إن كان ظاهراً في مدلول الاية بنفسها، لكنه وارد مورد الغالب.

فينبغي مراعاة السياق، مع أن اعتبار ظاهر اللفظ مع عدم الظن بارادة الظاهر أو الظن بعدم الارادة بعيد، ولا سيما لو كان عدم الظن بالارادة أو الظن بالعدم مستنداً إلى أمر معتبر، وإن كان مقتضى القول بالعمل بالعموم في باب الاستثناء الوارد عقيب الجمل المتعاطفة على القول باشتراك أداة الاستثناء بين الرجوع إلى الجمع، كما هو مقالة جماعة بناءاً على اعتبار الظن النوعي في ظواهر الحقائق-القول باعتبار ظاهر اللفظ فيما ذكر.

ثم انه لا فرق في اعتبار السياق بين القول بكون المدار على أول الصفحة اليمنى والقول بكون المدار على ما يتفق رؤيته، ثم أن المدار في السياق على السابق أو يعم اللاحق ؟ لعل الأظهر القول بالثاني، وربما يقال بالأول.

الثاني: هل المدار أو الصفة أو الاعم مما كان مرتبطاً بماقبله؟

إنه بناءاً على كون المدار على أول صفحة النظر: أي الصفحة اليمنى، هل يختص ذلك بما لو كان المذكور في أول الصفحة كلاماً مستأنفاً غير مربوط بآخر الصفحة السابقة، أي الصفحة اليسرى ؟

أو يطرد ذلك فيما لو كان المذكور في أول الصفحة مربوطاً بآخر الصفحة السابقة؟ مثلا في الفعل المنفي نحو «لا يؤمنون»، لو كان حرف النفي في آخر الصفحة السابقة، وكان الفعل المنفي في أول الصفحة، يكون المدار على أول الصفحة


1) تقدم ص 146.

اليمنى فالاستخارة جيدة، أو المدار على آخر الصفحة اليسرى فالاستخارة رديئة.

وأيضا لو جاء في باب الاستخارة قوله سبحانه : (فلا تقل لهما اف) (1)

لكن كان حرف النفي في آخر الصفحة اليسرى، والفعل المنفي في أول الصفحة اليمنى، فلو كان المدار على أول الصفحة اليمنى، فالاستخارة رديئة.

ولو كان المدار على آخر الصفحة اليسرى، فالاستخارة من باب الوسط.

و بالجملة حكم بعض أصحابنا بأن المتجه أن يقتصر في الجودة والرداءة، على القدر المتيقن، أي ما اشتمل على كل ما يحتمل مداخلته في الجودة والرداءة، من السياق والصفحة السابقة، و إن تعارض وجه مع وجه كمعارضة مدلول الاية بنفسها مع السياق، أو معارضة أول الصفحة مع ما تقدم في الصفحة السابقة، فليجد دالاستخارة مع التوسل والدعاء في أن يريه الله الرشد صريحاً.

والظاهر - بل بلا إشكال - أن الموجب لتجويز إعادة الاستخارة بدون اختلاف المورد، إنما هو الخبر المتقدم، لكنه غير صالح للتعويل عليه والتعليل به.

ويظهر الحال بما تقدم، ومع هذا نقول : إن القول - بجودة الاستخارة اوجاءت الاية (لا يؤمنون) بفرض أن يكون حرف النفي آخر الصفحة اليسرى، والفعل المنفي أول الصفحة اليمنى، كما هو مقتضى كون المدار على أول الصفحة اليمنى - في غاية البعد عن النظر، والطبيعة في قصوى التوحش من ذلك.

وبما مر يظهر الكلام لو كان المدار على أول ما يتفق رؤيته.

ثم إن اعتبار أول الاية من آخر الصفحة اليسرى، لو طال الفصل بينه وبين أول الصفحة اليمنى، بحيث انتفى الارتباط في البين لا وجه له.

نعم لو كان أول الاية آخر الصفحة اليسرى، فالكلام فيه يندرج فيما سمعت من الكلام في اعتبار آخر الصفحة اليسرى، لأنه أعم من كون آخر الصفحة اليسرى


1) سورة الاسراء : 23.

أول الاية وعدمه.

ثم ان الكلام في العنوان السابق - أعني الكلام في اعتبار السياق - أعم من الكلام في هذا العنوان، لعموم الكلام في العنوان السابق المسابق واللاحق، أعنى السابق على ما وقع [ آخر ] الصفحة، واختصاص الكلام في هذا العنوان بالسابق.

ثم إنه ربما يتوهم أن اعتبار السياق ينافي كون الكلمة الأولى في أول الصفحة اليمنى مستعملة في معناها الحقيقي، و هو خلاف المفروض، فلا مجال للكلام في اعتبار السياق بعد كون المفروض، كون الكلمة الأولى مستعملة في معناها الحقيقي وهو مبني على توهم كون السياق موجباً لصرف الكلمة الأولى عن معناها الحقيقي إلى المعنى المجازي.

ويندفع بأنه ربما تكون الكلمة الأولى مستعملة في معناها الحقيقي، وهو جيد لكنها ذكرت مثالا لأمر ردي مذكور في آخر الصفحة اليسرى، كما لوجاء في أول الصفحة اليمنى قوله سبحانه : (يصعد في السماء) (1)وكان آخر الصفحة اليسرى: (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا) (2)ونظير ذلك غير عزيز.

الثالث: هل المدار أول الكلمة الاولى من السطر الاول أم تمامه؟:

إن المدار بناءاً على كون المدار على «أول الصفحة» على الكلمة الاولى من السطر الأول، أو على مجموع السطر الأول.

وتظهر الثمرة فيما لو كان السطر الأول مشتملا على النعمة في أوله، و النقمة في آخره حيث أنه لو كان المدار على الكلمة الأولى من السطر الأول فالاستخارة جيدة. وأما لو كان المدار على مجموع السطر الاول فالاستخارة وسطى.

الظاهر هو الأول، أي الظاهر - على القول باعتبار أول الصفحة - إنما هو الكلمة الأولى من السطر الأول، لكن القول بجودة الاستخارة خال عن الجودة.


1) سورة الانعام : 125.

2)

و يمكن أن يقال: إن اعتبار الكلمة الأولى على القول المذكور وارد مورد الغالب فلا اعتبار بالكلمة الأولى في صورة اشتمال السطر الأول على النعمة صدراً والنقمة ذيلا

الرابع: في حال ماكن فى السطر الاول دلالتان مختلفتان :

إنه لو كان المذكور في صدر السطر الأول من الصفحة اليمنى جملتان مختلفتان دلالة على النعمة والنقمة (مثلا) نحو قوله سبحانه:

(تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) (1)وقوله سبحانه :

(تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ) (2)أو كان المذكور في الصدر المذكور جملة ذات أجزاء كقوله (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) (3)من عباده.

المدار في الصورة الأولى على الجملة الأولى، فالاستخارة جيدة، لولم نقل بكونها من باب الوسط، قضية التعليق على المشيئة.

أو المدار على الجملة الأخيرة، فالاستخارة من باب الوسط ؟

وكذا المدار في الصورة الأخيرة، على الجزء الأول فالاستخارة جيدة ؟

أو المدار على مجموع الأجزاء، فالاستخارة من باب الوسط قضية التقييد بالمشيئة، فالاستخارة من باب الوسط، بناء على كون التقييد بالمشيئة موجباً لخروج الاستخارة عن الجودة ؟

يظهر الحال بمامر حيث أن الظاهر من اعتبار الصفحة اليمني، إنما هو اعتبار الكلمة الأولى، لكنه وارد مورد الغالب، ولا يشمل صورة تعاقب الجملة الأولى أو جزء الجملة بما ينافي الجملة المذكورة أو الجزء المذكور.

وبمامر يظهر الكلام، بناء على كون المدار على أول ما يتفق رؤيته.

ثم إن الكلام المتقدم في اعتبار السياق بالنسبة إلى السابق، إنما هو في السابق على


1) سورة آل عمران : 26.

2) سورة آل عمران : 26.

3) سورة البقرة : 105، و آل عمران : 74.

ما وقع في أول الصفحة، كما أنه بالنسبة إلى اللاحق إنما هو في اللاحق لأول الصفحة والكلام هنا في السابق من أول الصفحة :

إنه قد يتراءى بادىء الرأي رداءة الاستخارة، لكن تعميق النظر يقضي بالجودة. مثلا : ربما استخار شيخنا السيد، فجاءت الآية الشريفة في أول الصفحة اليمنى (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) (1)فجرى لنا أن الاستخارة رديئة بملاحظة الرذالة ثم جاء الاستبصار عن الوالد الماجد - رحمه الله - فحكم بالجودة.

وهو في غاية الجودة نظراً إلى أن قوله سبحانه: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) (2)من باب مقابلة النعمة والنقمة.

ولاريب أن الفقرة الأخيرة : أعني ما وقع في أول الصفحة من باب النعمة.

كيف لا! والحياة أتم أقسام الانعام، و إتمام العمر إتمام أتم أقسام الانعام، ففي إتمام العمر إنعام بعد إنعام.

هذا مبني على اعتبار أول الصفحة اليمنى من دون انضمام آخر الصفحة اليسرى وإلا فالاستخارة من باب الوسط.

و نظير ذلك أنه ربما استخرت فجاءت الآية الشريفة في أول الصفحة اليمنى: (لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (3).

حيث أن الظاهر منه في ظاهر النظر - رداءة الاستخارة، قضية الكفر، لكن المرجح [أن الآية تدل على] سعة رحمة الله سبحانه في الغاية، فالاستخارة في غاية الجودة.

الخامس: في حال ما كان في آخر الصفحة اليسرى وأول الیمنی دلالتان مختلفتان

إنه لو كان المذكور في أول الصفحة اليمني وآخر الصفحة اليسرى، جملتان مختلفتان دلالة على النعمة والنقمة، أو ذات أجزاء.


1) الحج : 5.

2) الحج : 5.

3) سورة يوسف : 87.

فهل المدار على ما وقع في أول الصفحة اليمنى؟

أو المدار مجموع ما وقع في أول الصفحة اليمنى وآخر الصفحة اليسرى ؟

أقول : إنّه لا إشكال في أن المدار على مجموع ما وقع في أول الصفحة اليمنى من إحدى الجملتين، بعض أجزاء الجملة، وما وقع في آخر الصفحة اليسرى من الجملة الأخرى، وبعض آخر من أجزاء الجملة، بناءاً على اعتبار السياق. ولا إشكال في أن المدار على ما وقع في أول الصفحه اليمنى، بناءاً على عدم اعتبار السياق، وقد تقدم نصرة القول باعتبار السياق.

ومع هذا نقول : إن ما دلّ على اعتبار الكلمة الأولى من الصفحة اليمنى بعد الدلالة، وإن كان مطلقاً، لكنه لا يشمل ما لو كان أول الصفحة اليمنى، جملة مسبوقة بجملة تضاد تلك الجملة، واقعة في آخر الصفحة اليسرى، و كان أول الصفحة اليمنى بعض أجزاء جملة وقع بعض أجزائها في آخر الصفحة اليسرى [بحيث] يختلف حال الاستخارة بمداخلتها في الاستخارة وعدم المداخلة.

ثم ان الفرق بين هذا العنوان والعنوان الرابع، أن الكلام في العنوان السابق في مداخلة اللاحق من الجملة الاخيرة، أو الجزء الأخير من أجزاء الجملة المذكورة في الصفحة اليمنى في الاستخارة.

والكلام هنا في مداخلة السابق من الجملة الأولى أو الجزء السابق من أجزاء الجملة المذكورة في آخر الصفحة اليسرى في الاستخارة.

السادس: أنة قد يكون أول الصفحة اليمنى خالياً من المكتوب

كما في المصاحف المنطبعة، فانه ربما تكون التسمية واقعة في أواسط السطر الأول من الصفحة اليمنى، و كل من الصدر و الذيل خال عن المكتوب يتأتى الاشكال بناء على كون المدار على الصفحة اليمنى.

السابع : كلمات العلماء فى الدعاء والقراءة عند الاستخارة

إن المعروف أنه يقرأ عند الاستخارة في القرآن المجيد :

«اللهم إني تفألت بكتابك، وتوكلت عليك، فأرني من كتابك ماهو المكتوم من سرك المكنون في غيبك، اللهم أرني الخير خيراً حتى أتبعه، والشر شراً حتى أتركه».

و ببالي أن الفاضل الخاجوئي نقله عن ابن طاووس، والظاهر أن ابن طاووس هذا هو الذي يذكر من جانب نفسه الاستحباب كثيراً من أبناء طاووس.

و كان شيخنا السيد يقرأ المدعاء الذكور عند الاستخارة من القرآن المجيد، ويكرر «المكنون من سرك المكنون في غيبك» على الانعكاس احتياطاً، أي كان يقرأ تارة كما ذكر، وأخرى يقرأ «المكتوم في سرك المكنون من غيبك».

و ربما نقل صاحب ریاض العلماء في كتابه المعمول في الأدعية وغيرها عن بعض، عن العلامة بخطه الشريف، عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال :

من أراد الاستخارة من المصحف، فليأخذ المصحف بيده و يقرأ سورة «فاتحة الكتاب» مرة و «آية الكرسي» أيضاً مرة، والصلوات على محمد و آل محمد عشر مرات، ويقول :

«اللهم إني توكلت عليك، وتفألت بكتابك، فأرني ما هو المكتوم في سرك المكنون في غيبك، ياذا الجلال والاكرام».

فان كان أول اليوم، فليفتح أول المصحف، و إن كان وسط اليوم، فليفتح وسط المصحف، و إن كان آخر اليوم، فليفتح آخر المصحف.

وليلاحظ ما في الصفحتين من لفظ الجلالة، ويزيد على المجموع ثلاثة من ألفاظ الجلالة و يعد الأوراق بعدد المجموع في الفاظ الجلالة،، ثم يعد السطور بهذا العدد أيضاً و يعمل بما في السطر الأخير

وهو مجرب، وقد وقع عليه عجائب وغرائب بالتجربة.

وإن خلاكل من الصفحتين من لفظ الجلالة، فليحذر عن العمل المنوي.

وربما نقل العلامة المجلسي عن ابن طاووس في فتح الأبواب، عن الخطيب أنه يقرأ عند التفول بالقرآن المجيد سورة التوحيد ثلاث مرات، و الصلوات على محمد و آل محمد ثلاث مرات، ويقال :

«اللهم إني تفألت بكتابك، وتوكلت عليك، فأرني من كتابك ما هو المكتوم من سرك، والمكنون في غيبك» و يعمل بما في السطر الأول من الصفحة اليمنى. (1)

وقال في رياض العلماء: قد رأيت في بعض المواضع، نقلا عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بخط بعض العلماء أنه قال: من أراد أن يتفأل بالقرآن المجيد، فليقرأ «فاتحة الكتاب» ثلاث مرات، وسورة «الاخلاص» ثلاث مرات، ويدعو بهذا الدعاء ثلاث مرات، وهو:

«اللهم إني تفألت بكتابك، وتوكلت عليك، فأرني من كتابك ما هو المكتوم في سرك، والمصون في غيبك».

فان كان أول اليوم فيفتح أول القرآن المجيد، وإن كان وسط اليوم، فيفتح وسط القرآن المجيد، و إن كان آخر اليوم، فيفتح آخر القرآن المجيد، و يأخذ ما في الصفحتين من لفظ الجلالة، ويزيد عليه ثلاثة من لفظ الجلالة، و بعدد المجموع يعد الأوراق، و بعدد الأوراق يعد السطور، ويعمل بما في السطر الآخر.

وإن كان كل من الصفحتين خالياً عن لفظ الجلالة، فيترك المنوي.

ويحتمل أن يكون المقصود بالتفؤل فيه وفي سابقه هو الاستخارة.

ثم إنه ربما يقال : إنه لو كانت الاستخارة للغير و إن كان ضمير المتكلم وحده في«تفألت» و«توكلت» مناسباً، قضية أن المفروض أن الاستخارة والتفول من واحد لكن المناسب تبديل ضمير المتكلم وحده في أرني أولا وثانياً بضمير المتكلم مع الغير بأن يقال «أرنا» وليس بشيء.


1) فتح الابواب : 156. عنه البحار : 241/91 ح 1.

ثم إن في الصحيفة السجادية أن من دعاء مولانا السيد السجاد، وزين العباد عليه آلاف السلام من رب العباد إلى يوم التناد :

«اللهم إني أستخيرك بعلمك، فصل على محمد و آله، واقض لي بالخيرة، وألهمنا معرفة الاختيار، واجعل ذلك ذريعة إلى الرضا بما قضيت لنا، و التسليم لما حکمت، فأزح عنّا زيب الارتياب، وأيّدنا بيقين المخلصين، ولا تسمنا عجز المعرفة عما تخيرت، فنغمط (1)قدرك ونكره موضع رضاك، ونجنح إلى التي هي أبعد من حسن العاقبة وأقرب إلى ضد العافية، حبب إلينا ما نكره من قضائك، وسهل علينا ما نستصعب من حكمك وألهمنا الانقياد لما أوردت علينا من مشيتك، حتى لا نحب تأخير ما عجلت، ولا تعجيل ما أخرت ولا نكره ما أحببت، ولا نتخير ماكرهت، واختم لنا بالتي هي أحمد عاقبة، وأكرم مصيراً، إنك تفيد الكريمة، وتعطي الجسيمة وتفعل ما تريد، وأنت على كل شيء قدير». (2)

الثامن: الاستخارة بالمصحف الغالب في أول صفحاته آيات العذاب أو الرحمة

إنه لو كان الغالب في أول الصفحات اليمنى آية العذاب أو النقمة كما ربما اتفق في مصحف شيخنا السيد، فربما يتخيل أن المناسب ترك الاستخارة من المصحف الموصوف بما ذكر، أعني : كون الغالب في أول صفحاته اليمنى آية العذاب أو النقمة.

لكن يمكن أن يقال: إن المدار في الاستخارة على قدرة الله سبحانه في خروج ما يدل على المقصود نفياً و إثباتاً، وإلا فلا وجه يقتضي للركون إليها، و السكون عليها، وعلى ذلك المنوال [يكون] الحال في التفؤل والقرعة، مضافاً إلى ما يرشد إلى ابتناء الأمر في الاستخارة على القدرة الكاملة من الله سبحانه ما يأتي ذكره مما اتفقت من الكرامات والأعاجيب في الاستخارة من القرآن المجيد


1) نغمط : نستحقر.

2) الصحيفة السجادية: دعاء 33، عنه البحار : 22/269/91.

ولو كان المدار على القدرة فلا فرق بين أن يكون أوائل الصفحات اليمنى من القرآن المجيد آيات الجودة والرداءة بالسوية، أو يكون الغالب في أول الصفحات اليمنى آية الجودة أو الرداءة.

بل لو فرضنا كون آية الجودة مثلا في صفحة واحدة، فمقتضى القدرة أن تخرج آية الجودة في صورة كون الصواب القيام بالفعل، وتخرج بعض آيات الرداءة في صورة كون الصواب ترك الفعل، نعم لو فرضناكون جميع الايات في أول الصفحات آية الرداءة مثلا فلا مجال للاستخارة، لعدم تعلق القدرة بالممتنع، وكون القصور من جانب القابل.

لكن يمكن أن يقال : إن الانسان الضعيف البنيان ربما يتأتى ل-ه الاطمئنان في الفرض المذكور، فالأولى الاستخارة بما تعارف من القرآن المجيد، وبما مر يظهر الحال فيما لو كان الغالب في أول الصفحات اليمنى آية الرحمة أو النعمة.

التاسع: قد تتكون جودة الاستخارة لا لحسن الفعل بل لامر آخر

إنه قد تكون الاستخارة لارتكاب الفعل، و تجيء الآية الشريفة جيدة، حاكمة بجودة الاستخارة وارتكاب الفعل، ويكون الفعل خالياً عن جهة الحسن والمصلحة، لكن جودة الآية الشريفة لترتب مصلحة أخرى على ارتكاب الفعل غير مصلحة الفعل، لأن المفروض خلو الفعل عن المصلحة، بل قد يكون في ارتكاب الفعل مفسدة، لكن المصلحة المترتبة على ارتكاب الفعل قاهرة على مفسدة ارتكاب الفعل.

وبالجملة فالأمر في المقام نظير الأوامر الامتحانية حيث أن المأمور به فيها خال عن المصلحة، لكن يترتب على نفس الأمر.

وقد تكرر لي ذلك في الاستخارة بالسبحة

وربما استخرت بالسبحة لشراء مركوب فجاءت الاستخارة جيدة فبنيت على الشراء، ثم أرسلت المركوب مع دراهم إلى صاحبه لكي يرضى بالدراهم فأعاد المركوب مع الدراهم، فدق" الرسول الباب، فلما فتحت الباب، فاذا راكب يذهب، فسأل عن الواقعة، فنقلتها له، فقال : اشتر مركوبي.

فانجر الأمر إلى شرائه وهو كان جيداً.

وقد وقع لي نظير ذلك تكراراً، ونقل بعض أنّه استخار لشراء صحيفة سجادية - لمنشئها آلاف الصلاة والسلام والتحية وروحي و روح العالمين له الفداء - ثم انكشف أنها مغلوطة، ثم نقل الواقعة لبعض، فأعطاه صحيفة صحيحة.

العاشر : المدار على الفهم المعتبر فى استباط الاحكام الشرعية

إن المدار على مدلول الاية بنفسها ؟

أو يعتبر مناسبة المقام - لو اتفق - المناسبة ؟ مثلا : لو جاء في الاستخارة لارتكاب فعل قوله سبحانه : (أقم الصلاة) فالمدار على مدلول الآية الشريفة فالاستخارة من باب الوسط.

أو المدار على مناسبة المقام ؟ قضية الأمر، ولا سيما لو كانت الاستخارة لاستيجار العبادة، ولاسيما لو كانت الاستخارة لاستيجار الصلاة فالاستخارة جيدة.

لعل الاظهر الأول، بل هو الأظهر، إذ الظاهر مما دل على أعتبار الاستخارة بالقرآن المجيد إنما هو اعتبار مدلول الاية الشريفة، بل لو اعتبر المناسبة في الفرض المذكور يلزم الوجوب الشرعي، ولا يقول به ذو مسكة، بل لو لم نقل بعدم اعتبار المناسبة، فلا أقل من عدم ثبوت اعتبار الوسط، فلا يثبت جودة الاستخارة في الفرض المذكور، بل اعتبار المناسبة يستلزم العناية الغير معتادة من جانب الله سبحانه بحيث توعدت من ابتداء الخلقة الى يومنا هذا لكانت متعددة قليلة فالمناسبة غير ثابت اعتبارها.

وبالجملة : المدار على الفهم المعتبر في استنباط الأحكام الشرعية.

لكن الأمر هنا لا يختص بالمجتهد بلا شبهة

الحادي عشر : في اعتبار الايتين السابقة واللاحقة

59إنه هل تعتبر الاية اللاحقة للاية التي خرجت في أول الصفحة اليمنى، أو السابقة عليها، أي الآية التي كانت في آخر الصفحة اليسرى، منفصلة عن الآية التي خرجت في أول الصفحة اليمنى ؟

مثلا : لو جاء قوله سبحانه : (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا). (1)

فلو اعتبر الآية الثانية، تكون الاستخارة في غاية الجودة، وإلا فالاستخارة من باب الوسط، لا محيص في خصوص المقام من ملاحظة الاية الثانية.

بل الأولى ملاحظة الاية اللاحقة و السابقة في غير المقام أيضاً.

و الفرق بين هذا العنوان وعنوان اعتبار السياق، أن الكلام في اعتبار السياق إنما هو في آية الاستخارة التي خرجت في أول الصفحة اليمنى، مما سبق على الكلمة الأولى في آخر الصفحة اليسرى، أو لحق لها في الصفحة اليمنى.

والكلام هنا في الاية المغايرة لآية الاستخارة.

الثاني عشر : فى أن المدار على المدلول أو المصداق

مثلا : لوجاء قوله سبحانه : (ولتعلن علوا) (2)وأنه لو كان المدار فيه على المدلول، فالاستخارة جيدة غاية الجودة، وأما لو كان المدار فيه على المصداق فالاستخارة رديئة غاية الرداءة، لأنه فسر الآية الشريفة المذكورة بالاستكبار عن طاعة


1) سورة الفرقان : 74-76.

2) سورة الاسراء : 4.

الله سبحانه، أو الظلم على الناس، مضافاً إلى أنها مسبوقة بقوله: (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) (1).

و من قبيل رداءة المصداق قوله سبحانه (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ * قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) (2)بناء على عدم اعتبار الآية اللاحقة للاية المصدرة أعني: الآية التي خرجت في أول الصفحة اليمني، وإلا فالأمر من باب رداءة المدلول.

الثالث عشر : المدار فى الاستخارة على فهم المستخير وذكائه

إنه تختلف الاستخارة جودة ورداءة باختلاف الذكاوة و السليقة، لكن المدار على فهم المستخير بلاشبهة، نظير أن المدار في استنباط الأحكام الفرعية عند اختلاف الفقهاء، على فهم المجتهد بنفسه ولا اعتبار بفهم مجتهد آخر في حقه.

نعم يعتبر فهم الراوي من باب كونه موجباً لظن المجتهد بالمراد، وإلا فلو ثبت عند المجتهد خطأ الراوي فلا اعتبار بفهمه.

الرابع عشر : لا فرق فى اعتبار الاستخارة بين افراد الناس

إنه لافرق في اعتبار الاستخارة بعد اعتبارها بين العالم والجاهل، بعد تمكن الجاهل من الفرق بين الجودة والرداءة، وكذا لافرق في اعتبار الاستخارة بين العادل والفاسق، والوضيع والشريف، والمرء والمرأة.

كيف لا ولا يفرق أحد من الناس، ولاسيما أهل الصلاح في مقام المشورة عنه بين العالم والجاهل، مثلا باظهار ما هو المصلحة للعالم دون الجاهل، وإلا يلزم الخيانة المستلزمة للظلم في الفرق بين العالم والجاهل، مثلا باظهار ما هو الصلاح للعالم دون الجاهل، فكيف ظنك بالله العلي الأعلى ؟


1) سورة الاسراء : 4.

2) سورة المؤمنون : 81-82.

فكيف يمكن اختلاف اعتبار الاستخارة من العالم والجاهل مثلا ؟

لكن قد تعارف بين الناس، الرجوع في الاستخارة - حتى الاستخارة بالسبحة - الى العلماء خصوصاً المشاهير، حتى من الطلاب، بل هذا من الجبليات، وليس ذلك إلا من جهة عدم التأمل والجهل بحقيقة الحال، وكون النفوس الانسانية أسيرة الامور الدنيوية، من أسباب الارتفاع حتى الغالب من النفوس الطيبة.

