ghaemiyeh.com
جميع الحقوق محفوظة
للعتبة العباسية المقدسة
رقم الاعتماد لدار الوثائق في بغداد
لسنة 2015-
إصدار
العتبة العباسية المقدسة
قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية
معهد القرآن الكريم
مركز علوم القرآن وتفسيره وطبعه
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الدائرة الإصطفائية الثانية لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
أبوالفضل العباس أنموذجاً
الدائرة الإصطفائية الثانية لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
أبوالفضل العباس أنموذجاً
الجزء الأول
سماحة آية الله
الشيخ محمد السند
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين الذي اصطفى الأصفياء والمصطفين والصلاة والسلام على صفوة أصفيائه نبينا الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) وعلى آله الذين اصطفاهم الله على العالمين من بعده.
وبعد..
بتوجيه ورعاية من سماحة السيد أحمد الصافي دام عزّه الأمين العام للعتبة العباسية المقدسة وتحت راية أبي الفضل العباس (علیه السلام) تمّ تأسيس مركز علوم القران وتفسيره وطبعه والذي حمل على عاتقه خدمة القرآن الكريم والعترة الطاهرة (علیهم السلام).
فبما أنّ المولى أبي الفضل العباس (علیه السلام) هو من أبرز النجوم دفاعاً عن القرآن والعترة يشرفنا أن نتبنى طباعة البحث المعنون (الدائرة الاصطفائية الثانية لأهل البيت (علیهم السلام) أبو الفضل العباس (علیه السلام) أنموذجاً) لسماحة آية الله المحقق الشيخ محمد السند.
لقد قام مركز علوم القران وتفسيره وطبعه بإعداد هذا البحث القيّم الذي يتناول بيان معرفة الشخصيات الاصطفائية التي تحيط بالأربعة عشر معصوما، والتي احد نجومها المولى أبو الفضل العباس (علیه السلام) بالإضافة إلى بقية نجوم وأفراد الدائرة الاصطفائية الثانية (علیهم السلام).
وقد قام المركز بجمع تلك الدروس التي ألقاها سماحته من خلال عشرات المحاضرات في كل يوم خميس في العتبة العباسية المقدسة معحضور مميز من فضلاء الحوزة العلمية في النجف الاشرف وكربلاء المقدسة خلال سنتين تقريباً.
وقد تم إعداد تلك الأبحاث وإخراجها وتدقيقها وتوثيقها من قبل مركزنا، وفي كل مفصل من مفاصل البحث كنا نرجع إلى سماحته إضافة أو حذفا، وحرصنا أن يكون هذا السفر القيّم بأبهى حلّة وأيسر عبارة لكي يستفيد منه جميع المؤمنين إن شاء الله تعالى.
ويتميز هذا البحث بأنه جديد في موضوعه وفيه الكثير من الدقائق والنكت العلمية القيّمة، والبحث في غاية الأهمية وجديد في الساحة العلمية وهو يتناول الدائرة الاصطفائية الثانية لأهل البيت (علیهم السلام).
ومن كلام سماحة الشيخ السند قوله:
إن الزائر لمولانا العباس بن امير المؤمنين (علیه السلام)، يجد تساؤلات تثير فكره وخواطره حول المعاني التي يتلوها مخاطبا المولى العباس (علیه السلام) لاسيما أن الزيارة من تعليم الائمة المعصومين (علیهم السلام) لنا:
منها: ورود لفظ أشهد في متن الزيارة ما يقرب من ست مرات:
اشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخلف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
أشهد انك قتلت مظلوما وأن الله منجز لكم ما وعدكم.....
3- أشهد واُشهد الله انك مضيت على ما مضى به البدريون....
4- أشهد انك قد بالغت في النصيحة وأعطيت غاية المجهود....
5- أشهد انك لم تهن ولم تنكل وأنك مضيت على بصيرة من أمرك مقتديا بالصالحين ومتبعا للنبيين....
6- أشهد لقد نصحت لله ولرسوله ولأخيك....
وهل معنى التشهد ههنا هو المعنى في الشهادات الثلاث في الأصول العقائدية ? أم له معنى آخر؟
وما هي هذه الصفات الموجودة في أبي الفضل العباس (علیه السلام) التيتلزم المؤمن الزائر له أن يقرّ بها له ولله؟
وهل هذه الصفات مقامات تنشأ منها صلاحيات في الولاية?
ومنها: ما ورد في الزيارة: لعن الله من جهل حقك واستخف بحرمتك فهل الجهل بحق أبي الفضل (علیه السلام) موجب لاستحقاق اللعن?
بمعنى آخر هل المعرفة بحقه فريضة واجبة?
وهذا التعبير والعنوان ورد نظيره في شأن الأئمة (علیهم السلام).
مع أن مقام أبي الفضل (علیه السلام) ليس من دائرة الأئمة (علیهم السلام)، بل أنّه تابع لهم ويليهم.
ونظير التعبير (ولعن الله من استخف بحرمتك) ما ورد في إحدى زيارات سيد الشهداء (علیه السلام).
مما ينبه أن لأبي الفضل (علیه السلام) حرمة ومقاما اصطفائيا خاصا وتابعا للائمة (علیهم السلام).
ومنها: مخاطبته بضمير الجمع مع أهل البيت (علیهم السلام): وأن الله منجز لكم ما وعدكم جئتك يابن امير المؤمنين وافدا اليكم وقلبي مسلم لكم وتابع وانا لكم تابع ونصرتي لكم معدة حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين فمعكم معكم لا مع عدوكم إني بكم وبإيابكم من المؤمنين وبمن خالفكم وقتلكم من الكافرين قتل الله أمة قتلتكم بالأيدي والألسن.
فإدراج أبي الفضل العباس (علیه السلام) مع أهل البيت (علیهم السلام) بمخاطبته بضمير الجمع ثم ذكر التولي لهم والتبري من أعدائهم ضمن خطابهم دال على أنه تابع للأئمة (علیهم السلام) ووال لهم في الموالاة.
وتبين من خلال ذلك ما يلي:
إن الزائر يبرز له (علیه السلام) التولي في ضمن توليه لأهل البيت (علیهم السلام) ويتبرّئ من أعدائه كما يتبرّئ من اعداء أهل البيت (علیهم السلام).
إن الزائر كما يسلم قلبه لأهل البيت (علیهم السلام) يسلم قلبه ضمنا لأبي الفضل (علیه السلام).
وكما يناصر المؤمن الزائر أهل البيت (علیهم السلام) فإنه يناصر ضمنا أبا الفضل (علیه السلام)، وإن المؤمن كما يتبع ويقتدي بأهل البيت (علیهم السلام) فإنه يتبع ويقتدي بأبي الفضل (علیه السلام) ضمنا أيضا.
وإن الزائر كما يكفر بمن خالف أهل البيت (علیهم السلام) فإنه يكفر بمن خالف أبا الفضل العباس (علیه السلام) ضمنا.
وكما يجب الاعتقاد برجعة أهل البيت (علیهم السلام) فإن الزائر يعتقد ضمنا برجعة أبي الفضل (علیه السلام) ووعد الله بإنجاز النصر لهم.
وكل هذا ظاهر في أنّ مقام أبي الفضل (علیه السلام) تابع وتال لمقام الأئمة (علیهم السلام).
كما أنّ ابتداء الزيارة (سلام الله وسلام ملائكته....) قد ورد هذا التعبير بعينه في إحدى زيارات أمير المؤمنين (علیه السلام)، ومقتضاه الاصطفاء.
ووصفه بأنه بالغ في النصيحة وأعطى غاية المجهود في واقعة كربلاء والدور الاصطفائي الذي قام به الإمام الحسين (علیه السلام)، والذي مقتضاه أن له دورا اصطفائيا خاصا في هذه الواقعة ذات المأمورية الإلهية وهو مما يستلزم الاصطفاء، بل هذا الدور المناصر الخاص لا محالة يتطلب علماً لدنيّاً ووراثة للكتاب أي لعلم الكتاب.
فهل يبلغ شخص ويبالغ في النصح من كل جوانبه لهذا الانعطاف الجلل في مسيرة الدين وجهود كل سلسلة الأنبياء والأوصياء إلا أن يكون شخصا مزوّدا بعلم الكتاب.
فبقدر ما يرسم لسيد الشهداء (علیه السلام) من دور في عمود الدين فإنّ لوزيره أبي الفضل العباس (علیه السلام) تبعية لذلك.
فهناك أدلة روائية عن أهل البيت (عليهم السلام) بل وقرآنية مفادها أن الذي يطلع على مقام أبي الفضل العباس (علیه السلام) ونجوم أفراد الدائرة الثانية من خلال ما ورد، أنه يساءل في القبر عن مقام أبي الفضل العباس (علیه السلام) وهذه النتيجة هي إحدى المعالم الاعتقادية لأبي الفضل وأفراد الدائرة الثانية الاصطفائية لأهل البيت (علیهم السلام).
وإنّ العبد لا يكمل إيمانه إلاّ إذا تعرّف على مثل مقام أبي الفضل العباس (علیه السلام) وأفراد الدائرة الثانية، فأي مؤمن من المؤمنين حسب النصوص الواردة لا يكمل إيمانه إلاّ إذا اطّلع وتعرّف على مقام أبي الفضل العباس (علیه السلام).
ونحن نَدين عقيدة لله بأنّ العباس بن أمير المؤمنين (علیه السلام) بلغ مرتبة الاصطفاء بمقام الطيار، والوزارة الاصطفائية لسيد الشهداء (علیه السلام) في قوله (علیه السلام) واصف أخاه أبا الفضل العباس (علیه السلام): «الآن انكسر ظهري وشمت
بي عدوّي وقلّت حيلتي»(1)، وقوله (علیه السلام): «يا أخي أنت صاحب لوائي و إذا مضيت تفرق عسكري»(2)، ولا يخفى أنّ اللواء أيضا هو مقام اصطفائي فلواء الحسين يحمله أخيه أبو الفضل العباس كما أنّ لواء النبي يحمله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم القيامة وفي عوالم الملكوت، وهذه الأخوّة والظهارة تعني الوزارة وعون الظهر ، وهذا الوصف بالأخوة والتوازر في حمل المسؤولية ورد في زيارة العباس (علیه السلام) المروية، (أشهد لقد نصحت لله ولرسوله ولأخيك، فنعم الأخ المواسي.... والأخ الدافع عن أخيه).
وفي حديث الصادق (علیه السلام): «كان عمنا العباس بن علي (علیه السلام) نافذ البصيرة صلب الايمان جاهد مع أبي عبد الله (علیه السلام) وأبلى بلاء حسنا ومضى، وأبلي بلاءً حسنا ومضى شهيداً»(3).
وفي حديث زين العابدين (علیه السلام): «رحم الله العباس، فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه، فأبدله الله عز وجل بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن أبي طالب، وإن للعباس عند الله
تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة»(1).
ومقام الأخوة الموصوف به العباس (علیه السلام) بالإضافة إلى سيد الشهداء (علیه السلام) نظير الأخوة الموصوف بها أمير المؤمنين (علیه السلام) كمقام اصطفائي بالإضافة إلى النبي، فمقام الأخوة الاصطفائي إشارة إلى مفاد قول النبي موسى (علیه السلام): {وَ اجْعَلْ لي وَزيراً مِنْ أَهْلي * هارُونَ أَخي * اشْدُدْ بِهِ أَزْري * وَأَشْرِكْهُ في أَمْري}(2). وقوله تعالى: {وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزيرا}(3). وقال تعالى: {سَنَشُدُّعَضُدَكَ بِأَخيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما}(4).
وليس الاصطفاء كما يقال أنّه اكتساب يكتسبه من يشاء أو أنّه يعطى مجاناً، لذا فالحديث عنه وعن أفراد الدائرة الثانية دقيق وحسّاس.
ومما يمتاز به مقام أفراد الدائرة الاصطفائية الثانية أنّهم الشهداء للأنبياء والشهداء على أعمال العباد وهم أهل الأعراف بنص القرآن الكريم في أكثر من موضع كما نبّه عليه أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ونزلت فيهم سور على
الخصوص في بعضهم والعموم في كلهم.
كما أنّهم ورثة علم الكتاب، وفي كلا المقامين هم وزراء وبراهين وآيات للدائرة الاصطفائية الأولى لأهل البيت (عليهم السلام) وتبع لهم.
ولمعرفة ما تلزم معرفته من أصحاب وأفراد الدائرة الاصطفائية الثانية لأهل البيت (علیهم السلام) التي من ابرز نجومها أبو الفضل العباس (علیه السلام) سيكون هو ما يتناوله هذا البحث في التفصيل والبيان.
ويعد هذا المجلد الأول من سلسلة أجزاء متتابعة لاحقة إن شاء الله ستُعرض فيها الأدلة العامة والأدلة الخاصة على الدائرة الاصطفائيةالثانية وأفرادها ليشمل البحث جل أفراد الدائرة الاصطفائية الثانية.
ولابد من الاشارة هنا أن المجلد الأول والثاني تضمّنا رسم منهج الاستدلال وتمهيد مقدّمات لمواد البحث، ويبدأ استعراض الأدلة العامة في المجلد الثالث، وما بعده في الأدلة الخاصة بإذن الله تعالى.
ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نحمد الله تعالى على عظيم توفيقه ووافر كرمه وعنايته وقد حبانا بهذه الخدمة لأهل البيت (علیهم السلام) ومن يليهم من الدائرة الثانية لا سيّما سيدنا ومولانا ابو الفضل العباس بن أمير المؤمنين (علیه السلام).
كما نتقدم بالشكر والامتنان لسماحة آية الله المحقق الشيخ محمد السند دامت بركاته على ما قدمه ويقدمه من خدمة محمد وآل محمد (علیهم السلام) والشكر موصول لجميع من شارك في إعداد هذا الكتاب من خدمة أبي الفضل العباس (علیه السلام) لاسيما الأخ الشيخ محمد الأنباري.
سائلين المولى تعالى أن يوفقنا للمزيد في هذا الطريق إنّه سميع مجيب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
خادم ابي الفضل العباس (علیه السلام)
ضياء الدين الزبيدي
م/مركز علوم القران وتفسيره وطبعه
25 من ذي القعدة 1436 هجري
عندما تبحث الحقيقة بسبب نزاع الخصوم وجدل الجاحدين والمنكرين يتنزل البحث في كثير من الأحيان الى مستويات نازلة وناقصة, وهذه من آفات الجدل والمخاصمة التي حذّر منها اهل البيت (علیهم السلام) لا بمعنى ان الانسان ينكفئ عن جدال الجاحدين، بل المراد أنّ بناء التصور للحقيقة يجب أن لا يبنى بحسب خطوط قناعات الخصم وحدود ما يسلم به.
فإنّ ذلك سوف يضيّع ويغيّب كثيراً من الحقائق، بل اللازم بناء صورة للحقيقة على ضوء الأدلة والبراهين بنحو شفاف. فمثلا البحث في إيمان ابي
طالب صلوات الله وسلامه عليه، أن واقع البحث في أبي طالب ليس هو في إيمانه وإسلامه، لأن اسلام وإيمان أبي طالب أو إسلام آباء وأمهات وأجداد النبي (علیهم السلام) أمر مفروغ منهُ، والبحث في أصل إسلامهم وإيمانهم هو إسفاف بالحقيقة وبخس وإنزال لما هي عليه الحقيقة من واقع عالٍ عظيم، فواقع البحث في آباء وأجداد النبي صلوات الله عليهم ليس هو في إسلامهم وإيمانهم فهذا مستوى متدنٍّ من البحث.
وإنما حقيقة البحث هو في كونهم أصفياء مصطفين أو في احتمال أنّهم انبياء كما ذهب إليه بعض علماء الامامية، فحقيقة البحث هو في وصايتهم واصطفائهم أو نبوّتهم، أما المقدار السابق من البحث في أصل إسلام وإيمان أبي طالب وعبد الله وعبد المطلب وهاشم وعبد مناف فهو إسفاف كبير.
فواقع البحث فيما هم عليه أعظم من هذا الذي نبحثه، وهناك ما هو أكثر من الوصاية وأزيد مما التزم به البعض بأنه نبوة، وليس تأليها والعياذ بالله، إذ التأليه باطل وكفر، بل أنهم مصطفون ضمن القواعد والثوابت وسنرى أن واقعهم أعظم من الوصاية وأعظم من غير ذلك.
بل الأعظم من إصطفاء الدائرة الثانية ووصايتهم هو كونهم آيات ودلائل إلهية لنبوة خاتم الأنبياء بل لسؤدد سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو مقام عظيم
لهم أن يكونوا دلائل وبراهين لذلك، كما أنّهم دلائل وآيات لإمامة الأئمة الاثني عشر (علیهم السلام) وهذا المقام لهم هو الآخر أعظم من أصل اصطفاء الدائرة الثانية ووصاية أفرادها وإن لم تكن وصاية إمامة.
فلاحظ أنّ الحقيقة والمعرفة الدينية عندما لا نبحث فيها بما هي عليه من واقعية منفتحة مرسلة، وعندما نحبس انفسنا مع الطرف الآخر بحسب قناعاته وبحسب طبيعة المجادلة مع الطرف الآخر، فإنّ معرفتنا للحقيقة سيهبط ويهبط ويهبط، وسيضيّق ويسفف بالحقيقة حسب بيانات عديدة من القرآن الكريم التي بيّنها أهل البيت (علیهم السلام).
وهو أن مقام آباء وأجداد النبي أعظم من مقام أنبياء أولي العزم كما في الروايات المستفيضة عند الفريقين.
وهذا البحث أصلاً لا وجود له حتى لدى المتكلمين من الإمامية إلاّ نادرا من قبيل مؤشرات قليلة وبسيطة جدا، وإنّما هناك بحث أثير في علم الكلام عند الامامية في أنّه هل كان ابو طالب وعبد الله وعبد المطلب وهاشم وعبد مناف وصولاً لقصي وعدنان على شريعة ابراهيم او على شريعة موسى او على شريعة عيسى؟
فكان الجواب أنّهم لم يكونوا على شريعة أحد من أنبياء أولي العزم الذين
قبلهم ولا وجود لذلك في الأدلة، وقد كانوا على الملة الحنيفية بلا ريب وعلى دين الاسلام، وهم اوصياء ولهم مقامات ولكنهم لم يكونوا يتبعون شريعة عيسى ولا موسى ولا إبراهيم، والملة غير الشريعة، فهناك اصطلاحات وحيانية قد أهملت من قبيل (الملة، الشريعة، الدين)، فما هي هذه الاصطلاحات؟
فهذه بحوث متروكة لها وجود في بيانات أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم.
فواقع البحث في هؤلاء والأثر المعنوي الذي لابد أن نحصل عليه هو أن نعي شأنهم وأن نعرفهم على واقعهم، أو أن نعرفهم ما دون واقعهم، وهذه المعرفة لها تأثير على واقع حياة الإنسان، وبالعكس كذلك عندما يجهل الإنسان هذه المعرفة ستكون معرفته ناقصة وهابطة وقاصرة، شبيه الذي يعرف الأنبياء جميعاً ولكن لا يميز بين مرتبة أولي العزم وبين مرتبة غير أولي العزم، وهذا سبب الانطماس للحقائق إذا ما سميناه تقصير والعياذ بالله للحقيقة الواقعية.
فالجدل واجب إذا كان للدفاع عن الدين وأما حبس النفس وتضييق أفق واقعية المعرفة بما تجادل به الخاصة، فلا محال سوف يكون تقصيراً، وهذا الذي حذر منه أهل البيت (علیهم السلام)، فالجدل هو أن تهبط إلى مستوى الجاحد
والمنكر والخصم، الذي تتحاور معه بمستوى يتحمّله الطرف المقابل لا بالمستوى الذي لا يتحمله، لأن من الحكمة أن الإنسان يكلم الناس على قدر عقولهم، وهذا الكلام في واقع هذه المعرفة من البحث سوف يضيع كثير من مساحات الحقيقة.
وكتب المعارف أو التفسير أو غيرها غالباً، يتم التركيز فيها على مجادلة الخصوم ولا يغطي مستوى البحث فيها تمام الحقيقة، بل قد يكون غياب للحقيقة.
ولذلك فإنّ من آفات المنهج والتدوين الكلامي الذي حذر منه أهلالبيت صلوات الله عليهم هو أن تحبس أفق نفسك بجو أفق علم الكلام، وهذا لا يعني أن شأن علم الكلام حرام أو أنه ليس بواجب، بل لا يمكن حبس البحث المعرفي بالأفق الكلامي الدارج.
ولذلك أنّ العقائد والمعارف في كتب الحديث والتفسير أوسع وأبين وأكبر من المعارف الموجودة في كتب الكلام وكتب الفلسفة والعرفان باعتبار أنّ الأفق البشري هو عبارة عن نتاج بشري، وهذه الظاهرة ليست مختصّة بمذهب الامامية وحسب، بل أن المعارف الموجودة في كتب الحديث وشرحه عند مذهب جمهور العامة أكثر قربا إلى الحقيقة والواقعية من كتب الكلام لديهم.
فلو لاحظنا واقع البحث الموجود في كتب الكلام وحتى فيما كتبه العلامة الأميني في كتابه الغدير، عندما تناول مقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام)، وللأسف تجد أن أفق البحث عن إمامة أمير المؤمنين (علیه السلام) وخلافته ووصايته ليس بمستوى الواقعية، بل دون الواقعية ودون الحقيقة ودون ما يريده الدين، وهذا الهبوط من البحث سببه النزول إلى مستوى قناعات الخصوم، فإن درجة البحث في أصل إمامة أمير المؤمنين (علیه السلام) وفي اصل وصايته وهل أنّه إمام او وصي من الله ورسوله أم لا.
فإنّ هذا البحث هو إسفاف وانتقاص بمقام أمير المؤمنين (علیه السلام)، فليس هذا من الواقعية في حقيقة أمير المؤمنين (علیه السلام)، وهذه النظرة في وصاية وخلافة أمير المؤمنين (علیه السلام) ليست هي بداية المعرفة التامة والمعرفة الكاملة، فإنّها إن سمّيت معرفة فإنها معرفة ناقصة وتجر العثرات للباحث، وكذلك البحث في أصل إيمان أبي طالب وعبد الله وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، في أنّهم هل كانوا مؤمنين أو مسلمين؟
فهذا إنتقاص وإسفاف بمقامهم (علیهم السلام)، لأنّ القرآن الكريم وروايات أهل البيت (علیهم السلام) تصف آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالطهارة، وعندما تصل إلى عبد الله وأبي طالب تصفهم الروايات الشريفة بأنّهما أطهر طاهرين، فالواقعية
شيء غير النزاع والخصومة والجدل الكلامي، فليس من العقل أن يَهبِط مستوى البحث إلى درجات من الهبوط والاهباط إلى حد القصور العقائدي والانتقاص من المصطفين الذين طهرهم الله سبحانه وتعالى.
فالطرح الكلامي لمبحث مقام الوصاية والإمامة لأمير المؤمنين (علیه السلام) في علم الكلام هو دون الطرح الفلسفي والعرفاني، والطرح الفلسفي لإمامة أمير المؤمنين (علیه السلام) أعلى مستوى من الطرح الكلامي، فالطرح الكلامي يتناول إمامة أمير المؤمنين (علیه السلام) وينتهي أن الإمام المعصوم مفترض الطاعة من الله فقط ومسدّد وأما البحث في كنه الإمامة وكنه الوصاية فقد سكت عنه علم الكلام، فالإمام وصاية وإمامة إلهية، فلماذا هذا المستوى النازل من البحث؟
فهل هنالك من يشك في أن الإمام من الأئمة المعصومين (علیهم السلام) غير مفترض الطاعة؟ وقد برهن ذلك علماء الكلام الإمامية - شكر الله سعيهم وجزاهم الله خير الجزاء - وانشغلوا بالمستوى الهابط في نزاع الخصوم ولم يتفرغوا لواقع البحث، وأما فلاسفة الشيعة الإمامية وعرفاؤهم فلم يرتقوا بالبحث إلى المستوى المطلوب كما في القرآن والأحاديث الشريفة، وإن كان مستوى بحثهم أعلى درجة من بحث المتكلمين.
وقالوا بأنّ الإمامة والوصاية هي عصمة روحية ونور ملكوتي، فلم
يكن بحثهم كما في علم الكلام بأنّ المعصوم هو بشر عادي افترضَ الله طاعته ومعه ملك من الملائكة يوجهه ويسدده.
فالبحث الفلسفي أو العرفاني ارتقى إلى مستوى أعلى من علم الكلام ولكنه دون واقع البحث الذي يرسمه لنا القرآن الكريم لمقام أمير المؤمنين (علیه السلام) ومقام ذريته من بعده (علیهم السلام).
ومن البديهي الذي لا يختلف فيه إثنان أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) هو عبد الله وأخو رسوله ليس إلها ولا نبيّاً ولكنه معذلك، فإن مقامه أعظم مما يطرح، فإن واقع البحث هو شيء آخر قد تاهت الأبحاث عن بلورته وقولبته، فلابد أن نفهم ماذا صرح الدين الحنيف وكيف هندس في القرآن وسنة المعصومين (علیهم السلام) وفي الوحي الإلهي شأن مقام أمير المؤمنين (علیه السلام).
فبالرغم من أننا نحترم تلك الانطباعات البشرية حول مقام أمير المؤمنين (علیه السلام) لما له من الفضائل والسوابق والمناقب إلا أنها انطباعات كإنطباع جمهور العامة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام).
والمفروض من متكلمي الشيعة الإمامية أن لا يقوموا بالاسفاف بمقام أمير المؤمنين (علیه السلام) واختصار الكلام على أنّه إمام مفترض الطاعة ومسدد وأنّه
يفتح أوراقاً موروثة عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ويقرأها ويتعلم منها، فليست هذه وراثة خاصة لأمير المؤمنين (علیه السلام) كما يصوّرها الكثير من المتكلمين للأسف، حيث يجعلون علم الأئمة يقتصر على علم أوراق وعلم مصحف وصحائف وينفي ويتغافل عن العلم الملكوتي والروحي والنوري فلا يوجد أي أصل لتلك المنزلة الروحية والنورية والملكوتية لأمير المؤمنين في علم الكلام.
فقد يكون البحث الفلسفي والعرفاني صعّد المستوى البحثي قليلا فلم يذكر أن وراثة الإمامة عبارة عن أوراق وقد قرأها الإمام وتعلمها أو أن يقتصر علم الإمام على قراءة كتب مصحف فاطمة وكتاب الجفر الأبيض والجفر الأسود، وهذه الكتب والصحائف موجودة ولكن علم المعصوم غير محصور بها، حتى عندما يقال أن علم المعصوم يستند إلى الكتاب فلا يتصور أنه كالفقيه والمرجع الذي يورّق الأوراق ويستمد علمه من القراءة الحسّية البصرية للمصحف، ويبحث ويفحص عن الخاص والعام، بل إنّ علم المعصوم شيء آخر وهو علم ملكوتي ونور إلهي.
ومع ذلك المستوى الذي وصل إليه عرفاء الشيعة أو صوفية الفرق الشيعية هو دون المستوى الموجود في الوحي وفي الكتاب والسنة القطعية كما سنرى.
وقبل الولوج بتفاصيل هذا البحث نلتفت للمقدمة المنهجية في المعارف ولا نبقى أسراء لها، وعندما ننتقد بعض ما قاله علماء أهل الكلام فليس معنى ذلك أن علم الكلام ليس بحربة مهمة في الدفاع عن المنهج الحق، ولسنا بصدد ذم المتكلمين الإمامية - جزاهم الله خير الجزاء - فأهل البيت (علیهم السلام) لم يذموا علم الكلام وإنّما نهوا عن حيثية من الحيثيات، لا كل حيثيات منهج علم الكلام.
فلابد أن يبقى علم الكلام حيا متناميا ومتطورا لأنه قلعة من قلاع الدفاع عن الحق، وإنّما البحث المعرفي هو أن لا نحبس واقع المعارف بالمستوى الموجود في علم الكلام ولا بالمستوى الموجود في الفلسفة أو العرفان لأنّ هذه المستويات هي نتاج وقراءةٍ بشرية.
وإنّما المعرفة لابد أن تستقى من قوالب الوحي وقطعاً أن قوالب الوحي لا متناهية لأنّه علم لا متناهي، فالقرآن والحديث للمعصومين (علیهم السلام) علم لا متناهي، وإذا كان لا متناهي فالمعلومات الموجودة فيه لا متناهية أيضا عن كل شيء وهذه ضابطة عامة قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي
لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي...}(1)، وقوله تعالى: {وَلَوْأَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ...}(2).
فالقرآن يصف نفسه هكذا، فإياك وإياك أن تقول أن معارف القرآن تقف عند حد علم الكلام أو عند حد الفلسفة أو العرفان، فالقرآن الكريم ليس فيه زيغ أو غلو أو انحراف أو انحباس، وإنّما نحن بين محذورين، بين محذور التقصير ومحذور الغلو وكلاهما باطل لأنّهما وجهان لحقيقة واحدة فكل تقصير فيه غلو وكل غلو فيه تقصير.
فالذي يظن أن خطورة أحدهما أكثر من الآخر فهو خاطئ لأن خطورة التقصير هو عين خطورة الغلو وخطورة الغلو هو عينخطورة التقصير، كما نخاطب أهل البيت (علیهم السلام) في الزيارة الجامعة الكبيرة: «فالراغب عنكم مارق واللازم لكم لاحق والمقصر في حقكم زاهق»(3).
ف(المتقدم لهم مارق والمتأخر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق)(4).
أي والغالي: هو الذي يخرج عن الجادة من دون أن يشعر، (والمتأخر عنهم) أي المقصّر في معرفتهم، (واللازم لهم لاحق) يعني منقادا يمشي بسير موزون مبرهن ليس بواقف ولا متقدم كما في وصية النبي الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) لأمير المؤمنين (علیه السلام) قال: «يا علي إن هذا الدين متين - ليس رقيق أو ركيك - فأوغل فيه برفق....»(1).
فلكي نبصر الحقيقة نحتاج إلى موازين ودوام سير وتنقيب، ومن أراد أن يبصر الحقيقة بلا موازين فإنه سيقع في الغلو والخبط والخلط، وبالجمود على استنتاجات الموازين التي ذكرها علم الكلام يكون جموداً وتقصيراً، لأنه لابد أن تستخرج الثوابت.
فإجمالا كمقدمة منهجية في معرفة مقام أمير المؤمنين (علیه السلام) في كل المعارف كما رأينا في أبي طالب وإن مستوى البحث لا يليق بمقامهما مع أنّ علماء الامامية في علم الكلام في حيص وبيص من أن آباء وأجداد النبي لماذا لا يرى على طابعهم شريعة النبي عيسى، فكيف يخرج شخصٌ صفيٌّ من الأصفياء كأبي طالب عن نطاق وشمول شريعة النبي عيسى؟ فأي مقام لهذا الشخص؟! ولا ريب أن عبادة أبي طالب وعبد الله وعبد المطلب
1) الكافي: ج2، ص87.
وهاشم وعبد مناف لم تكن على ضوء شريعة الصلاة عند النبي عيسى وعلى نمط شريعة الصلاة والصوم والزكاة عند النبي موسى وعلى نمط شريعة الصلاة والصوم والزكاة والحج عند النبي إبراهيم.
فهؤلاء الأوصياء الأصفياء لمن يتبعون ولمن ينقادون مع أن دينهم دين الإسلام؟ فأيّ رتبة لهؤلاء؟ فإذا كان آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هكذا مقامهم فكيف إذن بمقام أمير المؤمنين (علیه السلام) وأين موقعه؟
وقد روى الفريقان بسند مستفيض عن سيد الأنبياء والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أن عبد المطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن، لذلك قال بعضهم أن عبد المطلب كان نبيا، وذلك بأنه جعل الدية مئة من الإبل وجعل الطواف سبعا وجعل السعي سبعا وحرم نكاح الأبناء في أزواج الآباء وجعل السقاية في زمزم.
ولو تأملنا في هذه السنن الخمس نلاحظ أنه لم يأت هذا التعبير المستفيض من سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) بطريق واحد وإنما بطرق مستفيضة عند الفريقين أن عبد المطلب قد سنّ خمس سنن أمضاها الله في الإسلام ولم يقل سيد الأنبياء أمضيتها أنا، وإنما قال: «إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ (علیه السلام) سَنَّ فِي الجَاهِلِيَّةِ
خَمْسَ سُنَنٍ أَجْرَاهَا الله عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْإِسْلَام»(1). فما هو دور عبد المطلب؟ فإن كان أنبياء أولي العزم يبعثون بشرائع فكيف يبعث عبد المطلب ويسن خمس سنن، ولم يتبع عيسى أو موسى أو إبراهيم؟ فالأنبياء على دين واحد، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ...}(2)، وأما الأنبياء فلكل منهم شرعة، ومنهاجٌ قال تعالى: {...لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا...}(3).
واليهود هوّدوا دين موسى، وإلا فإن دين موسى وعيسى وإبراهيم ودين كل الأنبياء هو الإسلام.
فالشرائع والمناهج مختلفة ولقد كان منهاج عبد المطلب، أنّه سنّ خمس سنن أمضاها الله في الإسلام فإذا كان مقام عبد المطلب له هذا الشأن العظيم، فما هو شأن أمير المؤمنين (علیه السلام)؟
وقد صرّحت الروايات في الكافي وغيره عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنه قال: «إن عبد المطلب أول من قال بالبداء يُبعث يوم القيامة أمة واحدة، عليه
بهاء الملوك وسيماء الأنبياء»(1). والبداء هو باب معرفي خطير، فلم يسنّ عبد المطلب خمس سنن في فروع الدين، وإنّما ارتفع إلى أصول العقيدة والمعارف لأن البداء هو من أصعب المباحث في التوحيد.
ولقد قال جملة من علماء الإمامية أن عبد المطلب كان نبيا، وقد مدحه الله عز وجل بسورة كاملة، وهي سورة الفيل، ويحاول الأمويّون أن يقلبوا ويحرفوا ويحوّلوا معنى هذه السورة إلى ذم لعبد المطلب - قاتلهم الله - وإلى يومنا هذا. فإن مفسّري الطرف الآخر الذين تأثروا بالتحريف الأموي في شأن عبد المطلب بالرغم من أن الله قد مدحه في القرآن الكريم.
وكذلك قد مدح الله تعالى هاشماً والد عبد المطلب في سورة كاملة، وهي سورة (لإيلاف قريش) حيث سنّ هاشمٌ رحلة الشتاء والصيف وأنقذ تلك الأمة في ذلك الزمان من الخطر الذي يهددها وبعد ذلك الانجاز الكبير وبعد المنّة الإلهية قال الله تعالى تتمة للسورة {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}(2).
قاتل الله الأمويين والنواصب الذين أثّروا حتى على جملة من مفسري الإمامية بحيث أنّهم لم يلتفتوا لهذه المباحث العظيمة، فالحقائق في حق بني هاشم مطموسة، وقد أراد الوهابيةُ والسلفيةُ أن يفجروا قبر هاشم الشريف في غزة قبل عشرات السنين ولكنه ولله الحمد لم يستطيعوا وقد قام السادة الأشراف الذين يعيشون في غزة بواجبهمبالدفاع عن القبر الشريف.
وغزة اسمها الرسمي في المواثيق الدولية وحتى في المواثيق الرسمية وفي القضايا الإدارية لفلسطين (غزة هاشم)، ولكن العداء والحقد على جد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) تجد أنهم يبترون اسم غزة فقط.
في حين أنّها منذ ألف وأربعمئة سنة لا يقال لها إلا غزة هاشم، ولكن النواصب بدلوا هذه التسمية قبل خمسين عاماً، طمساً لإسم جد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد ردّ الله عليهم مدحا لجد النبي في سورة إيلاف قريش، وهذه حقائق لابد من معرفتها للاطلاع على المؤامرات الأموية.
والسورة الثانية التي نزلت في مدح عبد المطلب هي سورة (الفيل): {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ
كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}(1). وكل هذه السورة نزلت في مدح بطولة عبد المطلب (علیه السلام)، وذلك حيث تجد أن كل قريش وبني أمية صاروا جرذاناً وفرّوا من مكة المكرمة، ولم يبقَ فيها إلا عبد المطلب (علیه السلام) وبنو هاشم، وقد حاول الأمويون أن يقلبوا بطولة عبد المطلب إلى جبن عندما قالوا أن عبد المطلب لم يحارب ابرهة، وإنمّا قال أنا رب الإبل وإن للبيت رباً يحميه.
فنلاحظ التحريف الصارخ في حق عبد المطلب، فقد غيّب التاريخ الأموي فرار كل قريش من مكة كالجرذان ومثل نسلهم الذين فرّوا في أحد وبدر وحنين، ولم يبقَ فيهم إلا عبد المطلب (علیه السلام)، فإنّه لم يفر وبقي صامدا وعندما قال مقولته لأبرهة، فإن هذه هي أكبر هزيمة وضربة وجّهها له، وقد ظنّ أبرهة أنّ عبد المطلب سيد قريش، وأنه سيأتيه بتذلل ويلتمس من عنده أن يكفّ عن هجومه على البيت، ولكنّ الذي حصل هو عكس ذلك، فقد قام عبد المطلب بكلامه هذا وموقفه بتهديدأبرهة، ووقف بوجهه، وهو نحو من الحرب النفسية فبقاؤه دون قريش وتهديده بكل صراحة لأبرهة بأن للبيت رب يحميه، أي فإن تراني أني وحيداً فريداً لا ناصر لي، فإن البيت له
1) سورة الفيل، الآيات: 1-5.
حامي عظيم وهذه مواجهة وبطولة موقف أسد من عبد المطلب ولم يروعه جيش أبرهة كما خافت وفرّت قريش، وهربت وانهزمت ولاذت بالفرار، وعندها طلب رد الإبل منه لأنّه كان عالما بأن العذاب سينزل على أصحاب الفيل بواسطة طيور أبابيل.
فكم ظُلِم بنو هاشم عن مقاماتهم الإلهية تاريخيا واعلاميا بسبب حقد النواصب الذي تسرّب إلى كتب التفسير، فقد قاموا بمسخ المعنى لسورة كاملة، وتحريف معناها في القرآن الكريم، وهذا التحريف هو أعظم من أي تحريف إلى حد أن ينقلب هذا المعنى ويتسرّب إلى كتب وتفاسير الخاصة للأسف، ويعشعش قرونا من الزمن طمساً للتلألؤ النوري الوحياني حول مقامات أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، نعوذ بالله وإليه المشتكى.
فلابد أن لا نقصّر في التنقيب والفحص وأن لا نأخذ بأخطاء سابقة تسللت وتسرّبت من بني أمية ومن النواصب إلى كتب التفسير.
نعم لم يحارب عبد المطلب بالعتاد والسلاح المادي، بعدما خذلته كل قريش ولاذوا بالفرار، ولكنه حارب أبرهة بالصمود النفسي والمنطق المقاوم الباسل، فكان عبد المطلب هو البطل الوحيد الذي لم يفر، رغم فرار كل
قريش الجبناء، ولم يلتمس عبد المطلب من أبرهة شيئا غير إبله، فقال له: «أنا رب الإبل ولهذا البيت رب يمنعه»(1).
فأراد عبد المطلب أن يوصل رسالة إلى أبرهة وهي أنه لا يستطيع أن يفتح البيت الحرام بهذه القوة المهيبة والمهولة التي يمتلكها، فالبيت له حماية إلهية. فلم يلتمس عبد المطلب من أبرهةعذرا وإنّما ذهب إليه ليهدده ويرعبه نفسيا وليصده عن الهجوم على البيت الحرام، وقد تبيّن بذلك إجمالاً كذب التاريخ والاعلام الأموي المظلّل والمزوّر.
فقد كانت حرب عبد المطلب هي الحرب النفسية، كما هي عليه الآن الحروب النفسية، فإن نسبة معدل الحروب النفسية التي تستخدم في الحروب هي ثمانون بالمئة. فأي شجاعة أكثر من إنسان بمفرده ليس عنده عدة ولا عدد يواجه ذلك الطاغوت أبرهة الذي يملك ما يملك من العدة والعدد، في ذلك الوقت الذي تفر كل قريش من مكة، ويواجهه بهذا المنطق الجريء، فإن كانت لعبد المطلب هكذا شجاعة فكيف إذن بشجاعة أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه؟
1) الكافي: ج1، ص447.
فإذا كان لا يمكن أن يقارن عبد المطلب ويقاس بأنبياء أولي العزم، فكيف بعظمة أمير المؤمنين (علیه السلام) فقد أقام عبد المطلب ملحمة عظيمة، وقد مدحه الله تعالى في كتابه في سورة الفيل، لما فعل عبد المطلب ولما له من القدرة الملكوتية حيث تكلم مع الفيل الذي اسمه محمود، وأجفله عن التقدم وجفلت بقية الفيلة بسبب ذلك، ولم يكن وجود لجرذان قريش وجرذان بني أمية.
وأما أبو طالب (علیه السلام) الذي مدحه الله سبحانه وتعالى في سورة الضحى ومدح معه خديجة وفاطمة بنت أسد (علیهم السلام)، فقد جعل القرآن الكريم فعل أبي طالب، فعل الله في قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى}(1).
فلم يقل القرآن الكريم ألم يجدك عمك يتيما فآواك، وإنّما أسند الإيواء إليه تعالى، فهذا التفخيم والاعظام في إسناد الفعل في القرآن يدل على أن فعل أبي طالب هو فعل اصطفائي خالص بدرجة موازية لدرجات أولي العزم، وفوق ذلك أنها مرتبطة بسيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم).
1) سورة الضحى، الآية: 6.
وقال تعالى: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى}(1)، فلقد ذكر القرآن الكريمفعل خديجة (علیها السلام) الذي كان أعظم من فعل مريم لأنّه مرتبط برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فلقد أسند الله تعالى فعلهما إليه تعالى كما أسند فعل هاشم إليه في سورة (لإيلاف قريش)، وكما أسند بعض فعل عبد المطلب إليه في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ}(2).
فقد أجرى الله تعالى بعض الفعل على يد عبد المطلب (علیه السلام)، وأجرى بعضه بواسطة طير أبابيل، ولم يكن الفعل كله لطير الأبابيل لأنّ عبد المطلب كان له دور في زعزعة جيش أبرهة نفسياً ببقاءه في مكة مواجهاً مقاوماً لهجوم أبرهة وتهديده له وفي أن يمنع الفيلة التي حذرها من غضب الله ولم تتقدم كما في روايات الفريقين، فلاحظ مدى هذا التفخيم من الله في عبد المطلب (علیه السلام).
وأذكر لكم إشارات على أساس مدح لمقام أمير المؤمنين (علیه السلام) والحر تكفيه الاشارة، فإذا كان أجداده أو أجداد النبي وأجداد أمير المؤمنين (علیهم السلام) فوق درجات أنبياء أولي العزم، فكيف بأمير المؤمنين (علیه السلام)، فهل تبقى فضيلة فوق فضيلته في مقامات صرح ولاية الدين والتشريع؟!
وقد بيّن الأئمة (علیهم السلام) في آيات من القرآن الكريم كسورة البقرة وسورة الحج وغيرهما ما يدلل على أن عبد الله وأبا طالب وعبد المطلب وهاشماً وعبد مناف آباء وأجداد النبي هم أعظم مقاما من أنبياء أولي العزم، (نوح وإبراهيم وموسى وعيسى).
فلاحظ النبي إبراهيم على نبينا وآله وعليه السلام، عندما نال مرتبة الإمامة في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا...}(1)، وقد ذكر في بيانات أهل البيت صلوات الله عليهم ما هو برهان في القرآن الكريم أن الإمامة ترتقي رتبة ودرجة فوق النبوة وفوق الرسالة وبعد الخلة، وبعد بقيةالامتحانات الإلهية.
وقد نال إبراهيم الإمامة بعد ذلك، وهي درجة الامامة الاصطفائية العامة، لأنّ الامامة على درجات، كما أنّ الرسالة على درجات، قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ...}(2)، وقوله تعالى: {...وَلَقَدْ
فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ...}(1).
فبعد أن نال إبراهيم الخلة، والنبوة، والرسالة، والإمامة الاصطفائية العامة، كان يطمع في شيء آخر أعلى من ذلك، كما يبيّن القرآن الكريم قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ...}(2).
متى دعا الله بهذا الدعاء؟ دعا إبراهيم بذلك بعد أن أعطاه الله تعالى الامامة الاصطفائية العامة، وما الذي كان يريده النبي إبراهيم؟ هل كان إبراهيم الذي كان خليلا ونبيا ورسولا وإماما يطلب أصل الإسلام، أم أنه يطلب مقاما أعلى من مرتبة الإمامة التي أعطيت له؟
وهذه الدرجة التي يطمع فيها إبراهيم هي التي تحققت في أبي طالب وعبد الله في وقوله {...وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً...} أي نفس درجة التسليم الاصطفائي العالي الذي طلبه فوق إمامته الاصطفائية العامة، فلاحظ لمن لا يتدبر الحقائق كيف يهبط بمستوى البحث.
فالإسلام الذي يطمع به إبراهيم في آخر حياته هو درجة التسليم والاصطفاء فوق درجة الاصطفاء والإمامة العامة، وفوق النبوة والرسالة، وهذه الدرجة الخامسة التي طمع فيها النبي إبراهيم له ولذريته، كما قال تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً...}(1).
فلم يقصد بالإسلام التوحيد، أو الإمامة والوصاية الاصطفائية العامة، والاصطفاء العام، وإنما طلب درجة عالية أعلى من درجة الاصطفاء التي نالها.
وهذا الاصطفاء هو الذي دعا أن تكون من هذه (الأمة المسلمة) رسولا، أي رسولا من بني هاشم، كما في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ...}(2).
كما أن في سورة الحج قوله تعالى: {...هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ...}(3).
فجعل النسل من تلك الذرية الطاهرة واعطاهم مقام الشهادة على جميع الناس من الأولين والآخرين بخلاف مقام الشهادة لسائر الأنبياء فإنه على أممهم خاصة لا لكل الناس، فالقرآن الكريم في السورتين وغيرهما يثبت بهذا البيان الذي كَشَفَ عنه أهل البيت صلوات الله عليهم أن اصطفاء آباء وأجداد النبي هو فوق اصطفاء ابراهيم فضلا عن موسى وعيسى ولا نتعجب أن عبد المطلب أو عبد الله أو أبا طالب أو عبد مناف آباء النبي في أنّهم لم يكونوا يتبعون شريعة عيسى أو موسى أو إبراهيم.
وقد قال سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) وذكر عبد المطلب: «نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنة، أنا وحمزة وعلي والحسن والحسين والمهدي».(1)
1) المناقب لابن المغازلي: ص9؛ سنن ابن ماجه: ج2، ص1368، ح 4087، وج12، ص257، ح4225. أمالي الصدوق: ص475؛ كتاب سليم بن قيس الهلالي: ج2، ص857؛ الغيبة للطوسي: كتاب الغيبة للحجة، ص183؛ روضة الواعظين وبصيرة المتعظين للفتال النيشابوري: ج2، ص269؛ بشارة المصطفى لشيعة المرتضى: ج2، ص212؛ عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار لابن بطريق: ص218؛ كتاب سليم بن قيس الهلالي: ج2، ص856؛ بشارة المصطفى لشيعة المرتضى: ج2، ص212، باب كلمة المؤلف في تعيين يوم الغدير؛ كشف الغمة في معرفة الأئمة للأربلي: ج1، ص52، فصل في ذكر ما ورد فيما قدمناه من الآثار؛ إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات: ج5، ص121، الفصل الثاني عشر؛ بحار الأنوار للمجلسي: ج22، ص149، باب 37 ما جرى بينه وبين أهل الكتاب والمشركين بعد الهجرة وفيه نوادر أخباره وأحوال أصحابه زائدا على ما تقدم في باب المبعث وكتاب الاحتجاج وما سيأتي في الأبواب الآتية؛ الكشف والبيان للثعلبي: ج12، ص53؛ المستدرك على الصحيحين للحاكم: ج11، ص281؛ المسند الجامع المعلل أبي الفضل النوري: ج2، ص213؛ تاريخ الإسلام الذهبي: ج10؛ جامع الأحاديث للسيوطي: ج22، ص221، ح24722؛ كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال للمتقي الهندي: ج12, ص182، ح34162؛ مستدرك الحاكم بتعليق الذهبي: ج3، ص233، ح4940؛ لباب الأنساب والألقاب والأعقاب للبيهقي: ج1، ص12؛ تاريخ الاسلام للذهبي: ج10، ص129.
وفي هذا الحديث المتواتر أو المستفيض عند الفريقين لم يذكر بأن سادة الخلق إبراهيم أو موسى أو عيسى.
وقد ذكرت الروايات الشريفة أن ملك الجنة أعظم من ملك القيامة، وملك القيامة أعظم من ملك الرجعة، وملك الرجعة أعظم من ملك الدنيا، ونبوة أولي العزم هي نبوة الدنيا، والمصطفون من بني هاشم مقبلون على عوالم عديدة وعظيمة.
لنعي من هو رئيس الجمهورية؟ ومن هو نائب رئيس الجمهورية؟ ومن هم المدراء لدولة بني هاشم؟ وهذه الدولة ليس هويتها وعنوانها دولة إبراهيم وآل إبراهيم أو دولة موسى وآل موسى، أو دولة داود وآل داود، أو دولة يعقوب وآل يعقوب، وإنما هي دولة محمد وآل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، وهي الدولة المهيمنة على كل دول الأنبياء فضلاً عن بقية المخلوقات.
