ghaemiyeh.com
الهادي إلی أحكام النكاح
الجزء الأول
شرح العروة الوثقی
للسيد اليزدي قدس سره
المجلد الثالث والعشرون
لمؤلفة المحقق والفقيه المدقق
سماحة آية اللّه سید علي محمد دستغيب الحسيني الشيرازي
محرر الرقمي: روح الله قاسمي
مقدّمة ... 17
في استحباب النكاح ... 19
في عدم الفرق في استحباب النكاح بين من اشتاقت نفسه و من لم تشتق ... 23
في عدم زوال الاستحباب بالواحدة ... 24
في عدم اشتراط قصد القربة في الاستحباب ... 25
فيما يستحبّ عند ارادة التزويج ... 26
فيما يكره عند التزويج ... 33
فيما يستحبّ في المرأة المختارة من الصفات ... 34
في مستحبّات الدخول على الزوجة ... 46
في أكل ما ينثر في الأعراس ... 48
فيما يستحبّ عند الجماع ... 49
فيما يكره عند الجماع ... 51
في استحباب تعجيل تزويج البنت ... 55
في كراهة تزويج الصغار ... 57
في استحباب تخفيف مؤنة التزويج ... 57
في استحباب ملاعبة الزوجة قبل المواقعة ... 57
في جواز تقبيل أيّ جزء من جسد الزوجة للزوج ... 58
في استحباب اللبث و ترك التعجيل عند الجماع ... 59
فيما يجوز النظر اليه من المرأة المراد تزويجها ... 61
الفرع الأوّل فيما يجوز النظر اليها من المرأة المراد تزويجها ... 62
الفرع الثاني فيما ألحق بجواز النظر الى المرأة ... 68
الفرع الثالث في نظر المرأة الى الرجل ... 70
الفرع الرابع في نظر المشتري الى جارية يريد شراءها ... 72
في النظر الى نساء أهل الذمّة و الكفّار ... 74
فيما يجوز النظر اليه لكلّ من الرجل و المرأة ... 78
فيما يجوز النظر اليه لكلّ من الزوج و الزوجة ... 82
في حكم الخنثى مع الأنثى و الذكر ... 82
فيما يحرم النظر اليه لكلّ من الرجل و المرأة ... 84
الفرع الأوّل في ستر العورة و النظر اليها ... 84
الفرع الثاني في حدّ العورة ... 87
الفرع الثالث في نظر الرجل الى غير الوجه و الكفّين من الأجنبيّة ... 88
الفرع الرابع في نظر المرأة الى الأجنبي ... 89
الفرع الخامس في نظر الرجل الى وجه الأجنبيّة و كفّيها ... 93
في حكم النظر الى المحارم ... 105
الفرع الأوّل في النظر الى ما يحرم بالرضاع ... 106
الفرع الثاني في النظر الى ما يحرم بالمصاهرة ... 108
في أنّ المملوكة كالزوجة بالنسبة الى السيّد ... 109
في جواز النظر الى الزوجة المعتدّة بوط ء الشبهة ... 110
فيما يستثنى من عدم جواز النظر من الأجنبي و الأجنبيّة ... 113
الفرع الأوّل في النظر في مقام المعالجة ... 114
الفرع الثاني في النظر عند تزاحم الأهمّ ... 117
الفرع الثالث في النظر في مقام الشهادة ... 117
الفرع الرابع في النظر الى القواعد من النساء ... 120
الفرع الخامس في نظر الصبي و الصبيّة و النظر اليهما ... 122
في تقبيل الرجل الصبيّة التي ليست له بمحرم ... 126
في نظر المملوك و الخصي و العنّين و المجبوب الى مالكتهم أو غيرها ... 128
الفرع الأوّل في نظر المملوك الى مالكته ... 129
الفرع الثاني في نظر الخصي الى الاجنبيّة ... 132
الفرع الثالث في نظر العنّين و المجبوب و كبير السنّ الى الأجنبيّة ... 134
في النظر الى الأعمى ... 135
في سماع صوت الأجنبيّة ... 136
في مصافحة الأجنبيّة ... 141
في ابتداء النساء بالسلام للرجل ... 143
في الجلوس في مجلس المرأة ... 144
في دخول الولد على أبيه اذا كانت عنده زوجته و بالعكس ... 144
في النظر الى العضو المبان من الأجنبي ... 146
في وصل شعر الغير بشعرها ... 148
في اختلاط النساء بالرجال ... 149
في اشتباه من يجوز النظر اليه بين من لايجوز ... 150
الفرع الأوّل في اشتباه المحرم بالشبهة المحصورة ... 151
الفرع الثاني في الشكّ البدوي و الشبهة غير المحصورة ... 152
في وجوب التستّر على النساء ... 159
في أنّه هل يعتبر التمييز في النظر الحرام ... 160
فصل فيما يتعلّق بأحكام الدخول على الزوجة / 163
في وط ء الزوجة و المملوكة دبرا ... 162
في وط ء الحائض دبرا ... 169
في أحكام الوط ء في الدبر ... 171
الفرع الأوّل في وجوب الغسل بالوط ء في الدبر ... 172
الفرع الثاني في العدّة و المهر بالدخول في الدبر ... 174
الفرع الثالث في تحليل المطلّقة ثلاثا بالوط ء في الدبر ... 177
في العزل ... 179
الفرع الأوّل في عزل الرجل عن حليلته ... 180
الفرع الثاني في دية النطفة ... 182
الفرع الثالث في منع المرأة من الانزال في فرجها ... 184
في ترك وط ء الزوجة أكثر من أربعة أشهر ... 185
فيما اذا كانت الزوجة لاتقدر على الصبر الى أربعة أشهر ... 192
فيما اذا ترك مواقعتها عند تمام الأربعة أشهر لمانع ... 193
فصل في تزويج الصغيرة / 195
في عدم جواز وط ء الزوجة قبل اكمال تسع سنين ... 195
فيما اذا دخل بالزوجة قبل اكمال تسع سنين ... 196
الفرع الأوّل فيما اذا دخل بها قبل التسع فأفضاها ... 197
الفرع الثاني في الدية و كمّيّتها ... 200
الفرع الثالث في وجوب نفقة الزوجة المفضاة على الزوج ... 204
في عدم الفرق في الدخول الموجب للافضاء بين القبل و الدبر ... 208
في اختصاص الحرمة الأبديّة - على القول بها - بالزوجة الصغيرة ... 210
فرع في الافضاء بغير الدخول ... 211
في الافضاء بعد اكمال التسع ... 213
فيما اذا كان المفضي صغيرا أو مجنونا ... 214
فيما اذا حصل بالدخول قبل التسع عيب آخر غير الافضاء ... 215
فيما اذا شكّ في اكمالها تسع سنين ... 216
في جريان جميع أحكام الزوجة بعد الافضاء ... 219
في أنّه هل يسقط وجوب الانفاق عليها بالنشوز ... 220
فصل فيما يجوز من عدد الأزواج / 223
الفرع الأوّل في الزيادة على الأربع في العقد الدائم ... 223
الفرع الثاني فيما يجوز الوط ء بالملك و التحليل و المتعة من العدد ... 225
الفرع الثالث فيما يجوز للحرّ و العبد من الاماء و الحرائر ... 227
في لحوق العبد المبعّض و الأمة المبعّضة بالحرّ أو القنّ ... 228
فيما لو كان عبد عنده ثلاث أو أربع اماء، فأعتق ... 231
الفرع الأوّل فيما لو أعتق العبد الذي عنده أكثر من أمتين ... 232
الفرع الثاني فيما لو أعتقت بعض الاماء من ذوي الأربع ... 233
فيما اذا كان عنده أربع و شكّ في دوام الجميع و انقطاع البعض ... 234
فيما اذا كان عنده أربع فطلّق واحدة منهنّ و أراد نكاح الخامسة ... 236
الفرع الأوّل فيما اذا طلّق احدى الأربع رجعيّا ... 237
الفرع الثاني فيما اذا كان الطلاق بائنا ... 238
الفرع الثالث فيما اذا كانت المطلّقة أخت الخامسة ... 243
فصل في حكم التزويج في العدّة / 247
في التزويج في عدّة الغير دواما أو متعة ... 247
الفرع الأوّل في نكاح المرأة في عدّة الغير ... 248
الفرع الثاني فيما يوجب الحرمة الأبديّة من التزويج في العدّة ... 249
الفرع الثالث في عدم الفرق بين الجهل بالحكم أو الموضوع مع عدم الدخول ... 252
الفرع الرابع في عدم الفرق بين الدائم و المنقطع و الدخول في الدبر و القبل ... 254
الفرع الخامس في بعض ما يتعلّق بالأمة ... 256
في وط ء المعتدّة شبهة من غير عقد ... 257
فيما اذا زوّجه الولي في عدّة الغير ... 258
في تزويج من في العدّة لنفسه ... 259
فيما اذا كان العقد في العدّة و الوط ء بعدها ... 262
فيما لو شكّ في أنّها في العدّة أم لا ... 264
فيما لو شكّ في أنّه دخل بها أو لا ... 269
فيما اذا علم اجمالاً بكون احدى الأمرأتين المعيّنتين في العدّة ... 270
في تزويج ذات البعل ... 273
فيما اذا تزوّج امرأة عليها عدّة و لم تشرع فيها ... 276
فيما اذا تزوّج امرأة في عدّتها فحملت ... 278
فيما اذا اجتمعت عدّة وط ء الشبهة و عدّة الطلاق أو الوفاة ... 281
الفرع الأوّل فيما لو تقدّمت عدّة الشبهة على عدّة الطلاق الرجعي ... 288
الفرع الثاني فيما لو كانت المتأخّرة عدّة الطلاق البائن ... 289
في حكم المهر في الوط ء بالشبهة ... 291
الفرع الأوّل في وط ء الشبهة المجرّدة عن التزويج ... 291
الفرع الثاني في وط ء الشبهة مع التزويج ... 294
الفرع الثالث في التزويج المجرّد عن الوط ء ... 295
في مبدأ العدّة في وط ء الشبهة المجرّدة عن التزويج ... 296
فيما اذا كانت الموطوئة بالشبهة عالمة ... 299
الفرع الأوّل فيما لو كانت الموطوئة حرّة ... 299
الفرع الثاني فيما لو كانت الموطوئة أمة ... 300
في عدم تعدّد المهر بتعدّد الوط ء ... 301
في تزويج المرأة الزانية غير ذات البعل ... 302
الفرع الأوّل في حكم تزويج الزانية ... 303
الفرع الثاني في أنّه هل يعتبر استبراء رحمها؟ ... 306
الفرع الثالث في تزويج المشهورة بالزنا ... 309
في عدم حرمة الزوجة على زوجها بزناها ... 311
في الزنا بذات البعل ... 314
الفرع الأوّل فيما اذا كانت الأمة مزوّجة فوطئها سيّدها ... 318
الفرع الثاني فيما لو كان الواطي مكرها على الزنا ... 319
في الزنا في العدّة ... 320
فرع في الشكّ في كونها في العدّة أم لا أو العدّة رجعيّة أم لا ... 320
فيمن لاط بغلام فأوقب ... 322
الفرع الأوّل في حدّ الايقاب ... 326
الفرع الثاني في عداد المحرّمات على الواطي ... 328
الفرع الثالث فيما اذا كانا كبيرين أو صغيرين أو مختلفين ... 331
الفرع الرابع في الفرق بين الوط ء قبل التزويج و بعده ... 332
الفرع الخامس فيما اذا طلّق زوجته ثمّ أراد أن يتزوّجها ... 334
الفرع السادس في سائر ما فرّعه المصنّف على المسألة ... 336
فصل في التزويج حال الاحرام / 339
في عدم جواز التزويج للمحرم و المحرمة ... 339
الفرع الأوّل في تزويج المحرم المرأة لنفسه أو لغيره ... 340
الفرع الثاني فيما لو زوّج المحرم محلّين فضولاً ... 341ا
لفرع الثالث في موضوع الحرمة الأبديّة ... 342
الفرع الرابع فيما لو كان الزوج محلاًّ و الزوجة محرمة ... 343
فيما اذا تزوّج في حال الاحرام مع العلم بالحكم لكن كان غافلاً أو ناسيا ... 345
في وط ء زوجته الدائمة أو المنقطعة حال الاحرام ... 346
فيما اذا شكّ في أنّ تزويجه هل كان في الاحرام أو قبله ... 348
فيما انكشف فساد احرامه بعد ما تزوّج حال الاحرام ... 350
في جواز الرجوع في الطلاق في العدّة الرجعيّة للمحرم ... 351
فيما لو زوّجه فضولي في حال احرامه ... 352
فصل في المحرّمات بالمصاهرة / 353
في حرمة زوجة كلّ من الأب و الابن على الآخر ... 353
في حكم مملوكة الأب للابن و بالعكس ... 355
في حرمة أمّ الزوجة و بنتها ... 357
فرع في حرمة أمّ المملوكة الموطوئة و ابنتها على الواطي ... 361
في عدم الفرق في الدخول بين القبل و الدبر ... 362
في وط ء كلّ من الأب و الابن مملوكة الآخر ... 363
في نكاح بنت الأخ أو الأخت على العمّة و الخالة ... 369
فرع في عقد العمّة و الخالة على بنت أخويهما مع جهلهما ... 371
في اقتران العقدين ... 373
في كفاية الرضا الباطني منهما ... 375
في كفاية اذنهما و ان كان غرور ... 376
في أنّ اعتبار اذنهما من باب الحكم الشرعي ... 377
فيما اذا تزوّجهما من غير اذن ثمّ أجازتا ... 379
فيما اذا شكّ في سبق عقد العمّة أو ابنة الأخ ... 382
فيما اذا ادّعت العمّة أو الخالة عدم الاذن ... 383
في المحرّمات بالزنا ... 387
الفرع الأوّل فيما لو زنى بخالته أو عمّته ... 390
الفرع الثاني فيما اذا زنى بغير خالته أو عمّته ... 392
الفرع الثالث فيما اذا وط ء المرأة شبهة ... 396
فيما اذا زنى بمملوكة أبيه ... 397
في عدم الفرق بين كون الزنا اختياريّا أو اجباريّا أو اضطراريّا ... 400
فيما اذا كان الزنا قبل الطلاق رجعيّا فطلّقت ... 401
في عدم جواز الجمع بين الأختين في النكاح ... 407
فيما لو تزوّج باحدى الأختين و تملّك الأخرى ... 409
فيما لو تزوّج باحدى الأختين ثمّ تزوّج بالأخرى ... 411
فيما اذا لم لم يعلم السابق من العقدين ... 412
فرع في أنّه هل يجبر على هذا الطلاق ... 414
فيما لو اقترن عقد الأختين ... 417
فيما لو كان عنده أختان مملوكتان فوط ء احداهما ... 418
فيما اذا وط ء الثانية بعد وط ء الأولى ... 420
فيما اذا تزوّج باحدى الأختين ثمّ طلّقها ... 422
فيما اذا زنى باحدى الأختين ... 424
في الجمع بين فاطميّتين ... 426
في تزويج الأمة ... 428
فيما اذا أرادت الحرّة أزيد من مهر أمثالها ... 434
فصل في تزويج الأمة على الحرّة /437
الفرع الأوّل فيما لو أجازت الحرّة بعد العقد ... 438
الفرع الثاني فيما اذا لم تكن الحرّة قابلة للاذن ... 441
الفرع الثالث في نكاح الحرّة على الأمة ... 443
فيما لو نكح الحرّة و الأمة في عقد واحد ... 445
في نكاح المبعّضة على المبعّضة أو الحرّة ... 446
فيما اذا تزوّج الأمة على الحرّة فماتت الحرّة ... 446
فصل في نكاح العبيد و الاماء / 451
فيما لو تزوّج العبد من غير اذن المولى ... 452
فرع في أنّ الاجازة كاشفة ... 454
في المهر في نكاح العبد ... 456
فرع في المهر في التزويج الفضولي بعد الاجازة ... 458
في مهر الأمة المزوّجة و نفقتها ... 459
فيما اذا أذن المولى للأمة في التزويج و جعل المهر لها ... 461
فيما اذا اشترت العبد زوجته ... 463
في رقّيّة الولد بين المملوكين ... 466
فيما اذا كان أحد الأبوين حرّا ... 468
فيما اذا تزوّج حرّ أمة من غير اذن مولاها ... 470
فيما اذا لم يجز المولى العقد الواقع على أمته ... 472
فيما اذا دلّست أمة فادّعت أنّها حرّة ... 473
فيما اذا تزوّج عبد بحرّة من دون اذن مولاه ... 475
فيما اذا زنى العبد بحرّة ... 477
في جواز تحليل المولى أمته لعبده ... 478
فيما اذا أراد المولى التفريق بينهما ... 480
فيما اذا زوّج الأمة غير مولاها من حرّ ... 482
فيما اذا تزوّج أمة بين شريكين ... 483
فصل فى الطوارئ / 487
في العتق ... 487
فيما اذا كان عتقها بعد الدخول ... 490
فيما اذا كان العتق قبل الدخول و الفسخ بعده ... 491
فيما اذا كان نكاحها بالتفويض ... 492
فيما اذا كان العتق في العدّة الرجعيّة ... 492
في أنّ الخيار على الفور ... 493
فيما اذا كانت صبيّة أو مجنونة ... 494
فيما لو أعتق العبد ... 496
فصل في العقد و أحكامه / 499
الفرع الأوّل في اشتراط الصيغة في النكاح ... 500
الفرع الثاني في ألفاظ الايجاب و القبول ... 502
الفرع الثالث في العقد بغير العربيّة ... 503
الفرع الرابع في اعتبار الماضويّة و تقديم الايجاب على القبول ... 505
الفرع الخامس في جواز كون الايجاب من جانب الزوج ... 507
الفرع السادس في الاجتزاء بلفظ الأمر ... 508
في الأخرس ... 509
في عدم كفاية الكتابة في الايجاب و القبول ... 510
في كفاية لفظ «نعم» في الايجاب بعد الاستفهام ... 511
فيما اذا لحن في الصيغة ... 513
في اشتراط قصد الانشاء في اجراء الصيغة ... 513
في اشتراط الموالاة بين الايجاب و القبول ... 514
في اشتراط اتّحاد مجلس الايجاب والقبول ... 516
في اشتراط التنجيز ... 517
فيما اذا أوقعا العقد على وجه يخالف الاحتياط ... 519
في شرائط العاقد ... 521
فرع في المجنون و السكران و السكرى ... 529
في عقد السفيه ... 530
في عدم اشتراط الذكورة في العاقد ... 531
في اشتراط بقاء المتعاقدين على الأهليّة الى تمام العقد ... 532
في اشتراط تعيين الزوج و الزوجة ... 535
فيما اذا تنازع الزوج و الزوجة في التعيين و عدمه ... 539
في نكاح الحمل و انكاحه ... 542
فصل في مسائل متفرّقة / 545
في اشتراط الخيار ... 545
فرع في اشتراط الخيار في المهر ... 547
في دعوى الزوجيّة مع تصديق الآخر ... 548
الفرع الأوّل اذا ادّعى أحدهما و أنكر الآخر ... 550
الفرع الثاني فيما لو رجع المنكر الى الاقرار أو رجع المدّعي عن دعواه ... 552
فيما اذا تزوّج امرأة تدّعي خلوّها عن الزوج فادّعى زوجيّتها رجل آخر ... 553
الفرع الأوّل في تصديق المرأة في دعوى خلوّها عن الزوج ... 554
الفرع الثاني فيما وجد رجل فادّعى زوجيّتها ... 555
فيما اذا ادّعى رجل زوجيّة امرأة و أنكرت ... 560
فيما اذا تزوّج العبد بمملوكه ثمّ اشتراها ... 564
في تزويج امرأة تدّعي أنّها خليّة من الزوج ... 570
فيما اذا وكّلا وكيلاً في اجراء الصيغة في زمان معيّن ... 573
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطيّبين الطاهرين
أمّا بعد، فاعلم أنّ علم الفقه بعد علم التوحيد و علم الأخلاق من أشرف العلوم و أفضلها و تعلّمه و تعليمه من الواجب الكفائي؛ لئلاّتندرس آثار دين خاتم الأنبياء صلى اللّه عليه و آله و أوصيائه عليهم السلام الذين هم مفسّروا الشريعة و مبيّنوها.
و أنت اذا تأمّلت في الروايات الواردة عنهم عليهم السلام في بيان تكليف الأمّة زمن الغيبة تجد ارجاعهم ايّانا الى رواة أحاديثهم في الحوادث الواقعة، و أنّهم حجّة المعصوم و المعصوم حجّة اللّه؛ الاّ أنّه يجب أن تكون للفقيه ملكة العدالة و التقوى بحيث يقال له فقيه صائن لنفسه، حافظ لدينه، مخالف على هواه، مطيع لأمر مولاه؛ و هذا أقوى دليل على رفعة الفقه و محبوبيّته، و بهذا أيضا يظهر ما للفقهاء و المجتهدين من الفضل و الكرامة عند اللّه تعالى مضافا الى أنّهم أمناء الرسل و أولياء أيتام آل محمّد صلى اللّه عليه و آله و هم مراجع الخلق كما هو المشاهد من المجتهد المجدّد آيه اللّه العظمى الامام الخميني قدس سره المحيي للاسلام في عصرنا هذا. فحريّ للمؤمنين المحبّين لآل محمّد عليهم السلام أن يصرفوا أعمارهم أو أغلب أوقاتهم في طلب الفقه و التفحّص في الأخبار الواردة عنهم حول الأحكام و غيرها.
و أنا بتوفيق الملك العلاّم و تأييد أجدادي الطاهرين و اشارة بعض الاخوان اشتغلت قبل حوالي عشرين سنة بمذاكرة الفقه مع أصدقائي الطلاّب من ابتداء كتاب الصلاة من العروة الوثقى و كتبت هذه المذاكرات بحيث صارت كتابا فسمّيته «الهادي إلى الطريقة الوسطى في شرح العروة الوثقى».
و الذي بين يديك هو الجزء الأوّل من شرح كتاب النكاح من «العروة الوثقى»، و لمّا لم يشتمل كتاب العروة الاّ على بعض أحكام النكاح واصلنا دراستنا في النكاح بشرح باقي أحكامه من تحرير الوسيلة للامام الخميني قدس سره، في المجلّد الثاني من كتاب النكاح و سنقدّمه لكم ان شاء اللّه.
فأسأل اللّه الاخلاص و القبول فانّه كريم منّان؛ و بزعمي القاصر ليست هذه الأبحاث تكرارا للمكرّرات و لا مملّة للخواطر بل ببركة زملائي الطالبين لمحبّة اللّه تعالى و معرفته تكون منوّرة للقلوب و الأفكار و لاأجد من نفسي سوى بضاعة مزجاة و أنّها محلّ للخطأ و الزلاّت فأسأل اللّه المغفرة و الرضوان و أسأله الدرجات المتعالية لشيخنا الأستاذ الفاضل المقداد العارف النحرير و المجتهد البصير العلاّمة آيه اللّه العظمى الشيخ حسن علي نجابت قدّس سرّه الشريف بحقّ محمّد و آله الأخيار صلوات اللّه عليهم أجمعين.
سيّد علي محمّد دستغيب الحسيني
ربيع الأوّل 1433
النكاح مستحبّ في حدّ نفسه بالاجماع و الكتاب و السنّة المستفيضة بل المتواترة. قال اللّه تعالى: «و أنكحوا الأيامى منكم و الصالحين من عبادكم و امائكم ان يكونوا فقراء يغنهم اللّه من فضله و اللّه واسع عليم»، و في النبوي المروي بين الفريقين: «النكاح سنّتي فمن رغب عن سنّتي فليس منّي». و عن الصادق عليه السلام عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال: «تزوّجوا فانّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال: من أحبّ أن يتّبع سنّتي فانّ من سنّتي التزويج». و في النبوي: «ما بني بناء أحبّ الى اللّه تعالى من التزويج». و عن النبي صلى اللّه عليه و آله: «من تزوّج أحرز نصف دينه فليتّقّ اللّه في النصف الآخر». بل يستفاد من جملة من الأخبار استحباب حبّ النساء، ففي الخبر عن الصادق عليه السلام: «من أخلاق الأنبياء حبّ النساء». و في آخر عنه عليه السلام: «ما أظنّ رجلاً يزداد في هذا الأمر خيرا الاّ ازداد حبّا للنساء». و المستفاد من الآية و بعض الأخبار أنّه موجب لسعة الرزق، ففي خبر اسحاق بن عمّار قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: «الحديث الذي يرويه الناس حقّ أنّ رجلاً أتى النبي صلى اللّه عليه و آله فشكا اليه الحاجة فأمره بالتزويج حتّى أمره ثلاث مرّات قال أبو عبداللّه عليه السلام: نعم هو حقّ ثمّ قال: الرزق مع النساء و العيال». و يستفاد من بعض الأخبار كراهة العزوبة فعن النبي صلى اللّه عليه و آله: «رذال موتاكم العزّاب».
الشرح:
قال في المسالك: «اعلم أنّ النكاح يستعمل لغة في الوط ء كثيرا و في العقد بقلّة. قال الجوهري: «النكاح الوط ء و قد يقال: العقد». و شرعا يستعمل بالمعنيين الاّ أنّ استعماله في العقد أكثر بل قيل: انّه لم يرد في القرآن بمعنى الوط ء الاّ في قوله تعالى: «حتّى تنكح زوجا غيره» لاشتراط الوط ء في المحلّل. و فيه نظر؛ لجواز ارادة العقد و استفادة الوط ء من السنّة».(1)
أقول:
يدلّ على استحباب النكاح في نفسه من الكتاب قوله تعالى: «و أنكحوا الأيامى منكم و الصالحين من عبادكم و امائكم ان يكونوا فقراء يغنهم اللّه من فضله و اللّه واسع عليم»(2).
ففي مجمع البحرين: «الأيامى: أي الذين لا أزواج لهم من الرجال و النساء جمع أيّم. و في الدعاء: «و أعوذ بك من بوار الأيّم» فيعّل مثل كيّس: المرأة التي لا زوج لها و هي مع ذلك لايرغب أحد في تزويجها. و الأيّم فيما يتعارفه أهل اللسان: الذي لا زوج له من الرجال و النساء سواء تزوّج من قبل أو لم يتزوّج».
فانّه يستفاد من الآية استحباب السعي في تزويج اثنين و الشفاعة فيه.
و من السنّة موثّقة سماعة بن مهران عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من زوّج أعزبا كان ممّن ينظر اللّه اليه يوم القيامة».(3)
و رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: أفضل الشفاعات أن تشفع بين اثنين في نكاح حتّى يجمع اللّه بينهما».(4)
و رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«ثلاثة يستظلّون بظلّ عرش اللّه يوم القيامة يوم لا ظلّ الاّ ظلّه، رجل زوّج أخاه المسلم أو أخدمه أو كتم له سرّا».(1)
هذه ما يدلّ على استحباب الشفاعة و أمّا الروايات التي دلّت على استحباب أصل النكاح فرواية محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: تزوّجوا فانّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال: من أحبّ أن يتّبع سنّتي فانّ من سنّتي التزويج».(2)
و كذا ما روي بين الفريقين أنّ النبي صلى اللّه عليه و آله قال:
«النكاح سنّتي فمن رغب عن سنّتي فليس منّي».(3)
و رواه في المستدرك عن هداية الصدوق هكذا قال صلى اللّه عليه و آله:
«من سنّتي التزويج فمن رغب عن سنّتي فليس منّي».(4)
و كذا رواية كليب بن معاوية الأسدي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: من تزوّج أحرز نصف دينه».(5)
و كذا رواية عبداللّه بن الحكم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: ما بني بناء في الاسلام أحبّ الى اللّه عزّوجلّ من التزويج».(6)
و هذه الروايات و ان كانت ضعيفة الاّ أنّ مضمونها مطابق للقرآن الكريم.
و أمّا أنّ التزويج موجب لسعة الرزق فمطابق لظاهر القرآن الكريم حيث قال
1) - وسائل الشيعة 20: 45 / الباب 12 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 20: 17 / الباب 1 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 14.
3) - بحار الأنوار 100: 220 / باب كراهة العزوبة / الحديث 23.
4) - مستدرك الوسائل 14: 152 / الباب 1 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 15.
5) - وسائل الشيعة 20: 16 / الباب 1 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 11.
6) - وسائل الشيعة 20: 14 / الباب 1 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 4.
تعالى: «ان يكونوا فقراء يغنهم اللّه من فضله» و يستفاد من رواية اسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الحديث الذي يرويه الناس حقّ أنّ رجلاً أتى النبي صلى اللّه عليه و آله فشكا اليه الحاجة فأمره بالتزويج ففعل ثمّ أتاه فشكا اليه الحاجة فأمره بالتزويج ففعل ثمّ أتاه فشكا اليه الحاجة فأمره بالتزويج حتّى أمره ثلاث مرّات؟ فقال أبو عبداللّه عليه السلام: هو حقّ ثمّ قال: الرزق مع النساء و العيال».(1)
و أمّا استحباب حبّ النساء فقد ورد فيه روايات كموثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من أخلاق الأنبياء حبّ النساء».(2)
و رواية عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ما أظنّ رجلاً يزداد في هذا الأمر خيرا الاّ ازداد حبّا للنساء».(3)
و هما مطابقتان لقوله تعالى: «و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها و جعل بينكم مودّة و رحمة انّ في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون»(4).
و المودّة المحبّة.
و كذا يستفاد من الروايات كراهة العزوبة ففي رواية محمّد الأصمّ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: رذال موتاكم العزّاب».(5)
1) - وسائل الشيعة 20: 44 / الباب 11 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 20: 22 / الباب 3 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 20: 22 / الباب 3 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 3.
4) - الروم 30: 21.
5) - وسائل الشيعة 20: 19 / الباب 2 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 3.
(مسألة 1): لا فرق على الأقوى في استحباب النكاح بين من اشتاقت نفسه و من لم تشتق؛ لاطلاق الأخبار و لأنّ فائدته لاتنحصر في كسر الشهوة بل له فوائد منها زيادة النسل و كثرة قائل لا اله الاّ اللّه، فعن الباقر عليه السلام: «قالرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: ما يمنع المؤمن أن يتّخذ أهلاً لعلّ اللّه أن يرزقه نسمة تثقل الأرض بلا اله الاّ اللّه».
الشرح:
ففي الشرائع: «فالنكاح مستحبّ لمن تاقت نفسه من الرجال و النساء، و من لم تتق فيه خلاف، المشهور استحبابه».(1)
و الدليل على استحباب النكاح لمن اشتاقت نفسه و من لم تشتق أوّلاً: اطلاق الأخبار الواردة في الحثّ على النكاح كما في الروايات المتقدّمة و رواية عبداللّه بن ميمون القدّاح عن أبي عبداللّه عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال:
«قال النبي صلى اللّه عليه و آله: ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الاسلام أفضل من زوجة مسلمة تسرّه اذا نظر اليها و تطيعه اذا أمرها و تحفظه اذا غاب عنها في نفسها و ماله».(2)
و ثانيا: أنّ فائدة النكاح ليست منحصرة بارضاء الشهوة بل له فوائد كثيرة قد ذكر بعضها في الكتاب العزيز، منها تكثير النسل و بقاء النوع و دفع وسوسة الشيطان و الخلاص من العزلة المنهي عنها في بعض الروايات و الاستعانة بالزوجة على أمور الدين و الولد الصالح و كثرة قائل «لا اله الاّ اللّه» فقد ورد في رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: ما يمنع المؤمن أن يتّخذ أهلاً؟ لعلّ اللّه يرزقه نسمة تثقل الأرض بلا اله الاّ اللّه».(3)
و أمّا ما يقال بأنّ وصف يحيى عليه السلام بكونه حصورا في قوله تعالى: «و سيّدا و حصورا و نبيّا من الصالحين»(1)يؤذن باختصاص العزوبة بالرجحان، فيحملعلى ما اذا لم تتق النفس.
فيمكن الجواب عنه بأنّ المدح بذلك في شرع غيرنا و لايلزم منه وجوده في شرعنا، أو أنّ مدحه بكونه حصورا لايدلّ على كون التزويج مع ذلك مرجوحا بل فائدته أنّه اذا لم يشته النساء يتفرّغ للعبادة و التوجّه الى اللّه بقلب فارغ من الشهوة.
و قد ذكر في المسالك - بعد ذكر هذا القول و الجواب عنه - في وجه استحباب التزويج مطلقا كلاما طويلاً مفيدا ان شئت فراجع.
(مسألة 2): الاستحباب لايزول بالواحدة بل التعدّد مستحبّ أيضا، قال اللّه تعالى: «فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاث و رباع». و الظاهر عدم اختصاص الاستحباب بالنكاح الدائم أو المنقطع بل المستحبّ أعمّ منهما و من التسرّي بالاماء.
الشرح:
فانّ استحباب اختيار زوجتين أو ثلاث أو رباع يستفاد من الآية المذكورة في المتن و كذا من الرواية المتقدّمة في سعة الرزق حيث أمر صلى اللّه عليه و آله السائل بالزواج ثلاثا.
و استحبابه و استحباب المتعة ممّا لاينكر.
لكن ليعلم أنّه مشروط بقدرة الزوج على اجراء العدالة بينهما أو بينهنّ فان لم يقدر على ذلك فليكتف بالواحدة و الاّ دخل في الظلم المحرّم.
بل لايبعد أن يقال بوجوب العلم بالقدرة على اجراء العدالة و أنّه ان خاف من عدم القدرة عليه فدفع الضرر المحتمل الأهمّ - و هو الظلم المحرّم - كان فعليّا في حقّه و لايثبت الاستحباب حينئذ.
1) - آل عمران 3: 39.
(مسألة 3): المستحبّ هو الطبيعة أعمّ من أن يقصد به القربة أو لا. نعم، عباديّته و ترتّب الثواب عليه موقوفة على قصد القربة.
الشرح:
النكاح في نفسه محبوب عند اللّه و عند رسوله صلى اللّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام كما دلّ عليه الكتاب و السنّة و هو معنى أنّ طبيعته مستحبّة.
و أمّا عباديّته و ترتّب الثواب عليه فدائرة مدار توجّههما الى أمر اللّه تعالى به و كذا محبوبيّته عند الرسول و الأئمّة عليهم السلام و أن يكون اقدامهما عليه لذلك. فلو ذكّرهما الخطيب عند الخطبة بأنّه محبوب للّه و رسوله و الأئمّة عليهم السلام و ذكر لهما آياته و رواياته و أمرهما أن يقصدا اجابة أمرهم فيترتّب عليه الثواب.
(مسألة 4): استحباب النكاح انّما هو بالنظر الى نفسه و طبيعته. و أمّا بالطوارئ فينقسم بانقسام الأحكام الخمسة، فقد يجب بالنذر أو العهد أو الحلف و فيما اذا كان مقدّمة لواجب مطلق أو كان في تركه مظنّة الضرر أو الوقوع في الزنا أو محرّم آخر. و قد يحرم كما اذا أفضى الى الاخلال بواجب من تحصيل علم واجب أو ترك حقّ من الحقوق الواجبة و كالزيادة على الأربع. و قد يكره كما اذا كان فعله موجبا للوقوع في مكروه. و قد يكون مباحا كما اذا كان في تركه مصلحة معارضة لمصلحة فعله مساوية لها. و بالنسبة الى المنكوحة أيضا ينقسم الى الأقسام الخمسة، فالواجب كمن يقع في الضرر لو لم يتزوّجها أو يبتلى بالزنا معها لولا تزويجها. و المحرّم نكاح المحرّمات عينا أو جمعا. و المستحبّ المستجمع للصفات المحمودة في النساء و المكروه النكاح المستجمع للأوصاف المذمومة في النساء و نكاحالقابلة المربّية و نحوها، و المباح ما عدا ذلك.
الشرح:ففي المسالك: «و اعلم أنّ النكاح انّما يوصف بالاستحباب مع قطع النظر عن العوارض اللاحقة و الاّ فهو بواسطتها ينقسم الى الأحكام الخمسة، فيجب عند خوف الوقوع في الزنا بدونه. و يحرم اذا أفضى الى الاخلال بواجب كالحجّ و مع الزيادة على الأربع و المحرّمات عينا و جمعا. و يكره كالنكاح العقيم و المحلّل. و المستحبّ كنكاح القريبة على قول و البعيدة على قول آخر، و المباح ما عدا ذلك. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
ما أتى به المصنّف من الأقسام الخمسة وجيه و ان نوقش في بعضها و قد ذكر دلائل بعضها و سيأتي دلائل البعض الآخر - كالمنكوحة - في موضعه.
(مسألة 5): يستحبّ عند ارادة التزويج أمور:
منها الخطبة. و منها صلاة ركعتين عند ارادة التزويج قبل تعيين المرأة و خطبتها و الدعاء بعدها بالمأثور و هو «اللّهمّ انّي أريد أن أتزوّج فقدّر لي من النساء أعفّهنّ فرجا و أحفظهنّ لي في نفسها و مالي و أوسعهنّ رزقا و أعظمهنّ بركة و قدّر لي ولدا طيّبا تجعله خلفا صالحا في حياتي و بعد موتي» و يستحبّ أيضا أن يقول: «أقررت الذي أخذ اللّه امساك بمعروف أو تسريح باحسان». و منها الوليمة يوما أو يومين لا أزيد فانّه مكروه و دعاء المؤمنين و الأولى كونهم فقراء، و لابأس بالأغنياء خصوصا عشيرته و جيرانه و أهل حرفته و يستحبّ اجابتهم و أكلهم. و وقتها بعد العقد أو عند الزفاف ليلاً أو نهارا و عن النبي صلى اللّه عليه و آله: «لا وليمة الاّ في خمس: عرس أو خرس أو عذار أو وكار أو ركاز». العرس التزويج و الخرس النفاس و العذار
1) - مسالك الأفهام 7: 14 و 15.
الختان و الوكار شراء الدار و الركاز العود من مكّة. و منها الخطبة أمام العقد بما يشتمل على الحمد و الشهادتين و الصلاة على النبي صلى اللّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام و الوصيّة بالتقوى و الدعاء للزوجين و الظاهر كفاية اشتمالها على الحمد و الصلاة على النبي و آله صلى اللّه عليه و آله و لايبعد استحبابها أمام الخطبة أيضا. و منها الاشهاد في الدائم و الاعلان به و لايشترط في صحّة العقد عندنا. و منها ايقاع العقد ليلاً.
الشرح:
يستحبّ عند ارادة التزويج أي اجراء العقد أمور:
منها الخطبة - بكسر الخاء - و هي اظهار ما يدلّ على ارادة التزويج بالمرأة بقول أو فعل صريح أو ظاهر، بل أو تعريض أو تلويح و يعبّر عنها بالفارسيّة ب- «خواستگارى».
ففي التذكرة: «يستحبّ لمن خطب امرأة أن يقدّم بين يدي خطبته خطبة فيحمد اللّه و يثنى عليه و يصلّي على النبي صلى اللّه عليه و آله و يوصي بتقوى اللّه ثمّ يقول: جئتكم خاطبا كريمتكم و يخطب الولي كذلك ثمّ يقول: لست بمرغوب عنه أو في معناه».(1)
و منها صلاة ركعتين لمن أراد التزويج لمعتبرة أبي بصير قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا تزوّج أحدكم كيف يصنع؟ قال: قلت له: ما أدري جعلت فداك قال: فاذا همّ بذلك فليصلّ ركعتين و يحمد اللّه و يقول: «اللّهمّ انّي أريد أن أتزوّج اللّهمّ فاقدر لي من النساء أعفّهنّ فرجا و أحفظهنّ لي في نفسها و في مالي و أوسعهنّ رزقا و أعظمهنّ بركة و اقدر لي منها ولدا طيّبا تجعله خلفا صالحا فيحياتي و بعد موتي» فاذا أدخلت عليه فليضع يده على ناصيتها و
1) - تذكرة الفقهاء 2: 571.
يقول: اللّهمّ على كتابك تزوّجتها و في أمانتك أخذتها و بكلماتك استحللت فرجها فان قضيت في رحمها شيئا فاجعله مسلما سويّا و لاتجعله شرك شيطان. قلت: و كيف يكون شرك شيطان؟ فقال: انّ الرجل اذا دنا من المرأة و جلس مجلسه حضره الشيطان فان هو ذكر اسم اللّه تنحّى الشيطان عنه و ان فعل و لم يسمّ أدخل الشيطان ذكره فكان العمل منهما جميعا و النطفة واحدة. قلت: فبأيّ شيء يعرف هذا جعلت فداك؟ قال: بحبّنا و بغضنا».(1)
و منها الوليمة و هي مستحبّة عند التزويج يوما أو يومين و يكره ما زاد عليه، يدلّ على ذلك صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله حين تزوّج ميمونة بنت الحارث أولم عليها و أطعم الناس الحيس».(2)
و رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: الوليمة أوّل يوم حقّ و الثاني معروف و ما زاد رياء و سمعة».(3)
و رواية موسى بن بكر عن أبي الحسن عليه السلام:
«انّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال: لا وليمة الاّ في خمس: في عرس أو خرس أو عذار أو وكار أو ركاز فالعرس التزويج و الخرس النفاس بالولد و العذار الختان و الوكار الرجل يشتري الدار و الركاز الرجل يقدم من مكّة».(4)
و مرفوعة ابن فضّال عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«الوليمة يوم و يومان مكرمة و ثلاثة أيّام رياء و سمعة».(1)
و رواية الوشّاء عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:
«سمعته يقول: انّ النجاشي لمّا خطب لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله آمنة بنت أبي سفيان فزوّجه دعا بطعام ثمّ قال: انّ من سنن المرسلين الاطعام عند التزويج».(2)
و منها الخطبة أمام العقد ففي صحيحة علي بن رئاب عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«انّ جماعة قالوا لأميرالمؤمنين عليه السلام: انّا نريد أن نزوّج فلانا فلانة و نحن نريد أن نخطب فقال: و ذكر خطبة تشتمل على حمد اللّه و الثناء عليه و الوصيّة بتقوى اللّه و قال في آخرها: ثمّ انّ فلان بن فلان ذكر فلانة بنت فلان و هو في الحسب من قد عرفتموه و في النسب من لاتجهلونه و قد بذل لها من الصداق ما قد عرفتموه فردّوا خيرا تحمدوا عليه و تنسبوا اليه و صلّى اللّه على محمّد و آله و سلّم».(3)
و في جامع المقاصد: «و الخطبة - بالضمّ - هي ما اشتمل على حمد اللّه تعالى و الثناء عليه و الشهادتين و الصلاة على النبي صلى اللّه عليه و آله و الوعظ و الوصيّة بتقوى اللّه تعالى كذا فسّرها في التذكرة و مراده الخطبة الكاملة. و لا ريب أنّه يستحبّ فعلها أمام العقد و لاتجب خلافا لداود.
و قد روي أنّ النبي صلى اللّه عليه و آله خطب فقال: «الحمد للّه نحمده و نستعينه و نستغفره و نعوذ باللّه من شرور أنفسنا و من سيّئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا مضلّ له و من يضلله فلا هادي له و أشهد أن لا اله الاّ اللّه و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله و اتّقوااللّه الذي تساءلون به و الأرحام انّ اللّه كان عليكم رقيبا و اتّقوا اللّه حقّ تقاته و
لاتموتنّ الاّ و أنتم مسلمون، اتّقوا اللّه و قولوا قولاً سديدا يصلح لكم أعمالكم و يغفر لكم ذنوبكم و من يطع اللّه و رسوله فقد فاز فوزا عظيما». و ذكر في التذكرة أنّ الجواد عليه السلام لمّا تزوّج بنت المأمون خطب فقال: «الحمد للّه متمّ النعمة برحمته و الهادي الى شكره بمنّه و صلّى اللّه على خير خلقه الذي جمع فيه من الفضل ما فرّقه في الرسل و جعل ثوابه الى من خصّه بخلافته و سلّم تسليما و هذا أميرالمؤمنين زوّجني ابنته على ما فرض اللّه عزّوجلّ للمسلمات على المؤمنين امساك بمعروف أو تسريح باحسان و بذلت لها من الصداق ما بذله رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لأزواجه و هو اثناعشر أوقية و نش على تمام الخمسمائة و قد نحلتها من مالي مائة ألف زوّجتني يا أميرالمؤمنين؟ قال: بلى قال: قبلت و رضيت». اذا عرفت ذلك فالنش عشرون درهما و الأوقية أربعون فبذلك تكمل الخمسمائة».(1)
و منها الاشهاد في الدائم و الاعلان به ولكن لايشترط في صحّة العقد عندنا.
و قد تقدّم في كتاب الشهادات أنّه يستحبّ الاشهاد في غير الطلاق و الظهار من العقود و منها النكاح بخلاف العامّة حيث ذهبوا الى وجوب الاشهاد في النكاح و لايوجبونه في الطلاق، و قد تقدّم ما يدلّ عليه.
منها صحيحة حفص بن البختري في الرجل يتزوّج بغير بيّنة قال: «لابأس».(2)
و منها صحيحة زرارة بن أعين قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل يتزوّج المرأة بغير شهود، فقال: لابأس بتزويج البتّة فيما بينه و بين اللّه انّما جعل الشهود في تزويج البتّة من أجل الولد، لولا ذلك لم يكن به بأس».(3)
و منها رواية محمّد بن الفضيل قال:
«قال أبو الحسن موسى عليه السلام لأبي يوسف القاضي: انّ اللّه أمر في كتابه
بالطلاق و أكّد فيه بشاهدين و لم يرض بهما الاّ عدلين و أمر في كتابه بالتزويج فأهمله بلا شهود فأثبتّم شاهدين فيما أهمل و أبطلتم الشاهدين فيما أكّد».(1)
و منها رواية مسلم بن بشير عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجل تزوّج امرأة و لم يشهدها، فقال: أمّا فيما بينه و بين اللّه عزّوجلّ فليس عليه شيء ولكن ان أخذه سلطان جائر عاقبه».(2)
و هناك رواية مهلّب الدلاّل:
«انّه كتب الى أبي الحسن عليه السلام: انّ امرأة كانت معي في الدار ثمّ انّها زوّجتني نفسها و أشهدت اللّه و ملائكته على ذلك ثمّ انّ أباها زوّجها من رجل آخر فما تقول؟ فكتب عليه السلام: التزويج الدائم لايكون الاّ بولي و شاهدين و لايكون تزويج متعة ببكر، أستر على نفسك و اكتم رحمك اللّه».(3)
و رواية المعلّى بن خنيس قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ما يجزي في المتعة من الشهود؟ فقال: رجل و امرأتان يشهدهما قلت: أرأيت ان لم يجد واحدا؟ قال: انّه لايعوزهم قلت: أرأيت ان أشفق أن يعلم بهم أحد أيجزيهم رجل واحد؟ قال: نعم، قال: قلت: جعلت فداك كان المسلمون على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يتزوّجون بغير بيّنة؟ قال: لا».(4)
فتدلاّن على اعتبار الاشهاد في النكاح فتحملان على التقيّة كما أشير اليها فيرواية مسلم بن بشير أو على الاستحباب جمعا بينها و بين ما يدلّ على عدم الوجوب.
و في المسالك: «المشهور بين أصحابنا أنّ الاشهاد في النكاح الغبطة سنّة مؤكّدة و ليس بشرط في صحّة العقد و هو مذهب جماعة من علماء العامّة. و ذهب ابن أبي عقيل منّا و جماعة من العامّة الى اشتراطه فيه فلاينعقد بدونه لما رووه عن النبي صلى اللّه عليه و آله بطرق متعدّدة تدلّ على نفي النكاح بدون الشاهدين، و من طرقنا رواية المهلّب الدلاّل تدلّ على اعتبار الشاهدين و في الكلّ ضعف. و بالجملة فليس في الباب حديث صحيح من الجانبين فالاعتماد على الأصل حيث لا معارض».(1)
و قد عرفت النصّ الصحيح على ذلك من زرارة و حفص بن البختري، فلانحتاج الى الأصل.
ثمّ انّ الاعلان غير الاشهاد و أبلغ منه فلذا جمع المصنّف رحمه اللّه بينهما و ليس بواجب اجماعا و انّما حكمته حكمة الاشهاد، و يدلّ على استحبابه بخصوصه ما نقله في المسالك من أنّه ورد أنّ النبي صلى اللّه عليه و آله كان يكره نكاح السرّ حتّى يضرب بدفّ و يقال:
أتيناكم أتيناكم *** فحيّونا نحيّيكم
و منها أن يكون التزويج - و هو زفاف العرائس - بالليل؛ لرواية الحسن بن علي الوشّاء عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:
«سمعته يقول في التزويج، قال: من السنّة التزويج بالليل؛ لأنّ اللّه جعل الليل سكنا و النساء انّما هنّ سكن».(2)
و رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«زفّوا عرائسكم ليلاً و أطعموا ضحى».(3)
ثمّ اعلم أنّ ظاهر الروايات استحباب ايقاع الزفاف ليلاً، فلعلّ المصنّف رحمه اللّه استفاد منها استحباب ايقاع العقد أيضا ليلاً.
(مسألة 6): يكره عند التزويج أمور:
منها ايقاع العقد و القمر في العقرب أي في برجها لا المنازل المنسوبة اليها و هي القلب و الاكليل و الزبانا و الشولة. و منها ايقاعه يوم الأربعاء. و منها ايقاعه في أحد الأيّام المنحوسة في الشهر و هي الثالث و الخامس و الثالث عشر و السادس عشر و الحادي و العشرون و الرابع و العشرون و الخامس و العشرون. و منها ايقاعه في محاق الشهر و هو الليلتان أو الثلاث من آخر الشهر.
الشرح:
أمّا ايقاع العقد و القمر في العقرب و في محاق الشهر فتدلّ على كراهته رواية عبدالعظيم الحسني عن علي بن محمّد العسكري عن آبائه عليهم السلام (في حديث) قال:
«من تزوّج و القمر في العقرب لم ير الحسنى، و قال: من تزوّج في محاق الشهر فليسلّم لسقط الولد».(1)
و رواية محمّد بن حمران عن أبيه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من تزوّج امرأة و القمر في العقرب لم ير الحسنى».(2)
و ظاهر الروايات و ان كان كراهة ايقاع الزفاف في هذه الأوقات الاّ أنّه يمكن استفادة ايقاع العقد أيضا منها.
و أمّا كراهة ايقاع العقد يوم الأربعاء و كذا سائر الأيّام المذكورة في المتن فلعلّه
يدلّ عليها ما ورد في نحوسة هذه الأيّام من الروايات(1)و ان كان ما يدلّ على بعضها ضعافا.
ولكن ليعلم أنّ النحوسة ترفع باعطاء الصدقة قطعا.
(مسألة 7): يستحبّ اختيار امرأة تجمع صفات: بأن تكون بكرا ولودا ودودا عفيفة كريمة الأصل بأن لاتكون من زنا أو حيض أو شبهه أو ممّن تنال الألسن آباءها أو أمّهاتها أو مسّهم رقّ أو كفر أو فسق معروف، و أن تكون سمراء عيناء عجزاء مربوعة طيّبة الريح ورمة الكعب جميلة ذات شعر صالحة تعين زوجها على الدنيا و الآخرة عزيزة في أهلها ذليلة مع بعلها متبرّجة مع زوجها حصانا مع غيره، فعن النبي صلى اللّه عليه و آله: «خير نسائكم الولود الودود العفيفة العزيزة في أهلها الذليلة مع بعلها المتبرّجة مع زوجها الحصان على غيره التي تسمع قوله و تطيع أمره و اذا خلا بها بذلت له ما يريد منها و لم تبذل كتبذّل الرجل ثمّ قال: ألا أخبركم بشرار نسائكم؟ الذليلة في أهلها العزيزة مع بعلها العقيم الحقود التي لاتدرع من قبيح، المتبرّجة اذا غاب عنها بعلها الحصان معه اذا حضر لاتسمع قوله و لاتطيع أمره و اذا خلا بها بعلها تمنّعت منه كما تمنّع الصعبة عن ركوبها لاتقبل منه عذرا و لاتغفر له ذنبا».
و يكره اختيار العقيم و من تضمّنه الخبر المذكور من ذات الصفات المذكورة التي يجمعها عدم كونها نجيبة، و يكره الاقتصار على الجمال و الثروة.
و يكره تزويج جملة أخرى: منها القابلة و ابنتها للمولود. و منها تزويج ضرّة كانت لأمّه مع غير أبيه. و منها أن يتزوّج أخت أخيه. و منها المتولّدة من الزنا. و منها الزانية. و منها المجنونة. و منها المرأة الحمقاء أو العجوزة. و
1) - وسائل الشيعة 11 / 354 الباب 5 من أبواب آداب السفر و بحار الأنوار 59: 54.
بالنسبة الى الرجال يكره تزويج سيّئالخلق و المخنّث و الزنج و الأكراد و الخزر و الأعرابي و الفاسق و شارب الخمر.
الشرح:
في رواية ابراهيم الكرخي قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّ صاحبتي هلكت و كانت لي موافقة و قد هممت أن أتزوّج، فقال لي: أنظر أين تضع نفسك و من تشركه في مالك و تطّلعه على دينك و سرّك فان كنت لا بدّ فاعلاً فبكرا تنسب الى الخير و الى حسن الخلق و اعلم أنّهنّ كما قال:
ألا انّ النساء خلقن شتّى *** فمنهنّ الغنيمة و الغرام
و منهنّ الهلال اذا تجلّى *** لصاحبه و منهنّ الظلام
فمن يظفر بصالحهنّ يسعد *** و من يغبن فليس له انتقام
و هنّ ثلاث: فامرأة ولود تعين زوجها على دهره لدنياه و آخرته و لاتعين الدهر عليه و امرأة عقيم لا ذات جمال و لا خلق و لاتعين زوجها على خير و امرأة ضخّابة ولاّجة(1)همّازة تستقلّ الكثير و لاتقبل اليسير».(2)
و في صحيحة جابر بن عبداللّه قال:
«سمعته يقول: كنّا عند النبي صلى اللّه عليه و آله فقال: انّ خير نسائكم الولود الودود العفيفة العزيزة في أهلها الذليلة مع بعلها المتبرّجة مع زوجها الحصان على غيره التي تسمع قوله و تطيع أمره و اذا خلا بها بذلت له ما يريد منها و لم تبذّل كتبذّل الرجل».(3)
و في صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«خير نسائكم التي اذا خلت مع زوجها خلعت له درع الحياء و اذا لبست لبست معه درع الحياء».(1)
و رواية سليمان الجعفري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: خير نسائكم الخمس، قيل: و ما الخمس؟ قال: الهيّنة الليّنة المؤاتية التي اذا غضب زوجها لم تكتحل بغمض حتّى يرضى و اذا غاب عنها زوجها حفظته في غيبته فتلك عامل من عمّال اللّه و عامل اللّه لايخيب».(2)
و في رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: أفضل نساء أمّتي أصبحهنّ وجها و أقلّهنّ مهرا».(3)
و في مرسلة الصدوق قال:
«جاء رجل الى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فقال: انّ لي زوجة اذا دخلت تلقّتني و اذا خرجت شيّعتني و اذا رأتني مهموما قالت لي: ما يهمّك ان كنت تهتمّ لرزقك فقد تكفّل لك به غيرك و ان كنت تهتمّ بأمر آخرتك فزادك اللّه همّا فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: انّ للّه عمّالاً و هذه من عمّاله لها نصف أجر الشهيد».(4)
و يستحبّ اختيار البكر للتزويج، ففي معتبرة عبد الأعلى مولى آل سام عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: تزوّجوا الأبكار فانّهنّ أطيب شيء أفواها».(1)و يستحبّ اختيار السمراء العجزاء العيناء المربوعة ففي مرسلة مالك بن أشيم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: تزوّجوا سمراء عيناء عجزاء مربوعة فان كرهتها فعليّ مهرها».(2)
و يستحبّ اختيار المرأة الكريمة الأصل المحمودة الصفات لمرسلة عبداللّه بن مسكان قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: انّما المرأة قلادة فانظر الى ما تقلّده قال: و سمعته يقول: ليس للمرأة خطر لا لصالحتهنّ و لا لطالحتهنّ أمّا صالحتهنّ فليس خطرها الذهب و الفضّة بل هي خير من الذهب و الفضّة و أمّا طالحتهنّ فليس التراب خطرها بل التراب خير منها».(3)
و مرسلة الشيخ رحمه اللّه قال:
«قام النبي صلى اللّه عليه و آله خطيبا فقال: أيّها الناس ايّاكم و خضراء الدمن قيل: يا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و ما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في منبت السوء».(4)
و قد وردت روايات كثيرة في استحباب تزويج المرأة بالصفات المذكورة.
و يكره اختيار امرأة ذات صفات كريهة، ففي حسنة جابر بن عبداللّه قال:
«سمعته يقول: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: ألاأخبركم بشرار نسائكم؟ الذليلة في أهلها العزيزة مع بعلها العقيم الحقود التي لاتتورّع من قبيح
المتبرّجة اذا غاب عنها بعلها، الحصان معه اذا حضر، لاتسمع قوله ولاتطيع أمره و اذا خلا بها بعلها تمنّعت منه كما تمنّع الصعبة عند ركوبها و لاتقبل منه عذرا و لاتغفر له ذنبا».(1)
و في رواية عبداللّه بن سنان قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: شرار نسائكم المقفرة الدنسة اللجوجة العاصية الذليلة في قومها العزيزة في نفسها الحصان على زوجها الهلوك على غيره».(2)
و في رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان من دعاء رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: أعوذ بك من امرأة تشيّبني قبل مشيبي».(3)
و في رواية الأصبغ بن نباتة عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال:
«سمعته يقول: يظهر في آخر الزمان و اقتراب الساعة و هو شرّ الأزمنة، نسوة كاشفات عاريات متبرّجات من الدين خارجات، في الفتن داخلات، مائلات الى الشهوات مسرعات الى اللذّات مستحلاّت المحرّمات و في جهنّم خالدات».(4)
و في رواية زيد بن ثابت قال:
«قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: يا زيد، تزوّجت؟ قلت: لا، قال: تزوّج تستعفّ مع عفّتك، و لاتزوّجنّ خمسا قال زيد: من هنّ؟ قال: لاتزوّجنّ شهبرة و لا لهبرة و لا نهبرة و لا هيدرة و لا لفوتا، قال زيد: ما عرفت ممّا قلت شيئا، قال: ألستم عربا؟ أمّا الشهبرة فالزرقاء
البذيّة، و أمّا اللّهبرة فالطويلة المهزولة و أمّا النهبرة فالقصيرة الدميمةو أمّا الهيدرة فالعجوز المدبرة و أمّا اللفوت فذات الولد من غيرك».(1)
و يكره الاختصار على الجمال و الثروة أو التزويج للفخر و الرياء، و يستحبّ تزويج المرأة لدينها ففي صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا تزوّج الرجل المرأة لجمالها أو لمالها وكّل الى ذلك و اذا تزوّجها
لدينها رزقه اللّه المال و الجمال».(2)
و في مرسلة الصدوق قال:
«قال علي بن الحسين سيّد العابدين عليه السلام: من تزوّج للّه و لصلة الرحم توجّه اللّه بتاج الملك».(3)
و في رواية بريد عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«حدّثني جابر بن عبداللّه أنّ النبي صلى اللّه عليه و آله قال: من تزوّج امرأة لمالها وكّله اللّه اليه و من تزوّجها لجمالها رأى فيها ما يكره و من تزوّجها لدينها جمع اللّه له ذلك».(4)
و كذا يكره نكاح القابلة و بنتها اذا ربت و لايحرم أمّا كراهته فلرواية جابر بن يزيد قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن القابلة أيحلّ للمولود أن ينكحها؟ فقال: لا، و لا ابنتها، هي بعض أمّهاته».(5)
و رواية ابراهيم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
1) - وسائل الشيعة 20: 35 / الباب 7 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 8.
2) - وسائل الشيعة 20: 49 / الباب 14 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 20: 51 / الباب 14 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 20: 51 / الباب 14 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 20: 500 / الباب 39 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 1.
«اذا استقبل الصبي القابلة بوجهه حرمت عليه و حرم عليه ولدها».(1)
و أمّا عدم تحريمها فلصحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال:
«قلت للرضا عليه السلام: يتزوّج الرجل المرأة التي قبلته؟ فقال: سبحان اللّه ما حرّم اللّه عليه من ذلك».(2)
و موثّقة ابراهيم بن عبدالحميد قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن القابلة تقبل الرجل أله أن يتزوّجها؟ فقال: اذا كانت قبلته المرّة و المرّتين و الثلاثة فلابأس و ان كانت قبلته و ربّته و كفلته فانّي أنهى نفسي عنها و ولدي».(3)
و كذا يكره تزويج امرأة كانت ضرّة لأمّه مع غير أبيه لصحيحة زرارة قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: ما أحبّ للرجل المسلم أن يتزوّج ضرّة كانت لأمّه مع غير أبيه».(4)
و لايحرم تزويج أخت الأخ اذا لم تكن أختا من الأب و لا من الأمّ و كذا تزويج بنت أخي الأخ اذا لم يكن أخا للزوج ولكن يكرهان، و أمّا عدم تحريمهما فلحسنة أبي جرير القمّي قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام: أزوّج أخي من أمّي أختي من أبي؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: زوّج ايّاها ايّاه أو زوّج ايّاه ايّاها».(5)
كما لو ولدت امرأة من زوجها ولدا ذكرا سمّته عمروا فطلّقها زوجها أو مات و تزوّجت برجل آخر ولدت منه ولدا سمّته زيدا و كان لأب زيد بنت سمّاها
1) - وسائل الشيعة 20: 501 / الباب 39 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 20: 502 / الباب 39 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 6.
3) - وسائل الشيعة 20: 502 / الباب 39 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 7.
4) - وسائل الشيعة 20: 504 / الباب 42 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 20: 368 / الباب 6 من أبواب ما يحرم بالنسب / الحديث 1.
زينب من امرأة أخرى غير أمّ زيد، فزيد أخو عمرو من أمّه و زينب أخت زيد من أبيه و لا ربط بين عمرو و زينب.
و يدلّ على الكراهة الجمع بين الحسنة المتقدّمة و موثّقة اسحاق بن عمّار عنأبي عبداللّه عليه السلام في رجل تزوّج أخت أخيه من الرضاعة قال:
«ما أحبّ أن أتزوّج أخت أخي من الرضاعة».(1)
و بين رواية يونس بن يعقوب قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن امرأة أرضعتني و أرضعت صبيّا معي و لذلك الصبي أخ من أبيه و أمّه فيحلّ لي أن أتزوّج ابنته؟ قال:لابأس».(2)
بناءً على عدم خصوصيّة في الرضاع.
و كذا تحمل رواية اسحاق بن عمّار قال:
«سألته عن الرجل يتزوّج أخت أخيه قال: ما أحبّ له ذلك».(3)
على ما في رواية يونس بن يعقوب و الجمع هو الكراهة.
و كذا يكره تزويج ولد الزنا و ذلك لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عن الرجل تكون له الخادم ولد زنا هل عليه جناح أن يطأها؟ قال: لا، و ان تنزّه عن ذلك فهو أحبّ اليّ».(4)
و موثّقة زرارة بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سمعته يقول: لا خير في ولد الزنا و لا في بشره و لا في شعره و لا في لحمه و لا في دمه و لا في شيء منه، عجزت عنه السفينة و قد حمل فيها الكلب و الخنزير».(5)
1) - وسائل الشيعة 20: 368 / الباب 6 من أبواب ما يحرم بالنسب / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 20: 369 / الباب 6 من أبواب ما يحرم بالنسب / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 20: 369 / الباب 6 من أبواب ما يحرم بالنسب / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 20: 442 / الباب 14 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 20: 442 / الباب 14 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 7.
و موثّقة ثعلبة و عبداللّه بن هلال عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يتزوّج ولد الزنا قال:
«لابأس انّما يكره ذلك مخافة العار و انّما الولد للصلب و انّما المرأة
وعاء، قلت: الرجل يشتري خادما ولد زنا فيطأها؟ قال: لابأس».(1)
و يدلّ على كراهة تزويج الزانية و الزاني الاّ بعد التوبة الروايات الواردة في الباب الثالث عشر من أبواب ما يحرم بالمصاهرة فراجع، و لانطيل البحث بذكرها لما سيأتي في محلّه ان شاء اللّه تعالى.
و يكره تزويج المجنونة؛ لصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سأله بعض أصحابنا عن الرجل المسلم تعجبه المرأة الحسناء أيصلح له أن يتزوّجها و هي مجنونة، قال: لا، ولكن ان كانت عنده أمة مجنونة فلابأس بأن يطأها و لايطلب ولدها».(2)
و الرواية و ان كانت ظاهرة في التحريم الاّ أنّه سيأتي أنّ من مجوّزات فسخ النكاح العلم بأنّها كانت مجنونة فلو كان نكاح المجنونة باطلاً من رأسه ففسخه لم يكن له معنى، و يمكن أن يكون عدم صلاحه في الرواية هو لعدم وجود سائر شرائطه كاذن الولي، ان كان المراد من عدم الصلاح الفساد.
و يكره تزويج المرأة الحمقاء أو العجوز، ففي رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : ايّاكم و تزويج الحمقاء فانّ صحبتها بلاء و ولدها ضياع».(3)
و في مرسلة أحمد بن عبداللّه عن أبيه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«زوّجوا الأحمق و لاتزوّجوا الحمقاء فانّ الأحمق ينجب و الحمقاء لاتنجب».(1)
هذا كلّه في صفات المرأة، أمّا بالنسبة الى الرجل فيكره تزويج سيّئ الخلق و المخنّث و الزنج و الأكراد و الخزر(2)و الأعرابي و الفاسق و شارب الخمر، و يدلّ على ذلك كلّه روايات:
منها صحيحة حسن بن محبوب عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال:
«ألاأخبركم بخيار رجالكم؟ قلنا: بلى يا رسول اللّه قال: انّ من خير رجالكم التقي النقي السمح الكفّين السليم الطرفين البرّ بوالديه و لايلجئ عياله الى غيره ثمّ قال: ألاأخبركم بشرّ رجالكم؟ فقلنا: بلى، فقال: انّ من شرّ رجالكم البهّات(3)البخيل الفاحش الآكل وحده المانع رفده الضارب أهله و عبده، الملجئ عياله الى غيره، العاقّ بوالديه».(4)
و منها رواية الحسين بن بشّار الواسطي قال:
«كتبت الى أبي الحسن الرضا عليه السلام : انّ لي قرابة قد خطب اليّ ابنتي و في خلقه سوء؟ قال: لاتزوّجه ان كان سيّئ الخلق».(5)
و منها رواية علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال:
«سألته، ان زوّج ابنتي غلام فيه لين و أبوه لابأس به؟ قال: اذا لم يكن فيه فاحشة فزوّجه، يعني الخنث».(6)
1) - وسائل الشيعة 20: 84 / الباب 33 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 2.
2) - المخنّث هو الذي يؤتى في دبره و الزنج - بكسر الزاء و فتحها - جيل من السودان و الخزر: ضيّق العين.
3) - البهّات: من البهت بمعنى الحيرة أو البهتان.
4) - وسائل الشيعة 20: 34 / الباب 7 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 20: 81 / الباب 30 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 1.
6) - وسائل الشيعة 20: 81 / الباب 30 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 2.
و لايكون التزويج حينئذ باطلاً فانّه سيوافيك عدّ محرّمات التزويج و ليس هذا و لا سائر المكروهات منها.
و منها صحيحة مسعدة بن زياد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : ايّاكم و نكاح الزنج فانّه خلق مشوّه».(1)
و منها رواية علي بن داود الحدّاد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتناكحوا الزنج و الخزر فانّ لهم أرحاما تدلّ على غير الوفاء، قال: و السند و الهند و القند ليس فيهم نجيب، يعني القندهار».(2)
و منها رواية داود بن فرقد عن أبي جعفر أو أبي عبداللّه عليهماالسلام قال:
«ثلاثة لاينجبون، أعور عين و أزرق كالفصّ و مولد السند».(3)
و منها رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: لاتسبّوا قريشا و لاتبغضوا العرب و لاتذلّوا الموالي و لاتساكنوا الخوز و لاتزوّجوا اليهم فانّ لهم عرقا يدعوهم الى غير الوفاء».(4)
و منها رواية هشام عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يا هشام، النبط(5)ليس من العرب و لا من العجم فلاتتّخذ منهم وليّا و لا نصيرا فانّ لهم أصولاً تدعو الى غير الوفاء».(6)
و منها ما في رواية أبي الربيع الشامي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
1) - وسائل الشيعة 20: 82 / الباب 31 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 20: 82 / الباب 31 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 20: 82 / الباب 31 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 20: 83 / الباب 31 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 4.
5) - النبط: قوم ينزلون البطائح بين العراقين.
6) - وسائل الشيعة 20: 83 / الباب 31 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 5.
«و لاتنكحوا من الأكراد أحدا فانّهم جنس من الجنّ كشف عنهم الغطاء».(1)
و لايخفى أنّ هذه الروايات لا بدّ من توجيهها أو تأويلها بما لاتناقض الروايات الأخر الصادرة عنهم عليهم السلام من أنّ المؤمن كفو المؤمنة أو أنّ المسلم كفوالمسلمة و أنّ الاسلام قد رفع التبعيض بين المسلمين فانّ المسلم الأسود أو الأبيض و العرب أو العجم و الكرد أو غيره سواء عند اللّه تعالى و عند رسوله صلى اللّه عليه و آله قال اللّه تعالى: «يا أيّها الناس انّا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا انّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم»(2).
فيمكن حمل هذه الروايات على أنّ الطوائف المذكورة في الروايات زمن صدورها لم يكونوا من فرق المسلمين أو المؤمنين، أو حملها على بيان طبع الأشخاص و أنّ الأبيض بالطبع لايلائم الأسود أو أنّ غير الأكراد لايلائم الأكراد بالطبع و لايطيق العيش معهم أو غير ذلك من المحامل.
و أمّا شارب الخمر فيدلّ على كراهة تزويجه مرفوعة أحمد بن محمّد قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : من زوّج كريمته من شارب خمر فقد قطع رحمها».(3)
و مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: شارب الخمر لايزوّج اذا خطب».(4)
(مسألة 8): مستحبّات الدخول على الزوجة أمور.
منها: الوليمة قبله أو بعده. و منها: أن يكون ليلاً؛ لأنّه أوفق بالستر و الحياء و لقوله صلى اللّه عليه و آله: «زفّوا عرائسكم ليلاً و أطعموا ضحى»، بل لايبعد استحباب الستر المكاني أيضا. و منها: أن يكون على وضوء. و منها: أن يصلّي ركعتين و الدعاء بعد الصلاة بعد الحمد و الصلاة على محمّد و آله بالألفة و حسنالاجتماع بينهما و الأولى المأثور و هو: «اللّهمّ ارزقني الفها و ودّها و رضاها بي و أرضني بها و اجمع بيننا بأحسن اجتماع و آنس ائتلاف فانّك تحبّ الحلال و تكره الحرام». و منها: أمرها بالوضوء و الصلاة أو أمر من يأمرها بهما. و منها: أمر من كان معها بالتأمين على دعائه و دعائها. و منها: أن يضع يده على ناصيتها مستقبل القبلة و يقول: «اللّهمّ بأمانتك أخذتها و بكلماتك استحللتها فان قضيت لي منها ولدا فاجعله مباركا تقيّا من شيعة آل محمّد صلى اللّه عليه و آله و لاتجعل للشيطان فيه شركا و لا نصيبا أو يقول: «اللّهمّ على كتابك تزوّجتها و في أمانتك أخذتها و بكلماتك استحللت فرجها فان قضيت في رحمها شيئا فاجعله مسلما سويّا و لاتجعله شرك شيطان». و يكره الدخول ليلة الأربعاء.
الشرح:
يستحبّ أن يكون الدخول ليلاً و الوليمة ضحى و الدليل على ذلك رواية ميسّر بن عبدالعزير عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال: يا ميسّر تزوّج بالليل فانّ اللّه جعله سكنا و لاتطلب حاجة بالليل فانّ الليل مظلم ثمّ قال: انّ للطارق لحقّا عظيما و انّ للصاحب لحقّا عظيما».(1)
1) - وسائل الشيعة 20: 91 / الباب 37 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 1.
و المراد من الطارق - بقرينة ورود الرواية في التزويج - المرأة و من الصاحب الرجل.
و رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«زفّوا عرائسكم ليلاً و أطعموا ضحى».(1)و رواية الحسن بن علي الوشّاء عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:
«سمعته يقول في التزويج قال: من السنّة التزويج بالليل؛ لأنّ اللّه جعل الليل سكنا و النساء انّما هنّ سكن».(2)
و أمّا سائر ما في المتن من المستحبّات ككونهما على وضوء و أن يصلّي ركعتين الى آخر ما في المتن فيدلّ عليه صحيحة أبي بصير قال:
«سمعت رجلاً و هو يقول لأبي جعفر عليه السلام : انّي رجل قد أسننت و قد تزوّجت امرأة بكرا صغيرة و لم أدخل بها و أنا أخاف اذا دخلت عليّ فرأتني أن تكرهني لخضابي و كبري فقال أبو جعفر عليه السلام : اذا دخلت فمرهم قبل أن تصل اليك أن تكون متوضّئة ثمّ أنت لاتصل اليها حتّى توضّأ و صلّ ركعتين ثمّ مجّد اللّه و صلّ على محمّد و آل محمّد ثمّ ادع اللّه و مر من معها أن يؤمّنوا على دعائك و قل: «اللّهمّ ارزقني الفها و ودّها و رضاها و أرضني بها و اجمع بيننا بأحسن اجتماع و آنس ائتلاف فانّك تحبّ الحلال و تكره الحرام». ثمّ قال: و اعلم أنّ الالف من اللّه و الفرك من الشيطان ليكرّه ما أحلّ اللّه».(3)
و صحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا دخلت بأهلك فخذ بناصيتها و استقبل القبلة و قل: «اللّهمّ بأمانتك أخذتها و بكلماتك استحللتها فان قضيت لي منها ولدا
فاجعله مباركا تقيّا من شيعة آل محمّد و لاتجعل للشيطان فيه شركا و لا نصيبا»».(1)
و مرفوعة الميثمي قال:
«أتى رجل أميرالمؤمنين عليه السلام فقال له: انّي قد تزوّجت فادع اللّه لي فقال: قل: «اللّهمّ بكلماتك استحللتها و بأمانتك أخذتها، اللّهمّ اجعلها ولودا ودودا لاتفرك تأكل ما راح و لاتسأل عمّا سرح».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا أردت الجماع فقل: «اللّهمّ ارزقني ولدا و اجعله تقيّا زكيّا ليس في خلقه زيادة و لا نقصان و اجعل عاقبته الى الخير»».(3)
و رواية عبدالرحمن بن أعين قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: اذا أراد الرجل أن يتزوّج المرأة فليقل: أقررت بالميثاق الذي أخذ اللّه امساك بمعروف أو تسريح باحسان».(4)
(مسألة 9): يجوز أكل ما ينثر في الأعراس مع الاذن و لو بشاهد الحال ان كان عامّا فللعموم و ان كان خاصّا فللمخصوصين و كذا يجوز تملّكه مع الاذن فيه أو بعد الاعراض عنه فيملك و ليس لمالكه الرجوع فيه و ان كان عينه موجودا ولكنّ الأحوط لهما مراعاة الاحتياط.
الشرح:
يجوز أكل ما ينثر في الأعراس مع الاذن و لو بشاهد الحال، و الدليل عليه جواز التصرّف في ملك الغير باذنه و هو حاصل فتارة يكون الاذن عامّا و أخرى خاصّا، و في الثاني لايجوز أكله للعموم.
و حيث يجوز فيجوز تملّكه مع الاذن فيه أو بعد الاعراض عنه فلو رجعالمالك و كانت العين باقية فان كان قصد تملّكه بعد الاعراض فالأحوط بل الأقوى أنّه ليس للآخذ الامتناع من ردّه؛ لأنّ الاعراض لايقتضي الاّ اباحة التصرّف مطلقا.
و أمّا ان أذن للمتصرّفين أن يتملّكوا و لو بشاهد الحال، فهو كالمعاطاة فلا رجوع للمالك و ان كان لاينبغي ترك الاحتياط. و نحن قد فصّلنا البحث عن ذلك في كتاب الاجارة.
(مسألة 10): يستحبّ عند الجماع الوضوء و الاستعاذة و التسمية، و طلب الولد الصالح السويّ و الدعاء بالمأثور و هو أن يقول: «بسم اللّه و باللّه اللّهمّ جنّبني الشيطان و جنّب الشيطان ما رزقتني، أو يقول اللّهمّ بأمانتك أخذتها الى آخر الدعاء السابق» أو يقول: «بسم اللّه الرحمن الرحيم الذي لا اله الاّ هو بديع السموات و الأرض اللّهمّ ان قضيت منّي في هذه الليلة خليفة فلاتجعل للشيطان فيه شركا و لا نصيبا و لا حظّا و اجعله مؤمنا مخلصا مصفّى من الشيطان و رجزه جلّ ثناؤك» و أن يكون في مكان مستور.
الشرح:
يدلّ على ما في المتن روايات:
منها صحيحة الحلبي قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام في الرجل اذا أتى أهله و خشي أن يشاركه الشيطان، قال: يقول: بسم اللّه و يتعوّذ باللّه من الشيطان».(1)
1) - وسائل الشيعة 20: 135 / الباب 68 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 1.
و منها رواية أبي بصير قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : يا أبا محمّد أيّ شيء يقول الرجل منكم اذا دخلت عليه امرأته؟ قلت: جعلت فداك أيستطيع الرجل أن يقولشيئا؟ قال: ألا أعلّمك ما تقول؟ قلت: بلى قال: تقول: بكلمات اللّه استحللت فرجها و في أمانة اللّه أخذتها اللّهمّ ان قضيت لي فى رحمها شيئا فاجعله بارّا تقيّا و اجعله مسلما سويّا و لاتجعل فيه شركا للشيطان، قلت: و بأيّ شيء يعرف ذلك؟ قال: أما تقرأ كتاب اللّه ثمّ ابتدأ هو «و شاركهم في الأموال و الأولاد» و انّ الشيطان يجيء فيقعد كما يقعد الرجل منها و ينزل كما ينزل و يحدث كما يحدث و ينكح كما ينكح قلت: بأيّ شيء يعرف ذلك؟ قال: بحبّنا و بغضنا فمن أحبّنا كان نطفة العبد و من أبغضنا كان نطفة الشيطان».(1)
و منها رواية ابن القدّاح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : اذا جامع أحدكم فليقل: بسم اللّه و باللّه اللّهمّ جنّبني الشيطان و جنّب الشيطان ما رزقتني، قال: فان قضى اللّه بينهما ولدا لايضرّه الشيطان بشيء أبدا».(2)
و منها رواية عبدالرحمن بن كثير قال:
«كنت عند أبي عبداللّه عليه السلام جالسا فذكر شرك الشيطان فعظّمه حتّى أفزعني قلت: جعلت فداك فما المخرج من ذلك؟ فقال: اذا أردت الجماع فقل: بسم اللّه الرحمن الرحيم الذي لا اله الاّ هو بديع السموات و الأرض اللّهمّ ان قضيت منّي في هذه الليلة خليفة فلاتجعل للشيطان فيه شركا و لا نصيبا و لا حظّا و اجعله مؤمنا
مخلصا مصفّى من الشيطان و رجزه جلّ ثناؤك».(1)
و منها رواية أخرى لأبي بصير قال:
«قال لي أبو عبداللّه عليه السلام : يا أبا محمّد اذا أتيت أهلك فأيّ شيء تقول؟قال: قلت: جعلت فداك و أطيق أن أقول شيئا؟ قال: بلى قل: اللّهمّ بكلماتك استحللت فرجها و بأمانتك أخذتها فان قضيت في رحمها شيئا فاجعله تقيّا زكيّا و لاتجعل فيه شركا للشيطان، قال: قلت: جعلت فداك و يكون فيه شرك الشيطان؟ قال: نعم، أما تسمع قول اللّه عزّوجلّ في كتابه: «و شاركهم في الأموال و الأولاد» انّ الشيطان يجيء فيقعد كما يقعد الرجل و ينزل كما ينزل الرجل قلت: فبأيّ شيء يعرف ذلك؟ قال: بحبّنا و بغضنا».(2)
و منها مرسلة صدوق قال:
«قال الصادق عليه السلام : اذا أتى أحدكم أهله فلم يذكر اللّه عند الجماع و كان منه ولد كان شرك شيطان و يعرف ذلك بحبّنا و بغضنا».(3)
(مسألة 11): يكره الجماع ليلة خسوف القمر و يوم كسوف الشمس و في الليلة و اليوم اللذين يكون فيهما الريح السوداء و الصفراء و الحمراء و اليوم الذي فيه الزلزلة بل في كل يوم أو ليلة حدث فيه آية مخوفة. و كذا يكره عند الزوال و عند غروب الشمس حتّى يذهب الشفق و في المحاق و بعد طلوع الفجر الى طلوع الشمس و في أوّل ليلة من كل شهر - الاّ في الليلة الأولى من شهر رمضان فانّه يستحبّ فيها - و في النصف من كل شهر و في السفر اذا لم يكن عنده الماء للاغتسال و بين الأذان و الاقامة و في ليلة الأضحى و يكره
في السفينة و مستقبل القبلة و مستدبرها و على ظهر الطريق و الجماع و هو عريان و عقيب الاحتلام قبل الغسل أو الوضوء و الجماع و هو مختضب أو هي مختضبة و على الامتلاء و الجماع قائما و تحت الشجرة المثمرة و على سقوف البنيان و في وجه الشمس الاّ مع الستر و يكره أن يجامع و عنده من ينظر اليه و لو الصبي الغير المميّز و أن ينظر الى فرج الامرأة حال الجماع و الكلام عند الجماع الاّ بذكر اللّه تعالى و أن يكون معه خاتم فيه ذكر اللّه أو شيء من القرآن. و يستحبّ الجماع ليلة الاثنين و الثلاثاء و الخميس و الجمعة و يوم الخميس عند الزوال و يوم الجمعة بعد العصر و يستحبّ عند ميل الزوجة اليه.
الشرح:
قد روى في الوافي وصيّة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لعلي عليه السلام في مكروهات الجماع و مستحبّاته و قد ورد فيها ما في المتن و أزيد.
ففي الوافي عن أبي سعيد الخدري قال:
«أوصى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: يا علي: اذا دخلت العروس بيتك فاخلع خفّيها حتّى تجلس و اغسل رجليها، و صبّ الماء من باب دارك الى أقصى دارك، فانّك ان فعلت ذلك أخرج اللّه من دارك سبعين ألف لون من الفقر، و أدخل فيه سبعين ألف لون من البركة، و أنزل عليه سبعين ألف لون من الرحمة ترفرف على رأس العروس حتى تنال بركتها كلّ زاوية من بيتك، و تأمن العروس من الجنون و الجذام و البرص أن يصيبها ما دامت في تلك الدار، و امنع العروس في أسبوعها من الألبان و الخلّ و الكزبرة و التفّاح الحامض من هذه الأربعة الأشياء.
فقال علي عليه السلام : يا رسول اللّه و لأيّ شيء أمنعها هذه الأشياء الأربعة؟ قال: لأنّ الرحم تعقم و تبرد من هذه الأربعة الأشياء عن الولد، و لحصير في
ناحية البيت خير من امرأة لا تلد، فقال علي عليه السلام : يا رسول اللّه ما بال الخلّ تمنع منه؟، قال: اذا حاضت على الخلّ لم تطهر أبدا بتمام و الكزبرة تثير الحيض في بطنها و تشدّد عليها الولادة و التفّاح يقطع حيضها فيصير داءعليها.
ثم قال: يا علي لاتجامع امرأتك في أوّل الشهر و وسطه و آخره، فانّ الجنون و الجذام و الخبل يسرع اليها و الى ولدها، يا علي لاتجامع امرأتك بعد الظهر فانّه ان قضي بينكما ولد في ذلك الوقت يكون أحول، و الشيطان يفرح بالحول في الانسان، يا علي لا تتكلّم عند الجماع فانّه ان قضي بينكما ولد لا يؤمن أن يكون أخرس، و لاينظرنّ أحد الى فرج امرأته، و ليغضّ بصره عند الجماع، فانّ النظر الى الفرج يورث العمى في الولد، يا علي لاتجامع امرأتك بشهوة امرأة غيرك فانّي أخشى ان قضي بينكما ولد أن يكون مخنّثا أو مخبّلاً، يا علي من كان جنبا في الفراش مع امرأته فلايقرأ القرآن فانّي أخشى أن تنزّل عليهما نار من السماء فتحرقهما. يا علي لاتجامع امرأتك الاّ و معك خرقة و لأهلك خرقة و لاتمسحا بخرقة واحدة فتقع الشهوة على الشهوة، فانّ ذلك يعقّب العداوة بينكما ثم يؤدّيكما الى الفرقة و الطلاق، يا علي لاتجامع امرأتك من قيام، فانّ ذلك من فعل الحمير، فان قضي بينكما ولد كان بوّالاً في الفراش كالحمير البوّالة في كلّ مكان.
يا علي لاتجامع امرأتك في ليلة الأضحى، فانّه ان قضي بينكما ولد يكون له ستّة أصابع أو أربعة أصابع، يا علي لاتجامع امرأتك تحت شجرة مثمرة، فانّه ان قضي بينكما ولد يكون جلاّدا قتّالاً أو عريفا، يا علي لاتجامع امرأتك في وجه الشمس و تلألوئها الاّ أن ترخي سترا فيستركما، فانّه ان قضي بينكما ولد لايزال في بؤس و فقر حتّى يموت. يا علي لاتجامع امرأتك بين الأذان و الاقامة، فانّه ان قضي بينكما ولد يكون
حريصا على اهراق الدماء، يا علي اذا حملت امرأتك فلاتجامعها الاّ و أنت على وضوء فانّه ان قضي بينكما ولد يكون أعمى القلب بخيل اليد، يا علي لاتجامع أهلك في النصف من شعبان فانّه ان قضي بينكما ولد يكونمشئوما ذا شامة في وجهه، يا علي لاتجامع امرأتك في آخر درجة منه اذا بقي يومان، فانّه ان قضي بينكما ولد يكون عشارا و عونا للظالمين و يكون هلاك فئام من الناس على يديه، يا علي لاتجامع أهلك على سقوف البنيان فانّه ان قضي بينكما ولد يكون منافقا مرائيا مبتدعا. يا علي اذا خرجت في سفر فلاتجامع أهلك تلك الليلة فانّه ان قضي بينكما ولد ينفق ماله في غير حقّ، و قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «انّ المبذّرين كانوا اخوان الشياطين» يا علي لاتجامع أهلك اذا خرجت الى سفر مسيرة ثلاثة أيّام و لياليهنّ، فانّه ان قضي بينكما ولد يكون عونا لكلّ ظالم عليك. يا علي: عليك أن تجامع ليلة الاثنين، فانّه ان قضي بينكما ولد يكون حافظا لكتاب اللّه، راضيا بما قسم اللّه عزّوجلّ له، يا علي ان جامعت أهلك في ليلة الثلاثاء فقضي بينكما ولد فانّه يرزق الشهادة بعد شهادة لا اله الاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه و لا يعذّبه اللّه مع المشركين و يكون طيّب النكهة و الفم رحيم القلب سخي اليد طاهر اللسان من الغيبة و البهتان. يا علي و ان جامعت أهلك ليلة الخميس فقضي بينكما ولد يكون حاكما من الحكّام أو عالما من العلماء، و ان جامعتها يوم الخميس عند الزوال عند كبد السماء فقضي بينكما ولد فانّ الشيطان لايقربه حتى يشيب و يكون قيّما و يرزقه اللّه السلام ة في الدين و الدنيا، يا علي ان جامعتها ليلة الجمعة و كان بينكما ولد فانّه يكون خطيبا قوّالاً مفوّها، و ان جامعتها يوم الجمعة بعد العصر فقضي بينكما ولد، فانّه يكون معروفا مشهورا عالما، و ان جامعتها ليلة الجمعة بعد العشاء الآخرة، فانّه يرجى أن يكون الولد من الأبدال ان شاء اللّه تعالى، يا علي لاتجامع أهلك في أوّل ساعة من الليل فانّه ان قضي بينكما ولد لايؤمن
أن يكون ساحرا مؤثرا للدنيا على الآخرة، يا علي احفظ وصيّتي هذه كماحفظتها عن جبرئيل عليه السلام ».(1)
و قد ورد في الوسائل روايات ضعاف تدلّ على ما في هذه الرواية.
(مسألة 12): يكره للمسافر أن يطرق أهله ليلاً حتّى يصبح.
الشرح:
يدلّ على هذه الكراهة رواية عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يكره للرجل اذا قدم من سفره أن يطرق أهله ليلاً حتّى يصبح».(2)
(مسألة 13): يستحبّ السعي في التزويج و الشفاعة فيه بارضاء الطرفين.
و قد تقدّم ما يدلّ على ذلك.
(مسألة 14): يستحبّ تعجيل تزويج البنت و تحصينها بالزوج عند بلوغها فعن أبي عبداللّه عليه السلام : «من سعادة المرء أن لاتطمث ابنته في بيته».
الشرح:
و الرواية الدالّة على هذا الاستحباب مرسلة أحمد بن محمّد بن عيسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من سعادة المرء أن لاتطمث ابنته في بيته».(3)
و كذا مرسلة الصدوق قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: من سعادة الرجل أن لاتحيض ابنته في بيته».(1)
(مسألة 15): يستحبّ حبس المرأة في البيت فلاتخرج الاّ لضرورة و لايدخل عليها أحد من الرجال.
الشرح:
الدليل عليه الروايات المتعدّدة الواردة في الباب الرابع و العشرين من أبواب مقدّمات النكاح:
منها ما رواه في كشف الغمّة نقلاً من كتاب أخبار فاطمة - عليها السلام - لابن بابويه عن علي عليه السلام قال:
«كنّا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فقال: أخبروني أيّ شيء خير للنساء؟ فعيينا بذلك كلّنا حتّى تفرّقنا فرجعت الى فاطمة - عليها السلام - فأخبرتها بالذي قال لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و ليس أحد منّا علمه و لا عرفه، فقالت: ولكنّي أعرفه: خير للنساء أن لايرين الرجال و لايراهنّ الرجال فرجعت الى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فقلت: يا رسول اللّه سألتنا أيّ شيء خير للنساء؟ خير لهنّ أن لايرين الرجال و لايراهنّ الرجال فقال: من أخبرك، فلم تعلمه و أنت عندي؟ فقلت: فاطمة، فأعجب ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و قال: انّ فاطمة بضعة منّي».(2)
ولكن ليعلم أنّه لا بدّ في رعاية هذا الاستحباب من مراعاة سائر الوجوه في كلّ مقام، حتّى لايؤدّي العمل بهذا الاستحباب الى فعل محرّم أو ترك واجب أو غيرذلك.
(مسألة 16): يكره تزويج الصغار و قبل البلوغ.
الشرح:
الدليل على ذلك صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه أو أبي الحسن عليهماالسلام قال:
«قيل له: انّا نزوّج صبياننا و هم صغار، فقال: اذا زوّجوا و هم صغار
لم يكادوا أن يأتلفوا».(1)
(مسألة 17): يستحبّ تخفيف مؤنة التزويج و تقليل المهر.
الشرح:
و يدلّ على ذلك رواية محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الشؤم في ثلاثة أشياء في الدابّة و المرأة و الدار فأمّا المرأة فشؤمها غلاء مهرها و عسر ولدها و أمّا الدابّة فشؤمها كثرة عللها و سوء خلقها و أمّا الدار فشؤمها ضيقها و خبث جيرانها».(2)
و غيرها ممّا تقدّم و يأتي في باب المهور ان شاء اللّه.
(مسألة 18): يستحبّ ملاعبة الزوجة قبل المواقعة.
الشرح:
يدلّ عليه روايات:
منها رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ليس شيء تحضره الملائكة الاّ الرهان و ملاعبة الرجل أهله».(3)
و منها مرفوعة علي بن اسماعيل قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: ارموا و اركبوا و أن ترموا أحبّ اليّ من أن تركبوا ثمّ قال: كلّ لهو المؤمن باطل الاّ في ثلاث: في تأديبه الفرس و رميهعن القوس و ملاعبته امرأته فانّهنّ حقّ».(1)
و منها رواية أبي البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: ثلاثة من الجفا: أن يصحب الرجل الرجل فلايسأله عن اسمه و كنيته، و أن يدعى الرجل الى طعام فلايجيب و أن يجيب فلايأكل و مواقعة الرجل أهله قبل المداعبة».(2)
(مسألة 19): يجوز للرجل تقبيل أيّ جزء من جسد زوجته و مسّ أيّ جزء من بدنه ببدنها.
الشرح:
يدلّ عليه روايات:
منها صحيحة علي بن جعفر قال:
«سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن الرجل يقبّل قبل امرأته، قال: لابأس».(3)
و منها رواية عبيد بن زرارة قال:
«كان لنا جار شيخ له جارية فارهة قد أعطى بها ثلاثين ألف درهم و كان لايبلغ منها ما يريد و كانت تقول: اجعل يدك كذا بين شفريّ(4)
فانّي أجد لذلك لذّة و كان يكره أن يفعل ذلك فقال لزرارة: سل أبا عبداللّه عليه السلام عن هذا، فسأله فقال: لابأس أن يستعين بكلّ شيء من جسده عليها ولكن لايستعين بغير جسده عليها».(1)
و منها رواية أخرى له قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل تكون عنده جوار فلايقدر على أن يطأهنّ يعمل لهنّ شيئا يلذّذهنّ به قال: أمّا ما كان من جسده فلابأس به».(2)
(مسألة 20): يستحبّ اللبث و ترك التعجيل عند الجماع.
الشرح:
و يدلّ عليه رواية ابن القدّاح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: اذا جامع أحدكم فلايأتيهنّ كما يأتي الطير ليمكث و ليلبث، قال بعضهم: و ليتلبّث».(3)
و رواية مسمع عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: اذا أراد أحدكم أن يأتي أهله فلايعجّلها».(4)
و رواية الصدوق قال:
«قال الصادق عليه السلام : انّ أحدكم ليأتي أهله فتخرج من تحته فلو أصابت زنجيّا لتشبّثت به فاذا أتى أحدكم أهله فليكن بينهما مداعبة فانّه أطيب للأمر».(5)
1) - وسائل الشيعة 20: 111 / الباب 51 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 20: 111 / الباب 51 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 20: 117 / الباب 56 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 20: 117 / الباب 56 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 20: 118 / الباب 56 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 3.
و ما رواه في الخصال عن علي عليه السلام (في حديث الأربعمائة) قال:
«اذا أراد أحدكم أن يأتي زوجته فلايعجّلها فانّ للنساء حوائج».(1)
(مسألة 21): تكره المجامعة تحت السماء.
قد تقدّم ما يدلّ على ذلك في وصيّة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لعليّ عليه السلام المرويّة عن أبي سعيد الخدري.
(مسألة 22):يستحبّ اكثار الصوم و توفير الشعر لمن لايقدر على التزويج مع ميله و عدم طوله.
الشرح:
يدلّ على ذلك مرفوعة محمّد بن يحيى قال:
«جاء رجل الى النبي صلى اللّه عليه و آله فقال: يا رسول اللّه ليس عندي طول فأنكح النساء فاليك أشكو العزوبيّة، قال: وفّر شعر جسدك و أدم الصيام، ففعل فذهب ما به من الشبق».(2)
و رواية اسماعيل بن أبي زياد عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام قال:
«قال علي عليه السلام : ما كثر شعر رجل قطّ الاّ قلّت من شهوته».(3)
(مسألة 23): يستحبّ خلع خفّ العروس اذا دخلت البيت و غسل رجليها و صبّ الماء من باب الدار الى آخرها.
(مسألة 24): يستحبّ منع العروس في أسبوع العرس من الألبان و الخلّو الكزبرة و التفّاح الحامض.
(مسألة 25): يكره اتّحاد خرقة الزوج و الزوجة عند الفراغ من الجماع.
و قد تقدّم ما يدلّ على كلّ هذه في رواية أبي سعيد الخدري.
(مسألة 26): يجوز لمن يريد تزويج امرأة أن ينظر الى وجهها و كفّيها و شعرها و محاسنها، بل لايبعد جواز النظر الى سائر جسدها ما عدا عورتها و ان كان الأحوط خلافه. و لايشترط أن يكون ذلك باذنها و رضاها. نعم، لايشترط أن لايكون بقصد التلذّذ و ان علم أنّه يحصل بنظرها قهرا. و يجوز تكرّر النظر اذا لم يحصل الغرض - و هو الاطّلاع على حالها - بالنظر الأوّل. و يشترط أيضا أن لايكون مسبوقا بحالها و أن يحتمل اختيارها و الاّ فلايجوز. و لا فرق بين أن يكون قاصدا لتزويجها بالخصوص أو كان قاصدا لمطلق التزويج و كان بصدد تعيين الزوجة بهذا الاختبار، و ان كان الأحوط الاقتصار على الأوّل. و أيضا لا فرق بين أن يكون المعرفة بحالها بوجه آخر من توكيل امرأة تنظر اليها و تخبره أو لا، و ان كان الأحوط الاقتصار على الثاني. و لايبعد جواز نظر المرأة أيضا الى الرجل الذي يريد تزويجها ولكن لايترك الاحتياط بالترك. و كذا يجوز النظر الى جارية يريد شراءها و ان كان بغير اذن سيّدها. و الظاهر اختصاص ذلك بالمشتري لنفسه، فلايشمل الوكيل و الولي و الفضولي. و أمّا في الزوجة فالمقطوع هو الاختصاص.
الشرح:
في المسألة فروع:
و الروايات الواردة في هذه المسألة مختلفة قابلة للجمع بتقييد المطلق منها أو تبيين اجمال بعضها ببعض أو تفسير ظهور بعضها ببعض، فنحن نذكر أوّلاً الروايات الواردة ثمّ نجمع بينها:
و الروايات الواردة في حكم هذه المسألة على طوائف:
منها ما ورد فيها جواز النظر الى المرأة من دون قيد كصحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يريد أن يتزوّج المرأة أينظر اليها؟ قال: نعم، انّما يشتريها بأغلى الثمن».(1)
و موثّقة زرعة بن محمّد قال:
«كان رجل بالمدينة له جارية نفيسة فوقعت في قلب رجل و أعجب بها فشكا ذلك الى أبي عبداللّه عليه السلام فقال له: تعرّض لرؤيتها و كلّما رأيتها فقل: أسأل اللّه من فضله. الحديث. و فيه أنّه فعل ذلك فعرض لسيّد الجارية بسفر و أراد أن يودعها عند ذلك الرجل فأبى فباعه ايّاها».(2)
و رواية الحسن بن السري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أنّه سأله عن الرجل ينظر الى المرأة قبل أن يتزوّجها، قال: نعم، فلِم يعطي ماله؟».(1)
و منها ما يذكر فيها المحاسن كما في صحيحة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام في رجل ينظر الى محاسن امرأة يريد أن يتزوّجها قال:
«لابأس انّما هو مستام فان يقض أمر يكون».(2)
و رواية مسعدة بن اليسع الباهلي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لابأس أن ينظر الرجل الى محاسن المرأة قبل أن يتزوّجها فانّما هو مستام فان يقض أمر يكن».(3)
و منها ما يذكر فيها المحاسن مع غيرها أو يذكر فيها غيرها كصحيحة هشام بن سالم و حمّاد بن عثمان و حفص بن البختري كلّهم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لابأس بأن ينظر الى وجهها و معاصمها(4)اذا أراد أن يتزوّجها».(5)
و رواية عبداللّه بن سنان قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يريد أن يتزوّج المرأة أينظر الى شعرها؟ فقال: نعم، انّما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن».(6)
و معتبرة الحسن بن السري قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يريد أن يتزوّج المرأة يتأمّلها و ينظر الى خلقها(7)و الى وجهها؟ قال: نعم، لابأس أن ينظر الرجل الى
1) - وسائل الشيعة 20: 88 / الباب 36 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 20: 89 / الباب 36 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 8.
3) - وسائل الشيعة 20: 90 / الباب 36 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 12.
4) - المعصم: موضع السوار من اليد.
5) - وسائل الشيعة 20: 88 / الباب 36 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 2.
6) - وسائل الشيعة 20: 89 / الباب 36 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 7.
7) - في المصدر: خلفها. هامش الوسائل
المرأة اذا أراد أن يتزوّجها ينظر الى خلقها(1)و الى وجهها».(2)
و مرسلة الفضل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت: أينظر الرجل الى المرأة يريد تزويجها فينظر الى شعرها و محاسنها؟ قال: لابأس بذلك اذا لم يكن متلذّذا».(3)
و الجمع بين هذه الروايات - بحمل مطلقها على مقيّدها أو تفسير ظاهرها بنصّها أو تبيين مجملها بمبيّنها - هو جواز النظر الى الوجه و الكفّين و الشعر و المعاصم التي ينصّ عليها في بعض تلك الروايات، و كذا جواز النظر الى العطف و أن ينظر الى المرأة جالسة و قائمة و ماشية من خلفها من فوق الثياب.
و أمّا ما يذكر فيه النظر بدون قيد فالظاهر أنّ اطلاقه يقيّد بغيره. و أمّا ما ذكر فيه المحاسن من دون ذكر شيء آخر فيه فيفسّر المحاسن بما ذكر في غيره من الشعر و الوجه و الكفّين و المعاصم و غيرها، فانّ المحاسن تطلق في العرف على مواضع الزينة و هي لاتكون غير هذه المذكورات.
و أمّا ما ذكر فيه المحاسن مضافا الى الوجه و الكفّين أو مضافا الى الشعر، فتحمل على غير ما ذكر معها فان ذكرت مع الشعر فتحمل على الوجه و الكفّين و المعاصم و ان ذكرت مع تلك فتحمل على الشعر و هكذا.
بقي الكلام في صحيحة يونس بن يعقوب قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يريد أن يتزوّج المرأة يجوز له النظر اليها؟ قال: نعم، و ترقّق له الثياب؛ لأنّه يريد أن يشتريها بأغلى الثمن».(4)
فهل يكون المراد من ترقيق الثياب أن تكون بحيث تكشف عن البدن أو لا؟
الظاهر لا، فانّ المراد منه أن لاتكون الثياب ضخمة بحيث لايتشخّص حجم البدن،أو المراد منه عدم تعدّد الثياب كما عن السيّد الخوئي رحمه اللّه.
و يظهر المراد منه بما ذكر في صحيحته الأخرى قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يريد أن يتزوّج المرأة و أحبّ أن ينظر اليها، قال: تحتجز ثمّ لتقعد و ليدخل فلينظر، قال: قلت: تقوم حتّى ينظر اليها؟ قال: نعم، قلت: فتمشي بين يديه؟ قال: ما أحبّ أن تفعل».(1)
و أمّا ما رواه داود بن أبي يزيد العطّار مرسلاً عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«ايّاكم و النظر فانّه سهم من سهام ابليس، و قال: لابأس بالنظر الى ما وصفت الثياب».(2)
فانّه - مضافا الى عدم توثيق داود - لايستفاد من ذيلها أنّه يجوز النظر الى ما وصف الثياب الرقيقة من البدن فانّها تفسّر بغيرها من الروايات.
فتحصّل أنّه لايجوز النظر الى غير ما ذكرنا.
و في الشرائع: «يجوز النظر الى وجه امرأة يريد نكاحها و ان لم يستأذنها و يختصّ الجواز بوجهها و كفّيها و له أن يكرّر النظر اليها و أن ينظرها قائمة و ماشية. و روي جواز أن ينظر الى شعرها و محاسنها و جسدها من فوق الثياب».(3)
و في المسالك: «لا خلاف بين سائر العلماء في جواز النظر لمن أراد التزويج بامرأة، و قد رواه الخاصّة و العامّة عن النبي صلى اللّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام . قال صلى اللّه عليه و آله: لرجل من أصحابه و قد خطب امرأة: «أنظر الى وجهها و كفّيها، فانّه أحرى أن يؤدم بينكما» أي تجعل بينكما المودّة و الألفة، يقال: أدم اللّه بينهما، على وزن فعل. و ربما قيل باستحبابه، نظرا الى ظاهر الأمر الذي أقلّ مراتبه ذلك. و يمكن منع دلالته عليه،
لجواز ارادة الاباحة فانّها بعض مستعملاته حيث لايراد به الوجوب، كقوله تعالى:«و اذا حللتم فاصطادوا». و شرط الجواز مع ارادته امكانه عادة بأن تكون محلّلة له في الحال، و يجوز أن تجيبه اليه، فلايجوز النظر الى ذات البعل، و لا الى المعتدّة ليتزوّجها عند الخلوّ من المانع، و لا لمن يعلم عادة عدم اجابتها.
و ينبغي أن يكون قبل الخطبة، اذ لو كان بعدها و تركها لشقّ ذلك عليها و أوحشها. و لو لم يتيسّر له النظر بنفسه بعث اليها امرأة تتأمّلها و تصفها له، للتأسّي
و المراد بمحاسنها مواضع زينتها، و هي أوسع دائرة من الوجه و الكفّين، و ربما قيل باختصاصها بهما. و قوله: «من فوق الثياب» قيد للنظر الى الجسد لا الى غيره، لعدم تقييد الروايات به. و كما يجوز النظر للرجل فكذا للمرأة، لاشتراكهما في المقصود.
و اعلم أنّه سيأتي جواز النظر الى وجه المرأة الأجنبيّة و كفّيها في الجملة، فاذا وجب الاقتصار هنا على هذا القدر بقي الفرق بينهما و بين الأجنبيّة من وجوه:
أحدها: أنّ جوازه للأجنبيّة موضع خلاف، و هنا موضع وفاق.
و الثاني: أنّه في الأجنبيّة مشروط بعدم خوف الفتنة، و هنا لايشترط، لأنّه يريد التزويج، اللّهمّ الاّ أن يخافها قبل وقوع العقد. و في التذكرة أطلق الجواز مع خوف الفتنة و بدونها، معلّلاً بأنّ الغرض ارادة النكاح، و مقتضاه أنّ ذلك منافٍ للفتنة.
و الثالث: أنّه في الأجنبيّة مقصور على أوّل نظرة فلايجوز التكرار، و هنا يجوز.
و الرابع: أنّه في الأجنبيّة مكروه، و هنا لا كراهة فيه ان لم يكن مستحبّا. و أمّا نظرها من وراء الثياب قائمة و ماشية فلا خصوصيّة له عن الأجنبيّة الاّ من حيث الاباحة هنا و الكراهة ثمّ. انتهى ملخّصا».(1)
و في اللمعة و شرحها: «و يجوز النظر الى وجه المرأة التي يريد نكاحها و ان
1) - مسالك الأفهام 7: 40 - 43.
لم يستأذنها، بل يستحبّ له النظر ليرتفع عنه الغرر، فانّه مستام يأخذ بأغلى ثمنكما ورد في الخبر. و يختصّ الجواز بالوجه و الكفّين، ظاهرهما و باطنهما الى الزندين، و ينظرها قائمة و ماشية، و كذا يجوز للمرأة نظره كذلك و روى عبداللّه بن الفضل مرسلاً عن الصادق عليه السلام جواز النظر الى شعرها و محاسنها، و هي مواضع الزينة اذا لم يكن متلذّذا. و هي مردودة بالارسال و غيره»(1)
و في الجواهر: «يختصّ الجواز بوجهها و كفّيها بل قيل: انّه المشهور و ان كنّا لم نتحقّقه، خصوصا بعد ما في النهاية: «و لابأس أن ينظر الرجل الى وجه مرأة يريد العقد عليها، و ينظر الى محاسنها و وجهها، و يجوز أن ينظر الى مشيها و جسدها من فوق ثيابها، و لايجوز له شيء من ذلك اذا لم يرد العقد عليها». و في الوسيلة: «و اذا أراد أن يملك امرأة جاز له النظر الى محاسنها و مشيها و جسدها من فوق الثياب». بل لعلّه المراد أيضا ممّا في المقنعة من النظر الى وجهها و يديها بارزة من الثوب، و اليها ماشية في ثيابها، و في الكفاية: يتّجه العمل بما تضمّنته النصوص من النظر الى الشعر و المحاسن. و اختاره أيضا المقدّس البغدادي و سيّد المدارك و المحدّث البحراني، و في الرياض: العمل بها متّجه وفاقا للمشايخ الثلاثة لاسيّما القديمين و جمع من الأصحاب.
مع أنّك قد عرفت خلوّ النصوص عن التخصيص المزبور، و انّما في حسن حفص نفي البأس عن النظر الى الوجه و المعاصم، و هو - مع كون المعصم فيه محلّ السوار غير الكفّ المحدود عندهم بمفصل الزند - غير منافٍ لباقي النصوص المتعاضدة بعضها مع بعض المشتركة في التعليل الموافق للاعتبار المقتضي جواز النظر الى جميع بدنها عدا العورة الذي به يزول الغرر و الخطر عنه، لأنّه مستام يأخذ بأغلى الثمن، و معطٍ ماله، و مريد للألفة الدائمة، و المودّة المستمرّة، بل قد يراد بالمحاسن ذلك لا خصوص مواضع الزينة، و لا ما قابل
1) - الروضة البهيّة 5: 97.
المساوي فلا محيص للفقيه الذي كشف اللّه عن بصيرته عن القول بجواز النظرالى جميع جسدها بعد تعاضد تلك النصوص و كثرتها، و فيها الصحيح و الموثّق و غيرهما الدالّة بأنواع الدلالة على ذلك. و أنّ له أن يتأمّلها و أن يكرّر النظر اليها اذا لم يكن قد تعمّق في الأوّل، و جواز استفادته منه ما لم يكن قد استفاده من النظر السابق. انتهى ملخّصا».(1)
و قد عرفت ما فيه من الاشكالات و أنّ الحقّ خلاف ما ذهب اليه في بعض كلامه.
و هو أمور:
منها: انّه لايشترط أن يكون النظر باذنها و رضاها و ذلك أوّلاً لاطلاق الروايات و أنّ عمومات حرمة النظر الى الأجنبيّة مخصّصة.
و ثانيا: انّه ليس من حقوق المرأة كي يتوقّف الحلّ على رضاها. نعم، لايجوز اجبارها لو كانت كارهة حتّى فيما اذا كان الاكراه من قبل الأب و ذلك لعدم استفادة ذلك من الروايات مضافا الى أنّ عهدة اختيار الزواج على نفسها.
نعم، لو كانت كراهتها لعفّتها فيجوز لأبيها أو من يأمره أن يكشف الستر عن وجهها و شعرها و محاسنها من دون أذاها.
و منها: انّه يشترط أن لايكون قصده من النظر اليها التلذّذ و الاّ فلايجوز كما تقدّم قوله عليه السلام في مرسلة الفضل: «لابأس بذلك اذا لم يكن متلذّذا». و يعتبر أن يكون قصده من النظر اليها الزواج. نعم، لو علم أنّه يحصل بنظره اليها التلذّذ
1) - جواهر الكلام 29: 66 و 67.
لم يحرم و ذلك لحصول ذلك عادة للشابّ الذي له شبق مع اطلاق الرواياتبجواز النظر.
و منها: انّه يجوز تكرار النظر اذا لم يحصل الغرض - و هو الاطّلاع على حالها - بالنظر الأوّل و ذلك لما في الروايات المتقدّمة من علّة جواز النظر و أنّه يريد أن يشتريها بأغلى الثمن، مضافا الى اطلاقها. نعم، لو حصل الغرض بالنظر الأوّل فلايجوز تكراره و كذا لو كان مسبوقا بالعلم بحالها بحيث لم يكن في النظر اليها كشف جديد و مزيد اطّلاع عليها.
و منها: انّه يشترط أن يحتمل اختيارها فلو لم يكن ذلك لايصدق عليه عنوان ارادة التزويج. و يشترط أيضا جواز تزويجها بالفعل فلو لم يجز نكاحها فعلاً لايجوز النظر اليها كما لو كانت تحته أربع زوجات دائمات و أراد أن يتزوّجها دائما أو كانت المرأة في العدّة فعلاً أو كانت أختا لزوجته و ذلك لأنّ الظاهر من الروايات ارادة نكاحها فعلاً و لا مانع له من ذلك.
و منها: انّه يشترط أن يكون قاصدا لتزويجها بالخصوص كما هو ظاهر الروايات فانّ قوله عليه السلام في صحيحة حفص بن البختري: «لابأس بأن ينظر الى وجهها و معاصمها اذا أراد أن يتزوّجها». ظاهر بل نصّ في ارادة تزويجها بالخصوص، فما ذهب اليه المصنّف من جواز النظر اليها و ان لم يرد تزويجها بالخصوص ليس على ما ينبغي. ثمّ المراد بارادة تزويجها بالخصوص قبل رؤيتها، أن لايكون هناك مانع آخر من تزويجها غير عدم رؤيتها بأن هيّأ سائر مقدّماته اللازمة له و أراد تزويجها ان رآها و استحسنها.
و منها: انّه لا فرق في جواز النظر بنفسه بين أن يمكن المعرفة بحالها بوجه آخر من توكيل امرأة تنظر اليها و تخبره أو لا، و ذلك لاطلاق الروايات و عدم تقييدها بعدم امكان المعرفة من طريق آخر، مع أنّه ربما لايحصل الغرض و العلّة المذكورة في الروايات بنظر الغير و وصفها له.
قبل نقل الأقوال في هذا الفرع لا بدّ من تبيين موضع النزاع فنقول:
الكلام في هذا الفرع كان بعد الفراغ عن جواز نظر المرأة الى ما كشف و ظهر من الرجل كما سيأتي، و عليه فالبحث كان في نظر المرأة الى أكثر ممّا سيأتي جوازه و فرّع على جواز نظرها الى أكثر منها جوازه و لو متلذّذا اذا لم تقصد التلذّذ كما تقدّم في الفرع السابق من أنّ الرجل يجوز له النظر الى المرأة التي يريد تزويجها من غير قصد التلذّذ و ان علم أنّه بالنظر يتلذّذ.
اذا عرفت هذا فاعلم أنّ المصنّف رحمه اللّه قد نفى البعد عن جواز نظرها اليه، كما أنّ الشيخ الأعظم رحمه اللّه قد قال بالجواز و استدلّ عليه و قال: «كما صرّح به في القواعد؛ لما يستفاد من التعليل في أخبار المسألة، فانّ الرجل اذا جاز له النظر لئلاّ يضيع ماله الذي يعطيها على جهة الصداق و غيره، فلأن يجوز للمرأة لئلاّ يضيع بضعها أولى، سيّما مع أنّ للرجل مناصا عن المرأة بالطلاق اذا لم يجدها على ما يريد بخلاف المرأة. و بالجملة حيث دلّت الأخبار على أنّ الرجل يشتري بأغلى الثمن فيجوز له النظر استفيد منها أنّ المرأة أيضا تبيع نفسها و بضعها و لا ريب أنّه أغلى مثمن. و بذلك ظهر ضعف القول الآخر مستندا الى عدم الدليل فانّه ناشئ عن عدم الدقّة في مفاد التعليل».(1)
و في المسالك: «و كما يجوز النظر للرجل فكذا للمرأة؛ لاشتراكهما في المقصود».(2)
ولكن صاحب الجواهر لم يرتض بهذا الكلام و قد ذهب الى عدم الجواز و قال: «و ربما ألحق بجواز نظره اليها جواز نظرها اليه على حسب نظرة اليها،
لاشتراكهما في العلّة، بل ربما كانت فيها أتمّ باعتبار كون الطلاق بيده دونها. لكنفيه أن العلّة كونه مستاما يأخذ بأغلى الثمن، و لا ريب في عدم تحقّقها بالنسبة اليها و حينئذ فيشكل الالحاق المزبور بعد حرمة القياس عندنا، اللّهمّ الاّ أن يقال باشعار التعليل بالألفة في بعض النصوص بذلك لكن في الاكتفاء بمثله عن الخروج عن مقتضى التحريم نظر أو منع، كمنع جواز ذلك لغير مريد التزويج و لو وليّا، لقصور الأدلّة عن اخراجه عن مقتضى الحرمة، بخلافه في شراء الأمة الشامل له و لغيره عدا الفضولي على الظاهر».(1)
و العلاّمة الخوئي أيضا ذهب الى ما ذهب اليه صاحب الجواهر و قال: «و ذلك لأجل ما ذكرناه في تفسير التعليل المذكور في قوله عليه السلام : «انّما يشتريها بأغلى الثمن». اذ عرفت أنّ جواز نظره اليها كان بسبب سدّ باب ذهاب ماله هدرا و من دون امكان التدارك و حيث انّ هذا الاحتمال لايتأتّى في حقّ المرأة اذ لايمكن أن يذهب مالها هدرا، باعتبار أنّها انّما تبذل بضعها بازاء المهر فلايتلف عليها شيء فالتعدّي عن مورد الروايات يكون مشكلاً جدّا. و عليه فالظاهر هو القول بعدم الجواز».(2)
أقول:
لا اشكال في جواز نظر المرأة من غير تلذّذ و ريبة الى ما كشف و ظهر من الرجل متعارفا و هو الوجه و الكفّين الى الزندين و الرأس الشامل لشعره و رقبته سواء أراد التزويج بها أو لا، و يستوي في الجواز النظرة الواحدة أو المكرّرة اذا لم تتلذّذ بالنظر و لو قهرا.
انّما الكلام في اثبات جواز ما سوى ذلك للمرأة و الظاهر عدم ثبوته و ذلك لعدم الدليل عليه، فانّ الروايات الكثيرة واردة في الرجل وحده و لو جاز للمرأة
النظر - أزيد ممّا قد جاز لها في غير المقام - لذكر في هذه الأخبار و لأشير اليه.و الحكم بمساواتها الرجل في هذا الحكم قياس مع الفارق.
و عليه فلايجوز للمرأة النظر الى ما عدا المتعارف، و لو علمت بأنّه مع النظر تتلذّذ فيحرم لها النظر.
ففي الشرائع: «و كذا يجوز أن ينظر الى أمة يريد شراءها و الى شعرها و محاسنها».(1)
و في المسالك: «لا ريب في جواز النظر الى الأمة التي يريد شراءها و انّما الكلام في محلّه و موضع الوفاق منه وجهها و كفّاها و محاسنها و شعرها و ان لم يأذن المولى صريحا؛ لأنّ عرضها للبيع قرينة الاذن في ذلك. و هل يجوز الزيادة على ذلك من باقي جسدها ما عدا العورة؟ قيل: نعم، قطع به في التذكرة لدعاء الحاجة اليه للتطلّع اليها لئلاّيكون بها عيب فيحتاج الى الاطّلاع عليه و قيّده في الدروس بتحليل المولى و معه يجوز الى العورة أيضا.
و في رواية أبي بصير قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يعترض الأمة ليشتريها، قال: لابأس بأن ينظر الى محاسنها و يمسّها ما لم ينظر الى ما لاينبغي له النظر اليه». و ظاهر الرواية جواز النظر الى ما عدا العورة - كما اختاره في التذكرة - و ان لم يأذن المولى، مع احتمال أن يريد بقوله: «ما لاينبغي له النظر اليه» ما هو أعمّ من العورة. و لم يتعرّض المصنّف لجواز اللمس و في الرواية تصريح بجوازه و هو حسن مع توقّف الغرض عليه و الاّ فتركه أحسن الاّ مع التحليل. و الحكم هنا مختصّ بالمشتري فلايجوز للأمة النظر اليه زيادة على ما يجوز للأجنبي بخلاف
1) - شرائع الاسلام 2: 213.
الزوجة. و الفرق أنّ في الشراء لا اختيار لها بخلاف التزويج».(1)
أقول:
يدلّ على جواز النظر روايات:
منها معتبرة الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام :
«أنّه كان اذا أراد أن يشتري الجارية يكشف عن ساقيها فينظر اليها».(2)
و منها رواية أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يعترض الأمة ليشتريها قال: لابأس بأن ينظر الى محاسنها و يمسّها ما لم ينظر الى ما لاينبغي النظراليه».(3)
و منها رواية حبيب بن المعلّى الخثعمي قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : انّي اعترضت جواري المدينة فأمذيت، فقال: أمّا لمن يريد الشراء فليس به بأس و أمّا لمن لايريد أن يشتري فانّي أكرهه».(4)
و منها رواية عمران الجعفري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاأحبّ للرجل أن يقلّب الاّ جارية يريد شراءها».(5)
و قال المحقّق الخوئي رحمه اللّه: «فالعمدة في الاستدلال هو التمسّك بالسيرة القطعيّة و عدم الخلاف بين الأعلام في خصوص الوجه و اليدين فانّهنّ على عهدهم عليهم السلام كنّ يخدمن في المجالس و من الواضح أنّ لازم ذلك وقوع نظر الرجال عليهنّ من
1) - مسالك الأفهام 7: 42 و 43.
2) - وسائل الشيعة 18: 274 / الباب 20 من أبواب بيع الحيوان / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 18: 273 / الباب 20 من أبواب بيع الحيوان / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 18: 273 / الباب 20 من أبواب بيع الحيوان / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 18: 274 / الباب 20 من أبواب بيع الحيوان / الحديث 3.
دون أن يصدر في ذلك أيّ ردع منهم عليهم السلام . و أمّا في غير الوجه و الكفّين من المحاسن فتكفينا معتبرة الحسين بن علوان، فانّه اذا ثبت جواز النظر الى الساق التي هي أمر مستور عادة، ثبت جواز النظر الى ما ليس بمستور كذلك - كالشعر و اليدين - بالأولويّة القطعيّة، فانّه لا حاجة الى كشفها للنظر اليها».(1)
و لايخفى ما في صدر كلامه، فانّ عدم ردع الأئمّة عليهم السلام من النظر الى الجواري في المجالس لايلازم جواز نظر المشتري الى الأمة، فانّ بين نظرهم و نظره بونابعيدا.
(مسألة 27): يجوز النظر الى نساء أهل الذمّة بل مطلق الكفّار مع عدم التلذّذ و الريبة - أي خوف الوقوع في الحرام - و الأحوط الاقتصار على المقدار الذي جرت عادتهنّ على عدم ستره. و قد يلحق بهم نساء أهل البوادي و القرى من الأعراب و غيرهم و هو مشكل. نعم، الظاهر عدم حرمة التردّد في الأسواق و نحوها مع العلم بوقوع النظر عليهنّ، و لايجب غضّ البصر اذا لم يكن هناك خوف افتتان.
الشرح:
يدلّ على جواز النظر الى نساء أهل الذمّة رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: لا حرمة لنساء أهل الذمّة أن ينظر الى شعورهنّ و أيديهنّ».(2)
و رواية أبي البختري عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال:
«لابأس بالنظر الى رؤوس نساء أهل الذمّة، و قال: ينزل المسلمون على أهل الذمّة في أسفارهم و حاجاتهم و لاينزل المسلم على المسلم الاّ باذنه».(1)
و على هذا فيجوز النظر الى نساء مطلق الكفّار بطريق أولى؛ لأنّ أهل الكتاب الذين كانوا في ذمّة الاسلام أقرب الى أصناف المسلمين، فانّ أموالهم و أنفسهم محترمة كمال المسلم و نفسه، فاذا لم تثبت حرمة لأعراضهم فبطريق أولى لاتثبت في سائر الكفّار، كما في المباني.
و في الشرائع: «و يجوز النظر الى أهل الذمّة و شعورهنّ؛ لأنّهنّ بمنزلة الاماء، لكن لايجوز ذلك لتلذّذ و لا لريبة».(2)
و في المسالك: «انّما كنّ بمنزلة الاماء لأنّ أهل الذمّة فيء في الأصل للمسلمين، و انّما حرّمهنّ التزام الرجال بشرائط الذمّة فتبعهم النساء، فكان تحريمهنّ عارضيّا، و الاماء كذلك وانّما حرّمهنّ ملك المسلمين - الى أن قال: - و منع ابن ادريس من النظر الى نساء أهل الذمّة؛ لعموم «قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم» و اختاره العلاّمة في المختلف و ان وافق المشهور في باقي كتبه».(3)
و في المباني: «الظاهر أنّ مراد المحقّق رحمه اللّه في الشرائع ليس هو كونهنّ مماليك للمسلمين؛ اذ لم يقم دليل على ذلك فانّ الملك لايحصل الاّ بالاسترقاق و تنزيلهنّ بتلك المنزلة يحتاج الى الدليل و هو مفقود. كما أنّه ليس مراده رحمه اللّه كونهنّ مماليك للامام عليه السلام فانّه و ان دلّت صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: «سألته عن رجل له امرأة نصرانيّة له أن يتزوّج عليها يهوديّة؟ فقال: انّ أهل الكتاب مماليك للامام. الحديث»، على ذلك الاّ أنّه لاينسجم مع تعبيره رحمه اللّه بأنّهنّ بمنزلة
الاماء، فانّه لو كان مراده هو ذلك لكان عليه أن يقول: لأنّهنّ اماء لا أنّهنّ بمنزلةالاماء. بل الظاهر أنّ مراده رحمه اللّه - و اللّه العالم - هو كونهنّ بمنزلة الاماء في عدم الحرمة لهنّ؛ اذ الأمة تختلف عن الحرّة في هذه الجهة فانّ الحرّة لها حرمة فلايجوز النظر اليها بخلاف الاماء، فانّه يجوز النظر الى شعورهنّ و وجوههنّ و أيديهنّ فتكون نساء أهل الذمّة بمنزلة الاماء في هذه الجهة».(1)
و علي أيّ حال فيقيّد جواز النظر الى الكفّار بعدم التلذّذ و الريبة - أي خوف الوقوع في الحرام - و ذلك لقوله تعالى: «قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم انّ اللّه خبير بما يصنعون»(2)فانّ الآية تدلّ على عدم جواز النظر الى الأجنبيّات لما فيه من الشهوة نوعا فيجب غضّ البصر عن النظر و الشاهد على ذلك اتيان الأمر بحفظ الفروج بعد ذلك، فكأنّ النظر الى الأجنبيّات موجب لوقوع الزنا الذي يعبّر عنه بالريبة تارة و بالفتنة أخرى، فانّ الذي يكون متيقّنا من علّة هذا الحكم هو اللذّة التي بمعنى الشهوة و تحريك مادّة الجماع، أو خوف الوقوع في الفتنة و هو الريبة.
و يدلّ على ذلك - مضافا الى ظاهر الآية - روايات كرواية سعد الاسكاف عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«استقبل شابّ من الأنصار امرأة بالمدينة و كان النساء يتقنّعن خلف آذانهنّ فنظر اليها و هي مقبلة فلمّا جازت نظر اليها و دخل في زقاق قد سمّاه ببني فلان فجعل ينظر خلفها و اعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشقّ وجهه فلمّا مضت المرأة نظر فاذا الدماء تسيل على ثوبه و صدره، فقال: واللّه لآتينّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و لأخبرنّه فأتاه فلمّا رآه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال: ما هذا؟ فأخبره فهبط جبرئيل عليه السلام
بهذه الآية: «قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهمذلك أزكى لهم انّ اللّه خبير بما يصنعون»».(1)
و رواية عقبة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: النظرة سهم من سهام ابليس مسموم، و كم من نظرة أورثت حسرة طويلة».(2)
فالآية تدلّ على عدم جواز النظر الشهوي.
هذا من ناحية، و من ناحية أخرى يظهر من الروايات جهة أخرى لحرمة النظر و وجوب غضّ البصر عنهنّ و هي حرمتهنّ كما عرفت في رواية السكوني، فاذا خصّصت هذه الآية الكريمة بالرواية و عمل المشهور فخرج منها النظر الى نساء أهل الذمّة بل الكفّار مطلقا و قد ذكر في الرواية أنّ جواز النظر اليهنّ معلّل بأنّه لا حرمة لهنّ، فبقي حرمة النظر للتلذّذ و خوف الفتنة في الآية بوجوب غضّ البصر.
و يظهر ذلك من صحيحة عبّاد بن صهيب قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: لابأس بالنظر الى رؤوس أهل تهامة و الأعراب و أهل السواد و العلوج(3)لأنّهم اذا نهوا لاينتهون قال: و المجنونة و المغلوبة على عقلها لابأس بالنظر الى شعرها و جسدها ما لم يتعمّد ذلك».(4)
فانّ الظاهر من التعمّد في هذه الرواية النظر بشهوة، كما يظهر ذلك بالتأمّل في الرواية.
اذا عرفت هذا فاعلم أنّه بهذه الصحيحة يلحق بنساء أهل الذمّة في جواز النظر
1) - وسائل الشيعة 20: 192 / الباب 104 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 20: 190 / الباب 104 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 1.
3) - العُلُوج جمع العِلج: هو الرجل الضخم من كفّار العجم و بعضهم أطلقه على الكافر.
4) - وسائل الشيعة 20: 206 / الباب 113 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 1.
نساء أهل البوادي و القرى من الأعراب و غيرهم، الاّ أنّ الحكم هنا يختصّ بماجرت عادتهنّ على عدم ستره و ليس الحكم فيهنّ كالحكم في الذمّيّات، فانّ منشأ الجواز في الذمّيّة عدم الحرمة فلايختصّ الحكم بما جرت عادتها على عدم ستره مع أنّ المنشأ في أهل البوادي هو هتك حرمتهنّ بأيديهنّ اذ لاينتهين اذا نهين، فيكون الحكم بالجواز فيهنّ نظير ما ورد في الغيبة من أنّه «من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له»، فانّ الذي كشف ما ستره اللّه و لم يجعل لنفسه حرمة فلا مانع من غيبته فيما كشفه لا في غيره، و عليه فيختصّ الحكم بما جرت عادتهنّ على عدم ستره.
و تلحق بهنّ أيضا كلّ امرأة هتكت حرمتها بيدها و اذا نهيت لاتنتهي.
ولكن ليعلم أنّ الظاهر من الجمع بين آية غضّ البصر و بين الصحيحة أنّه لايجب الغضّ عنهنّ لا أنّه يجوز النظر اليهنّ كما ينظر الى المحارم بل لو مشى في الأسواق و الشوارع و علم بوقوع النظر عليهنّ لايجب الغضّ بشرط ألاّيكون هناك خوف افتتان، كما أنّ الظاهر تقييد جواز النظر بما يظهر منهنّ في المتعارف و عليه فلايجوز النظر الى العورة بل الى ما لايتعارف ابداؤه بينهنّ.
(مسألة 28): يجوز لكلّ من الرجل و المرأة النظر الى ما عدا العورة من مماثله شيخا أو شابّا حسن الصورة أو قبيحها ما لم يكن بتلذّذ أو ريبة. نعم، يكره كشف المسلمة بين يدي اليهوديّة و النصرانيّة بل مطلق الكافرة فانّهنّ يصفن ذلك لأزواجهنّ، و القول بالحرمة للآية حيث قال تعالى: «أو نسائهنّ» فخصّ بالمسلمات، ضعيف لاحتمال كون المراد من نسائهنّ، الجواري و الخدم لهنّ من الحرائر.