وقد كنت أقول في عنفوان الشباب : إني أذهب إلى بعض للاستخارة بملاحظة بعض المزايا الدنيوية، مع اعتقادي بمزيتي في الفهم والتقوى.

الخامس عشر : ان من أدلة وجود واجب الوجود، الاستخارة

سواء كانت من القرآن المجيد أو غيره، لأن بالمواظبة عليها، و انكشاف آثارها، ولاسيما الآثار التي تقع بعد أزمنة بعيدة غاية البعد، يظهر استناد جودة الاستخارة ورداءتها إلى العالم بالمغيبات الغريبة والخفيات العجيبة، سبحان من لا يخفى عليه شيء، لا في الأرض ولا في السماء، ويعلم ما تحمل كل أنثى، وما تغيض وما تزداد أرحام النساء.

ونظير ذلك ما قيل: من أدلة وجود واجب الوجود أنه كثيراً ما يشاهد انحلال عقد المكاره العسرة الوعرة بحيث يصل استناد ذلك إلى القادر الذي لاتنتهي عجائب قدرته بالتقصي و الاحصار.

و أيضا تفطن الشخص بما يصل إليه و إلى غيره في جزاء الأعمال، يدل على وجود واجب الوجود، لحصول القطع واليقين بخروج ذلك عن العادة، واستناده إلى الله سبحانه جلست عظمته.

السادس عشر : انه يمكن استكشاف حكمة الاستخارة في الجودة والرداءة

قبل بروز الحكمة في بعض الأحيان، وقد اتفق لي ذلك مراراً :

ومنه أنه استخار بعض الأرحام - رحمه الله - مراراً على التشرف بزيارة مولانا ومولى الكونين سيد الشهداء، روحي وأرواح العالمين له الفداء، وكرر الاستخارة على ذلك، فتخاطر في قلبي أن التشرف إلى الزيارة، وإن يكون في غاية الجودة، والاستخارة لها تجيء جيدة بلاشبهة، ولكن تكرر جودة الاستخارة لابد أن يكون مستنداً إلى حكمة اخرى غير حكمة أصل الزيارة وشرافتها.

فالظاهر أنه قرب زمان موت ذلك البعض، وتكرر جودة الاستخارة لعدم الحرمان عن السعادة المهمة المهتم بها تمام الاهتمام. فسافر البعض إلى الزيارة، ثم عاد فمرض في اليوم الثالث، وانتقل إلى جوار رحمة الله العزيز الوهاب، فطوبى له وحسن مآب.

السابع عشر : بیان موارد الاستخارة

إنه لا مجال للاستخارة في باب المسير إلى الحج بعد الوجوب كما يتفق من بعض، نعم لا بأس بالاستخارة في باب الطريق.

ومثل ذلك الاستخارة لسائر الواجبات.

ولا مجال أيضاً للاستخارة في الاتيان بالمستحب، إلا على تقدير احتمال ترتب المفسدة الدنيوية عليه، ولو لم يمانع رجحان الفعل في المستحب عن جواز الاستخارة، فلابأس بالاستخارة لو احتمل ترتب مفسدة دنيوية على ترك المستحب من باب الانتقام على الترك، يكون الغرض من الاستخارة ترك المستحب على تقدير تجويز الاستخارة للترك بكونه من باب الوسط أو منعها عن الفعل.

وحكم الوالد الماجد (رَحمهُ اللّه) بجواز الاستخارة في المستحب، إذا احتمل المعارض له.

وقال : في كشف الغطاء نقلا : إنها - أي الاستخارة - مستحبة حتى في الأعمال المندوبة.

ثم قال : «ولا بأس بالاستخارة على ترك مندوب، أو فعل مكروه مع الشك في بقاء الرجحان» انتهى.

قوله «مع الشك» متعلق بترك المندوب، وهو خارج عن طريقة العبارات المتعارفة.

ثم أنه لا بأس بالاستخارة على فعل المكروه وإن قلت : إن الاستخارة لاستكشاف جودة الفعل ورداءته، والمفروض في المكروه ثبوت الرداءة ولا مجال لاستكشاف المنكشف، والأمر نظير تحصيل الأصل.

قلت : إن المفروض ثبوت الرداءة الأخروية، والغرض من الاستخارة إنما هو استكشاف الجودة والرداءة الدنيوية، فلا منافاة بين الانكشاف والاستكشاف.

الثامن عشر : مخالفة الاستخارة توجب الضرر

إنه يمكن دعوى الظن بالضرر في مخالفة الاستخارة، كما ربما ادعاه الوالد الماجد (رحمه الله) بل يمكن دعوى القطع بالضرر في ارتكاب مامنع عنه الاستخارة، وكذا يمكن دعوى الظن، أو القطع بفوت النفع، أو ترتب الضرر في ترك ما حكمت الاستخارة بالاتيان به.

لكن لا يجب مراعاة الظن بالضرر القطع به لو كان الضرر متعلقاً بالمال، بناء على جواز إضرار الشخص بماله، ويظهر شرح الحال بما حررناه في الاصول.

وأما لو كان الضرر متعلقاً بالنفس، فيجب الاجتناب عن الضرر المظنون ترتبه على فعل ما منع عنه الاستخارة، أو ترك ما حكمت الاستخارة بارتكابه.

وربما يلحق العرض بالنفس.

و ربما حكم الوالد الماجد (رَحمهُ اللّه) بحرمة مخالفة الاستخارة على تقدير الظن بالضرر بحكم التجربة.

وقال في كشف الغطاء نقلا : ولا يجب العمل بها إلا مع احتمال وقوع مفاسد

عظيمة، ويظهر ضعف الحكم بحرمة مخالفة الاستخارة في صورة الظن بالضرر المالي، بما سمعت، مع أن اعتبار الظن في الموضوع من حيث التحصيل مطلقاً خلاف المشهور، وتفصيل المقال موكول إلى الرسالة المعمولة [في] حجية الظن.

وأما القول بحرمة مخالفة الاستخارة في صورة احتمال وقوع مفاسد عظيمة كما ترى وربما استدل على حرمة مخالفة الاستخارة في صورة الظن بالضرر، بأن بعض الأخبار تدل على لزوم العمل بالظن في بعض الأنواع بالمطابقة وفي غيره بالأولوية، كما رواه الطبرسي في المكارم عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :

«إستشر العاقل من الرجال، الورع، فانه لا يأمر إلا بخير، وإياك والخلاف، فان خلاف الورع العاقل، مفسدة في الدين والدنيا ليس بشيء».

التاسع عشر : انه لا مجال للاستخارة بعد الاستخارة

بدون اختلاف في المنوي أولا وثانياً، وبعبارة أخرى لا مجال للاعادة في باب الاستخارة، بدون التغيير كما صرح به العلامة النجفي، والوالد الماجد - (رَحمهُ اللّه) - كيف لا ! ولا مجال لسؤال الجاهل عن العالم في مسألة، أو سؤال المريض عن الطبيب في مرض، مرة بعد مرة.

وربما نقل عن المحقق القمي أنه قال : إني ربما استخرت على ارتكاب فعل بعد الاستخارة له، ومنعها عنه وتجويز الاستخارة الثانية ووصل إلي مضرة الفعل.

ربما حكى بعض العلماء عن بعض، أنه إستخار أكل الخبز، فلم ترخص الاستخارة، فغير المنوي، ولم ترخص الاستخارة إلى أن استخار أن ينام مستلقياً ويرسل لقمة من الخبز مع (اللبن الرائب) إلى جانب العلو"، ويجعل فيه محاذياً لتلك اللقمة، فرخصت الاستخارة، لكنه من أفعال المجانين.

ثم إن الظاهر أن الزمان يوجب التغيير، واختلاف موضوع الاستخارة في بعض

الموارد، كما لو استخار على أكل شيء في زمان، و منع عنه الاستخارة، ثم استخار على أكل ذلك في زمان متأخر بتأخير معتد به.

لكن الظاهر أن الزمان لا يوجب التغيير واختلاف الموضوع فيما لو استخار على بيع داره أو شراء دار في زمان ومنعت الاستخارة عن البيع والشراء، ثم استخار على البيع والشراء في زمان متأخر بتأخير معتد به.

والفرق من جهة أن الظاهر كون الزمان جزء الموضوع في القسم الأول بكون الموضوع هو الأكل مقيد بالزمان الحاضر، وإن وقعت الاستخارة على كلي الأكل في الظاهر، فلابأس باختلاف الحكم لاختلاف الموضوع.

وأما القسم الثانى فالزمان غير دخيل في الموضوع والاستخارة إنما تكون واقعة على الطبيعة فلا مجال لاختلاف الحكم باختلاف الزمان.

والظاهر - بل بلا أشكال- أن الزمان القليل غير قابل للتغيير في شيء من الموارد وأن كلا من القسمين، لا يختص بنوع من الأنواع بل يختلف الحال باختلاف الموارد المتشخصة، فربما يكون الزمان خارجاً عن المنوي في مورد وجزءاً له في مورد آخر.

ثم إنه لابأس بالاستخارة لو شك في سبق الاستخارة.

ثم إنه لعل الظاهر عدم جواز الاستخارة بعد الاستخارة لو كانت الآية في الاستخارة الاولى محل الاشكال، بناءاً على كون المدار على أول الصفحة اليمنى، أو أول النظر، وكذا الحال لو كان أول الصفحة اليمنى، بناءاً على كون المدار عليها خالياً عن المكتوب.

العشرون : ان المدار في لزوم الفعل على جودة الاستخارة فعلا، ورداء ته تركاً ؟ أو يكفى الجودة فعلا ؟

قد جرى عمل الوالد الماجد - (رَحمهُ اللّه) - وغيره على الأول.

وربما يقال بالثاني نظراً إلى أن جودة الفعل المستفاد من جودة الاستخارة على الفعل إنما تتم بعد رداءة الترك، وإلا فلا جودة في الفعل.

ويندفع بأن جودة الفعل، إما أن تكون تامة نظير محبوبية الفعل في الواجب أو تكون ناقصة محبوبية الفعل [ كما ] في المستحب، فلا بد من استكشاف تمامية الجودة من استكشاف حال الترك.

فإن كان الترك رديئا بحكم الاستخارة على الترك فيلزم الفعل، وإن كان الترك مساوياً للفعل في الجودة، فيكون الفعل والترك سواءاً، فلا يلزم الاتيان بالفعل.

وكذا الحال لو كانت الاستخارة على كل من الفعل والترك خالياً عن الحزازة بأن كان مضمون الاية بين الجودة والرداءة، لكن ربما تكون جودة الاستخارة على الفعل، بحيث يكشف عن تمامية جودة الفعل عن استكشاف حال الترك.

ومع ذلك، مجرد جودة الاستخارة لا يكفي في لزوم الفعل، إذ ربما كانت الجودة خفيفة، بحيث لا يظهر بتوسطها كون الفعل بمنزلة المستحب فضلا عن الواجب، لكن على هذا يلزم أن لا تكون رداءة الاستخارة على الترك كافية في لزوم الفعل، لاحتمال كون رداءة الترك خفيفة، بحيث لا يظهر بتوسطها أيضاً كون الفعل بمنزلة المندوب، فضلا عن كونه بمنزلة الواجب

ثم إن مقتضى عدم القناعة في الحكم، يلزم الفعل بجودة الاستخارة على الفعل احتياج الحكم بلزوم الفعل إلى رداءة الاستخارة على الترك، لاحتمال كون الفعل بعد جودة الاستخارة على الفعل نظير المندوب، لا الواجب.

فيحتاج كون الفعل نظير الواجب، إلى رداءة الاستخارة على الترك، وكذا احتمال جودة الفعل كما هو الحال في توسط الفعل، بكون الاستخارة على كل من الفعل والترك جيدة (ومقتضاه) أن لا تكون رداءة الاستخارة على الفعل كافية في الحكم بلزوم الترك، لاحتمال كون الفعل نظير المكروه لا الحرام.

وكذا احتمال رداءة الترك كرداءة الفعل، نظير جودة الفعل والترك في صورة التوسط، يكون الاستخارة على كل من الفعل والترك جيدة، بل كثيراً ما يكون كل من الفعل والترك مورد المفسدة، كما يرشد إليه بعض الأشعار الفارسية :

کر بروم میکشدم، کر نروم میمیرم، اي حريفان چه صلاح است، بروم یا نروم؟

وعلى ذلك المنوال الحال في رداءة الاستخارة على الترك، إذ غاية الأمر فيه أيضاً كون الفعل نظير المكروه، فلا بد في لزوم الفعل من جودة الاستخارة على الفعل لكن لا يلتزم بما ذكر أحد.

ثم إنه يكفي الاستخارة على الترك عن الاستخارة على الفعل، ولو بناءاً على الحاجة في لزوم الفعل إلى رداءة الاستخارة على الترك، بعد جودة الاستخارة على الفعل.

لأنه إن كانت الاستخارة على الترك رديئة، فلا مجال لرداءة الاستخارة على الفعل بناء على الطريقة المتعارفة، فلابد من الترك، للمزوم جودة الاستخارة على الفعل لو فرض وقوعها بعد رداءة الاستخارة على الترك.

وإن كانت الاستخارة على الترك جيدة، فلا يخلو الأمر عن كون الاستخارة على الفعل، لو فرض وقوعها بعد جودة الاستخارة على الترك رديئة أو جيدة.

فعلى الأول لابد من الترك بناءاً على الحاجة في لزوم الفعل إلى رداءة الاستخارة على الترك بعد جودة الاستخارة على الفعل.

و على الثانى يتأتى التوسط، ويلحق بالاول بناءاً على كون التوسط في

الاستخارة ملحقاً بالرداءة.

وكان الوالد الماجد - (رَحمهُ اللّه) - يكتفي كثيراً بالاستخارة على الترك.

وبما ذكر يظهر حال الاستخارة بالسبحة، لكن لا يتأتى فيها ما لو كانت جودة الاستخارة على الفعل، مغنية عن استكشاف حال الترك بكونها كاشفة عن تمامية جودة الفعل.

وبالجملة في الاستخارة بالقرآن المجيد يمكن استكشاف اشتمال كل من الفعل أو الترك على المصلحة، أو خلو هما عن المفسدة، على حسب اختلاف مفاد الآية فمقتضى الاستخارة كون الفعل وسطاً في كل من الصورتين.

وأما الاستخارة بالسبحة فيتردد الأمر فيما لو كانت الاستخارة وسطاً بجودتها على الفعل، والترك بين اشتمال كل من الفعل والترك على المصلحة، وخلو كل منهما عن المفسدة، ولا مجال لاستكشاف أحد الأمرين على وجه التعيين، بخلاف الاستخارة بالقرآن المجيد كما سمعت هذا.

والقدر المتيقن فيما لوساوى الاستخارة بالقرآن المجيد [في دلالتها] على الفعل، والترك بحسب جودة خلو الفعل عن المصلحة وربما يقال بكون الاستخارة ملحقة بالرداءة. وأما لو كان مقتضى الاستخارة بالقرآن المجيد خلو كل من الفعل والترك عن المفسدة، فينحصر الأمر في خلو الفعل عن المصلحة، ولا مجال لالحاق الاستخارة بالرداءة.

وكان الوالد الماجد -ره يترك الفعل، ولو كانت الاستخارة بالسبحة متوسطة بأن كانت الاستخارة على كل من الفعل والترك جيدة.

وقيل : حصل لي التجربة في كون الاستخارة المتوسطة ملحقة بالرديئة.

الحادى والعشرون : إنه ينبغي الجد والجهدفي معرفة الاستخارة

الحادى والعشرون : إنه ينبغي الجد والجهد والكد والوكد في معرفة الجودة والرداءة في باب الاستخارة من القرآن المجيد، فانه كثيراً ما يشكل المعرفة

ويدق خفاء الحال عن فهم الزكي ويظهر الأمر بما مر.

ولا ينبغي حسب الامكان - متابعة الغير، ولاسيما غير الأهل، ولا سيما الاهل لكثرة الاشتباه من الأهل، فضلا عن غير الأهل، كما هو الحال في سائر الموارد العلمية.

والظاهر - بلا إشكال - أن من تصدى لكتابة الجودة، والرداءة على رؤوس الصفحات اليمنى من القرآن المجيد، لم يكن أهلا لذلك بشهادة كثرة اشتباهاته

كما أن الظاهر، أن من تصدى لترجمة القرآن المجيد، لم يكن أهلا له بشهادة الاستقراء فيها.

وربما ذكر في «الأمل» أن الترجمة قد وقعت من العلامة الخوانساري، لكن نسبه في رياض العلماء إلى السهو قال:

«ولم أسمعه منه – (قدس سره) - ولا من أولاده، ولم يكتبها لي ولده في مؤلفاته».

قوله «ولده» : يعني المولى جمال الملّة والدين فانه نقل بعد ذلك أن المولى المذكور كتب أسامي جميع مؤلفات والده العلامة له أعني صاحب رياض العلماء.

وربما نقل أن العلامة المجلسي (رَحمهُ اللّه)كتب فى رأس كل آية من آيات القرآن المجيد، حال الاستخارة بها.

الثاني والعشرون : إنه ربما يستخير من القرآن المجيد من لا يتمكن من معرفة الجودة والرداءة، لكنه يبني على الجودة أو الرداءة بالخرص والتخمين من قبيل الظنون المنهي عنها في الآيات الشريفة، بناءاً على ما هو الحق في المقصود بالنهي عن العمل بالظن في الآيات الشريفة، ولا عبرة بذلك.

فالمدار على الفهم المعتبر في المطالب العلمية

وبعبارة أخرى الفهم المعتبر في استنباط الأحكام الشرعية، لكن الأمر في المقام لا يختص بالمجتهد بلا شبهة، كما تقدم.

الثالث والعشرون : المدار أول الصفحة اليمنى من القرآن أم ما وقع عليه النظر ؟

إنه لو انقلب القرآن المجيد عند الاستخارة فجاء عاليه سافله فلا اعتبار بالاستخارة:

أما بناءاً على كون المدار على أول الصحفة اليمنى فلان الظاهر منه – بلاشبهة - إنما هو الصفحة اليمنى من القرآن بالصورة المتعارفة.

وأما بناءاً على كون المدار على ما وقع عليه النظر، فلان الظاهر منه أيضاً إنما هو ما وقع عليه النظر من القرآن بالصورة المتعارفة، والأمر ظاهر في الغاية.

الرابع والعشرون : الفرق بين التفول و الاستخارة بالقرآن

إنّه روى الكليني باسناده عن أبي عبد الله اللا أنه قال: لا تفأل بالقرآن(1).

وحكم فى الوافى بأنه بعد اعتبار السند يمكن التوفيق بين هذا الخبر والخبر المتقدم بالفرق بين التفؤل والاستخارة، فان التفول إنما يكون فيما سيقع ويستبين فيه الأمر كشفاء مريض أو موته و وجدان الضالة أو عدمه ومآله إلى تعجيل تعرف علم الغيب.

وقد روى النهي عنه، وعن الحكم فيه بتّة لغير أهله، وكره التطير في مثله بخلاف الاستخارة فانه طلب لمعرفة الرشد في الأمر الذي أريد فعله أوتركه، وتفويض الأمر إلى الله سبحانه في التعيين واستشارته إياه عز وجل كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مرفوعة علي ابن محمد : «هكذا تشاور ربك» وبين الأمرين فرق واضح.

وإنما منع من التفؤل بالقرآن وإن جاز بغيره إذا لم يحكم بوقوع الأمر على البت"، لأنه إذا تفأل بغير القرآن، ثم تبين خلافه، فلا بأس.

بخلاف ما إذا تفأل بالقرآن، وإن جاز بغيره إذا لم يحكم بوقوع الأمر على البت".

لأنه إذا تفأل بغير القرآن ثم تبين خلافه، فلا بأس بخلاف ما إذا تفأل بالقرآن ثم تبين خلافه، فانه يفضي إلى إساءة الظن بالقرآن، ولا ينأتى ذلك في الاستخارة به


1) الكافي : 629/2 ح 7.

لبقاء الابهام بعد، و إن ظهر السوء، لأن العبد لا يعرف خيره من شره في شيء.

قال الله تعالى: (عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) (1).

ونقله عنه صاحب رياض العلماء، ساكتاً عن الموافقة والمخالفة.

أقول إن الجمع بين الخبرين المتعارضين، لا اعتبار به مالم يشهد به شاهد من العرف أو من الخارج.

وأما إمكان الجمع فلا اعتبار به بوجه وإن اشتهر «أن الجمع أمهما مكن أولى من الطرح لكنه محل الطرح»، وقد حررنا الحال في محله.

وأيضاً مرجع ما ذكره في الجمع إلى التصرف في معنى الاستخارة والتفؤل بحسب الوضع أو الارادة، والثاني أظهر بدعوى اختصاص الاستخارة بما يدخل تحت قدرة المستخير، من الفعل والترك، واختصاص التفؤل بما يخرج عن تحت قدرة المتفئل كشفاء المريض مثلا.

لكن الظاهر عموم التفول لما يدخل تحت قدرة المتفثل، فلا يخرج الأمر عن التعارض من باب مباينة معنى الاستخارة والتفول، أي مباينة الموضوع له، أو مباينة المراد منهما، أي مباينة المستعمل فيه غاية الأمر لزوم تخصيص الخبر الثاني بعد اعتبار سنده بالخبر الأول بعد اعتبار سنده ودلالته، لكن أمر التعارض على هذا نفياً وإثباتاً مبني على الخلاف في ثبوت التعارض بين العموم والخصوص وعدمه

والأول أظهر كما حررناه في محله.

ثم إنه قد نقل العلامة المجلسي في البحار عن المشائخ (مسموعا) أن المراد من النهي عن التفؤل هو النهي عن استنباط الأمور في المستقبل واستخراج الامور الخفية والمغيبة، كما يفعله بعض الناس لا الاستخارة.

و حكم بأن الظاهر أن الغرض من النهي عن التفؤل، هو التفول عند سماع آية


1) البقرة : 2:6.

أو قراءتها كما هو دأب العرب في التفؤل والتطير بالامور.

و قال : بل هذا هو المتبادر من لفظ التفول فقال : ولا يبعد أن يكون السر فيه أنه يصير سبباً لسوء عقيدتهم في القرآن إن لم يظهر بعده أثره.

أقول : إن ما نقله عن المشايخ يرجع تحريره إلى الجمع بين الخبرين بما مر من الوافي، فيظهر الكلام فيه بما سمعت.

وأما ما استظهره فيرجع إلى الجمع بين الخبرين بأن المراد من الخبر المجوز للاستخارة هو استكشاف الخير والشر في الفعل الذي أراده المستخير كما هو المدار في الجمع بالوجه السابق.

والمراد من التفؤل في الخبر الناهي عنه، هو التفؤل عند سماع آية أو قراءتها كما هو دأب العرب في التفؤل والتطير بالامور، فهو مبني على ثبوت دأب العرب وانصراف التفؤل في النهي عنه إلى ما هو المتعارف من باب انصراف الاطلاق.

والثاني وإن سلمنا ثبوته بعد ثبوت الأول لكن الاول غير ثابت.

وأما دعوى انصراف التفؤل إلى ذلك من باب التبادر الوضعي، كما هو مقتضى قوله : «بل هذا هو المتبادر من لفظ التفؤل» فليس بشيء.

الخامس والعشرون : أمثلة عجيبة من الاستخارات بالقرآن

الخامس والعشرون : إنه قد أتفق مجيء آيات كثيرة في الاستخارة أو التفول من القرآن المجيد بحيث يكون خروجها مناسبة المقصود وترتيب الاثار المستفادة منها في حد الاعجاز والكرامة، عميت عين لا تراه :

فقد روي أن مولانا ومولى الكونين سيد السجاد وزين العباد عليه آلاف التحية من رب العباد إلى يوم التناد، كان إذا صلى الفجر لم يتكلم حتى يطلع الفجر، فجاءه قوم يوم ولد فيه زيد فبشروه : بعد صلاة الفجر فالتفت إلى أصحابه فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

أي شيء ترون أن اسمي هذا المولود ؟ فقال كل رجل منهم : سمه كذا

فقال: يا غلام علي بالمصحف فجاء الغلام بالمصحف فوضعه في حجره ثم فتحه

فنظر إلى أول حرف في الورقة فاذا فيه : (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) (1)ثم أطبقه، ثم فتحه ثانياً، فنظر فاذا في أول ورقة.

(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (2).

ثم قال: هو والله زيد، هو والله زيد، فسمي زيداً.

ونقل في بعض التواريخ عن المعتضد بالله أنه قال : كانت أمور عمتي المعتمد بالله في زمان خلافته موكولة إلى الموفق بالله، ولم يكن له إلا اسم الخلافة، وكان بعض أمرائه سعى في أن يحبسني أبي فحبسني، وكنت أقرأ القرآن المجيد في المحبس سائلا من الله سبحانه النجاة، و كان البعض المذكور يأتيني كثيراً، وكان غرضه في الباطن الاطلاع على ما يصدر مني قولا وفعلا، وأما في الظاهر فكان غرضه تخفيف الهم والغم مني، إلى أن أخذ القرآن المجيد من يدي ليتفأل لي، ففتح القرآن المجيد فجاءت الآية الشريفة: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (3).

فلما نظر البعض المذكور الى الآية الشريفة تغير او نه فتفألت مرة أخرى فجاءت الآية الشريفة : (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (4)فتغير لون الساعي المذكور بأزيد مما تقدم.

فتفألت مرة ثالثة، فجاءت الآية الشريفة (َوعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) (5)فقال الساعي المذكور: إنك تصير خليفة بلا شك.

فبعد أيام مات أبي، وأخرجني عمي عن المحبس، وجعلني ولي العهد، ثم صارت السلطنة إلي.


1) النساء، 95.

2) التوبة: 111.

3) الاعراف: 129.

4) القصص: 5.

5) نور: 55.

ونقل في البعض المذكور من التواريخ أيضاً، عن دبير وزير المأمون أنه قال : ذهبت يوماً إلى الوزير فرأيته متفكراً متحيراً، فسألت عن سبب التفكر والتحير فألقى إلى رقعة.

فرأيت أنه كتب فيها : إن جاريتك تخون في حرمك، وإن شئت الاطلاع على حقيقة الحال، فاستفسر عن الخادمين المواظبين على الحرم.

فاستفسر الوزير من الخادمين المذكورين، عن حقيقة الحال فأنكر كل منهما فتشدد عليهما، فاعترفا بما رقم في الرقعة المذكورة.

قال الدبير : فتفألت من القرآن المجيد فجاءت الآية الشريفة : (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (1)إلى آخر الآية الشريفة.

