ghaemiyeh.com
أربعون حديثا وأربعون روايه عن الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)
مع قبس من السيرة والحياة
كمال السيد
دار النبلاء
محرر الرقمي: عليرضا راهجو
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1426ه- - 2005 م
دار النبلاء
بيروت - لبنان - حارة حريك : شارع القسيس خلف البلدية - تلفاكس : 01/541930
أهل البيت علیهم السلام مسيرة طاهرة وتاريخ إنساني حافل بالعطاء.
قال عز وجل في محكم كتابه الكريم: (إنَّما يُريد الله ليذهب عنكم الرجل أهل البيت ويطهركم تطهيرا).
ولا تلتقي الأمة الإسلامية على شيء مثلما تلتقي على حبّ أهل البيت علیهم السلام فهم عامل وحدة يجمع المسلمين كافة.
والمذاهب الإسلامية على تعددها واختلاف وجهات النظر لديها تلتقي على حبّ أهل البيت علیهم السلام.
فالأمة الإسلامية تجتمع عليهم وتقتدي بسلوكهم وتمجد أخلاقهم وسيرتهم؛ يقول ابن أبي الحديد في مقدمة شرحه لنهج البلاغة وما أقول في رجل تُعزى اليه كل فضيلة وتنتهي اليه كلُّ فرقة وتتجاذبه كل طائفة فهو رئيس الفضائل وينبوعها.
ويقول محمد بن طلحة الشافعي في الإمام الحسن المجتبى علیه السلام: «كأنّ الله عز وجل قد رزقه الفطرة الثاقبة ومنحه النظرة الصائبة
لاصلاح قواعد الدين ومبانيه وخصه بالجبلة التي درّت لها أخلاف مودتها بصور العلم ومعانيه».
وقال ابن تيمية في الامام الجواد: «كان من أعيان بني هاشم وهو معروف بالسخاء».
ولو أردنا أن نذكر ما قاله العلماء في أهل البيت قديماً وحديثاً لضاقت بذلك الموسوعات.
وهم بعد ذلك سفينة النجاة من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى، كما ورد في الحديث النبوي الشريف.
فما أحرانا أن نتعرف على سيرتهم وحياتهم ونصغي الى أحاديثهم وكلماتهم ومن ثم نقتدي بهم.
وما هذه المجموعة - عزيزي القارئ - إلا قبس مما حفظه التاريخ والرواة عنهم رحمة الله عليكم أهل البيت.
إنه حميد مجيد
دار النبلاء
وُلد الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في ربيع الأول سنة 80 ه ، في المدينة المنورة. أبوه، الامام محمد الباقر (عليه السلام). وأمه «أم فروة» بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الخليفة الأول.
قال الامام الصادق عن والدته كانت أمي ممن آمنت واتقت وأحسنت والله يحب المحسنين.
عاش مع جده السجاد (عليه السلام) 15 سنة ومع أبيه الباقر (عليه السلام) 34 سنة.
دعاه الناس بألقاب عديدة ; منها : الصابر، والفاضل، والطاهرة; وأشهرها الصادق وكلها تدل على شخصيته الأخلاقية وحسن سيرته.
كان استشهاد الامام الحسين (عليه السلام)، وما فعله الأمويون من ظلم بالمسلمين سبباً في زوال حكمهم وفتح
الطريق أمام العباسيين الذين خدعوا الناس بدعوتهم الى أهل البيت (عليهم السلام) ولكنهم - وبعد أن أحكموا قبضتهم - صاروا أشدّ أعداء أهل البيت.
عاصر الامام الصادق ظلم بني أمية أكثر من أربعين سنة، وعاش في زمن بني العباس أكثر من عشرين سنة. وظل بعيداً عن السياسة منصرفا الى تثبيت دعائم الدين في نفوس الناس، ونشر أخلاق الاسلام وعقائده في زمن راجت فيه العقائد الإلحادية والمنحرفة.
تصدى الامام الصادق الى محاربة الإلحاد والزندقة ،وفي عهده انتشر مذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
قال زيد بن علي الثائر المعروف: في كل زمان رجل منا أهل البيت يحتج الله به على خلقه، وحجّة زماننا ابن أخي جعفر بن محمد.. لا يضلّ من تبعه ولا يهتدي من خالفه .
وقال فيه مالك بن أنس إمام المذهب المالكي:
والله ما رأت عيناي أفضل من جعفر بن محمد زهداً وفضلا وعبادة وورعا، وكنت أقصده فيكرمني ويُقبل علي.
وتتلمذ على يديه أبو حنيفة إمام المذهب الحنفي مدة عامين، وكان يقول : لولا السنتان لهلك النعمان.
وروى أحد أصحابه: كنت مع أبي عبدالله (عليه السلام) بالمدينة وهو راكب حماره، فلما وصلنا قريب السوق، نزل الامام فسجد الله وأطال السجود وأنا انتظره، ثم رفع رأسه فقلت: جعلت فداك رأيتك نزلت فسجدت؟
قال الامام: إني ذكرت نعمة الله علي فسجدت شاكرا .
وقال آخر: رأيت أبا عبدالله (عليه السلام) وبيده مسحاة وعليه إزار غليظ يعمل في بستان له، والعرق يتصبب منه، فقلت: جعلت فداك: أعطني المسحاة أكفك العمل، فقال لي: إني أحب أن يتأذى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة.
وقد بعث الامام ذات يوم غلامه في حاجة فأبطأ ، فخرج الامام الصادق على أثره يبحث عنه، فوجده نائما، فجلس عند رأسه يروح له الهواء حتى انتبه، فعاتبه الامام برقة وقال له:
تنام الليل والنهار ؟ لك الليل، ولنا النهار.
واستأجر الامام عمالاً يعملون في بستانه، فلما فرغوا من عملهم، قال لغلامه معتب: إعطهم أجرهم قبل أن يجف عرقهم.
وكان الامام الصادق إذا مضى جزء من الليل أخذ جراباً فيه خبز ولحم ودراهم فحمله على عاتقه فوزعه على ذوي الحاجة من أهل المدينة وهم لا يعرفونه. فلما توفي الامام الصادق عليه السلام) افتقدوا ذلك الرجل فعلموا أنه الإمام.
مرّ سفيان الثوري في المسجد الحرام، فرأى الامام الصادق (عليه السلام) مرتديا ثياباً قيمة جميلة، فقال: والله لأو تخنه، فاقترب من الامام وقال له:
فقال الإمام: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) في زمن فقر، ونحن في زمن غنى، والأبرار أحق من غيرهم بنعم الله، ثم قرأ الامام قوله تعالى: «قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق» (1).
1) الأعراف: 32.
فنحن أحق من أخذ منها ما أعطاه الله، ثم كشف الامام ثوبه فاذا تحته ثوب غليظ ،خشن وقال: يا ثوري هذا لبسته للناس، وهذا لي.
دعا الامام مولی له اسمه «مصادف» واعطاه ألف دينار ليتاجر بها وقال :له تجهز حتى تخرج الى مصر، فإن عيالي قد كثروا ، فتجهز وخرج مع قافلة التجار الى ،مصر، فصادفتهم قافلة خرجت من مصر تريد العودة، فسألوهم عن البضاعة وحاجة الناس هناك، فاخبروهم أنه ليس في مصر منه شيء، فاتفق التجار ومعهم (مصادف) على ربح فاحش على بضاعتهم، فلما وصلوا مصر عرضوا بضائعهم بربح 100% وباعوا على ذلك، ثم 100% عادوا الى المدينة.
ودخل مصادف على الامام الصادق وهو يحمل كيسين; في كل واحد ألف دينار، وقال للإمام ياسيدي هذا رأس المال وهذا ربحه، فقال الامام هذا ربح كثير، كيف ربحته؟ فحدثه مصادف بحاجة بلاد مصر الى بضائعهم وكيف اتفق التجار على استغلال هذه الحاجة، وتحالفهم عن أن
يكون ربح كل دينار دينارا، فتأثر الامام وقال مستنكرا سبحان الله تتحالفون على قوم مسلمين ألا تبيعوهم إلا ربح الدينار ديناراً؟!!
أخذ الامام رأس المال فقط، وقال: هذا مالنا ولا حاجة لنا في ربحه، ثم قال: يا مصادف مجالدة السيوف أهون من طلب الحلال.
وسأل فقير الامام الصادق ( عليه السلام) فقال لغلامه ما عندك؟
قال الغلام: اربعمائة درهم .
فقال الامام : أعطه إياها، فأخذها الفقير وانصرف شاكرا .
فقال الامام لغلامه: أرجعه، فقال الفقير متعجباً سألتك فأعطيتني فماذا بعد ذلك!
فقال الامام قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خير الصدقة ما أبقت غنى وإنا لم نغنك، فخذ هذا الخاتم، فقد أعطيت فيه عشرة آلاف درهم، فاذا احتجت فبعه بهذه القيمة.
أسلم شاب نصراني ودخل على الامام الصادق فدعا له وقال له: سل عما شئت يا بني.
فقال الشاب : إن أبي وأمي وأهل بيتي على النصرانية، وأمي مكفوفة البصر، وأنا أعيش معهم وآكل في آنيتهم.
فقال الامام: أيأكلون لحم الخنزير؟
فقال الشاب: كلا.
فقال الامام: كل معهم، وأوصيك بأمك فلا تقصر في برها، وكن أنت الذي تقوم بشأنها.
وعاد الشاب الى الكوفة، فرأت أمه منه أخلاقا حسنة لم ترها من قبل فقالت يا بني ما كنت تصنع بي هذا وأنت على ديني، فما الذي أرى منك منذ هاجرت ودخلت في الحنفية؟
فقال الشاب: أمرني بهذا رجل من ولد النبي محمد (صلى الله عليه وآله).
فقالت أمه: أهو نبي؟
فقال الشاب: لا، ولكنه ابن نبي.
فقالت الام دينك خير الأديان، إعرضه عليّ.
فعرض الابن على أمّه دين الاسلام فأسلمت ،وعلمها الصلاة.
قال الامام الصادق ( عليه السلام) الحكرة (الإحتكار)
في الخصب أربعون يوماً، وفي الشدة والبلاء ثلاثة أيام، فما زاد على الأربعين يوماً في الخصب فصاحبه ملعون، ومازاد على ثلاثة أيام في العسر فصاحبه ملعون.
وكان يقول لخادمه في أوقات حاجة الناس: اشتر لنا شعيرا واخلط به طعامنا فإني أكره أن نأكل جيدا ويأكل الناس رديئاً.
ذات ليلة، وكان الظلام يغمر المدينة رأى المعلى بن خنيس الامام الصادق (عليه السلام) يشقّ طريقه في المطر والظلام وهو يحمل كيساً مليئاً بالخبز، فتبعه ليعرف أين يذهب، فسقطت بعض أرغفة الخبز فجمعها ومضى في طريقه حتى وصل الى مساكين كانوا نائمين، فوضع عند رأس كل واحد منهم رغيفين فدنا منه المعلى، وسلم عليه وسأله: أهم من شيعتك فقال الامام: لا.
