مقاصد الشریعیة

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

مَقَاصِدُ الشَّرِيعَةِ

للأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة

KBP442 .B34352025

الهادي، خير الدين - مؤلف.

مقاصد الشريعة / الشيخ الدكتور خير الدين الهادي - الطبعة الأولى. - كربلاء، العراق : العتبة الحسينية المقدسة قسم دار القرآن الكريم ، 1 / 10 / 2015 - 1447 للهجرة.

106 صفحة ؛ 24 سم . - العتبة الحسينية المقدسة ؛ ) ، (قسم دار القرآن الكريم ؛).

يتضمن ارجاعات ببليوجرافية.

1. المقاصد الشرعية. أ. العنوان.

تمت الفهرسة قبل النشر في شعبة نظم المعلومات التابعة لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة الحسينية المقدسة.

التصميم والاخراج: قحطان عامر محمد

محرر الرقمي: محمد رضا راهجو

اشارة

للأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة

KBP442 .B34352025

الهادي، خير الدين - مؤلف.

مقاصد الشريعة / الشيخ الدكتور خير الدين الهادي - الطبعة الأولى. - كربلاء، العراق : العتبة الحسينية المقدسة قسم دار القرآن الكريم ، 1 / 10 / 2015 - 1447 للهجرة.

106 صفحة ؛ 24 سم . - العتبة الحسينية المقدسة ؛ ) ، (قسم دار القرآن الكريم ؛).

يتضمن ارجاعات ببليوجرافية.

1. المقاصد الشرعية. أ. العنوان.

تمت الفهرسة قبل النشر في شعبة نظم المعلومات التابعة لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة الحسينية المقدسة.

التصميم والاخراج: قحطان عامر محمد

مَقَاصِدُ الشَّرِيعَةِ

الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ

خَيْرُ الدِّينِ عَلِيُّ الْهَادِي سُلَيْمَانُ

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا (المائدة: 48)

المقدمة:

الحمد لله ربّ العالمين وأفضل الصلاة وأكمل التسليم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيرًا.

يولَد الإنسان وتولَد معه الحاجات ودائرة الحاجة كبيرة؛ لذلك تختلف أحكامها باختلاف أقسامها ولوازمها، ولمَّا كان الفرد في دائرة العناية الإلهية فقد أوجب الله تعالى له من الحقوق ما يمكَّنه أن يكون سعيدًا في الدنيا والآخرة، وأوجب عليه من الواجبات التي يمكنها أن تتكفَّل بحفظ التوازن المجتمعي للأفراد والجماعات؛ لذلك فإنَّ المقاصد الشرعيّة لها أصل شرعيّ هو التصديقي العرضي الذي دلَّ عليه القرآن ومعه السنة، وما المقاصدية إلا بحث جزئي من التصديقية العرضية العامة التي هي من مقاصد الشريعة.

فبحث المقاصد الشرعيّة مهمّ، والمقاصد الشريعة بمفهومها السائد وفرضياتها المعاصرة مفيدة على الرغم من كثرة المعارف الظنية فيها، وتظهر هذه الفائدة في ثلاثة اتجاهات وعلى النحو الآتي.

الأوّل: إنّ المنهج المقاصدي في الفقه خطوة مهمة للتخلُص من المنهج الحشوي الذي يتسم به الفقه الأصولي والخروج من الظنية الظاهرية إلى حقائقيّة مراديّة تنظر إلى النصّ بنظرة عُليا مقاصديّة تُجنَّب الباحث الحشوية والظاهرية.

الثاني: إنّ بيان مقاصد الشريعة وإبرازها للناس أمر مهم لكي يكون لديهم

أساس قوي في المعارف التي يجب ردّ باقي المعارف إليها، وتبيّن المعارف التي لا يصح نسبتها إلى الشريعة والتي تخالف تلك المقاصد.

الثالث: إنّ الفقه المقاصدي يؤكد ويدعم الفقه العرضي التصديقي، إذ إنَّ المعرفيّة والاتصال المعرفي والتناسق يلحظ في أبحاث المقاصد.

ومن هنا فقد حاولنا في هذا المختصر تسليط الأضواء على أهم المقاصد التي من شأنها العمل على تنظيم الحياة للأفراد والجماعات وملاحظة أهميَّة كل مقصد ونوعه، والتأكيد على بعض التطبيقات التي تواكب الحراك البشري في مسيرة الحياة الدنيا ويحتاج فيها المكلَّف إلى بيَّنة توافق الكتاب والسنَة النبويَة الشريفة وأقوال المعصومين علیهم السلام بوصفهم الأدلاء على مرضات الله والأوصياء على سنة نبيَّه الكريم صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ، وقد سبر البحث في هذه المطالب البحث في مصادر المسلمين للوقوف على الأحكام والضوابط التي يمكنها توجيه المطالب بالشكل الذي ينسجم مع ثقافة الإسلام الصحيح.

مفهوم مصطلح مقاصد الشريعة:

يُطلق مصطلح «مقاصد الشريعة» على الأهداف العامة التي تسعى الشريعة إلى تحقيقها في حياة الناس، وتطلق أيضًا على الأهداف الخاصة التي شُرَّعت ليحقق كلّ منها حكم خاص، وتنقسم على:

المقاصد العامة : هي تحقيق مصالح الخلق جميعًا في الدنيا والآخرة، ويتحقق هذا من خلال جملة أحكام الشريعة الإسلامية.

المقاصد الخاصة : هي الأهداف التي تسعى الشريعة إلى تحقيقها في مجال خاص من مجالات الحياة كالنظام الاقتصادي أو الأسري أو السياسي... إلخ، وذلك من طريق الأحكام التفصيلية التي شُرَّعت لكل مجال على حِدَة.

قراءة في العنوان:

قال «تعريف مقاصد الشريعة الإسلاميّة أقول العبارة تامة من حيث موضوعها، إلّا أنَّ الأفضل والأصَح هو توسعة المقاصد إلى مقاصد الشرائع لجميع الرسالات «الدين الإلهي» ، فلقد أشار القرآن إلى مقاصد عامة لإرسال الرسل؛ بل تعرّض إليها تفصيلًا، والشريعة هي الدين وهي الرسالة فيكون المعنى الأصح هو «مقاصد الرسالة»؛ بل مقاصد الرسالات، أو مقاصد الشرائع أو مقاصد الأديان السماوية، وبهذا يكون لدينا قسمان من المقاصد ؛ الأوّل مقاصد الرسالات «مقاصد الشرائع السماوية» والآخر مقاصد الرسالة «مقاصد الشريعة وما يخصنا نحن بالأساس مقاصد الرسالة المحمدية «مقاصد الشريعة الإسلامية، فمقاصد الرسالات تبحث في المقاصد العامة لكل الرسالات وتدعو إلى تمجيد الله تعالى وعبادته والحكم بما أنزل عزَّ

وجلَ، ومقاصد الرسالة تبحث في أصول الشريعة الحاكم على غيرها.

فصل في معنى «مقاصد الشريعة:

مما سبق يتبيَّن باختصار أنَّ مقاصد الشريعة هي فهم الشريعة، من طريق الاستقراء وتتبُع الآيات والأحاديث لمعرفة الحكمة من التشريع والعلّة وغيرها من الأحكام، وهي مبنية على قاعدة أن الدين جاء لرعاية مصالح العباد وأن دفع الضرر والمفسدة مُقدَّم على جلب النفع والمصلحة، أقول: عرفت أن المقاصد هي الغايات وأنَّ الشريعة هي أحد منهاجه وطريقته، فالمعنى غايات منهاج أو غايات طريقة، ومن الواضح أنّ هذا لا يعطي تصوّرًا كافيًا فيما هو في الوعي عن مقاصد الشريعة؛ لانَّ المنهاج والطريقة هي أوصاف عرضيّة لموضوعات، أي إنّها شكل وهيئة تتحدد بموضوعها وخصائصه، ومن كان لا بد من تشخيصٍ أكبر يختص بخصائص المنهاج، وظهوره الخارجي، وعليه فلا بد من قصد التمظهُر الجزئي لصاحب المنهج «الطريقة، فمثلا إذا معلَّمًا ففكرة المنهاج تختلف عما إذا كان سياسيًا، وهذا يختلف عما إذا كان ربّ أسرة أو مدير شركة، إنَّ الوعى اللغوي متأثر جدًا بالأثر الحضاري والثقافي، فإنّ تلك الصور لا تدخل في وعينا اللغوي ضمن الشرائع وإنّما الشرائع مختصّة غالبًا في وعينا بمنهج صاحب القوانين والوصايا الخاصة بجماعة كبيرة من شعب أو ديانة؛ إذن بحسب وجداننا اللغوي فإنَ مقاصد الشريعة هي غايات منهج المشرع القانوني.

وبخصوص شريعة الله تعالى فمقاصد الشريعة الإلهية هي غايات منهجه تعالى بخصوصنا، أي غايات رسالاته إلينا التي تنحل إلى جزئياتها بحسب

الرسل والأمم والشرائع والأحكام.

فصل في بيان مقاصد الشريعة ومجالاتها:

يظهر الخلل البالغ في قولهم أعلاه: «معرفة الحكمة من التشريع والعلّة وغيرها من الأحكام؛ لأن هذا جٌز لغايات الشريعة إلى جهة ضيقة جدًا مسخَّرة للاجتهاد، مع أنها ليست بالمعرفة التي تصلح فعلًا لتكون أساسًا للاجتهاد.

وأكثر خللًا قوله: مبنيّة على قاعدة أنّ الدين جاء لرعاية مصالح العباد وأنّ دفع الضرر والمفسدة مقدّم على جلب النفع والمصلحة، فإنّ هذا يرجع استنباط الأحكام إلى مجالات فكرية بشريّة واسعة غير منضبطة ولا مضبوطة بل بعضها غيبي ك«مصالح العباد« والنفع والضرر، فإن منها ما هو غيبي ومنها أخروي، وينقل البحث الفقهي إلى بحث فلسفي كلامي، وهو من الخلط غير المبرّر وغير المفيد بل المضر.

والصحيح إذا أردنا أن نتحدث عن «غايات الشريعة أو «غايات الرسالات فعلينا أن نتبع الاستدلال استنباطاً أو استقراء للنص الشرعي الثابت «قرآن أو سنة؛ لتبيّن تلك الغايات بالدلالة أو التصديق وتحرير القواعد العامة في تلك الغايات والضابط للغاية الشرعيّة أنها ما تتجه المعرفة الشرعية «حكمًا ودليلًا نحوها بلا شرط أو قيد، أي إنّها المعارف الشرعيّة التي يكون اعتبارها وجعلها ووجوب تحققها وطلبها وقصدها غير قابل للتخصيص أو التقييد، أي إنّه لا رخصة في تركها تحت أي ظرف فلا تجري عليها قواعد الاضطرار والحرج ولا تقبل التخصيص من أي حكم أو دليل شرعي بل هى مطلقا تحققًا وتحقيقًا.

فالخلاصة أنّ مقاصد الشريعة هي المعارف الشرعية التي لا يرخَص الشارع

بتركها مطلقًا حتى في الاضطرار والحرج ويمنع من تخصيصها أو تقييدها بأي معرفة، فالمقاصد الشرعية تجري وتحكم كلّ معرفة شرعية حكميّة أو دليليّة، وهي المعارف التي يرد إليها غيرها ويُعرف بها غيرها، وإثبات مقاصد الشريعة يكون بالطريقة الشرعية بالاستدلال من الأدلة الشرعية استنباطا أو استقراء.

فصل في أهمية مقاصد الشريعة:

حظيت مقاصد الشريعة في العصر الحديث بعناية خاصة من قبل العلماء والباحثين؛ وذلك لأهميتها ودورها في عملية الاجتهاد الفقهيّ، وفي معالجة قضايا الحياة المعاصرة في ضوء الأدلّة والنصوص والقواعد الشرعية، كان من ضروب هذا الاعتناء تدوين المقاصد وتأليفها واعتبارها علمًا شرعيًا وفنًا أصوليًا له ما لسائر العلوم والفنون من تعريفات ومصطلحات وتقسيمات وغير ذلك.

أقول: لا ريب أن مقاصد الشريعة هو من العلوم الشرعية، وأنه يقع في مجال فقه الشريعة، بل يقع في مجال قواعد الفقه «ما يُسمّى أصول فقه الشريعة، ولذلك فهو يُعدّ علما ليس واضحًا ، طبعًا هذا على البيان الأصولي السائد، وكما تعرف من تعريفاتهم، وأما على ما قلناه فإنّه مجال معرفي عام شامل من إحدى تطبيقاته هو أنه يُبيّن المعرفة التي تحكم باقي المعارف وترد إليها غيرها، ولذلك يكون مهمًا بيان تلك المقاصد وإثباتها بالطرق الشرعيّة، فالمقاصد الشرعية وفقه الفقه العرضي مهمة جدًا، ومن المهم إثبات ما يثبتُه الشرع منها وبيانه وإبرازه.

وأمّا من جهة الفقه الأصولي فإنّ الغرض الأساس هو الاجتهاد وأنها من مبادئ الاجتهاد، فيكون واجبًا ضبطها وضبط علاقتها بالأدلة وعلاقتها في الترتيب بالمتقدَم والمتأخَّر، لأنك ستعلم أنّهم يهتمون كثيرًا في حكامية

المقاصد الشرعية على النصوص. وأنا أقول فعلًا لا بد أن تكون مقاصد الشريعة حاكمة على النصوص، لكن لابدّ أوّلاً من إثبات المقاصد بطريقة شرعيّة واضحة وليس بطريقة اجتهاديّة غير واضحة ولقد اتضحت الضابطة الشرعيّة الواضحة بأنّ المقصد الشرعي هو الحكم الذي لا رخصة فيه وغير القابل للتخصيص أو التقييد، أما المنهج الأصولي فليس هناك ضابطة وإنّما مجموعة استقراءات تنتج اجتهادات غير واضحة ستعرف خللها البين، بل إنّ بعض ما يوصف بمقاصد الشريعة هو خلاف مقاصد الشريعة.

فصل في تعاريف العلماء لمقاصد الشريعة والمآخذ عليهم:

عرفَها الشيخ محمّد الطاهر بن عاشور بأنها: المباني والحِكَم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها؛ بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغاياتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، ويدخل في هذا معان من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام؛ ولكنّها ملحوظة في أنواع كثيرة منها .

وعرّفها الفاسي بقوله: المراد بمقاصد الشريعة الإسلامية، الغاية منها والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكمها.

وعرفها الريسوني بقوله: إنّ مقاصد الشريعة هي الغايات التي وُضِعَت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد.

وعرّفها الدكتور محمد بن سعد بن أحمد بن سعود اليوبي: المقاصد هي المعاني والحكم ونحوها التي راعاها الشارع في التشريع عموما وخصوصًا من

أجل تحقيق مصالح العباد.

وعرفها فتحي الدريني: وهي القسم التي تكمن وراء الصيغ والنصوص، ويستخدمها التشريع كليات وجزئيات.

وعرّفها د. مصطفى بن كرامة الله مخدوم بقوله: المقاصد وهي المصالح التي قصدها الشارع بتشريع الأحكام

وأمَا التعريف المختار فهو لنور الدين الخادمي الذي قال: المقاصد هي المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعيّة، والمترتبة عليها؛ سواء أكانت تلك المعاني حِكَمًا جزئيّة أم مصالح كليّة أم سمت إجمالية، وهي تتجمع ضمن هدف واحد، هو تقرير عبوديّة الله ومصلحة الإنسان في الدارين.

أقول: إن الاختلاف الكبير في تلك التعريفات كاشف عن قلة الضبط وعدم وجود منهجية واضحة في الإثبات والكشف ويكفي في بيان هذا الخلل أنّ جنس تلك المعرفة غير متَفق عليه مما يدعو إلى مراجعة جادة لهذا المفهوم، ففيما تقدَم هذه التعبيرات المختلفة.

المباني /الحِكَم /الغاية /الأسرار / الغايات/ المعاني/ ونحوها «المعاني

والحكم/ القسم / المصالح

فلدينا هنا فقط تسع تعبيرات، ولو تقصينا باقي التعريفات وكلمات المعرفين زاد العدد كثيرا عن الجنس الأصلي لتلك المعرفة، وقد عَرَفتَ أنه قال في البداية إنّها «فهم الشريعة. وفي الحقيقة ربما يمكننا أن نقول إنّ هذه التعريفيات ليست تعريفات في الواقع وإنّما مناهج للباحثين، وفهم للتمظهر الخارجي لغايات الشريعة.

إنّ بعض تلك التعريفات تشتمل على تعابير خطيرة جدًا من حيث إجمالها مثل «المباني / الحِكَم الأسرار / المعاني / القسم واعتماد هذه المصطلحات ليس فقط كفيلًا بتحويل الفقه إلى تلفيقة؛ بل سيحوّله إلى فنّ أدبي مليء بالظنون والخيالات.

ولذلك يمكن أن نطرح تعريفًا واحدًا للمقصد الشرعي بأنه المعرفة الشرعية التي لا يُرخَص الله تعالى بتركها مطلقًا تحت أي ظرف حتى في الاضطرار والحرج والضرر ولا يقبل بتخصيصها أو تقييدها بأي معرفة والتي تثبت بالطريقة الشرعية بالاستدلال استنباطًا أو استقراء للأدلة الشرعية.

وأما غير ذلك من معارف شرعيّة تثبت بالاستقراء وتكون من باب الحكم أو الغايات أو الأسرار أو المعاني أو المصالح فإنّها ليست مقاصد شرعية وإنما معارف فلسفيّة ومنها ما يمكن أن يكون مبادئ استنباطية اجتهادية إذا ثبتت دليليّتها الشرعيّة. فما يُسمّى بمقاصد الشريعة هي في الواقع معارف فكرية مستمدَة من الشريعة، ونصوصها تصلح لأن تكون من مجالات فلسفة الشريعة

ويمكن أن تكون أدلّة استنباطيّة إذا حققت شروط الدليلية، بمعنى آخر أنّ المنهجية المتبعة في استخراج تلك المعارف التي تُسمّى مقاصد شرعية لا تُحقَق الغاية المقاصدية، وإنّما تُحقَق معرفة إنسانيّة بشرية فلسفية بخصوص الشريعة، وهي بنفسها لا تصلح دليلًا شرعيًا لا عامًَا ولا خاصًا؛ بل تحتاج إلى إخراجها من الظنية إلى العلميّة؛ إذ لا يصح الاستدلال إلا بالعلم، فلا بد من إثبات علميّتها الشرعيّة ثمّ إثبات علميّتها الدليلية.

وباختصار، ما يُسمّى بمقاصد الشريعة ليست مقاصد للشريعة أصلًا، وهي لا تصلح أن تكون أدلّة شرعيّة، فضلًا على أن تكون أدلّة عامة حاكمة.

فصل في المآخذ على مفهوم المصالح:

إنّ المقاصد الشرعيّة هي جملة ما أراده الشارع الحكيم من مصالح تترتَب على الأحكام الشرعية، كمصلحة الصوم والتي هي بلوغ التقوى، ومصلحة الجهاد التي هي درء العدوان والذَّب عن الأمة، ومصلحة الزواج والتي هي غضّ البصر وتحصين الفرج وإنجاب الذريّة وإعمار الكون.

وهذه المصالح كثيرة ومتنوّعة، وهي تجمع في مصلحة كبرى وغاية كلية: هي تحقيق عبادة الله وإصلاح المخلوقين وإسعاده في الدنيا والآخرة، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتِسورة النحل آية 36 .

أقول: إنَّ هذا الكلام لا يصح أن يدخل في الكلام الفقهي العلمي؛ إذ إنّ تأسيس القواعد الفقهيّة يجب أن يخضع لنظام عالٍ من الضبط، فكيف يقبل بهكذا عبارات «كمصلحة الصوم والتي هي بلوغ التقوى، ومصلحة الجهاد

التي هي درء العدوان والذب عن الأمة.

من الواضح أن هذه النقولات منتشرة وأنّ علم مقاصد الفقه إذا كان يسوّغ هكذا تنظيرات وفرضيات فإنّه بلا شكّ مرحلة من الظنية لا مسؤولة في علم الفقه.