فلما نظرت إلى الآية الشريفة علمت أن الجارية غير مقصرة، فذهبت مع الخادمين إلى موضع، واستفسرت عنهما بالرفق حقيقة الحال، فاعترفا بأن الجارية غير مقصرة وأن زوجة الوزير بعثتهما على أن يشهدا بصدق ما رقم في الرقعة.

فذكرت ذلك للوزير فصار مسروراً، وأنعم علي بألفي مثقال من الذهب.

وقد نقل ابن العودي - نقلا - أن الشهيد الثاني في بعض مسافراته ورد إلى حلب، وكانت قافلة تروم الروم من طريق معهود، فاستخار الشهيد أن يذهب معهم فكان مقتضى الاستخارة تركه

و كان بعض الطلاب مع قافلة يذهبون من طريق غير معهود، فاستخار الشهيد أن يسير معهم من الطريق الغير معهو دفجوزته الاستخارة، لكنهم أختروا المسافرة فتفأل الشهيد في الصبر والانتظار ليسير معهم، فجاء قوله سبحانه: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) (2)فاطمأن الشهيد.

ثم أرادت قافلة ثالثة أن تذهب من طريق معهود، فاستخار الشهيد أن يسافر معهم


1) الحجرات : 6.

2) الكهف : 28.

فمنعته الاستخارة. فتفأل بالقرآن المجيد لانتظار القافلة الثانية، الذين كانوا يريدون أن يذهبوا من طريق غير معهود فجاء قوله سبحانه: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ - إلى قوله سبحانه - فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) (1).

ثم أرادت قافلة رابعة أن تذهب من طريق معهود، فتفأل الشهيد للمسافرة معهم فجاء قوله سبحانه: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (2)

ثم أرادت قافلة خامسة أن تذهب من طريق معهود، فاستخار الشهيد أن يسير معهم فمنعته الاستخارة.

فتفأل صبيحة يوم سبت في المسافرة مع القافلة الثالثة الذين يسامحون ويريدون المسير من طريق غير معهود، فجاء قوله سبحانه : (وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (3)فتعجب الشهيد، وقال :

إِنَّ جري تلك القافلة على المسافرة في اليوم فهذا من أعجب الامور.

فظهر أنهم أرادوا المسافرة في يوم السبت المشار إليه، فسافر معهم، وظهر أن في إقامته في حلب كانت فوائد كثيرة، وأقلتها أنه كان في الطريق المعهود قحط شديد، وكان في الطريق الغير المعهود الذي وقع فيها المسافرة بالأخرة وفور النعمة.

ولا يذهب عليك أن كلا من التفاؤلات المذكورة من الأعاجيب، والأخير أعجب من أخواته، مضافاً إلى ما حكى من الفوائد الكثيرة في الاقامة بحلب.

و حكي في الدر المنثور (4)أعاجيب مما أتفق له في الاستخارة بالقرآن المجيد : بعضها بعد الجلالات، وبعضها بالنظر في أول سطر.

و نحن ننقل الأعجب من بين تلك الأعاجيب، فنقل : أنه استخار لرجل كان اسمه إبراهيم فجاء قوله سبحانه: (يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) (5).

و استخار لرجل كان غرضه أن يجعل شخصاً كان مسمى بعزيز وكيلا، فجاء قوله


1) الانفال : 16.

2) يونس : 109.

3) الانبياء : 103.

4) الدر المنثور، لعلى بن محمد بن الحسن الجبعى العاملي : 2 / 261-263

5) هود: 76.

سبحانه: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) (1).

واستخار لرجل كان من الأعيان وأرسل إليه أن يستخير له ويكتب الآية فجاء قوله سبحانه: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) (2).

و جاء رجل إليه ليستخير على ولاية يريد السلطان أن يوليه إياها.

فقال له : أنا لا أستخير على أمر غير مشروع.

فقال: إني خائف من تلف النفس لو لم أقبل، فاستخار فجاء قوله سبحانه: (وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) (3).

و استخار لرجل على التزويج فجاء قوله سبحانه : (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا) (4).

و استخار لرجل على الدخول على السلطان لغرض مهم ومطلب مهتم به فجاءقوله سبحانه: (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا) (5).

واستخار لرجل على شراء جارية وقعت بینه و بین زوجته خصومة من جهة الجارية فجاء قوله سبحانه: (َيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ - إلى قوله سبحانه - وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (6).

و استخار لرجل على السفر إلى الهند فجاء قوله سبحانه: (أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) (7).

وبعد مدة قليلة جاء الخبر بورود بعض الشدائد فيه.

و استخار لرجل أراد الخروج فجاء قوله سبحانه: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) (8).

و استخار لرجل على الزيارة و كان اسمه «صالح» وكان له اعتبار عند السلطان، فجاء قوله سبحانه: (يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا) (9).


1) هود : 91.

2) الرعد : 38.

3) الفرقان: 54.

4) المائدة : 42.

5) الكهف: 16.

6) الاعراف: 19.

7) هود: 76.

8) التوبه: 46.

9) هود: 62.

ثم سقط اعتباره عند السلطان.

و استخار لرجل على إرسال رجل الى الهند على تجارة في طريق البحر، فجاء قوله سبحانه: (فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)(1)

و استخار ارجل لم يولد له ذكر على شراء جارية لأجل ذلك، فجاء قوله سبحانه: (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ) (2)فحملت سريعاً وولدت ذكراً.

و استخار لرجل على تزويج امرأة، فجاءت الاستخارة غير جيدة، ثم استخار بعد ذلك، فجاء قوله سبحانه: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ) (3).

و استخار لرجل على شراء بيت، فجاء قوله سبحانه : (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) (4).

و استخار لرجل كانت عنده جارية، وكان له تعلق بها وأراد بيعها جبراً، فنهت الاستخارة عن إبقائها.

ثم كرر الاستخارة فجاء قوله سبحانه : (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ) (5).

و استخار لرجل أعمى على معالجة، فجاء قوله سبحانه : (هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ) (6).

قوله: «بعد الجلالات» الظاهر أن المقصود به ما نقل العلامة المجلسي، أنه مشهور باستخارة الجلالة، وهو أن يفتح القرآن المجيد، ويعد الجلالات التي في الصفحة اليمنى، و بعد هذا يعد الأوراق من الجانب الأيسر، وبعد هذا يعد السطور من الصفحة اليسرى، ثم ينظر إلى السطر الأخير، ويعمل بماهو يقتضيه.

وإن لم يكن لفظ الجلالة في الصفحة اليمنى في المرتبة الأولى، فلينو مرة ثانية، ويفتح المصحف، ويفعل كما سمعت.

وإن لم يكن لفظ الجلالة في الصفحة اليمنى في المرتبة الأولى في المرة الثانية.


1) القصص : 7.

2) المؤمنون : 29.

3) التوبة : 111.

4) النور : 26.

5) الاعراف : 22.

6) الرعد : 16.

أيضاً، فلينو مرة ثالثة، أو مرة رابعة، وهكذا إلى أن يظفر بالجلالة في الصفحة اليمنى، ويفعل كما سمعت.

والوجه المذكور أحد الأقسام الخمسة المذكورة في الاستخارة بالقرآن المجيد في كلام العلامة المجلسي، وهو غير الوجه المعروف المتعارف في الاستخارة بالقرآن، وغير ما يستفاد من الرواية المتقدمة، وغير ما تقدم نقله من صاحب رياض العلماء.

و أحد الأقسام الخمسة المشار إليها منوط ومربوط بعد الجلالة أيضاً، لكنه غير الوجه المذكور.

ونقل أن بعض العلماء صار مريضاً، فعالج الطبيب بالمسكر وكان ذلك يضائق عنه إلى أن جاء شيخنا البهائي في منزل ذلك العالم، وأدخل المسكر في حلقه.

ثم صار ذلك العالم مريضاً بالمرض السابق، وعالج الطبيب بالمسكر أيضاً، وتوفي شيخنا البهائي فرضى العالم المذكور بالاستخارة، فجاء قوله سبحانه: (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) (1).

و نقل السيد السند الجزائري أنه قال : ذهبت إلى السيد السند العلي، شارح الصحيفة السجادية - المنشئها آلاف السلام والتحية إلى ساعة القيام وقيام الساعة - فرأيت أن لحيته بيضاء، فسألت عن ترك الخضاب، فقال : إني أردت أن أكتب تفسيراً فاستخرت بالقرآن المجيد فجاء قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ) (2).

فعلمت أن ارتحالي قريب فتركت الخضاب لكي ألاقي الله سبحانه بلحية بيضاء فهو بعد سنة قد ارتحل من هذه الدار.

ونقل السيد السند الجزائري أيضاً أن المحدث القاشاني سمع بقدوم السيد السند الماجد في شيراز فأراد الارتحال إليه لأخذ العلوم منه، فتردد والده في الرخصة إليه، ثم بنى الأمر على الاستخارة بالقرآن المجيد، فلما استخير به فجاء قوله سبحانه: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (3).


1) المائدة : 95.

2) ص : 25.

3) التوبة : 122.

ونقل : أنه سأل رجل عن العلامة المجلسي أن يستخير بالقرآن المجيد لمقصود أضمره، فاستخار له وقال : إنه خير. فذهب الرجل ثم بعد أيام رجع وقال : إن جئنا بك ذكرت أنه خير وقد ظهر شره.

قال: وكيف ذلك ؟ قال : كان الغرض شراء جارية وقد اشتريتها وتبين أنها تبول في الفراش قال : لو ذكرت لي مقصدك لنهيتك عنه، فان في آية الاستخارة إليه وهو قوله تعالى : (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) (1).

ونقل : أن صبغة الله أفندي أحب الاجتماع مع نجل العلامة البهبهاني صاحب المقامع والمباحثة معه، فاستأذن على والده العلامة في الحضور عند ذلك والقراءة عليه أيام قليلة، وألح عليه فرضينا بالاستخارة على القرآن المجيد فجاء قوله سبحانه: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (2).

وببالي : أنه نقل أن بعضاً تفأل لتحصيل الاصول، فجاء قوله سبحانه: (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (3).

ونقل : أن بعض سادة العلماء صار بعض أولاده مريضاً، وعالج الطبيب بالمسكر و هو كان يمنع عن المداوى بالمسكر، فأرسل رسولين إلى الوالد الماجد - (رَحمهُ اللّه) - اطلاعاً منه بأنه كان يجوز التداوي بالمسكر، فجوز الوالد الماجد - (رَحمهُ اللّه) - أن يداوى المريض المذكور بالمسكر.

ثم إن البعض المذكور من سادة العلماء، بنى على الاستخارة فجاء قوله سبحانه : (وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) (4).

و نقل : أن شاه عباس الماضي، لما أراد المسير إلى بغداد فاستخار بالقرآن المجيد، فجاء قوله سبحانه : (ألم غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) (5).

ثم تفأل من ديوان الحافظ فجاء: «بیا که نوبت بغداد وقت تبریز است».

فسار إليها وفتح.


1) البقرة : 25.

2) لقمان : 13.

3) النجم : 28.

4) العنكبوت : 8.

5) الروم : 1و 2.

و نقل : أنه كان ياقوت في أيدي جماعة بعضهم من أهل العلم في مجلس، ثم فقد الياقوت و احتمل سرقته في بعض أهل العلم، فاستخار هو أن يذبح طائر كان يحوم حول الجماعة، فحكم العالم الاستخارة باللزوم، فذبح الطائر فكان اليقوت في حوصلته.

ونقل : أن السيد السند إبراهيم القزويني، أراد رسم رسالة فتفأل بالقرآن المجيد فجاء قوله سبحانه : (دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) (1).

و ببالي أنه نقل، أنه سرق القواعد من بيت بعض العلماء، فتفأل بالقرآن المجيد فجاء قوله سبحانه: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) (2).

ثم علم أن السارق كان يسمى بابراهيم.

و نقل : أن الوالد الماجد - (رَحمهُ اللّه) - دعى على بعض أو جماعة، فتفأل بعض بالقرآن المجيد، فجاء قوله سبحانه:

(لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) (3).

و نقل : بعض العلماء أنه أراد المسافرة إلى طهران، فاستخار بالقرآن المجيد فجاء قوله سبحانه: (وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) (4)ثم بعد السفر وقضاء الوطر، أراد المعاودة فاستخار بالقرآن المجيد، فجاء قوله سبحانه: (وأَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ) (5).

ونقل البعض المذكور من العلماء، أنه بعد موت بعض السادة من العلماء وحياة الوالد الماجد - (رَحمهُ اللّه) -، تفأل بالقرآن المجيد، فجاء قوله سبحانه : (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) (6).

ونقل : أن بعض العلماء استخار بالقرآن المجيد لتزوج رجل بامرأة فجاء قوله سبحانه: (طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ) (7)فعلم أن المرأة كانت تسمى بطوبي.

و ببالى: أنه نقل بعض العلماء أراد المسافرة إلى الحج، فاستخار، أو تفأل بالقرآن المجيد، فجاء قوله سبحانه : (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (8).


1) الانعام : 161.

2) البقرة : 127.

3) النور : 63.

4) الاسراء : 80.

5) الاسراء: 12.

6) الاسراء: 12.

7) الرعد: 29.

8) الحج: 29.

و نقل : أنه تفأل بعض بالقرآن المجيد، في باب سلطنة بعض سلاطين هذه الأعصار في ابتداء الأمر، مر، فجاء قوله سبحانه (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ) (1)وقد امتدت سلطنة ذلك السلطان إلى أربعين سنة، وامتداد السلطنة إلى هذه المدة بين السلاطين في غاية الندرة.

ونقل : أن في زمان بروز الوباء أراد بعض أن يخرج من مكانه إلى مكان آخر، فاستخار بالقرآن المجيد فجاء قوله سبحانه : (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) (2)ثم خرج البعض من مكانه إلى مكان آخر ثم أدركه الموت. و نقل : أن بعضاً استخار نشخص بالقرآن المجيد، فجاء قوله سبحانه : (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) (3).

فتعجب المستخير أشقى الأشقياء وقال : كانت الاستخارة للزنا، ولكن أتركها.

و نقل : أنه تفأل بعض بالقرآن المجيد في معارضته مع جماعة، فجاء قوله سبحانه: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً) (4).

ربما نسب أمر الى بعض وكنت متحيراً في وقوع ما نسب اليه عنه، ثم جاء البعض وقال: استخرت للمجيء إليك، فحكم الاستخارة باللزوم ثم تذاكر أموراً منها براءته عما نسب إليه، فعلمت أن حكمة الاستخارة إنما كانت اظهار براءته عما نسب إليه، وكنت أقول جلست عظمته.

ونقل : أنه استخار بعض بالقرآن المجيد للتداوى بالمسكر، فجاء قوله سبحانه: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) (5).

ونقل : أنه في بعض السنوات خافت قافلة الحج على الوصول إلى الحج لبعض الموانع، فتفأل بعض بالقرآن المجيد فجاء قوله سبحانه:

(لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ) (6).

فعرض عارض أوجب الوصول إلى الحج.

ونقل : أنه لما سافر باشاه بغداد لمحاصرة كربلاء لمشرفها آلاف السلام


1) ص : 20.

2) النساء : 78.

3) الاسراء : 32.

4) البقرة : 249.

5) المائد : 90.

6) الفتح : 27.

والتحية، وروحي وروح العالمين له الفداء فاستخار بعض بالقرآن المجيد للخروج من كربلاء إلى الكاظمين عليهما آلاف الصلاة والسلام، روحي وروح العالمين لهما الفداء، فجاء قوله سبحانه: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا) (1)فخرج، و وصل الباشا إلى كربلاء وفعل فعلته التي فعل.

وببالى : أنه نقل أنه لما قدم بعض السلاطين إلى إصفهان، فاستقبل جماعة من الطلاب، واستخار بعض بالقرآن المجيد للاستقبال فجاء قوله سبحانه :

(قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ) (2).

فترك الاستقبال مع جماعة، ولما عاد المستقبلون، فوجوههم يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة، وذلة وشدة.

ونقل عن بعض : أنه أراد التزويج بامرأة، فاستخار بالقرآن المجيد، فجاءقوله سبحانه: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى) (3)فظن من ذلك أن يرزق ولد ذكر قليل الحياة، ثم وقع الأمر كذلك.

وقد تفألت بالقرآن المجيد بعدموت الوالد الماجد رهـ لما يصير إليه أمري فجاء قوله سبحانه : (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) (4).

و نقل : أن وليد بن يزيد وهو من خلفاء الجور، تفأل بالقرآن المجيد فجاء قوله سبحانه: (وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (5)فمزق القرآن علیه آلاف اللعنة وعذاب النيران وقال: أتو عدني بكل جبار عنيد... وفقل يوم القيامة مزقني الوليد.

فلم يلبث إلا أياماً يسيرة، ثم قتل وصلب رأسه على (باب) قصره ثم على سور بلده.

ويمكن أن يقال : إن دعوى الكرامة في الآيات الشريفة المذكورة لا يجتمع مع القول بعدم اعتبار المناسبة، إلا أن يقال : إن كثرة ورود المناسب تضائق مضايقة شديدة من القول بعدم اعتبار المناسبة، مع أن مرجع القول بعدم الكرامة إلى القول يكون الأمر من باب البخت والاتفاق إلى كون مجيء الآيات الشريفة خارجاً عن


1) النمل : 34.

2) النمل: 18.

3) مریم : 7.

4) طه : 13.

5) ابراهیم: 15.

التعمد من جانب الله سبحانه بل من باب البخت والاتفاق، ومقتضاه عدم اعتبار الاستخارة من القرآن المجيد.

ويمكن أن يقال أيضاً : إنه لو كانت الآيات الشريفة المذكورة من باب الكرامة يلزم العناية الغير المعتادة من جانب الله سبحانه والعناية الغير المعتادة من بداية الخلقة إلى نهايتها، إنما تكون محصورة في عدد قليل مع مجيء الأنبياء والأوصياء والأولياء والعلماء والصلحاء.

وابتلاء الكل خصوصاً مع اشتداد ابتلاء الكثير بحيث لا يحصى ولا يطاق الاحصاء كان أصله ثابتاً في الأرض، وفرعه في السماء فكيف يرخص العقل صدور العنايات الغير المعتادة في الموارد المذكورة، ولاسيما الصدور على وجه الوفور في بعض تلك الموارد، كما سمعت مما اتفق لصاحب الدر المنثور خصوصاً مع ملاحظة قوله سبحانه: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا) (1).

ومع ذلك يضائق العقل عن وفور العنايات الغير المعتادة، ولاسيما لشخص واحد مع عدم إجابة الدعوات فضلا عن تأخيرها، ولو في الابتلاءات التي بلغت سماء الشدة إلا في أندر نادر.

وإن قلت : إن عدم إجابة الدعوات من أجل فقد شرطها كما هو مقتضى بعض النصوص، حيث أنه سئل المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن عدم الاجابة مع قوله سبحانه : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (2)فأجاب الا بأن الله سبحانه وإن وعد الاجابة لكنه سبحانه قال: (أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) (3).

وقد حلف المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنه لو أتى العبد بما أوجب الله سبحانه عليه ليأتي الله سبحانه بما أوجب على نفسه.

قلت : إنه لو كانت إجابة الدعاء مشروطة بشرط، فكيف لا تكون العناية الغير المعتادة مشروطة بشيء، ولاسيما مع الوفور لشخص واحد، لكن نقول : إن الأمر على


1) يوسف : 110.

2) المؤمن : 60.

3) البقرة : 40.

ذلك يرجع إلى عدم اعتبار الاستخارة والتفول من القرآن المجيد.

ولا يذهب عليك أن الاشكال إنما هو فيما لو كان في الآية الشريفة مناسبة تامة مع المقصود، كما فيما اتفق إلى أن التفؤل بالقرآن المجيد كما سمعت قبيل ذلك.

وأما لو كانت المناسبة بعيدة فلا اعتداد بها، ولا كرامة في دعوى الكرامة بلا مزية، ومن ذلك مامر من مجيء قوله سبحانه: طوبى لهم وحسن «آب» لعدم ارتباط ضمير الجمع بالمقام.

و الأمر نظير ما ربما يتوهمه بعض النسوان، فيما لوجاءت الآية الشريفة في الاستخارة قوله سبحانه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) (1)من كون الاستخارة جيدة بملاحظة إسم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). نعم لو كان الضمير في تلك الآية مفرداً، لكانت المناسبة تامة وكان محل احتمال الكرامة.

السادس والعشرون : الاستخارة لصلاح المستخير وعافيته

إن مقتضى بعض الأخبار أنه ينبغى أن ينوي المستخير صلاحه، على حسب مذاقه، لاصلاحه الواقعي.

لما رواه المجلسي بالاسناد عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «ولتكن استخارتك في عافية، فانه ربما خير الرجل في قطع يده، وموت ولده، وذهاب ماله».

مثلا لو أراد تزويج امرأة مخصوصة، وكان أصل التزويج غير مناسب لحاله، كما هو الحال في حال غيره قضية قوله سبحانه: (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (2).

بناءاً على كون «من» زائدة نحو ما روي عن النبي «إن من أشد العذاب يوم القيامة (المصورون)» كما يرشد إليه حال الأزواج والأولاد، بمقتضى فطرة الانسان بل قضاء العيان والاستقراء كما يظهر مما يأتي.

فالغرض اطراد العداوة في الأزواج والأولاد، لكن صرح الطبرسي بكونها للتبعيض.


1) آل عمران : 144.

2) التغابن : 14.

ولا فرق في الباب بين أن يكون الغرض العداوة الدنيوية المتعارفة كما هو الظاهر، بل المتعين بشهادة قوله سبحانه : (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا) (1)مضافاً إلى قضاء العيان في معاشرة الشخص في اليوم والليلة مع الزوجة والولد، فضلا عن الاستقراء في أحوال الاولاد والأزواج.

وربما احتمل البيضاوي كون الغرض أشغل عن الطاعة والمخاصمة في أمر الدين أو الدنيا، وليس بشيء.

وبالجملة فينبغي أن ينوي المستخير الصلاح في الفصل، بعد اختيار الجنس.

وبعبارة أخرى أن ينوي الصلاح في الفرد من حيث الخصوصية، لا من حيث الطبيعة كما هو المتعارف.

وغير ذلك ما، نقلا روي من أنه ينبغي أن يدعو الانسان للخلاص من فتنة أو فتن مخصوصة، لا مطلق الفتنة إذ من الفتنة الأموال والأولاد بنص الآية الشريفة.

فاستدعاء التخلص عن مطلق الفتنة، يستدعي استدعاء ذهاب الأموال والأولاد.

السابع والعشرون: حال الايات ذات التقييد :

إنه لو كانت الكلمة الاولى في صدر الصفحة اليمنى مقيدة بقيد وقع في آخر السطر الأول مثلا، فهل يلاحظ القيد المذكور في جودة الاستخارة ورداءتها؟ أو المدار على صدارة الاطلاق ؟

مثلا لو كانت الآية الشريفة :... (2)آمنوا وعملوا الصالحات.

فهل يلاحظ التقيد بالايمان والعمل الصالح، فالاستخارة من باب الوسط، أو المدار على الاطلاق ؟ فالاستخارة جيدة، ومن ذلك قوله سبحانه: (وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ)(3).

قوله سبحانه : «إذا نصحوا الله ورسوله» قال البيضاوي :


1) التغابن : 14.

2) هنا عشر كلمات ما وجدتها في القرآن في آية لاتفيد ذكرها.

3) التوبة : 91.

أي أخلصوا الله و رسوله في حال قعودهم بالايمان و الطاعة في السر والعلانية أو بما قدروا عليه فعلا أو قولا، بما يعود إلى الاسلام والمسلمين.

و الفرق بين هذا العنوان، و عنوان اعتبار السياق، أن المدار في السياق على اختلاف الجملتين في الصدر والذيل، بانقطاع الجملة الأولى في الصدر، بخلاف ما نحن فيه، فان الصدر فيه مربوط ومنوط بالذيل، فما أبعد البون في البين، بل في البين بعد المشرقين.

وبالجملة لا ريب فيه أن المدار على ملاحظة القيد لفرض عدم انقطاع الجملة الأولى في الصدر، وكونها مربوطة ومنوطة بالجملة الأخيرة في الذيل.

وان قلت : مقتضى إطلاق الكلمة الاولى في الصفحة اليمنى، كون المدار في المقام على الاطلاق، قلت : إن الاطلاق لا يشمل الاطلاق فيما نحن فيه بلا شبهة.

الثامن والعشرون : في الطيرة والتطير

لا عبرة بما لو يتطير به و ربما نقل أنه دخل شاعر على الداعي العلوي في يوم النوروز وأنشده :

لا تقل بشرى ولكن بشريان ***غرة الداعي ويوم المهرجان

فتطير به الداعي قضية حرف النفي، وألقاه على وجهه، وضربه خمسين عصى وقال : إصلاح أدبه أنفع من ثوابه.

و الظاهر أن التطير بذلك من شدة غلبة الهوى، والجزاء بما سمعت من شدة السبعية.

وقيل : إن الانسان من أشد السباع، بحيث ينزجر كل سبع من تشبيه الانسان به و أنه دخل بعض الشعراء على أبي سعيد فأنشد : لك الويل من ليل بطاء أواخره...

فقال أبو سعيد : بل الويل والحرب لك لا أم لك و التعليل بما ذكر من باب العذر الأفحش من الجرم.

وأمثال ذلك في أفعال هذا الحيوان ذي الخسران غير عزيزة.

وربما نقل أن المعتصم بنى قصراً بميدان بغداد، وجلس فيه فأنشد شاعر :

یا دار غيرك البلى ومحاك ***ليت شعري ما الذي أبلاك

فتطير المعتصم وأمر بهدم القصر.

و نقل أيضاً : أنه دخل أبو نؤاس على الفضل بن يحيى البرمكي وأنشده:

أربع البلى أن الخشوع البادي*** عليك وإن لم افتك ودادي

فانزعج الفضل متطيراً بذلك، وعاد يكرر : (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) (1)فلما انتهى إلى قوله:

سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ***بني برمك من حاضرين وبادي

فاستحكم تطيره، ودخل الحرم فلم يبق أحد في المجلس إلا واستقبح ذلك وبالآخرة وقع من الرشيد ما وقع وصح التطير.

وليس مثل تلك الأشعار إلا من نقصان عقل الانسان، وعدم شعوره بأقواله وأفعاله، وقد حررنا رسالة في حالاته الرديئة.

وربما قيل: إن عقل عشرين رجلا أو أربعين رجلا يوازن عقل شاة لأن الشاة لو ردعها الراعي ترتدع فوراً.