وكان الامام يعول كثيراً من الأسر .. يحمل اليهم الطعام في الليل وهم لا يعرفونه، حتى اذا توفى انقطع ما يأتيهم في الليل، فعرفوا أنه الامام.
وأصاب المدينة قحط، واختفى القمح من أسواقها، فسأل الامام غلامه (معتب) عنه، فقال معتب: عندنا ما يكفينا شهوراً، فأمره أن يبيعه ويعرضه في الاسواق.
فتعجب معتب وأول ثني الامام، ولكن دون جدوى. روی بشار المكاري، قال دخلت على أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) وكان بين يديه طبق من رطب وهو يأكل، فقال يا بشار، أدن فكل .فقلت: هتأك الله قد أخذتني الغيرة من شيء رأيته في شيء رأيته في طريقي وقد أوجع قلبي. رأيت جلوازا «شرطيا» يضرب امرأة ويسوقها الى الحبس وهي تنادي: المستغاث بالله ورسوله.
فسألت ،فقال الناس: إنها عثرت في طريقها، فقالت:
لعن الله ظالميك يا فاطمة .
فقطع الامام الأكل وبكى حتى ابتلّ منديله، ثم نهض الى المسجد ودعا لها، فلم تلبث في الحبس إلا قليلا، ثم بعث لها بصرّة فيها سبعة دنانير، وكانت امرأة فقيرة.
سعى الامويون، ومن ورائهم العباسيون، في القضاء على أهل البيت (عليهم السلام) وطاردوا شيعتهم في كل مكان، وكان الناس يتداولون الروايات عن أهل البيت سرّا وخوفاً.
وعندما أتيحت الفرصة الى الامام الباقر ثم ابنه الامام الصادق (عليهما السلام) انصرفا الى نشر علوم الدين، وتحكيم أسس الايمان في قلوب الناس.
وفي عهد الامام الصادق ( عليه السلام) راجت العقائد المنحرفة والضالة ، فسعى الامام الى محاربتها، فتأسست على يديه جامعة اسلامية كبرى تضم أكثر من أربعة آلاف عالم تخرّجوا على يديه، في علوم الدين والرياضيات والكيمياء، وحتى الطب.
وكان جابر بن حيان الكيميائي المشهور يبدأ مقالاته في هذا العلم بقوله: حدثني سيدي «جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) ».
كان الامام الصادق (عليه السلام) يحترم العلماء المؤمنين ويشجّعهم ويوضح لهم الطريق الصحيح للبحث والحوار لخدمة الدين وتعميق أساس الايمان، وكان يشعر
بالحزن لدى رؤيته المنحرفين الضالين الذين يسعون الى بلبلة عقائد الناس ونشر الضلال.
واجتمع أربعة من هؤلاء الضالين في مكة وراحوا يسخرون من الحجاج وهم يطوفون بالكعبة، ثم اتفقوا على نقض القرآن بتأليف كتاب مثله ، فتعهد كل واحد منهم بربع القرآن، وقالوا: ميعادنا العام القادم.
ومرّ العام، واجتمعوا مرّة أخرى.
قال الأول: قضيت العام كله أفكّر في هذه الآية: «فلما استيأسوا خلصوا نجياً» وقد حيّرتني فصاحتها وبلاغتها. قال الثاني: فكرت في هذه الآية: «يا أيها الناس ضُرب مثل فاستمعوا له إن الذين يدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له» فلم أقدر أن آتي بمثلها.
وقال الثالث :وأنا فكرت في هذه الآية: «لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا »فلم استطع أن آتي بمثلها.
وقال الرابع: انه ليس من صنع البشر. لقد قضيت العام كله أفكر في هذه الآية: «وقيل يا ارض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بُعدا للقوم الظالمين».
ومرّ بهم الامام الصادق ( عليه السلام) فنظر اليهم وتلا قوله تعالى:
«لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا».
انتشر مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في زمن الامام الصادق ( عليه السلام) وأصبح له أتباع كثيرون، حتى أطلق الناس على مذهب التشيع اسم المذهب الجعفري نسبة الى جعفر الصادق (عليه السلام) .
وبالطبع لا يختلف المذهب الجعفري، فهو مذهب علي (عليه السلام) الذي اغتيل في المحراب على يد الخوارج، وهو المذهب الذي مات عليه الحسن(عليه السلام) مسموماً على يد معاوية، وهو المذهب الذي استشهد من أجله الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء.
لقد أوصى رسول الله المسلمين بكتاب الله وعترته (اهل البيت) ولكن المسلمين - ومع الأسف - غفلوا عن وصية النبي (عليه السلام) فغصب المنحرفون حقهم، وانتشر الفساد والظلم، وكان الحكام يطاردون آل النبي وشيعتهم ،
بل تجرّأوا على قتلهم وارتكاب أبشع الجرائم بحقهم كما حصل في كربلاء.
وأدرك الناس أنهم قد خسروا خسارة كبرى بتضييع وصية الرسول (صلى الله عليه وآله)، ولكنهم كانوا يخافون سطوة الحاكمين، حتى كان بعضهم يخفي ولاءه لأهل البيت خوفاً على حياته.
الامام والمنصور
ضجّ الناس من حكم بني أمية وظلمهم، واستغلّ البعض عواطف الناس وولاءهم لأهل النبي، فبدأوا معارضتهم لبني أمية باسم آل البيت، وقد نشط العباسيون وراحوا يدعون الناس الى «الرضا من آل محمد». وسرعان ما التفّ الناس حولهم، فانتصروا وانتهت حكومة بني أمية. وبدل أن يُسلم العباسيون الخلافة الى أصحابها، راحوا يطاردون العلويين في كل مكان، وأمعنوا في قتلهم وتشريدهم.
أمسك المنصور بمقاليد الخلافة بقوّة وراح يخطط للقضاء على معارضيه ،فقتل محمداً وأخاه ابراهيم; وهما من ولد الحسن ( عليه السلام )وبثّ الجواسيس في المدن،
وأمر حاكم المدينة المنورة بمراقبة الامام الصادق مراقبة دقيقة.
استدعى المنصور الإمام مرّة وقال له: لماذا لا تزورنا كما يزورنا الناس؟
أجابه الامام :ليس لنا من أمر الدنيا ما نخافك عليه، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوه منك، ولا أنت في نعمة فنهنئك بها، ولا في نقمة فنعزيك.
فقال المنصور بخبث: تصحبنا لتنصحنا.
فأجابه الامام: من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك.
كان المنصور يأمر واليه على المدينة بالحطّ من مكانة علي (عليه السلام).
وذات يوم ارتقى الوالي المنبر وراح يذكر أمير المؤمنين وأهل بيته بسوء، فنهض الامام وقال:
اما ما قلت من خير فنحن أهله، وما قلت من سوء فأنت وصاحبك (أي المنصور) أولى به، والتفت الامام الى الناس وقال: ألا أنبئكم بأخفّ الناس ميزانا وأبينهم خسراناً يوم القيامة وأسوأهم حالاً :من باع آخرته بدنيا غيره; وهو هذا الفاسق.
فنزل الولي من المنبر وهو يشعر بالخزي.
وفي مجلس «المنصور» كانت ذبابة لا تنفكّ تحط على أنف المنصور وهو يطردها فتعود، حتى آذته، فالتفت الى الامام وسأله بانزعاج:
فأجابه الامام: ليذلّ به أنوف الجبابرة.
لم يكن المنصور يتحمل وجود الامام الصادق (عليه السلام) وكان يخطّط للقضاء عليه ، وأخيراً دسّ اليه السم. واستشهد الامام في 25 شوال سنة 148 ه- . حيث دفن جثمانه الطاهر في مقبرة البقيع في المدينة المنورة.
عن أبي بصير قال: كنت مع أبي عبد الله (عليه السلام) في السنة التي ولد فيها ابنه موسى (عليه السلام) فلما نزلنا الابواء وضع لنا أبو عبد الله (عليه السلام) الغداء ولاصحابه وأكثره وأطابه ، فبينا نحن نتغدى إذ أتاه رسول حميدة أن الطلق قد ضربني، وقد أمرتني أن لا أسبقك بابنك هذا. فقام أبو عبد الله فرحا مسرورا ، فلم يلبث أن عاد إلينا، حاسرا عن ذراعيه ضاحكا سنه فقلنا :أضحك الله سنك، وأقر عينك، ما صنعت حميدة؟ فقال: وهب الله لي غلاما، وهو خير من برأ الله ، ولقد خبرتني عنه بأمر كنت أعلم به منها قلت: جعلت فداك وما خبرتك عنه حميدة؟ قال: ذكرت أنه لما وقع من بطنها وقع واضعا يديه على الارض رافعا رأسه إلى السماء، فأخبرتها أن تلك أمارة رسول الله صلى الله عليه وآله وأمارة الامام من بعده. فقلت: جعلت فداك وما تلك من علامة الامام ؟ فقال : إنه لما كان في الليلة التي علق بجدي فيها، أتى آت جد أبي وهو راقد، فأتاه بكأس فيها شربة أرق من الماء، وأبيض من اللبن، وألين من الزبد، وأحلى من الشهد، وأبرد من الثلج فسقاه إياه وأمره بالجماع، فقام فرحا مسرورا فجامع فعلق فيها بجدي، ولما
كان في الليلة التي علق فيها بأبي أتى آت جدي فسقاه كما سقا جد أبي وأمره بالجماع فقام فرحا مسرورا فجامع فعلق بأبي ، ولما كان في الليلة التي علق بي فيها، أتى آت أبي فسقاه وأمره كما أمرهم ، فقام فرحا مسرورا فجامع فعلق بي، ولما كان في الليلة التي علق فيها بابني هذا، أتاني آت كما أتى جد أبي وجدي وأبي فسقاني كما سقاهم، وأمرني كما أمرهم، فقمت فرحا مسرورا بعلم الله بما وهب لي، فجامعت فعلق بابني هذا المولود، فدونكم فهو والله صاحبكم من بعدي (1).
عن محمد بن مسلم قال: كنت عند أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) إذ دخل جعفر ابنه، وعلى رأسه ذؤابة، وفي يده عصا يلعب بها، فأخذه الباقر (عليه السلام) وضمه إليه ضما ، ثم قال: بأبي أنت وأمي لا تلهو ولا تلعب ثم قال لي، يا محمد هذا إمامك بعدي فاقتد به، واقتبس من علمه، والله إنه لهو الصادق، الذي وصفه لنا رسول الله
1) بحار الأنوار ج 48 ص 2.
صلى الله عليه وآله إن شيعته منصورون في الدنيا والاخرة، وأعداؤه ملعونون على لسان كل نبي، فضحك جعفر (عليه السلام) واحمر وجهه ، فالتفت إلي أبو جعفر وقال لي: سله، قلت له :يا ابن رسول الله من أين الضحك؟ قال: يا محمد العقل من القلب والحزن من الكبد، والنفس من الرية، والضحك من الطحال، فقمت وقبلت رأسه (1)
في مسند أبي حنيفة : قال الحسن بن زياد: سمعت أبا حنيفة وقد سئل من أفقه من رأيت؟ قال : جعفر بن محمد لما أقدمه المنصور بعث إلي فقال: يا أبا حنيفة إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيئ له من مسائلك الشداد فهيأت له أربعين مسألة، ثم بعث إلى أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته. فدخلت عليه، وجعفر جالس عن يمينه، فلما بصرت به، دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لابي جعفر، فسلمت عليه، فأوما إلى فجلست ، ثم التفت إليه، فقال: يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة قال : نعم أعرفه ، ثم التفت إلي فقال: يا أبا
1) المصدر السابق ج 47 ص 15 .