وأذكر شاهداً بديعاً آخراً، وهو مقام الشهادة على الأعمال لدولة بني هاشم، التي أعطاها الله تعالى للدائرة الاصطفائية الثانية والتي ذكرها القرآن الكريم وبيّنها أهل البيت صلوات الله عليهم وهي أعظم من الشهادة على الأعمال التي أعطاها الله للأنبياء لإبراهيم وموسى وعيسى، فقد قال عيسى على نبيا وآله وعليه السلام: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ}(1).
وأما فضل المصطفين، يتبع الدائرة الأولى الائمة الاثني عشر وفاطمة، حيث يذكرهم القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}(2)، أي شهداء على أعمال الأولين والآخرين.
فلاحظ مقام الشهادة الذي جعله الله للمصطفين من بني هاشم هو أعظم من شهادة أولي العزم، وقد بيّنت الروايات الموجودة في الكافي للكليني أنّ الدائرة الاصطفائية الثانية هم الذين يشهدون للأنبياء وقد ذكرت حمزة وجعفراً كمثال من الدائرة الثانية للشهادة لأنبياء أولي العزم في يوم القيامة ويكون لهم دور المراقبة على الأعمال عند الله سبحانه وتعالى.
وأما مقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فهو مقام أرفع من المقام الذي أعطي لحمزة وجعفر، فهو مقام الولي النائب عن مقام القمّة لكل الولايات، وكذلك مقام خاتم الأنبياء؛ فليس لسؤدد سيد الأنبياء في الولاء من يخلفه غير أمير المؤمنين عليه السلام، فهو النائب لرأس الهرم دون غيره من الأنبياء والأوصياء، وهذا ما يشير إليه قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»(1)، أي إشارة إلى قوله تعالى: {وَاجْعَلْ لي وَزيراً مِنْ أَهْلي * هارُونَ أَخي * اشْدُدْ بِهِ أَزْري * وَأَشْرِكْهُ في أَمْري}(2)، أي أنّ أمير المؤمنين وزير وشريك سيد الأنبياء في أمره المهيمن على جميع الشرايع والأنبياء والرسل، كما في قوله تعالى أيضاً: {وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزيرا}(3)، وقوله تعالى: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطا}(4). فسؤدد سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) وهيمنته على وحي الله لأنبياءه وكتبهم وشرايعهم ومناهجهم يشترك فيه أميرالمؤمنين (علیه السلام) فإنّه وزيراً له، فهذا مقام أمير المؤمنين (علیه السلام) في
منظومة الدين والشرايع والأنبياء والرسل والأوصياء والأصفياء، أي الشريك الوزير المتآخي مع سيد الأنبياء في أمره المهيمن على رسالات الله. وهذه حقائق تنص بالدليل على أن رتبة حمزة وجعفر هي أرفع رتبة من نوح وإبراهيم وهذا بنص القرآن وبنص حديث الفريقين الذي سيأتي بيانه. وأمّا مقامات العقيلة زينب (علیها السلام) فمنها ما صنعته في حماية أخيها الحسين (علیه السلام) شيء لا تتصوره العقول؟ بعد أن بيّن الحديث القدسي، أن في مشروع كربلاء أساسين ومحورين عظيمين ذكر على لسان النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم): «...فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلا... إن الله قد شاء أن يراهن سبايا»(1).
من أنّ المشيئة الإلهية في هذا المشروع العظيم - المجلجل في مسيرة القضاء والقدر الإلهي لبقاء الدين صراطٍ مستقيم للتكامل المستقبلي - قائمة على قاعدتين، قاعدة الشهادة لسيد الشهداء (علیه السلام)، وقاعدة ظلامة السبي.
والقاعدة الأولى قام بها سيد الشهداء (علیه السلام)، والقاعدة الثانية قامت بها العقيلة زينب بنت أمير المؤمنين (علیها السلام)، وهذه معادلة وموازاة في عالم المشيئة الإلهية يعني الشيء العظيم لدور ومقام العقيلة (علیها السلام).
فليس هذا التعادل والموازاة في تخطيط البشر، أو في المشيئة البشرية بل
1) الملهوف في قتلى الطفوف للسيد ابن طاووس: ص40.
هو في المشيئة الإلهية، فأي خطبٍ لدور السيدة زينب (علیها السلام) الذي يعادل به الله عز وجل في مشيئته دور استشهاد الحسين (علیه السلام)، مع أنّ العقيلة (علیها السلام) تبع لأخيها (علیه السلام)، ولكن دورها الاصطفائي في المشيئة الإلهية تعلقت بها كتعلقها في المشيئة الاصطفائية لخامس أصحاب الكساء (علیهم السلام).
ومن ثمّ ورد أنّها وصية الحسين (علیه السلام) مع أنّ الوصي في الإمامة هو الإمام علي بن الحسين زين العابدين (علیه السلام) حقيقةً.
فقد روى الصدوق عن علي بن أحمد بن مهزيار قال: حدثني أبو الحسين محمد بن جعفر الأسدي قال حدثنا أحمد بن إبراهيم قال دخلت على حكيمة بنت الإمام محمد بن علي الرضا أخت أبي الحسن العسكري (علیهم السلام).... فقالت: إن الحسين بن علي (علیه السلام) أوصى إلى أخته زينب (علیها السلام) بنت علي بن أبي طالب (علیه السلام) في الظاهر وكان ما يخرج عن علي بن الحسين (علیه السلام) من علم ينسب إلى زينب بنت علي (علیها السلام) تستراً على علي بن الحسين (علیه السلام)، ثم قالت: إنكم قوم أصحاب أخبار أما رويتم أن التاسع من ولد الحسين (علیه السلام) يقسم ميراثه و هو في الحياة(1).
1) كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ج2، ص502، باب ذكر التوقيعات الواردة عن القائم (علیه السلام)؛ الهداية الكبرى للخصيبي: ص366، الباب 14، باب الإمام المهدي المنتظر (علیه السلام).
في الختام أتقدم بالشكر الجزيل الوافر العميم إلى مركز طبع وتفسير وعلوم القرآن الكريم في العتبة العباسية المقدسة الذي ساهم طاقمه بجهد كبير في إعداد هذا الكتاب استخلاصاً من المحاضرات التي ألقيتها في هذا المضمار ولاسيما سماحة الشيخ الفاضل ضياء الدين الزبيدي الذي أشرف على هذا العمل كما أخص بالذكر أيضاً الشيخ حسين صالح والشيخ محمد الأنباري في إسهامهما لإعداد أو تقرير هذه المحاضرات.
لقد ورد في جملة كثيرة من الروايات والزيارات التنويه والاشارة الى وجود مجموعة أفراد دائرة ثانية من مصاديق عنوان (أهل البيت) الوارد في آية التطهير، وأنّ الطهارة في آية التطهير على قسمين في أهل البيت فضلاً عن آية المودّة وهذه الروايات المستفيضة بل المتواترة تثبت لأفراد الدائرة الثانية من اهل البيت مقامات واصطفاء وحجية دون أفراد الدائرة الاولى، وهذه الحجية والمقام نجده في الاصل لأفراد الدائرة الاولى كما أثبت لأفراد الدائرة الثانية وهذا ممّا ينبّه إلى وجود هذه الدائرة الثانية كمقام ومنصب يحفّ بالدائرة الاولى كمنظومة اعتقادية وهذه الإشارة نذكرها في البدء كاشارة إجمالية الى الأدلة والتفصيل في ما يأتي من فصول الكتاب. فمنها ما
ورد في قوله تعالى: {إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيقْتُلُونَ وَيقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيعِكُمُ الَّذِي بَايعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِالله وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}(1).
حيث ورد في روايات الفريقين انها نزلت في علي وحمزة وجعفر، وقد اسندت هذه الصفات في الآية لحمزة وجعفر كما اسندت لعلي أمير المؤمنين (علیه السلام)، وكذلك أنّ عدّة من هذه الصفات بل مجموعها من حيث هو المجموع لا يمكن توفرّها في غير من اصطفاه الله، فمثلا لا يمكن اتصاف الشخص الحافظ لجميع حدود الله بهذا الوصف الا اذا تعلّق الاصطفاء به، اذ يتوقف الحفظ لجميع حدود الله على العلم اللدني بها اوّلاً في مقام التنظير والمعرفة (الشبهة الحكمية)، والعلم اللدني بمواردها موضوعاً وهو مقام التطبيق (الشبهة الموضوعية).
1) سورة التوبة، الآية 111 - - 112
ثمّ القوة الروحية الباعثة على التقيد بكلّ ذلك وغيرها من الآيات التي أشركت حمزة وجعفر مع أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) في بعض مقاماته أو غيرهما من أفراد الدائرة الثانية.
وما ورد في وصف أبي طالب في زيارة أمير المؤمنين (علیه السلام) التي رويت بطرق عديدة يوثق بصدورها:
«وَأَشْهَدُ أ َنَّكَ طُهْرٌ طَاهِرٌ مُطَهَّرٌ مِنْ طُهْرٍ طَاهِرٍ مُطَهَّرٍ»(1).
فالمشاكلة في الوصف وعنوان الطهارة يفيد الطهارة الاصطفائية وكذا ما ورد في زيارة علي بن الحسين (علي الاكبر):
«السَّلَامُ عَلَيكَ أَيهَا الصِّدِّيقُ الطَّيبُ الطَّاهِرُ والزَّكِي الْحَبِيبُ الْمُقَرَّبُ وابْنُ رَيحَانَةِ رَسُول الله... وجَعَلَكَ مِنْ أَهْلِ الْبَيتِ الَّذِينَ أَذْهَبَ الله عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً واللَّهِ مَا ضَرَّكَ الْقَوْمُ بِمَا نَالُوا مِنْكَ ومِنْ أَبِيكَ الطَّاهِرِ صلوات الله عَلَيكُمَا ولاَ ثَلَمُوا مَنْزِلَتَكُمَا مِنَ الْبَيتِ الْمُقَدَّس... فَهَنِيئاً لَكُمْ يابَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ التَّمَسُّكُ مِنَ النَّبِي (صلی الله علیه و آله و سلم) بِالسَّيدِ السَّابِقِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وقَدِمْتُمَا عَلَيهِ وقَدْ أُلْحِقْتُمَا بِأَوْثَقِ عُرْوَةٍوأَقْوَى»(2).
ولابدّ من الالتفات الى التعبير في الزيارة انّ عليّاً الأكبر صلوات الله عليه جُعِل من اهل البيت وليس (منّا أهل البيت) أي دخول لفظة (مِن) على غير ضمير الجمع، كما سيأتي الفرق بين التعبيرين مفصّلاً.
مضافاً لوصفه بالطاهر على حذو وصف والده سيد الشهداء (علیه السلام) في هذه الزيارة كما صرّح (صلی الله علیه و آله و سلم) في الزيارة أيضا بأنّه من البيت المقدّس، وكذلك في الزيارة إشارات كثيرة سيأتي شرحها في الفصول الآتية. وأمّا في الزيارات الأخرى فقد ورد: «السَّلامُ عَلَيكَ يا مَوْلاي وابْنَ مَوْلاي ورَحْمَةُ اللَّه».
فجعلت الموالاة له في سياق الموالاة لوالده سيد الشهداء (علیه السلام) مشاكلةً في التعبير.
الفصل الأول: أبعاد خمسة
الفصل الثاني: المقدمات التمهيدية المنهجية للبحث
الفصل الثالث: ميزان البحث في الاعتقادات
الفصل الرابع: الفوارق بين مراتب ومقامات الدائرتين الاصطفائيتين
البعد الأول والثاني
الموقعية العقائدية للدائرة الثانية
أسماء نجوم الدائرة الثانية لأهل آية التطهير
البعد الثالث
نماذج روائية مهمة واشارات استدلالية
في خطورة العقيدة بالدائرة الثانية
البعد الرابع
عنوان أهل البيت (علیهم السلام)
البعد الخامس
أقوال علماء الامامية
حول الدائرة الثانية
إنّ لأبي الفضل العباس (علیه السلام) مقاما اعتقاديا في الدّين، وهذا البحث بحاجة لمقدمات عديدة ومتعددة حتى نَصِل إلى المطلوب وقبل أن نخوض في كبد هذا البحث، أذكر نتيجة ملخّصة تستهوي الأذهان والقلوب وهي:
أنّ هناك أدلّة روائية عن أهل البيت (علیهم السلام) بل وقرآنية مفادها أنّ الذي يطّلع على مقام أبي الفضل العباس ونجوم أفراد الدائرة الثانية من خلال ما ورد، أنّه يساءل في القبر عن مقام أبي الفضل العباس (علیه السلام) وهذه النتيجة هي إحدى المعالم الاعتقادية لأبي الفضل وأفراد الدائرة الثانية الاصطفائية لأهل البيت (علیهم السلام).
وهذا ليس من التخرّص أو التكلّف أو التمحّل، وقد يسأل البعض لماذا الكثير من كتب علماء الإمامية أو كتب الكلام لم تسلط الضوء بشكل دقيق على
هذا المبحث؟ والجواب عن هذا السؤال سوف يتّضح من خلال البحث وبعد الاطلاع على ما نقله علماء الإمامية من نصوص عديدة، وما هو جارٍ في سيرة أتباع أهل البيت (علیهم السلام) خلال أربعة عشر قرنا بل وسيرة المسلمين عدا النواصب، وسوف نبين أنّ هذه السيرة مسارها يصبّ في ذلك وأستطيع ان اقول طبقا للنصوص. أنّ العبد لا يكمل إيمانه إلّا إذا تعرّف على مثل مقام أبي الفضل العباس (علیه السلام) وأفراد الدائرة الثانية، فأي مؤمن من المؤمنين حسب النصوص الواردة لا يكمل إيمانه إلّا إذا اطّلع وتعرف على مقام أبي الفضل العباس (علیه السلام).
ونحن نؤمن في مدرسة ومنهاج أهل البيت (علیهم السلام) بدلالة القرآن الكريم، ونؤمن بدلالة النصوص المتواترة عند الفريقين على أنَّ مقام أهل آية التطهير من الضروريات الواضحات أي بحسب أدلة القرآن وأدلة النصوص المتواترة عند الفريقين أنّهم الأربعة عشر معصوما التي نَزَلت الآية بِحَقّهم وهم الخمسة أصحاب الكساء والتسعة من ولد الحسين المعصومين الطيبين الطَّاهِرين (علیهم السلام)، وهذه الآية الكريمة تمثل الدائرة الأولى لأهل آية التطهير في قوله تعالى: {إِنَّمَا يرِيدُ الله لِيذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}(1).
1) سورة الأحزاب الآية 33
ويستفاد من نصوص أهل البيت (علیهم السلام) بل وروايات الجمهور أيضا أن لآية التطهير المباركة دائرة ثانية تضم نجوما من آل مُحمَّد (علیهم السلام)، فهنالك آيات قرآنية وروايات معصومية تطالعنا على أنّ هناك دائرة ثانية من أهل آية التطهير أدنى من الدائرة الاولى (الأربعة عشر، وهم: النبي وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومين من ولد الحسين (علیهم السلام))، وليسوا بنفس المستوى من جهات عديدة ستتبين فيما بعد، وهي تحيط كالطوق بالدائرة الاولى لأهل آية التطهير، وقد دلّ عليهم النص من وحي الله تعالى، ونستطيع أن نستخرج من النصوص عنواناً ونصطلح على هذه الدائرة (بالدائرة الثانية لأهل آية التطهير).
وتدل الأدلّة الكثيرة القرآنية والروائية على أنّ المؤمن لا يستكمل إيمانه إلّا بمعرفتهم وولايتهم وطاعتهم.
وبعبارة أخرى أنّ المؤمن لا يكون مستكمل الِإيمان حتى يعرف أفراد الدائرة الثانية، وإلّا يكون منقوص الإيمان، وهذا النقص ليسمن قبيل نقص الإيمان في زوايا وجهات عديدة، وإنّما هو نقص بالغ، والكلام طويل وموسوعي في هذا البحث، لا سيما أنّ علماءنا الامامية الأبرار
رضوان الله تعالى عليهم لم يخوضوا فيه تفصيلا لأسباب وجهات عديدة إلّا بإشارات، سنبينها فيما بعد.
الدائرة الثانية من بني هاشم، ثلّة خاصة من أهل آية التطهير، لهم دعامة بُنيوية في نظام الدّين والعقيدة، فكما إنّ الدّين وبناءه وصرحه يشتمل على أطناب وأوتاد ودوائر عديدة في الحقيقة، فالدّين لا يتلخّص في الأنبياء مع عِظَم مقام الانبياء، ولا في الرسل مع عِظَم مقام الرسل، ولا في الأوصياء مع عِظَم مقام الأوصياء، بل هناك سلسلة ومنظومات ومجموعات يتكامل بها بناء الدين المشيد ولا يمكن تجزئة هذه المجموعات وهذه المنظومات عن مجموع البناء الديني.
كما سيتبين أنّ الإلتفات الى البنى الأخرى من منظومة الدين وبنائه، والتعرف على أفراد الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام) له أصل أصيل معرفي قرآني، تعرض له القرآن الكريم في آيات عديدة وكثيرة جداً، أصلها القرآني هو معرفة عميقة، وغوص مبسوط لفهم عنوان أهل البيت الوارد في آية التطهير،
قوله تعالى: (إِنَّمَا يرِيدُ الله لِيذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(1).
فهناك دائرة ثانية من بني هاشم - لا كل بني هاشم - اصطفوا بإصطفاء يلي اصطفاء أفراد الدائرة الأولى (علیهم السلام)، وحسب بيانات ورواياتالفريقين من المسلمين، أنّ هناك ثلة أخرى مصطفاة من بني هاشم تشكّل الدائرة الثانية لأهل البيت (علیهم السلام)، وهي تحيط وتحدق بالدائرة الأولى من المعصومين الأربعة عشر وهذا في عنوان أهل البيت، وهو عنوان المطهرين.
وكذلك في عنوان القربى الذين أُمِرنا بمودتهم، أو الذين أُسنِدت لهم ولاية الفيء، والذين ذكروا أيضاً بعنوان الشهداء على أعمال الناس أو الصادقين الذين أمرنا أن نكون معهم، وكل هذه العناوين المتعددة بدءً من عنوان أهل البيت، المطهرين القربى، الصادقين، الصالحين، الشهداء في القرآن الكريم، تُمثِّل المحور القطبي في دائرة الدّين، وتشير الروايات العديدة من الفريقين الى ذلك، وسيأتي التعرض لها في الفصل الثالث.
1) سورة الأحزاب الآية 33.
وبحصيلة إجمالية من اندراجهم في آية التطهير وآيات القربى فإنّ أفراد الدائرة الثانية يثبت لهم كل ما ثبت لأفراد الدائرة الأولى ولكن بالتبع وبدرجة أدنى، وهذا مقام خطير وعظيم لم يتقرّر لبقية الأنبياء من أولي العزم فضلا عن غيرهم، وبذلك يتبيّن مدى خطورة فريضة الولاية والمودة لأفراد الدائرة الثانية تبعا لولاية ومودة أفراد الدائرة الأولى.
وهذا تلخيص مقام جامع لأفراد الدائرة الثانية، نعم سيأتي أن أفراد الدائرة الثانية هم على طبقات ودرجات متفاوتة جداً.
نحن نَدين عقيدة لله بأنّ العباس بن أمير المؤمنين (علیه السلام) بلغ مرتبة الإصطفاء بمقام عمّه جعفر الطيار، وليس الاصطفاء كما يقال أنّه اكتساب يكتسبه من يشاء أو أنّه يعطى مجانا، لذا فالحديث عنه وعنأفراد الدائرة الثانية دقيق وحساس، وسوف نشرحه ونبينه إن شاء الله تعالى.
إذن لأبي الفضل العباس (علیه السلام) وبقية نجوم بني هاشم ممن قام النص عليهم اصطفاء؛ وهو أنّه بلغ مقام الطيار، وله مقامات اُخرى ندين بها من
قبل الله تعالى، ومذكورة في نصوص أهل البيت، وليست هي تخرصات او تمحّلات، وهذا المقام مقام اعتقادي وله أثر تربوي وولائي وفقهي، وله آثار عديدة جداً، وليس الأمر كما نظن ونتخيل أنّه مجرد مديح (حاشا) بل هو كما نقول ناموس الدين كما سيأتي.
واجمالاً تطالعنا الآيات والروايات أنّ لأهل البيت (علیهم السلام) دائرة ثانية غير الدائرة الأولى الأربعة عشر معصوماً (علیهم السلام).
ولكي نلجَ شيئا فشيئا في تفهم هذه البحوث نحتاج لمقدمات تمهيدية عديدة جداً لكي نكون قد التزمنا بالقوالب والقواعد المذكورة في نصوص القرآن ونصوص الروايات.
ولكن بتحديد وفهم وتفسير مُعمَّق وغور كبير إن شاء الله بلزوم البحث في هذه الموسوعة، وليست هي جلسة من قبيل تواشيح، بل أعظم من جلسة التواشيح في مدح أهل البيت، وليست جلسة شعر وأعظم شعر بل أعظم من الشعر في أهل البيت وأكرم وأنور، ولكن المقصود أنّ هذا البحث بحث اعتقادي عقيدي عقدي. وسيتبين في الآيات والروايات إنّنا ملزمون به، وإنّه من كمال الإيمان وهلمّ جرا.
ولابدّ من الإشارة إلى أنّ الاحاطة والمعرفة والاعتقاد بالدائرة الثانية لاهل البيت من كمال وتمام الايمان، فالمؤمن الذي لا يعرف ولا يعتقد بذلك يكون قاصرا لم يصل إليه البيان أو مقصرا لتفريطه،ويكون ناقص الإيمان، بل قد يقال عنه مستضعف ضعيف في المعرفة في حين أنّه متصف بالإيمان أيضاً.
وأفراد الدائرة الثانية هم من الحجج والبراهين على السؤدد النبوي لسيد الأنيباء.
وكذلك على سؤدد إمامة الأئمة الاثني عشر.
وهم الشهداء للأنبياء من بقية أولي العزم يوم الحساب.
كما هم الشهداء على أعمال العباد.
وبالتالي فلهم ولاية الحساب يوم التناد تبعاً للدائرة الأولى.
وهم أهل الأعراف.
وهم ورثة الكتاب وراثة لدنية اصطفائية تبعا للدائرة الأولى.
وهم الوزراء والأعوان والأنصار للدائرة الأولى الذين لا يسبقهم سابق في ذلك.
أنّ أنوار أفراد الدائرة الاصطفائية الثانية من أنوار الدائرة الأولى وأنّ نورهم ليطفئ أنوار الخلائق يوم القيامة.
أنّهم أوصياء للدائرة الأولى، أي أنّهم أوصياء الأوصياء.
أنّهم سفراء للدائرة الأولى الاصطفائية.
ولا يخفى أنّ السفارة الإلهية درجات وطبقات، فالنبي سفير الله إلى خلقه، والأئمة سفراء الله من بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والدائرة الثانية الاصطفائية سفراء للدائرة الأولى، فهم محدّثونبتوسّط النور والإلهام عن الأئمة (عليهم السلام) ومن بعدهم سفارة النواب بالنيابة الخاصة كالنواب الأربعة وسيأتي أنّ السفارة الإلهية هي الاتصال عبر النور
لا بتوسّط الحس والسمع والبصر المادي.
وسيأتي الاستدلال بالآيات والروايات القطعية على ثبوت هذه المقامات لأفراد الدائرة الثانية.
وذلك لوجود نصوص شديدة كثيرة في معرفة هذه الدائرة الثانية؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى خلال البحث ونعرف مدى أهمية الموضوع.
وعندما نلج في مقدمات البحث، نحتاج الى تأنّي خطوات مُقَوْلبة ومنسّقة وذات ترتيب علمي طبق النصوص الواردة في القرآن وفي روايات المعصومين (علیهم السلام) لأنّ البحث طويل الذيل وليس قصيراً.
إذن عنوان موسوعة البحث، وهي (موقعية الدائرة الثانية من أهل آية التطهير)، حيث لم يدوّن هذا البحث بشكل مبلور ومنظّم، وللأسف بقي بشكل متناثر موزّع ومنتشر في كلمات علماء الامامية.
إذن البحث في الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام)، نتعرض إليه من باب الإشارة والتنبيه، على أنّ هذا المبحث فريضة اعتقادية وليس هذا المبحث مجرد ترف أو توسّع في المعرفة.
ليعرف الانسان اقطاب هذا الدين الأربعة عشر معصوماً والدوائر التي تحيط بهؤلاء الأربعة عشر وتتلوهم في الفضيلة والمقامات والمناصب الدينية الإلهية، لأنّ من اللازم على الإنسان لاستكمال المعرفة أنّ يتعرف على بقية الطبقات والدوائر في صرح بناء الدين انطلاقا من القرآن الكريم.
أهل آية التطهير دائرتان كما سيأتي وعلى مرتبتين واهميتين مختلفتين في الدرجة، وإذا كان المراد من عنوان أهل البيت من بني هاشم دائرتين، إذن هذا ليس بحثاً ندبياً، أو استحبابياً، بل فرض من فروض الاعتقاد والمعرفة، لأنّ اصحاب آية التطهير الآن هم اصحابها في الدرجة الأولى وكذا في الدرجة الثانية مع اختلاف الدرجات والمراتب، فأصحاب آية التطهير لهم دور بنيوي على اختلاف مراتبهم في بناء صرح هذا الدين المشيد.
وهذا المبحث ليس مبحثاً عابراً، ولا من ادراج الهواء بل له أصل أصيل قرآني، ولابدّ من موازين ونصوص للتعرف على أفراد الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام) نظير أبي طالب وجعفر وحمزة وأجداد وآباء النبي وعلي صلوات الله عليهما وآلهما، وزينب وعلي بن الحسين الاكبر وأبي
الفضل العباس وإبراهيم والطاهر والقاسم أبناء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وغيرهم من بعض أولاد الأئمة.
الذين كانوا مرشّحين للإمامة بنص من المعصومين، مرشّحين: أي لديهم أهلية وقابلية إعداد كما نصّت على ذلك جملة من الروايات، وفاطمة المعصومة فضلاً عن الجدّة العظيمة خديجة الكبرى، حيث أنّ المعصوم الذي له مقام اصطفاء من الدائرة الأولى يمدح بأنّه من نسل خديجة كما في عدة زيارات(1).
(السلام عليك يا بن خديجة الكبرى)، فلو لم يكن لخديجة مقام اصطفائي، فعقلا كيف يمدح بها المعصوم؟ وهذه بحوث ستأتي فيما بعد مفصلاً، ولكن إجمالا إنّ أصل البحث انطلاق من فريضة اعتقاديةقرآنية.
إحدى فوائد هذا البحث أنّه يقطع الطريق على الأدعياء الدَّجَلة والدجّالين في النيابة الخاصة، الّذين ابتلي المؤمنون بهم منذ بداية الغيبة الصغرى الى يومنا هذا بل حتى في زمن الأئمة المعصومين (علیهم السلام).
1) إقبال الأعمال: ج2، ص63، فصل 18 باب الزيارة المخصوصة بالحسين (علیه السلام) يوم عرفة.
لأنّ النيابة الخاصة كانت منذ عهد النبي والأئمة (علیهم السلام) وصولاً الى الغيبة الصغرى والغيبة الكبرى وقد ذكر الشيخ الطوسي في (الغيبة) والصدوق في (كمال الدين) وعدّة من علمائنا الكبار، نقلنا كلماتهم في بحث (دعوة السفارة في الغيبة الكبرى)، أنّ كل المعصومين (علیهم السلام) قد ابتلوا بالأدعياء والدجّالين منذ زمن سيد الأنبياء ثم سيد الأوصياء وهلمّ جرا الى الغيبة الصغرى.
فقد مُنِي المؤمنون ومنهاج مدرسة أهل البيت بالأدعياء الدجالين الذين يدّعون النيابة الخاصة، وهؤلاء مذكورة تواريخهم لا حاجة للخوض في ذلك تفصيلاً، المقصود من هذا المطلب إنّ معرفة أفراد الدائرة الثانية تقطع الطريق أمام ضلالات هؤلاء الأدعياء سواء في زمننا أو ما سبق أو المستقبل.
وهذه إحدى الفوائد العظيمة لبحث أفراد الدائرة الثانية كما إنّ موقعيتهم وحجّيتهم تهيمن على النواب بالنيابة الخاصة كما سيأتي البحث في ذلك، وتهيمن على موقعية الفقهاء، فموقعية زينب، وخديجة الكبرى، وأبي الفضل العباس، وأبي طالب، وعبد المطلب، وعبد الله، وحمزة، وجعفر الطيار، وعلي الأكبر، وغيرهم من نجوم الدائرة الثانية.
فهؤلاء موقعيتهم تهيمن على موقعية الفقهاء، ولا يمكن أن يتخطى
ممشى أفراد الدائرة الثانية، كما سنبين ذلك لاحقاً، والحاصل إنّ البحثفي ذلك ليس بالترف وليس الأمر سرداً تاريخياً، بل هو شيء له أبعاد عقائدية كبيرة وكثيرة في الدين يعطي طابعاً يلوّن مسار الدّين بعد الأئمة الأربعة عشر، وليس بالشيء السهل والهين، غصنٌ يتفرع من دوحة الشجرة النبوية كما عبّر عنه في الراويات والآيات، كما سنبين إن شاء الله تعالى.
ليس الكلام في كل بني هاشم مع أنّ كل بني هاشم لهم احترام ووقار من جهة نسبهم إلى سيد الرسل (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولكن الكلام في الدائرة الثانية، وَمِنْ أصحاب هَذِهِ الدائرة ونجومها:
كما سنبين مفصلاً إن شاء الله، أنّ هناك شبكة من المعلومات وجملة من النصوص الكثيرة والخطيرة التي تحتاج الى تبويب وترتيب وعمل علمي مديد.
وأيضا من نجوم الدائرة الثانية لاهل آية التطهير آباء وأجداد النبي وأمير المؤمنين (علیه السلام)، وعبد المطّلب، وهاشم وعبد مناف كلهم، والسلسلة
تصل الى اسماعيل النبي ابن إبراهيم، وكلهم أوصياء بنصّ القرآن وكذلك أبو طالب والد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) كما سنبين إن شاء الله تعالى. وحمزة سيد الشهداء عم الْنَّبِي (صلی الله علیه و آله و سلم).
وجعفر الطيار بن أبي طالب (علیه السلام)، وزينب الكبرى العقيلة (علیها السلام)، وعلي بن الحسين الاكبر (علیه السلام) بكربلاء والمدفون بجنب والده سيد الشهداء.والطاهر والقاسم والطيب أبناء سيد الانبياء ولهم رتبة خاصة، وهما مدفونان في مقبرة المعلّى في الحجون بجنب والدتهم خديجة بنت خويلد.
كذلك امهات المعصومين اللاتي لهن نسب ببني هاشم، ولو بنسب الأمومة للائمة (علیهم السلام) أو لسيد الانبياء وآمنة بنت وهب، وخديجة الكبرى، وفاطمة بنت أسد، فهناك ثلّة من الدائرة الثانية، مكانتهم ومقاماتهم مركوزة بعمق في تراث الدين والهوية الدينية بشكل ظاهر، وإبراهيم بن النبي الذي ورد في نعته عن سيد الانبياء شأن عظيم، ولا يبعد الحال في المحسن السقط ابن أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء (علیهم السلام)(1).
ومجموعة من أولاد الأئمة الصُلْبيين للأئمة الإثني عشر الذين بدا لله في إمامتهم، وورد النص فيهم أنّهم بدا لله في إمامتهم كإسماعيل بن الإمام
1) ينظر: مستدرك الوسائل: ج2، ص460، ح2464.
الصادق، والسيد محمد بن الإمام الهادي (سبع الدجيل) (علیهم السلام)، وكذلك فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر كما ورد النص على ذلك والقاسم بن الإمام موسى بن جعفر (علیه السلام) وغيرهم ممن ورد النصّ فيهم ممن تختلف رتبهم ودرجاتهم من أفراد الدائرة الاصطفائية الثانية.
وهكذا... بقية نجوم الدائرة الثانية لأهل آية التطهير وهذا كلّه طبقا للنصوص التي سوف نعرضها إن شاء الله تعالى بعيداً عن التخرصات والتمحّلات بل إنّ هناك نصوصا قرآنية تحوي شبكة من المعلومات تدل على أنّ هناك جمعاً من نجوم الدائرة الثانية من أهل آية التطهير.
بالدائرة الثانيةلكي يُلتفت الى أهمية البحث بعد كون المعتمد في البحث كما سيأتي هو الآيات القرآنية ببيان ظهورها في بيانات أهل البيت (علیهم السلام) والروايات القطعية الصدور بين الفريقين كما سيأتي، إلا أنّنا نشير إلى روايتين الأولى ما رواه الخصيبي في الهداية الكبرى، فعَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَاصِمٍ الْكُوفِيِّ وكَانَ مَحْجُوباً قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ (علیه السلام) بِالْعَسْكَرِ فَطَرَقْتُ شَيْئاً نَاعِماً فَقُلْتُ مَوْلَايَ: مَا هَذَا فَقَالَ: «يَا عَاصِمُ أَنْتَ عَلَى بِسَاطٍ قَدْ جَلَسَ عَلَيْهِ ووَطِئَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُرْسَلِينَ والنَّبِيِّينَ والْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ»، فَقُلْتُ: يَا مَوْلَايَ لَا تَخَفَّفْتُ بِخُفٍّ ولَا تَنَعَّلْتُ بِنَعْلٍ مَا دُمْتُ فِي الدُّنْيَا إِعْظَاماً لِهَذَا الْبِسَاطِ فَقَالَ: «يَا عَلِيُّ إِنَّ هَذَا الَّذِي مِنْهُ الْخُفُّ جِلْدٌ مَلْعُونٌ نَجَسٌ رِجْسٌ لَمْ يُقِرَّ بِإِمَامَتِنَا ولَا أَجَابَ دَعْوَتَنَا ولَا قَبِلَ وَلَايَتَنَا»، فَقُلْتُ وحَقِّكَ يَا مَوْلَايَ لَا لَبِسْتُ خُفّاً ولَا نَعْلًا أَبَداً وقُلْتُ فِي نَفْسِي كُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ أَرَى هَذَا الْبِسَاطَ فَوَجَدْتُهُ مِلْءَ الدَّارِ ولَمْ يَبْقَ
لَوْنٌ حَسَنٌ إِلَّا وَجَدْتُهُ فِيهِ وأَطَلْتُ النَّظَرَ إِلَيْهِ،
قَالَ (علیه السلام): «يَا عَلِيُّ تُحِبُّ أَنْ تَرَى آثَارَ أَرْجُلِ النَّبِيِّينَ والْمُرْسَلِينَ والْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ وَطِئُوا هَذَا الْبِسَاطَ ومَجَالِسَهُمْ عَلَيْهِ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، يَا مَوْلَايَ، فَرَأَيْتُ مَوَاضِعَ أَقْدَامِهِمْ وجُلُوسِهِمْ عَلَى الْبِسَاطِ مُصَوَّرَةً.
فَقَالَ (علیه السلام): «هَذَا أَثَرُ قَدَمِ آدَمَ ومَوْضِعُ جُلُوسِهِ، وهَذَا مَوْضِعُ قَدَمِ قَابِيلَ إِلَّا أَنَّهُ لُعِنَ حَيْثُ قَتَلَ أَخَاهُ هَابِيلَ، وهَذَا أَثَرُ شَيْثٍ،..... وهَذَا أَثَرُ لُؤَيٍّ، وهَذَا أَثَرُ مُرَّةَ، وهَذَا أَثَرُ كِلَابٍ، وهَذَا أَثَرُ قُصَيٍّ، وهَذَا أَثَرُ عَبْدِ مَنَافٍ، وهَذَا أَثَرُ هَاشِمٍ، وهَذَا أَثَرُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وهَذَا أَثَرُ عَبْدِ اللهِ، وهَذَا أَثَرُ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ، وهَذَا أَثَرُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وهَذَا أَثَرُ الْحَسَنِ،وهَذَا أَثَرُ الْحُسَيْنِ، وهَذَا أَثَرُ عَلِيٍّ، وهَذَا أَثَرُ مُحَمَّدٍ، وهَذَا أَثَرُ جَعْفَرٍ، وهَذَا أَثَرُ مُوسَى، وهَذَا أَثَرُ عَلِيٍّ، وهَذَا أَثَرُ مُحَمَّدٍ، وهَذَا أَثَرُ عَلِيٍّ، وهَذَا أَثَرِي، وهَذَا أَثَرُ الْمَهْدِيِّ، لِأَنَّهُ وَطِئَهُ وجَلَسَ عَلَيْهِ».
فَقَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَاصِمِ يُخَيَّلُ لِي واللهِ مِنْ رَدِّ بَصَرِي ونَظَرِي إِلَى الْبِسَاطِ وهَذِهِ الْآثَارِ كُلِّهَا وأَنَا نَائِمٌ وإِنِّي أَحْلُمُ مَا رَأَيْتُ فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ (علیه السلام): «يَا عَلِيَّ بْنَ عَاصِمٍ فَمَا أَنْتَ نائم [نَائِماً] ولَمْ تَحْلُمْ وتَرَى إِلَى تِلْكَ الْآثَارِ واعْلَمْ أَنَّهُمْ آذِنِينَ، فَمَنْ زَادَ فِيهِمْ كَفَرَ ومَنْ نَقَصَ فِيهِمْ كَفَرَ والشَّاكُّ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالشَّاكِّ الْجَاحِدِ لِلَّهِ وبِهِمْ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَذَاباً شَدِيداً لَا يُعَذِّبُ بِهِ
أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ...»(1). فأدرج آباء النبي في الحجج الذين من زَادَ فِيهِمْ كَفَرَ ومَنْ نَقَصَ فِيهِمْ كَفَرَ والشَّاكُّ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالشَّاكِّ الْجَاحِدِ لِلهِ وبِهِمْ يُعَذِّبُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَذَاباً شَدِيداً لَا يُعَذِّبُ بِهِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ. أي إن أهمية الاعتقاد بالدائرة الثانية تتبع الدائرة الأولى في أهل البيت (علیهم السلام).
ما جرى مع حمزة بن عبد المطّلب عمّ الْنَّبِي (صلی الله علیه و آله و سلم) سيد الشهداء في زمانه، ليلة غزوة أحد: في الليلة التي في صبيحتها كان حمزة من الشهداء صلوات الله عليه، اجتمع معه النبي بحضور فاطمة وامير المؤمنين (علیهم السلام)، أخذ النبي يلقّن حمزة عمّه ما سوف يساءَلُ عنه في القبر، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) له مامضمونه: (ياعمّ النبي إنك ستسافر سفرة بعيدة، وإنك مقبل على الله ولقاء الله، فأجهش حمزة بن عبد المطلب بالبكاء لفراق النبي، وهو يقبّل جبهة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم))(2).
وفيها اشارة واضحة بالشهادة، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) في الرواية التي رواهاالمجلسي في البحار(3)، وسنتعرض لها مفصلا إن شاء الله تعالى، قال: يا عم النبي (والنبي
يخاطب عمه حمزة): إنك ستسأل في القبر: سيسألك الله، من ربك؟، فتقول كذا وكذا، ومن نبيك؟ فتقول كذا وكذا. ومن إمامك؟ وهكذا.
وستساءل عن فاطمة، وعليك أن تجيب بأنها سيدة النساء من الاولين والآخرين، وسَتُساءل عن عم النبي حمزة، (حمزة يُسأل عن عم النبي حمزة)، وعليك أن تجيب بأنّه سيد الشهداء وأسد الله وأسد رسوله.
ماذا يعني هذا؟ النبي يقول لعمّه حمزة إنك سَتُساءل عن مقامك،واللطيف - في الرواية - كما أخَذ النبي على حمزة الإقرار والبيعة والشهادة بهذه البنود الاعتقادية، أخذها على علي بن ابي طالب (علیه السلام) وأخذها على فاطمة (علیها السلام) وأخذها على الحسن والحسين (علیه السلام)، وذلك يعني أنّ علياً (علیه السلام) لابد أن يقرّ بأنّه أمير المؤمنين وسيد الوصيين، ويقرّ بأن فاطمة سيدة نساء العالمين.
وكذلك فاطمة لابد أن تقرّ بالتوحيد وبالنبوة وبالإمامة وبأنّ بعلها سيد الاوصياء وأبناءَها سادة الاوصياء، وبأنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وكذلك الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، نظير مفاد الآية الكريمة من قوله تعالى: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ...}(1).
1) سورة البقرة: الآية 285.
«لَمَّا هَاجَرَ النَّبِي (صلی الله علیه و آله و سلم) إِلَى الْمَدِينَةِ وَحَضَرَ خُرُوجُهُ إِلَى بَدْرٍ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْبَيعَةِ فَبَايعَ كُلُّهُمْ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَكَانَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إِذَا خَلاَ دَعَا عَلِياً فَأَخْبَرَهُ مَنْ يفِي مِنْهُمْ وَمَنْ لاَ يفِي وَيسْأَلُهُ كِتْمَانَ ذَلِكَ ثُمَّ دَعَا رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عَلِياً وَحَمْزَةَ وَفَاطِمَةَ (علیهم السلام) فَقَالَ لَهُمْ بَايعُونِي بَيعَةَ الرِّضَا فَقَالَ حَمْزَةُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي عَلَى مَا نُبَايعُ أَلَيسَ قَدْ بَايعْنَا فَقَالَ يا أَسَدَ الله وَأَسَدَ رَسُولِهِ تُبَايعُ لله وَلِرَسُولِهِ بِالْوَفَاءِ وَالِاسْتِقَامَةِ لابْنِ أَخِيكَ إِذَنْ تَسْتَكْمِلَ الإِيمَانَ قَالَ نَعَمْ سَمْعاً وَطَاعَةً وَبَسَطَ يدَهُ فَقَالَ لَهُمْ يدُ الله فَوْقَ أَيدِيكُمْ عَلِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) وَحَمْزَةُ سَيدُ الشُّهَدَاءِ وَجَعْفَرٌ الطَّيارُ فِي الْجَنَّةِ وَفَاطِمَةُ سَيدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَالسِّبْطَانِ الْحَسَنُ وَالْحُسَينُ سَيدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ هَذَا شَرْطٌ مِنَ الله عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَجْمَعِينَ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما ينْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ومَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيهُ الله فَسَيؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ثُمَّ قَرَأَ إِنَّ الَّذِينَ يبايعُونَكَ إِنَّما يبايعُونَ الله قَالَ
وَلَمَّا كَانَتِ اللَّيلَةُ الَّتِي أُصِيبَ حَمْزَةُ فِي يوْمِهَا دَعَا بِهِ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فَقَالَ يا حَمْزَةُ يا عَمَّ رَسُولِ الله يوشِكُ أَنْ تَغِيبَ غَيبَةً بَعِيدَةً فَمَا تَقُولُ لَوْ وَرَدْتَ عَلَى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَسَأَلَكَ عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَشُرُوطِ الْإِيمَانِ فَبَكَى حَمْزَةُ وَقَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَرْشِدْنِي وَفَهِّمْنِي فَقَالَ يا حَمْزَةُ تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُخْلِصاً وَأَنِّي رَسُولُ الله تَعَالَى بِالْحقِ قَالَ حَمْزَةُ شَهِدْتُ قَالَ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيةٌ لا رَيبَ فِيها وَأَنَّ الصِّرَاطَ حَقٌّ والْمِيزَانَ حَقٌّ وَمَنْ يعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيراً يرَهُ وَمَنْ يعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يرَهُ وَفَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وَأَنَّ عَلِياً أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ حَمْزَةُ شَهِدْتُ وَقْرَرْتُ وَآمَنْتُ وَصَدَّقْتُ وَقَالَ الْأَئِمَّةَ مِنْ ذُرِّيتِهِ الْحَسَنُ وَالْحُسَينُ وَالْإِمَامَةَ فِي ذُرِّيتِهِ قَالَ حَمْزَةُ آمَنْتُ وَصَدَّقْتُ وَقَالَ فَاطِمَةَسَيدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ قَالَ نَعَمْ صَدَّقْتُ وَقَالَ حَمْزَةَ سَيدُ الشُّهَدَاءِ وأسَدُ الله وَأسَدُ رَسُولِهِ وَعَمُّ نَبِيهِ فَبَكَى حَمْزَةُ حَتَّى سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ وَجَعَلَ يقَبِّلُ عَينَي رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وَقَالَ جعفر [جَعْفَراً] ابْنَ أَخِيكَ طَيارٌ فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ وَأَنَّ مُحَمَّداً وَآلَهُ خَيرُ الْبَرِيةِ تُؤْمِنُ يا حَمْزَةُ بِسِرِّهِمْ وَعَلَانِيتِهِمْ وَظَاهِرِهِمْ وَبَاطِنِهِمْ وَتَحْيا عَلَى ذَلِكَ وَتَمُوتُ تُوَالِي مَنْ وَالاهُمْ وَتُعَادِي مَنْ عَادَاهُمْ قَالَ
نَعَمْ يا رَسُولَ الله أُشْهِدُ الله وَأُشْهِدُكَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً فَقَالَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) سَدَّدَكَ الله وَوَفَّقَكَ»(1). وفي هذه الرواية محطّات ومواضع للتدّبر:
أنّ في صدر هذه الرواية ذكر (علیه السلام) عنوان البيعة وأنّ البيعة التي أخذها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من علي وفاطمة وحمزة (علیهم السلام) بيعة خاصّة غير البيعة العامة التي أخذها من الناس والّتي أطلق عليها بيعة الرضا ومفاد هذه البيعة الخاصّة متطابق مع البيعة التي أخذها رسول الله يوم الدّار في مكة من بني هاشم الّتي رواها الفريقان حيث كانت البيعة على الولاية لله وللرسول ولأمير المؤمنين (علیه السلام) وقد بينت روايات الفريقين تفاصيلها المهمة جدّاً ومنه يظهر أنّ البيعة بيعة ولاية لله وللرسول ولأمير المؤمنين (علیه السلام).
ثمّ إنّه ذَكَرَ في مضمون هذه البيعة ايضاً بالإضافة إلى ولاية أمير المؤمنين، وولاية فاطمة بمقام سيدة نساء العالمين وولاية الحسنين بمقام سيدي شباب أهل الجنة، وولاية حمزة بمقام سيد الشهداء وولاية جعفر
1) طرف من الأنباء والمناقب: ص121-122، الطرفة الثالثة في أخذ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) البيعة لعلي (علیه السلام) على حمزة وفاطمة (علیه السلام) حيث هاجر إلى المدينة ونصّبه بالخلافة والمنزلة المكينة. بحار الأنوار: ج22، ص278-280، ح32.
بمقام الطيار في الجنّة، وذلك لأنّ البيعة كما هو مقرّر في ماهيتها ومعناها لا تتعلّق بمجرّد الايمان بل تتعلّق بالتولّي والولايةللذي عُقِدَت له البيعة على الذي عُقِدَت عليه البيعة وهذا ممّا يقتضي أنّ مقام الحمزة وجعفر ليس مقاماً اعتقادياً فحسب، بل مقام ولاية يؤخذ في أعناق المؤمنين كافّة وهذا مما يفيد أنّ لأفراد الدائرة الثانية لأهل البيت (علیهم السلام) بالإضافة الى المقام الاعتقادي الواجب على المؤمنين الاعتقاد به، فلهم ايضاً مقام الولاية والحجية والسمّع والطاعة على المؤمنين كما سيأتي ذلك في روايات معتبرة متعددة على أنّ لأفراد الدائرة الثانية الولاية والطاعة بل المستفيضة الدالة على إندراجهم في آيات ولاية أهل البيت (علیهم السلام).
فالعمدة في الاستدلال على الآيات والروايات المستفيضة أو المتواترة بين الفريقين وإنما المجيء بأخبار الآحاد في المقام لأجل التنبيه على وجوه الدلالة في الآيات والروايات المستفيضة.
وهذا كلّه مستفاد من تسميته (صلی الله علیه و آله و سلم) عنوان هذه البيعة بقوله: «تُبَايعُ لله ولِرَسُولِهِ بالوفاء والإستقامة لِابْنِ أَخِيكَ... وتشهد أنّ علياً أميرالمؤمنين، وفاطمة سيدّة النساء والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة، حمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار في الجنة».
ثمّ توصيفه مضمون البيعة أنّ هذا شرط من الله على جميع المسلمين من الجنّ والانس أجمعين وأنّ من نكث هذه البيعة وهذا الشرط فقد صار من الناكثين لعهد الله وأن شروط العهد الالهي بالإيمان والبيعة بالولاية لا يتمّ بالولاية والاقرار لله وللرسول ولاهل البيت (علیهم السلام) فقط، بل لابدّ من الاقرار بالولاية ايضاً لأفراد الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام).
أنّ هذه البيعة أخذت من علي وفاطمة والحمزة. فقد يُتساءل أنه كيف تؤخذ البيعة من علي على الإقرار بولاية علي نفسه.
أنّ هذا نظير ما ورد في القرآن الكريم في صفة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّه آمنبما انزل اليه من ربّه: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ}(1).