وأما الانسان فلا يرتدع بشيء من روادع الله سبحانه وأنبيائه وأوصياء أنبيائه.

وقيل : إن للمجنون ست علامات، وهي في أكثر الناس موجودة.

ويشبه ما ذكر ما نقل من أن شاعراً دخل على هشام بن عبدالملك، و كان أحول وأنشد أرجوزته التي يقول فيها : الحمد لله الوهوب المجزل حتى بلغ الى قوله والشن قدصارت كعين الأحول


1) الرعد : 39.

فغضب هشام وأمر به فضرب وسجن.

رسالة الاستخارة من القرآن لابي المعالى

وكذا ما نقل من أن شاعراً مدح زبيدة بنت جعفر :

طوبى لزائرك المثاب. تعطين من رجليك ما... تعطي الأكف من الرغاب. فهم الخدم والحشم بضربه، لكن زبيدة مع كونها من النسوان سلكت مسلك الحلم والاحسان - وكل ذي حلم له طوبى وحسن العاقبة في الدنيا والعقبى، وجدت في الأيام تجربة للحلم عاقبة محمودة الأثر، وقيل : إنّه لم يمدح الله سبحانه بالحلم من الأنبياء السلف سوى إبراهيم وإسماعيل على نبينا و آله و عليهما السلام –

فانها منعت الخدم والحشم عن ضرب الشاعر وقالت: دعوه فانه لم يرد إلا خيراً لكنه أخطأ الصواب، لأنه سمع قولهم في الشعر :

شمالك عندي خير من يمين غيرك ***و ظهرك أحسن من وجه سواك

فظن أن الذي ذهب إليه من هذا، أعطوه ما أمل ونبتهوه ما أعمل.

فعجب الناس من حلمها ونصاحتها وفهمها.

التاسع والعشرون : الاستخارة للدخول على الملوك

إن علي بن طاووس في كشف المحجة قد تضايق عن الاستخارة للدخول على الملوك بعد عدم المضائقة عنها على ما نقله، وعد المضائقة مما وهبه الله جل جلاله من الأنوار و الاطلاع على الأسرار وحكم بأن الاستخارة في الباب بعيدة عن الصواب.

و نظير ذلك ما نقل عن صاحب المدارك و المعالم من أنهما لم يتشرفا بشرف زيارة مولانا الرضا - روحي له الفداء وعليه آلاف السلام إلى قيام القيام - خوفاً من الابتلاء بلقاء السلطان.

وكذا مانقل من أن السلطان مال إلى لقاء الشيخ محمد نجل صاحب المعالم فهو

استدعى من الله سبحانه أن يقدر له الموت لو مضى في علمه سبحانه ملاقاته له. وربما حكي عن السيد السند المحسن الكاظمي أن بعض السلاطين قد استدعى منه أن الاستخارة منه قال : لا أعلم ما وقع مني من المعصية حتى صرت مجانساً له وصار المجانسة موجبة لميله إلي.

أقول: إنه ربما يكون الورود على السلطان موجباً لترتب نفع عظيم عميم أو دفع ظلم عن جماعة كثيرة، بل أهل بلدة، ويرشد إليه أن الوالد الماجد (رَحمهُ اللّه) قد اقتضى من بعض السلاطين رفع الديوان عن الخبر،زين، فتقبله بقبول حسن وأمر بكتابة ذلك في حجر منصوب عند باب المسجد المتعلق بالسلطان وهذا النفع العظيم العميم يبقى بين الناس إلى يوم يقوم الناس لرب الناس ولا يتصور نفع أعظم وأعم من ذلك.

رحم الله العلي الأكلا من المقتضى والمجيب بما يستوجبه ويستحقه.

ومع ذلك قد ذكر المحقق الثاني أن قيام الاسلام بوجود السلطان إذ لولاه ليهجم الكفار وينقطع أثر الاسلام، و هو حق متين و أنه لحق اليقين، بل لولا توسط السلطان لا يمكن المكث في هذه النشأة.

ألا ترى قول الله سبحانه: «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ».

ويرشد إلى ذلك ما يقع في غاية المفاسد عند موت السلطان، وكذا ما يقع من كثرة المفاسد مع وجود السلطان من جهة بلوغ الانسان إلى سماء الطغيان فان ذلك يكشف لك مرتبة ما يقع من المفاسد اولا وجود رد السلطان، فوجود السلطان من النعماء العظيمة بل هو أعظم النعماء الالهية.

ومع ذلك روى الشهيد الثاني في رسالة الغيبة نقلا أن النجاشي أرسل مكتوباً إلى مولانا الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في باب ابتلائه بولاية الأهواز فأجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنه حصل له المسرة والمساءة بذلك فقال :

فأما سروري بولايتك فقلت عسى أن يغيث الله بك ملهوفاً خائفاً من آل محمد و يعز بك ذليلهم ويكسوبك عاريهم ويقوي بك ضعيفهم ويطفي بك نار المخالفين عنهم.

و أين الولاية من الورود، و أين السلطان الجائر من السلطان من أهل الايمان فمقتضى الرواية المذكورة جواز الورود على السلطان المؤمن إذا أحتمل إغاثة الملهوف ونحوها بالنسبة إلى الشيعة بل كونه موجباً لمسرة الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ).

ومع ذلك العالم ولو بلغ في العلم والتقوى ما بلغ لا يتمكن من حفظ نفسه في هذه الدار دار النار المعدة للبلاء والابتلاء بنص الآيات الشريفة فكيف يتمكن من إعانة الشريعة المطهرة وأهلها، والعمدة في ثمرة العلم إنما هي وصول المنافع إلى العباد، وإلا فالعالم الزاهد - نظير الزاهد من العوام - ألا ترى ما وقع من الدواهي للائمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) روحي وروح العالمين لهم الفداء،

فالمضايقة عن الورود على السلطان ربما توجب العداوة والمفاسد العامة.

نعم المواظبة على المخالطة مع السلطان أو أحزابه توجب الضياع والوهن في الأنظار، كما أنه لا بد للعالم بعد المراودة مع السلطان من الاحتراز عن شهواته لكن دونه أقصى الاشكال والعسار.

الثلاثون: فى الاستخارة لاتيان الزوجة :

إن علي بن طاووس في كشف المحجة قد منع منعاً شديداً عن المجامعة مع الزوجة بمقتضى الشهوة النفسانية على حسب القوة البهيمية، وحكم بأن المناسب كون الغرض من المجامعة هو العمل بالسنة السنية

قال : فان خفت غلبة عليك فتمنعك من هذه النية المرضية، فاستعن بالاستخارة. وما ذكره حسن لكن دون الجريان عليه كمال الاشكال ولا سيما بالنسبة إلى أكثر نفوس الانسان.

و سمعت بطريق معتبر إن الوالد الماجد (رَحمهُ اللّه) كانت طريقته جارية على الاستخارة

في باب المجامعة، وربما قال لبعض السلاطين مشيراً إلى طائفة من أولاده: إن هؤلاء أولاد الاستخارة، لكن طريقته كانت جارية على الاستخارة في عموم أموره حتى أنه استخار للتخلية في بعض الازمان وكانت الاستخارة مانعة عن التخلية بل كرر الاستخارة رهي كانت تجيء مانعة، كرة بعد مرة وهو كان يدافع مع شدة ميل الطبيعة إلى الدفع.

وقد حكم المولى النقي المجلسي نقلا بأن المنافع الدنيوية لاتوصف بالاستحباب لكن إن أتى العبد بها الله سبحانه يثاب بها، وكذا الحال في غيرها من المباحات حتى دخول بيت الخلاء بقصد صحة البدن وبقصد التخلي لحضور القلب في الصلاة.

قال : وكان شيخنا التستري كثيراً ما يقول : إني منذ ثلاثين سنة لم أفعل مباحاً بل أفعل المباحات كلها لله، وهكذا ينبغي أن يكون دأب المتقين، وهو حسن

الحادي والثلاثون: فى بعض عجائب الاستخارات:

إن مطلق الاستخارة لا يطيق نطاق النطق لاحصاء عجائبه و لا يحيط بنان البيان باستقصاء غرائبه.

قال الوالد الماجد (رَحمهُ اللّه): وقد ظهر لي من غرائبها يعني الاستخارة ما لا يسع المقام بحيث صار الضرر بمخالفته والنفع بموافقته من العلميات فضلا عما سمعت من بعض الأجلة.

ثم قال : وبالجملة ذلك من نعم الله العظيمة على العباد، ولكنه مجهول قدره عند غير أهله وهم المعظم، والمقصود ببعض الأجلة إنما هو المحقق القمي.

و نقل عن علي بن طاووس في فتح الأبواب أنه قال : وقد بلغت من العمر نحو ثلاث وخمسين سنة ولم أزل أستخير منذ عرفت حقيقة الاستخارة، وما وقع أبداً فيها خلل ولا ما أكره ولا ما يخالف السعادات والعنايات فأنا فيها كما قال بعضهم :

قلت للعادل لما جاءني من طريق النصح، يبدي ويعيد :

أيها الناصح لي في زعمه*** لا ترد نصحاً لمن ليس بريد

فالذي أنت له مستقبح*** ما على استحسانه عندي مزيد

و إذا نحن تباينا كذا ***فاستماع العذل شيء لا يفيد

و قال الناقل : وقد بلغت من العمر في الحال اثنتين وخمسين سنة، وقد عرفت من حقيقة الاستخارات و حقيقتها من السبحة و القرآن غرائب و أموراً من المعجزات بحيث لا يمكن إحصاؤها في هذه الوريقات.

قال ابن طاووس : سابقاً على ما ذكروا مما وجدت من طرائف الاستخارة التي طلبني بعض أبناء الدنيا وأنا بالجانب الغربي من بغداد، فبقيت اثنين وعشرين يوماً وأستخير الله جل جلاله كل يوم في أن ألقاه في ذلك اليوم فتأتي الاستخارة «لا تفعل» في أربع رقاع أو في ثلاث ليال ما اختلف في المنع مدة اثنين وعشرين يوماً، وظهر لي حقيقة سعادتي بتلك الاستخارات، فهل هذا من غير عالم الخفيات.

ومما وجدت من عجائب الاستخارات أنني أذكر إنني وصلت الحلة في بعض الأوقات التي كنت مقيماً بدار السلام فأشار بعض الأقوام بلقاء بعض أبناء الدنيا من ولاة بلاد الحلّة فأقمت بالحلّة لشغل كان لي شهراً، فكنت كل يوم أستصلحه للقائه أستخير الله جل جلاله أول النهار و آخره في لقائه في ذلك الوقت فيأتي «لا تفعل» فكملت نحو خمسين استخارة في مدة إقامتي، كلها «لا تفعل»

فهل يبقى على هذا عندي ريب لو كنت لا أعلم حال الاستخارة أن هذا صار عن الله جل جلاله العالم بمصلحتي، هذا مع ما ظهر بذلك سعادتي.

وهل يقبل العقل أن يستخير الانسان خمسين استخارة تطلع كلها اتفاقاً لا تفعل؟!

ولا يذهب عليك أن الاستخارة في كل يوم في الواقعة الاولى إنما كانت متعلقة بالملاقاة في خصوص كل يوم من الأيتام ولم تكن متعلقة بالملاقاة الكلية فالأمر مبني على اختلاف متعلق الاستخارة باختلاف الزمان، فلابأس بالاستخارة بعد الاستخارة.

وأيضا الاستخارة في كل يوم من الايام المخصوصة أعني الايام التي أستصلحها

للملاقاة في أول النهار وآخره في الواقعة الثانية إنما كانت متعلقة بالملاقاة في خصوص أول النهار وآخره في خصوص كل يوم من الأيام المخصوصة المشار إليها، ولم تكن متعلقة بالملاقاة الكلي فالأمر مبني أيضاً على اختلاف متعلق الاستخارة باختلاف الزمان، فلابأس بالاستخارة بعد الاستخارة أيضاً.

ومن عجائب الاستخارة أن الوالد الماجد (رَحمهُ اللّه) قد اشتغل في بعض الأزمان ببعض أعمال البناء بالنسبة إلى بعض المواضع، ثم بعد الفراغ رأى أنه فقد فص خاتمه فجرى على الفحص عن الفص في الموضع المشار إليه فجعل الموضع المشار إليه في الذهن نصفين و استخار في الفحص في أحد النصفين فبعد تعيين أحد النصفين موضعاً للفحص بحكم الاستخارة جعل النصف المعين في الذهن أيضاً نصفين إلى أن دار الأمر بين لبنتين فعين إحداهما موضعاً للفحص بحكم الاستخارة، فهدم إحدى اللبنتين فوجد الفص".

وأيضاً نقل أنه ربما أمر الوالد الماجد (رَحمهُ اللّه) شخصاً لأن يشتري له شيئاً قصداً للربح ببيعه، فذكر الشخص المذكور أنه لا يحصل الربح، فقد أكد الوالد الماجد (رَحمهُ اللّه) في الاشتراء فامتثل الشخص المذكور ثم جاء شخص من أهل الدول الخارجة لكي يشتري من جنس الشيء المذكور فجرى جماعة من التجار على الاشتراء للربح بالبيع، فعلى قيمة الشيء المذكور وتحصل الربح للوالد الماجد (رَحمهُ اللّه).

وأيضأ نقل أن الوالد الماجد (رَحمهُ اللّه) عند تشرفه بشرف زيارة مولانا الرضا روحي له الفداء، عليه آلاف التحية والثناء ذكر مجيء التركمان في الطريق فاستجارت القافلة جماعة بمبلغ خوفاً من التركمان، ثم اشتد الخوف من التركمان بحيث أدار الجماعة الأمر بين أمرين رد المبلغ المشار إليه وترك المصاحبة ومزيد المثل، فاستخار الوالد الماجد (رَحمهُ اللّه) لأخذ المبلغ فحكمت الاستخارة بجودته ورداءة تركه فصارت الاستخارة معمولة، فذهب الوالد الماجد (رَحمهُ اللّه) والقافلة، فلم يكن أثر من التركمان.

قال بعض المتكلمين : وحينئذ علمت قوة مقام التوحيد من الوالد الماجد (رَحمهُ اللّه)

حيث أنه اعتمد على الاستخارة مع شدة الخوف في الغاية والنهاية.

وأيضا بعض العلماء قد استخار صبيحة يوم الجمعة لزيارة أهل القبور فحكمت الاستخارة باللزوم أعني جودة الفعل ورداءة الترك، فلما دخل الليل - أعني ليلة السبت. تفجأ فكانت حكمة حكم الاستخارة متأكداً باللزوم هي عدم التمكن من ذلك العمل الصالح بعد ذلك.

وأيضاً كان بين البعض المذكور من العلماء وبعض الأكابر كدورة ووقع على البعض الأخير مجلس مصيبة، وكان المسير إليه شاقاً على البعض الأول، فهذا البعض قد استخار في المسير إلى المجلس المذكور، فمنعت الاستخارة عن ذلك ثم تفجاً ذلك البعض فكانت حكمة الاستخارة عدم تحمل المشقة لعدم ترتب مفسدة على ترك التحمل.

وأيضاً ذكر بعض العلماء أنه استدعى عنه بعض التجار المضيافة فهو قد استخار والاستخارة قد منعت عن الاجابة فهو لم يرض بالضيافة، ثم سقط سقف بيت الضيافة في ليلة الضيافة بغتة.

وأيضا نقل عن بعض أهل العلم أنه استخار لشرب الماء مراراً فمنعت عنه الاستخارة كل مرة، فتفحص عن ظرف الماء فاذا فيه عقرب.

وأيضاً ذهبت في بعض الليالي إلى بعض الاعيان لبعض الأعراض بحكم الاستخارة وكنت أقول في المسير إليه: أذهب للدخول في النار بحكم الاستخارة فلما دخلت عليه فأظهرت الغرض فأجاب مع مزيد المثل، ثم اتفق ذكر شخص، فتوسطت له بمثل الغرض فأجاب أيضاً فانقلبت إلى الأهل مسروراً.

و أيضاً ربما استخرت لملاقاة بعض الامراء مقدمة لغرض لا يمكن حصوله بدونها، فمنعت الاستخارة، ثم تأدى الأمر إلى أن طلب ذلك البعض لملاقاتي.

وأيضاً ربما استخرت لأن يتوسط في بعض عند شخص لبعض الأغراض فمنعت

الاستخارة فصرت متحيرا غاية التحير، لأن ذلك البعض كان هو الحبل المتين والعروة الوثقى عند ذلك الشخص، فتأدى الأمر إلى أن توسط شخص من باب البخت و الاتفاق ببیان شاف و تبيان كاف مع حضور ذلك البعض وإظهاره ما كان يتمكن منه، فأين ما وقع مما كان منظور النظر.

وأيضاً ضبطت في بعض الأزمان السابقة ما وقعت مني فيها من الاستخارات وظهر عليها آثار عجيبة أو قريبة من العجب.

وأيضاً ذكر بعض أنه استخار لاشتراء دار فمنعت الاستخارة ومع هذا جرى على الاشتراء، ثم وصلت إليه مضرة الاشتراء بعد خمس عشرة سنين.

سبحان من لا يعزب عن علمه مثقال ذرة.

الثاني والثلاثون: فى الاستخارة بالسبحة:

أنه قال العلامة المجلسي في البحار نقلا : سمعت والدي - قدس الله روحه - يروي عن شيخه البهائي - نور الله ضريحه - أنه كان يقول : سمعنا مذاكرة عن مشايخنا عن القائم - صلوات الله عليه - في الاستخارة بالسبحة أنه يأخذها، ويصلي على النبي وآله - صلوات الله عليه وعليهم - ثلاث مرات ويقبض على السبحة ويعد اثنتين اثنتين فان بقيت واحدة فهو «افعل» وإن بقيت «اثنتان» فهو «لا تفعل».

وعن الوالد الماجد (رَحمهُ اللّه) أنه كان يقول : إنه أجازه ذلك شيخه السيد السند العلي و كان يقول : إنّه أجازه مشايخه عن مولانا الصاحب عجل الله فرجه واستمر عليه الوالد الماجد (رَحمهُ اللّه) و ربما سئل عنه الاستخارة بالسبحة من الهند، فأجاب بماذكر، أو كتب طريقة الاستخارة بالسبحة إلى بعض في الهند.

فمقتضى ما ذكر اعتبار سند الاستخارة بالسبحة.

وأما الاستخارة بالقرآن المجيد فقد سمعت الكلام في سند مستندها فضلا عن دلالته. لكن ما تقدم من ظهور آثار غريبة على الاستخارة بالقرآن المجيد فضلا عن

التفول به يمانع عن البحث عن مستندها كما مر.

ولا يذهب عليك أن ما ذكر إنتما هو الكلام في الاستخارة بالسبحة في الجملة. وأما الكلام في كفاية جودة الاستخارة على الفعل في الحكم بلزوم الفعل واحتياج الحكم باللزوم بعد جودة الاستخارة على الفعل فهو أمر آخر قد تقدم الكلام فيه.

الثالث والثلاثون : الاستخارة بالسبحة و بالحصى والخشب والازرار

الثالث والثلاثون : أنه قد حكم العلامة النجفي في كشف الغطاء نقلا بجواز الاستخارة بالحصى والخشب والأزرار والحجر والدراهم، والتفول بما يرى خروجه وبالحوادث التي تحدث له أو لغيره من ثياب أو عطاس وبخروج شيء من أسماء الله تعالى أو غيرها في فتح كتاب كائناً ما كان وبمساحة وغير ذلك إذا أتى به بعد الدعاء واللجاء إلى الله تعالى في أن يجعل الخير أو الشر مقرونا بشيء منها فيكون العمل مستند إلى مظنة استجابة الدعاء لا لاجل الخصوصية.

وأما قصد الخصوصية في أمثال ما مر فموقوف على ورود النص".

أقول : إن القناعة بالاستخارة بالامور المذكورة بعد الدعاء و الالتجاء إلى الله خالق الارض و السماء من باب الظن باجابة الدعاء مردودة بأن إجابة الدعاء أندر من العنقاء، ولو كانت الاجابة سهلة الحصول بحيث تتأتى على المقدار القليل المتأتى في موارد الاستخارة وغيرها، مع أنه قد ورد في غير واحد من الاخبار السؤال عن الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قوله سبحانه : «ادعوني أستجب لكم» مع عدم ترتب الاجابة على الدعاء، وأنه قد أجاب الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أحد من ذلكين الخبرين بأن الله سبحانه وإن وعد بالاجابة على الدعاء لكنه سبحانه قال : «أوفوا بعهدي أوف بعهدكم» وحلف الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنه لو وفى العباد بما عهد الله سبحانه عليهم ليفي الله سبحانه بما وعد على نفسه.

و لو كان المدار - في ترتب الاجابة على الدعاء الوفاء بعهود الله سبحانه لما يبقى في بيداء الاجابة عود، ولما ينتصب منها عمود.

مضافاً إلى أنه قد قام بعض في روضة مولانا الرضا - سلام الله عليه و روحي له الفداء وهو منصوص بسرعة الاجابة سبع سنين ولم يظهر أثر من الاجابة.

فضلا عن أن بعض الطلاب في قريب من هذه الأيام قد تطرق لآفة على عينيه فباع كتبه التي كتبها بخطه وسافر إلى شرف حضور مولانا الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) - روحي وروح العالمين له الفداء من جهة الاستشفاء وقلت إنه لم يستقر العادة على الشفاء في مثله أي على سبيل الكلية وإلا لانحصر معالجة الأمراض في أزمنة حضور الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) في الاستشفاء منهم.

فلم ينصرف البعض المذكور من الطلاب عن قصده فلم يترتب نفع بل صار مصروعاً.

ثم أنه قد نقل بعض عن العلامة المشار إليه جواز الاستخارة بشعار اللحية وعده الناقل عجيباً والظاهر أن الناقل لم يطلع على ما تقدم من العلامة المشار إليه من تجويزه الاستخارة بالأمور المتقدمة وإلا فلا فرق بين الاستخارة بشعار اللحية والاستخارة بالأمور المتقدمة.

والظاهر أن تجويز العلامة المشار إليه مبني على اعتبار سبق الدعاء و الالتجاء بل بلا إشكال.

رابع والثلاثون: الاستخارة أو التفؤل بديوان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

الرابع والثلاثون : أنه هل يجوز الاستخارة أو التفول بالديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين، عليه آلاف السلام والتحية من رب العالمين ؟

لا إشكال في الجواز، وإنما الكلام في الاعتبار، ولا إشكال فيه بناءاً على كون المدار في الاستخارة على الدعاء كما ينصرح القول به ممتا مو، و يأتي التصريح به.

وربما نقل أن المحدث القاشاني أراد المسافرة إلى شيراز للتحصيل عند السيد السند الماجد (رَحمهُ اللّه) فتفأل من الديوان بعد الاستخارة من القرآن المجيد المتقدم ذكرها فجاء قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):

تغرب عن الأوطان في طلب العلى*** و سافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفرج هم و اكتساب معيشة ***و علم و آداب و صحبة ماجد

و نظير ذلك الكلام في الاستخارة والتفول من ديوان الحافظ وقد تقدم التفول به من شاه عباس الماضي.

وربما نقل أنه جاء شخص كان يسمى بـ «مكس خان» وأراد تخريب قبر الحافظ تشنيعاً للتشيع ومنع عنه جماعة ثم انجر الأمر إلى النفؤل من ديوان الحافظ فجاء قوله :

إى مكس منزل سیمرغ نه جولان که تست ***عرض خود میبری زحمت ما میداری

و نظیره غير عزيز مما جاء في غاية المناسبة مع المقصود، و التفول من ذلك متعارف بين العوام.

وقد حكى السيد السند الجزائري في زهر الربيع (1)أنه حكى له في مشهد الرضا عليه آلاف التحية والثناء من رب الأرض والسماء: أنه جاء الخبر بأن سلطان الهند قد خرج عليه ولده يطلب الملك فقال السيد السند المشار إليه لأصحابه: أتفأل من الكافية في النحو لا بن الحاجب لأنه ليس أدنى من دواوين الشعر.

فضحكوا، فتفال فلما فتح الكتاب كان أول الصفحة «مفعول فاعله ما لم يسم ما حذف فاعله وأقيم المفعول به مقامه فجاء الخبر أن ولده غلب عليه وأخذ منه الملك.

الخامس والثلاثون: فى تعهد أقوى أسباب القربة في الاستخارة وهي دعاء

الخامس والثلاثون : أنه قد حكم العلامة النجفي بأنه ينبغي أن تكون الاستخارة على أفضل الأحوال من طهارة بقسميها و شرف زمان و مکان و استقبال و نحوها، ووقوع بعد العبادة.

وربما قيل: إنه ينبغي أن تكون الاستخارة في أفضل الحالات بأن تكون مع الطهارة والاستقبال وأشرف الأمكنة والأزمنة كعقيب الصلاة.

أقول : إن ثبت اعتبار الاستخارة بقسم من الأقسام فالمدار على ما يقتضيه الدليل


1) ص 295.

وإن كان المدار على كون الاستخارة من باب الدعاء كما هو مقتضى ما يأتي من كلام العلامة فيظهر الكلام فيه بما مر.

وبالجملة أمر الاستخارة من القرآن المجيد - مثلا وهو القسم الأعلى من أقسام الاستخارة - محل الحيرة، لعدم اعتبار مستندها سنداً، و عدم دلالة المستند على ما هو المتعارف مع وفور خروج الآيات المناسبة للمقصود و ترتب الآثار على حسب مقتضى الآيات.

وأما إدراجها في الدعاء فيظهر الكلام فيه بما مر كما سمعت آنفاً.

ويزيد الحيرة بملاحظة خروج الأشعار المناسبة وترتب الآثار في الاستخارة والنفول بكتاب الحافظ مثلا، وكذا ترتب الآثار في الاستخارة والتفؤل بغير ذلك.

فيحتمل أن يكون الأمر مبنياً على ما لا يعلمه إلا الله سبحانه و أحزابه.

السادس والثلاثون: فى تعهد أقوى أسباب القربة في الاستخارة وهي دعاء

السادس والثلاثون : أنه قد ذكر العلامة النجفي أن المستفاد من مجموع الروايات أن الاستخارة بمنزلة الدعاء، ولا يتعين فيها صلاة و لا دعاء و لا قراءة ولا ذكر ولا رقاع ولا قرآن ولا سبحة ولا عدد، فينبغي تعمد أقوى أسباب القربة ذاتاً أو كثرة في الأمور العظام و كل شيء على مقداره.