ومما ينبغى الإشارة إليه أنّ المصلحة متجذَرة في الشريعة وفي أحكامها؛ لأنها الحق الذي وصفها الله تعالى به فإثبات المصلحة في المعارف الشرعية عامها وخاصها كلّيها وجزئيها من مقاصد الشرعيّة، إلّا أنّ كشف تلك المعارف وادعاء أنها كلّها شهوديّة مما لا مجال له مع وجود خلاف معروف بين الكلاميين في ذلك، وأن بحث المصلحة في الأحكام بحث كلامي فلسفي وليس فقهيًا.

فصل في أقسام المقاصد:

تنقسم المصالح بحسب الاعتبارات على ثمانية أقسام، وهي على النحو الآتي:

1.

باعتبار المصالح التي جاءت بحفظها .

2.

باعتبار مرتبتها في القصد.

3.

باعتبار الشمول.

4.

باعتبار محل صدورها ومنشئها.

5.

باعتبار وقتها وزمن حصولها.

6.

باعتبار القطع والظنّ.

7.

باعتبار تعلُقها بعموم الأمة وأفرادها.

8. باعتبار حظ المكلَف وعدمه.

أقول: من الواضح أن المنطلق في هذه الأقسام هو الوظيفة الاجتهادية أي براغماتية اجتهادية فإنّ كلّ فقرة منها تشير إلى ذلك، وفي الواقع وبتدقيق في الأقسام وأقسام البحث فإنّه يؤكّد أنّ النظرة السائدة لمقاصد الشريعة إنّما هو من حيث كونها من فروع القياس، ومن مبادئ الاجتهاد القياسي، وبعبارة أخرى يمكننا القول إنّ ما يُسمّى بمقاصد الشريعة السائد بحسب الفقه الأصولي هو محاولة لضبط أسس القياس الفقهي.

وأما بحسب تعريفنا وفهمنا لمقاصد الشريعة فإنّ مقاصد الشريعة من حيث معرفيّتها ليس لها إلّا قسم واحد وهو ما حقق تلك الضابطة بعد الترخيص أو التخصيص مطلقًا، نعم هناك اختلاف بين تلك المقاصد من حيث اهتمام الشارع بها يتبيّن من خلال كثرة التأكيد وتكرار البيان، فمثلًا الإيمان بالله هو أهم مقاصد الشريعة؛ إذ لا تخلوا مناسبة إلّا والقرآن يشير إلى التوحيد نصًا أو ضمنًا، ومن ثَمّ يأتي من بعده العمل الحكم بما أنزل الله تعالى، وأما من حيث الإثبات فهي تثبت بالطريقة الشرعية بالاستدلال فلا تمييز هنا.

ولا يُعتقَد أنّ الحكم بما أنزل الله هو يساوي مقصد حفظ الدين، بل يعني وجوب إقامة الدولة الدينية، ومن خلال ما أشرت إليه من أن مقصد «الحكم بما أنزل الله هو المقصد الشرعي الثاني، يظهر الخلل في فكرة المقاصد الشرعية المعاصرة والتي لا تبيّن أنّ الحكم بما أنزل الله هو مقصد شرعيّ لا رخصة فيه وحاكم على كلّ معرفة، وأن هذا يُبطل قول المجوّزين للدولة المدنية بالرخصة اضطرارًا أو حرجًا أو نحوهما من الأعذار. ومن خلال ما تقدَم يتبيّن الخلل في أصل تلك الأقسام ووجه جعلها مقاصد للشريعة.

التأصيل للفكر المقاصيدي :

البحث في مقاصد الشريعة ومصالح الأحكام الشرعية ومدى استفادة العقل منها في استنباط الأحكام الشرعية، ذو تاريخ سابق عند علماء أهل السنّة، وإنْ كانت الظاهرية تُخالف هذه الرؤية من خلال تأكيدها على عدم الرجوع إلّا إلى ظاهر السنّة (1)، ولكنّ المدارس الفقهيّة الأخرى أخذت على عاتقها هذا الاتجاه بقبولها القياس والعمل به (2)، مضافًا إلى أنهم جعلوا القياس مصدرًا للاستنباط، فقد اتخذ أبو حنيفة وأحمد بن حنبل الاستحسان مصدرًا للاستنباط أيضًا، وبعضهم، وإن ردّ الاستحسان كمالك والشافعي، لكنه جعل بدله المصالح المرسلة مصدرًا آخر(3).

نظرية مقاصد الشريعة عند الإمامية:

لم يكن لهذه المسألة - أي مصالح الأحكام ومناطاته- مكانة مقبولة في فقه الشيعة، ولم يتعرّضوا لها إلا في موارد قليلة؛ لأنّ فقهاء الإمامية يؤكَدون على خفاء مصالح الأحكام وأنه لا ينالها عقل البشر(4)، فلم يتعرّضوا لكشف مناطات الأحكام ومصالحها إلا في موارد قليلة وسلَّموا أمور المصالح إلى المعصوم الذي تكفَّل بالأمر؛ وهذا ظاهر في تسليم الشيعة أمرهم إلى أوليائهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَرهم تطهيرًا، وقد اصطفاهم بالعلوم الظاهرة والباطنة وعلَمهم علم الأوَّلين والآخرين، وبسبب الخشية من


1) ينظر: الاعتصام للشاطبي : 1/ 386 .

2) ينظر : إرشاد الفحول للشوكاني: 296/1.

3) ينظر: شرح العمدة: 55/1 .

4) ينظر: موسوعة الامام الخوئي: 20/ 416.

الوقوع في القياس الذي أكّد الأئمة المعصومون على اجتنابه(1)، ابتعدوا قدر الإمكان عن منهج استنباط العقل، ولكن لابد من الاعتراف بأنهم بالغوا في هذا الاحتياط وتأخّروا عن التأمُل في أهداف الشريعة ومقاصدها، وإن كان بعض فقهاء الشيعة في العصور المتأخَرة - مثل الشهيد الأوّل (2)- لم يغفل عن بحث مقاصد الشريعة ومناطات الأحكام، ولكن لا يوجد أحد من علماء الشيعة بين بشكل واضح أثر مقاصد الشريعة ومصالح الأحكام، في الوقت عينه الذي يتجنّب فيه الوقوع في القياس وفي الإفراط العقلي واتخاذ مناطات الأحكام أساسًا يعتمد عليه؛ لذلك قد نجد هذا العلم متناثرًا في كتب الشيعة الإمامية.

و مما استقرَ عليه تاريخ التشيع أنَّ هناك إشارات واضحة من المعصومين علیهم السلام على ترتيب المقاصد وتفضيل مسألة الحفاظ على الدين على غيره من المقاصد الضرورية؛ إذ شاع أنَ رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ أوصى عليا علیه السلام بوصايا كثيرة قبل رحيله، فقد روى يونس بن حباب عن أنس بن مالك، قال: ((كنا مع رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ وعلي بن أبي طالب معنا فمررنا بحديقة فقال علي: يا رسول الله! ألا ترى ما أحسن هذه الحديقة؟! فقال : إن حديقتك في الجنّة أحسن منها . حتى مررنا بسبع

صلى الله حدائق يقول عليّ ما قال، ويجيبه رسول الله بما أجابه . ثمّ إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف فوقفنا، فوضع رأسه على رأس عليّ وبكى، فقال علي: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى يفقدوني. فقال: يا رسول الله! أفلا أضع سيفي على عاتقي فأبيد خضراءهم؟ قال: بل تصبر.قال: فإن صبرت. قال: تلاقي جهداً. قال: أفي سلامة من ديني؟ قال: نعم. قال: فإذن لا أُبالي))(3).


1) ينظر: الكافي : 54/1 .

2) ينظر: القواعد والفوائد: 2/ 138.

3) المعجم الكبير للطبراني: 11 / 60 ، وينظر : الكامل لان عدي، وينظر : تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: 24/322

فمن الواضح أنَّ عليا علیه السلام لم يلتفت إلى كثير من التحدَيات والمصاعب والبلايا؛ بل اكتفى بالسؤال عن أمر الدين، وهذا يؤكَّد تقديم الدين على سواه في المقاصد.

وإلى هذا أشار الحسين علیه السلام يوم عاشوراء حينما تأخر عنه القريب ولم يقف إلى جانبه البعيد فواجه الفكر الأموي وحمل رسالة السماء بقوَة وثبات وقد عمد بين بريق السيوف وخذلان الناصر والمعين إلى ترتيب المقاصد ؛ إذن نُقل عنه أنه قال: (( الموت أولى من ركوب العار والعار أولى دخول النار))(1).

ويفهم من الخطاب الحسيني أنَه إذا دار الأمر بين الموت وبين الفعل المشين والمستوجب للعار فاختيار الموت أولى وأرجح ، فلو اقتضى ان يُدافع الإنسان عن عرضه فيكون في معرض القتل وبين ان يترك عِرضه فيُعبث فيه وهو يسلم فاختيارُ الموت أولى والدفاع عن العرض مقدَّمٌ وهذا الذي يقتضي التعقُلُ سلوكه بل إنَّ ذلك هو مقتضى التدين.

وأمَا في المقطع الثاني فيؤكَد الإمام علیه السلام أنه إذا دار الأمر بين فعل ما هو مشين بنظر الناس ومستوجبٌ للعار وبين دخول النار فاختيار الفعل المستوجب للعار أولى من دخول النار. فلو خُيَّر الإنسان بين الجلد بتهمةِ الزنى والقطع بتهمة السرقة وبين مداهنة السلطان الجائر وإعانته على ظلمه فهو في الواقع تخيير بين العار وبين النار لأنَّ مداهنة السلطان الجائر وإعانته على ظلمه من موجبات دخول النار. فمقتضى التدين هو اختيار القبول بالعار لكي لا يكون مصيره الخلود في النار. ولعل مراد الإمام علیه السلام من قوله : (والعار أولى من دخول النار) هو الإشارة إلى انَ اختيار القتل والسبي الذي يُعدُ هزيمةً وعارًا في نظر الناس أولى من مداهنة الظالمين لأنَ مداهنة الظالمين معناه اختيار النار على العار.


1) بحار الأنوار للمجلسي: 192/44.

نظريّة مقاصد الشريعة عند الشاطبي:

بذل الشاطبي (790ه-)، جهدًا بالغًا في بحث مقاصد الشريعة وكيفية إفادتها لاستنباط الأحكام الشرعية، فصنّف كتاب "الموافقات" للتنظير لها وتنقيح قواعدها (1)ويمكن تلخيص نظريته في الأصول الآتية:

1 - الفصل بين بابي العبادات والعادات، وهو أوّل أصل اعتمده الشاطبي في نظريته؛ فقد ذهب إلى أنّ ما كان خارجًا عن محيط العبادات - المعبّر عنه بمحيط العادات - فإنّ للعقل مجالًا مفتوحًا للبحث والكشف فيه عن مصالح الأحكام ومقاصدها، يقول الشاطبي : وإن كان لبعض العادات مصالح لا يدركها العقل ولكن يكفي ما يحصل عليه العقل من تلك المصالح في الاستفادة منها في عملية الاستنباط، وهذا هو المعيار والملاك في تحقق الاجتهاد.

2 - سلك الشاطبي مسلكًا معتدلا لدور العقل في استنباط الأحكام؛ فمع اعتقاده بمقدرته على تعيين المصالح، رأى في الوقت نفسه ضرورة اتباع إرشادات الشارع لتعيين المصالح والمفاسد، قال: إنّ العقل يحتاج لهداية الشارع وبمساعدة ما تبينه الشريعة من قواعد يعرف العقل تفاصيل المصالح الدنيويّة، ولو لم يكن يحتاج إلى الشريعة في ذلك لزم عدم الحاجة إلى إرسال الرسل والأنبياء.

3 - يرى الشاطبي أن هدف الشريعة ومقصدها العامة في دائرة العبادات هو تقوية انقياد العبد لربه وتعظيم المقام الإلهي، وجميع الأحكام إنّما تفسر باتجاه تحقيق هذا الهدف. ويرى عدم إمكان الحصول على مناطات الأحكام العبادية


1) ينظر : منتهى الدراية: 366/7

وعللها الجزئية غير مصلحة الانقياد والتعظيم للمقام الإلهي، قال: لا ينبغي البحث في هذا المجال، بل لابد من التسليم بأصل التعبّد والأخذ بالظواهر.

4 - يرى الشاطبي أنّ أهمّ مقاصد الشريعة في قسم العادات هو حفظ توازن المسيرة الإنسانيّة في حركتها وعدم وقوعها في الإفراط أو التفريط، ففي نظره أن الشريعة بتشريعاتها ترسم لنا طريق الاعتدال.

5 - مع اعتقاد الشاطبي بعدم وجود طريق للاستحسان في العبادات، وإنّما هي تابعة للنص، لكنه يرى أن للعبادات مقاصد كلّية وشامخة، والاعتماد المفرط على ظواهر النصوص أوجب صرف أنظارنا عن الأهداف الشامخة للعبادات والغفلة عنها، ويقول بعدم إمكان مناقضة الأحكام الشرعية الفرعية والجزئية في جميع الموارد للقواعد والمقاصد الأساسيّة، فإذا أدّى عملنا على وفق ظاهر الشريعة إلى التنافي مع المصلحة الثابتة من الحكم، فإنّ عملنا يؤول إلى عمل غير شرعيّ؛ لأنّ مقصد الشارع وغرضه من التشريع تحقيق المصالح والمحافظة عليها لا العمل على مطلق الظاهر، ومن باب المثال ليس من الصحيح أن تكون مصلحة الصلاة مجرد التقرُّب، وكون مجرد مساعدة المساكين مصلحة للزكاة.

6 - في تعارض النص مع مقاصد الشريعة اتخذ الشاطبي مسلكًا معتدلا أيضًا، إنّه يرى هنا أنّ الراسخين في العلم هم أصحاب القدم الثابت في الدين ولا يرجحون نصا أو معنى على آخر، ودائمًا يحتاطون بعدم الإخلال بنص أو معنى في سبيل الأخذ بمعنى أو نص آخر.

ضرورة الفكر المقاصيدي:

تظهر أهمية دراسة الفكر المقاصيدي في تنظيم ما يدور في فلك التكليف وتنوع الابتلاءات من جهات عدَة منها :

•

أن الشريعة الإسلامية - فيما عدا العبادات- ليست مقفلة أمام التفكير الإنسانيّ، فإنّ عالم المعاملات والفقه العام هو عالم عقلائي وفطري بقواعده وأسسه العامة، ولا مسرح للتعبّد الشرعي فيه إلا نادرًا، كما أقر بذلك جمع من الفقهاء وحتى العبادات ليست طقوسًا جوفاء أو أفعالًا لا تحمل روحًا أو معنى، بل إنّها ترمي إلى أهداف واضحة، ولا يجد الإنسان صعوبة في فهم ما ترمي إليه الطهارات الثلاث «الوضوء الغسل التيمم وما تهدف إليه الصلاة أو الصيام أو سائر العبادات.

•

أن ابتناء أحكام الشريعة على المصالح والمفاسد الكامنة في المتعلقات آخر يدعونا إلى فتح باب المقاصد ومحاولة اكتشاف علل الأحكام ومراميها؛ لأنّ الشارع الذي لا يأمر إلا بما فيه المصلحة ولا ينهى إلّا عمّا فيه المفسدة، لم يتعمّد ولم يكن في برنامجه وتخطيطه حجب هذه المصلحة أو تلك المفسدة عن عبادة، ولهذا فهناك إمكانية كبيرة وعالية ومن خلال النظرة الفاحصة في الكتاب والسنّة، أن يتوصل الفقيه إلى ملاكات الأحكام، وهذا الباب ليس موصدًا بوجهه لا بحكم العقل ولا بمرسوم من الشرع.

المنحى المقاصدي في القرآن الكريم:

أ-القرآن الكريم ومقاصد الشريعة

اشارة

فالمتأمل في التشريعات القرآنية يلحظ ظاهرة بارزة فيها، وهي أنها لم تطرح بطريقة فتوائية جامدة، بل بطريقة تعليلية توجيهية تقرَّبها إلى الأذهان وتشير إلى فوائدها وفلسفتها، وهذا على الرغم من أنّ القرآن هو صاحب شعار( وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) الأحزاب : 36، وهذه الظاهرة القرآنية التعليليّة نلحظها على مستوى الواجبات والمحرَمات معًا. وإليك بعض الأمثلة في المقامين:

أولاً على مستوى الواجبات:

اشارة

1 - الوضوء والتيمم وفائدة التطهير : يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنباً فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) المائدة :6

2 - الصلاة والنهي عن المنكر : قال تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَ أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر ..) العنكبوت: 45

3- الحج ومنافعه : قال سبحانه :(وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام

معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق) الحج : 27-29

على مستوى المحرمات ثانيا -

1 - مفاسد الخمر والميسر : يقول تعالى: يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما البقرة : 219 وهذه الآية كالصريحة في أن التحليل والتحريم تابع للمصالح والمفاسد، وأنه إذا غلبت مفسدة الشيء على مصلحته كان حراماً وإلا كان حلالاً، وفي آية أخرى يبين لنا الله مفاسد الخمر والميسر فيقول:( يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۖ إِنَّمَا يُريدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) المائد: 90 - 91)2- الربا وتدمير المجتمع: يقول الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرَّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَس.. البقرة : 275، فالآية ربما تشير إلى أن المرابين ونتيجة لسيطرة حبّ المال على قلوبهم وعقولهم، فإنهم سيصابون بالعمى من النتائج السلبية للربا ويؤدّي تماديهم في المراباة إلى تخبط المجتمع الربوي برمته وعدم استقراره.)3- الزنا ومفاسده بعبارة موجزة ومختصرة أشار القرآن الكريم إلى أن علة تحريم الزنا هي كونه فاحشة وسبيلًا سيئًا، تاركًا لعقولنا اكتشاف مفاسده ومساوئه، قال سبحانه: ﴿وَ لا تَقْرَبُوا الزِّني إِنَّهُ کانَ فَاحِشَةً وَساءَ سَبيلا الإسراء : 32 .)

##### المنحى المقاصيدي في السنة النبوية:وكما كان القرآن الكريم مهتمًا ببيان مقاصد الشريعة عللًا أو حِكَمًا، فإنّ السنة الشريفة نسجت على هذا المنوال أيضًا، وقلّما تجد حكمًا فرعيًا أو كليًّا لم تعلّله السنّة لنا أو تبيّن فلسفته وحكمته، ويكفينا في هذا المجال مراجعة كتاب «علل الشرائع للشيخ الصدوق لنرى بأم العين شدّة اهتمام النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ والأئمة المعصومين عليهم السلام ببيان فلسفة كل التشريعات الإسلامية في مئات من الروايات المروية عنهم عليهم السلام، ثمّ إنّنا نلحظ في التراث القليل الذي بلغنا عن سيدتنا الزهراء عليها السلام تركيزًا على المنحى المقاصدي، فخطبتها الشهيرة في جموع الأنصار والمهاجرين تضمّنت بيانًا مفصلًا عن أسرار التشريع وأهدافه، وهذه بعض مقاطعها، قالت علیه السلام :« فجعل الله الإيمان تطهيرًا لكم من الشرك، والصلاة تنزيهًا لكم عن الكبر ، والزكاة تزكية للنفس ونماء في الرزق، والصيام تثبيتا للإخلاص، والحجّ تشييدًا للدين، والعدل تنسيقًا للقلوب، وطاعتنا نظام للملة، وإمامتنا أمانًا من الفرقة، والجهاد عزًا للإسلام وذلًا لأهل الكفر والنفاق، والصبر معونة على استيجاب الأجر، والأمر بالمعروف مصلحة للعامة، وبرّ الوالدين وقاية من السخط، وصلة الأرحام منسأة في العمر ومنماة للعدد ، والقصاص حقناً للدماء ... »(1)


1) منتهى الدراية : 366/7 .

