ghaemiyeh.com
جميع الحقوق محفوظة
للعتبة العباسيّة المقدّسة
رقم الاعتماد لدار الوثائق في بغداد
(278) لسنة 2016 م
إصدار
العتبة العباسيّة المقدّسة
قسم شؤون المعارف الإسلاميّة والإنسانيّة
معهد القرآن الكريم
مركز علوم القرآن وتفسيره وطبعه
محرّر الرقمي: محمّد رادمرد
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الدائرة الإصطفائية الثانية لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
أبوالفضل العبّاس أنموذجاً
الدائرة الإصطفائية الثانية لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
أبوالفضل العبّاس أنموذجاً
الجزء الرابع
سماحة آية الله
الشيخ محمّد السند
و فيها فصلان الثاني والثالث
الدليل السادس
الطائفة الثانية
الدليل السابع:
آیات الشهادة
الطائفة الثانية
آیات الإصطفاء
و آیتا البقرة والحج
آيتا البقرة والحج: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً» (1)،«مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ»(2)
إنّ هذه الطائفة القطعية الثانية مزدوجة قرآنياً وروائياً، وهي دالة على أن كل آباء وأجداد النبي وعلي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أوصياء مطهرون مصطفون، كما ورد في النصوص المستفيضة المتواترة أنّهم مطهرون.
فقد ورد مستفيضا لحد التواتر في زيارات أئمة اهل البيت (علیهم السلام) كما في زيارة سيد الشهداء الإمام الحسين (علیه السلام):
«أَشْهَدُ أَنكَ كُنْتَ نُوراً فِي الْأَصْلَابِ الشَّامِخَةِ والْأَرْحَامِ المُطَهَّرَةِ لَمْ تُنَجِّسْكَ الجَاهِلِيةُ بِأَنجَاسِهَا ولَمْ تَلْبِسْكَ مِنْ مُدْلَهِمَّاتِ ثِيابها»(1).
وكذلك بقية الأئمة (علیهم السلام)، وهذا الوصف متواتر في الزيارات وفي الادعية أن آباء واجداد الأئمة الى النبي إبراهيم والى آدم كلهم مطهرون.
ورُوِي عَنْ الإمام أَبِي الْحَسَنِ (علیه السلام) أَنَّهُ كَانَ يقُولُ عِنْدَ قَبْرِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (علیه السلام):
«السَّلَامُ عَلَيكَ يا وَلِي الله أَشْهَدُ أَنَّكَ [أَنْتَ] أَوَّلُ مَظْلُومٍ وأَوَّلُ مَنْ غُصِبَ حَقُّهُ -صَبَرْتَ واحْتَسَبْتَ حَتَّى أَتَاكَ الْيقِينُ(2)... -أَشْهَدُ أَنكَ طُهْرٌ طَاهِرٌ مُطَهَّرٌ من طهر طاهر مطهر...»(3).
وهكذا نقرأ هذا الوصف في الزيارات المسندة في الكافي والتهذيب وفي من لا يحضره الفقيه والاستبصار وفي كتب الصدوق وكتب الشيخ الطوسي وفي كل تراث الحديث عن أئمة أهل البيت (علیهم السلام)، لا تقرأ حديثاً يتكلم عن أئمة أهل البيت (علیهم السلام)، إلا وتعرض الحديث لبيان السلالة المطهرة الطاهرة من
آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام)طاهرين مطهرين.
وكما ورد في وصف أبي طالب والد أمير المؤمنين (علیهما السلام)، فقد ورد أيضاً عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِي، قَالَ: قَالَ الإمام الصَّادِقُ (علیه السلام):
«إِذَا أَرَدْتَ المَسِيرَ إِلَى قَبْرِ الحُسَينِ (علیه السلام) فقل: «...أَشْهَدُ أنَّكَ طُهْرٌ طَاهِرٌ مُطَهَّرٌ مِنْ طُهْرٍ طَاهِرٍ مُطَهَّرٍ طَهُرْتَ -وطَهُرَتْ أَرْضٌ أَنْتَ بِهَا وطَهُرَ حَرَمُك»(1).
وهذا نص لايقتصر على أبي طالب - عند التدقيق - بل يشمل أبا طالب وعبد المطلب وهاشماً وعبد مناف وقصيّاً الى أن تصل السلسلة الى إسماعيل وإبراهيم، وهناك أيضاً جملة من زيارات سيد الشهداء تنص على هذا الوصف، كما في الكافي الشريف في الرواية المعتبرة التي يبين فيها الصادق (علیه السلام) بدء الخلقة من نور النبي وعلي، وعَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) قَالَ:
«إِنَّ الله كَانَ إِذْ لَا كَانَ، فَخَلَقَ الْكَانَ والْمَكَانَ، وخَلَقَ نُورَ الْأَنْوَارِ الَّذِي نُوِّرَتْ مِنْهُ الْأَنْوَارُ، وأَجْرى فِيهِ مِنْ نُورِهِ الَّذِي نُوِّرَتْ مِنْهُ الْأَنْوَارُ، وهُوَ النُّورُ الَّذِي خَلَقَ مِنْهُ مُحَمَّداً وعَلِياً، فَلَمْ يزَالَا نُورَينِ أَوَّلَينِ؛ إِذْ لَا شَيءَ كُوِّنَ قَبْلَهُمَا، فَلَمْ يزَالَا يجْرِيانِ طَاهِرَينِ مُطَهَّرَينِ فِي الْأَصْلَابِ الطَّاهِرَةِ حَتَّى افْتَرَقَا فِي أَطْهَرِ طَاهِرَينِ: فِي عَبْدِ الله وأَبِي طَالِبٍ (علیهما السلام) »(2).
وكلما اقترب بنو هاشم من سيد الانبياء زاد وهج الطهارة والاصطفاء عندهم، كما أن اصطفاء ونور عبد الله وأبي طالب أكثر من اجدادهما وذلك
لمسيس قربهما من النبي، والذي هو مركز الوحي الطاهر والاصطفاء، كما تؤكد الرواية الشريفة عليه.
«حَتَّى افْتَرَقَا فِي أَطْهَرِ طَاهِرَينِ: فِي عَبْدِ الله وأَبِي طَالِبٍ (علیهما السلام)»(1).
ومقتضى ذيل هذا الحديث أن درجة الطهارة الاصطفائية تتصاعد في آباء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)كلما اقتربت من سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم)وهو مقتضى الحديث النبوي المستفيض المتقدم من مديحه لقرابته من بني هاشم.
وهذا بعض ما ورد في ابي طالب من روايات عديدة، فهذه الطائفة القطعية تواتر في تواتر، وعمي عن ذلك الوهابية والسلفية، وفي روايات العامة نفس المفادوالمطلب والدلالة على أن نور النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) سرى وجرى في أصلاب مطهرة طهارة اصطفاءً وعصمةً، وليست طهارة اعتيادية.
ومرَّ بنا انّ النبي ابراهيم لم يستأهل الإمامة بعد النبوة والرسالة اعتباطاً وجزافاً، كما بيّنه أهل البيت، بل جعلها الباري تعالى له وحصل عليها بعد امتحان واختبار إلهي كما في قوله تعالى: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا... ﱠ »(2).
وقد بيّن أهل البيت (علیهم السلام) مفاد هذه الآية في روايات عديدة.
ولكن هناك مقام آخر طلبه النبي إبراهيم في أخريات حياته ورغب فيه، وهذا بعد أن نال درجة الإمامة بعد النبوة والرسالة، وهي غير تلك الدرجات التي أعطيت له، وهذا ما بينته سورة البقرة عندما دعا النبي إبراهيم مع ولده إسماعيل، في قوله تعالى: «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ...» (1).
فقد طلب إبراهيم درجة من التسليم لم يكن قد حازها بنبوته وبرسالته وبإمامته، وتلك الدرجة التي طلبها لنفسه ولذريته، كما في قوله تعالى: «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ...»، وقد بيّن القرآن الكريم أن المقصود من عبارة: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا» هي ذرية إسماعيل، لأنهما طلبا أن يكون النبي الأكرم وخاتم النبيين (صلی الله علیه و آله و سلم) من هذه الذرية الطاهرة، كما في قوله تعالى: «رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (2).
يعني أن النبي إبراهيم يطمع في الوصول إلى درجة تسليم واصطفاء أعلى وأرقى من التي أعطيت له وكذلك لذريته، وهذه لطائف وإشارات في الآية بيّنها أهل البيت في بياناتهم، فإنّ النبي إبراهيم أراد أن يرتقي من درجة الى درجة، من النبوة إلى الرسالة، ومن الرسالة إلى الخلّة ومن الخلّة إلى الإمامة
الاصطفائية المتوسطة، ثم من الإمامة المتوسطة اصطفاءً، ويطلب بعد تلك المراتب شيئاً أعظم، وهو الذي يختص ببني هاشم.
فلو تأملنا في الخريطة القرآنية لسورة البقرة، بعد أنْ جعل الله إبراهيم إماماً، وبعد أن عهد إلى إبراهيم وإسماعيل أن يطهرا البيت للطائفين والركع السجود وبعد المباشرة ببناء القواعد، دعا إبراهيم ربه وولده إسماعيل في أخريات حياتهما وطلبا هذه الدرجة من التسليم العليا التي حازها بنو هاشم، التي هي فوق النبوة والرسالة، وفوق الإمامة الاصطفائية العامة.
ويؤكد ما بينته الآيات الكريمة في سورة البقرة من أن إبراهيم كان يتمنى تلك الدرجات التي حازها المصطفين من بني هاشم، كجَعْفَرٍ وحَمْزَة (علیهما السلام) وعبد المطلب وعبد الله وابي طالب (علیهما السلام)، ولا يستصعب مضمون الرواية الواردة في شهادة حمزة وجعفر لنوح بتبليغ الرسالة وكذلك لبقية الأنبياء.
فإنّ مضمونها متطابق:
1.مع نص سورة البقرة، فهذا المفاد له أصل قرآني، وأن مقام حمزة وجعفر يستشهد به النبي نوح الذي هو من أنبياء أولي العزم أمام المساءلة الإلهية يوم القيامة.
ولا يتوهم الشك في صحة مضمون الرواية، أو يظن بأنّها مكذوبة -والعياذ
بالله -أو أنها متضمنة للغلو، إذ يدفع كل ذلك بأن هذا المضمون متطابق مع آيات سورة البقرة
2.وكذلك مع آيات أخرى من سورة الحج حيث جعل آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأفراد الدائرة الثانية شهداء على الناس (أي على جميع الناس)، بينما النبي عيسى (علیه السلام) جعلشهيداً على أمته ما دام فيهم لا مطلقاً فضلاً عن أن يكون شهيداً على جميع الناس من الأمم المختلفة.
3.وكذلك هو مفاد آيات سورة فاطر من توريث الكتاب لأفراد الدائرة الثانية تبعاً لأفراد الدائرة الأولى من أهل البيت، والكتاب كله لم يورث لبقية أنبياء أولي العزم بل هو مهيمن على كتبهم.
4.وكذلك هو مفاد آية: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (1)، حيث أنه (صلی الله علیه و آله و سلم) بعث إليهم بخاصة دون بقية الناس، ودون بقية الأنبياء والمرسلين.
5.وكذلك هو مفاد آية المودة فإنه يدخل فيها أفراد الدائرة الثانية تبعاً للدائرة الأولى ولا يدخل فيها بقية الأنبياء.
6.وكذلك في ولاية الفيء لعنوان القربى.
7.وكذلك اندراجهم في آيات سورة النور وغيرها من طوائف الآيات الدالة على علو اصطفاء أفراد الدائرة الثانية تبعاً للأولى على درجة اصطفاء بقية الأنبياء والرسل.
1) سورة الشعراء، الآية: 214.
8.وكذلك هو مفاد المستفيض من الحديث النبوي عند الفريقين أن بني عبد المطلب هم سادات البشر في يوم القيامة وفي الجنة وذكر (صلی الله علیه و آله و سلم) جعفراً وحمزة من أفراد الدائرة الثانية وهذا السؤدد على جميع أهل القيامة وأهل الجنة.
9.وكذلك الحديث المستفيض النبوي المتقدم عند الفريقين أن الله تعالى لا زال يصطفي لسيد الأنبياء الاصلاب والأرحام الطاهرة إلى أن أودعه إلى أطهر صلب وهو عبد الله، وغيرها من طوائف الروايات الدالة إشارة إلى هذا المفاد.
فدعاء النبي إبراهيم على نبينا وآله وعليه السلام، وطلبه وطمعه في مقام خامس، رغم أنّه قد حاز النبوة والرسالة والخلّة والإمامة الاصطفائية العامة -لأن الإمامة درجات -ومع ذلك طمع في شيء أعظم، أي رغب في درجة من الإمامة أعظم، وهي التي حازها بنو هاشم.
وهذه خريطة قرآنية واضحة جدا في سورة البقرة، وهي أنّ النبي إبراهيم من أنبياء أولي العزم، وأعلى رتبة على مستوى الأنبياء هي نبوة النبي الأعظم محمد، بل إنّ نبوته لا تقاس ببقية النبوات، والتي بينها وبين نبوة إبراهيم التي تأتي بعدها بون شاسع، ثم تأتي بعدها نبوة إبراهيم ونوح ثم موسى (علیهم السلام)، كما يظهر من بعض الشواهد من الروايات أو الآيات.
فكان خليل الرحمن النبي إبراهيم (علیه السلام) يطمع في شيء خامس، من الخطب العظيم.
لا شك ان درجة إمامة النبي إبراهيم (علیه السلام) هي درجة اصطفائية معتادة في الإمامة، لأن الإمامة على درجات، كما أن النبوة درجات «فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ»(1)كذلك الرسالة على درجات «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ» (2)، فكان إبراهيم (علیه السلام) يطمح في درجة أعلى، وتلك الدرجة التي ستكون في ذرية اسماعيل يعني بني هاشم، كما دعا إبراهيم في قوله تعالى: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً» (3)، فطلب هذا رغم ان الله تعالى: حباه بالنبوة وحباه بالرسالة والخلّة وحباه بالإمامة.ومع ذلك يطمح في شيء أعظم، وفي درجة أعظم، وتلك الدرجة التي ستكون في ذرية اسماعيل يعني بني هاشم، وبحسب بيانات أهل البيت وهي بلغة عقلية في مفاد القرآن الكريم، وهذا المفاد نلاحظه بعينه في قوله تعالى: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (4)فهو تخصيص اصطفائي صاعد لبني هاشم (علیهم السلام).
وسنبيّن في الطائفة الثانية من الآيات المشتملة على علوّ اصطفائي أيضاً لبني هاشم فوق الاصطفاء الذي ذكره الله تعالى لأولي العزم، وهذه بحسب هندسة وخريطة القرآن وبنظرة عقلية بحتة، وكما تنبّه على ذلك الروايات المتواترة بين الفريقين.
لكي نقوم بتحديد عنوان أهل البيت (علیهم السلام) في الطائفة الأولى من الآيات، لابد أن نستعين ببيان الطوائف الروائية القطعية التي تصدر من الثقل الثاني المتمثل بعترة النبي الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم).
فتارة نستعين بالطائفة الأولى من الروايات القطعية، وتارة نستعين بالطائفة الثانية من الروايات القطعية؛ التي نحن في صددها، وهي التي تحدد وتشخّص المحور الذي في الآيات، وهذه الطائفة الثانية التي سنستعين بها؛ تدل على أنّ هناك دائرة ثانية غير الأربعة عشر معصوماً من أهل البيت، وأنّ هناك معصومين في الدائرة الثانية بدرجة من العصمة والاصطفاء تالية ومتعقّبة لأصحاب الدائرة الأولى.
وبذلك تكون هذه الروايات متطابقة مع هذه الآيات وتكون قرينة قطعية ثانية دالة على أنّ الطائفة الأولى من الآيات تبين أن أهل البيت (علیهم السلام) على دائرتين اصطفائيتين.
الطائفة الروائية الثانية القطعية متطابقة مع الطائفة القرآنية القطعية الدّالة على أن آباء وأجداد النبي وعلي إلى إسماعيل صلوات الله عليهم أنّهم كانوا أوصياء وأصفياء بنص القرآن الكريم.
وهذه الطائفة من الروايات الشريفة تشير إلى مجموعة من الآيات في عدة من السور، مبينة أن آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كانوا أوصياء؛ وهذه الآيات إذا ضممناها الى بعضها البعض تصبح المعادلات مؤتلفة باتساق والتئام ظاهر عظيم.
وتنتج لنا نتيجة مفادها عين مفاد هذه الروايات الواردة أنّ آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كانوا كلهم أوصياء ومطهرين؛ كأبي طالب وعبد الله والد النبي وعبد المطلب وبقية أولئك التلاد العظام الأمراء والأشراف من بني هاشم، وهذه المجموعة الثانية من الآيات هي صالحة بنفسها لأن تكون دليلاً مستقلاً، وجعلناها مع ذلك قرينة على الطائفة الأولى من الآيات.
في حين هي مستقلة في الدلالة على المطلوب بنحو التمام، وقرينة على المراد من الطائفة الأولى من الآيات؛ مثل آية التطهير أو آية المودّة في القربى أو آية النور (في بيوت) وهي المدار والمحور لعنوان أهل البيت العظيم الوارد في الآية الكريمة.
هذه المجموعة من الآيات هي ما يلي:
ومفاد الآية ظاهر وواضح في أن إعطاء مقام الإمامة للنبي ابراهيم لم يعط له إلا بعد أن تقلّد مقام النبوة والرسالة، وأنّه أُعطي مقام الإمامة بعدما حاز مقام النبوة ومقام الرسالة، ولمّا أعطي النبي ابراهيم مقام الإمامة؛ دعا لذريته: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» فاستجاب الله له هذا الدعاء، ولكن كانت استجابته بشروط؛ «قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» (2)، ولم يستجب الله سبحانه هذا الدعاء من ابراهيم في كل الذرية، إنّما استجاب له في الذرية المطهرة من ظلم المعصية فقط؛ أي التي لم ولا ترتكب ذنباً قط، لأنّ الذي يعصي الله في أي معصية وفي أي برهة من الدهر؛ يعدّ ظالما، وإن تاب بعد ذلك.
بعدها تأتي «وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا» (1)وقد تقرر بحسب بيانات العترة لحقائق دلائل الآيات أن أحد معاني البيت في عنوان أهل البيت هو أصحاب البيت، والمقصود بالبيت الذي أولياؤه وأصحابه أهل البيت (علیهم السلام)؛ هو:
المسجد الحرام.
المسجد النبوي.
البيت المعمور.
كل مراقدهم ومواضع قبورهم الشريفة.
وكذلك كل بيت مقدّس في الأرض وفي السماء له عظمة من التقديس الخاص، تجد أنّ أصحابه وأولياءه سيد الأنبياء وأهل بيته وأقرباؤه المصطفون وهم على دائرتين.
ما ورد في الحديث النبوي المستفيض عند الفريقين من إرادة شجرة النسب من البيت في قوله تعالى: في الواقعة المعروفة التي رواها الفريقان عندما استنقص بعض قريش بني هاشم، قال (صلی الله علیه و آله و سلم):«إِنَّ الله خَلَقَ الْخلْقَ فَفَرَّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ الْفِرْقَتَيْنِ ثُمَّ جَعَلَهُمْ شُعُوباً فَجَعلَنِي فِي خَيْرِ شُعْبَةٍ ثُمَّ
1) سورة البقرة، الآية: 125.
جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ قَبِيلَةٍ ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيُوتاً فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ بَيْتٍ ثُمَّ اخْتَارَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي أَنَا وعَلِيّاً وجَعْفَراً فَجَعَلَنِي خَيْرَهُمْ فَكُنْتُ نَائِماً بَيْنَ ابْنَي أَبِي طَالِبٍ فَجَاءَ جَبْرَئِيلُ ومَعَهُ مَلَكٌ فَقَالَ يَا جَبْرَئِيلُ إِلَى أَيِّ هَؤُلَاءِ أُرْسِلْتَ فَقَالَ إِلَى هَذَا ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَأَجْلَسَنِي»(1).
وفي الرواية تصريح بمعنى البيت ودخول الدائرة الثانية فيه.
وقَالَ (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يُعَيِّرُونَنِي بِقَرَابَتِي وَقَدْ سَمِعُوا مِنِّي مَا قُلْتُ فِي فَضْلِهِمْ وتَفْضِيلِ الله إِيَّاهُمْ وَمَا اخْتَصَّهُمُ الله بِهِ مِنْ إِذْهَابِ الرِّجْسِ عَنْهُمْ وَتَطْهِيرِ الله إِيَّاهُمْ وَقَدْ سَمِعْتُمْ مَا قُلْتُ فِي أَفْضَلِ أَهْلِ بَيْتِي وَخَيْرِهِمْ مِمَّا خَصَّهُ الله بِهِ وَأَكْرَمَهُ وَفَضَّلَهُ مِنْ سَبْقِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَبَلَائِهِ فِيهِ وَقَرَابَتِهِ مِنِّي وَأَنَّهُ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى ثُمَّ تَزْعُمُونَ أَنَّ مَثَلِي فِي أَهْلِ بَيْتِي كَمَثَلِ نَخْلَةٍ نَبَتَتْ فِي كُنَاسَةٍ أَلَا إِنَّ الله خَلَقَ خَلْقَهُ فَفَرَّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ الْفِرْقَتَيْنِ ثُمَّ فَرَّقَ الْفِرْقَةَ ثَلَاثَ فِرَقٍ شُعُوباً وَقَبَائِلَ وَبُيُوتاً فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهَا شَعْباً وَخَيْرِهَا قَبِيلَةً ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيُوتاً فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهَا بَيْتاً فَذَلِكَ قَوْلُهُ إِنَّما يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً فَحَصَلْتُفِي أَهْلِ بَيْتِي وَعِتْرَتِي وأَنَا وَأَخِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب...، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الله نَظَرَ نَظْرَةً ثَالِثَةً فَاخْتَارَ مِنْهُمْ بَعْدِي اثْنَيْ عَشر وَصِيّاً مِنْ أَهْلِ بَيْتِي وَهُمْ خِيَارُ أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدَ عَشر إِمَاماً بَعْدَ أَخِي وَأُمُّهُمُ ابْنَتِي فَاطِمَةُ (عَلَيهَا السَّلَامُ) ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ابْنُ عَمِّي وَأَخُو أَخِي وَعَمِّي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَلَا إِنِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله
1) الخصال لابن بابويه القمي: ج2، ص559، احتجاج أمير المؤمنين (علیه السلام).
أَنَا خَيْرُ الْمُرْسَلِينَ وَالنَّبِيِّينَ وَفَاطِمَةُ ابْنَتِي سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَعَلِيٌّ وَبَنُوهُ الْأَوْصِيَاءُ خَيْرُ الْوَصِيِّينَ وَأَهْلُ بَيْتِي خَيْرُ أَهْلِ بُيُوتَاتِ النَّبِيِّينَ وَابْنَايَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ شَفَاعَتِي لَيَرْجُوهَا رَجَاؤُكُمْ أَفَيَعْجِزُ عَنْهَا أَهْلُ بَيْتِي مَا مِنْ أَحَدٍ وَلَدَهُ جَدِّي عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَلْقَى الله مُوَحِّداً لَا يُشركُ بِهِ شَيْئاً إِلَّا أُدْخِلُهُ الجَنَّةَ وَلَوْ كَانَ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ عَدَدُ الحَصَى وَزَبَدُ الْبَحْرِ أَيُّهَا النَّاسُ عَظِّمُوا أَهْلَ بَيْتِي فِي حَيَاتِي وَمِنْ بَعْدِي وَأَكْرِمُوهُمْ وَفَضِّلُوهُم...»(1).
ثُمَّ قَالَ:
«إِنِّي وَأَهْلُ بَيْتِي بِطِيْنَةٍ طَيِّبَةٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ إِلَى آدَمَ نِكَاحٌ غَيْرُ سِفَاحٍ لَمْ يُخَالِطْنَا نِكَاحُ الْجَاهِلِيَّةِ...»(2).
وفي الرواية تصريح أيضاً بمعنى البيت في آية التطهير ودخول الدائرة الثانية فيه. ومن ثم أنّ هذه الآية ترتبط مع مفاد قوله تعالى: ﭐﱡ ﳑ ﳒ ﳓ ﳔ ﳕ ﳖ ﱠ(3)، أي تعظّم رفعة وقدساً.
ويلاحظ أنّ مجموعة الطائفة الأولى من الآيات مرتبطة بقربى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأنّهم أصحاب بيوت القدس وأصحاب البيوت المقدسة التي قدسها الله تعالى.
وفي «وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْمَاعِيلَ...» (1)هنا نلاحظ أنّ اسم إسحاق أو يعقوب لم يأت في هذه الآيات مطلقاً، إنّما خصت الآية فقط إسماعيل وإبراهيم وذريتهما، وذلك لتبيان أنّ هذا الحدث الذي يخوض فيه القرآن الكريم لا يرتبط بإسحاق ويعقوب ولا ذريتهما، إنّما يرتبط فقط بذرية إسماعيل، كما في تخصيص عهدة رعاية البيت الحرام في مكة والبلد الحرام بهم دون ذرية اسحق ويعقوب في قوله تعالى:
«...وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (2).
نلاحظ أنّ هذا التكرار والتأكيد في ذكر إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ تخصيصاً حصراً له مغزاه، وهو إرادة تبيان سلسلة آباء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، كما في قوله تعالى: «وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ»، وقوله تعالى: «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ»، وقوله تعالى: «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا» (3)، وهو إلفات وتنبيه إلى أنّ هذه الآيات، حددت ذكر إبراهيم وإسماعيل وذريتهما ولم يذكر فيها إسحاق ويعقوب، وذلك لبيان منزلة آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والوصي علي (علیه السلام).
إنّ هناك روايات متواترة مجموعاً عند الفريقين دالة على ان عنوان أهل البيت أو بيوت سيد الأنبياء، وقربى سيد الأنبياء المصطفين على دائرتين دائرة الأربعة عشر معصوماً أوّلهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، والدائرة الثانية ثلة أخرى مصطفاة، وتقدمت قرائن متعددة على ذلك.
وهذه القرائن الأخرى مستلّة من روايات متواترة دالة على دخول أمثال حمزة، وجعفر، وأبي طالب، وعبد الله، وعلي الأكبر، وأبي الفضل العباس (علیه السلام)، والعقيلة زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) وأولاد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إبراهيم، والقاسم، والطاهر وغيرهم، في عنوان أهل البيت وكذلك في روايات متواترة، في ذيل قوله تعالى: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»(1)ورهطك المخلصين.
وقد ذكر جملة من طرق حديث الدار لدى العامة في كتاب إحقاق الحق المؤلَّف من أربعة أجزاء للشهيد الثالث السيد نور الدين المرعشي الذي استشهد وقتله النواصب، وقد استدرك عليه السيد شهاب الدين المرعشي إلى ثلاثين مجلداً، وطبع هذا الكتاب بصياغة أخرى بتبويب آخر، فيها رتابة أكثر لتبويب أحاديث العامة في إمامة أمير المؤمنين وإمامة أهل البيت (علیهم السلام).
1) سورة الشعراء، الآية: 214.
والطائفة الثانية من الآيات وردت في ذيلها جملة من الروايات الدالة على اصطفائية الدائرة الثانية لأهل البيت (علیهم السلام) أيضاً، وهناك جملة من الآيات بيانها بشكل صريح في القرآن الكريم لا ظني ولا ظاهري الدلالة على أنّ الله عزّ وجل اصطفى من بني هاشم دائرة اصطفائية ثانية غير الدائرة الأولى.
وهذه الطائفة من الآيات هي مجموعة آيات ومجموعة سور وليست آية واحدة وسورة واحدة، وسنستعرضها ولو بنحو ملخّص (إجمالاً) أو متوسط إن شاء الله.
واللسان الأول من هذه الطائفة الدالة على اصطفائية الدائرة الثانية، كنا قد استعرضناه سابقاً من باب الإشارة وهي التي بيّنها جامع علوم القرآن الصادق (علیه السلام) شأن بقية أئمة أهل البيت (علیهم السلام) حيث انهم يحيطون بجوامع علم القرآن، كسورة البقرة وسور أخرى دالة على وجود اصطفاء دائرة ثانية في سلسلة آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) منذ إسماعيل بن النبي إبراهيم إلى أن وصلت السلسلة إلى عبد الله والد النبي وأبي طالب والد أمير المؤمنين، ثم إلى سيد الأنبياء وإلى سيد الأوصياء وهذه السلسلة في القرآن الكريم لا تقتصر دلالتها على أنهم موحدون، بل هم أصفياء أوصياء.
ففي سورة البقرة أن النبي إبراهيم والنبي إسماعيل، بعد أن حاز النبي إبراهيم على النبوة والرسالة والخلّة والإمامة وبنى البيت في أخريات حياته الشريفة مع ولده إسماعيل كما مر بنا وقبل أن يتوفى إسماعيل، إذ اسماعيل بن النبي إبراهيم توفي قبل أبيه إبراهيم (علیهما السلام)، فقد دَعَوَا في أخريات حياتهما
النبي إبراهيم كما في سورة البقرة في قوله تعالى: «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ»(1)وهذا الدعاء توضحه آيات أخرى في سورة البقرة وسور قرآنية أخرى عديدة وقد استعرضنا بعضاً منها سابقاً وسنستعرض آيات أخرى غيرها.
إن هذا الدعاء في قوله تعالى: «وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً» (2)، وجعلها كلمة باقية في عقبه، اي ليس هناك انقطاع، نظير «وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ»، ونظير قوله تعالى: «وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ» (3)، أي بنحو مستمر من اسماعيل إلى سيد الأنبياء، وإلا كانت منقطعة، بلبحسب تنبيه الصادق (علیه السلام) في مضمون كلامه:«ليس باقية مستمرة إلى سيد الأنبياء بل الى يوم القيامة».
ولابد أن نستنطق عقلياً متون الروايات ولا تقرأ الروايات بشكل مبهم ظني وأنّه بمجرد رؤية السند صحيحاً عمل بالرواية بشكل إجمالي مبهم، إذ هو أقرب الى المنهج الحشويّ القشري.
واما المنهج الأصولي الصناعي فهو أن تستنطق متن الحديث عقلياً، ويستخرج الدليل العقلي والبنيان العقلي والمعلوماتي في مضمون ومتن الحديث، وإن كان السند ضعيفاً، لأن العمدة في هذا البحث العقائدي هو البرهان العقلي،
لامجرد التعبد الظني ولو كان معتبرا، لان الاستظهار حينئذ مبهم، نعم إن لم يقوى عقل الباحث على استنطاق الحديث تصل النوبة إلى الظن المعتبر المبهم الاجمالي، بخلافه ما دامت هناك قدرة للباحث على تحليل المعنى واكتشاف بنيته وهوية ماهيته، فالعمدة هو استنطاق الدليل العقلي.
والمهم ما أشار إليه الإمام الصادق (علیه السلام) أن قوله تعالى: «وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ»(1)لا يقف استمرارها عند سيد الأنبياء بل إلى يوم القيامة.
وتأبيد وجود الاصطفاء والوصاية والإمامة في عقب إبراهيم من نسل اسماعيل إلى يوم القيامة ليس مفاد هذه الآية فقط «وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ»، بل في الآية الكريمة الأخرى أيضاً: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي» (2)ولا ريب ان ذرية النبي ابراهيم هم السادة والأشراف كما شاء الله، كما أنّ الإمام صاحب العصر والزمان الآن من نسل ذرية ابراهيم.
ولم يخصص النبي ابراهيم ويقيد ذريته بحد، بل الى يوم القيامة، والنبي ابراهيم مستجاب الدعوة، فالإمامة والوصاية والاصطفاء باقية في ذرية
ابراهيم الى يوم القيامة، كما في قوله تعالى «رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ» (1)
والذرية هي اسماعيل ونسله.
كما هو الحال في قوله تعالى: أيضاً «مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ» (2).
وهذه أدلة قرآنية أخرى بضميمة الدليل العقلي على أنّ النبي ابراهيم مستجاب الدعوة وأكد الله استجابة دعوته ولكن قيّد الاستجابة في قوله تعالى: «لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ»(3)يعني خاصة في المعصومين المصطفين فقط.
وفي القرآن الكريم دلالة واضحة على الشجرة الاصطفائية من نسل ابراهيم في نسل ابنه اسماعيل الى يوم القيامة، وهذا دليل واضح على ان آباء وأجداد النبي اوصياء أصفياء لهم مقامات وسنشير إليها إجمالاً إن شاء الله في ظل هذه الطائفة.
وفي روايات الفريقين بنحو مستفيض، ان عبد المطلب سن خمس سنن تشريعية في الشريعة وأمضاها الله، وحينئذ يُسأل هل هو نبي؟ وما هو مقام عبد المطلب الذي سنّ خمس سنن؟
روى حماد بن عمرو وأنس بن محمد عن أبيه جميعاً عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده -عن علي بن أبي طالب (علیه السلام) -عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال له:
«يا علي أوصيك بوصية فاحفظها فلا تزال بخير ما حفظت وصيتي... يا علي إن عبد المطلب (علیه السلام) سن في الجاهلية خمس سنن أجراها الله عز وجل في الإسلام...»(1).
واللطيف في الامر ان سيد الانبياء لم يقل انا امضيتها، بل قال (صلی الله علیه و آله و سلم) اجراها الله في الإسلام، وهذا امضاء من الله عز وجل، فأي شأن لعبد المطلب؟
وسنبين ان شاء الله ان هناك سورة كاملة في مديح عبد المطلب وإن كان النواصب من بني امية قلبوها ضد عبد المطلب، ولكنها سورة كاملة عظيمة! في مدح عبد المطلب وسيأتي البحث مفصلاً في بيان خصائص كل فرد من نجوم الدائرة الاصطفائية الثانية، وللأسف أن عدة من المفسرين من الخاصة قلبوا مفاد الآية تأثراً بتحريفات العامة لمعنى السورة، وتغيير هذه الحقائق
1) من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق: ج4، ص352، ح5762.
لمعنى السورة هو عين تحريف القرآن معنوياً في جعل تلك السورة والعياذ بالله ازدراء بعبد المطلب في حين انها سورة تعظيم في شأن عبد المطلب.
قد يقول قائل لماذا نراجع الروايات في التفسير؟
فيُسأل في القبال: فمن نراجع للاستعلام؟ هل نراجع فلاناً وفلاناً السدي ومجاهد والشعبي ذوي القدرة البشرية المحدودة الظّنية بالتظني؟ أولئك الرواة الذين لا يمسون إلا سطح بعض ظاهر الكتاب أو الذين خانوا الله ورسوله في القرآن أو الذين يتقاضون أجوراً في التفسير من بني امية وبني العباس (علیه السلام) وسلاطين الجور؟ وهل أولئك مأمونون؟
أم نراجع أهل البيت الذين أوصانا القرآن ان نرجع ونأخذ العلم منهم صلوات الله عليهم؛ «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» (1)والذين لديهم علم الكتاب كله باطنه وظاهره.
ولم يوص القرآن ببني أمية وبني العباس (علیه السلام) وأزلامهم وعلماء البلاط عندهم، بل عين «لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» (2)لا زيد ولا عَمرْ؟ ولا فلان ولا علان؟ والمطهرون هم أهل البيت (علیهم السلام).
هل يراد فصل القرآن عن المعلم الإلهي الذي نصبه الله؟! ثم إلى أين يُتاهُ بنا؟ إسلام القرآن وإسلام المصحف فقط؟! أم إسلام الثقلين؟!
المصحف هو نفسه يهتف بنا: لا تتفرد في أخذ الاسلام من القرآن فقط، وإنما اسلام بمعية الثقلين، فالإسلام هو بمعية الثقلين.
في عدة سور تبيّن أنّ هذه الوصاية وهذا الاصطفاء مبين مقرر في سلسلة اجداد وآباء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ويأتي قائل ويتردد في إسلام أبي طالب وعبد الله؟! وعبد المطلب؟! وهاشم وعبد مناف، ولؤي وقصي؟! وعدنان؟! هؤلاء أوصياء أصفياء بنص القرآن.
وبنص القرآن إن لهم مقاماً عالياً عظيماً في الاصطفاء كما مرت الإشارة إلى ذلك في كثير من الآيات في السور، وأنّ النبي ابراهيم طمع في هذا الاصطفاء الذي هو متسلسل في سلالة صفوة اصفياء من اسماعيل الى بعثة سيد الانبياء، مما يدل على ان اصطفاء هؤلاء عالٍ وانهم ذو مقام عال، وهذا برهان مهم وأيضاً انهم على ملة إبراهيم ولم يذكر أنّ أبا طالب وعبد الله وعبد المطلب وعبد مناف اتبع شريعة عيسى وشريعة موسى وشريعة بقية الانبياء.
فلهم جلالة خاصة، وهذا بحسب البرهان التاريخي وبرهان الأديان وحسب بيانات القرآن.
ومرّ بنا في سورة البقرة في قوله تعالى: «وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ»(1)، وهذه السور والآيات الدالة على اصطفاء بني هاشم وإن كانت في الدائرة الأولى الاصطفائية في الدرجة الأولى فقط، لكنها في الدرجة الثانية هي نصوص قرآنية تشمل وناصه على الدائرة الثانية أيضاً.
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا... مِلَّةَ أَبِيكُمْ» (2)خطاب لبني هاشم (علیه السلام)
وكذلك ملاحظة هذا النص القرآني الموجود، ويا له من نص عظيم، قد بينه الصادق (علیه السلام) في آخر سورة الحج؛ نصّ عظيم قرآني بالغ الأهمية، يقرأ بقراءة عقلية دامغة تزيح الوساوس.
وهو قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»، وسيتبيّن ان الخطاب ليس لكل المسلمين، بل هو لبني هاشم خاصة، كما نبّه على دلالة ألفاظ الآية قول الصادق (علیه السلام).
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ» والمقصود الأصلي هو ذو الخصائص وهم بنو هاشم، لأنهم قدوة، نعم يستفاد منه عبرة لبقية المسلمين لأجل أن يقتدوا بهم وهذا مطلب آخر.
فيصح تأسيس قاعدة في دلالات آيات الكتاب ان كل ما في القرآن يعمم وعام لكل البشر بهذا اللحاظ أي بلحاظ العبر والاعتبار، وإن كان المقصود الأصلي من هذه الخصائص هم بنو هاشم، وهذا لا تدافع ولا تنافي فيه بين الاختصاص والتعميم، كما بيناه برهانياً في قواعد التفسير، فالخصوصية والامتياز بدرجتها الاصطفائية هي لمن قصد وأريد من معنى الآية والاقتداء بالدرجات العامة النازلة والعبرة والاهتداء بذلك لعموم المسلمين والمؤمنين.
كما أنّ الأمور الخاصة بسيد الأنبياء في القرآن يقتدي بها بقية البشر، فلسيد الأنبياء امتياز خاص من قمة الاصطفاء، لأنّه قدوة لبقية المصطفين من الأئمة والأنبياء والمرسلين والبشر في عموم الدرجات النازلة، وهذا يسمى تخصيصاً في المعنى المطابقي وتعميماً في الإلتزامي لمفاد الآيات. خلافا لما بنى عليه العلامة الطباطبائي (رحمه الله) أن ما اختص بالنبي لا يعمم.
بل يعمّم بهذا اللحاظ لا أن امتيازاته الاصطفائية القمة تعمم لبقية البشر، بل تعمم قدويته والاقتداء به «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» (1)بهذا اللحاظ وهو معنى العبرة والاعتبار، فالقرآن فيه تعميم بهذا اللحاظ دائماً.
وخلافاً لما بنى عليه العلامة في تعميم أصل المعنى في كثير من الآيات
1) سورة الأحزاب، الآية: 21.
الخاصة بأهل البيت (علیهم السلام) بجعلها عامة لا خاصة وأن قالب معناها عام ولا اختصاص له بأهل البيت (علیهم السلام) وإنما هم أحد موارد تطبيق ومصداق للمعنى العام، فإن هذا هبوط لغرر معاني القرآن وابتعاد عن حقائق القرآن العالية، فإن روح المعاني هي قمم الحقائق لا أشباح المعاني بعموم إبهامي فضفاض.
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ» (1)هنا اصطفاء، «هُوَ اجْتَبَاكُمْ» فهو اجتباء اي اصطفاء، فمن هم هؤلاء الذين اجتباهم؟
ولا ريب أنّهم من الأمة الإسلامية، لكن من هم هؤلاء الذين اجتباهم من الأمة الإسلامية، فليس اجتباء الله هو لكل الأمة الإسلامية، وانما الاجتباء خاص في بني هاشم كما في قوله تعالى: «هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ» (2)وهنا يبيّن القرآن انهم من نسل ابراهيم واسماعيل، وهم بنو هاشم، «هُوَ اجْتَبَاكُمْ» اصطفاكم «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ» لا يحيد المفسر أو الباحث يميناً وشمالاً، وانما هؤلاء من نسلابراهيم واسماعيل، هم بعينهم الذين يذكرهم إبراهيم وإسماعيل
في قولهما «وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً» (1)فإبراهيم سماهم من قبل مجيئهم ونعتهم ب(المسلمين) وهم عين ذرية إبراهيم في قوله تعالى: «قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي» (2)فإنها شبكة ومنظومة واحدة، كما نبّه الصادق صلوات الله عليه على هذا النظم العنواني في آيات القرآن، ببرهان قرآني عقلي.
قال تعالى: «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ» (3)، وأيّ اسلام قام النبي ابراهيم بتسمية ذريته به؟ لنتأمل في ذلك هل هو الاسلام العادي ام الاسلام الذي فوق اصطفاء امامة النبي ابراهيم؟
مرّ بنا في سورة البقرة، ان الاصطفاء الذي طلبه النبي ابراهيم واسماعيل لذريتهما وجعلها الله الكلمة (المقام الإصطفائي) الباقية في عقبه هو فوق النبوة، وفوق الإمامة الاصطفائية المعتادة والموجودة في بقية الأنبياء وبيوتات الانبياء، بل هذه امامة خاصة واصطفاء خاص في بيت خاتم الانبياء.
«هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ»، ولماذا سماكم بدرجة من التسليم فوق اصطفاء نبوة أولي العزم؟، مرتّ بنا في سورة البقرة آية صريحة في ان ذلك الاصطفاء فوق اصطفاء نبوة أولي العزم، وطلب إبراهيم (علیه السلام) هذا الاصطفاء
العالي الصاعد لأمة ثلة من ذريته «وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ» (1)لأجل غاية عظيمةسنشرحها ان شاء الله لاحقاً، دالة على المقام الخاص والامتيازات الخاصة للدائرة الثانية بنص القرآن، فضلاً عن الدائرة الاولى الخاصة من بني هاشم، وهي مطابقة للروايات الواردة عند الفريقين.
هذه الطائفة أيضاً في الحقيقة مشتملة على عدة ألسن كما هو الحال في الطائفة الأولى.
منه لسان قرآني صريح جداً وقد تعرضنا إليه مرات عدة وهي الآيات الدالة على أنّ آباء واجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كلهم أوصياء، وألفت ونبه عليه الإمام الصادق (علیه السلام)، وقد خضنا في جملة من الآيات في سورة البقرة مرارا، حينما يبدأ في قوله تعالى: «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ» إلى أن يقول «رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ... ﱠ (2).
وهم عين الأمة في سورة البقرة أيضاً في قوله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ»... ﱠ(3)لأنها ذات اصطفاء عالٍ يفوق اصطفاء بقية الأنبياء ويراد من الأمة هنا هي عين الأمة التي هي من ذرية إسماعيل وإبراهيم في قوله تعالى:
«وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ»... ﱠ (1)، وعين الأمة في قوله تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا... » (2).
إذ قد عينهم وأشار إليهم القرآن في سورة الحج أن الشهداء على الناس هم المخاطبون بـ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ...» (3)، مضافاً إلى قوله تعالى: في شأن إبراهيم في سورة الزخرف في الدعاء منه الى الله «وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ»(4)وهذا الاصطفاء بتلك الدرجة التي مر بيانها مراراً هو أعلى من اصطفاء الإمامة الذي كان للنبي إبراهيم والذي قد طمع فيه النبي ابراهيم بعد حيازته للإمامة كما بيّناها، لأن الإمامة درجات.
وكذلك في سورة البقرة قال «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي» (5).
شهادة أفراد الدائرة الثانية
وهذا شيء عظيم في الآيات الكريمة ينبه عليها أهل البيت (علیهم السلام) في رواياتهم المعتبرة الشريفة، وليس المدار فقط على اعتبار السند بل العمدة هو قوة وصحة المضمون بمطابقته مع محكمات وأصول قرآنية وقطعية روائية أيضاً، فتحدثنا الروايات بأنّ النبي نوحاً يحتاج لسيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) في يوم القيامة لمقام الشهادة على تبليغه للرسالة، بعد مسائلة الله تعالى: لنوح بأنّه: هل بلغت؟ ومن يشهد لك، فيرسل النبي الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) جَعْفَرا وحَمْزَة لمقام الشهادة لنوح.
كما في الرواية عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ لِي:
«إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وجَمَعَ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى الْخَلَائِقَ كَانَ نُوحٌ (صَلَّى الله عَلَيْهِ)
أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى بِهِ، فَيُقَالُ لَهُ هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ، فَيَقُولُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله، قَالَ: فَيَخْرُجُ نُوحٌ (علیه السلام) فَيَتَخَطَّى النَّاسَ حَتَّى يَجِيءَ إِلَى مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم) وهُوَ عَلَى كَثِيبِ الْمِسْكِ ومَعَهُ عَلِيٌّ (علیه السلام) وهُوَ قَوْلُ الله عَزَّ وجَلَّ: ﭐﱡﱁ ﱂ ﱃﱄﱅ ﱆ ﱇ... (1)فَيَقُولُ نُوحٌ لِمُحَمَّدٍ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى سَأَلَنِي هَلْ بَلَّغْتَ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ، فَقُلْتُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: يَا جَعْفَرُ يَا حَمْزَةُ اذْهَبَا واشْهَدَا لَهُ أَنهُ قَدْ بَلَّغَ».
فَقَالَ أَبو عَبْدِ الله: «فَجَعْفَرٌ وحَمْزَةُ هُمَا الشَّاهِدَانِ لِلْأَنبِيَاءِ (علیهم السلام) بِمَا بَلَّغُوا»، فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ فَعَلِيٌّ أَيْنَ هُوَ؟ فَقَالَ: «هُوَ أَعْظَمُ مَنْزِلَةً مِنْ ذَلِكَ»(2).
وهي الدرجة العليا التي يحوز عليها بنو هاشم، ولاحظ تعبير الصادق (علیه السلام)، «فجعفر وحمزة هما الشاهدان للأنبياء (علیهم السلام)»، كم هو مقام عظيم بأن الدائرة الاصطفائية الثانية لهم مقام الشهادة على الأنبياء فهم شهداء على الشهداء على الأمم، والدائرة الأولى شهداء على الدائرة الثانية والنبي شاهد على الدائرة الأولى، فالشهادة طبقات والله تعالى هو الشاهد على الكل.
وإن هذه الطائفة دالة بنصوص أو بتنصيص قطعي بيّن على اصطفاء دائرة ثانية من بني هاشم وهم يكونون شهداء على اعمال العباد في دائرة تلي دائرة الأربعة عشر معصوماً، فضلاً عن الروايات المستفيضة أو المتواترة في ذيلها الدالة على اصطفاء الدائرة الثانية، وسيتبين لنا أنّ هذه الطائفة تشتمل على عدة أدلة قطعية - وليست ظنية -دالة على وجود الدائرة الاصطفائية الثانية.
وهناك لغط بين المفسرين أو فيما بينهم وبين الفقهاء في بيان ماهية معنى الشهادة؟ هل هو بمعنى الشهادة على أعمال العباد كما استعمل هذا المعنى في القرآن الكريم كثيراً، مثل قوله تعالى: «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ... ﱠ (1)أي أنّ الشهادة في يوم القيامة بمعنى إدلاء وتوثيق ما جرى من أعمال العباد وبالتالي فإنّ الشهادة بمعنى الشهادة على الأعمال.
ولا تنحصر شهادتهم على الأعمال فقط، بل تشمل الشهادة على الأعمال وعلى الأخلاق وعلى العقيدة والإيمان.
إذ الشهادة تعم كل سجل الانسان؛ في عقيدته وأخلاقه وأعماله.
وشهادة الشهداء من الدائرة الأولى والثانية من أهل البيت (علیهم السلام) هي شهادة على الناس جميعا، كقوله تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ» (2)أي رقابة ومراقبة وهذا المقام والعنوان بنفسه الذي ورد في سورة الحج من قوله تعالى: «وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا...» (3)(وفي هذا) اي مقام الاصطفاء الذي قد مضى بيانه في سورة البقرة من قبل.
وقد أشرنا الى بعض أبعاده في الطوائف السابقة، ولابد من ملاحظة كلمة (على) الدالة على الحجية والولاية فالأمة هي من ذرية إبراهيم وإسماعيل.
وكلما تتعدى الشهادة ب(على) فالمعنى للفظة هو توثيق الاعمال والحساب والأخلاق أو العقيدة، كما في قولة تعالى: «...لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ...».
فالشهادة تستخدم في القرآن الكريم في موارد عديدة بمعنى توثيق ومراقبة ومحاسبة الأعمال والعقائد وغيرها.
ومن جانب آخر في الفقه والروايات التي وردت أن الشهيد والشهادة قد تستخدم في القتل في سبيل الله كما هو المركوز في ذهن المتشرعة، أن معنى الاستشهاد هو القتل في سبيل الله، فكيف هي الصلة بين المعنيين؟
وهذا لغط علمي إلى زمن قريب لم يتوصل الفريقان أصحاب القولين الى وجه حل لهذه العقدة، بينما في روايات أهل البيت (علیهم السلام) منذ ألف واربعمائة سنة لهم بيان يبين الصلة والربط بين المعنيين.
ولأجل إشباع وضوح الصورة عن ضرورة وجود أدوار أفراد الدائرة الاصطفائية الثانية، إذ هذه الأدلة العظيمة التي ذكرت لا تقتصر ثمرتها على إثبات أصل وجودالدائرة الاصطفائية الثانية، وإنما لها ثمرة وفائدة جدوائية عظيمة أخرى، وهي بيان حقيقة أدوار أفراد الدائرة الاصطفائية الثانية
ومسؤولياتهم الخطيرة التي يقومون بعبئها في المواقع الدينية.
ولا يخفى أن في الطائفة الأولى والطائفة الثانية والثالثة التي مرت بنا والآتية جملة من الأدلة، وعندما نصنف الطائفة بالثالثة فهذا لا يعني أنه الدليل الثالث، بل في كل طائفة يوجد عدد من الأدلة سواء على أصل وجود الدائرة الاصطفائية الثانية أو على أدوارهم، وقد اشتملت الطائفتان الأوليان على سبعة ادلة وكذلك اشتملت الطائفة الثالثة على عدة من الأدلة، فعندما نرقّم الطائفة بأنها الطائفة الثالثة فهذا لا يعني أنه الدليل الثالث، لأن كل طائفة تنضوي تحتها جملة من الأدلة، وهي أدلة قطعية وليست ظنية، وهي مجموعة آيات في سور عديدة وطوائف روائية متواترة متطابقة مفاداً مع الطائفة القرآنية الاولى والثانية التي تم عرضها.
والطائفة الثالثة هي طائفة آيات الشهادة، التي تبين لنا ربط الشهادة على الاعمال بالقتل في سبيل الله، وتبين موقعية الشهادة في الدين، لان دور الدين غير دور التشريع ولا ينحصر بدار الدنيا الأولى، بل يشمل البرزخ أيضاً، والدين يغاير الشريعة. وهذا الدور يشمل الرجعة والقيامة والجنة الأبدية والعوالم السابقة، كعوالم الذر وعالم الميثاق.
ومن المهم الالتفات إلى أن الدين عام وعميم لكل النشآت، ولكل المخلوقات، وقد يتوهم ان الدين مقتصر على دار الدنيا كما في كلمات المتكلمين أو الفلاسفة أو العرفاء أو المفسرين.
بينما الحقيقة أن أهل الجنة لهم دين ولا يرتفع ولا يزول الدين عندهم والعياذ بالله، وكذلك الملائكة أيضاً يدينون بدين الإسلام، وكذا غيرهم من المخلوقات.
فالدين هو برنامج إلهي عام لكل المخلوقات ولكل النشآت قال تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» (1)والدين يغاير الشريعة قال تعالى: «...لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا...» (2)، فالشريعة مختصة بدار الدنيا، ولكن الدين عميم ليس خاصاً بالثقلين فقط ولا خاصاً بنشأة طبيعة واحدة انما يعم كل المخلوقات وكل العوالم.
وإذا كان لأفراد الدائرة الاصطفائية الثانية موقعية في الدين الذي هو عام لكل النشآت ولكل المخلوقات، ومن الواضح أن هذه الموقعية خطيرة وعظيمة؟
الشهادة على أعمال العباد أو أعمال المخلوقات، هي من أعظم الأدوار والمسؤوليات القيادية في الدين. فالشهادة كما مرّ بنا ليست هي القتل في سبيل الله كما يتداعى في الاذهان، وانما القتل في سبيل الله هو سبب الوصول الى مقام الشهادة كما في الرواية عن الصادق (علیه السلام)، فالعلاقة بينهما علاقة السبب والمسبب، والشهادة هي مقام ولاية ومقام ولائي ومقام قيادة ومقام مسؤولية، وإذا كان أفراد الدائرة الثانية يوصفون بأنهم شهداء فهذا يعني أنهم
قادة في هذا الدين رتبة بعد الدائرة الاصطفائية الأولى، وأنهم قيادات الدعوة لهذا الدين.
كما نلاحظ سور القرآن الكريم عندما تصف مقامات ومواقع سيد الأنبياء تجعل مقام الشهادة أول مقاماته العظيمة، ومنه قوله تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا...» (1)أولا «شَاهِدًا» وإنْ العمومية للعوالم مقررة أيضاً في مقام الرسالة والنذارة والبشارة للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فإرسال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كما في الروايات مبشرا ونذير لم ينحصر بدار الدنيا فقط، انما أرسل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) شاهدا ًومبشراً ونذيراً في العوالم السابقة واللاحقة، إلىالأنبياء وإلى عالم أرواح الأنبياء والرسل، في عالم الأرواح، وهي الإشارة في قوله تعالى: «هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى» (2)كما نبهت على الدلالة الروايات الواردة.
كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى...» (3)أن هناك عالماً قبل نشأة عالم الدنيا وكانت فيه مساءلة وجواب، وهو عالم الذر او عالم الميثاق.
كما تشير اليه آيات قرآنية أخرى وان الله أخذ فيه الميثاق من الانبياء كما في قوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى
ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا»(1).
وهناك آيات أخرى كثيرة دالة على النشآت عديدة قبل عالم الدنيا، مثلا آية النور قال تعالى: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ»(2).
فأثبت القرآن الكريم في سورة النور الوجود النوري والنشأة النورية، هذا الوجود النوري تنزّل في بيوت، كما في آيات قرآنية كثيرة قوله تعالى: «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» (3)، وهذا النور أنزل مع النبي الاعظم (صلی الله علیه و آله و سلم)كما في قوله تعالى: «وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ» (4).
و(النور الذي أنزل معه) يشير إلى نشأة النور الالهي كما تشير إليها سورة النور المباركة وسور أخرى انها نشأة سابقة على الأرض وسابقة على دار الدنيا.
وقد أنزلت تلك الأنوار الأربعة عشر في بيوت أذن الله أن ترفع، كما تشير آية النور.
(أنزل) بمعنى ان هذه الانوار ليست نشأتها في البيوت وانما كانت نشأتها في الطبقات العلوية كما نقرأ هذا البند في زيارة الجامعة الكبيرة المتطابق مع سورة النور «خلقكم الله أنوارا فجعلكم بعرشه محدقين»، وفي مقطع آخر في الزيارة الجامعة «فجعلكم في بيوت اذن الله ان ترفع».
ومعرفة المؤمن لأهل البيت (علیهم السلام) هو كرامة من الله عليه كما في بعض الزيارات «اللهم فصل على محمد وآل محمد الذين افترضت علينا طاعتهم وعقدت في رقابنا ولايتهم واكرمتنا بمعرفتهم»، وهذه الكرامة الالهية بمعنى المواصلة بينهم وبين شيعتهم، لأن الأرواح النازلة رتبة أو الأبدان الدنيوية النازلة بيوت في تعبير القرآن الكريم، والبدن بيت للروح والروح النازلة رتبة ذات الجسم النازل هي بدن للروح الأعلى طبقة وكل روح أنزل بمثابة بيت للروح الأعلى.
فلاحظ وصف القرآن الكريم وقوله تعالى: «مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ» وفي الآية الثانية «فِي بُيُوتٍ» وفي الآية الثالثة تُبين ماهية هذه البيوت «رجال» وليست هذه البيوت من الحجر والمدر، وانما هي عطف بدل بحسب علم النحو والاعراب وقد أشير إلى نكات الألفاظ وظهور التركيب في الروايات.
فالعوالم التي يذكرها القرآن الكريم لنشآت الإنسان السابقة قبل دار الدنيا كثيرة، فيها عالم الذر وعالم الميثاق وعالم النور وعالم الأرواح، وهذه البيانات والحقائقموجودة في الآيات القرآنية، كما نبّه على ذلك أهل البيت (علیهم السلام) في بياناتهم في الروايات.
والذي يستخرج هذه الحقائق هم أهل البيت لا غيرهم، اما البقية فبتبعهم.
فهذا الدور للدائرة الاصطفائية الثانية تبعاً للدائرة الاصطفائية الأولى في الدين ليس لنشأة واحدة وانما لكل العوالم قال تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا» (1)كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم حيث يخاطب سيد الأنبياء
«وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ» (2)على الشهداء في العوالم والأمم من أول التاريخ الى نهايتها (شهيدا)، وواضح إن دور الشهادة لسيد الأنبياء لا يقتصر على عُمْر بدنه الشريف، فلا ينحصر بسن بدن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عام الفيل إلى يوم استشهاده (صلی الله علیه و آله و سلم) بالسم، وانما شهادته عامة لكل القرون والأزمان، قال تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا» وأفراد الدائرة الثانية بتبع دور أفراد الدائرة الأولى شهداء على الاعمال في مقام الشهادة.
فالشهادة مقام قيادي كخلافة إلهية لا يقتصر على النشأة الدنيوية وانما يعمّ النشآت العديدة في غير دار الدنيا الأولى، كما لايخفى أن مقتضى مقام الشهادة هو كون الشاهد والشهيد وليّ الحساب يوم القيامة فالشهداء والأشهاد أولياء الحساب في عالم القيامة كما تشير إليه آيات الشهادة المتقدمة.
وفي رواية الكليني بسنده عن الصادق (علیه السلام) يبرهن على أن الجهاد الابتدائي الذي يعبر عنه في الفقه والروايات (جهاد الدعوة للدين) يعني دعوة كل شعوب العالم بالانضواء تحت النظام العالمي الموحد للإسلام، هذا المقام وهو رئاسة النظام العالمي البشري الموحد تحت ظل الإسلام، كما أجمع علماء الامامية عليه هو من صلاحيات الإمام المعصوم والطاقم القيادي الذي يحيط به من المصطفين من بني هاشم كما مر.
فقيادة الدعوة لهذا الدين وإقامته مخصوص بالذين يرشحهم القرآن لمقام الشهادة، سواء في نشأة دار الدنيا أو النشآت الآخرة.
ولتقريب معنى الشهادة على سبيل المثال انه عندما يُعطى شخص موقع المشرف العام على الأساتذة، فإن هذه الصلاحية والدور له يعني دوره في الرعاية والتربية وثم دور المراقبة والمحاسبة للأساتذة، فدور التربية والرعاية والهداية والتعليم قبل دور الرقابة والمحاسبة والمجازاة، وكذلك حال المشرف العام على المدراء العامين للجامعات، وكذلك حال الإشراف على الوزراء وعلى المدراء العامين الذين يندرجون تحت إدارتهم.