حنيفة ألق على أبي عبد الله من مسائلك فجعلت ألقي عليه فيجيبني فيقول: أنتم تقولون كذا ، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فربما تابعنا و ربما تابعهم، وربما خالفنا جميعا حتى أتيت على الاربعين مسألة فما أخل منها بشئ ثم قال أبو حنيفة : أليس أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس (1).
أبان بن تغلب في خبر أنه دخل يماني على الصادق (عليه السلام) فقال له: مرحبا بك يا سعد فقال الرجل: بهذا الاسم سمتني امي، وقل من يعرفني به فقال: صدقت يا سعد المولى فقال: جعلت فداك بهذا كنت القب فقال: لا خير في اللقب إن الله يقول: ولا تنابزوا بالالقاب ما صناعتك يا سعد ؟ قال: أنا من أهل بيت ننظر في النجوم، فقال: كم ضوء الشمس على ضوء القمر درجة؟ قال: لا أدري قال : فكم ضوء القمر على ضوء الزهرة درجة ؟ قال : لا أدري قال: فكم للمشتري من ضوء عطارد ؟ قال: لا أدري قال: فما اسم
1) المصدر نفسه ج47 ص 216.
النجوم التي إذا طلعت هاجت البقر ؟ قال: لا أدري فقال: يا أخا أهل اليمن عندكم علماء؟ قال: نعم إن عالمهم ليزجر الطير ويقفو الأثر في الساعة الواحدة مسيرة سير الراكب المجد فقال (عليه السلام): إن عالم المدينة أعلم من عالم اليمن ، لان عالم المدينة ينتهي إلى حيث لا يقفو الاثر، ويزجر الطير، ويعلم ما في اللحظة الواحدة مسيرة الشمس، يقطع اثني عشر برجا، واثني عشر بحرا، واثني عشر عالما قال: ما ظننت أن أحدا يعلم هذا ويدري (1).
إن نصرانياً سأل الصادق ( عليه السلام) عن تفصيل الجسم فقال (عليه السلام): إن الله تعالى خلق الانسان على اثني عشر وصلا وعلى مائتين وستة وأربعن عظما، وعلى ثلاث مائة وستين عرقا ، فالعروق هي التي تسقي الجسد كله، والعظام تمسكها، واللحم يمسك العظام، والعصب يمسك اللحم. وجعل في يديه اثنين وثمانين عظما، في كل يد أحد وأربعون عظما :منها :في كفه خمسة وثلاثون عظما،
1) المناقب ج 3 ص 375.
وفي ساعده إثنان، وفي عضده واحد، وفي كتفه ثلاثة فذلك أحد وأربعون عظما، وكذلك في الاخرى وفي رجله ثلاثة وأربعون عظما، منها في قدمه خمسة وثلاثون عظما وفي ساقه إثنان وفي ركبته ثلاثة وفي فخذه واحد، وفي وركه إثنان، وكذلك في الأخرى، في صلبه ثماني عشرة فقارة، وفي كل واحد من جنبيه تسعة أضلاع، وفي وقصته ثمانية، وفي رأسه ستة وثلاثون عظما وفي فيه ثمانية وعشرون، واثنان وثلاثون .بیان :لعل المراد بالوقصة العنق قال الفيروز آبادي: وقص عنقه كوعد كسرها والوقص بالتحريك قصر العنق، ويحتمل أن يكون وفي قصه وهي عظام وسط الظهر قوله ( عليه السلام): وفي فيه ثمانية وعشرون أي في بدو الانبات، ثم تنبت في قريب من العشرين أربعة اخرى ، فلذا قال (عليه السلام) بعده و اثنان وثلاثون .ويحتمل أن يكون باعتبار اختلافها في الاشخاص، ويدل الخبر على أن السن ليس بعظم(1)
1) بحار الأنوار ج 47 ص 218 .
عن ابن أبي ليلى قال :دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام )ومعي نعمان فقال أبو عبد الله :من الذي معك؟ فقلت: جعلت فداك هذا رجل من أهل الكوفة له نظر ونفاذ رأي يقال له: نعمان. قال: فلعل هذا الذي يقيس الأشياء برأيه؟ فقلت: نعم. قال: يا نعمان هل تحسن أن تقيس رأسك ؟ فقال : لا ، فقال : ما أراك تحسن شيئا ولا فرضك إلا من عند غيرك، فهل عرفت كلمة أولها كفر وآخرها إيمان؟ قال: لا. قال: فهل عرفت ما الملوحة في العينين، والمرارة في الاذنين، والبرودة في المنخرين والعذوبة في الشفتين؟ قال: لا .قال :ابن أبي ليلى فقلت: جعلت فداك فسر لنا جميع ما وصفت. قال :حدثني أبي عن آبائه عليهم السلام ،عن رسول الله صلى الله عليه واله : إن الله تبارك وتعالى خلق عيني ابن آدم من شحمتين فجعل فيهما الملوحة ولولا ذلك لذابتا، فالملوحة تلفظ ما يقع في العين من القذى، وجعل المرارة في الاذنين حجابا من الدماغ فليس من دابة تقع فيه إلا التمست الخروج، ولولا ذلك لوصلت إلى الدماغ، وجعلت العذوبة في الشفتين منا من الله عز وجل على ابن آدم، يجد بذلك عذوبة الريق وطم الطعام والشراب، وجعل
البرودة في المنخرين لئلا تدع في الرأس شيئا إلا أخرجته. فقلت : فما الكلمة التي أولها كفر وآخرها إيمان؟ قال: قول الرجل : لا إله إلا الله. فأولها كفر وآخرها إيمان، ثم قال: يا نعمان إياك والقياس فقد حدثني أبي، عن آبائه عليهم السلام، عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال: من قاس شيئا بشئ قرنه الله عز وجل مع إبليس في النار فإنه أول من قاس على ربه، فدع الرأي والقياس، فإن الدين لم يوضع بالقياس وبالرأي (1).
عن موسى بن جعفر قال: لما طلب أبو الدوانيق أبا عبد الله (عليه السلام) وهم بقتله، فأخذه صاحب المدينة ووجه به إليه، وكان أبو الدوانيق استعجله ، واستبطأ قدومه حرصا منه على قتله، فلما مثل بين يديه ضحك في وجهه، ثم رحب به ،وأجلسه عنده و قال يا ابن رسول الله، والله لقد وجهت إليك وأنا عازم على قتلك ولقد نظرت فالقي إلي محبة لك، فوالله ما أجد أحدا من أهل بيتي أعز منك، ولا أثر عندي،
1) المصدر نفسه ج 2 ص 295.
ولكن يا أبا عبد الله ما كلام يبلغني عنك تهجننا فيه، وتذكرنا بسوء؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما ذكرتك قط بسوء، فتبسم أيضا وقال: والله أنت أصدق عندي من جميع من سعى بك إلي هذا مجلسي بين يديك وخاتمي، فانبسط ولا تخشني في جليل أمرك و صغيره، فلست أردك عن شيء، ثم أمره بالانصراف وحباه وأعطاه، فأبى أن يقبل شيئا، وقال: يا أمير المؤمنين أنا في غناء وكفاية وخير كثير، فإذا هممت ببري فعليك بالمتخلفين من أهل بيتي، فارفع عنهم القتل ،قال :قد قبلت يا أبا عبد الله، و قد أمرت بمائة ألف درهم، ففرق بينهم فقال : وصلت الرحم يا أمير المؤمنين، فلما خرج من عنده مشى بين يديه مشايخ قريش وشبانهم من كل قبيلة، ومعه عين أبي الدوانيق، فقال له: يا ابن رسول الله لقد نظرت نظرا شافيا حين دخلت على أمير المؤمنين فما أنكرت منك شيئا غير أني نظرت إلى شفتيك وقد حركتهما بشئ فما كان ذلك؟ قال : إني لما نظرت إليه قلت :يا من لا يضام ولا يرام، وبه تواصل الارحام صل على محمد وآله ،واكفني شره بحولك وقوتك والله ما زدت على ما سمعت قال: فرجع العين إلى أبي الدوانيق فأخبره بقوله، فقال: والله
ما استتم ما قال حتى ذهب ما كان في صدري من غائلة وشر (1)
عن المفضل بن عمر قال: حمل إلى أبي عبد الله (عليه السلام )مال من خراسان مع رجلين من أصحابه، لم يزالا يتفقدان المال حتى مرا بالري ،فرفع إليهما رجل من أصحابهما كيسا فيه ألفا درهم، فجعلا يتفقدان في كل يوم الكيس حتى دنيا من المدينة، فقال أحدهما لصاحبه :تعال حتى ننظر ما حال المال ؟ فنظرا فإذا المال على حاله ما خلا كيس الرازي، فقال أحدهما لصاحبه: الله المستعان ما نقول الساعة لابي عبد الله (عليه السلام)؟ فقال أحدهما: إنه (عليه السلام )كريم، وأنا أرجو أن يكون علم نقول عنده، فلما دخلا المدينة قصدا إليه ،فسلما إليه المال فقال لهما: أين كيس الرازي؟ فأخبراه بالقصه، فقال لهما : إن رأيتما الكيس تعرفانه؟ قالا :نعم، قال :يا جارية علي بكيس كذا وكذا، فأخرجت الكيس فرفعه أبو عبد الله (عليه السلام) إليهما
1) المصدر نفسه ج47 ص 172.
فقال: أتعرفانه؟ قالا : هو ذاك قال: إني احتجت في جوف الليل إلى مال، فوجهت رجلا من الجن من شيعتنا فأتاني بهذا الكيس من متاعكما(1)
عن زيد الشحام ،قال :كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) ونحن جماعة من الكوفيين، فدخل جعفر بن عفان على أبي عبد الله (عليه السلام) فقربه وأدناه ثم قال: يا جعفر، قال: لبيك جعلني الله فداك، قال: بلغني أنك تقول الشعر في الحسين (عليه السلام) وتجيد، فقال له: نعم، جعلني الله فداك، فقال : قل فأنشده (عليه السلام) ومن حوله حتى صارت له الدموع على وجهه ولحيته. ثم قال: يا جعفر والله لقد شهدك ملائكة الله المقربون هيهنا يسمعون قولك في الحسين (عليه السلام) وقد بكوا كما بكينا أو أكثر، ولقد أوجب الله تعالى لك يا جعفر في ساعته الجنة بأسرها وغفر الله لك، فقال: يا جعفر ألا أزيدك ! قال: نعم يا سيدي، قال:
1) المصدر نفسه ج47 ص 65.