الشرح:
قال المحقّق رحمه اللّه في الشرائع: «و يجوز أن ينظر الرجل الى مثله ما خلا عورته
شيخا كان أو شابّا حسنا أو قبيحا ما لم يكن لريبة أو تلذّذ، و كذا المرأة».(1)
و في المسالك: «جواز نظر كلّ واحد من الرجال و النساء الى مثله موضع وفاق قولاً و فعلاً بشرط أن لايكون النظر بتلذّذ و لايخاف معه فتنة بالوقوع في محرّم، و أن يكون النظر لغير العورة و هي من الرجل ما يجب ستره في الصلاة. و لا فرق في ذلك بين الحسن و القبيح للعموم، و لا بين الأمرد و غيره عندنا و الاّ لأمر الشارع الأمرد بالحجاب. نعم، لو خاف الفتنة بالنظر اليه أو تلذّذ به فلا اشكال في التحريم كغيره. و قد روي أنّ وفدا قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و فيهم غلام حسن الوجه فأجلسه من ورائه و كان ذلك بمرأى من الحاضرين. و لم يأمره بالاحتجاب عن الناس فدلّ على أنّه لايحرم و اجلاسه وراءه تنزّها منه صلى اللّه عليه و آله و تعفّفا».(2)
أقول:
أمّا جواز نظر الرجل الى مثله و المرأة الى مثلها ما عدا العورة، فلا خلاف فيه بين الفقهاء كما في المسالك و الجواهر و غيرهما، مضافا الى ما دلّ عليه من الروايات الواردة في الحمّام من نهي الامام عليه السلام عن الدخول بغير مئزر، حيث انّهم كانوا يدخلون الحمّام عراة فنهاهم عن كشف عوراتهم فقط، فانّ ذلك يكشف عن عدم البأس بالنظر الى غير عورة الآخر. و كذا الروايات الواردة في تغسيل الميّت و تكفينه و أنّ المسلم يغسّل المسلم و المسلمة تغسّل المسلمة مستورة عورته و عورتها.
هذا مضافا الى عدم المنع من الشارع من النظر الى حسان الوجوه من جنسهم، مع كثرة الابتلاء بذلك. بل ورد ما ظاهره عكس ذلك و التقرير للنظر كما في الرواية التي رواها في الوسائل من الوفد الوارد على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله.
ثمّ اعلم أنّ جواز النظر مشروط بعدم التلذّذ أو الريبة، و أمّا ما المراد من التلذّذالمحرّم؟ فهل هو هيجان مادّة الجماع فقط أو الأعمّ منه و اللذّات الأخر؟
ففي الجواهر: «و منه يعلم كاطلاق المصنّف و غيره في المقام و غيره عدم الفرق في التلذّذ بين كونه لهيجان مادّة الجماع و بين غيره و لو من حيث انّه ولد حسن فما يستعمله بعض الناس من التلذّذ بالنظر الى حسان الوجوه من الأولاد معتذرا عن ذلك بأنّ التلذّذ الحاصل منه كالتلذّذ بالنظر الى البناء الحسن و نحوه من مكائد الشيطان و حبائله و مصائده، أعاذنا اللّه تعالى من ذلك مع ظنّي أنّ ذلك عذر يعتذر به عند الناس و الاّ فلا عذر له عند العالم بالبواطن و على فرضه لايبعد جوازه على اشكال».(1)
ولكن الظاهر أنّ التلذّذ المحرّم هو ما يكون لهيجان مادّة الجماع فانّ ذلك هو المستفاد من روايات الباب كما تقدّم توضيح ذلك، و هو وجداني لكلّ أحد فانّ الشخص عندما يتلذّذ من شيء يعلم و يعرف أنّه هو التلذّذ المحرّم أو غيره، فانّ التلذّذ الطبيعي الذي يجده الانسان كالتلذّذ الحاصل من النظر الى المناظر الطبيعيّة الزاهرة فليس بمحرّم قطعا لايقبل حرمته الطبع.
و في نظام النكاح: «فما عن الجواهر من الحكم بالتسوية بينهما و أنّ التفريق من الشيطان و مصائده، فلم يعلم كنهه و الانسان على نفسه بصيرة. و هل يحتمل أحد أن يكون نظر الوالدين الى أولادهما مع جمال الخلقة حراما؟».(2)
ثمّ انّه يكره كشف المسلمة بين يدي اليهوديّة و النصرانيّة بل مطلق الكفّار و ذلك لما في صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاينبغي للمرأة أن تنكشف بين يدي اليهوديّة و النصرانيّة فانّهنّ يصفن ذلك لأزواجهنّ».(3)
فانّ في التعبير بلفظ «لاينبغي» دلالة على الكراهة، مع أنّ التعليل دالّ عليهاأيضا فانّ صرف التوصيف للرجال ليس دليلاً على حرمة التكشّف لهنّ، مضافا الى أنّه يلزم العسر و الحرج خصوصا في تلك الأزمنة.
و في المسالك: «و اطلاق المصنّف رحمه اللّه جواز نظر المرأة الى مثلها يشمل المسلمة و الكافرة و التفريق. و المشهور أنّ الحكم كذلك على العموم ولكن ذهب الشيخ في أحد قوليه الى أنّ الذمّيّة لاتنظر الى المسلمة حتّى الوجه و الكفّين؛ لقوله تعالى: «و لايبدين زينتهنّ الاّ لبعولتهنّ - الى قوله - أو نسائهنّ» و الذمّيّة ليست منهنّ و على قوله ليس للمسلمة أن تدخل مع الذمّيّة الى الحمّام. و المشهور الجواز و أنّ المراد بنسائهنّ من في خدمتهنّ من الحرائر و الاماء فيشمل الكافرة و لا فارق بين من في خدمتها منهنّ و غيرها».(1)
و في الجواهر: «يقوى الجواز للأصل و السيرة المستمرّة و احتمال ارادة مطلق النساء من نسائهنّ على أن يكون بيان جواز ابداء زينتهنّ لأمثالهنّ قال في الكشّاف: «الظاهر أنّه عنى بنسائهنّ أو ما ملكت أيمانهنّ من في صحبتهنّ و خدمتهنّ من الحرائر و الاماء، فكأنّه قال سبحانه: النساء سواء في حلّ نظر بعضهنّ الى بعض»».(2)
أقول:
أمّا الآية فالظاهر أنّ المراد من «نسائهنّ» فيها مطلق المماثلة فيشمل المسلمة و الكافرة و ذلك أوّلاً لأنّه لو كان المراد النساء المسلمات بتقريب أنّ الكافرات لسن منهنّ فاللازم منه وجوب ستر المسلمة من أمّها و أختها و أبيها و ابنها ان كانوا كافرين و حرمة ابداء الزينة لهنّ و هو كما ترى، لايلتزم به القائل.
و ثانيا لأنّ الظاهر من قوله تعالى: «أو التابعين غير أولي الاربة من الرجال»
هو الأعمّ من المسلمين و الكافرين كما أنّ المراد من «الطفل الذين لم يظهرواعلى عورات النساء» هو الأعمّ، فتدلّ بوحدة السياق على أعمّيّة ما قبلهما.
(مسألة 29): يجوز لكلّ من الزوج و الزوجة النظر الى جسد الآخر حتّى العورة مع التلذّذ و بدونه بل يجوز لكلّ منهما مسّ الآخر بكلّ عضو منه كلّ عضو من الآخر مع التلذّذ و بدونه.
الشرح:
الظاهر أنّه لا خلاف في جواز نظر كلّ من الزوجين الى جسد الآخر حتّى العورة مع التلذّذ و بدونه، و ذلك لقوله تعالى: «و الذين هم لفروجهم حافظون * الاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانّهم غير ملومين»(1)و اذا ثبت الجواز في العورة ففي باقي البدن ثابت بطريق أولى.
بل يجوز لكلّ منهما مسّ الآخر بكلّ عضو منه كلّ عضو من الآخر مع التلذّذ و بدونه، و قد تقدّم الروايات الدالّة على ذلك و من جملتها ما دلّ على جواز تقبيل الرجل قبل زوجته و مباشرته أمته بأيّ عضو من بدنه لتلذّذها به، لا بغير بدنه.(2)
و كذا الروايات الواردة في جواز النظر الى جميع بدن الزوجة حتّى الفرج في حال الجماع على كراهية.(3)
(مسألة 30): الخنثى مع الأنثى كالذكر و مع الذكر كالأنثى.
الشرح:
اعلم أنّا قد فصّلنا البحث في أحكام ارث الخنثى في كتاب الفرائض و قلنا
هناك بأنّ في تشخيص جنسيّة الخنثى أقوالاً، و المسائل في الخنثى المشكل مبنيّةعلى القول بامكانه و أمّا على القول بعدم امكانه و وجوب عدّ أضلاعه في آخر مرحلة فلانحتاج الى هذه المسألة و أمثالها، ولكن نحن لمّا قلنا بامكانه فنقول:
تارة يكون الكلام في حكم نظر الخنثى الى الرجل و المرأة و أخرى في حكم نظرهما اليه.
أمّا الأوّل فالظاهر عدم جواز نظره الى الذكر و لا الى الأنثى، و ذلك لأنّه يجوز له النظر الى بدن المرأة اذا علم بأنّ نفسه امرأة فلو كان رجلاً لايجوز، و كذا جواز نظره الى الرجل منوط بما اذا أحرز كونه رجلاً فلو كان امرأة لايجوز له النظر، و لمّا لم يحرز الشرط في الجواز فالأصل هو التحريم لآية غضّ البصر.
و لذا صحّ قول المصنّف: «الخنثى مع الأنثى كالذكر و مع الذكر كالأنثى».
و أمّا الصورة الثانية فسيأتي الكلام فيه في المسألة الخمسين.
و في المستمسك: «قال في جامع المقاصد: «الخنثى المشكل بالنسبة الى الرجل كالمرأة و بالنسبة الى المرأة كالرجل، لتوقّف يقين امتثال الأمر بغضّ البصر و الستر على ذلك». و عن صاحب المدارك الاتّفاق عليه. فالخنثى مع ابتلائه بكلّ من الرجل و المرأة يعلم اجمالاً بحرمة النظر الى أحد الصنفين فيجب عليه الاجتناب عنهما معا. و أمّا مع عدم الابتلاء الاّ بأحدهما فيشكل وجوب الاحتياط عليه للشبهة الموضوعيّة، كما أشار الى ذلك في الجواهر و سيأتي في المسألة الخمسين ما له تعلّق بالمقام. انتهى ملخّصا».(1)
كلّ ذلك حكم الأوّلي للمسألة و أمّا اذا عارضها العوارض الثانويّة كلزوم الحرج أو غير ذلك فالحكم كما في سائر الأحكام الأوّليّة العارض عليها ما ذكر.
1) - مستمسك العروة 14: 24.
(مسألة 31): لايجوز النظر الى الأجنبيّة و لا للمرأة النظر الى الأجنبي منغير ضرورة. و استثنى جماعة الوجه و الكفّين فقالوا بالجواز فيهما مع عدم الريبة و التلذّذ، و قيل بالجواز فيهما مرّة و لايجوز تكرار النظر و الأحوط المنع مطلقا.
الشرح:
في المسألة فروع:
يجب ستر العورتين عن نظر كلّ انسان مميّز كما يحرم النظر الى عورة كلّ مميّز على الأحوط الاّ النظر الى عورة الزوج أو الزوجة أو ملك اليمين و الدليل على ذلك الكتاب و السنّة و الاجماع.
أمّا الكتاب فقوله تعالى: «و الذين هم لفروجهم حافظون الاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانّهم غير ملومين» و قوله تعالى: «قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم و قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ و يحفظن فروجهنّ»(1)و قوله تعالى: «و الحافظين فروجهم و الحافظات»(2)فاطلاق حفظ الفرج يشمل ستره عن نظر كلّ انسان الاّ عن زوجه أو ما ملكت يمينه كما أنّ ظهور وجوب الغضّ كان في الغضّ عمّا وجب ستره و منه الفرج عن كلّ انسان مميّز الاّ ما خرج بالنصّ.
نعم لايجب الستر عن غير المميّز أو الحيوان كما أنّ النظر الى فرجهما لايحرم؛ لأنّهما كالنبات و الجماد، مضافا الى ما ورد من الدليل على ذلك كما سيأتي.
و أمّا من السنة فأكثر من أن تحصى و قد أوردها صاحب الوسائل في أبواب
الخلوة و في أبواب الحمّام:
فمنها صحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاينظر الرجل الى عورة أخيه».(1)
و منها صحيحة الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يغتسل بغير ازار حيث لايراه أحد قال: لابأس».(2)
ومنها صحيحة رفاعة بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلايدخل الحمّام الاّ بمئزر».(3)
ومنها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن الحمّام فقال: أدخله بازار».(4)
ومنها صحيحة ابن أبي يعفور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام أيتجرّد الرجل عند صبّ الماء ترى عورته؟ أو يصبّ عليه الماء أو يرى هو عورة الناس؟ قال: كان أبي يكره ذلك من كلّ أحد».(5)
و المراد من الكراهة هنا ليس ما هو مصطلح بين الفقهاء ممّا يجوز ارتكابه بل ما كان يجتمع مع الحرام.
منها خبر الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى اللّه عليه و آله (في حديث المناهي) قال:
1) - وسائل الشيعة 1 : 211 / الباب 1 من أبواب الخلوة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 1 : 370 / الباب 11 من أبواب آداب الحمّام / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 1: 368 / الباب 9 من أبواب آداب الحمّام / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 1 : 367 / الباب 9 من أبواب آداب الحمّام / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 1: 364 / الباب 3 من أبواب آداب الحمّام / الحديث 3.
«اذا اغتسل أحدكم في فضاء من الارض فليحاذر على عورته؛ و قال: لايدخل أحدكم الحمّام الاّ بمئزر و نهى أن ينظر الرجل الى عورة أخيه المسلم و قال: من تأمّل عورة أخيه المسلم لعنه سبعون ألف ملك، و نهى المرأة أن تنظر الى عورة المرأة و قال: من نظر الى عورة أخيه المسلم أو عورة غير أهله متعمّدا أدخله اللّه مع المنافقين الذين كانوا يبحثون عن عورات الناس و لم يخرج من الدنيا حتّى يفضحه اللّه الاّ أن يتوب».(1)
و أمّا الاجماع ففي الجواهر: «و يدلّ على وجوب الستر و حرمة النظر الاجماع محصّلاً و منقولاً بل ضرورة الدين في الجمله».(2)
و في الرياض: «فالواجب على المتخلّي بل مطلقا ستر العورتين قبلاً و دبرا عن الناظر المحترم بالاجماع و الكتاب و النصوص».(3)
و في الحدائق: «يجب ستر العورة عن ناظر محترم اجماعا، فتوىً و رواية. انتهى ملخّصا».(4)
و في منتهى المطلب: «يجب ستر العورة مطلقا لما رواه الجمهور عن النبي صلى اللّه عليه و آله أنّه قال: «لاينظر الرجل الى عورة الرجل و لا المرأة الى عورة المرأة»».(5)
و في التحرير: «أجمع علماء الاسلام على وجوب ستر العورة».(6)
و في كشف اللثام: «يجب ستر العورة بالاجماع و النصوص».(7)
ثمّ انّ ذكر المتخلّي في بعض العبائر لايدلّ على اختصاص الحكم به، بل لذكر
الحكم في باب التخلّي و الاّ فالحكم شامل لغير المتخلّي اجماعا، كما صرّح به بعضهم.
تبصرة: هل يجوز النظر الى عورة من ليس بمسلم اذا كان مماثلاً؟ لم يبعد القول بالجواز اذا لم يكن بشهوة؛ لصحيحة ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«النظر الى عورة من ليس بمسلم مثل النظر الى عورة الحمار».(1)
يظهر حدّ العورة من النساء من صحيحة منصور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يخرج في السفر و معه امرأته يغسّلها؟ قال: نعم، و أمّه و أخته و نحو هذا يلقي على عورتها خرقة».(2)
حيث قال عليه السلام : «يلقي على عورتها خرقة» فانّ الخرقة ليست الاّ ما يستر ما يسمّى بالفرج تارة و بالقبل أخرى و بالسوءة ثالثة و لا غير، و يؤيّده مرسلة يحيى الواسطي عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال:
«العورة عورتان: القبل و الدبر، و الدبر مستور بالاليتين فاذا سترت القضيب و البيضتين فقد سترت العورة».(3)
فانّ هذه المرسلة تعيّن قدر عورة الرجل و تؤيّد قدر عورة المرأة.
و على هذا فالفخذ ليس من العورة كما في مرسلة الصدوق قال:
«قال الصادق عليه السلام : الفخذ ليس من العورة».(1)
و لاتعارضها موثّقة الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عليه السلام أنّه قال:
«اذا زوّج الرجل أمته فلاينظرنّ الى عورتها، و العورة ما بين السرّة و الركبة».(2)
لأنّها تحمل على الاستحباب جمعا بينها و بين ما تقدّم، فنحن نقول بأنّ الأحوط استحبابا ستر ما بين السرّة و الركبة من المحارم أيضا.
الظاهر أنّه لا خلاف و لا اشكال في عدم جواز نظر الرجل الى غير الوجه و الكفّين من جسد المرأة الأجنبيّة و الحكم في ذلك اجماعي بل عن الجواهر أنّه من ضروريّات المذهب بل الدين، و يمكن أن يستدلّ للحرمة بوجوه:
منها قوله تعالى: «و لايبدين زينتهنّ الاّ لبعولتهنّ أو آبائهنّ. الآية»(3)بتقريب أنّ المراد من الزينة مواضع الزينة، و أنّ وجوب الستر لا غاية و لا موضوعيّة له سوى حرمة نظر الأجنبي اليها و الاّ فستر مواضع الزينة في حدّ نفسه لايجب كما اذا دخلت الحمّام أو غير ذلك، فتثبت حرمة النظر بالتلازم.
و منها قوله تعالى: «قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم» فانّها تدلّ على وجوب غضّ البصر عن المرأة ولكن خرج منها مواضع قد تقدّمت و ستأتي، و بقي الباقي تحت حرمة النظر.
و منها الروايات الدالّة على حرمة النظر الى وجه المرأة و كفّيها فانّها تدلّ
بالأولويّة القطعيّة على حرمة النظر الى غيرهما من جسدها كما ستأتي الاشارة اليها و ان كان لنا فيها كلام.
و منها الروايات المتقدّمة الدالّة على جواز النظر الى شعر المرأة و محاسنها لمن يريد التزوّج بها أو لمن يريد شراء أمة، فانّ التقييد فيها بمن يريد الزواج أو الشراء يدلّ بصراحة على عدم جواز النظر لغير المورد.
و منها الأدلّة الدالّة على جواز النظر الى نساء أهل الكتاب معلّلة بأنّهنّ لا حرمة لهنّ، كرواية السكوني المتقدّمة فانّها تدلّ على حرمة النظر الى المرأة المسلمة؛ نظرا الى عدم وجود العلّة فيها فانّها محترمة من حيث العرض.
و منها الأخبار المتقدّمة الدالّة على جواز النظر الى نساء أهل البادية باعتبار أنّهنّ لاينتهين اذا نهين، فانّ العلّة المذكورة فيها تدلّ على حرمة النظر فيما اذا لم تكن تلك العلّة موجودة و أنّ الحكم الأوّلي في النساء كلّهنّ هو حرمة النظر ولكن الجواز في أهل البادية انّما ثبت لالغائهنّ حرمة أنفسهنّ.
فالنتيجة أنّه لايجوز للرجل أن ينظر الى غير الوجه و الكفّين من جسد المرأة الأجنبيّة المسلمة المحترمة، و سيأتي الكلام في الوجه و الكفّين.
اعلم أنّه استدلّ على حرمة نظر المرأة الى الرجل مطلقا بوجوه:
الأوّل: قوله تعالى: «قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ و يحفظن فروجهنّ»، بتقريب أنّ الغضّ عبارة عن ترك النظر فدلّت الآية على حرمة نظر المرأة الى الرجل و ليس في البين ما يصلح لتخصيصها.
و فيه أوّلاً: انّه قد تقدّم منّا الكلام في آية غضّ أبصار المؤمنين و قلنا بأنّ المستفاد من الآية حرمة النظر الشهوي التلذّذي أو النظر مع الريبة تارة، و حرمة
النظر لأجل احترام النساء أخرى، و الكلام في هذه الآية مطابق للكلام في تلك الآية في الاستفادة الأولى أي حرمة النظر الشهوي التلذّذي فانّ المستفاد من الآية حرمة تعميق النظر و الطمع فيه فالغضّ عبارة عن جعل الشيء مغفولاً عنه و عدم الطمع فيه بالمرّة و الانصراف عنه و تنزّه المؤمنات عن التعرّض للرجال، و يؤيّد هذه الاستفادة ما مرّ في شأن نزول الآية فراجع.
و ثانيا: انّ الآية قد خصّصت بجواز النظر الى الوجه و الكفّين و ذلك للسيرة القطعيّة المتشرّعة في نظر النساء الى وجه الرجال و كفّيهم و هذه السيرة ترجع قهقرى الى زمان الأئمّة عليهم السلام بل النبي صلى اللّه عليه و آله فانّ السؤال عن نظر المرأة الى الرجل لم يرد في الروايات أصلاً مع أنّه لا شكّ في أنّ النساء في زمن النبي صلى اللّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام قد كنّ لاقين الرجال في السوق و المسجد و الجهاد و غير ذلك و لم يرد منهم عليهم السلام ردع عن عدم جواز النظر الى الرجال و لايمكن تصوّر غضّ جميع النساء أبصارهنّ عن الرجال في الأسواق و غيرها.
الثاني: الاجماع المدّعى على عدم الجواز.
و فيه: انّه غير محقّق فانّ كثيرا من المتقدّمين لم يتعرّضوا لهذه المسألة أصلاً فضلاً عن أن يفتوا بالحرمة، ففي نظام النكاح: «و العجب أنّ كثيرا من الكتب الفقهيّة خالية من عنوان المسألة، فقد راجعنا الكتب التالية فلم نجد المسألة معنونة فيها: المقنع و الهداية للصدوق و المقنعة للمفيد و الانتصار و المسائل الناصريّات للسيّد المرتضى و النهاية و المبسوط للشيخ الطوسي و المراسم لسلاّر بن عبد العزيز الديلمي و اشارة السبق لأبي الحسن الحلبي و جواهر الفقه و المهذّب لابن البرّاج و الغنية لابن زهرة و الوسيلة لابن حمزة الطوسي و الجامع للشرائع ليحيى بن سعيد الحلّي و لعلّ وضوح المسألة عندهم أغناهم عن عنوانها».(1)
الثالث: دعوى الملازمة بين حرمة نظر الرجل الى المرأة و حرمة نظرها اليه.
1) - نظام النكاح 1: 58 و 59.
و فيه أوّلاً: ما تقدّم من السيرة القطعيّة المستمرّة الى زمن النبي صلى اللّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام في نظر النساء الى ما يبدو من الرجال.
و ثانيا: انّه قد ورد في كثير من الأدلّة الأمر بستر المرأة جسدها و هو دليل على عدم جواز نظر الرجال ولكن ليس في القرآن و لا السنّة من الأمر بستر الرجال عن النساء عين و لا أثر، غير وجوب ستر العورتين و قد تقدّم الكلام فيه، مع أنّه ان ثبت الملازمة المدّعاة فلا بدّ من أمر الشارع الرجال بالستر كما أمر النساء، فاثبات الملازمة مشكل لعدم العلم بوحدة الملاك.
الرابع: الروايات الواردة التي ادّعي دلالتها على عدم الجواز:
منها مرسلة أحمد بن أبي عبداللّه قال:
«استأذن ابن أمّ مكتوم على النبي صلى اللّه عليه و آله و عنده عائشة و حفصة فقال لهما: قوما فادخلا البيت، فقالتا: انّه أعمى، فقال: ان لم يركما فانّكما تريانه».(1)
و فيه أوّلاً: انّها ضعيفة السند، مرسلة فانّ بين البرقي و النبي صلى اللّه عليه و آله زمان طويل فانّه رواها عن النبي صلى اللّه عليه و آله من دون واسطة.
و ثانيا: انّها بيان لفعل النبي صلى اللّه عليه و آله و لعلّه لأمره بتنزّه نسائه و نساء المؤمنات عن الرجال فانّ ذلك أمر حسن و لايدلّ على الوجوب.
و منها رواية محمّد بن علي بن الحسين في عقاب الأعمال قال:
«قال النبي صلى اللّه عليه و آله: اشتدّ غضب اللّه على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها أو غير ذي محرم منها فانّها ان فعلت ذلك أحبط اللّه عزّوجلّ كلّ عمل عملته. الحديث».(2)
و فيه - مضافا الى ضعف سندها - : انّها وردت في امرأة ملأت عينها و لا كلام
في ذلك فانّ النظر مع ملى ء العين لاينفكّ عن ريبة و افتتان و تلذّذ و شهوة، على أنّها مؤيّدة لما استفدناه من الآية الكريمة.
و منها رواية الحسن الطبرسي في مكارم الأخلاق عن النبي صلى اللّه عليه و آله:
«انّ فاطمة قالت له في حديث: خير للنساء أن لايرين الرجال و لايراهنّ الرجال، فقال صلى اللّه عليه و آله: فاطمة منّي».(1)
و فيه - مع ضعف سندها - أوّلاً: لا دلالة فيها على اللزوم فانّ ما ذكر في الرواية بعنوان أنّه خير للنساء أمر حسن فانّ ذلك حكم أخلاقي.
و ثانيا: من البعيد - بل مخالف لضرورة العقل و حكاية الوقائع - القول بأنّ فاطمة - سلام اللّه عليها - طوال عمرها الشريف لم يراها رجل و لم تر رجلاً.
و منها رواية أخرى عن الطبرسي عن أمّ سلمة قالت:
«كنت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و عنده ميمونة فأقبل ابن أمّ مكتوم و ذلك بعد أن أمر بالحجاب فقال: احتجبا، فقلنا: يا رسول اللّه أليس أعمى لايبصرنا؟ قال: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟».(2)
و الجواب عنها نفس الجواب عن مرسلة البرقي.
فالمتحصّل من جميع ما ذكرنا في هذا الفرع جواز نظر المرأة الى ما يبدو من الرجل عرفا مثل الرأس و العنق و اليد الى الكفّين و ذلك للسيرة المستمرّة و عدم ما يدلّ على الحرمة مع أنّ الأصل الجواز.
و أمّا نظرها الى سائر أعضائه فمحلّ اشكال و احتياط و ذلك أوّلاً لأنّ السيرة على ستره. و ثانيا لعموم قوله تعالى: «يغضضن من أبصارهنّ ... » الشامل للنظر الى بدن الرجل الاّ ما يجري العادة على كشفه و هو ما ذكر، لا ما يظهرونه استثناءً في بعض الفصول أو البلدان أو الأمكنة.
لا كلام و لا اشكال في حرمة النظر الى الوجه و الكفّين مع التلذّذ أو الريبة و أمّا مع عدمهما ففيه أقوال ثلاثة:
القول الأوّل: التحريم مطلقا و استدلّ له بوجوه:
منها: عموم قوله تعالى: «و لايبدين زينتهنّ الاّ لبعولتهنّ. الآية» و ما دلّ على وجوب غضّ البصر.
و منها: مفهوم ما دلّ على جواز النظر الى المرأة التي يريد أن يتزوّجها.
و منها: ما دلّ على أنّ النظر سهم من سهام ابليس، و ما الى ذلك.
و منها: صحيحة الصفّار قال:
«كتبت الى الفقيه عليه السلام في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها بمحرم هل يجوز له أن يشهد عليها و هي من وراء الستر و يسمع كلامها اذا شهد رجلان عدلان أنّها فلانة بنت فلان التي تشهدك و هذا كلامها أو لايجوز له الشهادة حتّى تبرز و يثبّتها بعينها؟ فوقّع عليه السلام : تتنقّب و تظهر للشهود ان شاء اللّه».(1)
و منها: اتّفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات و لو حلّ النظر لنزّلن منزلة الرجال.
و منها: انّ النظر اليهنّ مظنّة الفتنة و هو محلّ الشهوة و اللائق بمحاسن الشرع حسم الباب و الاعراض عن تفاصيل الأحوال كالخلوة بالأجنبيّة.
و منها ما نقله في المسالك عن كتب العامّة من صرف النبي صلى اللّه عليه و آله وجه الفضل عن الخثعميّة لمّا نظر اليها.(2)
هذه الوجوه جملة ما استدلّ به للتحريم مطلقا ولكن الجميع محلّ نظر بل منع:
أمّا الآية فلتخصيصها ب- «ما ظهر منها» المفسّر في الروايات الآتية في أدلّة الجواز بما يظهر منه الوجه و الكفّين، و أمّا آية غضّ البصر فلاتفيد العموم مع أنّها على فرض العموم قد خصّصت بما سيأتي.
و أمّا مفهوم الشرط في الروايات الدالّة على عدم البأس بالنظر الى المرأة التي يراد الزواج بها فلو سلّم دلالة الشرط فيها على التعليق، ولكن الفرق بين جواز النظر هناك و جواز النظر هنا واضح لايكاد ينكر، فانّ النظر هناك لاختبار حسن المرأة خلقة و لونا و قبحها و قابليّتها للمعاشرة و المباشرة و عدمها، مضافا الى أنّه قد ورد فيها جواز النظر الى الشعر أيضا و لا شكّ أنّ النظر بهذا القصد و الى هذه المواضع معلّق على ارادة الزواج، بخلاف النظر هنا فانّه مشروط بعدم هذه الأمور.
و لو سلّم دلالة تلك الأخبار مفهومها على عدم الجواز فمنطوق الأخبار الآتية كافٍ في طرح ذلك المفهوم.
و أمّا ما دلّ على أنّ النظر سهم من سهام ابليس و أمثاله، فالظاهر منه النظر مع التلذّذ أو الريبة كما تقدّم.
و أمّا مكاتبة الصفّار ففيه أوّلاً: انّه لاتدلّ على وجوب الستر.
و ثانيا: يحتمل أنّ الأمر بالتنقّب كان لاباء المرأة و حيائها عن البروز للرجال و ان كان جائزا، اذ ربّ جائز يشقّ على بعض من جهة الغيرة و المروءة.
و أمّا اتّفاق المسلمين على منع النساء من الخروج متكشّفات فالظاهر أنّها أيضا من الغيرة و المروءة و ذلك أمر حسن ولكن لايدلّ على الوجوب، مع أنّه ان قيل بأنّ ذلك من سيرة العلماء و أنّهم يمنعون النساء فانّ ذلك تمسّك بالاجماع في موضع النزاع كما ذكره الشيخ الأعظم رحمه اللّه.(1)
1) - كتاب النكاح: 51.
و أمّا كون النظر مظنّة الشهوة و وقوع الفتنة فقد أورد عليه الشيخ الأعظم رحمه اللّه بأنّ المعهود من الشارع حسم الباب في أمثال هذه المظانّ بالحكم بالكراهة دون التحريم كما يعلم بالتتبّع في الأحكام الشرعيّة. مع أنّ هذا استحسان لانقول به.
و أمّا خبر الفضل و الخثعميّة ففعل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله هذا لايدلّ على التحريم أوّلاً، مع أنّه على الجواز أدلّ ثانيا، و ذلك لأنّه صلى اللّه عليه و آله لم ينههما و لم يصرفهما ابتداءً بل لمّا استدام الفضل النظر و خاف صلى اللّه عليه و آله من الوقوع في الفتنة.
و على هذا فأدلّة المنع غير ناهضة له و اذا كان كذلك فلانحتاج لاثبات الجواز الى دليل سوى أصالة الجواز و ان دلّ على الجواز أدلّة سيوافيك.
القول الثاني: الجواز مطلقا على كراهية و هو الحقّ لكن بقيود سيأتي، و اختاره العلاّمة الأنصاري رحمه اللّه و يمكن أن يستدلّ له بوجوه:
الوجه الأوّل: قوله تعالى: «و لايبدين زينتهنّ الاّ ما ظهر منها» فانّ الوجه و الكفّين ممّا ظهر من المرأة قطعا كما ستأتي الاشارة اليه في الروايات، و عليه فأطلقت الزينة و أريد منها مواضعها و هي الوجه و الكفّان، فاذا لم يجب ستر ما ظهر من مواضع الزينة فيلزم منه عدم حرمة النظر.
و قد استشكل في الاستدلال به العلاّمة الخوئي رحمه اللّه بايرادات(1):
منها انّه لم يثبت كون المراد بالزينة مواضعها بل الظاهر من الآية الكريمة ارادة نفس ما تتزيّن به المرأة. و يؤيّد ذلك قوله عزّوجلّ في ذيل الآية: «و لايضربن بأرجلهنّ ليعلم ما يخفين من زينتهنّ» فانّ من الواضح أنّ ضرب الرجل على الأرض لايوجب العلم بموضع الزينة و انّما الذي يوجبه هو العلم بنفس الزينة من الخلخال و غيره فانّ ضرب الرجل يوجب حركتها و ايجاد الصوت فيعلم بها لا محالة.
و فيه: ان صحّ ما ذكره فما المراد من الزينة التي لايجب سترها؟ أهي الخمار أو
1) - المباني 32: 41 و 42.
الجلباب؟ فانّ ما ذكره صحيح لو ستر النساء من صدر الاسلام وجوههنّ و غيرها، فانّ ذلك لم يثبت بل ثبت خلافه فانّ النساء في صدر الاسلام بعد نزول آية الحجاب لم يسترن وجوههنّ فانّ ما ظهر من النساء في صدر الاسلام هو الوجه و الكفّان قطعا، فلايتمّ ما ذكره رحمه اللّه على هذا.
و منها انّه لا ملازمة بين جواز الابداء و عدم وجوب التستّر و بين جواز نظر الرجل الى الوجه و الكفّين.
و فيه: انّ ذلك تمّ لو قلنا بعدم جواز الحضور للنساء في الاجتماعات و في الأسواق و غيرها، و لايقول به أحد، فاذا جاز حضورهنّ و لم يجب عليهنّ التستّر فكيف يحرم على الرجال النظر اليهنّ مع كثرة ابتلائهم بالنظر اليهنّ؟
و منها استشكاله حتّى بعد ثبوت أنّ المراد من الزينة مواضعها و هو: أنّ البداء بمعنى الظهور و الابداء بمعنى الاظهار فاذا كان متعلّقا بشيء و لم يكن متعدّيا باللام يكون في مقابل الستر و اذا كان متعلّقا باللام كان في مقابل الاخفاء بمعنى الاعلام و الاراءة.
و قال: «فيتحصّل من جميع ما تقدّم أنّ الآية الكريمة بملاحظة النصوص الواردة تفيد حكمين: الأوّل: حكم ظهور الزينة في حدّ نفسه فتفيد وجوب ستر غير الظاهرة منها دون الظاهرة التي هي الوجه و اليدان. الثاني: حكم اظهار الزينة للغير فتفيد حرمته مطلقا من دون فرق بين الظاهرة و الباطنة الاّ للمذكورين في الآية الكريمة حيث يجوز لها الاظهار لهم. و حيث عرفت أنّ حرمة الاظهار و وجوب التستّر تلازم حرمة النظر اليها فتكون الآية الكريمة أولى بالاستدلال بها على عدم الجواز من الاستدلال بها على الجواز».
و فيه: بعد أن قلنا بالتلازم بين عدم وجوب الستر و عدم حرمة النظر فلا معنى محصّل لما ذكره، فانّه رحمه اللّه اعترف بأنّ الآية تدلّ على عدم وجوب ستر الوجه و الكفّين، مضافا الى أنّ التفريق بين الجملتين في آية واحدة خلاف الظاهر، فانّظاهر الآية الشريفة أنّ هنا استثنائين لحرمة الابداء أحدهما مكمّل للآخر فانّ اللّه
تعالى قد استثنى من حرمة ابداء مواضع الزينة الوجه و الكفّين ثمّ بعد خروجهما قد استثنى المذكورين في الآية من البعول و الآباء و غيرهم، فتدلّ الآية على حرمة ابداء الزينة الاّ ما ظهر منها و هو الوجه و الكفّان أوّلاً ثمّ عدم حرمة اظهار غير الوجه و الكفّين للمحارم.
الوجه الثاني ممّا استدلّ به لما هو الحقّ: روايات:
منها صحيحة علي بن سويد قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام : انّي مبتلى بالنظر الى المرأة الجميلة فيعجبني النظر اليها فقال: يا علي، لابأس اذا عرف اللّه من نيّتك الصدق و ايّاك و الزنا فانّه يمحق البركة و يهلك الدين».(1)
فانّه عليه السلام قد قال بعدم البأس فيما اذا لم يكن النظر بتلذّذ و شهوة.
و قد استشكل في هذه الصحيحة العلاّمة الخوئي و قال: «لا بدّ من حمل هذه الصحيحة - كما هو ليس ببعيد - على اقتضاء عمله لذلك و أنّ النظر اليها يكون اتّفاقيّا بمعنى أنّه يقع نظره عليها من دون قصد أو تعمّد. و بذلك فتكون الصحيحة أجنبيّة عن محلّ الكلام و لاتدلّ على جواز تعمّد النظر الى وجه المرأة و الاّ فلا بدّ من ردّ علمها الى أهلها لأنّها دالّة على جواز النظر اليها حتّى مع قصده التلذّذ من الأوّل كما يظهر من قوله: «فيعجبني النظر اليها» و هو ممّا لايمكن الالتزام به و لم يقل به أحد منّا. على أنّها غير مختصّة بالوجه و اليدين فتشمل الشعر أيضا و هو مقطوع البطلان. و يؤيّد ما ذكرناه - من حملها على التعمّد و القصد - أنّ من البعيد جدّا أن يفعل علي بن سويد على جلالة قدره و عظم شأنه ذلك قاصدا متلذّذا ثمّ ينقله بكلّ صراحة للامام عليه السلام ».(2)
و فيه أوّلاً: انّه ليس معنى «انّي مبتلى بالنظر ... » أنّه أحبّها و عشقها حتّى يكون
مخالفا لشأن علي بن سويد بل المعنى أنّه احتاج الى النظر اليها لمعاملة أو غيرها فتعجّب من حسنها و جمالها.
و ثانيا: انّها لاتدلّ على التلذّذ بالنظر قطعا و الشاهد عليه قوله عليه السلام : «اذا عرف اللّه من نيّتك الصدق».
و ثالثا: انّه لايمكن حملها على النظر الاتّفاقي فانّه هو الذي ابتلى به الرجال بالنسبة الى النساء كلّهنّ لا الجميلة منهنّ فقط، مع أنّه لا نيّة في الاتّفاقي حتّى تكون صادقة أو لا.
فالصحيحة تدلّ على جواز النظر كما ذكره الشيخ الأنصاري رحمه اللّه.
و منها صحيحة الفضيل قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الذراعين من المرأة هما من الزينة التي قال اللّه: «و لايبدين زينتهنّ الاّ لبعولتهنّ»؟ قال: نعم و ما دون الخمار من الزينة و ما دون السوارين».(1)
بتقريب أنّ «مادون الخمار» يعني ما يستره الخمار من الرأس و الرقبة و هو ماسوى الوجه منها و «ما دون السوارين» يعني ما يستره السواران من اليدين و هو ماعدا الكفّين منها.
و قد ردّها السيّد الخوئي رحمه اللّه بأنّه أوّلاً: لا تلازم بين عدم وجوب الستر و جواز النظر، و ثانيا: أنّ ما دون الخمار كان بمعنى ما يعمّ الوجه أيضا فانّ «ما دون» بمعنى ما هو أسفل فيكون الوجه ممّا هو دونه لا محالة، و كذا الكلام في السوارين.
و فيه أوّلاً: قد تقدّم وجه التلازم بين عدم وجوب الستر و جواز النظر.
و ثانيا: الظاهر أنّ «دون» هنا بمعنى عند كما هو أحد معاني «دون» ففي مجمع البحرين: و «دون» تكون بمعنى عند و منه الحديث «من قتل دون ماله» أي عنده.فالوجه و الكفّان ليسا ممّا يستره الخمار و السواران.
1) - وسائل الشيعة 20: 200 / الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 1.
و منها رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: «و لايبدين زينتهنّ الاّ ما ظهر منها» قال:
«فهي الثياب و الكحل و الخاتم و خضاب الكفّ و السوار. و الزينة ثلاث: زينة للناس و زينة للمحرم و زينة للزوج فأمّا زينة الناس فقد ذكرناه و أمّا زينة المحرم فموضع القلادة فما فوقها و الدملج و ما دونه و الخلخال و ما أسفل منه. و أمّا زينة الزوج فالجسد كلّه».(1)
و هي و ان كانت ضعيفة الاّ أنّه يصلح تأييدا للقول بالجواز لولا ما فيه من جواز ابداء السوار لغير المحارم.
و منها رواية علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل ما يصلح له أن ينظر اليه من المرأة التي لاتحلّ له؟
قال: الوجه و الكفّ و موضع السوار».(2)
و قد أورد عليها العلاّمة الخوئي رحمه اللّه أوّلاً بأنّها ضعيفة السند بعبداللّه بن الحسن اذ لم يرد فيه توثيق أو مدح. و ثانيا بأنّ معنى «لاتحلّ له» هو عدم حلّيّة النكاح فتكون الرواية دالّة على ما يجوز النظر اليه من المحارم.
و فيه: انّ ذلك خلاف ظاهر الرواية فانّ ظاهرها رجوع الحرمة الى النظر لا الى النكاح و الاّ فان أريد منها حرمة النكاح فالأسهل و الأحسن للسائل أن يقول: أن ينظر اليه من المحرم.
فالرواية - لمكان ضعفها - تكون مؤيّدة للمطلوب.
و منها رواية عمرو بن شمر عن أبي جعفر عليه السلام عن جابر بن عبداللّه الأنصاري قال:
«خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يريد فاطمة و أنا معه، فلمّا انتهينا الى البابوضع يده عليه فدفعه ثمّ قال: السلام عليكم، فقالت فاطمة - عليها
السلام - : و عليك السلام يا رسول اللّه قال: أدخل؟ قالت: أدخل يا رسول اللّه قال: أدخل أنا و من معي؟ قالت: ليس عليّ قناع فقال: يا فاطمة خذي فضل ملحفتك فقنّعي به رأسك قال: أدخل؟ قالت: أدخل يا رسول اللّه قال: أدخل أنا و من معي؟ قالت: و من معك قال جابر: فدخل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و دخلت و اذا وجه فاطمة - عليها السلام - أصفر كأنّه بطن جرادة فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: ما لي أرى وجهك أصفر؟ قالت: يا رسول اللّه الجوع فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: اللّهمّ مشبع الجوعة و دافع الضيعة أشبع فاطمة بنت محمّد، قال جابر: فواللّه لنظرت الى الدم يتحدّر من قصاصها حتّى عاد وجهها أحمر فما جاعت بعد ذلك اليوم».(1)
و الرواية و ان كانت صريحة الدلالة على المطلب الاّ أنّ في سندها و متنها ما يمنع العمل بالرواية، فانّ في سندها عمرو بن شمر و هو ضعيف، مضافا الى أنّه من البعيد وقوع هذه الواقعة لفاطمة - سلام اللّه عليها - مع عظم شأنها و عصمتها و قد أورد عليها السيّد الخوئي رحمه اللّه اشكالات فراجع.
و منها مرسلة مروك بن عبيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: ما يحلّ للرجل أن يرى من المرأة اذا لم يكن محرما؟ قال: الوجه و الكفّان و القدمان».(2)
و لايبعد اعتبار المرسلة لجلالة شأن مروك بن عبيد و أنّه لايروي عن الضعفاء بقرينة رواية أحمد بن محمّد بن عيسى عنه و هذا - أي ابن عيسى - هو الذي أخرج البرقي من مدينة قم لأنّه كان يعتمد على الضعفاء من الرواة و يروي المراسيل.
منها ما عن قرب الاسناد بسند صحيح عن مسعدة بن زياد قال:
«سمعت جعفرا عليه السلام و سئل عمّا تظهر المرأة من زينتها قال: الوجه و الكفّين».(1)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبيجعفر عليه السلام قال:
«لايصلح للجارية اذا حاضت الاّ أن تختمر الاّ أن لاتجده».(2)
ففي مجمع البحرين: «الخمار هي المقنعة، سمّيت بذلك لأنّ الرأس يخمر بها أي يغطّى، و كلّ شيء غطّيته فقد خمرته».
و منها خبر زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ «الاّ ما ظهر منها» قال:
«الزينة الظاهرة الكحل و الخاتم».(3)
و خبر زرارة و ان كان في سنده القاسم بن عروة و هو لم يرد فيه توثيق الاّ أنّه لم يبعد اعتباره لرواية أحمد بن عيسى المذكور آنفا عنه بواسطة محمّد بن خالد و الحسين بن سعيد.
و منها معتبرة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن قول اللّه عزّوجلّ: «و لايبدين زينتهنّ الاّ ما ظهر منها» قال: الخاتم و المسكة و هى القلب».(4)
و المسك بمعنى الأسورة و القلب بمعنى السوار.
و في سند هذا الخبر سعدان بن مسلم الذي يروي عنه كثير من الأجلاّء و ان كان هو بنفسه لم يرد فيه توثيق.
و منها ما ورد في كيفيّة تغسيل الرجل المرأة اذا ماتت و لم يوجد لتغسليها امرأة و لا ذومحرم كخبر مفضّل بن عمر و صحيحة داود بن فرقد و خبر جابر و خبر أبي سعيد.(1)
ففي بعض هذه الأخبار أمر الامام عليه السلام بغسل باطن كفّيها ثمّ وجهها ثم ظهر كفّيها و لم ينه عن النظر اليها مع اتّفاق النظر غالبا.
الوجه الثالث و الرابع: انّ النظر الى الوجه و الكفّين ممّا تعمّ به البلوى و أنّ الناس حتّى المتشرّعة في كلّ عصر قد أطبقوا على خروج النساء على وجه يحصل منه بدوّ الوجه و الكفّين من غير نكير.
فتحصّل من جميع ما ذكرنا الى هنا أنّه يجوز النظر الى وجه الأجنبيّة و كفّيها ولكن بشرطين:
الأوّل: عدم قصد التلذّذ أو الريبة و عدم خوف الوقوع في الفتنة بالنظر.
الثاني: عدم كون النظر لاختبار حسن المرأة و جمالها و غير ذلك بل للاحتياج الى المكالمة و المعاشرة معها لمعاملة أو تدريس أو غير ذلك و ان لم يبلغ حدّ الاضطرار فما ذكر في صحيحة علي بن سويد من الابتلاء أحسن تعبير.
ولكن لايخفى أنّه مع اجتماع هذه الشرائط كلّها أيضا فترك النظر موافق للاحتياط بل لايترك الاحتياط الاّ مع الاحتياج، خصوصا مع تزيين الوجه و الكفّين بزينة.
القول الثالث: و هو قول المحقّق صاحب الشرائع رحمه اللّه بجواز النظر الى الوجه و الكفّين على كراهية مرّة لا أزيد و هو الذي اختاره المصنّف رحمه اللّه و العلاّمة في أكثر كتبه على ما في المسالك.
فنذكر وجه هذا القول ثمّ ما عندنا فيه:
أمّا وجه الجواز مرّة واحدة فما تقدّم من قوله تعالى: «و لايبدين زينتهنّ الاّ
1) - وسائل الشيعة 2: 522 / الباب 22 من أبواب غسل الميّت.
ما ظهر منها» بتفسير «ما ظهر» بالوجه و الكفّين، و كذا الوجه الثالث و الرابع اللذان ذكرناهما آنفا للقول بالجواز.
و أمّا وجه تحريم الزائد أوّلاً: أنّ المعاودة و دوام النظر مظنّة الفتنة؛ لأنّ شأنه أن يحدث منه الميل القلبي و يترتّب عليه الفتنة كما اتّفق ذلك للفضل حيث نهاه النبي صلى اللّه عليه و آله عن استدامة النظر، دون الواحدة الناشئة غالبا لا عن داعية الشهوة و الميل القلبي.
و في المسالك: «و هذا حسن ان تحقّق من المعاودة أحد المحظورين و الاّ ففيه ما مرّ من الجواز. و عليه فينبغي أن يراد بالمرّة ما لا اطالة لها عرفا بحيث يتحقّق الميل القلبي، فانّ ذلك كمعاودة النظر. و لا فرق بين اتّحاد المجلس و تعدّده. و محلّ الخلاف في المرّة الواقعة عن قصد ليترتّب عليها الحكم الشرعي، أمّا ما يقع اتّفاقا بغير قصد فلايتعلّق بها حكم اتّفاقا».(1)
و ثانيا بحسنة الكاهلي - عبداللّه بن يحيى - قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة و كفى بها لصاحبها فتنة».(2)
و ثالثا بمرسلة الصدوق قال:
«و قال عليه السلام : أوّل نظرة لك و الثانية عليك و لا لك و الثالثة فيها الهلاك».(3)
و قد أورد السيّد الخوئي رحمه اللّه على هاتين الروايتين ايرادات:(4)
الأوّل: «انّ الظاهر من هذه النصوص أنّها ليست في مقام الفرق بين النظرةالأولى و الثانية من حيث العدد و انّما هي بصدد الفرق بينهما من حيث انّ الأولى
اتّفاقيّة و غير مقصودة بخلاف الثانية. فتحرم الثانية دون الأولى، فلاتدلّ حينئذ على جواز النظرة الأولى حتّى و لو كانت مقصودة».
ولكن فيه: ما تقدّم من الشهيد الثاني رحمه اللّه من أنّ محلّ الخلاف ما يقع عن قصد و الاّ فجواز النظر من غير قصد لا خلاف فيه، مضافا الى أنّ النظر غير الاختياري لايصلح لتعلّق حكم به سواء في ذلك الجواز و غيره و سواء في ذلك الحكم بأنّه «لك» أو «عليك».
الثاني: «انّ اطلاق هذه الروايات لو سلّم فلا بدّ من تقييده على كلّ حال فانّها تدلّ باطلاقها على جواز النظرة الأولى متعمّدا الى جميع أعضاء بدن المرأة و هو ممّا لايقول به أحد. و حيث يدور أمر تقييدها بين التقييد بالوجه و اليدين و التقييد بالاختيار و عدمه و كان الثاني بنظر العرف هو الأظهر تعيّن التقييد به. خصوصا بملاحظة أنّ التفصيل بين النظرة الأولى و الثانية بلحاظ العدد، بمعنى الالتزام بالجواز في النظرة الأولى بما هي نظرة أولى - حتّى و لو كانت اختياريّة - و عدم الجواز في الثانية بما هي ثانية، ممّا لايقبله العقل السليم».
ولكن فيه: انّ المراد من النظرة في هذه الروايات هو النظرة الجائزة على ما فهمه العرف منها و هي النظر الى الوجه و الكفّين، و على هذا فينصرف اللفظ الى النظر اليهما و لا اطلاق لها حتّى يحتاج الى التقييد و يردّد أمره بين تقييدين ثمّ ترجيح الثاني.
الثالث: ما أتى به من التشكيكات حيث قال: «يرد التشكيك في النظرة الأولى من حيث مدّتها و فترة صدقها و ذلك بمعنى أنّه الى متى يجوز الاستمرار في النظرة الأولى؟ و هل يجوز النظر لمدّة خمس دقائق مستمرّا في حين لايجوز اعادة النظر و لو لأقلّ من دقيقة لأنّه من النظرة الثانية؟
ثمّ ما هي الفترة التي لا بدّ و أن تمضي لتصدق ثانيا النظرة الأولى؟ و هل اذا نظر الى المرأة فلايجوز له النظر اليها ثانيا مادام حيّا لأنّه من النظرة الثانية أو يكونالمعيار في كونها من النظرة الأولى أو الثانية باليوم الواحد فتعتبر النظرة الواقعة في
الثاني النظرة الأولى أيضا أو أنّه بالساعة أو الشهر أو السنة؟»
و فيه: انّ المراد من النظرة الأولى ما فهمه العرف منها و هو ما لا اطالة فيها عرفا بحيث يتحقّق الميل القلبي، و كذا الكلام في الفترة فانّ العرف يقضي في كلّ فترة أنّ النظرة بعدها تعدّ من الأولى أو الثانية.
فأحسن الكلام في هذه الروايات - كما ذهب اليه الشهيد - أنّه ان حصل من النظرة الثانية أحد المحظورين الميل القلبي أو داعية الشهوة فهي حرام بل النظرة الأولى ان وقعت باختيار مع العلم بحصول الميل القلبي أو مع داعية الشهوة محرّمة أيضا، فما يتكلّم عنه في هذه الروايات حرمة النظرة مع التلذّذ أو الريبة و عدم حرمة غيرها من غير فرق بين الأولى و الثانية و الاّ لو لم يتّفق أحد هذين فالحرمة لماذا؟
و كيف كان فالاحتياط بالترك مطلقا الاّ فيما يحتاج اليه النظرة بعد النظرة من دون شهوة لاينبغي تركه.
(مسألة 32): يجوز النظر الى المحارم التي يحرم عليه نكاحهنّ نسبا أو رضاعا أو مصاهرة ما عدا العورة مع عدم تلذّذ و ريبة و كذا نظرهنّ اليه.
الشرح:
يدلّ على جواز النظر من الكتاب قوله تعالى:«و لايبدين زينتهنّ الاّ لبعولتهنّ أو آبائهنّ أو آباء بعولتهنّ أو أبنائهنّ أو أبناء بعولتهنّ أو اخوانهنّ أو بني اخوانهنّ».(1)بتقريب أنّ جواز ابداء الزينة لهؤلاء يلازم جواز نظرهم اليهنّ.
ثمّ انّ الآية لم تتعرّض لذكر العمّ و الخال ولكن حكمهما مفهوم من الآية وذلك لأنّه اذا جاز نظر ابن الأخ الى عمّته و ابن الأخت الى خالته الذي يلازم جواز ابداء زينتهما لهما فيجوز ابداؤها للعمّ و الخال و نظرهما اليهنّ لوحدة النسبة.
1) - النور 24: 31.
و من السنّة رواية السكوني عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهماالسلام قال:
«لابأس أن ينظر الى شعر أمّه أو أخته أو بنته».(1)
و بعدم القول بالفصل بين الشعر و بين سائر أعضاء الجسد يثبت الحكم لجميع الجسد ما عدا العورة التي قد تقدّم الكلام عنها.
و كذا الروايات المتضافرة الواردة في جواز تغسيل الرجل المرأة التي يحرم عليه نكاحها و بالعكس اذا لم يحصل المماثل، و قد تقدّم الكلام فيها في مبحث الغسل من كتاب الطهارة، و بملاحظة أنّ لازم التغسيل هو النظر الى جسدها عادة تتّضح دلالة هذه الأخبار على المدّعى، و من ذلك الأخبار صحيحة منصور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يخرج في السفر و معه امرأته يغسّلها؟ قال: نعم، و أمّه و أخته و نحو هذا يلقي على عورتها خرقة».(2)
و يدلّ على جواز النظر أيضا السيرة القطعيّة من زمن الرسول الأكرم صلى اللّه عليه و آله الى عصرنا، على عدم تحجّب النساء من أولادهنّ أو آبائهنّ أو اخوانهنّ أو غيرهم من المحارم.
هنا فرعان:
يجوز النظر الى المحارم بالرضاع كما يجوز الى المحارم بالنسب و ذلكللروايات المستفيضة الدالّة على أنّه «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» أو «يحرم من الرضاع ما يحرم من القرابة».(3)
فتدلّ هذه الروايات على أنّ حكم المحارم بالرضاع حكمهم اذا كانوا بالنسب، فالأخ و الأب و العمّ و الخال و غيرهم اذا كانت نسبتهم رضاعيّا يجوز لهم النظر.
و أمّا أبو المرتضع فقد دلّت صحيحتان على حرمة نكاحه في أولاد صاحب اللبن و أولاد المرضعة و هما صحيحة أيّوب بن نوح قال:
«كتب علي بن شعيب الى أبي الحسن عليه السلام : امرأة أرضعت بعض ولدي هل يجوز لي أن أتزوّج بعض ولدها؟ فكتب عليه السلام : لايجوز ذلك لك؛ لأنّ ولدها صارت بمنزلة ولدك».(1)
و صحيحة عبداللّه بن جعفر قال:
«كتبت الى أبي محمّد عليه السلام : امرأة أرضعت ولد رجل، هل يحلّ لذلك الرجل أن يتزوّج ابنة هذه المرضعة أم لا؟ فوقّع: لاتحلّ له».(2)
و يستفاد من هاتين الصحيحتين جواز نظر أبو المرتضع الى أولاد صاحب اللبن أو المرضعة و ذلك لمكان ذكر العلّة فيها فانّ العلّة المذكورة و هي «لأنّ ولدها صارت بمنزلة ولدك» قد دلّت على جواز النظر كما يجوز النظر الى الولد.
و على هذا فلا مجال لما في المستمسك من القول بخلاف ذلك فانّه رحمه اللّهقال: «اذا كان حكمه مستفادا ممّا دلّ على أنّه بمنزلة النسب فلايشمل ما يستفاد حكمه ممّا دلّ على أنّه لاينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن أو في أولاد المرضعة فانّ دليل التحريم في مثل ذلك لايقتضي الخروج عن عموم حرمة النظر و عموم وجوب التستّر».(3)
و كلامه صحيح لولا ما ذكر في الصحيحة من العلّة.
و في المباني: «و ما قيل من اختصاص الحكم بالمرضعة و صاحب اللبن و الأصول و الفروع و الحواشي لهما و لايشمل أب المرتضع - لأنّ دليل التنزيل
قاصر عن شموله باعتبار أنّ التنزيل انّما هو بالنسبة الى المرتضع و كلّ من المرضعة و صاحب اللبن، و أمّا أبو المرتضع فلا دخل له في ذلك و ثبوت حرمة نكاحه لأولاد المرضعة أو صاحب اللبن انّما كان ببركة دليل تعبّدي أعني ما دلّ على أنّه لاينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن و أولاد المرضعة فلايثبت جواز النظر اليه أيضا - فهو مشكل جدّا فانّه انّما يمكن أن يقال بأنّ حرمة نكاح أب المرتضع في أولاد صاحب اللبن و أولاد المرضعة حكم تعبّدي صرف فيما لو لم تكن الرواية الدالّة عليها معلّلة. أمّا لو كان الحكم معلّلاً كما هو الحال بالنسبة الى ما نحن فيه بأنّ ولدها صارت بمنزلة ولده، فلا مجال لما ذكر؛ اذ التعليل يقتضي شمول أب المرتضع بالتنزيل أيضا».(1)
اعلم أنّ النساء المحرّمات بالمصاهرة على قسمين: الأوّل: ما يحرم موقّتا بحيث كانت حرمته قابلة للارتفاع. الثاني: ما يحرم مؤبّدا و لايقبل الارتفاع.
أمّا القسم الأوّل فكأخت الزوجة و الخامسة و هما و الأجنبيّة سواء و لايجوز النظر اليهما قطعا، فانّ الظاهر ممّا دلّ على جواز النظر الى ما يحرم بالمصاهرة هو ارادة من يحرم نكاحها مؤبّدا بسبب العلقة الزوجيّة.
ففي رواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرضا عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يحلّ له النظر الى شعر أخت امرأته؟ فقال: لا، الاّ أن تكون من القواعد، قلت له: أخت امرأته و الغريبة سواء؟ قال: نعم. الحديث».(2)
هذا في أخت الزوجة و أمّا الخامسة فكذلك يشملها عمومات حرمة النظر و وجوب الغضّ.
و أمّا القسم الثاني و هو من يحرم نكاحها مؤبّدا فتارة يكون سبب الحرمة العلقة الزوجيّة و أخرى غيرها.
فان كان السبب العلقة الزوجيّة فلا اشكال في جواز النظر اليهنّ كأمّ الزوجة و زوجة الأب و زوجة الابن و بنت الزوجة المدخول بها، فالحكم في بعضهنّ يستفاد من الآية الكريمة و في البعض الآخر بعدم القول بالفصل و كذا بالروايات الواردة في جواز تغسيل المحارم.
و أمّا اذا كان السبب غير العلقة الزوجيّة ففي المباني: «و ان كانت من قبيل الثاني - كالزنا بذات البعل و اللعان و الطلاق تسعا - فالظاهر هو عدم جواز النظر اليها فانّها أجنبيّة و مطلق الحرمة الأبديّة لايوجب جواز النظر. و أوضح منها في عدم جواز النظر ما اذا كانت الحرمة تكليفيّة محضة - كاليمين و الشرط في ضمن عقد لازم - فانّ أدلّة تغسيل المحارم منصرفة عن مثل هذا التحريم جزما؛ اذ أنّ ظاهرها ارادة من حرم نكاحها بكتاب اللّه أمّا غيرها فلا، و لايوجد به قائل».(1)
(مسألة 33): المملوكة كالزوجة بالنسبة الى السيّد اذا لم تكن مشتركة أو وثنيّة أو مزوّجة أو مكاتبة أو مرتدّة.
الشرح:
المملوكة كالزوجة بالنسبة الى السيّد بمعنى أنّه يجوز لكلّ منهما النظر الى بدن الآخر بل و مسّه بكلّ عضو منه كلّ عضو من الآخر و يدلّ عليه الكتاب و السنّة و الاجماع، فمن الأوّل قوله تعالى: «و الذين هم لفروجهم حافظون الاّ على
1) - المباني 32: 54.
أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانّهم غير ملومين»(1).
و أمّا السنّة فقد وردت روايات في الوسائل فراجع.(2)
و الاجماع على ذلك محقّق كما في الجواهر و المستمسك.
و يشترط في كونها كالزوجة أن لاتكون مشتركة بين اثنين و لا وثنيّة و لا مزوّجة من غير سيّدها و لا مكاتبة و لا مرتدّة فانّه في هذه الموارد يحرم نكاح المملوكة على سيّدها لما يأتي في محلّه، ولكن يجوز له النظر اليها لما هو المتسالم عليه بينهم من أنّ كلّ أمة جاز للمالك النظر اليها سواء حرم نكاحها لعارض كالموارد المذكورة أو لا.
(مسألة 34): يجوز النظر الى الزوجة المعتدّة بوط ء الشبهة و ان حرم وطؤها، و كذا الأمة كذلك و كذا الى المطلّقة الرجعيّة مادامت في العدّة و لو لم يكن بقصد الرجوع.
الشرح:
الظاهر جواز النظر الى الزوجة المعتدّة بوط ء الشبهة؛ لأنّها زوجتها الاّ أنّه حرم وطؤها و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجلين شهدا على رجل غائب عند امرأته أنّه طلّقها فاعتدّت المرأة و تزوّجت ثمّ انّ الزوج الغائب قدم فزعم أنّهلم يطلّقها فأكذب نفسه أحد الشاهدين فقال: لا سبيل للأخير عليها و يؤخذ الصداق من الذي شهد فيردّ على الأخير و الأوّل أملك بها و
تعتدّ من الأخير و لايقربها الأوّل حتّى تنقضي عدّتها».(1)
هذا الحكم في النظر بدون التلذّذ لا ريب فيه، و أمّا سائر الاستمتاعات فالظاهر من قوله عليه السلام : «و لايقربها الأوّل حتّى تنقضي عدّتها» هو حرمتها الاّ أنّه لايبعد أن يقال بأنّ معنى لايقربها بمناسبة الحكم و الموضوع هو الوط ء فقط كما استفاد ذلك في الجواهر و المستمسك و غيرهما الاّ أنّ الاحتياط في محلّه.
و أمّا النظر و ان كان بتلذّذ و ريبة فلايستفاد حرمته من تلك الجملة.
ثمّ انّ حكم الأمة كذلك و ذلك لقوله عليه السلام في صحيحة مسمع كردين:
«عشر لايحلّ نكاحهنّ و لا غشيانهنّ - الى أن قال: - و أمتك و قد وطئت من غيرك حتّى تستبرئ بحيضة».(2)
و كذا قوله عليه السلام في موثّقة مسعدة بن زياد:
«يحرم من الاماءعشر: لايجمع بين الأمّ و البنت و لا بين الأختين و لا أمتك و هي حامل من غيرك حتّى تضع».(3)
و أمّا النظر اليها فيجوز لأنّها أمته.
و أمّا سائر الاستمتاعات فكالزوجة الموطوءة بوط ء الشبهة، و الظاهر جواز النظر اليها و لو بتلذّذ و ان كان الاحتياط في محلّه.
ثمّ انّ المطلّقة الرجعيّة يجوز النظر اليها؛ لأنّها زوجة حقيقة و يدلّ عليه معتبرة وهيب بن حفص عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«في المطلّقة تعتدّ في بيتها و تظهر له زينتها، «لعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمرا»».(4)
و رواية زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«المطلّقة تكتحل و تختضب و تطيّب و تلبس ما شاءت من الثياب، لأنّ اللّه عزّوجلّ يقول: «لعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمرا»لعلّها أن تقع في نفسه فيراجعها».(1)
و الذي يظهر من هاتين الروايتين جواز النظر اليها و لو بتلذّذ و شهوة، هذا حكم النظر.
و أمّا الجماع فأمارة قطعيّة على الرضا بالنكاح و الرجوع فيه و فسخ الطلاق ففي رواية محمّد بن القاسم قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: من غشي امرأته بعد انقضاء العدّة جلد الحدّ، و ان غشيها قبل انقضاء العدّة كان غشيانه ايّاها رجعة».(2)
بقي حكم سائر الاستمتاعات ممّا هي دون الجماع كالتقبيل و اللمس و التفخيذ و غيرها، و الظاهر أنّ حكمها حكم الجماع في دلالتها على الرجوع و الاّ فلا بدّ من حمل فعل المسلم على المحرّم، فانّ الرجل لمّا قبّل امرأته سيّما اذا وقع مكرّرا فلايمكننا أن نقول بأنّ ذلك لايكون رجوعا ان لم يقصده، مع أنّه يمكن استفادة حكم هذه الأفعال أيضا من رواية محمّد بن القاسم فانّ الحكم فيها ليس تعبّدا صرفا بل لتنقيح المناط و بيان طريقة في الفسخ غير نيّته.
و يمكن الاستدلال لما ذهبنا اليه بصحيحة علي بن رئاب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الشرط في الحيوان ثلاثة أيّام للمشتري اشترط أم لم يشترط، فان أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة الأيّام فذلك رضى منه فلا شرط، قيل له: و ما الحدث؟ قال: ان لامس أو قبّل أو نظر منهاالى ما كان يحرم عليه قبل الشراء».(3)
و صحيحته الأخرى قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل اشترى جارية لمن الخيار؟ فقال: الخيار لمن اشترى، قلت له: أرأيت ان قبّلها المشتري أو لامس؟ قال: فقال: اذا قبّل أو لامس أو نظر منها الى ما يحرم على غيره فقد انقضى الشرط و لزمته».(1)
بتقريب أنّهما تصرّحان بأنّ هذه الأفعال رضى بالبيع و مقتضى عموم التعليل عدم اختصاص الحكم بالبيع و سريانه الى ما نحن فيه أيضا فانّ هذه الأمور أسباب قهريّة لتحقّق الرضا الذي هو بمعنى الاختيار - اذ لايكفي مجرّد طيب النفس لا في سقوط الخيار و لا في تحقّق الرجعة - بالبيع أو الزوجيّة و رفع اليد عن الخيار أو الطلاق.
فانّ السيّد الخوئي رحمه اللّه(2)بذكر هذا التقريب أراد اثبات هذا الحكم للنظر الشهوي أيضا ولكن لايخفى أنّ الظاهر من الروايات الواردة في حكم المطلّقة أنّه يجوز لها اظهار زينتها و الاكتحال و غيرهما و اذا كان كذلك فصرف النظر لايكون رجعة. نعم اذا أمرها الزوج بالتعرّي و خلع الثياب لينظر اليها عريانة فيمكن القول بتحقّق الرجعة، فتأمّل.
(مسألة 35): يستثنى من عدم جواز النظر من الأجنبي و الأجنبيّة مواضع: منها مقام المعالجة و ما يتوقّف عليه من معرفة نبض العروق و الكسر و الجرح و الفصد و الحجامة و نحو ذلك اذا لم يمكن بالمماثل بل يجوز المسّ و اللمس حينئذ.
و منها مقام الضرورة كما اذا توقّف الاستنقاذ من الغرق أو الحرق أو
نحوهما عليه أو على المسّ.
و منها معارضة كلّ ما هو أهمّ في نظر الشارع مراعاته من مراعاة حرمة النظر أو اللمس.
و منها مقام الشهادة تحمّلاً أو أداءً مع دعاء الضرورة، و ليس منها ما عن العلاّمة من جواز النظر الى الزانين لتحمّل الشهادة فالأقوى عدم الجواز. و كذا ليس منها النظر الى الفرج للشهادة على الولادة أو الثدي للشهادة على الرضاع و ان لم يمكن اثباتها بالنساء و ان استجوده الشهيد الثاني.
و منها القواعد من النساء اللاتي لايرجون نكاحا بالنسبة الى ما هو المعتاد له من كشف بعض الشعر و الذراع و نحو ذلك لا مثل الثدي و البطن و نحوهما ممّا يعتاد سترهنّ منها.
و منها غير المميّز من الصبي و الصبيّة فانّه يجوز النظر اليهما بل اللمس و لايجب التستّر منهما بل الظاهر جواز النظر اليهما قبل البلوغ اذا لم يبلغا مبلغا يترتّب على النظر منهما أو اليهما ثوران الشهوة.
الشرح:
في المسألة فروع:
يدلّ على جواز النظر في مقام المعالجة الكتاب و السنّة، فمن الأوّل قوله تعالى: «انّما حرّم عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهلّ به لغير اللّه فمن اضطرّ غير باغٍ و لا عادٍ فلا اثم عليه انّ اللّه غفور رحيم»(1)و كذا قولهعزّوجلّ: «فمن اضطرّ في مخمصة غير متجانف لاثم فانّ اللّه غفور رحيم»(2)
و قوله: «لا يتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين و من يفعل ذلك فليس من اللّه في شيء الاّ أن تتّقوا منهم تقاة و يحذّركم اللّه نفسه و الى اللّه المصير»(1)و غيرها ممّا دلّ على رفع الأحكام عند الاضطرار و حلّيّة المحرّمات عنده، و هي و ان كانت ترفع الحرمة عمّن يظهر بدنه للأجنبي أو الأجنبيّة الاّ أنّ الطبيب يجب عليه العلاج كما سيأتي.
و من السنّة صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن المرأة المسلمة يصيبها البلاء في جسدها امّا كسر أو امّا جرح في مكان لايصلح النظر اليه يكون الرجل أرفق بعلاجه من النساء أيصلح له النظر اليها؟ قال: اذا اضطرّت اليه فليعالجها ان شاءت».(2)
فاطلاق الجواب يشمل المسّ و اللمس أيضا.
و لاتعارضها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن المرأة يكون بها الجرح في فخذها أو بطنها أو عضدها هل يصلح للرجل أن ينظر اليه يعالجه؟ قال: لا».(3)
لأنّها تحمل على ما اذا وجد المماثل أو لم يكن مضطرّا الى المعالجة.
و يجوز نظر المرأة اليه أيضا للمعالجة لصحيحة علي بن جعفر قال:
«و سألته عن الرجل يكون ببطن فخذه أو اليته الجرح هل يصلح للمرأة أن تنظر اليه و تداويه؟ قال: اذا لم يكن عورة فلابأس».(4)
و كذا تدلّ على المطلوب الروايات الدالّة على رفع الأحكام الضرريّة كقوله عليه السلام :
«ليس شيء ممّا حرّم اللّه الاّ و قد أحلّه لمن اضطرّ اليه».(1)
ولكن العلاّمة الخوئي رحمه اللّه لم يرتض بالاستدلال بهذه الروايات و قال: «فانّ من الواضح أنّ مثل هذين الدليلين لايشملان الطبيب نفسه فانّهما انّما يرفعان الحكم عمّن يتوجّه الضرر عليه نتيجة ذلك الحكم فلايدلاّن الاّ على جواز كشف المرأة المريضة نفسها أمام الطبيب أمّا جواز نظر الطبيب اليها فلا دلالة لهما عليه لعدم اضطراره الى ذلك».(2)
ولكن فيه أنّه منوط بعدم وجوب معالجة الطبيب اذا رجعت اليه مع أنّ الظاهر وجوب المعالجة عليه اذا كان المرض يضرّ بالمريض أو كان في معرض الهلاك أو كان في مشقّة و اضطرار.
و ان كان يمكن أن يقال بأنّ هذا يندرج في الاستثناء الثاني و الثالث أي مزاحمة كلّ ما هو أهمّ في نظر الشارع اذا تزاحم حكمان و لم يمكن امتثالهما.
و في المسالك: «و قد عرفت أنّ موضع المنع من نظر كلّ من الرجل و المرأة الى الآخر مشروط بعدم الحاجة اليه أمّا معه فيجوز اجماعا. و قد تقدّم من مواضع الحاجة النظر الى من يريد نكاحها أو شراءها - الى أن قال: - و يختصّ الجواز في الجميع بما تندفع به الحاجة ففي مثل الشهادة يكفي نظر الوجه و استثناؤه حينئذ من المنع على تقدير القول به مطلقا أو مع افتقاره الى التكرار أو بغير كراهة أو مع الحاجة الى الزيادة عليه لو فرض، و في مثل الطبيب لايختصّ بعضو معيّن بل بمحلّ الحاجة و لو الى العورة. و كما يجوز النظر يجوز اللمس هنا حيث يتوقّف عليه. و لو أمكن الطبيب استنابة امرأة أو محرم أو الزوج - في موضع العورة - فيلمس المحلّ و وضع الدواء وجب تقديمه على مباشرة الطبيب و الأقوى اشتراط عدم امكان المماثل المساوي له في المعرفة أو فيما تندفع به الحاجة و لايشترط
في جوازه خوف فساد المحلّ و لا خوف شدّة الضنى بل المشقّة بترك العلاج أو بط ء البرء. و قال في التذكرة: «و ينبغي أن يكون ذلك بحضور محرم». و هو حسن».(1)
و لايخفى أنّه ان كان مراده رحمه اللّه من الحاجة الاضطرار بالمعنى الذي تقدّم منّا فلا وجه لذكر من يريد النكاح أو الشراء فانّ الروايات الواردة في تلك الموارد وردت في أحكام تعبّديّة لا دخل لها بالاضطرار و غيره، و ان كان مراده من الحاجة ما هو أعمّ من الاضطرار فتقييد الحكم بها في غير محلّه.
و من الكلام في هذا الفرع يظهر جليّا حكم النظر في مقام الضرورة.
و أمّا جواز النظر عند تزاحم النظر مع ما هو أهمّ في نظر الشارع مراعاة فللقاعدة المرتكزة في الأذهان من قديم الزمان المبتنية عليها جملة كثيرة من الفروع من تقديم الأهمّ على المهمّ عند التزاحم في مرحلة الامتثال حيث لايتمكّن المكلّف من امتثالهما معا، فيقدّم الأهمّ بحسب نظر الشارع طبعا.
و أمّا في مقام الشهادة تحمّلاً و أداءً فيجوز النظر الى ما لايجوز النظر اليه من المرأة غير الفرج في المقامين مع دعاء الضرورة؛ كما اذا ضربت مرأة في بدنها فدعت شاهدين لينظرا الى بدنها فيشهدا عند القاضي مع الحاجة الى اثباته لغرض
1) - مسالك الأفهام 7: 49 و 50.
كوقوع تلف الأنفس أو الأموال أو غير ذلك اذا لم يثبت، و معلوم أنّه لايتحقّق الضرورة الاّ اذا لم يمكن اثبات المشهود به بالنساء لعدم وجودهنّ أو عدم قبول شهادتهنّ فى مورد الحاجة و الاّ فلايكون ضرورة.
و كذا الكلام في النظر الى الفرج و الثدي للشهادة على الولادة و الرضاع فانّه مع دعاء الضرورة لا بأس به و ذلك لما مرّ من تقديم الأهمّ على المهمّ عند التزاحم حيث لايتمكّن المكلّف من امتثالهما معا.
انّما الكلام في جواز النظر الى فرج الزانيين لتحمّل الشهادة فان كان هناك ضرورة تقتضي النظر كالمقام الذي يوشك فيه القتال بين الطائفتين أو نحو ذلك ان لم يشهدا، فيجوز كما سبق.
و أمّا لو لم تكن ضرورة فهل يجوز النظر في صورة دعاء زوج المرأة و عدمه؟
فما هو المعلوم أنّه لايجوز التمسّك بقوله تعالى: «و لايأب الشهداء اذا ما دعوا»(1)لاثبات الجواز في هذه المسألة و ذلك لأنّه لا اطلاق له حتّى يستفاد منه الوجوب و لو فيما يوجب الدخول في المعصية.
و قد استدلّ للقول بالمنع بأنّ النظر الى الفرج حرام قطعا و الشهادة على الزنا ليست عذرا، فانّه مأمور بالستر، و على هذا فيحرم النظر، و الشهادة تتحقّق بالنظر الاتّفاقي أو مع القصد بعد التوبة عن الذنب المذكور.
و قد نقل الشهيد الثاني رحمه اللّه(2)عن العلاّمة في القواعد القول بالجواز و قال بأنّه ليس بذلك البعيد و استدلّ له بأنّ النظر وسيلة الى اقامة حدّ من حدود اللّه تعالى، ولما في المنع من عموم الفساد و اجتراء النفوس على هذا المحرّم و انسداد باب ركن من أركان الشرع و لم تسمع الشهادة بالزنا لتوقّف تحمّلها على الاقدام على النظر المحرّم و ادامته لاستعلام الحال بحيث يشاهد الميل في المكحلة. و ايقاف
الشهادة على التوبة يحتاج الى زمان يعلم منه العزم على عدم المعاودة فيعود المحذور السابق.
ولكن فيه: انّ الظاهر أنّ بناء الشارع في المورد المذكور على الاخفاء و عدم الشيوع و لذا قد جعل اثبات الزنا بتحمّل أربعة عدول من الرجال يرون ذلك العمل كالميل في المكحلة و معلوم أنّ ذلك لايتّفق الاّ نادرا جدّا فلايجوز النظر، مع أنّ حدّ الزنا و ان كان من حدود اللّه الاّ أنّ من شرائط وجوبه شهادة أربعة شهداء و من شرائط وجوب الشهادة رؤية ما يشهد به و لايخفى أنّه في الواجب المشروط لايجب تحصيل شرط الوجوب، مضافا الى أنّه بعد الفحص و التأمّل في الروايات و موارد اجراء حدّ الزنا يظهر أنّه قلّما يتّفق ثبوت الحدّ بالشهداء و يثبت غالبا باقرار الزاني أو الزانية.
و في المستمسك: «لكن عن العلاّمة في قضاء القواعد و التذكرة أنّه استقرب المنع. و في كشف اللثام أنّه الأقرب، و في الجواهر أنّه الأقوى؛ لعدم ثبوت جواز النظر فيه. و ما ذكره في المسالك لايقتضيه اذ من الجائز أن لايتعلّق الغرض باثباته بنحو يقتضي تحليل النظر. و يشير اليه عدم الاجتزاء بشهادة العدلين بل لا بدّ في اثباته من شهادة الأربعة فانّ ذلك يناسب عدم الاهتمام به في مقام الاثبات. غير أنّ استقرار السيرة على عدم استنكار ذلك على الشاهد يقتضي الجواز. اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ السيرة مجملة لايمكن أن يستفاد منها الجواز لاحتمال الحمل على الصحّة للغفلة أو نحوها».(1)
و الكلام في النظر الى الفرج أو الثدي للشهادة على الولادة أو الرضاع نفسالكلام في النظر الى فرج الزانيين فانّ ذلك فيما اذا لم يكن هناك ضرورة لايجوز قطعا.
و في المسالك: «فان أمكن اثباتهما بالنساء لم يجز للرجال و الاّ فالوجهان
1) - مستمسك العروة 14: 36.
أجودهما الجواز لدعاء الضرورة اليه و كونه من مهامّ الدين و أتمّ الحاجات خصوصا أمر الثدي. و يكفي في دعاء الضرورة الى الرجال المشقّة في تحصيل أهل العدالة من النساء على وجه يثبت به الفعل».(1)
يجوز النظر الى المواضع المعتاد كشفها من القواعد من النساء، يدلّ عليه الكتاب و السنّة:
فمن الأوّل قوله تعالى: «و القواعد من النساء اللاتي لايرجون نكاحا فليس عليهنّ جناح أن يضعن ثيابهنّ غير متبرّجات بزينة و أن يستعففن خير لهنّ و اللّه سميع عليم»(2).
و من الثاني الروايات الواردة في تفسير الآية:
فمنها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ: «و القواعد من النساء اللاتي لايرجون نكاحا»:
«ما الذي يصلح لهنّ أن يضعن من ثيابهنّ؟ قال: الجلباب».(3)
و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«أنّه قرأ «أن يضعن ثيابهنّ» قال: الخمار و الجلباب قلت: بين يديمن كان؟ فقال: بين يدي من كان غير متبرّجة بزينة، فان لم تفعل فهو خير لها. الحديث».(4)
و منها صحيحة محمّد بن أبيحمزة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«القواعد من النساء ليس عليهنّ جناح أن يضعن ثيابهنّ قال: تضع الجلباب وحده».(1)
و منها صحيحة حريز بن عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«أنّه قرأ يضعن من ثيابهنّ قال: الجلباب و الخمار اذا كانت المرأة مسنّة».(2)
و منها صحيحة أبي الصباح الكناني قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن القواعد من النساء ما الذي يصلح لهنّ أن يضعن من ثيابهنّ؟ فقال: الجلباب الاّ أن تكون أمة فليس عليها جناح أن تضع خمارها».(3)
ثمّ اعلم أنّه و ان استفيد من مجموع الروايات المتقدّمة جواز وضع الجلباب و الخمار للقواعد من النساء الاّ أنّه يستحبّ لهنّ التستّر بل لايبعد أن يكون وضع الخمار مكروها الاّ اذا كانت المرأة مسنّة.
ثمّ انّ حدّ القواعد من النساء عدم رجاء النكاح لهنّ و عدم الطمع فيهنّ و هو يفسّر في رواية علي بن أحمد بن يونس قال:
«ذكر الحسين أنّه كتب اليه يسأله عن حدّ القواعد من النساء التي اذا بلغت جاز لها أن تكشف رأسها و ذراعها؟ فكتب عليه السلام : من قعدن عن النكاح».(4)
و لايخفى أنّه لايجوز النظر الى غير ما ذكر في الروايات و ذلك لأنّ النظر الى القواعد مستثنى من عمومات المنع و ليقتصر على موضع اليقين و في موضع الشكّ يرجع الى عمومات المنع.
و أمّا الاستناد في الجواز الى عموم ثيابهنّ و القول بجواز وضع جميع الثياب ما عدا العورة ففيه: انّ الآية مفسّرة بالروايات المذكورة القائلة بأنّ حدّ الكشف هو
الحدّ المتعارف.
الكلام حول هذا الفرع يقع في مسائل:
الأولى: يجوز النظر الى غير المميّز من الصبي و الصبيّة بل لمسهما، و لايجب التستّر منهما و ذلك لعدم المقتضي للحرمة في الأوّل و للوجوب في الثاني؛ اذ لاتشملهما أدلّة المنع بل يمكن القول بأنّ مقتضى السيرة القطعيّة هو الجواز في الأوّل و عدم الوجوب في الثاني، بل دلّ الكتاب على الجواز حيث قال تعالى: «أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء»(1)، فانّ المتيقّن منه غير المميّز.
و قد دلّ عليه من السنّة الروايات الواردة في موارد متفرّقة الدالّة على جواز النظر اليهما و جواز الكشف عندهما مثل ما ورد في تغسيل الرجل الصغيرة و تغسيل المرأة الصغير فراجع.(2)
الثانية: انّه لايجب للمرأة أن تستر شعرها و ما تكشفه غالبا، عن الصبيالمميّز حتّى يبلغ و لايحرم للرجل النظر الى شعر الصبيّة المميّزة و ما تكشفه غالبا حتّى تبلغ، يدلّ على ذلك صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الجارية التي لم تدرك متى ينبغي لها أن تغطّي رأسها ممّن ليس بينها و بينه محرم؟ و متى يجب عليها
أن تقنّع رأسها للصلاة؟ قال: لاتغطّي رأسها حتّى تحرم عليها الصلاة».(1)
و معنى «حتّى تحرم عليها الصلاة» حتّى تحيض و هو من علامة بلوغها.
و صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرضا عليه السلام قال:
«يؤخذ الغلام بالصلاة و هو ابن سبع سنين و لاتغطّي المرأة شعرها منه حتّى يحتلم».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لايصلح للجارية اذا حاضت الاّ أن تختمر الاّ أن لاتجده».(3)
و صحيحة أخرى لأحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرضا عليه السلام قال:
«لاتغطّي المرأة رأسها من الغلام حتّى يبلغ الغلام».(4)
فمن هذه الصحاح يستفاد عدم وجوب تغطية الصبيّة رأسها عن الرجل و جواز نظر الرجل الى رأسها على ما يظهر عرفا من صحيحتي عبدالرحمن و محمّد بن مسلم، و كذا يستفاد منها عدم وجوب تغطّي المرأة رأسها من الغلام حتّى يبلغ و جواز نظره الى رأسها.
الثالثة: انّه لايجوز للرجل أن ينظر الى بدن الصبيّة المميّزة كلّها غير رأسها و لايجوز للمرأة أن تنظر الى بدن الصبي المميّز كلّه غير رأسه، فانّ الظاهر من هذهالصحاح و كذا من قوله تعالى: «قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم» و «قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ» هو عدم جواز النظر الى بدن الجنس المخالف، فانّ الواجب على المؤمنين و المؤمنات غضّ البصر عن جميع الموارد في الجنس المخالف الاّ ما استثني، و الصحاح المتقدّمة من موارد الاستثناء و
الظاهر منها بل الصريح هو الجواز في الرأس فقط.
ثمّ اعلم أنّ جواز كشف المرأة رأسها عند الصبي المميّز و كذا جواز نظر الرجل الى رأس الصبيّة المميّزة مشروط بأن لايكون النظر عن شهوة و ريبة و هذا بالنسبة الى نظر الرجل واضح، و أمّا عدم جواز كشف المرأة عند الصبي المميّز الذي فيه ثوران الشهوة فيستفاد من قوله تعالى: «و يحفظن فروجهنّ» فانّ حفظ الفرج كناية عن التحفّظ من كلّ نظر يوشك منه الزنا أو قريب منه، و اللازم على البالغين و أولياء الصبي منعه و تأديبه ان لم يمتنع.
الرابعة: يحرم النظر الى عورة الصبي المميّز و الصبيّة المميّزة بلا اشكال و ذلك - مضافا الى ما تقدّم منّا في المسألة السابقة من حرمة النظر الى بدنهما كلّه ما
عدا الرأس - لاطلاق أدلّة المنع و عدم تخصيصها بالنظر الى البالغين، و كذا لايجوز لهما النظر الى عورة غيرهما، ولكن قد قيل بجواز نظرهما الى عورة الغير فلا بدّ من ذكر أدلّة المنع فنقول: يمكن أن يستدلّ للمنع عن نظرهما الى عورة الغير بوجوه:
الأوّل: قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم و الذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرّات من قبل صلاة الفجر و حين تضعون ثيابكم من الظهيرة و من بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم. الآية»(1)فانّ الآية - كما في مستند الشيعة(2)- مخصّصة لعمومات رفع القلم عن الصبي حتّىيحتلم، و الأمر فيه و ان كان متوجّها أوّلاً الى الأولياء الاّ أنّه ثانيا يتوجّه الى الصبي المميّز فيجب عليه الاستئذان.
و قد استشكل السيّد الحكيم رحمه اللّه(3)و بتبعه السيّد الخوئي رحمه اللّه(4)في الآية أوّلاً
بأنّها ليست واردة في تحريم نظر الصبي الى العورة و انّما واردة في تحريم التطلّع على بعض الأفعال و الأحوال التي يستقبح التطلّع عليها و يستحيا منه التي يغلب وقوعها في الأوقات الثلاثة، و الخطاب فيه للبالغين لا لغير البالغين يعني يلزم البالغين أن يكلّفوهم بالاستئذان على وجه يتحقّق ذلك منهم، فالآية ليست واردة في النظر الى العورة الحرام و لا في تحريم ذلك على غير البالغ.
و ثانيا بأنّ حديث رفع القلم عن الصبي و عدم تكليفه حتّى يبلغ ممّا اتّفق الفقهاء بل المسلمون على اطلاقه حتّى وقع الكلام في وجه عقابه على ترك الاسلام .
لكن يرد عليه أوّلاً: انّ أوّل ما يتبادر من الأمر بالاستئذان هو عدم جواز النظر الى العورة.
و ثانيا: انّ الظاهر من الآية الشريفة هو وجوب أمر الولي المميّز ليأتمر و هو معنى الأمر بالأمر، فانّ الظاهر من «ليستأذنكم» - الذي هو فعل الأمر - هو الوجوب و لو تخلّفوا لأدّبوا كما يؤدّب المميّز اذا صدر منه الزنا أو اللواط أو السرقة و نحوها فيعزّر على حسب نظر الحاكم، فالعقاب عليه دليل على عدم جواز ذلك لهم و أنّ قبحها مشهود لهم و كذلك النظر الى عورة الغير. نعم، ليس الوجوب عليهم كالوجوب على البالغين بحيث يكون عقابهم كعقابهم. و هكذا يكون نظر الغير الى عورتهم و بعضهم الى بعض.
الثاني: انّ السيرة القطعيّة المستمرّة بين المسلمين هي ستر العورة عن الصبيالمميّز و الصبيّة المميّزة و ذلك لاينكر من أحد حتّى من مثل السيّدين المتقدّمين اللذين قالا بجواز نظر المميّز الى عورة غيره فانّهما قد قالا بوجوب ستر العورة عن الصبي و الصبيّة، فانّ السيّد الحكيم صرّح بوجوب التستّر على المنظور و السيّد الخوئي صرّح بعدم جواز كشف العورة عند الصبي المميّز، و العجب منهما حيث صرّحا بعدم الجواز هناك و قالا بجواز نظر المميّز الى العورة مع أنّه اذا ثبت وجوب التستّر ثبت حرمة النظر بالملازمة.
و يؤيّد ما ذكرنا من تكليف الصبي مرفوعة زكريّا المؤمن أنّه قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : اذا بلغت الجارية ستّ سنين فلايقبّلها الغلام و الغلام لايقبّل المرأة اذا جاز سبع سنين».(1)
و رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل أميرالمؤمنين عليه السلام عن الصبي يحجم المرأة؟ قال: اذا كان يحسن يصف فلا».(2)
الثالث: انّه لمّا نظر الصبي أو الصبيّة الى عورة غيره و لم يمنع من الولي و لم يؤدّب فيبقى في باله و يؤثّر فيه بتأثير السوء فانّ الشارع قد نهى عن سماع الصبي صوت الرجل و المرأة حال الجماع و قد نهى عن سماع نفسهما حين الجماع فضلاً عن رؤية عورتهما ففي رواية الحسين بن زيد عن أبيه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: و الذي نفسي بيده لو أنّ رجلاً غشي امرأته و في البيت صبي مستيقظ يراهما و يسمع كلامهما و نفسهما ما أفلح أبدا ان كان غلاما كان زانيا أو جارية كانت زانية. الحديث».(3)
و يظهر من هذه الرواية و أمثالها في الموارد المختلفة اهتمام الشارع بمنعالصبي عمّا يوجب ثوران شهوته أحيانا.
(مسألة 36): لابأس بتقبيل الرجل الصبيّة التي ليست له بمحرم و وضعها في حجره قبل أن يأتي عليها ستّ سنين اذا لم يكن عن شهوة.
الشرح:
الظاهر أنّ الحكم المذكور في متن المسألة لم يكن موردا للخلاف.
انّما الكلام و الاشكال فيما اذا مضى على الصبيّة ستّ سنين فقد وردت روايات على المنع من تقبيل الرجل الصبيّة التي ليست له بمحرم و وضعها في حجره اذا أتى عليها ستّ سنين:
منها رواية أبي أحمد الكاهلي قال:
«سألته عن جارية ليس بيني و بينها محرم تغشاني فأحملها و أقبّلها. فقال: اذا أتى عليها ستّ سنين فلاتضعها على حجرك».(1)
و منها رواية زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا بلغت الجارية الحرّة ستّ سنين فلاينبغي لك أن تقبّلها».(2)
و منها مرسلة هارون بن مسلم عن أبي الحسن الرضا عليه السلام :
«أنّ بعض بني هاشم دعاه مع جماعة من أهله فأتى بصبيّة له فأدناها أهل المجلس جميعا اليهم، فلمّا دنت منه سأل عن سنّها فقيل: خمس، فنحاها عنه».(3)
و منها مرفوعة زكريّا المؤمن أنّه قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : اذا بلغت الجارية ستّ سنين فلايقبّلها الغلام والغلام لايقبّل المرأة اذا جاز سبع سنين».(4)
و منها رواية غياث بن ابراهيم عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهماالسلام قال:
«قال علي عليه السلام : مباشرة المرأة بنتها اذا بلغت ستّ سنين شعبة من الزنا».(5)
1) - وسائل الشيعة 20: 229 / الباب 127 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 20: 230 / الباب 127 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 20: 230 / الباب 127 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 20: 230 / الباب 127 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 20: 230 / الباب 127 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 5.
فانّها تدلّ بالأولويّة على حكم ما نحن فيه.
و منها مرسلة علي بن عقبة قال:
«كان أبو الحسن الماضي عليه السلام عند محمّد بن ابراهيم والي مكّة و هو زوج فاطمة بنت أبي عبداللّه عليه السلام و كانت لمحمّد بن ابراهيم بنت يلبسها الثياب و تجيء الى الرجل فيأخذها و يضمّها اليه فلمّا تناهت الى أبي الحسن عليه السلام أمسكها بيديه ممدودتين و قال: اذا أتت على الجارية ستّ سنين لم يجز أن يقبّلها رجل ليست هي بمحرم له و لايضمّها اليه».(1)
فانّ الصبيّة و ان كانت بنت أخت الامام عليه السلام و هي محرمة له الاّ أنّه لم يقبّلها، ليتذكّر غيره.
و منها رواية عبدالرحمن بن بحر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا بلغت الجارية ستّ سنين فلاينبغي لك أن تقبّلها».(2)
فهذه الروايات و ان كانت كلّها صريحة في النهي عن التقبيل و الضمّ الاّ أنّها ضعاف كلّها مع أنّه لم يتعرّض للمسألة أكثر الفقهاء و منهم القدماء و لذا كانت الفتوى بالحرمة مشكلة الاّ أنّ الاحتياط بالترك لايترك؛ لمظنّة الفساد و للاحتمال بل الظنّ القوي بصدور بعضها عن الامام عليه السلام .
(مسألة 37): لايجوز للمملوك النظر الى مالكته و لا للخصي النظر الى مالكته أو غيرها كما لايجوز للعنّين و المجبوب بلا اشكال، بل و لا لكبير السنّ الذي هو شبه القواعد من النساء على الأحوط.
الشرح:
في المسألة فروع:
قد استدلّ لحرمة نظر المملوك الى مالكته بالكتاب و السنّة:
أمّا الكتاب فقد استدلّ السيّد الخوئي رحمه اللّه(1)بقوله تعالى: «و لايبدين زينتهنّ الاّ لبعولتهنّ - الى قوله: - أو ما ملكت أيمانهنّ» على عدم جواز نظر المملوك الى مالكته، بتقريب أنّ المراد ممّا ملكت أيمانهنّ هو خصوص الاماء لامتناع ارادة خصوص العبيد أو الجامع بينهما، فاذن فالعبيد مشمولون للنهي في صدر الآية و هو عدم جواز ابداء الزينة لهم.
و يؤيّده ما رواه الشيخ في الخلاف حيث قال: «و روى أصحابنا في قوله تعالى: «أو ما ملكت أيمانهنّ» أنّ المراد به الاماء دون العبيد الذكران».(2)
و أمّا السنّة فقد وردت روايات ظاهرها المنع عن نظر المملوك الى مالكته:
فمنها رواية الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام أنّه كان يقول:
«لاينظر العبد شعر سيّدته».(3)
و منها رواية القاسم بن الصيقل قال:
«كتبت اليه أمّ علي تسأل عن كشف الرأس بين يدي الخادم و قالت له: انّ شيعتك اختلفوا عليّ فقال بعضهم: لابأس، و قال بعضهم: لايحلّ، فكتب عليه السلام : سألت عن كشف الرأس بين يدي الخادم، لاتكشفي رأسك بين يديه فانّ ذلك مكروه».(4)
بناءً على أنّ المراد بالخادم هو المملوك و أنّ المراد من الكراهة هو الحرمة.
و منها صحيحة يونس بن يعقوب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايحلّ للمرأة أن ينظر عبدها الى شيء من جسدها الاّ الى شعرها غير متعمّد لذلك».(1)
ولكن بازاء هذه الروايات روايات:
منها صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : المملوك يرى شعر مولاته و ساقها، قال: لابأس».(2)
و منها صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المملوك يرى شعر مولاته، قال: لابأس».(3)
و منها صحيحة ثانية لمعاوية بن عمّار قال:
«كنّا عند أبي عبداللّه عليه السلام نحوا ثلاثين رجلاً اذ دخل أبي فرحّب به - الى أن قال: - فقال له: هذا ابنك؟ قال: نعم، و هو يزعم أنّ أهل المدينة يصنعون شيئا لايحلّ لهم قال: و ما هو؟ قال: المرأة القرشيّةو الهاشميّة تركب و تضع يدها على رأس الأسود و ذراعيها على عنقه فقال أبو عبداللّه عليه السلام : يا بنيّ، أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى قال: اقرأ هذه الآية: «لا جناح عليهنّ في آبائهنّ و لا أبنائهنّ - حتّى بلغ - و لا ما ملكت أيمانهنّ» ثمّ قال: يا بنيّ لابأس أن يرى المملوك الشعر و الساق».(4)
و منها موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : أينظر المملوك الى شعر مولاته؟ قال: نعم، و الى ساقها».(1)
أقول:
الظاهر هو كراهة نظر المملوك الى شعر مولاته و ساقها و ذلك للجمع الدلالي بين هاتين الطائفتين من الروايات. و أمّا الآية فالمصرّح به في صحيحة معاوية بن عمّار دلالتها على العبيد أيضا مضافا الى أنّه و لو سلّم أنّ الآية دالّة على الاماء فقط ولكن قد ثبت الحكم في العبيد بالروايات المتقدّمة.
و أمّا السيّد الخوئي رحمه اللّه فلم يرتض بهذا الجمع و قال: «و حيث انّ المعارضة بين هاتين الطائفتين مستحكمة اذ لا مجال للجمع بين «لابأس» و «لايحلّ» فلا بدّ من الرجوع الى قواعد باب التعارض. و عليه فلمّا كانت الطائفة الأولى التي دلّت على المنع هي الموافقة للكتاب حيث عرفت أنّ الآية الكريمة تدلّ على عدم الجواز فلا بدّ من العمل بها و طرح الطائفة الثانية. على أنّ الطائفة الثانية هي الموافقة للعامّة حيث يلتزمون بجواز نظر العبد الى مولاته فتكون مخالفة الطائفة الأولى للعامّة مرجّحا آخر لها فتحمل الطائفة الثانية على التقيّة لا محالة. و من هنا يتّضح أنّه لا داعي لتوجيه ترجيح الأولى على الثانية باعراض المشهور عنها فانّ فيه ما قدعرفته مرارا».(2)
ولكن فيه أوّلاً: انّه لا تعارض بين الطائفتين كما تقدّم فانّ «لايحلّ» لايذكر الاّ في صحيحة يونس بن يعقوب مع أنّ التأمّل فيها يعطي أنّ حكم عدم الحلّيّة راجع الى الجسد و استثني منه الشعر، و على هذا فقيد عدم التعمّد فيها محمول على كراهة التعمّد بقرينة الروايات الأخر أو على النظر مع الشهوة و الريبة و على كلّ حال فهذه الصحيحة على الجواز أدلّ.
و على هذا فلايبقى في الطائفة الأولى الاّ روايات ضعاف و على فرض التعارض فلاينبغي الشكّ في ترجيح الثانية لقوّتها سندا.
و ثانيا: قد عرفت عدم موافقة الطائفة الأولى للكتاب و ذلك لما في صحيحة معاوية بن عمّار، مع أنّ الطائفة الثانية أقرب الى الكتاب عرفا من الأوّل فانّ «ما ملكت أيمانهنّ» ظاهر في العموم.
و ثالثا: انّ بين العامّة في هذه المسألة خلاف فهم بين من جوّز النظر و من حرّمه، على ما نقله جماعة فلاتكون الثانية موافقة لهم.
فتحصّل أنّه يجوز للملوك النظر الى شعر مالكته و ساقيها لو لم يكن اجماع على خلافه، و المعلوم عدم الاجماع؛ لعدم عنوان المسألة في كلام كثير من الفقهاء و ذهاب جمع منهم الى الجواز.
ثمّ انّه اذا قلنا بجواز نظر المملوك الى شعر مالكتها و ساقيها فيثبت جواز نظر الخصيّ المملوك اليها بالأوليّة.
قال في مستند الشيعة: «انّ فيه خلافا بين أصحابنا فالاسكافي جوّزه مطلقا حرّا كان الخصي أو مملوكا، مالكته كانت المنظور اليه أو غيرها، و قوّاه طائفة من المتأخّرين منهم صاحب الكفاية، و خصّ في المختلف جواز نظر المملوك منه الى مالكته و قوّاه المحقّق الثاني. و منع الشيخ في الخلاف و الحلّي و الفاضل في التذكرة و الصيمري عن نظره مطلقا. و استشكل في التحرير».(1)
الظاهر عدم جواز نظر الخصي الى الأجنبيّة على نحو ما يجوز النظر الى المحارم و ذلك لصحيحة عبدالملك بن عتبة النخعي قال:
1) - مستند الشيعة 16: 56.
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن أمّ ولد، هل يصلح أن ينظر اليها خصي مولاها و هي تغتسل؟ قال: لايحلّ ذلك».(1)
و صحيحة محمّد بن اسحاق قال:
«سألت أبا الحسن موسى عليه السلام قلت: يكون للرجل الخصي يدخل على نسائه فينا و لهنّ الوضوء فيرى شعورهنّ؟ قال: لا».(2)
و مرسلة الطبرسي قال:
«قال عليه السلام : لاتجلس المرأة بين يدي الخصي مكشوفة الرأس».(3)
و رواية أخي دعبل عن الرضا عن آبائه عن الحسين عليهم السلام قال:
«أدخل على أختي سكينة بنت علي عليه السلام خادم فغطّت رأسها منه فقيل لها: انّه خادم فقالت: هو رجل منع من شهوته».(4)
بناءً على أنّ المراد من «رجل منع من شهوته» هو الخصي. فهذه الروايات تدلّ على حرمة نظر الخصي الى الأجنبيّة. و بازائها صحيحة محمّد بن اسماعيل قال:
«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن قناع الحرائر من الخصيان، فقال:كانوا يدخلون على بنات أبي الحسن عليه السلام و لايتقنّعن، قلت: فكانوا أحرارا؟ قال: لا، قلت: فالأحرار يتقنّع منهم؟ قال: لا».(5)
و رواية صالح بن عبداللّه الخثعمي عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«كتبت اليه أسأله عن خصي لي في سنّ رجل مدرك يحلّ للمرأة أن يراها و تنكشف بين يديه، قال: فلم يجبني فيها».(6)
1) - وسائل الشيعة 20: 225 / الباب 125 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 20: 226 / الباب 125 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 20: 227 / الباب 125 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 9.
4) - وسائل الشيعة 20: 227 / الباب 125 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 7.
5) - وسائل الشيعة 20: 226 / الباب 125 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 3.
6) - وسائل الشيعة 20: 227 / الباب 125 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 8.
ثمّ اعلم أنّه ان كانت صحيحة محمّد بن اسماعيل واضحة الدلالة على الجواز فعلينا الجمع بين الطائفتين بحمل الروايات الدالّة على الحرمة، على الكراهة، ولكن الشأن في دلالة صحيحة محمّد بن اسماعيل فانّ قوله عليه السلام : «كانوا يدخلون على بنات أبي الحسن عليه السلام » مجمل من حيث انّ الجمع يدلّ على وجود ثلاثة خصيان أو أكثر و هم يدخلون على بنات الامام عليه السلام مع أنّ هذا لاتطمئنّ به النفس.
و اذا كان كذلك فالرواية مشكوك فيها و لاتسكن النفس اليها، مع أنّه يمكن حملها على التقيّة كما يؤيّد الحمل عليها رواية صالح بن عبداللّه الخثعمي فانّ عدم الجواب من الامام عليه السلام كان شاهدا على التقيّة.
و عليه فالمتعيّن العمل على الطائفة الدالّة على الحرمة الموافقة لعمومات غضّ البصر الشاملة للخصي و عمومات حفظهنّ عن غير ما في الكتاب الشاملة للنساء، مع عدم وجود ما يصلح للتخصيص.
العنّين - كما مجمع البحرين - هو الذي لايقدر على اتيان النساء و لايشتهيهنّ.و المجبوب - على ما في لسان العرب - الذي قطع ذكره من الأصل أو ما لايبقى معه قدر الحشفة.
و هما غير الخصي المبحوث عنه في الفرع السابق، و ان كان حكمهما حكمه، فانّ الظاهر عدم جواز نظرهما الى المرأة الأجنبيّة و ذلك لعدم الدليل على الجواز بل يكفي في الحرمة ما يدلّ على وجوب غضّ البصر عن النساء الأجنبيّات عموما من الكتاب و السنّة و ما دلّ على وجوب تستّر المرأة عن الرجال.
و قد تقدّم منّا الكلام في آية غضّ البصر عن النساء و قلنا بأنّه يستفاد من الآية ملاكان لحرمة النظر أحدهما الشهوة و الريبة في النظر و هو لايتحقّق في الخصي و
لا في العنّين و المجبوب، و ثانيهما حفظ احترام النساء و حريمهنّ و هذا الملاك شامل لما ذكر قطعا و ان لم يكن لهم شهوة و لا ميل الى النساء.
و أمّا استثناء «التابعين غير أولي الاربة من الرجال» في الآية فلايدلّ على جواز نظر الخصي و المجبوب و العنّين، فانّ تفسير هذه الفقرة بهؤلاء لم يرد الاّ من الشافعي ولكن الروايات المفسّرة لها دالّة على غيرهم كما سيأتي بيانها ان شاء اللّه. و أمّا كبير السنّ من الرجال الذي لايقدر على اتيان النساء لكبر سنّه فالظاهر أيضا حرمة نظره الى الأجنبيّات و ذلك لشمول العمومات له على نحو ما سمعته من وجود أحد الملاكين فيه.
و في المستمسك: «فانّ المقداد في كنز العرفان في تفسير «غير أولي الاربة» قال: «قيل: المراد بهم الشيوخ الذين سقطت شهوتهم و ليس لهم حاجة الى النساء، هو مروي عن الكاظم عليه السلام . و الاربة: الحاجة». و فيه: انّه مرسل ضعيف في نفسه، فضلاً عن صلاحية معارضته لما عرفت. و لذا قال في محكي جامع المقاصد: «و لو كان شيخا كبيرا جدّا هرما ففي جواز نظره احتمال، و مثله العنّين و المخنّث و هو المشبه بالنساء. و اختار في التذكرة أنّهم كالفحل؛ لعموم الآية، و هو قوي». لكن في الجواهر أنّ المراد بغير أولي الاربة من لايشتهي النكاح لكبر سنّ و نحوه شبه القواعد من النساء اللاتي لاترجو نكاحا و لاتطمع فيه، و ضعفه ظاهر ممّاسبق».(1)
(مسألة 38): الأعمى كالبصير في حرمة نظر المرأة اليه.
الشرح:
قد تقدّم جواز نظر المرأة الى الرجل فيما يتعارف عدم ستره من أعضائه كالرأس و الرقبة و الكفّين بل الزندين و الساقين، و أنّه لايجوز لها النظر الى سائر
1) - مستمسك العروة 14: 47.
أعضائه و هذا الحكم ثابت سواء كان الرجل أعمى أو بصيرا؛ و ذلك لشمول العمومات لهما.
و أمّا مرفوعة أحمد بن أبي عبداللّه قال:
«استأذن ابن أمّ مكتوم على النبي صلى اللّه عليه و آله و عنده عائشة و حفصة فقال لهما: قوما فادخلا البيت، فقالتا: انّه أعمى، فقال: ان لم يركما فانّكما تريانه».(1)
و مرسلة أمّ سلمة قالت:
«كنت عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و عنده ميمونة فأقبل ابن أمّ مكتوم و ذلك بعد أن أمر بالحجاب فقال: احتجبا، فقلنا: يا رسول اللّه أليس أعمى لايبصرنا؟ قال: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟».(2)
فانّهما مضافا الى ضعفهما من جهة السند فمن المحتمل قريبا كون الحكم أخلاقيّا محضا مختصّا بنساء النبي صلى اللّه عليه و آله، فانّها بيان لفعله صلى اللّه عليه و آله و لعلّه لأمره بتنزّه نسائه أو نساء المؤمنات عن الرجال فانّ ذلك أمر حسن و لايدلّ على الوجوب كما تقدّم الكلام منّا في ذلك.
(مسألة 39): لابأس بسماع صوت الأجنبيّة ما لم يكن تلذّذ و لا ريبة من غير فرق بين الأعمى و البصير، و ان كان الأحوط الترك في غير مقام الضرورة. و يحرم عليها اسماع الصوت الذي فيه تهييج للسامع بتحسينه و ترقيقه، قال تعالى: «فلاتخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض».
الشرح:
اعلم أنّه لايجوز للأجنبي سماع صوت الأجنبيّة مع التلذّذ أو الريبة بلا فرق بين الأعمى و البصير، كما أنّه لايجوز للمرأة أن تخضع بالقول و ترقّق صوتها بحيث يكون فيه التهييج للسامع من غير فرق أيضا بين الأعمى و البصير.
و أمّا اذا لم يكن السماع بتلذّذ و ريبة و لا الاسماع بخضوع القول و ترقيق الصوت فالظاهر وقوع الخلاف بين الأعلام في ذلك فالمحقّق في الشرائع قال: «الأعمى لايجوز له سماع صوت المرأة الأجنبيّة؛ لأنّه عورة».(1)
و ذكره الأعمى يدلّ على الحرمة بالنسبة الى البصير بطريق أولى.
و كلامه رحمه اللّه شامل باطلاقه لصورتي التلذّذ أو خوف الفتنة و عدمه.
و قد استشكل عليه في المسالك(2)بلزوم الحرج و الضرر المنفي و عدم دليل صالح على التحريم و عدم دلالة كون صوتها عورة على التحريم مطلقا.
و اختار الشهيد الثاني رحمه اللّه حرمة سماع الصوت مع التلذّذ أو خوف الفتنة لا بدونه و نقل القطع به عن التذكرة أيضا.
أقول:
هناك طائفتان من الروايات:
الأولى ما دلّ على منع سماع صوت الأجنبيّة:
منها موثّقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : لاتبدوؤا النساء بالسلام و لاتدعوهنّ الى الطعام، فانّ النبي صلى اللّه عليه و آله قال: النساء عيّ و عورة فاستروا عيّهنّ بالسكوت و استروا عوراتهنّ بالبيوت».(3)
و منها موثّقة غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال: «لاتسلّم على المرأة».(1)
و الثانية ما يدلّ على الجواز:
منها صحيحة ربعي بن عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يسلّم على النساء و يرددن عليه و كان أميرالمؤمنين عليه السلام يسلّم على النساء و كان يكره أن يسلّم على الشابّة منهنّ و يقول: أتخوّف أن يعجبني صوتها فيدخل عليّ أكثر ممّا طلبت من الأجر».(2)
و منها موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«أنّه سأله عن النساء كيف يسلّمن اذا دخلن على القوم؟ قال: المرأة تقول: عليكم السلام و الرجل يقول: السلام عليكم».(3)
و الجمع بين هاتين الطائفتين هو جواز استماع صوتهنّ و اسماعه منهنّ للأجنبي الاّ مع التلذّذ و الريبة، فانّه حرام مطلقا كما كان النظر الى الوجه و الكفّين منها، فانّ ما ورد في صحيحة ربعي بن عبداللّه من قول أميرالمؤمنين عليه السلام كان يفسّربوضوح النهي في الروايتين السابقتين عليها. ولكن ينبغي التحفّظ من صوتهنّ الاّ بقدر الضرورة و الاحتياج كما ينبغي لهنّ التحفّظ من اسماع الصوت للرجال، و أن تجيب المخاطب و قارع الباب بصوت غليظ و لاترخّم صوتها.
و أمّا قوله تعالى خطابا لأزواج النبي صلى اللّه عليه و آله: «فلاتخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض»(4)فيرشد الى جواز سماع الصوت و اسماعه و على ما قلنا من حسن التحفّظ.
و يؤيّد الجواز رواية أبي بصير قال:
«كنت جالسا عند أبي عبداللّه عليه السلام اذ دخلت علينا أمّ خالد التي كان قطّعها يوسف بن عمر تستأذن عليه فقال أبو عبداللّه عليه السلام : أيسرّك أن تسمع كلامها؟ قال: فقلت: نعم، قال: فأذن لها قال: و أجلسني معه على الطنفسة قال: ثمّ دخلت فتكلّمت فاذا هي امرأة بليغة فسألته عنهما. الحديث».(1)
و موّثقة مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهماالسلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: أربع يمتن القلب: الذنب على الذنب و كثرة مناقشة النساء يعني محادثتهنّ و ممارة الأحمق يقول و تقول و لايؤول الى خير أبدا و مجالسة الموتى، قيل: و ما الموتى؟ قال: كلّ غني مترف».(2)
من حيث انّه صلى اللّه عليه و آله قد نهى عن كثرة الكلام معهنّ و هو يشعر بجواز أصل التكلّم معهنّ.
و رواية أخرى لأبي بصير قال:
«كنت أقرئ امرأة كنت أعلّمها القرآن فمازحتها بشيء فقدمت علىأبي جعفر عليه السلام فقال لي: أيّ شيء قلت للمرأة؟ فغطّيت وجهي فقال: لاتعودنّ اليها».(3)
و هي تدلّ على جواز تعليم الرجل القرآن للمرأة.
و رواية الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه عليهم السلام عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله (في حديث المناهي) قال:
«و نهى أن تتكلّم المرأة عند غير زوجها و غير ذيمحرم منها أكثر من خمس كلمات ممّا لا بدّ لها منه».(1)
الى غير ذلك ممّا ورد من قضايا النساء مع الأئمّة عليهم السلام و أصحابهم حيث وردن عليهم و يسألن عن مسائلهنّ من غير ردع عنهم عليهم السلام ، بل الرجوع الى سيرة المتشرّعة في زمن المعصومين عليهم السلام بل سيرتهم عليهم السلام في الأسواق و غيرها من مخالطة النساء و الرجال و معاملتهم معهنّ الى غير ذلك ممّا دلّ بوضوح على جواز سماع صوتهنّ.
و أمّا ما قيل من حرمة الجهر في الصلاة على المرأة اذا سمع صوتها الأجنبي فقد استوفينا البحث عنه في كتاب الصلاة و قلنا بعدم حرمته عليها فضلاً عن بطلان صلاتها و قد أوردنا هناك روايات تدلّ على الجواز فراجع.(2)
و لابأس بذكر كلام صاحب الجواهر تأييدا للمطلب فانّه رحمه اللّه بعد ذكر أدلّة الحرمة قال: «لكن ذلك كلّه مشكل بالسيرة المستمرّة في الأعصار و الأمصار من العلماء و المتديّنين و غيرهم على خلاف ذلك و بالمتواتر أو المعلوم ممّا ورد من كلام الزهراء و بناتها - عليها و عليهنّ السلام - و من مخاطبة النساء للنبي صلى اللّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام على وجه لايمكن احصاؤه و لا تنزيله على الاضطرار لدين أو دنيا بل قوله تعالى: «فلاتخض عن بالقول» دالّ على خلاف ذلك و لعلّه لذا و غيره صرّحجماعة كالكركي و الفاضل في المحكي عن تذكرته و غيرهما ممّن تأخّر عنه كالمجلسي و غيره بالجواز بل بملاحظة ذلك يحصل للفقيه القطع بالجواز فضلاً عن ملاحظة أحوالهم في ذلك الزمان من كونهم أهل بادية و تقام المآتم و الأعراس و غيرها فيما بينهم، و لازالت الرجال منهم مختلطة مع النساء في المعاملات و المخاطبات و غيرها. نعم، ينبغي للمتديّنة منهنّ اجتناب اسماع
الصوت الذي فيه تهييج للسامع و تحسينه و ترقيقه حسبما أومأ اليه اللّه تعالى في قوله المتقدّم، كما أنّه ينبغي للمتديّنين ترك سماع صوت الشابّة الذي هو مثار الفتنة حسبما أومأ اليه أميرالمؤمنين في تعليم الناس من أنّه يكره أن يسلّم على الشابّة منهنّ، بل ينبغي ترك ما زاد على خمس كلمات لخبر المناهي المحمول على الكراهة قطعا لضعف سنده و اشتماله على كثير من المناهي المراد منها ذلك و لاجماع الأمّة على جواز الأزيد مع الضرورة، الى غير ذلك ممّا لايخفى على من أعطاه اللّه تعالى معرفة لسانهم و رمزهم ظهور ارادة الكراهة و بالجملة سماع أصواتهنّ كسماعهنّ أصوات الرجال في القطع بالجواز ما لم يكن أحد الأمور السابقة من غير فرق بين الأعمى و البصير. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 40): لايجوز مصافحة الأجنبيّة. نعم، لابأس بها من وراء الثوب كما لابأس بلمس المحارم.
الشرح:
يدلّ على عدم جواز مصافحة الأجنبيّة و جوازها من وراء الثوب صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: هل يصافح الرجل المرأة ليست بذات محرم؟ فقال: لا، الاّمن وراء الثوب».(2)
و موثّقة سماعة بن مهران قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن مصافحة الرجل المرأة، قال: لايحلّ للرجل أن يصافح المرأة الاّ امرأة يحرم عليه أن يتزوّجها أخت أو بنت أو عمّة أو خالة أو بنت أخت أو نحوها، و أمّا المرأة التي يحلّ له
أن يتزوّجها فلايصافحها الاّ من وراء الثوب و لايغمز كفّها».(1)
و هي تدلّ - مضافا الى ما تدلّ عليه الصحيحة - على عدم جواز غمز الكفّ و لو كان من وراء الثوب.
و رواية سعدان بن مسلم قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : أتدري كيف بايع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله النساء؟ قلت: اللّه أعلم و ابن رسوله أعلم قال: جمعهنّ حوله ثمّ دعا بتور برام(2)فصبّ فيه نضوحا ثمّ غمس يده - الى أن قال: - ثمّ قال: اغمسن أيديكنّ ففعلن فكانت يد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله الطاهرة أطيب من أن يمسّ بها كفّ انثى ليست له بمحرم».(3)
فانّ هذه الروايات تدلّ على جواز مصافحة المرأة ذات المحرم و لو بدون حائل كالثوب و غيره و قد دلّ عليه السيرة القطعيّة حتّى من زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و لاتعارضها رواية الحكم بن مسكين قال:
«حدّثتني سعيدة و منّة أختا محمّد بن أبي عمير قالتا: دخلنا على أبي عبداللّه عليه السلام فقلنا: تعود المرأة أخاها؟ قال: نعم، قلنا: تصافحه؟ قال: من وراء الثوب، قالت احداهما: انّ أختي هذه تعود اخوتها،قال: اذا عدت اخوتك فلاتلبسي المصبغة».(4)
لأنّها مع ضعف سندها تحمل على استحباب أن يكون المسّ من وراء الثوب جمعا.
ثمّ انّه لايفرق في حرمة مسّ بدن الأجنبيّة بين المسلمة و الكافرة و ذلك لاطلاق النصّ و عمومات غضّ البصر الشاملة للمسّ بطريق أولى، و كذا لايجوز
1) - وسائل الشيعة 20: 208 / الباب 115 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 2.
2) - التور اناء كالاجّانة يتوضّأ منه و البرام جمع برمة و هي كلّ اناء يصنع من حجارة. لسان العرب
3) - وسائل الشيعة 20: 208 / الباب 115 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 20: 209 / الباب 116 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 1.
المسّ فيما يجوز النظر اليه من الأجنبيّة المسلمة و الكافرة، فيحرم مسّ الوجه و الكفّين من المسلمة الأجنبيّة و ما يبدين من شعورهنّ و غيرها ممّا يتعارف كشفه من الكافرات و ساكنات القرى و البوادي و الاماء و كذا يحرم مسّ ما لايجوز النظر اليه من المحارم و ذلك لأولويّة حرمة المسّ في كلّ ما يحرم النظر اليه.
و هكذا يكون الحال بالنسبة الى مسّ المرأة بدن الرجل.
(مسألة 41): يكره للرجل ابتداء النساء بالسلام و دعاؤهنّ الى الطعام و تتأكّد الكراهة في الشابّة.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة التاسعة و الثلاثين قوله عليه السلام في موثّقة غياث بن ابراهيم: «لاتسلّم على المرأة» و قوله عليه السلام في موثّقة مسعدة بن صدقة: «لاتبدوؤا النساء بالسلام ، و لاتدعوهنّ الى الطعام» الظاهران في حرمة ابتداء السلام على المرأة و بازائهما ما تقدّم في صحيحة ربعي بن عبداللّه من أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله كانيسلّم على النساء و يرددن عليه و أنّ أميرالمؤمنين عليه السلام كان يسلّم عليهنّ و كان يكره أن يسلّم على الشابّة و أنّه عليه السلام يقول: «أتخوّف أن يعجبني صوتها فيدخل عليّ أكثر ممّا طلبت من الأجر».
فانّ صحيحة ربعي تدلّ بوضوح على أنّ سيرة النبي صلى اللّه عليه و آله و وصيّه أميرالمؤمنين عليه السلام كانت على ابتدائهنّ بالسلام خصوصا بملاحظة ذيلها الدالّة على استحباب ابتدائهنّ بالسلام و أنّ ذلك ممّا فيه الأجر، و على هذا فالجمع بين الموثّقتين و هذه الصحيحة يقتضي استحباب الابتداء بالسلام الاّ على الشابّة اذا خاف الرجل أن يعجبه صوتها فيكره.
فما في المتن من القول بكراهة ابتداء النساء بالسلام مطلقا و تأكّدها في الشابّة في غير محلّه.
(مسألة 42): يكره الجلوس في مجلس المرأة اذا قامت عنه الاّ بعد برده.
الشرح:
ففي رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: اذا جلست المرأة مجلسا فقامت عنه فلايجلس في مجلسها رجل حتّى يبرد».(1)
و في رواية جابر بن يزيد الجعفي عن أبا جعفر عليه السلام :
«و اذا قامت المرأة من مجلسها فلايجوز للرجل أن يجلس فيه حتّى يبرد».(2)
و الروايتان و ان كانتا دالّتين على الحرمة بحسب ظاهر النهي فيهما الاّ أنّ الثانية ضعيفة و الأولى لم تكن صحيحة و لا موثّقة و لا حسنة، لمكان النوفلي فانّه لم يوثّق في كتب الرجال و ان عبّرنا عن روايات السكوني في مواضع بالمعتبرة، فاللازم حملهما على الكراهة؛ لقيام السيرة القطعيّة على الجواز، فانّ الرجال يجلسون مجالس النساء من دون تقييد بكونهنّ من المحارم، كما يتّفق ذلك كثيرا، مضافا الى أنّه لم ينسب القول بالتحريم الى أحد من الأصحاب، بل لم يعنون المسألة كثير.
(مسألة 43): لايدخل الولد على أبيه اذا كانت عنده زوجته الاّ بعد الاستئذان و لابأس بدخول الوالد على ابنه بغير اذنه.
الشرح:
استدلّ على وجوب استئذان الابن أوّلاً بقوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم و الذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرّات
من قبل صلاة الفجر و حين تضعون ثيابكم من الظهيرة و من بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم. الآية» و قوله تعالى: «و اذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم»(1).
بتقريب أنّ الآية و ان ذكرت الأوقات الثلاثة الاّ أنّ ذكرها كان لأغلبيّة الخلوة في هذه الأوقات، فيستفاد منها كلّ وقت خلا فيه الزوج بزوجته.
و ثانيا بصحيحة أبي أيّوب الخرّاز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«و يستأذن الرجل اذا دخل على أبيه و لايستأذن الأب على الابن. الحديث».(2)
فانّها و ان كان اطلاقها شاملاً لغير حالة الخلوة الاّ أنّها تقيّد بقرينة ما ورد في ذيلها حيث قال عليه السلام :
«و يستأذن الرجل على ابنته و أخته اذا كانتا متزوّجتين».(3)
و ثالثا برواية محمّد بن علي الحلبي قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يستأذن على أبيه؟ فقال: نعم، قد كنت أستأذن على أبي و ليست أمّي عنده انّما هي امرأة أبي، توفّيت أمّي وأنا غلام، و قد يكون من خلوتهما ما لاأحبّ أن أفجأهما عليه، و لايحبّان ذلك منّي و السلام أحسن و أصوب».(4)
هذا ولكنّ الظاهر وجوب الاستئذان على كلّ من دخل على الزوج اذا خلا بزوجته، سواء في ذلك الأب أو الابن أو غيرهما، فانّه المستفاد من الآية الكريمة، فانّ المناط في وجوب الاستئذان متّحد في الأب و الابن و هو الفجأة على حالة لايحبّ الزوج و الزوجة أن تريا على تلك الحالة.
و أمّا صحيحة أبي أيّوب الخرّاز الدالّة على عدم استئذان الأب فلا بدّ من توجيهها.
(مسألة 44): يفرّق بين الأطفال في المضاجع اذا بلغوا عشر سنين. و في رواية: اذا بلغوا ستّ سنين.
الشرح:
يدلّ على ذلك صحيحة عبداللّه بن ميمون عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: الصبي و الصبي و الصبي و الصبيّة و الصبيّة و الصبيّة يفرّق بينهم في المضاجع لعشر سنين».(1)
و مرسلة الصدوق قال:
«و روي أنّه يفرّق بين الصبيان في المضاجع لستّ سنين».(2)
و مرفوعة عيسى بن زيد الى أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يثغر الغلام لسبع سنين و يؤمر بالصلاة لتسع و يفرّق بينهم فيالمضاجع لعشر و يحتلم لأربع عشر و منتهى طوله لاثنتين و عشرين و منتهى عقله لثمان و عشرين سنة الاّ التجارب».(3)
(مسألة 45): لايجوز النظر الى العضو المبان من الأجنبي مثل اليد و الأنف و اللسان و نحوها. لا مثل السنّ و الظفر و الشعر و نحوها.
الشرح:
قال في القواعد: «و العضو المبان كالعضو المتّصل على اشكال».(1)
و لعلّ وجه الاشكال - كما ذكره الشيخ الأعظم(2)- من استصحاب الحرمة، و أنّه لو جاز النظر الى العضو المنقطع و لمسه، لزم جواز تغسيل الرجل للمرأة المقطّعة قطعتين أو ثلاث قطع أو أزيد، مع أنّ الظاهر أنّه لايجوز اجماعا. و دعوى أنّ تحريم غسل الأجنبي تعبّدي، لا من جهة حرمة النظر و اللمس، بعيد.
و من أنّ حرمة النظر و لمسه حال الاتّصال انّما كان لكونه نظرا الى المرأة و لمسا لها. و بعبارة أخرى: موضوع حرمة النظر و اللمس هي المرأة، فالنظر الى يدها و لمسها حرام باعتبار أنّه نظر الى المرأة و لمس لها، و بعد الانقطاع يرتفع الموضوع قطعا، اذ لايصدق النظر الى المرأة حينئذ و لامجرى للاستصحاب مع ارتفاع الموضوع، فالمرجع أصالة البراءة. لكن يبقى الاشكال في المسألة من جهة مسألة الغسل.
أقول:
بعد ما سمعت من وجهي الاشكال فالظاهر عدم جواز النظر الى العضو المبان عن بدن المرأة و لمسه مثل اليد و الرجل و غيرها و ذلك لصدق أنّه يد المرأة ورجلها و غيرها عرفا و العرف يرى النظر الى هذه الأجزاء المنفصلة كالنظر اليها متّصلة بعينه و عليه فيجمع بين الوجهين باستصحاب الحرمة لبقاء الموضوع و هو النظر الى المرأة، و لذا لايجوز الغسل فيما ذكره الشيخ الأنصاري قدس سره.
نعم، لايرى العرف كذلك في النظر الى مثل الظفر و السنّ و الشعر، فما ذهب اليه المصنّف رحمه اللّه هو الصحيح.
(مسألة 46): يجوز وصل شعر الغير بشعرها و يجوز لزوجها النظر اليه على كراهية، بل الأحوط الترك.
الشرح:
الظاهر جواز وصل شعر الغير بشعرها سواء كان شعر الرجل أو المرأة و يجب عليها ستره و حرم النظر اليه لغير زوجها، و ذلك لصدق شعر المرأة على الشعر الموصول عرفا، و هكذا يكون الحكم في وصل يد أو رجل أو عضو آخر منقطع من رجل أو مرأة الى امرأة أخرى فيجب ستره عن الأجنبي و يحرم النظر اليه الاّ لزوجها؛ لأنّه صار عضوا لها عرفا. و كذا القرامل من غير الشعر و الحليّ فانّهما من الزينة المحرّم ابداؤها.
و يدلّ عليه أيضا صحيحة سعد الاسكاف عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سئل عن القرامل التي تضعها النساء في رؤوسهنّ يصلنه بشعورهنّ، فقال: لابأس على المرأة بما تزيّنت به لزوجها، قال: فقلت: بلغنا أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لعن الواصلة و الموصولة، فقال: ليس هناك انّما لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله الواصلة و الموصولة التي تزني في شبابها فلمّا كبرت قاد النساء الى الرجال فتلك الواصلة و الموصولة».(1)
و رواية ثابت بن سعيد قال:
«سئل أبو عبدlاللّه عليه السلام عن النساء يجعل في رؤوسهنّ القرامل، قال: يصلح الصوف و ما كان من شعر امرأة لنفسها و كره للمرأة أن تجعل القرامل من شعر غيرها فان وصلت شعرها بصوف أو بشعر نفسها فلايضرّها».(2)
فانّها تصرّح بكراهة جعل القرامل من شعر غيرها و عدم حرمته.
(مسألة 47): لا تلازم بين جواز النظر و جواز المسّ. فلو قلنا بجواز النظر الى الوجه و الكفّين من الأجنبيّة لايجوز مسّها الاّ من وراء الثوب.
الشرح:
قد تقدّم الكلام في هذه المسألة في شرح المسألة الأربعين، أضف الى ذلك أنّ النظر و المسّ موضوعان مستقلاّن لايرتبط أحدهما بالآخر، بمعنى أنّه اذا ثبت الجواز في أحدهما لم يستلزم الجواز في الآخر، بل يبقى على عمومات المنع و هو أولويّة المسّ بالنسبة الى النظر، فيحتاج في جوازه الى دليل خاصّ يخصّص العمومات.
(مسألة 48): اذا توقّف العلاج على النظر دون اللمس أو اللمس دون النظر، يجب الاقتصار على ما اضطرّ اليه فلايجوز الآخر بجوازه.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الخامسة و الثلاثين اختيار جواز النظر الى ما لايجوز النظراليه للضرورة كالمعالجة، و حيث انّ موضوع الجواز هو الضرورة فيقتصر عليها و كذا حكم اللمس عند الضرورة، فلايجوز التعدّي عنه الى ما لا ضرورة فيه كما في المتن.
(مسألة 49): يكره اختلاط النساء بالرجال الاّ للعجائز و لهنّ حضور الجمعة و الجماعات.