فدورهم قبل ان يكون موقع مراقبة ومحاسبة فانه دور اشراف تربوي وتنموي وتطويري، وهذا هو معنى الشهادة على الأعمال للمصطفين من بني هاشم فإنهم لم يعطوا هذا الدور لكي يكون محكمة قضائية وجزائية فقط، بل الدور الأساس والأسبق على المقاضاة والمحاسبة والجزاء، الدور
الأسبق للشهادة دور الرعاية والتربية والتوجيه، المشرف دوره توجيه وإرشاد وتعليم، يعلم المعلمين فضلاً عن المتعلمين، ويدير المدراء.
إنّ مقام سيد الأنبياء هو مقام الشهادة على الشهداء على كل طبقات الشهداء، والقرآن الكريم يرسم لنا طبقات الشهداء كالطبقات للمدراء، كما أن الإدارة في النظام العصري أيضاً على طبقات فهناك مدير مدرسة، ومدير شعبة، ومدير إدارة، ومدير وزارة، ومدير دولة، ومدير دول.
فالإدارة ذات درجات وطبقات، وكذلك مقام الشهادة ذات درجات وطبقات، وهذا بيّن في القرآن الكريم كما في قوله تعالى: «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ» (1)فمفاد الآية يبُين بنحو بيّن طبقتين من الشهداء، المتمثلة بمقام سيد الأنبياء والشهداء الذين هم على مراتب ومقاطع.
وفي سورة الحج التي تستعرض مقام الشهادة لآباء وأجداد النبي الدائرة الاصطفائية الثانية فضلاً عن الدائرة الأولى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ
1) سورة النحل، الآية: 89.
هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ(1)، وفي سورة البقرة أيضاً هي الأمة بعض من الذرية من إسماعيل وإبراهيم «وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ» (2)و «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا» (3)التي هي في قراءة أهل البيت (أئمة) وعلى كلا القراءتين الآيتان دالتان على هذا المقام لبعض متسلسل غير منقطع من ذريةاسماعيل وإبراهيم إلى أوان بعثة سيد الأنبياء منهم بل إلى يوم القيامة «وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ» (4)أي إلى يوم القيامة.
وان شهادتهم على جميع (الناس) وهذا المقام لم يقرّره القرآن الكريم ولم يثبته ولم يخصصه للأنبياء أولي العزم، ولابد أن نلتفت الى مضامين وحقائق القرآن بقوة تركيز وتدبير.
لأنها حقائق لم يقف عندها المفسرون من الفريقين إلا أئمة أهل البيت (علیهم السلام)، كما مرّ بنا أنّ النبي عيسى على نبينا وآله وعليه السلام يذكر أن مقام الشهادة له مخصوص بأمته كما نقل القرآن على لسان عيسى «...وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» (5)فبالرغم من ان عيسى (علیه السلام) كان من أنبياء أولي العزم، إلاّ أن شهادته مخصوصة
بأمته بل ومخصوصة بما دام فيهم قبل وفاته.
بينما آباء وأجداد النبي وبقية افراد بني هاشم يثبت لهم القرآن الكريم مقاماً عاماً في الشهادة على الاعمال على كل الناس من الاولين والآخرين كما في سورة البقرة التي مر ذكرها وكما في سورة الحج قوله تعالى: «وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ» (1)،وهنا تفضيل من القرآن وتمييز لبني هاشم على بقية الأنبياء أولي العزم، وهو من أعظم المقامات القيادية في دولة الولاية الإلهية وأخطرصلاحية في مواقع ومقامات الولايات الإلهية - التي اعطاها الله لبني هاشم - هي مقام الشهادة.
ومقام الشهادة هو المقام الذي تبينه الآية في قوله تعالى: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ»(2)وقد روى الفريقان أن أعمال الأمة تعرض على سيد الأنبياء الآن في البرزخ في كل يوم اثنين وخميس.
ولماذا تعرض عليه؟ لأن سيد الأنبياء هو الراعي لأمته، وهو المربّي لأمّته وهو المعلّم لأمّته،
فهل يعقل أن الراعي ينسى ويبتعد عن رعيته أو أنّه لا يزال مستمراً يرعاهم، وهو مفاد قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ» (1)فلا زال هو المزكّي والمربّي والمعلم.
والقرآن الكريم لم يقصر رعاية سيد الأنبياء لخصوص الأمة الإسلامية، انما جعله راعياً لكل مجموعات طبقات الشهداء على الأعمال على كل الطاقم القيادي في الدولة والدول الإلهية.
وكم هي مساحة نفوذ طاقم الدولة الإلهية، ولا بد من وقفة تأمل وتدبر في مساحة نفوذ الدولة الإلهية، لاحظ الإشارة في قوله تعالى: «وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»(2)وجنود الدولة الإلهية تشغل كل مساحات السماوات والأرض، فمساحة الدولة الإلهية ورقعتها لا تنحصر بالأرض أو الكواكب فقط، ولا تنحصر بالمجرات والكواكب.
بل في جميع السماوات، والسماء الأولى في جنب السماء الثانية كقطرة في محيط، كما ورد في روايات الفريقين، والسماء الثانية بالقياس إلى السماء الثالثة كقطرة في محيط، وهكذا كل سماء بالقياس للتي فوقها حتى تصل إلى السماء السابعة.
فكم هي رقعة الدولة الإلهية بعد هذه العظمة للسماوات؛ وجنود الله
لا تقتصر على هذا العالم بل هناك عوالم غير عالمنا كما أشارت إليه الروايات.
والشهداء في قوله تعالى: «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ»(1)هو شهادة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته (علیهم السلام)، ولا تنحصر بكوكب الأرض، ولو اقتصرت شؤونهم على كوكب الأرض فلماذا أسجد الله عز وجل ملائكة السماوات اقتصرت والأرضين والآخرة، وذلك لتلك الانوار في صلب آدم كما في قوله تعالى: «فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ»(2)ولو كانت ملائكة السماوات وملائكة الآخرة وملائكة الجنة الأبدية وملائكة النار الأبدية لا صلة ارتباط لهم بقيادة خليفة الله وشؤون نبيّه، فلماذا لم يستثن القرآن أي طبقة من الملائكة في السجود له.
وهذه كلها شواهد لسنا في صددها وبسطها وتفصيلها ولها محطة أخرى مثل محطة العوالم المتعددة لكنها مقدمة لبحث معنى طائفة الشهادة، فالدولة الإلهية لا تنحصر بكوكب الأرض ولا تنحصر بنشأة دولة، وانما تشمل كل ما خلق الله تعالى من العوالم.
وإذا كان سيد الأنبياء راعياً للشهداء، فمن باب اولى ان يكون شهيداً على الملائكة الذين جعلهم الله عز وجل يشهدون أعمال العباد ويكتبونها كما في
قوله تعالى: «مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ»(1)ملائكة كتاب الأعمال وملائكة الحساب وهو (صلی الله علیه و آله و سلم) شهيد على كل أقسام الملائكة الذين لهم شؤون الشهادة.
فكم هو عظيم مقام الموقعية القيادية التي يحظى بها سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولاحظ كم يذكر القرآن الكريم لنا درجات وطبقات مدراء الدولة الإلهية، وكيف يميز بين -موقعية سيد الأنبياء وموقعية بني هاشم الذين يأتون مباشرة بعده -عن موقعية بقية الأنبياء والملائكة.
وهنا تتجلى الصورة بوضوح في شأن محمد وآل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) فإن شأنهم هو شأن عظيم مبين في القرآن العظيم، وشأن ومقام ودور الشهادة ليس مقاماً اصطفائياً متوسطاً، لان الشهادة مقتضاها قيادة ملكوتية.
هناك شعب عديدة تبين حقيقة ومقام الشهادة الإلهية والذي يتجلى في قوله تعالى: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ»(2)ورؤية الله للأعمال لم يحددها القرآن بالبعدية للعمل أو حين العمل؟ وانما هي حضور شهودي يشمل ما كان وما هو كائن، والرؤية التي أسندها الله عز وجل إلى الذات المقدسة أو إلى اسم الجلالة، قد أسندها إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأسندها إلى «وَالْمُؤْمِنُونَ» والمؤمنون من بعد رسول الله هم الدائرة الأولى الاصطفائية من بني هاشم، تلك الامة التي دعا لها ابراهيم (علیه السلام) «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ» (1).
وان وظيفة الأدلة هي أن تكشف لك مساحات من الحقيقة لم يكشفها لك الدليل الآخر، السابق أو اللاحق، إذ كل دليل يختص بالإضاءة لمساحة من الحقيقة والواقعية.
وآيات الشهادة هو مجموع منظومة من آيات السور القرآنية؛ لخريطة الشهداء على أعمال العباد وبيان دورهم ومقامهم والمسؤولية التي ألقيت عليهم ويؤكد القرآن الكريم على أهميتها وعظمتها.
وهذا المبحث بحد ذاته هو مبحث معرفي عظيم، وهذه الطائفة من الآيات في السور العديدة في حين تثبت لنا أن وراء الاربعة عشر معصوماً من الشهداء على أعمال العباد؛ شهداء من بني هاشم مصطفين ولهم دور في الشهادة على أعمال العبادقد مضت الاشارة إجمالا وستأتي -وتثبت لنا أيضاً أنّ هؤلاء لا تقتصر شهادتهم على أعمال عموم العباد فقط بل تعم الشهادة من افراد الدائرة الاصطفائية الثانية من بني هاشم على أعمال بقية الأنبياء من أولي العزم.
فلا يقتصر الغرض من سلسلة هذه البحوث على اثبات أن هناك ثلة مصطفاة من بني هاشم تحيط بالمجموعة الاصطفائية الاولى من اهل البيت
الاربعة عشر معصوماً، بل يتناول بسط المعرفة بشؤونهم وأدوارهم
1) سورة البقرة، الآية: 128.
في البعد العقائدي وفي البعد الديني فيما سبق وفيما هو حال وفيما سيأتي، وكذلك موقعيتهم في الولاية، وفي المناصب التشريعية والسياسية المتفرقة عن المناصب العقائدية.
وكذلك الغرض من معرفة أدوارهم وشؤونهم وشجونهم هو معرفة الوظائف الملقاة على المؤمنين والمسلمين تجاههم في التعاطي معهم، فالبحث في الحقيقة يتسع لمثل هذه الأمور أيضاً ولا يقتصر على أصل اثبات اصطفائهم، وبدون ذلك يكون أصل اثبات اصطفائهم بحثاً مبهماً مجملاً عائماً أو مبهماً.
ومن الضروري أن نستنطق الأدلة، فطائفة الشهادة تبين دور أبي طالب وسيد الشهداء حمزة وعبد الله والد النبي ودور آباء وأجداد النبي (عبد المطلب وعبد مناف وهاشم وآبائهم)، وكذلك دور أبناء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)(ابراهيم والطاهر والقاسم)، وكذلك دورأبي الفضل العباس ودور علي الأكبر (علیهما السلام) والعقيلة زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) وغيرهم من أفراد ونجوم الدائرة الاصطفائية الثانية، زيادة على أصل اصطفائهم وحجيتهم وما شابه ذلك فلهم دور مقام الشهادة على أعمال العباد.
والخطير في مقامهم أن شهادتهم كما في الأدلة التي مرت لا تقتصر على الأمة الإسلامية، بل تعم الأولين والآخرين من البشر، فكيف يرسم لنا القرآن هذا المقام، لأناس ولدوا في زمان نبي آخر الزمان؟
ولاسيما أن البحث الفلسفي والبحث في علم الكلام ربما يكون قاصراً
في بيان وتبيان هذا الدور، وفي بيان دور أناس ولدوا في آخر الزمان لهم دور شهادة على الأولين والآخرين، وما هو هذا الدور، وما حقيقته؟
فهذا الدور وهذه الطائفة من الآيات نفسها في هذا المبحث باب معرفي عظيم في نفسه، علاوة على اثبات أصل المطلوب من أن هناك ثلة من بني هاشم مصطفون، ومن المحتم علينا في خضم بحث هذه الطائفة الثالثة التدبر في أبعاد هذا المقام.
وقد مر بنا ان الطائفة الاولى فيها أربعة أدلة قطعية قرآنية وروائية، وان الطائفة الثانية (طائفة الاصطفاء) فيها ثلاثة أدلة قطعية، قرآنية وعندما نعبّر بطائفة فلا يعني انه دليل واحد، وإنّما هو باب معرفي، فالطائفة الثالثة من الآيات القرآنية المَُؤصَّلة المجذرة لفهم باب الشهادة هي متضمنة لأدلة متعددة.
ففي قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ»(1)الخطاب إلى بني هاشم الدائرة الأولى في الدرجة المتقدمة والدائرة الثانية في الدرجة التالية، كما سيتبين، الدال على أن تلك الأمة التي دعا لها النبي إبراهيم وإسماعيل (علیهما السلام) في أن تكون أمة مسلمة بدرجة تسليم فوق التسليم الذي ناله عند الإمامة الاصطفائية العامة كما بينا في سورة البقرة، أي اصطفاء عالٍ.
1) سورة الحج، الآيتان:77-78
وهي نفس الأمة المسلمة التي دعا لها النبي إبراهيم (علیه السلام) في ان تبقى موحدة والتي لها تسليم اصطفائي فوق الإمامة الاصطفائية العامة التي نالها النبي إبراهيم (علیه السلام) كما مرّ بيانه مفصلاً.
«مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ» المصطفاة من الذرية سواء الدائرة الأولى او الدائرة الثانية، ولا ريب ان ذرية ابراهيم من اسماعيل الى سيد الانبياء لا يقتصرون على الدائرة الأولى فقط بل يعمّ الدائرة الثانية أيضاً، لأن آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ليسوا من الدائرة الأولى من بني هاشم، وإنما هم من الدائرة الثانية.
والآية شاملة للدائرتين بدليل قوله تعالى: «وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً» (1)، أي مستمرة بلا انقطاع إذ انها لو تنقطع في بعض الحلقات لم تكن باقية، فقوله تعالى: «قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي» (2)وهو مستجاب الدعوة «لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» يعني استثنى الظالمين لكنها باقية في سلسلة أبعاض ذريته المتعاقبة.
وههنا قوله تعالى أيضاً: «مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ» (3)، أي اسلام ودرجة تسليم اصطفائي عالٍ، فسمّى النبي ابراهيم تلك الأمة من ذرية اسماعيل، ومرّ بنا ان هذا التسليم فوق تسليم درجة الإمامة الذي كان لإبراهيم. لأن هذا الطلب من النبي إبراهيم لنفسه ولذريته من إسماعيل حصل بعد ما نال النبي إبراهيم على الإمامة عند ذلك قال ابراهيم وولده اسماعيل
«رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ»(1)والاسلام الذي طالب به وطلبه النبي ابراهيم ليس أصل الدخول فيه كيف وهو نبي ورسول وخليل الله وإمام مما يعني بوضوح انه طلب درجة تسليم اصطفائي زائد على الإمامة العامة التي نالها، لان الإمامة درجات.
هذه الدرجة من التسليم الاصطفائي العالي التي فوق إمامة ابراهيم طلبها ابراهيم لبعض ذرية اسماعيل متسلسلة الى سيد الانبياء، ومقتضى ذلك أن اصطفاء الذرية من الدائرة الثانية فضلاً عن الدائرة الاولى اعلى من اصطفاء ابراهيم.
وهذا ما يستفاد من بيان أئمة اهل البيت (علیهم السلام) وقد بينته الروايات أيضاً، «مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا» أي في هذا التسليم الإصطفائي العالي الذي طلبه النبي ابراهيم لذرية اسماعيل في قوله تعالى: «لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا» (2)ولابد من التدبر مليّاً ههنا في ضمير الخطاب الجمع «وَتَكُونُوا» انتم بنو هاشم «شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ» ولم يخصصه ب(تكونوا شهداء) على أمة واحدة قرن واحد من الزمان.
كلا بل لكل الأمم ولكل القرون وذلك قوله تعالى:{ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ }، يعني ان كلاً من الدائرة الأولى لأهل البيت والدائرة الثانية لأهل البيت شهادتهم عامة على الناس من الأولين إلى الآخرين.
فالتعبير ورد في القرآن قوله تعالى (على الناس) وليس (على المسلمين) ولا (على قرن من القرون) ولا (عالم من العوالم) بل ان شهادتهم عامة، وهذا بخلاف شهادة الانبياء والرسل فإنها شهادة محدودة وضيّقة كما في قوله تعالى: «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» (1)فشهادة الأنبياء ليست كشهادة اهل البيت سواء الدائرة الأولى أو الثانيةوبينهما بون بعيد كما قال النبي عيسى في قوله تعالى: «وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ»(2).
وهذا دال على ان شهادة الأنبياء بما فيهم بقية اولي العزم باستثناء خاتم الانبياء هو بمقدار اممهم وقرنهم، بينما شهادة النبي الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) كما يبيّنها قوله تعالى: «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ...» (3).
أي استعلاء، وهذه دالة على ان سيد الانبياء يشهد على الأولين والآخرين.
وهي تبيّن أيضاً أن شهادة النبي هي مشرفة على الشهداء، وليس مجرد شهادة على الناس، أي ان شهادة النبي هي قيادة مركزية مشرفة على القيادات الشاهدة. «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ...» هؤلاء الشهداء القادة، النبي «شَهِيدًا» عليهم وليس مقتصرة
على الشهادة على عموم الناس وعموم البشر، بل هو يشهد على كل طبقات القيادات الشاهدة على البشر.
وهذه الآية في سورة الحج، وكذلك في سورة البقرة، دالتان على استعلاء شهادة النبي على الانبياء وأنه لا يشهد بمستوى بقية الأشهاد على الناس، لأن مستوى مقام الرسول أرفع من ذلك.
بل بين الانبياء وسيد الرسل توجد واسطة وهم المصطفون من بني هاشم، وهي الامة من ذرية نسل اسماعيل التي يندرج لا محالة فيها آباء وأجداد النبي كما مرّ بيانه مفصلاً.
وهؤلاء شهداء على الناس، يعني من الأولين والآخرين، ولا تجد في شأن أي نبي من الأنبياء حتى من اولي العزم عدا سيد الأنبياء له شهادة تتسع لكل الأمم، تتسع لكل القرون، وتتسع لكل الأمور، ولكل العالمين بل مستعلية مشرفة على الشهداء غير الحبيب المصطفى (صلی الله علیه و آله و سلم) حصراً، واما سائر الأنبياء كلهم فمنحصرة شهادة كل منهم على قرنه وأمته فقط.
بينما بنو هاشم وهم الأمة المسلمة من ذرية اسماعيل بحسب نص هذه الآية وسورة البقرة «جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ» (1)دالتان على أنهم شهداء على جميع الناس من الأولين والآخرين وهذا يشمل الدائرة الأولى والثانية.
1) سورة البقرة، الآية: 143.
وقد تتساءل أنه كيف يكون بنو هاشم شهداء قبل زمانهم؟ وهذا السؤال يطرح أيضاً تجاه شهادة سيد الأنبياء، وأنه كيف يكون سيد الانبياء شهيداً على ما قبل زمانه؟ والحال ان القرآن الكريم في جملة من الآيات يخاطب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) «وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ» (1)، فهل ان هناك تدافعاً، وتناقضاً في القرآن؟ كلا وحاشا، وليس هناك تدافع ولا تناقض بتاتاً.
والجواب: أن القرآن بيّن حقيقة ذات سيد الأنبياء، وهي ان حقيقته لا تقتصر على مجرد البشرية فقط، كما في عدّة سور من القرآن منه قوله تعالى: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ» (2)فهذا بداية حقيقة سيد الأنبياء.
وأما قوله تعالى: «يُوحَى إِلَيَّ» يعني وحيٌ مستمر ولا ينقطع؛ فلم يكن التعبير أوحي إليّ بلفظ الماضي، وانما يوحى بشكل مستمر ومن دون تقييد متعلق الوحي بأمر معين بل مفتوح على كل شيء.
فهوية ذات سيد الانبياء أنّه عين جوهر الوحي المستمر، حتى وهو في البرزخ وفي عالم الرجعة والقيامة والآخرة الأبدية، فإن مفاد الآية مفاد استمرار (يوحى) لسيد الأنبياء وهو في كل العوالم، وهذا لا تجده في وصف أي نبي من الأنبياء، بل حصراً وصف لسيد الأنبياء.
وهذه الحقائق مهولة من أمهات حقائق القرآن يجب أن تعرف بأنها من أم الكتاب التي تدور رحى الكتاب عليها، فلا تجد في تعريف نبي من الأنبياء أن هويته وحقيقته وحي مستمر أبدي إلا سيد الأنبياء.
وما هي هذه الحقيقة؟ أي وحي؟ أي درجة من الوحي؟ لم يقيد بقيد ولم يحدد بحد، فكلما يصدق عليه وحي فهو من حقيقة سيد الأنبياء، وداخل في حقيقته، فالعرش وحي، فهو داخل في حقيقة سيد الأنبياء، وما فوق العرش وحي، فهو داخل أيضاً في حقيقة سيد الانبياء.
وعالم الأسماء وحي فهو داخل في حقيقة سيد الأنبياء واقعاً، فلا تتناهى حقيقة سيد الانبياء، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: «انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ» (1)
أي انهم يريدون أن يعرفوا، كنهك ولا يستطيعون كما في قوله تعالى: «فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا»(2)وليست هناك امكانية في قدرتهم أن يعرفوا هويتك.
أنى للإنسان ان يعرف هوية الوحي وهو أمر مرموز وهو حقيقة سيد الانبياء، من دون حد ولا درجة ولا قيد.
فلا ينحصر حقيقة وذات سيد الأنبياء في كونه بشراً مثلكم، فإن هذا الجانب هو بدايات ذاته وأدنى مراتبه، واما الجانب الصاعد، هو (يوحى إليّ) بلا انتهاء، فإذا كانت حقيقة سيد الأنبياء وحيانية نورية، فمقتضى ذلك انه يشرف ويشهد على الأولين
والآخرين، إذ العرش يحيط ويشهد على الأولين والآخرين، وكذلك ما فوق العرش من الكلمات التي خلق منها وإذا كانت السماوات تحيط وتشهد على كل أدوار عمر الدنيا فكيف بما فوق السماوات.
وكل ما صدق عليه وحي، فهو يوحى الى النبي ومن هويته تجوهراً بتنصيص الآية، وليس بنحو العرض الطارئ الزائل بل بنحو الجوهر والذات، وهذا البيان القرآني -لحقيقة سيد الأنبياء، وأنه لا يشذ وحي عن سيد الأنبياء بتاتاً -هو من الملاحم الكبرى المعرفية في القرآن.
فشهادة سيد الأنبياء على الأمم السابقة ليس ببدنه البشري الشريف، (بشر مثلكم) وإنما شهادته بحقيقته الوحيانية النورية، كما تبيّن وتشير إلى ذلك سورة النور، كما قرّر ذلك في بحثها مفصلا، وهم أصحاب الكساء الأنوار الخمسة ثم تأتي بعدهم أنوار متعاقبة.
فسيد الأنبياء لا يشهد على الأمم ببدنه وكينونته البدنية بحسب بيان القرآن الكريم فقوله تعالى «وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ...» (1).
أي ان معناه ماكنت ببدنك؛ لأنّه ولد (صلی الله علیه و آله و سلم)في عام الفيل، ولكن كان نوره قبل الخلق كما هو نص القرآن بأنه شهيد على كل الشهداء على الأمم، ومقتضى ما ورد عند الفريقين من خلقته نوراً (كنت نبياً وآدم بين الماء والتراب)، وهو مفاد آية النور، فكينونته النورية محيطة بما دونها من العوالم والأشياء.
وهكذا الحال في أهل البيت (علیهم السلام) من بني هاشم، انهم يشهدون على الناس بنص القرآن الكريم كما في سورة الحج، ولم يقتصر لفظ القران على المسلمين
1) سورة يوسف، الآية: 102.
بل شهداء على الناس و(الناس) يعني الأولين والآخرين، فأبو طالب يشهد على (الناس) وحمزة يشهد على (الناس) وجعفر يشهد على (الناس) وعبد المطلب يشهد على (الناس)، وقد ورد في الروايات أن حمزة وجعفراً يشهدان للأنبياء.
فحمزة وجعفر يشهدان لنوح وابراهيم وموسى وعيسى يشهدان لهم انهم بلغوا الرسالة، ويأتي الأنبياء لسيد الأنبياء ليشهد لهم، فيرسل النبي الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) جعفراً وحمزة، لكي يشهدا لهم.
ولا يخفى أن الشهادة التي يؤديها الشاهد متوقفة على حضوره لمشهد الحدث الذي يؤدي ويدلي بشهادته حوله، أي أن يكون حاضراً في الزمان الذي يشهد له، ولم يكن حضوراً بدنياً للنبي الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) وانما كان حضوراً نورياً، «كنت نبياً وآدم بين الماء والتراب»، ومقتضى إثبات القرآن الشهادة لأفراد الدائرة الثانية فنور الدائرة الثانية فضلاً عن نور الدائرة الأولى تحيط بالأولين والآخرين.
ويلاحظ أن طبقات القيادة في الشهادة رأس الهرم هو الله تعالى، ثم سيد الأنبياء (شهيد الشهداء)، وينضوي تحت إشرافه الدائرة الأولى من أهل البيت (علیهم السلام)، وهي تشرف على الدائرة الثانية الاصطفائية من أهل البيت (علیهم السلام)، والدائرة الثانية تشرف على سائر الأنبياء والأوصياء وهم يشرفون على أممهم وأقوامهم وقرونهم.
فهناك إجمالاً طبقات من الشهادة، حسب خريطة القرآن، والآيات في هذا المجال كثيرة، وأما ما في سورة النحل من قوله تعالى: «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ» (1)فهو بيان مجمل تفصله بقية الآيات في الشهادة، كما في سورة الحج والبقرة حيث تتعرض للطبقات المتوسطة.
وأن بين سيد الأنبياء والأنبياء طبقتين من بني هاشم الدائرة الأولى والثانية (الشجرة المصطفاة)، وهذا بحسب الأدلة التي مرّت بنا، والطبقتان هم المصطفون من بني هاشم، طبقة الدائرة الأولى، وطبقة الدائرة الثانية.
ولماذا لم يرسل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)علياً بدل حمزة وجعفر ليشهد للأنبياء.
قال الصادق (علیه السلام):«هو أعظم منزلة من ذلك»(2)، وهذا مطابق لنظام الشهادة الذي يستعرضه القرآن في مجموع السور، فلا إفراط في هذا القول، فعلي (علیه السلام) أرفع شأنا من أن يشهد لنوح وبقية الأنبياء.
فأمير المؤمنين (علیه السلام) يدير الأئمة من أهل البيت، والأئمة من أهل البيت يديرون الدائرة الثانية، والفاصل كبير بين أمير المؤمنين وبقية الأنبياء، وهذا بحسب نفس خريطة منظومة الشهادة في القرآن، وقد أكّد كثيراً الباقر والصادق (علیهما السلام) على منظومة حقائق الشهادة في سور القرآن.
لأن ملف الشهادة يبيّن لك مدى طبقة سيد الأنبياء.
وهذه الخارطة وهذا المفاد هو عين ما مرّ بنا في سورة البقرة وأن التسليم الذي أراده إبراهيم بعد الإمامة أرفع من تسليم الإمامة الاصطفائية العامة التي نالها، لأن الإمامة درجات، وطلب التسليم في الإمامة الاصطفائية الخاصة التي لدى اهل البيت، وهي التي دعا بها لبعض من ذرية اسماعيل بنحو متسلسل متعاقب، وفيها دلالة على ان الدائرة الثانية فضلاً عن الدائرة الاولى أعلى شأنا في الاصطفاء والولاية، حسب نص القرآن، وليس في هذا المقال تكلف وتمحل، بل هذا بدلالات القرآن كما نبّه عليه أهل البيت (علیهم السلام).
وان الدائرة الثانية من الشجرة النبوية أعظم إصطفاءاً وطهراً، كما في روايات كثيرة عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)وأهل بيته (علیهم السلام)، حيث روى الجعفري عن أحمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب (علیه السلام)عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال:
«إن الله كان إذ لا كان فخلق الكان والمكان وخلق نور الأنوار الذي نورت منه الأنوار، وأجرى فيه من نوره الذي نورت منه الأنوار وهو النور الذي خلق منه محمدا وعليا فلم يزالا نورين أولين إذ لا شيء كُوّن قبلهما فلم يزالا يجريانطاهرين مطهرين في الأصلاب الطاهرة حتى افترقا في أطهر طاهرين في عبد الله وأبي طالب (علیهما السلام)».
بل قد ورد مستفيضا متواترا في الزيارات ان أهل البيت (علیه السلام) كانوا في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة أي الطهارة الاصطفائية لكل من الآباء والأمهات.
وهذا يعني ان آباء النبي أشد طهارة من اسماعيل وابراهيم وآدم ونوح، وهذه الرواية تبين، تصاعد النبي والوصي في الطهر في الآباء حتى وصلا إلى عبد الله وأبي طالب أطهر طاهرين، وهذا بلحاظ كل سلسلة الآباء هذا البيان متفق متطابق مع سورة الحج وسورة البقرة.
وملف الشهادة ملف عظيم، يبيّن شأن أهل البيت الدائرة الأولى والدائرة الثانية، وكذلك في سورة البقرة أيضاً قوله تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ» (1)شهداء على كل قرن من القرون، على كل (الناس) وكل أمة هذا مقتضى اللفظ الوارد في السورتين، كما يقول الإمام الصادق انها هي الأمة التي دعا لها ابراهيم أن تكون من ذرية إسماعيل، وهي تشمل كل آباء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)وأجداده، وهم الدائرة الثانية.
فلاحظ قوله تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ» وهذه الآية في سورة البقرة متطابقة مع الآية في سورة الحج «هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ» (2)ففي كلا الآيتين الرسول هو الشهيد على الشهداء وهم الذين أبوهم إبراهيم ومن ذريته من نسل إسماعيل الذين بعث فيهم رسول الله فهم الأمة الوسط التي أخرجت للناس.
وهذا موضع ثانٍ في القرآن يشهد أن ذرية اسماعيل بما يشمل الدائرة الثانية من آباء وأجداد النبي شهداء على «النَّاسِ» يعني من الأولين والآخرين كما بينّه الإمام الصادق (علیه السلام).
وروى أبو عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله (علیه السلام)، قال: «قال الله تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ» فإن ظننت أن الله عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحدين، أفترى أن من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر، يطلب الله شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الأمم الماضية؟ كلا، لم يعن الله مثل هذا من خلقه، يعني الامة التي وجبت لها دعوة إبراهيم (علیه السلام): «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ»(1)وهم الأمة الوسطى، وهم خير أمة أخرجت للناس»(2).
فلا يمكن ان يجعل الله تعالى: الفساق شهداء على الناس من الأولين والآخرين بل المراد بها هي ذرية اسماعيل المصطفاة بما يشمل الدائرة الثانية والأولى.
كما ذكر المجلسي أنه: (اتفقت الإمامية رضوان الله عليهم على أن والدي الرسول وكل أجداده إلى آدم (علیه السلام) كانوا مسلمين بل كانوا من الصديقين إما أنبياء مرسلين أو أوصياء معصومين ولعل بعضهم لم يُظهر الإسلام لتقية أو لمصلحة دينية).(3)
وهذا بنص القرآن نفسه، في سورة البقرة، وفي سورة الحج، وفي سورة الزخرف «وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ» (1)وغيرها، وفي مجموع الآيات التي استعرضناها، وسنستعرض بقية الآيات في اصطفاء شجرة بني هاشم.
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً» (2)وإن كانت في بعض القراءات لأهل البيت (علیهم السلام) (وكذلك جعلناكم أئمة) (3)، والأمة من أمم يعني الإمامة فالقراءتان من مادة واحدة، فالمهم قوله تعالى: «وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا» (4).
وهذا نص على أن التسليم العالي في درجات الإسلام الذي دعا به إبراهيم هو تسليم اصطفائي من هذه الآية الكريمة.
وفي هذا أي في تسمية ابراهيم لكم (المسلمين) «لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ» يعني هذا التسليم ليس لأجل الدخول في أصل الاسلام والتوحيد، بل التسليم هو تسليم اصطفاء، وهذه الآية بهذا التروي والتدبر تصبح واضحة وناصعة، في أن شجرة بني هاشم مصطفاة وشهداء، فحمزة شهيد على الأمم، وجعفر شهيد على الأمم، وأبو طالب شهيد على الأمم، وأبو الفضل العباس شهيد على الأمم، وليس هذا تكلف وتمحّل.
ان نور أبي الفضل كان قبل ان يخلق الله الخلق فهو يشهد، بمقتضى مفاد القرآن أنه من أفراد الشهداء! كذلك العقيلة زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وأبو طالب، وعبد المطلب، وعبد الله (علیهم السلام).
ولذلك فإن مفاد النصوص الواردة بأن كل آباء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)وأجداده كانوا مطهرين أوصياء وشهداء على جميع الناس، ومرّ بنا أنّ آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كانوا لا يتبعون شريعة موسى وعيسى... وليس له تفسير إلا لأن مراتبهم أعلى، وورد في الروايات،انهم كانوا على ملة إبراهيم، وذلك لأن وصايتهم أعلى درجة في الاصطفاء والمسؤولية! فكيف يتبعون شرائع غيرهم فيكون من إتباع المفضول للفاضل.
كما انهم لم يكونوا يتبعون شريعة ابراهيم، بل الوارد أنهم على (ملة إبراهيم)، والملة غير الشريعة، وهذا بحث لابد من بيان معناه.
فهم أعلى شأنا من بقية الانبياء لذلك قد ورد لدينا في أصول الكافي بل قد ورد عن طرق اهل السنة والجماعة أن عبد المطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن، أمضاها الله في الإسلام.
فقد روى الأزرقي في أخبار مكة في قصة وفاء عبد المطلب بنذره بذبح أحد أبنائه إن رزق عشرة بنين... (فأقرع عبد المطلب على ابنه عبد الله من الإبل ثلاثاً، كل ذلك تخرج القرعة على الإبل... فكان اول ما كانت الدية مائة من الإبل ثم جاء الله بالإسلام فثبتت الدية عليه).
وروى الفاكهي في أخبار مكة بسنده عن عبد الله بن عباس قال: (أتى عبد المطلب في المنام فقيل هل: احتفر قال: ما احتفر؟ قال: برة... زمزم -إلى أن رأى الرؤيا ثلاثاً -ثم ذكر نذره لئن ولد له عشرة لينحرن أحدهم وأنه فدى عبد الله، ففداه بمائة من الإبل، قال عكرمة: فمن ثم دية الناس اليوم مائة من الإبل (1)).
وروى من جعل الدية مائة من الإبل ويقال بل أول من جعلها عبد المطلب بن هاشم فدى ابنه بمائة من الإبل.
وروى الأزرقي في أخبار مكة بسنده عن الزهري قال: (أول ما ذكر من عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أن قريشاً خرجت فارّة من أصحاب الفيل. وهو غلام شاب فقال: والله لا أخرج من حرم الله ابتغي العز في غيره. قال: فجلس عند البيت وأجلت عنه قريش فقال:
لا همّ إن المرء يمنع رحله امنع رحالك***لا يغلبن صليبهم وضلالهم عَدْواً محالك
قال: فلم يزل ثابتاً في الحرم حتى أهلك الله الفيل وأصحابه فرجعت قريش وقد عظم فيها لصبره وتعظيمه محارم الله عز وجل... فأتي في المنام فقيل له: احفر زمزم ...) (2)ثم ذكر نحره مائة الإبل فداء عن عبد الله.
وروى الصدوق في الخصال موثق بن فضال عن الرضا (علیه السلام) عن معنى قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «وكانت لعبد المطلب خمس سنن أجراها الله عز وجل
في الإسلام: حرم نساء الآباء على الأبناء وسن الدية في القتل مائة من الإبل، وكان يطوف بالبيت سبعة أشواط، ووجد كنزاً فأخرج منه الخمس، وسمى زمزم لما حفرها سقاية الحاج ولولا أن عبد المطلب كان حجة وإن عزمه على ذبح ابنه عبد الله شبيه بعزم إبراهيم على ذبح ابنه لما افتخر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالانتساب إليهما لأجل أنهما الذبيحان في قوله (علیه السلام): أنا ابن الذبيحين»(1)، وروى مثله بطريقين آخرين ورواه في الفقيه بطريق رابع.
وكلما يتأمل في هذه العبارة التي وردت في الروايات «سن عبد المطلب خمس سنن...»(2)يزداد الانبهار، والأخطر أن التعبير الامضاء لهذه السنن لم يسند إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، بل أمضاها الله.
وهل هناك من يضاهي النبي في التشريع، فهذا شيء خطير في صلاحية عبد المطلب في التشريع.
وسيأتي البحث في الفصول اللاحقة في الروايات الواردة في اصطفاء عبد المطلب فإنها ذات مضامين عظيمة في درجة اصطفائه وفي بيان علو شأنه الاصطفائي، خمس سنن في الدية مئة من الإبل، الطواف سبعة، حرمة نكاح زوجات الآباء، الخمس في الكنز، وحفر زمزم وسماها سقاية الحاج.
وهذه السنن الخمس أمضاها الله عز وجل في الإسلام، وهذا شأن عظيم، سيأتي لاحقاً شرحه إن شاء الله.
وهذه الروايات عند الفريقين لا تنطوي على غلو في مقام أفراد الدائرة الثانية بل هي مطابقة للآيات، ومطابقة لطوائف الآيات وطوائف الروايات الواردة في شجرة بني هاشم في القرآن في سورة البقرة وفي سورة الحج وفي سورة الزخرف، وفي سور عديدة، والمهم الالتفات إلى محكمات القرآن، ومواطن دلالتها في القرآن، فإنها عظيمة، كما ينبّه على ذلك في القرآن أهل البيت (علیهم السلام).
ومن يستطيع غير أهل البيت أن يُخرج هذه الكنوز من القرآن.
وسيأتي الدليل الثامن في روايات الاصطفاء في ذيل هذه الطائفة الثانية.
وقد ورد فيها أن اول من قال بالبداء عبد المطلب فقد روى في الكافي بسنده عن مقرن قال: «إن عبد المطلب أول من قال بالبداء، يبعث يوم القيامة أمة وحدة، عليه بهاء الملوك وسيماء الأنبياء»(1).
والأنبياء السابقون وإن علموا إجمالاً بأصل البداء، إلا أنهم لم يكونوا على تلك الدرجة في ذلك العلم، لان علم البداء من أعظم علوم التوحيد، وأول من قال بالبداء هو عبد المطلب.
وهذا مقام اصطفائي عظيم، وهو اصطفاء من الدرجة العالية جداً.
ورواية أخرى وردت في السيدة زينب سلام الله عليها في أنها وصية الحسين (علیه السلام) في الظاهر، وكونها وصية ولو لم تكن وصية في الباطن،
1) الكافي للشيخ الكليني: ج1، ص447، ح23.
حيث أن وصي الحسين (علیه السلام) في الباطن هو علي بن الحسين زين العابدين (علیه السلام)، إلا أن وصي الإمام المعصوم في الظاهر لابد أن تكون عنده أرضية وقابلية لقبول هذه الوصاية الظاهرية، والتعبير الوارد أن وصي الحسين في الظاهر هي زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ).
وخطر الإمامة كبير وشديد وبالغ الخطب ومع ذلك فان زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) مؤهلة لأن تنال هذه المرتبة، ولو في الظاهر وهو دال على انها ذات شأن.
ولعل هذا المقام من أعظم مقامات السيدة زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) وربما التتبع يوقف الباحث مقاماً لها أعظم، ولا ينحصر بالمقام الذي يشير اليه قول الإمام السجاد (علیه السلام) لها عالمة غير معلمة، وفهمه غير مفهمة.
وفي الرواية التي رواها الشيخ الصدوق في كمال الدين، ورواها الشيخ الطوسي أيضاً في كتاب الغيبة عن الكليني عن محمد بن جعفر الاسدي -وهو من النواب بالواسطة -، قال: حدثني احمد بن ابراهيم (... إن الحسين بن علي (علیه السلام) أوصى إلى أخته زينب بنت علي بن أبي طالب (علیه السلام) في الظاهر، ولم يوص الى محمد بن الحنفية، او الى عبد الله بن جعفر، او الى عبد الله بن عباس، او الى ام سلمة، وانما اوصى الى زينب، وصية في الظاهر).
فللدائرة الثانية من أهل البيت (علیه السلام) وشجرة بني هاشم شأن عظيم بحسب بيانات القرآن، وليس هو تكلف ولا تمحل، بل هو تدبر وتأني والتئام في استظهار معاني الآيات.
ومن الآيات التي تبين عظمة الدائرة الثانية لبني هاشم فضلاً عن عظمة الدائرة الأولى قوله تعالى في سورة إبراهيم وقد بين مفاده الباقر والصادق (علیهما السلام)، في قوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ»(1)، وهذا عين مفاد الدعاء الذي ورد في سورة البقرة من قوله تعالى: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً» (2)، وفي سورة الزخرف قوله تعالى: «وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً» (3)يعني شاملة لآباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم). وليست شاملة لكل ذريته بقرينة دخول (من) لتبعيض وما في سورة البقرة
«لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» (4)أي بعض الذرية، اي وجود دائم لثلة من الذرية متعاقب على التوحيد، ذات التسليم العالي.
وقوله تعالى: «رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ»(5)شامل لكل آباء وأجداد النبي الذين أسكنوا في الواد المحرم «رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ» وليس تهوي إليه إلى البيت بل أسند حرف الجر إلى ضمير الجمع من الذرية، وهذه الآية الكريمة تدل على فريضة محبة الدائرة الأولى والدائرة الثانية من أهل البيت، إذ لا ريب في
شمولها لآباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فمحبتهم غاية للحج، وغاية للصلاة، وغاية لكل العبادات، وغاية لكل الدين.
والمحبة تعني الولاية (تهوي إليهم) يعني مودتهم وولايتهم، أي ولاية الدائرة الثانية فضلاً عن الدائرة الأولى، وعنوان الذرية من نسل إسماعيل يشمل آباء وأجدادالنبي، وهذه الولاية غاية، لا بمعنى أن يفرّط في الصلاة، او يفرّط في الصيام، او يفرّط في الزكاة، وإلا لم يكن الشخص موالياً لهم، ولكن غاية هذه العبادات هي شدّة التمسّك بالولاية لله وللرسول ولذي القربى، والقربى يعني الدائرة الأولى والثانية.
فولاية حمزة، وولاية جعفر، وولاية أبي طالب، وولاية أبي الفضل العباس (علیه السلام)، وولاية زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ)، غاية للعبادات، وكل ما دل على أن العبادات طوع، وطاعة، فمفاده التطويع في الصلاة والتطويع في الصيام والحج وغيره لكي نُطوِع أنفسنا للاتباع والانقياد لشجرة بني هاشم، وهذا الإتباع والانقياد لشجرة بني هاشم لأنهم باب الله الاعظم وغاية الانقياد لهم لكي نطوع أنفسنا لولاية الله وولاية الرسول ثم الغاية ولاية الله.
فهم باب الله الأعظم، ولذلك صح ما يقال إن أفراد الدائرة الثانية، هم ابواب للدائرة الاولى.
وتنص هذه الآية في سورة إبراهيم على رفعة شأن آباء وأجداد النبي قوله تعالى: «فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ» والفاء غاية تفريع، ولاحظ الشرح
اللغوي والنحوي الذي يبينه الباقر (علیه السلام) في هذه الآية بشكل دامغ بيّن وبديهي «فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ».
ومن ثم أشار أهل البيت إلى أن مقامات الدائرة الثانية هي برهان على إمامة الأئمة من الدائرة الأولى، لان شأن الدائرة الثانية عظيم بأنهم آيات ودلائل أي أبواب للدائرة الأولى، ومن ثم يحتج أمير المؤمنين (علیه السلام) لإمامته بمقام حمزة ومقام جعفر.
ولو كان مقام حمزة وجعفر والدائرة الثانية بعيداً في الاصطفاء عن مقام الأئمة لم يتم الاستدلال بهم، إذ لم يحتج امير المؤمنين (علیه السلام) بنبوة النبي إبراهيم إلا بخطوط عامة، ولا نبوة عيسى ولا نبوة موسى، بل احتج جميع اهل البيت، بمقامات الدائرة الثانية كما مرّ سابقاً.
كما في قول الباقر (علیه السلام) حول مقام حمزة وكتابة اسمه ونعته على العرش «فهذه حجتنا على من أنكر حقنا وجحد ميراثنا»(1)، وكذلك احتجاج امير المؤمنين (علیه السلام) في جملة احتجاجاته يوم الشورى، ويوم السقيفة، «فإن جعفراً أخي الطيار في الجنة مع الملائكة المزين بالجناحين من در وياقوت وزبرجد،... فعمي حمزة سيد الشهداء في الجنة...»(2).
والاحتجاج مبني على وحدة الشجرة الاصطفائية، وهي الذرية نفسها، وأعظم من ذلك احتجاج سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) على نبوته بمقام حمزة وجعفر.
فرغم المقام الإصطفائي الذي هو رأس الاصطفاء لدى سيد الأنبياء تجد انه (صلی الله علیه و آله و سلم) افتخر بحمزة، وبأفراد الدائرة الثانية وليس من المعقول عدم ارتباط اصطفاء الدائرة الثانية باصطفاء سيد الانبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) وإلا فكيف يتم الاحتجاج وهذان شاهدان يضافان الى التسعة المتقدمة على علو الإصطفاء.
ومن ذلك يتبين ان درجة اصطفاء الدائرة الثانية هي درجة اصطفاء عالية جدا بعد كونها ذات تناسب وارتباط باصطفاء سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) فلا محالة هي درجة فوق اصطفاء بقية الانبياء، هذا مع كون الدائرة الثانية ذات مراتب، في علمهم وشهادتهم على الأولين والآخرين.
والقرآن يشهد لهم انهم ««شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ» كما مرّ في سورة الحج والبقرة، ومرّ بنا ان الشهداء يوم الحساب، لا يقتصر علمهم على الشرائع فقط بل علم وراثة الكتاب وهو علم لدني وعلم الولاية، وسنعقد فصلاً في علم افراد الدائرة الثانية ان شاء الله تعالى.
فعلم ابي الفضل العباس (علیه السلام)، علم لدني بنص القرآن، وكذلك علم عبد المطلب وعلم حمزة وعلم أبي طالب وعلم جعفر، وعلم عبد الله، وقد مرّ وصف القرآن لهم انهم شهداء، ومر بنا أن الشهداء يوم القيامة لا يمكن ان يقتصر إلمامهم اللدني على الشرائع نظرياً، في الجانب النظري بل لابد أن يلموا لدنّياً بملابسات الجانب الموضوعي وغيره، من أول ولادة المولود الى
آخر حياته، وكذلك يعلم بأحواله في البرزخ وماذا جرى عليه.
إذ لابد للشاهد ان يلّم بشؤون هذا الشخص الذي يشهد عليه، وإذا كان عدة من أفراد الدائرة الثانية يشهدون على سائر الأنبياء فكيف شهادتهم على ما دونهم، فعلمهم بهذه المثابة.
وليس صدفة تلكؤ ثلة من النخب ذات الأسماء اللامعة عن نصرة سيد الشهداء (علیه السلام) بينما يسارع أبو الفضل العباس (علیه السلام) بتمام المبالغة على طرف معاكس تماماً من موقف أولئك، فأين علمهم من العلم اللدني الذي لدى أبي الفضل3 وقد روي عن الإمام الصادق (علیه السلام) في وصفه أنه «نافذ البصيرة، صلب الإيمان»(1)يعني علم، بكل المشروع الإلهي، وملابساته وهذا لا يتم إلا بالعلم اللدني، بينما أولئك ظنوا أن المشروع الإلهي منحصر بعهد سيد الأنبياء وعهد أمير المؤمنين وعهد الحسن، ولكن ليست لديهم احاطة بالمشروع الإلهي في عهد الإمام الحسين (علیه السلام) لذلك تلكأوا وترددوا.
بينما العلم اللدني لأبي الفضل العباس (علیه السلام) بالمشروع الالهي واضح في كل ملابساته وأموره، وهذا معنى نفوذ نافذ البصيرة في هذا الحدث المصيري في حياة الدين وبقاء الإسلام، وكذلك الحوراء زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ)، في علمها بالنتائج وبالتداعيات.
ولم يكن علمهم محصوراً بفترة سيد الأنبياء وفترة أمير المؤمنين فقط.
فكثير من اصحاب الرسول او اصحاب امير المؤمنين يناصرون المشروع
1) شرح الأخبار في فضائل الأئمة (علیهم السلام) لابن حيون: ج3، ص184.
الإلهي بحقبة معينة، ولا يبصرون ولا يلمون علماً بعد ذلك بالمراحل اللاحقة للمشروع الالهي، والالمام بالمشروع الإلهي هو علم في كل من جانبه الموضوعي وجانبه الحكمي التنظيري.
فلو يلاحظ مشروع سيد الشهداء في كربلاء هو مشروع قد هندسه القدر الإلهي بزوايا عجيبة وغريبة، نظير ان مسلم بن عقيل لم يسجل عليه خرق أمني واحد في شهرين من ثورة شعبية في الكوفة، رغم ان في قبال مسلم بن عقيل نهج بني أمية القائم على الدجل والفتك وهم الذين لا ذمة لهم ولا إيمان، ومع ذلك لم يستطيعوا ان يقوموا بحيلة يشوهون فيها دور مسلم بن عقيل في الكوفة، مع أنها ثورة شعبية منفتحة على كل الجبهات والاحتمالات، يصعب ضبطها والسيطرة على تفاصيلها وجزئياتها.
بينما نلاحظ في فتح مكة حدثت خروقات أمنية بتوسط خالد بن الوليد وتبرأ النبي منها، وهي مدّة وجيزة، ويقود مسلم بن عقيل ثورة شعبية في الكوفة على أقل تقدير شهرين ولا يوجد خرق أمنى واحد فيها، فهذه هندسة تقدير إلهي وعظيم وإدارة عجيبة للحدث.
فقد تطلبت كربلاء هكذا أناساً ذوي علم إدارة وقيادة، بتزويد علم لدني، وشدة تحسّر سيد الشهداء البالغ على ذهاب أبي الفضل العباس (علیه السلام) ليس لأجل الشجاعة في بعدها الفردي لدى أخيه وبطولته الفردية فحسب، بل كان أبو الفضل العباس (علیه السلام) رجل التصدي للأزمات الصعبة الخطيرة ورجل إدارة الأحداث الملتبسة سياسياً وعسكرياً وأمنياً بل وعقائدياً في زمن أوج
فتنة بني أمية التي بلبلت عقول أكثر النخب، وأيّ أزمة تلك التي وقعت في أرض الطف التي تزلزل في امتحانها أغلب الأسماء اللامعة وتحيرت لباب بصائرهم، وأي ملاحم وقعت في معسكر سيد الشهداء (علیه السلام)، في عاشوراء وقد انتدب الحسين (علیه السلام) لكل ذلك أخاه العباس (علیه السلام) الذي كان رجل إدارة الأزمات الجلل.وهذا هو موقع وشأن أبي الفضل العباس (علیه السلام)، ولا تقتصر على قصة شجاعة في العضلات صلوات الله وسلامه عليه وإن كان هذا مفروض الحصول، ولكن شجاعته في إدارة الأزمة وفي عدم تزلزله قبال مكر وإرهاب مخططات العدو، فكان (علیه السلام) يفشل مخططات العدو ويبددها فهو رجل إدارة وقيادة المشروع الإلهي الصعب.
ومشروع سيد الشهداء في عاشوراء كان مهولاً وصعباً وغامضاً، وتضمن كماً هائلاً من تداخل الملفات، فمن يستوزر سيد الشهداء في إدارة هذه الأزمة بتعقيد الملفات؟
وقد قدّر الله أن تكون هذه الادارة نبراساً إلى مئات وآلاف القرون إلى يوم القيامة، ومن يتأهل ليكون قدوة في إدارة هذا الباب والمنهاج، غير المصطفين من بني هاشم؟ بل لا يمكن أن يتأهل لإمساك هذه الملفات من كان اصطفاءه -بدرجة الاصطفاء العام -حول سيد الشهداء.
ومن ثم ورد في جملة من الروايات ان علم أفراد الدائرة الثانية، هو بدرجة
وراثة الكتاب ويفوق كل ما ذكر، وقد مرّ أنّ آية الذرية من سورة إبراهيم دالة على أن اصطفاء الشجرة الهاشمية أعظم من اصطفاء بقية الأنبياء فليس هناك آية في القرآن تدل على أن العبادات غايتها ولاية النبي إبراهيم أو ولاية اسماعيل أو ولاية غيرهم من الانبياء، وهذا بخلاف شجرة بني هاشم، ومقتضى ذلك أن مقام بني هاشم هو مقام عظيم جداً.
فثلاث آيات وثلاثة ألسُن مرت بنا من آيات الاصطفاء دالة على أن الشجرة الهاشمية من الدائرة الثانية فضلاً عن الدائرة الأولى هي أعظم اصطفاءً من أنبياء اولي العزم علماً وإدارةً.
وهي من الطوائف الدالة على ذلك وهي تأصيل قرآني لعقيدة الاصطفاء في الدائرة الثانية من بني هاشم تحيط بالدائرة الأولى.
نذكر جملة من الآيات التي لابد من الخوض فيها مفصلاً، ثم نشرع بالحديث بسطاً مفصلاً عن هذه الطائفة.
في البدء ما هي مناسبة آيات الشهادة مع اصطفاء ثلة من بني هاشم تحيط بالأربعة عشر معصوماً؟
أوّلاً: اول مناسبة واضحة بنحو قطعي أنه قد روى الفريقان من المسلمين ان حمزة بن عبد المطلب وصفه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ووصفه امير المؤمنين (علیه السلام) وبقية
الائمة المعصومين (علیه السلام) بشكل قطعي لا ريب فيه انه سيد الشهداء؛ وهذا النعت هو الصلة مع آيات الطائفة الثالثة آيات الشهادة بأن حمزة عم النبي هو سيد الشهداء، وهل ان مقام سيد الشهداء اصطفائي ام ماذا؟ وما هو الشهيد وما هو الشاهد؟
ثانياً: قد ورد في الروايات من الفريقين، ان حمزة وجعفراً الطيار يشهدان لنوح يوم القيامة ويشهدان لبقية الانبياء انهم بلغوا الرسالة، وأحد شؤون ومناصب ومقامات الدائرة الثانية انهم يقومون بالشهادة في يوم القيامة، ذلك اليوم الذي ليس فيه خطل ولا كذب ولا زيف، ذلك الهول العظيم الذي يقول تعالى، «يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ» (1)، و «يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ» (2)، و «يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ» (3)، و(يوم الاشهاد)، و(يوم التناد)، إلى غير ذلك من أوصاف أهوال يوم القيامة في القرآن؛ في ذلك اليوم والعالم الذي بهذه الأوصاف يكون حمزة وجعفر من الاشهاد، ليس لعامة المؤمنين؛ بل الأشهاد لأنبياء أولي العزم.
وهذا مقام وخطب عظيم لهما في الولاية الإلهية يوم الحساب الذي يوصف ب(لمن الملك اليوم لله الواحد القهار)، وهذا مقام اصطفائي لا فضيلي مناقبي اعتيادي.ثالثاً: مر بنا ان آيات الشهادة في سورة الحج وسورة البقرة وغيرها نص القرآن فيها بشكل قطعي انها تتناول آباء واجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من بعد النبي
اسماعيل بن النبي ابراهيم الى عبد الله وابي طالب (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وقد وصفتهم بأنهم شهداء، وهذا البيان والبعد هو نفسه مقام عظيم في الولاية الإلهية يوم الحساب المحصور الملك والولاية فيه لله الواحد القهار.
فهناك تنصيص قرآني قطعي فضلاً عن الروائي أن آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هم من نجوم الدائرة الثانية، وأنهم شهداء.
وهناك مقامات لهم عديدة أخرى إلا ان احدى المقامات المهمة لأفراد الدائرة الثانية أنهم شهداء وأشهاد وهذا مقام بالغ مهم، كما في قوله تعالى:«وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ» (1).
قوله تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا» (1)و «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ»(2).
قوله تعالى: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ» (3)ومن هم المؤمنون؟
قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»(4)، وقد نصت الروايات العديدة بين الفريقين على أن مصداقها علي وحمزة وجعفر، كما في الرواية الصحيحة لزيارة الإمام الهادي (علیه السلام) لجده امير المؤمنين (علیه السلام) في الغدير، (الزيارة الغديرية المعروفة)، وهناك استعرض الإمام الهادي (علیه السلام) فضائل جده امير المؤمنين (علیه السلام) ومنها ان هذه الآية نزلت في امير المؤمنين علي بن ابي طالب (علیه السلام) وعمه حمزه واخيه جعفر الطيار، وجملة نصوص روائية ثابتة ذكرها المفسرون تضمنت نزولها في الثلاثة.
والآية التي بعدها، ذكرها الإمام الهادي (علیه السلام) في زيارة أمير المؤمنين في يوم الغدير أيضاً وهي قوله تعالى: «التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ
«التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» (1)، في قراءة اهل البيت ليست (التائبون)، وإنّما (التائبين) بل في قراءة أهلالبيت (علیهم السلام) أنهم (الآئبين) وهي جمع آئب من الأوب، وقد ذكرت هذه القراءة ضمن القراءات، والتائب هو آئب، والمقصود ان الآئبين الموعودون بالرجعة.
ولماذا يقرأها اهل البيت الآئبين التائبين العابدين الحامدين بالنصب؟
يقرأها أهل البيت بالنصب صلة بالآية السابقة قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ» (2)أي هؤلاء الذين يجاهدون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وصفهم الله بأنهم التائبين الحامدين، بينما البقية قرأوها بالضم ليقطعوا الصلة بين هذه الآية والآية السابقة، وقطع الصلة بين الآيتين خاطئ باطل، يستهدف أن ولاية الجهاد والدعوة لسبيل الله وإقامة النظام العالمي الموحد الإلهي هو بيد كل من تغلب على السلطة وعلى رقاب المسلمين، بينما على هذه القراءة تكون دالة بوضوح أن ولاية النظام العالمي الموحد وهو معنى جهاد الدعوة إلى سبيل الله - هي بيد المصطفين من أهل البيت الدائرة الأولى والثانية.
وسيأتي ذكر برهان الإمام الصادق (علیه السلام) في سبب الوصل بين الآيتين، فهي هندسة وحيانية عظيمة سنبينها ان شاء الله.
وفي قراءة أهل البيت (علیهم السلام) الآئبين (التائبين العابدين الحامدين السائحين الراكعين الساجدين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والحافظين لحدود الله وبشر المؤمنين)(1).
وكذلك في قراءة أُبي وعبد الله بن مسعود والأعمش(2)
وسنبين أنّ الوصف الاخير الذي ذكر في الآية هو وصف اصطفائي سامٍ.فالآيتان 111 و112 من سورة (البراءة)، هي مرتبطة بآيات الشهادة وهناك آيات أخرى ستأتي تباعاً، اجمالاً تبين أنّ هذه الصلة هي جملة في كل آية متضمنة للشهادة في سبيل الله ومرتبطة بآيات الشهادة.
وقبل الدخول في البسط والتفصيل في آيات الشهادة ومقام الشهادة وإنها اصطفائية وكيفية الدلالة القرآنية والروائية على الدائرة الاصطفائية الثانية أنها قطعية، لابد من الالتفات أنه قد حصل شجار وجدل بين المفسرين والمتكلمين، وكثير من علماء العلوم الاسلامية في بيان معنى الشهيد وماهيته؟
هل أنّ الشهيد هو الذي قتل في سبيل الله؟ أم أنّ الشهيد هو الذي يشهد
1) الكافي للشيخ الكليني، ج8، ص378، من لا يحضره الفقيه، ج2، ص219، مختصر البصائر، ص99، روضة المتقين، ج4، ص77، الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة للحر العاملي، ص294، البرهان في تفسير القرآن، ج2، ص857،856،855.
