ghaemiyeh.com
الأربعون حديثا
تالیف
المحقق المتجر
أبو الفضائل محمد ابن الشيخ حسين الجبعی العاملي
«الشيخ البهائي»
تحقیق
مؤسسة النشر الإسلامي
التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة
محرر الرقمي: محمد حسين الآذري
الأربعون حديثاً
تألیف: أبو الفضائل محمد ابن الشيخ حسين العاملي «الشيخ البهائي»
الموضوع: حدیث
تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي
الطبعة: الأولى
المطبوع :200 نسخة
التاريخ: رجب المرجب 1415
مؤسسة النشر الإسلامي
التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.
لا يخفى على أهل البصيرة من أنّ السنّة الأكيدة البالغة إلينا بالطرق الصحيحة عن سيّد الرسل هو قوله صلى الله عليه وآله وسلّم :
«من حفظ على (من) أمتي أربعين حديثاً .... الخ»وهذا الحديث المبارك من الأحاديث المعتبرة المقبولة عندنا، بل عند العامة أيضاً كما صرح به العلّامة المجلسي رضوان الله تعالى عليه حيث عقد باباً مستقلاً في بحاره بهذا العنوان وقال في آخره: هذا المضمون مشهور مستفيض بين الخاصة والعامة بل قيل إنه متواتر (البحار ج 2 ص 156 باب 20
حدیث 10).
ولأجل ذلك جرت سيرة الأعلام على اقتفاء هذه السنة الكريمة بتأليف كتاب يدوّن فيه أربعون حديثاً، فقد أدرج العلامة الطهراني رحمه الله عدداً كبيراً من أسماء أولئك الأعاظم في ذريعته (ج1) ص 425) منهم الشهيد الأول والحسين بن عبد الصمد - والد الشيخ البهائي والمحقق الفيض الكاشاني والشيخ الجليل الحرّ العاملي وغيرهم من كبار الفقهاء قدس الله أسرارهم.
وهذا الكتاب الماثل بين يديك هو كتاب الأربعين للعلم الزاهر والبحر الزاخر صاحب العلوم المختلفة والفنون الكثيرة فخر الإماميّة الشيخ محمد بن الحسين البهائي العاملي رحمة الله عليه، فإنّ كتابه هذا
كسائر كتبه يعتبر من المصادر المهمّة لروّاد العلم والفضيلة، ولأجل الاستفادة أكثر فأكثر من هذا السفر الجليل قامت المؤسسة بتحقيقه ومقابلته مع النسخ الخطية وطبعه ونشره بهذه الصورة. وأخيراً تقدم المؤسسة جزيل شكرها للأخ المحقق أبي جعفر الكعبي سائلة الله سبحانه أن يوفقه وإيّاها لإحياء تراث أهل البيت عليهم السلام والسلف الصالح إنه ولي التوفيق.
مؤسسة النشر الإسلامي
التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هو الشيخ بهاء الدين أبو الفضائل محمد بن الحسین بن عبدالصمد بن محمد بن علي بن الحسن بن محمد بن صالح بن اسماعيل الحارثي الهمداني العاملي الجبعي.
يرجع نسبه الى الحارث بن عبدالله الأعور الهمداني من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، وهو المخاطب في قول علي عليه السلام:
یا حار همدان مَن يمت يرني*** من مؤمن أو منافق قبلا
و همدان قبيلة يمنية قطنت الكوفة بعد الفتح الإسلامي للعراق وقد كان لها دوراً بارزاً فى مؤازرة أمير المؤمنين عليه السلام ونصرته حتى قال أمير المؤمنين في مدحهم والثناء عليهم:
لو كنت بواباً على باب جنّة ***لقلت لهمدان أدخلوا بسلام.
و همدان فرع من قبيلة اكبر هي عاملة من قبائل اليمن التي سكنت جبال الشام وقد عُرفت هذه الجبال باسمها فسُميت «جبل عامل».
وقد أشار البهائى الى رفيع نسبه مخاطباً ومستنهضاً الإمام المنتظر
صلوات الله عليه قائلاً:
و عجل فداك العالمون بأسرهم *** و بادر علی اسم الله من غير إنظار
تجد من جنود الله خير كتائب *** و أكرم أعوان و أشرف أنصار
بهم من بني همدان أخلص فتية ***يخوضون أغمار الوغى غير فكار
بكل شديد البأس عبل شمردل *** الى الحتف مقدام على الهول صبّار
والجبعي نسبة الى جبع قرية من قرى جبل عامل و هي الموطن الأصلي لآبائه وأجداده وإليها ينتسب كثير من علماء جبل عامل.
ولد الشيخ البهائي في سنة 953 هجري قمري في بعلبك من قرى لبنان . وقيل ان ولادته قدّس سرّه كانت في سنة 951 هجري قمري، و ذهب بعض الى أنها كانت سنة 948 أو 949 هجري قمري.
نشأ الشيخ البهائي في أجواء عائلة علمية متدينة ، وصف ذلك بنفسه قائلاً: «إنّ آباءنا وأجدادنا في جبل عامل كانوا مشتغلين بالعلم والعبادة وهم أصحاب كرامات ومقامات».
فوالده الشيخ العلامة حسين بن عبد الصمد بن محمد كان من تلاميذ الشيخ الشهيد الثاني، وقد قال عنه الشهيد في إجازته له: «ثمّ انّ الأخ في الله ، المصطفى في الأخوة المختار في الدين، المرتقي عن حضيض التقليد الى أوج اليقين... الى آخره كلامه »(1)
وقال عنه الحرّ العاملي في أمل الآمل: كان عالماً ماهراً، محققاً، متبحراً، جامعاً، أديباً، منشئاً، شاعراً، عظيم الشأن، جليل القدر، ثقة ثقة (2).
وهو أيضاً حفيد أخ الشيخ الكفعمي صاحب المصباح والبلد الأمين وشرح الصحيفة ومحاسبة النفس.
هاجر الشيخ البهائي مع والده وهو صغير السن الى ايران حيث تتلمذ هناك على ثلة من علماء جبل عامل الذين كانوا قد شدّوا الرحال الى هذا البلد الإسلامي الذي أعلن تشيعه حديثاً لنشر مذهب أهل البيت عليهم السلام. كما أن رحلات شيخنا البهائي في أقطار المسلمين قد استدعت كثرة من أخذ عنهم. ومنهم:
1- والده الشيخ حسين بن عبد الصمد ،ولد سنة 918 هجري قمري وتوفي في البحرين سنة 984 هجري قمري. قرأ الشيخ البهائي على والده علوم العربية والحديث والتفسير. وروى عنه قراءة و سماعة و إجازة مارواه من العلوم العقلية والنقلية عن الشيخ الشهيد الثاني رضوان جميع الله عليه .
2 - الفقيه المحقق والمحدّث المتكلم الشيخ عبد العالي بن الشيخ علي بن عبد العالي العاملي الكركي، نجل صاحب جامع المقاصد، ولد سنة 926 وتوفّي باصفهان سنة 993 هجري قمري.
3 - الشيخ الفاضل المنطقي المولى عبدالله بن الحسين اليزدي الشهابادي المتوفى سنة 981 هجري قمري في اصفهان، كان علامة زمانه، جلیل القدر له مؤلّفات منها: الحاشية على تهذيب المنطق للتفتازاني، وحاشية على الاستبصار.
4 - المولى علي المذهب المدرّس، تتلمذ عليه في الرياضيات.
5 - الشيخ أحمد الكجائي الكهدمي الگيلاني التهمني المعروف
ب- «پير أحمد»، قرأ عليه في قزوين الرياضيات والحكمة.
6 - النطاسي المحنّك عمادالدين محمود بن مسعود الشيرازي، قرأ عليه الطب.
7۔ محمد باقر بن زين العابدين اليزدي المتوفى حدود 1056 هجري قمري كان من أعاظم الرياضيين، من مؤلفاته: عيون الحساب، مطالع الأنوار في الهيئة.
هنالك ظاهرتان بارزتان تشکلان معالم العصر الذي عاش فيه شيخنا البهائي:
الأولى: الدولة الصفوية.
الثانية: هجرة ثلة من علماء جبل عامل الى ايران.
وقد ساهمت هاتان الظاهرتان في تكوين عقلية الشيخ البهائي وأبعاد تفكيره ونشاطه العلمي والسياسي.
تربع الصفويون على عرش السلطنة في إيران من سنة 907 هجري قمري الى 1113 هجري قمري، وتقوّض ملكهم على يد الأفغان، وبقي بعض أفراد هذه الأسرة حاكماً في بعض الولايات وخصوصاً مازندران، و كان عام 1148 هجري قمري -أي وقت جلوس نادرشاه علی کرسی الحكم - نهاية كاملة لحكم هذه العائلة.
و يرجع نسب الصفويين الى الشيخ صفي الدين أبي الفتح اسحاق الأردبيلي، و هو
أحد مشايخ الطرق الصوفية المعروفين أنذاك، توفي في گيلان سنة 735 هجري قمري، وهو في سن الخامسة والثمانين، والمشهور أن الصفوية عائلة يرجع نسبها الى النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم،
و كان الشيخ صفي يقول بأنه يتصل بالإمام الكاظم عليه السلام بعشرين ظهر. وكان اللسان الآذري (التركي) هو لسانهم الأصلي.
وهناك ظاهرة جديرة بالالتفات في تاريخ المسلمين وهي تصدّي حركات صوفية للعمل السياسي والإجتماعي وتسلّمها لمقاليد الحكم والسلطة السياسية وخروجها عن عزلتها الفكرية والإجتماعية.
ولعل السبب في ذلك يرجع الى طبيعة الدين الإسلامي الذي يحث المتدينين به الى تطهير نفوسهم من أدران الرذائل والتحلي بالصفات والمحاسن الحميدة (ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها* قد أفلح من زكاها* وقد خاب من دساها) (1)ويضعهم أمام مسؤولياتهم الاجتماعية ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون)(2)( إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون )(3)( و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين الله )(4).
ولقد كانت الحركة الصفوية فى بداية أمرها حركة عقائدية ثارث في وجه السياسة الطائفية المقيتة ودافعت عن التشيّع الذي كان يلاقي تقتيلاً وتشريداً في كل مكان. ووفرت فرص واسعة لنشر المذهب الشيعي.
ولكن هذا لا يبرر المظالم التي ارتكبها الصفويون أوسكوت الاشخاص ذلك، ولهذا فقد سجّل لنا التاريخ مواقف خالدة لزعماء الشيعة من تلك المظالم رغم التعاطف والتأييد العام لهذا الكيان السياسي الجديد للشيعة. فهذا المقدّس الأردبيلي زعيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف
والمرجع المطلق للشيعة آنذاك يخاطب السلطان عباس الصفوي بمثل هذه الطريقة الجارحة حينما جاءه أحد الأشخاص فاراً من طائلة عقاب السلطان رغم كونه من أردبيل مركز الصفويين وعاصمة دولتهم ومن أبناء جلدتهم:
«اعلم يا عباس صاحب الملك المعار إذا كان هذا الرجل ظالماً فقد أصبح هذا اليوم مظلوماً، فإذا عفوت عن تقصيره فعسى الله سبحانه يعفو عن جزء من تقصيراتك. عبد سلطان الولاية - يعني عبد أمير المؤمنين عليه
السلام - أحمد الأردبيلي ».
فكتب له شاه عباس الجواب:
«نحيطكم علماً بأنّ الخدمات التي طلبتموها من عبّاس قد اداها و
هو ممنون، أرجو أن لا تنسوا هذا المحبّ من دعاء الخير كلب باب علي
عليه السلام عبّاس ».
ويقول الشيخ محمد باقر بن زین العابدين اليزدي من أساتذة الشيخ
البهائي في إعلان موقفه من ذلك الوضع :
قد بلينا بأمير *** ظلم الناس و سبح
فهو كالجزار فيهم *** يذكر الله و يذبح
وإليك سرداً بأسماء السلاطين الصفوية وتواريخ ملكهم:
1 - شاه إسماعيل الأوّل 907 - 930 ه . ق.
2 - شاه طهماسب الأوّل 930 - 984 ه . ق.
3- شاه إسماعيل الثاني 984 - 985 ه . ق.
4 - محمد خدابنده 985 ه . ق.
ه - شاه عباس الأوّل 985 - 1038 ه . ق.
6 - شاه صفي 1038 - 1052 ه . ق.
7 - شاه عباس الثاني 1052 - 1077 ه-. ق.
8 - شاه سلیمان 1077 - 1105 ه. ق.
9 - شاه سلطان حسین 1105 - 1135 ه. ق.
و قد عاصر الشيخ البهائي ثلاثة من سلاطين الصفوية و هم شاه إسماعيل الثاني ومحمد خدابنده و شاه عباس الأوّل الذي يعتبر من أعظم سلاطين الصفوية، وقد استولى على السلطة و هو فتى سنة 995 هجري قمري بعد مقتل أخويه حمزة واسماعيل ، ونقل العاصمة من قزوين الى إصفهان، و كان الضعف قد سرى في عروق الدولة الصفوية واختلت أحوالها واستولى السلطان العثماني سليم الثاني على كثير من المدن كتبريز و شروان و گیلان و نشط الاوزبكيون في أطراف البلاد واستفحل أمرهم، فصالح الدولة العثمانية وانثني الى كبح جماح الأزبكية من بلاد خراسان فكانت له معهم وقائع عظيمة انتهت بفوزه، ثمّ قصد حرب العثمانيين فحاربهم حتى سنة 1019هجري قمري وصالحهم في تلك السنة فثبت حكمه على شروان وكردستان وأرمينية، ثم عاد العثمانيون لمحاربته فلم ينالوا منه واضطروا إلى مصالحته مرّة أخرى سنة 1027 هجري قمري. ثم استولى على قندهار وضمها الى بلاده، وسيطر على بغداد التي كانت في أيدي العثمانيين سنة 1032 هجري قمري وبقيت في يد الصفويين الى أن رجع العثمانيون اليها سنة 1048 هجري قمري بقيادة السلطان مراد.
توفّي شاه عباس في سنة1038هجري قمري بإصفهان ودفن بأردبيل في تربة الشيخ صفي الدين و قد تجاوز السبعين عاماً و قد حكم ثلاث و خمسين سنة.
وقد ظلّ الصفويون أوفياء للمذهب الشيعي بحدود عقليتهم القاصرة و يعود اليهم الفضل في توسيع دائرة التشيّع في إيران و آذربيجان و افغانستان .
لاقى ظهور الدولة الصفوية وتبنّيها للتشيع تعاطفاً و تأييداً بين صفوف الشيعة وعلمائهم وخاصة في أقاليم التمييز الطائفي والتعصب المذهبي، وكان لعلماء جبل عامل دوراً هاماً في دعم هذه الدولة والهجرة اليها و تسلّم المناصب الدينية والقضائية و غيرها، و تعريف الناس بالمذهب الشيعي وعقائده وأحكامه وتأليف الكتب في هذا المجال وكتابة القوانين الشرعية للدولة. ومن هؤلاء العلماء:
1- الشيخ ظهیرالدين أبو اسحاق ابراهيم بن الشيخ نورالدين أبي القاسم علي بن تاج الدين عبدالعالي الميسي العاملي. فقيه عالم جليل من. دولة السلطان شاه طهماسب الصفوي. قال في رياض العلماء: وهو ولد الشيخ علي الميسي المشهور الذي أجازه الشيخ علي الكركي وأجاز هو الشهيد الثاني(1)
2 - السید نظام الدين أحمد بن زین العابدين العلوي العاملي، من وجوه تلاميذ الشيخ البهائي العاملي والميرزا محمدباقر الداماد وكان صهراً للميرداماد وابن خالته، وله حواش فقهية وسيادة الأشراف» و«المنهاج الصفوي» و «مصقل الصفاء في ردّ النصارى و كتاب المعارف الإلهية و كتاب كشف الحقائق وكتاب مفتاح الشفاء وكتاب العروة الوثقى وكتاب النفحات(2)
3۔ السید میرزا حبیب الله بن الحسين بن الحسن الحسيني الموسوي العاملي، كان عالماً جليل القدر عظيم الشأن كثير العلم والعمل، سافر الى اصفهان و صار فيها صدر العلماء والأمراء، و كان أولاده و أبوه و جده
فضلاء، وكانوا معاصرين للشيخ البهائي(1)
4۔ الشیخ حسین بن عبد الصمد بن محمد الحارثي الهمداني الجبعي العاملي والد الشيخ البهائي، تتلمذ على يد الشهيد الثاني الذي قال عنه في إجازته له:«ثمّ إنّ الأخ في الله المصطفى في الأخوة، المختار في الدين المرتقي عن حضيض التقليد الى أوج اليقين، الشيخ الإمام العالم الأوحد ذي النفس الطاهرة الزكية والهمة الباهرة العلية والأخلاق الزاهرة الانسية، عضد الاسلام والمسلمين عزّ الدنيا والدين حسين بن الشيخ الصالح
العالم العامل المتقي المتفنن خلاصة الأخيار الشيخ عبدالصمد بن الشيخ الإمام شمس الدین محمد الشهير بالجبعي أسعد الله جده و جدد سعده و كبت عدوّه و ضده ممن انقطع بكلّيته الى طلب المعالي، ووصل يقظة الأيام بإحياء الليالي حتى أحرز السبق في مجاري ميدانه وحصل بفضله السبق على سائر أترابه وأقرانه وصرف برهة من زمانه في تحصيل هذا العلم و حصل منه على أعلى نصيب وأوفر سهم».
هاجر الى إيران و ألف رسالة في تصحيح قبلة عراق العجم و خراسان، وردّ في هذه الرسالة على الشيخ علي بن عبد العالي الكركي الذي كان قد عيّن القبلة فيها، وسافر الى خراسان ثمّ الى هرات وتسنّم منصب شيخ الإسلام فيها، ثم انتقل الى البحرين حيث وافاه الأجل هناك عن عمر يناهز السادسة والستون عاماً. له كتاب الأربعون حديثاً وحاشية على الإرشاد، وكتب كتاب العقد الطهماسبي للشاه طهماسب، وشرح ألفية الشهيد الأوّل، ورسالة في صلاة الجمعة(2)
5- الشيخ نورالدين علي بن عبد العالي الكركي المعروف بالمحقق الثاني صاحب جامع المقاصد و مجدّد المذهب الحق ، ناشر لمذهب
الشيعة الإمامية الإثناعشرية في إيران. طلب منه الشاه طهماسب المجيء الى قزوین و اصفهان لتولّي أمور البلاد باعتباره نائب الإمام وهو أحد رعاياه و أبدى استعداده للعمل بأوامره ونواهيه، فتصدى المحقق الثاني للأمر وأنجز أعمالاً مهمة في تنظيم الأمور الشرعية في البلاد والإشراف على نشر التشيع وتعليم الناس الأحكام الشرعية. وألف رسائل في الأمور المستحدثة التي تتعلّق بشؤون الحكم والدولة و وسع البحوث الفقهية و أخرجها من طابعها الفردي الى الأفق الاجتماعي و تنظيم شؤون الناس كرسالة قاطعة اللجاج في حلّ مسألة الخراج. وكان من أوائل القائلين بولاية الفقيه(1)
6 - السيد حسين بن محمد بن علي بن الحسين بن أبي الحسن الموسوي العاملي الجبعي، كان عالماً فاضلاً فقيهاً ماهراً جليل القدر عظيم الشأن، قرأ على أبيه صاحب المدارك و على الشيخ بهاء الدين و غيرهما من معاصریه، سافر الى خراسان وسكن فيها، وكان شيخ الإسلام -يعني أقضى القضاة - بالمشهد المقدّس على مشرّفة السلام. وكان مدرّساً في أ في الحضرة الشريفة في القبة الكبيرة الشرقية (2)
7 - السيد ميرزا علی رضا بن ميرزا حبیب الله الموسوي العاملي الكركي، كان فاضلاً عالماً محققاً مدققاً فقيهاً متكلّماً جليل القدر عظيم - الشأن، شيخ الإسلام في إصفهان، توفّى سنة 1091هجري قمري (3)
الشيخ علي بن صبيح العاملي كان عالماً فاضلاً فقيهاً محدثاً عابداً زاهداً ورعاً، شيخ الإسلام في يزد، معاصراً لشيخنا البهائي(4)
8- الشیخ علی بن صبیح عاملی، کان عالماً فاضلاً فقیهاً محدثاً عابداً زهداً ورعاً، شیخ الإسلام فی یزد ، معاصراً لشیخنا البهائي(5)
9 - السيّد ميرزا محمد معصوم بن میرزا محمد مهدي بن ميرزا حبيب الله الموسوي العاملي الكركي، كان فاضلاً عالماً محققاً جليل القدر شيخ الإسلام في إصفهان، توفّي سنة 1095 هجري قمري(1)
10 - السيد ميرزا محمد مهدي بن ميرزا حبيب الله الموسوي العاملي الكركي، كان عالماً فاضلاً جليل القدر عظيم الشأن، اعتمادالدولة في إصفهان(2)
11 - الشيخ زين الدين علي بن منشار العاملي، شيخ الإسلام، فاضل جليل، من المعاصرين للشاه طهماسب الصفوي، ومن تلامذة الشيخ علي الكركي (3)
كانت رحلة الشيخ البهائي قدّس سرّه الأولى بصحبة والده من مسقط رأسه بعلبك الى قزوين عاصمة الصفويين آنذاك وكان عمره سبع سنوات. تتلمذ هناك على يد والده و علماء قزوين ثمّ اصفهان، واقترن بكريمة الشيخ زين الدين علي منشار العاملي شيخ الإسلام في إيران في عصر الشاه طهماسب، وكان من تلامذة الشيخ علي الكركي.
و لعل الشيخ البهائي قد اطلع على أكثر العلوم الغريبة من مكتبة الشيخ علي منشار التي كانت تربو على الأربعة آلاف كتاب والتي جلب أكثرها من الديار الهندية حينما ورثت هذه المكتبة زوجة الشيخ البهائي من والدها إذ كانت وارثته الوحيدة. والمشهور بأنّ الشيخ البهائي لم يُنجب ولداً وقد ساعده هذا كثيراً على السفر والسياحة في أقطار العالم الإسلامي.
و قد حظي الشيخ البهائي بمنزلة رقميعة لدى الشاه الصفوي عبّاس الأوّل وارتقى أهمّ منصب ديني في الدولة الصفوية وهو منصب مشيخة الإسلام.
وقد اشتاقت نفس البهائي الى الفقر والسياحة وترك «تلك المناصب و مال لما هو لحاله مناسب» على حدّ تعبير السيد المدني في سلافته (1).
فبدأ سياحته بحج بيت الله الحرام و مدينة الرسول صلّى الله عليه وآله و سلّم حيث استغرقت أربع سنوات، ثم سافر الى العراق لزيارة العتبات المقدّسة، واستقر في مصر سنتان، ورحل الى الشام والقدس وبقي فيها ردحاً من الزمان، ثم ذهب الى هرات، وزار بعدها مرقد الإمام علي بن الرضا صلوات الله عليه في خراسان ، ثم سافر الى آذربایجان ، و رجع بعدها الى إصفهان. وقد استغرقت سياحته هذه ثلاثين سنة كما ذهب الى ذلك صاحب السلافة.
وقد التقى في سياحته هذه بعلماء وأدباء العالم الإسلامي آنذاك و دخل معهم في حوار علمي ومذهبي، وقد سجل لنا التاريخ جزء يسيراً من تلك المباحثاث والمناظرات الكثيرة.
وكان قدّس سرّه يحرص على عدم إظهار حقيقة مذهبه ويتظاهر بالمذهب الشائع في ذلك المصر فيعاشر كل فرقة بمقتضى طريقتهم ممّا دعا بعض علماء العامة الى أنه على مذهبهم، قال رضوان الله عليه:
و إني امرؤ لا يدرك الدهر غايتي*** ولاتصل الأيدي الى سبر أغواري
أخالط أبناء الزمان بمقتضى*** عقولهم كيلا يفوهوا بإنكاري
وأظهر أني مثلهم تستفزني*** صروف الليالي باختلاء وإمرار(2)
فكان يبتكر اساليب في التبليغ والترويج للمذهب الحق، فمثلاً
حينما كان في مصر ألف كتاب الكشكول ، و هو كتاب فريد في بابه ، لم يسبقه إليه أحد، حوى الكتاب طرائف و حكم و قصص وأخبار و أشعار لطيفة بثَّ في ثناياها أفكاراً وأدلّة و حججاً تدعو الى المذهب الصحيح، و سماه الكشكول وهو وعاء المتسوّل الذي يجمع فيه كلّ شيء.
قال المحبّي في خلاصة الأثر:
محمد بن حسین بن عبد الصمد الملقب ببهاء الدين صاحب التصنيفات والتحقيقات، وهو أحق من كل حقيق بذكر أخباره ونشر مزاياه و اتحاف العالم بفضائله و بدائعه، وكان أمة مستقلة في الأخذ بأطراف العلوم والتضلع بدقائق الفنون، وما أظنّ الزمان سمح بمثله ولاجاد بنده.
و بالجملة فلم تتشنّف الأسماع بأعجب من أخباره(1)
وقال السيد علي خان المدني تلميذ الشيخ البهائي في كتابه الحدائق
الندية في شرح الصمدية :
«الإمام الفاضل المحقق النحرير المحدّث الفقيه، المجتهد النحوي الكبير، مالك أزمة الفضائل والعلوم، محرز قصبات السبق في حلبتي المنطوق والمفهوم، شيخ العلم وحامل لوائه، بدر الفضل وكوكب سمائه أبو الفضائل محمد بن شیخ عزالدین حسین بن الشيخ الإمام شمس الدين محمد بن علي بن حسن بن محمد بن صالح الجبعي العاملي الحارثي الهمداني رحمه الله تعالى.. كان ذافضل ظاهر وأدب باهر، ملك للعلوم قيادا، واعمل فيها رواسم وجيادا، خبّ في المعاني ووضع، ورفع ماشاء و وضع، فأصبح وهو المختلف إليه والمتفق عليه، حجته قاطعة، وبهجته
1) خلاصة الأثر: ج 3 ص 440.
ساطعة به يهتدي المارون، ومنه يحتدي الممتارون، لم يكن في زمانه من يجاريه ولا يباديه، بل لا يقاربه ولا يدانيه، إليه ترجع الأقوال إذا تصعبت، وعليه تجتمع الآراء إذا تشعبت، فلله هو من إمام ألبستُ كتابي بذكره تاجاً، وأوضحت له من سبيل اليمن منهاجاً، فأصبح باكليل البهاء مكلّلاً، وبسماء الفخار مظللاً، وناهيك ببهاء الدين من بهاء، منه مبدأ الفضل وإليه المنتهى»(1)
وقال في سلافة العصر:
«علم الأئمة الأعلام، وسيّد علماء الإسلام، وبحر العلم المتلاطمة بالفضائل أمواجه، و فحل الفضل الناتجة لديه أفراده و أزواجه، و طود المعارف الراسخ،و فضاؤها الذي لا تحدّ له فراسخ ، و جوادها الذي لا يؤمل له لحاق، وبدرها الذي لا يعتريه محاق، الرُحَلَة الذي ضربت إليها أكابد الإبل، والقبلة التي فطر كل قلب على حبّها وجبل. فهو علامة البشر، و مجدّد دين الأئمّة على رأس القرن الحادي عشر، إليه انتهت رياسة المذهب والملة ، و به قامت قواطع البراهين والأدلة ، جمع فنون العلم وانعقد عليه الإجماع، وتفرّد بصنوف الفضل فبهر النواظر والأسماع، فما من فن إلا وله فيه القدح المعلّى والمورد العذب المحلّي، إن قال لم يدع قولاً لقائل، أو طال لم يأت غيره بطائل، وما مثله ومن تقدّمه من الأفاضل والأعيان الا كالملة المحمدية المتأخرة عن الملل والأديان، جاءت آخراً فقامت مفاخراً، وكلّ وصف قلته في غيره فهو تجربة الخواطر»(2)
وقال والد المجلسي قدس سره:
الشيخ الأعظم، والوالد المعظم الإمام العلامة، ملك الفضلاء والأدباء والمحدثين بهاء الملة والحق والدين (3)
وقال في موضع آخر:
«شيخنا وأستاذنا ومن استفدنا منه، بل كان الوالد المعظم، كان شيخ الطائفة في زمانه جليل القدر، عظيم الشأن، كثير الحفظ، مارأيت بكثرة علومه، ووفورة فضله، وعلو مرتبته أحداً»(1)
وقال الشيخ الحرّ العاملي رضوان الله عليه في أمل الآمل: حاله في الفقه والعلم والفضل والتحقيق والتدقيق وجلالة القدر و عظم الشأن وحسن التصنيف ورشاقة العبارة وجمع المحاسن أظهر من أن يذكر، وفضائله اكثر من أن تحصر، وكان ماهراً متبحراً جامعاً كاملاً شاعراً أديباً منشأ ثقة، عديم النظير في زمانه في الفقه والحديث والمعاني والبيان والرياضي وغيرها» (2)
وقال السيد مير مصطفى التفرشي في نقد الرجال:
«... جليل القدر، عظيم المنزلة، رفيع الشأن، كثير الحفظ، مارأيت بكثرة علومه و وفور فضله و علو مرتبته أحداً في كل فنون الإسلام كمن كان له فنّ واحد، له كتب نفيسة جيدة»(3)
لقد اقترن اسم البهائي باختراعاته العلمية العجيبة، وقد اشتهر صيته في الآفاق وتفوّق على أقرانه بسبب هذه المعاجز العلمية التي لازالت لغزاً الى اليوم، والتي منها هندسة المشهد العلوي في النجف الأشرف على قواعد هندسية فلكية لم تكن لتخطر في بال ، إذ جعل الجدار الشرقي من سور المشهد يمتدّ قائماً من الشمال الى الجنوب بحيث يدلّ على وقت
زوال الشمس عند الظهر مجرّد سقوط أشعتها على وجهه الغربي في مختلف فصول السنة وبحسب منازل الشمس بحيث لا يؤثر انتقالها من منزلة الى منزلة على توقيت ذلك الجدار للزوال بدقة منقطعة النظير.
و من انجازاته المعمارية أيضاً هندسة المشهد الرضوي في خراسان، فأقامه في بقعة واسعة سداسي الشكل، ذا مداخل فارهة منتظمة مع الآفاق، وذا باحات تحتوي برك ماء وأمكنة للوضوء، ينتصب في وسطه ضريح الإمام الرضا عليه السلام، فإذا ألقيت نظرة عليه حسبته يضيق بعشرات الزوار فإن أنت دخلته وجدته يسع الآلاف.
ومن الأسرار الهندسية لهذا الشيخ الفذ هندسته لمئذنتين تقومان الى الآن في إصفهان يمكن لرجل واحد أن يحتضن أحدها و يهزها فتهتز المئذنة الأخرى المقابلة لها وتتحرّك بحركتها بشكل ملحوظ. ومن أسراره العلمية أيضاً بناء المسجد الجامع في اصفهان بحيث يرد الصدى ست أو سبع مرات.
و من معاجزه العلمية التي أخذت بألباب العلماء هو الحمام الذي بناه و جعل ماءَه يسخن بشمعة واحدة أشعلها بيده فكانت كافية لتسخين الماء لمئات السنين بحيث بقيت مشتعلة تسخّن الماء ولا تذوب الى عهد ليس ببعيد، حيث خرّبتها لجنة من العلماء الأجانب عملت على اكتشاف سرها المدهش فانطفأت الشمعة بين أيديها ولم تدرك سرّ اشتعالها وعدم ذوبانها قرون عديدة.
أخذ عن شيخنا البهائي علوم الفقه والأصول والتفسير والفلك والرياضيات والهيئة والحكمة والأدب أعداد غفيرة من العلماء الأفذاذ،
ويروي عنه بالإجازة جمع من الأعلام، واليك أسماء الفريقين مرتبةً على الحروف الأبجدية:
1 - الشيخ إبراهيم بن فخر الدين العاملي البازوري، أمل الآمل ص5 .
2- السيد نظام الدين أحمد بن زین العابدين العلوي، له إجازات ثلاث من المترجم له كتبها سنة 1018 هجري قمري توجد في (إجازات البحار).
3 - الشيخ أبو طالب التبريزي، تلميذ لشيخنا البهائي وله منه إجازة
كما في (رياض العلماء).
4 - السيد ظهيرالدين ابراهيم بن قوام الدين الهمداني المتوفى سنة 1025 هجري قمري له إجازة من المترجم له (جامع الرواة، سلافة العصر، نجوم السماء).
5 - السيد ابو القاسم الرازي الغروي، له اجازة من المترجم له (وفيات الأعلام).
6 - السيد أحمد بن عبدالصمد الحسيني البحراني «سلافة العصر، أمل الآمل».
7- السيد معين الدين محمد أشرف الشيرازي، كتب المترجم له
إجازة له على كتابه( مفتاح الفلاح) سنة 1021هجري قمري.
8 - السيد أحمد بن الحسين بن الحسن الموسوي العاملي الكركي، توجد إجازة شيخنا البهائي له المؤرّخة سنة 1012 هجري قمري في إجازات البحار: ص 132.
9- السيد بدر الدين بن أحمد العاملي الأنصاري نزيل طوس، شارح
الإثنى عشرية الصوميّة والصلاتية لأستاذه المترجم له (أمل الآمل).
10- كمال الدين الحاج بابا بن ميرزا جان القزويني، كتب المترجم له إجازته سنة 1007 هجري قمري على ظهر (الحبل المتين) الذي كتبه المجاز له( الذريعة ج 1 ص 237، مستدرك الإجازات).
11 - الأمير محمد باقر الاسترآبادي المشهور بطالبان (أمل الآمل: ص60).
12- المولى محمدباقر بن زین العابدين اليزدي (تتميم أمل الآمل للقزويني، نجوم السماء).
13 - المولى بديع الزمان القهباني له إجازة كتبها المترجم له على
كتابه الإثني عشرية الصلاتية (الذريعة ج 1 ص 237).
14 - الشيخ جعفر بن الشيخ لطف الله بن عبد الكريم الميسي العاملي الإصفهاني، أجاز له ولوالده سنة 1020هجري قمري، توجد في (إجازات البحار ص 130).
15 - الشيخ جواد بن سعد بن جواد البغدادي المعروف بالفاضل
الجواد يروي عن المترجم له (المستدرك ج 3 ص 406).
16 - الشيخ جعفر بن محمد بن الحسن الخطي البحراني (أمل الآمل،
سلافة العصر) وفى السلافة أنه توفّى سنة 1028هجري قمري.
17-المولی حسنعلی بن المولی «السلافة» او 1075 هجری قمری ، کتب المترجم له إجازة ایاه سنه 1030 هجری قمری ، توجد فی (إجازات البحار ص140 ).
18- الحاج المولى حسين اليزدي الأردكاني، له شرح خلاصة الحساب لأستاذه المترجم له ولأستاذه تقريظ عليه(رياض العلماء).
19 - السيد حسين بن السيد كمال الدين الأبزر الحسيني الحلّي، يروي عن المترجم له كما في إجازة الشيخ عبد علي الخمايسي الراوي عن السيد حسين المذكور للشيخ ناجي الحصيناوي الصادرة سنة 1072 هجري قمري و غيرها من إجازاته .
20 - الشيخ حسين بن الحسن العاملي المشغري نزيل مشهد الرضا
والمدفون بها يروي بالإجازة عن المترجم له، توجد على كتاب النكاح من التذكرة (أمل الآمل).
21 - الشيخ حسين بن علي بن محمد الحرّ العاملي نزيل اصفهان (أمل الآمل).
22 - السيد حسين بن محمد علي بن الحسين العاملي الجبعي المتوفى 1069 هجري قمري( أمل الآمل).
23 - السيد حسين بن حيدر الكركي المتوفى سنة 1076 هجري قمري يروي عن المترجم له بالإجازات الثلاث المؤرّخة بسنة 1003 و 1010 و 1020 هجري قمري. (المستدرك ج 3 ص 417).
24 - السيد الأمير شرف الدين حسين كتب المترجم له إجازة له سنة 1030 هجري قمري على إجازة الشهيد الثاني لوالد المجيز، توجد في (إجازات البحار).
25 - ميرزا حاتم بيك اعتماد الدولة الأوردبادي، أخذ الاسطرلاب
من المترجم له وكتب استاذه (البهائي) له رسالته (الحاتمية) بالفارسية 1019 هجري قمري.
26 - المولى خليل بن الغازي القزويني المتوفى سنة 1089 هجري قمري، يروي عن المترجم له (سلافة العصر، أمل الآمل، المستدرك ج 3 ص 413).
27 - المولى خليل بن محمد أشرف القاينى الأصفهاني يروي عن المترجم له.
28 - رضي الدين ابن أبي اللطيف القدسي (خلاصة الأثرج 3 ص 443).
29 - الشيخ زين الدين بن محمد حفيد شيخنا الشهيد الثاني
المتوفى سنة 1064هجري قمري.
30 - المولى سعيد بن عبدالله النصيري يوجد بعض تأليف استاذه بخطه وعليه خط استاذه.
31 - المولى سلطان حسين بن المولى سلطان محمد الاسترآبادي مؤلّف (تحفة المؤمنين )استشهد سنة 1078 هجري قمري (رياض العلماء).
32- الشيخ سليمان بن علي بن راشد البحراني الشاخوري المتوفّى سنة 1101 هجري قمري (روضات الجنّات ص 539).
33 - كمال الدين السيد شاه مير الحسيني كتب المترجم له إجازة له على نسخة من أربعينه سنة 1008 هجري قمري (الذريعة ج 1 ص238).
34 - المولى صالح بن أحمد المازندراني المتوفى سنة 1081
هجري قمري يروي عن المترجم له (المستدرك ج 3 ص 413).
35 - المولى محمد صادق بن محمد علي التويسركاني شارح لغز استاذه (الذريعة).
36 - المولى محمد صالح الجيلاني نزيل اليمن المتوفّى سنة 1088 هجري قمري (نسمة السحر).
37 - الشيخ صالح بن الحسن الجزائري له أسؤلة عن المترجم له أجاز له في جوابها( أمل الآمل).
38 - الشيخ نجيب الدين علي بن محمد بن مكي العاملي الجبعي (أمل الآمل).
39 - الشيخ زين الدين علي بن سليمان البحراني المتوفى سنة 1064 هجري قمري ، حكى شيخنا الشيخ سليمان الماحوزي البحراني إجازة المترجم له إياه في تراجم علماء البحرين (لؤلؤة البحرين، المستدرك ج 3 ص 388).
40 - المولى عبدالوحید بن نعمة الله الديلمي الاسترآبادي صاحب
التأليف الكثيرة، (رياض العلماء).
41 - الشيخ علي بن محمود العاملي (أمل الآمل).
42- الشيخ علي بن نصر الله الجزائري مؤلّف الحاشية على الروضة البهيّة (رسالة الشيخ سليمان الماحوزي في علماء البحرين).
43 - المولى عز الدين علي النقي بن أبي العلا محمد هاشم الكمرئي المتوفى سنة 1060 هجري قمري يروي عن المترجم له (مستدرك النوري ج 3 ص 405).
44 - الشيخ عبد العليّ بن ناصر بن رحمة الله الحويزي، صاحب تأليف كثيرة (أمل الآمل).
45 - الشيخ عبداللطيف بن علي العاملي الحويزي (أمل الآمل مستدرك الوسائل).
46 - السيد عبد العظيم بن السيد عباس الاسترآبادي (رياض العلماء).
47 - السيد شمس الدين علي بن محمد بن علي الحسيني الخلخالي شارح خلاصة الحساب، وتشريح الأفلاك لأستاذه سنة 1008هجري قمري (رياض العلماء).
48 - السيد بهاء الدين علي الحسيني التفرشي، أجاز له المترجم له سنة 1013هجري قمري سابع شهر رمضان (مستدرك الإجازات).
49 - السيد شرف الدين على الطباطبائي الشولستاني الغروي المتوفّى 1060 هجري قمري يروي عن المترجم له (المستدرك ج 3
ص 409).
50 - الشيخ نورالدين علي بن عبد العزيز البحراني، أجاز له المترجم
له في شوّال سنة 998.
51 - القاضي علاء الدين عبدالخالق المعروف بالقاضي زاده
الكرهرودي (رياض العلماء).
52 - المولى مظفر الدين عليّ له رسالة في ترجمة استاذه المترجم له وتعاليق على أربعينه.
53 - الشيخ علي بن أحمد النباطي العاملي شارح الإثني عشرية الصلاتية لأستاذه المترجم له، أجاز له بالإجازات الثلاث سنة 1011 و 1012 هجري قمري توحد بعض تأليف استاذه بخطه وعليه إجازاته له.
54 - الشيخ زكي الدين عنایت الله بن شرف الدي-ن علي القهاني النجفي مؤلّف (مجمع الرجال).
55 - المولى غياث الدين علي الاصفهاني، يروي عن المترجم له كما في إجازات البحار ص 136.
56 - السيد علي العلوي البعلبكي العاملي، ولعله السيد علي بن علوان الحسيني.
57 - ميرزا قاضي بن كاشف الدين محمد اليزدي نزيل مشهد الرضا علیه السلام، صاحب (التحفة الرضويّة في شرح الصحيفة السجادية).
58 - المولى محمد قاسم الجيلاني (نجوم السماء).
59 - السيد الأمير سراج الدين قاسم بن المير محمد الطباطبائي القهپاني، يروي عن المترجم له (جامع الرواة، المستدرك ج 3 ص 409).
60 - المولى محمد كاظم بن عبد علي الجيلاني التنكابني شارح تشريح الأفلاك بأمر استاذه (رياض العلماء).
61 - الشيخ لطف الله بن عبد الكريم الميسي العاملي الاصفهاني أجاز له المترجم له سنة 1020 هجري قمري (إجازات البحار ص 130) توفي سنة 1032 هجري قمري باصبهان ترجمه شيخنا الحر العاملي في أمل الأمل، والكشميري في نجوم السماء.
62 - السيد أبو علي الماجد بن هاشم البحراني المتوفى 1028
هجري قمري له إجازتان من المترجم له.
63 - المولى محمد المحسن الفيض الكاشاني المتوفى سنة 1091 هجري قمري يروي عن المترجم له (المستدرك ج 3 ص 421).
64 - نظام الدين محمد بن الحسين القرشي الساوجي متمّم الجامع العباسي لأستاذه بعد وفاته.
65 - السيد ميرزا رفیع الدین محمد النائيني المتوفى سنة 1081 هجري قمري، يروي عن المترجم له (جامع الرواة، سلافة العصر، المستدرك ج 3 ص 409).
66 - الشيخ محمد بن علي العاملي التبنيني (أمل الآمل).
67 - الشيخ محمود بن حسام الدين الجزائري، يروي عن المترجم له (لؤلوة البحرين، المستدرك ج 3 ص 390).
68 - المولى محمد صدر الدين بن محبّ علي التبريزي مترجم الاثنى عشريات ومفتاح الفلاح لاستاذه.
69 - السيد محمد تقى بن أبي الحسن الحسيني الاسترآبادي (أمل الأمل).
70 - المولى علاء الدین محمد بن بدرالدین محمد القمي.
71 - المولى محمدرضا البسطامي، أجازه المترجم له سنة 1030 هجري قمري، وكتبها على نسخة من كتابه الحبل المتين.
72 - المولى محمدتقي المجلسي المتوفى سنة 1070 ه-جري قمري، يروي عن المترجم له (إجازات البحار ص ،15، و مستدرك الإجازات).
73 - الشيخ حسام الدین محمود بن درويش علي الحلّي النجفي، يروي عن المترجم له ( رياض العلماء، المستدرك ج 3 ص 424) و إجازة الشيخ عبدالواحد البوراني للشيخ أبي الحسن الشريف.
74 - المولى صدر الدين محمد الشيرازي الشهير بالمولى صدرا المتوفى سنة 1050 هجري قمري يروي عن المترجم له (المستدرك ج 3 ص 424).
75 - المولى صفي الدين محمد القمي يروي عنه بإجازته له سنة
1015 هجري قمري (إجازات البحار ص 130).
76 - المولى محمدباقر بن محمد مؤمن السبزواري المتوفى
سنة 1090 هجري قمري (1)
77- المولى محمد أمين القاري الراوي، يروي بالإجازة عن المترجم له.
78 - الشيخ بهاءالدين محمد العاملي، يروي عن سميه المترجم له بالإجازة.
79 - الأمير شمس الدین محمد الكيلاني، شارح خلاصة الحساب.
80- المولى ملك حسین بن ملك على التبريزي، أجاز له المترجم له سنة 998 هجري قمري (نجوم السماء).
81 - السيد محمد علي بن والي الإصفهاني، أجاز له المترجم له ولوالده (الذريعة ج 1ص238).
82 - القاضي مجدالدين العبّاسي القثمي الدزفولي، يروي عن المترجم له ويذكره من مشايخه في إجازته لولده القاضي فصيح الدين (وفيات الأعلام).
83- المولى معز الدين محمد، يروي عن المترجم له (أمل الآمل).
84 - الشيخ محمد بن سلیمان (2)المقابي البحراني (لؤلوة البحرين)
وله من المترجم له إجازة تأريخها شهر شعبان 998 هجري قمري توجد في (المستدرك).
85 - الشيخ محمد بن محمد بن الحسين الحرّ العاملي المشغري المتوفى سنة 1098 هجري قمري (أمل الآمل).
86 - الشيخ محمد بن نصار الحويزي (أمل الآمل).
87 - الشيخ أبو الحسن محمد بن الشيخ يوسف البحراني العسكري يروي بالإجازات الثلاث المؤرّخة بسنة 998 و 999 و 1000 هجري قمري (الذريعة، ومستدرك الإجازات).
88 - الشيخ محمود بن حسام الدين المشرفي الجزائري (وفيات الأعلام).
89 - المولى مراد بن علي خان التفرشي المتوفى سنة 1051 هجري قمري (جامع الرواة).
90 - المولى محمد الشهير بالتقي الصوفي الزيابادي القزويني صاحب ملحقات الصحيفة الكاملة المؤلفة سنة 1023 هجري قمري تلميذ للمترجم وأجيز منه.
91 - المولى محمد بن الشاه مرتضى ابن الشاه محمود الكاشي أخو مولانا محمد المحسن الفيض يروي عن المترجم له بتصريح ولده الشاه مرتضى في إجازته لولده نورالدین محمد بن المرتضى سنة 1088هجري قمري (الذريعة ج1 ص 250 ، مستدرك الإجازات)
92 - المولى مقصود بن زین العابدین الاسترآبادي (رياض العلماء).
93 - الشيخ محمد شمس الدين بن علي بن خاتون العاملي مترجم شرح أربعين استاذه، أجاز له سنة 1029 هجري قمري (أمل الآمل، الذريعة ج 1 ص 239).
94 - المولى شريف الدين محمد الرويد شتي المعروف بشريف
الإصفهاني المتوفى سنة 1087هجري قمري، تأريخ إجازته له سنة 1022 هجري قمري (المستدرك ج 3 ص 409،إجازات البحار ص 131).
95 - المولى شمسا شمس الدین محمد الكشميري، يروي بالإجازة عن المترجم له كما صرّح به في إجازته لتلميذه المولى هداية الله ابن المولى عبدالصمد الجيلاني في سنة 1040 هجري قمري (وفيات الأعلام).
96- الشيخ هاشم بن أحمد بن عصام الدين الأتكاني، أجاز له المترجم له سنة 1030 هجري قمري، وكتب إجازته له على نسخة الإثني عشريات المكتوبة بخط المجاز له (الذريعة ج 1 ص 239).
97 - الشيخ يحيى اللاهيجي له اجازة من المترجم له كتبها سنة 1025 هجري قمري (1)
(1) مشرق الشمسين واكسير السعادتين جمع في آيات الأحكام و شرحها والأحاديث الصحاح و شرحها خرج منه كتاب الطهارة لا غير نحو 400 حديث، مطبوع.
(2) العروة الوثقى في تفسير القرآن خرج منه تفسير الفاتحة لا غير.
(3) حاشية على تفسير القاضي البيضاوي: جيدة نفيسة أحسن ما كتب على هذا التفسير قاله تلميذه السيّد حسين الكركي.
(4) حواشي الكشاف: لم تتم.
(5) التفسير الموسوم بعين الحياة.
1) موسوعة الغدير للعلّامة الأميني: ج 11 ص 253 - 260.
(6) الحبل المتين في أحكام الدين في الأحاديث الصحاح والحسان والموثقات خاصة و شرحها شرحاً لطيفاً و جمع بين متعارضاتها، خرج منه كتاب الطهارة لا غير في مجلد واحد فيه ألف حديث وزيادة يسيرة لم يتم، مطبوع.
(7) شرح الأربعين حديثاً: قال تلميذه الكركي: لم يصنّف مثله.
(8) حاشية من لا يحضره الفقيه: لم تتم.
(9) الوجيزة: رسالة في الدراية مختصرة مطبوعة.
(10) حاشية على خلاصة العلامة، مختصرة.
(11) فوائد فى الرجال.
(12) مفتاح الفلاح في عمل اليوم والليلة، مطبوع عدة طبعات.
(13) حدائق المقرّبين أو حدائق الصالحين في شرح الصحيفة السجادية: مطبوع وسمّي شرح كل دعاء باسم حديثه، فسمي شرح دعاء الهلال بالحديقة الهلالية، وكذا غيره، وعليه فما ذكره المترجمون من ان له الحديقة الهلالية وحدائق المقرّبين وشرح دعاء الصباح وشرح دعاء رؤية الهلال من الصحيفة ليس في محله، نعم الظاهر أن شرح الصحيفة لم يتمّ.
(14) الجامع العبّاسي: صنّفه للشاه عباس الصفوي، خرج منه الى
آخر كتاب الحج، مطبوع .
(15) الاثناعشريات الخمس في الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج مرتبة على اثني عشر في كلّ أبوابها وفصولها ومطالبها.
(16) رسالة في استحباب السورة: ردّاً على بعض معاصريه، لكنه رجع عنه أخيراً.
(17) رسالة في قصر الصلاة واتمامها في الأماكن الأربعة.
(18) شرح اثني عشرية صاحب المعالم.
(19) حواش على مختلف العلامة.
(20) رسالة في المواريث.
(21) رسالة في ذبائح أهل الكتاب.
(22) شرح الفرائض النصيرية للمحقق الطوسي لم يتمّ.
(23) رسالة الكرّ.
(24) رسالة القبلة.
(25) رسالة في أحكام سجود التلاوة.
(26) هداية العوام: رسالة عملية.
(27) الزبدة: مطبوع وشرحه الشيخ جواد الكاظمي المعروف بالفاضل، والشرح كالأصل مشهوران.
(28) لغز الزبدة.
(29) حواش على قواعد الشهيد.
(30) حواشي الزبدة.
(31) حاشية شرح العضدي على مختصر الأصول.
(32) شرح شرح الرومي على الملخص: ذكره في الحديقة الهلالية.
(33) حاشية على نتائج الأفكار للسيد إبراهيم الحائري.
(34) حاشية على مبادىء الأصول للعلامة الحلّي.
(35) الفوائد الصمدية : صنّفها لأخيه عبدالصمد مطبوعة.
(36) تهذيب البيان.
(37) حاشية على شرح الكافية للجامي.
(38) حاشية على المطوّل: لم تتم.
(39) شرح الشافية في الصرف.
(40) خلاصة الحساب: لم يصنّف مثلها، مطبوعة في إيران وغيرها عدة طبعات ومترجمة الى لغات أجنبية منها الألمانية.
(41) بحر الحساب.
(42) تشريح الأفلاك مع حواشيه مختصر مطبوع والظاهر أنه فارسي.
(43) الاسطرلاب كبير بالعربية سمّاه الصفيحة.
(44) اسطرلاب آخر بالفارسية سماه التحفة الحاتمية.
(45) رسالة في نسبة اعظم الجبال الى قطر الأرض.
(46) رسالة في أنّ أنوار الكواكب مستفادة من الشمس.
(47) رسالة في حلّ اشكالي عطارد والقمر.
(48) الرسالة الموسومة بالجوهر الفرد ذكرها في الكشكول وذكر فيها دليلاً على إبطال تركيب الجسم من الأجزاء التي لا تتجزأ.
(49) توضيح المقاصد فيما اتفق في أيام السنة.
(50) المخلاة جمع فيها فوائد وطرائف من كلّ فنّ بدون ترتيب، مطبوعة بمصر.
(51) الكشكول، صنّفه بعد المخلاة وجمع فيه من كلّ فن بدون ترتيب تشبيهاً له بكشكول الدراويش الذي يجمعون فيه من كل طعام. وقد صار كلّ كتاب بعده بهذا الوصف يسمّى الكشكول وان كان له اسم غير ذلك ككشكول البحراني وكلّ من جمع اصنافاً من علوم شتى يسمّى مجموعه بالكشكول وجمع جماعة كتباً سموها بنحو هذا الاسم مثل بيدر الفلاح وسفينة نوح، وقد اشتهر الكشكول بين الناس اشتهاراً عظيماً، وطبع في مصر مراراً كثيرة، وطبع في ايران. وقد ترجم الكشكول الى الفارسية برغبة أحد ملوك الهند المغول.
(52) سوانح سفر الحجاز كتاب من شعره وانشائه اكثره بالفارسية.
(53) نان و حلوى أي خبز وحلوى. كتاب شعر بالفارسية ظريف.
(54) ديوان شعره بالعربية والفارسية، في أمل الآمل: جمع شعره ولدي محمدرضا الحرّ فصار ديواناً لطيفاً.
(55) رسالة في مقتل الحسين عليه السلام.
(56) جواب مسائل الشيخ صالح بن حسن الجزائري اثنتان و عشرون مسألة مشهورة.
(57) جواب ثلاث مسائل أخرى عجيبة.
(58) جواب المسائل المدنيات الى غير ذلك من الرسائل وأجوبة المسائل.
(59) حواشي شرح التذكرة.
جعل الله تبارك وتعالى لأوليائه نوراً يمشون به في الناس، وخلع عليهم من كراماته لفنائهم في ذاته سبحانه كما في الحديث القدسي:« مازال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أكون عينه التي يبصر بها وأذنه التي يسمع بها ويده التي يبطش بها». وقد اتحف الله تعالى شيخنا البهائي بكرامات يزيد فيها هدى من يشاء من عباده ( فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً الى
رجسهم )(1)
نقل عن المولى الفاضل معزّ الدين محمد أقضي قضاة إصفهان أنه قال: رأيت ليلة من الليالي في المنام أحد أئمتنا عليه السلام فقال لي: اكتب كتاب مفتاح الفلاح و دوام العمل بما فيه، فلما استيقظت ولم أسمع اسم الكتاب قط من أحد، فتصفحت من علماء إصفهان فقالوا :لم نسمع اسم هذا الكتاب. وفي هذا الوقت كان الشيخ البهائي (قدس سره) في معسكر السلطان في بعض نواحي إيران. فلما قدم تصفّحت منه منه أيضاً عن هذا
1) التوبة: 124 - 125 .
الكتاب فقال: صنّفت في هذا السفر كتاب دعاء سمّيته مفتاح الفلاح إلا إني لم اذكر اسمه لواحد من الأصحاب ولاأعطيت نسخته للانتساخ، فذكرت للشيخ المنام، فبكى الشيخ وناولني النسخة التي بخطه وأنا أوّل من انتسخها(1)
وقال الشيخ محمد تقي المجلسي والد صاحب البحار: هذا الشرح أي شرح روضة المتقين على من لا يحضره الفقيه - أيضاً من فوائده-أى الشيخ البهائي - فإني رأيته في النوم وقال لي: لم لا تشتغل بشرح أحاديث أهل البيت صلوات الله عليهم؟ فقلت له: هذا شأنكم وأنتم أهله. فقال: مضى زماننا واشتغل واترك المباحثات سنة حتى يتم. وكان بعد ذلك الرؤيا في بالي ان اشتغل بذلك، ولما كان هذا أمراً عظيماً ما كنت اجتري عليه حتى حصل لي مرض عظيم ووصيّت فيه واشتغلت بالدعاء والتضرّع الى الله تعالى أن يغفر لي ويذهب بروحي، فأصابني حينئذ سنة فرأيت سيدي شباب أهل الجنّة أجمعين قدامى جالسين عندي وسيد الساجدين فوق رأسي جالساً وأظهر أنا جئنا لشفائك، وقال سيد الساجدين عليه السلام: لا تطلب الموت فانّ وجودك أنفع. فانتبهت من السنة وذهب الوجع بالكلية وحصل العرق... وألهمت بأن اشتغل بشرح الأحاديث فاشتغلت بذلك، ولما كانت الطلبة مشغولين بالدرس كنت أدغدغ في ترك الدروس بالكلية لكن حصل في التعطيلات التوفيق من المنعم الوهاب وحسبتها كانت سنة على ماقال لي شيخنا البهائي رضي الله عنه(2)
و من كرامات الشيخ البهائي أيضاً أنه كان في جمع من أصحابه في زيارة مقبرة خارج
إصفهان المعروفة ب-«تخت فولاد»، و عندما اعتزل أصحابه جانباً وجلس على أحد القبور أخذ يُكلّم صاحب ذلك القبر،
فسمع أصحابه المكالمة بينهما ولكنّهم لم يفهموا ماجرى بينهما من حديث، فنهض الشيخ البهائي من على القبر ووضع عباءته على رأسه ولم يكلم أحداً ورجع قافلاً الى بيته، واغلق باب داره و أمر أن لا يفتح الباب لأي أحد حتّى مضت سبعة أيام أو ثمانية حيث فارق الشيخ الحياة وانتقل الى جوار ربه الرحيم.(1)
و من جملة كراماته أيضاً ما نقله السيد نعمة الله الجزائري يقول: كنت في زيارة الشيخ البهائي فرأيت الشيب قد ملأ محاسنه الشريفة فسألته لماذا لم تستعمل الخضاب ؟ فقال: أردت أن اكتب تفسيراً للقرآن فاستخرت الله تعالى في ذلك فخرجت الآية المباركة: ( و ان عندنا لزلفي و حسن مآب ) فعلمت بدنو أجلي و شرعت بتفسير مختصر و ترکت الخضاب لألقى الله سبحانه بلحية بيضاء. وبعد سنة ودّع الشيخ البهائي هذه الحياة(2)
یا کراماً صبرنا عنهم محال*** إن حالي في جفاكم شر حال
إن أتى من حيكم ريحُ الشمال*** صرتُ لاأدري يميني من شمال
حبّذا ريح سرى من ذي سلم*** عن ربا نجد وسلع والعلم
أذهب الأحزان عنا والألم*** والأماني أدركت والهم زال
یا اخلائي بحزوى والعقيق*** ما يطيق الهجر قلبي ما يطيق
هل لمشتاق إليكم من طريق*** أم سددتم عنه أبواب الوصال
لا تلوموني على فرط الضجرْ*** ليس قلبي من حديد أو حجر
فات مطلوبي و محبوبي هجَرْ ***والحشا في كل آنٍ في اشتغال
من رأى وجدى لسكان الحجونْ***قال ما هذا هوى هذا جنون
أيها اللوام ماذا تبتغونْ*** قلبي المضنى وعقلي ذواعتقالْ
یانزولاً بين جمع والصفا*** یا كرام الحى يا أهل الوفا
كان لي قلب حمولٌ للجفا*** ضاع مني بين هاتيك التلال
يا رعاك الله يا ريح الصبا*** إن تجز يوماً على وادي قبا
سل أهيل الحي في تلك الرُّبا*** هجرهم هذا دلال أم ملالْ
جيرة في هجرنا قد أسرفوا***حالنا من بعدهم لا يوصف
إن جَفوا أو واصلوا أو أتلفوا***حبهم في القلب باق لا يزالْ
هم كرام ما عليهم من مزيد*** من يَمُتْ في حبّهم يمض شهيد
مثل مقتول لدى المولى الحميد*** أحمدي الخُلق محمود الفعال
صاحب العصر الإمام المنتظرْ*** من بما يأباه لا يجري القدرْ
حجة الله على كل البشرْ*** خير أهل الأرض في كل الخصال
من إليه الكون قد ألقى القياد*** مجرياً أحكامه فيما أراد
إن تزل عن طوعه السبع الشداد*** خر منها كل سامي السمك عال
شمس أوج المجد مصباح الظلام*** صفوة الرحمن من بين الأنام
الإمام ابن الإمام ابن الإمام*** قطب أفلاك المعالي والكمال
فاق أهل الأرض في عزّ و جاه*** وارتقى في المجد أعلى مرتقاه
لو ملوك الأرض حَلّوا في ذُراه*** كان أعلى صفهم صف النعالپ
ذو اقتدار إن يشأ قلب الطباع*** صير الإظلام طبعاً للشعاع
وارتدى الإمكان برد الامتناع*** قدرة موهوبة من ذي الجلال
يا أمين الله يا شمس الهدى*** يا إمام الخلق يا بحر الندى
عجلَنْ عجل فقد طال المدى*** واضمحل الدين واستولى الضلالْ
هاك يا مولى الورى نعم المجير*** من مواليك البهائي الفقير
مدحةً يعنو لمعناها جرير*** نظمها يُزوي على عقد اللآل
يا ولي الأمر يا كهف الرجا*** مسني ضر و أنت المرتجى
والكريم المستجار الملتجا*** غير محتاج الى بسط السؤال
سرى البرق من نجد فجدد تذكاري*** عهوداً بحزوی و العذیب و ذی قار
وهيج من أشواقنا كل كامن*** واجج في أحشائنا لاهب النار
ألا يا لييلات الغوير و حاجر ***سقيت بهام من بني المزن مدرار
و یا جیرة بالمأزین خیامهم *** علیکم سلام الله من نازح الدار
خليلي مالي والزمان كأنما *** يطالبني في كل وقت بأوتار
فأبعد أحبابي وأخلى مرابعي ***وأبدلني من كل صفو بأكدار
و عادل بي من كان أقصى مرامه *** من المجد أن يسمو إلى عشر معشاري
ألم يدر أني لا أذل لخطبه *** و إن سامني بخساً وأرخص أسعاري
مقامي بفرق الفرقدين فما الذي *** يؤثره مسعاه في خفض مقداري
و إني امرؤ لا يدرك الدهر غايتي*** ولا تصل الأيدي الى سر أغواري
أخالط أبناء الزمان بمقتضى *** عقولهم كي لا يفوهوا بانكار
وأظهر أنّي مثلهم تستفزني *** صروف الليالي باختلاء وامرار
و إنّي ضاوي القلب مستوفز النهي *** اسر بيسر أو أمل باعسار
و يضجرني الخطب المهول لقاؤه ***و يطربني الشادي بعود و مزمار
و يصمي فؤادي ناهد الثدي كاعب *** باسمر خطار و أحور سحار
وإني سخي بالدموع لوقفة *** على طلل بال و دارس أحجار
وما علموا اني امرؤ لا يروعني ***توالي الرزايا في عشيّ و ابکار
إذ دك طور الصبر من وقع حادث *** فطور اصطباري شامخ غير منهار
و خطب يزيل الروع أيسر وقعه *** كؤود کوخز بالأسنة سعار
تلقيته والحتف دون لقائه *** بقلب وفور فی الهزاهز صبار
و وجه طليق لا يمل لقاؤه *** و صدر رحيب من ورود و إصدار
و لم أبده كي لا يساء لوقعه *** صديقي و يأسى من تعسره جاري
و معضلة دهماء لا يهتدي لها *** طريق ولايهتدى الى ضوئها الساري
تشيب النواصي دون حل رموزها *** و يحجم عن أغوارها كل مغوار
أجلت جياد الفكر في حلباته *** و وجهت تلقاها صوائب انظاري
فأبرزت من مستورها كل غامض *** و ثقفت منها كل قسور سوار
أ أضرع للبلوى واغضي على القذى *** وأرضى بما يرضی به کل مخوار
وأفرح من دهري بلذة ساعة *** واقنع من عيشي بقرص وأطمار
إذ لا ورى زندي ولا عزّ جانبي*** ولا بزغت في قمة المجد أقماري
ولا بل كفي بالسماح ولا سرت *** بطيب أحاديثي الركاب و أخباري
ولا انتشرت في الخافقين فضائلي *** و لا كان في المهدي رائق أشعاري
خليفة ربّ العالمين و ظله *** على ساكني الغبراء من كل ديار
هو العروة الوثقى الذي من بذيله *** تمسك لا يخشى عظائم أوزار
إمام هدى لاذ الزمان بظله *** و ألقى إليه الدهر مقود خوار
و مقتدر لو كلف الصم نطقها *** بأجذارها فاهت إليه بأجذار
علوم الورى في جنب أبحر علمه *** كغرفة كف أو كغمسة منقار
فلو زار افلاطون أعتاب قدسه *** ولم يعشه عنها سواطع أنوار
رأى حكمة قدسيّة لا يشوبها *** شوائب أنظار و أدناس أفكار
بإشراقها كل العوامل أشرقت *** لما لاح في الكونين من نورها الساري
إمام الورى طود النهى منبع الهدى *** و صاحب سر الله في هذه الدار
به العالم السفلي يسمو و يعتلي *** على العالم العلوي من غير إنكار
و منه العقول العشر تبغي كمالها *** وليس عليها في التعلم من عار
همام لو السبع الطباق تطابقت *** على نقض ما يقضيه من حكمه الجاري
لنكس من أبراجها كل شامخ *** وسكن من افلاكها كل دوّار
ولانتثرت منها الثوابت خيفة *** و عاف السرى في سورها كل سيار
ایا حجة الله الذي ليس جارياً *** بغير الذي يرضاه سابق أقدار
ويا من مقاليد الزمان بكفه *** و ناهيك من مجد به خصه الباري
أغث حوزة الإيمان واعمر ربوعه ***فلم يبق منها غير دارس آثار
وانقذ كتاب الله من يد عصبة *** عصوا و تمادوا في عتو واصرار
يحيدون عن آياته لرواية *** رواها أبو شعيون عن كعب الأحبار
وفي الدين قد قاسوا وعاثوا وخبطوا *** بآرائهم تخبيط عشواء معسار
وانعش قلوباً في انتظارك قرّحت *** وأضجرها الأعداء أية اضجار
و خلّص عباد الله من كل غاشم *** وطهر بلاد الله من كل كفار
وعجل فداك العالمون بأسرهم *** وبادر على اسم الله من غير انظار
تجد من جنود الله خير كتائب *** و أكرم أعوان و أشرف أنصار
بهم من بني همدان اخلص فتية *** يخوضون أغمار الوغى غير فكار
بكل شديد البأس عبل شمردل *** الى الحتف مقدام على الهول صبّار
تحاذره الأبطال في كل موقف *** وترهبه الفرسان في كلّ مضمار
أيا صفوة الرحمن دونك مدحة *** کدر عقود في ترائب أبكار
يهنا ابن هاني ان أتى بنظيرها *** ويعنو لها الطائي من بعد بشار
إليك البهائي الحقير يزفّها *** كغانية مياسة القدّ معطار
تغار إذا قيست لطافة نظمها *** بنفحة أزهار ونسمة أسحار
إذا رددت زادت قبولاً كانها*** أحاديث تجد لا تمل بتكرار
رعى الله ليلة بتنا سهارى *** خلعنا بحبّ العذاري العذارا
ولما سرى النجم والبدر حارا *** أماطت ذات الخمار الخمارا
وصيّرت الليل منها النهارا
وكنا بجنح الدجى أدعج *** و بعض الى بعضنا ملتجي
فقامت لساق لها مدلج *** وجاءت تشمّر من أبلج
كما طلع البدر حين استنارا
تبدت بنورٍ لها لائح *** و وجه لبدر الدجى فاضح
وخد بماء الحيا ناضح *** و تبسّم عن أشنب واضح
کزهر الإقاح إذا ما استنارا
شربنا لداء الهموم الدوا *** و شبنا نسيم الهوى بالهوى
حللنا على النيرين السوى *** و قد حلك الليل عنا انطوى
ونور الصباح لدينا استنارا
هوينا رداحاً حجازية *** فبحنا ضمائر مخفيّة
فمدت إلينا سراحيّة *** تناول صهباء قانيّة
كانا نقابل منها شرارا
سقينا مداماً مجوسيّة *** كما التبر حمراء مصرية
قديمة عهد رمانيّة *** مشعشة عشة ارجوانية
تدبّ النفوس اليها افتقارا
فقم إنما الديك قد نبها *** إلى خمرة فاز من حبّها
جلت حين ساقي الهوى صبّها *** كأنّ النديم إذا عبّها
يقبل في طخية الليل نارا
وبي غارة رنّحت قدّها *** حميّا الصبا والفت ضدّها
وقد جعلت مقلتي خدّها *** ولم أنس مجلسنا عندها
جلسنا صحاوی وقمنا سکاری
نعمنا أخلاء دون الأنام *** بتلك الربوع و تلك الخيام
ألم ترنا إذ هجرنا المنام*** تميل بنا عذبات المدام
و نحن نمیس کلانا حیاری؟
فلله مجلسنا باللوى *** لكل المنى والهنا قد حوى
إذا نزعت من نزيل الجوى *** فقامت وقد عاث فيها الهوى
تستر بالغيم الجلنارا
لها وجه سعد يزيل الشقا *** وقد حكى غصناً مورقا
و تشفي عليل الهوى منطقا *** تريع كما ريع ظبي النقا
توجهه خيفة و استنارا
هلال السما من سناها يغيب *** و من قدها الغصن مضنى كثيب
ألا إن هذا لشيء عجيب *** إذ البدر أبصرها والقضيب
تلبس هذا و هذا توارى
أضاء الدُّجا نورها حين لاح ***بوجه سبی حسن كلّ الملاح
أزلنا الهموم بذات الوضاح *** سقتنا إلى حين بان الصباح
وفر الدجا من ضياها فرارا
فيا ظبيةً طال ياللرجال؟! *** نقمنا بها في لذيد الوصال
ففرّ وقد صح فيه المثال *** كما فرّ جيش العدا بالنزال
عن الطهر حيدرة حين غارا
إمام البرية أصل الأصول *** شفيع الأنام بيوم مهول
فتی حبّه الله ثمّ الرَّسول *** وصي النبي و زوج البتول
حوى في الزمان الندى والفخارا
فياويح من لم ينل مرَّةً ***لمن فاق بدر السماء غرّة
فطوبى لمن زاره مرَّةً ***فيا راكباً يمتطي حرة
تبيد السهول وتفري القفارا
إذا شئت ترضي إله السما *** وتهدى إلى الرشد بعد العمى
و تُسقى من الحوض يوم الظما *** إذا ما انتهى السير نحو الحمى
و جئت من البعد تلك الديارا
و قابلت مثوى عليّ الولي *** وأظهرت حب الصراط السوي
و شاهدت حبل الإله القوي *** و واجهت بعد سراك الغري
فلا تذق النوم إلّا غرارا
فحط الرحال بذاك المحل *** وعن أرضه قدماً لاتزل
و كن لسما قبره مستهل *** وقف وقفة البائس المستذل
وسر في الغمار وشم الغبارا
فإن طعت ربّ السما فارضه *** فحب الأئمة من فرضه
و ضاعف ثوابك من فرضه***و عمر خدودك في أرضه
و قل: يارعى الله مغناك دارا
إذا جئت ذاك الحمى سلّما ***وكن والها بالفنا مغرما
وزر قبر من بالمعالي سما ***فثم ترى النور ملؤ السما
يعم الشعاع ويغشى الديارا
إذا لم تكن حاضراً عصره *** فکن بالبكا مدركاً نصره
فقف عنده وامتثل امره *** وقل سائلاً: كيف يا قبره!
حويت الزمان وحزت الفخارا؟
وقف والها وابر من ضدّه ***و بثَّ إليه الهوى وأبده
ولا تبرح الأرض من عنده*** وأبلغه يا صاح! من عبده
سلام محبّ تناءا دیارا
ألا زره ثم احظ في قربه *** لتكسب أجراً وتنجو به
وقم والثم ترب أعتابه *** وأظهر عناك بأبوابه
معفر خديك فيه احتقارا
و يا من أتى بعد قطع الفلا ***إمام الهدى و شفيع الملا
تمسك به فهو عقد الولا ***فمن كان مستأثراً في البلا
سوى حيدر لايفك الأسارى
وکتر بكاك بذاك المكان ***وقل: ياقسيم اللظى والجنان
عُبيدك يرجو لديك الأمان *** دعاه البلا وجفاه الزمان
و فيك من الحادثات استجارا
مواليك مستأثر في يديك ***و لم يكل الفك إلا عليك
أتاك من الذنب يشكو اليك *** أيت نفسه الذل إلا لديك
و بعد المهيمن فيك استجارا
إليك التجى يا سفين النجاة! ***و عن حبّكم ماله في الحياة
فقه محنة القبر عند المماة *** فأنت و إن حلّت النازلات
فتى لا يضيم له الدهر جارا
إمام له خصَّ ربُّ السما *** و في يده الحوض يوم الظما
ومأوى الطريد وحامي الحما *** أبى أن يباح حماه كما
أبى أن يرى في الحروب الضرارا
إمام تحن المطايا إليه ***و تزوی ذنوب البرايا لديه
غداً أرتجي شربة من يدية *** وليس المعوّل إلا علية
ولا غيره كان لي مستجارا
فما خاب من يشتكي حاله ***لمن في الوصية أوحى له
إله السما و ارتضى ماله ***فان الذي ناط أثقاله
به كلها و وقاه العثارا
إمام به الشرك عنّي خفى *** وللظلم والفسق عنا نفى
و واخاه واختاره المصطفى *** خلاصة أهل التقى والوفا
و ركن الهدى و دليل الحيارى
لنا أظهر الدين لما خفي *** ومن ذكره كم عليل شفي؟
ولي الإله التقي الوفي *** على الذي شهد الله في
فضيلته وارتضاه جهارا
فكم في الوغى بطلاً قد أذل *** و آوى كريماً وكهفاً أظل
نعم: هو ربُّ العطاء الأجل *** يحل الندي به حيث حلّ
و يرحل في إثره حيث سارا
به انتصر الدين لمّا فشا *** و أخضبت الأرض لما
مشى له مفخر في البرايا فشي *** فتئ قل بتعظيمه ما تشا
سوى ما ادعته بعيسى النصارى
إمام لدى الحوض يسقي العطاش ***بيوم ترى الخلق مثل الفراش
علي الذي قدره لا يُناش *** فدى أحمداً بمبيت الفراش
و صاحبه حيث جاء المغارا
على أميري و نعم الأمير *** مجيري غداً من لهيب السعير
وكان لأحمد نعم النصير *** و واخاه أمراً غداة «الغدير»
من الله نصاً به و اختيارا
علي إمامي وإلا فلا *** ومن خصه الله ربُّ العلا
توليته وهو عقد الولا *** أعز الورى وأجل الملا
محلاً وأزكى قريش نجارا
هدى الخلق في دينه المستقيم *** كما انتصروا فيه أهل الرقيم
و نال الرضا من إله كريم *** ويا فلك نوح ونار الكليم!
و سرّ البساط الذي فيه سارا
أيا سيدي! يا أخا المصطفى! *** ومن لك بعد النبي الصفا!
عليك سلامي لوقت الوفا *** متى ما أضا بارق و اختفى
بليل و ما حادي العيس سارا
توفي الشيخ البهائي قدّس سرّه على أرجح الأقوال في الثاني عشر
من شهر شوال سنة 1031 هجري قمري في إصفهان عن عمر بلغ (77) عاماً، وقد صرّح بذلك تلميذه نظام الساوجي متمّم الجامع العباسي(1).
وقد أرّخ صاحب شرح زبدة المقال وفاة الشيخ البهائي بقوله:
1) الجامع العباسي: ص 137
وابن الحسين سبط عبد الصمد *** بهاء ديننا جليل أوحدي
حاز العلوم كلّها واستكملا *** وعمر «ملح» توفّي في «غلا»(1)
و مال الى ذلك المحبّي في خلاصته(2)والسيد المدني في سلافته(3)وحدائقه الندية(4)والشيخ يوسف البحراني في لؤلؤته(5).
ونقل جثمانه الشريف من إصفهان الى المشهد المقدّس حيث دفن في داره التي في جانب حرم الإمام علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه، وأصبحت الآن جزءً من الحضرة الشريفة يزوره القاصدون لزيارة الإمام الرضا عليه السلام.
وقد رثاه تلميذه العلامة الشيخ إبراهيم العاملي البارزوني بقوله:
شيخ الأنام بهاء الدين لا برحت *** سحائب العفو ينشيها له الباري
مولی به اتضحت سبل الهدى وغدا ***لفقده الدين في ثوب من القار
والمجد أقسم لا تبدو نواجده *** حزناً و شق عليه فضل أطمار
والعلم قد درست آياته وعفت *** عنه رسوم أحاديث و أخبار
كم بكر فكر غدت للكون فاقدة *** ما دنّستها الورى يوماً بأنظار
كم خرَّ لما قضى للعلم طود عُلاً *** ما كنت أحسبه يوماً بمنهار
و كم بكته محاريب المساجد إذ *** كانت تضيء دجى منه بأنوار
فاق الكرام ولم تبرح سجيّته *** إطعام ذي سغب مع كسوة العاري
جل الذي اختار في طوس له جدثاً *** في ظلّ حامي حماها نجل أطهار
الثامن الضامن الجنّات أجمعها *** يوم القيامة من جود لزوّار
لقد اعتمدنا على أقدم النسخ الخطية لكتاب الأربعين ما تيسر لنا ذلك بسبب كثرة النسخ الخطية الموجودة لهذا الكتاب، وقد وقع اختيارنا على ثلاث نسخ منها وهي:
1-نسخة فوتوغرافية مصورة عن نسخة مكتبة آية الله العظمى السيد الگلپایگاني قدس سره بخط محمد بن مفضل الحسيني في إصفهان في شهور سنة ألف من الهجرية النبوية ، فهي مستنسخة في حياة الشيخ البهائي ، حيث انتهى الشيخ من تأليف أربعينه سنة ٩٩٥ هجري قمري و وفاة الشيخ قدس سره في سنة ١٠٣٤ هجري قمري. وهي نسخة كاملة واضحة الخط وتحتوي على بعض حواشي الشيخ البهائي على كتابه هذا. ورمزنا لها بالحرف (ل).
2-نسخة فوتوغرافية مصورة عن نسخة مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قدس سره بخط ابن امير أبو المفاخر الرضوي سنة ١٠٤٦ هجری قمري. و عليها خط المؤلف. وهي نسخة كاملة جيدة واضحة الخط وتحتوي على كثير من حواشي الشيخ البهائي على هذا الكتاب ورمزنا لها بالحرف(م).
3-نسخة فوتوغرافية مصورة عن نسخة مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قدس سره الى شيء من الحديث الثاني عشر، وهي نسخة جيدة وعليها كثير من حواشي الشيخ البهائي على هذا الكتاب. وقد رمزنا لها بالحرف (ع).
استنسخنا الكتاب على النسخة الخطيّة الأولى ثمّ قوبلت مع النسخ الأخرى، و تم استخراج جميع الآيات والروايات وأقوال العلماء والأدباء ما توفّرت كتبهم لدينا ، ثمّ حُقِّق المتن بالتلفيق بين نسخه الخطيّة و تثبيت اختلافات النسخ في الهامش، وأدرجنا كذلك جميع ما وجدناه من حواشي المؤلّف على كتابه هذا في النسخ المذكورة ، فإذا انفردت نسخة بذكر حاشية له قدّس سرّه غير موجودة في النسخ الأخرى أضفنا رمز هذه النسخة في نهاية الحاشية المنقولة.
وقد اخترنا عنوانين لجميع الأحاديث وكذلك للبحوث الواردة في ضمنها تتميما للفائدة وقد وضعت هذه العناوين بين قوسين كبيرين. وقد أضفنا أيضاً في بداية كل حديث بعد رقم الحديث و عنوانه كلّ متن أو جزء منه إذا كان طويلاً في صفحة مستقلة ليأخذ القاريء طابعاً عاماً عن مضمون الحديث.
وأخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
أبو جعفر الكعبي
الصورة
الصفحة الأولى من نسخة مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي (قدس سره)
المرموز لها بالحرف(ع)
الصورة
الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي (قدس سره)
المرموز لها بالحرف (ع)
الصورة
الصفحة الأولى من نسخة مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي (قدس سره)
المرموز لها بالحرف (م)
الصورة
الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي (قدس سره)
المرموز لها بالحرف (م)
الصورة
الصفحة الأولى من نسخة مكتبة آية الله العظمی الگلپایگانی (قدس سره)
المرموز ليها بالحرف (ل)
الصورة
الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة آية الله العظمی الگلپایگانی (قدس سره)
المرموز لها بالحرف (ل)
الأربعون حديثا
تالیف
المحقق المتجر
أبو الفضائل محمد ابن الشيخ حسين الجبعی العاملي
«الشيخ البهائي»
بسم الله الرحمن الرحيم
إن أحسن حديث تحلّى اللسان بجواهر حقائقه، وخير خبر تجلّى الإنسان في زواهر حقائقه، حمد الله سبحانه على نعمه المسلسلة المتواترة، وشكره على مننه المستفيضة المتكاثرة. والصلاة على من أرسله بالهدى و دين الحق بشيراً و نذيراً واصطفاه بنبوته من قبل أن تخمّر طينة آدم تخمراً، وآله الناسخين على منواله، المقتدين به في أفعاله و أقواله دعائم ملته و أساسها، و حفظه شريعته و حراسها، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فانّ الفقير الى الله الغني بهاء الدين محمد العاملي عامله الله بلطفه و إحسانه وأذاقه حلاوة غفرانه يقول:
إنّ أعظم المطالب والمفاخر بعد الإيمان بالله واليوم الآخر هو ما يتوصل به الى السعادة الأبدية ويتخلّص من الشقاوة السرمدية، وما هو إلا الاقتداء بالملة النبوية والاقتفاء للسنة المحمدية، على الصادع بها من الصلاة أفضلها ومن التحيات أكملها، وذلك لا يستتب إلا بنقل الحديث وروايته، وضبطه ودرايته، و صرف الأيام في مدارسته، و قضاء الأعوام في ممارسته . فطوبى لمن وجه إليه همته، وبيض عليه لمته، وجعله شعاره و دثاره وصرف فيه ليله ونهاره.
و هذا أربعون حديث من طرق أهل بيت النبوة والولاية، ومنبع الفتوة والهداية، جمعتها من أماكن عديدة، ومواطن شريدة، نصرة لاخوان الدين، و
تذكرة لخلّان اليقين وأردفت كل حديث يحتاج الى البيان بما يوقف الطالبين على سواء سبيله، ويرشد الراغبين الى الرحيق المختوم من سلسبيله. مخبراً بالسر المصون خلف أستاره، مظهراً للدرّ المكنون بعد استتاره، رافعاً للنقاب عن خبايا رموزه، كاشفاً للحجاب عن خفايا كنوزه، طاوياً في الأغلب عن تحقيق رجال السند كشحاً، ضارباً عن بيان حال المستند صفحاً، لكون أكثرها مقصوراً على السنن والآداب، واشتهار حديث «من سمع شيئاً من الثواب»(1)وإن ساعدتني الأقدار، وأسعفني الدهر الغدار، ومد الله عزوجل في مدة الأجل لحصول ذلك الأصل، صرفت عنان النظر الى تأليف كتاب يحتوي على ألوف من الأحاديث في الأحكام، وينطوي على جميع أبواب الفقه بالتمام، وأصرف إليه الهمة صرفاً، وأنقده حرفاً حرفاً، وأنظم درر فرائده في سمط دقيق ، وأنشر غرر فوائده على طرز أنيق، مذيلاً كل حديث بتصحيح مبانيه وتوضيح معانيه متعمقاً في الكشف عن حاله والبحث عن رجاله، مبيناً ما هو عليه من الصحة والحسن والتوثيق، مهتدياً في ذلك بنور التوفيق، كاشفاً عن مفرداته اللغوية وتركيباته النحوية ونكاته المعانية و لطائفه البيانية، مستنبطاً منه ما يمكن استنباطه من الأحكام الشرعية، مشيراً الى ما يلوح من الدقائق الأصلية والفرعية، راجياً بذلك عظيم الثواب، و جزيل الأجر يوم يقوم الحساب.
وها أنا باسط كف السؤال الى من لا تخيب لديه الآمال أن يوفقني لاتمام ما أرجوه، و يرزقني إكماله على أحسن الوجوه، وأن يجعلني ممن تزوّد في يومه لغده ، من قبل أن يخرج الأمر من يده ، و أن يعصمني عن موارد الزلل في القول والعمل، أنه القادر على ما يشاء ، وبيده أزمة الأشياء، لا نعبد غيره ولا نرجو إلا خيره.
1) وسائل الشيعة : ج 1 ص 60 باب 18 من أبواب مقدمة العبادات ح 6.
ثواب حفظ أربعين حديثاً
«... قال رسول الله صلّى الله عليه وآله و سلّم: من حفظ على أمتي أربعين حديثاً مما يحتاجون إليه في أمر دينهم بعثه الله عزّوجلّ يوم القيامة فقيهاً عالماً».
الخصال: ج 2 ص 541، ثواب الأعمال: ص 162
حدثني والدي واستاذي ومن إليه في العلوم الشرعيّة استنادي حسین بن عبد الصمد الحارثي الهمداني(1)نور الله تربته وأعلى في عليين رتبته-یوم الثلاثاء ثاني شهر رجب المرجب سنة إحدى و سبعين و تسعمائة في دارنا بالمشهد المقدّس الرضوي على مشرّفه السلام، عن شيخيه الجليلين عمادي الإسلام وفقيهي أهل البيت عليهم السلام السيد حسن بن جعفر الكركي والشيخ زين الملة والدين العاملي قدس الله سرّهما ورفع في الملأ الأعلى ذكرهما، عن الشيخ
الفاضل التقي علي بن عبدالعالي الميسي، عن الشيخ السعيد محمد بن داود المؤذن الجزيني، عن الشيخ الكامل ضياء الدين على عن والده الأفضل الأكمل المدقق المحقق الجامع في معارج السعادة بين رتبة العلم و درجة الشهادة الشيخ شمس الدين محمد بن مكي رفع الله قدره وأضاء في سماء الرضوان بدره: الحديث.
و عن شيخنا زين الملة والدين عن الشيخ الجليل جمال الدين أحمد ابن خاتون، عن شيخنا المحقق أفضل المتأخرين وأكمل المتبحرين نور الملة والدين علي بن عبد العالي الكركي العاملي أعلى الله مقامه وأجزل في الخُلد إكرامه، عن الشيخ الورع الجليل علي بن هلال الجزائري، عن الشيخ
1) في هامش :(م) نسبة الى الحارث الهمداني كان من أصحاب أمير المؤمنين علي عليه السلام وخواصه، وهو المخاطب بالأبيات المشهورة التي أولها: «يا حار همدان من يمت يرني وهمدان بسكون الميم قبيلة من اليمن. (منه مُدَّ ظله).
العالم العابد جمال الدين أحمد بن فهد الحلّي، عن الشيخ زين الدين علي بن الخازن، عن شيخنا الشهيد محمد بن مكي: الحديث.
وعن الشيخ محمد بن المؤذن عن السيد الأجل السيد علي بن رقماق الحسيني، عن الشيخ محمد بن شجاع القطان، عن الشيخ الجليل الفاضل المقداد بن عبدالله السيوري الحلّي، عن شيخنا الشهيد، عن جماعة من مشايخه منهم السيّد المحقق الطاهر عميد الدين عبدالمطلب الحسيني، والشيخ الأفضل فخر المحققين أبو طالب محمد الحلّي، والسيد الفاضل النسابة أبو عبدالله محمد بن القاسم بن مُعيّة الحسني ، والسيد الكبير نجم الدين مهنا سنان المدني ، والمولى الفاضل ملك العلماء مولانا قطب الدین محمد الرازي(1)
قواعد شيخنا الشهيد قدس الله روحه منه دام ظله).
، عن الشيخ الأكمل العلامة آية الله في العالمين جمال الملة والحق والدين أبي منصور الحسن بن مطهر الحلّي قدس الله روحه و نوّر ضريحه عن شيخه الأفضل رئيس المحققين نجم الملة والدين أبي القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد الحلّي، عن السيد الجليل النسّابة فخّار بن معد الموسوي، عن شاذان بن جبرئيل القمي، عن محمد بن أبي القاسم الطبري، عن الشيخ الفقيه أبي علي الحسن، عن والده الأجل الأكمل شيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي نور الله مرقده: الحديث.وعن الشيخ العلامة جمال الدين حسن بن مطهر، عن السيد الطاهر ذي المناقب والمفاخر رضي الدين علي بن الطاووس الحسني طاب ثراه، عن حسين بن أحمد السوراوي، عن محمد بن أبي القاسم الطبري، عن الشيخ أبي علي، عن والده محمد بن الحسن الطوسي: الحديث.
1) في هامش (م): صاحب المحاكمات وشرح المطالع، وهو من تلامذة شيخنا العلّامة وقرأ عنده كتاب قواعد الأحكام وله عليه نقود وحواش نقلها والدي طاب ثراه في قواعده من
وعن العلامة جمال الملة والدين، عن أستاذه أفضل المحققين سلطان الحكماء والمتكلمين خواجه نصير الملة والحق والدين محمد الطوسي، عن والده محمد بن الحسن الطوسي، عن السيد الجليل فضل الله الراوندي،
عن السيّد المجتبى بن الداعي الحسني، عن الشيخ الطوسي: الحديث.
وعن شيخنا الشهيد عن الشيخ رضي الدين علي بن أحمد المزيدي، عن الشيخ الفاضل الجليل الحسن بن داود الحلّي، عن الشيخ أبي القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد، عن أبيه، عن جده، عن عربي بن مسافر العبادي، عن الياس بن هشام الحائري، عن الشيخ أبي علي، عن والده محمد بن الحسن الطوسي، عن الشيخ الأعظم الأكمل المفيد محمد بن محمد بن النعمان الحارثي سقى الله ثراه، عن الشيخ الأجل ثقة الإسلام محمد بن علي بن بابويه القمّي أعلى الله ،درجته، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن علي بن اسماعيل، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن موسى بن ابراهيم المروزي، عن الإمام الكاظم موسى بن جعفر علیه السلام قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلّم : من
حفظ على أمتى أربعين حديثاً مما يحتاجون إليه
في أمر دينهم بعثه الله عزوجل يوم القيامة فقيهاً
عالماً(1).
ما لعله يحتاج الى البيان في هذا الحديث
(من حفظ) : الظاهر أنّ المراد الحفظ عن ظهر القلب فانه هو المتعارف المعهود في الصدر السالف فإنّ مدارهم كان على النقش في
1) الخصال: ج 2 ص 541، ثواب الأعمال ص 162.
الخواطر لا على الرسم في الدفاتر ، حتّى منع بعضهم عن الاحتجاج بما لم يحفظه الراوي عن ظهر القلب . و قد قيل ان تدوين الحديث من المستحدثات في المائة الثانية من الهجرة.
ولا يبعد أن يراد بالحفظ الحراسة عن الاندراس بما يعم الحفظ عن ظهر القلب والكتابة والنقل بين الناس ولو من كتاب وأمثال ذلك.
وقد يقال: المراد بحفظ الحديث تحمّله على أحد الوجوه السنّة المقرّرة في الأصول، أعني السماع من الشيخ والقراءة
عليه والسماع حال قراءة الغير والإجازة والمناولة والكتابة. وبعده ظاهر.
(على أمتي): الظاهر أنّ «على» بمعنى اللام، أي حفظ لأجلهم كما قالوه في قوله تعالى: ( ولتكبروا الله على ما هداكم )(1)أي لأجل هدايته إياكم.
ويحتمل أن يكون بمعنى «من»(2)
من حفظ من أمتي أربعين حديثاً». (منه مد ظله العالي).
كما قيل في قوله تعالى: ( إذا اكتالوا على الناس يستوفون )(3)(أربعين حديثاً ): الحديث لغة يرادف الكلام سُمّي به لأنه يحدث شيئاً فشيئاً.
وفي الاصطلاح كلام خاص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم أو الإمام عليه السلام أو الصحابي أو التابعى ومن يحذو حذوه يحكي قولهم أو فعلهم أو تقريرهم. وبعض المحدّثين لا يطلق اسم الحديث إلا على ما كان عن المعصوم عليه السلام.
(مما يحتاجون إليه في أمر دينهم ) : أي من الأحاديث التي تدعو الحاجة الدينية إليها كالأحاديث الواردة في بعض الاعتقادات والأعمال لا الدنيوية كالأحاديث في توسعة الرزق ودفع المؤذيات مثلاً إذا لم تدع إليها حاجة دينية.
وفي بعض الروايات: «فيما ينفعهم في أمر دينهم» وفي بعضها: «أربعين حديثاً ينتفعون بها» من غير تقييد بأمر الدين.
(عزّوجلّ) : جملتان معترضتان بين الحال وصاحبه ويحتمل الحالية بتقدير «قد».
(فقيهاً عالماً ): المراد أنه يحشر بمجرد ذلك في زمرة الفقهاء والعلماء الذين يرجّح مدادهم على دماء الشهداء.
[ هل معرفة معنى الحديث شرط في حصول الثواب أم لا ؟ ]
الظاهر من قوله صلى الله عليه وآله وسلّم: «من حفظ» ترتب الجزاء على مجرد حفظ لفظ الحديث، وأن معرفة معناه غير شرط في حصول الثواب، أعني البعث يوم القيامة فقيهاً عالماً.
وهو غير بعيد، فإنّ حفظ ألفاظ الحديث طاعة كحفظ ألفاظ القرآن. وقد دعا صلّى الله عليه وآله وسلّم لناقل الحديث و إن لم يكن عالماً بمعناه كما يظهر من قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «رحم الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأدّاها كما سمعها. فربَّ حامل فقه ليس بفقيه، وربّ حامل فقه الى من هو أفقه منه»(1).
ولا يبعد أن يندرج يوم القيامة بمجرّد حفظ اللفظ في زمرة العلماء،
1) الكافي: ج 1 ص 403 ح 2، سنن ابن ماجه: ج 1 ص 84 مع اختلاف يسير.
فإن من تشبه بقوم فهو منهم(1)
و هل ترجمة لفظ الحديث حديث فيترتب ذلك الثواب على حفظها؟ الظاهر لا. كما أنّ ترجمة القرآن ليست بقرآن. ولذلك جاز للمحدّث مسها، ولم يخرج ناذر قراءة القرآن عن العهدة بقراءتها. والاستدلال على أنها قرآن بقوله تعالى : ( إنّ هذا لفي الصحف الأولى )(2)فالحديث كذلك، ضعيف.
و أما تجويزهم نقل الحديث بالمعنى فلا يقتضي كون الترجمة حديثاً. وهو ظاهر.
[ في أن المراد بالأمة جميع الأمة لا بعضها ]
الظاهر من قوله صلى الله عليه وآله وسلّم: «على أمتي» أن المراد جميع الأمة. وهو بظاهره يقتضي أن لا يترتب ذلك الثواب إلا على حفظ ما يشترك جميع الفرق الإسلامية في الحاجة إليه والانتفاع به كقوله صلى الله عليه وآله وسلّم: «لاصلاة الا بطهور» (3)(جعلت لي الأرض مسجداً و ترابها طهوراً )(4)( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»(5)وأمثال ذلك دون الأحاديث التي بعض الأمة مصرّ على ردّها وإنكارها كقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «البيعان بالخيار مالم يفترقا »(6)وأحاديث مسح الرجلين
1) الجامع الصغير للسيوطي: ص 168 . (2) الأعلى: 18.
2) الأعلی:18.
3) من لا يحضره الفقيه : ج 1 ص 330، صحیح مسلم: ج 1 ص 140 مع اختلاف يسير.
4) وسائل الشيعة : ج 2 ص 969 باب 7 من أبواب التيمم ح1، صحیح مسلم: ج 2 ص 63 و 64.
5) الكافي: ج 5 ص 437 ح 2 ، صحیح مسلم: ج 4 ص 164.
6) الكافي : ج 5 ص 170 ح 4 و ح 5، صحیح مسلم: ج 5 ص 9.
في الوضوء(1)وما رووا عنه صلى الله عليه وآله وسلّم: «ما أبقت الفرائض فلا ولي عصبة ذكر»(2)وغير ذلك، إذ الجميع لا يحتاجون إليه ولا ينتفعون به. فإما أن يُراد بالأمة ما يشتمل بعضهم، أو يراد بقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «ممّا يحتاجون إليه ما من شأنهم أن يحتاجوا إليه ولو بحسب اعتقاد ذلك الحافظ(3)فليتأمل(4).
إن قلت(5): لا مناص عن أن يراد من الأمة بعضهم، أعني المجتهدين منهم، لأن وظيفة من عداهم التقليد لا الرجوع الى الحديث، فهم لا يحتاجون إليه ولا ينتفعون به.
قلت: الاحتياج إليه أعم من أن يكون بواسطة أو لا. وأيضاً فالكل ينتفعون بالحكم المستنبط منه وان كان المستنبط بعضهم.
[حكم نقل الحديث الشامل لعدة أحكام ]
لو اشتمل الحديث الواحد على أحكام وجمل متعدّدة فلاشبهة في
1) وسائل الشيعة : ج 1 ص 321 باب 38 من أبواب الوضوء.
2) مسند أحمد بن حنبل: ج 1 ص 213.
3) كالإمامي لو حفظ أربعين حديثاً فيما يختص بالشيعة كمسح الرجلين والمتعة مثلاً لأنّ من شأن جميع الأمة العمل بها بحسب اعتقاده، بخلاف ما لو حفظ أربعين حديثاً في غسل الرجلين والعول والتعصيب مثلاً لأنه ليس من ليس من شأن جمیع الامة العمل بها فياعتقاده لأن الأمة لا تجتمع على الخطأ. (منه رحمه الله).
4) وجه التامل ان تفسير ما يحتاج إليه الامة بما من شأنهم الاحتياج إليه وان لم يتحقق إحتياج إليه بالفعل أصلاً بعيد جداً ( منه رحمه الله ).
5) مبنى السؤال على الانتفاع بالحديث في استنباط الأحكام منه مع إغماض العين عن الانتفاع .ولو أريد بالانتفاع مطلق ترتب الثواب مثلاً لم يرد السؤال لأن الثواب يترتب على حفظ اللفظ وكذا لو أريد الانتفاع بالقوة (منه رحمه الله).
جواز الاقتصار على نقل البعض بانفراده، إذا لم يكن متعلقاً بالباقي. ونقل العلامة في نهاية الأصول الاتفاق على ذلك كقوله صلى الله عليه وآله وسلّم: «من فرج عن أخيه كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن ستر على أخيه ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»(1)فهذا الحديث واحد، ويجوز الاقتصار على نقل كل من الجمل الأربع بانفرادها فيقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم كذا.
أما ما يرتبط بعضه ببعض فلا يجوز الاقتصار على نقل بعضه كالاقتصار على نقل قوله صلى الله عليه و آله و سلّم: «لاسبق الا في نصل»(2)من دون أن يضاف إليه أو خف أو حافر(3)والاقتصار على قوله صلى الله عليه وآله وسلّم: «من نزل على قوم فلا يصومن تطوعاً»(4)من دون أن يضيف اليه «إلا بإذنهم».
وعلى هذا فلو تضمن الحديث أربعين حكماً مثلاً كل منها مستقل بنفسه فلاشك في جواز نقل كلّه منها ،بانفراده، لكن هل يصدق على من حفظه أنه حفظ أربعين حديثاً فيستحق به الثواب المترتب على ذلك؟ لم أجد لأحد فيه تصريحاً. وهو محل تأمل ولو قيل به لم يكن بعيداً.
[الاستدلال بالحديث المذكور على حجية الخبر الواحد ]
1) الكافي: ج 2 ص 200 ح 5.
2) اختلف المحدثون فی أن السبق فی هذا الحدیث هل هو بسکون الباء لیکون... مصدراً لمعنی المسابقة أو بفتحها المال المبذول للسابق. فعلی الأول تصح المسابقة فی غیر هذه الثلاثة . و علی الساني یصح ولکن أخذ العوضین حرام.(منه رحمه الله).
3) الكافي : ج 5 ص 48 ح 6، سنن ابن ماجه: ج 2 ص 960.
4) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 154 و 155 قريب منه، سنن الترمذي ج 3 ص 156.
هذا الحديث مستفيض بين الخاصة والعامة، بل قال بعضهم بتواتره. فإن ثبت أمكن الاستدلال به على أن خبر الواحد حجّة. ولم أجد أحداً استدل به على هذا المطلب.
وظنّي ان الاستدلال به على ذلك ليس أدون من الاستدلال بآية ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة )(1)
وتقريره أن يقال: إن أسماء الشرط من صيغ العموم، فقوله صلى الله عليه وآله وسلّم من حفظ» في قوة كل شخص حفظ» سواء كان ذلك الشخص منفرداً بالحفظ أو كان له فيه مشاركون قد بلغوا حد التواتر أو لا. وقد قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «ممّا يحتاجون إليه في أمر دينهم فقد أثبت احتياجهم إليه في دينهم ولو لم يكن حجّة لما احتاجت الأمة إليه
أمر الدين بل كان وجوده كعدمه.
ولا يرد جريان هذا الدليل في خبر الفاسق ومجهول الحال لخروج الفاسق بآية التثبت(2)والمجهول بما تقرّر في الاصول فيبقى خبر العدل على حجيته.
نعم لقائل أن يقول: ليس الحديث(3)صريحاً في الاحتياج إليه حال كونه خبراً واحداً، فيجوز أن يكون مراده صلّى الله عليه وآله وسلّم: «ممّا يحتاجون إليه »عند صيرورته حجّة، وهو وقت تواتره.
وهذا الاحتمال وان كان خلاف الظاهر إلا أنه يجعل الاستدلال استدلالاً بظاهر في أصل فلا يُجدي، فليتأمل(4)
1) التوبة: 122 .
2) أي آية التبين وهي قوله تعالى: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) الحجرات: 6.
3) في هامش (م) من جملة ذلك الاستدلال بقوله تعالى: (ولا تقف ماليس لك به علم) خرج معدوم العدالة بالإجماع فبقي ما عداه، وأيضاً... بالاتفاق فيجب تحقق ظنّ علمه ... (منه دام ظله)
4) في هامش (ع) : وجه التأمّل : ان عدم جواز التعويل على الظن في الاصول لم يثبت بعد منه) رحمه الله. وفي هامش (م) أيضاً: وجه التأمل ان الأصح أنّ الظنِّ كائن في الأصول (منه دام ظله).
[ بیان معنی الفقه ]
ليس المراد بالفقه في قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً» الفقه بمعنى الفهم فإنّه لا يناسب المقام، ولا العلم بالأحكام الشرعية العمليّة عن أدلّتها التفصيلية فإنه معنى مستحدث، بل المراد به البصيرة في أمر الدين والفقه أكثر ما يأتي في الحديث بهذا المعنى، والفقيه هو صاحب هذه البصيرة، وإليها أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلّم بقوله: «لا يفقه العبد كلّ الفقه حتّى يمقت الناس في ذات الله تعالى، وحتّى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة، ثمّ يقبل على نفسه فيكون لها أشدّ مقتاً»(1)
ثمّ هذه البصيرة إما موهبيّة وهي التي دعا بها النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لأمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام حين أرسله الى اليمن بقوله: «اللهم فقهه في الدين»(2)أو كسبية وهي التي أشار إليها أو أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال لولده الحسن عليه السلام: « وتفقه يابني في الدين(3)
وفي كلام بعض الأعلام انّ اسم الفقه في العصر الأوّل إنما كان يطلق على علم الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدة الأعمال و
قوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدّة التطلّع الى نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب.
ويدلّ عليه قوله تعالى: فَلولا نَفَر من كُلّ فرقةٍ منهم طائفةٌ ليتفقّهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم (1)فقد جعل العلّة الغائية من الفقه الإنذار والتخويف. ومعلوم أنّ ذلك لا يترتّب إلّا على هذه المعارف، لا على معرفة فروع الطلاق والمساقاة والسلم وأمثال ذلك.
وأمّا العلم فالمراد منه قريب ممّا يراد من الفقه لا المعاني المصطلحة المستحدثة، كحصول الصورة أو الصورة الحاصلة عند العقل أو ملكة يقتدر بها على إدراكات جزئية وما أشبه ذلك، فإنّ «العلماء ورثة الأنبياء»(2)وليس شيء من هذه المعاني ميراث الأنبياء، وقد قال الله تعالى: إنّما يخشى الله من عباده العلماء (3)فقد جعل العلم موجباً للخشية والخوف لتعليق الحكم على الوصف ، فجميع ما ارتسم في ذهنك من التصوّرات والتصديقات التي لا توجب لك الخشية والخوف وإن كانت في كمال الدقّة والغموض فليست من العلم في شيء بمقتضى الآية الكريمة، بل هي جهل محض، بل الجهل خير منها. إنتتهى كلامه، ولعمري إنّه كلام رشيق أنيق يليق أن يكتب بالنور على صفحات خدود الحور.
صفات أولياء الله
«... قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: من عرف الله و عظمه منع فاه من الكلام، وبطنه من الطعام، وعنى نفسه بالصيام والقيام. قالوا : بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله هؤلاء أولياء الله ؟ قال : إنّ أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم فكراً ، و تكلّموا فكان كلامهم ذكراً ، و نظروا فكان نظرهم عبرة ، و نطقوا فكان نطقهم حكمة ، و مشوا فكان مشيهم بين الناس بركة . لولا الآجال التي قد كتبت عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم خوفاً من العذاب و شوقاً الى الثواب».
أمالي الصدوق: المجلس 50 ص 269
و بالسند المتصل الى الشيخ الصدوق ثقة الإسلام محمد بن بابويه القمي، عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي الكوفي، عن محمد بن سنان، عن عيسى
الجريري ، عن الإمام جعفر بن مح محمد الصادق عليه السلام ، عن أبيه محمد الباقر عليه السلام، عن أبيه زين العابدين، عنعن أبيه سيد الشهداء، عن أبيه أمير المؤمنين عليهم السلام قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من عرف الله و عظمه منع فاه من الكلام، و بطنه من الطعام، و عنى نفسه بالصيام والقيام. قالوا: بابائنا و أمهاتنا يا رسول الله هؤلاء أولياء الله ؟ قال: إن أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم فكرا،ً وتكلموا فكان كلامهم ذكرا،ً و نظروا فكان نظرهم عبرة، و نطقوا فكان نطقهم حكمة، و مشوا فكان مشيهم بين الناس بركة. لولا الآجال التي قد كتبت عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم خوفاً من العذاب و شوقاً الى الثواب(1).
1) أمالي الصدوق المجلس ٥٠ص269.
ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث
(من عرف الله): قال بعض الأعلام: أكثر ما تنطلق المعرفة على الأخير من الإدراكين للشيء الواحد إذا تخلل بينهما عدم، بأن أدركه أولا ثم ذهل عنه ثم أدركه ثانيا فظهر له أنه هو الذي كان قد أدركه أولا. ومن هاهنا سمي أهل الحقيقة بأصحاب العرفان لأن خلق الأرواح قبل خلق الأبدان كما ورد في الحديث (راجع بحار الأنوار: ج 61 ص 131 والصفحات التي بعدها.)، وهي كانت مطلعة على بعض الإشراقات الشهودية مقرة لمبدعها بالربوبية كما قال سبحانه: { ألست بربكم قالوا بلى } (الأعراف: 172.). لكنها لإلفها بالأبدان الظلمانية وانغمارها في الغواشي الهيولانية ذهلت عن مولاها ومبدعها، فإذا تخلصت بالرياضة من أسر دار الغرور وترقت بالمجاهدة عن الإلتفات إلى عالم الزور تجدد عهدها القديم الذي كاد أن يندرس بتمادي الأعصار والدهور، وحصل لها الإدراك مرة ثانية، وهي المعرفة التي هي نور على نور.
(وعنى نفسه ): عنى بالعين المهملة والنون المشددة أي أتعب، والعناء بالفتح والمد: التعب.
( بآبائنا وأمهاتنا ): هذه الباء يسميها بعض النحاة بالتعدية، وفعلها محذوف غالبا، والتقدير: نفديك بآبائنا وأمهاتنا، وهي في الحقيقة باء العوض نحو: خذ هذا بهذا، وعد منه قوله تعالى: { ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } (النحل: 32.).
( هؤلاء أولياء الله ): هو استفهام محذوف الأداة، ويمكن أن يكون خبرا قصد به لازم الحكم والتأكيد في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:
إنَّ أولياءَ الله... الی آخره: لكونِ الخبرِ مُلقىً الی السائلِ المتردّدِ على الأوّلِ، ولكونِ المخاطبِ حاكماً بخلافِهِ على الثانی إن جُعلَ قولهُ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم: «إنَّ أولياءَ اللهِ» ردّاً لقولهم «هؤلاء أولیاء الله» أيْ أنَّ أولياءَ اللهِ أُناسٌ أخَّرَ صفاتَهم فوقَ هذه الصفاتِ. و إن جُعلَ تصدیقاً لقولهم و وصفاً لأولیاءِ اللهِ بصفاتٍ أُخرى زیادةً على صفاتهم الثَلاثِ السابقةِ فالتأكيدُ لكونِ الخبرِ مُلقىً الی الخُلَّصِ الراسخینَ في الإیمانِ فهو رائجٌ عندهم مُتقَبَّلٌ لدیهم صادرٌ عنه صلَّى الله علیه وآله وسلَّم عن کمال الرغبةِ و وفور النشاطِ أنَّه وصفٌ أولیاءَ اللهِ بأعظمِ الصفاتِ فکان مظنَّةَ التأكيدِ کما ذکره صاحبُ الکشَّافِ (1)عند قولهِ تعالى: و إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا (2).
فکان سکوتهم فکراً: أُطلق على سکوتِهم الفکرُ لکونهِ لازماً له غیرَ منفكٍّ عنه. وكذا إطلاقُ العبرةِ على نظرهم، والحكمةِ على نطقهم، والبرکةِ على مشیهم. و جعلَ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم کلامهم ذکراً ثمَّ جعله حكمةً إشعاراً بأنَّه لا یخرج عن هذین، فالأوّلُ في الخلوةِ والثاني بین الناسِ ولكَ إبقاءُ النطقِ على معناه المصَدري، أيْ أنَّ نطقهم بمهما نطقوا به مبنيٌّ على حكمةٍ و مصلحةٍ. خوفاً من العذابِ وشوقاً الی الثواب: فیه إشارة الی تساوي الخوفِ والرجاء فیهم وکونهما معاً في الغایةِ القصوى والدرجةِ العلیا کما ورد في الحدیث عن الإمام محمدِ بن عليٍّ الباقرِ علیهما السلام أنَّه قال: «لیس من عبدٍ مؤمنٍ إلَّا وفي قلبهِ نوران: نورُ خِيفةٍ ونورُ رجاءٍ، لو وزن هذا لم یزد على هذا» (3).
وعن الإمامِ جعفرِ بنِ محمدٍ الصادقِ علیهما السلام: «أعجبُ ما كان في وصيّةِ لقمانَ أن قال لابنه: خفِ اللهَ خيفةً لو جئتهُ ببرِّ الثقلين لعذَّبكَ، و ارجُ اللهَ رجاءً لو جئتهُ بذنوبِ الثقلين لرحمكَ» (1).
[ معرفة الله ]
المرادُ بمعرفةِ اللهِ تعالى الاطَّلاعُ على نعوتهِ وصفاتهِ الجلاليةِ والجماليةِ بقدرِ الطاقةِ البشريةِ. وأمَّا الاطَّلاعُ على حقيقةِ الذاتِ المقدَّسةِ فممَّا لا مطمحَ فيه للملائكةِ المقرَّبینَ والأنبیاءِ المرسلينَ فضلاً عن غيرهم، وكفى في ذلك قولُ سيِّدِ البشرِ: «ما عرفناك حقَّ معرفتكَ» (2)وفي الحديثِ: «إنَّ اللهَ احتجبَ عن العقولِ كما احتجبَ عن الأبصارِ، وأنَّ الملأَ الأعلى يطلبونهُ كما تطلبونهُ أنتم» (3)فلا تلتفت الى مَن يزعمُ أنَّه قد وصل الى كنهِ الحقيقةِ المقدَّسةِ، بل أحثُ الترابَ في فيهِ، فقد ضلَّ وغوى، و كذبَ وافترى، فإنَّ الأمرَ أرفعُ وأطهرُ أن يتلوَّثَ بخواطرِ البشرِ، وكلَّ ما تصوَّره العالمُ الراسخُ فهو عن حرمِ الكبریاءِ بفراسخَ، وأقصى ما وصل إليه الفكرُ العميقُ فهو غايةُ مبلغهِ من التدقيقِ، وما أحسنَ ما قال:
آنچه پیشِ تو، غیرِ از آن ره نیست *** غایتِ فهمِ توست، الله نیست
بل الصفاتُ التي نثبتها له سبحانه وتعالى إنَّما هي على حسبِ أوهامنا وقدرِ أفهامنا، فإنَّا نعتقدُ اتِّصافه سبحانه بأشرفِ طرفيِ النقيضِ بالنظر الى عقولنا القاصرةِ، وهو تعالى أرفعُ وأجلُّ من جميعِ ما نصفه به.
وفي کلامِ الإمامِ أبي جعفرٍ محمدِ بنِ عليٍّ الباقرِ علیه السلام إشارةٌ الی هذا المعنى حیثُ قال: «کلُّ ما میَّزتموه بأوهامکم في أدقِّ معانیه مخلوقٌ مصنوعٌ مثلکم، مردودٌ إلیکم. ولعلَّ النملَ الصغارَ تتوهَّمُ أنَّ الله تعالى زُبانيتانِ فإنَّ ذلك کمالُها. وتتوهَّمُ أنَّ عدمهما نقصانٌ لمن لا يتَّصفُ بهما. وهکذا حالُ العقلاءِ فیما یصفون الله تعالى به». انتهى کلامه صلواتُ اللهِ علیهِ وآلهِ.
قال بعضُ المحقّقینَ: هذا کلامٌ دقیقٌ رشیقٌ أنیقٌ صدرَ من مصدرِ التحقیقِ وموردِ التدقیقِ، والسرُّ في ذلك أنَّ التکلیفَ إنَّما یتوقَّفُ على معرفةِ الله تعالى بحسبِ الوسعِ والطاقةِ، وإنَّما کُلّفوا أن یعرفوه بالصفاتِ التي ألِفوها وشاهدوها فیهم مع سلبِ النقائصِ الناشئةِ عن انتسابها إلیهم. ولمّا کان الإنسانُ واجباً بغیره عالماً قادراً مریداً حيّاً متکلّماً سمیعاً بصیراً کُلِّف بأن یعتقدَ تلك الصفاتِ في حقّهِ تعالى مع سلبِ النقائصِ الناشئةِ عن انتسابها الى الإنسانِ بأن يعتقدَ أنَّه تعالى واجبٌ لذاته لابغیره، عالمٌ بجمیعِ المعلوماتِ، قادرٌ على جمیعِ الممکناتِ، و هکذا في سائرِ الصفاتِ، و لم يُکلَّف باعتقادِ صفةٍ له تعالى لا یوجد فیه مثالها ومناسبها بوجهٍ. ولو کُلِّف به لمّا أمکنَ تعلُّقه بالحقیقةِ. وهذا أحدُ معاني قولهِ علیه السلام: «مَن عرفَ نفسه فقد عرفَ ربَّه» إنتهى کلامه.
واعلمْ أنَّ تلك المعرفةَ التي یمکن أن یصلَ الیها أفهامُ البشرِ لها مراتبُ متخالفةٌ و دُرَجٌ متفاوتةٌ. قال المحقّقُ الطوسيُّ طاب ثراه في بعضِ مصنَّفاته: إنَّ مراتبَها مثلُ مراتبِ معرفةِ النارِ مثلاً فإنَّ أدناها مَن سمعَ أنَّ في الوجودِ شیئاً یعدم کلَّ شيءٍ یلاقیه، ویظهر أثره في کلّ شيءٍ یحاذیه، وأيُّ شيءٍ أُخذ منه لم ینقص منه شيءٌ و يسمَّى ذلك الموجودُ ناراً. ونظیرُ هذه
المرتبة في معرفةِ الله تعالى معرفةُ المقلِّدینَ الذين صدَّقوا بالدینِ من غیرِ وقوفٍ على الحجَّةِ.
وأعلى منها مرتبةَ مَن وصلَ إليه دخانُ النارِ و علمَ أنَّه لابدَّ له من مؤثِّرٍ فحکمَ بذاتٍ لها أثرٌ و هو الدخانُ. و نظیرُ هذه المرتبةِ في معرفةِ الله تعالى معرفةُ أهلِ النظرِ والاستدلالِ الذين حکموا بالبراهینِ القاطعةِ على وجودِ الصانعِ.
وأعلى منها مرتبة مَن أحسَّ بحرارةِ النارِ بسببِ مجاورتِها و شاهدَ الموجوداتِ بنورِها و انتفعَ بذلك الأثرِ. و نظیرُ هذه المرتبةِ في معرفةِ الله سبحانه و تعالى معرفةُ المؤمنینَ الخُلَّصِ الذين اطمأنَّت قلوبُهم باللهِ و تیقَّنوا أنَّ اللهُ نورُ السمواتِ والأرضِ (1)کما وصفَ به نفسَه.
وأعلى منها درجة مرتبةَ مَن احترقَ بالنارِ بکلیَّتهِ و تلاشى فیها بجملتهِ. ونظیرُ هذه المرتبةِ في معرفةِ الله تعالى معرفةُ أهلِ الشهودِ والفناءِ في اللهِ، و هي الدرجةُ العلیا والمرتبةُ القصوى، رزقنا اللهُ الوصولَ إلیها والوقوفَ علیها بمنِّهِ و کرمهِ. إنتهى کلامه أعلى الله مقامه.
ولا یخفى أنَّ المعرفةَ التي تضمَّنها صدرُ هذا الحدیثِ هي المرتبةُ الثالثةُ و الرابعةُ من هذه المراتبِ، واللهُ أعلمُ.
[ سمات العارفین و صفات الأولیاء الکاملین]
قد اشتملَ هذا الحدیثُ على المهمِّ من سماتِ العارفینَ و صفاتِ الأولیاءِ الکاملینَ:
1) النور: 35.
فَأَوَّلُها: الصمتُ و حفظُ اللسانِ الذي هو بابُ النجاةِ.
و ثانيها: الجوعُ وهو مفتاحُ الخيراتِ.
و ثالثها: اتعابُ النفسِ بالعبادةِ بصيامِ النهارِ و قيامِ الليلِ. وهذه الصفةُ ربَّما توهَّمَ بعضُ الناسِ استغناءَ العارفِ عنها وعدمَ حاجتِهِ إليها بعدَ الوصولِ، و هو وهمٌ باطلٌ، إذ لو استغنى عنها أحدٌ لاستغنى عنها سيِّدُ المرسلينَ و أشرفُ الواصلينَ، وقد كان صلَّى اللهُ عليه و آله يقومُ في الصلاةِ الى أن ورمت قدماه، و كان أميرُ المؤمنينَ عليٌّ عليه السلام الذي إليه تنتهي سلسلةُ أهلِ العرفانِ يصلّي كلَّ ليلةٍ ألفَ ركعةٍ، و هكذا شأنُ جميعِ الأولياءِ العارفينَ كما هو في التواريخِ مسطورٌ وعلى الألسنةِ مشهورٌ.
و رابعها: الفكرُ، و في الحديثِ: «تفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ ستينَ سنةً» (1)قال بعضُ الأكابرِ: إنَّما كان الفكرُ أفضلَ لأنَّه عملُ القلبِ، و هو أشرفُ من الجوارحِ، فعملُه أفضلُ من عملِها، ألا ترىٰ إلى قولهِ تعالى: أقمِ الصلاةَ لذكري (2)فجعلَ الصلاةَ وسيلةً الىٰ ذكرِ القلبِ، والمقصودُ أشرفُ من الوسيلةِ.
و خامسها: الذكرُ، والمرادُ به الذكرُ اللسانيُّ، و قد اختاروا له كلمةَ التوحيدِ لاختصاصِها بمزايا ليس هذا محلَّ ذكرِها.
و سادسها: نظرُ الاعتبارِ كما قال سبحانه: فاعتبروا يا أُولي الأبصارِ (3).
و سابعها: النطقُ بالحكمةِ، والمرادُ بها ما تضمَّنَ صلاحَ النشأتينِ أو صلاحَ النشأةِ الأخرىٰ من العلومِ والمعارفِ. أمَّا ما تضمَّنَ صلاحَ الحالِ في الدنيا فقط فليس من الحكمةِ في شيءٍ.
وثامنُها: وصولُ برکتِهم الى الناسِ.
وتاسعُها وعاشرُها: الخوفُ والرجاءُ.
وهذهِ الصفاتُ العشرُ إذا اعتبرتَها وجدتَها أُمَّهاتِ صفاتِ السائرینَ الى الله تعالى، یسَّرَ اللهُ لنا الاتصافَ بها بمنِّهِ و کرمِهِ و جودِهِ.
*أهمية الوقت الأول للصلاة *
«... قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ و آلِهِ و سلَّمَ: ما مِن صلاةٍ يحضرُ وقتُها إلَّا نادىٰ ملكٌ بين يدي الناسِ: قوموا الى نيرانِكُمُ التي أوقدتُموها علىٰ ظهورِكم فاطفِؤوها بصلاتِكم».
من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 208، أمالي الصدوق: مجلس 75 ص 446
وبالسندِ المتصلِ الى الشيخِ الصدوقِ محمَّدِ بنِ بابويهِ، عن موسى ابنِ المتوكِّلِ، عن عليِّ بنِ الحسينِ السعدآبادي، عن أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ خالدٍ، عن أبيهِ، عن عبيدِاللهِ الدهقانِ، عن واصلِ بنِ سليمانَ، عن عبدِاللهِ بنِ سنانٍ، عن الإمامِ أبي عبدِاللهِ جعفرِ بنِ محمَّدٍ الصادقِ عليهما السلام قال: سمعتُ أبي يحدِّثُ عن أبيهِ قال:
قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ و آلِهِ و سلَّمَ: ما مِن صلاةٍ يحضرُ وقتُها إلَّا نادىٰ ملكٌ بين يدي الناسِ: قوموا الى نيرانِكُمُ التي أوقدتُموها علىٰ ظهورِكم فاطفِؤوها بصلاتِكم (1).
ما لعلَّه يحتاجُ الى البيانِ في هذا الحديثِ
ما من صلاة: «من» صلةٌ لتأكيدِ النفيِ. إلَّا نادى ملك: استثناءٌ مفرَّغٌ. وجملةُ «نادى ملك» حاليةٌ. والمعنى: ما حضر وقتُ صلاةٍ على حالةٍ من الحالاتِ إلَّا مقارناً لنداءِ ملكٍ... الى آخرهِ.
1) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 208، أمالي الصدوق: مجلس 75 ص 446.
و إنَّما صحَّ خلوُ الماضي الواقعِ حالاً عن «الواو» و «قد» في أمثالِ هذه المقاماتِ لأنَّه قصدَ به تعقیبُ ما بعدَ إلَّا لما قبلَها فأشبهَ الشرطَ والجزاءَ. صرَّح به المحقِّقُ التفتازاني في أواخرِ بحثِ القصرِ من المطوَّلِ (1)، وهو مذكورٌ في بعضِ كتبِ النحوِ أيضاً.
بین یدی الناس: قال صاحبُ الکشَّافِ عند أوَّلِ سورةِ الحجراتِ: حقيقةُ قولِ القائلِ «جلستُ بین یدی فلانٍ» أن تجلسَ بین الجهتینِ المسامتتینِ لیمینهِ و شمالهِ قريباً منه، فسمِّيتِ الجهتانِ یدینِ لكونِهما على سمتِ الیدینِ مع القربِ منهما توسُّعاً کما يسمَّى الشيءُ باسمِ غيرهِ إذا جاورهُ و داناهُ (2). إنتهى كلامه. الى نيرانکم: استعارةٌ مصرَّحةٌ شبِّهتِ الذنوبُ بالنارِ في إهلاكِ من وقعَ فيها، و أوقدتموها ترشیحٌ آخرَ واطفؤوها ترشیحٌ آخرَ. و إن جعلتَ «نیرانکم» مجازاً مرسلاً من قبیلِ تسميةِ السببِ باسمِ المسبّبِ فالترشیحانِ على ما كانا عليه؛ إذ المجازُ المرسلُ ربما يرشّحُ أيضاً كما قالوه في قولهِ صلَّى اللهُ عليهِ و آلِهِ و سلَّمَ: «أسرعُکُنَّ لحوقاً بي أطولُكُنَّ يداً» (3).
ولا یبعدُ أن يجعلَ الکلامَ استعارةً تمثیلیةً من غیرِ ارتكابِ تجوّزٍ في المفرداتِ بأن يشَّبهَ الهيئةَ المنتزعةَ من المذنبِ وتلبّسهِ بالذنبِ المهلكِ له. و تحقيقُ ذلك بالصلاةِ بالهيئةِ المنتزعةِ من توقُّدِ (4)النارِ على ظهرهِ ثمَّ إطفائهِ لها.
وهاهنا وجهٌ آخرُ مبنيٌّ على مقدمةٍ هي أنَّه قد ذهبَ بعضُ أصحابِ القلوبِ الى أنَّ الأعمالَ الصالحةَ هي التي تظهرُ في القيامةِ بصورةِ نعيمِ الجنَّةِ وحورِها وقصورِها، كما أنَّ الأعمالَ السيئةَ تظهرُ بصورةِ عذابِ النارِ وعقاربِها وحيَّاتِها. وقد وردَ في القرآنِ والحديثِ ما يرشدُ الى ذلك. فعلى هذا يجوزُ أن تكونَ «نيرانكم» مجازاً مرسلاً، علاقتهُ تسميةُ الشيءِ باسمِ ما يؤولُ إليه، والترشيحُ بحالهِ كما عرفتَ. وظنّي أنَّ هذا الوجهَ أحسنُ من الوجوهِ الثلاثةِ السابقةِ.
[في أن الصلاة تكفر الذنوب وتسقط العقاب ]
قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «فاطفؤوها بصلاتكم» صريحٌ في أنَّ الصلاةَ تكفِّرُ الذنوبَ وتسقطُ العقابَ المتوعَّدَ عليها. والقرآنُ يدلُّ عليه، قال سبحانه و تعالى: إنَّ الحسناتِ يذهبنَ السيئاتِ (1)والمرادُ بها الصلواتُ لسوقِ الآيةِ.
وقد وردَ ذلك في أحاديثَ متكثِّرةٍ من طرقِ العامَّةِ والخاصَّةِ.
روى أبو حمزةَ الثماليُّ عن أحدِهما عليهما السلام، عن أميرِ المؤمنينَ عليٍّ عليه السلام، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنَّه قال: والذي بعثني بالحقِّ بشيراً و نذيراً إنَّ أحدكم ليقومُ من وضوئهِ فتساقطُ عن جوارحهِ الذنوبُ. فإذا استقبلَ اللهَ بوجههِ وقلبهِ لم ينفتلْ وعليه من ذنوبهِ شيءٌ كيومَ ولدتهُ أمُّه، إنَّما منزلةُ الصلواتِ الخمسِ لأُمَّتي كنهرٍ جارٍ على بابِ أحدكم. فما ظنَّ أحدكم لو كان على جسدهِ درنٌ ثمَّ اغتسلَ في ذلك النهرِ خمسَ مرَّاتٍ أكان يبقى في جسدهِ درنٌ؟ و كذلك واللهِ الصلواتُ الخمسُ لأُمَّتي (2).
وروي في سببِ نزولِ قوله تعالى: إنَّ الحسناتِ يذهبنَ السيئاتِ أنَّ رجلاً من الصحابةِ أصابَ من امرأةٍ قُبلةً فأتى النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فأنزلَ اللهُ تعالى: أقمِ الصلاةَ طرفيِ النهارِ وزلفاً من الليلِ إنَّ الحسناتِ يُذهبنَ السيئاتِ فقال الرجلُ: إليَّ هذا؟ فقال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: لجميعِ أُمَّتي كلِّهم (1).
ولا يخفى أنَّ هذه الذنوبَ التي وردتِ الأخبارُ بأنَّ الصلاةَ مكفِّرةٌ لها مخصوصةٌ بما عدا الكبائرَ، وفي كثيرٍ من الأحاديثِ تصريحٌ بذلك، كما روي عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنَّه قال: «إنَّ الصلواتِ كفَّاراتٌ لما بينهنَّ ما اُجتنبتِ الكبائرُ» (2).
وعنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «ما من امرىءٍ مسلمٍ تحضرهُ صلاةٌ مكتوبةٌ فيحسنُ وضوءَها وخشوعَها و ركوعَها إلَّا كانت كفَّارةً لما قبلها من الذنوبِ مالم يؤتِ كبيرةً» (3).
وعنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «إنَّ الصلواتِ الخمسَ والجمعةَ الى الجمعةِ كفَّاراتٌ لما بينهنَّ مالم تُغشَ الكبائرُ» (4). والرواياتُ بذلك متظافرةٌ، فينبغي حملُ الذنوبِ في الروايةِ الأولى على الصغائرِ وإن كان قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «كيومَ ولدتهُ أمُّه» ظاهرٌ في العمومِ كما لا يخفى.
[توضیح حول تكفير الذنوب]
ما ورد من أنَّ اجتنابَ الكبائرِ مكفِّرٌ للصغائرِ كما قال سبحانه: ان
تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً (1)لا ينافي ماتضمَّنته الأحاديثُ السابقةُ من كونِ الصغائرِ مكفَّرةً بالصلاةِ، فلعلَّ كلَّاً منهما مكفِّرٌ لنوعٍ منها، أو أنّ لكلٍّ منهما مدخلاً في التكفيرِ، فهو بهذا الاعتبارِ مكفِّرةٌ في الجملةِ. ولا يمكنُ أن تحملَ الصغائرُ التي تكفِّرُها الصلاةُ على الصغائرِ الصادرةةِ ممَّن لا يجتنبُ الكبائرَ، لأنَّ ما في قولهِ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «ما اجتنبَ الكبائرَ» و«مالم تؤتَ كبيرةً» و«مالم تُغشَ الكبائرُ» ظرفيةٌ. فالمعنى أنَّ الصلاةَ تكفِّرُ ما بينهنَّ وقتَ اجتنابِ الكبائرِ، فمن لا يجتنبُها تكون صغائرُه غيرَ مكفَّرةٍ بالصلاةِ. وهذا ظاهرٌ لا سترةَ فيه.
1) النساء: 31.
«... حكى لنا الإمامُ أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عليٍّ عليهما السلام وضوءَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ فدعا بقدحٍ من ماءٍ، فأدخلَ يدهُ اليمنىٰ، فأخذَ كفَّاً من ماءٍ، فأسدلها علىٰ وجههِ من أعلىٰ الوجهِ، ثمَّ مسحَ بيدهِ الجانبينِ جميعاً، ثمَّ أعادَ اليسرىٰ في الإناءِ، فأسدلها علىٰ اليمنىٰ، ثمَّ مسحَ جوانبَها، ثمَّ أعادَ اليمنىٰ في الإناءِ، ثمَّ صبَّها علىٰ اليسرىٰ، فصنعَ بها كما صنعَ باليمنىٰ، ثمَّ مسحَ ببقيةِ ما بقيَ في يديهِ رأسهُ ورجليهِ و لم يُعِدْها في الإناءِ».
تهذيب الأحكام: ج 1 ص 55 ح 3
وبسندي المتصل الى الشيخ الجليل شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي قدَّس الله روحه، عن الشيخ الجليل عماد الإسلام محمد بن محمد بن النعمان المفيد طاب ثراه، عن احمد بن محمد، عن أبيه، عن الحسين بن الحسين بن أبان، عن الحسن بن سعيد، عن ابن أبي عمير وفضالة، عن جميل بن درّاج، عن زرارة بن أعين قال:
حكى لنا الإمام أبو جعفر محمد بن عليّ عليهما السلام وضوء رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فدعا بقدح من ماء، فأدخل يده اليمنى، فأخذ كفّاً من ماء، فأسدلها على وجهه من أعلى الوجه، ثمّ مسح بيده الجانبين جميعاً، ثمّ أعاد اليسرى في الإناء، فأسدلها على اليمنى، ثمّ مسح جوانبها، ثمّ أعاد اليمنى في الإناء، ثمّ صبّها على اليسرى، فصنع بها كما صنع باليمنى، ثمّ مسح ببقية ما بقي في يديه رأسه و رجليه و لم يُعِدْها في الإناء(1).
ما لعلّه يحتاج الى بيان في هذا الحديث
1) تهذيب الأحكام: ج 1 ص 55 ح 3.
فدعا بقدح من ماء: قد يتمسّك بهذا على أنَّ احضار الغير ماء الوضوء ليس من الاستعانة المكروهة في الوضوء. وإنما هي صبّ الماء في اليد ليغسل به العضو. وفيه مالايخفى. فأسدلها على وجهه: أي صبّها، والسدل في الأصل إرخاء الثوب و نحوه، و منه السَّديل لما يُرخى على الهودج. فالكلام استعارة تبعيّة. من أعلى الوجه: المراد بأعلى الوجه على ما قالوه منتهى قصاص الناصية وما سامته من الجهتين. وسيرد عليك زيادة تحقيق فيه. ثمّ مسح بيده الجانبين جميعاً: أي جانبي الوجه، و ربّما يوجد في بعض نسخ التهذيب «الحاجبين» وهو من سهو النّساخ(1). ولا يخفى أنَّ لفظة «ثمَّ» في هذا الحديث منسلخة عن معنى التراخي، وهو في كلام البلغاء كثير.
ثمّ أعاد اليسرى: كأنَّ الظاهر ثمَّ أدخل اليسرى، ولعلّه أطلق الإعادة على الإدخال الابتدائي لمشاكلة قوله فيما بعد «ثمّ أعاد اليمنى». ولا يتوهَّم أنَّ تقدّم المشاكل -بالفتح- على المشاكل -بالكسر- شرط، فإنّهم صرَّحوا بأنَّ «يمشي» في قوله تعالى: فمنهم من يمشي على بطنه(2)لمشاكلة قوله تعالى: ومنهم من يمشي على رجلين(3..هذا ويمكن أن يقال: إنَّه أطلق الإعادة باعتبار كونها يداً لا باعتبار كونها يسرى فتدبَّر)
1) في هامش (م): لأنَّ في النسخة التي بخطِّ الشيخ الطوسي رحمه الله الجانبين. وكذا في النسخة التي عليها الاعتماد. (منه دام ظلّه).
2) و (3) النور: 45.
3) في هامش (م): وجه التدبّر: أنَّ بعضهم جوَّز عود الضمير الى الأمر الخاص لابعتبار خصوصية بل باعتبار المعنى العام وجعله من قبيل الاستخدام، وبعضهم منع منه، وهو الظاهر. (منه رحمه الله).
﴿ ثمَّ مسح ببيّة مابقي في يديه رأسه ورجليه: كأنَّ الظاهر: ثمَّ مسح بما بقي في يديه، و كأنَّه لمّا كان موهماً لكون الإمام عليه السلام مسح رأسه ورجليه بجميع الرطوبة الباقية وكلّ الكفّ أدرج لفظ البقية رفعاً للتوهّم وإشعاراً بأنّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم مسح بشيء منها ولم يعدها في الإناء. و إفراد الضمير لعوده الى اليمنى في قوله: «كما صنع باليمنى» و يمكن عوده الى اليد في ضمن اليدين.
و ربّما يوجد في بعض النسخ «ولم يعدهما» بالتثنية، فلا تكلّف.
[بيان وجوب غسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل]
احتجَّ من قال من علمائنا بوجوب الابتداء في غسل الوجه من أعلاه وهم من عدا المرتضى وابن إدريس وأتباعهما بما تضمّنه هذا الحديث من الغسل من الأعلى في مقام البيان فيجب.
ولايرد الاغتراف باليمنى(1)لأنَّه علم استحبابه من دليل آخر، وبأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لمّا توضَّأ الوضوء البياني إمّا أن يكون بدأ بأعلى الوجه أو بأسفله، لاسبيل إلى الثاني و إلّا لوجب على التعيين ولم يجز سواه للاتّفاق على أنَّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال بعد فراغه: «هذا وضوء لايقبل الله الصلاة إلّا به» لكنّه غير واجب على التعيين باتّفاق الأمّة فتعيّن الأوّل.
واعترض على هذا بأنّه يجوز أن يكون عليه السلام بدأ بالأسفل
1) في هامش (م): فإن قيل: يلزم حينئذٍ وجوب الاغتراف لأنَّه يُفهم من كلام الإمام عليه السلام صريحاً. أُجيب بأنَّ استحبابه يُفهم من حديث آخر فحينئذٍ كلّما دلَّ الحديث... عن الإمام عليه السلام بالصدور لايحكم بوجوبه. (منه رحمه الله).
لبيان جوازه والإشعار بعدم وجوب الابتداء بالأعلى، فلا يجب على الأمّة.
ويخطر بالبال أنَّه على تقدير ابتدائه عليه السلام بالأعلى أيضاً لا يلزم وجوبه على الأمّة، فإنَّ غسل الوجه على هذا الوجه -أعني من الأعلى الى الأسفل- من قبيل الأفعال الجبليّة(1)التي لا تقتضي صدورها عنه عليه السلام وجوبها على الأمّة. و كون ذلك من جملة ماقصد بالبيان ممنوع، وقصد القربة فيه غير معلوم، وكونه من كيفيّات بعض ما قُصد بيانه، والقربة به لا يوجب كونه كذلك، و إلّا لوجب إمرار اليد على الوجه حال غسله كما ذهب اليه الشاذّ من أصحابنا، فإنَّه أيضاً من كيفيّات بعض ما قصد بيانه والقربة به، وقد فعله عليه السلام كما نطق به الحديث.
وأمّا قوله عليه السلام: «لا يقبل الله الصلاة إلّا به» فمعناه إلّا بمثله. والمماثلة بين الوضوئين لا تنتفي بمجرَّد الإبتداء من الأسفل، فلو بقي أقلّ ما يتحقَّق معه المماثلة لكفى. والأصل براءة الذمّة من الزائد على ذلك الأقلّ، كما لو كلَّف السيّد عبده بأن يعمل مثل عمل زيد فإنَّه يخرج على العهدة بأقلّ ما يصدق عليه المماثلة عرفاً.
وظنّي أنَّه لو استدلَّ على هذا المطلب بأنَّ المطلق ينصرف الى الفرد الغالب الشائع المعتاد والغالب الشائع المعتاد في غسل الوجه غسله من فوق الى أسفل، فينصرف الأمر به في قوله تعالى: فاغسلوا وجوهكم(2)إليه لم يكن بعيداً.
و جريانه في إمرار اليد على الوجه مشترك بينه و بين الدليلين السابقين للأصحاب. وماهو جوابهم فهو الجواب. وستسمع في هذا الباب
مايزيل عنك الإرتياب.
[ في تحديد الوجه ]
تحديد الوجه وإن كان مشهوراً وفي كتب الأصحاب مسطوراً إلّا انّي أُريد أن أذكر ما ظهر لي من كلام أئمّتنا عليهم السلام ممّا لم يذكره أُولئك الأعلام فأقول:
أطبق أهل الإسلام سوى الزهري(1)على أنّ ما يجب غسله في الوضوء من الوجه ليس خارجاً عن المسافة التي هي من قصاص شعر الرأس الى طرف الذقن طولاً، ومن وتد الأذن الى وتد الأذن عرضاً.
والقصاص لغة: منتهى منابت شعر الرأس من مقدّمه ومؤخّره والمراد هنا قصاص المقدّم وهو يأخذ من كلّ جانب من الناصية ويرتفع عن النزعة ثمَّ ينحط الى مواضع التحذيف(2)ويمرّ فوق الصدغ ويتصل بالعذار. وأمّا ما يرتفع عن الأذن فداخل في المؤخّر.
والذي استفاده أصحابنا رضوان الله عليهم من صحيحة زرارة الآتية أنّه الى طرف الذقن طولاً، وما حواه الإبهام والوسطى عرضاً.
وهذا التحديد يقتضي بظاهره دخول النزعتين والصدغين في الوجه و خروج مواضع التحذيف والعذارين والبياض الذي بينهما وبين الأذنين. لكنّ النزعتان خارجتان عند علمائنا عن حدّ الوجه ولذلك ذكروا أنّ أعلى
1) ذهب الزهري الى أنّ الأُذنين من الوجه فأوجب غسلهما معه، واحتجَّ بقول النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في سجوده: «سجد وجهي للذي فطره وشقَّ سمعه وبصره». والجواب: أنَّ الإضافة لأدنى ملابسته وهي هنا الجواز (منه رحمه الله).
2) في هامش(م): التحذيف بالذال المعجمة ما بين منتهى العذار والنزعة، ينبت عليها شعر خفيف تحذفه النساء والمترفين. (منه دام ظلّه).
الوجه هو قصاص الناصية وما على سمته من الجانبين في عرض الرأس. وأمّا الصدغان فهما وإن كانا تحت الخط العرضي المارّ بقصاص الناصية و يحويهما الاصبعان أيضاً إلّا أنّهم استفادوا عدم وجوب غسلهما من صحيحة زرارة المذكورة. و هي ما رواه عن أبي جعفر عليه السلام قال:
قلت له: أخبرني عن حدّ الوجه الذي ينبغي أن يوضّأ الذي قال الله عزّوجلّ؟
فقال: الوجه الذي أمر الله عزّوجلّ بغسله، الذي لاينبغي لأحد أن يزيد عليه ولا ينقص منه، إن زاد عليه لم يؤجر(1)و إن نقص منه أثم: ما دارت عليه الوسطى والإبهام من قصاص شعر الرأس الى الذقن، وماجرت عليه الإصبعان مستديراً فهو من الوجه، وماسوى ذلك فليس من الوجه.
فقلت له: الصدغ من الوجه؟ فقال: لا.
قال زرارة: قلت له: أرأيت ما أحاط به الشعر(2).
فقال: كلّ ما أحاط به الشعر فليس على العباد أن يطلبوه ولا أن يبحثوا عنه ولكن يجرى عليه الماء(3).
وهذه الرواية هي معتمد الأصحاب في تحديد الوجه. وطريقها في
1) هذه الشرطية مع الشرطية المعطوفة عليها إمّا مفسّرة لقوله «لاينبغي لأحد» أو معترضة بين المبتدأ والخبر، و إمّا صلة ثانية للموصول، وتعدّد المصدر لم يكن مسطوراً في كتب النحاة لامانع منه كالخبر والحال، وقد جوّز... والتفتازاني في حواشي الكشّاف... قوله تعالى: (واتّقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أُعدّت للكافرين). (منه رحمه الله).
2) إذا قلت لشخص: «أرأيت زيداً» فتارة تقصد بهذا الكلام معناه الظاهري وهو السؤال عن أنّه هل رآه أم لم يره؟ والجواب نعم أو لا. وتارة يقصد الاستخبار عن حاله لا أنّه يراه أم لم يره، والجواب: حاله كذا وكذا. وهذا المعنى هو المراد هنا، وكأنّه قال: أخبرني عن حكم ما أحاط به الشعر هل يُغسل أم لا؟ (منه رحمه الله).
3) الكافي: ج 3 ص 27 ح 1، من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 44.
الفقيه(1)والكافي(2)صحيح، و في التهذيب(3)حسن، و هي فيه مضمرة كما في الكافي، ولكنه غير مضرّ لتصريح الشيخ في الخلاف(4)بأنّ المسؤول أحدهما عليهما السلام، و تصريح الصدوق بأنه الباقر عليه السلام.
و أمّا مواضع التحذيف والعذاران فقد اختلف أصحابنا فيها، فبعضهم أدخل مواضع التحذيف لاشتمال الإصبعين عليها غالباً وكونها أخفض ممّا يسامت قصاص الناصية.
وقطع العلّامة في التذكرة(5)بخروجها للأصل ولنبات الشعر عليها متّصلاً بشعر الرأس. وهو موافق لمذهب بعض العامّة.
و أمّا العذاران فقد قطع المحقّق(6)والعلّامة(7)بخروجهما؛ للأصل، و لعدم اشتمال الاصبعين عليهما، ولأنّهما لا يواجه بهما. ولا ريب أنّ ادخالهما أحوط.
وأمّا البياضان اللذان بينهما وبين الأُذنين فهما خارجان عن الحدّ الطولي والعرضي عندنا. وأكثر العامّة على دخولهما، لأنّ الحدّ العرضي عندهم من الوتد الى الوتد.
إذا تقرّر هذا فالمستفاد من كلام فقهائنا رضوان الله عليهم بعد تحديدهم الوجه طولاً وعرضاً بما مرّ أنّ أعلى الوجه هو قصاص الناصية و ما سامته في جهة العرض على الاستقامة من الجانبين بقدر ما يشتمل
عليه الاصبعان. و ظاهر أنّ مواضع التحذيف والصدغين تحت هذا الحدّ الطولي و داخلان في الحدّ العرضي لاشتمال الاصبعين عليهما غالباً، فالتحديد المشهور للوجه عند من يخرجهما معاً كالعلامة بل جميع أصحابنا المخرجين للصدغين غير سديد، لخروج ماهو داخل فيه، وكيف يصدر مثله عن الإمام عليه السلام؟!
والذي يظهر لي من الرواية أنّ كلاًّ من طول الوجه وعرضه هو ما اشتمل عليه الاصبعان(1)بمعنى أنّ الخطّ المتوهّم من القصاص الى طرف الذقن وهو الذي يشتمل عليه الاصبعان غالباً إذا أُثبت وسطه وأُدير على نفسه حتّى حصل شبه دائرة فذلك القدر هو الذي يجب غسله.
بيان ذلك: قوله عليه السلام: «من قصاص شعر الرأس... الى آخره» إمّا حال من الموصول والواقع خبر عن الوجه وهو ما، والمعنى: انّ الوجه هو القدر الذي دارت عليه الاصبعان حال كونه من قصاص شعر الرأس الى الذقن و إمّا متعلّق ب-«دارت»، والمعنى: أنّ الدوران يبتدىء من قصاص شعر الرأس منتهياً الى الذقن.
ولاريب أنّه إذا اعتبر الدوران على هذه الصفة للوسطى اعتبر للإبهام عكسه وبالعكس تتميماً للدائرة المستفادة من قوله عليه السلام مستديراً، فاكتفى عليه السلام بذكر أحدهما عن الآخر.
ثمّ بيّن هذا المضمون وأوضحه بقوله عليه السلام: «وما جرت عليه الإصبعان مستديراً فهو من الوجه» فقوله: «مستديراً» حال من المبتدأ وهو «ما»، وهذا صريح في أنّ كلاًّ من طول الوجه وعرضه شيء واحد، وهو ما اشتمل عليه الإصبعان عند دورانها كما ذكرناه، وحينئذٍ فيستقيم التحديد
1) هذا التحديد يُستفاد من كلام بعض أصحابنا المتقدّمين فإنّهم حدّدوا الوجه بما حواه الإبهام والوسطى ولم يخصّوا ذلك بالعرض كما فعل المتأخّرون، ونقل في المختلف مثله عن ابن الجنيد (منه رحمه الله).
ولا يدخل فيه مواضع التحذيف والصدغان ليحتاج الى إخراجهما فيخرج بذلك عن السداد.
وإنّما قلنا بخروج مواضع التحذيف والصدغين عن التحديد، لأنّ أغلب الناس إذا طبّق الخط المتوهّم من انفراج الوسطى والإبهام مابين قصاص ناصيته الى طرف ذقنه وأداره مثبّتاً وسطه ليحصل شبه الدائرة وقعت مواضع التحذيف والصدغين خارجة عنهما كما تشهد به التجربة.
ويظهر من هذا أنّ ما يجب غسله من جانب أعلى الوجه بمقتضى التحديد المشهور يزيد على ما يفهم من الرواية بنصف التفاضل مابين مربع معمول على دائرة قطرها انفراج الاصبعين، وتلك الدائرة أعني مثلثين يحيط بكلّ منهما خطّان مستقيمان و قوس من تلك الدائرة ، و مواضع التحذيف والصدغان واقعان في هذين المثلثين، و من احتاج الى التوضيح فلينظر الى هذا الشكل:
الصورة
فـ«ب» قصاص الناصية، و«ز» طرف الذقن، وخط «أ ب ج» هو الخط المارّ بقصاص الناصية وما سامته من الجانبين بقدر انفراج الاصبعين وهو أعلى الوجه على ما استفاده أكثر علمائنا من التحديد الذي تضمنته الرواية، والوجه هو مجموع هذا الشكل عندهم.
وأمّا على ما استفدته بنظري القاصر فإذا توهّم وصل «ب ج ز» بخط و هو ما بين الاصبعين واثبت وسطه وهو «ح» ثمّ أُدير على نفسه حصلت دائرة «ب ه- ز د» وهي الوجه الّذي يجب غسله بمقتضى الرواية والتفاضل بين الوجهين بمثلثي «م ن ه-» و « ج ب د»، وهذان المثلثان خارجان عن
الوجه فلا يجب غسلهما، وذلك ما أردناه.
[ هل يجب في غسل الوجه مراعاة الأعلى فالأعلى أم لا؟ ]
قال بعض الأعلام: إنّ المعتبر في غسل الوجه غسل الأعلى فالأعلى، لكن لا حقيقة لتعسّره أو لتعذّره بل عرفاً، فلا تضرّ المخالفة اليسيرة التي لا يخرج بها في العرف عن كونه غسل الأعلى فالأعلى.
ثمّ قال: وفي الاكتفاء بكون كلّ جزء من العضو لا يُغسل قبل ما فوقه على خطّه وان غسل ذلك الجزء قبل الأعلى من غير جهته وجه وجيه إنتهى كلامه أعلى الله مقامه.
والذي يخطر بالبال أنّه إذا حصل الابتداء بغسل جزء من أعلى الوجه كفى، وأنّ مراعاة الأعلى فالأعلى في بقية أجزاء الوجه غير واجبة لا حقيقة ولا عرفاً، سواء أُخذت الأجزاء بالنسبة الى ما علا خطّها أو بالنسبة الى غيره، لأصالة براءة الذمّة من ذلك ولما فيه من المشقّة. ولا دلالة في الحديث على أكثر من أنّه عليه السلام ابتدأ بصبّ الماء على أعلى الوجه.
وأمّا أنّه عليه السلام راعى في الغسل تقديم الأعلى فالأعلى فليس في هذه الرواية ولا في شيء من أصولنا الأربعة ما يدلّ عليه. ولم أظفر في شيء من كتبنا الاستدلالية بما يومىء إليه، والمسح في قول زرارة: «ثمّ مسح بيده الجانبين» يتحقّق في ضمن مسح الأعلى فالأعلى، وبدونه فلا يحمل على الأوّل من غير دليل، والله الهادي الى سواء السبيل.
[هل يجب إمرار اليد في غسل الوجه أم لا؟ ]
المشهور بين الأصحاب أنَّ المتوضىء لو غَمَس وجهه في الماء ناوياً مبتدئاً بأعلاه لكفى وأنه لايجب إمرار اليد على الوجه حال غسله.
وقال بعض الزيدية بوجوبه. وعليه أصحابنا أيضاً.
واستدلَّ العلّامة في المختلف على المذهب المشهور بأنَّ قوله تعالى: فاغسلوا وجوهكم(1)يصدق مع إمرار اليد و عدمه، فيكون الآتي بالماهيّة في أيّ جزئيّ أوجدها فيه ممتثلاً للأمر فيخرج عن العهدة(2). إنتهى متن الحديث / القائل / الصفحة
كلامه زيد إكرامه.
ويخطر بالبال أنَّ هذا الاستدلال انّما يجدي لو لم يوجد امرار اليد في الوضوء البياني الذي تضمنه هذا الحديث الصحيح (3)الذي تلقّاه جميع الأصحاب بالقبول ، أما بعد وجوده فلا ، فانّ لقائل أن يقول : إنّه عليه السلام قد مسح وجهه بيده في معرض البيان فيجب كما أوجبتم الابتداء بأعلى الوجه على ما مرّ، و ما هو جوابكم عن هذا فهو جوابنا عن ذلك.
و أيضاً فما استدللتم به على ذلك من أنّه عليه السلام لمّا توضَّأ الوضوء البياني الذي قال بعده: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلّا به» إمّا أن يكون بدأ بأعلى الوجه أو بأسفله الى آخر ماذكرتموه جارٍ بعينه هنا، فيقال: إنّه عليه السلام إمّا أن يكون قد أمرَّ يده على وجهه حال غسله أو لا، لاسبيل الى الثاني و إلّا لتعيّن على الأُمّة، لكنّه غير متعيّن اتفاقاً، فتعيّن الأوّل، فتأمّل (4)وبالله التوفيق.
1) المائدة: 6.
2) مختلف الشيعة: ج 1 ص 287.
3) في هامش(م): الصفة بالصحّة تبعاً للعلّامة في المنتهى والمختلف وشيخنا الشهيد في الذكرى، وقد عرفت الكلام في الحسين بن الحسن بن أبان (منه دام ظلّه).
4) وجه التأمّل: أنّ المراد لا يقبل الله الصلاة إلّا بما تضمنّه من الأفعال وقارنه من التروك كعدم إمرار اليد (منه رحمه الله).
[ هل يجب الترتيب في الوضوء أم لا؟ ]
ماتضمنّه هذا الحديث من تقديم غسل اليمنى على اليسرى ممّا اختصّ به أصحابنا وانعقد عليه إجماعنا، وما مرَّ في الاستدلال على الابتداء بأعلى الوجه جارٍ هنا.
والعامّة بأسرهم لا يوجبونه، بل بعضهم كالشافعي وأحمد لا يقولون بالترتيب إلّا بين الوجه و مجموع اليدين والرأس و مجموع الرجلين، و بعضهم كأبي حنيفة و مالك لا يوجبون الترتيب أصلاً مستدلّين بالأصل واطلاق الآية لعدم اقتضاء الواو الترتيب.
فالصور المجزية عندهم تبلغ سبعمائة و عشرين صورة كلّها باطلة عند الإماميّة، إلّا صورتين عند من لم يرتب بين الرجلين، أو واحدة عند من رتب.
وتوضيح بلوغها هذا المبلغ: انّ الأعضاء ستّة، وللأوّلين صورتان، والحاصل من ضربهما في مخرج الثالث ستّة، ومن ضربها في مخرج الرابع أربعة و عشرون، و من ضربها في مخرج الخامس مائة و عشرون، و من ضربها في مخرج السادس سبعمائة وعشرون. وهذا ظاهر.
وقد استدلَّ العلّامة طاب ثراه على وجوب الترتيب في الوضوء بوجوه، ولنذكر بعضها مع ما يسنح لنا من الكلام عليها:
الوجه الأوّل: ماذكره في منتهى المطلب وهو قوله تعالى: إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم الى المرافق(1)فانّه تعالى عقّب إرادة القيام الى الصلاة بالغسل فيجب تقديمه على غيره، وكلّ من أوجب تقديم الغسل أوجب الترتيب(2). هذا كلامه.
وهو كما ترى يحتمل معنيين:
الأوّل:يريد بالغسل غسل الوجه. والمعنى: أنَّ كلَّ من أوجب تقديم غسله على اليدين أوجب الترتيب. وهذا هو الذي فهمه شيخنا الشهيد قدّس سرّه كما يظهر من عبارة الذكرى(1).
ويخطر بالبال أنَّه غير مستقيم فإنَّ الفاء داخلة على الغسل الواقع على مجموع الوجه واليدين، إذ الواو لمطلق الجمع، فكأنّه سبحانه يقول: إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا هذه الأعضاء. و لا دلالة في هذا على تقديم غسل الوجه على اليدين بوجه، إذ هو مثل أن تقول لصاحبك: إذا لقيت زيداً فقبِّل وجهه ويده، وظاهر أنَّه لا يفهم من هذا الكلام تقديم تقبيل الوجه على تقبيل اليد. وأمّا التقديم الذكري فغير دالّ على التقديم و إلّا لم يحتج الى الفاء.
الثاني: أن يكون مراده بالغسل غسل الوجه واليدين. والمعنى أنَّ كلَّ من أوجب تقديم طبيعة الغسل على المسح أوجب الترتيب.
ويخطر بالبال أنَّه لا يكاد يتمُّ أيضاً فإنَّ الواو لمطلق الجمع في عطف المفردات والجمل. وقد عقَّب سبحانه القيام الى الصلاة بمجموع جملتي «اغسلوا» «وامسحوا» وعطف احداهما على الأخرى بالواو و جعلهما معاً جزاء الشرط وفي خبر الفاء الجزائية، فأين ما يوهم الدلالة على تقديم الغسل سوى التقديم الذكري.
وبالجملة فالفاء التعقيبية انّما تدلّ على وجوب الإتيان بمجموع أجزاء الوضوء بعد القيام الى الصلاة لاعلى الإتيان بغسل الوجه بعد القيام بغير فصل. وهل هذا إلّا مثل أن تقول لصاحبك: إذا طلبك الأمير فلف عمامتك والبس ثوبك. وظاهر أنَّه لا دلالة على تقديم أحد الفعلين على
1) ذكرى الشيعة: ص 90 الواجب السادس من أحكام الوضوء.
الآخر فليتأمل(1).
الوجه الثاني والثالث:ما استدلَّ به طاب ثراه في نهاية الاحكام، و هذه عبارته: يجب أن يبدأ بغسل وجهه ثمّ بيده اليمنى ثمّ اليسرى ثمّ يمسح رأسه ثمّ يمسح رجليه لقوله عليه السلام: «لا يقبل الله صلاة امرىء حتّى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه، ثمّ يغسل يديه، ثمّ يمسح رأسه، ثمّ رجليه» ولأنَّ العامل في العطف واحد بتقوية الحرف، وقد جعل تعالى نهاية الغسل المرفقين والمسح الكعبين(2)إنتهى كلامه أعلى الله مقامه.
ومراده بما أفاده في الدليل الثاني أنَّه قد تقرَّر في العربية أنَّ العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه بسبب تقوية حرف العطف له، والعامل هنا «اغسلوا» الواقع على الوجه واليدين و «الى» متعلّقة به وهي لانتهاء غايته، وقد جعل غايته المرفقين فليس بعد غسلهما غسل أصلاً، والوجه مغسول فغسله قبل المرفقين البتة.
ولا يجوز أن تكون كلمة «الى» غاية للغسل باعتبار وقوعه على اليدين فقط، لأنَّه بهذا الاعتبار مغاير للغسل الواقع على الوجه، فيصير العامل في المعطوف غير العامل في المعطوف عليه، وهو خلاف ماتقرَّر في العربية. وقس على هذا مسح الرجلين.
هذا والذي يخطر بالبال أنَّه لا انطباق لشيء من هذين الدليلين على المدَّعى فانَّهما انّما يدلّان على الترتيب الذي أوجبه الشافعي وكثير من العامَّة، أعني تقديم الوجه على اليدين من غير ترتیب فيهما، وهما على الرأس، وهو على الرجلين، والمدَّعى وجوب الترتيب الذي اختصَّ به
الخاصّة، أعني غسل الوجه أوَّلاً ثمّ اليد اليمنى ثمّ اليسرى الى آخره. ولادلالة في هذين الدليلين عليه بوجه، فالاستدلال بهما على ذلك المطلب عجيب.
بل أقول: لا دلالة في الدليل الثاني منهما على الترتيب الذي عليه الشافعي أيضاً، لأنَّه غاية ما يلزم منه بعد اللتيا والتي وجوب تقديم الوجه على اليدين والرأس على الرجلين، ولا دلالة فيه على وجوب تقديم غسل المغسولات على المسح كما لا يخفى.
فإن تشبَّث متشبِّث بالفاء التعقيبية رجوعاً الى مامرَّ في الدليل الأوَّل، وقد عرفت كلامنا عليه فتدبَّر.
بل أقول أيضاً: إنَّ الدليل الثاني لايدلَّ على وجوب تقديم غسل الوجه على غسل اليدين ولامسح الرأس على الرجلين، فانَّ غاية مادلَّ عليه أنَّ المرافق نهاية فعل الغسل والكعبين نهاية فعل المسح، وهذا يتحقَّق لو غسل اليد اليمنى قبل الوجه ثمّ غسله ثمّ غسل اليسرى، وكذا لو مسح أحد الرجلين ثمّ الرأس ثمّ الرجل الأخرى فإنَّه يصدق على هذا الوضوء أنَّ نهاية الغسل فيه المرافق ونهاية المسح الكعبين.
وما يُترآى من أنَّ نهاية الغسل حينئذٍ ليس المرافق، بل المرفق ليس بشيء لأنَّ جمع المرافق في الآية باعتبار المتوضئين. وأيضاً فهو لازم عليكم، وجوابكم جوابنا.
الوجه الرابع: ما استدلَّ به قدَّس الله روحه في التذكرة(1)و هو قول النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «ابدؤا بما بدأ الله به»(2)والعبرة بعموم اللفظ لابطصوص السبب.
وهذا الدليل كالدليل الأوَّل في أنَّه إنَّما يدلَّ على الترتيب الذي
ذهب إليه الشافعي لاعلى الترتيب المختصّ بالإماميّة. ولهذا إنّما استدلَّ به طاب ثراه على الأوَّل.
و يخطر بالبال أنَّه لايدلَّ عليه أيضاً، بل إنَّما يدلَّ على وجوب الابتداء بالوجه. وأمّا الترتيب بينه وبين الأعضاء فلا. والحديث أنَّما دلَّ على الابتداء بما بدأ الله به لا على التثنية بما ثنّى والتثليث بما ثلّث. وهذا ظاهر. و أمّا الابتداء الاضافي فيجوز.
ومن رام الاستدلال بهذا الحديث على ذلك المطلب فليضف اليه المقدّمة المأخوذة في الدليل الأوَّل، ولعلَّ تلك المقدّمة مطوية في كلامه أنار الله برهانه، و إن كان ذلك لايخلو من بُعد. هذا ماتيسر لي من الكلام على كلام ذلك الإمام فأعرضه على جوهريّ رأيك و صيرفيّ فكرك ثُمَّ رَوِّج الكساد وأصلح الفساد.
[ في جواز المسح بماء جديد ]
ماتضمنّه هذا الحديث من مسحه عليه السلام ببلل يديه رأسه و رجليه(1)ممّا استدلَّ به على عدم جواز استئناف ماء جديد للمسح كما هو مذهب أصحابنا سوى ابن الجنيد(2)فانّه جوّز الاستئناف وفاقاً لمالك، و باقي العامّة أوجبوه، و أحاديثنا الصريحة في خلافهم من الصحاح و غيرها كثيرة. لكنّه قد ورد روايتان صحيحتان(3)صريحتان فيما يوافقهم:
1) وأنت خبير بأنّه يمكن أن يقال: يجوز أن يكنّى مسحه عليه السلام ببقية البلل لكونه أحد أفراد الأمر الكلّي ويكون المكلّف مخيّراً بينه وبين الاستئناف كما قال ابن الجنيد. فالاستدلال بالإجماع أولى. وأنا الى الآن لم أظفر برواية صريحة في وجوب المسح ببقية البلل، وانّما اعتماده في ذلك على الإجماع (منه رحمه الله).
2) ذكره العلّامة في مختلف الشيعة: ج 1 ص 296.
3) «صحيحتان» ليس في (م).
فالأولى: مارواه معمّر بن خلّاد قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام: أيجزي الرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال برأسه: لا. فقلت: أبماء جديد؟ فقال برأسه: نعم(1).
والثانية: ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن مسح الرأس: أمسح بما في يدي من الندى رأسي؟ قال: لا، بل تضع يدك في الماء ثمّ تمسح(2).
والعلّامة في المنتهى(3)والمختلف(4)جعل هاتين الروايتين حجّة لابن الجنيد فقال: احتج ابن الجنيد بكذا وكذا.
وأنت خبير بأنّهما يناديان على خلاف مذهبه، فانّه قائل بالتخيير بين الاستئناف والمسح بالبقية، والمفهوم منهما وجوب الاستئناف والنهي عن المسح بالبقية فكيف يحتجّ بهما؟ اللّهم إلّا أن يكون حمل النهي على الكراهة ويكون مذهبه استحباب الاستئناف. لكن لم ينقل أحد من علمائنا ذلك عنه. هذا والشيخ حمل الروايتين على التقية لموافقتهما مذهب العامّة ومخالفتهما ماعليه الخاصّة، ثمّ احتمل أن يكون هذا الأمر حال جفاف الأعضاء. قال: وأمّا الخبر الثاني فيحتمل أن يكون المراد بقوله عليه السلام: «بل تضع يدك في الماء»: الماء الذي بقي في لحيته وحاجبيه. هذا حاصل كلامه طاب ثراه.
وقال والدي قدّس الله روحه في حواشي الاستبصار: هذا حمل بعيد جدّاً، لأنَّ السائل قال: «أمسح بما في يدي من الندى» فكيف ينهاه عن ذلك ويأمره بالأخذ من لحيته وحاجبيه. إنتهى كلامه.
ولا يخفى أن حمل الخبرين على جفاف الأعضاء أبعد من هذا، فإن السائل قال في الأول: «يمسح قدميه بفضل رأسه» وفي الثاني: «أمسح بما في يدي من الندى» وغفلة مثل ذلك الشيخ الجليل عن هذا عجيب، لكن الجواد قد يكبو والصارم قد ينبو.
ثم في حمل الخبر الأول على التقية نوع خفاء، لأن العامة لا يمسحون القدمين لا ببقية البلل ولا بماء جديد فكيف يحمل على التقية، تأمل(1)
[ فِي وُجُوبِ مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ ]
مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ هُوَ مَذْهَبُ الإِمَامِيَّةِ، وَقَدْ أَخَذُوهُ عَنْ أَئِمَّتِهِمُ المَعْرُوفِينَ، وَوَصَلَ إِلَيْهِمْ بِالنَّقْلِ المُتَوَاتِرِ أَنَّهُمْ عليهم السلام مَا زَالُوا يَفْعَلُونَ وَيَأْمُرُونَ شِيعَتَهُمْ بِفِعْلِهِ، فَعَنْ غَالِبِ بْنِ هُذَيْلٍ قَالَ: سَأَلْتُ الإِمَامَ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ البَاقِرَ عليهما السلام عَنْ مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ فَقَالَ: نَعَمْ هُوَ الَّذِي نَزَلَ بِهِ جِبْرِئِيلُ عليه السلام (2). وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: يَأْتِي عَلَى الرَّجُلِ
1) وجه التأمل: أن المحمول على التقية ليس هو سؤال السائل بل جواب الإمام عليه السلام. وظاهر أن عدوله عليه السلام عن التلفظ بالجواب إلى الإيماء قرينة على التقية، إذ ليس من دأبهم عليهم السلام الإجابة عن المسائل الدينية بالإيماء، ولعل إيماءه عليه السلام برأسه في المرة الأولى كان المراد به نهي السائل عن هذا السؤال وتنبيهه على حضور بعض المخالفين، فلم يفهم ما أراده عليه السلام فكرر السؤال وقال أبماء جديد، فسمع المخالف الحاضر هذه اللفظة فقط فحملها على مسح الرأس فإنه هو المذكور في ذهن المخالفين. فأشار الإمام برأسه نعم لأجل التقية ومثل هذا كثير في المحاورات وأيضا فالقول بأن العامة لا تمسح القدمين ليس على إطلاقه فإنهم يمسحون على الخفين فيمكن حمل التقية على ذلك. (منه دام ظله).
2) تَهْذِيبُ الأَحْكَامِ: ج 1 ص 63 ح 26.
ستّون و سبعون سنة ما قبل الله منه صلاة. قلت: و كيف ذلك؟ قال: لأنّه يغسل ما أمره الله تعالى بمسحه(1). وأمثال ذلك من طرق أهل البيت عليهم السلام أكثر من أن يُحصى.
ومن طرق العامّة ما رواه أوس بن أوس الثقفي قال: رأيت النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أتى كظامة قوم بالطائف فتوضّأ ومسح على قدميه(2).
والكظامة بكسر الكاف: بئر الى جنبها بئر و بينهما مجرى في بطن الوادي.
وروى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنّه رأى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم توضّأ ومسح على نعليه(3).
والمراد النعل العربية والمسح عليها مجوّز عندهم، لأنّ سيورها لا تمنع المسح على ظهر القدم، إذ هم لا يوجبون استيعابه بالمسح.
ووصف ابن عبّاس وضوء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه مسح على رجليه(4).
وكان يقول: إنّ كتاب الله بالمسح، ويأبى الناس إلّا الغسل(5).
وعنه أنّه كان يقول: الوضوء غسلتان ومسحتان، من باهلني باهلته(6). وأمثال ذلك كثير.
واعلم أنّ الاحتمالات العقلية في هذه المسألة لا تزيد على أربعة:
1) تهذيب الأحكام: ج 1 ص 65 ح 33.
2) مسند أحمد بن حنبل: ج 4 ص 8، سنن أبي داود: كتاب الطهارة 62.
3) سنن ابن ماجه: ج 1 ص 181 وفيه: على خفّيه.
4) تهذيب الأحكام: ج 1 ص 63 ح 22، سنن ابن داود: كتاب الصلاة 22.
5) سنن ابن ماجه: ج 1 ص 156، كنز العمّال: ج 9 ص 432 مع اختلاف يسير، تهذيب الأحكام: ج 1 ص 63.
6) الخلاف للشيخ الطوسي: ج 1 ص 14، تفسير الدر المنثور: ج 2 ص 262 وليس فيه الجملة الأخيرة.
الغسل والمسح والجمع والتخيير. وقد ذهب الى كلّ احتمال جماعة من أهل الإسلام.
فالغسل مذهب الفقهاء الأربعة وأتباعهم.
والمسح مذهب أهل البيت عليهم السلام. وقد نقله الإمام الرازي في التفسير الكبير(1)عن الإمام محمد بن عليّ الباقر عليهما السلام، و نسبه أيضاً الى ابن عبّاس وأنس بن مالك من الصحابة وعكرمة والشعبي من التابعين.
والجمع مذهب داود الإصفهاني والناصر للحقّ وكثير من الزيدية.
والتخيير مذهب الحسن البصري و محمد بن جرير الطبري و أبي علي الجبّائي والشيخ العارف محيي الدين بن عربي فإنّه قال في الفتوحات المكية: إنّ مذهبنا التخيير، فالمسح بظاهر الكتاب، والغسل بالسنّة(2)إنتهى.
ولكلّ من هؤلاء الفرق دلائل ليس هذا محلّ بيانها. ولنقتصر على مناظرة بين الفريقين الأوّلين والله وليّ التوفيق.
قال الغاسلون: قد ورد الغسل في الكتاب والسنّة.
أمّا الكتاب: فقد قال الله تعالى: يا أيّها الّذينَ آمنوا إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم و أيديكم الى المرافق وامسحوا برؤوسكم و أرجلكم الى الكعبين(3).
وقد قرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص بنصب «أرجلكم» إمّا بالعطف على «وجوهكم» أو بتقدير واغسلوا.
وقرأ الباقون بالجرّ إمّا بالحمل على مسح الخفّين، أو لأجل الجوار، أو للعطف على الرؤوس لالتمسح بل ليقتصد في صبّ الماء عليها وتغسل غسلاً شبيهاً بالمسح.
وأمّا السنّة فما روي أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم لمّا توضّأ الوضوء البياني غسل رجليه(1).
وما روي عن ابن عبّاس أنّه حكى وضوء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وختم بغسل رجليه(2).
وما رواه البخاري في صحيحه عن عبدالله بن عمر قال: تخلّف النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عنّا في سفرنا فأدركنا وقد أرهقنا العسر وجعلنا نتوضّأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار -مرّتين أو ثلاثاً-(3).
وما رواه محيي السنّة(4)في المصابيح وغيره عن أبي حبّة قال: رأيت عليّاً عليه السلام توضّأ فغسل كفّيه حتّى أنقاهما، ثمّ تمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً، و مسح برأسه مرّة، ثمّ غسل قدميه الى الكعبين، ثمّ قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم، ثمّ قال: أردت أن أُريكم كيف كان طهور رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(5). وأمثال هذه الأحاديث كثيرة. فقد دلّ الكتاب والسنّة على
الغسل وبطل ما يقوله الماسحون المحرّفون للكتاب العادلون عن السنّة المتّبعون للأهواء المضلة.
وقال الماسحون: يا أيّها الأخوان في الدين والشركاء في طلب اليقين لو صرفتم الى الآية الكريمة بالكم لعلمتم أنّها عليكم لا لكم. وبيان ذلك: أنّكم وجّهتم قراءة النصب بتوجيهين نحن وأنتم في الثاني منهما سواء، فإنّ باب التقدير واسع ولكلّ منّا أن يقدّر ما يوافق مذهبه، فيبقى الأوّل أعني العطف على الوجوه. وأنّه كما لا يخفى مخلّ بنظم الكلام لأنّه يصير من قبيل: «ضربت زيداً وعمراً وأكرمت خالداً وبكراً» بجعل «بكراً» عطفاً على «زيد» وإرادة أنّه مضروب لا مكرّم. وهذا مستهجن جدّاً تنفر منه الطباع ولا تقبله الأسماء، فكيف يحتجّ إليه أو يُحمل القرآن عليه؟! فتعيّن إمّا العطف على محلّ الرؤوس وإمّا جعل الواو للمعيّة. وكلّ منهما صريح فيما ندّعيه. و حكاية واو المعيّة أوردها الشيخ الجليل جمال العارفين الشيخ محيي الملّة والدين ابن عربي في الجزء الثالث من الفتوحات المكّية، وهي مذكورة في كتب الإمامية أيضاً.
وقال طاب ثراه: وأمّا القراءة في قوله تعالى: «وأرجلكم» بفتح اللام وكسرها، فمن أجل العطف على الممسوح فالخفض أو على المغسول فالفتح، فمذهبنا أنّ الفتح في اللام لا يخرجه عن الممسوح، فإنّ هذه الواو قد تكون واو مع، و واو المعيّة تَنصِبُ، تقول: «قام زيد وعمراً» تريد مع عمرو. فحجّة من يقول بالمسح في هذه الآية أقوى لأنّه يشارك القائل بالغسل في الدلالة التي اعتبرها وهي فتح اللام، ولم يشاركه من يقول بالغسل في خفض اللام(1)إنتهى كلامه.
ثمّ إنّكم أيّها الأخوان هدانا الله وإيّاكم سواء الطريق وسقانا جميعاً
1) الفتوحات المكّية: ج 1 ص 448.
من رحيق التحقيق: حملتم قراءة الجرّ على المسح على الخفّين تارة وعلى الجوار تارةً أخرى وعلى العطف على «الرؤوس» للاقتصاد في صبّ الماء أخرى، و عدلتم عمّا هو الأظهر الأصوب الأخرى، و هذه محامل بعيدة وتوجيهات غير سديدة.
أمّا الحمل على مسح الخفّين فبعده ظاهر، إذ لم يجر لهما ذكر و لادلّت عليهما قرينة، و لبسهما في الحجاز نادر جدّاً، فكيف تعدلون بالآية عن ظاهرها وتحملوها على هذا المحمل النادر الغير المتبادر؟!
وأمّا الجرّ على الجوار فضعيف جدّاً، قد أنكره أكثر النحاة، فكيف يليق الركون إليه وحمل كلام الله عليه؟!
ثمّ مَن جوّزه فإنّما جوّزه بشرط أمن اللبس وأن لا يتوسّط حرف العطف(1)نحو: «جحر ضبّ خرب» والشرطان مفقودان في الآية الكريمة، فالقول به عدول عن الطريقة القويمة والجادة المستقيمة.
وأمّا العطف على «الرؤوس» لتغسل غسلاً شبيهاً بالمسح فهو وإن أورده صاحب الكشّاف(2)لكنّه ظاهر الاعتساف، فانّ المعطوف في حكم المعطوف عليه باتّفاق النحاة، وهل يليق من رشيد أن يقول: «أكرمت زيداً و عمراً و سخرت من خالد و بكر» بعطف «بكر» على «خالد» لالمشاركته في السخرية، بل للدلالة على أنّ إكرامه كان إكراماً قليلاً شبيهاً بالسخرية.
وأيضاً فإذا أُريد بالمسح بالنسبة الى المعطوف عليه حقيقة وبالنسبة الى المعطوف الغسل الشبيه بالمسح يكون استعمالاً للفظ في الحقيقة والمجاز، وهذا ممّا يلحق بالمعميّات والألغاز.
والعجب أنّ الزمخشري منع في هذه الآية من حمل الأمر في «اغسلوا» على ما يشمل الوجوب والندب وقال: إنّ تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الألغاز والتعمية، ثمّ إنّه جوّز مثل هذا.
وأمّا ما استدللتم به من السنّة فهو معارض بمثله. وقد روينا عن أئمتنا عليهم السلام أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لمّا توضّأ الوضوء البياني مسح رجليه.
وما نقلتموه عن ابن عبّاس يكذّبه ما اشتهر عنه ونقلتموه في كتبكم من أنّ مذهبه المسح، وقد نقله الفخر الرازي وغيره عنه.
وأمّا حديث ابن عمر فبعد تسليمه لا يدلّ إلّا على أمره صلّى الله عليه وآله وسلّم بغسل الأعقاب، فلعلّه لنجاستها، فإنّ أعراب الحجاز ليُبس هوائهم ولمشيهم حفاة في الأغلب كانت أعقابهم تتشقّق كثيراً، و قلّما تخلو عن نجاسة الدم و غيره، و قد اشتهر أنّهم كانوا يبولون عليها و يزعمون أنّ البول علاج لها، فإن صدر عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم أمر بغسل الرجلين فلعلّه كان لذلك ثمّ اشتبه فظنّ أنّه من الوضوء.
ثمّ نقول: إنّ عبدالله بن عمر والذين توضّؤوا ومسحوا أرجلهم كانوا من أصحاب رسول الله بغير مرية، ولا شكّ أنّ الصحابة أعلم منّا ومنكم ومن فقهائكم الأربعة بسنن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لمشاهدتهم أفعاله وسماعهم أقواله بغير واسطة، خصوصاً الأمور المتكرّرة كلّ يوم كالوضوء، ولاريب أنّ مسحهم أرجلهم كما رويتموه عنهم لم يكن تشهّياً من عند أنفسهم بل لاعتقادهم أنّه من الوضوء لمشاهدتهم أو سماعهم ذلك من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
ثمّ ليس في هذا الحديث أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم نهاهم عن المسح، بل غاية ما تضمّنه أمرهم بغسل أعقابهم و تخصيصه بالأعقاب و سكوته عمّا فعلوه من المسح بل تقريرهم عليه ظاهر فيما قلناه من أنّ
الأَمْرُ بِالْغَسْلِ إِنَّمَا كَانَ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ لَيْسَ إِلَّا. فَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ لَنَا لَا عَلَيْنَا، كَمَا أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا نَقَلْتُمُوهُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَالنَّقْلُ الْمُتَوَاتِرُ عَنْهُ وَعَنِ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَوْلَادِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مُخَالِفٌ لَهُ، وَقَدْ نَقَلْتُمْ فِي كُتُبِكُمْ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْبَاقِرَ وَوَلَدَهُ الْإِمَامَ أَبَا عَبْدِ اللهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ كَانَا يَقُولَانِ بِالْمَسْحِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمَا كَانَا أَعْلَمَ بِشَرِيعَةِ جَدِّهِمَا وَعَمَلِ أَبِيهِمَا مِنْكُمْ وَمِنْ مُحَدِّثِيكُمْ.
وَأَمَّا مَا شَنَّعْتُمْ بِهِ أَيُّهَا الْأِخْوَانُ عَلَيْنَا وَنَسَبْتُمُوهُ مِنْ تَحْرِيفِ الْكِتَابِ وَمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ إِلَيْنَا فَلَا نُقَابِلُكُمْ بِمِثْلِهِ، بَلْ نَقُولُ غَفَرَ اللهُ لَنَا وَلَكُمْ، وَتَجَاوَزَ عَنَّا وَعَنْكُمْ، وَمَنَّ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوْفِيقِ وَالْهِدَايَةِ، وَعَصَمَنَا وَإِيَّاكُمْ عَمَّا يُوجِبُ الضَّلَالَةَ وَالْغَوَايَةَ آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
الْكَعْبَانِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعَامَّةِ هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ عَنْ يَمِينِ الْقَدَمِ وَشِمَالِهِ. وَأَمَّا عِنْدَ أَصْحَابِنَا فَالَّذِي ذَكَرَهُ مُتَأَخِّرُوهُمْ أَنَّهُمَا النَّاتِئَانِ فِي ظَهْرِ الْقَدَمَيْنِ بَيْنَ الْمَفْصِلِ وَالْمُشْطِ. وَظَاهِرُ عِبَارَاتِ أَكْثَرِ عُلَمَائِنَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ.
وَذَهَبَ الْعَلَّامَةُ جَمَالُ الْمِلَّةِ وَالْحَقِّ وَالدِّينِ طَابَ ثَرَاهُ إِلَى أَنَّ الْكَعْبَ هُوَ الْمَفْصِلُ بَيْنَ السَّاقِ وَالْقَدَمِ قَائِلًا أَنَّ هَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا، وَنَسَبَ مَنْ فَهِمَ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ غَيْرَ هَذَا إِلَى عَدَمِ التَّحْصِيلِ.
قَالَ طَابَ ثَرَاهُ فِي الْمُخْتَلِفِ: مَسْحُ الرِّجْلَيْنِ مِنْ رُؤُوسِ الْأَصَابِعِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَيُرَادُ بِالْكَعْبَيْنِ هُنَا الْمَفْصِلُ بَيْنَ السَّاقِ وَالْقَدَمِ. وَفِي عِبَارَةِ
عُلَمَائِنَا اشْتِبَاهٌ عَلَى غَيْرِ الْمُحَصِّلِ(1).
ثُمَّ نَقَلَ عِبَارَاتِ الْأَصْحَابِ ثُمَّ قَالَ: لَنَا: مَا رَوَاهُ الشَّيْخُ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ زُرَارَةَ وَبُكَيْرٍ ابْنَيْ أَعْيَنَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ قُلْنَا: أَصْلَحَكَ اللهُ فَأَيْنَ الْكَعْبَانِ؟ قَالَ: هَاهُنَا يَعْنِي الْمَفْصِلَ دُونَ عَظْمِ السَّاقِ. وَمَا رَوَاهُ ابْنُ بَابَوَيْهِ عَنِ الْبَاقِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَ قَدْ حَكَى صِفَةَ وُضُوءِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنْ قَالَ: «وَمَسَحَ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَظَهْرِ قَدَمَيْهِ» وَهُوَ يُعْطِي اسْتِيعَابَ الْمَسْحِ لِجَمِيعِ ظَهْرِ الْقَدَمِ، وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى مَا حَدَّدَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ(2). اِنْتَهَى كَلَامُهُ.
وَ قَالَ طَابَ ثَرَاهُ فِي كِتَابِ مُنْتَهَى الْمَطْلَبِ: قَدْ تَشْتَبِهُ عِبَارَاتُ عُلَمَائِنَا عَلَى بَعْضٍ مَنْ لَا مَزِيدَ تَحْصِيلٍ لَهُ فِي مَعْنَى الْكَعْبِ، وَالضَّابِطَةُ فِيهِ مَا رَوَاهُ زُرَارَةُ فِي الصَّحِيحِ وَذِكْرُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى.
ثُمَّ إِنَّ جَمِيعَ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْ عَصْرِ الْعَلَّامَةِ مِنْ أَعْلَامِ عُلَمَائِنَا أَنْكَرُوا هَذَا الْقَوْلَ وَشَنَّعُوا عَلَى الْعَلَّامَةِ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ فِي نِسْبَتِهِ إِلَى عُلَمَائِنَا تَشْنِيعاً بَلِيغاً وَادَّعَوْا أَنَّهُ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ.
قَالَ شَيْخُنَا الشَّهِيدُ قَدَّسَ سِرَّهُ فِي كِتَابِ الذِّكْرَى: تَفَرَّدَ الْفَاضِلُ رَحِمَهُ اللهُ بِأَنَّ الْكَعْبَ هُوَ الْمَفْصِلُ بَيْنَ السَّاقِ وَالْقَدَمِ، وَصَبَّ عِبَارَاتِ الْأَصْحَابِ كُلِّهَا عَلَيْهِ(3)وَ جَعَلَهُ مَدْلُولَ كَلَامِ الْبَاقِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُحْتَجّاً بِرِوَايَةِ زُرَارَةَ عَنِ الْبَاقِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمُتَضَمِّنَةِ لِمَسْحِ ظَهْرِ الْقَدَمَيْنِ، وَهُوَ يُعْطِي الِاسْتِيعَابَ وَأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى حَدِّ أَهْلِ اللُّغَةِ.
وَ جَوَابُهُ: أَنَّ الظَّاهِرَ الْمُطْلَقَ هُنَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ لِأَنَّ اسْتِيعَابَ الظَّهْرِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْبَاقِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِذَا مَسَحْتَ
بِشَيْءٍ مِنْ رَأْسِكَ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ قَدَمَيْكَ مَا بَيْنَ كَعْبَيْكَ إِلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ فَقَدْ أَجْزَأَكَ» وَ رِوَايَةُ زُرَارَةَ وَأَخِيهِ بُكَيْرٍ(1).
وَقَالَ فِي الْمُعْتَبَرِ: لَا يَجِبُ اسْتِيعَابُ الرِّجْلَيْنِ بِالْمَسْحِ، بَلْ يَكْفِي الْمُسَمَّى مِنْ رُؤُوسِ الْأَصَابِعِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَلَوْ بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ إِجْمَاعُ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْبَيْتِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَلِأَنَّ الرِّجْلَيْنِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الرَّأْسِ الَّذِي يُمْسَحُ بَعْضُهُ فَيُعْطِيَانِ حُكْمَهُ(2).
ثُمَّ قَالَ شَيْخُنَا الشَّهِيدُ: وَأَهْلُ اللُّغَةِ إِنْ أَرَادَ بِهِمُ الْعَامَّةَ فَهُمْ مُخْتَلِفُونَ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِمْ لُغَوِيَّةَ الْخَاصَّةِ فَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا حَسَبَ مَا مَرَّ، وَلِأَنَّهُ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ مُسْتَلْزِمٌ رَفْعَ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، لِأَنَّ الْخَاصَّةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَالْعَامَّةَ عَلَى أَنَّ الْكَعْبَيْنِ مَا نَتَأَ عَنْ(3)يَمِينِ الرِّجْلِ وَشِمَالِهَا(4). إِلَى هُنَا كَلَامُ شَيْخِنَا الشَّهِيدِ فِي الذِّكْرَى.
وَلَعَمْرِي إِنَّهُ قَدْ تَجَاوَزَ الْحَدَّ فِي التَّشْنِيعِ عَلَى الْعَلَّامَةِ وَأَطْنَبَ فِي الْإِزْرَاءِ عَلَيْهِ وَالْمَلَامَةِ، وَ سَنَطَّلِعُ فِيمَا بَعْدُ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَلَقَدْ سَلَكَ عَلَى مِنْوَالِهِ فِي هَذَا التَّشْنِيعِ شَيْخُنَا الْمُحَقِّقُ الشَّيْخُ عَلِيٌّ أَعْلَى اللهُ شَأْنَهُ، فَقَالَ فِي شَرْحِ الْقَوَاعِدِ: مَا ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ الْكَعْبَيْنِ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ جَمِيعُ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مِنْ مُنْفَرِدَاتِهِ، مَعَ أَنَّهُ ادَّعَى فِي عِدَّةٍ مِنْ كُتُبِهِ أَنَّهُ الْمُرَادُ فِي عِبَارَاتِ الْأَصْحَابِ. وَإِنْ كَانَ فِيهِ اشْتِبَاهٌ عَلَى غَيْرِ الْمُحَصِّلِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالْأَخْبَارِ وَكَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَهُوَ عَجِيبٌ، فَإِنَّ عِبَارَاتِ الْأَصْحَابِ صَرِيحَةٌ فِي خِلَافِ مَا يَدَّعِيهِ نَاطِقَةٌ بِأَنَّ الْكَعْبَيْنِ هُمَا الْعَظْمَانِ
النَّاتِئَانِ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ أَمَامَ السَّاقِ حَيْثُ تَكُونُ مَعْقِدُ الشِّرَاكِ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلتَّأْوِيلِ، وَالْأَخْبَارُ كَالصَّرِيحَةِ فِي ذَلِكَ، وَكَلَامُ أَهْلِ اللُّغَةِ مُخْتَلِفٌ وَإِنْ كَانَ اللُّغَوِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَرْتَابُونَ فِي أَنَّ الْكَعْبَ هُوَ النَّاتِئُ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ. وَقَدْ أَطْنَبَ عَمِيدُ الرُّؤَسَاءِ(1)فِي كِتَابِ الْكَعْبِ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ مِنَ الشَّوَاهِدِ عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا حُكِيَ مِنْ كَلَامِهِ، عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْكَعْبَ هُوَ الْمَفْصِلُ بَيْنَ السَّاقِ وَالْقَدَمِ إِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ نَفْسَ الْمَفْصِلِ هُوَ الْكَعْبُ لَمْ يُوَافِقْ مَقَالَةَ أَحَدٍ مِنَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ وَلَا كَلَامَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَمْ يُسَاعِدْ عَلَيْهِ الِاشْتِقَاقُ الَّذِي ذَكَرُوهُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا إِنَّ اشْتِقَاقَهُ مِنْ كَعَبَ إِذَا ارْتَفَعَ، وَمِنْهُ كَعْبُ ثَدْيِ الْجَارِيَةِ. وَإِنْ أَرَادَ بِهِ مَا نَتَأَ عَنْ يَمِينِ الْقَدَمِ وَشِمَالِهِ هُوَ الْكَعْبُ كَمَقَالَةِ الْعَامَّةِ لَمْ يَكُنِ الْمَسْحُ مُنْتَهِياً إِلَى الْكَعْبَيْنِ(2)إِلَى هُنَا كَلَامُ شَيْخِنَا طَابَ ثَرَاهُ.
وَقَدْ تَتَبَّعَ شَيْخُنَا زَيْنُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ آثَارَ هَذَيْنِ الشَّيْخَيْنِ نَوَّرَ اللهُ مَرْقَدَهُمَا فَقَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ بَعْدَ مَا نَقَلَ رِوَايَتَيْنِ تَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الْكَعْبَ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ: لَا رَيْبَ أَنَّ الْكَعْبَ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْمُصَنِّفُ لَيْسَ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ وَإِنَّمَا هُوَ الْمَفْصِلُ بَيْنَ السَّاقِ وَالْقَدَمِ، وَالْمَفْصِلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ فِي أَحَدِهِمَا.
ثُمَّ قَالَ: وَالْعَجَبُ مِنَ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ فِي الْمُخْتَلِفِ أَنَّ فِي عِبَارَةِ أَصْحَابِنَا اشْتِبَاهاً عَلَى غَيْرِ الْمُحَصِّلِ مُشِيراً إِلَى أَنَّ الْمُحَصِّلَ لَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ، أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْكَعْبِ الْمَفْصِلُ بَيْنَ السَّاقِ وَالْقَدَمِ وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ لَمْ يَكُنْ مُحَصِّلًا، ثُمَّ حَكَى كَلَامَ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ. وَالْحَالُ أَنَّ الْمُحَصِّلَ لَوْ حَاوَلَ فَهْمَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ لَمْ يَجِدْ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلًا(3)ُُ
اِنْتَهَى كَلَامُهُ زِيدَ إِكْرَامُهُ.
إِذَا انْتَقَشَ كَلَامُ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ الثَّلَاثَةِ عَلَى لَوْحِ خَاطِرِكَ ظَهَرَ لَكَ أَنَّ تَشْنِيعَهُمْ عَلَيْهِ طَابَ ثَرَاهُ يَدُورُ عَلَى أُمُورٍ خَمْسَةٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا خَرْقٌ لِمَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، وَإِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَكَيْفَ يَدَّعِي أَنَّهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا؟
الثَّانِي: أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِأَنَّ الْمَفْصِلَ كَعْبٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلِاشْتِقَاقِ، فَإِنَّ الْكَعْبَ مُشْتَقٌّ، مِنْ كَعَبَ إِذَا ارْتَفَعَ وَنَتَأَ، وَالْمَفْصِلُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا وَرَدَتْ بِهِ النُّصُوصُ عَنْ أَئِمَّتِنَا عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ عِبَارَاتِ الْأَصْحَابِ مُوَافِقَةٌ لَهُ مَعَ أَنَّهَا نَاطِقَةٌ بِأَنَّ الْكَعْبَيْنِ هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ وَلَيْسَ الْمَفْصِلَ عَظْمَيْنِ نَاتِئَيْنِ وَلَا وَاقِعاً فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ. فَهَذَا حَاصِلُ مَا شَنَّعُوا بِهِ عَلَيْهِ قَدَّسَ اللهُ سِرَّهُ.
وَ أَنَا أَقُولُ: إِنَّ مَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ عَلِمَ أَنَّ كَلَامَهُمْ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَتَشْنِيعَهُمْ وَاقِعٌ غَيْرُ مَوْقِعِهِ، وَحَاشَا الْعَلَّامَةَ أَنْ يَقَعَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْغُمَّةِ، وَيُخَالِفَ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، بَلْ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ، وَالصِّدْقُ الَّذِي لَا شُبْهَةَ تَعْتَرِيهِ، وَالنَّصُّ الصَّحِيحُ بِذَلِكَ شَاهِدٌ، وَكَلَامُ أَصْحَابِنَا عَلَيْهِ مُسَاعِدٌ، وَمَا ذَكَرَهُ عُلَمَاءُ التَّشْرِيحِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَمَا أَوْرَدَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ يُرْشِدُ إِلَيْهِ، وَكَلَامُ الْعَامَّةِ صَرِيحٌ فِي نِسْبَةِ هَذَا الْقَوْلِ إِلَيْنَا، وَكُتُبُهُمْ مَشْحُونَةٌ بِالتَّشْنِيعِ عَلَيْنَا، وَلِنُفَصِّلْ هَذَا الْإِجْمَالَ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لِلشَّكِّ مَجَالٌ.
رَوَى الشَّيْخُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ زُرَارَةَ وَبُكَيْرٍ ابْنَيْ أَعْيَنَ أَنَّهُمَا سَأَلَا
الإمام أبا جعفر محمد بن عليّ الباقر عليه السلام عن وضوء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فدعا بطست أو تَوْر فيه ماء ثمّ حكى وضوء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وفي آخر الحديث قلنا: أصلحك الله فأين الكعبان؟ قال: هاهنا يعني المفصل دون عظم الساق، فقالا: هذا ماهو؟ قال: هذا عظم الساق(1).
ولا يخفى أنّ هذا الحديث صريح فيما ادّعاه العلامة طاب ثراه، غير قابل للتأويل، ولذلك جعله في المختلف(2)أوّل الدلائل على ما ادّعاه، واقتصر في المنتهى(3)عليه ولم ينقل سواه.
والعجب من شيخنا الشهيد فإنّه مع كمال حرصه في الذكرى على نقل دلائل العلامة ونقضها لم ينقل هذه الرواية في جملة ما نقله، مع أنّها هي العمدة في ذلك المدّعى، وعليها المدار في إثبات تلك الدعوى.
وأعجب من ذلك أنّه جعلها أوّل دلائله على أنّ الكعبين قبتا القدم أمام الساق، أعني العظم الذي بين المفصل والمشط، مع أنّها في خلافه كالشمس في رابعة النهار، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
ثمّ إنّه قدّس الله سرّه استدلّ بما رواه ميسر عن الإمام أبي جعفر محمد بن عليّ الباقر عليه السلام أنّه وصف الكعب في ظهر القدم(4).
وبما رواه عنه أيضاً أنّه عليه السلام وضع يده على ظهر القدم وقال: هذا هو الكعب(5).
ولادلالة في شيء من هذين الحديثين على ما يخالف كلام العلامة.
طاب ثراه فإنّ الكعب عنده في ظهر القدم أيضاً كما ستطّلع عليه إن شاء الله تعالى.
ثمّ إنّ أهل اللغة صرّحوا بأنّ المفاصل التي بين أنابيب القصب تسمّى كعاباً.
قال في الصحاح: كُعُوب الرُّمح: النواشز في أطراف الأنابيب(1).
وقال في المغرب: الكعب هو العقدة بين الانبوبتين في القصب(2).
وقال أبو عبيدة: الكعب هو الذي في أصل القدم ينتهي إليه الساق بمنزلة كعاب القناة.
ونقل الفخر الرازي في تفسيره الكبير: أنّ المفصل يسمّى كعباً(3).
و قال في القاموس: الكعب: كلّ مفصل للعظام والعظم الناشز فوق القدم(4).
فظهر من هذا أنّ العلامة نوّر الله مرقده لم يأت ببدعة في تسمية المفصل كعباً، وأنّ ما ذكره المحقّق الشيخ علي أعلى الله شأنه من أنّه لم يقل بذلك أحد من الخاصة والعامة ولأهل اللغة خالٍ عن الاستقامة.
ثمّ اعلم أنّ المستفاد من كلام علماء التشريح كجالينوس والشيخ الرئيس وشُرّاح القانون كالقرشي وغيره أنّ القدم مؤلّف من ستّة وعشرين عظماً، أعلاها الكعب وهو عظم مائل الى الاستدارة واقع في ملتقى الساق والقدم، له زائدتان ناتئتان في أعلاه انسية ووحشية، يدخل كلّ منهما في حفرة من حفرتي قصبتي الساق، وزائدتان في أسفله تدخلان في حفرتي العقب، و أنّ الساق مؤلّف من قصبتين متلاصقتين انسية و وحشية،
والانسية منهما أعظم وتسمّى القصبة العظمىٰ، وهي المتصلة بالركبة، والوحشية صغيرة تستدق شيئاً فشيئاً وتنقطع قبل الوصول الى الركبة، وفي أسفل كلّ من هاتين القصبتين حفرة يدخل فيها إحدى الزائدتين الناتئتين في الكعب، ويحتوي طرفا القصبتين على الكعب من جوانبه سوى جانب المشط، فالكعب عظم في ظهر القدم متوسط بين الساق والعقب و عليه يتصل الساق بالقدم. ولنقتصر في تأييد هذا الكلام على ما ذكره الشيخ في القانون والشارح القرشي في شرحه.
قال الشيخ في مبحث تشريح عظام القدم من القانون: وأمّا الكعب فإنّ الإنساني منه أشدّ تكعيباً من كعوب سائر الحيوانات، وكأنّه أشرف عظام القدم النافعة في الحركة، كما أنّ العقب أشرف عظام الرجل النافعة في الثبات. والكعب موضوع بين الطرفين الناتئين من القصبتين يحتويان عليه من جوانبه، أعني من أعلاه وقفاه وجانبيه الوحشي والانسية، و يدخل طرفاه في العقب في النقر تين دخول ركز، والكعب واسطة بين الساق والعقب، به يحسن اتصالهما ويتوثّق المفصل بينهما، وهو موضوع في الوسط بالحقيقة، وان كان قد يظن بسبب الأخمص أنّه منحرف الى الوحشي(1). إنتهى كلام الشيخ.
وقال القرشي في شرح القانون: إنّ أجزاء القدم مقسومة الى ستّة أقسام وهي: الكعب والعقب والعظم الزورقي وعظام الرسغ وعظام المشط وعظام الأصابع. ونحن الآن نتكلّم على كلّ واحد منها فنقول:
أمّا الكعب فالإنساني منه أكثر تكعيباً وأشدّ تهندماً ممّا في سائر الحيوانات، وذلك لأنّ لرجليه قدماً وأصابع و يحتاج الى تحريك قدميه الى انبساط وانقباض، وذلك بحركة سهلة ليسهل عليه الوطأ على الأرض
1) القانون: تعليم 5، فصل 30، ص 38.