28##### محفَزات انطلاق التفكير المقاصدي وثماره:إن فتح باب التفكير في مقاصد التشريع الإسلامي له ثمار وفوائد عديدة وإيجابيات كثيرة؛ بعضها يرتبط بشكل أو بآخر بعملية استنباط الحكم الشرعي، وبعضها يرتبط بحركة الأحكام الولائية، وبعضها يهدف إلى تركيز الإسلام في نفوس المسلمين. وإليك التفصيل في ذلك:##### إيجاد إطار تشريعي عام:إذا لم يكن باب علل الأحكام موصدًا في وجهنا، ولم تكن الشريعة مجرّد قوالب جامدة أو أحكام اعتباطية كما تقدّم فبالإمكان الاستعانة بالكتاب والسنة لاكتشاف هذه العلل أو استخراج المقاصد والقواعد العليا للتشريع التي تشكّل الإطار التشريعي التي يلزم على الفقيه مراعاتها ووضعها نصب عينيه في أثناء ممارسة العمليّة الاجتهادية، وإنّ كثيرًا من القواعد المقاصدية التي تُسهم في تشكيل الإطار التشريعي المذكور منصوص عليها في الكتاب والسنة، ولا يحتاج الفقيه إلى عناء في اكتشافها ليُشكَل عليه بأنّها علل ظنية، والظنّ لا يغني عن الحق شيئًا.وعلى الرغم من أن هذه الكليات المقاصدية منصوصة، لكن لا يتم استثمارها فعلًا في العملية الاستنباطية، وإنّما يتعامل معها معاملة ما يصطلح عليه بالحكمة التي لا يُقاس عليها ولا يدور الحكم الشرعي مدارها، ولو أن فقيهًا استثمر أو استفاد من هذه النصوص المقاصديّة، فإنّه يتعامل معها معاملة المطلقات والعمومات القابلة للتخصيص والتقييد، مع أنها لا تندرج في نطاق الحكمة بالمعنى المصطلح، وليست من سنخ العمومات القابلة للتقييد، وإنما هي «جزء

من الأدلة الكلية العامة التي توجّه النظر الفقهي الاجتهادي على أساس المقاصد، والمقاصد غير قابلة للتقييد ولا التخصيص، بل هي مطلقة وعامة تحكم على جميع مطلقات وعمومات الشريعة»(1)

ص: 11 .

، يعني أنّ هناك نوعين من الكليات: الكليات المقاصديّة، والكليات العاديّة، والأولى يكون حالها حال العمومات الآبية عن التخصيص، فكما لا يمكن تقييد أو تخصيص.

قوله تعالى: « وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقا » الإسراء: 81 بأن يقال: الباطل زاهق إلّا الباطل الكذائي ! كذلك لا يمكن تقييد قوله تعالى: « قُلْ أَمَرَ رَبِّ بِالْقِسْط »الأعراف : 29 أو قوله: ﴿ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُم الشورى: 15 أو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى)النحل: 90 لتكون النتيجة بعد التقييد أن الله يأمر بالقسط والعدل إلّا في الحالة الفلانية أو مع فلان من الناس، ثُمّ إنّ الكليات المقاصدية التي تشكل الإطار العام للشريعة قد لا يكون بعضها منصوصًا بشكل مباشر، وإنّما يمكن استفادتها من التأمل في ما طرحه الكتاب والسنة من مفاهيم وأحكام.)وعلى سبيل المثال من يتأمل في حثّ الشارع وترغيبه في الزواج ودعوته إلى الإسراع فيه، ولا سيما بالنسبة للأنثى، ويتأمل في المقابل تشديده في أمر الزنا ونهيه عنه وعن اللواط والسحاق والاستنماء يحصل له اليقين أنّ الزواج إنّما شُرَع بهدف تحصين كلً من الرجل والمرأة، مضافًا إلى استمرار النسل البشري، وعليه فكيف نوائم بين ذلك وبين الفتوى المشهورة القائلة: «إنّ حق المرأة الجنسي هو أن يعاشرها زوجها في كلّ أربعة أشهر مرّة واحدة»، فإنّ ذلك لن يحقق التحصين الذي شُرع الزواج لأجله، ففي الحديث عن الإمام الصادق علیه السلام


1) قضايا إسلامية معاصرة، عدد 9 ،

عن رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ أنه قال: «أيها الناس... إنّ الأبكار بمنزلة الثمر على الشجر، إذا أدرك ثمره فلم يُجتَنَ أفسدته الشمس ونثرته الرياح، وكذلك الأبكار إذا أدركت ما يدرك النساء فليس لهن دواء إلا البعولة، وإلا لم يؤمن عليهن الفساد لأنّهن بشر » (1، وهذا ما حدا ببعض الفقهاء إلى التأمّل في الفتوى المشهورة واختياره المساواة في الحق الجنسي بين كلً من الرجل والمرأة (2).)##### الفكر المقاصدي والأحكام التدبيرية:التفكير المقاصدي إن لم يستطع أن يكتشف علل الأحكام الواقعية كون العقل البشري غير قادر على الوصول إليها كما يقال، فلا ريب أنه يستطيع الإسهام في إلقاء الضوء على الأهداف والمؤشّرات العامة للتشريع الإسلامي، وهذه الأهداف تصلح ناظمًا وهاديًا لحركة الأحكام التدبيرية الصادرة من ولي الأمر لملء منطقة الفراغ، بحيث إنّ الحاكم الشرعيّ يستهدي هذه الأهداف والمقاصد في أحكامه التدبيريّة ويسير على ضوئها، ومثال ذلك، كما يذكر الشهيد الصدر (ره، النص القرآني الآتي : (ما أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُم )الحشر : 7.)فإنّ «الظاهر من النصّ الشريف أنّ التوازن وانتشار المال بطريقة تشبع كلّ الحاجات المشروعة في المجتمع وعدم تركيزه في عدد محدود من أفراده هدف من أهداف التشريع ... وعلى هذا الأساس يحق لولي الأمر أن يضع كل الصيغ


1) الكافي: 2377/5

2) ينظر : كتاب النكاح ج 1 للسيد فضل الله.

التشريعية الممكنة التي تحافظ على التوازن الاجتماعي في توزيع المال وتحول دون تركّزه في أيدي أفراد محدودين»(1، ومن الإجراءات التي يمكن للحاكم اتخاذها لتحقيق الهدف المذكور، أن يفرض بعض الضرائب على أصحاب رؤوس الأموال والأثرياء أو ما شابه ذلك (2).)ومثال آخر يذكره الشهيد الصدر أيضًا وهو أن نصوص الزكاة صرّحت بأنّ الزكاة ليست لسدّ حاجة الفقير الضرورية فحسب، بل لإعطائه المال بالقدر الذي يلحقه بالناس في مستواه المعيشي، أي لا بد من توفير مستوى من المعيشة الذي يتمتّع به غير الفقراء في المجتمع، وهذا يعنى أن توفير مستوى معيشي موحد أو متقارب لكل أفراد المجتمع هدف إسلامي لا بدّ للحاكم الإسلامي من السعي في سبيل تحقيقه(3. والنصوص التي يشير إليها الشهيد الصدر هي من قبيل ما روي عن الإمام الصادق علیه السلام:«وما أخذ من الزكاة فضّه على عياله حتى يلحقهم بالناس»(4).)وفي حديث آخر عنه أيضًا علیه السلام، سأله الراوي عن صديق له يملك دارًا تساوي أربعة آلاف درهم، وله جارية وله غلام يستقى على جمل له كل يوم قيمة در همين إلى أربعة دراهم، مضافًا إلى علف الجمل، وللرجل عيال أيضًا، أ فيجوز له أن يأخذ من الزكاة؟ فقال علیه السلام: نعم، قال السائل: وهذه العروض؟! فقال علیه السلام: «يا أبا محمد، فتأمرني أن آمره ببيع داره وهي عزّه ومسقط رأسه؟! أو ببيع خادمه


1) الإسلام يقود الحياة : 45 .

2) ينظر: المرجعية والقيادة للسيد الحائري: 133

3) ينظر: الإسلام يقود الحياة : 45 .

4) وسائل الشيعة، باب 8 من أبواب المستحقين للزكاة، ح4

الذي يقيه الحرّ والبرد ويصون وجهه ووجه عياله؟! أو آمره أن وجمله وهو معيشته وقوته؟! بل يأخذ من الزكاة فهي حلال ولا يبيع داره ولا غلامه ولا جمله»(1، ويمكن تحديد بعض الأهداف العامة للفكر المقاصدي منها :)##### إخراج الفقه عن الشكلية والطقوسية :إنّ اكتشاف أسرار الشريعة ومراميها يعني أنّ المسلم «يأخذ الإسلام في العمق لا في السطح، فيكون الالتزام بأية مفردة من مفردات الإسلام عقيدة أو شريعة التزامًا بالسر الكامن فيها .. وبهذا نخرج عن الجمود الطاغي على ممارستنا وأعمالنا الإسلامية، بحيث أنّ المسلمين يتحرّكون بالإسلام من الخارج ولا يتحركون به من الداخل، مع أنّ الله سبحانه يريد أن يكون إسلامنا إسلام العقل والقلب والروح والإحساس والشعور قبل أن يكون إسلام الممارسة العمليّة الخارجيّة الشكلية»(2، ويرى الشهيد مطهري أنّ المدرسة الإخبارية اتسمت بالجمود والقشرية، ومن الأمثلة على ذلك إصرارهم على التحنُّك «إسدال حنك العمامة، بينما الفيض الكاشاني وعلى الرغم من اخباريّته تخلّص من ربقة الجمود ورأى أنه لا داعي للتحنُّك؛ لأنّ الأمر بإسدال الحنك كان معارضة للمشركين الذين كانوا يشدّون الحنك ولا يسدلونه، فجاء الأمر بالتحنُّك معارضة لهم، حتى لا يتمسك المسلم بشعار غير إسلامي(3).)


1) وسائل الشيعة، باب 8 من أبواب المستحقين للزكاة، ح4

2) ينظر: الزهراء القدوة للسيد فضل الله 258.

3) ينظر: الإسلام متطلبات العصر للشهيد مطهري : 168.

##### تعزيز موقع الإسلام في النفوس:إن بيان مرامي التشريع وأهدافه ومقاصده له دوره في تمتين علاقة المسلمين بإسلامهم، لما يرونه من انسجام أحكامه وهدفيتها وابتعادها عن الاعتباطية أو القشرية والشكليّة، و لذلك دورٌ في تفهم الآخرين للإسلام، وربما جذبهم إليه وأقنعهم به، لما يرونه من تحليل منطقي لكلّ حكم من الأحكام أو معتقد من المعتقدات؛ لأنّ من الطبيعي أنّ الإنسان لن ينجذب إلى ما لا يفهمه ولن ينشدّ إلى ما لا يفقهه، ولهذا تغدو عملية بيان أسرار التشريع ومقاصده عملية دعوة إلى الإسلام وعملًا تبليغيًا شريفًا##### معوقات إطلاق الفقه المقاصدي :1 - الذهنية التفكيكية: سادت - وما تزال في الأوساط والكتابات الفقهية النظرة الفرديّة التفكيكية التي تتعاطى مع الشريعة على أنها مجرد نصوص متناثرة وأحكام متشتتة لا يربطها رابط ولا ينظمها ،ناظم، وهذا ما تعبَّر عنه المقولة الشائعة القائلة: «إنّ الشريعة مبتنية على جمع المتفرّقات وتفريق المجتمعات»(1، إلّا أنّ هذه المقولة وإن ترسخت في الذهن الفقهيّ وربما يذكر لها بعض الأمثلة، لا يمكن قبولها بالمطلق؛ لأنّها تكرَّس الشريعة كمجموعة من الأحكام المتناثرة، وهو ما لا ينسجم مع كونها نظام حياة متكامل للمجتمعات الإنسانية في مختلف الأزمنة، بل إنّ ذلك لا ينسجم مع واقع الحال، فإنّ المتأمل في الشريعة يجدها هادفة منتظمة مترابطة، وكلّ حكم من أحكامها يشكّل لبنة في بناء الشريعة المتكامل، ومن هنا جاء الرفض القرآني لفكرة الإيمان ببعض)


1) فوائد الأصول 913

الكتاب والكفر بالبعض الآخر،( أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْض البقرة : 85 ، فإنّ الإسلام كله تكامل هذا على أنّ المقولة المذكورة ليست نصًا صادرًا عن معصوم، وإنّما هي عبارة لبعض الفقهاء استفادوها مما رأوه من اختلاف حكم بعض المتماثلات في الشريعة وما أبعد ما بين ذهنية هؤلاء وذهنية بعض الفقهاء الآخرين الذين ألّفوا في الأشباه والنظائر، كالشيخ يحيى بن سعيد الحليّ «ت: 690 ه- صاحب كتاب «نزهة الناظر في الجمع بين الأشباه والنظائر، إذ عمل في كتابه على جمع الأحكام المتشابهة مما هو موزّع في أبواب فقهيّة مختلفة.)2 - الذهنية التعبدية : العائق الثاني أمام انطلاق عجلة الفقه المقاصدي هو سيطرة فكرة أو عقدة التعبّد على الذهنيّة الفقهيّة إلى حدّ تغدو معه الشريعة مجرّد قوالب جامدة وشكلية، وقوانين متحجَّرة وقشرية، والعذر الذي يتشبَث به أصحاب الذهنية التعبدية هو عدم تمكن العقل البشري من إدراك ملاكات الأحكام وعللها بشكل قطعي؛ لأنّ دين الله لا يصاب بالعقول، أما العلل والمناطات الظنية فلا قيمة لها؛ لأنّ الظنّ لا يغني عن الحق شيئًا، وفكرة التعبُد الشرعيّ هذه صحيحة في دائرة العبادات - كما مرّ سابقًا - لأنّ العبادة هي دين الله ومن اختراعه فلا يمكن أن تصاب بالعقول، ولهذا «يناط وجودها بأمر الشارع، فهو مصدرها و به قوامها، ومن هنا انعقد إجماع الفقهاء على أنّها من الأمور التوقيفية وأن الأصل فيها المنع حتى يثبت الإذن من الشرع، ومن تعبّد الله في شيء على أنّه حكمه تعالى بلا إذن منه فقد أحدث في الدين وأبدع (1قال سبحانه: ﴿ أَمْ لَهُمْ شَرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ)


1) الإسلام بنظرة عصرية للشيخ مغنية : 95 .

الشورى: 21، ولكن تعميم فكرة التعبُد إلى سائر الحقول الفقهيّة غير العبادات كفقه المعاملات غير سديد ولا دليل عليه؛ لأنه ليس من اختراع الشارع، »وليس له فيها حقيقة شرعيّة، وإنّما هي عادات وتقاليد عرفية اصطلح الناس عليها والتزموا بها في التعاون والتعامل، والشارع أقرّ بعضها كما هي وألغى بعضها من الأساس وقلم أو طعم البعض الآخر في نطاق المصلحة» (1)، وإذا كان المبدأ العام في العبادات هو التعبُد، فإنّ المبدأ الأساسي في المعاملات ما لم يثبت خلافه أنه لا خلافه أنه لا يوجد تعبُّد ، ولذا لا بد أن تنزل وفقًا للأدلة العليا من الشريعة، ووفقًا لمقاصدها وما نفهمه من ملاكاتها ومناطاتها (2)، وقد ذكر العلّامة شمس الدين مثالاً لذلك، وهو تناول الملح قبل الطعام نافيًا استحبابه وتعبديته، وقد أشرنا إلى ذلك في بعض الأبحاث السابقة، ويقول السيد محمد حسين فضل الله: «إننا نتصوّر أن القول بعدم إمكان إدراك الملاك بالمطلق هو قول غير دقيق، لأننا إذا لم نستطع إدراك الملاك في الأحكام التوقيفية كالعبادات وأمثالها، فإنّ بإمكاننا أن ندرك الملاك في المعاملات، ولكن المشكلة هو الاستغراق في التعبُدية والتعامل مع الفقه بمنطق الأسرار والتعبُد المحض »(3)، ثُمّ يذكر سماحته مثالاً لذلك، وهو قضيّة التعدّد في تطهير المتنجَس بالبول، حيث يشترط الفقهاء غسله بالماء القليل مرّتين، فلو غسل بقطرتين من متواليتين فإنّه يطهر، ولكننا لو أهرقنا إبريقًا كاملًا دفعة واحدة بلا تعدُّد فلا يطهر لأنه لم يحصل التعدّد؟! مع أنه يمكن القول إن التعدد في الغسل ليس إلا لإزالة عين النجاسة بالغسلة الأولى وإزالة الاستقدار بالثانية، بحيث أنّ الكمية


1) الإسلام بنظرة عصرية للشيخ مغنية : 95 .

2) ينظر الاجتهاد والتجديد: 21

3) المصدر نفسه 21.

الكبيرة من الماء تحقق الفرض بطريقة أكيدة أكثر من سابقتها»(1).

3- عقدة القياس: اتخذ أئمة أهل البيت علیه السلام موقفًا صريحًا وواضحًا في رفض القياس كمصدر من مصادر التشريع، وتواترت الأخبار عنهم في ذلك، وغدا رفض القياس مَعلَمًا من معالم المدرسة الإمامية ووافقهم الظاهرية على ذلك، فألّف شيخهم ابن حزم رسالة في إبطال القياس. ولدى مراجعة كلمات الأئمّة علیه السلام يتبيّن أن السبب في رفض القياس يعود إلى ظنيته من جهة، وعدم الحاجة إليه من جهة أخرى، لعدم وجود فراغ تشريعي يدعو إلى الاستناد إليه، ففي الحديث عن الإمام الكاظم علیه السلام، وقد سئل عن السبب في حجية القياس، قال:«لأنه ليس من شيء إلا وقد جاء في الكتاب والسنة» (2)،ولكن بطلان دليله بالقياس لا يجوز أن يتحوّل إلى عقدة تمنع من انطلاق الفقه المقاصدي ومحاولة اكتشاف مناطات الأحكام الشرعيّة بالتأمُّل والتبصُر في الكتاب والسنة؛ لأنّ إشكالية القياس تكمن في أن نقل الحكم من الأصل إلى الفرع المشابه له مبتنية على الظنّ في وحدة المناط بينهما، فلو أمكننا اكتشاف الملاك على نحو القطع أو الاطمئنان فلا يبقى هناك مشكلة. ومن هنا اعتقد كثير من الفقهاء على الرغم من رفضهم القياس - بحجيّة قياس الأولوية أو قياس منصوص العلة، وما ذلك إلا للقطع فيهما بوجود مناط الحكم في المقيس، وإن حاول بعضهم تسويغ استثناء هذين بأنّهما ليسا من القياس المصطلح في شيء، وهكذا فإنّ الفقهاء مجمعون على إلغاء الخصوصية عن كثير من الموارد الجزئية التي وردت فيها النصوص؛ لأنّ غالب النصوص وردت في موارد جزئيّة، فلو جُمدنا عليها


1) ينظر الاجتهاد والتجديد: 21.

2) جامع أحاديث الشيعة: 329/1.

لانتهت الشريعة وما استطاعت مواكبة تطوّرات الحياة، والحقيقة أن بعض ما يسمّيه علماء الشيعة إلغاء الخصوصية يسمّيه علماء السنة قياسًا. وعليه، فيكون التباين والاختلاف لفظيًا، وأنّ بعض ما يعدّه علماء السنة استحسانًا أو سدَ ذرائع قد يدخل عند الشيعة في باب التزاحم(1)، وعليه، فيكون التباين والاختلاف لفظيًا.

فصل في مراتب المقاصد:

تنقسم المصالح بهذا الاعتبار على قسمين:

الأوّل: مقاصد أصلية :

وهي التي لا حطّ فيها للمكلّف، وترجع إلى حفظ الضروريات، وقسم الشاطبي الضروريات على قسمين أيضًا وعلى النحو الآتي:

ضروريات عينية: وهي الواجبة على كلّ مكلَّف في نفسه، فهو مأمور بحفظ دينه ونفسه وعقله وماله ونسله، وإن حصل له حطّ فمن جهة أخرى تابعة لهذا المقصد الأصلي.

ضروريات كفائية: وهي التي بها قيام المصالح العامة واستقامة نظام المجتمع.