الشرح:
قد تقدّم أنّ الناس حتّى المتشرّعة في كلّ عصر قد أطبقوا على جواز خروج النساء من غير نكير، و لذا يحمل على الكراهة النهي الوارد في موثّقة محمّد بن شريح قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن خروج النساء في العيدين، فقال: لا، الاّ العجوز عليها منقلاها، يعني الخفّين».(1)
و رواية يونس بن يعقوب قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن خروج النساء في العيدين و الجمعة، فقال: لا، الاّ امرأة مسنّة».(2)
و موثّقة غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : يا أهل العراق نبّئت أنّ نساءكم يدافعن الرجال في الطريق أما تستحيون؟».(3)
(مسألة 50): اذا اشتبه من يجوز النظر اليه بين من لايجوز بالشبهةالمحصورة، وجب الاجتناب عن الجميع، و كذا بالنسبة الى من يجب التستّر عنه و من لايجب. و ان كانت الشبهة غير محصورة أو بدويّة، فان شكّ في كونه مماثلاً أو لا، أو شكّ في كونه من المحارم النسبيّة أو لا، فالظاهر وجوب الاجتناب؛ لأنّ الظاهر من آية وجوب الغضّ أنّ جواز النظر مشروط بأمر وجودي و هو كونه مماثلاً أو من المحارم فمع الشكّ يعمل بمقتضى العموم، لا من باب التمسّك بالعموم في الشبهة المصداقيّة بل لاستفادة شرطيّة الجواز بالمماثلة أو المحرميّة أو نحو ذلك. فليس التخصيص في المقام من قبيل التنويع حتّى يكون من موارد أصل البراءة بل من قبيل المقتضي و المانع.
و اذا شكّ في كونها زوجة أو لا فيجري - مضافا الى ما ذكر من رجوعه الى الشكّ في الشرط - أصالة عدم حدوث الزوجيّة. و كذا لو شكّ في المحرميّة من باب الرضاع.
نعم، لو شكّ في كون المنظور اليه أو الناظر حيوانا أو انسانا، فالظاهر عدم وجوب الاحتياط؛ لانصراف عموم وجوب الغضّ الى خصوص الانسان. و ان كان الشكّ في كونه بالغا أو صبيّا أو طفلاً مميّزا أو غير مميّز، ففي وجوب الاحتياط وجهان، من العموم على الوجه الذي ذكرنا و من امكان دعوى الانصراف. و الاظهر الأوّل.
الشرح:
في المسألة فرعان:
اذا اشتبه من يجوز النظر اليه بين من لايجوز بالشبهة المحصورة وجبالاجتناب عن الجميع كما اذا اشتبهت عليه زوجته في ثلاث نسوة يعلم بأنّ احداها امرأته، مع أنّ الثلاث مكشوفات الرأس، فلايجوز له النظر الى واحدة منهنّ و ذلك للعلم الاجمالي بوجود من يجب الاجتناب عنه في هذه الثلاث، و هو منجّز للتكليف. و كذا الكلام بالنسبة الى من يجب التستّر عنه، كما اذا اشتبه على المرأة أبوها في ثلاثة رجال تعلم بأنّه أحدها، فيجب التستّر عن الجميع و ذلك للعلم الاجمالي بوجود من يجب التستّر عنه في هذه الثلاثة.
انّ الشبهة غير المحصورة في غير هذا المقام لايعتنى بها كما يشهد به الشرع و العقل و العرف كما اذا اشتبه الاناء النجس في أواني متعدّدة تعدّ في العرف غير محصورة، فانّه غير منجّز للتكليف قطعا.
أمّا في المقام فيتمّ الكلام بذكر مسائل، و قبل الخوض لبيان الحقّ فيها لا بدّ من ذكر ما ذهب اليه المصنّف رحمه اللّه و ما استدلّ عليه و ذكر ما فيه من الاشكال فنقول:
انّه رحمه اللّه ذهب الى وجوب الاجتناب في بعض صور هذا الفرع و استدلّ له بما ذكر، الاّ أنّه قال بأنّ ما ذكره ليس من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة فعلينا أوّلاً تبيين الحقّ في مسألة التمسّك بالعامّ و ثانيا ذكر سائر أدلّته:
فاعلم أنّ المخصّص تارة يكون متّصلاً و أخرى منفصلاً، مع كونه مجملاً بحسب المصداق مبيّنا بحسب المفهوم.
فالأوّل: كما قال: «أكرم العلماء الاّ الفسّاق منهم» و بعد تبيّن معنى الفاسق و أنّهمرتكب الكبيرة شكّ في عدالة زيد و أنّه مرتكب للكبيرة أو لا، و حينئذ لايمكن التمسّك بالعامّ بالنسبة الى الفرد المشكوك أي زيد، و ذلك لأنّ العامّ لاينعقد له ظهور الاّ في الخاصّ فيكون معنى «أكرم العلماء الاّ الفسّاق منهم» على هذا «أكرم العلماء العدول» و عليه فوجوب الاكرام مختصّ بمن يحرز أنّه عالم عادل قطعا.
و الثاني - و هو ما اذا كان المخصّص منفصلاً - كما اذا قال: «أكرم العلماء» ثمّ قال: «لاتكرم الفسّاق من العلماء» و شكّ في كون زيد فاسقا، فهنا نقول: انّ العامّ قد خصّص قطعا و قد خرج منه الفسّاق و بعد ورود التخصيص يعلم أنّ المتكلّم تعلّقت ارادته الجدّيّة بغير المورد المخصّص و أنّها متعلّقة باكرام العدول من العلماء، فلم يشمل العامّ المخصّص الفرد المشكوك من الأوّل؛ لأنّه حجّة بالنسبة الى العلماء العدول و لايكون الخاصّ شاملاً للفرد المشكوك أيضا فانّه حجّة
بالنسبة الى الفسّاق، فالفرد المشكوك لايكون داخلاً في العامّ و لا الخاصّ ظاهرا، و على هذا فلايمكن التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة مطلقا، بل لا بدّ في حكم الفرد المشكوك من الرجوع الى دليل آخر أو الأصل في المسألة.
و فيما نحن فيه فالعامّ بالنسبة الى وجوب غضّ البصر هو قوله تعالى: «قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم» و هو قد خصّص بدليل منفصل باخراج المحارم بالنسب و السبب و الرضاع من البنات و الأمّهات و غيرهنّ، فاذا شكّ في امرأة أنّها من المحارم أو لا، لايمكن لنا التمسّك بعموم غضّ البصر في حرمة النظر اليها فانّه من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة و هو غير جائز كما تقدّم.
و أمّا قوله تعالى: «و لايبدين زينتهنّ الاّ لبعولتهنّ. الآية» فانّه أيضا مخصّص بالمخصّص المتّصل، و لايمكن القول بشمول حكم الحرمة للرجل المشتبه كونه من موارد الاستثناء، فانّه أيضا من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
فعلينا مراجعة الأصل في المسألة و سيأتي الكلام عنه.
و قال العلاّمة الخوئي رحمه اللّه في توضيح التمسّك بالعامّ: «بدعوى أنّ العامّ قبلالتخصيص شامل لجميع الأفراد فما علم بخروجه بعد التخصيص فهو و بقي الباقي بما في ذلك الأفراد المشكوكة تحت العامّ حيث لم يحرز خروجها بالتخصيص و عليه ففيما نحن فيه حيث ثبت وجوب الاجتناب و حرمة النظر مطلقا ثمّ خصّص ذلك الحكم بعناوين معيّنة - كالزوج و الأب و غيرهما من المذكورين في الآية - فاذا شكّ في كون فرد من مصاديق هذه العناوين أو لا، ثبت له حكم العامّ لظهور العامّ في شمول الحكم له قبل التخصيص و عدم احراز كونه من مصاديق المخصّص.
و فيه: انّ ذلك لو تمّ انّما يتمّ فيما اذا كان التخصيص بدليل منفصل، أمّا لو كان التخصيص بدليل متّصل فلايتمّ للعامّ ظهور في شمول الحكم لجميع الأفراد، حيث لاينعقد للعامّ ظهور الاّ في غير الخاصّ، كما هو أوضح من أن يخفى، و
حيث انّ مقامنا من هذا القبيل فانّ استثناء هذه العناوين في الآية الكريمة متّصل فلاينعقد ظهور العامّ في شمول الحكم لجميع الأفراد، بل الحرمة انّما تثبت من الأوّل في غير هذه العناوين المذكورة، و عليه فلايحرز كون الفرد المشكوك داخلاً تحت العامّ من الأوّل و معه لايكون مشمولاً للحكم حيث انّ شمول الحكم له فرع احراز كونه مصداقا لذلك الموضوع. و بعبارة أخرى: انّه لا بدّ في ثبوت الحرمة للفرد من احراز كونه من غير العناوين المذكورة في الآية الكريمة، حيث انّ الحكم انّما ثبت لمن لم يكن مصداقا لتلك العناوين فاذا لم يحرز ذلك فلا وجه للتمسّك بالعامّ فيه.
على أنّ التمسّك بالعامّ في الشبهات المصداقيّة في غير محلّه حتّى و لو كان التخصيص بدليل منفصل، و ذلك لما ذكرناه في محلّه من أنّ المخصّص المنفصل و ان لم يكن رافعا لظهور العامّ في شمول الحكم لجميع الأفراد؛ اذ الشيء لاينقلب عمّا وقع عليه لكنّه يرفع حجّيّة ظهور العامّ في الخاصّ و يوجب قصر حجّيّة ظهور العامّ بغير الخاصّ، و عليه ففي الفرد المشكوك و ان أحرزنا ظهور شمول العامّ له الاّ أنّه لا طريق الى احراز حجّيّة ذلك الظهور فانّها مختصّة بغير الخاصّ وهذا الفرد المشكوك فلايمكن القول بحجّيّته فيه. انتهى ملخّصا».(1)
هذا حال التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، مع أنّ المصنّف رحمه اللّه قد زعم أنّه ليس مبنى ما ذهب اليه بل ذكر له أدلّة أخرى:
منها انّه لايكون تمسّكا بالعامّ بل هو من قبيل استفادة شرطيّة الجواز بالمماثلة أو نحو ذلك.
توضيحه: انّه رحمه اللّه قد استفاد من الآية أنّ جواز النظر مشروط بأمر وجودي و هو كونه مماثلاً أو محرما أو زوجة أو أمة مخصوصة، فما دام لم يحرز ذلك الأمر الوجودي لم يتعلّق به جواز النظر، فاذا لم يحرز الشرط كان اللازم التمسّك بالعامّ.
1) - المباني 32: 94 و 95.
و فيه أوّلاً: انّه يتمّ لو كان دليل حرمة النظر عامّا و قد خرج عنه المماثل بدليل خاصّ، لكنّ الظاهر خلافه - كما تقدّم - فانّ قوله تعالى: «قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم» غير مراد منه العموم للمماثل بل المفهوم منه غير المماثل فموضوع الحرمة خاصّ فتكون حرمة النظر مشروطة بأمر وجودي و هو كون المنظور اليه مخالفا.
و بالجملة اذا لوحظ الأمر بالغضّ بنفسه فمقتضاه العموم حتّى لغير الانسان و اذا لوحظ مناسبة الحكم و الموضوع و قرينة السياق اختصّ بغير المماثل.
و ثانيا: انّه لو سلّمنا عموميّته فالاستدلال راجع الى التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، كما يظهر بالتأمّل.
و منها ما قاله من أنّ التخصيص في المقام ليس من قبيل التنويع حتّى يكون من موارد أصل البراءة.
توضيحه: انّ التخصيص هنا لاينوّع العامّ الى فردين حتّى يكون لكلّ فرد حكمه فيكون المورد من موارد أصالة البراءة، فانّ التنويع - كما في الفقه - هو بأنّ المولى اذا قال: «أكرم العالم العادل» فقد نوّع العالم الى عادل و فاسق و الواجباكرام العادل، فاذا شكّ في عالم أنّه عادل أم لا، لم يجب اكرامه، لاجراء أصالة البراءة فيه، مع أنّ ما نحن فيه ليس من هذا القبيل بل يكون من قبيل أن يقول: «يحلّ لك النظر الى الانسان المماثل و نحوه و لايحلّ لك النظر الى من دونهم» فانّه اذا أراد النظر لا بدّ أن يحرز كونه مماثلاً و نحوه.
و قد أجاب عنه في المباني: «بأنّ كلّ تخصيص يوجب التحصيص و التنويع لا محالة سواء في ذلك الأقسام الذاتيّة كتقسيم المرأة الى القرشيّة و غير القرشيّة، أو العرضيّة كبلوغ الماء قدر كرّ و عدمه، و الوجه فيه ظاهر، فانّ الباقي بعد التخصيص - كقولنا: كلّ امرأة تحيض الى خمسين الاّ القرشيّة و قولنا: انّ الماء ينجس الاّ اذا بلغ الكرّ - امّا أن يثبت له الحكم على نحو الطبيعة المهملة أو الطبيعة المطلقة أو الطبيعة المقيّدة.
و الأوّل ممتنع؛ لامتناع الحكم على الطبيعة المهملة. و الثاني غير معقول؛ اذ لازمه ثبوت الحكم الأوّل للمستثنى منه و المستثنى معا. فيتعيّن أن يكون الحكم ثابتا له على نحو الطبيعة المقيّدة بغير الخاصّ و المستثنى لا محالة، و هو ليس الاّ التنويع و التحصيص. فانّ الحكم بالحيض الى خمسين أو النجاسة يثبت لنوع و حصّة من المرأة و الماء في حين أنّ الحكم بعدم الحيض و عدم الانفعال يثبت لنوع و حصّة أخرى من المرأة و الماء».(1)
و منها ما قاله رحمه اللّه من أنّه من قبيل المقتضي و المانع.
و الفرق بين هذه القاعدة و قاعدة الاستصحاب أنّه لو كان الشكّ متعلّقا ببقاء ما تعلّق به اليقين كما اذا شكّ في الطهارة بعد اليقين بها، يكون المورد مصداقا للاستصحاب و أمّا اذا تعدّد متعلّق اليقين و الشكّ - كما لو تيقّن بالقتل و شكّ في كون المقتول مهدور الدم أو تيقّن بأنّ الماء لاقى النجس و شكّ في أنّ ذلك الماء كرّ أو لا - فالمورد من قبيل المقتضي و المانع، فالمقتضي للقصاص هو القتلمتعمّدا، و المانع منه مهدوريّة دم المقتول و الشكّ في المانع لايؤثّر في عمل المقتضي.
و كذا في الثاني فانّ المقتضي للنجاسة هو ملاقاة النجس و هو موجود و المانع المشكوك و هو الكرّيّة لايؤثّر.
و فيما نحن فيه فالمقتضي للحرمة هو النظر و المانع كون المنظور اليه مماثلاً أو محرما، فمع الشكّ في المانع يؤثّر المقتضي أثره.
و فيه أوّلاً: انّه لا دليل على حجّيّة مثل هذه القاعدة الاّ اذا رجع الى الاستصحاب.
و ثانيا: انّه من الجائز أن يكون المقتضي للحرمة هو النظر الى المخالف، فاذا شكّ في كون المرئي مماثلاً أو مخالفا فلايكون مقتضي الحرمة موجودا، نعم لو
1) - المباني 32: 95 و 96.
أحرز أنّ المرئي مخالفا و شكّ في محرميّته فهو من موارد القاعدة الاّ أنّه لا دليل على حجّيّته كما تقدّم.
اذا عرفت ضعف ما ذهب اليه المصنّف رحمه اللّه فنرجع الى بيان الحقّ في هذا الفرع و هو يتمّ بذكر مسائل:
الأولى: فيما اذا شكّ في أنّ المرئي مماثل أو لا، فتارة يكون الشكّ بدويّا و أخرى يكون مشتبها بالشبهة غير المحصورة.
أمّا في الشكّ البدوي فالظاهر جواز النظر لجريان أصالة البراءة بعد عدم كون غضّ البصر عامّا ليشمل المماثل و المخالف، بل هو منصرف الى المخالف كما هو الحقّ في معنى الآية.
مضافا الى أنّه لو كان عامّا فاثبات الحكم به في هذا الفرد المشكوك كان من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة من المخصّص و قد عرفت ما فيه.
و أمّا المشتبه بالشبهة غير المحصورة فمثاله مواجهة رجل جماعة كثيرة من الرجال و فيهم امرأة لايعرفها بعينها، فلايجب الاجتناب عنهم، و قد تقدّم ما يدلّ على ذلك بتضعيف ما استدلّ به المصنّف على وجوب الاجتناب و جريان أصالةالبراءة.
نعم، لايجوز النظر الى الجميع بحيث لايشذّ منهم واحد.
الثانية: فيما اذا شكّ في كونه من المحارم النسبيّة أم لا، بعد القطع بأنّه مخالف، و الشكّ في هذه المسألة أيضا امّا أن يكون بدويّا أو مشتبها بالشبهة غير المحصورة.
أمّا الأوّل - كأن يشكّ في أنّ هذه المرأة محرمة له أو لا - فمقتضى القاعدة و ان كان هو البراءة لما تقدّم من الدليل، الاّ أنّه لايترك الاحتياط بعدم النظر، و ذلك لأنّ ما هو المعروف من مذاق الشارع هو الاحتياط في الدماء و الفروج و اللحوم.
و أمّا ان كان مشتبها بالشبهة غير المحصورة كما اذا واجه الرجل جماعة كثيرة من محارمه النسبيّة و علم بأنّ فيهنّ امرأة أجنبيّة ولكن لم يعرفها بعينها، فالظاهر
أيضا عدم وجوب الاجتناب عنهنّ؛ و الدليل عليه هو الدليل على ما سبق عليه من أنّ اثبات وجوب الاجتناب فيه بالآية تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة. نعم، لايجوز النظر اليهنّ جمع بحيث لاتشذّ منهنّ واحدة.
الثالثة و الرابعة: فيما اذا شكّ في كون المرئي زوجته أو لا، و ما اذا شكّ في أنّها محرمة له من الرضاع أم لا، فتارة يكون في الشكّ البدوي و أخرى مشتبها بالشبهة غير المحصورة.
أمّا الشكّ البدوي - كما اذا رأى امرأة و شكّ في كونها زوجته أم لا، أو شكّ في كونها محرمة له من الرضاع أم لا - فالظاهر وجوب الاجتناب عنها و ذلك لأصالة عدم حدوث الزوجيّة و المحرميّة الرضاعيّة فانّها من مصاديق استصحاب العدم النعتي، بمعنى أنّ ذات المرأة بعد وجودها لم تكن موصوفة بذلك الوصف في زمان قطعا و اذا شكّ في اتّصافها به استصحب عدمه من دون أن تكون هناك حاجة الى التمسّك باستصحاب العدم الأزلي.
و أمّا الشبهة غير المحصورة فمثالها في الزوجة - و ان كان بعيدا - أن يواجه الرجل جماعة كثيرة من النساء كلّهنّ زوجاته بالعقد الدائم أو الموقّت الاّ واحدةمنهنّ و لم يعرفها بعينها.
و مثاله في المحرم الرضاعي أن يواجه جماعة كثيرة من النساء المحرمات له بالرضاع و علم أنّ فيهنّ واحدة هي أجنبيّة و لم يعرفها بعينها.
و الحكم فيهما هو جواز النظر، الاّ أن ينظر الى الكلّ بحيث لاتشذّ منهنّ واحدة. نعم، لو عكس المثال بأن كانت له زوجة واحدة فاشتبهت بين جماعة كثيرة من الأجنبيّات فلايجوز النظر اليهنّ.
الخامسة: فيما لو شكّ في كون المنظور اليه حيوانا أو انسانا، و في هذه المسألة فالحكم هو الجواز بلا فرق بين الشكّ البدوي و الشبهة غير المحصورة و ذلك لأنّ الأصل في الشبهة الموضوعيّة هو البراءة و هو يقتضي الجواز بعد عدم عموميّة الآية للحيوان قطعا.
السادسة: فيما اذا شكّ في كون المنظور اليه مميّزا أم لا، أو شكّ في كونه بالغا أم لا، فالظاهر هو الحكم بعدم البلوغ أو عدم التمييز و ترتيب ما لهما من الحكم عليه و ذلك لجريان الاستصحاب في المقام و ذلك لحصول اليقين بعدم بلوغ المنظور اليه و عدم تمييزه في زمان ما، فاذا شكّ فيهما فالأصل عدمهما و بقاء المنظور اليه على الوصف السابق، باستصحاب العدم النعتي كما هو الحال في باقي الشبهات الموضوعيّة.
و اعلم أنّ الكلام في هذه المسائل يتعلّق بحكم الرجل في نظره الى المرأة، و حكم المرأة فى نظرها الى الرجل.
أمّا حكم المرأة في وجوب تستّرها عن الرجل الأجنبي فيأتي فيه كلّ هذه المسائل الاّ أنّ الاحتياط في الكلّ حسن مع أنّه لايجوز تركه في بعضها.
(مسألة 51): يجب على النساء التستّر كما يحرم على الرجال النظر و لايجب على الرجال التستّر و ان كان يحرم على النساء النظر. نعم، حال الرجال بالنسبة الى العورة حال النساء و يجب عليهم التستّر مع العلم بتعمّدالنساء في النظر، من باب حرمة الاعانة على الاثم.
الشرح:
الأصل في هذه المسألة أنّ النساء قد ورد فيهنّ النهي في القرآن الكريم عن ابداء زينتهنّ مضافا الى أمرهنّ بالغضّ، مع أنّ الرجال لم يرد فيهم دليل يدلّ على وجوب التستّر، بل السيرة القطعيّة قائمة على عدم تستّرهم.
هذا لا كلام و لا اشكال فيه، انّما الكلام و الاشكال فيما اذا علم الرجل بأنّ المرأة تنظر اليه، فهل يجوز له كشف ما لايجوز للمرأة النظر اليه؟
الظاهر رجوع الكلام الى بحث الاعانة على الاثم و قد فصّلنا البحث في ذلك في المكاسب المحرّمة و قلنا هناك بأنّ صدق الاعانة مشروط أوّلاً بقصد وقوع
الحرام و ثانيا بوقوعه المعان عليه في الخارج و هو الذي يساعده العرف.
و على هذا فقلنا في مسألتنا هذه بأنّه ان قصد الرجل من كشف بدنه ابداءه للمرأة فكشفه بحيث تراه المرأة ففعله محرّم قطعا فانّه اعانة على الاثم و العدوان المنهي عنها في الكتاب العزيز.
و أمّا ان لم يقصد الرجل من كشف بدنه ذلك بل كشفه و جرّده لمقاصد أخر، ولكن المرأة تنظر اليه فعلى ما قلنا في معنى الاعانة لا بدّ من القول فيه بالجواز لعدم صدق الاعانة على الاثم في هذا الفرض، الاّ أنّه يمكن أن يقال بوجوب الستر على الرجل من باب النهي عن المنكر، فانّ للنهي عن المنكر مراتب تختلف بحسب المقامات من النهي القلبي و اللساني و العملي، فانّ الستر هنا من النهي العملي فيجب؛ لوجود شرطه و هو رجاء التأثير فانّ الستر يلازم عدم النظر، و على هذا فالأقوى وجوب الستر عليه اذا علم أنّ المرأة تنظر اليه و ان لم يقصد من الكشف نظرها اليه.
و أمّا ستر العورة فلا كلام و لا اشكال في وجوبه على الرجل و المرأة.
(مسألة 52): هل المحرّم من النظر ما يكون على وجه يتمكّن من التمييز بين الرجل و المرأة و أنّه العضو الفلاني أو غيره، أو مطلقه؟ فلو رأى الأجنبيّة من بعيد بحيث لايمكنه تمييزها و تمييز أعضائها أو لايمكنه تمييز كونها رجلاً أو امرأة بل أو لايمكنه تمييز كونها انسانا أو حيوانا أو جمادا، هل هو حرام أو لا؟ وجهان، الأحوط الحرمة.
الشرح:
انّه قد تقدّم منّا البحث في المسألة الخمسين عن حكم الشبهة المحصورة و غيرها و البدويّة، و قلنا هناك بأنّ ما ذهب اليه المصنّف رحمه اللّه - من القول بالحرمة في الجميع و استناده الى عموم قوله تعالى: «قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم» -
مخدوش من جهات:
منها التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، فانّا لانقول به.
و منها التمسّك بقاعدة المقتضي و المانع، التي هي ضعيفة في المقام صغرىً و كبرىً.
و منها استفادة شرطيّة الجواز بالمماثلة أو المحرميّة من الآية.
و منها استفادة العموم من الآية حتّى بالنسبة الى المماثل.
و قد تقدّم ضعف ذلك كلّه.
و مبنى الحكم في هذه المسألة نفس المبنى في تلك المسألة، و لمّا قلنا بالجواز في تلك المسألة فنقول به أيضا في هذه المسألة.
فيجوز النظر الى الجسم القادم من البعيد المشكوك كونه رجلاً أو امرأة، و كذا يجوز النظر اليه لو شكّ في كونه محرما أو لا، مع العلم بكونه امرأة، و يجوز النظر اليه بطريق أولى اذا شكّ في كونه انسانا أو حيوانا.
و فيه مسائل:
(مسألة 1): الأقوى وفاقا للمشهور جواز وط ء الزوجة و المملوكة دبرا على كراهة شديدة بل الأحوط تركه، خصوصا مع عدم رضاها بذلك.
الشرح:
انّه قد اختلف الأصحاب في جواز وط ء المرأة دبرا، و المشهور بين الاماميّة جوازه على كراهة شديدة و نقل عن غير واحد منهم القول بالحرمة كالقمّييّن و ابن حمزة و الشيخ أبي الفتوح الرازي و الراوندي في اللباب و السيّد أبي المكارم صاحب بلابل القلاقل و المحقّق الآبي في كشف الرموز على ما نقل عنهم.
و قد استدلّ الفريقان بالكتاب و السنّة:
أمّا الكتاب فقد استدلّ المانعون و المجوّزون جميعا بقوله تعالى: «نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم»(1).
أمّا دلالتها على الجواز فبتقريب أنّ «أنّى» للمكان فتدلّ على جواز اتيان النساء
1) - البقرة 2: 223.
في أيّ مكان من جسدهنّ فتكون دليلاً على جواز وطئها دبرا بالعموم.
و قد استشكل فيه أوّلاً بأنّ لفظة «أنّى» قد استعملت في أربعة معان: المكان و الزمان و الكيف و من أين، و المحتمل في الآية الأوّل و الثاني بل و الثالث و اذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، مضافا الى ما يقرّب الاحتمال الثاني - و هو استعمالها في الزمان - مقارنتها بالآية السابقة عليها و هي قوله تعالى: «و يسألونك عن المحيض قل هو أذىً فاعتزلوا النساء في المحيض و لاتقربوهنّ حتّى يطهرن فاذا تطهّرن فأتوهنّ من حيث أمركم اللّه انّ اللّه يحبّ التوّابين و يحبّ المتطهّرين»(1)فانّ اللّه تعالى لمّا نهى عن اتيان النساء في المحيض فقال في الآية اللاحقة - بناءً على هذا الاحتمال - بأنّ النساء حرث فأتوهنّ في أيّ زمان شئتم الاّ ما ذكر في الآية السابقة.
و ثانيا بأنّه على فرض تسليم مكانيّة «أنّى»، فانّه من المحتمل أن يكون المراد منها جواز اتيان النساء في قبلهنّ من دبرهنّ و قد وردت الآية في مقام دفع توهّم حظر ذلك كما أشير الى ذلك في بعض الروايات الآتية.
و أمّا المانعون فقد قالوا بأنّ معنى الحرث كان ما يزرع فيه، و معلوم أنّ الحرث في المرأة بمناسبة المقام هو الفرج و تزرع فيه النطفة ليحصل الولد، و معنى فأتوا حرثكم أنّى شئتم هو ما تقدّم في الاشكال الثاني، فالأمر باتيان الحرث أمر باتيانهنّ من القبل كما يظهر ذلك بملاحظة الأمثلة العرفيّة فانّ المولى اذا أعطى الحبّ لعبده و أمره بحرثه أينما شاء فالعبد لايحتمل أن يكون مراد المولى حرثه في أيّ مكان و لو كان غير صالح للزراعة كالبحر.
ولكن الظاهر عدم دلالة الآية في نفسها، لا على الجواز و لا على الحرمة.
أمّا عدم دلالتها على الجواز فقد تقدّم، و أمّا عدم دلالتها على الحرمة فانّ اللّه تعالى لمّا أمر باتيان النساء بعنوان أنّهنّ حرث للرجال فلاتدلّ على عدم جواز
1) - البقرة 2: 222.
الاتيان في غير الفرج، و ذلك أوّلاً: لأنّ من الأحكام الاتّفاقيّة جواز الاستمتاع من المرأة في دون الفرج كالتفخيذ و نحوه.
و ثانيا: نمنع من كون الحرث انّما يؤتى لمجرّد الزرع، بل يجوز اتيانه لغيره.
و بذلك يظهر ضعف الاستدلال على المنع بقوله تعالى: «فاذا تطهّرن فأتوهنّ من حيث أمركم اللّه» بتقريب أنّ ما أمر به اللّه عزّوجلّ هو ما تقدّم على الآية من قوله تعالى: «نساؤكم حرث لكم» و الحرث بمعنى القبل، فلايجوز في غيره.
وجه الضعف أوّلاً: انّه لا دليل على رجوع الاتيان من حيث أمركم اللّه الى ما ذكر في الآية السابقة عليها، بل يمكن أن يكون المراد منها اتيانهنّ في غير زمن الحيض.
و ثانيا: على فرض تسليم الرجوع الى السابقة، فقد تقدّم الكلام في الحرث و معناه.
فاذا فرغنا من الآيتين و لم نصل منهما الى حكم فعلينا بالرجوع الى السنّة فنقول:
قد دلّت على الجواز روايات:
منها صحيحة علي بن الحكم قال:
«سمعت صفوان يقول: قلت للرضا عليه السلام : انّ رجلاً من مواليك أمرني أن أسألك عن مسألة فهابك و استحيى منك أن يسألك عنها قال: ما هي؟ قال: قلت: الرجل يأتي امرأته في دبرها؟ قال: نعم، ذلك له، قلت: و أنت تفعل ذلك؟ قال: لا، انّا لانفعل ذلك».(1)
و منها موثّقة عبداللّه بن أبي يعفور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يأتي المرأة في دبرها؟ قال: لابأس
1) - وسائل الشيعة 20: 145 / الباب 73 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 1.
اذا رضيت، قلت: فأين قول اللّه عزّوجلّ: «فأتوهنّ من حيث أمركم اللّه» قال: هذا في طلب الولد فاطلبوا الولد من حيث أمركم اللّه انّ اللّه تعالى يقول: «نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم»».(1)
و منها موثّقة حمّاد بن عثمان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام و أخبرني من سأله عن الرجل يأتي المرأة في ذلك الموضع. - و في البيت جماعة - فقال لي و رفع صوته: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: من كلّف مملوكه ما لايطيق فليعنه، ثمّ نظر في وجه أهل البيت ثمّ أصغى اليّ فقال: لابأس به».(2)
و منها صحيحة ابن أبي يعفور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يأتي المرأة في دبرها، قال: لابأس به».(3)
و منها مرفوعة البرقي عن ابن أبي يعفور قال:
«سألته عن اتيان النساء في أعجازهنّ، فقال: ليس به بأس، و ما أحبّ أن تفعله».(4)
و منها مرسلة حفص بن سوقة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل يأتي أهله من خلفها؟ قال: هو أحد المأتيين فيه الغسل».(5)
و منها رواية يونس بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه أو لأبي الحسن عليهماالسلام : انّي ربما أتيت الجارية من
1) - وسائل الشيعة 20: 146 / الباب 73 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 20: 146 / الباب 73 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 20: 147 / الباب 73 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 20: 147 / الباب 73 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 6.
5) - وسائل الشيعة 20: 147 / الباب 73 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 7.
خلفها - يعني دبرها - و نذرت فجعلت على نفسي ان عدت الى امرأة هكذا فعليّ صدقة درهم و قد ثقل ذلك عليّ قال: ليس عليك شيء و ذلك لك».(1)
و الظاهر أنّ المراد من قوله عليه السلام : «ليس عليك شيء» ليس بيان حكم النذر، بل بيان جواز الوط ء في الدبر، فتدلّ على الجواز.
و بذلك يظهر ضعف ما استشكل فيها العلاّمة الخوئي رحمه اللّه بأنّها مقطوعة البطلان؛ «اذ لا موجب للحكم ببطلان نذره و أنّه لا شيء عليه بعد ما كان متعلّقه أمرا راجحا، فانّ الوط ء في الدبر مرجوح، بلا خلاف فيكون تركه أمرا راجحا».(2)
و قد ذكر غير هذه الروايات في الوسائل فراجع.
هذه هي ما تدلّ على الجواز من الروايات و بعضها صحيحة أو معتبرة يصحّ الاستدلال بها قطعا.
و أمّا ما دلّ على المنع فروايات:
منها معتبرة معمّر بن خلاّد قال:
«قال لي أبو الحسن عليه السلام : أيّ شيء يقولون في اتيان النساء في أعجازهنّ؟ قلت: انّه بلغني أنّ أهل المدينة لايرون به بأسا، فقال: انّ اليهود كانت تقول: اذا أتى الرجل المرأة من خلفها خرج ولده أحول فأنزل اللّه عزّوجلّ «نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم» من خلف أو قدام خلافا لقول اليهود، و لم يعن في أدبارهنّ».(3)
من جهة أنّه عليه السلام قد فسّر الآية باتيان النساء في القبل من جانب الدبر، خلافا لأهل المدينة.
و منها رواية سدير قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: محاش النساء على أمّتي حرام».(1)
و منها رواية هاشم و ابن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال هاشم:
«لاتعري و لاتفرث، و ابن بكير قال: لايفرث أي لايأتي من غير هذا الموضع».(2)
و منها مرسلة أبان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن اتيان النساء في أعجازهنّ، قال: هي لعبتك فلاتؤذها».(3)
و منها ما رواه علي بن ابراهيم في تفسيره قال:
«قال الصادق عليه السلام في قوله تعالى: «فأتوا حرثكم أنّى شئتم» أي متى شئتم في الفرج، و الدليل على قوله في الفرج قوله تعالى: «نساؤكم حرث لكم» فالحرث الزرع في الفرج في موضع الولد».(4)
و منها رواية زيد بن ثابت قال:
«سأل رجل أميرالمؤمنين عليه السلام : أتؤتى النساء في أدبارهنّ؟ فقال: سفلت، سفل اللّه بك أما سمعت يقول اللّه: «أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين»».(5)
الى غير ذلك من الروايات.
و مع امكان الجمع بين الطائفتين بحمل الثانية على الكراهة فلا وجه لطرح احداهما، مع أنّ روايات الجواز أصحّ سندا و أظهر دلالة، الاّ أنّه لمّا ذهب جمع من الأصحاب الى الحرمة فنقول بالكراهة المغلظة، خروجا من خلافهم.
1) - وسائل الشيعة 20: 142 / الباب 72 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 20: 142 / الباب 72 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 20: 143 / الباب 72 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 20: 143 / الباب 72 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 6.
5) - وسائل الشيعة 20: 144 / الباب 72 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 11.
نعم، يمكن أن يقال بتقييد الجواز برضى الزوجة و ذلك لتقييد المطلقاتبموثّقة عبداللّه بن أبي يعفور المتقدّمة حيث قيّد الامام عليه السلام الجواز برضاها.
(مسألة 2): قد مرّ في باب الحيض الاشكال في وط ء الحائض دبرا و ان قلنا بجوازه في غير الحائض.
الشرح:
الظاهر جواز وط ء الحائض دبرا و ذلك لمعتبرة عبدالملك بن عمرو قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام ما لصاحب المرأة الحائض منها؟ فقال: كلّ شيء ما عدا القبل منها بعينه».(1)
و منها موثّقة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الحائض ما يحلّ لزوجها منها؟ قال: ما دون الفرج».(2)
و منها مرسلة عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا حاضت المرأة فليأتها زوجها حيث شاء ما اتّقى موضع الدم».(3)
و منها صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام ،
«في الرجل يأتي المرأة فيما دون الفرج و هي حائض قال: لابأس اذا اجتنب ذلك الموضع».(4)
و منها ما في تفسير العيّاشي عن عيسى بن عبداللّه قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : المرأة تحيض، يحرم على زوجها أن يأتيها لقول اللّه تعالى: «و لاتقربوهنّ حتّى يطهرن» فيستقيم للرجل أن يأتي
امرأته و هي حائض فيما دون الفرج».(1)
و الفرج ظاهر في القبل في اصطلاح الروايات و كلام الأصحاب.
فيستفاد من هذه الروايات جواز وطئها دبرا الاّ أنّه مكروه كراهة شديدة و ذلك - مضافا الى ما تقدّم في وجه الكراهة الشديدة مطلقا - لمعتبرة عمر بن حنظلة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : ما للرجل من الحائض؟ قال: ما بين الفخذين».(2)
و صحيحة عمر بن يزيد قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : ما للرجل من الحائض؟ قال: ما بين اليتيها و لايوقب».(3)
فانّ ظاهر هاتين عدم جواز الوط ء قبلاً و دبرا الاّ أنّهما تحملان على الكراهة جمعا.
(مسألة 3): ذكر بعض الفقهاء ممّن قال بالجواز: انّه يتحقّق النشوز بعدم تمكين الزوجة من وطئها دبرا، و هو مشكل لعدم الدليل على وجوب تمكينها في كلّ ما هو جائز من أنواع الاستمتاعات حتّى يكون تركه نشوزا.
الشرح:
الظاهر من الروايات الواردة في منع اتيان النساء في أدبارهنّ و بعض الروايات الواردة في جوازه - كما ورد من استحياء السائل من ذكره و كموثّقة عبداللّه بن أبي يعفور التي أوكلت ذلك الى رضاها - أنّ امتناع الزوجة من الوط ء في دبرها لايستلزم النشوز، و أنّ الوط ء هكذا ليس من استمتاعات الزوجيّة المتعارفة
الواجبة على الزوجة التمكين بالنسبة اليها، فانّه لا دليل على وجوب تمكينها في كلّ ما هو جائز من أنواع الاستمتاعات حتّى يكون تركه نشوزا، و لو شكّ في ذلكفالأصل عدم النشوز خصوصا اذا كان حالها مسبوقا بالاطاعة و التمكين.
هذا مضافا الى أنّه ان قلنا بتقييد الجواز برضاها، فلا شكّ في عدم تحقّق النشوز بامتناعها.
(مسألة 4): الوط ء في دبر المرأة كالوط ء في قبلها في وجوب الغسل و العدّة، و استقرار المهر و بطلان الصوم و ثبوت حدّ الزنا اذا كانت أجنبيّة و ثبوت مهر المثل اذا وطئها شبهة و كون المناط فيه دخول الحشفة أو مقدارها و في حرمة البنت و الأمّ و غير ذلك من أحكام المصاهرة المعلّقة على الدخول. نعم، في كفايته في حصول تحليل المطلّقة ثلاثا اشكال، كما أنّ في كفاية الوط ء في القبل بدون الانزال أيضا كذلك، لما ورد في الأخبار من اعتبار ذوق عسيلته و عسيلتها فيه. و كذا في كفايته في الوط ء الواجب في أربعة أشهر، و كذا في كفايته في حصول الفئة و الرجوع في الايلاء أيضا.
الشرح:
قبل بيان كلّ واحد من هذه الأحكام نذكر كلام صاحب الجواهر رحمه اللّه حيث انّه قد ذكر هذه المواضع و فصّلها، ثمّ نذكر الدليل في كلّ هذه المواضع ان شاء اللّه ففي الجواهر: «ثمّ انّ الظاهر من قوله عليه السلام في الموثّق: «هو أحد المأتيين» و غيره ما صرّح به الفاضل و غيره بل حكي عن الشيخ و كثير من كونه كالقبل في جميع الأحكام حتّى ثبوت النسب، فلو وطأها في الدبر و أتت بولد لستّة أشهر فصاعدا ألحق به الولد مع بعده جدّا و تقرير المسمّى فلو طلّقها بعده لزمه تمامه و حدّ الزاني ان وطأ الأجنبيّة لا لشبهة و مهر المثل لو وطأها مع فساد العقد أو المهر، و العدّة فلو طلّقها كانت عليها عدّة المدخول بها، و تحريم المصاهرة فيحرم عليه
بنتها أبدا و الأخت المملوكة جمعا، الاّ في التحليل فلاتحلّ للمطلّق ثلاثا الاّ بالوط ء قبلاً بلا خلاف كما عن المبسوط قال: «لقوله عليه السلام : حتّى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتك» و هي لاتذوق العسيلة في دبرها، و الاحصان فلايثبت به الاحصان بلا خلاف كما عن المبسوط أيضا فلايحدّ من لايقدر على وط ء زوجته الاّ في الدبر اذا زنا حدّ المحصن، و استنطاقها في النكاح فلاتزول به بكارتها فيكفي سكوتها في الرضا بالنكاح مع احتماله كما تسمعه فيما يأتي، قيل: و الاّ في نقض الصوم و وجوب الكفّارة به و وجوب الغسل، فقد اختلف فيها، قلت: لكن قد عرفت مساواته للقبل في ذلك، قيل: و الاّ في عدم الغسل عليها بخروج المني من دبرها بخلاف ما لو وطئت قبلاً فانّ فيه وجها بوجوب الغسل الاّ أن تعلم أن ليس في الخارج من منيّها شيء، قلت: قد يقال: انّ الأوجه خلافه؛ لاستصحاب الطهارة على أنّ ذلك في الحقيقة أمر خارج عن أحكام الوط ء، فلا حاجة الى استثنائه، قيل: و الاّ في الخروج عن الايلاء فانّه لاتحصل الفئة الاّ بالوط ء في القبل، قلت: و ذلك لأنّ الايلاء لايقع الاّ به دون الوط ء دبرا فلا حاجة الى استثنائه».(1)
و لا بدّ من الكلام في أحكام هذه المسألة في ضمن فروع و ان فصّل بعضها في غير هذا الكتاب فنقول:
هنا فروع:
اعلم أنّه يجب الغسل بالوط ء في دبر المرأة و ان لم ينزل كما يجب به في قبلها و ان لم ينزل و قد ذكرناه تفصيلاً في كتاب الطهارة و الدليل عليه مرسلة حفص بن سوقة المتقدّمة قال:
1) - جواهر الكلام 29: 110 و 111.
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل يأتي أهله من خلفها؟ قال: هو أحدالمأتيين فيه الغسل».(1)
و قد عمل بها المشهور و لاتعارضها قوله عليه السلام في مرفوعة البرقي:
«اذا أتى الرجل المرأة في دبرها فلم ينزل فلا غسل عليهما، و ان أنزل فعليه الغسل و لا غسل عليها».(2)
و قوله عليه السلام في مرفوعته الأخرى:
«في الرجل يأتي المرأة و هي صائمة قال: لاينقض صومها و ليس عليها غسل».(3)
و ذلك أوّلاً: لاعراض المشهور عنهما.
و ثانيا: لوجوب الغسل على الغلام الموطوء في دبره و كذا على الواطئ، و عدم الفرق في ذلك بين المرأة و الرجل قطعا.
و ثالثا: لوجوب الحدّ على من أتى امرأة أجنبيّة في دبرها، فلم لايكون عليه الغسل و الشاهد عليه ما ورد في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«جمع عمر بن الخطّاب أصحاب النبي صلى اللّه عليه و آله فقال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها و لاينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء، و قال المهاجرون: اذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل، فقال عمر لعلي عليه السلام : ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال علي عليه السلام : أتوجبون عليه الحدّ و الرجم و لاتوجبون عليه صاعا من ماء؟ اذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل فقال عمر: القول ما قال المهاجرون و دعوا ما قالت الأنصار».(4)
فانّها و ان وردت - بظاهرها - في وط ء القبل الاّ أنّ المناط المذكور فيها يشملالدبر أيضا كما لايخفى على المتأمّل.
الظاهر أنّه تثبت العدّة و يستقرّ المهر بالدخول مطلقا و لو في الدبر و ذلك لصدق العناوين المذكورة في الروايات - المعلّق عليها ثبوت العدّة و استقرار المهر - على الدخول في الدبر، أمّا الروايات:
فمنها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سأله أبي - و أنا حاضر - عن رجل تزوّج امرأة فأدخلت عليه فلم يمسّها و لم يصل اليها حتّى طلّقها، هل عليها عدّة منه؟ فقال: انّما العدّة من الماء، قيل له: فان كان واقعها في الفرج و لم ينزل؟ فقال: اذا أدخله وجب الغسل و المهر و العدّة».(1)
فانّ الادخال يصدق على الدخول في القبل و الدبر.
و لايستشكل بأنّ سؤال السائل مختصّ بالفرج، فانّه و ان كان كذلك الاّ أنّ المدار بالجواب و هو مطلق. فتأمّل.
مضافا الى أنّ الفرج قد يطلق على الدبر أيضا.
و منها صحيحته الأخرى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ملامسة النساء هي الايقاع بهنّ».(2)
فانّ الايقاع و الايقاب كليهما يشملان الدخول في الدبر بالاطلاق.
و منها صحيحة داود بن سرحان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أولجه فقد وجب الغسل و الجلد و الرجم و وجب المهر».(1)
و منها رواية محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام متى يجب المهر؟ فقال: اذا دخل بها».(2)
فهذه الروايات باطلاقها تشمل الدبر أيضا، فيثبت الحكم في العدّة و المهر المسمّى و مهر المثل و حدّ الزنا و سائر أحكام المصاهرة.
و كذا حرمة بنت الموطوءة و غير ذلك من الأحكام المعلّقة على الوط ء أو الادخال أو الايلاج أو غير ذلك الصادقة على الدبر.
و يؤيّد ما ذكرنا ما دلّ على حكم الجلد في اتيان الغلام، فانّ اللفظ فيه عين اللفظ في هذه الروايات مثل «أدخله أو أولجه أو أوقبه» مع أنّ الاتيان فيه اتيان في الدبر.
و يؤيّده أيضا الشهرة بل الاجماع المحكي على ارادة ما يشمل الدبر من الألفاظ المزبورة.
و كذا صحيحة أبي عبيدة قال:
«سئل أبو جعفر عليه السلام عن خصي تزوّج امرأة و فرض لها صداقا و هي تعلم أنّه خصي، فقال: جائز فقيل: فانّه مكث معها ما شاء اللّه ثمّ طلّقها هل عليها عدّة؟ قال: نعم، أليس قد لذّ منها و لذّت منه؟ الحديث».(3)
فانّها ليست في مقام بيان وجوب العدّة على زوجة الخصي الاّ أنّها تصلح للتأييد، فانّ العدّة قد علّقت فيها بصرف الالتذاذ و هو يحصل بالدخول في الدبر قطعا.
و أمّا ما قد يقال بانصراف المطلق الى الفرد الشائع الذي هو المواقعة في
القبل، أو أنّه هو الذي يتحقّق به التقاء الختانين المذكور في بعض الروايات.
ففيه: قد تقدّمت الروايات الدالّة على أنّ الدبر أحد المأتيين و تقدّمت أيضا الروايات الدالّة على جواز الوط ء في الدبر و المعلوم من هذه العناوين ليس خصوص القبل كما لايخفى.
هذا مضافا الى أنّ الكراهة الشديدة المتحقّقة في الوط ء في الدبر و كذا استحياء الناس عن التصريح به يوجبان عدم ذكره من الأئمّة عليهم السلام و الاكتفاء بذكر ما يشمله عموما كالادخال أو الايلاج أو غيرهما.
و أمّا كون المناط فيه دخول الحشفة فقد فصّل البحث فيه في كتاب الحدود فراجع.
و في الجواهر: «بل لا فرق بين القبل و الدبر في ذلك بلا خلاف أجده فيه، عدا ما عساه يشعر به اقتصار الفاضل في التحرير على الأوّل، بل ظاهرهم الاجماع عليه و ان توقّف فيه في الحدائق بدعوى انصراف المطلق الى الفرد الشائع الذي هو المواقعة في القبل بل به يتحقّق التفاء الختانين، خصوصا بعد ما تقدّم من الخلاف في الغسل بدخولها فيه و تبعه في الرياض لولا الوفاق.
لكن قد يقال - بعد كون الدبر أحد المأتيين و أحد الفرجين و ما تقدّم سابقا من النصوص في تفسير قوله تعالى: «فأتوا حرثكم أنّى شئتم» - يمكن منع أنّ المنساق من الايقاع و الادخال و نحوهما غيره بل ستسمع ترتّب العدّة على الالتذاذ في صحيح أبي عبيدة المنزّل على ما يشمل ذلك كما أنّك سمعت ترتّبها على الماء الصادق بانزاله في الدبر و يتمّ بعدم القول بالفصل، على أنّ كونه شائعا فيما يقع من الوط ء لايقتضي ندرة اطلاق الدخول و الاتيان و الوقاع و المسّ بل و الوط ء و نحوها عليه و لا أقلّ من كونه بالشهرة أو بالاجماع يقوي الظنّ بارادة ما يشمل الفرد المزبور من الألفاظ المزبورة لو سلّم انسياق خصوص القبل منها».(1)
1) - جواهر الكلام 32: 213.
فلنذكر أوّلاً الروايات الواردة في الباب:
منها موثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«فاذا طلّقها ثلاثا لم تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره، فاذا تزوّجها غيره و لم يدخل بها و طلّقها أو مات عنها لم تحلّ لزوجها الأوّل حتّى يذوق الآخر عسيلتها».(1)
و منها صحيحة محمّد بن قيس قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: من طلّق امرأته ثلاثا و لم يراجع حتّى تبين فلاتحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره، فاذا تزوّجت زوجا و دخل بها حلّت لزوجها الأوّل».(2)
و منها موثّقة سماعة قال:
«سألته عن رجل طلّق امرأته فتزوّجها رجل آخر و لم يصل اليها حتّى طلّقها تحلّ للأوّل؟ قال: لا، حتّى يذوق عسيلتها».(3)
فانّ الظاهر من هذه الروايات اعتبار الدخول في القبل، فانّ المراد من عسيلتها في كلامه عليه السلام امّا مني المرأة أو مذيها، فهذا قرينة ظاهرة على اعتبار الدخول في القبل، هذا مضافا الى عدم الخلاف فيه كما سيأتي بعض كلمات الأصحاب، و لو شكّ في أنّ الدخول في الدبر كافٍ أم لا، فالأصل عدم حصول التحليل به و بقاء الزوجة على الحرمة.
و اليك بعض كلمات الأصحاب في ذلك:
قال في الشرائع: «اذا وقعت الثلاثة على الوجه المشترط، حرمت المطلّقة حتّى تنكح زوجا غير المطلّق و يعتبر في زوال التحريم شروط أربعة: أن يكون الزوج بالغا و في المراهق تردّد أشبهه أنّه لايحلّل، و أن يطأها في القبل وط ءا موجبا للغسل و أن يكون ذلك بالعقد لا بالملك و الاباحة و أن يكون العقد دائما لا متعة و مع استكمال الشرائط يزول تحريم الثلاث».(1)
و في المسالك - عند قول المحقّق: و أن يطأها في القبل وط ءا موجبا للغسل - قال: «أشار بذلك الى جملة من شرائط التحليل و هي أمور خمسة: الأوّل: أن يطأها المحلّل فلايكفي العقد المجرّد و لا الخلوة اجماعا، الثاني: كونه في القبل فلايكفي الدبر و هو مستفاد أيضا من ذوق العسيلة، فانّه منتفٍ من الجانبين في غير القبل و لأنّه المعهود. هذا اذا قلنا بجوازه و الاّ فلا اشكال في خروجه؛ لأنّ الأحكام لاتناوله. الثالث: كون الوط ء موجبا للغسل، و حدّه تغيّب الحشفة أو قدرها من مقطوعها؛ لأنّ ذلك مناط أحكام الوط ء كلّها. الرابع: أن يكون ذلك بالعقد لا بالملك؛ لقوله تعالى: «حتّى تنكح زوجا غيره». الخامس: كون العقد دائما فلايكفي المتعة؛ لمفهوم قوله تعالى: «حتّى تنكح زوجا غيره فان طلّقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا» و الطلاق مختصّ بالدائم. انتهى ملخّصا».(2)
و في الجواهر: «أن يطأها في القبل بلا خلاف؛ لأنّه المنساق من نصوص ذوق العسيلة بل لا بدّ أن يكون وط ءا موجبا للغسل بغيبوبة الحشفة أو مقدارها من مقطوعها. و ظاهرهم الاتّفاق على ذلك و ان لم يحصل تكرار منه و لا انزال، فان تمّ اجماعا كان هو الحجّة و الاّ فهو محلّ للنظر لظهور نصوص ذوق العسيلة في خلافه حتّى على تفسيره بلذّة الجماع. انتهى ملخّصا».(3)
و أمّا الكلام في سائر شرائطه فسوف يأتي في محلّه ان شاء اللّه.
و أمّا البحث عن سائر ما ذكره المصنّف في هذه المسألة ككفاية الوط ء في الدبر في تحقّق الوط ء الواجب في أربعة أشهر أو كفايته في حصول الفئة و الرجوع في الايلاء فسيأتي البحث عنه.
(مسألة 5): اذا حلف على ترك وط ء امرأته في زمان أو مكان يتحقّق الحنث بوطئها دبرا الاّ أن يكون هناك انصراف الى القبل من حيث كون غرضه انعقاد النطفة.
الشرح:
اذا حلف على ترك وط ء امرأته في زمان أو مكان أو مطلقا، فان كان هناك قرينة حال أو مقال تنصرف الى القبل فلايتحقّق الحنث بوطئها دبرا، كما مثّل به في المتن من أنّ الغرض من الحلف عدم انعقاد النطفة.
أمّا لو لم يكن هناك قرينة كهذه فيتحقّق الحنث بوطئها دبرا و ذلك لشمول الوط ء للدبر أيضا، و بطريق أولى لو كان هناك قرينة تدلّ على العموم و الشمول للقبل و الدبر.
و لو حلف على ترك الوط ء في الدبر خصوصا فينعقد و يتحقّق الحنث بفعله.
(مسألة 6): يجوز العزل - بمعنى اخراج الآلة عند الانزال و افراغ المني خارج الفرج - في الأمة و ان كانت منكوحة بعقد الدوام و الحرّة المتمتّع بها و مع اذنها و ان كانت دائمة و مع اشتراط ذلك عليها في العقد و في الدبر و في حال الاضطرار من ضرر أو نحوه. و في جوازه في الحرّة المنكوحة بعقد الدوام في غير ما ذكر قولان، الأقوى ما هو المشهور من الجواز مع الكراهة. بل يمكن أن يقال بعدمها أو أخفيّتها في العجوزة و العقيمة و السليطة و البذيّة و التي لاترضع ولدها.
و الأقوى عدم وجوب دية النطفة عليه و ان قلنا بالحرمة. و قيل بوجوبها عليه للزوجة - و هي عشرة دنانير - للخبر الوارد فيمن أفزع رجلاً عن عرسه فعزل عنها الماء، من وجوب نصف خمس المائة - عشرة دنانير - عليه. لكنّه في غير ما نحن فيه، و لا وجه للقياس عليه مع أنّه مع الفارق.
و أمّا عزل المرأة - بمعنى منعها من الانزال في فرجها - فالظاهر حرمته بدون رضا الزوج، فانّه منافٍ للتمكين الواجب عليها بل يمكن وجوب دية النطفة عليها. هذا و لا فرق في جواز العزل بين الجماع الواجب و غيره حتّى فيما يجب في كلّ أربعة أشهر.
الشرح:
في المسألة فروع:
ففي الشرائع: «العزل عن الحرّة اذا لم يشترط في العقد و لم تأذن، قيل: هو محرّم و يجب معه دية النطفة عشرة دنانير، و قيل: هو مكروه و ان وجبت الدية و هو الأشبه».(1)
فلنذكر أوّلاً الروايات الواردة في الباب و هي على طائفتين:
الطائفة الأولى: ما دلّت على جواز العزل بشرائط:
منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام :
«أنّه سئل عن العزل، فقال: أمّا الأمة فلابأس و أمّا الحرّة فانّي أكره ذلك الاّ أن يشترط عليها حين يتزوّجها».(2)
و منها صحيحة ثانية له عن أبي جعفر عليه السلام مثل ذلك و قال في حديثه:
«الاّ أن ترضى أو يشترط ذلك عليها حين يتزوّجها».(1)
و منها صحيحته الثالثة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل المسلم يتزوّج المجوسيّة، فقال: لا، ولكن ان كان له أمة مجوسيّة فلابأس أن يطأها و يعزل عنها و لايطلب ولدها».(2)
و منها رواية يعقوب الجعفي قال:
«سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: لابأس بالعزل في ستّة وجوه: المرأة التي تيقّنت أنّها لاتلد و المسنّة و المرأة السليطة و البذيّة و المرأة التي لاترضع ولدها و الأمة».(3)
الطائفة الثانية: ما دلّ على الجواز من غير تقييد:
منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن العزل، فقال: ذاك الى الرجل يصرفه حيث شاء».(4)
و منها موثّقة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن العزل، فقال: ذاك الى الرجل».(5)
و منها موثّقة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لابأس بالعزل عن المرأة الحرّة ان أحبّ صاحبها و ان كرهت ليس لها من الأمر شيء».(6)
و منها موثّقته الأخرى قال:
1) - وسائل الشيعة 20: 151 / الباب 76 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 20: 151 / الباب 76 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 20: 152 / الباب 76 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 20: 149 / الباب 75 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 20: 149 / الباب 75 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 2.
6) - وسائل الشيعة 20: 150 / الباب 75 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 4.
«قلت لأبي جعفر عليه السلام : الرجل تكون تحته الحرّة أيعزل عنها؟ قال: ذاك اليه ان شاء عزل و ان شاء لم يعزل».(1)
فانّ الجمع بين هاتين الطائفتين يقتضي القول بكراهة العزل عن الحرّة المنكوحة بالعقد الدائم الاّ اذا اشترط عليها في العقد أو تكون راضية به فلايكون مكروها و القول بعدم كراهته مطلقا في الأمة و الحرّة المتمتّع بها.
قال الشيخ رحمه اللّه في الخلاف: «العزل عن الحرّة لايجوز الاّ برضاها، فمتى عزل بغير رضاها أثم و كان عليه عشر دية الجنين عشرة دنانير».(2)
و قال المحقّق رحمه اللّه: «العزل عن الحرّة اذا لم يشترط في العقد و لم تأذن، قيل: هو محرّم و يجب معه دية النطفة عشرة دنانير و قيل: هو مكروه و ان وجبت الدية، و هو أشبه».(3)
و قد نسب القول بوجوب دية النطفة على الزوج - اذا عزل اختيارا عن امرأته - الى غيرهما كالعلاّمة و الشهيد و القاضي و أبي الصلاح و ابني حمزة و زهرة و الكيدري على ما حكي عنهم في الجواهر و المسالك كما سيأتي، و استدلّ لهم على ذلك بما رواه الكليني في الكافي عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن الحسن بن ظريف عن أبيه ظريف بن ناصح قال: حدّثني رجل يقال له: عبداللّه بن أيّوب قال: حدّثني أبو عمرو المتطبّب قال: عرضته على أبي عبداللّه عليه السلام - الىأن قال: - و بهذا الاسناد عن أميرالمؤمنين عليه السلام الى أن قال:
«و أفتى عليه السلام في مني الرجل يفرغ من عرسه فيعزل عنها الماء و لم يرد ذلك نصف خمس المائة عشرة دينار، و اذا أفرغ فيها عشرين دينارا. الحديث».(1)
و قد نقلها صاحب الجواهر و الشهيد الثاني و الشيخ الأعظم الأنصاري(2)و غيرهم هكذا: «و أفتى عليه السلام في مني الرجل يفزع من عرسه ... »، ولكن الصحيح ما أثبتناه كما في الكافي.
و على أيّ حال فلاتدلّ الرواية - مضافا الى ضعف سندها بسهل بن زياد - على وجوب الدية على الرجل اذا عزل باختياره، فانّ الظاهر من «يفرغ» - بصيغة المجهول - هو عدم ارادة الرجل للعزل و انّما أفرغ ماءه غيره و منعه عن انزاله في الفرج، و لعلّه لذلك قد نقله هؤلاء بلفظ «يفزع» - كما في الوسائل(3)- الدالّ على ايجاد الفزع للرجل المانع من انزال الماء. نعم، نقلها في المستند كما نقلناها.(4)
فالأقوى عدم وجوب دية النطفة على الرجل و ذلك أوّلاً: للروايات المتقدّمة الدالّة على جواز العزل للرجل و فيها قوله عليه السلام : «ذاك الى الرجل يصرفه حيث شاء» و هو منافٍ لوجوب الدية عليه، فانّه فعل سائغ فلايتعقّب الضمان.
و ثانيا: لما عرفت من عدم دلالة الرواية على وجوب الدية فيما نحن فيه.
ففي المسالك: «فلو عزل بدون الشرط و الاذن لم يجب عليه للمرأة شيء؛ لأصالة البراءة خصوصا على القول بالكراهة؛ لأنّه فعل سائغ فلايتعقّبه ضمان و لقوله عليه السلام : «ذاك الى الرجل يصرفه حيث شاء». و ذهب جماعة منهم الشيخ و العلاّمة و الشهيد الى وجوب دية النطفة عشرة دنانير للمرأة و ان قلنا بالكراهة. والمستند ما روي صحيحا عن علي عليه السلام من وجوبها على من أفزع مجامعا فعزل. و
هو استدلال بغير موضع النزاع و الملازمة بينهما ممنوعة، و الفارق موجود خصوصا على القول بالجواز. و منهم من حمل الدية هنا على الاستحباب، و هو ضعيف أيضا لخروجه عن المتنازع رأسا. و يظهر من المصنّف هنا القول بوجوب الدية مع القول بالكراهة كقول الأوّلين، و في مختصره جعل الحكم بوجوبها مترتّبا على التحريم و هو أنسب بالقياس».(1)
و في الجواهر: «و لو عزل المجامع اختيارا عن الزوجة الحرّة و لم تأذن، فقال الشيخ و القاضي و أبو الصلاح و ابنا حمزة و زهرة و الكيدري على ما حكي عنهم بل و المحقّق في كتاب النكاح و الفاضل و غيره: يلزمه عشرة دنانير، لكونه مفوّتا كغيره، بل عن الغنية و ظاهر الخلاف الاجماع عليه بل عن الجامع و السرائر نسبته الى رواية و ان حكم الأخير بشذوذها و عدم الالتفات اليها للأصل و كراهة العزل لا حرمته، و من هنا قال المحقّق: «فيه تردّد أشبهه أنّه لايجب»، و قد سمعت في كتاب النكاح البحث عن حرمة العزل و كراهته و عن بناء ثبوت الدية على ذلك و عدمه، فلاحظ و تأمّل».(2)
الظاهر عدم جواز منع المرأة من الانزال في فرجها كما قال به المصنّف رحمه اللّه و ذلك لوجوب تمكينها و هو عدم الامتناع من الدخول و لازمه و هو الانزال في الفرج. نعم، لو رضي الزوج بذلك فلا حرمة.
ثمّ انّه لايبعد القول بوجوب دية النطفة عليها للزوج ان لم يرض بعزلها و ذلك للرواية المذكورة آنفا ان عمل بها المشهور، و الاّ فالاحتياط بالصلح لايترك.
و في الجواهر: «قيل: هل يحرم عليها العزل لو قلنا به؟ فيه وجهان، من اقتضاء الحكمة ذلك، و من الأصل، و كذا القول في دية النطفة له، قلت: ان أريد بعزلها منعها ايّاه من الانزال فيها فلاينبغي التأمّل في الحرمة، بل الظاهر ترتّب الدية عليها ضرورة كونها حينئذ كالمفزع أو أعظم في التفويت اذا كان قد نحت نفسها عنه عند انزاله، و ان أريد به عدم اقرار النطفة في رحمها بعد فراغه فقد يقوى عدم الحرمة عليها في ذلك للأصل و غيره، و ان أريد بعزلها اراقة مائها من فرجها قبل اراقة مائه فيها فعلى فرض تصوّره فالأقوى عدم الحرمة أيضا للأصل و فحوى ما سمعته في الرجل، ثمّ لا خلاف بل و لا اشكال في لحوق الولد به مع العزل بل الاجماع بقسميه عليه مضافا الى قوله عليه السلام : «الولد للفراش» و غيره و الى احتمال سبق المني من غير شعور، قال في مقطوعة ابن أبي عمير: الماء ماء الرجل يضعه حيث يشاء، الاّ أنّه ان جاء بولد لم ينكره و شدّد في انكار الولد. و اللّه العالم».(1)
و كلامه رحمه اللّه في الحاق الولد بهما صحيح و يأتي الكلام عن ذلك في محلّه ان شاء اللّه.
(مسألة 7): لايجوز ترك وط ء الزوجة أكثر من أربعة أشهر، من غير فرق بين الدائمة و المتمتّع بها و لا الشابّة و الشائبة على الأظهر، و الأمة و الحرّة لاطلاق الخبر، كما أنّ مقتضاه عدم الفرق بين الحاضر و المسافر في غير السفر الواجب. و في كفاية الوط ء في الدبر اشكال كما مرّ، و كذا في الادخال بدون الانزال لانصراف الخبر الى الادخال المتعارف و هو مع الانزال. و الظاهر عدم توقّف الوجوب على مطالبتها ذلك.
و يجوز تركه مع رضاها أو اشتراط ذلك حين العقد عليها، و مع عدم التمكّن منه لعدم انتشار العضو و مع خوف الضرر عليه أو عليها و مع غيبتها
1) - جواهر الكلام 29: 114 و 115.
باختيارها و مع نشوزها. و لايجب أزيد من الادخال و الانزال فلابأس بترك سائر المقدّمات من الاستمتاعات. و لايجري الحكم في المملوكة غير المزوّجة فيجوز ترك وطئها مطلقا.
الشرح:
الظاهر أنّه لا كلام و لا خلاف في أصل المسألة و هي في الجملة محلّ وفاق و لم ينقل الخلاف فيه من أحد.
ففي مستند الشيعة: «لايجوز ترك وط ء الزوجة أكثر من أربعة أشهر على الحقّ المشهور. بل على المعروف من مذهب الأصحاب كما في الكفاية و غيره بل هو موضع وفاق كما في المسالك بل اجماعي كما في المفاتيح و شرحه».(1)
انّما الكلام و الاشكال في فروعاتها و قبل الكلام في فروعاتها لا بدّ لنا من البحث عن مدركها لننظر فيه و نستنبط منه فروعاتها فنقول:
قد استدلّ على أصل المسألة بوجوه:
منها الروايات الدالّة على ذلك كصحيحة صفوان عن أبي الحسن الرضا عليه السلام :
«أنّه سأله عن الرجل يكون عنده المرأة الشابّة فيمسك عنها الأشهر و السنة لايقربها ليس يريد الاضرار بها يكون لهمّ مصيبة، يكون في ذلك آثما؟ قال: اذا تركها أربعة أشهر كان آثما بعد ذلك».(2)
و مرسلة أبي العبّاس الكوفي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من جمع من النساء ما لاينكح فزنى منهنّ شيء فالاثم عليه».(3)
و صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا غاضب الرجل امرأته فلم يقربها من غير يمين أربعة أشهر
استعدت(1)عليه فامّا أن يفيء و امّا أن يطلّق، فان تركها من غير مغاضبة أو يمين فليس بمؤل».(2)
ولكن في دلالة غير صحيحة صفوان محلّ نظر بل منع كما عن العلاّمة الخوئي رحمه اللّه حيث قال: «و أمّا المرسلة فهي - مضافا الى ضعف سندها - قاصرة الدلالة أيضا فانّها واردة فيمن يتزوّج امرأة لاينكحها أبدا بل يذرها كالمعلّقة، و هو أجنبي عن ترك وط ء الزوجة أكثر من أربعة أشهر و عدم جواز التأخير عنها و لو يوما واحدا».(3)
كما أنّ صحيحة حفص بن البختري لاتدلّ على المطلوب فيما نحن فيه كما ستعرف.
و منها كون الأربعة أشهر مدّة الايلاء فانّ الرجل المؤلي يجب عليه بعد هذه المدّة الفيء أو الطلاق.
و فيه: انّ الحكم في الايلاء حكم تعبّدي لا ربط له بالمقام فانّ من حلف على ترك وط ء زوجته، فبعد مضي أربعة أشهر يتخيّر بين الفيء و الطلاق، و لايدلّ على وجوب وط ء المرأة فيما دون أربعة أشهر، كما يشهد لذلك أنّ مبدأ المدّة في الايلاء من حين رفع الزوجة أمرها الى الحاكم، مع أنّ مبدأ الأربعة فيما نحن فيه هو من زمان ترك الوط ء، و من هنا يعرف ضعف دلالة صحيحة حفص بن البختري على المطلوب.
و منها الاجماع على ذلك.
و فيه: انّ الاجماع في هذه المسألة مدركي قطعا لايكون دليلاً و كاشفا عنرأي المعصوم.
و قد أيّدت هذه الأدلّة بدليل نفي الحرج و الضرر.
و فيه: انّه مخدوش صغرى و كبرى، أمّا الصغرى فبأنّه يختلف الضرر باختلاف النساء، فربّ امرأة تضرّ بترك وطئها شهرا و ربّ امرأة لاتضرّ بترك وطئها و لو سنة، فلايثبت الحكم فيما نحن فيه من وجوب وط ء المرأة في أقلّ من أربعة أشهر.
و أمّا الكبرى فبأنّ قاعدة نفي الضرر و الحرج أقصى ما تقتضي هو رفع الأحكام الضرريّة و الحرجيّة و لاتصلح لاثبات حكم آخر لرفع الضرر و الحرج كما أشار الى ذلك السيّد الخوئي رحمه اللّه.
و ممّا ذكرنا يعرف أنّ المستند الوحيد للحكم في هذه المسألة هو صحيحة صفوان بن يحيى.
اذا عرفت هذا فالمصنّف رحمه اللّه ذكر في هذه المسألة فروعا نذكرها واحدا بعد آخر:
الأوّل: قال رحمه اللّه: «من غير فرق بين الدائمة و المتمتّع بها».
انّ النظر البدوي في الصحيحة ربما يقتضي انصراف ظهورها الى الدائمة، الاّ أنّه اذا تأمّلناها نجد أنّها مطلقة تشمل الدائمة و المتمتّع بها بشرط أن تكون المدّة في المتعة أكثر من أربعة أشهر، فما ذهب اليه المصنّف رحمه اللّه هو الحقّ.
فانّه اذا كان المستند هو صحيحة صفوان فاطلاقها يشمل الدائمة و المتمتّع بها و لايجوز الاستناد بغيرها كالاستناد الى مدّة الايلاء و غيرها لئلاّيثبت الحكم في غير الدائمة.
الثاني: قال رحمه اللّه: «و لا الشابّة و الشائبة على الأظهر».
انّ السؤال في الصحيحة و ان اختصّ بالشابّة، الاّ أنّه لايوجب تقييدها بها بل العبرة بالجواب، فانّه مطلق يدلّ على حكم الشابّة و الشائبة.
و في الجواهر: «و اختصاص السؤال في الصحيح بالشابّة - بعد نفي الحرج واطلاق الفتوى و معقد الاجماع، بل في الرياض لا اختصاص بها اجماعا - لاينافي التعميم و ان توهّمه بعض القاصرين من متأخّري المتأخّرين على ما حكي عنه،
فجوّز ترك الوط ء في غير الشابّة تمام العمر لكنّه كما ترى لايستأهل أن يسطر».(1)
و قال الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه اللّه: «و مورد السؤال في الرواية مختصّ بالشابّة و قصر الحكم عليها بعض متأخّري المتأخّرين كالمحدّث الكاشاني و المحدّث الحرّ العاملي و مال اليه في الحدائق و قوّاه بعض مشايخنا. لكن قد عرفت دعوى الوفاق على التعميم و لذا حكي عن الرياض الاجماع على عدم الفرق بين الشابّة و غيرها، و يؤيّد التعميم قاعدة نفي الاضرار، لما روي من أنّ غاية صبر النساء عن الوقاع أربعة أشهر، و أنّه اذا مضت أربعة أشهر فنى صبرهنّ».(2)
الثالث: قال رحمه اللّه: «و الأمة و الحرّة لاطلاق الخبر، كما أنّ مقتضاه عدم الفرق بين الحاضر و المسافر في غير السفر الواجب».
فانّه في محلّه في الأمة و الحرّة، فانّ الصحيحة مطلقة من هذه الجهة أيضا فتشمل الزوجة المعقودة عليها حرّة أو أمة.
و أمّا بالنسبة الى السفر ففي سؤال السائل: «عنده المرأة الشابّة» و قد يظهر منه أنّ المعتبر من الحكم ما اذا كانت الزوجة عنده، فيكون الزوج حاضرا فلايشمل المسافر، الاّ أنّ العبرة - كما تقدّم - بالجواب و هو مطلق يشمل الحاضر و المسافر، الاّ أن يكون السفر واجبا فيلحظ فيهما الأهمّ، فان كان السفر أهمّ فهو المقدّم و الاّ فالمقدّم هو حقّ الزوجة.
الرابع: قال رحمه اللّه: «و في كفاية الوط ء في الدبر اشكال كما مرّ، و كذا في الادخال بدون الانزال لانصراف الخبر الى الوط ء المتعارف و هو مع الانزال».
الظاهر أنّ الحكم بوجوب الوط ء في أقلّ من أربعة أشهر، هو من حقوق المرأةعلى الرجل، فيكون للارفاق بها و معلوم أنّه لا ارفاق في الوط ء في الدبر، فبمناسبة الحكم و الموضوع يستكشف وجوب الوط ء في القبل. و أمّا الانزال فلايظهر من
الرواية في النظر البدوي، الاّ أن يقال بأنّه لا ارفاق الاّ مع الانزال، و هو مشكل.
و قال الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه اللّه: «و في المسالك أنّ المراد بالوط ء الواجب مسمّاه الموجب للغسل. و لايخلو عن اشكال؛ لأنّ الغالب المتعارف الذي ينبغي أن يجعله الشارع لرفع الاضرار هو الجماع مع الانزال، منه يظهر اختصاصه بالوط ء في القبل؛ لأنّه المتعارف الذي يحصل به الغرض».(1)
الخامس: قال رحمه اللّه: «و الظاهر عدم توقّف الوجوب على مطالبتها ذلك».
و ذلك لأنّه حقّ المرأة على الرجل، فلايتوقّف أداؤها على مطالبتها كما في سائر الحقوق الماليّة و غيرها، مضافا الى استحيائها من ذكر ذلك لزوجها غالبا.
السادس: في المواضع التي يجوز تركها:
فمنها مع رضاها، فانّ الوط ء من حقوقها فمع رضاها يسقط قطعا كما في سائر الحقوق.
قال الشيخ الأعظم رحمه اللّه: «ثمّ انّ ظاهر قوله عليه السلام - على ما في التهذيب - : «الاّ باذنها» أنّه حقّ للمرأة، لها المطالبة و لها الاسقاط. و يحتمل بعيدا أن يكون مجرّد تكليف في ذمّة الزوج».
و منها اشتراط تركه في العقد عليها، فانّه لا فرق في نفوذ الشرائط بين هذا الشرط و غيره، فانّ الشرط في ضمن العقد اللازم لازم الوفاء.
و منها عدم تمكّن الزوج منه، لعدم انتشار العضو فانّ اللّه لايكلّف نفسا الاّ وسعها، و لايكلّفه بما لايطيق.
و منها خوف الضرر عليه أو عليها فانّ قاعدة نفي الضرر حاكمة على هذا الحكم قطعا.
و منها مع غيبتها باختيارها فانّها اذا غابت عن زوجها باختيارها فقد رضيت بترك الوط ء و قد تقدّم أنّه يسقط مع رضاها.
1) - كتاب النكاح: 76.
و منها مع نشوزها، فانّها اذا نشزت فلايبقى لها حقّ على زوجها لقوله تعالى: «و اللاتي تخافون نشوزهنّ فعظوهنّ و اهجروهنّ في المضاجع»(1).
السابع: قال رحمه اللّه: «لايجب أزيد من الادخال و الانزال فلابأس بترك سائر المقدّمات من الاستمتاعات».
انّ الصحيحة كما تقدّمت مختصّة بالوط ء، الاّ أنّه قد تقدّم منّا أنّ الحكم كان للارفاق بالزوجة فلو حصل الارفاق بدون سائر المقدّمات، و الاّ فلايبعد القول بوجوبها أيضا.
تتمّة: قد استدلّ بعض الأصحاب على بعض فروع هذه المسألة برواية مرويّة عن العامّة و قد نقلها في الجواهر عن العامّة «عن عمر أنّه سأل نساء أهل المدينة لمّا أخرج أزواجهنّ الى الجهاد و سمع امرأة تنشد أبياتا من جملتها:
فواللّه لولا اللّه لا شيء غيره *** لزلزل من هذا السرير جوانبه
عن أكثر ما تصبر المرأة عن الجماع فقيل له: أربعة أشهر، فجعل المدّة المضروبة للغيبة أربعة أشهر».(2)
هذا مع أنّ الرواية على ما نقله في نظام النكاح هكذا:
عن زيد بن أسلم قال: بينا عمر بن الخطّاب يحرس المدينة مرّ بامرأة في بيتها و هي تقول:
تطاول هذا الليل و اسودّ جانبه *** و طال عليّ أن لا خليل ألاعبه
وواللّه لولا خشية اللّه وحده *** لحرّك من هذا السرير جوانبه
فسأل عنها عمر فقيل له: هذه فلانة زوجها غائب في سبيل اللّه، فأرسل امرأةتكون معها و بعث الى زوجها فاقفله ثمّ دخل على حفصة فقال: يا بنية كم تصبر المرأة عن زوجها؟ قالت: خمسة أشهر ستّة أشهر، فوقف للناس في مغازيهم ستّة
أشهر يسيرون شهرا و يقيمون أربعة أشهر و يسيرون شهرا راجعين».(1)
و لايخفى أنّها - مع أنّه لايجوز الاستناد اليها - لاتدلّ على المطلوب في هذه المسألة قطعا.
(مسألة 8): اذا كانت الزوجة من جهة كثرة ميلها و شبقها لاتقدر على الصبر الى أربعة أشهر بحيث تقع في المعصية اذا لم يواقعها، فالأحوط المبادرة الى مواقعتها قبل تمام الأربعة أو طلاقها و تخلية سبيلها.
الشرح:
الظاهر أنّ الاحتياط هنا في محلّه، بل الأقوى أيضا كذلك لو كان الظنّ بوقوعها في المعصية قويّا مع كون السبيل لمنعها منحصرا في مواقعتها و ذلك لقوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم نارا وقودها الناس و الحجارة»(2)، فانّ الأمر ظاهر في الوجوب و عليه فالواجب على كلّ أحد حفظ نفسه و حفظ أهله من النار، بخلاف الأجنبيّة حيث انّه غير مكلّف بحفظها.
و السرّ في ذلك أنّ أدلّة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لاتجري في المقام فانّ النهي عن المنكر لايجب في أغلب الموارد الاّ بعد وقوع المنكر في الخارج، فانّ الدليل الدالّ على الوجوب في المقام هو الآية المتقدّمة و لذا لا دليل على وجوب التزويج فيما اذا خاف من وقوع الأجنبيّة في الحرام.
نعم، يلزم في بعض الأحيان سدّ طريق الأجنبي الى المعصية و ذلك فيما يطمئنّ أنّ الشارع لايرضى بوقوع الفعل في الخارج كالقتل و الزنا و شرب الخمر،فانّ أدلّة النهي عن المنكر في أمثال هذه الموارد تجري و لو قبل وقوع الفعل.
(مسألة 9): اذا ترك مواقعتها عند تمام الأربعة أشهر لمانع من حيض أو نحوه أو عصيانا، لايجب عليه القضاء. نعم، الأحوط ارضاؤها بوجه من الوجوه؛ لأنّ الظاهر أنّ ذلك حقّ لها عليه و قد فوّته عليها. ثمّ اللازم عدم التأخير من وط ء الى وط ء أزيد من الأربعة، فمبدأ اعتبار الأربعة اللاحقة انّما هو الوط ء المتقدّم لا حين انقضاء الأربعة المتقدّمة.
الشرح:
اذا ترك المواقعة عند تمام الأربعة الأشهر؛ لمانع من حيض أو نحوه أو عصيانا، لايجب عليه القضاء و ذلك لعدم فرض موضوع للقضاء و عدم الدليل عليه و الأصل الحاكم هو البراءة.
نعم، لو ترك الوط ء عصيانا فالأحوط ارضاؤها بوجه من الوجوه و ذلك لأنّ الظاهر من الصحيحة أنّ ذلك حقّها عليه و قد فوّته عليها عصيانا، فاذا لم يجب عليه القضاء فالاحتياط بالأداء أو العفو في محلّه؛ لما روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:
«للمسلم على أخيه ثلاثون حقّا لا براءة له منها الاّ بالأداء أو العفو».(1)
الدالّ على وجوب أداء الحقوق أو العفو عنها من ذي الحقّ.
و الرواية و ان كانت ضعيفة سندا، الاّ أنّ نظيرها في موارد مختلفة كثير يستفاد من مجموعها لزوم أداء الحقوق أو العفو عنها.
ثمّ اللازم عدم التأخير من وط ء الى وط ء أزيد من الأربعة و ذلك لقوله عليه السلام في صحيحة صفوان المتقدّمة: «اذا تركها أربعة أشهر كان آثما بعد ذلك» و على هذافمبدأ اعتبار الأربعة انّما هو الوط ء المتقدّم، لا حين انقضاء الأربعة المتقدّمة و ذلك لمخالفته لظاهر النصّ و الفتوى حيث يصدق أنّه ترك وطأها أكثر من أربعة أشهر فيكون آثما.
1) - وسائل الشيعة 12: 212 / الباب 122 من أبواب أحكام العشرة / الحديث 24.
(مسألة 1): لايجوز وط ء الزوجة قبل اكمال تسع سنين حرّة كانت أو أمة دواما كان النكاح أو متعة، بل لايجوز وط ء المملوكة و المحلّلة كذلك و أمّا الاستمتاع بما عدا الوط ء من النظر و اللمس بشهوة و الضمّ و التفخيذ فجائز في الجميع و لو في الرضيعة.
الشرح:
لايجوز وط ء الزوجة قبل اكمالها تسع سنين و ذلك لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال: اذا تزوّج الرجل الجارية و هي صغيرة فلايدخل بها حتّى يأتي لها تسع سنين».(1)
و لاتعارضها موثّقة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام قال:
«لاتوطأ الجارية لأقلّ من عشر سنين، فان فعل فعيبت فقد ضمن».(2)
و موثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لايدخل بالجارية حتّى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين».(1)
لأنّهما تحملان على أنّ تأخير الوط ء الى عشر سنين هو الأفضل جمعا بقرينة موثّقة زرارة، حيث انّ الترديد في الحدّ غير معقول.
و لا فرق في هذا الحكم بين الحرّة و المملوكة و بين كون النكاح دائما أو منقطعا؛ لاطلاق النصوص، و كذا المملوكة و المحلّلة، و يجوز سائر الاستمتاعات بما عدا الوط ء من النظر و اللمس بشهوة و الضمّ و التفخيذ؛ لعدم الدليل على الحرمة بعد عمومات جواز الاستمتاع بالزوجة و المملوكة.
(مسألة 2): اذا تزوّج صغيرة دواما أو متعة، و دخل بها قبل اكمالها تسع سنين فأفضاها، حرمت عليه أبدا على المشهور و هو الأحوط و ان لم تخرج عن زوجيّته. و قيل بخروجها عن الزوجيّة أيضا بل الأحوط حرمتها عليه بمجرّد الدخول و ان لم يفضها. ولكنّ الأقوى بقاؤها على الزوجيّة و ان كانت مفضاة و عدم حرمتها عليه أيضا خصوصا اذا كان جاهلاً بالموضوع أو الحكم أو كان صغيرا أو مجنونا أو كان بعد اندمال جرحها أو طلّقها ثمّ عقد عليها جديدا.
نعم، يجب عليه دية الافضاء و هي دية النفس ففي الحرّة نصف دية الرجل، و في الأمة أقلّ الأمرين من قيمتها و دية الحرّة. و ظاهر المشهور ثبوت الدية مطلقا و ان أمسكها و لم يطلّقها، الاّ أنّ مقتضى حسنة حمران و خبر بريد المثبتين لها عدم وجوبها عليه اذا لم يطلّقها و الأحوط ما ذكره المشهور. و يجب عليه أيضا نفقتها ما دامت حيّة و ان طلّقها بل و ان تزوّجتبعد الطلاق على الأحوط.
1) - وسائل الشيعة 20: 101 / الباب 45 من أبواب مقدّمات النكاح / الحديث 2.
الشرح:
في المسألة فروع:
قال في مجمع البحرين: «المفضاة من النساء: التي مسلكها واحد يعني مسلك البول و الغائط».
و على هذا فاذا دخل بالجارية قبل تسع سنين فأفضاها حرمت عليه مؤبّدا بمعنى حرمة وطئها عليه و الدليل على ذلك أوّلاً: الاجماع المدّعى.
و ثانيا: مرسلة يعقوب بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا خطب الرجل المرأة فدخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين، فرّق بينهما و لم تحلّ له أبدا».(1)
و ينجبر ضعفها سندا و دلالة بعمل المشهور.
و في المستمسك - في ذيل قول المصنّف رحمه اللّه: حرمت عليه أبدا على المشهور - قال: «بل اجماعا محكيّا صريحا عن الايضاح و التنقيح و كنز الفوائد و غاية المرام، و ظاهرا من المسالك و محكي كشف الرموز و المقتصر و المهذّب البارع بل و السرائر ان لم يكن محصّلاً. كذا في الجواهر».(2)
هذا حال الوط ء بها و أمّا الزوجيّة فالظاهر بقاؤها و ذلك لحسنة حمران عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عن رجل تزوّج جارية بكرا لم تدرك فلمّا دخل بها اقتضّها فأفضاها، فقال: ان كان دخل بها حين دخل بها و لها تسع سنين فلا شيء عليه، وان كانت لم تبلغ تسع سنين أو كان لها أقلّ من ذلك
بقليل حين اقتضّها فانّه قد أفسدها و عطّلها على الأزواج فعلى الامام أن يغرمه ديتها، و ان أمسكها و لم يطلّقها حتّى تموت فلا شيء عليه».(1)
و في مجمع البحرين: «اقتضّ الجارية: افترعها و أزال بكارتها، و الافتضاض - بالفاء - بمعناه».
فانّ المستفاد منها بقاء الزوجيّة، و تحمل قوله عليه السلام في المرسلة: «فرّق بينهما و لم تحلّ له أبدا» على حرمة الوط ء.
الى هنا كان الكلام في العالم بالحكم و الموضوع.
أمّا حكم الجاهل بهما أو بأحدهما، فنقول: انّ اطلاق المرسلة و ان كان يشمل الجاهل بالموضوع أو الحكم أو بهما، الاّ أنّ الظاهر تحكّم أدلّة رفع الحكم عن الجاهل بتعميمها لرفع الآثار عن عمل صدر عن جهالة، فتقدّم هذه الأدلّة على غيرها، فلاتحرم المرأة على الرجل الجاهل.
و بعبارة أخرى من كلام السيّد الخوئي رحمه اللّه: «انّ موضوع الحكم اذا كان عملاً من الأعمال فالعبرة في ترتّب الحكم عليه انّما هو باتيانه عمدا فلايترتّب على العمل الصادر عن جهالة أثر أصلاً بل يكون في حكم العدم، على ما دلّت عليه عدّة نصوص».(2)
هذا اذا كانت المرسلة هي مدرك الحكم، و أمّا ان كان مستنده الاجماع فلا اطلاق له حتّى يشمل الجاهل و يكون القدر المتيقّن منه هو العالم بالحكم و الموضوع، فانّ الاجماع دليل لبّي.
و من ذلك يظهر الكلام في الصبي و المجنون، فانّ أدلّة رفع القلم عنهما محكّمة هنا، مع أنّ الظاهر من الحسنة و المرسلة هو اختصاص الحكم بالبالغ العاقل، فانّ الموضوع فيهما هو الرجل.
ثمّ انّه لو اندمل الجرح بالمعالجة، فقال في الجواهر(1)بعدم عود الحلّ للاستصحاب و ظاهر فتوى الأصحاب، و عن الصيمري القطع به في غاية المرام و عن السيوري أنّه أولى الوجهين، و احتمل العود بزوال علّة التحريم و حكاه في كشف اللثام قولاً لبعضهم في موضع منه و حكم به في موضع آخر.
و في المباني: «فان كان المستند هو الاجماع فالأمر كما تقدّم للشكّ في عموم موضوعه للمرأة بعد اندمال جرحها. و لا مجال لاثبات الحكم بالاستصحاب؛ نظرا الى أنّه من الاستصحاب في الشبهات الحكميّة و لانقول بحجّيّته. مضافا الى تغيّر الموضوع بنظر العرف حيث انّ الحكم كان ثابتا للمرأة، بوصف كونها مفضاة فلايمكن اثباته للمرأة بعد زوال الوصف. و ان كان المستند هو المرسل فلابأس باثبات التحريم فيها، تمسّكا باطلاق قوله: «و لم تحلّ له أبدا»».(2)
أقول:
الظاهر من قوله عليه السلام في الحسنة: «فانّه قد أفسدها و عطّلها على الأزواج» أنّ علّة التحريم هي افضاؤها و افسادها و تعطيلها على الأزواج، و لو اندمل و ذهبت العلّة فذهب موضوع الحرمة، فانّه و ان استفيدت الحرمة من المرسلة الاّ أنّ الحسنة تفسّرها و تبيّن علّة الحكم فيها.
هذا اذا استندنا الى الرواية، و الاّ فان كان المستند هو الاجماع فلا وجه للقول بالحرمة و ذلك لأنّ القدر المتيقّن منه غير صورة الاندمال.
و أمّا الاستصحاب فالظاهر عدم جريانه؛ لتغيّر الموضوع و ثبوت الحكمللمرأة بذلك الوصف.
و أمّا لو طلّقها بدون الاندمال فيجوز العقد عليها ثانيا، لكن الحرمة باقية لبقاء العلّة أو استصحاب الحرمة.
قال الشيخ رحمه اللّه في الخلاف: «من وط ء امرأة فأفضاها - و معنى ذلك أنّه صير مجرى البول و مدخل الذكر واحدا - فان كان قبل تسع سنين لزمه نفقتها مادامت حيّة و عليه مهرها و ديتها كاملة و ان كان بعد تسع سنين لم يكن عليه شيء غير المهر».(1)
و قال ابن البرّاج: «و اذا وطأ رجل زوجته و لم تبلغ تسع سنين، فأفضاها كان عليه ديتها و النفقة عليها الى حين موتها؛ لأنّه قد جعلها بحيث لاتصلح للرجل فان وطأها بعد تسع سنين فأفضاها لم يكن عليه شيء».(2)
و قال ابن سعيد: « ... عليه مهرها و ديتها و نفقتها حياتها».(3)
و قال المفيد في المقنعة: «و الرجل اذا جامع الصبيّة و لها دون تسع سنين فأفضاها كان عليه دية نفسها، و القيام بها حتّى يفرّق الموت بينهما».(4)
و قال في النهاية: «و من أفضى جارية بأن يطأها قبل تسع سنين كان عليه ديتها كاملة و يلزم نفقتها الى أن تموت فان وطأها بعد تسع سنين، فأفضاها لم يكن عليه شيء».(5)
و في المختلف - بعد نقل فتوى الشيخ و ابن ادريس بوجوب الدية كاملة، وعن ابن حمزة: «و في افضائها اذا كانت دون تسع سنين ديتها» - قال: «متى حصل الافضاء بأيّ المعنيين كان، وجبت الدية كملاً».(6)
أقول:
يدلّ على وجوب الدية صحيحة سليمان بن خالد قال:
«و سألته - أبا عبداللّه عليه السلام - عن رجل وقع بجارية فأفضاها و كانت اذا نزلت بتلك المنزلة لم تلد، فقال: الدية كاملة».(1)
و ما رواه الصدوق بسنده الصحيح في قضايا أميرالمؤمنين عليه السلام :
«أنّه قضى في امرأة أفضيت بالدية».(2)
و موثّقة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام قال:
«لاتوطأ جارية لأقلّ من عشر سنين، فان فعل فعيبت فقد ضمن».(3)
و رواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر عليه السلام في رجل اقتضّ جارية يعني امرأته، فأفضاها، قال:
«عليه الدية ان كان دخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين، قال: و ان أمسكها و لم يطلّقها فلا شيء عليه، ان شاء أمسك و ان شاء طلّق».(4)
فانّ المستفاد من هذه الروايات و فتاوى المشهور من القدماء هو وجوب الدية الكاملة على من أفضى زوجته قبل اكمالها تسع سنين.
ثمّ انّه لا اشكال في الحكم اذا طلّقها، و أمّا اذا لم يطلّقها فالمشهور ذهبوا الى وجوب الدية أيضا و جعله المصنّف رحمه اللّه الأحوط، ولكن قال بأنّ مقتضى حسنة حمران و خبر بريد عدم وجوبها عليه اذا لم يطلّقها.
و قال السيّد الخوئي رحمه اللّه: «ما قاله المصنّف رحمه اللّه هو الصحيح فانّ المسألة ليست اجماعيّة جزما، فانّ أكثر الأصحاب من القدماء لم يتعرّضوا لهذه المسألة بالمرّة فلا طريق لتحصيل آرائهم، على أنّ تخصيص الحكم بالمطلّقة ظاهر عبارات
جملة منهم أو صريحها، كما ذكر الصدوق صحيحة حمران الدالّة على التفصيل من دون أن يعلّق عليها شيئا مع اعلام سيرته بالعمل على ما يرويها في كتابه. و كذلك يظهر من المحقّق قدس سره في نكت النهاية حيث استدلّ على التفصيل بين الدخول قبل تسع سنين و بعده بصحيحة حمران و رواية بريد، فانّ ظاهر ذلك الالتزام بمضمونهما و العمل وفقا لهما، بل صريح الحدائق. و عليه فالمسألة ليست اجماعيّة.
و من هنا فلايبقى وجه لترك العمل بصحيحة حمران الدالّة على اختصاص الحكم بصورة طلاقه لها و المؤيّدة برواية بريد بن معاوية. و الحاصل أنّ الصحيح في المقام هو الالتزام بالتفصيل و تخصيص الدية بما اذا لم يمسكها الزوج و الاّ فلا دية عليه؛ لصريح صحيحة حمران المؤيّدة برواية بريد بن معاوية. انتهى ملخّصا».(1)
و في الجواهر: «و عن ابن الجنيد سقوط دية الزوجة اذا أمسكها الزوج و لم يطلّقها، و لعلّه لظاهر الخبرين الواجب حملهما على سقوطها صلحا، بأن تختار المقام معه بدلاً عن الدية فانّ الدية قد لزمته بالافضاء بدلالة النصّ و الفتوى فلاتسقط مجّانا من غير عوض، و لأنّه لو لم يحمل على الصلح فامّا أن يكون المراد سقوط الدية بالعزم على الامساك أو بنفس الامساك المستمرّ الى الموت، بأن تسقط الدية به أو يبقى الحكم بالسقوط مراعىً بالموت، فان أمسكها حتّى مات تبيّن السقوط من حين الامساك أو عدم ثبوت الدية بالافضاء و اللوازم خصوصا بعضها في غاية البعد، فالمتّجه الحمل على التزامه بوجه شرعي فيمقابلة اسقاط الدية كما قلناه».(2)
و قد ردّ في المباني كلام صاحب الجواهر و قال بأنّه غريب منه رحمه اللّه؛ لامكان
أن يكون ثبوتها مشروطا بالطلاق على نحو الشرط المتأخّر، فلاتثبت في صورة الامساك.
أقول:
الظاهر أنّ فتوى القدماء بالنسبة الى الدية مطلق بل في أكثرها: «عليه ديتها و نفقتها الى أن تموت» كما عرفت.
و أمّا صحيحة حمران و خبر بريد بن معاوية الظاهران في اشتراط وجوب الدية بالطلاق، فيمكن حمل قوله عليه السلام فيهما: «ان أمسكها ... فلا شيء عليه» على أنّه لابأس عليه في الطلاق و عدمه، و ببيان آخر: لايلزمه أن يطلّقها بل ان شاء أمسكها و لم يطلّقها و لم يكن في بيان حكم الدية.
و الشاهد على هذا الجمع أوّلاً فتوى القدماء بل المتأخّرين على الاطلاق.
و ثانيا قوله عليه السلام - بعد ما قال: «فلا شيء عليه» - : «ان شاء أمسك و ان شاء طلّق».
و عليه فالحكم ما حكم به المشهور من وجوب الدية في صورة الطلاق و عدمه.
ثمّ انّ دية الافضاء هي دية النفس كما عرفت من الروايات و فتوى الفقهاء، ففي الحرّة نصف دية الرجل، و في الأمة الأرش ما لم تتجاوز دية الحرّة، كما سيأتي في محلّه ان شاء اللّه.
هذا في افضاء الزوجة و أمّا افضاء الأجنبيّة فالظاهر ثبوت الدية فيه سواء كانت صغيرة أو كبيرة مملوكة أو حرّة، و سواء كان الوط ء حلالاً كالوط ء بالشبهة أو حراما كالزنا بالمطاوعة أو الاكراه؛ و ذلك لاطلاق صحيحة سليمان بن خالدالمتقدّمة، كما سيأتي في المسألة الرابعة.
ذهب المصنّف رحمه اللّه تبعا للجمهور الى وجوب نفقة الزوجة المفضاة على الرجل ما دامت حيّة و ان طلّقها، بل و ان تزوّجت بعد الطلاق على الأحوط.
و الظاهر أنّه لا خلاف و لا اشكال في وجوب الانفاق عليها في الجملة و يدلّ عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل تزوّج جارية فوقع بها فأفضاها، قال: عليه الاجراء عليها ما دامت حيّة».(1)
و النفقة عبارة عمّا وجب على الرجل في عياله الواجبي النفقة من المؤونة و الكسوة و المسكن و غيرها.
كما ذكر صاحب الجواهر أنّ الاجراء أو الانفاق يشمل هذا المعنى و أنّ هذه النفقة امّا نفقة الزوجة أو بدلها أو العقوبة على الزوج و كيف كان فيجب فيها ما يجب في الانفاق على الزوجة.
ثمّ قال: «و لو قلنا بوجوب النفقة بالعقد أو اكتفينا فيها بالتمكّن من الاستمتاع و لو بغير الوط ء حيث لايمكن، كان الواجب عليه نفقة الزوجة ما دامت في حباله، فيستصحب حكمها بعد المفارقة، بل الظاهر قضاؤها لو فاتت كنفقة الزوجة و لأنّه الأصل في كلّ حقّ مالي ثابت في الذمّة. نعم، الظاهر سقوطها بموته كما هو واضح.و اللّه العالم».(2)
و قال السيّد الخوئي رحمه اللّه: «وجوب النفقة عليها ما دامت حيّة محلّ وفاق في الجملة بل لم ينقل فيه الخلاف عن أحد، بل نسب الى الشيخ في الخلاف دعوى اجماع الفرقة عليه. و تدلّ عليه مضافا الى ذلك صحيحة الحلبي و اطلاقها يشمل
بعد الطلاق، خلافا للاسكافي حيث التزم بسقوطها بالطلاق، و لا دليل على تقييد صحيحة الحلبي، بل يلزمه نفقتها و ان تزوّجت بعد الطلاق على الأقوى. و لاينافيه وجوب نفقتها على الثاني بعد ظهور النصّ في الوجوب على الأوّل تعبّدا للافضاء، فلايتنافى مع ثبوتها على الثاني للزوجيّة».(1)
ثمّ لا كلام و لا اشكال في وجوب النفقة للجارية الصغيرة اذا أفضاها الرجل، انّما الكلام فيما اذا أفضى امرأته البالغة فهل يجب النفقة حينئذ أم لا؟
و منشأ الكلام و الاشكال ما يقال في معارضة حسنة حمران مع صحيحة الحلبي المتقدّمة آنفا فانّ الصحيحة باطلاقها تدلّ على وجوب الانفاق عليها ما دامت حيّة من غير ذكر بلوغ الجارية و عدمه.
و بازائها حسنة حمران المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عن رجل تزوّج جارية بكرا لم تدرك فلمّا دخل بها اقتضّها فأفضاها، فقال: ان كان دخل بها حين دخل بها و لها تسع سنين فلا شيء عليه، وان كانت لم تبلغ تسع سنين أو كان لها أقلّ من ذلك بقليل حين اقتضّها فانّه قد أفسدها و عطّلها على الأزواج فعلى الامام أن يغرمه ديتها، و ان أمسكها و لم يطلّقها حتّى تموت فلا شيء عليه».(2)
فانّه قد يقال بتعارضهما حيث انّه عليه السلام في هذه الحسنة قد حكم بأنّه ان كانالافضاء بعد البلوغ فلا شيء على الرجل.
ولكن الظاهر أنّ الامام عليه السلام في صحيحة الحلبي كان بصدد بيان حكم النفقة للمرأة المفضاة سواء كان الافضاء بعد البلوغ أو قبله، كما أنّه عليه السلام في حسنة حمران كان بصدد بيان حكم الدية ففصّل بين قبل البلوغ و بعده، و الشاهد على هذا
الجمع أنّ الامام عليه السلام قد حكم فيها بأنّه ان لم يطلّقها فلا شيء عليه و معلوم أنّه لم يكن بصدد بيان حكم النفقة، لوضوح وجوب النفقة في صورة عدم الطلاق.
فلا معارضة بينهما؛ اذ لا اطلاق لأيّ منهما حتّى يعارض الآخر.
هذا، ولكن الشيخ رحمه اللّه في الاستبصار قد جمع بين صحيحة الحلبي و خبر بريد العجلي عن أبي جعفر عليه السلام في رجل اقتضّ جارية يعني امرأته، فأفضاها قال:
«عليه الدية ان كان دخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين، قال: و ان أمسكها و لم يطلّقها فلا شيء عليه، ان شاء أمسك و ان شاء طلّق».(1)
فقال: «فلاينافي خبر بريد العجلي مع الصحيحة؛ لأنّا نحمل صحيحة الحلبي على من وطأها بعد التسع سنين فانّه لايكون عليه الدية و انّما يلزمه الاجراء عليها مادامت حيّة لأنّها لاتصلح لرجل».(2)
و لايخفى أنّ مضمونها متّحد مع مضمون حسنة حمران المتقدّمة.
و محصّل كلامه رحمه اللّه أنّ الدخول و الافضاء ان كان قبل بلوغها تسع سنين وجبت الدية خاصّة، و ان كان بعد بلوغها تسع سنين وجب الاجراء عليها مادامت حيّة.
و قد اعترض عليه في المباني و جمع بين الروايتين بوجه آخر و قال بعد ذكر غرابة جمع الشيخ: «وجه الغرابة أنّه لا قائل بوجوب الانفاق اذا كان الافضاء بعد بلوغها تسع سنين، و قد صرّح هو قدس سره بذلك في الخلاف و ادّعى الاجماع عليه فلا وجه لحمل هذه الصحيحة عليه. على أنّه لا منافاة بين هاتين الصحيحتين كييحتاج الى الجمع بينهما، فانّ كلاًّ منهما انّما تتكفّل بيان حكم اثباتي، و من الواضح أنّه لا منافاة بينهما فيلتزم بثبوتهما معا. نعم، صحيحة الحلبي هذه الدالّة على وجوب الانفاق بالافضاء مطلقة من حيث زمان دخوله بها، و لاتختصّ بما اذا كان الافضاء نتيجة الدخول بها قبل بلوغها تسع سنين، الاّ أنّه لا بدّ من رفع اليد عن
اطلاقها و تقييدها بالدخول بها قبل بلوغها تسع سنين. امّا للاجماع على عدم وجوبه اذا كان ذلك بعد بلوغها ذلك الحدّ، حيث لم يقل أحد بوجوب الانفاق فيه الاّ الشيخ في الاستبصار و امّا لمعارضته لقوله عليه السلام في صحيحة حمران المتقدّمة: «ان كان دخل بها و لها تسع سنين فلا شيء عليه». فانّ مقتضى وقوع النكرة في سياق النفي لمّا كان العموم، كان مفاد هذه الجملة عدم وجوب شيء على الاطلاق من الدية أو النفقة في افضاء الكبيرة، فتكون بذلك معارضة لاطلاق صحيحة الحلبي المثبت للنفقة في الكبيرة أيضا. و عليه فان قلنا بترجيح دليل النفي لأظهريّته فهو المطلوب. و الاّ فيكفينا تساقطهما، حيث انّ مقتضى أصالة البراءة هو عدم الوجوب».(1)
أقول:
الظاهر أنّ قوله عليه السلام في حسنة حمران: «ان كان دخل بها و لها تسع سنين فلا شيء عليه» ناظر الى الدية، بقرينة ذيل الحديث حيث أثبت الدية على الافضاء قبل البلوغ، و قال: «و ان كانت لم تبلغ ... فانّه قد أفسدها و عطّلها على الأزواج فعلى الامام أن يغرمه ديتها».
و ليس ناظرا الى النفقة أصلاً، و كون الموضوع فيه هو الدية، يصلح لانصراف عموم «فلا شيء عليه» عن غير الدية، فاذا كان كذلك فلا معارضة بين الصحيحتين حتّى تصل النوبة الى التساقط و اجراء أصالة البراءة.و أمّا الاجماع المدّعى على عدم وجوب النفقة اذا كان الافضاء بعد البلوغ، فلا وجه له و ذلك لعدم تعرّضهم لذلك و هو أعمّ من القول بعدم الوجوب.
و كيف كان فظاهر صحيحة الحلبي وجوب الانفاق عليه اذا أفضاها سواء كان قبل التسع أو بعده مادام الافضاء باقيا، فاذا اندمل بطبعه أو بعلاج فلا موضوع للنفقة من هذه الناحية.
1) - المباني 32: 133.
و من ذلك يظهر ضعف ما ذكره الشيخ رحمه اللّه من عدم وجوب الانفاق اذا كان الافضاء قبل التسع.
ثمّ الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي: «عليه الاجراء عليها مادامت حيّة» وجوب النفقة عليه و ان طلّقها، بل و ان تزوّجت الى أن تموت أو تندمل.
و أمّا اذا مات الزوج فالظاهر أنّه يسقط الانفاق؛ لأنّ الخطاب في الصحيحة متوجّه اليه، و في غيره فالأصل محكّم.
(مسألة 3): لا فرق في الدخول الموجب للافضاء بين أن يكون في القبل أو الدبر و الافضاء أعمّ من أن يكون باتّحاد مسلكي البول و الحيض أو مسلكي الحيض و الغائط أو اتّحاد الجميع، و ان كان ظاهر المشهور الاختصاص بالأوّل.
الشرح:
انّه رحمه اللّه قد ذكر في هذه المسألة فرعين من مسائل الافضاء، أمّا الأوّل، فكما ذكره رحمه اللّه لا فرق في الدخول الموجب للافضاء بين أن يكون في القبل أو الدبر و ذلك لاطلاق الأخبار المذكورة في المسألة السابقة فانّه قد ذكر فيها الافضاء مطلقا من غير قيد و من غير بيان المدخل كما في صحيحة سليمان بن خالد قال: «و سألته - أبا عبداللّه عليه السلام - عن رجل وقع بجارية فأفضاها». و نظيرها حسنة حمران و موثّقة غياث بن ابراهيم و رواية بريد بن معاوية و غيرها.
و عليه فلا فرق في القبل و الدبر، اذا صدق الافضاء انّما الكلام في صدق الافضاء، فنقول: أمّا الافضاء فهو من الفضاء لغة، و هو بمعنى المكان الواسع.
قال في لسان العرب: «قد فضى المكان و أفضى: اذا اتّسع، و أفضى الى فلان: وصل اليه - الى أن قال: - و أفضى المرأة فهي مفضاة اذا جامعها فجعل مسلكيها مسلكا واحدا».
فقال باتّحاد المسلكين و لم يبيّن المراد منهما.
و أمّا الظاهر من معناه في الروايات: فالذي يظهر من قوله عليه السلام في حسنة حمران: «فانّه قد أفسدها و عطّلها على الأزواج»، أنّ المراد بالافضاء هو الفساد الذي به صارت المرأة غير قابلة لانتفاع الأزواج بها.
و لايبعد أن يقال بأنّه أعمّ من اتّحاد مسلكي البول و الحيض أو مسلكي الحيض و الغائط أو اتّحاد الجميع، ولكن الأصحّ الرجوع الى أهل الخبرة في ذلك فاذا حكم أهل الخبرة بالفساد و قالوا بأنّها قد فسدت على الأزواج، فيتحقّق الافضاء و يترتّب عليه ما سبق من الأحكام، و في مورد الشكّ فالمحكّم هو الأصل.
و في الجواهر: «ثمّ المراد بالافضاء على ما صرّح به جماعة جعل مسلكي البول و الحيض واحدا، بل هو المشهور نقلاً و تحصيلاً بل قد يظهر من محكي الخلاف الاجماع عليه».(1)
و في المباني: «الصحيح أنّ الافضاء أعمّ؛ اذ لم يرد في النصوص تفسير له كي يكون ذلك المعنى حقيقة شرعيّة له، و من هنا فلا بدّ من حمله على معناه اللغوي و هو ايجاد الفضوة و جعل الشيء متّسعا على ما ذكره الزمخشري. و من الواضح أنّ ذلك يصدق على مطلق اتّحاد المسلكين من دون تحديد لهما بمسلكي البول و الحيض أو مسلكي الحيض و الغائط أو مسلكي البول و الغائط - على ما قيل - وان كان تحقّقه في الخارج ممنوعا حيث لايتصوّر اتّحاد مسلكي البول و الغائط من دون اتّحادهما مع مسلك الحيض أيضا حيث انّه يتوسّطهما. و يدلّ على ما ذكرناه التعبير بالعيب في لسان عدّة من النصوص مع الحكم بالضمان فيها، و من الواضح أنّ العيب يشمل باطلاقه جميع الأقسام المذكورة. كما يشهد له عدم التعرّض للسؤال عن معنى الافضاء و عدم تعرّض الامام عليه السلام لتفسيره مع وقوعه في ألسنة
1) - جواهر الكلام 29: 419.
الأخبار كثيرا، فانّه ان كشف عن شيء فانّما يكشف عن كون المتفاهم منه هو معناه اللغوي العرفي. و من هنا يظهر الحال في سائر الأقوال المذكورة في المسألة حيث لا دليل على شيء منها».(1)
و في المهذّب: «مع حكم ثقات أهل الخبرة بتحقّق الافضاء يترتّب عليه الحكم قهرا و مع حكمهم بالعدم لايترتّب الأحكام الخاصّة للافضاء. و مع الشكّ فيه فمقتضى الأصل عدم ترتّب الأحكام الخاصّة للافضاء، و كلّ موضوع تردّد بين الأقلّ و الأكثر يؤخذ بالمتيقّن ما لم تكن قرينة على الخلاف و قول المشهور هو المتيقّن».(2)
(مسألة 4): لايلحق بالزوجة في الحرمة الأبديّة - على القول بها - و وجوب النفقة، المملوكة و المحلّلة و الموطوءة بشبهة أو زنا و لا الزوجة الكبيرة. نعم، تثبت الدية في الجميع عدا الزوجة الكبيرة اذا أفضاها بالدخول بها حتّى في الزنا و ان كانت عالمة مطاوعة و كانت كبيرة. و كذا لايلحق بالدخول الافضاء بالاصبع و نحوه فلاتحرم عليه مؤبّدا. نعم، تثبت فيه الدية.
الشرح:
قد تقدّم عدم الدليل على الحرمة الأبديّة، و أنّ الدلائل أكثر ما تثبت حرمةالدخول بالزوجة المفضاة في صغرها مادامت كذلك.
و على أيّ حال فحرمة الدخول و وجوب النفقة و الحرمة الأبديّة - على القول بها - مختصّة بالزوجة و لايلحق بها المملوكة و المحلّلة و الموطوءة بشبهة أو زنا و ذلك لأنّ النصّ ورد في الزوجة الصغيرة بالنسبة الى الحرمة و في الزوجة مطلقا بالنسبة الى وجوب النفقة مادامت حيّة و لم يكن هناك دليل صالح لتقييده.
و أمّا الدية فانّها ثابتة لجميع ما ذكر الاّ الزوجة الكبيرة اذا أفضاها بالدخول؛ لصريح قوله عليه السلام في حسنة حمران: «ان كان دخل بها و لها تسع سنين فلا شيء عليه» المؤيّدة برواية بريد بن معاوية. و مثلها المملوكة اذا أفضاها مولاها؛ اذ لا معنى لضمان المولى في مال نفسه.
قال في الجواهر: «الظاهر ثبوت الدية في افضاء الأجنبيّة صغيرة أو كبيرة حرّة أو مملوكة موطوءة بشبهة أو بالزنا مطاوعة أو مكرهة كما عن بعضهم التصريح به و يقتضيه ظاهر آخر؛ لاطلاق صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «سألته عن رجل وقع بجارية فأفضاها و كانت اذا نزلت بتلك المنزلة لم تلد، قال: الدية كاملة». فيتحصّل حينئذ وجوب الدية مطلقا الاّ في صورة واحدة و هي افضاء الزوجة بعد البلوغ؛ للاجماع السابق المفيد لاطلاق الصحيحة المذكورة، فما عن الحلبيّين من اطلاق الدية بالافضاء في غير محلّه».(1)
اذا أفضيت المرأة بغير الوط ء فهل يترتّب عليه حرمة الدية و النفقة و الدية أم لا؟ ظاهر الجواهر الثاني حيث قال: «و لو أفضى الزوجة بغير الوط ء لم يثبتالحكم؛ للأصل السالم عن المعارض».
و ظاهره نفي وجوب النفقة و الدية.
أقول:
لا كلام و لا اشكال في وجوب الدية فانّها ثابتة للافضاء الذي هو من الجنايات من غير فرق بين سبب حصوله.
1) - جواهر الكلام 29: 422.
و الكلام في النفقة و حرمة الدخول و قد تقدّمت صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل تزوّج جارية فوقع بها فأفضاها، قال: عليه الاجراء عليها ما دامت حيّة».(1)
و يمكن أن يقال بأنّ العلّة في وجوب النفقة هي الافضاء و حيث انّ الغالب حصولها بالوط ء فقد ذكر في الرواية، اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ اللازم حصول القطع بكون العلّة هي الافضاء مطلقا و حصوله بعيد.
و أمّا حرمة الدخول فلايترتّب على الافضاء بغير الدخول؛ فانّ المرسلة رتّبت الحكم على ما اذا خطب الرجل المرأة فدخل بها قبل أن تبلغ التسع.
و ان كان المدرك هو الاجماع فالمتيقّن منه هو حرمة الدخول اذا أفضاها بالدخول مضافا الى أنّهم أفتوا بالحرمة فيما اذا دخل بامرأته المزوّجة قبل تسع سنين.
و في المباني: «و كذا لايلحق بالدخول الافضاء بالاصبع و نحوه فلاتحرم عليه مؤبّدا؛ لعدم الدليل. نعم، تثبت الدية؛ لأنّها مترتّبة على الافضاء بما هو جناية من دون التقييد بسبب خاصّ و هو متحقّق في المقام. و ذكر السبب في صحيحة سليمان بن خالد حيث قال السائل: «رجل وقع بجارية فأفضاها» لايدلّ علىاختصاص الحكم به و انحصار السبب فيه كما هو واضح، اذ انّه لاينافي ترتّب الدية على الافضاء الحاصل بغير ذلك السبب، بعد أن كانت الدية مترتّبة عليه بما هو جناية».(2)
(مسألة 5): اذا دخل بزوجته بعد اكمال التسع فأفضاها لم تحرم عليه و لاتثبت الدية كما مرّ. ولكن الأحوط الانفاق عليها مادامت حيّة.
الشرح:
اذا دخل بزوجته بعد اكمال التسع فأفضاها لم تحرم عليه و لاتثبت الدية كما تقدّم؛ لما تقدّم من حسنة حمران عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عن رجل تزوّج جارية بكرا لم تدرك فلمّا دخل بها اقتضّها فأفضاها، فقال: ان كان دخل بها حين دخل بها و لها تسع سنين فلا شيء عليه، وان كانت لم تبلغ تسع سنين أو كان لها أقلّ من ذلك بقليل حين اقتضّها فانّه قد أفسدها و عطّلها على الأزواج فعلى الامام أن يغرمه ديتها، و ان أمسكها و لم يطلّقها حتّى تموت فلا شيء عليه».(1)
و تؤيّدها رواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر عليه السلام في رجل اقتضّ جارية يعني امرأته فأفضاها قال:
«عليه الدية ان كان دخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين، قال: و ان أمسكها و لم يطلّقها فلا شيء عليه، ان شاء أمسك و ان شاء طلّق».(2)
و هما تقيّدان اطلاق صحيحة سليمان بن خالد المتقدّمة قال:
«و سألته - أبا عبداللّه عليه السلام - عن رجل وقع بجارية فأفضاها و كانت اذا نزلت بتلك المنزلة لم تلد، فقال: الدية كاملة».(3)
و أمّا الانفاق عليها فقد تقدّم وجوبها عليه مادامت حيّة من غير فرق بين الكبيرة و الصغيرة و ذلك لاطلاق صحيحة الحلبي المتقدّمة.
و في الجواهر: «فانّ وجوب الانفاق عليه شامل للصغيرة و الكبيرة، فانّ الجارية بنصّ أهل اللغة هي الفتية من النساء و لا ريب في شمولها لمن بلغت التسع و تجاوزت عنها الى أواخر من الشباب، الاّ أنّ المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة كادت تكون اجماعا على اختصاص الصغيرة بذلك. قال في محكي الخلاف: «و من وطأ امرأة فأفضاها فان كان قبل تسع سنين لزمه نفقتها مادامت حيّة، و عليه مهرها و ديتها كاملة و ان كان بعد تسع سنين لم يكن عليه شيء غير المهر - الى أن قال: - دليلنا على ذلك اجماع الفرقة، فانّهم لايختلفون في ذلك».(1)
أقول:
لو كان هناك اجماع فلا كلام، الاّ أنّ الاجماع مدركي لمعارضة هذه الصحيحة لما في حسنة حمران و رواية بريد على ما فسّرهما بعض، و لعلّه رجّح الأصحاب هاتين الروايتين على صحيحة الحلبي الراجحة في نظرنا.
(مسألة 6): اذا كان المفضي صغيرا أو مجنونا، ففي كون الدية عليهما أو على عاقلتهما اشكال، و ان كان الوجه الثاني لايخلو عن قوّة.
الشرح:حيث انّ الافضاء من الجنايات فمحلّ البحث عن هذه المسألة هو كتاب الديات، و قد ذكرها المصنّف رحمه اللّه هنا استطرادا و نحن نكتفي في شرحها بتوضيح ما ذكره السيّد المحقّق الخوئي رحمه اللّه و نؤخّر البحث عنها الى كتاب الديات ان شاء اللّه تعالى.
1) - جواهر الكلام 29: 427.
فانّه رحمه اللّه (1)بعد ما ذكر أنّ الأقوى في المسألة ما ذهب اليه المصنّف استدلّ عليه أوّلاً بأنّه قد ثبت القصاص في الجنايات مطلقا بالكتاب و السنّة كما في قوله تعالى: «و كتبنا عليهم فيها أنّ النفس بالنفس و العين و بالعين و الأذن بالأذن و السنّ بالسنّ و الجروح قصاص فمن تصدّق به فهو كفّارة له و من لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون»(2)، و كذا الروايات الواردة في ذلك كما سيأتي في محلّه ان شاء اللّه.
و ثانيا بأنّه قد قيّد هذا الاطلاق بما اذا كان القصاص ممكنا و وقعت الجناية عن عمد، فاذا لم يمكن القصاص أو لم تكن الجناية عمديّة بأن كانت شبيهة العمد فيكون الدية على الجاني أو كانت خطأ فالدية يتحمّلها العاقلة، بمعنى أنّه يجب عليهم فكّ ذمّة الجاني تكليفا.
و ثالثا بأنّه قد وردت عدّة نصوص بأنّ عمد الصبي و خطأه واحد، و قريب منه ما ورد في المعتوه. و حيث انّ هذه الأدلّة حاكمة على تلك فينتج أنّ جناية الصبي و المجنون على العاقلة مطلقا، بمعنى وجوبها عليهم تكليفا فان أدّوها تبرأ ذمّة الجاني، و ان لم يؤدّوها كان الجاني ملزما بدفعها.
(مسألة 7): اذا حصل بالدخول قبل التسع عيب آخر غير الافضاء ضمن أرشه. و كذا اذا حصل مع الافضاء عيب آخر يوجب الأرش أو الدية ضمنهمع دية الافضاء.
الشرح:
اذا حصل بالدخول قبل التسع عيب آخر غير الافضاء ضمن الدية الثابتة المعيّنة له و ذلك لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من وطئ امرأته قبل تسع سنين فأصابها عيب فهو ضامن».(1)
و موثّقة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام قال:
«لاتوطأ الجارية لأقلّ من عشر سنين فان فعلت فعيبت فقد ضمن».(2)
و صحيحة أخرى للحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«انّ من دخل بامرأة قبل أن تبلغ تسع سنين فأصابها عيب فهو ضامن».(3)
هذا مضافا الى ما دلّ من ثبوت الدية أو الأرش لكلّ جناية في محلّه.
و كذا اذا حصل مع الافضاء عيب آخر يوجب الدية أو الأرش ضمنه مع دية الافضاء؛ لعدم الدليل على التداخل بل الدليل على عدمه؛ لأنّ كلّ سبب يجري عليه حكم نفسه غير الحكم الجاري على السبب الآخر.
(مسألة 8): اذا شكّ في اكمالها تسع سنين لايجوز له وطؤها؛ لاستصحاب الحرمة السابقة. فان وطئها مع ذلك فأفضاها و لم يعلم بعد ذلك أيضا كونها حال الوط ء بالغة أو لا، لم تحرم عليه أبدا و لو على القول بها؛ لعدم احراز كونه قبل التسع و الأصل لايثبت ذلك. نعم، يجب عليه الدية و النفقة مادامت حيّة.
الشرح:
اعلم أنّ هناك طائفتين من الأخبار بالنسبة الى موضوع الأحكام من الدية و النفقة و حرمة الدخول بعد الافضاء.
احداهما ما علّق الحكم على بلوغ المرأة تسع سنين كقوله عليه السلام في صحيحة الحلبي: «فلايدخل بها حتّى يأتي لها تسع سنين».
و قوله عليه السلام في موثّقة زرارة: «لايدخل بالجارية حتّى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين».
و قوله عليه السلام في رواية عمّار السجستاني: «حدّ المرأة أن يدخل بها على زوجها ابنة تسع سنين».
و قوله عليه السلام في حسنة حمران: «ان كان دخل بها و لها تسع سنين فلا شيء عليه و ان كانت لم تبلغ تسع سنين ... ».
و ثانيتهما ما علّق الحكم على عدم بلوغ المرأة تسع سنين أو كونها قبل تسع سنين كقوله عليه السلام في موثّقة غياث بن ابراهيم: «لاتوطأ الجارية لأقلّ من عشر سنين».
و قوله عليه السلام في مرسلة يعقوب بن يزيد: «فدخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين».
و قوله عليه السلام في رواية بريد بن معاوية: «ان كان دخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين».
و قوله عليه السلام في صحيحة أخرى للحلبي: «من وط ء امرأته قبل تسع سنين».
و قوله عليه السلام في رواية طلحة بن زيد: «من تزوّج بكرا فدخل بها في أقلّ من تسع سنين». فراجع.(1)
فالذي يظهر من هاتين الطائفتين من الروايات هو تعليق الحكم على عنوان الصغيرة أو غير البالغة و أنّهم عليهم السلام قد علّقوا حكم حرمة الدخول على الزوجةالصغيرة أو غير البالغة و كذا حكم دية الافضاء و حرمة الدخول بعده الى أن تندمل.
فاذا شكّ في هذا العنوان بعد ما تيقّن به فيستصحب و يترتّب عليه الأحكام، فاذا شكّ في بلوغ المرأة و خروجها عن صغرها فيحرم الدخول بها، و اذا دخل فأفضاها و شكّ في وقوع الدخول في حال الصغر أو البلوغ فباستصحاب الصغر
1) - وسائل الشيعة 20: الباب 45 من أبواب مقدّمات النكاح و الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.
يثبت وقوع الدخول في حالته و يثبت حكم حرمة الدخول الى أن تندمل و كذا الدية.
و أمّا النفقة فقد تقدّم عدم الفرق بين كون المفضاة صغيرة أو كبيرة.
قال في مدارك العروة: «مقتضى الطائفة الأولى كون الموضوع احراز البلوغ، فلو لم يحرز و شكّ فلايترتّب عليه الأحكام المترتّبة على البلوغ من جواز الوط ء و عدم ترتّب الحرمة و وجوب الانفاق. و مقتضى الثانية اعتبار احراز عدم البلوغ في ترتّب الأحكام الثلاثة، فلو شكّ في العدم فلايترتّب فيجوز الوط ء و لايجب الانفاق و لايترتّب الحرمة الأبديّة على القول بها. و بينهما تعارض و يمكن الجمع بينهما بأنّ المناط في جواز الوط ء احراز البلوغ و في وجوب الانفاق و الحرمة الأبديّة احراز عدم البلوغ فلو شكّ لايجوز الوط ء ولكن لايترتّب عليه الحكمان المذكوران فيحصل التفكيك بين الأحكام الثلاثة».(1)
و أمّا المصنّف رحمه اللّه فحاصل كلامه - على ما في نظام النكاح - : انّ الموضوع للحرمة الأبديّة هو الموطوءة قبل التسع و القبليّة عنوان وجودي لايمكن احرازها بالأصل، و أمّا ترتّب الدية فلأنّه لم يؤخذ في موضوعها عنوان القبليّة و انّما أخذ في موضوعها في صحيحة حمران عدم بلوغها تسع سنين و هو محرز بالاستصحاب كما أنّ الموضوع لاجراء النفقة في صحيحة الحلبي هو الجارية خرج عن اطلاقها ما اذا كان الدخول بعد تسع سنين.
و قد تقدّم منّا أنّ المستفاد من الروايات المذكورة هو أنّ موضوع الأحكام كلّها هو عنوان الصغيرة أو غير البالغة فاذا شكّ في تبدّل هذا العنوان فالأصل عدمه.
1) - مدارك العروة 29: 188.
(مسألة 9): يجري عليها بعد الافضاء جميع أحكام الزوجة من حرمة الخامسة و حرمة الأخت و اعتبار الاذن في نكاح بنت الأخ و الأخت و سائر الأحكام، و لو على القول بالحرمة الأبديّة، بل يلحق به الولد و ان قلنا بالحرمة؛ لأنّه على القول بها يكون كالحرمة حال الحيض.
الشرح:
كما قال المصنّف رحمه اللّه، يجري على الزوجة بعد الافضاء جميع أحكام الزوجة؛ لأنّها زوجته و ان حرم عليه الدخول بها كما تقدّم و يلحق به الولد؛ لما ورد من أنّ «الولد للفراش و للعاهر الحجر».(1)
و حيث انّ المفضاة زوجة فهي فراش له و من هنا يحكم بكون الولد المشكوك له أيضا، و لاتنافي بين حرمة الدخول و لحوق الولد؛ لأنّ الحرمة عارضيّة كالحرمة في حال الحيض.
فمن قال بالحرمة الأبديّة فان كان قائلاً بعدم زوال الزوجيّة كالماتن فيجري عليها جميع أحكام الزوجيّة؛ لأنّها زوجته و مقتضى اطلاق أدلّة أحكام الزوجيّة ترتّبها عليها، فان لم يكن قائلاً ببقاء الزوجيّة فلا موجب للقول بجريان أحكامها عليها.
قال في الجواهر: «لا اشكال في ثبوت التوارث بينهما؛ لثبوت الزوجيّة بناءًعلى المختار و عموم أدلّة الارث و في تحريم الخامسة و الأخت و بنت الأخت و الأخ بل و العقد على الأمة بدون رضاها. و في استحقاقها القسم مع غيرها وجهان أجودهما ذلك كما تستحقّه الرتقاء و القرناء و الحائض و النفساء؛ لأنّ الغرض منه الانس بالمضاجعة دون المواقعة. و لو وطأها عالما بالتحريم أثم و عزّر ولكن لا حدّ عليه كالحائض و لو حملت منه لحق به الولد. نعم، لايثبت الاحصان بها؛ لأنّ من شرطه التمكّن من الوط ء و هو مفقود هنا، فلو زنى أو زنت وجب الحدّ
1) - الكافي 5: 492 / الحديث 3.
دون الرجم. و لا اشكال في جواز طلاقها بناءً على بقائها على الزوجيّة، و لايشترط فيه شرط زائد على غيره من أفراد الطلاق. و لو طلّقها جاز له العود برجعة أو نكاح مستأنف، و كانت عنده كما كانت قبل».(1)
(مسألة 10): في سقوط وجوب الانفاق عليها مادامت حيّة بالنشوز اشكال؛ لاحتمال كون هذه النفقة لا من باب انفاق الزوجة، و لذا تثبت بعد الطلاق بل بعد التزويج بالغير. و كذا في تقدّمها على نفقة الأقارب. و ظاهر المشهور أنّها كما تسقط بموت الزوجة تسقط بموت الزوج أيضا لكن يحتمل بعيدا عدم سقوطها بموته.
و الظاهر عدم سقوطها بعدم تمكّنه فتصير دينا عليه و يحتمل بعيدا سقوطها. و كذا تصير دينا اذا امتنع من دفعها مع تمكّنه اذ كونها حكما تكليفيّا صرفا بعيد. هذا بالنسبة الى ما بعد الطلاق، و الاّ فمادامت فى حباله الظاهر أنّ حكمها حكم الزوجة.
الشرح:
قد تقدّم في الفرع الثالث من المسألة الثانية وجوب الانفاق على الزوجةالمفضاة مادامت حيّة و ان طلّقها.
و هنا نقول بعدم سقوط النفقة بالنشوز؛ لأنّ هذه النفقة بازاء افضائها و لذا لاتسقط و ان طلّقها بل و ان تزوّجت مادام الافضاء باقيا.
و أمّا تقدّمها على نفقة الأقارب فقد ذكر السيّد الخوئي رحمه اللّه أنّ من المتسالم عليه تقدّم نفقة الزوجة على نفقة سائر الأقارب.
و الظاهر أنّ نفقة هذه أيضا مقدّمة على نفقة سائر الأقارب فانّ الظاهر أنّ الحكمة في تقدّم نفقة الزوجة على سائر
1) - جواهر الكلام 29: 425.
الأقارب هي كونها وضعيّة و سائر النفقات تكليفيّة، و لمّا كان هذه النفقة وضعيّة فتقدّم عليها.
و تقدّم أيضا سقوطها بموت أحدهما.
ولكن لاتسقط بعدم تمكّنه؛ لأنّها كالدين عليه و كذا تصير دينا اذا امتنع من دفعها مع تمكّنه، كلّ ذلك لاطلاق قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي: «عليه الاجراء عليها مادامت حيّة».
و في الجواهر: «لا اشكال في وجوب المهر بافضائها مطلقا صغيرة كانت أو كبيرة حرّة أو مملوكة لاطلاق ما دلّ على وجوبه الشامل للمقام».(1)
1) - جواهر الكلام 29: 429.
لايجوز في العقد الدائم الزيادة على الأربع حرّا كان أو عبدا و الزوجة حرّة أو أمة. و أمّا في الملك و التحليل فيجوز و لو الى ألف. و كذا في العقد الانقطاعي. و لايجوز للحرّ أن يجمع بين أزيد من أمتين و لا للعبد أن يجمع بين أزيد من حرّتين. و على هذا فيجوز للحرّ أن يجمع بين أربع حرائر أو ثلاث و أمة أو حرّتين و أمتين. و للعبد أن يجمع بين أربع اماء أو حرّة و أمتين أو حرّتين، و لايجوز له أن يجمع بين أمتين و حرّتين أو ثلاث حرائر أو أربع حرائر أو ثلاث اماء و حرّة. كما لايجوز للحرّ أيضا أن يجمع بين ثلاث اماء و حرّة.
الشرح:
هنا فروع:
لايجوز الزيادة على الأربع في العقد الدائم و يدلّ عليه الكتاب و السنّة و الاجماع:
فمن الأوّل قوله تعالى: «و ان خفتم ألاّتقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاث و رباع فان خفتم ألاّتعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألاّتعولوا»(1).