المائلة الى الارتفاع والانخفاض وعلى المستوية، فلذلك يحتاج أن يكون مفصل ساقه مع قدمه مع قوته وإحكامه سلساً سهل الحركة. وهذا المفصل لا يمكن أن يكون بزائدة واحدة مستديرة تدخل في حفرة الساق فكان يحدث للقدم أن يتحرّك مقدّمة الى جهة جانبيه بل الى جهة مؤخّره، وكان يلزم من ذلك فساد التركيب ومصاكة إحدى القدمين للأخرى، فلابدّ أن يكون بزائدتين حتّى يكون كلّ واحد منهما مانعة من حركة الأخرى على الاستدارة، ولا يمكن أن تكون إحدى الزائدتين خلفاً والأخرى قدّاماً، لأنّ ذلك ممّا يعسر معه حركة الانبساط والانقباض اللذين بمقدّم القدم، فلابدّ من أن تكون هاتان الزائدتان احداهما يميناً والأخرى شمالاً، ولابدّ أن يكون بينهما تباعد له قدر يعتدّ به ليكون امتناع تحرّك كلّ واحدة منهما على الاستدارة أكثر وأشدّ، فلذلك لا يمكن أن يكون ذلك مع قصبة واحدة، فلابدّ أن يكون مع قصبتين، ولو كان بقدر مجموعهما عظم واحد لكان يجب أن يكون ذلك العظم ثخيناً جدّاً وكان يلزم من ذلك ثقل الساق، فلذلك لابدّ أن يكون أسفل الساق عند هذا المفصل قصبتين، وأمّا أعلى الساق و ذلك حيث مفصل الركبة فإنّه يكتفى فيه بقصبة واحدة ، فلذلك احتيج أن تكون إحدى قصبتي الساق منقطعة عند أعلى الساق، ويجب أن تكون الحفرتان في هاتين القصبتين والزائدتان في العظم الذي في القدم لأنّ هاتين القصبتين يراد فيهما الخفّة، وذلك ينافي أن تكون الزوائد فيهما لأنّ ذلك يلزمه زيادة الثقل والحفرة يلزمها زيادة الخفّة، فلذلك كان هذا المفصل بحفرتين في طرفي القصبتين وزائدتين في العظم الذي في القدم. إنتهى كلامه.
فكلام المشرّحين صريح في أنّ الكعب هو ذلك العظم الذي في المفصل، وقد علمت ما تضمّنه الحديث وكلام أهل اللغة أنّ نفس المفصل
يسمّى كعباً أيضاً، ولعلّه لمجاورة هذا العظم، فصار ما يطلق عليه اسم الكعب أربعة: قبة القدم أمام الساق و أحد الناتئين عن يمين القدم وشماله و نفس المفصل والعظم الناتئ في القدم الداخل طرفاه في حفرتي عظم الساق، وكثيراً ما يُعبّر عنه بالمفصل أيضاً. وهذا الأخير هو الكعب عند العلامة، فإنّه لا ينكر أنّ الكعبين عظمان ناتئان. وقد صرّح في التذكرة(1)بذلك وفسّرهما بمجمع الساق والقدم، ونقل إجماع علمائنا عليه وقال: إنّه مذهب محمد بن الحسن.
ويشهد لما ذكره طاب ثراه من نسبة هذا القول الى علمائنا أنّ كتب العامة و تفاسيرهم مشحونة بأنّ الكعب عند القائلين بالمسح هو العظم الذي في المفصل.
قال الفخر الرازي في التفسير الكبير عند قوله تعالىٰ: وأرجلكم الى الكعبين: جمهور الفقهاء علىٰ أنّ الكعبين هما العظمان الناتئان من جانبي الساق. وقالت الإمامية وكل من ذهب الى وجوب المسح: أنّ الكعب عبارة عن عظم مستدير مثل كعب الغنم والبقر موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم. و هو قول محمد بن الحسن(2). و كان الأصمعي يختار هذا القول.
ثمّ قال: حجّة الإمامية: أنّ اسم الكعب يطلق على العظم المخصوص الموجود في أرجل جميع الحيوانات، فوجب أن يكون في حقّ الإنسان كذلك. والمفصل يسمّى كعباً، ومنه كعاب الرمح لمفاصله، وفي وسط القدم مفصل، فوجب أن يكون الكعب(3). إنتهى كلامه.
وقال صاحب الكشف عند تفسير هذه الآية: لو أريد المسح لقيل
الى الكعاب أو الكعب لأنّ الكعب إذ ذاك مفصل القدم، وهو واحد في كلّ رجل. فإن أُريد كلّ واحد فالأفراد وإلّا فالجميع، وأمّا إذا أُريد الغسل فهما الناشزان، وهم اثنان في كلّ رجل، فتصبح التثنية باعتبار كلّ رجل(1)هذا كلامه.
وقال الفاضل النيشابوري في تفسيره بعد ما نقل مذهب الجمهور من أنّ الكعبين هما العظمان الناتئان عن الجنبين: قالت الإمامية وكلّ من قال بالمسح: إنّ الكعب عظم مستدير موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم كما في أرجل جميع الحيوانات، والمفصل يسمّى كعباً، و منه كعوب الرمح المفاصل. حجة الجمهور: أنّه لو كان الكعب ما ذكره الإمامية لكان الحاصل في كلّ رجل كعباً واحداً، فكان ينبغي أن يقال: «وأرجلكم الى الكعاب» كما أنّه لمّا كان الحاصل في كلّ يد مرفقاً واحداً لا جرم قال «الى المرافق». و أيضاً العظم المستدير الموضوع في المفصل شيء خفي لا يعرفه إلّا أهل العلم بتشريح الأبدان والعظمان الناتئان في طرفي الساق محسوسان لكلّ أحد، ومناط التكليف لا يكون إلّا أمراً ظاهراً(2). إنتهى كلامه.
ثمّ إنّي والله لشديد التعجّب من أولئك الأعلام كيف زلّت أقدام أقلامهم في هذا المقام حتّى زعموا أنّ ما قاله العلّامة ممّا لم يقبل به أحد من الخاصّ والعامّ. وظنّي أنّ وقوعهم في هذه الورطة إنّما نشأ من اشتباه عبارات أصحابنا كما نبّه عليه طاب ثراه في المختلف والمنتهى، وذلك أنّهم صرّحوا باشتقاق الكعب من كعب إذا ارتفع، وأكثر العبارات ناطقة بأنّ الكعبين هما العظمان الناتئان في القدمين، والمتبادر من الثاني ما كان نتؤهُ
محسوساً بحسّ البصر، ولاناتئ في القدمين على هذه الصفة إلّا اللّذان على يمين القدم وشمالها والمتوسطان بين المفصل والمشط، لكنّ الأوّلان ليسا الكعبين باتّفاق علمائنا فحكموا بأنّهما الأخيران البتة، وغَلَّطوا مَن قال بأنّهما المفصلان لأنّه لانتوء فيهما، وغفلوا عن العظمين الناتئين فيهما، لأنّ القوّة الباصرة عن إدراك نتوئهما قاصرة.
ما أورده الشيخ الشهيد طاب ثراه على العلّامة قدّس الله روحه من أنّ استيعاب ظهر القدم لم يقل به أحد منّا الى آخر كلامه غير وارد على العلّامة أصلاً، وهو قدّس الله روحه قائل بموجبه(1)، وإنّما أراد باستيعاب القدم استيعابه طولاً فقط، أعني من رؤوس الأصابع الى الكعب.
قال في التذكرة : لايجب استيعاب الرجلين بالمسح، بل يكفي المسح من رؤوس الأصابع الى الكعب و لو باصبع واحدة عند أهل البيت عليهم السلام(2).
ثمّ قال: و يجب استيعاب طول القدم من رؤوس الأصابع الى الكعبين(3).
و إن أراد شيخنا الشهيد رحمه الله انّ استيعاب الطول الى المفصل ممّا لم يقل به أحد منّا بناءً على ما ظنّه من أنّ الكعب ليس هو المفصل عندنا رجع هذا الكلام الى كلامه الثاني، وقد عرفت حقيقته فتأمّل (3).
1) (م): لموجبه.
2) و (3) تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 18 مسألة لايجب استيعاب الرجلين بالمسح.
3) وجه التأمّل: انّ للمكلّف أن يقول مراد شيخنا الشهيد رحمه الله أنّ استيعاب القدم طولاً بمعنى دخول الكعب في الممسوح لم يقل به أحد من أصحابنا لااستيعابه طولاً وعرضاً معاً. ولايخفى بُعده، فانّ مسح الكعبين مختلف وجوبه عندنا. وقد نبّه المحقّق وغيره عليه فكيف يدّعى الاتّفاق على عدم وجوبه (منه رحمه الله).
«... بَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسٌ مَعَ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذْ قَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ ائْتِنِي بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ أَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، فَأَتَاهُ مُحَمَّدٌ بِالْمَاءِ، فَأَكْفَأَهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْمَاءَ طَهُوراً وَلَمْ يَجْعَلْهُ نَجِساً» قَالَ: ثُمَّ اسْتَنْجَى فَقَال: «اللَّهُمَّ حَصِّنْ فَرْجِي، وَأَعِفَّهُ، وَاسْتُرْ عَوْرَتِي وَحَرِّمْنِي عَلَى النَّارِ» قَالَ: ثُمَّ تَمَضْمَضَ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ لَقِّنِي حُجَّتِي يَوْمَ أَلْقَاكَ، وَأَطْلِقْ لِسَانِي بِذِكْرَاكَ» قَالَ: ثُمَّ اسْتَنْشَقَ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ لَا تُحَرِّمْ عَلَيَّ رِيحَ الْجَنَّةِ، وَاجْعَلْنِي مِمَّنْ يَشَمُّ رِيحَهَا وَرَوْحَهَا وَطِيبَهَا...»
تهذيب الأحكام: ج 1 ص 52 ح 2، الكافي: ج 3 ص 70 - 71 ح 6
بِالسَّنَدِ الْمُتَّصِلِ إِلَى الشَّيْخِ الْأَعْظَمِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ الْمُفِيدِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى وَأَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ الْهَاشِمِيِّ (1) عَنِ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عليه السلام.
وَإِلَى الشَّيْخِ الْأَعْظَمِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَاسِمٍ الْخَزَّازِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنِ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ:
بَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسٌ مَعَ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذْ قَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ ائْتِنِي بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ أَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، فَأَتَاهُ مُحَمَّدٌ بِالْمَاءِ، فَأَكْفَأَهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْمَاءَ طَهُوراً وَلَمْ يَجْعَلْهُ نَجِساً» قَالَ: ثُمَّ اسْتَنْجَى فَقَالَ: «اللَّهُمَّ
حَصِّنْ فَرْجِي، وَأَعِفَّهُ، وَاسْتُرْ عَوْرَتِي وَحَرِّمْنِي عَلَى النَّارِ» قَالَ: ثُمَّ تَمَضْمَضَ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ لَقِّنِي حُجَّتِي يَوْمَ أَلْقَاكَ، وَأَطْلِقْ لِسَانِي بِذِكْرَاكَ» قَالَ: ثُمَّ اسْتَنْشَقَ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ لَا تُحَرِّمْ عَلَيَّ رِيحَ الْجَنَّةِ، وَاجْعَلْنِي مِمَّنْ يَشَمُّ رِيحَهَا وَرَوْحَهَا وَطِيبَهَا» قَالَ: ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَسْوَدُّ فِيهِ الْوُجُوهُ، وَلَا تُسَوِّدْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُّ فِيهِ الْوُجُوهُ». ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي، وَالْخُلْدَ فِي الْجِنَانِ بِيَسَارِي، وَحَاسِبْنِي حِسَاباً يَسِيراً». ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى فَقَالَ: «اللَّهُمَّ لَا تُعْطِنِي كِتَابِي بِشِمَالِي، وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِي، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ مُقَطَّعَاتِ النِّيرَانِ» ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ غَشِّنِي بِرَحْمَتِكَ وَبَرَكَاتِكَ» ثُمَّ مَسَحَ رِجْلَيْهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْنِي عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ، وَاجْعَلْ سَعْيِي فِيمَا يُرْضِيكَ عَنِّي». ثُمَّ رَفَعَ عليه السلام رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي وَقَالَ مِثْلَ قَوْلِي خَلَقَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ قَطْرَةٍ مَلَكاً يُقَدِّسُهُ وَيُسَبِّحُهُ وَيُكَبِّرُهُ فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ ثَوَابَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»(1)
مَا لَعَلَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْبَيَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ
1) تهذيب الأحكام: ج 1 ص 52 ح 2.
بَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسٌ: بَيْنَا: هِيَ بَيْنَ الظَّرْفِيَّةُ، أُشْبِعَتْ فَتْحَتُهَا فَصَارَتْ أَلِفاً، وَتَقَعُ بَعْدَهَا حِينَئِذٍ إِذِ الْفُجَائِيَّةُ غَالِباً يَقُولُ: بَيْنَا أَنَا فِي عُسْرٍ إِذْ جَاءَ الْفَرَجُ، وَعَامِلُهَا مَحْذُوفٌ يُفَسِّرُهُ الْفِعْلُ الْوَاقِعُ بَعْدَ إِذْ عِنْدَ بَعْضٍ، وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهَا خَبَراً عَنْ مَصْدَرٍ مَسْبُوكٍ مِنَ الْفِعْلِ، أَيْ بَيْنَ أَوْقَاتِ إِعْسَارِي مَجِيءُ الْفَرَجِ. فَأَكْفَأَهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيْ صَبَّهُ. وَفِي الصِّحَاحِ: كَفَأْتُ الْإِنَاءَ: كَبَبْتُهُ وَقَلَبْتُهُ فَهُوَ مَكْفُوءٌ. وَزَعَمَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّ أَكْفَأْتُهُ لُغَةٌ(1). اِنْتَهَى.
وَهُوَ يُعْطِي أَنَّ أَكْفَأَ لَمْ يَثْبُتْ فِي اللُّغَةِ وَأَنَّ الصَّحِيحَ كَفَأَ، وَكَفَى بِكَلَامِ الْإِمَامِ عليه السلام حُجَّةً عَلَى ثُبُوتِهِ.
ثُمَّ قَالَ: «ثُمَّ» هُنَا مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْنَى التَّرَاخِي كَمَا قَالُوهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ(2). وَلَمْ يَجْعَلْهُ نَجِساً: يَجُوزُ بِكَسْرِ(3)الْجِيمِ وَفَتْحِهَا، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ. اللَّهُمَّ حَصِّنْ فَرْجِي: قَالَ الْفَرَّاءُ: أَصْلُ اللَّهُمَّ يَا اللَّهُ أُمَّنَا بِالْخَيْرِ مُخَفَّفٌ بِالْحَذْفِ لِكَثْرَةِ الدَّوَرَانِ عَلَى الْأَلْسُنِ(4). وَالْأَكْثَرُ أَنَّ أَصْلَهُ يَا اللَّهُ فَحُذِفَ حَرْفُ النِّدَاءِ وَ عُوِّضَ عِنْدَ الْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ.
وَرَدَّ الشَّيْخُ الرَّضِيُّ كَلَامَ الْفَرَّاءِ بِأَنَّهُ يُقَالُ: اللَّهُمَّ لَا تَؤُمَّهُمْ بِالْخَيْرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ(5).
وَالْمُرَادُ بِتَحْصِينِ الْفَرْجِ سَتْرُهُ وَصَوْنُهُ عَنِ الْحَرَامِ، وَعَطْفُ الْأَعْفَافِ عَلَيْهِ تَفْسِيرِيٌّ، وَعَطْفُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ عَلَيْهِ مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، فَإِنَّ الْعَوْرَةَ فِي اللُّغَةِ كُلُّ مَا يُسْتَحْى مِنْهُ.
لَقِّنِي حُجَّتِي: بِالْقَافِ وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَتَيْنِ مِنَ التَّلْقِينِ وَهُوَ التَّفْهِيمُ. مِمَّنْ يَشَمُّ: بِفَتْحِ الشِّينِ وَأَصْلُهُ يَشْمَمُ بِمِيمَيْنِ كَيَعْلَمُ فَنُقِلَتْ فَتْحَةُ الْمِيمِ إِلَى الشِّينِ وَأُدْغِمَتْ، وَمَاضِيهِ شَمَّ بِالْكَسْرِ. وَالرِّيحُ: الرَّائِحَةُ.
وَالرَّوْحُ: بِفَتْحِ الرَّاءِ النَّسِيمُ الطَّيِّبُ.
بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَسْوَدُّ فِيهِ الْوُجُوهُ: بَيَاضُ الْوَجْهِ وَسَوَادُهُ إِمَّا كِنَايَتَانِ عَنْ ظُهُورِ بَهْجَةِ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ وَكَآبَةِ الْخَوْفِ وَالْخَجَلِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِمَا حَقِيقَةُ الْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ. وَفُسِّرَ بِالْوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ(1). مُقَطَّعَاتِ النِّيرَانِ: الْمُقَطَّعَاتُ كُلُّ ثَوْبٍ يُقْطَعُ كَالْقَمِيصِ وَالْجُبَّةِ وَنَحْوِهِمَا لَا مَا لَا يُقْطَعُ كَالْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ. وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي كَوْنِ ثِيَابِ النَّارِ مُقَطَّعَاتٍ كَوْنُهَا أَشَدَّ اشْتِمَالاً عَلَى الْبَدَنِ، فَالْعَذَابُ بِهَا أَشَدُّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: إِنَّ الْمُقَطَّعَاتِ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَوَاحِدُهَا ثَوْبٌ.
وَبَعْضُهُمْ ضَبَطَ الْمُقَطَّعَاتِ بِالْفَاءِ وَالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ مَفْظَعَةٍ بِكَسْرِ الظَّاءِ مِنْ فَظُعَ الْأَمْرُ بِالضَّمِّ فَظَاعَةً فَهُوَ فَظِيعٌ أَيْ شَدِيدٌ شَنِيعٌ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ(2).
غَشِّنِي بِرَحْمَتِكَ: أَيْ غَطِّنِي وَاشْمَلْنِي بِهَا. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: اسْتَغْشَى بِثَوْبِهِ وَتَغَشَّى بِهِ: أَيْ تَغَطَّى بِهِ(1). وَلَعَلَّهُ تَضَمَّنَ مَعْنَى أَلْبِسْنِي فَعُدِّيَ بِغَيْرِ بَاءٍ. وَيَجُوزُ نَصْبُ «رَحْمَتِكَ» بِنَزْعِ الْخَافِضِ.
[ فِي اخْتِلَافِ نُسَخِ الدُّعَاءِ ]
نُسَخُ التَّهْذِيبِ وَالْكَافِي وَالْفَقِيهِ وَأَمَالِي ابْنِ بَابَوَيْهِ مُتَخَالِفَةٌ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ.
فَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: «اللَّهُمَّ حَصِّنْ فَرْجِي وَاسْتُرْ عَوْرَتِي وَحَرِّمْهُمَا عَلَى النَّارِ» بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ. وَهُوَ يَحْتَمِلُ عَوْدَهُ إِلَى الْفَرْجِ وَالْعَوْرَةِ نَظَراً إِلَى اخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ وَعُمُومِ الْعَوْرَةِ، أَوْ إِلَى تَخَالُفِ الْمُحْصَنِ وَالْمَسْتُورِ. وَإِنْ قُرِئَ «عَوْرَتَيَّ» بِالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَالْمُدْغَمَةِ فِي يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ فَلَا إِشْكَالَ.
وَفِي بَعْضِهَا فِي دُعَاءِ الْمَضْمَضَةِ: «اللَّهُمَّ انْطِقْ لِسَانِي بِذِكْرَاكَ(2)وَاجْعَلْنِي مِمَّنْ تَرْضَى عَنْهُ».
وَفِي بَعْضِهَا فِي دُعَاءِ الِاسْتِنْشَاقِ: «اللَّهُمَّ لَا تُحَرِّمْ عَلَيَّ طَيِّبَاتِ الْجِنَانِ وَاجْعَلْنِي... إِلَى آخِرِهِ» وَفِي آخِرِهِ: «وَرَيْحَانَهَا» بَدَلَ «طِيبِهَا».
وَفِي بَعْضِهَا فِي دُعَاءِ غَسْلِ الْوَجْهِ زِيَادَةُ لَفْظَةِ «فِيهِ» بَعْدَ تَسْوَدُّ وَتَبْيَضُّ.
وَفِي بَعْضِهَا: «وَالْخُلْدَ فِي الْجِنَانِ بِشِمَالِي» بَدَلَ «يَسَارِي» وَ «مُقَطَّعَاتِ النَّارِ» بَدَلَ «النِّيرَانِ». وَ «ثَبِّتْ قَدَمَيَّ» بَدَلَ «ثَبِّتْنِي».
وَ أَنَا نَقَلْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ التَّهْذِيبِ مِنْ نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ بِخَطِّ وَالِدِي
[ مَعْنَى طَلَبِ تَلْقِينِ الحُجَّةِ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ ]
المُرَادُ مِنْ طَلَبِ العِبَادِ تَلْقِينَ الحُجَّةِ أَنْ يُلْهِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ لِأَنْفُسِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَإِنَّ النَّاسَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ يَحْتَجُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَيَسْعَى كُلٌّ مِنْهُمْ فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا(1)وَاللهُ سُبْحَانَهُ يُلَقِّنُ مَنْ يَشَاءُ حُجَّتَهُ كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ(2)أَنَّ ذِكْرَ «الكَرِيمِ» تَلْقِينٌ لِلْعَبْدِ وَتَنْبِيهٌ لَهُ عَلَى أَنْ يَحْتَجَّ وَيَقُولَ: غَرَّنِي كَرَمُكَ.
قَالَ الفَاضِلُ النَّيْسَابُورِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: رَأَيْتُ فِي عُنْفُوانِ الشَّبَابِ فِي المَنَامِ أَنَّ القِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ وَقَدْ دَارَ فِي خَلَدِي أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَوْ خَاطَبَنِي بِقَوْلِهِ: مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ فَمَاذَا أَقُولُ؟ ثُمَّ أَلْهَمَنِي اللهُ فِي المَنَامِ أَنْ أَقُولَ: غَرَّنِي كَرَمُكَ يَا رَبِّ. ثُمَّ إِنِّي وَجَدْتُ هَذَا المَعْنَى فِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ(3). اِنْتَهَى كَلَامُهُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِبَعْضِ التَّفَاسِيرِ كِتَابَ مَجْمَعِ البَيَانِ لِلشَّيْخِ الثِّقَةِ(4)الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبْرِسِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فَإِنَّهُ قَالَ وَهَذِهِ عِبَارَتُهُ: إِنَّمَا قَالَ سُبْحَانَهُ «الكَرِيمُ» دُونَ سَائِرِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لَقَّنَهُ الجَوَابَ حَتَّى يَقُولَ:
غَرَّنِي كَرَمُ الكَرِيمِ(1). اِنْتَهَى كَلَامُهُ.
إِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ القَوْلُ بِأَنَّ أَهْلَ المَحْشَرِ يَحْتَجُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَيُجَادِلُونَ فِي خَلَاصِهَا مَعَ مَاوَرَدَ مِنْ أَنَّهُ يُخْتَمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَإِنَّمَا تَنْطِقُ جَوَارِحُهُمْ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(2)؟
قُلْتَ: لَعَلَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالكُفَّارِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، أَوْ أَنَّ هَذَا الختْمَ يَكُونُ بَعْدَ الاِحْتِجَاجِ وَالمُجَادَلَةِ كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ.
وَمَدْ وَرَدَ أَنَّ بَعْضَ الأَعْضَاءِ تَحْتَجُّ لِصَاحِبِهَا كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الأَخْبَارِ: «تَشْهَدُ أَعْضَاؤُهُ عَلَيْهِ بِالزَّلَّةِ، فَتَتَطَايَرُ شَعْرَةٌ مِنْ جَفْنِ عَيْنَيْهِ فَتَسْتَأْذِنُ فِي الشَّهَادَةِ، فَيَقُولُ الحَقُّ تَعَالَى: تَكَلَّمِي يَا شَعْرَةَ عَيْنَيْهِ وَاحْتَجِّي لِعَبْدِي، فَتَشْهَدُ لَهُ بِالبُكَاءِ مِنْ خَوْفِهِ، فَيُغْفَرُ لَهُ وَيُنَادِي مُنَادٍ: هَذَا عَتِيقُ اللهِ بِشَعْرَةٍ»(3).
وَعَلَى هَذَا فَلَا يَلْزَمُ مِنَ الختْمِ عَلَى الأَفْوَاهِ عَدَمُ وُجُودِ المُحَاجَّةِ(4)إِنَّمَا يَلْزَمُ عَدَمُ تَحَقُّقِهَا بِاللِّسَانِ فَتَدَبَّرْ.
[ تَحْقِيقٌ فِي كَلِمَةِ اليَسَارِ ]
مَعْنَى «الخُلْدِ فِي الجِنَانِ بِيَسَارٍ» لَا يَخْلُو مِنْ خَفَاءٍ. وَهُوَ يَحْتَمِلُ وُجُوهَاً:
الأَوَّلُ: أَنَّهُ يُقَالُ فِي الشَّيْءِ الَّذِي حَصَّلَهُ الإِنْسَانُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ وَتَعَبٍ فَعَلْتُهُ بِيَسَارٍ. فَالمُرَادُ هُنَا طَلَبُ الخُلُودِ فِي الجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ
عَذَابُ النَّارِ وَأَهْوَالُ يَوْمِ القِيَامَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ البَاءَ فِيهِ لِلسَّبَبِيَّةِ. وَالمُرَادُ أَعْطِنِي الخُلُودَ فِي الجِنَانِ بِسَبَبِ غَسْلِ يَسَارِي. وَعَلَى هَذَا فَالبَاءُ فِي «بِيَمِينِي» أَيْضاً لِلسَّبَبِيَّةِ لِتَتَوَافَقَ القَرِينَتَانِ. وَلَا يَخْلُو مِنْ بُعْدٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّ المُرَادَ بِالخُلْدِ بَرَاءَةُ الخُلْدِ فِي الجِنَانِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، فَالبَاءُ عَلَى حَالِهَا لِلظَّرْفِيَّةِ. وَهَذَا وَجْهٌ قَرِيبٌ.
الرَّابِعُ: أَنَّ المُرَادَ بِاليَسَارِ لَيْسَ مَا يُقَابِلُ اليَمِينَ بَلِ اليَسَارُ المُقَابِلُ لِلْإِعْسَارِ. وَالمُرَادُ اليَسَارُ بِالطَّاعَاتِ، أَيْ أَعْطِنِي الخُلُودَ فِي الجِنَانِ بِكَثْرَةِ طَاعَاتِي. فَالبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ فِي الكَلَامِ إِيهَامُ التَّنَاسُبِ وَهُوَ الجَمْعُ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ غَيْرِ المُتَنَاسِبَيْنِ بِلَفْظَيْنِ لَهُمَا مَعْنَيَانِ مُتَنَاسِبَانِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الشَّمْسُ وَالقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ(1)فَإِنَّ المُرَادَ بِالنَّجْمِ مَا يَنْجُمُ مِنَ الأَرْضِ، أَيْ يَظْهَرُ وَلَا سَاقَ لَهُ كَالْبُقُولِ، وَبِالشَّجَرِ مَا لَهُ سَاقٌ، فَالنَّجْمُ بِهَذَا المَعْنَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَاسِباً لِلشَّمْسِ وَالقَمَرِ لَكِنَّهُ بِمَعْنَى الكَوْكَبِ يُنَاسِبُهُمَا. وَمِنْ هَذَا مَا يُرْوَى مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزَالُ المَنَامُ طَائِراً حَتَّى يُقَصَّ، فَإِذَا قُصَّ وَقَعَ»(2)وَهَذَا الوَجْهُ وَإِنْ كَانَ بَعِيداً إِلَّا أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ لَطَافَةٍ.
[ في غسل أعضاء الوضوء مرة ثانية هل هي بدعة أو سنة ؟ ]
ظاهر هذا الحديث أن غسل كل من الوجه واليدين وقع مرة واحدة فهو مما يؤيد القول بعدم استحباب الغسلة الثانية، إذ لو كانت لذكرها الراوي، إذ المقام مقام بیان سنن الوضوء، وقد قال عليه السلام في آخر
الحَدِيثِ: «خَلَقَ اللهُ مِن كُلِّ قَطْرَةٍ مَلَكاً يُقَدِّسُهُ وَ يُسَبِّحُهُ» وَلَا شَكَّ أَنَّ القَطَرَاتِ مَعَ تَثْنِيَةِ الغَسَلَاتِ أَكْثَرُ.
وَرُبَّمَا قِيلَ: إِنَّ سُكُوتَ الرَّاوِي عَن تَثْنِيَةِ غَسْلِ الوَجْهِ وَاليَدَيْنِ لِاشْتِهَارِهَا بَيْنَ الأُمَّةِ وَشُيُوعِ اسْتِحْبَابِهَا كَالسُّكُوتِ عَن تَثْلِيثِ المَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ.
وَفِيهِ: أَنَّ شُيُوعَ اسْتِحْبَابِهَا إِلَى هَذَا الحَدِّ مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وَالشَّيْخُ الصَّدُوقُ مُصِرٌّ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِحْبَابِ، وَرَوَى فِي كِتَابِ مَن لَا يَحْضُرُهُ الفَقِيهُ عَنِ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «وَاللهِ مَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مَرَّةً مَرَّةً»(1)وَحَمَلَ الأَخْبَارَ المُتَضَمِّنَةَ لِلْمَرَّتَيْنِ عَلَى التَّجْدِيدِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ الجَلِيلُ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الكُلَيْنِيُّ بَعْدَ مَا رَوَى أَنَّ وُضُوءَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا كَانَ إِلَّا مَرَّةً مَرَّةً: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الوُضُوءَ مَرَّةً مَرَّةً، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ كِلَاهُمَا طَاعَةُ اللهِ أَخَذَ بِأَحْوَطِهِمَا وَأَشَدِّهِمَا عَلَى بَدَنِهِ(2). اِنْتَهَى كَلَامُهُ.
فَبَعْدَ مُنَازَعَةِ مِثْلِ هَذَيْنِ الشَّيْخَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ الجَلِيلَيْنِ فِي اسْتِحْبَابِ التَّثْنِيَةِ كَيْفَ يُدَّعَى أَنَّ سُكُوتَ الرَّاوِي عَن ذِكْرِهَا لِاشْتِهَارِهَا بَيْنَ الأُمَّةِ وَ شُيُوعِ اسْتِحْبَابِهَا؟ وَتَحْقِيقُ المَقَامِ يَقْتَضِي بَسْطاً فِي الكَلَامِ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّهُ.
[ فِي بَيَانِ مِقْدَارِ مَاءِ الوُضُوءِ ]
اسْتَفَادَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «ائْتِنِي بِإِنَاءٍ مِن مَاءٍ أَتَوَضَّأْ لِلصَّلَاةِ» وَاسْتِنْجَائِهِ مِن ذَلِكَ المَاءِ أَنَّ مَاءَ الِاسْتِنْجَاءِ مَحْسُوبٌ مِن مَاءِ
الوُضُوءِ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ دُخُولَهُ فِي المُدِّ الَّذِي يَسْتَحِبُّ الوُضُوءَ بِهِ قَائِلًا: إِنَّ المُدَّ لَا يَكَادُ يَبْلُغُهُ الوُضُوءُ.
وَهَذَا الكَلَامُ لَا يَخْلُو مِن(1)بُعْدٍ، فَإِنَّ مَاءَ الوُضُوءِ المُسْبَغِ المُشْتَمِلِ عَلَى غَسْلِ اليَدَيْنِ أَوَّلًا وَتَثْنِيَةِ الغَسَلَاتِ الثَّلَاثِ وَالمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ اللَّذَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا بِثَلَاثَةِ أَكُفٍّ يَبْلُغُ المُدَّ بِغَيْرِ شَكٍّ، إِذِ المُدُّ لَا يَزِيدُ عَلَى مِائَتَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ دِرْهَماً شَرْعِيَّةً، وَهِيَ عَلَى مَا حَسَبْنَاهُ لَا يَكَادُ تَزِيدُ عَلَى رُبْعِ المُدِّ التَّبْرِيزِيِّ فِي زَمَانِنَا هَذَا. وَظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا القَدْرَ لَا يَفْضُلُ عَنْهُ شَيْءٌ عِنْدَ الإِتْيَانِ بِالمُسْتَحَبَّاتِ المَذْكُورَةِ قَطْعاً، بَلْ قَدْ يَتَرَاءَى عَدَمُ وَفَائِهِ بِهَا، فَكَيْفَ يَحْسَبُ مَاءَ الِاسْتِنْجَاءِ مِنْهُ؟
هَذَا وَاعْلَمْ أَنَّ أَمْرَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ابْنَهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِإِحْضَارِ المَاءِ يُعْطِي بِظَاهِرِهِ أَنَّ إِحْضَارَ المَاءِ لَيْسَ مِنَ الِاسْتِعَانَةِ المَكْرُوهَةِ فِي الوُضُوءِ، وَ لِهَذَا ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ إِحْضَارَ المَاءِ فِيهِ لَيْسَ اسْتِعَانَةً. وَ أَمَّا احْتِمَالُ كَوْنِ الأَمْرِ بِذَلِكَ لِبَيَانِ جَوَازِ الِاسْتِعَانَةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الكَرَاهَةِ فَلَا يَخْلُو مِنْ بُعْدٍ.
1) (م): عن.
*كيفية التيمم *
«... سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ: إِنَّ عَمَّاراً أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ فَتَمَعَّكَ كَمَا تَتَمَعَّكُ الدَّابَّةُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَ هُوَ يَهْزَأُ بِهِ: يَا عَمَّارُ تَمَعَّكْتَ كَمَا تَتَمَعَّكُ الدَّابَّةُ. فَقُلْنَا لَهُ: فَكَيْفَ التَّيَمُّمُ؟ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ فَوْقَ الكَفِّ قَلِيلًا».
تَهْذِيبُ الأَحْكَامِ: ج 1 ص 207 ح 1
وبالسند المتصل الى شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي، عن الشيخ الجليل عمدة الإسلام محمد بن محمد بن النعمان المفيد، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن داود بن النعمان قال:
سألت أبا عبدالله جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام عن التيّمّم، فقال: إنّ عمّاراً أصابته جنابة فتمعّك كما تتمعّك الدابّة. فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو يهزأ به: يا عمّار تتمعّكت كما تتمعّك الدابّة. فقلنا له: فكيف التيمّم؟ فوضع يديه على الأرض ثمّ رفعهما فمسح وجهه ويديه فوق الكفّ قليلاً(1).
ما لعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
فتمعّك كما تتمعّك الدابّة: أي تمرّغ وتقلّب في التراب، والمراد أنّه ماسّ التراب بجميع بدنه، فكأنّه لمّا رأى التيمّم في موضع
1) تهذيب الأحكام: ج 1 ص 207 ح 1.
الغسل ظنّ أنه مثله في استيعاب البدن.
وهو يهزأ به: الهزء بالضمّ السخرية والاستخفاف، يعدّى بالباء و «من»، يقال: هزأ به وهزأ منه. تتمعّكت كما تتمعّك الدابّة: إمّا استفهام إنكاري أو خبر أُريد به لازم معناه نحو: حفظت التوراة. والأوّل أنسب بقوله عليه السلام يهزأ به. فقلنا له فكيف التيمّم: هذا الكلام يحتمل وجهين: الأوّل: أن يكون قائله داود بن النعمان والمقول له الإمام عليه السلام، والتيمّم المذكور وقع منه عليه السلام.
الثاني: أن يكون قائل هذا القول الصحابة الذين كانوا حاضرين مع عمّار رضي الله عنه والمقول له الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم والإمام عليه السلام حكى كلامهم بلفظه، و إلّا فالسياق يقتضي فقالوا، وحينئذٍ يكون الضمير في وضع ورفع ومسح للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.
ويدلّ عليه ما رواه الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه، عن زرارة في الصحيح، عن الإمام أبي جعفر محمد بن عليّ الباقر عليهما السلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ذات يوم لعمّار في سفر له: يا عمّار بلغنا أنّك أجنبت فكيف صنعت؟ قال: تمرّغت يارسول الله في التراب. قال: فقال له: كذلك يتمرّغ الحمار، أفلا صنعت كذا، ثمّ أهوى بيديه الى الأرض فوضعهما على الصعيد ثمّ مسح جبينه بأصابعه وكفّيه احداهما بالأخرى ثمّ لم يُعِد ذلك(1).
ومارواه محيي السنّة من العامّة في كتاب المصابيح بهذا اللفظ: قال عمّار: كنّا في سريّة فأجنبت فصليّت، فذكرت للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: إنّما كان يكفيك هكذا فضرب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم
1) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 104.
بكفّيه الأرض ونفخ فيهما ثمّ مسح بهما وجهه وكفّيه(1)إنتهى.
وظنّي أنّ الحمل على الوجه الأوّل أوجه، إذ حمل لفظ «قلنا» على حكاية كلامهم بعيد جدّاً.
وفي صحيحة زرارة: فوضع أبو جعفر عليه السلام كفّيه على الأرض ثمّ مسح وجهه وكفّيه(2).
و دلالة ما رواه الصدوق على الوجه الثاني ممنوعة لاحتمال عود ضمير «أهوى» الى الإمام عليه السلام، وعلى تقدير عوده الى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يلزم عود تلك الضمائر إليه صلّى الله عليه وآله وسلّم أيضاً لجواز أن يكون النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بيّن لعمّار والإمام عليه السلام بيّن لداود بن النعمان.
إن قلت: احتياج عمّار ونظرائه من الصحابة الى مشاهدة التيمّم البياني غير بعيد بأن يكون وقوع هذه القصّة في مبدأ الإسلام وقبل نزول آية التيمّم واشتهار كيفيّته بين الأُمّة. أمّا احتياج داود بن النعمان الى مشاهدة كيفيّة التيمّم من الصادق عليه السلام فمستبعد جدّاً كيف والرجل معدود من أفاضل الرواة فكيف يخفى عليه التيمّم؟! فالحمل على صدور التيمّم الواقع في الحديث عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم متعيّن.
قلت: احتياج داود الى مشاهدة تيمّم الإمام عليه السلام لا يقصر عن احتياج عمّار الى التيمّم البياني، لأنّ الأُمّة مختلفون في كيفيّة التيمّم اختلافاً شديداً، فبعضهم أوجب مسح كلّ الوجه واليدين الى المرفقين، وبعضهم خصّ المسح ببعض الوجه واليدين من الزندين، وبعضهم جعله مطلقاً بضربة، وبعضهم جعله مطلقاً بضربتين، وبعضهم فضّل بالوضوء
والغسل، وبعضهم ثلث الضربات. فأراد داود أن يشاهد فعل الإمام عليه السلام ليفوز بالعيان ويحصل له كمال الاطمئنان.
[ في أنّ قول النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لعمّار لم يكن فيه استهزاء ]
قوله عليه السلام: «وهو يهزأ به» لا يخلو من إشكال، لأنّ الاستهزاء لا يليق بمنصب النبوّة، ألا ترى الى أنّ موسى عليه السلام لمّا قال له قومه: أتتخذُنا هُزُواً؟ قال: أعوذُ باللهِ أنْ أكونَ من الجاهِلينَ(1)وهذا يدلّ على أنّ الاستهزاء من عمل الجاهلين.
وعلى تقدير جواز صدور الاستهزاء عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم بالنسبة الى بعض الأفراد كيف يصدر ذلك عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم بالنسبة الى عمّار الذي هو من أعيان الصحابة وصفوتهم وأجلّائهم، ولم يزل صلّى الله عليه وآله وسلّم له مكرّماً موقّراً حتّى قال: «عمّار جلدة بين عيني، تقتله الفئة الباغية»(2).
وغاية ما يمكن أن يقال: إنّ الاستهزاء هنا ليس على معناه الحقيقي - أعني السخرية - بل المراد به نوع من المزاح والمطايبة، ولا بعد في صدور ذلك عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم بالنسبة الى عمّار ونظرائه، ويكون ذلك ناشئاً عن كمال اللطف بهم والمؤانسة معهم، فإنّ الإنسان لا يمازح غالباً إلّا من يحبّه، ولا قصور في المزاح بغير الباطل. فقد روي عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: «إنّي أمزح ولا أقول إلّا الحقّ»(3)وحديثه صلّى الله عليه وآله وسلّم مع العجوز التي سألته أن يدعو لها
[ في أنّ ضرب اليدين على الأرض هل هو جزء التيمّم أو لا؟ ]
ما تضمّنه هذا الحديث من التعبير بوضع اليدين على الأرض موجود في بعض الأحاديث، وفي أكثرها وقع التعبير بالضرب، وهو وضع خاصّ مع اعتماد، ولعلّه الأحوط. ولوالدي قدّس الله روحه فيه كلام أورده في شرح الرسالة.
وكيف كان فهل هو أوّل أفعال التيمّم بحيث يجب تقديم(3)النيّة عليه ومقارنتها له أو هو بمنزلة اغتراف الماء للطهارة المائيّة؟
ظاهر أكثر الأصحاب الأوّل.
والعلّامة في النهاية(4)على الثاني، وعبّر عن الضرب بنقل التراب ولم يجعله جزءاً من التيمّم كالاغتراف في الوضوء، بل هو عنده أمر واجب خارج عن ماهية التيمّم.
واعترضه شيخنا الشهيد(5)َ بأمرين:
الأوّل: أنّ الاغتراف غير معتبر لنفسه لسقوطه عند غمس الوجه اتفاقاً بخلاف الضرب فانّه معتبر لنفسه، ولهذا لو وضع جبهته على الأرض لم يجزِ.
1) انظر مناقب ابن شهرآشوب: ج 1 ص 148.
2) روي أنّ عجوزاً سألته صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يدعو لها بالجنّة، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم لها: أما علمت أنّ الجنّة لا تدخلها العجائز، فحصل للعجوز اضطراب، فقرأ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إنّا أنشأناهنّ إنشاءً فجعلناهنّ أبكاراً عُرُباً أتراباً) (منه دام ظلّه).
3) (م): تقدّم.
4) نهاية الأحكام: ج 2 ص 203.
5) ذكرى الشيعة: ص 107 س 34.
وفيه: إنّ هذا الفرق غير مضرّ للعلّامة وهو يقول بموجبه ويجعل نقل التراب شرطاً في الصحّة فتأمّل.
والثاني: أنّ تخلّل الحدث بين الاغتراف وغسل الوجه غير مضرّ بخلاف تخلّله بين الضرب ومسح الجبهة
وفيه: أنّه إن أراد أنّ تخلّله مضرّ عند القائلين بأنّ الضرب جزء من التيمّم فمسلّم ولا ينفعه، وإن أراد أنّه كذلك عند العلّامة فممنوع. كيف وقد صرّح طاب ثراه في النهاية(1)بأنّ تخلّله غير مضرّ.
واعلم أنّ العلّامة مع حكمه بعدم جزئية الضرب للتيمّم جوّز مقارنة نيّته له.
وفيه: أنّه يستلزم عدم مقارنتها لشيء من أجزائه، بل لأمر خارج عنه، ولا يرد مثله في مقارنة نيّة الوضوء لغسل اليدين والمضمضة والاستنشاق لأنّ كلّاً منها يصير حينئذٍ جزء الوضوء الكامل كما قالوه.
ولعلّ مراد العلّامة بنفي جزئية الضرب أنّه ليس جزءاً حتمياً أصلياً يتعيّن النيّة قبله كمسح الجبهة، بل إن قارن المكلّف النيّة به صار جزءاً وإلّا فلا، وحينئذٍ فلا فرق بين الضرب وغسل اليدين عنده كما لا يخفى.
ثمّ ما تضمّنه هذا الحديث من مسحه صلّى الله عليه وآله وسلّم وجهه يعطي بظاهره الاستيعاب، وهو مذهب عليّ بن بابويه(2)وفي الأخبار(3)ما يساعده. إلّا أنّ السيّد المرتضى رضي الله عنه نقل الإجماع على عدم وجوبه، ويعضده الأخبار الصحيحة الناطقة بمسح الجبهة(4)وبعضها بمسح الجبين(5).
وحكم المحقّق في المعتبر(1)بالتخيير بين مسح كلّ الوجه وبعضه يعني الجبهة، ونقله عن ابن أبي عقيل وكأنّه حمل عدم الوجوب في كلام المرتضى على عدم الوجوب الحتمي.
وأمّا استيعاب اليدين الى المرفقين فهذا الحديث الصحيح صريح في عدمه. وأوجبه عليّ بن بابويه(2)لوروده في بعض الأخبار(3). ولو قيل بالتخيير هنا أيضاً كالوجه لكان وجهاً.
[ في بيان أنّ الضربة الواحدة على الأرض في مطلق التيمّم كافٍ أم لا؟ ]
ظاهر هذا الحديث أنّه عليه السلام اكتفى بالضربة الواحدة. ولا ريب أنّ الكلام كان في تيمّم الجنب فإنّ عمّاراً كان جنباً، فهو حجّة من يجتزي بالضربة الواحدة كالمفيد(4)والمرتضى(5)رضي الله عنهما، و يعضده موثقة زرارة(6)وحسنة ابن أبي المقدام(7).
وأجاب العلّامة في المختلف عن الاحتجاج بهذا الحديث وأمثاله بأنّة لا دلالة فيه على أنّ التيمّم الذي وصفه الإمام عليه السلام بدل عن الوضوء أو الغسل وذكر قصّة عمّار لا يدلّ على إرادة بيان بدل الغسل لاحتمال ذكر القصّة ثمّ يُسئل عليه السلام عن كيفيّة التيمّم مطلقاً أو عن
1) المعتبر: ج 1 ص 386.
2) راجع مختلف الشيعة: ج 1 ص 434.
3) تهذيب الأحكام: ج 1 ص 207 ح 598 انظر المختلف: ج 1 ص 434.
4) ذكره العلّامة في المختلف: ج 1 ص 431.
5) جمل العلم والعمل المطبوعة في ضمن رسائل الشريف المرتضى: المجموعة الثالثة: ص 25.
6) تهذيب الأحكام: ج 1 ص 208 ح 6.
7) تهذيب الأحكام: ج 1 ص 212 ح 17.
كيفيّة التيمّم الذي هو بدل عن الوضوء(1). هذا كلامه.
ولا يخفى أنّه بعيد جدّاً، وسوق الكلام يأباه، وحديث قصّة عمّار الذي رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة - على ما تقدّم - صريح في كون التيمّم بدلاً عن الغسل وفي وحدة الضرب أيضاً، لأنّ في آخره: «ولم يعد ذلك» أي لم يعد ذلك الوضع. فمذهب المرتضى لا يخلو عن قوّة، و أحاديث التثنية يمكن حملها على الاستحباب جمعاً بين الأخبار، وهو خير من حملها على بدل الغسل. وأحاديث الوحدة على بدل الوضوء كما هو المشهور بين المتأخّرين، لأنّ في أحاديث الوحدة ماهو كالصريح في بدليّة الغسل. وحكاية مناسبة الوحدة للوضوء والتثنية للغسل لا تنهض دليلاً.
وأمّا ما رواه الشيخ(2)في الصحيح، عن زرارة، عن الإمام أبي جعفر محمد بن عليّ الباقر عليه السلام قال: قلت: كيف التيمّم؟ قال: هو ضرب واحد للوضوء والغسل من الجنابة، تضرب بيديك مرّتين ثمّ تنفضهما مرّة للوجه ومرّة لليدين(3)فلا دلالة فيه على التفصيل المشهور، وإن كان الشيخ في التهذيب والمحقّق في المعتبر(4)قد فهما منه ذلك، بل قد يدّعى دلالته على التثنية مطلقاً، ومن ثمّ احتجّ به ابن بابويه(5)على ذلك.
والحقّ أنّه مجمل بالنسبة الى ما ذهب إليه هذان الشيخان، فإنّ قوله عليه السلام: «هو ضرب واحد» يحتمل أن يكون معناه أنّه نوع واحد غير مختلف سواء كان عن الوضوء أو الغسل، ومجيء الضرب بمعنى النوع
والقسم في لسان الشرع شائع، كما يقال: الطهارة على ضربين مائيّة و ترابيّة. وحينئذٍ يُقرأ قوله عليه السلام «والغسل» بالجرّ عطفاً على الوضوء كما هو الظاهر، ويجعل جملة «تضرب بيديك الى آخره» مفسّرة للضرب الواحد.
ويحتمل أن يكون معناه أنّه ضربة واحدة على الأرض للوضوء و يجعل قوله عليه السلام «والغسل على الجنابة» ابتداء كلام إمّا برفع الغسل بالإبتداء على حذف مضاف، أي ويتتمّم الغسل، أو جرّه بلام محذوفة متعلّقة بتضرب كأنّه قال: «وتضرب بيديك للغسل من الجنابة» و يكون من عطف الفعليّة على الاسمية. والحديث على كلّ من هذين الحلّين لّامناص فيه عن ارتكاب خلاف الظاهر، إذ الظاهر من الضرب هو الضرب على الأرض، والظاهر أنّ الكلام من عطف المفرد على المفرد، وهذه التقديرات على خلاف الأصل.
ويخطر بالبال أنّه يمكن حمل الضرب على ماهو الظاهر من الضرب على الأرض، وقراءة الغسل بالجرّ عطفاً على الوضوء كما هو الظاهر أيضاً، ويكون المراد من قوله عليه السلام: «واحد» الوحدة النوعيّة لا العدديّة، أي أنّ الضرب على الأرض فيهما واحد غير مختلف، و حمل الوحدة على الوحدة النوعيّة(1)وإن كان فيه أدنى مخالفة للظاهر إلّا أنّها أقلّ من مخالفة الظاهر على الحلّين السابقين كما لا يخفى.
[ في أنّ علوق التراب في التيمّم شرط أم لا؟ ]
المشهور بين أصحابنا عدم اشتراط علوق التراب بشيء من الكفّين،
1) في هامش(م): يُستفاد من الحديث حينئذٍ تثنية الضرب مطلقاً كما فهم ابن بابويه رحمة الله عليه (منه دام ظلّه العالي).
واشترطه ابن الجنيد(1)وبعض العامّة.
و قد استدلّ الأصحاب على المشهور بالروايات المتضمّنة للنفض(2).
واستضعفه والدي طاب ثراه في شرح الرسالة(3)بأنّ الأجزاء الصغيرة الغبارية لا يتخلّص كلّها من اليدين بالنفض بل يبقى منها بقية كما تشهد به التجربة. ولعلّ النفض لما عساه يلصق بالكفّين من الأجزاء الترابية الكثيرة الموجبة لتشويه الوجه ويكون الغرض من النفض تقليلها، فلا دلالة للأمر بالنفض على عدم اشتراط العلوق، بل ربما يدلّ على اشتراطه فتأمّل(4).
ثمّ إنّه طاب ثراه مال الى تقوية ما استدلّ به ابن الجنيد من أنّ «من» في قوله تعالى: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه(5)ظاهرة في التبعيض، و جعل كونها لابتداء الغاية سمجاً بعيداً.
و قال: إنّ ما تضمنّه صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام(6)من إعادة ضمير «منه» في الآية الى التيمّم غير منافٍ للتبعيض الذي هو الظاهر، وجعل قوله عليه السلام في آخرها لأنّه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكفّين ولا يعلق ببعضها دالّاً على اشتراط العلوق. ولعلّ وجه الدلالة على ذلك أنّ هذه الرواية قد دلّت على أنّه سبحانه لمّا علم أنّ ذلك الصعيد لا يجري بأجمعه على الوجه لأنّه يعلق ببعض الكفّين ولا يعلق
ببعضها قال: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه). و من تأمل هذا الكلام و هذا التعليل حق التأمل (۱) علم إشعاره بوجوب العلوق، وظهر له أن التيمم الذي أعاد الإمام عليه السلام ضمير «منه» إليه المراد به التيمم به، فتأمل.
صلاة حماد بن عیسی
«... قال لي أبو عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام يوماً: يا حمّاد أتحسن أن تُصلّي؟
قال: فقلت: يا سيّدي أنا أحفظ كتاب حريز في الصلاة.
فقال: لا عليك يا حمّاد قم فصلِّ.
قال: فقمت بين يديه متوجّهاً الى القبلة، فاستفتحت الصلاة، فركعت وسجدت.
فقال عليه السلام: ياحمّاد لا تحسن أن تصلّي، ما أقبح بالرجل منكم تأتي عليه ستّون سنة أو سبعون سنة فلا يقيم صلاة واحدة بحدودها تامّة.
قال حمّاد: فأصابني في نفسي الذلّ. فقلت: جعلت فداك فعلّمني الصلاة...»
الکافي: ج 3 ص 311 ح 8 تهذيب الأحكام: ج 2 ص 81 ح 69
و بسنده المتصل الى شيخنا السعيد الشهيد محمد بن مكي قدّس الله روحه، قال: قرأت على شيخنا الشيخ الإمام فخر الدين بن مطهر دام فضله بداره بالحلة آخر نهار الجمعة ثالث جمادي الأول سنة ست و خمسين وسبعمائة، قال: قرأت على والدي جمال الدين، قال: حدثني والدي سدید الدین ، عن السيد رضي الدين بن طاووس، عن السيد شمس الدين فخّار، عن الشيخ محمد بن إدريس، عن الشيخ عربي بن مسافر العبادي، عن الياس بن هشام الحائري، عن الشيخ أبي علي المفيد، عن والده الشيخ أبي جعفر الطوسي، عن الشيخ أبي عبدالله المفيد محمد بن محمد بن النعمان، عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى قال:
قَالَ لِي أَبُو عَبْدِاللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْماً: يَا حَمَّادُ أَتُحْسِنُ أَنْ تُصَلِّيَ؟
قَالَ: فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي أَنَا أَحْفَظُ كِتَابَ حَرِيزٍ فِي الصَّلَاةِ.
فَقَالَ: لَا عَلَيْكَ يَا حَمَّادُ قُمْ فَصَلِّ.
قَالَ: فَقُمْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَوَجِّهاً إِلَى الْقِبْلَةِ، فَاسْتَفْتَحْتُ الصَّلَاةَ، فَرَكَعْتُ وَسَجَدْتُ.
فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا حَمَّادُ لَا تُحْسِنُ أَنْ تُصَلِّيَ،
مَا أَقْبَحَ بِالرَّجُلِ مِنْكُمْ تَأْتِي عَلَيْهِ سِتُّونَ سَنَةً أَوْ سَبْعُونَ سَنَةً فَلَا يُقِيمُ صَلَاةً وَاحِدَةً بِحُدُودِهَا تَامَّةً.
قَالَ حَمَّادٌ: فَأَصَابَنِي فِي نَفْسِي الذُّلُّ. فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ فَعَلِّمْنِي الصَّلَاةَ.
فَقَامَ أَبُو عَبْدِاللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ مُنْتَصِباً، فَأَرْسَلَ يَدَيْهِ جَمِيعاً عَلَى فَخِذَيْهِ قَدْ ضَمَّ أَصَابِعَهُ وَفَرَّقَ بَيْنَ قَدَمَيْهِ حَتَّى كَانَ بَيْنَهُمَا قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مُنْفَرِجَاتٍ، وَاسْتَقْبَلَ بِأَصَابِعِ رِجْلَيْهِ(1)الْقِبْلَةَ لَمْ يُحَرِّفْهَا عَنِ الْقِبْلَةِ، فَقَالَ بِخُشُوعٍ: «اللَّهُ أَكْبَرُ». ثُمَّ قَرَأَ الْحَمْدَ بِتَرْتِيلٍ وَ«قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» ثُمَّ صَبَرَ هُنَيْئَةً بِقَدْرِ مَا يَتَنَفَّسُ وَهُوَ قَائِمٌ. ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حِيَالَ وَجْهِهِ وَ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ» وَ هُوَ قَائِمٌ. ثُمَّ رَكَعَ وَمَلَأَ كَفَّيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ مُنْفَرِجَاتٍ، وَ رَدَّ رُكْبَتَيْهِ إِلَى خَلْفِهِ، ثُمَّ سَوَّى ظَهْرَهُ حَتَّى لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ قَطْرَةٌ مِنْ مَاءٍ أَوْ دُهْنٍ لَمْ تَزَلْ لِاسْتِوَاءِ ظَهْرِهِ، وَمَدَّ عُنُقَهُ وَ غَمَّضَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ سَبَّحَ ثَلَاثاً بِتَرْتِيلٍ فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ». ثُمَّ اسْتَوَى قَائِماً فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنَ الْقِيَامِ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» ثُمَّ كَبَّرَ وَ هُوَ قَائِمٌ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حِيَالَ وَجْهِهِ. ثُمَّ سَجَدَ وَبَسَطَ كَفَّيْهِ مَضْمُومَتِي الْأَصَابِعِ بَيْنَ يَدَيْ رُكْبَتَيْهِ حِيَالَ وَجْهِهِ فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَبِحَمْدِهِ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَلَمْ
1) (م): رجليه جميعاً.
يَضَعُ شَيْئاً مِنْ جَسَدِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ، وَسَجَدَ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَعْظُمٍ: الْكَفَّيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَ أَنَامِلِ إِبْهَامِي الرَّجْلَيْنِ، وَالْجَبْهَةِ، وَالْأَنْفِ، وَقَالَ: سَبْعَةٌ مِنْهُنَّ فَرْضٌ يَسْجُدُ عَلَيْهَا وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً وَهِيَ الْجَبْهَةُ وَالْكَفَّانِ وَالرُّكْبَتَانِ وَالْإِبْهَامَانِ، وَ وَضْعُ الْأَنْفِ عَلَى الْأَرْضِ سُنَّةٌ. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، فَلَمَّا اسْتَوَى جَالِساً قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ». ثُمَّ قَعَدَ عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ وَقَدْ وَضَعَ قَدَمَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى بَطْنِ قَدَمِهِ الْأَيْسَرِ وَقَالَ: «أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ رَبِّي وَأَتُوبُ إِلَيْهِ». ثُمَّ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ وَسَجَدَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ، وَقَالَ كَمَا قَالَ فِي الْأُولَى، وَلَمْ يَضَعْ شَيْئاً مِنْ بَدَنِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ فِي رُكُوعٍ وَلَا سُجُودٍ، وَكَانَ مُجَنِّحاً، وَلَمْ يَضَعْ ذِرَاعَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ عَلَى هَذَا وَيَدَاهُ مَضْمُومَتَا الْأَصَابِعِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي التَّشَهُّدِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ التَّشَهُّدِ سَلَّمَ وَقَالَ: يَا حَمَّادُ هَكَذَا صَلِّ(1).
ما لعله يحتاج الى البيان في هذا الحديث
يا حمّاد أتحسن أن تصلّي : هو حمّاد بن عيسى الجهني، منسوب الى جُهينة - بضمّ الجيم - قبيلة، وهو من ثقاة أصحابنا، لقي
1) الكافي: ج 3 ص 311 ح 8، تهذيب الأحكام: ج 2 ص 81 ح 69.
الصادق والكاظم والرضا عليهم السلام، و دعا له الكاظم عليه السلام بالدار والزوجة والولد والخادم والحجّ خمسين حجّة، فنال كلَّ ذلك. ولما أراد أن يحجَّ الحادية والخمسين غرق في الجُحفة حين أراد غسل الإحرام و كان عمره نيفاً و سبعين سنة.
أنا أحفظ كتاب حريز : بالحاء المهملة و آخره زاي، وهو حريز ابن عبدالله السجستاني، أصله كوفي وسافر الى سجستان كثيراً فعرف بها، وهو من أصحاب الصادق عليه السلام، ثقة، صنّف كتباً.
لا عليك : «لا» نافية للجنس، وحذف اسمها في أمثال هذا مشهور، أي لا بأس عليك.
ما أقبح بالرجل منكم : فَصَلَ عليه السلام بين فعل التعجّب و معموله. وهو مختلف فيه بين النحاة، فمنعه الأخفش والمبرّد، وجوّزه المازني والفرّاء بالظرف، ناقلاً عن العرب أنهم يقولون: «ما أحسن بالرجل أن يصدق». وصدوره عن الإمام عليه السلام من أقوى الحجج على جوازه.
و «منكم»: حال من «الرجل» أو وصف له، فإنّ لامه جنسية.
والمراد: ما أقبح بالرجل من الشيعة أو من صلحائهم.
بحدودها تامّة : بحدودها متعلّق بيقيم، وتامّة إمّا حال من حدودها أو نعت ثانٍ ل-«صلاة».
فقال بخشوع : أي بتذلّل وخوف وخضوع. وبذلك فُسِّر الخشوع في قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(1).
وفي الصحاح: خشع ببصره: أي غضَّه(2).
وروى الشيخ الجليل أبو علي الطبرسي في كتاب مجمع البيان عن
النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنه رأى رجلاً يعبث بلحيته في صلاته فقال: «أما إنَّه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه».
ثمّ قال الشيخ أبو عليٍّ: في هذا دلالة على أنَّ الخشوع في الصلاة يكون بالقلب وبالجوارح.
فأمّا بالقلب فهو أن يفرغ قلبه بجمع الهمّة لها والإعراض عمّا سواها فلا يكون فيه غير العبادة و المعبود(1).
وأمّا بالجوارح فهو غضّ البصر والإقبال عليها وترك الإلتفات والعبث(2).
ثمّ قرأ الحمد بترتيل : الترتيل التأني وتبيين الحروف بحيث يتمكَّن السامع من عدِّها، مأخوذ من قولهم ثغر رَتِل ومرتَّل إذا كان مفلجاً، وبه فسّر في قوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا(3).
وعن أميرالمؤمنين عليه السلام أنَّه حفظ الوقوف وبيان الحروف(4)أي مراعاة الوقف التامّ والحسن(5)، والإتيان بالحروف على الصفات المعتبرة م-ن الهمس والجهر والاستعلاء والإطباق والغُنَّة وأمثالها. والترتيل بكلٍّ من هذين التفسيرين مستحبٌّ.
ومن حمل الأمر في الآية على الوجوب فسَّر الترتيب بإخراج
1) (م): عبادة المعبود.
2) مجمع البيان: ج 7 - 8 ص 99 في ذيل تفسير الآية (2) من سورة المؤمنون.
3) المزّمّل: 4.
4) قريب منه ما في جوامع الجامع: ص 515.
5) في هامش (م): الوقف التامّ هو الذي لايكون للكلام قبله تعلّق بما بعده لفظاً ولا معنى، والحسن هو الذي يكون له تعلّق لفظاً لا معنىً، وفي الفاتحة أربعة وقوف توام: على البسملة و مالك يوم الدين ونستعين والضالين، وعشرة حسنة: على بسم الله وعلى الرحمن وعلى الرحيم وعلى العالمين وعلى الرحمن وعلى الرحيم أيضاً وعلى نعبد وعلى المستقيم وعلى أنعمت عليهم وعلى غير المغضوب عليهم.
الحروف من مخارجها على وجه يتميّز ولا يندمج بعضها في بعض.
هنيئة: بالتصغير أي لمحة قليلة. بقدر ما يتنفّس: على البناء للمفعول. حيال وجهه: أي بإزائه. والمراد أنّه عليه السلام لم يرفع يديه بالتكبير أزيد من محاذاة وجهه. وملأ كفّيه من ركبتيه: أي ماسهما بكلّ كفّيه ولم يكتف بوضع أطرافها، والظاهر أنّ المراد بالكفّ هنا ما يشمل الأصابع، وأنّ الانحناء الى أن تصل الأصابع الى الركبتين هو الواجب والزائد مستحبّ. و يدلّ عليه حديث زرارة. فقال سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ: سبحان مصدر كغفران بمعنى التنزيه، ولا يكاد يُستعمل إلّا مضافاً منصوباً بفعل مضمر كمعاذ الله. فمعنى سُبْحَانَ رَبِّي: أُنزّهه تنزيهاً عمّا لا يليق بجناب قدسه وعزّ جلاله.
وهو مضاف الى المفعول. وربّما جوّز كونه مضافاً الى الفاعل بمعنى التنزّه.
والواو في «وبحمده» إمّا حالية أو عاطفة، والتقدير: وأنا متلبّس بحمده على التوفيق لتنزيهه والتأهيل لعبادته، كأنّه لمّا أسند التسبيح الى نفسه أوهم ذلك تبجّحاً فعقّب بهذه الجملة الحالية ليزول على قياس ماقيل في إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: ضُمّن «سمع» معنى استجاب فُعَدّي باللام كما ضُمّن معنى الإصغاء فعدّي ب-«الى» في قوله تعالى:
لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى(1). بین يدي ركبتيه: أي قدّامهما وقريباً منهما، وقد تقدّم الكلام على هذا اللفظ في الحديث الثالث. وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ: تفسير المساجد بالأعضاء السبعة التي يُسجد عليها هو المشهور بين المفسّرين. والمروي عن أبي جعفر محمد بن عليّ بن موسى عليه السلام أيضاً حين سأله المعتصم عن هذه الآية: فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا: «فلا تشركوا معه غيره في سجودكم عليها»(2).
وأمّا ماقاله بعض المفسّرين من أنّ المراد بها المساجد المشهورة فلا تعويل عليه بعد التفسير المروي عن الإمامين عليهما السلام(3).
وكان مجنّحاً: بالجيم والنون المشدّدة والحاء المهملة، أي رافعاً مرفقيه عن الأرض حال السجود جاعلاً يديه كالجناحين. فقوله: «ولم يضع ذراعيه على الأرض» عطف تفسير.
[ في الفرق بين الرجل والمرأة في الآداب المذكورة ]
ما تضمنّه هذا الحديث من الأفعال مشترك بين الرجل والمرأة سوى أمور يسيرة تختصّ بالرجل، وهي ستة:
الأوّل: إرسال اليدين حال القيام، فإنّ المستحبّ لها وضع كلّ يد على الثدي المحاذي لها.
الثاني: التفريق بين القدمين، فإنّ المستحبّ لها جمعهما.
1) فاطر: 8
الثالث: التجافي المعبَّر عنه بقوله: «ولم يضع شيئاً من بدنه على شيء منه» فإنَّ المستحبَّ لها تركه.
الرابع: التجنُّح، فإنَّ المستحبَّ لها تركه.
الخامس: التورُّك بين السجدتين، فإنَّ المستحبَّ للمرأة ضمُّ فخذيها و رفع ركبتيها.
السادس: وضع اليدين على الركبتين فإنَّها تضعهما فوق ركبتيها لرواية زرارة(1)ولكن تجب عليها أن تنحني قدر ما ينحني الرجل.
واحتمل بعض أصحابنا اجتزائها بدون انحناء الرجل بأن يكون الواجب عليها أن تنحني أن تصل يداها الى فخذيها فوق ركبتيها كما تشعر به الرواية، فإنَّها معلَّلة بقوله عليه السلام: «لِئَلَّا تَتَطَأْطَأَ كَثِيرًا فَتَرْتَفِعَ عَجِيزَتُهَا» وهذا الاحتمال غير بعيد.
وما تضمَّنه الخبر من تغميضه عليه السلام عينيه حال ركوعه ينافي ماهو المشهور بين الأصحاب من استحباب نظر المصلّي حال ركوعه الى مابين قدميه كما يدلّ عليه خبر زرارة(2).
والشيخ في النهاية(3)عمل بالخبرين معاً وجعل التغميض أفضل من النظر الى مابين الرجلين.
والمحقّق في المعتبر(4)عمل بخبر حمّاد.
وشيخنا الشهيد في الذكرى(5)جمع بين الخبرين بأنَّ الناظر الى مابين قدميه تقرب صورته من صورة المغمّض. وهو جمع بعيد.
والتخيير بين التغميض والنظر الخاصّ لا يخلو من وجه.
[ الفرق بين السجود على الأنف والإرغام ]
ما تضمنّه هذا الحديث من سجوده عليه السلام على الأنف الظاهر أنّه سنّة مغايرة للإرغام المستحبّ في السجود، فإنّه وضع الأنف على الرغام - بفتح الراء - وهو التراب، والسجود على الأنف كما روي عن عليّ عليه السلام «لَا تَجْزِي صَلَاةٌ لَا يُصِيبُ الْأَنْفُ مَا يُصِيبُ الْجَبِينَ»(1)يتحقّق بوضعه على ما يصحّ السجود عليه وان لم يكن تراباً.
وربّما قيل: الإرغام يتحقّق بملاصقة الأنف للأرض وإن لم يكن معه اعتماد. ولهذا فسّره بعض علمائنا بمماسة الأنف التراب، والسجود يكون معه اعتماد في الجملة فبينهما عموم من وجه.
وفي كلام شيخنا الشهيد ما يُعطي أنّ الإرغام والسجود على الأنف أمر واحد، مع أنّه عدّ في بعض مؤلّفاته كلّاً منهما سنّة على حدة.
ثمّ على تفسير الإرغام بوضع الأنف على التراب هل تتأدّى سنّة الإرغام بوضعه على مطلق ما يصحّ السجود عليه و ان لم يكن تراباً؟ حكم بعض أصحابنا بذلك وجَعَلَ التراب أفضل. وفيه ما فيه، فليتأمّل(2).
[ حكم تكرار قراءة سورة التوحيد في صلاة واحدة ]
ظاهر قول الراوي: «فصلَّى ركعتين» على هذا يُعطي أنّه عليه السلام
قرأ سورة التوحيد في الركعة الثانية أيضاً، وهو ينافي ماهو المشهور بين أصحابنا من استحباب مغايرة السورة في الركعتين وكراهة تكرار الواحدة فيهما إلّا إذا أحسن غيرها، كما رواه عليّ بن جعفر عن أخيه الإمام موسى بن جعفر عليه السلام(1).
و يؤيّده ما مال إليه بعضهم من استثناء سورة الإخلاص من هذا الحكم. وهو جيّد. ويعضده ما رواه زرارة عن أبي جعفر عليه السلام من أنّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم صلَّى ركعتين وقرأ في كلّ منهما قل هو الله أحد(2). وكون ذلك لبيان الجواز بعيد.
ولعلَّ استثناء سورة الإخلاص من بين السور واختصاصها بهذا الحكم لما فيها من مزيد الشرف والفضل.
فقد روى الشيخ الصدوق عن أبي عبدالله عليه السلام أنّه قال: «مَنْ مَضَى عَلَيْهِ يَوْمٌ وَاحِدٌ فَصَلَّى فِيهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ وَلَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِ- قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ قِيلَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَسْتَ مِنَ الْمُصَلِّينَ»(3).
و روى الشيخ أبو علي الطبرسي في تفسيره، عن أبي الدرداء، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنّه قال: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ؟ قُلْتَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: اقْرَأُوا قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»(4).
وقد ذكر بعض العلماء في وجه معادلة هذه السورة لثلث القرآن كلاماً حاصله: أنّ مقاصد القرآن الكريم ترجع عند التحقيق الى ثلاثة معانٍ: معرفة الله تعالى، ومعرفة السعادة والشقاوة الأخروية، والعلم بما
يوصل الى السعادة و يُبعد عن الشقاوة. وسورة الإخلاص تشتمل على الأصل الأوَّل وهو معرفة الله تعالى وتوحيده وتنزيهه عن مشابهة الخلق بالصمدية ونفي الأصل والفرع والكفوء؛ وكما سُمِّيت الفاتحة أُمَّ القرآن لاشتمالها على تلك الأُصول الثلاثة عادلت هذه السورة ثلث القرآن لاشتمالها على واحد من تلك الأُصول. والله أعلم.
«... قال النبيِّ صلَّى الله عليه وآله و سلَّم يوماً لأصحابه: مَلْعُونٌ كُلُّ مَالٍ لَا يُزَكَّى؛ مَلْعُونٌ كُلُّ جَسَدٍ لَا يُزَكَّى، وَلَوْ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْماً مَرَّةً.
فقيل: يا رسول الله أمّا زكاة المال فقد عرفناها فما زكاة الأجساد؟
فقال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لهم: أَنْ تُصَابَ بِآفَةٍ.
فقال: فتغيّرت وجوه الذين سمعوا ذلك منه.
قال: فلمّا رآهم قد تغيّرت ألوانهم قال لهم: هَلْ تَدْرُونَ مَا عَنَيْتُ بِقَوْلِي؟
قالوا: لا يا رسول الله.
قال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: بَلَى، الرَّجُلُ يُخْدَشُ الْخَدْشَةَ، وَ يَنْكَبُ النَّكْبَةَ، وَ يَعْثُرُ الْعَثْرَةَ، وَ يَمْرَضُ الْمَرْضَةَ، وَ يُشَاكُ الشَّوْكَةَ، وَ مَا أَشْبَهَ هَذَا حَتَّى ذَكَرَ فِي حَدِيثِهِ اخْتِلَاجَ الْعَيْنِ».
الكافي: ج 2 ص 58 ح 29
وبالسند المتصل الى الشيخ الجليل محمد بن يعقوب الكليني، عن عليّ بن ابراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال:
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَوْماً لِأَصْحَابِهِ: مَلْعُونٌ كُلُّ مَالٍ لَا يُزَكَّى؛ مَلْعُونٌ كُلُّ جَسَدٍ لَا يُزَكَّى، وَلَوْ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْماً مَرَّةً.
فقيل: يا رسول الله أمّا زكاة المال فقد عرفناها فما زكاة الأجساد؟
فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ: أَنْ تُصَابَ بِآفَةٍ.
فقال: فتغيّرت وجوه الذين سمعوا ذلك منه.
قَالَ: فَلَمَّا رَآهُمْ قَدْ تَغَيَّرَتْ أَلْوَانُهُمْ قَالَ لَهُمْ: هَلْ تَدْرُونَ مَا عَنَيْتُ بِقَوْلِي؟
قالوا: لا يا رسول الله.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: بَلَى، الرَّجُلُ يُخْدَشُ الْخَدْشَةَ، وَ يَنْكَبُ النَّكْبَةَ، وَ يَعْثُرُ الْعَثْرَةَ، وَ يَمْرَضُ الْمَرْضَةَ، وَ يُشَاكُ الشَّوْكَةَ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا
حَتَّى ذَكَرَ فِي حَدِيثِهِ اخْتِلَاجَ الْعَيْنِ(1).
ما لعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
مَلْعُونٌ كُلُّ مَالٍ لَا يُزَكَّى: أي بعيد عن الخير والبركة، يعني لا خير لصاحبه ولا بركة. ويجوز أن يراد: ملعون صاحبه على حذف مضاف أي مطرود بعيد عن رحمة الله تعالى. وقس عليه قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم «مَلْعُونٌ كُلُّ جَسَدٍ لَا يُزَكَّى».
وذكر الزكاة هنا من باب المشاكلة؛ ويجوز أن يكون استعارة تبعيّة، و وجه الشبه أنّ كلّ منهما وإن كان نقصاً بحسب الظاهر إلّا أنّه موجب لمزيد الخير والبركة في نفس الأمر.
فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ: لأنّهم ظنّوا أنّ مراده صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بالآفة: العاهة والبلية الشديدة التي كثيراً ما يخلو عنها الإنسان سنين عديدة فضلاً عن أربعين يوماً. يُخْدَشُ الْخَدْشَةَ: يُخدش بالبناء للمفعول، و كذا يُنكب. والخدشة: تفرّق اتصال في الجلد من ظفر ونحوه، سواء خرج معه دم أو لا. وَ يَعْثُرُ الْعَثْرَةَ: المراد بها عثرة الرجل. ويجوز أن يراد بها ما يعمّ عثرة اللسان أيضاً. لكنّه بعيد. وَ يُشَاكُ الشَّوْكَةَ: يقال: شاكته الشوكة، تشوكه، شاكةً وشيكةً إذا دخلت في جسده. وانتصاب الشوكة بالمفعولية المطلقة كانتصاب الخدشة والنكبة والعثرة.
1) الكافي: ج 2 ص 258 ح 26 باب شدّة ابتلاء المؤمن.
فإن قلت: تلك مصادر بخلاف الشوكة، فكيف يكون مفعولاً مطلقاً؟
قلت: قد يجيء المفعول المطلق غير المصدر إذا لابس المصدر بالآلية ونحوها نحو: ضربته سوطاً. و إن أبيت فاجعل انتصابها بنزع الخافض، أي يشاك بالشوكة.
وَمَا أَشْبَهَ هَذَا: يحتمل أن يكون من كلام النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وأن يكون من كلام الراوي. اخْتِلَاجَ الْعَيْنِ: عدَّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من جملة الآفات لأنَّ الاختلاج مرض من الأمراض، وقد ذكره الأطباء. وهو حركة سريعة متواترة غير عادية تعرض لجزء من البدن كالجلد ونحوه بسبب رطوبة غليظة لزجة تنحلّ فتصير ريحاً بخارياً غليظاً يعسر خروجه من المسام، و تزاول الدافعة دفعة فيقع بينهما مدافعة واضطراب.
«...قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ خَطَبَنَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللهِ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ، وَ أَيَّامُهُ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ، وَ لَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي، وَ سَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ. هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ، وَ جُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَتِهِ. أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ، وَ نَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ، وَ عَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَ دُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ. فَاسْأَلُوا اللهَ رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ وَ قُلُوبٍ طَاهِرَةٍ أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ، وَ تِلَاوَةِ كِتَابِهِ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ...».
عيون أخبار الرضا: ج 1 ص 297 باب 28، أمالي الصدوق: المجلس 20 ص 82
و بالسند المتصل الى الشيخ الجليل ثقة الإسلام محمد بن بابويه، عن أحمد بن الحسن بن القطان، عن أحمد بن محمد بن محمد بن السعيد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام، عن أبيه الكاظم موسى بن جعفر، عن أبيه الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه الباقر محمد بن علي، عن أبيه زين العابدين علي بن الحسين، عن أبيه سيد الشهداء الحسين بن علي، عن أبيه سيد الوصيين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام قال:
إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ خَطَبَنَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللهِ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ، وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ، وَلَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي، وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ. هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ، وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَتِهِ. أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ، وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ، وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ. فَاسْأَلُوا اللهَ رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ، وَتِلَاوَةِ كِتَابِهِ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ. وَاذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ وَ
عطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه. وتصدّقوا على فقرائكم و مساكينكم، و وقّروا كباركم، وارحموا صغاركم، و صلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، و غضّوا عمّا لا يحلّ النّظر إليه أبصاركم، وتحنّنوا على أيتام الناس يُتحنّن على أيتامكم، وتوبوا الى الله من ذنوبكم، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلواتكم، فإنّها أفضل الساعات، ينظر الله تعالى فيها بالرحمة الى عباده، يجيبهم إذا ناجوه، ويلبّيهم إذا نادوه، ويستجيب لهم إذا دعوه.
أيّها الناس إنّ أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكّوها باستغفاركم، وظهوركم ثقيلة من أوزاركم فخفّفوا عنها بطول سجودكم، واعلموا أنّ الله تعالى جلّ ذكره أقسم بعزّته أن لا يعذّب المصلّين والساجدين، ولا يروّعهم بالنار يوم يقوم الناس لربّ العالمين.
أيّها الناس من فطّر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق رقبة، ومغفرة لما مضى من ذنوبه.
فقيل: يا رسول الله وليس كُلُّنا يقدر على ذلك.
فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشُرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ.
أيّها الناس مَن خفّف منكم في هذا الشهر عمّا ملكت يمينه خفّف الله عليه حسابه، و من كفّ فيه
شرّه كفّ الله عنه غضبه يوم يلقاه، ومن أكرم فيه يتيماً أكرمه الله يوم يلقاه، و من وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه، و من قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه ، و مَن تطوّع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار، ومَن أدّى فيه فرضاً كان له ثواب من أدّى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور، ومَن أكثر فيه الصلاة عليّ ثقّل الله ميزانه يوم تخفّف الموازين، ومن تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم فيه القرآن في غيره من الشهور.
أيّها الناس أبواب الجنان في هذا الشهر مفتّحة فاسألوا ربّكم أن لايغلقها عليكم، وأبواب النيران مغلقة فاسألوا ربّكم أن لايفتحها عليكم ، والشياطين مغلولة فاسألوا ربّكم أن لايسلّطها عليكم.
قال أميرالمؤمنين عليه الصلاة والسلام: فقمت و قلت: يارسولالله ماأفضل الأعمال في هذا الشهر؟
فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْوَرَعُ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ عَزَّوَجَلَّ ، ثمّ بكىٰ.
فقلت: ما يبكيك يارسول الله؟
فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَبْكِي لِمَا يُسْتَحَلُّ مِنْكَ فِي هَذَا الشَّهْرِ، كَأَنِّي بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي لِرَبِّكَ وَقَدِ انْبَعَثَ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ شَقِيقُ عَاقِرِ
ناقة ثمود يضربك ضربة على قرنك فخضّب منه لحيتك.
فقلت: يا رسول الله وذلك في سلامة من ديني؟
فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: فِي سَلَامَةٍ مِنْ دِينِكَ.
ثمّ قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: يَا عَلِيُّ مَنْ قَتَلَكَ فَقَدْ قَتَلَنِي، وَمَنْ أَبْغَضَكَ فَقَدْ أَبْغَضَنِي لِأَنَّكَ مِنِّي كَنَفْسِي، وَ طِينَتُكَ مِنْ طِينَتِي، وَ أَنْتَ وَصِيِّي وَخَلِيفَتِي عَلَى أُمَّتِي (1).
ما لعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
خطبنا ذات يوم: ضمّن عليه السلام «خطبنا» معنى وعظنا، فعدّاه تعديته، و إلّا فخطب هنا لازم بمعنى النطق بالخطبة، وكما يضمّن المتعدّي بنفسه معنى المتعدّي بحرف فيعدّى به كذلك قد يضمّن اللازم معنى المتعدّي فيتعدّى بنفسه كما نحن فيه، ومنه قوله تعالى: وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ (2)قالوا: إنّه ضمّن معنى تنووا فعدّي بنفسه، و إلّا فهو يتعدّى بعلى. واليوم الذي أبهمه عليه السلام بقوله «ذات يوم» في بعض الروايات أنّه كان آخر جمعة من شعبان.
وعطف «فقال» على «خطبنا» بالفاء التعقيبية مع أنّه لاتعقيب بين الخطبة والقول إمّا على تأويل أراد أن يخطبنا كما قالوه في قوله تعالى:
كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (1)من أنّه بتأويل أردنا إهلاكها، أو على ماذكره بعض المحقّقين من النحاة من أنّ التعقيب في الفاء على نوعين: حقيقي معنوي نحو: جاء زيد فعمر، و مجازي ذكري وهو عطف مفصّل على مجمل كقوله تعالى: وَنَادَىٰ نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَتْ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي (2)ونحو قولك: توضّأت فغسلت وجهي ويديَّ و مسحت رأسي و رجلي، فإنّ التفصيل حقّه أن يتعقّب الإجمال. إنّه قد أقبل إليكم شهر الله: تأكيد الحكم ب-«انّ» مع أنّ قرب شهر رمضان ممّا لاينكره المخاطب ولايتردّد فيه لعلّه من إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر بجعل غير المنكر كالمنكر إذا لاح عليه شيء من أمارات الإنكار، كقوله: «إنّ بني عمّك فيهم رماح» فالمخاطبون كأنّهم لمّا لم يستعدّوا ولم يتهيّأوا لدخوله بالخروج من المظالم والتبعات وتهيئة الأقوات لتفطير الصائمين والصدقات ولم يحصل لهم الفرح والاستبشار بإقبال هذا الشهر العظيم الذي يغفر فيه الخطيئات وتستجاب فيه الدعوات جُعلوا كأنّهم منكرون لإقباله عليهم فخوطبوا خطاب المنكر، مع المبالغة في التأكيد بالإبهام بضمير الشأن ثمّ التفسير بقد التحقيقية. ولايبعد كون التأكيد جارياً على مقتضى الظاهر نظراً الى أنّ الحكم ليس مجرّد إقبال الشهر، بل هو إقباله مصاحباً للبركة والرحمة والمغفرة.
ولعلّ هذا الحكم المقيد ممّا يشكّ فيه بعض الحاضرين أو ينكره بعض المنافقين فخطابهم جميعاً بالحكم المؤكّد من قبيل تغليب المتّصف بأمر على غير المتّصف به.
و إسناد الإقبال الى الشهر مجاز عقلي. و لك أن تجعل التجوّز في الطرف لا في النسبة، إمّا في المسند بجعل الإقبال مجازاً عن القرب أو في
المسند اليه على طريقة الاستعارة بالكناية.
ويمكن طيّ الكشح عن التجوّز في المفرد بأن يعتبر تشبيه التلبّس الغير الفاعلي بالتلبّس الفاعلي و يستعمل فيه اللفظ الموضوع لإفادة التلبّس الفاعلي فيصير الكلام استعارة تمثيلية كما في: أراك تقدّم رجلاً و تؤخّر أخرى.
و إضافة «الشهر» الى «الله تعالى» لعلّه لمزيد الاختصاص المفهوم ممّا نطق به الحديث القدسي الذي رواه العامة والخاصة: «إنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ الصَّوْمَ لِي وَأَنَا أَجْزِي عَلَيْهِ» (1).
و إمّا إشعار بأنّ رمضان من أسمائه تعالى كما رواه الشيخ الجليل قدوة المحدّثين محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه في كتاب الكافي، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن أبي نصر، عن هشام بن سالم، عن سعد بن سالم قال: كنّا عند أبي جعفر محمد بن عليّ الباقر عليه السلام فذكرنا رمضان، فقال عليه السلام: لاتقولوا هذا رمضان، ولا ذهب رمضان، ولاجاء رمضان، فإنّ رمضان اسم من أسماء الله تعالى، وهو عزّ وجلّ لايجيء و لايذهب، ولكن قولوا: شهر رمضان. الحديث (2).
فإنّ الشقي من حرم غفران الله: قصر اسم انّ على خبرها للمبالغة في شقاوة المحروم من الغفران في هذا الشهر، كأنّه لاشقي غيره على ماقالوا في نحو: «الأمير زيد والشجاع عمرو» من أنّ اللام إن حمل في المقام الخطابي على الاستغراق كان بمنزلة «كلّ أمير زيد وكلّ شجاع عمرو» و إن حُمل على الجنس أفاد أنّ زيداً جنس الأمير وعمراً جنس الشجاع متّحدان في الخارج. وكيف كان فالقصر الادّعائي حاصل. وتصدّقوا على فقرائكم ومساكينكم: ربّما استدلّ بعطف
أحدهما على الآخر على تخالفهما، ولاخلاف في اشتراكهما في وصف عدميّ هو عدم وفاء الكسب والمال بمؤونته ومؤونة العيال، إنّما الخلاف في أنّ أيّهما هو الذي لا مال له ولاكسب بالكلّية، وهذا معنى في أنّ أيّهما أسوء حالاً.
فقال الفرّاء وثعلب وابن السكيت: هو المسكين، وبه قال أبو حنيفة. و وافقهم من علماء الشيعة الإمامية (1)ابن الجنيد (2)وسلّار (3)والشيخ الطوسي في النهاية (4)لقوله تعالى: أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (5)وهو المطروح على التراب لشدّة الاحتياج، ولأنّ الشاعر قد أثبت للفقير مالاً في قوله:
أمّا الفقير الذي كانت حلوبته *** وفق العيال فلم يُترك له سَبَدُ(6)
وقال الأصمعي: الفقير أسوء حالاً، وبه قال الشافعي، ووافقه من الإمامية المحقّق محمد بن إدريس الحلّي (7)والشيخ أبو جعفر الطوسي في المبسوط (8)والخلاف (9)التوبة: 60 وهي قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.(10)لأنّ الله تعالى بدأ به في آية الزكاة (10) وهو يدلّ على الاهتمام بشأنه في الحاجة، ولاستعاذة النبيّ صلّى الله عليه وآله
1) في هامش (م): ممّن صرّح بأنّ المعنى هو هذا فخر المحقّقين في الإيضاح، ويدلّ عليه أيضاً كلام الصحاح، ولو كان الخلاف في أنّ أيّهما أقلّ من الآخر لما صحّ الاستدلال بالكسب وآية السفينة (منه دامظلّه العالي).
2) مختلف الشيعة: ج 2 ص 198.
3) المراسم: ص 132.
4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 433 باب مستحقّ الزكاة.
5) البلد: 16.
6) وفي صحاح اللغة: ماله سَبَدٌ ولا لَبَدٌ: أي لا قليل ولا كثير.
7) السرائر: ج 1 ص 456.
8) المبسوط: ج 1 ص 246.
9) الخلاف: ج 2 كتاب قسمة الصدقات مسألة
10) .
وسلّم من الفقر؛ مع قوله: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي مَعَ الْمَسَاكِينِ» (1)و لأنّ الفقر مأخوذ من كسر الفقار من شدّة الحاجة.
و إثبات الشاعر المال للفقير لايوجب كونه أحسن حالاً من المسكين فقد أثبت تعالى للمساكين مالاً في آية السفينة (2).
والحقّ أنّ المسكين أسوء حالاً من الفقير، لا لما ذُكر، بل لما رواه شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي قدّس الله روحه في كتاب التهذيب، عن محمد بن يعقوب، عن عليّ بن ابراهيم، عن أحمد بن محمد، عن أحمد ابن خالد، عن عبدالله بن يحيى، عن عبدالله بن مسكان، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: قول الله عزّوجلّ: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ قال: الفقير الذي لايسأل الناس، والمسكين أجهد منه، والبائس أجهدهم... الحديث (3).
وهذا حديث صحيح. وقوله عليه السلام: «الفقير الذي لايسأل الناس» الظاهر أنّه كناية عن أنّ له مالاً أو كسباً في الجملة، وهو يقنع به و كان قاصراً عن مؤونته ولايسأل الناس.
وقوله عليه السلام: «المسكين أجهد منه» أي أشقّ حالاً. والجهد: بالفتح المشقّة، بمعنى أنّه لا مال ولا كسب له أصلاً (4).
وعلى هذا فيشكل جعل البائس أجهد منه، اللّهمَّ إلّا أن يعتبر فيه الضعف البدني كالزمانة ونحوها كما اعتبره قتادة في الفقير.
1) الجامع الصغير: ج 1 ص 56.
2) الكهف: 79 وهي قوله تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ.
3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 104 ح 31 باب زيادات الزكاة. الكافي: ج 3 ص 501 ح 16.
4) في هامش (م): إنّما حملنا على هذا المعنى لما من أنّ الخلاف في أنّ أيّهما أسوء حالاً معناه أنّ أيّهما هو الذي لامال ولاكسب له. (منه دام ظلّه).
وتظهر فائدة الخلاف في الترادف والتخالف فيما لو أريد بسط الزكاة على الأصناف الثمانية أو نذر أو أوصى للفريقين معاً.
قيل: وتظهر أيضاً في الكفّارة فإنّها مخصوصة بالمسكين.
وردّ (1)بأنّه لاخلاف في أنّه إذا ذُكر أحدهما وحده دخل الآخر، إنّما الخلاف فيما إذا ذُكرا معاً. وقد نصّ الشيخ وغيره على ذلك. وفيه مافيه.
ووقّروا كباركم: التوقير: التعظيم والاحترام. والمراد بالكبار مايشمل الكبار سنّاً أو شأناً كالمعلّمين. وصلوا أرحامكم: قصر بعض العلماء الرحم على من يحرم نكاحه. والظاهر أنّه كلّ من عرف نسبه وإن بَعُد. ويؤيّده ما رواه عليّ بن ابراهيم في تفسير قوله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (2)أنّها نزلت في بني أُميّة وما صدر منهم بالنسبة الى أئمّة أهل البيت عليهم السلام (3).
والظاهر حصول الصلة بأقلّ ما يسمّى برّاً وإحساناً، وعن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: «صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ» (4).
وتحنّنوا على أيتام المسلمين: الحنين الى الشيء: توقان النفس إليه. والحنان: الرحمة، ومنه الحنّان بالتشديد. وأنفسكم مرهونة بأعمالكم: قد يعتبر تشبيه توقّف خلاص النفس من العذاب على العمل الصالح بتوقّف تخليص الرهن على أداء الدين، ليكون الكلام استعارة بالكناية. والصحيح أنّه تشبيه بليغ لا
استعارة، لأنّ الطرفين مذكوران. وقس عليه قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «وظهوركم ثقيلة الى آخره».
ولايروّعهم: بالتشديد أي لايفزعهم والروع بالفتح: الفزع، و روّعت فلاناً إذا فزّعته. اتقوا النار ولو بشقّ تمرة: أي ولو كان الاتّقاء بشقّ تمرة، فحذفت كان مع اسمها. وهذه الواو واو الحال عند صاحب الكشّاف و إعتراضية عند بعض المحقّقين، وعاطفة على محذوف عند بعضهم، فإنّهم قالوا في قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «اطلبوا العلم ولو بالصين» (1)أنّ التقدير: اطلبوا العلم لو لم يكن بالصين ولو كان بالصين. والشّق بالكسر: نصف الشيء.
كان له ثواب من أدّى سبعين فريضة: المراد بالسبعين إمّا العدد الخاصّ أو معنى الكثرة، فإنّ السبعين جارٍ مجرى المثل في الكثرة كما قالوه في قوله تعالى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (2). وقد يقال في وجه تخصيص السبعين بذلك من بين سائر الأعداد أنّها تكرير ماهو أكمل الآحاد، أعني السبعة بعدّه عدد كامل هو العشرة لاشتماله على جميع مخارج الكسور التسعة، و لأنّ جميع مافوقه يحصل بإضافة الآحاد إليه أو بتكريره أو بهما معاً.
ووجه أكملية السبعة اشتمالها على جملة أقسام العدد، لأنّه إمّا زوج أو فرد، إمّا أوّل أو غير أوّل، و إمّا منطق أو أصم، و إمّا مجذور أو غير مجذور، و إمّا تامّ أو زائد أو ناقص، و إمّا زوج الزوج أو زوج الفرد. وقد اشتملت السبعة على جميع هذه الأنواع إلّا الزائد والفرد غير الأوّل.
ثقّل الله ميزانه: ثقل الميزان كناية عن كثرة الحسنات و
رجحانها على السيئات.
وقد اختلف أهل الإسلام في أنّ وزن الأعمال الوارد في الكتاب والسنّة هل هو كناية عن العدل والإنصاف والتسوية أو المراد به الوزن الحقيقي؟ فبعضهم على الأوّل لأنّ الأعراض لايعقل وزنها، وجمهورهم على الثاني للوصف بالخفّة والثقل في القرآن والحديث، والموزون صحائف الأعمال أو الأعمال نفسها بعد تجسيمها في تلك النشأة.
الورع عن محارم الله: للورع عندهم درجات أربع: الأولى: ورع التائبين: وهو مابه يخرج الإنسان عن الفسق، وهو المصحّح لقبول الشهادة.
الثانية: ورع الصالحين: وهو التوقّي من الشبهات، فإنّ مَن رتع الحمى أوشك أن يدخله قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ (1).
الثالثة: ورع المتّقين: وهو ترك الحلال الذي يتخوّف أن ينجر الى الحرام، كما قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ مَخَافَةَ مَا بِهِ بَأْسٌ» (2)وذلك مثل الورع عن التحدّث بأحوال الناس مخالفة أن ينجر الى الغيبة.
الرابعة: ورع الصدّيقين: وهو الإعراض عمّا سوى الله تعالى خوفاً من صرف ساعة من العمر فيما لايفيد زيادة القرب عندالله عزّوجلّ وان كان معلوماً أنّه لاينجر الى حرام ألبتة.
وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم في هذه الخطبة: الورع عن محارم الله ظاهر في المرتبة الأولى من الورع. ولايبعد إدراج الثانية والثالثة فيه
كما لايخفى.
على قرنك: القرن أحد جانبي الرأس. وذلك في سلامة من ديني: المشار إليه بذلك هو شهادته عليه السلام المدلول عليها بالكلام السابق. و«في» بمعنى «مع» كما في قوله تعالى: ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ (1). و«من» بمعنى «في» كما في قوله تعالى: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ (2).
[ في حمل «خطبنا» على تضمين معنى «وعظنا» ]
ماذكرناه في قوله عليه السلام «خطبنا» من الحمل على التضمين أولى من الحمل على النصب بنزع الخافض، فانّ التضمين أكثر وروداً في اللغة وأدقّ مسلكاً، فهو على تقدير المجازية أولى من الإضمار.
والحقّ أنّه حقيقة لا إضمار فيه، وليس اللفظ مستعملاً في كلا المعنيين ولا المعنى الآخر مراداً بلفظ مقدّر على حدة ليلزم ذلك، بل اللفظ مستعمل في معناه الحقيقي، وهو المقصود منه أصالة ولكن قصد بتبعيّته معنى آخر من غير أن يستعمل فيه ذلك اللفظ أو يقدّر لفظ آخر. فلفظ «خطب» مستعمل في معناه أصالة، وتعديته بنفسه مشعر بتبعية معنى الوعظ له.
وكذلك لفظ «تكبّروا» في قوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ (3)مستعمل في معناه، وتعديته ب-«على» يشعر باستتباعه معنى
الحمد من دون تجوّز ولا إضمار، فتأمّل.
إشارة فيها إنارة (1)
[ في كيفيّة وزن الأعمال ]
الحقَّ أنّ الموزون في النشأة الأخرىٰ هو نفس الأعمال لاصحائفها. وما يقال من أنّ تجسّم العرض طولاً خلاف طور العقل فكلام ظاهري عامّي. والذي عليه الخواصّ من أهل التحقيق أنّ نسخ الشيء وحقيقته أمر مغاير لصورته التي يتجلّىٰ بها على المظاهر (2)الظاهرة ويلبسها لذي المدارک الباطنة، وأنّه يختلف ظهوره في تلك الصور بحسب اختلاف المواطن والنشآت فيلبس في كلّ موطن لباساً ويتجلبب في كلّ نشأة بجلباب، كما قالوا: إنّ لون الماء لون إنائه.
وأمّا الأصل الذي تتوارد هذه الصور عليه ويعبّرون عنه تارة بالنسخ و مرّة بالوجه وأخرىٰ بالروح فلا يعلمه إلّا علّام الغيوب، فلا بعد في كون الشيء في موطن عرضاً وفي أخرىٰ جوهراً. ألا ترىٰ الى الشيء المبصر فانّه إنّما يظهر لحسّ البصر إذا كان محفوفاً بالجلابيب الجسمانية ملازماً لوضع خاصّ وتوسّط بين القرب والبعد المفرطين وأمثال ذلك، وهو يظهر في الحسّ المشترک عريّاً من تلك الأمور التي كانت شرط ظهوره لذلك الحسّ، ألا ترىٰ الى ما يظهر في اليقظة من صورة العلم فانّه في تلك النشأة أمر عرضي ثمّ إنّه يظهر في النوم بصورة اللبن، فالظاهر في الصورتين نسخ واحد تجلّىٰ في كلّ موطن بصورة، وتجلّىٰ في كلّ نشأة بجلية، وتزيّىٰ في كلّ عالم بزيّ، وتسمّىٰ في كلّ مقام باسم، فقد تجسّم في مقام ما كان
عرضاً في مقام اخر، وعسى تظفر في هذا الكتاب بما تزيل عن قلبک الارتياب في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
[ توجيه «في» الظرفية في كلام أميرالمؤمنين عليه السلام ]
لک أن تجعل الظرفية في قوله عليه السلام «في سلامة من ديني» ظرفية مجازية بتشبيه ملابسة قتله عليهالسلام لسلامة الدين في الاجتماع معها بملابسة المظروف للظرف، فيكون لفظة في استعارة تبعية.
ولک أن تعتبر تشبيه المنتزعة من القتل وسلامة الدين ومصاحبة أحدهما الآخر بالهيئة المنتزعة من المظروف والظرف واصطحابهما، فيكون الكلام استعارة تمثيلية ترکب كلّ من طرفيها، لكنّه لم يصرّح من الألفاظ التي هي بازاء المشبّه به إلّا بکلمة «في»، فإنّ مدلولها هو العمدة في تلك الهيئة وماعداه تبع له فيلاحظ معه في ضمن ألفاظ منوية، فلا تكون لفظة «في» استعارة، بل هي على معناها الحقيقي.