الثاني: مقاصد تابعة

وذلك أنّ كلّ مقصد أصلي لا يخلو من مقصد آخر إما أن يكون باعثًا على تحقيقه أو مقترنًا به أو لاحقًا له، سواءً من جهة الأمر الشرعي أو من جهة


1) الاجتهاد والحياة: 23 .

المكلّف ومقصده في مجاري العادات.

أمّا من جهة الأمر الشرعيّ وذلك كتوقُف المقصود الأصلي على تلك المقاصد التابعة من حيث حصولها، فتكون بمثابة الشرط والسبب أو الجزء بالنسبة للمقصود الأصلي، وذلك كالصلاة فطلبها يقتضي طلب كلّ ركن وشرط تتوقف صحتها عليه.

وأمَا من جهة قصد المكلّف وهو ما يقصده المكلّف من المقاصد في الأمر الشرعي فما يتحقق له من المقاصد تبعًا قد يكون مقصودًا للشارع وقد لا يكون، كالنكاح، فقد يتزوّج المرأة للنسل أو للجمال أو المال ونحوه، وقد خص الشاطبي المقاصد التابعة بالمقاصد التي روعي فيها حظ المكلّف دون ما يتعلّق بالضروريات والمصالح العامة، فهذه مقاصد أصلية.

وفي باب العبادات جعل ضابطها المنافع الدنيوية، أما المنافع والفوائد الأخروية فهي من المقاصد الأصلية كالانقياد والخضوع لله تعالى

أقسام المقاصد التابعة:

تنقسم المقاصد التابعة باعتبار تأكيدها للمقاصد الأصلية على ثلاثة أقسام:

الأوّل: ما يقتضي تأكيد المقاصد الأصليّة وتقويتها وربطها والوثوق بها وحصول الرغبة فيها، فهذا القسم مثبت للمقاصد الأصلية ومقوً لحكمتها ومستدعٍ لطلبها وإدامتها، ومثاله النكاح، فهو مشروع للتناسل على القصد الأوّل ويليه السكن والازدواج والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية الاستمتاع بالحلال ونحوه مما يؤدّي إلى رغبة كلً من الزوجين في الآخر وحصول النسل، وهذه تعد مقصودة للشارع؛ لأنها تؤكّد المقصود الأصلي.

الثاني: ما يقتضي زوال المقاصد الأصلية عينًا، ومثاله نكاح التحليل والمتعة، فهما يقتضيان زوال المقصود الأصلي من النكاح عينًا الذي هو النسل ودوام النكاح فهذه ممنوعة.

الثالث: ما لا يقتضي تأكيدًا ولا يقتضي رفع المقاصد الأصلية، وذلك كنكاح القاصد لمضارّة الزوجة أو لأخذ مالها ونحوه مما يقتضي مواصلة ولا يقتضي عين المقاطعة، إذ لا يلزم من قصد المضارّة وقوعها ولا وقوع الطلاق لجواز الصلح أو الحكم على الزوج أو زوال قصد المضارّة، فهذا القسم متردَد بين القسمين وهو من جهةٍ يلحق بالأوّل من وجه، وبالثاني من وجه آخر، وهذا محل اجتهاد ونظر.

استمداد علم المقاصد ومسائله والغاية منه:
اشارة

مصالح الناس كثيرة ومتنوَعة وهي تختلف من حيث الأهمية، فبعضها يتعلّق بالوجود أو بالمعتقد أو بالمسائل التي لا يمكن الاستغناء عنها، وبعضها تكون على نحو سدَ بعض لوازم الحياة، وبعضها تكون على نحو الاستحسان وبعضها تكميلية إنْ فقدها لا يضرُّه؛ لذلك فإنَّ أهميَة المقاصد تظهر من شدَة التعلُق ولزوم الحاجة، ومن هنا نجد المقاصد على مراتب عدَة منها:

أولًا - الضروريات:

وهي ما لا يستغني الناس عن وجودها بأية حال من الأحوال، ويأتي على رأسها الكليات الخمس كما سيأتي بيانه.

حفظ الدين:

قدر الإسلام ما للدين من أهميّة في حياة الإنسان، إذ يلبي حاجة النزعة الإنسانيّة ويرشده إلى عبادة الله، ويمدّ الإنسان بالوجدان والضمير لما يقوّي في نفسه من عناصر الخير والفضيلة، وما يضفي على حياته من سعادة وطمأنينة.

ونظرًا لتلك الأسباب وغيرها كان الدين ضرورة حياة بالنسبة للإنسان، قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْق اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَالروم: 30، واستفاد الناس من فهم هذا الخطاب القرآني وترجمته على الواقع أنَه لا يمكن العيش من دون الدين؛ لذا يقول برجستون: «لقد وجدت – وتوجد - جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات ولكن لم توجد قط جماعة بغير ديانة»، ونظرًا لتلك الاعتبارات حافظت شريعة الإسلام على الدين، سواء من حيث غرسه في النفوس وتعميقه فيها ابتداءً، أو من حيث تدعيم أصله وتعهُده بما ينمّيه ويحفظ بقاءه استمرارًا ودوامًا، وشرعت لذلك الوسائل الآتية:)###### أ- وسائل حفظ الدين من جانب الوجودمن وسائل غرس الدين في النفوس ابتداء في الشريعة الإسلامية الوسائل الآتية:- ترسيخ اليقين بأصول الإيمان وأركانه، وهي الإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر والقدر خيره وشره، يقول الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ البقرة : 285 ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ)

وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا النساء : 136.)- إقامة هذا الإيمان على البرهان العقلي والحجّة العلمية، ومن هنا كانت دعوة الإسلام إلى النظر والتدبُر :( أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءالأعراف : 185 ، وكان نعيه على أولئك الذين لا يتفكرون في الآيات المبثوثة في الكون (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) يوسف : 105، كما شنّ حملة شعواء على تقاليد الآباء وأخذ المعتقدات من غير نظر ولا برهان: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا مهْتَدُونَ البقرة: 170 . 3- القيام بأصول العبادات وأركان الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وحجّ بعد النطق بالشهادتين، فهذه العبادات من أهم أسرارها وحكمها أنها تصل العبد بربه وتوثَق صلته به مما يرسَخ أصل الإيمان في نفسه ويجدّده، يقول الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ، فيما يرويه عن ربه «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبّه»(1).

وبشكل عام فإنَّ أركان الإسلام تنقسم بين أصول الدين وفروعه، وعلى النحو الآتي:

أصول الدين وهي: «التوحيد ، النبوَّة، الإمامة، العدل، المعاد»

فروع الدين، وهي: «الصلاة، الصوم، الزكاة، الخمس، الحج، الجهاد،


1) صحيح البخاري 6502 .

الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، التولي لأولياء الله، التَبَري من أعداء الله.

4 - إيجاب الدعوة إلى الله وحمايتها وتوفير أسباب الأمن لحملتها (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ آل عمران : 104، ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ النحل: 125 (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ )لقمان: 17،( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى )العلق : 9 - 10، إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ البروج : 10)###### ب- وسائل المحافظة على الدين من جانب البقاء:###### اشارةوالمقصود بها الوسائل التي انتهجتها الشريعة في المحافظة على الدين بعد حصوله؛ لصيانته وإزالة العوائق من طريقه، وتزكيته في النفوس.ومن هذه الوسائل:1 - كفالة حرية العقيدة والتدين وحمايتها، فالإسلام لا يُكره أحدًا على اعتناقه، ويسمح بتعايش مختلَف الأديان داخل دياره وفي رحاب دولته، ويترك الحريّة لأهل الأديان في عقائدهم وممارستهم التعبدية وتصرفاتهم المدنية، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لهم ما لنا وعليهم ما علينا»، بل إن من أهداف الجهاد الإسلامي تأمين حريّة الاعتقاد والتدين، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا البقرة 251.

2 - تشريع الجهاد تمكينًا للدين ودرءًا للعدوان وحماية للاعتقاد قال تعالى:

(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ البقرة 190، وقوله تعالى: وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرَّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا النساء 75.

الالتزام بتعاليم الدين وتطبيقها بعد القناعة بها، وبذلك تظل للدين حيويته في النفوس وأثره في الوجدان، ومن هنا قرن الإيمان والعمل الصالح في كثير من نصوص القرآن، إذ كثيرًا ما يرد في القرآن: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ).

4 - تشريع عقوبة الردّة، وذلك ليكون الإنسان جادًا في اعتناقه للإسلام، ولكي لا يَقدِم على الإسلام إلا بعد قناعة تامة، فالإسلام لا يُكرِه أحدًا على اعتناقه، بل إنّ الله لا يقبل من الدين إلّا ما كان نابعًا عن قناعة من صاحبه، فإذا دخله الشخص فمن المفروض أن يكون على قناعة بما اتخذ من قرار، فإذا ارتدّ بعد ذلك فمعنى ذلك أنّه أحدث بلبلة فكرية وسياسية تضطرب بها أوضاع المجتمع، ويفقد استقراره الفكري والنفسي المنشود ، كما قال تعالى مبينا دعوة المشركين إلى هذه السياسة: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ آل عمران 72. ونظرًا لذلك شُرّعت عقوبة الردة؛ حماية لجدية الاعتقاد، وحرمة الدين.)5- إقامة سياج من الحاجيات والتحسينات كأداء الصلاة جماعة، ونوافل العبادات المختلفة، وبكلّ هذه التشريعات يتأصل الدين، ويرسخ في نفس الإنسان وفي المجتمع، مما يحقق الأنس والسكينة والخير للفرد والمجتمع.

###### حفظ النفس:فمن ضروريات الحياة الإنسانيّة : عصمة النفس وصون حق الحياة.وقد شرع الإسلام وسائل عدّة للمحافظة على النفس:- فمن جهة الوجود: -شرع الزواج من أجل التناسل والتكاثر وإيجاد النفوس لتعمّر العالم وتشكّل بذرة الحياة الإنسانيّة في الجيل الخالف، وقد نوّه الإسلام بالعلاقة المقدّسة بين الزوجين واعتبرها آية من آيات الله قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ الروم 21 .)- أما من جهة الاستمرار والدوام فقد شرع الإسلام عدة وسائل لحفظ النفس.1 - أوجب على الإنسان أن يمدّ نفسه بوسائل الإبقاء على حياته من تناول للطعام والشراب وتوفير اللباس والمسكن، فيحَرم على المسلم أن يمتنع عن هذه الضروريات إلى الحد الذي يهدد بقاء حياته، وإنّ الحصول على هذه الضروريات هو الحد الأدنى الذي يلزم المجتمع ممثلًا في الدولة بتوفيرها للأفراد العاجزين عن توفيرها لأنفسهم، بل أوجب على الإنسان إذا وجد نفسه مهددة- أن يدفع عن نفسه الهلاك بأكل مال غيره بقدر الضرورة.2 - أوجب على الدولة إقامة الأجهزة الكفيلة بتوفير الأمن العام للأفراد، من قضاء وشرطة وغيرها، مما يحقق الأمن للمجتمع.3- أوجب المحافظة على كرامة الآدمي بمنع القذف والسب، ومنع الحدّ

من نشاط الإنسان من غير مسوّغ وبهذا حمى حريات الفكر والعمل والرأي والإقامة والتنقل وكفلها، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا الأحزاب 58 .)4 - تشريع الرخص بسبب الأعذار الموجبة للمشقة التي تلحق النفس فينشأ منها ضرر عليها، ومن ذلك رخص الفطر في رمضان بسبب المرض والسفر، وقصر الصلاة في السفر .5- حرم الإسلام قتل النفس سواء قتل الإنسان نفسه أم قتله غيره، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا النساء 29 ، وشنّع على هذه الجريمة فعدّ قتل نفس واحدة بمثابة قتل الناس جميعًا، قال تعالى:(مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا )المائدة ،32، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) الاسرار 33 ، وقال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا )النساء 92 وفي الحديث: «من قتل معاهدا لم يرح ريح الجنة »«حديث صحيح (1).)حفظ العقل:للعقل في الإسلام أهمية كبرى فهو مناط المسؤولية، وبه كُرّم الإنسان وفُضَّل على سائر المخلوقات، وتهيّأ للقيام بالخلافة في الأرض وحمل الأمانة من عند الله، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ الأحزاب 72، ولهذه الأهمية الخاصة)


1) الدرر السنية - الموسوعة الحديثية - شروح الأحاديث الرقم 6914

حافظ الإسلام على العقل وسنّ من التشريعات ما يضمن سلامته وحيويته ومن ذلك :1 - أنه حرم كلّ ما من شأنه أن يؤثَر على العقل ويضر به أو يعطل طاقته كالخمر والحشيش وغيرها قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُوَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ المائدة 90 .)2 - شرع العقوبة الرادعة على تناول المسكرات، وذلك لخطورتها وأثرها البالغ الضرر على الفرد والمجتمع.3- ربّى العقل على روح الاستقلال في الفهم والنظر واتباع البرهان ونبذ التقليد غير القائم على الحجّة، كما في قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةٌ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ الأنبياء 24 ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ المؤمنون 117.)4 - دعا إلى تنمية العقل ماديًا ومعنوياً، أمَّا ماديًا بالغذاء الجيد الذي يقوّي الجسم وينشّط الذهن، ومن هنا كُرِه للقاضي أن يقضي وهو جائع، وفُضَّل تقديم الطعام على الصلاة إذا حضرا معًا، وأما معنويا فبالتًأكيد على طلب العلم واعتباره أساس الإيمان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُفاطر 28، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)طه 114، وقد أتاح فرصة التعليم للجميع وجعله حقًا مشاعًا بين أفراد المجتمع، بل جعل حدًا أدنى منه واجبًا على كل مسلم ومسلمة.)5- رفع مكانة العقل وتكريم أولي العقول، ففي أكثر من آية من القرآن - الكريم، قال الله تعالى: (فَبَشِّرْ عِبَادِي (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)

أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ،( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَاب )6 - تحرير العقل من سلطان الخرافة وإطلاقه من إسار الأوهام، ومن هنا حرّم الإسلامُ السحر والكهانة والشعوذة وغيرها من أساليب الدجل والخرافة، ومنع على العقل الخوض في الغيبيات من غير سلطان أو علم يأتيه من الوحي المنزل على الأنبياء، وعدّ ذلك مسببًا في هدر طاقته من غير طائل، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانِ أَنَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)- تدريب العقل على الاستدلال المثمر والتعرُّف على الحقيقة وذلك عبر وسيلتين:أ الأولى: أنه وضع المنهج الصحيح للنظر العقلي المفيد لليقين، من هنا كانت دعوته إلى التثبيت قبل الاعتقاد، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ عِلْمٌ، هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةٌ لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيْنِ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا)ب-الثانية: الدعوة إلى التدبُّر في نواميس الكون لاستكشافها وتأمل ما فيها من دقة وترابط، وإلى استخدام الاستقراء والتمحيص الدقيق من أجل الوصول إلى اليقين.وجه الطاقة العقلية إلى استخلاص حكم التشريع وأسراره، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)

9 - وجّه العقل إلى استخلاص الطاقات الماديّة في الكون والاستفادة منها في بناء الحضارة، (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ )10 - فتح له باب الاجتهاد في التشريع فيما لا نص فيه وذلك في مجالين :أ- معرفة المقاصد والأهداف واستخلاصها من النصوص والأحكام الشرعية.ب - استنباط الأحكام والتشريعات للحوادث المستجدة، وهو مجال واسع يستند إلى مبادئ عدّة كالقياس والمصلحة والاستحسان وغيرها.حفظ النسل:ويراد به حفظ النوع الإنسانيّ على الأرض بواسطة التناسل، ذلك أنّ الإسلام يسعى إلى استمرار المسيرة الإنسانية على الأرض حتى يأذن الله بفناء العالم ويرث الأرض ومن عليها، ومن أجل تحقيق هذا المقصد شرع الإسلام المبادئ والتشريعات الآتية:1- شريعة الزواج: فقد شرع الإسلام الزواج ورغب فيه وعد الطريق الفطري النظيف الذي يلتقي فيه الرجل بالمرأة لا بدوافع غريزية محضة، ولكن بالإضافة إلى تلك الدوافع يلتقيان من أجل تحقيق هدف سام نبيل هو النوع الإنسانيّ وابتغاء الذرية الصالحة التي تعمّر العالم وتبني الحياة الإنسانية وتتسلَّم أعباء الخلافة في الأرض لتسلمها إلى من يخلف بعدها حتى يستمرّ العطاء الإنساني وتزدهر الحضارة الإنسانية في ظلّ المبادئ النبيلة والقيم الفاضلة.

2 - العناية بتربية النشء وتعميق روابط الألفة : إلزام الأبوين برعاية أولادهما والإنفاق عليهم حتى يتحقق للأولاد الاستغناء عن نفقة الأبوين.- العناية بالأسرة وإقامتها على أسس سليمة باعتبارها الحصن الذي يحتضن جيل المستقبل ويتربّى فيه، فقد جعل الإسلام علاقة الزواج قائمة على الاختيار الحرّ والتراضي بين الطرفين، وعلى الانسجام والتشاور في الشؤون كافّة بحيث تشيع روح المودّة والتفاهم، وسعي كلً من الزوجين في سعادة الآخر، قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ)4 - إحاطة العلاقة بين الذكر والأنثى بمجموعة من المبادئ والآداب الأخلاقية التي تضمن تحقيق الأهداف السامية لهذه العلاقة وتستبعد الممارسات الفوضوية للعلاقات بين الجنسين، فعن طريق إيجاب غضّ الذكر عن الأنثى والأنثى عن الذكر يقطع الإسلام الطريق على وسائل الإثارة في النفس البشريّة، وبإيجاب اللباس الساتر بمواصفات خاصة يحارب التشريع أسباب الفتنه، وفي غير حالات الضرورة القصوى يُحرَّم على الرجل الاختلاء بالمرأة الأجنبية حتى وإن كانت ملتزمة باللباس الساتر، إلا بوجود أحد محارمها، وللبيوت في الإسلام حرمة عظيمة إذ لا يجوز دخولها من دون استئذان أصحابها والسلام عليهم ، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ، وبالإضافة إلى هذه الآداب وغيرها يضع الإسلام الضوابط التي تنظم حالات اجتماع الرجال والنساء عند الحاجة.)

تحريم الاعتداء على الأعراض، ولذا حرَّم الله الزنا كما حرَّم القذف، وحدَد لكلً منها عقوبة رادعة قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِ فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهُ،(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا).)حفظ المال :كما هو شأن الإسلام دائمًا مع النزعات الفطرية للإنسان حيث يبيح إشباعها ويلبي مطالبها ضمن الحدود المعقولة، مع التهذيب والترشيد حتى تستقيم وتحقَق الخير للإنسان ولا تعود عليه بالشر، كان هذا شأنه مع نزعة حبّ التملك الأصلية في الإنسان فقد أباح الملكية الفردية وشرع في الوقت ذاته من النظم والتدابير ما يتدارك الآثار الضارة التي قد تنجم عن طغيان هذه النزعة من فقدان للتوازن الاجتماعي، وتداول للمال بين فئة قليلة من المجتمع، ومن النظم التي وضعها لأجل ذلك أنّه نظم الزكاة والإرث والضمان الاجتماعي، ومن ثَمّ عدَّ الإسلامُ المال ضرورة من ضروريات الحياة الإنسانية، وشرّع من التشريعات والتوجيهات ما يشجَع على اكتسابه وتحصيله، ويكفل صيانته وحفظه وتنميته، وذلك على النحو الآتي:##### وسائل الحفاظ على المال إيجادًا وتحصيلًا:1. الحثّ على السعي لكسب الرزق وتحصيل المعاش، فقد حثّ الإسلام على كسب الأموال بوصفها قوام الحياة الإنسانيّة، وعد السعي لكسب المال إذا توفّرت النية الصالحة وكان من الطرق المباحة- ضربًا من ضروب العبادة وطريقا للتقرب إلى الله، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا

فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ).)2. أنه رفع منزلة العمل وأعلى من أقدار العمَال، قال رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ: «ما أكل أحد طعامًا قطّ خيرًا من عمل يده، وإنّ نبي الله داود كان يأكل من عمل يده»حديث صحيح، وقرّر حق العمل لكل إنسان وجعل من واجب الدولة توفير العمل لمن لا يجده، وقرر أيضًا كرامة العامل وأوجب الوفاء بحقوقه المادية والمعنوية، يقول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ : « اعطوا الأجير حقه قبل أن يجفّ عرقه»، ويقول فيما يرويه عن ربه: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثُمّ غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا ولم يوفَّه حقَه »وقرّر أنّ أجر العامل يجب أن يفي بحاجياته.قال صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ: « من ولي لنا عملًا وليس له منزل فليتخذ منزلًا، أو ليست له زوجة فليتخذ زوجة، أو ليس له مركب فليتخذ مركبًا » (1، وهذا ما يطلق عليه في العصر الحديث بمبدأ تحديد الحد الأدنى للأجور.)3. إباحة المعاملات العادلة التي لا ظلم فيها ولا اعتداء على حقوق الآخرين، ومن أجل ذلك أقرّ الإسلام أنواعًا من العقود كانت موجودة بعد أن نقاها مما كانت تحمله من الظلم، وذلك كالبيع والإجارة والرهن والشركة وغيرها، وفتح المجال أمام ما تكشف عنه التجارب الاجتماعية من عقود شريطة أن لا تنطوي على الظلم أو الإجحاف بطرف من الأطراف أو تكون من أكل أموال الناس بالباطل.