فالرسول يؤمن بأنه رسول من الله وأنّ ما ينزل اليه رسالة من الله فهو يؤمن بما أعطاه الله من مقام، فمقامه (صلی الله علیه و آله و سلم) مسؤولية على عاتقه من الباري
1) سورة البقرة، الآية 285.
تعالى، فكذلك الحال في أمير المؤمنين والحمزة بلحاظ إقرارهم بمقامات أنفسهم، لأنها مسؤوليات من الله كلّفوا بها في حين أنّها مقامات كمال لهم.
ثمّ إنّ مقام أمير المؤمنين وولايته وإن كانت أعظم من مقام حمزة وجعفر، وكما هو الحال في مقام الزهراء (علیها السلام) وولايتها أعظم من مقام وولاية حمزة وجعفر وكذلك مقام الحسنين (علیه السلام) بالاضافة الى مقام الحمزة وجعفر، إلاّ أنّ ذلك لا ينافي أخذ الإقرار بمقام الحمزة وجعفر على أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والحسنين (علیهم السلام).
وهذا مما يفيد أنّ أفراد الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام) رغم ان مقامهم دون مقام وولاية الدائرة الأولى من أهل البيت إلّا أن مقامهم وولايتهم ذو شأن عظيم يلي مقام وولاية الدائرة الأولى، فكما أنه قد أخذ الاقرار بمقامات الدائرة الثانية من أهل البيت على نفس افراد تلك الدائرة فكيف الحال بمسؤولية الإقرار والإيمان بالدائرة الثانية على آحاد وعموم المسلمين والمؤمنين.
قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): «هَذَا شَرْطٌ مِنَ الله عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْجِنِّ والْإِنْسِ أَجْمَعِين، {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما ينْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ومَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيهُ الله فَسَيؤْتِيهِ
أجْراً عَظِيماً، ثُمَّ قَرَأَ إِنَّ الَّذِينَ يبايعُونَكَ إِنَّما يبايعُونَ اللَّهَ}(1)»(2).
اشارة إلى الاعتقاد بأنّ حمزة مقامه سيد الشهداء وأنّ جعفراً مقامه الطيار في الجنّة وأنّ هذا الاعتقاد والشهادة الرابعة بمقام أفراد الدائرة الثانية الاصطفائية لأهل البيت وأما الاقرار بفاطمة (علیها السلام) فهي داخلة في الشهادة الثالثة مع الأئمة الاثني عشر (علیهم السلام).
فالإقرار والشهادة بمقام الدائرة الثانية مكمّل للاعتقاد بالشهادة الاولى والشهادة الثانية والشهادة الثالثة بالولاية لأهل البيت (علیهم السلام) وأنّ هذا الاعتقاد والالتزام القلبي واللساني فريضة اعتقادية على جميع المسلمين من الجنّ والانس أجمعين ثمّ إنّ مقتضى البيعة ثبوت الولاية لحمزة ولجعفر اشتقاقاً من ولاية النبي وأهل البيت (علیهم السلام) (الدائرة الأولى).
ومقتضى الولاية لزوم الطاعة والتبعية لأفراد الدائرة الثانية لاهل البيت (علیهم السلام) ولكن هذه الولاية والطاعة والانقياد في ضمن تبعية أفراد الدائرة الثانية للدائرة الأولى من أهل البيت كما ستأتي الاشارة إلى ذلك القيد في ولاية
أفراد الدائرة الثانية في زيارة أبي الفضل العبّاس (علیه السلام) وزيارة علي الاكبر (علیه السلام) وكذلك في ما ورد في شأن أفراد الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام).
قول حمزة «نَعَمْ يارَسُولَ الله أُشْهِدُ الله وأُشْهِدُكَ وكَفى بِالله شَهِيداً»(1)، حيث أنّ تشهّده وإقراره بالشهادة المتعلّقة بأنّ مقامه سيد الشهداء وأسد الله وأسد رسوله وعمّ نبيه وهذه ثلاثة مقامات وكذلك تشهده بأنّ ابن أخيه جعفراً له مقام الطيار في الجنّة مع الملائكة، دالّ على أن أفراد الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام) لهم الشهادة الرابعة وأما الشهادة لفاطمة الزهراء (علیها السلام) بأنها سيدة النساء فهي في ضمنالشهادة الثالثة بالولاية للدائرة الاولى من اهل البيت (علیهم السلام).
فالإتيان بمادة التشهّد والشهادة وعنوانه بينٌ في أنّ متعلّق الشهادة امرٌ اعتقادي وأنّه أمرٌ متعلّق به الإقرار اللساني والقلبي كما أنّ أخذ البيعة والاقرار والتشهّد والالتزام باللسان دالٌ على أنه لا يكفي فيه مجرّد المعرفة القلبية بل لابدّ فيه من إنشاء الشهادة والإقرار والإلتزام باللسان نظير الشهادة الاولى والثانية والثالثة وأنّه بجانب الإيمان والتصديق بالقلب
1) طرف من الأنباء والمناقب، لابن طاووس علي بن موسى: ص125.
واللسان لابدّ أيضاً من انشاء البيعة فضلاً عن الالتزام القولي والاقرار اللساني والشهادة الانشائية.
قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): «يا حَمْزَةُ يا عَمَّ رَسُولِ الله يوشِكُ أَنْ تَغِيبَ غَيبَةً بَعِيدَةً فَمَا تَقُولُ لَوْ وَرَدْتَ عَلَى الله تَبَارَكَ وتَعَالَى وسَأَلَكَ عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وشُرُوطِ الْإِيمَان»(1)، وهذا المقطع صريحٌ ايضاً في كون المسؤول عنها اموراً اعتقادية لأنّ المساءلة هي مساءلة في القبر والبرزخ وهذا الكلام منه (صلی الله علیه و آله و سلم) تمهيداً وبياناً منه أنّ الامور التي سيذكرها من شرائط فرائض الإيمان وأنها من الفرائض الواجبة التعلّم لا أنّ وجوب الاعتقاد بها معلّقٌ على حصول العلم بها كقيد في الوجوب، بل وجوبها مطلق والتعلم مقدمّة وجودية لها أي مقدمّة لابدّ من ايجادها. نعم، الجاهل القاصر معذور وإن كان ناقص الإيمان.
1) طرف من الأنباء والمناقب: ص125، الطّرفة الخامسة.
الإمامة والنبوة بل قد وصفت في الروايات أنها من ابلغ الدلائل والحجج كما سيأتي في قول الامام الباقر (علیه السلام) في رواية الكافي وبصائر الدرجات.
ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ الله وكَفى بِاللَّهِ عَلِيما}(1)»(2).
قوله (علیه السلام): «لَاينْكِرُ فَضْلَهُمْ إِلَّا كَافِرٌ ولَايجْحَدُ بِهِ إِلَّا جَاحِد».
وهذا الكلام منه (علیه السلام) له عدّة دلالات على كون حمزة وجعفر لهما مقام اعتقادي من فرائض الاعتقاد وموجبات تحقّق الايمان، بل الملفت في دلالة كلامه (علیه السلام) أنه جعل الاعتقاد بمقام حمزة وجعفر من تتمّات منظومة الاعتقاد بالنبوة والامامة وهذا يشير الى مقام اعتقادي خطير لحمزة وجعفر وأضرابهم من بني عبد المطلب وبني هاشم ممّن هم في الدائرة الثانية.
ودلالة أخرى التنصيص على كفر منكري فضلهم وإن كان هذاالكفر درجات فتارة مقابل الاسلام كما هو الحال في انكار مقام النبوّة والرسالة وتارة كفر مقابل أصل الإيمان كما في انكار مقام الامامة والولاية وتارة في درجات الايمان وكماله كما في انكار مقامات الدائرة الثانية لأهل البيت (علیهم السلام).
فداك إني شككت في إيمان أبي طالب قال: فكتب (بسم الله الرحمن الرحيم ومن يبتغ غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى) أما إنك إن لم تقر بإيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار(1).
وأخبرني عبد الحميد بن عبد الله، عن عمر بن الحسين بن عبد الله بن محمد، عن محمد بن علي بن بابويه بإسناد له أن عبد العظيم بن عبد الله العلوي كان مريضا، فكتب إلى أبي الحسن الرضا (علیه السلام): (عرفني يا ابن رسول الله عن الخبر المروي أن أبا طالب في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه، فكتب إليه الرضا (علیه السلام): «بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإنك إن شككت في إيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار»)(2).
قال صلوات الله عليه: «يا جابر أو تدري ما المعرفة؟ المعرفة إثبات التوحيد أولا، ثم معرفة المعاني ثانيا، ثم معرفة الأبواب ثالثا، ثم معرفة الأنام رابعا، ثم معرفة الأركان خامسا، ثم معرفة النقباء سادسا، ثم معرفة النجباء سابعا، وهو قوله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ
آمن الرسول بانه رسول الله، وبأن ما ينزل عليه وحي، وذلك يعني أنّ نفس الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) (وهو سيد الكائنات وسيد المخلوقات وسيد الاصفياء) يؤمن بهذا المقام الذي لديه، وهذا له معنى وتفسير ربما نوضحه في مستقبل الابحاث، بأنّ صاحب المنصب الاصطفائي؛ يؤمن بأن هذا المنصب الاصطفائي قد اصطفي له.
ومعنى هذا الإقرار أنّه يقرّ ويشهد على نفسه بأنه رسول الله، وإنّ بدن النبي ونفسه يشهد بذلك وليس هذا بالامر المستغرب، كما هي سيرة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عندما يقيم أو يتشهد في الصلاة، ففي الروايات عن الأئمة (علیهم السلام) إنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في صلاته كان يقول تارة: (أشهد انّي رسول الله، وتارة يقول: أشهد أنّ محمدا رسول الله)(3).
وهذا ليس بالشيء المستغرب فهو مقام ومسؤولية إلهية لذا يقرّ بأنّه ذو هذا المقام وذو هذه المسؤولية، فكانت هذه من ضمن البنود التي اخذ الإقرار والشهادة والبيعة بها.
شاملة للتشهد والشهادتين والشهادات الثلاث، وهي اقرار وتسليم بالعقيدة، ثم الإلتزام بالعمل والامور السياسية وهلم جرا، فهي صفقة تعاقد وتعهد وإلتزام.
فكان من تلقين النبي لحمزة عن الأمور الاعتقادية التي سيساءل عنها حمزة؛ أنّ حمزة أسد الله وأسد رسوله وتفسير هذا المقام؛ سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى فيما بعد.
فهو مقام خاص اصطفائي ومقام اعتقادي، وليس اكتسابياً، لا يكتسب والاصطفائي ليس بمعنى جبري كما سنبين في المقدمات اللاحقة وستأتي روايات أخرى توضّح أنّ أمير المؤمنين والحسين سيد الشهداء (علیه السلام) فحمزة سيد الشهداء ما خلا الاوصياء والنبيين.
وتابع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) تلقين حمزة: (وستساءل عن ابن أخيك جعفر، فقل إنّه الطيار ذو الجناحين في الجنان، فأقر وتشهد بذلك)، فإن كان حمزة
بهكذا مسائل هو مسؤول عن هذه الاعتقادات، فكيف بسائر المؤمنين العاديين، وقد ورد في مقام حمزة عمّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) شؤون عظيمة، وهو الشاهد، عندما يلوذ به نوح ويلوذ به ابراهيم يوم القيامة، فيشهد لهما كما ورد في النصوص.
يساءَل حمزة في القبر عن مقام ابن أخيه جعفر الطيار؛ انّه الطيار، وربما يتبادر في الذهن بأنّه - أي الطيار - نعت عادي ومن المعاني السطحية، ولكن في النصوص له معنى عظيم اصطفائي. كما جاء بنصوص مستفيضة أنّ لأبي الفضل العباس مقاماً وأنّه الطيار كعمّه جعفر، بل في روايات عن الامام زين العابدين (علیه السلام) أنّ لأبي الفضل العباس (علیه السلام) ميزة اخرى يمتاز بها عن عمه جعفر كما سيأتي. فأخذ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الإقرار من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومن فاطمة على إنّ جعفراً هو الطيار، وعلى ان حمزة أسد الله وأسد رسوله وسيد الشهداء - ماعدا الاوصياء - فيأخذ النبي البيعة والإقرار من فاطمة! ومن أمير المؤمنين على هذه الأمور! فكيف بك ببقية الناس؟!
عندما يرِد في النصوص المستفيضة عن أئمة أهل البيت (علیهم السلام)؛ أنّ العباس بن علي بن أبي طالب أبا الفضل؛ بلغ مقام الطيار، وأنّه بلغ هذا المقام الاعتقادي اصطفائيا، ومن ثمّ سَنُساءل نحن عن ذلك، ومن الواجب علينا حينئذ الإعتقاد بذلك، وسنحف بالسؤال والحديث عن ذلك.
وهذه الرواية كمنبّه وإلا سنخوض بعد ذلك جملة وتفصيلا في الأدلة الكثيرة القرآنية والرّوائية على أنّ أفراد الدائرة الثانية من أهل آية التطهير ليسوا في مرتبة الدائرة الأولى ومع ذلك سَنُساءل عن مقاماتهم والاعتقاد بهم، وعن التولي بولايتهم والتبري من أعدائهم.
ولاحظ التولّي والتبرّي في زيارات الائمة المعصومين(1)مقارنة بالمضمون الوارد في زيارة أبي الفضل العباس (علیه السلام) وزيارة علي بن الحسين
1) برئت إلى الله وإليكم منهم ومن أشياعهم وأتباعهم وأوليائهم..... يا أبا عبدالله إني أتقرب إلى الله وإلى رسوله وإلى فاطمة وإلى الحسن وإليك بموالاتك وبالبراءة ممن أسس أساس الظلم والجور عليكم...... المزار للشهيد الأول: ص180، باب زيارة الإمام الحسين (علیه السلام) في يوم عاشوراء قبل أن تزول الشمس؛ مصباح المتهجد: ج2، ص774، باب شرح زيارة أبي عبد الله (علیه السلام) يوم عاشوراء من قرب أو بعد.
الأكبر (علیه السلام) وكذلك في زيارة حمزة (علیه السلام) في المدينة المنورة، وكذلك في زيارة جعفر الطيار (علیه السلام) رزقنا الله واياكم زيارته.
هذه الشبكة النورية التي يتصل بعضها مع البعض الآخر، ولاحظ في هذه الزيارات ميثاقاً وهوية عقيدة كما هي إظهار التولّي لأبي الفضل والتبري من أعدائه في زيارته (علیه السلام) التولّي له والتبري من أعدائه مضافاً إلى ورود لفظ ومادة التشهد بمقامه عدة مرات في زيارته وزيارات علي بن الحسين الأكبر (علیه السلام).
وهذا مما يدلل على هذا المطلب وهذه المعادلة من أنّ له صلوات الله عليه مقاماً اعتقادياً شأنه شأن عمّه جعفر الطيار.
بل في روايات عديدة عنهم (علیهم السلام)، أنّ أبا الفضل العباس امتاز بأشياء خاصة به إصطفائية، سنتعرّض لها لاحقا ان شاء الله.
إذن فنحن مساءلون من حيث انّنا اطّلعنا على مقام أبي الفضل العباس (علیه السلام)، مساءلون أن ندين به، وليس أمراً ثقافياً أو ترفياً أو فضائل ندبية نتعاطاها بألسنتنا، كلا إنه أمر اعتقادي في الدين وستتعاقب الابحاث كلها متسلسلة إن شاء الله تعالى.
إن هناك بيعة وميثاقاً وعهداً أخذه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على بني هاشم في الايام الاولى من البعثة، دعا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أربعين رجلا منهم، وأشار الى ذلك قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}(1).
وفي قراءات كثيرة ومتعددة عند المسلمين (وانذر عشيرتك الاقربين ورهطك المخلصين)(2)تتمة لهذه الآية، والمعروف أنّ نزول هذه الآية في أوائل ايام البعثة حينما لم يدخل أحد في الإسلام الا نادراً، نزلت هذه الآية «وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك المخلصين» المعروفة (بحديث الدار)(3)مروي بروايات مستفيضة متواترة بين الفريقين، وهناك مجموعة وسلسلة من الآيات الواردة التي تبين أن لذوي القربى دوراً خطيراً في الدين في الرتبة الأولى الدائرة الأولى وفي الثانية الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام).
وهذا المقام لهم عقدي اعتقادي وليس فقط من واجبات الفروع بل هو من الواجبات الإعتقادية، والمهم إنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في هذه الواقعة قال لبني هاشم
وبني عبد المطلب، بروايات مستفيضة ومتواترة عند أهل سنة الجماعة والسلطان فضلا عن روايات أهل البيت (علیهم السلام).
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): يا بني هاشم بعثت اليكم بخاصة - دقق النظر في التعبيرليس بعثت اليكم خاصة -، بعثت اليكم بخاصة يعني بمأمورية خاصة - وإلا فإنّ بعثته لكافة العالمين، قال (صلی الله علیه و آله و سلم): (بعثت اليكم بخاصة، وبعثت إلى الناس بعامة)(1)- بمأمورية عامة؛ ببرنامج عام - أما أنتم بنو هاشم الشجرة المصطفاة بعثت اليكم بخاصة، وهذا قبل أن يخاطب ويصدع بالرسالة الى جميع الناس.
ولست في صدد الخوض في هذه الواقعة العظيمة إلا بمقدار ما يرتبط بالبحث الذي نحن فيه، وملخصه، أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: أنتم بنو هاشم جهاز قيادة البشرية، ومن ثم لديكم برنامج ومسؤوليات وقوانين بجهاز القيادة لهذه الامة؛ مكلفون أنتم بنوهاشم بها، وهذا هو مغزى المقام الاصطفائي لأفراد الدائرة الثانية لأهل البيت (علیهم السلام).
ولقد اصطفى الله من كل هذه الخلائق وجمعهم في هذه الشجرة، شجرة
1) بحار الأنوار: ج18، ص214، ح46؛ سبيل النجاة في تتمة المراجعات: ص221.
بني هاشم وعبد المطلب، هذا الحدث؛ هذه البيعة التي انعقدت لعلي (علیه السلام) بعد النبي في يوم الدار، أول أيام الإسلام.
ولم تكن ثلاثة مجالس فحسب كما في روايات الفريقين، بل تكررت حسب هذه الرواية التي تقدمت عن حمزة (علیه السلام)، وتكررت أيضاً مع الاصفياء من بني هاشم وبني عبد المطلب طوال الثلاث والعشرين سنة عند كل مناسبة خطيرة، وكلّما يحين قبيل وقوع حدث مهم ومسؤولية مهمة، ومنعطف خطير للإسلام، يدعو النبي عليا وفاطمة والحسن والحسين وجعفراً وحمزة والمصطفين من بني هاشم (علیهم السلام)، يعقد لهم جلسة ويأخذ منهم بيعة خاصة، بيعة تلو بيعة، عهداً تلو عهد، حتى آخر نفس من الأنفاس العظيمة القدسية لسيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) كما هو الحال لكل رئيس نظام وجهاز يستنفر الطاقم الوزاري الذي لديه في كل حدث مهم وخطب جسيم.
فكان على الدوام لدى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) جلسات لجهاز قيادة هذه الأمة وهم مجموعة أفراد من الدائرة الأولى ومن الدائرة الثانية، وهم بنو هاشم، جلسات مأمورية خاصة، وهيأة اجتماعات يطرح فيها بنود ومسؤوليات ذلك الحدث ومأموريات خاصة، وهذه لفتة مختصرة لابد أن نتدبرها.
وفي الحقيقة أنّ الدائرة الثانية من اهل البيت (علیهم السلام) هم أيضا الدائرة الثانية من القربى، فالدائرة الاولى من القربى هم علي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومون من ولد الحسين؛ والدائرة الثانية من القربى أيضا هم هؤلاء الذين مرّت بنا أسماؤهم، كحمزة وجعفر، وأبي طالب وأبي الفضل العباس وعلي الأكبر وفاطمة المعصومة وأبناء النبي، وبعض أبناء الأئمة (علیهم السلام) لا كلّهم.
فهناك دائرة ثانية من أهل البيت (علیهم السلام) مصطفاة، وهم أيضا من القربى وليست القربى محصورة في الدائرة الأولى الثلاثة عشر معصوما، بل هناك الدائرة الثانية في القربى في المرتبة والدرجة الثانية، وبالتالي خريطة نظام الدين سوف تتشكل من سيد الأنبياء ثم أمير المؤمنين علي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومين من ذرية الحسين (علیهم السلام)، ثم تأتي رتبة الدائرة الثانية بعدها.
ولسنا بصدد المبالغة في هذه الدائرة بقدر ما نحن تبعيون وتوقيفيون للنصوص الوحيانية، كما إن الاسماء الإلهية توقيفية كذلك هذه البحوث أيضا
توقيفية على الوحي، وليست هي مجال تخرّصات، لأنّ الدائرة الثانية اصطفاء وفعل إلهي ولها شأن كبير.
فقد ورد في روايات الفريقين في شأن حمزة عم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وجعفرالطيار أنّهما يشهدان لأنبياء أولي العزم أنهم قد بلّغوا الرسالات، فحمزة وجعفر يشهدان لنوح ويشهدان للنبي إبراهيم ويشهدان لموسى وعيسى، وهذا خطب ليس بسهل(1)بل هو موقع وخطب كبير، فإذن هنالك دائرة ثانية من أهل البيت (علیهم السلام) ومن قربى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يشكِّلون الدائرة الثانية من الإصطفاء بعد الأربعة عشر معصوما (وهم أئمة الهدى الإثني عشر والنبي وفاطمة (علیهم السلام)) بعد ذلك يأتي دور الدائرة الإصطفائية الثانية ومنهم أبو الفضل العباس وزينب وعلي الأكبر وأبو طالب وحمزة وجعفر (علیهم السلام) وغيرهم مما نصّ عليهم.
وانطلاقا من عنوان أهل البيت وعنوان القربى المذكور في القرآن الكريم كعمود لأعمدة الدين، فمن الضروري لكل مسلم ومؤمن أن
1) ينظر الكافي: ج8، ص267، ح392.
يتحرّى ويبحث وينقّب في عدد من أمرنا الله وافترض علينا مودتهم وولايتهم فريضة عظيمة حيث جعلها عِدل الدين كلّه وأجراً له؟ وهل هم في مرتبة واحدة او مراتب متعددة؟ وهل عنوان القربى هو فقط للأربعة عشر معصوماً أم تشمل ما وراء ذلك؟
ولا شك أنّ هذا الشمول ليس بدرجة واحدة وبنسق واحد، بل بمراتب عديدة، وعندما يكون بمراتب عديدة ومتعددة نلتزم بالحدود والقوالب التي وردت في النصوص القرآنية والروائية التي حددت لنا تلك الدوائر والمراتب الموزونة، كما قال تعالى: {فَبِأَي آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}(1).
إنّ اعتقادنا في أبي طالب (علیه السلام) أنّه من الاوصياء، وهو من الاصفياء والحديث ليس عن إيمان ابي طالب، وإنّما الحديث عن أن أبا طالب من أركان الإيمان. وفي رواية أنّ أحد الجهال كان يخاطب أمير المؤمنين (علیه السلام) في فناء الكوفة والناس مجتمعون عنده، فكان يخاطبه:(بهذا الشأن الذي أنزلك الله إياه وأبوك أبو طالب - هكذا يقول السائل السفيه والعياذ بالله - في النار، قال: مَه
1) سورة الرحمن: الآية 13.
فَضَّ الله فاك، قال: والله لَو تشفّعَ أبي في جميع مذنبي أهل الأرض - دققوا العبارة جميع مذنبي الإنس والجن - لشفعه الله)(1)، وسنتعرض لروايات عديدة في المقام الاصطفائي الخاص لكل فرد من افراد الدائرة الثانية.
فقال له علي (علیه السلام): «مه فض الله فاك، والذي بعث محمدا بالحق نبيا لو شفع أبي في كل مذنب على وجه الارض لشفعه الله فيهم، أبي معذب في النار وابنه قسيم الجنة والنار؟ والذي بعث محمدا بالحق نبيا، إن نور أبي يوم القيامة يطفئ أنوار الخلائق إلا خمسة أنوار: نور محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ونوري ونور الحسن والحسين ونور تسعة من ولد الحسين، فإن نوره من نورنا الذي خلقه الله تعالى قبل أن يخلق آدم بألفي عام»(2). وفي هذه الرواية إشارة الى الخلقة النورية
لأفراد الدائرة الإصطفائية الثانية، كما أنّ فيها إشارة الى علو مقام أفراد الدائرة الثانية على مقام نبي الله آدم، وسيأتي أنّ حمزة وجعفراً يشهدان لنوح والأنبياء بإبلاغ الرسالة.
1) بحار الأنوار، ج57، ص228. ورواه القاضي نور الله في كتاب مجالس المؤمنين عن الصادق (علیه السلام) وروى الصدوق في ثواب الأعمال وعيون أخبار الرضا (علیه السلام) مسنداً، وابن قولويه في كامل الزيارات مسنداً أن من زارها فله الجنة.
عليها من الآيات والروايات، ونحن ملزمون بتوليهم وبمودتهم بدرجة من الطاعة، وبدرجة من التبري من أعدائهم غيرها من الأحكام، وسيأتي هذا البحث بشكل مفصّل إن شاء الله.
فالكلام في الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام) بحسب آية التطهير او الآيات الاخرى، لدينا عنوان أهل البيت في آية التطهير وهو عنوان أصيل قرآني ولدينا عنوان القربى أو الأقربين أيضا وهو عنوان أصيل وشجرة طيبة نورية في القرآن، هذان العنوانان، أمرنا الله تعالى بمعرفتهما لما لهما في منظومة القرآن من جذر عميق ووطيد في هذا الدّين. وعنوان القربى ورد في آية الفيء كولاية(1)، وورد في آية المودّة(2)، وورد في آية الخمس(3)، وورد في آية الإنذار(4). هذه أربعة
1) قال الله تعالى: {ما أَفاءَ الله عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي الْقُرْبى والْيتامى والْمَساكينِ وابْنِ السَّبيلِ كَي لا يكُونَ دُولَةً بَينَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا واتَّقُوا الله إِنَّ الله شَديدُ الْعِقاب}. (سورة الحشر، الآية: 7).
2) قوله تعالى: {ذلِكَ الَّذي يبَشِّرُ الله عِبادَهُ الَّذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ومَنْ يقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فيها حُسْناً إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُور}. (الشورى: 23).
3) قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لله خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي الْقُرْبى والْيتامى والْمَساكينِ وابْنِ السَّبيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يوْمَ الْفُرْقانِ يوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ والله عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدير}. (سورة الأنفال، الآية: 41).
4) قوله تعالى: {وَ أَنْذِرْ عَشيرَتَكَ الْأَقْرَبين}. (سورة الشعراء، الآية: 214).
آيات في أسس ولاية الدينوورد فيها عنوان القربى، ولابد على كل مسلم مؤمن متحرّج في دينه أن يتعرف على هذا العنوان، عنوان اهل البيت وعنوان القربى في هذه الآيات المتعددة، فضلا عن عناوين أخرى سنذكرها أيضا موجودة في الآيات الكريمة الكثيرة. تلك العناوين أيضا لابد للمؤمن والمسلم والمتّبع للقرآن الكريم أن يتعرف عليها، مثل عنوان (النبيين والشهداء والصدّيقين والصّالحين وحسن أولئك رفيقا)(1). هذه العناوين التي أفخم الله عز وجل في آيات وسور عديدة مقامهم، وجعلهم في مصاف الأنبياء، إذن أصل الانطلاقة في المعرفة للدائرة الثانية الاصطفائية لأهل البيت (علیهم السلام)، هي قرآنية ومن السّنّة المطهرة.
فالبحث ينطلق في أهميته عنوان ذوي القربى في القرآن الكريم، قربى سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم)، هذا العنوان ليس عنواناً يسيراً خطبه في منظومة الدين ولا متوسطاً ولا عادياً ولا إعتيادياً.
1) قال تعالى: {وَ مَنْ يطِعِ الله والرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ الله عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهَداءِ والصَّالِحينَ وحَسُنَ أُولئِكَ رَفيقا}. (سورة النساء، الآية: 69).
هذا العنوان عنوان خطير ومهم لما يشتمل عليه هذا العنوان من إعطاء صلاحيات عظيمة لقيادة الأمة البشرية إلى يوم القيامة، بل في يوم القيامة بل في الجنّة الابدية.
لأنّ الدّين أبدي ليس التدين به في الأرض فقط بل شأنه أعظم والشريعة شأنها محدود بعالم الدنيا الأولى والآخرة منها وهي الرجعة وهو يغاير سعة شأن الدين ودونه، والدين في الحقيقة نظام ومنظومة في كل عوالم الخلقة. وإنّ آيات عديدة تبين إنّ لذوي القربىشأناً عظيماً في الدين وليس في الشريعة فقط، بل في الدّين، كنظير آية المودة في قوله تعالى:
{قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى...}(1).
(عليه) أي على الدين وجهد تبليغه.
لم أقف على أحد من المفسرين يحتمل أنّ الضمير في(عليه) يرجع الى الشريعة، وانّما الضمير في (عليه) يرجع: إمّا إلى الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) لأجل تبليغ الرسالة وهو الدين بالتالي أو الضمير ارجِعَ الى الدّين(2).
فاذا كانت مودّة ذوي القربى قربى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هي محور محاور الدّين بعد الله ورسوله، إذن فمن الواضح ان شأن ذوي القربى ليس شأناً سهلاً، فآية المودّة آية من أمهات محكمات آيات القرآن، وذلك لعظم المضمون المشتملة عليه من موازنة الدين برمته، ومنه يتبين ضرورة وعظم أهمية التعرّف على دوائر ذوي القربى وهم محور من محاور الدين ولا سيما بعد كونهم ذوي مراتب.
فظهر أنّ التعرّف على هذه السلسلة من البحوث أمر مُلِحّ قرآني يعود الى آية المودّة أيضا، كما نبّه السيد عبد الحسين شرف الدّين (رَحمهُ اللّه) على ذلك وأشار إليه ما انتبه إليه الزمخشري في الكشّاف بأنّ آية المودة آية ولاية وليست آية مودّة فقط، وسيأتي بيان ذلك في محله.
فالولاية للدائرة الأولى والثانية من أهل البيت (علیهم السلام) مع اختلافدرجات ولايتهم، حيث أنّ ولاية الله مقدمة على ولاية الرسول وولاية الرسول مقدمة على ولاية أمير المؤمنين وتأتي بعد ولاية أمير المؤمنين ولاية فاطمة والحسن والحسين، وولاية الخمسة من اصحاب الكساء مقدمة على التسعة.
كذلك هناك دائرة أخرى من ذوي القربى لهم ولاية وإن كانوا يأتون في الدائرة الثانية وهذا ليس في بيانات الإمامية فحسب كما سنبين بل في البيانات الواردة بين الفريقين المستفيضة والمتواترة، فمعرفة عنوان ذوي القربى ليس أمرا ندبيا، وليس أمرا واجبا من واجبات الفروع، بل هو واجب من الواجبات العقدية الاعتقادية المعرفية في الدين، وان اختلفت الدرجات والمراتب.
لقد ذُكِرَت صلاحيات عديدة لقربى النبي، منها مثلاً الولاية على الأموال في الأرض، وهي إدارة وقيادة البشرية في الأرض في سورة الحشر في قوله تعالى: {مَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ...}(1).
وَتخصيص الأموال للْيتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ بنحو المصرف لا تخصيص الولاية، وإنّما هم الطبقات المحرومة وهم مصرف للأموال والثروات، والاشارة واضحة في دخول اللام على لفظ الجلالة ولفظ الرسول
1) سورة الحشر: الآية 7.
ولفظ ذوي القربى وهي لام الولاية ولم تتكرر في المساكين وابناء السبيل واليتامى، فالمقصود هذا شأن آخر مطوّل الكلام والحديث فيه لذوي القربى في آية الفيء وفي سورة الحشر أيضا. واذا كان ذوو القربى على طبقات فلابدّ أن نعرفهم، وفي آية الفيء أسرار عظيمة لشأنالدائرة الأولى من أهل البيت الأربعة عشر بل ولأصحاب الدائرة الثانية وسيأتي التفصيل في المباحث اللّاحقة، ولكن الكلام هنا إطلالة سريعة على الآيات الكريمة المحفّزة الملزمة لوجوب المعرفة لهذه الدائرة الثانية التي تلي وجوب المعرفة المتصل والمرتبط بالدائرة الأولى، وهذه آية ثانية من آيات القربى، وآية ثالثة في ذوي القربى وهي آية الخمس بنفس التقرير في سورة الأنفال، وآية رابعة في ذوي القربى أيضا وردت في بدايات بعثة الرسول للرسالة في قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}(1). وهي أيضاً من آيات الولاية للأقربين ورهط النبي المخلصين.
أصل اعتقادي قرآني، هو معرفة أهل البيت (علیهم السلام) الذين أمرنا الله عَزَّ وَجَلَّ بالاعتقاد بطهارتهم، وأَمَرنا بمودتهم، وأُمِرنا بالإقرار والتسليم
1) سورة الشعراء: الآية 214.
لولايتهم من قبل الله عزّ وجل، وهم يندرجون في الدائرة الثانية لأهل البيت (علیهم السلام)، فالدائرة الاولى جلية المعالم، النبي وسيد الأوصياء وسيدة النساء وسيدا شباب أهل الجنّة والتسعة المعصومون من ولد الحسين (علیهم السلام) (أربعة عشر معصوما).
والدائرة الثانية من أهل البيت كما مرّ بنا مراراً، كأبي طالب وحمزة وجعفر وعبد الله والد النبي وجميع آباء وأجداد النبي وعلي الى إسماعيل النبي وإبراهيم والطاهر والقاسم أبناء النبي، وأبي الفضل العباس والعقيلة زينب وعلي بن الحسين (علي الأكبر) وعبد الله الرضيع أيضا الذي خصّ بهذا المقام، وقد رمى سيد الشهداء (علیه السلام) بدمه الشريف نحو السماء، كما رمى بدمه الشريف وبدم علي الأكبر (علیه السلام) ولم تسقط منه قطرة وهو أقرب الناس في مثواه لأبيه سيد الشهداء (سلام الله عليه).
وهذه كلها كنايات اصطفائية كما ستتضح في عبد الله الرضيع وإسماعيل بن الإمام الصادق (علیه السلام) وفاطمة بنت موسى بن جعفر والقاسم بن موسى بن جعفر (علیه السلام) وسيد محمد سبع الدجيل فضلا عن خديجة الكبرى وغيرهم ممّن نُصّ عليهم بأوسمة اصطفائية، فهناك دائرة ثانية لأهل البيت، وهؤلاء مقام حجيتهم وولايتهم وطاعتهم مقدمة على
النوّاب الخاصين، كالنواب الأربعة مثلا، فدور الدائرة الثانية في الدين أعظم من النواب الخاصين.
القربى الذين اُمرنا بمودتهم والمودة هي الولاية، هل هم دائرة واحدة او دائرتان، على درجتين من المودة والولاية وكذلك أهل البيت الذين امرنا بأن نسلّم ونقرّ بتطهيرهم وعصمتهم، هم على دائرتين، وعلى درجتين من التطهير، وهذا لابدّ من معرفته، وهو اصل اصيل في القرآن، إنّ أهل البيت ذوي القربى الذين أُمِرنا أن نسلّم لهم ولاية أموال وثروات الارض، وإدارة الأرض كما في سورة الحشر، آية الفيء، والفيء يعني ولاية حاكمية على كل ثروات الارض، كما نعلم أن الأرض مضى من عمرها 20 % المئة كما هو في الروايات، وما هو آتٍ من عمر الأرض أو عمر الحياة الدنيوية الذي هو المستقبل 80% بالمئة لم تأتِ بعد، فالمسير طويل، ولابدّ من معرفة هذا النظام الديني الإلهي، فهنا نحن نعيش في الحياة الاولى من الدنيا، والحياة الآخرة من الدنيا لم نعشها والتي تبدأ من عصر الظهور للإمام الثاني عشر المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ثم برجعة الحسين سيد الشهداء (علیه السلام) بعده ثم برجعة أمير المؤمنين (علیه السلام) بقية الأئمة (علیهم السلام)، فالأئمة الاثنا عشر هم المهديون الاثنا عشر في الرجعة.
ومقتضى ذلك أن الإيمان بإيمان أبي طالب فريضة اعتقادية، وهذا مقتضاه أن ذلك مقام لأبي طالب، وإلّا لو افترض أنّ أبا طالب كزيد من
1) عبد العظيم الحسني: وهو الذي يزار في طهران والذي قال فيه الإمام الهادي (علیه السلام) ترجى بزيارته زيارة الحسين (علیه السلام) من نسل الامام الحسن كان مطيعا مسلّما للإمام الجواد والهادي والحسن العسكري (علیهم السلام)، وكان له دور مهم وذو شأن كبير في بني هاشم وفي العالم الاسلامي وكانت الدولة العباسية تلاحقه من مكان الى مكان.
2) كنز الفوائد للكراجكي: 1/183. وعن كتاب إيمان ابي طالب للسيد فخار بن معد الموسوي روى بواسطتين عن الصدوق رواه بإسناده إلى عبد العظيم الحسني. بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، ج35، ص70، ح41، (باب 3) (نسبه وأحوال والديه عليه وعليهما السلام).
الناس لم يكن من اللازم معرفة أنّه مؤمن أو ليس بمؤمن، فإنه ليس من اللازم أن نتحرى عن أسماء المؤمنين، ولكن عندما تصل القضية الى أحد أفراد الدائرة الثانية كما في هذه الرواية بالخصوص التي أوجبت الاعتقاد بموقعية أبي طالب في الدين، وإنّه إذا لم يعتقد يذهب إلى النار فهذه المعرفة فريضة اعتقادية، يجب الحذر من التفريط والجحود بها، ولايسع جهلها نظير هذه الرواية الآتية.
اذن المسألة فريضة اعتقادية، والمتكلمون لم يحرروا هذه الأبحاث
والبحث في حال أسانيد الروايات سيأتي لاحقاً، وبعد كون العمدة في الاستدلال على الآيات والروايات المستفيضة أو المتواترة بين الفريقين كما سيأتي وإنّما المجيء بأخبار الآحاد كمنبه على جهات الدلالة في الآيات والروايات المستفيضة.
وكما مرّ مرارا، أنّ علم الكلام لم يستوعب كل مباحث المعارف والعقيدة التي ذكرها المفسرون أو المحدّثون ولكنها فرائض اعتقادية.
إنّ شأن الدائرة الثانية في الإسلام ليس بالشأن الهيّن اليسير، ولابدّ من التدبر في مفاخرة احتجاجية للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في خطبة الغدير وفي خطب كثيرة رواها الفريقان مستفيضا عنه (صلی الله علیه و آله و سلم)، يقول افتخاراً وهو سيد من اصطفاه الله: (منّا سيد الأنبياء - وهو شخصه (صلی الله علیه و آله و سلم) - ومنّا سيد الأوصياء، ومنّا سيدة النساء، ومنّا مهدي هذه الأمة، ومنّا سيد الشهداء وهو حمزة، ومنّا الطيار)(1).
فانظر كيف يردف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حمزة وجعفر وفي مفخرة اصطفائية يذكرها
1) تسلية الجالس وزينة المجالس: ج2، ص393؛ بحار الأنوار: ج45، ص138؛ فضائل أمير المؤمنين: ص25؛ فاطمة والمفضلات، عبد اللطيف البغدادي: ص206.
وهذه الخطبة متواترة عند الفريقين، تبين أنّ مقام الطيار الذي بلغه أبو الفضل العباس (علیه السلام) أيضاً مقام اصطفائي خاص بشجرة النبوة، فكما بلغه جعفر الطيار كذلك بلغه أبو الفضل العباس (علیه السلام).
فالمقصود أنّ الأمر ليس مندوباً أو مستحباً أو توسعاً في المعرفة والثقافة، بل أمر اعتقادي يترتب عليه نظم منظومة الإيمان من ثم يترتب عليه نظم منظومة المنهاج، ولابدّ من التنبّه الى إننا في ارتباطنا باهل البيت، ليس تاريخاً مضى ولا حاضراً راهناً فقط، بل أعظم من ذلك، نحن في ارتباط مسؤولية مع أهل البيت تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً، فما مضى فهو يسير وما هو راهن فهو يسير، وما هو آتٍ فهو مديد طويل، ومن ثم نحن في الحقيقة نمر بمراحل تمهيدية ابتدائية لكيفية علاقتنا مع أهل البيت، لنتهيأ لمسؤوليات آتية، لأنّ مقتضى عقيدة الرجعة التي هي من ضروريات العقيدة في مذهب أهل البيت (علیهم السلام) وعمر الدنيا الآتي وهو الرجعة الى الدنيا، أعظم بأضعاف أضعاف ما مضى من عمر الدنيا، فإذن الوظيفة العظمى لا زالت في بداياتها، ومن ثم حالياً هذه المعلومات وهذه المعرفة، تهيئنا الى وظائف ومسؤوليات
آتية كبرى، ليس فقط راهنة او ماضية، بل آتية، نعم المعرفة والعقيدة بالتالي تشرح للإنسان ملف وظائف ومسؤوليات، وهي بالتالي يحملها عبئا على كاهله إن شاء الله.
إنّ عنوان أهل البيت في آيه التطهير وعنوان القربى وعناوين أخرى أيضا في القرآن كعنوان الصديقين وعنوان الشهداء وعنوان الصالحين هذه العناوين ذات جذر قرآني سيما عنوان أهل البيت وعنوان القربى (قربى الْنَّبِي (صلی الله علیه و آله و سلم)) وهي ذات محورية خاصة في بنيان الدّين من جهة الولاية ومن جهة الصلاحيات في الدين ومن جهة الحجية ومن جهة افتراض المودّة، وبالتالي الانتماء ولائياً، فهذا المحور محور عقدي اعتقادي في الأصل وتترتّب عليه واجبات فرعية اخرى فلابدّ إذن من دراسة هذا العنوان عنوان (أهل البيت) وعنوان (قربى النبي) وأما العناوين الثلاثة كعنوان (الصديقين) وعنوان (الشهداء) وعنوان (الصالحين) فقد اُخذت عنواناً لآثار عقائدية وآثار في مناصب دينية في منظومة الدّين في القرآن الكريم فلابدّ من دراستها.
ونحن مأمورون بنصوص بتأصيل من القرآن الكريم بالاعتقاد بمكانة الدائرة الثانية بمقامهم وولايتهم وصلاحياتهم كما سوف يتبين في البحوث اللاحقة ان شاء الله، وكذلك عنوان آل محمد (علیهم السلام) وآل يس.
إنّ عنوان آل محمد (علیهم السلام) أيضا على دائرتين الدائرة الاولى الأربعة عشر معصوماً والدائرة الثانية في العناوين المتقدمة أيضا هماصحاب الدائرة الثانية في آية التطهير كما سيتبين لنا ان شاء الله.
إذن عنوان (أهل البيت) وعنوان (آل محمد) وعنوان (القربى) وعناوين أخرى في القرآن الكريم كالشهداء والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
هذه عناوين وَرَدَ تبجيلها في القرآن وإعظامها وتفخيمها افخاما، وليس هذا والعياذ بالله مديحاً شعرياً من القرآن الكريم وإنّما هو حقائق دينية وبيان لمقام وصلاحيات في منظومة الدّين، فإذن صارت المعرفة بهذا المقام للدائرة الثانية وبهذه المجموعة من نجوم بني هاشم فريضة قرآنية ونوع من القيام بالواجب الفريضي الاعتقادي القرآني.
المراد بالبيت في مصطلح (أهل البيت) كما ورد في النصوص عنهم (علیهم السلام) لأنّهم أدرى بما في البيت، أنّه إمّا المسجد النبوي اوالمسجد الحرام أو المسجد الاقصى (ليس الذي في فلسطين) بل في السماء الرابعة كما جاء في روايات اهل البيت (علیهم السلام) وما شابههما أو كل بيت مقدّس في الأرض والسماوات، وهذا البيت أيضاً من البيوت المقدّسة في الأرض وفي السماء، وأوّل أوليائه وأهله سيد الانبياء وعلي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومون (علیهم السلام) (1).
وأمّا الدائرة الثانية ففيها نجوم، ومن أبرز تلك النجوم أبو الفضل العباس بن أمير المؤمنين (علیه السلام) وحمزة وجعفر الطيار وأبو طالب وخديجة (علیهم السلام). ولأهمية البحث ودقّته يتوقف على مقدمات نمهد من خلالها لما سوف يعرض، فهناك الكثير من كلمات علماء الامامية رضوان الله عليهم متناثرة ومتباعدة ولابدّ من أن تجمع وتنقّح وتمحّصوتعد لتتضح وهذا ما سنقوم به إن شاء الله.
1) أمالي الصدوق: ص144، ح14.
إنّ هذا البحث بنيوي أساسي عند علماء الامامية وسنستعرض كلماتهم، ونقل المجلسي الإجماع حيث يقول: (وقد اجمعت الشيعة على إسلامه - يقصد أبا طالب - وأنّه قد آمن بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في أول الامر ولم يعبد صنما، بل كان من أوصياء إبراهيم (علیه السلام))(1)، هذا كلام المجلسي فلم يعبد صنماً. حتى في الجاهلية وليس بصدفة، بل ذلك لاصطفائه.
وهذا الوصف (لم يعبد صنما) وردَ في وصف عبد المطّلب وكذلك في وصف آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وسيأتي برهان قرآني في بيان الصادق (علیه السلام) على وصاية عبد الله وأبي طالب وعبد المطلب وبقية آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وعلي (علیه السلام) إلى النبي إسماعيل (علیه السلام) بن خليل الرحمن إبراهيم (علیهم السلام).
وفي كلامه الذي ذكر فيه أنّه اجماع الشيعة في إسلام أبي طالب وإنه لم يعبد صنما، قال بل كان أبو طالب من أوصياء إبراهيم، وهذا من ضمن
1) إيمان أبي طالب (علیه السلام): ص65؛ بحار الأنوار، ج35/ ص139.
الكلام الذي جعله محط إجماع الشيعة. فنلاحظ أنّ هناك مصطفين من بني هاشم غير الاربعة عشر معصوما، وينقل المجلسي أنّ إجماع الشيعة قائم على الإعتقاد بوصاية آباء وأجداد الْنَّبِي (صلی الله علیه و آله و سلم). وقد يستغرب البعض إنّه إذا كان إجماعاً، فلماذا لم ينبّه الكل على هذا البحث؟ والجواب كما مرّ بنا مرارا، إنّ استقصاء المباحث الاعتقاديةوالكلامية غير حاصل لكل الباحثين على كل ابواب الروايات في المعارف الإعتقادية، كما هو الحال في البحث الفقهي. فتلاحظ دورة فقهية مبسوطة في باب العبادات ومختصرة في باب المعاملات، وبعضها مبسوطة في المعاملات دون الإيقاعات وهلمّ جرا، وهي على كلٍّ مدّ وجزر في التدوين العلمي. فكان من أوصياء إبراهيم (علیه السلام) واشتهر إسلامه، من مذهب الشيعة.
كما في ذيل كلام المجلسي، حتى عُرِف ذلك عن الشيعة عند كل المخالفين ونسبوا ذلك إليهم، ونقل المجلسي أنّه تواترت الاخبار من طرق الخاصة والعامة في ذلك. وهذا التواتر يستفاد منه اصطفاء أبي طالب (علیه السلام)، فشاءت الحكمة الإلهية أن تروى فضائل أهل البيت (علیهم السلام) عند العامة والخاصة، هذا فضلاً عن تواتر الأخبار بين الفريقين في الفضل الاصطفائي في حمزة وجعفر الطيار (علیه السلام).
قد يقول قائل، كيف تروي العامة معتقداً في أبي طالب وهم ينازعون في إسلامه، فكيف يقِرّون باصطفائه؟
الجواب: إنّ بعض الحقائق تروى عندهم من دون التفات منهم إلى حقيقة ما يروون، وما اكثر ذلك عندهم بحمد الله من حقائق منهاج أهل البيت (علیهم السلام)، رواها العامة في أبواب الحديث لديهم من دون أن يشعروا الى حقيقة ما يروونه عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
وهذه الغفلة هي التي أبقت على الحقائق في تراث الحديث لديهم نظير روايتهم في أبواب أخرى، وربّما تستغربون وتتعجبون أنّ هناك روايات متواترة لديهم في الرجعة لكن ليس بلفظة رجعة، لكنّها متضمّنة لعناوين فصول الرجعة، لكنهم لم يشعروا بذلك.
فقد رووا في دابة الارض والعصا والميسم، ورووا أن المنصورهو من أهل البيت (علیهم السلام)، والسفاح والمهدي من أهل البيت (علیهم السلام) أيضاً والمنصور هو الإمام الحسين (علیه السلام) عندما يرجع في زمن الرجعة والسفاح ليس بمعنى مهدر الدم إنّما بالعكس هو ربيع الكمال، السفاح من السفح مثل سفح الوادي،
والذي يكون ربيع الدنيا على يديه، والسفّاح هو وصف لأمير المؤمنين رووه من حيث لا يشعرون.
كما رووا عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قوله: (منّا سيد الانبياء، منّا السفّاح منّا المنصور مهدي هذه الأمة)(1)، المهم رووا كل هذه الحقائق، كما رووا أنّ في هذه الأمّة محدّثين ورووا قراءة (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي [ولا محدث] إلاّ إذا تمنّى...)(2).