2) تفسير مجمع البيان للطبرسي، ج5، ص112، الكشف والبيان للثعلبي، ج6، ص220، المحرر الوجيز، ج3، ص321، تفسير القرطبي، ج8، ص245، فتح القدير، ج3، ص323، بحر العلوم للسمرقندي، ج2، ص268،
على أعمال العباد؟ هذا مقام وذاك مقام آخر، فما هو معنى الشهيد؟ حيث وصف حمزة بأنه سيد الشهداء، وهذا الوصف وُصف به الإمام الحسين بن علي (علیه السلام)، ولكن حمزة سيد الشهداء ليس في الأئمة الاوصياء بل من الأصفياء غير الائمة من بيوتات الانبياء التي مّرت بنا وأن في الاصفياء سنّة قرآنية فهم مصطفون من الدائرة الثانية منذ آدم الى سيد الانبياء.
كما في مضمون قول سيد الانبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث الدار المتواتر والمستفيض عند نزول قوله تعالى: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»(1)«ان الله لم يبعث نبيا الا واختار له من اهل بيته اعواناً ووزراء وأنصاراً واصفياء»(2)،فقال لهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): يا بنيعبد المطلب أطيعوني تكونوا ملوك الأرض وحكّامها، إنّ الله لم يبعث نبيّاً إلاّ جعل له وصيّاً ووزيراً»(3)، وقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «يا بني عبد المطلب كونوا في الاسلام رؤوساً ولا تكونوا أذناباً»(4). أي هناك مراتب من المصطفين الأصفياء من أهل بيته، ويحدثنا القرآن الكريم عن كثير من نماذج الدائرة الثانية في بيوتات آل موسى وآل هارون وآل داود وآل يعقوب وآل اسحاق وآل ابراهيم وغيرهم.
وفي الدائرة الاصطفائية الثانية في بيوتات الانبياء سيد الشهداء فيهم هو
1) سورة الشعراء، الآية: 214.
2) دعائم الإسلام: ج1، ص15؛ شرح إحقاق الحق للمرعشي: ج30، ص117، عن إتحاف الورى بأخبار أم القرى.
3) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج42، ص50، برقم 4933.
4) بشارة المصطفى: ص339. فضائل أمير المؤمنين (علیه السلام) لابن عقدة الكوفي: ص204. العقد الفريد والدر النضيد لابن عبد ربّه: ص144. شرح إحقاق الحق: ج15، ص147.
حمزة (علیه السلام)، وورد في طرق العامة أنه جعفر لأنه الطيار وهو يعمم لأبي الفضل العباس (علیه السلام) لوحدة العلة من الاشتراك في مقاماً الطيار كما أشارت رواية إلى ذلك من طرقنا في جعفر وأبي الفضل العباس (علیه السلام) واشتراكهما في مقام الطيار وأن لأبي الفضل العباس (علیه السلام) مقام يغبطه عليه جميع الشهداء يوم القيامة وهو يقتضي سؤدد وسيادة أبي الفضل العباس في الشهداء في غير الأئمة الاثني عشر (علیهم السلام).
وسيد الشهداء في الأوصياء هو الحسين بن علي (علیهما السلام) وأعظم منه درجة هو امير المؤمنين3 الذي ورد هذا الوصف في بعض الزيارات لأمير المؤمنين (علیه السلام) انه سيد الشهداء.
وكل الاوصاف التي تثبت للدائرة الثانية لا منافاة في انها تثبت برتبة أفضل في الدائرة الأولى من أهل البيت درجة، فسؤدد الشهادة مقام خطير وخطب جلل في مقامات الدين.
واللغط والجدل بين المفسرين والمتكلمين والمحدثين في بيان معنى الشهادة، قد ذكر العلامة الطباطبائي قدس الله سره في تفسير الميزان أنه لم يجِدْ موضعاً فيالقرآن، استعمل فيه الشهادة بمعنى القتل في سبيل الله الا ما ندر، وهل استعملت الشهادة فيه بمعنى القتل في سبيل الله او الشهادة بمعنى الحضور في الحدث أي الشهادة العامة، والذي ذكره العلامة الطباطبائي ليس من ابتداء الاستقصاء بقدر ما هو التفاتة مستفادة من بيانات ائمة اهل البيت (علیهم السلام)، وقد عكف العلامة الطباطبائي رحمه الله قبل أن يؤلف تفسير الميزان على
كتاب بحار الأنوار وطوائف الروايات فيه دراسة كما نقل ذلك احد ابرز تلامذته.
والمهم أنّ هذا المطلب مذكور في روايات اهل البيت (علیهم السلام) أنّ الشهادة هي الشهادة على الاعمال، وأمّا النصوص الواردة في الفقه فهي طبقاً لبعض النصوص الروائية في بيان معنى الشهيد الذي يقتل في سبيل الله، كما في كلمات الفقهاء وفتاواهم.
وهل هذان معنيان مختلفان للشهيد في اصطلاح الوحي وحقائق الوحي او انهما معنى واحد؟ في بيان معنى الشهيد ما هو؟ وهل هو مشترك لفظي أم ماذا؟ وقد رجح العلامة الطباطبائي ان الشهيد هو من شهد على الاعمال فقط، وليس هو المقتول في سبيل الله.
بينما الثاني امر مركوز في نصوص الفقه والفروع وفي نصوص الفقهاء وغيرها، وقد لا تقف على من يوجد صلحاً في هذا اللغط والجدل في بيان معنى الشهيد، لكن للإمام الصادق جعفر بن محمد (علیهما السلام) بيان لكيفية المناسبة بين المعنيين، ففي رواية الكافي، المناسبة الوطيدة لبيان معنى الشهيد الذي يقتل في سبيل الله، بالشرائط والأوصاف التي ذكرت، لا في سبيل الطاغوت ولا في سبيل زيد وعَمْر وبكر.
وإنما أن يصب الجهد العسكري في مشروع الله ورسوله وخلفائه الاوصياء، وليس في سبيل الشيطان، وفي سبيل أعداء الله، وتبين هذه الرواية الواردة في
باب الجهاد في الكافي الشريف الصلة الوطيدة بين المعنيين، أن المعنيين أصلاً غير منفكّين، والمعصوم هو المحيط بأسرار الدين والوحي، والرواية في صدد شرح الآية الكريمة التي مرت بنا في سورة براءة، التي يسمّونها سورة التوبة.
يقول عبد الله بن عباس لماذا سموا سورة البراءة التوبة، مع أن لها عشرة اسماء؟ فإن احد اسمائها هي سورة البراءة وسورة المنافقين، وروي عن سعيد بن جبير قال:(قلت لابن عباس سورة التوبة قال: تلك الفاضحة ما زالت تنزل فيهم حتى خشينا أن لا تدع أحداً)(1)، وأحد اسمائها سورة الكاشفة، وسورة القارعة
ولماذا كل هذه الاسماء لأنّها زلزال لفئات يقول عبد الله بن عباس: لأن سورة براءة فضحت ملفات ثلاث عشرة فئة منافقة في الصحابة، وبيّنت ملفاتهم وما صنعوا، والمهم أنّ اسمها الفاضحة وليس التوبة واي توبة فيها، الذين خلفوا فكيف يُتمسك باسم التوبة للسورة بآية ليست هي جوهر روح السورة، إذ روح السورة ليست توبة، ولو كانت توبة لبدأت بالبسملة، وهي السورة الوحيدة التي لم تبدأ بالبسملة، فليست هي توبة الرحمن، وإنّما هي نقمة الجبار، ففيها عشرة اسماء زلزلة والكاشفة والقارعة والفاضحة والمنافقين.
وأسماء السور هي معارف قرآنية والالتفات الى ذلك ضروري للباحث، لأن السور موازية الى احداث سيرة رسول الله، احداث صدر الاسلام،
1) التبيان في تفسير القرآن للشيخ الطوسي: ج5، ص167.
وتغييب معرفة السور واسمائها، وموارد ومواطن نزولها هو تغييب وطمس لوعي الامة بالقرآن، وكثير من معارف القرآن قد غُيّبت، وهذا هو معنى تحريف القرآن أي تحريف معناه: تحريف وعي الأمة بمعانيه، وإذا لم نلتجأ الى اهل البيت تطمس هذه المعاني وهذه الحقائق.
وسورة البراءة اخذت تنزل وتكشف فئة فئة من الصحابة المحترفين في النفاق، وأحد الملفات التي تبينها هذه السورة هو محاولة اغتيال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من قبل فئة من الصحابة في تبوك، كما تفصح عنه الصديقة الطاهرة (عَلَيهَا السَّلَامُ) في خطبتها (وهذا... شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته)(1)فسورة البراءة هي سورة عظيمة.
هذا والرواية عن الصادق (علیه السلام) المبيّنة لبراهين قرآنية في معنى الشهادة والشهداء. وان هناك صلة وحيانية واصطلاحية للوحي بين القتل في سبيل الله والشهادة على الأعمال، والتي لم يستطع المفسرون أن يفطنوا لهذه الصلة الوطيدة.
ومفاد قوله (علیه السلام) فيها أنه اذا قتل المجاهدوالمجاهد يصدق عليه عنوان مجاهد بشرائط وهذه الشرائط التي تذكرها سورة البراءة هي شرائط اصطفائيةفإذا قتل بهذه الشرائط يوليه الله مقاماً اصطفائياً وهو الشهادة على الأعمال في البرزخ أو في الرجعة أو في القيامة، جزاءً لقيامه بشرائط القتل في سبيل الله التي تبيّنها الآية والرواية، (التائبين العابدين الحامدين السائحين
1) الاحتجاج للطبرسي، ج1، ص106، بحار الانوار، ج29، ص232.
الراكعين الساجدين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والحافظين لحدود الله وبشر المؤمنين)(1)كل من يستطيع أن يحفظ كل حدود الله، إذا قام بهذه الشرائط سوف يبعثه الله - المقتول في سبيل الله - بمقام الشهادة في البرزخ والرجعة والقيامة، ويكون له شأن اصطفائي في البرزخ وغيره من العوالم بأن يشهد على أعمال العباد، ويكون من مسؤولي الحساب يوم المعاد، وهذا مقام عظيم، لكن تحقق الشرائع المطلوبة لابد توفرها في سبيل المأذون للدعوة إلى الله بالقتال لإقامة النظام الإلهي العالمي، أولاً ثم يتسنى له مقام الشهادة، فالشهيد له مقام عظيم كما يبينه الإمام الصادق (علیه السلام).
إنّ سبب الاصطفاء للشهادة القتل في سبيل الله وهنا حلّت المعضلة ببيان الصادق (علیه السلام)، وبحدود تتبع محدود في روايات أهل البيت (علیهم السلام) هناك ثلاث آيات في ثلاث سور تبيّن كل آية في كل سورة وجه الربط بين الشهادة على الأعمال وبين الشهادة بمعنى القتل في سبيل الله أحدها في سورة البراءة، (التوبة) قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»(2).
وتتمة الآية بعد ذلك قوله تعالى: «التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ
الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ»(1)، وقد قرأ بالرفع كما في رسم القرآن الشريف والقراءات الكثيرة، بينما تقرأ في قراءة أهل البيت أو في بعض القراءات (التائبين العابدين الحامدين)(2)،كما في روايات عديدة يؤكد عليها أهل البيت (علیهم السلام) على أن القراءة بالنصب وليست بالرفع.
وهي تبين الربط والصلة بين هذه الآية والآية التي قبلها، فالتائبين العابدين الحامدين السائحين الراكعين الآمرين بالمعروف هي صفات المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم واموالهم.
وسيأتي بيان أهل البيت (علیهم السلام) في تخصيص المدعوّين إلى الجهاد جهاد الدعوة، والمأذون لهم -بالدعوة إلى الله تعالى بقتال أهل الحرب -هم خصوص هؤلاء الذين يزدانون بالأوصاف (التائبين العابدين السائحين الراكعين الساجدين).
وهذه الصفات خاصة بأناس مصطفين وليس كما تفسره مدرسة الخلافة والسلطان خلفاء بني أمية الذين يعاقرون الخمر والزنا والفواحش، وما فتحهم للبلدان الا لأجل الليالي الحمراء ولأجل الغلمان والجواري.
بينما الذين يأذن لهم الله بجهاد الدعوة لإقامة الدولة الإلهية على سائر أرجاء الأرض هم اناس مصطفون معصومون، كما بيّن اهل البيت (علیهم السلام) ونبّهوا على هذه الحقائق في القرآن لأنهم أدرى بما في البيت، فالدعوة إلى الله ليست بالأمر الهّين والسهل بل مقام خطير.
وقد بيّن أهل البيت (علیهم السلام) البرهان على ذلك، وأنّه ليس من المعقول أن يدعو غير المعصوم إلى الله، لأنّ المقيم على المعاصي كيف يدعو الى الله، بل هو مدعو ان يدعو نفسه الى الله وان يحكّم شرع الله في نفسه كما يبين الإمام الصادق (علیه السلام).
وهذه الدعوة (جهاد الدعوة) خاصة، وهي ملحمة عظيمة يذكرها القرآن الكريم أن المأذون لهم بالدعوة محال أن يكونوا غير معصومين، لذلك قد اتفقت علماء الإمامية أجمع إلا من شذّ منهم، منذ عشرة قرون أن (جهاد الدعوة) الذي يعبر عنه بالجهاد الابتدائي والذي هو إقامة نظام عالمي موحّد براية الإسلام والإيمان، هو حصرياً من صلاحية المعصوم فقط، وهو يغاير أنواع الجهاد الأخرى لان الجهاد على انواع، من قبيل (الدفاع) و(جهاد البغاة) الذي يكون واجباً كفائياً على الجميع والكل مدعوّون له.
وأما جهاد الدعوة لدخول الإسلام، الذي يعبّر عنه في الفقه بالجهاد الابتدائي، فقد اتفقت كلمة علماء الامامية على ان الشرط في المتصدي له ان يكون معصوماً، وهو ما يعبّر عنه في الاصطلاح العصري ويسمى رئيس النظام الدولي، وهو حقيقة معنى الجهاد الدعوة اي يقيم نظاماً دولياً موحداً بموازين عدالة الإسلام.
فأهلية وصلاحية الرئاسة وإدارة النظام البشري الموحد لكل الارض لا تتوفر لدى غير المعصوم. وهذه الفتوى متسالم عليها عند فقهاء وعلماء الامامية المستندة إلى طوائف مستفيضة ومتواترة مفادها ان غير المعصوم ليست
له اهلية أن يرأس ولاية الدعوة الى الله تعالى، كما يبين اهل البيت (علیهم السلام)، لان غير المعصوم مدعو ان يدعوا نفسه الى الله فكيف يدعو غيره، وعندما يكون لا يزال مطالباً ان يدعو نفسه الى الله في كل مقامات الطاعة، فكيف يدعو جميع الناس الى الله؟
وهذا مفاد قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ»(1)، فالذي لا يقيم حدود الله في نفسه كيف يدعو غيره إلى اقامة حدود الله.
فهذه الآية الكريمة من قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ»(2)تبين الصلة بين المعنيين بين القتل في سبيل الله والشهادة على الأعمال، كما نبّه على ذلك أئمة أهل البيت (علیهم السلام).
والآية الاخرى من قوله تعالى«وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ»(3).
حيث تبين الآية الكريمة ان هذه الأمة هي نفسها التي نبه عليها اهل البيت (علیهم السلام) في بيانات القرآن الكريم في قوله تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا»(4)وهذه الأمة متطابقة مع الأمة من ذرية إسماعيل وإبراهيم في دعائهما «وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ... رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (1)ومتطابقة مع الأمة في الذرية «وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ» (2)، وهناك تطابق مع هذه الآية من جهات فهم شهداء على الناس، والرسول شهيدٌ عليهم وهم من نسل إبراهيم أبيهم، فالشهداء هم نفس هذه الأمة التي أذن لها أن تدعو إلى الله وهذه آية ثالثة تبين الصلة بين المعنيين أي بين الشهادة على الأعمال والصلاحية والمأذونية في الدعوة إلى الله.
وملخص ما في هذه الآيات الثلاث أو الأربع في السور الثلاث أو الأربع كما في بيانات أهل البيت (علیهم السلام)، أنّ الذي يؤذن له في جهاد الدعوة لابد ان يكون معصوماً وكذلك الذي يكون في ركب المعصوم عوناً ووزيراً وعضيداً، هو الذي يقيم شرائط الجهاد وشرائط الدعوة في نفسه أولاً لان جهاد الدعوة هو أن يدعو الى نظام عالمي موحد.
وليس في نظام يسود فيه القوي على الضعيف، كما في نظام منظمة الأمم المتحدة السائد في الساحة الدولية كمجلس الأمن دول الفيتو على الجمعية العامة سائر دول العالم الثاني والثالث وعمل هذه المنظمات الدولية ليس الانتصاف للمظلوم من الظالم ولا الانتصاف، للضعيف من القوي، بل ما يجري في هذه المنظمات هو انتصاف لظلم الظالم زيادة من الضعيف.
وهذا زيادة ظلم فوق ظلامة الضعيف، بدلاً من أن يكون هيكل الأمم المتحدة يقيم الانصاف والعدل بين طبقات الشعوب، تجد أنه يقف مع الظالم على حساب المظلوم رغم انها تحمل وترفع الشعارات البراقة والعناوين المطنطنة للمواثيق الدولية.
وهذا أي إقامة نظام عالمي عادل موحد أممي هو عين حديث وفكرة جهاد الدعوة بلغة عصرية -ويستند الى شرعة الامم المتحدة والمواثيق الدولية، وسنبين ان هذه المواثيق تنظيرياً في الجانب العقلائي والفطري الكثير منها لا كلها مطابقة لمدرسة أهل البيت والقرآن، لأنّ فلسفة جهاد الدعوة في مدرسة أهل البيت هي أسلمة الأنظمة أكثر ما هو أسلمة العقائد، وأسلمة الأنظمة يعني جعل السلم العادل بين الشعوب أو بين الشعوب والأنظمة أو بين الأنظمة فيما بينها، وهذه هي الفلسفة العظيمة جدا للجهاد في القرآن بتعليم مدرسة أهل البيت (علیهم السلام).
وعلى ضوء ذلك فمن هو المؤهل أن يقيم نظاماً عالمياً موحداً؟ اي يقيم السلام والعدل بين الشعوب فيما بين بعضها البعض وبين الأنظمة؟ هذا لا يتسنى إلا لمن يمتلك شرائط خاصة لجهاد الدعوة الى الله التي تبينها سورة البراءة في قوله تعالى: (التائبين العابدين الحامدين السائحين الراكعين)(1)،وسنبين أن هذه الأوصافخاصة بالمعصومين المصطفين (علیهم السلام) من أهل البيت الدائرة الأولى وبتبعهم الدائرة الثانية عوناً لهم ووزراء، ومن يلحق بهم
1) من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق: ج1، ص520، باب صلاة العيدين.
من الذين يوفر في نفسه هذه الشرائط.
فالجهاد الدفاعي، في الدفاع عن الوطن وعن الاعراض لجهاد البغاة، أمثال داعش والقاعدة وغيرهم، مفتوح للجميع وللكل، وأما جهاد الدعوة لإقامة نظام عالمي محوره الاسلام والثقلين، فهذا حصراً من صلاحيات المعصوم.
فالصلة بين معنى القتل والشهادة على الاعمال قد بين الإمام الصادق (علیه السلام) هذه الصلة في الآيات الثلاث أو الأربع في السور الثلاث، أو الأربع، وأنّ من يوفر في نفسه شرائط الدعوة وشرائط الجهاد لإقامة نظام عالمي موحد هو الذي يؤذن له في جهاد الدعوة إلى الله، وإذا قتل في سبيل الله ينال مقام الشهادة على الأعمال، هو ومن يكون في ركبه من المصطفين من أهله كأعوان ووزراء.
والإمام الصادق في رواية أبي عمرو يعزو هذا البيان الى جده المصطفى.
مقام لا يستطيع احدٌ أن يطمع فيه وله تلك الشرائط الصعبة.
فالمؤمنون الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ...» (1)المأذون لهم في القتال في سبيل الله يعطون مقاماً اصطفائياً، جزاءً لقتلهم في سبيل الله وهي الشهادة على الاعمال.
وهذا المقام مقام عظيم لا يعطى لأي شخص، سواء كان في يوم القيامة او في البرزخ او في الرجعة أو في القيامة أو في الجنة وهو مقام لمحاسبة الناس
1) سورة التوبة، الآية: 111.
على أعمالهم، وإنما يعطى حصراً لمن يقتل في سبيل الله الذي تتوفر فيه شرائط جهاد الدعوة.
فالمؤمنون الذين اشترى الله منهم أنفسهم واموالهم في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ...» هم الذين تخصّهم الآية اللاحقة في قوله تعالى:(التائبين العابدين الحامدين السائحين الراكعين الساجدين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والحافظين لحدود الله وبشر المؤمنين)(1).
فلا يستطيع أحد ان يحفظ كل حدود الله الا ان تكون له إحاطة لدنية معرفية بكل حدود الله وذلك بتوسط وراثة علم الكتاب المشار إليه في قوله تعالى: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا...» (2)، وقد مرت أنها من آيات الاصطفاء لوراثة أهل بيت النبي للكتاب الشامل للدائرة الأولى والثانية، ولا يوجد انسان بهذه المواصفات الا ان يكون معصوماً.
وقد تكون هناك ثلة من العلماء والفقهاء والاتقياء الذين قد لا يرتبكون المعصية، كما في كثير من العلماء الذين نقل عنهم انهم بلغوا في الورع هذه الدرجة، ولكن لا يمكن وصفهم أنهم حافظون لجميع حدود الله حتى لو
قلنا إنه عادل بالبعد الشخصي والفردي، وذلك لأن نفي المعصية هو نفي لتعمد المخالفة وليس نفياً للمخالفة الواقعية وإن كانت عن جهل وقصور، وهذا بخلاف الحفظ لكل حدود الله فإنه لا يتم إلا بالمعرفة النظرية الكاملة ومضافاً للعلم بحقيقة الموضوعات كي يتم حفظ ورعاية كل حدوده تعالى.
فهناك فرقٌ بين من لايرتكب المعصية وبين من يحفظ حدود الله وكذلك هناك فرق بين المعصية وبين الحفظ لحدود الله، لأن المعصية متقومه بأنها مخالفة لشرع الله عن علم ومعرفة بالحكم وعهد للموضوع، أي مخالفة عن علم وعمد، إما لأمره أولنهيه ويعلم بأنه مخالف، سواء أكان علمه بالتنظير او كان بنحو التطبيق في الموضوع.
فإذا علم في التنظير الحكم وأنّ هذا الموضوع حرام أو واجب ثم خالف، فحينئذ تكون المخالفة معصية.
فليست كل مخالفة هي معصية، الا إذا علم بالتنظير أو باصطلاح علوم الحوزة الشبهة الحكمية، وإذا كان لا يعلم بالتنظير كله فمن أين يحصل لديه العلم بالمخالفة ومن اين يحصل له العلم في الجانب التطبيقي وباصطلاح علوم الحوزة الشبهة الموضوعية.
فهل غير المعصوم يستطيع ان يُلِمّ بكل تنظير الشريعة فهذا لا يمكن له، وأي غير المعصوم يستطيع أن يُلِمّ بكل الموضوعات وملابساته؟ لا يوجد بل لا يمكن.
فالعلماء الأتقياء الورعون لا يعصون، لكن هذا لا يعني انهم لا يخالفون فالمخالفة غير المعصية، فالمعصية يعني إنك تعلم وتتعمد أن تخالف، أي العلم بالملابسات الموضوعية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والأسرية وهذا العلم لدى غير المعصوم إذا كان محدوداً، فلامحالة تكون المعصية دائرتها اضيق من المخالفة، فقد لا تعصي لأنه لا علم لك لكنك مع ذلك تخالف أوامر الله ونواهيه قصوراً، ولكن القصور هذا لا يعني أنك حفظت حدود الله.
والذي يحفظ حدود الله لا يكفي في صدق هذا النعت له ألا يعصي فقط، وانما الذي يحفظ حدود الله هو الذي لا يخالف، ولا يخطئ ولا يشتبه وإن كان معذوراً، وإلا كيف يحفظ حدود الله!!
وان من الملابسات الموضوعية، أو التي لا تستطيع الأنظمة الكبرى ومحاور القوى في العالم ان يجدوا حلاً ومخرجاً لها، فتجدهم في قمة الاشتباه والأخطاء في الملابسات الموضوعية أو في التنظير، نظير الأزمة الاقتصادية الغربية، التي مرّت ولا زالت عالقة بهم وهي مثال لعجزهم عن الحلول وتفادي الأزمات.
فالأنظمة الكبرى، عاجزة عن تنظير نظام اقتصادي عادل نقدي في الأموال وعاجزة عن تنظير نظام بنكي ومصرفي عادل وعاجزة عن اقامة نظام جمركي عادل وعاجزون في كل ما يرتبط بالاقتصاد فضلاً عن المجالات والميادين الأخرى، وقد اعترف كل نخب العالم بعجزهم عن اقامة نظام اقتصادي عالمي وقد كثرت تصريحاتهم في وكالات الأنباء بهذه الحقيقة.
وطيلة أكثر من عشر سنوات وما هذا الا لتركهم تعاليم الاسلام في الاقتصاد في تحريم غدد وسرطانيات الاقتصاد والمال والتجارة كالنظام الربوي والمكاسب المحرمة والاحتكار وأكل المال بالباطل (بالتمويهات وغسيل الأموال) وتعاطي الأمور الضارة من المحرمات وغيرها التي حرمها الاسلام منذ أربعة عشر قرناً.
فالبشر غير قادرين على التنظير فضلاً عن الإلمام والإحاطة بالملابسات والمبهمات الموضوعية أي الشبهة الموضوعية بالتعبير الحوزوي.
فقد يكون هناك عالم وورع وفقيه ومتكلم جهبذ، لا يعصي طول عمره، ومعذور لجهله بالتنظير ولجهله بالملابسات الموضوعية، وتشعباتها التي لا تقتصر دائرتها على البعد الفردي والاسري فحسب بل تتسع الى البعد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وليس لشعب واحد بل لكل البلدان والشعوب.
ومن هذا الذي يستطيع ادارة نظام العالم غير الإمام أبي صالح المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف؟
فلا يستطيع غير الإمام الحجة بن الحسن العسكري (علیهما السلام) حلحلة وادارة كل مشاكل الحياة، وهو الذي أهّله الله لهذا، وليس في هذا الآن والأوان فقط، بل قد باشر ادارة النظام الدولي بشكل خفي منذ أكثر من أحد عشر قرناً، وإن كان بإمكانه أن يختصر طريقه للنصر، لكن هذا غير مأذون له لأنه خلاف
حكمة الامتحان لهذه البشرية، فالبشرية في حالة الطفولة يجب أن تكبر وتتعدى مرحلة المراهقة للبلوغ والرشد، فحينئذ تعطى جائزة إقامة النظام الدولي الإلهي المعلن.
فالحافظون لحدود الله في الآية الكريمة «وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ»(1)ليس حفظاً لحدود الله على الصعيد الفردي فقط بل على الصعيد الاجتماعي والسياسي والعسكري والأمني والاقتصادي والأمني والاقتصادي والحقوقي والتنموي والروحي والنفساني والأخلاقي والفكري العقيدي وغيرها من المجالات والأصعدة، كالأحكام الشرعية للحدود الإلهية في صعيد وظائف البعد الفردي أو الأسري أو المجتمع أو المدينة أو الدول والأقاليم بل هو حفظٌ لحدود الله في كل المجتمعات والشعوب وأرجاء الأرض بل أرجاء الفضاء والسماء، ألا يلاحظ ما يقصه لنا القرآن الكريم بين الخضر وموسى.
«قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ» (2).
وبعد ذلك في الواقعة الأخرى «فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا» (3)، «فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ
بَيْنِي وَبَيْنِكَ» (1).
فنلاحظ ثلاث موضوعات بين الخضر والنبي موسى على صعيد أمني واحد، كمثال لحماية أمنية اقتصادية، والثاني هو مثال لحماية حضارية، لأن هذا الغلام الذي قتل كان في علم الله أنهّ يحول ويمانع عن ولادة سبعين نبياً، السبعون أنوارهم يُضخ بها في المجتمع، وأيّ ازدهار وتكامل عظيم يحصل منهم، فأي زخم نور لهؤلاء للبشر، فكان لابد من إزالة العقبة العاثرة في مقابل الاصلاح الإلهي للبشر، فلاحظالرعاية الالهية وكذلك الكفالة الاجتماعية لجدار اليتيمين من أبوين صالحين، في فعل الخضر.
ثلاثة معالم قام بها الخضر كمثال في ثلاثة أبعاد حماية أمنية اقتصادية، حماية حضارية للبشر ورعاية وكفاية للأيتام وللطبقات المحرومة، وهذه الأبعاد التي قام بها الخضر ثم قام باطلاع النبي موسى بهذه الموارد، وكان موسى عارفاً بها من الجانب التنظيري لأنه نبي من أنبياء اولى العزم وعلمه لدني، وإنما كان علمه اللدني للنبوة محدوداً في جانب العلم بالولاية وهو العلم بإدارة وتدبير الملابسات الموضوعية وإدارة الأحداث في الأرض.
وهذا بيان من القرآن الكريم في أنّه لا يمكن لأحد أن يدعي الإمامة الإلهية الكبرى والإصطفائية العالية لخلافة الله في الارض من غير أن يمتلك العلم اللدني، حتى النبي موسى على نبينا وآله وعليه السلام مع ما يمتلكه من التنظير الوحياني ولكنه لعدم امتلاكه العلم اللدني الولائي العالي في التطبيق
1) سورة الكهف، الآيتان: 77-78.
فانه لم يكن مؤهلاً في مراتب من درجات الولاية والعلم الإلهي الا بعضيد له وهو الخضر.
ولا يقام إصلاح الأرض إلا بإقامة وحفظ حدود الله، فلاحظ النبي يوسف على نبينا وآله وعليه السلام، كيف أقام نظاماً في منطقة الشرق الأوسط، وأنقذ شعوبها من هلاك مبرم، لقحط مدته سبع سنوات، لم يعلم به ولم يتنبأ به الا من اصطفاه الله في ذلك الوقت وهو النبي يوسف الذي أجاد تدبير الأزمة بشكل ناجح لكي ينجي فيها البشرية.
وعندما يحصل القحط والجوع والمجاعة فسوف تهدد الامة بتهديد أمني وتهديد غذائي مما يؤدي الى سفك الدماء وحصول نوع من المنازعات أو الحروب والهيجان والخوف، ويصبح فيها البشر كالذئاب ويحرص كل شخص في تلك الازمة أن ينجو بنفسه بكل وسيلة فيغير ويعتدي على الآخر ويغتصب المخزون الغذائي لدى غيره وتشتعل الحروب.
ولم ينقذ النبي يوسف البشر من أزمة اقتصادية فقط بل أنقذ البشرية من أزمات خطيرة مختلفة ولم يعرف أحد في البداية أن يوسف كان نبياً، ولم يكن رئيساً للنظام،بل كان مفصلاً مهماً استطاع ان ينقذ البشرية من خطر اقتصادي كبير والنبي يوسف هو مثل ضربه الله للحجة بن الحسن العسكري، وهذا هو دور وليّ الله في الارض أنّه يقوم بما يقوم من الأدوار الخطيرة والكبيرة بشكل مصيري وفي مفاصل كبيرة في النظام البشري ولا أحد يعرف لا من قريب ولا من بعيد أنّ الذي أنقذهم هو، وينقذ البشرية من انزلاق إلى الهاوية لأن النبي
يوسف (علیه السلام) أعطي علماً لدنياً بالتنظير وعلماً لدنياً بالملابسات الموضوعية، ليس على نطاق مصر، بل على نطاق البلدان فقد قام بتدبير وتزويد كل البلدان المجاورة، كفلسطين، والجزيرة، وبقية الدول المجاورة لمصر، ولم ينحصر تكفله الأمن البشري في أبعاد عديدة داخل مصر، بل بسط ونشر، بركات إدارته وتدبيره، في الدول المجاورة.
كما في قوله تعالى: «قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ» (1)(حفيظ) في الجانب الموضوعي (عليم) اي عليم بالجانب التنظيري، فلا يمكن ان يكون حفيظاً الا ان يكون عليماً.
فلاحظ كيف ان منظومة القرآن الكريم تبيّن لنا أن المؤهل لدعوة الله ولإقامة النظام العالمي الموحد حصرياً هو من أهّله الله لهذا الدور وهو الإمام الحجة بن الحسن العسكري (علیه السلام).
وحينئذ يتضح الحال في شأن الحفظ لحدود الله كوصف لمن يؤذن له أن يتولى ويتصدى ويرأس جهاد الدعوة للدين كنظام يظهر على كافة أرجاء الأرض في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ»(2)ويأتي عبّاد البصري ليشاغب ويتحدث مع الإمام زين العابدين ويعترض عليه إنك تركت الجهاد.
ففي موثقة سماعة: عن أبي عبد الله (علیه السلام)، قال: «لقي عباد البصري علي
بن الحسين (علیه السلام) في طريق مكة، فقال له: يا علي بن الحسين، تركت الجهاد وصعوبته،وأقبلت على الحج ولينته، إن الله عز وجل يقول: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»، فقال له علي بن الحسين (علیهما السلام): أتم الآية، فقال: «التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ»(1)فقال علي بن الحسين (علیهما السلام): إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم، فالجهاد معهم أفضل من الحج»)(2).
ولو لاحظنا ما تسمى بالفتوحات الاسلامية أنها كانت وصارت سداً لانتشار الاسلام كما يذكر الباحثون المسلمون وغير المسلمين.
فقد شوّهت تلك الحروب التوسعية التي تسمى بالفتوحات صفحة الاسلام الخالدة وقد أوقفت نور الإسلام عن أن ينتشر في سائر وكافة أرجاء الكرة الأرضية، كما أنبأت بذلك الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) في خطبتها العظيمة، من ان الخلافة لو كانت بيد أمير المؤمنين (علیه السلام) لانتشر النعيم
على وجه كل الأرض، ولتنجز الوعد الإلهي بإظهار الدين على كافة أرجاء وأقطار الأرض.
كما روى ابن طيفور (عن هارون بن مسلم بن سعدان عن الحسن بن علوان عن عطية العوفي قال: لما مرضت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) المرضة التي توفيت بها دخل النساء عليها فقلن: كيف أصبحت من علتك يا بنت رسول الله؟ قالت: «أصبحت والله عائفة لدنياكم قالية لرجالكم لفظتهم بعد أن عجمتهم وشنأتهم بعد أن سبرتهم فقبحا لفلول الحد وخور القنا وخطل الرأي وبئسما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون لا جرم لقد قلدتهم ربقتهاوشنت عليهم عارها فجدعا وعقرا وبعدا للقوم الظالمين ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة ومهبط الروح الأمين الطبن بأمور الدنيا والدين ألا ذلك هو الخسران المبين وما الذي نقموا من أبي الحسن نقموا والله منه نكير سيفه وشدة وطأته ونكال وقعته وتنمره في ذات الله ويا لله لو تكافئوا على زمام نبذه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لسار بهم سيرا سجحا لا يكلم خشاشه ولا يتعتع راكبه ولأوردهم منهلا رويا فضفاضا تطفح ضفتاه ولأصدرهم بطانا قد تحرى بهم الري غير متجل منهم بطائل بعمله الباهر وردعه سورة الساغب ولفتحت عليهم بركات من السماء... فيا حسرة لكم وأنى بكم وقد عميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون»، ثم أمسكت (عليها السلام)(1).
1) بلاغات النساء لابن طيفور: ص32.
ولكنهم قد زحزحوا الخلافة عن «وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ» (1)وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.
فلقد أصبحت الفتوحات التي يتبجحون بها عبارة عن تشويه للإسلام وإقامة لليالي الحمراء والطرب والفسق والمجون وشرب الخمر، فهل هي هذه حكمة الإسلام؟
ولقد أنبأ القرآن عن هذا الخطب الجلل الذي سيحدث للدين بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في قوله تعالى: «وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ» (2).
وقوله تعالى: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ»(3). أي تولي الأمور العامة من التصدي للخلافة وأنهم سيكثرون الفساد في الأرض وليسالفتح للإسلام والدين بإهلاك الحرث والنسل للأمم الأخرى بل هو «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ»(4)لكنه تبدل الداعي إلى سبيل الله فلم يحفظ حدود الله فلم يظهر دين الله على كافة ارجاء الأرض إلى أن يظهر الله خليفته المهدي يملأها قسطا وعدلاً ويتحقق وعد الله بإظهار الدين على كافة أرجاء الأرض، بعد أن أوقفوا انتشاره بتلك الحروب
المسماة بالفتوحات وهي سدود أمام انتشار نور الدين بما ارتكبوا من فظايع وتلاعبوا بالأموال والعباد اتخذوا عباد الله خولا وأمواله دولاً.
الذي لا يقيم حدود الله في نفسه كيف يقيم حدود الله في البشر؟ والذي يعاقر الخمر وكان عابداً للوثن طيلة حياته ولم تبق دنية او معصية ولا موبقة الا ارتكبها سواء اكان عشرين سنة او عشر او خمس سنوات والذي أسلم نفاقاً آخر حياته، وأدمن كل الملكات الرديئة في نفسه هل يستطيع أن يدعو الناس إلى إقامة حدود الله؟
وكما قالت الصديقة الكبرى (عَلَيهَا السَّلَامُ) «أنّى زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة»(1)ورواسي الرسالة أي عن علي بن أبي طالب (علیه السلام)!
وما يسمى بالفتوحات هي في الحقيقة سدودات حَدَّتْ من انتشار الاسلام، مع أن وعد الله ليظهر الاسلام على الدين كله.
فما هو الشيء الذي أوقف ظهور الإسلام عن الانتشار؟ ولماذا تحولت اوروبا من الوثنية الى المسيحية في القرن الثاني الهجري، ولماذا لم تعتنق الاسلام والاسلام آنذاك كان فتياً؟ ذلك لما شوّهوه من وجه الاسلام.
ولماذا لم ينتشر الإسلام في الصين، وفي الهند، وفي أقصى آسيا وفي اقصى اوروبا وفي أقصى أفريقيا ولماذا توقف؟
1) بلاغات النساء لابن أبي طاهر: ص32؛ فضائل أمير المؤمنين (علیه السلام) لابن عقدة الكوفي: ص62؛ معاني الأخبار لابن بابويه: ص355.
فهل هذه الحروب التي قاموا بها وبسببها توقف انتشار الاسلام تسمى فتوحات؟ وهل توقف النور المجلجل للإسلام وتوقف التأثّر والاقتداء والجمال بشخصية سيد الانبياء تسمى فتوحات؟ ولماذا لم تنجذب كل الشعوب للدخول في دين الله أفواجاً، فما الذي أوقف البشرية عن اعتناق الاسلام الاصيل؟
للأسف كل هذه الاسباب سببها هي الممارسات التي ارتكبت في تلك الحروب وما يسمونها بالفتوحات، وهذه الظاهرة الكارثية هي نتيجة تصدي غير المعصوم لجهاد الدعوة إلى سبيل الله أي تقمصه صلاحيات رئاسة النظام العالمي لإقامة عدل الإسلام في أرجاء الأرض.
وكما يقول الباحث الإسلامي الشيعي البرفسور فلاطوري، الذي كان له موقع علمي أكاديمي كبير في الغرب: الصحيح ان هذه الفتوحات قد جنت على الاسلام وسدّت عن انتشار الإسلام في كل ربوع الكرة الارضية.
فمن هو المأذون لجهاد الدعوة؟ الذي لا يحكّم شرع الله في نفسه كيف يتصور ان يؤذن له في جهاد الدعوة وهو القائل، (لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن)(1)كما يذكر في طبقات ابن سعد وعشرات من الاقوال تطابق هذه المقولة -فإن لم تكن أهلية للخلافة فكيف ستكون عواقب ونتائج الأمور. فمن هو المأذون له في جهاد الدعوة؟
1) الرسالة العلوية في فضائل أمير المؤمنين (علیه السلام) للكراجكي: ص11 من المقدمة.
فالشهادة على الأعمال هو مقام إلهي خطير وهو أن يراقب لكي يربي ويزكي ويهدي ويرشد ويسدد ويقود ويشهد على أعمال العباد وعقائدهم وإيمانهم ومصير مجتمعهم ومستقبل أجيالهم ويديرهم ويدبرهم ويحاسبهم ويكون الشهيد وهو لامحالة عقلاً الحاكم يوم الحساب؟
وهم الذين يذكرهم الله تعالى: (التائبين العابدين الحامدين السائحين الراكعين الساجدين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والحافظين لحدود الله وبشر المؤمنين)(1)الآمرين بالمعروف اي ما من معروف إلا ويأمرون به، وما من منكر إلا وينهون عنه.
وهذه هي الصلة بين معنى الشهادة يعني الشهادة على الاعمال والقتل في سبيل الله الذي يختص بالدائرة الثانية من بني هاشم تبعاً للدائرة الأولى.
أوّلاً: إن هناك جملة من الآيات العديدة في السور دالة على أن هناك ثلة من بني هاشم بالذات في هذه الأمة تشهد على أعمال العباد، بمعنى أنهم يشهدون ويحاسبون، وبالتالي هم أولياء الهداية والحساب والجزاء في يوم القيامة، وفي بقية مواطن الهداية ومراصد الحساب والجزاء لأنهم يمتلكون المقام الاصطفائي لإرشاد وهداية العباد.
1) مختصر البصائر للحلي: ص99.
ومن يجعله الله شهيداً على اعمال العباد فمقتضاه بالضرورة: أنه مطهر ومعصوم، إذ كيف يشهد على العباد ويداينهم ليربيهم ويسددهم ويدبر شؤونهم ويقود هدايتهم إذا كان هو بنفسه مدان، بل لابد أن يكون معصوماً ومصطفى.
ثانياً: أن الشهادة في القرآن هي الشهادة على الأعمال وليست مجرد قتل في سبيل الله، والصلة بين القتل في سبيل الله والشهادة على الأعمال أنه سبب للوصول ولنيل هذا المقام كما بين الإمام الصادق (علیه السلام) ذلك في ثلاثة مواضع أو أربعة من سورالقرآن، وهي اللغز الذي لم يستطع المفسرون حَلّه، بينما وجه الحل مذكور في الروايات.
ثالثاً: إنَّ الشهادة على الأعمال يعني إصطفاء، ويعني انهم أولياء الهداية والتزكية والتعليم والحساب أيضاً في البرزخ والرجعة ويوم القيامة لأن الشهيد على الأعمال، ليس مجرد شهيد على الأعمال، بل هو ولي الهداية والقيادة والتدبير ومن ثم الحساب، يوم القيامة.
رابعاً: إن أولياء الحساب هم حكام الجزاء في يوم القيامة، وهذه بحوث قد قررت جملة منها في الأربعة عشر معصوماً (علیهم السلام).
خامساً: ان مجموع ملف وشبكة منظومة آيات الشهادة في القرآن الكريم دالة بشكل قطعي على أن هؤلاء الشهداء لا يقتصر على دائرة الاربعة عشر معصوماً، بل تدلل هذه الآيات على وجود دائرة ثانية ثلة أخرى من بني هاشم وراء الأربعة عشر معصوماً تبعاً لهم.
سادساً: إن شهادة هؤلاء الشهداء من بني هاشم التي هي دون الأربعة عشر معصوماً وما وراءهم تبعاً لا تقتصر صلاحيتهم على الأمة الإسلامية بل ان شهادة الدائرة الاصطفائية الثانية من بني هاشم تشمل الشهادة على أعمال جميع البشر من الأولين والآخرين بنص القرآن الكريم، وهذا مما يدلل على أن مقام الشهادة للدائرة الثانية الاصطفائية لأهل البيت أعلى مقاماً من سائر الأنبياء، والمرسلين فضلاً عن علو الدائرة الأولى.
إذ أن مقام شهادة بقية الأنبياء والمرسلين كما بيّن لنا القرآن الكريم هو حصرياً على أممهم، وقد تقدمت الإشارة الى الآيات والروايات التي تبين حصر شهادة كل نبي في أمته ما دام فيهم كقوله تعالى على لسان عيسى،«وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ» (1)فكل نبي هو شهيد وولي حساب أمته وبقيد آخر (ما دام فيهم) وأما الزائد على أمته أو على زمانه فلا.
بينما مقام الشهادة للدائرة الاصطفائية الثانية من بني هاشم لا يقتصر على الأمة الإسلامية من أولها إلى آخرها، بل شهداء على كل الأمم بنص القرآن، وهذا مما يدل على أن الدائرة الاصطفائية الثانية لأهل البيت أعلى مقاما حتى من بقية الانبياء فضلاً عن علو مقام الدائرة الأولى من اهل البيت (علیهم السلام).
سابعاً: طبقات الشهادة التي يرسمها لنا القرآن الكريم هي الصورة التالية: عميد الشهداء وأمينهم سيد الكائنات والرسل النبي الاعظم محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، ثم الطبقة الثانية المتمثلة بالأئمة الاثني عشر (علیه السلام) وفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) ثم
1) سورة المائدة، الآية: 117.
الطبقة الثالثة المتمثلة بالدائرة الاصطفائية الثانية من بني هاشم، كحمزة وجعفر وأبي الفضل العباس والعقيلة زينب وعبد المطلب وأبي طالب وعبد الله (علیهم السلام)، وهذه الطبقة الثالثة ومن ثم يأتي دور شهادة الطبقة الرابعة على أممهم فقط المتمثلة في الأنبياء والرسل وأوصيائهم من سائر الأمم.
فالقرآن الكريم يرسم لنا أربع طبقات من الشهداء، وأن الشاهد الشهيد الأمين الالهي على عزائم أمره الذي يراقب المراقبين، ويشهد على الشهداء في شهادتهم، هو المقام العظيم للنبي الاعظم (صلی الله علیه و آله و سلم).
فالأئمة (علیهم السلام) والصديقة الكبرى فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) شهداء على الطبقة الثالثة المتمثلة بالدائرة الثانية الاصطفائية لأهل البيت (علیهم السلام)، والطبقة الثالثة هم شهداء ومراقبون للأنبياء والرسل، وقد أشارت النصوص من القرآن الكريم والروايات المسندة على أن حمزة وجعفر يشهدان لبقية الأنبياء من أولي العزم، ولجميع الأنبياء، يشهدان في يوم القيامة لهم بالوفاء وانهم قد بلغوا الرسالة.
وقد مرّ بنا في الطائفة الاولى والثانية بيان أن مقام الدائرة الاصطفائية الثانية من بني هاشم أعلى إصطفاءً من بقية الأنبياء كما سنبين ذلك أيضاً في نصوص قرآنية وروائية أخرى لاحقاً.
ثامناً: إن مقتضى الشهادة على الأعمال ليس مسؤولية المحاسبة والحساب والجزاء فقط، بل في الاساس إن مسؤولية الشهادة هي التربية من الشاهد
للمشهود عليه وقيام الشاهد بتزكية المشهود عليه وتعليم من الشاهد للمشهود ورعاية ولطف من الشاهد المراقب للمشهود عليه فالشاهد هو المعلم والمربي والراعي كما هو مراقب ومحاسب ومجازي في نهاية المطاف، فهو في الاساس معلم ومربي وراعِ ومزكي ووالٍ للمشهود عليه فالشهادة مقام حضور من الشاهد في الابتداء لدى المشهود عليه لرعايته وتربيته وتزكيته وتعليمه ثم هو مقام حضور للمحاسبة والمجازاة في نهاية المطاف، وفي الحقيقة أن المراقبة أوثق صلة بالتربية والتعليم والهداية منها بالمحاسبة والمجازاة.
لابد من التنبيه على هذه النقطة في بيانات أهل البيت لما في القرآن من حقائق وهي أن الشهادة على الأعمال ذات درجات كما مر بنا في موقعية النبي الاعظم الذي حاز على مقام شهيد الشهداء كما في «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ»(1)أي ان الشهادة على الأعمال ذات درجات متفاوتة وليست بدرجة واحدة، سواء كان السبب لقوة الشهادة أو لقوة المراقبة أو لقوة الولاية والعلم الهادي وهي تتصاعد وتترقى، بحسب الطهارة وبحسب درجة الاصطفاء وبحسب درجة العلم اللّدني الذي يمتلكه وبحسب صلاحية الشاهد في التربية والتعليم للآخرين.
وقد بين لنا القرآن الكريم ان الشهادة على الاعمال هي ذات درجات
1) سورة النحل، الآية: 89.
بحسب طبقات الطهارة والاصطفاء، كما في قوله تعالى: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ» (1)، وقوله تعالى: «وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ»(2).
وقد أشارت إلى ذلك الأدعية والزيارات المستفيضة عن أهل البيت (علیهم السلام)، كما في دعاء كميل: «كنت أنت الرقيب عليّ من ورائهم والشاهد لما خفي عنهم وبرحمتك أخفيته»(3)،
(لما خفي عنهم) مع أن الملكين الكاتبين هما شهداء، يفوتهم ما وراء الظاهر، وهو درجة فالشهادة على الاعمال ذات درجات.
والشهادة هي أمرٌ ذو درجات متفاوتة، وبذلك يتضح تفسير قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لسيد الشهداء الحسين بن علي (علیهما السلام) «إن لك في الجنة درجات لا تنالها إلا بالشهادة»(4).
والمعلوم أن الإمام المعصوم هو شاهد على أعمال العباد من قبل، فأي شهادة سينالها بالقتل في سبيل الله؟
كما قد وصف أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (علیه السلام) في الزيارات بأنه سيد الشهداء أيضاً، فعبارة (سيد الشهداء) يعني أن نفس الشهادة هي على درجات فيها سؤدد، ومراتب متوسطة، ومراتب أدنى، وهذا مما يعني أن نفس الإمام المعصوم (علیه السلام) قبل قتله في سبيل الله كانت له درجة من الشهادة على الاعمال في ضمن الدائرة الاصطفائية الأولى، وقد ازدادت درجة شهادته
بعد قتله بشكل آخر.
كما هو مقرر من الفاصل والتفاوت بين درجة شهادة سيد الأنبياء ودرجة شهادة بقية أفراد الدائرة الاصطفائية الأولى من أهل البيت (علیهم السلام) المتمثلة في (علي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين (علیهم السلام))، والرقابة في دعاء كميل «وكنت أنت الرقيب علي من ورائهم»(1)تستلزم ان الرقابة ذات درجات كما هو الحال فيعلم الرقابة العالمي والمحاسبة أنها ذات درجات كيفاً وكماً ونوعاً وشدّة وعِدّة وعُدّة، وهذه نقطة لابد ان نلتفت إليها مليّاً وهي أن الشهادة ذات درجات.
ان الشهادة على الاعمال ذات درجات فالاصطفاء أيضاً ذو درجات، ويتاح للذي اصطفاه الله تعالى ان يزيد في درجة اصطفاء نفسه، وعند ذلك سوف تزداد مقامات الصلاحيات والشؤون التي تعطى له ومثالاً على ذلك: إذا ازدادت النتائج التي أنجزها أحد المسؤولين في دولة من الدول ازدادت جدارته، وألقيت عليه أوسمة للمسؤوليات أكثر، وهذا مشاهد على أرض الواقع، وإنه كلما ازدادت جدارته ومثابرته تلقى عليه مسؤوليات أكثر فأكثر.
وكذلك العكس ممكن، فإذا كان مسؤول في دولة من الدول تناقصت كفاءته فالنتيجة قد تكون هي أن تسلب عنه بعض الصلاحيات والمسؤوليات
1) مصباح المتهجد وسلاح المتعبد للطوسي: ج2، ص849.
والمواقع.
وبعبارة أخرى ان الحركة تكاملية ضمن دائرة الاصطفاء مع وجود أصل الاصطفاء والعصمة والطهارة، ويمكن ان تزداد أو أن تتناقص بترك الأولى وما شابه ذلك، كما حصل لبعض الانبياء التي اشير اليها في موارد من الآيات تشير ان بعض الأصفياء من الأنبياء والرسل قد تتناقص درجاتهم مع انهم لم يخرجوا عن مقام النبوة ولم يخرجوا عن مقام الرسالة ولم يخرجوا عن العصمة ولم يخرجوا عن العصمة لترك الأولى، ولكن هذه الأوسمة والكمالات الإلهية هي قابلة للزيادة أو النقيصة، بحسب الجدارة والمثابرة، كما في قوله تعالى: «وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ» (1)، «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا * وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا»(2).
وهذا شيء بديع جداً في الامتحان الإلهي مع الاصفياء وانه ليس هناك ضمان مطلق، وانما هم في صراط بين الخوف والرجاء.
وهذه نقطة مهمة لابد ان نلتفت إليها، وربما لم تحرر في علم الكلام لكنها موجودة في بيانات أهل البيت (علیهم السلام) وبيانات القرآن الكريم، من أن الحركة
تكاملية في ضمن دائرة الاصطفاء تزداد علواً أو تناقصاً لا سمح الله. وهذا النظام مقرر في ضمن دائرة الملائكة أيضاً، كما في الآيات والروايات ومع الزيادة او النقصان ولكن تبقى حالة الاصطفاء وأنّ المقام الإصطفائي لا يسلب بخلاف الحال في المقام الاكتسابي من إمكانية سلبه، فيبقى المصطفى في دائرة الاصطفاء، ولكنة يشتد او يضعف بحسب عزمه وثباته واستقامته وتحمّله لشدة المسؤوليات.
نقطة بديعة أخرى من ضمن جواهر هذه المعلومات التي يشاهدها الإنسان في الآيات والروايات في ضمن هذه الطائفة، ان هناك روايات مستفيضة دالة على أن المؤمنين من شيعة اهل البيت (علیهم السلام) من ذوي الصلاح، يكتسبون عند رجوعهم بعد الممات على مقامات كمقام الأوتاد أو الأبدال في الرجعة.
وتقع موقعية الأوتاد والأبدال في القسم السادس من الحجج في التقسيمات السابقة، التي مرت من النبوة والرسالة والإمامة والولاية للأمر كمقام الصديقة فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وأما الدائرة الاصطفائية الثانية لأهل البيت أو بيوتات الأنبياء فتقع في القسم الخامس،وقد مر بنا ان القسم السادس هو مقام النواب الخاصين أو الأوتاد والأبدال. مثل لقمان أيضاً او سلمان، واما القسم السابع فيرتبط بالفقهاء والعلماء.
والأوتاد والأبدال من القسم السادس هم شبكة مجموعة خاصة مثل النواب الخاصين الذين لا وجود لهم في عصرنا الحالي، وهؤلاء الأوتاد والأبدال لهم قدرات خاصة مثل قدرة طي الأرض وقراءة الخاطر، وغير ذلك من الامكانيات التكوينية الخاصة، فان لهم درجة معينة من التقوى واليقين وما شابه ذلك.
وورد في الروايات الكثيرة ان المؤمنين من شيعة اهل البيت (علیهم السلام) من ذوي الصلاح سوف يحصلون في الرجعة على مقام الأوتاد والأبدال، وهو أيضاً مقام ذو درجات مختلفة.
ان الذين يقتلون في سبيل الله بالشرائط الخاصة التامة سوف يبعثون شهداء، كما وصف في الزيارات أنصار سيد الشهداء (علیه السلام)، ولقتلهم في سبيل الله بين يدي سيد الشهداء سوف يبعثون شهداء على الأعمال بل قد بعثوا في البرزخ كذلك، ولكن ليس كمقام الدائرة الاصطفائية الثانية لأهل البيت (علیهم السلام)، بل مثل شهادة الملكين الكاتبين وغير ذلك.
أي أن هناك طاقماً آخر من الشهداء، وقد مرّت بنا أربعة طواقم، الطاقم الاول المتمثل بسيد الانبياء (صلی الله علیه و آله و سلم)، الطاقم الثاني هم الدائرة الاولى من اهل البيت علي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومون من ولد الحسين (علیهم السلام)، والطاقم الثالث هم الدائرة الاصطفائية الثانية من اهل البيت (علیهم السلام)، والطاقم الرابع المتمثل بالأنبياء والرسل، وهناك طاقم خامس، الذين لهم أنزل
درجات الشهادة، وهم الشهداء من غير بيوتات الأنبياء الذين يقتلون في سبيل الله من المؤمنين الذين يتم اصطفاؤهم ولكن ليس كاصطفاء الدائرة الاصطفائية الثانية لأهل البيت (علیهم السلام) وإنما بدرجة أنزل، نعم قد يكون بعض بني هاشم من القسم السادس أيضاً، فضلاً عن مقامات الملائكة في الشهادة.
فصاروا الشهداء في البرزخ وسيكونون كذلك في الرجعة على ملفات محدودة، مثل حبيب بن مظاهر الاسدي وزهير بن القين، في طبقة معينة، وبرير بن خضير في طبقة معينة أخرى، وميثم التمار طبقة معينة أخرى، وهذه الملفات المحدودة من الشهادة جزاء لقتلهم في سبيل الله.
فهناك درجة من الاصطفاء لغير الدائرة الاصطفائية الثانية من بني هاشم الذين هم من القسم السادس كما هو مفاد آيات وروايات الشهادة.
والذي يدلل على بحث اصطفاء الدائرة الاصطفائية الثانية هو تقرير أن معنى الشهادة هو الشهادة على الأعمال إذ هو معنى اصطفائي، لاالاقتصار على أن معنى الشهادة القتل في سبيل الله، وإن كان هذا المعنى له شأن ومقام، وإنما المطلوب أن يتقرّر أن الشهادة في هذه الطائفة الثالثة بمعنى الشهادة على الأعمال كأولياء حساب. وإذا كانوا أولياء حساب فهم مصطفون ومطهرون الى غير ذلك من الشؤون والحقائق.
وتبيّن إجمالاً بما ذكره أهل البيت (علیهم السلام) أن القتل في سبيل الله بالشرائط التي ذكرتها الآيتان وبينها أهل البيت يؤهل الإنسان للاصطفاء، وأن يكون
شاهداً على الأعمال جزاءً لقتله في سبيل الله بالشرائط المذكورة في الآيات، هذه الشرائط التي بينها الإمام الصادق في رواية الكافي، وأن كل من توفرت الشرائط عنده من بني هاشم فسوف يبعث شهيداً والشهداء على الأعمال من بني هاشم هم في الطبقة الثالثة لا في الطبقة الرابعة التي هي مقام الأنبياء والرسل.
والآية الثانية تبين الصلة بين معنى القتل في سبيل الله والشهادة على الأعمال كما أشير إليها في الروايات.
وفي آخر سورة الحج قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ» (1)(وجاهدوا في الله حق جهاده) الجهاد لصلته بالقتل في سبيل الله، (هواجتباكم) اصطفاء، (ملة أبيكم ابراهيم) يعني خاص لبني هاشم الدائرة الأولى والدائرة الثانية، (هو سماكم المسلمين) وقد مر شرح هذه الآية في الطائفة الأولى بمناسبة الاصطفاء وبمناسبة آية التطهير، ولنا مع هذه الآية عودة لأن فيها برهاناً قد استدل به اهل البيت (علیهم السلام) على أمور عظيمة وكثيرة كوصاية آباء واجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وغيرها التي سنبينها لاحقاً، ومرت الاشارة إليها سابقاً وسنعيد بيان ذلك من زوايا أخرى في آخر سورة الحج.
1) سورة الحج، الآية:77-78.
«وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ» وبالتأمل في لفظ (شهداء على الناس) وليس شهداء على المسلمين ولا شهداء على الأمة الاسلامية، بل شهداء على (الناس) يعني من الأولين والآخرين، وهذه خاصة لبني هاشم من الدائرة الاصطفائية الأولى الأربعة عشر معصوماً والدائرة الثانية الاصطفائية.
وقد نص القرآن الكريم على أن ذرية إسماعيل وإبراهيم الذين دعا إبراهيم واسماعيل في حقهم أن يكونوا مسلمين (أمة مسلمة)، هؤلاء لهم مقام اصطفاء وشهادة، والقرآن الكريم لم يثبت للنبي عيسى أنه شهيد على (الناس).
بينما شهادة النبي عيسى محدودة كما قال تعالى: «وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ» (1)بهذا المقدار «فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ»، وأين مقام الشهادة الذي يُبنّيه القرآن لبني هاشم من هذا المقدار المحدود؟
فهل هذا المفاد الذي يبيّن مقام الشهادة لبني هاشم غلو في القرآن الكريم أم أن القرآن يبين حقيقة مقامهم في الشهادة على الاعمال وهذه الآية شاملة بنحو قطعي للدائرة الاصطفائية الثانية، المتمثلة بآباء وأجداد النبي، وآباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وعلي (علیه السلام) ولم يكن عبد الله وأبو طالب وعبد المطلب
1) سورة المائدة، الآية: 117.