1) عمدة التفاسير 1/ 433 .

##### وسائل المحافظة على المال بقاء واستمرارًا:1. ضبط التصرف بالمال بحدود المصلحة العامة، ومن ثَمّ حرّم اكتساب المال بالوسائل غير المشروعة التي تضر بالآخرين، ومنها الربا لما له من آثار تخل بالتوازن الاجتماعي ، قال تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا وقال: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ).)2. كما حَرم الاعتداء على مال الناس بالسرقة أو السطو أو التحايل، وشرّع العقوبة على ذلك، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا، وأوجب الضمان على من أتلف مال غيره، قال صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه».)3. منع إنفاق المال في الوجوه غير المشروعة، وحثّ على إنفاقه في سبل الخير، وذلك مبني على قاعدة من أهمّ قواعد النظام الاقتصادي الإسلامي وهي أنّ المال مال الله وأن الفرد مستخلَف فيه ووكيل، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِما جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ، وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ، ومن ثَمَّ كَان على صاحب المال أن يتصرف بماله في حدود ما رسمه له الشرع، فلا يجوز أن يُفتَن بالمال فيطغى بسببه؛ لأنّ ذلك عامل فساد ودمار، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ مُهْلِكَ قَرْيَةٌ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا )ولا يجوز له أن يبذر في غير طائل قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا )(إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ).)4. سنّ التشريعات الكفيلة بحفظ أموال القُصَّر والذين لا يُحسنون التصرُف في أموالهم، من يتامى وصغار حتى يبلغوا سن الرشد، ومن هنا شرع تنصيب

الوصي عليه، قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ)، ومن ذلك الحجر على البالغ إذا كان سيئ التصرُف في ماله، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا).)5. تنظيم التعامل المالي على أساس من الرضا والعدل ومن ثَم قرَر الإسلام أنّ العقود لا تمضي على المتعاقدين إلّا إذا كانت عن تراض وعدل، ولذلك حرم القمار، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِنْكُمْ.)6 . الدعوة إلى تنمية المال واستثماره حتى يؤدي وظيفته الاجتماعية وبناء على ذلك حرّم الإسلام حبس الأموال عن التداول وحارب ظاهرة الكنز، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وبهذه التشريعات كلّها حفظ الإسلام المال وصانه عن الفساد حتى يؤدي دوره كقيمة لا غنى عنها في حفظ نظام الحياة الإنسانية، وتحقيق أهدافها الحضارية والإنسانية، شأنه في ذلك شأن كل المصالح السابقة التي تمثل أساس الوجود الإنساني وقوام الحياة الإنسانية ومركز الحضارة البشرية، والتي من دون مراعاتها وحفظ نظامها يخرب العالم وتستحيل الحياة الإنسانية ويقف عطاؤها واستثمارها في هذا الوجود.)

#### ثانيا - الحاجيات:##### اشارةوهي ما يحتاج الناس إليه لتحقيق مصالح هامة في حياتهم، يؤدّي غيابها إلى المشقة واختلال النظام العام للحياة، من دون زواله من أصوله، كما يظهر في تفصيلات أحكام البيوع والزواج وسائر المعاملات.ويمكن القول إنّها ما كانت مفتقرًا إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدّي إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوات المطلوب.والمقصود أنها إذا لم تراع دخل على المكلَفين من الحرج والمشقة والعنت ما يشوش عليهم عباداتهم ويعكَر صفو حياتهم، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد و اختلال نظام الحياة وتعطيل المنافع الحاصل من الضروريات.##### أدلّة رفع الحرج والمشقة:الأدلة كثيرة جدًا في القرآن والسنة وعلى سبيل المثال قوله تعالى: ﴿وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج الحج 78، وقوله تعالى: ﴿ يُريدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُريدُ بِكُمُ الْعُسْر )البقرة ،185 ، هذا من حيث العموم، وأما من حيث الخصوص فأحكام التيسير المعروفة في أبواب الفقه كإباحة التيمُم عند تعسُّر الماء للمريض والمسافر وسائر الرخص المعروفة في المعاملات من رهن وسلم وإجارة وغير ذلك.)

##### غاية وجود المقاصد الحاجية:تتلخص مقاصد الحاجيات في الأمور الآتية:رفع الحرج عن المكلَف لسببين :الأوّل: الخوف من الانقطاع عن الطريق ونقص العبادة وكراهة التكلُّف ودخول الفساد على الناس.الثاني: خوف التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلَقة بالعبد، وبذلك يمكن القول إنَّ وظيفة الحاجيات تكمن في مسائل عدَة منها:حماية الضروريات بدفع ما يمسُها ويؤثَر فيها.خدمة الضروريات بتحقيق ما به صلاحها وكمالها، إذ يلزم من اختلال الحاجيات اختلال الضروري بوجه ما.تحقيق مصالح أخرى كاستثناء القيام للصلاة في حق المريض، والفطر في السفر والجمع بين الصلاتين في السفر، والصلاة في البيت للخوف والمطر ونحوه مما فيه تحقيق بعض المصالح.

#### ثالثا التحسينيات:##### اشارةوهي ما يتمّ بها اكتمال أحوال الناس وتصرفاتهم وتجميلها، مثل الاعتناء بجمال الملبس وإعداد المأكل وجميع محاسن العادات في سلوك الناس، وتنقسم التحسينيات على قسمين:##### الأوّل: ما لا يقع في معارضة قاعدة شرعيّة، وأمثلتها كثيرة منها:أ - تحريم النجاسة، فإنّ نفرة الطباع عنها لخساستها مناسب لتحريمها فشرب البول حرام وكذا الخمر حرام، ورتب الشارع الحدّ على الثاني دون الأوّل لنفرة النفوس منه فوكِلَت إلى طباعها، مع أن نفور النفس لا يقتضي التحريم، وإنما المرجع إلى الشرع.ب - إزالة النجاسة، لأنها مستقذرة في الجبلات واجتنابها من المهمات وبقاؤها أمر يأنف منه العقلاء، وبالجملة فكل ما يرجع إلى طهارة الثوب والبدن والمكان في الصلاة وخارجها مما دعا إليه الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرينالبقرة 222.)ج - أخذ الزينة كما في قوله تعالى: (يا بَني آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد الأعراف 31 ، والمقصود ستر العورة كما هو معلوم في سبب نزولها لكن أخذ الزينة أعم من ستر العورة.)د - آداب الأكل والشرب سواء كانت سابقة أم مقارنة أم لا حقة، كالتسمية قبله والأكل باليمين والحمد والثناء بعده وهذه من العادات الحسنة.ه- في باب المعاملات كالمنع من بيع النجاسات؛ لأنه يستلزم مباشرتها ووزنها وكيلها ونحوه مما لا يليق وبيع فضل الماء لأنه مُشعِر بالبخل والأنانية

وهما لا يليقان بالمسلم، ومنع المرأة من مباشرة عقد النكاح لأنه مشعِرٌ بقلَة الحياء وتوقانها إلى الرجال مما قد يجعل الرجل يرغب عنها من ذلك حملًا للخلق على أحسن المناهج وأجمل السير.##### الثاني: ما يقع في معارضة قاعدة شرعية:###### اشارةومثاله: المكاتبة فإنّها غير مُحتاج إليها، إذ لو مُنِعَت لم يحصل بذلك ضرر، ولكنها شُرَعت لما فيها من تكريم بني آدم، وفك الرقبة وهو مستحسن عادة.###### وجه مخالفة المكاتبة للقواعد الشرعيّة تكون من جهات عدَة منها:أنّ العبد مال لسيّده وما يكسبه مال لسيّده أيضًا فتكون المكاتبة أن يبيع السيّد ماله بماله فلو حكم على المكاتبة بالقاعدة الجارية في نظائرها وهي امتناع بيع الإنسان ماله بماله لحكم بعدم الجواز لعدم الفائدة؛ لأنه يمتلك ما يملك بما يملك وهو تحصيل حاصل لأنه عبث خال عن الفائدة يُنزّه عنه العاقل.ومن جهة أخرى أنّ البيع لا بد فيه من وجود عاقدين حقيقية أو حكمًا ولا وجود هنا إلا لواحد.###### أهمية المصالح التحسينية:تظهر أهميتها من الوجوه الآتية:أنّ بها جمال الأمة وكمالها وحسن أخلاقها وبديع نظامها.أنّ التحسينيّات تخدم الضروريات والحاجيات سواء كانت قبلها أم مقارنة لها أم بعدها.

أنه يلزم من اختلال التحسيني اختلال الحاجي بوجه ما .أن التحسينيات كالفرع للأصل الضروري ومبنية عليه؛ لأنها تكمل ما هو حاجي أو ضروري.#### رابعًا : المكمَّلاتوهي ما يتمّ به المقصود أو الحكم من الضروري أو الحاجي أو التحسيني على أحسن الوجوه وأكملها سواء بسد ذريعة تؤدّي إلى الإخلال بالحكمة بوج- ما، أم بتكميله بحكم يظهر به المقصد ويقوى به.وهذا ما يسمَى عند الأصوليين بالمكمَلات أو التتمات أو التوابع.أقسامها :## المكمَلات على ثلاثة أقسام:### اشارةالقسم الأوّل: مكمَلات الضروريات :وهي ما يتمّ بها حفظ مقصد ضروري ومثالها :تحريم البدع وعقوبة المبتدع حفظًا للدين.التماثل في القصاص تكميلًا لحكمة القصاص على أحسن الوجوه وأتمها فتنتفي المفاسد وتتحقق المصالح؛ لأنّ عدم التماثل سبب الأحقاد والعداوات وتوارث العصبية.تحريم القليل من المسكّر تكميلا لتحريم المسكَرات لحفظ العقل.تحريم النظر إلى الأجنبية لأنّه مقدّمة للزنا وداعية إليه وكذلك تحريم الخلوة

بالأجنبية.الإشهاد في البيوع والرهن تكميلًا لحفظ المال من الضياع وكذلك كتابة الدين والضمان ونحوه.### القسم الثاني : مكمًّلات الحاجيات :وهي ما يتم بها حفظ مقصد حاجيومثالها :اعتبار الكفء ومهر المثل في الصغيرة، فإن مقصود النكاح حاصل بدونها، لكن اشتراط ذلك أشدّ إفضاءً إلى دوام النكاح وتكميل مقاصده.خيار البيع مع أنّ الملك حاصل بدونه، لكن ما ملك بعد التروّي والنظر في أحواله أتم وأقوى لبعده عن الغبن والتدليس.### القسم الثالث : مكمّلات التحسينيات وهي ما يتم بها حفظ مقصد تحسينيو مثالها :مندوبات الطهارة من البدء باليمين والغسل ثلاثًا ونحوه، ففيه زيادة تحسين وتكميل لأصل الطهارة مع أن أصل التحسين يحصل بالطهارة كيفما كانت.## وظيفة المكمَلات:يمكن تلخيص وظيفة المكمَلات في الأمور الآتية:سد الذريعة المؤدية إلى الإخلال بالحكمة المقصودة من الضروري أو التحسيني، كما في تحريم القليل من المسكر.تحقيق مقاصد أخرى تابعة غير المقصد الأصلي، كاشتراط الكفارة ومهر

المثل السابق تحقيقًا للمحبة والوئام بين الزوجين.دفع مفاسد أخرى حاصلة في طريق الحصول على المقصد الأصلي وقد سبق بيانها في اشتراط المماثلة في القصاص.تحسين صورة المكمّل وجعله سائرًا على المألوف.## شرط المكمّلاتيشترط في المكمّل ألّا يعود على أصله بالإبطال، فكلّ تكملة عادت على أصلها بالإبطال فلا يصح اشتراطها؛ لأنّ إبطال الأصل إبطال للتكملة؛ ولأنّ حصول الأصلي أولى، مثال ذلك:-حفظ النفس من الضروريات وحفظ المروءات مستحسن، فحُرَمت النجاسات حفظًا للمروءات وإجراءً لأهلها على محاسن العادات، فإن دعت الحاجة إلى إحياء النفس بتناولها النجاسات كان تناولها أولى ولا نحرمها من باب حصول التحسينيات.البيع ضروري ومنع الجهالة مكمّل ، فلو اشترط نفي الضرر جملة لا نحسم باب البيع، فلا بد من إباحة بعض الضرر اليسير الذي لا يؤثَّر.حفظ النفس مع ستر العورة فلا يضر كشفها عند الحاجة للدواء حفظًا للنفس وإلّا أدّى إلى إبطال الأصل.الجهاد ضروري وشرط عدالة الإمام مكمّل، فلو ترك الجهاد بسبب ظلمه تعطّل الأصل، لذا قال العلماء بالجهاد مع أئمة الجور حتى لا يؤدّي إلى ضرر عظيم بالمسلمين فيبطل الأصل ومثله الصلاة خلف أئمة الجور.

أثر اختلال كلّ من الأصل والتكملة على الآخر:أثر اختلال الأصل على التكملة يكون إذا اختل الأصل، وأدى ذلك إلى اختلال الفرع، ومثال ذلك ارتفاع القصاص يرفع الفرع وهو المماثلة في القصاص، وإذا سقط عن المغمى عليه أو الحائض أصل الصلاة سقطت الوسيلة من طهارة وقراءة إلّا في إحدى حالتين:أ. إذا كان للوسيلة اعتباران فمن جهة هي مقصودة ومن جهة هي وسيلة كالوضوء وقراءة القرآن في الصلاة.ب. إذا كانت الوسيلة وسيلة لمقصد آخر كالوضوء إذا ارتفعت الصلاة ولا يرتفع لكونه وسيلة لمقاصد أخرى كتلاوة القرآن ومس المصحف والطواف.- أثر اختلال التكملة على الأصل لها حالتان أيضًا:الأولى: أن تختل بإطلاق: أي لا يأتي المكلَّف بشيء منها أو يأتي بشيء يسير منها فيؤدي ذلك إلى اختلال الأصل بوجه ما لأنّ الجرأة على ترك الوسيلة والمكمّل ربّما أدّى إلى الجرأة على الأصل ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فالمكمل كالنافلة للفرض ومجموعة المكمّلات فرد من أفراد الأصل وخادم له.الثانية : أن تختل التكملة بوجه ما حيث يأتي بالمكمل ويدع بعضه بوجه ما، ويكون ما أتى به أكثر فهذا لا يقدح بالأصل ولا يدخل الخلل عليه.أقول: لا احتاج الى كثير من الكلام لبيان الخلل فيما تقدَم من فرضيات وأنها اجتهادات وظنون لا يساعد عليها الدليل بل إن بعضها لا يصح قبولها في الشرع، وعلى كل حال فإنّ خروج هذه الأبحاث عن مقاصد الشريعة تبين مما تقدَم.

## نظام المصلحة في الشريعة:### اشارةنستطيع القول: إنّ أكثر القواعد المجموعة في كتب القواعد الفقهية مثل قاعدة نفي العسر والحرج وقاعدة «لا ضرر تبيّن لنا ترجيح المصالح في الأحكام الشرعية، فها هي الشريعة تتجنّب تكليف المكلَفين في جميع الأحكام فلا تحمّلهم ما يوجب المشقة والحرج، وتتنازل الشريعة عن الحكم الأوّلي الذي تهتم به من أجل التسهيل ورفع العسر عن المكلّف، ويدلّ على هذا المبدأ الهامّ أنّ التسهيل والتخفيف والرفق بالمكلف من المصالح العقلائية ومن أصول التشريع الإسلامي، ومن المسلّم به عند فقهاء الإمامية أن بعض أحكام الشريعة مثل العقود والإيقاعات إنّما مستندها هو إمضاء الشارع لطريقة العقلاء وعاداتهم وآدابهم الجارية في عرف زمان الإمضاء على أساس المصالح التي يراها العقلاء(1.)ومن أمثلة فكرة رعاية الشريعة للمصالح تدرّج الأحكام في التشريع وترقب حدوث مناسبة عملية لتشريع الحكم رعايةً للمصلحة (2.)وتأكيد فقهاء المسلمين على رعاية مصلحة النظام الذي يقوم عليه المجتمع هذه المصلحة على سائر الأحكام والتشريعات مثالٌ آخر على هيمنة هذه الفكرة على التشريع الإسلامي (3.)الأحكام الإرشادية - وهي الأحكام التي منشؤها عقل الإنسان، وقد أمضاها الشارع ووافق عليها - باب آخر في أحكام الشريعة يحكي مسايرة


1) منتهى الدراية 7 / 366.

2) مصادر الفقه الإسلامي 12 .

3) بلغة الفقيه 2/ 14 .

الشريعة للمصالح العقلائيّة، ولا يدلّ على أنّ التشريع الإسلامي ليس أجنبيًا عن المصالح الثابتة عقلا فقط، بل تشمل دلالته على موافقة التشريع لهذه المصالح في كثير من الحالات(1.)أهداف الشريعة ومقاصدها العامة في دائرة الأحكام غير العبادية .يبحث الإنسان جاهدًا. وعلى وفق ميوله النفسية وظرفه ومقتضياته الخارجية، ومن طريق استخدامه تفكيره وعقله عن ما يرفع حاجاته المادية والروحية حتى يصل إلى الحياة المنشودة، والشريعة الإسلامية تسعى لهداية الإنسان في سلوكه وتوجيهاته إلى السير على الطريق الصحيح المنسجم مع الفطرة، ونتائج هذا السعي المتكوّنة من طريق إصلاح ما توصل إليه الإنسان من تدابير حياته أو من طريق تكميلها أو إمضائها أو إلغاء الانحرافات والسلوكيات غير الصحيحة وتأسيس الأصول والأحكام الاقتصادية والاجتماعية والقضائية المنسجمة مع الفطرة والحاجات الأساسيّة المتأطّرة بإطار الشريعة لتجعل في متناول الإنسان.ويمكن القول بنظرة عامة : إنّ الأهداف والمقاصد الحاكمة في دائرة الأحكام غير العبادية تتلخص في أربعة أهداف هي:1- تلبية الحاجات الماديّة والمعنويّة، بحيث تكون متوازنة.2- رفع منزلة الفكر الإنساني مع حفظ شخصية الإنسان وعزَّته وكرامته.3- المحافظة على جميع حقوق الناس على أساس العدل وجعل الانسجام بين حقوق الفرد وحقوق المجتمع.


1) بدائع الأفكار 212.