و مرجع ماذكره إلى أن اعتبار الاستخارة بأقسامها المنصوصة من باب اعتبار الأخبار فلا يختص اعتبار الاستخارة بالقسم المنصوص الدعاء على ما يظهر من مجموع عليه - أي ما قام الدليل على اعتباره - إذ المفروض أن اعتبار القسم المنصوص من حيث اعتبار الطبيعة أعني طبيعة الدعاء، لا من حيث الخصوصية

نظير أن قيام الدليل على اعتبار خبر الواحد بعد فرض القيام إنما هو من حيث اعتبار مطلق الظن، بناء على ماذكره المحقق القمي من أنه لو قال الشارع: إعمل بخبر الواحد. فكأنه قال : إعمل بالظن.

وهذا مما يحتاج فهمه إلى لطف قريحة ثاقبة مرتاضة.

لكن الأولى القناعة بدعوى إجمال الحال أعني تردد اعتبار خبر الواحد بعد فرض قيام دليل عليه بين اعتباره من حيث الخصوصية و اعتباره من حيث طبيعة الفن حتى يصير الفائل باعتبار مطلق الظن من باب النافي راقداً في مهاد الراحة والاستراحة ويصير القائل باعتبار الظنون الخاصة مثبناً وواقعاً في غيابت الجب" إلى قيام الساعة.

لكن موارد تعليق الحكم على الفرد من حيث الطبيعة غير عزيزة،وقد حررنا الحال في البشارات والرسالتين المعمولتين في حجية المظنة.

ومن ذلك ما تقدم من العلامة المشار إليه من اعتبار الاستخارة بالحصى و أخواته ومع ذلك مقتضى ماذكر من كلام العلامة المشار إليه كون الاستخارة بمنزلة الدعاء ومقتضي ما تقدم منه في باب الاستخارة بالحصى وأخواته اشتراط اعتبار الاستخارة بسبق الدعاء، وأين أحد الأمرين من الآخر.

السابع والثلاثون: في التطير بان الاستخارة يوم الجمعة رديئة

السابع والثلاثون : أنه ربما اشتهر في ألسن الناس أن الاستخارة يوم الجمعة رديئة. وببالي أنه قد نقل بعض العلماء رواية في ذلك.

وربما يظهر من العلامة النجفي أن الأنسب كون الاستخارة يوم الجمعة، لانه قد ورد في بعض الأخبار «تفأل تنل»، وفي الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين و وصي رسول رب العالمين سلام الله عليهما إلى قيام يوم الدين :

تفأل بما تهوى فلقلما ***يقال لشيء كان : ألا تكونا.

ومقتضاه أن تخيل ورود المناسب أو التنطق به سبب له.

وهذا بعيد عند العقل لكن يرتفع البعد بملاحظة ورود المنافر على الطيرة بالنص

وكذا التجربة، فانها تقضي قضاء أمبرماً بورود المنافر في باب الطيرة ونظير ذلك تعبير الرؤيا حيث أن مقتضى أخبار شتى أن التعبير تابع لما يعبر به، ويقع على ما يقع التعبير به، ولهذا ورد في النبوي على - ماحسبه الراوي - النهي عن الاستعلام عن تعبير الرؤيا إلا عن حسب وعقل، حيث أنه قال الراوي وأحسبه صلوات الله عليه و آله قال: «ولا تعبرها إلا على ذي ودورأي» وما يتطير به غير محصور وربما يتطير بشيء في بلد، أو عند شخص، أو عند طائفة

[في التطير ] :

وأصل التطير إما أن يكون بالتخيل أو بالتنطق :

والتخيل إما أن يكون بتوسط أمر متعارف، أو بتوسط البخت و الاتفاق.

ومنه ما نقل عن ابن خلكان من أنه نقل في ترجمة أبي العباس السفاح أنه نظر يوماً في المرآة وكان أجمل وجهاً فقال : اللهم إني لا أقول كما قال سليمان بن عبد الملك ولكن أقول: «اللهم عمرني طويلا في طاعتك متمتعاً بالعافية» فما استتم كلامه حتى سمع غلاماً يقول لغلام آخر: «الأجل بيني وبينك شهران وخمسة أيام» فتطير من كلامه و قال حسبي الله ولا حول و لا قوة إلا بالله عليه توكلت، و به استعنت، فما مضت الأيام المذكورة حتى أخذته الحمى فمرض ومات بعد مضي شهرين وخمسة أيتام.

ونقل في حياة الحيوان في ترجمة المنتصر : أنه نقل أنه بسط بين يدي المنتصر بساط فرأى عليه شيئاً مكتوباً، فلم يعلم ماهو، فأمر باحضار من يقرأه فاذا كتابته بقلم اليونان وإذا عليه مكتوب : عمل هذا البساط للملك قباد بن كسرى قاتل أبيه، و فرش قدامه، فلم يلبث غيرستة أشهر، ومات، فتطير المنتصر للبساط واغتم لذلك، وأمر برفع البساط، ومات في آخر الستة أشهر و أياماً. (1)

قوله : «وإذا عليه مكتوب» الظاهر كون الكتابة حين إعمال البساط، لكن عليه مبسوط بساط الاستحالة، إذ إعمال البساط إنما كان لاجل قباد بن كسرى، فكيف يكتب فيه ما وقع بعد موته ؟ !

وربما نقل عن شيخنا البهائي، أن في أيام إقامته بقزوين سنة خمس وثمانين وتسعمائة يظهر ذات ذنب غريبة الشكل، تشبه ذنب الطاووس بالقرب من المعدل، وكانت


1) ج 1 ص 120.

تتحرك بالحركة اليومية، وكان من ابتداء تكونتها إلى اضمحلالها مدة شهر تقريباً.

ثم قال : إنتي حضرت في الليلة الثانية من ظهورها مجلس السلطان، فقال لي : إني لفي حزن عظيم من ظهور ذات ذنب، وأظن أن حدوثها من علائم زوال ملكي.

فذكرت له أنه لا وثوق بكلام المنجمين، وعلى تقدير صحة كلامهم، نرجو أن يكون تأثيرها في غير هذه المملكة، ثم لم يلبث بعد ذلك إلا أياماً قليلة حتى أنشبت المنية أظفارها، وصح ماضربه من التطير لنفسه.

ثم قال في حياة الحيوان : جزم الامام العلامة القاضي أبو بكر بن العربي في الاحكام في سورة المائدة، بتحريم أخذ الفال من المصحف، ونقله القرافي عن الامام العلامة أبي الوليد الطرطوسي، وأقره ابن بطة من الحنابلة، ومقتضى مذهبنا كراهته.

ثم إنه روى في النبوي : من رجعته الطيرة عن حاجته فقد أشرك.

قالوا : وما كفارة ذلك يارسول الله ؟ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): أن يقول أحدكم :

«اللهم لاطير الاطيرك، ولاخير إلا خيرك» ثم يمضي لحاجته. (1)

ثم إنه حكي في حياة الحيوان عن مفتاح دار السعادة: أن التطير إنتمايضر من أشفق منه وأما من لم يبال به ولم يعبأ به فلا يضره ألبتة، لا سيما إن قال عند رؤية ما يتطير به أو سماعه :

«اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير الاخيرك، ولا إله غيرك أللهم لايأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب السيئات إلا أنت، ولا حول ولاقوة إلا بك».

وأما من كان معتنياً بها، فهي أسرع إليه من السيل إلى منحدره، وقد فتحت له أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه، ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة وما يفسد عليه دينه وينكدر عليه معيشته. (2)

ثم ان التفؤل يطلق تارة في قبال التطير كما نحن فيه، والمقصود به إنما هو


1) ج 1 ص 665.

2) ج 1 ص 665.

تخيل وقوع أمر ملائم في الغابر، أو التنطق به، كما أن المقصود بالتطير إنتما هو تخيل أمر منافر في الغابر، أو التنطق به.

ويطلق تارة في قبال الاستخارة كمامر، والمقصود بها استكشاف وقوع أمر ملائم أو منافر في الغابر، والمقصود بالاستخارة استكشاف الاتيان بفعل أو تركه.

ثم إنه ربما روي أن الطيرة شرك، ولكن الله يذهبه بالتوكل.

وربما يقال : إنه جعلت الطيرة من الشرك، لأنهم كانوا يعتقدون أن التطير يجلب لهم نفعاً، ويدفع عنهم ضرراً، إذا عملوا بموجبه، فكانوا قد أشركوها مع الله سبحانه، ولكن يذهبه بالتوكل.

و أورد عليه بأن التطير لا يكون من الكفر، ولو كان من الكفر فلا يرتفع بالتوكل.

وهو مبني على كون الغرض من «أن الله يذهبه بالتوكل» هو أن الله سبحانه يذهب الكفر بالتوكل، لكن الظاهر كون الغرض أن الله سبحانه يذهب أثر التطير بالتوكل، فمقتضاه بقاء الكفر.

لكن الظاهر أن المقصود من كون التطير من باب الشرك باعتقاد كون غير الله مؤثراً في عالم الوجود، ونظير ذلك إطلاق الكفر في الكتاب على الحاكم بغير ما أنزل الله، بناء أعلى كون الحكم بغير ما أنزل الله غير موجب للكفر

وقد حررنا الكلام فيه في الرسالة المعمولة في أسباب الكفر.

هذا كله بعد فرض اعتبار سند الرواية المذكورة.

الثامن والثلاثون: في التكلم أثناء الاستخارة

الثامن والثلاثون : إنه ربما نقل أنه ورد في الأخبار، أنه لا يتكلم في أثناء الاستخارة (1)وربما يقع الكلام في اعتبار نقل ورود الخبر بشيء من بعض أهل العلم ومنه ما في الوسائل كثيراً، وتقدم ما يدل على ذلك ويأتي مايدل عليه.

وقد منع الوالد الماجد (رَحمهُ اللّه) عن اعتبار ذلك تمسكاً برجوع الأمر إلى التقليد في المدلول


1) محاسن ج 2 / ص 599 ح 8، بحار ج 91 ص 262 وجامع ج7 ص310 ح 35.

والأظهر القول بالاعتبار : أما بناءاً على اعتبار مطلق الظن فالأمر ظاهر.

وأما بناءاً على اعتبار الظنون الخاصة، فلا اعتبار مطلق الظن في مداليل الألفاظ، أعني الظن بالمراد من اللفظ إلا أن يقال: إن المدار في اعتبار الظن بالمراد على الظنون المتعارفة بين أهل اللسان، والظن المستفاد من نقل بعض أهل العلم، خارج عن الظنون المتعارفة بين أهل اللسان، وقد حررنا الحال في محله.

وبالجملة لو كان الغرض من الاستخارة هو أثناء الدعاء فلعله لا بأس به.

وأما لو كان الغرض ما قبل انكشاف الجودة أو الرداءة، فالظاهر أنه لا بأس بالتكلم بعد الدعاء، إلا أن الغرض الاهتمام في حضور القلب والالتجاء لكي يتأتى الاجابة باظهار الواقع، لكنه مبني على كون الاستخارة من باب الدعاء.

التاسع والثلاثون : إنه هل يجوز الاستخارة للغير مع عدم رضائه؟

أقول: إنه إن كان المدار في الاستخارة على كونها من باب الدعاء أو بمنزلة الدعاء فلا بأس بذلك، وكذا الحال إن كانت الاستخارة طريقاً كاشفاً عن الواقع.

لكن لو كان الغير تابعاً للمستخير، فالأولى أن يستخير في منعه عن الفعل والتمكين عن إتيانه بالفعل، بل دليل شيء من أقسام الاستخارة لا يتناول الصورة المذكورة فلا مجال لدعوى اعتبار الاستخارة في تلك الصورة، إلا بدعوى القطع بعدم الفرق بین الاستخارة في تلك الصورة، واستخارة الشخص لنفسه.

الاربعون : إنه قد حكم العلامة النجفي، بأن قوة التوكل والاعتماد قد يكتفي بها الاستخارة.

أقول : إن الظاهر قلة الاكتفاء قضية لفظة «قد»، إلا أنه إما أن يكون الغرض اكتفاء الله سبحانه المستخار منه، أو العبد المستخير.

أما على الاول : فالمرجع إلى أن الله جل جلاله قد يجعل العبد سالكاً في الفعل أو الترك، مسلك الصلاح على تقدير قوة توكله، فالمرجع إلى أن الله سبحانه

يجعل العبد جارياً على مقتضى الصلاح في قليل من قليل الأحيان، لفرض كون الغرض قلة الاكتفاء بعد قلة قوة التوكل، لكنك خبير بأنه لا يجدي ذلك بحال العبد، لعدم اطلاعه على ما استقر عليه مشية الله سبحانه، حتى يجري على الفعل أو الترك.

واما على الثانى : فالمرجع إلى أن العبد ربما يستأنس من قوة توكله، أن الله سبحانه يقذف في قلبه ما هو الخير والصلاح له من الفعل أو الترك.

لكنك خبير بأن الفرض المذكور لا يتفق إلا لأندر نادر، ومع هذا عهدة الاستيناس المذكور على صاحبه، وإلا فالتوكل لا يكون أعلى شأنا من الدعاء، فكيف يتأتى اطمينان العبد بكون ما يجري عليه من الفعل أو الترك صلاحاً له.

و بعد هذا قول : إنه لاريب في حسن التوكل في الجملة بحكم العقل والكتاب والسنة، لكن لا دليل يقتضي بعمومه، لصيرورة الفعل الذي لا يعلم الفاعل كونه صلاحاً له (مثلا) صلاحاً في حقه لو فعله من باب التوكل، فضلا عما لو كان الظاهر بحسب الاسباب الظاهرة المعتادة، كون الفعل خارجاً عن الصلاح في حق الفاعل فلم يثبت كون التوكل بمنزلة الاستخارة : بكون الاستخارة كاشفة عن كون الفعل مثلا صلاحاً للفاعل، وكون التوكل موجباً لكون الفعل صلاحاً للفاعل.

ثم انه قد ذكر الغزالى للتوكل ثلاثة مقامات :

أحدها : مايدور به في البوادي بغير زاد ثقة بفضل الله سبحانه في تقويته على الصبر أسبوعاً، أو يتيستر حشيش له أو قوت، أو تثبيته على الرضا بالموت إن لم يتيسر شيء من ذلك.

ثانيها : ما يقعد به في بيته مثلا، أي يقعد في الأمصار و القرى ويترك الأسباب الظاهرة، ثقة بفضل الله سبحانه، لكنه بالقعود في الأمصار، متعرض لاسباب الرزق فان ذلك من الأسباب الجالبة، إلا أن ذلك لا يبطل تو كله، إذا كان نظره إلى الذي يسخر له سكان البلد لايصال رزقه إليه، لا إلى سكان البلد، إذ يتصور أن يغفل

عنه جميعهم ويضيعوه، لولا فضل الله تعالى بتعريفهم وتحريك دواعيهم.

ثالثها: ما به يخرج ويكتسب إكتساباً، لكن لا يكون له طمأنينة إلى كفايته وقوته و جاهه، فان ذلك ربما يهالك الله سبحانه جميعه في لحظة، بل يكون نظره إلى الكفيل الحق بحفظ جميع ذلك وتيسير أسبابه، بل يرى كسبه و بضاعته وكفايته، بالاضافة إلى قدرة الله سبحانه كما يرى القلم في يدي الملك الموقع، فلايكون نظره إلى القلم، بل إلى قلب الملك أنه بما يتحرك ؟ وبماذا يميل ؟ وبم يحكم ؟

أقول: إن مرجع تعميم التوكل للمقامين الأولين إلى رجحان ترك الكسب، وقد أجاد في المجمع حيث ذكر أنه قد يظن أن التوكل هو ترك الكسب، وهو ظن جهالة بل حرام، بل الأخبار الواردة في استحباب الاغتراب في طلب الرزق و استحباب العمل باليد، واستحباب الغرس والزرع، واستحباب جمع المال لان يكف به وجهه، ويقضي به دينه ويصل به رحمه و استحباب التعرض للرزق بفتح الباب، والجلوس في الدكان، وبسط البساط

وكذا ما ورد في الأخبار من النهي عن ترك الرجل الكسب، ويستلقي على قفاه ويقول : «اللهم ارزقني» ويدع أن ينتشر في الأرض، ويلتمس من فضل الله سبحانه، والذرة يخرج من حجرها يلتمس رزقها.

وما ورد من كراهة الكسالة في أمر الدنيا.

وما ورد من عدم جواز ترك الدنيا التي لابد منها للاخرة.

وما ورد من كراهة الفراغة.

وكذا ما ورد من أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مات و عليه دين، وقتل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعليه دين، و مات مولانا المجتبى (عَلَيهِ السَّلَامُ) و عليه دين، و قتل سيد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعليه دين.

وكذا ماروي عن موسى بن بكر أنه قال: ما أحصي كم سمعت عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ينشد :

فان كنت يا اميم على دين ***فموسی بن عمران يستدين

وما روي من أن أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان بيده،مسحاة، وعليه إزار غليظ يعمل في حائط والعرق ينصب عن ظهره. (1)

وكذا ما في الصحيفة السجادية لمنشئها آلاف السلام والتحية إلى قيام القيامة من دعائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا قتر عليه الرزق، ودعائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المعونة على قضاء الدين.

و كذا ما استقر عليه طريقة أصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) و أصحاب الأئمة سلام الله عليهم أجمعين، من الاكتساب بالأنواع المختلفة

وما روي من أن داود على نبينا و آله وعليه السلام كان يعمل في كل يوم درعا ويبيعه بألف درهم، فعمل ثلاثمائة وستين درعاً، فباعها بثلاثمائة وستين ألفاً.

يحكم – بالقطع - بأن ترك الكسب خلاف ماجرى عليه الأمر في الشريعة المطهرة بل في الشرائع السابقة.

[ وقایع غريبة في التوكل ]

نعم ربما اتفق ترتب العناية بوجه خارج عن المعتاد و خارق للعادة، على التوكل من جانب الله سبحانه، لكنه لا يوجب تأسيس القاعدة الكلية، ولا يستريب فيه ذو مسكة.

ومن ذلك جعل النار برداً وسلاماً من جانب الله سبحانه على الخليل على نبينا و آله وعليه آلاف السلام والتحية. بناءاً على ماروى من أن جبرئيل جاءه بعد إلقائه في النار فقال له : هل لك حاجة ؟ فقال : لا.

فأرسل الله سبحانه إليه خاتماً منقوشاً فيه : «لا إله إلا الله، محمد رسول الله، لاحول ولا قوة إلا بالله، وفوضت أمري إلى الله، وأسندت ظهري إلى الله».


1) الكافي : 76/5 13.

و كذا إرجاع الله جل جلاله وعظم شأنه، موسى - على نبينا و آله وعليه السلام - إلى أنه بعد أن قذفته في التابوت، و قذفت التابوت في اليم، بالهام الله العزيز الحميد، كما نص عليه في القرآن المجيد.

وكذا ما نقل من أنه ظهر في زمان،عمر خاتم منقوش فيه أسدان بينهما رجل يلجئانه وعن المغرب أن دانيال على نبينا و آله وعليه السلام لما ولد جعلته امه في غار خوفاً من بخت نصر فوكل الله سبحانه أسدين يربيانه، فجعل هذا منقوشاً في خاتمه، إظهاراً لشكر الله جلت قدرته.

وربما نقل الغزالي عن أبي حمزة الخراساني أنه قال: حججت سنة من السنين فبينا أنا أمشي في الطريق، إذ وقعت في بئر، ونازعتني نفسي أن أستغيث، فقلت والله لا أستغيث، فما استتممت هذا الخاطر، حتى مر برأس البئرر جلان، فقال أحدهما للآخر: تعال حتى نسد رأس هذا البئر لئلا يقع فيه أحد. فأتوا بقصب وبارية وطموا رأس البئر.

فهممت أن أصيح فقلت في نفسي إلى من أصبح ؟ فقلت في نفسي: إلى أن أصبح هو أقرب منهما وسكت فبينا أنا بعد ساعة، إذ بشيء جاء وكشف عن رأس البئر، وأدلى رجله، وكأنه تعلق بي همهمة له كنت أعرف ذلك، فتعلقت به فأخرجني، فاذا هو سبع ومر و هتف بي هاتف يا أبا حمزة أليس هذا أحسن ؟ نجيناك من التلف بالتلف. فمشيت وأنا أقول :

نهاني حيائي منك أن أكشف الهوى ***و أغنيتني بالفهم منك عن الكشف

تلطفت في أمري فأبديت شاهدي*** بغائبي فاللطف يدرك باللطف

تراثيت لي بالغيب حتى كانما*** تبشرني بالغيب أنك بالكف

أراك ولي رهبتي لك وحشة ***فتؤنسني باللطف منك و بالعطف

أتحيي محباً أنت في الحب حتفه*** وذاعجب كون الحياة مع الحتف

و نقل قبل ذلك طائفة تشابه ذلك، قال : و أمثال هذه الوقائع مما يكثر، وإذا قوي الايمان به وانضم إليه القدرة على الجوع قدر أسبوع من غير ضيق صدر، وقوي الايمان بأنه إن لم يسق إليه رزقه في أسبوع فالموت خير له عند الله عز وجل، ولذلك حبسه عنه ثم التوكل بهذه الأحوال و المشاهدات، وإلا فلا يتم أصلا.

ونقل صاحب الحدائق في أنيسه: أنه حكي أن حاتم الأصم كان رجلا كثير العيال، وكان له أولاد ذكور وبنات، ولم يكن يملك حبة واحدة، وكان قدمه التوكل فجلس ذات ليلة مع أصحابه يتحدث معهم، فعرضوا بذكر الحج، فدخل الشوق في قلبه، فدخل على أولاده وجلس معهم يحدثهم، ثم قال : لو أذنتم لأبيكم أن يذهب إلى بيت ربه في هذا العام حاجاً، ويدعو لكم ماذا عليكم لو فعلتم ؟

فقال له أولاده وزوجته أنت على هذه الحالة لاتملك شيئاً، ونحن على ماترى من الفاقة، فكيف تريد ذلك ؟ و كانت له ابنة صغيرة فقالت :

ماذا عليكم لو أذنتم له، فانه أكمال للرزق وليس برازق.

فقالوا : صدقت والله ياهذه الصغيرة، يا أبانا انطلق حيث أحببت.

فقام من وقته وساعته وأحرم بالحج، وخرج مسافراً، وأصبح جيرانه وأصحابه يدخلون على أهل بيته ويوبخونهم ويقولون لهم : كيف أذنتم له بالحج ؟

و تأسفوا على فراقه، مما جعل أولاده يلومون تلك الصغيرة ويقولون : لوسكت ما تكلمنا.

فرفعت الصبية رأسها إلى السماء وقالت: إلهي ومولاي وسيدى، وعدت القوم بفضلك، وأنت لا تضيعهم فلا تخيبهم ولا تخجلني معهم.

فبينما هم على تلك الحالة، إذ خرج أمير البلدة متصيداً، فانقطع من عسكره و أصابه الحر، فحصل له عطش شديد فاجتاز بيت الرجل الصالح حاتم الأصم وقرع

الباب، فاستسقى منهم ماءاً فقالوا : من أنت؟ قال: الأمير ببابكم يستسقيكم.

فرفعت زوجة حاتم رأسها إلى السماء وقالت: إلهي وسيدي بتنا البارحة جياعاً واليوم يقف الأمير ببابنا يستسقينا !

ثم أخذت كوزاً وملاته ماءاً وقالت للمتناول منها: اعذرونا.

فأخذ الأمير الكوز، فشرب منه فاستطاب ذلك الماء، فقال : هذه الدار لأمير ؟!

فقالوا : لا، لعبد من عباد الله الصالحين، يعرف بحاتم الأصم.

قال الأمير : لقد سمعت به فقال الوزير: لقد سمعت ياسيدي أنه البارحة أحرم بالحج وسافر ولم يخلف لعياله شيئاً، وأخبر بأنهم البارحة باتوا جياعاً.

فقال الأمير : ونحن قد ثقلنا عليهم اليوم أيضاً وليس هذا من المروة أن يثقل مثلنا على مثلهم.

ثم إن الأمير حل منطقته ورمى بها في الدار ثم قال : من أحبني فليلق منطقته فحل جميع أصحابه مناطقهم، ورموا بها إليهم ثم انصرفوا.

فقال الوزير: السلام عليكم أهل البيت، لاتينكم الساعة بثمن هذه المناطق.

فلما نزل الأمير رجع إليهم الوزير بثمن المناطق مالا جزيلا

فلما رأت الصغيرة ذلك بكت بكاءاً شديداً.

فقالوا لها : ما هذا البكاء ؟ إنما يجب أن تفرحي فان الله قد وسع علينا.

فقالت : والله إنما أبكي كيف بتنا جماعاً ؟ نظر إلينا مخلوق نظرة واحدة فأغنانا بعد فقرنا، فالكريم الخالق إذا نظر إلينا لا يكلنا إلى أحد، اللهم انظر إلى أبينا، دبره بأحسن التدبير.

و أما حاتم فانه لما خرج ولحق بالقوم، فتوجع أمير الركب، فطلب طبيباً فلم يجد، فقال : هل هنا من عبد صالح ؟ فدل على حاتم الأصم.

فلما دخل عليه وكلمه، دعا له فعو في الأمير، فأمر له بما يركب، وبما يأكل

وبما يشرب، فنام تلك الليلة متفكرا في أمر عياله، فقيل له :

«من أصلح معاملته معنا أصلحنا معاملتنا معه».

ثم خبر بما كان من أمر عياله، فأكثر من الثناء على الله تعالى، فلما قضى الحج ورجع، تلقته أولاده فعانق الصغيرة و بكى، ثم قال : صغار القوم كبار قوم آخرين، إن الله لا ينظر إلى أكبر كم و لكن ينظر إلى أعرفكم به، فعليكم بمعرفته والاتكال عليه، فانه من يتوكل على الله كفاه.

والعمدة في الباعث على نقل الواقعة الأخيرة، إنما هي الفقرة الأخيرة، أعني ما قيل في المنام من جانب الله الذي يتوفى الأنفس حين المنام :

«من أصلح معاملته معنا أصلحنا معاملتنا معه» فأنظر إليه واستيقظ عن المنام.

و بعد ما مر أقول :

إن ترتب النجاة والنجاح في غاية السرعة في أمثال مامر لا يقضي باستقلال التوكل فيها بعد الاغماض عن كونها في جنب أضدادها كشعرة بيضاء في بقرة سوداء.

قضية عدم انفكاك ضيق المعيشة عن العلماء في طول المدة، حتى أن بلغ بعض إلى حواش الجنون، وإن تبدل الضيق بالسعة في أواخر العمر، أو لم يتأت التبدل حتى بلغت القلوب الحناجر، لاحتمال مداخلة أمر آخر في تطرق سرعة النجاة فلا يتم تأسيس القاعدة.

ومن ذلك أن القياس المنصوص والعلمة، لايتم اعتباره عقلا وإن تم" لفظاً.