ما من أحد قال في الحسين شعرا فبكي وأبكي به ألا أوجب الله له الجنة وغفر له(1)
قال جماعة من الرواة: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) ،منهم يونس بن ظبيان والمفضل بن عمر، وأبو سلمة السراج، والحسين بن أبي فاختة. فقال لنا فيما جرى: عندنا خزائن الأرض ومفاتيحها ، ولو أشاء أن أقول بإحدى رجلي أخرجي ما فيك من الذهب والفضة لكان. ثم خط باحدى رجليه في الارض خطا، فانفجرت الأرض عن كنز فيه سبائك فقال بيده هكذا ، فأخرج سبيكة ذهب قدر شبر فتناولها، ثم قال :انظروا فيها حسنا حتى لا تشكوا. فنظرنا فإذا هي ذهب يتلألأ. ثم قال :انظروا في الأرض. فنظرنا فإذا سبائك كثيرة بعضها على بعض تتلألأ فقال بعضنا: جعلت فداك اعطيتم ما نرى وشيعتكم محتاجون؟ ! فقال: إن
1) اختيار معرفة الرجال الشيخ الطوسي ج 2 ص 574.
الله سيجمع لنا ولشيعتنا الدنيا والآخرة، وندخلهم جنات النعيم وندخل عدونا نار الجحيم(1)
عن محمد بن مسلم قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله (عليه السلام )فقال له: إني رأيت ابنك موسى يصلي والناس يمرون بين يديه فلا ينهاهم، وفيه ما فيه فقال أبو عبد الله (عليه السلام ): ادع لي موسى، فلما جاءه قال: يا بني إن أبا حنيفة يذكر أنك تصلي والناس يمرون بين يديك فلا تنهاهم، قال : نعم يا أبه إن الذي كنت اصلي له كان أقرب إلي منهم ، يقول الله تعالى :نحن أقرب إليه من حبل الوريد قال : فضمه أبو عبد الله (عليه السلام) إلى نفسه وقال: بأبي أنت وأمي يا مودع الأسرار. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا حنيفة القتل عندكم أشد أم الزنا؟ فقال بل القتل، قال: فكيف أمر الله في القتل بشاهدين وفي الزنا بأربعة؟ كيف يدرك هذا بالقياس؟ ، يا أبا حنيفة ترك الصلاة أشد أم ترك الصيام؟ قال: بل ترك الصلاة، قال: فكيف
1) الخرائج و الجرائح قطب الدين الراوندي ج 2 ص 737.
تقضي المرأة صيامها ولا تقضي صلاتها، كيف يدرك هذا بالقياس؟، ويحك يا أبا حنيفة النساء أضعف على المكاسب أم الرجال ؟ قال : بل النساء ، قال : فكيف جعل الله للمرأة سهما و للرجل سهمين؟ كيف يدرك هذا بالقياس؟، يا أبا حنيفة الغائط أقذر أم المني؟ قال: بل الغائط، قال: فكيف يستنجى من الغائط و يغتسل من المني ؟ كيف يدرك هذا بالقياس؟ ويحك يا أبا حنيفة تقول سأنزل مثل ما أنزل الله؟ قال أعوذ بالله أن أقوله، قال: بلى تقوله أنت وأصحابك من حيث لا تعلمون. قال أبو حنيفة :جعلت فداك حدثني بحديث نحدث به عنك، قال: حدثني أبي محمد ابن علي، عن أبيه علي بن الحسين عليهم السلام ،عن أبيه الحسين بن علي عليهما السلام، عن أبيه علي ابن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: إن الله أخذ ميثاق أهل البيت من أعلى عليين وأخذ طينة شيعتنا منا ولو جهد أهل السماء وأهل الأرض أن يغيروا من ذلك شيئا ما استطاعوه، قال: فبكى أبو حنيفة بكاء شديدا وبكى أصحابه ثم خرج وخرجوا (1).
1) الاختصاص للشيخ المفيد ص189.
عن سماعة قال: سأل رجل أبا حنيفة عن الشيء وعن لا شيء وعن الذي لا يقبل الله غيره، فأخبر عن الشيء و عجز عن لا شيء، فقال: اذهب بهذه البغلة إلى إمام الرافضة فبعها منه بلا شيء واقبض الثمن، فأخذ بعذارها وأتى بها أبا عبد الله (عليه السلام) فقال له أبو عبد الله (عليه السلام ): استأمر أبا حنيفة في بيع هذه البغلة، قال: قد أمرني ببيعها، قال: بكم؟ قال: بلا شيء، قال له: ما تقول ؟ قال: الحق أقول ، فقال : قد اشتريتها منك بلا شيء، قال: وأمر غلامه أن يدخله المربط. قال: فبقي محمد بن الحسن ساعة ينتظر الثمن فلما أبطأه الثمن قال: جعلت فداك الثمن؟ قال :الميعاد إذا كان الغداة، فرجع إلى أبي حنيفة فأخبره فسر بذلك فرضيه منه فلما كان من الغد وافي أبو حنيفة ، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) :جئت لتقبض ثمن البغلة لا شيء؟ قال: نعم ولا شيء ثمنها ؟ قال: نعم، فركب أبو عبد الله (عليه السلام) البغلة وركب أبو حنيفة بعض الدواب فتصحرا جميعا ، فلما ارتفع النهار نظر أبو عبد الله (عليه السلام )إلى السراب يجرى قد ارتفع كأنه الماء الجاري فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا حنيفة ماذا عند الميل
كأنه يجري؟ قال: ذاك الماء يا ابن رسول الله فلما وافيا الميل وجداه أمامهما فتباعد فقال أبو عبد الله (عليه السلام) :اقبض ثمن البغلة، قال الله تعالى :كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده قال: فخرج أبو حنيفة إلى أصحابه كئيبا حزينا فقالوا له: مالك يا أبا حنيفة؟ قال: ذهبت البغلة هدرا ، وكان قد أعطى بالبغلة عشرة آلاف درهم . (1)
عن التمار، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) أيام صلب المعلى بن خنيس، قال: فقال لي: يا حفص ،اني امرت المعلى بن خنيس بأمر ، فخالفني فابتلي بالحديد، اني نظرت إليه يوما وهو كئيب حزين، فقلت له: ما لك يا معلى؟ كأنك ذكرت اهلك ومالك وولدك وعيالك، قال: اجل، :قلت ادن مني ،فدنا مني فمسحت وجهه، فقلت: این تراك؟ :قال :اراني في بيتي، هذه زوجتي، وهذا ولدي، فتركته حتى تملى منهم ،واستثرت منهم حتى نال منها ما ينال
1) المصدر السابق.
الرجل من أهله، ثم قلت له: ادن مني، فدنا مني، فمسحت وجهه فقلت: أين تراك؟ فقال: اراني معك في المدينة، هذا بيتك. قال : قلت له :يا معلى ،ان لنا حديثا من حفظه علينا حفظ الله عليه دينه ودنياه ،يا معلی، لا تكونوا اسرى في أيدي الناس بحديثنا ، ان شاؤوا منوا عليكم، وان شاؤوا قتلوكم.یا معلی، أنه من كتم الصعب من حديثنا، جعله الله نورا بين عينيه، ورزقه الله العزة في الناس، ومن أذاع الصعب من حديثنا ، لم يمت حتى يعضه السلاح، أو يموت کبلا، یا معلى بن خنيس ،انت مقتول فاستعد(1)
عن ابن سنان قال: كنا بالمدينة، حين بعث داود بن علي إلى المعلى بن خنيس أبو عبد الله (عليه السلام) فلم يأته شهرا قال: فبعث إليه أن ائتني فأبى أن يأتيه، فبعث إليه خمس نفر من الحرس فقال: ائتوني به، فإن أبى فائتوني به أو برأسه، فدخلوا عليه وهو يصلي ونحن نصلي معه الزوال فقالوا أجب داود بن على قال: فإن لم اجب؟ قال:
1) مستدرك الوسائل لميرزا النوري ج 12 ص 297.
أمرنا أن نأتيه برأسك :وما أظنكم تقتلون ابن رسول الله ،قالوا ما ندري ما تقول، وما نعرف إلا الطاعة قال: انصرفوا فانه خير لكم في دنياكم وآخرتكم، قالوا: والله لا ننصرف حتى نذهب بك معنا أو نذهب برأسك قال: فلما علم أن القوم لا يذهبون إلا بذهاب رأسه وخاف على نفسه ،قالوا :رأيناه قد رفع يديه، فوضعهما على منكبيه، ثم بسطهما، ثم دعا بسبابته فسمعناه يقول: الساعة الساعة، فسمعنا صراخا عاليا فقالوا له: قم ! فقال لهم: أما إن صاحبكم قد مات، وهذا الصراخ عليه، فابعثوا رجلا منكم ،فإن لم يكن هذا الصراخ عليه، قمت معكم، قال: فبعثوا رجلا منهم فما لبث أن أقبل فقال: يا هؤلاء قد مات صاحبكم، وهذا الصراخ عليه فانصرفوا فقلت له: جعلنا الله فداك ما كان حاله؟ قال: قتل مولاي المعلى بن خنيس، فلم آته منذ شهر فبعث إلي أن آتيه، فلما أن كان الساعة لم آته، فبعث إلي ليضرب عنقي فدعوت الله باسمه الاعظم، فبعث الله إليه ملكا بحربة فطعنه في مذاكيره فقتله فقلت له: فرفع
اليدين ما هو ؟ قال : الابتهال فقلت: فوضع يديك وجمعها ؟ فقال: التضرع، قلت: ورفع الاصبع قال: البصبصة (1)
روي عن زرارة بن أعين أنه قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) وعند يمينه سيد ولده موسی (علیه السلام) وقدامه مرقد مغطى فقال لي: يا زرارة جئني بداود الرقي، وحمران، وأبي بصير، ودخل عليه المفضل بن عمر، فخرجت فأحضرت من أمرني باحضاره، ولم تزل الناس يدخلون واحدا إثر واحد، حتى صرنا في البيت ثلاثين رجلا. فلما حشد المجلس قال: يا داود اكشف لي عن وجه إسماعيل، فكشفت عن وجهه فقال أبو عبد الله (عليه السلام ):یا داود أحي هو أم ميت؟ قال داود :يا مولاي هو ميت، فجعل يعرض ذلك على رجل رجل، حتى أتى على آخر من في المجلس وكل يقول : هو ميت يا مولاي فقال: اللهم اشهد ثم أمر بغسله وحنوطه ، و إدراجه في أثوابه. فلما فرغ منه قال للمفضل: يا مفضل احسر عن وجهه،
1) بحار الانوار ج 47 ص 66 .