4 - ترسيخ نظام القسط وإقامة علاقات عادلة بين البشر جميعهم على مختلف الصعد الاجتماعية والسياسية ..ولا بد من رصد بعض مقاصد الشريعة ومصالح الأحكام في فقه الإمامية في ثلاثة أقسام العلاقات المالية والاقتصادية، القضاء والشهادات، الحدود والديات.### 1 - أهداف الشريعة في العلاقات المالية والاقتصادية:#### اشارةهناك كثير من الروايات تحثّ المؤمنين على تقوية الحالة الاقتصادية؛ فتدعو إلى الاتجار وإلى العمل الزراعي والمهني واحتراف الأعمال(1. وكذلك توصي برفع الهمة في الأعمال الاقتصادية ومباشرة كبار الأمور وعدم الاكتفاء بصغارها (2)، وتحذّر من الكسل والخمول عن كسب المعيشة (3)، ذلك كلّه يدلّ على أنّ الإسلام يريد من المجتمع أن يكون ساعيًا بجهد بالغ ونشاط لتنمية الاقتصاد على مختلف الأصعدة، فيتحوّل ارتفاع مستوى الرفاهية العامة والنماء الاقتصادي إلى نتيجة طبيعية لمثل هذه السياسة، وعلى هذا يتبيّن أنّ الرفاهية العامة والنمو الاقتصادي في نظر الشريعة أمر مطلوب ومستحسَن.)ويمكن التعرّف على ثلاثة أهداف في العلاقات الاقتصادية والمالية - إضافةً إلى هدف تأمين حاجات المعيشة لآحاد الناس - وهي:1 - حفظ السلامة الجسمية والنفسية والفكرية والمعنوية للفرد والمجتمع.


1) المصدر نفسه 58 / 18.

2) المصدر نفسه 17/ 72

3) وسائل الشيعة 17/ 63.

2 - المحافظة على حقوق الإنسان، ورفض التعدي على حقوق الآخرين.3 - تأمين وسائل المعيشة والحياة والرفاهية.#### الهدف الأوّل: حفظ السلامة الفردية والعامةهناك روايات كثيرة تؤكد على إنفاق الثروة المالية في سبيل الخير والمعروف وعلى أعمال البر (1، وتمنع الشريعة البيع والشراء للتباهي والتفاخر الذي يجرّ إلى الفساد، كما تحرّم ما يُقصد منه الفساد من المكاسب التي لها دور كبير في نشر الفساد الأخلاقي، ولا يصح في الشريعة إنتاج الملوّثات غير الطاهرة والتبادل بها (2). وقد أحل القرآن الكريم الطيبات وحرّم الخبائث، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الأعراف: 157.)وفي الأثر رواية قيمة في كتاب تحف العقول تشير إلى بعض أصول التكسُب، ورد فيها ما ملخصه : إنّ كلّ أعمال التكسُب التي فيها صلاح الناس وقوامهم جسمانيًا وروحيّا محلّلةٌ ومشروعة، وكلّ الأعمال التي يحصل منها الضرر والفساد على الإنسان جسمانيًا وروحيًا فهي محرّمة ممنوعة (3. وبناء على هذا المبدأ الأساس فإنّ الأعمال الاقتصادية أعم من التبادل التجاري، والهبة،)


1) وسائل الشيعة 17/ 33.

2) المصدر نفسه 25/ 17

3) تحف العقول 333.

والعارية والصناعة والإنتاج ؛ ويمكن أن تقسم على قسمين: المجاز وغير المجاز.ويمكن أيضًا حصر أنواع الأعمال المضرة بثلاث مجموعات:1 - الأعمال المضرّة على الصعيد الفكري، مثل إنتاج الصليب أو بيعه، وكتب الضلال وما يشتمل على الأباطيل والخرافات، وأي وسيلة تقوّي الكفر والشرك (1.)2 - الأعمال المضرّة على الصعيد الجسمي والروحي والمعنوي، مثل التعامل مع الخمر والقمار واللهو والغناء(2.)3 - الأعمال التي تهدّد سلامة المجتمع وأمنه ، كالربا والرشوة والاحتكار (3.)إنّ حفظ السلامة الكاملة من جميع الجوانب للفرد والمجتمع وإيجاد مجتمعات نشيطة وفعالة وسالمة يشكّل أحد الأهداف والمقاصد الأساسية للشريعة وإن كان الإنسان يبتعد عن الخطر بطبعه وبالفطرة، لكن كثيرًا ما تتغلب عليه الرغبات النفسيّة والنزعات الشهوانية؛ فتحمله على الإتيان بأعمال تسبّب له الضرر الجسدي والروحي تلقائيًا؛ ومن دون سدّ أبواب الإنتاج والاتجار والتكسُب التي تجرّ إلى الفساد والأضرار الفكرية أو الجسدية أو الروحية سيكون كل سعي لإيجاد مجتمع سالم ناقص وقليل الفائدة. والإسلام من طريق تحريمه لكلّ أنواع المعاملات الاقتصادية التي يكون لإنتاجها


1) وسائل الشيعة 81/17.

2) المصدر نفسه.

3) تحف العقول 333.

ومتعلقاتها الآثار السلبية على جسم الإنسان وفكره وروحه، أو التي تؤدّي إلى الإخلال بعلاقات المجتمع ، أظهر تدبيرًا حكيمًا ببيانه لسبيل الصواب الهادف إلى تأسيس مجتمع بشري سالم.#### الهدف الثاني : المحافظة على الحقوق الاجتماعية للفردالمقصد الثاني للشريعة الإسلامية في الاقتصاد هو تفادي وقوع الظلم والتعدَي المالي والاقتصادي على الآخرين ومع النظر في الروايات والأحكام نستطيع القول: إنّ الشارع قد رسم لنا عدّة أصول ومبادئ لتأمين حقوق المجتمع لجميع الأفراد بمختلف مستوياتهم:1 - المنع من تضييع حقوق الآخرين باستغلال عدم قدرتهم وجهلهم وعدم معرفتهم لحقوقهم، ومن الأمثلة الشرعية المعتمدة على هذا المبدأ حكم المحافظة الكاملة مع أخذ الاحتياط على حقوق الأيتام في المعاملة (1، وحكم المنع عن الغش في المعاملة(2)، وقاعدة نفي الضرر(3)، والمنع عن والمنع عن الخداع والتدليس في النكاح (4)، ومنع غبن الآخرين، وجعل خيار الغبن للمغبون.)2 - مبدأ المنع عن استغلال المنصب والموقع الأفضل لجلب النفع المجحف بالآخرين، وبناء على هذا الأصل لابدّ من عدّ أيّ معاملة فيها استغلال لاضطرار الآخرين من المعاملات غير الجائزة، وإن كان الفقهاء قد احتاطوا في


1) الكافي 128 .

2) المصدر نفسه 168 .

3) دعائم الإسلام للنعماني 21/2 .

4) تهذيب الاحكام 422/7 .

هذا المورد، ويرون أنّ المعاملة وإن أوجبت الضرر على الفرد المضطر جائزة (1، غير أن إطلاق العنان للأفراد الانتهازيين للانتفاع ظلمًا أو لإلهاب حياة الآخرين بسبب اضطرارهم لا ينسجم مع أصل منع التعدّي والإجحاف الذي هو من المقاصد الأصيلة للشريعة والنهي عن الاحتكار في الروايات مبني على هذا الأصل أيضًا (2)، فمن طريق رؤية مقاصد الشريعة لا يوجد أي تبرير للتردّد في حرمة ذلك؛ وإذا أدّى عمل المحتكرين إلى إضرار الناس والإخلال باقتصاد المجتمع، وأخذ الرشوة الذي يساوي الكفر بالله في الروايات يعد من أمثلة استغلال الموقع لتضييع حقوق الآخرين أيضًا (3)، وعلى وفق هذا المبدأ يحرّم أخذ جوائز السلطان الجائر وهداياه بسبب الارتباط به و بعماله (4).)3 - مبدأ أن لا يوجب الانتفاع الاقتصادي لفرد حرمان الآخرين من الثروة الطبيعيّة؛ وعلى هذا الأساس يمنع استهلاك الثروة الطبيعية العامة أكثر من الحد اللازم إذا سبّب ذلك الاستهلاك تضييعَ حقوق الآخرين؛ ولذا تشير آيات القرآن الكريم إلى أنّ الأرض وخيراتها إنما تخص جميع الناس، قال تعالى: (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنامِ الرحمن: 10، وإعمار الأرض والانتفاع بعطاياها لجميع الناس، قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) هود: 61، وعلى هذا الأصل والمفاد القرآني فإنّ الانتفاع بالموارد الطبيعية حق بالقوة لجميع الناس على حدّ سواء، ولا يكون هذا الحق الذي هو بالقوّة فعليًا إلا عن طريق السعي والعمل الجاد؛ إذًا ليس للإنسان أن يستفيد من المنافع)


1) الاستبصار للطوسي 71/3.

2) المصدر نفسه 114/3.

3) وسائل الشيعة 222/27.

4) الكافي 50/5 .

الطبيعية إذا استلزم ذلك فوات حقوق الآخرين بالقوّة ومنعهم منها، فلا يجوز مثلًا لشخص أن يعمَر مساحات كبيرة من الأرض أو يملكها عبر الاستعانة بالسلطة السياسية أو إذا كان يمتلك أدوات إنتاج حديثة إلا في حال عدم حرمان الآخرين من حقهم الطبيعي من الأرض ومعادنها وسائر الثروات الطبيعية.4 - مبدأ لزوم التعويض للانتفاع المستوفى من الآخرين وأن لا يقل عن الاستحقاقات العرفية؛ فقد أجاز القرآن الكريم تسخير بعض أفراد الناس للبعض الآخر واستعمالهم، فقال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْريًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ الزخرف 32 لكن لا بدّ من الإنصاف في هذا الاستعمال، فيضع المستعمل طاقته الفكرية أو الجسدية بيد الآخرين عوض الحصول على الثروة ،والمال وإذا كانت إحدى المعاملات غير عادلة، كأن تستلزم صرف بعض الجهد الفكري أو الجسدي لشخص في خدمة شخص آخر دون أن يتسلّم ما بإزاء جهده وتكون من غير عوض - فإنّ هذه الاستفادة غير عادلة وغير مشروعة بل هي مصداق لأكل المال بالباطل الذي منعه القرآن الكريم، قال تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّام لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ البقرة: 188 ، ولا ينفع فيها الرضا الناشئ من الاضطرار كما تقدّمت الإشارة إليه؛ إذ المشروعيّة لا تسبغ على العمل بهذا الرضا؛ لأنّ ماهية الظلم لا تزول به؛ فمواجهة الإسلام الجادّة للتعامل بالربا والسعي الحثيث لإزالة جذوره من المجتمع لما في هذا التعامل من الظلم والاستغلال غير الصحيح للسلطة؛ لأنّ الشخص يحصل على الربح بسبب تفوّقه في الإمكانات الاقتصادية؛ لذا

كانت حرمته في الشرع شديدة، قال تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ البقرة: 275، والأدلّة العقلائية تدلّ على صحة تشريع حرمته أيضًا؛ فمن جهة يتسبب الربا بنشر الفقر والحرمان، كما تتكدّس – من جهة أخرى - الثروة وتختزن عند آخرين، ويتبدل استعمال المال من وسيلة يقوم بها المجتمع إلى عامل إخلال في اقتصاده، ولا يصح في النظرة العقلائية أيضًا حصول الربح من غير عمل، ومع ملاحظة هذه المصالح يتضح أن كل حيلة ومحاولة لتصحيح المعاملة الربوية مع حفظ روح الربا السلبيّة والمضرّة ما هي إلا تبديل لشكل الربا وصورته الظاهرية، ولا يمكن من خلالها إضفاء الشرعيّة عليه.

فهذه المبادئ والقواعد يُستفاد منها عدم شرعيّة أيّ عمل يكون فيه استخدامٌ للثروة المالية والاقتصادية بوصفها وسيلة لإخلال اقتصاد المجتمع وعاملًا لنشر الفقر والحرمان ومقابل ذلك يحكم بجواز استثمار المال عن طريق المشاركة في الإنتاج والعمل الاقتصادي السالم، كادّخار الأموال في البنوك للمشاركة في الأنشطة الاقتصادية السالمة شريطة عدم ترتب آثار الربا عليها، وقد اتضح أنه لا يمكن تحديد الآثار من طريق الصورة والشكل الظاهري للعقود.

الهدف الثالث: المحافظة على المصالح العامة للمجتمع

اشارة

المقصد الثالث للشريعة في المعاملات هو هداية الأنشطة الاقتصادية إلى مصالح عموم الناس ومنافعهم وإلى تأمين الحياة المناسبة للمجتمع ورفاهه المادي على نحو تحقيق حصوله للفرد والمجتمع، ودراسة الأحكام المتعلَقة بهذا القسم تهدينا إلى مبادئ وقواعد تحقَق بعض الأهداف الآنفة، وهذه المبادئ هي:

المبدأ الأوّل: لا بد أن تكون الأنشطة والعلاقات الاقتصادية غير مقوية ولا داعمة لاستحكام الشرك وقدرة الظالمين المترفين، وكذلك الحال بالنسبة إلى الظلم والطغيان والفساد؛ فلا يمكن مكافحة هذه المصاديق لقدرات الباطل من غير إزالة جذورها الاقتصادية والماليّة المقوّمة لها. وبناء على هذا فإنّ كلّ عمل اقتصادي بلحاظ حقيقته الداخلية يساعد على تثبيت عواملٌ الانحطاط وتقويتها أو يكون نتاجه في خدمة هذه العوامل، فهو في نظر الشريعة الإسلامية عمل غير جائز، وعلى العكس، بما أنّ حكومة الصالحين عامل لنموّ المجتمع وتقدّمه فلا بدّ من الأنشطة الاقتصادية التي تساعد على إيجاده وتثبيته؛ وقد ورد في رواية تحف العقول أنّ العمل لأجل الحكّام الظالمين حرام؛ لأنّ حكومتهم توجب تضعيف الحق، وأمّا العمل مع ولاة العدل فهو سعي في طريق الله؛ وذلك لأنّ في ولاية العادل وولاته إحياء كلّ حق وكلّ عدل وإماتة كلّ ظلم وجور وفساد، فلذلك كان الساعي في تقوية سلطانه والمعين له على ولايته ساعيًا إلى طاعة الله ومقويًا لدينه (1)، وعلى هذا المقطع من الرواية فإنّ كلّ عمل يوجب رشد المجتمع وصلاحه ورقيّه الاقتصادي والثقافي والمعنوي


1) تحف العقول 332.

جائز، وباختصار كلّ ما يجرّ إلى إحياء الحق فهو جائز، أما ما يوجب انحطاط المجتمع وفساده أو ضعفه وخموده فهو ممنوع.

المبدأ الثاني: الوقاية من تمركز السلطة الاقتصادية بيد جماعة قليلة في المجتمع ؛ ؛ فالمستفاد من القرآن الكريم وتشريعه تخصيص بعض الأموال للمصالح العامة وخروجها عن ملكيّة الأفراد بطريقة عقلائية، قال تعالى: (مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) الحشر 7، وهي الآية المستند هنا، التي تفيد أن مما يخالف المصلحة العامة ولا ينسجم مع الإسلام هو وجود جماعة محدودة من الأثرياء لديها السهم الأوفر من الأموال والثروة الاجتماعية ولهم القدرة على نمائها فتكون لهم السيطرة على سائر الأنظمة السياسية والاقتصادية للمجتمع عبر إمكانياتهم الاقتصادية، قال تعالى:( قُلْ إِنْ كانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَها وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) التوبة 24؛ إذ تبين الآية بوضوح شدّة الردع عن ظاهرة وجود الأثرياء، لهذا جعلت الشريعة الأنفالَ والفيء والمنافع الطبيعية للأمور العامة وتحت تصرف الحكومة الإسلامية، وهو ما يصنف من المصالح والتدابير الإسلامية المتَخَذة بهذا الصدد، من هنا يمكن القول: إن مركزة الثروة بيد فئة ضئيلة من الناس مبدأ مرفوض في القرآن الكريم، وفي حالة عدم كفاية الأنفال والفيء للوقاية من تمركز الثروة الاقتصادية وتداولها بيد الأثرياء، يمكن إجراء حكم الأنفال

على أقسام أخرى من الثروات الطبيعة مثل شمول الحكم للصناعات الكبيرة أو جعل أنحاء أخرى للملكيّة مثل الملكيّة التعاونيّة في عدل الملكية الخاصة.

المبدأ الثالث: إرجاع النشاط الاقتصادي لعموم المسلمين؛ ففي الوقت الذي كانت فيه النساء تتمتع بأقل الحقوق الإنسانية في المجتمعات البشرية، كان الإسلام قد أعطاهنّ كامل الحق في ممارسة النشاط الاقتصادي الحرّ من دون تمييز واختلاف، وأجاز لهنّ منافسة الرجل في جميع المجالات الاقتصادية كالإنتاج والصناعة والتجارة، باستثناء الإماء والعبيد الذين يكون ناتج عملهم لأسيادهم، ومن طريق هذا المبدأ نستنتج أنّ جميع طبقات المجتمع يجب أن يتساووا في الاستفادة من التسهيلات الاقتصادية العامة التي تقدمها الدولة.

المبدأ الرابع : ضرورة تمتُّع جميع طبقات المجتمع وأفراده في العيش الكريم الذي يتناسب مع شأنهم الاجتماعي، فيجب أن لا يشعر أي عضو من أعضاء المجتمع الإنساني بالحاجة المادية والمعنوية من الناحية المعيشية، سواء أ كان مسلمًا أم غير مسلم؛ فقد جعل الله سبحانه وتعالى للفقراء سهمًا في أموال الأغنياء، بل جعلهم شركاء في أموال الأغنياء وإن تعيين سهم خاص من المال باسم الزكاة لرفع حاجة المحرومين، واعتبار ذلك ركنًا من أركان الإسلام، وتخصيص قسم من الخمس للسادة الفقراء، أكبر دليل على اهتمام الشريعة الإسلامية برفع الحرمان والحاجة من المجتمع، وهذا لا يعني تأمين الحاجات الأوليّة الأساسيّة للإنسان فقط؛ بل يعني الارتفاع بالمستوى المعيشي إلى الحدّ المتوسَط، أو أكثر قليلًا بحيث يتناسب مع المستوى الاجتماعي العام، وإذا نظرنا إلى مصالح الأحكام الموجودة في الروايات (1)، أمكننا القول: إنّ الأموال


1) الكافي 3/ 497 .

إذا لم تستطع تحقيق هذا الهدف فيجب أن نسلك طرقًا أخرى، أو نقوم بتوسيع متعلّقات الزكاة كما فعل أمير المؤمنين علیه السلام في تقريره الزكاة على الخيل(1).

المبدأ الخامس: رعاية الاعتدال في الاستهلاك والاستفادة من الثروة والنعم الإلهيّة؛ لأنّ النزعة الاستهلاكية إذا سادت مجتمعًا فسينسحب ذلك إلى حرمان بقية طبقات المجتمع، وحرمان المجتمعات الأخرى، بل إنّ الإسراف في الاستهلاك يؤدّي إلى حرمان الأجيال المستقبلية الأخرى؛ لإفضائه للضغط على موارد الطبيعة التي تتعلق بجميع البشر في جميع الأجيال، وفي الحقيقة أن ذمّ الإسراف الوارد في التعاليم الدينية، والأمر بالاعتدال(2)، كان من أجل الحفاظ على الثروات الطبيعية التي تتعلّق بجميع الأجيال القادمة، إضافة إلى أنّ زيادة الاستهلاك يؤدي إلى زيادة تلوّث الطبيعة. وقد ورد في الرواية عن الإمام الصادق علیه السلام، أنه قال: «المال مال الله يضعه عند الرجل ودائع، وجوّز لهم أن يأكلوا قصدًا ويعودوا بما سوى ذلك على فقراء المسلمين» (3)، ثمّ إنّ الإسراف في الاستهلاك لطبقة من طبقات المجتمع، والحرمان المادي لطبقة أخرى يعارض مقصد العدالة الاجتماعية التي هي من المقاصد العليا للإسلام.

وخلاصة الأمر: إنّ الأصول التي يمكن استخراجها من المصادر الإسلامية والتي يمكن أن تكون عنوانًا للمعايير والقواعد الحاكمة على العلاقات والأنشطة الاقتصادية هي:

1 - حظر النشاطات الاقتصادية التي تؤدّي إلى الفساد الأخلاقي.