والمرجع إلى أن غاية الأمر ثبوت كون التوكل من باب الداعي، و لا مجال لاطراد ترتب المقتضى - بالفتح - على الداعي.

قال السيد المرتضى في باب القياس المنصوص العلة في عبارته المعروفة : «وهذا باب في الدواعي معروف».

وأيضاً نقل في حياة الحيوان عن قطب العلوم، إنه مشى رجال باليقين على الماء ومات بالعطش رجال أفضل منهم.

وربما نقل فيه عن اليافعي توجيه مثل ذلك، بأنه لا يلزم أن يكون من له كرامة أفضل ممن ليس له كرامة، بل قد يكون بعض من ليس له كرامة، أفضل من بعض من له كرامة، لأن الكرامة قد تكون لتقوية يقين صاحبها، وكمال المعرفة بالله، ولذا ربما تقع الكرامة في المفضول دون الأفضل، لكنه من باب التخرص على الغيب، إذ لا مجال للاحاطة بالخصوصيات الدخيلة في أفعال الله سبحانه.

ومع ذلك قال السيد السجاد، وزين العباد - عليه آلاف السلام من رب العباد - : «اللهم إنك ابتليتنا بسوء الظن في أرزاقنا، حتى التمسنا أرزاقك من عند المرزوقين».

والغرض أنه تأخر وصول الرزق من جنابك حتى وقعنا في البلاء، حيث التمسنا الرزق من المرزوقين، أو الغرض أنه تأخر الرزق من جنابك من باب الامتحان، فالتمسنا الرزق من المرزوقين، فالغرض من الابتلاء هو الايصال في البلاء أو الامتحان.

ومع ذلك فالامتحان له باب واسع وعرض عريض، وقد نص عليه الله جل وعلا في آيات متعددة، كقوله سبحانه في سورة آل عمران: «لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» (1).

وفي سورة المائدة : «لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ» (2)

وفي سورة الأنبياء: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ» (3).

وفي سورة محمد : «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ» (4).


1) سورة آل عمران : 186.

2) سورة الانبياء : 35.

3) سورة المائدة : 48.

4) سورة محمد : 31.

وفي سورة الملك: «الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا» (1).

وفي سورة الأنعام : «وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم» (2).

وفي سورة النحل: «ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلا بينكم، أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون» (3).

والامتحان ينافي سرعة النجاة، ومع ذلك قال الله سبحانه في سورة يوسف : «حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصر نا فنجي من نشاء» (4).

والظاهر أن قوله سبحانه : «كذبوا» بالتشديد على صيغة المجهول في القراءة المشهورة، أي فلما استيأس من قومهم أن يصدقوا وتيقنوا أنهم كذبوهم تكذيباً لا إيمان بعده.

وقرىء بالتخفيف على صيغة المعلوم، أي فلما استيأس الرسل إيمان القوم، وظن القوم أن الرسل كذبوهم فيما وعدوهم من النصر لأنفسهم.

فما في المصاحف من التخفيف على صيغة المجهول مختل الحال.

وبالجملة فلو كانت العناية في باب الرسل تتأخر، حتى استيأس الرسل، وبعد ذلك كانت العناية غير منجزة بل معلقة بمشية الله سبحانه، مع كون الرسالة بأمر الله سبحانه لا من جانب الرسل من عند أنفسهم، فكيف يكون التوكل موجباً لسرعة العناية.

ثم إن التوكل أما أن يكون من الشخص في حق نفسه، أو يكون منه في حق" غيره، ونفع التوكل على الأول يجري في حق نفسه، وعلى الثاني يجري في غيره


1) سورة الملك : 2.

2) سورة الانعام : 165.

3) سورة النحل : 92.

4) سورة يوسف : 110.

ومنه قضية ام دانيال كما مر ذكرها، وأم موسى، وشرح الحال موكول إلى محله

[شكر المؤلف على عناية الله سبحانه له بالصبر على الشدائد]

والظاهر أن من هذا الباب عناية الله الذي دانت له السموات والأرض بالعبودية على (هذا) (1)العبد بالتوفيق على التحصيل، والصبر على شدائده بما لا يمكن تحمله بدون عناية الله سبحانه، وإن كان الصبر على شدائد التحصيل التام التمام كما اتفق للعلماء الأعلام - يمتنع ويستحيل بدون عناية الله العزيز الملك العلام، فان الوالد الماجد - (رَحمهُ اللّه)- كتب عند كتابة تاريخ تولدي : أودعنه عند الله سبحانه، مضافاً إلى خدمته للشريعة المطهرة المقدسة، بما لم يتفق لغيره من العلماء رضوان الله سبحانه عليهم.

فان مقتضى قوله سبحانه حكاية عن الخضر - بناء أعلى كونه هو المقصود بالعبد في قوله سبحانه : «فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا» (2)كما عن الجمهور وكان أبوهما صالحاً -.

أن الاعمال الصالحة الصادرة من الاباء توجب العناية من الله سبحانه في حق الأولاد.

بل في بعض الأخبار أن الفصل بين الغلامين اليتيمين المذكورين في الاية الشريفة وأبيهما الصالح، كان بسبعمائة سنة.

بل في بعض الأخبار أن الله سبحانه بصلاح مؤمن يصلح حال أولاده، وأولاد أولاده، وأهل بيته، وأهل البيوت التي في حواليه.


1) و مما يشهد على قوله هذا أنه روى فيما يراه النائم قال (قدّس سِرُّه): وبذلك الصبر في طريق الولاء لامير المؤمنين وأولاده (عَلَيهِم السَّلَامُ) اعطيت أن أقضى حوائج من توسل الى فيما يريد من الله ويطلبه وهذا مجرب عندى مراراً. وله الحمد تعالى على ما فضل به عباده بعضهم على بعض سيما العلماء الاعلام أبواب علوم الائمة امناء الله الكرام (صلوات الله عليهم أجمعين).

2) سورة الكهف : 65.

وكان الوالد الماجد - (رَحمهُ اللّه) - يقول : إن ما أعطاه الله سبحانه من علو العلم، وسمو العز، بواسطة أن والده - (رَحمهُ اللّه) - أودعه عند الله سبحانه.

و ربما قلت لبعض خواصه : إن ما اتفق له إنما كان بمداخلة الأعمال الصالحة الصادرة عن والده، فقال البعض : و هو كان مذعناً بذلك.

ثم إنه ربما روي في الحديث النبوي : «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير : تغدو خماصاً و تروح بطاناً» (1)أي تذهب أول النهار ضامرة البطون من الجوع، و ترجع آخر النهار ممتلئة البطون من الشبع.

وربما يتوهم دلالته على حسن القعود، وبندفع بعد اعتبار السند بأن القعود ينافي التشبيه، كيف لا، و الطير من الصباح إلى الرواح في الحركة لتحصيل الرزق فالغرض أنه لو تو كلتم على الله سبحانه في الحركة لتحصيل الرزق، و علمتم أن الخير بيد الله سبحانه، لا تنصرفون إلا سالمين غانمين، كالطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً، لكنكم تعتمدون على قوتكم وكسبكم و هذا خلاف التوكل.

وعن أحمد التفسير بما ذكر عن الغزالي، إنه قيل لأحمد : ما تقول في الذي يجلس في بيته أو مسجد ويقول : لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي، فقال أحمد : هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حيث ذكر الطير تغدوا خماصاً وتروح بطاناً.

فائدة (2):

الحادي والاربعون : من استخار الله راضياً... خار الله له

إن في الحديث : إن من استخار الله راضياً بما صنع خار الله له(3).

قال في المجمع : أي طلب منه الخير.


1) سنن ابن ماجة : باب الزهد ج 2 / 4163 - 4165.

2) لا يخفى أنه (قدس سره) ذكرهنا فائدة فى تشابه الطيرة واصابة العين، و لاجل عدم ارتباطها بالاستخارة أخرناها مفردة في خاتمة هذه الرسالة ص123 فلاحظ.

3) الكافى : 241/8 ح 330.

و الظاهر أن تفسير الاستخارة بطلب الخير من جهة الفرار عن حملها على المعنى المعروف المتعارف، فالمرجع إلى الحمل على الدعاء، أو التوكل، أو كليهما، وعلى كل من التقادير يظهر الحال بما مر.

الثاني و الاربعون : فى الاستخارة على الاستخارة

إنه حكم العلامة النجفي، بأنه لا مانع من الاستخارة على الاستخارة والاستشارة.

اقول : إن شيئاً من دليل شيء من أقسام، الاستخارة لا يشمل الاستخارة على الاستخارة، سواء كانت الاستخارتان متحد تين في النوع، أو مختلفتين فيه.

وكذا لا يشمل ذلك الاستخارة على الاستشارة، بل الاستخارة على الاستخارة أمر هزل غير قابل لشمول ذلك له، بل على هذا المنوال حال الاستخارة على الاستشارة لو لم نقل بتطرق احتمال كل من المصلحة والمفسدة في الاستشارة، فانكشاف الواقع منوط بالاستخارة.

الثالث والاربعون : حول النيابة في الاستخارة

إنه هل يعتبر في الاستخارة المباشرة ؟ أو يكفي فيها التوكيل و النيابة ؟

حكم العلامة النجفي في كشف الغطاء نقلا : بأنه لا بأس بالتوكيل فيها كسائر التوكيلات، بل قد استمر عليه السيرة المستمرة في الانسان من أرباب الحاجات من دون تشكيك فيه من أحد من الافاضل.

بل السيد ابن طاووس قال في فتح الأبواب نقلا : إعلم إنتي ما وجدت حديثاً صريحاً أن الانسان يستخير لسواه، لكن وجدت أحاديث كثيرة تتضمن الحث على قضاء حوائج الاخوان من الله جل جلاله بالدعوات وسائر التوسلات، حتى رأيت في الاخبار من فوائد الدعاء للاخوان، مالا إحتياج إلى ذكره الآن، لظهوره بين الأعيان والاستخارات على سائر الروايات، هي من جملة الحاجات ومن جملة الدعوات...فاستخارة الانسان عن غيره داخلة في عموم الأخبار الواردة بما ذكرناه.

ولأن الانسان إذا كلفه غيره من الاخوان الاستخارة في بعض الحاجات، فقد صارت الحاجة للذي يباشر الاستخارات، فيستخير لنفسه وللذي يكلفه الاستخارة:

أما استخارته لنفسه بأنه هل المصلحة للذي يباشر الاستخارة في القول لمن يكلفه الاستخارة و هل المصلحة للذي يكلفه الاستخارة في الفعل أو الترك ؟ و

هذا مما يدخل تحت عموم الروايات بالاستخارات، و بقضاء الحاجات، وما يتوقف هذا على شيء يختص به في الروايات. (1)

و مرجع كلامه إلى الاستدلال على جواز النيابة بوجهين :

أحدهما : أن الاستخارة حاجة من حوائج الناس، فجوازها يدخل في العمومات الدالة على استحباب قضاء الحوائج.

ثانيهما : أن الاستخارة للغير تنحل إلى استخارتين :

إحداهما : إستخارة للغير بكون الغرض استكشاف كون مصلحة الغير في الفعل أو الترك.

الثانية: إستخارة للنفس بكون الغرض استكشاف المصلحة في القول بكون مصلحة النفس في النفي أو الاثبات، فيدخل فيما دل على جواز استخارة الشخص لنفسه.

أقول : إنه لا مجال لانحلال الاستخارة للغير، إلى الاستخارة للغير والاستخارة للنفس، و إنما هي تنحصر في الاستخارة للغير، فلا مجال لتركبها وإنما هي بسيطة معينة في الاستخارة للغير، نعم لو تطرق الكلام في ترتب ثمرة على النيابة، كصحة الصلاة في الاستنابة للوضوء، أو براءة الذمة في استيجار الحج، فلابد من إقامة الدليل على ترتب الثمرة، و مع ذلك لا يلزم موافقة المصلحة في الاستخارتين، ولا مجال لاستكشاف المصلحتين المختلفتين لوحدة الاستخارة.

ومع ذلك الأظهر جواز الاستخارة للغير بدون استدعاء الغير، لكن اعتبار ذلك أمر آخر، إلا أن الظاهر عدم الفرق بين أن يستكشف الشخص بنفسه، أوينوب الغير عن الاستكشاف، أو يستكشف الغير من عند نفسه.


1) فتح الابواب : 281 - 282.

وبعد هذا أقول : لا إشكال في جواز الاستنابة والنيابة بالمعنى المعدود من الأحكام الخمسة، ولاحاجة في ذلك إلى الاستدلال، لكونه من قبيل الامور التي قامت الضرورة على جوازه، كهيئة القيام والقعود والتكلم ونحوه، ومع قطع النظر عنه، فاصالة الاباحة تكفي في الباب.

كما أنه لاحاجة في جواز التفؤل بمثل ديوان الحافظ، إلى الاستدلال، نعم إعتبار ديوان الحافظ مثل في استكشاف الواقع، لابد فيه من مدرك وهو منحصر في التجربة وقد ذكر العلامة المجلسي في البحار، بعد نقل الكلام المذكور : أن ماذكره السيد من جواز الاستخارة للغير، لا يخلو عن قوة للعمومات، سيما إذا قصد النائب لنفسه أن يقول للمستخير : «إفعل» أو «لا» وهو حيلة لدخولها تحت الأخبار الخاصة لكن الأولى والأحوط أن يستخير صاحب الحاجة لنفسه. لأننا لم نرخبراً ورد فيه التوكيل في ذلك، ولو كان ذلك جائزاً أو راجحاً لكان الاصحاب يلتمسون من الائمة صلوات الله عليهم ذلك، ولو كان ذلك لكان منقولا، ولا أقل في رواية، مع أن المضطر أولى بالاجابة، ودعاؤه أقرب إلى الخلوص.

وأنت خبير بأنه لم يتفق ولا يتفق إلى يوم القيامة أن يقصد النائب لنفسه أن يقول للمستخير : إفعل، أو لا تفعل.

ومانسبه إلى ابن طاووس من ذكره جواز أن يقصد النائب أن يقول للمستخير : «إفعل» أو يقول : «لا تفعل» ليس في محله، لأن ابن طاووس لم يذكر هذه الصورة الوحدانية، ومرجع كلامه إلى انحلال الاستخارة في جميع الموارد الى الاستخارتين.

وما استدل به على عدم جواز التوكيل من أنه لو جاز التوكيل، لسأل عنه أصحاب الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، مدفوع بأن الجواز كان من الضروريات. ومن هذا كان عدم السؤال، ويشهد به عدم سؤال أحد في زمان الغيبة عن أحد من العلماء عن جواز التوكيل، بل كان الناس يسارعون إلى التوكيل في عموم الأعصار بحكم الفطرة

نظير أنه لم يسأل أحد عن أحد من الأئمة عن جواز تصرف الشخص في ماله.

كما أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في واقعة سمرة بن جندب مع إصراره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الاستيذان، لم يقبله سمرة مع عدم سماعه تسلط الناس على أموالهم، و كان الانكار بحكم الجبلة بتسلط الناس على أموالهم.(1)

وفي الحدائق (نقلا) إنّه لاريب في أن الاستخارة، ترجع إلى الطلب منه سبحانه ولا ريب أن من المتفق عليه بين ذوي العقول وساعد عليه المنقول من آل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هو أن من طلب حاجة من سلطان عظيم الشأن، فان الأنجح في قضائها، و الأرجح في حصولها وإمضائها، هو أن يوسط بعض مقربي حضرة ذلك السلطان في التماسها منه بحيث يكون نائباً عن صاحب الحاجة في سؤالها من ذلك السلطان، والنيابة في الاستخارة منه سبحانه من هذا القبيل، وهذا بحمد الله سبحانه أوضح برهان على ذلك ودليل. (2)

وقد حكي (3)عن الشيخ سليمان البحراني أنه قال : جواز النيابة عن اغير في الاستخارة، لم أقف على نص خاص في جواز النيابة.

و يمكن الاستدلال على ذلك بوجوه عشرة، أكثرها عليلة، قد اعترف بالطعن فيها وأقربها إلى الاعتبار وجوه أربعة :

أحدها : ماذكره منقوله من القواعد : أن كل ما يصح مباشرته يصح التوكيل فيه، إلا في مواضع مخصوصة ذكرها العلماء، و اختلفوا في أشياء منها، وليس هذا الموضع من تلك المواضع.

وثانيها : ماذكره من أن العلماء في زماننا مطبقون على استعمال ذلك، ولم نجد أحداً من مشايخنا الذين عاصر ناهم يتوقف فيه، ونقلوا عن مشايخهم نحو ذلك، ولعله كاف في مثل ذلك.


1) يشير الى ذلك القرآن الكريم : «قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ؟! أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ...» هود / 87.

2) الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة ج 533/10 و ص 532 - 533.

3) الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة ج 533/10 و ص 532 - 533.

وثالثها : إن الاستخارة مشاورة لله تعالى كما ورد به النص عن مولانا الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولاريب أن المشاورة تصح النيابة فيها، فان من استشار أحداً فقد يستثير بنفسه وقد يكلف من يستثير له كما في استشارة على بن مهزيار للجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ورابعها : إن مشاورة المؤمن نوع من أنواع الاستخارة، و قد ورد في رواية علي بن مهزیار ما هو صريح في النيابة فيها.

وقال الملا أبو الحسن العاملي في شرح المفاتيح إن الاستخارة ينبغي أن تكون ممن يريد الأمر بأن يتصد اهاهو بنفسه، ولعل ما اشتهر من استنابة الغير على جهة الاستشفاع، وذلك وإن لم نجد له نصاً، إلا أن التجربات تدل على صحته. (1)

أقول : إن مقصوده من صحيح علي بن مهزیار ما رواه علي بن طاووس في كتاب الاستخارات - على ما نقله في الوسائل - عن كتاب الأدعية لسعد بن عبدالله، عن علي بن مهز يار قال : كتب أبو جعفر الثاني إلى إبراهيم بن شيبة :

«فهمت ما استأمرت فيه من أمر ضيعتك التي تعرض لك السلطان فيها، فاستخر الله مائة مرة خيرة في عافية، فان احلولى بقلبك بعد الاستخارة، بيعها فبعها واستبدل غيرها، إنشاء الله تعالى، ولا تتكلم في أضعاف الاستخارة حتى تتم المائة»

ولا يخفى عدم دلالته على النيابة بوجه، فضلا عن صراحته في الدلالة.

ويمكن أن يكون توهم الصراحة مبنياً على أن مقتضى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «استأمرت» كونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مستقلاً في الباب، فأمره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالاستخارة يقتضي كون المأمور نائباً في الاستخارة، لكنه واضح الدفع، إذ من الظاهر غاية الظهور، أن غرضه من الاستيمار استعلام الراوي عما ينجيه في الواقعة المتعلقة به المستقل هو فيها.

ويمكن أن يكون مبنياً على كون الدنيا كلها للامام الملا على جهة الملك وهو أولى من الذين هي في أيديهم، كما قال به ابن أبي عمير في نزاعه مع أبي بكر


1) الحدائق الناضرة ج 532/10.

الحضرمي، حيث قال : ليس الأمر كذلك، أملاك الناس لهم إلا ما حكم الله به للامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الفيء والخمس والمغنم، فذلك له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذلك أيضاً قد بين الله سبحانه أين يضعه، وكيف يصنع به ؟

فتراضيا بهشام بن الحكم وصارا إليه، فحكم هشام لأبي بكر الحضرمي على ابن أبي عمير، فغضب ابن أبي عمير، وهجر هشاماً (1)مع أنه كان لا يغب إتيانه. (2)

لكنه واضح الدفع أيضاً، لظهور فساد تلك المقالة، والمقام لايليق بمزيد الكلام.

ويمكن أن يكون مبنياً على كون العبارة فأستخير من باب فعل المتكلم وحده من فعل المضارع، كما في بعض النسخ بدل «فاستخر» من باب فعل الأمر.

وعلى ذلك يكون الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) نائباً في الاستخارة بدون الاستنابة.

لكنه واضح الدفع أيضاً، لكون ذلك غلطاً، كيف لا؟! وهو مناف لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد ذلك :

«فان احلو لي بقلبك بيعها بعد الاستخارة فبعها» وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لا تتكلم في أضعاف الاستخارة.

و بما مر يظهر أن المانع عن النيابة في باب الاستخارة، منحصرة في العاملي في شرح المفاتيح على ما سمعت من كلامه (3)لكن كلامه مقرون بالاعتبار تمسكاً بقضاء التجربة. ولعل المنع مخصوص بـ (الاعتبار).

إذ لا مجال في الجواز شرعاً اجتهاداً أو عملا.

وبالجملة الاشكال في جواز الاستنابة و النيابة اجتهاداً بحكم الضرورة و عملا لأصالة الاباحة، وأما الاعتبار فالظاهر، بل المقطوع به عدم الفرق بين المباشرة والاستنابة، مضافاً إلى قضاء التجربة بعدم الفرق.


1) فتح الابواب : 142 - 143، عنه الوسائل : 7/215/5 و البحار: 364/91، ذكرى الشيعة : 252.

2) الكافي: 409/1 ح 9.

3) تقدم ص 87 فراجع الحدائق ج532/10.

الرابع والاربعون : الثقة بالاستخارة وعدمها

إنه حكى الكفعمي في حاشية المصباح عن ابن طاووس في فتح الأبواب : إن كثر الناس لا يحبون ما أراد الله تعالى فهم لا يلتفتون إلى الاستخارة وهم فرق:

ففرقة كانوا مشغولين عن أخبار الاستخارة بمهام دنياهم فلم يتفرغوا لاعتبار ما وردفيها من الروايات، ولو وقفوا على ذلك، لا لتفتوا إليها، ولما توقفوا عنها.

وفرقة وجدوا فيها أكداراً فتوقفوا عنها ونفروا منها وهؤلاء إذا نظر في حالهم منصف عرف أنهم لم يقيموا بشروط الاستخارة فالذنب لهم دونها، لأنهم يستخيرون على سبيل التجربة لينظروا هل يظفرون بمرادهم أم لا ؟ والذي يستخير على سبيل التجربة يكون سيء الظن بالله، أوسيء الظن بالرواية، وكلاهما يمنع الاستخارة والاستخارة والله تعالى يقول: «الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء» (1).

والمستخير على هذه الصفاة يكون أقرب للنقمات في أن يظفر بفوائد الاستخارات.

وفرقة لا ثقة لهم بالاستخارة ولا يقين، بل إن جاءت كما يريدون عملوا بها وإلا فلا بل ربما نفروا منها وما يؤمن هؤلاء من دخولهم تحت عموم تهدید قوله تعالى : «ومن الناس من يعبد الله على حرف - أي شك - فان أصابه اطمأن به» (2).

وفرقة من العوام ما في قلوبهم يقين ولا لهم معرفة إلا بمن يشاهدونه ويأنسون به من الأنام و الله تعالى لا يصح عليه المشاهدة فليس لهم به معرفة فلا يعرفون للمشاورة فائدة.(3)

الخامس والاربعون : إنه ربما روي (نقلا): أن من رأى نوماً فعليه أن يحسب ما مضى من الشهر ثم يحسب من سورة القرآن المجيد بعدد الآيات التي حسبها من الشهر ثم يحسب الآيات الشريفة من السورة المباركة التي انتهى إليها عدد السورة المباركة فما يستنبط من الآية الشريفة هو حكم رؤياه الذي رآه المستخير في النوم. والله العالم.


1) سورة الفتح : 6.

2) سورة الحج : 11.

3) المصباح : 395 عن فتح الابواب ص283 – 302.

في التشابه بين الطيرة واصابة العين

إشارة:

فائدة (1)

تشبه الطيرة سوء العين المعبر عنه باصابة العين

وكل منهما من فتن هذه الدار دار النار و نيرانها و كانت هذه الفتنة ثابتة بل معروفة في بداية الشريعة، كما يرشد إليه ما روي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) :

أن العين حق، وأنها تدخل الجمل والثور في التنور (2).

وما روي عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): أن العين تدخل الرجل في القبر، والجمل في القدر. (3)

وج 211/79 10.

وما روي عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): أن العين حق، والعين يستنزل الخالق. (4)


1) لا يخفى انه قد تقدم خلال البحث عن الاستخارة، ص 115 بحث عن الطيرة وذكر المصنف هذه الفائدة بعد الاربعين وانما أفردنا هذه الفائدة التي وضعها وجعلناها في باب مستقل في خاتمة رسالة الاستخارة لاتصال مسائلها، وانفراد هذه الفائدة في العين.

2) الجنة الواقية : 220، عنه البحار : 17/63 ح3، مسند أحمد بن حنبل : 274/1وص 294 و ج 222/2 ص 289 ص 319 وص 420 و ص 439 و ص 487وج 67/4 و ص 70 وص 139 و ص 379، سنن أبو داود: 336/2، سنن الترمذي : 397/4 ح 2061، صحيح البخارى: مجلد : 3 ج 7 ص 171 و ص 214، سنن ابن ماجة : 1159/2 ح 3506 و 3507.

3) شهاب الاخبار : 125 ح 697، عنه البحار :20/63 ح13، جامع الاخبار : 183، عنه البحار: 326/83 ح 29 وح 25 وعن مكارم الاخلاق: 415.

4) مجمع البيان : 249/5 عنه البحار : 6/63 و ص 17 ح5 عن زبدة البيان، الجنة الواقية : 220، مسند أحمد بن حنبل : 447/3.

والخالق : المكان المرتفع من الجبل وغيره وغرضه أن العين كأنها تحط ذروة الجبل من قوة أخذها وشدة بطشها.

وما روي عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): أنه لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين. (1)

و كذا ما قال الكفعمي: عن جمع الجوامع من أن عياناً كان في بني أسد، وكان يتجوع في ثلاثة أيام، فلا يمر بشيء فيقول فيه : لم أر كاليوم مثله إلا عانه.

فأرادوا أن يقول بعضهم في رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مثل ذلك فعصمه الله تعالى منه، وأنزل: «وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ» (2)الآية، أي : يعتانونك بعيونهم. (3)

و كذا ما روي كما ذكره الطبرسي من أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان يعود الحسنين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) - روحي وروح العالمين للجميع الفداء - بأن كان يقول : (أعيذكما بكلمات الله التامات، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة». (4)

راجع عوالم الامامين الهمامين الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ).

بل كانت تلك الفتنة ثابتة في الشرائع السابقة، معروفة فيها كما يرشد إليه وصية


1) مکارم الاخلاق : 451، عنه البحار : 226/63 ح 27 و 1311/195، سنن الترمذي : 397/4 ح 2062، ابن ماجة : 2 / 1160 ح 3510 مسند أحمد بن حنبل : 438/6، الموطأ : 2/ 939 ح3.