فانّ مفهومها عدم جواز أكثر من الأربع؛ لأنّ الآية في مقام بيان التحديد و بيان حدّ عدد الأزواج في الزمان الواحد.
و من الثاني الروايات المستفيضة في أبواب ما يحرم باستيفاء العدد:
منها صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل تزوّج خمسا في عقدة قال:
«يخلّي سبيل أيّتهنّ شاء و يمسك الأربع».(2)
و منها معتبرة عقبة بن خالد عن أبي عبداللّه عليه السلام في مجوسي أسلم و له سبع نسوة أسلمن معه، كيف يصنع؟ قال:
«يمسك أربعا و يطلّق ثلاثا»(3)
و منها الروايات الواردة التي وردت على أنّه ليس لمن كانت له أربع نسوة فطلّق واحدة منهنّ أن يتزوّج أخرى ما لم تمض عدّة المطلّقة كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا جمع الرجل أربعا و طلّق احداهنّ فلايتزوّج الخامسة حتّى تنقضي عدّة المرأة التي طلّق، و قال: لايجمع ماؤه في خمس».(4)
و موثّقة عمّار قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل يكون له أربع نسوة فتموت احداهنّ فهل يحلّ له أن يتزوّج أخرى مكانها؟ قال: لا، حتّى تأتي عليها أربعة
أشهر و عشر. و سئل: فان طلّق واحدة، هل يحلّ له أن يتزوّج؟ قال: لا، حتّى تأتي عليها عدّة المطلّقة».(1)
و من الثالث اجماع علماء الاسلام و لا اشكال فيه تحصيلاً و نقلاً لمن له أدنى تتبّع في الفقه.
يجوز وط ء المملوكة بالملك و التحليل بلا حدّ و ذلك أوّلاً لاختصاص المنع في الكتاب و السنّة بالزواج و الملك و التحليل ليسا زواجا.
و ثانيا لاقتضاء اطلاق أدلّة التملّك بالشراء و غيره و وط ء المملوكة، فانّه يقتضي الجواز من غير تحديد بحدّ معيّن.
و أمّا العقد الانقطاعي فيجوز الزواج به بلا حدّ أيضا و ذلك لصحيحة اسماعيل بن الفضل الهاشمي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المتعة فقال: الق عبدالملك بن جريح فسله عنها فانّ عنده منها علما، فلقيته فأملى عليّ شيئا في استحلالها و كان فيما روى لي فيها ابن جريح أنّه ليس فيها وقت و لا عدد، انّما هي بمنزلة الاماء يتزوّج منهنّ كم شاء، و صاحب الأربع نسوة يتزوّج منهنّ ما شاء بغير ولي و لا شهود، فاذا انقضى الأجل بانت منه بغير طلاق، و يعطيها الشيء اليسير و عدّتها حيضتان و ان كانتلاتحيض فخمسة و أربعون يوما، فقال: فأتيت بالكتاب أبا عبداللّه عليه السلام فقال: صدق و أقرّ به قال ابن أذينة: و كان زرارة يقول
1) - وسائل الشيعة 20: 521 / الباب 3 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد / الحديث 5.
هذا و يحلف أنّه الحقّ الاّ أنّه كان يقول: ان كانت تحيض فحيضة و ان كانت لاتحيض فشهر و نصف».(1)
و نظيرها روايات معتبرة ناطقة بجواز التزويج بالمتعة من دون تحديد على الأربع، فهذا قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «كم شئت».(2)
و بازائها روايات تدلّ على عدم جواز نكاح أكثر من أربع منهنّ كموثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام عن المتعة فقال: «هي أحد الأربعة».(3)
و صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألت عن الرجل تكون له المرأة أيحلّ له أن يتزوّج بأختها متعة؟ قال: لا، قلت: حكى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام ، انّما هي بمنزلة الاماء يتزوّج ما شاء، قال: لا، هي من الأربع».(4)
لكنّها لاتصلح لمعارضة النصوص المتقدّمة بعد تصريحه عليه السلام فيها بأنّها ليست من الأربع و لا من السبعين، و لا بدّ من حملها على الاحتياط على ما صرّحت به جملة من النصوص حفظا لماله و نفسه؛ اذ لا طريق لاخفاء ذلك على المخالفين الاّ بالاقتصار على الأربع حيث يتصوّرون كونهنّ دائمات له، و هو بخلاف ما لو زاد على الأربع؛ اذ لا مجال لادّعاء كونهنّ زوجات دائمات فيظهر أمره بذلك.
و يدلّ على الحمل على الاحتياط صحيحة أخرى لأحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام : اجعلوهنّ من الأربع، فقال له صفوان بن يحيى:على الاحتياط؟ قال: نعم».(5)
1) - وسائل الشيعة 21: 19 / الباب 4 من أبواب المتعة / الحديث 8.
2) - وسائل الشيعة 21: 18 / الباب 4 من أبواب المتعة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 21: 20 / الباب 4 من أبواب المتعة / الحديث 10.
4) - وسائل الشيعة 21: 20 / الباب 4 من أبواب المتعة / الحديث 11.
5) - وسائل الشيعة 21: 20 / الباب 4 من أبواب المتعة / الحديث 9.
و كذا قوله عليه السلام في روايته: «اجعلوها من الأربع على الاحتياط».(1)
لايجوز للحرّ أن يجمع بين أزيد من أمتين، و لا للعبد أن يجمع بين أزيد من حرّتين و الدليل على الأوّل صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجل له امرأة نصرانيّة له أن يتزوّج عليها يهوديّة؟ فقال: انّ أهل الكتاب مماليك للامام و ذلك موسّع منّا عليكم خاصّة فلابأس أن يتزوّج قلت: فانّه يتزوّج عليهما أمة قال: لايصلح له أن يتزوّج ثلاث اماء. الحديث».(2)
و الدليل على الثاني صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن العبد يتزوّج أربع حرائر، قال: لا، ولكن يتزوّج حرّتين و ان شاء أربع اماء».(3)
و على هذا فيجوز للحرّ أن يجمع بين أربع حرائر أو ثلاث و أمة أو حرّتين و أمتين و ذلك للجمع بين صحيحة أبي بصير و بين ما تقدّم في الفرع الأوّل من الروايات، فيستفاد من مجموعها أنّ زواج أمة يساوي زواج حرّة و زواج حرّتين يساوي زواج أمتين الاّ أنّ زواج ثلاث اماء ممنوع.
هذا مضافا الى عدم الخلاف في الأحكام المذكورة.
و أمّا بالنسبة الى العبد فيستفاد من صحيحة محمّد بن مسلم أنّ زواج حرّة يساوي زواج أمتين، فالمتحصّل من هذه الصحيحة أنّ له أن يتزوّج أربع اماء أو
أمتين و حرّة أو حرّتين و كذا لا خلاف في الأحكام المذكورة في العبد، فلايجوز له مع تزويج الحرّتين زواج آخر.
(مسألة 1): اذا كان العبد مبعّضا أو الأمة مبعّضة، ففي لحوقهما بالحرّ أو القنّ اشكال، و مقتضى الاحتياط أن يكون العبد المبعّض كالحرّ بالنسبة الى الاماء فلايجوز له الزيادة على الأمتين و كالعبد القنّ بالنسبة الى الحرائر فلايجوز له الزيادة على حرّتين. و أن تكون الأمة المبعّضة كالحرّة بالنسبة الى العبد، و كالأمة بالنسبة الى الحرّ. بل يمكن أن يقال: انّه بمقتضى القاعدة، بدعوى أنّ المبعّض حرّ و عبد، فمن حيث حرّيّته لايجوز له أزيد من أمتين، و من حيث عبديّته لايجوز له أزيد من حرّتين. و كذا بالنسبة الى الأمة المبعّضة.
الاّ أن يقال: انّ الأخبار الدالّة على أنّ الحرّ لايزيد على أمتين، و العبد لايزيد على حرّتين منصرفة الى الحرّ و العبد الخالصين، و كذا في الأمة، فالمبعّض قسم ثالث خارج عن الأخبار، فالمرجع عمومات الأدلّة على جواز التزويج، غاية الأمر عدم جواز الزيادة على الأربع فيجوز له نكاح أربع حرائر أو أربع اماء.
لكنّه بعيد من حيث لزوم كونه أولى من الحرّ الخالص، و حينئذ فلايبعد أن يقال: انّ المرجع الاستصحاب و مقتضاه اجراء حكم العبد و الأمة عليهما و دعوى تغيّر الموضوع كما ترى. فتحصّل أنّ الأولى الاحتياط الذي ذكرنا أوّلاً، و الأقوى العمل بالاستصحاب و اجراء حكم العبيد و الاماء عليهما.
الشرح:قد أشار المصنّف رحمه اللّه الى ثلاثة طرق لحلّ مسألة المبعّض:
الأوّل: طريق الاحتياط و هو يتمّ لو قلنا بأنّ حكم المبعّض لايخرج عن الحرّ و
العبد و لايكون فردا ثالثا و أنّه محكوم بأحد الحكمين كما لم يستبعده السيّد الخوئي رحمه اللّه.
فاذا كان كذلك فتسقط اطلاقات الأدلّة الدالّة على جواز النكاح بأربع سواء كانت من الحرائر أو من الاماء أو ملفّقة و ذلك للعلم الاجمالي بالتخصيص و تردّده بين متبائنين بمعنى أنّ المبعّض امّا حرّ فيمنع عن التزويج بأكثر من أمتين و امّا عبد فيمنع عن التزويج بأكثر من حرّتين.
فعندئذ لايجوز التمسّك بالعموم أو الاطلاق لا محالة و لا بدّ من الرجوع الى الأصل العملي، و هو يقتضي عدم نفوذ العقد في موارد الشكّ فليس له أن يتزوّج بأكثر من حرّتين و لا بأكثر من أمتين فيما اذا كانت الثالثة أمة أيضا، و هذا هو معنى الاحتياط.
هذا حال المبعّض و ممّا ذكرنا يظهر الحال في المبعّضة فانّها امّا محكومة بحكم الحرّة أو الأمة فجواز النكاح بالنسبة اليها خصّص بأحد أمرين متبائنين: امّا بعدم جواز نكاحها من حرّ عنده أمتان أو بعدم جوازه من عبد عنده أمة و حرّة. فلايمكن التمسّك بالاطلاق و يرجع الأمر الى التمسّك بأصالة الفساد.
الثاني: ذكر احتمالاً بعيدا و هو احتمال أنّ المبعّض قسم ثالث، و اذا كان كذلك فلا مانع من التمسّك بالاطلاق أو العموم، فانّ ما دلّ على جواز التزويج بأربع لا معارض لها حيث لا علم اجمالي بالتخصيص، فانّ موضوع أدلّة تحريم نكاح أكثر من حرّتين هو العبد و هو ليس بعبد و موضوع أدلّة حرمة نكاح أكثر من أمتين هو الحرّ و هذا ليس بحرّ، اذن فلا مانع من الالتزام بصحّة زواجه بأكثر من حرّتين أو أكثر من أمتين.
الثالث: القول باستصحاب الحالة السابقة من كونه عبدا أو أمة و جريان أحكام العبيد أو الاماء على المبعّض و يقال بأنّ هذا المبعّض كان يحرم عليه أن يتزوّجبأكثر من حرّتين فيما اذا كان قنّا فيقتضي الاستصحاب حرمته الآن أيضا.
و قد استشكل عليه السيّد الحكيم(1)بأنّ هذا الاستصحاب تعليقي؛ لأنّ معنى جواز عقده على أربع اماء حال الرقّيّة أنّه لو عقد ترتّب أثر الزوجيّة عليه فاستصحاب ذلك الى حال حرّيّة بعضه معارض - على التحقيق - بالاستصحاب التنجيزي و هو أصالة عدم ترتّب الأثر.
و أمّا السيّد الخوئي رحمه اللّه فقد ذكر(2)أوّلاً أنّ الاستصحاب هنا ليس من الاستصحاب التعليقي و استدلّ عليه بأنّ الاستصحاب التعليقي لايكون الاّ اذا كان الموضوع مركّبا من جزئين و كان أحدهما حاصلاً بالفعل و الآخر غير حاصل ولكن عند تحقّق الجزء الثاني و حصوله يتغيّر وصف الأوّل و يزول، و ذلك نظير المثال المعروف للزبيب فنقول: هذا الزبيب اذا كان عنبا و يغلي يحرم، فهذا قد غلى فيحرم.
فانّه من الاستصحاب التعليقي و لايمكن اثبات الحرمة للزبيب اذا غلى به؛ لأنّه قبل الغليان لم يكن موضوع الحرمة بتمامه متحقّقا نظرا الى فقدان الجزء الثاني، و عند حصوله يزول وصف الجزء الأوّل و هو العنبيّة و يتغيّر، فلا مجال للتمسّك بمثل هذا الاستصحاب حيث انّه معارض بالاستصحاب التنجيزي بحلّيّة الزبيب فنقول: هذا الزبيب كان حلالاً أكله قبل الغليان فيستصحب حلّيّته بعد الغليان أيضا، الاّ أنّ هذا أجنبي عمّا نحن فيه اذ موردنا يكون من استصحاب الحكم الشرعي ليترتّب عليه حكم شرعي آخر.
و ثانيا بأنّه لا بأس بأن يقال: انّ هذا المبعّض كان يحرم عليه أن يتزوّج من الحرائر بأكثر من اثنين فمقتضى الاستصحاب أنّه الآن كذلك أيضا، و به تجري عليه أحكام العبد، الاّ أنّ هذا كلّه لايقتضي التزامنا بجريان الاستصحاب في المقام،و ذلك لما تقدّم منّا غير مرّة من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام التكليفيّة
الكلّيّة حيث انّ جريانه فيها معارض باستصحاب عدم الجعل من الأوّل فيسقط بالمعارضة، بل الثاني حاكم على الأوّل.
و ثالثا بأنّه لو تنزّلنا و قلنا بجريانه في الأحكام التكليفيّة الكلّيّة فلانلتزم به في المقام، و ذلك لاختلاف الموضوع بنظر العرف حيث يرى عنوان الحرّيّة و الرقّيّة مقوّما للموضوع، نظير ما يراه في عنوان المسافر و الحاضر. و على هذا فلايمكن التمسّك بالاستصحاب؛ لعدم اتّحاد القضيّة المتيقّنة مع القضيّة المشكوكة، فانّ الذي لم يكن له التزوّج بأكثر من حرّتين انّما هو هذا الشخص بما هو عبد لا ذاته بما هي، و من الواضح أنّه بذلك الوصف غير المبعّض حيث انّه ليس بعبد و انّما نصفه عبد خاصّة، و هو لم يكن موضوعا للحكم.
و أمّا السيّد الحكيم رحمه اللّه فقد قبل عدم تغيّر الموضوع و قال بأنّ الموضوع بنظر العرف واحد في المقام و أنّ تحرير بعض القنّ لايستوجب تغيّر الموضوع.
أقول:
الظاهر أنّ ما ذهب اليه السيّد الحكيم من كون الاستصحاب تعليقيّا هو الأقرب بالصواب، و هو معارض بالاستصحاب التنجيزي، الاّ أنّ الموضوع في القضيّة المتيقّنة هو العبد بما هو عبد و قد غيّر في القضيّة المشكوكة.
و على هذا فلا طريق في المسألة الاّ ما ذكر من الاحتياط أو كونه قسما ثالثا و قد ذكرنا أنّ الاحتمال الثاني بعيد فيبقى القول بالاحتياط.
(مسألة 2): لو كان عبد عنده ثلاث أو أربع اماء، فأعتق و صار حرّا لم يجز ابقاء الجميع؛ لأنّ الاستدامة كالابتداء، فلا بدّ من اطلاق الواحدة أو الاثنتين. و الظاهر كونه مخيّرا بينهما كما في اسلام الكافر عن أزيد من أربع. و يحتمل القرعة و الأحوط أن يختار هو القرعة بينهنّ.
و لو أعتقت أمة أو أمتان فان اختارت الفسخ - حيث انّ العتق موجب
لخيارها بين الفسخ و البقاء - فهو، و ان اختارت البقاء يكون الزوج مخيّرا، و الأحوط اختياره القرعة كما في الصورة الأولى.
الشرح:
في المسألة فرعان:
لو أعتق عبد و عنده ثلاث أو أربع اماء، لم يجز له ابقاء الجميع؛ و ذلك لاطلاق دليل المنع الشامل للابتداء و الاستدامة، فلا بدّ له من اطلاق الواحدة أو الاثنتين و ذلك لأنّ الحكم دائر بين القول ببطلان الجميع أو البعض أو اطلاق الزائدة و لا مقتضي للأوّلين فيتعيّن الثالث.
و الظاهر تخييره بين اطلاق أيّهنّ شاء و ذلك لحسنة عقبة بن خالد عن أبي عبداللّه عليه السلام في مجوسي أسلم و له سبع نسوة و أسلمن معه، كيف يصنع؟ قال:
«يمسك أربعا و يطلّق ثلاثا».(1)
و صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل تزوّج أختين في عقدة واحدة قال:
«يمسك أيّتهما شاء و يخلّي سبيل الأخرى، و قال في رجل تزوّج خمسا في عقدة واحدة قال: يخلّي سبيل أيّتهنّ شاء».(2)
بتقريب أنّه عليه السلام في هاتين الروايتين كان بصدد بيان مناط في أمثال هذه المسألةو هو أنّه اذا وقع العقد على نساء لايمكن الجمع بينهنّ امّا ابتداءً كالثاني و امّا استدامة كالأوّل، فالرجل مخيّر في اطلاق أيّتهنّ شاء.
و استشكل السيّد الخوئي رحمه اللّه(1)بأنّ القاعدة فيما نحن فيه و كذا في مورد الحسنة و الصحيحة هي البطلان و ذلك لعدم امكان الجمع بين الاماء أو سبع نسوة أو أختين، الاّ أنّه حيث ورد النصّ في موردين على خلاف القاعدة و حكم بكونه مخيّرا بين امساك بعض و تخلية سبيل الزائد نتعبّد به، لانجاوز عنه في باقي الموارد و ذلك لأنّ النصّ لايكون مطلقا و لم يكن له عموم.
و قال بأنّ الفرض في هذه المسألة صحّة نكاح الاثنتين و بطلان غيره، مع أنّ الصحيح لايتميّز من الباطل و لايتعيّن، فلا بدّ من معيّن للتي بقيت على الزوجيّة عن التي انفسخت زوجيّتها و حيث لا نصّ خاصّ يدلّ على التعيين بالتخيير، فلا بدّ من الرجوع الى القرعة لا محالة اذ لا طريق آخر سواها.
و فيه: انّ الظاهر من الروايتين أنّ المعيّن في أمثال هذه المسائل هو اختيار الزوج، و لا فرق في سبب اختياره بين القرعة و غيرها، فانّ النصّ ظاهر في ارائة مناط لحلّ هذه المسائل، و اللّه العالم.
و عليه فالاحتياط بالرجوع الى القرعة، مستحبّ؛ خروجا من خلاف من أوجبه و ذلك لما دلّ من الروايات على أنّ القرعة لكلّ أمر مشكل، ان قلنا بأنّ هذا منه.
اذا كانت أربع اماء عند عبد بالعقد الدائم فأعتقت احدى الاماء أو اثنتين منهنّفلأنّه لايجوز للعبد الجمع بين الحرّة و ثلاث اماء فلا بدّ له من اطلاق واحدة ان لم تفسخ الحرّة نكاحها فانّها مخيّرة بين البقاء في حبال العبد و بين الخروج منه، فان بقيت في حباله فالعبد مخيّر في اطلاق أيّتهنّ شاء.
1) - المباني 32: 152 - 154.
و الكلام في القرعة عين الكلام في الفرع السابق، فلانعيد.
و كذا الحكم لو أعتقت أمتان منهنّ.
(مسألة 3): اذا كان عنده أربع و شكّ في أنّ الجميع بالعقد الدائم أو
البعض المعيّن أو غير المعيّن منهنّ بعقد الانقطاع، ففي جواز نكاح الخامسة دواما اشكال.
الشرح:
الاشكال في المسألة يدور حول قولين:
الأوّل: الجواز، و وجهه الشكّ في تحقّق موضوع حرمة الخامسة، و هو زواج أربع بالعقد الدائم، فاذا لم يحرز فلايحرز كون التي يريد العقد عليها خامسة، و عليه فالمرجع أصالة الجواز.
الثاني: المنع، و وجهه لايخلو من أربعة وجوه:
الأوّل: التمسّك باستصحاب الزوجيّة اذا شكّ في بقائها بعد انقضاء المدّة المعيّنة، و به ثبتت الزوجيّة الدائمة الى أن تموت أو يموت هو و اذا ثبت ذلك فيحرز موضوع الحرمة و لايجوز له التزوّج بخامسة دواما، كما ذكر ذلك في باب الارث اذا شكّ في دوام الزواج.
و فيه: انّ الشكّ في بقاء الزوجيّة بعد انقضاء المدّة مسبّب عن الشكّ في كون المجعول في لسان الزوجين العقد الدائم أو المنقطع و أنّ المجعول على سعة أو ضيق و أنّه مشروط بالوقت أو مطلق بالنسبة الى الزمان، و الأصل في هذا الشكّ السببي هو استصحاب عدم جعل الزوجيّة بعد تلك المدّة من الأوّل، و معلوم أنّالأصل في الشكّ السببي حاكم و مقدّم عليه في الشكّ المسبّبي. و على الأقلّ يكونان معارضين و لايبقى مجال للتمسّك بهما.
الثاني: التمسّك بالأخبار الدالّة على أنّه اذا لم يذكر الأجل في العقد كان النكاح
دائما، فانّ المستفاد من تلك الأخبار - على ما استفاده بعض كما سيأتي الكلام عن ذلك في محلّه - كون عدم ذكر الأجل موضوعا لدوام العقد، فاذا كان موضوع الدوام عدميّا فيحرز بالشكّ في ذكر الأجل و عدمه فيثبت الدوام في الزوجات الموجودة الأربع، فتحرم الخامسة.
و فيه أوّلاً: انّ المستفاد من تلك الروايات على ما سيأتي، هو بيان الفرق بين العقد الدائم و العقد المنقطع و أنّ الدائم ما لم يقيّد بالزمان و المنقطع ما قيّد به، و لا ربط له بما نحن فيه من الشكّ في ذكر الأجل و عدمه.
و ثانيا: انّ موضوع الدائم لايكون - على التحقيق - صرف عدم ذكر الأجل، بل المناط الأصيل فيه هو القصد فاذا لم يقصد الدوام و لم يذكر المدّة فلانقول بتحقّق المنقطع؛ لأنّ ما قصد لم يقع و لابتحقّق الدائم لأنّ ما وقع لم يقصد.
الثالث: دعوى اتّحاد العقد الدائم و العقد المنقطع حقيقة، و أنّ كلاًّ منهما انّما يتكفّل كلّي الزواج، و الفرق بينهما حصول المانع للمنقطع من بقاء الزوجيّة، و الاّ فالعقد بطبيعة الحال يقتضي البقاء الاّ اذا حصل مانع من طلاق أو موت أو انقضاء مدّة، فاذا شككنا في حصول المانع فالأصل عدم جعل المانع من الأوّل و مقتضاه استمرار طبع العقد.
و فيه: انّ الزوجيّة و الملكيّة و غيرهما من الأمور الاعتباريّة، لاتكون كالأمور التكوينيّة ليكون علّة حدوثها كافية في بقائها ما لم يحصل مانع من استمرارها، بل الأمور الاعتباريّة لا وجود لها الاّ اعتبار من بيده الاعتبار، و حيث انّ الزوجيّة تنقسم الى قسمين و يدور أمرها بين الاطلاق و التقييد و لايكون أحدهما موافقا للأصل و الآخر مخالفا، فلا مجال لاحراز أحدهما بالأصل.
الرابع: التمسّك باستصحاب الكلّي من القسم الثاني، كما في مثال من خرجمنه رطوبة مردّدة بين البول و المني فتوضّأ، و بعد الوضوء يستصحب كلّي الحدث و يترتّب عليه جميع أحكام كلّي الحدث لا أحكام خصوص البول و المني.
و فيما نحن فيه قد وقع عقد مشكوك بين الدائم و المنقطع، و قد مضت مدّة
لايبقى معها الزوجيّة قطعا ان كان العقد منقطعا، فبعد المدّة يستصحب كلّي الزواج و يترتّب عليه أحكامه، بتقريب أنّ حرمة التزويج بالخامسة كانت من الآثار التي لاينفكّ عن مطلق الزواج فيما نحن فيه، حيث انّ المنقطع لايبقى قطعا.
و بعبارة أخرى لو شكّ بعد انقضاة المدّة في بقاء زوجيّة الزوجة في غير فرض هذه المسألة من ارادة الزواج بالخامسة، فالأصل هو بقاؤها و اذا كانت باقية فالحكم الذي لاينفكّ عنه عدم جواز النكاح بالخامسة، و لا واسطة بينهما الاّ خفيّة.
ولكن قد يشكل بأنّ حرمة الزواج بالخامسة كانت من آثار الزواج الدائم، و لاتثبت باستصحاب كلّي الزواج.
و على أيّ حال ففي جواز التزويج بالخامسة في فرض المسألة اشكال.
(مسألة 4): اذا كان عنده أربع فطلّق واحدة منهنّ و أراد نكاح الخامسة، فان كان الطلاق رجعيّا لايجوز له ذلك الاّ بعد خروجها عن العدّة. و ان كان بائنا ففي الجواز قبل الخروج عن العدّة قولان، المشهور على الجواز؛ لانقطاع العصمة بينه و بينها. و ربما قيل بوجوب الصبر الى انقضاء عدّتها عملاً باطلاق جملة من الأخبار، و الأقوى المشهور، و الأخبار محمولة على الكراهة.
هذا و لو كانت الخامسة أخت المطلّقة فلا اشكال في جواز نكاحها قبل الخروج عن العدّة البائنة، لورود النصّ فيه معلّلاً بانقطاع العصمة. كما أنّه لاينبغي الاشكال اذا كانت العدّة لغير الطلاق كالفسخ بعيب أو نحوه و كذا اذا ماتت الرابعة، فلايجب الصبر الى أربعة أشهر و عشر، و النصّ الوارد بوجوب الصبر معارض بغيره و محمول على الكراهة. و أمّا اذا كان الطلاق أوالفراق بالفسخ قبل الدخول، فلا عدّة حتّى يجب الصبر أو لايجب.
الشرح:
في المسألة فروع:
اذا طلّق واحدة من الأربع بالطلاق الرجعي فلايجوز النكاح بالخامسة الاّ بعد خروجها عن العدّة و ذلك - مضافا الى موافقته للقاعدة، حيث انّ المطلّقة رجعيّة بحكم الزوجة على المشهور - للروايات الدالّة عليه:
منها ما رواه الصدوق بسند صحيح عن محمّد بن القيس قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول في رجل كانت تحته أربع نسوة فطلّق واحدة ثمّ نكح أخرى قبل أن تستكمل المطلّقة العدّة، قال: فليلحقها بأهلها حتّى تستكمل المطلّقة أجلها و تستقبل الأخرى عدّة أخرى، و لها صداقها ان كان دخل بها و ان لم يكن دخل بها فليس لها صداق و لا عدّة عليها منه، ثمّ ان شاء أهلها بعد انقضاء العدّة زوّجوه و ان شاؤوا لم يزوّجوه».(1)
و منها رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل له أربع نسوة فطلّق واحدة، يضيف اليهنّ أخرى؟ قال: لا، حتّى تنقضي العدّة فقلت: من يعتدّ؟ فقال: هو، قلت: و ان كان متعة؟ قال: و ان كان متعة».(2)
و قال الشيخ الحرّ العاملي: «حكم المتعة هنا على الكراهة لما يأتي هنا و في المتعة».
و منها رواية علي بن جعفر قال:
«و سألته عن رجل له أربع نسوة فطلّق واحدة، هل يصلح له
أن يتزوّج أخرى قبل أن تنقضي عدّة التي طلّق؟ قال: لايصلح له أن يتزوّج حتّى تنقضي عدّة المطلّقة».(1)
و منها رواية علي بن أبي حمزة قال:
«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الرجل يكون له أربع نسوة فيطلّق احداهنّ، أيتزوّج مكانها أخرى؟ قال: لا، حتّى تنقضي عدّتها».(2)
فانّ هذه الروايات و ان كان ظاهرها الاطلاق الاّ أنّها تنصرف الى الرجعيّة بقرينة ما سيجيء في الفرع الثاني.
و في الجواهر: «اذا طلّق واحدة من الأربع، حرم عليه العقد على غيرها حتّى تنقضي عدّتها ان كان الطلاق رجعيّا، بلا خلاف أجده فيه بل يمكن تحصيل الاجماع عليه؛ لأنّها بحكم الزوجة نصّا و فتوى الذي منه ذلك، بل ظاهرهما أنّها كذلك و ان التزم بعدم الرجوع بملزم شرعي، فانّه لايخرجها عن حكم المطلّقة رجعيّا التي هي بحكم الزوجة».(3)
ففي الجواهر: «لو كان الطلاق بائنا جاز له العقد على الأخرى في الحاللخروجها عن الزوجيّة بالطلاق و عدم ما يدلّ على أنّها بحكمها في العدّة، فلا جمع حينئذ بين خمس فيشمله حينئذ دليل الاباحة».(4)
أمّا السيّد الخوئي رحمه اللّه فقد ذهب الى أنّ القول بوجوب الصبر الى انقضاء عدّة المطلّقة بالطلاق البائن، لو لم يكن أظهر فهو أحوط.
و استدلّ له باطلاق الروايات المتقدّمة في الفرع الأوّل، حيث لم يرد التقييد في شيء منها بالطلاق الرجعي.
و قد ذكر أنّه لا مقيّد لها الاّ ما يدّعى من الاجماع على اختصاص الحكم بالطلاق الرجعي و ظهور بعض الروايات الآتية.
و قال بأنّ الاجماع مخدوش بذهاب الشيخين المفيد و الطوسي - على ما حكي عنهما - الى الحرمة مطلقا.(1)
و لكنّا اذا راجعنا كلام الشيخين و ما يحكى عنهما وجدنا أنّ دعوى ذهاب الشيخين الى وجوب الصبر الى أن تنقضي العدّة في البائن، مخالفة لصريح الحكم في كتبهما:
ففي المقنعة: «و من كان عنده أربع زوجات فطلّق واحدة منهنّ طلاق السنّة، تطليقة واحدة يملك فيها الرجعة، لم يجز له أن يعقد على امرأة نكاحا حتّى تخرج المطلّقة من العدّة. فان خلع واحدة من الأربع أو بارأها لم يحرم عليه العقد على امرأة أخرى في الحال نكاحا؛ لأنّه ليس له على المختلعة و المبارئة رجعة».(2)
و في النهاية: «و اذا طلّق الرجل واحدة من الأربع طلاقا يملك فيه الرجعة، فلايجوز له العقد على الأخرى حتّى تخرج تلك من العدّة، و ان كان طلاقا لايملك فيه رجعتها جاز له العقد على الأخرى في الحال».(3)
و في المبسوط: «و ان كانت عنده أربع و طلّقهنّ كلّهنّ كان له العقد على أربع أو أقلّ منهنّ ان كان بائنا، و ان كان رجعيّا لم يكن له أن يعقد على واحدة حتّى يخرجن من العدّة و فيه خلاف».(4)
و الظاهر رجوع الخلاف الى كلام العامّة، و معه فيحصل الشهرة العظيمة في
هذه المسألة من القدماء و المتأخّرين و هي شاهدة آخر على الانصراف المذكور في الفرع الأوّل.
و أمّا المحكي عن الشيخ في كشف اللثام فقال فيه: «و ظاهر التهذيب الحرمة قبل الانقضاء، و هو ظاهر الأخبار».(1)
ففيه انّه قال في التهذيب: «و لايجوز للحرّ أن يتزوّج بأكثر من أربع حرائر، قال اللّه تعالى: «فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاث و رباع» و الواو هنا بمعنى أو، بلا خلاف. و متى كان عند الرجل أربع نسوة و طلّق واحدة منهنّ لم يحلّ له أن يعقد على أخرى حتّى تنقضي عدّة المطلّقة».(2)
و العبارة مطلقة تقيّد بفتوى الشيخ نفسه في النهاية و المبسوط.
و أمّا الروايات فمنها معتبرة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل طلّق امرأة أو اختلعت أو بانت أله أن يتزوّج بأختها؟ قال: فقال:
«اذا برئت عصمتها و لم يكن عليها رجعة، فله أن يخطب أختها».(3)
فقد يدّعى ظهورها في اختصاص الحكم بالطلاق الرجعي بتقريب أنّ جوابه عليه السلام انّما يكشف عن كون المانع من التزويج بالأخت في الطلاق الرجعي هو بقاء العصمة فتكون هذه الرواية مقيّدة لاطلاق الأخبار المتقدّمة.
و قد ردّه المحقّق الخوئي رحمه اللّه بأنّ مورد الرواية أجنبي عمّا نحن فيه، فانّها انّماتضمّنت الجواز عند طلاق الأخت طلاقا بائنا من حيث الجمع بين الأختين. و أين ذلك من محلّ كلامنا و التزويج بالخامسة في أثناء عدّة احدى المطلّقات بائنا؟ فانّ ذلك من التعدّي عن مورد الحكم التعبّدي و هو قياس واضح. انتهى ملخّص كلامه رحمه اللّه.(4)
أقول:
و فيه أوّلاً: انّ الرواية و ان كانت بصدد بيان حكم التزويج بأخت المرأة الاّ أنّها معلّلة، و قد ذكر عليه السلام بوضوح الفرق بين الطلاق الرجعي و البائن، و أنّ علّة جواز نكاحه بأخت المطلّقة في الطلاق البائن هو انقطاع العصمة، و ذكر عليه السلام ذلك مرّتين بقوله: «اذا برئت عصمتها و لم يكن عليها رجعة فله أن يخطب أختها».
و ثانيا: سلّمنا عدم تقييد الروايات بهذه المعتبرة، ولكن قد تقدّم منّا في الفرع الأوّل انصراف الروايات الى الطلاق الرجعي كما أنّ سؤال السائل في هذه المعتبرة ينادي بأنّ لفظة «الطلاق» بلا قيد، تنصرف الى الطلاق الرجعي؛ لأنّ السائل في سؤاله جعل الخلع و البائن عدلاً للطلاق، فسئل عن حكم الطلاق و الخلع و البائن.
فتكون النتيجة جواز التزويج بالخامسة في عدّة البائن، و عدم وجوب الصبر الى انقضائها.
و منها صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا جمع الرجل أربعا و طلّق احداهنّ فلايتزوّج الخامسة حتّى تنقضي عدّة المرأة التي طلّق، و قال: لايجمع ماءه في خمس».(1)
و هذه أيضا قد يدّعى ظهورها في تقييد المطلقات، بتقريب أنّ المرأة في الطلاق البائن تخرج عن الزوجيّة، فلايكون نكاح الأخيرة من جمع الماء في خمس؛ اذ لم يكن للرجل عند ذلك خمس زوجات بالفعل.
الاّ أنّ المحقّق المذكور قد استشكل فيه أيضا و قال في وجه اشكاله: «انّ جمع الماء في خمس في حدّ نفسه لمّا لم يكن من المحاذير جزما حيث يجوز ذلك في الاماء و المتعة قطعا، فلايبعد أن تكون هذه الفقرة جملة مستقلّة قد كان الامام عليه السلام بصدد بيان عدم جواز التزويج بأكثر من أربع، فانّه عليه السلام بعد بيانه لحكم من طلّق واحدة من أربع و أراد التزوّج بأخرى في عدّة تلك، قد تعرّض لبيان حكم الجمع
1) - وسائل الشيعة 20: 518 / الباب 2 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد / الحديث 1.
بين خمس زوجات دائمات ابتداءً، فحينئذ لاتكون لها قرينيّة على تقييد اطلاق ما دلّت عليه الفقرات الأولى، من عدم جواز التزوّج بالخامسة ما لم تنقض عدّة المطلّقة بما اذا كان الطلاق رجعيّا، و لو تنزّلنا عن ذلك فاللازم التصرّف في ظاهرها الذي كان معناه جمع الماء في خمس في آن واحد و هو غير معقول، و لذا تحمل على ارادة جمع مائه في رحم خمس من النساء في آن واحد حيث انّ المفروض أنّه قد دخل بهنّ و الاّ لما كان للمطلّقة عدّة، فيكون ماؤه بالدخول بالخامسة موجودا في رحم خمس نساء. و من هنا فلاتصلح هذه الفقرة لتقييد الحكم بعدم الجواز بما اذا كان الطلاق رجعيّا، فانّ ما هو المحذور فيه موجود بعينه في الطلاق البائن، بل تكون الرواية شاملة للمطلّقة بائنا على حدّ شمولها للمطلّقة رجعيّة، فانّ ماءه موجود في رحمها بعد الطلاق أيضا».(1)
و فيه أوّلاً: الظاهر أنّ قوله عليه السلام في ذيل الرواية: «لايجمع ماءه في خمس» لايكون جملة مستقلّة بل هي كناية عن أنّ المطلّقة رجعيّا كالزوجة، فلو أراد بها الرجوع حيث شاء يرجع، فكأنّه جمع ماؤه في خمس، و هذا الظهور كان بحسب ظهور جمع مائه في أربع فانّه لايكون الاّ بمعنى امكان جمعه في أربع في زمان واحد، فبأيّ وجه وجّه ذلك، يوجّه «جمع مائه في خمس».
و ثانيا: انّ المعنى الذي حمله عليه هذه الفقرة بعيد عن ظاهرها، بل معناها عين المعنى في قولك: «يجوز جمع ماء الرجل في أربع» و هو جواز الجمع بينالأربع. فاذا قال: «لايجمع ماؤه في خمس» بلحاظ أنّه يجوز الرجوع الى الرجعيّة في العدّة و أنّها بحكم الزوجة فينتج أنّ المقصود هو عدم جواز الخامسة اذا لم تنقض العدّة في الطلاق الرجعي دون البائن؛ لأنّ المطلّقة بائنا لم تكن بحكم الزوجة.
1) - المباني 32: 162 و 163.
اذا كانت المطلّقة أخت الخامسة، فلا اشكال في جواز نكاح الخامسة قبل خروج المطلّقة عن العدّة البائنة؛ لورود النصّ فيه بالخصوص معلّلاً بانقطاع العصمة و من تلك الروايات صحيحة الحلبي المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل طلّق امرأة أو اختلعت أو بانت أله أن يتزوّج بأختها؟ قال:
«اذا برئت عصمتها و لم يكن عليها رجعة، فله أن يخطب أختها».(1)
فجوابه عليه السلام يشمل مورد السؤال و كذا التزوّج بالخامسة اذا طلّق الرابعة.
و على هذا فلايرد ما استشكل به المحقّق الخوئي رحمه اللّه من أنّ الجواز في الصحيحة من حيث الجمع بين الأختين لايلازم الجواز من حيث كونها خامسة لعدم انقضاء عدّة المطلّقة، فانّ كلاًّ منهما مسألة مستقلّة فلا وجه لتسرية الحكم الثابت في احداهما الى الأخرى - على ما تقدّم - بل يبقى الاشكال في المسألة السابقة على حاله في هذا المورد».(2)
و منها صحيحة أبي بصير - يعني المرادي - عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل اختلعت منه امرأته أيحلّ له أن يخطب أختها منقبل أن تنقضي عدّة المختلعة؟ قال: نعم، قد برئت عصمتها منه و ليس له عليها رجعة».(3)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا اختلعت المرأة من زوجها، فلابأس أن يتزوّج أختها و هي في العدّة».(4)
و منها صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«المختلعة اذا اختلعت من زوجها و لم يكن له عليها رجعة، حلّ له أن يتزوّج أختها في عدّتها».(1)
و لاتعارضها رواية علي بن حمزة عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:
«سألته عن رجل طلّق امرأته، أيتزوّج أختها؟ قال: لا حتّى تنقضي عدّتها».(2)
لأنّها تحمل على الكراهة جمعا، أو على العدّة الرجعيّة.
و كذا لاينبغي الاشكال في التزوّج بالخامسة اذا كانت العدّة لغير الطلاق كالفسخ بعيب أو نحوه. و ذلك لعدم الدليل على المنع فانّ النصّ الوارد في المنع مختصّ بما اذا طلّق الرابعة بالطلاق الرجعي، فبقي سائر الموارد في عموم الاباحة كما لو طلّق الرابعة بالطلاق البائن أو بانت منه بالفسخ أو غيرهما.
و كذا لايجب الصبر الى أربعة أشهر و عشر اذا ماتت احدى الأربع، لعدم دليل صالح لاثبات ذلك، و خروجه عن التعليل المذكور في الروايات.
و أمّا موثّقة عمّار قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل يكون له أربع نسوة فتموتاحداهنّ، فهل يحلّ له أن يتزوّج أخرى مكانها؟ قال: لا، حتّى تأتي عليها أربعة أشهر و عشر. الحديث».(3)
فمعارضة بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجل له أربع نسوة فماتت احداهنّ، هل يصلح له أن يتزوّج في عدّتها أخرى قبل أن تنقضي عدّة المتوفّاة؟ فقال: اذا
ماتت فليتزوّج متى أحبّ».(1)
فتحمل الأولى على الكراهة جمعا.
أمّا اذا كان الطلاق أو الفراق بالفسخ قبل الدخول فلا عدّة حتّى يجب الصبر أو لايجب، فانتفاء الحكم فيها من باب السالبة بانتفاء الموضوع، و يؤيّده رواية سنان بن طريف عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عن رجل كنّ له ثلاث نسوة ثمّ تزوّج امرأة أخرى فلم يدخل بها ثمّ أراد أن يعتق أمة و يتزوّجها، فقال: ان هو طلّق التي لم يدخل بها فلابأس أن يتزوّج أخرى من يومه ذلك، و ان طلّق من الثلاث النسوة اللاتي دخل بهنّ واحدة لم يكن له أن يتزوّج امرأة أخرى حتّى تنقضي عدّة المطلّقة».(2)
لايجوز التزويج في عدّة الغير دواما أو متعة، سواء كانت عدّة الطلاق بائنة أو رجعيّة أو عدّة الوفاة أو عدّة وط ء الشبهة، حرّة كانت المعتدّة أو أمة.
و لو تزوّجها حرمت عليه أبدا اذا كانا عالمين بالحكم و الموضوع أو كان أحدهما عالما بهما مطلقا، سواء دخل بها أو لا. و كذا مع جهلهما بهما لكن بشرط الدخول بها.
و لا فرق في التزويج بين الدوام و المتعة كما لا فرق في الدخول بين القبل و الدبر.
و لايلحق بالعدّة أيّام استبراء الأمة فلايوجب التزويج فيها حرمة أبديّة و لو مع العلم و الدخول، بل لايبعد جواز تزويجها فيها و ان حرم الوط ء قبل انقضائها، فانّ المحرّم فيها هو الوط ء دون سائر الاستمتاعات.
و كذا لايلحق بالتزويج الوط ء بالملك أو التحليل. فلو كانت مزوّجة فمات زوجها أو طلّقها، و ان كان لايجوز لمالكها وطؤها و لا الاستمتاع بها في أيّام عدّتها، و لا تحليلها للغير، لكن لو وطأها أو حلّلها للغير فوطأها لم تحرم عليه أبدا أو على ذلك الغير، و لو مع العلم بالحكم و الموضوع.
الشرح:
في المسألة فروع:
لايجوز نكاح المرأة دائما و لا متعة في العدّة رجعيّة كانت أو بائنة عدّة وفاة أو غيرها من نكاح دائم أو منقطع، كما في المتن و غيره و قد ادّعى في الجواهر عدم الخلاف فيه بل وجود الاجماع بقسميه عليه.
و قد استدلّ لذلك الحكم - مضافا الى الاجماع - بالآيات و الروايات:
أمّا الآيات: فمنها قوله تعالى: «و لاتعزموا عقدة النكاح حتّى يبلغ الكتاب أجله»(1). بتقريب أنّ المفهوم عرفا من هذه العبارة هو النهي عن النكاح نفسه، و ان نهى فيها عن العزم على عقدة النكاح، و لو لشيوع التعبير عن تحريم الفعل بالنهي عن مقدّماته لقصد المبالغة، و لذا لمّا قال السيّد لعبده: «اعزم على هذا الأمر أو لاتعزم» فهم منه توجّه الخطاب بالأمر و النهي الى نفس الفعل دون العزم عليه كما في الجواهر.(2)
و قد ذكر بعض الآيات في المباني،(3)منها قوله تعالى: «يا أيّها النبي اذا طلّقتم النساء فطلّقوهنّ لعدّتهنّ و أحصوا العدّة»(4). بتقريب أنّ المفهوم من العدّة ليس الاّ عدّ أيّام معيّنة و الاجتناب فيها من التزوّج حتّى تنقضي العدّة.
و منها قوله عزّوجلّ: «و الذين يتوفّون منكم و يذرون أزواجا يتربّصنبأنفسهنّ أربعة أشهر و عشرا فاذا بلغن أجلهنّ فلا جناح عليكم فيما فعلن في
أنفسهنّ بالمعروف»(1)بتقريب أنّ الأمر بالتربّص - خصوصا بملاحظة ذيل الآية الدالّ على غاية التربّص - واضح الدلالة على عدم جواز التزوّج في تلك المدّة؛ اذ ليس للتربّص معنى معقول غير ذلك.
و منها قوله تعالى: «و المطلّقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء»(2). فانّها أيضا قد أثبتت وجوب التربّص على المطلّقات في العدّة، و عدم جواز التزويج فيها المفهوم من التربّص، كما يوضح ذلك بالنظر الى قوله عزّوجلّ بعد ذلك: «و اذا طلّقتم النساء فبلغن أجلهنّ فلاتعضلوهنّ أن ينكحن أزواجهنّ»(3)فانّ فيها دلالة على أنّ معنى التربّص في تلك الفترة انّما هو المنع من التزوّج، و أنّ المانع يرفع بعد انقضائها. و أمّا الروايات فهي بحدّ التواتر كما سيجيء في الفروع الآتية.
و الآيات و الروايات قد شملت كلّ ما ذكرنا في ابتداء الفرع بالاطلاق.
لا بدّ في هذا الفرع من ذكر حكم الصور المتصوّرة في التزويج في العدّة بحسب العلم و الجهل و الدخول و عدمه:
فمنها تزويج الرجل المرأة في عدّة الغير - أيّ عدّة كانت - مع علمه بأنّها في العدّة و بحرمة التزويج كذلك. و الحكم في هذه الصورة هو أن تحرم عليه المرأة مؤبّدا سواء دخل أو لم يدخل.
و منها تزويجه بها في عدّة الغير و دخوله بها. و حكمها هو الحرمة الأبديّة
سواء علم بالحكم و الموضوع أو لم يعلم بهما أو علم بأحدهما دون الآخر.
و منها تزويجه بها في عدّة الغير مع عدم الدخول و مع الجهل بالحكم أو الموضوع.
و حكمها عدم الحرمة الأبديّة، و التفريق بينهما حتّى تستكمل عدّتها ثمّ يزوّجها ان شاء و يجدّد الصيغة.
و عليه فللتحريم المؤبّد موضوعان: العلم بالحكم و الموضوع و الدخول، متى حصل أحدهما حصلت الحرمة.
و الدليل على ذلك الجمع بين الطوائف المختلفة من الروايات:
فمن تلك الطوائف ما علّق الحرمة الأبديّة على الدخول و عدمها على عدمه من غير تقييد بالعلم و الجهل كصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن المرأة الحبلى يموت زوجها فتضع و تزوّج قبل أن تمضي لها أربعة أشهر و عشرا، فقال: ان كان دخل بها فرّق بينهما و لم تحلّ له أبدا، و اعتدّت بما بقي عليها من الأوّل و استقبلت عدّة أخرى من الآخر ثلاثة قروء، و ان لم يكن دخل بها فرّق بينهما و اعتدّت بما بقي عليها من الأوّل و هو خاطب من الخطّاب».(1)
و موثّقة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يتزوّج المرأة في عدّتها، قال: ان كان دخل بها فرّق بينهما و لم تحلّ له أبدا و أتمّت عدّتها من الأوّل و عدّة أخرى من الآخر، و ان لم يكن دخل بها فرّق بينهما و أتمّت عدّتها من الأوّل و كان خاطبا من الخطّاب».(2)
و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال:
«سألته عن امرأة توفّي زوجها و هي حامل فوضعت و تزوّجت قبل أن يمضي أربعة أشهر و عشرا، ما حالها؟ قال: ان كان دخل بها زوجها فرّق بينهما فاعتدّت ما بقي عليها من زوجها ثمّ اعتدّت عدّة أخرى من الزوج الآخر ثمّ لاتحلّ له أبدا، و ان تزوّجت من غيره و لم يكن دخل بها فرّق بينهما فاعتدّت ما بقي عليها من المتوفّى عنها و هو خاطب من الخطّاب».(1)
و منها ما علّق الحرمة على العلم و عدمها على الجهل من غير اعتبار الدخول و عدمه كصحيحة زرارة بن أعين و داود بن سرحان عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) أنّه قال:
«و الذي يتزوّج المرأة في عدّتها و هو يعلم لاتحلّ له أبدا».(2)
و موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي ابراهيم عليه السلام : بلغنا عن أبيك أنّ الرجل اذا تزوّج المرأة في عدّتها لم تحلّ له أبدا، فقال: هذا اذا كان عالما، فاذا كان جاهلاً فارقها و تعتدّ ثمّ يتزوّجها نكاحا جديدا».(3)
و موثّقة أخرى له قال:
«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الأمة يموت سيّدها، قال: تعتدّ عدّة المتوفّى عنها زوجها، قلت: فانّ رجلاً تزوّجها قبل أن تنقضي عدّتها قال: فقال: يفارقها ثمّ يتزوّجها نكاحا جديدا بعد انقضاء عدّتها، قلت: فأين ما بلغنا عن أبيك في الرجل اذا تزوّج المرأة في عدّتها لم تحلّ له أبدا؟ قال: هذا جاهل».(4)
1) - وسائل الشيعة 20: 456 / الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 20.
2) - وسائل الشيعة 20: 449 / الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 20: 453 / الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 10.
4) - وسائل الشيعة 20: 451 / الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 5.
و منها ما تقيّد اطلاق الطائفتين و تبيّن الحكم فيهما كصحيحة أخرى للحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا تزوّج الرجل المرأة في عدّتها و دخل بها لم تحلّ له أبدا عالما كان أو جاهلاً، و ان لم يدخل بها حلّت للجاهل و لم تحلّ للآخر».(1)
فانّها تقيّد الطائفة الأولى - الدالّة على عدم الحرمة عند عدم الدخول - بالجهل و أنّه اذا كان عالما فتحرم و ان لم يدخل بها.
و كذا تقيّد الطائفة الثانية - الدالّة على عدم الحرمة عند الجهل مطلقا - بعدم الدخول و أنّه اذا دخل بها فتحرم و ان كان جاهلاً.
فتكفي هذه الصحيحة لجميع أحكام هذا الفرع.
الظاهر أنّه لا فرق في عدم ثبوت الحرمة الأبديّة مع عدم الدخول، بين الجهل بالحكم أو الموضوع و ذلك لما في صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يتزوّج المرأة في عدّتها بجهالة، أهي ممّن لاتحلّ له أبدا؟ فقال: لا، أمّا اذا كان بجهالة فليتزوّجها بعد ما تنقضي عدّتها و قد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك، فقلت: بأيّ الجهالتين يعذر، بجهالته أنّ ذلك محرّم عليه أم بجهالته أنّها في عدّة؟ فقال: احدى الجهالتين أهون من الأخرى، الجهالة بأنّ اللّه حرّمذلك عليه و ذلك بأنّه لايقدر على الاحتياط معها، فقلت: و هو في الأخرى معذور؟ قال: نعم، اذا انقضت عدّتها فهو معذور في
1) - وسائل الشيعة 20: 450 / الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 3.
أن يتزوّجها، فقلت: فان كان أحدهما متعمّدا و الآخر بجهل؟ فقال: الذي تعمّد لايحلّ له أن يرجع الى صاحبه أبدا».(1)
فانّها كما ترى واضحة الدلالة على اعتبار العلم بالحكم و الموضوع معا في ثبوت الحرمة الأبديّة، و عدم كفاية العلم بأحدهما خاصّة.
ثمّ انّه لو كان أحدهما عالما و الآخر جاهلاً فقال في المباني: «ان كان الزوج هو العالم فلا اشكال في بطلان العقد و ثبوت الحرمة الأبديّة؛ لأنّه مورد النصوص المتقدّمة. و أمّا اذا كان الزوج جاهلاً و الزوجة عالمة فثبوت الحرمة الأبديّة فيها أيضا يقتضيه ذيل صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج المتقدّمة آنفا، فانّ الزواج أمر قائم بالطرفين، فاذا حرم من أحد الطرفين حرم من الطرف الآخر لا محالة. و عليه فيتعيّن حمل قوله عليه السلام : «الذي تعمّد لايحلّ له أن يرجع الى صاحبه أبدا» على الحكم التكليفي الظاهري لا الحكم الوضعي الواقعي؛ لامتناع التفكيك فيه».(2)
أقول:
يدلّ على حكم هذه المسألة قوله عليه السلام في ذيل صحيحة الحلبي المتقدّمة: «و ان لم يدخل بها حلّت للجاهل و لم تحلّ للآخر»، بضميمة ذيل صحيحة عبدالرحمن المتقدّمة: «الذي تعمّد لايحلّ له أن يرجع الى صاحبه أبدا».
فانّ الظاهر من الجمع بينهما أنّ الجاهل مادام جاهلاً فلا اثم عليه، و أمّا العالم فلايحلّ له هذا التزويج و عدم الحلّيّة فيه بمعنى بطلان العقد، و كذا يحرم عليه أن يرجع الى صاحبه أبدا، و اذا كان العقد باطلاً فمتى علم الآخر يجب عليه ترك صاحبه؛ لعدم وجود سبب شرعي صحيح بينهما.
الظاهر أنّه لا فرق في التزويج المحرّم في عدّة الغير بين الدائم و المنقطع و ذلك لاطلاق النصوص المتقدّمة الدالّة على حرمة التزويج في عدّة الغير، و اطلاقه يشمل الزواج الدائم و المنقطع.
كما لا فرق في الدخول الموجب للحرمة الأبديّة بين القبل و الدبر و ذلك أيضا لاطلاق «الدخول» في النصوص و هو يشمل الدخول في الدبر أيضا فانّه - كما ذكر - أحد السبيلين، و لذا يثبت فيه جميع أحكام الدخول عدا ما استثني.
تتمّة: و هل يشمل الدخول في حال الجنون و حال الطفولة و ما اذا صدر في حال النوم أو الاضطرار أو الاكراه أو عدم الاختيار كما اذا أراد الملاعبة فدخل بدون الاختيار، لاطلاق الأدلّة أو لايشمل لرفع هذه الأمور و انصراف الأدلّة الى الاختياري منه أو يفصّل بين الثلاثة الأول فعدم الحرمة، و الثلاثة الأخيرة فالحرمة لعدم التكليف في الأول، و في الأخيرة يفعل هو باختياره في الجملة؟ احتمالات.
أقول:
ظاهر الأخبار أنّ الحكم بالحرمة الأبديّة بالدخول، حكم تعبّدي لايتجاوز عن موردها، و هو ما اذا كانا بالغين عاقلين مختارين و كان الدخول عن قصد، فلاتشمل الموارد المذكورة، مضافا الى انصراف الروايات عنها. الاّ أنّ الاحتياط في الجميع بترتيب آثار الحرمة عليها لاينبغي تركه، بل لايترك.
لايلحق بالعدّة أيّام استبراء الأمة و ذلك لأنّ الحرمة الأبديّة ثبتت بالروايات و قد تقدّم منّا أنّها حكم تعبّدي خاصّ على خلاف القاعدة و هو ثابت في الوط ء في العدّة و معلوم أنّ الاستبراء غير العدّة.
فانّه يجوز الاستمتاعات غير الوط ء حتّى التفخيذ، في أيّام الاستبراء كما في المباني(1)و يأتي في محلّه ان شاء اللّه، بخلاف العدّة فانّه لايجوز فيها حتّى العقد.
و على هذا فجواز تزويج الأمة في أيّام الاستبراء لايخلو عن وجه، و ان حرم الوطء.
و كذا لايلحق بالتزويج الوط ء بالملك أو التحليل؛ لاختلافهما مع عنوان التزويج المذكور في النصوص، فلا وجه لتعميم الحكم الثابت له اليهما. و عليه فلو كانت متزوّجة فمات زوجها أو طلّقها، و ان كان لايجوز لمالكها وطؤها و لا الاستمتاع بها في أيّام عدّتها و لا تحليلها للغير، لكن لو وطأها أو حلّلها للغير فوطأها لم تحرم على الواطي أبدا و لو مع العلم بالحكم و الموضوع، فانّ الحكم تعبّدي صرف لايتعدّى الى غير مورده.
نعم، لو كانت العدّة رجعيّة فقد تقدّم أنّ المرأة فيها بحكم الزوجة، فوطؤها في تلك العدّة كان كالزنا بذات البعل، و على القول بايجابه الحرمة الأبديّة، فتحرم الأمة على المولى أو على ذلك الواطي الى الأبد من هذه الجهة لا من جهة الحاقالملك أو التحليل بالتزويج كما في المباني.(2)
و في المستمسك - في ذيل قول المصنّف: و لايلحق بالعدّة أيّام الاستبراء - قال: «قال في القواعد: «هل وط ء الأمة في الاستبراء كالوط ء في العدّة؟ اشكال». و
في المسالك: «و في الحاق مدّة الاستبراء بالعدّة وجهان. و عدمه أقوى؛ وقوفا على موضع النصّ و استصحابا للحلّ في غيره». و في الجواهر جزم بذلك لذلك. و في كشف اللثام: انّه الأقوى؛ لعدم التبادر الى الفهم من العدّة، لاختصاصها باسم آخر».(1)
(مسألة 1): لايلحق بالتزويج في العدّة وط ء المعتدّة شبهة من غير عقد، بل و لا زنا الاّ اذا كانت العدّة رجعيّة، كما سيأتي. و كذا اذا كان بعقد فاسد لعدم تمامية أركانه. و أمّا اذا كان بعقد تامّ الأركان و كان فساده لتعبّد شرعي - كما اذا تزوّج أخت زوجته في عدّتها أو أمّها أو بنتها أو نحو ذلك ممّا يصدق عليه التزويج و ان كان فاسدا شرعا - ففي كونه كالتزويج الصحيح الاّ من جهة كونه في العدّة، و عدمه؛ لأنّ المتبادر من الأخبار التزويج الصحيح مع قطع النظر عن كونه في العدّة، اشكال. و الأحوط الالحاق في التحريم الأبدي فيوجب الحرمة مع العلم مطلقا، و مع الدخول في صورة الجهل.
الشرح:
اذا كانت المرأة في العدّة من طلاق و نحوه فيطؤها غير زوجها شبهة - كما لو تخيّل أنّها زوجته - فانّها لاتحرم على هذا الواطي بالحرمة الأبديّة، بل يجوز له نكاحها بعد انقضاء العدّة و ذلك لعمومات حلّيّة النكاح و اطلاقاتها من غير مخصّص و مقيّد، فانّ الروايات دالّة على الحرمة الأبديّة لمن يتزوّج امرأة فيعدّتها، دون من يطؤها شبهة.
و هكذا يكون الحكم و دليله لمن زنا بامرأة في عدّتها، فانّ زناه لايوجب تحريما عليه الاّ اذا كانت العدّة رجعيّة فانّ الزنا فيها يعدّ من الزنا بذات البعل و هو من أسباب التحريم الأبدي كما سيأتي الكلام فيه.
1) - مستمسك العروة 14: 120.
و أمّا اذا كان بعض العدّة رجعيّا و بعضها بائنا كما اذا اختلعها فصارت بائنة ثمّ رجعت في البذل فصارت رجعيّة، فمقتضى القاعدة أن يكون لكلّ حال حكمه، فالزنا في حال البينونة لايوجب تحريما بخلافه حال الرجعيّة كما في الفقه.(1)
و هكذا يكون الحكم و دليله اذا كان التزويج بعقد فاسد - فسادا مسبّبا عن غير كونها في العدّة - لعدم تمامية أركانه من حيث الايجاب و القبول أو شروط المتعاقدين من العقل و الرشد و الاختيار و أمثالهما، فانّ المنصرف من الأخبار لولا المتبادر منها هو العقد الصحيح لولا العدّة، فلاتشمل ما لو كان العقد فاسدا بسبب غير العدّة.
و أمّا اذا كان فساد العقد مسبّبا عن تعبّد شرعي - مع أنّ أركانه تامّة - كما اذا تزوّج بأخت زوجته التي كانت في عدّة الغير مع كون زوجته في حباله، فهل يكون كالتزويج الصحيح مع قطع النظر عن كونه في العدّة أو كالتزويج الفاسد بسبب عدم تمامية أركانه؟
الظاهر هو الثاني و ذلك لأنّ التزويج بالأخت باطل شرعا، كالعقد الفاسد لعدم تمامية أركانه بلا فرق بين كونها في العدّة أم لا، فلاتشمله الروايات لما تقدّم من أنّ المنصرف منها لولا المتبادر هو التزويج الصحيح لولا العدّة.
و أمّا ما مثّل به المصنّف رحمه اللّه من الأمّ و البنت، فالأوّل لايتصوّر له - على ما يظهر - فرضا صادقا، فانّ العقد على امرأة و لو مع عدم الدخول بها، يوجب الحرمة الأبديّة بالنسبة الى أمّها، فأمّ الزوجة محرّمة أبدا سواء عقد عليها في حال عدّتها أولا، فالعقد على أمّ الزوجة في حال عدّتها محرّم و باطل من جهة كونها أمّ الزوجة، فالعقد كالعدم.
و لذا عدّه بعض المحشّين من سهو القلم.
و أمّا البنت، فان دخل الزوج بزوجته، فالكلام فيها هو الكلام في الأمّ فانّ
1) - الفقه 63: 23.
البنت بعد الدخول بأمّها محرّمة على زوج أمّها أبدا، و لا تأثير للعقد في أيّام العدّة. و أمّا ان لم يدخل بأمّها فالتزويج بها فاسد شرعا مادامت الأمّ في حباله فالكلام فيها هو الكلام في التزويج بالأخت من عدم الحاقه بالتزويج الصحيح في ايجاب الحرمة الأبديّة، فلو طلّق بعد ذلك الأمّ فالظاهر جواز التزويج بالبنت.
(مسألة 2): اذا زوّجه الولي في عدّة الغير مع علمه بالحكم و الموضوع، أو زوّجه الوكيل في التزويج بدون تعيين الزوجة كذلك لايوجب الحرمة الأبديّة؛ لأنّ المناط علم الزوج لا وليّه أو وكيله. نعم، لو كان وكيلاً في تزويج امرأة معيّنة و هي في العدّة فالظاهر كونه كمباشرة نفسه لكن المدار علم الموكّل لا الوكيل.
الشرح:
اذا زوّج الولي صبيّا أو مجنونا أو غيرهما، لامرأة في عدّة الغير مع علمه بالحكم و الموضوع، فلايوجب التزويج الحرمة الأبديّة، و ذلك لأنّ هذا الحكم على خلاف القاعدة و هو مقصور على ما اذا علم الزوج. نعم، العقد باطل لاطلاق الروايات بأنّ التزويج في عدّة الغير باطل.
و أمّا لو وكّل شخصا لتزويج امرأة معيّنة له و قد علم الموكّل أنّها في عدّة الغير و أنّ حكم تزويجها هو الحرمة الأبديّة، فاذا عقد الوكيل فتحرم المرأة الى الأبد و ذلك لأنّ المناط علم الزوج بالحكم و الموضوع و هو حاصل.
و أمّا لو وكّله ليزوّجه امرأة من غير تعيين، فزوّجه امرأة كانت في عدّة الغير وقد علم الوكيل بالحكم و الموضوع دون الموكّل، فلايوجب الحرمة الأبديّة و ان كان باطلاً؛ لأنّ المناط علم الموكّل لا الوكيل.
نعم، لو دخل بها فالظاهر هو ايجاب الحرمة الأبديّة لما تقدّم من أنّ المناط امّا العلم أو الدخول.
و أمّا الصبي و المجنون و غيرهما ممّن زوّجه الولي فهل يوجب دخولهم الحرمة الأبديّة؟ قد تقدّم أنّ الدخول في حال الصغر أو الجنون لايوجب ذلك. نعم، لو عقد لهم في حال الصغر أو الجنون و دخلوا بعد البلوغ أو في حال الافاقة فالظاهر هو الحكم بالحرمة الأبديّة، ان وقع الدخول في العدّة.
(مسألة 3): لا اشكال في جواز تزويج من في العدّة لنفسه سواء كانت عدّة الطلاق أو الوط ء شبهة أو عدّة المتعة أو الفسخ بأحد الموجبات أو المجوّزات له. و العقد صحيح الاّ في العدّة الرجعيّة، فانّ التزويج فيها باطل لكونها بمنزلة الزوجة. و الاّ في الطلاق الثالث الذي يحتاج الى المحلّل، فانّه أيضا باطل بل حرام ولكن مع ذلك لايوجب الحرمة الأبديّة. و الاّ في عدّة الطلاق التاسع في الصورة التي تحرم أبدا. و الاّ في العدّة لوطئه زوجة الغير شبهة، لكن لا من حيث كونها في العدّة بل لكونها ذات بعل. و كذا في العدّة لوطئه في العدّة شبهة اذا حملت منه بناءً على عدم تداخل العدّتين، فانّ عدّة الوط ء الشبهة حينئذ مقدّمة على العدّة السابقة التي هي عدّة الطلاق أو نحوه؛ لمكان الحمل، و بعد وضعه تأتي بتتمّة العدّة السابقة، فلايجوز له تزويجها في هذه العدّة - أعني عدّة وط ء الشبهة - و ان كانت لنفسه. فلو تزوّجها فيها عالما أو جاهلاً بطل، ولكن في ايجابه التحريم الأبدي اشكال.
الشرح:
قد ذكر المصنّف رحمه اللّه في هذه المسألة أمورا متعلّقة بالتزويج في العدّة:
الأوّل: انّه يجوز أن يزوّج الرجل المرأة التي كانت في عدّة من نفسه، سواء كانت عدّة طلاق بائن كالخلع و المبارات أو العدّة بوط ء الشبهة - كما لو وطأ امرأة غير متزوّجة بتوهّم أنّها زوجته فتبيّن خلافه - أو عدّة المتعة أو الفسخ بأحد الموجبات ما لم يكن موجبا للحرمة الأبديّة كما لو زوّجها فبان أنّها أخته الرضاعيّة
فانّ الزواج ينفسخ، و كذا في الانفساخ بالكفر بناءً على ما اختاره المشهور من عدم ارتفاع الزوجيّة به في أثناء العدّة، فانّه لا مجال للقول بجواز تزوّجه منها بعد اسلام ه في العدّة؛ لأنّها زوجته.
نعم، على القول بانقطاع العلقة الزوجيّة و ارتفاعها بمجرّد الارتداد، يجوز التزويج بها في العدّة، بعد الاسلام .
و في المباني: «ثمّ انّه كان عليه قدس سره تخصيص الحكم في المقام بالموارد التي يصحّ التزوّج فيها. أمّا الموارد التي لايصحّ التزوّج فيها لبعض المحاذير، كما لو أسلم النصراني عن سبع ففسخ نكاح ثلاث منهنّ بالقرعة أو بالاختيار، فانّه لايجوز له التزوّج من احداهنّ و ان كانت العدّة لنفسه، و ذلك لاستلزامه الجمع بين خمس زوجات».(1)
و مثله ما لو كانت له أربع زوجات فطلّق احداهنّ بالطلاق البائن، فتزوّج في عدّتها بأخرى، فانّه لايجوز له التزوّج بالمطلّقة و ان كانت في عدّة من نفسه،
الاّ أنّ الظاهر أنّ المصنّف رحمه اللّه كان بصدد بيان الحكم الأوّلي لهذه الموارد من غير نظر الى بيان الموانع أحيانا.
الثاني: قد ذكر رحمه اللّه أنّ التزويج في العدّة الرجعيّة باطل؛ لكونها بمنزلة الزوجة. و الظاهر أنّ مراده من البطلان عدم تأثير التزويج، و ذلك لأنّ الزوج اذا قال لزوجته التي في العدّة الرجعيّة: انّي أريد أن أتزوّجك فيكون بمنزلة الرجوع و لايحتاج الى اجراء الصيغة.
اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ اجراء الصيغة من جانب الزوجة و القبول من جانب الزوج كان من أنحاء الرجوع، و على هذا فلايبطل العقد و يكون ذا أثر.
الثالث: قد ذكر رحمه اللّه عدم جواز التزوّج في الطلاق الثالث الذي يحتاج الى المحلّل و أنّه باطل بل حرام، ولكن مع ذلك لايوجب الحرمة الأبديّة.
1) - المباني 32: 178.
أمّا بطلانه و حرمته فلقوله تعالى: «فان طلّقها فلاتحلّ له من بعد حتّى تنكح زوجا غيره، فان طلّقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا»(1).
فانّ الظاهر من قوله تعالى: «فلاتحلّ» هو حرمة الفعل تكليفا، مضافا الى البطلان، فانّ البطلان يترتّب على الحرمة التكليفيّة.
الاّ أنّ السيّد الحكيم لم يرتض بذلك و قال: «لم أقف على ما يدلّ على هذه الحرمة، اذ المذكور في الكتاب و السنّة أنّ المطلّقة ثلاثا لاتحلّ لزوجها حتّى تنكح زوجا غيره، و ذلك انّما يدلّ على بطلان العقد و عدم ترتّب أثر عليه، لا حرمة العقد تكليفا».(2)
ولكن السيّد الخوئي رحمه اللّه(3)قد قال بأنّ المناسب للبطلان التعبير ب- «لايصحّ».
و الظاهر عدم وجود التعبير ب- «لايصحّ» في لسان الآيات و الروايات عند ارادة البطلان، بل التعبير بعدم الحلّ أو بالحرمة يدلّ على الحرمة التكليفيّة مضافا الى البطلان.
ثمّ انّه لايوجب الحرمة الأبديّة لانصراف الروايات عن مثل هذا.
الرابع: انّه لايجوز التزويج في عدّة الطلاق التاسع الموجب لثبوت الحرمة الأبديّة، كما سيأتي في محلّه ان شاء اللّه.
الخامس: انّه اذا وطأ زوجة الغير شبهة بتوهّم أنّها زوجته، فعلى المرأة العدّةللشبهة، ففي عدّة الشبهة لايجوز للواطي التزوّج بها - و ان كانت العدّة عدّته - لأنّها ذات بعل، و أنّ عدّتها هذه كانت لطهارة رحمها عن ماء الغير.
السادس: اذا كانت المرأة معتدّة بعدّة الطلاق من زوجها و دخل بها رجل شبهة و بتوهّم أنّها زوجته، فحملت منه، فعليها عدّتان عدّة لوطي الشبهة و اتمام
لعدّة الطلاق. و عدّة وطي الشبهة هي وضع الحمل و هي مقدّمة على تتمّة عدّة الطلاق و عليها بعد الوضع أن تتمّمها.
و عليه فعدّة الطلاق و ان لم تتمّ الاّ أنّ المرأة قبل الوضع كانت في عدّة الواطي شبهة، و لم يجز له تزويجها في تلك المدّة لعدم خروجها من عدّة الغير، فلو تزوّجها في تلك المدّة عالما أو جاهلاً بطل، و أمّا ايجابها للحرمة الأبديّة ففيه اشكال؛ لانصراف الروايات عنه.
و لمّا لم تتمّ العدّة من الزوج استشكل السيّد الخوئي رحمه اللّه في عدم ايجابها الحرمة الأبديّة، و قال(1)بأنّه لايبعد جريان حكم التزويج في العدّة عليه، و ذلك لأنّها و ان كانت تعتدّ من الشبهة الاّ أنّه لعدم تمامية العدّة السابقة يجب عليها أن تتمّ عدّة الزوج بعد اتمام عدّة الواطي، فيصدق أنّه تزوّجها في عدّة الغير، فيترتّب عليه حكم التزويج في العدّة من الحرمة الأبديّة في صورة العلم أو الجهل مع الدخول.
أقول:
بعد ما تقدّم من أنّ الحكم هنا خلاف القاعدة و أنّه تعبّد صرف، ينبغي التوقّف فيما شكّ كونه منه، و الرجوع الى أصالة الحلّ، مضافا الى أنّ المتفاهم العرفي من الروايات هو غير هذا المورد.
ثمّ اعلم أنّه سيأتي أنّ الأقوى هو الحكم بتداخل العدّتين في غير الوفاة، و عليه فيمكن أن يقال بأنّ مدّة الحمل تحتسب من العدّتين.
(مسألة 4): هل يعتبر في الدخول الذي هو شرط في الحرمة الأبديّة في صورة الجهل أن يكون في العدّة أو يكفي كون التزويج في العدّة مع الدخول بعد انقضائها؟ قولأن، الأحوط الثاني بل لايخلو عن قوّة؛ لاطلاق الأخبار بعد منع الانصراف الى الدخول في العدّة.
1) - المباني 32: 180.
الشرح:
قد تقدّم روايات الباب و الجمع بينها و تقدّم أيضا صحيحة الحلبي المبيّنة لسائر الروايات و هي ما رواه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا تزوّج الرجل المرأة في عدّتها و دخل بها لم تحلّ له أبدا عالما كان أو جاهلاً، و ان لم يدخل بها حلّت للجاهل و لم تحلّ للآخر».(1)
فانّ الظاهر منها أنّ قيد «في عدّتها» راجع الى كلا الموضوعين، التزوّج و الدخول و أنّ الموجب للحرمة الأبديّة هو كون التزوّج و الدخول في العدّة و أمّا ان كان التزوّج في العدّة و الدخول وقع بعدها، فلا موجب للحرمة الأبديّة.
و أمّا السيّد الخوئي رحمه اللّه فقد قوّى قول المصنّف و قال: «انّ صحيحة الحلبي مطلقة من حيث الدخول و لايكون قوله عليه السلام : «في عدّتها» قيدا للتزوّج و الدخول كليهما، بل ظاهره الرجوع الى الأمر المتقدّم عليه - أعني التزوّج خاصّة - و لايصلح كونه قرينة؛ لأنّها احتمال و لايصلح الاحتمال لرفع اليد عن اطلاق قوله عليه السلام : «و دخل بها».(2)
و فيه: انّ ما يفهم العرف من هذه الصحيحة و الروايات التي ذكرت في ابتداء هذا الفصل، هو أنّ الموجب للحرمة الأبديّة أحد أمرين: امّا التزوّج في العدّة مع العلم بالحكم و الموضوع أو الدخول و لو مع الجهل.
ثمّ أتى رحمه اللّه بتأييد لما ذهب اليه و قال: «و ممّا يؤيّد الاطلاق في المقام ملاحظة أنّ العقد لو كان واقعا في الجزء الأخير من العدّة مع علم الزوج، كان ذلك موجبا لثبوت الحرمة الأبديّة بلا كلام، فانّ من الواضح أنّ هذا الموضوع بعينه هو الموضوع للحرمة في حال الجهل لكن باضافة الدخول اليه بدلاً من العلم و حيث انّ الدخول في الفرض انّما يكون بعد انقضاء العدّة قهرا، كشف ذلك عن عدم وجود خصوصيّة لكون الدخول في أثناء العدّة».
و فيه: انّ ما ادّعاه من أنّ الموضوع في حال الجهل هو الموضوع في حال العلم لو كان العقد في الجزء الأخير من العدّة أوّل الكلام و محلّ النقض و الابرام، و لايكون تأييدا لاطلاق الدخول بالنسبة الى بعد انقضاء العدّة.
ثمّ انّه رحمه اللّه استشهد أيضا لما ذهب اليه بصحيحة سليمان بن خالد قال:
«سألته عن رجل تزوّج امرأة في عدّتها، قال فقال: يفرّق بينهما، و ان كان دخل بها فلها المهر بما استحلّ من فرجها و يفرّق بينهما فلاتحلّ له أبدا. و ان لم يكن دخل بها فلا شيء لها من مهرها».(1)
بتقريب أنّ موضوع الحرمة الأبديّة متّحد مع ثبوت المهر و هو الدخول، و من الواضح أنّ الدخول الذي يوجب المهر لايختصّ بما اذا كان في أثناء العدّة كما هو ظاهر، فكذا الحرمة.
و فيه: انّ الظاهر - على ما تقدّم بيانه من الجمع بين الروايات - أنّ صحيحة الحلبي تكون مقيّدة لهذه الصحيحة من حيث ثبوت الحرمة الأبديّة دون المهر.
ثمّ لايذهب عليك أنّ المبنى فيما ذهبنا اليه من عدم ثبوت الحرمة الأبديّة، ليس القول بالانصراف - على ما في المتن - بل ظهور الروايات، لاسيّما صحيحة الحلبي.
ولكن مع ذلك كلّه فالاحتياط بترك التزويج حسن، خروجا من خلاف من أوجبه.
1) - وسائل الشيعة 20: 450 / الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 7.
(مسألة 5): لو شكّ في أنّها في العدّة أم لا، مع عدم العلم سابقا جاز التزويج خصوصا اذا أخبرت بالعدم. و كذا اذا علم كونها في العدّة سابقا و شكّ في بقائها اذا أخبرت بالانقضاء. و أمّا مع عدم اخبارها بالانقضاء فمقتضى استصحاب بقائها عدم جواز تزويجها. و هل تحرم أبدا اذا تزوّجها مع ذلك؟ الظاهر ذلك. و اذا تزوّجها باعتقاد خروجها عن العدّة، أو من غير التفات اليها ثمّ أخبرت بأنّها كانت في العدّة فالظاهر قبول قولها و اجراء حكم التزويج في العدّة، فمع الدخول بها تحرم أبدا.
الشرح:
حكم الشكّ في كون المرأة في العدّة، من حيث العلم بالحالة السابقة و اخبارها و عدمهما يقسّم الى أقسام:
الأوّل: ما لو شكّ في أنّها في العدّة أم لا، مع عدم العلم بالحالة السابقة - كما اذا لاقى امرأة لايدري أتزوّجت قبل أم لا - ففي هذه الصورة يجوز التزويج؛ لأصالة عدم كونها في العدّة.
الثاني: ما لو أخبرت بأنّها ليست في العدّة. و جواز التزويج في هذه الصورة أولى من سابقتها و ذلك للروايات الدالّة على تصديق المرأة في ذلك كما سيأتي.
الثالث: ما اذا شكّ في بقاء العدّة مع العلم بكونها في عدّة الغير سابقا و مع اخبارها بانقضاء عدّتها، ففي هذه الصورة أيضا يجوز التزويج و يسمع قولها و ذلك للروايات الدالّة على تصديق المرأة في ذلك:
منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«العدّة و الحيض للنساء، اذا ادّعت صدّقت».(1)
فانّها صريحة في أنّ أمر العدّة و الحيض لهنّ، بمعنى الرجوع اليهنّ و الأخذبقولهنّ وجودا و عدما.
1) - وسائل الشيعة 2: 358 / الباب 47 من أبواب الحيض / الحديث 1.
و منها حسنة ميسرة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : ألقي المرأة بالفلاة التي ليس فيها أحد، فأقول لها: ألك زوج؟ فتقول: لا، فأتزوّجها؟ قال: نعم، هي المصدّقة على نفسها».(1)
و منها صحيحة الحسين بن سعيد قال:
«كتبت اليه أسأله عن رجل تزوّج امرأة في بلد من البلدان فسألها، لك زوج؟ فقالت: لا، فتزوّجها، ثمّ انّ رجلاً أتاه فقال: هي امرأتي فأنكرت المرأة ذلك، ما يلزم الزوج؟ فقال: هي امرأته الاّ أن يقيم البيّنة».(2)
فانّ هذه الروايات تدلّ بوضوح على قبول قول المرأة فيما يتعلّق بنفسها من العدّة و الحيض، و اذا كان كذلك فلا مجال للتمسّك باستصحاب بقاء العدّة.
الرابع: القسم الثالث، مع عدم اخبارها بالانقضاء، فمقتضى الاستصحاب في هذا القسم بقاء العدّة و عدم جواز تزويجها، أمّا لو تزوّجها مع ذلك فهل تحرم أبدا؟ قد ذهب المصنّف رحمه اللّه الى ثبوت الحرمة الأبديّة.
و قال السيّد الخوئي رحمه اللّه: «لقيام الاستصحاب مقام العلم الموضوعي فيما اذا أخذ العلم موضوعا على نحو الطريقيّة فانّه محرز للموضوع، فيكون التزوّج بها مع العلم أو الدخول موجبا لثبوت الحرمة الأبديّة. نعم، لو منعنا من قيام الأمارات و الأصول التنزيليّة مقام العلم الموضوعي، أشكل اثبات الحرمة الأبديّة بالاستصحاب. الاّ أنّ التحقيق خلافه على ما ذكرنا مفصّلاً في محلّه من المباحث الأصوليّة».(3)
أقول:
قد قسّم القطع الى الموضوعي و الطريقي، و الثاني ما لم يذكر في دليل الحكم بل الحكم قد حمل و تعلّق بموضوع خارجي و العلم هو الطريق الى تحصيل الموضوع، و هذا القطع قد قام مقامه الأمارات المعتبرة بل الاستصحاب كما ذكر في محلّه. و الأوّل على قسمين: الموضوعي الوصفي و هو ما اذا أخذ العلم بنفسه موضوعا للحكم و قد حمل الحكم عليه.
و الموضوعي الطريقي و ما اذا أخذ في الدليل الاّ أنّه قد أخذ على نحو الطريقيّة للموضوع، و لايكون نفسه موضوعا للحكم.
و العلم المذكور في مسألة التزويج في العدّة من هذا القبيل.
و لايبعد أن يقال بقيام الاستصحاب مقام العلم الموضوعي فيما اذا أخذ العلم موضوعا على نحو الطريقيّة، فانّ القطع الموضوعي كذلك محرز للموضوع كالقطع الطريقي، و لايكون كالموضوعي الوصفي ليكون العلم هو الموضوع، بل الموضوع هو كون المرأة في عدّة الغير، فكما أنّ هذا الموضوع يحرز بالعلم كذلك يحرز بالاستصحاب.
و على هذا فلو تزوّجها مع العلم أو الدخول فتثبت الحرمة الأبديّة، ما لم ينكشف الخلاف.
ان قلت: الظاهر من الروايات المتقدّمة في ابتداء الباب، أنّ للعلم بأنّها في العدّة موضوعيّة، فيبعد قيام الأمارات و الأصول مقامه.
قلت: ليس الأمر كذلك و ذلك أوّلاً لأنّه لو كشف الخلاف كشف عن عدم الحرمة، و هذا دليل على طريقيّة العلم هنا.
و ثانيا: لقيام قول المرأة مقام العلم كما تقدّم ما يدلّ عليه، مع أنّ قول المرأةليس علما بل و لا ظنّا معتبرا في غير هذا المورد.
و على هذا فنقول: الأصحّ ما ذهب اليه المصنّف و العلمان السيّدان الحكيم(1)و الخوئي و غيرهما ممّن وافقهما في حاشية العروة، من القول بثبوت الحرمة الأبديّة ما لم ينكشف الخلاف.
فرع: قال المصنّف رحمه اللّه: «و اذا تزوّجها باعتقاد خروجها عن العدّة، أو من غير التفات اليها ثمّ أخبرت بأنّها كانت في العدّة فالظاهر قبول قولها و اجراء حكم التزويج في العدّة، فمع الدخول بها تحرم أبدا».
ولكن قبل البحث عن حكم هذا الفرع لا بدّ من فرض الكلام فيه - كما في المباني - أوّلاً: فيما اذا احتمل صدق قولها، بحيث كان قولها موجبا للشكّ الساري و زوال اعتقاده السابق.
و ثانيا: فيما لم يكن لها حالة سابقة بكونها في العدّة - حيث قال المصنّف: من غير التفات اليها - و الاّ فان كان لها حالة سابقة و مع ذلك لم يلتفت اليها، فتحرم مع الدخول مع اخبارها بكونها في العدّة.
ثمّ انّ منشأ الاشكال في هذا الفرع - كما في المباني(2)- هو التردّد في مدلول صحيحة زرارة المتقدّمة و أنّها هل تدلّ على حجّيّة قول المرأة و اخبارها مطلقا، أو انّما تدلّ على حجّيّة قولها اذا أخبرت عن حالتها الفعليّة خاصّة؟
فالمصنّف رحمه اللّه و كذا من ذهب الى ما ذهب اليه من القول بثبوت الحرمة في هذا الفرع، قالوا بالأوّل و حكموا بقبول قولها مطلقا، و من تردّد حكم بالاحتياط.
و قد ذهب السيّد الخوئي رحمه اللّه الى أنّ الظاهر من الصحيحة هو حجّيّة اخبارها بلحاظ الحالة الفعليّة كما يشهد له عدم التزام الفقهاء بتصديق قولها لو ادّعت كون الطلاق - بعد وقوعه أو بعد موت الزوج - حال الحيض، بل حكموا بصحّته عملاًبأصالة الصحّة.
و قال بأنّه لو تنزّلنا عن ذلك فصحيحة أبي بصير الآتية مقيّدة لصحيحة زرارة.
أقول:
قد وردت صحيحة عن أبي بصير قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل تزوّج امرأة فقالت: أنا حبلى، و أنا أختك من الرضاعة و أنا على غير عدّة قال: فقال: ان كان دخل بها و واقعها فلايصدّقها و ان كان لم يدخل بها و لم يواقعها فليختبر و ليسأل اذا لم يكن عرفها قبل ذلك».(1)
و هذه الصحيحة هي الحجّة في الباب و عليها العمل، فلاتصدّق بعد الدخول، و العقد محكوم بالصحّة ما لم يقطع بصدقها و لم يثبت شرعا، و أمّا قبل الدخول فيجب التفحّص، فان انكشف الحال فهو و الاّ فالاحتياط بالطلاق و العقد الجديد بعد العلم بخروجها عن العدّة لاينبغي تركه.
نعم، لو ادّعت العلم بالعدّة و حرمة التزويج فلايترك الاحتياط بترك تزويجها مطلقا و لو كان الاخبار قبل الدخول، و ذلك لكون علم أحد الطرفين كافيا في الحرمة.
(مسألة 6): اذا علم أنّ التزويج كان في العدّة مع الجهل بها حكما أو موضوعا، ولكن شكّ في أنّه دخل بها حتّى تحرم أبدا أو لا؟ يبني على عدم الدخول. و كذا اذا علم بعدم الدخول بها و شكّ في أنّها كانت عالمة أو جاهلة، فانّه يبني على عدم علمها فلايحكم بالحرمة الأبديّة.
الشرح:أمّا الأوّل و هو البناء على عدم الدخول فمبني على استصحاب عدم الدخول.
1) - وسائل الشيعة 20: 296 / الباب 18 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد / الحديث 1.
و أمّا الثاني فيمكن أن يبنى على استصحاب عدم علمها، ان لم تكن عالمة سابقا. و الأحسن أن يبنى على أصالة عدم الحرمة الأبديّة.
فرع: لو علم اجمالاً بالدخول امّا بهذه الزوجة التي تزوّجها في العدّة جاهلاً أو بزوجته الأخرى التي تكون في حباله، فهذا العلم لايوجب الحرمة الأبديّة بالنسبة الى الزوجة المتزوّجة في العدّة؛ لأنّ أحد طرفي العلم الاجمالي لا أثر له. نعم، اذا علم بأنّه دخل بهذه أو بالأخرى التي هي أيضا نكحها في العدّة فيجب الاجتناب عنهما؛ عملاً بالعلم الاجمالي.
(مسألة 7): اذا علم اجمالاً بكون احدى الامرأتين المعيّنتين في العدّة و لم يعلمها بعينها، وجب عليه ترك تزويجهما. و لو تزوّج احداهما بطل ولكن لايوجب الحرمة الأبديّة؛ لعدم احراز كون هذا التزويج في العدّة. نعم، لو تزوّجهما معا حرمتا عليه في الظاهر؛ عملاً بالعلم الاجمالي.
الشرح:
اذا علم اجمالاً بكون احدى المرأتين المعيّنتين في العدّة و لم يعلمها بعينها وجب عليه ترك تزويجهما؛ لمنجّزيّة العلم الاجمالي، فلو تزوّج احداهما بطل؛ لأنّ لازم وجوب ترك تزويجهما حرمته و لازم حرمته بطلانه.
و في المباني: «للشكّ في جواز العقد بعد أن كان مقتضى العلم الاجمالي تنجيز المعلوم، و مقتضى الاستصحاب هو عدم ترتّب الأثر على ذلك العقد».(1)
و هو تمسّك بأصالة الفساد.
ثمّ انّ التزويج و ان كان باطلاً ولكن لايوجب الحرمة الأبديّة و ذلك لعدماحراز موضوع الحرمة و هو كون التزويج في العدّة مع العلم أو الدخول.
أمّا السيّد الخوئي رحمه اللّه فقد خصّ هذا الحكم بما اذا علم بحدوث العدّة
1) - المباني 32: 186.
لاحداهما لابعينها، و قال: و أمّا ان كان الشكّ في البقاء - كما لو علم بكونهما في العدّة و بخروج احداهما لابعينها عنها ثمّ شكّ في كونها هي المعقودة أم غيرها - فيحكم حينئذ مضافا الى البطلان بالحرمة الأبديّة و ذلك لاستصحاب بقاء كلّ منهما في العدّة؛ اذ لا مانع من جريانه بعد أن لم تكن فيه مخالفة قطعيّة للعلم الاجمالي بانقضاء عدّة احداهما.
و قال في وجه عدم المخالفة للعلم الاجمالي بأنّ اليقين بكونهما في العدّة تفصيلي و لايجوز نقضه الاّ بيقين تفصيلي مثله، و العلم الاجمالي لاينقض ذلك اليقين و لايصلح لمنع جريان الاستصحاب في المقام.
أقول:
و فيه: انّ الظاهر من أدلّة الاستصحاب هو أنّ اليقين الناقض لليقين السابق أعمّ من العلم الاجمالي فلذا كان اجراء الاستصحاب في احداهما معارضا باجرائه في الأخرى؛ للعلم الاجمالي بعدم اجراء أحدهما، فيتساقطان فتصل النوبة الى أصالة عدم الحرمة الأبديّة، للشكّ في موضوعه.
و هذا نظير حكم ملاقي أحد المشتبهين بالنجس، فانّه و ان وجب الاجتناب عنهما الاّ أنّه لايحكم بنجاسة ملاقي أحدهما، لعدم العلم بنجاسته فتجري فيه أصالة الطهارة. نعم، يمكن أن يقال بأنّه اذا تزوّج احداهما و ابتلى بها، و خرجت الأخرى عن محلّ ابتلائه فيجري الاستصحاب في المبتلى بها و هذا الاستصحاب لاينافي العلم الاجمالي و هو نظير خروج أحد المشتبهين عن محلّ الابتلاء.
و على هذا فلايبعد القول بثبوت الحرمة الأبديّة في هذا الفرض.
فرع:لو تزوّجهما معا بطل عقدهما و ذلك لمنجّزيّة العلم الاجمالي. و الظاهر ثبوت الحرمة الأبديّة في كلتيهما معا في الظاهر كما ذهب اليه المصنّف رحمه اللّه عملاًبالعلم الاجمالي.
ولكن السيّد الخوئي رحمه اللّه قال(1)بأنّ هذا العلم الاجمالي معارض بعلم اجمالي آخر و هو وجوب وط ء احداهما في فترة لاتزيد عن أربعة أشهر من حين العقد، فدار أمره بين محذورين أي الوجوب و الحرمة، اذن فلا مناص امّا من الرجوع الى القرعة و امّا طلاق كلتيهما أو الزوجة الحقيقيّة منهما.
أقول:
لمّا قلنا ببطلان عقدهما فلا وجه لحصول علم اجمالي آخر، و ذلك لأنّ العلم الاجمالي الثاني مسبّب عن الأوّل، أي انّه لايحصل الاّ اذا قلنا بعدم بطلان عقدهما و لمّا قلنا بالبطلان فلايحصل.
و عليه فالظاهر ثبوت الحرمة الأبديّة في كلتيهما، الاّ أن يكشف الواقع.
(مسألة 8): اذا علم أنّ هذه الامرأة المعيّنة في العدّة، لكن لايدري أنّها في عدّة نفسه أو في عدّة غيره جاز له تزويجها؛ لأصالة عدم كونها في عدّة الغير فحاله حال الشكّ البدوي.
الشرح:
و لاتعارضها أصالة عدم كونها في عدّة نفسه؛ لأنّها لاتثبت موضوع البطلان و الحرمة، فانّ موضوعهما هو كونها في عدّة الغير و هو لايثبت بأصالة عدم كونها في عدّة نفسه.
و لو فرض جريان أصالة عدم كونها في عدّة نفسه، فتتساقطان و يرجع الى عمومات حلّيّة التزويج، و لايعارضها أدلّة حرمة التزوّج في عدّة الغير لعدم احراز موضوعها.
1) - المباني 32: 187.
(مسألة 9): يلحق بالتزويج في العدّة في ايجاب الحرمة الأبديّة تزويج ذات البعل، فلو تزوّجها مع العلم بأنّها ذات بعل حرمت عليه أبدا مطلقا سواء دخل بها أم لا، و لو تزوّجها مع الجهل لم تحرم الاّ مع الدخول بها من غير فرق بين كونها حرّة أو أمة مزوّجة و بين الدوام و المتعة في العقد السابق و اللاحق. و أمّا تزويج أمة الغير بدون اذنه مع عدم كونها مزوّجة فلايوجب الحرمة الأبديّة و ان كان مع الدخول و العلم.
الشرح:
قال السيّد الخوئي رحمه اللّه: «و لايخفى ما في التعبير من مسامحة واضحة، فانّ التزويج بذات البعل موضوع مستقلّ للحرمة له أدلّته الخاصّة من النصوص، فلا وجه لجعله من لواحق التزويج في العدّة في ايجاب الحرمة الأبديّة. و لعلّ الأصل في هذا التعبير ما ورد في القواعد من أنّه لو تزوّج بذات البعل ففي الحاقه بالمعتدّة اشكال ينشأ من عدم التنصيص و من أولويّة التحريم. و تبعه على ذلك جماعة منهم الشهيد الثاني قدس سره في الروضة و ولد العلاّمة قدس سره في الايضاح. الاّ أنّه من غير الخفي أنّه ناشئ من غفلتهم عن النصوص الواردة في المقام و الاّ فلا وجه للقول بعدم وجود النصّ و محاولة اثبات الحكم عن طريق الحاقه بالتزويج من المعتدّة، لكونه أولى بثبوت الحرمة نظرا لأقوائيّة العلقة الزوجيّة في ذات البعل. و كيف كان فالحكم في المسألة كما أفاده قدس سره و ذلك للنصوص الواردة في المقام».(1)
أقول:
و كيف كان فقد وردت هنا روايات تدلّ على حرمة التزوّج بامرأة ذات بعل و أنّه اذا علم بأنّ لها زوجا يثبت الحرمة الأبديّة و ان لم يدخل بها و كذا ان لم يعلمولكن دخل بها دون ما اذا لم يعلم و لم يدخل.
1) - المباني 32: 188.
أمّا الروايات الدالّة على الحرمة الأبديّة لو دخل بها فكموثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في امرأة فقد زوجها أو نعي اليها فتزوّجت ثمّ قدم زوجها بعد ذلك فطلّقها، قال:
«تعتدّ منهما جميعا ثلاثة أشهر عدّة واحدة و ليس للآخر أن يتزوّجها أبدا».(1)
و موثّقته الثانية عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا نعي الرجل الى أهله أو أخبروها أنّه قد طلّقها فاعتدّت ثمّ تزوّجت فجاء زوجها الأوّل، فانّ الأوّل أحقّ بها من هذا الأخير، دخل بها الأوّل أو لم يدخل بها و ليس للآخر أن يتزوّجها أبدا و لها المهر بما استحلّ من فرجها».(2)
و روى الصدوق رحمه اللّه بذلك الاسناد عن أبي جعفر عليه السلام مثله، الاّ أنّه قال: دخل بها الأخير أو لم يدخل بها.
ولكن الظاهر أنّ ما رواه في التهذيب هو الصحيح لما في ذيله: «و لها المهر بما استحلّ من فرجها».
و لاتعارضهما صحيحة عبدالرحمن قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل تزوّج امرأة ثمّ استبان له بعد ما دخل بها أنّ لها زوجا غائبا فتركها، ثمّ انّ الزوج قدم فطلّقها أو مات عنها أيتزوّجها بعد هذا الذي كان تزوّجها و لم يعلم أنّ لها زوجا؟ قال: ما أحبّ له أن يتزوّجها حتّى تنكح زوجا غيره».(3)
و ذلك لأنّ «ما أحبّ» كما يستعمل في الكراهة قد يستعمل في الحرمة، فيكونهنا كناية عن الحرمة بقرينة الموثّقتين، و على هذا فيكون المراد من قوله عليه السلام :
«حتّى تنكح زوجا غيره» هو تركها حتّى تتزوّج غيره جمعا بينها و بينهما.
و أمّا الحرمة الأبديّة مع العلم و ان لم يدخل بها فيدلّ عليها الجمع بين موثّقة أديم بن الحرّ قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : التي تتزوّج و لها زوج يفرّق بينهما ثمّ لايتعاودان أبدا».(1)
و بين صحيحة ثانية لعبد الرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل تزوّج امرأة و لها زوج و هو لايعلم فطلّقها الأوّل أو مات عنها ثمّ علم الأخير، أيراجعها؟ قال: لا، حتّى تنقضي عدّتها».(2)
و يؤيّدها مرفوعة أحمد بن محمّد:
«انّ الرجل اذا تزوّج امرأة و علم أنّ لها زوجا فرّق بينهما و لم تحلّ له أبدا».(3)
ثمّ انّ الظاهر من هذه الروايات أنّ المناط في ثبوت الحرمة الأبديّة هو علم الزوج فقط، و لا اعتبار بعلم الزوجة و عدمه، و عليه فلو علم الزوج ثبتت الحرمة و ان لم تعلم الزوجة و ان لم يعلم هو لم تثبت الحرمة و ان علمت.
و الاستدلال بأولويّة ثبوت التحريم هنا بالنسبة الى ثبوتها في التزويج في العدّة حيث توجب الحرمة الأبديّة و ان علمت الزوجة دون الزوج، ممنوع و ذلك لأنّ الحكم هنا و في العدّة تعبّد محض و لايمكن احراز أنّ الملاك ثبوت العلقة الزوجيّة و شدّتها أو ضعفها.
بل يمكن دعوى العلم بعدم كونها هي الملاك في ثبوت الحرمة في التزويجمن ذات العدّة، و ذلك لثبوت الحرمة الأبديّة في موارد لايوجد فيها أيّ نوع من
العلقة الزوجيّة كالتزويج بالمعتدّة عدّة وط ء الشبهة أو المعتدّة من طلاق تاسع أو المعتدّة عن فسخ النكاح لرضاع أو ما شابهه مع العلم بالحكم و الموضوع أو الدخول، فانّ الحرمة الأبديّة في أمثال هذه الموارد ثابتة مع أنّ العلقة الزوجيّة مفقودة بالمرّة فانّ ذلك يكشف عن عدم كون وجود العلقة ملاكا لثبوت الحرمة الأبديّة.
ثمّ انّه لا فرق بين الحرّة و الأمة اذا كانت ذات بعل، و لا بين الدوام و المتعة في العقد السابق و اللاحق - أي ثبتت الحرمة من غير فرق بين كون العقد الثاني متعة و الأوّل دواما و بالعكس - كلّ ذلك لاطلاق الأدلّة.
و أمّا تزويج أمة الغير بدون اذنه مع عدم كونها متزوّجة فهو و ان كان باطلاً الاّ أنّه لايوجب الحرمة الأبديّة و ان كان مع الدخول و العلم، و ذلك لعدم تحقّق موضوعها فانّه ليس من التزوّج بذات البعل أو التزوّج بالمعتدّة.
(مسألة 10): اذا تزوّج امرأة عليها عدّة و لم تشرع فيها - كما اذا مات زوجها و لم يبلغها الخبر فانّ عدّتها من حين بلوغ الخبر - فهل يوجب الحرمة الأبديّة أم لا؟ قولان، أحوطهما الأوّل بل لايخلو عن قوّة.
الشرح:
قال في الجواهر: «انّما الاشكال في نكاح الامرأة في المدّة قبل العدّة، كما لو تزوّج بعد وفاة زوجها المجهولة لها أو لهما قبل العدّة، و الأقرب - كما في القواعد و المسالك و غيرهما - عدم التحريم المؤبّد؛ لعدم كونها ذات بعل و معتدّة واقعا، ضرورة عدم الاعتداد عليها قبل العلم بالوفاة، و الأصل الحلّ لكن لايستلزم ذلك جواز الاقدام عليها و لا صحّة العقد عليها، للاكتفاء في عدم جواز ذلك استحقاق العدّة عليها للزوج في نفس الأمر فلايؤثّر العقد عليها في نفس الأمر و ان استمرّ
جهلها حتّى تخرج من عدّته و لم يبق له تعلّق بها أصلاً؛ ضرورة معلوميّة عدم الزوجين للمرأة في آن واحد».(1)
أقول:
قد تقدّم منّا أنّ الحرمة الأبديّة لاتستلزم الاّ من التزويج في العدّة أو التزويج بذات البعل، و أمّا التزويج بهذه المرأة المتوفّى عنها زوجها قبل الشروع في عدّتها، فلايصدق عليه العنوانان، أمّا انّها ليست ذات بعل فواضح و أمّا انّها ليست في العدّة فلعدم شروعها فيها شرعا، و عليه فلا مقتضي لثبوت الحرمة كما تقدّم من الجواهر و نقل عن القواعد و المسالك و كشف اللثام في المستمسك(2).
نعم، نقل عن صاحب الرياض رحمه اللّه أنّه قال بالتحريم و استدلّ له بالأولويّة، و تقريبها أنّه لو تزوّجها بعد تلك المدّة و في أثناء العدّة تثبت الحرمة قطعا ففي تلك المدّة أولى، و ذلك لأقربيّتها الى زمن الزوجيّة، و قال بأنّ المناقشة في هذه الأولويّة ممنوعة.
ولكن فيه: انّه قد تقدّم مرارا كما سيأتي أنّ الحكم بالتحريم حكم تعبّدي محض و لايحرز - لو لم يحرز خلافه - أنّ الملاك هو العلقة الزوجيّة و شدّتها و ضعفها، بل لايبعد أن يكون للعدّة خصوصيّة تقتضي هذا الحكم.
و عليه فلا اشكال في عدم ثبوت التحريم الأبدي.
نعم، لاينبغي التأمّل في حرمة ذاك التزويج و بطلانه و ذلك لأنّ المفهوم من الأدلّة أنّ ذات العدّة لايصحّ تزويجها الاّ بعد انقضائها فمادامت العدّة غير منتهية فالعلاقة الزوجيّة للأوّل باقية و هي تنافي التزويج الآخر.
و لما في الجواهر من معلوميّة عدم الزوجين للمرأة في آن واحد.
و أمّا السيّد الخوئي رحمه اللّه(1)فقد اختار ما في المتن من أقربيّة الوجه الأوّل منالقول بالحرمة الأبديّة و قد وجّه ما ذكره بوجهين، و ملخّصهما:
الأوّل: كونها معتدّة بالفعل؛ لأنّ المرأة المتوفّى عنها زوجها وجب عليها العدّة من حين وفاة زوجها الاّ أنّ مبدأ الأربعة أشهر و العشرة أيّام انّما يكون من حين بلوغ خبر الموت.
الثاني: انّ الموضوع للحرمة الأبديّة في النصوص هو التزوّج من المعتدّة قبل انقضاء عدّتها، و من الواضح أنّ التزوّج قبل انقضاء العدّة أعمّ من التزوّج منها بعد شروعها في العدّة أو قبل ذلك.
و فيه: انّ الظاهر من الروايات أنّ الحكم تعبّدي محض - كما اعترف به نفسه في المسائل السابقة - و هو التزوّج في العدّة الشرعيّة. و من المعلوم أنّ ذلك فيما اذا بلغها الخبر و قبل ذلك لم تكن في العدّة، فالتزوّج في العدّة الشرعيّة هو المناط للحرمة الأبديّة. و ابتداء العدّة يكون بعد بلوغها الخبر عن موت زوجها.
(مسألة 11): اذا تزوّج امرأة في عدّتها و دخل بها مع الجهل، فحملت مع كونها مدخولة للزوج الأوّل فجاءت بولد، فان مضى من وط ء الثاني أقلّ من ستّة أشهر و لم يمض من وط ء الزوج الأوّل أقصى مدّة الحمل لحق الولد بالأوّل. و ان مضى من وط ء الأوّل أقصى المدّة و من وط ء الثاني ستّة أشهر أو أزيد الى ما قبل الأقصى فهو ملحق بالثاني. و ان مضى من الأوّل أقصى المدّة و من الثاني أقلّ من ستّة أشهر فليس ملحقا بواحد منهما. و ان مضى من الأوّل ستّة فما فوق، و كذا من الثاني فهل يلحق بالأوّل أو الثاني أو يقرع؟ وجوه بل أقوال، و الأقوى لحوقه بالثاني لجملة من الأخبار. و كذا اذا تزوّجها الثاني بعد تمام العدّة للأوّل و اشتبه حال الولد.
1) - المباني 32: 194 و 195.
الشرح:قد صوّر رحمه اللّه فيما اذا تزوّج امرأة في عدّتها و حملت، أربع صور:
الأولى: ما اذا مضى من وط ء الثاني أقلّ من ستّة أشهر و لم يمض من وط ء الزوج الأوّل أقصى مدّة الحمل، فلا اشكال في هذه الصورة في لحوق الولد بالأوّل.
الثانية: ما اذا مضى من وط ء الأوّل أقصى المدّة و من وط ء الثاني ستّة أشهر أو أزيد الى ما قبل الأقصى فلا اشكال في الحاقه بالثاني
و الدليل على هاتين الصورتين أوّلاً عدم امكان الحاقه بالثاني في الأولى و بالأوّل في الثانية، و لذا قال في المستمسك(1)و الجواهر(2)بعد ذكر هذا الحكم: «قطعا»، و في الرياض(3)و المسالك(4): «بلا اشكال».
و ثانيا لمرسل جميل عن أحدهما عليهماالسلام في المرأة تزوّج في عدّتها؟ قال:
«يفرّق بينهما و تعتدّ عدّة واحدة منهما جميعا، و ان جاءت بولد لستّة أشهر أو أكثر فهو للأخير و ان جاءت بولد لأقلّ من ستّة أشهر فهو للأوّل».(5)
و ثالثا لقاعدة الفراش، فانّ الزوج الأوّل - في الصورة الأولى - حال انعقاد النطفة هو الفراش فيكون الولد له.
و كذا في الثانية بناءً على أنّ الواطي شبهة فراش؛ لأنّ المراد به ما يقابل العاهر و الواطي شبهة غير عاهر. كما في المستمسك.
و رابعا لما يظهر من كلمات الفقهاء من عدم الخلاف فيه فراجع.
الثالثة: ما اذا مضى من الأوّل أقصى المدّة و من الثاني أقلّ من ستّة أشهر، فليس ملحقا بواحد منهما؛ لعدم امكان الحاقه بواحد منهما بل العلم بانتفائه عنهما لتولّدهخارج الحدّ، و معه لا مجال لانتسابه الى أحد منهما كما في المباني.(1)
الرابعة: ما اذا مضى من الأوّل ستّة فما فوق و كذا من الثاني، فهل يلحق بالأوّل أو الثاني أو يقرع؟ وجوه بل أقوال.
لا كلام و لا اشكال في الصور الثلاث الأول، انّما الاشكال في هذه الصورة.
و الأقوى - كما ذهب اليه المصنّف رحمه اللّه و السيّد الحكيم في المستمسك(2)و نقل القول به عن المحقّق في الشرائع و العلاّمة في القواعد و الشهيد الثاني في المسالك و كشف اللثام و غيرهم، بل قال بنسبته في المسالك الى الأكثر - الحاقه بالثاني و يدلّ عليه مرسلة جميل المتقدّمة، فانّها باطلاقها قد دلّت على أنّه ان مضت ستّة أشهر فالولد ملحق بالثاني من غير فرق بين مضي ذلك المقدار من وط ء الأوّل و عدمه فتشمل الصورة الثانية و الرابعة.
و الرواية قد عمل بها الأصحاب على ما في الصورتين الأوليين، فيجبر ضعف سندها بعملهم.
و اذا تمّ دلالة المرسلة فلا وجه لما عن المسالك من الاستدلال لالحاقه بالثاني، بقاعدة الفراش، فانّها مخدوشة لتساوي احتمال الفراش بالنسبة اليهما فانّ الفراش لايكون الاّ حين انعقاد النطفة.
و استدلّ لهذه الصورة بروايات أخر لاتخلو من اشكال أو خروج عمّا نحن فيه.
منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كان للرجل منكم الجارية يطأها فيعتقها فاعتدّت و نكحت، فان
وضعت لخمسة أشهر فانّه لمولاها الذي أعتقها، و ان وضعت بعد ما تزوّجت لستّة أشهر فانّه لزوجها الأخير».(1)
و هي خارجة عمّا نحن فيه، فانّ الأمة في هذا الفرض قد اعتدّت و تزوّجت بعد عدّتها، مع أنّ الفرض هو التزوّج في العدّة.
و مثلها في خروجها عن البحث مرفوعة البزنطي و مضمرة أبي العبّاس، فقد ذكر في المباني الخدشة في هذه الروايات فراجع.(2)
أمّا القول بالقرعة فقد حكاه في المستمسك عن المبسوط و فخر الاسلام و استدلّ له بأنّ كلاًّ منهما فراش فتتعارض قاعدة الفراش فيهما، و لا ترجيح لأحدهما على الآخر فيكون المقام من المشكل فيرجع فيه الى القرعة؛ لأنّها لكلّ أمر مشكل.
و بعد دلالة المرسلة على الحكم فلا مجال للقرعة.
هذا تمام الكلام في التزوّج في العدّة، أمّا لو تزوّجها بعد انقضاء عدّتها فحملت، فان اشتبه حال الولد فيأتي فيه الصور المتقدّمة فان كان بحيث يمكن الحاقه بالأوّل دون الثاني، فيلحق بالأوّل و ان كان بحيث لم يمكن الحاقه بواحد منهما لم يلحق بهما.
و ان كان بحيث يمكن الحاقه بالثاني و لايمكن الحاقه بالأوّل أو يمكن الحاقه بكليهما فيلحق بالثاني و الدليل عليها هو الدليل على الصور السابقة.
(مسألة 12): اذا اجتمعت عدّة وط ء الشبهة - مع التزويج أو لا معه - و عدّة الطلاق أو الوفاة أو نحوهما، فهل تتداخل العدّتان أو يجب التعدّد؟ قولان المشهور على الثاني و هو الأحوط، و ان كان الأوّل لايخلو عن قوّة؛ حملاً
للأخبار الدالّة على التعدّد على التقيّة، بشهادة خبر زرارة و خبر يونس.
و على التعدّد يقدّم ما تقدّم سببه الاّ اذا كانت احدى العدّتين بوضعالحمل، فتقدّم و ان كان سببها متأخّرا؛ لعدم امكان التأخير حينئذ. و لو كانت المتقدّمة عدّة وط ء الشبهة، و المتأخّرة عدّة الطلاق الرجعي فهل يجوز الرجوع قبل مجيء زمان عدّته؟ و هل ترث الزوج اذا مات قبله في زمان عدّة وط ء الشبهة؟ وجهان، بل قولان لايخلو الأوّل منهما من قوّة. و لو كانت المتأخّرة عدّة الطلاق البائن فهل يجوز تزويج المطلّق لها في زمان عدّة الوط ء قبل مجيء زمان عدّة الطلاق؟ وجهان لايبعد الجواز بناءً على أنّ الممنوع في عدّة وط ء الشبهة وط ء الزوج لها لا سائر الاستمتاعات بها كما هو الأظهر.
و لو قلنا بعدم جواز التزويج حينئذ للمطلّق، فيحتمل كونه موجبا للحرمة الأبديّة أيضا؛ لصدق التزويج في عدّة الغير. لكنّه بعيد؛ لانصراف أخبار التحريم المؤبّد عن هذه الصورة. هذا و لو كانت العدّتان لشخص واحد، كما اذا طلّق زوجته بائنا ثمّ وطأها شبهة في أثناء العدّة، فلاينبغي الاشكال في التداخل و ان كان مقتضى اطلاق بعض العلماء التعدّد في هذه الصورة أيضا.
الشرح:
لا بدّ أوّلاً من الكلام في التداخل و عدمه، ثمّ ذكر ما فرّع رحمه اللّه على عدم التداخل فنقول:
انّ الكلام في التداخل و عدمه يرجع الى بحثين، البحث عن القاعدة الأوّليّة مع غضّ النظر عن نصوص الباب، و البحث عن مفاد النصوص.
أمّا البحث الأوّل، فانّ القاعدة الأوّليّة تقتضي التداخل، و ذلك لأنّه لا خلاف و لا اشكال في لزوم الاعتداد من الطلاق و الوفاة و وط ء الشبهة و الفسخ و غيرها، كما لا خلاف في أنّ مبدأ العدّة في غير الوفاة من حين وقوع السبب و مبدؤه في
الوفاة من حين بلوغ الخبر، كما دلّت على كلا الحكمين الروايات المتضافرة.
فاذا اجتمع سببان للعدّة في زمان واحد فلا بدّ من القول بالتداخل و ذلك لأنّالزمان الواحد ليس له قابليّة اجتماعهما فيه، فانّه لايقبل الاّ عدّة واحدة.
نعم، لو دلّ دليل على تأخّر زمان أحد العدّتين، فهو ولكنّه مفقود على الفرض.
ان قلت: قد ثبت في محلّه أنّ التداخل خلاف الأصل و هو محتاج الى دليل خاصّ.
قلت: انّ أصالة عدم التداخل كان فيما يمكن فيه التعدّد، كما لو اتّفق جنابة و مسّ ميّت و غيرهما من أسباب الغسل، فانّ الغسل لايكون أمرا زمانيّا و يقبل التعدّد. بخلاف ما نحن فيه، فانّ العدّة أمر زماني و الزمان لايقبل الاّ عدّة واحدة، هذا بحسب القاعدة الأوّليّة.
و أمّا البحث الثاني فبحسب نصوص الباب فنقول: انّها على طائفتين:
الأولى ما نطقت بالتداخل مطلقا كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في امرأة تزوّجت قبل أن تنقضي عدّتها قال:
«يفرّق بينهما و تعتدّ عدّة واحدة منهما جميعا».(1)
و موثّقة أبي العبّاس عن أبي عبداللّه عليه السلام في المرأة تزوّج في عدّتها قال:
«يفرّق بينهما و تعتدّ عدّة واحدة منهما جميعا».(2)
و موثّقة جميل عن أحدهما عليهماالسلام في المرأة تزوّج في عدّتها، قال:
«يفرّق بينهما و تعتدّ عدّة واحدة منهما جميعا».(3)
و الثانية ما نطقت بالتفريق بين عدّة الوفاة و غيرها كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«المرأة الحبلى يتوّفى عنها زوجها فتضع و تتزوّج قبل أن تعتدّ أربعة
أشهر و عشرا، فقال: ان كان الذي تزوّجها دخل بها فرّق بينهما و لم تحلّ له أبدا و اعتدّت بما بقي عليها من عدّة الأوّل و استقبلتعدّة أخرى من الآخر ثلاثة قروء، و ان لم يكن دخل بها فرّق بينهما و أتمّت ما بقي من عدّتها و هو خاطب من الخطّاب».(1)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن المرأة الحبلى يموت زوجها فتضع و تزوّج قبل أن تمضي لها أربعة أشهر و عشرا، فقال: ان كان دخل بها فرّق بينهما و لم تحلّ له أبدا و اعتدّت بما بقي عليها من الأوّل و استقبلت عدّة أخرى من الآخر ثلاثة قروء، و ان لم يكن دخل بها فرّق بينهما و اعتدّت بما بقي عليها من الأوّل و هو خاطب من الخطّاب».(2)
و نظيرهما قوله عليه السلام في صحيحة علي بن جعفر في نظير المسألة:
«فاعتدّت ما بقي عليها من زوجها ثمّ اعتدّت عدّة أخرى من الزوج الآخر».(3)
اذا عرفت هاتين الطائفتين فتعرف وجه الجمع بينهما، فانّ الأولى مطلقة بالنسبة الى الوفاة و غيرها فتقيّد بالطائفة الثانية و تختصّ بغير عدّة الوفاة.
و أمّا موثّقة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يتزوّج المرأة في عدّتها، قال: ان كان دخل بها فرّق بينهما و لم تحلّ له أبدا و أتمّت عدّتها من الأوّل و عدّة أخرى من الآخر، و ان لم يكن دخل بها فرّق بينهما و أتمّت عدّتها من الأوّل و كان خاطبا من الخطّاب».(4)
1) - وسائل الشيعة 20: 450 / الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 20: 451 / الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 6.
3) - وسائل الشيعة 20: 456 / الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 20.
4) - وسائل الشيعة 20: 452 / الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 9.
فانّها أيضا تقيّد بالطائفة الثانية و تحمل على عدّة الوفاة، و هكذا موثّقة علي بن بشير النبال.(1)
و أمّا المصنّف رحمه اللّه فقد ذهب الى القول بالتداخل مطلقا؛ حملاً للأخبار الدالّة على التعدّد على التقيّة بشهادة روايتين و هما موثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن امرأة نعي اليها زوجها فاعتدّت و تزوّجت فجاء زوجها الأوّل ففارقها الآخر، كم تعتدّ للثاني؟ قال: ثلاثة قروء و انّما يستبرأ رحمها بثلاثة قروء و تحلّ للناس كلّهم، قال زرارة: و ذلك أنّ أناسا قالوا: تعتدّ عدّتين من كلّ واحد عدّة، فأبى ذلك أبو جعفر عليه السلام و قال: تعتدّ ثلاثة قروء و تحلّ للرجال».(2)
و مرسلة يونس في امرأة نعي اليها زوجها فتزوّجت ثمّ قدم زوجها الأوّل فطلّقها و طلّقها الآخر، فقال ابراهيم النخعي: عليها أن تعتدّ عدّتين. فحملها زرارة الى أبي جعفر عليه السلام فقال: «عليها عدّة واحدة».(3)
و هما و ان دلّتا على مذهب مخالف لمذهب الأئمّة عليهم السلام ، الاّ أنّه لا ربط لهما بما نحن فيه بل هما دلّتا على حكم تزويج ذات البعل.
و على هذا فلا وجه لحمل أخبار التعدّد على التقيّة.
فالمتحصّل أنّه اذا دخلت عدّة الشبهة على عدّة الطلاق أو بالعكس تتداخل العدّتان؛ لاطلاق الروايات المتقدّمة، و اذا دخلت عدّة الشبهة على عدّة الوفاة لم تتداخلا.
انّما الكلام فيما لو دخلت عدّة الوفاة على عدّة وط ء الشبهة فهل هو كالأولى أو كالثانية، فقد روى الصدوق باسناده عن الحسن بن محبوب عن جميل بن صالح:
«أنّ أبا عبداللّه عليه السلام قال في أختين أهديتا لأخوين فأدخلت امرأة هذا على هذا و امرأة هذا على هذا، قال: لكلّ واحدة منهما الصداقبالغشيان و ان كان وليّهما تعمّد ذلك أغرم الصداق، و لايقرب واحد منهما امرأته حتّى تنقضي العدّة فاذا انقضت العدّة صارت كلّ امرأة منهما الى زوجها الأوّل بالنكاح الأوّل، قيل له: فان ماتتا قبل انقضاء العدّة؟ قال: يرجع الزوجان بنصف الصداق على ورثتهما فيرثانهما الرجلان قيل: فان مات الرجلان و هما في العدّة؟ قال: ترثانهما و لهما نصف المهر و عليهما العدّة بعد ما تفرغان من العدّة الأولى تعتدّان عدّة المتوفّى عنها زوجها».(1)
و هذه صريحة في أنّ عليها عدّتين كما في دخول عدّة الشبهة على عدّة الوفاة، و لا كلام في دلالتها.
انّما الكلام في سندها، فقد رواها الكليني(2)عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد و عن علي بن ابراهيم عن أبيه جميعا عن ابن محبوب عن جميل بن صالح عن بعض أصحاب أبي عبداللّه عليه السلام .
و رواها الشيخ أيضا باسناده عن محمّد بن يعقوب.
و السند على ما رواه الصدوق صحيح، و على ما رواه الكليني مرسل.
ولكن السيّد الخوئي رحمه اللّه لم يرتض بالسند و قال: «و حيث لايحتمل أن يكون جميل بن صالح قد رواه لحسن بن محبوب مرّتين تارة رواه عن الامام عليه السلام مباشرة و من دون واسطة و أخرى رواه بواسطة مجهولة فمن المطمأنّ به أنّ الصدوق قدس سره بروايته هذه انّما يشير الى ما رواه الكليني قدس سره و انّما حذف جملة: بعض أصحاب أبي عبداللّه عليه السلام لعلمه قدس سره بمرسلات جميل بن صالح على ما هو مذهبه. و من هنا
فتكون هذه الرواية مرسلة فلايمكن الاعتماد عليها. و لو تنزّلنا عن هذا الاستظهار يكفينا التردّد و الشكّ، حيث لايبقى معه وثوق بأنّ جميل بن صالح قد رواها عنأبي عبداللّه عليه السلام ؛ لاحتمال صحّة رواية الكليني قدس سره. اذن فهذه الرواية لاتصلح لاثبات عدم التداخل في المقام و عليه فلا بدّ من الرجوع الى القاعدة و قد عرفت أنّها انّما تقتضي التداخل».(1)
و فيه أوّلاً: انّا اذا تأمّلنا في سند الكليني وجدنا أنّ الأصحاب تارة رووا هذه الرواية عن جميل بن صالح و أخرى عن الحسن بن محبوب، فمن القريب أنّ جميل بن صالح قد روى هذه الرواية لحسن بن محبوب عن الامام عليه السلام بلا واسطة و رواها لهؤلاء الذين في سند الكليني عن بعض أصحاب الامام عليه السلام ، فانّ الروايتين ليستا عن الحسن بن محبوب عن جميل بن صالح، بل الثاني كان هكذا: «عن ابن محبوب و عن جميل بن صالح».
و ثانيا: على فرض التنزّل عن هذا و القول بعدم صحّة سند هذه الرواية، فلا مجال من القول بالرجوع الى القاعدة الأوّليّة بل المحكّم هو اطلاق صحيحتي محمّد بن مسلم و الحلبي بتأييدهما بمرسلة الصدوق، و الحكم هو عدم التداخل.
و على أيّ حال فلاينبغي ترك الاحتياط في هذه الصورة بل في جميع صور المسألة فانّا و ان استدللنا على التداخل في بعض الصور الاّ أنّ المشهور شهرة عظيمة عدم التداخل في كلّ هذه الصور بل ادّعى عليه الاجماع في الجواهر حيث قال: «و تتمّ العدّة من الأوّل محتسبة أيّام وط ء الثاني منها و تستأنف عدّة أخرى للثاني وفاقا للمشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة بل يمكن دعوى الاجماع عليه، بل عن الشيخ في الخلاف الاجماع عليه».(2)
و على هذا فالاحتياط باعتداد عدّتين في جميع الصور لايترك.
ثمّ انّه بناءً على القول بالتعدّد يقدّم ما تقدّم سببه؛ عملاً بالأصل، الاّ اذا كان انقضاء احدى العدّتين بوضع الحمل فتقدّم و ان كان سببها متأخّرا؛ لعدم امكانالتأخير حينئذ.
و في المستمسك: «كما صرّح بذلك في الشرائع و القواعد و غيرهما. و في غير موضع من الجواهر نفي الخلاف و الاشكال فيه؛ لما ذكر في المتن».(1)
هنا فرعان:
لو كان المتقدّمة عدّة وط ء الشبهة و المتأخّرة عدّة الطلاق الرجعي، فهل يجوز الرجوع قبل مجيء زمان عدّته؟ و هل ترث الزوج اذا مات قبله في زمان وط ء الشبهة؟
قد ذهب المصنّف رحمه اللّه الى جواز الرجوع و ثبوت الارث، قبل مجيء عدّة الطلاق الرجعي، و تبعه على ذلك السيّدان الحكيم و الخوئي.
أقول:
الظاهر جواز الرجوع قبل مجيء زمان عدّة الطلاق و ذلك لأنّ موضوع الرجوع في رواياته - كما تقدّم بعضها - هو عدم انقضاء العدّة ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن رجل طلّق امرأته واحدة، قال: هو أملك برجعتها ما لم تنقض العدّة. الحديث».(2)
و كذا غيرها من النصوص الكثيرة، و اطلاقها يقتضي عدم الفرق بين الرجوعفي أثناء العدّة و قبل الشروع فيها، مع أنّها بحكم زوجته شرعا. نعم، لايجوز له الدخول الاّ بعد مضيّ عدّة وط ء الشبهة، كما أنّ السيّد الحكيم قدس سره قال: «لم أقف عاجلاً على ما يدلّ على اعتبار كون الرجوع في العدّة و لو فرض أمكن حمله على ارادة نفي الرجوع بعد العدّة جمعا».(1)
و في المباني: «انّ موضوع جواز الرجوع في النصوص انّما هو عنوان «ما لم تنقض العدّة» و من الواضح أنّ هذا العنوان صادق عليها سواء كانت في عدّة وط ء الشبهة أم في عدّة الطلاق فانّها لم تنقض عدّتها بل هي معتدّة من الطلاق بالفعل و ان كان زمانها متأخّرا».(2)
و أمّا الارث فالظاهر أنّه كذلك فانّ الموضوع في روايات الارث أيضا هو عدم انقضاء العدّة و ان كان في بعضها قد علّق الارث بكونها في العدّة، ولكن يمكن الجمع بينهما بأنّ المراد من الثاني نفي الارث بعد انقضاء العدّة.
مع أنّ ما تقدّم من أنّها بحكم زوجته شرعا جارٍ هنا أيضا.
اذا كانت المتأخّرة عدّة الطلاق البائن فهل يجوز تزويج المطلّق لها في زمان عدّة الوط ء قبل مجيء عدّة الطلاق؟
قد ذهب المصنّف رحمه اللّه - بعد ذكر أنّ هنا وجهين - الى الجواز بناءً على أنّ الممنوع في عدّة وط ء الشبهة وط ء الزوج لها لا سائر الاستمتاعات بها.
أقول:
قد تقدّم أنّ التزويج في عدّة الغير حرام مطلقا سواء كان عدّة وط ء الشبهة أو عدّة الطلاق أو عدّة الوفاة أو غيرها و أنّه موجب للحرمة الأبديّة.
و لايخفى أنّ التزويج هنا واقع في عدّة وط ء الغير شبهة و هو حرام على الظاهر.
نعم، لو لم يطلّق زوجته الموطوءة شبهة بالطلاق البائن، فيجوز له الاستمتاع منها بغير الوط ء و ان كانت في عدّة وط ء الشبهة كما هو ظاهر قوله عليه السلام في موثّقة زرارة: «انّما يستبرأ رحمها بثلاثة قروء و تحلّ للناس كلّهم».(1)
فانّ من الواضح أنّ استبراء الرحم من ماء الواطي شبهة انّما يتحقّق بترك وطئها خاصّة و أمّا سائر الاستمتاعات فلا تأثير لها في استبراء الرحم و عدمه.
لكن أين هذا ممّا نحن فيه الذي قد طلّق الزوج زوجته الموطوءة شبهة بالطلاق البائن، و هو يريد التزويج في عدّة الشبهة، فانّه مشمول لعمومات المنع عن التزويج في العدّة.
و على هذا فلايبعد جريان الحرمة الأبديّة فيه و ذلك لشمول الأدلّة له و كون الانصراف على فرضه بدويّا.
ثمّ انّه لو كانت العدّتان لشخص واحد كما اذا طلّق زوجته بائنا ثمّ وطئها شبهة في أثناء العدّة فالظاهر كفاية عدّة واحدة.
أمّا بالنسبة الى تزويجها بهذا الزوج فلايلزم انقضاء عدّة فضلاً عن عدّتين.
و أمّا بالنسبة الى غيره فالظاهر لزوم انقضاء العدّة الثانية، و ان كان بتداخل مع العدّة الأولى.
ثمّ انّ معنى تداخل العدّتين - على القول به - هو أنّ العدّة الثانية تتداخل معالأولى من زمن شروعها، فلو مضى من الأولى قرء و شرعت الثانية، فتتداخل
1) - وسائل الشيعة 20: 448 / الباب 16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 7.
الثانية في القرئين الباقيين من الأولى، و يحتسب القرءان لهما و يبقى من الثانية قرء واحد فيجب الصبر الى انقضائه بعد انقضاء العدّة الأولى.
(مسألة 13): لا اشكال في ثبوت مهر المثل في الوط ء بالشبهة المجرّدة عن التزويج اذا كانت الموطوءة مشتبهة و ان كان الواطي عالما، و أمّا اذا كان بالتزويج ففي ثبوت المسمّى أو مهر المثل قولان، أقواهما الثاني. و اذا كان التزويج مجرّدا عن الوط ء فلا مهر أصلاً.
الشرح:
في المسألة فروع:
لا اشكال في ثبوت مهر المثل في الوط ء بالشبهة المجرّدة عن التزويج اذا كانت الموطوءة مشتبهة و ان كان الواطي عالما و ذلك لطوائف من الروايات التي أثبتت المهر في استحلال الفرج:
منها ما دلّت على وجوب المهر على الزوج اذا دلّس، فانّ فيها: «و لها المهر بما استحلّ من فرجها» و ظاهر هذه الجملة أنّ العلّة في ثبوت المهر هو الاستمتاع من الفرج و أنّ ذلك لايكون مجّانا و بلا شيء اذا لم تكن بغيّة كصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«انّما يردّ النكاح من البرص و الجذام و الجنون و العفل، قلت: أرأيت ان كان دخل بها كيف يصنع بمهرها؟ قال: المهر لها بمااستحلّ من فرجها و يغرم وليّها الذي أنكحها مثل ما ساق اليها».(1)
1) - وسائل الشيعة 21: 213 / الباب 2 من أبواب العيوب و التدليس / الحديث 5.
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«في كتاب علي عليه السلام : من زوّج امرأة فيها عيب دلّسه و لم يبيّن ذلك لزوجها فانّه يكون لها الصداق بما استحلّ من فرجها و يكون الذي ساق الرجل اليها على الذي زوّجها و لم يبيّن».(1)
فهذه الطائفة و ان كانت في حكم من زوّج و دلّس الاّ أنّ التعليل فيها يقتضي نفس هذا الحكم في وط ء الشبهة أيضا.
و منها الروايات التي دلّت على أنّه اذا وقع الدخول أو التقى الختانان فقد وجب الغسل و المهر، ففي صحيحة أخرى لمحمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته متى يجب الغسل على الرجل و المرأة؟ فقال: اذا دخله فقد وجب الغسل و المهر و الرجم».(2)
و صحيحة عبيد اللّه بن علي الحلبي قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصيب المرأة فلاينزل أعليه غسل؟ قال: كان علي عليه السلام يقول: اذا مسّ الختان الختان فقد وجب الغسل. قال: و كان علي عليه السلام يقول: كيف لايوجب الغسل و الحدّ يجب فيه؟ و قال: يجب عليه المهر و الغسل».(3)
و رواية البزنطي صاحب الرضا عليه السلام قال:
«سألته ما يوجب الغسل على الرجل و المرأة؟ فقال: اذا أولجه أوجب الغسل و المهر و الرجم».(4)
فاطلاق هذه الروايات يشمل ما لو كان الدخول بشبهة.