وعبد مناف وهاشم وآباء وأجداد النبي تابعين لشرائع عيسى وموسى، لأنهم أعلىاصطفاءً من موسى وعيسى، نعم على ملّة إبراهيم، لكن لم يكونوا تابعين، لأن التابع أدنى من المتبوع، وكيف يكون التابع أفضل من المتبوع؟
ولم يذكر في الروايات أن آباء وأجداد النبي كانوا على شريعة عيسى أو موسى، نعم على دين الإسلام، دين النبي إبراهيم حنيفاً مسلماً، لكن لم يكونوا على شريعة النبي ابراهيم، وهناك فرق بين عنوان الشريعة وبين عنوان الدين وعنوان الملة وعنوان الحكمة وعنوان الطريقة، فهذه عناوين وحيانية ذات معانٍ مختلفة، الدين واحد وهو الإسلام.
أمّا الشريعة فلم يكن آباء وأجداد النبي على شريعة عيسى وموسى، ولا على شريعة إبراهيم، نعم على ملّة إبراهيم، لأن الملّة ترتبط بالدين أي عرفنة الدين كأعراف اجتماعية، ولا ترتبط بالشريعة، والدين واحد بينما الشرائع متعددة، وهذه نكتة مهمة لا بد أن يلتفت إليها.
ويلاحظ الربط بين الجهاد وهو القتل في سبيل الله وبين مقام الشهادة لبني هاشم على أعمال الناس مِنَ الأولين والآخرين.
وهذه الآية الثانية تبيّن وتربط الصلة بين القتل في سبيل الله والشهادة على الاعمال، والتي تَحُلّ الُمشكلة التي وقع فيها المفسرون في حيرة وحيص بيص، وأنه جزاء اصطفائي، كما في خطاب النبي الاعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) لولده الحسين (علیه السلام) سيد الشهداء «وإن لك في الجنة درجات لا تنالها إلا بالشهادة»(1).
1) بحار الأنوار: ج44، ص313.
ولذلك صارت الشهادة على الأعمال عنوان القتل في سبيل الله، بعلاقة السبب والمسبب، أي إطلاق المسبب على السبب والسبب على المسبب.
ومما يبيّن الصلة بين القتل في سبيل الله والشهادة على الأعمال كما يبينها اهل البيت (علیهم السلام) في سورة آل عمران قوله تعالى: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»(1)، وهذه الأمة هي الأمة الموصوفة في قوله تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا» (2)ولو تأملنا لفظة (الأمة) نجدها متطابقة مع الأمة التي دعا في شأنها إبراهيم وإسماعيل في قوله تعالى: «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ...» (3)، ولم يقل ابراهيم كل ذريتنا وانما قال «وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً». والإسلام الذي طلبه ابراهيم (علیه السلام) ليس بمعني أصل الإسلام وأصل التوحيد، انما هو درجة من الإسلام والتسليم طلبه ابراهيم فوق درجة الإمامة الاصطفائية العامة التي نالها إبراهيم في بحث الاصطفاء فضلا عن النبوة والرسالة.
وهذه الدرجة من التسليم والإسلام الاصطفائي العالي فوق إمامة الانبياء وهذه الدرجة من التسليم والإسلام هي التي طلبها النبي إبراهيم وإسماعيل في أن تكون في (من ذريتهما) أي عند آباء واجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وعند عترته هذه
الدرجة العالية من الاصطفاء الذي في (أمة) يفوق كافة الانبياء باستثناء النبي الخاتم محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) وهذا بيان ما في هذه الآية من علو اصطفاء الدائرة الاصطفائية الثانية لأهل البيت (علیهم السلام) على بقية الأنبياء.
وحينئذ تختص هذه الأمة بمواصفات الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أي مواصفات الداعي إلى الله، وبيان مقام الذي يهيمن على مسار الدعوة إلى الله والدعوة إلى الخير لإقامة النظام العالمي في الدائرة الاولى من أهل البيت (علیهم السلام).
وتتلوها الدائرة الثانية كما هو باتفاق متسالم العلماء على ذلك لان الدائرة الثانية هم عون ومؤازرون أي أعوان ووزراء.
فأفراد الدائرة الثانية هم الذين تتوفر فيهم شرائط القتل في سبيل الله وجهاد الدعوة الى الله ومن يؤذن له في جهاد الدعوة إلى الله والقتل في سبيل الله ويَقْتُل ويُقْتُل، فيكون جزاؤه مقام الشهادة على الأعمال كما يذكره القران الكريم في سورة البقرة وفي سورة الحج كما بيّن ذلك اهل البيت (علیهم السلام) في قوله تعالى:(1).
وفي الآية التي مرت في قوله تعالى: «وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ... شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ...» (2).
فالشهادة لبني هاشم كما بيّن القران الكريم ليست محصورة على أمة من الامم وليست محصورة على المسلمين وانما على جميع وكل الناس، اي على جميع الناس من الاولين والآخرين.
ولو دققنا النظر ولاحظنا في آيات القرآن الكريم من أول سورة إلى آخرها فهل نجد شهادة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى على كل (الناس) أم هي محصورة شهداء على أممهم فقط، كما في قوله تعالى: «وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ»(1)، «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ» (2)، ومفاد الآية أن محاسبة الأمم تكون يوم القيامة، إذا جاء رسولهم ونبيهم.
فالآيات العديدة التي سنذكرها لولاية الحساب في الأنبياء والرسل محدودة ومقصورة على أممهم.
بينما في سورة الحج والبقرة وآل عمران تبيّن أن شهادة ذرية إسماعيل وإبراهيم يعني الدائرة الاصطفائية الثانية فضلاً عن الأولى وهم ثلة من بني هاشم، شهادتهم وولاية الحساب لهم شاملة لكل الناس من الأولين والآخرين، وهذا مقام واصطفاء رفيع وعظيم.
فهذه مجموعة آيات من ثلاث سور من القرآن تبيّن الشهادة على الاعمال وأنه مقام يعطى جزاء لمن يقتل في سبيل الله.
وقد ورد في الروايات الشريفة عن اهل البيت (علیهم السلام): «ما منا إلا مقتول أو مسموم».
وفي رواية حتى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قد دُس له سمّ، وهذا باتفاق المسلمين ان رسول الله قد مات مسموما، واما من الذي سمّ رسول الله فهذا بحث آخر.
ففي صحيح أيوب بن نوح عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) -في حديث -قال (علیه السلام): «ما منا.... إلا اغتيل أو مات على فراشه حتى يبعث الله لهذا الأمر غلاماً منا»(1).
الخزاز بسنده عن جنادة عن الحسن بين علي (علیه السلام) إنه قال: «... ما منا إلا مسموم أو مقتول»(2).
وفي معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عند موته اليوم قطعت مطاياي الأكلة التي أكلت بخيبر، وما من نبي ولا وصي إلا شهيدا»(3).
وفي تفسير العياشي عن عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال:
«تدرون مات النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أو قتل؟ إن الله يقول: -أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ
عَلى أَعْقابِكُمْ- فسم قبل الموت إنهما سقتاه » الحديث(1).
ومقتضى تلك الروايات وغيرها مما يقف عليه المتتبع أنّ كل الأئمة والأوصياء قد ماتوا مسمومين ومقتولين في كل الأمم، بل مقتضى بعضها أن النبي موسى وهارون وإبراهيم ويعقوب لم يموتوا موتة عادية بل إما بالسم أو قتلاً في سبيل الله.
قد يسأل سائل: أن الأئمة صلوات الله عليهم من الدائرة الاولى الاصطفائية لأهل البيت هم شهداء على الأعمال قبل أن يقتلوا في سبيل الله فما معنى نيلهم الشهادة بالقتل؟ والجواب قد مرّ أن الشهادة ذات طبقات فأهل البيت (علیهم السلام) يزدادون علواً وسؤدداً في القتل في سبيل الله، لأن الشهادة نتاجها علو في الاصطفاء.
فهذه ثلاث سور توضح لنا أن الصلة بين القتل في سبيل الله والشهادة على الأعمال وهو إصطفاء إما زيادة في الإصطفاء أو نيلاً لأصل الاصطفاء، فإطلاق الشهادة على القتل في سبيل الله من باب اطلاق المسبب على السبب كما يصطلح عليه في علم البلاغة، وقد يكون إطلاق للسبب على المسبب، أي أن القتل في سبيل الله إشارة إلى الشهادة على الأعمال لأن الشهادة في الأصل هي كما ذكر كثير من المفسرين ومنهم العلامة الطباطبائي رحمه الله إن الشهادة تستعمل في (الشهادة على الأعمال)، اي في الهيمنة والرقابة والحساب، وأنها لم تستعمل في القرآن بمعنى القتل في سبيل الله، ولكن لا تنافي بين الأمرين كما
1) تفسير العياشي ذيل الآية: 144من سورة آل عمران.
مر بيانه من الروايات.
ولابد من الالتفات الى ان ملف آيات الشهادة هي منظومة شبكة واسعة جداً في القرآن، والذي مرّ ذكره منها هو البعض، وإلا فهي آيات عديدة جداً وكلها ذات صلةبالدائرة الاصطفائية الاولى والثانية لأهل البيت (علیهم السلام)، وهذه شبكة منظومة خطيرة، وهي شجرة نورية عظيمة في القرآن الكريم تتبين بتوسط منهاج أمومة ولاية أهل البيت (علیهم السلام) في تفسيره مما يبين حقائق القرآن، وقد مر التنبيه عليه مراراً.
وان ملاحم وأمهات محكمات القرآن بالغة الأهمية فلا تقتصر الأهمية على نهج التفسير الموضوعي او التفسير التجزيئي أو بحسب أسباب النزول، فهذه مناهج كلها متينة ونافعة، ولكن المنهج الجامع هو منهج التفسير بأمومة محكمات وملاحم القرآن بإشراف مقام الولاية لأهل البيت (علیهم السلام) على ما للقرآن من بنود، وبذلك يتضح المرام في الآيات، لا بالاقتصار على الأخذ بآية واحدة من سورة أو من سياق الجمل في الآية او من سياق آيات ليكون ذلك منتهى الحد في التفسير ولا تستحصل على المعنى المنظومي لحقائق القرآن.
فبملاحظة منهج روايات أهل البيت (علیهم السلام) في تفسير القرآن يُرى أنه يختلف عن منهج تفسير الآخرين وعن بقية المفسرين، إذ إطار تفسيرهم منظومي وشبكة نورية يبيّن المبحث المحوري كملف كامل، والمشجرة العظيمة في سور عديدة، سواء اتحد العنوان أو اختلف، كما في لفظ الشهادة حيث لم
يرد في آية سورة البراءة، وذلك لا يرتبط بالشهادة في الظاهر الابتدائي بتسالم الفريقين، وغيرها.
فليس هذا النهج كنمط التفسير الموضوعي فقط، بل يتناول عدة ملفات وفصول في بحث الشهادة، ويكون تفسيراً منظوماً نظامياً.
وقد روى الكليني في الكافي في بداية كتاب الجهاد عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن بكر بن صالح عن قاسم بن بريد عن ابي عمرو الزبيدي(1)عن ابي عبد الله (علیه السلام)، وطريق الرواية يمكن تحسينه، بل متنها قطعي الصدور فوق الحسن، لتضمنه براهين وآيات من العلم في الفقه والتفسير ما تتقاصر عنه قدرة البشر، أي تمتاز الرواية بـ (قوة المضمون) والمطابقة لأصول المذهب.
قال قلت له: «أخبرني عن الدعاء إلى الله والجهاد في سبيل الله أهو لقوم لا يحل إلا لهم ولا يقوم به إلا من كان منهم أم هو مباح لكل من وحّد الله عزّ وجل»(2).
حقيقة هذا السؤال عن ماذا؟
أخبرني عن الدعاء إلى الله والجهاد في سبيل الله، وقد مر بنا ان الجهاد في سبيل الله يطلق على جهاد الدعوة، وبعبارة عصرية هو اقامة رئاسة النظام
العالمي الموحد، وإدارته بالسيطرة على تدبيره، أما الدفاع فلا يُسمّى ولا يطلق عليه الجهاد كما في غالب وجلّ الآيات وروايات أهل البيت (علیهم السلام) وقد يطلق عليه الجهاد عند المدارس الأخرى، كما هو الحال في الدفاع عن المقدسات في مواجهة داعش البغاة يقال له دفاع وليس جهاداً.
نعم ورد في بعض الروايات إطلاقه على محاربة البغاة، ولكن عنوان الجهاد في الآيات وبيانات اهل البيت (علیهم السلام) ينصرف أو يختص بجهاد الدعوة، الذي هو بحسب اللغة العصرية ومنطق القانون الوضعي البشريكما مرّهو إقامة رئاسة النظام العالمي الموحد تحت رئاسة موحدة.
وقد اتفق علماء الامامية إلا من شذّ منهم ان الجهاد الابتدائي ليس هو من صلاحية الفقهاء والعلماء وانما هو من صلاحية المعصوم حصرياً «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ»(1)وقد مرّ أنها الأمة المصطفاة فالسؤال التفات جيد من قبل الراوي.
«أخبرني عن الدعاء الى الله والجهاد في سبيل الله أهو لقوم لا يحل إلا لهم، ولا يقوم به إلا من كان منهم، أم هو مباح لكل من وحّد الله عز وجل وآمن برسوله» فهل هو مباح لكل واحد ان يتقلّد ويتسلم هذا المقام الخطير؟ وخلفية الارتكاز للسؤال دالة على مدى بصيرة الراوي في الإيمان.
فسؤاله أن من تتوفر فيه شرائط معينة فله أن يدع إلى الله عز وجل والشأن ليس مجرد الدعوة باللسان بل الجهاد أمام العتاة والتجاذب في الصراع
1) سورة آل عمران، الآية: 104.
الطويل مع قوى الشر والظلم ولابد في ذلك من توفر صفات ومؤهلات وإلا لانتقض الغرض من الدعوة ولابد من الحكمة في خضم استعمال القوة والقدرة، كما لابد من الشجاعة في خضم التدبير الحكيم.
ما هي حقيقة الشهادة على الأعمال؟
وبدءً من كونها وصفاً واسماً من أسماء الله الحسنى كما في قوله تعالى: ﭐ ﱡﳋ ﳌ ﳍ ﱠ (1)فما أعظم الشهادة أن تكون اسماً من الأسماء الإلهية الحسنى (شهيد).
وذكر في دعاء (الجوشن)، (شاهد وشهيد ومشهود)، ومن بعد مقام هذا الاسم الإلهي يأتي مقام سيد الأنبياء كما في قوله تعالى : «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ...» (2).
وترسم سورة النحل مراتب وطبقات في مراتب الشهادة والبحث في صدد تبيانها، ولمعرفة الغاية والحكمة وراء إعطاء الدائرة الاصطفائية الثانية مقام الشهادة.
ومقام الشهادة بالمعنى الخاص لم يجعل للفقهاء ولا للرواة، ولم يجعل بنحو الخصوص للنواب الأربعة ولا لسلمان وأمثاله من الأولياء، بل جعل بشكلخاص ومتميز لله وللرسول وللدائرة الأولى من أهل البيت الأربعة
عشر معصوما (علیهم السلام)، ثم من بعدهم الدائرة الاصطفائية الثانية وللأنبياء، بشكل خاص، واما بشكل عام وبدرجات نازلة فإنها تشمل ثلة من الأوتاد والأبدال والفقهاء وكذلك المؤمنين لا كلّهم.
فما هو دور الشهادة الذي جُعِلَ بشكل قطعي وبنص القرآن لثلة من بني هاشم من الدائرة الاصطفائية الاولى كما ستتبيّن كيفية إثبات القُرْآن الكريم لوجود الدائرة الاصطفائية الثانية لثلّة غير الاربعة عشر معصوماً شهداء على أعمال العباد من بني هاشم فضلاً عن الروايات القطعية الموجودة لدى الفريقين الدالة على ذلك.
وهذا مقام لدور من أدوار الدائرة الاصطفائية الثانية وماهية شؤونهم، فليس دورهم يقرن بالرواة بل ولا الفقهاء بل إن دورهم هو الولاية والهداية والتربية للنفوس والعقول في عمق أرواح البشر والمخلوقات، كما سيتبين، فدورهم أولوي تربوي خطير داخل في الباطن والمعنى، ودور يصب في الهداية الولائية، وامتداد لهداية النبوة.
وفي سورة النحل قوله تعالى: «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ...» من كل أمة، تبين الآية طبقتين، طبقة دون سيد الأنبياء، كل أمة فيها شهيد، وهذه إحدى الخرائط والصور المرسومة للشهداء في سورة النحل وليست كاملة بل هناك سور أخرى تبين طبقات أخرى من مراتب الشهداء، وإذا أردنا ان نستجمع الصورة الكاملة أن لابد نتبع كل مجموع القرآن لكي يرسم لنا دور خطوط نظام منظومة الشهداء على الأعمال، ويوضّح ماهية
وحقيقة دورهم على نحو جليّ.
وان أعظم مقام الشهادة يستعرضه لنا القرآن الكريم بعد الله تعالى هو مقام النبي الاعظم (صلی الله علیه و آله و سلم)، ففي سورة الاحزاب قوله تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا»(1)تبين أن أولمقاماته الإصطفائية هو مقام (شاهدا) ثم مبشرا، وثم نذيرا، ثم قوله تعالى: «وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا»(2)، وهذه كلها مقامات لسيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم).
أَول مَقامٍ كَوْنُهُ (صلی الله علیه و آله و سلم)شاهداً، أي أن مقام الشهادة هو مقام عظيم، وهي اشارة معرفية في القرآن الكريم تبين أن دور الشهادة هو مقام ولاية وهو أعظم من دور الإنباء والبشارة والنذارة وإرسال الرسل، وأن دور الرسل في ظاهر السطح، كحجج ظاهرية وما يشبه ذلك والتعامل مع ظاهر الناس، وأما قوله تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا»، أي وليّاً ومربياً وهادياً للأرواح والقلوب والعقول «وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ»(3)، وكما يصف عددٌ من المحققين من علماء الامامية، ان دوره في هداية قافلة النفوس التي تسمى الهداية الولائية أي إيصال النفوس إلى منازل الكمال، وليست الهداية الانبائية وهي مجرد إراءة الطريق فقط.
والثلة الثانية من بني هاشم الدائرة الاصطفائية الثانية دورهم في مقام الشهادة تبع للطائفة الأولى وهم من اهل البيت وانهم قد اصطفوا، ومقام الشهادة بيان لدورهم العظيم، ولابد أن نلج في هذا الدور وماهية بنوده وملفاته وفصوله.
فسورة النحل ترسم أحد لوحات الشهداء على الاعمال، والشاهد على كل الشهداء هو سيد الأنبياء محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، فهو سيد السادات كما في النصوص عن اهل البيت (علیهم السلام).
وتنضم خريطة وصورة مراتب الشهداء في سورة الحج وهي تتضمن الخطاب لذرية إسماعيل قوله تعالى: «وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ»(1).
(ملة ابيكم) أي خاصة بذرية ابراهيم من نسل اسماعيل (أي ثلة خاصه من بني هاشم) وليس ابراهيم أباً لكل الامة الاسلامية، «هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ» (2)أي دعا لكم بتسمية وحيانية، وقد مر بنا هذا البحث مفصلاً، وان الإسلام الذي طلبه ابراهيم لذريته هو فوق درجة النبوة والرسالة وفوق درجة الإمامة العامة في الاصطفاء.
لأن إبراهيم واسماعيل دعوا الله عز وجل ان يجعلهما مسلمين وهو مقام خامس بعد درجة النبوة والرسالة والخلة الإمامة التي حازها النبي ابراهيم بطلب من الله كما في سورة البقرة له ولثلة متعاقبة سلسلة من ذريته من نسل اسماعيل، اي من بني هاشم ولسيد الانبياء، والذي ناله ابراهيم وذريته هو ان سماكم المسلمين، يعني درجة اصطفاء خاص علوي في درجات وطبقات الإمامة.
وغاية الاصطفاء الذي في الطائفة الاولى من آيات الدائرة الثانية وفي الطائفة الثانية من آيات اصطفاء الدائرة الثانية هو مقام الطائفة الثالثة وهو الشهادة، في قوله تعالى: «وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ»(1)، على ال(ناس)، وليس على خصوص أمتكم أمة الإسلام.
واللفظ في الآية لتكونوا شهداء على الناس وليس لتكونوا شهداء على أمتكم، ولفظة الناس شاملة لكل الناس من الأولين والأخرين عامة، نظيرخطاب القرآن بـ (يا أيها الناس)، ويتبين من القرآن من خلال لفظ (الناس) الأولين والآخرين، أن ذرية النبي إبراهيم من إسماعيل هي الثلة الوحيدة التي شهد لها القرآن أنهم شهداء على الأولين والآخرين والقرآن كتاب إلهي لحقائق وحيانية وليس كتاب بشر.
وكتاب الله تعالى الذي نزل على الحبيب المصطفى محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) يثبت ان لبني هاشم مقاماً خاصاً وهو مقام الشهادة على كل الناس من الأولين والآخرين
1) سورة الحج، الآية: 78.
ثم يأتي بعد ذلك دور الشهداء الذين يختصون بأممهم كما قال تعالى في ذكر الانبياء باستثناء الخاتم (صلی الله علیه و آله و سلم) «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ...» (1)وعن عيسى بن مريم في قوله تعالى: «...وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ...» (2).
فالنبي ابراهيم على نبينا وآله وعليه السلام كان حنيفاً مسلماً بالأصل كما في سورة آل عمران في قوله تعالى : «مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»(3).
أولاً: كان ابراهيم حنيفاً مسلماً، وثانياً: النبوة، وثالثاً: أعطاه بعد ذلك الرسالة، ورابعاً: بعد ذلك الخلة وخامساً: أعطاه الإمامة في قوله تعالى: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» (4)، ثم دعا لذريته بالإمامة، وسادساً: بعد ذلك دعا لنفسه ولابنه اسماعيل ولذريته بشيء أعظم وليس بالإمامة الاصطفائية بالدرجة المتوسطة، بل دعا لنفسه ولذريته ان يعطى مقام التسليم الذي هو اعظم من الإمامة الاصطفائية العامة، وهي مغايرة للدعوة والدعاء الأول الذي دعا به، أيبعدما أعطي الإمامة ودعا بها لذريته، وهذه البحوث قد تقدمت الإشارة إليها كما بينها اهل البيت فهي اشارات وحقائق عظيمة في القرآن دالة على ذلك.
وقد وردت الرواية عن الصادق (علیه السلام) «فجعفر وحمزة هما الشاهدان للأنبياء (علیهم السلام) بما بلغوا»(1)، وقول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لهما: «يا جعفر يا حمزة اذهبا واشهدا له أنه قد بلغ»(2)،
فهما يشهدان لنوح ولأولي العزم، (يشهدان) اي انهما في كيان المحكمة الإلهية يوم القيامة وباب الحساب والجزاء، يوثقان أداء ووفاء كل نبي ووفاء انبياء أولي العزم للمسؤولية، ومقام الذي يوثق منطقياً أعظم من الموثّق له، ولا يكون الموثِّق (بالكسر) برتبة الموثَّق (بالفتح) أو دون الموثَّق، وإلا لما حصل أمر زائد، بل لابد من أن يكون مصدر الموثِّق هو الاعلى رتبة.
فإذا كان شأن حمزة وجعفر أن يشهدا لأولي العزم مثل نوح ولكل نبي، كما هو مفاد رواية الكافي وأمثالها من روايات أخرى، والكليني أورد هذا المفاد وهو من أوتاد الشيعة ولا يعقل ان يودع رواية يخالف مضمونها أصول وقواعد المذهب ولا يعقل أنه لا يبتنى ذلك وليس ذلك مبنيا على كون كل روايات الكافي صحيحة، وانما نحن بصدد انه يستحيل أن يكون متن هذه الرواية شنيعاً والعياذ بالله ومع ذلك أوردها الكليني، والرواية لا تقتصر على الكليني فقط، بل لقد تداولها علماء رواة الامامية قبل قرون فقد رواها هو عن شيخه محمد بن يحيى العطار وهو من أعلام الطائفة وهو رواها عن شيخه إما أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري من زعماء علماء قم أو البرقي وهو الآخر من أعلام الطائفة وكذلك رويت عن جميل بن صالح الأسدي
وهو الثقة الوجه في الطائفة ومن أصحاب الصادق (علیه السلام) والكاظم (علیه السلام).
ويتساءل كيف يُعطى هذا الشأن لحمزة وجعفر وهل لهذا الشأن أصل في القرآن؟
إذ لابد من عرضه على محكمات الكتاب والسنة القطعية، وبملاحظة سورة البقرة وسورة الحج بل وسائر ما ورد من الآيات في أهل البيت (علیه السلام) التي تقدمت في الطوائف السابقة كما مر مفصلاً، يرى مطابقة مضمونه لما تؤصله هذه الطوائف من الآيات وما تذكره من الوصف لذرية اسماعيل من ابراهيم بوصف فوق مقام النبي ابراهيم، وهذا المفاد لآيات السورة ليس تخيلاً ولا تشهياً لعواطف بل حقائق معاني ألفاظ الآيات مقتضاها ذلك، كما هو أيضاً مفاد آية المودة ذلك الاختصاص ببني هاشم دون غيرهم من الأصفياء وكذا آية (أسكنت من ذريتي...تهوي إليهم)، وغيرها.
وهذه الخارطة والصورة التي يرسمها لنا القرآن الكريم ليست اعتباطاً او جزافاً؟ وانما هي حقائق ينبّهنا عليها وأن خارطة الأصفياء والرسل وغيرهم هي خارطة صورة منظومة كبيرة، وذلك إعداداً لما سيأتي من الفصل اللاحق من عالم الدنيا المسمى في الروايات الأولى والآخرة من الدنيا.
فضلاً عن العوالم اللاحقة فإن ما مرّ من عالم الدنيا أقل مما سيأتي من عُمْرِ الدنيا، المشار إليها في القرآن الكريم باسم العاقبة، وحسب تلك الروايات ان زمن الدنيا من بدايتها إلى زمان ظهور دولة محمد وآل محمد صلوات الله
عليهم هو خمس مدتها والباقي أربعة أخماس مدتها وعمرها.
وهذه العشرون بالمئة من عمر الدنيا الأول هي عبارة عن دورة تدريبية وروضة تمهيدية لترويض البشر، ثم سيأتي الباقي من عمر الدنيا، وهذه الخارطة والخرائط في منظومة الحجج التي يبينها القرآن الكريم لنا ليس اعتباطاً!
بل لأجل تحملنا المسؤولية في كيفية التعاطي مع الدولة الإلهية الآتية وسلسلة مراتب القادة فيها، ولا بد لنا ان نعرف المراتب والصلاحيات، التي تعطى لهم كما نعرف المراتب والصلاحيات للرئاسة العليا فيها ولما بعدها من المقامات.
ومعرفة الصلاحيات والمراتب للحجج المصطفين ضرورة لابد منها في التعامل مع الدولة الإلهية، نظير الأهمية والتحفظ البالغ الذي يوليه البشر في التعامل مع دولهم بعناية فائقة في معرفة ماهية صلاحيات رئيس الجمهورية، وصلاحية رئيس الوزراء ونائب رئيس الوزراء، وصلاحيات النواب.
لماذا يتعرف الجمهور والناس على صلاحيات النواب؟ وما الهدف من وراء ذلك؟ ولماذا يصر البشر على معرفة صلاحيات الدول مع بعضها البعض، أو صلاحيات مجلس الأمن، أو معرفة الأعضاء الدائمين وغير الدائمين، والحكمة في كل ذلك هو ضبط إدارة ومراقبة التفاعل مع النظام الدولي القائم على ذلك في إعطاء الأدوار والتعاطي معها.
بينما الجهل وعدم المعرفة يؤدي إلى انفلات المسؤوليات والهرج والفوضى، فمعرفة الصلاحيات والمقامات لذوي الشأن يضبط وينظم لكل فرد من افراد الامة معرفة بهوية المواطنة والعيش بأمن وأمان الحياة، بينما الحال والشأن بالنسبة إلى الدولة الإلهية أعظم نظماً من النظام البشري، وإذا كان في النظام البشري هذا المستوى من التدقيق وإذا كان هذا التعقيد والتشديد في التقنين للقوانين الوضعية وبهذا التصوير للأمور، فما ظنك بالحال في النظام الإلهي، والأمر ليس بفوضى ولا لعب فيه ولا عبث.
بل هو نظام أعظم من ذلك بكثير وأكثر، فالقرآن الكريم يرسم لنا موقعية ومرتبة الدائرة الاصطفائية الثانية في الحجج والأصفياء، فضلاً عن الدائرة الأولى لأئمة أهل البيت (علیهم السلام).
ومرّ بنا في آيات سورة البقرة أن مفادها شامل بنحو القطع لآباء النبي بلا ترديد، وكذلك عموم مفاد آيات سورة الحج، ومقتضى ذلك وجود نص قطعي من القرآن على أن في بني هاشم ثلة اصطفائية ثانية غير الأربعة عشر، منها قوله تعالى: «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ» (1)وكما في سورة الزخرف يصف دعاء النبي ابراهيم في قوله تعالى: «وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» (2)أي جعل الإمامة والوصاية أو إصطفاء الأمة المسلمة -وهي درجة تسليم إصطفائي عالٍ على الاصطفاء العامفي الإمامة الاصطفائية العامة -في سلسلة عقبه إلى يوم القيامة، من دون
انقطاع فيها، في كل سلسلة أولاد اسماعيل الذين كانوا آباء وأجداد النبي إلى عبد الله وأبي طالب هم من السلسلة الاصطفائية بنص القرآن الكريم.
ولهم درجة اصطفاء فوق إصطفاء نبوة بقية أولي العزم، ومن ثم وصفت هذه الأمة من الذرية في قوله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» (1)وهذا تنصيص من القرآن أن الأمة بدرجة التسليم الإصطفائي العالي التي هي محل دعوة إبراهيم وإسماعيل من ذريتهما هي خير أمة أخرجت للناس جميع الناس من الأولين والآخرين لا في خصوص المسلمين، وقد تبين أن دخول الدائرة الثانية الاصطفائية من أهل البيت (علیه السلام) قطعي في هذه الأمة من ذرية إبراهيم وإسماعيل، وهذه آية أخرى في سورة آل عمران دالة هي الأخرى على أفضلية اصطفاء أهل البيت (علیه السلام) -الشامل للدائرة الثانية - على سائر المصطفين من الأنبياء والمرسلين وأوصيائهم وكما نص القرآن في سورة البقرة على ذلك أيضاً، ونص على ذلك أيضاً في آية سورة الحج «...هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ» (2)، أن إبراهيم أبوهم وهو الذي سماهم في دعائه بالمسلمين
بدرجة تسليم اصطفائي طمع فيها النبي إبراهيم (علیه السلام) بعد نيله الإمامة العامة، ومن ثم وصفوا بأنهم شهداء على كل الناس وهذا مقام في الشهادة لم ينَلْهُ سوى سيد الأنبياء فوقهم، وهذا الترتيب هو الذي رسمه لنا القرآن الكريم.
ولا يسوغ لنا جحد ما في القرآن الكريم، وهذه السلسلة المنظومة بينها أهل البيت (علیهم السلام) في القرآن الكريم في روايات تبين مقام الإمامة وروايات أخرى تبيّن ما هو فوق مقام الإمامة الاصطفائية العامة وهذه هي درجة الاصطفاء التي اعطيت لبني هاشم، ويلاحظ الخطاب في سورة الحج «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» (1)خاصّاً لبني هاشم فقط، كما هم الذين خصهم الله بالإنذار في اول الدعوة الاسلامية كما في قوله تعالى: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (2)، وقد بين الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) للمصطفين من عشيرته المتمثلة بالدائرة الاصطفائية الأولى والثانية من بني هاشم أنهم قيادة في أعظم دولة إلهية وهي دولة سيد الأنبياء.
وهذه مسؤوليات خاصة بهم، ولقد قال سيد الانبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) لبني هاشم «بعثت إليكم بخاصة»(1)وهذا النص في مستفيض روايات الفريقين، أي إنه بعث إلى بني هاشم بمأمورية خاصة ولم يحظ بهذه البعثة إبراهيم ولا نوحولا موسى ولا عيسى، وإنما حظي بهذه المسؤولية العظيمة المصطفون من بني هاشم من الدائرة الأولى والثانية، وقد بعث لهم أعظم نبي في الوجود بمأمورية خاصة دون سائر العالمين، وقد رُوي ذلك عند العامة بشكل مستفيض، وكذلك في طرق الخاصة بنحو مستفيض أيضاً.
وهذا ليس غلواً ولا شططاً من القول بل هو مفاد الأدلة في الكتاب والسنة، وهي ذات مؤدى عظيم وتبيّن مدى دور الاصطفاء في بني هاشم الدائرة الأولى والدائرة الثانية، وخطبة سيد الأنبياء في يوم الدار «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» هي عين مفاد خطبة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في يوم الغدير بما تتضمن من أمور، وقد ذكر النبي في خطبة الغدير كّلاً من الدائرة الاصطفائية الأولى الاربعة عشر معصوماً، فاطمة والحسن والحسين وذكر المهدي بالاسم
1) تفسير ابن كثير: ج6، ص168، ينابيع المودة لذي القربى: ج1، ص272، نظم درر السمطين- الزرندي الحنفي: ج1، ص77، مسند أحمد: ج3، ص393، جامع الأحاديث لجلال الدين السيوطي: ج30، ص94، فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ج2، ص712، كنز العمال: ج12، ص148، مجمع الزوائد: ج8، ص532، شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، ج1، ص: 543، عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار، ص: 169، كشف الغمة- -في معرفة الأئمة، ج1، ص: 327، بحار الأنوار، ج38، ص: 343، سعد السعود للنفوس منضود، ص: 105، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج13، ص: 212.
من التسعة من ولد الحسين، كما قد ذكر حمزة وجعفر من الدائرة الاصطفائية الثانية.
ولا يخفى ان نسخ خطبة الغدير ليست واحدة، بل هي متون عديدة، وقد ذكر العلامة الأميني في (الغدير) أن أحد علماء العامة قد ألّف اثني عشر مجلداً في طرق ومتون خطبة الغدير وهو حفظ لهذا التراث وهذه ليست خطبة وحسب وانما هي نبراس عظيم لمسار الأمة.
وخطبة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في يوم الدار، في أوائل أيام الإسلام الأولى كما في بيانات أهل البيت صلوات الله عليهم هو عند نزول الآية الكريمة من قوله تعالى: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» وقوله تعالى: «فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ»(1)والآية الثانية وإن نزلت في الخطاب الإجهار بالرسالة أمام قريش، إلاّ أنّه لا ينافي نزولها في يوم الدار أيضاً لأن الآية الواحدةكانت تنزل عدة مرات، ولها في كل مرة أسباب للنزول، كما أشير إلى ذلك في زيارة الإمام الهادي لجده أمير المؤمنين (علیهم السلام) في يوم الغدير «فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ» أنها نزلت على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ان اصدع بولاية علي وولاية الدائرة الأولى من أهل البيت والثانية بعده للمصطفين من بني هاشم، ومفادها مثل ما نزل في يوم الغدير من قوله تعالى: «بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ...» والتهديد الذي نزل(2)
في قوله تعالى: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» هو على نمط التهديد من الله لسيد الانبياء في يوم الغدير إن لم يبلّغ ان علياً والدائرة الأولى خلفاؤه من بعده ومن الدائرة الاصطفائية الثانية أعوانهم ووزراؤهم كما في الروايات التي رواها الفريقان.
وأعظم الدول الإلهية هي دولة سيد الأنبياء، وكما أن ابراهيم له دولة اصطفائية هي دولة إبراهيم وآل إبراهيم، كما أشير إليها في قوله تعالى: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا» (1).
كذلك دولة موسى وآل موسى، كما أشير إليها في قوله تعالى: «وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (2).
حسب بيانات القرآن، وعنوان آل موسى يراد به دولة إلهية، وبيت اصطفائي، فعندما يرد لفظ آل موسى في القرآن، يراد به دولة اصطفائية، وليس المراد تعصبات عصبة قبائلية أو عشائرية وكذلك عنوان آل يعقوب «وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» (3).
أو عنوان آل عمران أو آل داود، كما في قوله تعالى: «يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ» (1).
فهذه بيوت ودول اصطفائية، وهذه الدول الاصطفائية بما فيها من رؤساء دولهم ابراهيم وموسى وعيسى وداود ويعقوب (علیهم السلام) هم في ظل الدولة الإلهية الكبرى دولة يس وآل يس ونظير موقعية أفراد الدائرة الثانية في دورهم وولايتهم ونفوذهم من بني هاشم هو نظير المدير العام في وزارة دولة عظمى حيث يكون نفوذه أعظم من نفوذ رئيس دولة وسطى في النظام البشري وهذا المفاد والمعنى منطقي وعقلائي يتفهمه العقلاء من البشر.
وهكذا الحال في بني هاشم عندما يخاطبهم سيد الانبياء في روايات متواترة عند الفريقين يوم الدار عند نزول قوله تعالى: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» «إنّ الله تعالى أرسلني إليكم يا بني هاشم خاصة»(2)وهذا الاختصاص على الرغم من وجود وحياة أربعة أنبياء إلياس، وإدريس، والخضر، وعيسى.
وهم مأمورون بإتباع سيد الانبياء ومأمورون ان يصلّوا بصلاة سيد الانبياء ومأمورون أن يتخذوا شريعة وملة سيد الانبياء ووليهم بعد رسول الله علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين وبقية الأئمة من الدائرة الأولى.
إذ لا يتوهم ان سيد الانبياء بعث للبشر خاصة دون الانبياء، بل بعثة سيد
الانبياء لكل الانبياء، الشامل للأنبياء الذين في البرزخ فهم مأمورون بالانقياد لسيد الانبياء وليست ولاية سيد الانبياء وشريعته ودينه مخصوصة بالأحياء في الأرض فقط.
إذ ان سيد الانبياء بعث لكافة المخلوقات ولكل الانبياء في كل العوالم، فقد بعث ليعلّم ابراهيم ويعلّم عيسى ويعلّم موسى، ومن ثم كان كتاب سيد الأنبياء مهيمناً على كل الكتب السماوية، (مهيمن) اي فيه علوم إلهية وحيانية إلهية لا يعلمها أولو العزم من قبل، فتعم بعثة النبي الاعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) جميع الانبياء وإن كانوا في البرزخ الآن.
كما أن كل ملائكة السماوات والأرضين مأمورون بالطاعة والانقياد إلى خليفة الله كما هو مفاد قوله تعالى: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» (1)، «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ» (2)شامل لجميع الملائكة وطبقاتهم سواء في الأرض أو في البرزخ أو في العوالم الفوقية الأخروية، كرضوان خازن الجنان الذي مكانه في السماء السابعة والذي بيده مقاليد الجنان الأبدية التي عرضها السماوات والارض بل وما فوق ذلك فلاحظ هذه الخارطة والمنظومة في القرآن الكريم التي بينها لنا اهل البيت (علیهم السلام).
مع أن الجنان في المراتب العليا وكذلك رضوان، وكذلك مالك ومكانه وموقعه ليس في الأرض ولا في السماء الأولى ولا الثانية ولا الثالثة.
بل الأمر بالسجود شامل عام -كما أوضح ذلك أهل البيت (علیهم السلام) في بيانات القرآنلرضوان ومالك واسرافيل وعزرائيل وميكائيل وجبرائيل وغيرهم من أصناف وطبقات الملائكة، كلهم كانوا مأمورين بالسجود لآدم، وذلك لأن في صلبه محمداً وآل محمد (علیهم السلام) كما في قوله تعالى: «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ...» (1)، وقوله تعالى: «إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ»(2)، وقوله تعالى: «فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ» (3)كلهم انقادوا له.
فإن كان الانبياء يبعثون لأممهم خاصة في حياتهم فرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بعث لسائر المخلوقات من الانس والجن والملائكة وبقية المخلوقات قال تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» (4)لم يبعث لأهل الأرض خاصة ولا لخصوص أهل البرزخ أو لأهل السماوات أو لأهل الجنان أو لأهل النيران، بل بعث رحمة للعالمين ولكل العالمين ولا تلتفت إلى ضيق الأفق الذي يصوّره جملة من كتب علم الكلام أو الكتب الفلسفية، إذ خارطة كتب الوحي عظيمة.
لا كما يظن بنظرة ساذجة للتلوث بظلمات الفكر المنحرف من القول إنّنا لا نحتاج إلى روايات أهل البيت، فإلى من يرجع هؤلاء؟
هل إلى محبوس أرضي وترابي وطيني؟ وأن يحبس في الأرض مع نتاج البشر فهذا شأنه، ومن الغفلة بمكان ان يرغب في المعلم البشري ويستخف بالمعلم الإلهي، وإذا كان الأمر بهذه السذاجة فالمصير هو التقاعس والتقوقع والحبس في نتاج الأرض، وهو نظير شعار منهج (حسبنا كتاب الله)، بينما المعلم الإلهي هو عين صافية، بخلاف كدورة النتاج البشري، والقرآن وإن كان عيناً صافية، لكن لابد من الهادي إلى هذه العين الصافية وهو المعلم الإلهي.
فبعثة سيد الأنبياء صلوات الله عليه ليست خاصة الى أهل الأرض فقط وإنما هي للعالمين كما في قوله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» فلم تكن بعثته لعالم واحد، بلللعالمين من الأولين والآخرين، وهذه المساحة المهولة العظيمة التي يهيمن عليها سيد الانبياء ولاية ورسالة في بعثة لأهل الدنيا ولأهل الآخرة وللحور العين في الجنان ولأهل النيران ولغيرهم، من بقية المخلوقات.
وفي ظل هذه البعثة العظيمة والمسؤولية العوالمية يؤمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من قبله تعالى أن يعقد مجلساً ومحفلاً خطيراً وعظيماً يذكر في قوله تعالى: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (1)وورد في روايات الفريقين المتواترة قول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)«بعثت إليكم يا بني هاشم خاصة»(2)وأكثر الروايات وردت بلفظ (بخاصة)
يعني لكم فقط (وبعثت إلى الناس بعامة) وهذا تخصيص عظيم لبني هاشم، أي الأمور العامة هي لكل الناس بما فيهم الأنبياء، ولكن أنتم يا بني هاشم لكم أمور خاصة.
وهذا التهويل والتعظيم لمكانة بني هاشم الاصطفائية كمعلم إلهي تشير إليه عدة سور منها سورة البقرة وسورة الحج، المتمثل بأهل البيت (علیهم السلام)، كما يشير إلى المعلم الإلهي سورة الواقعة: «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ» (1)مكنون يعني محفوظ في المراتب عليا «لَا يَمَسُّهُ» لا يصل إليه «إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» (2)فلاحظ هذا التصوير والرسم القرآني لمكانة القران أنه في مراتب العليا، وانه «لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» أي أهل البيت صلوات الله عليهم (أهل آية التطهير) و «تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (3)تصوير يؤكد علو مرتبة القرآن في الملكوت وأنه يتنزل «أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ» (4).
أي فهل تشكّ في هذا التصوير للحقيقة العلوية الملكوتية وأن بابها أهل البيت الموصوفون بالمطهرين، وأن رواياتهم عين صافية في بيان القرآن «وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ» الأخروي والأبدي «أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ»(5)بهذه الحقيقة وإذا كذبتم بأن اهل البيت (علیهم السلام) العين الصافية فإن مصيركم إلى النار، فهم العين الصافية للقرآن، وهم حقيقة واحدة مع القرآن ومن يكذب بذلك فمصيره إلى النار
«وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ» رزقكم الأبدي وهو مصيركم «أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ» أي تجعلونه الكذب بهذه الحقيقة بمعية الثقلين، وتلتبسون شعار حَسْبنا كتاب الله.
فلاحظ اختصاص الخطاب في القران الكريم في سورة الحج فقط لبني هاشم وهو قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ» (1)أي هؤلاء أنفسهم الذين يذكرهم الله على لسان إبراهيم في قوله تعالى: «رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ» وهؤلاء هم من ذرية إسماعيل وليسوا من ذرية إسحاق، «عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ» (2).
فلم يوجّه الخطاب القرآني في سورة الحج إلى النبي إبراهيم ولا في سورة إبراهيم «فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ» إلى يوسف أو إلى موسى أو إلى عيسى، وهذه مفاضلة أخرى قرآنية بين الدائرة الثانية الاصطفائية لأهل البيت وبقية أولي العزم، أليس موسى وعيسى ويعقوب ويوسف وزكريا ويحيى كلهم من آل إسحاق، فلماذا لم يجعلهم القران محوراً في الولاية والغاية في «تَهْوِي إِلَيْهِمْ» ولا ريب أن ذرية إبراهيم من إسماعيل من أهل البيت تشمل آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من الدائرة الثانية كما تشمل الدائرة الأولى.
وانما حصر «تَهْوِي إِلَيْهِمْ» الى الدائرة الاولى والثانية من بني هاشم فهم مركز عبادة الدين مثل أبي طالب وعبد الله وعبد المطلب، وهذا شأن عظيم لهم، ولاحظ كم عدد السور والآيات القرآنية التي تشير لهذا المقام العظيم من مفاضلة أهل البيت على بقية أولي العزم بما يشمل كّلًا من الدائرة الأولى الاصطفائية والثانية، وهذا المعنى يحتاج الى وقفة تأمل طويلة، ووقفة تدبر ممتدة عملاً بمنهج قوله تعالى: «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ»(1)ودُبْر الشيء: عواقبه، أي بدون أن تتأنى وتنظر في أعماق المعنى فإنك لا تراه في الوهلة الأولى، تراه إذا تأنّيت وتروّيت وسرحت النظر والفكر مليّاً، كما يوصي بذلك القرآن وأهل البيت.
الآية الكريمة في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (2)ليست التي تربط بين القتال في سبيل الله والشهادة حسب كلمات الفريقين، وهذه الآية في نصوص الفريقين ليست هي في صدد الجهاد الدفاعي أو الدفاع.
بل ان هذه الآية في خصوص الجهاد الابتدائي كما يسمى اصطلاحاً في علم الفقه، (خصوص جهاد الدعوة) وهذه الآية مفادها نظير الآية الكريمة في قوله تعالى: «وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ
وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا»(1).
فالقتال في سبيل الله في هذه الآيات المراد به الجهاد بالمعنى الأخص لا بالمعنى الأعم، أي الجهاد الابتدائي وهو في مصطلح علم الفقه يسمى (بجهاد الدعوة) أي جهاد الدعوة إلى الله ورسوله ودين الإسلام والإيمان، وتشريع الجهاد من الله، وهذا يعني أنه إعطاء صلاحية وسلطة لمن يدير هذا الملف أو هذا الباب، لإقامة نظام عالمي موحّد تحت ظل نظام عدالة دين الإسلام، وهو نوع من إعطاء الصلاحية والشرعية والسلطة والسلطنة والقدرة.
وقد مرّ بنا أنّ هذه الصلاحية كما هو متسالم عليه عند علماء الامامية -كافة إلا من شذّ -شأن خاص بصلاحيات الإمام المعصوم، إلا أنهم قدس الله أسرارهم لم ينبهوا على شرط آخر ذكرته الآية والروايات وهو لزوم وضرورة وجود الدائرة الثانية في قيام الإمام المعصوم بمسؤولية جهاد الدعوة الجهاد الابتدائي وهو النظام العالمي العادل الموحد.
1) سورة النساء، الآية: 75.
فهذا المقام في آيات الجهاد في سبيل الله -الذي هو جهاد الدعوة إلى الله ودين الله ورسوله والإيمان -هو مقام قيادة جميع البشر، وبعبارة أخرى هو مقام إمامة البشر، اي الخلافة في كافة أرجاء الأرض.
وفي الرواية التي ينقلها الكليني في الكافي(1)عن أبي عمر الزبيري عن الإمام الصادق حيث بيّن بالبرهان القرآني والعقلي أَنّ مِثل قيادة هذا المقام، لا يمكن أن تُعطى إلى من يرتكب معصية، ولا تُعطى إلى من يمكن في حقه وقوع المعصية.
وانّما تُعطى إلى المعصوم الطاهر المطهر الذي اصطفاه الله عز وجل بالعلم اللدني،
والذي له أهلية أن يستلم صلاحية، قيادة النظام العالمي الموحد في الأرض. وقد ذهبت الروايات الكثيرة في الكافي وفي غيره الصحيحة السند والموثقة والمعتبرة إلى أبعد من هذا أي الى شرط ثانٍ أيضاً ولم تكتف بهذا الشرط من أن هذا المقام لا يعطى إلا إلى شخص معصوم وحسب، وإنما تضيف شرطاً آخر.
وهو ضرورة وجود الطاقم القيادي الوزاري المؤازر مع هذا الإمام المعصوم مع وصف كونهم مصطفين معصومين ومن أفراد الدائرة الاصطفائية الثانية.
1) الكافي الشريف: ج5، ص13.
وقد روى الكليني في كتابه الكافي موثقة سماعة عن ابي عبد الله (علیه السلام) قال: لقى عباد البصري(1)علي بن الحسين في طريق مكة فقال له يا علي بن الحسين تركت الجهاد وخشونته ولزمت الحج ولينه، إن الله عز وجل يقول: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ» - والذي هو جهاد الدعوة - فقال له علي بن الحسين: أتم الآية، فقال: «التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ»(2).
فقال علي بن الحسين - وهو الإمام المعصوم المطهر من الدائرة الأولى لأهل آية التطهير -إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحج»(3).
وجواب الإمام علي بن الحسين (علیه السلام) بالغ الأهمية حيث يبين (علیه السلام) دلالة الآية على شرطين للقيام بالجهاد الابتدائي أولهما الإمام المعصوم (علیه السلام) والثاني توفر وجود الدائرة الثانية فذكر أن سبب عدم القيام بمشروع النظام العالمي الموحد (الجهاد الابتدائي) هو عدم توفر أفراد الدائرة الثانية.
وكذلك يدل على الشرطين آية «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» نظير ابتداء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) دعوته بعشيرته الأقربين وأنه لابد منهم وبعث إليهم بخاصة، ثم تقوم بهم الدعوة العامة، ونظير قول أمير المؤمنين (علیه السلام) (أن حمزة وجعفراً لو كانا حيّين لما غُصب حقي ولما انحرفت الأمة)(1).
وقد مرّ بنا معنى (الحافظون لحدود الله) الدال على العصمة إذ لا يمكن للإنسان أن يحفظ كل حدود الله إلا إذا كان معصوماً وكان لديه علم لدنّي وعصمة علمية وعملية، إذ هناك فرق كبير بين عدم المعصية وبين عدم المخالفة والحفظ لحكم حدود الله تعالى، فإن الأول يدور مدار عدم مخالفة ما علم من الأحكام وموضوعاتها، بخلاف الثاني فإنه عدم ارتكاب المخالفة بحسب الواقع بما هو هو وهو يتوقف على العلم اللدني الإحاطي.
وهذا مقتضاه أن المجتهد الفقيه العادل في علم الله تعالى ليس من قدرته أن يكون حافظاً لجميع حدود الله لأنّه يحتاج الى عصمة علمية، ولا تكون عصمة علمية في غير المعصوم (علیه السلام)، إذ الذي لا يكون مسدداً في العلم فضلاً عن العمل، وإن كان عادلاً بحسن الظاهر ورعا ومن أهل التقوى واليقين إلا أنه ليست من قدرته أن يكون حافظاً لجميع حدود الله.
وهذه الآية هي من عمدة آيات الجهاد الابتدائي (جهاد الدعوة) أي إقامة النظام العالمي الموحد تحت ظل عدل وعدالة الاسلام، ولو تأملنا الآية
1) لقد ورد بلفظ آخر وهو ما روي عنه (علیه السلام) أنه قال في تلك الأيام: «لو كان حمزة وجعفر حيين لما طمع في هذا الأمر أحد...». الصوارم المهرقة، ص: 73.
الكريمة فنلاحظ انها تخاطب جمعاً وثلة خاصة كما هو الحال في كلام علي بن الحسين (علیه السلام) قال: «إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحج»، وأين هؤلاء؟ وهو يشير إلى ضرورة الشرطين والمعية بين المعصوم وهذا الطاقم الذي له هذه المواصفات.
وفي أصول القواعد العقائدية لمدرسة أهل البيت (علیهم السلام) أن الإمام الثاني عشر عجل الله تعالى فرجه الشريف أو الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم لا ينهضون إلا بثلاثمائة وثلاثة عشر، ولكن مفاد هذه الآية يضيف شرطاً أهم وهو أن هذا العدد لا يكفي.
إذ هو بنيان لنظام الدولة الإلهية بأفراد القسم السادس والسابع من الحجج بينما لا يتشكل البنيان إلا بالقسم الخامس وهم أفراد الدائرة الاصطفائية الثانية فضلاً عن الأولى.
كما هو الحال في سنّة الله تعالى ورسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) حيث نهض قبل بالدعوة إلى سبيل الله بدأ يشكل البذرة الاولى لنظام الإسلام في مكة المكرمة ثم في المدينة المنورة، وأول عمل قام به في أوائل أيام البعثة هو الدعوة لأبناء عشيرته المقربين ورهطهالمخلصين فنزلت عليه الآية قوله تعالى: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الْأَقْرَبِينَ» «ورهطك منهم المخلصين»(1).
وقد مر في حديث الدار بنا مراراً وتكراراً روايات الفريقين لحديث سيد الأنبياء أنه استنهض بني هاشم قال (صلی الله علیه و آله و سلم) «يا بني عبد المطلب لتقومن وإلا فليذهبن به غيركم»(2)فقام أمير المؤمنين، وبالتالي ارتضى أبو طالب ما جرى في ذلك المحفل وارتضى حمزة وجعفر الطيار وغيرهم من بني هاشم، بل تقدم في الدليل الأول أن وجود الدائرة الاصطفائية الثانية سنّة الله في بيوتات جميع الأنبياء فلم يبعث نبياً إلا وله وزراء ووارث من الدائرة الاصطفائية الأولى من أهل بيته ومن الدائرة الاصطفائية الثانية من أهل بيته أيضاً، وما قوله تعالى: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» ورهطك المخلصين، إلا إقامة لهذه السنّة الإلهية وهي استوزار الدائرتين الأولى والثانية الاصطفائيتين مع اختلاف الدرجة والاستنصار بهما.
فشرط الدعوة الإلهية كسنّة إلهية جارية في كل الأنبياء هو وجود الشجرة الاصطفائية أي كلٌّ من الدائرة الاصطفائية الأولى والدائرة الاصطفائية الثانية من أهل بيته وشجرته الاصطفائية كما يشير إليه قوله تعالى: «وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا» (3).
إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»(1)، فإن سارة بنت خالة إبراهيم (علیه السلام).
وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (2)، والآيات الواردة في الذرية «وَمِنْ ذُرِّيَّتِي» (3)، والآيات الواردة في «آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ» (4)و «وَآلَ إِبْرَاهِيمَ» (5)و «آلِ يَعْقُوبَ» (6)، و «آلَ دَاوُودَ» (7)و «آلَ لُوطٍ» (8)وغيرها من الآيات الواردة في آل وبيوتات الأنبياء كأم موسى وأخته وعموم «وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ» (9).
وأن علم الكتاب وراثة اصطفائية في بيوتات الأنبياء «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا» (10).
وغيرها من آيات القربى أيضاً وآيات بيوت الأنبياء وأهل البيت، كل تلك الطوائف من الآيات دالة على أن الشرط والسنّة الإلهية في أي رسالة ودعوة إلهية قائمة على الدائرتين الاصطفائيتين من بيت ذلك النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)،
1) سورة هود، الآية: 73.
2) آل عمران، الآيتان: 33-34.
3) سورة البقرة، الآية: 124.
4) سورة البقرة، الآية: 248.
5) سورة آل عمران، الآية: 33.
6) سورة يوسف، الآية: 6. سورة مريم، الآية: 6.
7) سورة سبأ، الآية: 13.
8) سورة الحجر، الآية: 59-61. سورة النمل، الآية: 56، سورة القمر، الآية: 34.
9) سورة الأحزاب، الآية: 6.
10) سورة فاطر، الآية: 32.
ومن بيوتات الأنبياء وأن هذا الشرط من الأقسام الخمسة أقوم ركنية في الدعوة الإلهية من القسمين السادس والسابع فضلاً عن الثامن وإن كان للأقسام الثلاثة أو الأربعة اللاحقة دور وأهمية، أي فالدائرتان الاصطفائية الأولى والثانية من أهل البيت مقدمة خطورة على عدة (313).
ويشير إلى ذلك قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يوم الدار عند نزول آية الإنذار: «يا بني عبد المطلب إنه لم يبعث الله نبياً إلا جعل له من أهله أخاً ووزيراً ووصياً وخليفة في أهله، فمن يقوم منكم...»(1)، وقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): «يا بني عبد المطلب كونوا في الإسلام رؤوساً ولا تكونوا أذناباً، فمن يبايعني على أن يكون أخي ووزيري ووصيي...»(2)، وكذا قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) في أكثر طرق حديث يوم الدار: «يا بني عبد المطلب إني بعثت إليكم بخاصة وإلى الناس بعامة»(3).
وقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): «إن الله أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين وأنتم عشيرتي ورهطي، وإن الله لم يبعث نبياً إلا وجعل له من أهله أخاً ووزيراً ووارثاً ووصياً وخليفة في أهله... ليقومن قائمكم أو ليكونن في غيركم ثم لتندمن»(4).
فيلاحظ من ذلك كيفية تكوّن بنيان نظام الدولة الإلهية ونفس المعادلة الحقيقية -لموازنة بنيان النظام التي بينها النبي في آية «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» وفي حديث يوم الدار المتواتر عند الفريقين -وهي أن المعصوم ولوكان سيد
الأنبياء وأعظمهم، فإنه لا يقوم في بدء دعوته إلا بطاقم قيادي اصطفائي من نفس البيت النبوي ومن شجرة بني هاشم، فكما هو حال سيد الأنبياء هكذا فكذلك الحال في سيد الأوصياء وبقية الأئمة (علیهم السلام) كذلك.
وبملاحظة حياة الإمام الحسن وكذلك في سيرة سيد الشهداء، أول من خصّ في دعوته إلى كربلاء -بني هاشم فقد دعا عبد الله بن جعفر الطيار ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس وغيرهم ودعا أبا الفضل العباس وعلياً الأكبر وغيرهم من بني هاشم (علیهم السلام).
فكان في كربلاء طاقم اصطفائي من أفراد الدائرة الثانية أحاطوا بسيد الشهداء، أمثال مسلم بن عقيل الذي قال عنه الإمام الحسين (علیه السلام) «أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي»(1)،
وتقدم في الملاحق ذكر الروايات في اصطفاء الشهداء من بني هاشم في كربلاء والتدبر والتأمل في العبارة «أخي... ثقتي من أهل بيتي» من أهل بيت الحسين لا زوجاته بل نسله الإصطفائي الطاهر
وأرحامه الأقربين من بني هاشم فوصفه أنه من أهل البيت أي من الدائرة الاصطفائية الثانية.
فإذا كان مسلم بن عقيل ثقة الحسين من أهل بيته المطهرين فأي مقام اصطفائي لمسلم بن عقيل؟ وقد أسند سيد الشهداء سلام الله عليه زمام الأمور لمسلم بن عقيل، ولم يسنده إلى أحد آخر، وكذلك رئاسة معسكره
1) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب: ج3، ص242.
لحامل الراية أسندها لأبي الفضل العباس (علیه السلام).