2) سورة القلم : 51.

3) الجنة الواقية : 220 عنه جمع الجوامع : 506، البحار : 39/63،

4) صحيح البخاري : مجلد / 2 ج 4 / 178، صحيح الترمذى: 396/4، صحيح ابن ماجة: 2 / 1164، صحيح أبي داود : 536/2، فرائد السمطين : 112/2 (وملحقاته كثيرة فراجع)، مسند أحمد بن حنبل : 236/1 و ص 270، حلية أبي نعيم : 236/4 و ج 45/5 عنهم وعن غيرهم الفضائل الخمه : 176/3، راجع احقاق الحق : 10 / 519 و ج 187/19 بعدة طرق، عن ابن عباس: 27 طريقاً، وعن أمير المؤمنين على ابن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 5 طرق، وعن عائشة بطريق واحد.

يعقوب - على نبينا و آله و عليه السلام بنيه : أن لا يدخلوا في المصر دخولا من باب واحد، كما أشار الله سبحانه إليه بقوله سبحانه : «و قال لا تدخلوا من باب واحد و ادخلوا من أبواب متفرقة».

1- و نقل الكفعمي عن زبدة البيان : إن يعقوب على نبينا و آله وعليه السلام - خاف على بنيه من العين [ لجمالهم ] (1)فقال : «يا بني لاتد علموا من باب واحد». (2)

وقال الطبرسي : خاف عليهم العين، لأنهم كانوا ذوي جمال وابتهة و كمال وهم إخوة، أولاد رجل واحد. (3)

وكذا ما روي - كما نقله الطبرسي -

من أن إبراهيم على - نبينا و آله وعليه السلام - كان يعوذ ابنيه بالعوذة المذكورة وأن موسى - على نبينا و آله و عليه السلام - كان يعوذ إبني هارون بتلك

العوذة. (4)وربما روي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «العين قبلى فاستعينوا بالله من كل عين قاتلة» (5)

وقيل : القبل مثل الحول، قبلت عينه و قبلت قبلا وأقبلت وهى عين قبلاء، ورجل أقبل العين وامرأة قبلاء، وقد أقبل عينه : صيرها قبلاء.

ويقال : قبلت العين قبلا اذا كان فيها اقبال النظر على الانف.

وقال أبو نصر : اذا كان فيها ميل كالحول.

وقال أبو زيد : الاقبل الذى أقبلت حدقتاه على أنفه، والأحول الذي حولت عيناه جميعاً.

وقال الليث : القبل فى العين اقبال السواد على المحجر، و يقال : بل اذا أقبل سواده على الانف، فهو أقبل، واذا أقبل على الصدغين فهو أخزر، وقد قبلت عينه، و أقبلتها أنا ورجل أقبل بين القبل : وهو الذى كأنه ينظر الى طرف أنفه

وفي الحديث فى صفة هارون : فى عينه قبل، هو من ذلك.

وشاة قبلاء بينة القبل : وهى التى أقبل قرناها على وجهها. وعضد قبلاء : فيها ميل.


1) من البحار.

2) زبدة البيان : عنه البحار : 17/63 ح4، الجنة الواقية : 220، والاية من سورة يوسف : 67.

3) مجمع البيان : 249/5.

4) مجمع البيان: 249/5، عنه البحار :7/63، مسند أحمد بن حنبل : 236/1 وص 270.

5) أقول : هكذا في نسخة الكتاب و لكنا لم نعثر الى الان - رغم الجهد - على مصدره وضبطه فيحتمل أن تكون العين قبلاء فاستعذ بالله فكأن هذه العين مائلة أقبلت الى الانسان لتقتله فليتعوذ منها الى الله تعالى. قال في لسان العرب: القبل فى العين: اقبال احدى الحدقتين على الأخرى على وقيل: اقبالها على الموق. وقيل اقبالها على عرض الانف، وقيل : اقبالها المحجر وقال اللحياني هي التي أقبلت على الحاجب.

و نقل أن رجلا عيانا : رأى رجلا راكباً فقال : ما أحسنة إفسقطت الدابة وماتت ومات الرجل. (1)

ونقل عن بعض أنه قال : كان لي أكار رديء العين فأبصر بيدي خاتماً فقال : ما أحسنه ! فانشق بنصفين. (2)

و نقل عن الأصمعي أنه قال : كان عندنا عيسانان فمر أحدهما بحوض من حجارة فقال : بالله ما رأيت اليوم مثله ! فانصدع فلقين، فضبب بحديد فمر عليه ثانياً فقال راسلا : لعلك ما ضررت أهلك فيك. فتطاير أربع فلقات. (3)

وسمع الثاني صوت بول من وراء الحائط فقال: إنك لشر شخب.

فقال : هو ابنك، فقال : وإنقطاع،ظهره، والله لا يبول بعدها. فمات من ساعته. (4)

وسمع أيضاً صوت شخب بقرة فأعجبه، فقال : أيتهن هذه ؟ فورى باخرى فهلكنا جميعاً، المورى بها والمورى عنها. (5)

ونقل في حياة الحيوان عن خط بعض العلماء المتقدمين المبرزين : إنه كان بخراسان رجل عائن، فجلس يوماً إلى جماعة، فمر بهم قطار جمال فقال العائن : من أي جمل تريدون أن أطعمكم من لحمه ؟ فأشاروا إلى جمل من أحسنها، فنظر إليه


1) الجنة الواقية : 220، عنه البحار : 17/63ح3.

2) الجنة الواقية : 220، عنه البحار : 17/63ح3.

3) الجنة الواقية : 220، عنه البحار : 17/63ح3.

4) الجنة الواقية : 220، عنه البحار : 17/63ح3.

5) الجنة الواقية : 220، عنه البحار : 17/63ح3.

العائن، فوقع الجمل لساعته. (1)

2 - وفي زهر الربيع حكى لي من أثق به في باب تأثير العين بالاصابة : أن جماعة كانوا يخرجون إلى الجبال لصيد الوحوش والوعول بالتفنك (البندقية)

فقال رجل من الأكراد : وأنا أخرج معكم غداً إلى الصيد. فخرج معهم،

فقالوا له : أين آلة الصيد؟ قال معي وستنظرونها.

فلما بلغوا الجبل، رأوا وعلا على رأسه فقال : انظروا كيف أصيده.

فجلس ينظر إلى الوعل ويشهه في السمن والقرون والعظم، فوثب الوعل من صخرة إلى أخرى فأخطأ، ووقع من أعلى الجبل فانكسرت يده ورجله، فأخذه وذبحه.

فقالوا له : أخرج من بيننا، نخاف من عينك. فأخرجوه عنهم (2).

وقد شاهدنا من هذا الباب كثيراً، حتى أن رجلا من الأكابر حلف لي أنه ماقتل أولاد أخي الأعين، لأنه كان يحبهم ويطيل النظر إليهم.

قوله : «وقد شاهدنا» من كلام الموثوق به.

قوله : «إلاعين» بالتشديد أي صاحب العين السيئة.

و بالجملة : قد ثبت بما سمعت ثبوت إصابة العين، ولا خلاف فيه إلا ما عن أبي علي الجبائي من القول بأن إصابة العين لا يصح، و هو غير صحيح بلا شبهة لأن الظاهر اتفاق المفسرين على أن المراد من قوله سبحانه :

«وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ» هو الاصابة بالعين.

3 - فعن ابن عباس أي يقتلوك ويهلكوك

وعن الكلبي : أي يصر عونك وعن بعض أي يقتلوك بأعينهم.

وقال الطبرسي : المفسرون كلهم على أن المراد في الآية، هو الاصابة بالعين إلى أن قال: وعليه إجماع المتقدمين من المفسرين، وجوزه العقلاء، فلامانع منه (3)


1) 1 / 285.

2) 324.

3) مجمع البيان: 343/10، عنه البحار : 32/63.

وقال النيسابوري نقلا : إطباق المفسرين على أن المراد من هذه الآية، هو الاصابة بالعين، مضافاً إلى ما تقدم من الروايات الدالة على ثبوت العين، وما تقدم من الروايات في باب العوذة للعين في هذه الشريعة وغيرها، وماتقدم من الوقائع المنقولة في باب العين، فضلا عما روي من أن بني جعفر بن أبي طالب، كانوا غلماناً بيضاً فقالت أسماء بنت عميس يارسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إن العين إليهم سريعة، أفسترقى لهم من العين ؟ فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) نعم...(1)

وماروي من أن جبرئيل رقى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعلمه الرقية، وهي «بسم الله أرقيك من كل عين حاسد، الله يشفيك». (2)

وما روي من أنه دخل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بيت ام سلمة و عندها صبي يشتكي فقالت : يارسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أما تسترقون له من العين (3)

و ماروي من أنه قالت عائشة : كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغتسل العين الذي أصيب بالعين. (4)

وماروي عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال : العين حق وليس تأمنها منك على نفسك، ولامنك على غيرك، فاذا خفت شيئاً من ذلك فقل: «ماشاء الله لاقوة إلا بالله العلي العظيم»


1) جامع الاخبار : 157، عنه البحار : 27/63، مجمع البيان : 249/5، عنه البحار : 7/63، مسند أحمد بن حنبل : 271/1 وج 118/3 و ص 119 و ص 127و ص 486 وج 438/6 و ص 446، سنن الترمذي : 395/4 ح 2059.

2) مجمع البيان : 249/5 عنه البحار : 7/63، صحيح مسلم : 1718/4 ح 39 و 40 مسند أحمد بن حنبل : 131/6.

3) تفسير الرازی : 173/180، عنه البحار : 9/63، مسند أحمد بن حنبل : 421/3 وج 438/6. سنن أبو داود : 336/2.

4) تفسير الرازی: 173/18، عنه البحار : 9/63.

ثلاثاً (1)وقال : اذا تهيأ أحدكم تهيئة تعجبه، فليقرأ حين يخرج من منزله المعوذتين فانه لا يضره باذن الله.(2)

الاختلاف في ثبوت اصابة العين وملخص مقالة القائلين بثبوتها

هذا و القائلون بثبوت العين قد اختلفوا فى حقيقة الحال على أقوال :

أحدها: أنه تمتد من العين أجزاء فتتصل بالشخص المستحسن، فيؤثر ويسري فيه كتأثير اللسع والسم والنار، وإن كان مخالفاً في وجه التأثير لهذه الأشياء.

وحكى القول بذلك عن الجاحظ، وأورد عليه بأنه لو كان الأمر كذلك، لوجب أن يؤثر في الشخص الذي لا يستحسن كتأثيره في المستحسن.

وأجيب عنه بأنه : إذا استحسن شيئاً فقد يحب بقاءه كما إذا استحسن ولد نفسه و بستان نفسه، وقد يكره بقاءه، كما إذا استحسن الحاسد لحصول شيء حسن لعدوه فان كان الأول فانه يحمل عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله، والحزن الشديد يوجب انعقاد الروح في داخل القلب، فحينئذ تسخن (3)الروح جداً، فيحصل في الروح الباصرة كيفية قوة مستحسنة.

وإن كان الثاني فانه يحصل عند ذلك الاستحسان حسن (...)(4)وخوف عظيم بسبب حصول تلك النعمة لعدوه، والحزن أيضاً يوجب انعقاد الروح في داخل القلب ويحصل فيه سخونة شديدة.

فثبت أن عند الاستحسان، يسخن الروح جداً فيسخن شعاع العين، بخلاف ما إذا لم يستحسن فانه لا يحصل هذه السخونة فظهر الفرق بين الصورتين.

ولهذا أمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) العائن بالوضوء، ومن أصابته العين بالاغتسال. (5)


1) مكارم الاخلاق : 445، عنه البحار : 28/95 ضمن ح9. الجنة الواقية : 220، عنه البحار : 26/63 ح 23.

2) مکارم الاخلاق : 415، عنه البحار : 128/95.

3) هنا كلمة غير مقروءة.

4) هنا كلمة غير مقروءة.

5) الدارمی: باب الطب ص 15.

ويندفع بأنه على ذلك يلزم أن يؤثر نظر العائن عند استحسانه شيئاً، في غير المستحسن أيضاً من كل من وقع نظره إليه، حذو تأثيره في المستحسن حذو النعل بالنعل.

نعم قد تقدم تأثير العين في المورى بها والدورى عنها في واقعة التورية، لكن التأثير في المورى بها يمتنع توجيهه بوجه غير قدرة الله سبحانه و هو خارج المقصود بالاستدلال، إذ المقصود به إقامة البرهان على تأثير العين إلا أن يقال : إنه قد وقع الاستحسان في المورى وعنها و في المورى بها ثانياً، فلا بأس بتأثير العين.

لكنه مدفوع بأن مدار الاستدلال على تأثير سخونة شعاع العين، و هي مبنية على وقوع نظر الباصرة على الشيء، و المفروض في التورية فقدان المورى بها.

وأيضاً على ذلك يلزم أن يؤثر نظر الشخص إذا حصل له غضب شديد، كتأثير إصابة العين إذا اتفق نظره إلى المغضوب عليه، أو إلى غيره والمعلوم خلافه.

وأيضاً على ذلك يلزم أن يؤثر نظر الشخص، إذا حصل له هم عظيم من مصيبة أو خوف شديد من سلطان أو غيره، كتأثير إصابة العين إذا اتفق نظره إلى شيء أي شيء كان في الصورتين، إذا اتفق نظره إلى من خاف عنه أو غيره في الصورة الأخيرة، والمعلوم خلافه.

ومع ذلك فرق بين بين استحسان الشخص شيئاً لنفسه، واستحسانه شيئاً لعدوه فان الحزن في الثاني وإن يتحقق فعلا، لكن الحزن في الأول انما يتحقق شأناً، أي عند زوال المستحسن، والبعد بين الفعلية والثانية، أزيد من بعد المشرقين ببعد المشرقين.

الثانى : أنه لا يمتنع أن يكون العين حقاً، ويكون معناه أن صاحب العين إذا شاهد الشخص أو الشيء، وأعجب به جداً استحساناً، كانت المصلحة في أن يغير الله سبحانه ذلك الشخص، أو ذلك الشيء، حتى لا يبقى قلب صاحب العين متعلقاً به، فهذا التغيير غير ممتنع.

ثم لا يبعد أيضاً أنه لو ذكر ربه عند تلك المصلحة، وبعد الاعجاب، وسأل ربه، فعنده تنغير المصلح و الله سبحانه يبقيه و لا ينفيه.

ويندفع بأنه يتأتى الكلام تارة في جواز تأثير العين بالأثر المعهود إلى الهلاكة والفناء، وأخرى في حقيقة الحال والغرض من الاستدلال هو الثاني.

وأما الجواز فلا دليل عليه أدل من الوقوع و شواهد الوقوع من الوقائع لا يطيقها نطاق الاحصاء، و لو كان المقصود بذلك الاستدلال على الوقوع فهو لا يسمن ولا يغني من جوع، والأمر في غاية الظهور، لغاية ظهور عدم اقتضاء الجواز للوقوع في موقع من المواقع.

ومع ذلك قوله «يبقيه ولا يفنيه» ظاهر العبارة يقتضي رجوع الضميرين إلى العائن لكن المعنى على هذا لا يصح بوجه، والمناسب رجوع الضمير إلى العيون، لكن العين كثيراً ما - بل في الأكثر - لا يطلع على إصابة العين، حتى يسأل من جانب جناب الله سبحانه أن يكشف الضر عنه.

الثالث : إنّه ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة، أعني الحرارة والبرودة واليبوسة، بل قد يكون التأثير نفسانياً محضاً ولا تكون القوى الجسمانية لها تعلق به.

والذى يدل عليه أن اللوح الذي يكون قليل العرض، إذا كان موضوعاً على الأرض، يقدر الانسان على المشي عليه، ولو كان موضوعاً بين جدارين عاليين يعجز الانسان عن المشي عليه، وما ذاك إلا لأن خوفه من السقوط منه، يوجب سقوطه منه، فعلمنا أن التأثيرات النفسانية موجودة.

وأيضاً الانسان إذا تصور كون فلان موذياً له، حصل في قلبه غضب وسخن مزاجه، فمبدأ تلك السخونة ليس إلا ذاك التصور النفساني

ولان مبدأ الحركات البدنية ليس إلا التصورات النفسانية، ولما ثبت أن تصور

النفس يوجب تغير بدنه الخاص، لم يبعد أيضاً أن يكون بعض النفوس تتعدى تأثيراتها إلى سائر الأبدان.

فثبت أنه لا يمتنع في العقل كون النفس مؤثرة في سائر الأبدان.

وأيضاً جواهر النفوس مختلفة بالماهية، فلا يمتنع أن يكون بعض النفوس بحيث يؤثر في بدن حيوان آخر، بشرط أن يراه ويتعجب منه.

فثبت أن هذا المعنى أمر محتمل، والتجارب من الزمن الأقدم ساعدت عليه والنصوص النبوية نطقت به، فعند هذا لا يبقى في وقوعه شك، وإذا ثبت هذا ثبت أن الذي أطبق عليه المتقدمون من المفسرين، كلام حق لا يمكن رده.

و تلخيص المقال وملخص الاستدلال، أن تصور أمور ربما يوجب حدوث أمور أخرى، كما أنه إذا حدث في النفس صورة الغلبة في مزاج البدن، واحمر الوجه و امتلا العروق والأوداج، وإذا وقعت صورة المواقعة في النفس، يحدث في أوعية المني حرارة توجب امتلاء عروق آلة المواقعة

و المهيج للحرارة ليس إلا التصور في الموضعين، و مثل ذلك حر السقوط فضلا عن السقوط من العلم التوهمي بالسقوط.

قيل: إن التصورات للامور تنشىء كحر، لا عن الحرور، وعلة لاعلة لها في العين، ومن ذلك سوء العين.

أقول : إن ذيل الاستدلال المذكور مناف لصدره، لان مرجع الصدر إلى أنه كما يؤثر بعض الامور باحداث أمر في نفس المتصور، كذا يمكن أن يؤثر تصور بعض الامور باحداث أمر في غير التصور.

و المدار في الذيل أعني التلخيص على الثبوت، و شتان بين الصدر و الذيل إذ المدار في الصدر على إمكان الثبوت، و المدار في الذيل على الثبوت.

وبعبارة اخرى مرجع الصدر إلى احتمال الوقوع، ومرجع الذيل إلى الجزم

بالوقوع، لكن لم يقع الصدر والذبا من مستدل واحد في استدلال واحد، بل الصدر استدلال من بعض، والذيل استدلال آخر من بعض آخر، لكن الذيل خلاصة الصدر ولذا جمعت بين الاستدلالين في الصدر والذيل، لاتحاد المفاد، وكون الذيل خلاصة الصدر كما سمعت.

و بالجملة مقايسة إمكان تأثير التصور، باحداث بعض الامور في غير المتصور بتأثير التصور باحداث بعض الامور في نفس المتصور، من باب القياس مع الفارق بل الفرق بين المقيس والمقيس عليه في غاية الظهور.

مع أن الامكان لا يجدي في إثبات المقصود، وهو تشخيص المنشأ، ولذا جرى من استدل بالذيل على كون إصابة العين من باب تأثير التصور في غير المتصور. لكنه واضح السقوط، لعدم قيام دليل على تأثير التصور في غير المتصور، فظهر فساد كل من الصدر والذيل، و أيضاً لامجال الاطراد شيء من الصدر والذيل في المورى بها في واقعة التورية المتقدمة.

إلا أن يقال : إن مدار كل من الصدر والذيل على التصور وفي باب التورية، قد اتفق تصور المورى عنها أولا، وتصور المورى بها ثانياً، فيطرد في المورى بها ما يتعلق بالتصور من التأثير.

وأيضاً قيل (على ما نقله شارح الأسباب) : إن الحية المكللة تقتل بصفيرها، ومن وقع عليه نظرها يموت من بعيد، وكذا يموت من يقرب ذلك الميت.

وذكر في حياة الحيوان أنها تحرق كل ما مرت عليها، وإذا حاذى مسكنها طائر سقط، ولا يمر حيوان بقربها الاهلك، ومن وقع عليه بصرها ولومن بعد مات ولو ضربها فارس برمحه مات هو و فرسه.(1)

وذكر في حياة الحيوان من أقسام الحيّة «الاصله» وقال : إن لها وجه كوجه الانسان


1) 1 / 392.

وتقتل بالنظر، وذكر أيضاً من أقسام الحية الناظرة، وقال : إنه متى وقع نظرها على إنسان مات الانسان من ساعته، وذكر أيضاً من أقسامها نوعاً آخر، وقال: إنه إذا سمع الانسان صوته مات. (1)

ونقل في زهر الربيع أنه نقل : إن في زمان إسكندر ظهرت دابة في بعض الجبال لاترى أحداً إلا يموت من ساعته، فشاور الحكماء في ذلك، فلم يك عند أحد منهم حيلة، فأرسل إلى إرسطاطا ليس، فلما أحضره وعرض عليه الواقعة، أمر بأن يعمل مرآة عرضها ثلاثة أذرع، وأن يحملها رجل يواجه بها تلك الدابة، يكون من ورائها، فلما قرب منها أتت إليه، فلما نظرت إلى المرآة، ماتت من ساعتها.

فسأله الاسكندر عن السبب، فقال: إن هذه الدابة تظهر من مضي آلاف من السنين في عينها سم قاطع، ما تنظر إلى شيء إلا قتلته، فلما نظرت صورتها في المرآة رجع السم" بالانعكاس عليها فقتلها. (2)

و لا يطرد ما تقدم من التوجيه في إصابة العين في أثر نظر الحيوانات المذكورة ولا يتمكن العقل من التوجيه في موت من قرب من مات بنظر عين الحية المكللة، بل أعاجيب قدرة الله سبحانه لا تعد ولا تحصى.

فانظر الى اختلاف أيام الاسبوع في الآثار، وكذا اختلاف الأشياء في الخواص والآثار، وكذا اختلاف الأراضي في الآثار : قال الله سبحانه : «و في الأرض قطع متجاورات» وكذا اختلاف الأعداد في الآثار.

وعد في كفاية الطب" من الهوام ما يطفي النار إذا وقع فيه السمندل (بفتح السين والميم وبعد النون الساكنة دال مهملة ولام في آخره) نقلا كما في حياة الحيوان وغيره والمعروف في الالسن السمندر، وسماه الجوهري - نقلا السندل - بغير ميم - وسماه ابن خلكان - نقلا - السمند - بغير لام - يستلذ بالنار ويمكث فيها وإذا نسج من وبر


1) 392/1 س24.

2) زهر الربيع : 65.

يلقي المنسوج في النار، فينصلح ولا يحترق،.. نعم ما قيل :

إن تبريد النار للخليل - على نبينا و آله وعليه السلام - ليس أعجب من خلق النار. ومما يراه الانسان على الدوام ولا يلتفت إلى قدرة الله سبحانه فيه، مكث الطيور في الهواء، قال الله سبحانه في سورة النحل: «أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ».

في تسخير الطير للطيران أمور منوطة بقدرته سبحانه، خلقه خلقة يمكن معها الطيران، وخلق الجو بحيث يمكن الطيران فيه، وإمساك الطير في الجو على خلاف طبعه.

وقال الله سبحانه أيضاً في سورة الملك : «أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ».

قوله سبحانه: «صافات» أي باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها، فانهن إذا بسطنها صففن قوادمها. (ذكره البيضاوي).

قوله : «قوادمها» قال في الصحاح : وقوادم الطائر مقاديم ريشه، وهي عشرة في كل جناح، الواحدة «قادمة».

قوله سبحانه: «و يقبضن» أي يضمتها إذا ضربن بها على جنوبهن وقتاً بعد وقت للاستظهار به على التحريك، ولذلك عدل به إلى صيغة الفعل، وللتفرقة بين الأصيل في الطيران، والطارىء عليه، ذكره البيضاوي.

وقيل : إن المعنى أن من الطائر ما يضرب بجناحيه فيصف"، ومنه ما يمسكه فيدف ومنه الصفيف والدفيف، وأيضاً الأرضة تثقب الأخشاب، وهو ممتنع بدون التصرف الفعلي من جانب الله عز وجل. و كذا أصول النباتات، تخرج من الأرض وتثقبها مع غاية الضعف، وهو مجال بدون التصرف الفعلي.

و على هذا المنوال حال خروج الأطفال من بطون الامهات، قال الله سبحانه : «ثم السبيل يسره» وفي انقلاب الغذاء في بطن الانسان كما في توحيد المفضل على ما يبالي.

هذا كله في جنب حركة الأفلاك والشمس والقمر والكواكب، وهي تستحيل بدون التصرف الفعلي من جانب الله عز وجل، ولاسيما في غاية الدوام ومنتهى الاستدامة بل الغالب فيما يوجد في عالم الوجود، أنه منوط بالتصرف الفعلي من جانب الله عز وجل، إلا أن النار يمكن أن يكون أمرها منوطاً بالتصرف الثاني، بمعنى أنه أفيض عليه الاحراق فهي تحرق مالم يمنع الله سبحانه عنه، كما اتفق في واقعة الخليل على نبينا و آله وعليه السلام.

ومع ذلك كله نقول : إنه ليس أمر إصابة العين أعجب من الطيرة، ولا سيما مثل ما تقدم في واقعة السفاح، ولا مجال لتوجيهه بغير قدرة الله سبحانه والتصرف الفعلي من جنابه سبحانه، فالأولى و الأحسن في المقام حوالة الحال إلى قدرة الله سبحانه، و التصرف الفعلي من جنابه سبحانه :

وبا عجباً كيف يعصى ***أم كيف يجحده الجاحد

و في كل شيء له آية*** تدل على أنه واحد

و من أمير الكلام كلام أمير المؤمنين عليه آلاف السلام من السلام فوق كل سلام إلى قيام الساعة و ساعة القيام «عميت عين لا تراك». (1)

تنبيهات :

الاول : «ان العين لا يؤثر ممن له نفس شريفة»

الاول : أنه قد نقل في حياة الحيوان عن الفخري في بعض كتبه «إن العين لا يؤثر ممن له ننمس شريف تعليلا بأنه لا يستعظم الشيء، والغرض أن تأثير العين بتوسط إستعظام الشيء والنفس الشريف لا يستعظم الشيء». (2)

و ضعفه ظاهر إذ لا منافاة بين شرافة النفس، و استعظام الشيء مع أن مقتضاه


1) فى ذيل دعاء عرفة من أدعية أبي عبدالله الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في اقبال الاعمال: 339، البلد الامين : 251، الجنة الواقية : 767، البحار : 216/98 و 221.

2) 285/12.

أن تأثير العين من آثار خباثة النفس، و كثير من أهل خباثة النفس لا يسمع منهم إصابة العين.