و لمّا ثبت المهر و لم يكن هناك عقد ليتعيّن فيه مقداره فالمرجع هو مهر المثل.
و قد قيّد هذا الاطلاق بما اذا لم تكن زانية و الاّ فلا مهر لها، كما أنّه من المعروف «انّه لا مهر لبغيّ» المستفاد من جملة من الروايات، كالتي دلّت على أنّ مهر البغي من السحت(1)و ما عدّ أجور الفواجر من أنواع السحت(2)فراجع.
كما تدلّ على ذلك رواية علي بن أحمد بن أشيم قال:
«كتب اليه الريّان بن شبيب - يعني أبا الحسن عليه السلام - الرجل يتزوّج المرأة متعة بمهر الى أجل معلوم و أعطاها بعض مهرها و أخّرته بالباقي، ثمّ دخل بها و علم بعد دخوله بها قبل أن يوفّيها باقي مهرها أنّها زوّجته نفسها و لها زوج مقيم معها، أيجوز له حبس باقي مهرها أم لايجوز؟ فكتب: لايعطيها شيئا لأنّها عصت اللّه عزّوجلّ».(3)
و صحيحة بريد العجلي قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل تزوّج امرأة فزفتها اليه أختها و كانت أكبر منها، فأدخلت منزل زوجها ليلاً فعمدت الى ثياب امرأته فنزعتها منها و لبستها ثمّ قعدت في حجلة أختها و نحّت امرأته و أطفأت المصباح و استحيت الجارية أن تتكلّم، فدخل الزوج الحجلة فواقعها و هو يظنّ أنّها امرأته التي تزوّجها فلمّا أن أصبح الرجل قامت اليه امرأته فقالت: أنا امرأتك فلانة التي تزوّجت و انّ أختي مكرت بي فأخذت ثيابي فلبستها و قعدت في الحجلة و نحّتنيفنظر الرجل في ذلك فوجد كما ذكر، فقال: أرى أن لا مهر للتي
دلّست نفسها و أرى أنّ عليها الحدّ لما فعلت حدّ الزاني غير محصن و لايقرب الزوج امرأته التي تزوّج حتّى تنقضي عدّة التي دلّست نفسها، فاذا انقضت عدّتها ضمّ اليه امرأته».(1)
اذا كان وط ء الشبهة مع التزويج ففي ثبوت مهر المسمّى أو مهر المثل قولان، أقواهما الثاني و ذلك لأنّه قد ثبت في الفرع الأوّل أنّ المهر متعلّق بالمرأة بما استحلّ من فرجها ولكن لمّا كان العقد فاسدا لم يكن موجبا لثبوت المسمّى فانّه انّما يلزم على تقدير صحّة العقد و امضاء الشارع له، و حيث انّ المفروض عدمه فلا وجه لالزام الواطي له كما هو الحال في سائر العقود الفاسدة.
فيتعيّن مهر المثل للروايات الكثيرة الدالّة على ثبوت المهر.
و في المستمسك: «حكي ثبوت مهر المسمّى عن الشيخ في المبسوط؛ لأنّ العقد هو السبب في ثبوت المهر؛ لأنّه الوجه في الشبهة فكان كالصحيح المقتضي ضمان ما وقع عليه التراضي. و فيه: انّ استحقاق المسمّى انّما يكون بالعقد، فاذا فرض بطلانه لم يكن وجه لاستحقاقه. و كونه سبب الشبهة لايقتضي سببيّة ضمان المسمّى، و الرضا به انّما كان مبنيّا على العقد فاذا بطل بطل. فيتعيّن الضمان بمهر المثل. نظير ضمان المقبوض بالعقد الفاسد فانّه يكون بالمثل لا بالمسمّى.».(2)
ان قلت: ظاهر بعض الروايات - كقوله عليه السلام في صحيحة الحلبي: «المهر لها بمااستحلّ من فرجها» بعد سؤال السائل: «كيف يصنع بمهرها» المفروض فيه حصول التزويج قبله، و كذا ما تقدّم في روايات التزويج في العدّة - أنّ المهر
المذكور في الروايات هو مهر المسمّى المذكور في عقد التزويج، فانّ اللام فيه للعهد الذكري و المهر المذكور فيه هو مهر المسمّى.
قلت: الظاهر أنّ اللام فيه للجنس لا للعهد، و يشهد لذلك التعليل بأنّ للمهر باستحلال الفرج، فانّ قيد بما استحلّ من فرجها لايلائم مهر المسمّى بل الملائم معه هو مهر المثل.
اذا كان التزويج شبهة مجرّدا عن الوط ء فلا مهر أصلاً و ذلك للأصل مع عدم المقتضي له؛ اذ هو امّا العقد و امّا الوط ء و الأوّل فاسد و الثاني منتفٍ.
و قد دلّ عليه - قبل ذلك - روايات:
منها صحيحة سليمان بن خالد قال:
«سألته عن رجل تزوّج امرأة في عدّتها، قال فقال: يفرّق بينهما، و ان دخل بها فلها المهر بما استحلّ من فرجها و يفرّق بينهما فلاتحلّ له أبدا. و ان لم يكن دخل بها فلا شيء لها من مهرها».(1)
و منها صحيحة أبي بصير قال:
«سألته عن رجل يتزوّج المرأة في عدّتها و يعطيها المهر ثمّ يفرّق بينهما قبل أن يدخل بها، قال: يرجع عليها بما أعطاها».(2)
و منها رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«أنّه قال في رجل نكح امرأة و هي في عدّتها، قال: يفرّق بينهما ثمّ تقضي عدّتها، فان كان دخل بها فلها المهر بما استحلّ من فرجها و
يفرّق بينهما و ان لم يكن دخل بها فلا شيء لها».(1)
و لايعارضها ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى في نوادره عن النضر بن سويد عن عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يتزوّج المرأة المطلّقة قبل أن تنقضي عدّتها قال:
«يفرّق بينهما و لاتحلّ له أبدا و يكون لها صداقها بما استحلّ من فرجها أو نصفه ان لم يكن دخل بها».(2)
و ذلك لأنّها - و ان لم يبعد صحّتها - الاّ أنّه قد أعرض عنها الأصحاب قطعا، حيث لايوجد قول من أصحابنا باستحقاقها المهر في الفرض المذكور، فتحمل على التقيّة.
و لو فرض حصول التعارض بينها و بين سائر الروايات فمقتضاه - ان لم يرجّح الروايات المتقدّمة - هو التساقط و الرجوع الى الأصل و هو يقتضي عدم استحقاقها شيئا كما هو واضح، كما في المباني.(3)
(مسألة 14): مبدأ العدّة في وط ء الشبهة المجرّدة عن التزويج حين الفراغ من الوط ء. و أمّا اذا كان مع التزويج فهل هو كذلك أو من حين تبيّن الحال؟ وجهان، و الأحوط الثاني بل لعلّه الظاهر من الأخبار.
الشرح:لا خلاف في أنّ مبدأ العدّة في الوط ء مع الشبهة المجرّدة عن التزويج، من حين الفراغ من الوط ء و ذلك لظاهر الأدلّة الدالّة على كونها متّصلة بالسبب ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجلين نكحا امرأتين، فأتى هذا امرأة هذا، و هذا امرأة هذا، قال: تعتدّ هذه من هذا و هذه من هذا ثمّ ترجع كلّ واحدة الى زوجها».(1)
فان تعدّد الوط ء فمن الأخير.
و أمّا اذا كان مع التزويج فمبدأ العدّة هل هو من حين الفراغ من الوط ء أو من حين تبيّن الحال؟ فيه وجهان قد اختار ثانيهما المصنّف رحمه اللّه.
أقول:
قد استدلّ على الوجه الثاني أوّلاً بظاهر بعض الروايات كموثّقة ابراهيم بن عبدالحميد:
«أنّ أبا عبداللّه عليه السلام قال في شاهدين شهدا عند امرأة بأنّ زوجها طلّقها فتزوّجت ثمّ جاء زوجها قال: يضربان الحدّ و يضمنان الصداق للزوج ثمّ تعتدّ و ترجع الى زوجها الأوّل».(2)
و غيرها ممّا هو نظيرها، بدعوى أنّه ينسبق الى الذهن من جميع هذه الروايات أنّ الاعتداد بعد التفريق و هو وقت تبيّن الحال.
ولكن فيه: انّه لم يظهر من الرواية شمولها لما اذا مضى من آخر وط ء الزوج الثاني لها مدّة العدّة و هي ثلاثة قروء، فانّها لاتكون ظاهرة في وجوب الاعتداد من حين تبيّن الحال في هذه الصورة أيضا، بل هي مجملة من هذه الجهة.
و ثانيا بأنّ الشبهة بمنزلة النكاح الصحيح فزوالها بمنزلة الطلاق فيكونالاعتداد منه. و فيه: انّه كما ترى استحسان محض.
و قد ذهب الى ذلك في المستمسك و قال: «لايبعد أن يستفاد من النصوص المذكورة لزوم الاعتداد عند ارتفاع الشبهة سواء كان هناك عقد فاسد اشتباها أم
لم يكن عقد و كان الاشتباه في وقوعه لاعتقاد وقوعه، أو للاشتباه في المعقود له أو عليه، و أنّ المدّة التي تكون فيها الموطوءة تحت سلطان الواطي و في حباله يستمتع بها و يضاجعها ليست جزءا من العدّة، فيكون مبدأ العدّة في جميع الصور ارتفاع الاشتباه لا حين الوط ء».(1)
و قد عرفت ضعف ما يستدلّ على هذا القول.
و أمّا الوجه الأوّل و هو الاعتداد من حين الوط ء الأخير فقد استدلّ عليه بموثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن امرأة نعي اليها زوجها فاعتدّت و تزوّجت فجاء زوجها الأوّل ففارقها الآخر، كم تعتدّ للثاني؟ قال: ثلاثة قروء و انّما يستبرأ رحمها بثلاثة قروء و تحلّ للناس كلّهم، قال زرارة: و ذلك أنّ أناسا قالوا: تعتدّ عدّتين من كلّ واحد عدّة، فأبى ذلك أبو جعفر عليه السلام و قال: تعتدّ ثلاثة قروء و تحلّ للرجال».(2)
و قد ذهب الى هذا الوجه السيّد الخوئي رحمه اللّه في المباني(3)و قال في تقريب الاستدلال بهذه الموثّقة بأنّها كالصريح في كون مبدأ العدّة من حين الفراغ من الوط ء مباشرة، فانّه لو كان من حين تبيّن الحال لما كان للتحديد بثلاثة قروء بل لأصل الاستبراء - فيما كان الفاصل بين الوط ء و تبيّن الحال ثلاثة أشهر - معنىً أصلاً؛ اذ معه لا احتمال لوجود ماء الواطي في رحمها كي يستبرأ منه.
و قال بأنّه بظهور هذه الرواية يرتفع ظهور سائر الروايات.
ولكن فيه: انّ استبراء الرحم ليس علّة تامّة لوجوب الاعتداد كما أنّه لا كلام و لا اشكال لأحد - حتّى السيّد الخوئي رحمه اللّه نفسه - في أنّه لو لم يطأ الزوج زوجته ثلاثة أشهر و مضى ثلاثة قروء، ثمّ طلّقها يجب عليها الاعتداد من حين الطلاق و ان
استبرئت رحمها بعد مضي ثلاثة قروء قبل الطلاق، و كذا لا كلام في أنّه لو فقد الزوج أربعة أشهر و عشرا أو أكثر ثمّ بعد مضي مدّة عدّة الوفاء وصل خبر موت الرجل الى زوجته، فيجب عليها الاعتداد من حين وصول الخبر مع أنّ رحمها استبرئت قبل ذلك. فلايبعد أن يكون ذكر استبراء الرحم في هذه الموثّقة أيضا من باب الحكمة لا العلّة، ليدور الحكم مدارها.
اذا عرفت الاشكال في دليل الوجهين، فالأولى ما ذكره المصنّف رحمه اللّه من الاحتياط بالاعتداد بعد تبيّن الحال و ذلك للزوم الاحتياط في الدماء و الفروج.
(مسألة 15): اذا كانت الموطوءة بالشبهة عالمة - بأن كان الاشتباه من طرف الواطي فقط - فلا مهر لها اذا كانت حرّة؛ اذ «لا مهر لبغي». و لو كانت أمة ففي كون الحكم كذلك أو يثبت المهر؛ لأنّه حقّ السيّد وجهان، لايخلو الأوّل منهما من قوّة.
الشرح:
في المسألة فرعان:
اذا كانت الموطوءة بالشبهة حرّة عالمة و كان الاشتباه من طرف الواطي فقط، فلا مهر؛ لما تقدّم في المسائل السابقة من أنّه اصطيد من الروايات أن لا مهر لبغي.و كذا يدلّ عليه صحيحة بريد العجلي المتقدّمة في الأخت التي دلّست نفسها و جلست مكان أختها في الحجلة حتّى دخل زوج الأخت عليها فواقعها و هو لايعلم حيث قال عليه السلام : «أرى أن لا مهر للّتي دلّست نفسها».
و كذا رواية علي بن أحمد بن أشيم في الرجل يتزوّج المرأة متعة ثمّ ينكشف له أنّ لها زوجا حيث حكم عليه السلام بعدم اعطائها المهر.
فهل الحكم فيها كالحكم في الحرّة أو يثبت المهر، لأنّه حقّ السيّد؟ وجهان، قد اختار المصنّف رحمه اللّه الأوّل منهما.
و الدليل عليه أنّ مقتضى الروايات المذكورة بعضها آنفا هو عدم ترتّب أيّ أثر على البغاء مطلقا و أنّ ما يؤخذ بازاء الزنا سحت لايملكه الآخذ و لايجوز له التصرّف فيه من غير فرق بين الحرّة و الأمة.
و ما يقال من أنّ وط ء الأمة تصرّف في ملك الغير فيستحقّ المالك القيمة.
ففيه: انّ هذا التصرّف لا قيمة له شرعا؛ اذ لا ماليّة للوط ء بالزنا شرعا، كما لو فعل بها غير الوط ء من المحرّمات من المسّ و التقبيل و غيرهما فانّه لا اشكال في عدم ضمانه للمالك.
نعم، لو كانت بكرا فافتضّها استحقّ مولاها العشر و هو أمر آخر لايرتبط بما نحن فيه من استحقاق المهر.
و أمّا الوجه الثاني و هو ثبوت ضمان الواطي فيمكن أن يستدلّ له بصحيحة الوليد بن صبيح عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل تزوّج امرأة حرّة فوجدها أمة قد دلّست نفسها له قال:
«ان كان الذي زوّجها ايّاه من غير مواليها فالنكاح فاسد، قلت: فكيف يصنع بالمهر الذي أخذت منه؟ قال: ان وجد ممّا أعطاها شيئافليأخذه و ان لم يجد شيئا فلا شيء له و ان كان زوّجها ايّاه ولي لها ارتجع على وليّها بما أخذت منه و لمواليها عليه عشر ثمنها ان كانت بكرا و ان كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها بما استحلّ من فرجها. الحديث».(1)
1) - وسائل الشيعة 21: 185 / الباب 67 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 1.
ولكن فيه: انّ الرواية أجنبيّة عن محلّ الكلام و ذلك لأنّ محلّ الكلام فيما اذا كان الوط ء بشبهة أي كان من غير استحقاق واقعا، فلايرتبط بمورد الرواية الذي هو الوط ء بعقد صحيح و عن استحقاق.
غاية الأمر أنّ للزوج حقّ الفسخ باعتبار أنّه قد تزوّجها بوصف كونها حرّة و قد تخلّف.
و كذا استدلّ له بصحيحة فضيل بن يسار عن أبي عبداللّه عليه السلام فيمن أحلّ جاريته لأخيه حيث ورد فيها:
«قلت: أرأيت ان أحلّ له ما دون الفرج فغلبته الشهوة فافتضّها؟ قال: لاينبغي له ذلك، قلت: فان فعل أيكون زانيا؟ قال: لا، ولكن يكون خائنا، و يغرم لصاحبها عشر قيمتها ان كانت بكرا و ان لم تكن فنصف عشر قيمتها».(1)
بتقريب أنّ مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين جهل الأمة و علمها.
ولكن هذه أيضا كسابقتها أجنبيّة عن محلّ الكلام فانّ كلامنا فيما اذا كانت الأمة زانية و هذه ليست زانية، فانّ الامام عليه السلام لم يقل بأنّ الرجل زانٍ بل قال بأنّه يكون خائنا، فحالها أيضا كحاله بل أضعف و أسهل، فهي غاية ما تكون، تكون خائنة لا زانية.
فبالنتيجة: انّ الصحيح هو الذي ذهب اليه الماتن من عدم ثبوت شيء علىالفاعل فيما اذا كانت الأمة عالمة و زانية، فانّها لاتستحقّ شيئا على الاطلاق لا هي و لا سيّدها.
(مسألة 16): لايتعدّد المهر بتعدّد الوط ء مع استمرار الاشتباه. نعم، لو كان مع تعدّد الاشتباه تعدّد.
1) - وسائل الشيعة 21: 132 / الباب 35 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 1.
الشرح:
أمّا مع استمرار الاشتباه فلأنّه لايحرز و لايكون في رواية واحدة أنّ الملاك في ثبوت المهر هو وحدة الوط ء أو تعدّده، بل الثابت هو كون العبرة في ثبوته طبيعي الوط ء مع وحدة الاشتباه.
و هذا مستفاد من ظاهر الروايات كموثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا نعي الرجل الى أهله أو أخبروها أنّه قد طلّقها فاعتدّت ثمّ تزوّجت فجاء زوجها الأوّل، فانّ الأوّل أحقّ بها من هذا الأخير، دخل بها الأوّل أو لم يدخل بها و ليس للآخر أن يتزوّجها أبدا و لها المهر بما استحلّ من فرجها».(1)
فانّ حمل الرواية على ما اذا وطأها مرّة واحدة بعيد بل خلاف ظاهرها.
نعم، لو كان تعدّد الوط ء لتعدّد الاشتباه فيتعدّد المهر؛ لتعدّد السبب فانّ كلّ شبهة سبب في ثبوت مهر و المرجع هو أصالة عدم التداخل؛ بعد عدم ما يدلّ على التداخل.
(مسألة 17): لابأس بتزويج المرأة الزانية غير ذات البعل للزاني و غيره. و الأحوط الأولى أن يكون بعد استبراء رحمها بحيضة من مائه أو ماء غيره انلم تكن حاملاً. و أمّا الحامل فلا حاجة فيها الى الاستبراء بل يجوز تزويجها و وطؤها بلا فصل. نعم، الأحوط ترك تزويج المشهورة بالزنا الاّ بعد ظهور توبتها، بل الأحوط ذلك بالنسبة الى الزاني بها، و أحوط من ذلك ترك تزويج الزانية مطلقا الاّ بعد توبتها. و يظهر ذلك بدعائها الى الفجور، فان أبت ظهر توبتها.
1) - وسائل الشيعة 20: 447 / الباب 16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 6.
الشرح:
في المسألة فروع:
لا اشكال و لا خلاف - كما في المباني(1)- في جواز تزويج الزانية اذا تابت و ان كانت مشهورة، و ذلك لأنّها اذا تابت خرجت من تلك الصفة بدليل قوله تعالى: «الاّ من تاب و آمن و عمل عملاً صالحا فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسنات».(2)و الروايات المعتبرة الدالّة على أنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له، مضافا الى دلالة ما سيأتي من الروايات على ذلك.
كما أنّه قد تقدّم حكم من زنى بامرأة ذات بعل أو كانت في عدّة رجعيّة.
و في المسالك: «المشهور بين الأصحاب عدم تحريم الزانية على الزاني ان لم يكن زنى بها حال تزوّجها بغيره و لا معتدّة منه عدّة رجعيّة؛ للأصل و قول النبي صلى اللّه عليه و آله: «الحرام لايحرّم الحلال»، و صحيحة الحلبي.
نعم، يكره تزويج الزانية مطلقا؛ للنهي عنه في عدّة أخبار، المحمول على الكراهة جمعا. و حرّمه الشيخان و أتباعهما الاّ أن تتوب. و اعتبر الشيخ في توبتها أن يدعوها الى الزنا فلاتجيبه، استنادا الى رواية أبي بصير. و في معناها رواية عمّار، و السند فيهما ضعيف، و في سند الأولى قطع و في متنها اشكال. انتهى ملخّصا».(3)
و في المستمسك: «لابأس بتزويج المرأة الزانية غير ذات البعل للزاني كما هو المشهور. و عن الخلاف الاجماع عليه؛ لعمومات الحلّ. و عن الشيخين و جماعة:
المنع الاّ مع التوبة. و كذا يجوز لغير الزاني على المشهور شهرة عظيمة؛ للنصوص الكثيرة. و عن الحلبي و ظاهر المقنع الحرمة، و الأحوط الأولى أن يكون بعد استبراء رحمها كما في موثّق اسحاق بن جرير. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
من زنى بامرأة غير ذات البعل و لا في العدّة الرجعيّة، ثمّ أراد أن يتزوّجها فلابأس به و يدلّ على ذلك صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل فجر بامرأة ثمّ بدا له أن يتزوّجها، فقال: حلال أوّله سفاح و آخره نكاح، أوّله حرام و آخره حلال».(2)
و صحيحة عبيد اللّه بن علي الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أيّما رجل فجر بامرأة ثمّ بدا له أن يتزوّجها حلالاً، قال: أوّله سفاح و آخره نكاح، و مثله مثل النخلة أصاب الرجل من ثمرها حراما ثمّ اشتراها بعد فكانت له حلالاً».(3)
و موثّقة زرارة بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«لابأس اذا زنى رجل بامرأة أن يتزوّج بها بعد، و ضرب مثل ذلك رجل سرق ثمرة نخلة ثمّ اشتراها بعد».(4)
و رواية هاشم بن المثنّى قال:
«انّ رجلاً سأل أبا عبداللّه عليه السلام و أنا عنده عن الرجل يأتي المرأة حراما أيتزوّجها؟ قال: نعم. الحديث».(5)
و رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
1) - مستمسك العروة 14: 152 - 154.
2) - وسائل الشيعة 20: 433 / الباب 11 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 20: 434 / الباب 11 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 20: 435 / الباب 11 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 8.
5) - وسائل الشيعة 20: 435 / الباب 11 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 6.
«سألته عن رجل زنى بامرأتين أله أن يتزوّج بواحدة منهما؟ قال: نعم، لايحرّم حلالاً حرام».(1)
و هذه الروايات مطلقة بالنسبة الى ما قبل التوبة و ما بعدها و هناك روايات تدلّ بظاهرها على عدم جواز النكاح قبل التوبة كموثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل، يحلّ له أن يتزوّج امرأة كان يفجر بها؟ قال: ان آنس منها رشدا فنعم، و الاّ فليراودها على الحرام فان تابعته فهي عليه حرام و ان أبت فليتزوّجها».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر أو أبي عبداللّه عليهماالسلام قال:
«لو أنّ رجلاً فجر بامرأة ثمّ تابا فتزوّجها لم يكن عليه شيء من ذلك».(3)
و صحيحة أبي بصير قال:
«سألته عن رجل فجر بامرأة ثمّ أراد بعد أن يتزوّجها، فقال: اذا تابت حلّ نكاحها، قلت: كيف يعرف توبتها؟ قال: يدعوها الى ما كانا عليه من الحرام فان امتنعت فاستغفرت ربّها عرف توبتها».(4)
ولكن الظاهر جواز النكاح و ان لم يظهر توبتها و ذلك لأنّه تحمل هذه الروايات امّا على الاستحباب جمعا و ذلك لأنّ ما دلّ على جواز النكاح مطلقا كان في مقام البيان و هو آبٍ عن التقييد.
و امّا على ما اذا لم تكن المرأة ممّن أصرّت على الزنى، الاّ أنّها ابتليت بهذا الرجل فوقعت فيه، فبحسب العادة اذا أراد الرجل أن يتزوّجها ظهر منهما التوبة من ذلك العمل.
1) - وسائل الشيعة 20: 435 / الباب 11 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 9.
2) - وسائل الشيعة 20: 433 / الباب 11 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 20: 434 / الباب 11 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 20: 435 / الباب 11 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 7.
و امّا على الارشاد، بمعنى أنّه اذا لم تظهر توبتها كان بال الرجل مشغولاً من هذه المرأة من جهة أنّها يمكن أن تزني برجل آخر، فأمر عليه السلام في صحيحة أبي بصير بدعائها الى الزنا ليظهر للرجل أنّها تابت و تطمئنّ نفسه منها.
و امّا على المشهورة بالزنا التي سيأتي حكمها.
و كيف كان فلا تعارض بين هذه الروايات و الروايات المتقدّمة، بل يظهر من قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي و غيرها: «أوّله سفاح و آخره نكاح» و أنّ الحرام لايحرّم الحلال، جواز ذلك و ان لم تظهر توبتها.
هذا كلّه بالنسبة الى تزويج الرجل بالمرأة التي زنى بها، و أمّا تزويجه بالزانية من غيره فالظاهر جوازه لصحيحة علي بن رئاب قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المرأة الفاجرة يتزوّجها الرجل المسلم؟ قال: نعم، و ما يمنعه؟ ولكن اذا فعل فليحصن بابه مخافة الولد».(1)
و رواية علي بن يقطين قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام : نساء أهل المدينة قال: فواسق، قلت: فأتزوّج منهنّ قال: نعم».(2)
قد ذهب جمع من العلماء - كالشهيد الثاني في المسالك و العلاّمة في التحرير و صاحب الحدائق و الوسائل على ما حكى عنهم في المستمسك كما سيأتي كلامه - الى وجوب استبراء رحم الزانية قبل تزويجها و استدلّ لهم أوّلاً بموثّقة اسحاق بن جرير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: الرجل يفجر بالمرأة ثمّ يبدو له في تزويجها، هل يحلّ له ذلك؟ قال: نعم، اذا هو اجتنبها حتّى تنقضي عدّتها باستبراء رحمها من ماء الفجور فله أن يتزوّجها، و انّما يجوز له أن يتزوّجها بعد أن يقف على توبتها».(1)
و ثانيا برواية حسن بن علي بن شعبة في تحف العقول عن أبي جعفر محمّد بن علي الجواد عليه السلام :
«انّه سئل عن رجل نكح امرأة على زنا أيحلّ له أن يتزوّجها؟ فقال: يدعها حتّى يستبرئها من نطفته أو نطفة غيره، اذ لايؤمن منها أن تكون قد أحدثت مع غيره حدثا كما أحدثت معه، ثمّ يتزوّج بها ان أراد، فانّما مثله مثل نخلة أكل منها رجل حراما ثمّ اشتراها فأكل منها حلالاً».(2)
و يؤيّدهما عمومات ما دلّ على لزوم العدّة بالدخول(3)و كذا قولهم عليهم السلام : «العدّة من الماء».(4)
و قد استدلّ أيضا للزوم الاستبراء بالحذر من اختلاط المياه و تشويش الأنساب.
و قد حمل صاحب الجواهر الخبرين على ضرب من الاستحباب و قال بأنّ العمومات قد خصّصت اجماعا لأنّه لا مجال للتمسّك بها في بعض الموارد بالاتّفاق.
و أمّا السيّد الحكيم فبعد نقل ما في الجواهر استشكل عليه بأنّ الحمل على الندب لا قرينة عليه و أنّ عدم العمل بالعمومات في بعض الموارد لايمنع من العمل بها في غير مورد الاجماع.
و قد استشكل هو في العمومات بأنّها واردة في العدّة لغير صاحب الماء و الاّ فقد تقدّم أنّه يجوز التزويج في عدّة نفسه.
و ردّ الخبرين بمخالفتهما للمشهور فلا مجال للعمل بهما مع أنّ الثاني مرسل.(1)
أقول:
انّ الظاهر أنّ المطلقات الواردة في جواز تزويج الزانية كانت قويّة بحيث تأبى عن التخصيص مع كونها في مقام البيان، مع أنّ المقيّدات ضعيفة مع اعراض المشهور عنها في قبال المطلقات، و عليه فما ذهب اليه السيّد الخوئي رحمه اللّه(2)من الاحتياط الواجب بالنسبة الى صاحب الماء فالظاهر أنّه غير لازم. نعم، الاحتياط حسن.
و أمّا اختلاط المياه و تشويش الأنساب فالظاهر أنّه كان في غير الزنا، و أمّا فيه فلمّا لم يكن للعاهر الاّ الحجر فلا وجه فيه للزوم الاحتياط حذرا من اختلاط المياه فانّ الولد للفراش.
هذا في غير الحامل و أمّا الحامل من الزنا فلا حاجة فيها الى الاستبراء قطعا حتّى و لو كان الزاني يريد التزويج منها؛ اذ لايحتمل حينئذ أن يكون الولد ولدهشرعا بل هو من الزنا قطعا فلا فائدة في الاعتداد.
و قد أيّد ذلك ما رواه محمّد بن الحسن القمّي قال:
«كتب بعض أصحابنا على يدي الى أبي جعفر عليه السلام : ما تقول في رجل فجر بامرأة فحبلت ثمّ انّه تزوّجها بعد الحمل فجائت بولد و هو أشبه خلق اللّه به؟ فكتب عليه السلام بخطّه و خاتمه: الولد لغيّة لايورث».(3)
و هو ان كان ضعيفا سندا الاّ أنّه يصلح للتأييد.
قد يقال بأنّ قوله تعالى: «الزاني لاينكح الاّ زانية أو مشركة و الزانية لاينكحها الاّ زانٍ أو مشرك و حرّم ذلك على المؤمنين»(1)يدلّ على حرمة نكاح المشهورة بالزنا. فانّ الآية الشريفة قد فسّرت بتفسيرات متعدّدة و أظهرها على التحقيق هو أنّ الآية ليست بصدد بيان التشريع بل يخبر عن موضوع و يبيّن أنّ الرجل الذي من عادته الزنا لايزني و لايعاشر الاّ بالمرأة الزانية أو المشركة كما أنّ المرأة الزانية لايزني بها الاّ الرجل الزاني أو المشرك، و النكاح في الآية ليس من النكاح المصطلح الشرعي.
و الدليل على ذلك أوّلاً: انّه لو كان المراد من النكاح النكاح الشرعي، فيكون حاصل الآية جواز تزويج المسلم الزاني بالمشركة و تزويج المشرك بالمسلمة الزانية مع أنّ عدم جوازهما ممّا هو قطعي بين الفريقين.
و ثانيا: انّ الذي يكون موردا للنهي هو التزوّج بالزانية سواء كان الزوج زانيا أو لم يكن، مع أنّ الآية قد صرّحت بجواز تزويج الزاني مع الزانية و هو خلاف قولالقائلين بالحرمة.
و ثالثا: انّه لا خلاف و لا اشكال في جواز التزوّج بالزاني، و انّما الخلاف في تزويج الزانية مع أنّ الآية قد صرّحت بحرمة الأوّل أيضا.
هذا ولكن هناك روايات تؤيّد أنّ المراد بالنكاح هو النكاح الشرعي و لا بدّ من ردّ علمها الى أهله، و الاّ فلايمكن أن تكون الآية في النكاح الشرعي على الظاهر.
منها ما عن علي بن الحسين المرتضى في رسالة المحكم و المتشابه نقلاً من تفسير النعماني عن علي عليه السلام قال:
«و أمّا ما لفظه خصوص و معناه عموم فقوله تعالى: - الى أن قال: - و
1) - النور 24: 3.
قوله سبحانه: «الزاني لاينكح الاّ زانية أو مشركة و الزانية لاينكحها الاّ زانٍ أو مشرك و حرّم ذلك على المؤمنين» نزلت هذه الآية في نساء كنّ بمكّة معروفات بالزنا منهنّ سارة و خثيمة و رباب، حرّم اللّه نكاحهنّ فالآية جارية في كلّ من كان من النساء مثلهنّ».(1)
و منها رواية حكم بن حكيم عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ: «و الزانية لاينكحها الاّ زانٍ أو مشرك» قال:
«انّما ذلك في الجهر ثمّ قال: لو أنّ انسانا زنى ثمّ تاب تزوّج حيث شاء».(2)
و منها صحيحة زرارة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ: «الزاني لاينكح الاّ زانية أو مشركة و الزانية لاينكحها الاّ زانٍ أو مشرك» قال: هنّ نساء مشهورات بالزنا و رجال مشهورون بالزنا قد شهروا بالزنا و عرفوا به و الناس اليوم بذلك المنزل فمن أقيم عليه حدّ الزنا أو شهر بالزنالم ينبغ لأحد أن يناكحه حتّى يعرف منه توبة».(3)
و على هذا فالآية ان لم تكن دالّة على ما قلنا، فهي مجملة لايمكن التمسّك بها في ثبوت حرمة التزويج بالزانية المشهورة به.
نعم انّ هناك صحيحة الحلبي التي تمنع عن نكاح المشهورة بالزنا من دون أن يكون تفسيرا للآية الشريفة قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : لاتتزوّج المرأة المعلنة بالزنا و لايتزوّج الرجل المعلن بالزنا الاّ بعد أن تعرف منهما التوبة».(4)
1) - وسائل الشيعة 20: 440 / الباب 13 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 5.
2) - وسائل الشيعة 20: 440 / الباب 13 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 20: 439 / الباب 13 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 20: 438 / الباب 13 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 1.
و في قبالها روايات دالّة على الجواز مطلقا:
منها موثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سئل عن رجل أعجبته امرأة فسأل عنها فاذا النثاء عليها في شيء من الفجور، فقال: لابأس بأن يتزوّجها و يحصنها».(1)
و منها صحيحة علي بن رئاب المتقدّمة آنفا قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المرأة الفاجرة يتزوّجها الرجل المسلم، قال: نعم، و ما يمنعه؟ ولكن اذا فعل فليحصن بابه مخافة الولد».
و منها رواية علي بن يقطين المتقدّمة أيضا قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام : نساء أهل المدينة قال: فواسق، قلت: فأتزوّج منهنّ؟ قال نعم».
و منها رواية زرارة قال:
«سأله عمّار و أنا حاضر عن الرجل يتزوّج الفاجرة متعة، قال: لابأس و ان كان التزويج الآخر فليحصن بابه».(2)
و لايبعد تقييد هذه الروايات بصحيحة الحلبي الاّ أنّ ظاهرها آبٍ عن التقييد.
و على أيّ حال - بعد اجمال الآية على التفسيرات المذكورة فيها - فما هو الحاصل من الروايات هو حرمة تزويج المشهورة بالزنا قبل التوبة و على الأقلّ من لزوم الاحتياط فيه.
(مسألة 18): لاتحرم الزوجة على زوجها بزناها و ان كانت مصرّة على ذلك و لايجب عليه أن يطلّقها.
الشرح:
انّ الحكم بعدم حرمة الزوجة على زوجها بزناها هو المشهور بين الأصحاب كما في المستمسك و المباني، و يدلّ عليه صحيحة عبّاد بن صهيب عن جعفر بن محمّد عليه السلام قال:
«لابأس أن يمسك الرجل امرأته ان رآها تزني اذا كانت تزني و ان لم يقم عليها الحدّ فليس عليه من اثمها شيء».(1)
و لاتعارضها مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل تزوّج المرأة متعة أيّاما معلومة فتجيؤه في بعض أيّامها فتقول: انّي قد بغيت قبل مجيئي اليك بساعة أو بيوم، هل له أن يطأها و قد أقرّت له ببغيها؟ قال: لاينبغي له أن يطأها».(2)
و ذلك أوّلاً لأنّها مرسلة لاتقاوم أمام الصحيحة.
و ثانيا بأنّ «لاينبغي» لا دلالة فيه على الحرمة و غايته ظهوره فيها أحيانا، مع أنّ الصحيحة نصّ في الحلّيّة، فيقدّم النصّ على الظاهر مضافا الى اعراض المشهور عنها أو تأويلها.
مع أنّه من المحتمل أن يكون الحكم بترك الوط ء في الرواية، حكما استحبابيّا و هو استبراء رحم الزانية قبل وطئها.
و لايجب عليه أن يطلّقها و الدليل عليه نفس صحيحة عبّاد بن صهيب، و لاتعارضها موثّقة الفضل بن يونس قال:
«سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن رجل تزوّج امرأة فلم يدخل بها فزنت، قال: يفرّق بينهما و تحدّ الحدّ و لا صداق لها».(3)
و رواية اسماعيل بن أبي زياد السكوني عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهماالسلام قال:
«قال علي عليه السلام في المرأة اذا زنت قبل أن يدخل بها زوجها، قال: يفرّق بينهما و لا صداق لها؛ لأنّ الحدث كان من قبلها».(1)
و ذلك أوّلاً لاعراض المشهور عنهما.
و ثانيا لما ذكره السيّد الخوئي رحمه اللّه من معارضتهما بما هو أقوى منهما و هو صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن المرأة تلد من الزنا و لايعلم بذلك أحد الاّ وليّها، أيصلح له أن يزوّجها و يسكت على ذلك اذا كان قد رأى منها توبة أو معروفا؟ فقال: ان لم يذكر ذلك لزوجها ثمّ علم بعد ذلك فشاء أن يأخذ صداقها من وليّها بما دلّس عليه كان ذلك على وليّها، و كان الصداق الذي أخذت لها، لا سبيل عليها فيه بما استحلّ من فرجها، و ان شاء زوجها أن يمسكها فلابأس».(2)
و نظيرها صحيحة معاوية بن وهب.(3)
و هما وردتا في امرأة زنت قبل تزوّجها ولكن السيّد الخوئي رحمه اللّه قد قال(4)بأنّ الزنا اذا كان موجبا لرفع العقد بعد وقوعه و تحقّقه فكونه دافعا له و مانعا من تحقّقه يثبت بالأولويّة.
ولكن الظاهر أنّ مورد الصحيحتين هو ما ذكرناه سابقا من التزويج بالزانية بعد توبتها، الاّ أنّ ما يوجب هذا الحكم فيهما هو تدليس الزوج، و لا ربط لهما بما نحن فيه، و لا معارضة بينهما و بين الروايتين السابقتين، و على هذا فانحصر وجه ردّهما باعراض المشهور عنهما.
مع أنّه يمكن أن يجري الاحتمال السابق في هنا أيضا و هو الحكم بأنّه من
المستحبّ أن لايطأها حتّى تنقضي عدّتها، و القول بأنّه معنى «يفرّق بينهما»، و ان كان خلاف ظاهره.
(مسألة 19): اذا زنى بذات بعل دواما أو متعة حرمت عليه مؤبّدا. فلايجوز له نكاحها بعد موت زوجها أو طلاقه لها أو انقضاء مدّتها اذا كانت متعة. و لا فرق على الظاهر بين كونه حال الزنا عالما بأنّها ذات بعل أو لا، كما لا فرق بين كونها حرّة أو أمة و زوجها حرّا أو عبدا كبيرا أو صغيرا، و لا بين كونها مدخولاً بها من زوجها أو لا، و لا بين أن يكون ذلك باجراء العقد عليها و عدمه بعد فرض العلم بعدم صحّة العقد. و لا بين أن تكون الزوجة مشتبهة أو زانية أو مكرهة. نعم، لو كانت هي الزانية و كان الواطي مشتبها فالأقوى عدم الحرمة الأبديّة. و لايلحق بذات البعل الأمة المستفرشة و لا المحلّلة. نعم، لو كانت الأمة مزوّجة فوطئها سيّدها لم يبعد الحرمة الأبديّة عليه و ان كان لايخلو عن اشكال. و لو كان الواطي مكرها على الزنا، فالظاهر لحوق الحكم و ان كان لايخلو عن اشكال أيضا.
الشرح:
قد استدلّ على الحرمة الأبديّة في الزنا بذات البعل بوجوه:
الأوّل: بالأولويّة من العقد على ذات البعل، فانّه قد تقدّم أنّ العقد على ذات البعل موجب للحرمة الأبديّة، فالزنا أولى، فانّ الشهيد في المسالك(1)استدلّ على الحكم بهذه الأولويّة.
و فيه: انّ الحكم في العقد تعبّدي لايتعدّى عن مورده و القطع بالأولويّة ممنوع.
الثاني: بما في فقه الرضا عليه السلام قال:
1) - مسالك الأفهام 7: 342.
«و من زنى بذات بعل محصنا كان أو غير محصن ثمّ طلّقها زوجها أو مات عنها و أراد الذي زنى بها أن يتزوّج بها لم تحلّ له أبدا».(1)
و ما رواه في الرياض نقلاً عن بعض متأخّري الأصحاب حيث قال: «و روي أنّ من زنى بامرأة لها بعل أو في عدّة رجعيّة حرمت عليه و لم تحلّ له أبدا».(2)
و فيه: انّ من المعلوم عدم استناد الفقهاء الى ما في فقه الرضا فانّه مخدوش سندا و الثاني مرسل لايستند في الحكم اليه، و مجرّد موافقة المشهور ليس جابرا اذا لم يعلم الاستناد الى الرواية.
الثالث: دعوى الاجماع كما نقل ذلك في المستمسك(3)عن الانتصار و الغنية و الحلّي و فخر المحقّقين و صاحب الرياض و صاحب الحدائق، و نقل التوقّف فيه عن المحقّق رحمه اللّه في الشرائع.
و الظاهر أنّ الاجماع هو الدليل الأصيل و العمدة في الباب كما سترد عليك فتوى الأصحاب قديما و حديثا.
قال الشيخ المفيد رحمه اللّه: «و من سافح امرأة(4)و هي ذات بعل حرّم ذلك عليه نكاحها من بعد و ان فارقها زوجها و تابت ممّا اقترفته فلم تحلّ له أبدا، و كذلك لو سافحها و هي في عدّة من بعل له عليها رجعة فانّها تحرم عليه بذلك و لاتحلّ له أبدا».(5)
و قال الشريف المرتضى رحمه اللّه: «و ممّا انفردت به الاماميّة القول بأنّ من زنى بامرأة لها بعل حرم عليه نكاحها أبدا و ان فارقها زوجها، و باقي الفقهاء يخالفون في ذلك».
و قال أيضا: «و ممّا انفردت الاماميّة به القول بأنّ من زنى بامرأة و هي في عدّة من بعل له فيها عليها رجعة حرمت عليه بذلك و لم تحلّ له أبدا».(1)
و قال الشيخ قدس سره في النهاية: «و من فجر بامرأة لها زوج لم يجز له العقد عليها أبدا. و كذلك الحكم ان كان فجوره في عدّة لزوجها عليها فيها رجعة، يحرم عليه العقد عليها».(2)
و قال ابن حمزة قدس سره في الوسيلة: «انّما يجوز العقد على من أحلّ اللّه تعالى نكاحه و لايجوز على من حرّم عليه النكاح، و المحرّمات من النساء ضربان، امّا بالنسب أو بالسبب - الى أن قال: - و السبب ضربان: امّا يحرم نكاحه أبدا أو في حال دون حال، فالأوّل أربعون صنفا، و عدّ منها: التي قد زني بها و هي ذات بعل أو في عدة له فيها عليها رجعة».(3)
و قال ابن البرّاج رحمه اللّه في المهذّب: «و اذا كان للمرأة زوج أو كانت في عدّة من زوج له عليها رجعة، و فجر بها رجل في شيء من ذلك حرم على الذي فجر بها العقد عليها أبدا».(4)
و قال أبو الصلاح رحمه اللّه في عدّ من يحرم نكاحهنّ: «و الزانية و هي ذات بعل أو ذات عدّة رجعيّة على الزاني».(5)
و قال سلاّر: «منها أن تكون المرأة لم يزن بها الناكح و هي ذات بعل أو في عدّة، فان زنى بها و هي ذات بعل لم تحلّ له أبدا».(6)
و قال ابن ادريس في السرائر: «و يحرم العقد على الزانية، و هي ذات بعل أو
في عدّة رجعيّة ممّن زنا بها سواء علم في حال زناه بها أنّها ذات بعل أو لم يعلم تحريم أبد».(1)
و قال ابن سعيد: «و يحرم المزني بها و لها بعل على الزاني أو في عدّة رجعيّة».(2)
و الظاهر اتّفاق قدماء أصحابنا على هذين الحكمين، فالعمدة في الحكم هو الاجماع.
قال في الجواهر: «و لو زنى بذات بعل أو في عدّة رجعيّة حرمت عليه أبدا في قول مشهور، بل لاأجد فيه خلافا كما عن جماعة الاعتراف به، بل في كشف اللثام نسبته الى قطع الأصحاب عدا المصنّف هنا، بل في الانتصار الاجماع عليه مطلقا. و قد دلّ عليه الرواية الواردة في محكي الفقه المنسوب الى الرضا عليه السلام . و في الرياض روى عن بعض متأخّري الأصحاب أنّه قال: «روي أنّ من زنى بامرأة لها بعل أو في عدّة رجعية حرمت عليه و لم تحلّ له أبدا». - الى أن قال: - لكن الانصاف أنّ العمدة في ذلك الاجماع».(3)
و الظاهر أنّ معقد الاجماع يشمل ما لو كانت مدخولاً بها من بعلها و عدمه كمالا فرق فيه بين العالمة و الجاهلة بل و لا بين علم الزاني بكونها ذات بعل و عدمه و لا بين الدائم و المنقطع.
نعم، لايلحق بها الأمة المستفرشة - كما في المتن - و ذلك لعدم صدق ذات البعل عليها و لا المحلّلة، فيشملهما العمومات.
و لو كانت المرأة زانية و الرجل مشتبها، ففي الحرمة الأبديّة اشكال بل منع، فانّ ظاهر العبارات آبية عن شمول هذه الصورة.
و ما في الجواهر من استفادة الحرمة في هذا المقام من حكم العقد على ذات
البعل - حيث حكم فيه بالحرمة الأبديّة مع علمها دونه - ممنوع فانّ الحكم في العقد تعبّد صرف لانتعدّى منه الى غيره كما تقدّم.
ثمّ انّ هنا فرعين:
قال المصنّف رحمه اللّه: «لم يبعد الحرمة الأبديّة عليه، و ان كان لايخلو عن اشكال».
و الكلام في هذا الفرع في مقامين:
الأوّل: في بيان القاعدة مع قطع النظر عن الروايات.
الثاني: في بيان ما يستفاد من الروايات.
أمّا الأوّل: فوجه ثبوت الحرمة الأبديّة اطلاق معقد الاجماع.
و وجه عدم ثبوته أوّلاً: انّ الاجماع دليل لبّي لا اطلاق له، بل المرجع فيه عند الشكّ هو القدر المتيقّن و هو غير هذا المورد.
و ثانيا: على فرض اطلاقه و جواز التمسّك به في غير هذا المورد، فلايجوز في هنا و ذلك لأنّه من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، و ذلك لأنّ الزنا على ما فسّره الأعلام انّما هو الوط ء المحرّم بالأصالة، مع أنّ وط ء المولى جائز بالأصالةو انّما الحرمة عارضيّة، فصدق الزنا عليه مشكل و لا أقلّ من الشكّ فيه و اذا شكّ فيه فلايشمله معقد الاجماعات.
و أمّا الثاني - و هو ما يستفاد من الروايات - فهنا روايتان:
الأولى: صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«في رجل زوّج أمته رجلاً ثمّ وقع عليها قال: يضرب الحدّ».(1)
و الثانية: مرسلة الصدوق:
1) - وسائل الشيعة 28: 121 / الباب 22 من أبواب حدّ الزنا / الحديث 9.
«أنّ أميرالمؤمنين عليه السلام أتي برجل زوّج جاريته مملوكه ثمّ وطئها فضربه الحدّ».(1)
فانّ الظاهر من الروايتين صدق الزنا على فعل المولى و الاّ لم يجب الحدّ، فيشمله معقد الاجماع، و لا بدّ من العمل بهما فانّ الأولى صحيحة تؤيّد بالمرسلة.
و على هذا فتحرم الأمة على المولى اذا زوّجها ثمّ وطئها.
قال المصنّف رحمه اللّه: «و لو كان الواطي مكرها على الزنا فالظاهر لحوق الحكم و ان كان لايخلو عن اشكال أيضا».
الظاهر أنّ وجه لحوق المكره في الحكم بغيره لايكون الاّ لاطلاق معقد الاجماع.
و أمّا وجه اشكاله فمن وجوه:
الأوّل: ما تقدّم من أنّ الاجماع دليل لبّي و لا اطلاق فيه.
الثاني: لو سلّم الاطلاق، ولكن لانسلّم شموله للمقام و ذلك لانصراف كلمات الأصحاب عمّا لو كان الواطي مكرها على الزنا.
الثالث: لو سلّم الاطلاق و عدم الانصراف، فلانسلّم الحرمة و ذلك لأنّ الحرمة الأبديّة امّا عقوبة على الفاعل - كما عن السيّد الخوئي رحمه اللّه(2)- أو كانت من آثار الفعل المكره عليه و كلاهما مرفوعان بحديث الرفع، فانّ حديث الرفع كما ثبت في محلّه، يرفع جميع الآثار المترتّبة على الفعل المكره عليه و كذا يرفع المؤاخذة عن فاعل الحرام اكراها.
(مسألة 20): اذا زنى بامرأة في العدّة الرجعيّة حرمت عليه أبدا دون البائنة و عدّة الوفاة و عدّة المتعة و الوط ء بالشبهة و الفسخ. و لو شكّ في كونها في العدّة أو لا، أو في العدّة الرجعيّة أو البائنة فلا حرمة مادام باقيا على الشكّ. نعم، لو علم كونها في عدّة رجعيّة و شكّ في انقضائها و عدمه فالظاهر الحرمة و خصوصا اذا أخبرت هي بعدم الانقضاء.
الشرح:
قد تقدّم حكم الزنا في العدّة الرجعيّة في المسألة السابقة، و أمّا في غيرها فالظاهر أنّه لايلحق بذات العدّة الرجعيّة، كما في ذات العدّة البائنة و عدّة الوفاة و الموطوءة شبهة و الموطوءة بالملك، و ذلك للأصل و عمومات حلّيّة النكاح السالمة عمّا يعارضها و يخصّصها هنا.
فانّه قد تقدّم أنّ العمدة في الباب هو الاجماع و القدر المتيقّن منه بل صريح كلامهم هو التحريم في الزنا بذات العدّة الرجعيّة دون غيرها.
و أمّا استفادة الحرمة من أولويّة الحرمة هنا بالنسبة الى العقد بذات العدّة غير الرجعيّة، الموجب للحرمة الأبديّة مع العلم.
ففيه أوّلاً: منع الأولويّة القطعيّة المفيدة في المقام.
و ثانيا: تعبّديّة الأحكام في العقد.
قد ذهب المصنّف رحمه اللّه الى عدم الحرمة مادام باقيا على الشكّ.
و قد علّله السيّد الحكيم قدس سره بالأصل المقتضي للبناء ظاهرا على الحلّ.(1)
1) - مستمسك العروة 14: 160.
ولكن السيّد الخوئي رحمه اللّه(1)لم يرتض بهذا التعليل و قال بأنّ أصالة الحلّ تجري فيما اذا كان الشكّ في الحلّيّة التكليفيّة مع أنّ المقام ليس منه بل من الشكّ في صحّة العقد و عدمها و هو الشكّ في الحلّيّة الوضعيّة و لايجري فيها أصالة الحلّ، بل تجري أصالة فساد العقد و عدم ترتّب أثر عليه.
كما أنّه لم يرتض بالتمسّك بعمومات الحلّ و قال بأنّه من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة باعتبار أنّها ناشئة من الشكّ في كون المرأة من مصاديق ما أحلّ اللّه، و لا مجال فيها للتمسّك بالعموم.
ثمّ استند في الحكم بالأصول العمليّة و قال بأنّه ان كان هناك أصل موضوعي ينقّح الموضوع كالاستصحاب فيما كان للمرأة حالة سابقة و هو كونها في العدّة الرجعيّة فشكّ في خروجها عنها فيستصحب بقاؤها، و كأصالة عدم كون الطلاق ثالثا فيما لو شكّ في كون عدّتها من طلاق ثالث أو أقلّ، فالمحكّم هو الأصل الموضوعي.
و ان لم يكن هناك أصل موضوعي فالمرجع استصحاب العدم الأزليفلايترتّب على الزنا بها حكم الزنا بذات العدّة الرجعيّة.
أقول:
الظاهر أنّ المبنى في عدم الحرمة هو ما ذهب اليه السيّد الحكيم قدس سره، فلنوضّح
المبنى ليتّضح صحّته فنقول:
انّه اذا شكّ في أنّ زناه وقع في العدّة الرجعيّة ليحكم بالحرمة الأبديّة أم لم يقع لئلاّيحكم بها، فالأصل عدم وقوعه فيها، و يترتّب عليه جواز تزويجه و حلّيّته، فأصالة الحلّ في المقام لازمة لأصالة عدم الوقوع في العدّة الرجعيّة.
و لاتعارضها أصالة عدم وقوعه في العدّة البائنة أو غيرها ليترتّب عليه وقوعه في العدّة الرجعيّة، و ذلك لأنّه من الأصل المثبت، فانّ الأثر و هو الحرمة الأبديّة
1) - المباني 32: 234.
مترتّب على الوقوع في العدّة الرجعيّة و عدمها على عدمه، و لايثبت الوقوع في العدّة الرجعيّة بأصالة عدم وقوعه في غيرها، الاّ بأصل مثبت.
و أمّا ما ذكره السيّد الخوئي رحمه اللّه من كون المقام من الشكّ في صحّة العقد و فساده و أنّ المحكّم هو أصالة الفساد.
ففيه: انّ الشكّ في صحّة العقد و فساده مسبّب عن الشكّ في حلّيّة المرأة و حرمتها، و اذا أجرينا أصالة الحلّ في الثاني فلايجري أصالة الفساد في الأوّل.
نعم، لو كان هناك أصل موضوعي كالاستصحاب فهو المقدّم على أصالة الحلّ كما ذكره المصنّف رحمه اللّه و غيره.
ثمّ اعلم أنّه كما ذكر في غير مقام، لا فرق في الوط ء بين القبل و الدبر فانّ الزنا يصدق على كلّ منهما بنحو واحد و كذا في المسألة السابقة.
(مسألة 21): من لاط بغلام فأوقب و لو بعض الحشفة حرمت عليه أمّه أبدا و ان علت، و بنته و ان نزلت و أخته من غير فرق بين كونهما كبيرين أو صغيرين أو مختلفين. و لاتحرم على الموطوء أمّ الواطي و بنته و أخته علىالأقوى. و لو كان الموطوء خنثى حرمت أمّها و بنتها على الواطي؛ لأنّه امّا لواط أو زنا و هو محرّم، اذا كان سابقا كما مرّ. و الأحوط حرمة المذكورات على الواطي و ان كان ذلك بعد التزويج خصوصا اذا طلّقها و أراد تزويجها جديدا. و الأمّ الرضاعيّة كالنسبيّة و كذلك الأخت و البنت. و الظاهر عدم الفرق في الوط ء بين أن يكون عن علم و عمد و اختيار أو مع الاشتباه كما اذا تخيّله امرأته أو كان مكرها أو كان المباشر للفعل هو المفعول. و لو كان الموطوء ميّتا ففي التحريم اشكال، و لو شكّ في تحقّق الايقاب و عدمه بنى على العدم. و لاتحرم من جهة هذا العمل الشنيع غير الثلاثة المذكورة، فلابأس بنكاح ولد الواطي ابنة الموطوء أو أخته أو أمّه و ان كان الأولى الترك في ابنته.
الشرح:
لا اشكال و لا خلاف بين الأصحاب في أنّ من لاط بغلام فأوقب حرمت عليه أمّه و بنته و أخته، و هذا الحكم و ان دلّ عليه روايات الاّ أنّ أكثرها ضعاف فلنذكر أوّلاً كلمات الأصحاب في ذلك ثمّ نتبعها بذكر الروايات فاليك نصّ كلماتهم:
قال الشيخ المفيد رحمه اللّه: «و من فجر بغلام فأوقبه لم تحلّ له أخت الغلام و لا أمّه و لا ابنته أبدا».(1)
و قال السيّد المرتضى قدس سره: «و ممّا انفردت به الاماميّة أنّ من تلوّط بغلام فأوقب لم تحلّ له أمّ الغلام و لا أخته و لا بنته، و حكي عن الأوزاعي و ابن حنبل أنّ من تلوّط بغلام يحرم عليه تزويج بنته».(2)
و قال شيخ الطائفة رحمه اللّه: «اذا فجر بغلام فأوقب حرم عليه بنته و أمّه و أخته، و قال الأوزاعي: اذا لاط بغلام حرم عليه بنت هذا الغلام؛ لأنّها بنت من دخل به وخالف جميع الفقهاء في ذلك».(3)
و قال أيضا في النهاية: «و من فجر بغلام فأوقب حرم عليه العقد على أمّه و أخته و بنته، على جميع الأحوال، فان كان الفعل دون الايقاب لم يكن بالعقد عليهنّ بأس».(4)
و قال أبو الصلاح الحلبي رحمه اللّه في عداد المحرّمات بالسبب: «و أمّ الغلام الموقب و أخته و ابنته قبل العقد عليهنّ».(5)
و قال ابن البرّاج رحمه اللّه: «و من فجر بغلام فأوقب حرم عليه العقد على أمّه و ابنته و أخته».(6)
و عدّ ابن حمزة رحمه اللّه(1)من المحرّمات التي يلوط بأبيها أو أخيها أو ابنها فأوقب.
و قال ابن سعيد رحمه اللّه: «و يحرم على الفاعل أخت المفعول بالايقاب و أمّه و بنته و ان كانت زوجته انفسخ نكاحها، و قيل: لاينفسخ، و لاتحرمن بدون الايقاب».(2)
و قال ابن ادريس رحمه اللّه: «و من أوقب غلاما أو رجلاً حرم على اللائط الموقب بنت المفعول به و أمّه و أخته تحريم أبد و يدخل في تحريم الأمّ تحريم الجدّة و ان علت؛ لأنّها أمّ عندنا حقيقة و كذلك بنت البنت و كذلك بنت ابن بنته وا ن سفلن لأنّهنّ بناته حقيقة. و حدّ الايقاب المحرّم لذلك ادخال بعض الحشفة و لو قليلاً و ان لم يجب عليه الغسل؛ لأنّ الغسل لايجب الاّ بغيبوبة الحشفة جميعها، و التحريم لهؤلاء المذكورات بادخال بعضها؛ لأنّ الايقاب هو الدخول».(3)
فانّه رحمه اللّه قد أضاف الى الغلام الرجل، و الى الأمّ الجدّة و ان علت و الى البنتالبنات و ان نزلن و قد بيّن حدّ الايقاب، بخلاف من قبله.
و في الجواهر - عند قول المحقّق رحمه اللّه: «و من فجر بغلام فأوقبه حرم أبدا على الواطي العقد على أمّ الموطوء و أخته و بنته» - قال: «بلا خلاف أجده بل هو في أعلى درجات الاستفاضة و التواتر و هو الحجّة بعد المعتبرة».(4)
و قال ابن قدامة: «فان تلوّط بغلام فقال أصحابنا: يتعلّق به التحريم أيضا فيحرم على اللائط أمّ الغلام و ابنته و على الغلام أمّ اللائط و ابنته، قال: و نصّ عليه أحمد و هو قول الأوزاعي لأنّه وط ء في الفرج فسرّ الحرمة كوط ء المرأة».(5)
اذا عرفت هذه الكلمات فاعلم أنّ في المسألة فروعا كما ذكرها المصنّف رحمه اللّه و قبل ذكر الفروع نذكر الروايات الواردة في الباب ثمّ نذكر الفروع مرتّبا.
أمّا الروايات:
فمنها مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل يعبث بالغلام قال:
«اذا أوقب حرمت عليه ابنته و أخته».(1)
و منها موثّقة ابراهيم بن عمر عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل لعب بغلام هل تحلّ له أمّه؟ قال:
«ان كان ثقب فلا».(2)
و منها مرسلة الصدوق رحمه اللّه قال:
«روي عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل لعب بغلام قال: اذا أوقب لم تحلّ له أخته أبدا».(3)
و منها رواية حمّاد بن عثمان قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل أتى غلاما، أتحلّ له أخته؟ قال: فقال: انكان ثقب فلا».(4)
و منها مرسلة موسى بن سعدان قال:
«كنت عند أبي عبداللّه عليه السلام فقال له رجل: ما ترى في شابّين كانا مصطحبين فولد لهذا غلام و للآخر جارية أيتزوّج ابن هذا ابنة هذا؟ قال: فقال: نعم، سبحان اللّه لم لايحلّ، فقال: انّه كان صديقا له، قال: فقال: و ان كان فلابأس، قال: فانّه كان يفعل به قال: فأعرض بوجهه ثمّ أجابه و هو مستتر بذراعه فقال: ان كان الذي كان منه دون الايقاب فلابأس أن يتزوّج و ان كان قد أوقب فلايحلّ له أن يتزوّج».(5)
1) - وسائل الشيعة 20: 444 / الباب 15 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 20: 445 / الباب 15 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 7.
3) - وسائل الشيعة 20: 445 / الباب 15 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 20: 445 / الباب 15 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 20: 444 / الباب 15 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 3.
و منها مرسلة أخرى لابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يعبث بالغلام قال:
«اذا أوقب حرمت عليه أخته و ابنته».(1)
هذه هي الروايات التي أوردها في الوسائل، فلنذكر فروع المسألة ليتّضح الحكم فيها:
قد تقدّم روايات الباب و كلمات الأصحاب فانّها خالية من ذكر حدّ الايقاب الاّ كلام ابن ادريس رحمه اللّه، فانّه قد حدّه بادخال بعض الحشفة و كذا المصنّف رحمه اللّه ولكن السيّد الخوئي رحمه اللّه لم يرتض بهذا و قال: «انّ النصوص المعتبرة الواردة في المقام انّما تضمّنت عنوان الثقب و هو لايتحقّق بادخال تمام الحشفة خاصّة فضلاًعن ادخال بعضها، و ذلك لأنّ الثقب انّما هو عبارة عن ايجاد الفرجة في الشيء فلايصدق الاّ بادخال تمام الذكر أو ما قاربه. نعم، لمّا كان ادخال تمام الحشفة موجبا لثبوت الحرمة قطعا لم يكن لنا محيص عن الالتزام بها. و أمّا ايجاب ادخال بعضها فمشكل جدّا، و لا سيّما أنّ مقتضى عمومات الحلّ هو الجواز. نعم، لو كان المستند في المقام هو مراسيل ابن أبي عمير و غيرها ممّا لا مجال للاعتماد عليها سندا، كان الالتزام بكفاية ادخال بعض الحشفة في ثبوت الحرمة في محلّه؛ اذ انّها تتضمّن ترتيب الحرمة على الايقاب و هو صادق على ادخال بعضها».(2)
و قال في الجواهر: «و المراد بالايقاب ادخال بعض الحشفة؛ لأنّه لغة ادخال القضيب فيصدق بمسمّاه، بخلاف الغسل المعلّق نصّا و فتوى على غيبوبة
الحشفة التي هي معنى التقاء الختانين، لكن الانصاف انسياق ما يحصل به حرمة المصاهرة في غير المقام ممّا علّق على الدخول و الوط ء من الايقاب، فان ثبت اجماع على نشره الحرمة - و ان لم يحصل ذلك - كان متّبعا، و الاّ كان للتوقّف فيه مجال».(1)
و قد أجاب عن ذيل كلامه السيّد الحكيم رحمه اللّه في المستمسك حيث قال: «من لاط بغلام فأوقب و لو بعض الحشفة حرمت عليه أبدا كما نصّ على ذلك في القواعد و المسالك و جامع المقاصد و الروضة و غيرها، و في الرياض: «الاتّفاق في الظاهر واقع عليه». لصدق الايقاب، و تقييده بتمام الحشفة في وجوب الغسل لدليله - مثل: «اذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» - لايقتضي التقييد بذلك هنا؛ لحرمة القياس. و دعوى الانسياق الى ما يحصل به حرمة المصاهرة في غير المقام ممنوعة بنحو يعتدّ به».(2)
و في مجمع البحرين: «و في حديث الحائض: «للرجل ما بين الييها ولايوقب» أي لايدخل ذكره في فرجها و لو بعضه، و حدّ الايقاب غيبوبة الحشفة في الدبر، و قيل: يكفي بعضها».
و في الحدائق: «الظاهر أنّ الايقاب المترتّب عليه التحريم في هذا المقام هو ادخال بعض الحشفة و لو قليلاً و ان لم يترتّب عليه الغسل، فانّ الغسل انّما يجب بغيبوبة الجميع. يقال: وقب الشيء يقب وقوبا: اذا أدخل، و الدخول يصدق بادخال بعض الحشفة، و بالجملة فانّ الحكم ممّا لا خلاف فيه لغة و شرعا».(3)
و قال الشيخ الأعظم قدس سره: «و من أوقب غلاما أو رجلاً و لو بادخال بعض الحشفة غير الموجب للغسل - على تأمّل فيه من جهة انصراف النصوص و الفتاوى الى غيرها - حرمت على أمّه و ان علت و بنته و ان نزلت و أخته لا بناتها،
اتّفاقا في جميع ذلك على الظاهر المصرّح به في كلام بعض و المحكي في كلام آخرين».(1)
أقول:
انّ الذي تطمئنّ به النفس من الروايات المنجبرة بفتاوى الأصحاب هو ثبوت الحرمة الأبديّة بالنسبة الى الأمّ و البنت و الأخت في ادخال تمام الحشفة في دبر المفعول به، و أمّا ادخال بعضها فلاتطمئنّ النفس بثبوت الحرمة الأبديّة به.
فانّ في ثبوت الحرمة الأبديّة تخصيصا لعمومات حلّيّة النكاح و هو في ادخال بعض الحشفة مشكوك فيه.
نعم، لايترك الاحتياط بترك النكاح؛ خروجا من خلاف من أوجبه من الأصحاب و قد تقدّمت كلماتهم.
لا اشكال في حرمة أخت الموطوء و بنته صلبا و أمّه على الواطي فانّه صريح الروايات و فتوى القدماء و غيرهم من أصحابنا.
انّما الكلام و الاشكال في تحريم أمّ الأمّ و ان علت و بنت البنت و كذا بنت الابن و ان نزلت، و لم يصرّح بتحريمهنّ في الروايات و لا في كلمات القدماء المتقدّمة ذكرها الاّ في كلام ابن ادريس رحمه اللّه المتقدّم حيث حكم بالحاق الجدّة و ان علت بالأمّ و علّله بأنّها أمّ حقيقة، و كذلك بنت البنت و بنت الابن و ان نزلت بناءً منه على أنّهنّ بنات حقيقة.
و في المستمسك: «نصّ على ذلك في القواعد و حكي عن ابن ادريس، و
1) - كتاب النكاح: 422.
تنظّر فيه في كشف اللثام؛ لعدم وضوح عموم الأمّ للجدّة و البنت لبنت البنت، و الأصل يقتضي الحلّ لولا دعوى الاتّفاق عليه، المحكيّة عن جماعة».(1)
و عن الشيخ الأعظم الأنصاري رحمه اللّه: «حرمت عليه أمّه و ان علت و بنته و ان نزلت و أخته لا بناتها، اتّفاقا في جميع ذلك على الظاهر المصرّح به في كلام بعض كالمسالك و الحدائق و المحكي في كلام آخرين، حكاه في كشف اللثام عن الانتصار و الخلاف و في الرياض عنهما و عن الغنية و التذكرة و غيرهما».(2)
و في الجواهر: «كما أنّه لايبعد وفاقا للفاضل و غيره تعدية الحكم الى الجدّات و ان علون و بنات الأولاد و ان نزلن دون بنت الأخت».(3)
و في المسالك: «و يتعدّى الحكم الى الأمّ و ان علت و البنت و ان سفلت، امّا من حيث شمولهما لذلك حقيقة أو للاتّفاق عليه كالأصل، و الاّ فللكلام في التعدّي مجال؛ لأنّهما حقيقتان في المتّصلتين دون المنفصلتين بالوسائط. أمّاالأخت فلايتعدّى الى بنتها اتّفاقا؛ لأنّ اسم الأخت لايقع على بنتها مطلقا».(4)
و قال السيّد الشيرازي رحمه اللّه: «الظاهر الحلّ لعدم الدليل عليه و شمول البنت و الأمّ لبنت البنت و لأمّ الأمّ بالقرينة في بعض الأماكن لايوجب القول بذلك في كلّ مكان، بل لايكاد يفهم من النصّ و الفتوى الاّ الأمّ و البنت فقط، كما هو كذلك في سائر المحاورات العرفيّة، فالقول بعدم الحرمة أقرب خصوصا في مثل بنت ابن البنت و أمّ أب الأمّ الى غير ذلك».(5)
و في كشف اللثام في ذيل قول العلاّمة في القواعد: «و يتعدّى التحريم الى الجدّات و بنات الأولاد» قال: «و فيه نظر».(6)
أقول:
انّ في تعدّي الحكم الى غير الأمّ و البنت و الأخت، محلّ اشكال و نظر عندي و ذلك لأنّي قد لاحظت الروايات الواردة في الباب و لم يكن فيها من أمّ الأمّ و بنت البنت عين و لا أثر، و لم تذكر فيها الاّ البنت و الأمّ و الأخت.
و كذلك فتوى القدماء الاّ ما تقدّم من بعضهم، و الاتّفاق ليس حاصلاً منهم و لا في الروايات. و قد عرفت عدم فتوى صاحب الجواهر و كشف اللثام بذلك و استشكال الشهيد الثاني رحمه اللّه فيه.
اذا عرفت ذلك كلّه فتعرف وجه الاشكال الموجود في تعدّي الحكم و أنّه لا دليل على تخصيص عمومات حلّيّة النكاح بغير هذه المذكورات، الاّ أنّ الاحتياط لايترك.
ثمّ انّ الظاهر الحاق الأمّ و البنت و الأخت من الرضاع، بهنّ من النسب و ذلك لعموم قوله عليه السلام :
«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».(1)
و في المستمسك: «كما في التحرير، و قوّاه في الروضة و الرياض و قرّبه في كشف اللثام، و استظهره في الجواهر؛ لعموم «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» الموجب لثبوت حكم النسب للرضاع. و من ذلك يظهر ضعف الاشكال في القواعد؛ للأصل و الخروج عن ظاهر نصوص الباب؛ لاختصاصها بالنسبيّة لا غير، فانّ الدليل على الحرمة ليس أدلّة الباب و انّما هو عموم تنزيل الرضاع منزلة النسب».(2)
و في الجواهر: «نعم، الظاهر الحاق الرضاع بالنسب هنا؛ لعموم «يحرم منه ما يحرم منه»».(3)
الظاهر من الروايات و فتوى القدماء أنّ الحكم بالحرمة الأبديّة لأمّ الموقب و بنته و أخته على الموقب يكون فيما اذا كان الفاعل كبيرا و المفعول صغيرا و ذلك لظهور لفظ «الرجل» في البالغ و هو الذي قد أخذ في الروايات و كلمات الأصحاب شرطا في الواطي ظاهرا، و ظهور لفظ «الغلام» في غير البالغ اذا استعمل في مقابل لفظ الرجل.
و لذلك استشكل في المباني(1)في ثبوت التحريم فيما اذا كان الواطي غير بالغ أو الموطوء غير غلام.
ان قلت: انّ المراد من الرجل انّما هو مطلق الذكر و انّما ذكر هذا العنوان فيالنصوص نظرا لغلبته في جانب الواطي و كذا الحال في جانب الغلام.
قلت: انّ الحكم كما عرفت خلاف القاعدة، و المدرك الأصيل فيه هو الاجماع و هو دليل لبّي لا اطلاق له و لم يثبت اجماع في غير صورة كون الواطي رجلاً و الموطوء غلاما.
و على هذا فلا بدّ من مراعاة تحقّق العنوان في الحكم بالحرمة اقتصارا في مخالفة الأصل على موضع النصّ و الاجماع فانّ القصر على مورد الروايات أقرب الى الواقع، و أمّا في غيره فالمرجع عمومات الحلّ.
و في الجواهر: «انّ عدم الفرق في الموطوء بين الغلام و الرجل - كما هو من معقد اطباق الأصحاب في جامع المقاصد بل في الروضة الاجماع عليه - لايخلو من اشكال ان لم يتمّ الاجماع المزبور بعد حرمة القياس و عدم القطع بالمساواة، اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ اسم الغلام ممّا يقع على حديث العهد بالبلوغ، و لا قائل بالفصل بينه و بين من زاد عن ذلك، و فيه عدم معلوميّة أن لا قائل بالفصل بعد
1) - المباني 32: 236.
أن كان المعلّق في الفتوى كالنصّ الغلام الذي لايشمل الكهل و الشيخ قطعا، و كذا الكلام فيما اذا كان الواطي الغلام، لا لعدم تكليفه فانّ الحكم الوضعي يشمل المكلّف و غيره، بل لأنّ عنوان الحكم فيما عثرنا عليه من النصوص وط ء الرجل للغلام خلافا لثاني المحقّقين، فجعل التحريم أقوى؛ لعدم الفرق في حكم المصاهرة بين البالغ و غيره و صدق عنوان الحكم عليه بعد البلوغ فيقال: انّه رجل أوقب و ان كان ايقابه سابقا، و التحريم في النصّ خارج مخرج الغالب. و الجميع كما ترى».(1)
الظاهر من الروايات الواردة فيمن أوقب غلاما هو حرمة بنت الموطوء و أخته و أمّه على الواطي اذا كان الوط ء قبل التزويج فانّه هو الظاهر من قوله عليه السلام في مرسلة ابن أبي عمير المتقدّمة في رجل يعبث بالغلام قال: «اذا أوقب حرمت عليه ابنته و أخته».
و هكذا صريح قوله عليه السلام فى مرسلة موسى بن سعدان حيث قال: «و ان كان قد أوقب فلايحلّ له أن يتزوّج».
و من القدماء قد صرّح بذلك أبو الصلاح الحلبي و هو الظاهر من الشيخ في النهاية.
هذا مع أنّه لو قلنا باطلاق مرسلة ابن أبي عمير و موثّقة ابراهيم بن عمر و رواية حمّاد بن عثمان التي قد تقدّمت في ابتداء المسألة، فيقيّد اطلاقها بقوله عليه السلام في صحيحتي سعيد بن يسار و هشام بن المثنّى:
«انّ الحرام لايفسد الحلال».(2)
و قوله عليه السلام في موثّقة حنّان بن سدير و مضمرة صفوان:
«لايحرّم الحرام الحلال».(1)
و قوله عليه السلام في رواية زرارة:
«ما حرّم حرام حلالاً قطّ».(2)
و لايعارضها مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل يأتي أخا امرأته فقال:
«اذا أوقبه فقد حرمت عليه المرأة».(3)
و ذلك لأنّها ضعيفة السند و كذلك سائر الروايات في الباب عدا موثّقة ابراهيمبن عمر، الاّ أنّ الاجماع منعقد عليه و ظاهر فتاواهم أنّ الحرمة تكون قبل التزويج لا بعده، الاّ أنّ الاحتياط بطلاق امرأته حسن.
و في الجواهر: «هذا كلّه اذا كان الايقاب سابقا و حينئذ فلاتحرم احداهنّ لو كان عقدها سابقا؛ للأصل و عدم تحريم الحرام الحلال، لكن في مرسل ابن أبي عمير تدلّ على المنع، و عن ابن سعيد في الجامع العمل به و هو أحوط. انتهى ملخّصا».(4)
و في المستمسك: «كما عن ابن سعيد، بل هو ظاهر جماعة ممّن أطلق التحريم للمذكورات لمرسل ابن أبي عمير، المعتضد باطلاق النصوص. و المشهور الحلّ في الفرض، بل هو المذكور في كلام جماعة مرسلين له ارسال المسلّمات، بل في كلام شيخنا أنّه اتّفاقي لا مخالف فيه فتوى و رواية، الاّ ما يظهر من المرسل المذكور، و الاتّفاق أو الشهرة العظيمة على خلافه. انتهى ملخّصا».(5)
و في الروضة: «و انّما تحرم المذكورات مع سبقه على العقد عليهنّ و لو سبق العقد على الفعل لم يحرم للأصل، و لقولهم عليهم السلام : «لايحرّم الحرام الحلال»».(1)
و هكذا يكون كلام الشيخ الأعظم رحمه اللّه فراجع.(2)
و قال السيّد الخوئي رحمه اللّه: «انّ الفرض و ان كان مشمولاً لاطلاق الحكم بالحرمة في النصوص، الاّ أنّ هذا الاطلاق مقيّد بما دلّ على أنّ الحرام لايفسد الحلال. و مرسلة ابن أبي عمير ضعيفة السند بالارسال و لايمكن الاعتماد عليها، و بذلك فتكون النتيجة هو ما اخترناه من عدم ارتفاع الحلّيّة الفعليّة».(3)
قد يستدلّ على جواز تزويج الزوجة بعد طلاقها اذا فعل ذلك الفعل الشنيع في أيّام زوجيّتها، باستصحاب الجواز كما ذهب اليه صاحب الجواهر حيث قال: «الأحوط عدم تجديد العقد لو طلّق مثلاً بعد الايقاب، بل مال بعض الأفاضل الى عدم الجواز لكن يقوى الجواز للاستصحاب الذي لايقدح في جريانه انقطاع ذلك النكاح بالطلاق».(4)
و الظاهر أنّ مراده رحمه اللّه من الاستصحاب هو الاستصحاب التعليقي ببيان أنّ للزوج قبل أن يرتكب هذا الفعل أن يطلّق زوجته ثمّ يتزوّج بها ثانيا، فاذا ارتكب ذلك و شكّ في بقاء الجواز و عدمه كان مقتضى استصحاب الجواز الثابت قبل الفعل هو الحكم بالجواز بعد الفعل أيضا.
الاّ أنّ الاستصحاب التعليقي غير حجّة كما ثبت في محلّه، مع أنّه معارض
باستصحاب عدم ترتّب الأثر على العقد و هو أصالة فساد العقد.
و لذلك استشكل السيّدان الخوئي و الحكيم على صاحب الجواهر بعدم حجّيّة هذا الاستصحاب و وجود الدليل على عدم جواز التزويج هنا، فلا مجال للاستصحاب و لو قيل بحجّيّته.
و أمّا الدليل الذي أقاماه فهو اطلاق ما دلّ على ثبوت الحرمة بمجرّد صدور هذا الفعل الشنيع، بتقريب أنّ مقتضاه ارتفاع الحلّيّة مطلقا - الفعليّة و الشأنيّة - غير أنّا قد رفعنا اليد عنه في الأوّل نظرا الى وجود الدليل الدالّ على عدم ارتفاعها، فبقي الاطلاق في الثاني محكّما.(1)
و في الروضة: «و الظاهر عدم الفرق بين مفارقة من سبق عقدها بعد الفعل و عدمه، فيجوز له تجديد نكاحها بعد مع احتمال عدمه؛ لصدق سبق الفعل بالنسبةالى العقد الجديد».(2)
أقول:
تارة يفعل العمل الشنيع بعد الطلاق و ان كان في العدّة غير الرجعيّة ففي هذه الصورة لا خلاف في أنّه لايجوز له أن يتزوّج المذكورات و لا فرق في ذلك بين أن يكون هذا أوّل فعله أو ثانيه بعد أن كان قد فعله قبل الطلاق.
و أخرى قد فعله بعد العقد و طلّقها ثمّ أراد أن ينكحها من دون فعله ذلك ثانيا فهذا هو محلّ الخلاف:
فنقول: و ان كان لايبعد القول بتحريم المذكورات و تحريم تجديد نكاحهنّ لاطلاق الأدلّة كما ذهب اليه السيّدان المتقدّمان، الاّ أنّه قد ذكرنا أنّ الروايات الواردة في الباب ضعاف، و المهمّ في الاستدلال هو اجماع القدماء على ذلك و لا تصريح في كلامهم كما لايظهر منه شموله لهذا المورد، و لا اطلاق له ليستفاد
منه، و على هذا فلا دليل على الحرمة ولكن لايترك الاحتياط خروجا من خلاف من حرّمه.
الأوّل: قد ذهب المصنّف رحمه اللّه الى عدم الفرق بين ما اذا كان الوط ء عن علم و عمد و اختيار من الفاعل و بين ما اذا لم يكن كذلك، كما اذا كان عن اشتباه من حيث اشتباهه بامرأته أو عن اكراه أو ما اذا كان المباشر للفعل هو المفعول.
و الظاهر أنّ الوجه فيما ذهب اليه اطلاق النصوص و عدم تقييده بصورة العلمو العمد و الاختيار.
ولكن فيه أوّلاً: قد ثبت في محلّه رفع الآثار عن الفعل الخطئي و الاكراهي و لا شكّ في أنّ الحرمة الأبديّة كانت من آثار هذا الفعل فيرفع بحديث الرفع.
و ثانيا بأنّ اللعب و العبث المذكورين في النصوص لايصدقان على الفعل الاشتباهي أو الاكراهي.
و بهاتين القرينتين يمكن ادّعاء انصراف النصوص الى صورة العلم و العمد و الاختيار.
ولكن مع ذلك كلّه فلايترك الاحتياط بترك التزويج في هذه الموارد، خروجا من خلاف من حرّمه.
قال السيّد الشيرازي رحمه اللّه: «انّ النصّ منصرف الى العلم و العمد كما في كلّ فعل ينسب الى الفاعل بدون قرينة ارادة العموم، مثلاً في قوله تعالى: «من قتل نفسا بغير نفس» و قوله: «الزانية و الزاني» و قوله: «السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما» الى غيرها كلّها منصرفة الى العلم و العمد و الاختيار. هذا بالاضافة الى حديث الرفع. و يؤيّد عدم الحرمة في الثلاثة - أي الاشتباه و عدم الاختيار أو كان المباشر للفعل هو المفعول - أنّ لفظ اللعب و العبث الواردين في النصوص لهما
دلالة عرفيّة على العلم و العمد و الاختيار، و الاّ لم يسمّ نفس العلم بهذين اللفظين. نعم، لا شكّ في أنّ الاحتياط الاجتناب».(1)
الثاني: قد ذهب المصنّف رحمه اللّه الى عدم الفرق بين ما لو كان الموطوء حيّا أو ميّتا فتحرم المذكورات و لو كان ميّتا.
و لكن الظاهر عدم الحرمة و ذلك لأنّ الظاهر من النصّ و الفتوى أنّ المراد من الغلام في جملة «من أوقب غلاما» هو الغلام الحيّ فتكون الروايات منصرفة عن الميّت.
و قال في المباني: «انّ الحكم بالحرمة على خلاف القاعدة و انّما خرجنا عنها فيما اذا كان المفعول غلاما للدليل، و أمّا في غيره فالمرجع عمومات الحلّ و لايطلق الغلام على الميّت الاّ مجازا فلا موجب للالتزام بثبوت الحرمة لوطئه».(2)
الثالث: انّه لو شكّ في تحقّق الايقاب فواضح أنّه بني على العدم لاستصحاب عدم تحقّقه.
الرابع: انّه لاتحرم من جهة هذا الفعل الشنيع غير هذه المذكورات و لا هنّ على غير الواطي بلا خلاف فيه بين الأصحاب؛ نظرا الى عدم الدليل على حرمة غيرهنّ و لا على حرمتهنّ على غير هذا الواطي، و عليه فلابأس بنكاح غير هذا الواطي ابنة الموطوء أو أخته أو أمّه.
و كذا لاتحرم على الموطوء أمّ الواطي أو أخته أو بنته؛ لاختصاص الدليل بالواطي و اثبات الحكم في غيره قياس، خصوصا مع مخالفته لعمومات الحلّ.
الخامس: قد ذهب المصنّف رحمه اللّه الى أنّه لو كان الموطوء خنثى حرمت على الواطي أمّها و بنتها و ذلك لأنّه امّا لواط أو زنا و هو محرّم.
و سيأتي الكلام في نشر الحرمة في الزنا و عدمه عند تعرّض المصنّف رحمه اللّه له
في المسألة الثامنة و العشرين، ان شاء اللّه.
ولكن على فرض القول بنشر الحرمة في الزنا الى الأمّ و البنت فلا اشكال هنا في حرمة الأمّ و ذلك لأنّ هذا الفعل امّا لواط و امّا زنا و على أيّ حال فحرمة الأمّ ثابتة، و ذلك لحصول العلم التفصيلي بحرمة الأمّ امّا من حيث كونها أمّ المزني بها أو أمّ الموطوء.
و أمّا حرمة البنت ففيها اشكال من حيث انّ حصول العلم التفصيلي بحرمتها مشروط بكون الخنثى تولّدت منه تارة و من مائه أخرى، البنت و هو ان لم يكن مستحيلاً فنادر جدّا.
لايجوز للمحرم أن يتزوّج امرأة محرمة أو محلّة سواء كان بالمباشرة أو بالتوكيل مع اجراء الوكيل العقد حال الاحرام سواء كان الوكيل محرما أو محلاًّ و كانت الوكالة قبل الاحرام أو حاله. و كذا لو كان باجازة عقد الفضولي الواقع حال الاحرام، أو قبله مع كونها حاله بناءً على النقل بل على الكشف الحكمي، بل الأحوط مطلقا.
و لا اشكال في بطلان النكاح في الصور المذكورة. و ان كان مع العلم بالحرمة حرمت الزوجة عليه أبدا، سواء دخل بها أو لا. و ان كان مع الجهل بها لم تحرم عليه على الأقوى دخل بها أو لم يدخل، لكن العقد باطل على أيّ حال، بل لو كان المباشر للعقد محرما بطل و ان كان من له العقد محلاًّ.
و لو كان الزوج محلاًّ و كانت الزوجة محرمة، فلا اشكال في بطلان العقد. لكن هل يوجب الحرمة الأبديّة؟ فيه قولان: الأحوط الحرمة بل لايخلو عن قوّة.
و لا فرق في البطلان و التحريم الأبدي بين أن يكون الاحرام لحجّ واجب أو مندوب أو لعمرة واجبة أو مندوبة. و لا في النكاح بين الدوام و المتعة.
الشرح:
في المسألة فروع:
الظاهر حرمة تزويج المحرم امرأة لنفسه أو لغيره و ذلك لصحيحة ابن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ليس للمحرم أن يتزوّج و لايزوّج، فان تزوّج أو زوّج محلاًّ فتزويجه باطل».(1)
و صحيحة أبي الصباح الكناني قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن محرم يتزوّج، قال: نكاحه باطل».(2)
و صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«قال له أبو عبداللّه عليه السلام : انّ رجلاً من الأنصار تزوّج و هو محرم فأبطل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله نكاحه».(3)
و صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«المحرم لايتزوّج فان فعل فنكاحه باطل».(4)
ثمّ انّه لا فرق بين الزواج الدائم و المنقطع و ذلك لصدق الزواج و النكاح الواردين في الأخبار عليهما، كما لا فرق بين ما لو كانت المرأة محرمة أو محلّة لاطلاق النصوص، فانّ حكم التحريم و البطلان فيها ورد على المحرم و لم يقيّدفي شيء منها بما اذا كانت المرأة محرمة أيضا.
و هذا الحكم جارٍ فيما لو كان الزواج بمباشرة المحرم أو بالتوكيل مع اجراء
الوكيل العقد حال احرام الموكّل سواء كان الوكيل محرما أو محلاًّ و سواء كانت الوكالة قبل الاحرام أو حاله، و ذلك لاستناد عمل الوكيل الى الموكّل، فاذا زوّج الوكيل امرأة للموكّل فيصدق على الموكّل المحرم أنّه تزوّج في حال احرامه.
نعم، لو وكّله المحرم لتزويج امرأة له فزوّجها ايّاه بعد الاحرام فهو جائز صحيح.
قال العلاّمة في التذكرة: «يحرم على المحرم أن يتزوّج أو يزوّج فيكون وكيلاً لغيره فيه أو وليّا، سواء كان رجلاً أو امرأة ذهب اليه علماؤنا أجمع».
من كان محرما و زوّج محلّين فضولاً كان العقد باطلاً لقولهم عليهم السلام : «و لايزوّج محلاًّ».
و أمّا لو كان العقد حال الاحلال و كانت اجازته حال الاحرام فكذلك؛ لأنّ المحرم اذا أجاز العقد الفضولي يكون مصداقا لقوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان المتقدّمة: «لايتزوّج» فيبطل، و لا فرق في ذلك بين القول بالنقل أو الكشف، فعلى النقل لأنّه باجازته يثبت مضمون العقد فيصدق عليه أنّه قد تزوّج حال الاحرام.
و على الكشف الحكمي فكذلك؛ لأنّ معنى الكشف الحكمي ثبوت مضمون العقد حال الاجازة و وجوب ترتيب آثار العقد من حينه، فالمضمون لمّا كان على هذا القول ثابتا حال الاجازة و هو محرّم، كان التزويج حال الاحرام فيبطل و ان كانت آثار العقد ثابتة من حينه.
و أمّا بناءً على الكشف الحقيقي فلأنّ الزوجيّة و ان فرضت كونها من السابقالاّ أنّ استنادها الى المجيز بحيث يقال: انّه تزوّج بها، انّما يكون من حين الاجازة.
الظاهر أنّ موضوع التحريم الأبد في التزويج في الاحرام مختصّ بما اذا كان عن علم بالحكم و الموضوع، و أمّا اذا كان عن جهل بأحدهما فلا تحريم أبدي.
و عليه فلايناط التحريم الأبد بالدخول و عدمه.
و الدليل على ذلك كلّه الجمع بين الروايات:
منها صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قضى أميرالمؤمنين عليه السلام في رجل ملك بضع امرأة و هو محرم قبل أن يحلّ، فقضى أن يخلّي سبيلها و لم يجعل نكاحه شيئا حتّى يحلّ فاذا أحلّ خطبها ان شاء و ان شاء أهلها زوّجوه، و ان شاؤوا لم يزوّجوه».(1)
فانّها باطلاقها تشمل صورة العلم و الجهل و يقيّد اطلاقها بقوله عليه السلام في صحيحة زرارة بن أعين و داود بن سرحان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«و المحرم اذا تزوّج و هو يعلم أنّه حرام عليه لم تحلّ له أبدا».(2)
فانّ الظاهر منهما و من غيرهما أنّ المناط الوحيد في التحريم هو العلم سواء دخل بها أو لا.
قال العلاّمة في المختلف: «قال الشيخ في النهاية: «اذا عقد المحرم على امرأة و هو عالم بأنّ ذلك محرّم عليه فرّق بينهما و لم تحلّ له أبدا، فان لم يكن عالما بذلكفرّق بينهما فاذا أحلاّ و أرادا أن يستأنفا العقد فعلا، و ليس عليهما شيء» و لم يفصّل الى الدخول و عدمه. فمقتضاه التحريم مع العلم بالنهي و ان لم يدخل و الاباحة مع الدخول و الجهل، و تبعه ابن البرّاج. و ذهب في الخلاف بالحرمة
الأبديّة بالعلم أو الجهل مع الدخول. و كذا قال ابن حمزة و أبو الصلاح و ابن ادريس. و أمّا المفيد فلم يتعرّض للجهل و لا للدخول. و سلاّر أطلق في الجهل و عدم الدخول و قال: «بأن لايكون عقد عليها في احرام فانّه لايصحّ و لا تحرم عليه أبدا». انتهى ملخّصا».(1)
و قال في الجواهر: «بل الظاهر عدم الحرمة و ان دخل؛ للأصل و اطلاق المفهوم و الاجماع المحكي عن المنتهى و التذكرة خلافا للمحكي عن الخلاف و الكافي و الغنية و السرائر و الوسيلة فحرّموها بالدخول أبدا».(2)
و قد عرفت عدم الاجماع في المسألة، و ما هو مقتضى الجمع بين الروايات.
لو عقد المحلّ على المحرمة و هو عالم فلا اشكال في بطلان العقد؛ لبطلان عقد المحرم من غير فرق بين كونه رجلاً أو امرأة.
و أمّا ايجاب الحرمة الأبديّة ففيها خلاف بين الأعلام:
و قد نقل السيّد الحكيم(3)عن الخلاف القول بالحرمة الأبديّة فيما نحن فيه من كون الرجل محلاًّ و المرأة محرمة و نقل استناده في ذلك الى الاجماع و الاحتياط و الأخبار.
و على أيّ حال فقد استند في ثبوت التحريم الأبدي في هذا الفرع، الى أنّ المحرم المذكور في الروايات و ان كان مذكّرا لفظا الاّ أنّه جنس لمن أحرم ذكرا كان أو أنثى فيشمل كليهما كما أنّ أدلّة بطلان العقد لم تذكر فيه خصوص المرأة و انّما ذكر المحرم مع أنّه لا اشكال في بطلان عقد المحرمة اذا كان الرجل محلاًّ.
و أمّا من ذهب الى عدم التحريم، فقال بأنّ النصّ ورد في الرجل المحرم و لا نصّ في المرأة المحرمة و الأصل هو الحلّيّة.
ففي المسالك: «و لو انعكس الفرض بأن كانت الزوجة محرمة و الزوج محلاًّ فالأصل يقتضي عدم التحريم؛ اذ لا نصّ هنا. و في عبارات الأصحاب ما يدلّ على التسوية بين الأمرين. و على كلّ تقدير يقع العقد فاسدا. و المعتبر صحّته لولا المانع فلا عبرة بالفاسد على التقديرين، سواء علم بفساده أم لا. و استقرب في التحرير الحاقه بالصحيح مع اعتقاد صحّته».(1)
و في الجواهر: «انّ ذلك من أحكام الاحرام المفروض اشتراكه بين الرجال و النساء. و أنّ المراد من المحرم في الروايات جنسيّة المحرم بمعنى الشخص المتّصف بالاحرام الذي لا ريب في شموله للمذكّر و المؤنّث. انتهى ملخّصا».(2)
و قال السيّد الخوئي رحمه اللّه: «انّ الروايات الواردة في المقام و ان كان بعضها واردا في قضيّة شخصيّة الاّ أنّ أكثرها يتضمّن اثبات الحكم للعنوان الوصفي - أعني المحرم - و أنّه لايتزوّج و لايزوّج، و من هنا فلايفرّق في الحكم بين كون المتّصف بذلك العنوان رجلاً أو امرأة؛ اذ الحكم لمّا كان ثابتا لموضوع معيّن هو العنوان الوصفي كان الحكم ثابتا لجميع الأفراد المتّصفة بذلك العنوان، نظير القصر و الافطار الثابتين للمسافر أو الاتمام الثابت للحاضر - الى أن قال: - و لذا حكم الأصحاب ببطلان عقد المحرمة و الحال أنّه لم يرد فيه بخصوصه، و لا نصّضعيف فانّه ليس ذلك الاّ لشمول لفظ المحرم لهما على حدّ سواء، فاذا ثبت هذا في الحكم بالبطلان ثبتت الحرمة الأبديّة أيضا لا محالة».(3)
و قد تكلّمنا عن ذلك في كتاب الحجّ في باب تروك الاحرام(4)و قلنا هناك
بأنّ ظاهر الأخبار أنّ موضوع الحرمة الأبديّة و بطلان العقد هو عنوان من في الاحرام من غير فرق بين الرجل و المرأة، فاذا كانت محرمة و الرجل محلاًّ حرم عليها الرجل أبدا.
و كيف كان فالأحوط بملاحظة الروايات و كلمات الأصحاب هو ثبوت الحرمة الأبديّة و ان كان لايخلو عن قوّة.
و أمّا ما ذهب اليه الشهيد في المسالك من القول بأنّ الأصل هو الحلّيّة فمدفوع بأنّه لمّا قلنا بأنّ لفظ المحرم شامل للرجل و المرأة فلايبقى مجال للأصل.
ثمّ انّه لا فرق في البطلان و التحريم الأبد بين أن يكون الاحرام لحجّ واجب أو مندوب أو عمرة واجبة أو مندوبة و ذلك لاطلاق الدليل حيث يترتّب البطلان و التحريم في الروايات على الاحرام و هو متحقّق في جميع هذه الموارد.
(مسألة 1): لو تزوّج في حال الاحرام مع العلم بالحكم، لكن كان غافلاً عن كونه محرما أو ناسيا له فلا اشكال في بطلانه لكن في كونه محرّما أبدا اشكال و الأحوط ذلك.
الشرح:
لو تزوّج في الاحرام عالما بالحكم لكن مع الغفلة عن احرامه أو نسيانه، فلا اشكال في بطلان العقد؛ لاطلاق الدليل الدالّ على البطلان حيث لم يعتبر فيه العلم، لكن لايوجب الحرمة الأبديّة و ذلك لأنّ قوله عليه السلام في صحيحة داود بن سرحان:
«و المحرم اذا تزوّج و هو يعلم أنّه حرام لم تحلّ له أبدا».
لايشمل الغافل و الناسي كما لايشمل من تخيّل أنّه ليس بمحرم ثمّ انكشف خلافه، و ذلك لأنّ العلم سبب للاحتياط و من لم يعلم لايمكنه الاحتياط، و الغافل و الناسي مساويان للجاهل من هذه الجهة، و قد أشار الى هذا في صحيحة
عبدالرحمن بن الحجّاج المتقدّمة عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يتزوّج المرأة في عدّتها بجهالة، أهي ممّن لاتحلّ له أبدا؟ فقال: لا، أمّا اذا كان بجهالة فليتزوّجها بعد ما تنقضي عدّتها و قد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك، فقلت: بأيّ الجهالتين يعذر، بجهالته أنّ ذلك محرّم عليه أم بجهالته أنّها في عدّة؟ فقال: احدى الجهالتين أهون من الأخرى، الجهالة بأنّ اللّه حرّم ذلك عليه و ذلك بأنّه لايقدر على الاحتياط معها، فقلت: و هو في الأخرى معذور؟ قال: نعم، اذا انقضت عدّتها فهو معذور في أن يتزوّجها، فقلت: فان كان أحدهما متعمّدا و الآخر بجهل؟ فقال: الذي تعمّد لايحلّ له أن يرجع الى صاحبه أبدا».(1)
قال السيّد الخوئي رحمه اللّه: «انّ موضوع التحريم في الأخبار ليس هو العلم بالكبرى الكلّيّة و انّما الموضوع هو العلم بالحرمة بالاضافة اليه بحيث يعلم أنّه حرام عليه، و لمّا كان هذا العنوان غير متحقّق في حقّ الغافل و الناسي باعتبار أنّه يتوقّف على العلم بكونه محرما و المفروض عدمه، فلا وجه للقول بثبوت الحرمة الأبديّة عليه».(2)
(مسألة 2): لايلحق وط ء زوجته الدائمة أو المنقطعة حال الاحرام بالتزويج في التحريم الأبدي فلايوجبه و ان كان مع العلم بالحرمة و العمد.
الشرح:
و ذلك أوّلاً لعدم الدليل على التحريم الأبدي في هذه المسألة، و المرجع هو عمومات الحلّ.
و ثانيا لعموم قوله عليه السلام المتقدّم: «الحرام لايحرّم الحلال».
و ثالثا لما ورد في الروايات الكثيرة(1)من بيان حكم من وطأ زوجته محرما من وجوب الكفّارة و اعادة الحجّ من قابل و فساد الحجّ أو العمرة، فانّها في مقام بيان وظيفتهما و هي خالية عن ذكر الحرمة الأبديّة.
بل ورد في بعض هذه الروايات وجوب تفريقهما من قابل و هو دليل واضح على بقاء الزوجيّة و الاّ لما كان هناك حاجة الى بيان وجوب التفريق.
(مسألة 3): لو تزوّج في حال الاحرام ولكن كان التزويج باطلاً من غير جهة الاحرام - كتزويج أخت الزوجة أو الخامسة - هل يوجب التحريم أو لا؟ الظاهر ذلك لصدق التزويج فيشمله الأخبار. نعم، لو كان بطلانه لفقد بعض الأركان، بحيث لايصدق عليه التزويج، لم يوجب.
الشرح:
لو تزوّج في حال الاحرام ولكن كان التزويج باطلاً من غير جهة الاحرام كالزواج بأخت الزوجة أو الخامسة، لم يوجب التحريم و ذلك لأنّ الظاهر من التزوّج في قوله عليه السلام : «و المحرم اذا تزوّج و هو يعلم ... » هو الزواج الصحيح من غير جهة الاحرام.
و لا فرق في جهة البطلان بين عدم وجود بعض الأركان أو وجود المانع في المرأة أو غيرهما، و قد تقدّم الكلام في نظير ذلك في التزويج في العدّة فراجع.
و لذا قال في الجواهر: «في محكي التحرير: الظاهر أنّ مراد علمائنا بالعقد في المحرم و ذات العدّة هو العقد الصحيح الذي لولا المانع لترتّب عليه أثره».(2)
(مسألة 4): لو شكّ في أنّ تزويجه هل كان في الاحرام أو قبله، بنى على عدم كونه فيه بل و كذا لو شكّ في أنّه كان في حال الاحرام أو بعده، على اشكال. و حينئذ فلو اختلف الزوجان في وقوعه حاله أو حال الاحلال سابقا أو لاحقا، قدّم قول من يدّعي الصحّة من غير فرق بين جهل التأريخين أو العلم بتأريخ أحدهما. نعم، لو كان محرما و شكّ في أنّه أحلّ من احرامه أم لا، لايجوز له التزويج فان تزوّج مع ذلك بطل و حرمت عليه أبدا كما هو مقتضى استصحاب بقاء الاحرام.
الشرح:
لو شكّ في أنّ زواجه كان في الاحرام أو قبله بنى على عدم كونه فيه، و ذلك لاستصحاب عدم الاحرام الى حين العقد، و يترتّب عليه صحّة العقد غير الواقع في حال الاحرام، و لايعارضه استصحاب عدم وقوع العقد قبل الاحرام و ذلك لأنّه لايترتّب عليه أثر الاّ على الأصل المثبت فانّ استصحاب عدم وقوع العقد قبل الاحرام لايثبت تأخّر الزواج عن الاحرام و وقوعه في الاحرام الاّ بالملازمة العقليّة فيكون من الأصول المثبتة و لانقول بحجّيّتها.
هذا فيما اذا كان العقد و الزواج مجهولي التأريخ أو كان تأريخ العقد معلوما دون الاحرام.
و أمّا لو كان تأريخ الاحرام معلوما فحينئذ و ان كان يجري استصحاب عدم العقد الى حين الاحرام الاّ أنّه لايثبت كون العقد حال الاحرام لأنّه من لوازمه العقليّة كما تقدّم آنفا، فماذا يجري في هذا المقام؟
الظاهر أنّ المحكّم هنا هو أصالة الصحّة على ما سيأتي توضيحها.
و لو شكّ في أنّ العقد في حال الاحرام أو بعده فيمكن أن يقال بأنّ الدليل الحاكم هنا أيضا هو أصالة الصحّة و ذلك لأنّ استصحاب الاحرام الى حين العقد و ان كان يجري، سواء علم تأريخ أحدهما أو جهل التأريخان معا و كان الأثر
المترتّب عليه فساد العقد و الحرمة الأبديّة، الاّ أنّ هذا الاستصحاب محكوم بأصالة الصحّة على ما سيوافيك تفصيله.
و من هنا يعلم أنّه لو اختلف الزوجان في وقوع العقد حال الاحرام أو حال الاحلال سابقا أو لاحقا، قدّم قول من يدّعي الصحّة من غير فرق بين الجهل بالتأريخين أو بتأريخ أحدهما.
نعم، لو كان محرما و شكّ في أنّه أحلّ من احرامه أم لا، لايجوز له التزويج فان تزوّج بطل و حرمت عليه أبدا؛ لاحراز موضوع الحكم بالاستصحاب أعني كون التزويج حال الاحرام.
و لاتجري أصالة الصحّة هنا و ذلك لاختصاصها بصورة حدوث الشكّ بعد العمل و المفروض في المقام الشكّ حال العمل.
و أمّا أصالة الصحّة فاعلم أنّ المراد منها هنا هو قاعدة الفراغ - و هي التي قد عبّر عنها الشيخ الأعظم في فرائده في بعض موارد جريانها بأصالة الصحّة في فعل الفاعل - و هي قاعدة فقهيّة تجري في الأحكام الفقهيّة كلّها، أي العبادات و المعاملات بمعنى الأعمّ حتّى الطهارة و النجاسة، فهي من الأمارات التي تكون دليلاً على الحكم الواقعي و لاتكون من الأصول العمليّة المجعولة للشاكّ في مقام العمل.
و الأدلّة الدالّة على تلك القاعدة و ان كانت واردة في الوضوء و الصلاة الاّ أنّبعضها يكون كلّيّا كقوله عليه السلام :
«كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو».(1)
و العلّة الواردة في بعضها يستنبط منها العموم كقوله عليه السلام :
«هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ».(2)
و حينئذ ان قلنا بأنّ الاستصحاب من الأصول فتقدّم القاعدة عليه بالورود، و ان قلنا بأنّ الاستصحاب من الأمارات فتقدّم عليه القاعدة أيضا بالتخصيص و ذلك لأنّه لو لم يخصّص الاستصحاب لم يكن هناك مورد للقاعدة الاّ نادرا، اذ الموارد التي تجري فيها القاعدة هي مجرى الاستصحاب أيضا.
(مسألة 5): اذا تزوّج حال الاحرام عالما بالحكم و الموضوع، ثمّ انكشف فساد احرامه، صحّ العقد و لم يوجب الحرمة. نعم، لو كان احرامه صحيحا فأفسده ثمّ تزوّج ففيه وجهان، من أنّه قد فسد و من معاملته معاملة الصحيح في جميع أحكامه.
الشرح:
اذا تزوّج حال الاحرام عالما بالحكم و الموضوع ثمّ انكشف فساد احرامه صحّ العقد و لم يوجب الحرمة؛ لأنّ الحكم مترتّب على الواقع لا على اعتقاده و المفروض أنّه لم يكن محرما حين العقد.
نعم، لو كان احرامه صحيحا فأفسده بشيء من مفسداته كالجماع و نحوه ثمّ تزوّج فيبطل زواجه و تترتّب عليه الحرمة الأبديّة؛ لأنّه لمّا كان مأمورا باتمام الحجّ كان معنى ذلك بقاؤه على احرامه و عدم جواز ارتكاب أيّ محرّم من محرّمات الاحرام الى أن يفرغ من الأعمال، فان تزوّج و الحال هذه كان الزواج واقعا في حالالاحرام؛ و ذلك لصدق الاحرام عليه و ان لم تبرأ ذمّته من حجّه و عليه الحجّ من قابل، و لا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون الأولى عقوبة أو حجّة الاسلام .
لكن لايخفى أنّه لو كان حجّه فاسدا من أوّل الأمر - كمن ترك طواف عمرة التمتّع عمدا، ففسدت عمرته و لم ينعقد احرام حجّه - و تزوّج فيمكن القول بصحّة عقده.
(مسألة 6): يجوز للمحرم الرجوع في الطلاق في العدّة الرجعيّة و كذا تملّك الاماء.
الشرح:
الدليل على جواز رجوع المحرم في الطلاق في العدّة الرجعيّة، هو أنّ المرأة في العدّة الرجعيّة بحكم الزوجة فالرجوع فيها بمنزلة فسخ الطلاق المنشأ و لايصدق عليه التزويج، كما اذا فسخ البيع فانّه لايصدق عليه البيع و الشراء.
بل لو كان الطلاق خلعا فرجعت المرأة في البذل في أثناء العدّة، ثمّ رجع الزوج فانّه أيضا فسخ للطلاق و لايكون تزويجا.
و أمّا تملّك الاماء في حال الاحرام فيدلّ على جوازه - مضافا الى عدم الدليل على حرمته اذ لايصدق عليه التزويج - صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:
«سألته عن المحرم يشتري الجواري و يبيعها؟ قال: نعم».(1)
(مسألة 7): يجوز للمحرم أن يوكّل محلاًّ في أن يزوّجه بعد احلاله، و كذا يجوز له أن يوكّل محرما في أن يزوّجه بعد احلالهما.
الشرح:
أنت خبير بأنّ الوجه في جواز الوكالتين و صحّتهما هو عدم الدليل على حرمتهما أو بطلانهما و ذلك لأنّ الدليل يدلّ على حرمة التزوّج حال الاحرام و أمّا التوكيل حال الاحرام لأن يزوّجه بعد احلال الموكّل أو بعد احلالهما، فلايصدق عليه التزويج حال الاحرام، و من المعلوم أنّ الوكالة للتزويج بعد الاحرام غير الوكالة للتزويج حين الاحرام، فالوكالة صحيحة.
1) - وسائل الشيعة 12: 441 / الباب 16 من أبواب تروك الاحرام / الحديث 1.
و منه يظهر ضعف المناقشة بأنّ الوكالة مشروطة بسلطنة الموكّل على العمل بالفعل و حيث انّه ممنوع فالوكالة باطلة.
و وجه الضعف أنّ الموكّل مسلّط على العقد بعد الاحرام و الوكالة متعلّقة به كما هو المفروض، و انّما المعتبر هو سلطنته على الفعل في ظرفه لا في ظرف انشاء الوكالة.
(مسألة 8): لو زوّجه فضولي في حال احرامه، لم يجز له اجازته في حال احرامه. و هل له ذلك بعد احلاله؟ الأحوط العدم و لو على القول بالنقل. هذا اذا كان الفضولي محلاًّ، و الاّ فعقده باطل لايقبل الاجازة و لو كان المعقود له محلاًّ.
الشرح:
لا اشكال و لا كلام في عدم جواز اجازة المحرم عقد الفضولي له في حال احرامه، و ذلك لاستناد فعل التزويج اليه محرما بقبوله فيبطل العقد باجازته.
و أمّا اجازته بعد احلاله فالظاهر جوازها و صحّة العقد الواقع معها و لو على القول بالكشف فضلاً عن القول بالنقل، و ذلك أوّلاً لأنّ الحرمة و البطلان انّما يتعلّقان بالتزويج حال الاحرام و المفروض عدم صدقه على فرض المسألة و هوما اذا كان العقد في الاحرام فأجازه بعد الاحرام. نعم، الاحتياط حسن.
هذا اذا كان الفضولي محلاًّ و الاّ فقد تقدّم أنّ عقده باطل لايقبل الاجازة و لو كان المعقود له محلاًّ و ذلك لما تقدّم من الروايات المعتبرة من أنّ المحرم لايتزوّج و لايزوّج.
و هي علاقة بين أحد الطرفين مع أقرباء الآخر تحدث بالزوجيّة أو الملك عينا أو انتفاعا بالتحليل أو الوط ء شبهة أو زنا أو النظر و اللمس في صورة مخصوصة.
(مسألة 1): تحرم زوجة كلّ من الأب و الابن على الآخر فصاعدا في الأوّل و نازلاً في الثاني نسبا أو رضاعا، دواما أو متعة بمجرّد العقد و ان لم يكن دخل و لا فرق في الزوجين و الأب و الابن بين الحرّ و المملوك.
الشرح:
قال في المسالك: «المصاهرة علاقة تحدث بين الزوجين و أقرباء كلّ منهما بسبب النكاح، توجب الحرمة. و يلحق بالنكاح الوط ء و النظر و اللمس على وجه مخصوص. هذا هو المعروف من معناها لغة و عرفا. و لايحتاج الى اضافة وط ء الأمة و الشبهة و الزنا و نحوه اليها، و ان أوجب حرمة على بعض الوجوه. فانّ ذلك ليس من باب المصاهرة بل من جهة ذلك الفعل و ان جرت العادة بالحاقه بالمصاهرة في بابها فانّه من باب الاستتباع. و ذلك خير من جعل المصاهرة منقولة
عن معناها اللغوي الى معنى أعمّ مراعاة لادراج هذه الأمور الموجبة للتحريم».(1)تحرم زوجة الأب و ان علا على الابن و ان نزل؛ لقوله تعالى: «و لاتنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء»(2).
النكاح شامل للعقد و ان لم يكن وط ء، كما أنّه شامل للدائم و المنقطع، و أنّ الآباء يصدق على الأب و الجدّ و ان علا.
و كذا تحرم زوجة الابن و ان نزل على الأب و ان علا و ذلك لقوله تعالى في عداد النساء المحرّمات: «و حلائل أبنائكم الذين من أصلابكم»(3)، فانّ الحليلة ان لم تكن ظاهرة في الزوجة فلا أقلّ من شمولها لها بالعموم.
و لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام أنّه قال:
«لو لم تحرم على الناس أزواج النبي صلى اللّه عليه و آله لقول اللّه عزّجلّ: «و ما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه و لا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا» حرمن على الحسن و الحسين بقول اللّه عزّوجلّ: «و لاتنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء» و لايصلح للرجل أن ينكح امرأة جدّه».(4)
و موثّقة زرارة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام (في حديث): و اذا تزوّج الرجل امرأة تزويجا حلالاً فلاتحلّ تلك المرأة لأبيه و لا لابنه».(5)
و رواية الحسن بن علي بن الفضّال عن أبيه عن الرضا عن آبائه عليهم السلام (في حديث) قال:
«كان لعبد المطّلب خمس من السنن أجراها اللّه له في الاسلام : حرّم
نساء الآباء على الأبناء و سنّ الدية في القتل مائة من الابل، و كان يطوف بالبيت سبعة أشواط و وجد كنزا فأخرج منه الخمس و سمّىزمزم سقاية الحاجّ».(1)
و رواية أبي المقدام (ثابت بن هرمز) عن علي بن الحسين عليه السلام قال:
««الفواحش ما ظهر منها و ما بطن» ما ظهر نكاح امرأة الأب و ما بطن الزنا».(2)
و لا فرق في الزواج بين الدائم و المنقطع و لا بين الدخول و عدمه، و كذا لا فرق في الزوجين و الأب و الابن بين الحرّ و المملوك؛ كلّ ذلك لاطلاق الآية و الروايات.
و لا فرق في التحريم بين النسب و الرضاع؛ لعموم أدلّة تنزيل من ينتسب بالرضاع منزلة من ينتسب بالنسب.
ان قلت: انّ الآية وردت في الابن من الصلب، فحرمت امرأته على الأب و بقيت امرأة الباقي في عمومات الحلّيّة و منها امرأة الابن الرضاعي.
قلت أوّلاً: انّ الآية بصدد بيان حلّيّة امرأة ولد الزوجة أو أزواج الأدعياء، و حرمة زوجة الابن من الصلب، و هي ساكتة عن حكم امرأة الولد الرضاعي، و الدليل في الحاقه هو ما تقدّم من أدلّة الحاق الرضاع بالنسب في جميع الموارد.
و ثانيا: يمكن أن يقال: بأنّه وصف و هو لا مفهوم له.
(مسألة 2): لاتحرم مملوكة الأب على الابن و بالعكس مع عدم الدخول و عدم اللمس و النظر. و تحرم مع الدخول أو أحد الأمرين اذا كان بشهوة. و كذا لاتحرم المحلّلة لأحدهما على الآخر اذا لم تكن مدخولة.
الشرح:
لاتحرم مملوكة كلّ منهما على الآخر مع عدم الجماع و عدم اللمس و النظر اذالم تكن بشهوة و الدليل عليه صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج و حفص بن البختري و علي بن يقطين قالوا:
«سمعنا أبا عبداللّه عليه السلام يقول في الرجل تكون له الجارية، أفتحلّ لابنه؟ فقال: ما لم يكن جماع أو مباشرة كالجماع فلابأس».(1)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«في كتاب علي عليه السلام : انّ الولد لايأخذ من مال والده شيئا و يأخذ الوالد من مال ولده ما يشاء، و له أن يقع على جارية ابنه ان لم يكن الابن وقع عليها».(2)
و تدلّ على حرمة مملوكة كلّ منهما على الآخر لو باشرها بشهوة أو نظر الى عورتها مضافا الى الصحيحتين رواية عيص بن القاسم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أدنى ما تحرم به الوليدة تكون عند الرجل على ولده اذا مسّها أو جرّدها».(3)
و موثّقة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل تكون عنده الجارية فتنكشف فيراها أو يجرّدها لايزيد على ذلك، قال: «لاتحلّ لابنه».(4)
و ان شئت فراجع الباب الثالث من أبواب ما يحرم بالمصاهرة لملاحظة سائر الروايات المعتبرة في الباب.
ثمّ انّه لاتحرم المحلّلة لأحدهما على الآخر اذا لم تكن مدخولة كما لاتحرم المملوكة.
1) - وسائل الشيعة 20: 422 / الباب 5 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 21: 141 / الباب 40 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 6.
3) - وسائل الشيعة 21: 195 / الباب 77 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 21: 195 / الباب 77 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 2.
(مسألة 3): تحرم على الزوج أمّ الزوجة وان علت نسبا أو رضاعا مطلقا. و كذا ابنتها و ان نزلت بشرط الدخول بالأمّ سواء كانت في حجره أم لا، و انكان تولّدها بعد خروج الأمّ عن زوجيّته. و كذا تحرم أمّ المملوكة الموطوءة على الواطي و ان علت مطلقا و بنتها.
الشرح:
يدلّ على تحريم أمّ الزوجة و ان علت و بنتها و ان نزلت بشرط الدخول بالأمّ من غير فرق بين كونها في الحجر أم لا، الكتاب و السنّة:
فمن الكتاب قوله تعالى: «حرّمت عليكم أمّهاتكم و بناتكم و أخواتكم و عمّاتكم و خالاتكم و بنات الأخ و بنات الأخت و أمّهاتكم اللاتي أرضعنكم و أخواتكم من الرضاعة و أمّهات نسائكم و ربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ فان لم تكونوا دخلتم بهنّ فلا جناح عليكم و حلائل أبنائكم الذين من أصلابكم و أن تجمعوا بين الأختين الاّ ما قد سلف انّ اللّه كان غفورا رحيما»(1)
و من السنّة موثّقة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام :
«انّ عليّا عليه السلام قال: اذا تزوّج الرجل المرأة حرمت عليه ابنتها اذا دخل بالأمّ، فاذا لم يدخل بالأمّ فلابأس أن يتزوّج بالابنة، و اذا تزوّج بالابنة فدخل بها أو لم يدخل بها فقد حرمت عليه الأمّ، و قال: الربائب حرام كنّ في الحجر أو لم يكنّ».(2)
و صحيحة أبي بصير قال:
«سألته عن رجل تزوّج امرأة ثمّ طلّقها قبل أن يدخل بها، فقال: تحلّ له ابنتها و لاتحلّ له أمّها».(3)
و موثّقة اسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام :
«أنّ عليّا عليه السلام كان يقول: الربائب عليكم حرام من الأمّهات اللاتي قد دخل بهنّ هنّ في الحجور و غير الحجور سواء، و الأمّهات مبهمات».(1)
و المبهمات هي المطلقات بلا تقييد بالدخول بالبنات حيث قال تعالى: «و أمّهات نسائكم» بلا تقييد بالدخول بهنّ.
و مرسلة العيّاشي في تفسيره عن أبي حمزة قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل تزوّج امرأة و طلّقها قبل أن يدخل بها أتحلّ له ابنتها؟ قال: فقال: قد قضى في هذا أميرالمؤمنين عليه السلام لابأس به، انّ اللّه يقول: «و ربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ فان لم تكونوا دخلتم بهنّ فلا جناح عليكم». و لو تزوّج الابنة ثمّ طلّقها قبل أن يدخل بها لم تحلّ له أمّها قال: قلت له: أليس هما سواء؟ قال: فقال: لا، ليس هذه مثل هذه انّ اللّه يقول: «و أمّهات نسائكم» لم يستثن في هذه كما اشترط في تلك، هذه هنا مبهمة ليس فيها شرط و تلك فيها شرط».(2)
و بازاء تلك الروايات روايات ظاهرها المعارضة الاّ أنّها تحمل على التقيّة أو تؤوّل بتأويل:
منها صحيحة منصور بن حازم قال:
«كنت عند أبي عبداللّه عليه السلام فأتاه رجل فسأله عن رجل تزوّج امرأة فماتت قبل أن يدخل بها، أيتزوّج بأمّها؟ فقال أبو عبداللّه عليه السلام : قد فعله رجل منّا فلم ير به بأسا. فقلت له: جعلت فداك، ما تفخر الشيعة الاّ
بقضاء علي عليه السلام في هذا في الشمخيّة التي أفتاها ابن مسعود أنّهلابأس بذلك، ثمّ أتى عليّا عليه السلام فسأله فقال له علي عليه السلام : من أين أخذتها؟ قال: من قول اللّه عزّوجلّ: «و ربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ فان لم تكونوا دخلتم بهنّ فلا جناح عليكم» فقال علي عليه السلام : انّ هذه مستثناة، و هذه مرسلة: «و أمّهات نسائكم» - الى أن قال: - فقلت له: ما تقول فيها؟ فقال: يا شيخ، تخبرني أنّ عليّا عليه السلام قضى بها و تسألني: ما تقول فيها؟».(1)
و هذه الصحيحة كالصريحة في التقيّة، كما أنّ صاحب الوسائل حملها على التقيّة، فانّه عليه السلام قد أفتى أوّلاً على التقيّة حيث لم يبيّن الحكم صريحا بل نقله عن رجل، مع أنّ قول الرجل المذكور ليس بحجّة و لم يؤيّده الامام عليه السلام ، ثمّ ذكر أخيرا أنّ قوله في ذلك موافق لما أفتى به علي عليه السلام .
و منها صحيحة جميل بن درّاج و حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الأمّ و البنت سواء اذا لم يدخل بها، يعني اذا تزوّج المرأة ثمّ طلّقها
قبل أن يدخل بها فانّه ان شاء تزوّج أمّها و ان شاء تزوّج ابنتها».(2)
و قد نقل صاحب الوسائل في ذيلها قول الشيخ رحمه اللّه بأنّ هذه الصحيحة مخالفة للقرآن فلايجوز العمل عليها؛ لأنّه روي عن النبي صلى اللّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام أنّهم قالوا: «اذا جائكم عنّا حديث فأعرضوا على كتاب اللّه فما وافق كتاب اللّه فخذوه و ما خالفه فاطرحوه أو ردّوه الينا».
كما أنّه يجوز حملها على التقيّة أيضا كما حملنا الصحيحة السابقة عليها.
و قد ذكر لها توجيهات أخر: منها أنّ التفسير ليس من الامام عليه السلام بل هو من بعض الرواة فليس بحجّة بل هو ممنوع.
و منها أنّ معنى الحديث أنّه اذا لم يدخل بالأمّ فالأمّ و البنت سواء في الاباحةفان شاء دخل بالأمّ و ان شاء طلّقها و تزوّج بالبنت.
و منها أنّ معناه أنّه اذا لم يدخل بالزوجة فأمّها و بنتها سواء في التحريم جمعا قبل مفارقتها، أو المراد أنّه اذا ملك أمة و أمّها فله وط ء أيّهما شاء قبل وط ء الأخرى.
و لايخفى أنّ فيما ذكره الشيخ رحمه اللّه من مخالفة هذه الصحيحة للقرآن و وجوب طرحها لذلك اشكالاً، و هو أنّ ما يجب طرحه هو الرواية التي تخالف نصّ القرآن لا ظاهره و قد تقرّر في محلّه جواز تخصيص عموم القرآن و تقييد مطلقه بالصحاح.
و من الروايات صحيحة أخرى لجميل بن درّاج:
«أنّه سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن رجل تزوّج امرأة ثمّ طلّقها قبل أن يدخل بها، هل تحلّ له ابنتها؟ قال: الأمّ و الابنة في هذا سواء اذا لم يدخل باحداهما حلّت له الأخرى».(1)
و فيها - مضافا الى امكان حملها على التقيّة - أنّه يمكن أن يكون التفسير و هو ذيل الحديث من الراوي بقرينة الصحيحة الأولى لجميل.
ثمّ اعلم أنّه لم يكن تحريم البنت اذا دخل بأمّها مقيّدا بكونها في الحجر، فانّ القيد المذكور في الكتاب غالبي.
و قد تقدّم آنفا الروايات المعتبرة الدالّة على أنّهنّ حرام لمن تزوّج بأمّها و دخل بها سواء كنّ في الحجور أو لم يكنّ.
و لايذهب عليك أنّ الربيبة حرام على من دخل بأمّها و ان كان تولّدها بعد خروج الأمّ عن زوجيّته و ذلك - مضافا الى اطلاق الروايات المتقدّمة الشاملة لهذا المورد - لصحيحة محمّد بن مسلم قال:
1) - وسائل الشيعة 20: 464 / الباب 20 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 6.
«سألت أحدهما عليهماالسلام عن رجل كانت له جارية فأعتقت فتزوّجتفولدت، أيصلح لمولاها الأوّل أن يتزوّج ابنتها؟ قال: لا، هي حرام و هي ابنته و الحرّة و المملوكة في هذا سواء».(1)
أمّا لو انعكس الفرض، كما لو تزوّج طفلة صغيرة لا أمّ لها ثمّ ارتضعت من امرأة فأصبحت أمّا لها بالرضاع، فتحرم على الزوج لاطلاق الروايات المتقدّمة كما في المباني.(2)
اعلم أنّه حرمت أمّ المملوكة الموطوءة و ان علت على الواطي و كذا ابنتها و يدلّ على ذلك مرسلة جميل بن درّاج عن أحدهما عليهماالسلام (في حديث) أنّه قال:
«في رجل كانت له جارية فوطئها ثمّ اشترى أمّها و بنتها، قال: لاتحلّ له».(3)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل كانت له جارية و كان يأتيها فباعها فأعتقت و تزوّجت فولدت ابنة، هل تصلح ابنتها لمولاها الأوّل؟ قال: هي عليه حرام».(4)
و موثّقة الحسين بن سعيد قال:
«كتبت الى أبي الحسن عليه السلام : رجل له أمة يطؤها فماتت أو باعها ثمّ
أصاب بعد ذلك أمّها، هل له أن ينكحها؟ فكتب عليه السلام : لاتحلّ له».(1)
و هذه المسألة محلّ وفاق الخاصّة و العامّة على ما ذكره ابن قدامة فيما حكي عنه.
فلذا لاتعارضها رواية الفضيل بن يسار و رواية رزين بيّاع الأنماط(2)حيث جوّز فيهما نكاح أمّ الأمة و بنتها اذا وطئها و علّلا ذلك بأنّ الحرمة مخصوصة بالحرائر فأمّا الاماء فلابأس بهنّ، و ذلك لضعف سندهما و أنّهما غير معمول بهما، فتطرحان.
(مسألة 4): لا فرق في الدخول بين القبل و الدبر و يكفي الحشفة أو مقدارها، و لايكفي الانزال على فرجها من غير دخول و ان حبلت به. و كذا لا فرق بين أن يكون في حال اليقظة أو النوم اختيارا أو جبرا منه أو منها.
الشرح:
لا فرق في الدخول بين القبل و الدبر و ذلك لشمول لفظ الدخول لهما من غير تقييد في الآية و لا في الروايات بأحدهما.
و في المستمسك: «كما نصّ عليه غير واحد على نحو يظهر أنّه من المسلّمات. نعم، في القواعد: «و الأقرب مساواة الوط ء في الفرجين» و في كشف اللثام: «و يحتمل العدم لتبادر القبل و انتفاء الاحصان في الدبر». و فيه منع التبادر، و أنّ الاحصان ليس منوطا بالدخول، و بالجملة ليس ما يوجب رفع اليد عن الاطلاق».(3)
و يكفي في الدخول الحشفة أو مقدارها؛ لظاهر كلمة الدخول و خصوص صحيحة عيص بن القاسم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل باشر امرأته و قبّل غير أنّه لم يفضاليها ثمّ تزوّج ابنتها، قال: ان لم يكن أفضى الى الأمّ فلابأس و ان كان أفضى فلايتزوّج».(1)
فانّ الافضاء من الفضاء و هو المكان الواسع، و ينطبق على الدخول بتمام الحشفة أو مقدارها، و لاينطبق على ما دونها. مضافا الى أنّ الحكم لا اشكال و لا خلاف فيه و أنّه مقتضى اطلاق الأدلّة كما في المستمسك.
و لايكفي الانزال على فرجها من غير دخول و ان حبلت به؛ لتقييد الحكم في الآية و الروايات بالدخول، فليس للحمل أثر بعد أن لم يذكر في الكتاب و لا في السنّة.
و لا فرق بين أن يكون في حال اليقظة أو النوم، اختيارا أو جبرا منه أو منها؛ لأنّ الظاهر أنّ الحكم قد علّق على صرف الدخول و لذلك ورد في الروايات عنوان الدخول من غير قيد كما عن علي عليه السلام في موثّقة اسحاق بن عمّار: «الربائب حرام من الأمّهات اللاتي قد دخل بهنّ».
هذا، ولكن قد تقدّم منّا غير مرّة شمول حديث الرفع للأحكام الوضعيّة و التكليفيّة و أنّ من الأحكام المرفوعة بحديث الرفع، الحرمة الأبديّة.
و على أيّ حال فالاحتياط في محلّه.
(مسألة 5): لايجوز لكلّ من الأب و الابن وط ء مملوكة الآخر من غير عقد و لا تحليل و ان لم تكن مدخولة و الاّ كان زانيا.
الشرح:
ففي المستمسك: «كما في الشرائع و غيرها بل اجماعا كما في الرياض؛ لحرمة التصرّف في ملك الغير بغير اذنه، و للنصوص الآتية. نعم، في صحيح ابن مسلم
1) - وسائل الشيعة 20: 461 / الباب 19 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 3.
عن أبي جعفر عليه السلام قال: «في كتاب علي عليه السلام أنّ الولد لايأخذ من مال والده شيئا و يأخذ الوالد من مال ولده ما شاء و له أن يقع على جارية ابنه ان لم يكن الابن وقع عليها»، و ذكر أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال لرجل: «أنت و مالك لأبيك». و ظاهره جواز الوط ء من غير تقويم، و ان كان الولد كبيرا. و لا بدّ حينئذ من تأويله أو طرحه و قد تعرّضنا لذلك في شرح المسألة التاسعة و الخمسين من فصل شرائط وجوب حجّة الاسلام ».(1)
و نحن أيضا قد تعرّضنا لذلك في شرح تلك المسألة من ذلك الفصل فراجع.
و ان وطأ كلّ من الأب و الابن مملوكة الآخر من غير عقد و لا تحليل كان زانيا بلا خلاف و لا اشكال لأنّه وط ء غير مستحقّ من دون شبهة.
(مسألة 6): يجوز للأب أن يقوّم مملوكة ابنه الصغير على نفسه و وطؤها، و الظاهر الحاق الجدّ بالأب و البنت بالابن و ان كان الأحوط خلافه. و لايعتبر اجراء صيغة البيع و نحوه و ان كان أحوط، و كذا لايعتبر كونه مصلحة للصبي. نعم، يعتبر عدم المفسدة. و كذا لايعتبر الملاءة في الأب و ان كان أحوط.
الشرح:
يجوز للأب أن يقوّم مملوكة ابنه الصغير على نفسه و وطؤها، تدلّ على ذلك عدّة روايات:
منها صحيحة الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يكون لبعض ولده جارية و ولده صغار، هل يصلح أن يطأها؟ فقال:
«يقوّمها قيمة عدل ثمّ يأخذها و يكون لولده عليه ثمنها».(2)
و منها صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال:
«قلت له: الرجل يكون لابنه جارية، أله أن يطأها؟ فقال: يقوّمها على نفسه و يشهد على نفسه بثمنها أحبّ اليّ».(1)
و منها صحيحة محمّد بن اسماعيل قال:
«كتبت الى أبي الحسن عليه السلام في جارية لابن لي صغير، يجوز لي أن أطأها؟ فكتب: لا، حتّى تخلّصها».(2)
و منها رواية داود بن سرحان قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل يكون لبعض ولده جارية و ولده صغار، قال: لايصلح له أن يطأها حتّى يقوّمها قيمة عدل، ثمّ يأخذها و يكون لولده عليه ثمنها».(3)
و أمّا صحيحة الحسن بن محبوب قال:
«كتبت الى أبي الحسن الرضا عليه السلام : انّي كنت وهبت لابنة لي جارية حيث زوّجتها، فلم تزل عندها و في بيت زوجها حتّى مات زوجها فرجعت اليّ هي و الجارية، أفيحلّ لي أن أطأ الجارية؟ قال: قوّمها قيمة عادلة و أشهد على ذلك ثمّ ان شئت تطأها».(4)
فقد وردت في حكم وط ء جارية البنت الكبيرة و تحمل على ما اذا فوّضت الابنة الى الأب جميع شؤونها.