1) وسائل الشيعة 9/ 77.

2) غرر الحكم 360.

3) تفسير العياشي 2 / 13 .

2 - منع النشاطات الاقتصادية التي تؤدّي إلى فساد العقل.

2 - منع النشاط الاقتصادي الذي يُضعف المعتقدات الدينية والإيمان.

4 - منع الأعمال الاقتصادية التي تُضعف البدن.

5 - حظر أي نوع من أنواع سوء الاستفادة من جهل الإنسان، والاحتيال.

6 - منع استغلال اضطرار الإنسان.

7- منع النشاطات الاقتصادية في ظل الأزمات الاقتصادية في المجتمع.

8- منع استغلال النفوذ الاجتماعي في الإضرار بالآخرين اقتصاديًا.

9 - المنع من الاستفادة أكثر من الحاجة الفعلية للثروات الطبيعة والتي تؤدّي إلى تضييع حقوق الآخرين والأجيال القادمة.

10 - منع تسخير الآخرين من دون مقابل.

11 - منع تقوية الظالمين عن طريق النشاطات الاقتصادية.

12 - الالتزام الكامل بالعهود الاقتصادية.

13 - تأمين الفرص الاقتصادية للجميع بصورة متساوية.

14 - الاستفادة من الإمكانات والخدمات من قبل جميع أفراد المجتمع.

15 - منع تركيز الثروة في يد الأقلية.

16 - استفادة المحتاجين من ناتج عمل الأغنياء

17 - الاعتدال في استخدام مصادر الثروة والنعم الإلهية والنهي عن الإسراف في الإنتاج.

18 - منع الأعمال الاقتصادية غير العادلة كأكل الربا.

19 - المنع عن الإسراف وتجاوز الحد وتضييع الأموال.

أثر الزكاة في تحقيق الأهداف الاقتصادية للشريعة

وضع الإسلام مسؤوليّة رفع حرمان الفقراء على عاتق المسلمين أنفسهم، وذلك من طريق تخصيص قسم من الأموال، ومشاركة الفقراء في أموال الأغنياء فجعلها مسؤوليّةً مباشرة، وجعل دور الدولة واسطةً في إيصال الأموال إلى الفقراء، وهناك روايات متعدّدة تدلّ على مشاركة الفقراء في أموال الأغنياء، بل اعتبرت الزكاة مالا للفقراء وحقا مسلّما لهم. ومن هذا المنطلق، ليس للأغنياء الحق في أن يمنّوا على الفقراء؛ لأنّهم في الحقيقة إنّما يدفعون سهم شركائهم في الأموال، والروايات التي اعتبرت سقف استفادة الفقراء من الزكاة هو رفع جميع حاجاتهم حتى الوصول إلى المنزلة الاجتماعية اللائقة، ونستدلُّ على ما تقدَّم للإشارة إلى مسألة مهمة وهي رفع التمييز الطبقي في المجتمع ؛ ولذلك لا بد أن يتمتع أولاد العوائل المحرومة من جميع الإمكانات اللائقة واللازمة من أجل رفع المستوى المادّي والمعنوي والعلمي والثقافي لهم، أسوةً بسائر أفراد المجتمع (1)، بل لقد أجيز للمحرومين والفقراء الاستفادة من الزكاة في القيام بمناسك الحج، والتحرّر من العبوديّة، والاستفادة من المسكن المناسب، والخادم في حال الضرورة (2).

موارد تعلّق الزكاة من حيث المقاصد والمصالح:

من المباحث المهمة في مسألة المصالح ومقاصد الأحكام، انحصار تعلّق


1) وسائل الشيعة 232/9.

2) المصدر نفسه.

الزكاة بالموارد التسعة التي أفتى بها فقهاء الشيعة، ومن الواضح أنَ قسمًا كبيرًا من الثروات، ومجموعة كبيرة من الأغنياء لا يشملهم حكم الزكاة؛ بل إن هذا الحكم يغطي مجموعة قليلة من أصحاب الثروة، وما يدعو إلى التساؤل نتائج هذه الرؤية؛ لأنَّ الآثار العديدة التي أشارت إليها الروايات لمعطي الزكاة مثل: اختبار الأغنياء والرأفة والرحمة على أهل المسكنة والحثّ لهم على المواساة، وأداء شكر نعم الله عزّ وجلّ والطمع في الزيادة، وتكفير الذنوب.

ومن هنا فإنها تشمل هذه المجموعة القليلة ويُحرّم باقي الأغنياء من هذه الصفات (1)، والإشكال الآخر هو وجود روايات صريحة تشير إلى أنَّ هذا الحكم «الزكاة» يلبّي جميع حاجات المحرومين والمساكين، وأن تحديد مقدارها هو علم الله سبحانه وتعالى بكفاية ذلك (2)، ونحن نعلم اليوم هناك أعدادًا ضخمة من المحرومين في المجتمع الإسلامي، وهم بحاجة إلى أمور أساسيّة وضرورية كالمسكن المناسب، والعمل، والدراسة، والعلاج، وإمكانات المعيشة الأخرى، وجميعهم يحتاجون لعيش كريم بمستوى لا يمكن تلبيته من طريق مصارف الزكاة المذكورة، والشيء الوحيد الذي يؤمن حاجة المسلمين المحرومين في جميع نقاط العالم هو تعلّق الزكاة بجميع أموال التجارة والإنتاج أو القسم الأعظم منها .

إنَّ مقارنةً بسيطة بين حكم الزكاة والخمس، ومع الأخذ بالحسبان أنّ مقدار الخمس هو ضعف مقدار الزكاة - بالإضافة إلى أنه يشمل جميع الدخول السنوية - ومع ذلك فإن نصفه يختص برفع حاجات قسم خاص ومحدود من


1) وسائل الشيعة 232/9 .

2) المصدر نفسه 11/27

فقراء المجتمع الإسلامي وهم الهاشميون، دليل آخر على هذا المدعى، فإذا أخذنا بالحسبان مصالح الحكم لا يبقى مجال لانحصار الزكاة في الموارد التسعة المذكورة إلّا القول باختصاصها بظروف زمانية خاصة، والشاهد على هذا المدعى عفو النبي عما سوى هذه الأشياء.

2 - مقاصد الشريعة في مجال القضاء والشهادات

اشارة

يمكن تلخيص مقاصد الشريعة العامة في باب القضاء في الموارد الآتية:

1 - الدفاع عن حقوق أفراد المجتمع بصورة متساوية من دون تمييز، والمنع من تضييع الآخرين لها.

2 - رعاية شخصية الإنسان وكرامته من مختلف أفراد المجتمع قضائيًا.

3 - إيجاد الأمن والطمأنينة بين أفراد المجتمع ورفع الخوف والقلق فيما يخص إحقاق حقوقهم من طريق الحق والعدالة.

4 - إقامة نظام قضائي قادر على كشف الحقيقة، وإزالة الاختلافات، وكشف الجرائم بأقل نسبة من الخطأ.

5 - تضييق الخناق على المجرمين، ومنع التجسّس وإشاعة الفحشاء في الجرائم الأخلاقية.

وللوصول إلى تحقيق أهداف الإسلام في القضاء بالحق والعدل، فقد أخذ بالحسبان ثلاثة أساليب في أصول المحاكمات وشرائط القاضي، والقوانين الجزائية والحقوقية، وقام بتشريع الأحكام الخاصة في ضوء تلك القوانين، أمّا الأصول والسياسات التي شرعها الإسلام والتي تنضوي تحت هذه الأقسام

الثلاثة طبقا للمصالح الاجتماعية، ولتحقق المقاصد المذكورة سابقاً، فهي:

1 - تصدي الإنسان العادل واللائق لمقام القضاء.

2 - وثاقة الشهود وعدم وقوعهم في مظان الاتهام.

3 - إثبات الجرم على أساس الإقرار أو قيام البينة.

4 - تعدّد الشهود أكثر من الحدّ الطبيعي في موارد الاشتباه في الشهادة، أو تکميلها بشهادات أخرى.

5 - وجوب أداء الشهادة وحرمة كتمانها.

6 - تشريع القسامة.

7 - التشدّد في إقامة الشهادة في الاتهامات الجنسية.

الأهداف العميقة في الإسلام لتمكين تطبيق العدل والأحكام:

1 - من الشروط المعتبرة في القاضي، عدالته واتصافه بالصفات الروحية والمعنوية التي تبعده عن الذنوب والمخالفات الكبيرة (1)، وهذا الشرط المهم كفيل بصيانة الأحكام الصادرة عن القاضي من تأثير المال، والسلطة، والعلاقات العائلية والقومية والمذهبية. وقد أجاز الإسلام القضاء والتصرف في دماء الناس وأموالهم وأعراضهم للأشخاص الذين يتصفون بصفات التقوى والعدالة فقط، إذ يمكن من طريق تلك الصفات أن يتغلّب القاضي على جميع العوامل المذكورة سابقًا. كما إنّ وجود نظام التربية الروحية والمعنوية الفعّال وقدرة الإسلام الكبيرة استطاعتا أن تُلزم القضاة المسلمين بمثل هذا الشرط


1) وسائل الشيعة 11/27.

الصعب ؛ ومن هذا المنطلق ساوت الروايات الإسلامية بين أخذ الرشوة من قبل القاضي والكفر بالله سبحانه وتعالى، بل عدته خارجًا عن دائرة الإسلام (1)، وقد أمر الإسلام بتساوي سلوك القاضي مع المتهمين حتى في النظرة والكلام ومنع القضاء في حالة الغضب؛ وهو ما يؤكد على لزوم سلامة حكم القاضي من أيّ شائبة تعكّر صفاء العدالة، سواء كانت شعورية أم لا شعورية (2)، وعلى هذا الأساس فإنّ موضوع عدالة القضاء من أهم المصالح في باب القضاء، ولا بدّ أن تكون حاكمة على جميع الأحكام والتشريعات، أي إن كل حكم يخالف هذه القاعدة يسقط عن دائرة الاعتبار.

2 - إنَ الدور الذي يلعبه الشهود في كشف الحقيقة جعل شرط «الوثاقة التامة فيهم أمرًا لازمًا و ضروريًا (3)، وأن شهادة أيّ شاهد سوف تفقد قيمتها إذا كان الشاهد محل اتهام (4)، ومن هنا عدت شهادة من يكون أحد طرفيَ الدعوى، كالشريك والأجير والعبد، فاقدةً للاعتبار، ومثل ذلك وجود عداوة سابقة يمنع من الشهادة أيضًا (5).

من جانب آخر، كل من يعرف الحقيقة ويدعوه صاحب الحق لأداء الشهادة يجب عليه الحضور في المحكمة لأداء الشهادة (6)، وهذا ما يعطى القضاء فرصةً كبيرة للوصول إلى الحقيقة ويستطيع من خلالها جبران النقص الحاصل من


1) الكافي 126/5 .

2) وسائل الشيعة 27/ 211.

3) الاستبصار 12/3.

4) من لا يحضره الفقيه للصدوق 40/3 .

5) المصدر نفسه.

6) الكافي 380/7.

اعتبار شرط الوثوق أو العدالة للشهود.

3 - إنَ هدف حصول القاضي على الحقيقة وتقليل احتمال الخطأ جعل الإسلام يقبل شهادة النساء ويساويها في بعض الأحيان بشهادة الرجال، وقد نحتاج في موارد أخرى إلى تكميلها بزيادة الشهود؛ فالآية الشريفة تقول: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكَّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) البقرة: 282، فقد عدّ سبب معادلة شهادةِ امرأتين برجل واحد هو مساعدة المرأة على التذكّر في حال النسيان، ومن طريق هذه الآية والروايات الأخرى يتبيّن أنَّ علّة زيادة عدد الشهود في النساء هو تقليل احتمال الخطأ في شهادتهنَّ، وقد ورد بيان هذا الحكم في إحدى الروايات في تفسير الإمام العسكري علیه السلام، إذ قال فيها: «إذا ضلّت إحداهما عن الشهادة فنسيتها ذكرت إحداهما الأخرى بها، فاستقاما في أداء الشهادة» (1)، وهذا الحكم هو في الحقيقة دعم للمرأة في القيام بشرط الشهادة الصحيحة. وبعبارة أخرى: إذا ما نسي أحد الأشخاص بعض جزئيات الحادثة حين الشهادة فإنَّ شهادته تسقط عن الاعتبار، أما بالنسبة إلى النساء فإنَّ المرأة يمكنها رفع الإبهام والشك عن طريق الاستعانة بالمرأة الأخرى.

4 - أشارت بعض الروايات إلى ملاك عدم قبول شهادة النساء في أمر الطلاق، فقد جاء في كتاب علل الشرائع عن أبي الحسن الرضا علیه السلام أنه قال: «علّة ترك شهادة النساء في الطلاق محاباتهنَّ النساء؛ فلذلك لا تجوز شهادتهنَّ إلا في موقع الضرورة»(2)، أي إن المنع من شهادتهنَّ في هذه المسألة هو محاباتهنّ بنات


1) وسائل الشيعة 27/ 245 .

2) المصدر نفسه 20/ 268.

جنسهنَّ في هذه المسألة.

5 - أما بالنسبة إلى قبول شهادة النساء في مورد القصاص والقتل فهي مختلفة نوعًا ما، فبعض الروايات سلّمت بقبول شهادتهنَّ وعللت ذلك بعدم إمكان ضیاع دم امرئ مسلم هدرًا؛ لأنَّ عدم قبول شهادتهنَّ في بعض هذه الموارد يؤدّي إلى إفلات القاتل من قبضة القانون (1)، وفي مقابل هذه الرواية هناك رواية أخرى عن الإمام الصادق علیه السلام في هذه المسألة قال فيها: «تجوز شهادة المرأة في الشيء الذي ليس بكثير من الأمر الدون ولا تجوز في الكثير» (2)، وآية الدين في سورة البقرة ورقمها ( 282) تشير أيضًا إلى احتمال وقوع النسيان من قبل النساء؛ ولذلك فإنّ مصلحة الحكم في الموضوعات التي تؤدّي إلى صدور الحكم بالقتل والقصاص تستوجب مزيدًا من الاحتياط، وأحد الطرق لحلّ الاختلاف بين هذه الروايات هو أن نقبل الرواية الأخرى «قبول شهادة النساء» على وقوع القتل لإثبات الديّة، ولا نكتفي بشهادة النساء في النوع الثاني من الموضوعات أي إثبات القصاص، وهذا الرأي ينسجم مع مصالح الشريعة في باب الاحتياط في الأمور المهمة، كمسألة الدم من جهة عدم ضياع دم مسلم هدرًا.

6 - ولتحقيق الهدف الآخر للشريعة، وهو الحيلولة دون هروب المجرم من العقاب، اقترح الإسلام طريقًا استثنائيًا في خصوص إثبات الجنايات الكبرى كالقتل، فإذا فقد المدعي البينة لإثبات دعواه فإنَّ المدَّعى عليه يمكن تبرئته من التهمة إذا أقسم؛ ولأهميّة مسألة القتل وللحيلولة دون فرار أي شخص من


1) المصدر نفسه 27 / 150 .

2) وسائل الشيعة 22/27 .

قبضة العدالة، وضعت الشريعة الإسلامية قانون «القسّامة»، أي شهادة خمسين شخصًا مع الحلف لإثبات الجرم على المتهم (1)، وهناك رواية في وسائل الشيعة تشير إلى علة تشريع هذا الحكم، تقول:«وصارت البينة في الدم على المدَعى عليه واليمين على المدَعي؛ لأنّه حوط يحتاط به المسلمون؛ لئلا يبطل دم امرئ مسلم، وليكون ذلك زاجرًا وناهيًا للقاتل لشدّة إقامة البينة على المحجور عليه، لأنَّ من شهد على أنّه لم يفعل قليل ، وأمّا إن جعلت خمسين رجلًا فلِمَا في ذلك من التغليظ والتشديد والاحتياط لئلا يهدر دم امرئ مسلم»(2)، وهذه الرواية تؤيد مرّةً أخرى قيام الأحكام القضائية على أساس المصالح الاجتماعية، وقد بينت فيها بعض المصالح مثل عدم ضیاع دم امرئ مسلم، وعدم ضياع حقوق أفراد الأسرة والحيلولة دون هروب القاتل الذي قد يكون بارعا في عدم ترك أي أثر للجريمة. وهذه الطريقة خطوة وقائية؛ لأن مسألة القسّامة جعلت إمكان الفرار من العدالة مسألة صعبة؛ فالقاتل لا يمكن أن يلوذ بالفرار من العقاب بالاعتماد على التخطيط الدقيق، ومن جهة أخرى فإنّ زيادة عدد الشهود إلى خمسين نفرًا قلّل كثيرًا من التواطؤ على الكذب، وأوجد نوعًا من الاطمئنان بصحة شهادتهم على الشخص الذي عجز عن إقامة أيّ نوع من الأدلة على براءته.

7 - يحتاج إثبات الزنا إلى عدد مضاعف من الشهود، خلافًا لبقية الجرائم الأخرى، وقد ذُكرت مصلحتان في الروايات لهذا الحكم :

الأولى: المنع من إشاعة الفساد والسعي لستر الجريمة، جاء في الرواية:


1) وسائل الشيعة 22/27 .

2) المصدر نفسه 29/ 235.

«وجعل ما دون الأربعة شهداء مستورًا على المسلمين»(1)، والصعوبة في هذه المسألة هي أنه إذا تخلف أحد الشهود الأربعة في وقت أداء الشهادة فإنّ الشهود الثلاثة يجب أن يُجلدوا، وإعلان هذه الجريمة نفسها يساعد على إشاعتها إضافة إلى أنه يضر بكيان الأسرة.

الثانية: إنّ هذا الحكم إنّما يختص بالذين لا يمتنعون ولا يبالون بالقضايا الأخلاقية، ولا يسترون على أنفسهم؛ فهناك روايات متعدّدة عن الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ والإمام علي علیه السلام، تؤكّد على أنهما كانا يتجاهلان إقرار المذنبين بمثل هذه الذنوب (2)، روي عن الإمام الرضا علیه السلام في جواب رسالة محمد بن سنان، فكتب: «لشدّة حدّ المحصن؛ لأنّ فيه القتل فجعل الشهادة مضاعفة مغلّظة»(3). يعني أنّ المصلحة وعلّة التشدّد في شهادة زنا المحصن هو العقوبة القاسية، ومع ذلك فإنّ هناك عددًا قليلًا قد ابتلوا بمثل هذا الذنب. وعلّة تجنب الشارع زيادة عدد المحكومين بهذا العقاب إما أن يكون رعاية المصلحة العامة في تقليل المحكومين بهذه العقوبة الشديدة، أو إيصالها إلى أقل نسبة من احتمال الخطأ.

3- مقاصد الشريعة في القوانين الجزائية والجنائية «حدود، قصاص، ديات» من مقاصد الشريعة في القصاص عقاب الجاني وإقامة العدل في المجتمع، وشفاء غيظ أقارب المجني عليه، وتطهير المجرم، ومنع الجرم والحيلولة دون ارتكاب الجرائم من قبل الآخرين.


1) وسائل الشيعة 28/ 15.

2) المصدر نفسه 28/ 36

3) المصدر نفسه 27/ 238.

وهنا بعض هذه المقاصد في الأحكام الجزائية والجنائية :

1 - وضعت بعض الحدود الإلهيّة في مقابل الحقوق الخاصة لأفراد المجتمع، وبعضها الآخر في مقابل التعدي على الحقوق العامة والمصالح المادية والمعنوية للمجتمع، وبعض الحدود ذات حقيقة مزدوجة كالسرقة، أمّا وظيفة الدولة في مورد القسم الأوّل فهي أن تمنع بعض المتمردين من إظهار أي ردود فعل عكسية وإجرائها من قبل الدولة بصورة صحيحة، وفي المجموعة الثانية فإنّ إمام المسلمين بوصفه «أمين الله على خلقه»(1)، قد أخذ على عاتقه وظيفة الدفاع عن المصالح العامة للمجتمع، وإقرار الأمن والعدالة، وإيجاد الجوّ الأخلاقي والمعنوي النظيف، وحراسة الحقوق العامة والتصدّي للمتخلفين.