رغم وجود حبيب بن مظاهر الأسدي الذي كان عنده علم البلايا والمنايا والذي كان عالماً بالقرآن وحافظاً له الذي كان نظيراً لميثم التمار، ورشيد الهجري، مع تفاضل بينهم، وعلم المنايا والبلايا من العلوم اللدنية، فبالرغم من وجود حبيب بن مظاهر الاسدي ذي العلم اللدني - أي أنه من القسم السادس من الحجج المتقدم على السابع من جهة - لم يسند سيد الشهداء إليه رئاسة معسكره وإدارته العسكرية، ولا إلى برير بن خضير مع أنه من أورع وأفقه القراء في الكوفة، ولم يسلمها الى الشجاع الباسل زهير بن القين، وغيرهم من نجوم أفراد كربلاء، ولم يسند الإدارة العسكرية الى كل هؤلاء الفقهاء الابطال البواسل وإنما أسندها إلى أبي الفضل العباس وعلي الأكبر (علیهما السلام)، في جملة من الأمور.
فيتبين أن إمامة كل إمام صلوات الله عليهم فيما يقوم به من جهاد الدعوة أو الدعوة الإلهية لابد أن تحيط به دائرة اصطفائية ثانية.
كما هو الحال أيضاً في الإمام الثاني عشر الحجة بن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجه الشريف بحسب الروايات الواردة، التي يظهر منها ان الحسني من الشجرة الاصطفائية للدائرة الثانية لأهل البيت لا من يدعي أنه الحسني من الأدعياء والدجلة فما أكثر الدجالين الأدعياء في زماننا وانما المقصود هو بعد ظهور الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف أي الحسني الذي هو المصداق الحقيقي وليس المصداق المزيّف، فالمصاديق المزيفة
للحسني كثيرة ما شاء الله، وكذلك اليماني، وما أكثر المصاديق المزيفة المرتبطة بالدوائر الاستعمارية والمرتبطة بدوائر المال والقدرة لاستخبارات الدول العظمى وخروج الحسني بعد العلامات الحتمية للظهور والصيحة في السماء. وإذا كان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في بدء انطلاقته بالدعوة يحتاج الى طاقم اصطفائي وهي سنّة الله الجارية في الرسالات السماوية والدعوة الإلهية فكيف بالأئمة الاثني عشر (علیهم السلام).
فلا يقوم الأئمة بدور الدعوة إلى سبيل الله والجهاد الابتدائي وتوحيد النظام العالمي إلا بطاقم الدائرة الاصطفائية الثانية، وهذا البيان الذي ذكرته الآيات والروايات مطابق للبرهان العقلي الذي ذكرناه من أن مثل سلمان ولقمان ومثل النواب الأربعةفضلاً عن الفقهاء والعلماء النواب العامين لا يسدّون الكفاية في مشروع الإمام المعصوم إلا مع وجود حلقة الدائرة الاصطفائية الثانية.
فلاحظ طاقم سيد الأنبياء من الدائرة الثانية كأبي طالب وجعفر وحمزة وخديجة وغيرهم فضلاً عن الدائرة الأولى كأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين)، وقد باهل سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) في يوم المباهلة؟ بأفراد الدائرة الأولى، هذا مع وجود أفراد الدائرة الثانية كفاطمة بنت أسد.
فهذا دال على انه جملة من المهمات والمسؤوليات العظيمة في الرسالة والدعوة الإلهية لا يقوم بها إلا الدائرة الأولى وجملة أخرى دون ذلك يقوم بها كلا الدائرتين، كما هو دال على ضرورة اكتناف الدائرة الاصطفائية الأولى
بالدائرة الاصطفائية الثانية من أهل البيت كي يقوموا بعهدة الأمر الإلهي، وببقية المأموريات الإلهية.
وهذه العبارة المستفيضة التي مرت بنا مراراً في طرق جمهور العامة وفي طرق مدرسة أهل البيت في يوم الدار في قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) «بعثت إليكم يا بني هاشم بخاصة»، أي قد كلّف بنو هاشم بأمور، ومسؤوليات ومأموريات قيادية خاصة لا يقوم به غيرهم، ومع «سلمان منا أهل البيت»(1)وهو يغاير الوصف (من أهل البيت) كما مر، إلا أنه لا يقوم بها، ورغم وجود أبي ذر أنعم به وأكرم فإنه لا يقوم بها، ورغم وجود المقداد فانه لا يقوم بها، ومع وجود عمار فإنه لا يقوم بها، وإنما يقوم بها بنو هاشم خاصة فقط كما أشار أمير المؤمنين أنه لو بقي له حمزة وجعفر لما غصب حقه ولما انحرفت الأمة، فلم يذكر أي واحد من الشهداء في بدر ولا أحد ولا حنين ولا في غيرها بل خصّ ذلك بحمزة وجعفر وأنهما لو بقيا لاستقامت الأمة على الحق، وهذا مما يبين أهمية دور الدائرة الاصطفائية الثانية لأهل البيت (علیهم السلام) في استقامة الأمة.
ولاحظ الآية الكريمة لم تذكر (وأنذر صحبك المخلصين غير المنافقين)، لأن في الصحابة مخلصين ومنافقين، وفيهم من يبدّل ويحدث في الدين ما ليس فيه، وإنماحصرت الآية «وَأَنْذِرْ» «عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» وليس لفظها (القربى)، وانما «الْأَقْرَبِينَ»، هم أقرب من القربى، وهذه خاصة في
1) روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: لمحمد تقي المجلسي: ج5، ص476.
القربى، وكما في قراءة عدة من القراء العشرة (ورهطك المخلصين).
وهذه حقيقة واضحة في القرآن الكريم، ان الدعوة إلى دين الله والدعوة إلى المشروع الإلهي سواء في إطار الجهاد الابتدائي (جهاد الدعوة وإقامة النظام العالمي) أو أصل الدعوة إلى الله كما فعل ذلك رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في البدء للدعوة التي قام بها، أنّه لا يمكن أن ينهض الإمام المعصوم من الدائرة الاولى بهذه الدعوة بمفرده، الا أن يكتنفه من الدائرة الثانية من يؤازره ويناصره ويعينه ويناصحه، وهو تنصيص ألفاظ الحديث النبوي المتواتر المروي في يوم الدار الذي يحمل معاني عظيمة لمبحثنا في الدائرة الاصطفائية الثانية، ومن ههنا نفهم الألفاظ الواردة في زيارة أبي الفضل العباس (علیه السلام) أنها اختصاص اصطفائي بدرجة لدنية.
وفي الرواية المعتبرة التي يرويها الكليني في كتاب الكافي عن أبي بصير عن أبي جعفر قال: تلوت «التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ» فقال الباقر له: «لا، اقرأ التائبين العابدين...»(1)فسأل عن علته في ذلك فقال: «اشترى من المؤمنين التائبين العابدين»(2).
وفي قراءة أهل البيت (علیهم السلام) ربط الآية اللاحقة بالآية السابقة من سورة البراءة التي تبين من هم الذين اشترى الله عز وجل منهم ومن هم الذين أعطاهم صلاحية جهاد الدعوة وإقامة مشروع النظام العالمي الموحد، وهم (التائبين العابدين الحامدين السائحين الراكعين الساجدين الآمرين بالمعروف
والناهين عن المنكر والحافظين لحدود الله وبشر المؤمنين) وهذه الأوصاف لا يمكن ان تنطبق على أحد يحفظ كل حدود الله إلا من كان عنده اصطفاء.
وفي الكافي موثقة أخرى لسماعة عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث يذكر الإمام «مَن أخذ سارقاً فعفا عنه فذاك له»(1)(في قضية حد السرقة) فإن رفع إلى الإمام قطعه، «فإن قال الذي سرق منه» أنا أهب له لم يدعه الإمام حتى يقطعه إذا رفع إليه، وإنما الهبة (من المسروق للسارق) قبل ان يرفع إلى الإمام وذلك قول الله عز وجل «وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ» فإذا انتهى الحد إلى الإمام فليس لأحد أن يتركه»(2).
ومعنى الحافظين في مفاد الرواية أنهم يقيمون حدود الله، وبهذا المعنى للحافظ هو وصف عظيم جداً فإن مقتضى هذا المعنى لا يقتصر على عصمة في العلم والعمل فقط، بل هناك شيء آخر يفهم من قوله تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» (3)، التي استدل بها علماء المسلمين على أن هناك ضماناً إلهيّاً على بقاء القرآن محفوظا.
ومعنى حفظ القرآن هو أن القرآن لا يرفع من على وجه الأرض بصفته الوحيانية مع وجود المعصوم، والإمام المعصوم يقوم بحفظ وحيانيته لأن
عنده زيادة على العصمة في العلم والعصمة في العمل لديه ولاية وقدرة تكوينية، في إبقاء القرآن محفوظاً على وجه الأرض، ولا يستطيع الظالمون والحكام الجائرون وكل الحكومات والمجموعات الباطلة والضالة أن تزيل القرآن عن صفته الوحيانية على وجه الأرض.
وهذه القدرة، هي قدرة سلطة تكوينية «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ»، اي إنزال تكويني وحياني «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» ولا يخفى ان القرآن لم يقل (انا أنزلنا القرآن وانا له لحافظون) فلماذا لم يأت بلفظ (القرآن) بل لفظ (الذكر) (أنزلنا القرآن)؟ بل قال «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» والذكر هو كل أنواع الوحي وأن كل الوحي الإلهي الذي نزل سواء الذي نزل بصورة القرآن أو بصورة الحديث القدسي أو بصورة الحديث النبوي أو بصورة حديث المعصومين كل هذا الوحي بأنواعه وأقسامه هناك ضمانة إلهية على حفظه، ولا يقتصر الضمان في الحفظ على القرآن الكريم بل كل أنواع الوحي، الذي نزل وتنزّل هناك ضمانة لحفظه.
فهناك ضمان إلهي في ان تبقى المحكمات في الحديث النبوي وحديث المعصومين ولا يستطيع المبطلون والوضّاعون والمحرّفون أن يزعزعوا وان يزيحوا محكمات حديثهم، ولا مجال لذي شبهة وذي فتنة أن يطعن في الحديث
النبوي ويتاركه، أو ان يطعن في حديث المعصومين ويتاركه تحت ذريعة الوضع أو الدس، لأن هناك وعداً الهياً وضماناً بحفظ محكمات الحديث النبوي ومحكمات حديث المعصومين، ولا يمكن أن يتزعزع ولا يتزلزل كما في نصّ الآية من القرآن الكريم.
وإلى هذا المعنى من الحفظ الاشارة فيما ورد عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «من حفظ على أمتي أربعين حديثاً، بعثه الله يوم القيامة فقيها عالماً»(1).
ولم يقل (صلی الله علیه و آله و سلم) في الحديث الشريف (حفظ لأمتي) وإنما (من حفظ على أمتي)، واستظهر أن المراد في (من حفظ على أمتي) يعني أقام السنة المطلوبة في أربعين حديثاً في حياة الأمة وممارسة بناء الهوية، في أربعين أمر إلهياً، وفي اربعين محوراً من الدين، (حفظ على أمتي) يعني بنى هذه السنن في الأمة، وشيّد ما هو المطلوب في أربعين حديثاً في عمل الأمة.
فالحفظ هنا بمعنى الإقامة للدين، مثل قوله تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» أي لإقامة الذكر على وجه الأرض وانه لا يزول، فقوله تعالى: «وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ» (2)يعني انهم يقيمون حدود الله، فهؤلاء المنعوتون في آية القتال في سبيل الله -لا يقتصرون على عصمة في العلم وفي العمل فحسب، بل لديهم قدرة اصطفائية على إقامة دين الله، وهذا ليس له مصداق إلا في الشجرة المصطفاة من بني هاشم.
وهذا مقتضاه أن مرتبة النواب الخاصين ودورهم كسلمان وأبي ذر والنواب الأربعة وغيرهم فضلاً عن النواب العامين من الفقهاء والعلماء لا يسدّ مسدّ
الدور الذي يقوم به أفراد الدائرة الاصطفائية الثانية، مع إخلاص سلمان وأبي ذر وحبيب بن مظاهر وميثم التمار، وعلمهم اللدني، فقد ورد في سلمان «إن سلماناً أوتي حكمة أعظم من حكمة لقمان»(1).
مع ان حكمة لقمان قد عقدت لها سورة في القرآن الكريم وهي شيء يسير في حكمة سلمان كما في الروايات، فما هي حكمة سلمان؟ وأين لقمان من سلمان، وأين من يعتضد به النبي داود بمن يعتضد به سيد الأنبياء وسيد الأوصياء؟ فهناك فرق كبير، وأين داوود من سيد الأنبياء وسلمان له موقع آخر.
ومع كل هذا الشأن لسلمان العظيم فإنه لا يسد مسدّ أفراد الدائرة الثانية الاصطفائية كما قال النبي في يوم الدار فيما أوصاه رب العزة «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»وقول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) «ليقومن قائمكم أو ليكونن من غيركم»، ثم أعاد الكلام ثلاث مرات فقام علي فبايعه وأجابه)(2).
فدور الدائرة الاصطفائية هو دور تالي يلي دور الدائرة الأولى، لا يسد مسده أحد إلاّ المصطفون من شجرة بني هاشم.
وقد تقدم موثق سماعة: عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث اعتراض عباد البصري على علي بن الحسينصلوات الله عليهمافي ترك الجهاد. .. وتلا آية القتال في سبيل الله فقال علي بن الحسين (علیهما السلام): «إذا رأينا هؤلاءيعني الدائرة
الاصطفائية الثانية التي لابد من وجودها -الذين هذه صفتهم، فالجهاد معهم أفضل من الحج»(1).
فلا يكفي في المشروع الإلهي وجود الثلاثمائة وثلاثة عشر فقط بل، لابد أيضاً من وجود مسلم بن عقيل، ولابد من وجود أبي الفضل العباس وعلي الأكبر والعقيلة زينب ورقية (علیهم السلام).
يقول الإمام السجاد (علیه السلام): «إذا رأيت هؤلاء فعند ذلك هم الذين يشتري منهم أنفسهم وأموالهم»، ومثلها معتبرة أبي بصير عن ابي جعفر (علیه السلام) -المتقدمة في ذيلها -ثم قال: «إذا رأيت هؤلاء فعند ذلك هم الذين يشترى منهم أنفسهم وأموالهم يعني في الرجعة»(2).
فدور أئمة أهل البيت (علیهم السلام) الأئمة الاثني عشر وانهم هم المهديون الاثنا عشر في الرجعة، يقيمون دولة الحق المهدوية وهو مقام الرجعة للأئمة الاثني عشر، وسيد الأوصياء هو مركز محور الرجعة، وأول من يرجع سيد الشهداء، ثم يليه سيد الأوصياء ثم البقية من الأئمة الاثني عشر، لكن هذه الدول تؤسس في الرجعة لأهل البيت برجوع المصطفين من أفراد الدائرة الثانية الاصطفائية، وهذا بنص الآيات العديدة المتقدمة الاشارة إليها والروايات المستفيضة كمعتبرة أبي بصير المتقدم وموثق سماعة وغيرها، لأن مشروع دولة الظهور ودولة الرجعة، مشروع إلهي لإقامة النظام العالمي الموحد، وفي هذا المشروع الإلهي
يتقوم ويشترط فيه أن يكتنف الإمام المعصوم بالدائرة الاصطفائية الثانية.
وقد وردت عدة روايات في مختصر بصائر الدرجات مستفيضة عن أهل البيت تفسر آية القتل في سبيل الله بالرجعة، لأن هذه الآية عبارة عن جهاد الدعوة (الجهاد الابتدائي) وإقامة النظام العالمي الموحد، وأول من يقيمه الإمام الثاني عشر، ثم من بعده رجعة أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم، فقال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ...» (1)وهي في إقامة دولة العدل العالمية، والمشروع الإلهي الكبير، حيث يشترط فيه وجود (التائبين العابدين الحامدين السائحين الراكعين الساجدين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والحافظين لحدود الله وبشر المؤمنين)، اي الدائرة الاصطفائية الثانية.
وهو مفاد حديث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في يوم الدار أنه قال «لم يبعث الله نبيا» يعني المشروع الإلهي، «إلا وجعل له من خاصة أهل بيته»(2)
يعني المصطفين منهم «وزراء» ليس وزيراً واحداً، في بعض الروايات «وزير» وفي البعض الآخر «وزراء»، «وأعواناً وأنصاراً» وهم الدائرة الاصطفائية الثانية علاوة على الدائرة الاصطفائية الأولى.
وهذه الروايات في بصائر الدرجات وكذلك عدة من الروايات في
تفسير العياشي في ذيل الآية، التي فسرها الإمام الصادق (علیه السلام) بالرجعة، وهناك روايات عديدة أخرى في ذيل هذه الآية تُفَسِّرُها بأخذ هذا العهد والصفقة في عالم الميثاق لكن العمل في الرجعة، وهو عبارة أخرى عن مشروع الدولة، وإقامة دولة العدل الإلهي العالمية والنظام العالمي الموحد وهذا هو معنى الجهاد الابتدائي.
وفي رواية تفسير العياشي تأويلها بالأئمة وهذا لا ينافي كما مرّ لأن دور الدائرة الثانية ظل وتبع للدائرة الأولى.
فالجهاد الابتدائي (النظام العالمي بالعدل والقسط) تتوقف إقامته على المعصوم الذي يمثل المحور والمركز الذي تُحيط به الدائرة الاصطفائية الثانية وكان امير المؤمنين يقرأ هذه الآية دائماً عند ابتداء أي حرب.
فهذه الآية الكريمة في صدد بيان الطاقم القيادي للمعصوم وبملاحظة جوّ هذه الآية في الشهادة والقتل في سبيل الله، وبهذه القرائن يتطابق مفادها مع هندسة وجوّ الطائفة الأولى من الآيات التي مرت بنا في الدائرة الاصطفائية الثانية، «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ».
ونلاحظ في هذه الرواية للزبيري عن الصادق (علیه السلام) التي فيها إشارات لجملة من جهات البحث وتنبه على البراهين القرآنية والبراهين في محكمات الروايات.
ونلاحظ ان علماء الامامية اشترطوا في إقامة الدولة الإلهية في علم الكلام عصمة الإمام والحال أن الآيات والروايات السابقة تشترط شرطاً آخر علاوة على ذلك وهو استوزار ونصرة الدائرة الثانية الاصطفائية.
فههنا الروايات والآيات في الطائفة الأولى والطائفة الثانية لا تقتصر على اشتراط عصمة الإمام في اقامة الدولة الإلهية بل تشترط زيادة على ذلك أنه لابد من وجود أفراد من الدائرة الثانية ناصرين للمعصوم وهم طاقم قيادي اصطفائي ذو طبقات لإنشاء الدولة الإلهية والمشروع الإلهي.
فلابد أن يعرف المؤمنون ويعرف المحققون من الباحثين في علم الكلام والمعارف، أنه لا يكتفي بعصمة الإمام في مشروع إقامة الدولة الإلهية، إذ لو كان كل جهاز الدولة فاسداً ومتحللاً فبأي يمين او يسار يبني الإمام النظام والدولة الإلهيةوإذا لم تكن هناك عصمة مسددة بدرجات أخف وأخف، فالإمام صلوات الله عليه فبأي يد وأيدي يقوم ويتم العمل والبناء والإمام صلوات الله عليه بأي جناح ينهض ويطير؟
وقد أشير إلى ذلك في خطبة أمير المؤمنين، «أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح»(1)وإذا لم يكن له جناح فكيف يطير، وهذا هو أحد محتملات معنى مقام الطيار، أي ينتصر به ويطار به في إقامة المشروع الإلهي نظير ما ورد عنه (علیه السلام) أنه لو بقي جعفر وحمزة لما غصب حقه ولما انحرفت الأمة فلاحظ جعفر الطيار هو جناح مؤازر لرسول الله، ولكن ليست مؤازرته كمؤازرة سلمان، وانما هذه مؤازرة اصطفائية لجعفر، كما سمّي أبو الفضل العباس (علیه السلام) طياراً، كعمه الطيار، فكان العباس (علیه السلام) جناحاً يطير به الحسين (علیه السلام) في المشروع الإلهي، مؤازراً، ليس فيه احتمال خطأ، ولا تلكّؤ ولا قصور في العلم والعمل.
والبرهان الذي ذكره علماء الامامية على لزوم عصمة الإمام والخليفة والرئيس للبشر، بالغ المتانة لكنه لا يقتصر على ذلك بل يثبت أيضاً ضرورة وجود طاقم اصطفائي يحيط به أيضاً، فهذا تقرير عظيم للدليل العقلي وتوسعته، وفي رواية ابي عمر الزبيدي عن الإمام الصادق قال قلت له: (أخبرني عن الدعاء إلى الله) - المشروع الإلهي والدعاء إلى الله يعني المشروع الإلهي سواء في بدء دعوة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أو فيما بعد - (أخبرني عن الدعاء إلى الله
1) نهج البلاغة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام): الخطبة 5.
والجهاد في سبيل الله أهو لقوم لا يحل إلا لهم) وبالتأمل في عبارة (قوم) وليس فرداً، وانما يشير إلى مجموعة كما فيبدأ مشروع دعوة النبي عندما خاطبه الله عز وجل «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»، فلابد من مجموعة وطاقم قيادة، وليس فرداً واحداً.
وهذه الخارطة مرسومة في عددٍ من الآيات والروايات الواردة عن أهل البيت (علیهم السلام)، ولابد أن يكمّل هذا النقص في بحوث علم الكلام - والراوي يسأل (أهو لقوم لا يحل إلا لهم ولا يقوم به إلا من كان منهم أم هو مباح لكل من وحّد الله عز وجل وآمن برسول الله) ومن كان كذا فله أن يدعو إلى الله وإلى طاعته وأن يجاهد في سبيل الله، الرواية سؤالاً وجواباً ليست في صدد أصل حكم الجهاد الابتدائي وانما في صدد بيان قيادة الجهاد الابتدائي.
فقال الإمام الصادق: «ذلك لقوم لا يحل إلا لهم»، يعني الطاقم القيادي لقيادة المشروع الإلهي للجهاد الابتدائي الذي هم قمة الهرم والطبقات والأذرع التي تليه، قال (علیه السلام): «ذلك لقوم لا يحل إلا لهم ولا يقوم بذلك إلا من كان منهم»، قلت فمن أولئك؟ (أولئك) قال: «من قام بشرائط الله عز وجل في القتال والجهاد على المجاهدين فهو المأذون له في الدعاء الى الله عز وجل»(1).
وهذا البحث لا ينحصر في الجهاد الابتدائي، بل في كل دعوة دينية لابد أن يكون رئيسها إماماً معصوماً ومعه طاقم اصطفائي، حتى البعثة الإلهية للعلم الوحياني، كما في الآية السابقة في قوله تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
1) الكافي الشريف: ج5، ص13، ح1.
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ»(1)فالذكر هو كلٌّ من القرآن والحديث القدسي وبقية مواد الوحي، والحديث القدسي يختلف عن الحديث النبوي ويختلف عن القرآن وكلها وحي أنزله ووعد بحفظها فليس الحفظ مخصوصاً بالقرآن العظيم وكل هذه المواد هي ذكر ووحي أنزله الله وقد وعد الله بحفظه، الحديث القدسي والحديث النبوي وغيرهما. فالمحكمات تغاير المتشابهات، والمحكمات لا يستطيع البشر أن يزعزعوها.
والحفظ للوحي مشروع إلهي أي علوم الدين ولابد ان يكون على رأس هذه الدعوة هو الإمام المعصوم. لذلك قررت المدرسة الامامية ومدرسة أتباع أهل البيت أنه لابد من وجود إمام حي هو الذي يحفظ به كل المشاريع الإلهية.
وقال الإمام الصادق (علیه السلام) في الرواية السابقة: «فهو المأذون له في الدعاء إلى الله»(2)،
وإلّا فان مشروع النبي في مكة سواء كان لتأسيس دولة أو زرعاً لبذرة معدّة لدولة إنما استطاع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالدائرتين من بني هاشم أن يقوم بذلك النشاط الذي أنجزه لثلاثة عشر عاماً في مكة وان يؤسس دولة بل أن يؤسس ما هو أعظم من ذلك فقد أسس مشروع حضارة ومشروع دين إلهي.
فلابد أن يكون الذي يقوم بالمشروع الالهي مأذوناً له، وأذن له لأنه قام بشرائط الله، لأن الله عز وجل لا يجعل اي شخص خليفة وممثلاً له أيّاً من
كان. فقال تعالى: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» (1)والخليفة له شرائط الداعي إلى الله والخليفة لله له شرائط، وليس أي شخص يكون خليفة.
وهل يمكن أن يكون الشاهد شاهداً وهو ليس بحاضر حين العمل؟ وكيف سيؤدي ويدلي بشهادة على الاعمال عند الجزاء وعند الحساب يوم القيامة، ولم يكن حاضراً حين العمل والقرآن الكريم يثبت حضور النبي والمؤمنين وهم أهل بيته الشهداء الذين صرحت السور بأنهم ذرية إبراهيم من إسماعيل -على الاعمال كما يثبت هذا الحضور لاسم الجلالة.
بل الشهادة متعلقها لم يقيد بخصوص الأعمال بل هو شامل للعقائد والصفات لإطلاق المتعلق للفظ الشهادة في جل الآيات، بل عنوان العمل شامل لكل هذه الأمور، لأنها من العمل بالمعنى العام.
إذ الشهادة في اللغة هو الحضور، وكيف تكون ذات رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حاضرة لدى كل البشر، من أول الدنيا إلى آخرها، فهل هذا الحضور بالبدن أو حضور بالروح؟
ومن باب تقريب المطلب يمكن ملاحظة هيمنة عزرائيل (علیه السلام) على كل الأرواح كيف يقبضها، حيث أعطاه الباري تعالى قناة تكوينية ترتبط بكل
1) سورة البقرة، الآية: 30.
الأرواح فلا يختص بقبض ارواح البشر فقط وانما تشمل أرواح الجن وكذلك قبض ارواح الحيوانات بالاستعانة مع أعوانه الملائكة وكذلك يقوم عزرائيل بقبض روح الملائكة، وبقبض روح كل ذي نفس من بقية أنواع المخلوقات مما لا ترى ولا يعلم بها في السماوات والأرضين.
فسلطة وسلطنة وقدرة عزرائيل عظيمة بما شاء الله، وهذه الهيمنة التي اعطيت له نوع من المقامات والقدرات الروحية الملكوتية.
وإذا كان عزرائيل له هذه المقدرة والتمكين وهو مأمور بالخضوع والانقياد إلى خليفة الله فكيف الحال في شأن خليفة الله بل وكيف الشأن في سيد الرسل (صلی الله علیه و آله و سلم) الذي هو إمام لخلفاء الله.
وقد روي - في المعراج -«... فلما بلغ إلى سدرة المنتهى فانتهى الى الحجب فقال جبرئيل: تقدم يا رسول الله ليس لي أن أجوز هذا المكان ولو دنوت أنملة لاحترقت»(1)، وتشير سورة النجم إلى عروج سيد الرسل فوق جبرائيل فيقوله تعالى: «وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى»(2)مما يعني ان جبرائيل كان في منازل نازلة ولم يعرج إلى الدرجة التي عرج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
وأن روح النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)روح عملاقة، في تكوين الله عز وجل أعظم من إسرافيل وأعظم من الصور الذي ينفخ فيه اسرافيل بل بعض طبقات نوره أعظم من العرش كما وردت نصوص مستفيضة.
وفي الروايات الواردة أن ملك الموت يموت وتقبض روحه، فمن الذي يقبض روح ملك الموت؟ وهذا مما يشير إلى أن طبقات عالم الروح لها آفاق مهولة جداً، فوق مراتب الملائكة المقربين جبرائيل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل وحملة العرش والكروبيين وغيرهم من أعاظم أصناف الملائكة التي بيّنها القرآن وأحاديث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وقد بينّ اهل البيت (علیهم السلام) مواضع دلالات القرآن على ذلك.
ومما تقدّم يتضح أن مقام الشهادة هو حضور للروح الشاهدة أثناء عمل المشهود عليه، وليس حضوراً للشاهد بالبدن، كما أنه ليس حضوراً بالروح النازلة للشاهد بل بروحه العالية، لأن للإنسان طبقات من الأرواح، لاسيما المصطفين.
فالشهادة هي حضور ملكوتي من الذين لديهم كينونة وتمكين وكون في الملكوت، وإذا كان لدى سيد الأنبياء شهادة على نفس الشهداء، فلا محالة روحه الباطنة العلوية الملكوتية هي حاضرة ومهيمنة ومشرفة على الملائكة. وعلى الأنبياء وعلى الرسل وحضور النبي الاعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) في مقام الشهادة بروحه لا ببدنه الشريف.
والقرآن الكريم يصف بدن النبي بعد وجوده في قوله تعالى: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ» (1)(ما كنت) وأي كينونة
1) سورة آل عمران، الآية: 44.
ينفيها القرآن للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، هل هي كينونته بروحه ام كينونة بدنه؟ انها كينونة البدن المنفي وجودها في الأمم السابقة.وكذلك قوله تعالى: «وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ...» (1).
أما كينونة الروح فيصفها القرآن الكريم في قوله تعالى: «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ»(2)، «فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا»(3)، أي بالكينونة الروحية والنورية، له مما يقتضي ويستلزم أن له (صلی الله علیه و آله و سلم) كينونات متعددة أخرى.
وهذه الحقائق كشفها علم وأحاديث أهل البيت (علیهم السلام)، وهذا الترسيم والتصوير وكل هذه الخرائط العلمية مبسوطة في بيانات وروايات أحاديثهم، لمن يتتبع ويتدبر منظومة معانيها.
والمعلومات مبثوثة منتشرة في مضامين الأحاديث ليس بالنحو المرتب في مفاد حديث واحد بل لابد للباحث أن يلتفت الى كيفية نظام ترتّبها في صورة متكاملة.
وهكذا المعلومات الموجودة في القرآن عن الحقائق، وهذا التطابق هو مقتضى وحدة الثقلين.
فتبين أن شهادة سيد الأنبياء هي شهادة ملكوتيه، كما يصفها لنا القرآن
الكريم في سور وآيات عديدة، ومفاد هذه الطائفة آيات الشهادة أن الملكوت للشجرة الطيبة والمصطفين من بني هاشم سواء الدائرة الأولى أو الدائرة الثانية مقام شهادة وإشراف هيمنة حضور أعمال على الأولين والآخرين، كما هو مفاد هذه الرواية.
وفي روضه الكافي بسند معتبر عن يُوسُفَ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ(1)قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِالله (علیه السلام) ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ لِي «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وجَمَعَ اللَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى الْخَلَائِقَ كَانَ نُوحٌ صَلَّى الله عَلَيْهِ أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى بِهِ فَيُقَالُ لَهُ هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَالُ لَهُ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قَالَ فَيَخْرُجُ نُوحٌ (علیه السلام) فَيَتَخَطَّى النَّاسَ حَتَّى يَجِيءَ إِلَى مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم) وهُوَ عَلَى كَثِيبِ الْمِسْكِ(2)ومَعَهُ عَلِيٌّ (علیه السلام) وهُوَ قَوْلُ الله عَزَّ وجَلَّ- «فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا» (3)فَيَقُولُ نُوحٌ لِمُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم) يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى سَأَلَنِي هَلْ بَلَّغْتَ فَقُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَقُلْتُ مُحَمَّدٌ (صلی الله علیه و آله و سلم)فَيَقُولُ يَا جَعْفَرُ يَا حَمْزَةُ اذْهَبَا واشْهَدَا لَهُ أَنهُ قَدْ بَلَّغَ فَقَالَ أَبو عَبْدِ الله ع- فَجَعْفَرٌ وحَمْزَةُ هُمَا الشَّاهِدَانِ لِلْأَنْبِيَاءِ (علیه السلام) بِمَا بَلَّغُوا فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ- فَعَلِيٌّ (علیه السلام) أَيْنَ هُوَ فَقَالَ هُوَ أَعْظَمُ مَنْزِلَةً مِنْ ذَلِكَ»(4).
ومضمون معاني هذا الحديث مطابق للأصول القرآنية كما مر، مثل قوله
تعالى: «وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ» (1)اي جمعت لوقتها من يوم القيامة لتشهد على الامم ومنهم نوح يساءل هل بلغ الرسالة فيقال له من يشهد لك؟ فيقول محمد بن عبد الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وكيف يقول النبي نوح أن سيد الأنبياء هو الذي يشهد لي، أو كان بدن سيد الأنبياء موجوداًفي عصر بدن نوح؟! وهل هي شهادة أبدان لأبدان؟ أم شهادة أرواح لأرواح أم أرواح لأبدان؟!
قال: «فيخرج نوح (علیه السلام) فيتخطى الناس حتى يجيء إلى محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، وهو على كثيب المسك»، وهذا المفاد للرواية متطابق لما في سور عديدة ومنه قال تعالى: «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا...» (2)جئنا بك يا سيد الأنبياء على من هو شهيد على أمته، وإذا كان سيد الأنبياء شهيداً على الشهداء اي يحاسبهم ويراقبهم ويرعاهم ويهديهم ويقودهم في كيفية شهادتهم ورعايتهم وقيادتهم لأممهم، وفي كيفية مراقبتهم وتربيتهم وتزكيتهم وهدايتهم لأممهم.
وقد جعله الله راعياً على الرعاة والقادة من بني هاشم وعلى كل الأنبياء والرسل، كما في قوله تعالى: «...وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا»(3)وهذه الرواية ليست إلا تفصيلاً لمضمون الآيات في القرآن الكريم.
وليست هذه الرواية غريبة المضمون ولا شاذة، وفي ذيل الرواية «حتى
يجيء إلى محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو على كثيب المسك ومعه علي (علیه السلام)»(1)، فعلي (علیه السلام) أي معية علي للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) سيد الرسل كما قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «أنت أخي في الدنيا والآخرة»(2)، أي في دولة النبي الاعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) الإلهية نائب الرئيس هو أمير المؤمنين علي (علیه السلام)، ولا محالة هو أعظم من رؤساء كل الدول الإلهية الأخرى من بقية الأنبياء.
وقوله (علیه السلام): «ومعه علي (علیه السلام) وهو قول الله عز وجل: «فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا» فيقول نوح لمحمد (صلی الله علیه و آله و سلم) يا محمد إن الله تبارك وتعالى سألني هل بلغت؟ فقلت نعم، فقال من يشهد لك فقلت محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)»(3).
وربما يتساءل أين إبراهيم وموسى وعيسى وباقي أنبياء الله، ألم يخاطب الله عز وجل عيسى، في قوله تعالى: «أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ...» (4)أي مساءلة بقية الأنبياء وهم حضور يوم القيامة، فلم خصّص نوح محمداً (صلی الله علیه و آله و سلم) إنه يشهد له بتبليغ الرسالة، وهذا دال على أن النبي نوحاً لديه يقين بأن روح سيد الأنبياء حاضرة وعالمة حين تبليغ نوح، وراعية ومديرة ومربية ومعلمة له.
فيقول سيد الأنبياء يا جعفر الطيار ويا حمزة عم النبي «اذهبا واشهدا له أنه قد بلغ».
وهذا مما ينبه ان مقام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أعلى وأجل من أن يذهب بنفسه، وكذلك
دال على المقام العظيم لجعفر وحمزة وكيف ان جعفراً وحمزة يشهدان لنوح؟! فهل كان بدن جعفر الطيار وبدن حمزة في زمن نوح!؟
والجواب انه لم تكن لهما كينونة بدنية كما ذكر القرآن الكريم مخاطباً النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في قوله تعالى ما كنت لديهم، «وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ»(1).
فلم يكن بدن جعفر وحمزة موجوداً في زمن نوح كما أنه لم يكن بدن النبي موجوداً في زمن بدن نوح وانما كانت روحه موجودة في الملكوت مشرفة على ملك الدنيا،فكما اثبت القرآن الكريم مقام الشهادة لروح النبي على الناس، فكذلك اثبتها القرآن في سورة الحج وسورة البقرة للمصطفين من بني هاشم من الدائرة الاولى والثانية، فلم تكن شهادة حمزة وجعفر جزافاً انما كان نورهم وأرواحهم شاهدة في الملكوت على الملك للدنيا، وهذا بنص القرآن الكريم فكما كان نور النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وروحه شاهداً بنص الآيات العديدة فكذلك شجرة بني هاشم هم الأمة من ذرية إسماعيل وإبراهيم كما مرّ بنا مراراً وسيأتي ذكر الروايات مرة أخرى، جعلهم الله شهداء على الناس أي على الأولين والآخرين، ولم يجعل القرآن هذا المقام لبقية الأنبياء من أولي العزم، فهل هذا غلوّ من القرآن في بني هاشم؟
أم يجب أن نتدبر القرآن أم ان نتعامى عنه، وهل يجب ان ندقق في معاني القران أم نعرض عنه؟ لقد نبهنا وعلّمنا أهل البيت بأن مقام الشهادة لبني هاشم هو في الأصل مفاد قرآني في خارطة منظومة معاني القرآن، وهنا المقام
1) سورة القصص، الآية: 44.
أعظم من مقام الشهادة لأنبياء أولي العزم، فهل نجحد هذه الحقيقة في القرآن؟ أم لابد نؤمن ونقرّ بها؟
وهل يسوغ ان نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض ولا نصدّق بمضمون هذه الرواية وأمثالها مما يتضمن هذا المفاد المطابق لجملة أصول قرآنية.
وفي ذيل الرواية أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)يقول: «يا جعفر ويا حمزة اذهبا واشهدا له -لنوح -انه قد بلّغ»(1)
ومقتضى مفاد هذا الذيل ان مقام جعفر وحمزة فوق مقام نوح، لأنهما يشهدان لنوح بحسب مقامهما الملكوتي الروحي المهيمن المشرف على مقام ملك الدنيا البدني لنوح (علیه السلام).
ولولا هذه البيانات في أحاديث أهل البيت لما في القرآن من حقائق، لما حصل التنبه والالتفات لتلك الحقائق في القرآن ولضاعت ووقع التعامي عنها.
ولا قدرة للمفسرين والمجتهدين والفقهاء والعلماء وكل البشر بمفردهم أن يستخرجوا كنوز القرآن دون أحاديث أهل البيت، وفي تتمة الرواية، فقال أبو عبد الله (علیه السلام) «فجعفر وحمزة هما الشاهدان للأنبياء بما بلغوا» فقلت جعلت فداك فعلي (علیه السلام) أين هو؟ فقال: «هو أعظم منزلة من ذلك»(2).
وهذا إشارة إلى طبقات مقامات الشهادة وسنتطرق لها فيما بعد ان شاء الله.
وإنّ مقام الاصطفاء لذرية إسماعيل وابراهيم إلى أن يصل إلى بني هاشم من الدائرة الأولى الأربعة عشر معصوماً، فضلاً عن الدائرة الثانية يشير إليه القرآن الكريم في سورة عديدة كما يبين أن هذه الاصطفاء هو في قمة الاصطفاء في كل منظومات الأنبياء والمرسلين والأوصياء.
وهذه الشهادة التي يسندها القرآن الكريم للذرية من اسماعيل وابراهيم وبالأخص النبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته من الدائرة الأولى فضلاً عن الدائرة الثانية، وهي مقام الشهادة على الأعمال هذا المقام لا يسنده القران الكريم ولا ينسبه لأحد من بقية الأنبياء من أولى العزم، فضلاً عن سائر الانبياء والرسل وبقية الاوصياء.
وهذا بيان قرآني يدل على علو الاصطفاء للدائرة الثانية من أهل البيت فضلاً عن الدائرة الأولى، وليس اعتبطاً وجزافاً في الدين عندما يبين القرآن الكريم كما في آية المودة أن لباب الدين مودة قربى النبي فضلاً عن لباب شريعة سيد الأنبياء، لأن الشرائع بين الأنبياء مختلفة لكن الدين متّحدٌ واحدٌ بين الأنبياء، فالدين الذي بعث به جميع الأنبياء هو دين موحّد وهو الإسلام ولبّ لباب هذا الدين أجره وعوضه وعدله هو مودة قربى النبي كما في قوله تعالى: «قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» (1)وعنوان القربى بنصوص الفريقين لا تقتصر على الدائرة الأولى فقط بل شامل للدائرة الثانية.
فهذا الاصطفاء للدائرة الثانية فضلاً عن الدائرة الأولى بيّنٌ واضح في نداء
1) سورة الشورى، الآية: 23.
القرآن.
ولم يقل القرآن قل لا أسألكم عليه أجراً إلا مودة النبي إبراهيم انما قال تعالى: «قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» وأجر الدين الذي قال تعالى عنه: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ» (1).
ولم يكن عدل هذا الدين مودة إبراهيم ولا مودة نوح ولا مودة آدم ولا مودة موسى وعيسى ولا مودة سائر النبيين، انما عدله وعوضه مودة القربى.
فهل يمكن ان نصف هذه الآيات بالمبالغة المفرطة في تعظيم أهل البيت الذين هم قربى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والعياذ بالله، حاشا لله أن يبالغ أو أن يفرط في الكلام أو أن يتعصّب لأحد من خلقه او ان يحيد ويميل في حكمه لقربى النبي جزافاً؟ فلابد من أن هناك وجه حكمة بالغة عظيمة.
وعندما ترد رواية الكافي بأن جعفراً وحمزة هما الشاهدان لأولي العزم كنوح وموسى وعيسى بتبليغ الرسالة فمضمون هذه الرواية مطابق وموافق للأصول القرآنية، ولابد لنا أن نشخّص الأصول القرآنية.
ومنها آية المودة ومفادها هو آية معية الثقلين (القرآن والعترة) ومفاد آيات الثقلين معيتهما وأنهما لن يفترقا، كما بيّن المعية القرآن الكريم في آيات سور عديدة جداً، فلو سأل سائل عن حديث الثقلين وعدم الافتراق، فإن جوابه مقرر في القرآن كما نبّه على بيانه أهل البيت (علیهم السلام) أنّهما لن يفترقا
1) سورة آل عمران، الآية: 19.
في موارد عديدة من الآيات كما في سورة آل عمران «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» (1)وسورة العنكبوت «هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» (2)وسورة الواقعة «لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ»(3)وغيرها من آيات السور التي أشارت إلى دلالتها أحاديث أهل البيت (علیهم السلام).
وآية المودة في سورة الإسراء ليست هي الوحيدة في المودة فقط، بل إن هناك آية مودة أخرى، في سورة إبراهيم قوله تعالى: «رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ»(4)، وأي ذرية
التي أسكنها النبي إبراهيم عند البيت الحرام، هل هي ذرية إسحاق ويعقوب ويوسف وبني إسرائيل؟ أم انها ذرية إسماعيل؟
وهذه الآية تشير الى عناية خاصة لغير ذرية إسحاق، ولغير بني إسرائيل، ولغير بني يعقوب، «رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ» ونلاحظ العناية الاصطفائية والحماية الإلهية من الله عز وجل لبني هاشم ولآباء وأجداد النبي، ومنذ متى كانت قد تعلقت الإرادة الاصطفائية ذات العناية عظيمة، «رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ» فلَمْ تقل الآية (تهوي إليه) بضمير المفرد ليعود للمسجد
أو لبيت الله كما نبّه على ذلك الباقر (علیه السلام) في قوله تعالى: «ما قال [تهوي] إليه يعني البيت ما قال إلا إليهم أفترون أن [الله] فرض عليكم إتيان هذه الأحجار والتمسح [بها] ولم يفرض عليكم إتياننا وسؤالنا وحبنا أهل البيت والله ما فرض عليكم غيره»(1).
فالكعبة التي للقلوب (أفئدة من الناس) والقبلة الأصلية لتوجه القلب وللحج الروحي الأصلي هم الذرية المصطفاة من إسماعيل وإبراهيم لا بيت الله الحرام؟! ومنهم أمير المؤمنين علي (علیه السلام) الذي ولد في بيت الله الحرام؟ ومن يعترض على الله، ويقول لا بدان تحذف الآية من القرآن لأنها موافقة لمحبة علي (علیه السلام)، وموالاة علي صعب مستصعب على من في قلوبهم مرض العداوة (النصب) أن يقبلوها او يؤمنوا بها، وكذلك صعب مستصعب عليهم أن يسمعوها وهم لا يتدبرونها، وكم من آية يسمعونها ولا يؤمنون بها، «فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ» وليس إليه، إلى بيت الله الحرام.
ويلاحظ انّ الآية هنا لم تقل (تهوي إليّ) (إبراهيم)، وإبراهيم نفسه لم يقل (تهوي إليّ) وانما قال «فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ»، والمقصود بها تهوى الى ذريته اسماعيل وليس تهوي إلى ذرية إسحاق ويعقوب.
فهناك قمة ودائرة مركزية أخرى، وهم ذرية إسماعيل ، «فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ».
فيلاحظ ان هذه الحفاوة الإلهية بأهل البيت والقربى وبذرية إسماعيل
1) تفسير فرات الكوفي: ص223.
وإبراهيم وبآل يس آل محمد في السور القرآنية تفوق وتتعاظم على حفاوة الله لبقية الأنبياء فمن هو صاحب الفخامة والجلالة والتعظيم في القرآن بعد فخامة وجلالة الله ورسوله؟
وصاحب الفخامة والجلالة بعد جلالة الله ومن بعد جلالة الله ورسوله هم آل محمد (علیهم السلام)، ولا يخفى أن تعظيم وتفخيم رسول الله يؤول ويرجع إلى تعظيم وتفخيم الله تعالى، لأنه (صلی الله علیه و آله و سلم) الآية الكبرى لله تعالى: «فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ»(1)كما أن تفخيم وتعظيم آل محمد يرجع ويؤول إلى تعظيم وتفخيم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
والشهادة كما مر بنا هو مقام عظيم في القرآن وهو يعني القيادة والهداية والرعاية والتربية لكل المخلوقات من البشر.
فِيْ بَحْث الإمامة الإلهية كما بَيَّنَها أَهل البيت صلوات الله عليهم قد جمعنا جملة من هذه البيانات في كتاب الإمامة الإلهية، الدالة على أن المحور الأساس لحقيقة الإمامة والولاية هي هداية الثقلين، وهي هداية إيصالية للمطلوب وللغاية ومرتبطة بشبكةومنظومة الأرواح، وبشبكة القلوب، قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم»(2)كما ورد
ذلك في روايات عديدة «نية المؤمن خير من عمله ونية الكافر شر من عمله وكل عامل يعمل على نيته»(1)، النية والقلوب والأرواح.
فالولاية هي هداية للأرواح والقلوب، فالإمام هادٍ يوصل إلى الغاية من الكمال المطلوب، والهداية هي من المقومات والدعامات الأصلية لدور وقوام حقيقة الولاية والإمامة قال تعالى: «أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(2)، «مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ»(3)، فالإمام هادٍ كما ان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هادٍ.
وسيد الرسل هو إمام الأئمة ونبي أيضاً، فقد حاز سيد الرسل كل المقامات، فما الفرق بين النبوة والإمامة في الهداية.
النبوة هداية إراءة للطريق والمنهاج (هداية إرائية) إضاءة من بعيد، كما يعبر عنها، مثلا عندما تسأل شخصاً عن عنوان معين أوعن موقع معين أو موضع معين، فيشير لك الى المكان الذي تريده ويصفه لك من بعيد ومن بعد، ويعبر عنه في الاصطلاح العقلي، هداية إرائية اي يريك من بعيد، فالنبوة والرسالة النذارة والبشارة، نذيراً بشيراً، هي إراءة من بعيد.
وأما الإمامة فهي الهداية الإيصالية أي هي هداية من قريب وليس من بعيد، يعني يأخذ بيدك من دون إلجاء، خطوة خطوة، الى صراط مستقيم،
يسلك بك حركة وسيراً على الصراط المستقيم، فإنها هداية توصلك إلى المطلوب، فالإمام يأخذ بيدك ويدخلك إلى الجنة، وهذه هي حقيقة الشهادة ببيان ووجه آخر.
بينما أئمة الضلال يهدون إلى النار كما في قوله تعالى: «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ» (1)أئمة الضلال هم من يأخذ أتباعهم بسيرتهم وبفكرهم وبإشعاعات أرواحهم خطوة بخطوة ومنزلاً بمنزل إلى سفك الدماء وهتك الأعراض وغير ذلك إلى الهاوية.
فالإمام والولاية هداية إيصالية، تأخذك الى الهدف من الخلقة، دون أن يكون أخذاً جبرياً وإلجاءً، بل تسديداً وتأييداً عبر شبكة منظومة الأرواح، كما في رواية خالد الكابلي عن الباقر (علیه السلام): «يا أبا خالد لنور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار»(2)، وكيفية مشاهدة ذلك في القلب وإدراكه وأنه أنور وضوحاً، وجدانه متعلق بعظمة ذلك الإمام، فالعظمة نور، وليس دوراً حسياً، بل نور حي روحي.
فعندما تحس بقشعريرة في وجدانك بعظمة سيد الأنبياء او عظمة الحسين صفات وكمالاً أو عظمة أمير المؤمنين أو عظمة فاطمة سلام الله عليها
أو عظمة الحسن أو عظمة سيد الأنبياء، فهذا هو نور في الوجدان يجذبك إلى المعالي وإلى الفضائل، يؤنبك إذا ارتكبت الرذائل، وهو تسديد روحي،
وهذا هو نمط من تأثير الشهادة على الأعمال.
وهذا نمط من معاني قوله تعالى: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ» (1)(فَسَيَرَى) رؤية العمل هي شهود وحضور، (رسوله والمؤمنون) الدائرة الأولى أربعة عشرمعصوماً والدائرة الثانية، ولذلك يحس ويشعر المؤمن حين العمل في أعماق وجدانه أنه في مشهد الله ومشهد الرسول، وأنّى يخفي العمل عنهم، وكذلك المؤمن هو في مشهد أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومين من ذرية الحسين، وهذا يعبر عنه بالهداية وبالرعاية الروحية الأبوية والتربوية.
وكما في قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ» (2)، وقد روى الفريقان أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) تعرض عليه الأعمال كل أسبوع مرتين بل كل يوم فهو مزكّي، ومربّي، إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة.
لا أنه كان كذلك حصراً فقط في فترة تواجده في الحياة الدنيا بل الآن هو كذلك في البرزخ، وفي الرجعة يهدي ويوجه ويقود ويزكي ويربي، كما يدل عليه قوله تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ» أولا: «شَاهِدًا» اي ان مقام الولاية للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قبل مقام الرسالة، «إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا» أي تشهد على الأعمال،
وليس الأعمال فقط وإنما، تشهد على الأعمال والنوايا والخواطر وعلى الصفات النفسانية، وكل الملفات الروحية والقلبية والأعمال كلها في مشهد
رؤيتهم صلوات الله عليهم فيرعون ويربّون، وقد روى الفريقان أن أعمال الأمة تعرض على النبي في كل يوم اثنين أو يوم الخميس.
بل وردت روايات لا تحدد عرض الاعمال على النبي بالاثنين والخميس بل إنها تعرض في كل آنٍ من الآنات، كما هو نص مفاد القرآن الكريم، من رؤيته (صلی الله علیه و آله و سلم) للأعمال في طول رؤيته تعالى للأعمال وهي رؤية مطلقة للأعمال حين صدورها.
لأن النبي الاعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) المربي والراعي والمزكّي والهادي الذي يأخذ بيد القلوب وبيد الأرواح، فالإمامة هي قيادة الأرواح والقلوب إلى منازل الكمال وهي الجنة.
وحقيقة مقام الشهادة هي حقيقة مقام الولاية، كما ان هناك طاقماً آخر ولائياً مع الأربعة عشر معصوماً، هذا الطاقم الولائي هو الدائرة الاصطفائية الثانية لأهل البيت (علیهم السلام)، الذين يرعون البشر ويقومون بهدايتهم وتربيتهم كأعوان وأنصار ووزراء للدائرة الأولى في تربية وهداية البشرية.
ولو تدبرنا أكثر في مقام شهادة حمزة وجعفر لنوح في أنه قد بلّغ رسالته، وكيف انهما يشهدان لنوح ولجميع الأنبياء مع أنهما لم يكونا حاضرين ببدنهما لظهرت لنا عظمة مقامهما في رعاية الأنبياء والرسل وهدايتهم روحياً لتبليغ
رسالات الله تعالى.
فالشاهد وحقيقة مقام الشهادة أن يكون الشاهد حاضراً قبل أدائه لها وهو مقام التحمل، بأن تتحمل الواقعة أوّلاً، ثم تشهد وتدلي بها في مقام الحساب.
وحينما يقال ان ذلك المعصوم جعله الله شاهداً، -وليس الجاعل له البشر -فهذا مقتضاه ان الله تعالى قد اعطاه مقامات الولاية، منها الشهادة على الأعمال ومنها تربية النفوس وهداية الأرواح، وهو مما يستلزم علماً لدنيا بالكتاب ومنها ولاية الحساب يوم القيامة، وتصفية نتائج جداول الحساب هي مسؤولية طاقم المحاسبين مؤسسات منظومات محاسبية إلهية، ومؤسسات التدقيق، وهيأة المسائلة والتنزيه، وهيأة المحاسبة في الدول.
وأولياء الحساب ووليّ ولاة الحساب بعد الله، وليّ الولاة بعد اسم الله سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) وبعده يأتي أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومون (علیهم السلام)، وبعد هؤلاء الأربعة عشر الدائرة الأولى يأتي دور أفراد الدائرة الثانية.
وقد بيّن القرآن الكريم لنا انّ أفراد الدائرة الثانية كما في سورة الحج وسورة البقرة كأبي طالب وعبد المطلب وبقية أفراد الدائرة الثانية، هؤلاء أيضاً هم أولياء حساب ويشهدان ويقومان بدور الشهادة في المراتب اللاحقة.
وإذا كانوا شهداء فلابد من كينونتهم في محضر النبي نوح عندما كان يبلغ
الرسالة ولم يكونوا بأبدانهم بل كانوا بأرواحهم، كما يذكر القرآن الكريم عن سيد الأنبياء بأنه لم يكن بكينونته البدنية قوله تعالى: «وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ...» (1)«وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ» (2)،أي لم يكن بكينونة بدنه وقوله تعالى: «وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ» (3)في شأن النبي يوسف وإخوته، فلم يكن النبي ببدنه الدنيوي، وأما كينونة الروح فالقرآن يصفه (صلی الله علیه و آله و سلم): «وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا» (4).
فالقرآن الكريم يكشف عن كينونات للمصطفين، منها كينونة روحية ملكوتيه قبل البدن، ومنها كينونة بدنية.
كما ينبّه وينوّه عن الكينونة الروحية في شأن سيد الأنبياء، وكذلك يشير إلى الكينونة الروحية في شأن الدائرة الاصطفائية الثانية لأهل البيت (علیهم السلام)، فضلاً عن الدائرة الأولى حيث يجعلهم شهداء على (الناس) كل الناس أي الأولين من الأمم والآخرين منهم.
ونظير ذلك ما تشير إليه آيات سورة النور «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ ... فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ... رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ» (5)
من خلقة عالم النور، وما تشير إليه آيات الأسماء في سورة البقرة «كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ...» (1)، حيث تبين كينونة لعالم الأسماء وقد ورد في روايات الفريقين تبيانها أنها أنوار الخمسة.
وقد وردت روايات الفريقين من الخاصة والعامة:(أن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام)(2)،فالأرواح لها شأن ومقام ورتبة وهيمنة قبل مقام الأبدان، وهذه ليست خيالات أسطورية وانما هي حقائق قرآنية، تبيّن أنّ للمصطفين كينونتين.
فلاحظ تَحمّل حمزة وجعفر لما قام به نوح في زمن نوح بأرواحهما وبكينونة عقلهما الباطن، حسب التعبير العصري مما يقرب من العناوِين القرآنية، وأن حمزة وجعفراً كان لديهما حضور روحي وبعقلهما الباطن لنوح ولإبراهيم بمقتضى مفاد مقام الشهادة في القرآن الكريم، وآيات النور وآيات الأسماء.
قال تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا» (3)(النّاس) يعني الأولين والآخرين، وهذا المقام لم يعطه
1) سورة البقرة، الآية: 31.
2) المحاسن، ج1، ص: 134، بصائر الدرجات في فضائل آل محمد صلى الله عليهم، ج1، ص: 87، تفسير فرات الكوفي، ص: 229، تفسير العياشي، ج2، ص: 249، الكافي للشيخ الكليني ، ج1، ص: 438، معاني الأخبار، ص: 108، الإختصاص، ص: 302، الأمالي (للمفيد)، ص: 114، دلائل الإمامة (ط - الحديثة)، ص: 485، مناقب آل أبي طالب (علیهم السلام) (لابن شهرآشوب)، ج2، ص: 357، مختصر البصائر، ص: 408، الوافي، ج3، ص: 542، الدر المنثور، ج4، ص361، الكشف والبيان للثعلبي، ج3، ص33، بحر العلوم للسمر قندي ، ج4، ص71، تفسير الالوسي، ج9، ص489، تفسير البحر المحيط ،ج4، ص12، تفسير القرطبي، ج7، ص275.
3) سورة البقرة، الآية: 143.
القرآن لإبراهيم، ولا لموسى ولا لعيسى ولا لنوح، ولا لآدم.
وقد كرر القرآن الكريم عبارة (شهداء على الناس) في آخر سورة الحج «وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ»(1)ولم نقف على آية من الآيات يصف الله عزوجل بها إبراهيم أو موسى أو عيسى أو آدم أو بقية الأنبياء بأنهم شهداء على الناس وإنما نعتهم أنّهم شهداء على أممهم.
أما نعت (شهداء على الناس) من الأولين والآخرين فهذه شهادة خاصة بالمصطفين من بني هاشم من الدائرة الثانية فضلاً عن الدائرة الأولى وفضلاً عن زعيمهم سيد الرسل فهم شهيد على كل طبقات الشهداء.
فالطائفة الثالثة التي نحن فيها هي مقام الولاية لأفراد الدائرة الثانية تبعاً لولاية أفراد الدائرة الاصطفائية الأولى لبني هاشم الأربعة عشر معصوماً (مقام الولاية)، فولايتهم في العوالم السابقة تمتد قبل وجودهم الدنيوي، وقبل تولدهم ببدنهم الدنيوي، فالولاية حقيقتها، مقام روحي، وهيمنة روحية، وفي عوالم ما قبل الدنيا وفي زمنهم وما بعد زمنهم وفي يوم القيامة وفي الرجعة وفي القيامة وفي الجنة.
وبذلك يتضح مفاد قول سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) في الطائفة الأولى التي مرت بنا في روايات مستفيضة عند الفريقين يقول: «نحن بنو عبد المطلب سادة أهل الجنة أنا وعلي وجعفر وحمزة والحسن والحسين وفاطمة والمهدي...»(2).
وهذا ليس في الولاية الملكوتية فقط وفي الملكوت، باعتبار النعت الوارد لهم في القرآن الكريم (شهداء على الناس)، فالشهادة هي حضور روحي ملكوتي، لا حضور بدني، وكيف يكون لهم حضور بدني قبل تولدهم البدني؟ وانّما يشير القرآن الكريم لهم بكينونة الروح ببرهان الشهادة؟ فلا بد أن نتدبر حقائق القرآن وأن نفهم معانيه.
والذي يبلج حقائقه ويجلي معانيه هم أهل البيت (المعلم الإلهي)، لأنّ هذا الكتاب إلهي ويحتاج إلى معلم إلهي، والمعلم بالسقف والحدّ البشري لا يستطيعأن يُبَيّنَ حقائق هذا الكتاب الإلهي، ولا يستطيع أن يستخرج كل كنوزه، ولا يستطيع تنزيل ضياء القرآن العرشي إلى أرض البشر إلا المعلم الإلهي.
فمقام الشهادة لهم مقام عظيم جداً، وعندما يثبته القرآن الكريم لأفراد الدائرة الثانية من أهل البيت وهو مقام الولاية، فولاية أفراد الدائرة الثانية منشعبة ومتنزلة من ولاية الدائرة الأولى من أهل البيت، وولاية أفراد الدائرة الأولى لأهل البيت منشعبة متنزلة من أشعة أذرع ولاية سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم).