ثمّ هل المراد من تقويمها و تملّكها اجراء صيغة البيع عليها أم لا؟
ففي الجواهر - بعد قول المحقّق في الشرائع: و يجوز للأب أن يقوّم مملوكة ابنه اذا كان صغيرا ثمّ يطؤها بالملك - قال: «بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع
1) - وسائل الشيعة 21: 140 / الباب 40 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 21: 140 / الباب 40 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 21: 140 / الباب 40 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 17: 267 / الباب 79 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 1.
بقسميه عليه و هو الحجّة بعد النصوص. انّما الكلام في أنّ المراد من تقويمها تملّكها بعقد شرعي كبيع و نحوه أو يكفي في دخولها في ملكه مجرّد تقويمها على أن تكون مملوكة له بالقيمة في ذمّته مثلاً لولده، قد صرّح غير واحد من الأصحاب بالأوّل؛ لأصالة عدم دخولها في الملك الاّ بالتملّك الشرعي، بل في جامع المقاصد القطع بذلك تارة، و نفي الخلاف أخرى، و هو ان تمّ اجماعا كفى، و الاّ أمكن أن يحتمل الثاني عملاً بظاهر النصّ. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الظاهر أنّ الشارع قد أجاز للأب أن يملّك جارية ابنه الصغير لنفسه بأن يقوّمها قيمة عدل ثمّ يأخذها و يكون لولده عليه ثمنها، و هذا معنى البيع لنفسه و من أنكره فمجرّد تقويمها على أن تكون مملوكة له بالقيمة في ذمّته لولده كافٍ عملاً بظاهر النصّ.
و لايبعد الحاق الجدّ بالأب كما تلحق البنت بالابن. و ذلك لاتّحاد الجدّ مع الأب في الولاية على الصغير.
و في الجواهر احتمل الاقتصار على الأب و عدم التعدّي الى الجدّ، و خصوص مملوكة الولد لا البنت، جمودا على ما خالف الأصل على المتيقّن، و ان اختار أخيرا العموم في الجدّ و البنت؛ و ذلك للقطع باتّحاد الجميع، بل ينبغي القطع في الجدّ ضرورة تسلّط الجدّ على التصرّفات جميعها التي منها ذلك كما أنّه ينبغي القطع بعدم الفرق بين الولد و البنت أيضا كما هو واضح.
ثمّ انّه لايعتبر كونه مصلحة للصبي؛ لاطلاق النصوص. نعم، يعتبر عدم المفسدة لانصراف الأخبار عنه و لعمومات ما دلّ على عدم التصرّف في مال الطفل الاّ بالتي هي أحسن و به ترفع اليد عن اطلاق النصوص. و كذا لايعتبرالملاءة في الأب للاطلاق. و الاحتياط في فروع المسألة حسن كما في المتن.
1) - جواهر الكلام 29: 354.
(مسألة 7): اذا زنا الابن بمملوكة الأب حدّ و أمّا اذا زنا الأب بمملوكة الابن فالمشهور عدم الحدّ عليه و فيه اشكال.
الشرح:
لا اشكال و لا خلاف في الأوّل و هو أنّه اذا وطأ الابن مملوكة الأب من دون شبهة كان زانيا و حدّ حدّ الزاني.
أمّا الأب فهل يحدّ أم لا؟ فيه اشكال من أنّه يصدق عليه الزاني و لا نصّ على استثنائه من عمومات حدّ الزنا صريحا، بل لايستثنوه في كتاب الحدود في ذكر من يحدّ للزنا كما ذكروا استثناء الوالد عن حدّ السرقة فيما اذا سرق من مال ولده.
و من أنّه قد يدّعى عدم الخلاف على عدم حدّه كما ادّعى صاحب الجواهر(1)عدم وجدان الخلاف و نقل اعتراف جامع المقاصد به و نقل القول بعدم الحدّ أيضا عن القواعد و الارشاد و التلخيص و المسالك.
و الظاهر أنّ من استثنى الأب من حدّ الزنا هنا، ذهب اليه لمكان ما تقدّم من الروايات الدالّة على جواز تصرّف الأب في مال ولده بغير اذنه و قد عرفت عدم جوازه للجمع بينه و بين سائر الروايات.
و يمكن أن يكون وجه ذهابهم اليه ما ذهبوا اليه في القصاص من أنّ الوالد اذا قتل ابنه لم يقتل بتنقيح المناط، و هو محلّ تأمّل، و كذا التمسّك بدرء الحدّ بالشبهة.
و على أيّ حال فيبقى الاشكال في محلّه.
1) - جواهر الكلام 29: 355.
(مسألة 8): اذا وط ء أحدهما مملوكة الآخر شبهة لم يحدّ، ولكن عليه مهر المثل. و لو حبلت فان كان الواطي هو الابن عتق الولد قهرا مطلقا. و ان كان الأب لم ينعتق الاّ اذا كان أنثى. نعم، يجب على الأب فكّه ان كان ذكرا.
الشرح:
اذا وطأ أحدهما مملوكة الآخر شبهة لم يحدّ؛ لأنّ الحدود تدرأ بالشبهات ولكن عليه مهر المثل لما استحلّ من فرجها.
و لو حبلت فان كان الواطي هو الابن عتق الولد قهرا و ذلك لأنّه لو بقي رقّا كان ملكا لمالك الأمة، و هو جدّه و الرجل لايملك عموديه أي أبناءه و ان نزلوا و آباءه و ان علوا.
و ان كان الواطي هو الأب لم ينعتق اذا كان ذكرا و ذلك لأنّه لو بقي رقّا كان ملكا لمالك الأمة و هو أخوه، و لا مانع من أن يملك الرجل أخاه.
نعم، اذا كانت أنثى انعتقت قهرا و ذلك لأنّ الرجل كما لايملك عموديه لايملك محارمه و منها الأخت، فلمّا لم يمكن ملكيّته لها انعتقت قهرا أيضا.
و في الجواهر: «و لو كان هناك شبهة سقط الحدّ عنه للأمر بدرئه عندها، و لو حملت مملوكة الأب من الابن مع الشبهة الملحقة للولد بأبيه أعتق قهرا، لعدم ملك الأب ولده فينعتق حينئذ على جدّه المالك للجارية و لا قيمة على الابن للأصل و غيره، و ليس هكذا لو حملت مملوكة الابن من الأب شبهة فانّه لم ينعتق على الولد المالك للجارية؛ لأنّ الرجل يملك أخاه ولكن على الأب فكّه منه الاّ أن تكون أنثى فتنعتق قهرا على أخيها، و لا قيمة على الأب».(1)
1) - جواهر الكلام 29: 355.
(مسألة 9): لايجوز نكاح بنت الأخ أو الأخت على العمّة و الخالة الاّ باذنهما، من غير فرق بين الدوام و الانقطاع، و لا بين علم العمّة و الخالة و جهلهما. و يجوز العكس و ان كانت العمّة و الخالة جاهلتين بالحال على الأقوى.
الشرح:
لايجوز نكاح بنت الأخ أو الأخت على العمّة و الخالة الاّ باذنهما و يجوز العكس و الدليل على ذلك روايات:
منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لاتزوّج ابنة الأخت على خالتها الاّ باذنها، و تزوّج الخالة على ابنة الأخت بغير اذنها».(1)
و منها صحيحة أبي عبيدة قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: لاتنكح المرأة على عمّتها و لا على خالتها و لا على أختها من الرضاعة».(2)
و منها صحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايحلّ للرجل أن يجمع بين المرأة و عمّتها و بين المرأة و خالتها».(3)
بتقييدهما بصحيحة محمّد بن مسلم و حملهما على صورة عدم الاذن، و حمل صحيحة أبي الصباح على صورة تقدّم تزويج العمّة و الخالة بقرينة صحيحة محمّد بن مسلم و موثّقته الآتية.
و منها موثّقة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لاتزوّج ابنة الأخ و لا ابنة الأخت على العمّة و لا على الخالة الاّ باذنهما و تزوّج العمّة و الخالة على ابنة الأخ و ابنة الأخت بغير اذنهما».(1)
و منها صحيحة مالك بن عطيّة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتتزوّج المرأة على خالتها و تزوّج الخالة على ابنة أختها».(2)
بحملها على صورة عدم الاذن في الأوّل أيضا.
و منها رواية أبي عبيدة الحذّاء قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لاتنكح المرأة على عمّتها و لا على خالتها الاّ باذن العمّة و الخالة».(3)
و الظاهر أنّ المسألة لا خلاف فيها الاّ ما نقل عن الاسكافي و العمّاني و الصدوق قدس سرهمحيث ذهب الأوّلان الى جواز التزويج بابنة أخت الزوجة و ابنة أخيها بغير اذنها و استدلاّ بقوله تعالى: «و أحلّ لكم ما وراء ذلكم»(4)و بعض الروايات كما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن امرأة تزوّج على عمّتها و خالتها، قال: لابأس».(5)
و من المعلوم أنّ الروايات المتقدّمة تقيّدهما.
و الحال أنّ الصدوق رحمه اللّه قد ذهب الى عدم الجواز مطلقا حتّى مع الاذن مستندا في ذلك الى اطلاق جملة من النصوص كصحيحة أبي الصباح الكناني المتقدّمة المقيّدة بما عرفت من الروايات.
مضافا الى أنّه موافق لمذهب العامّة الذي جعل اللّه الرشد في خلافهم، بل
1) - وسائل الشيعة 20: 487 / الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 20: 489 / الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 9.
3) - وسائل الشيعة 20: 487 / الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 2.
4) - النساء 4: 24.
5) - وسائل الشيعة 20: 488 / الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 3.
لايبعد عدم قدح خلافهما في الاجماع السابق عليهما و اللاحق عنهما كما في الجواهر.(1)
و أمّا جواز ادخال العمّة و الخالة على ابنة أخيها أو أختها بغير اذنهما فلا كلام فيه و ذلك لخصوص الروايات المتقدّمة و عموم الآية و الاجماع المنقول و الأصل.
ثمّ انّه لا فرق في عدم جواز نكاح بنت الأخ أو الأخت على العمّة و الخالة الاّ باذنهما بين الدوام و الانقطاع؛ لاطلاق الأدلّة.
قال في المسالك في حكم هذا الفرع: «فهل يقع العقد باطلاً أم يتوقّف عقد الداخلة على رضاها أو عقدها و عقد المدخول عليها؟ أوجه أوجهها الوسط؛ لأنّ جواز عقد الداخلة مشروط برضاها فلا وجه لابطاله بدونه. و عقد السابقة قد حكم بصحّته و لزومه قبل العقد الثاني فيستصحب و الحقّ في ذلك للداخلة، فتتخيّر في عقد نفسها بين فسخه و الرضا بمصاحبة المدخول عليها».(2)
أقول:
قد تقدّم الكلام في ذلك آنفا و قلنا بأنّه لا اشكال في جواز ادخال العمّة أو الخالة على بنت الأخ أو الأخت و لا دليل على لزوم رضى العمّة و الخالة في صحّة العقد، و عليه فلو جهلتا بالحال فليس لهما الفسخ و صحّ عقدهما.
نعم، لو حصل القطع بأنّ المناط في النهي صرف الجمع بين العمّة و بنت أخيها أو الخالة و بنت أختها من دون رضى العمّة و الخالة كما ذهب اليه العامّة،فكلام الشهيد في محلّه، و أنّى لنا باليقين بذلك.
و في الجواهر - بعد ما أجاب عمّا في المسالك قال - : «و من هنا قال في الرياض: «لا فرق في الجواز بين علم الداخلة بكون المدخول عليها بنت أخ أو أخت أم لا، وفاقا للأكثر؛ للأصل و اطلاق النصوص». و عن العلاّمة اشتراط العلم و مستنده غير واضح، و النصوص باعتبار اذنهما مختصّة بالصورة الأولى. و خبر أبي الصباح مع أنّه ضعيف لا جابر له في خصوص ما نحن فيه و موافق باطلاقه للعامّة يقوى في الظنّ ارادة الصورة التي صرّحت النصوص بالمنع من الجمع فيها من دون الاذن، و هي ادخال بنت الأخ و الأخت على العمّة و الخالة، لا ما نحن فيه الذي أطلق في النصوص جوازه. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 10): الظاهر عدم الفرق بين الصغيرتين و الكبيرتين و المختلفتين، و لا بين اطّلاع العمّة و الخالة على ذلك و عدم اطّلاعهما أبدا، و لا بين كون مدّة الانقطاع قصيرة و لو ساعة أو طويلة، على اشكال في بعض هذه الصور؛ لامكان دعوى انصراف الأخبار.
الشرح:
الدليل على ما ذكره الماتن في هذه المسألة اطلاق الروايات المتقدّمة.
و على هذا فاذا كانت الزوجة صغيرة فلا بدّ من تأخير زواج بنت أخيها أو أختها الى أن تبلغ و تأذن.
و أمّا دعوى الانصراف عن بعض الصور فلعلّه متعلّقة بصورة قلّة مدّة الانقطاع مع ادّعاء أنّه اذا كان قصده من العقد صرف المحرميّة فلايدلّ الأخبار على لزوم الاذن من العمّة أو الخالة لانصرافها عنها.
و الظاهر أنّ الانصراف بدوي لا حجّة فيه، مع أنّ العقد و لو ساعة أو أقلّ
1) - جواهر الكلام 29: 359 و 360.
يترتّب عليه جميع أحكام الزوجيّة من صحّة جميع الاستمتاعات و ثبوت المهر و غيرهما، و ان كان قصده مجرّد المحرميّة.
(مسألة 11): الظاهر أنّ حكم اقتران العقدين حكم سبق العمّة و الخالة.
الشرح:
لا اشكال في صحّة العقدين مع علم العمّة و الخالة و رضاهما، انّما الاشكال في ما اذا كانتا جاهلتين و غير راضيتين و قد عرفت لسان النصوص الواردة في الباب و أنّ لسانها هو المنع عن ادخال بنت الأخ أو الأخت على العمّة و الخالة و ظاهرها تقدّم عقدهما.
و على هذا فلا دليل يدلّ على عدم جواز الاقتران الاّ باذنهما و رضاهما الاّ ما تقدّم من صحيحة أبي الصباح الكناني و ما ورد عن دعائم الاسلام عن النبي صلى اللّه عليه و آله:
«أنّه نهى أن يجمع الرجل بين المرأة و عمّتها و بين المرأة و خالتها».(1)
و قد رماهما في المستمسك(2)بالضعف و قال بأنّهما موافق لمذهب العامّة القائلين بالمنع عن مطلق الجمع.
و قد تقدّم أنّ ما رواه أبو الصباح صحيحة لكن يحمل على تقدّم عقدهما.
و على أيّ حال فما هو مقتضى ظاهر النصوص عدم اعتبار اذن العمّة و الخالة في اقتران العقدين.
و في الجواهر: «بل قد يقال: انّ مقتضى ما ذكرنا جواز الجمع بينهما بعقد واحد بغير اذن منهما؛ لاختصاص النصوص باعتبار الاذن في صورة ادخالهماعلى العمّة و الخالة. اللّهمّ الاّ أن يستفاد حكم ذلك ممّا تسمعه في الجمع بين
الحرّة و الأمة بعقد واحد بناءً على اتّحادهما في كيفيّة دلالة الدليل، و قد ورد الخبر الصحيح هناك بصحّة عقد الحرّة دون الأمة أي مع عدم الاذن فلاحظ و تأمّل جيّدا».(1)
و في المستمسك جعل ما استشهد به من الحكم في الحرّة و الأمة أشبه بالقياس.
(مسألة 12): لا فرق بين المسلمتين و الكافرتين و المختلفتين.
الشرح:
و ذلك لاطلاق الأدلّة الشاملة لجميع الأقسام.
و لايقيّدها رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«انّما نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله عن تزويج المرأة على عمّتها و خالتها اجلالاً للعمّة و الخالة، فاذا أذنت في ذلك فلابأس».(2)
بتقريب أنّ المستفاد من الرواية هو كون الوجه في حرمة تزويج بنت الأخ أو الأخت على العمّة أو الخالة هو احترامهما، و لا احترام للكافر.
و أمّا وجه عدم التقييد فأوّلاً: لعدم ثبوت كون الاحترام هو العلّة في الحكم، غايته كون ذلك حكمة له. و ثانيا: لأنّ الرواية ضعيفة السند.
(مسألة 13): لا فرق في العمّة و الخالة بين الدنيا منهما و العليا.
و ذلك أيضا لاطلاق الأدلّة و صدق العمّة و الخالة على العليا.
(مسألة 14): في كفاية الرضا الباطني منهما من دون اظهاره و عدمها و كون اللازم اظهاره بالاذن قولاً أو فعلاً، وجهان.
الشرح:
الظاهر من الروايات المتقدّمة في المسألة التاسعة هو لزوم الاذن باظهار الرضا الباطني، و تلك الروايات تكون مفسّرة لرواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن امرأة تزوّج على عمّتها و خالتها، قال: لابأس، و قال: تزوّج العمّة و الخالة على ابنة الأخ و ابنة الأخت و لاتزوّج بنت الأخ و الأخت على العمّة و الخالة الاّ برضى منهما فمن فعل فنكاحه باطل».(1)
فانّها و ان ذكر فيها الرضا الاّ أنّها مجملة تفسّر بسائر الروايات و لا أقلّ من تقييدها بها، ان لم تكن مجملة.
(مسألة 15): اذا أذنت ثمّ رجعت و لم يبلغه الخبر فتزوّج لم يكفه الاذن السابق.
الشرح:
انّ الرجوع من الاذن قبل العقد يجعله كالعدم، سواء بلغه الخبر أو لم يبلغ؛ لأنّ مناط صحّة العقد هنا وجود الاذن حينه و المفروض عدمه. و ليس ذلك مثل الوكيل الذي لم يبلغه العزل لتعدّد الموضوع.
1) - وسائل الشيعة 20: 487 / الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 3.
(مسألة 16): اذا رجعت عن الاذن بعد العقد لم يؤثّر في البطلان.
الشرح:
و ذلك لأنّ صحّة العقد منوطة بوجود الاذن حينه و قد وجد، فانعقد صحيحا فلا موجب للبطلان.
قال في المستمسك: «اذ لا دليل على كون العدول عن الاذن رافعا لأثر العقد و ناسخا له، فاستصحاب بقاء الأثر بحاله. فان قلت: العدول يوجب كون الاذن السابق بمنزلة العدم. قلت: انّما يوجب ذلك بالنسبة الى ما بعد العدول، لا من أوّل الأمر، فحين وقوع العقد عن اذنه يترتّب عليه الأثر؛ لتحقّق شرط التأثير و لا موجب لارتفاعه فيستصحب».(1)
و في استدلاله بالاستصحاب اشكال أوّلاً من حيث عدم الاحتياج اليه بل الاعتبار كما تقدّم منّا في أمثال هذه المسائل بقاعدة الفراغ.
و ثانيا من حيث انّه أشبه بقاعدة اليقين.
(مسألة 17): الظاهر كفاية اذنهما و ان كان غرور بأن وعدها أن يعطيها شيئا فرضيت ثمّ لم يفِ بوعده، سواء كان بانيا على الوفاء حين العقد أم لا. نعم، لو قيّدت الاذن باعطاء شيء فتزوّج ثمّ لم يعط كشف عن بطلان الاذن و العقد، و ان كان حين العقد بانيا على العمل به.
الشرح:
انّ ما يستفاد من اطلاق الروايات هو لزوم اذنهما و الظاهر كفايته و ان حصل عن غرور كما مثّل به الماتن رحمه اللّه بما اذا وعدها شيئا سواء كان بانيا على الوفاء حينالعقد أو لا، فانّ صحّة العقد منوطة بالاذن و قد وقع.
1) - مستمسك العروة 14: 202.
نعم، لو قيّدت الاذن باعطاء شيء بحيث لو لم يعط لم تؤذن و لم ترضَ، فاذا تزوّج ثمّ لم يعط كشف عن عدم الاذن و بطلان العقد لانتفاء المقيّد بانتفاء قيده و ان كان حين العقد بانيا على العمل به و ذلك لأنّ الشرط هو الاعطاء فاذا فقد الشرط فقد المشروط و هو الاذن.
(مسألة 18): الظاهر أنّ اعتبار اذنهما من باب الحكم الشرعي، لا أن يكون لحقّ منهما فلايسقط بالاسقاط.
الشرح:
انّ الظاهر من الروايات المتقدّمة في المسألة التاسعة هو أنّ الاذن في المقام غير قابل للاسقاط، فلو أسقطته لايسقط، فاللازم اذن العمّة أو الخالة حين عقد بنت الأخ أو الأخت عليهما، و لو بعد الاسقاط.
و في المستمسك: «يعني، ليس اعتبار الاذن في المقام من باب اعتبار اذن المالك لعين أو حقّ في التصرّف فيه. بل مجرّد حكم الشارع بالتوقّف على الاذن؛ لأنّ البناء على الأوّل يتوقّف على ثبوت ملك لعين أو فعل و هو خلاف الأصل بل خلاف الدليل الموجب لاعتباره و لو بعد الاسقاط».(1)
(مسألة 19): اذا اشترط في عقد العمّة أو الخالة اذنهما في تزويج بنت الأخ أو الأخت ثمّ لم تأذنا عصيانا منهما في العمل بالشرط لم يصحّ العقد على احدى البنتين. و هل له اجبارهما في الاذن؟ وجهان. نعم، اذا اشترط عليهما في ضمن عقدهما أن يكون له العقد على ابنة الأخ أو الأخت فالظاهرالصحّة و ان أظهرتا الكراهة بعد هذا.
1) - مستمسك العروة 14: 203.
الشرح:
في المسألة صور:
الأولى: أن يشترط على العمّة أو الخالة في ضمن عقدها اذنها في تزويج بنت أخيها أو أختها، ثمّ بعد العقد لم تأذن عصيانا منها في العمل بالشرط و في هذه الصورة لم يصحّ العقد على احدى البنتين و ذلك لأنّ صحّة العقد مشروطة باذن العمّة أو الخالة و لم يوجد و ان عصت لمخالفتها الشرط الذي هو حكم تكليفي.
و ليس له اجبارها في الاذن؛ لأنّ الاذن كاشف عن الرضا الباطني و الاجبار مضادّ له.
نعم، له أن ينهاها عن المنكر و هو مخالفة الشرط الذي يجب الوفاء به لقوله صلى اللّه عليه و آله: «المؤمنون عند شروطهم».
الثانية: أن يشترط عليها في عقدها أن يكون له العقد على ابنة الأخ أو الأخت، و الظاهر أنّ حكم هذه الصورة أيضا حكم سابقتها و هو عدم صحّة العقد على احدى البنتين ان لم تأذن العمّة أو الخالة و ذلك لأنّ ذلك الشرط امّا اسقاط و امّا اذن فان كان الأوّل فقد تقدّم بطلانه و ان كان الثاني فقد تقدّم جواز رجوعها فيه.
الثالثة: أن يشترط عليها في ضمن عقدها الوكالة عنها في الاذن، و لايبعد صحّة هذه الوكالة و لزومها و عدم جواز فسخها من قبل الزوجة فانّها و ان كانت في حدّ ذاتها جائزة الاّ أنّها اذا اشترطت في ضمن عقد لازم صارت لازمة.
لايقال: انّه قد تقدّم أنّ الاذن حكم شرعي و ليس بحقّ، فكيف تصحّ الوكالة فيه؟ فانّه يقال: لا منافاة بين كون الشيء من الأحكام الشرعيّة و بين صحّة الوكالة عنه فانّ الأحكام الشرعيّة منها ما يصحّ الوكالة فيها حتّى أنّ الشيخ الأعظم رحمه اللّه عدّ الاجازة و الردّ في البيع الفضولي من الأحكام الشرعيّة مع أنّه لا اشكال في صحّة الوكالة فيهما، و هو في محلّه.
قال في المباني: «اذا اشترط عليهما في ضمن عقدهما أن يكون له العقد على ابنة الأخ أو الأخت فالظاهر الفساد، فانّه بعد ما كان اعتبار الاذن حكما للزوجة
احتاج نقله الى غيرها و جعله له الى الدليل و هو مفقود، فمقتضى النصوص الحكم بالبطلان في المقام. نعم، لو فرض أنّه قد اشترط عليها في ضمن عقدها أو في ضمن عقد لازم آخر أن يكون وكيلاً عنها في الاذن صحّ العقد و ان أظهرت الكراهة. و لايجوز للزوجة عزله عن الوكالة باعتبار أنّ الوكالة و ان كانت بحدّ ذاتها من العقود الجائزة الاّ أنّها لمّا كانت شرطا في ضمن عقد لازم كان مقتضى دليل لزوم ذلك العقد لزوم الشرط أيضا لكونه من توابع العقد و متعلّقاته».(1)
(مسألة 20): اذا تزوّجهما من غير اذن ثمّ أجازتا صحّ على الأقوى.
الشرح:
اذا تزوّج على العمّة بنت أخيها أو على الخالة بنت أختها من غير اذنهما ثمّ أجازتا صحّ و ذلك لأنّ العقد قد حصل لوجود شرائطه الاّ أنّه معلّق على اذن العمّة أو الخالة، فان لم تأذنا بطل العقد، و أمّا ان أذنتا فلا مانع من صحّة العقد.
فانّ النهي في الروايات لايدلّ على الفساد فانّه من المعاملات و النهي فيها لايدلّ على الفساد.
و أمّا قوله عليه السلام في رواية علي بن جعفر: «فمن فعل فنكاحه باطل»، فيحمل - مضافا الى ضعف سندها - على البطلان مع الكراهة و استمرارها جمعا بين الأدلّة.
و قد نقل في المسالك(2)في المسألة أقوالاً أربعة مع ما يستدلّ عليها و نحن نذكرها منه رحمه اللّه تفصيلاً:
أحدها: بطلان عقد الداخلة من غير أن يتأثّر عقد الأولى. و هذا هو الذي اختاره المصنّف. أمّا بقاء عقدها على حاله في اللزوم فلانعقاده لازما فيستصحب،
اذ لم يقع بعده ما يوجب تأثّره، و انّما المنهيّ عنه هو الطاري، فيكون البحث فيه.
و أمّا بطلان عقد الداخلة فللنهي عنه في الأخبار السابقة المقتضي للفساد.
و للتصريح به في رواية عليّ بن جعفر و لأنّ رضا العمّة و الخالة شرط في صحّة العقد، فيجب حصوله وقت التزويج.
و فيه نظر، لأنّ النهي لايدلّ على الفساد في المعاملات، كما حقّق في الأصول. و الخبر المصرّح بالبطلان فيه أوّلاً: منع صحّة السند، لأنّ في طريقه بنان بن محمد، و حاله مجهول، و دعوى صحّته غير مسلّمة. و مع تسليمه يمكن حمله على البطلان مع كراهتهما لذلك، جمعا بين الأدلّة. و نمنع شرطيّة الرضا في صحّة العقد، و الأخبار لاتدلّ عليه، لما عرفت من أنّ النهي لايدلّ على الفساد. و دلالتها على اعتبار مصاحبته للاذن في وقوعه لازما أو غير منهي عنه، لا مطلقا.
فان قيل: النهي في المعاملات و ان لم يدلّ على الفساد بنفسه، لكنّه اذا دلّ على عدم صلاحية المعقود عليها للنكاح، فهو دالّ على الفساد من هذه الجهة، كالنهي عن نكاح الأخت و العمّة و الخالة، و كما في النهي عن بيع الغرر. و النهي في محلّ النزاع من هذا القبيل.
قلنا: لا نسلّم دلالته هنا على عدم صلاحية المعقود عليها للنكاح، فانّها عند الخصم صالحة له، و لهذا صلحت مع الاذن، بخلاف الأخت و بيع الغرر، فانّهما لايصلحان أصلاً. و صلاحية الأخت على بعض الوجوه - كما لو فارق الأخت - لاتقدح، لأنّها حينئذ ليست أختا للزوجة، بخلاف بنت الأخت و نحوها، فانّها صالحة للزوجيّة مع كونها بنت أخت للزوجة. و الأخبار دلّت على النهي عن تزويجها، و قد عرفت أنّه لايدلّ على الفساد، فصار النهي عن هذا التزويج من قبيل ما حرم لعارض، كالبيع وقت النداء، لا لذاته، و العارض هو عدم رضا الكبيرة، فاذا لحقه الرضا زال النهي.
الثاني: تزلزل العقدين السابق و الطاري. و هذا هو الذي حكاه المصنّف قولاً، و اقتصر عليه. و هو مذهب الشيخين و أتباعهما؛ لوقوع العقدين صحيحين، أمّا
الأوّل فظاهر. و أما الثاني فلأنّه صدر من أهله في محلّه جامعا لشرائطه، فلايؤّر تجدّد البطلان بفسخ العمّة و الخالة في صحّته الأصليّة، كغيره من العقود الموقوفة على رضا الغير. و اذا وقع صحيحا كانت نسبة العقدين الى العمّة و الخالة على السواء. و لمّا كان الجمع موقوفا على رضاهما تخيّرا في رفع الجمع بما شاءا من فسخ عقدهما و عقد الداخلة.
و فيه نظر، لأنّ العقد الأوّل لازم بالأصل، و الأصل يقتضي بقاءه على اللزوم الى أن يثبت المزيل، و ما ذكر لايصلح له، لأنّ رفع الجمع يحصل بفسخ العقد الطاري، و هو متعلّق الرضا. و رفع الجمع و ان كان يحصل بفسخ أحد العقدين الاّ أنّ فسخ السابق قد منع منه مانع شرعي، و هو لزومه، فيتسلّط على رفع الثاني خاصّة.
الثالث: تزلزل العقد الطاري خاصّة، بحيث يقع موقوفا على رضا العمّة أو الخالة، مع كون عقدهما لازما. اختاره جملة المتأخّرين، و نقلوه عن المصنّف. و الموجود في كتابه و مختصره اختيار القول الأوّل خاصّة، الاّ أن يريد بالبطلان وقوفه على الاجازة. و ارادة ذلك غير معلومة من اطلاق اللفظ.
و الدليل السابق على البطلان ينافيه. و به صرّح ابن ادريس، لكن مع مخالفة تأتي.
أمّا لزوم عقدهما فقد علم. و أمّا تزلزل الطاري من غير أن يكون باطلاً فلعموم «أوفوا بالعقود» فانّ المتنازع فيه اذا تعقّبه رضا من يعتبر رضاه اندرج في هذا العموم، فوجب الحكم بصحّته. فقبل الرضا لايكون فاسدا و الاّ لم ينقلب صحيحا، و لانعني بالموقوف الاّ ذلك. و لأنّه عقد صدر بدون رضا من يعتبر رضاه في صحّته، فكان كالفضول، و قد تقدّم صحّة الفضول في النكاح. و هنا أولى، لأنّ المدخول عليها ليس لها أولويّة مباشرة العقد، بل الرضا به، بخلاف الزوجة فيعقد الفضولي، فانّ بيدها مباشرته و الرضا به، فاذا صحّ في الأقوى لزم مثله في الأضعف بطريق أولى. و النهي السابق في الأخبار قد عرفت أنّه لايدلّ على
الفساد، بل على المنع منه بدون الاذن، و هو أعمّ من السابق و اللاحق. و على تقدير ارادة السابق لايلزم الفساد. و هذا هو الأقوى.
الرابع: بطلان العقد الثاني من رأس، و تزلزل عقد المدخول عليها، فلها أن تفسخ عقد نفسها. و هو قول ابن ادريس. و احتجّ على البطلان بالنهي السابق الدالّ على الفساد. و أمّا تزلزل عقد المدخول عليها فلم يتعرّض لدليله، بل جزم بحكمه. و كأنّ الأصل في ذلك نقله عن الشيخ تزلزل العقدين، و هو موجّه بما ذكر، فاعترضه بالنهي الدالّ على فساد الثاني، و أبقى الأوّل على حاله، فاضطربت الفتوى، لأنّه اذا وقع العقد الطارئ فاسدا لم يكن لتخييرها في فسخ عقد نفسها وجه، لأنّ المقتضي للفسخ الجمع، و مع وقوع العقد فاسدا لا جمع.
(مسألة 21): اذا تزوّج العمّة و ابنة الأخ و شكّ في سبق عقد العمّة أو سبق عقد الابنة حكم بالصحّة و كذا اذا شكّ في السبق و الاقتران بناءً على البطلان مع الاقتران.
الشرح:
اذا تزوّج العمّة و ابنة الأخ مثلاً و شكّ في سبق عقد العمّة حتّى يكون عقد ابنة الأخ عليها موقوفا على اذن العمّة أو اجازتها أو سبق عقد ابنة الأخ حتّى يكون العقدان صحيحين من دون احتياج الى اذن من احداهما، فيحكم بصحّة العقدين؛ لأنّ المقتضي للصحّة موجود و الشكّ في المانع فالأصل عدمه، و لما تقدّم منّا من قاعدة الفراغ المسمّاة في بعض الموارد بأصالة الصحّة.
و أمّا في صورة الشكّ في السبق و الاقتران فلا اشكال في الحكم بالصحّة و ذلك لما تقدّم منّا من أنّه مع الاقتران يحكم بالصحّة.
و قال في المباني: «انّ الذي خرج بالدليل من عمومات الحلّ انّما هو دخول ابنة الأخ على العمّة و ابنة الأخت على الخالة حيث تتوقّف صحّة عقدهما على
اذن العمّة و الخالة و من الواضح أنّ مقتضى الأصل عند الشكّ في ذلك هو العدم فانّه مقتضى استصحاب عدم كون العمّة أو الخالة زوجة له حين تزوّجه من ابنة الأخ أو ابنة الأخت. و لايعارض ذلك بأصالة عدم كون ابنة الأخ أو ابنة الأخت زوجة له حين تزوّجه من العمّة أو الخالة؛ لأنّها لاتثبت التأخّر الاّ بالملازمة، و من هنا فيحكم بصحّة العقدين معا لا محالة».(1)
(مسألة 22): اذا ادّعت العمّة أو الخالة عدم الاذن، و ادّعى هو الاذن منهما، قدّم قولهما. و اذا كانت الدعوى بين العمّة و ابنة الأخ مثلاً في الاذن و عدمه، فكذلك قدّم قول العمّة.
الشرح:
اذا ادّعت العمّة أو الخالة عدم الاذن و ادّعى هو الاذن منهما، قدّم قولهما؛ فانّه مقتضى قواعد التداعي فانّهما منكران قدّم قولهما لأنّ قولهما موافق للأصل.
و كذلك لو كانت الدعوى بين العمّة و ابنة الأخ في الاذن و عدمه.
و في المباني: «و حكم بفساد العقد؛ لاستصحاب عدم الاذن. و لا مجال للتمسّك بأصالة الصحّة نظرا لما ذكرناه غير مرّة من أنّ أصالة الصحّة - بمعنى ترتّب الأثر على العقد و الحكم بصحّته - لم تثبت بدليل لفظي، و انّما هي ثابتة بالسيرة القطعيّة في خصوص الموارد التي ثبتت فيها سلطنة العاقد على ذلك الفعل. و من هنا لا مجال للتمسّك بأصالة الصحّة في الموارد التي لم تحرز فيها سلطنة العاقد على الفعل كما هو الحال في المقام، بل لا بدّ من الرجوع الى أصالةعدم نفوذ العقد للشكّ في تحقّق شرطه المقتضية للحكم بالفساد، نظير الحكم في بيع الراهن للعين المرتهنة مدّعيا اذن المرتهن و انكار المرتهن ذلك».(2)
أقول:
قد تقدّم بيان حكم أصالة الصحّة و أصالة الفساد في أمثال هذه الموارد و قلنا بأنّ أصالة الصحّة قد ثبتت من الأدلّة اللفظيّة فتقدّم على الاستصحاب، فراجع.(1)
(مسألة 23): اذا تزوّج ابنة الأخ أو الأخت، و شكّ في أنّه هل كان عن اذن من العمّة أو الخالة أو لا، حمل فعله على الصحّة.
الشرح:
و ذلك لأنّ المقتضي موجود و الأصل عدم المانع؛ لأنّه ليس هنا دعوى عدم الاذن من العمّة أو الخالة.
كما أنّ السيّد الخوئي رحمه اللّه قد ذهب(2)الى أنّ مقتضى تصادق الزوجين على الزوجيّة من دون خلاف بينهما هو الحكم بالزوجيّة، حتّى مع الشكّ في أصل وقوع العقد فضلاً عن الشكّ في صحّته؛ اذ الحقّ لايعدوهما.
(مسألة 24): اذا حصل بنتيّة الأخ أو الأخت بعد التزويج بالرضاع لم يبطل. و كذا اذا جمع بينهما في حال الكفر ثمّ أسلم، على وجه.
الشرح:
اذا حصل بنتيّة الأخ أو الأخت بعد التزويج بالرضاع لم يبطل، لخروجه عنمورد النصوص فانّ موردها ادخال بنت الأخ على العمّة و بنت الأخت على الخالة، و في المقام لم يحدث ذلك. نعم، من قال بعدم جواز الجمع بينهما فهنا يلتزم ببطلان نكاح بنت الأخ أو بنت الأخت الاّ أن تأذن العمّة أو الخالة.
و هكذا يكون الحال اذا كان الزوج كافرا فجمع بين العمّة و بنت أخيها مثلاً بدون اذنها ثمّ أسلم، فانّ المورد خارج عن مورد النصوص.
(مسألة 25): اذا طلّق العمة أو الخالة طلاقا رجعيّا، لم يجز تزويج احدى البنتين الاّ بعد خروجهما عن العدّة و لو كان الطلاق بائنا جاز من حينه.
الشرح:
اذا طلّق العمّة أو الخالة طلاقا رجعيّا، لم يجز تزويج احدى البنتين الاّ بعد خروجها عن العدّة و ذلك لأنّ المطلّقة رجعيّا بحكم الزوجة و يترتّب عليها جميع أحكام الزوجيّة. نعم، لو كان الطلاق بائنا جاز التزويج من حينه؛ لانقطاع الزوجيّة حقيقة أو حكما بينهما. فلايصدق على التزويج بابنة أخيها أو ابنة أختها عنوان الدخول على العمّة أو الخالة.
(مسألة 26): اذا طلّق احداهما بطلاق الخلع، جاز له العقد على البنت؛ لأنّ طلاق الخلع بائن. و ان رجعت في البذل لم يبطل العقد.
الشرح:
اذا طلّق العمّة أو الخالة بطلاق الخلع جاز له العقد على البنت و ذلك لأنّ طلاق الخلع بائن و قد تقدّم أنّ علاقة الزوجيّة قد انقطعت بينهما حقيقة أو حكما فلايصدق ادخال بنت الأخ أو الأخت على العمّة أو الخالة اذا تزوّجهما.
و كذا لايكون نكاحهما معلّقا على اذن العمّة أو الخالة لو رجعت في البذل،فانّ الرجوع في البذل يوجب أن يكون الطلاق رجعيّا و معه لايصدق عنوان دخول بنت الأخ أو بنت الأخت على العمّة أو الخالة، بل الأمر بالعكس من ذلك حيث انّ العمّة أو الخالة تدخل على بنت الأخ أو الأخت، نظرا الى أنّ التزويج بالبنتين كان في فترة لم تكن العمّة أو الخالة زوجة له.
(مسألة 27): هل يجري الحكم في المملوكتين و المختلفتين؟ وجهان، أقواهما العدم.
الشرح:
في المسألة صور: فتارة تكون العمّة أو الخالة مملوكة فأراد المولى تمليك بنت الأخ أو الأخت. و أخرى بالعكس.
و ثالثة تكون العمّة أو الخالة مملوكة و أراد المولى تزويج بنت الأخ أو الأخت مع كونهما حرّتين.
و رابعة عكس الصورة الثالثة.
و خامسة تكون العمّة أو الخالة مملوكة لكن تكون مزوّجة بشخص و أراد الزوج تزويج بنت الأخ و الأخت، حرّتين أو مملوكتين.
و سادسة عكس الصورة الخامسة.
فاعلم أنّ النصوص قد وردت في التزويج و لاتشمل الوط ء بالملك و لايجري الحكم في المملوكتين و المختلفتين اذا كان الوط ء بالملك.
و أمّا اذا كان الوط ء بالتزويج فالصورة مشمولة للنصوص من غير فرق بين كون الزوجة مملوكة أو حرّة و ذلك لاطلاق النصوص.
و في الجواهر: «ظاهر النصوص و الفتاوى اختصاص الحكم في التزويج فلايحرم الجمع بينهما بالوط ء بالملك للتعبير بالتزويج و النكاح في أكثر النصوص.
و دعوى المنع لاحتمال منع مطلق الجمع للنهي عنه في خبر أبي الصباح و لأنّالنكاح بمعنى الوط ء لغة و لأنّ الملك بمنزلة النكاح في الاستفراش و لأنّ الحكمة احترام العمّة و الخالة بالنسبة الى بنت الأخ أو الأخت و الاحتراز عن وقوع البغضة بينهما.
مدفوعة بضعف خبر أبي الصباح و لا جابر له بالنسبة الى ذلك مع أنّه موافق
للعامّة و قد عرفت أنّ النكاح هو العقد، و أنّه على تقدير اشتراكه يراد منه العقد، و وضوح الفرق بينه و بين النكاح في الاحترام و الامتهان و غيرهما، فالتحقيق قصر الحرمة على خصوص التزويج. نعم، لا فرق فيه بين الحرائر و الاماء لاطلاق الأدلّة. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 28): الزنا الطاري على التزويج لايوجب الحرمة، اذا كان بعد الوط ء بل قبله أيضا على الأقوى. فلو تزوّج امرأة ثمّ زنا بأمّها أو بنتها لم تحرم عليه امرأته. و كذا لو زنا الأب بامرأة الابن لم تحرم على الابن. و كذا لو زنا الابن بامرأة الأب لاتحرم على أبيه. و كذا الحال في اللواط الطاري على التزويج. فلو تزوّج امرأة و لاط بأخيها أو أبيها أو ابنها لم تحرم عليه امرأته الاّ أنّ الاحتياط فيه لايترك. و أمّا اذا كان الزنا سابقا على التزويج فان كان بالعمّة أو الخالة يوجب حرمة بنتيهما، و ان كان بغيرهما ففيه خلاف و الأحوط التحريم بل لعلّه لايخلو عن قوّة. و كذا الكلام في الوط ء بالشبهة، فانّه ان كان طارئا لايوجب الحرمة و ان كان سابقا على التزويج أوجبها.
الشرح:
الزنا الطاري على التزويج لايوجب الحرمة اذا كان بعد الوط ء، ففي محكي الجواهر اجماعا بقسميه و يشهد به النصوص المستفيضة، ففي صحيحة محمّدبن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام :
«أنّه سئل عن الرجل يفجر بامرأة أيتزوّج بابنتها؟ قال: لا، ولكن ان كانت عنده امرأة ثمّ فجر بأمّها أو أختها لم تحرم عليه امرأته، انّ الحرام لايفسد الحلال».(2)
و في صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل تزوّج جارية فدخل بها ثمّ ابتلي بها ففجر بأمّها أتحرم عليه امرأته؟ فقال:
«لا، انّه لا يحرّم الحلال الحرام».(1)
و في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال في رجل زنى بأمّ امرأته أو بنتها أو بأختها فقال:
«لايحرّم ذلك عليه امرأته، ثمّ قال: ما حرّم حرام حلالاً قطّ».(2)
و في صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يصيب من أخت امرأته حراما، أيحرّم ذلك عليه امرأته؟ فقال: انّ الحرام لايفسد الحلال و الحلال يصلح به الحرام».(3)
و في صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام :
«أنّه سئل عن الرجل يفجر بالمرأة أيتزوّج ابنتها؟ قال: لا، ولكن ان كان عنده امرأة ثمّ فجر بابنتها أو أختها لم تحرم عليه التي عنده».(4)
بل و ان كان قبل الوط ء على الأقوى لاطلاق الروايات.
و عليه فلو تزوّج امرأة ثمّ زنى بأمّها أو ابنتها لم تحرم عليه امرأته سواء دخل قبل ذلك بامرأته أو لا.
و كذا لو زنى الأب بامرأة الابن لم تحرم على الابن، و كذا لو زنى الابن بامرأة الأب لاتحرم على أبيه، و ذلك لشمول قولهم عليهم السلام : «انّ الحرام لايحرّم الحلال» للموردين.
و لاتعارضها رواية عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«في الرجل تكون عنده الجارية فيقع عليها ابن ابنه قبل أن يطأها الجدّ أو الرجل يزني بالمرأة، هل يجوز لأبيه أن يتزوّجها؟ قال: لا، انّما ذلك اذا تزوّجها فوطئها ثمّ زنى بها ابنه لم يضرّه؛ لأنّ الحرام لايفسد الحلال، و كذلك الجارية».(1)
و صحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا فجر الرجل بالمرأة لم تحلّ له ابنتها أبدا، و ان كان قد تزوّج ابنتها قبل ذلك و لم يدخل بها فقد بطل تزويجه، وان هو تزوّج ابنتها و دخل بها ثمّ فجر بأمّها بعد ما دخل بابنتها فليس يفسد فجوره بأمّها نكاح ابنتها اذا هو دخل بها و هو قوله: لايفسد الحرام الحلال اذا كان هكذا».(2)
و ذلك لأنّهما و ان كانتا تامّتين من حيث الدلالة الاّ أنّ الأولى ضعيفة سندا فانّ في طريقها سهل بن زياد. و الثانية و ان كانت صحيحة الاّ أنّ المشهور أعرض عنها.
و في المستمسك: «فالعمدة في وهن الخبرين اعراض المشهور عنهما، بل في الرياض بعد الاستدلال للقول المذكور بخبر الكناني قال: «و هو ضعيف؛ لشذوذه و قد ادّعى جماعة من الأصحاب الاجماع على خلافه». فاذن لا مجال للاعتماد عليهما في تقييد اطلاق نصوص الحلّ و ان نسب الى ظاهر الاستبصار تقييدهمابهاتين الروايتين. و مال اليه في الحدائق و حكى ذلك عن بعض مشايخه المحقّقين من متأخّري المتأخّرين؛ اعتمادا على الخبرين لأنّهما من المقيّد الواجب حمل المطلق عليه».(3)
و كذا الحال في اللواط الطاري على التزويج و أنّه لو تزوّج امرأة ثمّ لاط بأخيها
أو أبيها أو ابنها، لم تحرم عليه امرأته و ان كان الاحتياط حسن كما تقدّم الكلام فيه مفصّلاً في المسألة الحادية و العشرين من الفصل السابق فراجع.
ثمّ انّ في المسألة فروعا:
اذا زنى بخالته - نستجير باللّه - حرمت عليه ابنتها و لاتحلّ له تزويجها، تدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سأل رجل أبا عبداللّه عليه السلام و أنا جالس عن رجل نال من خالته في شبابه ثمّ ارتدع، يتزوّج ابنتها؟ قال: لا، قلت: انّه لم يكن أفضى اليها انّما كان شيء دون شيء؟ فقال: لايصدق و لا كرامة».(1)
و رواية أبي أيّوب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سأله محمّد بن مسلم و أنا جالس عن رجل نال من خالته و هو شابّ ثمّ ارتدع، أيتزوّج ابنتها؟ قال: لا، قال: انّه لم يكن أفضى اليها انّما كان شيء دون ذلك، قال: كذب».(2)
ان قلت: انّ الروايتين مخدوشتان من حيث السند و الدلالة، أمّا من حيث السندفانّ القضيّتين واحدة قطعا مع أنّ محمّد بن مسلم في الأولى قال بأنّه جالس و سأل رجل أبا عبداللّه عليه السلام و الحال أنّ أبا أيّوب في الثانية قال بأنّه جالس و محمّد بن مسلم هو الذي سأل الامام عليه السلام ، و هذا الاختلاف في الروايتين مع كونهما واحدة يوجب ضعف الروايتين سندا.
و أمّا من حيث الدلالة فلأنّ اخبار الامام عليه السلام بكذب الرجل مناقشة صغرويّة و
هي لاتناسب شأنه عليه السلام فانّه ليس في ذلك المقام بل في مقام بيان الأحكام الشرعيّة الكلّيّة.
قلت: أمّا المناقشة من حيث السند ففيها: انّه بعد ما ثبت صحّة الأولى سندا فلايضرّ مثل هذا الاختلاف بعد اتّفاق النصّين على المضمون؛ اذ ليس من المهمّ - بعد وضوح سؤال السائل و جواب الامام عليه السلام - تشخيص السائل و السامع.
على أنّ السيّد الخوئي رحمه اللّه قد قال(1)بأنّ الرواية الثانية ضعيفة سندا فلاتصلح لمعارضة الأولى الصحيحة سندا و ذلك لأنّ الرجال المذكورين في السند و ان كانوا جميعا ثقات - من الطاطري و محمّد بن أبي حمزة الثمالي و محمّد بن زياد الذي هو كان محمّد بن زياد بن عيسى بيّاع السابري ابن أبي عمير - الاّ أنّ طريق الشيخ رحمه اللّه الى علي بن الحسن الطاطري ضعيف بعلي بن الزبير القرشي، اذن فينحصر النصّ بالرواية الأولى من غير معارض لسندها أو متنها و من فيتعيّن العمل بها.
هذا بالنسبة الى الخالة و أمّا العمّة فقد عرفت أنّ النصوص الواردة في المقام غير شاملة لها و لم يرد فيها نصّ معتبر الاّ ما روى ابن ادريس في السرائر حيث قال:
«روي أنّ من فجر بعمّته أو خالته لم يحلّ ابنتاهما أبدا».(2)
و كذا ما نقله في الوسائل ممّا ادّعاه السيّد المرتضى رحمه اللّه من الاجماع على ذلك.
و لذا قال في الجواهر: «و الحاق العمّة بالخالة لعدم القول بالفصل».(3)
و عليه فاذا زنى بالعمّة فالاحتياط بالنسبة الى بنتها لايترك لذهاب كثير الى ذلك.
نعم، اذا قلنا في الفرع الثاني بحرمة مطلق بنت المزنيّة على الزاني فتثبت الحرمة في بنت العمّة بلا اشكال.
هناك روايات تدلّ على حرمة بنت المزني بها على الزاني كصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام :
«أنّه سئل عن الرجل يفجر بامرأة أيتزوّج بابنتها؟ قال: لا، ولكن ان كانت عنده امرأة ثمّ فجر بأمّها أو أختها لم تحرم عليه امرأته، انّ الحرام لايفسد الحلال».(1)
و صحيحة عيص بن القاسم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل باشر امرأة و قبّل غير أنّه لم يفض اليهاثمّ تزوّج ابنتها؟ فقال: ان لم يكن أفضى الى الأمّ فلابأس، و ان كان أفضى اليها فلايتزوّج ابنتها».(2)
و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل كان بينه و بين امرأة فجور هل يتزوّج ابنتها؟ فقال:
«ان كان من قبلة أو شبهها فليتزوّج ابنتها و ليتزوّجها هي ان شاء».(3)
و صحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل فجر بامرأة أيتزوّج ابنتها؟ قال: ان كان قبلة أو شبهها فلابأس و ان كان زنا فلا».(4)
و صحيحة يزيد الكناسي قال:
«انّ رجلاً من أصحابنا تزوّج امرأة فقال لي: أحبّ أن تسأل
أبا عبداللّه عليه السلام و تقول له: انّ رجلاً من أصحابنا تزوّج امرأة قد زعم أنّه كان يلاعب أمّها و يقبّلها من غير أن يكون أفضى اليها قال: فسألت أبا عبداللّه عليه السلام فقال لي: كذب، مره فليفارقها قال: فرجعت من سفري فأخبرت الرجل بما قال أبو عبداللّه عليه السلام فواللّه ما دفع ذلك عن نفسه و خلّى سبيلها».(1)
و هناك روايات تدلّ على حرمة بنت المزني بها و أمّها من الرضاعة على الزاني كصحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن رجل فجر بامرأة أيتزوّج بأمّها من الرضاعة أو ابنتها؟ قال: لا».(2)
و روايته عن أبي جعفر عليه السلام :
«في رجل فجر بأمرأة أيتزوّج أمّها من الرضاع أو ابنتها؟ قال: لا».(3)
و بازاء تلك الروايات روايات تدلّ على عدم التحريم كصحيحة سعيد بن يسار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل فجر بامرأة، يتزوّج ابنتها؟ قال: نعم، يا سعيد انّ الحرام لايفسد الحلال».(4)
و صحيحة حنان بن سدير قال:
«كنت عند أبي عبداللّه عليه السلام اذ سأله سعيد عن رجل تزوّج امرأة سفاحا، هل تحلّ له ابنتها؟ قال: نعم، انّ الحرام لايحرّم الحلال».(5)
1) - الكافي 5: 416 / باب الرجل يفجر بالمرأة فيتزوّج أمّها أو ابنتها / الحديث 9.
2) - وسائل الشيعة 20: 427 / الباب 7 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 20: 427 / الباب 7 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 20: 425 / الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 6.
5) - وسائل الشيعة 20: 426 / الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 11.
و مقطوعة زرارة قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام : رجل فجر بامرأة هل يجوز له أن يتزوّج ابنتها؟ قال: ما حرّم حرام حلالاً قطّ».(1)
و صحيحة صفوان قال:
«سأله المرزبان عن رجل يفجر بالمرأة و هي جارية قوم آخرين ثمّ اشترى ابنتها أيحلّ له ذلك؟ قال: لايحرّم الحرام الحلال، و رجل فجر بامرأة حراما، أيتزوّج ابنتها؟ قال: لايحرّم الحرام الحلال».(2)
و رواية هشام بن المثنّى قال:
«كنت عند أبي عبداللّه عليه السلام فقال له رجل: رجل فجر بامرأة أتحلّ له ابنتها؟ قال: نعم، انّ الحرام لايفسد الحلال».(3)
و روايته الأخرى عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«أنّه سئل عن الرجل يأتي المرأة حراما أيتزوّجها؟ قال: نعم، و أمّها و ابنتها».(4)
فعلينا حلّ مشكلة التعارض بين هاتين الطائفتين فنقول:
الظاهر أنّ الترجيح مع الطائفة الأولى من الروايات و ذلك لأنّ الصحاح فيها أكثر عددا من صحاح الثانية فانّ العمدة في روايات الطائفة الثانية هي صحيحةسعيد بن يسار، و ذلك لأنّ الظاهر أنّ صحيحة حنان كانت متّحدة مع صحيحة سعيد و رواية زرارة مقطوعة و صحيحة صفوان لم يذكر فيها المسئول عنه و أنّه هو الامام عليه السلام أم غيره.
و على هذا فالصحيح من الطائفة الثانية مختصّ بصحيحة سعيد بن يسار.
1) - وسائل الشيعة 20: 426 / الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 9.
2) - وسائل الشيعة 20: 427 / الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 12.
3) - وسائل الشيعة 20: 426 / الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 10.
4) - وسائل الشيعة 20: 425 / الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 7.
نعم، على ما ذكره السيّد الخوئي رحمه اللّه المحقّق في علم الرجال - من أنّ الراوي في روايتي هشام هو هاشم بن المثنّى الثقة و أنّ القاسم بن محمّد المذكور في الرواية الثانية منه هو الجوهري الثقة و لايكون مردّدا بين الاصفهاني الضعيف و الجوهري الثقة - صار الصحيح من الطائفة الثانية اثنين؛ لأنّ الظاهر أنّ ما روي عن هاشم رواية واحدة.
و على أيّ حال سواء قلنا بكون الصحيح من الطائفة الثانية واحدا أو اثنين كان الترجيح بالطائفة الأولى فانّ الصحاح منها خمسة أو أربعة.
مع أنّه يمكن الجمع بين الطائفتين بحمل الثانية على أنّ المراد بالفجور هو القبلة و شبهها ممّا هو دون الجماع كما أنّه يمكن حملها على التقيّة.
ففي الجواهر: «لكن العمل على الطائفة الأولى وفاقا للأكثر نقلاً مستفيضا و محصّلاً، بل هو المشهور كذلك؛ اذ هو خيرة الشيخ في النهاية و التهذيب و الاستبصار و أبي الصلاح و بني البرّاج و حمزة و زهرة و سعيد و العلاّمة في التذكرة و المختلف و ولده في الايضاح و الشهيد في اللمعة و ظاهر النكت و السيوري في الكنز و التنقيح و ابن فهد في المقتصر و ظاهر المهذّب و الصيمري في غاية المرام و تلخيص الخلاف و المحقّق الكركي في كنز الفوائد و الشهيد الثاني في الروضة و المسالك و سبطه الفاضل في شرح النافع و الفاضل الهندي في كشف اللثام و العلاّمة الطباطبائي في مصابيحه و المقدّس البغدادي بل الكافي و ابن الجنيد و المحكي عن التبيان و الطبرسي في مجمع البيان. و أمّا القول الآخر فهو خيرة الفقيه و المقنع و المقنعة و المسائل الناصريّة و المراسم و السرائر و النافع و الارشاد و كشف الرموز».(1)ف
تحصّل أنّ الطائفة الأولى مضافا الى كونها أكثر عددا تكون أكثر عاملاً و مؤيّدة بالشهرة من القدماء فالعمل بها لو لم يكن أقوى فالاحتياط فيه لايترك.
1) - جواهر الكلام 29: 368.
قال في الجواهر: «و أمّا الوط ء بالشبهة فالذي خرّجه الشيخ و تبعه عليه المشهور نقلاً و تحصيلاً أنّه ينزّل منزلة النكاح الصحيح، و الأظهر عند المصنّف و الحلّي فيما حكي عنه أنّه لاينشر الحرمة لكن يلحق معه النسب للعمومات، ولكن الأقوى الأوّل لا للظنّ بكونه أولى من الزنا و لا للظنّ من استقراء جملة من أحكامه لحوقه بالصحيح في جميع الأحكام الاّ ما خرج، و لا للاندراج في قوله تعالى: «و لاتنكحوا» بدعوى ارادة ما يشمل الوط ء و العقد منه، ضرورة عدم تماميّة الجميع، بل للاجماع المحكي عن التذكرة المعتضد بنفي الخلاف في محكي المبسوط و بالشهرة العظيمة نقلاً و تحصيلاً بل عن ابن المنذر نسبته الى علماء الأمصار و عدّ منهم أصحاب النصّ و هم الاماميّة، فالعمدة في نشره ذلك و ان كان لابأس بتأييده بما ذكر من الاستقراء و الأولويّة خصوصا مع دعوى كونها من الأولويّة العرفيّة التي يمكن دعوى حجّيّتها. نعم، انّما ذلك اذا كان سابقا على القعد مثلاً، أمّا اذا كان لاحقا فالأقوى عدم النشر كما عليه الأكثر للأصل السالم عن معارضة ما يدلّ على خلافه بعد ظهوره في السابق».(1)
أقول:
ليس في هذا الموضوع نصّ، الاّ أنّ الوط ء بالشبهة امّا ملحق بالزنا أو بالنكاحالصحيح، فلو ألحقناه بالزنا فتشمله الروايات السابقة من حرمة نكاح الزاني بابنتها، و ان ألحقناه بالنكاح الصحيح فتحريم بنتها آكد، و حيث قلنا في الفرع السابق بأنّه لايترك الاحتياط فهنا نقول بذلك أيضا.
1) - جواهر الكلام 29: 373 و 374.
(مسألة 29): اذا زنى بمملوكة أبيه فان كان قبل أن يطأها الأب حرمت على الأب و ان كان بعد وطئه لها لم تحرم. و كذا الكلام اذا زنى الأب بمملوكة ابنه.
الشرح:
اذا زنى بمملوكة أبيه فان كان بعد وط ء الأب لم تحرم على أبيه و أمّا ان كان قبله فتحرم على أبيه و هكذا اذا زنى الأب بمملوكة ابنه و ذلك لحسنة عبداللّه بن يحيى الكاهلي قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام و أنا عنده عن رجل اشترى جارية و لم يمسّها فأمرت امرأته ابنه و هو ابن عشر سنين أن يقع عليها فوقع عليها فما ترى فيه؟ فقال: أثم الغلام و أثمت أمّه و لاأرى للأب اذا قربها الابن أن يقع عليها. الحديث».(1)
و رواية عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«في الرجل تكون عنده الجارية فيقع عليها ابن ابنه قبل أن يطأها الجدّ أو الرجل يزني بالمرأة هل يجوز لأبيه أن يتزوّجها؟ قال: لا، انّما ذلك اذا تزوّجها فوطئها ثمّ زنى بها ابنه لم يضرّه لأنّ الحرام لايفسد الحلال، و كذلك الجارية».(2)
و موثّقة زرارة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام : ان زنى رجل بامرأة أبيه أو بجارية أبيه فانّ ذلك لايحرّمها على زوجها و لايحرم الجارية على سيّدها، انّما يحرم
ذلك منه اذا أتى الجارية و هي له حلال فلاتحلّ تلك الجارية لابنه و لا لأبيه. الحديث».(1)
و لاتعارضها صحيحة مرازم قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام و سئل عن امرأة أمرت ابنها أن يقع على جارية لأبيه فوقع؟ فقال: أثمت و أثم ابنها و قد سألني بعض هؤلاء عن هذه المسألة فقلت له: أمسكها فانّ الحلال لايفسده الحرام».(2)
و ذلك لأنّ الظاهر منها هو التقيّة بقرينة قوله عليه السلام : «و قد سألني بعض هؤلاء». مع أنّه يمكن حملها على ما اذا وطئها الأب قبل ذلك كما حملنا الصحيحة الأولى على ذلك.
(مسألة 30): لا فرق في الحكم بين الزنا في القبل أو الدبر.
الشرح:
لا اشكال في سريان الحكم فيما اذا كان الوط ء في الدبر أيضا و ذلك لصدق الزنا و لأنّه يترتّب عليه جميع أحكام الوط ء و الزنا من الغسل و الحدّ و المهر و غير ذلك.
و في المستمسك: «قال في التذكرة: «تنبيه: لا فرق في الزنا بين الوط ء في القبل و الدبر؛ لعموم الآية قوله تعالى: «و لاتنكحوا ما نكح آباؤكم» و «ربائبكم» و «أمّهات نسائكم». و لأنّه يتعلّق به التحريم فيما اذا وجد في الزوجة و الأمة، فكذلك في الزنا». و الاشكال عليه ظاهر. و العمدة صدق الزنا في المقامين مع أنّالحكم ممّا لا اشكال فيه على الظاهر».(3)
(مسألة 31): اذا شكّ في تحقّق الزنا و عدمه بنى على العدم. و اذا شكّ في كونه سابقا أو لا، بنى على كونه لاحقا.
الشرح:
اذا شكّ في تحقّق الزنا و عدمه بنى على العدم؛ لأصالة العدم. و اذا شكّ في كونه سابقا على التزويج أو الوط ء بحسب الموارد أو لاحقا بنى على كونه لاحقا و ذلك لأصالة عدم الزنا الى حين التزويج أو الوط ء، فانّ بها تثبت الحلّيّة و لايعارضها أصالة عدم التزويج أو الوط ء الى حين الزنا فانّها لاتثبت تأخّر التزويج عن الزنا الاّ بالملازمة، فيكون أصلاً مثبتا لانقول بحجّيّته.
(مسألة 32): اذا علم أنّه زنى باحدى الامرأتين و لم يدر أيّتهما هي وجب عليه الاحتياط اذا كان لكلّ منهما أمّ أو بنت. و أمّا اذا لم يكن لاحداهما أمّ و لا بنت فالظاهر جواز نكاح الأمّ أو البنت من الأخرى.
الشرح:
اذا علم أنّه زنى باحدى المرأتين و لم يدر أيّتهما هي وجب عليه الاحتياط اذا كانت لكلّ منهما أمّ أو بنت؛ لمكان العلم الاجمالي المنجّز في المقام و تعارض أصالة عدم الزنا في كلّ منهما بأصالة عدمه في الآخر.
نعم، لو كانت أمّ احداهما و بنتها خارجتان عن ابتلائه بها بجهة من الجهات فأصالة عدم الزنا بالأخرى بقيت بلا معارض.
و أمّا اذا لم تكن لاحداهما أمّ و لا بنت فالظاهر جواز نكاح الأمّ أو البنت من الأخرى لجريان أصالة عدم الزنا بأمّها في جانبها بلا معارض؛ اذ لا أثر لأصالة عدمالزنا بالأخرى.
و أمّا اذا كانت لاحداهما بنت و للأخرى أمّ فالظاهر تنجّز العلم الاجمالي.
(مسألة 33): لا فرق في الزنا بين كونه اختياريّا أو اجباريّا أو اضطراريّا، و لا بين كونه حال النوم أو اليقظة، و لا بين كون الزاني بالغا أو غير بالغ، و كذا المزني بها. بل لو أدخلت الامرأة ذكر الرضيع في فرجها نشر الحرمة على اشكال. بل لو زنى بالميتة فكذلك على اشكال أيضا. و أشكل من ذلك لو أدخلت ذكر الميّت المتّصل، و أمّا لو أدخلت الذكر المقطوع فالظاهر عدم النشر.
الشرح:
لا فرق في الزنا بين كونه اختياريّا أو اضطراريّا أو اجباريّا؛ لصدق الزنا على الزنا الاجباري و الاضطراري و لأنّ اطلاق الأدلّة يشملهما.
و كذا لا فرق بين كونه في حال النوم أو اليقظة؛ لما ذكر و ان أشكل فيه السيّد الخوئي رحمه اللّه بأنّ مفهوم الزنا و الفجور متقوّم بالاختيار - بمعنى القصد - فانّهما عبارتان عن الوط ء من غير استحقاق و من الواضح أنّه متقوّم بالقصد فمن دونه لايصدق الزنا و لا الفجور.
ولكن الظاهر أنّه يوجد فرق بين ترتّب الحدّ و غيره فانّ الدخول في فرج المرأة المحرّمة عليه دخول من غير استحقاق فهو الزنا الاّ أنّه لايترتّب الحدّ لكونه نائما.
و لا فرق أيضا بين كونه بالغا أو غير بالغ و ان لم يحدّ غير البالغ. و كذا المزني بها.
بل لو أدخلت المرأة ذكر الرضيع في فرجها نشر الحرمة على اشكال لاحتمال انصراف الأدلّة عن ذلك و كذا لو زنى بالميتة، و الاحتياط لايترك.
و أشكل من ذلك ما لو أدخلت ذكر الميّت المتّصل و الاحتياط فيه لايترك أيضا.
و أمّا لو أدخلت الذكر المقطوع فالظاهر عدم النشر و ان كان حراما؛ لعدم صدق الزنا.
(مسألة 34): اذا كان الزنا لاحقا فطلّقت الزوجة رجعيّا ثمّ رجع الزوج في أثناء العدّة لم يعدّ سابقا حتّى ينشر الحرمة؛ لأنّ الرجوع اعادة الزوجيّة الأولى. و أمّا اذا نكحها بعد الخروج عن العدّة أو طلّقت بائنا فنكحها بعقد جديد ففي صحّة النكاح و عدمها وجهان، من أنّ الزنا حين وقوعه لم يؤثّر في الحرمة لكونه لاحقا فلا أثر له بعد هذا أيضا و من أنّه سابق بالنسبة الى هذا العقد الجديد. و الأحوط النشر.
الشرح:
لا اشكال في صدر المسألة فانّ الحكم فيها كما ذكره المصنّف رحمه اللّه، فانّ الزنا في العدّة الرجعيّة لايعدّ سابقا على العقد اذا رجع الزوج بعده، و ذلك لأنّ الرجعة اعادة للزوجيّة السابقة لا زوجيّة جديدة، كما تقدّمت الاشارة الى ذلك في المسألة السادسة و العشرين.
و أمّا اذا نكحها بعد الخروج عن العدّة أو طلّقت بائنا فنكحها بعقد جديد، فقد تقدّم - في المسألة الواحدة و العشرين في الفرع الخامس فيمن لاط بأخ الزوجة بعد العقد ثمّ طلّق الزوجة بطلاق بائن ثمّ أراد أن يتزوّجها - جواز ذلك الاّ أنّ الاشكالات التي أوردها السيّدان الخوئي و الحكيم ألجئتنا الى القول بالاحتياط.
(مسألة 35): اذا زوّجه رجل امرأة فضولاً فزنى بأمّها أو بنتها ثمّ أجاز العقد فان قلنا بالكشف الحقيقي كان الزنا لاحقا و ان قلنا بالكشف الحكمي أو النقل كان سابقا.
الشرح:
الظاهر أنّه لا اشكال فيما ذهب اليه المصنّف رحمه اللّه من القول بلحوق الزنا اذا قلنا بالكشف الحقيقي و بسبقه اذا قلنا بالكشف الحكمي أو النقل، و ان كان في الحكم بسبق الزنا اذا قلنا بالكشف الحكمي تأمّل الاّ أنّه مطابق للاحتياط.
و قد قسّم السيّد الخوئي رحمه اللّه(1)الكشف الحقيقي الى قسمين - كما سبقه الى ذلك الشيخ في المكاسب - :
الأوّل: أن يكون بمعنى كون الاجازة كاشفة محضا تكشف عن تحقّق الفعل في ظرفه من دون تأثير للاجازة بحيث يكون العقد بنفسه هو المؤثّر فقط.
الثاني: أن يكون بمعنى أنّ الاجازة دخيلة في العقد السابق على نحو الشرط المتأخّر، بحيث يكون الأثر للعقد المقيّد بلحوقه بالاجازة فجزء الموضوع هو التقيّد دون القيد نفسه.
و قال بأنّ الأوّل لايمكن الالتزام به لأنّ لازمه تأثير العقد من دون رضا من له الأمر و من دون استناد الفعل اليه.
و الثاني و ان كان ممكنا بل واقعا في الخارج في بعض مسائل الفقه الاّ أنّ اثباته في هنا يحتاج الى دليل، و لا دليل عليه في المقام لكن لو التزمنا به كانت نتيجته تأخّر الزنا عن التزويج أيضا.
(مسألة 36): اذا كان للأب مملوكة منظورة أو ملموسة بشهوة حرمت على ابنه. و كذا العكس على الأقوى فيهما بخلاف ما اذا كان النظر أو اللمس بغير شهوة كما اذا كان للاختبار أو للطبابة أو كان اتّفاقيّا، بل و ان أوجب شهوة أيضا. نعم، لو لمسها لاثارة الشهوة - كما اذا مسّ فرجها أو ثديها أو ضمّها لتحريك الشهوة - فالظاهر نشر الحرمة.
الشرح:
قد تقدّم الكلام في هذه المسألة في المسألة الثانية من هذا الفصل حيث قد عرفت أنّ عدّة من النصوص المعتبرة دلّت على المنع صريحا و قد تقدّم بعضها و اليك بعضها الآخر الذي لم نتعرّض له هناك:
1) - المباني 32: 329.
منها صحيحة محمّد بن اسماعيل قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل تكون له الجارية فيقبّلها هل تحلّ لولده؟ قال: بشهوة؟ قلت: نعم، قال: ماترك شيئا اذا قبّلها بشهوة، ثمّ قال ابتداءً منه: ان جرّدها و نظر اليها بشهوة حرمت على أبيه و ابنه قلت: اذا نظر الى جسدها؟ فقال: اذا نظر الى فرجها و جسدها بشهوة حرمت عليه».(1)
و منها صحيحة جميل بن درّاج قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام الرجل ينظر الى الجارية يريد شراءها أتحلّ لابنه؟ فقال: نعم، الاّ أن يكون نظر الى عورتها».(2)
و منها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«في الرجل تكون عنده الجارية يجرّدها و ينظر الى جسمها نظر شهوة هل تحلّ لأبيه؟ و ان فعل أبوه هل تحلّ لابنه؟ قال: اذا نظر اليها نظر شهوة و نظر منها الى ما يحرم على غيره لم تحلّ لابنه و ان فعل ذلك الابن لم تحلّ للأب».(3)
و منها صحيحة زرارة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام في حديث: اذا أتى الجارية و هي حلال فلاتحلّ تلك الجارية لابنه و لا لأبيه».(4)
و منها صحيحة ثانية لعبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«في الرجل تكون عنده الجارية فيكشف ثوبها و يجرّدها لايزيد على ذلك، قال: لاتحلّ لابنه اذا رأى فرجها».(5)
1) - وسائل الشيعة 20: 417 / الباب 3 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 20: 417 / الباب 3 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 20: 418 / الباب 3 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 20: 418 / الباب 3 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 20: 418 / الباب 3 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 7.
و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا جرّد الرجل الجارية و وضع يده عليها فلاتحلّ لابنه».(1)
فانّ هذه الروايات صريحة في المطلب و هو أنّه اذا نظر الرجل الى جاريته أو لمسها بشهوة حرمت على أبيه و ابنه بخلاف ما اذا لم يكن النظر بشهوة.
و كذا ما اذا كان للاختبار أو الطبابة كما صرّح بذلك في صحيحة جميل.
و اطلاق الروايات يقتضي نشر الحرمة في الصورة المذكورة في كلام المصنّف من اللمس لاثارة الشهوة.
(مسألة 37): لاتحرم أمّ المملوكة الملموسة أو المنظورة على اللامس و الناظر على الأقوى، و ان كان الأحوط الاجتناب كما أنّ الأحوط اجتناب الربيبة الملموسة أو المنظورة أمّها و ان كان الأقوى عدمه. بل قد يقال: انّ اللمس و النظر يقومان مقام الوط ء في كلّ مورد يكون الوط ء ناشرا للحرمة فتحرم الأجنبيّة الملموسة أو المنظورة شبهة أو حراما على الأب و الابن و تحرم أمّها و بنتها حرّة كانت أو أمة و هو ان كان أحوط الاّ أنّ الأقوى خلافه و على ما ذكر فتنحصر الحرمة في مملوكة كلّ من الأب و الابن على الآخر اذا كانت ملموسة أو منظورة بشهوة.
الشرح:
لاتحرم أمّ المملوكة الملموسة أو المنظورة على اللامس و الناظر على الأقوىلعدم الدليل عليه و التعدّي من تحريمهما للأب و الابن الى حكم هذه المسألة قياس مع الفارق، مضافا الى أنّ مقتضى عمومات النكاح هو الحلّيّة.
و في المباني: «نعم، قد يستدلّ لاثباته بما روي عن النبي صلى اللّه عليه و آله: «لاينظر اللّه تعالى الى رجل نظر الى فرج امرأة و ابنتها». و ما روي عنه صلى اللّه عليه و آله: «من كشف قناع
1) - وسائل الشيعة 20: 418 / الباب 3 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 4.
امرأة حرمت عليه أمّها و ابنتها». الاّ أنّ ضعف سندهما يغنينا عن التكلّم في دلالتهما».(1)
ثمّ انّ الكلام في فرعين:
الأوّل: من تزوّج امرأة و لم يدخل بها الاّ أنّه رأى منها ما يحرم على غيره كره له تزويج ابنتها و ذلك للجمع بين صحيحة عيص بن القاسم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل باشر امرأته و قبّل غير أنّه لم يفض اليها ثمّ تزوّج ابنتها؟ قال: ان لم يكن أفضى الى الأمّ فلابأس و ان كان أفضى فلايتزوّج».(2)
و بين صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن رجل تزوّج امرأة فنظر الى بعض جسدها أيتزوّج ابنتها؟ قال: لا، اذا رأى منها ما يحرم على غيره فليس له أن يتزوّج ابنتها».(3)
و رواية أبي الربيع قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن رجل تزوّج امرأة فمكث أيّاما معها لايستطيعها غير أنّه قد رأى منها ما يحرم على غيره ثمّ يطلّقها أيصلح له أن يتزوّج ابنتها؟ قال: أيصلح له و قد رأى من أمّها ما رأى؟».(4)
الثاني: انّ النظر و اللمس بشهوة لايقومان مقام الوط ء في نشر الحرمة بنحو الموجبة الكلّيّة.
ولكن قد يقال بقيامهما مقامه في جميع الموارد فتحرم الأجنبيّة الملموسة أو المنظورة شبهة أو حراما على الأب و الابن و تحرم أمّها و بنتها حرّة كانت أو أمة.
ولكن الأقوى خلافه؛ لعدم الدليل على هذه الكلّيّة، بل العمومات تدفعها.
و في المسالك: «اختلف القائلون بأنّ الزنا ينشر حرمة المصاهرة في أنّ النظر المحرّم الى الأجنبيّة و اللمس به هل ينشر الحرمة، فتحرم به الأمّ و ان علت و البنت و ان نزلت أم لا؟ هكذا نقله فخر الدين في شرحه و لم نقف على القائل بالتحريم. و على القول به لاتحرم المنظورة و الملموسة على الفاعل و انّما نقل الخلاف في أمّها و بنتها. و كيف كان فهو قول ضعيف جدّا لا دليل عليه. و كذلك اختلفوا فيما لو وقعا شبهة هل يحرّمان كالمباحين؟ فذهب الشيخ في الخلاف الى التحريم بها للأمّ و البنت و هو ضعيف».(1)
و على هذا فينحصر نشر الحرمة بالنظر و اللمس في مملوكة كلّ من الأب و الابن على الآخر اذا وقعا بشهوة.
(مسألة 38): في ايجاب النظر و اللمس الى الوجه و الكفّين اذا كان بشهوة نظر، و الأقوى العدم و ان كان هو الأحوط.
الشرح:
بعد ما عرفت أنّ النظر و اللمس بشهوة يحرّمان جارية الأب على الابن و كذا العكس فهل يشمل النظر و اللمس، النظر الى الوجه و الكفّين و لمسها بشهوة أم لا؟
فالسيّد الحكيم رحمه اللّه(2)قد ذهب ابتداءً تبعا للمصنّف الى عدم نشر الحرمة الىأبيه و ابنه اذا نظر أو لامس وجه الأمة أو كفّيها بشهوة و قال بأنّه مال اليه صاحب الجواهر أيضا و استدلّ له باختصاص النصوص بالنظر أو اللمس المستتبعين لكشف أو تجريد أو نحوهما ممّا اشتملت عليه النصوص، فلاتشمل مثل ذلك و عليه فنرجع الى أصالة الحلّ.
ثمّ استدرك و قال بأنّه قد ورد في بعض نصوص الباب محرّميّة التقبيل بشهوة و لايبعد التعدّي الى غيره من اللمس المتعلّق بالوجه مثل وضع خدّه على خدّها و قرصها و نحوهما. فاستثناء الوجه و الكفّين ينبغي أن يكون مختصّا بالنظر. فتأمّل.
أقول:
الظاهر من النصوص التي تقدّمت في المسألة السادسة و الثلاثين هو لزوم التجريد في النظر و اللمس بشهوة و النظر الى فرجها، و أمّا النظر الى الوجه و الكفّين أو لمسهما بشهوة فلايستفاد منها نشر الحرمة فيهما.
بل يستفاد من بعض الروايات لزوم التجريد في النظر كصحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة في المسألة السابقة.
هذا ولكن الاحتياط بالنسبة الى التقبيل بل مطلق اللمس بشهوة في محلّه بل لايترك.
(مسألة 39): لايجوز الجمع بين الأختين في النكاح دواما أو متعة سواء كانتا نسبيّتين أو رضاعيّتين أو مختلفتين و كذا لايجوز الجمع بينهما في الملك مع وطئهما. و أمّا الجمع بينهما في مجرّد الملك من غير وط ء فلا مانع منه. و هل يجوز الجمع بينهما في الملك مع الاستمتاع بما دون الوط ء بأن لم يطأهما أو وطأ احداهما و استمتع بالأخرى بما دون الوط ء؟ فيه نظر،مقتضى بعض النصوص الجواز و هو الأقوى، لكن الأحوط العدم.
الشرح:
يدلّ على عدم جواز الجمع بين الأختين في النكاح الكتاب و السنّة و الاجماع، فمن الأوّل قوله تعالى في عداد المحرّمات في النكاح: «و أن تجمعوا بين الأختين»(1).
1) - النساء 4: 23.
و من السنّة روايات مستفيضة بل متواترة في الأبواب المختلفة:
منها صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قضى أميرالمؤمنين عليه السلام في أختين نكح احداهما رجل ثمّ طلّقها و هي حبلى ثمّ خطب أختها فجمعهما قبل أن تضع أختها المطلّقة ولدها، فأمره أن يفارق الأخيرة حتّى تضع أختها المطلّقة ولدها ثمّ يخطبها و يصدقها صداقا مرّتين».(1)
الى غير ذلك من الروايات.
و من الثالث ما في المستمسك و غيره من قولهم: «اجماعا، بل باجماع علماء الاسلام كافّة».(2)
و مقتضى اطلاق الكتاب و السنّة عدم الفرق بين النكاح الدائم و المنقطع كما يدلّ عليه خصوص صحيحة البزنطي عن الرضا عليه السلام قال:
«و سألته عن رجل تكون عنده امرأة، يحلّ له أن يتزوّج أختها متعة؟ قال: لا».(3)
كما أنّه لا فرق بين نسبيّتين أو رضاعيّتين بلا اشكال و لا خلاف - كما في المستمسك - و يقتضيه عموم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». وخصوص صحيحة أبي عبيدة قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: لاتنكح المرأة على عمّتها و لا خالتها و لا على أختها من الرضاعة».(4)
و كذا لايجوز الجمع بينهما في الملك مع وطئهما، يدلّ على ذلك النهي عن الجمع بين الأختين في قوله تعالى و خصوص صحيحة ابن سنان قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: اذا كانت عند الرجل الاختان المملوكتان فنكح احداهما ثمّ بدا له في الثانية فنكحها فليس ينبغي له أن ينكح الأخرى حتّى تخرج الأولى من ملكه يهبها أو يبيعها، فان وهبها لولده يجزيه».(1)
فانّ الظاهر من النكاح فيها هو الوطء.
و أمّا الجمع بينهما من غير وط ء فلا مانع منه بلا اشكال نصّا و فتوى و النصوص المتقدّمة و الآتية دالّة عليه، و في التذكرة و المسالك الاجماع عليه كما في المستمسك.
و أمّا الجمع بينهما في الملك مع الاستمتاع بما دون الوط ء بأن لم يطأهما أو وطأ احداهما و استمتع بالأخرى بما دون الوط ء فقال المصنّف فيه بأنّ مقتضى بعض الأخبار الجواز و قد عدّه الأقوى و قال بأنّ الأحوط العدم.
و الأقوى ما ذهب اليه المصنّف من الجواز لما تقدّم آنفا من أنّ الممنوع من الجمع بين الأختين المملوكتين هو النكاح الظاهر في الوط ء كما في صحيحة ابن سنان. نعم، الاحتياط حسن لذهاب عدّة من الأعاظم الى الاشكال فيه.
(مسألة 40): لو تزوّج باحدى الأختين و تملّك الأخرى، لايجوز له وط ءالمملوكة الاّ بعد طلاق المزوّجة و خروجها عن العدّة ان كانت رجعيّة. فلو وطئها قبل ذلك فعل حراما. لكن لا تحرم عليه الزوجة بذلك. و لايحدّ حدّ الزنا بوط ء المملوكة، بل يعزّر فيكون حرمة وطئها كحرمة وط ء الحائض.
الشرح:
لو تزوّج باحدى الأختين و تملّك الأخرى، لايجوز له وط ء المملوكة؛ لأنّ وط ء المملوكة مع جواز وط ء الزوجة منافٍ للآية الكريمة و النصّ و تسالم
1) - وسائل الشيعة 20: 482 / الباب 29 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 1.
الأصحاب، فلا بدّ من القول بعدم جواز وط ء المملوكة الاّ بعد طلاق المزوّجة و خروجها عن العدّة ان كانت رجعيّة.
و عليه فلو وطئها قبل أن يطلّق زوجته فعل حراما لكن لاتحرم عليه الزوجة بذلك قطعا ان كان بعد وط ء زوجته و ذلك لقوله عليه السلام : «الحرام لايحرّم الحلال» كما تقدّم. و كذا ان كان قبل وطئها؛ لأنّ حرمة الزوجة ملازمة لارتفاع الزوجيّة و هو يحتاج الى دليل.
و أيضا لايحدّ المالك حدّ الزنا بوط ء مملوكته؛ لأنّ الزنا لايصدق على الوط ء الحرام بالعارض بل لا بدّ في صدقه من حرمة الوط ء بالأصالة و هذا غير متحقّق في المقام، فانّ الوط ء مستحقّ له بالأصالة الاّ أنّه محرّم عليه لعارض، نظير وط ء الصائمة و الحائض فيعزّر لكون الفعل من المعاصي الكبيرة.
(مسألة 41): لو وطأ احدى الأختين بالملك ثمّ تزوّج الأخرى فالأظهر بطلان التزويج. و قد يقال بصحّته و حرمة وط ء الأولى الاّ بعد طلاق الثانية.
الشرح:
الأظهر في فرض المسألة بطلان التزويج بالثانية و ذلك لأنّه لو قلنا بجواز تزويجها فلا بدّ من أن يقال بحرمة وطئها و هو مساوق للبطلان.
نعم، لو كانت الزوجيّة قبل وط ء المملوكة فلا اشكال في صحّة التزويج بالأخرى و حرمة وط ء المملوكة لعين ما ذكرناه في المسألة السابقة.
ان قلت: يكفي في جواز التزويج بالثانية، نيّة عدم الوط ء في الأولى، اذ يجوز الجمع بين الأختين في التزويج و الملك من غير وط ء للمملوكة.
قلت: انّه اذا وطأ المملوكة، و تزوّج بالأخرى فقد صدق الجمع بين الأختين الممنوع منه في الآية و الروايات كما دلّت عليه صحيحة ابن سنان المتقدّمة قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: اذا كانت عند الرجل الاختان
المملوكتان فنكح احداهما ثمّ بدا له في الثانية فنكحها فليس ينبغي له أن ينكح الأخرى حتّى تخرج الأولى من ملكه يهبها أو يبيعها، فان وهبها لولده يجزيه».
فانّه ان جاز وط ء الثانية، بنيّة عدم وط ء الأولى فعلى الامام عليه السلام بيانه.
(مسألة 42): لو تزوّج باحدى الأختين ثمّ تزوّج بالأخرى بطل عقد الثانية سواء كان بعد وط ء الأولى أو قبله. و لايحرم بذلك وط ء الأولى و ان كان قد دخل بالثانية. نعم، لو دخل بها مع الجهل بأنّها أخت الأولى يكره له وط ء الأولى قبل خروج الثانية من العدّة، بل قيل: يحرم؛ للنصّ الصحيح و هو الأحوط.
الشرح:
لو تزوّج باحدى الأختين ثمّ تزوّج بالأخرى بطل عقد الثانية، و ذلك لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة بن أعين:
« ... و ان كان تحته امرأة فتزوّج أمّها أو ابنتها أو أختها فدخل بها ثمّ علم، فارق الأخيرة و الأولى امرأته، و لم يقرب امرأته حتّى يستبرئ رحم التي فارق».(1)
و صحيحة أخرى لزرارة قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل تزوّج بالعراق امرأة ثمّ خرج الى الشام فتزوّج امرأة أخرى، فاذا هي أخت امرأته التي بالعراق، قال: يفرّق بينه و بين المرأة التي تزوّجها بالشام و لايقرب المرأة حتّى تنقضي عدّة الشاميّة. الحديث».(2)
و لاتعارضهما حسنة أبي بكر الحضرمي قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام : رجل نكح امرأة ثمّ أتى أرضا فنكح أختها و لايعلم، قال: يمسك أيّتهما شاء و يخلّي سبيل الأخرى. الحديث».(1)
و ذلك لأنّها تحمل - كما حملها الشيخ رحمه اللّه - على أنّه اذا أراد امساك الأولى فليمسكها بالعقد الثابت المستقرّ و ان أراد امساك الثانية فليطلّق الأولى ثمّ ليمسك الثانية بعقد مستأنف.
ثمّ انّه لا فرق بين كون التزوّج بالأخرى بعد وط ء الأولى أو قبله؛ لاطلاق النصوص. و لايحرم بذلك وط ء الأولى و ان كان قد دخل بالثانية، لما ذكر من أنّ الحرام لايحرّم الحلال.
نعم، لو دخل بالثانية مع الجهل بأنّها أخت الأولى، فقد تقدّم آنفا الصحيحتان الدالّتان على حرمة وط ء الأولى الاّ بعد خروج الثانية من العدّة، الاّ أنّه أعرض عنهما الأصحاب، فالاحتياط بالترك لايترك.
(مسألة 43): لو تزوّج بالأختين و لم يعلم السابق و اللاحق، فان علم تأريخ أحد العقدين حكم بصحّته دون المجهول. و ان جهل تأريخهما حرمعليه وطؤهما و كذا وط ء احداهما الاّ بعد طلاقهما، أو طلاق الزوجة الواقعيّة منهما، ثمّ تزويج من شاء منهما بعقد جديد بعد خروج الأخرى من العدّة ان كان دخل بها أو بهما. و هل يجبر على هذا الطلاق دفعا لضرر الصبر عليهما؟ لايبعد ذلك؛ لقوله تعالى: «فامساك بمعروف أو تسريح باحسان». و ربما يقال بعدم وجوب الطلاق عليه و عدم اجباره، و أنّه يعيّن بالقرعة. و قد يقال: انّ الحاكم يفسخ نكاحهما.
1) - وسائل الشيعة 20: 479 / الباب 26 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 2.
ثمّ مقتضى العلم الاجمالي بكون احداهما زوجة وجوب الانفاق عليهما ما لم يطلّق و مع الطلاق قبل الدخول نصف المهر لكلّ منهما، و ان كان بعد الدخول فتمامه. لكن ذكر بعضهم أنّه لايجب عليه الاّ نصف المهر لهما، فلكلّ منهما الربع في صورة عدم الدخول، و تمام أحد المهرين لهما في صورة الدخول. و المسألة محلّ اشكال كنظائرها من العلم الاجمالي في الماليّات.
الشرح:
لو تزوّج بالأختين و لم يعلم السابق و اللاحق منهما، فتارة علم تأريخ أحد العقدين فحينئذ حكم بصحّته، و ذلك لاستصحاب عدم العقد على الأخت المجهول تأريخ عقدها الى حين وقوع العقد على الأخت المعلوم تأريخ عقدها، و لايعارض ذلك استصحاب عدم العقد على المعلوم تأريخ عقدها الى حين العقد على المجهول تأريخه و ذلك لأنّ مثل هذا الاستصحاب لايجري، فانّه لا شكّ بالنسبة الى زمان عقد معلوم التأريخ، بل انّ العقد قبل هذا التأريخ معلوم العدم و عنده معلوم التحقّق، فلا شكّ فيه حتّى يتمسّك لاثباته بالاستصحاب.
و أخرى جهل تأريخهما فحينئذ حرم عليه وطؤهما، و ذلك لأنّ استصحاب عدم العقد على هذه الى زمان العقد على الأخت الأخرى، معارض باستصحاب عدم العقد على الأخت الأخرى الى زمان العقد على هذه، فيتساقط الاستصحابان،فيتحقّق العلم الاجمالي بحرمة وط ء أحدهما المجهول فيجب الاجتناب عنهما تحصيلاً للموافقة القطعيّة.
و لو طلّق احداهما المعيّنة و يصبر حتّى تنقضي عدّتها فتحلّ له أن يتزوّج الأخرى؛ لأنّها ان كانت هي زوجته فالعقد الثاني لايقتضي تحريمها، و ان كانت أجنبيّة حلّت له بهذا العقد.
و لايلزم طلاقهما معا، و ان حلّت مشكلة العلم الاجمالي بطلاقهما.
فانّ المصنّف رحمه اللّه قد ذهب الى أنّه لايبعد اجباره على الطلاق دفعا لضرر الصبر عليهما و لقوله تعالى: «فامساك بمعروف أو تسريح باحسان»(1).
و قد نقل قولين آخرين: القول بعدم وجوب الطلاق عليه و عدم اجباره و أنّه يعيّن بالقرعة.
و القول بأنّ الحاكم يفسخ نكاحهما.
فلنذكر أوّلاً كلام السيّدين العلمين الخوئي و الحكيم في ذلك، فقال في المستمسك في ذيل قول المصنّف رحمه اللّه: و لايبعد ذلك: «كما جزم به في التذكرة. و في القواعد: انّه أقرب. و تبعه في كشف اللثام. لكن في مبحث الولاية فيما اذا عقد الوليّان مترتّبين و نسي السابق منهما، استشكل في الالزام بالطلاق بأنّ الاجبار يوجب وقوعه عن اكراه، و طلاق المكره باطل. و جعل الأقوى فسخ الحاكم، و أجاب عنه غير واحد بأنّ الاكراه انّما يوجب البطلان اذا لم يكن اكراها على واجب، و الاّ فهو بمنزلة الاختيار. و وجوب الطلاق لأنّه أحد عدلي الواجب التخييري المستفاد وجوبه من قوله تعالى في سورة البقرة: «الطلاق مرّتانفامساك بمعروف أو تسريح باحسان» - الى أن قال: - و قد يستدلّ على وجوب الطلاق بما دلّ على نفي الحرج و الضرر، كما في كشف اللثام و غيره فانّ بقاء الزوجة على زوجيّتها ضرر عليها و حرج.
و فيه: انّ الضرر أو الحرج ليس من الزوجيّة بل من أحكام الزوجيّة بعد الاشتباه، فدليل نفيهما يقتضي نفي تلك الأحكام. لكن ليس بناء الفقهاء عليه فلايجوز الزنا للحرج و لايجوز أكل مال الغير للحرج و لايجوز شرب الخمر للحرج، فلايكون الحرج مجوّزا لفعل المحرّمات عندهم، و ان كان مجوّزا لترك
1) - البقرة 2: 229.
الواجبات، و ان كان الفرق بين الواجبات و المحرّمات في ذلك غير ظاهر، و مقتضى دليل نفيه نفي التحريم كنفي الوجوب. و مقتضى ذلك أنّه يجوز لكلّ من الأختين أن يستمتع بها غير المعقود له رفعا للحرج، و لا وجوب الطلاق على الزوج.
و بما ذكرنا ظهر الفرق بين الضرر في المقام و بين الضرر في المعاملة المشتملة على الغبن. فانّ الضرر هناك في نفس المعاملة و مبادلة القليل بالكثير بخلاف المقام، فانّ الضرر هنا يلزم من ثبوت أحكام الزوجيّة، لا من نفس الزوجيّة. و لو سلّم فمقتضى ذلك أن يكون للزوجة الخيار في الفسخ، لا وجوب الطلاق على الزوج كما هو المدّعى و لاسيّما بملاحظة أنّ الطلاق يوجب الضرر على الزوج بنصف المسمّى».(1)
و في المباني: «انّ الضرر ليس في الزوجيّة بل في أحكامها، مضافا الى أنّ روايات قاعدة نفي الضرر تقتضي نفي الحكم المترتّب على الضرر خاصّة لا اثبات حكم آخر، و هنا لاتثبت وجوب الطلاق. و أمّا قوله تعالى: «الطلاق مرّتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان» فالظاهر منه أنّ الفاء للتفريع على الطليقة الثانية بمعنى أنّ على الزوج أن يمسكها بمعروف و يبقيها زوجة له، أويطلّقها تطليقة ثالثة. و الآية غير ناظرة الى وجوب الطلاق على الزوج عند تركه للأمور الجنسيّة و الاستمتاع بزوجته. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
انّ الآية الشريفة و ان كان صدرها أجنبيّا عمّا نحن فيه، الاّ أنّ ذيلها يدلّ على أمره تعالى الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف و الاحسان، و لايكون ضارّا عليها، و من المعلوم أنّ امساكهما بهذا النحو ضدّ المعروف و الاحسان، فيجب عليه رفع
ذلك بالطلاق، و ان لم يطلّقهما يجبره الحاكم من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
اللّهمّ الاّ أن ترضيا بحالهما هذا، الاّ أنّ هناك موانع أخر، فانّ ابقاءهما معا و الانفاق عليهما من غير استمتاع حتّى بواحدة منهما ضرري بالنسبة اليه، كما أنّه يقع بين المحذورين من جهة العلم الاجمالي بلزوم مقاربته لاحداهما في كلّ أربعة أشهر مرّة.
على أنّ المحاذير لاتختصّ به بل تعمّ الأختين أيضا، اذ العلم الاجمالي لايتنجّز بالنسبة اليهما فيلزم لكلّ منهما أن تجري على نفسها أحكام الزوجة و تعامل مع الرجل معاملة الزوج و ذلك لأنّ استصحاب عدم العقد على الأخرى الى حين عقدها بالنسبة الى كلّ واحدة يقتضي كونها زوجة و لايعارض الاستصحاب في كلّ منهما بالاستصحاب في الأخرى و ذلك لعدم تأثير العلم الاجمالي في حقّهما شيئا، لخروج كلّ منهما عن محلّ ابتلاء الأخرى.
هذا، ولكن الزوج لم يجز له معاملة الزوجة حتّى مع واحدة منهما، فتنشأ من هذا الاختلاف في الحكم مشكلة أخرى تضاف الى ما تقدّم.
بل لعلّ هذا ينافي ما ورد من أنّ المرأة لاتبقى معطّلة و بلا زوج. فلا بدّ من حلّهذه المشاكل و الظاهر أنّ حلّها غير منحصر بالقرعة بل يطلّقهما جميعا فاذا انقضت عدّتهما، يتزوّج احداهما. و الظاهر أنّ الطلاق أقلّ اشكالاً من القرعة.
كما أنّ له طلاق احداهما معيّنا، ثمّ التزويج بالأخرى بعد انقضاء العدّة.
و أمّا فسخ النكاح بحكم الحاكم فلا دليل عليه هنا، بعد أن يكون الطلاق بيد من أخذ بالساق.
ثمّ انّه ما لم يطلّقهما وجب عليه الانفاق عليهما بمقتضى العلم الاجمالي بكون احداهما زوجته.
و مع الطلاق قبل الدخول يجب عليه نصف المهر لكلّ منهما، و في صورة الحرج يرجع الى القرعة لتعيين الزوجة الواقعيّة.
و ان كان بعد الدخول بهما يجب عليه تمام المهر لكلّ منهما الاّ أنّ للزوجة الواقعيّة المسمّى و للأخرى مهر المثل و يرجع الى القرعة لتعيين المهر المسمّى عن غيره.
و أمّا ان دخل باحداهما دون الأخرى فالظاهر انحلال العلم الاجمالي و لزوم المهر للمدخول بها دون غيرها.
(مسألة 44): لو اقترن عقد الأختين بأن تزوّجهما بصيغة واحدة أو عقد على احداهما و وكيله على الأخرى في زمان واحد، بطلا معا. و ربما يقال بكونه مخيّرا في اختيار أيّهما شاء لرواية محمولة على التخيير بعقد جديد. و لو تزوّجهما و شكّ في السبق و الاقتران حكم ببطلانهما.
الشرح:
لو اقترن عقد الأختين بأن تزوّجهما بصيغة واحدة، في زمان واحد فهو مخيّر في اختيار أيّتهما شاء، تدلّ على ذلك صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل تزوّج أختين في عقدة واحدة قال:
«يمسك أيّتهما شاء و يخلّي سبيل الأخرى، و قال في رجل تزوّج خمسا في عقدة واحدة قال: يخلّي سبيل أيّتهنّ شاء».(1)
و الظاهر أنّ الصحيحة لاتشمل ما اذا عقد هو على احداهما و زوّجه وكيله من الأخرى في زمان واحد، فلا بدّ من الالتزام ببطلان عقد الوكيل؛ لأنّ نفسه الأصل و الوكيل فرعه فحين عقد هو نفسه على احداهما ففعل وكيله فاسد.
و لو تزوّجهما و شكّ في السبق و الاقتران فتارة يقع الشكّ بالنسبة الى كليهما بمعنى أنّه شكّ في أنّه هل هما مقترنان أو يكون أحدهما لابعينه سابقا و الآخر لاحقا، ففي هذه الصورة حكم ببطلانهما؛ لعدم امكان احراز السبق في كلّ منهما
1) - وسائل الشيعة 20: 478 / الباب 25 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 1.
بالأصل فانّ الأصل في كلّ منهما معارض بالأصل في الآخر، فانّه يصحّ في كلّ منهما القول بعدم سبق عقدها على الأخرى و لا مقارنته فيتعارضان. و كذا أصالة صحّة العقد بالنسبة الى كلّ منهما، فيتعيّن الرجوع الى أصالة عدم ترتّب الأثر فيهما معا.
و أخرى يكون الشكّ بالنسبة الى واحد منهما بعينه، كما اذا شكّ مثلاً في أنّ عقد الأولى سابق أو مقارن و بالنسبة الى الثاني شكّ في أنّه لاحق أو مقارن، ففي هذه الصورة قد ذهب السيّد الحكيم(1)الى أنّه قد علم بطلان عقد الثانية قطعا امّا لكونه مقارنا أو لاحقا فلايكون مجرى للأصول الموضوعيّة و الحكميّة. فلا مانع من جريانها بالنسبة الى عقد الأولى، فيقال: انّها لم تسبق بالعقد على الأخت و لم يقترن عقدها بعقد الأخرى، كما يقال: انّه صحيح لأصالة الصحّة.
و الظاهر صحّة ما ذهب رحمه اللّه اليه.
(مسألة 45): لو كان عنده أختان مملوكتان فوطأ احداهما حرمت عليه الأخرى حتّى تموت الأولى أو يخرجها عن ملكه ببيع أو صلح أو نحوهما، ولو بأن يهبها من ولده. و الظاهر كفاية التمليك الذي له فيه الخيار، و ان كان الأحوط اعتبار لزومه. و لايكفي على الأقوى ما يمنع من المقاربة مع بقاء الملكيّة كالتزويج للغير و الرهن و الكتابة، و نذر عدم المقاربة و نحوها. و لو وطئها من غير اخراج للأولى لم يكن زنا، فلايحدّ و يلحق به الولد. نعم، يعزّر.
الشرح:
قد تقدّم في المسائل السابقة ما يفيد لهذه المسألة، فلو كان عنده أختان مملوكتان فوطأ احداهما حرمت عليه الأخرى، اجماعا كما تقدّم في المسألة التاسعة و الثلاثين، و لصدق الجمع بين الأختين.
1) - مستمسك العروة 14: 253.
نعم، اذا خرجت الموطوءة عن ملكه بموت أو بيع أو صلح أو هبة أو نحوها، فتحلّ له الثانية بلا اشكال و لا خلاف، و يقتضيه عمومات الحلّ بعد انتفاء صدق الجمع بين الأختين، مضافا الى ما تقدّم في المسألة المذكورة من صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: اذا كانت عند الرجل الأختان المملوكتان فنكح احداهما ثمّ بدا له في الثانية فنكحها فليس ينبغي له أن ينكح الأخرى حتّى تخرج الأولى من ملكه يهبها أو يبيعها، فان وهبها لولده يجزيه».(1)
و رواية عبدالغفّار الطائي عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل كانت عنده أختان فوطأ احداهما، ثمّ أراد أن يطأ الأخرى، قال:
«يخرجها عن ملكه، قلت: الى من؟ قال عليه السلام : الى بعض أهله، قلت: فان جهل ذلك حتّى وطئها؟ قال: حرمتا عليه كلتاهما».(2)
و المراد بحرمتهما عليه، حرمتهما عليه ما دامتا في ملكه الاّ اذا خرجت احداهما عن ملكه.
و الظاهر كفاية التمليك الذي له فيه الخيار؛ لاطلاق صحيحة عبداللّه بن سنان و انتفاء عدم الجمع بين الأختين.
و دعوى أنّ الملاك في جواز وط ء الثانية هو عدم تمكّن المالك من وط ء الأولى و حيث انّه غير متحقّق في المقام لامكان الرجوع فيها، فلايجوز له وط ء الثانية.
غير مسموعة في مقابل الاطلاقات، فانّها استحسان محض لايصلح لتقييدها.
و لايكفي على الأقوى ما يمنع من المقاربة مع بقاء الملكيّة كالتزويج للغير و
الرهن و الكتابة و نذر عدم المقاربة و نحوها، و ذلك لعدم صدق الاخراج عن الملك الذي يذكر بعنوان المناط في جواز الوط ء.
و لو وطئها من غير اخراج للأولى لم يكن زنا فلايحدّ، لما تقدّم من أنّ الزنا لايصدق الاّ اذا حرم الوط ء بالأصالة، و هو غير صادق في المقام فانّ الوط ء مستحقّ بالأصالة لكونها أمته، و ان حرمت عليه لعارض و لذا يعزّر و يلحق به الولد لما ذكر.
(مسألة 46): اذا وطأ الثانية بعد وط ء الأولى، حرمتا عليه مع علمه بالموضوع و الحكم. و حينئذ فان أخرج الأولى عن ملكه حلّت الثانية مطلقا و ان كان بقصد الرجوع اليها. و ان أخرج الثانية عن ملكه يشترط في حلّيّة الأولى أن يكون اخراجه لها لابقصد الرجوع الى الأولى و الاّ لم تحلّ. و أمّا في صورة الجهل بالحرمة موضوعا أو حكما، فلايبعد بقاء الأولى على حلّيّتها و الثانية على حرمتها و ان كان الأحوط عدم حلّيّة الأولى الاّ باخراجالثانية و لو كان بقصد الرجوع الى الأولى. و أحوط من ذلك كونها كصورة العلم.
الشرح:
اذا وطأ الثانية بعد وط ء الأولى مع علمه بالموضوع و الحكم حرمتا عليه و أمّا في صورة الجهل فتبقى الأولى على حلّيّتها و الثانية على حرمتها، تدلّ على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: الرجل يشتري الأختين فيطأ احداهما ثمّ يطأ الأخرى بجهالة، قال: اذا وطأ الأخيرة بجهالة لم تحرم عليه الأولى و ان وطأ الأخيرة و هو يعلم أنّها حرام حرمتا عليه جميعا».(1)
1) - وسائل الشيعة 20: 483 / الباب 29 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 5.
و صحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«سألته عن رجل عنده أختان مملوكتان فوطأ احداهما ثمّ وطأ الأخرى، فقال: اذا وطأ الأخرى فقد حرمت عليه الأولى حتّى تموت الأخرى، قلت: أرأيت ان باعها؟ فقال: ان كان انّما يبيعها لحاجة و لايخطر على باله من الأخرى شيء فلاأرى بذلك بأسا، و ان كان انّما يبيعها ليرجع الى الأولى فلا».(1)
و رواية أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل كانت له أختان مملوكتان فوطأ احداهما ثمّ وطأ الأخرى، أيرجع الى الأولى فيطأها؟ قال: اذا وطأ الثانية فقد حرمت عليه الأوّلة حتّى تموت أو يبيع الثانية من غير أن يبيعها من شهوة لأجل أن يرجع الى الأولى».(2)
ثمّ انّه ان أخرج الأولى عن ملكه حلّت الثانية مطلقا و ان كان بقصد الرجوع اليها، و ذلك لاختصاص القيد في صحيحة أبي الصباح و رواية أبي بصير بالثانية مضافا الى عدم الخلاف في ذلك.
هذا و لاتعارض ما تقدّم من الروايات رواية عبدالغفّار الطائي المتقدّمة حيث حكم عليه السلام فيها بحرمتهما عليه حتّى في صورة الجهل.
و ذلك لما حملناها سابقا - كما حملها الشيخ؛ - على الحرمة ما دامتا في ملكه.
ثمّ انّ المراد بالجهالة هو الجهل بالحكم، فانّ الظاهر من الروايات هو أنّ الموضوع كان معلوما عنده.
و أمّا ان أخرج الثانية عن ملكه فيشترط في حلّيّة الأولى أن يكون اخراجه لها لابقصد الرجوع الى الأولى و الاّ لاتحلّ له كما تدلّ عليه الروايات المتقدّمة.
(مسألة 47): لو كانت الأختان كلتاهما أو احداهما من الزنا، فالأحوط لحوق الحكم من حرمة الجمع بينهما في النكاح، و الوط ء اذا كانتا مملوكتين.
الشرح:
لو كانت الأختان كلتاهما أو احداهما من الزنا فالأقوى لحوق الحكم من حرمة الجمع بينهما في النكاح، و الوط ء اذا كانتا مملوكتين، و ذلك لأنّ ولد الزنا و ان كان لايرث و لايورّث و لايلحق بأبويه شرعا، الاّ أنّه منهما لغة و عرفا و لذا يترتّب عليه أحكام الولد الاّ ما خرج بالدليل من عدم جواز نكاحها لأبيه ان كانت أنثى، و لا لأمّه ان كان ذكرا، و كذا لايجوز له التزويج بأخته أو بأخيها، الى غير ذلك.
و في المباني: «و الوجه فيه أنّه لم ترد حتّى و لا رواية ضعيفة تنفي النسب عن المولود بالزنا، بل المذكور فيها نفي الارث خاصّة. بل مقتضى ما يفهم من مذاق الشارع و ظاهر بعض الأدلّة أنّ النسب موكول الى العرف و عليه فحيث انّه يرى كون المولودتين كلتيهما أو احداهما من الزنا أختين، فلا محالة لايجوز الجمعبينهما في الوط ء و في النكاح».(1)
(مسألة 48): اذا تزوّج باحدى الأختين ثمّ طلّقها طلاقا رجعيّا، لايجوز له نكاح الأخرى الاّ بعد خروج الأولى عن العدّة. و أمّا اذا كان بائنا بأن كان قبل الدخول أو ثالثا أو كان الفراق بالفسخ لأحد العيوب أو بالخلع أو المباراة، جاز له نكاح الأخرى. و الظاهر عدم صحّة رجوع الزوجة في البذل بعد تزويج أختها كما سيأتي في باب الخلع ان شاء اللّه. نعم، لو كان عنده احدى الأختين بعقد الانقطاع و انقضت المدّة لايجوز له - على الأحوط - نكاح أختها في عدّتها و ان كانت بائنة للنصّ الصحيح. و الظاهر أنّه كذلك اذا وهب مدّتها و ان كان مورد النصّ انقضاء المدّة.
1) - المباني 32: 358.
الشرح:
اذا تزوّج باحدى الأختين ثمّ طلّقها طلاقا رجعيّا، لايجوز له نكاح الأخرى الاّ بعد خروج الأولى عن العدّة، و ذلك لأنّ المطلّقة في العدّة الرجعيّة بحكم الزوجة، مضافا الى صحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألت عن رجل اختلعت منه امرأته أيحلّ له أن يخطب أختها قبل أن تنقضي عدّتها؟ قال: اذا برئت عصمتها منه و لم يكن له رجعة فقد حلّ له أن يخطب أختها. الحديث».(1)
و رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام :
«في رجل طلّق امرأته و هي حبلى، أيتزوّج أختها قبل أن تضع؟ قال: لايتزوّجها حتّى يخلو أجلها».(2)
فانّها لو لم تتمّ دعوى اختصاصها بالطلاق الرجعي فلا أقلّ من شمولها له بالاطلاق.
و أمّا اذا كان بائنا بأن كان قبل الدخول أو كان ثالثا أو كان الفراق بالفسخ لأحد العيوب أو بالخلع أو المباراة، جاز له نكاح الأخرى، و ذلك - مضافا الى أنّ المطلّقة بائنا لاتكون زوجة و لابحكمها - لصحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل اختلعت منه امرأته أيحلّ له أن يخطب أختها من قبل أن تنقضي عدّة المختلعة؟ قال: نعم، قد برئت عصمتها منه، و ليس له عليها رجعة».(3)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«في رجل طلّق امرأته أو اختلعت أو بانت، أله أن يتزوّج بأختها؟ قال:
فقال: اذا برئت عصمتها و لم يكن له عليها رجعة فله أن يخطب أختها».(1)
كما تدلّ عليها صحيحة أبي الصباح المتقدّمة آنفا.
و الظاهر عدم صحّة رجوع الزوجة في البذل بعد التزويج بأختها، و ذلك لأنّ جواز الرجوع في البذل بمعنى جواز الجمع بين الأختين، فحيث يكون الجمع غير جائز فالرجوع مثله فلايصحّ.
و ممّا تقدّم يظهر أنّه اذا كانت عنده احدى الأختين بعقد الانقطاع و انقضت المدّة أو وهبها الرجل، يجوز له نكاح أختها في عدّتها؛ لأنّها كانت بائنة ولكن الاحتياط في هذا المورد حسن؛ لرواية يونس قال:
«قرأت كتاب رجل الى أبي الحسن عليه السلام : الرجل يتزوّج المرأة متعة الىأجل مسمّى فينقضي الأجل بينهما، هل يحلّ له أن ينكح أختها من قبل أن تنقضي عدّتها؟ فكتب: لايحلّ له أن يتزوّجها حتّى تنقضي عدّتها».(2)
فانّها ضعيفة باسماعيل بن مرار فلاتصلح لتقييد ما دلّ على أنّه يجوز للرجل تزويج أخت امرأته المطلّقة بطلاق بائن، و لذا قلنا بالاحتياط استحبابا.
(مسألة 49): اذا زنى باحدى الأختين جاز له نكاح الأخرى في مدّة استبراء الأولى. و كذا اذا وطئها شبهة جاز له نكاح أختها في عدّتها. نعم، الأحوط اعتبار الخروج عن العدّة خصوصا في صورة كون الشبهة من طرفه و الزنا من طرفها، من جهة الخبر الوارد في تدليس الأخت التي نامت في فراش أختها بعد لبسها لباسها.
الشرح:
اذا زنى باحدى الأختين جاز له نكاح الأخرى في مدّة استبراء الأولى، اذ لاتكون مدّة الاستبراء مثل العدّة الرجعيّة و لايصدق الجمع بين الأختين.
و كذا اذا وطئها شبهة جاز له نكاح أختها في عدّتها؛ لأنّها بائنة و لايصدق الجمع بين الأختين أيضا.
أمّا المصنّف رحمه اللّه فاحتاط في عدّة الشبهة باعتبار الخروج عنها خصوصا في صورة كون الشبهة من طرفه و الزنا من طرفها من جهة الخبر و مراده من الخبر صحيحة بريد العجلي المتقدّمة قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل تزوّج امرأة فزفّتها اليه أختها و كانت أكبر منها، فأدخلت منزل زوجها ليلاً فعمدت الى ثياب امرأتهفنزعتها منها و لبستها ثمّ قعدت في حجلة أختها و نحّت امرأته و أطفأت المصباح و استحيت الجارية أن تتكلّم، فدخل الزوج الحجلة فواقعها و هو يظنّ أنّها امرأته التي تزوّجها فلمّا أن أصبح الرجل قامت اليه امرأته فقالت: أنا امرأتك فلانة التي تزوّجت و انّ أختي مكرت بي فأخذت ثيابي فلبستها و قعدت في الحجلة و نحّتني فنظر الرجل في ذلك فوجد كما ذكر، فقال: أرى أن لا مهر للتي دلّست نفسها و أرى أنّ عليها الحدّ لما فعلت حدّ الزاني غير محصن و لايقرب الزوج امرأته التي تزوّج حتّى تنقضي عدّة التي دلّست نفسها، فاذا انقضت عدّتها ضمّ اليه امرأته».(1)
و هي التي وردت فيما لو كان الشبهة من طرفه و الزنا من طرفها.
و كذا صحيحة زرارة بن أعين قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل تزوّج بالعراق امرأة ثمّ خرج الى الشام
1) - وسائل الشيعة 21: 222 / الباب 9 من أبواب العيوب و التدليس / الحديث 1.
فتزوّج امرأة أخرى، فاذا هي أخت امرأته التي بالعراق، قال: يفرّق بينه و بين المرأة التي تزوّجها بالشام و لايقرب المرأة حتّى تنقضي عدّة الشاميّة. الحديث».(1)
ولكن الظاهر أنّ هاتين الروايتين أجنبيّتان عن محلّ الكلام، اذ انّهما انّما تدلاّن على عدم جواز وط ء الأخت الأولى حتّى تنقضي عدّة الثانية، و هو أجنبي عن جواز التزوّج بالأخت الثانية في فترة عدّة الأولى و عدمه.
و على هذا فحيث انّه لا دليل على المنع فمقتضى القاعدة هو الجواز، الاّ أنّ الاحتياط في محلّه؛ لأنّ الصحيحتين و ان كانتا في مورد آخر الاّ أنّهما لاتكونان أجنبيّتين عمّا نحن فيه بالكلّيّة.
(مسألة 50): الأقوى جواز الجمع بين فاطميّتين على كراهة و ذهب جماعة من الأخباريّة الى الحرمة و البطلان بالنسبة الى الثانية، و منهم من قال بالحرمة دون البطلان، فالأحوط الترك. و لو جمع بينهما فالأحوط طلاق الثانية أو طلاق الأولى و تجديد العقد على الثانية بعد خروج الأولى عن العدّة، و ان كان الأظهر على القول بالحرمة عدم البطلان؛ لأنّها تكليفيّة فلاتدلّ على الفساد. ثمّ الظاهر عدم الفرق في الحرمة أو الكراهة بين كون الجامع بينهما فاطميّا أو لا، كما أنّ الظاهر اختصاص الكراهة أو الحرمة بمن كانت فاطميّة من طرف الأبوين أو الأب، فلاتجري في المنتسب اليها - صلوات اللّه عليها - من طرف الأمّ خصوصا اذا كان انتسابها اليها باحدى الجدّات العاليات.
و كيف كان فالأقوى عدم الحرمة و ان كان النصّ الوارد في المنع صحيحا على ما رواه الصدوق في العلل باسناده عن حماد قال: «سمعت
1) - وسائل الشيعة 20: 478 / الباب 26 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 1.
أبا عبداللّه عليه السلام يقول: لايحلّ لأحد أن يجمع بين اثنتين من ولد فاطمة عليهاالسلام انّ
ذلك يبلغها فيشقّ عليها، قلت: يبلغها؟ قال عليه السلام : اي واللّه». و ذلك لاعراض المشهور عنه مع أنّ تعليله ظاهر في الكراهة؛ اذ لانسلّم أنّ مطلق كون ذلك شاقّا عليها ايذاءً لها حتّى يدخل في قوله صلى اللّه عليه و آله: «من آذاها فقد آذاني».
الشرح:
بعد ما عرفت كلام المصنّف رحمه اللّه بطوله فاعلم أنّ المعروف بين الأصحاب جواز الجمع بين فاطميّتين، بل ادّعى في المستمسك(1)الاتّفاق عليه و حكى عن الجواهر أنّه قال: «لم أجد أحدا من قدماء الأصحاب و لا متأخّريهم ذكر ذلك فيالمكروهات، فضلاً عن المحرّمات المحصورة في ظاهر بعض و صريح آخر في غيره».
نعم قال في الحدائق: «هذه المسألة لم يحدث فيها الكلام الاّ في هذه الأعصار الأخيرة. و الاّ فكلام المتقدّمين من أصحابنا - رضوان اللّه عليهم - و المتأخّرين خالٍ من ذكرها و التعرّض لها. و قد اختلف فيها الكلام و كثر النقض و الابرام بين علماء عصرنا و من تقدّمه قليلاً، فما بين من جزم بالتحريم و جزم بالحلّ و من توقّف في ذلك. - الى أن قال: - و التحقيق أنّ هذه المسألة مثل مسألة الجمع بين الأختين حذو النعل بالنعل. و حينئذ فالمخرج منها هنا كما تقدّم ثمّة، و هو أن يفارق الثانية و ان طلّقها فهو أولى».(2)
ولكن الرواية الواردة في ذلك التي نقلها المصنّف ضعيفة فانّها قد رويت بطريقين عن الشيخ و الصدوق، و في طريق الشيخ «السندي بن ربيع»(3)فلم يرد
فيه توثيق و في طريق الصدوق «محمّد بن علي ماجيلويه»(1)الذي لم يرد فيه توثيق أيضا، مضافا الى اعراض الأصحاب عنها بل لم يتعرّض لهذه المسألة أحد من الأصحاب قبل صاحب الحدائق على ما عرفت من صاحب الجواهر و كذا صاحب الحدائق نفسه.
قال في المباني: «و لو كان هذا الجمع حراما لظهر و بان لابتلاء الناس به كثيرا، فكيف و لم يتعرّض له فقيه الى زمان صاحب الحدائق قدس سره أو قبله بقليل؟ على أنّ مقتضى قوله عليه السلام : «من ولد فاطمة» هو حرمة الجمع بين الاثنتين من المنتسبات الى فاطمة عليهاالسلام و لو من جهة الأمّ خاصّة، و هو ممّا لم يلتزم به حتّى الأخباريّون فانّهم قد خصّوا الحكم بالجمع بين الفاطميّتين. فانّ هذه الأمور ممّا يدلّ على كون الحكم - لو تمّ سند الرواية - هو الكراهة دون الحرمة».(2)
و قد عرفت ضعف الرواية سندا، و أنّه يجوز الجمع بين فاطميّتين.
(مسألة 51): الأحوط ترك تزويج الأمة دواما مع عدم الشرطين من عدم التمكّن من المهر للحرّة و خوف العنت بمعنى المشقّة أو الوقوع في الزنا، بل الأحوط تركه متعة أيضا و ان كان القول بالجواز فيها غير بعيد. و أمّا مع الشرطين فلا اشكال في الجواز؛ لقوله تعالى: «و من لم يستطع الى آخر الآية». و مع ذلك الصبر أفضل في صورة عدم خوف الوقوع في الزنا، كما لا اشكال في جواز وطئها بالملك بل و كذا بالتحليل و لا فرق بين القنّ و غيره. نعم، الظاهر جوازه في المبعّضة؛ لعدم صدق الأمة عليها و ان لم يصدق الحرّة أيضا.
الشرح:
قال في الشرائع: «قيل: لايجوز للحرّ العقد على الأمة الاّ بشرطين: عدم الطول و هو عدم المهر و النفقة و خوف العنت و هو المشقّة من الترك. و قيل: يكره ذلك من دونهما، و هو الأشهر. و على الأوّل لاينكح الاّ أمة واحدة؛ لزوال العنت بها. و من قال بالثاني أباح اثنتين، اقتصارا في المنع على موضع الوفاق».(1)
قال في المسالك: «لا خلاف في جواز نكاح الأمة بالعقد للحرّ لمن فقد الطول و خشي العنت، و القرآن ناطق بجوازه كذلك، و مع ذلك فالصبر عنه أفضل؛ لقوله تعالى: «و أن تصبروا خير لكم» و أمّا مع فقد أحدهما ففيه أقوال: أحدها و هو الذي اختاره المصنّف و جعله أشهر، الجواز على كراهة، للأصل و عموم الآيات. و ثانيها: المنع، ذهب اليه الشيخ في أحد قوليه و كثير من المتقدّمين و المتأخّرين؛ لدلالة مفهوم الشرط في قوله تعالى: «و من لم يستطع منكم ... ». و ثالثها: المنعمن تزويج الأمة لمن عنده حرّة، و لايحرم لغيره. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
يجوز نكاح الأمة بالعقد للحرّ الذي فقد الطول و خشي العنت بدليل قوله تعالى: «و من لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات و اللّه أعلم بايمانكم بعضكم من بعض فانكحوهنّ باذن أهلهنّ و آتوهنّ أجورهنّ بالمعروف محصنات غير مسافحات و لا متّخذات أخدان فاذا أحصنّ فان أتين بفاحشة فعليهنّ نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم و أن تصبروا خير لكم و اللّه غفور رحيم»(3).
فاشترط في جواز النكاح بالأمة شرطان: عدم الطول و خوف العنت.
و معنى الطول لغة: الزيادة و الفضل. و المراد به هنا الزيادة في المال و سعته بحيث يتمكّن معه من نكاح الحرّة، بأن يقوم بما يتوقّف عليه من مهرها و نفقتها، و وجود الحرّة و امكان وطئها.
و العنت لغة: المشقّة الشديدة، و أصله انكسار العظم بعد جبره، ثمّ استعير لكلّ مشقّة و ضرر. و المراد به هنا الاثم بالوقوع في الزنا الذي يؤدّي اليه غلبة الشهوة.
و يلحق به خوف الضرر الشديد بتركه، فعلى هذا فلو لم يكن له الطول و خاف العنت جاز له نكاح الأمة.
و أمّا لو كان له الطول لنكاح الحرّة أو لم يخف العنت بترك النكاح رأسا و ان لم يكن له الطول، فلايجوز له نكاح الأمة بناءً على مفهوم الشرط في الآية.
و هذه الآية بهذا البيان تكون مقيّدة لعموم قوله تعالى: «و أنكحوا الأيامى منكم و الصالحين من عبادكم و امائكم»(1). و قوله تعالى: «و لأمة مؤمنة خير من مشركة»(2)و «أحلّ لكم ما وراء ذلكم»(3).
و قد دلّ على المنع مع عدم الشرطين الروايات المعتبرة كصحيحة زرارة بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يتزوّج الأمة؟ قال: لا، الاّ أن يضطرّ الى ذلك».(4)
و صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاينبغي للحرّ أن يتزوّج الأمة و هو يقدر على الحرّة. الحديث».(5)
و موثّقته عن أبي عبداللّه عليه السلام في الحرّ يتزوّج الأمة؟ قال:
«لابأس اذا اضطرّ اليها».(1)
و معتبرة يونس بن عبدالرحمن عنهم عليهم السلام قال:
«لاينبغي للمسلم الموسر أن يتزوّج الأمة الاّ أن لايجد حرّة. الحديث».(2)
و رواية محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يتزوّج المملوكة؟ قال: اذا اضطرّ اليها فلابأس».(3)
و مرسلة ابن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاينبغي أن يتزوّج الرجل الحرّ المملوكة اليوم، انّما كان ذلك حيث قال اللّه عزّوجلّ: «و من لم يستطع منكم طولاً» و الطول المهر، و مهر الحرّة اليوم مثل مهر الأمة أو أقلّ».(4)
ثمّ انّ هنا أمورا ذكرها في المسالك:
الأوّل: لا فرق في المنع من العقد، - على القول به - بين الدائم و المنقطع؛ لشمول النكاح المشروط لهما. و أمّا التحليل فان جعلناه عقدا امتنع أيضا و ان جعلناه اباحة فلا، كما لايمتنع وطؤها بملك اليمين.
الثاني: لو وجد الشرطان فتزوّج الأمة ثمّ تجدّد زوالهما و لو بفقد أحدهما لم يقدح في صحّة النكاح السابق و ان لم يدخل و ذلك للحكم بصحّته و لزومه حين ايقاعه فيستصحب حتّى لو فرض طلاقها رجعيّا جاز له رجعتها؛ لأنّ الرجعيّة بحكم الزوجة.
1) - وسائل الشيعة 20: 507 / الباب 45 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 20: 507 / الباب 45 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 20: 508 / الباب 45 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 20: 508 / الباب 45 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 5.
الثالث: لو أمكن ازالة العنت بوط ء ملك اليمين مع فقد الطول للحرّة، لم يجز له التزويج بالأمة؛ لفقد الشرط و ذلك لأنّ قدرته على دفع العنت بوط ء ملك اليمين يرفع خوف العنت مطلقا كقدرته على رفعه بالتقوى.
الرابع: القدرة على وط ء الحرّة شرط أيضا في وجود الطول كما تقدّم، فلو كان عند حرّة رتقاء أو ضعيفة عن الوط ء بمرض أو صغر أو غائبة عنه بحيث يخشى العنت قبل الوصول اليها، جاز له نكاح الأمة؛ لفقد شرط الطول و دفعا للحرج. نعم، لو قدّر مع وجودها زوال العنت ببعض الاستمتاعات غير الوط ء امتنع.
الخامس: الظاهر جواز نكاح المبعّضة مطلقا؛ لعدم صدق الأمة عليها لكونها مركّبة منهما معا فلايشملها الأحكام الثابتة للحرّة بعنوانها أو الأمة كذلك، و من هنا فمقتضى عمومات الحلّ هو جواز التزوّج منها حتّى مع عدم الشرطين؛ نظرا لعدم شمول دليل المنع لها.
(مسألة 52): لو تزوّجها مع عدم الشرطين فالأحوط طلاقها. و لو حصلا بعد التزويج جدّد نكاحها ان أراد على الأحوط.
الشرح:
لو تزوّجها مع عدم الشرطين يبطل نكاحها و لو حصل الشرطان بعد التزوّج بالأمة فتجديد النكاح متعيّن لبطلان نكاح الأمة مع فقد الشرطين. هذا على ما ذهبنا اليه من عدم جواز نكاح الأمة مع عدم الشرطين.
و أمّا على ما ذهب اليه المصنّف من جعله عدم النكاح أحوط، فيحتمل صحّة النكاح فلايجوز تركها معطّلة و يحتمل فسادها فلايجوز مقاربتها و لذا حكم بأنّ الأحوط هو الطلاق، و أمّا بناءً على ما اخترناه من بطلان العقد فلا حاجة الى الطلاق. و هكذا يكون مبناه رحمه اللّه في الحكم بأحوطيّة تجديد النكاح، مع أنّه على مختارنا فلا اشكال في لزوم تجديده.
(مسألة 53): لو تحقّق الشرطان فتزوّجها ثمّ زالا أو زال أحدهما، لم يبطل و لايجب الطلاق.
الشرح:
قد تقدّم آنفا الكلام في ذلك في الأمر الثاني من الأمور المذكورة في آخر المسألة الواحدة و الخمسين.
و في المباني: «عدم بطلان نكاح الأمة هو الصحيح، لكن لا لاستصحاب الصحّة بل لدليل نفوذ العقد حيث انّ مقتضاه هو استمرار تأثيره و عدم ارتفاعه ما لم يطرأ رافع من موت أو فسخ أو طلاق و ما شاكلها».(1)
(مسألة 54): لو لم يجد الطول أو خاف العنت ولكن أمكنه الوط ء بالتحليل أو بملك اليمين يشكل جواز التزويج.
(مسألة 55): اذا تمكّن من تزويج حرّة لايقدر على مقاربتها، لمرض أو رتق أو قرن أو صغر أو نحو ذلك فكما لم يتمكّن. و كذا لو كانت عنده واحدة من هذه أو كانت زوجته الحرّة غائبة.
و قد تقدّم شرح هاتين المسألتين في الأمور المذكورة في المسألة الواحدة و الخمسين فلانعيد.
(مسألة 56): اذا لم تكفه في صورة تحقّق الشرطين أمة واحدة، يجوز الاثنتين، أمّا الأزيد فلايجوز.
الشرح:
و ذلك لاطلاق الدليل حيث لم يقيّد بالأمة الواحدة، فيشمل من كان متزوّجا
1) - المباني 32: 373.
بالأمة أيضا. أمّا الأزيد فلايجوز و قد تقدّم الكلام في ذلك في المسائل الماضية من الفصول السابقة.
(مسألة 57): اذا كان قادرا على مهر الحرّة، لكنّها تريد أزيد من مهر أمثالها بمقدار يعدّ ضررا عليه فكصورة عدم القدرة، لقاعدة نفي الضرر نظير سائر المقامات. كمسألة وجوب الحجّ اذا كان مستطيعا ولكن يتوقّف تحصيل الزاد و الراحلة على بيع بعض أملاكه بأقلّ من ثمن المثل أو على شراء الراحلة بأزيد من ثمن المثل فانّ الظاهر سقوط الوجوب و ان كان قادرا على ذلك. و الأحوط في الجميع اعتبار كون الزيادة ممّا يضرّ بحاله لا مطلقا.
الشرح:
قال في المسالك: «لو وجدت الحرّة و قدر على طلبته من المهر لكن طلبت أزيد من مهر مثلها بحيث تجحف بالزيادة، ففي وجوب بذله و تحريم نكاح الأمة وجهان، من تحقّق القدرة المقتضية لوجود الطول، و من لزوم الضرر و المشقّة بدفع الزيادة و حمل القدرة على المتعارف. و هو قوي، مع استلزام بذل الزيادة الاسراف عادة بحسب حاله أو الضرر، و الاّ فالأوّل أقوى، و لهذا الفرع نظائر كثيرة سبق، منها وجود الماء للطهارة بأزيد من ثمن مثله و وجود الساتر للعورة و وجود الراحلة في الحجّ و غيرها».(1)
أقول:
فيما ذهب اليه المصنّف رحمه اللّه من الاستدلال بقاعدة نفي الضرر اشكالات:
منها انّ اعطاء أزيد من مهر المثل للحرّة اذا طلبته لايعدّ ضررا عليه عرفا، فلايكون كصورة عدم القدرة.