ولک أن تشبّه سلامة الدين بما يكون محلّاً وظرفاً للشيء على طريقة الاستعارة بالكناية ويكون ذكر كلمة «في» قرينة وتخييلاً على قياس ماذكره بعض المحقّقين في قوله تعالى: أُولَٰئِکَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ (1).
وفي هذا المقام بحث طويل ليس هذا محلّه وقد أوردناه في حواشينا على المطوّل فمن أراده فليقف عليه هناك.
1) البقرة: 5.
«... قال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُ أعرابي فقال: يا رسول الله إنّي خرجتُ أريد الحجَّ ففاتني و أنا رجل مُميل فمرني أَنْ أصنع بمالي ماأبلغ به مثل أجر الحاجِّ.
فالتفت إليه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم و قال له: انظر الى أبي قبيس فلو أنّ أبا قبيس ذهبة حمراء انفقته في سبيل الله مابلغت ما يبلغ الحاجُّ .
ثمّ قال: إِنَّ الْحَاجَّ إِذَا أَخَذَ فِي جِهَازِهِ لَمْ يَرْفَعْ شَيْئاً وَلَمْ يَضَعْهُ إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ وَ مَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ. ورفع له عشر درجات، فإذا ركب بعيره لم يرفع خفّاً ولم يضعه إلّا كتب الله له مثل ذلك...».
تهذيب الأحكام: ج 5 ص 19 - ح 20
و بالسند المتصل الى الشيخ الأعظم محمد بن الحسن الطوسي، عن الشيخ الجليل محمد بن محمد بن النعمان المفيد، عن الصدوق محمد بن عليّ بن بابويه، عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفّار (1)، عن موسى بن القاسم، عن صفوان و ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه أميرالمؤمنين عليهم السلام قال:
إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُ أعرابي فقال: يا رسول الله إنّي خرجتُ أريد الحجَّ ففاتني و أنا رجل مُميل فمرني أَنْ أصنع بمالي ما أبلغ به مثل أجر الحاجِّ.
فالتفت إليه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم و قال له: انظر الى أبي قبيس فلو أنّ أبا قبيس ذهبة حمراء انفقته في سبيل الله مابلغت ما يبلغ الحاجُّ .
ثمّ قال: إِنَّ الْحَاجَّ إِذَا أَخَذَ فِي جِهَازِهِ لَمْ يَرْفَعْ شَيْئاً
1) في هامش (م): هذا الحديث صحيح السند بناءً على أنّ محمد بن الحسن الصفّار هو ابن فروخ. و كلام أبي داود صريح في أنّ محمد بن الحسن الصفّار إثنان: ابن فروخ وغيره، والأوّل ثقة والثاني ممدوح. لكن الظاهر أنّ كليهما واحد وهو ابن فروخ الثقة وأنّ أبي داود واهم في كلامه، والله أعلم بحقيقة الحال. (منه دام ظلّه).
و لم يضعه إلّا كتب الله له عشر حسنات و محا عنه عشر سيئات. و رفع له عشر درجات، فإذا ركب بعيره لم يرفع خفّاً و لم يضعه إلّا كتب الله له مثل ذلك، فإذا طاف بالبيت خرج من ذنوبه، فإذا سعى بين الصفا والمروة خرج من ذنوبه، فإذا وقف بعرفات خرج من ذنوبه، فإذا وقف بالمشعر الحرام خرج من ذنوبه، فإذا رمى الجمار خرج من ذنوبه.
قال: فعدّد رسول الله صلّى الله عليه وآله و سلّم كذا و كذا موقفاً إذا وقفها الحاجّ خرج من ذنوبه.
ثمّ قال: أَنَّى لَكَ أَنْ تَبْلُغَ مَا يَبْلُغُ الْحَاجُّ (1).
ما لعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
لقيه أعرابي: بفتح الهمزة منسوب الى الأعراب، وهم سكّان البادية خاصّة، ويقال لسكّان الأمصار عرب. وليس الأعراب جمعاً للعرب، بل هو ممّا لاواحد له، نصّ عليه في الصحاح (2). وأنا رجل مُميل: أي صاحب مال وثروة. انظر الى أبي قُبيس: الظاهر أنّ المراد نظر العين إن كان هذا الكلام بمكّة وما قاربها، و إلّا فنظر القلب. إذا أخذ في جهازه: أي شرع فيه. والجهاز بفتح الجيم وكسرها.
إلّا كتب الله له مثل ذلك: أي عشر حسنات. ويجوز أن يراد بذلك مايعمّ محو السيئات ورفع الدرجات أيضاً. خرج من ذنوبه: شبّه مفارقة الذنوب والتخلّص منها بالخروج من البيت وشبهه، فالكلام استعارة مصرّحة تبعية أو شبّه الذنوب بالشيء المحيط بالإنسان كالثوب ونحوه كما قال الله تعالى: وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ (1)فالكلام استعارة بالكناية، وذكر الخروج تخييل. فإذا سعى بين الصفا والمروة خرج من ذنوبه: قد تكرّر ذكر الخروج من الذنوب في هذا الحديث مراراً، ولعلّ ذلك لتأكيد البُعد عنها والتنصّل عن تبعاتها، أو لأنّه يحصل بإزاء كلّ نسك من تلك المناسك الخروج من نوع من أنواع الذنوب فإنها تتنوع الى مالية وبدنية، والبدنية الى قولية وفعلية، والفعلية تختلف باختلاف الآلات التي تفعل بها، إلى غير ذلك. وقد ورد في بعض الأخبار تنويعها الى مغيّرة للنعم ومنزلة للنقم و حابسة للرزق وهالكة للستور ومعجلة للفناء (2)، وكما أنّ لكلّ دواء من الأدوية اختصاصاً بإزالة مرض من الأمراض لأسباب و خصوصيات لاتوجد في غيره فلعلّ لكلّ فعل من أفعال الحجّ اختصاصاً بتكفير نوع من أنواع الذنوب لمناسبات وخصوصيات لايعلمها إلّا علّام الغيوب. و يؤيّد ذلك ما أورده الغزالي في الإحياء عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام بإسناده الى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: «إِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ ذُنُوباً لَا يُكَفِّرُهَا إِلَّا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ» (3)وامثال هذه الأخبار كثيرة، والله أعلم.
«... إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بعث سرية، فلمَّا رجعوا قال: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر و بقي عليهم الجهاد الأكبر قيل: يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس. ثمَّ قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ».
أمالي الصدوق: المجلس 71 ص 418، معاني الأخبار: ص 160
وبالسند المتصل الى الشيخ الصدوق محمد بن بابويه، عن الحسن بن إدريس، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن يحيى الخزاز، عن موسى بن إسماعيل، عن أبيه، عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، عن آبائه، عن آبائه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام:
«إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَرِيَّةً، فَلَمَّا رَجَعُوا قَالَ: مَرْحَبَاً بِقَوْمٍ قَضَوُا الْجِهَادَ الْأَصْغَرَ وَبَقِيَ عَلَيْهِمُ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ؟ قَالَ: جِهَادُ النَّفْسِ. ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ» (1).
مالعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
بعث سرية: السرية: القطعة من الجيش من خمسة أنفس الى ثلاثمائة أو أربعمائة.
1) أمالي الصدوق: مجلس 71 ص 18، معاني الأخبار: ص 160.
مرحباً بقوم: الرحب بالضم: السعة، وبالفتح: الواسع. ونصب «مرحباً» بفعل لازم الحذف سماعاً كأهلاً وسهلاً، أي أتيت بكم رحباً وسعة.
والباء في «بقوم» إما للسببية أو للمصاحبة.
وعن المبرد: انّ نصبه على المصدر، أي رحبت بلادك مرحباً.
جهاد النفس: أي قهرها وبعثها على ملازمة الطاعات، ومجانبة المنهيات، ومراقبتها على ممرّ الأوقات، ومحاسبتها على ماربحته وخسرته في دار المعاملة من السعادات، وكسر قواها البهيمية والسبعية بالرياضات والمجاهدات كما قال سبحانه وتعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (1).
أفضل الجهاد من جاهد نفسه: هذا الخبر لا يحمل على المبتدأ بحسب الظاهر، فلابدّ إمّا من جعل المصدر هنا بمعنى اسم الفاعل، أي أفضل المجاهدين من جاهد نفسه، أو أن يكون الخبر محذوفاً والتقدير: أفضل الجهاد جهاد من جاهد نفسه.
التي بين جنبيه: قد يظنّ أنّ فيه دلالة على عدم تجرّد النفس (2).
والحقّ أنّه لا دلالة فيه على ذلك، بل هو كفاية عن كمال قرب، فانّ تجرّد النفس ممّا لا ينبغي أن يرتاب فيه. وقد قامت عليه البراهين العقلية.
1) الشمس: 9 - 10.
2) في هامش (م): ويمكن أن يُراد بالنفس هنا القوى الحيوانية من الشهوة والغضب وأمثالهما، وإطلاق النفس على هذه القوى سائغ. وقال الغزالي في كتاب مدارج القدس: تطلق النفس على الجامع للصفات المذمومة وهي القوى الحيوانية المضادّة للقوى العقلية، وهو المفهوم عند إطلاق الصوفية، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام: «أَعْدَى عَدُوِّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ» إنتهى كلامه. (منه دام بقاؤه).
وأشارت إليه الكتب السماوية والأخبار النبوية وشهدت له الأمارات السرية والمكاشفات الذوقية.
[ في فضيلة جهاد النفس ]
جهاد النفس أفضل الجهاد كما تضمنه هذا الحديث، وقد تكفّل سبحانه للمجاهدين بأن يهديهم الطريق القويم والصراط المستقيم، قال سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (1).
فيجب على كلّ شخص أن يجاهد نفسه بالمحاسبة والمراقبة ويصدّها عن الحظوظ الفانية الدنيّة ويضيّق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها، فإنّ كلّ نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لاعوض لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد، وانقضاء هذه الأنفاس ضائعة أو مصروفة الى ما يجلب الهلاک خسران عظیم هائل لا تسمح به نفس عاقل.
فإذا أصبح العبد وفرغ من صلاة الصبح ينبغي أن يتوجّه الى نفسه و يقول: يا نفس ليس لي بضاعة إلّا العمر ومهما يفنى منه فهو من رأس المال، وهذا يوم جديد وقد أمهلني الله تعالى فيه، وأنعم عليّ به، ولو توفّاني لكنت تتمنين أن ترجعي الى الدنيا يوماً واحداً لتعملي فيه عملاً صالحاً، فافرضي أنّك توفّيت ثمّ رُددت، فإياك ثمّ إياك أن تضيّعي هذا اليوم، واعلمي أنّ هذا اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة، وقد ورد في الخبر:
«أَنَّهُ يُنْشَرُ لِلْعَبْدِ لِسَاعَاتِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ خِزَانَةً، فَيُفْتَحُ»9.
1) العنكبوت: 69.
له منها خزانة فيراها مملوءة نوراً من حسناته التي عملها في تلك الساعة فيناله من الفرح والسرور والاستبشار ما لو وُزِّع على أهل النار لأشغلهم ذلك عن الإحساس بألمها.
وتفتح له خزانة أخرى فيراها مظلمة يفوح نتنها، ويتغشّاه ظلامها، وهي الساعة التي عصى الله تعالى فيها، فيناله من الهول والفزع مالو قُسِّم على أهل الجنّة لنغّص عليهم نعيمها.
وتفتح خزانة أخرى فيراها فارغة ليس فيها شيء، وهي الساعة التي نام فيها أو اشتغل بشيء من مباحات الدنيا، فيتحسّر على خلوّها ويندم على مافاته من الربح العظيم الذي كان قادراً على تحصيله في تلك الساعة. وهكذا يعرض عليه خزائن أوقاته في طول عمره (1).
فاجتهدي يانفس في هذا اليوم أن تعمّري خزائنك ولاتتركيها خالية من تلك الكنوز العظيمة والسعادات الجسيمة ولاتميلي الى الكسل والدعة والاستراحة فيفوتك من الدرجات العليّة ماكنتِ قادرة على تحصيله بأدنى توجّه، وينالك ماينال التاجر القادر على الربح العظيم إذا أهمله وتساهل فيه، فلاتنفك عنك الحسرة أبداً، نعوذ بالله من ذلك.
[ في وقوع النفس الناطقة بين القوى المتضادّة ]
النفس الإنسانية واقعة بين القوة الشهوانية والقوّة العاقلة. فبالأولى تحرص على تناول اللذات البدنية البهيمية كالغذاء والسفاد والتغالب وسائر اللذات العاجلة الفانية، وبالأخرى تحرص على تناول العلوم الحقيقية والخصال الحميدة المؤدّية الى السعادات الباقية الأبدية. و الی
1) عدّة الداعي: باب 2 ص 103.
هاتين القوّتين أشار سبحانه بقوله: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (1)وبقوله تعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (2)فإن جُعلت الشهوة منقادة للعقل فقد فزت فوزاً عظيماً واهتديت صراطاً مستقيماً، و إن سلّطت الشهوة على العقل وجعلته منقاداً لها ساعياً في استنباط الحيل المؤدّية الى مراداتها هلكت يقيناً وخسرت خسراناً مبيناً.
واعلم أنّك نسخة مختصرة من العالم فيك بسائطه و مركباته و مادّياته ومجرّداته، بل أنت العالم الكبير، بل الأكبر كما قال أميرالمؤمنين وسيد الموحدين عليه السلام:
دواؤك فيك و ما تبصر *** و داؤك منك و ما تشعر
وتزعم أنّك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر (3)
وما من شيء إلّا وأنت تشبهه من وجه لكنّ الغالب عليك أربعة أوصاف: الملكية والسبعية والبهيمية والشيطانية، فمن حيث الملكية تتعاطى أفعال الملائكة من عبادة الله سبحانه وطاعته والتقرّب إليه، ومن حيث الغضب تتعاطى أفعال السباع من العداوة والبغضاء والهجوم على الناس بالضرب والشتم، ومن حيث الشهوة تتعاطى أفعال البهائم من الشره والشبق والحرص، ومن حيث الشيطانية تتعاطى أفعال الشياطين فتستنبط وجوه الشرّ وتتوصّل الى الأغراض بالمكر والحيل.
فكأنّ المجتمع في اهابك أيّها الإنسان ملك وكلب وخنزير وشيطان، فالكلب هو الغضب، والخنزير هو الشهوة. فإن اشتغلت بجهاد هذه الثلاثة ودفع كيد الشيطان ومكره بالبصيرة الناقدة وبكسر شره هذا الخنزير بتسليط الكلب عليه، إذ بالغضب تنكسر سورة الشهوة، وأذللت
الكلب بتسليط الخنزير، وجعلت الكلّ مقهورين تحت السياسة اعتدل الأمر وظهر العدل في مملكة البدن وجرى الكلّ على الصراط المستقيم، و إن لم تجاهدهم قهروك واستخدموك، فلا تزال في استنباط الحيل و تدقيق الفكر في تحصيل مطلوبات الخنزير ومرادات الكلب، فيكون دائماً في عبادة كلب وخنزير. وهذا حال أكثر الناس الذين همتهم مصروفة الى البطن والفرج ومناقشة الخلق ومعاداتهم.
والعجب منك انّك تنكر على عبّاد الأصنام عبادتهم لها، ولو كشف الغطاء عنك وكوشفت بحقيقة حالك ومثّل لك ما يمثّل للمكاشفين إمّا في النوم أو اليقظة لرأيت نفسك قائماً بين يدي خنزير مشمّراً ذيلك في خدمته، ساجداً له مرّة وراكعاً أخرى، منتظراً لاشارته وأمره، فمهما طلب الخنزير شيئاً من شهواته توجّهت على الفور الى تحصيل مطلوبه واحضار مشتهياته، ولأبصرت نفسك جاثياً بين يدي كلب عُقور عابداً له، مطيعاً لما يلتمسه، مدقّقاً للفكر في الحيل الموصلة الى طاعته، وأنت بذلك ساع فيما يرضي الشيطان و يسرّه، فإنّه هو الذي يهيج الخنزير والكلب و يبعثهما على استخدامك، فأنت من هذا الوجه عابد للشيطان وجنوده، و مندرج في المخاطبين المعاتبين يوم القيامة بقوله تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (1).
فليراقب كلّ عبد حركاته وسكناته وسكوته ونطقه وقيامه وقعوده لئلّا يكون ساعياً طول عمره في عبادة هؤلاء، وهذا غاية الظلم، حيث صيّر المالك مملوكاً والسيد عبداً والرئيس مرؤوساً، إذ العقل هو المستحقّ للسيادة والرئاسة والاستيلاء، وهو قد سخّره لخدمة هؤلاء، وسلّطهم عليه و حكّمهم فيه.0.
1) يس: 60.
قال بعض المفسّرين عند قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (1)وقد سخّر لك الكون وما فيه لئلّا يسخّرك منه شيء وتكون مسخّراً لمن سخّر لك الكلّ، فإن جعلت نفسك مسخّرة لما في الكون أسيرة للذات الفانية فقد جهلت فضل الله لديك، وكفّرت نعمته عليك، إذ خلقك عبداً لنفسه حرّاً من الكلّ، فاستعبدك الكلّ ولم تشتغل بعبودية الحقّ بحال.3.
1) الجاثية: 13.
[ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ]
[ وشرائطهما ]
«... قال رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: إِنَّ اللهَ عَزَّوَجَلَّ يَبْغَضُ الْمُؤْمِنَ الضَّعِيفَ الَّذِي لَا دِينَ لَهُ.
قيل له: و ما المؤمن الذي لا دين له يا رسول الله؟
قال: الَّذِي لَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ.
قال مسعدة: و سُئل أبو عبدالله عليه السلام عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب هو على الأمَّة جميعاً؟ فقال: لا. فقيل له: و لم؟ قال: إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْقَوِيِّ الْمُطَاعِ الْعَالِمِ بِالْمَعْرُوفِ مِنَ الْمُنْكَرِ، لَا عَلَى الضَّعَفَةِ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. والدليل على ذلك من كتاب الله عزَّوجلَّ قوله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ فهذا خاصٌّ غير عامّ ، كما قال الله عزَّوجلَّ : وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ».
الكافي: ج 5 ص 59 ح 15 و 16.
و بالسند المتصل عن الشيخ الجليل محمد بن يعقوب، عن علي بن ابراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال:
«قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ عَزَّوَجَلَّ يَبْغَضُ الْمُؤْمِنَ الضَّعِيفَ الَّذِي لَا دِينَ لَهُ. قِيلَ لَهُ: وَمَا الْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا دِينَ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ» (1).
قال مسعدة: و سُئل أبو عبدالله عليه السلام عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب هو على الأمَّة جميعاً؟ فقال: لا. فقيل له: و لم؟ قال: إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْقَوِيِّ الْمُطَاعِ الْعَالِمِ بِالْمَعْرُوفِ مِنَ الْمُنْكَرِ، لَا عَلَى الضَّعَفَةِ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. والدليل على ذلك من كتاب الله عزَّوجلَّ قوله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ فهذا خاصٌّ غير عامّ، كما قال الله عزَّوجلَّ: وَمَن قَوْمِ
1) الكافي: ج 5 ص 59 ح 15.
موسى أُمَّة يهدون بالحقِّ وبه يعدلون (1).
ما لعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
ليبغض المؤمن الضعيف: أي ضعيف الإيمان، والمراد أنّه سبحانه يعامله معاملة المبغض مع من أبغضه ويوصل إليه ما يترتّب على البغضاء من الجزاء السيء. وهكذا أكثر ما يوصف به سبحانه فإنّه إنّما يؤخذ باعتبار الغايات لا المبادئ.
الذي لا ينهى عن المنكر: المراد به القبيح، أعني الحرام. والمراد بالمعروف الذي يذكر في مقابله: الفعل الحسن المشتمل على رجحان فيختصّ بالواجب والمندوب، ويخرج المباح والمكروه وان كانا داخلين في الحسن. «وسُئل أبو عبدالله عليه السلام... الى آخره». المراد بالمعروف هنا الواجب، والمراد من السؤال عن وجوبهما على الأمّة جميعاً وجوبهما على كلّ واحد منهم عالماً كان أو جاهلاً، مؤثراً أمره ونهيه أو غير مؤثر.
والدليل على ذلك: أي على أنّ الوجوب إنّما هو على بعض الأمّة، فالمشار إليه بذلك هو الأمر اللازم من حصر الوجوب على من صفته كذا وكذا، لانفس الحصر كما هو ظاهر.
ولتكن منكم أُمَّة: كلام الإمام عليه السلام صريح في أنّ «من» في الآية تبعيضية، وأمّا ما في بعض التفاسير من جعلها بيانية والمعنى كونوا أُمّة تأمرون بالمعروف فبعيد جدّاً.
فهذا خاصّ غير عامّ: أي طلب الأمر بالمعروف والنهي عن
1) الكافي: ج 5 ص 59 ح 16.
المنكر لا يعمّ الأمّة جميعاً بل يختصّ ببعضهم.
[ في أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هل هو واجب عيني أو كفائي؟ ]
اختلف أصحابنا في وجوب الحسبة، أعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هل هو عيني أو كفائي؟
فالشيخ (1)والمحقّق (2)و ابن إدريس (3)و جماعة من متأخري علمائنا ومنهم شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد (4)والمحقّق الشيخ علي طاب ثراه (5)على الأوّل. والسيد المرتضى (6)وأبو الصلاح (7)والعلّامة (8)وبعض المتأخرين كالشهيد الثاني (9)على الثاني.
ولنمثّل محلّ النزاع بما لو كان في البلد شخص يترك الصلاة و يشرب الخمر مثلاً وفي البلد عشرة أشخاص يجوز كلّ منهم تأثير أمره ونهيه في ذلك الشخص من غير ضرر يلحقه، وشرع واحد منهم في أمره ونهيه وكان ترتّب الأثر على ذلك مظنوناً، فبمجرّد ذلك قبل حصول الأثر - أعني فعل الصلاة وترك شرب الخمر - هل يسقط وجوب الأمر والنهي عن التسعة الباقية أم يجب عليهم مشاركته في الأمر والنهي و عدم
1) الاقتصاد: ص 147.
2) شرائع الإسلام: ج 1 ص 258 كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
3) السرائر: ج 2 ص 22.
4) روض الجنان في شرح الإرشاد: لايوجد لدينا الجزء الثاني.
5) جامع المقاصد: ج 4 ص 48.
6) نقله عنه ابن إدريس في السرائر: ج 2 ص 22.
7) الكافي في الفقه: ص 264.
8) مختلف الشيعة: ج 4 ص 457.
9) اللمعة الدمشقية: ج 2 ص 413.
تقاعدهم من ذلك الى أن يحصل الأثر؟
والقائلون بالوجوب العيني استدلّوا بصدر هذا الحديث، فإنّ ظاهره الوجوب العيني، وبأحاديث أخرى يقارب مضمونها ذلك، كما روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام: «مَنْ تَرَكَ إِنْكَارَ الْمُنْكَرِ بِقَلْبِهِ وَيَدِهِ وَلِسَانِهِ فَهُوَ مَيِّتٌ فِي الْأَحْيَاءِ» (1).
وما روي عن الصادق عليه السلام أنّه قال لأصحابه: «قَدْ حَقَّ لِي أَنْ آخُذَ الْبَرِيءَ مِنْكُمْ بِالسَّقِيمِ، وَكَيْفَ لَا يَحِقُّ لِي ذَلِكَ وَأَنْتُمْ يَبْلُغُكُمْ عَنِ الرَّجُلِ مِنْكُمُ الْقَبِيحُ فَلَا تُنْكِرُونَ عَلَيْهِ وَلَا تَهْجُرُونَهُ وَتُؤْذُونَهُ حَتَّى يَتْرُكَهُ» (2). وأمثال هذه الأحاديث كثيرة. والاستدلال كما ترى.
والقائلون بالوجوب الكفائي استدلّوا بالآية الكريمة وبما تضمنه آخر هذا الحديث.
ويخطر بالبال أنّ الآية والحديث إنّما يدلّان على عدم وجوبهما على كلّ واحد من آحاد الأمّة، وهو كذلك، لأنّه ليس كلّ واحد منهم مستجمعاً لشرائط الوجوب. ولايدلّان على أنّهما يسقطان عن المستجمعين لشرائط الوجوب بقيام البعض منهم قبل ترتّب الأثر والنزاع ليس إلّا في هذا. وسقوطهما عن غير مستجمع الشرائط لا يقتضي الوجوب الكفائي كما في الحجّ.
ولايبعد أن يقال إنّه إذا شرع أحد العشرة في المثال السابق بالأمر والنهي فإن ظنّ التسعة الباقون أنّ مشاركتهم له لاتثمر تعجيل ترتّب الأثر ولا رسوخ الانزجار في قلب مَن يراد انزجاره بل وجودها في ذلك كعدمها فالمشاركة غير واجبة والوجوب على الكفاية، و إلّا فالوجوب على
العشرة عيني. وكلام ابن البرّاج يمكن تنزيله على هذا التفصيل، فقول العلّامة في المختلف (1)أنّ مذهبه هو مذهب السيّد بعينه محلّ نظر.
هذا وقد استدلّ العلّامة في التذكرة على الوجوب الكفائي بأنّ الغرض من الأمر والنهي وقوع المعروف وارتفاع المنكر، فمتى حصلا بفعل واحد كان الأمر والنهي من غيره عبثاً (2)هذا كلامه.
وفيه: أنّه إن أراد بقوله «فمتى حصلا» الحصول الفعلي فهو خروج عن محلّ النزاع، و إن أراد الحصول بالقوّة فإن كان مراده أنّ الأمر والنهي من الغير حينئذٍ عبث في بعض الأوقات لم ينفعه أو دائماً منعناه. والسند - أي سند المنع - (3)ما عرفت في التفصيل فتدبّر (4).
[ في الشروط الأربعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ]
تضمّن هذا الحديث بعض شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمشهور منها أربعة:
الأوّل: علم الآمر والناهي وتمييزه بين المعروف والمنكر.
الثاني: إصرار المأمور والمنهي على الذنب وعدم ظهور أمارة الإقلاع.
1) مختلف الشيعة: ج 4 ص 458.
2) تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 458 مسألة اختلاف علماؤنا في وجوبهما - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - الى الأعيان أو على الكفاية...
3) «أى سند المنع» ليس في (م).
4) وجه التدبّر: إنّ كلام العلّامة طاب ثراه من أنّ الغرض في الأمر والنهي هو نفس وقوع المعروف و ارتفاع المنكر لا تعجيل ذلك و رسوخه في قلب المأمور والمنهي. فإذا علمنا أنّهما سيقعان بفعل الغير كان أمرنا أو نهينا غير داخلين فيما هو الغرض فيلحقان بالعبث. (منه دام ظلّه).
الثالث: تجويز التأثير.
الرابع: عدم توجّه ضرر مالي أو بدني أو عرضي الى الآمر والناهي ولا الى أحد من المسلمين بسببه.
وقد تضمن هذا الحديث الشرط الأوّل والثالث.
ولا يخفى أنّ هذه الأربعة إنّما هي شروط الحسبة التي باللسان أو اليد. وأمّا الحسبة القلبية المعبّر عنها بالإنكار القلبي فغير مشروطة بمجموع هذه الأربعة. وهي على أنواع:
الأوّل: اعتقاد وجوب ما يترك وتحريم ما يفعل وعدم الرضا به، وهو مشروط بالشرط الأوّل فقط.
الثاني: مقت مرتكب المعصية وبغضه على ارتكابها، وهو البغض في الله المأمور به في السنّة المطهّرة، وهو مشروط بالشرطين الأوّلين فقط.
الثالث: إظهار الكراهية بغير اللسان واليد كعدم المكالمة وترك المخالطة، وهو مشروط بالشروط الأربعة، وفي عدّه من أنواع الإنكار القلبي مسامحة.
ومن هذا يظهر أنّ ما ذكره المحقّق والعلّامة وغيرهما من أنّ وجوب الإنكار القلبي مطلق أي غير مشروط بشيء من الشروط الأربعة غير مستقيم فليتأمّل (1).
ولا يخفى أنّ إطلاق النهي على كلّ من مراتب الإنكار القلبي تجوّز، وكذا في إطلاق الأمر والنهي على كلّ من أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سوى بعض أفراد الأمر والنهي اللساني وكأنّ ذلك صار حقيقة شرعيّة، فتخصيص التجوّز بالنوع الأوّل من أنواع الإنكار القلبي كما يظهر
1) وجهه: أنّه يمكن أن يريد أولاً بالإنكار القلبي المرتبة الأولى صفة و إطلاق المطلق عليه لأنّ توقّف الشيء على العلم والتمييز بينه وبين غيره لالخروجه عن كونه واجباً مطلقاً. (منه دام ظلّه).
من كلام بعض علمائنا محلّ نظر.
[ في الشرط الخامس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ]
هذه الشروط الأربعة هي المذكورة في كتب أصحابنا رضوان الله عليهم، وقد اشترط بعض العلماء شرطاً خامساً وهو أن لا يكون الآمر والناهي مرتكباً للمحرّمات واشترط فيه العدالة، واستدلّ بقوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ (1)وبقوله تعالى: كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (2)وبما روي عن النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنّه قال: «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِقَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا: كُنَّا نَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَلَا نَأْتِيهِ وَنَنْهَى عَنِ الشَّرِّ وَنَأْتِيهِ» (3)وبأنَّ هداية الغير فرع الاهتداء والإقامة بعد الاستقامة، ولهذا قيل انَّ الإصلاح زكاة نصاب الصلاح.
والحقّ أنَّه غير شرط، وأنَّ الواجب على فاعل الحرام المشاهد فعله من غيره أمران: تركه وإنكاره، ولا يسقط بترك إحداهما وجوب الآخر، والأحاديث الدالَّة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شاملة للعدل والفاسق. والإنكار في الآيتين المذكورتين على عدم العمل بما يأمر به وبقوله لا على الأمر والقول، وكذلك ما تضمنه حديث الإسراء. وأيضاً فالصغائر النادرة لا تخل بالعدالة ولفاعلها أن ينهى عن المنكر اتِّفاقاً مع اندراجه في الآيتين والحديث، وما هو جوابكم فهو جوابنا.
و أمّا حكاية الفرعية فكلام شعري، و أيضاً فلو تمّت دلائلكم لاقتضت عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلّا على المعصوم عليه السلام، ومن لم يقع منه من حين بلوغه أو حين توبته ذنب صغير ولاكبير فينسد باب الحسبة، والله أعلم.
الإجمال في طلب الرزق
«... قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في حجَّة الوداع: أَلَا إِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَا تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ شَيْءٍ مِنَ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَّمَ الْأَرْزَاقَ بَيْنَ خَلْقِهِ حَلَالًا وَ لَمْ يَقْسِمْهَا حَرَاماً ، فَمَنْ اتَّقَى اللَّهَ وَ صَبَرَ آتَاهُ رِزْقَهُ مِنْ حِلِّهِ ، وَ مَنْ هَتَكَ حِجَابَ سِتْرِ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ وَ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ قُصَّ بِهِ مِنْ رِزْقِهِ الْحَلَالِ وَ حُوسِبَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
الكافي: ج 5 ص 80 ح 1
متن استخراجشده و ویراستاریشده از تصویر کتاب، دقیقاً مطابق با ساختار و دستورالعملهای درخواستی شما به شرح زیر آماده شده است:
وبسندي المتصل الى الشيخ الجليل محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن أبي حمزة الثمالي، عن الإمام أبي جعفر محمد بن عليّ الباقر عليه السلام قال:
قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في حجَّة الوداع: أَلَا إِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَا تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ شَيْءٍ مِنَ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَّمَ الْأَرْزَاقَ بَيْنَ خَلْقِهِ حَلَالًا وَ لَمْ يَقْسِمْهَا حَرَاماً ، فَمَنْ اتَّقَى اللَّهَ وَ صَبَرَ آتَاهُ رِزْقَهُ مِنْ حِلِّهِ ، وَ مَنْ هَتَكَ حِجَابَ سِتْرِ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ وَ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ قُصَّ بِهِ مِنْ رِزْقِهِ الْحَلَالِ وَ حُوسِبَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ(1).
ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث
1) الكافي: ج 5 ص 80 ح 1.
نَفثَ في رُوعي: النَفْث بالنون والفاء والثاء المثلثة بمعنى النفخ. والروع بالضم: القلب والعقل. والمراد أنه أُلقي في قلبي وأُوقع في بالي. وأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ: أي لا يكون كدّكم فيه كدّاً فاحشاً، و قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «اتّقوا الله واجملوا في الطلب» يحتمل معنيين: الأوّل: أن يكون المراد اتّقوا الله في هذا الكَدّ الفاحش، أي لا تقيموا عليه، كما تقول: «اتّق الله في فعل كذا» أي لا تفعله.
الثاني: أن يكون المراد أنكم إذا اتقيتم الله لا تحتاجون الى هذا الكَدّ والتعب، ويكون إشارة الى قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ(1).
ولا يَحْمِلَنَّكُم: أي لا يبعثكم ويحدوكم، والمصدر المسبوك من أنْ المصدرية ومعمولها منصوب بنزع الخافض، أي لا يبعثكم استبطاء رزقكم(2)على طلبه بالمعصية. قَسَّمَ الأرْزاقَ بينَ خلقِهِ حلالاً: نصبه على الحالية أو المفعولية بتضمين قَسَّم معنى جعل. ومَن هَتَكَ حِجابَ سِترِ الله: هتك الستر: تمزيقه و خرقه. و إضافة الحجاب الى الستر إن قرأته بكسر السين بيانية وبفتحها لامية، وفي الكلام استعارة مصرَّحة مرشَّحة تبعية. قُصَّ بهِ: بالبناء للمفعول من المقاصّة.
[ في صحّة اطلاق الرزق على الحرام ]
الرزق عند الأشاعرة كلّ ما انتفع به حيّ، سواء كان بالتغذّي أو بغيره،
مباحاً كان أو حراماً. وخصّه بعضهم بما تربّى به الحيوان من الأغذية والأشربة.
وعند المعتزلة هو كلّ ما صحّ انتفاع الحيوان به بالتغذّي أو غيره وليس لأحد منعه منه. فليس الحرام رزقاً عندهم.
وقال الأشاعرة في الردّ عليهم: لو لم يكن الحرام رزقاً لم يكن المتغذّي به طول عمره مرزوقاً وليس كذلك لقوله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا(1).
وفيه نظر، فإنّ الرزق عند المعتزلة أعمّ من الغذاء، وهم لم يشترطوا الانتفاع بالفعل. فالمتغذّي طول عمره بالحرام إنّما يردّ عليهم لو لم ينتفع مدّة عمره بشيء انتفاعاً محلّلاً ولا بشرب الماء والتنفّس في الهواء، بل ولا يمكن من الانتفاع بذلك أصلاً. وظاهر أنّ هذا ممّا لا يوجد، فلهم أن يقولوا لو مات حيوان قبل أن يتناول شيئاً محلّلاً ولا محرّماً يلزم أن يكون غير مرزوق، فما هو جوابكم فهو جوابنا.
هذا ولا يخفى أنّ الأحاديث المنقولة في هذا الباب متخالفة، والمعتزلة تمسّكوا بهذا الحديث، وهو صريح في مدّعاهم غير قابل للتأويل.
والأشاعرة تمسّكوا بما رووه عن صفوان بن أميّة قال: «كنّا عند رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم إذ جاء عمر بن قُرَّة فقال: يارسول الله انّ الله كتب عليّ الشقوة فلا أراني أرزق الّا من دَفِّي بكفِّي فاذن لي في الغناء من غير فاحشة. فقال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة. أي عدوّ الله لقد رزقك الله طيّباً فاخترت ما حرّم الله عليك من رزقه مكان ما أحلّ الله لك من حلاله، أما أنّك لو قلت بعد هذه المقالة ضربتك ضرباً وجيعاً»(2).
والمعتزلة يطعنون في سند الحديث تارة ويؤولونه على تقدير
سلامته أخرى بأنّ سياق الكلام يقتضي أن يقال: فاخترت ما حرّم الله عليك من حرامه مكان ما أحلّ الله لك من حلاله، و إنّما قال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «من رزقه» مكان «من حرامه» فأطلق على الحرام اسم الرزق لمشاكلة قوله: «فلا أراني أُرزق» وقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «لقد رزقك الله» و هذا كما يقوله من يخصّ الثناء باللسان في قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك»(1)أنّه من باب المشاكلة لقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «ثناءً عليك» أنّ المراد «كما وصفت نفسك».
والمشاكلة وإن كانت نوعاً من المجاز إلّا أنّها من المحسّنات المعنوية الكثيرة الورود في القرآن والحديث الفاشية في نظم البلغاء و نثرهم، فليس الحمل عليها ببعيد ليرتفع التعاند من البين ويزول التنافي بين الحديثين.
و تمسّك المعتزلة أيضاً بقوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(2).
وقال الشيخ الجليل الطوسي في تفسيره الموسوم بالتبيان(3)ما حاصله: إنّ هذه الآية تدلّ على أنّ الحرام ليس رزقاً، لأنّه سبحانه مدحهم بانفاق الرزق، والانفاق من الحرام لا يوجب المدح. وقد يقال أنّ تقديم الظرف يفيد الحصر، وهو يقتضي كون المال المنفق على ضربين: ما رزقه الله وما لم يرزقه، وأنّ المدح إنّما هو على الانفاق ممّا رزقهم الله وهو الحلال، لا ممّا سوّلت لهم أنفسهم من الحرام، ولو كان كلّ ما ينفقونه رزقاً من الله سبحانه لم يستقم الحصر، فتأمّل(4).
1) سنن ابن ماجه: ج 1 ص 1263 كتاب الدعاء.
2) البقرة: 3.
3) التبيان: ج 1 ص 57.
4) وجه التأمّل: أنّ التقديم لا ينحصر في أن يكون للحصر فقط، إذ يمكن أن يكون هاهنا للسجع. وأيضاً إنّما أُستفيد من هذا كون الحلال رزقاً لأنّ الحرام ليس برزق مع أنّه المبحوث عنه وأيضاً يمكن أن يكون «من» في قوله تعالى مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ للتبعيض.
كتاب أميرالمؤمنين عليه السلام *
الى شريح القاضي في شراء بيت *
«... قال لي شريح: اشتريت داراً بثمانين ديناراً وكتبت كتاباً وأشهدت عدولاً، فبلغ أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فبعث اليّ مولاه قنبر فأتيته، فلمّا دخلت عليه قال: يَا شُرَيْحُ اشْتَرَيْتَ دَاراً وَكَتَبْتَ كِتَاباً وَأَشْهَدْتَ عُدُولاً وَوَزَنْتَ مَالاً؟
فقلت : نعم.
قال عليه السلام: يَا شُرَيْحُ اتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَنْ لَا يَنْظُرُ فِي كِتَابِكَ وَلَا يَسْأَلُ عَنْ بَيْتِكَ حَتَّى يُخْرِجَكَ مِنْ دَارِكَ شَاخِصاً وَ يُسْلِمَكَ إِلَى قَبْرِكَ خَالِصاً، فَانْظُرْ أَنْ لَا تَكُونَ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيْرِ مَالِكِهَا، وَوَزَنْتَ مَالاً مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ خَسِرْتَ الدَّارَيْنِ جَمِيعاً الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ...».
أمالي الصدوق: المجلس 51 ص 276
و بالسند المتصل الى الشيخ الجليل محمد بن بابويه، عن صالح بن عيسى بن أحمد ، عن محمد بن محمد بن علي ، عن محمد بن الفرج الرخجي ، عن عبدالله بن محمد العجلي ، عن عبدالعظيم بن عبدالله الحسني، عن أبيه، عن أبان مولى زيد بن علي، عن عاصم بن بهدلة قال:
قال لي شريح: اشتريت داراً بثمانين ديناراً و كتبت كتاباً و أشهدت عدولاً، فبلغ أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فبعث اليّ مولاه قنبر فأتيته ، فلمّا دخلت عليه قال : يَا شُرَيْحُ اشْتَرَيْتَ دَاراً وَ كَتَبْتَ كِتَاباً وَ أَشْهَدْتَ عُدُولاً وَ وَزَنْتَ مَالاً؟
فقلت : نعم.
قال عليه السلام: يَا شُرَيْحُ اتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَنْ لَا يَنْظُرُ فِي كِتَابِكَ وَ لَا يَسْأَلُ عَنْ بَيْتِكَ حَتَّى يُخْرِجَكَ مِنْ دَارِكَ شَاخِصاً وَ يُسْلِمَكَ إِلَى قَبْرِكَ خَالِصاً ، فَانْظُرْ أَنْ لَا تَكُونَ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ الدَّارَ مَنْ غَيْرِ مَالِكِهَا، وَ وَزَنْتَ مَالاً مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ خَسِرْتَ الدَّارَيْنِ جَمِيعاً الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ.
ثمّ قال عليه السلام : يَا شُرَيْحُ فَلَوْ كُنْتَ عِنْدَمَا
اشتريت هذه الدار أتيتني فكتبت لك كتاباً على هذه النسخة إذن لم تشترها بدرهمين.
قال: قلت: وما كنت تكتب يا أميرالمؤمنين؟
قال عليه السلام: كنت أكتب لك هذا الكتاب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا مَا اشْتَرَى عَبْدٌ ذَلِيلٌ مِنْ مَيِّتٍ أُزْعِجَ بِالرَّحِيلِ. اشْتَرَى مِنْهُ دَاراً فِي دَارِ الْغُرُورِ مِنْ جَانِبِ الْفَانِينَ إِلَى عَسْكَرِ الْهَالِكِينَ، وَ تَجْمَعُ هَذِهِ الدَّارَ حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ: فَالْحَدُّ الْأَوَّلُ مِنْهَا يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الْآفَاتِ، وَالْحَدُّ الثَّانِي مِنْهَا يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الْعَاهَاتِ، وَالْحَدُّ الثَّالِثُ مِنْهَا يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الْمُصِيبَاتِ، وَالْحَدُّ الرَّابِعُ مِنْهَا يَنْتَهِي إِلَى الْهَوَى الْمُرْدِي وَالشَّيْطَانِ الْمُغْوِي، وَ فِيهِ يُشْرَعُ بَابُ هَذِهِ الدَّارِ. اشْتَرَى هَذَا الْمَفْتُونُ بِالْأَمَلِ مِنْ هَذَا الْمُزْعَجِ بِالْأَجَلِ جَمِيعَ هَذِهِ الدَّارِ بِالْخُرُوجِ مِنْ عِزِّ الْقُنُوعِ وَالدُّخُولِ فِي ذُلِّ الطَّلَبِ. فَمَا أَدْرَكَ هَذَا الْمُشْتَرِي مِنْ دَرَكٍ فَعَلَى مُبْلِي أَجْسَامِ الْمُلُوكِ، وَ سَالِبِ نُفُوسِ الْجَبَابِرَةِ مِثْلِ كِسْرَى وَ قَيْصَرَ وَ تُبَّعٍ وَ حِمْيَرَ وَ مَنْ جَمَعَ الْمَالِ إِلَى الْمَالِ فَأَكْثَرَ، وَ بَنَى فَشَيَّدَ، وَ نَجَّدَ فَزَخْرَفَ، وَادَّخَرَ بِزَعْمِهِ لِلْوَلَدِ إِشْخَاصُهُمْ جَمِيعاً إِلَى مَوْقِفِ الْعَرْضِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ وَ خَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ. شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ الْعَقْلُ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَسْرِ الْهَوَى، وَ نَظَرَ بِعَيْنِ الزَّوَالِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا، وَ سَمِعَ مُنَادِيَ الزُّهْدِ يُنَادِي فِي عَرَصَاتِهَا: مَا أَبْينَ الْحَقَّ لِذِي
عينين! إنَّ الرحيل أحد اليومين، تزوَّدوا من صالح الأعمال، وقرِّبوا الآمال بالآجال(1).
ما لعله يحتاج الى البيان في هذا الحديث
حتى يخرجك من دارك شاخصاً: يقال: شخص بصره -بالفتح- فهو شاخص: إذا فتح عينيه وصار لا يطرف. وهو هنا كناية عن الموت. و يجوز أن يكون من «شَخصَ من البلد» بمعنى ذهب وسار، أو من «شخص السهم» إذا ارتفع عن الهدف. والمراد: يخرجك منها مرفوعاً محمولاً على أكتاف الرجال.
ويسلمك الى قبرك خالصاً: سلَّمه إليه: أعطاه فتناوله منه. والمراد خالصاً من الدنيا وحطامها، ليس معك شيء منها. فانظر أن لاتكون اشتريت هذه الدار من غير مالكها: أي تأمَّل وتدبَّر لئلّا تكون أو في أن لا تكون. والمصدر المسبوق منصوب بنزع الخافض أي تأمَّل في عدم كونك شارياً لها من غير مالكها وفي أدائك ثمنها من غير حلِّه وتفحَّص عن ذلك لئلّا تكون واقعاً. فإذا أنت قد خسرت: «إذا» هذه الفجائية كالواقعة في قوله تعالى: فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ(2)أي فتكون مفاجئاً للخسران. اذن لم تشترها بدرهمين: إذن: حرف جواب وجزاء، والأكثر وقوعها بعد «أن» و «لو». واختلف في رسم كتابتها، والجمهور بالألف والنون، والمازني بالنون، والفرّاء كالجمهور إن علمت وكالمازني إن
أُهملت.
ازعج بالرحيل: بالبناء للمفعول من أزعجه فانزعج إذا أقلقه و قلعه من مكانه. يجمع هذه الدار: أي يحويها ويحيط بها الهوى المهوي المردي: أي المُهلك، والردى: الهلاك، والمراد هنا هلاك الدين. يشرع باب هذه الدار: يشرع بالبناء للمفعول بمعنى يفتح، يقول: أشرعت باباً الى الطريق أي فتحته. بالخروج من عزِّ القنوع: الباء للعوض، والقنوع بالضم: القناعة. فما أدرك هذا المشتري من درك: «ما» شرطية، وأدرك بمعنى لحق، واسم الإشارة مفعوله. وفي الصحاح: الدرك: التبعة، يحرَّك ويسكَّن، يقال: مالحقك من درك فعليَّ خلاصة(1). إنتهى.
فعلى مبلى أجسام الملوك: مُبلى كمكرم من البلاء بالكسر، وهو الدثور والاندراس، والجار والمجرور خبر مقدَّم عن أشخاصهم. مثل كسرى: وهو بكسر الكاف وفتحها لقب ملوك الفرس، وهو معرَّب خسرو أي واسع الملك. وقيصر: لقب ملك الروم. وتُبَّع: بضمّ التاء المثنّاة من فوق وتشديد الباء الموحّدة المفتوحة: ملك اليمن وهو مفرد، وجمعه التبابعة. وحمير: بكسر أوّله أبو قبيلة من اليمن كان منهم الملوك في الزمن السابق. وبنى فشيّد: الشيد بكسر الشين ما يطلى به الحائط من الجصّ.
1) صحاح اللغة: ج 4 ص 1582 مادة «درك».
و نحوه، يقال: شاده يشيده شيداً بالفتح جصَّصه، وهو مشيد أي معمول بالشيد، والمشيّد بالتشديد: المطوَّل.
ونجّد فزخرف: «نجّد» بالنون والجيم المشدّدة والدال المهملة من النجدة، وهو ما ارتفع من الأرض. ويجوز أن يكون ممّا ينجد به البيت أي يزيّن من بسط وفرش ووسائد. والزخرف بالضمّ: الذهب، وزخرفه: زيّنه.
إشخاصهم لفصل القضاء: أي ازعاجهم واحضارهم، الضمير للبائع والمبيع والمشتري وصاحب الدرك، أي أنّ الموت متعهّد ومتكفّل بإحضارهم جميعاً للقضاء الفصل، والكلام كلّه استعارات، ولا يخفى تفصيلها على الناقد البصير. في عرصاتها: أي ساحاتها. والضمير إمّا للدار أو للدنيا، والأوّل أقرب وان كان أبعد. ما أبين الحقّ لذي عينين: «ما» تعجبيّة أي ما أظهر الحقّ لصاحب البصيرة. أنّ الرحيل أحد اليومين: أي كما أنّ لابن آدم يوم ولادة وهو يوم القدوم الى هذه الدار فله يوم رحيل عنها وهو يوم الموت، فينبغي أن لا يزول عن خاطره بل يجعله أبداً نصب عينيه. وقرّبوا الآمال بالآجال: أي قصّروها بتذكّر الموت الذي هو هادم اللذّات وفاضح الآمال.
[ التوجيه العرفاني للحديث ]
يمكن أن تكون «الدار» في قوله عليه السلام «اشترى منه داراً» رمز الى هذه البُنية البدنية، والمشتري رمز الى النفس الناطقة الإنسانية العاكفة
على تلك البُنية الظلمانية المشغولة بها عن العوالم المقدّسة النورانية، والبائع رمز الى الأبوين اللذين منهما حصلت الأجزاء المنوية المتكوّن منها البُنية التي مبدأها من جانب الفانين، ومآلها الى عسكر الهالكين.
ثمّ هذه البُنية أعني البدن وإن كان مركباً للنفس و وسيلة لها الى تحصيل كمالاتها لكن قوّتها البهيمية دواعي وأسباب لآفات النفس و عاهاتها ومصيباتها واتّباعها للهوى والشيطان، فنزل عليه السلام تلك الدواعي منزلة حدود الدار المكتنفة بها من جوانبها.
ولمّا كان الخروج من ولاية الله والدخول في ولاية الطاغوت يحصل باتّباع الهوى والشيطان ناسب أن يجعل باب تلك الدار في هذا الحدّ.
ولمّا كان ذلّ النفس وخروجها عن استغنائها الذي كانت عليه في عالمها النوراني ملازماً لعكوفها على هذا البدن الهيولاني ومسبباً عن تعلّقها به وشرائها له شبّهه عليه السلام بالثمن الذي هو من لوازم الشراء.
ولمّا كان الموت هو السائق الذي يسوق الخلق بأجمعهم طوعاً و كرهاً الى موقف القيامة ليقضي بينهم الحكم العدل وينتصف من المعتدي للمعتدى عليه شبّهه عليه السلام بشخص ضمن الدرك وتعهّد أن يحضر كلّ من له دخل في هذه المعاملة الى دار القضاء ليحكم بينهم ويقضي لمن له الحقّ بحقّه.
هذا ما خطر بالبال في معنى هذا الكلام. ولعلّ أميرالمؤمنين أراد معنى آخر غير هذا لم يهتد نظري الكليل إليه، ولم يعثر فكري العليل عليه، والله أعلم بحقيقة الحال.
*توبة عامل بني أمية وأداء حقوق الناس *
«... کانَ لِي صَدِيقٌ مِنْ کُتَّابِ بَنِي أُمَيَّةَ فَقَالَ: اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى أَبِي عَبْدِاللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَاسْتَأْذَنْتُ لَهُ فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ وَ سَلَّمَ، جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: جُعِلْتُ فِدَاکَ إِنِّي کُنْتُ فِي دِيوَانِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَأَصَبْتُ مِنْ دُنْيَاهُمْ مَالاً کَثِيراً وَ أَغْمَضْتُ فِي مَطَالِبِهِ. فَقَالَ أَبُو عَبْدِاللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَوْلَا أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ وَجَدُوا مَنْ يَکْتُبُ لَهُمْ وَ يَجْبِي لَهُمُ الْفَيْءَ وَ يُقَاتِلُ عَنْهُمْ جَمَاعَتَهُمْ لَمَا سَلَبُونَا حَقَّنَا، وَ لَوْ تَرَکَهُمُ النَّاسُ وَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا وَجَدُوا شَيْئاً إِلَّا مَا وَقَعَ فِي أَيْدِيهِمْ...».
الكافي: ج 5 ص 106 ح4
و بالسند المتصل الى الشيخ الجليل محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد بن بندار، عن ابراهيم بن اسحاق، عن عبدالله بن حماد، عن علي بن ابي حمزة قال:
«كَانَ لِي صَدِيقٌ مِنْ كُتَّابِ بَنِي أُمَيَّةَ فَقَالَ: اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى أَبِي عَبْدِاللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَاسْتَأْذَنْتُ لَهُ فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ وَسَلَّمَ، جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي كُنْتُ فِي دِيوَانِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَأَصَبْتُ مِنْ دُنْيَاهُمْ مَالًا كَثِيرًا وَ أَغْمَضْتُ فِي مَطَالِبِهِ.
فَقَالَ أَبُو عَبْدِاللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَوْلَا أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ وَجَدُوا مَنْ يَكْتُبُ لَهُمْ وَ يَجْبِي لَهُمُ الْفَيْءَ وَ يُقَاتِلُ عَنْهُمْ جَمَاعَتَهُمْ لَمَا سَلَبُونَا حَقَّنَا، وَ لَوْ تَرَكَهُمُ النَّاسُ وَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا وَجَدُوا شَيْئاً إِلَّا مَا وَقَعَ فِي أَيْدِيهِمْ.
فَقَالَ الْفَتَى: جُعِلْتُ فِدَاكَ فَهَلْ لِي مِنْ مَخْرَجٍ مِنْهُ؟
قَالَ: إِنْ قُلْتُ لَكَ تَفْعَلْ؟ قَالَ: أَفْعَلُ.
قَالَ: فَاخْرُجْ مِنْ جَمِيعِ مَا اكْتَسَبْتَ فِي دِيوَانِهِمْ، فَمَنْ عَرَفْتَ مِنْهُمْ رَدَدْتَ عَلَيْهِ مَالَهُ، وَ مَنْ لَمْ»
تَعْرِفْهُ تَصَدَّقْتَ بِهِ وَ أَنَا أَضْمَنُ لَكَ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ.
فَأَطْرَقَ الْفَتَى طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ: فَرَجَعَ الْفَتَى مَعَنَا إِلَى الْكُوفَةِ فَمَا تَرَكَ شَيْئاً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَّا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى ثِيَابَهُ الَّتِي عَلَى بَدَنِهِ.
قَالَ: فَقَسَمْنَا Lَهُ قِسْمَةً وَ شَرَيْنَا لَهُ ثِيَاباً وَ بَعَثْنَا إِلَيْهِ بِنَفَقَةٍ. قَالَ: فَمَا أَتَى عَلَيْهِ إِلَّا أَشْهُرٌ قَلَائِلُ حَتَّى مَرِضَ فَكُنَّا نَعُودُهُ.
قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ يَوْماً وَ هُوَ فِي الْمَوْتِ قَالَ: فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا عَلِيُّ وَفَى لِي - وَ اللَّهِ - صَاحِبُكَ.
قَالَ: ثُمَّ مَاتَ وَ تَوَلَّيْنَا أَمْرَهُ. فَخَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِاللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ قَالَ لِي: يَا عَلِيُّ وَفَيْنَا وَ اللَّهِ لِصَاحِبِكَ.
قَالَ: فَقُلْتُ: صَدَقْتَ جُعِلْتُ فِدَاكَ هَكَذَا وَ اللَّهِ قَالَ لِي عِنْدَ مَوْتِهِ(1).
ما لعله يحتاج الى البيان في هذا الحديث
من كتاب بني أمية: أي من عمالهم.
أغمضت في مطالبه: أي تساهلت في تحصيله ولم اجتنب من
1) الكافي: ج 5 ص 106 ح 4.
الحرام والشبهات. وأصله من غماض العين.
ويجبي لهم الفيء: يجبي بالجيم، أي يجمع، يقال: جبيت الخراج جباية، وجبوته جباوة، والمراد بالفيء الخراج.
إلا خرج منه: أي فارقه وأخرجه من يده. وفي الكلام استعارة بالكناية وتخييل، شبّه المال بالشيء المخيط بالإنسان كالثوب و نحوه و أثبت له الخروج منه(1).
فقسمنا له قسمة: أي فرضنا له فيما بيننا شيئاً وقسّطناه على أنفسنا.
أشهر قلائل: الوصف بالقلائل لتأكيد القلّة فإنّ أفعل من جموع القلّة وليس من المشترکات بين جمع القلّة والكثرة كأذرع ورجال ليكون الوصف مؤسّساً لمجيء شهور، فكأنّها كانت أقرب الى الثلاثة من العشرة.
و هو في السوق: أي في النزع.
[ حرمة إعانة الظلمة حتّى إذا كان الفعل مباحاً ]
يستفاد من قوله عليه السلام «لو لا أنّ بني أُميّة... الى آخره» انّ إعانة الظالمين حرام ولو كانت بما هو مباح في نفسه لقوله عليه السلام: «و يشهد جماعتهم».
و يؤيّده ما رواه الشيخ في الحسن عن ابن أبي يعفور قال: كنت عند أبي عبدالله عليه السلام إذ دخل عليه رجل من أصحابه فقال له: أصلحك الله انّه ربّما أصاب الرجل منّا الضيق أو الشدّة فيدعى الى البناء يبنيه أو النهر يكريه أو المسنّاة يصلحها فما تقول في ذلك؟ فقال أبو عبدالله عليه
1) قوله «وفي الكلام استعارة... الى قوله: الخروج منه» ليس في (ل).
السَّلَامُ: مَا أُحِبُّ أَنْ عَقَدْتُ لَهُمْ عُقْدَةً أَوْ وَكَيْتُ لَهُمْ وِكَاءً وَ أَنَّ لِي مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا لَا وَ لَا مَدَّةً بِقَلَمٍ؛ إِنَّ أَعْوَانَ الظَّلَمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي سُرَادِقٍ مِنْ نَارٍ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ الْعِبَادِ(1).
وَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِاللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا تُعِنْهُمْ عَلَى بِنَاءِ مَسْجِدٍ(2).
وَ رَوَى ابْنُ بَابَوَيْهِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَنْ آبَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: أَلَا وَ مَنْ عَلَّقَ سَوْطاً بَيْنَ يَدَيْ سُلْطَانٍ جَائِرٍ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ السَّوْطَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُعْبَاناً مِنْ نَارٍ طُولُهُ سَبْعُونَ ذِرَاعاً سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ»(3).
وأمثال هذه الأحاديث كثيرة.
وهي كما ترى عامّة في الإعانة بالمحرّم والمباح بل المندوب.
وربّما يستأنس له بقوله تعالى: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ(4).
و يظهر من كلام بعض فقهائنا في مبحث المكاسب أنّ معونة الظالمين إنّما تحرم إذا كانت بما هو محرّم في نفسه، وأمّا إعانتهم على تحصيل أموالهم و خياطة ثيابهم وبناء منازلهم مثلاً فليس بمحرّم.
وهذا التفصيل إن كان قد انعقد عليه إجماع فلا كلام فيه، وإلَّا فللنظر فيه مجال، فإنَّ النصوص على ما قلناه متظافرة.
وأيضاً فعلى هذا لا معنى حينئذٍ لتخصيص الإعانة بالظالمين فإنَّ إعانة كلِّ أحد بالمحرَّم محرَّمة، بل فعل المحرَّم في نفسه حرام، سواء كان
إعانة أو غير إعانة.
والعجب من العلامة في التذكرة(1)حيث خصّ تحريم معونتهم بما يحرم، ثمّ استدلّ على ذلك بالروايات السالفة. وهي كما عرفت صريحة في خلاف ما ادّعاه فتأمّل.
هذا والظاهر أنّ مرجع الإعانة الى العرف، فما سُمِّيَ إعانة عرفاً حرام.
وما ينقل عن بعض الأكابر أنّ خياطاً قال إنّي أخيط للسلطان ثيابه فهل تراني داخلاً بهذا في أعوان الظلمة؟ فقال: الداخل في أعوان الظلمة من يبيعك الأبر والخيوط، وأمّا أنت فمن الظلمة أنفسهم. فالظاهر أنّه محمول على نهاية المبالغة في الاحتراز عنهم والاجتناب من تعاطي أُمورهم، وإلّا فالأمر مشكل جدّاً. نسأل الله العصمة والتوفيق.
[ انكشاف أحوال النشأة الأُخرى عند الاحتضار ]
ما تضمنه هذا الحديث من قول ذلك الرجل عند حضور موته: «وفي لي والله صاحبك» يدلّ على أنّه ينكشف للإنسان عند الاحتضار بعض أحوال تلك النشأة ويظهر عليه أنّه من أهل السعادة أو الشقاوة كما ظهر لهذا الرجل وفاء الصادق عليه السلام بما ضمنه له من الجنّة.
وقد ورد في هذا المعنى أحاديث متكثرة، فقد روى المخالف والمؤالف عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَنْ يَخْرُجَ أَحَدُكُمْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ مَصِيرُهُ، وَ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ»(2).
وروى الشيخ الجليل ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني في
كتاب الجنائز من الكافي في باب ما يعاين المؤمن والكافر، عن علي بن عقبة، عن أبيه في حديث طويل قال: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِاللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا عُقْبَةُ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنَ الْعِبَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ، وَ مَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَ بَيْنَ أَنْ يَرَى مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ إِلَّا أَنْ تَبْلُغَ نَفْسُهُ إِلَى هَذِهِ، ثُمَّ أَهْوَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِيَدِهِ إِلَى الْوَرِيدِ.. الحديث(1).
وعن بعض أصحاب القلوب أنّه فتح عينيه وهو محتضر وتبسّم و قال: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ(2).
ونقل المحدّثون من أصحابنا أحاديث متكثرة صريحة في أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأميرالمؤمنين عليه السلام يحضران عند كلّ محتضر ويبشّرانه بما يؤول إليه حاله من سعادة أو شقاوة. والأبيات التي عن أميرالمؤمنين عليه السلام في مخاطبة الحارث الهمداني مشهورة(3)
یا حارِ هَمدانَ مَن یَمُت یَرَنی *** مِن مُؤمِنٍ أَو مُنافِقٍ قُبُلا
وفي كثير من كتب السير مسطورة. رزقنا الله البشارة بالسعادة، ومَنَّ علينا جميعاً بالحُسنى وزيادة، إنّه جواد كريم رؤوف رحيم.*دعاء أداء القرض *
«... شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ دَيْناً كَانَ عَلَيَّ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ قُلِ: «اللَّهُمَّ أَغْنِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَ بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ» فَلَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ صَبِيرٍ دَيْناً قَضَاهُ اللَّهُ عَنْكَ. والصّبير: اسم جبل باليمن، ليس باليمن جبل أعظم منه».
أمالي الصدوق: المجلس 61 ص 347
و بالسند المتصل الى الشيخ الجليل محمد بن بابويه، عن محمد بن بكران النقّاش، عن أحمد بن محمد الهمداني مولى بني هاشم، عن عبيد بن حمدون الرواسي، عن حسين بن نصر، عن أبيه، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن عبدالله الأنصاري، عن الإمام أبي جعفر محمد بن عليّ الباقر، عن أبيه عليّ بن الحسين زين العابدين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أميرالمؤمنين عليهم السلام قال:
شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ دَيْناً كَانَ عَلَيَّ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ قُلِ: «اللَّهُمَّ أَغْنِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَ بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ» فَلَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ صَبِيرٍ دَيْناً قَضَاهُ اللَّهُ عَنْكَ.
والصّبير: اسم جبل باليمن، ليس باليمن جبل أعظم منه(1).
قال جامع هذه الأحاديث عفا الله عنه: كثر عليَّ الدين في بعض السنين حتّى تجاوز ألفاً وخسمائة مثقال ذهباً، وكان أصحابه متشدّدين في تقاضيه غاية التشدّد حتّى شغلني الاهتمام به عن أكثر أشغالي، ولم يكن لي في وفائه حيلة ولا الى أدائه وسيلة، فواظبت على هذا الدعاء فكنت
1) أمالي الصدوق: مجلس 61 ص 347.
أكرره كلّ يوم بعد صلاة الصبح، وربّما دعوت به بعد الصلوات الأُخر فيسّر الله سبحانه قضاءه وعجّل أداءه في مدّة يسيرة بأسباب غريبة ما كانت تخطر بالبال ولا تمرّ بالخيال.
«... قَالَ الْمَأْمُونُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ: وَ لَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ... الآية كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلِيمُ اللَّهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الرُّؤْيَةُ حَتَّى يَسْأَلَهُ هَذَا السُّؤَالَ؟
فَقَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَلَّ أَنْ يُرَى بِالْأَبْصَارِ وَ لَكِنَّهُ لَمَّا كَلَّمَهُ وَ قَرَّبَهُ نَجِيًّا رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّمَهُ وَ قَرَّبَهُ وَ نَاجَاهُ، فَقَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَسْمَعَ كَلَامَهُ كَمَا سَمِعْتَ...».
و بسندي المتصل الى الشيخ الصدوق ثقة الإسلام محمد بن بابويه قدّس الله روحه، عن تميم بن عبدالله القرشي، عن أبيه عبدالله بن تميم، عن أحمد بن سليمان النيشابوري، عن عليّ بن الجهم في حديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة قال:
قَالَ الْمَأْمُونُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ: وَ لَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ... الآية(1)كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلِيمُ اللَّهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الرُّؤْيَةُ حَتَّى يَسْأَلَهُ هَذَا السُّؤَالَ؟
فَقَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَلَّ أَنْ يُرَى بِالْأَبْصَارِ وَ لَكِنَّهُ لَمَّا كَلَّمَهُ وَ قَرَّبَهُ نَجِيًّا رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّمَهُ وَ قَرَّبَهُ وَ نَاجَاهُ، فَقَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَسْمَعَ كَلَامَهُ كَمَا سَمِعْتَ. وَ كَانَ الْقَوْمُ سَبْعَمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ، فَاخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ أَلْفاً، ثُمَّ
1) الأعراف: 143.
اخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعَةَ آلَافٍ، ثُمَّ اخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعَمِائَةٍ، ثُمَّ اخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِ رَبِّهِ. فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى طُورِ سَيْنَاءَ فَأَقَامَهُمْ فِي سَفْحِ الْجَبَلِ، وَ صَعِدَ مُوسَى إِلَى الطُورِ وَ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُكَلِّمَهُ وَ يُسْمِعَهُمْ كَلَامَهُ، فَكَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَ سَمِعُوا كَلَامَهُ مِنْ فَوْقٍ وَ أَسْفَلَ وَ يَمِينٍ وَ شِمَالٍ وَ وَرَاءٍ وَ أَمَامٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْدَثَهُ فِي الشَّجَرَةِ ثُمَّ جَعَلَهُ مُنْبَعِثاً مِنْهَا حَتَّى سَمِعُوهُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ.
فَقَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ بِأَنَّ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً(1).
فَلَمَّا قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ الْعَظِيمَ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَاعِقَةً فَأَخَذَتْهُمْ بِظُلْمِهِمْ فَمَاتُوا.
فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا رَبِّ مَا أَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَيْهِمْ وَ قَالُوا: إِنَّكَ ذَهَبْتَ بِهِمْ وَ قَتَلْتَهُمْ لِأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ صَادِقاً فِيمَا ادَّعَيْتَ مِنْ مُنَاجَاةِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاكَ. فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ وَ بَعَثَهُمْ مَعَهُ.
فَقَالُوا: إِنَّكَ لَوْ سَأَلْتَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُرِيَكَ تَنْظُرْ إِلَيْهِ لَأَجَابَكَ وَ كُنْتَ تُخْبِرُنَا كَيْفَ هُوَ وَ نَعْرِفُهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ.
فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا قَوْمِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُرَى بِالْأَبْصَارِ وَ لَا كَيْفِيَّةَ لَهُ وَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِآيَاتِهِ وَ يُعْلَمُ بِأَعْلَامِهِ.
1) البقرة: 55.
قَقَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَسْأَلَهُ.
فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ قَدْ سَمِعْتَ مَقَالَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ أَنْتَ أَعْلَمُ بِصَلَاحِهِمْ.
فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: يَا مُوسَى سَلْنِي مَا سَأَلُوكَ فَلَنْ أُوَاخِذَكَ بِجَهْلِهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ يَقُولُ: رَجَعْتُ إِلَى مَعْرِفَتِي بِكَ عَنْ جَهْلِ قَوْمِي وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ(1)مِنْهُمْ بِأَنَّكَ لَا تُرَى.
فَقَالَ الْمَأْمُونُ: لِلَّهِ دَرُّكَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ(2).
فَقَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَ لَوْ لَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِهَا كَمَا هَمَّتْ بِهِ، لَكِنَّهُ كَانَ مَعْصُوماً وَ الْمَعْصُومُ لَا يَهُمُّ بِذَنْبٍ.
فَقَالَ الْمَأْمُونُ: لِلَّهِ دَرُّكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ(3).
فَقَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: ذَاكَ يُونُسُ بْنُ مَتَّى ذَهَبَ مُغاضِباً لِقَوْمِهِ فَظَنَّ بِمَعْنَى اسْتَيْقَنَ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ أَنْ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَ أَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ(1)أَيْ ضَيَّقَ وَ قَتَرَ فَنادى فِي الظُّلُماتِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَ ظُلْمَةِ الْبَحْرِ وَ بَطْنِ الْحُوتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ بِتَرْكِي مِثْلَ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الَّتِي فَرَغْتُ لَهَا فِي بَطْنِ الْحُوتِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ. قَالَ سُبْحَانَهُ: فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(2).
فَقَالَ الْمَأْمُونُ: لِلَّهِ دَرُّكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ(3).
قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ عِنْدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ أَعْظَمَ ذَنْباً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ صَنَماً، فَلَمَّا جَاءَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ بِالدَّعْوَةِ إِلَى كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ كَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَ عُظِمَ وَ قَالُوا: أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ * وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ
يُرادُ ﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَٰذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ(1)فلمّا فتح الله تعالى على نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم مكّة قال: يا محمّد إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ عند مشركي أهل مكّة بدعائك الى توحيد الله فيما تقدّم وما تأخّر. فقال المأمون: لقد شفيت صدري يابن رسول الله وأوضحت لي ما كان ملتبساً، فجزاك الله عن أنبياء الله وعن الإسلام خيراً(2).
ما لعله يحتاج الى البيان في هذا الحديث
قَرَّبَهُ نَجِيّاً: فعيل من المناجاة وهي المسارّة. و يمكن جعله مصدراً. وهو على التقديرين حال من فاعل «قرّب» أو مفعوله. حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً: أي عياناً. وانتصابها على المفعول المطلق أو الحال من فاعل «نرى» أو مفعوله. جَعَلَهُ دَكّاً: أي مدكوكاً مُفَتَّتاً. والخرور: السقوط على الوجه.
وَصَعِقاً: أي مغشيّاً عليه. وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ: همّ بالشيء قصدّه و عزم عليه. والمراد - والله أعلم - قصدت مخالطته.
وَلَوْلَا أَنْ رَأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ: لقصد مخالطتها. فقوله تعالى: وَهَمَّ بِهَا جواب «لولا» مقدّم عليها، أو دالّ على الجواب، كما تقول: «قتلتك لولا أن أخاف الله» وستسمع لهذا زيادة تحقيق. أَنْ لَنْ نَضِيقَ عَلَيْهِ: رزقه، ومنه قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ(1)والمراد - والله أعلم - أنّه علم أنّنا نرزقه من غير تقتير، سواء كان مقيماً بين قومه أو مهاجراً عنهم. وهذا التفسير الذي فسّره الإمام عليه السلام هو الحقّ الذي لا محيل عنه، فلا يُعبأ بعده بما قيل من أنّ المراد: فظنّ أن لن نقضي عليه بالعقوبة، من القدر بمعنى القضاء، أو هو تمثيل لحاله بحال من ظنّ أن لن نقدر عليه، أو هي خطرة شيطانية سبقت إلى وهمه فسمّيت ظنّاً للمبالغة، وأمثال ذلك ممّا هو بالإعراض عنه حقيق.
سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ: بتركي مثل هذه العبادة التي فرغت لها في بطن الحوت. هذا كلام منه عليه السلام لم أظفر به في شيء من التفاسير التي اطّلعت عليها، وهو يؤيّد ما قاله أهل الكشف والعرفان من أنّ القرب الذي حصل ليونس على نبيّنا وآله وعليه السلام في بطن الحوت لم يحصل له قبل ذلك ولا بعده مثله، حتّى جعلوا التقام الحوت معراجاً له عليه السلام، ونقلوا في ذلك حديثاً عن النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وقد نظمه العارف الرومي في المثنوي. إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ: أي أنّ هذا الأمر من نوائب الدهر يُراد بنا فلا مردّ له، أو أنّ مقصده محمّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من الرئاسة والترفع على العرب والعجم شيء يريده كلّ أحد. مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ: أي ما سمعنا بما يقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من التوحيد في الملّة التي أدركنا عليها آباءنا، أو في
1) الإسراء: 30.
ملّة عيسى عليه السلام التي هي آخر الملل، فإنّ النصارى مُثلِّثون(1)غير موحّدين أيضاً.
وَالِاخْتِلَاقُ: الكذب المخترع.
[ البحث بين الأشاعرة والمعتزلة حول رؤية الله سبحانه ]
الأشاعرة تمسّكوا بالآية الموردة في السؤال الأوّل على إمكان رؤيته تعالى من وجهين:
الوجه الأوّل: أنّه سبحانه علّق رؤية موسى عليه السلام له جلّ شأنه على استقرار الجبل ، و هو في نفسه أمر ممكن، والمعلّق على الممكن ممكن.
وقالت المعتزلة: ليس المعلّق عليه هو استقرار الجبل مطلقاً، فإنّ الجبل كان وقت هذا التعليق مستقرّاً وهو الآن مستقرٌّ أيضاً، بل استقراره حال التجلّي وهو غير ممكن، لأنّه سبحانه قد علّق عليه وقوع الرؤية بعد إخباره تعالى بعدم وقوعها بقوله: لَنْ تَرَانِي، و وقوع الرؤية بعد إخباره سبحانه بأنّها لا تقع محال، فاستقرار الجبل الذي علّق عليه هذا المحال محال أيضاً، وتعليق وقوع ما عُلم امتناع وقوعه على أمر صريح في امتناع وقوع ذلك الأمر، كما تقول لمن يجادلك في أمر: «إن كان كلامك حقّاً فشريك الباري موجود» تريد بهذا أنّ حقيقة كلامه محال كوجود الشريك للباري(2)فظاهر أنّه لا يلزم من هذا الكلام الاعتراف بإمكان الشريك.
لتعليقه على الممكن في ذاته وهو الصدق فتدبّر(1).
الوجه الثاني: إنّ رؤيته تعالى لو كانت ممتنعة كما يزعمه المعتزلة لم يسألها موسى عليه السلام لأنّ العاقل لا يطلب المحال، فسؤالها يدلّ على أنّه عليه السلام كان يعتقد جوازها عليه تعالى، كما نقوله نحن.
وما زعمه المعتزلة من امتناعها عليه تعالى يقتضي جهل النبيّ العظيم المعزَّز بالتكليم بما يجوز عليه سبحانه ويمتنع دون آحاد المعتزلة ومن له طرف من علم الكلام. وهذه طريقة عوجاء وملّة شنعاء لا يسلكها أحد من العقلاء.
والمعتزلة أيضاً تمسّكوا بتلك الآية وقالوا: إذا كانت الرؤية جائزة عليه تعالى كما تدّعونه فلم يسأل موسى عليه السلام وقومه(2)إلّا أمراً جائزاً عليه جلّ شأنه، فلم استعظم الله سبحانه ذلك السؤال استعظاماً بليغاً وسمّاه ظلماً ودكّ له الجبل وأرسل بسببه الصاعقة، قال الله تعالى: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ(3)؟
فأجابهم الأشاعرة: بأنّ ذلك الاستعظام البليغ والإنكار الشديد إنّما صدر عنه تعالى لأنّ موسى عليه السلام سأل الرؤية في الدنيا وعلى طريقة المقابلة والجهة، وذلك ممّا يمتنع عليه سبحانه.
وإنّما يجوز رؤيته في الآخرة من دون جهة ومقابلة.
وللمعتزلة أن يقولوا: إنّ هذا يقتضي جهل النبيّ المعظّم المعزَّز بالتكليم بما يجوز عليه سبحانه ويمتنع دون آحاد الأشاعرة، ومن له طرف
من علم الكلام الى آخر ما شَنَّعتم به علينا ونسبتموه أيّها الإخوان إلينا.
توضيح حال وتزييف مقال(1)
[ في صحّة تقدّم الجزاء على الشرط ]
أكثر النحاة على أنّ الجزاء لا يتقدّم على الشرط، لأنّ له صدر الكلام، فالجزاء في نحو قولك: «أنا ظالم إن فعلت كذا» مقدّر بعد الشرط والإسميّة المقدّمة دليل عليه، والتقدير: فعلت كذا فأنا ظالم.
وذهب بعضهم الى جواز تقديمه، فلا تقدير حينئذٍ.
وقول الإمام عليه السلام في الجواب عن السؤال الثاني «ولقد همّت به ولولا أن رأى برهان ربّه لهمَّ بها كما همّت به» ليس نصّاً في شيء من المذهبين كما لا يخفى.
نعم قد يدّعى أنّه ظاهر في الأوّل لقرينة تقدير اللام فيتأيّد به ما قاله المحقّقون من المفسّرين من أنّ قوله تعالى: وَهَمَّ بِهَا ليس هو جواب «لولا» لأنّها في حكم أدوات الشرط، فلا يتقدّم جوابها عليها، بل الجواب محذوف يدلّ عليه المذكور، والتقدير: لولا أن رأى برهان ربّه لهمَّ بها.
وأمّا ما ذهب إليه صاحب الكشّاف(2)وأكثر المفسّرين من أنّ التقدير: «لولا أن رأى برهان ربّه لخالطها» فممّا لا ينبغي الإلتفات إليه، فإنّه يقتضي بظاهره وقوع الهمّ بالمعصية من ذلك النبيّ الجليل و يحوج الى سلوك مسالك التجوز والتأويل، كما يقال المراد أنّ نفسه عليه السلام مالت الى مخالطتها بمقتضى الشهوة المركوزة في الطبع ميلاً شديداً يشبه الهمّ والعزم، أو أنّه سبحانه أطلق الهمّ على ذلك الميل النفساني على طريقة
المشاكلة، أو أنّه من قبيل تسمية المشارف على الشيء باسمه، و أمثال ذلك ممّا يوجب صرف الكلام حقيقة من غير داع يدعو إليه و باعث يبعث عليه لاتساع باب التقدير كما لايخفى على الناقد الخبير.
[ في المراد من «برهان ربّه» ]
المراد ببرهان ربّه: مانصبه من الدلائل العقلية والنقلية الدلالة على وجوب اجتناب المحارم والتباعد عن الذنوب والمآثم.
وقد يستفاد من كلام الإمام عليه السلام أنَّ من جملة ذلك الهمَّ بالمعصية والقصد إليها فإنّه عليه السلام جعل ذلك من منافيات العصمة، حيث قال: «وَالمَعْصُومُ لَا يَهُمُّ بِذَنْبٍ وَلَا يَأْتِيهِ».
اللّهمّ إلّا أن يقال: جعل الهمّ بالمعصية منافياً للعصمة لا يقتضي كونه ذنباً لجواز كونه من قبيل السهو والنسيان، فإنّهما ينافيان العصمة عند الإمامية وليسا من الذنوب.
و من جوّز على الأنبياء صلوات الله عليهم اقتراف المعاصي وارتکاب الآثام فسرّ همّ يوسف عليه السلام بأنّه حلَّ سراويله وجلس منها مجلس المجامع، وفسّر البرهان بأنّه سمع صوتاً: «إِيَّاكَ وَإِيَّاهَا» فلم يرتدع، ثمّ سمعه ثانياً فلم ينته(1)، ثمّ سمع ثالثاً: «أَعْرِضْ عَنْهَا» فلم ينزجر، حتّى تمثّل له يعقوب عليه السلام عاضاً على أنملته.
وقيل: سمع صوتاً: «يَا يُوسُفُ لَا تَكُنْ كَالطَّائِرِ كَانَ لَهُ رِيشٌ فَلَمَّا زَنَا قَعَدَ لَا رِيشَ لَهُ».
وقيل: بدت بينهما كفّ مكتوب فيها: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ
1) (ل): ينتبه.
كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾(1)فلم ينصرف عمّا هو عليه، ثمّ رأى فيها: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا(2)فلم يتنبّه، ثمّ رأى فيها: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ(3)فلم يتأثّر بذلك. فقال الله سبحانه وتعالى لجبرئيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة، فانحطّ جبرئيل و هو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء و أنت مكتوب في ديوان الأنبياء؟!
وأنا أقول: قاتل الله قوماً يعتقدون في أنبياء الله التلبّس بمعاصيه و عدم الانزجار والارتداع عمّا هم فيه مع مشاهدة أمثال هذه الزواجر الجليلة والروادع القوية. نعوذ بالله من اقتحام أودية الغواية ونسأله العصمة والهداية.
و إنّي ليعجبني كلام العلامة الزمخشري في التشنيع عليهم أعمى الله أبصارهم وخذل أنصارهم، قال في الكشّاف بعد نقل كلامهم وتبيين مرامهم: هذا ونحوه ممّا يورده أهل الحشو والجبر الذين دينهم بهت الله و أنبيائه، و أهل العدل والتوحيد ليسوا من مقالاتهم و رواياتهم بحمدالله بسبيل، و لو وجدت من يوسف عليه السلام أدنى زلّة لنعيت(4)عليه و ذكرت توبته و استغفاره، كما نعيت على آدم زلّته، و على داود و على نوح و على أيوب(5)وعلى ذي النون وذكرت توبتهم واستغفارهم.
كيف وقد أثنى عليه وسُمِّي مخلصاً، فعُلم بالقطع أنّه ثبت في هذا
1) الإنفطار: 10 - 11.
2) الإسراء: 32.
3) البقرة: 281.
4) في هامش (ع): النعي: هو إظهار الخبر الرديء. (منه رحمه الله).
5) في هامش (ع): قوله «وعلى أيوب» فيه نظر، إذ لم يجر له ذكر في القرآن إلّا على وجه يدلّ على عظم شأنه وأمّا ان كان بتقصيره فلم يذكر القرآن دلالة عليه، وقد نبّه على هذا صاحب الكشف. (منه رحمه الله).
المقام الدحض(1)، وأنه جاهد نفسه مجاهدة أولي القوّة والعزم، ناظراً في دليل التحريم ووجه القبح حتّى استحقّ من الله الثناء فيما أُنزل من كتب الأولين.
ثمّ في القرآن الذي هو حجة على سائر كتبه مصداق لها ولم يقتصر إلّا على استيفاء قصّته وضرب سورة كاملة عليها ليجعل له لسان صدق في الآخرين كما جعله لجدّه الخليل إبراهيم عليه السلام و ليقتدي به الصالحون الى آخر الدهر في العفّة وطيب الإزار والتثبّت في مواقف العثار.
فأخزى الله اولئك في إيرادهم ما يؤدّي الى أن يكون أنزل الله السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العزيز المبين ليقتدى بنبي من أنبياء الله في القعود بين شعب الزانية، وفي حلّ تكتّه للوقوع عليها، وفي أن ينهاه ربّه ثلاث كرّات و يصاح به من عنده ثلاث صيحات بقوارع القرآن و بالتوبيخ العظيم بالوعيد الشديد وبالتشبيه بالطائر الذي سقط ريشه حين سفد غير أنثاه وهو جاثم مريضه ولايتجلجل ولاينتهي ولايتنبّه حتّى يتداركه الله بجبرئيل، ولو أنّ أوقح الزناة وأشطرهم وأحدّهم حدقة و أجلحهم وجهاً لقي بأدنى مالقي به نبيّ الله ممّا ذكروا لما بقي له عرق ينبض ولاعضو يتحرّك، فياله من مذهب ما أفضحه و من ضلال ما أبينه(2). إنتهى كلام العلّامة جزاه الله عن أنبيائه خيراً.
وللفخر الرازي في هذا المقام كلام جيد جدّاً تنازعني نفسي الى ذكره و تأبى أن أطويه على غرّه.
قال في التفسير الكبير: انّ الذين لهم تعلّق بهذه الواقعة هم يوسف
عليه السلام والمرأة وزوجها والنسوة والشهود و ربّ العالمين و ابليس، و كلّهم قالوا ببراءة يوسف عليه السلام عن الذنب فلم يبق لمسلم توقّف في هذا الباب. أما يوسف عليه السلام فلقوله: هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي(1). و قوله: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ(2).
وأمّا المرأة فلقولها: أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ(3). وقالت: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ(4).
وأمّا زوجها فلقوله: إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ(5).
وأمّا النسوة فلقولهنّ: امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ(6). و قولهنّ: حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ(7).
وأمّا الشهود فقوله تعالى: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا(8).
وأمّا شهادة الله بذلك فقوله عزّ من قائل: كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ(9).
وأمّا إقرار إبليس بذلك فلقوله: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ(10)فأقرّ بأنه لا يمكنه إغواء العباد المخلصين،
وقد قال الله تعالى: إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ(1).
فقد أقرّ إبليس بأنّه لم يغوه.
وعند هذا نقول: هؤلاء الجهّال الذين نسبوا الى يوسف عليه السلام الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله فليقبلوا شهادة الله بطهارته ، و ان كانوا من أتباع ابليس و جنوده فليقبلوا إقرار إبليس(2). و هو كلام ظريف جيد جدّاً.
[ اضطرب كلام المفسّرين في تفسير آية الفتح ]
اضطرب كلام المفسّرين الذين لايجوّزون صدور الذنوب صغيرها و كبيرها عن الأنبياء عليهم السلام في تفسير الآية التي اشتمل عليها السؤال الرابع، فإنّ ظاهرها صدور الذنب سابقاً ولاحقاً منه صلّى الله عليه وآله وسلّم(2)وما ذكره الإمام عليه السلام هو الوجه الصحيح والحقّ الصريح الذي لاریب فيه ولاشكّ يعتريه.
وقد ذكر أصحاب السير أنّ المشركين كانوا يقولون إن مكّن الله تعالى محمّداً من بينه و حكمه في حرمه تبيّنا أنّه نبيّ حقّ، فلمّا يسّر الله له صلّى الله عليه وآله وسلّم فتح مكّة دخلوا في دين الله أفواجاً وأذعنوا بنبوّته كما نطق به الكتاب العزيز، وزال إنكارهم عليه صلّى الله عليه وآله وسلّم في الدعوة الى ترك عبادة الأصنام، وصار ذنبه عندهم مغفوراً، كما قرّره الإمام عليه السلام.
ولا يخفى أنّه إذا حمل الذنب المذكور في الآية على معناه
الظاهري، الذي فهمه أكثر المفسّرين لم يصحّ تعليل الفتح بغفران الذنب إلّا بتكلّف بعيد، كأن يقال: لمّا كان الفتح متضمّناً لجهاد العدوّ صحّ بهذا الإعتبار جعله سبباً لغفران الذنب المتقدّم والمتأخّر. وأمثال ذلك ممّا لايخفى بُعده.
وأمّا على ماقرّره الإمام عليه السلام في الجواب فاستقامة التعليل ممّا لا يحوم حوله شكّ ولاارتياب.
والعجب من أكثر علماء الشيعة الإمامية ومفسّريهم كشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي والشيخ الجليل أمين الإسلام الشيخ أبي علي الطبرسي والسيّد الأجلّ قدوة أهل الإيمان المرتضى علم الهدى قدّس الله أرواحهم مع كثرة تصنيفهم في التفسير والحديث والكلام كيف لم يذكروا في شيء من كتبهم هذا الجواب الذي ذكره الإمام عليه السلام وذكروا وجوهاً ضعيفة لاتشفي العليل ولاتروي الغليل، مع أنّ هذا الحديث موجود في مؤلّفات الشيخ الصدوق ثقة الإسلام محمد بن بابويه ككتاب عيون الأخبار(1)وغيره، وزمانه طاب ثراه متقدّم على زمانهم.
وأمّا الذين يجوّزون صدور المعاصي عن الأنبياء صلوات الله عليهم فمن جوّز عليهم الصغائر والكبائر معاً أبقى الذنب على عمومه، وقال: المراد بما تقدّم وما تأخّر هو ما وقع منه صلّى الله عليه وآله وسلّم قبل النبوّة وبعدها، أو قبل الفتح و بعده، أو ماوقع وما سيقع، أو ذنب أبويك آدم و حواء ببركتك وذنب أُمّتك بدعوتك.
و من جوّز الصغائر فقط ومنع من صدور الكبائر عنهم عليهم السلام حمل الذنب على الصغائر و جعل التقدّم والتأخّر كما جعله أُولئك.
وكلّ هذه الوجوه مشتركة في عدم استقامة التعليل بدون تكلّف.
1) عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج 1 ص 203.
شولا يخفى أنّ التقدّم والتأخّر على تفسير الإمام عليه السلام لايمكن حمله على ماقبل النبوّة و بعدها لأنّه صلوات الله عليه لم يدعهم الى التوحيد قبل النبوّة، و لاعلى ما قبل الفتح و بعده، لأنهم أذعنوا له صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد الفتح ولم يكن مذنباً عندهم حينئذٍ.
اللّهمّ إلّا أن يُراد بالنسبة الى من بلغهم خبر الفتح بعد مدّة.
والأنسب حمل ذلك على ما صدر منه صلوات الله عليه من الدعوة الى التوحيد قبل الهجرة وبعدها.
*صفات الجليس *
«... قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: قَالَتِ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا رُوحَ اللَّهِ مَنْ نُجَالِسُ؟ قَالَ: مَنْ يُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ، وَ يَزِيدُ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَ يُرَغِّبُكُمْ فِي الْآخِرَةِ عَمَلُهُ».
الكافي: ج 1 ص 39 ح 3
و بالسند المتصل الى الشيخ الجليل أمين الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن شريف بن سابق، عن الفضل بن أبي قرّة، عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: قَالَتِ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا رُوحَ اللَّهِ مَنْ نُجَالِسُ؟
قَالَ: مَنْ يُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ، وَ يَزِيدُ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَ يُرَغِّبُكُمْ فِي الْآخِرَةِ عَمَلُهُ(1).
ما لعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
قالت الحواريّون: هم خواصّ عيسى عليه السلام. قيل: سمّوا حواريّون لأنّهم كانوا قصّارين يحورون الثياب، أي يقصرونها و ينقّونها من الأوساخ ويبيّضونها، مشتق من الحور وهو البياض الخالص.
1) الكافي: ج 1 ص 39 ح 3.
و قال بعض العلماء: إنّهم لم يكونوا قصّارين على الحقيقة و إنّما أُطلق هذا الاسم عليهم رمزاً الى أنّهم كانوا ينقّون نفوس الخلائق عن أوساخ الأوصاف الذميمة والكدورات، ويرقّونها الى عالم النور من عالم الظلمات.
من يذكّركم الله رؤيته: وصف عليه السلام من يجوز مجالسته بثلاثة أوصاف: الأوّل: أن تكون رؤيته موجبة لذكر الله تعالى كما هو مشاهد من رؤية العبّاد والزهّاد والسالكين.
الثاني: أن يكون كلامه موجباً لازدياد علم من يجالسه.
الثالث: أن يكون عمله ممّا يرغّب في الآخرة، أي تكون رؤية أعماله و عباداته ممّا يوجب إقبال الرأي على الأعمال الأخروية والإعراض عن الاشغال الدنيوية.
ولا يخفى أنّ المراد بالمجالسة في هذا الحديث ما يشمل الأُلفة والمخالطة والمصاحبة. وفيه إشعار بأنّ من لم يكن على هذه الصفات فلاينبغي مجالسته ولا مخالطته، فكيف من كان موصوفاً بأضدادها كأكثر أبناء زماننا.
فطوبىٰ لمن وفّقه الله سبحانه لمباعدتهم والاعتزال عنهم والأُنس بالله وحده والوحشة منهم، فإنّ مخالطتهم تميت القلب وتفسد الدين و يحصل بسببها للنفس ملكات مهلكة مؤدية الى الخسران المبين، وقد ورد في الحديث: «فِرَّ مِنَ النَّاسِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ»(1).
وقال معروف الكرخي لأبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: «أوصني يابن رسول الله»، فقال: «أَقْلِلْ مَعَارِفَكَ». قال: زدني، قال: «أَنْكِرْ مَنْ عَرَفْتَ مِنْهُمْ».
1) ليس حديثاً، راجع إحياء علوم الدين كتاب العزلة.
متن استخراجشده و ویراستاریشده از تصویر کتاب، با رعایت دقیق قوانین و استانداردهای تعیینشده به شرح زیر است:
من عرفت منهم(1).
وروى الشيخ الجليل زين السالكين جمال الدين أحمد بن فهد في كتاب التحصين عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَسْلَمُ لِذِي دِينٍ دِينُهُ إِلَّا مَنْ يَفِرُّ مِنْ شَاهِقٍ إِلَى شَاهِقٍ، وَمِنْ جُحْرٍ إِلَى جُحْرٍ كَالثَّعْلَبِ بِأَشْبَالِهِ».
قالوا: ومتى ذلك الزمان؟
قال: إذا لم تنل المعيشة إلَّا بمعاصي الله فعند ذلك حلَّت العزوبة.
قالوا: يا رسول الله أمرتنا بالتزويج!
قال: بلى، ولكن إذا كان ذلك الزمان فهلاك الرجال على يدي أبويه، فإن لم يكن له أبوان فعلى يدي زوجته وأولاده، فإن لم يكن له زوجة ولا ولد فعلى يدي قرابته وجيرانه.
قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟
قال: يعيّرونه بضيق المعيشة ويكلّفونه مالا يطيق حتّى يوردوه موارد الهلكة(2).
«... قالَ إنَّ يهودياً كان له على رسولِ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم دنانير فتقاضاه.
فقال: يایهوديّ ماعندي ماأعطيك.
قال: فإنّي لا أُفارقك يامحمّد حتّى تقضيني.
فقال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: إذن أجلس معك.
فجلس صلَّى الله عليه وآله وسلَّم معه حتّى صلَّى في ذلك الموضع الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والغداة. وكان أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يتهدّدونه ويتواعدونه. فنظر رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم إليهم فقال: ماالّذي تصنعون به؟
فقالوا: يارسول الله يهودي يحبسك!
فقال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: لم يبعثني ربّي عزَّوجلَّ بأن أظلم معاهداً ولاغيره...».
أمالي الصدوق: المجلس 71 ص 417
وبالسند المتصل الى الشيخ الجليل عمادالإسلام محمد بن بابويه، عن الحسين بن إدريس، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد ابن يحيى الخزّاز، عن موسى بن اسماعيل، عن أبيه، عن الإمام أبي الحسن موسى الكاظم عليه السلام ، عن أبيه ، عن أبيه ، عن أبيه ، عن أبيه ، عن أبيه أميرالمؤمنين عليهم السلام قال:
إنَّ يهودياً كان له على رسولِ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم دنانير فتقاضاه.
فقال: يایهوديّ ماعندي ماأعطيك.
قال: فإنّي لا أُفارقك يامحمّد حتّى تقضيني.
فقال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: إذن أجلس معك.
فجلس صلَّى الله عليه وآله وسلَّم معه حتّى صلَّى في ذلك الموضع الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والغداة. وكان أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يتهدّدونه ويتواعدونه.
فنظر رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم إليهم فقال: ماالّذي تصنعون به؟
فقالوا: يارسول الله يهودي يحبسك!
فقالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: لَمْ يَبْعَثْنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ بِأَنْ أَظْلِمَ مُعَاهَداً وَلَا غَيْرَهُ.
فلمّا علا النهار قال اليهوديّ: أشهد أن لاإله إلّا الله وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، و شطر مالي في سبيل الله، أما والله ما فعلت بك الذي فعلت إلّا لأنظر الى نعتك في التوراة فإنّي قرأت نعتك في التوراة محمد بن عبدالله مولده بمكّة و مهاجره بطيبة و ليس بفظّ ولاغليظ ولاسخّاب ولامتزيّن بالفحش ولاقول الخنا، وأنا أشهد أن لاإله إلّا الله وأنّك رسول الله، وهذا مالي فاحکم فيه بما أنزل الله. وكان اليهوديّ كثير المال.
ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَبَاءً، وَكَانَتْ مِرْفَقَتُهُ أَدَماً حَشْوُهَا لِيفٌ فَثُنِيَتْ لَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: لَقَدْ مَنَعَنِي الْفِرَاشُ اللَّيْلَةَ الصَّلَاةَ، فَأَمَرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجْعَلَ بِطَاقٍ وَاحِدٍ(1).
مالعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
بِأَنْ أَظْلِمَ مُعَاهَداً: اسم مفعول من العهد بمعنى الأمان أو الذمّة(2).
و شطر مالي في سبيل الله: الشطر يجيء بمعنى النصف، و بمعنى الجزء المطلق، وكلّ منهما محتمل هنا. ولعلّ قوله فيما بعد: «فاحكم فيه بما أنزل الله» ناظر الى الثاني. إلّا لأنظر الى نعتك في التوراة: أي لاعلم أنّ النعت الذي في التوراة نعتك أم لا. فاختصر الكلام لدلالة المقام. مولده بمكّة: المكّ بمعنى النقص والهلاك. وسمّي البلد الحرام مكّة لأنّها تنقص الذنوب و تفنيها، أو تهلك من قصدها بظلم كما وقع لأصحاب الفيل.
ومهاجره بطيبة: مهاجر بفتح الجيم أي موضع هجرته، و الهجرة بكسر الهاء وضمها: الخروج من أرض الى أخرى. وطيبة بفتح الطاء وسكون الياء: مدينة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.
ليس بفظّ ولاغليظ ولاسخّاب: الفظّ والغليظ متقاربان، وهما بمعنى السيء الخلق القاسي القلب الخشن الكلام. والسخّاب بالسين المهملة والخاء المعجمة المشدّدة و آخره باء تحتانية: صيغة مبالغة من السخب بالتحريك، و هو شدّة الصوت، يقال: تساخب القوم أي تصايحوا وتضاربوا.
ولامترنّن بالفحش ولاقول الخنا: و مترنّن بالراء المهملة والنونين من الرنّة بالفتح و التشديد بمعنى الصوت. والخنا بالخاء المعجمة المفتوحة و النون: مرادف للفحش.
كان فراش رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عباءه: الهاء في عباءه يجوز أن تكون ضميراً راجعاً اليه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وأن تجعل تاء من أصل الكلمة. وكانت مرفقته أدماً: المرفقة: المخدّة.
والأدم بفتحتين: جمع أديم وهو الجلد.
فثنيت: أي العباءة بمعنى جُعلت على طاقين. لقد منعني الفراش الليلة الصلاة: أي أنّه للينه ونعومته لم تسمح النفس بمفارقته والقيام عنه الى صلاة الليل. ولعلّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أراد بالصلاة بعضها، فإنَّ أصحابنا على أنّ قيام بعض من الليل وصلاة الوتر كانا من خصائصه الواجبة عليه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.
«... عَنِ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِاللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: مَرَّ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى قَرْيَةٍ قَدْ مَاتَ أَهْلُهَا وَطَيْرُهَا وَ دَوَابُّهَا فَقَالَ: أَمَا أَنَّهُمْ لَمْ يَمُوتُوا إِلَّا بِسَخْطَةٍ وَلَوْ مَاتُوا مُتَفَرِّقِينَ لَتَدَافَنُوا.
فَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحْيِيَهُمْ لَنَا فَيُخْبِرُونَا مَا كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فَنَجْتَنِبَهَا.
فَدَعَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ، فَنُودِيَ مِنَ الْجَوِّ أَنْ نَادِهِمْ. فَقَامَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِاللَّيْلِ عَلَى شَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ.
فَأَجَابَهُ مِنْهُمْ مُجِيبٌ: لَبَّيْكَ يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ...».
الكافي: ج 2 ص 318 ح 11
و بالسند المتصل الى الشيخ الجليل محمد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن منصور بن العبّاس، عن سعيد بن جناح، عن عثمان بن سعيد، عن عبدالحميد بن عليّ الكوفي، عن مهاجر الأسدي، عَنِ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِاللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ:
مَرَّ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى قَرْيَةٍ قَدْ مَاتَ أَهْلُهَا وَطَيْرُهَا وَ دَوَابُّهَا فَقَالَ: أَمَا أَنَّهُمْ لَمْ يَمُوتُوا إِلَّا بِسَخْطَةٍ وَلَوْ مَاتُوا مُتَفَرِّقِينَ لَتَدَافَنُوا.
فَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحْيِيَهُمْ لَنَا فَيُخْبِرُونَا مَا كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فَنَجْتَنِبَهَا.
فَدَعَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ، فَنُودِيَ مِنَ الْجَوِّ أَنْ نَادِهِمْ. فَقَامَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِاللَّيْلِ عَلَى شَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ.
فَأَجَابَهُ مِنْهُمْ مُجِيبٌ: لَبَّيْكَ يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ.
فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَيْحَكُمْ مَا كَانَتْ أَعْمَالُكُمْ؟
قَالَ: عِبَادَةُ الطَّاغُوتِ وَحُبُّ الدُّنْيَا مَعَ خَوْفٍ قَلِيلٍ وَ أَمَلٍ بَعِيدٍ وَ غَفْلَةٍ فِي لَهْوٍ وَلَعِبٍ.
فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَيْفَ كَانَ حُبُّكُمْ لِلدُّنْيَا؟
قَالَ: كَحُبِّ الصَّبِيِّ لِأُمِّهِ، إِذَا أَقْبَلَتْ عَلَيْنَا فَرِحْنَا وَ
سُرِرْنَا، وَ إِذَا أَدْبَرَتْ عَنَّا بَكَيْنَا وَ حَزِنَّا.
قَالَ: كَيْفَ كَانَتْ عِبَادَتُكُمْ لِلطَّاغُوتِ؟
قَالَ: الطَّاعَةُ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي.
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَيْفَ كَانَتْ عَاقِبَةُ أَمْرِكُمْ؟
فَقَالَ: بِتْنَا فِي لَيْلَةٍ فِي عَافِيَةٍ وَأَصْبَحْنَا فِي الْهَاوِيَةِ.
فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَ مَا الْهَاوِيَةُ؟
قَالَ: سِجِّينٌ.
قَالَ: وَ مَا سِجِّينٌ؟
قَالَ: جِبَالٌ مِنْ جَمْرٍ تُوقَدُ عَلَيْنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَمَا قُلْتُمْ وَ مَا قِيلَ لَكُمْ؟
قَالَ: قُلْنَا: رُدَّنَا إِلَى الدُّنْيَا فَنَزْهَدَ فِيهَا، قِيلَ لَنَا: كَذَبْتُمْ.
قَالَ: وَيْحَكَ كَيْفَ لَمْ يُكَلِّمْنِي غَيْرُكَ مِنْ بَيْنِهِمْ؟
قَالَ: يَا رُوحَ اللَّهِ إِنَّهُمْ مُلْجَمُونَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ بِأَيْدِي مَلَائِكَةٍ غِلَاظٍ شِدَادٍ، وَأَنَا كُنْتُ فِيهِمْ وَلَمْ أَكُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَ الْعَذَابُ عَمَّنِي مَعَهُمْ، فَأَنَا مُعَلَّقٌ بِشَعْرَةٍ عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ لَا أَدْرِي أُكَبْكَبُ فِيهَا أَمْ أَنْجُو مِنْهَا.
فَالْتَفَتَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ وَقَالَ: يَا أَوْلِيَاءَ اللَّهِ أَكْلُ الْخُبْزِ الْيَابِسِ بِالْمِلْحِ الْجَرِيشِ وَالنَّوْمُ عَلَى الْمَزَابِلِ خَيْرٌ كَثِيرٌ مَعَ عَافِيَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ(1).
1) الكافي: ج 2 ص 318 ح 11.
مالعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
أما أنّهم: «أما» بالتخفيف حرف استفتاح وتنبيه تدخل على الجمل لتنبيه المخاطب وطلب إصغائه الى مايُلقى إليه. وقد يحذف ألفها نحو: أم والله زيد قائم. لم يموتوا إلّا بسخطة: السخط بالتحريك وبضمّ أوّله وسكون ثانيه: الغضب. ولو ماتوا متفرّقين لتدافنوا: الظاهر أنّ تفاعل هنا بمعنى فعل كتوانى بمعنى تأنّى. ويمكن إبقاؤه على أصل المشاركة بتكلّف. فقال الحواريّون: قد تقدّم الكلام في تفسير الحواريّين في الحديث الثامن عشر. فنودي من الجوّ: هو بتشديد الواو: مابين السماء والأرض. على شرف: الشرف: المكان العالي. قيل: ومنه سُمّي الشريف شريفاً تشبيهاً للعلوّ المعنوي بالعلوّ المكاني.
فقال ويحكم: ويح اسم فعل بمعنى الترحّم، كما أنّ «ويل» كلمة عذاب. وبعض اللغويين يستعمل كلّاً منهما مكان الأخرى. عبادة الطاغوت: هو فعلوت من الطغيان، وهو تجاوز الحدّ. وأصله طغيون فقدّموا لامه على عينه على خلاف القياس ثمّ قلبوا الياء ألفاً فصار طاغوت. وهو يُطلق على الكاهن والشيطان والأصنام، وعلى كلّ رئيس في الضلالة، وعلى كلّ مايصدّ عن عبادة الله تعالى، وعلى كلّ ما عُبد من دون الله تعالى. و يجيء مفرداً كقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ
وقدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ(1)وجمعاً كقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ(2). وغفلة في لهو ولعب: لفظة «في» هنا بمعنى الظرفية المجازية كما في نحو «النجاة في الصدق»، أو بمعنى «مع» كما في قوله تعالى: ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ(3)أو للسببية كقوله تعالى: فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ(4). إذا أقبلت علينا... الى آخره: الشرطيتان واقعتان موقع المفسّرة ل-«حبّ الصبي لأمّه». فأنا معلّق بشعرة على شفير جهنم: كناية عن أنّه مشرف على الوقوع فيها. ولايبعد أن يُراد به معناه الصريح. والشفير: حافّة الشيء وجانبه. أكبكب فيها: على صيغة المبني للمفعول، أي أُطرح فيها على وجهي. بالملح الجريش: أي الَّذِي لم ينعم دقّه.
بيان حال(5)
[ في تشبيه حال أهل الدنيا بشخص مدلّى في بئر ]
ماذكره هذا الرجل المكلّم لعيسى عليه السلام في وصف أصحاب تلك القرية وما كانوا عليه من الخوف القليل والأمل البعيد والغفلة واللهو
واللعب والفرح بإقبال الدنيا والحزن بإدبارها هو بعينه حالنا وحال أهل زماننا، بل أكثرهم خالٍ عن ذلك الخوف القليل أيضاً، نعوذ بالله من الغفلة وسوء المنقلب.
وما أحسن مانقله الشيخ الصدوق محمد بن بابويه رحمه الله في كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة(1)عن بعض الحكماء في تشبيه حال الإنسان واغتراره بالدنيا وغفلته عن الموت وما بعده من الأهوال وإنهمامه في اللذات العاجلة الفانية الممتزجة بالكدورات بشخص مدلّى في بئر، مشدود وسطه بحبل، وفي أسفل ذلك البئر ثعبان عظيم متوجّه إليه منتظر سقوطه فاتح فاه لالتقامه، وفي أعلى ذلك البئر جرذان أبيض وأسود لايزالان يقرضان ذلك الحبل شيئاً فشيئاً ولايفتران عن قرضه آناً من الآنات، وذلك الشخص مع أنّه يرى ذلك الثعبان ويشاهد انقراض الحبل آناً فآناً قد أقبل على قليل عسل قد لطخ به جدار ذلك البئر وامتزج بترابه واجتمع عليه زنابير كثيرة، وهو مشغول بلطعه، منهمك فيه، ملتذّ بما أصاب منه، مخاصم لتلك الزنابير عليه، قد صرف باله بأجمعه الى ذلك غير ملتفت الى مافوقه وماتحته.
فالبئر هو الدنيا، والحبل هو العمر، والثعبان الفاتح فاه هو الموت، والجرذان:(2)الليل والنهار القارضان للأعمار، والعسل المختلط بالتراب هو لذّات الدنيا الممتزجة بالكدورات والآلام، والزنابير هم أبناء الدنيا المتزاحمون عليها.
ولعمري إنّ هذا المثل من أشدّ الأمثال انطباقاً على الممثَل له. نسأل الله البصيرة والهداية ونعوذ به من الغفلة والغواية.
[ إطلاق العبادة على طاعة أهل العصيان على نحو الحقيقة ]
لعلّك تظنّ أنّ ماتضمّنه هذا الحديث من أنّ الطاعة لأهل المعاصي عبادة لهم جارٍ على ضرب من التجوّز لا الحقيقة، وليس كذلك بل هو حقيقة، فإنّ العبادة ليس إلّا الخضوع والتذلّل والطاعة والانقياد.
ولهذا جعل سبحانه اتّباع الهوى والانقياد إليه عبادة للهوى فقال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ(1)وجعل طاعة الشيطان عبادة له فقال تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ(2)وقد مرّ فيه كلام في الحديث الحادي عشر.
وقد روى الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب الكليني في باب الزي و التجمّل من كتاب الكافي عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَصْغَى إِلَى نَاطِقٍ فَقَدْ عَبَدَهُ، فَإِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ فَقَدْ عَبَدَ اللَّهَ، وَ إِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّي عَنِ الشَّيْطَانِ فَقَدْ عَبَدَ الشَّيْطَانَ(3).
و روى في آخر باب الشرك من الكافي أَيْضاً عَنْ أَبِي عَبْدِاللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: مَنْ أَطَاعَ رَجُلًا فِي مَعْصِيَةٍ فَقَدْ عَبَدَهُ(4).
وروى في كتاب العلم من الكافي أيضاً في باب التقليد عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِاللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ. فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَاللَّهِ مَا دَعَوْهُمْ إِلَى عِبَادَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ دَعَوْهُمْ مَا أَجَابُوهُمْ، وَلَكِنْ أَحَلُّوا لَهُمْ حَرَاماً وَ
حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ حَلَالاً فَعَبَدُوهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ(1).
و روى في هذا الباب بطريق آخر أنّه عليه السلام سُئل عن هذه الآية فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا صَلُّوا لَهُمْ وَلَا صَامُوا وَلَكِنْ أَحَلُّوا لَهُمْ حَرَاماً وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ حَلَالاً فَاتَّبَعُوهُمْ(2).
وإذا كان اتّباع الغير والانقياد إليه عبادة له فأكثر الخلق عند التحقيق مقيمون على عبادة أهواء نفوسهم الخسيسة الدنية وشهواتهم البهيميّة والسبعيّة على كثرة أنواعها واختلاف أجناسها، وهي أصنامهم التي هم عليها عاكفون، والأنداد التي هم لها من دون الله عابدون. وهذا هو الشرك الخفيّ، نسأل الله سبحانه أن يعصمنا عنه و يطهّر نفوسنا منه بمنّه وكرمه.
وما أحسن ماقالت رابعة العدوية رضي الله عنها:
لك ألف معبود مطاع أمرُه *** دون الإله و تدّعي التوحيد
(3) [ في حقيقة عذاب القبر وكيفيته ]
ما تضمنّه هذا الحديث من كون أهل تلك القرية في جبال من جمر توقد عليهم الى يوم القيامة صريح في وقوع العذاب في مدّة البرزخ، أعني ما بين الموت والبعث. وقد انعقد عليه الإجماع، و نطقت به الأخبار، و دلّ عليه القرآن العزيز، وقال به أكثر أهل الملل و إن وقع الاختلاف في تفاصيله.
والذي يجب علينا هو التصديق المجمل بعذاب واقع بعد الموت و قبل الحشر في الجملة. وأمّا كيفيّاته وتفاصيله فلم نكلّف بمعرفتها، و أكثرها ممّا لا يسعه عقولنا، فينبغي ترك البحث والفحص عن تلك التفاصيل
و صرف الوقت فيما هو أهمّ منها، أعني فيما يصرف ذلك العذاب ويدفعه عنّا كيفما كان وعلى أيّ نوع حصل، وهو المواظبة على الطاعات واجتناب المنهيّات لئلّا يكون حالنا في الفحص عن ذلك والاشتغال به عن الفكر فيما يدفعه وينجي منه كحال شخص أخذه السلطان وحبسه ليقطع في غدٍ يده ويجدع أنفه، فترك الفكر في الحيل المؤدّية الى خلاصه وبقي طول ليله متفكّراً في أنّه هل يقطع بالسكّين أو بالسيف؟ وهل القاطع زيد أو عمرو؟
هذا و لعلّنا نورد بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب من طرق أهل البيت عليهم السلام في أواخر هذا الكتاب، و لنورد هنا حديثاً واحداً مختصراً.
روينا عن الشيخ الصدوق محمد بن بابويه رحمه الله بسنده الى أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنّه قال: «إِنَّ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَلْفَ عَقَبَةٍ أَهْوَنُهَا وَ أَيْسَرُهَا الْمَوْتُ»(1)و في هذا الحديث كفاية، والله الهادي.
ثُمَّ لا يخفى أَنَّ ما قاله هذا الرجل من أنّه كان فيهم ولم يكن منهم فلمّا نزل العذاب عمّه معهم يُشعر بأنّه ينبغي المهاجرة عَنْ أهل المعاصي والاعتزال عنهم، و أَنَّ المقيم معهم شريك لهم في العذاب و محترق بنارهم و إن لم يشاركهم في أعمالهم وأقوالهم.
وقد يستأنس لذلك بعموم قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً(2).
و بما رواه الشيخ الجليل محمد بن يعقوب الكليني في باب مجالسة أهل المعاصي من كتاب الكافي عن الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام أنه نهى بعض أصحابه عن مجالسة رجل من أهل الضلال.
فَقَالَ: «أَيُّ شَيْءٍ عَلَيَّ مِنْهُ إِذَا لَمْ أَقُلْ مَا يَقُولُ؟»
فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَمَا تَخَافُ أَنْ تَنْزِلَ بِهِ نِقْمَةٌ فَتُصِيبَكُمْ جَمِيعاً»(1).
والحديث طويل نقلنا منه موضع الحاجة.
ولو لم يكن في الاعتزال عن الناس فائدة سوى ذلك لكفى. كيف و فيه من الفوائد ما لا يعدّ ولا يحصى؟ نسأل الله سبحانه أن يوفّقنا لذلك بمنّه وكرمه.
1) الكافي: ج 2 ص 374 - 375 ح 2.
علة اختلاف الأحاديث
«... قال: فأقبل عليّ عليه السلام فقال: قد سألت فافهم الجواب. إنّ في أيدي الناس حقّاً و باطلاً، و صدقاً و كذباً، و ناسخاً و منسوخاً، و عامّاً و خاصّاً، و محكماً و متشابهاً، و حفظاً و وهماً، و قد كُذِب على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في عهده حتّى قام خطيباً فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ الْكَذَّابَةُ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ثمّ كُذِب عليه بعده، و إنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس.
رجل منافق يظهر الإيمان متصنّع بالإسلام لا يتأثّم ولا يتحرّج أن يكذب على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم متعمّداً، فلو علم الناس أنّه منافق كذّاب لم يقبلوا منه...».
الكافي: ج 1 ص 62 - 63 ح 1
وبالسند المتصل إلى الشيخ الجليل عماد الإسلام محمد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليمان بن قيس الهلالي قال:
قلت لأمير المؤمنين علي عليه السلام: «إِنِّي سَمِعْتُ مِنْ سَلْمَانَ وَالْمِقْدَادِ وَأَبِي ذَرٍّ شَيْئاً فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَأَحَادِيثَ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، ثُمَّ سَمِعْتُ مِنْكَ تَصْدِيقَ مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُمْ، وَرَأَيْتُ فِي أَيْدِي النَّاسِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَمِنَ الْأَحَادِيثِ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ أَنْتُمْ تُخَالِفُونَهُمْ فِيهَا وَتَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بَاطِلٌ، أَفَتَرَى النَّاسَ يَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مُتَعَمِّدِينَ وَيُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِآرَائِهِمْ».
قال: فأقبل عليّ عليه السلام فقال: «قَدْ سَأَلْتَ فَافْهَمِ الْجَوَابَ. إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقّاً وَبَاطِلاً، وَصِدْقاً وَكَذِباً، وَنَاسِخاً وَمَنْسُوخاً، وَعَامّاً وَخَاصّاً، وَمُحْكَماً وَمُتَشَابِهاً، وَحِفْظاً وَوَهْماً، وَقَدْ»
كذب على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في عهده حتّى قام خطيباً فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ الْكَذَّابَةُ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ثمّ كُذِب عليه بعده، و إنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس.
(1).رجل منافق يظهر الإيمان متصنّع بالإسلام لايتأثّم ولايتحرّج أن يكذب على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم متعمّداً، فلو علم الناس أنّه منافق كذّاب لم يقبلوا منه ولم يصدّقوه ولكنّهم قالوا: هذا صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم و رآه وسمع منه، فأخذوا عنه وهم لايعرفون حاله، وقد أخبره الله تعالى عن المنافقين بما أخبره و وصفهم بما وصفهم فقال عزّوجلّ: وَ إِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ... الآية(1)ثمّ بقوا بعده فتقرّبوا الى أئمّة الضلال والدعاة الى النار بالزور والكذب والبهتان، فولّوهم الأعمال و حملوهم على رقاب الناس وأكلوا بهم الدنيا، وإنّما الناس مع الملوك والدنيا إلّا من عصم الله. فهذا أحد الأربعة.
(2).و رجل سمع من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم شيئاً لم يحفظه على وجهه و وهم فيه فلم
1) المنافقون: 4.
يتعمّد كذباً، فهو في يده يقول به ويعمل به و يرويه و يقول أنا سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فلو علم المسلمون أنّه وهم لم يقبلوه، ولو علم هو أنّه وهم لرفضه.
(3). و رجل ثالث سمع من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم شيئاً أمر به ثمّ نهى عنه وهو لايعلم أو سمعه ينهى عن شيء ثمّ أَمَر به وهو لايعلم، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ، ولو علم أنّه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه.
(4). و آخر رابع لم يكذب على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مبغض للكذب خوفاً من الله و تعظيماً لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يَشُهْ بل حفظ ماسمع على وجهه، فجاء به كما سمع لم يزد فيه و لم ينقص منه، و علم الناسخ من المنسوخ، فعمل بالناسخ و رفض المنسوخ، فإنّ أمر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مثل القرآن ناسخ و منسوخ و خاصّ و عامّ و محكم و متشابه. وقد كان يكون من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الكلام له وجهان: كلام عامّ وكلام خاصّ مثل القرآن، و قال الله عزّوجلّ في كتابه: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ
فَانْتَهُواْ}(1.)فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى الله به و رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم وليس كلّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يسأله عن الشيء فيفهم، وكان منهم من يسأله ولايستفهمه حتّى أن كانوا ليحبّون أن يجيء الأعرابي الطارئ فيسأل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتّى يسمعوا.و قد كنت أدخل على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كلّ يوم دخلة، وكلّ ليلة دخلة، فيخلّيني فيها أدور معه حيث دار، قد علم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري، وربّما كان يأتيني رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أكثر ذلك في بيتي، وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني وأقام عنّي نساءه فلا يبقى عنده غيري، و إذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم يقم عنّي فاطمة ولا أحداً من بنيّ وكنت إذا سألته أجابني، وإذا سكتُّ عنه وفنيت مسائلي ابتدأني، فما نزلت على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم آية من القرآن إلّا أقرأنيها وأملاها عليّ فكتبتها بخطّي و علّمني تأويلها و تفسيرها و ناسخها و
1) الحشر: 7.
منسوخها ومحكمها ومتشابهها وخاصّها وعامّها، و دعا الله أن يعطيني فهمها و حفظها، فما نسيت آية من كتاب الله عزّوجلّ ولاعلماً أملاه عليّ و كتبته مذ دعا لي بما دعا، وما ترك شيئاً عَلَّمه الله من حلال ولاحرام ولأمر ولانهي أو شيء كان أو يكون ولاكتاباً منزلاً على أحد قبله من طاعة أو معصية إلّا عَلَّمنيه وحفظته فلم أنس حرفاً واحداً، ثمّ وضع يده على صدري و دعا الله لي أن يملأ قلبي علماً وحكماً ونوراً.فقلت: يانبيّ الله بأبي أنت وأمّي مذ دعوت الله بما دعوت لم أنس شيئاً ولم يَفُتْني شيء لم أكتبه أفتتخوف عليّ النسيان فيما بعد؟فقال: «لَا لَسْتُ أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ النِّسْيَانَ أَوِ الْجَهْلَ»(1.)#### بيانما لعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث﴿و محكماً ومتشابهاً: المحكم في اللغة هو المضبوط المتقن. و يُطلق في الاصطلاح على ما اتّضح معناه وظهر لكلّ عارف باللغة مغزاه، وعلى ما كان محفوظاً من النسخ أو التخصيص أو منهما معاً، وعلى ما كان نظمه مستقیماً خالياً عن الخلل، وعلى ما لايحتمل من التأويل إلّا وجهاً واحداً و يقابله بكلّ من هذه المعاني المتشابهةُ. وكلّ منهما يجوز أن يكون مراداً له عليه السلام بقوله: محكماً ومتشابهاً.
1) الكافي: ج 1 ص 62 - 64 ح 1.
قد كثرت عليّ الكذّابة: بالتشديد كسيّارة، والجارّ إمّا متعلّق به أو ب- «كثرت» على تضمين اجتمعت ونحوه. فليتبوّأ مقعده من النار: أي لينزل منزله منها، تقول: تبوّأت منزلاً أي نزلته. وهذا الحديث معدود من المتواترات. متصنّع بالإسلام: أي متكلّف له ومتدلّس به غير متّصف به في نفس الأمر. لا يتأثّم ولا يتحرّج: العطف تفسيري، أي لا يعدّ نفسه آثماً بالكذب على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره... الى آخره: المراد أنّ المنافقين كان ظاهرهم ظاهراً حسناً، وكلامهم كلاماً مزيّناً مدلّساً يوجب اغترار الناس بهم وتصديقهم لهم فيما ينقلونه عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من الأحاديث، ويرشد الى ذلك أنّه سبحانه خاطب نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم بقوله: إِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ أي لصباحتهم و حسن منظرهم وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ(1)أي تصغي إليه لذلاقة ألسنتهم. بالزور والكذب: متعلّق ب-«تقرّبوا» والعطف تفسيري. ناسخ و منسوخ: خبر ثانٍ ل-«أنّ»، أو خبر مبتدأ محذوف أي بعضه ناسخ وبعضه منسوخ، أو بدل من «مثل». وجرّه على البدلية من القرآن ممكن، فإنّ قيام البدل مقام المبدل منه غير لازم عند كثير من المحقّقين. وقد جعل صاحب الكشّاف «الجنّ» في قوله تعالى: و جَعَلُوا لله شُرَكاءَ الجِنَّ(2)بدلاً من «شركاء» ولا يقوم مقامه(3).
وقد كان يكون من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: اسم كان ضمير الشأن و «يكون» تامّة، وهي مع اسمها الخبر. وله وجهان: نعت للكلام لأنّه في حكم النكرة أو حال منه. وإن جعلت «يكون» ناقصة فهو خبرها. فيشتبه: متفرّع على ما قبل الآية. ولم يدر ماعنى الله به: الموصول مفعول «يدر»، ويحتمل أن يكون فاعل «يشتبه». الأعرابي الطارئ: أي المتجدّد قدومه. فيخلّيني فيها أدور معه: يخلّيني: إمّا من الخلوة أو من التخلية، أي يتركني أدور معه حيث دار. والظاهر أنّه ليس المراد الدوران الجسمي بل العقلي. والمعنى أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يطلعني على الأسرار المصونة عن الأغيار ويتركني أخوض معه في المعارف اللاهوتية والعلوم الملكوتية التي جلّت عن أن يكون شريعة لكلّ وارد أو يطّلع عليها إلّا واحد بعد واحد.
وعلّمني تأويلها وتفسيرها: التأويل: إرجاع الكلام وصرفه عن معناه الظاهري الى معنىً أخفى منه، مأخوذ من آلَ يَؤُولُ إذا رجع. وقد تقرّر أنّ لكلّ آية ظهراً وبطناً. والمراد أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم أطلعه عليه السلام على تلك البطون المصونة وعلّمه تلك الأسرار المكنونة.
والتفسير لغةً: كشف معنى اللفظ وإظهاره، مأخوذ من الفسر، وهو مقلوب السفر، يقال: أسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته، وأسفر الصبح إذا ظهر.
وفي الاصطلاح: علم يبحث فيه عن كلام الله المنزل للإعجاز من
حيث الدلالة على مراده سبحانه.
وقولنا: «المنزل للإعجاز» لإخراج البحث عن الحديث القدسي.
من طاعة أو معصية: أي ممّا يوجب طاعة الله أو معصيته. أن يملأ قلبي علماً وحكماً: أي حكمة فإنّ الحكم بضمّ الحاء يجيء بمعنى الحكمة أيضاً ولا يبعد أن يُقرأ «وحِكَمَاً»: بكسر الحاء وفتح الكاف: جمع حكمة.
تنبيه(1)
[ تحقيق حول وضع الحديث وذكر بعض الأحاديث الموضوعة ]
لاريب في أنّه قد كُذِب على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم للتوصّل الى الأغراض الفاسدة والمقاصد الباطلة من التقرّب الى الملوك و ترويج الآراء الزائفة أي الضعيفة وغير ذلك.
ودعوى صرف القلوب عن ذلك ظاهرة البطلان. وماتضمّنه هذا الحديث من قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم «قد كثرت عليّ الكذّابة» دليل على وقوعه، لأنّ هذا القول إمّا أن يكون قد صدر عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم أوّلاً، والمطلوب على التقديرين حاصل كما لايخفى. و لوجود الأحاديث المتنافية التي لا يمكن الجمع بينها، وليس بعضها ناسخاً لبعض قطعاً.
وما ذكره عليه السلام من وضع الحديث للتقرّب الى الملوك قد وقع كثيراً، فقد حُكي أنّ غياث بن إبراهيم دخل على المهدي العبّاسي وكان يحبّ المسابقة بالحمام فروى عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: «لَا سَبْقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ أَوْ جَنَاحٍ» فأمر له المهدي بعشرة
1) (ع): تبصرة.
آلاف درهم. فلمّا خرج قال المهدي: أشهد أنّ قفاه قفا كذّاب على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم «أو جناح» ولكنّ هذا أراد أن يتقرّب إلينا، وأمر بذبح الحمام، وقال: أنا حملته على ذلك(1).
وقد وضع الزنادقة - خذلهم الله - كثيراً من الأحاديث، وكذلك الغلاة والخوارج.
و يُحكى أنّ بعضهم كان يقول بعد ما رجع عن ضلالته: انظروا الى هذه الأحاديث عمّن تأخذونها فإنّا كنّا إذا رأينا رأياً وضعنا له حديثاً.
وقد صنّف جماعة من العلماء كالصغاني وغيره كتباً في بيان الأحاديث الموضوعة، وعدّوا من تلك الأحاديث:
«السعيد من وعظ بغيره».
«الشقيّ من شقي في بطن أمّه».
«الجنّة دار الأسخياء».
«طاعة النساء ندامة».
«دفن البنات من المكرمات».
«اطلبوا الخير عند حسان الوجوه».
«لَا هَمَّ إِلَّا هَمُّ الدِّينِ، وَلَا وَجَعَ إِلَّا وَجَعُ الْعَيْنِ».
«الْمَوْتُ كَفَّارَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ».
«إِنَّ التُّجَّارَ هُمُ الْفُجَّارُ».
قال الصغاني في كتاب الدرّ الملتقط: ومن الموضوعات ما زعموا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: إنّ الله يتجلّى يوم القيامة للخلائق عامّة، ويتجلّى لك يا أبابكر خاصّة.
1) الدراية للشهيد الثاني: ص 56.
وأنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: «حَدَّثَنِي جَبْرَئِيلُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْأَرْوَاحَ اخْتَارَ رُوحَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ بَيْنِ الْأَرْوَاحِ» وأمثال ذلك كثير.
ثمّ قال الصغاني: وأنا انتسب الى عمر وأقول فيه الحقّ لقول النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: «قُولُوا الْحَقَّ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَالْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ».
فمن الموضوعات ما روي أنّ أوّل من يُعطى كتابه بيمينه عمر بن الخطّاب وله شعاع كشعاع الشمس. قيل: فأين أبوبكر؟ فقال: سرقته الملائكة.
ومنها: «من سبّ أبابكر وعمر قُتل، ومن سبّ عثمان وعليّاً جُلد الحدّ» الى غير ذلك من الأحاديث المختلفة.
ومن الموضوعات: «زُرْ غِبّاً تَزْدَدْ حُبّاً».
«النَّظَرُ إِلَى الْخُضْرَةِ تَزِيدُ فِي الْبَصَرِ».
«مَنْ قَادَ أَعْمَى أَرْبَعِينَ خُطْوَةً غَفَرَ اللهُ لَهُ».
«الْعِلْمُ عِلْمَانِ: عِلْمُ الْأَدْيَانِ وَعِلْمُ الْأَبْدَانِ» إنتهى كلام الصغاني منتخباً.
و قد ظهر في الهند بعد الستّمائة من الهجرة شخص اسمه بابارتن ادّعى أنّه من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ وأنّه عمّر الى ذلك الوقت، وصدّقه جماعة، واختلق أحاديث كثيرة زعم أنّه سمعها من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم. قال صاحب القاموس: سمعنا تلك الأحاديث من أصحاب أصحابه، وقد صنّف الذهبي كتاباً في تبيين كذب ذلك اللعين سمّاه «كسر وثن بابارتن» والأحاديث الموضوعة أكثر من أن تحصى.
[ اخبار أمير المؤمنين عليه السلام عن بعض المغيّبات ]
ما تضمنّه هذا الحديث من تعليمه صلّى الله عليه وآله وسلّم لأمير المؤمنين عليّ عليه السلام ما كان و ما يكون يمكن حمله على الأحكام الشرعيّة في المسائل الكائنة والمتجدّدة، و يمكن حمله على بعض المغيّبات التي أطلع الله تعالى رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم عليها، فقد نقل أصحاب السير من الخاصّ والعامّ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أخبر بكثير من ذلك، كقوله عليه السلام لمّا استأذنه طلحة والزبير في الخروج الى العمرة: «وَاللَّهِ مَا يُرِيدَانِ الْعُمْرَةَ وَلَكِنْ يُرِيدَانِ الْبَصْرَةَ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَرُدُّ كَيْدَهُمَا وَيُظْفِرُنِي بِهِمَا».
وكإخباره عن عدم عبور الخوارج النهر وقال: «كَيْفَ يَعْبُرُونَهُ وَقَدْ أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَصْرَعَهُمْ دُونَهُ».
وكإخباره عن قتل نفسه قبل قتله بثلاث ليالٍ، وكان لا يتناول فيهما إلّا ما يسدّ الرمق ويقول: ألقى الله خميصاً.
وكإخباره كميل بن زياد بقتل الحجّاج له.
وكإخباره وهو متوجّه الى صفّين لمّا مرّ بكربلاء عن قتل الحسين عليه السلام فيها.
وكإخباره بزوال دولة بني العبّاس على يد الأتراك. وغير ذلك ممّا هو مشهور وفي كتب السير مسطور.
وقد تظافرت الأخبار بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أملى على أمير المؤمنين عليه السلام كتابي الجفر والجامعة وأنّ فيهما علم ما كان وما يكون الى يوم القيامة.
ونقل الشيخ الجليل عماد الإسلام محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الكافي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أحاديث
كثيرة في أنّ ذينك الكتابين كانا عنده، وأنّهما لا يزالان عند الأئمّة عليهم السلام يتوارثونه واحداً بعد واحد(1).
وقال المحقّق الشريف في شرح المواقف في مبحث تعلّق العلم الواحد بمعلومين: إنّ الجفر والجامعة كتابان لعليّ كرّم الله وجهه قد ذُكر فيهما على طريقة علم الحروف الحوادث التي تحدث الى انقراض العالم، وكان الأئمّة المعروفون من أولاده يعرفونهما ويحكمون بهما.
وفي كتاب قبول العهد الذي كتبه عليّ بن موسى الرضا عليه السلام الى المأمون: إنّك قد عرفت من حقوقنا مالم يعرفه آباؤك فقبلت منك عهدك إلّا أنّ الجفر والجامعة يدلّان على أنّه لا يتمّ.
ولمشايخ المغاربة نصيب من علم الحروف ينسبون فيه الى أهل البيت عليهم السلام، ورأيت بالشام نظماً أُشير فيه بالرموز الى أحوال ملوك مصر وسمعت أنّه مستخرج من ذينك الكتابين الى هنا كلام الشريف.
1) راجع الكافي: ج 1 ص 238 باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة.
«... قال: لمّا حضرت أبي الوفاة أقبل يوصي، فقال: هذا ما أوصى به عليّ بن أبي طالب أخو محمّد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وابن عمّه وصاحبه:
أوّل وصيتي أنّي أشهد أن لاإله إلّا الله وأنّ محمّداً رسوله، اختاره بعلمه، وارتضاه بخبرته، و أنّ الله باعث من في القبور، وسائل الناس عن أعمالهم، عالم بما في الصدور.
ثمّ إنّي أُوصيك ياحسن -وكفى بك وصيّاً- بما أوصاني به رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فإذا كان ذلك يا بنيّ فالزم بيتك، و أَبْكِ على خطيئتك، ولاتكن الدنيا أكبر همّك، و أُوصيك يا بنيّ بالصلاة عند وقتها، والزكاة في أهلها عند محلّها...».
أمالي الطوسي: المجلس 1 ج 1 ص 7، أمالي المفيد: المجلس 26 ص 220.
و بالسند المتصل الى شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي، قال: حدّثنا محمد بن محمد بن النعمان في شهر رمضان سنة تسع وأربعمائة، حدّثنا عمر بن محمد بن عليّ الصيرفي المعروف بابن الزيات، حدّثنا أبو عليّ محمد بن همّام الإسكافي، حدّثنا جعفر بن محمد بن مالك، حدّثنا احمد بن سلامة الغنوي بفتح الغين والنون، حدّثنا محمد بن الحسين العامري، حدّثنا أبو معمر، عن أبي بكر بن عيّاش، عن الفجيع العقيلي، حدّثنا الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام قال:
«لَمَّا حَضَرَتْ أَبِي الْوَفَاةُ أَقْبَلَ يُوصِي، فَقَالَ: هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَخُو مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَابْنُ عَمِّهِ وَصَاحِبُهُ:
أَوَّلُ وَصِيَّتِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُهُ، اخْتَارَهُ بِعِلْمِهِ، وَارْتَضَاهُ بِخِبْرَتِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ بَاعِثٌ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَسَائِلٌ النَّاسَ عَنْ أَعْمَالِهِمْ، عَالِمٌ بِمَا فِي الصُّدُورِ.
ثُمَّ إِنِّي أُوصِيكَ يَا حَسَنُ - وَكَفَى بِكَ وَصِيّاً - بِمَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ يَا بُنَيَّ فَالْزَمْ بَيْتَكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ، وَلَا تَكُنِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّكَ، وَأُوصِيكَ»
يا بنيّ بالصلاة عند وقتها، والزكاة في أهلها عند محلّها، والصمت عند الشبهة، والعدل في الرضا والغضب، و حسن الجوار، و إكرام الضيف، و رحمة المجهود و أصحاب البلاء، وصلة الرحم، وحبّ المساكين ومجالستهم، والتواضع فإنّه من أفضل العبادة، و قصر الأمل، و ذكر الموت، والزهد، فإنّك رهينُ موتٍ وغرضُ بلاءٍ وطريح سَقَمٍ.
وأُوصيك بخشية الله في سرّ أمرك وعلانيتك، وأنهاك عن التسرّع في القول والفعل، وإذا عرض شيء من أمر الآخرة فابدأ به، و إذا عُرِض شيء من أمر الدنيا فتأنّه حتّى تُصيب رشدك فيه. وإياك ومواطن التهمة والمجلس المظنون به السوء فإنّ قرين السوء يغرّ جليسه. وكن لله - يا بنيّ - عاملاً، وعن الخنا زجوراً، وبالمعروف آمراً، وعن المنكر ناهياً. وراخِ الإخوان في الله، وأحبّ الصالح، ودارِ الفاسق عن دينك وأبغضه بقلبك و زايله بأعمالك لئلّا تكون مثله، و إياك والجلوس في الطرقات، ودع المماراة و مجاراة من لاعقل له ولاعلم.
واقتصد - يا بنيّ - في معيشتك، واقتصد في عبادتك، وعليك بالأمر الدائم الذي تطيقه، والزم الصمت تسلم، وقدّم لنفسك تغنم، وتعلّم الخير تعلم، وكن لله ذاكراً على كلّ حال، وارحم
من أهلك الصغير، ووقّر منهم الكبير، ولا تأكلن طعاماً حتى تصدّق قبل أكله، وعليك بالصوم فإنه زكاة البدن وجنّة لأهله، وجاهد نفسك، واحذر جليسك، واجتنب عدوك. وعليك بمجالس الذكر، وأكثر من الدعاء، فإنّي لم آلك يا بنيّ نصحاً. و هذا فراق بيني وبينك(1).
ما لعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
وارتضاه بخبرته: الخُبر والخِبرة بالخاء المعجمة المضمومة الموحّدة الساكنة: يرادف العلم، فهذه الجملة كالمؤكّدة لما قبلها. فإذا كان ذلك: الإشارة الى حلول أجله عليه السلام، و«كان» تامّة. عند محلّها: بكسر الحاء، أي عند أجلها، و هو حلول الحول في النقدين والأنعام. وحول الزكاة عندنا أحد عشر شهراً. و حسن الجوار: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «مَا زَالَ جِبْرِئِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ»(2)والأحاديث في ذلك كثيرة. وليس حسن الجوار كفّ الأذى عنه فقط، بل تحمّل الأذى منه أيضاً.
ومن جملة حسن الجوار ابتداؤه بالسلام، وعيادته في مرضه، و تعزيته في المصيبة، وتهنئته في الفرج، والصفح عن زلاّته، وعدم التطلّع إلى عوراته، وترك مضايقته فيما يحتاج اليه من وضع جذوعه على جدارك وتسليط ميزابه الى دارك، وماشابه ذلك.
و إكرام الضيف: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ»(1)الى غير ذلك من الأحاديث. و من جملة إكرامه: تعجيل الطعام، و طلاقة الوجه، والبشاشة، و حسن الحديث حال المؤاكلة، ومشايعته الى باب الدار، وأمثال ذلك.
وقد عُدّ من جملة إکراام الضيف تقديم الفاكهة إليه قبل الطعام لأنه أوفق بالطبّ وأبعد عن الضرر كما قدّمها سبحانه في قوله عزّوجلّ: وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ(2).
و رحمة المجهود: أي الذي وقع في تعب ومشَقّة. وحبّ المساكين ومجالستهم: روي أنّ الحسن عليه السلام اجتاز بالمدينة في طريق وهو راكب، فرأى جماعة من المساكين وقد أخرجوا كسراً يابسة وهم يأكلونها، فسلّم عليهم فقالوا: هَلُمّ يابن رسول الله الى الغذاء. فنزل عليه السلام وجلس معهم على الأرض وشاركهم في الأكل حتّى فرغوا، ثمّ قام(3). و روي أنّه عليه السلام مرّ يوماً بجماعة من المجذومين وهم يأكلون وكان عليه السلام صائماً فقالوا: هَلُمّ الى الغذاء. فقال: إنّي صائم و خشي أن يكون قد حصل لهم بذلك كسر قلب، فقال: تأتوني الليلة جميعاً لأفطر معكم. فأتوه عند المساء وأكل معهم على خوان واحد جبراً لقلوبهم.
و ربّما روي ذلك عن الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين عليهما السلام.
و قِصَر الأمل: في الحديث: إذا أصبحت فلا تحدّث نفسك
بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدّث نفسك بالصباح، وخذ من حياتك لموتك، ومن صحتك لسقمك، فإنّك لا تدري ما اسمك غداً(1).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: «إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ: اتِّبَاعَ الْهَوَى وَطُولَ الْأَمَلِ. أَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَإِنَّهُ يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ. وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَإِنَّهُ يُنْسِي الْآخِرَةَ»(2).
وروي أنّ أسامة بن زيد بن ثابت اشترى وليدة بمائة دينار الى شهر. فبلغ النبيَّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: ألا تعجبون من أسامة المشتري الى شهر، إنّ أسامة لطويل الأمل... الحديث(3).
وسبب طول الأمل هو حبّ الدنيا، فإنّ الانسان إذا أنس بها وبلذّاتها ثقل عليه مفارقتها وأحبّ دوامها فلا يتفكّر في الموت الذي هو سبب مفارقتها، فإنّ من أحبّ شيئاً كره الفکر فيما يزيله ويبطله، فلا يزال يمنّي نفسه البقاء في الدنيا ويقدّر حصول ما يحتاج إليه من أهل ومال وأدوات وأسباب و يصير فكره مستغرقاً في ذلك، فلا يخطر الموت بخاطره، و ان خطر بباله الموت والتوبة والإقبال على الأعمال الأخروية أخّر ذلك من يوم الى يوم، ومن شهر الى شهر، ومن سنة الى سنة، وقال: الى أن أكتهل و يزول سنّ الشباب، فإذا اكتهل قال: الى أن أصير شيخاً، فإذا شاخ قال: الى أن أتمّم عمارة هذه الدار أو أزوّج ولدي الفلاني أو الى أن أرجع من هذا السفر. وهكذا يؤخّر التوبة شهراً بعد شهر وسنة بعد سنة، وكلّما فرغ من شغل عرض له شغل بل أشغال حتّى يختطفه الموت وهو غافل عنه، غير مستعدّ له، مستغرق القلب في أُمور الدنيا، فتطول في الآخرة حسرته و تكثر ندامته، وذلك هو الخسران المبين، نعوذ بالله منه.
فإنّك رهين موت: فعيل بمعنى مفعول، أي إنّك مرهون الموت و ماله، وقد رهنك في هذه الدنيا مدّة قليلة ثمّ عن قريب يفكّ رهنه و يتصرّف في ماله. وغرض بلاء: بالغين والضاد المعجمتين أي هدف بلاء. و طريح سقم: أي مطروح له، ذليل عنده، وهو متمكّن منك غاية التمكّن، إذ الإنسان لتركّبه من الموادّ المتضادّة المشرفة على الانحلال في غاية الاستعداد للأمراض والأسقام بفتحتين و بضمّ السين و إسكان القاف كالحَزْن والحُزْن. وأوصيك بخشية الله: قال المحقّق الطوسي طاب ثراه في بعض مؤلّفاته ما حاصله: إنّ الخوف والخشية وإن كانا في اللغة بمعنى واحد إلّا أنّ بين خوف الله وخشيته في عرف أرباب القلوب فرقاً هو: إنّ الخوف تألّم النفس من العقاب المتوقّع بسبب ارتكاب المنهيّات والتقصير في الطاعات، وهو يحصل لأكثر الخلق، وإن كانت مراتبه متفاوتة جدّاً، والمرتبة العليا لا تحصل إلّا للقليل. والخشية: حالة تحصل عند الشعور بعظمة الحقّ و هيبته و خوف الحجب عنه. وهذه الحالة لا تحصل إلّا لمن اطّلع على جلال الكبرياء وذاق لذّة القرب، و لذلك قال سبحانه: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ(1)فالخشية خوف خاصّ، وقد يُطلقون عليها الخوف أيضاً. انتهى كلامه.
والمراد بالخشية في العلانية أن تظهر آثارها في الأفعال والصفات من كثرة البكاء ودوام التحرّق وملازمة الطاعات وقمع الشهوات حتّى يصير جميعها مكروهاً لديه كما يصير العسل مكروهاً عند من عرف أنّ فيه سمّاً قاتلاً مثلاً. و إذا احترقت جميع الشهوات بنار الخوف ظهر في القلب الذبول والخشوع والانكسار، وزال عنه الحقد والكبر والحسد،
1) فاطر: 28.
وصار کلّ همّه النظر في خطر العاقبة، فلا يتفرّغ لغيره ولا يصير له شغل إلّا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والاحتراز من تضييع الأنفاس والأوقات ومؤاخذة النفس في الخطوات والخطرات. وأمّا الخوف الذي لا يترتّب عليه شيء من هذه الآثار فلا يستحقّ أن يُطلق عليه اسم الخوف، وإنّما هو حديث نفس. ولهذا قال بعض العارفين: إذا قيل لك هل تخاف الله؟ فاسكت عن الجواب، فإنّك إن قلت «لا» كفرت، و إن قلت «نعم» كذبت.
وأنهاك عن التسرّع في القول والفعل: أي الإسراع والمبادرة إليهما من دون تأمّل وتدبّر. وإذا عرض شيء من أمر الدنيا فتأنّه: الهاء للسکت، ويحتمل أن يكون من باب الحذف والإيصال، أي فتأنّ فيه. ومواطن التُّهَمَة: هي بالتحريك. يغرّ جليسه: أي يخدعه ويوقعه فيما هو فيه. وكن لله يابنيّ عاملاً: تقديم الظرف للحصر، أي ليكن عملك خالصاً لوجه الله غير ملاحظ فيه غيره حتّى الفوز بالثواب والخلاص من العقاب، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «وَاللهِ مَا عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ نَارِكَ، وَلَا طَمَعاً فِي جَنَّتِكَ، وَلَكِنْ وَجَدْتُكَ أَهْلاً لِلْعِبَادَةِ فَعَبَدْتُكَ»(1)وهذه مرتبة عالية لا يصل إليها إلّا القليل. وإنّما حملنا الكلام عليها، لأنّ بقيّة المراتب أظهر من أن يوصى بها و ستسمع في الإخلاص كلاماً في الحديث السابع والثلاثين إن شاء الله تعالى.
وعن الخنا زجوراً: أي زاجراً عن الفحش نفسك وغيرك. وراخ الإخوان في الله: راخ بالخاء المعجمة من المراضاة، وهي ضدّ التشدّد.
1) عوالي اللئالي: ج 1 ص 404 وج 2 ص 11.
وزايله بأعمالك: أي لتكن أعمالك مباينة لأعماله. والمزايلة: المباينة. ودع المماراة: أي المجادلة. ومجاراة من لاعقل له: أي الخوض معه في الكلام. واقتصد يابنيّ في معيشتك واقتصد في عبادتك: الاقتصاد هو التوسّط بين التبذير والتقتير. والمراد من الاقتصاد في العبادة: الإتيان منها بما لا يلحق البدن منه مشقّة شديدة لئلا يتنفّر الطبع عنها. روى الشيخ الجليل محمد بن يعقوب عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لأمير المؤمنين عليه السلام: «يَا عَلِيُّ إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ رَبِّكَ، إِنَّ الْمُنْبَتَّ - يعني المفرط في السير - لَا ظَهْراً أَبْقَى وَلَا أَرْضاً قَطَعَ»، فاعمل عمل من يرجو أن يموت هرماً، واحذر حذر من يتخوّف أن يموت غداً(1).
والزم الصمت تسلم: أي تسلم من آفات اللسان والمعاصي الناشئة منه. وهي متكثّرة جدّاً، فإنّه ما من موجود ومعدوم وخالق و مخلوق و معلوم و موهوم إلّا ويتناوله اللسان و يتعرّض له بنفي أو إثبات. و هذه الخاصّيّة لاتوجد في بقيّة أعضاء الإنسان، فإنّ العين لاتصل الى غير الألوان والأضواء، والأذن لاتصل الى غير الأصوات، واليد لاتصل الى غير الأجسام. وأمّا اللسان فميدانه واسع جدّاً، وله في كلّ من الخير والشرّ مجال عريض. وعن معاذ بن جبل أنّه قال: قلت: يارسول الله أنؤاخذ بما نقول؟ فقال: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ
1) الكافي: ج 2 ص 87 ح 6.
أَلْسِنَتِهِمْ﴾(1).
وعنه صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَسْكُتْ»(2). والأحاديث في ذلك كثيرة.
فإنّه جنّة: أي وقاية من النار. فإنّي لم آلك يابنيّ نصحاً: أي لم أمنعك، والألو في الأصل بمعنى التقصير، لكنّه كثيراً ما يضمّن معنى المنع فيتعدّى الى مفعولين كما فيما نحن فيه. ولنا في هذا المقام كلام على بعض الأعلام أوردناه في شرحنا على الحاشية الخاطبية(3)فمن أراده فليقف عليه. و هذا فراق بيني و بينك: يجوز أن يُقرأ بإضافة المصدر الى الظرف على الاتّساع، ويجوز أن يُقرأ «فراقٌ» بالتنوين والظرف نعته. وقد قُرِىء بالوجهين قوله تعالى: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ(4).
[ توجيه استغفار المعصومين عليهم السلام ]
ما تضمنه صدر الحديث من قوله عليه السلام: «وابك على خطيئتك» لا يستقيم بظاهره على قواعد الإمامية القائلين بالعصمة. وقد ورد مثله كثيراً في الأدعية المروية عن أئمتنا عليهم السلام، كما روي عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام أنّه كان يقول في سجدة الشكر: «رَبِّ عَصَيْتُكَ بِلِسَانِي وَلَوْ شِئْتَ وَعِزَّتِكَ لَأَخْرَسْتَنِي، وَعَصَيْتُكَ بِبَصَرِي وَلَوْ شِئْتَ وَعِزَّتِكَ لَأَكْمَهْتَنِي، وَعَصَيْتُكَ بِسَمْعِي وَلَوْ شِئْتَ وَعِزَّتِكَ لَأَصْمَمْتَنِي...
الى آخر الدعاء(1).
وفي الصحيفة الكاملة المنسوبة الى الإمام زين العابدين عليه السلام أشياء كثيرة من هذا القبيل، بل روي عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ما يشعر بذلك أيضاً.
روى الشيخ الجليل محمد بن يعقوب الكليني في باب الاستغفار من كتاب الكافي عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يتوب الى الله عزّوجلّ كلّ يوم سبعين مرّة(2).
وروى العامّة في صحاحهم أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً»(3)وأمثال ذلك من طرق الخاصّة والعامّة كثيرة.
وأحسن ما تضمحلّ به هذه الشبهة ما أفاده الفاضل الجليل بهاء الدين عليّ بن عيسى الأربلي قدّس الله روحه في كتاب كشف الغمّة، قال رحمه الله: إنّ الأنبیاء والأئمّة عليهم السلام تكون أوقاتهم مستغرقة بذكر الله تعالى، وقلوبهم مشغولة به، وخواطرهم متعلّقة بالملأ الأعلى، وهم أبداً في المراقبة كما قال عليه السلام: «اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» فهم أبداً متوجّهون إليه، منقلبون بكليّتهم عليه، فمتى انحطّوا عن تلك الرتبة العالية والمنزلة الرفيعة الى الاشتغال بالمأكل والمشرب والتفرّغ الى النکاح وغيره من المباحات عدّوه ذنباً واعتقدوه خطيئة، فاستغفروا منه.
ألا ترى أنّ بعض عبيد الدنيا لو قعد يأكل ويشرب وينكح وهو يعلم
أنّه بمرأى من سيّده ومسمع لكان ملوماً عند الناس ومقصّراً فيما يجب عليه من خدمة سيّده ومالكه، فما ظنّك بسيّد السادات ومالك الأملاك، و الى هذا أشار عليه السلام بقوله: «إِنَّهُ لَيُرَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ بِالنَّهَارِ سَبْعِينَ مَرَّةً» و بقوله: «حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ»(1)هذا ملخّص كلامه خصّه الله بإکرامه.
و قد اقتفى أثره القاضي الفاضل البيضاوي في شرح المصابيح عند شرح قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةً» قال: الغين لغة في الغيم، وغان على كذا: أي غطّى عليه.
قال أبو عبيدة في معنى الحديث: أي يتغشّى قلبي ما يلبسه.
وقد بلغنا عن الأصمعيّ أنّه سُئل عن هذا الحديث فقال للسائل: عن قلب مَن تروي هذا؟ فقال عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: لو كان غير قلب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لكنت أفسّره لك.
قال القاضي: ولله درّ الأصمعيّ في انتهاج منهج الأدب و إجلاله القلب الذي جعله الله موقع وحيه ومنزل تنزيله. وبعد فإنّه مشرب سدّ عن أهل اللسان موارده، وفتح لأهل السلوك مسالكه. وأحقّ من يعرب أو يعبّر عنه مشايخ الصوفية الذين بارك الحقّ أسرارهم، ووضع الذكر عنهم أوزارهم، ونحن بالنور المقتبس من مشكاتهم نذهب ونقول: لمّا كان قلب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أتمّ القلوب صفاءً وأكثرها ضياءً وأعرفها عرفاناً، وكان صلّى الله عليه وآله وسلّم معيّناً مع ذلك لتشريع الملّة و تأسيس السنّة، ميسّراً غير معسر، لم يكن له بدّ من النزول الى الرخص، والالتفات الى حظوظ النفس مع ما كان ممتحناً به من أحكام البشريّة،
1) كشف الغمّة: ج 2 ص 253 - 254.
فكان إذا تعاطى شيئاً من ذلك أسرعت كدورة ما الى القلب لكمال رقّته و فرط نورانيّته، فإنّ الشيء كلّما كان أرقّ وأصفى كان ورود المكدّرات عليه أبين وأهدى. وكان صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا أحسّ بشيء من ذلك عدّه على النفس ذنباً فاستغفر منه. إنتهى كلامه ملخّصاً.
وللشيخ العارف كمال الدين عبدالرزاق الكاشي رحمه الله في هذا المقام كلام جيد جدّاً منعني عن ذكره خوف التطويل، والله الهادي الى سواء السبيل.
وجوب الحذر من الذنوب
«... قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عجبتالمن يحتمي من الطعام مخافة الداء كيف لا يحتمي من الذنوب مخافة النار»
أمالي الصدوق المجلس 34ص 159
وبالسند المتصل الى الشيخ الصدوق محمد بن بابويه، عن جعفر بن عليّ بن الحسن الكوفي، عن جدّه الحسن بن عليّ بن عبدالله، عن جدّه عبدالله بن المغيرة، عن اسماعيل بن مسلم، عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه أميرالمؤمنين عليّ عليهم السلام قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «عَجِبْتُ لِمَنْ يَحْتَمِي مِنَ الطَّعَامِ مَخَافَةَ الدَّاءِ كَيْفَ لَا يَحْتَمِي مِنَ الذُّنُوبِ مَخَافَةَ النَّارِ»(1).
وليس في هذا الحديث ما يحتاج الى البيان. ولايخفى انّ إطلاق الحمية على اجتناب الذنوب من باب المشاكلة.
1) أمالي الصدوق: مجلس 34 ص 159.
«... قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ حَرَّمَ الجَنَّةَ عَلَى كُلِّ فَحَّاشٍ بَذِيٍّ، قَلِيلِ الحَيَاءِ، لَا يُبَالِي بِمَا قَالَ وَلَا مَا قِيلَ لَهُ، فَإِنَّكَ إِنْ فَتَّشْتَهُ لَمْ تَجِدْهُ إِلَّا لُغْيَةً أَوْ شِرْكَ شَيْطَانٍ.
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَفِي النَّاسِ شِرْكُ شَيْطَانٍ؟
فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ».
الكافي: ج 2 ص 323 ح 3
و بالسند المتصل الى الشيخ الجليل ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن عمر بن أُذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سُليم بن قيس، عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال:
قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ حَرَّمَ الجَنَّةَ عَلَى كُلِّ فَحَّاشٍ بَذِيٍّ، قَلِيلِ الحَيَاءِ، لَا يُبَالِي بِمَا قَالَ وَلَا مَا قِيلَ لَهُ، فَإِنَّكَ إِنْ فَتَتَّشْتَهُ لَمْ تَجِدْهُ إِلَّا لُغْيَةً أَوْ شِرْكَ شَيْطَانٍ.
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَفِي النَّاسِ شِرْكُ شَيْطَانٍ؟
فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ(1).
مالعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
إِنَّ اللهَ حَرَّمَ الجَنَّةَ: لعلّه صلّى الله عليه وآله وسلّم أراد أنّها محرّمة عليهم زماناً طويلاً لامحرّمة مؤبّداً، أو المراد جنّة خاصّة معدّة
1) الكافي: ج 2 ص 323 ح 3. والآية في سورة الإسراء: 64.
لغير الفحّاش وإلّا فظاهره مشكل، فإنّ العصاة من هذه الأُمّة مآلهم الى الجنّة وان طال مكثهم في النار.
بَذِيٍّ: بالباء التحتانية الموحّدة المفتوحة والذال المعجمة المكسورة والياء المشدّدة من البذاء بالفتح والمدّ بمعنى الفحش. قليل الحياء: إمّا أن يراد به معناه الظاهري أو يُراد عديم الحياء، كما يقال: فلان قليل الخير أي عديمه. لم تجده إلّا لغية: يحتمل أن يكون بضمّ اللام و إسكان الغين المعجمة وفتح الياء المثنّاة من تحت، أي ملغى. والظاهر أنّ المراد به المخلوق من الزنا. ويحتمل أن يكون بالعين المهملة المفتوحة أو الساكنة والنون أي من دأبه أن يلعن الناس أو يلعنوه.
قال في كتاب أدب الكاتب: فعل بضمّ الفاء واسكان العين من صفات المفعول، وبفتح العين من صفات الفاعل. يقال: رجل هُمَزة للذي يُهزأ به، و هُمَزة لمن يهزأ بالناس. وكذلك «لُعْنَة» و «لَعَنَة»(1)إنتهى كلامه.
أو شرك شيطان: المصدر بمعنى اسم المفعول، أو اسم الفاعل، أي مشاركاً فيه مع الشيطان او مشاركاً فيه الشيطان.
[ في تفسير (وشارِكْهُم في الأَموالِ والأَوْلاد) ]
قال المفسّرون في قوله تعالى: وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ(2)أَنَّ مشاركة الشيطان لهم في الأموال حملهم على تحصيلها
وجمعها من الحرام، وصرفها فيما لا يجوز، وبعثهم على الخروج في إنفاقها عن حدّ الاعتدال إمّا بالإسراف والتبذير أو البخل والتقتير وأمثال ذلك.
وأمّا المشاركة لهم في الأولاد فحثّهم على التوصّل إليها بالأسباب المحرّمة من الزنا ونحوه، أو حملهم على تسميتهم إيّاهم بعبد العزّى و عبد اللات، أو على تضليل الأولاد بالحمل على الأديان الباطلة(1)الزائفة والأفعال القبيحة. هذا كلام المفسّرين.
وقد روى الشيخ الجليل ثقة الإسلام أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدّس الله روحه حديثاً يتضمّن معنى آخر للمشاركة مع الأولاد، روى في باب الاستخارة للنكاح من تهذيب الأحكام، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام انّه قال: «إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟
قَالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا أَدْرِي جُعِلْتُ فِدَاكَ؟
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَإِذَا هَمَّ بِذَلِكَ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَيَحْمَدِ اللَّهَ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ فَقَدِّرْ لِي مِنَ النِّسَاءِ أَعَفَّهُنَّ فَرْجاً، وَأَحْفَظَهُنَّ لِي فِي نَفْسِهَا وَفِي مَالِي، وَأَوْسَعَهُنَّ رِزْقاً، وَأَعْظَمَهُنَّ بَرَكَةً، وَقَدِّرْ لِي مِنْهَا وَلَداً طَيِّباً تَجْعَلُهُ خَلَفاً صَالِحاً فِي حَيَاتِي وَبَعْدَ مَوْتِي. فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى نَاصِيَتِهَا وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ عَلَى كِتَابِكَ تَزَوَّجْتُهَا، وَفِي أَمَانَتِكَ أَخَذْتُهَا، وَبِكَلِمَاتِكَ اسْتَحْلَلْتُ فَرْجَهَا، فَإِنْ قَضَيْتَ لِي فِي رَحِمِهَا شَيْئاً فَاجْعَلْهُ سَلِماً سَوِيّاً، وَلَا تَجْعَلْهُ شِرْكَ شَيْطَانٍ.
قُلْتُ: وَكَيْفَ يَكُونُ شِرْكُ شَيْطَانٍ؟
فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِي: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا دَنَا مِنَ الْمَرْأَةِ وَجَلَسَ مَجْلِسَهُ حَضَرَهُ الشَّيْطَانُ، فَإِنْ هُوَ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَنَحَّى الشَّيْطَانُ عَنْهُ، وَإِنْ فَعَلَ وَلَمْ
1) «الباطلة» ليس في (ع).
يُسَمِّ أَدْخَلَ الشَّيْطَانُ ذِكْرَهُ فَكَانَ الْعَمَلُ مِنْهُمَا جَمِيعاً وَالنُّطْفَةُ وَاحِدَةً.
قُلْتُ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُعْرَفُ هَذَا؟ قَالَ: بِحُبِّنَا وَبُغْضِنَا(1).
وهذا الحديث يعضد ما قاله المتكلّمون من أنّ الشياطين أجسام شفّافة تقدر على الولوج في بواطن الحيوانات ويمكنها التشكّل بأيّ شكل شاءت.
و به يضعف ما قاله بعض الفلاسفة من أنّها النفوس الأرضيّة المدبّرة للعناصر، أو النفوس الناطقة الشريرة التي فارقت أبدانها وحصل لها نوع تعلّق وألفة بالنفوس الشريرة المتعلّقة بالأبدان فتمدّها وتعينها على الشر والفساد.
1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 407 ح 1.
حدیث عتق بريرة *
والأحكام المستنبطة منه *
«... قالَ: إِنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ عِنْدَ زَوْجٍ لَهَا وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ، فَاشْتَرَتْهَا عَائِشَةُ فَأَعْتَقَتْهَا، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَقِرَّ عِنْدَ زَوْجِهَا وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ. وَكَانَ مَوَالِيهَا الَّذِينَ بَاعُوهَا اشْتَرَطُوا عَلَى عَائِشَةَ أَنَّ لَهُمُ وَلَاءَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.
وَتُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ بِلَحْمٍ فَأَهْدَتْهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَعَلَّقَتْهُ عَائِشَةُ وَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ الصَّدَقَةِ.
فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَاللَّحْمُ مُعَلَّقٌ فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَذَا اللَّحْمِ لَمْ يُطْبَخْ؟
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ صُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ...».
الكافي: ج 5 ص 485 - 486 ح 1
و بالسند المتصل الى الشيخ الجليل أمين الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، عن عليّ بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال:
إِنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ عِنْدَ زَوْجٍ لَهَا وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ، فَاشْتَرَتْهَا عَائِشَةُ فَأَعْتَقَتْهَا، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَقِرَّ عِنْدَ زَوْجِهَا وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ.
وَكَانَ مَوَالِيهَا الَّذِينَ بَاعُوهَا اشْتَرَطُوا عَلَى عَائِشَةَ أَنَّ لَهُمْ وَلَاءَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.
وَتُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ بِلَحْمٍ فَأَهْدَتْهُ إِلَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَعَلَّقَتْهُ عَائِشَةُ وَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ الصَّدَقَةِ.
فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَاللَّحْمُ مُعَلَّقٌ فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَذَا اللَّحْمِ لَمْ يُطْبَخْ؟
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ صُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ.
فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: هو لها صدقة ولنا هدية، ثمّ أمر بطبخه. فجاء فيها ثلاث من السنن (1).
مالعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
إنَّ بريرة كانت عند زوج لها: بريرة مصغّرة بالباء الموحّدة والياء المثنّاة من تحت المتوسّطة بين الرائين المهملتين وآخرها هاء. و اسم زوجها مغيث بالميم المضمومة والغين المعجمة ثمّ الياء المثنّاة من تحت والثاء المثلّثة.
وقد أختلف في أنّه هل كان حرّاً أو عبداً، ومن ثمّ اختلف الفقهاء في تخيير الأمة إذا أعتقت تحت حرّ.
إن شاءت أن تقرّ: بالفتح أي تمكث، ويجوز الكسر تقول: قررت بالمكان بالكسر أقرّ بالفتح، وقررت أقرّ بالعكس.
انّ لهم ولاءها: الولاء بفتح الواو، وهو في الأصل بمعنى الدنوّ. و يُطلق في الشرع على علاقة بين الشخصين توجب الإرث سوى علاقة النسب والزوجية. والمراد به هنا العلاقة المترتّبة على العتق الموجبة للإرث.
لا يأكل لحم الصدقة: هي ما أُعطي للغير تبرّعاً بقصد القربة غير هدية. فيدخل فيها الزكاة والمنذورات والكفّارات وأمثالها.
وعرّفها بعض الفقهاء بالعطيّة المتبرّع بها من غير نصاب للقربة.
فجاء فيها ثلاث من السنن: هذا من كلام الصادق عليه السلام:
1) الكافي: ج 5 ص 485 - 486 ح 1.
أي وردت بسبب بريرة ثلاثة أحكام من السنن النبوية:
الأول: تخيير الأمة المعتقة تحت حرّ أو عبد على الخلاف بين فسخ النكاح وإبقائه.
الثاني: ثبوت الولاء للمعتق دون البائع المشترط له.
الثالث: إنّ الصدقة المحرّمة على بني هاشم إذا دُفعت الى شخص فأهداها إليهم لم تكن محرّمة عليهم.
[ هل للأمة المعتقة وزوجها حرّ حقّ فسخ النكاح أم لا؟ ]
ما تضمنّه هذا الحديث من ثبوت الخيار للأمة المعتقة ممّا لا خلاف فيه مع رقيّة الزوج.
أما مع حرّيته فأكثر علمائنا على ثبوته، لأنّ زوج بريرة كان حرّاً كما في بعض الروايات، وبه قال أبو حنيفة، ولصحيحة أبي الصباح الكناني عن الصادق عليه السلام: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أُعْتِقَتْ فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا، إِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْ»(1)وهي بعمومها شاملة لمحلّ النزاع.
والأقلّ من علمائنا(2)على انتفائه، وعليه الشافعي ومالك وأحمد لما روي عن ابن عبّاس: «إِنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْداً أَسْوَدَ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ»(3).
ثمّ ما تضمنّه الحديث من أنّ عائشة عتقتها ظاهره عتاق كلّها، وكذا ظاهر صحيحة أبي الصباح، فالأمة المبعّضة لا خيار لها وان تحرّر أكثرها، اقتصاراً فيما خالف الأصل على الفرد الظاهر من النصّ.
واعلم انّ المستفاد من الأخبار أنّ عتق بريرة وقع بعد الدخول بها، فقد روي أنّ مغيثاً استشفع برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: لو راجعتيه فإنّه أبو ولدك. فقالت: يا رسول الله تأمرني بأمرك؟ فقال: لا انّما أنا شافع. فقالت: لاحاجة لي فيه(1).
لكن علماءنا رضي الله عنهم أثبتوا الخيار للأمة سواء وقع عتقها قبل الدخول أو بعده عملاً بعموم الصحيحة السابقة، فإن وقع قبله وفسخت سقط المهر، وإن وقع بعده لم يسقط المهر وكان للسيد طلبه.
[ استثناء من المسألة السابقة ]
استثنى الفقهاء من تخيير الأمة المعتقة صورة واحدة هي ما إذا ساوى مهرها ثلث مال مولاها وقيمتها ثلثاً آخر وخلّف مالاً بقدر قيمتها بعد وصيته بعتقها ووقع العتق قبل الدخول، فإنّ اختيارها الفسخ يوجب سقوط المهر فلا ينفذ العتق في جميعها لزيادته على الثلث فيبطل خيارها.
[ حرمة الصدقة الواجبة على بني هاشم ]
مادلّ عليه هذا الحديث من تقرير النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عائشة على قولها «وأنت لاتأكل الصدقة» يُعطي بظاهره تحريم الصدقة الواجبة والمندوبة معاً عليه، لأنّ اللام في الصدقة إمّا للجنس أو للاستغراق، إذ لا عهد بحسب الظاهر.
1) سنن ابن ماجه: ج 1 ص 671.
وكذا ما روي من أنّ الحسن عليه السلام أخذ وهو صغير تمرة من تمر الصدقة فقال له النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: كخ كخ ليطرحها، و قال: ماشعرت أنّا لانأكل الصدقة(1).
ولاخلاف بين أهل الإسلام في تحريم الصدقة الواجبة عليه صلّى الله عليه وآله وسلّم في الجملة، إنّما الخلاف في المندوبة.
وقد حكم العلّامة في التذكرة (2)بتحريمها أيضاً عليه صلّى الله عليه وآله وسلّم لعلوّ شأنه، وزيادة رفعته، وعدم لياقتها بشرفه ومنزلته، لما فيها من الغضّ بمقامه وتسليط المتصدّق، ومنصب النبوّة أجلّ وارفع من ذلك . وهو أحد قولي الشافعي.
وأمّا الأئمّة عليهم السلام فالظاهر إلحاقهم في ذلك بالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فتحرم عليهم المندوبة، وبه حكم العلّامة في التذكرة(3).
وأمّا مارواه العامة عن الإمام أبي جعفر محمد بن عليّ الباقر عليه السلام أنّه كان يشرب من سقايات بين مكّة والمدينة، فقيل له: أتشرب من الصدقة؟! فقال: إنّما حُرِّم علينا الصدقة المفروضة(4). فهو ممّا تفرّد بروايته العامة. وفي طريقه ضعف.
وأمّا بقيّة بني هاشم فلاخلاف عندنا في جواز أخذهم الصدقة المندوبة. وللشافعي قولان.
وهل الصدقة المحرّمة على بني هاشم مخصوصة بالزكاة أو عامّة في جميع الصدقات كالمنذورات والكفّارات؟ ظاهر أكثر أصحابنا العموم. وفي بعض الروايات مايدلّ على التخصيص بالزكاة، وهو مستند
العلّامة(1)في تجويزه دفع النذور(2)والكفّارات إليهم. وفيه ما فيه(3).
ولاكلام في جواز أخذ الهاشمي الصدقة الواجبة من مثله، لكن هل هذا الحكم مخصوص بمن عدا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة عليهم السلام أو شامل له و لهم صلوات الله عليهم أجمعين فيجوز لهم أيضاً قبول الصدقة من الهاشمي؟ لم أظفر لعلمائنا رضوان الله عليهم فيه بشيء، لكنّ المناسب لعلوّ شأنهم تحريم الصدقة عليهم كيف ما كانت ومن أيّ شخص صدرت، سواء الهاشمي وغيره.
[ مَن هم آل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ ]
ذكر بعض أصحاب الكمال في معرض تحقيق الآل كلاماً يناسب هذا المقام حاصله: إنّ آل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كلّ من يؤول إليه، وهم قسمان:
الأوّل: من يؤول إليه مآلاً صوريّاً جسمانيّاً كأولاده و من يحذو حذوهم من أقاربه الصوريين الذين تحرم عليهم الصدقة في الشريعة المحمدية.
والثاني: من يؤول إليه مآلاً معنويّاً وروحانيّاً، وهم أولاده الروحانيون من العلماء الراسخين والأولياء الكاملين والحكماء المتألهين المقتبسين من مشكاة أنواره، سواء بالزمان أو لحقوه.
ولاشكّ أنّ النسبة الثانية آكد من الأولى.
وإذا اجتمع النسبتان كان نوراً على نور كما في الأئمّة المشهورين
من العترة الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين.
وكما حرّم على الأولاد الصوريين الصدقة الصورية حرّم على الأولاد المعنوية(1)الصدقة المعنوية، أعني تقليد الغير في العلوم والمعارف. هذا ملخّص كلامه. وهو ممّا يستوجب أن يُكتب بالتبر على الأحداق لا بالحبر على الأوراق.
1) في (ع): المعنويين.
«... قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ يَا بَنِي آدَمَ كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُ، وَكُلُّكُمْ عَائِلٌ إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُ، وَكُلُّكُمْ هَالِكٌ إِلَّا مَنْ أَنْجَيْتُ، فَاسْأَلُونِي أَكْفِكُمْ وَأَهْدِكُمْ سَبِيلَ رُشْدِكُمْ.
وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْفَقْرُ، وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ.
وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْغِنَى، وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ.
وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَمْرَضْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ.
وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْمَرَضُ، وَلَوْ أَصْحَحْتُ جِسْمَهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ.
وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ يَجْتَهِدُ فِي عِبَادَتِي وَ قِيَامِ اللَّيْلِ فَأُلْقِي عَلَيْهِ النُّعَاسَ نَظَراً مِنِّي إِلَيْهِ فَيَرْقُدُ حَتَّى يُصْبِحَ...»
أمالي الصدوق: المجلس 6 ص 168
وبالسند المتصل الى الشيخ الجليل شيخ الطائفة أبي جعفر محمد ابن الحسن الطوسي، عن الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، عن عمر بن محمد، عن علي بن مهرويه القزويني، عن داود بن سليمان، عن الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه أميرالمؤمنين عليهم السلام قال:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ يَا بَنِي آدَمَ كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُ، وَكُلُّكُمْ عَائِلٌ إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُ، وَكُلُّكُمْ هَالِكٌ إِلَّا مَنْ أَنْجَيْتُ، فَاسْأَلُونِي أَكْفِكُمْ وَأَهْدِكُمْ سَبِيلَ رُشْدِكُمْ.
وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْفَقْرُ، وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ.
وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْغِنَى، وَ لَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ.
وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَمْرَضْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ.
وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْمَرَضُ، وَلَوْ أَصْحَحْتُ جِسْمَهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ.
وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ يَجْتَهِدُ فِي عِبَادَتِي وَ قِيَامِ
اللَّيْلِ فَأُلْقِي عَلَيْهِ النُّعَاسَ نَظَراً مِنِّي إِلَيْهِ فَيَرْقُدُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَقُومُ حِينَ يَقُومُ وَهُوَ مَاقِتٌ لِنَفْسِهِ زَارٍ عَلَيْهَا، وَلَوْ خَلَّيْتُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مَا يُرِيدُ لَدَخَلَهُ الْعُجْبُ بِعَمَلِهِ ثُمَّ كَانَ هَلَاكُهُ فِي عُجْبِهِ وَ رِضَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَيَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ فَاقَ الْعَابِدِينَ وَجَازَ بِاجْتِهَادِهِ حَدَّ الْمُقَصِّرِينَ فَيَتَبَاعَدُ بِذَلِكَ مِنِّي وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ.
أَلَا فَلَا يَتَّكِلَنَّ الْعَامِلُونَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَ إِنْ حَسُنَتْ، وَلَا يَأْيَسُ الْمُذْنِبُونَ مِنْ مَغْفِرَتِي لِذُنُوبِهِمْ وَ إِنْ كَثُرَتْ، لَكِنْ بِرَحْمَتِي فَلْيَثِقُوا، وَبِفَضْلِي فَلْيَرْجُوا، وَ إِلَى حُسْنِ نَظَرِي فَلْيَطْمَئِنُّوا، وَذَلِكَ إِنِّي أُدَبِّرُ عِبَادِي بِمَا يُصْلِحُهُمْ، وَأَنَا بِهِمْ لَطِيفٌ خَبِيرٌ(1).
مالعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
كلّكم ضالّ إلّا من هديت: إذا أُضيفت «كلّ» الى ضمير جمع جاز مراعاة لفظها فيفرد ضميرها، ومراعاة معناها(2)فيكون بحسب مايُضاف إليه، يقال: كلّهم قائم وكلّهم قائمون. وقد رُوعي هنا جانب اللفظ كما قال الله تعالى: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً(3).
والهداية: هي الدلالة بلطف، سواء كانت دلالة موصلة الى المطلوب
أم دلالة على ما يوصل إليه.
ومن الأوّل قوله تعالى: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(1)وقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا(2)و قوله تعالى: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ(3).
ومن الثاني: قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى(4)و قوله تعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً(5)وقوله تعالى: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(6)أي طريقي الخير والشر. فإنّ المراد إراءتهما لأنّ الآية مورده في معرض الامتنان، ولا يمن بالإيصال الى طريق الشر. وبهذا يظهر ضعف التفصيل بأنّ الهداية إن تعدّت الى المفعول الثاني بنفسها كانت بمعنى الدلالة الموصلة الى المطلوب. وإن تعدّت باللام أو الى كانت بمعنى الدلالة على ما يوصل.
وكلّكم عائل إلّا من أغنيت: يقال: عال يعيل عيلة وعيولاً إذا افتقر.
وأهدكم سبيل رشدكم: المراد بالهداية هنا الدلالة الموصولة، فإنّ الدلالة على ما يوصل حاصلة من دون سؤال.
وهداية الله سبحانه للعباد على خمسة أنواع كما قاله بعض الأعلام:
الأوّل: إفاضة القوى التي يتمكّنون بها من الإهتداء الى مصالحهم كالقوّة العقليّة والمشاعر الظاهرة والحواس الباطنة.
والثاني: نصب الدلائل العقليّة الفارقة بين الحقّ والباطل والصلاح
والفساد.
والثالث: هدايتهم بإرسال الرسل و إنزال الكتب.
والرابع: أن يكشف على قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي بالمنامات الصادقة أو الإلهام أو الوحي.
الخامس: أن يمحو عنهم ظلمات أبدانهم ويميط عنهم جلابيب نواسيتهم(1)ويشهدهم التجلّيات الأحديّة فتندكّ عند ذلك جبال أنانيّتهم، فيخرّون خروراً ويصيرون هباءً منثوراً، ويستهلك في نظرهم الأغيار و تحترق الحجب والأستار، وينادون لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ(2).
ثمّ كان هلاكه في عجبه ورضاه عن نفسه: لاريب أنّ من عمل أعمالاً صالحة من صيام الأيّام و قيام الليالي و أمثال ذلك يحصل لنفسه ابتهاج.
فإن كان من حيث كونها عطيّة من الله له ونعمة منه تعالى عليه وكان مع ذلك خائفاً من نقصها مشفقاً من زوالها طالباً من الله الإزدياد منها لم يكن ذلك الابتهاج عجباً.
و إن كان من حيث كونها صفة قائمة به ومضافة اليه فاستعظمها و ركن إليها و رأى نفسه خارجاً عن حدّ التقصير بها و صار كأنّه يمنّ على الله سبحانه بسببها فذلك هو العجب المهلك، وهو من أعظم الذنوب، حتّى روي عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ماهو أكبر من ذلك: العجب، العجب(3).
و عن أميرالمؤمنين عليه السلام: سيّئة تسوؤك خير من حسنة تعجبك(4).
ألا فلايتكلّنّ العاملون على أعمالهم وان حسنت: أي لايعتمدون في دخول الجنّة على محض تلك الأعمال وإن أتوا بها حسنة تامّة الأركان، فإنّ المفسدات الخفيّة كثيرة جدّاً وقلّما يخلو عمل عنها كما تضمنّه الخبر الذي رواه الشيخ العارف جمال الدين أحمد بن فهد في كتاب عدّة الداعي، عن معاذ بن جبل، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال:
«إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ سَبْعَةَ أَمْلَاكٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ، فَجَعَلَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ مَلَكاً قَدْ جَلَّلَهَا بِعَظَمَتِهِ، وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاوَاتِ مَلَكاً بَوَّاباً، فَتَكْتُبُ الْحَفَظَةُ عَمَلَ الْعَبْدِ مِنْ حِينَ يُصْبِحُ إِلَى حِينَ يُمْسِي، ثُمَّ تَرْتَفِعُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِهِ وَلَهُ نُورٌ كَنُورِ الشَّمْسِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ سَمَاءَ الدُّنْيَا فَتُزَكِّيهِ وَ تُكَثِّرُهُ فَيَقُولُ: قِفُوا وَاضْرِبُوا بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ أَنَا مَلَكُ الْغِيبَةِ، فَمَنِ اغْتَابَ لَا أَدَعُ عَمَلَهُ يُجَاوِزُنِي إِلَى غَيْرِي، أَمَرَنِي بِذَلِكَ رَبِّي.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ثُمَّ تَجِيءُ الْحَفَظَةُ مِنَ الْغَدِ وَمَعَهُمْ عَمَلٌ صَالِحٌ فَتَمُرُّ بِهِ تُزَكِّيهِ وَتُكَثِّرُهُ حَتَّى يَبْلَغَ السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ: قِفُوا وَاضْرِبُوا بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ، إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا عَرَضَ الدُّنْيَا، أَنَا صَاحِبُ الدُّنْيَا لَا أَدَعُ عَمَلَهُ يُجَاوِزُنِي إِلَى غَيْرِي.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ثُمَّ تَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ مُبْتَهِجاً بِصَدَقَةٍ وَصَلَاةٍ، فَتَعْجَبُ بِهِ الْحَفَظَةُ وَتُجَاوِزُهُ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ: قِفُوا وَاضْرِبُوا بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ وَظَهْرَهُ، أَنَا صَاحِبُ الْكِبْرِ إِنَّهُ عَمِلَ وَتَكَبَّرَ عَلَى النَّاسِ فِي مَجَالِسِهِمْ، أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ لَا أَدَعَ عَمَلَهُ يُجَاوِزُنِي إِلَى غَيْرِي.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: وَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ يَزْهَرُ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ فِي السَّمَاءِ لَهُ دَوِيٌّ بِالتَّسْبِيحِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، فَتَمُرُّ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَيَقُولُ لَهُمُ الْمَلَكُ: قِفُوا وَاضْرِبُوا بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ
وَ بَطْنِهِ، أَنَا مَلَكُ الْعُجْبِ، إِنَّهُ كَانَ يُعْجِبُ بِنَفْسِهِ وَ إِنَّهُ عَمِلَ وَأَدْخَلَ نَفْسَهُ الْعُجْبَ، أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ لَا أَدَعَ عَمَلَهُ يُجَاوِزُنِي إِلَى غَيْرِي.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: وَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ كَالْعَرُوسِ الْمَزْفُوفَةِ إِلَى بَعْلِهَا، فَتَمُرُّ بِهِ إِلَى مَلَكِ السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ بِالْجِهَادِ وَالصَّدَقَةِ مَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَ لِذَلِكَ الْعَمَلِ ضَوْءٌ كَضَوْءِ الشَّمْسِ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ: قِفُوا أَنَا مَلَكُ الْحَسَدِ، اضْرِبُوا بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ وَاحْمِلُوهُ عَلَى عَاتِقِهِ إِنَّهُ كَانَ يَحْسُدُ مَنْ يَتَعَلَّمُ أَوْ يَعْمَلُ لِلَّهِ بِطَاعَتِهِ، وَ إِذَا رَأَى لِأَحَدٍ فَضْلًا فِي الْعَمَلِ وَالْعِبَادَةِ حَسَدَهُ وَوَقَعَ فِيهِ، فَيَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَيَلْعَنُهُ عَمَلُهُ.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: وَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ فَتُجَاوِزُ [بِهِ إِلَى] السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ: قِفُوا أَنَا صَاحِبُ الرَّحْمَةِ، اضْرِبُوا بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ وَاطْمِسُوا عَيْنَيْهِ، إِنَّ صَاحِبَهُ لَا يَرْحَمُ شَيْئاً، إِذَا أَصَابَ عَبْداً مِنْ عِبَادِ اللَّهِ ذَنْباً لِلْآخِرَةِ أَوْ ضَرّاً فِي الدُّنْيَا شَمِتَ بِهِ، أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ لَا أَدَعَ عَمَلَهُ يُجَاوِزُنِي.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: وَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ بِفِقْهِهِ وَاجْتِهَادِهِ وَ وَرَعِهِ، وَلَهُ صَوْتٌ كَالرَّعْدِ وَضَوْءٌ كَضَوْءِ الْبَرْقِ وَ مَعَهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ مَلَكٍ، فَتَمُرُّ إِلَى مَلَكِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ: قِفُوا وَاضْرِبُوا بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ، أَنَا مَلَكُ الْحِجَابِ أَحْجُبُ كُلَّ عَمَلٍ لَيْسَ لِلَّهِ، إِنَّهُ أَرَادَ رِفْعَةً عِنْدَ الْقُوَّادِ(1)وَذِكْراً فِي الْمَجَالِسِ وَصِيتاً فِي الْمَدَائِنِ، أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ لَا أَدَعَ عَمَلًا يُجَاوِزُنِي إِلَى غَيْرِي مَالَمْ يَكُنْ لِلَّهِ خَالِصاً.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: وَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ مُبْتَهِجاً بِهِ مِنْ صَلَاةٍ وَ زَكَاةٍ وَصِيَامٍ وَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَ خُلُقٍ حَسَنٍ وَصَمْتٍ وَذِكْرٍ كَثِيرٍ، تَشْيَعُهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاوَاتِ وَالْمَلَائِكَةُ السَّبْعَةُ بِجَمَاعَتِهِمْ فَيَطَئُونَ الْحُجُبَ كُلَّهَا حَتَّى يَقُومُوا بَيْنَ يَدَيْهِ سُبْحَانَهُ فَيَشْهَدُوا لَهُ بِعَمَلٍ وَدُعَاءٍ، فَيَقُولُ: أَنْتُمْ
1) في هامش(ع): قوّاد جمع قائد وهو من يقود العسكر والأمراء والخوانين. (منه دام ظلّه).
حَفَظَةُ عَمَلِ عَبْدِي وَ أَنَا رَقِيبٌ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ إِنَّهُ لَمْ يُرِدْنِي بِهَذَا الْعَمَلِ، عَلَيْهِ لَعْنَتِي. فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: عَلَيْهِ لَعْنَتُكَ وَلَعْنَتُنَا... الْحَدِيثَ(1). وهو طويل أخذنا منه موضع الحاجة، وهو ينبّهك على أنّ العمل الخالص من الشوائب أقلّ قليل. نسأل الله العصمة والتوفيق.
ولا ييأس المذنبون من مغفرتي لذنوبهم وان كثرت: كما قال سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ(2)وقال سبحانه: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً(3).
وفي الخبر عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: ليغفرنّ الله تعالى يوم القيامة مغفرة ماخطرت قطّ على قلب أحد حتّى انّ ابليس ليتطاول لها رجاء أن تصيبه(4).
وروي في الكافي عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: لولا أنّكم تذنبون ثمّ تستغفرون الله لخلق الله خلقاً حتّى يذنبوا ثمّ يستغفروا الله فيغفر لهم(5).
ونقل الغزالي في الإحياء(6)عن الإمام أبي جعفر محمد بن عليّ الباقر عليه السلام أنّه كان يقول لأصحابه: أنتم أهل العراق تقولون: أرجى آية في كتاب الله عزّوجلّ قوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ(7)ونحن أهل البيت نقول: وَلَسَوْفَ
يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى(1). أراد عليه السلام أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يرضى وواحد من أمّته في النار. والأحاديث الواردة في سعة عفو الله وجزيل رحمته ووفور مغفرته كثيرة جدّاً، ولكن لابدّ لمن يرجوها و يتوقّعها من العمل الخالص المعدّ لحصولها وترك الانهماك في المعاصي المفوّت لهذا الاستعداد، كمن ألقى البذر في أرض وساق إليها الماء في وقته ونقّاها من الشوك والأحجار و بذل جهده في قلع النباتات الخبيثة المفسدة للزرع ثمّ جلس ينتظر كرم الله ولطفه سبحانه مؤمّلاً أن يحصل له وقت الحصاد مائة قفيز مثلاً. فهذا هو الرجاء الممدوح. وأمّا من تغافل عن الزراعة واختار الراحة طول السنة و صرف أوقاته في اللهو واللعب ثمّ جلس ينتظر أن ينبت الله له زرعاً من دون سعي وكدّ وتعب وكان طامعاً أن يحصل له كما يحصل لصاحبه الذي صرف ليله ونهاره في السعي والكدّ والتعب، فهذا حمق وغرور لارجاء.
فالدنيا مزرعة الآخرة، والأرض القلب، والإيمان البذر، والطاعات هي الماء الذي يُسقى به الأرض. وتطهير القلب من المعاصي والأخلاق الذميمة بمنزلة تنقية الأرض من الشوك والأحجار والنباتات الخبيثة، و يوم القيامة هو وقت الحصاد.
فاحذر أن يغرّك الشيطان ويثبّطك عن العمل و يقنعك بمحض الرجاء والأمل، وانظر الى حال الأنبياء والأولياء واجتهادهم في الطاعات و صرفهم العمر في العبادات ليلاً ونهاراً، أما كانوا يرجون عفو الله و رحمته؟ بلى والله إنّهم كانوا أعلم بسعة رحمة الله وأرجى لها منك ومن كلّ أحد، ولكن علموا أنّ رجاء الرحمة من دون العمل غرور محض وسفه بحت، فصرفوا في العبادات أعمارهم، وقصروا على الطاعات ليلهم ونهارهم.
1) الضحى: 5.
«... قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يمينالولد مع والده، ول للمملوك مع مولاه، ولا للمرأة مع زوجها، ولا نذر في معصية، ولا يمين في قطيعة»
تهذيب الأحكام: ج 8ص 285
وبالسند المتصل الى الشيخ الجليل شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي، عن الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن الشيخ الأجلّ ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، عن عليّ بن ابراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن حازم، عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال:
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: لَا يَمِينَ لِوَلَدٍ مَعَ وَالِدِهِ، وَلَا لِلْمَمْلُوكِ مَعَ مَوْلَاهُ، وَلَا لِلْمَرْأَةِ مَعَ زَوْجِهَا، وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا يَمِينَ فِي قَطِيعَةٍ (1).
ما لعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
لايمين: اليمين: القسم.
قيل: مأخوذ اليمين بمعنى القوّة، لأنّ الشخص يتقوّى به على فعل ما يحلف على فعله وترك ما يحلف على تركه.
وقيل: مأخوذ من اليُمن بمعنى البركة لحصول التبرّك بذكر الله تعالى.
1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 285 ح 42
وقيل: مأخوذ اليمين بمعنى الجارحة المخصوصة، لأنهم كانوا عند الحلف يضربون أيمانهم بيمين المحلوف له. وهذه الوجوه الثلاثة ذكرها أبو علي الطبرسي رحمه الله في تفسيره مجمع (1)البيان (2).
ولولد مع والده: سواء كان الولد ذكراً أو أنثى، وسواء كان الوالد حرّاً أو عبداً.
أمّا لو كان كافراً فهل هو في ذلك كالمسلم؟ لا يحضرني فيه تصريح لعلمائنا. وإطلاق الحديث يشمله. ويمكن إخراج-ه (3)رفع السبيل.
وللمملوك مع مولاه: سواء تعدّد المولى أو لا. والظاهر أنّ المتحرّر بعضه كذلك.
وللمرأة مع زوجها: وهل المتمتع بها كذلك؟ لم أجد لأحد من علمائنا فيه تصريحاً. والمطلّقة رجعياً زوجة.
وهل يشترط في الزوج البلوغ؟ ظاهر الحديث العموم وللنظر فيه مجال. ولم أظفر للأصحاب فيه بكلام.
ولانذر في معصية: النذر لغة: الوعد، وشرعاً: التزام بفعل أو ترك، يقول الله عليّ متقرّباً. والماضي منه مفتوح العين، ويجوز في مضارعه ضمها وكسرها.
ولايمين في قطيعة: أي قطيعة الرحم كأن يحلف أن لا يكلّم أباه مثلاً.
ويمكن أن يكون صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أراد بالقطيعة ما يشمل قطيعة الأخ في الدين أيضاً.
[ هل المراد بالنفي نفي الصحّة أو نفي العدم ]
نفيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يمين الولد والمملوك والمرأة مع الوالد والمالك والزوج يمكن أن يراد به نفي الصحّة، فلا ينعقد في الأصل من دون سبق إذنهم فيها، ولا تؤثّر الإذن المتعقّبة وأن يُراد به نفي اللزوم فينعقد ويكون لهم إلزامها وحلّها. وهذا هو الّذي أفتى به أكثر علمائنا كالمحقّق (1)وغيره، ومال إليه العلّامة في القواعد (2).
وقد يُستأنس له بعموم الآيات الدالّة على وجوب الوفاء باليمين كقوله تعالى: وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ (3)خرج ما إذا حلّها الأب والمالك والزوج فيبقى (4)الباقي. وفيه ما فيه.
وذهب بعض المتأخّرين إلى الأوّل، لأنّ نفي الصحّة هو أقرب المجازات إلى نفي الحقيقة (5).
وهذا أظهر لولا أنّ الثاني أشهر. والخلاف إنّما هو في غير الحلف على فعل واجب أو ترك محرّم.
أمّا الحلف على أحدهما فلابحث في لزومه، وأنّه لا ولاية لأحد على حلّه.
ولا يخفى أنّ النصّ بالولاية على هؤلاء إنّما ورد في اليمين، وليس في نذرهم نصّ.
و بعض المتأخّرين من علمائنا جعل نذرهم في ذلك كيمينهم، و دليلهم غير واضح، لكن روى الشيخ في التهذيب، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن الكاظم عليه السلام قال: قلت له: إنّ لي جارية حلفت منها بيمين فقلت: لله عليّ أن لا أبيعها أبداً. فقال عليه السلام: في لله بنذرك (1).
قال شيخنا الشهيد في الدروس بعد نقل هذا الخبر: وفيه دقيقة (2).
وأراد رحمه الله أنّه يدلّ على أنّ النذر يسمّى يميناً فيستنبط منه توقّف نذر الولد و أخويه على الإذن لورود النصّ في توقّف يمينهم. وهذه التسمية وإن اُستفيدت من كلام السائل لكن تقرير الإمام عليه السلام له في قوّة تلفّظه به. هكذا نُقل عنه رحمه الله.
وأنت خبير بأنّ التقرير على هذه التسمية على تقدير تسليمه لا يجعلها حقيقة لجواز التقدير على المجاز، على أنّ الظاهر من قوله عليه السلام: «في لله بنذرك» الردّ عليه في تسمية اليمين نذراً لا تقريره عليها (3)كما لا يخفى.
وبالجملة فأمثال هذه الدلائل الضعيفة لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعيّة، و إلّا فيصار على ما يقتضيه ظاهر النصّ هو الأولى، والله أعلم.
[ حقيقة النذر وأقسامه ]
قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «لا نذر في معصية» يشمل ما إذا كان نذرها مطلقاً نحو: «لله عليّ أن أتزوّج خامسة» مثلاً، ومعلّقاً سواء كانت المعصية شرطاً نحو: «إن شربت خمراً فلله عليّ كذا» إذا لم يقصد زجر
النفس عنه، أو جزءً نحو: «إن شفي مريضي فللّه عليّ أن أصوم العيد» مثلاً.
هذا وقد ذهب السيّد المرتضى رضي الله عنه الى بطلان النذر المطلق مطلقاً، طاعة كان أو معصية، واعتبر في ماهية النذر أن يكون معلّقاً على شيء، وادّعى على ذلك إجماع الإمامية.
وقال: إنّ العرب لا تعرف من النذر إلّا ما كان معلّقاً كما قاله ثعلب، والكتاب والسنّة وردا بلسانهم، والنقل على خلاف الأصل (1)هذا ملخّص كلامه طاب ثراه.
وقد خالفه أكثر علمائنا وحكموا بانعقاد النذر المطلق كالمعلّق، وقد استدلّ على ذلك بوجوه:
الأوّل: نقل الشيخ الإجماع على ذلك.
الثاني: بأنّه ورد في الكتاب مطلقاً غير مقيّد بشرط كقوله تعالى: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا (2)إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا (3)يُوفُونَ بِالنَّذْرِ (4)وغير ذلك.
الثالث: إطلاق قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» (5). ولو كان النذر مختصّاً بالشروط لم يحسن إطلاق الأمر بالطاعة بمجرّد النذر، بل كان ينبغي أن يقول: فليطعه إذا حصل الشرط المعلّق عليه.
الرابع : ظاهر ما رواه أبو الصباح الكناني في الصحيح عن الصادق عليه السلام قال: «سألته عن رجل قال: عليّ نذر، فقال: ليس النذر بشيء
حتى يُسمّي شيئاً لله صياماً أو صدقة أو حجّاً»(1)فقد جعل عليه السلام المصحّح للنذر هو تسمية الصيام أو الصدقة أو الحجّ لله تعالى. ولو كان الشرط من المصحّحات لذكره أيضاً. هذا خلاصة ما استدلّ به على شمول النذر للمطلق والمعلّق.
و يخطر بالبال أنّه ليس في شيء من هذه الدلائل ما ينهض حجّة على السيّد.
أما نقل الشيخ الإجماع فظاهر، أي ظاهر خلاف للإجماع لمخالفة السيّد.
وأمّا الآيات الثلاثة فإنّما دلّت على وقوع نذر الصوم والتحرير والوفاء به. ولا ريب أنّ السيّد يحمله على المشروط، فانّ ما عداه ليس نذراً عنده، وليس في الآيات دلالة على أنّ النذر المذكور فيها لم يكن معلّقاً على شرط.
أمّا الأولى فمع أنّها حكاية عمّا وقع في شريعة أخرى لم تتضمّن سوى أمر مریم علیها السلام بأن تخبر الناس أنّها نذرت صوماً أي صمتاً، و كونها لم تذكر الشرط في هذا الخبر لا يقتضي أن لا تكون قد ذكرته في النذر، ولم يثبت أنّ كلامها هذا كان صيغة النذر حتّى يقال انّه خالٍ عن الشرط، بل الموجود في التفاسير أنّه كان إخباراً عن وقوع النذر سابقاً.
فإن قلت: هذا الكلام مستلزم لمخالفة النذر فلابدّ من الحمل على أنّه هو صيغة النذر لتسلم من الحنث.
قلت: لعلّها استثنت حال النذر الإخبار به، أو أنّها كانت مضطرّة الى الكلام بهذا القدر لئلّا يظنّ قومها أنّ تركها إجابتهم وقع منها عناداً أو خجلاً من صدور ما توهّموه في حقّها. وبعض المفسّرين على أنّ إخبارها
1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 303 ح 2.
بالنذر كان بالإشارة فأطلق سبحانه عليها القول مجازاً.
وقد نقل الشيخ الجليل أبو علي الطبرسيّ رحمه الله في مجمع البيان أنّه كان قد أُذن لها أن تتكلّم بهذا القدر ثمّ تسكت ولا تتكلّم بشيء آخر (1). وهو صريح في أنّ كلامها هذا لم يكن صيغة النذر بل إخباراً لسبق وقوعه منها كما مرّ.
وأمّا الآية الثانية فهي وان احتملت أن يكون هذا الكلام الصادر عن إمرأة عمران هو صيغة النذر إلّا أنّ كلام المفسّرين صريح في أنّها قالته بعد صدور النذر.
قال في الكشّاف: روي أنّها كانت عاقراً لم تلد الى أن عجزت، فبينا هي في ظلّ شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له، فتحرّكت نفسها للولد و تمنّته وقالت: اللهمّ إنّ لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدّق به على بيت المقدس فيكون من سدنته و خدمته ، فحملت بمريم عليها السّلام (2)إنتهى كلام الكشّاف.
فإن قلت: قد روى الشيخ أبو عليّ الطبرسيّ رحمه الله في كتاب مجمع البيان عند تفسير هذه الآية عن أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنّه قال: إنّ الله عزّوجلّ أوحى إلى عمران: إنّي واهب لك ذكراً يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله وجاعله رسولاً الى بني إسرائيل. فحدّث إمرأته بذلك وهي أُمّ مريم عليها السلام، فلما حملت بها قالت: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا الحديث (3)وهو يشعر بأنّ هذا القول هو صيغة النذر وأنّه لم يسبق منها نذر تحريره إن رزقته كما رواه في الكشّاف، إذ بعد إعلام الله سبحانه بهبة الولد لا معنى لاستجلابه
بالنذر.
قلت: ليس في هذه الرواية إشعار بما زعمت، فإنّ قوله عليه السلام «فلمّا حملت... الى آخره» لا (1)يدلّ إلّا على أنّها وقع منها هذا القول بعد الحمل، وهو لا يدلّ على عدم وقوع النذر قبله بشيء من الدلالات، وإخبار الله سبحانه عمران بهبة الذكر له لا ينافي نذرها، لأنّه لم يخبره بأنّه يحصل منها، وعلى تقدير علمها بذلك يمكن أن يكون نذرها كان قد وقع قبل إخباره سبحانه. وبالجملة فلا دلالة في هذه الآية على ما ينافي مذهب السيّد بوجه.