كما أنّ للدائرة الثانية انعكاساً عقائدياً كذلك لها انعكاس فقهي، وإذا كان متكلمو فقهاء الإمامية يعتدّون بأقوال النواب الأربعة لأنهم نواب خاصّون، ولأنهم لايدينون بشيء في المسائل إلّا عن الناحية المقدّسة فكيف بك بأصحاب الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام) الذين هم أعظم مقاماً وحجية واصطفاء، ولا يخفى أنّ هذا البحث لم يبَلوَر ولم يرَكَّز عليه الضوء في كتب الكلام.
وقد اشرنا إلى ذلك اشارة إجمالية فيما تقدم؛ لأنّ تدوين كتب الكلام والكتب العقائدية عند علمائنا الإمامية بل عند المسلمين عامّة أيضاً شأنه كشأن تدوين كتب الفقه، ليس من الضروري أن يكون حافلاً وشاملاً
ومستقصياً لكل الابحاث الواردة في الكتاب والسنة المطهرة وإنّما هو نوع من التوبيب، لذلك نلاحظ في الكتب الكلامية وكتب العقائد لعلمائنا الأبرار أنّ أحدهم يستقصي بعض الأبواب والثاني يستقصي أبواب أخرى والثالث يستقصي أبواب ثالثة وهلم جرّا.
عند علمائنا الأعلاملقد تنوعت الأبواب العقائدية التي بحث فيها علماؤنا الأبرار لاسيما بعد كون هذه الأبواب كثيرة بأضعاف مضاعفة على الأبواب الفقهية، بالتالي يختلف جمعها من عالم إلى آخر بحسب جهد الباحث من علمائنا الابرار.
فلو لاحظنا كتابات السيد عبد الحسين شرف الدين فإنّه خاض في أبواب لم يخضها الشيخ الطوسي أو لم يخضها العلامة الحلّي.
وقد خاض العلامة الحلّي في شرح التجريد وفي كتاب العقائد وفي نهج الصدق أبواباً لم يخضها الشيخ المفيد، وكذلك الشيخ المفيد خاض في أبواب لم يخضها العلامة الحلّي وهلم جرا، شأن بقية أبواب الفقه وهذا هو نوع من التنوع ونوع من الجهد المبذول شكر الله سعيهم.
وقد بحث العلّامة الاميني في الغدير بحوثاً في إمامة أمير المؤمنين (علیه السلام) وما شابه ذلك لم يتطرق إليها جملة ممن قبله من الاعلام.
وهذا لا يعني أنّ الأبواب الفقهية حصرية بتدوين أحد اعلام الإمامية؛ بل إنّ هذا المجموع المكوّن من جهود العلماء الأعلام ينتج مجموع صرح تراث الفقه الإمامي، ولابد من الالتفات إلى أنّ تدوين كتب الكلام وكتب العقائد في حالة بلورة وفي حالة استقصاء مستمرين، لأنّ الثقلين الكتاب والسنّة (سنّة المعصومين) بحر لا ينفد، كلما استخرج منه العلماء كان حافلا بجواهر ودرر وحقائق مهولة أكثر فاكثر، قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}(1).
مع إنّ كلمات العلماء لا تخلو من اشارة سواء علماء التفسير من علماء الامامية أو علماء السيرة أو علماء الفقه أو الكلام أو علماء آخرونفي علوم اسلامية اخرى، لا تخلو كلماتهم من اشارات لهذا المبحث، وبعد مراجعة كلمات الصدوق وهو من زعماء علماء الامامية ومراجعة كلمات الكليني وكلمات
1) سورة الكهف: الآية 109.
الشيخ الطوسي في الغيبة وكذلك النعماني في الغيبة والشيخ المفيد وجُل من علماء الإمامية في القرن الرابع والخامس تجد أنّ كلمات أولئك تُؤكِّد أن مقام النواب الاربعة هو مقام اعتقادي وليس هو مجرد مقام ومنصب فقهي.
فلو يراجع الباحث كتاب اكمال الدين للصدوق أو الغيبة للنعماني أو الغيبة للشيخ الطوسي، أو فرق الشيعة لسعد بن عبد الله الأشعري في القرن الثالث أو كتاب (فرق الشيعة) للنوبختي تجد أنّ علماء الإمامية في القرن الثالث والرابع والخامس يحكمون على الذي لا يسلّم بالنوّاب الأربعة بأنه مارق من المذهب. وأمّا الفئات القليلة من الشيعة الاثني عشرية التي لم تذعن بنيابة أحد النواب الأربعة أو كلّهم أو ماشابه ذلك كان مآلهم أن تداعى بهم الأمر إلى أن خرجوا عن الإثني عشرية، وكذلك مَن زعم في شخص أنّه نائب خاص وهو ليس من النواب الأربعة سواء في الغيبة الصغرى أو في الغيبة الكبرى، صار مآل هؤلاء أيضاً أن اصبحوا فرقا اخرى غير الإثني عشرية بحسب المسير الاعتقادي ومسير الملل والنحل وهم تلقائيا خرجوا عن جادة الإمامية الإثني عشرية.
والسرّ في ذلك أنّ مقامهم من الخطورة بمكان جعله الشارع مقاماً اعتقادياً، وإذا كان هذا شأن مقام النواب الأربعة، فكيف بك بمقام الدائرة الإصطفائية الثانية الذين هم أعلى مقاماً، والنواب الأربعة أنزل حجيةً وأنزل رتبة وأنزل مقاماً من الدائرة الثانية لأهل البيت (علیهم السلام).
ومع ذلك فإنّ المعرفة والاعتقاد بمقامهم يؤثر على نشأة الفرق،وإنّ التمسك والاعتقاد بهم مؤثر في تنشئة وتدوين الفرق!، فكيف بك إذن بمقام وحجية وتأثير الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام).
إنّ كثيراً من المباحث الإعتقادية موجودة في الكتاب والسّنة وكذلك موجودة في كلمات المفسرين والمحدثين ولكن المتكلمين لم يفرزوا هذا البحث في أبواب الكتب بشكل منفصل ومبلور ولم يقولبوه ويبوّبوه، وهذه ظاهرة لابدّ أن يلتفت لها، ليس عند علماء الإمامية فحسب بل عند علماء مذاهب الجمهور أيضاً.
غالباً أنّ بحوث علمائنا الإمامية في الحديث والتفسير أوسع مادةً وأبواباً وفصولاً وبسطاً من بحوث الكلام والفقه الإستدلالي وكتب
الأخلاق وكونهم مُحدَّثين لايعني بالضرورة كونهم مجرد رواة لا دراية لهم بفقه متن ومتون الحديث بل لهم شروح مبسوطة عديدة في علم الحديث(1).
وكثيراً ما يستقصي علماؤنا الامامية في علم الحديث وفي شروح الحديث مباحث المعرفة أكثر باضعاف مما استقصاه غيرهم في كتب الكلام، وهذه الظاهرة مهمة يجب أن نلتفت إليها، وكذلك استقصى علماؤنا الإمامية في علم التفسير مباحث عقائدية ومعرفية في التفسير اكثر بكثير واضعاف ما بحثه غيرهم في علم الكلام.
ولابدّ أن نلتفت إنّ علم الكلام وكتب الكلام أبدا لا تمثل بشكل حصري كل معتقدات مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)، بل رُصِدَ في كثير من الكتب والشروح والموسوعات الأخرى في علم الحديث وشروحه وشروح التفسير مباحث كثيرة لم تجد طريقها في كتب الكلام وهذا ليس في مدرسة الإمامية فقط، بل عند علماء الجمهور علماء أهل سنّة الخلافة أيضاً.
1) لاحظ والد صاحب البحار الشيخ محمد تقي المجلسي (رَحمهُ اللّه) الذي يعبّر عنه بالمجلسي الأول عنده شروح عديدة على كتب الحديث فعنده على من لا يحضره الفقيه، شرح باللغة العربية وشرح باللغة الفارسية وليس تكرار ترجمة وإنّما بحوث متعددة، كذلك الفقهاء الذين كتبوا في شرح الحديث لم يكونوا مجرد محدثين كالفقيه المتبحّر الملّا شريف الفتوني وهو والد زوجة الشيخ جعفر كاشف الغطاء، وجَد صاحب الجواهر من طرف الأم، متبحّر في الفقه ومتبحّر في علم الحديث.
إنّ في شروح الصحاح كشرح صحيح البخاري ومسلم وغيره من كتب شرح الحديث لديهم عقائد كثيرة لم يذكرها علماء الكلام لأهل السنة في كتبهم الكلامية، وهي أصلا من معتقدات الحديث عند أهل السنّة ومطابقة لمدرسة أهل البيت (علیهم السلام)، وأنكرها علماء الكلام من أهل سنّة الجمهور في كتبهم الكلامية وسكت عنها آخرون.
ومثال على ذلك ما رووه والتزموا به أنّ هناك محدثين في هذه الأمّة أي عندهم قناة اصطفائية يرتبطون بها بالغيب وهم غير الانبياء وغير الرسل وكذلك ما تقدّم من روايات الرجعة وفضائل مقامات أهل البيت (علیهم السلام) وكذلك ما رووه في شأن ليلة القدر مما له إرتباط بتنزّل روح القدس بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فنجد أنّ سعة المعارف والعقائد في التفسير وفي كتب الحديث عند الفريقين أوسع بكثير مما بوّبه علماء الكلام، كالإعتقاد بالمحدّثين من قبل الغيب بقناة اصطفائية.
وجلّ شراح البخاري وشرّاح مسلم والصحاح الاخرى يعتقدون بمقام المحدّثين، وهذا مما يدلل على أنّ هناك مناصب غيبية الهية غير
منصب النبوة ومنصب الرسالة وغير الذي يعتقدون به علماء الكلام من أهل السنّة، كما في إحدى القراءات في عطف (ولامحدّث) على (ولانبي) في سورة الحج المباركة.
قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِي [ولامحدّث] إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيتِهِ فَينْسَخُ الله مَا يلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يحْكِمُ الله آَياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(1).
إنّ البخاري نفسه يعترف بأنّ هناك قراءة من القراءات القرآنية المعروفة العشرة أو العشرين فيها لفظة (ولا محدّث) تتمة لهذه الآية وهي نفس قراءة أهل البيت (علیهم السلام)، فتكون الآية: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِي - ولا محدث - إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيتِهِ}(2).
وهذا الاعتقاد بالمحدّث بحث مهم وكل شراح البخاري ومسلم تبنوا هذا المطلب لأنّ عليه احاديث مستفيضة بينما علماء الكلام عند أهل السنّة لا يعتقدون به.
وهذا المبحث أصلا بوابة عظيمة لبحث الإمامة عند أهل البيت (علیهم السلام)، وهذا كنموذج وغيره كثير عند كتب الحديث وشروحه.
ونموذج مهم آخر وهو الاعتقاد بفاطمة الزهراء (علیها السلام) وحجيتها واصطفائها من بديهيات مدرسة أهل البيت (علیهم السلام).
وهذا من الواضح نصاً وتواتراً بين الفريقين في كتب التفاسير وكتب الحديث بينما تجد في كتب الكلام قد أغفلوا هذا البند من العقائد مع أهميته وخطورته.
ولا يستغرب بعد كون تدوين المعارف والاعتقادات نهلاً من الكتاب والسنّة هي في حالة تكامل متطور بالجهد والتنقيح شيئا فشيئاأكثر فأكثر بما رسا عليه علماء الامامية من المعارف الكثيرة في علوم التفسير وعلوم شرح الحديث.
وقد أنجز علماء الامامية شكر الله سعيهم في بحث عنوان أهل البيت طوال عشرة قرون الكثير من التحقيقات في ورود آية التطهير في الخمسة
أصحاب الكساء (علیهم السلام) بل في إرادة المعصومين الأربعة عشر (علیهم السلام).
وهذا المقدار من تحقيق علماء الإمامية مهم وعظيم في تراث الدّين والعقيدة، لكن هناك جملة أخرى منهم حققوا ورود الآية في دائرة ثانية من بني هاشم، ومن جملتهم:
محمد طه نجف(1)وعصمة العباس (علیه السلام)
هناك ثلّة من الأعلام الكبار رحمة الله عليهم ممن صرّحوا بوجود الدائرة الثانية لأهل البيت والدائرة الثانية لأهل آية التطهير، وممن ذهب الى هذا المطلب الشيخ محمد طه نجف.
وقال بوجود الدائرة الثانية لأهل البيت وأهل آية التطهير (علیهم السلام) فقد صرّح بهذا التعبير في كتابه (اتقان المقال) وهو كتاب رجالي حيث يذكر في ترجمة أبي الفضل العباس، ما نصّه: أنّه يناسب أن يذكر العباس (علیه السلام) في عداد أهل بيت أمير المؤمنين المعصومين لا الرواة).
1) محمد طه نجف: طود من علماء النجف قبل قرن تقريباً، كان يتشاطر زعامة النجف الأشرف مع السيد اليزدي صاحب العروة والأخوند صاحب الكفاية. كان معاصراً لصاحب العروة وللميرزا الصغير ولثورة العشرين.
وكلامه واضح في أنّه يرى وراء دائرة المعصومين الاربعة عشر من اهل البيت دائرة اخرى ويدرج فيهم أبا الفضل العباس (علیه السلام) بشكل جازم قاطع وذكر أمور أخرى سنذكرها لاحقاً.
أيضا ممّن صرّح بوجود الدائرة الثانية لأهل البيت (علیهم السلام) فقيه ثانٍ من أعلام النجف الأشرف معاصر للشيخ محمد طه نجف وهو الفقيه أبو القاسم الاوردبادي(1).
ولديه كتاب اسمه (القبسات في اصول الدين) باللغة العربية، حيث يدرج فيه أنّ الاعتقاد بمقام أبي الفضل العباس (علیه السلام) من ضمن العقائد والفرائض العقدية الواجب اعتقادها.
ولديه استدلال رائع ولطيف على مقام أبي الفضل العباس ومقام الحمزة ومقام جعفر الطيار، وبعبارة اخرى هو يدرج الدائرة الثانية المصطفين من أهل البيت في الفرائض الواجبة الاعتقادات.
1) اوردباد: مدينة من مدن إيران قرب تبريز. الذي توطن في النجف الأشرف وكان من نجوم علمائها.
أيضاً العلّامة البيرجندي(1)صاحب كتاب (الكبريت الاحمر في مقتل الحسين)، ويذكر في كتابه عندما يصل الى أبي الفضل العباس (علیه السلام) يقول أنّه كان عالما من دون تعليم أحد.
وهذا يشير إلى ذلك المقام الاصطفائي في علم أبي الفضل العباس وأنّ علمه ليس علماً كسبياً عادياً كبقية العلماء أو الفقهاء أو ما شابه ذلك.
المحقق الدربندي(2)صاحب كتاب أسرار الشهادة
ذكر في كتابه أسرار الشهادة أنّ العباس قد زُقَّ العلم زَقَّا، وهذا التعبير إنّما استنبطه واستّله معنى من الروايات بأن العباس من أهل البيت المصطفين
1) كان محققا بارعاً رجعوا إليه كثيراً في نتف من لقطات تحليل واقعة الطف.
2) وهذا الفقيه كان معاصراً لصاحب الجواهر وأدركه الشيخ الأنصاري ولديه دورة استدلالية فقهية (خزائن الجواهر) كاملة على الشرائع تقريبا، ويقال أنّ دورته الفقهية الاستدلالية أوسع من كتاب صاحب الجواهر، وهو عالم فاضل فقيه موسوعي معاصرٌ لصاحب الجواهر وكان ممن يتقاسم الزعامة الفقهية الدينية.
الذين زقّوا العلم زقّا(1)، وهذا كما في أحاديث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في وصف عترته وأهل بيته (علیهم السلام) كما رواه الفريقان العامة والخاصة: «لا تسبقوهم ولا تتقدموا عليهم، فإنهم زقوا العلم زقّا»(2). وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): «لا تعلموهم فهم أعلم منكم(3)، فإنهم أعلم منكم كباراً وأحكمكم صغاراً»(4). وفي حديث آخر عنه (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: «إن ابرار عترتي وأطائب أرومتي أحلم الناس صغاراً وأعلم الناس كباراً لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم»(5)، الحديث. وهذا يعني أنّ علمهم لدني اصطفائي، ويجزم هذا العالم أنّ العباس من الدائرة الثانية.
إنّ عنوان آل محمد (علیهم السلام) وعنوان أهل البيت (علیهم السلام) وعنوان القربى على دائرتين الدائرة الأولى والثانية، وهذا التعدد الرتبي واضحعند جملة من أكابر الفقهاء دونوه في كتبهم الرسمية المعروفة، ومنهم الميرزا محمد علي الغروي
1) ذكر ذلك في كتابه (أسرار الشهادة) وحكاه عنه المحقق الأوردبادي في رسالته (الشعائر الحسينية).
2) المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب (علیه السلام): ص401.
3) الكافي للكليني: ج1، ص286؛ أمالي الصدوق: ص615، ح843/1؛ خصال الشيخ الصدوق: ص553، ح31.
4) مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجاني: ج1، ص143، ح51.
5) عيون أخبار الرضا للصدوق: ج1، ص204.
الاردوبادي(1)النجفي.
وفي معرض بحثه في الاحتجاج ببعض أفعال أبي الفضل العباس (علیه السلام) يصرح ويذكر أنّ: (لهذه المقامات اشارات في القرآن الكريم وفي روايات أهل البيت (علیهم السلام) يصعب هضمها على كثير من أهل العلم فضلاً عن عموم المؤمنين).
ويشير هؤلاء الأعلام والأكابر الذين مرّ ذكر أسمائهم إلى تبنيهم الجزم
1) محمد علي الغروي الاردوبادي: فقيه فيلسوف متكلم رجالي أريب نحرير موسوعي وكان من تلاميذ شيخ الشريعة الأصفهاني في زمن السيد اليزدي صاحب الكفاية ومن تلاميذ المرحوم الكمباني ومن تلاميذ والده وتتلمذ على يد عدّة من الأعلام، وقد درس ردحا من عمره في هذه العلوم، وقد التقيت بالكثير من تلاميذه وكانوا مليئين بالولاء المعرفي حيث نهلت منهم الشيء الكثير، ويقال: إنّه أعان العلّامة الأميني الثاني في كتابه واشترط عليه أن لايذكر فيه اسمه لزهده وخلوصه. كان زميلاً للعلامة الاميني صاحب الغدير في الدراسة وفي التحقيق إنّ الميرزا الاردوبادي لديه رسالة في الشعائر الحسينية طُبِعَت أخيراً، وهذه الرسالة تحت اسم: (كلمات جامعة حول المظاهر العزائية)، حيث يدعم ويؤكد ويشدّد فيها على ضرورة الشعائر الحسينية وطقوسها وآلياتها ومدى وعظم تأثير كل أنواع العزاء الحسيني في المعرفة.
والاعتقاد بوجود الدائرة الثانية لأهل آية التطهير.
فهناك جملة من الأعلام قد ذهبوا الى هذا التنظير للمنظومة الثانية أو للدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام).
وذكرنا كلماتهم ببلورة إجمالية لا تفصيلية، وسنضيف اقوال بقية من علماء الامامية الى ذلك ونشاهد منهم إشارات إلى وجود هذه الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام).
الشيخ الصدوق(1)وسلسلة آباء النبي وعلي صلى الله عليهما وآلهما
أحد الأعلام الكبار للطائفة الامامية وهو الشيخ الصدوق (رَحمهُ اللّه)، ذكر في كتابه الاعتقادات دورة اعتقادية متكاملة سجّل فيها الإعتقاد بالدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام)، وهذا الكتاب من المصادر الأصيلة في تراث
1) الصدوق: أحد الأعلام الكبار لطائفة الامامية ومن مؤلفاته كتاب (الاعتقادات): وهو عبارة عن دورة اعتقادية متكاملة من الروايات المستفيضة وكان يدَرَّس في الحوزات العلمية بدل الباب الحادي عشر، فهو كتاب عظيم جداً لأنّه ليس من صياغة الصدوق بقدر ما هو قوالب مأثورة في تراث الحديث بشكل مستفيض، ويعَد جلّ هذا الكتاب محل تسالم عند علماء الإمامية.
الشيعة عند علماء الإمامية، وشرح الشيخ المفيد هذا الكتاب باسم (تصحيح الاعتقاد) ويُعدّ الكتاب محوراً في الحوزات العلمية.
وذكر الصدوق عنواناً في باب الاعتقاد في آباء الْنَّبِي (صلی الله علیه و آله و سلم) وعلي (علیه السلام)، ولم يقتصر على ذكر عبد الله والد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أو على أبي طالب والد أمير المؤمنين (علیه السلام) أو عبد المطّلب أو هاشم أو عبد مناف أو قصي، بل يجمع سلسلة آباء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في دائرة مجموعة ومرّ بنا أنّ أحد سلسلة حلقات هذه الدائرة آباء وأجداد النبي وعلي (صلوات الله عليهما وآلهما). وذكر الصدوق في كلامه عنواناً عاماً، وليس فرداً بخصوصه فقط، كعنوان اعتقادي، لا عنوان تاريخي، ولا بعنوان سيرة أو فضائل عامة، بل بعنوان أمر عقدي اعتقادي، ويتبين أنّ هذه العقيدة هي ليست من تنقيح واستنباط المتأخرين بل هي معرفة مركوزة في تراث أهل البيت (علیهم السلام)، وقد شيد الصدوق فيه هذا البنيان في منظومة الكتاب.
وقد عنون هذا الباب، باسم باب الاعتقاد في آباء النبي، وأنّ هذهعقيدة يُساءل عنها، وهو كتاب ألّفه بنحو الوجيز، للعقائد الواجبة الاعتقاد، وواجبة المعرفة، وواجبة التعلم، على كل مؤمن، والمؤمن من تشهّد الشهادات الثلاث لولاية أمير المؤمنين وأولاده الائمة المعصومين
وفاطمة (علیهم السلام)، بينما المسلم هو من تشهّد الشهادتين.
لأن هذه الشهادات هي البوابة للدخول في الإيمان، وأمّا واجبات الايمان الاعتقادية فهي متعددة ومتعاقبة، عنونها الصدوق بعنوان واجب وفريضة اعتقادية في باب الاعتقاد في آباء النبي وعلي صلوات الله عليهما وآلهما وهذه دائرة تغاير الاربعة عشر معصوما.
فعند الصدوق (رَحمهُ اللّه) منظومة تتلو منظومة الأربعة عشر معصوما يجب الاعتقاد بها، وفي ضمن كلامه حيث يثبت اسلام وإيمان آباء وأجداد النبي وعلي صلوات الله عليهما.
بعد ذلك يقول: (وروي أنّ عبد المطّلب كان حجّة، وأنّ أبا طالب كان وصيه)(1). فحجية عبد المطلب ووصاية أبي طالب عن أبيه عبد المطّلب وهذا من ضمن المأثور، وسيأتي بيانه في خضم متن البحث، عندما نشرَع في الأدلّة إن شاء الله القدير المتعال، نتعرض الى نسخ وصية عبد المطّلب لابنه أبي طالب، وهي وصية بمأمورية إلهية.
وليست وصية عائلية أسرية عادية، بل هي وصية بمأمورية إلهية، تدل على إنّها وصايا إلهية،
1) الاعتقادات للصدوق: ص110، ح40؛ الخصال: ص57؛ عيون أخبار الرضا (علیه السلام): ج1، ص190؛ التحقيق في كلمات القرآن للمصطفوي: ج1، ص79.
وهذا موجز لكلام الصدوق (رَحمهُ اللّه) في كتاب الاعتقادات.
لقد روى الشيخ الصدوق (رَحمهُ اللّه)، في كتاب الخصال عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «... إنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يوم افتتح خيبر اتاه الخبر إنّجعفرا قد قدم فقال: والله ما أدري بأيهما أنا أشدّ سروراً؟ أبقدوم جعفر أو بفتح خيبر...»(1).
ويذكر الصدوق في ذيل تلك الرواية أيضاً في كتاب الهداية، يقول: (متن هذه الرواية ذكرتها في كتاب مستقل كتبته في فضائل جعفر الطيار)(2).
وهذا يعني أنّ الصدوق يولي عناية خاصة حول البعد الديني لفضائل جعفر (علیه السلام)، فليس شأن الصدوق مؤرخاً ولا هو كاتباً قصصياً، بل كتبه في العلوم الدينية أي مرتبطة بالبعد الديني.
وقد قال أنّه ألّف كتاباً خاصاً بفضائل جعفر الطيار، وسيأتي بيان أنّ الفضائل لغة عقائدية، وليست لغة شعرية، ولا لغة تاريخية، كما سنبين بشكل دقيق.
ويقول الصدوق (ولقد اخرجت الأخبار التي رويتها في هذا المعنى في كتاب فضائل جعفر بن أبي طالب)، فهذا البيان هو ارتكاز لخصوصية اصطفائية في جعفر، لاسيما أنّ هذا الخصوصية صادرة من سيد الأنبياء.
ابن برّاج(1): حمزة من أهل البيت (علیهم السلام)
يسرد ابن برّاج في المهذب وهو كتاب فقهي في زيارة حمزة - والخِطاب فيها لحمزة (علیه السلام) - حيث يقول: أنتم أهل بيتٍ لايشقى منتولاكم...(2). وهذا المتن الذي ينقله يدل على أنّ ابن برّاج هو ممن يستَشعَر منه الإلتفات إلى هذا المبحث ولو بشكل اجمالي لا تفصيلي، في كتابه المهذب في الفقه عندما
1) ابن برّاج: أحد كبار علماء الامامية وفقهائها تتلمذ على يد الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي وكان يتشاطر المرجعية للعالم الشيعي، وكان زميل الشيخ الطوسي فكان الشيعة في الشام ولبنان يقلّدون مرجعية ابن برّاج بينما شيعة العراق وإيران وغيرها من الأماكن يتبعون فتوى الشيخ الطوسي.
2) المهذّب، ج1/ ص280؛ المزار للمفيد: ص81، باب 43 شرح الزيارة؛ المزار الكبير لابن المشهدي: ص95، باب 9 زيارة حمزة بأحد؛ بحار الأنوار: ج97، ص220، باب7 زيارة إبراهيم بن رسول الله.
يسرد زيارة حمزة عم النبي أسد الله وأسد رسوله يذكر في هذه الزيارة.
وإذا التزم فقيه من الأكابر بدعاء بأمر ندبي مشروع أو بأمر عبادي مشروع ارتكازاً على أنّ مفاده يوافق أصول وقواعد الدين والشريعة, يقتضي التزامه ويذكر في ضمن زيارة حمزة عمّ النبي أسد الله وأسد رسوله هذه الجملة التي مفادها أنّ (حمزة من أهل البيت)، إذ الزيارة مُتضمِّنة خطاباً إلى حمزة (أنتم أهل بيتٍ لا يشقى من تولاكم، ولا يسعد من خالفكم).
وقد روى الفيض الكاشاني في كتابه الوافي هذه الزيارة والدعاء وفيه: (أنت ممّن أمرني الله بصلته وحثني على برّه، ودلني على فضله وهداني لحبّه، ورغّبني في الوفادة إليه، وألهمني طلب الحوائج عنده، انتم اهل بيت - - وفي نسخة أخرى أنتم أهل البيت - - لايشقى من تولاكم ولا يخيب من أتاكم، ولا يخسر من يهواكم، ولا يسعد من عاداكم)(1).
وقد ورد هذا البيان في زيارة سيد الاوصياء (علیه السلام)، ولو دققنا في هذا التعبير أنّ الجمع بالعنوان ورد في زيارة حمزة وورد في زيارة أبي الفضل
1) الوافي، ج14/ ص1427.
العباس وعلي الأكبر (علیهم السلام) وفي زيارات بقية أفراد الدائرة الثانية كالسيدة معصومة فاطمة بنت موسى بن جعفر (علیه السلام)،وهذا يعني دمجهم في ضمير الجمع العائد لعنوان أهل البيت (علیهم السلام) مع أفراد الدائرة الأولى في عنوان واحد، وهذا ليس عبثاً والطريق التقريبي للإستدلال سيأتي مفصلاً في خضم البحث.
ابن قولويه(1): حمزة من أهل البيت (علیهم السلام)
لقد ذكر ابن قولويه في زيارة حمزة مقاطع عديدة أدرج حمزة فيها ضمن عنوان أهل البيت (علیهم السلام)، وابن قولويه فقيه اصولي وليس مجرد محدث فقط،
1) ابن قولويه: قال النجاشي أنّ ابن قولويه زعيم الشيعة ورئيس الطائفة وقد تتلمذ على يده أستاذنا ابو عبد الله (الشيخ المفيد) في الفقه وكان المرجع الأعلى لعلماء الشيعة وهاجر من قم الى بغداد ومن أبرز مؤلفاته كتاب (كامل الزيارات) وفيه يذهب الى الفَتي بجواز الإتمام عند مشاهد جميع المعصومين، وهو مدفون عند أقدام الإمامين الجوادين عليهما السلام. وقد ذهب ابن قولويه في كتابه كامل الزيارات الى الفتوى بجواز اتمام الصلاة عند مشاهد جميع المعصومين، كذلك ذهب الشيخ المفيد في كتابه المزار إلى جواز ورجحان إتمام الصلاة عند مشاهد المعصومين؛ وهذا من باب التذكير والإثراء الثقافي الفقهي عن علماء الإمامية ممن يذهب الى إتمام الصلاة عند مشاهد جميع المعصومين.
بل فقيه وأصولي ومتكلم وأستاذ للشيخ المفيد، وفي كتابه كامل الزيارات(1)يطلق عنوان أهل البيت على حمزة.
وهذا تبني منه لذلك ليس بنقل هين لمتن رواية، وبذلك يتبين أنّ هناك جمهرة من الأعلام الأكابر قديماً وحديثاً أشاروا الى أفراد الدائرة الثانية بعضهم بالتصريح والبعض الآخر بالتلويح او الارتكاز.
عبد الحسين الحلي(2)ورسالة الشعائر الحسينة
تعرض في رسالته (النقد النزيه)(3)وهي رسالة جزلة ومعروفة في الشعائر الحسينية الى مقام أبي الفضل العباس (علیه السلام)، وفيها ينقد ويرد على بعض الشبهات والإعتراضات التي تعترض على الشعائر الحسينية.
1) كامل الزيارات: ص22، الباب الخامس زيارة حمزة عم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
2) عبد الحسين الحلّي: أحد الأعلام الكبار، فقيه بارع مجتهد كبير، وهو من تلامذة النائيني والعراقي، وقد انتدب من شيعة البحرين. وقد طبعت هذه الرسالة عدة مرّات وهي من أشهر الرسائل الفقهية في القرن الأخير المكتوبة في الشعائر الحسينية، وفيها مباحث عقلية صناعية وعلمية جزلة ومهمة جداً عن قواعد الشعائر الحسينية.
3) النقد النزيه لرسالة التنزيه: باب امتناع العباس عن الماء، ص117.
وقد بحث صناعياً بنحو منظم واستدل بالأدلّة الكثيرة على عصمة أبي الفضل العباس (علیه السلام)، وليس هذا موضع ذكرها، ولكن نذكر نتيجة كلامه وقال: (بالرغم من الجهود التي بذلها علماء الامامية شكر الله سعيهم في علم الكلام إلّا أنّ هنالك أبواباً لازالت تحتاج الى جهود في الانجاز).
ومن ثمّ يقول: (إنّ التاريخ لم يفرد للعباس (علیه السلام) بالتدوين صحيفة يأخذ منها مقامه ولكن تعرف مكانته السامية التي تصعد به الى مرتبة العصمة من التدبّر في بعض ماورد في حقّه من الأئمة المعصومين)(1)، ثم يستعرض أدلّة عديدة واردة في روايات عن الأئمة حول فضائل أبي الفضل العباس أو من خلال زيارته.
وهناك مواطن أخرى من زيارته(2)لم يتفطن اليها الشيخ عبد الحسين الحلي، سنبين ان شاء الله تلك المواطن.
بعد ذلك يقول الحلّي عندما يستعرض الادلة: (لبلوغ العباس في المراتب السامية في العلم والعمل)(1)، يعني قد بلغ في العلم والعمل لمقامأهل العصمة، ثمّ أخذ يصرّح بشخصية اخرى من أفراد الدائرة الثانية غير أبي الفضل العباس، فيقول: (إنّ علي بن الحسين علي الاكبر من المعصومين حكماً او موضوعاً)(2)، ومقصوده هو بلحاظ تفاوت مراتب العصمة، وهذا كلام الشيخ الحلي في رسالته (النقد النزيه لرسالة التنزيه في الشعائر الحسينية) وسنستعرض بقية كلمات علماء الامامية.
لقد تعرّض الشيخ الحلي في ضمن بحثه عن الشعائر الحسينية الى مقام أبي الفضل العباس (علیه السلام) وقال: (العباس وان كان ليس بواجب العصمة الا أنّه ليس غير معصوم على نحو البت)(3).
ويريد أن يبين الفرق بين الدائرة الاولى الأربعة عشر معصوما واجبي
العصمة والدائرة الثانية، وإنهم وإن لم يكونوا واجبي العصمة مثل الدائرة الاولى إلّا أنّه لا نفي لعصمتهم، ثمّ يترقى ويقول: (إنّ العصمة مرتبة من الكمال الروحي تحصل من الله فيضاً بأسبابها الاختيارية تمنع من ارتكاب المعصية مع القدرة عليها)(1)، فهو بالتالي يشرح لنا العصمة بأنّها ليست جبرية اختيارية ولكنها اصطفائية.
ثمّ يذكر ان المعصوم من الدائرة الثانية يكون محدثاً ومؤيداً بالروح، مستنداً الى جملة من الروايات التي ستأتي فيما بعد.
بعد ذلك يقول: وأبو الفضل العباس المتربي بحجر أبيه أبي الائمة المعصومين (علیه السلام) والمستن بسيرة أخويه الحسن والحسين (علیه السلام)، نحو أربعة وثلاثين سنة أولى بنيل مراتب العصمة)(2)، ثمّ من ضمن ردّه لوهم قائل يقول بعدم عصمة أبي الفضل العباس أو يستنكرها، قال: (وأظنّ هذا الرجل لا يعرف للمعصوم مصداقا سوى واجب العصمة من نبي أو امام، فلذلك
يجاهر بالقول الجازم بنفي العصمة عن أبي الفضل العباس)، وهذه التفاتة كلامية لطيفة يذكرها أحد الأعلام وهو الشيخ الحلي.
إنّ المناصب الإلهية في علم الكلام كالعصمة والاصطفاء عند المدارس الاسلامية غير الإمامية محصورة لديهم في منصب النبوة والرسالة فقط.
وقد فنّدت مدرسة أهل البيت هذا الخلط والوهم لدى العامة لأنهم يظنّون بأنّ العصمة والاصطفاء والمناصب الالهية منحصرة في النبوة والرسالة.
وهذا لغط ووهم تاريخي قديم وحديث الى يومنا هذا، أنّه يظَن بأنّ العصمة والاصطفاء والمناصب الالهية محصورة بمنصبين النبوة والرسالة.
فما إن تقلْ وتثبت بعض القضايا الاصطفائية وقضايا العصمة لأئمة أهل البيت (علیهم السلام)، اعترضوا وقالوا: انظر إنّ الشيعة يقولون بأنّ أئمة أهل البيت أنبياء.وهذا الاعتراض ناشئ من خطأ عندهم في المفاهيم وخطأ في فهم المعارف القرآنية التي لم يقفوا عليها ولميفهموها من أهلها.
ذكر المجلسي في كتاب حياة القلوب(1)مضامين اعتقادية عظيمة، وقال في ترجمة هذا الكتاب المجلد الثاني الفصل الثالث: (يظهر من الأحاديث المتواترة أنّ آباء الْنَّبِي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأجداده كانوا كلهم أنبياء وأوصياء - ويقصد من الواو أو أوصياء - وحملة دين الله)(2)، وعنوانه عام، وإذا كانوا أنبياء أو أوصياء فالإعتقاد بالنبوة والوصاية هل هو فرض أو مستحب؟ أو ترف علمي أو فريضة عقائدية؟
وقد أجمعت الشيعة على إسلامه وأنه قد آمن بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في أول الأمر، ولم يعبد صنما قط، بل كان من أوصياء إبراهيم (علیه السلام) واشتهر إسلامه من مذهب الشيعة حتى أن المخالفين كلهم نسبوا ذلك إليهم، وتواترت الاخبار من طرق الخاصة والعامة في ذلك وصنف كثير من علمائنا ومحدثينا كتابا
مفردا في ذلك كما لا يخفى على من تتبع كتب الرجال(1). من الواضح انّه فريضة عقائدية، إذن المجلسي (رَحمهُ اللّه) يبين هذا الموضوع بقوله: (هم بنو اسماعيل أوصياء إبراهيم وأنهم كانوا كلهم حفظة شريعة إبراهيم، ويوصي بها بعضهم بعضا، ويستودعها بعضهم بعضا)(2).
لهذا البحث تتمات مشوقة في قيمة المؤمن في الدنيا والآخرة وفي القبر والبرزخ وفي الرجعة وفي القيامة، لأنّ قيمة المؤمن خلال درجته ومقامه، فإنّ درجة كل مؤمن مرهونة بدرجة معرفته، فكلما تزداد معرفته (مع العمل الصالح) تعلو درجته، وهذه المعرفة تؤهل المؤمن الى مواقع مستقبلية خطيرة تعطى له في الدنيا أو في القبر أو في البرزخ أو في الرجعة أو في الآخرة.
فالعملة الصعبة (الدرجة العالية) والمعدن والمعيار النفيس الذي يناله المؤمن هو بتوسط علوم معرفته بأبواب وبنود الإيمان. فالبحث ليس ترفا فكريا بل هو لبناء نفس الإنسان وذاته وإيمانه ويشيد بصيرته. وهذا كلّه بالنصوص من (الكتاب والسنة) وحي الله تعالى وليست تمحّلات أو تكلفات أو تخرصات، فالكلام هنا كله في نصوص ولكن نصوص تُقرأ بتمعّن، وليس هذا بالبحث السهل، فهو بحث ذو فائدة وجدّية عظيمة. والتوفيق للخوض في غماره مسهبا.
ملخص الاطلالة لهذا البحث
ملخّص الاطلالة لهذا البحث هو أنّ هناك دائرة ثانية لأهل البيت (علیهم السلام)، وهم أيضا نسلاً ونسباً من الشجرة النبوية ومن الشجرة العلوية ومن الشجرة الهاشمية القرشية، من ضمن هذه الشجرة المباركة العظيمة التي تحيط بالاربعة عشر معصوما وهم أ غصان وفروع أُخر ونستطيع أن نعبر عنها (بالدائرة الثانية لأهل البيت (علیهم السلام)) ومن نجومهاأبو الفضل العباس (علیه السلام)، هذا مستهل واطلالة لهذا البحث قبل الخوض في دلائله، والحديث سيكون مركزاً عن أبي الفضل العباس (علیه السلام) وبعض نجوم الدائرة الثانية.
وعن أخت أبي الفضل العباس العقيلة، وعن جد أبي الفضل العباس (علیه السلام) وهو أبو طالب وعن ابن أخيه علي الأكبر (علیهم السلام)، وتلقائيا هذه البحوث سوف تمهّد لوضوح الصورة العقائدية لأبي الفضل العباس طبقا للآيات والنصوص المبينة فيها وبشكل تلقائي يسلط الضوء على نجوم تلك الدائرة الثانية لأهل البيت أيضا.
المقدمة المنهجية الأولى
الاقسام الستة في الحجج المصطفين
(أصل مقام الاصطفاء اعتقادي)
المقدمة المنهجية الثانية
تبويب العقائد في كتب أعلام الإمامية
المقدمة المنهجية الثالثة
مراتب الدائرة الأولى والدائرة الثانية
المقدمة المنهجيةالرابعة
أقسام الحجج
المقدمة المنهجية الخامسة
في فوائد وحقيقة المعرفة بالدائرة الثانية
المقدمة المنهجية السادسة
تقسيم الصفات الاصطفائية أو الصفات الاكتسابية
المعهود في تبويب الكتب الكلامية هي خمسة أبواب: التوحيد والعدل والنبوة والامامة والمعاد، الّا أنّ هذا التعداد لا يخفى أنّه بمقتضى التبويب الفني وليس بحاصر لكل مباحث العقائد والمعارف.
فانّ ما يجب اعتقاده في الدين، سواء كان وجوبه مطلقاً أم معلّقاً على شرط حصول العلم، لا ينحصر في العناوين الخمسة، مثل مبحث القرآن وشؤونه والملائكة والمعراج والرجعة بل غيرها من المحاور الاعتقادية الثابتة وإن تكلّف إدراج بعضها كبحوث منشعبة من الابواب الخمسة.
ومن ثمّ نلاحظ أنّ حجية الصديقة البضعة النبوية هي من أمّهات المسائل الاعتقادية في مدرسة اهل البيت (علیهم السلام).
وقد ذكرها المحدّثون من الامامية في كتبهم، حيث تواترت بها الروايات من الفريقين وكذلك علماء التفسير في ذيل الآيات الواردة في شأنها (علیها السلام) وآخرون في كتب أخرى ولكن هذا لايغفر النقص الذي مُنِي به المتكلمون في كتبهم.
وعلى ضوء هذه النقطة ينبغي الإلتفات واليقظة إلى أنّ هناك جملة وافرة من المحاور الاعتقادية لم تعنون في كتب المتكلمين مع أنّها من المسلّمات الثابتة في الايمان والاسلام.
وهذا نظير التوسّع والتطوّر في بلورة الأبحاث الفقهية، فانّه بالمقارنة بين الكتب الفقهية المدوّنة لدى الاصحاب في القرن الرابع والخامس، والكتب الفقهية المدوّنة لديهم في القرن الرابع عشر والخامس عشر هناك بون شاسع تعداداً وكمية في الابواب والمسائل.
مع أنّ جملة من هذه الابواب الجديدة في البلورة مشتملة على قواعد فقهية هي كالمسلّمة لدى ارتكاز طبقات علماء المذهب إلّا أنّ تنقيحها وتبويبها تمّ على أيدي متأخري الاعصار بينما أوصل المتقدّمون هذا التراث الروائي الزاخر بأدلّة هذه المضامين، فكان مرتكزاً لديهم اجمالاً مادوّنه المتأخرون من قواعد مسلّمة.
إنّ الامور والمسائل الواجبة في الاعتقاد تنقسم إلى أقسام عديدة قد ذكرها مشهور المتكلمين والمحدّثين والمفسرين وعلماء أصول الفقه في مبحث الإنسداد.
ما يجب تحصيل العلم والمعرفة به ومن ثَمَّ التصديق والتسليم به مطلقاً، ولا يعذَر الجاهل به مع قدرته على تحصيله وذلك كأصل التوحيد والنبوة والامامة والمعاد، وهو ينقسم إلى أقسام أيضاً، منه ما يكون من أصول الايمان أو أصول ظاهر الاسلام ومنه ما يكون ضرورياً من القسمين.
ما يجب الاعتقاد به والتصديق والتسليم به بعد حصول العلم والمعرفة به ولكن لا يجب التسليم تفصيلاً قبل حصول العلم وإن وجب إجمالاً بنحو العموم بتصديق ما جاء به النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وسلّم وهذا القسم وإن لم يندرج في أصول الايمان أو ظاهر الاسلام ولا في ضرورياته ولكن ينقسم هو أيضاً إلى ما هو ضروري بالاضافة إلى ما وصل من ظهورآيات الكتاب العزيز أو ظواهر السنة الشريفة بخلاف الضروري في القسم الاوّل، فانّه مضاف إلى الإيمان وظاهر الاسلام.
ومن هذا القسم مالايكون ضرورياً كما لو ثبت لا بالعلم الوجداني
كالتواتر او الدليل العقلي البديهي او القريب منها، أي ثبت بنحو الظن المعتبر ونحو ذلك وهذا القسم على اختلاف شقوقه، إنّما يؤثّر في كمال الإيمان وقد يؤثّر في طوره.
إنّ اثبات المسائل الاعتقادية من القسم الثاني المتقدّم قد وقع الخلاف في اثباتها بالادلّة الظنية بدعوى عموم دليل اعتبار الظن له وأنّها وإن كانت من المسائل الاعتقادية، الا أنها من تفاصيل الاعتقادات وانشعاباتها التي تكون بحكم الفروع وقد ذهب إلى ذلك مشهور المحدّثين وغالب علماء التفسير.
وأحد القولين المشهورين لدى الفقهاء والمتكلمين ومنعه المشهور من الفلاسفة وهو القول الثاني لدى المتكلمين والقلّة من الفقهاء والمفسرين وتفصيل هذا البحث قد حرّرناه في الفصل الاوّل من كتاب الامامة الالهية والمجلّد الثاني من اصول استنباط العقائد وأن المعتمد هو القول الاوّل وأن البحث على صعيدين ثبوتي وإثباتي.
إنّه قد حررنا في كتاب (مقامات فاطمة الزهراء (علیها السلام)) أنّ الحجية الالهية لا تختصّ بالنبوّة والرسالة، بل تعمّ الامامة كما تعمّ قسماً رابعاً ممن هو حجّة
الهية ومصطفاة كفاطمة (علیها السلام) ومريم (علیها السلام) بنصّ القرآن الكريم، كما أنّ هناك قسماً خامساً من الاولياء والحجج ممن لهم أدوار وصلاحيات في شؤون الدين والدولة الالهية.
وقد يقرّر هذا القسم الخامس أنّه من المراتب المخفّفة النازلة من القسم الرابع وهذا القسم الخامس ذو مراتب عديدة وأقسام كثيرة بلوقسم سادس أيضاً ومثاله نموذجاً (نيابة النواب الأربعة في الغيبة الصغرى) وهي درجة مخفّفة نازلة من القسم الخامس.
وقد حرّرنا أنّ النيابة الخاصة لم تكن مختصّة بالامام الثاني عشر في الغيبة الصغرى، والتي انقطعت في الغيبة الكبرى بضرورة المذهب بل كان نواب خاصّون في عهد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) نظير سلمان وكذلك في عهد بقية الائمة المعصومين الاثني عشر (علیهم السلام) حسبما أفادته جملة من الروايات.
وكذلك أمّهات الائمة اللاتي هنّ الصدّيقات ومن الاوصاف التي يعرف بها نماذج القسم الخامس أنّه بدرجة من مقام المتوسّمين وإن لم تكن تصل إلى درجة توسّم الاقسام الاربعة كما يحظى أصحاب القسم الخامس بدرجة من مقام المحدَّث وهو الالهام عن الامام بخلاف الاقسام الاربعة فإنّ الإلهام هو عن الله.
ومن أحكام القسم السادس فضلاً عن الخامس لدى علماء الامامية أنّ من يدّعي كذباً أحد مقامات هذا القسم فحكمه اللعن والبراءة والطرد من ولاء الايمان ومن العناوين التي وردت في الادلّة(1)إطلاق عنوان (باب المعصوم) على جملة من أصحاب القسم الخامس والسادس ومما يشير إلى وجود القسم الخامس والسادس تفصيلاً ووردت روايات مستفيضة في وصف ونعت كل فرد من افراد هذين القسمين باوصاف خاصّة لا سيما القسم الخامس كما سيأتي في الفصول اللاحقة ويشير إلى هذين القسمين اجمالاً:
ثَالِثاً ثُمَّ مَعْرِفَةُ الْأَنَامِ (الامام) رَابِعاً ثُمَّ مَعْرِفَةُ الْأَرْكَانِ خَامِساً ثُمَّ مَعْرِفَةُ النُّقَبَاءِ سَادِساً ثُمَّ مَعْرِفَةُ النُّجَبَاءِ سَابِعاً وهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْجِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً}(1).
وتَلَا أَيضاً: {ولَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ والْبَحْرُ يمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيم}(2)». فبين (علیه السلام) أنّ بعد معرفة الامام معرفة الاركان والنقباء والنجباء.
فقد ذكر بعد الائمة الراشدين جملة من الاقسام الأخرى (كالائمة المستودعين والمتوسّمين وخاصة الله (خالصة الله) والمؤمنين القائمين بالامر الموازين اولياء الله والخائفين بخوفهم).
وقد اشير في هذه الصلوات إلى تسعة اقسام غير الأئمة والأنبياء والرسل (علیهم السلام) وهم (السعداء والشهداء والابدال والاوتاد والسياح والعبّاد والمخلصين والزهاد واهل الجدّ والاجتهاد)(2)بل قسم عاشر وهم (الاوصياء) بناء على ما هو الصحيح كما سيأتي ان الوصاية أعم من الامامة فكل إمامٍ وصي وليس كلّ وصي إماماً. وقد قال العلامة المجلسي في ذيل الرواية: (يدل على مغايرة الأبدال للأئمة (علیهم السلام) لكن ليس بصريح فيها فيمكن حمله على التأكيد.
ويحتمل أن يكون المراد به في الدعاء خواص أصحاب الأئمة (علیهم السلام) والظاهر من الخبر نفي ماتفتريه الصوفية من العامة كما لايخفى على المتتبع العارف بمقاصدهم (علیهم السلام))(1).
وسيأتي التعرف إن شاء الله تعالى بشكل مُلِحٍّ وضروري، على الفرق بين المقام الإصطفائي والمقام الاكتسابي (الكسبي)(2)، لأنّالإصطفائي في مقابل الاكتسابي، فالإصطفائي نمط والاكتسابي نمط آخر، وكذلك اللّدني في مقابل الحسّي.