فحسر عن وجهه فقال : أحي هو أم ميت؟ فقال: ميت قال: اللهم اشهد عليهم، ثم حمل إلى قبره، فلما وضع في لحده قال :یا مفضل اكشف عن وجهه وقال للجماعة: أحي أم میت؟ قلنا :له ميت فقال: اللهم اشهد و اشهدوا فانه سيرتاب المبطلون، يريدون إطفاء نور الله بأفواههم ثم أومأ إلى موسى، والله متم نوره ولو كره المشركون، ثم حثوا عليه التراب، ثم أعاد علينا القول فقال: الميت المكفن المحنط المدفون في هذا اللحد من هو ؟ قلنا :إسماعيل قال: اللهم اشهد، ثم أخذ بيد موسى (عليه السلام) وقال: هو حق، والحق معه ومنه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها (1)
عن مأمون الرقي قال :كنت عند سيدي الصادق (عليه السلام) إذ دخل سهل بن الحسن الخراساني فسلم عليه ثم جلس فقال له: يا ابن رسول الله لكم الرأفة والرحمة، وأنتم أهل بيت الامامة ما الذي يمنعك أن يكون لك حق تقعد عنه !؟ وأنت تجد من شيعتك مائة ألف يضربون بين يديك
1) بحار الأنوار ج48 ص 21.
بالسيف !؟ فقال له (عليه السلام): اجلس يا خراساني رعى الله حقك، ثم قال: يا حنيفة أسجري التنور فسجرته حتى صار كالجمرة وابيض علوه، ثم قال: يا خراساني ! قم فاجلس في التنور، فقال الخراسانی: یا سيدي يا ابن رسول الله لا تعذبني بالنار، أقلني أقالك الله قال: قد أقلتك ، فبينما نحن كذلك إذ أقبل هارون المكي، ونعله في سبابته فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله فقال له الصادق (عليه السلام) :ألق النعل من يدك، واجلس في التنور، قال: فألقى النعل من سبابته ثم جلس في التنور، وأقبل الامام (عليه السلام )يحدث الخراساني حديث خراسان حتى كأنه شاهد لها، ثم قال قم يا خراساني وانظر ما في التنور قال: فقمت إليه فرأيته متربعا، فخرج إلينا وسلم علينا فقال له الامام (عليه السلام) :كم تجد بخراسان مثل هذا؟ فقال: والله ولا واحدا ،فقال (عليه السلام) : لا والله ولا واحدا، فقال: أما إنا في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت(1)
1) المصدر السابق ج 47 ص 123 .
روي أن أبا جعفر (عليه السلام) كان في الحج ومعه ابنه جعفر (عليه السلام) فأتاه رجل فسلم عليه وجلس بين يديه ثم قال : إني أريد أن أسألك قال: سل ابني جعفرا قال: فتحول الرجل فجلس إليه ثم قال: أسألك؟ قال: سل عما بدا لك قال : أسألك عن رجل أذنب ذنبا عظيما قال: أفطر يوما في شهر رمضان متعمدا؟ قال: أعظم من ذلك قال: زنى في شهر رمضان؟ قال: أعظم من ذلك قال: قتل النفس؟ قال: أعظم من ذلك قال: إن كان من شيعة علي (عليه السلام) مشى إلى بيت الله الحرام ،وحلف أن لا يعود، وإن لم يكن من شيعته فلا بأس، فقال له الرجل: رحمكم الله يا ولد فاطمة - ثلاثا - هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم إن الرجل؟ ذهب فالتفت أبو جعفر (عليه السلام) فقال: عرفت الرجل ؟ قال : لا ، قال : ذلك الخضر، إنما أردت أن اعرفكه (1)
1) المصدر نفسه ج47 ص 21.
عن محمد بن جمهور قال :كان النجاشي وهو رجل من الدهاقين عاملا على الاهواز وفارس فقال بعض أهل عمله لابي عبد الله (عليه السلام): إن في ديوان النجاشي علي خراجا، وهو مؤمن يدين بطاعتك، فإن رأيت أن تكتب إليه كتابا؟ قال: فكتب إليه أبو عبد الله (عليه السلام): بسم الله الرحمان الرحيم سر أخاك، يسرك الله، قال: فلما ورد الكتاب عليه ،دخل عليه وهو في مجلسه ، فلما خلا ناوله الكتاب وقال : هذا كتاب أبي عبد الله (عليه السلام)، فقبله ووضعه على عينيه، وقال :له ما حاجتك؟ قال: خراج علي في ديوانك فقال له : وكم هو ؟ قال عشرة آلاف درهم فدعا كاتبه وأمره بأدائها عنه ، ثم أخرجه منها ، وأمر أن يثبتها له لقابل، ثم قال :له سررتك ؟ فقال : نعم جعلت فداك، ثم أمر بركب وجارية وغلام ،وأمر له بتخت ثياب في كل ذلك يقول: هل سررتك؟ فيقول : نعم جعلت فداك، فكلما قال: نعم زاده حتى فرغ ، ثم قال له :احمل فرش هذا البيت الذي كنت جالسا فيه حين دفعت إلي كتاب مولاي الذي ناولتني فيه، وارفع إلي حوائجك قال: ففعل، وخرج الرجل فصار إلى أبي عبد الله (عليه السلام) بعد ذلك، فحدثه بالحديث على
جهته، فجعل يسر بما فعل، فقال الرجل: يا ابن رسول الله كأنه قد سرك ما فعل بي؟ فقال: إي والله، لقد سر الله ورسوله (1)
عن الازدي قال: خرجنا من المدينة نريد منزل أبي عبد الله (عليه السلام) فلحقنا أبو بصير خارجا من زقاق من أزقة المدينة وهو جنب ونحن لا علم لنا حتى دخلنا على أبي عبد الله (عليه السلام)، فسلمنا عليه فرفع رأسه إلى أبي بصير فقال له :يا أبا بصير أما تعلم أنه لا ينبغي للجنب أن يدخل بيوت الانبياء؟ فرجع أبو بصير ودخلنا. روى أبو بصير قال :دخلت المدينة وكانت معي جويرية لي فأصبت منها ثم خرجت إلى الحمام فلقيت أصحابنا الشيعة وهم متوجهون إلى جعفر بن محمد فخفت أن يسبقوني ويفوتني الدخول إليه، فمشيت معهم حتى دخلنا الدار معهم، فلما مثلت بين يدي أبي عبد الله (عليه السلام )نظر إلى ثم قال: يا أبا بصير أما علمت أن بيوت الانبياء وأولاد الانبياء لا
1) المصدر نفسه ج 47 ص 370.
يدخلها الجنب، فاستحييت وقلت له :يابن رسول الله إني لقيت أصحابنا فخشيت أن يفوتنى الدخول معهم ولن أعود إلى مثلها (1)
عن عبد الوهاب بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه قال: بعث أبو جعفر المنصور إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام وأمر بفرش فطرحت له إلى جانبه، فأجلسه عليها، ثم قال: علي بمحمد ،علي بالمهدي، يقول ذلك مرارا فقيل له الساعة الساعة يأتي يا أمير المؤمنين ما يحبسه إلا أنه يتبخر، فما لبث أن وافي وقد سبقته رائحته، فأقبل المنصور على جعفر (عليه السلام) فقال: يا أبا عبد الله حديث حدثتنيه في صلة الرحم اذكره يسمعه المهدي قال: نعم، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيرها الله عز وجل ثلاثين سنة، ويقطعها وقد بقي من عمره ثلاثون
1) المصدر نفسه ج 27 ص 255.
سنة فيصيرها الله ثلاث سنين، ثم تلا (عليه السلام) يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب قال: هذا حسن يا أبا عبد الله وليس إياه أردت، قال أبو عبد الله: نعم حدثني أبي، عن أبيه ، عن جده عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله :صلة الرحم تعمر الديار ، وتزيد في الاعمار وإن كان أهلها غير أخيار، قال: هذا حسن يا أبا عبد الله وليس هذا أردت فقال أبو عبد الله : نعم حدثني أبي، عن أبيه، عن جده ، عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله صلة الرحم تهون الحساب وتقي ميتة السوء، قال المنصور نعم هذا أردت (1)
عن عبد الله بن سنان قال: سمعت معتبا يحدث أن إسماعيل بن أبي عبد الله (عليه السلام) حم حمى شديدة فأعلموا أبا عبد الله (عليه السلام) بحماه فقال: انته فسله أي شيء عملت اليوم من سوء فعجل الله عليك العقوبة؟ قال: فأتيته فإذا هو موعوك ، فسألته عما عمل فسكت، وقيل لي:
1) المصدر نفسه ج 47 ص 463.
إنه ضرب بنت زلفى اليوم بيده فوقعت على دراعة الباب فعقر وجهها، فأتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فأخبرته بما قالوا فقال: الحمد الله إنا أهل بيت يعجل الله لاولادنا العقوبة في الدنيا، ثم دعا بالجارية فقال: اجعلي إسماعيل في حل مما ضربك فقالت: هو في حل فوهب لها أبو عبد الله (عليه السلام) شيئا، ثم قال لي اذهب فانظر ما حاله قال :فأتيته وقد تركته الحمى(1)
روي أن حماد بن عيسى سأل الصادق (عليه السلام) أن يدعو له ليرزقة الله ما يحج به كثيرا ، وأن يرزقه ضياعا حسنة ودارا حسنا، وزوجة من أهل البيوتات صالحة، وأولادا أبرارا فقال الصادق ( عليه السلام): اللهم ارزق حماد بن عيسى ما يحج به خمسين حجة، وارزقه ضياعا، ودارا حسنا، وزوجة صالحة من قوم كرام، وأولادا أبرارا ،قال بعض من حضره: دخلت بعد سنين على حماد بن
1) المصدر نفسه ج 47 ص 268.
عيسى في داره بالبصرة فقال لي: أتذكر دعاء الصادق( عليه السلام) لي؟ قلت : نعم قال :هذه داري ليس في البلد مثلها، وضياعي أحسن الضياع، وزوجتي من تعرفها ،من كرام الناس، وأولادي تعرفهم، وقد حججت ثمانيا وأربعين حجة ، قال : فحج حماد حجتين بعد ذلك، فلما حج في الحادية والخمسين، ووصل إلى الجحفة، وأراد أن يحرم، دخل واديا ليغتسل، فأخذه السيل، ومر به، فتبعه غلمانه، فاخرجوه من الماء ميتا ،فسمي حماد غريق الجحفة(1)
عن أبي جعفر محمد بن معروف الهلالي وكان قد أتت عليه مائة وثمان وعشرون سنة قال: مضيت إلى الحيرة إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) وقت السفاح ،فوجدته قد تداك الناس عليه ثلاثة أيام متواليات، فما كان لي فيه حيلة، ولا قدرت عليه من كثرة الناس، وتكاثفهم عليه، فلما كان في اليوم الرابع رآني، وقد خف الناس عنه،
1) المصدر نفسه ج47 ص 116.