وأمّا الآية الثالثة فذكرها في معرض الاستدلال عجيب، فإنّها لم تتضمّن إلّا المدح بالوفاء بالنذر، وذلك النذر الّذي هو سبب نزولها معلّق على الشرط باتّفاق الأُمّة، والقصّة أشهر من أن تُذكر، ولكنّها نذكرها تبرّكاً بذكر من نزلت الآية بل السورة في شأنهم سلام الله عليهم أجمعين.
قال القاضي البيضاوي في تفسيره: عن ابن عبّاس: إنّ الحسن والحسين رضي الله عنهما مرضا، فعادهما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ في ناس، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك. فنذر عليّ و فاطمة رضي الله عنهما وفضّة جاريتهما صوم ثلاثة أيّام إن برءا. فشفيا وما معهم شيء ، فاستقرض عليّ رضي الله عنه من شمعون الخيبري ثلاث أصوع من شعير. فطحنت فاطمة عليها السلام صاعاً واختبزت خمسة أقراص فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم مسكين فآثروه و باتوا لم يذوقوا إلّا الماء وأصبحوا صياماً. فلما أمسوا ووضعوا الطعام وقف عليهم يتيم فآثروه. ثمّ وقف عليهم في الثالثة أسير ففعلوا مثل ذلك. فنزل جبرئيل عليه السلام بهذه السورة وقال: خذها يا محمّد هنّأك الله
1) (ع): لم.
في أهل بيتك» (1)إنتهى كلام القاضي.
وأمّا الاستدلال بقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» فلو تمّ التقريب الذي ذكرتموه فيه لدلّ على عدم مشروعيّة النذر المعلّق كما لا يخفى. و ما هو جوابكم فهو جواب السيّد قدّس الله روحه، على أنّه رحمه الله لا يعمل بخبر الآحاد، فأمثال هذه الأخبار ليست حجّة عليه.
وأمّا رواية أبي الصباح فهو يقول بموجبها من أنّ تسمية العبادة شرط في النذر و مصحّح له والإمام عليه السلام جعل تسمية العبادة كالجزء الأخير من المصحّحات كما تشعر به «حتّى» الانتهائية ولم يحصر المصحّح في ذلك، فيصحّ أن يكون له مصحّحات أُخر من التعليق وغيره.
هذا وربّما يستدلّ على ماذهب إليه الأكثر من صحّة النذر المطلق بما رواه الشيخ في الصحيح عن منصور بن حازم، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «إذا قال الرجل: عليّ المشي الى بيت الله وهو محرم بحجّة، أو عليّ هدي كذا وكذا، فليس بشيء حتَّى يقول: لله عليّ المشي الى بيته، أو يقول: لله عليّ كذا وكذا» (2)فإنّه عليه السلام قد بيّن النذر المطلق بقوله: لله عليّ المشي الى بيته، والمعلّق بقوله: لله عليّ هدي كذا وكذا إن لم أفعل كذا.
و لا يخفى أنّ هذه الرواية كما تحتمل التنزيل على هذا المعنى تحتمل التنزيل على معنى آخر هو أن يكون قوله عليه السلام « إن لم أفعل كذا » قيداً لمجموع النذرين معاً، و مع قيام الاحتمال يسقط الاستدلال.
[ في وجوب رجحان متعلّق النذر واليمين ]
متعلّق اليمين لابدّ أن يكون وقت الحلف راجحاً ديناً أو دنياً أو متساوي الطرفين، ولو طرت مرجوحيّته جاز مخالفة اليمين من غير كفّارة عندنا، فإن زالت المرجوحيّة قبل المخالفة حرمت، فإن عادت عاد جواز المخالفة. وهكذا كلّما عادت عاد وكلّما زالت زال.
و أمّا متعلّق النذر فالمشهور بين أصحابنا اشتراط كونه راجحاً بحسب الدين، فلا يصحّ نذر المباح إلّا عند بعض.
لا يقال: من نذر الصدقة بهذا الدينار مثلاً وجب عليه تخصيصه بالصدقة، مع أنّ هذا التخصيص غير راجح في الأصل.
لأنّا نقول: المنذور هنا هو الصدقة الخاصّة لانفس التخصيص، وفعل الصدقة الخاصّة كان راجحاً قبل النذر على تركها لا الى بدل، ولو فرض نذر نفس التخصيص لصحّ أيضاً لأنّه راجح بهذا المعنى، فتدبّر (1).
1) وجه التدبّر : عدم تمامية هذا الجواب كما لا يخفى (منه رحمه الله).
أنموذج من قضاء أمير المؤمنين عليه السلام
«... قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ اصْطَحَبَا فِي سَفَرٍ، فَلَمَّا أَرَادَا الْغَدَاءَ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا مِنْ زَادِهِ خَمْسَةَ أَرْغِفَةٍ وَأَخْرَجَ الْآخَرُ ثَلَاثَةَ أَرْغِفَةٍ، فَمَرَّ بِهِمَا عَابِرُ سَبِيلٍ فَدَعَوَاهُ إِلَى طَعَامِهِمَا، فَأَكَلَ الرَّجُلُ مَعَهُمَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ، فَلَمَّا فَرَغُوا أَعْطَاهُمَا الْعَابِرُ بِهِمَا ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ ثَوَابَ مَا أَكَلَ مِنْ طَعَامِهِمَا.
فَقَالَ صَاحِبُ الثَّلَاثَةِ أَرْغِفَةٍ لِصَاحِبِ الْخَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ: أَقْسِمْهَا نِصْفَيْنِ بَيْنِي وَبَيْنَكَ.
وَ قَالَ صَاحِبُ الْخَمْسَةِ: لَا بَلْ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا مِنَ الدَّرَاهِمِ عَلَى عَدَدِ مَا أَخْرَجَ مِنَ الزَّادِ.
قَالَ: فَأَتَيَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ ، فَلَمَّا سَمِعَ مَقَالَتَهُمَا قَالَ لَهُمَا: اصْطَلِحَا فَإِنَّ قَضِيَّتَكُمَا دَنِيَّةٌ...»
الکافي: ج 7 ص 427 ح 10
وبالسند المتصل الى الشيخ الجليل محمد بن يعقوب الكليني، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد وعليّ بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبدالرحمن بن الحجّاج قاضي بغداد قال: سمعت ابن أبي ليلى يحدّث أصحابه قال:
قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ اصْطَحَبَا فِي سَفَرٍ، فَلَمَّا أَرَادَا الْغَدَاءَ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا مِنْ زَادِهِ خَمْسَةَ أَرْغِفَةٍ وَأَخْرَجَ الْآخَرُ ثَلَاثَةَ أَرْغِفَةٍ، فَمَرَّ بِهِمَا عَابِرُ سَبِيلٍ فَدَعَوَاهُ إِلَى طَعَامِهِمَا، فَأَكَلَ الرَّجُلُ مَعَهُمَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ، فَلَمَّا فَرَغُوا أَعْطَاهُمَا الْعَابِرُ بِهِمَا ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ ثَوَابَ مَا أَكَلَ مِنْ طَعَامِهِمَا.
فَقَالَ صَاحِبُ الثَّلَاثَةِ أَرْغِفَةٍ لِصَاحِبِ الْخَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ: أَقْسِمْهَا نِصْفَيْنِ بَيْنِي وَبَيْنَكَ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْخَمْسَةِ: لَا بَلْ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا مِنَ الدَّرَاهِمِ عَلَى عَدَدِ مَا أَخْرَجَ مِنَ الزَّادِ.
قَالَ: فَأَتَيَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا سَمِعَ مَقَالَتَهُمَا قَالَ لَهُمَا: اصْطَلِحَا فَإِنَّ قَضِيَّتَكُمَا دَنِيَّةٌ.
فقالا: اقضِ بيننا بالحقّ.
قال: فأعطى صاحب الخمسة أرغفة سبعة دراهم، وأعطى صاحب الثلاثة درهماً واحداً، وقال لهما: أليس أخرج أحدكما من زاده خمسة أرغفة وأخرج الآخر ثلاثة؟ قالا: نعم.
قال: أليس أكل معكما ضيفكما مثل ما أكلتما؟ قالا: نعم.
قال: أليس أكل كلّ واحد منكما ثلاثة أرغفة غير ثلث؟ قالا: نعم.
قال: أليس أكلت أنت يا صاحب الثلاثة ثلاثة أرغفة غير ثلث، وأكلت يا صاحب الخمسة ثلاثة أرغفة غير ثلث، وأكل الضيف ثلاثة أرغفة غير ثلث؟ أليس بقي لك يا صاحب الثلاثة ثلث رغيف من زادك، وبقي لك يا صاحب الخمسة رغيفان وثلث وأكلت ثلاثة غير ثلث؟ فأعطاكما بكلّ ثلث رغيف درهماً. وأعطى صاحب الرغيفين وثلث سبعة دراهم وأعطى صاحب الثلاثة أرغفة درهماً (1).
قال جامع هذه الأحاديث عفى الله عنه: القضايا الغريبة المنقولة عن أمير المؤمنين عليه السلام كثيرة. وقد اشتمل تهذيب الأحكام والكافي و كتاب من لا يحضره الفقيه على طرف منها. وقد أفرد لها بعض العلماء كتاباً ضخماً اطّلعت عليه بخراسان سنة اثنين وسبعين وتسعمائة.
1) الكافي: ج 7 ص 427 ح 10.
الآثار السيّئة للثروة
«... جَاءَ رَجُلٌ مُوسِرٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَقِيُّ الثَّوْبِ فَجَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ رَجُلٌ مُعْسِرٌ دَرِنُ الثَّوْبِ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ الْمُوسِرِ، فَقَبَضَ الْمُوسِرُ ثِيَابَهُ مِنْ تَحْتِ فَخِذَيْهِ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: خِفْتَ أَنْ يَمَسَّكَ مِنْ فَقْرِهِ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَخِفْتَ أَنْ يُصِيبَهُ مِنْ غِنَاكَ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَخِفْتَ أَنْ يُوَسِّخَ ثِيَابَكَ؟ قَالَ: Lَا.
قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي قَرِيناً يُزَيِّنُ لِي كُلَّ قَبِيحٍ وَيُقَبِّحُ لِي كُلَّ حَسَنٍ وَقَدْ جَعَلْتُ لَهُ نِصْفَ مَالِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِلْمُعْسِرِ: أَتَقْبَلُ؟ قَالَ: لَا.
فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: وَلِمَ؟
قَالَ: أَخَافُ أَنْ يَدْخُلَنِي مَا دَخَلَكَ».
الكافي: ج 2 ص 262 ح 11
و بالسند المتصل الى الشيخ الجليل محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عیسی، عمن ذكره،عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال:جاء رجل موسر الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نقي الثوب فجلس الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجاء رجل معسر درن الثوب فجلس الى جنب الموسر ، فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه.فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خفت
أن يمسك من فقره شيء؟ قال: لا.قال: فخفت أن يصيبه من غناك شيء؟ قال: لا.قال: فخفت أن يوسخ ثيابك ؟ قال: لا .قال: فما حملك على ما صنعت ؟فقال: يا رسول الله إن لي قريناً يزين لي كل قبيح و يقبح لي كل حسن وقد جعلت له نصف مالي.فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمعسر :أتقبل ؟ قال: لا.فقال له الرجل ولم ؟
قال: أخاف أن يدخلني مادخلك (1)
ما لعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
فجلس الى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إلى» إمّا بمعنى «مع» كما قاله بعض المفسّرين في قوله تعالى: من أنصاري الى الله(2)أو بمعنى «عند» كما في قول الشاعر:
*أشهى اليّ من الرحيق السلسل *(3)
هلّا سبيلٌ الى الشَّباب فذكره *** أشهى اليّ من الرحيق السلسل
ويجوز أن يضمّن جلس معنى توجّه ونحوه.
درن الثوب: بفتح الدال وكسر الراء المهملتين صفة مشبّهة من الدرن بفتحهما، وهو الوسخ.
فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه: ضمير «فخذيه» يعود الى الموسر، أي جمع الموسر ثيابه وضمّها تحت فخذي نفسه لئلّا تلاصق ثياب المعسر. ويحتمل عوده الى «المعسر».
و«من» على الأوّل إمّا بمعنى «في»، أو زائدة على القول بجواز زيادتها في الإثبات. وعلى الثاني لإبتداء الغاية. والعود الى «الموسر» أولى كما يرشد اليه قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «فخفت أن يوسّخ ثيابك» فافهم(4).
1) الكافي: ج 2 ص 262 ح 11.
2) الصف: 14.
3) البيت هكذا:
4) (4) في هامش(ع): لأنّ قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم «فخفت» الغرض من مجرّد التشنيع كما هو الغرض أن تبيّن، أعني قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم «أن يمسّك من فقره شيء» و«خفت أن يصيبه» وهذه التعريفات الثلاثة منخرطة في سلك واحد. ولو كانت ثياب الموسر تحت فخذي المعسر لأمكن أن يكون قبضها من تحت فخذيه خوفاً من أن يوسّخها. (منه دام ظلّه).
إنّ لي قريناً يزيّن لي كلّ قبيح: أي إنّ شيطاناً يقوّيني ويجعل القبيح حسناً في نظري، والحسن قبيحاً. وهذا الفعل الشنيع الذي يصدر منّي من جملة إغوائه لي.
قد جعلت له نصف مالي: أي في مقابلة ما صدر منّي إليه من كسر قلبه وزجراً لنفسي عن العود الى مثل هذه الزلّة.
قال: أخاف أن يدخلني ما دخللك: أي من الكبر والغرور والترفّع على الناس واحتقارهم وسائر الأخلاق الذميمة التي هي من لوازم التموّل والغنى.
شرح مناهي رسول الله
«... نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْأَكْلِ عَلَى الْجَنَابَةِ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْفَقْرَ.
وَ نَهَى عَنْ تَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ بِالْأَسْنَانِ.
وَ قَالَ: لَا تَجْعَلُوا الْمَسَاجِدَ طُرُقاً حَتَّى تُصَلُّوا فِيهَا رَكْعَتَيْنِ.
وَ نَهَى أَنْ يَبُولَ أَحَدٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ أَوْ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ.
وَ نَهَى أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ وَ فَرْجُهُ بَادٍ لِلشَّمْسِ أَوْ لِلْقَمَرِ.
وَ قَالَ: إِذَا دَخَلْتُمُ الْغَائِطَ فَاجْتَنِبُوا الْقِبْلَةَ.
وَ نَهَى أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ فِي سَوْمِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ.
وَ نَهَى أَنْ يُكْثِرَ الْكَلَامَ عِنْدَ الْمُجَامَعَةِ وَ قَالَ: مِنْهُ يَكُونُ خَرَسُ الْوَلَدِ.
وَ نَهَى أَنْ تَتَكَلَّمَ الْمَرْأَةُ عِنْدَ غَيْرِ زَوْجِهَا وَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ كَلِمَاتٍ مِمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ.
وَ نَهَى عَنِ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ.
وَ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَ الدِّيبَاجِ وَ الْقَزِّ لِلرِّجَالِ، وَ أَمَّا النِّسَاءُ فَلَا بَأْسَ ...».
أمالي الصدوق: المجلس66 ص378- 388، ومن لا يحضره الفقيه: ج4 ص2- 11
و بالسند المتصل الى الشيخ الصدوق ثقة الإسلام محمد بن بابويه القميّ، عن حمزة بن محمد بن أحمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، قال: حدّثنا أبو عبدالله عبدالعزيز بن محمد بن عيسى الأبهري، قال: حدّثنا أبو عبدالله محمد بن زكريا الجوهريّ البصري، قال: حدّثنا شعيب بن واقد، قال حدّثنا الحسين ابن زيد، عن الإمام الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهم السلام قال:
نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْأَكْلِ عَلَى الْجَنَابَةِ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْفَقْرَ.
وَنَهَى عَنْ تَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ بِالْأَسْنَانِ.
وَقَالَ: لَا تَجْعَلُوا الْمَسَاجِدَ طُرُقاً حَتَّى تُصَلُّوا فِيهَا رَكْعَتَيْنِ.
وَنَهَى أَنْ يَبُولَ أَحَدٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ أَوْ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ.
وَ نَهَى أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ وَ فَرْجُهُ بَادٍ لِلشَّمْسِ أَوْ لِلْقَمَرِ.
وَقَالَ: إِذَا دَخَلْتُمُ الْغَائِطَ فَاجْتَنِبُوا الْقِبْلَةَ.
وَنَهَى أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ فِي سَوْمِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ.
و نهى أن يكثر الكلام عند المجامعة و قال: منه يكون خرس الولد.
ونهى أن تتكلّم المرأة عند غير زوجها وغير ذي محرم منها أكثر من خمس كلمات ممّا لابدّ لها منه.
ونهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة.
ونهى عن لبس الحرير والديباج والقزّ للرجال، وأمّا النساء فلا بأس.
و قال صلّى الله عليه وآله وسلَّم: لَعَنَ اللهُ الخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَغَارِسَهَا وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُشْتَرِيَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا وَحَامِلَهَا وَالمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ.
و قال صلّى الله عليه وآله وسلَّم: مَنْ شَرِبَهَا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْماً، وَإِنْ مَاتَ وَفِي بَطْنِهِ شَيْءٌ مِنْهَا كَانَ حَقّاً عَلَى اللهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ خَبَالٍ، وَهُوَ صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ فُرُوجِ الزُّنَاةِ فَيَجْتَمِعُ ذَلِكَ فِي قِدْرِ جَهَنَّمَ فَيَشْرَبُهُ أَهْلُ النَّارِ فَيُصْهَرُ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالجُلُودُ.
ونهى عن ضرب وجوه البهائم.
ونهى ان يقول الرجل للرجل: لا وحياتك وحياة فلان.
ونهى عن الكلام يوم الجمعة والإمام يخطب.
ونهى ان يستعمل أجيراً حتّى يعلم ما أجرته.
ونهى أن يختال الرجل في مشيته.
وقال صلّى الله عليه وآله وسلَّم: مَنْ عَرَضَتْ لَهُ
فاحشة أو شهوة فاجتنبها من مخافة الله عزّوجلّ حرّم الله عليه النار، وآمنه من الفزع الأكبر، و أنجز له ما وعده في كتابه في قوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، و من ملأ عينه من حرام ملأالله عينه يوم القيامة من النار إلّا أن يتوب ويرجع.
ونهى عن الغيبة وقال صلّى الله عليه وآله وسلَّم: مَنْ اغْتَابَ امْرِأً مُسْلِماً بَطَلَ صَوْمُهُ، وَنَقَضَ وُضُوءُهُ، وَ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ يَفُوحُ مِنْ فِيهِ رَائِحَةٌ أَنْتَنُ مِنَ الجِيفَةِ يَتَأَذَّى بِهِ أَهْلُ المَوْقِفِ.
وقال صلّى الله عليه وآله وسلَّم: مَنْ ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ قَطْرَةٍ مِنْ دُمُوعِهِ قَصْراً فِي الجَنَّةِ مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ وَالجَوَاهِرِ، فِيهِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.
وقال صلّى الله عليه وآله وسلَّم: لَا تَحْقِرُوا شَيْئاً مِنَ الشَّرِّ وَ إِنْ صَغُرَ فِي أَعْيُنِكُمْ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا الخَيْرَ وَ إِنْ كَثُرَ فِي أَعْيُنِكُمْ.
وقال صلّى الله عليه وآله وسلَّم: لَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ، وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ الإِصْرَارِ(1).
مالعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
1) أمالي الصدوق: مجلس 66 ص378- 388، ومن لايحضره الفقيه: ج 4 ص2- 11 وقد لخص المؤلّف هذا الحديث، وذكر قسماً منه في الحديث الرابع والثلاثين.
حتى تصلّوا : حتّى هذه إمّا لإنتهاء الغاية بمعنى «إلى» أو للاستثناء بمعنى «إلّا» ومجيئها للاستثناء مشهور بينهم، وقد عدّوا منه قول الشاعر:
ليس العطاء من الفضول سماحة *** حتّى يجود و ما لديه قليل
والمعنى على الأوّل أنّ كراهة الاستطراق مُغْيَاةٌ بالصلاة، وعلى الثاني أنّ كراهة الاستطراق حاصلة إلّا مع الصلاة. والمعنيان متقاربان، وبينهما فرق لايخفى على المتأمّل.
إذا دخلتم الغائط : هو المكان المطمئن(1)من الأرض، وكان سكّان البادية يقصدونه لقضاء الحاجة. والمراد به مكان التخلّي كيف كان.
في سوم أخيه : الدخول في السوم يتحقّق بأن يطلب شراء ما أُريد أن يشتريه أو يبذل للمشتري متاعاً غير ما اتّفق مع البائع عليه.
وقد اختلفوا في أنّ النهي عن ذلك في الحديث هل هو للتحريم أو الكراهة؟ أمّا لو التمس الداخل من المدخول عليه تركه له فلا تحريم قطعاً، ولاكراهة على الظاهر.
أن يكثر الكلام عند المجامعة : النهي هنا محمول على الكراهة اتفاقاً. ولفظ «يكثر» إمّا أن يُقرأ مبنيّاً للمفعول أو الفاعل.
وعلى الأوّل تعمّ الكراهة الفاعل والمفعول، ويعضده قول الصادق عليه السلام: «اتَّقُوا الكَلَامَ عِنْدَ الْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ»(2).
وعلى الثاني يمكن أن يخصّص بالرجل بعود الضمير إليه في قوله عليه السلام: «نهى أن يدخل الرجل» ويؤيّده قوله صلّى الله عليه وآله وسلَّم: «يَا عَلِيُّ لَا تَتَكَلَّمْ عِنْدَ الجِمَاعِ كَثِيراً»(3).
لكنّه يضعف بأنّ «الرجل» في قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «نَهَى أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ فِي سَوْمِ أَخِيهِ» المراد به الشخص كما في قوله: «وَنَهَى أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ وَفَرْجُهُ بَادٍ لِلشَّمْسِ» لا الذات الموصوفة بالرجولية، وهذا ظاهر.
طينة خبال: بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة، وهو في الأصل الفساد.
فيصهر ما في بطونهم: بالصاد المهملة من صهرت الشيء بمعنى أذبته. والمراد أنّ ذلك الصديد يذيب بحدّته أحشاء شاربيه وجلودهم.
أن يختال الرجل في مشيته: أي يتبختر كما يفعله المتكبرون، والنهي عن الاختيال والأمور المذكورة قبله محمول(1)َ على الكراهة اتفاقاً إلّا الكلام في أثناء الخطبة فإنّ في تحریمه خلافاً.
وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ: المراد بمقام ربّه - والله أعلم - موقفه الذي يوقف فيه العباد للحساب، أو هو مصدر بمعنى قيامه على أحوالهم ومراقبته لهم، أو المراد مقام الخائف عند ربّه.
وفسّر الجنّتان بجنّة يستحقّها العبد بعقائده الحقّة وأخرى بأعماله الصالحة، أو أحدهما لفعل الحسنات والأخرى لاجتناب السيّئات، أو جنّة يثاب بها والأخرى يتفضّل بها عليه، أو جنّة روحانية وأخرى جسمانية.
ذرفت عيناه: ذرف الدمع بالذال المعجمة يذرف ذرفاً بالسكون وذرفاً بالتحريك أي سال، وذرفت عينه إذا سال دمعها.
[ في معنى الشجرة المثمرة ]
1) (ع): محامولة.
فسّر بعضهم الشجرة المثمرة التي تضمنّ الحديث النهي عن البول تحتها بما من شأنها الإثمار ولو في الاستقبال، وبنى ذلك على ما تقرّر في الأصول من عدم اشتراط بقاء المعنى المشتقّ منه في صدق المشتق حقيقة.
وهو بناء عجيب فإنّ ما ذكر في الأصول على تقدير تمامه إنّما يقتضي المساواة في الكراهة بين المثمرة بالفعل وبين ما كانت مثمرة في وقت ما، لا بينها وبين ما من شأنها الإثمار في المستقبل، فإنّ إطلاق المشتقّ على من سيتّصف بأصله مجاز اتفاقاً، وإنّما الخلاف في إطلاقه على من اتّصف به وقتاً ما ثمّ زال الاتّصاف.
هداية(1)
[ في التكلّم مع الأجنبيّة ]
الظاهر أنّ المراد بما لابدّ منه في نهي المرأة عن التكلّم بأزيد من خمس كلمات ما دعت الضرورة إليه كالإقرار والشهادة ونحوهما، فيشكل حينئذٍ التحديد بالخمس، فإنّه [يجوز](2)على حسب الضرورة إجماعاً.
وقد يُحمل على ما احتاجت عرفاً إلى التكلّم به من غير ضرورة شرعيّة كسؤال الأجنبي القادم عن أهلها مثلاً، لكن في جواز مثل هذا الكلام لها مطلقاً نظر.
ولا يبعد أن يقال: إنّ من العلماء من ذهب إلى أنّ استماع صوت الأجنبيّة إنّما يحرم مع خوف الفتنة لا بدونه، ولهم على ذلك دلائل ليس
محلّ ذكرها.
وممّن ذهب الى ذلك العلّامة(1)جمال الحقّ والدين قدّس الله سرّه في كتاب تذكرة الفقهاء(2)فيحمل الحديث على هذا بقيد عدم مظنّة الفتنة(3)ويكون الزائد على الخمس مكروهاً، وكذا ما دون الخمس بدون الحاجة.
ويمكن جعل «الخمس» هنا كناية عن القلّة كما جعلت «السبعون» في قوله تعالى: إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً(4)كناية عن الكثرة. والكلام السابق جارٍ فيه كما لا يخفى(5).
تبصرة(6)
[ في الفرق بين الصلاة المقبولة والمجزية ]
لعلّ المراد بعدم قبول صلاة شارب الخمر أربعين يوماً عدم ترتّب الثواب عليها في تلك المدّة لا عدم إجزائها، فإنّها مجزية اتفاقاً. فهو يؤيّد ما يستفاد من كلام السيّد المرتضى علم الهدى أنار الله برهانه من أنّ قبول العبادة أمر مغاير للإجزاء.
فالعبادة المجزية: هي المبرئة للذمّة المخرجة عن عهدة التكليف، والمقبولة: هي ما يترتّب عليها الثواب. ولا تلازم بينهما ولا اتّحاد كما يظنّ.
1) «العلّامة» ليس في (ع).
2) تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 582.
3) لا يخفى أنّ من جوّز استماع صوتها بهذا الشرط لا يلزمه أن يجوّز لها أن يسمع الغير صوتها بهذا الشرط أيضاً، إلّا انّا لم نجد قائلاً بجواز الاستماع وتحريم الاستماع (منه رحمه الله).
4) التوبة: 80.
5) من انّه على حسب الضرورة قلّ أو كثر ، و إن أريد الحاجة عرفاً ففي جوازه نظر. (منه دام ظلّه).
6) (ع): بسط مقال لتحقيق حال.
وممّا يدلّ على ذلك قوله تعالى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(1)مع أنّ عبادة غير المتّقي مجزية إجماعاً.
وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا(2)مع أنّهما لا يفعلان غير المجزي.
وقوله تعالى: فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ(3)مع أنّ كلّاً منهما فعل ما أُمِر به من القربان.
وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنَ الصَّلَاةِ لَمَا يُقْبَلُ نِصْفُهَا وَثُلُثُهَا وَرُبُعُهَا، وَأَنَّ مِنْهَا لَمَا تُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الْخَلَقُ فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ صَاحِبِهَا»(4)والتقريب ظاهر.
ولأنّ الناس لم يزالوا في سائر الأعصار والأمصار يدعون الله تعالى بقبول أعمالهم بعد الفراغ منها، ولو اتّحد القبول والإجزاء لم يحسن هذا الدعاء إلّا قبل الفعل كما لا يخفى. فهذه وجوه خمسة تدلّ على انفكاك الإجزاء عن القبول.
وقد يجاب عن الأوّل: بأنّ التقوى على مراتب ثلاث:
أوّلها: التبرّء عن الشرك، وعليه قوله تعالى: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ(5)قال المفسّرون: هي قوله «لا إله إلّا الله».
وثانيها: التجنّب عن المعاصي.
وثالثها: التنزّه عمّا يشغل عن الحقّ جلّ وعلا.
ولعلّ المراد بالمتقين أصحاب المرتبة الأولى. وعبادة غير المتقين
بهذا المعنى غير مجزية وسقوط القضاء لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله.
وعن الثاني: بأنّ السؤال قد يكون للواقع والغرض منه بسط الكلام مع المحبوب وعرض الافتقار لديه كما قالوه في قوله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا(1)على بعض الوجوه(2)
الأوّل: انّ المراد - والله أعلم - لا تؤاخذنا بما أدّى الى نسيان أو خطأ من تفريط وقلّة مبالاة، فانّ النسيان والخطأ أغلب ما يكونان من عدم الاعتناء بالشيء كما أشار إليه العارف الرومي في المثنوي.
الثاني: انّ المراد لا يؤاخذنا بما وقع منّا خطأً ونسياناً، فانّ الذنوب كالسموم فكما أنّ تناولها يؤدّي الى الهلاك و إن كان خطأً ونسياناً، فتعاطي المآثم لا يبعد أن يفضي الى العقاب و إن كان خطأً أو نسياناً، لكنّه سبحانه وعد التجاوز عنه رحمة وفضلاً فيجوز أن يدعو الإنسان به استدامة للنعمة و اعتداداً بها . كذا في تفسير القاضي . (منه رحمه الله) [تفسير البيضاوي : ج 1 ص 147].
.وعن الثالث: بأنّه تعبير بعدم القبول عن عدم الإجزاء و لعله لخلل في الفعل.
وعن الرابع: أنّه كناية عن نقص الثواب وفوات معظمه.
وعن الخامس: انّ الدعاء لعلّه لزيادة الثواب وتضعيفه.
وفي النفس من هذه الأجوبة شيء. وعلى ما قيل في الجواب عن الرابع ينزل عدم قبول صلاة شارب الخمر عند غير السيّد المرتضى رحمه الله .
نهيه صلّى الله عليه وآله وسلّم عن الغيبة محمول على التحريم في غير المواضع المستثناة بإجماع الأُمّة، وحكمه صلّى الله عليه وآله وسلّم بإبطالها الصوم ونقضها الوضوء مبنيّ على كمال المبالغة في نقصها من ثوابهما حتّى كأنّهما قد بطلا بالأصل.
ومن هذا القبيل مارواه الشيخ الطوسي طاب ثراه في كتاب تهذيب الأخبار عن الصادق عليه السلام قال: «سَمِعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ اِمْرَأَةً تَسَابُّ جَارِيَةً لَهَا وَهِيَ صَائِمَةٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ فَقَالَ لَهَا: كُلِي. فَقَالَتْ: إِنِّي صَائِمَةٌ. فَقَالَ: كَيْفَ تَكُونِينَ صَائِمَةً وَقَدْ سَبَبْتِ جَارِيَتَكِ! إِنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ»(1).
هذا وقد عُرّفت الغيبة بأنّها التنبيه حال غيبة الإنسان المعيّن أو بحكمه على ما يكره نسبته إليه ممّا هو حاصل فيه ويُعدّ نقصاً بحسب العرف قولاً أو إشارةً أو كنايةً أو تعريضاً أو تصريحاً.
والتقييد بالمعيّن لإخراج المبهم من جمع غير محصور كأحد أهل البلد.
و «بحكمه» لإدراج المبهم من محصور كأحد قاضيي البلد فاسق مثلاً، فإنّ الظاهر أنّه غيبة ولم أجد أحداً تعرّض له.
وقولنا «ممّا هو فيه» لإخراج البهت. وفائدة القيود الباقية ظاهرة.
وقد جُوّزت الغيبة في عشرة مواضع: الشهادة، والنهي عن المنكر، و شكاية المتظلّم، ونصح المستشير، وجرح الشاهد والراوي، و تفضيل بعض العلماء والصنّاع على بعض، و غيبة المتظاهر بالفسق الغير المستنكف على قول، وذكر المشتهر بوصف مميّز له كالأعور والأعرج مع عدم قصد الاحتقار والذمّ و ذكره عند من يعرفه بذلك بشرط عدم
1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 194 ح 1.
سماع غيره على قول، والتنبيه على الخطأ في المسائل العلمية ونحوها بقصد أن لا يتّبعه أحد فيها.
تنبيه (1)
[ في تعريف العدالة ]
ممّا ذكرناه يظهر أنّ قولهم العدل من يجتنب الكبائر ولا يصرّ على الصغائر ينبغي أن يُراد به أنّه إذا عنّ له أمران كفّ عن الأكبر ولم يصرّ على
1) (ع): تذنيب.
الأصغر. وهذا المعنى وإن كان غير مشهور فيما بينهم لكنّه هو الذي يقتضيه النظر بناءً على ذلك المذهب، فما في كلام بعض الأعلام من أنّه يلزمهم أن يكون كلّ معصية مُخرجة عن العدالة محلّ نظر(1).
ثمّ لايخفى أنّ كلام الشيخ الطبرسي مشعر بأنّ القول بأنّ الذنوب كلّها كبائر متّفق عليه بين علماء الإمامية. وكفى بالشيخ ناقلاً.
إذا قالت حذام فصدّقوها *** فإنّ القول ما قالت حذام
ولكن صرّح بعض أفاضل المتأخّرين منهم بأنّهم مختلفون وأنّ بعضهم قائل ببعض الأقوال السالفة، ونُسب هذا القول الى رئيس الطائفة الشيخ المفيد وابن البرّاج و أبي الصلاح والمحقّق محمد بن إدريس والشيخ أبي عليّ الطبرسي رضوان الله عليهم. و تحقيق ماهو الحقّ يقتضي نمطاً آخر من الكلام.
1) في هامش (ع): إذ العدالة على مايظهر من كلامهم ملكة تبعث على كفّ النفس عن الأكبر مع عدم الاصرار على الأصغر، والذنوب و إن كانت كلّها كبائر لكن ليس كلّ كبيرة مُخرجة عن العدالة، بل الكبيرة التي لم يكفّ... منها والتي يصرّ عليها. نعم يلزم من ظاهر كلامهم أنّ العدالة لايجامع من الذنوب إلّا واحداً وهو أصغر الجميع. ولعلّهم يريدون الأصغر من كلّ نوع من أنواع الذنوب و إن كان تعينه لايخلو من إشكال. (منه).
تحقیق (1)
[ في بيان معنى الذنوب الكبيرة وعددها ]
اختلف آراء الأكابر في تحقيق الكبائر، فقال قوم: كلّ ذنب توعّد الله عليه بالعقاب في الكتاب العزيز.
وقال بعضهم: هي كلّ ذنب رتّب عليه الشارع حدّاً أو صرّح فيه بالوعيد.
وقال طائفة: هي كلّ معصية تؤذن بقلّة اكتراث فاعلها بالدين.
وقال آخرون: كلّ ذنب علم حرمته بدليل قاطع.
وقيل: كلّ ما توعّد عليه توعّداً شديداً في الكتاب أو السنّة.
وعن ابن مسعود أنّه قال: اقرؤا من أوّل سورة النساء الى قوله تعالى: ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم(2) فكلّ مانهي عنه في هذه السورة الى هذه الآية فهو كبيرة.
وقال جماعة: الذنوب كلّها كبائر لاشتراكها في مخالفة الأمر والنهي، لكن قد يُطلق الصغير والكبير على الذنب بالإضافة الى مافوقه وماتحته، فالقبلة صغيرة بالنسبة الى الزنا وكبيرة بالنسبة الى النظر بشهوة.
1) في (ع): نقل آراء ورفع غطاء.
تنبیه(1)
[ في بيان أنّ الإصرار على الصغيرة كبيرة أيضاً ]
قَد يفهم من نفي الصغيرة مع الإصرار أنّها تصير كبيرة معه، فلو لبس الحرير مثلاً مصرّاً عليه يصير ذلك اللبس كبيرة. والمشهور فيما بين القوم أنّ الكبيرة هي نفس الإصرار على الصغيرة، لأنّ الصغيرة المصرّ عليها تصير بالإصرار كبيرة. فكأنّهم يحملون الحديث على معنى أنّه لا أثر للصغيرة في ترتّب العقاب مع الإصرار، بل العقاب معه يترتّب على نفس الإصرار الذي هو من الكبائر، فكأنّ الصغيرة مضمحلة في جنبه.
والإصرار في الأصل من الصرّ وهو الشدّ والربط، ومنه سمّيت الصرّة، ثمّ أُطلق على الإقامة على الذنب من دون استغفار، كأنّ المذنب ارتبط بالإقامة عليه، كذا ذكره المفسّرون في تفسير قوله تعالى: ولم يصرّوا على مافعلوا وهم يعلمون(2).
وقد قسّم بعض الأعلام الإصرار الى فعلي وحكمي. وقال: الفعلي: هو الدوام على نوع واحد من الصغائر بلا توبة، أو الإكثار من جنس الصغائر بلا توبة.
والحكمي: هو العزم على تلك الصغيرة بعد الفراغ منها. أمّا لو فعل الصغيرة ولم يخطر بباله بعدها توبة ولاعزم على فعلها فالظاهر أنّه غير مصرّ. إنتهى كلامه.
ولا يخفى أنّ تخصيصه الإصرار الحكمي بالعزم على تلك الصغيرة بعد الفراغ منها يُعطي أنّه لو كان عازماً على الصغيرة الأخرى بعد الفراغ ممّا هو فيه لا يكون مصرّاً. والظاهر أنّه مصرّ أيضاً. وتقييده ب-«بعد الفراغ منها» يقتضي بظاهره أنّ من كان عازماً مدّة سنة على لبس الحرير مثلاً لكنّه لم يلبسه أصلاً لعدم تمكّنه لا يكون في تلك المدّة مصرّاً. و هو محلّ نظر.
«... عَنِ الإِمَامِ أَبِي عَبْدِاللهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَمِعَ شَيْئاً مِنَ الثَّوَابِ عَلَى شَيْءٍ فَصَنَعَهُ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا بَلَغَهُ».
الكافي: ج 2 ص 87 ح 1
و بالسند المتصل الى الشيخ الجليل عمادالإسلام محمد بن يعقوب الكلينيّ، عن عليّ بن ابراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن محمد بن أبي عمير، عن هاشم بن سالم، عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنّه قال:
«مَنْ سَمِعَ شَيْئاً مِنَ الثَّوَابِ عَلَى شَيْءٍ فَصَنَعَهُ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا بَلَغَهُ»(1).
مالعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
من سمع شيئاً من الثواب : يحتمل أن يراد بسماع الثواب مطلق بلوغه إليه ، سواء كان على سبيل الرواية أو الفتوى أوالمذاكرة أو نحو ذلك، كما لو رآه في شيء من كتب الحديث والفقه مثلاً . و يؤيد هذا التعميم أنّه ورد في حديث آخر عن الصادق عليه السلام : «من بلغه شيء من الثواب»(2). و يمكن أن يُراد السماع من لفظ الراوي أو المفتي خاصّة فإنّه هو الشائع الغالب في الزمن السالف. و أمّا الحمل على التحمّل بأحد الوجوه
الستة المشهورة فلايخلو من بُعد، وظاهر الإطلاق أنّ ظنّ صدق الناقل غير شرط في ترتّب الثواب، فلو تساوى صدقه وكذبه في نظر السامع و عمل بقوله فاز بالأجر.
نعم يشترط عدم ظنّ كذبه لقيام بعض القرائن. والظاهر انّ تصريح الراوي بترتّب الثواب غير شرط، بل قوله انّ العمل الفلاني مستحبّ أو مكروه كافٍ في ترتّب الثواب على فعله أو تركه.
على شيء : أي على فعل شيء أو تركه. فصنعه : أي أتى بذلك الشيء سواء كان فعلاً أو تركاً. كان له أجره : الضمير في «أجره» إمّا أن يعود الى «الشيء» أي كان له الأجر المترتّب على ذلك الشيء، أو الى «من» أي كان لذلك العامل أجره، أي الأجر الذي طلبه بذلك العمل. وان لم يكن على مابلغه : اسم «يكن» ضمير الشأن، و يجوز عوده الى الشيء أو الثواب أو المسموع، و يؤيِّده أنّ في رواية أُخرى: «وان لم يكن الحديث كما بلغه»(1).
[ وجه التسامح في أدلّة السنن في نظر الإمامية ]
هذا الحديث حسن الطريق متلقّى بالقبول، وقد تأيّد بأخبار أُخرى كما رواه الشيخ الجليل محمد بن يعقوب في الكافي، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن عمران الزعفراني، عن محمد بن مروان قال: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْبَاقِرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ: مَنْ بَلَغَهُ ثَوَابٌ مِنَ اللهِ عَلَى عَمَلٍ فَعَمِلَ ذَلِكَ الْعَمَلَ الْتِمَاسَ ذَلِكَ الثَّوَابِ أُوتِيَهُ وَ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَدِيثُ كَمَا بَلَغَهُ(2).
وما رواه الشيخ الصدوق محمد بن بابويه في كتاب ثواب الأعمال، عن أبيه، عن عليّ بن بابويه، عن عليّ بن موسى، عن أحمد بن محمد، عن عليّ بن الحكم، عن هشام، عن صفوان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «مَنْ بَلَغَهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ فَعَمِلَهُ كَانَ لَهُ أَجْرُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْهُ»(1).
وهذا هو سبب تساهل فقهائنا في البحث عن دلائل السنن، وقولهم باستحباب بعض الأعمال التي ورد بها أخبار ضعيفة وحكمهم بترتّب الثواب عليها. فلا يرد عليهم أنهم قد اتفقوا على أنّ الحديث الضعيف لا تثبت به الأحكام الشرعية، والاستحباب حكم شرعي، لأنّ حكمهم باستحباب تلك الأعمال وترتّب الثواب عليها ليس مستنداً في الحقيقة الى تلك الأحاديث الضعيفة، بل الى هذا الحديث الحسن المشتهر المعتضد بغيره من الأحاديث.
نعم يرد البحث على من اقتصر من أصحابنا على العمل بالصحاح ولم يعمل بالحسان وان اشتهرت واعتضدت بغيرها، وهو نادر.
هذا و وجه عدم استنادهم الى هذا الخبر في وجوب ما تضمنّ الخبر الضعيف وجوبه كاستنادهم إليه في استحباب ماتضمنّ استحبابه ظاهر، فإنّ هذا الخبر لم يتضمنّ إلّا ترتّب الثواب على العمل، وهو لا يقتضي الأمر بالعمل.
كلام على كلام (2)
[ وجه التسامح في أدلّة السنن في نظر العامّة ]
قد ظهر لك وجه عمل أصحابنا بالأحاديث الضعيفة في السنن و أنّه
راجع في الحقيقة الى العمل بذلك الحديث الحسن. فاعلم أنّ بعض الأعلام من مخالفینا بعد مانقل الإشكال في تجویز القوم بل استحبابهم العمل بالخبر الضعيف في فضائل الأعمال كما صرّح به النووي في الأذكار مع حكمهم بعدم ثبوت الأحكام الشرعية بالأحاديث الضعيفة قال في التفصّي عن هذا الإشكال: إذا وجد حديث ضعيف في فضيلة عمل من الأعمال ولم يكن هذا العمل ممّا يحتمل الكراهة والحرمة فأنّه يجوز العمل به و يستحبّ، لأنّه مأمون الخطر ومرجوّ النفع، إذ هو دائر بين الإباحة والاستحباب فالاحتياط العمل به ورجاء الثواب.
وأمّا إذا دار بين الحرمة والاستحباب فلا وجه لاستحباب العمل به، و إذا دار بين الكراهة والاستحباب فمجال النظر فيه واسع، إذ في العمل دغدغة الوقوع في المكروه، وفي الترك مظنّة ترك المستحبّ، فلينظر إن كان خطر الكراهة أشدّ بأن تكون الكراهة المحتملة شديدة والاستحباب المحتمل ضعيفاً فحينئذٍ ترجّح الترك على الفعل فلا يستحبّ العمل، وان كان خطر الكراهة أضعف بأن تكون الكراهة على تقدير وقوعها كراهة ضعيفة دون مرتبة ترك العمل على تقدير استحبابه فالاحتياط العمل. وفي صورة المساواة يحتاج الى نظر تام، والظنّ أنّه مستحبّ أيضاً، لأنّ المباحات تصير عبادة بالنيّة فكيف ما فيه شبهة الاستحباب لأجل الحديث الضعيف، فجواز العمل واستحبابه مشروطان، أمّا جواز العمل فبعدم احتمال الحرمة، وأمّا الاستحباب فبما ذكرنا مفصّلاً.
ثمّ قال: بقي هنا شيء وهو أنّه إذا عدم احتمال الحرمة فجواز العمل ليس لأجل الحديث، إذ لو لم يوجد الحديث يجوز العمل، إذ المفروض انتفاء احتمال الحرمة.
لا يقال: الحديث الضعيف ينفي احتمال الحرمة.
لأنّا نقول: الحديث الضعيف لا يثبت به شيء من الأحكام الخمسة،
وانتفاء احتمال الحرمة يستلزم ثبوت الإباحة، والإباحة حكم شرعي فلا يثبت بالحديث الضعيف.
ولعلّ مراد النووي ما ذكرنا وإنّما ذكر جواز العمل توطئة للاستحباب.
وحاصل الجواب: انّ الجواز معلوم من خارج، والاستحباب أيضاً معلوم من القواعد الشرعية الدالّة على استحباب الاحتياط في أمر الدين فلم يثبت شيء من الأحكام بالحديث الضعيف، بل أوقع الحديث الضعيف شبهة الاستحباب فصار الاحتياط أن يعمل به، واستحباب الاحتياط معلوم من قواعد الشرع. إنتهى كلامه بلفظه.
وفيه نظر، لأنّ خطر الحرمة في هذا الفعل الذي تضمنّ الحديث الضعيف استحبابه حاصل كلّما فعله المكلّف لرجاء الثواب، لأنّه لا يعتدّ به شرعاً ولا يصير منشأً لاستحقاق الثواب إلّا إذا فعله المكلّف بقصد القربة ولا حظ رجحان فعله شرعاً، فإنّ الأعمال بالنيّات، وفعله على هذا الوجه مردّد بين كونه سنّة ورد الحديث بها في الجملة وبين كونه تشريعاً وادخالاً لما ليس من الدين فيه.
ولاريب أنّ ترك السنّة أولى من الوقوع في البدعة، فليس الفعل المذكور دائراً في وقت من الأوقات بين الإباحة والاستحباب ولا بين الكراهة والاستحباب، بل هو دائماً دائر بين الحرمة والاستحباب، فتاركه متيقّن للسلامة و فاعله متعرّض للندامة، على أنّ قولنا بدورانه بين الحرمة والاستحباب إنّما هو على سبيل المماشاة و ارخاء العنان، و إلّا فالقول بالحرمة من غير ترديد ليس عن السداد ببعيد، والتأمّل الصادق على ذلك شهيد.
هذا وقد تفصّى بعض الفضلاء عن أصل الإشكال بأنّ معنى قولهم «يجوز العمل بالحديث في فضائل الأعمال دون مسائل الحلال
والحرام» أنّه إذا ورد حديث صحيح أو حسن في استحباب عمل وورد حديث ضعيف في أنّ ثوابه كذا وكذا جاز العمل بذلك الحديث الضعيف والحكم بترتّب ذلك الثواب على ذلك الفعل، وليس هذا الحكم أحد الأحكام الخمسة التي لاتثبت بالاحاديث الضعيفة.
وبعضهم بأنّ معنى قولهم الأحكام لا تثبت بالأحاديث الضعيفة أنّها لا تستقل بإثابتها لأنّها لا تصير مقوّية ومؤكّدة لما ثبتت به.
ومعنى تجويزهم العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال أنّه إذا دلّ على استحباب عمل حديثان صحيح وضعيف مثلاً جاز للمكلّف حال العمل ملاحظة دلالة الضعيف أيضاً عليه فيكون عاملاً به في الجملة.
ولا يخفى ما في هذين الكلامين من الخلل: أمّا الأوّل فلمخالفته منطوق عبارات القوم، فإنّها صريحة في استحباب الإتيان بالفعل إذا ورد في استحبابه حديث ضعيف غير قابلة لهذا التأويل السخيف.
وأمّا الثاني فمع بعده وسماجته يقتضي عدم صحّة التخصيص بفضائل الأعمال دون مسائل الحلال والحرام، فإنّ العمل بالحديث الضعيف بهذا المعنى لا نزاع بين أهل الإسلام في جوازه في جميع الأحكام، والله أعلم.
دعاء شيبة الهذلي *
في أُمور الدنيا والآخرة *
«... قالَ: أتَى رجلٌ الى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ يقال له شيبة الهذلي فقال: يا رسول الله إنّي شيخ قد كبرت سنّي و ضعفت قوّتي عن عمل كنت عوّدته نفسي من صلاة و صيام و حجّ فعلّمني يا رسول الله كلاماً ينفعني الله به و خفّف عليّ يا رسول الله.
فقال: أعدها، فأعادها ثلاث مرّات.
فقال رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ: ما حولك شجرة ولا مدرة إلَّا و قد بكت من رحمتك؛ فإذا صلّيت الصبح فقل عشر مرّات: «سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» فإنّ الله عزّوجلّ يعافيك بذلك من العمى والجنون والجذام والفقر والهرم...».
أمالي الصدوق: المجلس 13 ص 49، ثواب الأعمال: ص 190
وبالسند المتصل الى الشيخ الصدوق عماد الإسلام محمد بن عليّ بن بابويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن وهب، عن عمر بن نهيك، عن سلام المكّي، عن الإمام أبي جعفر محمد بن عليّ الباقر عليه السلام قال:
أتى رجل الى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ يقال له شيبة الهذلي فقال: يا رسول الله إنّي شيخ قد كبرت سنّي وضعفت قوّتي عن عمل كنت عوّدته نفسي من صلاة و صيام و حجّ فعلّمني يا رسول الله كلاماً ينفعني الله به و خفّف عليّ يا رسول الله.
فقال: أعدها، فأعادها ثلاث مرّات.
فقال رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ: ما حولك شجرة ولا مدرة إلَّا وقد بكت من رحمتك؛ فإذا صلّيت الصبح فقل عشر مرّات: «سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» فإنّ الله عزّوجلّ يعافيك بذلك من العمى والجنون والجذام والفقر والهرم.
فقال: يا رسول الله هذا للدنيا فما للآخرة.
قال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: تقول في دبر كلِّ صلاة: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي مِنْ عِنْدِكَ، وَأَفِضْ عَلَيَّ مِنْ فَضْلِكَ، وَانْشُرْ عَلَيَّ مِنْ رَحْمَتِكَ، وَأَنْزِلْ عَلَيَّ مِنْ بَرَكَاتِكَ».
قال: فقبض عليهنّ بيده ثمّ مضى. فقال رجل لابن عبّاس: ما أشدّ ما قبض عليها خالك.
فقال النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: أمَا أنّه إن وافى بها يوم القيامة لم يدعها متعمّداً فُتحت له ثمانية أبواب الجنّة يدخل من أيّها شاء(1).
ما لعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
( يقال له شيبة الهذلي ): شيبة بالمعجمات، والهذلي: بضمّ الهاء وفتح الذال المعجمة منسوب الى هذيل بالضمّ: طائفة، وقياس النسبة الى فُعَيْل فَعَليّ بإثبات الياء لا فُعُليّ. و إنّما تُحذف الياء من فُعَيْلَة غير المضاعفة كجهني نسبة الى جُهَيْنَة، فقولهم هذلي وقرشيّ شاذّ، والقياس هذيلي وقريشي.
(فقال أعدها ): أي أعد تلك الكلمات، أو أعد حكاية ضعفك، أو مسألتك.
(فأعادها ثلاث مرّات) : فيه تغليب، والمراد ذكرها ثلاثاً. و إن حُملت الإعادة على معناها فالذكر وقع أربعاً.
(شَجَرَةٌ وَلَا مَدَرَةٌ ): بالفتحات قطعة الطين اليابس.
1) أمالي الصدوق: مجلس 13 ص 49، ثواب الأعمال: ص 190.
(سبحان الله العظيم وبحمده ): تقدّم تفسيره في الحديث السابع.
( ولاحول ولاقوة : الحول): القدرة على التصرّف.
(والهرم ): بفتحتين أقصى كبر السن. والمراد هنا الضعف والاسترخاء الناشىء منه تسمية اللازم باسم الملزوم.
( في دُبُر كلّ صلاة ): دُبُر الشيء بضمّتين وبضمّ أوّله و إسکان ثانيه: عقبه.
(اللَّهم اهدني من عندك ): قد مرّ في الحديث السادس والعشرين الكلام في هداية الله سبحانه للعباد وأنّها على خمسة أنواع، والمراد هنا ماعدا النوع الأوّل والثالث.
(وأفض عليّ من فضلك ): في الكلام استعارة مكنية وتخييل.
( وأنزل عليّ من بركاتك) : أي من تشريفاتك و كراماتك، سُمّي إيصالها إلينا منه سبحانه إنزالاً على سبيل الاستعارة تشبيهاً للعلوّ والتسفّل(1)الرتبيين بالعلوّ والتسفّل(2) المكانيين
( فقبض عليهنّ بيده ): الظاهر عود الضمير الى الكلمات الأربع الأخروية بقرينة قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم «إن وافى بها يوم القيامة»، ولعلّ المراد بالقبض عدّها بالأصابع وضمّها لهنّ.
(ما أشدّ ماقبض عليها خالك ): أي صاحبك، يقال: أنا خال هذا الفرس أي صاحبه. ويمكن أن يراد بالخال معناه الحقيقي ويكون عبدالله بن عبّاس رضي الله عنه(2)منتسباً من جانب الأُمّ الى هذيل، والله أعلم.
«... قالَ أبو عبدِ اللهِ جعفرُ بنُ محمدٍ الصادقُ عليهِ السلامُ في حديثٍ طويلٍ: إِذَا بَعَثَ اللهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ قَبْرِهِ خَرَجَ مَعَهُ مِثَالٌ يُقَدَّمُ أَمَامَهُ، كُلَّمَا رَأَى الْمُؤْمِنُ هَوْلًا مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ لَهُ الْمِثَالُ: لَا تَفْزَعْ وَلَا تَحْزَنْ وَأَبْشِرْ بِالسُّرُورِ وَالْكَرَامَةِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُحَاسِبَهُ حِسَابًا يَسِيرًا وَ يَأْمُرَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمِثَالُ أَمَامَهُ.
فيقولُ له المؤمنُ: يرحمكَ اللهُ نعمَ الخارجُ خرجتَ معي من قبري وما زلتَ تبشّرني بالسرورِ والكرامةِ من اللهِ عزَّوجلَّ حتَّى رأيتُ ذلك فمن أنت؟...».
الكافي: ج 2 ص 190 ح 8
وبالسند المتصل الى الشيخ الجليل محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن سدير الصيرفي قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في حديث طويل:
«إِذَا بَعَثَ اللهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ قَبْرِهِ خَرَجَ مَعَهُ مِثَالٌ يُقَدِّمُ أَمَامَهُ، كُلَّمَا رَأَى الْمُؤْمِنُ هَوْلًا مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ لَهُ الْمِثَالُ: لَا تَفْزَعْ وَلَا تَحْزَنْ وَأَبْشِرْ بِالسُّرُورِ وَالْكَرَامَةِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُحَاسِبَهُ حِسَابًا يَسِيرًا وَ يَأْمُرَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمِثَالُ أَمَامَهُ.
فَيَقُولُ لَهُ الْمُؤْمِنُ: يَرْحَمُكَ اللهُ نِعْمَ الْخَارِجُ خَرَجْتَ مَعِي مِنْ قَبْرِي وَمَا زِلْتَ تُبَشِّرُنِي بِالسُّرُورِ وَالْكَرَامَةِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى رَأَيْتُ ذَلِكَ فَمَنْ أَنْتَ؟
فَيَقُولُ: أَنَا السُّرُورُ الَّذِي كُنْتَ أَدْخَلْتَهُ عَلَى أَخِيكَ الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا، خَلَقَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ»(1).
ما لعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
1) الكافي: ج 2 ص 190 ح 8.
( خرج معه مثال يقدمه أمامه ): المثال: الصورة.
و «يُقدم»: على وزن يكرم. أي يقوّيه و يشجّعه من الإقدام في الحرب وهو الشجاعة وعدم الخوف.
و يجوز أن يُقرأ على وزن يَنْصُر، وماضيه قدم كنصر، أي يتقدّمه كما قال الله تعالى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ(1)ولفظ أمامه حينئذٍ تأكيد.
( نِعْمَ الخارج خرجت معي من قبري ): المخصوص بالمدح محذوف لدلالة ماقبله عليه، أي نِعْمَ الخارج أنت. وجملة «خرجت معي» وما بعده مفسّرة لجملة المدح أو بدل منها، ويحتمل الحالية بتقدير «قد».
( أنا السرور الذي كنت أدخلته ): فيه دلالة على تجسّم الأعمال في النشأة الأخرويّة. وقد ورد في بعض الأخبار تجسّم الاعتقادات أيضاً.
فالأعمال الصالحة والاعتقادات الصحيحة تظهر صوراً نورانيّة مستحسنة موجبة لصاحبها كمال السرور والابتهاج، والأعمال السيّئة والاعتقادات الباطلة تظهر صوراً ظلمانيّة مستقبحة توجب غاية الحزن والتألّم كما قال جماعة من المفسّرين عند قوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا(2)و يرشد إليه قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ(3)و من جعل التقدير: «ليروا جزاء أعمالهم» ولم يُرجع ضمير «يره» الى «العمل» فقد أبعد، وقد مرّ في الحديث التاسع كلام في هذا الباب، و لعلّنا نزيده إيضاحاً فيما نذيّل به بعض الأحاديث الآتية(4)إن شاء الله تعالى.
«... قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ: مَنْ سَمِعَ فَاحِشَةً فَأَفْشَاهَا فَهُوَ كَالَّذِي أَتَاهَا.
وَمَنْ تَطَوَّلَ عَلَى أَخِيهِ فِي غِيبَةٍ سَمِعَهَا فِيهِ فِي مَجْلِسٍ رَدَّ اللهُ عَنْهُ أَلْفَ بَابٍ مِنَ السُّوءِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَمَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِنْفَاذِهِ أَعْطَاهُ اللهُ أَجْرَ شَهِيدٍ.
وَ مَنْ سَعَى لِمَرِيضٍ فِي حَاجَةٍ قَضَاهَا أَوْ لَمْ يَقْضِهَا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.
وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا.
وَمَنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ وَغَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، فَإِنْ أَقَامَ حَتَّى يُدْفَنَ وَيُحْثَى عَلَيْهِ التُّرَابُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ نَقَلَهَا قِيرَاطٌ مِنَ الْأَجْرِ ، وَالْقِيرَاطُ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ...».
أمالي الصدوق: المجلس 66 ص 385 - 387
وبالسند المتصل الى الشيخ الصدوق محمد بن بابويه، عن حمزة بن محمد، عن عبد العزيز بن محمد الأبهري، عن محمد بن زكريّا الجوهري، عن شعيب بن واقد، عن الحسين بن زيد، عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال:
قال رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ: «مَنْ سَمِعَ فَاحِشَةً فَأَفْشَاهَا فَهُوَ كَالَّذِي أَتَاهَا.
وَمَنْ تَطَوَّلَ عَلَى أَخِيهِ فِي غِيبَةٍ سَمِعَهَا فِيهِ فِي مَجْلِسٍ رَدَّ اللهُ عَنْهُ أَلْفَ بَابٍ مِنَ السُّوءِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَمَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِنْفَاذِهِ أَعْطَاهُ اللهُ أَجْرَ شَهِيدٍ.
وَ مَنْ سَعَى لِمَرِيضٍ فِي حَاجَةٍ قَضَاهَا أَوْ لَمْ يَقْضِهَا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.
وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا.
وَمَنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ وَغَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، فَإِنْ أَقَامَ حَتَّى يُدْفَنَ وَيُحْثَى عَلَيْهِ التُّرَابُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ نَقَلَهَا
قِيرَاطٌ مِنَ الْأَجْرِ، وَالْقِيرَاطُ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ.
وقال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «مَنْ مَطَلَ عَلَى ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ حَقِّهِ فَعَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ خَطِيئَةُ عَشَّارٍ»(1).
ما لعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
( من سمع فاحشة ): الفاحشة كلّ ما نهى الله عزَّوجلَّ عنه، وربّما يخصّ بما يشتدّ قبحه من الذنوب.
والمراد بسماعها ما يشمل سماعها من ناقلها أو فاعلها، كأن يسمع من أحد كذباً أو قذفاً أو غيبة. ولاريب أنّ المراد في غير المواضع المستثناة - وقد مضت في الحديث الثلاثي.
( ومن تطوّل على أخيه ): أي تفضّل وتكرّم
( في غيبة ): أي في ردّها على حذف مضاف، و«في» للسببية. هذا ولا يبعد أن يجعل استماع غيبة المؤمن لقصد ردّها مجوّزاً، ولم أجد أحداً جوّز ذلك، وتجويزه قويّ.
( ومن كظم غيظاً ): الكظم: الردّ والحبس.
( أعطاه الله أجر شهيد ): ظاهره ينافي ما اشتهر من قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «أفضل الأعمال أحمزها»(2).
و ربّما يقال: إنّ الشهيد وكلّ فاعل حسنة فأجره مضاعف بعشرة أمثاله لقوله تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا(3)فلعلّ أجر
كاظم الغيظ مع المضاعفة أجر الشهيد بدونها.
واعلم إنَّ في كظم الغيظ أجراً جليلاً وثواباً جزيلاً، وهو شعار الصالحين ودأب الأولياء والمقرّبين. روى الشيخ الجليل محمد بن يعقوب في الكافي عن الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين عليه السلام قال: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَحَبَّ السَّبِيلَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ جُرْعَتَانِ: جُرْعَةُ غَيْظٍ تَرُدَّهَا بِحِلْمٍ، وَجُرْعَةُ مُصِيبَةٍ تَرُدَّهَا بِصَبْرٍ»(1).
وعن الإمام أبي جعفر محمد بن عليّ الباقر عليه السلام: «مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِمْضَائِهِ حَشَا اللهُ قَلْبَهُ أَمْناً وَ إِيماناً»(2).
وروى العامة والخاصّة عن الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين عليه السلام أنّه كان يتوضّأ وجاريته واقفة تسكب الماء في يده، فسقط الإبريق من يدها على وجهه فجرحه، فرفع عليه السلام رأسه الى الجارية فقالت: إنَّ الله عزَّوجلَّ يقول: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ. فقال عليه السلام: قد كظمت غيظي. فقالت: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ. فقال عليه السلام: قد عفوت عنك. قالت: وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. فقال عليه السلام: أنت حُرّة لوجه الله(3).
وروي عن أبي ذرّ رضي الله عنه أنّ شخصاً خاشنه وسبّه فحلم عنه أبو ذرّ فقال له: يابن أخي إنَّ قدّامي عقبة كؤوداً إن نجوت منها لم يضرّني ما قلت، و إن لم أنج منها فأنا شرّ ممّا قلت.
( خرج من ذنوبه ): فيه استعارة. وقد مرّ مثله.
( ومن مطل على ذي حقّ حقّه ): المطل: التسويف والتعليل في أداء الحقّ وتأخيره من وقت الى وقت.
والحقّ يشمل الحقّ المالي و غيره و حقوق الله سبحانه و حقوق
الناس. ويدخل فيه التعلّل في إخراج الزكاة والخمس وأداء الحجّ الواجب وتأخير الصلاة عن وقتها ونحو ذلك.
( خطيئة عشّار ): بالعين المهملة والشين المعجمة المشدّدة وهو الّذي يسمّى بالفارسية «تمغاچي» مأخوذ من التعشير، وهو أخذ العشر من أموال الناس بأمر الظالم.
«... لما أسري بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا رب ما حال المؤمن عندك ؟ قال: يا محمد من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، و أنا أسرع شيء الى نصرة أوليائي. وما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في وفاة المؤمن يكره الموت و أكره مساءته ، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى و لو صرفته الى غير ذلك لهلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إِلَّا الفقر ولو صرفته الى غير ذلك لهلك. وما يتقرب الي عبدي بشيء أحب مما افترضت عليه، وإنه ليتقرب الي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به و يده التي يبط بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته»
الكافي: ج 2ص 52ح 8
وبالسند المتصل الى الشيخ الجليل عماد الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن أبي سعيد القمّاط، عن أبان بن تغلب، عن الإمام أبي جعفر محمد بن عليّ الباقر عليه السلام قال:
لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَا رَبِّ مَا حَالُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَكَ؟
قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ، وَ أَنَا أَسْرَعُ شَيْءٍ إِلَى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِي. وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي فِي وَفَاةِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْغِنَى وَ لَوْ صَرَفْتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَهَلَكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْفَقْرُ وَلَوْ صَرَفْتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَهَلَكَ. وَمَا يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحَبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَلِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ، وَ يَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، إِنْ
دعاني أجبته، و إن سألني أعطيته(1).
ما لعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: بالبناء للمفعول من السُّرى على وزن هُدىً، وهو السير في الليل. وأمّا تقييده بالليل في قوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى(2)فللدلالة بتنكير الليل على تقليل مدّة الإسراء، مع أنّ المسافة بين المسجدين مسير أربعين ليلة. ما حال المؤمن عندك: أي ما قدره ومنزلته. مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا: المراد بالوليِّ المحبّ. وبالمبارزة بالمحاربة: إظهارها والتصدّي لها. وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ: ذكر التردّد استعارة سنتكلّم عليها. والجملة الإسمية نعت «شيء»، واسم الفاعل فيها يجوز أن يكون بمعنى الحال والاستقبال. يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ: جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً، كأنّ سائلاً يسأل ما سبب التردّد؟ فأجيب بذلك. ويحتمل الحالية من «المؤمن». والاستئناف أولى. والمساءة: على وزن سلامة مصدر ميمي، من ساءه إذا فعل ما يكرهه.
وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْغِنَى: الصناعة النحوية تقتضي أن يكون الموصول اسم «إنَّ» والجار والمجرور خبرها، لكن لا يخفى أنّه ليس الغرض الإخبار عن أنّ الذي لا يصلحه إلّا الغنى بعض
العباد، إذ لافائدة فيه، بل الغرض العكس، فالأولى أنْ يُجعل الظرف اسم «إنَّ» والموصول خبرها. وهذا وإن كان خلاف ما هو المتعارف بين القوم لكن جوّز بعضهم مثله في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ(1).
قال المحقّق الشريف في حواشي الكشّاف عند تفسير هذه الآية:
فإن قيل: لافائدة في الإخبار بأنَّ من يقول كذا وكذا من الناس.
أُجيب بأنَّ فائدته التنبيه على أنّ الصفات المذكورة تنافي الإنسانية فينبغي أنْ يجعل كون المتّصف بها من الناس ويتعجّب منه.
وردَّ بأنَّ مثل هذا التركيب قد يأتي في مواضع لا يتأتّى فيها مثل هذا الاعتبار ولا يقصد منها إلَّا الإخبار بأنَّ من هذا الجنس طائفة متّصفة بكذا كقوله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ(2).
فالأولى أنْ يجعل مضمون الجار والمجرور مبتدأً على معنى ، و بعض الناس أو بعض منهم من اتّصف بما ذكر ، فيكون مناط الفائدة تلك الأوصاف، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأً. إنتهى كلامه.
ثمّ لمّا كان مضمون هذا الخبر مظنّة التردّد والإنكار حسن فيه التأكيد.
فإن قلت: المخاطب هو النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وهو لا يتردّد في أنّ أفعال الله سبحانه مبنيّة على الحكم العميمة والمصالح العظيمة.
قلت: أمثال هذه الخطابات من قبيل «إياك أعني واسمعي يا جارة» و أكثر ما خاطب الله سبحانه به الأنبياء صلوات الله عليهم من هذا القبيل. ولا ريب أنّ أكثر الخلق متردّدون في مضمون ذلك الخبر، بل ربّما ينكره بعضهم.
لو صرفته الى غير ذلك لهلك: فصل هذه الجملة الشرطية عن
جملة الصلة لأنّها كاشفة ومبيّنة لها، إذ كون هلاك دينه في الفقر ممّا يبيّن كون صلاحه في الغنى فبينهما كمال الاتصال.
وأمّا ما مرّ في الحديث السادس والعشرين من عطف مثل هذه الشرطية على الصلة بالواو فلملاحظة كون حصول الإفساد أمراً مغايراً لعدم الإصلاح وغير مندرج في جنسه. وقد صرّح علماء المعاني بأنّ الجملتين اللتين بينهما كمال الإتصال الموجب للفصل ربّما يُلاحظ بينهما الانقطاع بوجه من الوجوه فتُعطف احداهما على الأخرى لتوسّطهما حينئذٍ بين كمال الإتصال وكمال الانقطاع.
ألا ترى ما قالوا في قوله تعالى في سورة البقرة: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ(1). وفي سورة ابراهيم: وَيُذَبِّحُونَ(2)بالواو من أنّ طرح الواو في الآية الأولى يجعل تذبيح الأبناء بياناً ليسومونكم وتفسيراً للعذاب، وإثباتها في الآية الثانية لملاحظة كون التذبيح فوق العذاب المتعارف وزائداً عليه، فكأنّه جنس آخر غير مندرج فيه.
وَمَا يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ: هذا صريح في أنّ الواجب أكثر ثواباً من المندوبات وسنتكلّم فيه(3)فيما بعد إن شاء الله تعالى. وعموم الموصول يشمل الواجب بالأصالة وما أوجبه المكلّف على نفسه بنذر وشبهه.
فإن قلت: مدلول هذا الكلام هو أنّ غير الواجب ليس أحبّ الى الله سبحانه من الواجب، لا أنّ الواجب أحبّ إليه من غيره، فلعلهما متساويان.
قلت: الذي يستفيده أهل اللسان من مثل هذا الكلام هو تفضيل
الواجب على غيره كما تقول: ليس في البلد أحسن من زيد، لا تريد مجرّد نفي وجود من هو أحسن منه فيه، بل تريد نفي من يساويه في الحسن و إثبات أنّه أحسن أهل البلد. وإرادة هذا المعنى من مثل هذا الكلام شائع متعارف في أكثر اللغات.
وَ إِنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّىٰ أُحِبَّهُ: النوافل جميع الأعمال الغير الواجبة ممّا يفعل لوجه الله سبحانه. وأمّا تخصيصها بالصلوات المندوبة فعُرفٌ طارٍ. ومعنى محبّة الله سبحانه للعبد هو كشف الحجاب عن قلبه وتمكينه من أن يطأ بساط قربه ، فإنّ ما يُوصف به سبحانه إنّما يؤخذ باعتبار الغايات لا باعتبار المبادىء. وعلامة حبّه سبحانه للعبد توفيقه للتجافي عن دار الغرور والترقّي الى عالم النور والأُنس بالله والوحشة ممّا سواه و صيرورة جميع الهموم همّاً واحداً.
قال بعض العارفين: إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما أقامك.
فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ... الى آخره: لأصحاب القلوب في هذا المقام كلمات سنيّة، واشارات سرّية، وتلويحات ذوقيّة تعطّر مشام الأرواح، وتحيي رميم الأشباح، لا يهتدي الى معناها ولا يطّلع على مغزاها إلّا من أتعب بدنه بالرياضات، وعنّى نفسه بالمجاهدات، حتّى ذاق مشربهم، وعرف مطلبهم، وأمّا من لم يفهم تلك الرموز، لم يهتد الى هاتيك الكنوز، لعكوفه على الحظوظ الدنيّة، وإنهماكه في اللذّات البدنية، فهو عند سماع تلك الكلمات على خطر عظيم من الردّي في غياهب الإلحاد، والوقوع في مهاوي الحلول والاتّحاد، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. ونحن نتكلّم في هذا المقام، بما يسهل تناوله على الأفهام فنقول: هذا مبالغة في القرب وبيان استيلاء سلطان المحبّة على ظاهر العبد
و باطنه وسرّه وعلانيته، فالمراد - والله أعلم - أنّي إذا أحببت عبدي جذبته الى محلّ الأُنس، وصرفته الى عالم القدس، وصيّرت فكره مستغرقاً في أسرار الملكوت، وحواسه مقصورة على اجتلاء أنوار الجبروت، فتثبت في مقام القرب قدمه، ويمتزج بالمحبّة لحمه ودمه، الى أن يغيب عن نفسه، ويذهل عن حسّه، فتتلاشى الأغيار في نظره، حتّى أكون له بمنزلة سمعه وبصره، كما قال من قال:
جنوني فيك لا يخفى *** و ناري منك لا تخبو
فأنت السمع والأبصار *** والأركان والقلبُ
يبطش بها: بالكسر والضمّ أي يأخذ بها. وأصل البطش الأخذ بالعنف والسطوة. وهذا الحديث صحيح السند، وهو من الأحاديث المشهورة بين الخاصّة والعامّة. وقد رووه في صحاحهم بأدنى تغيير هكذا:
قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَىٰ لِي وَلِيًّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ. وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّىٰ أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا. إِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَ إِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ. وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي فِي قَبْضِ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ»(1).
[ تأويلات تردّد الباري تعالى ]
ما تضمّنه هذا الحديث من نسبة التردّد إليه سبحانه يحتاج الى
1) صحيح البخاري: ج 8 ص 131 كتاب الرقاق، مسند أحمد بن حنبل: ج 6 ص 256.
لتأويل. وفيه وجوه:
الأوّل: انّ في الكلام اضماراً، والتقدير: لو جاز التردّد ما تردّدت في شيء كتردّدي في وفاة المؤمن.
الثاني: أنّه لمّا جرت العادة بأن يتردّد الشخص في مساءة من يحترمه ويوقّره كالصديق الوفيّ والخلّ الصفيّ، وأن لا يتردّد في مساءة من ليس له عنده قدر ولا حرمة كالعدوّ والحيّة والعقرب، بل إذا خطر بالبال مساءته أوقعها من غير تردّد ولا تأمّل، صحّ أن يعبّر بالتردّد والتأمّل في مساءة الشخص عن توقيره واحترامه وبعدمهما عن إذلاله واحتقاره.
فقوله سبحانه: «ما تردّدت في شيء أنا فاعله كتردّدي في وفاة المؤمن» المراد به - والله أعلم -: ليس لشيء من مخلوقاتي عندي قدر و حرمة كقدر عبدي المؤمن وحرمته، فالكلام من قبيل الاستعارة التمثيلية.
الثالث: أنّه قد ورد في الحديث من طرق الخاصّة والعامّة: إنّ الله سبحانه يُظهر للعبد المؤمن عند الاحتضار من اللطف والكرامة والبشارة بالجنّة ما يزيل عنه كراهة الموت ويوجب رغبته في الانتقال الى دار القرار، فيقلّ تأذّيه به، ويصير راضياً بنزوله، راغباً في حصوله، فأشبهت هذه المعاملة معاملة من يريد أن يؤلم حبيبه ألماً يتعقّبه نفع عظيم، فهو يتردّد في أنّه كيف يوصل ذلك الألم إليه على وجه يقلّ تأذّيه به، فلا يزال يظهر له ما يرغّبه فيما يتعقّبه من اللذّة الجسيمة والراحة العظيمة، الى أن يتلقّاه بالقبول، ويعدّه من الغنائم المؤدّية الى إدراك المأمول.
تذكرة(1)
[ في رفع التنافي بين أخبار كراهة المؤمن للموت وحبّ لقاء الله ]
قد يتوهّم المنافاة بين ما دلّ عليه هذا الحديث وأمثاله من أنّ المؤمن
1) في (ع): وهم وتنبيه.
الخالص يكره الموت ويرغب في الحياة وبين ما ورد عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ»(1)فإنّه يدلّ بظاهره على أنّ المؤمن الحقيقي لا يكره الموت بل يرغب فيه، كما نقل عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه كان يقول: «إنَّ ابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أُمّه»(2)وأنّه قال حين ضربه ابن ملجم: «فزت وربِّ الكعبة»(3).
وقد أجاب عنه شيخنا الشهيد طاب ثراه في الذكرى فقال: إنَّ حبّ لقاء الله غير مقيّد بوقت فيحمل على حال الاحتضار ومعاينة ما يحبّ كما رُوّينا عن الصادق عليه السلام(4)و رووه في الصحاح(5)عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنّه قال: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ» قيل: يا رسول الله إنّا لنكره الموت! فقال: ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بُشِّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحبّ إليه ممّا أمامه فأحبّ لقاء الله وأحبّ الله لقاءه، وأنّ الكافر إذا حضر يُبشّر بعذاب الله فليس شيء أكره إليه ممّا أمامه، كره لقاء الله وكره الله لقاءه»(6)انتهى.
وقد يقال: إنّ الموت ليس نفس لقاء الله، فكراهته من حيث الألم الحاصل منه لا يستلزم كراهة الله. وهذا ظاهر. وأيضاً فحبّ الله سبحانه يوجب الاستعداد التامّ للقائه بكثرة الأعمال الصالحة، وهو يستلزم كراهة الموت القاطع لها.
[ موارد أفضلية السنّة على الواجب ]
هذا الحديث كما عرفت صريح في أنّ الواجب أفضل من الندب. وقد استثنىٰ من ذلك شيخنا الشهيد(1)وغيره مواضع:
الأوّل: الإبراء من الدين، فإنّه مستحبّ وهو أفضل من إنظار المعسر وهو واجب.
الثاني: السلام ابتداءً، فإنّه أفضل من ردّه وهو واجب.
الثالث: إعادة المنفرد صلاته جماعة، فإنّ صلاة الجماعة مطلقاً تفضّل على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة.
الرابع: الصلاة في البقاع الشريفة، فإنّها مستحبّة وهي أفضل من الصلاة في غيرها(2).
الخامس: الخشوع في الصلاة مستحبّ ويترك لأجله سرعة المبادرة الى الجمعة و إن فات بعضها مع أنّها واجبة.
وللمناقشة في هذه المواضع مجال(3)، والله أعلم.
1) القواعد والفوائد: ج 2 ص 106 - 107 قاعدة (185).
2) هذه الصلاة توصف بالاستحباب وقالوا يجوز أن ينوي بها الوجوب. ولا يبعد توقّف ترتّب الثواب المستحبّ على نيّة الوجوب فيه لكن قصد العاقل وجوب ما عُلم استحبابه مشكل، وسيرد في الحديث السابع والثلاثين كلام فيما لو نوى رفع حدث والواقع غيره، وهو نافع هنا. (منه رحمه الله).
3) كالمناقشة في الأوّل بأنّ الواجب هو عدم المطالبة سواء تحقّق في ضمنه الإبراء أو غيره، فالمتحقّق في ضمنه هو أفضل الواجبين لامتستحبّ، وقس على هذا المناقشة في الرابع. (منه رحمه الله).
«... قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَقَدْ صَلَّيْنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَأَخَذَ بِيَدِي حَتَّى خَرَجْنَا مِنَ الْمَسْجِدِ، فَمَشَى حَتَّى خَرَجَ إِلَى ظَهْرِ الْكُوفَةِ لَا يُكَلِّمُنِي بِكَلِمَةٍ، فَلَمَّا أَصْحَرَ تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ ثُمَّ قَالَ:
يَا كُمَيْلُ إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا. احْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ: النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ وَ لَمْ يَلْجَأُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ.
يَا كُمَيْلُ الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْإِنْفَاقِ...»
الخصال: ص 186، كمال الدين: 289 - 294
و بالسند المتصل الى الشيخ الجليل محمد بن عليّ بن بابويه، عن أبيه، عن محمد بن القاسم ماجيلويه، عن محمد بن عليّ الصيرفي، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن فضيل بن جريج، عن كميل بن زياد النخعي قال:
« كُنْتُ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَقَدْ صَلَّيْنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَأَخَذَ بِيَدِي حَتَّى خَرَجْنَا مِنَ الْمَسْجِدِ، فَمَشَى حَتَّى خَرَجَ إِلَى ظَهْرِ الْكُوفَةِ لَا يُكَلِّمُنِي بِكَلِمَةٍ، فَلَمَّا أَصْحَرَ تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ ثُمَّ قَالَ:
يَا كُمَيْلُ إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا. احْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ: النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ وَ لَمْ يَلْجَأُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ.
يَا كُمَيْلُ الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْإِنْفَاقِ.
يَا كُمَيْلُ الْعِلْمُ دِينٌ يُدَانُ اللهُ بِهِ، يُكْسَبُ الْإِنْسَانُ
الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته.
يا كميل مات خزّان الأموال، والعلماء باقون مابقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة.
آه آه إنّ هاهنا - وأشار عليه السلام بيده الى صدره - لعلماً جمّاً لو أصبت له حملة. بلى أُصيب له لَقِناً غير مأمون يستعمل آلة الدين في الدنيا ويستظهر بحجج الله على خلقه وبنعمه على عباده؛ أو منقاداً للحقّ لابصيرة له في أحنائه، ينقدح الشكّ في قلبه بأوّل عارض [من] شبهة، ألا لا ذا ولا ذاك؛ أو منهوماً باللذّات سلس القياد للشهوات، أو مغرىً بالجمع والإدخار ليسا من رعاة الدين في شيء، أقرب شبهاً بهما الأنعام السائمة ، كذلك يموت العلم بموت حامليه.
«اللَّهُمَّ بَلَى لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً أَوْ مُسْتَتِراً مَغْمُوراً، لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّنَاتُهُ. وَأَيْنَ أُولَئِكَ؟ أُولَئِكَ - وَاللهِ - الْأَقَلُّونَ عَدَداً الْأَعْظَمُونَ خَطَراً، بِهِمْ يَحْفَظُ اللهُ حُجَجَهُ، وَ بَيِّنَاتِهِ حَتَّىٰ يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ وَ يَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ، هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَىٰ حَقَائِقِ الْأُمُورِ، وَ بَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ، وَاسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ، وَ أَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ، وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا»
معلَّقة، بالمحلِّ الأعلىٰ، أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة الى دينه. آهِ آهِ شوقاً الى رؤيتهم.
ثمّ نزع يده من يدي وقال: انصرف إذا شئت(1).
ما لعلَّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
فَلَمَّا صَحَرَ: في الصحاح: أصحر الرجل: أي خرج الى الصحراء(2). تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ: الصعداء بضمّ الصاد وفتح العين المهملتين والمدّ: نوع من النفس يصعده المتلهّف الحزين. وانتصابه على المفعول المطلق النوعي نحو: جلست القرفصاء. يَا كُمَيْلُ: هو من أعاظم خواصّ أميرالمؤمنين عليه السلام و أصحاب سرّه، وهو ممّن قتله الحجّاج. وكان أميرالمؤمنين عليه السلام قد أخبره بأنّ الحجّاج سيقتله. إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ: الوعاء بكسر أوّله: الظرف. ووعى الشيء يعيه: حفظه وجمعه. فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا: أي أحفظها للعلم وأجمعها. عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ: الربّاني منسوب الى الربّ بزيادة الألف والنون على خلاف القياس كالرقباني.
قال في الصحاح: الربّاني: المتألّه العارف بالله تعالى(1). وكذا قال في القاموس(2).
وقال في الكشّاف عند قوله تعالى: وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ(3): الربّاني هو شديد التمسّك بدين الله وطاعته. وعن محمد بن الحنفية أنّه قال حين مات ابن عباس: اليوم مات ربّانيّ هذه الأُمّة(4)إنتهى.
وقال الشيخ أبو علي الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان: الربّاني: هو الذي يربّ أمر الناس بتدبيره له و إصلاحه إيّاه(5).
وَ مُتَعَلِّمٌ عَلَىٰ سَبِيلِ نَجَاةٍ: أي على طريقها بأن يكون قصده من التعلّم حصول النجاة الأُخروية لا الحظوظ الدنيوية كأكثر أهل زماننا. وَ هَمَجٌ رَعَاعٌ: الهمج: جمع همجة وهو ذباب صغير يسقط على وجوه الحيوانات وأعينها. استعار هذا اللفظ للجهلة تحقيراً لهم. والرعاع بالمهملات وفتح أوّله: العوام والسفلة وأمثالهم.
أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ: النعيق: صوت الراعي بغنمه. و يقال لصوت الغراب أيضاً. والمراد: أنّهم لعدم ثباتهم على عقيدة من العقائد وتزلزلهم في أمر الدين يتّبعون كلّ راع ويعتقدون بكلِّ مدّع ويخبطون خبط العشواء من غير تمييز بين محقّ ومبطل.
ولعلّ في جمع هذا القسم وأفراد القسمين الأولين: إيماء الى قلّتهما وكثرته.
وَالْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْإِنْفَاقِ: أي ينمو ويزيد به. وكلمة «على» يجوز أن تكون بمعنى «مع» كما قالوه في قوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ(1)وأن تكون للسببية والتعليل كما قالوا في قوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ(2).
الْعِلْمُ دِينٌ يُدَانُ اللهُ بِهِ: أي طاعة يُطاع الله بها، والتنوين للتعظيم. يُكْسَبُ الْإِنْسَانُ الطَّاعَةَ: يُكْسب بضمّ حرف المضارعة منْ أُكسب. والمراد أنّه يكسب الإنسان طاعة الله تعالى، أو يكسب طاعة العباد له. وَجَمِيلَ الْأُحْدُوثَةِ: أي الكلام الجميل والثناء. والأحدوثة مفرد الأحاديث. وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ: الأمثال: جمع مثل بالتحريك، وهو في الأصل بمعنى النظير، ثمّ استعمل في القول السائر الممثّل مضربه بمورده، ثمّ في الكلام الذي له شأن وغرابة. وهذا هو المراد، أي أنّ حكمهم و مواعظهم محفوظة عند أهلها يعملون بها ويهتدون بمنارها. لَعِلْماً جَمّاً: أي كثيراً. لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً: بالفتحات جمع حامل، أي من يكون أهلاً له. وجواب «لو» محذوف، أي لبذلته لهم. أُصِيبَ لَهُ لَقِناً: بفتح اللام وكسر القاف أي فَهماً، من اللقانة وهي حسن الفهم. يَسْتَعْمِلُ آلَةَ الدِّينِ فِي الدُّنْيَا: أي يجعل العلم الذي هي آلة و وصل الى الفوز بالسعادات الأبدية وسيلة الى تحصيل الحظوظ الفانية الدنيوية كالمال والجاه وميل الخلائق إليه وإقبالهم عليه.
وَيَسْتَظْهِرُ بِحُجَجِ اللهِ عَلَىٰ خَلْقِهِ: أي يطلب الغلبة عليهم بما عرّفه الله سبحانه من الحجج. لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَائِهِ: بفتح الهمزة وبعدها حاء مهملة ثمّ نون: أي جوانبه، أي ليس له غور وتعمّق فيه. وفي بعض النسخ(1): «في إحيائه» بالياء المثنّاة من تحت، أي في ترويجه وتقويته.
أَلَا لَا ذَا وَلَا ذَاكَ: أي ليس المنقاد العديم البصيرة أهلاً لتحمّل العلم ولااللقن الغير المأمون. وهذا الكلام معترض بين المعطوف عليه. أَوْ مَنْهُوماً بِاللَّذَّاتِ: أي حريصاً عليها منهمكاً فيها، والمنهوم في الأصل هو الذي لا يشبع من الطعام. سَلِسَ الْقِيَادِ: أي سهل الإنقياد من غير توقّف. أَوْ مُغْرَىً بِالْجَمْعِ وَالْإِدِّخَارِ: أي شديد الحرص على جمع المال وادّخاره، كأنّ أحداً يغريه بذلك ويبعثه عليه. لَيْسَا مِنْ رُعَاةِ الدِّينِ فِي شَيْءٍ: الرعاة بضمّ أوّله: جمع راع بمعنى الوالي، أي ليس المنهوم والمغرىٰ المذكوران من ولاة الدين في أمر من الأمور، أي ليس لهما لياقة ذلك بوجه. وفيه إشعار بأنّ العالم الحقيقي والٍ على الدين وقيّم.
وقد قسّم عليه السلام الذين ليس لهم أهلية تحمّل العلم الى أربعة أقسام:
أوّلها: جماعة فسقة لم يريدوا بالعلم وجه الله سبحانه، بل إنّما أرادوا به الرياء والسمعة، و جعلوه شبكة لاقتناص اللذّات الدنيّة والمشتهيات الدنيوية.
1) في هامش(ع): أي نسخ أمالي ابن بابويه رحمه الله تعالى، فانّ الحديث منقول عن ذلك الكتاب. (منه رحمه الله).
وثانيها: قوم من أهل الصلاح ولكن ليس لهم بصيرة في الوصول الى أغواره والوقوف على أسراره، بل إنّما يصلون الى ظواهره فتنقدح الشكوك في قلوبهم من أوّل شبهة تعرض لهم.
وثالثها: جماعة لا يتوصّلون بالعلم الى المطالب الدنيوية ولاهم عادمون للبصيرة في إحيائه بالكلّية، ولكنّهم أسراء في أيدي القوى البهيمية، منهمكون في الملاذّ الواهية الوهميّة.
ورابعها: طائفة سلموا من تلك الصفات الذميمة وسلكوا الطريقة المستقيمة لكنّهم لم يخلصوا من صفة خسيسة أُخرى وهي حبّ المال وادّخاره وجمعه وإكثاره.
وبالجملة فلابدّ لطالب العلم الحقيقي من تقديم طهارة النفس عن رذائل الأخلاق وذمائم الأوصاف، إذ العلم عبادة القلب وصلاته، وكما لا تصحّ الصلاة التي هي وظيفة الجوارح الظاهرة إلّا بتطهير الظاهر من الأحداث والأخباث كذلك لا تصحّ عبادة القلب وصلاته إلّا بعد طهارته عن خبائث الأخلاق وأنجاس الأوصاف.
كَذَٰلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ: أي مثل ماعدم من يصلح لتحمّل العلوم الحقيقية والمعارف الإلهيّة تعدم تلك العلوم والمعارف و تندرس آثارها بموت العلماء العارفين، لأنّهم لا يجدون من يليق لتحمّلها بعدهم. ولمّا كانت سلسلة العلم والعرفان لا تنقطع بالكلّية مادام نوع الإنسان، بل لابدّ من إمام حافظ للدين في كلّ زمان على ما تقتضيه قواعد العدلية رضوان الله عليهم، استدرك أميرالمؤمنين عليه السلام كلامه هذا بقوله:
اللَّهُمَّ بَلَىٰ لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً: كمولانا أميرالمؤمنين عليه السلام في أيّام خلافته الظاهرة المتّفق عليها بين أهل الإسلام.
أَوْ خَائِفٌ مَغْمُورٌ: أي مستتر غير متظاهر بالدعوى إلَّا للخواصّ كما كان من حاله عليه السلام في أيّام خلافة من تقدّم عليه، وكما كان من حال الأئمّة عليهم السلام من ولده، وكما هو في هذا الزمان من حال مولانا و إمامنا الحجّة المنتظر محمد بن الحسن المهدي سلام الله عليه وعلى آبائه الطاهرين. هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَىٰ حَقَائِقِ الْأُمُورِ، وَ بَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ: شرع عليه السلام في وصف حجج الله في أرضه والحافظين لدينه، أي اطلعهم العلم اللَّدُني على حقائق الأشياء محسوساتها و معقولاتها، وانكشفت لهم حجبها واستارها، فعرفوها بعين اليقين على ماهي عليه في نفس الأمر من غير وصمة ريب أو شائبة شكّ ، فاطمأنّت لها قلوبهم واستراحت بها أرواحهم. وهذه هي الحكمة الحقيقية التي مَنْ أُوتيها فقد أُوتي خيراً كثيراً(1). والرَّوْح بالفتح: الراحة.
وَاسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ: الوعر من الأرض ضدّ السهل. والمترف: المتنعّم، من الترفه بالضمّ، أي استسهلوا ما استصعبه المتنعّمون من رفض الشهوات البدنية و قطع المتعلّقات الدنيوية و ملازمة الصمت والسهر والجوع والمراقبة والاحتراز من صرف ساعة من العمر فيما لا يوجب زيادة القرب منه تعالى شأنه، وأمثال ذلك. وقس على هذه الفقرة نظيرتها. وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَىٰ: أي نفضوا عن أذيال قلوبهم غبار التعلّق بهذه الخربة الموحشة الدنيّة، و توجّهت أرواحهم الى مشاهدة جمال حضرة الربوبيّة، فهم مصاحبون
1) إشارة الى قوله تعالى في الآية (269) من سورة البقرة: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا).
بَأَشْبَاحِهِمْ لِأَهْلِ هَذِهِ الدَّارِ، وَبِأَرْوَاحِهِمْ لِلْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ الْأَبْرَارِ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً.
أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اللهِ فِي أَرْضِهِ: تَعْرِيفُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْإِشَارَةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقٌ بِمَا يُسْنَدُ إِلَيْهِ بَعْدَهَا بِسَبَبِ اتِّصَافِهِ بِالْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَهَا، كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(1). آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ: لَا رَيْبَ فِي شِدَّةِ شَوْقِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ، وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُسْتَاذُ الْعَارِفِينَ وَقُدْوَةُ الْوَاصِلِينَ بَعْدَ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَلَا جَرَمَ اشْتَاقَتْ نَفْسُهُ الشَّرِيفَةُ إِلَى مُشَاهَدَةِ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ وَأَصْحَابِ طَرِيقَتِهِ السَّالِكِينَ عَلَى آثَارِهِ وَالْمُقْتَبِسِينَ مِنْ أَنْوَارِهِ سَلَامُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
تَنْبِيهٌ(2)
[ فِي إِثْبَاتِ وُجُودِ صَاحِبِ الْأَمْرِ وَرَدِّ اشْكَالِ الْمُخَالِفِينَ ]
اسْتِقَامَةُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ عَدَمِ خُلُوِّ الْأَرْضِ مِنْ إِمَامٍ مَوْصُوفٍ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ وَكَذَا مَا يُفِيدُهُ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَمَّ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(3)ظَاهِرَةٌ عَلَى مَذْهَبِ إِلَيْهِ الْإِمَامِيَّةِ مِنْ أَنَّ إِمَامَ زَمَانِنَا هَذَا هُوَ مَوْلَانَا الْإِمَامُ الْحُجَّةُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَهْدِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَمُخَالِفُوهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يَشْنَعُونَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ التَّوَصُّلُ إِلَيْهِ وَلَا أَخْذُ الْمَسَائِلِ الدِّينِيَّةِ عَنْهُ فَأَيُّ ثَمَرَةٍ تَتَرَتَّبُ عَلَى مُجَرَّدِ مَعْرِفَتِهِ
حَتَّىٰ يَكُونَ مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ عَارِفاً بِهِ فَقَدْ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً.
وَالْإِمَامِيَّةُ يَقُولُونَ: لَيْسَتِ الثَّمَرَةُ مُنْحَصِرَةً فِي مُشَاهَدَتِهِ وَأَخْذِ الْمَسَائِلِ عَنْهُ، بَلْ نَفْسُ التَّصْدِيقِ بِوُجُودِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنَّهُ خَلِيفَةُ اللهِ فِي الْأَرْضِ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ لِذَاتِهِ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ، كَتَصْدِيقِ مَنْ كَانَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِوُجُودِهِ وَنُبُوَّتِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الْمَهْدِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: ذَلِكَ الَّذِي يَفْتَحُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى يَدَيْهِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، يَغِيبُ عَنْ أَوْلِيَائِهِ غَيْبَةً لَا يَثْبُتُ فِيهَا إِلَّا مَنِ امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ.
قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ لِشِيعَتِهِ انْتِفَاعٌ بِهِ فِي غَيْبَتِهِ؟
فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: إِي وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ لَيَسْتَضِيئُونَ بِنُورِهِ وَيَنْتَفِعُونَ بِوِلَايَتِهِ فِي غَيْبَتِهِ كَانْتِفَاعِ النَّاسِ بِالشَّمْسِ وَإِنْ جَلَّاهَا السَّحَابُ(1).
ثُمَّ قَالَ الْإِمَامِيَّةُ: إِنَّ تَشْنِيعَكُمْ عَلَيْنَا مَقْلُوبٌ عَلَيْكُمْ لِأَنَّكُمْ تَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِإِمَامِ الزَّمَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ صَاحِبُ الشَّوْكَةِ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا كَائِناً مَنْ كَانَ، عَالِماً أَوْ جَاهِلاً، عَدْلاً أَوْ فَاسِقاً، فَأَيُّ ثَمَرَةٍ تَتَرَتَّبُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْجَاهِلِ الْفَاسِقِ لِيَكُونَ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْهُ فَقَدْ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً؟
وَلَمَّا اسْتَشْعَرَ هَذَا بَعْضُ مُخَالِفِيهِمْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِمَامِ فِي الْحَدِيثِ الْكِتَابُ.
وَقَالَ الْإِمَامِيَّةُ: إِنَّ إِضَافَةَ الْإِمَامِ إِلَى زَمَانِ ذَلِكَ الشَّخْصِ يُشْعِرُ بِتَبَدُّلِ الْأَئِمَّةِ فِي الْأَزْمِنَةِ، وَالْقُرْآنُ الْعَزِيزُ لَا تَبَدُّلَ لَهُ بِحَمْدِ اللهِ عَلَى مَرِّ الْأَزْمَانِ. فَالْمُرَادُ بِمَعْرِفَةِ الْكِتَابِ الَّتِي إِذَا لَمْ تَكُنْ حَاصِلَةً لِلْإِنْسَانِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً
1) كمال الدين: ص 253.
إِنْ أُرِيدَ بِهَا مَعْرِفَةُ أَلْفَاظِهِ أَوِ الِاطَّلَاعِ عَلَى مَعَانِيهِ أَشْكَلَ الْأَمْرُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَإِنْ أُرِيدَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ بِوُجُودِهِ فَلَا وَجْهَ لِلتَّشْنِيعِ عَلَيْنَا إِذَا قُلْنَا بِمِثْلِهِ.
[ فِي دَفْعِ الْإِشْكَالِ عَلَى طُولِ عُمُرِ صَاحِبِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ]
حَكَى السَّيِّدُ الْجَلِيلُ ذُو الْمَنَاقِبِ وَالْمَفَاخِرِ رَضِيُّ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ طَاوُوسَ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ مَا حَاصِلُهُ: إِنَّهُ اجْتَمَعَ يَوْماً فِي بَغْدَادَ مَعَ بَعْضِ فُضَلَائِهَا فَانْجَرَّ الْكَلَامُ بَيْنَهُمَا إِلَى ذِكْرِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَهْدِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا يَدَّعِيهِ الْإِمَامِيَّةُ مِنْ حَيَاتِهِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، فَشَنَّعَ ذَلِكَ الْفَاضِلُ عَلَى مَنْ يُصَدِّقُ بِوُجُودِهِ وَيَعْتَقِدُ طُولَ عُمُرِهِ إِلَى ذَلِكَ الزَّمَانِ وَأَنْكَرَهُ إِنْكَاراً بَلِيغاً.