1) - مسالك الأفهام 14: 328.
و منها انّه لو فرض عدّه ضررا ولكن قاعدة «لا ضرر» تنفي حكم التزويج بالحرّة على المهر الزائد و أنّه لو كان واجبا تنفي وجوبه، و لاتثبت جواز التزويج بالأمة و لاتثبت تحقّق شرطه و هو عدم الطول، فقاعدة نفي الضرر لاتصلح لتشريع الحكم الذي به يرتفع الضرر. و كذا وجوب التخلّص من الحرام لايقتضي مشروعيّة التزويج بالأمة كما لايقتضي مشروعيّة السفاح.
نعم، لو قلنا بأنّ الضرر يجعله كمن لم يقدر على تزويج الحرّة فيثبت بذلك عدم الطول و العنت فيجوز تزويج الأمة، فالمهمّ في الاشكال هو الأوّل.
و منها ما ذكره السيّد الحكيم رحمه اللّه من أنّ قاعدة «لا ضرر» تختصّ بما يلاحظ فيه الماليّة كباب المعاوضات الماليّة و النكاح ليس منها فانّ المهر لم يلحظ فيه المعاوضة الماليّة، فانّ الزوجة لا كلاًّ و لا بعضا تكون ملكا للزوج عوض المهر ولا حق له فيها أيضا لوحظ عوضا عنه. و انّما عنوان الاصداق عنوان آخر و لذا لم يكن بناء الفقهاء على الرجوع الى قاعدة نفي الضرر فيما لو تزوّج و أصدق أكثر من مهر المثل كما هو حكم المغبون.
و أمّا مسألة وجوب الحجّ فقد تقدّم منّا الكلام في المسألة السابعة من مبحث الاستطاعة فراجع كتاب الحجّ.
الأقوى جواز نكاح الأمة على الحرّة مع اذنها و الأحوط اعتبار الشرطين من عدم الطول و خوف العنت. و أمّا مع عدم اذنها فلايجوز و ان قلنا في المسألة المتقدّمة بجواز عقد الأمة مع عدم الشرطين، بل هو باطل. نعم، لو أجازت بعد العقد صحّ على الأقوى بشرط تحقّق الشرطين على الأحوط. و لا فرق في المنع بين كون العقدين دوامييّن أو انقطاعييّن أو مختلفين، بل الأقوى عدم الفرق بين امكان وط ء الحرّة و عدمه لمرض أو قرن أو رتق الاّ مع عدم الشرطين. نعم، لايبعد الجواز اذا لم تكن الحرّة قابلة للاذن لصغر أو جنون خصوصا اذا كان عقدها انقطاعيّا. ولكن الأحوط مع ذلك المنع.
و أمّا العكس و هو نكاح الحرّة على الأمة فهو جائز و لازم اذا كانت الحرّة عالمة بالحال. و أمّا مع جهلها فالأقوى خيارها في بقائها مع الأمة و فسخها و رجوعها الى أهلها. و الأظهر عدم وجوب اعلامها بالحال. فعلى هذا لو أخفى عليها ذلك أبدا لم يفعل محرّما.
الشرح:
الأقوى جواز نكاح الأمة على الحرّة مع اذنها و اعتبار الشرطين أي عدم الطول الى نكاح حرّة أخرى في صورة الاحتياج اليها و خوف العنت في ترك النكاح.
أمّا اعتبار الشرطين فقد تقدّم في الفصل السابق تفصيلاً.
و أمّا اعتبار اذن الحرّة فتدلّ عليه صحيحة محمّد بن اسماعيل قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام : هل للرجل أن يتمتّع من المملوكة باذن أهلها و له امرأة حرّة؟ قال: نعم، اذا رضيت الحرّة، قلت: فان أذنت الحرّة يتمتّع منها؟ قال: نعم».(1)
و هي و ان وردت في المتعة الاّ أنّه لا بدّ من التعدّي منها الى الدائم و ذلك لعدم القول بالفصل.
و لايبعد - كما في المباني - أن يكون اختصاص السؤال بالمتعة، من جهة أنّ اذن الحرّة فيها أيسر و أسهل من الاذن في العقد الدائم.
و لاتعارضها صحيحة يعقوب بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يتزوّج الأمة على الحرّة متعة؟ قال: لا».(2)
لأنّها تحمل على ما اذا لم تأذن الحرّة أو ما اذا تزوّج بدون اذنها أو على فقد الشرطين المتقدّمين في الفصل السابق.
هنا فروع:
لو أجازت الحرّة بعد العقد صحّ على الأقوى كما اختاره جملة من الأصحاب،خلافا للشرائع و غيره حيث التزموا بالبطلان.
قال في الشرائع: «لايجوز نكاح الأمة على الحرّة الاّ باذنها، فان بادر كان العقد باطلاً. و قيل: كان للحرّة الخيار في الفسخ و الامضاء، و لها فسخ عقد نفسها. و الأوّل أشبه».(1)
و في المسالك: «فان أذنت قبل العقد على الأمة صحّ الثاني اجماعا. و ان لم يسبق اذنها ففي بطلان العقد على الأمة أو وقوعه موقوفا على رضا الحرّة كعقد الفضولي أو تخيير الحرّة في فسخ عقدها أيضا أقوال: أحدها: ما اختاره المصنّف و هو بطلان عقد الأمة و هو مذهب ابن ادريس و جماعة للنهي عنه؛ لحسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام قال: «تزوّج الحرّة على الأمة و لاتزوّج الأمة على الحرّة. و من تزوّج أمة على حرّة فنكاحه باطل».
و ثانيها: تخيّر الحرّة بين فسخ عقد الأمة و امضائه من غير أن يبطل في نفسه ابتداءً؛ لأنّ الحقّ في ذلك لها فلايقصر عن عقد الفضولي، و هذا هو الأقوى.
و ثالثها: تخيّر المرأة بين فسخ عقد الأمة و عقد نفسها، و هو قول الشيخين و أتباعهما. و قد تقدّم في العقد على بنت الأخ على العمّة ما يدلّ عليه و على جوابه. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
حكم هذه المسألة نظير حكم تزويج بنت الأخ أو الأخت على العمّة أو الخالة، و قد تقدّم منّا الكلام في ذلك في المسألة العشرين من فصل المحرّمات بالمصاهرة، و قلنا بأنّ الاجازة الطارئة من العمّة أو الخالة تصحّح عقد ابنة الأخ أو الأخت و استدللنا هناك بأنّ العقد قد وقع مع شرائطه الاّ أنّه موقوف على اذن، فاذا حصل فلا مانع من صحّته.
و كذا ما نحن فيه، مضافا الى ما ذكره السيّد الخوئي من دلالة التعليل في
صحيحة زرارة على صحّة العقد، ففيها عن أبي جعفر عليه السلام في مملوك تزوّج بغير اذن سيّده فقال عليه السلام :
«انّه لم يعص اللّه و انّما عصى سيّده فاذا أجاز فهو له جائز».(1)
فانّ مقتضاه هو الحكم بصحّة كلّ عقد لم يشتمل على معصية اللّه تعالى - كالجمع بين الأختين - بل العقد الذي كان حلالاً في نفسه كما هنا الاّ أنّ صحّته معلّقة على اجازة الحرّة، فاذا لحقه اذن من يعتبر اذنه فيكون صحيحا.
هذا، ولكن لايخفى اعتبار الشرطين المتقدّمين في الفصل السابق.
و أمّا الشيخ قدس سره قد حكم في المقام بتخيّر الحرّة بين امضاء عقد الأمة أو فسخه أو فسخ عقد نفسها و استدلّ عليه بموثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام عن رجل تزوّج أمة على حرّة فقال:
«ان شاءت الحرّة أن تقيم مع الأمة أقامت و ان شاءت ذهبت الى أهلها، قال قلت: فان لم ترض و ذهبت الى أهلها أله عليها سبيل اذا لم ترض بالمقام؟ قال: لا سبيل عليها اذا لم ترض حين تعلم، قلت: فذهابها الى أهلها طلاقها؟ قال: نعم، اذا خرجت من منزله اعتدّت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء، ثمّ تتزوّج ان شاءت».(2)
و هذه الموثّقة بهذا المتن تدلّ على ما ذهب اليه الشيخ قدس سره بضميمة ما تقدّم من تخييرها في عقد الأمة، الاّ أنّ الكليني قد رواها بهذا السند و هذا المتن باختلاف يسير تغيّر معناها و أخرجها عمّا نحن بصدده، و هو أنّه قد ذكر في الكافي: «في رجل تزوّج امرأة حرّة و له امرأة أمة و لم تعلم الحرّة أنّ له امرأة، قال: ان شاءت الحرّة. الى آخر الحديث». و على هذا فتكون الموثّقة أجنبيّة عمّا نحن بصدده، كماسيأتي في الفرع الثالث.
فلا بدّ من ترجيح أحد النقلين على الآخر لعدم احتمال تعدّد الروايتين، و لايخفى أنّه عند تعارض النقلين فالكافي أضبط نقلاً من الشيخ كما ثبت في محلّه فالترجيح بنقل الكافي، و لا أقلّ من تساقطهما و عليه فلا دليل على تخيّرها في عقد نفسها كما في المباني.(1)
ثمّ اعلم أنّه لا فرق في عدم جواز نكاح الأمة على الحرّة الاّ مع اذنها و اعتبار الشرطين، بين كون العقدين دوامييّن أو انقطاعييّن أو مختلفين و ذلك لأنّه قد عرفت أنّ النصّ و ان كان واردا في المتعة فقط الاّ أنّه لا بدّ من التعدّي عنها الى عقد الدوام أيضا للأولويّة القطعيّة و عدم القول بالفصل.
قد ذهب المصنّف رحمه اللّه الى أنّه لايبعد عدم اعتبار اذنها اذا لم تكن قابلة له لصغر أو جنون خصوصا اذا كان عقدها انقطاعيّا، و قال بأنّ الأحوط مع ذلك المنع.
و وجّه السيّد الخوئي رحمه اللّه(2)عدم الاعتبار في هذه الصورة بانصراف نصوص اشتراط اذن الحرّة الى الزوجة القابلة له، على ما هو الظاهر منها عرفا و عليه فيرجع في غيره الى عمومات الحلّ.
و من هنا يظهر الفرق بين هذه المسألة و مسألة اعتبار اذن العمّة أو الخالة في التزوّج من بنت الأخ أو الأخت، فانّا قد ذكرنا هناك عدم الفرق في اعتبار اذنهما بين كونهما صغيرتين أم لا، أي بين كونهما قابلتين للاذن و عدمه.
و وجه الفرق أنّ هناك اطلاقات تدلّ على المنع من التزوّج ببنت الأخ أو الأخت مطلقا - في صورة الاذن و عدمه - و نقيّدها بروايات أخر فاذا شكّ في
صورة عدم قابليّة الاذن في جواز التزوّج فالمرجع هو الاطلاقات.
و هذا بخلاف ما نحن فيه اذ الحكم فيه خلاف القاعدة، اذ ما دلّ على المنع معارض مع ما دلّ على الجواز في فرض الضرورة و اعتبرنا اذن الزوجة لصحيحة ابن بزيع، و قد عرفت انصرافها الى فرض القابليّة، فلا محالة يكون المرجع في فرض عدم قابليّتها للاذن هو عمومات الحلّ و الجواز.
هذا ما ذهب اليه السيّد الخوئي رحمه اللّه في توجيه كلام المصنّف بتوضيح منّا.
و أمّا السيّد الحكيم رحمه اللّه(1)فنقل عن الجواهر احتمال عدم اعتبار الاذن في صورة عدم القابليّة، و احتمال اعتباره و عدم جواز التزوّج في صورة عدم القابليّة و ذلك لاطلاق النهي عن نكاح الأمة على الحرّة المقتصر في تقييده على صورة الاذن من القابلة، و يبقى غيرها داخلاً تحت عموم المنع، و قال بأنّ هذا هو الموافق للقواعد؛ لأنّ عموم المنع أخصّ من عموم الحلّ فيقدّم عليه. و قد ضعّف على هذا ما يظهر من الشيخ في المبسوط من القول بالصحّة.
ولكن الظاهر أنّ ما ذهب اليه السيّد الخوئي رحمه اللّه هو الأرجح و أنّ النصوص الدالّة على اعتبار اذن الزوجة منصرفة الى صورة قابليّتها له. الاّ أنّ الأحوط مع ذلك المنع كما ذكره المصنّف رحمه اللّه.
ثمّ انّه قد ذكر السيّد الخوئي رحمه اللّه أنّه لم يظهر وجه لما ذكره المصنّف من الخصوصيّة في العقد المنقطع، و ذلك لما تقدّم من عدم الفرق بين كون العقدين دائمين أو منقطعين أو مختلفين.
ثمّ استدرك و قال بأنّه لايبعد دعوى انصراف الدليل عن بعض أقسام الانقطاع الذي لايقصد به الاستمتاع - كالتزوّج منها لكي تحرم أمّها عليه أبدا - غير أنّ هذالايختصّ بالزوجة الصغيرة أو المجنونة بل يجري حتّى في الزوجة الكبيرة العاقلة.
1) - مستمسك العروة 14: 283.
قد عرفت كلام المصنّف في هذا الفرع حيث قال رحمه اللّه بأنّ نكاح الحرّة على الأمة جائز لازم اذا كانت الحرّة عالمة بالحال و أمّا مع جهلها فالأقوى خيارها في بقائها مع الأمة و فسخها و رجوعها الى أهلها و الأظهر عدم وجوب اعلامها بالحال فعلى هذا لو أخفى عليها ذلك أبدا لم يفعل محرّما.
أقول:
أمّا مع علمها بالحال فلا اشكال في حلّيّة النكاح و لزومه كما هو مطابق للقاعدة و يفهم من الروايات الآتية.
و أمّا مع جهلها بالحال فالظاهر صحّة ما ذهب اليه المصنّف من التخيير بين بقائها و فسخ عقدها و رجوعها الى أهلها و ذلك لصحيحة يحيى بن الأزرق قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل كانت له امرأة وليدة فتزوّج حرّة و لم يعلمها بأنّ له امرأة وليدة، فقال: ان شاءت الحرّة أقامت و ان شاءت لم تقم، قلت: قد أخذت المهر فذهبت به؟ قال: نعم، بما استحلّ من فرجها».(1)
و موثّقة سماعة - على نسخة الكافي - عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل تزوّج امرأة حرّة و له امرأة أمة و لم تعلم الحرّة أنّ له امرأة، قال:
«ان شاءت الحرّة أن تقيم مع الأمة أقامت و ان شاءت ذهبت الى أهلها قال: قلت: فان لم ترض بذلك و ذهبت أله عليها سبيل اذا لم ترض بالمقام؟ قال: لا سبيل عليها اذا لم ترض حين تعلم، قلت:
1) - وسائل الشيعة 20: 511 / الباب 47 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 1.
فذهابها الى أهلها طلاقها؟ قال: نعم، اذا خرجت من منزله اعتدّت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء ثمّ تتزوّج ان شاء».(1)
و قد نقل عدم الخلاف في ذلك في المباني.
و هل يجب اعلامها بالحال أم لا؟ الظاهر هو الثاني و ذلك لعدم الدليل على وجوبه بل يمكن استظهار عدم الوجوب من الصحيحة و الموثّقة حيث انّ الامام عليه السلام في مقام البيان و مع ذلك لم يذكر وجوب اعلامها بل غاية ما ذكره هو تخييرها، كما في سائر موارد الخيار في العقود كالعيب و الغبن و غيرهما.
هذا، ولكن صاحب الجواهر رحمه اللّه قد نقل عن صاحب الرياض رحمه اللّه أنّه قال: «و لو أدخل الحرّة على الأمة جاز و لزم علم الحرّة بأنّ تحته أمة اجماعا و نصوصا».
ثمّ استشكل عليه صاحب الجواهر بأنّا لم نتحقّق ذلك.
ولكن الظاهر أنّ النسخة التي عند صاحب الجواهر مغلوطة فانّا اذا راجعنا الرياض وجدنا أنّه قال: «لو انعكس فأدخل الحرّة على الأمة جاز و لزم مع علم الحرّة ... ».(2)
باضافة «مع» بعد قوله: «لزم». و الاّ فالعبارة بدون «مع» غير مستقيمة جزما - كما في المباني - اذ ينبغي أن يقول: «و لزم اعلام الحرّة».
(مسألة 1): لو نكح الحرّة و الأمة في عقد واحد مع علم الحرّة صحّ و مع جهلها صحّ بالنسبة اليها، و بطل بالنسبة الى الأمة الاّ مع اجازتها. و كذا الحال لو تزوّجهما بعقدين في زمان واحد على الأقوى.
الشرح:
لو نكح الحرّة و الأمة في عقد واحد مع علم الحرّة صحّ بناءً على أن يكون علمها بالحال هو اذنها و رضاها به، فتشمله أدلّة جواز ادخال الأمة على الحرّة اذا رضيت بالأولويّة، فانّه اذا جاز ادخال الأمة على الحرّة مع رضاها جاز اقتران عقدها بعقد الحرّة بطريق أولى.
أمّا لو جهلت الحرّة بالحال صحّ بالنسبة اليها و بطل بالنسبة الى الأمة الاّ مع اذنها و ذلك لصحيحة أبي عبيدة الحذّاء قال:
«سئل أبو جعفر عليه السلام عن رجل تزوّج امرأة حرّة و أمتين مملوكتين في عقد واحد، قال: أمّا الحرّة فنكاحها جائز و ان سمّى لها مهرا فهو لها. و أمّا المملوكتان فانّ نكاحهما في عقد مع الحرّة باطل يفرّق بينه و بينهما».(1)
و هذه الصحيحة و ان كانت مطلقة من جهة علم الحرّة و جهلها و اذنها و عدمه الاّ أنّه تحمل على ما اذا كانت جاهلة بالحال لما مرّ من جواز عقد الأمة على الحرّة و بالعكس باذن الحرّة و رضاها.
هذا مع مفروغيّة وجود الشرطين يعني خوف العنت و عدم الطول، بمعنى عدم كفاية الحرّة الواحدة له و عدم تمكّنه من تزويج حرّة أخرى.
و هكذا يكون الحال لو تزوّجهما بعقدين في زمان واحد، للقطع بعدم خصوصيّة في وحدة العقد، و انّما العبرة باقتران التزويجين.
1) - وسائل الشيعة 20: 512 / الباب 48 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة / الحديث 1.
(مسألة 2): لا اشكال في جواز نكاح المبعّضة على المبعّضة. و أمّا على الحرّة ففيه اشكال و ان كان لايبعد جوازه؛ لأنّ الممنوع نكاح الأمة على الحرّة و لايصدق الأمة على المبعّضة، و ان كان لايصدق عليها الحرّة.
الشرح:
لا اشكال في جواز نكاح المبعّضة على المبعّضة و لايعتبر اذنهما؛ لعدم صدق الحرّة عليها قطعا.
و أمّا نكاح المبعّضة على الحرّة و بالعكس فالظاهر جوازه لأنّ الممنوع نكاح الأمة على الحرّة و لاتصدق الأمة على المبعّضة كما لاتصدق عليها الحرّة، فتشمله عمومات الحلّ بعد عدم شمول أدلّة المنع لها.
(مسألة 3): اذا تزوّج الأمة على الحرّة فماتت الحرّة أو طلّقها، أو وهب مدّتها في المتعة أو انقضت لم يثمر في الصحّة بل لا بدّ من العقد على الأمة جديدا اذا أراد.
الشرح:
قد تقدّم أنّه اذا تزوّج الأمة على الحرّة فنكاحه باطل، و اذا حكمنا ببطلان النكاح فلايثمر في تصحيحه خروج الحرّة عن حبالته بالموت أو الطلاق أو انقضاء المدّة أو هبتها، و ذلك لأنّ العقد حينما حدث و وقع في الخارج لم يكن مشمولاً لأدلّة لزوم الوفاء بالعقد و الصحّة حيث يعتبر فيها اذن الحرّة و هو لم يتحقّق حسب الفرض و بعد انقطاع عصمة الحرّة لم يكن هناك عقد جديد كي يحكم بصحّته، و حيث انّ الانقلاب غير معقول فلا بدّ من الحكم ببطلانه و لزوم عقد جديد، كما في المباني.
(مسألة 4): اذا كان تحته حرّة فطلّقها طلاقا بائنا يجوز له نكاح الأمة في عدّتها. و أمّا اذا كان الطلاق رجعيّا ففيه اشكال، و ان كان لايبعد لانصراف الأخبار عن هذه الصورة.
الشرح:
اذا كان تحته حرّة فطلّقها طلاقا بائنا، يجوز له نكاح الأمة في عدّتها و ذلك لانقطاع العصمة بينه و بين الحرّة. و أمّا اذا كان الطلاق رجعيّا ففيه اشكال من حيث عدم انقطاع العصمة بينه و بينها لأنّها بحكم زوجته الاّ أنّه لاتشمله صحيحة ابن بزيع المتقدّمة؛ لأنّ الراوي قد سأل عمّن تكون الحرّة زوجته بالفعل و لذا لاتشمل المورد. نعم، لو نكح الأمة و رجع الى الحرّة يعتبر اذنها في صحّة النكاح؛ لأنّ الرجوع لايحدث زوجيّة جديدة بل هو ابطال للطلاق و ازالة لأثره.
(مسألة 5): اذا زوّجه فضولي حرّة فتزوّج أمة ثمّ أجاز عقد الفضولي فعلى النقل لايكون من نكاح الأمة على الحرّة فلا مانع منه و على الكشف مشكل.
الشرح:
اذا زوّجه فضولي حرّة فتزوّج أمة ثمّ أجاز عقد الفضولي فعلى النقل لايكون من نكاح الأمة على الحرّة لتأخّر زوجيّة الحرّة على الفرض. نعم، يجيء ما تقدّم من التفصيل بين علمها بالحال و جهلها.
و أمّا على القول بالكشف فعلى الكشف الحكمي بمعنى استناد الزوجيّة من حين الاجازة و ترتّب الآثار و الأحكام من حين وقوع العقد تعبّدا، فلايكون مننكاح الأمة على الحرّة.
و أمّا على الكشف الحقيقي - بمعنى انكشاف كون العقد من حين وقوعه - فلا بدّ من اعتبار اذنها لصدق دخول الأمة على الحرّة.
(مسألة 6): اذا عقد على حرّة و عقد وكيله على أمة و شكّ في السابق منهما لايبعد صحّتهما و ان لم تجز الحرّة. و الأحوط طلاق الأمة مع عدم اجازة الحرّة.
الشرح:
أمّا عقد الحرّة فمعلوم الصحّة على كلّ حال؛ لأنّه ان كان سابقا فصحيح و عقد الأمة يعلّق على اذنها، و ان كان لاحقا أو مقارنا فان علمت الحرّة بذلك فهو اذن منها و ان جهلت فيكون باختيارها كما تقدّم.
و أمّا عقد الأمة فان كان سابقا فهو صحيح كما تقدّم، و ان كان لاحقا أو مقارنا فصحّته منوطة باذن الحرّة.
فان علم تأريخ عقد الأمة فالأصل الجاري هو أصالة عدم وقوع العقد على الحرّة سابقا و لا حين وقوع العقد على الأمة، فيكون عقد الأمة صحيحا.
و ان علم تأريخ عقد الحرّة فتجري أصالة عدم العقد على الأمة الى حين العقد على الحرّة و هو يقتضي فساد عقد الأمة، الاّ أن نرجع الى أصالة الصحّة التي استشكل في جريانها السيّد الحكيم(1)فيما اذا كان الشكّ ناشئا من الأمور الاتّفاقيّة.
أمّا لو جهل التأريخان فالظاهر صحّة عقد الحرّة وحدها.
1) - مستمسك العروة 14: 287.
(مسألة 7): لو شرط في عقد الحرّة أن تأذن في نكاح الأمة عليها صحّ. ولكن اذا لم تأذن لم يصحّ بخلاف ما اذا شرط عليها أن يكون له نكاح الأمة.
الشرح:
قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة التاسعة و العشرين من فصل المحرّمات بالمصاهرة، في ضمن ما لو شرط على العمّة أو الخالة في ضمن عقدها، أن تأذن في نكاح بنت أخيها أو أختها، و أنّه ان أذنتا فبها و ان لم تأذنا فتكونان عاصيتين فعليه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
و ان شرط في ضمن العقد أن يكون حقّها ساقطا فقد قلنا بأنّه لايسقط، و أمّا ان شرط أن يكون وكيلاً عنها فالوكالة صحيحة.
(مسألة 1): أمر تزويج العبد و الأمة بيد السيّد، فيجوز له تزويجهما من غير رضاهما أو اجبارهما على ذلك و لايجوز لهما العقد على نفسهما من غير اذنه كما لايجوز لغيرهما العقد عليهما كذلك حتّى لو كان لهما أب حرّ، بل يكون ايقاع العقد منهما أو من غيرهما عليهما حراما اذا كان ذلك بقصد ترتيب الأثر و لولا مع اجازة المولى. نعم، لو كان ذلك بتوقّع الاجازة منه فالظاهر عدم حرمته؛ لأنّه ليس تصرّفا في مال الغير عرفا كبيع الفضولي مال غيره. و أمّا عقدهما على نفسهما من غير اذن المولى و من غيرهما فقد يقال بحرمته لسلب قدرتهما و ان لم يكونا مسلوبي العبارة لكنّه مشكل لانصراف سلب القدرة عن مثل ذلك. و كذا لو باشر أحدهما العقد للغير باذنه أو فضولة، فانّه ليس بحرام على الأقوى و ان قيل بكونه حراما.
الشرح:
يدلّ على ما في المتن - قبل الاجماع و عدم الخلاف - الكتاب و السنّة، و كفى به دليلاً من الكتاب قوله تعالى: «ضرب اللّه مثلاً عبدا مملوكا لايقدر على شيء»(1)و قوله: «فانكحوهنّ باذن أهلهنّ»(2)حيث يستفاد منهما أنّ أمر
تزويجهما بيد المولى فله أن يتزوّجهما و له أن يمتنع عن ذلك. و أمّا النصوص فسيأتي في محلّها.
و يجوز ايقاع العقد منهما اذا كان ذلك بتوقّع الاجازة من المولى.
و أمّا من دون توقّع الاجازة فقد ذهب المصنّف الى حرمته لأنّه مقدّمة للحرام.
و فيه: انّ قصد الاتيان بالحرام انّما يدخل في نيّة المعصية و هو نوع من التجرّي، و لا دليل على حرمته. نعم، لو كان عصيان السيّد حراما نقول بحرمته ولكنّه ليس بحرام كما في صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام في مملوك تزوّج بغير اذن مولاه، أعاصٍ للّه؟ قال:
«عاصٍ لمولاه، قلت: حرام هو؟ قال: ما أزعم أنّه حرام و نوله أن لايفعل الاّ باذن مولاه».(1)
و أمّا ما حكاه المصنّف من القول بسلب قدرتهما و حرمة العقد، ففيه: انّ سلب القدرة يكون منشأً للحكم الوضعي أي عدم نفوذ العقد و صحّته و أمّا الحكم التكليفي فلايستفاد منه.
و لو باشر أحدهما العقد بغير اذنه أو فضولة فليس بحرام.
(مسألة 2): لو تزوّج العبد من غير اذن المولى وقف على اجازته، فان أجاز صحّ. و كذا الأمة على الأقوى، و الاجازة كاشفة. و لا فرق في صحّته بها بين أن يكون بتوقّعها أو لا بل على الوجه المحرّم. و لايضرّه النهي لأنّه متعلّق بأمر خارج متّحد. و الظاهر اشتراط عدم الردّ منه قبل الاجازة فلاتنفع الاجازة بعد الردّ. و هل يشترط في تأثيرها عدم سبق النهي من المولى فيكون النهي السابق كالردّ بعد العقد أو لا؟ وجهان أقواهما الثاني.
1) - وسائل الشيعة 21: 113 / الباب 23 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 2.
الشرح:
لو تزوّج العبد من غير اذن المولى وقف على اجازته فان أجاز صحّ، يدلّ على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن مملوك تزوّج بغير اذن سيّده، فقال: ذاك الى سيّده ان شاء أجاز و ان شاء فرّق بينهما، قلت: أصلحك اللّه انّ الحكم بن عتيبة و ابراهيم النخعي و أصحابهما يقولون: انّ أصل النكاح فاسد، و لاتحلّ اجازة السيد له، فقال أبو جعفر: انّه لم يعص اللّه و انّما عصى سيّده فاذا أجازه فهو له جائز».(1)
و غيرها من الروايات، كما ذهب اليه الأكثر بل لم ينقل فيه الخلاف الاّ من ابن ادريس رحمه اللّه حيث التزم ببطلان العقد نظرا الى أنّ النصوص الواردة في المقام أخبار آحاد و هو لايلتزم بحجّيّتها مع أنّ القاعدة تقتضي البطلان و ذلك لأنّ العقد حين وقوعه لم يكن صحيحا لفقدان اذن المولى، فصحّته بعد ذلك بالاجازة المتأخّرة تحتاج الى دليل و هو مفقود. هذا ما نقله السيّد الخوئي رحمه اللّه عنه(2).
و لايخفى ضعفه و ذلك لدلالة جملة من النصوص الصحيحة عليه و حجّيّتها عندنا، مضافا الى أنّ صحّة العقد لم تكن خلاف القاعدة.
و أمّا عدم الفرق بين العبد و الأمة فالدليل عليه هو ورود النصوص مورد التعليل كما عرفت آنفا في صحيحة زرارة.
و قد ذهب صاحب الحدائق الى اختصاص الحكم بالعبد بدعوى أنّ النصوص كلّها واردة في العبد خاصّة فتبقى الأمة مشمولة للقاعدة المقتضية للبطلان.
و قد عرفت أنّ التعليل المذكور في الروايات دالّ على عدم اختصاص الحكم
بالعبد بل يجري في الأمة فانّها أيضا لم تعص اللّه و انّما عصت سيّدها.
و أمّا ما ورد في الروايات من أنّ تزويج الأمة بغير اذن مولاها زنا و غير ذلك من التعبيرات الدالّة على البطلان فمختصّ بما قبل الاجازة - كما ذكره السيّد الخوئي رحمه اللّه - أو بعد الردّ من المولى و اظهاره عدم رضاه.
يدلّ على كاشفيّة الاجازة صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قضى أميرالمؤمنين عليه السلام في وليدة باعها ابن سيّدها و أبوه غائب فاشتراها رجل فولدت منه غلاما ثمّ قدم سيّدها الأوّل فخاصم سيّدها الأخير فقال: هذه وليدتي باعها ابني بغير اذني فقال: خذ وليدتك و ابنها، فناشده المشتري فقال: خذ ابنه - يعني الذي باع الوليدة - حتّى ينفذ لك ما باعك فلمّا أخذ البيّع الابن قال أبوه: أرسل ابني فقال: لاأرسل ابنك حتّى ترسل ابني فلمّا رأى ذلك سيّد الوليدة الأوّل أجاز بيع ابنه».(1)
و تقريب دلالتها على الكشف أنّه لو لم تكن الاجازة كاشفة لكان على المشتري أن يدفع لسيّدها الأوّل مهر أمثالها نظرا لوطئه أمة الغير شبهة، و الحال أنّه عليه السلام لم يتعرّض لذلك.
و صحيحة أبي عبيدة قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن غلام و جارية زوّجهما وليّان لهما، و هما غير مدركين قال: فقال: النكاح جائز، أيّهما أدرك كان له الخيار، فانماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما و لا مهر، الاّ أن يكونا قد أدركا و
1) - وسائل الشيعة 21: 203 / الباب 88 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 1.
رضيا قلت: فان أدرك أحدهما قبل الآخر قال: يجوز ذلك عليه ان هو رضي، قلت: فان كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية و رضي النكاح ثمّ مات قبل أن تدرك الجارية أترثه؟ قال: نعم، يعزل ميراثها منه حتّى تدرك و تحلف باللّه ما دعاها الى أخذ الميراث الاّ رضاها بالتزويج ثمّ يدفع اليها الميراث و نصف المهر، قلت: فان كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أن تدرك؟ قال: يجوز عليها تزويج الأب و يجوز على الغلام، و المهر على الأب للجارية».(1)
و هذه تدلّ على الكشف و ذلك لأنّ الزوجة اذا أدركت و حلفت و أجازت فتكشف اجازتها عن وقوع العقد قبل موت الزوج فترث منها، و ان لم تكن الاجازة كاشفة فينتج وقوع العقد من حينها و هو لايوجب الارث قطعا بل لايبقى مجال للاجازة أصلاً و ذلك لموت أحد الطرفين و تعلّق الاجازة بالزوجيّة بين الحيّ و الميّت و هو باطل جزما.
و لا فرق في صحّة العقد بالاجازة بين أن يكون بتوقّع الاجازة أو لا، و ذلك لاطلاق الأدلّة.
و قد عرفت أنّ العقد من غير توقّع الاجازة ليس بحرام خلافا لما ذهب اليه المصنّف.
ثمّ انّه لايضرّه النهي و ذلك لأنّه لم يعص اللّه و انّما عصى سيّده فاذا أجاز فهو له جائز. و لذلك قال المصنّف بأنّ النهي متعلّق بأمر خارج متّحد، أي بأمر خارج عن حقيقة النكاح متّحد معها.
و الظاهر اشتراط عدم الردّ منه قبل الاجازة فلاتنفع الاجازة بعد الردّ كما هو المشهور بل ادّعي عليه الاجماع.
1) - وسائل الشيعة 26: 219 / الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 1.
(مسألة 3): لو باشر المولى تزويج عبده أو أجبره على التزويج فالمهر ان لم يعيّن في عين يكون في ذمّة المولى. و يجوز أن يجعله في ذمّة العبد يتبع به بعد العتق مع رضاه. و هل له ذلك قهرا عليه؟ فيه اشكال، كما اذا استدان على أن يكون الدين في ذمّة العبد من غير رضاه.
و أمّا لو أذن له في التزويج فان عيّن كون المهر في ذمّته أو ذمّة العبد أو في عين معيّن تعيّن، و ان أطلق ففي كونه في ذمّته أو في ذمّة العبد مع ضمانه له و تعهّده أداءه عنه أو كونه في كسب العبد وجوه: أقواها الأوّل لأنّ الاذن في الشيء اذن في لوازمه و كون المهر عليه - بعد عدم قدرة العبد على شيء و كونه كلاًّ على مولاه - من لوازم الاذن في التزويج عرفا. و كذا الحال في النفقة و يدلّ عليه أيضا في المهر رواية علي بن حمزة و في النفقة موثّقة عمّار الساباطي.
و لو تزوّج العبد من غير اذن مولاه ثمّ أجاز ففي كونه كالاذن السابق في كون المهر على المولى أو بتعهّده أو لا، وجهان. و يمكن الفرق بين ما لو جعل المهر في ذمّته فلا دخل له بالمولى و ان أجاز العقد، أو في مال معيّن من المولى أو في ذمّته فيكون كما عيّن أو أطلق، فيكون على المولى. ثمّ انّ المولى اذا أذن فتارة يعيّن مقدار المهر و تارة يعمّم و تارة يطلق. فعلى الأوّلين لا اشكال. و على الأخير ينصرف الى المتعارف و اذا تعدّى وقف على اجازته. و قيل: يكون الزائد في ذمّته يتبع به بعد العتق. و كذا الحال بالنسبة الى شخص الزوجة فانّه ان لم يعيّن ينصرف الى اللائق بحال العبد من حيث الشرف و الضعة، فان تعدّى وقف على اجازته.
الشرح:
قال في الشرائع: «اذا أذن المولى لعبده فى ايقاع العقد صحّ و اقتضى الاطلاق
الاقتصار على مهر المثل. فان زاد كان الزائد في ذمّته يتبع به اذا تحرّر و يكون مهر المثل على مولاه. و قيل: في كسبه. و الأوّل أظهر و كذا القول في نفقتها».(1)
اذا أذن المولى لعبده في التزويج فبالنسبة الى تعيين الزوجة و المهر و عدمهما يتصوّر أربع صور:
الأولى: ما اذا عيّن المرأة و المهر معا، و في هذه الصورة فان تخطّى العبد المرأة كان فضوليّا يتوقّف على اجازة المولى، و ان تخطّى المهر كان الزائد عليه يتبع به بعد العتق.
الثانية: ما اذا أطلق في المرأة و المهر معا، فللعبد أن يتزوّج بأيّ امرأة شاء بمهر المثل أو دونه، فان تخطّى مهر المثل كان الزائد عليه يتبع به بعد العتق، و ذلك لانصراف الاطلاق الى مهر المثل.
الثالثة: أن يعيّن المرأة و يطلق في المهر، فان تخطّى المرأة كان فضوليّا يتوقّف على اجازة المولى، و ان تخطّى مهر المثل كان الزائد عليه.
الرابعة: أن يعيّن المهر و يطلق في المرأة، فان تخطّى المهر المعيّن كان الزائد عليه.
هذا و قد اختلفت كلمات الأصحاب في أنّ مهر المثل أو المهر المعيّن و كذا النفقة هل على المولى في ماله أو في كسب العبد؟
و الظاهر هو الأوّل و ذلك لأنّ المولى اذا أذن في النكاح، أذن في لوازمه و توابعه بالملازمة كما ذكره المصنّف و كما في الحجّ اذا أذن لعبده فيه، فانّه اذن في لوازمه و أفعاله.
و يؤيّده في لزوم المهر على المولى رواية علي بن حمزة عن أبي الحسن عليه السلام في رجل تزوّج مملوكا له امرأة حرّة على مائة درهم ثمّ باعه قبل أن يدخل عليها فقال:
1) - شرائع الاسلام 2: 223.
«يعطيها سيّده من ثمنه نصف ما فرض لها، انّما هو بمنزلة دين له استدانه بأمر سيّده».(1)
و في لزوم النفقة على المولى موثّقة عمّار الساباطي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أذن لعبده في تزويج امرأة فتزوّجها، ثمّ انّ العبد أبق من مواليه فجاءت امرأة العبد فطلب نفقتها من مولى العبد، فقال: ليس لها على مولاه نفقة و قد بانت عصمتها منه فانّ اباق العبد طلاق امرأته، هو بمنزلة المرتدّ عن الاسلام ، قلت: فان رجع الى مواليه ترجع اليه امرأته؟ قال: ان كان قد انقضت عدّتها منه ثمّ تزوّجت غيره فلا سبيل له عليها، و ان لم تتزوّج و لم تنقض العدّة فهي امرأته في النكاح الأوّل».(2)
فانّ ظاهر تعليل الامام عليه السلام بسقوط النفقة بالاباق و أنّه كالطلاق يدلّ على أنّ النفقة على السيّد لو لم يبق و لم يطلّق.
اذا عرفت ذلك تعرف أنّ الحكم كذلك - أي وجوب المهر و النفقة على المولى - فيما اذا أجبر العبد على النكاح، بطريق أولى.
اذا تزوّج العبد بغير اذن مولاه ثمّ أجاز ففي كون الاجازة كالاذن السابق فيكون المهر على المولى أو بتعهّده أو لا، وجهان، و الظاهر الفرق بين ما لو جعل المهرفي ذمّة العبد فلا دخل له بالمولى؛ لأنّ الاجازة لمّا كانت اجازة للعقد السابق بجميع خصوصيّاته و كان مقتضى العقد السابق كون المهر في ذمّة العبد كان المهر
على العبد لا محالة يتبع به بعد العتق من دون أن يكون للمولى دخل فيه.
و بين ما لو كان في مال معيّن من المولى أو في ذمّته فيكون كما لو عيّن أو أطلق فيكون على المولى.
(مسألة 4): مهر الأمة المزوّجة للمولى سواء كان هو المباشر أو هي باذنه أو باجازته. و نفقتها على الزوج الاّ اذا منعها مولاها عن التمكين لزوجها أو اشترط كونها عليه. و للمولى استخدامها بما لاينافي حقّ الزوج. و المشهور أنّ للمولى أن يستخدمها نهارا و يخلّي بينها و بين الزوج ليلاً، و لابأس به. بل يستفاد من بعض الأخبار. و لو اشترط غير ذلك فهما على شرطهما. و لو أراد زوجها أن يسافر بها هل له ذلك من دون اذن السيّد؟ قد يقال: ليس له، بخلاف ما اذا أراد السيّد أن يسافر بها فانّه يجوز له من دون اذن الزوج. و الأقوى العكس؛ لأنّ السيّد اذا أذن بالتزويج فقد التزم بلوازم الزوجيّة، و الرجال قوّامون على النساء. و أمّا العبد المأذون في التزويج فأمره بيد مولاه. فلو منعه من الاستمتاع يجب عليه طاعته الاّ ما كان واجبا عليه من الوط ء في كلّ أربعة أشهر و من حقّ القسم.
الشرح:
مهر الأمة المزوّجة للمولى سواء كان هو المباشر أو هي باذنه أو اجازته و الدليل على ذلك رواية أبي بصير عن أحدهما عليهماالسلام :
«في رجل زوّج مملوكة له من رجل حرّ على أربعمائة درهم فعجّل له مائتي درهم و أخّر عنه مائتي درهم فدخل بها زوجها ثمّ انّ سيّدهاباعها بعد من رجل، لمن تكون المائتان المؤخّرة على الزوج؟ قال: ان كان الزوج دخل بها و هي معه و لم يطلب السيّد منه بقيّة المهر
حتّى باعها فلا شيء له عليه و لا لغيره و اذا باعها السيّد فقد بانت من الزوج الحرّ اذا كان يعرف هذا الأمر».(1)
أمّا سندها فمعتبر و ذلك لأنّ سعدان بن مسلم المذكور في سندها و ان لم يرد فيه توثيق في كتب الرجال الاّ أنّه مذكور في أسناد كامل الزيارات و تفسير علي بن ابراهيم على ما ذكره المحقّق الخوئي رحمه اللّه.
و أمّا من حيث الدلالة فواضحة بل صريحة في أنّ المهر للمولى.
و أمّا سقوط المهر عن الرجل بترك طلب السيّد فهي مسألة خلافيّة قد اختلف الأخبار فيها بين ما دلّ على السقوط و ما دلّ على عدمه. لكنّه خارج عن محلّ كلامنا، كما ذكره السيّد الخوئي رحمه اللّه.(2)
و اطلاق الرواية دليل على عدم الفرق بين كون المولى هو المباشر أو هي بعد اجازة المولى.
هذا، و أمّا نفقتها فعلى الزوج، و ذلك لأنّه لا اشكال في وجوب النفقة للزوجة على الزوج مع تمكينها و عدم نشوزها، و أمّا الأمة فشرط وجوب النفقة على الزوج لها أن يسلّمها مولاها ليلاً و نهارا و الاّ لم يجب نفقتها.
و في المسالك: «لايجب على المولى تسليمها ليلاً و نهارا بل ان أراد التخلّص من النفقة فيسلّمها تسليما تامّا و الاّ فالواجب عليه تسليمها ليلاً خاصّة لأنّه يملك منها الانتفاع و الاستمتاع».(3)
ثمّ انّه ان أراد زوجها أن يسافر بها فعليها أن تستأذن من سيّدها، كما أنّ السيّد ان أراد أن يسافر بها فعليها أن تستأذن من زوجها، و ذلك لأنّ لكلّ واحد منهما حقّاعليها على حدة، فحقّ الزوج الاستمتاع و حقّ السيّد الاستخدام، و السفر مع أحدهما بدون اذن الآخر تفويت لحقّه.
و أمّا العبد المأذون في التزويج فأمره بيد مولاه فلو منعه من الاستمتاع يجب عليه الطاعة الاّ ما كان واجبا عليه من الوط ء في كلّ أربعة أشهر و من حقّ القسم. فلاتجب اطاعته المولى لمخالفته لأمر اللّه تبارك و تعالى، و لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
(مسألة 5): اذا أذن المولى للأمة في التزويج و جعل المهر لها، صحّ على الأقوى من ملكيّة العبد و الأمة و ان كان للمولى أن يتملّك ما ملكاه، بل الأقوى كونه مالكا لهما و لمالهما ملكيّة طوليّة
الشرح:
قد استدلّ على ملكيّة العبد و الأمة مالهما بامكانه بل وقوعه:
أمّا امكانه فلأنّه لا دليل على لزوم كون المالك حرّا، بل يمكن أن يكون رقّا بل جمادا كالوقف على المسجد و غيره.
و أمّا وقوعه فلدلالة بعض الروايات على ملكيّة العبد أو الأمة:
منها ما دلّ على نفي الزكاة من مال العبد(1)فانّه ظاهر في كون العبد مالكا، غاية الأمر أنّ أمواله مستثناة من حكم الزكاة و الاّ فلو لم يكن مالكا لم يكن وجه لنفي الحكم عنه الاّ بنحو السالبة بانتفاء الموضوع.
و منها ما دلّ على أنّه لايرث و لايورّث(2)، فانّ الحكم بأنّه لايورّث ظاهر في ملكيّته الاّ أنّه لاينتقل ماله الى ورثته بموته، و الاّ فلو لم يكن قابلاً للملكيّة لم يكن وجه للقول بأنّه لايورّث.
و منها ما دلّ على أنّ العبد ليس له التصرّف في أمواله من دون اذن سيّده كصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايجوز للعبد تحرير و لا تزويج و لا اعطاء من ماله الاّ باذن مولاه».(1)
فانّها صريحة في ملكيّة العبد، الاّ أنّه محجور من التصرّف فيه الاّ باذن مولاه.
ثمّ اعلم أنّه لا تنافي بين ملكيّة العبد لأمواله و ملكيّة المولى للعبد، فانّ العبد مالك لأمواله أوّلاً و بالذات و المولى مالك للعبد و مالك لأمواله بتبع ملكيّة العبد ثانيا و بالعرض.
و لا محذور في ملكيّة شخصين لمال على وجه تكون ملكيّة أحدهما مترتّبة على ملكيّة الآخر و تدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«في المملوك مادام عبدا فانّه و ماله لأهله لايجوز له تحرير و لا كثير عطاء و لا وصيّة الاّ أن يشاء سيّده».(2)
و موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : ما تقول في رجل يهب لعبده ألف درهم أو أقلّ أو أكثر فيقول: حلّلني من ضربي ايّاك و من كلّ ما كان منّي اليك و ممّا أخفتك و أرهبتك، فيحلّله و يجعله في حلّ رغبة فيما أعطاه. ثمّ انّ المولى بعد أصاب الدراهم التي أعطاه في موضع قد وضعها فيه العبد فأخذها المولى أحلال هي؟ فقال: لا، فقلت له: أليس العبد و ماله لمولاه؟ فقال: ليس هذا ذاك، ثمّ قال: قل له فليردّ عليه فانّه لايحلّ له فانّه افتدى بها نفسه من العبد مخافة العقوبة و القصاصيوم القيامة. الحديث».(3)
فانّها تدلّ على ملكيّة العبد و ملكيّة المولى مال عبده الاّ في صورة واحدة و
هي ما اذا أعطاه المولى مالاً ليحلّله كما في مورد الرواية، فانّ هذا المال يملكه العبد مستقلاًّ و من دون ملكيّة المولى.
فينتج أنّه يجوز للمولى الاذن للأمة في التزويج و جعل المهر لها و ان حلّ له التصرّف فيه فانّه أيضا مالك لملكيّته الأمة.
(مسألة 6): لو كان العبد أو الأمة لمالكين أو أكثر توقّف صحّة النكاح على اذن الجميع أو اجازتهم. و لو كانا مبعّضين توقّف على اذنهما و اذن المالك و ليس له اجبارهما حينئذ.
الشرح:
أمّا لو كان لمالكين أو أكثر فلا اشكال في توقّف صحّة النكاح على اجازتهم أجمع و ذلك لعدم الفرق بين كون المالك واحدا أو متعدّدا، فاذا ثبت توقّفها على اذن المتّحد أو اجازته ثبت توقّفها على اذن المتعدّد لاتّحاد الملاك.
و أمّا لو كانا مبعّضين فالتوقّف على اذنهما لأنّ بعضهما حرّ و التوقّف على اذن المالك لمكان جزئهما الرقّ، و ليس للمالك اجبارهما لعدم السلطنة على جزئهما الحرّ.
(مسألة 7): اذا اشترت العبد زوجته بطل النكاح و تستحقّ المهر ان كان ذلك بعد الدخول. و أمّا ان كان قبله ففي سقوطه أو سقوط نصفه أو ثبوت تمامه، وجوه مبنيّة على أنه بطلان أو انفساخ.
ثمّ هل يجري عليها حكم الطلاق قبل الدخول أو لا؟ و على السقوط كلاًّاذا اشترته بالمهر الذي كان لها في ذمّة السيّد بطل الشراء، للزوم خلوّ البيع عن العوض. نعم، لابأس به اذا كان الشراء بعد الدخول؛ لاستقرار المهر حينئذ.
و عن العلاّمة في القواعد: البطلان اذا اشترته بالمهر الذي في ذمّة العبد و
ان كان بعد الدخول؛ لأنّ تملّكها له يستلزم براءة ذمّته من المهر، فيخلو البيع. و هو مبني على عدم صحّة ملكيّة المولى في ذمّة العبد. و يمكن منع عدم الصحّة. مع أنّه لايجتمع ملكيّتها له و لما في ذمّته، بل ينتقل ما في ذمّته الى المولى بالبيع حين انتقال العبد اليها.
الشرح:
اذا اشترت المرأة زوجها الذي هو عبد، بطل النكاح و تدلّ عليه روايات:
منها رواية سعيد بن يسار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن امرأة حرّة تكون تحت المملوك فتشتريه، هل يبطل نكاحه؟ قال: نعم؛ لأنّه عبد مملوك لايقدر على شيء».(1)
و منها قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن قيس مخاطبا للمرأة الحرّة التي ورثت عبدا:
«اذهبي فانّه عبدك ليس له عليك سبيل، ان شئت أن تبيعي و ان شئت أن ترقّي و ان شئت أن تعتقي».(2)
و موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال في امرأة لها زوج فمات مولاه فورثته، قال: «ليس بينهما نكاح».(3)
و ان كان بعد الدخول فتستحقّ المهر لما يستحلّ من فرجها، بلا اشكال ولا خلاف؛ لاستقرار المهر بالدخول بعد أن كان العقد صحيحا فالشراء لايوجب سقوط بعض المهر فضلاً عن تمامه.
و أمّا ان كان قبل الدخول ففي سقوطه أو سقوط نصفه أو ثبوت تمامه وجوه مبنيّة على أنّ الشراء بطلان أو انفساخ؟
فان كان انفساخا فيسقط المهر كما هو الحال في موارد الفسخ بالخيار، و ان كان بطلانا فيبطل من حين وقوع السبب و حينئذ فان كان مثل الطلاق فيسقط نصفه و الاّ ثبت تمامه.
و الظاهر من بين هذه الوجوه هو ثبوت تمام المهر و ذلك لبطلان النكاح بسبب مالكيّة الزوجة زوجها و حيث انّه لا دليل على كونه كالطلاق فيثبت المهر.
ثمّ انّ المصنّف رحمه اللّه قال: «و على السقوط كلاًّ اذا اشترته بالمهر الذي كان لها في ذمّة السيّد بطل الشراء».
و علّله في المباني(1)بلزوم خلوّ البيع عن العوض لانفساخ الزوجيّة بمجرّد شراء الزوجة زوجها، فيرجع المهر الى السيّد لا محالة و بذلك لايتحقّق مفهوم البيع الذي هو عبارة عن مبادلة مال بمال، لأنّ تملّك العبد حينئذ يكون بلا عوض.
ولكن فيه: انّ تملّك العبد لايكون بلا عوض؛ لأنّه اذا أرادت الزوجة شراء زوجها بمهرها الذي كان في ذمّة مولى العبد فقد اشترى العبد بمال لها كان في ذمّة السيّد. نعم، بعد الشراء و ايجاد المبادلة انفسخ النكاح و رجع المهر الى السيّد.
و أمّا ما نقله المصنّف رحمه اللّه عن القواعد فتوضيحه: انّه اذا اشترته بطل النكاح و برأت ذمّة العبد فبطل البيع لعدم وجود العوض.
ولكن فيه: قد عرفت أنّ المولى مالك للعبد و لماله فاذا اشترت العبد من مولاه على مهر كان في ذمّة العبد فكما اشترته بالمهر الذي هو على المولى، فلا اشكال في صحّته.
1) - المباني 33: 51.
(مسألة 8): الولد بين المملوكين رقّ سواء كان عن تزويج مأذون فيه، أو مجاز أو عن شبهة مع العقد أو مجرّدة أو عن زنا منهما أو من أحدهما بلا عقد أو عقد معلوم الفساد عندهما أو عند أحدهما. و أمّا اذا كان أحد الأبوين حرّا فالولد حرّ اذا كان عن عقد صحيح أو شبهة مع العقد أو مجرّدة حتّى فيما لو دلّست الأمة نفسها بدعواها الحرّيّة فتزوّجها حرّ على الأقوى و ان كان يجب حينئذ دفع قيمة الولد الى مولاها. و أمّا اذا كان عن عقد بلا اذن مع العلم من الحرّ بفساد العقد أو عن زنا من الحرّ منهما فالولد رقّ.
ثمّ اذا كان المملوكان لمالك واحد فالولد له. و ان كان كلّ منهما لمالك فالولد بين المالكين بالسويّة، الاّ اذا اشترطا التفاوت أو الاختصاص بأحدهما.
هذا اذا كان العقد باذن المالكين أو مع عدم الاذن من واحد منهما. و أمّا اذا كان بالاذن من أحدهما فالظاهر أنّه كذلك، ولكن المشهور أنّ الولد لمن لم يأذن. و يمكن أن يكون مرادهم في صورة اطلاق الاذن بحيث يستفاد منه اسقاط حقّ ماليّة الولد حيث انّ مقتضى الاطلاق جواز التزويج بالحرّ أو الحرّة، و الاّ فلا وجه له. و كذا لو كان الوط ء شبهة منهما سواء كان مع العقد أو شبهة مجرّدة، فانّ الولد مشترك. و أمّا لو كان الولد عن زنا من العبد فالظاهر عدم الخلاف في أنّ الولد لمالك الأمة سواء كان من طرفها شبهة أو زنا.
الشرح:
الظاهر أنّه لا خلاف في رقّيّة الولد اذا كان أبواه رقّين؛ اذ لا وجه لحرّيّته.
فان كانا لمالك واحد فالولد له و ان كان كلّ واحد منهما لمالك فالولد بينهما بالسويّة و ذلك لأنّه نماء لملكهما و لا ترجيح لأحدهما على الآخر و ليس ذلك كسائر الحيوانات فانّ الولد فيها ملحق بمالك الأمّ لأنّه نماؤها.
و لا فرق في الحكم بين ما اذا كان الولد عن تزويج مأذون فيه أو مجاز أو عن شبهة مع العقد أو مجرّدة أو عن زنا منهما أو من أحدهما بلا عقد أو من عقد معلوم الفساد عندهما أو عند أحدهما، بلا خلاف في ذلك كلّه فانّه نماء لهما و ينتسب شرعا أو عرفا اليهما فيكون رقّا مملوكا لمالكهما لا محالة.
و أمّا اذا كان أحد الأبوين حرّا لحق الولد به كما في الشرائع حيث قال: «و لو كان أحد الزوجين حرّا لحق الولد به سواء كان الحرّ هو الأب أو الأمّ الاّ أن يشترط المولى رقّ الولد. فان شرط لزم الشرط على قول مشهور».(1)
و تدلّ عليه جملة من النصوص كصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال في العبد تكون تحته الحرّة قال:
«ولده أحرار، فان أعتق المملوك لحق بأبيه».(2)
و صحيحة جميل بن درّاج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل تزوّج بأمة فجاءت بولد، قال: يلحق الولد بأبيه، قلت: فعبد تزوّج حرّة؟ قال: يلحق الولد بأمّه».(3)
و مرسلة الصدوق قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل يتزوّج بأمة قوم، الولد مماليك أو أحرار؟ قال: الولد أحرار، ثمّ قال: اذا كان أحد والديه حرّا فالولد حرّ».(4)
و مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل الحرّ يتزوّج بأمة قوم، الولد مماليك أو أحرار؟ قال: اذا كان أحد أبويه حرّا فالولد أحرار».(5)
1) - شرائع الاسلام 2: 253.
2) - وسائل الشيعة 21: 121 / الباب 30 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 21: 121 / الباب 30 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 21: 121 / الباب 30 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 21: 122 / الباب 30 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 5.
و رواية اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام في مملوك تزوّج حرّة، قال:
«الولد للحرّة، و في حرّ تزوّج مملوكة قال: الولد للأب».(1)
و لايعارضها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«في رجل زوّج أمته من رجل و شرط عليه أنّ ما ولدت من ولد فهو حرّ فطلّقها زوجها أو مات عنها فزوّجها من رجل آخر، ما منزلة ولدها؟ قال: منزلتها ما جعل ذلك الاّ للأوّل و هو في الآخر بالخيار، ان شاء أعتق و ان شاء أمسك».(2)
و مثلها مضمرتا الحسن بن زياد و عبداللّه بن سنان و صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه، و ذلك لأنّه لم يعمل بها من الأصحاب - الاّ ابن الجنيد على ما حكي عنه - لمكان حملها على التقيّة.
و الحاصل أنّه اذا كان أحد الأبوين حرّا فالولد أحرار اذا كان عن عقد صحيح أو شبهة مع العقد أو مجرّدة حتّى لو دلّست الأمة نفسها بدعواها الحرّيّة فتزوّجها حرّ على الأقوى و ان كان يجب عليه حينئذ دفع قيمة الولد الى مولاها، كما سيأتي في المسألة الثانية عشرة من هذا الفصل ان شاء اللّه.
و أمّا اذا كان عن عقد بلا اذن مع علم الحرّ بفساد العقد، أو عن زنا من الحرّ أو منهما فسيأتي حكم الولد في المسألة الرابعة عشرة ان شاء اللّه.
(مسألة 9): اذا كان أحد الأبوين حرّا فالولد حرّ لايصحّ اشتراط رقّيّته على الأقوى في ضمن عقد التزويج فضلاً عن عقد خارج لازم. و لايضرّ بالعقد اذا كان في ضمن عقد خارج. و أمّا اذا كان في ضمن عقد التزويج فمبني على فساد العقد بفساد الشرط و عدمه، و الأقوى عدمه. و يحتمل
الفساد و ان لم نقل به في سائر العقود اذا كان من له الشرط جاهلاً بفساده؛ لأنّفي سائر العقود يمكن جبر تخلّف شرطه بالخيار بخلاف المقام حيث انّه لايجري خيار الاشتراط في النكاح. نعم، مع العلم بالفساد لا فرق؛ اذ لا خيار في سائر العقود أيضا.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو كان أحد الزوجين حرّا لحق الولد به سواء كان الحرّ هو الأب أو الأمّ، الاّ أن يشترط المولى رقّ الولد فان شرط لزم الشرط على قول مشهور».(1)
و في المسالك: «أمّا اذا شرطت الرقّيّة فالمشهور بين الأصحاب صحّة الشرط؛ لعموم قوله تعالى: «أوفوا بالعقود» و قوله صلى اللّه عليه و آله: «المسلمون عند شروطهم». و لرواية أبي بصير السالفة، فانّ الشيخ نزّلها على الشرط و موردها و ان كان مخصوصا بالأمة الاّ أنّه لا قائل بالفرق. و المصنّف نسب القول الى الشهرة ايذانا بضعف مستنده. و هو كذلك فانّ عموم الأخبار السابقة يتناول محلّ النزاع، و وجه عمومها من حيث انّها حكاية أحوال لم يستفصل فيها فتعمّ».(2)
أقول:
قد تقدّم في المسألة السابقة الروايات المستفيضة الدالّة على حرّيّة الولد اذا كان أحد أبويه حرّا، و الظاهر أنّ الامام عليه السلام كان في مقام بيان جميع الحالات فلها اطلاق يشمل ما لو اشترطت الرقّيّة و ما لم تشترط، و لايمكن تقييدها برواية أبي بصير التي كان في سندها أبو سعيد المتردّد أمره بين المجهول أو المشترك بين الثقة و الضعيف.
و أمّا الأدلّة الدالّة على لزوم الوفاء بالشرط و العقد فلاتدلّ على صحّة الشرطفيما نحن فيه و ذلك أوّلاً: لأنّ الحرّيّة قد جعلت من قبل اللّه تعالى لولد الحرّ و ليست بجعل الزوجين حتّى يجوز رفعها بيدهما، كما لو شرط رقّيّة ولد الحرّين.
و ان شئت قلت: انّها تشمل الشرط المشروع و هذا الشرط ليس بمشروع.
و ثانيا: لأنّ الولد ليس ملكا للحرّ حتّى يصحّ اشتراط رقّيّته، و انّما جعل اللّه تعالى الحرّيّة له و من ثمّ لايجوز اشتراط رقّيّة حرّ الأصل، و بذلك يستثنى هذا الشرط من عموم الوفاء.
ثمّ اذا ثبت فساد الشرط فهل يفسد العقد؟ الظاهر عدم فساده بفساد الشرط الاّ أنّه لمّا كان رضى الطرفين منوط بوجود الشرط فلم ينعقد النكاح لعدم الرضى بدون الشرط.
(مسألة 10): اذا تزوّج حرّ أمة من غير اذن مولاها، حرم عليه وطؤها و ان كان بتوقّع الاجازة. و حينئذ فان أجاز المولى كشف عن صحّته، على الأقوى من كون الاجازة كاشفة. و عليه المهر و الولد حرّ. و لايحدّ حدّ الزنا و ان كان عالما بالتحريم، بل يعزّر. و ان كان عالما بلحوق الاجازة فالظاهر عدم الحرمة و عدم التعزير أيضا. و ان لم يجز المولى كشف عن بطلان التزويج و يحدّ حينئذ حدّ الزنا اذا كان عالما بالحكم و لم يكن مشتبها من جهة أخرى، و عليه المهر بالدخول و ان كانت الأمة أيضا عالمة على الأقوى. و في كونه المسمّى أو مهر المثل أو العشر ان كانت بكرا و نصفه ان كانت ثيّبا وجوه بل أقوال، أقواها الأخير. و يكون الولد لمولى الأمة.
و أمّا اذا كان جاهلاً بالحكم أو مشتبها من جهة أخرى فلايحدّ و يكون الولد حرّا. نعم، ذكر بعضهم أنّ عليه قيمة يوم سقط حيّا ولكن لا دليل عليه في المقام. و دعوى أنّه تفويب لمنفعة الأمة كما ترى، اذ التفويت انّما جاء من قبل حكم الشارع بالحرّيّة، و على فرضه فلا وجه لقيمة يوم التولّد، بل
مقتضى القاعدة قيمته يوم الانعقاد لأنّه انعقد حرّا فيكون التفويت في ذلكالوقت.
الشرح:
اذا تزوّج حرّ أمة من غير اذن مولاها حرم عليه وطؤها بلا خلاف فيه ظاهرا كما في المسالك و الجواهر و ان كان بتوقّع الاجازة، اذ لا أثر لمجرّد توقّعها و انّما المعتبر في الحلّ هو تحقّقها في الخارج.
و في الشرائع: «اذا تزوّج الحرّ أمة من غير اذن مالكها ثمّ وطئها قبل الرضا عالما بالتحريم كان زانيا و عليه الحدّ. و لا مهر لها ان كانت عالمة مطاوعة. و لو أتت بولد كان رقّا لمولاها. و ان كان الزوج جاهلاً أو كان هناك شبهة فلا حدّ، و وجب المهر و كان الولد حرّا لكن يلزمه قيمة لمولى الأمة يوم سقط حيّا».(1)
اذا لم يجز المولى العقد ففي المسألة صور:
الأولى: ما اذا تزوّجها من غير اذن مولاها عالمين بالتحريم ثمّ وطئها، فلا شكّ في كونهما زانيين فيحدّان بحسب حالهما، فهل يثبت المهر للمولى؟ قولان: أحدهما ما في الشرائع من عدم ثبوت المهر لأنّها زانية و لا مهر للزانية، لأنّه لا مهر لبغي.
الثاني: ثبوت المهر؛ لأنّها ملك المولى و كذا بضعها و لا أثر لعلمها أو جهلها و رضاها أو كراهتها في ثبوت المهر و سقوطه.
و الظاهر ثبوت الأرش اذا كانت بكرا، و لايثبت المهر لما ذكر، و الولد رقّ لمولاها بغير اشكال.
الثانية: أن يكونا جاهلين بالتحريم، فلايحدّان قطعا لمكان الشبهة الدارئة للحدّ، و عليه المهر يقينا، و هل هو مهر المثل أو المسمّى؟ وجهان: و الظاهر ثبوت مهر المثل.
1) - شرائع الاسلام 2: 253.
و أمّا الولد فقد تقدّم حرّيّته تبعا لأبيه ولكن على الأب قيمته لمولاها لأنّه نماء ملكه.
فاذا ثبت وجوب ردّ القيمة فالظاهر لزوم ردّ قيمة يوم سقط حيّا، و ذلك لأنّه وقت تقويمه منفردا عن أمّه و يوم الحكم عليه بالماليّة لو كان رقّا، و ذلك لأنّه اذا كان جنينا فلاينفرد بالقيمة، و لو سقط ميّتا لا قيمة له.
الثالثة: أن يكون الحرّ جاهلاً و الأمة عالمة، فلا اشكال أيضا في سقوط الحدّ عنه و لحوق الولد به كما تقدّم، و يجب عليه القيمة لمولاها.
و أمّا وجوب المهر فمحلّ تأمّل كما تقدّم في الصورة الأولى لمكان علمها و كونها بغيّة ولكن ظاهر جماعة ثبوتها؛ لأنّ الوط ء من جانب الزوج وط ء محترم فعليه عوضه، و الظاهر ايراد الاشكالات المذكورة في الصورة الأولى هنا.
الرابعة: عكس السابقة بأن تكون جاهلة و يكون الحرّ عالما، فيحدّ حدّ الزاني و ينتفي عنه الولد و يكون رقّا لمولى الأمة و يثبت عليه المهر لمولاها.
هذا كلّه فيما اذا لم يجز العقد، أمّا ان أجازه قبل الوط ء فواضح، و أمّا ان أجازه بعده فالظاهر كون الاجازة كاشفة عن صحّة العقد فيلحق به الولد و ان كان عالما حال الوط ء بالتحريم، و يسقط عنه الحدّ و ان فعل حين الوط ء حراما، و يلزمه المهر لانكشاف صحّة العقد حين الوط ء، و أمّا اقدامه على المحرّم يوجب التعزير بنظر الحاكم لا الحدّ.
(مسألة 11): اذا لم يجز المولى العقد الواقع على أمته و لم يردّه أيضا حتّى مات، فهل يصحّ اجازة وارثه له أم لا؟ وجهان، أقواهما العدم؛ لأنّها على فرضها كاشفة و لايمكن الكشف هنا؛ لأنّ المفروض أنّها كانت للمورّث و هو نظير من باع شيئا ثمّ ملك.
الشرح:
الظاهر صحّة ما ذهب اليه المصنّف رحمه اللّه من القول ببطلان العقد و عدم تصحيح الاجازة من الوارث له و ذلك لأنّ الوارث لا صلاحية له لاجازة العقد المتقدّم الواقع في ملك المورّث و ذلك لأنّ الأمة كانت عاصية لمولاها الأوّل و لذا بطل العقد و لاتكون عاصية للثاني حتّى ينفع اجازته.
و أمّا ما ذكره رحمه اللّه من تشبيه المقام بمن باع شيئا ثمّ ملك فقد استشكل فيه السيّد الخوئي رحمه اللّه و قال: «ليس المقام نظير ذلك بل هو نظير ما اذا بيع دار زيد من عمرو فضولاً ثمّ انتقلت الدار منه الى بكر ببيع أو نحوه فأجاز بكر ذلك العقد الواقع فضولاً، هذا مضافا الى أنّه قد ثبت صحّة العقد فيمن باع شيئا ثمّ ملك بالنصّ و أمّا المقام فلا نصّ فيه و مقتضى القاعدة فيه هو البطلان».(1)
(مسألة 12): اذا دلّست أمة فادّعت أنّها حرّة فتزوّجها حرّ و دخل بها ثمّ تبيّن الخلاف، وجب عليه المفارقة. و عليه المهر لسيّدها و هو العشر و نصف العشر على الأقوى لا المسمّى، و لا مهر المثل. و ان كان أعطاها المهر استردّ منها ان كان موجودا و الاّ تبعت به بعد العتق. و لو جاءت بولد ففي كونه حرّا أو رقّا لمولاها قولان: فعن المشهور أنّه رقّ ولكن يجب على الأب فكّه بدفع قيمته يوم سقط حيّا و ان لم يكن عنده ما يفكّه به سعى في قيمته، و ان أبى وجب على الامام عليه السلام دفعها من سهم الرقاب أو من مطلق بيت المال.
و الأقوى كونه حرّا كما في سائر موارد اشتباه الحرّ، حيث انّه لا اشكال في كون الولد حرّا، فلا خصوصيّة لهذه الصورة. و الأخبار الدالّة على رقّيّته منزّلة على أنّ للمولى أخذه ليتسلّم القيمة جمعا بينها و بين ما دلّ على كونه حرّا. و على هذا القول أيضا يجب عليه ما ذكره من دفع القيمة أو السعي أو دفع الامام عليه السلام لموثّقة سماعة.
1) - المباني 33: 82.
هذا كلّه اذا كان الوط ء حال اعتقاده كونها حرّة، و أمّا اذا وطئها بعد العلم بكونها أمة فالولد رقّ؛ لأنّه من زنا حينئذ، بل و كذا لو علم سبق رقّيّتها فادّعت أنّ مولاها أعتقها، و لم يحصل له العلم بذلك و لم يشهد به شاهدان، فانّ الوط ء حينئذ أيضا لايجوز؛ لاستصحاب بقائها على الرقّيّة. نعم، لو لم يعلم سبق رقّيّتها جاز له التعويل على قولها؛ لأصالة الحرّيّة، فلو تبيّن الخلاف لم يحكم برقّيّة الولد و كذا مع سبقها مع قيام البيّنة على دعواها.
الشرح:
قال في الشرائع: «لو عقد عليها لدعواها الحرّيّة لزمه المهر، و قيل: عشر قيمتها ان كانت بكرا، و نصف العشر ان كانت ثيّبا. و هو المروي. و لو كان دفع اليها مهرا استعاد ما وجد منه. و كان ولدها منه رقّا. و على الزوج أن يفكّهم بالقيمة و يلزم المولى دفعهم اليه. و لو لم يكن له مال سعى في قيمتهم. و لو أبى السعي فهل يجب أن يفديهم الامام؟ قيل: نعم، تعويلاً على رواية فيها ضعف. و قيل: لايجب؛ لأنّ القيمة لازمة للأب لأنّه سبب الحيلولة. و لو قيل بوجوب الفدية على الامام فمن أيّ شيء يفديهم؟ قيل: من سهم الرقاب، و منهم من أطلق».(1)
أقول:
اذا دلّست أمة فادّعت أنّها حرّة فتزوّجها حرّ و دخل بها ثمّ تبيّن الخلاف وجب عليه المفارقة و المهر لسيّدها و هو عشر قيمتها ان كانت بكرا و نصف العشر ان كانت ثيّبا، و ان كان أعطاها المهر استردّ منها و ذلك لصحيحة الوليد بن صبيح عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل تزوّج امرأة حرّة فوجدها أمة قد دلّست نفسها له قال:
«ان كان الذي زوّجها ايّاه من غير مواليها فالنكاح فاسد، قلت: كيف
1) - شرائع الاسلام 2: 254.
يصنع بالمهر الذي أخذت منه؟ قال: ان وجد ممّا أعطاها شيئا فليأخذه و ان لم يجد شيئا فلا شيء له، و ان كان زوّجها ايّاه ولي لها ارتجع على وليّها بما أخذت منه و لمواليها عشر ثمنها ان كانت بكرا و ان كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها بما استحلّ من فرجها، قال: و تعتدّ منه عدّة الأمة، قلت: فان جاءت بولد؟ قال: أولادها منه أحرار اذا كان النكاح بغير اذن الموالي».(1)
و أولادها أحرار كما في هذه الصحيحة ولكن على الأب أن يعطي قيمتهم الى مولاها كما دلّت عليه موثّقة سماعة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن مملوكة أتت قوما و زعمت أنّها حرّة فتزوّجها رجل منهم و أولدها ولدا ثمّ انّ مولاها أتاهم فأقام عندهم البيّنة أنّها مملوكة و أقرّت الجارية بذلك، فقال: تدفع الى مولاها هي و ولدها و على مولاها أن يدفع ولدها الى أبيه بقيمته يوم يصير اليه، قلت: فان لم يكن لأبيه ما يأخذ ابنه به؟ قال: يسعى أبوه في ثمنه حتّى يؤدّيه و يأخذ ولده، قلت: فان أبى الأب أن يسعى في ثمن ابنه؟ قال: فعلى الامام أن يفتديه و لايملك ولد حرّ».(2)
و ظاهر هذه الرواية و ما قبلها أنّ الولد حرّ الاّ أنّ على الأب الفدية لمالك الأمة و ان لم يفد فعلى الامام عليه السلام . و تتمّة المسألة واضحة تعرف ممّا تقدّم فراجع.
(مسألة 13): اذا تزوّج عبد بحرّة من دون اذن مولاه و لا اجازته كان النكاح باطلاً فلاتستحقّ مهرا و لا نفقة، بل الظاهر أنّها تحدّ حدّ الزنا اذا كانت عالمة بالحال، و أنّه لايجوز لها ذلك. نعم، لو كان ذلك لها بتوقّع الاجازة و
اعتقدت جواز الاقدام حينئذ، بحيث تكون شبهة في حقّها لم تحدّ، كما أنّه كذلك اذا علمت بمجيء الاجازة. و أمّا اذا كان بتوقّع الاجازة و علمت مع ذلك بعدم جواز ذلك فتحدّ مع عدم حصولها، بخلاف ما اذا حصلت، فانّها تعزّر حينئذ لمكان تجرّيها. و اذا جاءت بولد فالولد لمولى العبد، مع كونه مشتبها بل مع كونه زانيا أيضا؛ لقاعدة النمائيّة بعد عدم لحوقه بالحرّة. و أمّا اذا كانت جاهلة بالحال فلا حدّ، و الولد حرّ و تستحقّ عليه المهر يتبع به بعد العتق.
الشرح:
قال في الشرائع: «اذا تزوّج العبد بحرّة مع العلم بعدم الاذن لم يكن لها مهر و لا نفقة، مع علمها بالتحريم و كان أولادها منه رقّا. و لو كانت جاهلة كانوا أحرارا و لايجب عليها قيمتهم. و كان مهرها لازما لذمّة العبد ان دخل بها و يتبع به اذا تحرّر».(1)
انّ العبد اذا تزوّج حرّة من دون اذن مولاه، فامّا أن تكون عالمة بأنّه رقّ أو لا، و على الأوّل امّا أن تعلم بتحريم نكاحه في هذه الحال أو لا، و على الأوّل فلا مهر لها و لا نفقة و ذلك لكونها زانية بغيّة، و لا مهر لبغي، و يؤيّده رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: أيّما امرأة حرّة زوّجت نفسها عبدا بغير اذن مواليه فقد أباحت فرجها و لا صداق لها».(2)
و تحدّ حدّ الزاني كما لايخفى، و ان جاءت بولد في هذه الحالة فهو رقّ لمولاه؛ لعدم لحوقه بالزانية بسبب بغيّها و ذلك لقاعدة النمائيّة فانّه نماء العبد.
و أمّا لو جهلت التحريم فلا حدّ عليها و الولد حرّ لأنّه ملحق به و يتبعها في
الحرّيّة و قد تقدّم منّا سابقا تبعيّة الولد لأشرف الأبوين، و لا قيمة عليها لمولى العبد لعدم الدليل و لأنّه نماؤها حقيقة و ليست بزانية.
و لا اشكال في ثبوت المهر لها في ذمّة العبد يتبع به بعد العتق. و أمّا النفقة فهي تابعة لثبوت الزوجيّة فاذا لم يجز المولى فلا زوجيّة و لا نفقة.
و كذا الحكم اذا جهلت كونه عبدا، فانّها ليست زانية فلاتحدّ و لها المهر في ذمّة العبد و يلحق به الولد.
(مسألة 14): اذا زنى العبد بحرّة من غير عقد، فالولد حرّ. و ان كانت الحرّة أيضا زانية ففرق بين الزنا المجرّد من عقد و الزنا المقرون به مع العلم بفساده، حيث قلنا: انّ الولد لمولى العبد.
الشرح:
اذا زنى العبد بحرّة من غير عقد فالولد حرّ، و ذلك لما تقدّم من أنّ النماء تابع للأمّ ما لم يثبت خلافه، و بلا اشكال و لا خلاف كما في المحكي عن الجواهر.
و أمّا اذا كانت الحرّة زانية أيضا فامّا أن يكون الزنا مقرونا بالعقد مع العلم بفساده أو مجرّدا عنه فذهب المصنّف الى الفرق بين الموردين و أمّا وجه الفرق فقال في المستمسك: «في الجواهر: وجه الفرق النصّ، و هو خبر العلاء المتقدّم، لكن ظاهر المصنّف الفرق من غير جهة النصّ فانّه في العقد المعلوم الفساد ألحق الولد بالعبد، فيكون لمولاه؛ لقاعدة النمائيّة. و هذه القاعدة بعينها جارية في الزنا بدون العقد».(1)
(مسألة 15): اذا زنى حرّ بأمة فالولد لمولاها، و ان كانت هي أيضا زانية.و كذا لو زنى عبد بأمة الغير فانّ الولد لمولاها.
1) - مستمسك العروة 14: 340.
الشرح:
اذا زنى الحرّ بأمة كان الولد رقّا؛ لعدم العقد و أنّ النماء تابع للأمّ و أنّ للعاهر الحجر.
و لو زنى عبد بأمة غير مولاه كان الولد لمولى الأمة من غير خلاف و لا اشكال و ذلك لقاعدة النمائيّة حيث لا عقد في البين.
(مسألة 16): يجوز للمولى تحليل أمته لعبده. و كذا يجوز أن ينكحه ايّاها، و الأقوى أنّه حينئذ نكاح لا تحليل. كما أنّ الأقوى كفاية أن يقول: أنكحتك فلانة» و لايحتاج الى القبول منه أو من العبد؛ لاطلاق الأخبار، و لأنّ الأمر بيده فايجابه مغنٍ عن القبول. بل لايبعد أن يكون الأمر كذلك في سائر المقامات مثل الولي و الوكيل عن الطرفين. و كذا اذا وكّل غيره في التزويج فيكفي قول الوكيل: «أنكحت أمة موكّلي لعبده فلان، أو أنكحت عبد موكّلي أمته». و أمّا لو أذن للعبد و الأمة في التزويج بينهما فالظاهر الحاجة الى الايجاب و القبول.
الشرح:
يجوز للمولى تحليل أمته لعبده على ما هو المشهور بينهم.
و ما قيل من أنّ التحليل فرع التمليك و العبد غير قابل للملك، يدفعه أوّلاً أنّ التحليل ليس بتملّك و لا تزويج.
و ثانيا أنّه لا دليل على عدم أهليّة العبد للملك، بل الدليل ثابت على خلافه، غاية الأمر أنّه محجور عليه، حيث لايجوز له التصرّف الاّ باذن مولاه.
و يدلّ عليه صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ: «و المحصنات من النساء الاّ ما ملكت أيمانكم»، قال: هو أن يأمر الرجل عبده و تحته أمته،
فيقول له: اعتزل امرأتك و لاتقربها ثمّ يحبسها عنه حتّى تحيض ثمّ يمسّها، فاذا حاضت بعد مسّه ايّاها ردّها عليه بغير نكاح».(1)
فانّها ظاهرة في كون ردّها اليه بالتحليل؛ اذ أنّ النكاح الأوّل قد بطل بأمره باعتزالها فانّه بمنزلة الطلاق، و المفروض أنّه لا نكاح جديد بعده فينحصر الأمر بالتحليل لا محالة.
و أمّا صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي عليه السلام :
«انّه سئل عن المملوك يحلّ له أن يطأ الأمة من غير تزويج اذا أحلّ له مولاه؟ قال: لايحلّ له».(2)
فانّها تحمل على التقيّة؛ لأنّ العامّة لايرون جواز التحليل مطلقا.
و يجوز أن ينكح أمته لعبده و يجزيه أن يقول: «قد أنكحتك فلانة» كما في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل كيف ينكح عبده أمته؟ قال: يجزيه أن يقول: قد أنكحتك فلانة، و يعطيها ما شاء من قبله أو من مولاه، و لا بدّ من طعام أو درهم أو نحو ذلك و لابأس بأن يأذن له فيشتري من ماله ان كان له جارية أو جواري يطؤهنّ».(3)
و كذا اذا وكّل غيره في التزويج؛ لأنّ الوكيل كالأصيل و فعله فعله من دون فرق بين أن يكون الوكيل عبده أو أمته اللذين يريد تزويجهما أو غيرهما فيكفي قول الوكيل: «أنكحتك أمة موكّلي» أو «أنكحت عبد موكّلي أمته» و ذلك لما يستفاد من صحيحة محمّد بن مسلم و غيرها من الروايات الواردة في الباب، فيكون انشاءالوكيل انشاءً للسيّد فيكتفى به و لايحتاج الى القبول.
و أمّا ان أذن المولى للعبد و الأمة في التزويج بينهما من غير اعطاء وكالة
لأحدهما في النكاح و اجراء صيغته، فالظاهر الحاجة الى الايجاب و القبول؛ لأنّ الأمة مأذونة في الايجاب و العبد مأذون في القبول، فلا بدّ من صدور الصيغة منهما معا.
و أمّا جريان هذا الكلام في غير هذا المقام من سائر المعاملات كالبيع و الاجارة و غيرهما فبعيد، فانّ الوكيل عن السيّد في أن يبيع شيئا منه لعبده لايكفيه أن يقول: «بعتك هذا الشيء» من غير قبول من العبد و كذا لو كان وكيلاً عن كليهما، فلزم على الوكيل عن كلا الطرفين أداء الايجاب و القبول.
(مسألة 17): اذا أراد المولى التفريق بينهما، لا حاجة الى الطلاق بل يكفي أمره ايّاهما بالمفارقة. و لايبعد جواز الطلاق أيضا بأن يأمر عبده بطلاقها و ان كان لايخلو من اشكال أيضا.
الشرح:
يدلّ على عدم الحاجة الى الطلاق فيما اذا أراد المولى التفريق بينهما، و كفاية أمره ايّاهما بالمفارقة صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة في المسألة السابقة و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يزوّج عبده أمته ثمّ يبدو له فينزعها منه بطيبة نفسه، أيكون ذلك طلاقا من العبد؟ فقال: نعم، لأنّ طلاق المولى هو طلاقها و لا طلاق للعبد الاّ باذن مواليه».(1)
و أمّا جواز الطلاق بأن يأمر عبده بطلاقها، فان كان بطريق الوكالة فلا اشكال فيه، و أمّا ان كان من غير جهة الوكالة فالظاهر أيضا أنّه لا اشكال فيه و ذلك لأنّ مايتبادر من كون الطلاق بيد السيّد أنّه لايصحّ الاّ بأمره أو اذنه، لا أنّه لايصحّ الاّ بالمباشرة أو التوكيل كما في المستمسك.(2)
(مسألة 18): اذا زوّج عبده أمته يستحبّ له أن يعطيها شيئا سواء ذكره في العقد أم لا، بل هو الأحوط، و تملك الأمة ذلك بناءً على المختار من صحّة ملكيّة المملوك اذا ملّكه مولاه أو غيره.
الشرح:
اذا زوّج عبده أمته فليعطها شيئا و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة حيث قال عليه السلام : «و يعطيها ما شاء من قبله أو من مولاه ... ».
و مثلها صحيحة الحلبي و صحيحة أخرى لمحمّد بن مسلم(1)و لايبعد حمل الروايات على الوجوب، و لا أقلّ من الاحتياط بعدم الترك.
(مسألة 19): اذا مات المولى و انتقلا الى الورثة، فلهم الأمر أيضا بالمفارقة بدون الطلاق، و الظاهر كفاية أمر أحدهم في ذلك.
الشرح:
لا اشكال في أنّه اذا انتقل ملك العبد أو الأمة الى الورثة فأمر تزويج العبد و الأمة اليهم و ذلك لأنّهم مالكون و أمر المملوك بيد مالكه و لو كان غير وارث فضلاً عمّا اذا كان وارثا قائما مقام مورّثه.
ثمّ انّه هل يعتبر في فسخ الزواج أمر جميعهم أو يكتفى فيه بأمر أحدهم؟ و وجه اختيار المصنّف رحمه اللّه الثاني أنّه مالك و له فسخ عقد مملوكه.
ولكن الظاهر أنّ الفسخ يحتاج الى أمر جميعهم فانّ كلّ واحد منهم مالكلجزء من العبد و لايكون مالكا لكلّه.
نعم، لو زجر واحد منهم العبد عن الوط ء فلايجوز له الوط ء لعدم جواز التصرّف في ملكهم الاّ باذن جميعهم و كفاية نهي واحد منهم في حرمة التصرّف.
1) - وسائل الشيعة 21: 146 / الباب 43 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديثان 2 و 3.
(مسألة 20): اذا زوّج الأمة غير مولاها من حرّ فأولدها جاهلاً بكونها لغيره، عليه العشر أو نصف العشر لمولاها و قيمة الولد و يرجع بها على ذلك الغير؛ لأنّه كان مغرورا من قبله كما أنّه اذا غرّته الأمة بتدليسها و دعواها الحرّيّة تضمن القيمة و تتبع به بعد العتق. و كذا اذا صار مغرورا من قبل الشاهدين على حرّيّتها.
الشرح:
اذا زوّج الأمة غير مولاها من حرّ فأولدها جاهلاً بكونها لغيره فعليه العشر أو نصف العشر لمولاها على ما تقدّم و قيمة الولد لصحيحة الوليد بن صبيح المتقدّمة في المسألة الثانية عشرة.
و يرجع بها على ذلك الغير لأنّه كان مغرورا من قبله كما أنّه اذا غرّته الأمة بتدليسها و دعواها الحرّيّة تضمن القيمة و تتبع به بعد العتق، و كذا اذا صار مغرورا من قبل الشاهدين على حرّيّتها، و قد تقدّم في المسألة الثانية عشرة.
و أمّا قاعدة الغرور و أنّ المغرور يرجع الى من غرّه، فمستفادة من عدّة روايات كالنبوي المشهور: «المغرور يرجع الى من غرّه» و ما ورد في أخبار مختلفة في أبواب متفرّقة من الفقه من أنّ المغرور يرجع الى من غرّه و ان لم يكن بعين ما ورد في النبوي:
منها خبر اسماعيل بن جابر قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل نظر الى امرأة فأعجبته عنها، فقيل: هي ابنة فلان فأتى أباها فقال: زوّجني ابنتك، فزوّجه غيرها فولدت منه فعلم بها بعد أنّها غير ابنته و أنّها أمة، قال: عليه السلام تردّ الوليدة علىمواليها و الولد للرجل و على الذي زوّجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة كما غرّ الرجل و خدعه».(1)
1) - وسائل الشيعة 21: 220 / الباب 7 من أبواب العيوب و التدليس / الحديث 1.
و منها خبر رفاعة بن موسى قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن البرصاء، فقال: قضى أميرالمؤمنين عليه السلام في امرأة زوّجها وليّها و هي برصاء أنّ لها المهر بما استحلّ من فرجها و أنّ المهر على الذي زوّجها و انّما صار عليه المهر لأنّه دلّسها. و لو أنّ رجلاً تزوّج امرأة و زوّجه ايّاها رجل لايعرف دخيلة أمرها لم يكن عليه شيء و كان المهر يأخذه منها».(1)
(مسألة 21): لو تزوّج أمة بين شريكين باذنهما ثمّ اشترى حصّة أحدهما أو بعضها أو بعضا من حصّة كلّ منهما بطل نكاحه و لايجوز له بعد ذلك وطؤها. و كذا لو كانت لواحد و اشترى بعضها. و هل يجوز له وطؤها اذا حلّلها الشريك؟ أقواها نعم، للنصّ. و كذا لايجوز وط ء من بعضه حرّ اذا اشترى نصيب الرقّيّة، لا بالعقد و لا بالتحليل منها. نعم، لو هاياها فالأقوى جواز التمتّع بها في الزمان الذي لها عملاً بالنصّ الصحيح و ان كان الأحوط خلافه.
الشرح:
أمّا بطلان نكاحه فلعدم صحّة التبعيض في أسباب النكاح، فانّه تعالى قال: «و الذين هم لفروجهم حافظون * الاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانّهم غير ملومين»(2)، فانّ مقتضى العطف ب- «أو» هو انحصار سبب الوط ء بأحدالأمرين التزويج أو ملك اليمين، و قد أضيف اليهما التحليل بمقتضى النصوص الخاصّة، فيبقى الملفّق منهما خارجا عنها؛ لأنّه ليس زوجيّة و لا ملك يمين.
هذا مضافا الى موثّقة سماعة قال:
«سألته عن رجلين بينهما أمة فزوّجاها من رجل ثمّ انّ الرجل اشترى بعض السهمين، فقال: حرمت عليه ما باشترائه ايّاها و ذلك أنّ بيعها طلاقها، الاّ أن يشتري من جميعهم».(1)
و كذا لو كانت لواحد و اشترى بعضها.
و هل يجوز له وطؤها اذا حلّلها الشريك؟ قولان: أقواهما نعم؛ لصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن جارية بين رجلين دبّراها جميعا ثمّ أحلّ أحدهما لشريكه، قال: هو له حلال و أيّهما مات قبل صاحبه فقد صار نصفها حرّا من قبل الذي مات و نصفها مدبّرا، قلت: أرأيت ان أراد الباقي منهما أن يمسّها، أله ذلك؟ قال: لا، الاّ أن يثبت عتقها و يتزوّجها برضى منها مثل ما أراد، قلت له: أليس قد صار نصفها حرّا قد ملكت نصف رقبتها و النصف الآخر للباقي منهما؟ قال: بلى، قلت: فان هي جعلت مولاها في حلّ من فرجها و أحلّت له ذلك؟ قال: لايجوز له ذلك، قلت: لِم لايجوز لها ذلك كما أجزت للذي كان له نصفها حين أحلّ فرجها لشريكه منها؟ قال: انّ الحرّة لاتهب فرجها و لاتعيره و لاتحلّله، ولكن لها من نفسها يوم و للذي دبّرها يوم فان أحبّ أن يتزوّجها متعة بشيء في اليوم الذي تملك فيه نفسها فيتمتّع منها بشيء قلّ أو كثر».(2)
و لايجوز وط ء أمة بعضها حرّ اذا اشترى نصيب الرقّيّة لا بالعقد و لا بالتحليل
منها لتحقّق التبعيض في سبب حلّيّة الوط ء حينئذ و هو لايجوز، و للصحيحة المذكورة آنفا.
نعم، لو هاياها فالأقوى جواز التمتّع بها في الزمان الذي لها عملاً بالصحيحة المذكورة، ولكن الاحتياط في محلّه لمخالفة جمع من الأصحاب له.
ثمّ ان تمتّع بها في الزمان الذي لها، تنقضي المتعة بانقضاء الزمان الذي لها و ان كانت المدّة التي ذكراها في العقد باقية بعد.
و في المباني: «يتعيّن العمل بالصحيحة و رفع اليد عن القاعدة المقتضية لعدم قابليّة سبب الحلّيّة للتبعيض».(1)
1) - المباني 33: 112.
هي العتق و البيع و الطلاق.
أمّا العتق فاذا أعتقت الأمة المزوّجة كان لها فسخ نكاحها اذا كانت تحت عبد بل مطلقا و ان كانت تحت حرّ على الأقوى. و الظاهر عدم الفرق بين النكاح الدائم و المنقطع. نعم، الحكم مخصوص بما اذا أعتق كلّها فلا خيار لها مع عتق بعضها على الأقوى. نعم، اذا أعتق البعض الآخر أيضا و لو بعد مدّة كان لها الخيار.
الشرح:
اذا أعتقت الأمة المزوّجة كان لها فسخ نكاحها اذا كانت تحت عبد و ذلك لجملة من الروايات المعتبرة:
منها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«سألته عن الرجل ينكح عبده أمته ثمّ يعتقها، تخيّر فيه أم لا؟ قال: نعم، تخيّر فيه اذا أعتقت».(1)
1) - وسائل الشيعة 21: 161 / الباب 52 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 1.
و منها صحيحة الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن أمة كانت تحت عبد فأعتقت الأمة، قال: أمرها بيدها، ان شاءت تركت نفسها مع زوجها و ان شاءت نزعت نفسها منه. الحديث».(1)
الى غير ذلك من الروايات فراجع.(2)
و أمّا لو كانت تحت حرّ فأعتقت، فاختلف الأصحاب في حكمها فمنهم من حكم بتخييرها كما اذا كانت تحت عبد و يدلّ عليه روايات:
منها اطلاق رواية أبي الصباح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أيّما امرأة أعتقت فأمرها بيدها ان شاءت أقامت معه و ان شاءت فارقته».(3)
و منها مرسلة عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«في رجل حرّ نكح أمة مملوكة، ثمّ أعتقت قبل أن يطلّقها، قال: هي أملك ببضعها».(4)
و منها رواية محمّد بن آدم عن الرضا عليه السلام أنّه قال:
«اذا أعتقت الأمة و لها زوج خيّرت ان كان تحت عبد أو حرّ».(5)
و منها رواية زيد الشحّام عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أعتقت الأمة و لها زوج خيّرت ان كان تحت عبد أو حرّ».(6)
و منهم من خصّ الحكم بما اذا كانت تحت عبد و حكم بعدم تخييرها بما اذا
1) - وسائل الشيعة 21: 161 / الباب 52 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 21: / الباب 52 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الأحاديث 7 و 9 و 10.
3) - وسائل الشيعة 21: 163 / الباب 52 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 8.
4) - وسائل الشيعة 21: 164 / الباب 52 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 11.
5) - وسائل الشيعة 21: 164 / الباب 52 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 12.
6) - وسائل الشيعة 21: 164 / الباب 52 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 13.
كانت تحت حرّ، و استند في ذلك الى ضعف الروايات و عدم صلاحيتها للحكمعلى خلاف القاعدة بتخيير المرأة في فسخ نكاحها.
ففي المباني: «جميع هذه الروايات ضعيفة السند و لا مجال للاعتماد عليها، و ما ذهب اليه المصنّف و غيره من ثبوت الحكم لما اذا كان زوجها حرّا، مشكل جدّا بل ممنوع».(1)
و في الشرائع: «فان أعتقت المملوكة كان لها فسخ نكاحها سواء كانت تحت عبد أو حرّ. و من الأصحاب من فرّق و هو أشبه».(2)
و في الجواهر: «انّ مراد المحقّق من الأصحاب هو الشيخ رحمه اللّه في المبسوط و الخلاف، ولكن المشهور على خلافه».(3)
و الظاهر انجبار ضعف الروايات بعمل المشهور، و الحكم هو تخييرها.
و الظاهر عدم الفرق بين النكاح الدائم و المنقطع؛ لاطلاق النصوص. نعم، الحكم مخصوص بما اذا أعتق كلّها فلا خيار لها مع عتق بعضها على الأقوى.
و أمّا اذا أعتق البعض الآخر و لو بعد مدّة فالظاهر أنّ لها الخيار؛ لاطلاق الدليل.
و دعوى انصراف الأخبار الى الحرّيّة الدفعيّة، ممنوعة بأنّه ان كان، فبدوي لايفيد، مضافا الى دعوى الانصراف الى صيرورتها بتمامها حرّة و لو بالتدريج.
(مسألة 1): اذا كان عتقها بعد الدخول ثبت تمام المهر، و هل هو لمولاها أو لها؟ تابع للجعل في العقد، فان جعل لها فلها و الاّ فله، و لمولاها في الصورة الأولى تملّكه كما في سائر الموارد اذ له تملّك مال مملوكه بناءً على القول بالملكيّة لكن هذا اذا كان قبل انعتاقها و أمّا بعد انعتاقها فليس له ذلك. و ان كان قبل الدخول ففي سقوطه أو سقوط نصفه أو عدم سقوطه أصلاً، وجوه: أقواها الأخير و ان كان مقتضى الفسخ الأوّل و ذلك لعدم معلوميّة كون المقام من باب الفسخ؛ لاحتمال كونه من باب بطلان النكاح مع اختيارها المفارقة، و القياس على الطلاق في ثبوت النصف لا وجه له.
الشرح:
اذا كان عتقها بعد الدخول ثبت تمام المهر؛ لاطلاق ما دلّ على ثبوته بالدخول لما استحلّ من فرجها بلا خلاف فيه بين الأصحاب.
و قد تقدّم في المسألة الرابعة من الفصل السابق أنّ مهر الأمة المزوّجة لمولاها الاّ أنّه اذا جعل لها فلها بناءً على القول بملكيّة المملوك - كما هو الأصحّ - و ان كان لمولاها تملّكه؛ لأنّ العبد و ما يملكه لمولاه.
لكن هذا اذا كان قبل انعتاقها و أمّا اذا كان بعد انعتاقها و قد جعل المهر لها فليس للمولى أن يتملّكه؛ لأنّ سلطانه على مالها انّما يختصّ بما اذا كانت مملوكة له، فاذا خرجت عن ملكه فليس له سلطان عليها أو على أموالها.
و ان كان عتقها قبل الدخول ففي سقوطه مطلقا بأن يقال: انّه اذا أعتقت قبل الدخول و فسخت نكاحها زال موضوع النكاح بغير طلاق و لا دخول فلا موضوع للمهر رأسا، أو سقوط نصفه بالقياس الى الطلاق قبل الدخول، أو عدم سقوطه أصلاً لثبوت تمامه بالعقد بعد عدم الدليل على السقوط تماما أو نصفا، وجوه اختار المصنّف رحمه اللّه الوجه الأخير و استدلّ - كما تقدّم - بعدم معلوميّة كون المقام من
باب الفسخ لاحتمال كونه من باب بطلان النكاح مع اختيارها المفارقة، و أنّ القياس على الطلاق في ثبوت النصف لا وجه له.
و الظاهر صحّة ما ذهب اليه و ذلك لأنّه لم يكن هناك دليل على كون تركها الزوجيّة بمعنى فسخ النكاح و بطلان الزوجيّة من أصلها كي يبطل أصل المهر و أيضا لا دليل على تنصيف المهر في غير الطلاق و لا مجال للتعدّي من الطلاق الى ما نحن فيه، فيثبت تمام المهر و لايسقط منه شيء على الاطلاق.
(مسألة 2): اذا كان العتق قبل الدخول و الفسخ بعده، فان كان المهر لها فلهاو ان جعل للمولى أو أطلق ففي كونه لها أو له قولان: أقواهما الثاني لأنّه ثابت بالعقد و ان كان يستقرّ بالدخول و المفروض أنّها كانت أمة حين العقد.
الشرح:
اذا كان العتق قبل الدخول و الفسخ بعده، فان جعل المهر لها فهو لها؛ لقاعدة لزوم الوفاء بالشرط فلها المهر بما استحلّ من فرجها.
و ان جعل للمولى أو أطلق ففي كونه لها بدعوى وجود المقتضي لملكيّتها للمهر حينئذ و فقد المانع، أو له لأنّه ثابت بالعقد و ان كان يستقرّ بالدخول، و المفروض أنّها كانت أمة حين العقد، و كلّ مهر ثبت كذلك فهو للمولى فيكون هذا للمولى. و الظاهر أنّ القول الثاني هو الأصحّ على ما تقتضيه جملة من النصوص.
(مسألة 3): لو كان نكاحها بالتفويض فان كان بتفويض المهر فالظاهر أنّ حاله حال ما اذا عيّن في العقد، و ان كان بتفويض البضع فان كان الانعتاق بعد الدخول أو بعد التعيين فحاله حال ما اذا عيّن حين العقد، و ان كان قبل الدخول فالظاهر أنّ المهر لها؛ لأنّه يثبت حينئذ بالدخول و المفروض حرّيّتها حينه.
الشرح:
لو كان نكاحها بالتفويض، فان كان بتفويض المهر - بأن يذكر المهر في العقد و يفوّض تعيينه الى أحد الزوجين بعينه أو مطلقا لابعينه أو اليهما معا - فالظاهر أنّ حاله حال ما اذا عيّن في العقد؛ لأنّ المهر حينئذ يكون بالعقد فيجري فيه أحكام الصور الثلاث للمهر المعيّن في العقد.
و ان كان بتفويض البضع - بمعنى أن لايذكر المهر في العقد أصلاً لا اجمالاً و لا تفصيلاً - فان كان الانعتاق بعد الدخول و بعد التعيين فحاله حال ما اذا عيّن حين العقد؛ لأنّ التعيين اللاحق كالتعيين في العقد نافذ.
و ان كان العتق بعد الدخول بلا تعيين، تعيّن مهر المثل و يكون للسيّد في الفرضين.
و ان كان قبل الدخول فالظاهر أنّ المهر لها فيما اذا تحقّق الدخول بعد الانعتاق و قبل الفراق؛ لأنّه يثبت المهر حينئذ بالدخول و المفروض حرّيّتها حين الدخول.
(مسألة 4): اذا كان العتق في العدّة الرجعيّة فالظاهر أنّ الخيار باقٍ، فان اختارت الفسخ لم يبق للزوج الرجوع حينئذ، و ان اختارت البقاء بقي له حقّ الرجوع. ثمّ اذا اختارت الفسخ لاتتعدّد العدّة بل يكفيها عدّة واحدة ولكن عليها تتميمها عدّة الحرّة. و ان كانت العدّة بائنة فلا خيار لها على الأقوى.
الشرح:
اذا كان العتق في العدّة الرجعيّة فالظاهر أنّ الخيار باقٍ لكون المطلّقة الرجعيّة كالزوجة في جميع الأحكام الاّ ما خرج بالدليل، و لا دليل على الاخراج هنا.
فان اختارت الفسخ لم يبق للزوج حقّ الرجوع حينئذ و ذلك لتحقّق البينونة بالفسخ فلا موضوع لرجوع الزوج.
و ان اختارت البقاء بقي للزوج حقّ الرجوع؛ لبقاء الزوجة في العدّة الرجعيّة.
ثمّ اذا اختارت الفسخ لاتتعدّد العدّة بل يكفيها عدّة واحدة و هي عدّة الحرّة؛ لأنّ عدّة الأمة تنقلب الى عدّة الحرّة.
و ان كانت العدّة بائنة فلا خيار لها؛ لحصول البينونة المطلقة و الخيار انّما هو للزوجة أو من بحكمها و المفروض عدمها في المقام.
(مسألة 5): لايحتاج فسخها الى اذن الحاكم.
الشرح:
و ذلك لأنّ الفسخ من حقوق الأمة المزوّجة من عبد اذا أعتقت، نظير اعتبار اذنها في التزويج من بنت أخيها و لا دخل للحاكم فيه. نعم، نسب ذلك الى بعض الشافعيّة لكن وجهه غير واضح. و لا خلاف فيه بيننا ظاهرا.
(مسألة 6): الخيار على الفور على الأحوط فورا عرفيّا. نعم، لو كانت جاهلة بالعتق أو بالخيار أو بالفوريّة، جاز لها الفسخ بعد العلم، و لايضرّه التأخير حينئذ.
الشرح:
الظاهر أنّ المدرك الأصيل في الحكم بالفور هو الاتّفاق المدّعى من جماعةكما نقل ذلك في المستمسك عنهم حيث قال: «الخيار على الفور كما نصّ على
ذلك في الشرائع و القواعد، و في المسالك: «يظهر من الجماعة الاتّفاق عليه» و في كشف اللثام: «اتّفاقا كما هو الظاهر» و في الحدائق: «ظاهر الأصحاب الاتّفاق عليه»، و في الرياض: «أنّه متّفق عليه عند الجماعة كما حكاه طائفة»».(1)
فان كان هذا الاتّفاق كاشفا عن رأي المعصوم و لم يكن مدركيّا فهو و الاّ فالمحكّم هو اطلاق أدلّة الفسخ و ان كان الاحتياط في محلّه.
و الظاهر أنّ المجمعين استندوا في حكمهم ذلك الى التمسّك بعمومات اللزوم عند الشكّ فيه، فانّ عمومات اللزوم كما لها عموم أفرادي، لها عموم أزماني فاذا دلّ الدليل على عدم اللزوم في زمان شكّ فيما بعده من الأزمنة في اللزوم و عدمه فتعيّن الرجوع الى عموم اللزوم الأزماني في الزمان المشكوك.
ولكن هذا لايقاوم اطلاق الأدلّة، و اذن فالعمدة هو الاجماع و هو ان كان مدركيّا - كما هو الأصحّ - فلايكون حجّة.
هذا، و أمّا اذا كانت جاهلة بالعتق أو بالخيار أو بالفوريّة فجاز لها الفسخ بعد العلم قطعا و لايضرّه التأخير لاطلاق الأخبار مع كون الاجماع دليلاً لبّيا يؤخذ منه بالقدر المتيقّن.
(مسألة 7): ان كانت صبيّة أو مجنونة فالأقوى أنّ وليّها يتولّى خيارها.
الشرح:
في المستمسك: «يظهر من الجواهر احتماله ان لم يكن اجماع على خلافه. و في القواعد: «لو أعتقت الصغيرة اختارت عند البلوغ و المجنونة عند الرشد، و ليس للولي الاختيار هنا؛ لأنّه على طريقة الشهوة». و ظاهر كشف اللثام المفروغيّةعنه. و في الحدائق: «قالوا: ليس للولي هنا ... ». و ظاهره النسبة الى الأصحاب.
لكن التعليل المذكور في القواعد كما ترى، اذ الشهوة لاتزاحم المصلحة و لذا
1) - مستمسك العروة 14: 361.
يصحّ تصرّف الولي لو زوّجها بمن شاء اذا كان مصلحة لها كما لايخفى.
فالعمدة في الاشكال في ذلك عدم ثبوت العموم الدالّ على ولاية الولي بحيث يشمل المقام. و لأجل ذلك كان الاشكال في صحّة هبة المدّة من الولي في النكاح المنقطع؛ اذ لا عموم في دليل الولاية يقتضي ذلك. فلاحظ».(1)
أقول:
الظاهر أنّه لو كان الفسخ الى أن تبلغ موجبا لمفسدة لها أو فوات مصلحتها، فانّ وليّها يتولّى الفسخ و ذلك لأنّ حقّ المسلم في ماله و عرضه و دمه محترم كما أشار الى ذلك روايات:
كصحيحة الكناسي حيث قال عليه السلام فيها: «لاتبطل حقوق المسلمين بينهم».(2)
و ما في صحيحة الحلبي: «لايصلح ذهاب حقّ أحد».(3)
و من المعلوم أنّ الحقّ العرضي لايقلّ عن الحقّ المالي في الأهميّة.
و لمّا كان صاحب الحقّ عاجزا عن الاستيفاء لصغر أو جنون فعلى الولي استيفاؤه و ان لم يكن لها ولي فعلى الحاكم.
(مسألة 8): لايجب على الزوج اعلامها بالعتق أو بالخيار اذا لم تعلم بل يجوز له اخفاء الأمر عليها.
و ذلك لعدم الدليل على الوجوب فمقتضى الأصل هو العدم.
(مسألة 9): ظاهر المشهور عدم الفرق في ثبوت الخيار لها بين أن يكون هو المباشر لتزويجها أو آذنها فاختارت هي زوجا برضاها، ولكن يمكن
دعوى انصراف الأخبار الى صورة مباشرة الولي بلا اختيار منها.
الصحيح ما ذهب اليه المشهور من عدم الفرق في المقام بين اختيارها للزوج أو تزويجها وليّها و ذلك لاطلاق الدليل، و الانصراف لو كان فبدوي لايلتفت اليه.
(مسألة 10): لو شرط مولاها في العتق عدم فسخها، فالظاهر صحّته.
الشرح:
الظاهر صحّة الشرط فلايجوز لها مخالفته الاّ أنّه لو خالفت الشرط و ارتكبت محرّما و فسخ العقد، نفذ فسخها باعتبار أنّ الاشتراط لايوجب سلب القدرة عن الفعل، و انّما يوجب لزوم الوفاء به تكليفا خاصّة.
ثمّ انّ الظاهر اعتبار رضى الأمة بالشرط كي تدخل بذلك تحت عموم: «المؤمنون عند شروطهم».
(مسألة 11): لو أعتق العبد لا خيار له و لا لزوجته.
الشرح:
و ذلك لعدم الدليل على ثبوت الخيار له و لا لزوجته، بل لا خلاف في عدم الخيار لهما. على أنّ العبد لايفوت منه شيء اذ أنّه ان لم يرض بكون الأمة زوجته فله طلاقها. و لا خيار لزوجته لأنّها لايفوت منها شيء أيضا بل زيد في شرفها حيث قد أصبحت زوجة للحرّ.
هذا مضافا الى دلالة بعض الروايات على عدم الخيار له كمعتبرة أبي بصير عنأبي عبداللّه عليه السلام في العبد يتزوّج الحرّة ثمّ يعتق فيصيب فاحشة قال فقال:
«لايرجم حتّى يواقع الحرّة بعد ما يعتق، قلت: فللحرّة الخيار عليه اذا
أعتق؟ قال: لا، قد رضيت به و هو مملوك، فهو على نكاحه الأوّل».(1)
(مسألة 12): لو كان عند العبد حرّة و أمتان فأعتقت احدى الأمتين فهل لها الخيار أو لا؟ وجهان، و على الأوّل ان اختارت البقاء فهل يثبت للزوج التخيير أو يبطل نكاحها؟ وجهان. و كذا اذا كان عنده ثلاث أو أربع اماء فأعتقت احداها. و لو أعتق في هذا الفرض جميعهنّ دفعة ففي كون الزوج مخيّرا و بعد اختياره يكون التخيير للباقيات أو التخيير من الأوّل للزوجات فان اخترن البقاء فله التخيير أو بطلان نكاح الجميع وجوه.
الشرح:
لو كان عند العبد حرّة و أمتان فأعتقت احدى الأمتين فهل لها الخيار أم لا؟ وجهان مبنيّان على أنّ المقام من تزوّج العبد لحرّتين و أمة، فيبطل نكاح من أعتقت لأنّ العبد لايجوز له ذلك، فلاتصل النوبة الى الخيار.
أو أنّه منصرف عن المقام فيثبت لها الخيار؛ لعموم دليله.
و على الثاني - ثبوت الخيار لها - فان اختارت البقاء فهل يثبت للزوج التخيير أو يبطل نكاحها؟
وجهان منشؤهما أنّه مع بطلان نكاحها لا تخيير للزوج و مع العدم صحّ التخيير له.
و الظاهر عدم بطلان نكاح من أعتقت فينتظر الى اختيارها الفسخ أو البقاء،فان اختارت الفسخ فلها ذلك و ان اختارت البقاء فللعبد التخيير في أن يختار احدى الحرّتين، كما تقدّم في المسألة الثانية من فصل عدم جواز الزيادة على الأربع في العقد الدائم.
1) - وسائل الشيعة 21: 165 / الباب 54 من أبواب نكاح العبيد و الاماء / الحديث 1.
و هكذا يكون الحكم فيما اذا كان عنده أربع اماء فأعتقت احداها، و أمّا اذا كانت عنده ثلاث اماء فأعتقت احداها فاختارت البقاء فلا اشكال؛ لجواز أن يجمع العبد بين حرّة و أمتين.
و لو كان عنده ثلاث أو أربع اماء فأعتق جميعهنّ دفعة فلهنّ التخيير في البقاء أو الفسخ، فلو اخترن البقاء فللزوج أن يختار اثنتين منهنّ و يخلّ سبيل الزائدة عليهما.
(مسألة 1): يشترط في النكاح الصيغة بمعنى الايجاب و القبول اللفظيّين، فلايكفي التراضي الباطني و لا الايجاب و القبول الفعليّين. و أن يكون الايجاب بلفظ النكاح أو التزويج على الأحوط، فلايكفي بلفظ المتعة في النكاح الدائم و ان كان لايبعد كفايته مع الاتيان بما يدلّ على ارادة الدوام.
و يشترط العربيّة مع التمكّن منها و لو بالتوكيل على الأحوط. نعم، مع عدم التمكّن منها و لو بالتوكيل على الأحوط يكفي غيرها من الألسنة اذا أتى بترجمة اللفظين من النكاح و التزويج. و الأحوط اعتبار الماضويّة و ان كان الأقوى عدمه. فيكفي المستقبل و الجملة الخبريّة كأن يقول: «أزوّجك» أو «أنا مزوّجك فلانة». كما أنّ الأحوط تقديم الايجاب على القبول، و ان كان الأقوى جواز العكس أيضا، و كذا الأحوط أن يكون الايجاب من جانب الزوجة و القبول من جانب الزوج، و ان كان الأقوى جواز العكس.
و أن يكون القبول بلفظ «قبلت» و لايبعد كفاية «رضيت» و لايشترط ذكر المتعلّقات، فيجوز الاقتصار على لفظ «قبلت» من دون أن يقول: «قبلت النكاح لنفسي أو لموكّلي بالمهر المعلوم». و الأقوى كفاية الاتيان بلفظ الأمر كأن يقول: «زوّجني فلانة»، فقال: «زوّجتكها» و ان كان الأحوط خلافه.
الشرح:
في المسألة فروع:
يشترط في النكاح الصيغة اللفظيّة بمعنى الايجاب و القبول اللفظيّين.
و الظاهر أنّه لا خلاف و لا اشكال في ذلك بل عليه اجماع العلماء من العامّة و الخاصّة على ما حكاه السيّد الحكيم(1)عن الحدائق.
كما أنّه حكى عن الشيخ الأعظم أنّه قال: «أجمع علماء الاسلام - كما صرّح به غير واحد - على اعتبار أصل الصيغة في عقد النكاح، لايباح بالاباحة و لا المعاطاة».
و يدلّ عليه - قبل الاجماع - صحيحة بريد قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ: «و أخذن منكم ميثاقا غليظا» فقال:
«الميثاق هو الكلمة التي عقد بها النكاح، و أمّا قوله: «غليظا» فهو ماء الرجل يفضيه اليها».(2)
كما أنّه يمكن الاستدلال عليه بالروايات التي تدلّ على اعتبار اللفظ في المتعة، فانّه - كما قال السيّد الخوئي(3)- يظهر من بعضها مفروغيّة لزوم الصيغة لدى السائل و انّما سئل عن كيفيّتها و خصوصيّاتها كما في صحيحة أبان بن تغلب قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : كيف أقول لها اذا خلوت بها؟ قال: تقول:
أتزوّجك متعة على كتاب اللّه و سنّة نبيّه لا وارثة و لا موروثة كذا و كذا يوما و ان شئت كذا و كذا سنة، بكذا و كذا درهما، و تسمّى من الأجر ما تراضيتما عليه قليلاً كان أو كثيرا، فاذا قالت: نعم، فقد رضيت و هي امرأتك و أنت أولى الناس بها. الحديث».(1)
و لايخفى أنّه اذا كان اعتبار الصيغة في المتعة معلوما و مفروغا عنه، فاعتباره في الدوام بطريق أولى.
و بهذه الأدلّة من الاجماع و ظهور الروايات افترق النكاح عن غيره من العقود، لأنّ سائر العقود يجوز انشاؤها بالفعل، بخلاف النكاح.
اذا ثبت في الفرع الأوّل لزوم الايجاب و القبول اللفظيّين، فوقع الكلام في ألفاظهما، و لا اشكال و لا خلاف في وقوع ايجاب النكاح بلفظي «النكاح و التزويج» كأن يقول: «أنكحتك» أو «زوّجتك».
و ذلك لأنّ هذين اللفظين من الألفاظ الصريحة في ذلك من حيث الوضع اللغوي و قد ورد التعبير بالنكاح في القرآن بهما في قوله تعالى: «فلمّا قضى زيد منها وطرا زوّجناكها»(2)و قوله: «و لاتنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء»(3).
فانّ الظاهر منهما هو العقد، فانّه لايحلّ معقودة الأب قطعا و ان لم يدخل.
انّما الخلاف و الاشكال في وقوعه بلفظ «المتعة» كأن يقول: «متّعتك» و قدوقع النقض و الابرام بين الأعلام في وقوعه به و استدلّوا على وقوعه بأنّه من
ألفاظ النكاح المشتركة بين الدائم و المنقطع و لذا حكموا بأنّه لو نسي ذكر الأجل انقلب دائما كما تدلّ عليه بعض الروايات الآتية في محلّها ان شاء اللّه.
و استدلّوا على عدم وقوعه بأنّه و ان كان من ألفاظ النكاح الاّ أنّه مجاز في الدائم و لايقع العقد اللازم بالمجاز و الاّ لم ينحصر ألفاظه، و أنّ الرواية التي قالت بانقلابه دائما محلّ بحث و نظر كما سيأتي.
و على أيّ حال لايبعد كفاية النكاح بلفظ المتعة اذا أتى بما يدلّ على ارادة الدوام، و ان كان الاحتياط باضافة لفظ النكاح و التزويج اليه في محلّه، بل لايترك؛ لذهاب الأكثر الى المنع.
و لذا قال في الجواهر: «لا ريب في أنّ الاحتياط لاينبغي تركه خصوصا في النكاح الذي فيه شوب من العبادات المتلقّاة من الشارع، و الأصل تحريم الفرج الى أن يثبت سبب الحلّ شرعا، و أنّ من المحتمل كون الأمر بالوفاء للمتعارف من العقود التي لا طريق الى معرفتها الاّ بضبط الفقهاء الذين نصّوا على اعتبار اللفظ الصريح وضعا في العقد اللازم، و أنّه لايكفي فيه المجاز».(1)
و قال الشهيد الثاني في الروضة: «و أمّا الأخيرة - متّعتك - فاكتفى به المصنّف و جماعة لأنّه من ألفاظ النكاح؛ لكونه حقيقة في المنقطع و ان توقّف معه على الأجل، كما لو عبّر بأحدهما فيه و ميّزه به، فأصل اللفظ صالح للنوعين فيكون حقيقة في القدر المشترك بينهما و يتميّزان بذكر الأجل و عدمه و لحكم الأصحاب تبعا للرواية بأنّه لو تزوّج متعة و نسي ذكر الأجل انقلب دائما و ذلك فرع صلاحية الصيغة له، و ذهب الأكثر الى المنع منه؛ لأنّه حقيقة في المنقطع شرعا فيكون مجازا في الدائم حذرا من الاشتراك، و لايكفي ما يدلّ بالمجاز حذرا من عدم الانحصار، و القول المحكي ممنوع و الرواية مردودة بما سيأتي، و هذا أولى».(2)
قال في الشرائع: «و لايجوز العدول عن هذين اللفظين الى ترجمتهما بغير العربيّة، الاّ مع العجز عن العربيّة، و لو عجز أحد المتعاقدين تكلّم كلّ منهما بما يحسنه. و لو عجزا عن النطق أصلاً أو أحدهما اقتصر العاجز على الاشارة الى العقد و الايماء».(1)
و قد استدلّ في المسالك(2)على عدم جواز العقد بغير العربيّة بوجوه:
منها انّه لمّا كان اللفظان - و هما زوّجتك و أنكحتك - متعيّنين في الايجاب و هما عربيّان قد ثبت شرعا التعبير بهما عن هذا المعنى و كونهما سببا في عقده، لم يجز العدول عنهما الى غيرهما من الألفاظ الدالّة عليهما بغير العربيّة وقوفا على ما حدّه الشارع سببا.
و منها أصالة بقاء الفروج على التحريم الى أن يثبت المزيل.
و منها أنّ غير العربيّة و ان أدّت معناها كالكنايات الدالّة عليها بالعربيّة، فكما لايصحّ العقد عندنا بالكنايات لايصحّ بغير العربيّة.
و منها أنّ العقود المتلقّاة من الشارع كلّها عربيّة، فالعدول عنها عدول الى ما لم يثبت شرعا كونه سببا لترتّب الأحكام الخاصّة.
ثمّ قال بأنّ عدم الجواز هو المشهور بين علمائنا حتّى كاد يكون اجماعا.
أقول:
يمكن الخدشة في الكلّ:
أمّا الأوّل ففيه أنّ الشارع لم يقل بأنّ السبب الوحيد هو هذان اللفظان و لا غير، و لم يحدّ النكاح بالعربيّة و لم يقيّد عقده بها.
و أمّا الثاني ففيه أنّ العمدة في ازالة التحريم هو «زوّجتك و أنكحتك» أو ما أدّى معناهما.
و أمّا الثالث ففيه انّ تبديل اللفظين بغير العربيّة من اللغات لايجعل اللفظ من الكنايات، كما هو واضح.
و أمّا الرابع ففيه انّ المعاملات ليست كالعبادات في وجوب الوقوف على ما حدّه الشارع و عدم جواز التجاوز عنه، بل الألفاظ المتلقّاة من الشارع في المعاملات و من جملتها النكاح كانت لامضاء ما هو متداول في المجتمعات المختلفة و اللغات المتفاوتة، أو تعليم لفظ ليستعملوه أو يستعملوا ما هو مترادف له، و من المعلوم أنّ الشارع كان يتكلّم باللغة العربيّة فلا بدّ للتفهيم و التفهّم من استعماله لتلك اللغة، و القول بأنّ العربيّة هي السبب الوحيد في التزويج بعيد.
و عليه فنرجع الى عمومات النكاح و مطلقاته، و مقتضاها جوازه بغير العربيّة.
كما أنّ الشهيد الثاني رحمه اللّه نفسه قد نقل عن ابن حمزة أنّه ذهب الى استحباب التلفّظ بالعربيّة للقادر عليها لا وجوبه و استدلّ عليه بأنّ المقصود من الألفاظ دلالتها على الرضا الباطني فكلّما دلّ عليه كفى، و بأنّ غير العربيّة اذا دلّ على اللفظ المطلوب كان كالمترادف الذي يجوز اقامته مقام رديفه، و لانسلّم أنّ تجويز ذلك يستلزم تجويز الكناية، و ذلك للفرق بينهما فانّ ما دلّ على اللفظ الصريح صريح، بخلاف الكناية الدالّة بالفحوى البعيد كالبيع و الهبة.
و في المباني: «قد استدلّ لاعتبار العربيّة في صيغة عقد النكاح بأنّه القدر المتيقّن من العقد الصحيح؛ لورودها في القرآن الكريم و السنّة في النصوص الشريفة و كفاية غيرها تحتاج الى الدليل و هو مفقود و مقتضى الأصل هو الفساد.
و فيه: انّ القرآن الكريم قد نزل بالعربيّة و النصوص كانت - خطابا و جوابا - لأسئلة وجّهها أناس يتكلّمون بالعربيّة اليهم عليهم السلام فمن هنا يكون من الطبيعي أنلا ترد فيهما صيغة غير عربيّة و هذا لايدلّ على الاختصاص بهما. ثمّ انّ عمومات النكاح و مطلقاته كقوله تعالى: «و أنكحوا الأيامى منكم و الصالحين من
عبادكم و امائكم» و قوله صلى اللّه عليه و آله: «النكاح سنّتي» تمنع من الرجوع الى الأصل و التمسّك بالقدر المتيقّن. و الحاصل أنّ مقتضى عمومات النكاح و مطلقاته هو الاكتفاء بغير العربيّة في انشاء النكاح و ان كان الأحوط الاقتصار عليها مع الامكان».(1)
فتحصّل أنّه لايعتبر العربيّة في صيغة عقد النكاح الاّ أنّه أحوط في صورة القدرة لذهاب المشهور الى اعتبارها.
و لو قلنا باعتبار العربيّة و لو على الاحتياط فان لم يقدر عليها يوكّل من كان قادرا عليها.
و أمّا مع العجز عن التوكيل فمقتضى عمومات النكاح و مطلقاته السليمة عن المعارض هو الاكتفاء في انشائه بأيّ لغة من اللغات.
قال في الشرائع: «و لا بدّ من وقوعهما بلفظ الماضي الدالّ على صريح الانشاء، اقتصارا على المتيقّن و تحفّظا من الاستيمار المشبه للاباحة».(2)
قد استدلّ على اعتبار الماضويّة - بعد كونه هو المشهور بين علمائنا - بأمور:
منها انّه دالّ على صريح الانشاء المطلوب في العقود، بخلاف صيغة المضارع و الأمر فانّهما ليستا موضوعتين للانشاء و لاحتمال المضارع للوعد.
و منها أنّ العقد مع الاتيان بلفظ الماضي متّفق على صحّته و غيره مشكوك فيه فيقتصر على المتيقّن.
و منها أنّ تجويز غير الماضي يؤدّي الى انتشار الصيغة و عدم وقوفها على
قاعدة فيصير العقد اللازم مشبها للاباحة، و العقود اللازمة موقوفة على ثبوت أمر من الشارع؛ لأنّها أسباب توقيفيّة، فلايتجوّز فيها.
و قد أجاب الشهيد الثاني في المسالك(1)عن ذلك كلّه بأنّ دليل اعتبار الماضي غير واضح من غير جهة الاحتياط و ذلك أوّلاً لأنّ المقصود من العقد كلّ لفظ دالّ على القصد الباطني، و انحصار الدلالة فيما ذكر ممنوع.
و ثانيا لأنّ ما يقال من أنّ الماضي صريح في الانشاء دون غيره، ممنوع من حيث انّ الأصل في الماضي أن يكون اخبارا لا انشاءً، و انّما التزموا بجعله انشاءً بطريق النقل، مع أنّ الأمر بعض أفراد الانشاء فكان أولى.
و ثالثا لأنّه لانسلّم وجوب الاقتصار على المتيقّن اذا دلّ الدليل على غيره.
و رابعا لأنّ «التحفّظ عن الاستيمار» متحقّق على التقديرين؛ لأنّا نعتبر اللفظ الدالّ على القصد الباطني لا مطلق اللفظ.
أقول:
بعد ما عرفت من عدم الدليل على اعتبار الماضويّة فاعلم أنّه قد دلّ الدليل على جواز ايقاع العقد بغير الماضي و هو ما ورد في المتعة بناءً على عدم الفرق بينها و بين العقد الدائم كما تقدّم من صحيحة أبان بن تغلب المتقدّمة في الفرع الأوّل حيث علّم عليه السلام أبان أن يقول للمرأة عند ارادة العقد المنقطع: «أتزوّجك متعة ... »، بصيغة المضارع.
و كذا صحيحة ثعلبة قال:
«تقول أتزوّجك متعة على كتاب اللّه و سنّة نبيّه نكاحا غير سفاح، و على أن لاترثيني و لاأرثك، كذا و كذا يوما بكذا و كذا درهما و على أنّ عليك عدّة».(2)
و هل يجوز تقديم القبول على الايجاب أم لا؟
انّ في الروايتين احتمالين: أحدهما: أن يكون لفظ «أتزوّجك» من القبول المتقدّم و قولها «نعم» هو الايجاب المتأخّر، كما ذكر ذلك السيّد الخوئي و قال بأنّ «أتزوّجك» من باب التفعّل لايكون انشاءً بل يكون قبولاً كما مثّل صاحب الشرائع لتقديم القبول بقول الزوج «تزوّجت» و قول المرأة بعده «زوّجتك نفسي».
و على هذا الاحتمال فلا اشكال في دلالة الرواية على جواز تقديم القبول على الايجاب.
و ثانيهما: كون المتقدّم و هو «أتزوّجك» هو الايجاب و قول المرأة هو القبول على ما سيأتي في الفرع الخامس من جواز أن يكون الايجاب من الزوج و القبول من المرأة.
و على هذا فلا دلالة في الروايتين على جواز تقديم القبول على الايجاب، و ان دلّ على جوازه ما سيوافيك في الفرع الخامس.
قد ذهب المصنّف رحمه اللّه الى جواز كون الايجاب من جانب الزوج و القبول من جانب الزوجة ولكن قال بأنّ الأحوط هو العكس.
و قد دلّ على جوازه صحيحة أبان بن تغلب، فانّ ما ظهر من الرواية ابتداءً هوأنّ الايجاب كان من جانب الزوج و القبول من الزوجة. مضافا الى ما ذكره السيّد المحقّق الخوئي رحمه اللّه من أنّ الزوجيّة من المفاهيم المتضايفة المتشابهة الطرفين بحيث يكون المضاف الى كلّ منهما عين المضاف الى الآخر.
و عليه فكما أنّ الرجل زوج للمرأة، هي زوج له كما استعمل ذلك في جملة
من الآيات الكريمة، قال تعالى: «و قلنا يا آدم اسكن أنت و زوجك الجنّة»(1).
فالزوجيّة مفهوم مقابل للفرديّة و هي عبارة عن انضمام أحدهما الى الآخر مع وحدة علاقتهما اليهما. و عليه فلكلّ منهما انشاؤها و اعتبار الآخر زوجا له أو لها، فاذا تحقّق هذا من أحدهما و تحقّق القبول من الآخر صدق العقد المعاهدة و يلزم الوفاء به.
ثمّ انّه هل يجوز القبول بغير «قبلت»؟
الظاهر من الرواية أنّه لايكون القبول بلفظ «قبلت» حيث قال عليه السلام : «فاذا قالت: نعم، فقد رضيت». الظاهر في أنّه يكفي في القبول كلّ لفظ دلّ على الرضا الباطني، و لعدم دليل على لزوم لفظ معيّن في القبول لاطلاق أدلّته.
و لايشترط أيضا ذكر المتعلّقات في القبول بل يجوز الاقتصار على لفظ قبلت أو رضيت أو ما شابههما من دون أن يقول: «قبلت النكاح لنفسي أو لموكّلي بالمهر المعلوم».
و هل يكتفى بلفظ الأمر، كأن يقول: «زوّجني فلانة» فقال: «زوّجتكها»؟
قد ذهب المصنّف الى جوازه و ان قال بأنّ الأحوط خلافه.
و يدلّ على جوازه صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«جاءت امرأة الى النبي صلى اللّه عليه و آله فقالت: زوّجني، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: من لهذه؟ فقام رجل فقال: أنا يارسول اللّه، زوّجنيها، فقال: ما تعطيها؟ فقال: ما لي شيء قال: لا، فأعادت فأعاد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله الكلام فلم يقم أحد غير الرجل، ثمّ أعادت فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في المرّة الثالثة:
1) - البقرة 2: 35.
أتحسن من القرآن شيئا؟ قال: نعم، قال: قد زوّجتكها على ما تحسن من القرآن فعلّمها ايّاه».(1)
و الظاهر أنّ قول الرجل: «زوّجنيها» هو بمنزلة قبوله و قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «زوّجتكها» بمنزلة الايجاب، و أمّا ما تقدّم ممّا استشكل عليه السيّد الخوئي فهو غير وارد.
قال في الشرائع: «و لو أتى بلفظ الأمر و قصد الانشاء كقوله: «زوّجنيها» فقال: «زوّجتك» قيل: يصحّ كما في خبر سهل الساعدي. و هو حسن».(2)
و قد قرّره على ذلك في المسالك بعد ما نقل الاحتمالات الأخرى فراجع.(3)
(مسألة 2): الأخرس يكفيه الايجاب و القبول بالاشارة مع قصد الانشاء و ان تمكّن من التوكيل على الأقوى.
الشرح:
ففي الشرائع: «و لو عجزا عن النطق أصلاً أو أحدهما اقتصر العاجز على الاشارة الى العقد و الايماء».(4)
و الدليل على الاكتفاء بالاشارة، قيامها مقام اللفظ في جميع ما يرتبطبالأخرس، في معاملاته و عباداته من قراءته و تلبيته و تشهّده، فاذا صدق عليه العقد فيشمله اطلاق أدلّة النكاح.