2 - إنّ محاسبة الدولة على التعدي على الحقوق الخاصة إنما يتحقق إذا اشتكى أصحاب الحق فقط؛ لأنَّ هدف الحكومة بالنسبة إلى حقوق الناس هو إرجاع الحق إلى أصحابه وإقامة الحق والعدل، أما هدفها بالنسبة إلى الحقوق العامة فهو تنبيه الخاطئ، ومنع الآخرين من التعدّي، وإصلاح الآثار السلبية في المجتمع ؛ فإذا ما تحققت هذه الأهداف من دون عقاب ومحاكمة فإنّ الشرع يصر على إقامة ذلك. أما إذا كان الجرم علنيًا ووصل إلى المحكمة، فلا يوجد طريق آخر لمنع إجراء الحدود حتى بالنسبة للدولة الإسلامية، إلّا إذا أقرّ المجرم بجرمه قبل إلقاء القبض عليه في المحكمة، وفي هذه الصورة يكون الحكم مشفوعا بالرأفة والتسامح.


1) تهذيب الاحكام 44/10 .

ورد في الرواية أنه: «إذا نظر "الإمام" إلى رجل سرق «له» أن يزبره وينهاه ويدعه، قلت: وكيف ذلك؟ قال: لأنّ الحق إذا كان لله فالواجب على الإمام إقامته، وإذا كان للناس فهو للناس» (1)، وقد عَدّت هذه الرواية السرقة نقضًا للحقوق الخاصة بالناس؛ لأنها تؤكَد على أن وظيفة الإمام في التصدَي للسارقين هو منعهم من القيام بالسرقة حين القيام بهذا العمل فقط. وهناك روايات أخرى عَدّت حد السرقة بعد مراجعة صاحب الحق للقاضي من حقوق الله سبحانه وتعالى كما هو الحال في حدّ شرب الخمر والزنا، فلا يحتاج إلى طلب صاحب الحق. ومن جملة تلك الروايات رواية الحلبي عن الإمام الصادق علیه السلام، عندما التمس صفوانُ النبيَ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ أن يعفو عن قطع يد من سرق رداءه، فقال النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ:«هلا كان هذا قبل أن ترفعه إلي» (2)؛ إذ نستنتج من هذه الرواية أن السرقة قبل رجوعها إلى الإمام مسألة شخصيّة؛ ولذلك يمكن أن يعفو عنها صاحب الحق، بعد إرجاعها إليه فتصبح مسألة عامة خارجة عن اختيار صاحب الحق نفسه؛ فتتحوّل إلى الإمام والدولة الإسلاميّة، ومن هذا النوع رواية البرقي في مسألة السارق الذي حضر عند الإمام علي علیه السلام وأقر بذنبه فقال علیه السلام :«إذا أقرّ الرجل على نفسه فذاك إلى الإمام إن شاء عفا وإن شاء قطع» (3)، وهناك روايات أخرى أيضًا في مسألة كتمان الذنوب والجرائم التي تؤثر على عفّة المجتمع إذا كانت غير معلنة، تقول الرواية: «فوالله لتوبته فيما بينه وبين الله أفضل من إقامتي الحدّ عليه»(4).


1) الكافي 262/7 .

2) وسائل الشيعة 27/ 38.

3) المصدر نفسه 41/28 .

4) الكافي 188/7

3 - أما بالنسبة إلى تشديد الحكم وتخفيفه، فهو إنما يكون في ظلّ تحقيق أهداف الشريعة؛ فهناك فرق في إقامة الحدّ في جرائم الفساد الجنسي بين من يتمكن من إشباع غريزته الجنسية من طريق مشروع، ومن يفتقد هذا الطريق؛ فعقوبة الأوّل الرجم والثاني الجلد، ورواية حريز تشير إلى حكمة الفرق بين العقوبتين: «الذي يزني وعنده ما يغنيه»(1)، أي إنّ الشخص الذي يزني وعنده ما يُشبع غريزته الجنسية حكمه الموت، وكذلك الشيخ الذي يزني فإنّ عقوبته تكون أشدّ؛ لأنّه قد تجاوز فترة الشبق الجنسي (2)، وكذلك من يُقدم على جريمة الزنا بحيث يراه عدة أشخاص؛ لأنّ ذلك يكشف عن استهتاره بالقيم الإسلامية والحدود الإلهية.

4 - أما حكم الإسلام بالنسبة للاغتصاب، وهو تعدً على الشخصية الإنسانية، فهو الموت، وكذلك الذي يستغل الفرصة التي يوفّرها له الإسلام فيعتدي على عفاف المسلمات بالزنا فإنّ عقوبته الموت أيضًا، وهناك رواية عن محمد بن مسلم عن الإمام الرضا علیه السلام في بيان علة الحكم بالموت على من يُحكم عليه ثلاث مرات جلدًا، إذ تقول الرواية: «علّة القتل في إقامة الحدّ في الثالثة لاستخفافهما وقلّة مبالاتهما بالضرب حتى كأنه مطلقًا لهما الشيء»(3)، أي إنّ من عوامل تشديد العقوبة على الشخص عدمَ اهتمامه بالحدود الإلهية وشعوره بالحرية المطلقة من أي قيد.

5 - من أهداف الشرع تضييق الخناق على الجناة، وإنَّ تشريع القصاص


1) وسائل الشيعة 28/ 178.

2) المصدر نفسه 177/28

3) علل الشرائع 546 .

وفسح المجال لعائلة المقتول للاقتصاص من المجرم يؤمن هذا الهدف؛ فقد ورد عن الإمام السجاد علیه السلام في بيان الآية الشريفة: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ (1)، أنه قال:«ولكم يا أمة محمّد في القصاص حياة؛ لأنَّ من هم بالقتل فعرف أنه يقتص منه فكفّ لذلك عن القتل كان ذلك حياة الذي هم بقتله، وحياة لهذا الجاني الذي أراد أن يقتل، وحياة لغيرهما من الناس إذا علموا أنَّ القصاص واجب لا يجترون على القتل مخافة القصاص» (2)؛ ولذلك فإنَ إيجاد الأمن في المجتمع يتحقق بمجرد تحويل الاقتصاص إلى أولياء المقتول، ولا يحتاج إلى إجرائه في جميع الحالات، والإسلام رغب أولياء المقتول بالعفو.)6 - والحكمة من تشريع الحدود الإلهيّة كالقصاص، إقامة العدل والحيلولة من دون وقوع البشر في وحل الذنوب والجرائم؛ فطبقاً للروايات الواردة حدّ الله سبحانه وتعالى للإنسان حدودًا، وجعل عقوبةً لتجاوز هذه الحدود (3، وإنّ وظيفة تشريع الحدود الإلهيّة هي الدفاع عن الحقوق الإنسانية، أي إنّ إقامة الحدود الإلهيّة نوعُ دفاعٍ عن نظام العدل في مجال التشريع والتكوين، وقد ورد في الرواية: «يبعث الله رجالًا فيُحيون العدل فتحيى الأرض لإحياء العدل»(4)، وفي روايات أخرى عُدَّ إجراء الحدود سببًا لطهارة المجرم من الذنب وزوال العقوبة الأخروية: علّة ضرب الزاني على جسده بأشدّ الضرب لمباشرته الزنا واستلذاذ الجسد كله به، فجعل الضرب عقوبةً له وعبرةً لغيره» (5).)


1) البقرة .179

2) وسائل الشيعة 54/29

3) الكافي 195/7.

4) الكافي 174 .

5) وسائل الشيعة 28/ 94 .

7 - إنَ إجراء الحدود إذا لم يؤمَن أهداف الشريعة ومقاصدها أحيانًا أو أدى إلى نتائج عكسية، فقد أعطت الشريعة الإسلامية الإمام والدولة الحقَ في توقيف هذه الحقوق؛ فقد روى الشيخ الطوسي عن الإمام علي علیه السلام أنه قال: «لا أقيم على رجل حدا بأرض العدوّ حتى يخرج منها مخافة أن تحمله الحمية فيلحق بالعدوّ»(1؛ فمن طريق هذا الهدف والمصلحة المنصوصة في هذه الرواية يكون لإمام المسلمين أن يوقف إجراء الحدود إذا ما لاحظ من طريق الرؤية العميقة والحكيمة أن إجراءها يؤدّي إلى مفاسد أكبر؛ لأن النكرة في سياق النفي تفيد شمول الحكم لجميع الأفراد، ويثبت لزوم رعاية كامل المصالح في إجراء الحدود الإلهية.)إنَّ تسامح النبي الأكرم صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ، والإمام علي علیه السلام في إجراء الحدود في حق العاصين الذين اعترفوا بذنوبهم، وطلبوا إجراء الحدود عليهم، يدل دلالةً واضحة على أنه إذا تحقَقت أهداف الشارع من دون إجرائها فله «الشارع» أن يغض الطرف عن إجرائها، وأنّ العفو عن ذنوب العاصين الذين أقروا بذنوبهم أو الذين هربوا حين إجراء الحدود، مثالٌ آخر على رعاية جانب المصلحة من جانب الشريعة.#### الاختلاف في القصاص بين المسلمين وغيرهم:من المباحث المثيرة للاهتمام في دراسة رؤية الشريعة لجانب المصلحة في باب القصاص، اختلافُ حکم قصاص المسلمين عن غير المسلمين، فطبقًا لما ورد في الروايات، إذا تعمّد أحد المسلمين قتل غير المسلم فلا يقتص


1) تهذيب الأحكام 10 / 40 .

منه، لكن إذا حدث العكس فيجب أن يقتص من غير المسلم أو يدفع الديةَ كاملة، والرواية الواردة في الكافي تقول: «المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم»(1، وهذا الاختلاف لا يوجد بين المسلمين؛ لأنّ المسلمين تتكافؤ دماؤهم، وإنْ اختلفوا في الطبقة الاجتماعية أو منزلة الإيمان والتقوى، وهذا التساوي ينعدم بين المسلمين وغير المسلمين، لكنّ هذا التمييز لا يرجع إلى الاختلاف في الدرجة الإنسانيّة؛ بل إنّ غير المسلم الذي لم يتلوّث بحضيض الشرك يتمتع بكامل الحقوق والمنزلة الإنسانية؛ ولذلك يتمتع المسلمون وغيرهم بمستوى معيشي كافٍ، ولا بد أن تتوفّر لهم الحياة الآمنة المستقرة.)إنّ المساواة بين المسلمين وأهل الذمة في المحاكم وأمام القانون، وهو أصل إسلامي مسلَّم، يؤيد هذا الأمر؛ ولذلك تصدّى الإسلام بشدة لكل ما يهدد أمن غير المسلمين، فقد ورد في الحديث: «وسألته عن المسلم: هل يُقتل بأهل الذمة وأهل الكتاب؟ قال: لا، إلّا أن يكون معتادًا لذلك» (2؛ فعقوبة «اعتياد القتل» للمسلم الذي يهدّد أرواح غير المسلمين يشير وبصورة واضحة إلى رعاية الإسلام الحقوق الإنسانية لغير المسلمين وما تفوّه به أمير المؤمنين علیه السلام عندما اعتدى معسكر معاوية على امرأة ذمّيّة غير مسلمة، إذ قال:«فلو أنّ امرءًا مسلما مات دون هذا أسفًا ما كان عندي ملومًا بل كان عندي به جديرًا»، يبيّن المكانة الإنسانية الكبيرة لغير المسلمين في الإسلام (3).)ومع ذلك، لا يستفيد غير المسلمين من تمام المزايا التي يتمتع بها المسلمون


1) الكافي 403/1 .

2) وسائل الشيعة 29/ 107 .

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2/ 74

في المجتمع الإسلامي؛ مع أنّهم يعتبَرون مواطنين في الدولة الإسلامية والإسلام ينظر إليهم نظرةً إنسانية ويحميهم ويرأف بهم دون الأخذ بالحسبان انحرافهم العقائدي والأخلاقي والسلوكي؛ ولذلك يمكن ملاحظة الاختلاف بينهم وبين المسلمين في حقوق المواطنة التي لا ترجع إلى الشخصية الإنسانية للفرد. ومن الحقوق التي لا تنبع من الحقوق الإنسانية هو حق القصاص؛ فإنّ القصاص قانونٌ وضع على أساس المصالح الاجتماعية؛ ولذا ليس له مكانة متساوية في جميع الأنظمة الحقوقية؛ لأنّ بعض المدارس الحقوقية تشرع ذلك وبعضها لا تقبله، فما يقتضيه الشأن الإنسانيّ هو الدفاع عن أرواح البشر وعدم هدر دمائهم؛ والإسلام يوفّر الأمن للمسلمين وغير المسلمين على حدً سواء، ويضمن إعطاء الديّة لأولياء الدم من غير المسلمين.إنَّ دفع الدية للمسلم الذي قتل مسلمًا آخر، بل حتى من طريق غير المسلم، يؤيد هذه النقطة بالذات، وهو أنّ القصاص لا يرتبط بالشأن الإنساني، وأنّ هناك بدلين مقابل دم الإنسان: أحدهما نفس القاتل، والثاني الديّة. وكذلك فإنّ وجوب رفع الدية هو بسبب إراقة دم غير المسلم لما له من منزلة إنسانية، ولكن لا يجوز الاقتصاص من المسلم في مقابل غير المسلمين.أين يكمن المقصد في التمييز في الديّة بين المرأة والرجل؟يمكن فهم سبب اختلاف مقدار ديّة المرأة والرجل إذا عرفنا أن الإسلام لا ينظر إلى تساويهما في المنزلة الإنسانية فقط، ولا يميز بينهما في المرتبة والمنزلة الاجتماعية الثانوية، كما ورد في الآية ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ الحجرات : 13، من هنا يتبيّن أنّه لا تفاوت بين المرأة والرجل في القيمة الإنسانية، والأمر الذي يؤيد ذلك هو عدم الاختلاف بينهما في حكم القصاص، وحصره في مقدار

الديّة، وهو ما يقوم على أساس اجتماعي و اقتصادي بحت، فدليل دفع الدية إلى أفراد عائلة القتيل، مع قدرتهم على الاقتصاص والعفو، ليس له إلا بُعد مادّي؛ فإذا قُتِل الرجل فإنّ أفراد أسرته فقدوا بقتله السند الذي يؤمن معيشتهم، ولا بد أن يُملأ هذا الخلاء والنقص في تأمين الحياة المادية، ويُقلَل من الصعوبات التي تمر بها العائلة، وهذا الأمر لا وجود له في قتل المرأة من جانب الرجل أو امرأة مثلها؛ لأنَّ .أفراد العائلة لا تفتقد سندها المادي الذي يؤمن معيشتها، وإذا ما قرّر أفراد عائلة المرأة قتل القاتل، فيجب أن يدفعوا إلى عائلته نصف الديّة بالدليل نفسه الذي ذكرناه، ومن الممكن أن يكون إعطاء نصف الديّة لعائلة القاتل سببًا في صرفهم عن القصاص، وفي هذه الصورة يؤيّد الإسلام أولويّة العفو، وبعبارة أخرى: إنّ إعطاء نصف الديّة من قبل عائلة المرأة القتيلة إلى أسرة القاتل للاقتصاص منه هو من أجل جبران النقص المادي الحاصل بسبب فقدان ربّ العائلة، وكذلك أخذ الديّة كاملةً من قبل عائلة المقتول هو من أجل النفقة التي كان يوفّرها لهم.

هذا بالنسبة إلى ديّة القتلة، أما بالنسبة إلى «ديّة الجرح وقطع العضو» فإنّ الاختلاف بين الرجل والمرأة في مقدار الديّة إنّما يكون في الحالة التي تكون ثلث الديّة الكاملة فقبل هذا المقدار، أي عندما يكون مورد الجرح أكثر من لا يخل بقدرة الإنسان فإنّ ديّة الرجل والمرأة تكون متساوية. وفي تحليل هذه المسألة يمكن أن يقال : بما أنَّ الرجل هو المسؤول عن تأمين نفقات الأسرة في الإسلام، وهذه المسؤولية مرفوعة عن المرأة فلا بدّ في الجراحات الشديدة التي تقع على الرجل بحيث تسلبه القدرة على العمل والفعالية أو تقلّلها، أن تكون ديته أكثر من ديّة المرأة؛ لتقلّل من هذا النقص، أما في حالة الجرح الذي

يكون أقل من ثلث الديّة، والتي لا تقلّل من قدرة الرجل على تأمين نفقات الأسرة، فلا يوجد دليل على اختلاف مقدار ديّة المرأة عن الرجل.

بحمد الله

الحنونة

المقدمة: ...7

مفهوم مصطلح مقاصد الشريعة: ...9

قراءة في العنوان: ...9

فصل في معنى مقاصد الشريعة: ...10

فصل في بيان مقاصد الشريعة ومجالاتها : ...11

فصل في أهمية مقاصد الشريعة: ...12

فصل في تعاريف العلماء لمقاصد الشريعة والمآخذ عليهم: ...13

فصل في المآخذ على مفهوم المصالح ...16

فصل في أقسام المقاصد ...17

التأصيل للفكر المقاصيدي ...19

نظرية مقاصد الشريعة عند الإمامية . ...19

نظرية مقاصد الشريعة عند الشاطبي: ...22

ضرورة الفكر المقاصيدي ...24

المنحى المقاصدي في القرآن الكريم: ...25

أ - القرآن الكريم ومقاصد الشريعة ...25

أولا : على مستوى الواجبات: ...25

على مستوى المحرمات ثانيا - ...26

المنحى المقاصيدي في السنة النبوية : ...27

محفَزات انطلاق التفكير المقاصدي وثماره: ...28

إيجاد إطار تشريعي عام: ...28

الفكر المقاصدي والأحكام التدبيرية: ...30

إخراج الفقه عن الشكليّة والطقوسية: ...32

تعزيز موقع الإسلام في النفوس: ...33

معوقات إطلاق الفقه المقاصدي : ...33

فصل في مراتب المقاصد: ...37

أقسام المقاصد التابعة: ...38

استمداد علم المقاصد ومسائله والغاية منه: ...39

أ- وسائل حفظ الدين من جانب الوجود :...40

ب- وسائل المحافظة على الدين من جانب البقاء: ... 42

حفظ النفس : ...44

وسائل الحفاظ على المال إيجادًا وتحصيلاً: ...50

وسائل المحافظة على المال بقاء واستمرارًا : ...52

ثانيا - الحاجيات: ...54

أدلة رفع الحرج والمشقة: ...54

غاية وجود المقاصد الحاجية ...55

ثالثا - التحسينيات . ...56

الأوّل: ما لا يقع في معارضة قاعدة شرعيّة، وأمثلتها كثيرة منها ...56

الثاني: ما يقع في معارضة قاعدة شرعية: ...57

وجه مخالفة المكاتبة للقواعد الشرعيّة تكون من جهات عدَة منها: ...57

أهميّة المصالح التحسينيّة : ...57

رابعا: المكملات: ...58

المكمّلات على ثلاثة أقسام: ...58

القسم الثاني: مكملات الحاجيات وهي ما يتم بها حفظ مقصد حاجي ...59

القسم الثالث: مكمّلات التحسينيات وهي ما يتم بها حفظ مقصد تحسيني ...59

وظيفة المكمَلات: ...59

شرط المكمّلات. ...60

نظام المصلحة في الشريعة . ...62

1 - أهداف الشريعة في العلاقات المالية والاقتصادية: ...64

الهدف الأوّل: حفظ السلامة الفرديّة والعامة . ...65

الهدف الثاني : المحافظة على الحقوق الاجتماعية للفرد ...67

الهدف الثالث: المحافظة على المصالح العامة للمجتمع ...71

موارد تعلّق الزكاة من حيث المقاصد والمصالح ...76

2۔ مقاصد الشريعة في مجال القضاء والشهادات ...78

الأهداف العميقة في الإسلام لتمكين تطبيق العدل والأحكام ...79

الاختلاف في القصاص بين المسلمين وغيرهم ...89