وأما الفرق بين المقام اللّدني والمقام الحسي فقد يكون الإكتسابي لدنّياً وقد يكون حسياً بحسب الأدلّة القرآنية والروائية، كما سيأتي ويتبين، إلّا أن
1) بحار الأنوار: ج27، ص49، باب 16 نادر في أن الأبدال من الأئمة الأطهار (علیهم السلام) .
2) فهو عبارة عن تفصيل مقام فضيلي من الفضيلة أو الملكوت النازل يلحق العمل كنتيجة له غير مضمون البقاء والاستقرار نظير قوله في العقل الاكتسابي: العقل حفظ التجارب. في ظلال نهج البلاغة، محمد جواد مغنية: ج1، ص11، س8، باب العلم والعمل.
الإصطفائي جلّه لدنّي، وليس بجبري، ومع أنّه ليس جبرا لكنه اصطفائي؛ أمر بين أمرين، كما سيأتي، اجمالاً نحن في صدد اقسام الحجج، ولنذكر مقدمة حساسة تظهر منها حساسية البحث وخطورته.
إنّ السفراء والنواب الأربعة في الغيبة الصغرى لهم مقام، ومقامهم من القسم السادس، أي دون مقامات أفراد الدائرة الثانية من أهل آية التطهير لأنّهم من القسم الخامس. ويتبين مدى المقام الخطير للنواب الأربعة، فتكون خطورة من هو فوقهم من باب أولى.
لو يلاحظ كتاب كمال الدين للصدوق، والمهم في هذا البحث الموسوعي ليس إلا أن ننبّه إلى مصادر كلمات علمائنا الأبرار، نلملمها ونجمعها ونبوّبها، كي نخرج بحصيلة مبسوطة في هذا المضمار، فلو تدبر في كلام الصدوق في كتابه (اكمال الدين واتمام النعمة) حول النواب الأربعة، والشيخ الطوسي في كتابه الغيبة والنعماني تلميذ الكليني في كتابه الغيبة، والكليني في أواخر الجزء الاول في كتابه الكافي، وسعد بن عبد الله الاشعري من علماء الامامية الكبار وطبقته متقدم على الكليني في الغيبة الصغرى، في كتابه فرق الشيعة، والنوبختي
المتكلم الذي كان معاصرا للنواب الاربعة في كتابه فرق الشيعة هؤلاء ثلة من زعماء علماء الإمامية، وغيرهم من العلماء الأعلام الذين كتبوا في النواب الاربعة؛ بمقتضى نصوص وأدلة وسيرة من علماء الإمامية.
وظاهرهم وظاهر فقهاء الامامية في الغيبة الصغرى وبدايات الغيبة الكبرى (أنّ نيابة النوّاب الاربعة الخاصّة معتقد إيماني ومَن جحد نيابتهم فهو إمّا مارق من الايمان)(1)أو ناقص الايمان كما أنّ ظاهر كلماتهم وهو سيرة الامامية في (أنّ من أقرّ بنيابة باطلة لشخص غير النواب الاربعة هو الآخر مارق من الإيمان)(2).
كما يظهر ذلك للمتتبع في كتاب الغيبة للطوسي والغيبة للنعماني وفِرَق الشيعة للنوبختي وسعد بن عبد الله الاشعري والارشاد للمفيد وإكمال الدين للصدوق وغيرها من كتب الاصحاب في هذا المضمار مما تكفّلت التعرّض بسَرد تراجم وأحوال النواب الاربعة وآخرين مدّعين للنيابة كذباً.
وهذا يقتضي أنّ كمال الايمان أو تمامه لا يتحقّق بمجرد الاعتقاد بالاصول الخمسة بل لابدّ من الاعتقاد والتسليم بباقي الحجج من ذوي
المراتب والمقامات التي هي دون الامامة، ويشهد لهذا المرتكز لدى القدماء من علماء الامامية جملة من الشواهد والدلالات سواء التي وردت في شأن النواب الاربعة وإذا كان هذا شأن النواب الأربعة من القسم السادس من الحجج فكيف بك بشأن القسم الخامس من الحجج الذين هم من بني هاشم والذين يفوق بعض أفراد الدائرة الثانية الاصطفائية منهم مقام كثير من النبيين كما سيأتي، فضلاً عمّا ورد في الدائرة الثانية من اهل البيت (علیهم السلام) من إلحاقهم تبعاً للدائرة الاصطفائية الأولى من أهل البيت (علیهم السلام) نظير آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأبي طالب وحمزة وجعفر والعقيلة زينب الكبرى وأبي الفضل العباس (علیهم السلام)، ومن بدا لله في امامتهم(1).
ويظهر من الروايات الواردة في النواب الاربعة في الغيبة الصغرى، ان السفارة ليست هي مجرد وساطة نقل حسي كالرواية بل هي التأدية عن طريق الالهام الروحي... فهي تختلف قدرة وعلماً وعملاً عن العدالة في الرواية وعن قدرة الفهم والاستنباط لدي الفقيه بل إنّ في النيابة الخاصّة معاينة بالنور.
1) شواهد النواب الأربعة في الجزء الثالث: ص341-357.
وقد أفتى أعلام الأصحاب في القرنين الرابع والخامس بأنّ من يتزعزع إيمانه بالنواب الاربعة، أنّه مارق من الإيمان.
وهذا موقف علماء الإمامية تجاه القسم السادس من الحجج، لا القسم الخامس الذين هم (الدائرة الثانية لأهل البيت (علیهم السلام) ). مع أنّ النواب الاربعة من القسم السادس، وليسوا من الاصطفاء الخاص ببني هاشم وبني عبد المطّلب، ولكن لهم دور مهم سيأتي، بينما الدائرة الثانية من أهل آية التطهير هم القسم الخامس من تقسيمات الحجج.
وهذا التقسيم هو بحسب الآيات والروايات كما سنبين، وليس قضية هندسية، اقتراحية ابتداعية من قريحة الذوق، بل هي قوالب واردة في الآيات والروايات سنبينها ان شاء الله.
موقعية النواب الأربعة في العقيدة نموذجاً، وهذه مقدمة لها مزيد من
التنبيه والمثال التوضيحي لما نحن فيه من مبحث الدائرة الاصطفائية الثانية، لأنّ هذه القضية ليست ندبية بل إنّها فريضةمعرفية حساسة، ولقد مرّ موقف علماء الإمامية، وليس بهذا المقدار فقط الذي عددناه، بل هناك أكثر من ذلك، في الغيبة الصغرى وبداية الغيبة الكبرى من زعماء مراجع وكبار الطائفة الإمامية، ذهبوا إلى أنّ من يتزعزع إيمانه بالنواب الاربعة اعتبروه مارقاً من الإيمان، وهذه نقطة عقدية معرفية في هذه المقدمة.
لابدّ أن نلتفت إلى النقطة الأخرى وهي من تداعيات السابقة وإلى مدى الحساسية الكبيرة لموقعية النواب الأربعة (القسم السادس) الذي انفصلت فرق عن منهاج الإمامية بسبب خطورتها.
أو بسبب عدم إيمانها بالنواب الأربعة أو بسبب إدّعائها النيابة الصغرى لغير النواب الاربعة - وههنا لابد من التدقيق - والنواب الأربعة ليسوا أئمة وليس لهم مقام النبوة ولا الإمامة ولا مقام الصديقة الكبرى فاطمة (علیها السلام) ولا مقام الاربعة عشر معصوما (علیهم السلام)، بل ولا مقام الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام).
فإذا كان الإعتقاد بالقسم السادس (النواب الأربعة) أو ادّعاء النيابة لغير النواب الأربعة يسبب مروقاً وانفصالاً عن منهاج الإمامية فكيف بعظمة وخطورة التفريط بالإعتقاد بمن هو أعلى شأنا وأعلى مقاما وهم الدائرة الثانية من أهل البيت (القسم الخامس) ومن هو ملحق تبعا بالدائرة الأولى من أهل البيت.
أي أنّ الذي يدّعي النيابة الخاصة لدعي ومدّعي دجال، يعتبر خارجاً عن الطائفة الإمامية، حسب كثير من الروايات او التوقيعات الصادرة من الناحية المقدسة للإمام الثاني عشر في الغيبة الصغرى(1).
وهذا الموقف من علماء الإمامية ليس من أنفسهم، وإنّما كان بإيعاز من الناحية المقدسة عجل الله تعالى فرجه الشريف في الغيبةالصغرى حيث صدرت تواقيع كثيرة في لعن وطرد جملة من المدعين الكذابين للنيابة بل صدرت روايات من الأئمة السابقين (علیهم السلام) بلعن وطرد جملة من الكذابين المدعين للنيابة الخاصة عنهم (علیهم السلام) (2).
واذا كان النواب الاربعة (السفراء) الذين هم ليسوا من أهل البيت بني هاشم ولا يقال في نعتهم أنّهم مصطفون في دائرة عنوان أهل البيت (علیهم السلام) ومع ذلك فهذا شأنهم؛ وأنّ الانكار لهم يسبب المروق من الإيمان أو يسبب تعدد الطائفة، فهل هذا الخطب يسير أو هو عظيم؟ فكيف بمن هو أعظم من النواب الأربعة بل أعظم من كثير من الأنبياء؟
ولو راجعنا الفرق التي انحرفت عن الإمامية في الغيبة الصغرى بسبب أنّها ادّعت النيابة الخاصة أو السفارة لأشخاص أدعياء.
كما أنّ في زماننا والعياذ بالله ربما قد تُدّعى السفارة لادعياء، وادّعاء السفارة (النيابة الخاصة) وهو القسم السادس لأدعياء دجّالين كذّابين، مما يوجب اتّباع السذج والبسطاء تلقائيا قهريا؛ ثم ينفصلون عن طائفة الإمامية والجسم الإمامي.
وهناك فرق كثيرة من القرن الثالث والرابع والخامس ولها اسماء اخرى ابتعدت عن مسار منهاج الإمامية، وإذا كان شأن وخطورة مقام أصحاب القسم السادس هكذا تداعياته وردّاته، فكيف بك بمقام وشأن اصحاب
القسم الخامس؟ وهذا منبه شديد، للضرورة الملحّة لهذا البحث الموسوعي، في المعرفة وليس أمراً ندبياً ولا فضولاً من الكلام وترفاً.
فنلاحظ أنّ مقام القسم السادس للنواب يلوّن ويطوّف الطوائف وأنّه قسم عقائدي خطير فكيف بك بالقسم الخامس (الدائرة الثانية لأهل البيت (علیهم السلام)) الذي ورد في شأنهم في نصّ القرآن أنّهم شهداء على أعمال جميع العباد، وهذا مقام عظيم في الولاية وأنّهم ورثة علم الكتاب المصطفون تبعاً للدائرة الأولى وأنّهم أهل الأعراف وأنّهم يشهدون لأنبياء أولي العزم يوم القيامة، فإذا كان هذا خطبهم فهذا شأن يفوق مقام كثير من الأنبياء فضلاً عن أن يقايسوا بالنواب الأربعة بل هم تبع في الشأن للأربعة عشر معصوما (علیهم السلام) لاسيما في عدة من أفراد الدائرة الثانية، كيف لا يكون شأنهم أعظم وهم براهين وآيات لنبوة سيد (صلى الله عليه وآله وسلم) الأنبياء وإمامة أهل البيت (علیهم السلام).
يجدر الإلتفات الى نقطة والتنبيه عليها، وهي أنّ تدوين العقائد من قبل علمائنا الامامية، من الصفار والبرقي والصدوق، والكليني، والمفيد، والسيد المرتضى، وابن قولويه، والشيخ الطوسي، وكبار جهابذة اوتاد المذهب، ليس من الضروري استقصاؤه لكل الأبواباً والفصول تدوين المعارف والعقائد.
مثلا إنّ المفيد يبوّب العقائد بنظم معين، ثم يأتي الطوسي بنظم آخر فيه توسعة من جانب، وتقليص أو اختصار من جانب آخر، بينما يلاحظ الصدوق قبلهما في كتابه الاعتقادات يذكر أبواب موسعة؛ ويستقصي سِعَةً من جانب ويختصر ويقتضب من جانب آخر.
فتدوين علماء الإمامية متنوّع ومتفاوت سعة وبسطا وهذا التنوّع
والاختلاف ليس تناقضاً ولا إختلاف تدافع بقدر ما هو توزع استقصاء من جانب واختصار واقتضاب من جانب آخر، هذه النقطة هي لكي يلتفت الباحث أنّ الإلمام بدورة العقائد يحتاج الى لملمة وجمع لكل كتب العلماء السابقة القديمة.
ولا يقف على كتاب واحد ودراسة واحدة ويظن أنّ هذا يكفي لاستقصاء كل الابواب الإعتقادية اللازم الإعتقاد بها، وهذا ظن بارد نظير كتب التفسير وكتب اخرى، أمّا العقائد التي نزل بها القرآنوبينتها سنّة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) (والعترة الطاهرة (علیهم السلام)) لا نظن أنّها تجتمع عند تدوين عالم، فهو ربما تكون همّته متركزة في جوانب ومتاركة لجانب آخر إما لعدم فراغ أو لعدم سعة وقت أو... لأسباب عديدة أخرى.
فالمصدر الأساس الأول للعقيدة والمعرفة، هو الكتاب والسنّة (سنّة المعصومين)؛ وعلماؤنا الابرار (رضي الله عنهم) كانت لهم جهود وسعي مشكور في تراث المعصومين؛ وكلٌ منهم يلملم ويحامي ويشيد ثغرة من الثغور.
هذه نقطة مهمة لابدّ من الالتفات لها، وسيأتي ذكر استخلاص مجموع كلمات علماء الامامية في المستنبط من الكتاب والسنّة.
وقد أشرنا غير مرة أنّ كتب التفسير وكتب شراح الحديث من الفريقين تشتمل على أبحاث العقائد أكثر بسطاً وسعة وشمولية من كتب المتكلمين والفلاسفة والعرفاء من الفريقين، وذلك لمحاذاة كتب التفسير وشرح الحديث لمواد الوحي كتاباً وسنة أكثر من الكتب العقائدية المعرفية الأخرى.
إنّ الدائرة الأولى (الاربعة عشر معصوما) لأهل البيت ليست ذات مرتبة واحدة وهذا مشهور عند علماء الإمامية يتبنونه، فسيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) سيد المعصومين وإمام الأئمة المعصومون الإثني عشر، ثم يأتي بعد سيد الخلائق أجمعين أمير المؤمنين علي وفاطمة، ثم الحسن والحسين، ثم التسعة المعصومين، وسيد التسعة كما في نصوص عديدة كثيرة هو الامام الثاني عشر، فالأربعة عشر معصوما في حين لهم هوية واحدة ودائرة واحدة، هي الدائرة الاولى من أهل البيت (علیهم السلام) إلا أنّ بينهم أيضا مراتب، هذا تقريبا مشهور أو متسالمٌ إجمالاً ولدى علماء الامامية ادلّة والتزام وتسالم عليه.
كذلك الدائرة الثانية التي نحن في صدد البحث عنها من دائرة اهل البيت أو دائرة ذوي القربى وهم ثلّة من بني هاشم وليس كل بني هاشم، وهم أيضاً ليسوا على مرتبة واحدة بل ذوي مراتب في حين أنّهم مصطفون في دائرة ثانية من عنوان أهل البيت وعنوان قربى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) نظير علي الاكبر
وأبي الفضل العباس وزينب وأبي طالب وجعفر وحمزه عمّ النبي وعبد الله، وغيرهم ممن ورد النص فيهم، وهؤلاء الثلّة من الدائرة الثانية من بني هاشم المصطفين باصطفاء أنزل من اصطفاء الدائرة الاولى ايضا فيما بينهم مراتب وليسوا على مرتبة واحدة وتفصيلها سيأتي في الابحاث اللاحقة.
هناك جملة من الروايات والدلالات تشير الى وجود ثلّة من أهل البيت (علیهم السلام) من غير الائمة الاثني عشر وغير فاطمة الزهراء (علیها السلام) ذوي مكانة في صلاحيات الدين وفضيلة يجب التسليم والاعتقاد بها كالذي ورد في شأن ابراهيم بن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وما ورد أيضا في شأن علي الاكبر بن سيد الشهداء (علیه السلام) واسماعيل بن جعفر الصادق (علیه السلام) والقاسم بن موسى بن جعفر (علیه السلام) ومحمد بن الامام الهادي (علیه السلام) وغيرهم وكالذي ورد في شأن العقيلة زينب (علیها السلام).
ومن ذلك ما ورد متواتراً عند كل من الفريقين ايضاً في شأن حمزة سيد الشهداء عمّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وجعفر الطيار بن أبي طالب ابن عمّ النبي وأبي الفضل العبّاس بن أمير المؤمنين (علیه السلام) وكذلك أجداد وآباء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأبي طالب (علیه السلام).
إنّ المقامات الاصطفائية الثابتة للدائرة الثانية لأهل البيت (علیهم السلام) هي ذات درجات متعدّدة شدّة واشتداداً، كما هو حال التفاوت في المقامات الاصطفائية الإلهية الأخرى كالنبوة، قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ}(1).
وكذلك التفاضل والتفاوت في مقام الامامة والولاية شدة واشتداداً، وكذلك الحال في مقامات الدائرة الثانية فإنّ فيها تفاوت وتفاضل شدة واشتداداً رغم وحدة الطبيعة، فكما ورد وصف لحمزة بسيد الشهداء ورد هذا الوصف للإمام الحسين (علیه السلام) بل ورد الوصف لأميرالمؤمنين (علیه السلام) في إحدى الزيارات، فكلّ ما للدائرة الثانية ثابت للدائرة الاولى برتبة أعلى شدة لا العكس كما ورد في قوله تعالى:
{وَمَنْ يطِعِ الله وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}(2).
عن ابن عبّاس: (والشُّهَداءِ يعْنِي عَلِياً وجَعْفَراً وحَمْزَةَ والْحَسَنَ
والْحُسَينَ (علیه السلام) النَّبِيونَ كُلُّهُمْ صدِّيقُونَ ولَيسَ كُلُّ صدِّيقٍ نَبِياً والصِّدِّيقُونَ كُلُّهُمْ صالِحُونَ ولَيسَ كُلُّ صالِحٍ صدِّيقاً ولَا كُلُّ صدِّيقٍ شَهِيدٌ وقَدْ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) صدِّيقاً شَهِيداً صالِحاً فَاسْتَحَقَّ مَا فِي الْآيتَينِ مِنْ وَصْفٍ سِوَى النُّبُوَّة)(1).
بل تقدمت الإشارة وسيأتي أنّ كل ما ثبت للدائرة الاصطفائية الأولى من مقامات بعنوان أهل البيت أو القربى فهو ثابت للدائرة الاصطفائية الثانية لكن بدرجة أنزل إلاّ ما أخرجه الدليل وهو ماكان ثابتاً لخصوص الدرجة الخاصة لمرتبة الدائرة الاصطفائية الأولى، ومن ثمّ مرّ أنّ مقام النواب الأربعة ومقام مثل مقام سلمان المحمدي وهو القسم السادس من الحجج لا يقاس بمقام القسم الخامس وهي الدائرة الاصطفائية الثانية من أهل البيت في الشؤون والصلاحيات والأحكام الاعتقادية بهم.
1) بحار الأنوار، ج38، ص216؛ مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب: ج3، ص90، فصل في أنه الصديق والفاروق والصدق والصادق.... سيجعل لهم الرحمن ودا......
لابُدَّ من الالتفات الى أقسام الحجج؛ فالحجية الالهية على اقسام:
القسم الأوَّل: النبوة.
القسم الثَّانِي: الرسالة.
القسم الثَّالِث: الإمامة الإلهية.
القسم الرَّابِع: الاصطفاء والحجّية (الطهارة) وولاية الأمر بدرجة قريبة.
القسم الخامس: أيضا طهارة واصطفاء ولكن بدرجة أنزل من الأقسام السابقة.
كذلك المصطفون على اقسام وهذه المعارف الثابتة في دين الانبياء
وشرائع المرسلين لا سيما في مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) (منهاج الثقلين)، لابد من التنبه اليها بدقة وإمعان.
وقد صرّح القرآن الكريم بأنّ العصمة والاصطفاء في الامامة، قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيتِي قَالَ لاَ ينَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}(1).
فالإمامة منصب إلهي غير النبوة والرسالة والإصطفاء فيها، امتحان أشدّ من امتحان الرسالة والنبوة كنبوة إبراهيم من أولي العزم، ولا يتوهم واهم ويقول هذا جُعِل في إبراهيم ما ربطه بعموم الإمامة الإلهية؟ لأنّ هذه السنّة الإلهية غير مخصوصة بإبراهيم (علیه السلام) بل هو لأجل أنه منصب إلهي عام ومستمر لكل من يستحقه بالإصطفاء.
فكما أنّ النبوة والرسالة غير محصورة بإبراهيم كذلك الإمامة أيضاً غير محصورة بإبراهيم ومن ثمّ علّل في الآية لا ينال عهدي الظالمين أنّه لأجل بيان المعيار والضابطة لهذا المقام إلى يوم القيامة بعد طلب النبي إبراهيم (علیه السلام) أن يكون هذا المنصب مقاماً مستمراً في ذريته إلى يوم القيامة
1) سورة البقرة، الآية: 121.
إذ لم يقيده ولم يحدده بزمن فهذا بيان صريح في عموم المنصب والمقام لمن يعصم ويصفى من ظلم الذنوب.
وهذه مناصب وسُنَن إلهية {...فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}(1)، السنّة الالهية باقية، كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِي لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله قَالَ هَلْ عَسَيتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا...}(2).
ملكا يعني إماما يملك الأمور، والامامة بعثة الهية في نص هذه الآية، فلماذا تحصرون البعثة الالهية بالنبوة والرسالة؟ فالإمامة أيضاً بعثة إلهية، قال تعالى: {إِنَّ الله اصْطَفَاهُ عَلَيكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}(3).
اصطفاه نص صريح في سورة البقرة، فالقرآن يصرّح بأنّالاصطفاء لا ينحصر بالنبوة والرسالة، فالإمامة منصب الهي دائم كما قال تعالى: {إِنَّ الله اصْطَفَاهُ عَلَيكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}.
وكذلك يصّرح القرآن الكريم أنّ الإمامة لها آيات ومعاجز قال تعالى: (آية ملكه) في سياق الحديث عن طالوت، فالله تعالى هو الذي يجعل ويختار الخليفة.
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً...}(1).
وجعل له (خليفة) عنوان يغاير عنوان جعل له نبياً ورسولاً فكل منها منصبٌ إلهيٌ مغايرٌ للآخر، وخليفة يعني خلافة سلطة وسيطرة وقيادة امامة، وهناك عشرات العناوين يذكرها القرآن الكريم مرادفة عقلاً أو لغة لعنوان لفظ الإمامة.
ولسنا في صدد هذا البحث بل نحن في صدد رفع الوهم الذي كان موجوداً ولا زال معشعشاً وكأنهم لا يقرؤون القرآن أو لا يريدون أن يفهموا
1) سورة البقرة: الآية 30.
القرآن والعياذ بالله. قال تعالى: {أَفَلَا يتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}(1).
لو تأمّلنا في سورة الكهف المباركة في قضية النبي موسى مع الخضر (علیه السلام)، نلاحظ أنّ القرآن الكريم لايصف الخضر بأنّه نبي ولا رسول، بل وصفه عبداً من عبادنا، قال تعالى: {فَوَجَدَا
عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَينَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا}(2).
(فَوَجَدَا عَبْدًا) أي وجد موسى وفتاه، عبداً لم يكن منصبه منصب نبوة أو رسالة أو امامة بل أطلق عليه (عبداً)، كذلك ذو القرنين قال تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ}(3)لم يقل نبيا ولا رسولا، {وَيسْأَلُونَكَ عَنْ ذِيالْقَرْنَينِ}(4)، هل أجاب القرآن عن سؤالهم بأنه نبي أو رسول؟ لا، بل كما في قوله تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا}(5).
لقد أفاض أئمة أهل البيت (علیهم السلام) في معرفة أسباب القدرة والقوة الإلهية اللّدنية وشرح من بعدهم علماء الامامية الشيء الكثير من رواياتهم لما له من اصول قرآنية عظيمة، وإلى الآن لا زال في هذا العصر من يدّعي الفهم ويعتقد بحصر الاصطفاء والطهارة بالنبوة والرسالة وهو لا ينتبه إلى أنّ الاصطفاء يشمل الإمامة التي هي أعظم منصبا واصطفاءً من النبوة والرسالة.
نعم سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) هو إمام الأئمة كما هو نبي الأنبياء والإمامة تشتمل على ولاية الأمر وهو القسم الرابع كمقام الصدّيقة الكبرى فاطمة (علیها السلام) وهي الاقسام الاربعة. وأذكر هنا كلام الشيخ عبد الحسين الحلي حيث يقول (وأظن هذا لا يعرف للمعصوم مصداقاً سوى واجب العصمة من نبي أو إمام فلذلك يجاهر بالقول الجازم بنفي العصمة عن أبي الفضل العباس (علیه السلام) ولو عرف أنّه يكون من المعصومين من ليس بواجب العصمة لما اجترأ على عظمة أبي الفضل العباس )(1).
1) رسائل الشعائر الحسينية: ج3، ص118.
وتوضيح كلامه أنّ: (من الأعلام منّا من يغفل ويظن أنّ العصمة أيضاً محصورة في أربعة اقسام بالنبوة والرسالة والإمامة وولاية الامر كفاطمة)، وأمّا الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام) وهم القسم الخامسكحمزة وجعفر، وأبي طالب، وعبد الله، وعلي الأكبر، وأبي الفضل العباس، والعقيلة زينب وبقية أفراد الدائرة الثانية (علیهم السلام)، لا يتصور أنّ لهم عصمة فلماذا الغفلة عن وجود دائرة اصطفائية ثانية يشكلون القسم الخامس من الأقسام الاصطفائية وعصمتهم دون عصمة الأربعة عشر معصوماً.
وذلك بنصوص قرآنية في طوائف عديدة بدلالة قطعية على خصوص الدائرة الاصطفائية الثانية وكذلك طوائف متواترة بين الفريقين في شأنهم كما سيأتي البحث في ذلك مفصلا لاحقا.
وكما أنّ عصمة الأنبياء متفاوتة، قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}(1). وقوله تعالى: {... وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَينَا دَاوُودَ زَبُورًا}(2).
كذلك يمكن تقرير تفاوت في عصمة المصطفين من أهل البيت (علیهم السلام) على دائرتين وهناك آيات عديدة دالة على تفاوت بعض النبيين والرسل على بعض في الفضل والكمال. وكذلك الحال في أن اصل العصمة شيء وعمومها شيء آخر، والشيخ عبد الحسين الحلي(1)يشير إلى: (إنّ هناك بعض الاعلام منّا غافل).
وقد مرّ أنّ جملة من أعلام الإمامية قد ذهبوا إلى اصطفاء بعض أفراد الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام) بمناقب وفضائل ومناصب اصطفائية امثال الشيخ محمد طه نجف، الذي كان معاصراً لصاحب الكفاية، والشيخ الصدوق، وابن براج، وابن قولويه أستاذ الشيخ المفيد، وغيرهم من أعلام الامامية الذين مرّ ذكرهم.
ويقول الشيخ عبد الحسين الحلي: (واظن هذا لا يعرف للمعصوم مصداقا سوى واجب العصمة من نبي أو إمام)(2)، ويبين الشيخ الحلّي أيضا
1) وهذا حسب كلامه في رسالته في قواعد الشعائر الحسينية ومرّ بنا إنّه من الفقهاء وليس من مجرّد الفضلاء، بل هو من الفقهاء الأعلام، ورسالته في القواعد (قواعد الشعائر الحسينية) معروفة جداً في الوسط العلمي ولها قوةُ صدى لجزالتها وهو من تلاميذ الشيخ النائيني وليس فاضلاً فقط.
2) الشعائر الحسينية للشيخ عبد الحسين الحلي: الفصل الثالث، نماذج من إيذاء أهل البيت أنفسهم في سبيل الله، امتناع العباس عن الماء.
في ردّه على من لايعرف للمعصوم مصداقاً سوى نبي أو إمام: (العصمة لا تنحصر في النبوة والرسالة والإمامة وولاية الأمر، فالقسم الخامس أيضا هو من الأسماء المطهّرة وإن كان في تفاوت وتفاضل)، فلاحظ عبارته في رسالة النقد النزيه(1).
فقوله في ردّه: (وأظن هذا الرجل لا يعرف للمعصوم مصداقاً سوى واجب العصمة من نبي أو إمام فلذلك يجاهر بالقول الجازم بنفي العصمة عن أبي الفضل العباس (علیه السلام) )(2)، نكتة مهمة جداً وهي البحث عن عدم حصر العصمة الاصطفائية المنصوصة بالأقسام الأربعة النبوة والرسالة والامامة وولاية الأمر كفاطمة (علیها السلام)، فالعصمة لاتنحصر بذلك، ، كما هو الحال في أمّ موسى وفي أخته وفي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) وآسية بنت مزاحم زوجة فرعون وغيرهم من بيوتات الأنبياء (عليهم السلام) الذين ذكروا في القرآن الكريم بعنوان الدائرة الاصطفائية الثانية لأولئك الأنبياء (عليهم السلام) كما سيأتي البحث مفصلاً.
ويلاحظ جلّ المذاهب الإسلامية الأخرى عدا مدرسة أهلالبيت (علیهم السلام) حيث يقولون بحصر الاصطفاء بمقام النبوة والرسالة، فيعتقدون باصطفاء الأنبياء والرسل ولا مقام آخر! فتحتار تلك الفرق الإسلامية الأخرى غير الشيعة في ترجمة مناصب إلهية وفي موقعيتها، إذ يفقدون تلك الرؤية العقائدية ويجهلون التفسير المعرفي لها. ولذلك يحتارون في تفسير موقعية مريم؟ وما ترجمتها؟ القرآن الكريم يصفها: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يا مَرْيمُ إِنَّ الله اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ}(1).
وقال تعالى: {فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيا}(2).
وغيرها من الآيات في شأنها. فيحتارون في وصفها بالاصطفاء ووصفها
بالطهارة، ووصفها بأنّها آية، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيمَ وَأُمَّهُ آَيةً...}(1).
ويحتارون أين يصنّفونها؟ وقد شذّ القرطبي من علماء العامة في كتابه جامع الأحكام، وقال: (مريم نبية)! وقد شذ بين الأمة في ذلك، بقائل يذهب إلى أنّها نبية! فالمشكلة عندهم أنّ الأسس العقائدية لديهم ليس لها ترجمان لغير النبوة والرسالة، ما إن يتطرقوا الى أبواب اخرى عقائدية ينفرط الأمرعليهم ويحرجون.
بينما في مدرسة أهل البيت، وعند الفرق الشيعية لاسيما الاثني عشرية، فلدينا أقسام أخرى من الاصطفاء بعد النبوة والرسالة منها منصب الإمامة؛ قال تعالى: {...إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا...}(2). والعجيب المستغرب فيهم أنهم ماذا يقولون في الآية {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}؟
يقولون أنّه جعلٌ إلهي وليس جعلاً بشرياً، قال تعالى: {...إِنَّ اللهقَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا...}(3).
أي بَعَثَ هذا! أي أنّ غير النبوة والرسالة هناك كالإمامة بعثات إلهية سفارات إلهية؛ سفير إلهي أولا نخاطب أئمة أهل البيت (علیهم السلام) في الزيارات أنهم سفراء الله (سفير الله)، من أين هذا النعت؟
هذا أصله قرآني، في قضية طالوت قالوا: {إِذْ قَالُوا لِنَبِي لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ...}(1).
فأجابهم وقال لهم، قوله تعالى: {...إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا...}(2). بعث؛ من الفاعل؟ هو الله، وذكر تعالى قولهم: {... قَالُوا أَنَّى يكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَينَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ...}. فأجابهم بقوله تعالى: {... قَالَ إِنَّ الله اصْطَفَاهُ عَلَيكُمْ...}.
اصطفاه الله، انظر الى قوله تعالى: اصطفاه! وعلى ضوء ذلك يتبين أن المقرر في الثقافة والرؤية العقائدية عند المدارس الإسلامية الاخرى من تخصيص وحصر الاصطفاء بالنبوة والرسالة فهو خطأ.
إنّ الإمامة لها عناوين عديدة في القرآن الكريم، كالخليفة ومن عنده علم الكتاب أو علم من الكتاب كصاحب سليمان (علیه السلام) والتمكين والإيتاء للأسباب كذي القرنين والإيتاء للرحمة والعلم اللدني كالخضر صاحب موسى (علیه السلام).
وهناك اصطفاء للإمامة، وهناك بعثة الهية (سفارة إلهية) للإمامة، ومن عناوين الإمامة، ملك تدبير الأمور والشاهد على الأعمال والرائيلها.
وعشرات العناوين الكثيرة في القرآن عنوان للإمامة، وهذا المبحث نحن لسنا في صدده وإنّما في صدد الدائرة الثانية، بل لبيان أنّ هناك أقساماً من الحجج في القرآن لم تترجم في عقائد المدارس الإسلامية الأخرى.
والقسم الثالث من الحجج الإلهية بنص القرآن؛ هي الإمامة الإلهية، وهناك من المصطفين من يكون نبياً ورسولاً وإماماً كسيد الأنبياء، حيث أنّ الرسل ورد التفضيل بينهم قال تعالى:
{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ...}(1).
1) سورة البقرة: الآية 253.
إنّ النبي الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) هو سيد الرسل وسيد الأئمة، هو إمام لأمير المؤمنين (علیه السلام)، وهذا ليس شعراً او نثراً أدبياً، بل هذه حقيقة في اعتقاد مدرسة أهل البيت، والإمامة الإلهية القسم الثَّالِث من أقسام الحجج وسيد الأنبياء حازهنّ ثلاثتهن؛ بَلْ حاز السؤدد والمرتبة الأولى فيهن، لأنّه سيد الكائنات والخلائق أجمعين، وكذلك إمامة أئمة أهل البيت تفوق بأدلة وشواهد قرآنية عديدة إمامة إبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم مِنَ الأنبياء.
ولسنا الآن بصدد البحث في نصوص القرآن في ذلك، فضلا عن النصوص النبوية المتواترة عند الفريقين.
إنّ الإمامة الإلهية على درجات وتفاضل فيما بينها فقد مرّ بنا أنّخاتم النبيين هو إمام الأئمة، فضلاً عن بقية الأنبياء والمرسلين والأئمة كإمامة ابراهيم واسحاق ويعقوب، كما أنّ النبوة والرسالة درجات، انظر قوله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ...}(1). ولا تناقض ولا تهافت بين
1) سورة البقرة: الآية 253.
هذه الآية وبين قوله تَعَالَى: {لا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ...}(1).
حفظ الطابع الموحد من جهة لا يتقاطع ولايتدافع ولا يتنافى مع حفظ تفاضل وتفاوت المراتب والرتب من جهة اخرى، كما في زيارة عاشوراء: «ولعن الله أمة دفعتكم عن مقامكم وأزالتكم عن مراتبكم التي رتبكم الله فيها»(2).
في حين إنّ المعصومين (علیهم السلام) الأربعة عشر نور واحد فضلا عن الدائرة الثانية التي ستوافينا أنّهم نور واحد لكنهم على مراتب، فالقسم الثالث من الحجج الإلهية: هي الإمامة الإلهية أصلها قرآني ونبوي، وأحاديث المعصومين (علیهم السلام) أصلها الوحي.
إنّ القسم الرابع من الحجج الإلهية: عبارة عن حجج اصطفائية؛ كحجية واصطفاء البضعة الصديقة الزهراء وهو الذي يطالعنا به القرآن الكريم والثقل الثاني من حديث المعصومين (علیهم السلام). فالزهراء هي مريم الكبرى، ومريم بنت
عمران هي مريم الصغرى، لأنّ مريم اسم وصف؛ أي اسم وصفي، وهذا الوصف نال مقامه الأكبر الصديقة الكبرى فاطمة (علیها السلام)، بينما المقام الدنيوى منه نالته مريم بنت عمران. كما ورد في الروايات إنّ الله تعالى ضرب مريم مثلاً في القرآن لفاطمة (علیها السلام)، لأن فاطمة أعظم من ذلك، ونصوص القرآن الأخرى الخاصة بفاطمة هيالتي تفصح عن ذلك، في الروايات الإصطفائية.
وهناك نصوص تفصح عن مقام فاطمة، وقد ذهب إليها جملة من علماء الإمامية، وهو الصحيح والقوي بحسب الأدلّة؛ أنّ مقامها يفوق مقام الحسنين والتسعة المعصومين من ولد الحسين، مقامها يشارك مقام أمير المؤمنين (علیه السلام) ويتلوه؛ قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «لو لم يخلق الله علي بن أبي طالب لما كان لفاطمة كفؤ»(1).
وقال أبو عبد الله الإمام جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام): «...لولا أنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) تزوجها لما كان لها كفو إلى يوم القيامة على وجه الأرض
1) الخصال للصدوق: ص414؛ الكافي: 1/ 461؛ روضة الواعظين: ج1، ص146، مجلس في ذكر تزويج فاطمة (علیها السلام)؛ بحار الأنوار: ج43، ص107، باب تزويجها صلوات الله عليها؛ تفضيل أمير المؤمنين (علیه السلام) للمفيد: ص32، فصل الاستدلال بأخبار الخاصة على أفضلية الإمام علي (علیه السلام) .
من آدم فما دونه»(1). وكذلك وردت نصوص كثيرة غير مختصة بطرق الإمامية بل بين الفريقين في أوائل الخلقة النورية، تبين أنّ خلقة فاطمة رتبة بعد خلقة أمير المؤمنين في عالم النور وقبل نور الحسنين وقبل نور التسعة(2)- وهذه اللّغة لغة عقلية لها شرح مبسوط مفصل وليست هي من ضمن مدائح الشعر، بل هي لغة الوحي: وهي لغة حقائقية وسنشرح هذا في نقطة لاحقة؛ انّ الفضائلليست لغة مديح شعري بل الفضائل في الوحي هي لغة حقائق ولغة عقلية ذوقية، بل أعظم من أنّها لغة حقائق -، قال الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر (علیه السلام): «... ليس بين الله وبين أحد قرابة...»(3).
1) روضة الواعظين: ج1، ص148، مجلس في ذكر مناقب فاطمة (علیها السلام)؛ أمالي الصدوق: ص592، المجلس السادس والثمانون؛ الخصال: ج2، ص414، لفاطمة (علیها السلام) عند الله تسعة أسماء، ح3؛ علل الشرائع: ج1، ص178، باب 142 العلة التي من أجلها سميت فاطمة (علیها السلام) فاطمة، ح3؛ ينابيع المودة: ج2، ص278.
2) مصباح الشريعة المنسوب للإمام الصادق (علیه السلام): ص63-65، الباب الثامن والعشرون في معرفة الأئمة (علیهم السلام)، ح6/14؛ الهداية الكبرى للخصيبي: ص375-376، الباب الرابع عشر باب الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)؛ مقتضب الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر: ص6، الجزء الأول.
3) الكافي الكليني، ج2، ص74؛ أمالي الصدوق: ص626، المجلس الحادي والتسعون.
عندما يمتدح الله عَزَّ وَجَلَّ شخصا أو ينوّه بفضيلة شخص هذا يبين مقام حجية من قبل الله تعالى كما سيتضح في نقطة لاحقة، ففاطمة (علیها السلام) هي مثل مريم بنت عمران من القسم الرابع.
وهناك ملاحظة مهمة جداً وهي أنّ القسم الأول النبوة والقسم الثاني الرسالة والقسم الثالث الإمامة والقسم الرابع الحجج المصطفين الذين ابرز الوحي ونص على حجيتهم، ولا يعني أنّ ترتيب الأقسام على أساس الأفضلية، وعندما جعلت النبوة في القسم الأول، لا يعني أنّ لها أفضلية على بقية الأقسام، فربما شخص من القسم الثالث يفوق شخصاً من القسم الأول كما نصّ على ذلك القرآن الكريم. إنّ ائمة اهل البيت (علیهم السلام) أفضل مقاماً بحسب نصوص القرآن ونصوص الفريقين، فضلاً عن نصوص مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)، وذلك ببيانات وافية سهلة المأخذ والاستظهار أنّ أهل البيت (علیهم السلام) أفضل مقاماً من الأنبياء والمرسلين ماعدا خاتم الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم).
إنَّ أئمة أهل البيت (علیهم السلام) أفضل مقاما من الأنبياء والمرسلين عدا سيدهم سيد الأنبياء، كما تشير إليه هذه الحقيقة القرآنية في قوله تعالى:
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ...}(1).
وهذا القرآن المهيمن على كتب الإنجيل والتوراة وصحفإبراهيم وصحف ادريس وصحف آدم، لم يورثه سيد الانبياء لأحد إلّا لأهل البيت (علیهم السلام)، فواضح أنّ المقام العلمي الهيمني وهذه النبوة العظيمة المهولة التي هي مقام عظيم لسيد الانبياء أورثها الله لأهل بيته كما قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}(2). وقال تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}(3). وقال عز وجل أيضا: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ }(4).
فإنّ وراثة الكتاب لم يورثها الله تعالى لأبراهيم ولا نوح ولا موسى ولا عيسى، وعندما نستعرض القسم الأول من الحجج الإلهية والقسم الثاني والقسم الثالث والقسم الرابع فلا يعني الترتيب المذكور بحسب درجة المقام
الاصطفائي بل هو لبيان التنوع. وفي المثال العصري لتقريب المطلب، أنت في الصف المدرسي الواحد؛ تقرر مادة الكيمياء ومادة الفيزياء ومادة الاحياء ومادة التاريخ والعلوم العربية ومادة الرياضيات وغيرها من المواد، فربما يكون شخص متميزاً في مادة معينة أو مادتين أو ثلاث، وهناك شخص آخر متميز في مادة بفائق درجات شاسعة مع البقية في النمرات والدرجات فمن سيصبح الأول في الصف؟
وواضح أنّ الذي عنده تفوّق في مادة معينة أكثر سيكون هو الأول؛ فلاحظ مقام فاطمة (علیها السلام) فمع أنها من القسم الرابع بحسب الترتيب الذي ذكرناه، لكن مع ذلك فولايتها تعم وتهيمن على ولاية الحسنين والتسعة المعصومين من ولد الحسين فضلاً عن سائر الانبياء والمرسلين.
وكذلك قد يكون أشخاص مصطفون من القسم الخامس، ولكنهم أعظم شأنا من مراتب جملة من الانبياء وجملة من المرسلين فضلاً عن أعظمية بعض أفراد القسم الثالث والرابع.
وهذا البحث بحسب المعادلات القرآنية بيّن دلالتها أهل البيت (علیهم السلام) بشكل طافح وضوحاً، لا بشكل غامض.
يشير الإمام الصادق (علیه السلام) إلى برهان قرآني على أفضلية أهل البيت (علیهم السلام) على بقية الأنبياء (علیهم السلام)، أنّ النبي سليمان على نبينا وآله وعليه السلام، كان يحتاج الى الهدهد ليستعلم مواضع الماء في سيره في البلدان، قال تعالى: {فَقَالَ مَا لِي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ}(1).
ليخبره بمواضع الماء تحت الأرض، وسليمان النبي ووصيه آصف بن برخيا كان عندهما علم من الكتاب؛ أي بعض من الكتاب: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ}(2).
بينما القرآن الكريم يصف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) ويصف ولده بأنّ عندهم علم الكتاب، كما في سورة الرعد المباركة.
قال تعالى: {وَيقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَينِي وَبَينَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}(3)، وقد روى الكليني بإسناده عن
بريد بن معاوية قال: قلت لابي جعفر (علیه السلام): {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}.
قال (علیه السلام): «إيانا عنى، وعلي أولنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)»(1). وهذا القرآن الكريم، قال تَعَالَى: {إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}(2).
والمطهرون نوّه باسمهم في سورة الأحزاب انهم اهل البيت (علیهم السلام)، قال تعالى: {إِنَّمَا يرِيدُ الله لِيذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِوَيطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}(3). وهذا القرآن مهول وصفه كما في قوله تعالى: {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}(4).
وقال تعالى: {عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}(5).
الذي يصفه الله تعالى في قوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى...}(1).
هكذا وصف الله عز وجل عظمة القرآن، فالقرآن هو أعظم من الإنجيل والتوراة وصحف إبراهيم وصحف آدم وصحف ادريس، وكتاب كل نبي يدل على الدرجة التي وصل اليها.
فهذا الترتيب لا يعني ترتيباً من حيث الدرجات ومقامات المراتب بل إنّ كل ذي قسم من الاقسام الاربعة التي مرت بنا هي ذات مراتب، فيجب أن نلتفت إلى ذلك ونعيه بحذق في البحث المعرفي العقائدي.
وأمّا القسم الخامس فهم الدائرة الثانية من اهل البيت (علیهم السلام) يعني ما وراء الاربعة عشر معصوماً، نظير: علي الأكبر وأبي الفضل العباس وحمزة وجعفر الطيار وأبي طالب وزينب وغيرهم مما مرّت الاشارة إليهم سلام الله عليهم.
وسَنُبين دلالة القرآن الكريم على وصفهم بالحجية والصلاحية ودرجة من الحجية ودرجة من الولاية ودرجة من الطاعة ودرجة من الموّدة لهذه
1) سورة الرعد: الآية 31.
الدائرة الثانية المصطفاة من بني هاشم دون غيرهم من العالمين، حيث وصفهم بكل من عنوان الشهداء على أعمال العباد وكونهم ورثة علم الكتاب المصطفون تبعاً للدائرة الأولى وأنّهم من أهلالأعراف وأنّ لجملة من أفراد الدائرة الاصطفائية الثانية الولاية التي لأهل البيت (عليهم السلام) تبعاً للدائرة الاصطفائية الأولى كوزراء وأعوان.
فإنّ القرب من سيد الانبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) مهول عظمة، والإنتساب اليه مهول عظمة ويقتضي اصطفاءً خاصاً بسبب أهمية هذا الإنتساب، فالاصطفاء الإلهي على خمسة اقسام: القسم الأوَّل: النبوة.
القسم الثَّانِي: الرسالة.
القسم الثَّالِث: الإمامة الإلهية.
القسم الرَّابِع: الاصطفاء والحجّية (الطهارة) وولاية الأمر بدرجة قريبة.
القسم الخامس: أيضا طهارة واصطفاء بدرجة أنزل من بعض أفراد الأقسام السابقة ، وإلا ففي أفراد الدائرة الثانية لأهل البيت مَن هو أعظم مقاماً من الأقسام السابقة في بيوتات الأنبياء السابقين، كما سيأتي ذلك مشروحاً في المجلد الثالث إن شاء الله تعالى.
وهناك جملة من الإشارات القرآنية الآتية لاحقاً الدالة بنحو قطعي على
أنّ أصحاب الدائرة الاصطفائية الثانية لأهل البيت (عليهم السلام) هم القسم الخامس، وكذلك في نصوص الفريقين ولا اقول نصوص الإمامية فقط تدل على انّ: بعض اصحاب القسم الخامس قد يفوق اصحاب القسم الاول من الأنبياء السابقين، كما روى الفريقان قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): «علماء أمتي كأنبياء بني اسرائيل»(1)، والاعتماد في هذا التفضيل ليس على هذه الرواية بل على دلالات قطعية في القرآن الكريم والروايات المتواترة إن شاء الله.
يقال سُئل أحد أعلام العصر (رَحمهُ اللّه) عن هذا الحديث: علماءأمتي كأنبياء بني أسرائيل، ماذا تقولون في مفاده؟ قال: ان كنت ايها السائل تقيس النبي موسى معي انا فهذا لا ينطبق، امّا إذا اردت أن تطبق هذا الحديث على السيد ابن طاووس مع نبي من بني اسرائيل (الذين كان يُقتل في اليوم منهم عددٌ كبير، فإذا أردت أن تقيس دور ابن طاووس مع نبي من انبياء بني اسرائيل، - يعني من هذه الدرجة - لا شك أنّ السيد ابن طاووس له عظمة وتأثير في هداية البشرية أكثر مِن ذلك النبي من الأنبياء الذين قتلوا.
ولقد روى الفريقان في شأن أفراد الدائرة الثانية وستأتي الاحاديث
1) بحار الأنوار للمجلسي: ج2، ص22، باب 8 ثواب الهداية والتعليم وفضلهما؛ شرح أصول الكافي للمولى صالح المازندراني: ج6، ص54، باب في أن الأئمة (علیهم السلام) بمن يشبهون.
والنصوص ومصادرها من الفريقين؛ أنّ حمزة عم النبي وجعفر الطيار يستنجد بهما نوح في مقام الشهادة يوم القيامة على إبلاغه الرسالة الإلهية، بأنه قد ادّى رسالات الله، فضلاً عن بقية الأنبياء وهذا ليس مقاماً وخطباً سهلاً.
بل له أصول قرآنية وقد يأتي شخص ويقول لا نعول على روايات الفريقين ولا نعول على تراث الحديث لأنّ في قلوبنا مرضاً من الحديث، أي زاغت قلوبنا عن الاهتداء بالحديث!