و في الجواهر: «انّ ذلك يقوم مقام اللفظ و في كشف اللثام: هو ممّا قطع به الأصحاب، كما تقدّم ذلك كلّه في كتاب البيع بما لا مزيد عليه، فلاحظ ما هناك و
في غيره من المسائل التي ذكرت هناك و ان كان بينهما نوع مخالفة لما هنا».(1)
و في المستمسك: «في جامع المقاصد: كأنّه لا خلاف في ذلك. و في كشف اللثام: هو ممّا قطع به الأصحاب. و استدلّ له بفحوى ما ورد في الطلاق كصحيح البزنطي عن الرضا عليه السلام : «في الأخرس الذي لايكتب و لايسمع كيف يطلّقها؟ قال عليه السلام : بالذي يعرف به من أفعاله». و ما ورد في قراءته و تلبيته و تشهّده. و العمدة فيه اطلاق نفوذ العقود. و الاجماع على اعتبار اللفظ غير منعقد في المقام».(2)
(مسألة 3): لايكفي في الايجاب و القبول الكتابة.
الشرح:
قد تقدّم ما دلّ على اعتبار اللفظ في الانشاء، مضافا الى انعقاد الاجماع في عدم الاكتفاء بالكتابة في العقد.
و عليه فاذا أمكن اجراء العقد باللفظ و لو بالوكالة فهو، و الاّ فللأخرس ايقاع العقد بما يقوم مقام اللفظ كالاشارة التي قد تقدّمت و الكتابة.
و في المستمسك: «كما في القواعد و غيرها. و في جامع المقاصد: «لا ريب عندنا في أنّ الكتابة لاتكفي في ايقاع عقد النكاح للمختار». و يقتضيه ما تقدّم من الاجماع على اعتبار اللفظ. و يشكل ما في جامع المقاصد من تعليله بأنّ الكتابةكناية و لايقع النكاح بالكنايات. انتهى. فانّ الكتابة ليست من الكناية في شيء و لا مانع من الكناية اذا كانت واضحة الدلالة».(3)
(مسألة 4): لايجب التطابق بين الايجاب و القبول في ألفاظ المتعلّقات فلو قال: «أنكحتك فلانة» فقال: «قبلت التزويج» أو بالعكس كفى. و كذا لو قال: «على المهر المعلوم» فقال الآخر: «على الصداق المعلوم» و هكذا في سائر المتعلّقات.
الشرح:
قال في الشرائع: «لايشترط في القبول مطابقته لعبارة الايجاب، بل يصحّ الايجاب بلفظ و القبول بآخر، فلو قال: «زوّجتك» فقال: «قبلت النكاح» أو «أنكحتك» فقال: «قبلت التزويج» صحّ».(1)
و يدلّ على عدم لزوم المطابقة بين ألفاظ الايجاب و القبول - مضافا الى عدم الخلاف في ذلك كما عن الجواهر(2)- عدم الدليل على وجوب المطابقة؛ اذ الدليل قائم على اعتبار اللفظ فقط و أمّا اتّحادهما من حيث المادّة فلا دليل عليه و مقتضى الاطلاق كفاية غير المتطابق أيضا.
(مسألة 5): يكفي على الأقوى في الايجاب لفظ «نعم» بعد الاستفهام، كما اذا قال: «زوّجتني فلانة بكذا؟» فقال: «نعم» فقال الأوّل: «قبلت» لكن الأحوط عدم الاكتفاء.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو قال: «زوّجت بنتك من فلان؟» فقال: «نعم» فقال الزوج: قبلت، صحّ لأنّ «نعم» يتضمّن اعادة السؤال و لو لم يعد اللفظ. و فيه تردّد».(3)
و قد ذهب صاحب الجواهر الى صحّة العقد هكذا و قال بأنّ الصحّة قد
حكيت عن الشيخ و ابن حمزة و النافع و الارشاد و القواعد، على اشكال في الأخير.
و قد استدلّ عليه بما استدلّ به المحقّق رحمه اللّه من أنّ «نعم» متضمّن لاعادة السؤال، قال بأنّه ربما أومأ اليه ما سمعته من النصوص.
و قد بيّن وجه تردّد صاحب الشرائع في ذلك و أنّه من جهة احتمال اعتبار ألفاظ خاصّة في النكاح على وجه لايقوم مقامها ما يتضمّنها فلايخرج عن الأصل الاّ بها و ضعف النصوص المزبورة و اختصاصها بالمتعة.
ثمّ قال: «الاّ أنّه قد عرفت قوّة القول بعدم اعتبار خصوص لفظ بل يكفي كلّ لفظ دالّ على الانشاء على وجه لاينكر استعماله في العقد في عرف المتشرّعة، فالقول بالصحّة لايخلو من قوّة».(1)
أقول:
قد تقدّم في الفرع الرابع من المسألة الأولى من هذا الفصل قوله عليه السلام في صحيحة أبان بن تغلب: «فاذا قالت: نعم، فقد رضيت و هي امرأتك و أنت أولى الناس بها»، فانّ الظاهر من هذه الرواية كفاية لفظ «نعم» في الايجاب، حيث تقدّم عليه القبول على أحد احتمالين.
ولكن نقول: انّ في كفايته في جواب الاستفهام اشكالاً من حيث انّ جواب الاستفهام انّما يكون اخبارا لا انشاءً، فاستعماله في مكانه يكون من الانشاء بالمجاز المستنكر و غير المعهود و المتعارف لدى العرف - كما في المباني(2)- والاحتياط بعدم الاكتفاء به لايترك.
(مسألة 6): اذا لحن في الصيغة فان كان مغيّرا للمعنى لم يكف، و ان لم يكن مغيّرا فلابأس به اذا كان في المتعلّقات، و ان كان في نفس اللفظين كأن يقول: «جوّزتك» بدل «زوّجتك» فالأحوط عدم الاكتفاء به و كذا اللحن في الاعراب.
الشرح:
اذا لحن في الصيغة فان كان مغيّرا للمعنى لم يكف اذا كان في اللفظين.
و قوله رحمه اللّه في المثال الذي أتى به أي «جوّزتك» بدل «زوّجتك» مغيّر للمعنى، فلايكفي. و هكذا يكون الحكم لو كان اللحن في الاعراب و تغيّر المعنى.
و أمّا اللحن الذي لم يكن مغيّرا للمعنى فلابأس به.
(مسألة 7): يشترط قصد الانشاء في اجراء الصيغة.
الشرح:
انّ صيغة الايجاب «زوّجتك أو أنكحتك» و القبول «قبلت أو رضيت أو غيرهما» تكون بصيغة الماضي و هو في الأصل اخبار عن الزمان الماضي فعلى من أجرى الصيغة أن يقصد بهذا اللفظ ايجاد النكاح و التزوّج، و يتذكّر بأنّه بهذه الصيغة يوجد العلاقة بين الزوجين.
فهذا هو معنى اشتراط قصد الانشاء في اجراء الصيغة.
(مسألة 8): لايشترط في المجري للصيغة أن يكون عارفا بمعنى الصيغة تفصيلاً، بأن يكون مميّزا للفعل و الفاعل و المفعول، بل يكفي علمه اجمالاً بأنّ معنى هذه الصيغة انشاء النكاح و التزويج، لكن الأحوط العلم التفصيلي.
الشرح:
لايشترط في المجري للصيغة أن يكون مميّزا للفعل و الفاعل و المفعول، الاّ أنّه يشترط أن يعلم معنى الألفاظ و الجمل و أنّ النكاح و الزواج يحصل بهذه الألفاظ.
و الاحتياط بأن يكون عالما بالصيغة في الجملة حتّى يعرف قصد الانشاء لايترك.
(مسألة 9): يشترط الموالاة بين الايجاب و القبول، و تكفي العرفيّة منها فلايضرّ الفصل في الجملة بحيث يصدق معه أنّ هذا قبول لذلك الايجاب. كما لايضرّ الفصل بمتعلّقات العقد من القيود و الشروط و غيرها و ان كثرت.
الشرح:
يدلّ على اشتراط الموالاة بين الايجاب و القبول و كفاية العرفيّة منها، اشتراط صدق العقد عند العرف، و الفرض أنّه مركّب من الايجاب و القبول، فاذا حصل الفصل الطويل بينهما بحيث لم يصدق العقد أو شكّ في صدقه فيبطل الايجاب، و التمسّك في موارد الشكّ بالاطلاقات و العمومات تمسّك بها في الشبهة المصداقيّة.
فالمناط على هذا صدق العقد عرفا و عليه فلايضرّ الفصل بمتعلّقات العقد من القيود و الشروط و غيرها و ان كثرت، كما في المتن.
و قد ذهب السيّد الحكيم رحمه اللّه الى أنّ المناط هو صدق المطابقة بين الايجاب والقبول، و الظاهر أنّ هذا يرجع الى صدق العقد عرفا كما ذكرنا.
الاّ أنّه رحمه اللّه قال: «فالهيئة الاتّصاليّة المعتبرة في صدق العقد لايعتبر فيها الموالاة الحقيقيّة و لا العرفيّة. نعم، يعتبر فيها أن يكون الموجب منتظرا للقبول فاذا وقع القبول في ذلك الحال كان عقدا».(1)
و أمّا السيّد الخوئي رحمه اللّه فقد ذهب(2)الى أنّ المعاقدة ليست بين اللفظين كي يقال: انّها معنى واحد قائم بهما فلا بدّ من ارتباطهما، بل المعاقدة قائمة بين الالتزامين و انّما العبرة بارتباط الالتزامين.
و بعبارة أخرى: انّ اعتبار التوالي من حيث الزمان لا دليل عليه و لا عبرة به، و انّما العبرة بصدق المعاقدة و لمّا كانت هي قائمة بين الالتزامين، كفى تحقّق الثاني في حين بقاء الأوّل و قبل رفع اليد عنه حيث يتحقّق الارتباط بينهما.
ولكن فيه أوّلاً: ان كان كلامه رحمه اللّه راجعا الى أنّ المميّز في صدق المعاقدة هو العرف، فيبعد تصديق العرف ذلك اذا كان بالفصل الطويل. و ان لم يرجع الى ذلك فما المميّز في صدق المعاقدة.
و ثانيا: لو طال الفصل بين الالتزامين سنة أو أكثر فالتزامه رحمه اللّه بصدق المعاقدة بعيد في الغاية.
اللّهمّ الاّ أن يكون مراده من الفصل الطويل، الفصل الطويل بالنسبة الى اعتبار الارتباط بين المستثنى و المستثنى منه كما ذكره في صدر كلامه.
و كيف كان فالمناط صدق العقد عرفا و ان قلنا بمقالة السيّد الخوئي رحمه اللّه.
(مسألة 10): ذكر بعضهم أنّه يشترط اتّحاد مجلس الايجاب و القبول، فلو كان القابل غائبا عن المجلس فقال الموجب: «زوّجت فلانا فلانة» و بعد بلوغ الخبر اليه قال: «قبلت» لم يصحّ. و فيه: انّه لا دليل على اعتباره من حيث هو و عدم الصحّة في الفرض المذكور، انّما هو من جهة الفصل الطويل أو عدم صدق المعاقدة و المعاهدة؛ لعدم التخاطب. و الاّ فلو فرض صدق المعاقدة و عدم الفصل مع تعدّد المجلس صحّ كما اذا خاطبه و هو في مكان آخر لكنّه يسمع صوته و يقول: «قبلت» بلا فصل مضرّ فانّه يصدق عليه المعاقدة.
الشرح:
و في المستمسك: «و في الجواهر: «لا دليل على اعتبار اتّحاد المجلس فيه و في غيره من العقود». و في جامع المقاصد في شرح ما ذكره العلاّمة قال: «لأنّ العقود اللازمة لا بدّ فيها من وقوع القبول على الفور عادة بحيث يعدّ جوابا للايجاب». فجعل الوجه في اعتبار المجلس الموالاة الراجع الى اعتبار صدق العقد. و من المعلوم أنّ صدق العقد لايتوقّف على الفوريّة و لا على اتّحاد المجلس بل يكون حاصلاً بما ذكرنا فانّه مادام الموجب منتظرا للقبول، فاذا حصل صدق العقد و لو مع الفصل الطويل، كما عرفت».(1)
أقول:
الظاهر أنّ هؤلاء الأعلام متّفقون على أنّ المناط هو صدق العقد و المعاهدة و المعاقدة، و انّما اختلفوا في صغريات هذه الكبرى، ممّا اذا حصل الفصل الطويل أو كان تعدّد مجلس الايجاب و القبول.
و لذلك نقول: ان كان اختلاف المجلس بحيث لم يصدق عليه العقد عرفا فهو
1) - مستمسك العروة 14: 380.
مبطل و الاّ فلا. و في موارد الشكّ فالأصل بطلان الايجاب فيعيده.
و قد تقدّم أنّ في الفصل الطويل لايصدق العقد عرفا.
(مسألة 11): و يشترط فيه التنجيز كما في سائر العقود، فلو علّقه على شرط أو مجيء زمان بطل. نعم، لو علّقه على أمر محقّق معلوم كأن يقول: «ان كان هذا يوم الجمعة زوّجتك فلانة» مع علمه بأنّه يوم الجمعة صحّ، و أمّا مع عدم علمه فمشكل.
الشرح:
قد قسّم السيّد الخوئي رحمه اللّه التعليق على أقسام، و نحن نذكرها مع ما لنا فيها:
منها: أن يكون التعليق على أمر يكون انشاء العقد معلّقا عليه قهرا، سواء ذكره المنشئ أم لم يذكره، كالزوجيّة في الطلاق و الملكيّة في البيع، فهو لايضرّ بالانشاء جزما فانّ وجوده و عدمه سيّان.
و منها: أن يكون التعليق على أمر معلوم الحصول فعلاً، أو معلوم الحصول في المستقبل، لكن على نحو الواجب المشروط بالشرط المتأخّر كما لو علّق الزوجيّة على حصول النهار غدا.
و هو كالسابق لايضرّ بصحّة العقد و وجوده كعدمه، فانّ اعتبار الزوجيّة حاصل من دون تعليق على شيء باعتبار أنّ المعلّق عليه حاصل و معلوم بالوجدان، و لايحتمل تحقّق الاجماع المدّعى على البطلان فيه.
و منها: أن يكون على أمر معلوم العدم أو مشكوك العدم، مع كونه حين الانشاء معدوما واقعا.
و فيه لاينبغي الشكّ في بطلانه سواء اعتبرنا التنجيز أم لم نعتبره؛ لعدم تحقّق المعلّق عليه على الثاني.
و منها: أن يكون على أمر متأخّر معلوم الحصول في المستقبل على نحو
الواجب المشروط بالشرط المقارن بحيث تكون الزوجيّة أو الملكيّة من حين حصول المعلّق عليه. و هذا هو الذي قد ادّعي في الكلمات التسالم على عدم صحّته بعد استثناء الوصيّة و التدبير منه حيث لايحصل الملكيّة فيهما الاّ متأخّرا عن الانشاء و بعد الموت.
و منها: أن يكون على أمر مشكوك الحصول سواء كان أمرا فعليّا أم متأخّرا. و قد حكم الأصحاب فيه بالبطلان أيضا بلا فرق بين أن يكون التعليق من قبيل الشرط المتأخّر أو الشرط المقارن.
و قد استدلّ على اعتبار التنجيز - مضافا الى الاجماع على اعتباره - بأنّ مقتضى أصالة الفساد و عدم نفوذ العقد بعد كون مثل هذا العقد المعلّق غير متعارف لدى عامّة الناس بل كونه مستنكرا لديهم، و دعوى انصراف أدلّة العقود الى المتعارف فلاتشمله، هو اعتباره في الصحّة.
و لو أغمضنا النظر عن ذلك فيمكن الاستدلال عليه بجملة من النصوص الواردة في النكاح و البيع و غيرهما من العقود الظاهرة في لابدّيّة ترتّب أثر العقد عليه بالفعل و بلا فصل، الاّ ما خرج بالدليل كبيع الصرف حيث يتوقّف ترتّب الأثر عليه فيه على القبض.
منها قوله عليه السلام في صحيحة أبان بن تغلب المتقدّمة مرارا: «فاذا قالت: نعم، فقد رضيت و هي امرأتك و أنت أولى الناس بها».
فانّها ظاهرة في أنّ الزوجيّة و ترتّب الأثر على عقد النكاح انّما يكون بمجرّد قولها: «نعم» من دون أن ينتظر تحقّق شيء آخر.
و منها ما ورد في شراء الأمة من أنّ البائع اذا أخبر عن استبرائها أو كان البائع امرأة جاز وطؤها.(1)فانّها ظاهرة في أنّ الحكم مترتّب على مجرّد شرائها و ملكيّته لبضعها من دون توقّف على شيء آخر.
1) - وسائل الشيعة 18: 260 / الباب 11 من أبواب بيع الحيوان.
و لايبعد أن يدلّ عليه قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي الواردة فيمن قال لامرأته: ان تزوّجت عليك أو بتّ عنك فأنت طالق:
«انّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال: من شرط شرطا سوى كتاب اللّه عزّوجلّ لم يجز ذلك عليه و لا له».(1)
اذ من الممكن أن يكون المراد به هو الطلاق الشرطي بحيث تشترط المرأة الطلاق عند تحقّق الشرط، لا توكيلها في الطلاق بحيث يكون أمر الطلاق بيده غاية الأمر تكون المرأة وكيلة عنه في اجرائه.
و كيف كان فاعتبار التنجيز متسالم عليه بين الأصحاب الاّ أنّه يختصّ بالعقود المعاوضيّة و ما يشبهها. و أمّا العقود الاذنيّة كالوكالة و ما شابهها فالظاهر أنّه لا مانع من تعليقها على الأمور الفعليّة و الآتية معلومة الحصول أو مشكوكته.
(مسألة 12): اذا أوقعا العقد على وجه يخالف الاحتياط اللازم مراعاته، فان أراد البقاء فاللازم الاعادة على الوجه الصحيح، و ان أراد الفراق فالأحوط الطلاق، و ان كان يمكن التمسّك بأصالة عدم التأثير في الزوجيّة. و ان كان على وجه يخالف الاحتياط الاستحبابي، فمع ارادة البقاء الأحوط الاستحبابي اعادته على الوجه المعلوم صحّته و مع ارادة الفراق فاللازم الطلاق.
الشرح:
اذا كان اجراء العقد على وجه يخالف الاحتياط الوجوبي فما أفاده قدس سره ابتداءً من أنّ اللازم اعادة العقد في صورة ارادة البقاء و الأحوط الطلاق في صورة ارادة الفراق هو الصحيح؛ لأنّ الزوجيّة موضوعة لأحكام لزوميّة كما أنّ لعدمها أحكامالزوميّة، فاذا كان الاحتياط الوجوبي في الصيغة العربيّة مثلاً، و أجراها بالفارسيّة مع
1) - وسائل الشيعة 22: 44 / الباب 18 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه / الحديث 1.
التمكّن منها و لو بالتوكيل فقد تردّد بين المحذورين، فلا بدّ له من اعادة الصيغة بالعربيّة ان أراد البقاء أو طلاق المرأة ان أراد الفراق.
و ان كان الاحتياط على وجه الاستحباب فيستحبّ الاعادة ان أراد البقاء و أمّا ان أراد الفراق فاللازم عليه الطلاق كما هو واضح.
و أمّا ما ذكره من أنّه يمكن التمسّك بأصالة عدم التأثير في الزوجيّة ففيه: انّ صحّة التمسّك بالأصل المذكور ينافي كون المورد من موارد الاحتياط اللزومي.
توضيح ذلك على ما في المباني(1): انّ الاحتياط قد يكون حكما ظاهريّا للمجتهد كما في موارد العلم الاجمالي أو موارد الشبهة قبل الفحص و فيهما لايمكن الرجوع الى أصالة العدم؛ لاختصاصها بغيرهما فالرجوع اليها و التمسّك بها يخرج المورد عن كونه من موارد الاحتياط اللزومي.
و قد لايكون الاحتياط كذلك بأن يعلم المجتهد بالحكم الاّ أنّه لايريد ابداءه و اظهاره للناس لمانع خارجي كحفظ المصالح العامّة و ما شابهه. و حينئذٍ فتكون وظيفة العامّي هو الاحتياط لا محالة؛ لتنجّز الواقع في حقّه باعتبار أنّه يعلم بالتكاليف اجمالاً أيضا، و لا طريق له الى فتوى المجتهد كما هو المفروض، و ليس له الرجوع الى أصالة عدم تأثير العقد باعتبار أنّ اجراء الأصول في الشبهات الحكميّة انّما هو من وظيفة المجتهد خاصّة. و من هنا فينحصر أمر الفراق بينهما بالطلاق لا غير، لعدم انسجام التمسّك بالأصل مع كونه من موارد الاحتياط اللزومي من دون أن يمكن الجمع بينهما.
1) - المباني 33: 150.
(مسألة 13): يشترط في العاقد المجري للصيغة الكمال بالبلوغ و العقل سواء كان عاقدا لنفسه أو لغيره، وكالة أو ولاية أو فضولاً. فلا اعتبار بعقد الصبي و لا المجنون و لو كان أدواريّا حال جنونه و ان أجاز وليّه أو أجاز هو بعد بلوغه أو افاقته على المشهور بل لا خلاف فيه. لكنّه في الصبي الوكيل عن الغير محلّ تأمّل لعدم الدليل على سلب عبارته اذا كان عارفا بالعربيّة، و علم قصده حقيقة و حديث رفع القلم منصرف عن مثل هذا. و كذا اذا كان لنفسه باذن الولي أو اجازته أو أجاز بعد البلوغ.
و كذا لا اعتبار بعقد السكران فلايصحّ و لو مع الاجازة بعد الافاقة. و أمّا عقد السكرى اذا أجازت بعد الافاقة ففيه قولان، فالمشهور أنّه كذلك و ذهب جماعة الى الصحّة مستندين الى صحيحة ابن بزيع و لابأس بالعمل بها، و ان كان الأحوط خلافه؛ لامكان حملها على ما اذا لم يكن سكرها بحيث لا التفات لها الى ما تقول. مع أنّ المشهور لم يعملوا بها و حملوها على محامل، فلايترك الاحتياط.
الشرح:
قال في الشرائع: «لا عبرة في النكاح بعبارة الصبي ايجابا و قبولاً، و لا بعبارة المجنون».(1)
و في المسالك: «لا فرق في ذلك بين الصبي المميّز و غيره و لا بين تولّيه ذلك لنفسه أو لغيره فانّ الشارع سلب عبارته بالأصل. و مثله المجنون المطبق أو ذو الأدوار في وقت جنونه، أمّا في غيره فبحكم العاقل، و بالجملة فالمعتبر قصد المكلّف الى العقد».(2)
و في الجواهر: «لا عبرة في النكاح كغيره من العقود بعبارة الصبي ايجابا و قبولاً لنفسه و لغيره. و لا بعبارة المجنون المطبق و لا الأدواري في دوره بلا خلاف معتدّ به أجده بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، بل ربما كان من الضروريّات سلب حكم ألفاظهما في جميع العقود، فكانت كأصوات البهائم بالنسبة الى ذلك و ربما يومئ اليه في الجملة خبر رفع القلم المشهور بناءً على ارادة ما يشمل ذلك منه لا خصوص التكليفي».(1)
أقول:
لا بدّ من صرف الكلام الى أفعال الصبي فانّ فعله تارة يتعلّق بأصول الدين و أخرى بفروعه.
و الثاني تارة ممّا لايحتاج الى القصد، و أخرى ممّا يحتاج اليه.
و ما يحتاج الى القصد فامّا أن يكون عبادة أو معاملة.
أمّا اذا كان متعلّقا بأصول الدين كالاقرار بالاسلام أو الكفر أو غير ذلك فقد ذكرنا في بحث القضاء و الشهادات أنّ اقرار الصبي المميّز بالاسلام يقبل و يحكم على وفقه بأنّه مسلم، كما أنّه اذا أنكر الاسلام يحكم بكفره و ارتداده اذا كان مميّزا متولّدا من مسلمين أو مسلم و كافر.
نعم، لاتجري عليه حدود المرتدّ من القتل اذا كان ذكرا أو الحبس و الضرب في أوقات الصلاة اذا كان أنثى، بل يؤخّر اجراء الحدّ عليه الى أن يبلغ و يصرّ على انكاره مع ارشاده و هدايته، و ذلك لحديث رفع القلم.
و أمّا ما يتعلّق بفروع الدين و لايحتاج الى القصد كالطهارة و النجاسة و المحدثيّة بالحدث الأكبر أو الأصغر اذا حدث فيه موجبهما فقد تقدّم منّا البحث عن ذلك في كتاب الطهارة و قلنا بأنّ سبب الحدث - الأكبر و الأصغر - اذا تحقّقفي انسان يصير محكوما بالمحدثيّة سواء في ذلك الكبير و الصغير و الذكر و
1) - جواهر الكلام 29: 143.
الأنثى و كذا الطهارة و النجاسة اذا تحقّق في شخص موجبهما يصير محكوما بهما.
و أمّا ما يحتاج الى القصد كالعبادات فقد استوفينا الكلام في اثبات شرعيّة عباداته في مواضع مختلفة و من جملتها في بحث صلاة القضاء(1)، و في صلاة الاستئجار(2)، و في كتاب الصوم(3)و الحجّ(4)فراجع.
و أمّا معاملاته و تصرّفه في ماله فقد وقع البحث فيه في ثلاث مسائل:
الأولى: في تصرّفه بنحو الاستقلال و من غير اذن من وليّه سواء في ذلك عقد البيع و نحوه و عقد النكاح و قد استدلّوا على عدم نفوذ تصرّفاته بهذا النحو أوّلاً بقوله تعالى: «و ابتلوا اليتامى حتّى اذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم أموالهم»(5).
و قد ذكر لها معانٍ:
منها: انّ اللّه سبحانه علّق جواز تصرّف الصبي في أمواله على أمرين: الأوّل: بلوغ النكاح و هو كناية عن البلوغ. و الثاني: ايناس الرشد، فلايجوز له التصرّف قبل البلوغ و الرشد أي لاينفذ معاملته. و هكذا لايجوز تصرّفه في مال الغير بنحو الاستقلال بالأولويّة. هذا ما ذكره السيّد الخوئي رحمه اللّه.(6)
و منها: ما ذكره السيّد الحكيم رحمه اللّه من أنّ الظاهر من ابتلائهم، ابتلاؤهم بالمعاملة بالأموال لاختبار رشدهم.(7)
و على هذا فتدلّ الآية على جواز تصرّفه باذن الولي و احاطته.
ولكن الظاهر من الآية هو التأكيد ليحفظ أموال اليتامى، و أنّ المتكفّل لأموال اليتامى ضامن لها لو دفعها اليهم فضيّعوها لعدم بلوغهم أو عدم رشدهم و أمّا عدم نفوذ معاملات الصبي المميّز مطلقا و ان كان رشيدا، لأنّه لم يبلغ الحلم، ففيه اشكال.
و استدلّ على عدم النفوذ ثانيا برواية عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سأله أبي و أنا حاضر عن اليتيم متى يجوز أمره؟ فقال: حين يبلغ أشدّه، قلت: و ما أشدّه؟ قال: الاحتلام، قلت: قد يكون الغلام ابن ثمانيعشر سنة لايحتلم أو أقلّ أو أكثر، قال: اذا بلغ ثلاث عشر سنة كتب له الحسن و كتب عليه السيّئ و جاز أمره الاّ أن يكون سفيها أو ضعيفا».(1)
حيث انّ الرواية دلّت باطلاقها على أنّ كلّ ما يصدق عليه «أمره» من بيع أو صلح أو اجارة لاينفذ قبل البلوغ سواء كان في مال نفسه أو مال غيره.
فانّ صاحب الوسائل رحمه اللّه قد روى هذه الرواية عن الخصال، و انّا اذا راجعنا الخصال وجدناها هكذا: «حدّثنا أبي - رضي اللّه عنه - قال: حدّثنا سعد بن عبداللّه عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي عن أبي الحسين الخادم بيّاع اللؤلؤ عن عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سأله أبي و أنا حاضر عن اليتيم متى يجوز أمره قال: حتّى يبلغ أشدّه قال: و ما أشدّه؟ قال: الاحتلام، قال: قلت: قد يكون الغلام ابن ثمانيعشرة سنة أو أقلّ أو أكثر و لايحتلم، قال: اذا بلغ و كتب عليه الشيء جاز أمره الاّ أن يكون سفيها أو ضعيفا».(2)
و الرواية ضعيفة من حيث السند فانّ فيها أبا الحسين الخادم بيّاع اللؤلؤ و هو
مجهول، و ان كان يمكن سهو القلم أو السقط في الاستنساخ، و لعلّه كان الذي يروي عنه عبداللّه بن سنان هو أبو الحسين آدم بن المتوكّل بيّاع اللؤلؤ الذي يكون ثقة، بقرينة لقبه، و اللّه أعلم.
و استدلّ ثالثا برواية حمران قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام ، قلت له: متى يجب على الغلام أن يؤخذ بالحدود التامّة أو يقام عليه و يؤخذ بها؟ قال: اذا خرج عنه اليتم و أدرك، قلت: فلذلك حدّ يعرف به؟ فقال: اذا احتلم أو بلغ خمس عشر سنة أو أشعر أو أنبت قبل ذلك أقيمت عليه الحدود التامّة و أخذ بها و أخذت له، قلت: فالجارية متى تجب عليها الحدود التامّة و تؤخذ بها و يؤخذ لها؟ قال: انّ الجارية ليست مثل الغلام انّ الجارية اذا تزوّجت و دخل بها و لها تسع سنين ذهب عنها اليتم و دفع اليها مالها و جاز أمرها في الشراء و البيع و أقيمت عليها الحدود التامّة و أخذ لها بها قال: و الغلام لايجوز أمره في الشراء و البيع و لايخرج من اليتم حتّى يبلغ خمس عشر سنة أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك».(1)
و الرواية و ان كانت ضعيفة حيث انّ في سندها عبدالعزيز العبدي و هو لم يوثّق، الاّ أنّ الظاهر عمل المشهور بها، فتدلّ على عدم جواز شرائه و بيعه مستقلاًّ.
فتحصّل من مجموع ذلك عدم جواز تصرّف الصبي غير البالغ في أمواله و اجراء العقود استقلالاً، و ذلك للاجماع المدّعى من غير واحد كصاحب الجواهر و السيّد الخوئي و غيرهما و دلالة الآية الشريفة على ما ذكر لها من المعاني و دلالة رواية حمران و سائر الروايات الدالّة على ذلك التي ستوافيك في الاستدلال علىعدم جواز تصرّفاته باذن الولي.
1) - وسائل الشيعة 1: 43 / الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 2.
الثانية: تصرّفه في أمواله و اجراء العقود باذن الولي، و قد استدلّ على المنع فيه بوجوه:
منها: حديث رفع القلم المشهور حيث عدّ عليه السلام فيه في عداد من رفع عنه القلم: «الصبي حتّى يحتلم».(1)
بتقريب أنّ رفع القلم يشمل الأحكام التكليفيّة و الوضعيّة.
و فيه: انّ الظاهر من رفع القلم - كما ذكرنا ذلك في مواضع مختلفة - رفع قلم السيّئات و رفع المؤاخذة عليها، و لايدلّ على سلب عبارته و جعلها كالعدم.
و منها: ما تقدّم من رواية حمران.
و فيه: انّ الظاهر منها هو تصرّفه على نحو الاستقلال، كتصرّفات البالغ.
و منها: الروايات المتضمّنة على أنّ عمد الصبي كخطئه كصحيح محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«عمد الصبي و خطؤه واحد».(2)
و فيه: انّ الظاهر منه هو المورد الذي يكون لخطئه حكم خاصّ، كالجنايات التي قد عيّن للخطأ فيها حكم خاصّ و كبعض كفّارات الاحرام الذي قد ذكر فيه حكم الخطأ كما ذكر حكم العمد، فالشارع في هذه الموارد قد جعل عمد الصبي كخطئه، فلايشمل المورد الذي لم يكن للخطأ فيه حكم خاصّ، و يكون حكم الخطأ فيه انتفاء حكم العمد لانتفاء موضوعه.
و على هذا فلا دليل يعتمد عليه في المسألة على عدم نفوذ تصرّفات الصبي باذن الولي؛ اذ لا دليل على سلب عبارته و أنّها كأصوات البهائم على ما ذكره في الجواهر.
مضافا الى أنّه قد استدلّ على جواز ذلك بوجوه:
منها ما تقدّم من السيّد الحكيم رحمه اللّه من الاستدلال لجواز تصرّف الصبي باذن وليّه بالآية الكريمة.
قال في نهج الفقاهة: «يمكن أن يستدلّ على صحّة مباشرة الصبي اجراء العقود بأمور: منها: قوله تعالى: «و ابتلوا اليتامى حتّى اذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم أموالهم» لظهورها في كون الابتلاء قبل البلوغ و الظاهر من الابتلاء الابتلاء بالمعاملات على الأموال و اختبار رشدهم فيها، و حملها على الابتلاء بمقدّمات العقد خلاف الظاهر».(1)
و منها: رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله عن كسب الاماء، فانّها ان لم تجد زنت، الاّ أمة قد عرفت بصنعة يد. و نهى عن كسب الغلام الصغير الذي لايحسن صناعة بيده، فانّه ان لم يجد سرق».(2)
فانّ التقييد و التعليل ظاهران في نفوذ كسبه في الجملة.
و اذا حمل النهي على الكراهة فالدلالة أظهر، و حمله على الكسب بنحو الالتقاط و الاحتطاب، أو العمل بأمر الغير - مع أنّه خلاف الاطلاق - بعيد.
و منها: رواية ابراهيم بن أبي يحيى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تزوّج رسول اللّه أمّ سلمة، زوّجها ايّاه عمر بن أبي سلمة، و هو صغير لم يبلغ الحلم».(3)
و منها: السيرة التي ادّعاها غير واحد من الأعلام على وقوع المعاملة مع الصبيان قبل البلوغ في بلاد الاسلام ، في جميع الأعصار.
و حملها على كونها صادرة من غير المبالين في الدين، كما ترى، خلافالمقطوع به، فانّ الظاهر استقرار سيرة العقلاء على المعاملة مع المميّزين مع
رشدهم كالبالغين. و لأجل عدم الردع عنها من الشارع المقدّس جرى عليها المتشرّعة.
فالمتحصّل أنّ تزويج الصغير و كذا بيعه و شراؤه لنفسه أو لغيره اذا كان باذن الولي و بنظره و كان رشيدا في معاملاته و متعقّلاً في أفعاله و كلامه جائز بشرط ضمان وليّه فيما يترتّب على معاملاته لو فعل ما يوجب الضمان.
كما ذهب اليه الأردبيلي و قبله الفخر في الايضاح و قبله المحقّق في عارية الشرائع، كما ذكر عباراتهم في المستمسك فراجع.
و لعلّ الروايات الواردة في عدم جواز أمره في البيع و الشراء و تسالم الأصحاب عليه كانت للأحكام المترتّبة عليه و هو مرفوع القلم، فان لم يضمن وليّه ما يترتّب عليه و لم يلتزم بأحكامه فمن يلتزم بها؟
و اذا شكّ في حصول الاذن حمل تصرّفه على الصحّة. و اذا أخبر بها صدّق خبره.
الثالثة: اجراء الصيغة من الصبي وكالة عن غيره، اذا كان عارفا بما يقول، و الظاهر أنّه اذا قلنا في المسألة الثانية بجواز تصرّفاته باذن الولي فلا اشكال في جواز وكالته و نفوذ قوله اذا كان عارفا بالايجاب و القبول، اذ لا دليل - كما عرفت - يدلّ على سلب عبارته و جعلها كالعدم، و قد عرفت أنّ الآية و الروايات لاتدلّ الاّ على عدم جواز تصرّفاته بالاستقلال.
و لو عقد لنفسه حين صباوته فأجاز وليّه أو نفسه بعد البلوغ فالظاهر صحّته أيضا.
أمّا المجنون فيبطل عقده بلا خلاف و لا اشكال؛ لأنّ عبارته مسلوبة لعدم تمشّي القصد منه، و كذا الأدواري في دور جنونه، و لو أفاق و أجاز فلا اعتبار بذلك لعدم وجود قصد له مع أنّ القصد منه دخيل في ماهيّة العقد.
و كذا يبطل عقد السكران لعدم قصده حين سكره فهو على ذلك الحال كالمجنون مسلوبة عباراته و ألفاظه؛ اذ لا قصد له، فعقده يكون كالعدم لم يعتبره العقلاء فلا فائدة في اجازته بعد ذلك لعدم وجود شيء حتّى تنفع الاجازة بعده.
و أمّا السكرى و ان كانت مثله في كون عباراتها مسلوبة الاّ أنّ هناك صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت فزوّجت نفسها رجلاً في سكرها ثمّ أفاقت فأنكرت ذلك ثمّ ظنّت أنّه يلزمها ففزعت منه فأقامت مع الرجل على ذلك التزويج، أحلال هو لها أم التزويج فاسد لمكان السكر و لا سبيل عليها؟ فقال: اذا أقامت معه بعد ما أقامت فهو رضىً منها، قلت: و يجوز ذلك التزويج عليها؟ قال: نعم».(1)
و قد عرفت كلام المصنّف و أنّه رحمه اللّه حملها على ما اذا لم يكن سكرها على حدّ لا التفات لها و قال بأنّ المشهور لم يعملوا بها، ولكن الظاهر أنّ المشهور قد عملوا بها الاّ أنّ الظاهر أنّ الصحيحة مخالفة للقواعد المأثورة عن أئمّتنا عليهم السلام من أنّه يعتبر في العقد القصد الى اللفظ، الاّ أن تحمل على ما حملها المصنّف رحمه اللّه.
و في المباني: «ما ذكر من المحامل خلاف الفهم العرفي، فلايصار اليها الاّبالدليل و هو مفقود. ومن حيث السند صحيحة و من حيث الدلالة واضحة و
1) - وسائل الشيعة 20: 294 / الباب 14 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد / الحديث 1.
لم يثبت اعراض الأصحاب عنها كي يقال بأنّه موجب لطرحها فقد عمل بها جماعة كما عرفت».(1)
و قد عرفت ما فيه.
(مسألة 14): لابأس بعقد السفيه اذا كان وكيلاً عن الغير في اجراء الصيغة أو أصيلاً مع اجازة الولي. و كذا لابأس بعقد المكره على اجراء الصيغة للغير أو لنفسه اذا أجاز بعد ذلك.
الشرح:
لابأس بعقد السفيه لوجود المقتضي و عدم المانع.
أمّا وجود المقتضي فلتمشّي القصد منه الذي هو ركن في الأفعال التي لها أحكام وضعيّة كالمعاملات و منها النكاح.
و أمّا عدم المانع فلعدم دليل على المنع.
نعم، هو محجور بالنسبة الى تصرّفاته في ماله و لذلك منع من المعاملات لنفسه و من جملتها اجراء صيغة النكاح لنفسه من حيث تصرّفه في المال في الأولى و تعيين المهر في الثانية.
و أمّا اذا أذن وليّه و كان تحت نظره فلابأس، كما لابأس اذا كان وكيلاً عن الغير في اجراء صيغة النكاح أو غيره من العقود و الايقاعات.
و لابأس بعقد المكره اذا أكره على اجراء الصيغة للغير كما لو طلب الأجرة و أكره على اجرائها بدون الأجرة، و ذلك لوجود القصد منه و عدم اشتراط طيب النفس في اجرائها للغير.
و أمّا لو أكره على اجراء الصيغة و التزوّج لنفسه فهو صحيح اذا أجاز بعد ذلك و ذلك لأنّه كالفضولي في اجراء الصيغة عن الغير حيث انّه اذا أجاز بعد ذلك صحّ.
1) - المباني 33: 155 و 156.
ان قلت: يفترق عقد المكره لنفسه مع عقد الفضولي فانّ الفضولي يجري الصيغة باختياره و حيث يفقد شرط من شرائطه و هو طيب نفس المالك و رضاه، فالعقد يكون معلّقا فاذا أجاز المالك يتنجّز بخلاف عقد المكره فانّ عقده فاسد للاكراه.
قلت: ان كان وجه الفساد عدم رضاه، فالفرض وجوده بعد باجازته كالفضولي بنحو الشرط المتأخّر.
و ان كان وجهه حديث الرفع حيث قال صلى اللّه عليه و آله: «رفع ... ما استكرهوا عليه» و بما أنّ الصيغة وقعت باكراه الزوج أو الزوجة أو كليهما فرفع عنها أثرها، ففيه: انّ الظاهر أنّ لسان حديث الرفع كلسان قوله صلى اللّه عليه و آله: «لايحلّ مال امرئ مسلم لأخيه الاّ بطيبة من نفسه» و قوله تعالى: «لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الاّ أن تكون تجارة عن تراض» فكما لايصحّ البيع و الشراء بدون طيب نفس المالك المبيع أو الثمن كذلك لايصحّ عقد المكره و كما يمضي الشارع صحّته اذا أجاز المالك بعد ذلك فهكذا يكون هنا.
مضافا الى أنّ رفع هذا الأثر خلاف الامتنان و قد ثبت في محلّه أنّ الرفع في الحديث كان للامتنان.
فتحصّل أنّ عقد المكره لا أثر له ما دام لم يجز بعده فاذا أجاز يكون مؤثّرا.
(مسألة 15): لايشترط الذكورة في العاقد فيجوز للمرأة الوكالة عن الغير في اجراء الصيغة كما يجوز اجراؤها لنفسها.
الشرح:
الظاهر أنّه لا خلاف في ذلك عندنا كما سيأتي دعواه عن الجواهر و كشفاللثام و شرح اللمعة و غيرها.
و يدلّ عليه - مضافا الى اطلاق الأدلّة و خصوص روايات المتعة كما تقدّم -
قوله عليه السلام في صحيحة أبان بن تغلب: «فاذا قالت: نعم، فقد رضيت و هي امرأتك و أنت أولى الناس بها».
قال في اللمعة و شرحها: «و يجوز تولّي المرأة العقد عنها و عن غيرها ايجابا و قبولاً بغير خلاف عندنا و انّما نبّه على خلاف بعض العامّة المانع منه».(1)
و في المستمسك: «قال في الجواهر: «بلا خلاف بل يمكن تحصيل الاجماع عليه». و في كشف اللثام: «انّه كذلك عندنا خلافا للشافعيّة»».(2)
(مسألة 16): يشترط بقاء المتعاقدين على الأهليّة الى تمام العقد. فلو أوجب ثمّ جنّ أو أغمي عليه قبل مجيء القبول لم يصحّ. و كذا لو أوجب ثمّ نام بل أو غفل عن العقد بالمرّة. و كذا الحال في سائر العقود، و الوجه عدم صدق المعاقدة و المعاهدة مضافا الى دعوى الاجماع و انصراف الأدلّة.
الشرح:
قال في الشرائع: «اذا أوجب الولي ثمّ جنّ أو أغمي عليه بطل حكم الايجاب. فلو قبل بعد ذلك كان لغوا، و كذا لو سبق القبول و زال عقله. فلو أوجب الولي بعده كان لغوا و كذا في البيع».(3)
و في المسالك بعد ذكر كلام الشرائع قال: «وجهه أنّ العقد اللازم قبل تمامه يكون بمنزلة الجائز يجوز لكلّ منهما فسخه و يبطل بما يبطل به الجائز، و من جملته الجنون و الاغماء، و لا فرق بين النكاح و البيع و غيرهما من العقود اللازمةفي ذلك. و لايضرّ عروض النوم كما لايقدح ذلك في الوكالة و نحوها، لكن هل يصحّ الاتيان بالقبول من الآخر حالته؟ قيل: لا. و به قطع في التذكرة؛ لأنّ التخاطب
بين المتعاقدين معتبر و هو منتفٍ مع نوم صاحبه، و من ثمّ لو خاطب شخصا بالعقد فقبل الآخر لم يصحّ. و يحتمل الصحّة هنا؛ لأنّ الايجاب توجّه الى هذا القابل قبل النوم و الأصل الصحّة. انتهى ملخّصا».(1)
و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه - كما اعترف به بعضهم - مضافا الى ما دلّ على شرطيّة العقد و القصد و الرضا و نحوها في العقد الذي هو عبارة عن الايجاب و القبول لا الايجاب وحده، فاذا ارتفع القابليّة بعد الايجاب قبل القبول لم يحصل الشرط في تمام العقد. فلو قبل القابل بعد ذلك كان لغوا نحو قبوله ايجاب المجنون. و كذا الكلام في البيع و غيره من العقود، بل الظاهر البطلان حتّى لو فرض افاقته قبل القبول على وجه لاينافي الاتّصال؛ لبطلان حكم الايجاب.
و أمّا النوم و ان كان في المسالك عدم كونه مضرّا بحالته الاتّصاليّة الاّ أنّ البطلان أقوى. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
قد تقدّم في المسألة التاسعة اعتبار الموالاة بين الايجاب و القبول و أنّه لا دليل عليه الاّ حكم العرف؛ حيث انّ العقد مركّب من الايجاب و القبول، فصدق العقد الذي يكون موضوعا للأحكام محوّل الى العرف كما في سائر موضوعات الأحكام.
فالظاهر أنّ استمرار قابليّة الموجب الى تمام العقد معتبر عند العرف، و الوجه في ذلك عدم صدق المعاهدة و المعاقدة مع عدم استمرار القابليّة.
فلو أوجبت الزوجة ثمّ جُنّت أو أغمي عليها قبل مجيء القبول من الزوج فلايعتبر عند العرف و يحكم ببطلان ذلك الايجاب. و كذلك لو نام أو غفل عنالعقد بالمرّة. هذا مضافا الى دعوى عدم الخلاف فيه، بل عن صاحب الحدائق دعوى الاجماع و كذا دعوى انصراف الأدلّة عنه.
ثمّ انّه لا فرق بين الايجاب و القبول، فلو تقدّم القبول من الزوج ثمّ جُنّ أو أغمي عليه فيبطل، و لايفيد ايجاب الزوجة بعد افاقته فيلزم عليه القبول ثانيا.
و الحاصل أنّه يشترط بقاء المتعاقدين على الأهليّة الى تمام العقد، و كذا الحال في سائر العقود.
و أمّا السيّد الخوئي رحمه اللّه(1)فقد أنكر اعتبار أهليّة القابل للقبول حين الايجاب، فاستدلّ بأنّ عنواني المعاقدة و المعاهدة المعتبرين في العقود انّما يتوقّفان على أهليّة القابل للقبول حين القبول خاصّة، و لايتوقّفان على أهليّته له حين الايجاب. بل الحكم كذلك حتّى ولو كان القابل غير أهل للتخاطب حال الايجاب، كما لو كان مجنونا أو نائما، لصدق المعاقدة و المعاهدة عليه عند ضمّه لالتزامه في حال أهليّته الى التزام الطرف الأوّل، و بذلك تشمله عمومات و اطلاقات أدلّة الصحّة و النفوذ، بعد أن لم يثبت اجماع على الخلاف أو انصراف.
و فيه: انّ الظاهر أنّ الزوجة حين تكلّمها بالايجاب تخاطب الزوج، فكيف يمكن أن يقال بعدم اعتبار أهليّة القابل للتخاطب لنومه أو غفلته أو جنونه أو اغمائه، و أنّه يكفي قابليّته حين قبوله فقط، مع أنّه من البعيد صدق المعاهدة و المعاقدة عليه عند العرف.
ثمّ قال أيضا بعدم اعتبار استمرار أهليّة الموجب من حين الايجاب الى حين صدور القبول بحيث لاتتوسّط بينهما حالة عدم الأهليّة له؛ لعدم الدليل عليه و عدم الاضرار بصدق المعاقدة و المعاهدة؛ اذ العبرة في صدقهما انّما هي بانضمام أحد الالتزامين الى الآخر كما عرفت، و لما يعضد ما ذكرناه السيرة العقلائيّة خارجا حيث نرى أنّهم يلتزمون بصحّة البيع أو الهبة أو ما شاكلهما من العقود حتّى معتخلّل حالة عدم الأهليّة بين حالتي أهليّته حين الايجاب و أهليّته حين القبول.
و فيه ما تقدّم من أنّ العرف لايعتدّ بذلك الايجاب الصادر منه اذا اعتوره
1) - المباني 33: 159 و 160.
الجنون أو الاغماء أو النوم بعده و ان أفاق أو استيقظ بعده و كان ملتفتا حين القبول.
و قد تقدّم ما يفيد لهذه المسألة في المسألة التاسعة فراجع.
(مسألة 17): يشترط تعيين الزوج و الزوجة على وجه يمتاز كلّ منهما عن غيره بالاسم أو الوصف الموجب له أو الاشارة. فلو قال: «زوّجتك احدى بناتي» بطل، و كذا لو قال: «زوّجت بنتي أحد ابنيك أو أحد هذين»، و كذا لو عيّن كلّ منهما غير ما عيّنه الآخر، بل و كذا لو عيّنا معيّنا من غير معاهدة بينهما بل من باب الاتّفاق صار ما قصده أحدهما عين ما قصده الآخر.
و أمّا لو كان ذلك مع المعاهدة لكن لم يكن هناك دالّ على ذلك من لفظ أو قرينة خارجيّة مفهمة، فلايبعد الصحّة و ان كان الأحوط خلافه.
و لايلزم تمييز ذلك المعيّن عندهما حال العقد بل يكفي التمييز الواقعي مع امكان العلم به بعد ذلك، كما اذا قال: «زوّجتك بنتي الكبرى» و لم يكن حال العقد عالما بتاريخ تولّد البنتين لكن بالرجوع الى الدفتر يحصل له العلم. نعم، اذا كان مميّزا واقعا ولكن لم يمكن العلم به ظاهرا - كما اذا نسي تاريخ ولادتهما و لم يمكنه العلم به - فالأقوى البطلان؛ لانصراف الأدلّة عن مثله، فالقول بالصحّة و التشخيص بالقرعة ضعيف.
الشرح:
قال في الشرائع: «يشترط في النكاح امتياز الزوجة عن غيرها بالاشارة أو التسمية أو الصفة. فلو زوّجه احدى بنتيه أو هذا الحمل لم يصحّ العقد».(1)
و في المسالك بعد ما ذكر كلام المحقّق في الشرائع قال: «لمّا كانت الزوجة معقودا عليها و عيّنها مقصودة للاستمتاع اشترط تعيينها في صحّة النكاح كما في
1) - شرائع الاسلام 2: 219.
كلّ معقود عليه، سواء أريد عينه كالمبيع أو منفعته كالعين المؤجرة. و كذلك يشترط تعيين الزوج؛ لأنّ الاستمتاع يستدعي فاعلاً و منفعلاً معيّنين لتعيّنه. فلو قال: «زوّجتك احدى ابنتيّ» أو «زوّجت بنتي من أحد ابنيك» لم يصحّ. و أولى منه لو قال «زوّجتك هذا الحمل» لمشاركته لما ذكر في عدم التعيين؛ اذ يحتمل كونه واحدا أو أزيد، مضافا الى احتمال كونه غير قابل لنكاح المخاطب، بأن يكون ذكرا أو خنثى مشكلاً.
اذا تقرّر ذلك فالتعيين يحصل بأمور ثلاثة:
الأوّل: الاشارة كما اذا كانت الزوجة حاضرة فقال «زوّجتك هذه أو هذه المرأة أو هذه فلانة»؛ لأنّ الاشارة كافية في التخصيص، و الباقي تأكيد. و كذا يكفي الاشارة في تعيين الزوج.
و الثاني: التسمية، سواء كانت غائبة أو حاضرة، بأن يقول «زوّجتك فاطمة» ان كان له غيرها. و كذا لو قال «زوّجتك بنتي هذه فاطمة» و كانا متطابقين صحّ أيضا و كان الثاني تأكيدا. و لو لم يكن مطابقا بأن كانت المشار اليها اسمها زينب ففي صحّة العقد ترجيحا للاشارة و البنتيّة على الاسم لأنّهما لازمتان متميّزتان و يلغو الاسم أو البطلان؛ اذ ليس له بنت بذلك الاسم وجهان، و في الأوّل قوّة.
و الثالث: التمييز بالصفة الخاصّة بأن يقول «ابنتي الكبيرة أو الصغيرة أو الوسطى أو البيضاء أو السمراء» و له بنات متعدّدات متميّزات بذلك الوصف. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
يشترط تعيين الزوج و الزوجة على وجه يمتاز كلّ منهما عن غيره بالاسم أو الوصف الموجب له أو الاشارة، و ذلك لأنّ النكاح عقد بين الرجل و المرأة و لايصدق الاّ اذا كانا معيّنين؛ لأنّ ماهيّة النكاح هي استمتاع كلّ من الزوج و الزوجة
1) - مسالك الأفهام 7: 106 و 107.
من صاحبه، و لها أحكام كثيرة، فاذا لم يتعيّن الزوج أو الزوجة لم تحصل الماهيّة و لم يكن هناك موضوع لأحكام التزويج.
و التعيين تارة بالاسم و أخرى بالوصف و ثالثة بالاشارة و يجب أن يكون كلّ من هذه الثلاثة بحيث يعيّن الزوجة أو الزوج، و لو لم يتعيّن بالوصف الذي أتى به - كما مثّل به في المتن - أو لم يكن الاسم مطابقا لمسمّاه و كذا الاشارة فلم يتعيّن فكان العقد باطلاً.
فهنا صور:
منها ما لو عيّنا معيّنا من غير معاهدة بينهما، بل من باب الاتّفاق صار ما قصده أحدهما عين ما قصده الآخر ففي هذه الصورة بطل العقد. و ذلك لعدم كفاية مجرّد الانطباق الخارجي اتّفاقا في صدق العقد و المعاقدة.
مثاله: لو كانت له بنت تسمّى فاطمة في جملة بناته فقصدها حين قال «زوّجتك احدى بناتي» و لم يبيّن له و لم يعلم الزوج أيّهنّ، فقال الطرف المقابل «قبلت» و قصدها من باب الاتّفاق، و هنا تطابق قصدهما الاّ أنّه كان من جهة الصدفة، فهذا لم يكف في المعاهدة.
و منها ما لو كان ذلك الذي ذكر في الصورة الأولى مع المعاهدة لكن لم يكن هناك دالّ عليها حال اجراء العقد من لفظ أو فعل أو قرينة خارجيّة مفهمة، كما لو تعاهدا قبل العقد على تزويجه بنته الكبرى، ثمّ قال «زوّجتك احدى بناتي» فقال القابل «قبلت» ففي هذا الحال لو كان قصد الموجب من قوله «احدى بناتي» هو بنته الكبرى جزما، و لم يشكّ القابل في ذلك فالظاهر الصحّة؛ لأنّ المهمّ هو التعيين عند المتعاقدين و هو حاصل.
و منها ما لو وصف الموجب الزوجة و علم القابل به ولكن يشكّ في أنّالوصف الذي ذكره كان مطابقا لما في ذهنه أوّلاً، فذلك لايضرّ بالتعيين، كما لو قال «زوّجتك بنتي الكبرى» و لم يكن حال العقد عالما بتاريخ ميلاد البنتين لكن بالرجوع الى الدفتر يحصل له العلم. و لذلك قال المصنّف «و لايلزم تمييز ذلك
المعيّن عندهما حال العقد، بل يكفي التمييز الواقعي مع امكان العلم به بعد ذلك».
و منها ما اذا كان مميّزا واقعا، ولكن لم يمكن العلم به ظاهرا، كما اذا قال: «زوّجتك بنتي الكبرى» و قال القابل «قبلت» على ما وصفه، و نسي الموجب تاريخ ولادتهما و لم يمكنه العلم به فهنا اذا كان نيّته من الكبرى بنته المعيّنة - مثلاً - التي كانت مسمّاة بفاطمة، فلايضرّ جهله بتاريخ ولادتهما.
و أمّا ان لم يكن في نيّته من قوله «الكبرى» بنته المعيّنة بل حوّله الى تاريخ ولادتها فهي مبهمة فيبطل العقد.
(مسألة 18): لو اختلف الاسم و الوصف أو أحدهما مع الاشارة أخذ بما هو المقصود و ألغي ما وقع غلطا، مثلاً لو قال: «زوّجتك الكبرى من بناتي فاطمة» و تبيّن أنّ اسمها خديجة صحّ العقد على خديجة التي هي الكبرى. و لو قال: «زوّجتك فاطمة و هي الكبرى» فتبيّن أنّها صغرى صحّ على فاطمة؛ لأنّها المقصود و وصفها بأنّها كبرى وقع غلطا فيلغى. و كذا لو قال: «زوّجتك هذه و هي فاطمة» أو «و هي الكبرى» فتبيّن أنّ اسمها خديجة أو أنّها صغرى فانّ المقصود تزويج المشار اليها و تسميتها بفاطمة أو وصفها بأنّها الكبرى وقع غلطا فيلغى.
الشرح:
الظاهر صحّة ما ذهب اليه المصنّف رحمه اللّه من صحّة العقد بالنسبة الى المقصود و الغاء الغلط.
و قد نقل السيّد الحكيم رحمه اللّه(1)عن العلاّمة و صاحب الجواهر أنّه لو قال له:«زوّجتك بنتي فلانة» و سمّاها بغير اسمها و لا بنت له سوى واحدة فالأقوىcالصحّة و هو أصحّ وجهي الشافعيّة؛ لأنّ البنتيّة صفة لازمة فيتعيّن و يلغى الاسم
1) - مستمسك العروة 14: 395.
المذكور بعده. و الثاني: لايصحّ النكاح لأنّه ليس له بنت بذلك الاسم، و لو قال: «زوّجتك هذه فاطمة» و أشار اليها و كان اسمها زينب فالوجهان للشافعيّة.
و قد بنى رحمه اللّه هذه المسألة على كون القيد مأخوذا على نحو تعدّد المطلوب أو وحدته، و الظاهر صحّة هذا البناء.
و عليه فلو قلنا بتعدّد المطلوب فيصحّ العقد و لو قلنا بوحدته يبطل، و لمّا قلنا بالصحّة بالنسبة الى المقصود فيبنى على القول بتعدّد المطلوب كما هو من المرتكزات العرفيّة حيث بنوا مع تخلّف الشرط على صحّة العقد و خيار الاشتراط فلو قال: «بعتك هذا العبد الكاتب» فتبيّن أنّه غير كاتب صحّ العقد و كان له الخيار.
نعم، اذا كان القيد مقوّما للموضوع عرفا و ذاتيّا من ذاتيّاته بطل العقد بفقده كما مثّل لذلك السيّد الحكيم رحمه اللّه بأنّه لو قال له: «بعتك هذا العبد الحبشي» فتبيّن أنّه حمار وحشي.
(مسألة 19): اذا تنازع الزوج و الزوجة في التعيين و عدمه حتّى يكون العقد صحيحا أو باطلاً فالقول قول مدّعي الصحّة كما في سائر الشروط اذا اختلفا فيها و كما في سائر العقود. و ان اتّفقا - الزوج و ولي الزوجة - على أنّهما عيّنا معيّنا و تنازعا فيه أنّها فاطمة أو خديجة فمع عدم البيّنة المرجع التحالف كما في سائر العقود.
نعم، هنا صورة واحدة اختلفوا فيها و هي ما اذا كان لرجل عدّة بنات فزوّج واحدة و لم يسمّها عند العقد، و لا عيّنها بغير الاسم لكنّه قصدها معيّنةفاختلفا فيها فالمشهور على الرجوع الى التحالف الذي هو مقتضى قاعدة الدعاوي و ذهب جماعة الى التفصيل بين ما لو كان الزوج رآهنّ جميعا فالقول قول الأب و ما لم يرهنّ فالنكاح باطل. و مستندهم صحيحة أبي عبيدة الحذّاء و هي و ان كانت صحيحة الاّ أنّ اعراض المشهور عنها مضافا الى
مخالفتها للقواعد مع امكان حملها على بعض المحامل، يمنع عن العمل بها فقول المشهور لايخلو عن قوّة. و مع ذلك الأحوط مراعاة الاحتياط. و كيف كان لايتعدّى عن موردها.
الشرح:
في المسألة صور:
الأولى: ما اذا كان النزاع في التعيين و عدمه، فهل يرجع النزاع الى النزاع في صحّة العقد و بطلانه، أو الى وجود العقد و عدمه؟
الظاهر هو الثاني و على هذا فالحقّ بطلان العقد في هذا النزاع، و ذلك لأنّ التعيين من مقوّمات العقد و جزء من ماهيّته كما تقدّم.
نعم، لو وقع النزاع في شرط من شرائطه كالعربيّة على القول باعتبارها، فالقول قول مدّعي الصحّة لأنّ أصل العقد قد حصل و انّما الاختلاف في أنّه حصل صحيحا أو باطلاً.
الثانية: ما اذا كان النزاع في المعيّنة، بعد الاتّفاق على أصل التعيين كما اذا اتّفق الزوج مع ولي الزوجة على أنّهما عيّنا معيّنة و اختلفا في أنّها فاطمة أو خديجة، فان كان هناك شاهدان يشهدان بأنّ التي عيّناها كانت فاطمة مثلاً فهو، و الاّ فحيث انّ كلاًّ منهما مدّعٍ و منكر فيتحالفان و ينفسخ العقد في الظاهر، الاّ أنّ الواقع لايتغيّر عمّا هو عليه و ذلك لما تقدّم في كتاب القضاء من أنّ حكم الحاكم لايغيّر الواقع عمّا هو عليه، و على هذا فان علم الزوج بأنّ المعيّنة كانت خديجة مثلاً فيحرم عليه أمّها و بنتها و الجمع بينها و بين أختها و عليه مهرها و نفقتها وغير ذلك من أحكام الزوجيّة، فبناءً عليه ان حكم الحاكم بالافتراق للتحالف فالظاهر وجوب طلاقها رعاية لحكم الحاكم و عليه نصف مهرها لأنّه ان وطئها و الحال هذه فشهد عليه عند الحاكم شهود فلايبعد الحكم باجراء الحدّ عليهما. و بعد الطلاق يحلّ له أن يزوّجها ثانيا.
الثالثة: ما لو اتّفقا على التعيين بحسب القصد الاّ أنّه لم تذكر المعيّنة بحسب الخارج لا بالاسم و لا بالوصف أو الاشارة، و انّما هي معيّنة لدى الأب خاصّة حيث قصد هو واحدة بعينها فأجرى العقد عليها و قبل الزوج ذلك، ثمّ وقع الخلاف بينهما فقال الأب: انّما زوّجتك الكبرى من بناتي و قال الزوج: انّما قبلت زوجيّة بنتك الصغرى، و من ثمّ حصل الاختلاف و لم يحصل التطابق بين الايجاب و القبول، ففي هذه الصورة فالمرجع صحيحة أبي عبيدة الحذّاء قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل كنّ له ثلاث بنات أبكار فزوّج احداهنّ رجلاً و لم يسمّ التي زوّج للزوج و لا للشهود، و قد كان الزوج فرض لها صداقها فلمّا بلغ ادخالها على الزوج بلغ الزوج أنّها الكبرى من الثلاثة فقال الزوج لأبيها: انّما تزوّجت منك الصغيرة من بناتك قال: فقال أبو جعفر عليه السلام : ان كان الزوج رآهنّ كلّهنّ و لم يسمّ له واحدة منهنّ فالقول في ذلك قول الأب و على الأب فيما بينه و بين اللّه أن يدفع الى الزوج الجارية التي كان نوى أن يزوّجها ايّاه عند عقدة النكاح. و ان كان الزوج لم يرهنّ كلّهنّ و لم يسمّ له واحدة منهنّ عند عقدة النكاح فالنكاح باطل».(1)
و قال السيّد الخوئي رحمه اللّه: «الصحيح في هذه المسألة هو القول الأوّل أعني التفصيل بين رؤيته لهنّ و عدمها، فانّ رواية الحذّاء صحيحة سندا و واضحة دلالة و قد عمل بها جملة من الأصحاب كالشيخ و أتباعه و العلاّمة و المحقّق بل نسبفي الرياض العمل بها الى الأكثر. و حملها على بعض المحامل تعسّف محض، فالمتعيّن هو الحكم بالتفصيل تعبّدا، و رفع اليد عن القاعدة للنصّ».(2)
(مسألة 20): لايصحّ نكاح الحمل و انكاحه و ان علم ذكوريّته أو أنوثيّته و ذلك لانصراف الأدلّة. كما لايصحّ البيع و الشراء منه أو بتولّي الولي و ان قلنا بصحّة الوصيّة له عهديّة بل أو تمليكيّة أيضا.
الشرح:
يستدلّ على عدم جواز نكاح الحمل و انكاحه بأمور:
منها: ما ذكره المصنّف رحمه اللّه من انصراف الأدلّة عن ذلك.
و منها: عدم قابليّة الحمل لايقاع مثل هذا العقد عليه و كذا البيع و الهبة و غيرهما و لو بقبول الولي، فهو بالنسبة الى ذلك معامل معاملة الجمادات الاّ ما خرج بالدليل كالوصيّة له و نحوها كما ذكره في الجواهر.(1)
و منها: أنّه لا اطلاق لأدلّة النكاح حتّى يشمل الحمل فانّ الآيات و الروايات الواردة في النكاح جوازا و منعا واردة في الانسان الخارجي و من هو متّصف بالفعل بالانسانيّة كالرجل و المرأة و الصغير و البالغ و العبد و الأمة، و من الواضح عدم صدق شيء من هذه العناوين على الحمل.
و منها: انّ العرف يأبى عن ذلك، بل لعلّ اثبات الولاية للولي على جواز نكاح الحمل مشكل من جهة عدم قابليّة الموضوع.
و منها: الاجماع كما ادّعاه صاحب الجواهر حيث قال: «و الظاهر أنّ العمدة فيه الاجماع ان تمّ و الاّ فقد يقال بالصحّة المراعاة بقابليّة وقوع النكاح و عدم منافاةالتمييز بالتعدّد؛ لاطلاق الأدلّة. اللّهمّ الاّ أن يشكّ في تناولها لمثل ذلك فيبقى أصل عدم النقل سالما».
هذا في النكاح و أمّا البيع و الشراء و كذا الهبة له من وليّه فيمكن أن يقال بصحّته الاّ أنّ الظاهر انصراف الأدلّة عن الحمل الاّ فيما استثني كما فيما اذا كان
1) - جواهر الكلام 29: 158.
الحمل أحد الورّاث و لزم تبديل التركة لئلاّ تضيّع فحكم الحاكم ببيع التركة و حفظ سهم الحمل فكذا يجوز للوصي.
و أمّا الوصيّة له فهي منصوصة. و أمّا الوصيّة العهديّة مستقلّة ففيها اشكال و لو ضمّ الى بالغ فلا اشكال فيها.
(مسألة 21): لايشترط في النكاح علم كلّ من الزوج و الزوجة بأوصاف الآخر ممّا يختلف به الرغبات و تكون موجبة لزيادة المهر أو قلّته فلايضرّ بعد تعيين شخصها الجهل بأوصافها. فلاتجري قاعدة الغرر هنا.
الشرح:
تدلّ على ما في المتن أوّلاً: اطلاق آيات النكاح و رواياته الدالّة على جواز الزواج و النكاح و عدم اشتراطه بعلم كلّ من الزوج و الزوجة بأوصاف الآخر ممّا يختلف به الرغبات و تكون موجبة لزيادة المهر أو قلّته.
و ثانيا: استمرار السيرة القطعيّة الممضاة من قبل الشارع الى زمان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آلهو الأئمّة عليهم السلام على ذلك.
و ثالثا: الروايات الدالّة على جواز الفسخ في العيوب المعيّنة الموجبة للفسخ في الرجل و المرأة، فانّها تدلّ على عدم اشتراط علمهما بأوصاف الآخر قبل العقد.
الأولى: لايجوز في النكاح دواما أو متعة اشتراط الخيار في نفس العقد فلو شرطه بطل. و في بطلان العقد به قولان: المشهور على أنّه باطل. و عن ابن ادريس أنّه لايبطل ببطلان الشرط المذكور. و لايخلو قوله عن قوّة اذ لا فرق بينه و بين سائر الشروط الفاسدة فيه مع أنّ المشهور على عدم كونها مفسدة للعقد. و دعوى كون هذا الشرط منافيا لمقتضى العقد بخلاف سائر الشروط الفاسدة التي لايقولون بكونها مفسدة، كما ترى.
و أمّا اشتراط الخيار في المهر فلا مانع منه ولكن لا بدّ من تعيين مدّته و اذا فسخ قبل انقضاء المدّة، يكون كالعقد بلا ذكر المهر فيرجع الى مهر المثل. هذا في العقد الدائم الذي لايلزم فيه ذكر المهر. و أمّا في المتعة حيث انّها لاتصحّ بلا مهر فاشتراط الخيار في المهر فيها مشكل.
الشرح:
يدلّ على عدم جواز اشتراط الخيار في نفس العقد أنّ النكاح ينقسم الى قسمين الدائم و المنقطع و لا ثالث له و لشرط الخيار في العقد الدائم شائبة ايجادالقسم الثالث و ذلك لأنّ الزوجة لاتعلم متى تنقضي زوجيّتها.
و قد استدلّ عليه بوجوه أخر:
منها: انّه ليس معاوضة محضة و لهذا لايعتبر فيه العلم بالمعقود عليه برؤية و لا وصف رافع للجهالة و يصحّ من غير تسمية العوض و مع عوض فاسد.
و منها: انّ فيه شائبة العبادة كما مرّ و العبادات لايدخلها الخيار.
و منها: انّ اشتراط الخيار فيه يفضي الى فسخه بعد ابتذال المرأة و هو ضرر و لهذا وجب بالطلاق قبل الدخول نصف المهر جبرا له.
و منها: انّ مورد الخيار يكون في الحقوق مع أنّ النكاح حكم لا حقّ، و الأحكام لاتتغيّر.
و منها: دعوى الاجماع على عدم صحّة اشتراط ذلك في عقد النكاح بل دعوى كونه من ضروريّات الفقه كما في الجواهر رحمه اللّه.(1)
هذا، و أمّا بطلان العقد فقد ذهب اليه المشهور، و قد استدلّ عليه في المسالك بأنّ التراضي لم يقع بالعقد الاّ على هذا الوجه الذي لم يتمّ معهما.(2)
كما أنّ صاحب الجواهر قد بنى البطلان على أنّ كلّ شرط فاسد يقتضي ذلك؛ لأنّ الرضا وقع مقرونا به.
و قد عرفت أنّ المصنّف رحمه اللّه تبعا لابن ادريس قد ذهب الى أنّ عدم البطلان لايخلو عن قوّة و استدلّ عليه بأنّ الشرط الفاسد لايكون مفسدا على المشهور.
ولكن الظاهر أنّ شرط الخيار مع كونه فاسدا ينافي الجزم المعتبر في صحّة العقد و ذلك لأنّ الزوج الذي جعل لنفسه الخيار في أصل النكاح الى مدّة مثلاً لم يقصد النكاح الدائم و لا المنقطع، و قصد النكاح المتزلزل و هو قسم ثالث لايرد عليه حكم شرعي. و عليه فبطلان النكاح لايخلو عن قوّة.
الظاهر صحّة اشتراط الخيار في المهر كما في الشرائع و المسالك و الجواهر و غيرها و الظاهر أنّه لا خلاف فيها، و ذلك لأنّ ذكر المهر غير شرط في صحّة العقد فلايضرّ اشتراط الخيار فيه مدّة معلومة و ذلك لأنّ غايته فسخه و ابقاء العقد بغير مهر فتصير كالمفوّضة البضع و هو جائز و يرجع الى مهر المثل، كما في المسالك.
و ليعلم أنّه لا بدّ من تعيين المدّة و ذلك لأنّ الخيار اذا جهل مدّته صار غير قابل للجعل باعتبار أنّه لا واقع له.
ثمّ انّه ان فسخ قبل المدّة فيرجع الى مهر المثل و ان لم يفسخ فيثبت المهر المسمّى.
هذا في العقد الدائم الذي لايلزم فيه ذكر المهر، و أمّا في المنقطع حيث انّه لايصحّ بلا مهر فاشتراط الخيار فيها مشكل بل ممنوع و ذلك لأنّ مرجعه الى دوران العقد المنقطع بين وجود المهر فيه و خلوّه عنه و هو دوران العقد بين وجوده و عدمه و هو موجب للبطلان فيه لاعتبار ذكر المهر و الأجل فيه اجماعا.
الثانية: اذا ادّعى رجل زوجيّة امرأة فصدّقته أو ادّعت امرأة زوجيّة رجل فصدّقها حكم لهما بذلك في ظاهر الشرع و يرتّب جميع آثار الزوجيّة بينهما لأنّ الحقّ لايعدوهما و لقاعدة الاقرار، و اذا مات أحدهما ورثه الآخر و لا فرق في ذلك بين كونهما بلدييّن معروفين أو غريبين. و أمّا اذا ادّعى أحدهما الزوجيّة و أنكر الآخر فيجري عليهما قواعد الدعوى فان كان للمدّعي بيّنة و الاّ فيحلف المنكر أو يردّ اليمين فيحلف المدّعي و يحكم له بالزوجيّة و على المنكر ترتيب آثاره في الظاهر لكن يجب على كلّ منهما العمل على الواقع فيما بينه و بين اللّه و اذا حلف المنكر حكم بعدم الزوجيّة بينهما لكن المدّعي مأخوذ باقراره المستفاد من دعواه فليس له ان كان هو الرجل تزويج الخامسة و لا أمّ المنكرة و لا بنتها مع الدخول بها و لا بنت أخيها أو أختها الاّ برضاها و يجب عليه ايصال المهر اليها. نعم لايجب عليه نفقتها لنشوزها بالانكار. و ان كانت هي المدّعية لايجوز لها التزويج بغيره الاّ اذا طلّقها و لو بأن يقول: هي طالق ان كانت زوجتي و لايجوز لها السفر من دون اذنه و كذا كلّ ما يتوقّف على اذنه. و لو رجع المنكر الى الاقرار هل يسمع منه و يحكم بالزوجيّة بينهما؟ فيه قولان و الأقوى السماع اذا أظهر عذرا لانكاره و لم يكن متّهما و ان كان ذلك بعد الحلف و كذا المدعي اذا رجع عن دعواه و كذّب نفسه. نعم، يشكل السماع منه اذا كان ذلك بعد اقامة البيّنة منه على دعواه الاّ اذا كذّبت البيّنة أيضا نفسها.
الشرح:
قال في الشرائع: «اذا اعترف الزوج بزوجيّة امرأة فصدّقته أو اعترفت هي فصدّقها قضي بالزوجيّة ظاهرا و توارثا. و لو اعترف أحدهما قضي عليه بحكم العقد دون الآخر».(1)
1) - شرائع الاسلام 2: 218.
هذا حكم الاقرار و هكذا لو ادّعى رجل زوجيّة امرأة فصدّقته أو ادّعت امرأة فصدّقها، فانّ الادّعاء و الاقرار سيّان في الحكم لهما بالزوجيّة في ظاهر الشرع و يترتّب جميع آثار الزوجيّة بينهما و ذلك لأنّ الحقّ لايعدوهما كما ذكره المصنّف، و كما هو مقتضى السيرة القطعيّة العقلائيّة من جميع الطوائف و المذاهب بلا خلاف فيه كما هو الحال في دعوى النسب كما في المباني.(1)
و اذا مات أحدهما ورثه الآخر و لا فرق في ذلك بين كونهما بلدييّن معروفين أو غريبين، خلافا لبعض العامّة كما نقله عنهم في المسالك.(2)
اذا عرفت ذلك تعرف أنّ الدليل أوّلاً هو أنّ الحقّ لايعدوهما.
و ثانيا السيرة القطعيّة من جميع الطوائف.
و أمّا ما استدلّ به المصنّف رحمه اللّه من قاعدة الاقرار فاستشكل عليه السيّد الخوئي رحمه اللّهبأنّ التمسّك بهذه القاعدة لاثبات الزوجيّة في المقام غير واضح.
توضيحه: انّ القاعدة انّما تختصّ بما يكون على المقرّ و يعتبر ضررا عليه، و لاتشمل ما لايكون كذلك أو يكون فيه نفع له. و من هنا فحيث انّ للزوجيّة نوعين من الأثر ما يكون على الزوج أو الزوجة، و ما يكون لهما بالقياس الى الآخر، فلا مجال لاثباتها بالاقرار، و انّما يثبت باقرارهما ما يكون عليهما خاصّة من دون ما يكون لهما. فباقرار الزوج يثبت منعه من التزوج بأمّها و أختها و بنتها و تلزمه نفقتها، الى غير ذلك ممّا يكون عليه من الآثار. و أمّا جواز وطئه لها فلايثبت باقراره، لأنّه ليس من الاقرار على نفسه. و هكذا بالنسبة الى الزوجة، فانّه انّما يؤثّر في منعها من التزوّج بغيره و السفر أو الخروج بغير اذنه و يلزمها تمكينه من نفسها، الى غير ذلك من الآثار التي تكون عليها. و أمّا ما يكون لها من الآثار، كالدخول عليه من غير ساتر أو مطالبتها له بالنفقة، فلا يمكن إثباتها بهذه القاعدة.
و الحاصل أنّه لا مجال لاثبات عنوان الزوجيّة بالاقرار، حيث انّه يشتمل على ما يكون للمقرّ، و اذا لم يثبت ذلك فلا مجال لترتيب جميع الآثار كالارث و نحوه عليه و انّما يثبت به خصوص ما يكون على المقرّ. و من هنا فالصحيح في اثبات الزوجيّة في المقام، هو الاستدلال بأنّ الحقّ لايعدوهما، على ما تقتضيه السيرة العقلائيّة في التزويج و النسب.
هذا ما استشكل به السيّد الخوئي رحمه اللّه، ولكن الظاهر أنّه لا فرق بين الاعتراف الذي هو مساوٍ للاقرار من أحدهما و تصديق الآخر له، و بين ادّعاء أحدهما و تصديق الآخر، و عليه فلابأس في أن نستدلّ بقاعدة الاقرار هنا كما استدلّ به المصنّف و المسالك و الجواهر، فانّ المستفاد من قولهم عليهم السلام : «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز» هنا اثبات لوازم الزوجيّة على الطرفين و لهما.
هنا فرعان
قال في المسالك: «اذا ادّعى أحدهما و أنكر الآخر فالقول قول المنكر مع يمينه ان لم يكن للمدّعي بيّنة، ثمّ ان أقام المدّعي بيّنة أو حلف اليمين المردودة ثبت النكاح ظاهرا، و وجب عليهما مع ذلك مراعاة الحكم في نفس الأمر فان كان المثبت الزوج فله الطلب ظاهرا و عليها الهرب باطنا و هكذا. و ان لم يتّفق أحد الأمرين و حلف المنكر انتفى عنه النكاح ظاهرا».(1)
أقول:
تارة يدّعي الزوج الزوجيّة و تنكرها الزوجة، فان أقام بيّنة أو حلف اليمينالمردودة من الزوجة فيحكم الحاكم بزوجيّتهما في ظاهر الشرع، ولكن حكم
1) - مسالك الأفهام 7: 103.
الحاكم لايبدّل الواقع عمّا هو عليه و انّما هو قضاء لفصل الخصومة ظاهرا مع بقاء الواقع على حاله، فيجب عليهما فيما بينهما و بين اللّه العمل بما هو الواقع بمعنى أنّه ان كان الزوج صادقا في قوله عند الزوجة فيجب عليها مراعاة أحكام الزوجيّة و ان كان الزوج كاذبا في دعواه فيجب عليها الفرار كما يجب عليه الاعتزال عنها.
و في الصورتين يكون حلّ المشكلة باجراء صيغة النكاح حتّى يكون لهما مفرّ عند الحاكم و عند أنفسهما.
و أخرى الصورة بحالها الاّ أنّ المدّعي ليس له البيّنة فيحلف المنكر (الزوجة) فيحكم الحاكم بعدم الزوجيّة بينهما في ظاهر الشرع، لكنّ المدّعي مأخوذ باقراره المستفاد من دعواه، فليس له ان كان هو الرجل تزويج الخامسة و لا أمّ المنكرة و لا بنتها مع الدخول بها و لا بنت أخيها أو أختها الاّ برضاها و ذلك لاقراره النافذ على نفسه. نعم، لايجب عليه نفقتها؛ و ذلك لنشوزها بالانكار. و أمّا المهر فالظاهر وجوبه عليه لاقراره.
هذا بحسب الظاهر، ولكن يجب عليهما العمل بما حكم لهما الشرع فيما بينهما و بين اللّه تعالى، بمعنى أنّه ان كانت الزوجة كاذبة في انكارها فيجب عليها التمكين و لايجوز لها التزوّج برجل آخر.
هذا، و للفرار من أثر حكم الحاكم يوقعان صيغة النكاح ظاهرا.
و أمّا ان كان الزوج كاذبا في دعواه فلايلزم له مراعاة الأحكام المذكورة و ان كان يؤخذ بها لحكم الحاكم.
و ثالثة تكون الزوجة هي المدّعية و قد أقامت البيّنة أو حلفت اليمين المردودة فحكم الحاكم بزوجيّتهما ظاهرا، فان كانت كاذبة فيما بينها و بين اللّه تعالى، فلايجوز لها الخلوة بالزوج، و كذا لايجوز للزوج الخلوة بها و الاستمتاع منها و لايجب عليه نفقتها و لا مهرها. و عليهما للفرار من حكم الحاكم اجراء صيغةالطلاق ظاهرا، أو اجراء صيغة النكاح خفاءا.
و رابعة الصورة بحالها الاّ أنّه لايكون للزوجة بيّنة و لا حلفت اليمين المردودة، فحكم الحاكم بعدم الزوجيّة ظاهرا، ولكن الزوجة مأخوذة باقرارها فلايجوز لها التزوّج بغيره، الاّ اذا طلّقها و لو بأن يقول: «أنت طالق ان كنت زوجتي».
و لو امتنع الرجل عن الطلاق طلّقها الحاكم الشرعي بعد رفع أمرها اليه، و ذلك لكونه ممتنعا عن الانفاق و المرأة لاتبقى بلا زوج على ما ورد في بعض النصوص.
و لايبعد في هذه الصورة وجوب الحلف المردود على الزوجة ان كانت صادقة لئلاّتقع في مشكلة.
و لايخفى أنّه في هذه الصورة اذا علم الزوج بصدق الزوجة فلايجوز له في الواقع تزويج الخامسة و لا الجمع بينها و بين أختها و لا تزويج أمّها الى غير ذلك من أحكام الزوجيّة، و الظاهر وجوب المهر عليه و كذا النفقة بشرط تمكينها.
و أمّا ما أشار اليه المصنّف من عدم اباحة السفر لها من دون اذنه ففيه اشكال، لأنّ الرجل لايرى لنفسه حقّا عليها فلا وجه للحكم بتوقّف جوازه على اذنه.
قد عرفت كلام المصنّف رحمه اللّه في ذلك و أنّه اذا أظهر لانكاره عذرا فالأقوى سماع اقراره بعده اذا لم يكن متّهما و ان كان ذلك بعد الحلف.
و كذا المدّعي اذا رجع عن دعواه و كذّب نفسه، و قد استشكل فيما اذا كان الرجوع بعد اقامة البيّنة، الاّ اذا كذّبت البيّنة نفسها.
أقول:
تارة يكون رجوعه عن انكاره الزوجيّة، لما هو الواقع من العلم بالزوجيّة واقعامن دون الرجوع الى الحاكم، فهذا لا اشكال فيه كما تقدّم في الفرع الأوّل من أنّه
يجب عليهما العمل بما هو الواقع فيما بينهما و بين اللّه تعالى سواء كان بعد الحلف أو البيّنة و حكم الحاكم أو لم يكن.
و أخرى يكون بعد حكم الحاكم و يكون الرجوع عنده، فان علم الحاكم صدقه في رجوعه عن انكاره فعليه نقض حكمه مطلقا و ذلك لتبيّن خطئه.
و ان لم يعلم ذلك فلايجوز له نقض حكمه الاّ أنّه يؤخذ باقراره في خصوص الآثار التي تكون عليه دون ما يكون له و ذلك لأنّ اقراره هذا يكون حجّة عليه سواء كان زوجا أو زوجة، فان كان المقرّ الزوج يمنع من الخامسة و من التزوّج بأختها و أمّها و بنتها في صورة الدخول و أمّا الاستمتاع منها فيمنع منه. و لو كانت الزوجة راجعة عن انكارها فتمنع من التزوّج بالغير و أمّا الاستمتاع منه فلايجوز ظاهرا لحكم الحاكم، و ليعلم أنّ ذلك لا ربط له بما هو الواقع.
الثالثة: اذا تزوّج امرأة تدّعي خلوّها عن الزوج فادّعى زوجيّتها رجل آخر لم تسمع دعواه الاّ بالبيّنة. نعم له مع عدمها على كلّ منهما اليمين فان وجّه الدعوى على الامرأة فأنكرت و حلفت سقطت دعواه عليها و ان نكلت أو ردّت اليمين عليه فحلف لايكون حلفه حجّة على الزوج و تبقى على زوجيّة الزوج مع عدمها سواء كان عالما بكذب المدّعي أو لا، و ان أخبر ثقة واحد بصدق المدّعي و ان كان الأحوط حينئذ طلاقها فيبقى النزاع بينه و بين الزوج فان حلف سقطت دعواه بالنسبة اليه أيضا و ان نكل أو ردّ اليمين عليه فحلف حكم له بالزوجيّة اذا كان ذلك بعد أن حلف في الدعوى على الزوجيّة بعد الردّ عليه و ان كان قبل تماميّة الدعوى مع الزوجيّة فيبقى النزاع بينه و بينها كما اذا وجّه الدعوى أوّلاً عليه.
و الحاصل أنّ هذه الدعوى على كلّ من الزوج و الزوجة فمع عدم البيّنة ان حلفا سقطت دعواه عليهما و ان نكلا أو ردّ اليمين عليه فحلف ثبت مدّعاهو ان حلف أحدهما دون الآخر فلكلّ حكمه فاذا حلف الزوج في الدعوى
عليه فسقطت بالنسبة اليه و الزوجة لم تحلف بل ردّت اليمين عليه أو نكلت و ردّ الحاكم عليه فحلف و ان كان لايتسلّط عليها لمكان حقّ الزوج الاّ أنّه لو طلّقها أو مات عنها ردّت اليه سواء قلنا: انّ اليمين المردودة بمنزلة الاقرار أو بمنزلة البيّنة أو قسم ثالث. نعم، في استحقاقها النفقة و المهر المسمّى على الزوج اشكال خصوصا ان قلنا انّه بمنزلة الاقرار أو البيّنة.
هذا كلّه اذا كانت منكرة لدعوى المدّعي و أمّا اذا صدّقته و أقرّت بزوجيّته فلايسمع بالنسبة الى حقّ الزوج ولكنّها مأخوذة باقرارها فلاتستحقّ النفقة على الزوج و لا المهر المسمّى بل و لا مهر المثل اذا دخل بها لأنّها بغيّة بمقتضى اقرارها الاّ أن تظهر عذرا في ذلك و تردّ على المدّعي بعد موت الزوج أو طلاقه الى غير ذلك.
الشرح:
في المسألة فرعان:
الظاهر جواز تزويج المرأة بدعواها خلوّها عن الزوج و تصديقها على نفسها و ذلك لصحيحة ميسّر قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : ألقى المرأة بالفلاة التي ليس فيها أحد فأقول لها: لك زوج؟ فتقول: لا، فأتزوّجها؟ قال: نعم، هي المصدّقة على نفسها».(1)
كما قلنا بذلك في غير هذا المورد ممّا يتعلّق بأمر المرأة كتصديقها على كونها في العدّة أو خارجة عنها أو كونها في أيّام العادة أو الطهر أو غير ذلك.
1) - وسائل الشيعة 21: 30 / الباب 10 من أبواب المتعة / الحديث 1.
و الظاهر عدم وجوب التفحّص عن صدق دعواها للروايات الدالّة على ذلك كرواية فضل مولى محمّد بن راشد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت: انّي تزوّجت امرأة متعة فوقع في نفسي أنّ لها زوجا ففتّشت عن ذلك فوجدت لها زوجا، قال: لِم فتّشت؟».(1)
لو تزوّجها بدعوى خلوّها عن الزوج، ثمّ وجد رجل آخر ادّعى زوجيّتها فان كان له بيّنة قبل قوله، يدلّ على ذلك رواية يونس قال:
«سألته عن رجل تزوّج امرأة في بلد من البلدان فسألها لك زوج؟ فقالت: لا، فتزوّجها ثمّ انّ رجلاً أتاه فقال: هي امرأتي فأنكرت المرأة ذلك، ما يلزم الزوج فقال: هي امرأته الاّ أن يقيم البيّنة».(2)
و مكاتبة الحسين - يعني ابن سعيد - مثلها.
و أمّا لو لم تكن له بيّنة فاختلفت كلماتهم في حكمه و قد عرفت كلام المصنّف رحمه اللّه في ذلك و أنّ الحكم في ذلك اجراء قواعد الدعوى، توضيحه:
انّه قد ثبت في محلّه أنّ المدّعي اذا لم تكن له بيّنة فعلى المنكر اليمين، فان حلف ثبت الحكم له و ان ردّ اليمين على المدّعي فحلف ثبتت دعواه و ان نكل المنكر عن اليمين فامّا أن يردّ الحاكم اليمين على المدّعي أو يقضي بنكوله علىالاختلاف المذكور في كتاب القضاء.
و أمّا ما نحن فيه فالمدّعي يكون مقابلاً باثنين الزوج و الزوجة فقد فصّل المصنّف رحمه اللّه المسألة في ثلاث صور:
الأولى: أن يبتدئ المدّعي بتوجيه الدعوى الى المرأة، فان أنكرت و حلفت سقطت دعواه عليها. و أمّا ان نكلت أو ردّت اليمين عليه فحلف فتوجّه الدعوى الى الزوج الذي هو منكر أيضا فان حلف سقطت دعواه بالنسبة اليه. و ان نكل أو ردّ اليمين عليه فحلف المدّعي حكم له بالزوجيّة و ثبت مدّعاه.
الثانية: ما لو حلف أحدهما دون الآخر فلكلّ حكمه، فاذا حلف الزوج سقط الدعوى بالنسبة اليه، فان لم تحلف المرأة بل ردّ اليمين على المدّعي أو نكلت و ردّ الحاكم عليه اليمين فحلف، فتبقى الزوجيّة مادام الزوج باقيا و لو طلّقها أو مات عنها ردّت الى المدّعي.
الثالثة: ما اذا صدّقته الزوجة و أقرّت بزوجيّته دون الزوج فلايسمع بالنسبة الى حقّ الزوج لكونها اقرارا و اعترافا في حقّ الغير و لايثبت به بطلان الزوجيّة المحكومة بالصحّة ظاهرا. ولكن الزوجة تؤخذ باقرارها فلاتستحقّ مطالبة النفقة و لا المهر المسمّى على الزوج لاعترافها بأنّها بغيّة - ان لم تظهر عذرا في ذلك - و تردّ على المدّعي بعد موت الزوج أو طلاقه أو غير ذلك. هذا ما ذهب اليه المصنّف.
ولكن ذهب جماعة من علمائنا - و منهم السيّد الخوئي رحمه اللّه - الى أنّ الزوجيّة للمدّعي لاتثبت الاّ بالبيّنة و أنّه لا وجه لليمين فيما نحن فيه و ذلك أوّلاً لما تقدّم من الروايات الدالّة على ثبوت الزوجيّة بالبيّنة كمكاتبة ابن سعيد فانّها تدلّ على أنّ القضاء منحصر في المقام بالبيّنة بحيث لايمكن الحكم بزوجيّتها للمدعّي الاّ بها، مضافا الى صحيحة عبدالعزيز المهتدي قال:
«سألت الرضا عليه السلام قلت: جعلت فداك، انّ أخي مات و تزوّجت امرأته فجاء عمّي فادّعى أنّه كان تزوّجها سرّا فسألتها عن ذلك فأنكرت أشدّ الانكار و قالت: ما كان بيني و بينه شيء قطّ، فقال: يلزمكاقرارها و يلزمه انكارها».(1)
1) - وسائل الشيعة 20: 300 / الباب 23 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد / الحديث 1.
و ثانيا: لأنّه لا مجال لوصول النوبة في المقام الى اليمين و ذلك لأنّ الزوج ليس منكرا لما يدّعيه الآخر كي تتوجّه اليه اليمين، فانّه لايدّعي الاّ زوجيّة المرأة له استنادا الى العقد عليها، المحكوم بالصحّة بحسب الظاهر لدعواها خلوّها من البعل. و كذا المرأة فلاتتوجّه عليها اليمين لأنّها أقرّت بخلوّها عن الزوج.
و ثالثا: لأنّ اليمين انّما تتوجّه على المنكر فيما اذا كان لاعترافه أثر، بحيث لو أقرّ لكان اقراره مسموعا، و الحال أنّه لم يسمع لأنّه اقرار في حقّ الغير. و كذا لو لم تحلف و ردّت اليمين الى المدّعي فحلف لم يكن للحاكم الحكم بزوجيّتها للمدّعي، نظرا الى كونها زوجة للغير ظاهرا فلا أثر لهذا التحليف و ذلك الاقرار.
أقول:
قد تقدّم منّا البحث عن ذلك في كتاب القضاء و قلنا هناك باجراء أحكام الدعاوي في هذه المسألة أيضا كما أنّ السيّد المحقّقالخوئي رحمه اللّه قد ذهب الى ذلك في مباني تكملة المنهاج حيث قال: «اذا ثبتت الزوجيّة باعتراف كلّ من الرجل و المرأة، و ادّعى شخص آخر زوجيّتها له، فان أقام البيّنة على ذلك فهو و الاّ فله احلاف أيّهما شاء».(1)
و قلنا هناك بأنّ الحكم في هذه المسألة مطابق لما هو الثابت من القواعد الكلّيّة:
فانّ الشخص الثالث في المثال هو المدّعي و الزوجين هما المنكران، فلمّا كانت الدعوى واحدة فان كانت للمدّعي بيّنة فليأت بها و الاّ فأيّهما حلف انقطعت الدعوى بالنسبة اليه، و أمّا ان ردّا اليمين على المدّعي فان حلف ثبتت دعواه و ان لم يحلف سقطت، و ان نكلا معا يحكم عليهما.
و قد ذكرنا في موضع آخر منه في ذكر مورد جواز ردّ اليمين أنّه قد ذكر بعض أنّ منصرف روايات ردّ اليمين على المدّعي هو الحقّ المالي، ففي مثله يجب على
1) - مباني تكملة المنهاج 41: 72.
المنكر الحلف أو الردّ، لا في غيره من أنواع الحقّ، و ذكر لذلك مثالاً و هو أنّه لو تنازع رجل و امرأة و ادّعى الرجل زوجيّتها فأنكرت المرأة، فليس لها ردّ اليمين على الرجل على وجه لو حلف يثبت عندئذ كونها زوجته.
و قلنا فيه بأنّه ان كانت المرأة محقّة واقعا و ليس للرجل بيّنة على دعواه فعلى المرأة اليمين على عدم الزوجيّة و ليس لها الردّ على الرجل و لا عدم الحلف تنزيها للّه تعالى، و ذلك لوقوعها في المعصية قطعا لو لم تحلف.
و أمّا لو لم تبال و ردّت اليمين على الرجل فعلى القاضي في مثل ذلك، العمل بوظيفته الظاهريّة مع عدم علمه بالقضيّة. فيردّ اليمين على المدّعي فان حلف فيحكم على طبقها.
هذا ما تقدّم منّا في كتاب القضاء، ان شئت فراجع.(1)
و قال الامام الخميني رحمه اللّه: «اذا تزوّج امرأة تدّعي أنّها خليّة عن الزوج فادّعى رجل آخر زوجيّتها فهذه الدعوى متوجّهة الى كلّ من الزوج و الزوجة فان أقام المدّعي بيّنة شرعيّة حكم له عليهما و فرّق بينهما و سلّمت اليه و مع عدم البيّنة توجّه اليمين اليهما فان حلفا معا على عدم زوجيّته سقطت دعواه عليهما و ان نكلا عن اليمين فردّها الحاكم عليه أو ردّاها عليه و حلف ثبت مدّعاه و ان حلف أحدهما دون الآخر بأن نكل عن اليمين فردّها الحاكم عليه أو ردّ هو عليه فحلف سقطت دعواه بالنسبة الى الحالف، و أمّا بالنسبة الى الآخر و ان ثبتت دعوى المدّعي بالنسبة اليه لكن ليس لهذا الثبوت أثر بالنسبة الى من حلف، فان كان الحالف هو الزوج و الناكل هي الزوجة ليس لنكولها أثر بالنسبة الى الزوج الاّ أنّه لو طلّقها أو مات عنها ردّت الى المدّعي، و ان كان الحالف هي الزوجة و الناكل هوالزوج سقطت دعوى المدّعي بالنسبة اليها و ليس له سبيل اليها على كلّ حال».(2)
و على هذا فان حلف أحدهما دون الآخر فان كان الحالف هو الزوج و الناكل هي الزوجة لايكون لنكولها أثر بالاضافة الى الزوج بل لو طلّقها أو مات عنها تردّ الى المدّعي.
و ليعلم أنّه ربما يستشكل في ردّها الى المدّعي بعد موت الزوج و لذا نقول بأنّ الاحتياط بتجديد العقد بعد موت الزوج لايترك، ولكن ليس للمرأة الامتناع عن هذا العقد الجديد بل يجبرها الحاكم، بعد انقضاء عدّة الأولى على أن تزوّج نفسها للثاني.
و اعلم أنّ ما ذكرنا من الأحكام - كما ذكره هؤلاء الأعلام - لا ربط له بما هو الواقع بينهم و بين اللّه تعالى، و عليه فعلى الثلاثة أن يعاملوا مع غيرهم على ما علموا من الواقع و حكم الحاكم لايغيّر الواقع عمّا هو عليه.
و أمّا ما ذكره السيّد الخوئي رحمه اللّه هنا من أنّه لا وجه لليمين فيما نحن فيه ففيه - مضافا الى أنّه مخالف لما ذكره في مباني تكملة المنهاج - أوّلاً: انّ الظاهر من المكاتبة و الصحيحة و سائر الروايات هو عدم الرجوع الى الحاكم، فلو رجع المدّعي الى الحاكم و ادّعى أنّها زوجته فأحضرهما فتتصوّر الصور التي ذكرناها عن المصنّف، التي من جملتها اقامة البيّنة، و عليه فما هو المذكور في المكاتبة من قوله عليه السلام : «الاّ أن يقيم البيّنة» هو أحد الصور المذكورة و هو ما اذا كان للمدّعي بيّنة، و لايذكر عليه السلام حكم سائر الصور و أنّه لو لم تكن له بيّنة فتصل النوبة الى اليمين الى غير ذلك، و عليه فالحصر في الرواية اضافي.
و ثانيا: ليس الأمر كما ذكره رحمه اللّه من عدم سماع اقرارها أو عدم تحليف المدّعي لكونه بلا فائدة، فانّ اقرارها أو تحليف المدّعي يفيد فيما اذا طلّقها أو مات زوجها فانّها راجعة الى المدّعي. و كذا يفيد في عدم جواز طلبها النفقة أو المهر و ان كانعلى زوجها نفقتها و مهرها لادّعائه أنّها زوجته.
الرابعة: اذا ادّعى رجل زوجيّة امرأة و أنكرت فهل يجوز لها أن تتزوّج من غيره قبل تماميّة الدعوى مع الأوّل و كذا يجوز لذلك الغير تزويجها أو لا الاّ بعد فراغها من المدّعي؟ وجهان من أنّها قبل ثبوت دعوى المدّعي خليّة و مسلّطة على نفسها. و من تعلّق حقّ المدّعي بها و كونها في معرض ثبوت زوجيّتها للمدّعي مع أنّ ذلك تفويت حقّ المدّعي اذا ردّت الحلف عليه و حلف فانّه ليس حجّة على غيرها و هو الزوج. و يحتمل التفصيل بين ما اذا طالت الدعوى فيجوز للضرر عليها بمنعها حينئذ و بين غير هذه الصورة. و الأظهر الوجه الأوّل و حينئذ فان أقام المدّعي بيّنة و حكم له بها كشف عن فساد العقد عليها و ان لم يكن له بيّنة و حلفت بقيت على زوجيّتها. و ان ردّت اليمين على المدّعي و حلف ففيه وجهان من كشف كونها زوجة للمدّعي فيبطل العقد عليها و من أنّ اليمين المردودة لايكون مسقطا لحقّ الغير و هو الزوج و هذا هو الأوجه، فيثمر فيما اذا طلّقها الزوج أو مات عنها فانّها حينئذ تردّ على المدّعي. و المسألة سيّالة تجري في دعوى الأملاك و غيرها أيضا و اللّه العالم.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة السابقة أنّ المرأة اذا ادّعت كونها خليّة من الزوج صدّقت، فالقول في هذه المسألة أيضا كذلك، فانّ المرأة بعد دعوى الرجل عليها و قبل اثباتها تدّعي كونها خليّة فصدّقت و يجوز تزويجها، و يجوز لها التزوّج بالغير. و اذا تزوّجت ثمّ تعرّض ذلك الرجل الأوّل الى دعواه فتارة يقيم البيّنة و أخرى يحلف اليمين المردودة و قد فصّلنا البحث عنه في المسألة السابقة فلانعيد.و قال السيّد الخوئي في وجه ما ذهب اليه المصنّف من الوجه الأوّل: «لبطلان الوجوه التي استدلّ بها على المنع. فانّ مانعيّة الوجه الأوّل و الثاني مصادرة على المدّعى، فانّها أوّل الكلام و عين محلّ النزاع. و الوجه الثالث لم يظهر له معنى
محصّل، فانّ دعوى المدّعي لاتسقط بالتزويج جزما، بل له الترافع الى الحاكم حتّى بعد تزويجها من غيره. نعم، تزوّجها من غيره يوجب عجزه عن اثبات مدّعاه فيما اذا لم تكن له بيّنة، لأنّه حينئذ ليس له احلافها على ما اخترناه، باعتبار أنّ توجّه اليمين فرع قبول الاقرار فاذا لم يكن اقرارها مسموعا لم يكن معنىً لتوجّه اليمين اليها.
و كذا بناءً على ما اختاره الماتن قدس سره من توجّه اليمين اليها، فانّها ان حلفت انفسخت دعواه، و ان نكلت و ردّت اليمين اليه فحلف لم يقتض ذلك بطلان الزوجيّة الثابتة ظاهرا، لأنّه من قبيل الاقرار من حقّ الغير. الاّ أنّ ذلك لا محذور فيه، لعدم الدليل على عدم جواز تعجيز المدّعي عن اثبات دعواه، و كون الدعوى مانعا من تصرّف المكلّف في ماله أو نفسه.
و من هنا فالظاهر أنّه لا مانع من تزوّجها من غيره و تزوّج الغير منها، نظرا الى حجيّة قولها في كونها خليّة كما دلّت عليه جملة من النصوص، فيصحّ و ان أوجب ذلك عجز المدّعي عن اثبات مدّعاه باليمين المردودة».(1)
قال في المسالك: «و ممّا يتفرّع على الخلاف الأوّل (يعني: الخلاف في المسألة الثالثة) جواز العقد على هذه لغير المدّعي قبل انتهاء الدعوى و عدمه. فان قلنا بسماعها بعد التزويج و ترتّب فائدتها السابقة صحّ العقد الثاني، و بقيت الدعوى بحالها. لكن العقد الثاني يفيد سقوط تسلّط المدّعي على البضع، فيحتمل لذلك عدم جواز العقد حتّى ينهي الأوّل دعواه، لسبق حقّه، فلايسقطه الثاني بعقده. نعم، لو تراخى الأوّل في الدعوى أو سكت عنها فجواز العقد أجود، حذرامن الاضرار المترتّب على المنع، فانّ الزوج اذا علم بعدم اقدام أحد عليها أمكن أن يؤخّر دعواه لذلك ليطول الأمر عليها، و يتوجّه عليها الضرر بترك التزويج، فيكون وسيلة الى الرجوع اليه، و هو يستلزم الحرج و الاضرار المنفيين بالآية و
1) - المباني 33: 182.
الرواية. و ان قلنا بعدم سماع الدعوى على المعقود عليها أصلاً - كما ذهب اليه المصنّف - اتّجه عدم جواز تزويجها الى أن تخرج من حقّه بانتهاء الدعوى. و يشكل الأمر حينئذ لو ماطل بها و قصد ما ذكرناه و لعلّ الجواز حينئذ مطلقا قوي».(1)
ثمّ انّ المصنّف رحمه اللّه قال في آخر كلامه بأنّ هذه المسألة سيّالة جاء نظيرها في غير النكاح ولكن السيّد الخوئي رحمه اللّه لم يرتض بهذا الكلام و استشكل فيه بأنّ بين الزوجيّة و غيرها فرقا واضحا. فانّ في غير الزوجيّة يمكن للمدّعي عند عدم البيّنة اثبات دعواه باليمين المردودة، و هذا بخلاف الحال في الزوجيّة، حيث قد عرفت أنّه لا مجال لاثباتها بها.
و من هنا فلو فرضنا أنّ من بيده الدار مثلاً قد باعه، حكم بصحّته لقاعدة اليد.
الاّ أنّ ذلك لايوجب سقوط دعوى المدّعي، بل له الترافع لدى الحاكم. و حينئذ فان أقام بيّنة على مدّعاه حكم ببطلان البيع، لظهور عدم كون البائع مالكا، و الاّ كان له احلاف المنكر البائع فان حلف سقطت دعواه و الاّ كان له ردّ اليمين على المدّعي، فان حلف كان أثره تغريم البائع قيمة الدار لاتلافه عليه الدار فيكون ضامنا له دون شخص العين المبيعة اذ لا أثر لاعترافه بالنسبة اليها، لكونه من الاعتراف في حقّ الغير و هو المشتري.
و هذا بخلاف الزوجيّة، حيث لا أثر لاعتراف المرأة المنكرة بالنسبة الى الزوجيّة الفعليّة، سواء كان الاعتراف صريحا أو من جهة ردّها اليمين على المدّعي، لكونه اعترافا في حقّ الغير فلايسمع.
نعم، ذكر أنّ أثره يظهر فيما لو مات الزوج الظاهري أو طلّقها حيث ترجع الى المدّعي، الاّ أنّ ذلك مسألة أخرى غير ما نحن فيه. بخلاف الأموال، حيث يسمع فيها اقرار المنكر، و في حكمه حلف المدّعي عند ردّه عليه، لكن لا أثر له بالنسبة
1) - مسالك الأفهام 7: 112.
الى العين المنتقلة الى الغير، و انّما يثبت له بذلك المثل أو القيمة.
هذا ما استشكل به السيّد الخوئي رحمه اللّه بناءً على ما ذهب اليه، و قد عرفت أنّ الحلف يتوجّه على طرفي الدعوى في النكاح أيضا من غير اشكال و أنّه اذا أقيمت البيّنة بعد التزويج كشف عن بطلان التزويج و أنّ الحلف بعد التزويج يكون ذا أثر و هو ردّها اليه بعد الطلاق أو الموت.
نعم، ما ذكره من أنّ اعتراف المنكر لا أثر له بالنسبة الى الزوجيّة الفعليّة، في محلّه.
الخامسة: اذا ادّعى رجل زوجيّة امرأة فأنكرت و ادّعت زوجيّته امرأة أخرى لايصحّ شرعا زوجيّتها لذلك الرجل مع الامرأة الأولى كما اذا كانت أخت الأولى أو أمّها أو بنتها فهناك دعويان احداهما من الرجل على الامرأة و الثانية من الامرأة الأخرى على ذلك الرجل و حينئذ فامّا أن لايكون هناك بيّنة لواحد من المدّعيين أو يكون لأحدهما دون الآخر أو لكليهما. فعلى الأوّل يتوجّه اليمين على المنكر في كلتا الدعويين فان حلفا سقطت الدعويان و كذا ان نكلا و حلف كلّ من المدّعيين اليمين المردودة و ان حلف أحدهما و نكل الآخر و حلف مدّعيه اليمين المردودة سقطت دعوى الأوّل و ثبت مدّعى الثاني.
و على الثاني و هو ما اذا كان لأحدهما بيّنة يثبت مدّعى من له البيّنة و هل تسقط دعوى الآخر أو يجري عليه قواعد الدعوى من حلف المنكر أو ردّه؟ قد يدّعى القطع بالثاني؛ لأنّ كلّ دعوى لا بدّ فيها من البيّنة أو الحلف ولكن لايبعد تقوية الوجه الأوّل؛ لأنّ البيّنة حجّة شرعيّة و اذا ثبت بها زوجيّة احدى الامرأتين لايمكن معه زوجيّة الأخرى؛ لأنّ المفروض عدم امكان الجمع بين الامرأتين فلازم ثبوت زوجية احداهما بالأمارة الشرعيّة عدم زوجيّة الأخرى.
و على الثالث فامّا أن يكون البيّنتان مطلقتين أو مؤرّختين متقارنتين أو تاريخ احداهما أسبق من الأخرى، فعلى الأوّلين تتساقطان و يكون كما لو لم يكن بيّنة أصلاً. و على الثالث ترجّح الأسبق اذا كانت تشهد بالزوجيّة من ذلك التاريخ الى زمان الثانية. و ان لم تشهد ببقائها الى زمان الثانية فكذلك اذا كانت الامرأتان الأمّ و البنت مع تقدّم تاريخ البنت بخلاف الأختين و الأمّ و البنت مع تقدّم تاريخ الأمّ لامكان صحّة العقدين بأن طلّق الأولى و عقد على الثانية في الأختين و طلّق الأمّ مع عدم الدخول بها و حينئذ ففي ترجيح الثانية أو التساقط وجهان.
هذا، ولكن وردت رواية تدلّ على تقديم بيّنة الرجل الاّ مع سبق بيّنة
الامرأة المدّعية أو الدخول بها في الأختين و قد عمل بها المشهور في خصوص الأختين و منهم من تعدّى الى الأمّ و البنت أيضا ولكن العمل بها حتّى في موردها مشكل لمخالفتها للقواعد و امكان حملها على بعض المحامل التي لاتخالف القواعد.
الشرح:
بعد ما عرفت فرض المسألة من أنّ هناك دعويين: دعوى من الرجل على المرأة و دعوى من المرأة الأخرى على الرجل، و علمت من المصنّف تقسيم صور المسألة الى ثلاث فاليك حكم الصور:
الصورة الأولى: ما اذا لم يكن لواحد من المدّعيين بيّنة، فطبقا لقواعد القضاء يتوجّه اليمين على المنكر في كلتا الدعويين، فتارة حلف كلاهما فحينئذ سقطت الدعويان و ينتج عدم الزوجيّة في كلّ من المرأتين للرجل، فاذا حلفت المرأة الأولى سقطت دعوى الرجل زوجيّتها، و اذا حلف الرجل على انكار دعوى الثانية سقطت دعواها زوجيّته.
و أخرى: نكل المنكران معا فحكم القاضي عليهما أو ردّا اليمين على المدّعيين فحلفا جميعا اليمين المردودة، فهنا أيضا سقطت الدعويان، و ذلك لأنّه اذا حلف الرجل اليمين المردودة من المرأة الأولى ثبتت زوجيّته لها، و اذا حلفت المرأة الثانية اليمين المردودة من الرجل عليها ثبتت زوجيّتها له، و حينئذ كان مقتضى قواعد القضاء ثبوت دعوى كلّ من المدّعيين، لكن في خصوص المقام لمّا لم يمكن الجمع بينهما - على الفرض من كونهما أختين أو أمّ و بنت - و لم يكن مرجّح لاحدى الدعويين على الأخرى فتساقطان، فينتج أنّ الحكم في هذه الصورة أيضا عين الصورة الأولى من عدم ثبوت الزوجيّة لأيّ من المرأتين للرجل.
فان قلت: اذا حلف أحدهما اليمين المردودة أوّلاً، رجّح ثبوت دعواه على
الآخر. قلت: انّ صرف تقدّم أحد الحلفين على الآخر لايوجب ترجيحا له، بعد أن كان قوله عليه السلام : «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» بالنسبة الى كليهما على حدّ سواء.
و ثالثة: حلف أحد المنكرين و نكل الآخر أو ردّ اليمين على مدّعيه فحلف المدّعي اليمين المردودة، ففي هذا الحال سقطت دعوى الأوّل و ثبتت دعوى الثاني.
فان كان الحالف هو الرجل في انكار دعوى المرأة الثانية، فسقطت دعوى المرأة زوجيّته و ثبتت دعوى الرجل زوجيّة المرأة الأولى بحلفه اليمين المردودة.
و ان كان الحالف هي المرأة الأولى في انكارها دعوى الرجل، سقطت دعوى الرجل زوجيّتها و ثبتت دعوى المرأة الثانية زوجيّته بحلفها اليمين المردودة.
الصورة الثانية: أن يكون لأحد المدّعيين بيّنة دون الآخر، ففي هذه الصورة تثبت دعوى صاحب البيّنة و تسقط دعوى الآخر، فان كانت البيّنة للرجل تثبت زوجيّة المرأة الأولى له، و تسقط دعوى المرأة الثانية.
و ان كانت البيّنة للمرأة الثانية تثبت زوجيّتها للرجل و تسقط دعواه زوجيّة المرأة الأولى.
و اعلم أنّ سقوط دعوى غير صاحب البيّنة هنا حتمي و ان قلنا بجريان قواعد الدعوى من حلف المنكر أو ردّه و ذلك لأنّه اذا ثبت بالبيّنة التي هي حجّة شرعيّة زوجيّة احدى المرأتين الّتين لايمكن الجمع بينهما لرجل، تسقط دعوى الأخرى زوجيّته أو دعوى الرجل زوجيّة الأخرى و ذلك لعدم امكان الجمع بينهما، فلاتصل النوبة الى التعرّض للدعوى الثانية.
الصورة الثالثة: أن يكون لكليهما بيّنة، فتارة يكون البيّنتان مطلقتين أو مؤرّختين متقارنتين فحينئذ تتساقطان و يكون كما لو لم يكن بيّنة أصلاً و ذلك لعدم امكان الجمع بينهما لتعارضهما و تكاذبهما و عدم وجود مرجّح لاحداهما على الأخرى.
و أخرى يكون تاريخ احداهما أسبق من الأخرى فحينئذ ترجّح الأسبق اذا كانت تشهد بالزوجيّة من ذلك التاريخ الى زمان الثانية.
و كذلك ان لم تشهد ببقائها الى زمان الثانية اذا كانت الامرأتان الأمّ و البنت مع تقدّم تاريخ البنت و ذلك لأنّه اذا تزوّج البنت حرمت عليه الأمّ بصرف العقد و لايحلّ له العقد عليها و لو بعد طلاق البنت.
و هذا بخلاف الأختين و الأمّ و البنت مع تقدّم تاريخ الأمّ لامكان صحّة العقدين بأن طلّق الأولى و عقد على الثانية في الأختين و طلّق الأمّ مع عدم الدخول بها و عقد على بنتها و حينئذ ففي ترجيح الثانية أو التساقط وجهان.
و هنا رواية - قد أشار اليها المصنّف رحمه اللّه - تدلّ على تقديم بيّنة الرجل الاّ مع سبق بيّنة المرأة المدّعية أو الدخول بها في الأختين و قد ادّعى المصنّف رحمه اللّه عمل المشهور بها في خصوص الأختين و ذكر أنّ منهم من تعدّى منهما الى الأمّ و البنت أيضا.
و قد استشكل المصنّف رحمه اللّه في العمل بها لمخالفتها للقواعد.
و هي ما رواها محمّد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن أبيه و عن علي بن محمّد القاساني عن القاسم بن محمّد عن سليمان بن داود عن عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن الزهري عن علي بن الحسين عليهماالسلام في رجل ادّعى على امرأة أنّه تزوّجها بولي و شهود و أنكرت المرأة ذلك فأقامت أخت هذه المرأة على هذا الرجل البيّنة أنّه تزوّجها بولي و شهود و لم يوقّتا وقتا فكتب:
«انّ البيّنة بيّنة الرجل و لاتقبل بيّنة المرأة لأنّ الزوج قد استحقّ بضع هذه المرأة و تريد أختها فساد النكاح فلاتصدّق و لاتقبل بيّنتها الاّ بوقت قبل وقتها أو بدخول بها».(1)
و الرواية ضعيفة من حيث السند مضافا الى أنّ القاعدة تقتضي تساقط البيّنتين
1) - وسائل الشيعة 20: 299 / الباب 22 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد / الحديث 1.
الاّ أن تحمل الرواية على ما اذا كانت الأخت متّهمة كما يشهد بها قوله عليه السلام : «و تريد أختها فساد النكاح».
و كيف كان فما ذكره الماتن من أنّ العمل بها حتّى في موردها مشكل، وجيه، مع قطع النظر عن عمل الأصحاب، ولكن حيث عمل المشهور بها في موردها فينجبر ضعفها، فالأوجه هو العمل بالرواية في موردها.
السادسة: اذا تزوّج العبد بمملوكة ثمّ اشتراها باذن المولى فان اشتراها للمولى بقي نكاحها على حاله و لا اشكال في جواز وطئها و ان اشتراها لنفسه بطل نكاحها و حلّت له بالملك على الأقوى من ملكيّة العبد و هل يفتقر وطؤها حينئذ الى الاذن من المولى أو لا؟ وجهان أقواهما ذلك؛ لأنّ الاذن السابق انّما كان بعنوان الزوجيّة و قد زالت بالملك فيحتاج الى الاذن الجديد، و لو اشتراها لا بقصد كونها لنفسه أو للمولى فان اشتراها بعين مال المولى كانت له و تبقى الزوجيّة و ان اشتراها بعين ماله كانت له و بطلت الزوجيّة و كذا ان اشتراها في الذمّة؛ لانصرافه الى ذمّة نفسه و في الحاجة الى الاذن الجديد و عدمها الوجهان.
الشرح:
اذا تزوّج العبد بمملوكة ثمّ اشتراها باذن المولى فان اشتراها للمولى بقي نكاحها على حاله بلا خلاف فيه ظاهر و لا اشكال، و يظهر منهم أنّه من المسلّمات - كما في المستمسك - و يقتضيه الأصل؛ اذ ليس ما يحتمل ابطاله العقد الاّ الانتقال من مالك الى آخر، و لم يقم دليل على ابطاله فيتعيّن البناء على عدمه.
و أمّا جواز وطئها فمنوط باحراز الاذن من سيّده و ذلك لعموم عدم جواز التصرّف في مال الغير بدون اذنه. نعم، يمكن احرازه هنا باستصحاب اذنه السابق.
و أمّا ان اشتراها لنفسه فهل يبطل نكاحها أو بيعها؟
قد استدلّ على الأوّل - بطلان نكاحها - أوّلاً بدعوى الاجماع و عدم الخلاف الظاهر كما في المستمسك و المحكي عن الجواهر.(1)
و ثانيا: بقوله تعالى: «الاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم»(2)بناءً على ظهور الآية في منع الجمع بينهما بقرينة «أو».
و فيه: انّه لو تمّ دلالة الآية على عدم جواز الجمع بينهما فدلّ على عدم جواز صحّة البيع لا النكاح، فالحكم ببطلان البيع و ابقاء النكاح بالاستصحاب أولى.
فالعمدة في الحكم بالبطلان هو الاجماع و يؤيّده النصوص الدالّة على بطلان نكاح الأمة من العبد اذا ملكت زوجها بضميمة عدم القول بالفصل.
و عليه فاذا قلنا بملكيّة العبد و الفرض أنّه اشتراها لنفسه باذن مولاه فأيّ مانع من صحّة البيع؟ فتشمله الأدلّة و يجوز وطؤها بالملك.
فهل يفتقر وطؤها حينئذ الى الاذن من المولى أو لا؟ وجهان أقواهما الأوّل كما ذهب اليه المصنّف رحمه اللّه و ذلك لأنّ الاذن السابق انّما كان بعنوان الزوجيّة و قد زالت بالملك، فتبدّل الموضوع فانّه حينئذ محجور عليه في التصرّف و ان قلنا بملكيّته، و الاذن في شرائطها لايقتضي الاذن في التصرّف، و لا مورد للاستصحاب؛ لأنّ الزوجيّة و الملكيّة مقولتان متفاوتتان، لهما حكمان على حدة. فينتج أنّه يحتاج في الوط ء الى اذن جديد.
و ان اشتراها لا بقصد كونها لنفسه أو للمولى، فان اشتراها بعين مال المولى وقع البيع له، فانّها تدخل في كيس من خرج من كيسه المال، اقتضاءً للمعاوضة بينها و بين المال. و حينئذ فتبقى الزوجيّة كما تقدّم.
و ان اشتراها بعين ماله كانت له و بطلت الزوجيّة كما تقدّم، و كذا ان اشتراها في الذمّة؛ لانصرافه الى ذمّة نفسه.
و في الحاجة الى اذن جديد و عدمها وجهان، و الأقوى الحاجة الى اذن جديد.
السابعة: يجوز تزويج امرأة تدّعي أنّها خليّة من الزوج من غير فحص مع عدم حصول العلم بقولها بل و كذا اذا لم تدّع ذلك ولكن دعت الرجل الى تزويجها أو أجابت اذا دعيت اليه بل الظاهر ذلك و ان علم كونها ذات بعل سابقا و ادّعت طلاقها أو موته. نعم، لو كانت متّهمة في دعواها فالأحوط الفحص عن حالها و من هنا ظهر جواز تزويج زوجة من غاب غيبة منقطعة و لم يعلم موته و حياته اذا ادّعت حصول العلم لها بموته من الأمارات و القرائن أو باخبار المخبرين و ان لم يحصل العلم بقولها و يجوز للوكيل أن يجري العقد عليها ما لم يعلم كذبها في دعوى العلم ولكن الأحوط الترك خصوصا اذا كانت متّهمة.
الشرح:
يجوز تزويج امرأة تدّعي أنّها خليّة من الزوج من غير فحص مع عدم حصول العلم بقولها و ذلك لصحيحة ميسّر المتقدّمة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : ألقى المرأة بالفلاة التي ليس فيها أحد، فأقول لها: ألك زوج؟ فتقول: لا، فأتزوّجها؟ قال: نعم، هي المصدّقة على نفسها».(1)
و رواية أبان بن تغلب قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : انّي أكون في بعض الطرقات فأرى المرأة الحسناء و لاآمن أن تكون ذات بعل أو من العواهر، قال: ليس هذا عليك انّما عليك أن تصدّقها في نفسها».(2)
و يؤيّده خبر محمّد بن عبداللّه الأشعري قال:
«قلت للرضا عليه السلام : الرجل يتزوّج بالمرأة فيقع في قلبه أنّ لها زوجا، فقال: و ما عليه، أرأيت لو سألها البيّنة كان يجد من يشهد أن ليس لها زوج؟».(1)
و هو و ان تعلّق بما بعد التزويج الاّ أنّه صالح للتأييد.
و في المباني: «هو المعروف و المشهور بينهم بل لم يظهر الخلاف فيه من أحد و تدلّ عليه السيرة القطعيّة».(2)
و كذا يجوز تزويج امرأة لم تدّع خلوّها عن الزوج ولكن دعت الى تزويجها أو أجابت اذا دعيت اليه؛ لما تقدّم من الروايات اذ لا فرق بين قولها بأنّها خليّة من الزوج و عملها الذي يدلّ عليه، فهما مشمولان لقوله عليه السلام في الحسنة: «هي المصدّقة على نفسها».
بل الظاهر ذلك و ان علم كونها ذات بعل سابقا و ادّعت طلاقها أو موته و ذلك لاطلاق الروايات و كذا السيرة، فانّ الرجال يتزوّجون من الثيّبات كثيرا من غير فحص مع ظهور كون الثيبوبة لأجل الزوجيّة السابقة غالبا.
و أمّا لو كانت متّهمة في دعواها فذهب المصنّف الى أنّ الفحص عن حالها أحوط، و قد استدلّ له بصحيحة أبي مريم عن أبي جعفر عليه السلام :
«أنّه سئل عن المتعة، فقال: انّ المتعة اليوم ليست كما كانت قبل اليوم انّهنّ كنّ يومئذ يؤمنّ و اليوم لايؤمنّ فاسألوا عنهنّ».(3)
و في الشرائع: «و يستحبّ أن تكون مؤمنة عفيفة ... و أن يسألها عن حالها مع التهمة و ليس شرطا في الصحّة».(4)
و في المسالك بعد ذكره الصحيحة المذكورة قال: «و هذه تقتضي الأمر بالسؤال عن حالها و لو لغيرها. و ليس السؤال شرطا في الصحّة؛ للأصل و حمل تصرّف المسلم على الصحيح».(1)
ثمّ نقل رحمه اللّه الخبر الذي نقلناه عن محمّد بن عبداللّه الأشعري، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر.
و هكذا يكون في الجواهر(2)غير أنّه استدلّ برواية أبان بن تغلب المتقدّمة آنفا.
و كيف كان فالظاهر أنّ الاستحباب هو الصحيح و ذلك لذهاب المشهور اليه و لأنّ المراد بالتهمة في الصحيحة ليست هي التهمة الشخصيّة بل التهمة النوعيّة و للجمع بينها و بين صحيحة ميسّر.
و من هنا ظهر جواز تزويج زوجة من غاب غيبة منقطعة و لم يعلم موته و حياته اذا ادّعت حصول العلم لها بموته من الأمارات و القرائن أو باخبار المخبرين و ان لم يحصل العلم بقولها.
و يجوز للوكيل أن يجري العقد عليها ما لم يعلم كذبها في دعوى العلم، و الاحتياط حسن.
الثامنة: اذا ادّعت امرأة أنّها خليّة فتزوّجها رجل ثمّ ادّعت بعد ذلك كونها ذات بعل لم تسمع دعواها. نعم، لو أقامت البيّنة على ذلك فرّق بينها و بينه و ان لم يكن هناك زوج معيّن بل شهدت بأنّها ذات بعل على وجه الاجمال.
الشرح:
اذا ادّعت امرأة أنّها خليّة فتزوّجها رجل ثمّ ادّعت بعد ذلك كونها ذات بعل
لم تسمع دعواها، اذ لا دليل على سماعها، الاّ أن تقيم البيّنة على ذلك فيفرّق بينها و بينه؛ عملاً بأدلّة حجّيّة البيّنة المحكّمة في المقام من غير معارض، و ان لم يكن هناك زوج معيّن بل شهدت بأنّها ذات بعل على وجه الاجمال.
و أمّا فيما لم تكن لها بيّنة فلا دليل على سماع قولها في ابطال الزوجيّة الثابتة المحكومة بالصحّة ظاهرا، بل لايسمع قولها في حقّ الغير.
نعم، ذكر السيّد الخوئي(1)أنّ قولها حجّة بالنسبة الى نفسها فلاتستحقّ المطالبة بالمهر و النفقة لاعترافها بكونها بغيّة و ان وجب على الزوج دفعهما اليها للعلم الاجمالي بوجوبهما أو حرمة الوط ء، خروجا عن المخالفة القطعيّة للعلم الاجمالي.
التاسعة: اذا وكّلا وكيلاً في اجراء الصيغة في زمان معيّن لايجوز لهما المقاربة بعد مضيّ ذلك الزمان الاّ اذا حصل لهما العلم بايقاعه و لايكفي الظنّ بذلك و ان حصل من اخبار مخبر بذلك و ان كان ثقة. نعم، لو أخبر الوكيل بالاجراء كفى اذا كان ثقة بل مطلقا لأنّ قول الوكيل حجّة فيما وكّل فيه.
الشرح:
انّما اللازم في جواز المقاربة و الحكم بالزوجيّة بين الرجل و المرأة هو احراز العقد و الاّ فيستصحب عدمها، و عليه فاذا وكّلا وكيلاً في اجراء الصيغة في زمان معيّن لايجوز لهما المقاربة بعد مضيّ ذلك الزمان لاحتمال عدم وقوعه لنسيان أو غيره و حيث لم يحرز وقوعه فلا مجال لترتيب آثاره، الاّ أن يحصل العلم بايقاعه.و أمّا كفاية الظنّ بذلك، فان حصل من اخبار عدل بل ثقة بذلك فيكتفى به و الاّ فصرف الظنّ ليس حجّة كما فصّل في الأصول.
1) - المباني 33: 196.
ثمّ اعلم أنّه وقع الخلاف في أنّ الأصل هل هو حجّيّة خبر العدل الواحد بل الثقة الواحد في الموضوعات الاّ ما خرج بالدليل أو العكس، و قد فصّلنا البحث عن ذلك في مواضع كالبحث عن أوقات الصلاة(1)و قلنا بأنّ الأصل هو حجّيّة خبر العدل الواحد الاّ ما خرج بالدليل كالشهادة على الزنا و غيره.
و قد استدللنا هناك بما دلّ على حجّيّة خبر الواحد العادل من السيرة العقلائيّة و الأخبار الواردة فيها، فانّها و ان كانت في الأحكام ولكن تشمل الموضوعات بالأولويّة القطعيّة.
و قد ذكرنا طائفة من الأخبار الواردة في ذلك و هي ما أمر بالرجوع الى أشخاص معيّنين من الرواة أو توثيق بعضهم الدالّ على جواز الرجوع اليهم في الأحكام و يستفاد جواز الرجوع في الموضوعات بطريق أولى.
و أمّا التعويل على قول الثقة فلما اخترناه في مسألة حجّيّة الخبر الواحد من حجّيّة قول الثقة و كفاية الوثاقة في الراوي.
و في المباني: «و قد عرفت في الأبحاث الماضية أنّ الصحيح هو الأوّل، باعتبار أنّ السيرة العقلائيّة التي هي عمدة الدليل على حجّيّة خبر الثقة، قائمة على الحجّيّة في الشبهات الموضوعيّة و الحكميّة على حدّ سواء، من دون أن يرد دليل على خلاف ذلك.
و أمّا خبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عليه السلام ، قال: «سمعته يقول: «كل شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، أو المملوك عندك و لعلّه حرّ قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك. و الأشياء كلّها على هذاحتّى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة»، فليس المراد بالبيّنة فيها هو المعنى الاصطلاحي في باب القضاء من الشاهدين أو الأربعة الشهداء أو الشاهد و اليمين،
1) - الهادي 4 (الجزء الأوّل من كتاب الصلاة): 285.
و انّما المراد بها مطلق ما يتبيّن به الأمر و يتّضح به الحال، و ذلك لوضوح أنّه لاينحصر طريق الاستبانة بشهادة عدلين أو أربعة عدول فانّ التبيّن يحصل بالاقرار و قول ذي اليد و الاستصحاب و نحوها، فلا دليل على اختلاف الحال في الشبهات الموضوعيّة عن الشبهات الحكميّة، باعتبار التعدّد في الأولى دون الثانية.
و الحاصل أنّ الصحيح هو كفاية اخبار الثقة الواحد و ان لم يكن وكيلاً، لأنّ الأصل حجّيّة خبره الاّ ما ثبت بالدليل، كما هو الحال في باب القضاء».(1)
نعم، لو أخبر الوكيل باجراء الصيغة كفى اذا كان ثقة بلا اشكال، بل مطلقا لأنّه قد ثبت في محلّه أنّ قول الوكيل حجّة فيما وكّل فيه، لأنّه اقرار على نفسه، مضافا الى عدم الخلاف فيه ظاهرا.
الى هنا تمّ الجزء الأوّل من كتاب النكاح
من شرح العروة الوثقى بعون اللّه الملك العلاّم
و أرجو منه القبول لهذه الوجيزة و أن تكون ذخرا ليوم
لاينفع مال و لابنون الاّ من أتى اللّه بقلب سليم و سنقدّم
لكم الجزء الثاني في شرح باقي كتاب النكاح من
العروة و تحرير الوسيلة ان شاء اللّه
سيّد عليمحمّد دستغيب الحسيني
ابن المرحوم سيّد علي أكبر
ربيع الثاني 1433 ه ق
1) - المباني 33: 196.