قَالَ السَّيِّدُ رَحِمَهُ اللهُ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ الْيَوْمَ رَجُلٌ وَادَّعَى أَنَّهُ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ لَاجْتَمَعَ لِمُشَاهَدَتِهِ كُلُّ أَهْلِ الْبَلَدِ. فَإِذَا مَشَى عَلَى الْمَاءِ وَعَايَنُوهُ وَقَضَوْا تَعَجُّبَهُمْ مِنْهُ، ثُمَّ جَاءَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي آخَرُ، وَقَالَ: أَنَا أَمْشِي عَلَى الْمَاءِ أَيْضاً فَشَاهَدُوا مَشْيَهُ عَلَيْهِ لَكَانَ تَعَجُّبُهُمْ أَقَلَّ مِنَ الْأَوَّلِ. فَإِذَا جَاءَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ آخَرُ وَادَّعَى أَنَّهُ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ أَيْضاً فَرُبَّمَا لَا يَجْتَمِعُ لِلنَّظَرِ إِلَيْهِ إِلَّا قَلِيلٌ مِمَّنْ شَاهَدَ الْأَوَّلَيْنِ، فَإِذَا مَشَى سَقَطَ التَّعَجُّبُ بِالْكُلِّيَّةِ. فَإِذَا جَاءَ رَابِعٌ وَقَالَ: أَنَا أَيْضاً أَمْشِي عَلَى الْمَاءِ كَمَا مَشَوْا فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ شَاهَدُوا الثَّلَاثَةَ ثُمَّ أَخَذُوا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ تَعَجُّباً زَائِداً عَلَى تَعَجُّبِهِمْ مِنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ لَتَعَجَّبَ الْعُقَلَاءُ مِنْ نَقْصِ عُقُولِهِمْ وَخَاطَبُوهُمْ بِمَا يَكْرَهُونَ.
وَهَذَا بِعَيْنِهِ حَالُ الْمَهْدِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّكُمْ رَوَيْتُمْ أَنَّ إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيٌّ مَوْجُودٌ فِي السَّمَاءِ مِنْ زَمَانِهِ إِلَى الْآنَ، وَرَوَيْتُمْ أَنَّ الْخِضْرَ عَلَيْهِ
السَّلَامُ كَذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ حَيٌّ مَوْجُودٌ مِنْ زَمَانِهِ إِلَى الْآنَ، وَرَوَيْتُمْ أَنَّ عِيسَىٰ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيٌّ مَوْجُودٌ فِي السَّمَاءِ وَأَنَّهُ سَيَعُودُ إِلَى الْأَرْضِ إِذَا ظَهَرَ الْمَهْدِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَيَقْتَدِي بِهِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنَ الْبَشَرِ قَدْ طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ زِيَادَةً عَلَى الْمَهْدِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَيْفَ لَا تَتَعَجَّبُونَ مِنْهُمْ وَ تَتَعَجَّبُونَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ مِنْ ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أُسْوَةٌ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ آيَاتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعَمَّرَ وَاحِدٌ مِنْ عِتْرَتِهِ وَذُرِّيَّتِهِ زِيَادَةً عَلَى مَاهُوَ الْمُتَعَارَفُ مِنَ الْأَعْمَارِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَاللهُ الْهَادِي(1).
[ كَلَامُ ابْنِ عَرَبِيّ حَوْلَ صَاحِبِ الزَّمَانِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ]
إِنَّهُ لَيُعْجِبُنِي كَلَامٌ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِلشَّيْخِ الْعَارِفِ الْكَامِلِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ عَرَبِيٍّ أَوْرَدَهُ فِي كِتَابِ «الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ»، قَالَ رَحِمَهُ اللهُ فِي الْبَابِ الثَّلَاثِمِائَةِ وَالسَّبْعِ وَالسِّتِّينَ مِنَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ: إِنَّ للهِ خَلِيفَةً يَخْرُجُ مِنْ عِتْرَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، جَدُّهُ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، يُبَايَعُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، يُشْبِهُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَلْقِ - بِفَتْحِ الْخَاءِ - وَ يَنْزِلُ عَنْهُ فِي الْخُلُقِ - بِضَمِّ الْخَاءِ - أَسْعَدُ النَّاسِ بِهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ، يَعِيشُ خَمْساً أَوْ سَبْعاً أَوْ تِسْعاً، يَضَعُ الْجِزْيَةَ وَيَدْعُو إِلَى اللهِ بِالسَّيْفِ، وَيَرْفَعُ الْمَذَاهِبَ عَنِ الْأَرْضِ فَلَا يَبْقَىٰ إِلَّا الدِّينُ الْخَالِصُ، أَعْدَاؤُهُ مُقَلِّدَةُ الْعُلَمَاءِ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ لِمَا يَرَوْنَهُ يَحْكُمُ بِخِلَافِ مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ أَئِمَّتُهُمْ، فَيَدْخُلُونَ كُرْهاً تَحْتَ حُكْمِهِ خَوْفاً مِنْ سَيْفِهِ،
1) كشف المحجة: ص 55.
يفرح به عامة المسلمين أكثر من خواصهم، يبايعه العارفون من أهل الحقائق عن شهود و كشف بتعريف إلهي، له رجال الهيون يقيمون دعوته و ينصرونه، ولولا أن السيف بيده لأفتى الفقهاء بقتله، ولكن الله يظهره بالسيف والكرم، فيطمعون ويخافون ويقبلون حكمه من غير إيمان ويضمرون خلافه ويعتقدون فيه إذا حكم فيهم بغير مذهب أتمتهم - أنه على ضلال في ذلك، لأنهم يعتقدون بأن أهل الاجتهاد و زمانه قد انقطع وما بقي مجتهد في العالم وأن الله لا يوجد بعد أتمتهم أحداً له درجة
الاجتهاد، وأما من يدعي التعريف الإلهي بالأحكام الشرعية فهو عندهم مجنون فاسد الخيال. إنتهى كلامه. فتأمل بعين البصيرة، وتناوله بيد غير قصيرة، خصوصاً قوله: »إن لله خليفة«، وقوله: »أسعد الناس به أهل الكوفة، وقوله: »أعداؤه مقلده
العلماء أهل الاجتهاد«، وقوله: لأنهم يعتقدون أن أهل الاجتهاد وزمانه قد انقطع الى آخر كلامه، عسى أن تطلع على مرامه، والله ولي التوفيق.
الخشية من الله والنية الصادقة
.«.. عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في قول الله عز وجل : ليبولكم أيكم أحسن عملاً قال: ليس يعني أكثركم عملاً ولكن أصوبكم عملا،ً وإنما الإصابة خشية الله والنية الصادقة، ثم قال: العمل الخالص الذي لا تريد أن يمدحك عليه أحد إلا الله عز وجل، والنية أفضل من العمل»
الكافي: ج 2ص 16 ح4
وَبِالسَّنَدِ الْمُتَّصِلِ إِلَى الشَّيْخِ الْجَلِيلِ عِمَادِ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْمِنْقَرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا(1)قَالَ: لَيْسَ يَعْنِي أَكْثَرَكُمْ عَمَلًا وَلٰكِنْ أَصْوَبَكُمْ عَمَلًا، وَ إِنَّمَا الْإِصَابَةُ خَشْيَةُ اللهِ وَالنِّيَّةُ الصَّادِقَةُ، ثُمَّ قَالَ: الْعَمَلُ الْخَالِصُ الَّذِي لَا تُرِيدُ أَنْ يَمْدَحَكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَالنِّيَّةُ أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ(2).
مَا لَعَلَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْبَيَانِ فِي هٰذَا الْحَدِيثِ
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا: هٰذِهِ الْجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِخَلْقِ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ(3). وَالْمَعْنَى وَاللهُ أَعْلَمُ: إِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدَّرَ الْمَوْتَ الَّذِي هُوَ دَاعٍ إِلَى حُسْنِ الْعَمَلِ وَ مُوجِبٌ
لِعَدَمِ الْوُثُوقِ بِالدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا الْفَانِيَةِ وَأَعْطَى الْحَيَاةَ الَّتِي يُقْتَدَرُ بِهَا عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْخَالِصَةِ لِيُعَامِلَكُمْ فِي دَارِ التَّكْلِيفِ مُعَامَلَةَ الْمُخْتَبِرِ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا.
وَقَدَّمَ الْمَوْتَ لِأَنَّهُ أَدْعَى إِلَى حُسْنِ الْعَمَلِ، هَذَا إِنْ حُمِلَ الْمَوْتُ عَلَى الْمَوْتِ الطَّارِئِ عَلَى الْحَيَاةِ. وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ فَإِنَّهُ يُسَمَّى مَوْتاً كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ(1).
فَالْمَعْنَى وَاللهُ أَعْلَمُ: قَدَّرَ عَدَمَكُمُ الْأَصْلِيَّ ثُمَّ نَقَلَكُمْ مِنْهُ وَأَلْبَسَكُمْ خِلْعَةَ الْحَيَاةِ لِيَبْلُوَكُمْ. وَتَقْدِيمُ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ.
لَيْسَ يَعْنِي: اسْمُ لَيْسَ ضَمِيرٌ عَائِدٌ إِلَى اللهِ عَزَّوَجَلَّ أَوْ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَجُمْلَةُ «يَعْنِي» خَبَرُهَا. خَشْيَةُ اللهِ وَالنِّيَّةُ الصَّادِقَةُ: قَدْ مَرَّ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ كَلَامٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْخَشْيَةِ وَالْخَوْفِ، نَقَلْنَاهُ عَنِ الْمُحَقِّقِ الطُّوسِيِّ نَصِيرِ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ طَابَ ثَرَاهُ. وَالْمُرَادُ بِالنِّيَّةِ الصَّادِقَةِ: اِنْبِعَاثُ الْقَلْبِ نَحْوَ الطَّاعَةِ، غَيْرَ مَلْحُوظٍ فِيهِ شَيْءٌ سِوَى وَجْهِ اللهِ سُبْحَانَهُ، لَا كَمَنْ يُعْتِقُ عَبْدَهُ مَثَلًا مُلَاحِظاً مَعَ الْقُرْبَةِ الْخَلَاصَ مِنْ مُؤْنَتِهِ أَوْ سُوءِ خُلُقِهِ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِحُضُورِ النَّاسِ لِغَرَضِ الثَّوَابِ وَالثَّنَاءِ مَعاً، بِحَيْثُ لَوْ كَانَ مُنْفَرِداً لَمْ يَبْعَثْهُ مُجَرَّدُ الثَّوَابِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَوْلَا الرَّغْبَةُ فِي الثَّوَابِ لَمْ يَبْعَثْهُ مُجَرَّدُ الرِّيَاءِ عَلَى الْإِعْطَاءِ، وَلَا كَمَنْ لَهُ وِرْدٌ فِي الصَّلَوَاتِ وَعَادَةٌ فِي الصَّدَقَاتِ وَاتَّفَقَ أَنْ حَضَرَ فِي وَقْتِهَا جَمَاعَةٌ فَصَارَ الْفِعْلُ أَخَفَّ عَلَيْهِ وَحَصَلَ لَهُ نَشَاطٌ بِسَبَبِ مُشَاهَدَتِهِمْ لَهُ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْضُرُوا لَمْ يَتْرُكِ الْعَمَلَ، أَوْ يَفْتُرْ عَنْهُ أَلْبَتَّةَ. فَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأُمُورِ مِمَّا يَخِلُّ بِصِدْقِ النِّيَّةِ.
1) البقرة: 28.
وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّ عَمَلٍ قَصَدْتَ بِهِ الْقُرْبَةَ وَأَضَافَ إِلَيْهِ حَظّاً مِنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا بِحَيْثُ تَرَكَّبَ الْبَاعِثُ عَلَيْهِ مِنْ دِينِيٍّ وَنَفْسِيٍّ فَنِيَّتُكَ فِيهِ غَيْرُ صَادِقَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْبَاعِثُ الدِّينِيُّ أَقْوَىٰ مِنَ الْبَاعِثِ النَّفْسِيِّ أَوْ أَضْعَفَ أَوْ مُسَاوِياً.
الْعَمَلُ الْخَالِصُ الَّذِي لَا تُرِيدُ أَنْ يَمْدَحَكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا اللهُ عَزَّوَجَلَّ: الْخَالِصُ فِي اللُّغَةِ: كُلُّ مَا صَفِيَ وَتَخَلَّصَ وَلَمْ يَمْتَزِجْ بِغَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَٰلِكَ الْغَيْرُ أَدْوَنَ مِنْهُ، أَوْ لَا، فَمَنْ تَصَدَّقَ لِمَحْضِ الرِّيَاءِ فَصَدَقَتُهُ خَالِصَةٌ لُغَةً كَمَنْ تَصَدَّقَ لِمَحْضِ الثَّوَابِ. وَقَدْ خُصَّ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِي الْعُرْفِ بِمَا تَجَرَّدَ قَصْدُ التَّقَرُّبِ فِيهِ عَنْ جَمِيعِ الشَّوَائِبِ. وَهٰذَا التَّجْرِيدُ يُسَمَّىٰ إِخْلَاصاً.
وَقَدْ عَرَّفَهُ أَصْحَابُ الْقُلُوبِ بِتَعْرِيفَاتٍ أُخَرَ، فَقِيلَ: هُوَ تَنْزِيهُ الْعَمَلِ عَنْ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللهِ فِيهِ نَصِيبٌ.
وَقِيلَ: إِخْرَاجُ الْخَلْقِ عَنْ مُعَامَلَةِ الْحَقِّ.
وَقِيلَ: هُوَ سِتْرُ الْعَمَلِ عَنِ الْخَلَائِقِ وَتَصْفِيَتُهُ عَنِ الْعَلَائِقِ.
وَقِيلَ: أَنْ لَا يُرِيدَ عَامِلُهُ عَلَيْهِ عِوَضاً فِي الدَّارَيْنِ. وَهٰذِهِ دَرَجَةٌ عَلِيَّةٌ عَزِيزَةُ الْمَآلِ. وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَسَيِّدُ الْمُوَحِّدِينَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «مَا عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ نَارِكَ، وَلَا طَمَعاً فِي جَنَّتِكَ، وَلٰكِنْ وَجَدْتُكَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ فَعَبَدْتُكَ»(1).
[ تَحْقِيقٌ فِي صِحَّةِ أَوْ عَدَمِ صِحَّةِ الْعَمَلِ بِنِيَّةِ الثَّوَابِ أَوِ الْخَوْفِ مِنَ الْعِقَابِ ]
ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ إِلَىٰ بُطْلَانِ الْعِبَادَةِ إِذَا قَصَدَ بِفِعْلِهَا تَحْصِيلَ الثَّوَابِ أَوِ الْخَلَاصَ مِنَ الْعِقَابِ، وَقَالُوا: إِنَّ هٰذَا الْقَصْدَ
1) بحار الأنوار، ج 41 ص 14 ح 4.
مُنَافٍ لِلْإِخْلَاصِ الَّذِي هُوَ إِرَادَةُ وَجْهِ اللهِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ مَنْ قَصَدَ ذَٰلِكَ فَإِنَّمَا قَصَدَ جَلْبَ النَّفْعِ إِلَىٰ نَفْسِهِ وَدَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهَا، لَا وَجْهَ اللهِ سُبْحَانَهُ، كَمَا أَنَّ مَنْ عَظَّمَ شَخْصاً أَوْ أَثْنَىٰ عَلَيْهِ طَمَعاً فِي مَالِهِ أَوْ خَوْفاً مِنْ إِهَانَتِهِ لَا يُعَدُّ مُخْلِصاً فِي ذَٰلِكَ التَّعْظِيمِ وَالثَّنَاءِ.
وَمِمَّنْ بَالَغَ فِي ذَٰلِكَ السَّيِّدُ الْجَلِيلُ صَاحِبُ الْمَقَامَاتِ وَالْكَرَامَاتِ رَضِيُّ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ طَاوُوسَ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ.
وَ يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ شَيْخِنَا الشَّهِيدِ فِي قَوَاعِدِهِ أَنَّهُ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ(1).
وَنَقَلَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ اتِّفَاقَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَىٰ أَنَّ مَنْ عَبَدَ اللهَ لِأَجْلِ الْخَوْفِ مِنَ الْعِقَابِ أَوِ الطَّمَعِ فِي الثَّوَابِ لَمْ تَصِحَّ عِبَادَتُهُ(2)أَوْرَدَهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً(3).
وَجَزَمَ فِي أَوَائِلِ تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أُصَلِّي لِثَوَابِ اللهِ أَوْ الْهَرَبِ مِنْ عِقَابِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ. وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ ذَٰلِكَ الْقَصْدَ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْعِبَادَةِ مَنَعَ خُرُوجَهَا بِهِ عَنْ دَرَجَةِ الْإِخْلَاصِ(4).
وَقَالَ: إِنَّ إِرَادَةَ الْفَوْزِ بِثَوَابِ اللهِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ سَخَطِهِ لَيْسَتْ أَمْراً مُخَالِفاً لِإِرَادَةِ وَجْهِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَىٰ فِي مَقَامِ مَدْحِ أَصْفِيَائِهِ: كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا(5)لِلرَّغْبَةِ فِي الثَّوَابِ مِنَ الْعِقَابِ، وَ قَالَ سُبْحَانَهُ: وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا(6)وَ قَالَ تَعَالَىٰ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
تفلحون(1)أي حال كونكم راجين للفلاح لكي تفلحوا، او الفلاح هو الفوز بالثواب. نص عليه الشيخ أبو علي الطبرسي(2). هذا ما وصل إلينا من كلام هؤلاء، وللمناقشة فيه مجال.
أمّا قولهم: «إنَّ تلك الإرادة ليست مخالفة لإرادة الله سبحانه» فكلام ظاهري قشري، إذ البون البعيد بين إطاعة المحبوب والانقياد إليه لمحض حبّه وتحصيل رضاه وبين إطاعته لأغراض أُخر أظهر من الشمس في رابعة النهار. والثانية ساقطة بالكلّية عن درجة الاعتبار عند أولي الأبصار.
وأمّا الاعتضاد بالآيتين الأوليّتين ففيه: إنَّ كثيراً من المفسّرين ذكروا أنَّ المعنى: راغبين في الإجابة راهبين من الردّ والخيبة(3).
وأمّا الآية الثالثة فقد ذكر الشيخ أبو علي الطبرسي في كتاب مجمع البيان: إنَّ معنى «لعلكم تفلحون»: لكي تُسعدوا(4). ولاريب أنَّ تحصيل رضاه سبحانه هو السعادة العظمى.
وفسّر رحمه الله الفلاح في قوله تعالى: وأولئك هم المفلحون(5): بالنجاح والفوز(6).
وقال الشيخ الجليل شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في تفسيره الموسوم بالتبيان: المفلحون هم المنجحون الذين ادركوا ما طلبوا من عند الله بأعمالهم وإيمانهم(7).
1) الحج: 77.
2) مجمع البيان: ج 3 - 4 ص 399 في تفسير الآية (8) من سورة الأعراف.
3) في هامش (ع): لما كان الخوف والطمع بمعنى الرهبة والرغبة اكتفى بأحد النظيرين عن الآخر. (منه رحمه الله).
4) مجمع البيان: ج 7 - 8 ص 97 في تفسير الآية (77) من سورة الحج.
5) البقرة: 5.
6) مجمع البيان: ج 1 - 2 ص 40 في تفسير الآية (5) من سورة البقرة.
7) التبيان: ج 1 ص 59 في تفسير الآية (5) من سورة البقرة.
و في تفسير البيضاوي: المفلح: الفائز بالمطلوب(1)في هامش (ع): هذا ما سنح لي، وهو أحسن ما يُستدلّ به في هذا الباب. (منه رحمه الله).(2). ومثله في الكشّاف(3).
نعم فسّر الشيخ الطبرسي الفلاح في قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(4): بالفوز بالثواب(5).
لكن مجيئه في هذه الآية بهذا المعنى لا يوجب حمله في غيرها عليه. وعلى تقدير حمله على ذلك المعنى إنما يتمّ التقريب لو جُعلت جملة الترجّي حاليّة، أما لو جُعلت تعليليّة -كما جعله الطبرسي- فلادلالة فيها على ذلك المدّعى أصلاً كما لا يخفى.
هذا والأولى(5) أن يستدلّ على ذلك المطلب بما رواه(6)الشيخ الجليل محمد بن يعقوب في الكافي بطريق حسن عن هارون بن خارجة، عن الإمام أبي عبد الله محمد بن الصادق عليه السلام قال: العباد ثلاثة: قوم عبدوا الله عزّ وجلّ خوفاً من العقاب فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلباً للثواب فتلك عبادة الأجراء، وقوم عبدوا الله حبّاً له فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة(7).
فإنّ قوله عليه السلام: «وهي أفضل العبادة» يُعطي أنّ العبادة على الوجهين السابقين لا يخلو من فضل أيضاً فتكون صحيحة، وهو المطلوب.
1) تفسير البيضاوي: ج 1 ص 19 في تفسير الآية
2) من سورة البقرة.
3) تفسير الكشّاف: ج 1 ص 46 في تفسير الآية (5) من سورة البقرة.
4) المؤمنون: 1.
5) مجمع البيان: ج 7 - 8 ص 99.
6) في هامش (ع): الاستدلال بهذا الحديث على هذا المطلب من الكتاب، وهو أحسن ممّا يُستدلّ به عليه، وقد يستدلّ بذلك بحديث «مَن بَلَغَه شيء من الثواب» وقد مرّ عند شرح الحديث الحادي والثلاثين وان كان في سنده ضعف. (منه رحمه الله).
7) الكافي: ج 2 ص 84 ح 5.
[ هل يبطل العمل إذا كان بنية تحصيل الثواب أم لا؟ ]
المانعون في نيّة العبادة من قصد تحصيل الثواب أو دفع العقاب جعلوا هذا القصد مفسداً لها وإن انضمّ إليه قصد وجه الله سبحانه على ما يفهم من كلامهم. أمّا بقية الضمائم اللازمة الحصول مع العبادة نويت أو لم تنو كالخلاص من النفقة بعتق العبد في الكفّارة، والحمية بالصوم، والتبرّد في الوضوء، وإعلام المأموم في الصلاة بالتكبير، ومماطلة الغريم بالتشاغل بالصلاة، وملازمته بالطواف والسعي، وحفظ المتاع بالقيام لصلاة الليل وأمثال ذلك، فالظاهر أن قصدها عندهم مفسدٌ أيضاً بالطريق الأولى.
وأمّا الذين لا يجعلون قصد الثواب مفسداً فقد اختلفوا في الإفساد بأمثال هذه الضمائم، فأكثرهم على عدمه، وبه قطع الشيخ في المبسوط(1)والمحقّق في المعتبر(2)والعلّامة في التحرير(3)والمنتهى(4)لأنها تحصل لامحالة، فلا يضرّ قصدها.
وفيه: أن لزوم حصولها لا يستلزم صحّة قصد حصولها. والمتأخّرون من أصحابنا حكموا بفساد العبادة بقصدها، وهو مذهب العلّامة في النهاية(5)والقواعد(6)وولده فخر المحقّقين في الشرح(7)وشيخنا الشهيد في البيان(8)لفوت الإخلاص. وهو الأصحّ.
واحتمل شيخنا الشهيد في قواعده(1)التفصيل بأنّ القربة إن كانت هي المقصودة بالذات والضميمة مقصودة تبعاً صحّت العبادة، وإن انعكس الأمر أو تساويا بطلت.
هذا واعلم إنّ الضميمة إن كانت راجحة ولاحظ القاصد رجحانها وجوباً أو ندباً كالحمية في الصوم لوجوب حفظ البدن والإعلام بالدخول في الصلاة للتعاون على البرّ، فينبغي أن لا يكون مضرّة، أي هي حينئذٍ مؤكّدة، وإنما الكلام في الضمائم الغير الملحوظة الرجحان، فصوم من ضمّ قصد الحمية مثلاً مستحبّاً كان الصوم أو واجباً، معيّناً كان الواجب أو غير معيّن، ولكن في النفس من صحّة غير المعيّن شيء، و عدمها محتمل، والله أعلم.
[ تعريف النيّة ورفع بعض الإشكالات ]
عرّف بعض فقهائنا رضوان الله عليهم النيّة بأنها إرادة إيجاد الفعل على الوجه المأمور به شرعاً. وأراد بالإرادة إرادة الفاعل، وبالفعل ما يعمّ توطين النفس على الترك، فخرجت إرادة الله سبحانه لأفعالنا ودخلت نيّة الصوم والإحرام وأمثالها، والجارّ متعلّق بالإرادة لا بالإيجاد، فخرج العزم. وهذا التعريف مذكور في قواعد الأحكام(2).
واعترض عليه شيخنا المحقّق الشيخ علي قدّس الله روحه بأنّ المأمور به إن أريد به الواجب لأنّ الأمر حقيقة في الوجوب، مجاز في غيره، انتقض التعريف في عكسه بخروج نيّة المندوب. وإن أريد به مطلق المطلوب فعله ولو على وجه الإباحة كالمطلوب في قوله تعالى: وَإِذَا
حللتم فاصطادوا الزم مع ارتكاب المجاز صدقه على إرادة إيجاد المباح كالاصطياد في الآية على الوجه المطلوب فيها. وفي عدّ ذلك نيّة عند الفقهاء بُعد(1)انتهى. وفيه نظر، فإنّ المأمور به ما ترجّح فعله شرعاً، فيدخل فيه المندوب، ويخرج المباح عند غير الكعبي.
وما يترأى من أنّ دخوله في المأمور به ينافي ماهو مختار المحقّقين من أنّ الأمر حقيقة في الوجوب مجاز في غيره فليس بشيء، لأنّ مرادهم بالأمر في قولهم «الأمر حقيقة في الوجوب» هو صيغة «افعل» وما بمعناها، لا لفظة «أمر» فإنّها عندهم للقدر المشترك بين الوجوب والندب، أعني مطلق الترجيح على ما يقتضيه حكمهم بأنّ المطلوب مأمور به حقيقة كما حكاه المحقّق العضدي في شرح المختصر.
وغاية ما يمكن أن يقال: إنّ اعتراض شيخنا طاب ثراه مبنيّ على الإغماض عن حكمهم بأنّ المندوب مأمور به حقيقة. وليس غرضه تزييف التعريف من أصله، بل هو بحث إلزامي مع العلّامة قدّس الله روحه، فإنّه و ان تردّد في النهاية(2)في أنّ المندوب مأمور به، لكنّه جزم في التهذيب(3)بأنّه غير مأمور به، والبحث معه بناءً على مذهبه في التهذيب، فتدبّر.
[ في بيان لزوم النيّة في العبادة ]
اشتهر الاستدلال بين أصحابنا رضوان الله عليهم على أنّه لابدّ في
العبادات من النيّة بقوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ(1).
وفي دلالة الآية الكريمة على ذلك نظر، لأنّ «الدين» فيها مفعول «مخلصين» وضمير «أمروا» يعود إلى أهل الكتابين، أي ما أمر اليهود والنصارى إلّا ليعبدوا الله مخلصين له العبوديّة غير مشركين به من سواه كعزير وعيسى عليهما السلام.
قال الشيخ الجليل أبو عليّ الطبرسي في تفسيره الموسوم بجوامع الجامع: وما أمروا في التوراة والإنجيل إلّا بالدين الحنيف، لكنّهم حرّفوا وبدّلوا(2)تفسير البيضاوي: ج 2 ص 570 في تفسير الآية (5) من سورة البيّنة.(3). ومثله قال في الكشّاف(4).
وقال في تفسيره الموسوم بمجمع البيان: «مخلصين له الدين» أي لا تخلطوا بعبادته عبادة ماسواه(5).
وقال البيضاوي: «مخلصين له الدين» أي لا يشركون به(5).
وقال الفاضل النيشابوري: استدلّ بالآية من قال أنّ الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والعمل، لأنّه سبحانه ذكر العبادة بالإخلاص وهو التوحيد ثمّ عطف عليه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثمّ أشار إلى المجموع بقوله: ذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ. و ردّ بالمنع من أنّ المشار إليه هو المجموع لم لا يجوز أن يكون إشارة إلى التوحيد فقط(6)إلى آخر ماقاله.
والحاصل أنّ الآية الكريمة إنّما دلّت على أمر أهل الكتابين بعبادة الله تعالى حال كونهم موحّدين غير مشركين، ولم تدلّ على أنّ النيّة لابدّ
منها في العبادات بشيء من الدلالات، بل غاية ما دلّت عليه أنَّ عبادة المشركين غير صحيحة، وأين هذا عن ذلك؟! فتدبّر(1).
ثمَّ الآية وإن كانت حكاية عن تكليف أهل الكتابين ولا يلزمنا ما كُلِّفوا به في كتابهم إلّا أنَّ قوله سبحانه في آخرها: وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ أي دين الملّة القيّمة يشعر بأنَّ الأمر المذكور ثابت في شرعنا أيضاً، فلذلك استدلَّ بها أصحابنا على ما استدلّوا.
[ في تركّب النيّة من التصوّر وقصد الفعل ]
لابدَّ في النيّة من القصد الى إيقاع الفعل، فمن تصوّر الفعل من دون قصد الى إيقاعه فهو غيره حقيقة، وقد يطلق على هذا التصوّر اسم النيّة(2)، كما قال الفقهاء: لو نوى المتوضّيء رفع حدثٍ والواقع غيره فإن كان غلطاً صحَّ وإن كان عمداً بطل، لأنَّه في صورة الغلط قاصد الى رفع حدثٍ في الجملة، وأمَّا في صورة العمد فلم يحصل منه قصد الى دفع الشيء، وإنَّما تصوّر رفع غير الواقع فيبطل وضوؤه على الأصحَّ، لأنَّه غيرنا في الحقيقة، بل هو لاعب.
1) في هامش (ع): وجهه أنَّه يمكن أن يُراد بعدم الشرك في العبادة قصد العابد بها التقرّب الى الله وحده، وهذا القصد نيّة. ولا يخفى أنَّ كلام المفسّرين يحتمل ما قلناه احتمالاً ظاهراً، ومع قيام الاحتمال يسقط الاستدلال. (منه رحمه الله).
2) الفقهاء رضوان الله عليهم كثيراً ما يطلقون على ما هو بصورة الشيء اسم ذلك الشيء، كقولهم فيما اختلط قتلى المسلمين بقتلى الكفّار أنَّه يجب الصلاة على الجميع ويفرد المصلّي المسلمين بالنيّة، إذ إفراد البعض بالنيّة لا صلاة على الكلَّ في الحقيقة، وإنَّما الموجود صورتها حينئذٍ. وكذا قولهم بوجوب الغسل على الذمّيّة الحائض تحت المسلم إذا طهرت من الحيض وقلنا بتوقّف الوطء على الغسل، فإنَّ الواقع منها صورة الغسل أيضاً كما قالوه. (منه رحمه الله).
قال العلّامة في بحث نيّة الوضوء من نهاية الإحكام: لا يجب التعرّض لنفي حدث معيّن، فإن نواه وكان هو الثابت صحّ إجماعاً، ولو كان غيره فإن كان غالطاً فالأقرب الصحّة لعدم اشتراط التعرّض لها فلا يضرّ الغلط فيها، وإن كان عامداً فالأقرب البطلان لتلاعبه بالطهارة(1). انتهى كلامه طاب ثراه.
فقوله «لتلاعبه بالطهارة» إشارة الى عدم حصول القصد.
وقال الرافعي في العزيز: إذا نوى رفع حدث النوم ولم ينم ولم ينم وبال، نظر فإن كان غالطاً صحَّ وضوؤه، وإن كان عامداً لم يصحَّ في أصحّ الوجهين، لأنَّه متلاعب بطهارته(2). انتهى كلامه.
فقد جعل الفقهاء الغالط ناوياً والعامد لاعباً، لأنَّ الغالط قاصد لرفع الحدث في الجملة والعامد غير قاصد وإنَّما حصل منه تصوّر وحديث نفس فقط، و لم يريدوا أنَّ العامد في الصورة المذكورة قاصد لرفع غير الواقع ليرد ما أورده بعض الأعلام عليهم في الرسالة الموسومة بالأنموذج حيث قال: إنَّ النيّة هي القصد، وقصد إزالة مالم يعتقد حصوله مستحيل من الحيوان فضلاً عن الإنسان، فلا يتصوّر منه غير حدوثه إلّا غلطاً، فالتقييد بالغلط غلط(3)الى آخر ماقاله، والله أعلم.
[ التوجيهات المختلفة لحديث «نيّة المؤمن خير من عمله» ]
قد تضّمن هذا الحديث تفضيل النيّة على العمل. ونقل الخاصّة والعامّة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: «نيّة المؤمن خير من
عمله»(1). وقد قيل فيه وجوه:
الأول: أنَّ المراد بنيَّة المؤمن اعتقاده الحقَّ. ولاريب أنَّه خير من أعماله، إذ ثمرته الخلود في الجنَّة، وعدمه يوجب الخلود في النار بخلاف العمل.
وبهذا يزول الإشكال فيما يروى في تتمَّة هذا الحديث من قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «ونيَّة الكافر شرٌّ من عمله».
الثاني: أنَّ المراد أنَّ النيَّة بدون العمل خير من العمل بدون النيَّة. وردَّ بأنَّ العمل بدون النيَّة لا خير فيه أصلاً. وحقيقة التفضيل تقتضي المشاركة ولو في الجملة.
الثالث: أنَّ المؤمن ينوي خيرات كثيرة لا يساعده الزمان على عملها، فكأنَّ الثواب المترتِّب على نيَّاته أكثر من الثواب المترتِّب على أعماله، وهذا الكلام ينسب الى ابن دريد اللغوي رحمه الله.
الرابع: أنَّ طبيعة النيَّة خير من طبيعة العمل، لأنَّه لا يترتَّب عليها عقاب أصلاً، بل إن كانت خير أُثيب عليها، وإن كانت شرَّاً كان وجودها كعدمها، بخلاف العمل فإنَّ مَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ(2)فصحَّ أنَّ النيَّة بهذا الاعتبار خير من العمل.
الخامس: أنَّ النيَّة من أعمال القلب، وهو أفضل من الجوارح، فعمله أفضل من عملها، ألا ترى الى قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(3)جعل سبحانه الصلاة وسيلة الى الذكر، والمقصود أشرف من الوسيلة، فأعمال القلب مستورة عن الخلق لا يتطرَّق إليها الرياء ونحوه بخلاف أعمال.
الجوارح.
السادس: أنَّ المراد أنَّ نيَّة بعض الأعمال الشاقَّة كالحجِّ والجهاد خير من بعض الأعمال الخفيفة كتلاوة آية والصدقة بدرهم مثلاً(1).
السابع: أنَّ لفظة «خير» ليست اسم تفضيل، بل المراد أنَّ نيَّة المؤمن عمل خير من جملة أعماله، و«من» تبعيضيَّة ونُقل هذا عن السَّيد المرتضى رضي الله عنه.
وبه يندفع التنافي بين هذا الحديث وبين ما يُروى عنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «أفضل الأعمال أحمزها»(2)و يزول الإشكال المشهور في قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «نيَّة الكافر شرٌّ من عمله»(3)فانَّ لفظة «شرّ» حينئذٍ كلفظة «خير» في عدم إرادة التفضيل.
ولا يخفى عدم جريان هذا الوجه في الحديث الذي نحن بصدد الكلام فيه.
الثامن: أنَّ المراد بالنيَّة تأثّر القلب عند العمل وإنقياده الى الطاعة و إقباله على الآخرة وانصرافه عن الدنيا، وذلك يشتدُّ بشغل الجوارح في الطاعات وكفِّها عن المعاصي، فإنَّ بين الجوارح والقلب علاقة شديدة يتأثّر كلُّ منهما بالآخر، كما إذا حصل للأعضاء آفة سرى أثرها الى القلب فاضطرب، وإذا تألَّم القلب بخوف مثلاً سرى أثره الى الجوارح فارتعدت، والقلب هو الأمير المطاع والجوارح كالرعايا والأتباع. والمقصود من أعمالها حصول ثمرة للقلب، فلا تظنَّ أنَّ في وضع الجبهة على الأرض
1) في هامش (ع): هذا الوجه مذكور في كلام بعض الأصحاب، ولا يخفى ضعفه. (منه رحمه الله).
2) النهاية لابن الأثير: ج 1 ص 440 مادة «حمز».
3) في هامش (ع): الإشكال المشهور أنَّه كيف يكون نيَّة الكافر شرَّاً من عمله مع ما ورد في الحديث من أنَّ ابن آدم إذا همَّ بالحسنة كُتبت له حسنة وإذا همَّ بالسيئة لم تكتب له شيء حتى يعمل. (منه رحمه الله).
غرضاً من حيث إنّه جمع بين الجبهة والأرض، بل من حيث إنّه بحكم العادة يؤكّد صفة التواضع في القلب، فإنّ من يجد في نفسه تواضعاً فإذا استعان بأعضائه وصوّرها بصورة التواضع تأكّد بذلك تواضعه، وأمّا من يسجد تغافلاً عن التواضع وهو مشغول القلب بأغراض الدنيا فلا يصل من وضع جبهته على الأرض أثر الى قلبه، بل سجوده كعدمه، نظراً الى الغرض منه، فكانت النيّة روح العمل وثمرته والمقصد الأصلي من التكليف به، فكانت أفضل. وهذا الوجه قريب من الوجه الخامس.
التاسع: أنّ النيّة ليست مجرّد قولك عند الصلاة أو الصوم أو التدريس: أصلّي أو أصوم أو أدرّس قربة الى الله ملاحظاً معاني هذه الألفاظ بخاطرك ومتصوّراً لها بقلبك.
هيهات إنّما هذا تحريك لسان وحديث نفس، وإنّما النيّة المعتبرة إنبعاث النفس وميلها وتوجّهها الى ما فيه غرضها ومطلبها إمّا عاجلاً وإمّا آجلاً. وهذا الإنبعاث والميل إذا لم يكن حاصلاً لها لا يمكنها اختراعه واكتسابه بمجرّد النطق بتلك الألفاظ وتصوّر تلك المعاني، وما ذلك إلّا كقول الشبعان: اشتهي الطعام وأميل اليه قاصداً حصول الميل والإشتهاء، وكقول الفارغ: اعشق فلاناً وأحبّه وأنقاد إليه وأطيعه، بل لا طريق الى اكتساب صرف القلب الى الشيء وميله إليه وإقباله عليه إلّا بتحصيل الأسباب الموجبة لذلك الميل والإنبعاث واجتناب الأمور المنافية لذلك المضادّة له، فإنّ النفس إنّما تنبعث الى الفعل وتقصده وتميل إليه تحصيلاً للغرض الملائم لها بحسب ما يغلب عليها من الصفات.
فإذا غلب على قلب المدرّس مثلاً حبّ الشهرة وإظهار الفضيلة وإقبال الطلبة عليه وانقيادهم إليه فلا يتمكّن من التدريس بنية التقرّب الى الله سبحانه بنشر العلم وإرشاد الجاهلين، بل لا يكون تدريسه إلّا لتحصيل تلك المقاصد الواهية والأغراض الفاسدة وإن قال بلسانه: أدرّس قربة الى.
الله، وتصوّر ذلك بقلبه، وأثبته في ضميره، وما دام لم يقلع تلك الصفات الذميمة من قلبه لاعبرة بنيّته أصلاً.
وكذا إذا كان قلبك عند الصلاة منهمكاً في أمور الدنيا والتهالك عليها والإنبعاث في طلبها فلا يتيسّر لك توجيهه بكليّته الى الصلاة و تحصيل الميل الصادق إليها والإقبال الحقيقي عليها، بل يكون دخولك فيها دخول متكلّف لها متبرّم بها، ويكون قولك «أصلّي قربة الى الله» كقول الشبعان «اشتهي الطعام» وقول الفارغ «أعشق فلاناً». والحاصل أنّه لا يحصل لك النيّة الكاملة المعتدّ بها في العبادات من دون ذلك الميل والإقبال وقمع ما يضادّه من الصوارف والأشغال، وهو لا يتيسّر إلّا إذا صرفت قلبك عن الأمور الدنيوية وطهّرت نفسك عن الصفات الذميمة الدنية وقطعت نظرك عن حظوظك العاجلة بالكلّية.
ومن هنا يظهر أنّ النيّة أشقّ من العمل بكثير، فيكون أفضل منه. وتبيّن لك أنّ قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أفضل الأعمال أحمزها» غير مناف لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «نيّة المؤمن خير من عمله» بل هو كالمؤكّد والمقرّر له، والله وليّ التوفيق.
«... قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من تاب قبل موته بسنة قبل الله توبته.
ثمّ قال: إنّ السنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر قبل الله توبته.
ثمّ قال: إنّ الشهر لكثير، من تاب قبل موته بجمعة قبل الله توبته.
ثمّ قال: إنّ الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بيوم قبل الله توبته.
ثمّ قال: إنّ يوماً لكثير، من تاب قبل أن يعاين قبل الله توبته».
(1) الكافي: ج 2 ص 440 ح 2.
وبالسند المتصل الى الشيخ الجليل عماد الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضّال، عمّن ذكره، عن الإمام أبي عبد الله محمد الصادق عليه السلام قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من تاب قبل موته بسنة قبل الله توبته.
ثمّ قال: إنّ السنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر قبل الله توبته.
ثمّ قال: إنّ الشهر لكثير، من تاب قبل موته بجمعة قبل الله توبته.
ثمّ قال: إنّ الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بيوم قبل الله توبته.
ثمّ قال: إنّ يوماً لكثير، من تاب قبل أن يعاين قبل الله توبته(1).
مالعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث.
1) الكافي: ج 2 ص 440 ح 2.
من تاب قبل موته بسنة: التوبة لغة: الرجوع. وتنسب الى العبد والى الله سبحانه. ومعناها على الأول: الرجوع عن المعصية الى الطاعة. وعلى الثاني: الرجوع عن العقوبة الى اللطف والتفضّل. وفي الاصطلاح: الندم على الذنب لكونه ذنباً. فخرج الندم على شرب الخمر مثلاً لإضراره بالجسم.
وقد يزاد: «مع العزم على ترك المعاودة أبداً» وأنَّ هذا الإعزام لازم لذلك الندم غير منفّك عنه.
والكلام الجامع في هذا الباب ماقاله بعض ذوي الألباب: إنَّ التوبة لا تحصل إلّا بحصول أُمور ثلاثة:
أوّلها: معرفة ضرر الذنوب وكونها حجاباً بين العبد ومحبوبه، وسموماً قاتلة لمن يباشرها. فإذا عرف ذلك وتيقّنه حصل من ذلك حالة ثانية هي التألّم لفوات المحبوب والتأسّف من فعل الذنوب. وهذا التألّم والتأسّف هو المعبّر عنه بالندم.
وإذا غلب هذا الألم حصل حالة ثالثة هي القصد الى أُمور ثلاثة لها تعلّق بالحال والاستقبال والمضي. فالمتعلّق بالحال هو ترك ماهو مقيم عليه من الذنوب. والمتعلّق بالاستقبال هو العزم على عدم العود اليها الى آخر العمر. والمتعلّق بالماضي تلافي مايمكن تلافيه من قضاء الفوائت والخروج من المظالم. فهذه الثلاثة أعني المعرفة والندم والقصد أُمور مترتّبة في الحصول.
وقد يطلق على مجموعها اسم التوبة. وكثيراً ما يُطلق على الثاني أعني الندم وحده، وتجعل المعرفة مقدّمة لها، وذلك القصد ثمرة متأخّرة عنها. وقد يُطلق على مجموع الندم والعزم.
هذا وقد عرّفها بعض أصحاب القلوب برجوع الآبق عن الجرم السابق.
وبعضهم: بإذابة الأحشاء لما سلف من الفحشاء.
وبعضهم: بأنّها خلع لباس الجفاء وبسط بساط الوفاء.
قبل الله توبته: المراد بقبول التوبة إسقاط العذاب المترتّب على الذنب الذي تاب منه، وسقوط العقاب بالتوبة ممّا أجمع عليه أهل الإسلام، وإنّما الخلاف في أنّه هل يجب على الله حتّى لو عاقب بعد التوبة كان ظلماً أو هو تفضّل بفعله سبحانه كرماً منه ورحمة بعباده؟(1)
المعتزلة على الأوّل، والأشاعرة على الثاني، وإليه ذهب الشيخ(2)أبو جعفر الطوسي قدّس الله روحه في كتاب الاقتصاد(3)والعلّامة جمال الملّة والدين رحمه الله في بعض كتبه الكلاميّة(4)وتوقّف المحقّق الطوسي طاب ثراه في التجريد(5). ومختار الشيخين هو الظاهر، ودليل الوجوب مدخول.
من تاب قبل أن يعاين: أي يرى ملك الموت كما روي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما. ويمكن أن يراد بالمعاينة علمه بحلول الموت وقطعه الطمع من الحياة وتيقّنه ذلك كأنّه يعاينه، وأن يُراد معاينة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأمير المؤمنين عليه السلام.
فقد روي في الكافي(6)وغيره أنّهما عليهما السلام يحضران عند
1) في هامش(ع): قال الشيخ أبو علي الطبرسي في تفسيره الموسوم بمجمع البيان في تفسير قوله تعالى في سورة المؤمن فاغفر للذين تابوا واتّبعوا سبيلك في هذه الآية دلالة على أن اسقاط العقاب عند التوبة تفضّل من الله تعالى، إذ لو كان واجباً لكان لا يحتاج فيه الى مسألتهم بل كان يفعله لا محالة، إنتهى كلامه. و فيه نظر إذ يحتمل أن يكون من قبيل قوله: ربّنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا و قد مرّ الكلام فيه في الحديث الثلاثين. (منه رحمه الله).
2) في (ع): الشيخ العارف.
3) الاقتصاد: ص 124.
4) كشف المراد: ص 424.
5) تجريد الاعتقاد: ص 308.
6) الكافي: ج 3 ص 128 باب ما يعاين المؤمن والكافر.
كلّ محتضر يبشّرانه بما يؤول إليه حاله من سعادة أو شقاوة، أو معاينة منزلته في الآخرة، كما روي عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: لن يخرج أحدكم من الدنيا حتّى يعلم أين مصيره، و حتّى يرى مقعده من الجنّة أو النار. وفي الكافي: عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام إذا حيل بينه وبين الكلام أتاه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ومن شاء الله، فجلس رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن يمينه والآخر عن شماله، فيقول له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أمّا ما كنت ترجو فهو ذا أمامك، وأمّا ما كنت تخاف فقد أمنت منه. ثمّ يُفتح له باباً الى الجنّة فيقول: هذا منزلك من الجنّة فإن شئت رددناك الى الدنيا ولك فيها ذهب وفضّة. فيقول: لا حاجة لي في الدنيا(1)الحديث. والمراد ب«من شاء الله» في قوله عليه السلام: «أتاه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ومن شاء الله»: أمير المؤمنين عليه السلام كما ورد التصريح بذلك في أحاديث متكثّرة. ولعلّ الإبهام في هذا الحديث وقع
للتقيّة.
[ في بيان وجوب فورية التوبة ]
لاريب في وجوب التوبة على الفور(2)
العقاب، وهذا كما لايخفى لايدلّ على وجوب التوبة عن الصغائر ممّن يجتنب الكبائر لأنّها
مكفّرة حينئذٍ، ولهذا ذهب الدهشية الى وجوبها عن الصغائر سمعاً لاعقلاً. نعم الاستدلال بأنّ
الندم على القبيح من مقتضيات العقل الصحيح يعمّ القسمين. وأمّا فورية الوجوب فقد صرّح
فإنّ الذنوب بمنزلة السمومالمضرّةِ بالبدن، وكما يجب على شارب السمّ المبادرة الى الاستفراغ تلافياً لبدنه المشرف على الهلاك كذلك يجب على صاحب الذنوب المبادرة الى تركها والتوبة منها تلافياً لدينه المشرف على التهافت والاضمحلال، و من أهمل المبادرة الى التوبة و سوّفها من وقت الى وقت فهو بين خطرين عظيمين إن سلم من واحد فلعله لا يسلم من الآخر:
أحدهما: أن يعاجله الأجل فلاينتبه من غفلته إلا وقد حضر الموت وفات وقت التدارك وانسدّت أبواب التلافي وجاء الوقت الذي أشار اليه سبحانه بقوله: و حيل بينهم و بين ما يشتهون(1)و صار يطلب المهلة والتأخير يوماً أو ساعة، فيقال له: لا مهلة كما قال سبحانه: من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربّ لولا أخّرتني الى أجل قريب(2).
قال بعض المفسّرين في تفسير هذه الآية: إنّ المحتضر يقول عند كشف الغطاء: ياملك الموت أخّرني يوماً أعتذر فيه الى ربّي وأتوب إليه وأتزود صالحاً. فيقول: فنيت الأيّام. فيقول: أخّرني ساعة. فيقول: فنيت الساعات. فيغلق عنه باب التوبة ويغرغر بروحه الى النار ويتجرّع غصّة اليأس وحسرة الندامة على تضييع العمر، وربّما اضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك الأهوال، نعوذ بالله من ذلك.
وثانيهما: ان تتراكم ظلمات المعاصي على قلبه الى أن تصير ريناً وطبعاً فلا تقبل المحو، فإنّ كلّ معصية يفعلها الإنسان تحصل منها ظلمة
في قلبه كما تحصل من نَفَسِ الإنسان ظلمة في المرآة، فإذا تراكمت ظلمة الذنوب صارت كما يصير بخار النفس عند تراكمه على المرآة صدأ ، فإذا تراكم الرين صار طبعاً فيطبع على قلبه كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم بعضه فوق بعض وطال مكثه وغاص في جرمها وأفسدها فصارت لاتقبل الصقل أبداً. وقد يعبّر عن هذا القلب بالقلب المنكوس والقلب الأسود.
روى الشيخ الجليل محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الكافي عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنّه قال: كان أبي يقول: ما من شيء أفسد للقلب من الخطيئة. إنّ القلب ليواقع الخطيئة فلاتزال به حتّى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله(1).
وروى في الكتاب المذكور أيضاً عن الإمام أبي جعفر محمد بن عليّ الباقر عليه السلام انّه قال: ما من عبد إلّا وفي قلبه نکتة بيضاء، فإذا أذنب ذنباً خرج في النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، و إن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتّى يغطّي البياض، فإذا غطّى البياض لم يرجع صاحبه الى خير أبداً، وهو قول الله عزّ وجلّ: كلّا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون(2).
وقوله عليه السلام: «لم يرجع صاحبه الى خير أبداً» يدلّ على أنّ صاحب هذا القلب لا يرجع عن المعاصي ولايتوب منها أبداً، ولو قال بلسانه: «تبت الى الله» يكون هذا القول مجرّد تحريك اللسان من دون موافقة القلب فلا أثر له أصلاً، كما أنّ قول القصّار «غسلت الثوب» لايصير الثوب نقياً من الأوساخ. وربّما يؤول حال صاحب هذا القلب الى عدم المبالات بأوامر الشريعة ونواهيها، فيسهل أمر الدين في نظره، ويزول وقع الأحكام الإلهية من قلبه، وينفر عن قبولها طبعه، وينجرّ ذلك الى
اختلال عقيدته وزوال إيمانه فيموت على غير الملَّة. و هو المعبَّر عنه بسوء الخاتمة. نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا.
[ في لزوم العزم على عدم العود الى الذنب في صحَّة التوبة ]
العزم على عدم العود الى الذنب فيما بقي من العمر لابدَّ منه في التوبة. وهل إمكان صدوره منه في بقيّة العمر شرط حتّى لو زنىٰ ثمّ جبّ و عزم علىٰ أن لا يعود الى الزنا على تقدير قدرته عليه لم تصحّ توبته، أم ليس بشرط فنصح؟ الأكثر على الثاني، بل نقل بعض المتكلِّمين إجماع السلف عليه.
وأولىٰ من هذا بصحَّة التوبة من تاب في مرض مخوف غلب علىٰ ظنّه الموت فيه.
أمَّا التوبة عند حضور الموت وتيقُّن الفوت - وهو المعبَّر عنه بالمعاينة - فقد انعقد الإجماع على عدم صحّتها، ونطق بذلك القرآن؛ قال سبحانه: وليسَتِ التوبةُ للّذين يَعملون السيِّئات حتّىٰ إذا حضرَ أحدهُم الموتُ قال إنّي تُبتُ الآن ولا الّذين يَموتون وهم كفّارٌ أولئِك أعتدْنا لهم عذاباً أليماً(1).
وفي الحديث: عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «إنَّ الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر»(2).
والغرغرة: تردّد الماء وغيره من الأجسام المائعة في الحلق. والمراد هنا تردّد الروح وقت النزع.
وقد روى محدِّثو الإمامية عن أئمَّة أهل البيت عليهم السلام أحاديث متكثّرة في أنَّه لا تقبل التوبة عند حضور الموت وظهور علاماته.
و مشاهدة أهواله(1).
وربَّما علل ذلك بأنَّ الإيمان برهاني، ومشاهدة تلك العلامات والأهوال في ذلك الوقت تصيِّر الأمر عياناً، فيسقط التكليف، كما أنَّ أهل الآخرة لمَّا صارت معارفهم ضرورية سقطت التكاليف عنهم.
قال بعض المفسِّرين: ومن لطف الله تعالى بالعباد أنَّ أمر قابض الأرواح الابتداء في نزعها من أصابع الرجلين ثمَّ تصعد شيئاً فشيئاً الى أن تصل الى الصدر ثمَّ تنتهي الى الحلق ليتمكَّن في هذه المهلة من الإقبال بالقلب على الله تعالى والوصية والتوبة مالم يعاين والاستحلال وذكر الله سبحانه فتخرج روحه وذكر الله على لسانه فيرجى بذلك حسن خاتمته، رزقنا الله ذلك بمنِّه وكرمه.
تنبيه(2)
[ في بيان التوبة النصوح ]
ورد في القرآن العزيز الأمر بالتوبة النصوح، قال سبحانه في سورة التحريم: يا أيُّها الذين آمنوا توبوا الى الله توبةً نصوحاً(3)وقد ذكر المفسِّرون في معنى التوبة النصوح وجوهاً:
منها: انَّ المراد توبة تنصح الناس أي تدعوهم الى أن يأتوا بمثلها لظهور آثارها الجميلة في صاحبها أو تنصح صاحبها فيقلع من الذنوب ثمَّ لا يعود إليها أبداً.
روى الشيخ الجليل محمد بن يعقوب في الكافي عن أبي الصباح الكناني أنَّه سأل أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن قول الله
عزَّ وجلَّ: يا أيُّها الذين آمنوا توبوا الى الله توبةً نصوحاً فقال عليه السلام: يتوب العبد عن الذنب ثمَّ لا يعود فيه(1).
ومنها: أنَّ النصوح ما كانت خاصّة لوجه الله سبحانه، من قولهم «عسل نصوح» إذا كان خالصاً من الشمع، بأن يندم على الذنوب لقبحها و كونها خلاف رضى الله سبحانه لا لخوف النار مثلاً.
وقد حكم المحقِّق الطوسي طاب ثراه في التجريد بأنَّ الندم على الذنوب خوفاً من الناس ليس توبة(2). وقد مرَّ في الحديث السابع والثلاثين ما ينتفع به في هذا المقام.
ومنها: أنَّ النصوح من النصاحة وهي الخياطة لأنَّها تنصح من الدين ما مزَّقته الذنوب أو تجمع بين التائب وبين أولياء الله وأحبّائه كما يجمع الخياط قِطَعَ الثوب.
ومنها: أنَّ النصوح وصف للتائب، و إسناده الى التوبة من قبيل الإسناد المجازي. أي توبة تنصحون بها أنفسكم بأن تأتوا بها على أكمل ما ينبغي أن تكون عليه حتّى تكون قالعة لآثار الذنوب من القلوب بالكلية، وذلك بإذابة النفس بالحسرات ومحو ظلمة السيّئات بنور الحسنات.
روى الشيخ أبو علي الطبرسي عند تفسير هذه الآية عن أمير المؤمنين عليه السلام: إنَّ التوبة تجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب الندامة، وللفرائض الإعادة، وردّ المظالم، واستحلال الخصوم، وأن تعزم على أن لا تعود، وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربّيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي(3).
وأورد السيّد الرضي في كتاب نهج البلاغة أنَّ قائلاً قال بحضرته
عليه السلام: استغفر الله. فقال عليه السلام: ثكلتك أُمّك أتَدري ما الاستغفار؟ إنَّ الاستغفار درجة العلّيّين، وهو اسم واقع على ستّة معان:
أوّلها: الندم على مامضى.
الثاني: العزم على ترك العود إليه أبداً.
الثالث: أن تؤدّي الى المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى الله سبحانه أملس ليس عليك تبعة.
الرابع: أن تعمد الى كلّ فريضة عليك ضيّعتها فتؤدّي حقّها.
الخامس: أن تعمد الى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتّى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد.
السادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية(1).
وفي كلام بعض الأكابر أنَّه كما لا يكفي في جلاء المرآة قطع الأنفاس والأبخرة المسوّدة لوجهها، بل لابدَّ من تصقيلها وإزالة ما حصل في جرمها من السواد، كذلك لا يكفي في جلاء القلب من ظلمات المعاصي وكدوراتها مجرَّد تركها وعدم العود إليها، بل محو آثار تلك الظلمات بأنوار الطاعات، فإنَّه كما يرتفع الى القلب من كلِّ معصية ظلمة وكدورة كذلك يرتفع إليه من كلِّ طاعة نور وضياء. والأولى محو ظلمة كلِّ معصية بنور طاعة تضادّها بأن ينظر التائب الى سيّئاته مفصّلة ويطلب لكلِّ سيّئة منها حسنة تقابلها، فيأتي بتلك الحسنة على قدر ما أتى بتلك السيّئة، فيكفِّر استماع الملاهي مثلاً باستماع القرآن والحديث والمسائل الدينية، و يكفِّر مسَّ خطِّ المصحف محدثاً بإكرامه وكثرة تقبيله و تلاوته، و يكفِّر المكث في المساجد جنباً بالاعتكاف فيه وكثرة التعبُّد في زواياه و أمثال ذلك.
1) نهج البلاغة: ص 549 حكمة رقم (417) صبحي الصالح.
و أمَّا في حقوق الناس فيخرج من مظالمهم أوَّلاً بردِّها عليهم والاستحلال منهم، ثمَّ يقابل إيذاءه لهم بالإحسان إليهم، وغصب أموالهم بالتصدّق بماله الحلال، وغيبتهم بالثناء على أهل الدين وإشاعة أوصافهم الحميدة.
وعلى هذا القياس يمحو كلَّ سيّئة من حقوق الله أو حقوق الناس بحسنة تقابلها من جنسها كما يعالج الطبيب الأمراض بأضدادها. فنسأل الله سبحانه أن يوفّقنا لذلك بمنِّه وكرمه.
[ استحباب الغسل بعد الفراغ من التوبة ]
اشتهر بين أصحابنا رضوان الله عليهم استحباب غسل التوبة بعدها، سواء كانت عن كفر أو فسق.
ومستند الأوَّل ما روي عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنَّه أمر ثمامة الحنفي وقيس بن عاصم لمَّا أسلما بالغسل(1).
ومستند الثاني ما رواه الشيخ في تهذيب الأخبار عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق أنَّ رجلاً جاء اليه فقال له: إنَّ لي جيراناً وله جوارٍ يتغنّين بالعود، فربّما دخلت المخرج فاطيل الجلوس استماعاً منّي لهنَّ.
فقال عليه السلام: لا تفعل.
فقال: والله ماهو شيء آتيه برجلي إنَّما هو استماع أسمعه بأذني.
قال الصادق عليه السلام: تالله أنت أما سمعت الله يقول: إنَّ السمع والبصر والفؤاد كلُّ اولئك كان عنه مسؤولاً؟
فقال الرجل: كأنّي لم أسمع بهذه الآية من كتاب الله عزَّوجلَّ من
1) ذكرى الشيعة: ص 24.
عربي ولاعجمي، لاجرم إنّي قد تركتها، وإنّي استغفر الله.
فقال له الصادق عليه السلام: فاغتسل وصلِّ مابدا لك فلقد كنت مقيماً على أمر عظيم، ماكان أسوأ حالك لو متَّ على ذلك! استغفرالله وسله التوبة من كلِّ مايكره فإنَّه لايكره إلَّا القبيح، والقبيح دعه لأهله فإنَّ لكلٍّ أهلاً(1).
وهذا الخبر رواه الشيخ مرسلاً ولم أظفر به مستنداً في شيء من كتب الحديث التي اطَّلعتُ عليها، ولكن إرساله غير مضرّ فيما هو المقصود، بناءً على ماتقدّم في الحديث الحادي والثلاثين.
ولا يخفى أنَّه كما تضمنّ الأمر بالفعل تضمنّ الأمر بالصلاة أيضاً. ولم يتعرّض أكثر فقهائنا رضوان الله عليهم إلَّا للغسل.
هذا واعلم أنَّ أكثر علمائنا أطلق استحباب الغسل للتوبة سواء كانت عن الصغائر أو الكبائر. وفي كلام المفيد طاب ثراه أنَّه يستحبّ للتوبة عن الكبائر(2).
واعترضه شيخنا المحقّق الشيخ علي قدّس الله روحه بأنَّ الخبر يدفعه(3). وتوضيحه: أنَّ الخبر صريح في أنَّ توبة ذلك الرجل كانت من استماع الغناء من تلك الجواري، وليس استماع الغناء من الكبائر.
ويخطر بالبال أنَّ هذا الكلام غير وارد على المفيد رحمه الله، لأنَّ في الخبر دلالة على أنَّ ذلك الرجل كان مصرّاً على الاستماع كما يظهر من قوله: «ربّما دخلت المخرج فأطيل الجلوس استماعاً لهنَّ» فإنَّ «ربَّ» تأتي في الأغلب للتكثير كما صرّح به في مغني اللبيب(4)بل ذكر الشيخ الرضي رحمه الله: إنَّ التكثير صار لها كالمعنى الحقيقي والتقليل كالمعنى
المجازي المحتاج الى القرينة(1).
وقد صرّح شيخنا الشهيد طاب ثراه في قواعده بأنَّ الإصرار يحصل بالإكثار من الصغائر بلاتوبة. ولاريب أنَّ الإصرار على الصغيرة كبيرة(2).
وقول الصادق عليه السلام: «لقد كنت مقيماً على أمر عظيم، ماكان أسوأ حالك لومتَّ على ذلك» يُشعر بما قلناه.
على أنَّ المنقول عن المفيد طاب ثراه(3)القول بأنَّ الذنوب كلّها كبائر لاشتراكها في الخروج عن طاعة الله سبحانه كما ورد في الحديث: «لاتنظر الى مافعلت وانظر الى مَن عصيت». و أنَّه ربّما يطلق الكبير والصغير على الذنب بالإضافة الى ماتحته ومافوقه كتقبيل الأجنبية بالنسبة الى النظر والوطيء على مامرّ تفصيله في الحديث الثلاثين.
و لا ريب أنَّ ما صدر عن ذلك الرجل كان معصية لثلاثة أنواع من المعاصي: استماع صوت الأجنبيات، وصوت العود، والغناء، فهي كبيرة نظراً الى كلِّ منها، بل استماع غنائهنَّ كبيرة نظراً الى استماع صوتهنَّ.
هذا وبما ذكرناه في هذا المقام يندفع أيضاً ما أورده شيخنا الشهيد الثاني طاب ثراه(4)على من قيّد التوبة المستحبّ لها الغسل بما كانت عن كفر أو فسق من لزوم عدم استحباب الغسل للتوبة عن الصغيرة النادرة، فإنَّها ليست فسقاً لعدم إخلالها بالعدالة مع شمول النصّ لغسل التوبة منها.
[ في وجوب إتيان حقوق الله وحقوق الناس بعد التوبة ]
الذنب ان لم يستتبع أمراً آخر يلزم الإتيان به شرعاً كلبس الحرير مثلاً كفى الندم عليه والعزم على عدم العود إليه، ولايجب شيء آخر سوى ذلك. و إن استتبع أمراً آخر من حقوق الله أو حقوق الناس، مالي أو غير مالي، وجب مع التوبة الإتيان به، وربّما كان المكلّف مخيّراً بين الإتيان بذلك الأمر وبين الاكتفاء بالتوبة من الذنب المستتبع له.
فحقوق الله المالية كالعنق في الكفّارة مثلاً يجب الإتيان بها مع القدرة. وغير المالية إن كان غير حدٍّ كقضاء الفوائت وصوم الكفّارة فكذلك.
وإن كان حدّاً فالمكلّف مخيّر إن شاء أقرّ بالذنب عند الحاكم ليُقام عليه و إن شاء ستره واكتفى بالتوبة منه، فلاحدَّ عليه، إن تاب قبل قيام البيّنة به عند الحاكم.(1)
وأمَّا حقوق الناس المالية فيجب تبرئة الذمّة منها بقدر الإمكان، فإن مَّات صاحب الحقّ فورثته في كلِّ طبقة قائمون مقامه، فمتى دفعه إليهم هو أو ورثته أو أجنبي متبرّع برئت ذمّته، وإن بقي الى يوم القيامة فلفقهائنا رضوان الله عليهم في مستحقّه وجوه:
الأوّل: أنَّه لصاحبه الأوّل.
الثاني: أنَّه لآخر وارث ولو بالعموم كالإمام.
الثالث: أنَّه ينتقل الى الله سبحانه.
والأوّل هو الأصحّ، وقد دلّت عليه الرواية الصحيحة عن الصادق عليه السلام(1).
وأمَّا حقوقهم الغير المالية فإن كان إضلالاً وجب الإرشاد.
1) هذه الرواية رواها عمر بن يزيد عن الصادق عليه السلام قال: إذا كان للرجل على الرجل دين فمطله حتّى مات، ثمّ صالح ورثته على شيء، فالذي أخذ الورثة لهم وما بقي فهو للميّت يستوفيه منه في الآخرة. و إن لم يصالحهم على شيء حتّى مات ولم يقض عنه فهو للميّت يأخذه منه (منه رحمه الله).
وإن كان قصاصاً وجب إعلام المستحقّ له وتمكينه من استيفائه فيقول له: أنا الذي قتلت أباك مثلاً فإن شئت فاقتصّ منّي و إن شئت فاعف عنّي.
و إن كان حقّاً كما في القذف فإن كان المستحقّ له عالماً بصدور ما يوجبه وجب التمكين أيضاً، و إن كان جاهلاً به فهل يجب إعلامه به؟ وجهان: من كونه حقّ آدمي فلايسقط إلَّا بإسقاطه، ومن كون الإعلام تحديداً للأذى وتنبيهاً على مايوجب البغضاء. و مثل هذا يجري في الغيبة أيضاً، وكلام المحقّق الطوسي(1)وتلميذه العلّامة طاب ثراهما(2) يعطي عدم وجوب الإعلام بها.
واعلم إنَّ الإتيان بما يستتبعه الذنوب من قضاء الفوائت وأداء الحقوق والتمكين من القصاص والحدّ ونحو ذلك ليس شرطاً في صحّة التوبة، بل هذه واجبات برأسها والتوبة صحيحة بدونها، وبها تصير أكمل وأتمّ.
وأمَّا التوبة المبعّضة والمؤقتة والمجملة فمختلف فيها. والأصحّ صحّة المبعّضة وإلَّا لما صحّت عن الكفر مع الإصرار على صغيرة.
وأمَّا المؤقتة كأن يتوب عن الذنب سنة فاشتراط العزم على عدم العود أبداً يقتضي بطلانها.
وأمَّا المجملة كأن يتوب عن الذنوب على الإجمال من دون تفصيلها وهو ذاکر للتفصيل فقد توقّف فيها المحقّق الطوسي(2). والقول بصحتها غير بعيد، إذ لادليل على اشتراط التفصيل. والله أعلم بالصواب.
تجسّم المال والأولاد والأعمال*
للإنسان حين الموت *
«... قال أميرالمؤمنين علي عليه السلام: إنَّ ابن آدم إذا كان في آخر يوم من أيَّام الدنيا وأوَّل يوم من أيَّام الآخرة مُثِّل له ماله و ولده و عمله.
فيلتفت الى ماله فيقول: والله إنّي كنت عليك حريصاً شحيحاً فمالي عندك؟ فيقول: خذ منّي كفنك.
قال: فيلتفت الى ولده فيقول: والله إنّي كنت لكم محبّاً و إنّي كنت عليكم محامياً فمالي عندكم؟ فيقولون: نؤدّيك الى حفرتك فنواريك فيها.
قال: فيلتفت الى عمله فيقول: والله إنّي كنت فيك لزاهداً و إن كنت عليَّ لثقيلاً فما عندك؟ فيقول: أنا قرينك في قبرك ويوم نشرك حتَّى اعرض أنا و أنت على ربِّك...».
الكافي: ج 3 ص 231 - 232 ح 1.
وبالسند المتصل الى الشيخ الجليل عماد الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، عن عليِّ بن ابراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان وعدَّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر والحسن بن عليِّ جميعاً، عن أبي جميلة مفضَّل بن صالح، عن جابر، عن عبد الأعلى و عليِّ بن ابراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن ابراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غَفَلة قال:
قال أميرالمؤمنين علي عليه السلام: إنَّ ابن آدم إذا كان في آخر يوم من أيَّام الدنيا وأوَّل يوم من أيَّام الآخرة مُثِّل له ماله و ولده و عمله.
فيلتفت الى ماله فيقول: والله إنّي كنت عليك حريصاً شحيحاً فمالي عندك؟ فيقول: خذ منّي كفنك.
قال: فيلتفت الى ولده فيقول: والله إنّي كنت لكم محبّاً و إنّي كنت عليكم محامياً فمالي عندكم؟ فيقولون: نؤدّيك الى حفرتك فنواريك فيها.
قال: فيلتفت الى عمله فيقول: والله إنّي كنت فيك لزاهداً و إن كنت عليَّ لثقيلاً فما عندك؟ فيقول: أنا قرينك في قبرك و يوم نشرك حتَّى
أعرض أنا و أنت على ربِّك.
قال: فإن كان لله وليّاً أتاه أطيب الناس ريحاً وأحسنهم منظراً وأحسنهم رياشاً فقال: أبشر بروح و ريحان وجنَّة نعيم و مقدمك خير مقدم. فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح إرتَحِلْ من الدنيا الى الجنَّة. وأنه ليعرف غاسله و يناشد حامله أن يعجّله.
فإذا دخل قبره أتاه ملكا القبر يجرّان أشعارهما و يخدّان الأرض بأقدامهما كالرعد القاصف، و أبصارهما كالبرق الخاطف، فيقولان له: مَن ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟
فيقول: الله ربِّي، وديني الإسلام، ونبيِّي محمد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.
فيقولان: ثبّتك الله فيما تحبّ و ترضى. وهو قول الله عزَّوجلَّ: يُثَبِّت اللهُ الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ثمَّ يفسحان له في قبره مدَّ بصره، ثمَّ يفتحان له باباً الى الجنَّة، ثمَّ يقولان: نم قرير العين نوم الشاب الناعم، فإنَّ الله عزَّوجلَّ يقول: أصحاب الجنَّة يومئذٍ خير مستقرّاً وأحسن مقيلاً.
قال: و إذا كان لربِّه عدوّاً فإنَّه يأتيه أقبح من خلق الله زيّاً وأنتنه ريحاً، فيقول [له]: ابشر بِنُزُل من حميم و تصلية جحيم. وإنَّه ليعرف غاسله و يناشد حملته أن يحبسوه.
فإذا دخل القبر أتاه ممتحنا القبر فألقيا [عنه] أكفانه. ثمّ يقولان له: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟ فيقول: لا أدري.
فيقولان: لا دريت ولا هديت، فيضربان يافوخه بمرزبة معهما ضربة ماخلق الله عزَّوجلَّ من دابة إلَّا تذعر لها ماخلا الثقلين. ثمّ يفتحان له باباً الى النار، ثمّ يقولان له: نم بشرّ حال. ويسلِّط الله عليه حيّات الأرض وعقاربها وهوامها فتنهشه حتَّى يبعثه الله من قبره(1).
ما لعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
مَثَّل له ماله وولده وعمله: «مُثِّلَ» بالبناء للمفعول وتشدديد الثاء المثلثة، أي صوِّر له كلّ من الثلاثة بصورة مثالية يخاطبها وتخاطبه. ويجوز أن يُراد بالتمثيل خطور هذه الثلاثة بالبال وحضور صورها في الخيال، و حينئذٍ تكون المخاطبة بلسان الحال الذي هو أفصح من لسان المقال.
إنّي كنت حريصاً شحيحاً: الشحّ بتثليث أوّله: البخل مع الحرص.
نؤدّيك: بالهمزة أي نوصلك.
إنّي كنت فيك لزاهد: الزهد في الشيء ضدّ الرغبة فيه. وماضيه مثلّث العين.
وأحسنهم رياشاً: بكسر الراء المهملة وبعدها ياء مثنّاة تحتانية و بعد الألف شين معجمة: اللباس الفاخر.
1) الكافي: ج 3 ص 231 - 232 ح 1.
ابشر بروح و ريحان وجنّة نعيم: الروح بفتح أوّله: الراحة، و بضمّه: الرحمة أو الحياة الدائمة. وقد قُرِىءَ بالوجهين في قوله تعالى: فأمّا إن كان من المقرّبين* فروح وريحان وجنّة نعيم(1).
و روى في الكشّاف قراءة بالضمّ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(2).
و رواها في مجمع البيان عن الإمام محمد بن عليّ الباقر عليه السلام أيضاً، و فسّر الريحان في الآية بالرزق الطيّب(3).
ونقل الشيخ أبو علي الطبرسي عن بعضهم أنّه الريحان المشموم يؤتى به عند الموت من الجنّة فيشمّه(4).
فيقول أنا عملك الصالح: روى في الكافي في حديث آخر عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: «فيقول: أنا رأيك الحسن الذي كنت عليه و عملك الصالح الذي كنت تعمله »(4)و هذا صريح في تجسيم الاعتقاد أيضاً في تلك النشأة. ارتحل: بصيغة فعل الأمر. وانه ليعرف غاسله: هنا فعل مقدّر يدلّ عليه السياق، والواو حالية، والتقدير: فيرتحل والحال أنّه ليعرف غاسله. ويُحتمل أن تكون عاطفة على أتاه فلا تقدير. و يناشد حامله: في الصحاح: نشدت فلاناً: إذا قلت: نشدتك الله، أي سألتك بالله(5).
يخدّان الأرض: بالخاء المعجمة المضمومة والدال المهملة المشدّدة. أي يشقّانها. والرعد القاصف: الشديد الصوت. ومن نبيّك: في كثير من أحاديثنا المرويّة في الكافي وغيره أنّه يُسأل عن إمامه أيضاً(1). ولعلّ مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام لم يذكر ذلك اكتفاء بشهرته وهضماً لنفسه المقدّسة سلام الله عليه. وروى أصحابنا: إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لمّا دفن فاطمة بنت أسد رضي الله عنها لقّنها وقال لها: ابنك ابنك(2).
فيما تحبّ وترضى: على صيغة الغائب أو المخاطب. وهو قول الله عزّوجلّ: يجوز عود الضمير لقول الملكين: «ثبّتك الله... الى آخره» والمضاف محذوف، والتقدير: هو مدلول قول الله عزّوجلّ. والأولى عوده الى تثبيت المؤمن على ما يجيب به الملكين، كما يدلّ عليه ماروي عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه ذكر قبض روح المؤمن فقال: ثمّ تُعاد روحه في جسده و يأتيه ملكان فيجلسان في قبره، و يقولان له: مَن ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟ فيقول: ربّي الله، وديني الإسلام، و نبيّي محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي. فذلك قوله تعالى: يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت(3). وما روي عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّ المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله. فذلك قول الله تعالى: يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت(4).
ثمّ يفسحان في قبره مدّ بصره: فُسح له يفسح بالفتح: أي وسع له. والفسحة بالضمّ: السعة. والمراد بمدّ البصر مداه وغايته التي ينتهي إليها. ولامنافاة بين هذا وبين ماروي عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: «يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين»(1)وما رواه في الكافي عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام «يفسح له في قبره سبعة أذرع»(2)لاختلاف الفسحة باختلاف الدرجات، فلعلّ فسحة الأدنى سبعة أذرع، والأوسط سبعون، والأعلى مدّ البصر.
ثمّ يفتحان له باباً الى الجنّة: فلا يزال يأتيه من روحها وطيبها الى يوم القيامة، كذا في أحاديث أخر مرويّة في الكافي(3)وغيره(4). ثمّ يقولان نم قرير العين: قرّة العين: برودتها وانقطاع بكائها و رؤيتها ما كانت مشتاقة إليه، والقُرّ بالضمّ: ضدّ الحرّ. والعرب تزعم أنّ دمع الباكي من شدّة السرور بارد، ودمع الباكي من الحزن حارّ، فقرّة العين كناية عن الفرح والسرور والظفر بالمطلوب يقال: قرّت عينه تقرّه بالفتح والكسر قرّة بالفتح والضمّ. نوم الشاب الناعم: من النعمة بالكسر، وهي ما يتنعم به من مال و نحوه، أو بالفتح و هي نفس التنّعم. و لعلّ الثاني أولى، فقد قيل: كم ذي نعمة لانعمة له. فإنّ الله عزّوجلّ يقول: هذا الكلام يحتمل أن يكون من كلام الإمام عليه السلام ويكون كالمؤيّد لما تضمنّه الكلام السابق من الفُسحة
وفتح الباب الى الجنّة ونومه قرير العين، وأن يكون من مقول قول الملكين.
أصحاب الجنّة يومئذٍ خير مستقرّاً وأحسن مقيلاً: المراد اليوم المذكور في قوله سبحانه قيل هذه الآية: يوم يرون الملائكة لابشرى يومئذٍ للمجرمين ويقولون حجراً محجوراً(1). و هذا الحديث يدلّ على أنّ المراد بذلك اليوم يوم الموت، و بالملائكة: ملائكة الموت. و هو قول كثير من المفسّرين. و فسّر بعضهم ذلك اليوم بيوم القيامة والملائكة بملائكة النار.
والمراد بالمستقرّ: المكان الذي يستقرّ فيه. وبالمقيل: مكان الاستراحة، مأخوذ من مكان القيلولة.
ويحتمل أن يُراد بأحدهما الزمان أي مكانهم و زمانهم أطيب ما يتخيّل من الأمكنة والأزمان، ويحتمل المصدرية فيهما أو في أحدهما.
و إذا كان لربّه عدوّاً: الظاهر أنّ المراد به مايشتمل الكافر والفاسق المتمادي في فسقه. وقد روي في الكافي عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام بطرق عديدة لا يخلو بعضها من اعتبار أنّه «لايُسأل في القبر إلّا من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً»(2).
أقبح من خلق الله زيّاً: في الكافي في حديث آخر عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: «فيقول له: ياعبدالله مَن أنت؟ فما رأيت شيئاً أقبح منك! فيقول: أنا عملك السيء الذي كنت تعمله و رأيك الخبيث»(3). والزيّ بكسر الزاي المعجمة وتشديد الياء: الهيئة.
أبشر بنزل من حميم وتصلية جحيم: البشارة هنا على سبيل التهكّم كقوله تعالى: فبشّرهم بعذاب أليم(1). والنزل بضمّتين: ما يعدّ للضيف النازل على الشخص من الطعام والشراب. وفيه تهكّم أيضاً.
والحميم: الماء الشديد الحرارة يُسقى منه أهل النار أو يصبّ على أبدانهم. والأنسب بالنزل السقي.
والتصلية: التلويح على النار.
أتاه ممتحنا القبر: إضافة اسم الفاعل إمّا الى معموله على حذف المضاف أي ممتحنا صاحب القبر، أو الى غير معموله كمصارع مصر، وهذا أولى. وقد تظافرت الأحاديث بتسمية هذين الملكين منكراً ونكيراً.
و أنكر بعض أهل الإسلام تسميتهما بهذين الاسمين، و قالوا: إنّ المنكر هو ما يصدر عن الكافر من التلجلج عند سؤالهما. والنكير هو مايصدر عنهما من التقريع له، فليس للمؤمن منكر ولانكير عند هؤلاء، والأحاديث المتكثّرة في خلافهم.
فألقيا أكفانه: تخصيص إلقاء الأكفان بعدوّ الله ظاهر لما فيه من الشناعة المناسبة بحاله. فيضربان يافوخه بمرزبة معهما ضربة ماخلق الله عزّوجلّ من دابّة إلّا تذعر لها ما خلا الثقلين: اليافوخ بالياء المثناة من تحت وبعد الألف فاء ثمّ واو و آخره خاء معجمة: هو الموضع الذي يتحرّك من رأس الطفل إذا كان قريب عهد بالولادة، وجمعه يآفيخ كمصابيح. والمرزبة بالراء المهملة والزاء المعجمة والباء الموحّدة : عصاة
1) التوبة: 34.
من حديد.
وفي الصحاح: الأُرزَبَّة التي يكسر بها المدر، فإن قلتها بالميم خففت فقلت المرزبة(1)إنتهى .
وقال القاضي البيضاوي في شرح المصابيح: إنّ المحدّثين يشدّدون الباء من المرزبة. والصواب تخفيفه. و إنّما تُشدّد الباء إذا أُبدلت الميم همزة. إنتهى.
ولكن كلام صاحب القاموس(2)صريح في مجيء التشديد في مرزبة أيضاً، ولم يتعرّض فيه لما ذكره الجوهري.
و تذعر بالذال المعجمة والعين المهملة: أي تفزع.
و إنّما سُمّي الإنس والجنّ بالثقلين لعظم شأنهما بالنسبة الى ما في الأرض من الحيوانات. والعرب تطلق على ماله نفاسة وشأن اسم الثقل.
قال في القاموس: ومنه الحديث: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي»(3).
وقيل: سمّيا بذلك لرزانة آرائهما.
وقيل: لأنّهما مثقلان بالتكاليف.
هذا ولعلّ الحكمة في عدم سماع الثقلين ذلك بأنّهم لو سمعوه لصار الإيمان ضرورياً فيرتفع التكليف. وقد ورد أحاديث متكثّرة من طرق الخاصّة والعامّة أنّ الحيوانات العجم تسمع صوت عذاب الميّت في القبر، فعن الإمام أبي جعفر محمد بن عليّ الباقر عليه السلام قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إنّي كنت لأنظر الى الإبل والغنم وأنا أرعاها -وليس من نبيّ إلّا وقد رعى الغنم- فكنت أنظر إليها وهي ممتلئة
في المكينة ما حولها شيء يهيّجها حتّى تذعر فتطير. فأقول: ماهذا؟ و أعجب، حتّى جاءني جبرئيل فقال: إنّ الكافر يضرب بضربة ماخلق الله شيئاً إلّا سمعها ويذعر لها إلّا الثقلين. رواه في الكافي(1).
و عن زيد بن ثابت قال: بينا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في حائط بني النجار على بغلة ونحن معه إذ حادت به فكادت تُلقيه، و إذْ أقْبُرُ ستّة أو خمسة. فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: من يعرف أصحاب هذه الأقْبُر؟ قال رجل: أنا. قال: فمتى ماتوا؟ قال: في الشرك. فقال: إنّ هذه الأمّة تبتلى في قبورها، فلولا أن لاتدافنوا لدعوت الله أن يُسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه(2)، الحديث(3)
وقيل: المراد أنّهم لو سمعوا ذلك لكانوا يهربون عن كلّ ميّت لعدم طاقتهم سماع عذابه، فلا يدفنونه، إذ العذاب يحصل لأهله عقيب الموت بغير فاصلة.
وقيل: المراد أنّهم كانوا لايؤتون المقابر من أصوات عذاب الأموات.
وفيه: هذا لايقتضي ترك التدافن مطلقاً إنّما يقتضي تركه بين المقابر والحديث مطلق.
وقيل: المراد أنّهم لو سمعوا ذلك لحملهم سماعه على عدم التدافن لخوف الفضيحة في أقاربهم وعشائرهم فانّ زيارة القبور كانت متعارفة بينهم، وسماع صوت القريب يوجب فضيحة قريبة. (منه رحمه الله).
.و يسّلط الله عليه حيّات الأرض: روي في الكافي عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: إنّ الله يسّلط عليه تسعة و تسعين تنّيناً لو أنّ واحداً منها نفخ على الأرض ما أنبتت شجراً أبداً(4).
1) الكافي: ج 3 ص 233 ح 1.
2) صحيح مسلم: ج 8 ص 160 كتاب الجنّة والنار.
3) قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «فلو لا أن لاتدافنوا... الى آخره» قد اختلف المحدثّون في المراد بهذا الحديث. فقيل المراد أنّهم لو سمعوا ذلك لم يدفنوا الميّت ليسلم من عذاب القبر. وفيه أنّ المؤمن ينبغي أن يعتقد حصول العذاب لأهله ولو في حواصل الطيور وبطون السباع والحيتان فلايمنع منه ترك التدافن.
4) الكافي: ج 3 ص 237 ح 7.
و روى الجمهور أيضاً هذا المضمون بهذا العدد الخاصّ عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.
قال بعض أصحاب الحال: ولاينبغي أن يُتعجّب من التخصيص بهذا العدد، فلعلّ عدد هذه الحيّات بقدر عدد الصفات المذمومة من الكبر والرياء والحسد والحقد وسائر الأخلاق والملكات الردية فإنّها تتشعب و تتنوع أنواعاً كثيرة، وهي بعينها تنقلب حيّات في تلك النشأة. إنتهى كلامه.
ولبعض أصحاب الحديث في نكتة التخصيص بهذا العدد وجه ظاهري إقناعي محصّله: أنّه قد ورد في الحديث: «إنّ الله تعالى تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنّة»(1)و معنى أحصاها: الإذعان باتّصافه عزّوجلّ بكلّ منها.
و روي أيضاً عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: «إنّ لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجنّ والإنس والبهائم، و أخّر تسعة و تسعين رحمة يرحم بها عباده»(2)فتبيّن من الحديث الأوّل أنّه سبحانه بيّن لعباده معالم معرفته بهذه الأسماء التسعة والتسعين، ومن الحديث الثاني أنّ لهم عنده في النشأة الأخروية تسعة وتسعين رحمة.. وحيث إنّ الكافر لم يعرف الله سبحانه بشيء من تلك الأسماء جعل له في مقابل كلّ اسم و رحمة تنين ينهشه في قبره. هذا حاصل كلامه. و هو كما ترى.
[ في أنّ عذاب القبر مرتبط بعالم الملكوت لاعالم المشاهدة ]
لعلّك تقول: إنّا قد نقيم عند القبر بعد دفن الميت فلأنسمع شيئاً من ذلك السؤال والجواب والخطاب والعتاب، وربّما نكشف عن الميّت فنراه
في القبر على حاله الذي تركناه عليه ولانرى معه شيئاً من تلك الحيّات والعقارب، فكيف يمكن التصديق بما يخالف المشاهدة؟
فاعلم انّ عدم سماعك ومشاهدتك شيئاً من ذلك في عالم الملك لايمنع من التصديق به، فإنّ هذه الأمور من عالم الملكوت وهذه الأذن والعين لايصلحان لسماع الأمور الملكوتية ومشاهدتها، بل إنّما تُدرَك تلك الأمور بجنس آخر من الحواس. أما ترى الصحابة كانوا يؤمنون بنزول جبرئيل عليه السلام على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم و يذعنون بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يشاهده و هو يخاطبه و هم لايشاهدونه ولايسمعون خطابه. فإن كنت لاتؤمن بهذا فتصحيح أصل الإيمان بالملائكة والوحي أهمّ، و أوجب عليك من تصحيح الإيمان بعذاب القبر إن كنت آمنت بذلك وجوّزت أن يشاهد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مالاتشاهده الأمّة ويسمع مالايسمعونه، فجوّز مثل ذلك فيما نحن فيه أيضاً.
وممّا يكسر سورة استبعادك أن تتفكّر في حال النائم في مجلس فيه جماعة، فإنّه قد يرى في منامه أنّ عقارب وحيّات تلدغه أو أنّ أشخاصاً يعاقبونه بأنواع العقارب ويصرخون عليه بأصوات هائلة وهو يتألّم من ذلك غاية التألّم و يتأذّى به نهاية التأذّي، و ربّما يصيح في أثناء النوم ويرتعد و يغرق من شدّة الاضطراب ، مع أنّ الجماعة الجالسين حوله لايسمعون شيئاً من تلك الأصوات ولايرون شيئاً من تلك الحيّات والعقارب والأشخاص التي يسمعها هو يشاهدها في النشأة المنامية، فقس على ذلك عذاب القبر و حيّاته. وغرضنا من هذا مجرّد التشبيه والتنبيه، وليس القصد أنّ حيّات القبر وعقاربه خياليّة أيضاً كحيّات المنام و عقاربه. هيهات فإنّها أشدّ وأدهى من حيّات اليقظة وعقاربها، بل نسبتها إليها كنسبة حيّات اليقظة وعقاربها الى حيّات النوم وعقاربه، فإنّ الناس
نيام فإذا ما توا انتبهوا.
[ في إثبات عذاب القبر في عالم البرزخ ]
عذاب القبر وهو العذاب الحاصل في البرزخ -أعني ما بين الموت والقيامة- ممّا اتّفقت عليه الأُمّة سلفاً وخلفاً، وقال به أكثر أهل الملل، ولم ينكره من المسلمين إلّا شرذمة قليلة(1)لاعبرة بهم، وانعقد الإجماع على خلافهم سابقاً ولاحقاً، والأحاديث الواردة فيه من طرق الخاصّة والعامّة متواترة المضمون، وهي أكثر من أن تُحصى.
وقد أورد الشيخ الجليل محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الكافي طرفاً منها من طرق أهل البيت عليهم السلام، وكذا الشيخ الصدوق محمد ابن بابويه في كتاب الأمالي وغيره. و قد اشتمل كتاب المشكاة والمصابيح على أحاديث متكثرة في هذا الباب.
وفي القرآن العزيز آيات ترشد إليه، فمنها: قوله تعالى: كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم ثمّ إليه ترجعون(2)فقد ذكر سبحانه الرجوع إليه و هو البعث في القيامة معطوفاً بثمّ على إحياءين، فأحدهما في القبر. كذا ذكره جماعة من المفسّرين منهم الفخر الرازي في التفسير الكبير(3)ومَن قال بالإحياء في القبر قال بعذابه.
و منها: قوله سبحانه حكاية عن فرعون: النار(1يُعرضون عليها غدوّاً و عشياً و يوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب ﴾(2)و هذا العطف يقتضي أنّ العرض الى النار غدوّاً وعشيّاً غير العذاب بعد قيام الساعة، فيكون في القبر.
وعن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: إنّ هذا في نار البرزخ قبل القيامة، إذ لاغدوّ ولاعشيّ في القيامة. ثمّ قال عليه السلام: ألم تسمع قول الله عزّوجلّ: ويوم تقوم الساعة ادخلوا(3آل فرعون أشدّ العذاب)(4).
ومنها: قوله تعالى: ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى(5)فقد قال كثير من المفسّرين أنّ المراد بالمعيشة الضنك عذاب القبر بقرينة ذكر القيامة بعدها، ولايجوز أن يُراد بها سوء الحال في الدنيا لأنّ كثيراً من الكفّار في الدنيا في معيشة طيّبة هنيئة غير ضنك، والمؤمنين بالضدّ كما ورد في الحديث: «الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر»(6).
ومنها: قوله تعالى في حقّ قوم نوح عليه السلام: أُغرقوا فأُدخلوا
1) «النار» بالرفع إمّا بدل من سوء العذاب في قوله تعالى: ﴿ وحاق بآل فرعون سوء العذاب) أو خبر مبتدأ محذوف على أن تكون جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً، كأنّ سائلاً يقول: ما سوء العذاب؟ فقيل: هي النار. وجملة «يعرضون» إمّا حال من «آل فرعون» أو من «النار». (منه).
2) المؤمن: 46.
3) أي ويقال يوم تقوم الساعة ادخلوا... الى آخره. والأمر إمّا لآل فرعون فالخاء مضمومة والهمزة وصلية أو للملائكة فالخاء مكسورة والهمزة قطعية. وقد قرأ بهذا حمزة ونافع والكسائي وحفص، والباقون بالأوّل. (منه).
4) مجمع البيان: ج 8 ص 526.
5) طه: 124.
6) معاني الأخبار: ص 289.
ناراً(1)والفاء للتعقيب من غير مهلة، فالمراد نار البرزخ. ولو أراد سبحانه ادخالهم النار يوم القيامة لكان المناسب الإتيان بثمّ كما لايخفى.
[ في ردّ الاستشهاد بآية (أَمَتَّنا اثْنَتَيْنِ) في إثبات عذاب القبر ]
اشتهر الاحتجاج في الكتب الكلامية على إثبات عذاب القبر بقوله تعالى حكاية عن الكفّار: ربّنا أمتّنا اثنتين واحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل الى خروج من سبيل(2).
و تقرير الاستدلال : أنّه سبحانه حكى عنهم على وجه يُشعر بتصديقهم الاعتراف بإماتتين و إحياءين، فإحدى الإماتتين في الدنيا والأخرى في القبر بعد السؤال، و إحدى الإحياءين فيه للسؤال والآخر في القيامة.
وأمّا الإحياء في الدنيا فإنّما سكتوا عنه لأنّ غرضهم الإحياء الذي عرفوا فيه قدرة الله سبحانه على البعث، ولهذا قالوا: فاعترفنا بذنوبنا أي بالذنوب التي حصلت بسبب إنكار الحشر والإحياء في الدنيا لم يكونوا فيه معترفين بذنوبهم.
قال المحقّق الشريف في شرح المواقف: إنّ تفسير هذه الآية على هذا الوجه هو الشائع المستفيض بين المفسّرين.
ثمّ قال: وأمّا حمل الإماتة الأولى على خلقهم أمواتاً في أطوار النطفة، وحمل الإماتة الثانية على الإماتة الطارئة على الحياة في الدنيا والحشر فقد ردّ بأنّ الإماتة إنّما تكون بعد سابقة الحياة، ولاحياة في أطوار النطفة، وبأنّه قول شذوذ من المفسّرين، والمعتمد هو قول الأكثرين إنتهى
کلامه.
فقد جعل التفسير بالوجه الأوّل مستفيضاً، وبالوجه الثاني شاذّاً.
و يخطر بالبال أنّ الأمر بالعكس، فإنّ الشائع المستفيض بين المفسّرين هو ماجعله شاذّاً، والشاذّ النادر هو ماجعله مستفيضاً. ولعلّ هذا من سهو قلمه، فإنّ التفاسير المشهورة التي عليها المدار في هذه الأعصار(1)هي الكشّاف للعلّامة الزمخشري، و مفاتح الغيب للإمام الرازي، و معالم التنزيل للبغوي، و مجمع البيان و جوامع الجامع لأمين الإسلام أبي علي الطبرسي، و تفسير النيشابوري، و تفسير القاضي البيضاوي، و لم يختر أحد من هؤلاء تفسير الآية بالوجه الأوّل. بل أكثرهم إنّما اختاروا التفسير الثاني. وأمّا التفسير الأوّل فبعضهم نقله ثمّ زيّفه، و بعضهم اقتصر على مجرّد نقله من غير ترجيح. فلو كان هو الشائع المستفيض كما زعمه السيّد المحقّق لما كان الحال على هذا المنوال.
ولابأس في هذا المقام بنقل كلام بعض هؤلاء الأعلام.
قال في الكشّاف: أراد بالإماتتين خلقهم أمواتاً أوّلاً و إماتتهم عند انقضاء آجالهم. وبالإحياءين: الإحياء الأوّلي و إحياء البعث.
ثمّ قال بعد ذلك: فإن قلت: كيف صحّ أن يسمّى خلقهم أمواتاً إماتة؟ قلت: كما صحّ أن تقول: «سبحان من صغّر جسم البعوضة وكبّر جسم الفيل» وقولك للحفّار: «ضيّق فم الركية ووسّع أسفلها». وليس ثمّ نقل من كبر الى صغر، ولامن صغر الى كبر، ولامن ضيق الى سعة، ولامن سعة الى ضيق، و إنّما أردت الإنشاء على تلك الصفات.
والسبب في صحّته أنّ الصغر والكبر جائزان معاً على المصنوع الواحد من غير ترجيح لأحدهما، وكذلك الضيق والسعة. فإذا اختار
1) في هامش(ع): أي من عصر السيّد الى هذا العصر، واحتمال أن يكون المشتهر في زمان السيّد غير هذه التفاسير ممّا لا يلتفت إليه. (منه).
الصانع أحد الجائزين وهو متمكّن منهما على السواء فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر، فجعل صرفه عنه كنقله منه.
ومن جعل الإماتتين التي بعد الحياة الدنيا والتي بعد حياة القبر لزمه إثبات ثلاث إحياءات. و هو خلاف ما في القرآن، إلّا أن يتمحّل فيجعل أحدهما غير معتدّ بها، أو يزعم أنّ الله يحييهم في القبور وتستمرّ بهم تلك الحياة فلا يموتون بعدها و يعدّهم في المستثنين من الصعقة في قوله: إلّا من شاء الله.
فإن قلت: كيف تسبب هذا لقوله: فاعترفنا بذنوبنا؟
قلت: قد أنكروا البعث فكفروا وتبع ذلك من الذنوب مالايحصى، لأنّ من لم يخش العاقبة تخرّق في المعاصي، فلمّا رأوا الإماتة والإحياء قد تكرّرا عليهم علموا بأنّ الله قادر على الإعادة قدرته على الإنشاء، فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها من إنكار البعث وما تبعه من معاصيهم(1). إنتهي كلامه.
وقال الشيخ أمين الإسلام في جوامع الجامع: أراد بالإماتتين خلقهم أمواتاً أوّلاً و إماتتهم عند انقضاء آجالهم، و بالإحياءين الحياة الأولى و حياة البعث. و قيل: الإماتتان هما التي في الدنيا بعد الحياة والتي في القبر قبل البعث، والإحياءان هما التي في القبر للمسألة والتي في البعث(2). إنتهى كلامه.
وفي كلام هذين الفاضلين كفاية والله الموفّق.
[ في أنّ الحياة البرزخية حياة ناقصة ]
و عساك تقول: إنّ تفسير الآية على ما هو الشائع المستفيض كما ذكرته يقتضي سكوت الكفّار عن الإحياء والإماتة الواقعين في القبر، فما السبب في سكوتهم عنهما وإهمالهما؟ وكيف لم يقولوا أحييتنا ثلاثاً و أمتّنا ثلاثاً.
فنقول: إنّ الحياة في القبر حياة برزخية ناقصة ليس معها من آثار الحياة سوى الإحساس بالألم أو اللّذة، حتّى أنّه قد توقّف بعض الأُمّة في عود الروح الى الميّت فيه، فلذلك لم يعتدّوا بها في جنب الحياتين الأُخرتين.
قال في شرح المقاصد: اتّفق أهل الحقّ على أنّه تعالى يعيد الى الميت في القبر نوع حياة قدر ما يتألّم و يلتذّ، ولكن توقّفوا في أنّه هل تعاد الروح إليه أم لا؟ وما يتوهّم من امتناع الحياة بدون الروح ممنوع، و إنّما ذلك في الحياة الكاملة التي تكون معها القدرة والأفعال الاختيارية(1). إنتهى كلامه.
والحقّ أنّ الروح تعلّق به و إلّا لما قدر على إجابة الملكين ولكنّه تعلّق ضعيف كما يشعر به مارواه في الكافي عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في حديث طويل: «فيدخل عليه في قبره ملكا القبر منكر ونكير، فيلقيان فيه الروح الى حقويه... الحديث»(2).
وقد يستبعد تعلّق الروح بمن أكلته السباع أو أحرق وتفرّقت أجزاؤه يميناً وشمالاً.
ولااستبعاد فيه نظراً الى قدرة الله سبحانه على حفظ أجزائه الأصلية عن التفرّق أو جمعها وتعلّق الروح بها تعلّقاً ما، وقد روي عن أئمّتنا عليهم السلام ما يدلّ على أنّ الأجزاء الأصلية محفوظة الى يوم القيامة.
روى الشيخ الجليل محمد بن يعقوب في باب النوادر من كتاب الجنائز من الكافي عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنه سُئل عن الميت يُبلى جسده. قال: نعم حتّى لايبقى له لحم ولاعظم إلّا طينته التي خُلق منها فإنّها لاتُبلى، بل تبقى في القبر مستديرة حتّى يُخلق منها كما خُلق أوّل مرّة(1).
[ في تجسّم الأعمال واقترانها بصاحبها ]
ما تضمّنه هذا الحديث من تجسيم العمل في النشأة الأخروية و أنّه يكون قرين الإنسان في قبره وحشره قد ورد في أحاديث متكثرة من طرق المخالف والمؤالف.