فأدناني، ومضى إلى قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) فتبعته، فلما صار في بعض الطريق غمزه البول، فاعتزل عن الجادة ناحية، ونبش الرمل بيده، فخرج له الماء فتطهر للصلاة، ثم قام فصلى ركعتين، ثم دعا ربه وكان في دعائه اللهم لا تجعلني ممن تقدم فمرق، ولا ممن تخلف فمحق واجعلني من النمط الأوسط ثم مشى ومشيت معه فقال: یا غلام، البحر لا جار له ،والملك لا صديق له، والعافية لا ثمن لها، كم من ناعم ولا يعلم ثم قال: تمسكوا بالخمس وقدموا الاستخارة ،وتبركوا بالسهولة، وتزينوا بالحلم، واجتنبوا الكذب وأوفوا المكيال والميزان، ثم قال: الهرب الهرب إذا خلعت العرب أعنتها ومنع البر جانبه، وانقطع الحج ، ثم قال: حجوا قبل أن لا تحجوا، وأومأ إلى القبلة بابهامه وقال : يقتل في هذا الوجه سبعون ألفا أو يزيدون ،قال علي بن الحسن: فقد قتل في العير وغيره شبيه بهذا وقال أبو عبد الله (عليه السلام) في هذا الخبر: لابد أن يخرج رجل من آل محمد، ولابد أن يمسك الراية البيضاء قال علي بن الحسن :فاجتمع أهل بني رواس، ومضوا يريدون الصلاة في المسجد الجامع في سنة خمسين ومائتين، وكانوا قد عقدوا عمامة بيضاء على قناة فأمسكها
محمد بن معروف وقت خروج يحيى بن عمر، وقال (عليه السلام ):في هذا الخبر ويجف فراتكم، فجف الفرات وقال أيضا :يحويكم قوم صغار الاعين، فيخرجونكم من دوركم قال علي بن الحسن فجاءنا كيجور والاتراك معه، فأخرجوا الناس من دورهم. وقال أبو عبد الله (عليه السلام) أيضا: وتجئ السباع إلى دوركم قال علي: فجاءت السباع إلى دورنا، وقال (عليه السلام) :يخرج رجل أشرق ذو سبال ،ينصب له كرسي على باب دار عمرو بن حريث يدعوا إلى البراءة من علي بن أبي طالب (عليه السلام) ويقتل خلقا من الخلق، ويقتل في يومه .قال :فرأينا ذلك (1)
عن معلی بن خنيس قال: خرج أبو عبد الله (عليه السلام) في ليلة قد رشت السماء وهو يريد ظلة بني ساعدة، فاتبعته فإذا هو قد سقط منه شيء فقال: بسم الله اللهم رده علينا قال: فأتيته فسلمت عليه فقال معلی؟ قلت: نعم جعلت فداك فقال لي: التمس بيدك فما وجدت من شيء فادفعه إلي،
1) المصدر نفسه ج 47 ص 93.
قال : فإذا أنا بخبز منتشر ، فجعلت أدفع إليه ما وجدت فإذا أنا بجراب من خبز فقلت: جعلت فداك أحمله علي عنك فقال : لا أنا أولى به منك، ولكن امض معي قال: فأتينا ظلة بني ساعدة، فإذا نحن بقوم نيام فجعل يدس الرغيف والرغيفين تحت ثوب كل واحد منهم حتى أتى على آخرهم ثم انصرفنا فقلت: جعلت فداك يعرف هؤلاء الحق؟ فقال: لو عرفوا لواسيناهم بالدقة (1)
عن علي بن محمد العسكري عن آبائه، عن موسى بن جعفر (عليه السلام )قال :كنت عند سيدنا الصادق (عليه السلام) إذ دخل عليه أشجع السلمي يمدحه، فوجده عليلا فجلس وأمسك، فقال له سيدنا الصادق (عليه السلام): عد عن العلة، واذكر ما جئت له، فقال له:
ألبسك الله منه عافية ***في نومك المعتري وفي أرقك
يخرج من جسمك السقام كما ***أخرج ذل السؤال من عنقك
1) المصدر نفسه ج 47 ص 20 والدقة هي الملح.
فقال يا غلام إيش معك ؟ قال أربعمائة درهم ،قال :أعطها للاشجع قال: فأخذها وشكر وولى، فقال: ردوه فقال: يا سيدي سألت فأعطيت، وأغنيت فلم رددتني؟ قال: حدثني أبي، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: خير العطاء ما أبقى نعمة باقية، وإن الذي أعطيتك لا يبقي لك نعمة باقية، وهذا خاتمي، فان اعطيت به عشرة آلاف درهم، وإلا فعد إلى وقت كذا وكذا، أوفك إياها، قال: يا سيدي قد أغنيتني، وأنا كثير الاسفار، وأحصل في المواضع المفزعة، فتعلمني ما آمن به على نفسي قال : فإذا خفت أمرا فاترك يمينك على ام رأسك، واقرأ برفيع صوتك: أفغير دين الله تبغون وله اسلم من في السموات طوعا وكرها وإليه ترجعون .قال أشجع: فحصلت في واد تعبث فيه الجن، فسمعت قائلا يقول: خذوه فقرأتها فقال قائل: كيف نأخذه، وقد احتجز بآية طيبة(1)
1) المصدر نفسه ج 47 ص310.
عن عبد الله بن سليمان التميمي قال: لما قتل محمد وإبراهيم ابنا عبد الله بن الحسن بن الحسن (عليه السلام) صار إلى المدينة رجل يقال له شيبة بن غفال، ولاه المنصور على أهلها ، فلما قدمها ، و حضرت الجمعة، صار إلى مسجد النبي صلى الله عليه و آله فرقى المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فان علي بن أبي طالب شق عصا المسلمين، وحارب المؤمنين، وأراد الامر لنفسه، ومنعه أهله، فحرمه الله عليه وأماته بغصته، وهؤلاء ولده يتبعون أثره في الفساد، وطلب الامر بغير استحقاق له، فهم في نواحي الأرض مقتولون ،وبالدماء مضرجون ،قال :فعظم هذا الكلام منه على الناس ولم يجسر أحد منهم ينطق بحرف فقام إليه رجل عليه إزار قومسي سخين فقال، ونحن نحمد الله ونصلي على محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين، وعلى رسل الله وأنبيائه أجمعين ، أما ما قلت من خير فنحن أهله وما قلت من سوء فأنت وصاحبك به أولى فاختبر يا من ركب غير راحلته وأكل غير زاده ،ارجع مأزورا ،ثم أقبل على الناس فقال: ألا أنبئكم بأخلى الناس ميزانا يوم القيامة، وأبينهم خسرانا، من باع آخرته بدنيا غيره، وهو
هذا الفاسق فأسكت الناس وخرج الوالي من المسجد لم ينطق بحرف، فسألت عن الرجل فقيل لي: هذا جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم(1)
روى الصدوق في كتاب صفات الشيعة باسناده قال أبو جعفر الدوانيقي بالحيرة أيام أبي العباس للصادق (عليه السلام ):يا أبا عبد الله ما بال الرجل من شيعتكم يستخرج ما في جوفه في مجلس واحد ،حتى يعرف مذهبه؟ ! فقال (عليه السلام) :ذلك لحلاوة الايمان في صدورهم، من حلاوته يبدونه تبديا (2)
عن أبي بصير قال: دخلت على ام حميدة اعزيها بأبي عبد الله (عليه السلام) فبكت وبكيت لبكائها ثم قالت: يا أبا
محمد لو رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) عند الموت لرأيت عجبا فتح عينيه ثم قال: أجمعوا لي كل من بيني وبينه قرابة، قالت: فلم نترك أحدا إلا جمعناه قالت: فنظر إليهم ثم قال : إن شفاعتنا لا تنال مستخفا بالصلاة (1)
عن أبي بصير، قال: سمعت العبد الصالح ( (عليه السلام) ) يقول : لما حضر أبي الموت قال: يا بني لا يلي غسلي غيرك، فإني غسلت أبي، وغسل أبي أباه، والحجة يغسل الحجة. قال: فكنت أنا الذي غمضت أبي، وكفنته، ودفنته بيدي. وقال: يا بني إن عبد الله أخاك يدعي الامامة بعدي، فدعه، وهو أول من يلحق بي من أهلي. فلما مضى أبو عبد الله ( ( عليه السلام ) ) أرخى أبو الحسن ستره، ودعا عبد الله إلى نفسه. قال أبو بصير: جعلت فداك، ما بالك حججت العام، ونحر عبد الله جزورا؟ قال: إن نوحا لما ركب السفينة وحمل فيها من كل زوجين اثنين، حمل كل شيء، إلا ولد الزنا، فإنه لم يحمله، وقد كانت السفينة
1) المصدر نفسه ج 47 ص 2.
مأمورة، فحج نوح فيها ، وقضى مناسكه. قال أبو بصير: فظننت أنه عرض بنفسه، وقال: أما إن عبد الله لا يعيش أكثر من سنة. فذهب أصحابه حتى انقضت السنة. قال: فهذه فيما يموت .قال: فمات في تلك السنة(1)
عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) عن موسى بن جعفر قال: لما طلب أبو الدوانيق أبا عبد الله (عليه السلام) وهم بقتله، فأخذه صاحب المدينة ووجه به إليه، وكان أبو الدوانيق استعجله ،واستبطأ قدومه حرصا منه على قتله، فلما مثل بين يديه ضحك في وجهه، ثم رحب به، وأجلسه عنده و قال یا ابن رسول الله، والله لقد وجهت إليك وأنا عازم على قتلك ولقد نظرت فالقي إلي محبة لك، فوالله ما أجد أحدا من أهل بيتي أعز منك، ولا أثر عندي، ولكن يا أبا عبد الله ما كلام يبلغني عنك تهجننا فيه، وتذكرنا بسوء؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما ذكرتك قط بسوء، فتبسم أيضا وقال: والله أنت أصدق عندي من جميع من سعى بك إلي
1) دلائل الامامة، الطبري ص328.
هذا مجلسي بين يديك وخاتمي، فانبسط ولا تخشني في جليل أمرك و صغيره، فلست أردك عن شيء، ثم أمره بالانصراف وحباه وأعطاه، فأبى أن يقبل شيئا، وقال: يا أمير المؤمنين أنا في غناء وكفاية وخير كثير، فإذا هممت ببري فعليك بالمتخلفين من أهل بيتي، فارفع عنهم القتل، قال قد قبلت يا أبا عبد الله، و قد أمرت بمائة ألف درهم، ففرق بينهم فقال: وصلت الرحم يا أمير المؤمنين، فلما خرج من عنده مشى بين يديه مشايخ قريش وشبانهم من كل قبيلة، ومعه عين أبي الدوانيق، فقال له: يا ابن رسول الله لقد نظرت نظرا شافيا حين دخلت على أمير المؤمنين فما أنكرت منك شيئا غير أني نظرت إلى شفتيك وقد حركتهما بشئ فما كان ذلك ؟ قال : إني لما نظرت إليه قلت: يا من لا يضام ولا يرام ،و به تواصل الارحام صل على محمد وآله واكفني شره بحولك وقوتك والله ما زدت على ما سمعت قال: فرجع العين إلى أبي الدوانيق فأخبره بقوله، فقال: والله ما استتم ما قال حتى ذهب ما كان في صدري من غائلة وشر(1)
1) المصدر السابق ص 173.