وليكن قد زاغ قلبك عن الاهتداء بالحديث؛ ولكن مازاغ قلبك عن القرآن إن شاء الله؛ فالنصوص في القرآن تدل على ذلك وقد مرت الإشارة إلى ذلك في سورة البقرة، وسيأتي ذكر البقية مفصلاً، فيتقرر أنّ هناك القسم الخامس من الحجج المصطفين انزل درجة من بعض أفراد الاقسام السابقة أي بحسب كل بيت من بيوت الأنبياء وبحسب المراتب في منظومة البعثة النبوية لكل نبي وتوابعه من أصحاب الأقسام.
لو لاحظنا افتخار سيد الانبياء في خطبة الغدير وفي خطب كثيرةحيث يقول ما مضمونه: (منّا سيد الأنبياء) - يعني هو (صلی الله علیه و آله و سلم) - (منّا سيد الأوصياء)
لاحظ كيف أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو أعظم مخلوق اصطفاه الله يفتخر بحمزة، وهل يعقل افتخاره بشخص ليس له اصطفاء؟ بل هل يعقل افتخاره بشخص له اصطفاء كبقية المتوسطين في نوع الاصطفاء؟ وهل يعقل أن يكون افتخاره (صلی الله علیه و آله و سلم) ناشئ من عصبية؟ حاشاه.
بل هو احتجاج على سؤدده على بقية الأنبياء وعلى كونه سيد الأنبياء، وكيف يكون مقام حمزة وجعفر حجة لنبوة سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) ولإمامة سيد الأوصياء (عليه السلام) وإمامة بقية الأئمة (عليهم السلام) كما في احتجاجهم بهما إذا لم يكن درجة وصنف اصطفاء حمزة وجعفر عليهما السلام غير مرتبط باصطفاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام).
فنحن نسترشد بالجذور القرآنية لهذه الأبحاث، لأنّ الأحاديث دائما تشرح بيانات أنوار القرآن شرحاً وحيانياً له ومتناً وحيانياً.
1) كتاب سليم بن قيس الهلالي: ج2، ص567، ح1، باب ما وجد من كتاب سليم في النسخة الأولى.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}(1).
وهذه الآيات المحكمة والمتشابهة كلها معاً بينات عند ثلة من هذه الأمة، قال تعالى: {بَلْ هُوَ آَياتٌ بَينَاتٌ...}.
هل هنّ بينات في صدور الصحابة؟ أم في صدور زوجات النبي؟
بل الآيات البينات في صدور ثلة اخرى وهم أهل آية التطهير، قال تعالى: {بَلْ هُوَ آَياتٌ بَينَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يجْحَدُبِآَياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ...}(2).
وبضميمة قوله {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}(3)وآية التطهير يعلم أنّ المراد هو أهل البيت مضافاً إلى آيات عديدة أخرى.
وقد روى الصفّار في بصائر الدرجات بإسناده عن برير بن معاوية عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قلت له قول الله: {بَلْ هُوَ آياتٌ بَينَاتٌ}.
قال (علیه السلام): «إيانا عنى»(1). فأهل البيت (علیه السلام) المطهرون الذين أوتوا العلم وعندهم علم الكتاب مع ذلك تجد أنّ النبي الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) صاحب المقام العالي يفتخر بحمزة، بالله عليك هل يمكن أن يكون النبي يفتخر بشيء ليس اصطفائياً؟ فمن غير المعقول أن يكون النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قد افتخر بشيء ليس اصطفائياً، وسنبين هذا البحث مفصّلاً، وحقيقة افتخار المعصوم هو تبيان واحتجاج على مقامه من الاصطفاء.
نلاحظ افتخار أهل البيت كالنبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) بذي الجناحين جعفر الطيار، وكذلك يفتخرون بأنّ منهم أبا الفضل العباس الطيار، وستأتي نصوص تبين بأنّ أبا الفضل العباس (علیه السلام) وصل الى هذا المقام وزاد.
1) بصائر الدرجات في فضائل آل محمد للصفار: ج1، ص45، باب 11 في الأئمة أوتوا العلم وأثبت ذلك في صدورهم؛ دعائم الإسلام لنعمان المغربي: ج1، ص22، باب ذكر ولاية الأئمة (علیهم السلام) من أهل بيت رسول الله ؛ بحار الأنوار للمجلسي: ج23، ص191، ح10، باب 10 أنهم (علیهم السلام) أهل علم القرآن؛ مستدرك الوسائل للنوري: ج17، ص327، ح21410، باب 13 عدم جواز استنباط الأحكام النظرية.
وقد نصّ زين العابدين والصادق (علیه السلام) على عمهم العباس (علیه السلام)، بل نصّ كل الأئمة المعصومين.
وكما سيأتي إن شاء الله في احتجاجات أمير المؤمنين على (المستولي الأول) على الخلافة في السقيفة، وعلى المستولي الثاني وكذلك احتج أمير المؤمنين بأحقّيته في الخلافة والإمامة الإلهية يوم الشورى؛ بأنّ حمزة عمّه أسد الله وأسد رسوله، وكيف يتم هذا الاحتجاج بدون كون مقام الحمزة اصطفائياً.
فيتضح أنّ له مقاماً اصطفائياً سنبينه إن شاء الله، وكذلك احتج بجعفر كدليل مستقل يأتي به أمير المؤمنين ضمن سبعين دليلاً على اصحاب الشورى عثمان وطلحة والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم، سبعين دليلاً على حجية الإمامة الإلهية والاصطفاء.
وأحد الأدلة المستقلة هو أنّ أخاه جعفر الطيار هو طيار بالجنة، فما هي نوعية هذا الدليل؟ هو استدلال واضح وبرهان قاطع أنّ مقام الطيار؛ اصطفاء وحجة، كما افتخر به سيد الانبياء، وهو المقام الخامس من الاصطفاء. بل درجة الاصطفاء لابد أن تكون متناسبة ومسانخة لدرجة اصطفاء سيد الأنبياء وسيد الأوصياء فضلا عن أصل الاصطفاء، ومن ثمّ كان
اصطفاء أفراد الدائرة الثانية لأهل البيت ظلٌ لاصطفاء الدائرة الأولى ومتميّزة على اصطفاء بقية الأنبياء والأوصياء في بيوتات الأنبياء الآخرين، فهم الشهداء على أعمال العباد وورثة علم الكتاب وأولياء الأعراف وأصحاب الولاية تبعاً للدائرة الاصطفائية الأولى لأهل البيت (علیهم السلام).
لاحظ هذه المادة العطرة القرآنية، فقد روى الفريقان بشكل متواتر، حديث الدار، قال تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}(1)، في احدى القراءات العشر، تتمه للآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ(ورهطك المخلصين)} (بفتح اللام وبكسره للمخلصين).
أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) دعا أربعين رجلاً من بني هاشم في حادثة يوم الدار، ما الذي عرضه على بني هاشم؟ عرض عليهم النبي في يوم الدار ما لم يعرض على النبي نوح ولا إبراهيم ولا موسى ولا عيسى، هل عند الله عَزَّ وَجَلَّ عنصرية؟! أو عنده قومية؟! أو عنده عصبية ترابية؟! تنزّه جلّ وعزّ الباري وتعالى عن ذلك.
1) سورة الشعراء: الآية 214.
كلّا بل ليس بين الله وبين أحد من خلقه نسب.
فالقسم الخامس أيضا مرتبط بقربى النبي ولكن بالدرجة والدائرة الثانية كالذين مرّ بنا نماذجهم.
إنّ القسم السادس من الحجج االاصطفائية قد يضم أفراداً من بني هاشم وقد يضم من غيرهم كمقام النواب الأربعة في الغيبة الصغرى الذين لهم مقام يختلف عن مقام الفقهاء والعلماء، لأنّ مقام الفقهاء والعلماء يصنَّف ضمن تقسيمات الحجج ويقع في القسم السابع.
وأمّا القسم السادس فأمثلته النواب الاربعة وجملة من أمهات الانبياء، ومن أمهات الأوصياء من الصدّيقات، يقعون في القسم السادس.
كما أنّ جملة منهنّ يقعن في القسم الخامس، لكن أم النبي موسى بيّن وذكر لها القرآن شأناً خاصاً، ولقمان نزلت سورة باسمه ويبين ويذكر القرآن له شأن خاص معين، وسلمان بحسب اتفاق المسلمين له شأن خاص.
وورد بأنّ حكمة سلمان الفارسي المحمدي أعظم من حكمة لقمان، بل التعبير الوارد في عدة من الروايات عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والوصي (علیه السلام) أعظم
في شان سلمان من ذلك، بالقياس وبالمقارنة الىلقمان مع أنّ لقمان نزلت فيه سورة كاملة!!!
إنّ هؤلاء الذين ذكروا كأصحاب النيابة الخاصة (النواب الأربعة) وسلمان ولقمان وبعض أمهات الأنبياء والأوصياء يقعون في القسم السادس وحجيتهم تختلف عن حجية الفقهاء والمراجع الأعلام الذين يسند إليهم القسم السابع، فأصحاب القسم السادس لهم مقام لدني لكنه دون المقام اللدني لأصحاب القسم الخامس المتمثل بالدائرة الاصطفائية الثانية لأهل البيت؛ فإنّ لهم مقامات لدنية، لابد أن نشرحها في فصل لاحق، وماهي المقامات اللدنية؟ فإنّها تنقسم إلى مقامات اصطفائية، ومقامات اكتسابية؟
وهَذَا لابُدَّ مِنْ شرحه إنْ شاء الله، بخلاف المقام السابع وهو مقام الفقهاء والمراجع في الفتوى والقضاء كما مرّ بنا، وهي ليست بالضرورة مقامات لدنية إنّما هي مقامات اكتسابية محضة.
أمّا أفراد القسم السادس فمقاماتهم لدنية، وقد يكونون من بني هاشم أو من غير بني هاشم، وسنخوض في فوارق هذه الأقسام لاحقا، بل ما ذكرناه إجمالاً في تقسيم الحجج الإلهية.
إنّ إحدى الفوائد العظيمة للمعرفة كما روو في روايات علماءُ الامامية والمحدثون في كتبهم، أنّ المعرفة الإيمانية الكاملة لاتتم إلا بمعرفة هذه الأقسام؛ الأقسام الأربعة والقسم الخامس والقسم السادس، وإجمالاً المعرفة العامة بالقسم السابع، لا يتم إيمان ومعرفة المؤمن الا بمعرفة هذه الأقسام.
ما هي فائدة هذا البحث الموسوعي في الدائرة الثانية من أهل البيت؟ وإن كان هذا البحث سيتكرر في جهات عديدة أخرى.
ولكن ما الفائدة والملزم للمعرفة الموسوعية بالدائرة الثانية لأهل البيت، لاسيما وهم من القسم الخامس؟
إنّه واجب اعتقادي كما سنبين ذلك بحسب الآيات والروايات فقد فُرِضَتْ علينا فريضة المودة للقربى وأعظم من تلك الفريضة جعلها عدل الدين كلّه فلابد من معرفة عنوان القربى وهل هو على دائرة واحدة أم
دائرتين لاسيما مع بيانه في قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}(1).
كما فُرِضَتْ علينا ولايتهم في آية المودة فرضها الله تعالى في آية الفيء أيضا وغيرها من الآيات كآية التطهير.
وكذلك افترض علينا أن نكون عوناً ونصرة للصادقين في قوله تعالى: {كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}(2).
فهل هم على دائرة واحدة أم دائرتين ودرجتين وكذلك أمرنا أننتولى الصالحين والشهداء والصديقين في آيات عديدة كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}(3).
فهل هم على دائرة واحدة؟ أم أقسام ودائرتين إلى غير ذلك من المقامات والشؤون التي ذكرتها الآيات الآتي الاستدلال بها. والحاصل أن لأهل الدائرة الثانية ولاية معرفة وطاعة على المؤمنين والمسلمين والبشرية.
ومرّ ذكر رواية تلقين النبي لحمزة عمه سيد الشهداء بعد الأوصياء، حيث بين النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) انّ معرفة الدائرة الثانية لأهل البيت مقام اعتقادي يُساءل عنه أمير المؤمنين والزهراء والأربعة عشر معصوماً فضلا عن نفس أصحاب الدائرة الثانية، فضلا عن غيرهم من سائر المؤمنين، فيتبين أنّ لأصحاب الدائرة الثانية مقاماً اعتقادياً خطيراً خطبه.
إكمال وإتمام معرفة وإيمان المؤمن،وهذه فائدة عظيمة جدا، كمال الايمان وكمال المعرفة هو الطريق المعبّد لمقامات عظيمة ينالها المؤمن في البرزخ وفي الموت وفي السَّوقِ الى الموت وفي الرجعة في كرات الرجعة الكثيرة وفي عالم القيامة.
والقيامة ليست بمعنى يوم (اربع وعشرين ساعة)، يوم بمعنى عالم وهذا العالم اكبر من عالم الدنيا.
كما انّ الرجعة وهي الدور الثاني والدور التكميلي للدنيا، الرجعة أعظم بنسبة خمسة أضعاف من عمر الحياة الدنيا الأولى فهذا طول عمر الرجعة.
والدنيا التي نحن الآن فيها هي الدنيا الأولى والحياة الأولى، اماالحياة الآخرة من الدنيا فهي الرجعة، وهي الحياة الآخرة من الدنيا، ومجموع مقدار
الحياتين كقطرة من عالم القيامة، وعالم القيامة عالم طويل، ليس يوماً (اربعاً وعشرين ساعة).
وهذا البحث لم يبلوره كثير في كتب الكلام والفلسفة العرفان، لكنّه بين في الوحي هكذا، في بيانات الكتاب والسنّة المطهرة، وبعد عالم القيامة أيضا سيأتينا عالم أعظم منه؛ وهو عالم الجنة الأبدية والنار الأبدية؛ عالم الخلود، والمعرفة الكاملة وايمان الانسان يُحظي الانسان بمقامات عظيمة في هذه العوالم التي ستأتينا، وكل عالم أكبر من الآخر، وهذه فائدة ثانية عظيمة لمعرفة الدائرة الثانية من أهل البيت.
هو لزوم المعرفة التفصيلية لشؤونهم وصلاحياتهم ومواقعهم في الاصطفاء لمعرفة الدائرة الثانية من اهل البيت، المعرفة الموسوعية، هي أن نؤمن بمقام ابي طالب؛ نؤمن بمقام عبد الله والد النبي، نؤمن بمقام آمنة بنت وهب نؤمن بمقام فاطمة بنت اسد، نؤمن بمقام جعفر الطيار، حمزة اسد الله واسد رسوله، نؤمن بمقام أبي الفضل العباس، مقام الطيار أيضاً، ويمتاز بمقام آخر، نؤمن بمقام علي الاكبر، إبراهيم بن النبي والطاهر والقاسم ابناء النبي، وأجداد النبي عبد المطلب عبد مناف هاشم وغيرهم من أفراد الدائرة الثانية.
وكل هؤلاء لهم حق الطاعة والولاية والمودة علينا، وسنلتقي بهم في البرزخ إن شاء الله، وفي الرجعة، والمعرفة الكاملة لهؤلاء تُحظِي الانسان ببصيرة وهداية عظيمة في مسيرة الدين وبرامج الوظائف الشرعية، فالفائدة الثالثة عظيمة لمعرفة الدائرة الثانية لأهل البيت، ليتم لنا التركيز والتسليم لشؤونهم وصلاحياتهم كما يتم لنا التوجه والتوسل بهم في الارتباط والعلاقة بالمعصومين الأربعة عشر (علیهم السلام).
لزوم الانقياد لولايتهم التي هي ظل لولاية الدائرة الاصطفائيةالأولى لأهل البيت (عليهم السلام) فهم الوزراء الأعوان للدائرة الأولى وإنَّ حجية هذه المراتب تختلف عن بعضها البعض، فحجية أبي الفضل العباس ليست كحجية نائب خاص فقط وليست كحجية مرجع في الفتيا فقط، بل أعظم، وحجية زينب ليست كحجية المرجع الأعلى في الفتيا، بل أعظم.
وحجية زينب ليست كحجية سلمان المحمدي الفارسي كنائب خاص وباب للمعصوم، بل أعظم، وحجية زينب وأبي طالب وحمزة وجعفر في الدين ليس كحجية سلمان الفارسي، بل أعظم، وحجية الدائرة الثانية لاهل البيت ليست كحجية النواب الاربعة في الغيبة الصغرى بل أعظم.
بل إنّ حجية بعض أفراد الدائرة الثانية لأهل البيت - كما سيأتي في جملة من أفراد الثانية لا كلهم - أعظم حجية من بقية الأنبياء أولي العزم، فضلا عن بقية الأنبياء والمرسلين وأوصياءهم.
وإذا كانت أعظم، فكيف لا تجب معرفتهم وإن لم يكونوا أنبياء والحال أنّ جميع الأنبياء يجب الاعتقاد بهم ويخلّ بالإيمان إنكار واحد منهم بل إنّ مذهب الإمامية أوجب معرفة النائب الخاص وأوجب الإيمان به اعتقاداً بل حكموا بأن الجاحد والمنكر للنائب الخاص مارق من الإيمان. فكيف حال الإيمان والمعرفة بأفراد الدائرة الثانية، فإنّ مقام حجيتهم أعظم بكثير كما مرّ وسيأتي، وهذا ليس على صعيد الحياة الاولى من الدنيا، بل على صعيد البرزخ وعلى صعيد الموت وعلى صعيد الرجعة وعلى صعيد عالم القيامة، بل على صعيد الحياة الاولى من الدنيا، يحتج بسيرة الفقهاء في الكشف عن قول أو فعل المعصوم (علیه السلام) ويعتضد بها وأنعم بذلك، ولكن فعل زينب شيء آخر، فعل أبي الفضل العباس شيء آخر.
وإذا كان الامام الصادق (علیه السلام)، من باب تعليم الآخرين، يذكر ويستشهد بكلام سلمان المحمدي الفارسي، فكيف بك بزينب، بحسببيانات القرآن، وهذا ليس قضية عاطفية بل هذه منظومة الدين، أوليس
الباري تعالى في سورة لقمان احتج أو استشهد بكلمات لقمان.
وهذه الموازين ليست جزافية وليست صدفة ولا اتفاقاً، بل هذا نظام في الدين، نظام في القرآن، نظام في معرفة القرآن، وهذه مباحث، ربما الكثير يتساءل كيف لم تُبلوَر، وكم هو القرآن غزير ويتضح بروايات أهل البيت أنّه بحر طمطام شيئا فشيئا يتعرف الإنسان عليه، وإذا كان القرآن الكريم يحتج بقول لقمان!
ولقمان لم يوصف بأنّه نبي ولا هو مرسل ولا هو إمام ولا وصفه القرآن بأنه مطهر ولا نعته بولاية اصطفائية، وهل شهد القرآن للقمان كما شهد لفاطمة؟ والجواب: لا، أو كما شهد لمريم؟ والجواب: لا.
بل وصفه كما في قوله تعالى: {يؤْتِيالْحِكْمَةَ مَنْ يشَاءُ وَمَنْ يؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِي خَيرًا كَثِيرًا}(1). ومع ذلك عقد القرآن سورة كاملة كملف علمي للقمان!
أيها المسلمون، لقمان يقع في أي قسم من أقسام الحجج، هل في قسم الفقهاء؟ لا.
1) سورة البقرة: الآية 269.
في قسم مراجع الأمة في الفتيا والفتوى والقضاء؟ والجواب: لا.
أو في محدّثي الأمة ورواة الامة الذين يقعون في رتبة بعد الفقها ء؟ والجواب: لا.
وأقسام الحجج سبعة، أو ثمانية أو عشرة اقسام عديدة، وأين يقع لقمان وفي أي قسم؟
ولابدّ للمسلم والمؤمن الذي يعتنق القرآن الكريم أن يعرف ويتدبرموقع ذلك المقام للقمان فضلا عمن هو أعلى وأعظم من لقمان، والمذاهب الاسلامية الاخرى غير مذهب أهل البيت لم تترجم هذه المباحث، وهذا شأنهم، وهم الى الآن في حيص وبيص في ترجمة شأن مريم وفاطمة، بل هم يواجهون الحيرة في ترجمة مقام الامامة غير النبوة والرسالة، إذ ليس لديهم تعريف اصطفائي وليس لديهم ترجمة اصطفائية، وهذه حقائق خطيرة في معرفة الدين ومن أين نأخذ معرفة ديننا؟
الدين يؤخذ من القرآن والعترة أي (الكتاب والعترة)، ولا يؤخذ من أفواه
الرجال، وهذه الاقسام التي بينها القرآن الكريم، لماذا لا تأخذ مجالا واسعاً في ساحة المعرفة الاسلامية؟
ولا أقول في ساحة معرفة المؤمنين، إذ لاريب أنّ المؤمنين والحمد لله لديهم ارتكاز اجمالي مفعم بذلك وإهتموا بهذه المباحث بشكل اجمالي ولكن يجب أن ترتب وتنضّد وتبوّب هذه المعرفة، بشكل القوالب التي وردت في الوحي.
وعندما نتعرف على القسم الخامس من الأصفياء من بني هاشم، هؤلاء ليسوا فقط بمستوى حجية فقهاء أو حجية النواب الأربعة بل لهم درجة اصطفائية تفوق كثير من الأنبياء بنص القرآن كما سيأتي فضلاً عن أن يقرنوا بحجية القسم السادس فضلا عن مقام الفقهاء الذين لهم القسم السابع.
ومعرفة نظام حجج الدين يسد الباب على المتقمصين والادعياء الذين ينشؤون فرق الضلالة وفرقا لإغواء المؤمنين والمسلمين.
إذ شجرة الدين كلما تتضح فإنّها تقطع الطريق أمام أدعياءالمهدوية أو أدعياء أشياء اخرى، وكثير من هذه الفرق الباطلة أو ما شابه ذلك من الفتن
والزيغ سببها عدم المعرفة الكاملة بشجرة الدين، إذ لهذا الدين قلاع وسور بل أسوار وليس سوراً واحداً.
وإذا عرفت هذه الحصون في الدين؟ كانت المعرفة أمانا وأمناً للدين وأهله وإذا كان الفقيه حصناً من حصون الدين، فكيف بك بأفراد الدائرة الثانية من أهل البيت؟ وإذا كان هناك دور لمشهور الفقهاء رض، أو سيرة الفقهاء والعلماء.
كما في قوله (علیه السلام): «يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر...»(1)، فتأمّل هذه الرواية العظيمة، وقال (علیه السلام): «...فإن المجمع عليه لا ريب فيه...».
وإذا كانت سيرة العلماء وسيرة الفقهاء لها دور بهذه المثابة! وهم القسم السابع، فكيف بسيرة وأقوال وأفعال أفراد وحجج من القسم الخامس؛ فإنّ دورهم أكبر بكثير جداً فِي الدين وفِي المعرفة وفِي العقيدة.
1) عوالي اللآلي العزيزية في الأحاديث الدينية لابن أبي الجمهور: ج4، ص133، ح229؛ الوافي للفيض الكاشاني: ج1، ص291، باب 14؛ بحار الأنوار للمجلسي: ج2، ص245، ح57، باب 29 علل اختلاف الأخبار وكيفية الجمع بينها والعمل بها ووجوه الاستنباط وبيان أنواع ما يجوز الاستدلال به؛ مستدرك الوسائل للنوري: ج17، ص303، باب 9 وجوب الجمع بين الأحاديث المختلفة.
أشبه الناس خَلقا وخُلقا ومنطقا برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)! والحال أنّ القرآن لم يصف لقمان بذرة مما وصف به علي بن الحسين!
وهذه الكلمات صدرت من الحسين (علیه السلام) الذي هو شجرة النور المباركة وهي أهل البيت (عليهم السلام)، فهل يصدر منه هذا التصريح حول ابنه علي بن الحسين الأكبر من باب العنصرية؟ والجواب: لا، ولا قومية، بل هذا اصطفاء، كما قال تعالى: {ذُرِّيةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍوَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(1).
بعد قوله تعالى: {إِنَّ الله اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}(2).
آَلَ إِبْرَاهِيمَ عشيرة أو شجرة سلالة إصطفائية؟ وليست عصبية عشائرية ترابية؟ بل إنّ العصبية الترابية يرفضها القرآن الكريم، ومصيرها الى النار، وهذا ليس تعصب تراب وطين ودم وسفليات، بل هو تعصّب وتشدّد على علويات اصطفائيات.
آل إبراهيم وآل عمران، وفي قراءة من القراءات العشرة أو العشرين التي يرويها العامة عن عبد الله بن العباس في نفس هذه الآية وترويها مصادر السنة أكثر من الشيعة: {إِنَّ الله اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ - وآلَ مُحَمَّدٍ - عَلَى الْعَالَمِينَ}.
سواء استندنا الى هذه القراءة من القراءات أو لم نستند؛ (آَلَ إِبْرَاهِيمَ هم آل محمد: {ذُرِّيةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ}(1)(2)، ليست تنسيباً طينياً أرضياً، ولماذا هذا التنسيب؟ لأنّ ذرية الجينات الوراثية الاصطفائية منه تعالى يؤكد عليها القرآن، وهذا ليس تعصباً قرآنياً جزافياً، والله سميع عليم.
فما نحمله من مخزون معرفي تجاه موقعية الفقهاء والمراجع في الفتيا والقضاء، بل ما نحمله من مخزون معرفي عن بقية الأنبياء حجية ومعرفة هذا المخزون بشكل أعظم وأكبر موجود عند اصحاب القسمالسادس من أفراد
الدائرة الثانية لأهل البيت، وهذا المخزون متوفر موجود بشكل أكبر وأكبر وأعظم عند أصحاب القسم الخامس.
أصحاب القسم الخامس ليس بالخطب الهين موقيعتهم في الدين، ودورهم في الدين وفي العقائد في المعرفة، ليس دوراً عادياً، وهذا الدور لم يقتصر للدائرة الثانية لاهل البيت، على الحياة الاولى.
بل الآن لهم في البرزخ وفي الرجعة، الدائرة الثانية منظومة تأتي رتبة أدوارهم بعد الاربعة عشر معصوما، وأنّها نقطة مركزية تبدأ من سيد الانبياء ثم بقية الخمسة اصحاب الكساء، ثم التسعة صلوات الله عليهم، وهذه الدائرة الاولى.
ومرّ بنا أنّ الدائرة الاولى هي على مراتب، وهذه الدائرة الاولى الاربعة عشر معصوماً التي هي على مراتب.
وبعدها تأتي الدائرة الثانية كأبي طالب وحمزة وجعفر وأبي الفضل العباس وعلي بن الحسين الأكبر وإبراهيم بن النبي وغيرهم، وهؤلاء شبكة تحيط بهؤلاء الاربعة عشر معصوماً ولها دور في رعاية الدين، الآن في البرزخ وفي القيامة وفي الجنّة وفي العوالم الأخرى.
وبعد هذه الشبكة المنظومية للدائرة الثانية لأهل البيت يأتي دور القسم السادس أمثال النواب الخاصّين وبعض أمهات الائمة وأمهات الانبياء والرسل وغيرهم، ومنه أيضاً دور سلمان ولقمان، وهذه معلومة يجب الإلتفات اليها، إنّ النيابة الخاصّة الآن بعد الغيبة الصغرى انقطعت، ومن يدّعها فهو دجال مفتر، ومن يتّبعه فهو مارق من الدين(1).
إنّ النيابة الخاصة لم تكن مقتصرة على الغيبة الصغرى فالرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) كان له نواب خاصون كسلمان وأبي ذر وحذيفة، ولايبعد أن أسَيد بن عتّاب أيضا كما في اشارات الروايات إلى ذلك، والوالي على مكة كان شاباً من أهل مكة شديد الحب والمودّة لأهل البيت (علیهم السلام) عينه النبي واليا على مكة، كان عمره آنذاك ثماني عشرة سنة، وكان ارتباطه بسيد الانبياء في حياة سيد الانبياء بالنيابة الخاصة لا كنيابة الفقهاء، وكذلك كان للفقهاء دور في زمن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)
1) الغيبة للطوسي: ص395، باب ذكر أم أبي الحسن علي بن محمد؛ بحار الأنوار: ج51، ص361، ح7، باب ذكر إقامة أبي جعفر محمد بن عثمان؛ الاحتجاج للطبرسي: ج2، ص478، باب احتجاج الحجة القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف.
كما هو نص آية النفر؟
وكل إمام معصوم كان له نواب خاصّون حسب روايات عديدة كأمير المؤمنين والامام الحسن والحسين والسجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري (صلوات الله عليهم) كلهم كان لهم نواب خاصون مأمورون غير النواب العامّين من الفقهاء، ويلاحظ بذلك بنية طبقات نظام منهاج الدين أنّه صرح وبناء له طبقات وقد مرّ البحث في هذه الاقسام.
فمقام الدائرة الثانية من أهل البيت (صلوات الله عليهم) إذا كان بعض أفراده مقدّم على جملة من الأنبياء والرسل والأوصياء من بيوتات الأنبياء السابقين فكيف لا يكون مقدّماً على النواب الخاصين ومقدّم على النواب العامّين من الفقهاء والمراجع في الفتوى والقضاء، ودورهم في الحجية اصطفائي وكذا ولايتهم ومودتهم ورفعة شأنهم في الدين، بل سيتضح أنّ للدائرة الثانية من أهل البيت شأن عظيم لا يقتصر على أنّهم مقدمون على النواب الخاصين والفقهاء وما شابه ذلك فهناك للدائرة الثانية من اهل البيت، وظيفة اعتقادية وولائية وتنظيمية في الدين تجاههم، والبحث عن الدائرة الثانية من أهل البيتوالدائرة الثانية من القربى في هذا الصدد.
القسم السابع الفقاهة والمرجعية في الفتيا والقضاء وهي أيضا كانت في زمن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، لأنّ دور المرجعية والفقهاء كما هو المفروض أن يكون واضحاً لدى المؤمن خلافا لمن يكِنّ العداء والعدوان للحوزات العلمية الشيعية والفقهاء، فدور الفقهاء (القسم السابع) بدأ من زمن النبي، وليس من زمن الغيبة الكبرى ولا من الغيبة الصغرى، والقسم السابع كما هو مذكور في الآية الكريمة، قال تعالى: {... فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِينْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يحْذَرُونَ}(1).
وآيات أخرى كثيرة تؤكد على وجود دور الفقهاء والمراجع في الفتيا والقضاء منذ زمن النبي وأمير المؤمنين والحسن والحسين والتسعة المعصومين من ولد الحسين صلوات الله عليهم، هذا الدور كان موجوداً، ولايظنّ الظان أنّه ابتدأ من زمن الامام الصادق (علیه السلام)، بل هذا الدور مستمر في البرزخ وفي الرجعة وفي عالم القيامة وهلم جرّا.
قال تعالى: {... قُلْ هَلْ يسْتَوِي الَّذِينَ يعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يعْلَمُونَ إِنَّمَا
1) سورة التوبة، الآية 122.
يتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}(1). وقال تعالى: {...يرْفَعِ الله الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(2).
هذا القسم السابع دورهم منذ زمن النبي لا يزايد أحد على دورهم، بل دور الفقهاء والمراجع دور قرآني اصيل.
معرفة شجرة الدين يقطع الطريق أمام الادعياء وأمام الكثير من الانحرافات والزيغ، فهذه المعرفة مهمة، لأنّها معرفة موسوعية وضرورية ومهمة وعلى المؤمن أن يخوض غمارها ويتبحر فيها، وفي رواية عن الباقر (علیه السلام) قال لجابر بن يزيد الجعفي:
«يا جابر أتدري ما المعرفة؟ المعرفة إثبات التوحيد أولاً ثم معرفة المعاني ثانيا ثم معرفة الأبواب ثالثا، ثم معرفة الإمام رابعا، ثم معرفة الأركان خامسا، ثم معرفة النقباء سادسا، ثم معرفة النجباء سابعاً، وهو قوله تعالى: {لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ
رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}(1). وتلا أيضا: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(2)»(3).
أي أنّ هذه المعرفة الايمانية لاتتم إلّا بمعرفة هذه الأقسام العديدة، وهذه فائدة عظيمة يجب الإلتفات اليها.
وسنذكر نقطة أخرى نعنونها بهذا العنوان (ما هي الفوارق بين هذه الاقسام من جهة الآثار في الحجية؟) كي يكون المؤمن أو الباحث وطالب العلم أو الفقيه المستنبط، يميز بين هذه الأقسام من الحجية، وماهو الفارق بين هذه الاقسام في الحجية، ولا ريب أنّ هناك فوارقاً، نظير ما يقرر في اصول الفقه.
فالأدلة الاجتهادية مقدمة على الاصول العملية، والقطع واليقين المستند إلى أسس صحيحة مقدم على الأدلة الاجتهادية، والادلة الاجتهادية
ذات مراتب ايضا تتقدم بعضها على بعض، والاصول العملية ايضا تتقدم بعضها على بعض، وليس هناك تضارب، بل هونسق وتناسق ولكن يجب أن يحفظ هذا النسق ويعطف ويؤول الاقل مرتبة على الاعظم مرتبة، لأنّ الاعظم مرتبة أشد إحكاما، وهذه المعرفة المنظومية هي المعرفة التامة.
ربما يتسائل البعض عن المؤدى الاجتماعي لهذا البحث؟ وما هو التأثير له في العصر الراهن؟ طبعاً هناك تأثير بالغ لا يقتصر على هذا العصر، بل في كل عصر، فالقرآن الكريم يجعل من عنوان أهل البيت (علیهم السلام) عنوان محوري ومركزي، لقيادة هذا الدين وقيادة الأمة الى يوم الدين وإنّ أهل البيت (علیهم السلام) هم القادة والقدوات وهم الاسوة والمصدر التشريعي.
وبالتالي يستمد منهم المسلمون والمؤمنون كل ما يحتاجون إليه في رؤى الحياة وهذا ليس بالشيء الهين، وسيأتي إن شاء الله بيان مقتضى ومدلول تقدم موقعية افراد الدائرة الثانية من اهل البيت، الذين هم من القسم الخامس من الحجج، على القسم السادس وعلى القسم السابع، وكذلك عن الفوارق بين افراد الدائرة الاولى الاربعة عشر معصوماً والدائرة الثانية الذين هم
مصطفون من بني هاشم، أي كل من الفوارق والآثار هي بمثابة اجابة عن مدلول ومؤدى هذه العقيدة في اليوم الراهن في العصر الراهن، وانعكاساتها وتداعياتها علينا الآن وقبل وفي المستقبل إن شاء الله وليس هو من الترف والهامش العقائدي.
كما أنّ الاعتقاد بالمعاد الآن له مؤدّى مُؤثِّر في يومياتنا سواء التفت إلى تلك الآثار المؤمن والعارف المسلم أم لم يلتفت - وكذلك فإنّ افراد الدائرة الثانية من أهل البيت ذوي مؤدى وتأثير عظيم جداً في مسيرة المسلمين والمؤمنين، سابقاً وراهناً ومستقبلاً.
إنّ ملاحظة مراتب الحجج في منظومة الدين ذات أهمية بالغة فبعد الدائرة الثانية تأتي دائرة النواب الخاصين أمثال سلمان لأنّ سلمان كان نائباً خاصاً للنبي وعلي أمير المؤمنين (علیه السلام) وكذا أبو ذر وغيرهم، كالنواب الأربعة في الغيبة الصغرى، وبعد ذلك يأتي دور علماء مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) من الفقهاء والعلماء.
ومن ذلك يتبين أنّ دور هذه الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام) خطب
جليل، وإنّ مقامات الدائرة الثانية من أهل البيت والقربى مقام عقائدي يساءل عنه المؤمن، بل يسائل عن هذه المقامات المصطفون عن الدائرة الثانية بل الدائرة الاولى.
كما ورد أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) استنطق علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (علیهم السلام) وأخذ منهم الشهادة والإقرار بمقامات الدائرة الثانية كما يأخذ الاستنطاق والبيعة على الدائرة الأولى.
كيف لا وقد استفاض وتواتر عنهم (علیهم السلام) المفاخرة والاحتجاج لإمامتهم بمقام الحمزة وجعفر الطيار.
فإذا كان أمير المؤمنين وفاطمة يؤخذ منهم البيعة والإقرار والتسليم العقائدي على مقام الحمزة، وحمزة أيضا يؤخذ منه التسليم بذلك.
كما أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بنص القرآن يأخذ الله عز وجل منه اعتقاد النبي بمقام نفس النبي، فالخطب عظيم وخطير والبحث ليس ترفاً، ولا يقتصر هذا البحث على الخطورة الإعتقادية، وان كانت هي اخطر الخطورات بل هذا البحث له تداعيات فقهية كبيرة جدا وهامة.
إنّ مقام النواب الأربعة عند فقهاء الغيبة الصغرى والغيبة الكبرى اعتقادي، بل رتبتهم مقدمة إجمالاً على رتبة وموقعية وحجية النواب الخاصين من تاريخ أئمة أهل البيت (علیهم السلام) لأنّ لكل معصوم من المعصومين نواباً خاصين كانوا مغمورين في أزمانهم، وليس كما قد يتخيل إنّ النيابة الخاصة مقتصرة على النواب الأربعة عن الإمام الحجة بن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجه الشريف في الغيبة الصغرى.
نعم ضرورة المذهب قائمة على عدم النيابة الخاصة في الغيبه الكبرى، فقد انقطعت النيابة الخاصة في الغيبة الكبرى ومن يدّعِها فهو مفترٍ ودجال، ولكن في زمن ظهور وحضور المعصومين السابقين كان لكل معصوم نواب خاصّون كالنواب الاربعة في الغيبة الصغرى هذا فضلا عن النواب بالنيابة العامة وهم الفقهاء والمراجع في الفقه والعلوم الدينية.
وموقعية الدائرة الثانية متقدمة على النواب الخاصين فضلا عن الفقهاء والمراجع في الفتيا، فإنّ حجيتهم ودورهم اصطفائي والتعرف على مقامهم ليس بالأمر الندبي، بل مرتبط بمصادر بهم كمصادر ومنابع لتراث الدين.
كما هو الحال في درجة اعتبار الرواية لو رويت لنا عن النائب الخاص حيث يتعامل معها الفقهاء بنحو يرتقي في درجة الاعتبار على الراوي الثقة العدل بالنسبة للنائب الخاص الأول وهو العمري الأب أو العمري الابن أو النوبختي النائب الثالث أو السمري علي بن محمد النائب الرابع في الغيبة الصغرى والأمر في هؤلاء المصطفين من أفراد الدائرة الثانية أعظم فيما يروى عنهم كواسطة بيننا وبين الدائرة الأولى فقط وواسطة بين الفقهاء أو النواب الخاصين وبين الدائرة الأولى - الأربعة عشر معصوماً -، وسيأتي المزيد من البحث فيذلك، وإنّ كل قسم من هذه الاقسام الخمسة نصّ القرآن الكريم على إنّهم ذو مراتب، مثل الأنبياء ووردت نصوص من الآيات القرآنية بأنّ الأنبياء بينهم تفاضل، والرسل ايضا بينهم تفاضل، قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}(1).
إنّ النبوة والرسالة ليست على درجة واحدة، قال تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيينَ عَلَى بَعْضٍ}(2).
كذلك الأئمة أو الإمامة ليست على درجة واحدة بل هي على درجات، فسيد الانبياء له أعظم الدرجات، وربما لم يخض فيه المتكلمون بشكل مبسوط ولكن هذه هي الحقيقة بحسب الأدلة، فالعقائد لها بسط يجب التأمّل والتأنّي والتدبر فيه ملياً، لاحظ مثلاً ما في خطبة الغدير من قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «من كنت مولاه فهذا علي مولاه»(1).
دقق هنا الاشتراك في المولوية، من كنت أنا وليه فعلي وليه من كنت أنا أميره فعلي أميره من كنت أنا نبيه فعلي إمامه، فسيد الأنبياء له مقام الإمامة وله مقام النبوة والرسالة وحاوي لكل المقامات، وبالتالي مقام الإمامة لسيد الأنبياء لا يصل إليه أحد، ثم مقام الإمامة لأمير المؤمنين ثم الحسنين ثم التسعة المعصومين من ولد الحسين (علیه السلام).
ومقام الإمامة الذي اثبته القرآن الكريم للنبي إبراهيم يختلف درجة ورتبة عن مقام الامامة الذي يثبت لاهل البيت (علیهم السلام)، حسب بيانات القرآن الكريم كما مرت الإشارة إليه.
وأمّا المقام الرابع مقام الولاية الاصطفائية كالذي ثبت لفاطمة ولمريم بنت عمران بحسب نصوص القرآن ونصوص السنّة المطهّرة
1) الكافي: ج2، ص384، ح108، باب فيه نكت من التزيل؛ أمالي الصدوق: ص122، المجلس 26.
للمعصومين (علیهم السلام)، وهذا القسم الرابع ايضا درجات كما مر بنا، فيندرجافراد في قسم واحد؛ في حين بينهم درجات متفاوتة.
يلاحظ في محمد وآل محمد صلوات الله عليهم، الاربعة عشر معصوماً، هي الدائرة الاولى من أهل البيت (علیهم السلام)، التي تندرج حقيقتها في الاقسام الاربعة (النبوة والرسالة والإمامة والولاية الاصطفائية).
وهذه كلها نصوص وقوالب وعناوين وردت في نصوص الوحي من القرآن والسنّة، فالدائرة الاولى لأهل البيت تُقسَّم الى أربعة اقسام وهي رباعية الاقسام وردت في النصوص.
القسم الخامس كما مرّ بنا عبارة عن الدائرة الثانية من أهل البيت الذين ذكرنا اسماءهم، لهم نسبة مع سيد الانبياء، وهم من بني هاشم، وإنّما تشرّف هاشم جدّ النبي بسيد الانبياء، فهذه النبعة النبوية العظيمة، كما ارفدت لآبائه وأجداده الى هاشم.
كذلك ترفد من ينسل من هاشم وهم (بنو هاشم)، وليس المقصود من القسم الخامس كلّ بني هاشم أو كل من ينتسب الى رسول الله، إنّما هناك ثلّة
من بني هاشم؛ وصلوا الى درجة اصطفاء واصطفوا واندرجوا في القسم الخامس، كآباء وأجداد النبي وعلي صلوات الله عليهما الى اسماعيل، كلهم اوصياء بحسب نص القرآن وبحسب ما دلّ على البيان القرآني الامام الصادق (علیه السلام)، ويأتينا في محله.
وايضا حمزة وجعفر وابو طالب وعلي الأكبر (علي بن الحسين) وأبو الفضل العباس وزينب العقيلة وبقية افراد ونجوم الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام)، ونستطيع ان نعبّر عنهم بالدائرة الثانية من القربى.
عنوان (القربى) ليس هو عنواناً روتينياً أو اعتيادياً بشرياً، بل هو عنوان قالب وَرَدَ في كلام الله عَزَّوَجَلَّ، ويبين القرآن الكريم أنّ هذا العنوان وهذا القالب له انطباقان؛ انطباق على الاربعة عشر كدائرة أولى، وله انطباق على الدائرة الثانية أيضاً.
فعنوان القربى في القرآن له شأن ومقام منظومة خاصة من القيادة للأمة الاسلامية ستأتينا، عنوان القربى للنبي (القربى الاصطفائيين)، لا مطلق القربى، بل القربى الذين اصطفوا.
قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ بِإِذْنِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}(1).
عنوان أهل البيت في القرآن وعنوان القربى أو الأقربين في القرآن ليس استعمالاً شعرياً أدبياً بل هو عنوان وموضوع يشير الى حقيقة مقام وشأن وصلاحيات واصطفاء إلهي خاص، فالدائرة الثانية من أهل البيت ذات أصل وجذر قرآني بحسب بيانات المعصومين، فانطلاقها من أسس منظومة ونظام قرآني، وهذا النظام القرآني بدأ يتوهج بالنبي واصحاب الكساء ثم التسعة المعصومين فيكون اربعة عشر ثم يتمدد الى القربى الحافين بأنوار الأربعة عشر، فنور الخمسة هو الابتداء في سورة النور.
وكما أنّ نور التسعة يحيط بنور الخمسة أصحاب الكساء، كذلك نورالقربى المصطفين من أفراد الدائرة الثانية من أهل البيت يحيط بنور الأربعة عشر
1) سورة فاطر، الآية 32.
معصوماً، وليس كل القربى مصطفين بل بعضهم، وهذه هي الشجرة النورية المصطفاة المباركة في سور قرآنية عديدة يبينها القرآن الكريم {سلام على آل ياسين}، أو {إل ياسين} والإل هو الآل لغة. فالقسم الخامس له جذور قرآنية وإنّ جملة الآيات العظيمة المهمّة في اهل البيت تنطبق على الدرجة الثانية بعد الاربعة عشر معصوما كما سيأتي في دلالة جملة من النصوص وتنطبق على ثلّة من أهل البيت بإجماع المسلمين، وهناك جملة من الآيات نزلت في شأن حمزة وجعفر بل وفي أبي طالب وعبد المطلب وهاشم وخديجة وفاطمة بنت أسد وسلسلة آباء وأجداد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بإجماع المسلمين.
وهذا مما يدلل على إنّه بحمد الله العقيدة والمعرفة بالدائرة الثانية في بعض أفرادها نستطيع ان نقرر بلورتها انّها بحسب جذورها إجماع بين المسلمين، وسيأتي أن الفريقين رووا بطرق متواترة مجموعاً في ذيل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}(1).
فاصطفاء شجرة بني هاشم وهذه الروايات إما في ذيل هذه الآية
1) سورة المائدة، الآية 101.
أو في قاعدة الولد للفراش أو في طعن بعض الصحابة في بني هاشم، وكذلك الروايات المتواترة عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث يوم الدار في نزول قوله {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} حيث بين (صلی الله علیه و آله و سلم) اصطفاء شجرة بني هاشم وبني عبد المطلب.
إنّ ما يحظى به حمزة أسد الله وأسد رسوله سيد الشهداء بعدالاوصياء وكذلك جعفر الطيار هاتان البنيتان الجذريتان في هوية الاسلام والمسلمين لا ينازع فيها أحد، وستأتي الآيات الكثيرة بروايات من الفريقين التسالم على نزولها في أمير المؤمنين وحمزة وجعفر، فهذه الدائرة الثانية عندما نريد أن نخوض فيها لا يظنن ظان انها مختصة في الادلة والبيانات بمصادر اهل البيت (علیهم السلام) بل هي من مصادر الفريقين وبعبارة أخرى إنّ كثيراً من علماء المذاهب الاسلامية الاخرى لديهم تسالم على انطباق جملة من الآيات الاصطفائية على حمزة وجعفر الطيار، وهذا شيء مهم جدا له قيمته الاستدلالية وقيمته في هوية الدين وتسالماته، وهذا يعطينا انطلاقة الشيء الكثير الكثير إن شاء الله في هذا البحث الموسوعي من الدائرة الثانية لأهل البيت (علیهم السلام).
عند الإلتفات الى معنى الإصطفاء، والفضائل والصفات والكمالات تجد بعضها اصطفائية، وبعضها اكتسابية، الصفات الاصطفائية تنقسم إلى:
صفات لدنية (وهبية ملكوتية).
مادية محسوسة.
كذلك الصفات الإكتسابية تنقسم الى نفس هذه الأقسام:
صفات لدنية (وهبية ملكوتية).
مادية محسوسة.
فتكون النتيجة اربعة أقسام وبيان ذلك، أولاً ما معنى الصفة الاصطفائية في مقابل الصفة الاكتسابية؟
قد يتخيل الكثير أنّ الاصطفاء او صفة الاصطفاء فعل يقوم به الباري تعالى جبرا وإلجاءً، الاصطفاء وإن كانت حقيقته انه فعل من أفعال الله عز وجل ولكنه ليس جبرياً ولا إلجائياً ولا جزافياً ولا صدفة، وإنّ المادة الاصلية للإصطفاء في اللغة من صفا يصفو الطاء مقلوبة من التاء أصتفىافتعل فاء المادة وعين المادة ولام المادة من الصفو، مثل صفّى نقّى، فالطاء مقلوبة من التاء اصطفى.
فكثيرا ما يتناهى إلى الاذهان أنّ معنى الاصطفاء هو فعل جبري ليس باختيار الانسان أصلاً! بينما يتناهى إلى الاذهان أنّ معنى الصفة الاكتسابية هي أنّها صفة اختيارية يقوم بها المخلوق والعبد بجهد اختياري، ولكن هذا الفهم والمعنى المنطبع في الأذهان غير صحيح وليس هذا هو الفرق الفارق بين الصفة الاصطفائية والصفة الاكتسابية.
يتعلق الاصطفاء مثلا بالنبوة ويتعلق بالرسالة وبالحجية الإلهية وبالولاية اللّدنية الملكوتية من الله، فبالتالي الاصطفاء يتعلق بمقامات ومن
الخطأ أن يقال إنّها لا اختيار للانسان فيها، لكن لا بنحو التفويض كقوله تعالى: {وَرَبُّكَ يخْلُقُ مَا يشَاءُ وَيخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيرَةُ سُبْحَانَ الله وَتَعَالَى عَمَّا يشْرِكُونَ}(1).
هذه آية من الآيات الشارحة للاصطفاء، وربما المشهور في الكلمات وفي الألسن وفي الاذهان هو الإلجاء وبالتالي ليس هو اختيار من العبد والعبد مُلجأ على ذلك كما يقال.