وقد روى أصحابنا رضوان الله عليهم عن قيس بن عاصم قال: وفدت مع جماعة من بني تميم على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فدخلت عليه وعنده الصلصال بن الدلهمس، فقلت: يانبيّ الله عظنا موعظة ننتفع بها فإنّا قوم نغير في البرية.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا قيس إنّ مع العزّ ذلّاً، و إنّ مع الحياة موتاً، و إنّ مع الدنيا آخرة، و إنّ لكلّ شيء رقيباً وعلى كلّ شيء حسيباً، و إنّ لكلّ أجل كتاباً، و إنّه لابدّ لك ياقيس من قرين يدفن معك وهو حيّ وتُدفن معه وأنت ميّت، فإن كان كريماً أكرمك، و إن كان لئيماً أسلمك، ثمّ لايُحشر إلّا معك ولاتُحشر إلّا معه، ولاتُسأل إلّا عنه، فلاتجعله إلّا صالحاً، فإنّه إن صلح أنست به، و إن فَسَد لاتستوحش إلّا منه، وهو فعلك.
1) الكافي: ج 3 ص 251 ح 7.
فقال: يانبي الله أحَبّ أن يكون هذا الكلام في أبيات من الشعر نفخر به على من يلينا من العرب وندخره.
فأمر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من يأتيه بحسّان، فاستبان لي القول قبل مجيء حسّان فقلت: يا رسول الله قد حضرني أبيات أحسبها توافق ماتريد، فقلت شعراً:
تخيَّر خليطاً من فِعالِكَ إنَّما *** قَرِينُ الفتى في القبر ما كان يَفعَلُ
و لا بُدّ بعد الموت من ان تُعدّه *** ليوم ينادى المرء فيه فيقْبِلُ
فإن تكُ مشغولاً بشيء فلا تكن *** بغير الذي يرضى به الله تَشْغَلُ
فَلَنْ يَصحَبَ الإنسانَ من بعد موتهِ *** و مِن قَبلهِ إلّا الذي كان يَعملُ(1)
ألا إنّما الإنسان ضيفٌ لأهله *** يُقِيمُ قليلاً بينهم ثمّ يَرحلُ
وقد ذكرنا في بعض الأحاديث السابقة كلاماً في تجسيم الأعمال في النشأة الآخروية، ونقول هنا:
قال بعض أصحاب القلوب: إنّ الحيّات والعقارب بل والنيران التي تظهر في القيامة هي بعينها الأعمال القبيحة والأخلاق الذميمة والعقائد الباطلة التي ظهرت في هذه النشأة بهذه الصورة وتجلببت بهذه الجلابيب، كما أنّ الروح والريحان والحور والثمار هي الأخلاق الزكية والأعمال الصالحة والاعتقادات الحقّة التي برزت في هذا العالم بهذا الزيّ وتسمّت بهذا الإسم، إذ الحقيقة الواحدة تختلف صورها باختلاف المواطن، فتتجلّى في كلّ موطن بحلية وتتزيّى في كلّ نشأة بزيّ على ماسبق الكلام فيه في الحديث التاسع.
وقالوا: إنّ اسم الفاعل في قوله تعالى: يستعجلونك بالعذاب وإنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين(2)ليس بمعنى الاستقبال بأن يكون المراد أنّها
ستحيط بهم في النشأة الاخرى كما ذكره الظاهريون من المفسّرين، بل هو على حقيقته من معنى الحال، فإنّ قبائحهم الخلقية والعمليّة والاعتقاديّة محيطة بهم في هذه النشأة، وهي بعينها جهنّم التي ستظهر عليهم في النشأة الأُخروية بصورة النار وعقاربها وحيّاتها.
وقس على ذلك قوله عزّ وعلا: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنّما يأكلون في بطونهم ناراً(1).
وكذا قوله سبحانه: يوم تجد كلّ نفس ماعملت من خير محضراً(2)أليس المراد أنّه تجد جزاءه، بل تجده بعينه لكن ظاهراً في جلباب آخر.
وقوله تعالى: اليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون إلّا ما كنتم تعملون(3)كالصريح في ذلك. ومثله في القرآن العزيز كثير.
و ورد في الأحاديث النبويّة منه مالايحصى كقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضّة إنّما يُجرجَرُ في جوفه نار جهنّم»(4).
وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «الظلم ظلمات يوم القيامة»(5).
وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «الجنّة قيعان وأنّ غراسها: سبحان الله وبحمده»(6)الى غير ذلك من الأحاديث المتكثّرة والله الهادي.
«... قال: سألت أبا عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن أرواح المؤمنين. فقال: في الجنَّة على صور أبدانهم لو رأيته لقلت: فلان».
تهذيب الأحكام: ج 1 ص 466 ح 172
وبالسند المتصل الى الشيخ الجليل أمين الإسلام أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدّس الله روحه ، عن الشيخ الجليل محمد بن محمد بن النّعمان المفيد، عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، عن الشيخ الجليل عمادالإسلام محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن محمد بن أبي عمير، عن ابن حمّاد، عن أبي بصير قال:
سألت أباعبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن أرواح المؤمنين. فقال: في الجنَّة على صور أبدانهم لو رأيته لقلت فلان(1)
مالعلّه يحتاج الى البيان في هذا الحديث
عن أرواح المؤمنين: أي عمّا يؤول إليه حالها بعد خراب أبدانها، و كثيراً ما تطلق الروح على الجسم البخاري المتكوّن عن لطيف الدم المتبخّر المنجذب الى التجويف الأيسر من القلب . والمراد هنا هو ما يشير اليه الإنسان بقوله «أنا»، أعني النفس الناطقة، وهو المعنيّ بالروح
1) تهذيب الأحكام: ج 1 ص 466 ح 172 باب الزيادات تلقين المحتضرين.
في القرآن والحديث.
وقد تحيّر العقلاء في حقيقتها، واعترف كثير منهم بالعجز عن معرفتها، حتّى قال بعض الأعلام: إنّ قول أميرالمؤمنين عليه السلام: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه»(1)معناه: أنّه كما لايمكن التوصّل الى معرفة النفس لايمكن التوصّل الى معرفة الربّ. و قوله عزّوجلا: و يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربّي وما أوتيتم من العلم إلّا قليلاً(2)ممّا يعضد ذلك.
والأقوال في حقيقتها متكثّرة، والمشهور أربعة عشر قولاً ذكرناها في المجلد الرابع من كتابنا(3)الموسوم بالكشكول.
والذي عليه المحقّقون أنّها غير داخلة في البدن بالجزئيّة والحلول، بل هي بريّة عن صفات الجسمية منزّهة عن العوارض المادية، متعلّقة به تعلّق التدبير والتصرّف فقط، وهو مختار أعاظم الحكماء الإلهيين و أكابر الصوفيّة والإشراقيين، وعليه استقر رأي أكثر متكلّمي الإمامية كالشيخ المفيد وبني نوبخت والمحقّق نصير الملّة والدين الطوسي والعلاّمة جمال الدين الحلّي، ومن الأشاعرة الراغب الإصفهاني وأبي حامد الغزالي والفخر الرازي، وهو المذهب المنصور الذي أشارت اليه الكتب السماوية، وانطوت عليه الأنباء النبوية، وعضدته الدلائل العقلية، وأيّدته الأمارات الحدسيّة والمكاشفات الذوقية.
فقال: في الجنّة: الظرفية مجازية باعتبار الشبح الذي تعلّقت الروح به، وإلّا فهي مجرّدة غير مكانية. على صور أبدانهم: خبر ثانٍ للمبتدأ المحذوف، أو حال من
المستكنّ في الظرف. والمراد أنّها عاكفة ومقيمة على تلك الصور.
و يحتمل أن تكون «على» بمعنى «في» كما قالوه في قوله تعالى: و دخل المدينة على حين غفلة من أهلها(1)وقوله سبحانه: واتّبعوا ماتتلوا الشياطين على مُلك سليمان(2)تشبيهاً للملابسة التعليقية بالملابسة الظرفية.
لو رأيته لقلت: فلان: لمّا كانت الصورة بمعنى المثال والشبح صحّ إرجاع ضمير المذكّر إليها، أي لو رأيت ذلك الشبح المثالي لقلت: هذا فلان، أو لقلت له: يا فلان. وتقدير المبتدأ أو حرف النداء لأنّ المفرد لايكون محكيّاً بالقول عندهم.
[ في أنّ الجنّة والنار مخلوقتان في الوقت الحاضر ]
ظاهر قوله عليه السلام: «في الجنّة» يُعطي أنّ الجنّة مخلوقة الآن. ومن قال بخلق الجنّة قال بخلق النار. و هو قول الأكثر. و عليه المحقّق الطوسي في التجريد(3)و له شواهد من القرآن العزيز كقوله تعالى في حقّ الجنّة: أُعدّت للمتقين(4)وفي حقّ النار: أُعدّت للكافرين(5)فقد أخبر سبحانه عن إعدادهما بلفظ الماضي، وهو يدلّ على وجودهما، و إلّا لزم الكذب، والحمل على التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي عدول عن الظاهر. هكذا استدلّ الأشاعرة على هذا المطلوب.
ولوالدي طاب ثراه في هذا المقام كلام حاصله: إنَّ هذا الاستدلال ظاهر الانطباق على مذهب المعتزلة من حدوث القرآن. وأمّا على مذهب الأشاعرة فمشكل، مع قولهم بأنَّ الكلام النفسي مدلول الكلام اللفظيّ، إذ الجنَّة والنار حادثتان، فلامندوحة لهم من الحمل على التعبير عن المستقبل بالماضي، فلا يتمّ استدلالهم.
ويختلج بالبال في توجيهه أن يجعل إلزامياً لكثير من المعتزلة كعبّاد و أبي هاشم والقاضي عبدالجبار حيث ذهبوا الى أنَّهما غير مخلوقين، و إنَّما يُخلقان يوم القيامة.
هذا وربَّما يستدلُّ بقصَّة آدم وحواء وإسكانهما الجنَّة وإخراجهما منها بالأكل من الشجرة.
وهو يضعَّف بما قاله بعض المفسّرين من أنَّها كانت بستاناً من بساتين الدنيا.
و يؤيِّده مارواه الشيخ الجليل محمد بن يعقوب الكليني، عن الحسن ابن بشير قال: سألت الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن جنَّة آدم عليه السلام فقال: جنَّة من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر، ولو كانت من جنان الآخرة ما خرج منها أبداً(1).
و أمّا ما في شرح المقاصد والشرح الجديد للتجريد من أنَّ الحمل على بستان من بساتين الدنيا يجري مجري التلاعب بالدين والمراغمة لإجماع المسلمين فليس بشيء، إذ لا تلاعب مع النقل عن المفسّرين المعتضد بالرواية عن الأئمَّة الطاهرين عليهم السلام.
وأمّا الإجماع فغير ثابت. ولا دلالة في قوله تعالى: قلنا اهبطوا منها جميعاً(2)على أنَّها لم تكن في الأرض، فإنَّ الانتقال من أرض الى
أخرى يسمّى هبوطاً كما في قوله سبحانه: اهبطوا مصراً(1).
هذا ولكن ظاهر قوله تعالى: قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ ولكم في الأرض مستقرّ ومتاع الى حين(2)ربّما يُعطي أنّ الهبوط كان من غير الأرض الى الأرض، فليتأمّل.
[ في بقاء النفس الناطقة بعد مفارقة البدن وتعلّقها بالقالب المثالي ]
في هذا الحديث دلالة على أمرين:
الأوّل: بقاء النفوس بعد خراب الأبدان. وإليه ذهب أكثر العقلاء من المليّين والفلاسفة ولم ينكره إلّا فرقة قليلة كالقائلين بأنّ النفس هي المزاج و أمثالهم ممّن لم يُعبأ بهم ولا بكلامهم. والشواهد العقلية والنقلية على ذلك كثيرة. وقد تضمّن كتاب «المطالب العالية» منها مالايوجد في غيره.
ويكفي في هذا الباب قوله جلّ وعلا: ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربّهم يرزقون* فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألّا خوف عليهم ولاهم يحزنون(3).
الثاني: أنّها تتعلّق بعد مفارقة أبدانها العنصرية بأشباح مثالية تشابه تلك الأبدان، وعليه الصوفية وحكماء الإشراق.
والذي دلّت عليه الأخبار المنقولة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أنّ تعلّق الأرواح بهذه الأشباح يكون في مدّة البرزخ فتتنعم أو
تتألَّم بها الى أن تقوم الساعة فتعود عند ذلك الى أبدانِها كما كانت عليه.
و روى الشيخ الجليل عمادالإسلام محمد بن يعقوب الكليني في أواخر كتاب الجنائز من الكافي عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: إنَّ الأرواح في صفة الأجساد في شجر في الجنَّة تتعارف وتتساءل، فإذا قدمت الروح على تلك الأرواح تقول: دعوها فإنَّها قد أقبلت من هول عظيم. ثمَّ يسألونها مافعل فلان ومافعل فلان؟ فإن قالت لهم تركته حيّاً ارتجوه، و إن قالت لهم قد هلك، قالوا: قد هوى(1).
وفي الكافي أيضاً عنه عليه السلام: إنَّ أرواح المؤمنين في حجرات في الجنَّة يأكلون من طعامها ويشربون من شرابها ويقولون ربَّنا أقم لنا الساعة، وأنجز لنا ما وعدتنا، وألحق آخرنا بأوَّلنا(2).
و روي في أرواح الكفَّار بضدِّ ذلك.
و روى الشيخ الجليل أمين الإسلام محمد بن الحسن الطوسي في كتاب تهذيب الأخبار عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنَّه قال ليونس بن ظبيان: ما يقول الناس في أرواح المؤمنين؟
فقال يونس: يقولون في حواصل طير خضر في قناديل تحت العرش.
فقال عليه السلام : سبحان الله ، المؤمن أكرم على الله من ذلك، أن يجعل روحه في حوصلة طائر أخضر. يا يونس المؤمن إذا قبضه الله تعالى صيَّر روحه في قالب كقالبه في الدنيا(3). و أمثال هذه الأحاديث من طرق الخاصَّة كثيرة. و روى العامَّة أيضاً ما يقرب منها.
[ في بطلان التناسخ ]
قد يتوهَّم أنَّ القول بتعلّق الأرواح بعد مفارقة أبدانها العنصرية بأشباح أُخر كما دلّت عليه تلك الأحاديث قول بالتناسخ.
وهذا توهم سخيف، لأنَّ التناسخ الذي أطبق المسلمون على بطلانه هو تعلّق الأرواح بعد خراب أجسامها بأجسام أُخرى في هذا العالم إمّا عنصرية كما يزعم بعضهم ويقسّمه الى النسخ والمسخ والفسخ والرسخ(1)أو فلكية ابتداءً، أو بعد تردّدها في الأبدان العنصرية على اختلاف آرائهم الواهية المفصّلة في محلّها.
وأمّا القول بتعلّقها في عالم آخر بأبدان مثالية مدّة البرزخ الى أن تقوم قيامتها الكبرى فتعود الى أبدانها الأوّليّة بإذن مبدعها إمّا بجمع أجزائها المتشتتة أو بإيجادها من كتم العدم كما أنشأها أوّل مرّة فليس من التناسخ في شيء. وإن سمّيته تناسخاً فلا مشاحة في التسمية إذا اختلف المسمّى.
وليس إنكارنا على التناسخية وحكمنا بتكفيرهم بمجرّد قولهم بانتقال الروح من بدن الى آخر، فإنَّ المعاد الجسماني كذلك عند كثير من أهل الإسلام، بل لقولهم بقدم النفوس وتردّدها في أجسام هذا العالم و إنكارهم المعاد الجسماني في النشأة الأخروية.
قال الفخر الرازي في نهاية العقول: إنَّ المسلمين يقولون بحدوث الأرواح و ردّها الى الأبدان لافي هذا العالم. والتناسخية يقولون بقدمها و ردّها إليها في هذا العالم وينكرون الآخرة والجنّة والنّار، و إنَّما كُفِّروا من أجل هذا الإنكار. إنتهى كلامه ملخّصاً. فقد ظهر البون البعيد بين القولين، والله الهادي.
1) بأنَّ الجسم المنتقل إليه إمّا بدن إنساني أو بدن أخر من البهائم والسباع و غيرها أو نبات أو جماد، فالأوّل هو النسخ والثاني هو المسخ والثالث هو الفسخ والرابع هو الرسخ (منه رحمه الله).
[ في تجرّد القوالب المثالية في البرزخ ]
ماورد في بعض أحاديث أصحابنا رضي الله عنهم من أنّ الأشباح التي تتعلّق بها النفوس مادامت في عالم البرزخ ليست بأجسام، و أنّهم يجلسون حلقاً حلقاً على صور أجسادهم العنصرية يتحدّثون و يتنعّمون بالأكل والشرب، و أنّهم ربّما يكونون في الهواء بين الأرض والسماء يتعارفون في الجوّ و يتلاقون و أمثال ذلك ممّا يدلّ على نفي الجسمية و إثبات بعض لوازمها على ما هو منقول في الكافي و غيره عن أميرالمؤمنين والأئمّة من أولاده عليهم السلام يعطي أنّ تلك الأشباح ليست في كثافة المادّيات، ولافي لطافة المجرّدات، بل هي ذوات جهتين و واسطة بين العالمين.
و هذا يؤيّد ما قاله طائفة من أساطين الحكماء من أنّ في الوجود عالماً مقدارياً غير العالم الحسّي، هو واسطة بين عالم المجرّدات و عالم المادّيات ليس في تلك اللطافة ولافي هذه الكثافة فيه للأجسام والأعراض من الحركات والسكنات والأصوات والطعوم والروائح وغيرها مُثُلٌ قائمة بذواتها معلّقة لافي مادّة وهو عالم عظيم الفُسحة وسكّانها على طبقات متفاوتة في اللطافة والكثافة وقبح الصورة وحسنها، ولأبدانهم المثالية جميع الحواس الظاهرية والباطنية فيتنعمون ويتألمون باللذّات والآلام النفسانية والجسمانية.
وقد نسب العلامة في شرح حكمة الإشراق القول بوجود هذا العالم الى الأنبياء والأولياء والمتألّهين و هو و ان لم تقم على وجوده شيء من البراهين العقلية لكنّه قد تأيّد بالظواهر النقلية، و عرفه المتألّهون بمجاهداتهم الذوقية، وتحقّقوه بمشاهداتهم الكشفية.
و أنت تعلم أنّ أرباب الأرصاد الروحانية أعلى قدراً وأرفع شأناً من
أصحاب الأرصاد الجسمانية. فكما أنَّك تصدِّق هؤلاء فيما يلقونه إليك من خفايا الهيئات الفلكيّة فحقيق أن تصدِّق أولئك أيضاً فيما يتلونه عليك من خبايا العوالم المقدَّسة الملكيّة.
وهاهنا أقطع الكلام شاكراً لله على توفيقه للإتمام، مصلِّياً على أشرف الأنام وآله الهادين الى دارالسلام.
اتفق الفراغ من تأليفه ضحى يوم الاثنين ثالث العشر الثالث من ثاني شهور السنة الخامسة من العشر العاشر من المائة العاشرة من هجرة سيِّد المرسلين عليه وآله أفضل صلوات المصلِّين، على يد مؤلّفه الفقير الى الله الغني محمَّد المشتهر ببهاءالدين العاملي وفَّقه الله تعالى للعمل في يومه لغده قبل أن يخرج الأمر من يده بمحروسة إصفهان حُرست عن بوائق الزمان وطوارق الحدثان، والحمدلله أوَّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً.
1 - فهرس الآيات
2 - فهرس الأحاديث
3 - فهرس أسماء المعصومين عليهم السلام
4 - فهرس الأعلام
5 - فهرس رجال السند
6 - فهرس الفرق والمذاهب
7 - فهرس الجماعات والقبائل والأقوام
8 - فهرس البلدان والأماكن
9 - فهرس الكتب المذكورة في المتن
10 - فهرس الأشعار
11 - فهرس الموضوعات
متن الآية / السورة /رقم الآية / الصفحة
أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم ... البقرة ... 44 ... 217 اتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون... ... البقرة ... 67 ... 148 اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً... ... التوبة ... 31 ... 282 أجعل الآلهة إلهاً واحداً إنّ هذا لشيء عجاب... ... ص ... 5-7 ... 250 ادخلوا الجنّة بما كنتم تعملون ... النحل ... 32 ... 78 ادخلوا في أمم قد خلت ... البقرة ... 257 ... 280 ادخلوا في أمم من قبلكم من الجنّ والانس... ... الأعراف ... 38 ... 190 ادعوا ربّكم تضرّعاً وخفية ... الأعراف ... 55 ... 442 إذا اكتالوا على الناس يستوفون ... المطففين ... 2 ... 66 إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وان يقولوا... ... المنافقون ... 4 ... 294 إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم... ... المائدة ... 6 ... 106 إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ... الجمعة ... 9 ... 190 أصحاب الجنّة يومئذٍ خير مستقراً... ... الفرقان ... 24 ... 476 أُعدّت للكافرين ... البقرة ... 24 ... 501 أُعدّت للمتقين ... آل عمران ... 133 ... 501 أغرقوا فأُدخلوا ناراً ... نوح ... 25 ... 488 أفرأيت من اتّخذ إلهه هواه ... الجاثية ... 23 ... 282
متن الآية / السورة /رقم الآية / الصفحة
أقم الصلاة طرفي النهار... ... هود ... 114 ... 90 أقم الصلاة لذكري ... طه ... 14 ... 83، 451 إلاّ من شاء الله ... الأنعام ... 128 ... 491 ألست بربّكم قالوا بلى ... الأعراف ... 172 ... 78 الآن حصحص الحقّ أنا راودته عن نفسه ... يوسف ... 51 ... 259 الذين يأكلون أموال اليتامى... ... النساء ... 10 ... 495 ألست بربّكم قالوا بلى ... الأعراف ... 172 ... 78 الله نور السموات والأرض ... النور ... 35 ... 81 ألم أعهد إليكم يابني آدم ان لا تعبدوا... ... يس ... 60 ... 206، 282 امرأة العزيز تراود فتاها... ... يوسف ... 28 ... 259 أنا راودته عن نفسه فاستعصم ... يوسف ... 32 ... 259 إنّا هديناه السبيل إما شاكراً... ... الدهر ... 3 ... 205، 339 ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه... ... النساء ... 31 ... 90، 91، 380، 381 ان تستغفر لهم سبعين مرّة ... التوبة ... 80 ... 188، 375 إنّ الحسنات يذهبن السيّئات ... هود ... 114 ... 89، 90 إنّ ربّك يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر ... الإسراء ... 30 ... 252 إنّ ربّك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ... الرعد ... 6 ... 343 إنّ السمع والبصر والفؤاد كلّ اولئك... ... الإسراء ... 36 ... 467 إنّ هذا لفي الصحف الأولى ... الأعلى ... 18 ... 68 إنّما الصدقات للفقراء والمساكين ... التوبة ... 60 ... 186 انّما يتقبّل الله من المتّقين ... المائدة ... 27 ... 376
متن الآية / السورة /رقم الآية / الصفحة
انّما يخشى الله من عباده العلماء ... فاطر ... 28 ... 73، 308 انّه من عبادنا المخلصين ... يوسف ... 24 ... 260 انّه من كيدكنّ انّ كيدكنّ... ... يوسف ... 28 ... 259 انّي نذرت لك ما في بطني محرراً ... آل عمران ... 35 ... 351 انّي نذرت للرحمن صوماً ... مريم ... 26 ... 351 اهبطوا مصراً ... البقرة ... 61 ... 503 أولئك على هدى من ربّهم... ... البقرة ... 5 ... 192، 431 أو مسكيناً ذا متربة ... البلد ... 16 ... 185
ثمّ انشأناه خلقاً آخر ... المؤمنون ... 14 ... 135
حاشَ لله ما علمنا عليه من سوء ... يوسف ... 51 ... 259
ذلك دين القيّمة ... البيّنة ... 5 ... 448، 449
ربّ أرني انظر اليك... ... الأعراف ... 143 ... 249 ربّ السجن أحبّ اليّ ممّا يدعونني إليه ... يوسف ... 33 ... 259 ربّنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين... ... المؤمن ... 11 ... 489
متن الآية / السورة /رقم الآية / الصفحة
ربّنا تقبّل منّا ... البقرة ... 127 ... 376 ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ... البقرة ... 286 ... 377
سبحان الّذي أسرىٰ بعبده ليلاً... ... الإسراء ... 1 ... 412
الشمس والقمر بحسبان ❊ والنجم والشجر يسجدان ... الرحمن ... 5-6 ... 140
فإذا هم خامدون ... يس ... 29 ... 229 فاعتبروا يا أولي الألباب ... الحشر ... 2 ... 83 فاعترفنا بذنوبنا ... غافر ... 11 ... 491 فاغسلوا وجوهكم ... المائدة ... 6 ... 98، 105 فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ... المائدة ... 6 ... 87، 88، 154، 155 فبشّرهم بعذاب أليم ... التوبة ... 34 ... 482 فبعزّتك لأغوينّهم أجمعين * إلّا عبادك... ... ص ... 82-83 ... 259 فتقبّل من أحدهما ولم يتقبّل من الآخر ... المائدة ... 27 ... 376 فذلكنّ الذي لمتنّني فيه ... يوسف ... 32 ... 280 فقد سألوا موسىٰ أكبر من ذلك... ... النساء ... 153 ... 254 فلولا أنّه كان من المسبّحين للبث... ... الصافّات ... 143-144 ... 250
متن الآية / السورة /رقم الآية / الصفحة
فلولا نفر من كلّ فرقة طائفة ... التوبة ... 122 ... 71، 73 فمنهم من يمشي على بطنه ... النور ... 45 ... 96 فهل عسيتم ان توليتم أن تفسدوا ... محمد ... 22 ... 187
قد أفلح من زكّاها ❊ و قد خاب من دسّاها ... الشمس ... 9-10 ... 202 قد أفلح المؤمنون ... المؤمنون ... 1 ... 444 قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم... ... الزمر ... 53 ... 343 قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ... ... البقرة ... 36 ... 503 قلنا اهبطوا منها جميعاً ... البقرة ... 28 ... 502
كانوا يُسارعون في الخيرات... ... الأنبياء ... 90 ... 442 كبر مقتاً عند الله أن تقولوا... ... الصفّ ... 3 ... 217 كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء... ... يوسف ... 24 ... 259 كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ... المطففين ... 14 ... 462 كم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا... ... الأعراف ... 4 ... 183 كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا... ... البقرة ... 28 ... 487
ليبلوكم أيّكم أحسن عملاً ... الملك ... 2 ... 439
متن الآية / السورة /رقم الآية / الصفحة
مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ... ... الحشر ... 7 ... 291 مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ... الصفّ ... 14 ... 364 مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ... ... المنافقون ... 10 ... 461
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً ... غافر ... 46 ... 488
هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ... الكهف ... 78 ... 311 هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ... الملك ... 2 ... 439 هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ... يوسف ... 26 ... 259
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ... البقرة ... 102 ... 501 وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ... البقرة ... 281 ... 257 وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ... البقرة ... 81 ... 197 وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً ... الأعراف ... 56 ... 442 وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ... المائدة ... 2 ... 446 وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ... ... المنافقون ... 4 ... 290 وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ... البقرة ... 14 ... 79 وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ... المائدة ... 6 ... 128
متن الآية / السورة/ رقم الآية /الصفحة
وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ... العنكبوت ... 69 ... 203، 329 وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ... ... محمد ... 4-5 ... 339 وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ... ... البقرة ... 257 ... 280 وَالَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ... المؤمنون ... 2 ... 162 وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ... الفتح ... 26 ... 376 وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ... البقرة ... 258 ... 339 وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ... آل عمران ... 134 ... 407 وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ... ... الفجر ... 16 ... 250 وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا... ... فصلت ... 17 ... 339 وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ... ... الرعد ... 6 ... 427 وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ❊ كِرَاماً كَاتِبِينَ ... الانفطار ... 10-11 ... 256 وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ... الجنّ ... 18 ... 161 وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ... البقرة ... 5 ... 443 وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ ... الأنعام ... 100 ... 294 وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنِ مَا يَشْتَهُونَ ... سبأ ... 54 ... 461 وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا ... القصص ... 15 ... 501 وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً... ... الأنبياء ... 87 ... 449 وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ... المزمل ... 4 ... 163 وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... الجاثية ... 13 ... 207 وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ... الإسراء ... 14 ... 321، 322 وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ... يوسف ... 26 ... 259 وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ... آل عمران ... 134 ... 407
متن الآية / السورة / رقم الآية/ الصفحة
وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ❊ وَلَحْمِ طَيْرٍ... ... الواقعة ... 20-21 ... 306 وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ... آل عمران ... 134 ... 407 وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً ... مريم ... 95 ... 338 وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ... البقرة ... 28 ... 440 وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ... ... آل عمران ... 169 ... 503 وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ... هود ... 112 ... 238 وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ ... البقرة ... 235 ... 182 وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً... ... الإسراء ... 32 ... 257 وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ ... النساء ... 141 ... 349 وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ... البقرة ... 185 ... 66، 190، 211، 427 وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ... الضحى ... 5 ... 343 وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى... ... يوسف ... 24 ... 249، 255 وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ... آل عمران ... 79 ... 426 وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ... ... الأعراف ... 143 ... 247 وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ... الرحمن ... 46 ... 371 وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ... آل عمران ... 135 ... 379 وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ... ... النساء ... 18 ... 463 وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ... ... البينة ... 5 ... 448 وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ... هود ... 6 ... 223 وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ... البقرة ... 3 ... 224 وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ... ... طه ... 124 ... 488
متن الآية / السورة / رقم الآية / الصفحة
وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ... ... الأعراف ... 159 ... 211 وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ... ... البقرة ... 8 ... 413 وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ ... النور ... 45 ... 96 وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ... الطلاق ... 2-3 ... 232 وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي... ... هود ... 45 ... 183 وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ... البلد ... 10 ... 205، 339 وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي... ... الإسراء ... 85 ... 500 لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ... غافر ... 16 ... 340
يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ... الانفطار ... 6 ... 138 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ... ... المائدة ... 6 ... 114 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا... ... الحجّ ... 77 ... 442 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ... ... التحريم ... 8 ... 464، 465 يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ... ابراهيم ... 27 ... 479 يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ... ... النساء ... 60 ... 279 يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ... ... العنكبوت ... 54 ... 494 يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ ... ابراهيم ... 6 ... 414 يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ ... البقرة ... 49 ... 414 يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... هود ... 98 ... 402 يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ... الانسان ... 7 ... 351 يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً... ... الزلزلة ... 6-8 ... 402 يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا ... النحل ... 111 ... 138 يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ... آل عمران ... 106 ... 136 يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ... ... آل عمران ... 30 ... 402، 495 الْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلَا تُجْزَوْنَ... ... يس ... 54 ... 495 الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا... ... يس ... 65 ... 139 يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ... ... الفرقان ... 22 ... 481
متن الحديث / القائل /الصفحة
ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 109
اتَّقُوا الْكَلَامَ عِنْدَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ ... الصادق (علیه السلام) ... 372
اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 222
إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ... الخ ... -- ... 306
إِذَا بَعَثَ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ قَبْرِهِ خَرَجَ مَعَهُ مِثَالٌ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 401
إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 323
إِذَا حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ أَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 460
إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 355
إِذَا مَسَحْتَ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْسِكَ... الخ ... الباقر (علیه السلام) ... 120
أَرَدْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ (صلی الله عليه وآله) ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 115
أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقاً بِي أَطْوَلُكُنَّ يَداً ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 88
اطْلُبُوا الْخَيْرَ عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ ... موضوع ... 297
اطْلُبُوا الْعِلْمَ وَلَوْ بِالصِّينِ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 188
اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 312
أَعْجَبُ مَا كَانَ فِي وَصِيَّةِ لُقْمَانَ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 80
أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 406، 452، 454
متن الحديث / القائل / الصفحة
اقْلِلْ مَعَارِفَكَ، قَالَ: زِدْنِي... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 266
أَلَا إِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ نَفَثَ فِي رُوعِي... الخ ... النبي (صصلی الله عليه وآله) ... 221
أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ أُسَامَةَ الْمُشْتَرِي إِلَى شَهْرٍ... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 307
أَلَا وَمَنْ عَلَّقَ سَوْطاً بَيْنَ يَدَيْ سُلْطَانٍ... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 221
أَلْقَى اللَّهَ خَصِيماً ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 299
اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِيناً وَأَمِتْنِي مِسْكِيناً... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 186
اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 72
أَمَا أَنَّهُ لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 163
أَمَرَ النَّبِيُّ (ص) ثُمَامَةَ الْحَنَفِيَّ وَقَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 467
إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ... الخ ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 418
إِنَّ ابْنَ آدَمَ إِذَا كَانَ فِي آخِرِ يَوْمٍ... الخ ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 475
إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي حُجُرَاتٍ فِي الْجَنَّةِ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 504
إِنَّ الْأَرْوَاحَ فِي صِفَةِ الْأَجْسَادِ فِي شَجَرٍ فِي الْجَنَّةِ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 504
إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ... الخ ... موضوع ... 298
إِنَّ الْبَاقِرَ (ع) وَصَفَ الْكَعْبَ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ ... الباقر (علیه السلام) ... 124
إِنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ عِنْدَ زَوْجٍ لَهَا... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 327
إِنَّ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَلْفَ عَقَبَةٍ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 284
إِنَّ التُّجَّارَ هُمُ الْفُجَّارُ ... موضوع ... 297
إِنَّ التَّوْبَةَ تَجْمَعُهَا سِتَّةُ أَشْيَاءَ... الخ ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 465
إِنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ لِي جِيرَاناً... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 467
إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) كَانَ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 312
إِنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَالْجُمُعَةَ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَاتٌ... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 90
متن الحديث / القائل / الصفحة
إِنَّ عَمَّاراً أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ فَتَمَعَّكَ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 145
إِنَّ اللَّهَ احْتَجَبَ عَنِ الْعُقُولِ... الخ ... -- ... 80
إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلَى عِمْرَانَ أَنِّي وَاهِبٌ لَكَ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 353
إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى كُلِّ فَحَّاشٍ... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 321
إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ سَبْعَةَ أَمْلَاكٍ... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 347
إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 416
إِنَّ اللَّهَ يَتَجَلَّى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْخَلَائِقِ... الخ ... موضوع ... 297
إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 463
إِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 484
إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبْغِضُ الْمُؤْمِنَ الضَّعِيفَ... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 211
إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ الصَّوْمَ لِي وَأَنَا أَجْزِي عَلَيْهِ ... حديث قدسي ... 184
إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ...) نَزَلَتْ فِي بَنِي أُمَيَّةَ... الخ ... -- ... 187
إِنَّ النَّبِيَّ (ص) لَمَّا دَفَنَ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَسَدٍ... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 479
إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ مِنْ حُقُوقِنَا مَا لَمْ يَعْرِفْهُ... الخ ... الرضا (علیه السلام) ... 300
إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً... الخ ... -- ... 485
إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 485
إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 479
إِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ لَا يُكَفِّرُهَا إِلَّا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 197
إِنَّ مِنَ الصَّلَاةِ لَمَا يُقْبَلُ نِصْفُهَا وَثُلُثُهَا وَرُبُعُهَا... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 376
إِنَّ مُوسَى (ع) عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَلَّ أَنْ يُرَى... الخ ... الرضا (علیه السلام) ... 247
إِنَّ يَهُودِيّاً كَانَ لَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) دَنَانِيرُ... الخ ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 271
أَنْتُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ تَقُولُونَ أَرْجَى آيَةٍ... الخ ... الباقر (علیه السلام) ... 343
انْظُرْ إِلَى أَبِي قُبَيْسٍ فَلَوْ أَنَّ... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 195
متن الحديث / القائل / الصفحة
إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ اثْنَتَانِ... الخ ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 307
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْنَا الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ ... الباقر (علیه السلام) ... 331
إِنِّي أَفْرَحُ وَلَا أَقُولُ إِلَّا الْحَقَّ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 148
إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 483
إِنِّي كُنْتُ لَأَنْظُرُ إِلَى الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 483
إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 312
إِنِّي صَائِمٌ وَخُشِيَ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ لَهُمْ كَسْرُ قَلْبٍ... الخ ... الحسن (علیه السلام) ... 306
أَنَّهُ (ص) قَالَ: حَدَّثَنِي جَبْرَئِيلُ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 298
إِنَّهُ لَيُرَانُ عَلَى قَلْبِي... ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 313
إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي... ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 313
إَنَّهُ يُنْشَرُ لِلْعَبْدِ لِسَاعَاتِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ... الخ ... -- ... 203
أَيُجْزِي الرَّجُلَ أَنْ يَمْسَحَ قَدَمَيْهِ... الخ ... الكاظم (علیه السلام) ... 111
أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 168
أَيُّمَا امْرَأَةٍ أُعْتِقَتْ فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 329
أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللَّهِ... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 179
أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ الْكَذَّابَةُ... الخ ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 290
الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 68
بَيْنَمَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسٌ مَعَ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 133
تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً ... النبي (صلی الله عليه وآله) ... 83
متن الحديث / القائل / الصفحة
ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَتَدْرِي مَا الِاسْتِغْفَارُ... الخ ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 466
ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 310
ثُمَّ تُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 479
جَاءَ رَجُلٌ مُوسِرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلی الله عليه وآله نَقِيُّ الثَّوْبِ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 363
جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِداً وَتُرَابُهَا طَهُوراً ... النبي صلی الله عليه وآله ... 68
الْجَنَّةُ دَارُ الْأَسْخِيَاءِ ... موضوع ... 297
الْجَنَّةُ قِيعَانٌ وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 495
جَنَّةٌ مِنْ جِنَانِ الدُّنْيَا تَطْلُعُ فِيهَا الشَّمْسُ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 502
حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 313
حَكَى لَنَا الْإِمَامُ الْبَاقِرُ (علیه السلام) وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صلی الله عليه وآله... الخ ... الباقر (علیه السلام) ... 95
حَكَى [الباقر (علیه السلام)] وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صلی الله عليه وآله وَمَسَحَ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ... الخ ... الباقر (علیه السلام) ... 120
دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 189
دَفْنُ الْبَنَاتِ مِنَ الْمَكْرُمَاتِ ... موضوع ... 297
الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ ... -- ... 488
متن الحديث / القائل / الصفحة
الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 495
ذَلِكَ الَّذِي يَفْتَحُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى يَدَيْهِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 432
رَبِّ عَصَيْتُكَ بِلِسَانِي وَلَوْ شِئْتَ... الخ ... القائم (علیه السلام) ... 311
رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 67
زُرْ غِبّاً تَزْدَدْ حُبّاً ... موضوع ... 298
سَأَلْتُ الْإِمَامَ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام) عَنْ مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ فَقَالَ: نَعَمْ... الخ ... الباقر (علیه السلام) ... 112
السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ ... موضوع ... 297
سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صلی الله عليه وآله امْرَأَةً تَسَابُّ جَارِيَةً لَهَا... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 378
سَيِّئَةٌ تَسُوءُكَ خَيْرٌ مِنْ حَسَنَةٍ تُعْجِبُكَ ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 340
الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ... موضوع ... 297
صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلی الله عليه وآله رَكْعَتَيْنِ وَقَرَأَ فِي كُلِّ مِنْهُمَا... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 168
متن الحديث / القائل / الصفحة
صلوا أرحامكم ولو بالسلام ... النبي صلی الله عليه وآله ... 187
طاعة النساء ندامة ... موضوع ... 297
الظلم ظلمات يوم القيامة ... النبي صلی الله عليه وآله ... 495
الْعِبادُ ثَلاثَةٌ: قَوْمٌ عَبَدُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَوْفاً... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 444
عَجِبْتُ لِمَنْ يَحْتَمِي مِنَ الطَّعامِ مَخافَةَ الدّاءِ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 318
العلماء ورثة الأنبياء ... ... 73
العلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان ... موضوع ... 298
عمار جلدة بين عيني تقتله... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 148
في الله بنذرك ... الكاظم (علیه السلام) ... 350
الْفَقيرُ الَّذي لا يَسْأَلُ النّاسَ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 186
فلا تشركوا معه غيره ... الجواد (علیه السلام) ... 165
فِي الْجَنَّةِ في صُوَرِ أَبْدانِهِمْ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 499
فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ في قَبْرِهِ مَلَكاً الْقَبْرَ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 492
فَيَقُولُ: أَنَا رَأْيُكَ الْحَسَنُ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 478
متن الحديث / القائل / الصفحة
فَيَقُولُ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ مَنْ أَنْتَ فَمَا رَأَيْتُ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 481
قَالَتِ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى (علیه السلام): يَا رُوحَ اللهِ مَنْ نُجَالِسُ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 265
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلی الله عليه وآله ذَاتَ يَوْمٍ لِعَمَّارٍ: يَا عَمَّارُ بَلَغَنَا أَنَّكَ أُجْنِبْتَ... الخ ... الباقر (علیه السلام) ... 146
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلی الله عليه وآله لِعَلِيٍّ (علیه السلام): يَا عَلِيُّ إِنَّ هَذَا الدِّينَ عَمِيقٌ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 310
قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا بَنِي آدَمَ كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 337
قَدْ حَقَّ لِي أَنْ آخُذَ الْبَرِيءَ مِنْكُمْ بِالسَّقِيمِ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 214
قَدْ سَأَلْتَ فَافْهَمِ الْجَوَابَ... الخ ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 289
قَدْ كَظَمْتُ غَيْظِي... الخ ... زين العابدين (علیه السلام) ... 407
قُولُوا الْحَقَّ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 298
كَخْ كَخْ لِيَطْرَحَهَا وَقَالَ: مَا شَعَرْتِ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 316
كُلُّ مَا مَيَّزْتُمُوهُ بِأَوْهَامِكُمْ فِي أَدَقِّ مَعَانِيهِ... الخ ... الباقر (علیه السلام) ... 81
كَيْفَ يَعْبُرُونَهُ وَقَدْ أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلی الله عليه وآله... الخ ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 299
لِئَلَّا تَتَطَأْطَأَ كَثِيراً فَتَرْتَفِعَ عَجِيزَتُهَا ... ... 66
لَا أَذِنَ لَكَ وَلَا كَرَامَةَ وَلَا نِعْمَةَ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 223
لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 224
متن الحديث / القائل / الصفحة
لَا تَجْزِي صَلَاةٌ لَا يُصِيبُ الْأَنْفَ... الخ ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 167
لَا تُعِينُهُمْ عَلَى بِنَاءِ مَسْجِدٍ ... الصادق (علیه السلام) ... 238
لَا تَقُولُوا هَذَا رَمَضَانُ... الخ ... الباقر (علیه السلام) ... 148
لَا تَنْظُرْ إِلَى مَا فَعَلْتَ وَانْظُرْ... الخ ... في الحديث ... 469
لَا سَبْقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 296
لَا سَبْقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 70
لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 68
لَا هَمَّ إِلَّا هَمُّ الدِّينِ... الخ ... موضوع ... 297
لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 350
لَا يَخْرُجُ أَحَدُكُمْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَعْلَمَ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 239
لَا يَزَالُ الْمَنَامُ طَائِراً... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 140
لَا يُسْأَلُ فِي الْقَبْرِ إِلَّا مَنْ مَحَضَ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 481
لَا يَفْقَهُ الْعَبْدُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَمْقُتَ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 72
لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ... الخ ... ... 108
لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 189
لَا يَمِينَ لِوَلَدٍ مَعَ وَالِدِهِ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 347
لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 90
لَقَدْ كُنْتَ مُقِيماً عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 469
لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صلی الله عليه وآله قَالَ: يَا رَبِّ... الخ ... الباقر (علیه السلام) ... 411
لَمَّا حَضَرَتْ أَبِي الْوَفَاةُ أَقْبَلَ يُوصِي... الخ ... الحسين (علیه السلام) ... 303
لَنْ يَخْرُجَ أَحَدُكُمْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَعْلَمَ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 460
لَوْ تُرَاجِعِيهِ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 330
متن الحديث / القائل / الصفحة
لَوْلَا أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ وَجَدُوا مَنْ يَكْتُبُ لَهُمْ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 235
لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ ثُمَّ تَسْتَغْفِرُونَ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 343
لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَخَشِيتُ عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَكْبَرُ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 340
لَيَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَسْلَمُ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 267
لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَفِي قَلْبِهِ... الخ ... الباقر (علیه السلام) ... 79
لَيْسَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ حَتَّى يُسَمِّيَ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 351
لَيْسَ يَعْنِي أَكْثَرَكُمْ عَمَلًا... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 439
لَيَغْفِرَنَّ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْفِرَةً... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 343
مَا أَبْقَتِ الْفَرَائِضُ فَلِأُولِي... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 69
مَا أُحِبُّ أَنْ عَقَدْتُ لَهُمْ عُقْدَةً... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 138
مَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ... الخ ... حديث قدسي ... 417
مَا زَالَ جَبْرَئِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 305
مَا عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ نَارِكَ... الخ ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 441
مَا عَرَفْنَاكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 80
مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 90
مَا مِنْ شَيْءٍ أَفْسَدَ لِلْقَلْبِ مِنَ الْخَطِيئَةِ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 462
مَا مِنْ صَلَاةٍ يَحْضُرُ وَقْتُهَا... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 87
مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَفِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ... الخ ... الباقر (علیه السلام) ... 462
مَرْحَباً بِقَوْمٍ قَضَوُا الْجِهَادَ الْأَصْغَرَ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 201
مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِقَوْمٍ تُقْرَضُ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 217
متن الحديث / القائل / الصفحة
مَرَّ عِيسَى (علیه السلام) عَلَى قَرْيَةٍ قَدْ مَاتَ أَهْلُهَا... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 277
مَلْعُونٌ كُلُّ مَالٍ لَا يُزَكَّى... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 173
الْمَوْتُ كَفَّارَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ... موضوع ... 297
مِنْ أَحَبِّ السَّبِيلِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ جُرْعَتَانِ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 407
مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 418
مَنْ أَصْغَى إِلَى نَاطِقٍ فَقَدْ عَبَدَهُ... الخ ... الباقر (علیه السلام) ... 282
مَنْ أَطَاعَ رَجُلًا فِي مَعْصِيَةٍ فَقَدْ عَبَدَهُ ... الصادق (علیه السلام) ... 282
مَنْ بَلَغَهُ ثَوَابٌ مِنَ اللهِ عَلَى عَمَلٍ... الخ ... الباقر (علیه السلام) ... 388
مَنْ بَلَغَهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى شَيْءٍ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 389
مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ قَبِلَ اللهُ تَوْبَتَهُ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 457
مَنْ تَرَكَ إِنْكَارَ الْمُنْكَرِ بِقَلْبِهِ... الخ ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 214
مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 68
مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثاً... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 65
مَنْ سَبَّ أَبَابَكْرٍ وَعُمَرَ قُتِلَ... الخ ... موضوع ... 298
مَنْ سَمِعَ شَيْئاً مِنَ الثَّوَابِ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 387
مَنْ سَمِعَ فَاحِشَةً فَأَفْشَاهَا... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 405
مَنْ عَرَفَ اللهَ وَعَظَّمَهُ مَنَعَ فَاهُ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 77
مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 81 ، 500
مَنْ فَرَّجَ عَنْ أَخِيهِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 70
مَنْ قَادَ أَعْمَى أَرْبَعِينَ خَطْوَةً... الخ ... موضوع ... 298
مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 311
مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 306
متن الحديث / القائل / الصفحة
مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِمْضَائِهِ... الخ ... الباقر (علیه السلام) ... 407
مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 431
مَنْ مَضَى عَلَيْهِ يَوْمٌ وَاحِدٌ فَصَلَّى فِيهِ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 168
مَنْ مَطَلَ عَلَى ذِي حَقٍّ حَقَّهُ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 406
مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 351 ، 355
مَنْ نَزَلَ عَلَى قَوْمٍ فَلَا يَصُومَنَّ تَطَوُّعاً ... النبي صلی الله عليه وآله ... 70
مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْقُبُورِ؟... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 484
النَّظَرُ إِلَى الْخُضْرَةِ تَزِيدُ فِي الْبَصَرِ ... موضوع ... 298
نَعَمْ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ لَحْمٌ وَلَا عَظْمٌ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 493
نَهَى الْكَاظِمُ (علیه السلام) أَحَدَ أَصْحَابِهِ عَنْ مُجَالَسَةِ رَجُلٍ... الخ ... الكاظم (علیه السلام) ... 285
نَهَى رَسُولُ اللهِ صلی الله عليه وآله عَنِ الْأَكْلِ عَلَى الْجَنَابَةِ... الخ ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 369
نِيَّةُ الْكَافِرِ شَرٌّ مِنْ عَمَلِهِ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 451 ، 452
نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 450 ، 454
هَاهُنَا يَعْنِي الْمِفْصَلَ دُونَ عَظْمِ السَّاقِ ... الباقر (علیه السلام) ... 120 ، 124
هَذَا هُوَ الْكَعْبُ ... الباقر (علیه السلام) ... 124
هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 97
هُوَ ضَرْبٌ وَاحِدٌ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ ... الباقر (علیه السلام) ... 152
متن الحديث / القائل / الصفحة
وَتَشْهَدُ أَعْضَاؤُهُ عَلَيْهِ بِالزَّلَّةِ... الخ ... ... 139
وَتَفَقَّهْ يَا بُنَيَّ فِي الدِّينِ ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 72
الْوَجْهُ الَّذِي أَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِغَسْلِهِ... الخ ... الباقر (علیه السلام) ... 100
وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 89
وَاللهِ مَا دَعَوْهُمْ إِلَى عِبَادَةِ أَنْفُسِهِمْ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 282
وَاللهِ مَا عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ نَارِكَ... الخ ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 209
وَاللهِ مَا صَلُّوا لَهُمْ وَلَا صَامُوا وَلَكِنْ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 283
وَاللهِ مَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ صلی الله عليه وآله إِلَّا مَرَّةً مَرَّةً ... الصادق (علیه السلام) ... 141
وَاللهِ مَا يُرِيدَانِ الْعُمْرَةَ وَلَكِنْ يُرِيدَانِ الْبَصْرَةَ... الخ ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 299
وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 115
يَأْتِي عَلَى الرَّجُلِ سِتُّونَ وَسَبْعُونَ سَنَةً... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 112
يَا حَمَّادُ أَتُحْسِنُ أَنْ تُصَلِّيَ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 159
يَا شُرَيْحُ اشْتَرَيْتَ دَاراً وَكَتَبْتَ كِتَاباً... الخ ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 227
يَا عُقْبَةُ لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنَ الْعِبَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 240
يَا عَلِيُّ إِنَّ هَذَا الدِّينَ عَمِيقٌ... الخ ... الصادق (علیه السلام) ... 310
يَا عَلِيُّ قُلِ اللَّهُمَّ أَغْنِنِي بِحَلَالِكَ... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 243
يَا عَلِيُّ لَا تَتَكَلَّمْ عِنْدَ الْجِمَاعِ كَثِيراً ... النبي صلی الله عليه وآله ... 372
يَا قَيْسُ إِنَّ مَعَ الْعِزِّ ذُلًّا... الخ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 493
يَا كُمَيْلُ إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ... الخ ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 423
متن الحديث / القائل / الصفحة
يَتُوبُ الْعَبْدُ عَنِ الذَّنْبِ ثُمَّ لَا يَعُودُ فِيهِ ... الصادق (علیه السلام) ... 465
يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ ... الصادق (علیه السلام) ... 480
يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعاً فِي سَبْعِينَ ... النبي صلی الله عليه وآله ... 480
آدم (علیه السلام): 59، 257، 282، 502.
ادريس (علیه السلام): 433.
نوح (علیه السلام): 257.
إبراهيم (علیه السلام): 258، 376.
إسماعيل (علیه السلام): 376.
يوسف (علیه السلام): 257، 258، 259، 260.
أَيُّوب (علیه السلام): 257.
موسى (علیه السلام): 148، 248، 249، 253، 254.
الخضر (علیه السلام): 433.
عُزَير (علیه السلام): 448.
داود (علیه السلام): 257.
سليمان (علیه السلام): 501.
مريم (علیه السلام): 352.
عيسى (علیه السلام): 253، 265، 277، 278، 434، 448.
يونس (علیه السلام): 252، 257.
رسول الله صلی الله عليه وآله: 65، 72، 77، 80، 113، 118، 120، 124، 140، 145، 146، 147، 148، 163، 168، 173، 175، 179، 180، 181، 182، 186، 187، 189، 195، 197، 201، 211، 217، 221، 223، 238، 239، 240، 243، 251، 252، 254، 260، 265، 267.
271، 272، 273، 289، 290، 291، 292، 294، 295، 296،
297، 298، 299، 303، 305، 306، 307، 310، 312، 313،
318، 326، 327، 330، 331، 332، 337، 340، 341، 343،
344، 347، 354، 363، 364، 369، 395، 396، 405، 407،
411، 412، 413، 416، 418، 431، 432، 434، 450، 457،
459، 460، 463، 467، 476، 478، 479، 480، 483، 484،
486، 493، 494.
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام): 72، 77، 89، 115، 119، 133، 141، 163،
167، 179، 181، 182، 195، 201، 205،
214، 227، 232، 240، 243، 271، 272،
289، 298، 299، 303، 307، 309، 310،
318، 321، 337، 340، 354، 359، 360،
369، 372، 405، 418، 423، 425، 429،
441، 459، 460، 465، 475، 479، 500،
فاطمة (علیه السلام): 354.
الحسن (علیه السلام): 72، 303، 306، 331، 354.
الحسين (علیه السلام): 77، 179، 195، 201، 243، 271، 299، 303، 318، 337، 354،
369، 434.
علي بن الحسين زين العابدين (علیه السلام): 77، 87، 179، 201، 243، 271، 295، 306،
312، 318، 337، 369، 407.
محمد بن علي الباقر (علیه السلام): 77، 79، 81، 87، 100، 101، 112، 114، 119، 120،
124، 146، 152، 154، 168، 179، 184، 195، 201.
221، 243، 271، 282، 318، 331، 337، 343، 369،
388، 395، 407، 411، 462، 478، 483.
جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام): 80، 87، 112، 119، 133، 141، 147، 159، 160،
162، 168، 173، 179، 186، 195، 197، 201،
212، 214، 235، 236، 237، 238، 239، 240،
265، 266، 271، 277، 282، 284، 299، 310،
312، 318، 323، 327، 328، 329، 337، 347،
351، 353، 355، 363، 369، 372، 378، 387،
389، 401، 405، 418، 439، 444، 457، 460،
462، 464، 467، 468، 469، 470، 478، 481،
484، 492، 499، 502، 504.
موسی بن جعفر الكاظم (علیه السلام): 65، 111، 162، 168، 179، 201، 271، 285،
311، 337، 350، 462.
علی بن موسى الرضا (علیه السلام): 162، 179، 247، 249، 300، 337، 381.
محمد بن علي الجواد (علیه السلام): 165.
محمد بن الحسن المهدي (علیه السلام): 430، 431، 432، 433، 434.
ابن أبي عقيل: 151.
ابن أبي المقدام: 151.
ابن ادريس: 97، 185، 213، 383.
ابن البراج: 215، 383.
ابن الجنيد: 110، 111، 154، 185.
ابن دريد اللغوي: 451.
ابن السكّيت: 185.
ابن عامر: 115.
ابن عبّاس: 113، 114، 115، 118، 329، 354، 382، 397، 426، 459.
ابن عربي: 114، 116، 434.
ابن مسعود: 380.
ابوبكر: 298.
ابوحامد الغزالي: 197، 500.
ابو حنيفة: 106، 185، 329.
ابوذر: 289، 407.
ابوالصلاح الحلبي: 125، 313.
ابو علي الجبائي: 114.
ابو هاشم: 502.
أحمد بن حنبل: 329.
أحمد بن فهد الحلي: 267، 341.
الأخفش: 162.
أسامة بن زيد: 307.
الأصمعي: 128، 185، 313.
أُمّ مريم بنت عمران (علیه السلام): 353.
أنس بن مالك: 114.
بابارتن: 298.
البخاري: 115.
بريرة: 327، 328، 329، 330.
بهاء الدين العاملي: 59، 507.
بعض الأكابر: 83.
بعض الزيدية: 105.
بعض علمائنا: 217.
بعض المفسرين: 139.
بعض المحققين: 81.
البغوي: 490.
بني نوبخت: 500.
البيضاوي: 313، 354، 355، 448، 483، 490.
تُبَّع: 228، 230.
ثعلب: 185، 351.
ثمامة الحنفي: 467.
جالينوس: 125.
جبرئيل: 257، 258، 305، 354، 484.
الجوهري: 137، 483.
الحارث الهمداني: 240.
الحجّاج: 299، 425.
حسان: 494.
الحسن البصري: 114.
الحسين بن عبدالصمد (والد البهائي): 111، 137، 149، 154، 502.
حفص: 115.
حماد بن عيسى الجهني: 160، 161.
حِمْيَر: 228.
حواء: 502.
خسرو: 230.
داود الإصفهاني: 114.
داود النعماني: 147.
الذهبي: 298.
رابعة العدوية: 283.
الراغب الإصفهاني: 500.
الرافعي: 450.
السيد الرضي: 460.
الشيخ الرضي: 135، 468.
الزبير: 299.
الزمخشري: 257، 490.
الزهري: 99.
سلّار: 185.
سلمان: 289.
الشافعي: 106، 108، 110، 185، 329، 331.
شريح: 227.
الشعبي: 114.
شمعون الخيبري: 354.
الشهيد الأوّل: 107، 120، 121، 122، 124، 130، 149، 166، 167، 213، 350، 418، 419، 442، 445، 446، 469.
الشهيد الثاني: 138، 213، 469.
شيبة الهذلي: 395، 396.
الشيخ الرئيس: 125، 126.
صاحب القاموس: 298، 483.
صاحب الكشّاف (الزمخشري): 79، 88، 188، 255.
صاحب الكشف: 128.
الصدوق: 101، 141، 146، 147، 152، 168، 261، 281، 284، 487.
الصلصال بن الدلهمس: 493.
الصنعاني: 297، 298.
الطبرسي: 138، 144، 162، 163، 168، 261، 348، 353، 381، 382، 383، 426، 443، 448، 465، 478، 490.
طلحة: 299.
الشيخ الطوسي: 101، 111، 112، 120، 123، 152، 185، 186، 187، 213.
العامري: 450.
عبادة بن الصامت: 70.
عبد الرحمن بن عوف: 380.
عبد الله بن بكير: 141.
عبد الله بن سنان: 236.
عبد الله بن عمر: 113، 114، 115.
عبد الملك بن مروان: 99، 425.
العسقلاني: 297.
عقبة: 240.
العقيل: 468.
عكرمة: 113، 115، 118.
العلامة الحلي: 71، 72، 97، 100، 107، 110، 120، 121، 122، 123، 124، 125، 130، 131، 149، 151، 152، 154، 165، 166، 185، 186، 213، 304، 313، 341، 350، 353، 382، 383، 418، 469.
علي بن إبراهيم: 138، 261.
علي بن الجهم: 381.
عمار بن ياسر: 148.
عمر بن الخطاب: 298، 329.
عمرو بن عبيد: 284.
عياض (القاضي): 450.
الغزالي: 343.
غياث بن إبراهيم: 296.
الفخر الرازي: 114، 118، 125، 128، 258، 442، 487، 490، 500، 505.
فخر المحققين: 445.
الفراء: 135، 162، 185، 229.
فرعون: 488.
فضة: 354.
القاضي عبدالجبار: 502.
القرشي: 125، 126.
قنبر: 227.
قيس بن عاصم: 467.
قيصر: 228، 230.
الكسائي: 115.
كسرى: 228، 230.
الكعبي: 447.
كميل بن زياد: 299.
المازني: 162، 229.
مالك: 106، 110، 329.
المأمون: 247، 249، 250، 251، 300.
المبرّد: 162.
المحقِّق: 101، 151، 152، 166، 213، 216، 349، 445.
المحقِّق التفتازاني: 88.
المحقِّق الشريف: 300، 413، 489، 490.
المحقِّق العضدي: 447.
محمد بن جرير الطبري: 114.
محمد بن الحنفية: 133، 426.
محمد بن الحسن: 128.
محيي السنة: 115، 146.
المرتضى: 97، 150، 151، 213، 215، 261، 351، 354، 355، 375، 377.
المشايخ الثلاثة: 123.
معاذ بن جبل: 310.
معروف الكرخي: 266.
المعتصم: 165.
مغيث: 330.
المفيد: 151، 383، 468، 469، 500.
المقداد: 289.
المهدي العبّاسي: 296.
نافع: 115.
الناصر للحقّ: 114.
النووي: 390، 391.
النيسابوري: 129، 138، 448، 490.
أبان بن أبي عياش: 289، 321.
أبان بن تغلب: 411.
أبان مولى زيد بن علي: 227.
إبراهيم بن إسحاق: 235.
إبراهيم بن عبدالأعلى: 375.
إبراهيم بن عمر اليماني: 289.
إبراهيم بن هاشم: 159، 289، 327، 347، 359، 387، 439، 475، 499.
ابن أبي عمير = محمد بن أبي عمير.
ابن أبي ليلى: 359.
ابن أبي يعفور: 237.
ابن حمّاد: 499.
ابن طاووس = علي بن طاووس.
ابن فضّال = الحسن بن فضّال.
ابن محبوب = الحسن بن محبوب.
أبوبصير: 111، 186، 282، 323، 460، 499.
أبوبكر بن عيّاش: 303.
أبو حبّة: 115.
أبو حمزة الثمالي: 89، 221.
أبو الدرداء: 168.
أبو سعيد القمّاط: 411.
أبو الصباح الكناني: 329، 351، 355، 464.
أبو علي المفيد (المفيد الثاني): 159.
أبو معمر: 303.
أحمد بن أبي نصر: 184، 475.
أحمد بن إدريس: 77، 133.
أحمد بن الحسن بن القطان: 179.
أحمد بن خاتون: 63.
أحمد بن خالد: 186.
أحمد بن سلامة الغنوي: 303.
أحمد بن سليمان النيشابوري: 247.
أحمد بن فهد الحلي: 64.
أحمد بن محمد: 65، 95، 133، 145، 184، 186، 221، 265، 359، 389، 395، 457.
أحمد بن محمد البرقي: 265.
أحمد بن محمد بن خالد: 77، 87، 277، 321، 363، 411.
أحمد بن محمد بن السعيد: 179.
أحمد بن محمد بن عيسى: 145، 271، 201، 401.
أحمد بن محمد الهمداني مولى بني هاشم: 243.
إدريس (والد الحسن بن إدريس): 201، 271.
إسماعيل (والد موسى بن إسماعيل): 271.
إسماعيل بن مسلم: 318.
إسماعيل بن الإمام موسى بن جعفر(علیه السلام): 201.
إسماعيل بن مهران: 411.
اوس بن أوس الثقفي: 113.
بكير بن أعين: 120، 123.
تميم بن عبدالله القرشي: 247.
جابر: 475.
جابر بن عبدالله الأنصاري: 432.
جعفر بن الحسن بن سعيد الحلّي: 64، 65.
جعفر بن علي بن الحسن الكوفي: 318.
جعفر بن محمد بن قولويه: 159، 347، 499.
جعفر بن محمد بن مالك: 303.
جميل بن دراج: 95.
حذيفة بن اليمان: 113.
حريز بن عبدالله السجستاني: 162.
الحسن بن إدريس: 201.
الحسن بن بشير: 502.
حسن بن جعفر الكركي: 63.
الحسن بن داود الحلي: 65.
الحسن بن زيد: 38.
الحسن بن سعيد: 65، 95.
الحسن بن علي بن عبدالله: 318.
الحسن بن علي: 475.
الحسن بن علي الوشاء: 350.
الحسن بن فضّال: 179، 407.
الحسن بن محبوب: 221، 359، 401.
الحسن بن مطهّر الحلّي: 64، 65، 159.
الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي: 64، 65.
الحسين بن أحمد بن إدريس: 77.
حسين بن أحمد السوراوي: 64.
الحسين بن إدريس: 271.
الحسين بن الحسين بن أبان: 95.
الحسين بن زيد: 369، 405.
الحسين بن سعيد: 395.
الحسين بن عبدالصمد الحارثي الهمداني: 63.
الحسين بن علي بن عبدالله: 133.
حسين بن نصر: 243.
الحلبي: 327.
حمّاد بن عيسى: 159، 166، 289، 327.
حمزة بن أحمد بن جعفر: 369.
حمزة بن محمد: 405.
داود بن سليمان: 337.
داود بن النعمان: 145، 146.
زرارة: 95، 99، 100، 104، 120، 123، 146، 147، 151، 152، 154، 164، 166، 168.
زيد بن ثابت: 484.
زين الملّة والدين العاملي: 63.
سدير الصيرفي: 401.
سديدالدين (والد العلّامة): 159.
سعد بن سالم: 184.
سعد بن عبدالله: 145، 395.
سعيد بن جناح: 277.
سعيد (جدّ جعفر بن الحسن بن سعيد): 65.
سفيان بن عيينة: 439.
سلام المكّي: 395.
سليمان بن قيس الهلالي: 289.
سُليم بن قيس: 321.
سهل بن زياد: 221، 475.
سويد بن غفلة: 475.
شاذان بن جبرائيل القمي: 64.
شعيب بن واقد: 369، 405.
شريف بن سابق: 265.
صالح بن عيسى بن أحمد: 227.
الصدوق = محمد بن علي بن بابويه القمي.
صفوان: 195، 223.
عاصم بن بهدلة: 227.
عبدالأعلى: 475.
عبدالحميد بن علي الكوفي: 277.
عبدالرحمن بن الحجّاج: 359.
عبدالعزيز بن محمد الأبهري: 369، 405.
عبدالعظيم الحسني: 227.
عبدالله بن تميم: 247.
عبدالله بن حمّاد: 235.
عبدالله بن سنان: 87.
عبدالله بن عمر: 115.
عبدالله بن مسكان: 186.
عبدالله بن محمد العجلي: 227.
عبدالله بن المغيرة: 318.
عبدالله بن يحيى: 186.
عبدالله الحسني: 227.
عبدالمطّلب الحسيني: 64.
عبيدالله بن عبدالله: 65.
عبيدالله الدهقان: 87.
عبيد بن حمدون الرواسي: 243.
عثمان بن سعيد: 277.
عثمان بن عيسى: 321، 363.
عربي بن مسافر العبادي: 65، 159.
عقبة (والد علي بن عقبة): 240.
علی بن إبراهيم: 159، 173، 186، 187، 211، 289، 327، 347، 359، 387، 439، 475، 499.
علي بن أبي حمزة: 235، 236.
علي بن أحمد المزيدي: 65.
علي بن اسماعيل: 65.
علي بن بابويه (والد الصدوق): 389، 395، 423.
علي بن جعفر: 168.
علي بن الجهم: 247.
علي بن الحسن بن فضّال: 179.
علي بن الحسين السعدآبادي: 87.
علي بن الحكم: 145، 389.
علي بن الخازن: 64.
علي بن رقماق الحسيني: 64.
علي بن طاووس الحسني: 64، 159.
علي بن عبدالعالي الكركي: 63.
علي بن عبدالعالي الميسي: 63.
علي بن عقبة: 240.
علي بن محمد بن بندار: 235.
علي بن محمد بن مكّي: 63.
علي بن مهرويه القزويني: 337.
علي بن موسى: 389.
علي بن هلال الجزائري: 63.
عمر بن أذينة: 321.
عمر بن سعد: 423.
عمر بن محمد: 337.
عمر بن محمد بن علي الصيرفي (ابن الزيات): 303.
عمر بن نهيك: 395.
عمرو بن عثمان: 475.
عيسى الجريري: 77.
غالب بن هذيل: 112.
الفجيع العقيلي: 303.
فخار بن معد الموسوي: 64، 159.
فخرالدين بن مطهّر الحلّي: 159.
فضالة: 95.
الفضل بن أبي قرّة: 265.
فضل الله الراوندي: 65.
فضيل بن جريج: 423.
القاسم بن محمد المنقري: 439.
قيس بن عاصم: 493.
كميل بن زياد النخعي: 423، 425.
المجتبى بن الداعي الحسني: 65.
محمد (والد أحمد بن محمد): 65، 95، 133، 145.
محمد بن أبي عمير: 95، 195، 327، 347، 387، 395، 499.
محمد بن أبي القاسم الطبري: 64.
محمد بن أحمد بن يحيى: 133.
محمد بن إدريس: 159.
محمد بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق): 65، 77، 87، 179، 195، 201، 227، 238، 243، 247، 271، 318، 389، 395، 405، 423.
محمد بن بكران النقّاش: 243.
محمد بن الحسن الصفّار: 195.
محمد بن الحسن الطوسي: 65، 95، 145، 159، 195، 303، 347، 378، 499.
محمد بن الحسن بن الوليد: 195.
محمد بن الحسين: 388.
محمد بن الحسين العامري: 303.
محمد الحلّي: 64.
محمد بن خالد: 87.
محمد بن داود المؤذّن الجزيني: 63.
محمد الرازي: 64.
محمد بن زكريا الجوهري البصري: 369، 405.
محمد بن سنان: 77، 388.
محمد بن شجاع القّطان: 64.
محمد بن علي الصيرفي: 423.
محمد بن علي الكوفي: 77.
محمد بن عيسى: 455.
محمد بن الفرج الرَّخجي: 227.
محمد بن القاسم ماجيلويه: 423.
محمد بن القاسم بن مُعيّة الحسني: 64.
محمد بن محمد بن علي: 227.
محمد بن محمد بن النعمان الحارثي (الشيخ المفيد): 65، 95، 133، 145، 159، 195، 303، 337، 347، 499.
محمد بن مروان: 388.
محمد بن مكي (الشهيد الأول): 63، 64، 159.
محمد بن المؤذّن: 64.
محمد بن يحيى الخزّاز: 133، 201، 221، 271، 359، 388، 401.
محمد بن يعقوب الكليني: 141، 159، 173، 184، 186، 211، 221، 235، 239، 265، 277، 282، 285، 289، 299، 310، 312، 321، 327، 347، 359، 363، 387، 388، 401، 407، 411، 439، 444، 457، 462، 464، 475، 487، 493، 499، 502، 504.
محمد بن همّام الاسكافي: 303.
مسعدة بن صدقة: 173، 211.
معاذ بن جبل: 341.
معاوية بن عمّار: 195.
معاوية بن وهب: 395.
معمّر بن خلّاد: 111.
مفضّل بن صالح: 475.
المقداد بن عبدالله السيوري: 64.
منصور بن حازم: 347، 355.
منصور بن العبّاس: 277.
مهاجر الأسدي: 277.
مهنا سنان المدني: 64.
موسى بن إبراهيم المروزي: 65.
موسى بن إسماعيل: 201، 271.
موسى بن المتوكّل: 87.
موسى بن القاسم: 195.
نصر بن مزاحم: 423.
نصيرالدين محمد الطوسي: 65.
هارون بن خارجة: 444.
هاشم بن سالم: 387.
هارون بن مسلم: 173، 211.
هشام: 389.
هشام بن سالم: 184.
واصل بن سليمان: 87.
الياس بن هشام الحائري: 65، 159.
يونس: 475، 504.
يونس بن يعقوب: 238.
الإسلام: 251، 290، 294، 377، 476، 479.
الأشاعرة: 222، 223، 253، 254، 459، 500، 501.
الإمامية: 106، 110، 112، 116، 128، 129، 185، 256، 311، 351، 382، 431، 432، 433، 463.
التناسخية: 505.
الخاصّة: 71، 111، 121، 122، 123، 125، 184، 312، 407، 416، 431، 441، 450، 483، 487، 504.
الخوارج: 299.
الزيدية: 114.
الشيعة: 112.
الصوفية: 500، 503.
العامّة: 71، 106، 111، 112، 113، 121، 122، 123، 125، 184، 312، 331، 407، 416، 431، 441، 450، 483، 487، 504.
المعتزلة: 223، 224، 253، 254، 459، 502.
الأئمّة(علیه السلام): 118، 119، 123، 311، 312، 331، 332، 430، 492، 502، 506.
الأتراك: 299.
أصحاب السير: 260، 299.
الأطباء: 175.
الإشراقيين: 500.
الأعراب: 118، 196.
آل فرعون: 488.
الأنبياء(علیه السلام): 251، 256، 257، 258، 260، 261، 312، 413، 506.
أهل الآخرة: 464.
أهل الإسلام: 127، 189، 331، 429، 459، 482.
أهل البيت(علیه السلام): 113، 114، 121، 130، 284، 300، 343، 463، 487، 503.
أهل الحشو والجبر: 257.
أهل الدين: 467.
أهل السنة: 431.
أهل العراق: 343.
أهل الكتابين: 448، 449.
أهل الكوفة: 434، 435.
أهل النار: 482.
أهل المحشر: 139.
أهل اللغة: 121، 122، 123، 125، 136.
الأولياء: 465، 506.
البلغاء: 224.
بني اسرائيل: 248.
بني أمية: 235، 236، 237.
بني تميم: 493.
بني العباس: 299.
بني هاشم: 243، 329، 331.
التابعين: 114.
ثمود: 182.
الجمهور: 129، 229، 485.
جمهور الفقهاء: 128.
جُهينة: 396.
الحكماء: ٢٨١، ٥٠٦.
حكماء الإشراق: ٥٠٣.
الحكماء الإلهيين: ٥٠٠.
الحواریون: ٢٦٥، ۲۷۸، ۲۷۹.
الروم: 230.
شراح القانون :125.
الصحابة:114،486.
العجم: ٢٥٢.
العرب : 162، 196، 252، 351، 480، 483، 494.
العلماء : 67.
علماء الشيعة الإمامية: 262، 383.
الفرس:230.
الْفُقَهَاءُ ... ... 328، 330، 435، 450، 468
الْفُقَهَاءُ الْأَرْبَعَةُ ... ... 114، 118
فُقَهَاؤُنَا (فُقَهَاءُ أَهْلِ الْبَيْتِ) ... ... 121، 470
الْفَلَاسِفَةُ ... ... 324، 503
قَوْمُ نُوحٍ ... ... 488
الْكُفَّارُ ... ... 488، 489، 492، 504
الْمُتَأَلِّهُونَ ... ... 506
الْمُتَكَلِّمُونَ ... ... 324، 442، 463
مُتَكَلِّمُو الْإِمَامِيَّةِ ... ... 500
الْمُحَدِّثُونَ ... ... 483
مُحَدِّثُو الْإِمَامِيَّةِ ... ... 463
الْمُسْلِمُونَ ... ... 291، 487، 502، 505
الْمُشَرِّحُونَ ... ... 127
الْمُشْرِكُونَ ... ... 260
مُشْرِكُو مَكَّةَ ... ... 250، 251
الْمَغَارِبَةُ ... ... 300
المفسّرون: 464، 481، 488، 489، 490.
مقلّدة العلماء أهل الإجتهاد: 434، 435.
النحاة: 183، 255.
النصارى: 253، 448.
هذيل: 396، 397.
اليهود: 448.
أ
أبو قبيس: 195، 196.
إصفهان: 507.
ب
البصرة: 299.
البلد الحرام: 273.
بيت المقدس: 353.
ج
الجحفة: 162.
ح
حائط بني النجار: 484.
الحلّة: 159.
خ
خراسان: 360.
س
سجستان: 162.
ش
الشام: 300.
ص
صفّين: 299.
ط
الطائف: 113.
طور سيناء: 248.
طيبة: 272، 273.
ك
كربلاء: 299.
الكوفة: 239، 423.
م
المدينة: 329، 331.
المشهد الرضوي: 63.
مصر: 300.
مكَّة: 250، 251، 260، 272، 273، 331.
ه-
الهند: 298.
ي
اليمن: 230.
أ
إحياء علوم الدين: 197، 343.
أدب الكاتب: 322.
الأذكار للنووي: 390.
الاقتصاد: 459.
اکمال الدين و إتمام النعمة: 281.
أمالي الصدوق: 137، 487.
الإنجيل: 448.
الانموذج: 450.
ب
البيان: 445.
ت
تجريد الاعتقاد: 459، 465، 501.
تحرير الأحكام: 445.
التحصين: 267.
تذكرة الفقهاء: 109، 128، 130، 215، 239، 331، 375.
تفسير البيضاوي: 354، 444، 490.
تفسير التبيان: 224، 443.
تفسير الكشف: 128.
التفسير الكبير: 114، 115، 128، 258، 442، 487.
تفسير النيشابوري: 129، 138، 490.
تهذيب الأحكام: 137، 152، 186، 323، 350، 360، 378.
تهذيب الأخبار: 467.
تهذيب الوصول الى علم الأصول: 447.
التوراة: 272، 273، 448.
ث
ثواب الأعمال: 389.
ج
الجامعة: 299، 300.
الجفر: 299، 300.
جوامع الجامع: 448، 490، 491.
ح
حواشي الاستبصار: 111.
حواشي الكشّاف: 413.
حواشي المطوّل: 192.
خ
الخلاف: 185.
د
الدرّ الملتقط: 297.
الدروس: 350.
ذ
الذكرى: 120، 124، 166، 418.
ش
شرح الإرشاد: 122.
شرح الحاشية الخطابية: 311.
شرح حكمة الإشراق: 506.
الشرح الجديد للتجريد: 502.
شرح الرسالة: 149، 154.
شرح القانون: 126.
شرح القواعد لفخر المحقّقين: 445.
شرح القواعد للكركي: 121.
شرح الكتاب: 213.
شرح المختصر: 447.
شرح المقاصد: 492، 502.
شرح المواقف: 300، 489.
ص
صحاح اللغة: 125، 162، 196، 230، 425، 426، 483.
الصحيفة السجادية: 312.
ع
عدّة الداعي: 341.
عيون الأخبار: 261، 381.
ف
فتح العزيز في شرح الوجيز: 450.
الفتوحات المكية: 114، 116، 434.
ق
القرآن: 68، 113، 116، 189، 224، 258، 283، 289، 292، 463، 464، 487، 491، 500، 501، 502.
القانون: 125، 126.
القاموس: 125، 426.
قواعد الأحكام: 349، 445، 446.
القواعد والفوائد: 442، 446، 469.
ك
الكافي: 137، 184، 240، 282، 285، 299، 312، 343، 360، 388، 407، 444، 459، 460، 462، 464، 478، 479، 480، 481، 484، 487، 492، 493، 504، 506.
كتاب الكعب: 122.
كسر وثن بابارتن: 289.
الكشّاف: 257، 353، 426، 444، 448، 478، 490.
کشف الغمة: 312.
الكشكول: 500.
_م _
المبسوط: 185، 445.
المثنوي: 252.
مجمع البيان: 138، 162، 348، 353، 381، 426، 443، 448، 478، 490.
المختلف: 111، 119، 122، 129، 151، 215.
المشكاة: 487.
المصابيح: 115، 146، 487.
المطالب العلية: 503.
معالم التنزيل: 490.
المعتبر: 121، 151، 152، 166، 445.
المغرب: 125.
مفاتيح الغيب: 490.
منتهى المطلب: 111، 120، 129، 445.
من لا يحضره الفقيه: 137، 141، 146، 360.
النهاية: 185.
نهاية الإحكام: 108، 149، 150، 445، 450.
نهاية العقول: 505.
نهاية الوصول الى علم الأصول: 270، 447.
نهج البلاغة: 465.
صدر البيت / عجز البيت / القائل / الصفحة
فأنت السمع ... والأركان والقلب ... ... ٤١٦
آنچه پیش تو ... الله نیست ... ... ٨٠
أما الفقير الذي ... فلم يترك له سبدُ ... ... ١٨٥
لك ألف معبود ... وتدّعي التوحيد ... رابعة العدوية ... ٢٨٣
وتزعم أنّك جرم صغير ... العالم الأكبر ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... ٢٠٥
دواؤك فيك ... و ما تشعر ... أمير المؤمنين (علیه السلام) ... ٢٠٥
هلّا سبيل ... الرحيق السلسل ... ... ٣٦٤
تخيّر خليطاً ... ما كان يفعل ... ... ٤٩٤
فإن تك مشغولاً ... الله تشغل ... ... ٤٩٤
فلن يصحب الإنسان ... الذي كان يعمل ... ... ٤٩٤
ليس العطاء من الفضول ... وما لديه قليل ... ... ٣٧٢
إذا قالت حذام ... ما قالت حذام ... ... ٣٨٣
جنوني فيك ... لا تخبو ... ... ٤١٦
مقدمة التحقيق: ترجمة الشيخ البهائي ۵
اسمه ... ۵
ولادته ...٦
عائلته ...٦
اساتذته و مشايخه ... ۷
عصره: ... ۸
۱ _ الدولة الصفوية ... ۸
۲ _ هجرة ثلة من علماء جبل عامل الى إيران ... ۱۲
رحلاته ...۱۵
أقوال العلماء فيه ... ۱۷
الشيخ البهائي و منزلته العلمية ... ۱۹
تلامذته ... ۲۰
مؤلفاته ... ۳۰
كراماته ... ۳۵
أنموذج من شعره ... ۳۷
وفاته ...٤۷
کتاب الأربعين ونسخه الخطية ... ٤۹
منهج التحقيق ... ۵۰
مقدمة المؤلف ...۵۹
الحديث الأول: ثواب حفظ أربعين حديثاً ...٦۱
ـ المراد بحفظ الحديث ... ٦٥
ـ الحديث لغة واصطلاحاً ... ٦٦
هل معرفة معنى الحديث شرط في حصول الثواب ... ٦٧
المراد بالأمّة جميع الأمّة لا بعضها ... ٦٨
حكم نقل الحديث الشامل لعدّة أحكام... ٦٩
الاستدلال به على حجيّة الخبر الواحد ... ٧٠
بيان معنى الفقه ... ٧٢
الحديث الثاني: صفات أولياء الله ٧٥
ـ في بيان معنى المعرفة ...٧٨
ـ علّة تسمية أهل الحقيقة بأصحاب العرفان ...٧٨
ـ تساوي الخوف والرجاء في أولياء الله ... ٧٩
معرفة الله ... ٨٠
سمات العارفين وصفات الأولياء الكاملين ... ٨٢
الحديث الثالث: أهمية الوقت الأول للصلاة ٨٥
ـ ظهور الأعمال الصالحة في القيامة بصورة نعيم الجنّة ... ٨٩
في أنّ الصلاة تكفّر الذنوب ... ٨٩
توضيح حول تكفير الذنوب ... ٩٠
الحديث الرابع: وضوء رسول اللهصلی الله عليه وآله ٩٣
ـ توضيح الفاظ الحديث ...٩٥
بيان وجوب غسل الوجه من الأعلى ... ٩٧
في تحديد الوجه ... ٩٩
في وجوب مراعاة الأعلى فالأعلى في غسل الوجه ... ١٠٤
في وجوب إمرار اليد في غسل الوجه ... ١٠٤
في وجوب الترتيب في الوضوء ... ١٠٦
في جواز المسح بماء جديد ... ١١٠
في وجوب مسح الرجلين ...١١٢
مناظرة بين الغاسلين والماسحين ... ١١٤
محاكمة بين المتأخّرين والعلاّمة في معنى الكعب ...١١٩
في تحقيق معنى الكعبين ... ١٢٣
خاتمة: في عدم ورود كلام الشهيد على العلاّمة ... ١٣٠
الحديث الخامس: وضوء أميرالمؤمنين(علیه السلام) ١٣٢
ـ توضيح ألفاظ الحديث ... ١٣٥
في اختلاف نسخ الدعاء ... ١٣٧
معنى طلب تلقين الحجّة في يوم القيامة ...١٣٨
تحقيق في كلمة اليسار ... ١٣٩
في أن غسل أعضاء الوضوء ثانية بدعة أو سنّة ...١٤٠
في بيان مقدار ماء الوضوء ...١٤١
الحديث السادس: كيفية التيمّم ...١٤٣
ـ توضيح معنى الحديث ... ١٤٦
في قول النبيصلی الله عليه وآله لعمار ليس فيه استهزاء ... ١٤٨
في جزئية ضرب اليدين على الأرض للتيمّم ... ١٤٩
في كفاية الضربة الواحدة على الأرض في التيمّم ... ١٥١
في شرطية علوق التراب في التيمّم ... ١٥٣
الحديث السابع: صلاة حماد بن عيسى ١٥٧
ـ توضيح ألفاظ الحديث ... ١٦١
ـ في معنى الخشوع ... ١٦٢
ـ في معنى الترتيل ... ١٦٣
ـ في معنى سبحان ربّي ... ١٦٤
ـ في تفسير المساجد لله ... ١٦٥
الفرق بين الرجل والمرأة في آداب الصلاة ... ١٦٥
الفرق بين السجود على الأنف والارغام ... ١٦٧
حكم تكرار سورة التوحيد في الصلاة ... ١٦٧
الحديث الثامن: زكاة الأموال و زكاة الأجساد ١٧١
ـ توضيح ألفاظ الحديث ... ١٧٤
الحديث التاسع: خطبة رسول اللهصلی الله عليه وآله في شهر رمضان ١٧٧
ـ توضيح ألفاظ الحديث ... ١٨٢
ـ الفرق بين الفقير والمسكين ...١٨٤
ـ في معنى الرحم ... ١٨٧
ـ في المراد بالسبعين ... ١٨٨
ـ في المراد بوزن الأعمال ... ١٨٩
ـ درجات الورع ... ١٨٩
في حمل «خطبنا» في الحديث على تضمين معنى «وعظنا» ... ١٩٠
في كيفية وزن الأعمال ... ١٩١
توجيه «في» الظرفية في كلام أميرالمؤمنين(علیه السلام) ... ١٩٢
الحديث العاشر: أهمية الحجّ ١٩٣
ـ في معنى الأعرابي ... ١٩٦
ـ الخروج من الذنوب بأفعال الحجّ ... ١٩٧
الحديث الحادي عشر: جهاد النفس ١٩٩
ـ توضيح ألفاظ الحديث ... ٢٠١
ـ في معنى جهاد النفس ... ٢٠٢
في فضيلة جهاد النفس ... ٢٠٢
في وقوع النفس الناطقة بين القوى المتضادّة ... ٢٠٤
الحديث الثاني عشر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشرائطهما... ٢٠٩
ـ المراد بالمعروف والمنكر ... ٢١٢
في أنّ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عينيّ أو كفائيّ ... ٢١٣
الشروط الأربعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... ٢١٥
الشرط الخامس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... ٢١٧
الحديث الثالث عشر: الإجمال في طلب الرزق ٢١٩
ـ معنى الإجمال في طلب الرزق ... ٢٢٢
في صحّة إطلاق الرزق على الحرام ... ٢٢٢
الحديث الرابع عشر: كتاب أميرالمؤمنين(علیه السلام) الى شريح القاضي ٢٢٥
ـ توضيح ألفاظ الحديث ... ٢٢٩
التوجيه العرفاني للحديث ... ٢٣١
الحديث الخامس عشر: توبة عامل بني أُمية ٢٣٣
ـ توضيح ألفاظ الحديث ... ٢٣٦
حرمة إعانة الظلمة ... ٢٣٧
انكشاف أحوال النشأة الأخرى عند الاحتضار ... ٢٣٩
الحديث السادس عشر: دعاء أداء القرض ٢٤١
ـ قصّة المؤلّف مع هذا الدعاء ... ٢٤٣
الحديث السابع عشر: عصمة الأنبياء(علیه السلام) ٢٤٥
ـ توضيح ألفاظ الحديث ... ٢٥١
ـ تفسير قوله تعالى انّ ربّك يبسط الرزق... ... ٢٥٢
ـ تفسير قوله تعالى سبحانك انّي كنت من الظالمين ... ٢٥٢
البحث بين الأشاعرة والمعتزلة حول رؤية الله سبحانه ... ٢٥٣
في صحّة تقدّم الجزاء على الشرط ... ٢٥٥
في المراد من قوله تعالى برهان ربّه ... ٢٥٦
ـ كلام الزمخشري في التشنيع على من قال أنّ يوسف (علیه السلام)
همَّ بالمعصية ... ٢٥٧
ـ كلام الفخر الرازي في تنزيه يوسف(علیه السلام) ... ٢٥٨
اضطراب كلام المفسّرين في تفسير آية الفتح ... ٢٦٠
الحديث الثامن عشر: صفات الجليس ٢٦٣
ـ معنى الحواريين ... ٢٦٥
ـ أوصاف من يجوز مجالسته ... ٢٦٦
الحديث التاسع عشر: أوصاف رسول اللهصلی الله عليه وآله في التوراة ٢٧٠
ـ توضيح ألفاظ الحديث ... ٢٧٢
الحديث العشرون: ذمّ عبادة الطاغوت وحبّ الدنيا ٢٧٥
ـ توضيح الفاظ الحديث ... ٢٧٩
ـ معنى الطاغوت ... ٢٧٩
في تشبيه حال أهل الدنيا بشخص مدلى في بئر ... ٢٨٠
إطلاق العبادة على طاعة أهل العصيان على نحو الحقيقة ... ٢٨٢
في حقيقة عذاب القبر وكيفيته ... ٢٨٣
الحديث الحادي والعشرون: علّة اختلاف الأحاديث ٢٨٧
ـ معنى المحكم والمتشابه ... ٢٩٣
ـ معنى المنافقين ... ٢٩٤
ـ معنى التأويل ... ٢٩٥
ـ معنى التفسير ... ٢٩٥
تحقيق حول وضع الحديث ... ٢٩٦
بعض الأحاديث الموضوعة ... ٢٩٧
أخبار أميرالمؤمنين(علیه السلام) عن بعض المغيبات ... ٢٩٩
الحديث الثاني والعشرون: وصايا أميرالمؤمنين(علیه السلام) حين شهادته ٣٠١
ـ في المراد بحسن الجوار ... ٣٠٥
ـ مصاديق إكرام الضيف ...٣٠٦
ـ سيرة الإمام الحسن(علیه السلام) مع المساكين و مجالستهم ... ٣٠٦
ـ في المراد بقصر الأمل ... ٣٠٦
ـ الفرق بين الخوف والخشية ... ٣٠٨
ـ معنى الاقتصاد في العبادة ... ٣١٠
ـ في مدح الصمت ... ٣١٠
توجيه استغفار المعصومين(علیه السلام) ... ٣١١
ـ كلام الأربلي في ذلك ... ٣١٢
ـ توجيه الأصمعي لقولهصلی الله عليه وآله: «إنّه ليغان على قلبي» ... ٣١٣
ـ ثناء البيضاوي على توجيه الأصمعي لمعنى الحديث ... ٣١٣
الحديث الثالث والعشرون: وجوب الحذر من الذنوب ٣١٥
الحديث الرابع والعشرون: ذمّ الفحاش و قليل الحياء ٣١٩
ـ توضيح ألفاظ الحديث ... ٣٢١
في تفسير قوله تعالى و شاركهم في الأموال والأولاد ... ٣٢٢
الحديث الخامس والعشرون: حديث عتق بريرة والأحكام المستنبطة منه ٣٢٥
ـ توضيح ألفاظ الحديث ... ٣٢٨
في حقّ فسخ النكاح للأمة المعتقة ... ٣٢٩
في حرمة الصدقة الواجبة على بني هاشم ... ٣٣٠
مَن هم آل النبيصلی الله عليه وآله ؟ ... ٣٣٢
الحديث السادس والعشرون: صلاح تقدير الله للعباد و ذمّ العُجب ٣٣٥
ـ في معنى الهداية ... ٣٣٨
ـ أنواع هداية الله تعالى للعباد ... ٣٣٩
ـ في أنّ هلاك العبد في عُجبه ورضاه عن نفسه ... ٣٤٠
ـ في ضرر الإتّكال على الأعمال الحسنة ... ٣٤١
ـ في ضرر اليأس من المغفرة لكثرة الذنوب ... ٣٤٣
الحديث السابع والعشرون: أحكام النذر والقسم ٣٤٥
ـ معنى اليمين ... ٣٤٧
هل المراد بالنفي نفي الصحّة أو نفي العدم؟ ... ٣٤٩
حقيقة النذر و أقسامه ... ٣٥٠
الاستدلال على انعقاد النذر المطلق ... ٣٥١
في الردّ على أدلّة انعقاد النذر المطلق ... ٣٥٢
في وجوب رجحان متعلَّق النذر واليمين ... ٣٥٦
الحديث الثامن والعشرون: أنموذج من قضاء أميرالمؤمنين(علیه السلام) ٣٨٥
الحديث التاسع والعشرون: الآثار السيّئة للثروة ٣٦١
ـ توضيح ألفاظ الحديث ... ٣٦٤
الحديث الثلاثون: شرح مناهي رسول اللهصلی الله عليه وآله ٣٦٧
ـ توضيح ألفاظ الحديث ... ٣٧٢
ـ كراهة الكلام عند المجامعة ... ٣٧٢
في معنى الشجرة المثمرة ... ٣٧٣
في التكلّم مع الأجنبية ... ٣٧٤
في الفرق بين الصلاة المقبولة والمجزية ... ٣٧٥
حرمة الغيبة وموارد جوازها ... ٣٧٧
في بيان أنّ الإصرار على الصغيرة كبيرة أيضاً ... ٣٧٩
في بيان معنى الذنوب الكبيرة و عددها ... ٣٨٠
في تعريف العدالة ... ٣٨٢
الحديث الحادي والثلاثون: التسامح في أدلّة السنن ٣٨٥
ـ المراد بسماع الثواب ... ٣٨٧
وجه التسامح في أدلّة السنن في نظر الإمامية ... ٣٨٨
وجه التسامح في أدلّة السنن في نظر العامة ... ٣٨٩
الحديث الثاني والثلاثون: دعاء شيبة الهذلي في أُمور الدنيا والآخرة ٣٩٣
ـ توضيح مفردات الحديث ... ٣٩٦
الحديث الثالث والثلاثون: ثواب إدخال السرور على المؤمنين ٣٩٩
ـ في تجسّم الأعمال والاعتقادات ... ٤٠٢
الحديث الرابع والثلاثون: ثلّة من الحقوق الإجتماعية ٤٠٣
ـ المراد بسماع الفاحشة ... ٤٠٦
ـ في جواز استماع غيبة المؤمن لقصد ردّها ... ٤٠٦
ـ في ثواب كظم الغيظ ... ٤٠٦
الحديث الخامس والثلاثون: كرامة المؤمن عند الله تعالى وثواب النوافل ٤٠٩
ـ توضيح ألفاظ الحديث ... ٤١٢
ـ في معنى النوافل ... ٤١٥
ـ في معنى محبة الله سبحانه للعبد ... ٤١٥
ـ كلام أصحاب القلوب في معنى القرب ... ٤١٥
تأويلات تردّد الباري تعالى ... ٤١٦
في رفع التنافي بين أخبار كراهة المؤمن للموت وحبّ لقاء الله ... ٤١٧
موارد أفضلية السنّة على الواجب ... ٤١٩
الحديث السادس والثلاثون: أقسام طلاّب العلم وبقاء الحجة الإلهية ٤٢١
ـ توضيح ألفاظ الحديث ... ٤٢٥
ـ في معنى الرباني...٤٢٥
ـ في المراد من «أتباع كلّ ناعق» ...٤٢٦
ـ أقسام مَن له أهلية تحمّل العلم ... ٤٢٨
ـ في عدم خلو الأرض من قائم لله بحجّة ... ٤٢٩
_أوصاف حجج الله في أرضه ...٤٣٠
في إثبات وجود صاحب الأمر(علیه السلام) وردّ إشكال المخالفين ...٤٣١
في دفع الإشكال على طول عمر صاحب الأمر(علیه السلام)...٤٣٣
كلام ابن عربي حول صاحب الزمان(علیه السلام) ... ٤٣٤
الحديث السابع والثلاثون: الخشية من الله والنيّة الصادقة ٤٣٧
ـ في معنى قوله تعالى ليبلوكم أيّكم أحسن عملاً ... ٤٣٩
ـ في المراد بالنيّة الصادقة ... ٤٤٠
ـ في معنى العمل الخالص ...٤٤١
تحقيق في صحّة العمل بنيّة الثواب أو الخوف من العقاب أو عدمها ... ٤٤١
في بطلان العمل إذا كان بنيّة تحصيل الثواب ... ٤٤٥
تعريف النيّة ورفع بعض الإشكالات ... ٤٤٦
في بيان لزوم النيّة في العبادة ... ٤٤٧
في تركّب النيّة من التصوّر وقصد الفعل ... ٤٤٩
التوجيهات المختلفة لحديث «نيّة المؤمن خير من عمله» ... ٤٥٠
الحديث الثامن والثلاثون: التوبة و شرائطها ٤٥٥
ـ التوبة لغة و اصطلاحاً ... ٤٥٨
ـ شروط حصول التوبة ... ٤٥٨
ـ تعريف أصحاب القلوب للتوبة ... ٤٥٨
ـ في المراد بقبول التوبة ... ٤٥٩
ـ هل قبول التوبة واجب على الله أو تفضّل منه ... ٤٥٩
ـ في معاني التوبة قبل المعاينة ... ٤٥٩
في بيان وجوب فورية التوبة... ٤٦٠
في لزوم العزم على عدم العود الى الذنب في صحّة التوبة ... ٤٦٣
في بيان التوبة النصوح ... ٤٦٤
_كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) في معنى الاستغفار ...٤٦٥
ـ كيفية جلاء القلب من ظلمات المعاصي ... ٤٦٦
استحباب الغسل بعد الفراغ من التوبة ... ٤٦٧
ـ في أنّ الذنوب كلّها كبائر ... ٤٦٩
في وجوب إتيان حقوق الله وحقوق الناس بعد التوبة ... ٤٦٩
الحديث التاسع والثلاثون: تجسّم المال والأولاد والأعمال للانسان حين الموت ...٤٧٣
ـ توضيح ألفاظ الحديث ... ٤٧٧
ـ في قبض روح المؤمن ... ٤٧٩
ـ في سعة قبر المؤمن ... ٤٨٠
ـ في تسمية ملكي الموت بمنكر ونكير ...٤٨٢
ـ في علّة تسمية الانس والجنّ بالثقلين ... ٤٨٣
ـ الحكمة في عدم سماع الثقلين لعذاب القبر ... ٤٨٣
ـ في سماع الحيوانات لعذاب القبر ... ٤٨٣
ـ في كلام بعض أهل العرفان في تخصيص حيّات القبر بتسع وتسعين ... ٤٨٣
ـ كلام أهل الحديث في نكتة التخصيص بهذا العدد ...٤٨٥
في أنّ عذاب القبر مرتبط بعالم الملكوت ... ٤٨٥
في إثبات عذاب القبر في عالم البرزخ ... ٤٨٧
ردّ الاستشهاد بآية أمتّنا اثنتين في إثبات عذاب القبر ... ٤٨٩
في أنّ الحياة البرزخية حياة ناقصة ... ٤٩١
في تجسّم الأعمال واقترانها بصاحبها ... ٤٩٣
الحديث الأربعون: مصير أرواح المؤمنين بعد الموت ٤٩٧
ـ في إطلاق الروح على الجسم البخاري ... ٤٩٩
ـ القول في حقيقة الروح ... ٥٠٠
في أنّ الجنّة والنار مخلوقتان في الوقت الحاضر ... ٥٠١
في بقاء النفس الناطقة بعد مفارقة البدن ... ٥٠٣
في بطلان التناسخ ... ٥٠٤
في تجرّد القوالب المثالية في البرزخ ... ٥٠٦
الفهارس العامّة ... ٥٠٩
فهرس الآيات ... ٥١٠
فهرس الأحاديث ... ٥١٩
فهرس أسماء المعصومين(علیه السلام) ... ٥٣٣
فهرس الأعْلام ... ٥٣٦
فهرس رجال الأسانيد ... ٥٤٥
فهرس الفرق والمذاهب ... ٥٥٧
فهرس الجماعات والقبائل والأقوام ... ٥٥٩
فهرس البلدان والأماكن ...٥٦٤
فهرس الكتب المذكورة في المتن ... ٥٦٦
فهرس الأشعار ... ٥٧١
فهرس الموضوعات ... ٥٧٢