عن أسلم مولى محمد بن الحنفية قال: كنت مع أبي جعفر (عليه السلام) مسندا ظهري الى زمزم، فمرّ علينا محمد بن عبدالله بن الحسن وهو يطوف بالبيت فقال أبوجعفر (عليه السلام): يا أسلم أتعرف هذا الشابّ؟ قلت: نعم، هذا محمد بن عبد الله بن الحسن، قال: أما إنه سيظهر ويقتل في حال مضيعة ثم قال: يا أسلم لا تحدّث بهذا الحديث أحداً فإنّه عندك أمانة قال: فحدثت به معروف بن خربّوذ وأخذت عليه مثل ما أخذ عليّ قال: وكنا عند أبي جعفر (عليه السلام) غدوة وعشية أربعة من أهل مكة فسأله معروف فقال : أخبرني عن هذا الحديث الذي حدثنيه فإني أحب أن أسمعه منك فقال : فالتفت الى أسلم فقال له يا أسلم فقال له: جعلت فداك إني أخذت عليه مثل الذي أخذته على قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام) لو كان الناس كلهم لنا شيعة لكان ثلاثة أرباعهم لنا شكاكاً، والربع الآخر
أحمق (1)
1) رجال الكشي ص 134 .
عن شهاب بن عبدربّه قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): كيف أنت إذا نعاني إليك محمد بن سليمان قال: فلا والله ما عرفت محمد ابن سليمان ،ولا علمت من هو ،قال: ثم كثر مالي وعرضت تجارتي بالكوفة والبصرة، فاني يوماً بالبصرة عند محمد بن سليمان وهو والي البصرة إذ ألقى إليّ كتاباً وقال لي: يا شهاب أعظم الله أجرك وأجرنا في إمامك جعفر بن محمد :قال فذكرت الكلام فخنقتني العبرة، فخرجت فأتيت منزلي وجعلت أبكي على أبي عبدالله (عليه السلام)(1)
عن إسماعيل بن عبدالله القرشي قال: أتى الى أبي عبد الله (عليه السلام) رجل فقال: يا ابن رسول الله رأيت في منامي كاني خارج من مدينة الكوفة في موضع أعرفه وكان شبحاً من خشب، أو رجلا منحوتاً من خشب، على فرس من خشب، يلوّح بسيفه وأنا اشاهده، فزعاً مرعوباً
1) المناقب ج 3 ص 349 اعلام الورى 269.
فقال له (عليه السلام): أنت رجل تريد اغتيال رجل في معیشته، فاتق الله الذي خلقك ثم يميتك، فقال الرجل: أشهد أنك قد اوتيت علماً ، واستنبطته من معدنه، اخبرك ياابن رسول الله عمّا قد فسّرت لي، إن رجلا من جيراني جاءني وعرض عليّ ضيعته ، فهممت أن أملكها بوكس كثير ، لما عرفت أنه ليس لها طالب غيرى فقال أبو عبدالله(عليه السلام) :وصاحبك يتوالانا ويبرأ من عدوّنا؟ فقال: نعم يا ابن رسول الله لو كان ناصبيِّ حلّ لي اغتياله، فقال: أدّ الأمانة لمن ائتمنك، وأراد منك النصيحة ولو الى قاتل الحسين(1)
روى البرسي في مشارق الأنوار عن محمد بن سنان أن رجلاً قدم الى أبي عبد الله (عليه السلام )من خراسان ومعه صرر من الصدقات، معدودة مختومة، وعليها أسماء أصحابها مكتوبة، فلما دخل الرجل جعل أبو عبدالله (عليه السلام )يسمى أصحاب الصُرر ويقول: اخرج صرة فلان ،
1) بحار الأنوار ج 47 ص 155.
فإن فيها كذا وكذا ثم قال: اين صرّة المرأة التي بعثتها من غزل يدها ؟ أخرجها فقد قبلناها ثم قال للرجل: أين الكيس الأزرق فيه ألف درهم؟ وكان الرجل قد فقده في بعض طريقه، فلما ذكره الإمام (عليه السلام) استحيى الرجل وقال يا مولاي في بعض الطريق قد فقدته فقال له الامام (عليه السلام): تعرفه اذا رأيته؟ فقال: نعم فقال: يا غلام اخرج الكيس الأزرق فاخرجه، فلما رآه الرجل عرفه فقال له الامام: إنا احتجنا الى ما فيه، فاحضرناه قبل وصولك الينا فقال الرجل يا مولاي اني التمس الجواب بوصول ما حملته الى حضرتك، فقال له: إن الجواب كتبناه وأنت في الطريق (1)
روي أن المنصور يوما دعاه فركب معه الى بعض النواحي فجلس المنصور على تل هناك، والى جانبه أبو عبد الله (عليه السلام) فجاء رجل وهمّ أن يسأل المنصور ثم اعرض عنه وسأل الصادق ( عليه السلام) فحثى له من
1) المصدر السابق ج 47 ص 155 - 156.
رمل هناك ملء يده ثلاث مرات، وقال له: اذهب واغل فقال له بعض حاشية المنصور: أعرضت عن الملك وسألت فقيراً لا يملك شيئاً ؟ فقال الرجل - وقد عرق وجهه خجلا مما اعطاه - : إني سألت من أنا واثق بعطائه ثم جاء بالتراب الى بيته فقالت له زوجته :من أعطاك هذا؟ فقال: جعفر فقالت: وما قال لك ؟ قال : قال لي اغل، فقالت: إنه صادق فاذهب بقليل منه الى أهل المعرفة، وإني أشمّ فيه رائحة الغنا، فأخذ الرجل منه جزءاً ومرّ به الى بعض اليهود فأعطاه فيما حمل منه الى عشرة آلاف درهم، وقال له: ائتني بباقيه على هذه القيمة(1)
عن يونس بن يعقوب قال: كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) فورد عليه رجل منن أهل الشام، فناظر أصحابه (عليه السلام )حتى اتنهى الى هشام بن الحكم فقال الشامي :يا هذا من أنظر للخلق؟ أربّهم؟ أو أنفسهم؟ فقال هشام: ربّهم أنظر لهم منهم لأنفسهم، قال الشامي: فهل أقام
1) المصدر نفسه.
لهم من يجمع لهم كلمتهم، ويقيم أودهم، ويخبرهم بحقهم من باطلهم؟ فقال هشام: هذا القاعد الذي تشدّ اليه الرحال، ويخبرنا بأخبار السماء، وراثة عن أب، عن جد، قال الشامي: فكيف لي أن أعلم ذلك؟ قال هشام: سله عما بدا لك قال الشامي: قطعت عذري فعليّ السؤال. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا شامي أخبرك كيف كان سفرك، وكيف كان طريقك وكان كذا وكان كذا، فأقبل الشامي يقول: صدقت ، أسلمت الله الساعة فقال أبوعبدالله(عليه السلام) :بل آمنت بالله الساعة ،إن الاسلام قبل الايمان، وعليه يتوارثون ويتناكحون ،والايمان عليه يثابون، فقال الشامي: صدقت فأنا الساعة أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأنك وصيّ الأوصياء (1)
عن أبي بصير قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام) إن المعلى بن خنيس ينال درجتنا، وإن المدينة من قابل يليها داود بن عروة، ويستدعيه ويأمره أن يكتب له أسماء شيعتنا
1) الكافي ج 1 ص 171.
فيأبى فيقتله ويصلبه فينا ، وبذلك ينال درجتنا، فلما ولي داود المدينة من قابل أحضر المعلى وسأله عن الشيعة فقال: ما أعرفهم فقال : اكتبهم لي وإلا ضربت عنقك فقال: بالقتل تهددني؟! والله لو كانت تحت أقدامي ما رفعتها عنهم، فأمر بضرب عنقه وصلبه، فلما دخل عليه الصادق (عليه السلام)قال :یا داود قتلت مولاي ووكيلي، وما كفاك القتل حتى صلبته، والله لأدعو نّ الله عليك ليقتلك كما قتلته، فقال له داود: تهددني بدعائك ادع الله لك فاذا استجاب لك فادعه عليّ فخرج أبو عبدالله (عليه السلام) مغضباً فلما جنّ الليل اغتسل واستقبل القبلة ثم قال: ياذا ياذي ياذو اِرم داود بسهم من سهامك، تقلقل به قلبه ثم قال لغلامه: اخرج واسمع الصائح فجاء الخبر أن داود قد هلك، فخرّ الامام ساجداً وقال: إنه لقد دعوت الله عليه بثلاث كلمات لو أقسمت على أهل الأرض لزلزلت بمن عليها (1)
1) المصدر نفسه ج47 ص 181.
روي أن المنصور لما أراد قتل أبي عبدالله استدعى قوماً من الأعاجم لا يفهمون ولا يعقلون، فخلع عليهم الديباج والوشي، وحمل اليهم الاموال، ثم استدعاهم وكانوا مائة رجل وقال للترجمان :قل لهم: إن لي عدوّا يدخل عليّ الليلة فاقتلوه إذا دخل ، قال : فأخذوا أسلحتهم ووقفوا متمثلين لأمره فاستدعى جعفراً وأمره أن يدخل وحده، ثم قال للترجمان: قل لهم: هذا عدوّي فقطعوه فلما دخل (عليه السلام) تعاووا عوى الكلب، ورموا اسلحتهم، وكتفوا ايديهم الى ظهورهم وخرّوا له سجداً ومرّغوا وجوههم على التراب، فلما رأى المنصور ذلك خاف على نفسه وقال :ما جاء بك؟ قال: أنت وماجئتك إلا مغتسلا محتطأ، فقال المنصور: معاذ الا أن يكون ما تزعم ارجع راشداً فرجع جعفر (عليه السلام) والقوم على وجوههم سجدا فقال للترجمان: قل لهم: لم لا قتلتم عدوّ الملك؟ فقالوا: نقتل ولينا الذي يلقانا كل يوم ويدبّر أمرنا كما يدبّر الرجل ولده، ولا
نعرف وليّا سواه؟ فخاف المنصور من قولهم ،وسرّحهم تحت الليل ثم قتله (عليه السلام) بالسم (1)
حدّث عبدالله بن الفضل بن الربيع، عن أبيه قال: حجّ المنصور سنه سبع واربعين ومائة فقدم المدينة وقال للربيع :ابعث الى جعفر بن محمد من يأتينا به متعباً، قتلني الله إن لم أقتله، فتغافل الربيع عنه لينساه، ثم أعاد ذكره للربيع وقال: ابعث مَن يأتي به متعباً، فتغافل عنه، ثم ارسل الى الربيع رسالة قبيحة أغلظ عليه فيها، وأمره أن يبعث من يحضر جعفراً، ففعل، فلما أتاه قال له الربيع: يا أبا عبدالله اذكر الله فانه قد ارسل اليك بما لا دافع له غير الله، فقال جعفر : لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم ان الربيع أعلم المنصور بحضوره، فلما دخل جعفر عليه أوعده وأغلظ وقال: أي عدو الله اتخذك أهل العراق إماماً، يبعثون اليك زكاة أموالهم، وتُلحد في سلطاني، وتبغيه الغوائل، قتلني الله إن لم أقتلك، فقال له: يا أمير المؤمنين إن سليمان(عليه
1) المصدر نفسه ج47 ص 181 - 182.