من الشائع في الأذهان أو في الكتابات إن المقامات الاصطفائية كمقام النبوة والإمامة والرسالة والحجية الإلهية(الطهارة) التي هي من الله (ليطهركم تطهيرا) هي أفعال ومقامات من قبل الله عزّ وجل ولاشأن للبشر فيها! وهذا معنى صحيح في بعد وغير صحيح في بعدآخر. بل الصحيح أنّ مجمل ومطلق الصفات الاصطفائية أصلاً غير إلجائية خلافا لما هو مشهور في الألسن والأذهان كما سنبين دلائل ذلك في العديد من الآيات والروايات، فإذا كانت الصفات الاصطفائية غير إلجائية وغير جبرية، إذن فهل النبوة
1) سورة القصص، الآية 68.
والرسالة والإمامة والحجية الألهية اللدنية الملكوتية بإختيار الإنسان؟ الجواب عن ذلك نعم ولا، في بعد نعم وفي بعد لا.
فليس الاصطفاء كما اشتهر في الألسن وفي الكلمات وفي الكتب أنّه أمر جبري بحت، بل هو أمر بين أمرين (لا جبر ولا تفويض أمر بين أمرين)، الاصطفاء فعل الله ولكن ليس بعيداً منقطعاً عن فعل العبد.
فليس فعل الاصطفاء فعلاً من الله جزافا ولا اعتباطاً ولاصدفة ولا اتفاقاً وإنّما هو مرتبط بإختيار وفعل العبد نفسه.
هذه الصفات والمقامات الإصطفائية من الله ولكن هذا الفعل الإلهي ليس مباينا عن فعل العبد بل له ارتباط أكيد ووطيد بفعل العبد، غاية الأمر أنّ هذا الفعل الإلهي وهو الاصطفاء الذي له نمط ارتباط بفعل العبد، يختلف عن الصفات الاكتسابية، وهناك عدة بيانات نجدها في الآيات والروايات توضح لنا ذلك.
ففي دعاء الندبة يبين الإمام (علیه السلام) معنى الاصطفاء، حيث في بدايته الصلوات على الذين اصطفاهم الله في قول الإمام (علیه السلام):
«الذين استخلصتهم لنفسك ودينك،... بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها فشرطوا لك ذلك، وعلمت منهم الوفاء به، فقبلتهم وقربتهم وقدمت لهم الذكر العلي، والثناء الجلي، وأهبطت عليهم ملائكتك. وكرمتهم بوحيك، ورفدتهم بعلمك»(1).وهذه بنود الاصطفاء، في هذه العبارة والمعادلات المذكورة تبين لنا الإصطفاء سواء في مقام النبوة او في مقام الرسالة او في مقام الإمامة او في مقام الحجية الإلهية، كلهم داخلون ومندرجون في هذا الإصطفاء العام، وكيفية هذا الاصطفاء، أولاً كانت هناك مشارطة ومعاقدة.
وهذه المشارطة والمعاقدة ليست تقتصر على دار الدنيا بل أيضاً قبل عالم الدنيا، في عوالم الميثاق وعوالم الذر، عوالم سابقة نظير ما تحكيه لنا سورة آل عمران من باب النموذج لا الحصر، في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النَّبِيينَ لَمَا آَتَيتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ...}.
هذا الميثاق الذي أخذ على النبيين قبل إعطاء الأنبياء الكتاب، وقبل
1) بحار الأنوار: ج99، س104؛ المزار الكبير لابن المشهدي: ص574، الباب الثاني الدعاء للندبة؛ إقبال الأعمال لابن طاووس: ج1، ص295، باب دعاء آخر بعد صلاة العيد.
إعطائهم النبوة وقبل إعطائهم الحكمة بقرينة في الآية لابد من التدبر فيها.
قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النَّبِيينَ لَمَا آَتَيتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ...}(1).
(لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) هل يؤمنون بعد صيرورة النبوة لهم؟ او يؤمنون بعد إتيانهم الكتاب؟ أم يؤمنون بعد إتيانهم الحكمة؟
فهذا من تحصيل الحاصل، لان النبوة هي علم وحياني واضح بمطلق الحقائق الحقّة، (لَتُؤْمِنُنَّ به) أي بعدهم لم يتحقق منهم ذلك.
وهل يعقل أن نبياً من الأنبياء أوتي النبوة ولم يحصل منه الايمان بالأصول المعرفية الحقّة؟ لا يعقل ذلك.
هذه المشارطة نموذج؛ (بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها فشرطوا لك ذلك)؛ هذا لا يقتصر على عالم الدنيا، يؤكد القرآن على سبق ذلك، انّما هو في عالم أسبق، شبيه ما في القرآن
1) سورة آل عمران، الآية: 81.
الكريم، في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}(1).
(مِنْ ظُهُورِهِمْ) يعني الأصلاب وليس من أرحامهم، وليس من قبورهم! مِنْ ظُهُورِهِمْ في صلب الأصلاب وهو صلب آدم بمقتضى ترامي الظهور لصدق البنوة (بني) إلى أن تصل إلى نفس آدم، والأصلاب عالم قبل الأرحام، قبل عالم طينة الأرض او القبور، بل هو عالم الذر يسمّى، {...أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى...}.
وهذا ايضا ميثاق ونوع تواثق وعقد أخذه الله على بني آدم في عالم الذر، وهذا في آية الذر بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}(2).
يبين القرآن الكريم لنا أنّ هناك مواثيق أخذت تارة على جميع البشر
وأخرى على بعضهم، وهذه المعاقدات والمواثيق والشروط قد أخذت من قبل الله تعالى. والآية الكريمة في سورة آل عمران تحتمل دلالتها أنّ النبوة والكتاب والحكمة إنّما اعطاها الله عز وجل للأنبياء قبل عالم الدنيا عندما أقرّوا قال لهم: أَأَقْرَرْتُمْ؟ قالوا بلى. كما في قوله تعالى: {...قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}.
فالنبوة لم تُعطِ للأنبياء عفويا جزافا، لأنّ شأن الله وسننه في جزائهأو عطياته ليس جزافا، لابدّ لكل تخصيص إلهي من شأن، وهذا مثال نموذج بالحقيقة وإلّا فالبحث عام يعم ويشمل كل بحوث الاصطفاء، كقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النَّبِيينَ لَمَا آَتَيتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}(1).
(أَأَقْرَرْتُمْ) إيجاب و(قَالُوا أَقْرَرْنَا) قبول، قال: (أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي)؛ هذا تغليظ للعقد والتعاقد وليس عقداً هيناً، لأنّ العوض
1) سورة آل عمران، الآية 81.
والمعوض في شيء خطير: نبوة، كتاب، وحكمة، هذه عطيات اصطفائية خطيرة، قال: {أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي، قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}(1).
وإقامة الشهادة عليه مضافاً إلى التقرير وأخذ والاصر يبين أنّ عقد الاصطفاء عقد مغلّظ جدا، كما ذكر في دعاء الندبة أول خطوة في الاصطفاء، هو: (شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها»)(2).
إذن كل من اصطفاه الله عز وجل سواء في القسم الاول النبوة أو القسم الثاني الرسالة، أو القسم الثالث الإمامة أو القسم الرابع الطهارة والاصطفاء أو القسم الخامس من أفراد الدائرة الثانية من أهل البيت كل هؤلاء حصل اشتراط معهم سابقا. وهذا الاشتراط في كل اصطفاء بمقتضى ماهيته أشير إليه في بداية استهلال دعاء الندبة مطابقا لأصل قرآني أصيل، وبين الدعاء منظومة ضخمة وعظيمة، توضّح البنيان والصرح العقائدي الأصيل الاصطفائي الذي يقوم بقيادة مسيرة الحق والهداية.
إنّ هذا النظام المعادلي الذي يؤكد عليه دعاء الندبة في أوله هو مطابق لمحكمات قرآنية أصيلة، حيث ينصّ: (شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها فشرطوا لك ذلك وعلمت منهم الوفاء به فقبلتهم وقربتهم وقدمت [وقدرت] لهم الذكر العلي والثناء الجلي وأهبطت عليهم ملائكتك...)(1). متى اشترط الله الزهد على المصطفين من أهل البيت (علیهم السلام)؟ ومتى يكون تطبيق شرط الزهد؟ ومتى علم الله منهم الوفاء؟
(شرطت عليهم الزهد): لقد اشترط الله عليهم في عوالم سابقة، في عالم الميثاق وفي عالم الذر.
وأمّا تنفيذ هذا الشرط فإنّه يكون في دار الدنيا (في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها).
علم الله منهم الوفاء في علمه السابق، فقد علم منهم الوفاء بمستقبل طاعاتهم، وأنّ هؤلاء أوفياء بشروط ومسؤوليات خاصة، تختلف عن مسؤوليات سائر البشر، وذلك قوله (وعلمت منهم الوفاء به). ويؤكد هذا المعنى في زيارة الصدّيقة الكبرى فاطمة (علیها السلام): (السلام عليك يا ممتحنة
1) جمال الأسبوع لابن طاووس: ص553، من دعاء الندبة.
امتحنك الذي خلقك)(1). متى امتحنك؟ (قبل أن يخلقك): أي قبل أن يخلقك في دار الدنيا، بل إنّ هذا المضمون المعادلي يشير إلى جهة أخرى في الاصطفاء وهي أن هناك امتحانات سابقة حصل الاصطفاء على ضوئها، انظر لهذا المضمون العظيم في زيارة البضعة الصديقة الطاهرة (علیها السلام).
إن دعاء الندبة وزيارة الصديقة الزهراء (علیها السلام) يشيران إلى الأبعاد الاصطفائية الأساسية للمصطفين طبقا لمحكمات القرآن.
وقد أشار دعاء الندبة إلى علم الله سبحانه بوفاء الذين اصطفاهم بمراتب الطاعة العليا، والى سبب اصطفائهم، وعلم الله السابق بطاعاتهم اللاحقة، وقد اصطفاهم الله في عوالم نورية سبقت جميع العوالم.
وأمّا عن خلقهم في عالم الدنيا، فقد اصطفاهم الله في أصلاب نموذجية وأرحام متميزة ومدارس خاصة وبيئة نموذجية.
1) كتاب المزار للمفيد: ص178، باب 7 زيارتها (علیها السلام)؛ بحار الأنوار: ص99، ص212-213، باب زيارة أمير المؤمنين (علیه السلام) من شاهد صاحب الزمان، زيارة الزهراء (علیها السلام).
كما يشير إلى ذلك دعاء الصباح: «صَلِّ اللَّهُمَّ على الدليل إليك»(1)- سيد الأنبياء – (في الليل الاليل.... والثابت القدم على زحاليفها) - متى في أي زمن؟ (في الزمن الأول) - الجاهلية - (زحاليف) وليس زحلفة، أي انزالاقات امتحن بها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في المجتمع القرشي وليس انزلاقاً واحداً، ولكن وجده ثابت القدم في عصمته واصطفائه وفي نشر الرسالة وتحمل أعبائها وقد علم منه ذلك قبل أن يبعَث رسولا.
وهذه المعادلة المعرفية أصيلة قرآنية مرت بنا في سورة آل عمران وسور أخرى، وهذا مما يدلل على أن المعرفة بالزهراء (علیها السلام) ليست معرفة عاطفية، بل معرفة نظام قرآني للإصطفاء.
(علمت منهم الوفاء به... فقبلتهم وقربتهم وقدمت لهم الذكر العلي، والثناء الجلي، وأهبطت عليهم ملائكتك)(2).
ليس اعتباطاً ولا جزافا إهباط الملائكة، لأنّ هؤلاء المصطفين معلّمون ملكوتيون، أدخلهم الله في مدارس ملكوتية منذ اول نعومة أظفارهم بل قبل ذلك.
لما علم الله منهم القابلية والطاعة والوفاء، وأنّ هؤلاء مجدّون في البشر وليس كبقية البشر لما قد اشترط عليهم في عوالم سابقة.
إنّ شرط القبول في هذه المدرسة الإلهية، الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها، ومن سجّل اسمه في المدرسة الإلهية.
ولمّا علم مدير المدرسة أنّ هؤلاء الطلبة أوفياء بهذا التسجيل وعندهم الإستعداد الكامل، وفّر لهم أساتذة وبيئة ومعلومات وغير ذلك.
«فقبلتهم وقربتهم وقدمت لهم الذكر العلي، والثناء الجلي، وأهبطت عليهم ملائكتك. وكرمتهم بوحيك، ورفدتهم بعلمك...»(1).
1) المزار الكبير: ص573؛ إقبال الأعمال: ج1، ص295؛ الإقبال بالأعمال الحسنة: ص495؛ بحار الأنوار للعلامة: ج99، ص104.
هذه كلّها بنود متعددة للعصمة الاصطفائية، ودعاء الندبة كما هو مفاد الآية في سورة آل عمران يشير الى فعل إلهي منذ أول قدم يطأه الذي اصطفي في دار الدنيا، بل حتى قبل الولادة وهم في الأصلاب الطاهرة ومن ثمّ في الأرحام المطهرة، وكل هذا الإصطفاء نموذجي.
وكل هذه البيئات متميزة خاصة، لما علم الله عَزَّ وَجَلَّ منهم الوفاء بالشرط المأخوذ عليهم في عالم الميثاق، وعالم الميثاق حقيقة قرآنية يبينها القرآن الكريم وليس خرافة أو أسطورة.
كما مرّ بنا في سورة آل عمران وسور أخرى تشير الى الميثاق في عدة مواثيق أخذها الله على عموم عباده والذي نجح في تلك المواثيق ثلّة قليلة من البشر، فمن ثم اصطفاهم الله، وأمّا في زيارة الصدّيقة الكبرى البضعة الطاهرة البتول (علیها السلام)، فإنّه يشير الى بعد آخر في الاصطفاء وهو: «امْتحنكِ الله الذي خلَقَكِ قبل أن يخلُقَكِ فوجدكِ لما امْتحنكِ صابرةً»(1)، إنّ هذا
1) تهذيب الأحكام للطوسي: ج6، ص10، باب 3 زيارة سيدنا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)؛ مصباح المتهجد: ج2، ص711، دعاء الموقف لعلي بن الحسين (علیه السلام).
المقطع من الزيارة ليس كالمقطع الذي مرّ علينا في دعاء الندبة الشريف: (وعلمت منهم الوفاء به)، وفي لفظة (فوجدكِ)، أي وجدك؛ فإذن هي موجودة في عوالم نورية قبل عالم الدنيا وقبل الاصلاب وقبل الارحام وقبل عالم الذر والميثاق، لأنّ القرآن الكريم حسب ما يسطّر لنا من عوالم الخلقة التي يمر بها الإنسان ما قبل الدنيا عديدة، وهذه كلها اصول وبنود قرآنية راسخة بينها لنا الراسخون في العلم من أهل البيت (علیهم السلام) في القرآن الكريم، فهم المعلمون الإلهيون للقرآن، لأن القرآن كتاب إلهي ومعلمه الإلهي أهل البيت (علیهم السلام) وهذا أحد معاني اقتران الثقلين معاً.
إنّ الاصطفاء بحسب البيانات الواردة في الآيات والروايات هو جزاء إلهي (مقدّم معجّل)، إمّا على أعمال لاحقة علم الله منالمصطفين يأتون بتلك الطاعات (علمت منهم الوفاء به) أو جزاء لأعمال في عوالم سابقة كما في زيارة الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء (علیها السلام)، «امْتحنكِ الله الذي خلَقَكِ قبل
أن يخلُقَكِ فوجدكِ لما امْتحنكِ صابرةً»(1).
وهذا الامتحان قبل عالم الدنيا، وربما القول كان الامتحان في عوالم سابقة على الدنيا غريباً في اصطلاح المتكلمين أو في اصطلاح الفلاسفة والعرفاء ولكنه ليس غريباً ببيانات الوحي، فإنّ نتاجات البشر محدودة، وهناك أصول قرآنية عديدة تدلل على أنّ هناك امتحانات قبل عالم الخلقة وعلى ضوئها حصل الجزاء في دار الدنيا، وكثير من الأمور الكائنة في دار الدنيا نظن أنّها ليست من اختيارنا ومجبورون عليها، فهل صحيح إنّها ليست من اختيارنا؟
نعم هذا صحيح، ليست باختيارنا في عالم الدنيا، وهذا غير صحيح ايضا بمعنى آخر، لأنّ الاصطفاء الذي حصل كان نتيجة اختيارات سابقة في عوالم سابقة.
نعم كيفية الاختيار منها هو نمط من الاختيارات تتناسب مع العوالم السابقة؟ وهو يحتاج الى بيان، تأملوا في سورة البقرة إن الباري تعالى يبين في استخلاف آدم (علیه السلام)، كما في قوله تعالى: {...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً...}(2).
فقد أنبأهم عن شيء مستقبلي! ولم يكن آدم قد هبط الى الارض ولم يتشكل نظام الحياة الدنيا وما شابه ذلك، بل كان هناك تفاوض إلهي بين الله والملائكة، وهناك فريق معترض من الملائكة وفريق موالاة، فهي عملية غربلة وتصفية ومؤهلات.
والامتحان كان كمؤهلات لتأهيل كفاءات كانت قبل عالم الدنيا، وقد بين الله عزّ وجل كفاءة آدم العلمية، فقد وقع امتحان وتعليم فيمدارس وعلى ضوئها حصلت النتائج قبل عالم الدنيا.
نعم لقد حصلت امتحانات في العوالم السابقة وحصل فيها تعليم كما في قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا...}(1).
ولما علّم آدم وتعلّم جاءه الخطاب من الله تعالى في قوله: {قَالَ يا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ}(2).
(أنبئهم) أي لقد عُلّمت يا آدم واُثبتت لك شهادة وجدارة تعليمك، فهذه حقائق قرآنية وروائية أخبرنا بها القرآن الكريم، والقرآن كتاب فيه كل
الغيب لكن الذي يبينه ويبرزه الى عالم الشهادة هم أهل البيت (علیهم السلام) ولولاهم لما توصّلنا الى هذه المعارف القرآنية العظيمة.
فالاصطفاء ينطوي على جزاء إلهي في الدنيا لأعمال في عوالم سابقة وجزاء إلهي في بدء الدنيا لأعمال لاحقة في عالم الدنيا علم الله بها، ومثال على ذلك فإنّ جعفراً الطيار (علیه السلام) اصبح طيارا ليس جزاء عمله في الدنيا فقط، بل قبل عالم الدنيا أيضا لأنّه مرّ باصطفاءات سابقة.
كذلك الحال بالنسبة لأبي الفضل العباس (علیه السلام) فقد أصبح طياراً كعمه جعفر الطيار ليس جزاء عمله في دار الدنيا فقط، بل هو جزاء أعمال سابقة أيضا، أي أنّ هناك كفاءات ومؤهلات سابقة لدى أبي الفضل (علیه السلام)، وأبي طالب وحمزة وعلي بن الحسين (علي الأكبر) وإبراهيم بن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وسائر أفراد الدائرة الثانية (علیهم السلام) وإلى هذا يشير ما في زيارة علي بن الحسين (علیه السلام) وفي زيارة أبي الفضل العباس (علیه السلام)، إنّ الله جعلهم من أهل بيت النبوة، هذا الجعل والإصطفاء ليس صدفة وليس جزافا.
بل هذا الجعل في الحقيقة كما مرّ بنا له بعدان، كما إنّ النبوة والرسالة كجزاء فعل الله ولكن ليست إكتسابا يكتسبه الإنسان، بل هوفعل الله وجزاء من الله للمصطفين نتيجة نمطين من اعمال الانسان، أعمال سابقة وأعمال
لاحقة علم الله بها مسبقاً، فنلاحظ في سورة آل عمران، قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النَّبِيينَ لَمَا آَتَيتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}(1).
(شَهَدُوا) بعدما (أَقْرّوا) أمراً إلهياً حصل الإقرار به، وهذا كله قبل النبوة، فنبي الله عيسى ولد نبياً، فمتى أقر؟ لقد أقرّ الأنبياء والمصطفون في عوالم سابقة، وحصلت امتحانات فيها كما أخبرتنا الآية الكريمة في سورة آل عمران.
فالاصطفاء هو جزاء متقدم لفعل الانسان وليس جزاءً متأخراً عن فعل الانسان، وهذا الفرق أحد الفوارق المهمة بين الصفة الاصطفائية والمقام الاصطفائي مع الاكتسابية؛ أي أنّ الصفة الاصطفائية والمقام الاصطفائي جزاء فعل من الله ونتيجة فعل العبد، ولكن نتيجة فعل واختيار العبد ليس في عالم الدنيا وحسب بل اختيار في العوالم السابقة.
وقد علم الله تعالى من عمله الصالح، الصاعد الى أرقى درجات الصلاح، في الاوان الآتي المستقبل اللاحق، بخلاف الاكتساب، لأنّ
1) سورة آل عمران، الآية 81.
الاكتساب جزاء بعد العمل، قال تعالى: {... لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ...}(1).
إنّ الكسب صفة ليست اصطفائية، مع أن بعض الصفات الاكتسابية لدنية، والّلدنية تكون ملكوتية اكتسابية، إذ ليس كل ملكوتي اصطفائي، وإن كان الشائع في الاذهان أنّ الملكوتي اصطفائي وهذا خطأ شائع في الاذهان فلربمّا ملكوتي وهو اكتسابي ولكن ليست له قيمةاصطفائية ثابتة ولا يرقى إلى درجات عالية في الملكوت، أمّا الملكوتي الاصطفائي فله قيمة اصطفائية ثابتة تكون أعلى درجة في الملكوت.
إنّ الكمالات والفضائل، منها اصطفائية ومنها اكتسابية، ثم إنّ كل من الاصطفائي والاكتسابي يتصور لدنّيا ويتصوّر غير لدنّي، يعني حسّي ومحسوس ومادي، فيا ترى ماهو المقام الاصطفائي، الاصطفاء هو فعل الله عَزَّوَجَلَّ، وفي حين أنّ الاصطفاء فعل خاص من الله، إلّا أنّ هذا الفعل لايعني الجبر ولا الإلجاء والجزاف والاعتباط، بل إنّ حكمة الله اقتضت أن
1) سورة البقرة، الآية 286.
كل فعل له غاية وحكمة، وليس بين الله وخلقه نسب الولادة (لم يلد ولم يولد)(1)، ولكن نسب الربوبية والإلوهية هي سواء مع جميع الخلائق. وإلا فما بال القرآن: يباهي ب(آل إبراهيم، وآل عمران، وآل موسى، وآل هارون، وآل داوود، وآل يعقوب، وآل يس).
وليس المقصود ب(إل يس) النبي إلياس، بل يراد ب(إل يس) هم (آل يس) أي آل محمد، لأنّ يس اسم من أسماء سيد الأنبياء، كما في قوله تعالى: {يس * وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ}(2).
فقرئت بإل يس، وقرئت في كثير من القراءات ب{سلام على آل يس}(3)، يعني آل محمد، و(إل) بالكسر بمعنى الرحم لغة واستعمالاً في سورة التوبة، وهو نفس معنى الآل بالفتح ليس هناك فرق بينهما، فآل محمد من آل الأنبياء، وقد اختصهم الله عز وجل بالسلام دون بقية آل الأنبياء، وهذا التفخيم والإشادة في آل إبراهيم وآل بقية الأنبياء، ليست عصبية من الله
عزّ وجل، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ}(1).
بل هو إشارة إلى الاصطفاء ولم يأتِ جزافاً.
لقد شرح لنا القرآن الكريم أنّ ثمة امتحانات وقعت في عوالم سابقة ولاحقة ستقع في دار الدنيا، وأنّ خلاصة الاصطفاء لا جبر ولا تفويض بل امر بين امرين وهذا فعل الله دوماً، وقد يقول قائل أنا ولدت من أب معين وأبي ولد من الأب الفلاني وينتهي الى الشجرة الكذائية فهل لنا اختيار في ذلك؟ وهذه النتائج قطعاً ليست وليدة أفعال الدنيا فقط، وإنّما هي نتيجة أفعال مسبقة ولأفعال ستأتي منّا أو نتائج أفعالٍ قد قمنا بها بنمط من الاختيار في العوالم السابقة، كعالم الذر وعالم الميثاق الذي ينص عليه القرآن الكريم، أو عوالم أخرى وأخرى ينص عليها القرآن الكريم أيضاً في ضمن منظومة تستعرضها السور القرآنية.
والمهم أنّ النتائج كما يبينها القرآن الكريم وتبينها السنّة المطهّرة ليست جزاءً متأخراً بالضرورة، بل يكون جزاءً متقدماً على الأفعال التي ستكون
1) سورة الحجرات، الآية 13.
منّا، كما مرّ بنا في شرح دعاء الندبة، حيث ينص الدعاء: (بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها فشرطوا لك ذلك، وعلمت منهم الوفاء به - علمت من قبل بفعلهم المستقبلي - فقبلتهم وقربتهم وقدمت لهم الذكر العلي، والثناء الجلي، وأهبطت عليهم ملائكتك. وكرمتهم بوحيك، ورفدتهم...)(1).
إنّ هذه البنود من العصمة التي يشرحها دعاء الندبة والتي لها اصول قرآنية لم تأتِ من الله جزافاً واعتباطاً وتخصيصاً بلا موجب، بل بسبب ما يعلم الله عز وجل من مثابرة هؤلاء وجدّهم وجهدهم في طاعة الله وصدقالوفاء والطاعة في الله فيهيئ لهم بيئة مناسبة، كما يقوم به العقلاء عندما يرون ثلة من براعم المجتمع الناشئة لديهم استعداد وجد ومثابرة ومكابدة، تختلف عن بقية براعم الأمة، فإنهم تلقائياً يخصصون حينئذ ببيئة صالحة؛ ومدرسة نموذجية، وغير ذلك.
ومعلمين نموذجيين وكذا معلومات معينة ومقررات دراسية نموذجية وهلم جرّا. فإذن الاصطفاء جزاء لما علم ما سيكون منهم أو جزاء لما كان في العوالم
1) بحار الأنوار لدرر أخبار الأئمة الأطهار (علیهم السلام)، ج99، ص74، باب زيارة الإمام المستتر عن الأبصار؛ جمال الأسبوع: ص553، من دعاء الندبة هو الأقدم حين طبع سنة 1330ه.
السابقة وليس في حكم الله وأمره وفعله ظلم للعباد بل عدل وفوق العدل إحسان.
لقد صرّح القرآن الكريم بأنّ الله تعالى يخلق ما يشاء ويختار كما في قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يخْلُقُ مَا يشَاءُ وَيخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيرَةُ سُبْحَانَ الله وَتَعَالَى عَمَّا يشْرِكُونَ}(1).
{يخْلُقُ مَا يشَاءُ وَيخْتَارُ} أي يعلم بأفعال خلقه وأمورهم وأحوالهم، ومن ثم تلك الأمور التي لا يعلم ولايحيط بها إحاطة تامة قبل العوالم وفي هذا العالم (عالم الدنيا) وبعده من العوالم الكثيرة التي لا يحيط بتفاصيلها إلا الله، لذلك حصراً تقع الخيرة منه تعالى وحده، اصطفاء وانتقاء وخيرة منه، وهناك تساؤل يطرحه القرآن كما في قوله تعالى: {أَلَا يعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}(2).
هذا التساؤل يذكره القرآن الكريم، والجواب بالبداهة (هو خالق كل شيء)، فاذن قوله تعالى: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ الله بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يعْلَمُ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ}(1).
فلا يحيط بدقائق وخفايا الأمور إلّا هو، وهو طبق القانون الإلهي(لاجبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين)(2)، وهذه خلاصة الاصطفاء، وإن كان الحديث فيه طويلاً، فالاصطفاء فعل من الله يزوّد به الباري تعالى من يصطفيه؛ يزوده بجملة من الامور والخصائص الخاصة اللّدنية منه تعالى.
إنّ الاصطفاء الالهي على درجات وطبقات فالمصطفون الذين، اصطفاهم الله على درجات وليسوا على درجة واحدة، كقوله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ...}(3). وقوله تعالى: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَينَا دَاوُودَ زَبُورًا}(4).
كذلك الحال في الامامة فإنّها ليست على درجة واحدة بل درجات فيها تفضيل، وهذا ايضا من عدل الله، واجمالاً إنّ الاصطفاء حبوة إلهية خاصة
ليست جزافاً، بل نتيجة جد وجهد هؤلاء المصطفين، امّا في عوالمهم السابقة، كما ورد في زيارة الصدّيقة الكبرى السيدة الزهراء فاطمة (علیها السلام): (...السلام عليك يا ممتحنة امتحنك الله الذي خلقك قبل أن يخلقك، فوجدك لما امتحنك صابرة...)(1)، أو نتيجة لأعمال لاحقة في عالم الدنيا.
إنّ أهم العوالم السابقة ليس عالم الميثاق ولا عالم الذر بل عالم العلم الإلهي السابق الأزلي، بإعتبار أن الله تعالى يعلم ما سيكون عليه خلقه فيالعوالم من طاعة ومعصية، من شكر لنعم الله وانقياد او من تمرد وتطاول على الله عز وجل، ويعلم ذلك من خلقه على وفق سنّة الإختيار (أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض).
فقبل العوالم هناك امتحان (السلام عليك يا ممتحنة امتحنك الله الذي خلقك قبل أن يخلقك).
كيف يكون في عالم العلم الإلهي امتحان؟ قبل ان يوجد المخلوق، ونظيره الآن مهندس أو مزارع أو عالم في الزراعة يأتي الى أرض أو أي ذي فن يأتي الى بيئة معينة وينظر في مخزن المعلومات لديه وينظر الى أنّ خصوبة هذه
1) كتاب جمال الأسبوع: ص31-32.
البيئة تناسب مع أي ثمرة من الثمار، يتصفح المعلومات، تحصل المقارنة بين زراعة الحنطة هي الأجود أم زراعة الفاكهة هنا الأجود أم زراعة أمور أخرى هي الأجود. هذا البناء وهذه الهندسة وهذا التخطيط السّوي أفضل أم ذلك التخطيط هذه الخريطة أفضل أم تلك، هنا يقلِّب الخيارات المختلفة يرى ما هو أكفؤها.
وهذا يسمى عالم امتحان في العلم الإلهي، وربما يسمّيه الفلاسفة العناية الإلهية، والمتكلمون يطلقون عليه مقام اللطف الإلهي وهي تسميات متعددة يطلقونها عليه وهي مقتبسة من الوحي الإلهي بأنّ هناك امتحاناً في العالم العلوي، فالاصطفاء فعل إلهي عظيم وأسبابه وموجباته عديدة ما ذكرناه نبذة وليس حصراً.
أمّا الإكتساب والفضيلة الإكتسابية والكمال الإكتسابي يكتسبه الإنسان، ربما لم يؤته ولم يوضع هو في مدرسة نموذجية ولم يوضع مثلا في بيئة جيدة، لكن هو بإرادته حصل عليه، أيها الإنسان يمكنك أن تكابد وتجدّ وتجهد نفسك فلا يزال المجال مفتوحاً لكي تصل إلى مقامات عالية.
وسنبين أنّ هناك مقامات لدّنية اكتسابية، ولايظن ظان أنّ الفضائل والكمالات الاكتسابية تختص بالأمور المحسوسة فقط، بل قد يكون مقاماً لدنّياً غيبياً كما ينص القرآن الكريم وبين ذلك أهل البيت (علیهم السلام) في تعاليم القرآن، مثلا بلعم بن باعورة بغض النظر عن الاخفاق في المآل والعاقبة التي حصلت له، فقد حصل بن باعورة على ما حصل عليه من حروف الاسم الأعظم بإكتساب مع أنّه شيء لدني وليس شيئاً سهلاً، هناك نماذج عظيمة عديدة يذكرها لنا القرآن الكريم يمكن للإنسان أن يكتسبها، وطبيعة الامر الاكتسابي حيث أنّه اكتسابي لدني فيمكن أن تنزلق ويسلب وينسلخ منك، كقوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَينَاهُ آَياتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ}(1)بخلاف الاصطفائي.
فالاصطفائي لا ينسلخ لأنّه خيرة الله وعلم الله ليس فيه اشتباه، وخيرة الله لاتنسلخ، وهذه احدى الفوارق بين الاصطفائي والاكتسابي، فالاكتسابي أُعطي نتيجة ضريبة ومكابدة وجهد في أفعالك لم تحصل عليه من قبل، في العوالم التي مرّت بها، أو فيما سيأتي، ولكن مع ذلك جعل الله لك الباب
1) سورة الاعراف، الآية 175.
مفتوحا ويمكن لك أن تثابر وتجد وتجهد، وكما قال الإمام الصادق (علیه السلام): «... إِنَّهُ لَيسَ مِنْ بَابٍ يقْرَعُ إِلَّا يوشِكُ أَنْ يفْتَحَ لِصَاحِبِه»(1).
من جدّ وجد، ومن زرع حصد وما شابه ذلك.
وسنذكر جملة من المقامات اللّدنية الغيبية ومنها مقامات لدنية غيبية مهولة اكتسابية ليست اصطفائية ومع ذلك قابلة لان تسلب منالانسان أو من الجن أو من الملك أو من أي مخلوق إن لم يُراعِ شرائط القرب الإلهي وشرائط الفضيلة، لأنّ الفضيلة نعمة وحبوة إلهية مهمة، وهي نوع من القدرة والكرامة الإلهية لابدّ أن تكون للكريم، فإذا ما كان من المخلوق منه تمرد أو إنزلاق أو إخلاد الى الأرض أو ما شابه ذلك ينسلخ منه هذا المقام، أنظر مثلاً مقام الأبدال ولا نعني الادعياء والدجلة.
ويمكن للبدل إذا لم يُراعِ مقام الأبدال ولم يُراعِ شرائط الطهارة وبقية الشرائط، قد يسلب منه وينزلق، وهذا أحد الفوارق المهمة بين الفضيلة
1) الكافي؛ ج2؛ ص467.
الاكتسابية والفضيلة الاصطفائية، وسنتعرض لنماذج عديدة في القرآن الكريم، كالحكمة اللدنية مثلاً.
إنّ الحكمة ليست فكراً عاماً فقط، بل الحكمة مقام ملكوتي، كقوله تعالى: {يؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يشَاءُ وَمَنْ يؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِي خَيرًا كَثِيرًا وَمَا يذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}(1).
وقوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَينَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}(2).
وهناك عدد من الأنبياء آَتَاهم الله العلم والحكمةَ عندما بلغوا أشدّهم، وعلّل القرآن الكريم إنّ هذا ليس من باب الاصطفاء بل ذكر في نهاية قوله: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ).
يعني الذي يراعي مقام ومنزلة وشرائط الإحسان التي وصفها القرآن الكريم ووصفتها السنّة المطهرة، يؤتيه الله حكمة وعلماً؛ أي علم
لدنّي وحكمة لدنية، وهذه الحكمة اللدنية بإمكان الإنسان أن يعرف من خلالها الكثير من الأمور الغيبية الملكوتية، وهذه لا تدلعلى العصمة ولا على اصطفاء، وكثير من عموم الناس يظنون أنّ هذه المقامات كالإصطفاء والعصمة.
وفي الحقيقة هي ليست اصطفاء وليست عصمة، وهي قد تعطى للإنسان وتسلب منه، وقد يهوي الانسان والعياذ بالله الذي وصل الى هذا المقام الى سحيق الهاوية، ونماذج عديدة ذكرها القرآن الكريم.
وهي لاتدل على ضمانة الاستقامة كالمكابدة، والتقوى، والورع، وتلك الموازين العظيمة في محكمات القرآن والسنّة، إن تمسّك الإنسان بمحكمات القرآن والسنّة استقامة وعبور الصراط؛ وإن تخلّى والعياذ بالله عن عروة من العرى الوثقى لمحكمات الكتاب والسنّة انزلق وهوى، ليس بين الله وبين خلقه محاباة.
«إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أجَاعَ بَطْنَهُ وحَفِظَ لِسَانَهُ عَلَّمْتُهُ الحِكْمَةَ وإِنْ كَانَ كَافِراً»(1).
1) إرشاد القلوب: ج1، ص205، باب الرابع والخمسون فيما سأل الرسول ربه ليلة المعراج؛ الوافي للفيض الكاشاني: ج26، ص150؛ بحار الأنوار للمجلسي: ج74، ص29، باب 2 مواعظ الله عز وجل في سائر الكتب السماوية.
إنّ من عظمة عدل الله عز وجل، أن يعطي الحكمة للكافر مع إنّه كافر، أي أعماله وفق الحكمة ولو في دائرة نسبية محدودة يعطيه الحكمة وقد يقرأ الخاطر الباطن أو يعلم بأمور مستقبلية أو يعلم بصحيفة أعمال الأشخاص وهو كافر، وذلك لأنّه زهد في الدنيا، وهذه من الامور المهمة والحسّاسة جداً والتي لاتدل على حسن عاقبة، ولذلك يجب ان لا يغترّ بها ويتفطن إليها المسلم والمؤمن والقارئ للقرآن، أنّه ربما تكون أموراً اكتسابية لدنّية يعطيها الله عز وجل حتى للكافر، قال تعالى: {فَمَنْ يعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يرَهُ}(1).
ولاحظ الاكتسابيات اللدنية تعم كلاًّ من المؤمن والكافر بخلاف الاصطفائية فلو لم يكن عند الكافر إلا ذرة من عمل الخير بغض النظر عن إحباط العمل، ونقصد بإحباط العمل أنّ عمله لم يوصله للجنة الابدية، لم يُدّخر له في الجنة الابدية، فإنّ إحباط العمل هو بلحاظ الجنة الابدية، بلحاظ الجزاء في الدنيا وربّما لا يحبط في الرجعة والبرزخ.
وقد تكون الحكمة التي منحه الله إياها جزاء عمل يجازيه عليه في الدنيا، وهذا ليس جزاءً أبدياً، بخلاف المؤمن فقد يمحّص في الدنيا وفي البرزخ وفي الرجعة لأجل أن يدَّخر الله له الطهارة في الجنّة الابدية، وهذه
1) سورة الزلزلة: الآية 7.
البحوث ربما لم تبلور بشكل مبسوط في علم الكلام أو الفلسفة أو التفسير أو غيرها من العلوم المعرفية، لكن يجب أن نلتفت اليها، فالحديث القدسي رواه الفريقان قال تعالى في الحديث القدسي: «يا أحمد إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أجَاعَ بَطْنَهُ وحَفِظَ لِسَانَهُ عَلَّمْتُهُ الحِكْمَةَ وإِنْ كَانَ كَافِراً، تَكُونُ حِكْمَتُهُ حُجَّةً عَلَيْهِ وَ وَبَالًا وَ إِنْ كَانَ مُؤْمِناً تَكُونُ حِكْمَتُهُ لَهُ نُوراً وَ بُرْهَاناً وَ شِفَاءً وَ رَحْمَةً فَيَعْلَمُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ وَ يُبْصِرُ مَا لَمْ يَكُنْ يُبْصِرُ فَأَوَّلُ مَا أُبَصِّرُهُ عُيُوبُ نَفْسِهِ حَتَّى يُشْغَلَ بِهَا عَنْ عُيُوبِ غَيْرِهِ وَ أُبَصِّرُهُ دَقَائِقَ الْعِلْمِ حَتَّى لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِ الشَّيْطَان»(1).
أي هذه صفة اكتسابية وهذه الحكمة مقام لدني يعلم من اكتسبها بعلوم لدنية، أي إلى درجة معينة، وليست درجات صاعدة، فالمرتاضون في الهند يشاهد لديهم قضايا كثيرة، ولكن هذه لا تدل على حسن عاقبة ولاتدل على أنّهم أنبياء ولا على أنّهم أولياء، بل إنّهم زهدوا في الدنيا للدنيا.
فجازاهم الله أن أعطاهم قدرات خارقة في الدنيا من الملكوت الأدنى وهي ليست قدرات كمعاجز الانبياء بل دون ذلك، مثل طي الأرض وليس من الضروري أن يكون هذا الإكتساب كطي الأرض مختصاً بالمؤمن فقط.
1) إرشاد القلوب: ج1، ص205، الباب الرابع والخمسون.
بل كل من يزاول رياضات معينة ويرغب عن سفاسف الدنيا ووحلها يعطيه الله طي الأرض وأموراً أخرى يتوصل اليها، ولكن هذا لا يدل على أنّه مؤمن أو ولي من أولياء الله، فهذه الجزاءات الإكتسابية لها منظومة وبرنامج طويل وعريض.
وكثير من عموم المؤمنين إذا رأوا ظاهرة خارقة للعادة من أحد من الناس ظنوا أنّ هذا الشخص على حق، وما يدعو إليه إنّه دعوة حق، بل على العكس هذه الأمور لا تدل إنّه على حق وإنّ ما يدعو اليه حق.
وإن كان مؤمنا فضلاً عما لو كان ضالاً أو كافراً بل المدار في حقانية الدعوة هي البراهين العقلية التي أشار إليها الوحي الإلهي أي محكمات الكتاب والسنة.
إنّ الملكوت على درجات ألا نقرأ في القرآن الكريم، قوله تعالى: {قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيهِ لَقَوِي أَمِينٌ}(1).
1) سورة النمل: الآية 39.
فهذه القدرة عند العفريت على قطع مسافة ما يقارب 2000 كيلو متر من اليمن الى فلسطين خلال فترة قصيرة جداً لا تدل على حقانية العفريت، بل نفس ابليس - كما يبين امير المؤمنين (علیه السلام) في نهج البلاغة - نتيجة رياضة معينة لآلاف السنين اكتسب هذه المقامات الملكوتية التي نراها، كقوله تعالى: {...إِنَّهُ يرَاكُمْ هُوَ وقَبِيلُهُ مِنْ حَيثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لَا يؤْمِنُونَ}(1).
فالمقصود أنّ بعض الخصائص اللّدنية الاكتسابية، لا تدل علىالاصطفاء، وإن أخطأ في ذلك عموم الناس، لأنّ الاصطفاء شيء آخر، ولكي نبين عظمة الاصطفاء إنّه فوق هذه الأمور، فإبليس له قدرات تجسس وإطّلاع أكثر من القدرات التي توصّلت اليها الدول البشرية العظمى الآن، سواء بالاقمار الصناعية أو بالأنترنيت والالكترونيات وغيرها، يسرقون المعلومات من شرق الارض وغربها وقد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة، أمّا إبليس فغير ذلك كما ينص القرآن الكريم.
وهذه المعلومات التي يسطّرها القرآن الكريم ليست خرافات، وإلّا لماذا نتلو ونتدبرّ ونقرأ آياته في كل يوم، بل يريد القرآن الكريم أن ينبّهنا،
1) سورة الأعراف: الآية 27.
إنكم تعيشون في ضمن منظومات متعددة، {إِنَّهُ يرَاكُمْ هُوَ وقَبِيلُهُ مِنْ حَيثُ لَا تَرَوْنَهُمْ}(1).
إن لإبليس أفعالاً خطيرة وكبيرة غير مرئية وسرّية جدا بالنسبة للبشر، يقوم بها ابليس وشبكة ابليس، من حيث لا تشعر، ولا تصل إلى تلك السرية والخفاء، سرية أعمال ومخططات الدول العظمى، بل شبكاته أكثر سرية وأكثر خفاءً وأكثر تأثيرا من الشبكات السرّية للدول العظمى، ومع ذلك لا يدل ذلك على الحظوة الإلهية لإبليس عند الله تعالى.
ولو تأملنا في حكمة الله وسنّته، فنجد أنّ بلعم بن باعوراء، انسلخ من اسم الله الأعظم كما في قوله تعالى: {... فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيهِ يلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يلْهَثْ ذَلِكَ
1) سورة الأعراف، الآية: 27.
مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يتَفَكَّرُونَ}(1).
فقد سُلِخت منه هذه الهبة الإلهية، ولكن إبليس إلى الآن لم تنسلخ منه كل هبات الله، ما الحكمة في ذلك؟ فالصفة الاكتسابية اللدنية الملكوتية قد لا تنسلخ، ولكن هذا لا يدل على حسن عاقبة، وهذا أمر حساس خطير، وهذه تبين مدى صعوبة التفرقة بين المقامات الاصطفائية والمقامات الاكتسابية عند البسطاء والسذج وان كانت كل منهما قد تكون لدنية غيبية.
فهناك نماذج في القرآن الكريم وفي بيانات وتعاليم أهل البيت (علیه السلام) وقد شرحوا هذه البيانات النورية المفعمة في القرآن، فهناك أمور اكتسابية عديدة، قد تكون لدنية أصلا غير مرئية، من الملكوت النازل، ولكن رغم ذلك لا تدل على إنّها اصطفاء ولا على عصمة ولا على استقامة.
لكي نتعرف على الفرق بين الكمال اللدني والكمال المادي؟ إنّ أسباب الكمال اللدني غير طبيعية، وقد مرّ سابقا أنّ الحبوة الإلهية قد تكون لدنية اصطفائية وقد تكون اكتسابية، وإنّ من خصائص الحبوة اللدنية سواء كانت
1) سورة الأعراف، الآية 175/176.
اصطفائية أو اكتسابية، أسبابها غير مادّية، وغير مرئية، ولكن مع ملاحظة:
أ) ليس هناك تلازم بين الحبوة اللدنية الملكوتية وبين الاصطفاء.
ب) ليس هناك تلازم بين الحبوة اللدنية الملكوتية وبين الاستقامة والهداية، فإنّ إبليس أُعطي الآن حبوات لدنية ما كانت لديه قبل أن يعبد الله عبادة لآلاف السنين، فقد سُلِبت منه مقادير كبيرة، وبقيت عنده مقادير منها، كقوله تعالى: {قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يوْمِ يبْعَثُونَ}(1).
ولكن طبيعة الأمور اللدنية وأسبابها ليست مادّية، وليست مرئية كما في كثير من المواد غير المرئية في عالم الدنيا، مثلاً كالطاقة الكهربائية فإنّ آثارها مرئية، وهي نفسها غير مرئية.
وكذلك المغناطيس في نفسه غير مرئي، وإن كانت هناك علوم وأجهزة مسلحة تستطيع أن تجعلك تبصر هذه الأمور غير المرئية الدنيوية، فإنّ الأمور اللدنية لا يمكن أن تراها، لأن أسبابها في الحقيقة ليست من مادة الدنيا، فهي مواد من عالم برزخي أو فوق ذلك، فإنّ طبيعة الهبات اللدنية هكذا.
بعض الأمور اللدنية ليست خارقة للعادة، قد ينظر عموم البشر الى
1) الأعراف، الآية 14.
الصفات اللدنية بأنّها خارقة للعادة، كطي الأرض، وعلم ما في الضمير، والعلم بصحيفة الأعمال السابقة أو الآتية وغيرها.
فمع أنها ليست من الأمور السهلة ولكن مع ذلك لا تدل على الاصطفاء، وكذلك قد يصل الأولياء الى مرحلة الإماتة والإحياء اللدنية فتكون لهم كرامة وهم ليسوا مصطفين، ولكن يصلون الى مقام مستجاب الدعوة.
ولا نعني بمستجاب الدعوات أنّه لقلقة لسان بل هي على درجات، ومستجاب الدعوة؛ هو مقام ملكوتي، يدعو الله فيجيبه، حتى في إحياء الموتى، فهم أولياء وإن لم يكونوا مصطفين، لأن هذا لا يدل على الاصطفاء ويذكر القرآن الكريم في ذلك نماذج لدنية كثيرة وأسبابها ليست مادية.
إذن طبيعة الكمال اللدني رغم سعة دائرته، إلّا إنّ أسبابه ليست مادية دنيوية وليست مرئية، فالمهم أنّه كيف نفرّق بين الهبة اللدنيةالاصطفائية وبين الهبة اللدنية التي هي كرامة للأولياء الصالحين غير المصطفين أو الهبة اللدنية لغير الصالحين، كما في الحديث القدسي: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أجَاعَ بَطْنَهُ وحَفِظَ
لِسَانَهُ عَلَّمْتُهُ الحِكْمَةَ وإِنْ كَانَ كَافِراً»(1).
فربما ترى بعض المرتاضين عندما يواظبون على بعض الأمور يحصّلون على كمالات اكتسابية معنوية محسوسة؛ فيقومون بأفعال خارقة في أبدانهم، ولكن هذا لا يدل على أن هؤلاء من أهل الورع والتقوى، بل هذه رياضات روحية يروّضون بها أنفسهم في بعض المجالات، ويكبحون جماح النفس ويزهدون في الدنيا لأجل الدنيا، لا لأجل الآخرة؛ فيعطيهم الله عز وجل بعض الخواص ولكنها لا تدل على الصلاح، فإذن الكمالات اللّدنية على أنواع ونماذج.
و كذلك هناك كمالات اكتسابية محسوسة مادية تختلف عن الأمور اللدنية؛ كالشجاعة البدنية وغيرها من الكمالات البدنية الأخرى، وهي ليست لدنية وإن كانت أسبابها لدنية ولكنها محسوسة مكتسبة؛ كقول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «صُومُوا تَصِحُّوا»(2).
فالذي يصوم يصح، كذلك إنّ زيارة الإمام الحسين (علیه السلام) تصحح البدن وهكذا، أو أن تكون اصطفائية محسوسة، كما إنّ الإمام والنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ليس له
ظل، وهذه نفسها ليست لدنّية بل هي محسوسة مادية وإن كانت أسبابها لدنية، فالاصطفاء قد يكون لدنياً وقد يكون محسوساً، كما إنّ الاكتسابي قد يكون لدنياً وقد يكون محسوساً، وهذه خريطة ضرورية لابدّ أن يلتفت اليها الباحث كمقدمة في سلسلة بحثنا الذي نخوض فيه.