مضافاً إلى ما أورد في حياة الحيوان، من أن القاضي حسين نقل : إن نبياً من الأنبياء استكثر قومه ذات يوم، فأمات الله تعالى منهم مائة ألف في ليلة واحدة، فلما أصبح شكا إلى الله سبحانه من ذلك، فقال الله تعالى له : إنك لما استكثرتهم عنتهم فهلا حصنتهم فقال : يارب فكيف أحصنهم؟

قال سبحانه: تقول : «حصنتكم بالحي القيوم الذي لايموت أبداً، ودفعت عنكم السوء بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».

فنقل عن القاضي أنه هكذا السنة في الرجل، إذا رأى نفسه سليمة وأحواله معتدلة يقول في نفسه ذلك. (1)

الثاني : ان سوء العين لا يختص بالغير

الثاني : إن الظاهر أن سوء العين لا يختص بالغير بل يطرد في النفس وكذا لا يختص بصورة الاظهار، بل يطرد في صورة تطرق الاعجاب في النفس مع عدم الاظهار.

و يرشد إلى ذلك ما روي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : من أن العين حق، و ليس تأمنها منك على نفسك، ولا منك على غيرك، فاذا خفت شيئاً من ذلك، فقل : «ما شاء الله لاقوة الا بالله العلي العظيم» ثلاثاً.

وقال : إذا تهياً أحدكم تهيئة تعجبه، فليقرأ حين يخرج من منزله المعوذتين، فانه لا يضره باذن الله سبحانه، فان مقتضى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ليس تأمنها على نفسك» هو اطراد أثر العين من الشخص في نفسه، وفي بعض النسخ «ليس تأمنها على نفسك»:

ويحتمل فيه أن يكون الغرض، لا تأمنها من غيرك على نفسك، ولا من نفسك على غيرك لكن الظاهر من ذلك بعد ظهور سقوط «منك» قبل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «على نفسك»


1) حياة الحيوان 1 / 285.

أن الغرض «لا تأمنها منك على نفسك، ولامنك على غيرك، لا من غيرك على نفسك ولا من نفسك على غيرك».

وأيضاً مقتضى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا تهيئاً أحدكم تهيئة تعجبه فليقرأ» اطراد تأثير العين في النفس إلا أن يقال : إن غرضه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من قراءة المعوذتين، إنما هو عدم تأثير سوء عين الغير بواسطة كون الهيئة معجبة، لا عدم تأثير عين النفس.

فغرضه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه إذا تهياً أحدكم تهيئة تعجبه

ويحتمل أن يعجبه الغير فليقرأ - المعوذتين - فراراً من سوء عين الغير، و يرشد إليه تعيين زمان قراءة المعوذتين بالخروج عن المنزل.

ويقتضي اطراد أثر العين في النفس ما تقدم نقله من القاضي، من أن السنة في الرجل أن يدعو بالدعاء المتقدم، إذا رأى نفسه سليمة، وأحواله معتدلة، بل مقتضاه قضاء السنة بالاطراد.

والظاهر بلا إشكال، إطراد تأثير العين في الأحباء، كيف لا، ولواطرد تأثيرهافي النفس، فيطرد تأثيرها في الأحباء بالاولوية، والظاهر اطراد تأثيرها في إظهار الاستعجاب تعمداً، الاستعجاب في النفس تعمداً، ويظهر الحال بملاحظة ما تقدم من الوقائع.

الثالث : في المبالغة باسباب التجمل مع الاطلاع على أصابة العين

الثالث : أن من حماقة الانسان ذي الخسران أنه يبالغ في أسباب التجمل، مع اطلاعه على إصابة العين، وان لم يطلع على أنه لو تنفس العبد بنفس بالسرور يتعقب بالمكافاة من جانب الله سبحانه، بل قال الشاعر :

لا تحسبن سروراً دائماً أبداً ***من سره زمن ساءته أزمان

و كان بعض بنى منزلا عالياً في الغاية غير مناسب لحاله، حيث صار الأمر محل التحير لقلة بضاعته، وكنت أقول ألا يوجد عاقل يمنع ذلك عما يفعل؟ فمات بعد تعمير قليل وبقاء الأكثر وربما قلت له يوماً : إن المنزل المشتمل على الصفاء غير ميمون، لاقترانه بمكافأة صفائه.

و كان بعض آخر من أهل العلم قد بالغ في تحصيل منازل وتعميرها، ثم مات بعد الفراغ بقليل، ثم ذهبت يوماً في منزله، فلمارأيت تعميراته قلت في نفسي، ألم يطلع - بملاحظة الأخبار - أن الله سبحانه يمانع عن مكثه في هذه المنازل

و أمثال ماذكر غير عزيز.

الرابع : في شرح السامة والهامة واللامة والخاصة والعامة

الرابع: فى شرح السامة والهامة و اللامة المذكورة فيما تقدم من العوذة وغيره.

فنقول : إن السامة قد يقابل بالعامة، فالمراد بها الخاصة كما ينصرح من الجوهري، وفي المجمع وفي الدعاء : «أعوذ بك من السامة» بتشديد الميم، اسم فاعل، وهو كل ماسم، ولا يبلغ أن يقتل بسم كالعقرب والزنبور.

والجمع سوام، كدابة ودواب".

وقوله : «نعوذ بالله من شر السامة والعامة».

قيل : السامة هنا خاصة الرجل، من سم إذا خص، والظاهر أن المراد بالخاصة في كلام الجوهري، هو خاصة الرجل، كما هو مقتضى كلام صاحب المجمع، لا الأشراف كما فيما يقابل فيه السامة بالعامة

والغرض من السامة هو الشيعة، والغرض من العامة القائلون بخلافة الخلفاء الثلاثة.

وقد يقال السامة بالهامة فالمراد بالسامة مايسم ويقتل، والمراد بالهامة مايسم و لا يقتل. على ماذكره في النهاية من أن «الهامة» كل ذات سم يقتل، و ما يسم ولا يقتل، كالعقرب والزنبور فهو السامة، وذكر أن الهوام قد تطلق على ما لا يقتل، كما في الحديث «أتوا ذلك هوام رأسك» أي الفعل.

والظاهر أن الغرض مما لا يقتل، هو ما لايسم و لا يقتل، كالقمل

و يحتمل أن يكون الغرض، ما لا يقتل سواء كان يسم" أولا

وعد في المجمع من ذلك - أعني إطلاق الهوام على ما يسم ولا يقتل - الحديث «أعيذ نفسي من كل شيطان وهامة».

ويساعد ذلك ما عن المطرزي من أن الهامة من الدواب، ما تقتل من ذوات السموم كالعقارب والحيات، وحديث «أتوا ذلك هوام رأسك».

فالمراد بها القمل على الاستعارة.

وحكي في المجمع عن بعض المحققين، أنه إذا اقترنت السامة بالعامة فالسامة الخاصة، وإذا اقترنت بالهامة، فهي ذات السموم والغرض من ذات السموم، مايسم ولا يقتل. فالمراد من الهامة ما يسم ويقتل كما سمعت من النهاية.

و في الصحاح : والهامة واحد الهوام ولا يقع هذا الاسم إلا على المخوف من الأحناش، بالحاء المهملة، والشين المعجمة، جمع الحنش بالتحريك.

قال في الصحاح : الحنش كل ما يصاد من الطير والهوام.

والظاهر أن الغرض من المخوف من الأحناش، مايسم ويقتل، كما سمعت من النهاية. وقد يقابل السامة باللامة، فالمقصود من السامة مايسم ولا يقتل كما مر والمقصود من السلامة هو العين التي تصيب بالسوء كما هو مقتضى ما يأتي من الصحاح في مقابلة الهامة باللامة.

وفي النهاية : «اللهم ظرف من الجنون يلم،بالانسان، أي يقرب منه ويعتريه». ومنه حديث الدعاء: «أعوذ بكلمات الله التامة، من شر كل سامة، ومن كل عين لامة» أي ذات لمم، أي لم يقل «ملمة» وأصلها من ألممت بالشيء، لتزاوج قوله: من شر كل سامة.

والمقصود من طرف من الجنون، هو القطعة منه إلى القليل. كما في الحديث: «فمال طرف من المشركين».

ومقتضى الكلام المذكور من النهاية، أن المقصود من العين اللامة: هو العين التي ذات اللهم، أي القليل من الجنون، بمعنى الملمة أي ما يورث الجنون القليل والتعبير باللامية للمزاوجة والمجانسة مع الهامة.

لكنه فاسد إذ لم يسمع إحداث العين الجنون في زمان من الأزمان، والمعروف

فيها كونها موجبة للهلاكة، وشبهها كما يظهر مما تقدم من الوقائع.

ويأتي من السيد الداماد احتمال وجه ثالث غير الوجهين المذكورين.

وقد يقابل الهامة باللامة كما في الصحاح «أعيذه من كل هامة ولامة» فالمراد بالهامة ما يسم ويقتل، والمراد باللامة العين التي تصيب بالسوء، أو تورث بعض الجنون.

وقد وقع السامة، والهامة، واللامة بدون سبق ذكر العين في كلام سيد السجاد و زين العباد عليه آلاف التحية والثناء من رب العباد إلى يوم التناد، في دعائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا سأل الله سبحانه العافية وشكرها «و أعذني وذريتي من الشيطان الرجيم، ومن شر السامة والهامة والعامة واللامة».

قد وقع السامة هنا مقابلا لكل من مقابليه أعني الهامة كما هو الغالب، والهامة.

لكن الظاهر أن المقصود بالسامة هنا ما يقابل العامة، وإلا فلا يناسب ذكر العامة بدون ذكر ما يقابله، فالأمر من قبيل ما وقع فيه الهامة قبال اللامة كما مر.

واحتمل السيد الداماد كون الغرض من السامة هو الخاصة.

من سمت النعمة إذا خصصت، و يقال : أصل السمت : الخاصة و الأقارب، أوذات السم، أو الذين يتبعون العورات، ويتجسسون المعائب، من «فلان، يسم ذلك» أي : يسبره وينظر ماغوره.

و كون الغرض من اللامة الجنون، كما يقال : أصاب فلاناً من الجنة لمة أي مس، وشيء قليل، أو كل نازلة شديدة من اللمة بمعنى الشدة، أو العين التي تصيب بسوء أي ذات لهم، وظاهره كون الغرض من الهامة ما يسم و يقتل حيث أنه قد نقل ما تقدم من كلام الجوهري والمطرزي فقال : وكان ابن الأثير يعني ذلك فنقل ما تقدم من عبارة النهاية.

ثم إنه قد يقابل الحامة بالعامة وقد ذكر في الصحاح أن الحامة : الخاصة كما يقال الحامة والعامة، وهؤلاء عامة الرجل أي أقرباؤه.

وفي القاموس والحامة العامة و خاصة الرجل من أهله و ولده.

وفي الصحيفة السجادية - لمنشئها آلاف السلام والتحية- في دعائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الصلاة على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) «و كاشف في الدعاء حامته» وعن بعض النسخ خاصته.

وفي دعائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لجيرانه وأوليائه إذا ذكرهم «وأوجب لهم ما أوجب لحامتي، وأرعى لهم ما أرعى لخاصتي».

[ تفسير الخاصة والعامة] :

ثم إن من المعروف التعبير بالخاصة عن الامامية، قبال التعبير بالعامة عن أهل السنة، والظاهر أن كلاً من الخاصة والعامة لا يختص بالعلماء بل أعم من العوام.

وربما نقل عن بعض توجيه ذلك بوجوه ثلاثة :

أحدها : أن من عدا الخاصة عامة، إما لكثرتهم وإما لتمسكهم بكل شبهة، وعملهم بكل عموم من غير التفات إلى مخصصه.

ثانيها : أن الخاصة أهل الخاصة، لأنهم يتبعون أهل البيت الذين نزههم الله سبحانه في كتابه العزيز، ولاشك أن أهل البيت سلام الله عليهم أجمعين خاصة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) و خالصته، فالمتتبع لهم أخص من المتتبع لغيرهم.

ثالثها : أن جميع الفرق الاسلامية غير الامامية، مشتركون في أصول العقائد ومختلفون في الاصول والفروع.

وأما الامامية فانهم متفقون في الجميع، وإن كانوا مختلفين في بعض الفروع، ولا يمكن الحكم بالنجاة على سائر الفرق لقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «فرقة ناجية» فيجب اختصاص بهذه الفرقة خاصة، وقد ورد في الأخبار الكثيرة أن الفرقة الناجية، هم الامامية

وليس شيء منها بشيء :

أما الاول : فلان مرجعه إلى أن من عدا الامامية، أعني أهل السنة عامة لوجهين: أحدهما عمومهم بمعنى كثرتهم.

والآخر تمسكهم بعموم الشبهات وعموم العمومات، أي جميعها من دون التفات إلى المخصص، فمقتضى كون من عدا الامامية عامة كون الامامية خاصة.

ويندفع بأن دعوى تمسك من عدا الامامية بجميع الشبهات وجميع العمومات مع عدم الالتفات إلى المخصص غير ثابت، غاية الأمر التمسك بالأمور الضعيفة من باب الغفلة، وكذا التمسك بالعمومات مع الغفلة عن المخصص، والغفلة غير عزيز من العلماء الامامية.

وقد ضبطنا في بعض فوائدنا الغفلات الصادرة عن آحاد أعيان الامامية، وكذا الغفلات الصادرة عن المشهور، أو الكل وضبطنا في بعض الرسائل الرجالية ماوقع من الغفلة من العلامة في الخلاصة، والنجاشي، والكشي، وابن داود، ومع ذلك العموم في جانب الشبهات والعمومات، لا يجدي في صحة التعبير بالعامة.

وأما الثاني: فلان مقتضاه أن الامامية أهل الخاصة، أي أهل الائمة - سلام الله عليهم أجمعين - وأين الخاصة من أهل الخاصة، فلا مجال لنفع ذلك في صحة التعبير بالخاصة عن الامامية.

ولعل الظاهر أن التمسك في كون الأئمة - سلام الله عليهم أجمعين - خاصة تارة إلى تنزيههم من جانب الله سبحانه في الكتاب العزيز.

وأخرى إلى كونهم سلام الله عليهم أجمعين خاصة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

ويحتمل أن يكون التمسك بالوجه الأخير بكون جملة «الذين نزههم الله سبحانه في كتابه العزيز» من قبيل الصفحة الموضحة، فالتمسك بالوجه الأخير فقط.

وأما الثالث: فلان مقتضاه كون النجاة خاصة الامامية ومختصاً بها، وشتان بين الخاصة، فكيف يجدي ذلك في صحة التعبير بالخاصة.

وقيل : إن التسمية بالخاصة محض اصطلاح نشأ من ملاحظة أن كل أحد يختص بفريقه، وكون غير الفريق عاماً بالنسبة إليه.

وأن غير الامامية إن لم يشاركهم في خصوص الايمان بجميع أئمة الأنام - عليهم آلاف التحية والسلام فقد شاركوهم في التصديق الظاهري بعموم شريعة الاسلام.

إذ من الظاهر أن الاسلام أعم من الايمان، والايمان إسلام خاص كما دل عليه صريح الآية الشريفة من قوله سبحانه : «قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا».

بل يمكن أن يستفاد من تضاعيف الأخبار : أن الخاصة اصطلاح من الأئمة - سلام الله عليهم أجمعين - حيث أنهم يعبرون عن أهل السنة كثيراً بالعامة والناس.

و مقتضاه تطرق الاصطلاح منهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) بالخاصة في الامامية.

بل الظاهر اشتهار ذلك في لسان الرواة، ويرشد إليه ما في صحيحة أبي المقدام المروية في روضة الكافي (1)قال : قلت لأبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إن العامة يزعمون... إلى آخر الحديث، ومرجعه إلى وجوه ثلاثة :

أحدها : إختصاص أحد بفريقه، وكون غير الفريق عاماً بالنسبة إليه

وفيه أنه لا يرجع إلى محصل، بل مقتضاه كون كل من الفرق خاصة.

ثانيها : أن الامامية أهل الايمان، وسائر الفرق أهل الاسلام، والاسلام أعم كما دل عليه قوله سبحانه : «قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا».

وفيه أن مقتضاه كون الامامية أهل الخصوص، وأين أهل الخصوص من الخاصة؟

ثالثها : جريان الاصطلاح من الأئمة - سلام الله عليهم أجمعين - في العامة في أهل السنة بالاصالة، وفي الخاصة في الامامية بالتبع، أي بتبع الاصطلاح في العامة و بعد ثبوت الاصطلاح من الأئمة سلام الله عليهم أجمعين.

و لكن ثبوت الاصطلاح في العامة، لا يقتضي تطرق الاصطلاح في الخاصة إذ المدار في الاصطلاح على كثرة إستعمال اللفظ في المعنى الجديد، ولا مسرح للمقابلة في إثبات الاصطلاح.


1) 8 / 270 ح 398.

فثبوت الاصطلاح بالعامة في أهل السنة لا يقتضي ثبوت الاصطلاح في الخاصة.

كما أن ثبوت الاصطلاح في العدالة، لا يقتضي ثبوت الاصطلاح في الفسق بما يضاد المصطلح عليه في العدالة، بل ثبوت الاصطلاح في بعض المشتقات لا يقتضي اطراد الاصطلاح في المبدأ، فضلا عن سائر المشتقات.

(مثلا) ثبوت الاصطلاح في الصحيح، لا يقتضي اطراد الاصطلاح في الصحة فضلا عن الاطراد في «صح» أو «يصح».

و كذا ثبوت الاصطلاح في الموثق لا يقتضي اطراد الاصطلاح في التوثيق فضلا عن الاطراد في «وثق» أو «يوثق». كيف لا و الاطراد مقطوع العدم.

بل تطرق المجاز المشهور على الأمر في أخبار الصادقين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) على القول به إنما هو في الهيئة على القول بالوضع النوعي في الأمر للوجوب، وهو لا يقتضي تطرق المجاز المشهور على المواد، إذ المدار في المجاز المشهور على كثرة ورود التجوز في مورد واحد، وكثرة التجوز في الهيئة لا توجب اطراد التجوز في المواد.

و كذا كثرة استعمال العموم في الخصوص لا تقتضي تطرق المجاز المشهور على السور أو المسور، لعدم ورود الكثرة في مورد مخصوص، بل الكثرة إنما هي بملاحظة موارد كثيرة.

ثم انه ربما نقل عن بعض الاواخر، التعبير عن العامة بالعام غروراً مما تعارف من التعبير بالعوام في قبال الخواص"، وهو خلاف لسان الأصحاب.

ثم إن الشائع في العرف التعبير بالعامي بالتخفيف في قبال العالم، و منه التعبير بالعوام من الأصوليين في مباحث التقليد.

والظاهر أنه مأخوذ من العمى ذهاب بصر القلب أي ذهاب البصيرة.

قال في القاموس : والعمى أيضاً ذهاب بصر القلب إلى أن قال: والأعماء : الجهال

جمع أعمى، ثم قال: وأعماء عامية مبالغة، لكن العمى لا يبني على فاعل، بل يبنى على أفعل دائماً.

لكن مقتضى قول صاحب القاموس، وأعماء عامية مبالغة جواز البناء على فاعل.

وربما احتمل أن يكون العامي - بالتشديد - في قبال العالم نسبة الى العامة في قبال الخاصة، و اسناداً للمبالغة نحو علامة حذفت في النسبة.

وأما التعبير بالعوام بها للعامي - بالتخفيف - بمعنى الجاهل فهو في غير المحل إذ الجمع عماة، قال ابن مالك في نحو: رام ذو اطراد فعلة.

نعم إذا استعمل العوام في قبال الخواص - فهو بالتشديد جمعاً للعام بلا كلام.

وربما احتمل أن يكون العوام بمعنى الجهال جمعاً للعامي - بالتخفيف - من باب جواز اختصاص جمع بالمعنى المجازي، وعدم اطراده في المعنى الحقيقي.

كما أن الأمر بمعنى الشيء يجمع على أمور، دونه بمعنى القول المخصوص.

أو كون الأصل : العوامي كالباري والبواري، وأسقط التاء تخفيفاً.

أقول : هذا آخر ما وجدناه من رسالة الاستخارة لمؤلفه أبي المعالي (قدس سره) مع تأخير «الفائدة في التشابه بين الطيرة وإصابة العين» لاستقلالها. جمعاً بين أداء الامانة وتسلسل فروع الاستخارة، وقد أشرنا في الكتاب إلى محلّها.

وقد أجاد المؤلف في تصنيفه حول القرآن عنواناً جديداً باسم «الاستخارة من القرآن المجيد». فلله دره وله أجره. و أسأل الله له بحق كتابه الذي أنزله لنا هدى ونوراً وبحق من أنزل عليه، ومن نزل بشأن فضائلهم ومنزلتهم تأويلا، خير ما سأل به عباده المستخيرون.

وختاماً أقول : نحن ألفنا كتاباً في الاستخارة ضمن موسوعتنا «جامع الاخبار والآثار عن النبي والأئمة الاطهار(عَلَيهِم السَّلَامُ)» استوفينا فيه جميع ما عثرنا عليه من الروايات على تسلسلها وسنقدمه قريباً إلى الطبع بتوفيق الله وعونه و آخر دعوانا أن الحمد لله وصلاته على محمد و آله خير البرية، واللعن الدائم على أعدائهم شر البرية.

السيد محمد باقر الموحد الابطحي الاصفهاني

فهرس المحتويات

المقدمة

رسالة التسترى في تشريع الخيرة وكيفيتها، والقرعة والمباهلة

أدلة شرعية الاستخارة من الكتاب والسنة والاجماع ...3

طريقية مؤدى الاستخارة للواقع وقد يتخلف ...7

شرعية الاستخارة، وفوائدها وفى الخيرة جهتان : نفسي، وطریقی ...15

باب 1- فى كيفية الاستخارة وأنواعها ...17

الاستخارة - بمعنى استعلام الخير - على أقسام : بالمشاورة، بالسبحة أو الحصى أو بمراجعة القلب أو المصحف و الاستخارة بالمساهمة، بالرقاع، بالقرعة... 20

باب 2 - فى جملة من أحكامها و أن الاستخارة قابلة للنيابة ...26

باب 3 - فى المباهلة : كيفيتها، وزمانها، وخواصها ...29

رسالة في الاستخارة من القرآن المجيد لابی المعالی ...33

ترجمة المؤلف ...35

خطبة كتاب الاستخارة، المناقشة في الرواية سنداً ومتناً ...39

تذييلات : الأول : هل المدار في الاستخارة على مدلول الاية أو الاعم والسياق ؟ ...46

الثاني : هل المدار أو الصفة أو الاعم مما كان مرتبطاً بما قبله ؟ ...48

الثالث : هل المدار أول الكلمة الأولى من السطر الأول أم تمامه ؟ ...50

الرابع : في حال ما كان فى السطر الاول دلالتان مختلفتان... 51

الخامس : في حال ما كان في آخر الصفحة اليسرى وأول اليمنى دلالتان مختلفتان... 51

السادس : أنه قديكون أول الصفحة اليمنى خالياً من المكتوب ...53

السابع : كلمات العلماء في الدعاء والقراءة عند الاستخارة... 54

الثامن : الاستخارة بالمصحف الغالب في أول صفحاته آيات العذاب أو الرحمة ...56

التاسع : قد تكون جودة الاستخارة لا لحسن الفعل بل لامر آخر ...57

العاشر : المدار على الفهم المعتبر فى استنباط الاحكام الشرعية ...58

الحادي عشر : فى اعتبار الايتين : السابقة واللاحقة ...59

الثاني عشر : في أن المدار على المدلول أو المصداق ...59

الثالث عشر : المدار في الاستخارة على فهم المستخير وذكائه ...60

الرابع عشر : لا فرق فى اعتبار الاستخارة بين أفراد الناس ...60

الخامس عشر : أن الاستخارة من أدلة وجود واجب الوجود ...61

السادس عشر : استكشاف حكمة الاستخارة وبيان موارد الاستخارة ...61

الثامن عشر : مخالفة الاستخارة توجب الضرر ...63

التاسع عشر : لامجال للاستخارة بعد الاستخارة ...64

العشرون : أن المدار في لزوم الفعل على جودة الاستخارة فعلا، ورداء ته تركاً ؟ ...66

الحادي والعشرون : ينبغى الجد والجهد في معرفة الاستخارة ...68

الثاني والعشرون : المدار فهم المستخير المعتبر في المطالب العلمية ...69

الثالث والعشرون : المدار أول الصفحة اليمنى من القرآن أم ما وقع عليه النظر ؟ ...70

الرابع والعشرون : الفرق بين التفول و الاستخارة بالقرآن ...70

الخامس والعشرون : أمثلة عجيبة من الاستخارات بالقرآن ...72

السادس والعشرون : الاستخارة لصلاح المستخير وعافيته ...84

السابع والعشرون : حال الايات ذات التقييد ...85

الثامن والعشرون : في الطيرة والتطير ...86

التاسع والعشرون والثلاثون : الاستخارة للدخول على الملوك و لاتيان الزوجة... 88

الحادي والثلاثون : بعض عجائب الاستخارات ...91

الثاني والثالث والثلاثون : الاستخارة بالسبحة و بالحصى والخشب والازرار... 95

رابع والثلاثون: الاستخارة أو التفؤل بديوان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...97

الخامس والسادس والثلاثون: فى تعهد أقوى أسباب القربة في الاستخارة وهي دعاء...98

السابع والثلاثون: في التطير بان الاستخارة يوم الجمعة رديئة ...100

الثامن والثلاثون: في التكلم أثناء الاستخارة ...103

التاسع والثلاثون : الاستخارة للغير مع عدم رضائه ...104

الاربعون : وقائع غريبة فى التوكل على الله وشكر المؤلف على حاله ...107

الحادي والاربعون : من استخار الله راضياً... خار الله له ...115

الثانى والاربعون فى الاستخارة على الاستخارة ...116

الثالث والاربعون : حول النيابة في الاستخارة ...116

الرابع والاربعون : الثقة بالاستخارة وعدمها ...122

الخامس والاربعون: في من رأى نوماً ...122

في التشابة بين الطيرة واصابة العين و ذکر روایاتها ...123

الاختلاف في ثبوت اصابة العين وملخص مقالة القائلين بثبوتها ...129

تنبيهات أمثلة عجيبة في اصابة العين ...136

الاول : «ان العين لا يؤثر ممن له نفس شريفة» ...136

الثاني : ان سوء العين لا يختص بالغير ...137

الثالث : في المبالغة باسباب التجمل مع الاطلاع على أصابة العين ...138

الرابع : في شرح السامة والهامة واللامة والخاصة والعامة...139