السلام )أعطي فشكر، وإن أيوب ابتلي فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر ، وأنت من ذلك السنخ ، فلما سمع المنصور ذلك منه قال له: اليّ وعندي أبا عبدالله أنت البريء الساحة، السليم الناحية، القليل الغائلة ،جزاك الله من ذي رحم، أفضل ما جزى ذوي الأرحام عن أرحامهم، ثم تناول يده فاجلسه معه على فراشه ،ثم قال :عليّ بالطيب ،فأتي بالغالية فجعل يغلف لحية جعفر (عليه السلام) بيده، حتى تركها تقطر ، ثم قال: قم في حفظ الله وكلاءته ثم قال: يا ربيع الحق أباعبد الله جائزته، وكسوته، انصرف أبا عبدالله في حفظه وكنفه، فانصرف .قال الربيع :ولحقته فقلت: إني قد رأيت قبلك مالم تره، ورأيت بعدك ما لا رأيته، فما قلت يا أباعبدالله حين دخلت؟ :قال :قلت :«اللهم احرسني بعينك التي لا تنام واكنفنى بركنك الذي لا يرام، واغفر لي بقدترك عليّ ولا أهلك وأنت رجائي، اللهم أنت أكبر وأجلّ مما أخاف وأحذر ، اللهم بك أدفع في نحره، واستعيذ بك من شرّه، ففعل الله بي ما رأيت (1)
1) کشف الغمة ج 2 ص 374.
عن عبد الله بن أبي ليلى قال: كنت بالربذة مع المنصور وكان قد وجّه الى أبي عبدالله (عليه فأتي السلام) فأتي به، وبعث إلىّ ا المنصور فدعاني، فلما انتهيت الى الباب سمعته يقول: عجّلوا!عليّ به ،قتلني الله إن لم اقتله، سقى الله الأرض من دمي إن لم اسق الارض من دمه، فسألت الحاجب من يعني؟ قال :جعفر بن محمد (عليه السلام) فاذا هو قد أتي به مع عدة جلاوزة، فلما انتهى الى الباب قبل أن يرفع الستر رأيته قد تململت شفتاه عند رفع الستر، فدخل، فلما نظر اليه المنصور قال: مرحباً يا ابن عم، مرحباً يا ابن رسول الله، فما زال يرفعه حتى أجلسه على وسادته ثم دعا بالطعام، فرفعت رأسي وأقبلت انظر اليه ويلقمه جدياً بارداً، وقضى حوائجه، وأمره بالانصراف، فلما خرج قلت له: قد عرفت موالاتي لك وما قد ابتليت به في دخولي عليهم، وقد سمعت كلام الرجل وما كان يقول، فلما صرت الى الباب رأيتك قد تململت شفتاك وما أشك أنه شيء قلته، ورأيت ما صنع بك، فإن رأيت أن تعلمني الصلاة إلا به فقال أبو عبد الله (عليه السلام) لا تتم الصلاة إلا لذي طهر سابغ، وتمام بالغ ،غير نازغ، ولا زائغ، عرُُُف فوقف،
وأخبت فثبت فهو واقف بين اليأس والطمع والصبر والجزع، كان الوعد له صنع، والوعيد به وقع ،بذل عرضه، وتمثل غرضه، وبذل في الله المهجة، وتنكب اليه غير المحجة مرتغم بارتغام، يقطع علائق الاهتمام بعين من له قصد، واليه وفد، ومنه استرفد ، فاذا أتى بذلك كانت هي الصلاة التي بها أمر ، وعنها أخبر ، وإنها هي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر. فالتفت المنصور الى أبي عبد الله (عليه السلام فقال له: يا أبا عبد الله لانزال من بحرك نعترف وإليك نزدلف، تبصّر من العمى، وتجلو بنورك الطخياء، فنحن نعوم في سبحات قدسك وطامي بحرك(1)
1) بحار الانوار ج 47 ص 185 - 186.
1- قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) :حديثني حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله ،وحديث رسول الله قول الله عزّ وجل(1)
2 - قال (عليه السلام) :من حفظ من شيعتنا أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة عالماً فقيها ولم يعدبه (2)3-قال (عليه السلام): قضاء حاجة المؤمن أفضل من ألف حجة متقبلة بمناسكها، وعتق ألف رقبة لوجه الله، وحملان ألف فرس في سبيل الله بسرجها ولحمها (3)
4- قال (عليه السلام): أول ما يُحاسب به العبد الصلاة، فإن قبلت قبل سائر عمله ،وإذا ردّت، ردّ عليه سائر عمله(1)
5 - قال (عليه السلام) :إذا فشت أربعة ظهرت أربعة: إذا فشا الزنا كثرت الزلازل، وإذا أمسكت الزكاة هلكت اولماشية، واذا جار الحُكام في القضاء أمسك المطر من السماء، وإذا ظفرت الذمة نصر المشركون على المسلمين(2)
6 - قال (عليه السلام): من عاب أخاه بعيب فهو من أهل النار(3)
7 - قال (عليه السلام): الصمت كنز وافر، وزين الحلم، وستر الجاهل(4)
8 - قال (عليه السلام) :أصحب من تتزين به، ولا تصحب من يتزين لك (5)
9 - قال (عليه السلام) :كمال المؤمن في ثلاث خصال:
الفقه في دينه، والصبر على النائبة، والتقدير في المعيشة (1)
10 - قال( عليه السلام): عليكم باتيان المساجد، فإنها بيوت الله في الأرض، ومن أتاها متطهرا طهّره الله من ذنوبه، وكتب من زوّاره(2)
11 - قال (عليه السلام) :من قال بعد صلاة الصبح قبل أن يتكلم: «بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم» يُعيدها سبع مرات، دفع الله عنه سبعين نوعاً من أنواع البلاء، أهونها الجذام والبرص (3)
12- قال (عليه السلام) :من توضأ وتمندل كتبت له حسنة ومن توضأ ولم يتمندل حتى يجف وضوئه، كتب له ثلاثون حسنة (4)
13 - قال (عليه السلام) :لافطارك في منزل أخيك أفضل من صيامك سبعين ضعفا (5)
14 - قال (عليه السلام): إذا أفطر الرجل على الماء الفاتر نقي كبده، وغسل الذنوب من القلب، وقوّى البصر والحدق (1)
15 - قال (عليه السلام) :من قرأ القرآن في المصحف مُتع ببصره، وخُنّف على والديه وإن كانا كافرين(2)
16 - قال (عليه السلام): من قرأ (قل هو الله أحد) مرّة واحده فكأنما قرأ ثلث القرآن وثلث التوراة وثلث الإنجيل وثلث الزبور (3)
17 - قال (عليه السلام) :إن لكل ثمرة سماً، فإذا أتيتم بها فامسوّها الماء، واغمسوها في الماء(4)
18 - قال (عليه السلام): عليكم بالشلجم، فكلوه واديموا أكله، واكتموه إلا عن أهله، فما من أحد إلا وبه عرق من الجذام، فأذيبوه بأكله (5)
19 - قال (عليه السلام): يستجاب الدعاء في أربعة مواطن: في الوتر، وبعد الفجر، وبعد الظهر، وبعد المغرب (1)
20 - قال (عليه السلام) :من دعا لعشرة من إخوانه الموتى ليلة الجمعة أوجب الله له الجنة (2)
21 - قال (عليه السلام) :مشط الرأس يذهب بالوباء، ومشط اللحية يشدّد الأضراس (3)
22 - قال (عليه السلام) :أيّما مؤمن سأل أخاه المؤمن حاجة وهو يقدر على قضائها فردّه عنها، سلط الله عليه شجاعاً في قبره، ينهش من أصابعه(4)
23 - قال (عليه السلام) :ولد واحد يقدمه الرجل، أفضل من سبعين يبقوه بعده، شاكين في السلاح مع القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف)(5)
24 - قال( عليه السلام): اذا بلغك عن أخيك شيء فقال لم أقله فاقبل منه، فإن ذلك توبه له. وقال (عليه السلام): إذا بغك عن أخيك شيء وشهد أربعون أنهم سمعوه منه فقال: لم أقله، فاقبل منه(1)
25 - قال( عليه السلام) :لا يكمل إيمان العبد حتّى تكون فيه أربع خصال :يحسن خلقه، ويستخف نفسه، ويمسك الفضل من قوله، ويخرج الفضل من ماله(2)
26- قال (عليه السلام) داووا مرضاكم بالصدقة ،وادفعوا أبواب البلايا بالاستغفار (3)
27 - قال (عليه السلام): إن الله فرض عليكم الصلوات الخمس في أفضل الساعات، فعليكم بالدعاء في ادبار الصلوات(4)
28 - قال (عليه السلام) :كلوا ما يقع من المائدة في الحضر، فإن فيه شفاء من كل داء، ولا تأكلوا ما يقع منها في الصحاري (5)
29 - قال (عليه السلام): أربعة من أخلاق الأنبياء: البر، والسخاء، والصبر على النائبة، والقيام بحقّ
المؤمن(1)
30 - قال (عليه السلام): امتحنوا شيعتنا عند ثلاث: عند مواقيت الصلاة كيف محافظتهم عليها، وعند اسرارهم كيف حفظهم لها عند عدونّا ، والى أموالهم كيف مواساتهم لاخوانهم فيها (2)
31 - قال (عليه السلام) :من ملك نفسه اذا رغب، واذا رهب، واذا اشتهى، واذا غضب واذا رضي، حرّم الله جسده على النار (3)
32 قال (عليه السلام): إن النهار اذا جاء قال: بابن آدم ،اعجل في يومك هذا خيرا ، اشهد لك به عند ربك يوم القيامة، فإني لم أتك فيما مضى ولا آتيك فيما بقى، فإذا جاء الليل قال مثل ذلك (4)
33- قال( عليه السلام): ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال :وقور عند الهزائز ، صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه الله، لا يظلم الاعداء، ولا يتحامل للاصدقاء، بدنه منه في تعب، والناس منه في راحة (1)
34 - قال (عليه السلام ):من مات يوم الجمعة عارفا بحقنا عُتق من النار وكتب له براءة من عذاب القبر (2)
35 - قال (عليه السلام) :إن الرجل يذنب الذنب فيحرم صلاة الليل، إن العمل السيء أسرع في صاحبه من السكين في اللحم (3)
36 - قال (عليه السلام) :لا تتخللوا بعود الريحان ولا بقضيب الرمّان ،فإنهما يهيّجان عرق الجذام (4)
37 - قال( عليه السلام) :تقليم الأظفار يوم الجمعة يؤمن من الجذام والبرص والعمى، وإن لم تحتج فحكها
حكّا. وقال قال (عليه السلام) :أخذ الشارب من الجمعة الى الجمعة أمان من الجذام (1)
38 - قال ( عليه السلام): اذا أويت الى فراشك فانظر ما سلكت في بطنك وما كسبت في يومك، واذكر انك ميّت، وأن لك معاد (2)
ح 17.
39 - قال (عليه السلام): إن الله عزّ وجل اثني عشر ألف عالم ،كل عالم منهم أكبر من سبع سموات وسبع ارضين ،ما يرى عالم منهم أن الله عز وجل عالماً غيرهم وأنا الحجة عليهم (3)
40 - قال (عليه السلام) حديث في حلال وحرام تأخذه من صادق خير من الدنيا وما فيها من ذهب وفضة (4)
قبس من السيرة والحياة ....5
الروايات ....20
الأربعون حديثاً ....69