وهذه الإضاءة المركزة في القرآن على دولة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)لانّ الشهادة دولة وولاية تكوينية ملكوتية، وولاية إلهية، وهذا التركيز في القرآن الكريم على خصوص آل يس في قوله تعالى: «سلام على آل يس» أو في قراءة بالكسر للهمزة «آل ياسين» (1)و(إل) في لغة القرآن واللغة العربية بمعنى الرحم
1) سورة الصافات، الآية: 130
(إل) (إل يس) أو(آل يس) كلا القراءتين تعني آل محمد كما ينبّه الرضا (علیه السلام)، فالثلة الوحيدة التي يسلّم عليها الله من بيوتات الأنبياء سلاماً جمعياً كطاقم للدولة الإلهية الملكوتية المتمثلة هم آل محمد (علیهم السلام).
وهذه الولاية لا تقتصر على الملكوت على الأرواح قبل عالم الدنيا، ولا تقتصر على البرزخ والآخرة والجنة وغيرها، بل هي مرتبطة بالولاية السياسية في دار الدنيا أيضاً، كما يبين الصادق صلوات الله عليه في الحديث الذي يرويه الكليني في الجهاد الابتدائي جهاد الدعوة إلى الإسلام المرتبط بالطائفة الثالثة من الآيات، وهو حديث عظيم المضامين متضمن براهين قرآنية حيث يبين صلوات الله عليه أن الولاية السياسية على كل الأرض وتدبيرها لم يسندها الله عز وجل لإبراهيم ولا لموسى ولا لعيسى ولا لآدم، وانما أسندها حصراً فقط إلى محمد وآل محمد (علیهم السلام).
وهذا ليس ادعاءً، وانما حقائق القرآن تنطق وتفصح بهذا المعنى، وهذا الذي التزم القول به علماء الامامية أن الجهاد الابتدائي من صلاحيات المعصوم فقط، وبالتحديد من صلاحيات الأئمة الاثني عشر فقط، وليس من صلاحيات غيرهم.
فلم يقم النبي موسى بدعوة الامم الأخرى بالجهاد الابتدائي والجهاد العسكري، وان كان قد دعا فرعون، لكن بالذات هو منقذ لبني اسرائيل وكذلك لم يقم النبي عيسى بالجهاد الابتدائي لان شريعته لبني إسرائيل.
نعم لا ينكر أن دعوة الأنبياء لكل الأمم إلى الدين، ولهذا سمّوا في الروايات بأولي العزم لكن الكلام عن نظام الشريعة ونظام التشريع السياسي لا الدين الذي هو في الأصل المعتقد والعقيدة وجملة طقوس أركان الفروع كعبادات، فالحديث عن الجهاد الابتدائي هو عبارة عن الدعوة إلى الدين تحت ظل نظام عالمي موحد.
ورئاسة النظام العالمي الموحد في القرآن خاصة بسيد الأنبياء وأهل بيته حصرياً فقط، كما يدل على ذلك شواهد قرآنية مفعمة في آيات وسور من القرآن، كما نبّه على ذلك الصادق والأئمة (علیهم السلام) في الروايات، نظير آية الفيء في كل الأرض في سورة الحشر، أن ولايته بعد الله ورسوله هي لقربى الرسول كما هو الارتباط بين آية الجهاد الابتدائي الذي هو ولاية على النظام العالمي للبشر.
كما في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ... وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ» (1)بارتباطها بالشهادة وأن مقام الشهادة
1) سورة التوبة، الآيتان: 111-112.
نعته الله تعالى وصفاً للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومن بعده لبعض ذرية إسماعيل وإبراهيم وهم آباء وأجداد النبي وعترته ورهطه الأقربين الذين بعث (صلی الله علیه و آله و سلم) فيهم: ومقام الشهادة ذكره القرآن للعترة في سورة البقرة والحج كما مرّ.
ونظير آية مودة ذوي القربى التي هي الأخرى من آيات الولاية الخاصة بالقربى دون غيرهم كعدل للدين، وغيرها من طوائف الروايات الدالة على حصر الولاية العامة بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بقربى النبي من عترته أهل البيت (علیهم السلام) الشامل للدائرة الأولى أولاً وللدائرة الثانية ثانياً تبعاً.
وفيء الأرض يعني كل ثروات الارض وقد أسند ولايتها لمحمد وآل محمد (علیهم السلام) وولايتهم له بعد ولاية الله تعالى كما في سورة الحشر في قوله تعالى: «مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ...»(1)و(اللام)، في لفظ الجلالة ولفظ الرسول ولفظ ذوي القربى للولاية وملكية تدبير الفيء والتصرف الإداري في توزيعه، لا الملكية ذات الطابع المحدود باللون الفردي نظير ملكية الاشخاص لأموالهم الخاصة بسلطة محدودة قابلة للزوال.
«فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى» وهذا التحديد في طبقات الولاية لفيء الأرض ليس تعصّباً في منطق القرآن؟ وإنما لاصطفاء قربى سيد الأنبياء ولا يتوهم ان يتعصب الله لسيد الانبياء بنزعة عنصرية ترابية.
1) سورة الحشر، الآية: 7.
ومع ان النبي عيسى من اولي العزم وسينزل، ولكن لم يسند الله عز وجل فيء الأرض إليه. ورجوع النبي عيسى هو نمط من العقيدة بالرجعة، التي هي عقيدة قرآنية حقة كما تشير اليها العديد من الآيات القرآنية، ومنها قوله تعالى: «وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ» (1)، فالرجعة هي عقيدة قرآنية أصيلة، وعشرات الآيات دالة على ذلك.
وقد وردت آيات نَبَهَتْ عليها روايات اهل البيت (علیهم السلام) أنه ستكون رجعة لكل الأنبياء، ويرجعون إلى دار الدنيا، وإذا كانت للأنبياء رجعة الى الحياة مرة اخرى لكنهم لم ولن يكونوا وليسوا رؤساء للنظام العالمي الموحد.
بل يسند الله عز وجل إدارة وتدبير ووزارة أموال الأرض إلى النبي وعترته قرباه لأن رئاسة النظام العالمي الموحد هي من مختصات سيد الأنبياء وأهل بيته، الذين هم الطاقم القيادي الأعلى للدولة الإلهية على الأرض بنص القرآن الكريم وهو مضمون نص قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في يوم الدار عند نزول أمره تعالى: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» قال (صلی الله علیه و آله و سلم) مخاطباً بني هاشم: «بعثت إليكم بخاصة وبعثت إلى الناس بعامة»(2)إلى أنه (صلی الله علیه و آله و سلم) بعث بأمر الله تعالى بإنذارهم خاصة بأمور تخصهم من الله تعالى، وهي وظائف إلهية لقيادة النظام الإلهي العالمي الموحد في البشر، فهناك إنذار خاص بخاص للعشيرة الأقربين ورهطه المخلصين دون سائر الناس من العالمين.
وهذا سؤدد للمصطفين من بني هاشم أبدي يسودون فيه الخلائق في العوالم كلها وهو معنى الولاية للنبي وعترته من الدائرة الأولى تتبعهم الثانية.
وإن كان من الصعوبة عليك الإيمان بهذا الشيء وتقبل الحقائق فسيؤدي بك إلى الإعراض عن القرآن، قبل أن تعادي أهل البيت (علیهم السلام)، لأن القرآن هو الذي يؤسس هذه الامور وقبل أن تنصب العداوة أو الشبهات أو الجحود والإنكار لحديث الثقلين أو لحديث الأئمة الاثني عشر او لأي حديث عن أهل البيت تريد ان تجحده فلابد ان تجحد قبل هذا القرآن، لأن القرآن هو الذي يسوق الناس والبشر والملائكة لهذه الحقائق والمقامات في أهل البيت (علیهم السلام).
وآية الفيء هي الأنفال أيضاً، وآيتها عظيمة كما يقول الصادق «في سورة الانفال جدع الأنف» لأنه يرغم أنوف المعاندين والمستكبرين على أهل البيت، ويصادم كل من أراد ان يجحد هذه المقامات ويؤكد أن فيء الأرض لأهل البيت (علیهم السلام) الدائرة الأولى والدائرة الثانية.
وآية الفيء «مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى»(1)آية خالدة وأبدية كما أن آيات الرجعة خالدة وأبدية ومدة الرجعة خمسة أو أربعة أضعاف عمر الدنيا الأولى، ولم يجعل الله تعالى إبراهيم او نوحاً او موسى او عيسى أولياء لفيء الارض؟ وانما جعل ولايته لقربى النبي، الدائرة الأولى والدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام).
1) سورة الحشر، الآية: 7
وهل يتوهم ان القرآن يفرط في تعظيم أهل البيت؟ أم أن هذا المقام حق وحقيقة في عرش الدين يُنبئ عنه وهل يتوهم أن القرآن يبالغ في مركزية أهل البيت أم أنها حقيقة عظمى؟
وقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»(1)ليس اللفظ في الآية (اولي الامر من غيركم) بل أولي الامر هو المراد في قوله تعالى: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»(2)، وقد نزلت في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام)، فقد حصر القرآن الكريم الولاية بعد الله تعالى ورسوله في علي وآل علي ولم يجعلها الله للنبي عيسى، مع أن عيسى حيّ، ولا إلياس وهو أيضاً حيّ، وإدريس أيضاً حيّ، وأربعة من الأنبياء لازالوا أحياء، وهم الآن في حالة خفاء عنّا، وسيبعثون مَعَ الحُجّة بن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجه الشريف، أعواناً له وتبعاً.
وتشريع الجهاد الابتدائي، الذي يعبر عنه في لغة الفقه والقانون الدعوة لنظام عالمي موحد برئاسة المعصوم وقد خصصه القرآن بالنبي الاعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته وقرباه بهذه الدعوة.
ولاحظ هذا الاختصاص لسيد الأنبياء وأهل بيته دون النبي موسى (علیه السلام) فيما جرى بين النبي موسى والخضر في سورة الكهف؟
فبالرغم من أن موسى نبي ورسول من أولي العزم وإمام وهاد لبني إسرائيل، لكن ولايته لم تكن على مستوى كل الأرض، بحسب منطوق سورة الكهف. نعم شأنه الإدارة السياسيّة والاجتماعية والحكومية لبني إسرائيل، إلا أن ولايته ليست على كل الأرض، لأن ولاية كل الارض مقام خاص لخاتم الرسل (صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته، حتى النبي سليمان عندما حكم الأرض لم تكن ولايته بقدر ولاية سيد الأنبياء وأهل بيته على الارض ولا داود لمّا جعل خليفة الله في الأرض وآدم.
هذه الشواهد القرآنية التي مرت بنا في آية الفيء وحصرها الولاية والأجر على الدين في القربى للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، كما في قوله تعالى: «قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى»(1)ولم يخصص المودة بداود ولا سليمان ولا آدم، والمودة التي تعادل أجر الدين كله تعني الولاية، توادد القربى وتصافيهم، بصفاء بحيث لا يكون بينهم وبين قلبك وروحك كدورة، تعكّر الصفو والصفاء، والتعبير القرآني شفاف وخلّاب وعظيم، والمودة لها معانٍ عظيمة، ومن معانيها صدق المحبة.
وهذه الولاية المخصوصة بأهل البيت (علیهم السلام) سواء الدائرة الأولى وبتبعهم الدائرة الثانية لإدارة نظام الأرض، اعطي فيها لأبي الفضل العباس (علیه السلام) دورٌ ومقامٌ كما تشير إلى ذلك زيارته، بأن هناك مقامات لأبي الفضل في نظام إدارة البشر، وشرحها سيأتي إن شاء الله في الأدلة التفصيلية، عندما نبينها
1) سورة الشورى، الآية: 23.
ونستعرضها لكل شخصية من أفراد الدائرة الثانية، وسنبيّن في زيارته التي وردت بطرق عديدة عن الائمة (علیه السلام) أنلأبي الفضل (علیه السلام) في الآن الراهن دوراً يمارسه وولاية على البشر، وذلك طبقاً لأدلة قرآنية، وأنها أعطيت لمثل أبي الفضل من أفراد الدائرة الثانية من القرآن، ولم تعط الى النبي إبراهيم او موسى او عيسى او نوح وكذلك الحال في شأن ومقام حمزة عم النبي في الآن الراهن ممارسة وولاية كما سنبين ذلك في زيارة حمزة سيد الشهداء.
ومر بنا أن تشريع الجهاد الابتدائي لإقامة النظام الموحد لكل الأرض لم يشرع صلاحيته في شريعة إبراهيم لإبراهيم، ولا في شريعة موسى لموسى، ولا في شريعة عيسى لعيسى، ولا في شريعة نوح لنوح كما هو مفاد ومقتضى تخصيص ولاية فيء كل الأرض بعد الله ورسوله لقربى النبي كما في آية الفيء في سورة الحشر وآية المودة وآيات الولاية في الدين، وآيات الجهاد للحافظين لحدود الله كما في سورة البراءة، ونظير قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): «أعطيت خمساً لم يعطها أحد قبلي... وأحلّ لي المغنم...»(1).
فلقد كانت دعوتهم للدين كنذارة لكل الأرض بخلاف شرائعهم، فلم تعط لهم إجراء ولاية سياسية تنفيذية، ولذلك خصّص الجهاد بسيد الرسل، كما هو مفاد روايات الفريقين ان الجهاد الابتدائي، من صلاحية سيد الأنبياء وأهل بيته (علیهم السلام).
1) من لا يحضره الفقيه: ج2، ص241، الحديث 724؛ الخصال: ج1، ص293، الحديث 56.
لأن إدارة كل الأرض بعلم لدني تنظيري وعلم تنفيذي ولائي لم يزود به النبي إبراهيم والنبي نوح والنبي موسى والنبي عيسى مع عصمتهم، وبحسب نص القرآن أن علم القرآن مهيمن على الكتب السماوية السابقة، وهذا العلم للكتاب شهد به القرآن للمطهرين من أهل البيت وأورث علم الكتاب للذين اصطفاهم الله من بني هاشم.
وهي مقامات مختلفة كما في قوله تعالى: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ» (1) (فضلنا) اي ان درجات الصلاحيات تختلف فيما بينهم، كما تفصح بذلك سورة الكهف.
والخضر عون من أعوان الحجة بن الحسن العسكري والله العالم من اي دائرة محلّه من الإمام (علیه السلام)، فبالرغم من أنه من أعوان وأنصار الحجة بن الحسن (علیه السلام)، الا انه يتفوق على النبي موسى في الولاية السياسية والتنفيذية بينما يسند القرآن مركز الولاية هو لأهل البيت (علیهم السلام)، واما البقية ومنهم الخضر هم خدم وأعوان وأنصار.
ولو يلاحظ التوراة والانجيل وصحف ابراهيم والصحف القديمة، تجدون الجهاد الابتدائي وجهاد الدعوة لكل الارض تحت نظام عالمي موحد ليس هو من صلاحيات ابراهيم او موسى او عيسى، وانما هو من مختصات سيد الانبياء واهل بيته (علیهم السلام) كما تسالم علماء الامامية رضوان الله تعالى عليهم أنه صلاحية خاص بالمعصوم.
1) سورة البقرة، الآية: 253.
وهذا أمر ليس صدفة أو جزافاً وإنما هو امر عظيم يدل على درجات العلم والولاية والمقامات للدائرة الثانية، تبعاً للدائرة الأولى فحمزة له ولاية، وجعفر الطيار له ولاية، وأبو الفضل العباس (علیه السلام) له ولاية، وكذا علي الأكبر له ولاية (علیهم السلام)، وهي مرسومة في منظومة القرآن بمنظومة شبكة هذه الآيات القرآنية العظيمة التي لابد أن لا نقرأها لقلقة لسان، بل لابد ان نؤمن بمعانيها وحقائقها كما علّمنا أهل البيت (علیهم السلام)، فأهل البيت هم الذين ينيرون نور القرآن ويُجَلّون نوره.
الدليل الثامن
احتجاج النبي والأئمة بالائرة الثانية
الدلیل التاسع
سيرة المسلمين علی تقديس الدائرة الثانية
الدليل العاشر
الدليل العقلي علی اصطفاء الدائرة الثانية
ومما يدل على أنّ لحمزة وجعفر مقاماً اصطفائياً، أن فلسفة وحكمة اصطفاء الدائرة الثانية في بيوتات الأنبياء هو ان يكونوا دلالات وأبواباً وحججاً إلهية على حجية الدائرة الأولى يحتج بهم المعصومون الأربعة عشر في الروايات المتواترة أو المستفيضة.
وقد صرّح الإمام الباقر (علیه السلام) بذلك الاحتجاج في رواية مصححة السند، قال -فيها -:
«على قائمة العرش مكتوب (حمزة أسد الله وأسد رسوله وسيد الشهداء وفي ذؤابة العرش علي أمير المؤمنين فهذه حجتنا على من أنكر حقنا، وجحد ميراثنا، وما منعنا من الكلام وأمامنا اليقين، فأي حجة تكون أبلغ من هذا»(1).
1) الكافي للشيخ الكليني: ج1، ص224.
وصف هذه الحجة بأنها أبلغ الحجج على إمامة أهل البيت (علیهم السلام) وهو مقام الحمزة، وانّه أسد الله وأسد رسوله وكتابة هذا المقام على قائمة عرش الله.
وهذا الاحتجاج منه (علیه السلام) كما في احتجاج أمير المؤمنين (علیه السلام) على الصحابة في المواطن العديدة في يوم السقيفة وفي يوم الشورى المعروف بعد مقتل الثاني، فقد كان من ضمن احتجاجاته المستقلة هو الاحتجاج بمقام حمزة وجعفر، قال:
«نشدتكم بالله هل فيكم أحد له أخ مثل أخي جعفر المزين بالجناحين في الجنة يحل فيها حيث يشاء غيري؟»، قالوا: اللهم لا؛ قال (علیه السلام): «نشدتكم بالله هل فيكم أحد له عم مثل عمي حمزة أسد الله وأسد رسوله وسيد الشهداء غيري؟»، قالوا: اللهم لا...)(1).
في سياق احتجاجه بسبعين حجة ككونه أبا السبطين الحسن والحسين وككون زوجته فاطمة بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وبضعة منه وسيدة نساء أهل الجنة.
ولم يبلور هذا الدليل المفعم في جلّ كتب المتكلمين وكتب علماء الإمامية، في الحال أنّ مقام حمزة وجعفر أحد ادلة نبوة سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) وأحد أدلة إمامة أئمة أهل البيت، وكذلك مقام أبي الفضل العباس وعلي الأكبر ومقام السيدة زينب ومقام عبد المطلب (علیهم السلام).
1) الخصال: ج2، ص555، الحديث 31.
وقد ورد احتجاج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ولم يقتصر على حمزة وجعفر، بل احتج على نبوته ووصاية أمير المؤمنين بمقام عبد المطلب، ومقام عبد الله ومقام أبي طالب حيث يفتخر (صلی الله علیه و آله و سلم) بهم في جملة من مواطن خطبه وكلامه والافتخار منه (صلی الله علیه و آله و سلم) من لغات الاحتجاج، رغم أنّ مقام النبي والوصي (علیهما السلام) من أعظم المقامات، وهذا لا يتم بدون درجة عالية من الاصطفاء لحمزة وجعفر فضلاً عن أصل الاصطفاء.
فلو تأملنا أنّ سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يحتج في جملة من خطبه على نبوته بنبوة نوح، أو نبوة إبراهيم أو موسى، او عيسى، رغم أن نبوة النبي يذكرها القرآن بشكل صريح وواضح، وتذكرها الكتب السماوية السابقة (التوراة والانجيل) كقوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُم (1)، مع أن عموم تصديق أو بشارة الأنبياء السابقين بمقام أهل البيت (علیهم السلام) ورد في الكتب السماوية.
بل احتجاج سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) هو بلغة الافتخار بمقام حمزة وجعفر ومقام عبد المطلب، ومقام أبي طالب، ومقام عبد الله، كما في روايات الفريقين، وقد مرّت بنا نبذة من هذه الروايات.
1) سورة الصف، الآية: 6
وسيأتي التعرض لجملة من روايات الفريقين المتضمنة لافتخار النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) واحتجاجه بذلك، وهذا نظير ما ورد في القرآن في سورة الرعد وفي سور عديدة، من الاحتجاج على نبوة سيد الانبياء بعلي أمير المؤمنين كما في قوله تعالى: «وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ» (1)و(مَن) ويراد به بشر، والقرآن لا يشهد لبقية الأنبياء من أولي العزم، فضلاً عن أنبياء بني اسرائيل بأنّ عندهم علم الكتاب كلّه، بل ينعتهم أن عندهم علماً من الكتاب، أي: بعض الكتاب، فمن هو هذا الذي يشهد له القرآن بأنّه عنده علم كل الكتاب، وهو من الأمة الإسلامية؟ والحديث طويل وليس المقام لتبيان هذه الآية الشريفة العظيمة.
وحسب النصوص الحديثية والروائية القطعية بل الأدلة التاريخية والحاضرة العقلية أن الذي عنده علم الكتاب هو أمير المؤمنين علي (علیه السلام) ولكن إشارة مقتضبة لأحد شؤون امير المؤمنين علي بن ابي طالب (علیه السلام)، إذ البحث مُنْصَبٌ في الدائرة الثانية، لا في الدائرة الاولى.
فيحتج القرآن للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بعلي (علیه السلام)، وَإنْ كان عليٌ يتبع ويلي مقام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولا منافاة في البين، وهذا ليس تطرفاً من القرآن او غلوّاً بل هذه آيات إلهية قرآنية،
1) سورة الرعد، الآية: 43.
ومقام النبي أرفع، كذلك الحال في العلاقة بين حجية الدائرة الثانية وحجية الدائرة الاولى والاحتجاج بالثانية على الأولى.
وإنَّ أعظم شؤون الدائرة الثانية هو أنهم حجج وآيات للدائرة الأولى، كما أنّ أعظم شؤون أمير المؤمنين (علیه السلام) أنه آية لسيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم)، فهو كلمة الله وكلمة رسوله كما ورد في الزيارة، وهذه أعظم شؤون سيد الأوصياء أنه نفس النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، كذلك الحال في أن من أعظم شؤون أفراد الدائرة الثانية أنهم آيات للدائرة الأولى، وسيأتينا إنشاء الله، أن كل المعصومين من آيات سيد الأنبياء كما في طائفة من الروايات عند الفريقين مستفيضة ومتواترة عند العامة على حدة وكذلك عند الإمامية.
نستعرض نماذج من الطائفة الأولى من الروايات المنطبقة مع الطائفة الأولى من الآيات، وسنبين كيف أنّ الطائفة الأولى من الآيات منفتحة هندسياً واستدلالياً مع طوائف عديدة من الروايات ونذكر هذه الطائفة الأولى من الروايات وسنبين كيف أن الطائفة الأولى من الروايات مندرجة ومبينة للطائفة الأولى من الآيات، ومسيرنا في البدء بالتواتر والاستفاضة لا بالآحاد ولا يسع المجال لاستعراض كل الأرقام العددية لهذه الروايات ولهذه الطائفة، وإنما نشير لها بإشارات، وسنذكر جملة من اسانيدها ونماذجها ومصادرها.
وهذه الطائفة من الروايات المستفيضة بل المتواترة عند كل فريق ليست متواترة لمجموع الفريقين فحسب، بل متواترة عند كل فريق.
هذه الطائفة من الروايات العظيمة هي عبارة عن افتخار ومفاخرة واحتجاج، فلها ثلاثة عناوين افتخار ومفاخرة واحتجاج النبي والأئمة بأفراد الدائرة الثانية على مقامات افراد الدائرة الأولى، وأن النبي يحتج لنبوته بحمزة وجعفر، كاحتجاج سيد الأنبياء بحجج عديدة بمعاجز نبوية وإنباءاته ويحتج بأفراد الدائرة الأولى، فيحتج بعلي وفاطمة والحسن والحسين كما في آية المباهلة، في قوله تعالى: ﭐ«فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ» (1).
فالمباهلة هي احتجاج، احتج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأصحاب الكساء بالحسن والحسين وهما صبيان وهذا يشير إلى عظمة مقامهم وشأنهم وقد قال تعالى على لسان عيسى (علیه السلام): «قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا»(2)، وأما بالنسبة إلى سيدي شباب أهل الجنة ليست لهما نبوة ولكن جعلهما إمامين ومصطفين، «آتَانِيَ
الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا»، آتيناه الكتاب في المهد وهكذا شأن الحسنين، كما نص القرآن الكريم في آية المباهلة وهو كالنص القرآني الوارد في عيسى ويحيى.
«وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا» (1)، وأمام مرأى كل الناس والصحابة وزوجات النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فأصحاب الكساء هم مركز المدار، يبصر هذا النور من يبصره ويعمى عنه من يعمى، وآية المباهلة مفادها مقام عظيم لسنا في صدده ولكنه مثال برهاني احتجاجي قرآني ولابد من الانتباه إلى احتجاج القرآن على نبوة سيد الأنبياء بأصحاب الكساء؟ نص من الله في القرآن أنزله.
ومثال ذلك ما لو كانت لدينا عدة مصابيح، مصباح شديد التوهج ومعه مصابيح أخرى دونه في قوة الوهج والاشعاع، ولكن المصابيح الأخرى التي هي دون المصباح الأول في قوة الوهج والاشعاع بالتعاضد مع المصباح الأول في الوهج والاشعاع والنورية، بنحو لا يتدافع ولا يتقاطع معه ولا يقلل من وهجه بل يزداد المجموع منه وهجاً، فالمصابيح مجموعها تزداد توهجاً عندما تجتمع وتتحد مع بعضها البعض، وكذلك عندما تضع إنارة مصابيح في قاعة ما، فإنّ الانارة ستكون قوية وكلما تأتي بمصابيح اكثر فأكثر تزداد القاعة نوراً وتزداد توهجاً.
1) سورة مريم، الآية: 12.
وهكذا أيضاً الحجج، رغم التفاوت في الاشعاع والوهج، فيما بينهم ولكنه كلما اضيف اليهم حجة ازدادت تلك الحجج بهاؤها ونورها.
فالوصف الوارد لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) انه الدليل على من بعثته برسالاتك -لا ينافي ان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أعظم شأناً من امير المؤمنين (علیه السلام)، ولكن امير المؤمنين (علیه السلام) أحد الدلائل على نبوة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
وهذا ما وصفه أمير المؤمنين من شأن أبي طالب في رواية أمالي الطوسي:
«إن نور أبي طالب يوم القيامة ليطفئ أنوار الخلق...لأن نوره من نورنا الذي خلقه الله عز وجل من قبل خلق آدم بألفي عام»(1).
ومثالٌ آخر على ذلك؛ مخلوقات الله هي آيات الله. والآية ليست أعظم من ذي الآية وهي الذات الأزلية الإلهية، ومع ذلك صارت الآيات آيات له، وهذا لا ينافي التمييز بين عظمة الخالق عن عظمة المخلوق، ولا ينافي أيضاً انّ المخلوقات العظيمة التي هي فعل الله تكون آية له تعالى، ودالة وعلامة على عظمة خلقه والآيات دلالات على الله لأنها فعل الخالق، وأثرٌ للوصول إلى الخالق، وهذا لا ينافي أن الله هو أعظم من آياته لأنه خالقها وبارئها بل عظمتها شعاع من عظمته.
1) أمالي الطوسي: ج1، ص344، الحديث 611/ 58.
تُعَدُّ الدائرة الثانية حُجّة من حجج الدائرة الأولى، وبرهانٌ من براهين الدائرة الأولى، وآيةٌ من آيات الدائرة الأولى، وإن كان افراد الدائرة الأولى أعظم من أفراد الدائرة الثانية، والاستهانة - والعياذ بالله - بمرتبة الدائرة الثانية استهانة بالمرتبةالأولى، نظير ما يذكره القرآن الكريم من أن الكافرين لا يكذبون النبي ولكنهم يجحدون بآيات الله، قال تعالى: «قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ»(1)، لأنّ الآيات مضافة إلى الله تعالى، وترجع إلى الذات الإلهية فهم لا يكذبون النبي بما هو بشخصه القدسي ولكنهم بآيات الله يجحدون.
وهكذا الحال في إعظام شأن الدائرة الثانية هو تعظيم لشأن الدائرة الأولى، ومن شؤون تعظيم الدائرة الأولى هو تعظيم الدائرة الثانية، كما أن من شؤون تعظيم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هو تعظيم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام)، وكذلك من شؤون تعظيم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هو تعظيم فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، والمرء يحفظ في ولده، ومن شؤون تعظيم النبي تعظيم سبطيه سيدي شباب أهل الجنة وكذلك التسعة المعصومين من ذرية الحسين (علیهم السلام).
1) سورة الأنعام، الآية: 33.
ثم من شؤون تعظيم النبي واصحاب الكساء والدائرة الأولى بشكل عام هو تعظيم الدائرة الثانية بما جعل الله للدائرة الثانية من عظمة واصطفاء ودرجة بلا تقصير في حقهم ولا مغالاة بل معرفتهم بالمراتب التي رتبهم الله فيها، لأنّ الله تعالى رتب مقاماتهم ومراتبهم كما في نص زيارة عاشوراء التي هي في الأصل حديث قدسي، وهذه النكتة مهمة جداً.
لقد احتج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بحمزة وجعفر، ومقتضاه أن مقام حمزة وجعفر من افراد الدائرة الثانية مقام منيع، وقد ورد ذلك في روايات الفريقين وأن سيد الأنبياء يحتج ويفتخر بأفراد الدائرة الثانية، ولا يستقيم عقلاً منطقياً أن يفتخر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأمر غير اصطفائي إذ من البيّن أنه لا يجعل فخار سيد الأنبياء شيئاً غير اصطفائي وغيرحججي وغير برهاني، إذ الفخر والفخار إنما هو بالكمال الذي يرقى إلى سيد الأصفياء المصطفين إلى درجة الاصطفاء العالي المتناسب مع درجة اصطفاء سيد المرسلين (صلی الله علیه و آله و سلم) لا مجرد الاصطفاء.
ولم يقتصر سيد الأنبياء في الاحتجاج والمفاخرة الاصطفائية بأفراد الدائرة الثانية وكذا سيد الأوصياء على موطن واحد بل احتج في مواطن عديدة على خصمه، بحمزة وجعفر، وهي من ضمن عشرات بل مئات الحجج التي كانت له (علیه السلام) مع ما جعل الله له من حجج على جميع خلقه، وإحدى الحجج التي احتج بها سيد الأوصياء هو الاحتجاج بمقام حمزة وجعفر من افراد
الدائرة الثانية.
وكذلك احدى الحجج التي احتجت بها سيدة النساء صلوات الله وسلامه عليها بحمزة وجعفر من أفراد الدائرة الثانية، وكذلك إحدى الحجج التي احتج بها سيدا شباب أهل الجنة أيضاً هو الاحتجاج بمقام حمزة وجعفر وأبي طالب وخديجة عند احتجاجهما على إمامتهما كما في احتجاجات الحسن (علیه السلام) على معاوية واحتجاج الحسين (علیه السلام) يوم عاشوراء على معسكر ابن زياد(1).
فقد روى الصدوق في أماليه: في حديث طويل (قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «معاشر المسلمين هل أدلكم على خير الناس بعدي جدّاً وجدّة؟»، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «عليكم بالحسن والحسين (علیهما السلام) فإن جدّهما محمد المصطفى، وجدتهما خديجة بنت خويلد سيدة نساء أهل الجنة، وهي أول من سارعت إلى تصديق ما أنزل الله على نبيه وإلى الإيمان بالله ورسوله»، ثم قال: «يا معاشر المسلمين هل أدلكم على خير الناس عماً وعمة؟»، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «عليكم بالحسن والحسين فإن عمهما جعفر ذو الجناحين الطيار مع الملائكة في الجنة، وعمتهما أم هاني بنتأبي طالب»، ثم قال: «يا معاشر المسلمين هل أدلكم على خير الناس خالاً وخالة؟»،
1) أمالي الطوسي: ص2، ح709؛ كفاية الأثر: ص98؛ روضة الواعظين: ص122؛ مناقب الإمام أمير المؤمنين لابن سليمان الكوفي: ج2، ص411.
قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «عليكم بالحسن والحسين، فإن خالهما القاسم بن رسول الله وخالتهما زينب بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)،الحديث...»)(1).
فقد ذكر في هذا الحديث لاصطفائية الحسنين (علیهما السلام) بل لعلو اصطفائهما بجملة من أفراد الدائرة الاصطفائية الثانية:
خديجة بنت خويلد.
جعفر بن أبي طالب.
أم هانئ بنت أبي طالب.
القاسم بن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
زينب بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
وذكر ما في منظومة أصحاب الكساء وتبعاً لهم.
وفي روايات عديدة احتج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لسؤدد الزهراء صلوات الله عليها على الأمة وعلى بقية العالمين وأن سؤددها لا يقتصر على نساء العالمين، كما في إحدى النصوص التي رواها أبو بكر من فضائلها أنها سيدة الأمة، وهذا نص باعتراف الأول(2).
وهي رواية عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنها (عَلَيهَا السَّلَامُ) «سيدة أمة» أبيها ولا يقتصر على سيدة نساء العالمين بل سيدة الأمة هي فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) وأحد الموارد التي احتج بها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بجعفر وحمزة على سؤدد ابنته الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) قد رواه سليم بن قيس قال: (سمعت سلمان الفارسي يقول: كنت جالساً بين يدي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في مرضه الذي قبض فيه فدخلت فاطمة (عليها السلام)... فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): «أما تعلمين يا بنية إن من كرامة الله إياك أن زوّجك خير أمتي... وشهيدُنا خيرُ الشهداء [أعني حمزة عمي]»، قالت: «يا رسول الله سيد الشهداء الذين قتلوا معك»، قال: «لا بل سيد الشهداء من الأولين والآخرين ما خلا الأنبياء والأوصياء وجعفر بن أبي طالب ذو الهجرتين وذو الجناحين المضرجين يطير بهما مع الملائكة في الجنة...»)(1)، وهذا الاحتجاج يبين المقام الاصطفائي للدائرة الثانية.
كما احتج الإمام زين العابدين (علیه السلام) على إمامة الأئمة الاثني عشر بجعفر وحمزة في خطبته في الجامع الأموي قبال يزيد وكذلك في مصححة السند احتج الإمام الباقر (علیه السلام) بنجوم أفراد الدائرة الأولى والثانية بحمزة، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «...على قائمة العرش مكتوب: حمزة اسد الله واسد رسوله
1) سليم بن قيس: ج2، ص567؛ شرح نهج البلاغة: ج15، ص278، ذكر الجواب عما فخرت به بنو أمية.
وسيد الشهداء، وفي ذؤابة العرش علي امير المؤمنين فهذه حجتنا على من أنكر حقنا، وجحد ميراثنا وما منعنا من الكلام وامامنا اليقين، فأي حجة تكون أبلغ من هذا»(1).(فأي حجة تكون أبلغ من هذا) يعني أن هذه الحجة بالغة البرهان الإلهي للأفهام وبالغة البلاغة وواصلة في الوضوح إلى الغاية.
واحتج كل الأئمة (علیهم السلام) بالدائرة الثانية في ضمن الكثير المتكاثر من أنواع حجج أخرى.
وهذه نبذة من الروايات المستفيضة مجموعاً معنى أو إجمالاً والمتواترة كذلك للطائفة الأولى من الآيات.
إنّ إحدى حجج المعصومين الاربعة عشر النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة من ذرية الحسين (علیهم السلام) وإحدى براهينهم هو الاحتجاج بمقامات افراد الدائرة الاصطفائية من بني هاشم، وهذه طائفة ترتبط بالطائفة الأولى من الآيات برابطة القربى ورابطة أهل البيت، وهذا البيت المقدّس العظيم الإصطفائي على مرتبتين.
وهذه نماذج من طوائف الروايات التي تبين ان المراد من عنوان اهل
1) بصائر الدرجات: ج2، باب نادر في الكافي، ح1/ 224.
البيت الإصطفائي وانه على مرتبتين، وليس على مرتبة واحدة وهو عنوان عظيم قرآني أصيل اسلامي، فلابد أن يبين بالتواتر وبالاستفاضة.
إن احدى النوافذ والاضاءات لبيان عنوان اهل البيت (علیهم السلام) في آية التطهير هي مفاخرة واحتجاج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وبقية المعصومين (علیهم السلام) بأفراد الدائرة الثانية، وإن مفاخرة المعصومين بأفراد الدائرة الثانية ليست فخراً عشائرياً أو قبلياً بل هو فخار اصطفائي بمنطق قرآني إلهي.
وإن عنوان أهل البيت (علیهم السلام) هي شجرة أصيلة قرآنية اصطفائية، ولها أبعاد قرآنية عديدة وسيأتي البحث فيها مفصلاً.
نلاحظ قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ»(1).
وفي قراءة عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود الواردة من طرق العامة(2)
1) سورة آل عمران، الآية: 33.
2) تفسير البحر المحيط: ج2، ص454؛ صحيح مسلم: ج4، ص1782؛ الحديث 2267؛ صحيح البخاري كتاب أحاديث الأنبياء باب قول الله تعالى: واذكر في الكتاب مريم؛ تفسير الثعلبي سورة آل عمران/33، بإسناده لمصحف عبد الله بن عباس؛ تفسير الطبري سورة آل عمران ذيل الآية 33: الحديث 6851؛ شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: ج1، ص118-119، الحديث 165-167؛ تأويل الآيات الظاهرة للسيد شرف الدين النجفي: ج1، ص106، ح13؛ التبيان للطوسي ذيل الآية وأمالي الطوسي: ح152-153-154-155؛ نهج البيان للشيباني ذيل الآية ومجمع البيان للطبرسي ذيل الآية وغيرها من مصادر الفريقين ما هو مستفيض.
قراءة معروفة بطرق معتبرة في مصادر الفريقين تتمة لهذه الآية «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ ( وآل محمد) عَلَى الْعَالَمِينَ» (1)، والقراءات باب واسع، يقرّ بها جميع المسلمين.
ولا صلة لها بالتحريف بل هو باب يغاير التحريف المجمع على بطلانه، والفرق قائم بين باب القراءات وباب التحريف، وهذا أمر مقرر بوضوح في علوم القرآن الكريم، وباب القراءات مسلّم به عند جميع المسلمين وباب يختلف عن باب تحريف القرآن، ففي القرآن افتخار باصطفاء من يصطفيه الله كما في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ».
وعلى قراءة عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود (وآل محمد على العالمين)(2)وبقية القراءات فهي وإن لم تتضمن لعبارة (آل محمد) إلا أن آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) أيضاًمندرجون في آل إبراهيم (علیه السلام)، وآل إبراهيم هم نسل لإسماعيل وإسحاق، وكلا النسبين «ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»(3)، ومنطق القرآن الكريم هنا يبين أن الفخار والافتخار لهذه السلالة هو لإصطفاء إلهي
والاصطفاء الإلهي قائم على الامتحان والطاعة وقائم على التقوى والعلم وليس قائما على القبلية والعصبية، حاشا لله، وكذلك يذكر القرآن الكريم آل موسى وآل هارون في سورة البقرة في قوله تعالى: «...وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ...»
، ويذكر آل يعقوب في سورة مريم، وآل داود في سورة سبأ، وآل يس في سورة الصافات وهم آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم).
وقد بيّن الرضا (علیه السلام) بياناً شافياً لمعنى آل يس.
إذ (إل) بالكسر في اللغة العربية يعني آل، إل بمعنى: (الرحم) كما في قوله تعالى: «لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ»(1)وتقرأ الآية على قراءتين (سلامٌ على آل يس) بالفتح أو (سلام على إل يس) بالكسر.
والمقصود بها هم آل محمد (علیهم السلام)، لأن يس اسم من أسماء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وليس المقصود به النبي إلياس لأن لفظ إلياس يغاير (إل ياسين).
ولسنا في صدد الخوض في هذا البحث بل الاشارة إلى أن آل سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم)، أدرجهم القرآن مدارج الأنبياء في السلام الإلهي، وهذا السلام القرآني شبه بالسلام الرئاسي الرسمي وتحية الدولة الإلهية، وليست دولة بشرية ولكنها دولة إلهية.
1) سورة البراءة، الآية: 10.
سلام تحية من رب العرش الإلهي لأعضاء الدولة الإلهية، وتسليم الله تعالى تحية رسمية إلهية لآل سيد الأنبياء (علیهم السلام) ولم يسلم على آل أي نبي غيرهم في القرآن، قال تعالى: «سلام علی آل يس (آل ياسين)...».
وقال الله عز وجل في شأن آل إبراهيم: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا» (1).
والمراد ب(ملكاً عظيماً) هي الإمامة والسلطة (ملكاً) يعني سلطة الملكوت والملك، فكيف بآل ياسين الذين أعظم الله عز وجل شأنهم على آل إبراهيم، خذ المعادلة والمعايير واستنتج ولا تجمد الفكر لئلا يصيبك سبات ذهني، فتعمى بصيرة العقل عن الحقائق الإلهية، وإذا كان القرآن يعظم من آل إبراهيم ويقول: أيضاً أن آل يس أعظم من آل ابراهيم، وهم إل ياسين وهم آل محمد (علیهم السلام)، فكيف يكون مقامهم وشأنهم وتعظيمهم؟
1) سورة النساء، الآية: 54.
ان التفخيم والتعظيم الإلهي في القرآن ليس تجذيراً وتكريساً لعصبية عشائرية وقبلية، وانما هو غيرة إلهية على هؤلاء الاصفياء، وبرهان إلهي على صفوة وأهلية هؤلاء الاصفياء، وأصل فخامة وفخار المنطق الإلهي لهؤلاء ليس هو في جانبترابي أرضي وحسب بل إنّ هذا الافتخار هو للاصطفاء، والاحتجاج، والفضائل والتفضيل في القرآن ليس شعراً أو مدحاً أو أمسية شعرية والعياذ بالله، بل هي حقائق وحقيقة في الفضائل واصطفاء، واحتجاج.
عندما يفاخر سيد الأنبياء ويفاخر كل المعصومين الاربعة عشر بحمزة وجعفر، وبزينب (علیهم السلام)، وبأبي الفضل العباس (علیه السلام) وبأفراد الدائرة الثانية فإن فخارهم هذا ليس عشائرياً عرقياً قبائلياً عنصرياً حاشا وكلا، ولا عصبية حاشا، وكلا، ولا شعراً حاشا وكلا، ولا دغدغة عواطف حاشا وكلا.
إنما هو بيان وبرهان للاصطفاء، والتحليل العقلي لهذه الطائفة من الروايات المستفيضة عند الخاصة بل المتواترة والمستفيضة عند العامة(1)أيضاً، أنّ الأربعة عشر معصوماً بدءً من سيد الأنبياء، وسيد الأوصياء،
1) وقد أشرنا إلى بعض هذه الروايات في المصادر في ملاحق الجزء الثاني من هذا الكتاب،- -وسيأتي في ملاحق هذا الجزء.
وسيدة النساء، وسيِّدَيْ شباب أهل الجنة، وسيد العابدين وسيد العلماء الباقر للعلوم، وسيد الصادقين، وسيد الكاظمين - كلّهم سادة صلوات الله عليهم - وسيد الراضين المرضين، وسيد الأجودين، وسيد الهادين، وسيد النقيين، وسيد الهداة المهدي (علیهم السلام) احتجوا وافتخروا افتخاراً احتجاجاً بأفراد الدائرة الثانية المصطفاة، وهو بيان عقلي واضح.
لاشك ولاريب في أن المعصومين الأربعة عشر لا يحتجون إلا بحجج اصطفائية في احتجاجاتهم ولا يستقيم استدلالهم واحتجاجهم بحجة غير اصطفائية؟ وهذه الحجة ليست جعليه اعتبارية، ولا حجة فرعية قانونية كمرتبة حجية الفقهاء.
بل إن مقام وحجية أفراد الدائرة الثانية حجية تكوينية اصطفائية، لأن المعصوم يحتج على مقام اصطفائي وتكويني، والروايات من الفريقين واضحة وصريحة في احتجاج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) واحتجاج المعصومين الأربعة عشر وافتخارهم بأفراد الدائرة الثانية.
وهذا أبين برهان وأحد البراهين المهمة في هذه الطائفة الأولى من الروايات المستفيضة المتواترة ولسنا نعتمد على خبر صحيح واحد أو اثنين أو ثلاثة، بل تواتر عند العامة فضلاً عن الخاصة فضلاً عن النصوص القطعية القرآنية كما في سورة الحج وغيرها، ومفادها مفاخرة النبي وأهل البيت الأربعة عشر
معصوماً بأفراد الدائرة الثانية مفاخرة احتجاج، والمقام الإصطفائي لا يحتج عليه إلا بشيء اصطفائي.
وقد يعترض قائل بأن كفار قريش لا يعترفون بنبوة النبي فكيف يحتج عليهم بمن هو تابع له؟ والجواب: أنه لا منافاة بين الأمرين فإنه زيادة ومزيد من اقامة الحجج فسيد الأنبياء له حجج عظيمة اخرى كفيلة وكثيرة وهذه احدى الحجج العظيمة التي يذكرها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مع ما له من الحجج البالغة على جميع المخلوقات والتي تزيده في إبلاغ الحجج بحجج أكثر وأكثر، وهذا نظير معرفة الله تعالى بفعله المخلوق له كآية دالة على الفاعل والآيات دلالات وإن كانت هي مخلوقة والمخلوق دون الخالق.
والقرآن الكريم يبرهن على نبوة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بمقام أمير المؤمنين علي (علیه السلام) تأكيداً على صدق دعوته كما في قوله تعالى: «...كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ» (1)، وقد يتساءل البعض: كيف يراد من (من عنده علم الكتاب) علي بن أبي طالب، وكفار قريش لا يعترفون بالنبي فضلاً عن أمير المؤمنين؟
فيجاب بأن احتجاج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأمير المؤمنين علي (علیه السلام) يزيده حجة إلى حججه ونوراً إلى أنواره وكما أن القرآن الكريم برهان وحجة على قريش، وإن لم تعترف قريش بأنّ القرآن من الله، ولكن ذات القرآن هو نور ذاتي وهّاج وها هي البشرية تستشف يوماً بعد آخر من القرآن الكريم انه نور
1) سورة الرعد، الآية: 43.
ذاتي وهّاج في كل مجالات العلوم والمعلومات.
ولقد سجّل كل المنظّرين في حقول الاقتصاد الغربي في الأزمة الاقتصادية وأقرّوا وكذا عدة من مشاهير قساوستهم المنصفين بإعجاز تشريع القرآن المحمدي، واعترفوا أنّ بتركهم هذا المنهاج العظيم حصلت لهم هذه الأزمة الاقتصادية في الغرب التي لا يزال إلى الآن يعاني من هذه الكارثة ويئن منها، وقد اعترف مُنَظِّر المصرف العالمي أن الربا يقضّ مضجع البشر، واعترف أيضاً بأنّه لا يمكن إقامة نقد عادل بغير الذهب والفضة يمانع من التلاعب في المال والماليات وإنهما أحد أسباب التخلّص من أزمات الاقتصاد.
وربما هناك من يقول: لم حصر النبي الزكاة في الذهب والفضة، والحال أن روّاد علماء النقد والمال في الغرب يعترفون بعظمة حصر النقد في الذهب والفضة ويعترفون ب- (أنّه سر إلهي في نشأة الأرض) إذ النقد الورقي مما يمكن التلاعب به فضلاً عن الإلكتروني، فالقرآن لا يزال معجزة يتحدى العالم بجحافله النورية.
ورغم ذلك ربما نجد في الوسط الداخلي للأسف من ينهزم عن جادة الدين -والعياذ بالله- مع أن الغرب يعترف بعظمة هذا القرآن وبأنه وهاج، ولو أراد الباحث المتتبع أن يحصي تصريحات العقول النابغة في الغرب فقط حول اعجاز تشريع القرآن الكريم لانتشال الاقتصاد البشري المتأزم -لكان في دهشة وحيرة من مدى اعتراف هؤلاء بعظمة القرآن، وعظمة التشريع المحمدي.
فالقرآن عندما يحتج للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأمير المؤمنين علي (علیه السلام) لإثبات حجته الكبرى كما في قوله تعالى: «...كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ» فهذا يؤكد أنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) هو برهان إلهي ذاتي وإن لم تكن قريش تستجيب للنظر في هذا البرهان لنبوة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ولكن يبقى القرآن الكريم هو نور وبرهان ذاتيلمن أراد أن يتبصر ويتعرف على الحقيقة، ومن يحتج به القرآن هو نور وبرهان ذاتي أيضاً.
وإنّ من براهين أمير المؤمنين علي (علیه السلام) قلعه باب خيبر، ليس الباب فحسب بل الموقع الجغرافي لكل قلعة خيبر لا تزال ملحمة اعجازية عسكرية، وإن اعجازات أمير المؤمنين (علیه السلام) واعجازات النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ليست فكرية نظرية فقط، بل إن هناك اعجازات مادية جغرافية لا زالت ماثلة وباقٍ اعجازها الجغرافي وهو محط فخر وافتخار لكل من ينتمي إلى صاحب الاعجاز.
قد ورد احتجاج ائمة اهل البيت (علیهم السلام) مستفيضاً في روايات الفريقين لإمامتهم بمقامات حمزة ومقام جعفر، وهذا باب من ابواب الحجج لإمامة اهل البيت (علیهم السلام) لم يفتح على مصراعيه في جملة كثيرة من كتب الاعتقادات لدى الأصحاب، مع ان هذه الدلالة من الحجية لإمامة اهل البيت (علیهم السلام) قد وصفت كما مرّ في إحدى الروايات عن الباقر (علیه السلام) أنها من ابلغ الحجج.بل قد ورد في روايات مستفيضة عند الفريقين أيضاً احتجاج سيد الانبياء بذلك وتبيانه (صلی الله علیه و آله و سلم) لفضائل أهل البيت (علیهم السلام) ومفاخرته من باب دلائل الاصطفاء لا من باب العصبية بمقام حمزة وجعفر بذلك.
وهذا يقتضي أنّ مقامات أفراد الدائرة الثانية من اهل البيت (علیهم السلام) هي بمثابة حجج ودلائل برأسها على امامة الدائرة الأولي من اهل البيت (علیهم السلام)، وذلك يقتضي أيضاً حجية أفراد الدائرة الثانية في أنفسهم وذواتهم أصالةً وإن كانت حجيتهم دون حجية أفراد الدائرة الأولى.
وقد روى الصدوق بسند موثّق في اكمال الدِّين عَنْ سُلَيمِ بْنِ قَيسٍ الْهِلَالِي قَالَ سَمِعْتُ سَلْمَانَ الْفَارِسِي رَضِي الله عَنْهُ قَالَ كُنْتُ جَالِساً بَينَ يدَي رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فِي مَرْضَتِهِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا فَدَخَلَتْ فَاطِمَةُ (عَلَيهَا السَّلَامُ) فَلَمَّا رَأَتْ مَا بِأَبِيهَا صَلَوَاتُ الله عَلَيهِ وآلِهِ مِنَ الضَّعْفِ بَكَتْ حَتَّى جَرَتْ دُمُوعُهَا عَلَى خَدَّيهَا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَا يبكِيكِ يا فَاطِمَةُ؟ قَالَتْ: يا رَسُولَ الله أَخْشَى الضَّيعَةَ عَلَى نَفْسِي ووُلْدِي بَعْدَكَ»، فَاغْرَوْرَقَتْ عَينَا رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بِالبُكَاءِ ثُمَّ قَالَ: «يا فَاطِمَةُ أَمَا عَلِمْتِ أَنا أَهْلُ بَيتٍ اخْتَارَ الله لنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيا... يا بُنَيةُ إِنَّا أَهْلُ بَيتٍ أَعْطَانَا الله عَزَّ وجَلَّ سَبْعَ خِصَالٍ لَمْ يعْطِهَا أَحَداً مِنَ الْأَوَّلِينَ كَانَ قَبْلَكُمْ ولَا يعْطِيهَا أَحَداً مِنَ الْآخِرِينَ غَيرَنَا نَبِينَا سَيدُ الْمرْسَلِينَ وهُوَ أَبوكِ ووَصِينَا سَيدُ الْأَوْصِياءِ وهُوَ بَعْلُكِ وشَهِيدُنَا سَيدُ الشُّهَدَاءِ وهُوَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمطَّلِبِ وهُوَ عَمُّ أَبِيكِ»، قَالَتْ: «يا رَسُولَ الله وهُوَ سَيدُ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ قُتِلُوامَعَكَ»، قَالَ: «لَا بَلْ سَيدُ شُهَدَاءِ الْأوَّلِينَ والْآخِرِينَ مَا خَلَا الْأَنبِياءَ والْأَوْصِياءَ وجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ذُو الجَنَاحَينِ الطَّيارُ فِي الْجنَّةِ مَعَ الْملَائِكَةِ وابْنَاكِ حَسَنٌ وحُسَينٌ سِبْطَا أُمَّتِي وسَيدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ ومِنَّا والَّذِي نَفْسِي بِيدِهِ مَهْدِي هَذِهِ الْأُمةِ الَّذِي يمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً
وجَوْراً»، قَالَتْ «فَأَي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّيتَ أَفْضَلُ»، قَالَ: «عَلِي بَعْدِي أَفْضَلُ أُمَّتِي وحَمْزَةُ وجَعْفَرٌ أَفْضَلُ أَهْلِ بَيتِي بَعْدَ عَلِي (علیه السلام) وبَعْدَكِ وبَعْدَ ابْنَي وسِبْطَي حَسَنٍ وحُسَينٍ وبَعْدَ الْأَوْصِياءِ مِنْ وُلْدِ ابْنِي هَذَا» وأَشَارَ إِلَى الحُسَينِ «ومِنْهُمُ الْمَهْدِي إِنَّا أَهْلُ بَيتٍ اخْتَارَ الله عَزَّ وجَلَّ لنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيا...»)(1).
وغيرها من الروايات لدى الفريقين المستفيضة الواردة في افتخاره (صلی الله علیه و آله و سلم) بحمزة وجعفر.
ولا تخفى دلالة هذه الرواية على إخبار سيد الانبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) عن هذه النعمة الإلهية الاصطفائية الخاصّة بأهل بيته بأن جعل منهم سيد الشهداء حمزة ولا يصحّ من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) المباهاة الا لما هو فضيلة اصطفائية إلهية وكذلك الحال في شأن جعفر الطيار.
وفِي احْتِجَاج أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (علیه السلام) عَلَى أَهْلِ الشُّورَى «نَشَدْتُكُمْ بِالله هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ لَهُ أخٌ مِثْلُ أَخِي جَعْفَرٍ المزَينِ بِالجَنَاحَينِ فِي الجَنَّةِ يحُلُّ فِيهَا حَيثُ يشَاءُ غَيرِي»، قَالُوا اللَّهُمَّ لَا قَالَ: «نَشَدْتكُمْ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ لَهُ عَمٌّ مِثْلُ عَمِّي
1) كتاب سليم بن قيس: ج2، ص565، كمال الدين: ج1، ص263.
حَمْزَةَ أَسَدِ الله وأَسَدِ رَسُولِهِ وسَيدِ الشُّهَدَاءِ غَيرِي» قَالُوا اللَّهُمَّ لَا(1).حيث احتجّ أمير المؤمنين (علیه السلام) على أهل الشورى بأنّ أخاه جعفراً الطيار وأنّه عمه حمزة أسد الله وأسد رسوله دونهم، وهذا الاحتجاج لا يتم الا بكون مقام حمزة وجعفر مقامين اصطفاءين، ويتمّ التقريب بأنّ أهل البيت (علیهم السلام) يعمّهم الاصطفاء لاسيما وأنّ شأن علي بن ابي طالب (علیه السلام) مقدّم على حمزة وجعفر اذ لو كان مقامهما مجرّد جزاء معتاد للأعمال الصالحة كما في بقية الصالحين لما تمّ الاستدلال والاحتجاج.
في الخصال «يا علي إن الله تبارك وتعالى بشرني فيك ببشرى لم يبشر بها نبياً قبلي بشرني بأنك سيد الأوصياء وأن ابنيك الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة يوم القيامة، وأما السادسة والعشرون فإن جعفراً أخي الطيار في الجنة مع الملائكة المزين بالجناحين من در وياقوت وزبرجد، وأما السابعة والعشرون فعمي حمزة سيد الشهداء في الجنة»(2).
وغيرها من الروايات الواردة عنه (علیه السلام) في ذلك.
ورد في الأمالي للشيخ الطوسي بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (علیه السلام) قَالَ: «قَالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِي (علیه السلام) فِيمَا احْتَجَّ عَلَى مُعَاوِيةَ وكَانَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لِرَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عَمُّهُ حَمْزَةُ وابْنُ عَمِّهِ جَعْفَرٌ فَقُتِلَا شَهِيدَينِ رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَتْلَى كَثِيرَةٍ مَعَهُمَامِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فَجَعَلَ الله تَعَالَى حَمْزَةَ سَيدَ الشُّهَدَاءِ مِنْ بَينِهِمْ وجَعَلَ لِجَعْفَرٍ جَنَاحَينِ يطِيرُ بِهِمَا مَعَ الْمَلَائِكَةِ كَيفَ يشَاءُ مِنْ بَينِهِمْ وذَلِكَ لِمَكَانِهِمَا مِنْ رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ومَنْزِلَتِهِمَا وقَرَابَتِهِمَا مِنْهُ (صلی الله علیه و آله و سلم) وصَلَّى رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عَلَى حَمْزَةَ سَبْعِينَ صَلَاةً مِنْ بَينِ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا مَعَه»(1).
ولا يخفى أن هذه الاحتجاجات ليست لمجرّد بيان الاولوية والافضلية في الترجيح دون افادة التعيين الاستحقاقي اللومي لانّهم (علیهم السلام) في صدد المقام الثاني لا الأوّل.
1) الامالي للطوسي: ص7
(وتقدم الحسين (علیه السلام) حتى وقف بإزاء القوم فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنهم السيل ونظر إلى ابن سعد واقفاً في صناديد الكوفة فقال الحسين (علیه السلام): «الحَمْدُ لله الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيا فَجَعَلَهَا دَارَ فَنَاءٍ وزَوَال... اتَّقُوا الله رَبَّكُمْ ولَا تَقْتُلُونِي فَإِنَّهُ لَا يحِلُّ لَكُمْ قَتْلِي ولَا انْتِهَاكُ حُرْمَتِي فَإِنِّي ابْنُ بِنْتِ نَبِيكُمْ وجَدَّتِي خَدِيجَةُ زَوْجَةُ نَبِيكُمْ ولَعَلَّهُ قَدْ بَلَغَكُمْ قَوْلُ نَبِيكُمْ الْحَسَنُ والْحُسَينُ سَيدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّة... ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَانْسُبُونِي فَانْظُرُوا مَنْ أَنَا ثُمَّ رَاجِعُوا أَنْفُسَكُمْ وعَاتِبُوها فَانْظُرُوا هَلْ يصْلُحُ لَكُمْ قَتْلِي وانْتِهَاكُ حُرْمَتِي أَلَسْتُ ابْنَ نَبِيكُمْ وابْنَ وَصِيهِ وابْنَ عَمِّهِ وأَوَّلِ مُؤْمِنٍ مُصَدِّقٍ لِرَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ أَولَيسَ حَمْزَةُ سَيدُ الشُّهَدَاءِ عَمِّي أَولَيسَ جَعْفَرٌ الطَّيارُ فِي الْجَنَّةِ بِجَنَاحَينِ عَمِّي...»(1).`
«أَنْشُدُكُمُ الله هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ سَيدَ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةَ عَمُّ أَبِي قَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ فَأَنْشُدُكُمُ الله هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جعفر [جَعْفَراً] الطَّيارَ فِي الْجَنَّةِ عَمِّي قَالُوا اللَّهُمَّ نَعَم»(2).
كما في خطبته في الشام «أيها الناس أعطينا ستاً وفضلنا بسبع أعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين.... وفضلنا بأن منا النبي المختار محمداً (صلی الله علیه و آله و سلم) ومنا الصديق الطيار ومنا أسد الله وأسد الرسول ومنا سيدة نساء العالمين فاطمة البتول ومنا سبطا هذه الأمة سيدا شباب أهل الجنة»(1).
في مصحّحة عن عبد الرحمن بن كثير والصفار في بصائر الدرجات عن عبد الرحمن بن بكير الهجري عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: «عَلَى قَائِمَةِ الْعَرْشِ مَكْتُوبٌ حَمْزَةُأَسَدُ الله وأَسَدُ رَسُولِهِ وسَيدُ الشُّهَدَاءِ وفِي ذُؤَابَةِ الْعَرْشِ عَلِي أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ فَهَذِهِ حُجَّتُنَا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ حَقَّنَا وجَحَدَ مِيرَاثَنَا ومَا مَنَعَنَا مِنَ الْكَلَامِ وأَمَامَنَا الْيقِينُ فَأَي حُجَّةٍ تَكُونُ أَبْلَغَ مِنْ هَذَا»(2).
فقوله تعالى (علیه السلام): «فَهَذِهِ حُجَّتُنَا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ حَقَّنَا وجَحَدَ مِيرَاثَنَا» وتقريب الدلالة في هذا مواضع:
الأول: نعت (علیه السلام) حمزة بلحاظ وجود اسمه على قائمة العرش بالحجية وبهذا التقريب يكون مفاد الحديث صريحاً في حجية حمزة الاصطفائية.
الثاني: كتابة اسمه بذلك اللقب على قائمة العرش وهذا يرمز إلى خطورة دور حمزة وأمثاله من أفراد الدائرة الثانية من أهل البيت بحيث ينوّه باسمهم في مقام عرش تدبير عوالم الخلائق.
الثالث: إن كتابة اسمه على العرش لم نقف لنظيره في بقية الأنبياء من أولي العزم أن اسمهم مكتوب على قائمة العرش.
الرابع: وهو كالمستفيض في أحاديث أمير المؤمنين (علیه السلام) وهو احتجاج ائمة اهل البيت (علیهم السلام) على امامتهم، بأنّ حمزة اسد الله واسد رسوله وسيد الشهداء وقد استفاض في مصادر الفريقين احتجاج علي (علیه السلام) على امامته واستحقاقه لخلافة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) دون غيره بأنّ حمزة سيد الشهداء عمّه.
كما قد استفاض باحتجاجه لإمامته وأنّ الخلافة حقّه وبأنّ جعفراً الطيار مع الملائكة أخاه وهذا ممّا يشهد بمقامٍ عظيم لحمزة ولجعفر الطيار حيث أنّ مقاميهما بمكانة من الاصطفاء يحتجّ بها لإمامة اهل البيت (علیهم السلام)، مع أنّ امامة اهل البيت (علیهم السلام) بمكانة عظيمة من الحجية والاصطفاء تفوق حجية واصطفاء بقية الانبياء.
وهذا شأن عظيم جدّاً لحمزة ولجعفر أن يكونا من الدلائل الإلهية العظيمة البالغة لإمامة اهل البيت (علیهم السلام)، كما ينبّه على هذا المفاد المستفيض في روايات الفريقين من احتجاج علي (علیه السلام) لحقّه وامامته بمقام عمّه حمزة وبمقام أخيه جعفر.
وكون مقامات أصحاب الدائرة الثانية من اهل البيت (علیهم السلام) من الدلائل والحجج على امامة اهل البيت (علیهم السلام) هو شأن عظيم لأفراد الدائرة الثانية من اهل البيت (علیهم السلام).
وقد روي أنّ النَّبِي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لِفَاطِمَةَ: «شَهِيدُنَا سَيدُ الشُّهَدَاءِ وهُوَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وهُوَ عَمُّ أَبِيكِ قَالَتْ يا رَسُولَ الله وهُوَ سَيدُ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا مَعَكَ قَالَ لَا بَلْ سَيدُ شُهَدَاءِ الْأَوَّلِينَ والْآخِرِينَ مَا خَلَا الْأَنْبِياءَ والْأَوْصِياءَ وجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ذُو الْجَنَاحَينِ الطَّيارُ فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ»(1).
فهذه الطائفة من احتجاج أهل البيت (علیهم السلام) بمقام حمزة وجعفر هي كاحتجاجهم بمقام سيد الأوصياء وبمقام سيدة النساء وبمقام سيِّدَيْ شباب أهل الجنة ومقام الحجة ابن الحسن العسكري المهدي (عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَي فَرَجَهُ الشَریف)، ومقام الدائرة الثانية أحد حجج نبوة سيد الأنبياء بنحو مستفيض في روايات الفريقين بل متواتر.
وهذا يدل على أن حكمة اصطفاء دائرة ثانية في بيوتات الأنبياء هو ان يكونوا أدلاء ودلالات وأبواباً وحججاً إلهية على حجية الدائرة الاولى.
1) الخصال: ج2، ص412.
وصرح بذلك الباقر (علیه السلام) في الرواية المصححة السند المتقدمة وأنه كفى في حجية إمامة اهل البيت (علیهم السلام) من الائمة الاثني عشر مقام الحمزة وانه اسد الله واسد رسوله وانه مكتوب اسمه في العرش.
كما كثر احتجاج امير المؤمنين في مواطن عديدة على الصحابة في يوم السقيفة او في يوم الشورى المعروف، بعد مقتل الثاني، ضمن احتجاجه كحجة مستقلة بمقام حمزة وجعفر.وكما مرّ لم نقف في كتب المتكلمين حسب استقراء ناقص - على بلورة لهذا الدليل المفعم والحال انه أحد أدلة نبوة سيد الأنبياء وأحد ادلة امامة ائمة اهل البيت مقام حمزة وجعفر.
وكذلك الحال في مقام أبي الفضل العباس ومقام زينب سلام الله عليها ومقام عبد المطلب (علیه السلام).
ولابد من التنبيه على أن احتجاج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)لم يقتصر على حمزة وجعفر بل احتج بمقام عبد المطلب، ومقام عبد الله ومقام أبي طالب، واحتجاج سيد الانبياء على نبوته، ونبوته أعظم مقام، ومقامه من أعظم المقامات على الإطلاق، وكذا الاحتجاج لوصاية امير المؤمنين وانه سيد الوصيين وهو خطب عظيم.
ولو تأملنا بوقفة تدبر زيادة على ما سبق، أنّ سيد الأنبياء لم يحتج بنبوة خصوص النبي عيسى، او بخصوص النبي موسى، او بخصوص النبي ابراهيم،
او بخصوص النبي نوح او آدم، وانما احتج (صلی الله علیه و آله و سلم) بمجموع سلسلة مسار الأنبياء كما في قوله تعالى: «قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ»(1)، كما في احتجاج القرآن «لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ»(2)، نعم وقع الاحتجاج بما في التوراة والانجيل«وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ»(3)وهذا احتجاج بكتب الله السابقة.
ولكن لم يقع الاحتجاج بخصوص نبوة أحد من الانبياء ولا يحضرني موضع في القرآن أو في الروايات احتج سيد الانبياء على مقامه او اهل البيت على مقام إمامتهم بخصوص نبوة نبي من الانبياء. نعم عموم سلسلة الأنبياء والرسل من تصديق أو بشارة الانبياء السابقين بمقام اهل البيت قد ورد ووقع في الاحتجاجات لأهل البيت.
بينما نلاحظ احتجاج سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) هو بمقام عبد المطلب، وبمقام أبي طالب، وبمقام عبد الله، في روايات الفريقين.
واحتج بمقام الحمزة وجعفر، وهو بيان واضح منطلق من اصطفاء الدائرة الثانية لأهل البيت (علیهم السلام) دائرة بل درجة من الاصطفاء ليست بالدرجة العامة بل الخاصة العالية.
وقد مرَّ بنا في تفسير الآية الكريمة -كما بينه اهل البيت (علیهم السلام) أنّ النبي ابراهيم دعا الله تعالى أن ينال درجة التسليم والإسلام التي سينالها
أفراد الدائرة الاصطفائية من بني هاشم (أهل البيت) في قوله تعالى: «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ»(1)وهذا الدعاء والطلب بعد النبوة والرسالة والإمامة التي نالها بعد امتحان «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا»(2)وهذه دلالة مبينة في روايات عديدة.
سيرة المسلمين المركوزة على تقديس الدائرة الثانية لأهل البيت (علیهم السلام) في الفضل الاصطفائي
وإنّ هذا الانجذاب من كافة المسلمين لأفراد ونجوم الدائرة الثانية، لم يأت جزافاً او اعتباطاً او صدفةً، او تسامحاً، ولم يكن في بلد من البلدان دون غيره او عند جيل من الاجيال دون غيرهم او في قرن من القرون دون غيره، بل تعدى مداهُ البلدان والمدن وتعدى الأجيال وعلى مدار القرون، فإنه مركوز في الهوية الدينية ولا يمكن ان يكون صدفة ولا عفوية، ولابد ان يستخرج ويفسر ويبين، حقائقه لأن الدين مخزون كبير مركوز يحتاج الى استخراج، ويحتاج الى بسط وشرح.
ووظيفة العلماء من كافة المسلمين جيلا ًبعد جيل أن يبذلوا الجهد في استخراجا تفاصيل هذا الدين العظيم طبقات هذا الدين المكدسة والمخزونة.
وفي زيارات عديدة لأمير المؤمنين (علیه السلام) ورد «أشهدُ أنّك طهرٌ طاهرٌ مطهّر من طهرٍ طاهرٍ مطهّر»(1)فهو وصف لأبي طالب بل لكل آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)والوصي (علیه السلام)، وبهذه الاوصاف التي وصف بها أمير المؤمنين (علیه السلام)، وان كان هناك تفاوت في المراتب من الطهارة الاصطفائية.
وهذا المتن ورد في كثير من الزيارات المسندة لأمير المؤمنين سلام الله عليه وكذا في زيارات الأئمة «الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة»(2)، وأي طهارةٍ يقصد في وَصْفِ أبي طالب (علیه السلام)، وفي زيارات ائمة اهل البيت (علیهم السلام)، «أشهد أنك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة»، الشامخة من الشموخ وهو يلازم المطهرة وهي عظمة توازي عظمة طهر الأرحام، وهذه حقيقة اعتقادية يعتقد بها كل أجيال علماء الامامية عندما يقرأون هذه الجمل، وهذه القضايا وهذه المعلومات مبدّه بديهية اجمالاً ولو بنحو الإبهام وليست هي منكرة عندهم، ولا جزاف بل هي حقيقة عقائدية معرفية ويشهد بها الزائر في قراءته للزيارة وليست هي لقلقة لسان.
1) من لا يحضره الفقيه:ج2،ص590، المزار:ص81، تهذيب الاحكاك، ج6،ص21،المزار الكبير لابن المشهدي، ص188.
2) كامل الزيارات: ص230، تهذيب الاحكام: ج6، ص114، مصباح المتهجد وسلاح المتعبد، ج2، ص721،789، المزار الكبير لابن المشهدي: ص422 ،431 ،515، اقبال الاعمال، ج2، ص590، المزار للشهيد الاول، ص124، البلد الامين والدرع الحصين، ص274، المصباح للكفعمي، ص490
وعندما يقول: «اشهد إنك كنت نوراً»؟ فهل هي ألفاظ جوفاء؟ حاشا، وهذا تشهد بأنه في الاصلاب الشامخة وتشهد بشموخ الاصلاب وتشهد بطهر الأرحام، فأي طهر هذا الذي في الأصلاب والأرحام أمتاز به المعصومون الاربعة عشر دون البقية؟
فهل هذه عناوين وألفاظ ومعاني إجماليات مبهمة لا نفهمها لقلقة اللسان؟ حاشا، اذن أين ترجمانها في علم الكلام وفي علم المعرفة؟ وما هو دورها وأثرها؟
وسيأتي بيان هذا المبحث في البرهان العقلي، لأن حقيقة هذا البحث لم يأت من الصدفة، بل إنّ هناك براهين عقلية وأدلة على اصطفاء أفراد الدائرة الثانية سنشير إليها، وكلما يتأمل الباحث في مضمون ومفاد هذه الادلة القرآنية والروائية، تتضح الصورة أمامه أكثر أنها بيان عقلي لحقيقة الدائرة الثانية الاصطفائية.
وقد ورد التشهد في زيارة افراد الدائرة الثانية جزء من أجزاء التشهد والشهادة في الدين.
لقد ذَكَرْتُ لعدة من الباحثين نبذة من زيارة ابي الفضل العباس (علیه السلام) وهي تكرر التشهد لأبي الفضل (علیه السلام) بصفات ومقامات وقد تعجبوا لذلك وكأنما لأول مرة يقفون للتدبر في هذه الكلمات في زيارة ابي الفضل العباس (علیه السلام)، وهي رواية مسندة صحيحة، وسيأتي بيانها.
وكذلك ورد في زيارة علي بن الحسين (علي الأكبر) وزيارة الحمزة بن عبد المطلب وفي زيارة فاطمة بنت أسد وفي زيارة عبد الله والد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وزيارة جملة من أجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والوصي (علیه السلام) وغيرهم من أفراد الدائرة الثانية في زياراتهم.
وهذه إشارات ومنبهات علمية تجذب الذهن وتدعو الباحثين للتنقيب والغور في هذا البحث العظيم فكم مرةٍ تتشهد في زيارة ابي الفضل المسندة الصحيحة بسندين صحيحين(1)تقول: (اشهد... واشهد... واشهد، حوالي خمس او ست مرات (اشدُ) وهذا التشهد يعني الإقرار وأنّه وظيفة اعتقادية، وكيف نقرأ الزيارة ولا نتدبر معنى الشهادة بأوصاف ابي الفضل العباس (علیه السلام) وأنّها وظيفة اعتقاديه، فهل نقرأ لنمعن النظر؟
1) ()كامل الزيارات لابن قولويه: ص256-258؛ مصباح المتهجد: ج2، ص717.
ولابد من قراءة واعية تحرك الفكر والجنان، وتوصل إلى المعرفة القويمة والسعادة بمعالي الدرجات. كما في (اشهد) أي أشهد بالشهادة الاولى اشهد ان لا إله إلا الله، إذ كون عنوان التشهد عقدياً بديهي، كما هو الحال كذلك في الشهادة الثانية إجمالاً، وكذلك الحال في الشهادة الثالثة وهي الشهادة بولاية وحجية الاربعة عشر معصوماً.
وأمّا في الزيارة لأبي الفضل العباس (علیه السلام) عند القول: (اشهد) فماذا يعني اشهد؟ وكذلك ما معنى (أشهد) المتعلق بصفات علي الأكبر (علیه السلام) عندما تخاطبه في زيارته؟ وكذلك ماذا يعني أشهد عندما تخاطب عبد الله الرضيع؟ فأنت تشهد بأنه ولي الله وابن وليه في زيارة الإمام الحسين (علیه السلام) إذ قد يستظهر من المقطع الثاني أن المخاطب ليس علي بن الحسين الاكبر، بل عبد الله الرضيع.
ومخاطبتهم بـ(اشهد) هل معناه أني أحبكم وأقرّ لكم بالمحبة؟ فالمودة لبني هاشم فريضة ولا كلام فيها، والحب والمودة له في الآية هي الولاية، و(اشهد) مقتضاه أن هذا التشهد جزء من اجزاء الشهادة في الدين، وكذلك في زيارات بقية أفراد الدائرة الثانية وزيارة فاطمة بنت موسى بن جعفر (علیه السلام)، وكذلك في زيارة ابراهيم (علیه السلام) بن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)(1)، وكذلك في زيارة خديجة وآمنة وفاطمة بنت أسد، وقبر خديجة بنت خويلد في مكة وآمنة بنت وهب في الأبواء، وقد هدم قبرها كما هدم الوهابية كثيراً من القبور.
1) التي رواها المفيد والسيد والتي أخرجها عنهم في البحار: ج97، ص217، وروي عنهم زيارة فاطمة بنت أسد.
فهذا البحث ليس مجرد سرد فضائل ومدائح صادقة، بل هو اعتقادي وفقهي وبالتالي له آثار ولوازم كثيرة سواء في العقيدة أو في معارف الدين او في الآثار الفقهية، وهذا البحث (المقام العقائدي للدائرة الثانية) مركوز كمواد اجمالية عند عامة المسلمين فضلاً عن المؤمنين والشيعة من اتباع اهل البيت (علیهم السلام).
وقد يقول قائل أنّ المذاهب الإسلامية الاخرى لا يعترفون بعصمة ما عدا النَّبِي (صلی الله علیه و آله و سلم) من مقام امير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والتسعة من ولد الحسين عليهم أفضل الصلاة والسلام فضلاً عن أفراد الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام).
والجواب إنّ المدارس الإسلامية الاخرى يقرّون او يذعنون او يفصحون عن مقام الدائرة الاولى في الحقيقة بِمُرْتكزات اجمالية لو انتبهوا لها لعلموا ان تلك المرتكزات المودعة في ثقافتهم الإسلامية الضرورية تدل وتستلزم برهاناً إمامة أهل البيت، ألا ترى إلى كافة المسلمين حتى البخاري في الصحاح، يروي بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة أو بأنّها سيدة نساء العالمين، ولسنا في صدد الخوض في هذا البحث وإلا فاعتراف كافة المسلمين واضحٌ بفضائل الدائرة الأولى، ومرتكز لديهم بالدقة بشكل بديهي، وهذا نوع من الاعتراف بمواد الحقائق ولكن لم يبلوروها بشكل مفتّق وبشكل واضح.
وليس هذا موقف المسلمين واعتقادهم ومعرفتهم في الدائرة الاولى وحسب، بل نجد كذلك موقف المسلمين في الدائرة الثانية أيضاً، تجاه حمزة
وجعفر الطيار والعقيلة زينب وتجاه ابناء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وتجاه ابي طالب وخديجة الكبرى، بشكل إرتكازات وسيرة مستمرة متواصلة، وسنبين فيما بعد ان هذا نوع ارتكاز لمقامات الدائرة الثانية، وان لم يبلور لديهم معرفة وان لم يفتّقوه، ولكنه بنحو الإجمال والارتكاز.
ونستطيع القول أنّ ارتكاز مقامات أهل البيت (علیهم السلام) متجذر عند المسلمين وليست هذه المرتكزات عفوية، بل لابُدَّ من الالتفات إلى أن مقام الدائرة الثانية في المعرفة الإسلامية فضلا ًعن المعرفة الإيمانية ذو أصل أصيل ولكنه يتطلب تبياناً.
إنّ هذا البحث ليس أمراً عاطفياً ولا تشدقاً شعرياً، بل هو ذو أصل وتأصيل قرآني، وما ورد عن أهل البيت (علیهم السلام) في فضائل جعفر الطيار أو في حمزة، أو أبيطالب، أو زينب، أو ابراهيم بن النبي، أو خديجة وأبي الفضل العباس وعلي الأكبر، هو ذو اصول قرآنية، فتقديس الدائرة الثانية ليس محصوراً باتباع اهل البيت (علیهم السلام)، بل عند كل المسلمين -عدا الوهابية والنواصب والسلفية -فتجد عند معظم المسلمين هذا التعظيم لأفراد الدائرة الثانية، مع اختلاف التعداد بين الطوائف والمذاهب الاسلامية.
واجمالاً أن أصل تقدير مكانة حمزة وجعفر وزينب وبقية أفراد الدائرة الثانيةليس هو محل ترديد عند كل طوائف ابناء الأمة الإسلامية، بل هو في عمق مرتكزات الأمة الإسلامية.
إنّ هذا التقديس وهذا الإعظام الذي هو شيء مركوز عند المسلمين مجملاً لم يأت من فراغ، بل هو سنّة إلهية، وهذه معنى يظهر عند التدبر في الآيات القرآنية والوقوف على معاني كل آية كما يأمرنا القرآن وأهل البيت (علیهم السلام)، لأنّ كل آية تتضمن كنوزاً من المعرفة، قال تعالى: «وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ...» (1)، وفي هذه الآية كنوز لابد من استخراجها بقدر الوسع.
إنّ الملحوظ في التراث الوحياني الحديثي عند الفريقين في تبيان هذا الأصل الأصيل القرآني أن عنوان (اهل البيت) له دائرة أخرى ثانية اصطفائية في روايات الفريقين، ففي الدرجة الاولى الأربعة عشر معصوماً النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومون من ولد الحسين (علیهم السلام)، ولكن في الدرجة الثانية هناك دائرة ثانيه من أهل البيت من بني هاشم أيضاً.
1) سورة القصص، الآية: 7.
ليس كل بني هاشم بل صفوة من بني هاشم سواء كانت هذه الصفوة في سلسلة آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وعلي (علیه السلام) أو في سلسلة من يحيط بالخمسة أصحاب الكساء أو من يحيط بالتسعة يتفرع منهم إلى الحسن العسكري (علیه السلام)، فنلاحظ في روايات الفريقين أن هناك دائرة ثانية من أهل البيت (علیهم السلام).
ومقدمات استدلال البحث شائكة ودقيقة لم تنقّح قوالبه وأُطُره الصناعية بشكل وافر في كلمات علمائنا الابرار، وإن روى الفريقان بحمد الله مواده الوحيانية بشكل متواتر ومستفيض، فقسم منه متواتر وقسم منه مستفيض وقسم منه صحيح وموثق ومعتبر، وقسم منه روايات ضعيفة عديدة، يمكن أن تتراكم وتشكل وثوقاً بالصدور أو يعتضد المتن بمظلة وبمفاد من الآيات القرآنية والروايات القطعية.
ومفاد المجموع أن هناك دائرة ثانية اصطفائية من اهل البيت من بني هاشم، بدرجة أنزل من اصطفاء الدائرة الأولى تلي اصطفاءهم وأنّ الدائرة الثانية من قربى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أيضاً لهم ولاية ذات آثار وصلاحيات في الدين وليس بحسب الشريعة فقط، ورتبة موقعيتهم في الدين بعد الدائرة الأولى.
وموقعيتهم في الدين أمر بالغ الخطورة، وليست أحكام صلاحياتهم في الشريعة فقط، والشريعة متعددة لكل نبي من أولي العزم، قال تعالى: «لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ» -يعني من الانبياء - «شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا»، قال تعالى: «وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ
بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا»(1)،
واما بالنسبة للدين قال تعالى: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ»(2).فإنّ الدين لم ينسخ ولم يتغير ولم يتبدل منذ آدم الى النبي الخاتم والى الوصي الخاتم فدائرة الدّين ودوائره غير قابلة للتبدل ولا للنسخ.
ونجوم الدائرة الثانية من اهل البيت (علیهم السلام) ومن قربى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)لهم مواقع في الدين ولا يقتصر على الشريعة وهذا مكمن مقام خطير.
فلا يتخيل أن البحث من باب الترف العلمي او من باب الفضائل العامة المستحبة، بل هو بحثٌ عن عقيدة راسخة في التراث الوحياني وذات تأصيل قرآني في البدء، وشجرة رسمها القرآن الكريم في السور القرآنية لعناوين منها (أهل البيت) و(القربى) وأن لهم دائرة ثانية فالقالب العام للدائرة الاولى انهم حجج مصطفون ومطهرون وهم النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين (علیهم السلام) وتسعة من ولده وسيدهم النَّبِي (صلی الله علیه و آله و سلم).
وهؤلاء الاربعة عشر (علیهم السلام) لهم جهات واختلاف في المراتب ولهم قالب مشترك موحد في الحجية بنص القرآن الكريم، وكذلك هناك قالب موحد للدائرة الثانية رغم اختلاف مراتبهم، فلابد من التعرف على هذا القالب من الحجية والاصطفاء والآثار وغيرها.
هاشم جد النَّبِي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وله مرقد في غزة ومزار، وقد حاول هؤلاء الارهابيون الدمويون تفجير المقام ولكن لم يفلحوا ولله الحمد، ونلاحظ في زيارات اجداد النبي عبارات كثيرة اصطفائية لهم ومروية عن الائمة (علیهم السلام).
وهم بنو اسماعيل أوصياء إبراهيم وكلهم كانوا حفظة ملة إبراهيم ويوصي بها بعضهم بعضاً، ويستودع بعضهم بعضاً كتب الانبياء وودائعهم وأماناتهم بل وأعظم أمانة ووديعة استحفظوها هي كونهم أصلاباً لمحمد وآل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، وزوجاتهم أرحاماً مطهرة وأدوارهم في مكة والحجاز تهيئةٌ وإعدادٌ لبعثة سيد الأنبياء والأوصياء من عترته «وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ» (1)من لدن إسماعيل بن إبراهيم الى عبد المطلب وعبد الله وأبي طالب.
واستودع عبد المطلب هذه الودائع كلها أبا طالب، وكثير من الرواة والكتاب وصفوا ابا طالب أنه وصي عبد المطلب، واستودع أبو طالب كتب الانبياء وآثارهم وودائعهم واماناتهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، بعد ان بعث سيد الانبياء (صلی الله علیه و آله و سلم)، وسنستعرض الروايات فيما بعد.
وروي في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن سليمان الديلمي قال: (سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قول الله عزّ وجل: «إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا» (2)
فقال: «الأنبياء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وإبراهيم وإسماعيل وذريته والملوك الأئمة (علیهم السلام)» قال فقلت: وأي ملك أعطيتم فقال: «ملك الجنة وملك الكرة»)(1).
ومقتضى ظاهر الحديث أن ذرية إسماعيل أنبياء بناء على رجوع الضمير في (وذريته) إلى إسماعيل لعود الضمير إلى الأقرب، ومن ثم حكى في البحار أن أحد الأقوال في آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنهم أنبياء.
وروى الطوسي في أماليه بعدة طرق بإسناده عن ابي عبد الله جعفر بن محمد (علیه السلام) عن ابائه (علیه السلام) حديث ولادة فاطمة بنت أسد... (فلما كان بعد ثلاثة أيام انفتح البيت من الموضع الذي كانت دخلت فيه فخرجت فاطمة وعلي (علیه السلام) على يديها ثم قالت «معاشر الناس: إن الله عز وجل: اختارني من خلقه وفضّلني على المختارات ممن مضى قبلي، وقد اختار الله آسية بنت مزاحم فإنها عبدت الله سرّاً في موضع لا يجب أن يعبد الله فيه إلا اضطراراً، ومريم بنت عمران حيث اختارها الله، ويسر عليها ولادة عيسى، فهزت الجذع اليابس من النخلة في فلاة من الأرض حتى تساقط عليها رطباً جنياً، وإن الله تعالى اختارني وفضلني عليهما وعلى كل من مضى قبلي من نساء العالمين، لأني ولدت في بيته العتيق وبقيت فيه ثلاثة ايام آكلمن ثمار الجنة وأوراقها فلما أن أردت أن أخرج وولدي على يدي هتف بي هاتف وقال يا فاطمة سمّيه علياً فأنا العلي الأعلى وإني خلقته من قدرتي وعز جلالي)...(إلى آخر الحديث
1) مختصر بصائر الدرجات: ص119، الايقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة للحر العاملي، ص363، بحار الانوار، ج53، ص46.
القدسي الذي خاطب الله تعالى به فاطمة بنت أسد)...(1).
ولا يخفى أن في مفاد هذه الرواية جهات عديدة من الفضائل الاصطفائية لفاطمة بنت أسد من الوحي لها والضيافة الإلهية لها في البيت العتيق ومادة الإكرام بتنزلات من الجنة إلى غير ذلك مما ذكرته بقية الروايات أيضاً الواردة في شأن ولادتها بأمير المؤمنين (علیه السلام) ورواه في بشارة المصطفى بطريق رابع(2)،ورواه العلوي في المناقب (علیه السلام) (3).
وهو بمثابة القرينة أيضاً للطائفة الأولى من الآيات ولشرح هذا الدليل نستعرض هذا السؤال: هل من المعقول أن يتربى موسى (علیه السلام) وأي نبي أو أي وصي ويترعرع في كنف غير اصطفائي؟
أم لابد أن تكون حواضن الأنبياء (علیهم السلام) بحسب العادة والطبيعة البشرية مصطفاة، فهذه الحواضن البيئية الأسرية العائلية النسبية للأنبياء (علیهم السلام) أرضية هامة لإعداد الاصطفاء، ولابد ان يكون الحاضن مصطفين لقيامهم بمأموريات إلهية، من رعاية النبي وما إلى ذلك، ولمجيء هذا النبي في زمن فرعون الذي يستعين بالسحرة والكهنة.
ولتأسيس النبي موسى (علیه السلام) حضارة، لابد أن يكون في كنف وكهف اصطفائي، ومن غير المعقول أن يأتي نبيٌ من الأنبياء من امرأة عادية ويتربى ويترعرع على يد امرأة عادية، بل الضرورة التكوينية العقلية قاضية بوجود دائرة محيطة به مشتملة على مفاصل إصطفاء وهذا الأمر يحكم بضرورته
العقل والمنطق، ويقرّ به علم الاجتماع وعلم الوراثة وعلم الحضارات، وهذه اشارات وبراهين عقلية وعلمية من العلوم العصرية أنّ الدائرة الثانية التي هي سنّة قرآنية في بيوتات الأنبياء هو أمر ضروري.
كما يشير إليه:
قوله تعالى: «الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ»(1).
وقوله تعالى: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»(2)ورهطك المخلصين.
وقوله تعالى: «ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»(3).
4.وقوله تعالى: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ» (4).
وقوله تعالى: «رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ»(1).
وقولهم (علیهم السلام) في وصف المعصوم في مستفيض روايات الزيارات «كنت نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة»(7).
1) سورة إبراهيم، الآية: 37.
2) سورة البقرة، الآية: 248.
3) سورة آل عمران، الآية: 33.
4) سورة يوسف، الآية: 6.
5) سورة سبأ، الآية: 13.
6) سورة الصافات، الآية: 130.
7) كامل الزيارات: ص230، كامل الزيارات: ص230، تهذيب الاحكام: ج6، ص114، مصباح المتهجد وسلاح المتعبد، ج2، ص721،789، المزار الكبير لابن المشهدي: ص422،431،515، اقبال الاعمال، ج2، ص590، المزار للشهيد الاول، ص124، البلد الامين والدرع الحصين، ص274، مصباح للكفعمي، ص490
إنّ الأبعاد العظيمة في الدائرة الثانية لا تقتصر ولا تتمركز على باب اعتقادي واحد، فكما إنّ إصطفاء الدائرة الثانية مطلب عقائدي.
فكذلك إن الدائرة الثانية هي بابٌ وبرهانٌ وآيةٌ على إمامة الائمة الاثني عشر الدائرة الأولى الاصطفائية، وهذا يبين ضرورة اصطفاء الدائرة الثانية كآية ودلالة على الدائرة الثانية.
وتعدد أبعاد الاعتقاد فيهم مهم وعظيم، فالبحث في الدائرة الثانية له أبعاد عديدة، مهمة وخطيرة لا بعدٌ واحداٌ.
ومما يبين الضرورة العقلية على اصطفاء الدائرة الثانية ما ورد في الحديث النبوي المستفيض بل المتواتر الوارد عند الفريقين جواباً على طعن بعض قريش في بني هاشم أنهم لا يليقون أن يكونوا عشيرة لسيد الأنبياء، فبين أن الله تعالى لم يزل يتخير له البيئة الخيرة الطاهرة من الآباء والأجداد الطاهر فالأطهر فالأطهر إلى أن أخرجه من صلب عبد الله.
وهو إشارة الى الضرورة العقلية في البيئة الإصطفائية، ومثله مفاد حديث يوم الدار حيث إشتمل على الإشارة الى أن الله تعالى لم يبعث نبياً إلا اختار له من أهله صفوة وزراء وأعواناً وأنصاراً مؤازرين، وهو بيان وجه آخر الى الضرورة العقلية.
ولا يخفى أنه قد تقدم في طيات الأدلة السابقة إشارات الى وجوه عقلية عديدة الى ضرورة إصطفاء الدائرة الثانية.
والبحث في مقام ابي الفضل العباس (علیه السلام)، وفي مقام العقيلة زينب، وفي مقام علي الاكبر، وفي مقام ابي طالب، وفي مقام حمزة، وفي مقام جعفر (علیهم السلام)، يصبُ في حجية الدائرة الثانية على إثبات ومعرفة الدائرة الأولى الاصطفائية.
ذكر الفريقان في كتب التاريخ والسير وكتب الحديث شؤوناً عظيمة لعبد الله ولأبي طالب ولعبد المطلب سنستعرضها إن شاء الله تعالى في الأدلة الخاصة في فصلٍ لاحقٍ لكل فرد من نجوم الدائرة الاصطفائية الثانية تفصيلاً، إذ البحث ههنا في الأدلة العامة على الدائرة الاصطفائية الثانية لأهل البيت (علیهم السلام).
وأحد الأدلة القطعية على الدائرة الثانية الاصطفائية التي مرت بنا الروايات المتواترة الواردة في خصوص حمزة وجعفر عند الفريقين، في شأن حمزة، أنّه أسد الله وأسد رسوله وهذا الوصف إشارة الى الضرورة العقلية لوجود مثل حمزة في البعثة النبوية وهو أنه بوجوده لا انكسار ولا انهزام للدعوة الإلهية لأن (الأسد) إشارةالى هيمنة القوة والقدرة على المحيط المعادي إذ الأسد ملك العرين يأبى أن يهيمن على البيئة خصم منافس آخر.
وكذلك الحال في شأن جعفر بن أبي طالب ووصفه بأنّه الطيار فإن الطيران
إشارة الى عدة معاني تبين الضرورة العقلية لاصطفاء الدائرة الثانية، منها أنه مما يطير ويعرج به مشروع الدعوة الإلهية ليصل به الى غاية المعالي المطلوبة.
ونظيره ما رواه الكليني بسنده عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ الله: ... عَلَى قَائِمَةِ الْعَرْشِ مَكْتُوبٌ حَمْزَةُ أَسَدُ الله وأَسَدُ رَسُولِهِ وسَيِّدُ الشُّهَدَاءِ...»(1).
ومرّ أنّ هذه الفضائل المذكورة في حمزة وجعفر هي اصطفائية وبيان عقلي للاصطفاء، وليست فضائل اكتسابيه، ولا منافاة بين كون الصفة اصطفائية واختيارية.
بل الاصطفاء هو قمة القدرة والقوة وأعلى درجات قدرة الاختيار، لأنه لا جبر ولا تفويض وإنما أمر بين أمرين، كما هو الحال في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ» (2)، أي أنّ هذا فعل الله وليس فعل غيره، ولكن فعل الله منوط بفعل العبد، وبسطنا الكلام فيه في مباحث المقدمات التمهيدية، واستعرضنا الكثير من الروايات على ذلك.
وكتابة اسمه على ساق العرش (حَمْزَةُ أَسَدُ الله وأَسَدُ رَسُولِهِ) قبل أن تخلق الناس، وهذه الاوصاف لا تقتصر على كونها اصطفائية، بل إنّ هذه الاوصاف التي ذكرت في حمزة وجعفر تبيّن عظمة الدور وعظمة المسؤولية والأدوار الاصطفائية الملقاة والموكلة والمعزوّة الى افراد الدائرة الاصطفائية الثانية.
ومن شؤون الدائرة الاصطفائية الثانية البارزة جداً والصفات الذروة العالية لديهم هو تماوتهم، ومبالغتهم في نصرة الدائرة الأولى، ولذلك وصف حمزة بأنّه أسد الله وأسد رسوله، فهذه ليست نصرة وحسب، بل هي قمة النصرة تتم على أيديهم وليس على يدي فرد آخر.
والوصف بـ (أسد الله وأسد رسوله) لم يرد في النبي إبراهيم الخليل مع عظمة النبي إبراهيم، بل ورد مستفيضا عند الفريقين في حمزة عم النبي، وهذا مقام عظيم حيث يعني ملك حمزة لسلطان النفوذ والقوة والرعب ما يسلبه العدو كل قوته وتوازنه، لاسيما عندما يضاف ذلك إلى اسم الجلالة (الله) ثم يضاف إلى رسوله، أي أن حمزة يختزن مظهر كل قوة الرعب والنفوذ الإلهي والنبوي.
فكما ورد في أوصاف الدائرة الأولى أن الأئمة (علیهم السلام) وجه الله وعين الله وأذن الله الواعية ويد الله وجنب الله ولسان الله، ثم مرتبة أخرى أعلى لهم وهي نفس الله القائمة بالسنن، ثم مرتبة ثالثة وروح وباب الله وأبوابه ونور الله وأسماء الله «وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا» (1)وأسماءه، فدون هذه المراتب أسد الله وأسد رسوله.
1) سورة الفجر، الآية: 22
والكتابة على العرش ليست لفترة زمنية محدودة، بل المقصود به مسار ومقام تمكين.
وليس عرش الله في افق السماء السابعة او في الجنة، بل إنّ عرش الله فوق العوالم كلها، وهذا مقام غيبي أعلى من عليين، فإن حقيقة عرش الله هو باب وعلم غيب من المعرفة، وقد غفل عن البحث فيه الفلاسفة والمتكلمون، ولم يخوضوا فيه ببسط، وباب مهجور لديهم.
وعرش الله الذي لا توصف عظمته والذي هو باب عظيم من علم الغيب، كتب على ساقه حمزة اسد الله واسد رسوله، وهذا ليس شأناً من الناسوت.
الصفة البارزة في أبي الفضل العباس (علیه السلام): «اشهد أنك قد بالغت في النصيحة»، ليس معناه بَلَغْتَ النصيحة، بل المعنى أنّ العباس (علیه السلام) قام بأقصى درجات المبالغة في النصيحة، ولم يعط أبو الفضل (علیه السلام) مجهوداً لنصرة الدين وحسب، بل إنه أعطى لله غاية المجهود، حتى وصفته الزيارة «أشهدُ أنَّك قد بالغت في النصيحة وأعطيت غاية المَجهود...
فنعم الأخ الصابر المجاهد المحامي الناصر والأخ الدافع عن أخيه المجيب إلى طاعة ربه»(1)،
ولا يخفى أن المبالغة في النصيحة والنصرة والمجهود في أخطر مشروع إلهي رسمت له يد القدرة الإلهية منذ بدء الخلقة موقعاً خطيراً يبين مدى الحجم والأهمية العظيمة لمشاركة أبي الفضل العباس (علیه السلام) في مثل هذه المأمورية الإلهية الكبرى.
والمعرفة بدور وتدبير وكيفية نصرة أفراد الدائرة الثانية لأفراد الدائرة الاولى ليست كمجرد صفات تضحوية فدوية عملية، بل تحققها يتوقف على علم لدني لأنهاوإن كانت صفة ذات طابع عملي إلا أنه عمل مرتبط بحدث خطير سياسي واجتماعي ومنعطف حضاري ديني، فالدعم والمشاركة فيه لاسيما إذا كانت مركزية مصيرية تتطلب إحاطة بالملابسات والظروف والتداعيات بتوسط علم اصطفائي لدني، ولاسيما وأن الموازنات لا يقتصر فيها على محاسبات العصر الحاضر بل تداعيات أجيال وقرون.
كما هو الحال في شجاعة أمير المؤمنين (علیه السلام) ليست هي صفة بطولة وشجاعة وحميّة فردية بقدر ما هي صفة مرتبطة بقيادة الأحداث وإدارة الأزمات في مواجهة منعطفات نشوء الدين مجتمعياً سياسياً حربياً حضارياً، وعلى هذا
1) كامل الزيارات، ص257، المزار للمفيد، ص222، تهذيب الاحكام، ج6، ص66، مصباح المتهجد وسلاح المتعبد، ج2، ص726، المزار الكبير لابن المشهدي، ص390، المزار للشهيد الأول، ص133
الضوء تكون الشجاعة مرتبطة بالإدارة والقيادة لمسيرة الدين وبناء تولده وترعرعه في كل هذه الأبعاد.
فإذا حدثت أزمة في أحد، أو في معركة من المعارك، فهي تحتاج الى علم محيط بكافة الأمور في إدارة الأزمة، أي أنّها تحتاج الى علم تدبير جامع ورباطة جأش نابع من إحاطة بالأمور قبل احتياجها للقوة في العضلات.
فعندما وقعت الأزمة في حنين احتاجت المعركة إلى إدارة موقف، إذ لا يمكن حل الأزمة هنا بمجرد شجاعة الفروسية والعضلات فقط، بل حل الأزمة يحتاج الى قدرة وعلم بتصريف الأمور وشجاعة قرار التدبير أعم من البدنية والروحية، وتحتاج إلى قدرة ومكنة حل الأزمات مهما تعقدت، فشجاعة غزوة حنين يقصد بها قيادة إدارة الحرب.
وشجاع خيبر يقصد بها القوي القدير بتفكيك القدرة المسلحة المنيعة للعدو وتفتيت روحيته، وليس كما يتوهم أن معنى الشجاعة يقتصر على الشجاعة البدنية في بُعْدِهَا الفردي، فصفات أهل البيت (علیهم السلام) سواء الدائرة الأولى أو الدائرة الثانية دوماً هي في بعد القيادة ولا تقتصر على البعد الفردي، فلابد أن يلاحظ في الصفات بعدها المجتمعي وبعدها الحضاري وبعدها القيادي في كل المواقف.
روى الطوسي بسنده عن المغيرة بن حارث عن أبيه عن جده نوفل: أنه كان يحدث عن يوم حنين، قال: فرّ الناس جميعاً وأعروا رسول الله (صلى الله
عليه وآله)، فلم يبق معه إلا سبعة نفر من بني عبد المطلب... الحديث(1).
وعندما نقرأ في الروايات: «أَشْهَدُ أَنكَ طُهْرٌ طَاهِرٌ مُطَهَّرٌ»(2)ليس المقصود يقتصر على بعده وسلوكه الفردي، بل إنّ من مصاديق عبارة: (طهر طاهر) أنه إذا جعل على أموال الأرض لا يؤثر فيها ذويه أو غيرهم، بل يكون البشر كلهم عنده سواسية.
إنّ البلاد تطهر بالعدل والقسط والعفة العامة في المجتمع، ولا يكون الحاكم وبالاً أو انحداراً إلى الإسفاف بالبشرية، بل أن ترتقي البشرية الى طهر وطهارة وكمال، وهذا هو معنى طهرت بك البلاد في بعدها الحضاري والاجتماعي الأممي.
ومن الخطأ أن نفسّر هذه الصفات بالاقتصار على بعدها الفردي فقط، بل إنّ الأبعاد في جهات عديدة.
وعلى ضوء ذلك تقرأ صفة (بالغت في النصيحة)، ولا يوصف شخص لا يعرف أن يدير موقفاً أمنياً وعسكرياً وسياسياً وعقائدياً وفكرياً بأنه بالغ في النصيحة؟
بل لا يقال «اَشْهَدُ اَنَّكَ قَدْ بالَغْتَ فِي النَّصيحَةِ، وَاَعْطَيْتَ غايَةَ اْلَمجْهُودِ»(1)إلا لشخص يمتلك قمة المعرفة في إدارة المواقف الامنية والعسكرية والسياسيةوالعقائدية والفكرية، وقد كان سيد الشهداء (علیه السلام) في يوم الطف يحتاج الى شخص كفوء عظيم يمتلك كل تلك المقومات الاصطفائية في إدارة المواقف، لا في بعدها العسكري فقط فضلاً عن الحصر في الفردي.
ونلاحظ اختصاص أبي الفضل العباس (علیه السلام) بذلك فلم يوصف به حبيب بن مظاهر الأسدي مثلاً ولم ينعت بهذا النعت؛ نعم إن أنصار سيد الشهداء (علیهم السلام) نعتوا كلهم بنعوت، ولكن هذا النعت: (بالَغْتَ فِي النَّصيحَةِ) خاص بالمصطفين من بني هاشم، فالوصف ليس بحسب مجرد الآلية العسكرية من سيف وفرس وغيره، بل إنّ القضية في الوصف قضية إدارة، وبنو أمية لم تقتصر حربهم وقتالهم لسيد الشهداء (علیه السلام) على المواجهة العسكرية فحسب، بل حاربوا شخصية سيد الشهداء في البعد المعنوي والسياسي والنفسي والروحي والفكري العقائدي.
والكلام في كيفية إدارة المواجهة من أبي الفضل العباس (علیه السلام) هذه الحرب الإعلامية والنفسية والفكرية العقائدية.
ولقد قيّض بنو أمية شريح القاضي للحرب الفكرية ضد سيد الشهداء، وتذرع بنو أمية وآل زياد وآل مروان بغطاءات شرعية، ولابد أن يمتلك من
1) كامل الزيارات، ص257، المزار للمفيد، ص222، تهذيب الاحكام، ج6، ص66، مصباح المتهجد وسلاح المتعبد، ج2، ص726، المزار الكبير لابن المشهدي، ص390، المزار للشهيد الأول، ص133
يقف في مقاومة هذا الخطاب والتحزب الأموي تشخيص الخلل والدجل، والقدرة على حل الأزمات وعلى تجاوزها مهما كانت كبيرة وثقيلة.
وحينئذ يتحقق الوصف «بالَغْتَ فِي النَّصيحَةِ، وَاَعْطَيْتَ غايَةَ اْلَمجْهُودِ»، بكل أبعاد وتعقيد وخطورة الحدث.
ومن القصور الاقتصار في تفسير شخصية أبي الفضل (علیه السلام) على بعدها البطولي الفردي والعسكري فقط.
ولا ريب، في انعدام المثيل لشخص أبي الفضل (علیه السلام) في بعده البطولي والإداري العسكري، إلا أنه ليس هذا كل شيء في شخصيته، بل إنّ إدارة الحدث المجلجل في التاريخ له دور يضاهي ويفوق الدور البطولي والعسكري.
كذلك الشأن في حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، فلا يقتصر في دور وبأس حمزة على أحد أو بدر فقط، بل بأس حمزة، لما كانت تُحاكُ آلاف المخططات والمؤامرات ضد رسول الله في مكّة قبل الهجرة بل قبل البعثة بالرسالة، وفي ساحات عديدة على المستوى الفكري والأمني والعسكري والسياسي والروحي، كان أسد الله حمزة الجبل الفكري والعقائدي والتدبيري المضاد لتلك المؤامرات والمخططات.
وفي الحديث القدسي: أنّ ثلاثة أمور عظيمة شرطها الله عزّ وجل على سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) لكي يعطيه سؤدد الأنبياء.
عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) قَالَ: «لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم) إِلَى السَّمَاءِ قِيلَ لَهُ إِنَّ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى يَخْتَبِرُكَ فِي ثَلَاثٍ لِيَنْظُرَ كَيْفَ صَبْرُكَ قَالَ: أُسَلِّمُ لِأَمْرِكَ يَا رَبِّ ولَا قُوَّةَ لِي عَلَى الصَّبْرِ إِلَّا بِكَ فَمَا هُنَّ قِيلَ لَهُ أَوَّلُهُنَّ الجُوعُ والْأَثَرَةُ عَلَى نَفْسِكَ وعَلَى أَهْلِكَ لِأَهْلِ الحَاجَةِ قَالَ قَبِلْتُ يَا رَبِّ ورَضِيتُ وسَلَّمْتُ ومِنْكَ التَّوْفِيقُ والصَّبْرُ وأَمَّا الثَّانِيَةُ فَالتَّكْذِيبُ والخَوْفُ الشَّدِيدُ وبَذْلُكَ مُهْجَتَكَ فِي مُحَارَبَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ بِمَالِكَ ونَفْسِكَ والصَّبْرُ عَلَى مَا يُصِيبُكَ مِنْهُمْ مِنَ الْأَذَى ومِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ والْألَمِ فِي الحَرْبِ والْجِرَاحِ قَالَ قَبِلْتُ يَا رَبِّ ورَضِيتُ وسَلَّمْتُ ومِنْكَ التَّوْفِيقُ والصَّبْرُ وأَمَّا الثَّالِثَةُ فَمَا يَلقَى أَهْلُ بَيْتِكَ مِنْ بَعْدِكَ مِنَ الْقَتْلِ أَمَّا أَخُوكَ عَلِيٌّ فَيَلْقَى مِنْ أُمَّتِكَ الشَّتْمَ والتَّعْنِيفَ والتَّوْبِيخَ والْحِرْمَانَ والجَحْدَ [وَ الجُهْدَ] والظُّلْمَ وآخِرُ ذَلِكَ الْقَتْلُ فَقَالَ يَا رَبِّ قَبِلْتُ ورَضِيتُ ومِنْكَ التَّوْفِيقُ والصَّبْرُ وأَمَّا ابْنَتُكَ فَتُظْلَمُ وتُحْرَمُ ويُؤْخَذُ حَقُّهَا غَصْباً الَّذِي تَجْعَلُهُ لَهَا وتُضْرَبُ وهِيَ حَامِلٌ ويُدْخَلُ عَلَيْهَا وعَلَى حَرِيمِهَا ومَنْزِلِهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ ثُمَّ يَمَسُّهَا هَوَانٌ وذُلٌّ ثُمَّ لَاتَجِدُ مَانِعاً وتَطْرَحُ مَا فِي بَطْنِهَا مِنَ الضَّرْبِ وتَموتُ مِنْ ذَلِكَ الضَّرْبِ قُلْتُ إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ- قَبِلْتُ يَا رَبِّ وسَلَّمْتُ ومِنْكَ التَّوْفِيقُ والصَّبْرُ [لِلصَّبْرِ]»(1).
وهل يوجد شيءٌ أعظم من سؤدد الأنبياء؟
1) كامل الزيارات لابن قولويه، ص 332، باب 108، ح 11.
فكان من ضمن الأمور الثلاثة التي امتحن الله عزّ وجل بها سيد الأنبياء؛ هو أنْ يكون تحت وطأة المؤامرات لحظة بلحظة من أول حياته الشريفة إلى حين استشهاده، وهذا مفاد العديد من الروايات، أنّه لم تُحك المؤامرات ضد أي معصوم من المعصومين بل ضد أي أحد من الخلائق أجمعين، بالقدر والخطورة التي حيكت المؤامرات من أنواع مختلفة ضد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) سواء بالاغتيال الجسدي أو الاغتيال الأمني أو الاغتيال السياسي أو الاقتصادي المعيشي أو الاغتيال الفكري أو الاغتيال في السمعة.
وهذه المؤامرات الخطيرة التي حيكت من قبل اليهود وقريش وبني أمية منذ نعومة أظفار النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بل منذ أن كان في صلب آبائه، ولم يكن هذا التدبير سطحياً وساذجاً، بل كانت تدبيرات خطيرة جداً، ومتنوعة ومختلفة.
وفي ظل ذلك يمكن دراسة الأمور بدقة في معنى أسد الله وأسد رسوله، فقد عاصر حمزة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) منذ صباه وفي رسالته ثلاث عشرة سنة في مكة، وسنتان في المدينة أي خمس عشرة سنة، وحمزة كان في كل هذه الخنادق أسد الله وأسد رسوله، وليس في خندق وموقف واحد، كما بيّن أمير المؤمنين (علیه السلام) مواقف حمزة في المنعطفات العصيبة التي مرّ بها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في مكة، وأن حمزة كان جبلاً شامخاً في حكمته وتدبيره.
فمقام ودور حمزة يتقوّم بعلم لدنّي لم يؤته مثل سلمان، مع عظمة سلمان المحمدي، إذ لم يوصف سلمان بأنه أسد الله وأسد رسوله، فالعلم الذي كان يمتلكه حمزة لدفع المؤامرات عن دين الله لم يعط لسلمان المحمدي، ففي كل قضية من القضايا الشديدة كانت تحتاج إلى علم وحلم وكياسة وفطنة، فضلاً عن القوة الروحية، وهذا العلم هو إدارة الأزمات والأحداث.
وقد مرّ نقل روايات متعددة أن حمزة وجعفراً لو كانا حيين لما غصب حق أمير المؤمنين (علیه السلام) أي لما انحرفت الأمة عن الحق أي أن الله تعالى كما نصر رسوله بحمزة وجعفر فينصر بهما أمير المؤمنين (علیه السلام) ولا يتمكن دعاة الضلال من تضليل الأمة أو حرفها عن الحق.
وكذلك الحال في شأن مقام أبي الفضل العباس (علیه السلام)، فعندما نلاحظ المؤامرات التي حيكت على سيد الشهداء (علیه السلام) في أثناء واقعة الطف، وقبل الواقعة، ليس من السهل تجاوز الأنصار لها والتغلب عليها، فلم يكن المولى أبي الفضل العباس حاملاً راية الحسين (علیه السلام) التي من القماش وحسب، في بعدها العسكري، بل إنّه حمل الراية العسكرية، والسياسية، والادارية في نصرة سيد الشهداء، فأفراد الدائرة الثانية عون ووزراء في كل المجالات لهذا المشروع الإلهي العظيم الذي يقوم به أصحاب الدائرة الاولى الاصطفائية لأهل البيت (علیهم السلام).
وهكذا العقيلة زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) في نصرتها للدائرة الأولى.
وكذا علي الأكبر وعبد المطلب وأبو طالب وعبد الله، وأمهات الأئمة (علیهم السلام)، وهكذا بقية أفراد الدائرة الثانية (علیهم السلام) ودورهم في النصرة.
وحينما نقرأ في الزيارة الشريفة للصديقة نرجس والدة الإمام الحجة بن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجه الشريف: (اشهد أنك أحسنت الكفالة وأديت الأمانة)(1)وأوصاف أخرى وردت فيها أنها على علم ومعرفة بمدى عظمةوخطورة المشروع الإلهي الذي تناهى إلى الإمام الثاني عشر الحجة بن الحسن العسكري.
والدة المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) امرأة تؤتمن على ثمرة ثمار كل سلسلة المشروع الإلهي، وهذا أمر بالغ الخطورة أوجها، وإذا كانت والدة النبي موسى ائتمنت عليه وأوحي لها وانبئت بمستقبل النبي موسى ووعدها الله تعالى بأن يقرّ عينها بولدها، فكيف بوالدة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) الذي يصلي خلفه النبي عيسى وهو من أولي العزم، وما أم موسى إلا مَثَلٌ ضربه الله تعالى لوالدة الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
1) المزار الكبير، ص660، المزار للشهيد الاول، ص212، زاد المعاد، ص539
فقد كانت عارفة بذرية رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وعارفة بأهل البيت، وعارفة بحقهم وبمقامهم، فإنها من نجوم الدائرة الثانية الاصطفائية، كما مر بنا أنّ أمهات الأئمة نسباً يرتبطن بالأئمة، لأنهن أمهات الأئمة، ويرتبطن بهم بالرابط النسبي فيدخلن في الدائرة الثانية الاصطفائية.
كانت قريش الكافرة تلمس من بني هاشم إرهاصات ملكوتيه، غاية الأمر أنها كانت تجحد وتقول هذا سحر من بني هاشم، وهي تشهد وتلمس من عبد المطلب ومن ابي طالب، ومن عبد الله، إرهاصات عديدة وليس في المقام مجال لبيانها ولكن نقتصر على الإشارة.
فسورة الفيل سورة عظيمة أنزلها الله لبيان عظمة عبد المطلب وللأسف يريد النواصب ان يقلبوا هذا الامر ويجعلوه -والعياذ بالله -نكاية بعبد المطلب! مع انها سورة انزلها الله لتعظيم شأن عبد المطلب! وان الجبن والخوف كان يحيط بكل بطونقريش في ذلك الزمان، والبطولة والشجاعة الإلهية كان تتجسد في عبد المطلب وأبنائه في هذه الملحمة العظيمة.
وليس البحث في صدد بيان هذه السورة العظيمة ولكن في صدد ما بيّنه اهل البيت في ذيل هذه السورة وفي بيان مدى الحجّية الاصطفائية لعبد المطلب وما
يتمتع به من بطولة وعظمة في مقابل اصحاب الفيل، وانه الوحيد الذي بقى في قريش يدافع حينما انهزمت كل قريش انهزام الفئران، بعد ان دهم جيش أبرهة بيت الله، ولم يصمد إلاّ جدّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ووالده وبكرامة من الله تعالى لهما ارسل الله على عسكر صاحب الحبشة طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول واهلكهم بأجمعهم ولما هلكوا جاء عبد المطلب جد النبي الى البيت فتعلق بأستاره ثم انصرف منه وهو يقول في فرار قريش وجزعهم من الحبشة:(1)
طارتْ قريشٌ إذ رأتْ خميسا***فَظَلْتُ فرداً لا أرى أنيسا
إلاّ أخاً لي ماجداً نفيسا***ولا أحسّ منهُمُ حسيسا
مُسَوَّداً في أهلِهِ رئيسا
وفي ذلك أنزل الله تعالى سورة كاملة في بيان عظمة وبطولة عبد المطلب وعبد الله والد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وهؤلاء هم بعض أفراد الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام).
وأما قوله لأبرهة: للبيت رب يحميه، فهو موقف عزة وتهديد وحرب نفسية، فاعتمد الحرب النفسية مع أبرهة بعد خذلان كل قريش وفرارهم وهروبهم خارج الحرم ومكة، فلم يبق ثابتاً صامداً إلا هو وبنوه وذووه من بني هاشم، فلم يكن له سلاح إلا الحرب النفسية واستمداد النصر من الله
1) البرهان في تفسير القرآن، ج8، ص389، ح 4.
تعالى، فلم يستسلم لأبرهة، ولميلتمس منه الكف بلسان الذليل بل بلسان المتوعد والمهدد له، رغم إنفراده ووحدته، فكم هو صمود وثقة بقدرة الله تعالى، ورغم كل ذلك أخذ النواصب الطعن دجلاً في الحقيقة والحقائق ودفاعاً عن بني أمية وعن بطون قريش الكافرة.
في ضمن استعراض الطائفة الأولى من الآيات الكريمة، الدالة على الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام)، من آية التطهير التي تتضمن عنوان أهل البيت قوله تعالى: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»(1)، وذات الترابط بينها وبين آيات أخرى ذُكِرَت فيها البيوت كآية النور.
قوله تعالى: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ... فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ» (2)، وأيضاً آية المودة في القربى وآية الفيء (لذي القربى) والمقصود بها الولاية بمفهومها التام الواسع وأيضاً آية «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»(3)، باعتبار ترابطهم (القربى) والبحث في آية التطهير باعتبارها من الآيات المحكمات
المحورية ذات استقطاب بحثي معرفي عقائدي كبير بين المسلمين، والبحث فيها واسع الخطب.
البحث في الدائرة الثانية من أهل البيت هو بحثٌ في زاوية من الزوايا المهمة لآية التطهير، ولم يستقصِ كل زوايا البحث في آية التطهير وبقيت مغفولة في البحث التفصيلي في آية التطهير، وإن كانت بنحو مبهم مركوزة في تراث المسلمين فضلاً عن الخاصة من المؤمنين.
ضابطة اصطفاء افراد الدائرة الثانية
عنوان أهل البيت في آية التطهير هو بحث حساس وعقائدي بينما ترى إصرار الطرف الآخر على دخول زوجات النبي في آية التطهير، وأنّ زوجات النبي لسن مندرجات في آية التطهير، وبغض النظر عن عدم سداد هذه الدعوى وعدم صحّتها وعدم واقعيتها، هذه الحساسية البالغة بين الطرفين في البحث دال على أن لأفراد عنوان آية التطهير من أهل البيت نوعاً من الحصانة والقدسية.
والبحث في الاستدلال بالطائفة الأولى من الآيات الدالة على الدائرة الثانية، لا يحسم بقرينة أو اثنتين وثلاث وأربع أو خمس بل بمجموع شواهد قرآنية وشواهد روائية متواترة، ولا نريد أن نقتصر ونتكئ على قرائن
أو دلائل ظنية معتبرة بل نريد توخي القطعيات فقط، وبعد ذلك تأتي نوبة الظنيات المعتبرة، وهذه القرائن متسالم عليها عند جميع المسلمين.
قد وصف بالمديح البالغ الباري تعالى والنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إيواء ابي طالب له وفاطمة بنت اسد منذ صغره ونعومة اظفاره فقال تعالى: (ألم يجدك يتيما فآوى)، فقد كان أبو طالب وفاطمة بنت أسد يحرسان منام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بتبديل مكانه في الليلة الواحدة ثلاث أو أربع مرات أو أكثر من ذلك، للحفاظ على سلامة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، إذ أن بيت أبي طالب كان مستهدفا من قريش واليهود وبقية القبائل في مكة المكرمة بأن تأتي فرق لاغتيال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في كل ليلة، وذلك لأن في بيت أبي طالب اكبر واعظم جوهرة في الأرض والسماء، والكل يريد أن يُبيدها، او يتنافس معها، وهكذا كانت خطورة شأن النبي الاعظم (صلی الله علیه و آله و سلم).
إنّ لسيد الأنبياء شأناً خطيراً قبل ولادته المباركة وهو في أصلاب آبائه الكرام، وعند حياته الشريفة أيضاً، وبعد مماته والى الآن لايزال الوهابية والسلفية والغرب الذي يسندهم، يعملون ضد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ورسالته، وقد طبعوا ثلاثة كتب في المدينة المنورة قبل عشرات السنين لمشروعية ورجحان وفريضية هدم قبر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ولكنهم لا يجرئون على ذلك خوفاً من المسلمين واستمرت المخاطر والأخطار محدقة إلى اليوم الراهن، وأحد شعارات السفياني الأموي اللعين هو شعار هدم قبر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، كما ان شعاره الآخر
هدم الكعبة.
هكذا كانت عظمة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ولا زالت عظمته وقد زاد الله بني هاشم السادة به شرفاً على شرفهم، فقد عانى بنو هاشم ومن ينتمي إليهم ما عانوا من قتل وتشريد وإبعاد وإقصاء وذبح وسفك دماء والى يومنا هذا، وكله بسبب نسبتهم لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)،واستمر ذلك إلى الوقت الراهن كل من يحيط بالنبي يعاني من الذبح على الهوية بجرم نسبته الى رسول الله، فما ظنك بالحال في بداية الدعوة، في تلك الأخطار المحدقة من قريش وقبائل العرب وإمبراطورية الروم وكسرى وملك القبط والحبشة، والنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول لبني عبد المطلب يوم الدار عند نزول «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»: «أيكم يؤازرني على هذا الأمر؟»(1).
أي هل فيكم من لديه همّة وشجاعة ورباطة جأش، لا هلع عنده ولا جزع ولا خوف؟
فكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يبحث عن أسد من بين الأسود، رابط الجأش قوي العزم، ثاقب النظر خبير بطين بالأمور وماضي الهمم.
1) عوالم العلوم، ص8
إنّ لسلالة عبد المطلب خصوصية عند الله عز وجل، ولا يقتصر ذلك على أبي طالب وعبد الله والد النبي والوصي فيشمل عبد المطلب، فإنّه الجد الذي له شأن خاص، وهو من نجوم الدائرة الثانية، فقد سنّ عبد المطلب خمس سنن أمضاها الله في الاسلام.
وكيف يسن عبد المطلب سنناً؟، وهل هو نبي له صلاحية تشريع السنن ويمضيها الله في الإسلام؟ ومقتضى ذلك بلوغه مقاماً عظيم الشأن بل الوارد في قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) إن الله أمضاها في الإسلام فأسند الامضاء إلى الله تعالى لا إلى نفسه (صلی الله علیه و آله و سلم) مما يفيد عظمة شأن عبد المطلب.
وكم أراد النواصب قلب معنى سورة الفيل، للطعن في عظمة عبد المطلب، والحال أنّها سورة نزلت من الله في تعظيم شأن عبد المطلب وهو ما يبرز بوضوح أنّ سلالة عبد المطلب لها شأن خاص، وهم الذين خصص النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) خطابهم بقوله «أيكم يؤازرني على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم»(1)، فهل يمكن أن يقدم الله تعالى هذا الخيار وهذا الامتحان الإلهي لغير علي بن ابي طالب في المرتبة الأولى، ولغير جعفر وأبي طالب وحمزة في المرتبة الثانية ولبقية أفراد الدائرة الثانية؟
1) الاحتجاج، ج1، ص89، مناقب ال ابي طالب، ج3، ص49.
ولا ريب أنّ الخطاب كان لكل بني هاشم، وإلا يكون العرض استهزاءً، وعرضاً صورياً؟
كلا وحاشا، بل إنّ هذا يدل أن هؤلاء الأربعين بما فيهم أبو لهب لهم أهلية خاصة، أما أنّ نتيجة أبي لهب كانت سيئة، فإنّ عاقبته مثل بلعم بن باعورا «...الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ»(1)، فقد اعطاه الله أرضية الاصطفاء ولكن انسلخ منها، فأبو لهب لم يكن عنده اصطفاء لكي ينسلخ منه، لأنّ الاصطفاء لا ينسلخ منه، إنّما كانت لديه أرضية للاصطفاء فقط، وكان في علم الله الأزلي أن هذه الأرضية سينسلخ منها في تكذيبه للنبي الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم)، وإنّ سورة ابي لهب إذا دقق النظر فيها، لم يذكر فيها توعد بخلود ابي لهب في النار، ولم يذكره المفسرون ولم يخوضوا فيه أيضاً، وفي الروايات إشارات بعدم التوعد بخلود في النار في سورة ابي لهب، وليس البحث في صدد الخوض في عاقبة ابي لهب في النار، بل في صدد أن سلالة عبد المطلب وشأنهم الخاص في الدائرة الثانية، وليس كل بني هاشم، بل بعض بني هاشم.
وهاشم هو والد عبد المطلب، ومدفون في غزة وغزة اسمها الاصلي حتى الان في السجلات الدولية (غزة هاشم) وله قبرٌ يزار، وقبل عشر سنين حاول السلفية والوهابية - أخزاهم الله - أن يفجروا قبر هاشم لكن و لله الحمد خسروا ولم يفلحوا، وقبره الآن مزارٌ يزار في غزة.
1) سورة الأعراف، الآية: 175.
ملحق الروايات
«أَيْ أَخِي فَاخِرِ الْعَرَبَ فَأَنتَ [أَكْرَمُهُمْ ابْنَ عَمٍ] وَأَكْرَمُهُمْ أَباً وَأَكْرَمُهُمْ أَخاً وَأَكْرَمُهُمْ نَفْساً وَأَكْرَمُهُمُ نَسَباً وَأَكْرَمُهُمْ زَوْجَةً وَأَكْرَمُهُمْ وَلَداً وَأَكْرَمُهُمْ عَمّاً» ...قال أبان وحدثت بهذا الحديث الحسن البصري عن أبي ذر فقال صدق سليم...إن عليا خير آل محمد، فقلت يا أبا سعيد: خير من حمزة ومن جعفر ومن فاطمة ومن الحسن والحسين؟
فقال: إي والله إنّه لخير منهم ومن يشك أنّه خير منهم،...فقلت له من
خير هذه الأمة بعد علي (علیه السلام)؟ قال: زوجته وابناه قلت: ثمّ من قال: ثمّ جعفر وحمزة ...)(1).
في مفاخرة امير المؤمنين (علیه السلام) ...قال: «أَفتُقِرُّونَ أَنَّ رَسُولَ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فَضَّلَنِي عَلَى جَعْفَرٍ وَحَمْزَةَ، فَقَالَ لِفَاطِمَةَ (عَلَيهَا السَّلَامُ) إِنِّي زَوَّجْتُكِ خَيْرَ أَهْلِي وَخَيْرَ أُمَّتِي وَأَقْدَمَهُمْ سِلْماً وَأَعْظَمَهُمْ حِلْماً وَأَكْثَرَهُمْ عِلْماً» قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ...(2).
قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم):... «يَا أيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الله نَظَرَ نَظْرَةً ثَالِثَةً فَاخْتَارَ مِنْهُمْ بَعْدِي اثْنَيْ عَشَرَ وَصِيّاً مِنْ أَهْلِ بَيْتِي وَهُمْ خِيَارُ أُمَّتِي... هُمْ مَعَ الْقُرْآنِ وَالْقُرْآنُ مَعَهُمْ لَايفَارِقُونَهُ وَلَايفَارِقُهُمْ حَتَّى يَرِدُوا عَلَيَّ حَوْضِي أَوَّلُ الْأَئِمَّةِ [أَخِي] عَلِيٌّ (علیه السلام) خَيْرُهُمْ ثُمَّ ابْنِيَ الحَسَنُ ثُمَّ ابْنِيَ الحُسَيْنُ ثُمَّ تِسْعَة مِنْ وُلْدِ الْحسَيْنِ وَأُمُّهُمُ ابْنَتِي فَاطِمَةُ (عَلَيهَا السَّلَامُ) ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ابْنُ عَمِّي [وَأَخُو أَخِي] وَعَمِّي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمطَّلِبِ ...»(3).
حَدَّثَنَا أَبو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنِيُّ مُعَنْعَناً عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ (رضیَ اللّهُ عنهُ) أَنَّ النَّبِيَّ (صلی الله علیه و آله و سلم)... قَالَ: «يَا خَدِيجَةُ إِنَّ الله أَعْطَانِي فِي عَلِيٍّ (علیه السلام)...أَنِي أُعْطَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَرْبَعَةَ أَلْوِيَةٍ فَلِوَاءُ الحَمْدِ بِيَدِي وَأَدْفَعُ لِوَاءَ التَّهْلِيلِ لِعَلِيٍّ...وَأَدْفَعُ لِوَاءَ التَّكْبِيرِ إِلَى حَمْزَةَ وَأُوَجِّهُهُ فِي الْفَوْجِ الثَّانِي وَأَدْفَعُ لِوَاءَ التَّسْبِيحِ إِلَى جَعْفَرٍ وَأُوَجِّهُهُ فِي الْفَوْجِ الثَّالِثِ ثُمَّ أُقِيمُ عَلى أُمَّتِي حَتَّى أَشْفَعَ لَهُمْ...»(1).
[عن أَبانٌ عَنْ سُلَيْمٍ وَعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ حَدِيثُهُمَا وَاحِدٌ هَذَا وَذَلِكَ قَالا] قَدِمَ مُعَاوِيَةُ حَاجّاً فِي خِلَافَتِهِ الْمدِينَةَ بَعْدَ مَا قُتِلَ أَمِيرُ الْمؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَصَالَحَ الْحَسَنَ (علیه السلام) فَاسْتَقْبَلَهُ أَهْلُ الْمدِينَةِ فَنَظَرَ فَإِذَا الَّذِي اسْتَقْبَلَهُ مِنْ قُرَيْشٍ أَكْثَرُ مِنَ الْأَنْصَارِ [فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّهُمْ مُحتَاجُونَ لَيْسَتْ لَهُمْ دَوَابُ] فَالْتَفَتَ مُعَاوِيَةُ إِلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَا لَكُمْ لَاتَسْتَقْبِلُونِّي مَعَ إِخْوَانِكُمْ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ قَيْسٌ [وَكَانَ سَيِّدَ الْأَنصَارِ وَابْنَ سَيِّدِهِمْ]... وَآخَى بَيْنَ عَلِيٍّ وَبَيْنَ نَفْسِهِ فَلَمْ يَدَعْ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ شَيْئاً مِنْ مَنَاقِبِهِ إِلَّا ذَكَرَهَا وَاحْتَجَّ بِهَا وَقَالَ مِنْهُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ بِجَنَاحَيْنِ اخْتَصَّهُ الله بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ وَمِنْهُمْ حَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ وَمِنْهُمْ فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فَإِذَا وَضَعْتَ مِنْ قُرَيْشٍ رَسُولَ اللهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِوَعِتْرَتَهُ الطَّيِّبِينَ فَنَحْنُ وَالله خَيْرٌ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَأَحَبُّ إِلَى الله وَرَسُولِهِ وَإِلَى أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْكُمْ...(2).
مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُسْكَانَ عَنْ سَدِيرٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام) فَذَكَرْنَا مَا أَحْدَثَ النَّاسُ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَاسْتِذْلَالَهُمْ أَمِيرَ الْمؤْمِنِينَ (علیه السلام) فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ أَصْلَحَكَ الله فَأَيْنَ كَانَ عِزُّ بَنِي هَاشِمٍ وَمَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْعَدَدِ، فَقَالَ أَبو جَعْفَرٍ (علیه السلام): «وَمَنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِنَّمَا كَانَ جَعْفَرٌ وَحَمْزَةُ فَمَضَيَا وَبَقِيَ مَعَهُ رَجُلَانِ ضَعِيفَانِ ذَلِيلَانِ حَدِيثَا عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ عَبَّاسٌ وَعَقِيلٌ وَكَانَا مِنَ الطُّلَقَاءِ أَمَا وَالله لَوْ أَنَّ حَمْزَةَ وَجَعْفَراً كَانَا بِحَضْرَتِهِمَا مَا وَصَلَا إِلَى مَا وَصَلَا إِلَيْهِ وَلَوْ كَانَا شَاهِدَيْهِمَا لَأَتْلَفَا نَفْسَيْهِمَا»(1).
أَبَانٌ عَنْ سُلَيْمٍ قَالَ كُنَّا جُلُوساً حَوْلَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (علیه السلام) وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَوِ اسْتَنْفَرْتَ النَّاسَ فَقَامَ وَخَطَبَ فَقَالَ: «ألَا إِنِّي ...حَمَلْتُ فَاطِمَةَ وَأَخَذْتُ بِيَدِ ابْنَيَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ فَلَمْ أَدَعْ أَحَداً مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَأَهْلِ السَّابِقَةِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ إِلَّا نَاشَدْتُهمُ الله فِي حَقِّي وَدَعَوْتُهُمْ إِلَى نُصْرَتِي فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إِلَّا أَرْبَعَةُ رَهْطٍ سَلْمَانُ وَأَبو ذَرٍّ وَالْمِقْدَادُ وَالزُّبَيْرُ وَلَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي أَصُولُ بِهِ وَلَا أَقْوَى بِهِ أَمَّا حَمْزَةُ فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَمَّا جَعْفَرٌ فَقُتِلَ يَوْمَ مُوتَةَ وَبَقِيتُ بَيْنَ جِلْفَيْنِ جَافِيَيْنِ ذَلِيلَيْنِ حَقِيرَيْنِ [عَاجِزَيْنِ] الْعَبَّاسِ وَعَقِيلٍ وَكَانَا قَرِيبَي الْعَهْدِ بِكُفْرٍ فَأَكْرهُونِي وَقَهَرُونِي فَقُلْتُ كَمَا قَالَ هَارُونُ لِأَخِيهِ ابْنَ أمَّ إِنَّ الْقَوْمَ
1) الكافي للشيخ الكليني، ج8، ص189.
اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلِي بِهَارُونَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وَلِي بِعَهْدِ رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ ...»(1). 8. ورَوَى الشَّعْبِيُ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِي قَالَ: خَطَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (علیه السلام) بَعْدَ مَا افْتُتِحَتْ مِصْرُ، ثُمَّ قَالَ: «وَإِنِّي مُخْرِجٌ إِلَيْكُمْ كِتَاباً، وَكَتَبَ:مِنْ عَبْدِ الله عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ قَرَأَ كِتَابِي مِنَ الْمؤْمِنِينَ وَالْمسْلِمِينَ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الله بَعَثَ مُحَمَّداً (صلی الله علیه و آله و سلم) بَشِيراً وَنَذِيراً لِلْعَالَمِينَ... وَكَانَ نَبِيُّ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عَهِدَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لَكَ وَلَايةُ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي فَإِنْ وَلَّوْكَ فِي عَافِيَةٍ وَاجْتَمَعُوا عَلَيْكَ بِالرِّضَا فَقُمْ بِأَمْرِهِمْ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا عَلَيْكَ فَدَعْهُمْ وَمَا هُمْ فِيهِ، فَإِنَّ الله سَيَجْعَلُ لَكَ مَخْرَجاً فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ مَعِي رَافِدٌ وَلَا ذَابٌّ، وَلَا مُسَاعِدٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِي فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَلَى المَوْتِ وَالهَلَاكِ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ حَمْزَةُ أَوْ أَخِي جَعْفَرٌ، مَا بَايَعْتُ كُرْهاً، فَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى وَتَجَرَّعْتُ الشَّجَى، وَصَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ الْغَيْظِ عَلَى أَمَرَّ مِنَ الْعَلْقَمِ وَآلَمَ القلوب [لِلْقُلُوبِ] مِنْ حَزِّ الشِّفَار...»(2).
«يا أنس ما حملك على أن لا تؤدي ما سمعت مني في علي بن أبي طالب (علیه السلام) حتى أدركتك العقوبة ولولا استغفار علي (علیه السلام) لك ما شممت رائحة الجنة أبدا ولكن انشرفي بقية عمرك أن عليا (علیه السلام) وذريته ومحبيهم السابقون الأولون إلى الجنة وهم جيران أولياء الله وأولياء الله حمزة وجعفر والحسن والحسين وأما علي فهو الصديق الأكبر لا يخشى يوم القيامة من أحبه»(1).
عن أبي أسامة زيد الشحام قال قلت لأبي الحسن (علیه السلام): جعلت فداك إنهم يقولون ما منع عليا إن كان له حق أن يقوم بحقه؟ فقال: «إن الله لم يكلف هذا أحدا إلانبيه عليه وآله السلام- قال له: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وقال لغيره إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فعلي لم يجد فئة، ولو وجد فئة لقاتل، ثم قال: لو كان جعفر وحمزة حيين إنما بقي رجلان»(2).
أخبرنا عقيل بن الحسين، أخبرنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن عبيد الله، قال: حدثنا عبدويه بن محمد بشيراز حدثنا سهل بن نوح بن يحيى حدثنا يوسف بن موسى القطان، عن وكيع، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا
قال: «يعني صدقوا بالله ورسوله ثم لم يشكوا في إيمانهم، نزلت في علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وجعفر الطيار. ثم قال: وجاهدوا الأعداء في سبيل الله في طاعته بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ يعني في إيمانهم فشهد الله لهم بالصدق والوفاء»(1).
حدثنا المنتصر بن نصر بواسط، حدثنا علي بن حرب الطائي حدثنا سفيان بن عيينة، عن منصور، عن مجاهد عن عبد الله بن عباس في قوله تعالى: إن المتقين قال: نزلت خاصة في علي وحمزة وجعفر وفاطمة يقول: إن المتقين في الدنيا [من] الشرك والفواحش والكبائر في جنات يعني البساتين ونعيم في أثواب في الجنان، قال: ابن عباس: لكل واحد منهم بستان في الجنة العليا، في وسطه خيمة من لؤلؤة، في كل خيمة سرير من الذهب واللؤلؤ، على كل سرير سبعون فراشا(2).
بالإسناد أخبرنا أبو علي بن عقبة أخبرنا أحمد بن محمد المؤدب ببغداد أخبرنا الحسن بن علي بن زكريا العدوي أخبرنا خراش بن عبد الله أخبرنا أنس قال: جاء رجل إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال يا رسول الله: ما حال علي بن أبي طالب (علیه السلام)، فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «تسألني عن علي بن أبي طالب يرد
يوم القيامة على ناقة من نوق الجنة ... بيده لواء الحمد له أربعة شقة لملئت ما بين السماء والأرض حمزة بن عبد المطلب عن يمينه وجعفر الطيار عن يساره وفاطمة من ورائه والحسن والحسين فيما بينهما ومناد ينادي في عرصات القيامة أين المحبون وأين المبغضون هذا علي بن أبي طالب كتابه بيمينه حتى يدخله الجنة...»(1).
مالك بن أنس عن سمي عن أبي صالح في قوله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ قال (علیه السلام): «الشهداء يعني عليا وجعفرا وحمزة والحسن والحسين هؤلاء سادات الشهداء وَالصَّالِحِينَ يعني سلمان وأبا ذر والمقداد وعمارا وبلالا وخبابا وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا يعني في الجنة ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا إن منزل علي وفاطمة والحسن والحسين ومنزل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) واحد»(2).
عن علي بن الجعد عن شعبة عن قتادة عن الحسن عن ابن عباس في قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ قال: صديق هذه الأمة علي بن أبي طالب هو الصديق الأكبر والفاروق الأعظم ثم قال
وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال ابن عباس: وهم علي وحمزة وجعفر فهم صديقون وهمشهداء الرسل على أممهم قد بلغوا الرسالة ثم قال: لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ على التصديق بالنبوة ونورهم على الصراط(1). 16. (سيعقد لهذه الرواية باب خاص)عن سليم بن قيس يرفعه إلى أبي ذر والمقداد وسلمان (رضیَ اللّهُ عنهُما) قالوا: قال لنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام): «إني مررت بالصهاكي يوما فقال لي ما مثل محمد في أهل بيته إلا كمثل نخلة نبتت في كناسة قال: فأتيت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فذكرت ذلك له، فغضب غضبا شديدا، فقام فخرج مغضبا؛ وصعد المنبر، ففزعت الأنصار ولبسوا السلاح لما رأوا من غضبه، ثم قال: ما بال أقوام يعيرون أهل بيتي وقد سمعوني أقول في فضلهم ما أقول وخصصتهم بما خصهم الله تعالى به وفضل عليا (علیه السلام) عليهم لإكرامه وسبقه إلى الإسلام وبلائه وأنه مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ... ثم هم مع القرآن والقرآن معهم لا يفارقهم ولا يفارقونه حتى يردوا علي الحوض أولهم ابن عمي علي بن أبي طالب (علیه السلام) وهو خيرهم وأفضلهم ثم ابني الحسن ثم ابني الحسين وأمهم فاطمة ابنتي ثم تسعة من ولد الحسين ثم بعدهم جعفر بن أبي طالب ثم عمي حمزة بن عبد المطلب ...»(2).
الطرائف روى الحافظ محمد بن مؤمن الشيرازي في تفسير قوله تعالى:وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ بإسناده عن قتادة عن الحسن عن ابن عباس: وَالَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بالله أنه واحد علي وحمزة بن عبد المطلب وجعفر الطيار- ﴿أولئك هم الصديقون) قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «صديق هذه الأمة علي بن أبي طالب وهو الصديق الأكبر والفاروق الأعظم» ثم قال وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال ابن عباس: فهم صديقون وهم شهداء الرسل على أنهم قد بلغوا الرسالة ثم قال لهم أجرهم يعني ثوابهم على التصديق بالنبوة والرسالة لمحمد (صلی الله علیه و آله و سلم) - ونورهم يعني على الصراط(1).
ما رواه محمد بن العباس رحمه الله عن محمد بن الحسين الخثعمي عن عباد بن يعقوب عن الحسن بن حماد عن أبي الجارود عن أبي جعفر (علیه السلام) في قوله عز وجل ورهطك منهم المخلصين قال: «علي وحمزة وجعفر والحسن والحسين وآل محمد (علیهم السلام) خاصة»(2).
فيقول نوح لمحمد (صلی الله علیه و آله و سلم): يا محمد، إن الله تبارك وتعالى سألني: هل بلغت؟
فقلت: نعم فقال: من يشهد لك؟ فقلت: محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) فيقول: يا جعفر، ويا حمزة، اذهبا فاشهدوا له أنه قد بلغ؟فقال أبو عبد الله (علیه السلام): «فجعفر وحمزة هما الشاهدان للأنبياء (علیهم السلام) بما بلغوا».
قلت: جعلت فداك، فعلي (علیه السلام)، أين هو؟ فقال: هو أعظم منزلة من ذلك»(1).
1) الكافي للشيخ الكليني، ج8، ص 267، ح 392.
السعير وأن علياأمير المؤمنين قال حمزة شهدت وأقررت وآمنت وصدقت وقال الأئمة من ذريته الحسن والحسين والإمامة في ذريته قال حمزة آمنت وصدقت وقال فاطمة سيدة نساء العالمين قال: نعم صدقت وقال: حمزة سيد الشهداء وأسد الله وأسد رسوله وعم نبيه فبكى حمزة حتى سقط على وجهه وجعل يقبل عيني رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وقال: جعفر [جعفرا] ابن أخيك طيار في الجنة مع الملائكة وأن محمدا وآله خير البرية تؤمن يا حمزة بسرهم وعلانيتهم وظاهرهم وباطنهم وتحيا على ذلك وتموت توالي من والاهم وتعادي من عاداهم قال: نعم يا رسول الله أشهد الله وأشهدك وكفى بالله شهيدا فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) سددك الله ووفقك»(1).
ملاحظة / يظهر فضل حمزة وجعفر في الروايات السابقة من باب قياس فضل علي (علیه السلام) بهم والاستدلال على مقامه بمقامهم ، فلولا مقامهم الشامخ لما صحت المقارنة من الاصل .
فرات قال حدثني الحسن بن علي بن بزيع معنعنا عن أصبغ [الأصبغ] بن نباتة قال: قال [لي إن] علي بن أبي طالب (علیه السلام) «إني أريد أن أذكر حديثا [فقال عمار بن ياسر فاذكره قال إني أريد أن أذكر حديثا قال أبو أيوب الأنصاري قلت] فما يمنعك يا أمير المؤمنين أن تذكره فقال: ما قلت هذا إلا وأنا أريد أن أذكره ثم قال إذا جمع الله الأولين والآخرين كان أفضلهم سبعة منا بني عبد المطلب الأنبياء أكرم الخلق [خلق الله على الله] ونبينا أفضل [أكرم] الأنبياء [(عَلَيهِم السَّلَامُ)] ثم الأوصياء أفضل الأممبعد الأنبياء ووصيه أفضل الأوصياء [(عَلَيهِم السَّلَامُ)] ثم الشهداء أفضل الأمم بعد [الأنبياء] والأوصياء وحمزة سيد الشهداء وجعفر ذو الجناحين يطير مع الملائكة لم ينحله شهيد قط قبله [قبلهما رحمة الله عليهم أجمعين] وإنما ذلك شيء أكرم الله به وجه محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ثم قال أُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا - ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ثم [و] السبطان حسنا وحسينا والمهدي [عليهم السلام والتحية والإكرام] جعله [جعلهم] الله ممن يشاء من أهل البيت»(1).
عن ابن عباس، قال: دخل الحسين بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) على أخيه الحسن بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في مرضه الذي توفي فيه، فقال له: «كيف تجدك يا أخي قال: أجدني في أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا، واعلم أني لا
1) تفسير فرات الكوفي، ص113.
أسبق أجلي، وأني وارد على أبي وجدي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، على كره مني لفراقك وفراق إخوتك وفراق الأحبة، وأستغفر الله من مقالتي هذه وأتوب إليه، بل على محبة مني للقاء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) ولقاء فاطمة وحمزة وجعفر (علیهم السلام)، وفي الله (عز وجل) خلف من كل هالك، وعزاء من كل مصيبة، ودرك من كل ما فات»...(1).
1) الأمالي (للطوسي)، ص159.
در وياقوت وزبرجد وأما السابعة والعشرون فعمي حمزة سيد الشهداء في الجنة ...»(1).
ثم قال: قم يا حسن، فقام الحسن (علیه السلام) فخطب فقال: ... وكان ممن استجاب لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عمه حمزة وجعفر ابن عمه، فقتلا شهيدين (رضي الله عنهما) في قتلى كثيرة معهما من أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
فجعل الله تعالى: حمزة سيد الشهداء من بينهم، وجعل لجعفر جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء من بينهم، وذلك لمكانهما من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومنزلتهما وقرابتهما منه (صلی الله علیه و آله و سلم)، وصلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) على حمزة سبعين صلاة من بين الشهداء الذين استشهدوا معه...»(2).
حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن حمدون بن الفضل الفقيه قال حدثني القاضي عبد الرحمن بن الحسن قال حدثني إبراهيم بن الحسين قال حدثنا شاه عبد الله بن سلمة الصغير قال حدثنا شعبة بن الحجاج قال حدثنا أبو رجاء العطار عن سمرة قال: كان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كلما [أصبح] أقبل على أصحابه بوجهه يقول هل رأى (منكم أحد) رؤيا وإن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أصبح ذات يوم فقال: «رأيت في المنام (حمزة عمي وجعفرا ابن عمي) جالسين وبين أيديهما طبق من نبق وهما يأكلان منه فما لبث أن تحول رطبا فأكلا منه فقلت لهما ما وجدتما [الساعة] أفضل الأعمال في الآخرة قالا الصلاة (و حب) علي بن أبي طالب (علیه السلام) وإخفاء الصدقة » (1).
تفسير مقاتل عن عطاء عن ابن عباس: يوم لا يخزي الله النبي لا يعذب الله محمدا والذين آمنوا معه لا يعذب علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين وحمزة وجعفرا- نورهم يسعى يضيء على الصراط ...(2).
وفي رواية أنه نزل أيضا إن هو إلا عبد أنعمنا عليه الآية فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «يا حارث اتق الله وارجع عما قلت من العداوة لعلي بن أبي طالب فقال إذا كنت رسول الله وعلي وصيك من بعدك وفاطمة بنتك سيدة
نساء العالمين والحسن والحسين ابناك سيدا شباب أهل الجنة وحمزة عمك سيد الشهداء وجعفر الطيار ابن عمك يطير مع الملائكة في الجنة والسقاية للعباس عمكفما تركت لسائر قريش وهم ولد أبيك فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ويلك يا حارث ما فعلت ذلك ببني عبد المطلب لكن الله فعله بهم...» (1).
قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): «سادة أهل محشر سادة أهل الدنيا أنا وعلي وحسن وحسين وحمزة وجعفر»(2).
ومن طريق المخالفين، ما نقله أبو نعيم الحافظ، عن رجاله، عن أبي هريرة، قال: قال علي بن أبي طالب (علیه السلام): «يا رسول الله، أيما أحب إليك، أنا أم فاطمة؟ قال: فاطمة أحب إلي منك، وأنت أعز علي منها.
وقال: وكأني بك وأنت على حوضي تذود عنه الناس، وإن عليه أباريق عدد نجوم السماء، وإني وأنت والحسن والحسين وحمزة وجعفر في الجنة:إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ وأنت معي وشيعتك، ثم قرأ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ لاينظر أحدكم في قفا صاحبه»(3).
حدثنا محمد بن همام عن محمد بن إسماعيل عن عيسى بن داود قال حدثنا الإمام موسى بن جعفر عن أبيه (علیه السلام) في قول الله عز وجل: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ قال: «بيوت آل محمد بيت علي وفاطمة والحسن والحسين وحمزة وجعفر (علیهم السلام)...»(1).32. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «دخلت البارحة الجنة فإذا فيها جعفر يطير مع الملائكة وإذا حمزة مع أصحابه»(2).
حدثنا علي بن عبد الله بن أسد عن إبراهيم بن محمد الثقفي عن يحيى بن صالح عن مالك بن خالد الأسدي عن الحسن بن إبراهيم عن جده عن عبد الله بن الحسن عن آبائه (علیهم السلام) قال:«وعاهد الله علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب (علیهم السلام) أن لا يفروا في زحف أبدا فتموا كلهم فأنزل عز وجل: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ حمزة استشهد يوم أحد وجعفر استشهد يوم موتة ومنهم من ينتظر يعني علي بن أبي طالب (علیه السلام) وما بدلوا تبديلا يعني الذي عاهدوا عليه»(3).
عنه عن الهيثم بن عبد الله النهدي عن العباس بن عامر القصير عن حجاج الخشاب قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول لأبي جعفر: «الأحول ما يقول من عندكم في قول الله تبارك وتعالى - قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى فقال: كان الحسن البصري يقول في أقربائي من العرب فقال: أبو عبد الله (علیه السلام): لكني أقول لقريش الذين عندنا هي لنا خاصة فيقولون هي لنا ولكم عامة فأقول خبروني عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إذا نزلت به شديدة من خص بها أ ليس إيانا خص بها حين أراد أن يلاعنأهل نجران أخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين (علیهم السلام) ويوم بدر قال لعلي وحمزة وعبيدة بن الحارث قال: فأبوا يقرون لي أ فلكم الحلو ولنا المر»(1).
فرات قال حدثنا الحسين بن الحكم [الحبري قال حدثنا حسن بن حسين قال حدثنا حبان عن الكلبي عن أبي صالح] عن ابن عباس (رضي الله عنه): قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ إلى آخر الآيتين [قال نزلت] في علي [بن أبي طالب (علیه السلام)] وحمزة بن عبد المطلب [رضي الله عنه] وعبيدة بن الحارث [رحمه الله](2).
عن قيس بن عباد رضي الله عنه قال نزلت هذه الآية في الذين تبارزوا يوم بدر هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ وهم علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة(1).
فرات قال حدثني عبد السلام بن مالك وسعيد بن الحسن بن مالك معنعنا عن السدي [قال] هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ الآيتين نزلت في علي وحمزة وعبيدة بن الحارث وفي عتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وشيبة بن ربيعة بارزهم يوم بدر علي وحمزة وعبيدة بن الحارث فقال: رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) « هؤلاء الثلاثة يوم القيامة كواسطة القلادة في المؤمنين وهؤلاء الثلاثة كواسطة القلادة في الكفار»(2).
[أخبرنا] حسن بن علي الجوهري قال: أخبرنا محمد بن عمران قال: أخبرنا علي بن محمد الحافظ، قال: حدثني الحسين بن الحكم الحبري قال: حدثنا حسن بن حسين قال: حدثنا حبان، عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: هَذَانِ خَصْمَانِ [اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ] فالذين آمنوا علي وحمزة وعبيدة والذين كفروا عتبة وشيبة والوليد [تبارزوا] يوم بدر وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا
إلى قوله ولباسهم فيها حرير [قال: هم] علي وحمزة وعبيدة(1).
كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة محمد بن العباس عن إبراهيم بن عبد الله بن مسلم عن حجاج بن المنهال بإسناده عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالب (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أنه قال: « أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الرحمن » وقال قيس وفيهم نزلت هذه الآية- هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ وهم الذين تبارزوا يوم بدر- علي وحمزة وعبيدة وشيبة وعتبة والوليد(1).
قال حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي معنعنا عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ قال نزلت هذه الآية في ثلاثة من المسلمين فهم المتقون الذين آمنوا وعملوا الصالحات وفي ثلاثة من المشركين فهم [هم] المفسدون في الأرض فأما الثلاثة من المسلمين فعلي بن أبي طالب وحمزة وعبيدة وأما الثلاثة من المشركين فعتبة بن ربيعة وشيبة [أخو عتبة] والوليد بن عتبة وهم الذين تبارزوا يوم بدر فقتل علي الوليد وقتل حمزة عتبة بن ربيعة وقتل عبيدة شيبة(2).
عن أحمد بن حرب الزاهد، قال: حدثني صالح بن عبد الله الترمذي في تفسيره [قال:] حدثنا المسيب بن شريك، عن محمد بن عبيد الله، عن أبيه
عن عمه عن علي في قوله تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [قال:] « نزلت في حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وفي عتبة وشيبة والوليد بن عتبة » (1).
قال حدثنا الحسين بن الحكم [قال حدثني حسن بن حسين قال حدثنا حبان عن الكلبي عن أبي صالح] عن ابن عباس (رضي الله عنه) في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ نزلت [هذه الآية] في علي وحمزة وعبيدة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة وأبي دجانة(2).
حدثنا على بن محمد، قال: حدثنى الحسين بن الحكم الحبرى، قال: حدثنا حسن بن حسين، قال، حدثنا حبان عن الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس: قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ في علي وحمزة وعبيدة بن الحارث(3).
حدثني محمد بن عبد الرحمن بن الفضل قال: حدثنا جعفر بن الحسين الكوفي قال: حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن يزيد مولى أبي جعفر عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا إلى قوله صراط الحميد قال: ذلك علي وحمزة وعبيدة بن الحارث وسلمان وأبو ذر، والمقداد(1).
عن ابن عباس في قوله تعالى: و الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [قال:] يعني عليا وعبيدة وحمزة لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ [يعني] ذنوبهم ولنجزينهم من الثواب في الجنة أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا.فهذه الثلاث آيات نزلت في علي وصاحبيه- ثم صارت للناس عامة من كان على هذه الصفة(2).
أخبرنا الشريف أبو عثمان سعيد بن العباس القرشي بقراءتي عليه من أصله أخبرنا أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن محمد بن السري بن جندب الأزدي ب«بوشنج» حدثنا الحسين بن محمد بن عفير الأنصاري حدثنا الحجاج بن يوسف بن قتيبة الأصبهاني حدثنا بشر بن الحسين، عن الزبير بن عدي، عن الضحاك عن ابن عباس في قوله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ
صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ [أنه قيل له:] من هؤلاء قال: حمزة أسد الله وأسد رسوله، وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث والمقداد بن الأسود(1). 15. كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة محمد بن العباس عن عبد العزيز بن يحيى عن محمد بن زكريا عن أيوب بن سليمان عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله عز وجل: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ الآية قال: إنها نزلت في علي بن أبي طالب وحمزة وعبيدة بن الحارث (علیهم السلام) هم الذين آمنوا وفي ثلاثة من المشركين عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة وهم الذين اجترحوا السيئات (2).
فرات قال حدثنا الحسين بن سعيد معنعنا عن ابن عباس رضي الله عنه في [هذه] الآية مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ] نزلت في بني هاشم منهم حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث وفيهم نزلت وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ [إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ] (1).
قال محمد بن العباس رحمه الله حدثنا عبد العزيز بن يحيى عن محمد بن زكريا عن أيوب بن سليمان عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال قوله عز وجل أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ نزلت في عتبة وشيبة والوليد بن عتبة وهم الذين بارزوا عليا وحمزة وعبيدة ونزلت فيهم من كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ قال في علي وصاحبيه(2).
يوم الخندق / ابن عقدة، حدثني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي، حدثني الحسين بن موسى، عن أبيه، عن جده، عن علي بن الحسين، عن أبيه الحسين عن أبيه علي بن أبي طالب (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الخندق: «اللهم إنك أخذت
مني عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وهذا علي، فلا تدعني فردا وأنت خير الوارثين» (1).
من القرآن خاصة في رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وعلي وأهل بيته (علیهم السلام) دون الناس من سورة البقرة وَبَشِّرِ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهار... الآية نزلت في علي وحمزة وجعفر وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب [رضي الله عنهم أجمعين].
الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن محمد بن أورمة عن علي بن حسان عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قوله تعالى: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ قال: « ذاك حمزة وجعفر وعبيدة وسلمان وأبو ذر والمقداد بن الأسود وعمار هدوا إلى أمير المؤمنين (علیهم السلام) وقوله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم يعني أمير المؤمنين وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ الأول والثاني والثالث.
[قدوم أبو مسلم الخولاني إلى معاوية وكتاب معاوية معه إلى علي (علیه السلام)] نصر عن عمر بن سعد عن أبي ورق أن ابن عمر بن مسلمة الأرحبي أعطاه كتابا في إمارة الحجاج بكتاب من معاوية إلى علي قال ... فكتب إليه علي (علیه السلام) « من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فإن أخا خولان قدم علي بكتاب منك تذكر فيه محمدا (صلی الله علیه و آله و سلم) وما أنعم الله عليه به من الهدى والوحي ... ثم أمر الله رسوله بالهجرة وأذن له بعد ذلك في قتال المشركين فكان إذا احمر البأس ودعيت نزال أقام أهل بيته فاستقدموا فوقى بهم أصحابه حر الأسنة والسيوف فقتل عبيدة يوم بدر وحمزة يوم أحد
وجعفر وزيد يوم مؤتة وأراد لله من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة مع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) غير مرة إلا أن آجالهم عجلت ومنيته أخرت والله مولى الإحسان إليهم والمنان عليهم بما قد أسلفوا من الصالحات... » (1).
«...أراد قومنا قتل نبينا واجتياح أصلنا وهموا بنا الهموم وفعلوا بنا الأفاعيل ومنعونا العذب وأحلسونا الخوف واضطرونا إلى جبل وعر وأوقدوا لنا نار الحرب فعزم الله لنا على الذب عن حوزته والرمي من وراء [حومته] حرمته مؤمننا يبغي بذلك الأجر وكافرنا يحامي عن الأصل ومن أسلم من قريش خلو مما نحن فيه بحلف يمنعه أو عشيرة تقوم دونه فهو من القتل بمكان أمن وكان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إذا احمر البأس وأحجم الناس قدم أهل بيته فوقى بهم أصحابه حر السيوف والأسنة فقتلعبيدة بن الحارث يوم بدر وقتل حمزة يوم أحد وقتل جعفر يوم مؤتة وأراد من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة ولكن آجالهم عجلت ومنيته [أخرت] أجلت فيا عجبا للدهر إذ صرت يقرن بي من لم يسع بقدمي ولم تكن له كسابقتي التي لا يدلي أحد بمثلها إلا أن يدعي مدع ما لا أعرفه ولا أظن الله يعرفه والحمد لله على كل حال ... » (2).
حديث هشام بن الحكم ودلائله على أفضلية علي (علیه السلام) ... وقلتم وقلنا وقالت العامة إن الذابين عن الإسلام أربعة نفر علي بن أبي طالب3 والزبير بن العوام وأبو دجانة الأنصاري وسلمان الفارسي فأرى صاحبنا قد دخل مع هؤلاء في هذه الفضيلة وتخلف عنها صاحبكم ففضلنا صاحبنا على صاحبكم بهذه الفضيلة ...و قلتم وقلنا وقالت العامة إن الشهداء أربعة نفر علي بن أبي طالب (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وجعفر وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب فأرى صاحبنا قد دخل مع هؤلاء في هذه الفضيلة وتخلف عنها صاحبكم ففضلنا صاحبنا على صاحبكم بهذه الفضيلة قال فحرك هارون الستر وأمر جعفر الناس بالخروج فخرجوا مرعوبين وخرج هارون إلى المجلس فقال من هذا ابن الفاعلة فو الله لقد هممت بقتله وإحراقه بالنار ...(1).
في وصية الامام امير المؤمنين لابنه الحسن (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)
« فإني أحب أن أستعتب من نفسي قبل أن تفوت نفسي اللهم إنك شهيد وكفى بك شهيدا إني بايعت رسولك وحجتك في أرضك محمدا (صلی الله علیه و آله و سلم) أنا وثلاثة من أهل بيتي على أن لا ندع لله أمرا إلا عملناه ولا ندع له نهيا إلا رفضناه ولا وليا إلا أحببناه ولا عدوا إلا عاديناه ولا نولي ظهورنا عدوا ولا نمل عن فريضة ولا نزداد لله ولرسوله إلا نصيحة فقتل أصحابي رحمة الله ورضوانه عليهم وكلهم من أهل بيتي عبيدة بنالحارث رحمه الله قتل ببدر
1) الإختصاص، ص96- 97.
شهيدا وعمي حمزة قتل يوم أحد شهيدا رحمة الله عليه ورضوانه وأخي جعفر قتل يوم مؤتة شهيدا رحمة الله عليه فأنزل الله في وفي أصحابي- مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا... » (1).
1) في الملحق، ص272 يقرب من هذه الرواية اجمالا في دلالة الاية دعائم الإسلام، ج2، ص354 كذلك ينظر الرواية رقم (1) في ملف السيدة خديجة (عَلَيهَا السَّلَامُ).
عم رسول الله وصنو أبيه و[منهم] [جعفر] ذو الجناحين والقبلتين والهجرتين والبيعتين من الشجرة المباركة صحيح الأديم وضاح البرهان ... » (1).
وبإسناده عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: « خير إخواني علي وخير أعمامي حمزة والعباس صنو أبي » (3).
حدثنا عمرو بن الجمحي بمكة قال: حدثنا علي بن عبد العزيز البغوي، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن السدي، عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: « إن من العباد عبادا يغبطهم الأنبياء- تحابوا بروح الله على غير مال ولا عرض من الدنيا، وجوههم نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزنوا، أ تدرون من هم قلنا: لا يا رسول الله. قال: [هم] علي بن أبي طالبوحمزة بن عبد المطلب وجعفر وعقيل، ثم قرأ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (1).
حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق بن حماد، قال: حدثنا إسحاق بن الضيف قال: حدثنا يزيد بن أبي حكيم قال: حدثنا سفيان الثوري عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ قال: نزلت في علي بن أبي طالب وحمزة، وجعفر وعقيل وأبي ذر، وسلمان وعمار والمقداد، والحسن والحسين (علیهم السلام)(2).
حدثنا أبي رضي الله عنه قال حدثنا محمد بن يحيى العطار وأحمد بن إدريس جميعا عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن علي بن مهزيار عن أبيه عمن ذكره عن موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: قلت يا ابن رسول الله ألا
تخبرنا كيف كان سبب إسلام سلمان الفارسي؟ قال: « حدثني أبي (علیه السلام) أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) ... ( الكلام عن سلمان) ... فبينا أنا ذات يوم في الحائط إذا أنا بسبعة رهط قد أقبلوا تظلهم غمامة فقلت في نفسي والله ما هؤلاء كلهم أنبياء ولكن فيهم نبيا قال: فأقبلوا حتى دخلوا الحائط والغمامة تسير معهم فلما دخلوا إذا فيهم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأمير المؤمنين (علیه السلام) وأبو ذر والمقداد وعقيل بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة فدخلوا الحائط فجعلوا يتناولون من حشف النخل ورسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول لهم: كلوا الحشف ولا تفسدوا على القوم شيئا فدخلت على مولاتي فقلت لها يا مولاتي هبي لي طبقا من رطب فقالت: لك ستة أطباق قال: فجئت فحملت طبقا من رطب فقلت في نفسي إن كان فيهم نبي فإنه لا يأكل الصدقة ويأكل الهدية فوضعته بين يديه فقلت هذه صدقة فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): كلوا وأمسك رسول الله وأمير المؤمنين وعقيل بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب...»(1).
ص: 206 ،وبحار الأنوار، ج36، ص72.
.1) كشف الغمة في معرفة الأئمة، ج1، ص325 وكشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين (علیه السلام) ،
ص: 407 ، ونهج الحق وكشف الصدق،
2) شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، ج1، ص283.
1) مناقب آل أبي طالب (علیهم السلام) (لابن شهرآشوب)، ج2، ص122 ، وبحار الأنوار، ج41، ص17.
ابنة عميس صارخات وأيديهن على خدودهن ونواصيهن منتشرة والملائكة تسترهن بأجنحتها وأمه فاطمة تصيح وتقول: هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ »(1).
قال: ولا الظل يعني بذلك مستقر علي [في] الجنة ولا الحرور يعني [به] مستقر أبي جهل [في] جهنم، ثم جمعهم فقال: وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ علي وحمزة وجعفر وحسن وحسين وفاطمة وخديجة ولا الأموات كفار مكة(1).
1) شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، ج2، ص154 ومثله في: بحار الأنوار، ج24، ص372 - 373.
أنشدكم الله هل تعلمون أن أبي علي بن أبي طالب قالوا: اللهم نعم قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن جدتي خديجة بنت خويلد أول نساء هذه الأمة إسلاما قالوا: اللهم نعم قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن سيد الشهداء حمزة عم أبي قالوا: اللهم نعم قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن جعفر الطيار في الجنة عمي قالوا: اللهم نعم ....قال: فبم تستحلون دمي وأبي الذائد عن الحوض غدا يذود عنه رجالا كما يذاد البعير الصادر عن الماء ولواء الحمد في يد جدي يوم القيامة ... » (1).
وروي انّه (علیه السلام): « دعا ذلك اليوم ابنته الكبرى فاطمة فدفع إليها كتابا ملفوفا وأمرها أن تسلّمه الى أخيها علي بن الحسين (علیه السلام)».
1) الهداية الكبرى، ص408.
فسئل العالم (علیه السلام): أي شيء كان في الكتاب؟
فقال: « فيه- واللّه- جميع ما يحتاج إليه ولد آدم الى فناء الدّنيا وقيام الساعة »(1).
1) اثبات الوصية، ص167.
الدليل السادس
الطائفة الثانية / آيات الاصطفاء
آيتا البقرة والحج ... ۱۱
وصاية آباء وأجداد النبي والوصي صلوات الله عليهما وآلهما ... ۱۱
الطائفة الروائية الثانية طهارة أفراد الدائرة الاصطفائية الثانية ... ۱۱
سورة البقرة وعلو اصطفاء الدائرة الثانية ... ۱۴
علو اصطفاء الدائرة الثانية على سائر الأنبياء ... ۱۶
منصب الإمامة على درجات ... ۱۹
الطائفة الأولى من الآيات الطائفة الروائية الثانية القطعية ... ۲۰
الآيات في اصطفاء آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه وآله) ... ۲۱
الآيات الدالة على أن آباء وأجداد النبي وعلي إلى إسماعيل ... ۲۲
معاني البيت في عنوان أهل البيت ومن الآيات المرتبطة ... ۲۳
تخصيص نزول الآيات في آباء النبي (صلی الله علیه وآله) وعلي (علیه السلام) ... ۲۶
روايات متواترة عند الفريقين على وجود دائرتين ... ۲۷
السيد المرعشي النجفي وحادثة الدار ... ۲۷
استنطاق الدليل الروائي ... ۲۹
وجعلها كلمة باقية في عقبه الى يوم القيامة ... ۳۰
جانب من اصطفاء عبد المطلب (علیه السلام) (الامضاء دليل الاصطفاء) ... ۳۲
اهل البيت (علیهم السلام) هم المرجعية في التفسير ... ۳۳
علو الاصطفاء ممتد في سلسلة آباء النبي (صلی الله علیه وآله) ... ۳۴
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ خطاب لبني هاشم ... ۳۵
قاعدة في خصوص وعموم القرآن ... ۳۶
ما اختص بالنبي (صلی الله علیه وآله) يعم في الاقتداء ... ۳۶
مفاد الاجتباء في الآية القرآنية (جانب آخر من ادلة الاصطفاء القرآنية) ... ۳۷
تنوّع الطائفة الثانية من الآيات ... ۳۹
الدليل السابع
شهادة أفراد الدائرة الثانية
أفراد الدائرة الثانية هم الأشهاد على بقية أولي العزم ... ۴۳
حقيقة الشهادة ... ۴۵
الجدل العلمي في معنى الشهادة ... ۴۶
عموم الشهادة (الولاية) في العوالم ... ۴۹
الشاهد والشهداء أولياء الحساب في المعاد ... ۵۲
ارتباط مقام الشهادة والولاية العامة ... ۵۳
طبقات الشهداء ... ۵۴
مقام الشهادة للدائرة الثانية والولاية الإلهية ... ۵۶
الشهادة قيادة وولاية ملكوتيه ... ۵۹
حقيقة شهادة النبي وأهل بيته على كل الأزمان والعصور ... ۶۷
آية الذرية في البيت الحرام وفريضة الولاية والمحبة للدائرة الثانية ... ۸۱
الشهادة علم وراثة اصطفائية وحكمة لدنية ... ۸۴
آيـات الشـــهادة ... ۸۸
ما هي مناسبة آيات الشهادة ... ۸۸
سلسلة الآيات المرتبطة بالطائفة الثالثة المتضمنة لعنوان الشهادة والشهداء ... ۹۰
الجدلية في معنى الشهادة ... ۹۳
الحافظ لكل حدود علم لدني وراثي للكتاب ... ۱۰۶
الفتوحات من غير المعصومين سدودات عن انتشار الإسلام ... ۱۱۴
أسباب توقف انتشار الإسلام ... ۱۱۶
الشاهد قائد هداية ... ۱۱۹
خريطة البحث إجمالاً لآيات الشهادة في الطائفة الثانية ... ۱۱۹
الشهادة تعليم وتربية ... ۱۲۲
الشهادة على الأعمال ذات درجات ... ۱۲۳
الشهادة على الأعمال بين الزيادة والنقيصة ... ۱۲۵
موقعية ثلة من المؤمنين من ذوي الصلاح ... ۱۲۷
شهادة الذين يقتلون في سبيل الله ... ۱۲۸
القتل للأنبياء والرسل والأوصياء (علیهم السلام) والشهادة ... ۱۳۶
حقيقة الشهادة على الأعمال ... ۱۴۱
مقام الولاية (الشهادة) للدائرة الاصطفائية الثانية ... ۱۴۳
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ أعظم الإصطفاء ... ۱۵۱
وحدة الخطاب يوم الدار ويوم الغدير ... ۱۵۳
الآية الكريمة عند الفريقين ... ۱۶۲
الدائرة الثانية الاصطفائية الشرط الثاني والركن الأعظم ... ۱۶۳
دلالة الآيات على كلا الشرطين في الجهاد الابتدائي ... ۱۶۵
الدائرة الاصطفائية الثانية شرط الظهور لدول الأئمة ... ۱۶۷
الدائرة الثانية حافظ إلهي للحدود ... ۱۷۶
عموم حفظ الذكر لحفظ الحديث ... ۱۷۷
شرطان لإقامة الدولة الإلهية الإمامة الإلهية والوزراء المصطفون ... ۱۸۳
البرهان العقلي على ضرورة اصطفاء الدائرة الثانية ... ۱۸۳
معنى مقام الطيار لجعفر وأبي الفضل ... ۱۸۴
البرهان العقلي على الإمامة الإلهية شامل ... ۱۸۴
الشهيد الشاهد على الأعمال حاضر عندها ... ۱۸۷
مقام الشهادة مقام الولاية والهداية والرعاية ... ۲۰۰
الولاية أصل وأم مقامات الدائرة الثانية ... ۲۰۴
آيات وسور في ولاية أهل البيت العامة لكل من الدائرتين ... ۲۱۱
الدليل الثامن احتجاج النبي (صلی الله علیه وآله) والأئمة (علیهم السلام) أجمعين بالدائرة الثانية برهان على علو اصطفاء الدائرة الثانية وانهم دلالات وأبواب وحجج للدائرة الأولى
احتجاج النبي (صلی الله علیه وآله) والأئمة (علیهم السلام) أجمعين بالدائرة الثانية ... ۲۲۵
اختصاص الدائرة الثانية بالاحتجاج لسيد الانبياء ... ۲۲۷
النبي (صلی الله علیه وآله) يحتج في احتجاجه بنجوم الدائرة الثانية ... ۲۲۸
طائفة الروايات الدالة على الدائرة الثانية ... ۲۲۹
مفاخرة النبي (صلی الله علیه وآله) والأئمة (علیهم السلام) بأفراد الدائرة الثانية ... ۲۳۰
بين الحسينين وعيسى ويحيى ... ۲۳۰
مثل الدائرة الثانية للدائرة الأولى نور على نور ... ۲۳۱
تعظيم مقام الدائرة الثانية تعظيم لمقام الدائرة الأولى من أهل البيت ... ۲۳۳
التعظيم بحسب المراتب الإلهية ... ۲۳۴
احتجاج أهل البيت (علیهم السلام) بجعفر وحمزة ... ۲۳۴
احتجاج النبي (صلی الله علیه وآله) بالقاسم والطاهر على إمامة الحسين ... ۲۳۵
احتجاج النبي (صلی الله علیه وآله) لسيدة الزهراء صلوات الله عليها ... ۲۳۶
احتجاج زين العابدين (علیه السلام) لإمامة أهل البيت (علیهم السلام) ... ۲۳۷
احتجاج كل الأئمة صلوات الله عليهم بمقام الدائرة الثانية ... ۲۳۸
افتخار النبي (صلی الله علیه وآله) بشجرة بني هاشم هي إحدى الاضاءات ... ۲۳۹
الافتخار في القرآن ... ۲۳۹
آل يس في القرآن الكريم ... ۲۴۱
تدبر في سلام الله عز وجل على آل يس ... ۲۴۲
التعظيم الإلهي في القرآن الكريم لآل محمد (صلی الله علیه وآله) ... ۲۴۳
افتخار المعصومين الأربعة عشر بأفراد الدائرة الثانية ... ۲۴۳
احتجاج أهل البيت (علیهم السلام) بأفراد لهم حجية اصطفائية ... ۲۴۴
(خبير) ملحمة اعجازية عسكرية هائلة لأمير المؤمنين علي (علیه السلام) ... ۲۴۷
الطائفة الثانية: ما كان بلسان احتجاجهم على حقهم بمقامات ... ۲۴۸
أول: احتجاج النبي (صلی الله علیه وآله) ومفاخرته من باب الاصطفاء ... ۲۴۹
الرواية الأولى ... ۲۴۹
الثاني: احتجاج امير المؤمنين (علیه السلام) على امامته وخلافته ... ۲۵۰
الرواية الأولى ... ۲۵۰
الرواية الثانية ... ۲۵۱
ثالثاً: احتجاج الامام الحسن بن علي المجتبى (علیه السلام) ... ۲۵۲
الرابع: احتجاج الامام الحسين بن علي (علیه السلام) ... ۲۵۳
الرواية الأولى ... ۲۵۳
الرواية الثانية ... ۲۵۳
خامساً: احتجاج علي بن الحسين زين العابدين (علیه السلام) ... ۲۵۴
السادس: احتجاج الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر (علیه السلام) ... ۲۵۴
الرواية الأولى ... ۲۵۴
الدليل التاسع سيرة المسلمين المركوزة على تقديس الدائرة الثانية لأهل البيت (علیهم السلام) في الفضل الاصطفائي*
اصالة الاعتقاد بالدائرة الثانية مركوز في خزون التراث والهوية الدينية ... ۲۶۳
حقائق الدائرة الثانية في الطقوس الدينية ... ۲۶۵
التشهد بمقام الدائرة الثانية ... ۲۶۶
تقديس الدائرة الثانية لأهل البيت (علیهم السلام) عند كل المسلمين ... ۲۶۹
القرآن الكريم وأهل البيت (علیهم السلام) يأمران باستخراج الكنوز المعرفية ... ۲۷۰
ضرورة الدائرة الثانية عند المسلمين ... ۲۷۰
أجداد النبي والوصي سلسلة مصطفاة ... ۲۷۳
الدليل العاشر الدليل العقلي على اصطفاء الدائرة الثانية
الدليل العقلي على اصطفاء الدائرة الثانية ... ۲۷۹
جملة من آيات اصطفاء الشجرة الهاشمية من الدائرة الثانية ... ۲۸۰
الدائرة الثانية باب وبرهان على إمامة الأئمة الاثني عشر ... ۲۸۲
الخصائص الاصطفائية لأفراد الدائرة الثانية وعلو الاصطفاء ... ۲۸۳
نصرة ونصح الدائرة الثانية للأولى بالغة درجة الاصطفاء ... ۲۸۵
الأسماء الإلهية والدائرة الثانية ... ۲۸۵
الموقع القيادي السياسي لأبي الفضل العباس (علیه السلام) ... ۲۸۶
الفضائل الاصطفائية ذات بعد قيادي لا مجرد فردي ... ۲۸۷
(طهرت بك البلاد) وكيفية تطهّر البلاد ... ۲۸۹
سؤدد الأنبياء هو سؤدد الأخلاق أجمعين ... ۲۹۳
مقام أسد الله وأسد رسوله (صلی الله علیه وآله) ومقام الطيار ... ۲۹۴
مقام والدة المهدي عجل الله فرجه الشريف ... ۲۹۵
لمس قريش من بني هاشم إرهاصات ملكوتيه ... ۲۹۶
مقام عبد المطلب وسورة الفيل ... ۲۹۶
لواحق عقلية في الطائفة الأولى من الآيات ... ۲۹۸
الدائرة الثانية أحد الزوايا الهامة في آية التطهير ... ۲۹۹
الدائرة الاصطفائية الثانية لأهل البيت (علیهم السلام) / ج ٤ ... ٣٦١
ضابطة اصطفاء افراد الدائرة الثانية ... ٢٩٩
إبواء أبي طالب للنبي الأعظم (صلی الله علیه وآله) ... ٣٠٠
شبكة المؤامرات التي تحيط بالنبي (صلی الله علیه وآله) ... ٣٠٠
خصوصية اصطفاء سلالة عبد المطلب ... ٣٠٢
ملحق الروايات
حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب (علیهما السلام) ... ٣٠٧
حمزة وعبيدة ابناء عبد المطلب (علیهما السلام) ... ٣٢٦
حمزة وجعفر وعبيدة (علیهم السلام) ... ٣٣٤
حمزة وجعفر والعباس بن عبد المطلب (علیهم السلام) ... ٣٣٨
حمزة وجعفر عقيل ابن ابي طالب (علیهم السلام) ... ٣٤٠
جعفر وعقيل وحمزة وعبيدة (علیهم السلام) ... ٣٤٣
حمزة وجعفر وعبيدة وخديجة وفاطمة بنت أسد ومجانة (علیهم السلام) ... ٣٤٣
خديجة بنت خويلد ... ٣٤٤
حمزة وجعفر وخديجة (علیهم السلام) ... ٣٤٤
حمزة وجعفر وخديجة والقاسم والطاهر (علیهم السلام) ... ٣٤٦
المحسن بن امير المؤمنين (علیه السلام) ... ٣٤٧
فاطمة بنت الامام الحسين (علیها السلام) ... ٣٤٧
المحتويات ... ٣٥١