إنّ الصفة الاكتسابية اللدنية قابلة للزوال بخلاف الصفة الاصطفائية اللدنية فإنها لا يقع زوالها رغم إنّ كلاهما من الله تعالى، وعلى سبيل المثال إنّ لقمان من الممكن ان تزول عنه الحكمة، وذلك لأنّه لم يُصطفَ اصطفاء النبوة أو الإمامة أو ما شابه ذلك، بل هي أُعطيت ووهبت إياه بشرائط، كما يذكر القرآن الكريم في شأنه وفي شأن يوسف وشأن النبي موسى (على نبينا وآله وعليهم السلام)، قال تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَينَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}(1).
وهذه سنّة إلهية مطّردة ليس لها ربط بالإصطفاء، بل لها ربط بالإكتساب، لأنّ كل من يحسن في طاعاته وأعماله يؤتيه الله علماً لدنياً
1) سورة يوسف، الآية 22.
وحكمة، كما إنّ نفس المعصوم المصطفى بدرجات الاصطفاء لديه صفات اكتسابية ولديه صفات اصطفائية، وليس من الضروري أنّ كل الصفات التي لديه اصطفائية، مع العلم بأنّ الصفات الاصطفائية في المصطفين أعظم من الصفات الإكتسابية عندهم.
وهذا العلم اللدني الذي أُعطي للنبي موسى وللنبي يوسف كما يذكر القرآن الكريم في سورتين لا من باب الاصطفاء وإن كانوا مصطفين، بل هو من من باب الاكتساب لأنّ ذيل الآية ينص هكذا: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}، نعم هناك حكمة اصطفائية ايضا يشير إليها القرآن في مواضع كما في سورة آل عمران والنساء.
وكما يبين الامام الصادق (علیه السلام) في كتاب (كفاية الأثر في النص على الأئمة الإثني عشر) الذي كتبه أحد علماء قم الكبار المعاصر للصدوق محمد بن الحسن القمي في الغيبة الكبرى منتصف القرن الرابع الهجري، وهو أشعري ظاهرا من كبار علمائنا، لديه كتاب عظيم وهو من المصادر العظيمة عند مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) وهو النص على الأئمة الاثني عشر.
وروى رواية عظيمة عن الإمام الصادق (علیه السلام) يبين فيها جملة من
المقامات اللدنية الاكتسابية ليست الحكمة فقط، بل يذكر الإمام الصادق (علیه السلام) جملة من المقامات التي يمكن للإنسان الوصول إليها بالرياضة الشرعية والتقوى والطاعة وغيرها.
عن عَلِي بْنِ الْحُسَينِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ هَارُونُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ الْحِمْيرِي قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَلِي الْعَبْدِي الرَّقِّي عَنْ دَاوُدَ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ يونُسَ بْنِ ظَبْيانَ قَالَ: (دَخَلْتُ عَلَى الصَّادِقِ (علیه السلام) فَقُلْتُ يا ابْنَ رَسُولِ الله إِنِّي دَخَلْتُ عَلَى مَالِكٍ وأَصْحَابِهِ فَسَمِعْتُ بَعْضُهُمْ يقُولُ إِنَّ الله له [لله] وَجْهاً كَالْوُجُوهِ وَبَعْضُهُمْ يقُولُ لَهُ يدَانِ وَاحْتَجُّوا بِذَلِكَ قَوْلَ الله تَعَالَى بِيدَي أَسْتَكْبَرْتَ وَبَعْضُهُمْ يقُولُ هُوَ كَالشَّابِّ مِنْ أَبْنَاءِ ثَلَاثِينَ سَنَةً فَمَا عِنْدَكَ فِي هَذَا يا ابْنَ رَسُولِ الله قَالَ فَكَانَ مُتَّكِئاً فَاسْتَوَى جَالِساً وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَفْوَكَ عَفْوَكَ».
ثُمَّ قَالَ: «يا يونُسُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لله وَجْهاً كَالْوُجُوهِ فَقَدْ أَشْرَكَ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ لله جَوَارِحَ كَجَوَارِحِ الْمَخْلُوقِينَ فَهُوَ كَافِرٌ بِالله فَلَا تَقْبَلُوا شَهَادَتَهُ وَلَا تَأْكُلُوا ذَبِيحَتَهُ تَعَالَى الله عَمَّا يصِفُهُ الْمُشَبِّهُونَ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ فَوَجْهُ الله أَنْبِياؤُهُ وَقَوْلُهُ
خَلَقْتُ بِيدَي أَسْتَكْبَرْتَ فَالْيدُ الْقُدْرَةُ كَقَوْلِهِ وَأَيدَكُمْ بِنَصْرِهِ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الله فِي شَيءٍ أَوْ عَلَى شَيءٍ أَوْ تَحَوَّلَ مِنْ شَيءٍ إِلَى شَيءٍ أَوْ يخْلُو مِنْهُ شَيءٌ أَوْ يشْغَلُ بِهِ شَيءٌ فَقَدْ وَصَفَهُ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ وَالله خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ لَا يقَاسُ بِالْقِياسِ وَلَا يشَبَّهُ بِالنَّاسِ لَا يخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ وَلَا يشْغَلُ بِهِ مَكَانٌ قَرِيبٌ فِي بُعْدِهِ بَعِيدٌ فِي قُرْبِهِ ذَلِكَ الله رَبُّنَا لَا إِلَهَ غَيرُهُ فَمَنْ أَرَادَ الله وَأَحَبَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ وَمَنْ أَحَبَّهُ بِغَيرِ هَذِهِ الصِّفَةِ فَالله مِنْهُ بَرِيءٌ وَنَحْنُ مِنْهُ بُرَآءُ».
ثُمَّ قَالَ (علیه السلام): «إِنَّ أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ عَمِلُوا بِالْفِكْرَةِ حَتَّى وَرِثُوا مِنْهُ حُبَّ الله فَإِنَّ حُبَّ الله إِذَا وَرِثَهُ الْقَلْبُ اسْتَضَاءَ بِهِ وَأَسْرَعَ إِلَيهِ اللُّطْفُ فَإِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا صَارَ مِنْ أَهْلِ الْفَوَائِدِ فَإِذَا صَارَ مِنْ أَهْلِ الْفَوَائِدِ تَكَلَّمَ بِالْحِكْمَةِ فَإِذَا تَكَلَّمَ بِالْحِكْمَةِ صَارَ صَاحِبَ فِطْنَةٍ فَإِذَا نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْفِطْنَةِ عَمِلَ فِي الْقُدْرَةِ فَإِذَا عَمِلَ بِهِ مَا فِي الْقُدْرَةِ عَرَفَ الْأَطْبَاقَ السَّبْعَةَ فَإِذَا بَلَغَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ جَعَلَ شَهْوَتَهُ وَمَحَبَّتَهُ فِي خَالِقِهِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْكُبْرَى فَعَاينَ رَبَّهُ فِي قَلْبِهِ وَوَرِثَ الْحِكْمَةَ بِغَيرِ مَا وَرِثَهُ الْحُكَمَاءُ وَرِثُوا الْحِكْمَةَ بِالصَّمْتِ وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرِثُوا الْعِلْمَ بِالطَّلَبِ وَإِنَّ الصِّدِّيقِينَ وَرِثُوا الصِّدْقَ بِالْخُشُوعِ وَطُولِ الْعِبَادَةِ فَمَنْ أَخَذَهُ بِهَذِهِ السِّيرَةِ إِمَّا أَنْ يسْفُلَ وَإِمَّا أَنْ يرْفَعَ وَأَكْثَرُهُمْ الَّذِي يسْفُلُ وَلَا يرْفَعُ إِذَا لَمْ يرْعَ حَقَّ الله وَلَمْ يعْمَلْ بِمَا أُمِرَ بِهِ فَهَذِهِ
صِفَةُ مَنْ لَمْ يعْرِفِ الله حَقَّ مَعْرِفَتِهِ فَلَمْ يحِبَّهُ حَقَّ مَحَبَّتِهِ فَلَا يغُرَّنَّكَ صَلَاتُهُمْ وَصِيامُهُمْ وَرِوَاياتُهُمْ وَعُلُومُهُمْ فَإِنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ».
ثُمَّ قَالَ: «يا يونُسُ إِذَا أَرَدْتَ الْعِلْمَ الصَّحِيحَ فَعِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيتِ فَإِنَّا وَرِثْنَا وَأُوتِينَا شَرْعَ الْحِكْمَةِ وَفَصْلَ الْخِطَابِ». فَقُلْتُ يا ابْنَ رَسُولِ الله وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَيتِ وَرِثَ كَمَا وَرِثْتُمْ مَنْ كَانَ مِنْ وُلْدِ عَلِي وَفَاطِمَةَ (علیهم السلام)، فَقَالَ: «مَا وَرِثَهُ إِلَّا الْأَئِمَّةُ الِاثْنَا عَشَرَ».
قُلْتُ سَمِّهِمْ لِي يا ابْنَ رَسُولِ الله، فَقَالَ: «أَوَّلُهُمْ عَلِي بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَبَعْدَهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَينُ وَبَعْدَهُ عَلِي بْنُ الْحُسَينِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِي ثُمَّ أَنَا وَبَعْدِي مُوسَى وَلَدِي وَبَعْدَ مُوسَى عَلِي ابْنُهُ وَبَعْدَ عَلِي مُحَمَّدٌ وَبَعْدَ مُحَمَّدٍ عَلِي وَبَعْدَ عَلِي الْحَسَنُ وَبَعْدَ الْحَسَنِ الْحُجَّةُ اصْطَفَانَا الله وَطَهَّرَنَا وَأُوتِينَا ما لَمْ يؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ».
ثُمَّ قُلْتُ يا ابْنَ رَسُولِ الله إِنَّ عَبْدَ الله بْنَ سَعْدٍ دَخَلَ عَلَيكَ بِالْأَمْسِ فَسَأَلَكَ عَمَّا سَأَلَكَ فَأَجَبْتَهُ بِخِلَافِ هَذَا، فَقَالَ: «يا يونُسُ كُلُّ امْرِئٍ وَمَا يحْتَمِلُهُ وَلِكُلِّ وَقْتٍ حَدِيثُهُ وَإِنَّكَ لَأَهْلٌ لِمَا سَأَلْتَ فَاكْتُمْهُ إِلَّا عَنْ أَهْلِهِوَالسَّلَام»)(1).
لقد بين الإمام الصادق (علیه السلام) جملة من البرامج والطرق للوصول الى
1) كفاية الأثر في النص على الأئمة الإثني عشر لعلي بن محمد الخزاز الراضي: ص255-259.
هذه المقامات اللدنية، وإحدى هذه الآليات على سبيل المثال هو طريق المحبة لله، وقد يصل الإنسان من جهة الذكر الشرعي أو العمل العبادي الى مقامات لدنية عظيمة، كذلك يحذر الإمام الصادق (علیه السلام) إنّ هذا الأمر كما هو سريع الوصول الى هذه المقامات اللدنية الإكتسابية كذلك قد يكون سريع السقوط.
فيذكر الإمام الصادق (علیه السلام) جملة من الأعمال الشرعية في الشريعة والدين للوصول الى مقامات لدنية مطابقة للدين والشريعة، وأن كثيراً من الذين يصلون الى مقامات لدنية عديدة عن طريق خدمة سيد الشهداء (علیه السلام) وعن طريق حفظ القرآن وعن طريق الاهتمام بالأيتام، وهذه كلها أبواب للدين.
كذلك يمكن الوصول عن طريق الخيرات وعن طريق الجهاد وعن طريق الغيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالموازين الشرعية لا بغيرها، لأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له موازين وآليات ودرجات وفنيات ولباقات وغير ذلك، فالمقصود إنّ أبواب الدين أبواب عظيمة كل باب منها، كما يقول الامام الصادق (علیه السلام) يوصلك الى مقامات لدنية.
كما قد يصل الإنسان عن طريق الصوم أو عن طريق صلاة جعفر
الطيار عندما يدمنها كل يوم كما هو الحال في بيت من بيوت العلم، فتجد أنّهم متوارثون تعبير وتأويل الرؤى بشكل عجيب غريب، لأنّهم يدمنون صلاة جعفر الطيار (علیه السلام) في كل يوم، لأنّ خاصية صلاة جعفر الطيار تعطيك هذا المقام اللدنّي، فنلاحظ إنّ كل أبواب الخير وأبواب المستحبات في الدين توصل الإنسان الى مقامات لدنية.
ليست هذه المقامات مقاماً واحداً أو اثنين أو ثلاثة، بل هي ما شاء الله فواكه غيبية لدنية كثيرة جدا، كما يذكر الامام الصادق (علیه السلام) ما مضمونه: (أيها الواصل الى هذه المقامات لا تغتر إذا أُعطِيت فاكهة من الفواكه هذا لا يدل على حسن عاقبتك أو إنّك مستقيم على الدوام، بل يجب عليك أن تستمسك بالتقوى وإلّا تزلق)، وآثار هذه المقامات اللدنية واضح أنّها لا تظهر بالأسباب المادية ولا تسمى معجزة، بل تسمى كرامة، فالمقامات اللدنية الاكتسابية تسمى كرامة، وهذه إحدى الفوارق بين المقامات الاصطفائية والمقامات غير الاصطفائية وان كانتا لدنيتين؛ وهو إنّ المقام اللدني الاكتسابي يسمى كرامة كتكريم من الله عزّ وجل وليس كالإصطفاء الذي يسمى معجزة.
إنّ الصفات الإكتسابية اللدنية تسمى كرامة، بخلاف العطيات اللدنية الاصطفائية فهي معجزة وليست كرامة، وهذا فارق مهم بين الصفة الاصطفائية والصفة الاكتسابية، يقول المحقق الكبير الميرزا القمي(1)صاحب كتاب (القوانين في علم الأصول)، حيث يقول في (كتابه في الاعتقادات): (إنّ مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) لا تخصص المعجزة والتحدي الاعجازي والبرهان بمعجزات الأنبياء والرسل بل اعتقادنا أيضا على أنّ المعجزة برهان للإمام وأيضا برهانللإصطفاء) فهي تعم الأئمة وتعم أيضا المصطفين لما مرّ بنا مراراً أنّ الاصطفاء لا ينحصر بالأقسام الأربعة يعني النبوة والرسالة والإمامة وولاية الأمر.
كعقيدتنا في البضعة البتول فاطمة الزهراء (علیها السلام) إنّ لها مقام الحجية
1) الميرزا القمّي: عالم ومحقق كبير متبحر في الفقه والأصول، درس في حوزة كربلاء على يد الوحيد البهبهاني، ودرس أيضا في النجف الأشرف، وهو من أصدقاء العلّامة الكبير بحر العلوم جد أسرة بحر العلوم، ولديه مؤلفات عديدة منها كتاب (القوانين في علم الأصول) وكتاب (الغنائم) و(جامع الشتات) ولديه موسوعات فقهية كثيرة في باب الفقه ولديه كتب أخرى عديدة.
والاصطفاء والطهارة ومعاجز أخرى وإن لم تكن نبياً أو رسولاً أوإماماً ولكنّها صدّيقة مطهرة لها سؤدد أهل الجنة ولها مقام الولاية والطاعة بحسب ما هو مقرر بالبداهة الضروري في منهاج مدرسة أهل البيت (علیهم السلام).
فالاعجاز في مقامات المصطفين والاصفياء الذين صفّاهم الله تعالى ليست قابلة للإكتساب وهذه من الفوارق المهمة ومن الضروري أن يلتفت إليها الباحث.
إنّ الصفة الاكتسابية لا محال جزاؤها يكون بعد العمل ولو في دار الدنيا، كما مرّ بنا في هذا المثال من قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَينَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}(1). (آتَينَاهُ): يعني إيتاء لدني فقد آتاه الله علماً وحكماً لدنياً، وكذلك لاحظ المعادلة الإلهية الكاملة والتي يشير إليها أهل البيت (علیهم السلام) في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}.
يعني كل من يسلك هذا الطريق يؤتى من قبل الله علماً لدنياً وحكمة لدنية، ولا يقتصر ذلك على طريق العدالة وحسب بل طريق الاحسان كما
1) سورة يوسف: الآية 22.
يشرحه الإمام الصادق (علیه السلام) فهو مقام صعب، ليس من السهل أن يكون الإنسان في كل أفعاله وفي كل صفاته مُحسِن ويستمر عليه مدة مديدة، وهذه الصفة إنّما هي عطية وهبية ملكوتية لدنيةاكتسابية ليست اصطفائية لدنية، يعني يمكن أن تزول، أي رغم انها لدنية لكنها تزول.
صحيح أنّ الأغلب يعجز عنها لكن الذي يسلك الرياضات الشرعية المشروعة في الفقه والآداب الدينية الشرعية يصل اليها بصرامة وقوة وبدقة، كما يقول سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم): (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء - في ذلك الوقت الذي يشير إليه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) - (إلّا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد (صلی الله علیه و آله و سلم))(1)، فالكمال أيضا درجة لدنية اكتسابية لا إنّها اصطفائية.
وهناك مع الكمال الاصطفائي درجة من الكمال الإكتسابي، كدرجة الكمال عند مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد
1) تفسير نور الثقلين: ج5، ص377، سورة التحريم؛ تفسير الصافي: ج5، ص198، سورة التحريم؛ تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب: ج13، ص345، سورة التحريم؛ عوالم العلوم والمعارف والأحوال من الآيات والأخبار: ج11، ص118، باب إنه لم يكمل من النساء إلا (أربع).
وفاطمة بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فالمراد من الكمال في هذا الحديث الشريف قد يكون هو اشارة الى الصفة الاكتسابية اللدنية لا الصفة الاصطفائية مع أنّ هؤلاء الأربع من أهل الاصطفاء.
فالاصطفائية موضوع آخر، فيجب أن نميز ونفرق بين الصفات الاكتسابية اللدنية والصفات الإصطفائية اللدنية، وفي القرآن كما يبين الامام الصادق (علیه السلام) في تلك الرواية أو روايات أخرى عن بقية الأئمة، إنّ الصفات اللدنية الملكوتية هي عطايا إلهية كثيرة جدا يشير اليها القرآن الكريم.
ومرّ بنا تعبير الرؤيا وتأويل الاحداث لمن يدمن صلاة جعفرالطيار (علیه السلام) أو لمن يمارس بعض الرياضات الشرعية.
وهذه خاصّية لدنية ملكوتية يعطيها الله عزّ وجل لمن يمرّ بإمتحانات مثل إمتحان النبي يوسف (علیه السلام) عندما استعصم عن الفاحشة وحجز نفسه عنها فإنّه أُعطي مثل هذا العلم، فالمقصود إنّ الصفات اللدنية الاكتسابية كثيرة، وقد روى الفريقان هذا الحديث القدسي: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أجَاعَ بَطْنَهُ وحَفِظَ لِسَانَهُ عَلَّمْتُهُ الحِكْمَةَ وإِنْ كَانَ كَافِراً»(1).
1) إرشاد القلوب: ج1، ص205.
وهذا فارق آخر بين الصفات اللدنية الاكتسابية حيث أنّه يمكن أن يعطيها الله كلا من المؤمن والكافر، وليس ذلك بعجيب، بل يعطيها للكافرجزاء في دار الدنيا قبل الآخرة.
إنّ حبط العمل يعني إنّ عمله لا يوصله الى الجنّة الأبدية، لكنه يعطى جزاءه في دار الدنيا أو في الموت أو في البرزخ أو ربمّا حتى في القيامة وهذا لا يدل على إنّ عمله غير حابط، وهذه نكتة مهمة.
وهي الفرق بين الصفة الاصطفائية والصفة الإكتسابية وإن كانتا لدنّيتين، إنّ الصفة الاصطفائية لا يمكن أن تعطى إلّا لمن هو هادٍ ومهتدٍ وعلى الصراط المستقيم، أمّا الصفة اللدنية الاكتسابية يمكن أن تعطى للضال أو الكافر، لأنّ الله عدل لا يجور في عدله.
وقد يظن الكثير إنّ حبط العمل بمعنى أنّه لا يعطى عليه جزاء أصلا، وهذا خطأ، حيث يقول الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: {وَمَنْ يعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خيرا يرَهُ}(1).
1) سورة الزلزلة: الآية 7.
فالمراد من الحبط هو ما بيّنه القرآن الكريم وبينه أهل البيت (علیهم السلام) في بيانات القرآن، وهذا المطلب الإلهي موجود في كثير من الأدعية، وعلى سبيل المثال في دعاء الإمام الحسين (علیه السلام) يوم عرفه: «اللَّهُمَّحَاجَتِي الَّتِي إِنْ أَعْطَيتَهَا لَمْ يضُرَّنِي مَا مَنَعْتَنِي وإِنْ مَنَعْتَنِيهَا لَمْ ينْفَعْنِي مَا أَعْطَيتَنِي أَسْأَلُكَ خَلَاصَ رَقَبَتِي مِنَ النَّار»(1).
إنّ المناط في عدم حبط العمل هو وصول العمل الى الذخيرة الأبدية وهي الجنة الأبدية، أي إذا وصل عمل الإنسان الى الذخيرة الأبدية فإنّ عمله غير حابط، وأمّا إذا لم تصل أعماله الى الذخيرة الأبدية فهي حابطة ولا فائدة فيها وإن جوزي بها الإنسان في عالم الدنيا، كعمل الكافر أو إبليس وغيره.
عندما سُئِلَ أمير المؤمنين (علیه السلام)، (لماذا مكّن الله عز وجل إبليس بدرجة من درجات هذا الملكوت يعلم ما في الانفس وله اعوان وازلام وافعال كبيرة
1) الكافي: ج4، ص464، باب الوقوف بعرفة وحد الموقف؛ بحار الأنوار: ج95، ص224، باب 2 أعمال خصوص يوم عرفة.
خطيرة يذكرها القرآن الكريم مع انه إبليس كافر وضال بنص القرآن؟ فكان مضمون ما بيّنه أمير المؤمنين (علیه السلام) أن ذلك التمكين كان لسجدة سجدها في احدى السماوات وَ كَانَ قَدْ عَبَدَ اللَّهَ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ لَا يُدْرَى أَ مِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي الْآخِرَةِ(1)، فمع كون إبليس كافرا ولكنه أعطي درجات من الملكوت ولم يمنعها الله عنه واللطيف أنه أعطي بعد كفره وتمرده لأنّ القاعدة هي: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا جَاعَ بَطْنُهُ وحَفِظَ لِسَانَهُ عَلَّمْتُهُ الحِكْمَةَ وإِنْ كَانَ كَافِراً»(2).
فالمقصود إنّ الصفات اللدنية الاكتسابية هي لدنية من لدن الله؛ أي إنّها ملكوت نازل وليست ملكوتاً صاعداً ولا ملكوتاً متوسطاً،لأنّ الملكوت المتوسط والصاعد هو اصطفائي، أمّا ما دون ذلك عندما يسفل ويقرب من المادة وإن كان ملكوتياً غير مرئي فإنه اكتسابي، وهذه العطية يعطيها الله عزّ وجل نتيجة أفعال في نفسها حميدة ويحبها الله وإن كانت مجمل أفعال الشخص الذي اكتسبها خبيثة، وهذا فارق آخر بين الصفات اللدنية الاكتسابية والصفات اللدنية الاصطفائية وهذه نكتة مهمة لابدّ أن نلتفت لها.
إنّ وجود صفة لدنية اكتسابية عند شخص من الأشخاص لاتدل على هدايته، مع أنّ الكثير قد يُخدع بها وهي ليست سحراً أو شعبذة أو طلسمات بل هي حقيقة ولكنها لا تدل على الهداية، لأنّ الصفة اللدنية الاكتسابية كما مرّ قد يجزيها الله عزّ وجل لشخص ولكن لا تدل على الهداية وعلى أنّ عاقبته الى خير، وهناك رواية عظيمة عن الإمام الرضا (علیه السلام) عندما يذكر (حديث الحوض) عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، وعن قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): دعوا لي أصحابي.
فقال (علیه السلام): «هذا صحيح يريد مَنْ لم يغير بعده ولم يبدّلْ» قيل: وكيف يعلم أنهم قد غيروا أو بدلوا؟ قال: «لما يروونه: من أنه (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: ليذادن برجال من أصحابي يوم القيامة عن حوضي كما تذاد غرائب الإبل عن الماء فأقول: يا رب أصحابي أصحابي فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: بعدا وسحقا لهم افترى هذا لمن لم يغير ولم
يبدل)(1)»، بلى يمانعون عنالحوض ويساق بهم الى النار، بل يحلأ بينهم وبين الحوض.
ويسأل الرواي الإمام علي بن موسى الرضا (علیه السلام) سؤالاً ظريفاً يقول له: كيف هؤلاء مع كون عاقبتهم سوء وصلوا الى قريب الحوض.
وكان الراوي نبهاً جداً الى أنّه كيف وصلوا هؤلاء قريب الحوض ثم يحلأ بينهم وبين الحوض فيمنعون عنه فيجيب (علیه السلام): إن ذلك جزاء لهم لما كان من سوابقهم مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، مع إنّ هذه الجزاءات التي أُعطِيت لهؤلاء لم توصلهم الى الجنة الأبدية، وكانت عاقبتهم في نهاية المطاف أنّهم من أهل النار وليسوا من أهل الجنة، ولكن مع ذلك أعطيت جزاء لهم في دار الدنيا بل ما بعد دار الدنيا.
وهذه المفاهيم والبحوث الاعتقادية اذا لم يلتفت اليها الانسان قد يفتتن في العوالم الآتية، ويقول كيف يجازي الله فلاناً، مع أنّ فلاناً عاقبته عاقبة سوء، لا تغرك أيها المؤمن هذه العطيات لأنّها لاتدل على الوصول الى الجنة الأبدية، ولا ينافي حبط العمل عنده، لأنّ عمدة العمل للإنسان أن لا يكون
1) عيون أخبار الرضا (علیه السلام): ج2، ص93؛ كتاب سليم بن قيس: ج2، ص728، الحديث التاسع عشر؛ وينظر: الغيبة للنعماني: ص46، باب 2 تفسير قوله واعتصموا بحبل الله تعالى.
محبطاً وأن يوصله الى الجنة الأبدية (فمن زحزح عن النار) وقيد آخر (وأدخل الجنة) لاحظ هذه المعادلة القرآنية كما في قوله تعالى: {...فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}(1).
ولا تغتر بمن أُعطي معرفة ما في الضمير ومعرفة الأسرار وتطوى له الارض وعاقبته إلى السوء، لأنّه كان كافراً، في حين هذا المؤمن الذي قد تراه ضعيفاً فقيراً لا يملي عينك ولكنه على طريق الهدى مكتوب له زحزح عن النار وأُدخِل الجنة وقد فاز.
يا أيها المؤمن البصير لا تغرنك الصفات اللدنية الاكتسابية ميز بينها وبين الإصطفائية، ولتكن لديك بصيرة لتميز الصفات اللدنية الاكتسابية عن الصفات اللدنية الاصطفائية، وهذه إحدى ضرورات هذاالمبحث، وهي معرفة الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام) الذين يحيطون كأنوار أخرى بالأنوار المركزية الأربعة عشر معصوماً (علیهم السلام)، وكيف نميزهم عن غيرهم؟ إذن الصفات اللدنية الاصطفائية تَفَرُّق عن الصفات اللدنية الاكتسابية بفوارق وميزات عديدة كما مرّت بنا.
1) سورة آل عمران: الآية 185.
المحور الأول
كيفية الاستدلال في العقائد بالروايات
المحور الثاني
ميزان البحث في ادلة الدائرة الاصطفائية الثانية من أهل البيت (علیهم السلام)
المحور الثالث
(اعتبار الظنون في الاعتقادات والمعارف)
المحور الرابع
منهجية الاستدلال في البحث (هل لغة الفضائل لغة معرفية أو لغة عقائدية)
المحور الخامس
(هل هناك تلازم بين الفضيلة والحجية والاصطفاء)
هل يمكن الإستدلال بالروايات كأخبار آحاد أو أخبار ظنّية في العقائد أو لابدّ من الإستدلال بالمتواترات حصراً في العقائد؟
وماذا عن المستفيض والإستفاضة وهو دون المتواتر لكنه مقارب له؟
وإنّ ظواهر الآيات القرآنية هي دلالات ظنية معتبرة، ولكن هل يمكن الإستدلال بالظن المعتبر من دلالات الآيات في الاعتقادات؟
وهذا المبحث نخوض فيه كموسوعة اعتقادية في الأنوار الثانية للدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام) (أنوار من بني هاشم) التي تحيط بالأنوار الأربعة عشر، وفريضة الاعتقاد بهذه الأنوار وتعظيمها وتبجيلها والاقتداء بها
وتولّيها وطاعتها في نظام الدين، فهل يمكن أن نستدل بالظن المعتبر؟ وهل الأدلة القائمة عليها ظن أم يقين؟ وهذا مبحث ليس بالسهل الهين، بل هو دقيق ومنهجي يجب أن نتعرّف عليه، وقد ذكرنا سابقا تقسيمات في الأمور الاعتقادية، وفي معنى أسس الدين سواء الدين الظاهري وهو الإسلام الظاهري أو الدين الواقعي وهو الإيمان.
ومرّت الإشارة إلى مبحث اصول الدين رتبةً وهي دون أسس الدين سواء الدين الظاهري: الإسلام الظاهري أو الإيمان وهو الدينالواقعي، وإلى قسم ضروريات الدين الظاهري، وضروريات الدين الواقعي وهو الإيمان والإسلام الحقيقي وإلى قسمٍ رابعٍ يقينيات في الدين وإلى واجبات فرائض اعتقادية ليست يقينية بينة، بل يقينية نظرية، وقسم خامس وهو الظن المعتبر.
وأنّ أصول أو أسس الدين عندما يقال لا تثبت في العقيدة إلّا بيقين، وأن هذا الكلام مخصوص بأسس أو اصول الدّين، الى أن تصل النوبة الى الضروريات، وأمّا ما وراء الضروريات - مثل اليقينيات المبدّهة أو اليقينيات النظرية أو الظنّيات، وبعبارة أخرى أي تفاصيل العقائد -.
فلا محذور ولا مانع من إثباتها بالظن المعتبر ولا يعني ذلك حصر
دليلها بالظن المعتبر بل يمكن بذل الجهد لإقامة الأدلّة اليقينية عليها كلما توسع وإزداد التحري والتنقيب والتدبر العلمي في مصادر الوحي، فيتحصل تنوّع في مرتبة الدليل بحسب مرتبة الاعتقاد فأما أعمدة وأسس وأصول وضروريات في العقائد، فهي التي لابدّ فيها من يقين هذا.
وأمّا ما وراء أعمدة العقائد من أسس وأصول وضروريات، فمجيء الظن المعتبر عند كثير من المتكلمين صحيح منهجيا في المنطق العقائدي.
وهذا أيضا صحيح منهجيا عند كثير من الفقهاء والمحدثين وعند المفسرين لاسيما أغلب المفسرين وأغلب المحدثين.
وليس المقصود بالمحدثين الأخباريين السطحيين، بل قد يكون عالماً فقيهاً هو محدّث، نظير الملّا شريف الفتوني فقيه مستأسد في الفقه ومع ذلك محدث متبحر.
وكذلك السيد هاشم البحراني (رَحمهُ اللّه) محدّث متبحّر ولكنه مع ذلك فقيه كبير وكذلك الفيض الكاشاني والحر العاملي والمجلسيان.
فالمقصود ليس المراد بالمحدثين أنّهم ذو طابع سطحي كما قدينطبع في الذهن، بل الطابع على بحثه الاختصاصي التضلع في علم الحديث، وإلّا فالمجلسيان نموذجا كما شهدت بذلك اليونسكو قبل سنين.
إنّ صاحب البحار الرجل الموسوعي في الشرق الأوسط الذي اعترف العالم بعظمته لتوغله وتنمره في العلوم العديدة هو المرحوم العلامة المجلسي كما شهدت أيضا للخواجة نصير الدين الطوسي.
فالعقائد عبارة عن دوائر وقد بنى المحدثون والمفسرون أنّ للعقائد عاصمة، والمنطقة التالية للمركز تسمى الضروريات في العقائد، ثم تأتي بعد ذلك منطقة ضواحي العقائد وبعدها منطقة ماوراء ضواحي العقائد وهي من حريم المدينة الأصلية العقائدية إذا أردنا أن نشبّه الأمر بهذا التشبيه فهي دوائر تنطلق من مركز التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد ونحو ذلك، وتتسع الى تفاصيل، وأمّا الدوائر التي تبتعد في تفاصيل العقائد، فإنّ مجيء الظن المعتبر سوّغه كبار المحققين من العلماء.
ولابدّ من حفظ وتمييز الدوائر والمناطق لكي لايلتبس هذا المبحث الخطير ولاتلتقط المعلومة بشكل غير دقيق في تمييز دوائر تفاصيل العقائد، إنّ أسس وأصل أصول العقيدة تبتني على القطعيات واليقينيات ولا كلام فيه وكذلك في الضروريات ولكن كلامنا في تفاصيل العقائد وسنتبين أنّ
موسوعتنا في الدائرة الثانية في أي مبحث تندرج؟ وفي أي قسم؟ وهل هي أصول؟ أم ضروريات أم يقينيات مبدّهة أم يقينيات نظرية أم ظنيات؟
وهذه هي هندسة صناعية دقيقة كلامية أصولية فقهية حديثية تفسيرية، يجب أن نكون مدقّقيين فيها، ولا تتحمل التساهل والتسامح، بل تحتاج إلى تدقيق، وهناك غفلات كبيرة وكثيرة في هذا المساروالبحث فيها صعب مستصعب.
وخلاصته كما سيأتي بسط شرحه أن أصل وجود إصطفاء الدائرة الثانية ضرورة يقينية قطعية بحسب الأدلة بل وبحسب الارتكاز الإجمالي لدى المسلمين فضلاً عن المؤمنين لا بحسب الإلتفات التفصيلي وكذا بحسب السيرة العملية لديهم من تعظيمهم بنحو خاص وهذا ليس مقتصرا على أصل وجود اصطفاء للدائرة الثانية بل كذلك الحال بلحاظ شخوص من أفراد الدائرة الثانية كحمزة وجعفر وعبد المطلب وأبي طالب وخديجة والعقيلة زينب وأبي الفضل العباس.
بل الوصول الى اليقين النظري التفصيلي في كثير من أفراد الدائرة الثانية مجال متاح وأما اليقين الاجمالي فهو مبدّه إجمالاً نصاً وارتكازاً وذلك بالتدبر
والتحري الوسيع في المصادر من الآيات والروايات كما سيأتي، فهي في قسم العقائد التي هي ليست أساسيات الدين، لأنّ أساسيات ديننا مبنية على البرهان والقطع وكذلك أصول الدين سواء أصول الإيمان الذي هو الدين الواقعي أي الإسلام الواقعي أو اصول الاسلام الظاهري مبني على اليقين.
كذلك الضروريات الى أن تصل النوبة الى اليقينيات القريبة للبديهة ثم تأتي النوبة الى اليقينيات النظرية ثم للظن المعتبر.
إنّ اعتماد الظن المعتبر في الدوائر البعيدة عن مركز العقيدة - ليست مقالة بعيدة شاطّة - مثل تفاصيل القبر، وتفاصيل أحوال يوم القيامة، وتفاصيل الجنة والنار، وتفاصيل الصّراط، لا أصل الاعتقاد بالصراط الذي هو من الضروريات، أمّا تفاصيل الصراط كم عقبة؟ وماهي العقبات التي سنواجهها؟ فهذا شيء آخر.
كذلك أصل يوم القيامة من الضروريات، بل من أصول الدين، بخلاف تفاصيل يوم القيامة نضير كون القيامة يوم أربع وعشرونساعة أم هو عالم، قال تعالى: {يوْمَ يقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}(1).
1) سورة المُطففين: الآية 6.
أصل المعاد من اصول الدين، وأمّا تفاصيل المعاد، وأنّ الحيوانات تحشر أو لا؟ كل الموجودات تحشر أم لا تحشر؟ وكيف تحشر؟ فهذه بحوث اخرى، هذه تفاصيل، يقال لها تفاصيل الاعتقادات.
وهذه التفاصيل في المعارف ليست هي الأصول هي وإنما هي شرح للأصول، لأنّ أصل الأصول يقينية قطعية بديهية وحيانية عقلية وجدانية، أمّا الدخول في التفاصيل؛ المشهد التفصيلي للمعاد فذلك بحث آخر، المسلسل التفصيلي للقبر (أشهد أنّ القبر حق، والموت حق والبعث حق)، وأمّا تفاصيل البعث، وكيف نُبعث؟ فهذه هي تفاصيل الاعتقادات، كما أنّ أصل الرجعة في هذه الدار الدنيا كدور ثانٍ تكميلي من ضروريات الإيمان، من ضروريات مدرسة أهل البيت (علیهم السلام).
أمّا تفاصيل الرجعة فهذه ليست من الضروريات، ولا يصح أن نخلط بين تفاصيل الرجعة واصل الرجعة ولا يستقيم أن نخلط بين أصل المعاد، وتفاصيل المعاد؟ لابد أن نميز ونفرق بين أصل المعاد أنّه من اصول الدين، وبين تفاصيل المعاد وهو أمر آخر.
وكثير من الباحثين يخلط بين أصل الشيء الاعتقادي وتفاصيل ذلك الشيء ويساوي بينهما درجة واثباتا وثبوتا، بينما أصل الشيء هو نحو ونمط إجمالي إبهامي للشيء، بينما تفاصيله معارف تفصيلية لزواياه كالخلط الحاصل بين أصل ولادة الامام الحجة (علیه السلام) وبين تفاصيل ولادته عند من يشكك ويرتاب.
بينما أصل ولادة الامام الحجة من اليقينيات وأمّا تفاصيل الولادة فأمر آخر نظير ولادة الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) مع مقارنتها بتفاصيل الولادة.ولابد أن يفقه من يدعي البحث العلمي ما يبحث فيه وأما الدمج بِلا تفرقة ولا تمييز بين أصل الولادة التي هي من اليقينيات، وبين تفاصيل الولادة هل هي في الليل أم في النهار وأي يوم فهو من الخبط المنهجي، كما هو الحال في ميلاد الْنَّبِي (صلی الله علیه و آله و سلم) أصل ولادة النبي من اليقينيات من البديهيات.
وأمّا تفاصيل ولادة سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) فهناك اختلاف بين الفريقين، فأبناء الجمهور يذهبون الى 12من ربيع الاول والامامية تذهب الى السابع عشر، وهذا الاختلاف لا في أصل ولادة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بل في التفاصيل، والذي لا يعي الفرق بين التفاصيل والأصل فهذا لايزال مترجلاً في أبجديات البحث العلمي، وأبجديات البحوث التحقيقية.
التفاصيل مقام وأصل الشيء مقام آخر ومثاله في أصل المعاد الجسماني، ما قال الشيخ جعفر كاشف الغطاء الكبير (رَحمهُ اللّه): (أصل المعاد الجسماني من أصول الدين وضرورياته ومنكره يخرج عن الإسلام )، وأمّا تفاصيل الجسم في المعاد الجسماني فليس من ضروريات الدين نظير أن الجسم لطيف، غليظ، متوسط، بين الغلظة، شفاف، غير شفاف، هذه تفاصيل المعاد الجسماني تفاصيل هي غير أصل الاعتقاد بالجسم المعادي.
وهذه أمور قد تصير واضحة للباحثين المتضلعين، والعجب على أية حال ممن يدّعون التحقيق في العلوم والأبحاث ويختلط عليهم ويلتبس عليهم الأمران.
وهذه الأمور التي هي أوّليات بسيطة، ومن يخوض في هذه المباحث لابدّ أن لا يخفى عليه التفصيل بين أصل الشيء وتفاصيله، وقوع ولادة الإمام الثاني عشر قبل زمن الإمام الثاني عشر، وردتفيه روايات متواترة عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وعلي وفاطمة والحسن وكل الأئمة (علیهم السلام) أنّه ابن الإمام الحادي عشر بن الحسن العسكري (علیه السلام).
فأصل ولادته قطعي بديهي بحسب القرآن وحسب روايات الفريقين، أمّا تفاصيل الولادة كيف كانت.
فهذه تفاصيل يتطرق إليها الظن، أنت أيها الباحث من دخل على والدتك حين ولدتك؟ فولادتك ونسبتك الى أبيك، فهذا هو الأصل، وأمّا أوتي بك في ليل أم في نهار؟ أم في أي بقعة جغرافية؟
فهذه هي تفاصيل، فالشك في نسبتك الى أبيك هي تفاصيل تغاير أصل الشيء والموضوع، فلابدّ من التدقيق في المباحث كذلك الحال فيما نحن فيه وهو مهم.
سيأتي تفاصيل الدائرة الثانية لأهل البيت (علیهم السلام) كفصل مستقل، وهذا بحث مقام آخر فبعض مساحات البحث والبحوث ضرورية وبعض مساحاتها قد تكون يقينية غير بديهية وقد تكون في مساحة ثالثة ظنية معتبرة.
وهكذا البحث في المعارف، فإذا شاهد الباحث مسألة ومساحة وبقعة في المعاد ثبتت بالظن المعتبر، فهل هذا يستلزم أنّ أصل المعاد ثبت
بالظن المعتبر؟ ويحك أيها الناظر! أيها القائل، أصل المعاد ضروري وأمّا بعض تفاصيل المعاد وبعض لقطات المعاد ليست ضرورية أو ليست من أصول الدين، وهذا لايعني أنّ أصل المعاد ليس بضروري أو يشكك في ضروريته وأصله.
وهذه التفرقة من أبجديات منهج ونظام البحث، مثلا كل منا نعلم أنّ القارة الآسيوية ممتدة الى المحيط الهادي، هل شاهدنا تفاصيل تلكالقارة؟ لا، لم نشاهد تفاصيلها، كم مدينة بها؟ كم هي مساحتها؟ كم كيلو متر هي؟ هذه تفاصيل ولكن أصل علمنا بوجود قارة من هذا القبيل ليس مورداً للتشكيك وليس معه ترديد، إذن هناك فرق بين أصل المعلومة وبين تفاصيلها، ويجب أن لا نخلط بينهما، فمثلاً ترد الرواية ظنية بسند معتبر عن شأن أبي طالب هل يظن ظان بأنّ أصل البحث ظني؟ لا ولا ولا، فرق بين أصل البحث وبين تفاصيله، وقد تكون المعلومة بلحاظ أصل المعلومة مبدهة والأدلة مبرهنة والأدلة ليس فيها ترديد.
والكلام في تفاصيلها قد يكون يقيناً نظرياً ويقيناً غير بديهي وقد يكون غير ضروري، وقد يكون ظنياً معتبراً كذلك ولكن هذا لا يعني أنّ أصل
المبحث ظني، ويحصل غالباً هذا الخلط، فأصل المعارف وجملة من المعارف أصلها يقيني أو ضروري أو من أصول الدين ولكن تفاصيلها قد تكون ظنية، وهذه النقطة والضابطة في نفس هذا المبحث في نفس هذه المقدمة لابد من الالتفات إليها.
والآن لنذكر فتاوى وأقوال ومباني العلماء الامامية وكلام وأقوال من الفريقين في أنّ الاعتقادات في المساحة غير المركزية في المساحة والدوائر التي تحيط بالمركزية هل يمكن أن تثبت بالظن أو لا؟
والظن المعتبر يعني الخبر الواحد، الاخبار المروية عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وعن أهل بيته (علیهم السلام) هل يمكن أن تثبت تفاصيل المسائل العقدية أي بالظنون الآتية من دلالات القرآن أو لا؟ هل تثبت أولا تثبت؟ نقطة ممهدة مطوية في هذه المقدمة بيناها، أصل المعلومة المعرفية العقائدية قد تكون من أصول الدين أو من ضروريات الدين وتفاصيلها ظنية، وكون التفاصيل ظنية لا يعني أنّ أصل المعلومة كذلك.
لنفترض إمامة أهل البيت (علیهم السلام) عند المسلمين ليست من ضروريات
بقية المذاهب الإسلامية، لنفترض ذلك عندهم لا بحسب واقع الأدلة لديهم، ولكن مودّة أهل البيت (علیهم السلام) وتعظيم أهل البيت، وتبجيل أهل البيت في القرآن، وفريضة مودّتهم في القرآن، فهذا أمر يقيني ضروري من أسس وأصول الدين، لذلك بنى كافة المسلمين على أنّ ناصب العداء لأهل البيت (علیهم السلام) جهاراً يمرق من الإيمان؛ بل يمرق من الإسلام، عند جملة من المذاهب، أمّا أنّه يمرق من الإيمان فهذا عند الجلّ، وذلك لأنّ أصل مودّة أهل البيت (علیهم السلام) أصل تعظيمهم وتبجيلهم في القرآن ليس محل ترديد في مصادر أدلّة الدين.
كما يقول السيد المرتضى وكل علماء الامامية، ومنهاج مدرسة أهل البيت، أقصد كضرورة إيمانية وضرورة من اصول الإيمان، إن لم يكن من أصول ظاهر الإسلام فهذا مقام آخر، ولاحظ كم من فرق بين أصول ظاهر الإسلام وأصول الإيمان. يقول السيد المرتضى في كتابه (الشافي) في جواب سؤال يذكره اعتراضاً على نفسه وحاصله: أنّكم أنتم الشيعة تقولون بأنّ ولاية أمير المؤمنين (علیه السلام) وإمامته قطعية يقينية مبدّهة بحسب القرآن، ولازم ذلك أن تُكَفِّروا كافة المسلمين الذين لا يعتقدون بإمامة علي (علیه السلام).
فأجاب السيد بما مضمونه: (نعم، نقول إنّ ولاية وإمامة أهل البيت يقينية مبدّهة بحسب القرآن ومع ذلك لا نُكَفِّر بقية المسلمين وأمّا كيفية الجمع بين ذلك مع أنهم لا يعتقدون بهذه المعلومة الحقيقية القرآنية العظيمة، يقول: لأنّ اليقين المبدّه على درجتين درجة لا تحوم حولها الشبهات ولو الشبهات من قبل أهل الزيغ، وهذا مثل نبوة سيد الأنبياء وحجية القرآن ومودّة أهل البيت (علیهم السلام) كأصل وهناك درجة أخرى من اليقينيات أثيرت حولها الشبهات فهذه حكمها ليست كالقسم الأول بليتطرق إليها القصور عند المسلم في إدراكها واستيضاحها فقد يعذر مع اختلاف درجات القصور والتقصير.
فمن ينكر مودّة أهل البيت (علیهم السلام) يخرج من الدين كمن ينكر الصلاة أمّا ولاية وإمامة أهل البيت فيقينية مبدهة بحسب القرآن ومن أصول الإيمان، ولكن أهل الزيغ أثاروا عجاج الشبهات حولها مما سبّب تلبداً وأوجد عذراً عند المستضعفين من المسلمين.
فلليقين كما نلاحظ المبدّه القرآني الوحياني العقلي درجتان، درجة دخيلة في أصول الإسلام الظاهري ودرجة دخيلة في أصول الإيمان، فلليقين
الضروري والوحياني درجات، فلاحظ المساحات تأخذ دوائر مختلفة الحكم والمعدلات تأخذ مواضع وأمكنة مختلفة في العقيدة وهذا تنقيح وتحرير دقيق للبحوث والمسائل وكلامنا في التفاصيل.
ومن باب المثال، ويقرّب هذا المعنى، لو سئل أحد الآباء ممن عنده كثرة أولاد بسرعة البديهة عدّد لي أولادك بالترتيب؟ فستراه يمكث يسيرا، فالتفاصيل مقام آخر، أمّا إذا سُئِل هل عندك أولاد، فسيجيب بالبديهة السريعة عندي أولاد، إذن البديهة على درجات وليست درجة واحدة مع أنّ تعداد عدد أولاده أيضاً بديهي لديه لكن البديهي درجات.
فتفاصيل الاعتقادات لا يخلط بينها وبين أصل الاعتقاد بالشيء وتفاصيل الاعتقاد بالشيء أمر آخر وتفاصيل الاعتقاد مقام آخر، ولابدّ من التنبّه الى موقعية قضية اصطفاء الدائرة الثانية، إنّ أصلها كما سنبين يقيني من ضروريات أدلّة الدين أي بحسب الأدلّة وإن لم يكن كذلك بحسب الإلتفات التفصيلي لكنه كذلك بحسب الإرتكازالإجمالي، وليس فقط من ضروريات الإيمان بل سنبين أنها من ضرورات الإسلام والمسلمين إجمالاً وارتكازاً تبجيل الدائرة الثانية وتعظيم شأنهم الخاص،
وهو من ضروريات الإسلام فضلاً عن ضروريات الإيمان نعم جملة كثيرة من تفاصيل الدائرة الثانية أمور ظنية في بعض مساحاتها وفي بعض مساحاتها يقينية مبدّهة وفي بعض مساحتها يقين نظري.
والحاصل أنّه ليس البحث في الدائرة الثانية على وتيرة واحدة، وهذا ليس شأن الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام) بل كذلك المعاد كما مرّ بنا وهكذا كثير من المحاور الاعتقادية، ولاحظ مثالاً آخر في القرآن العظيم والكتاب المجيد من قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ...}(1).
فهل وجود المتشابه في القرآن يلجئنا أن نترك التمسك بالمحكم، والذي ليست لديه قوة تمييز عقلي قد يقول إذا انضمّ المتشابه الى المحكم فسوف يلتبس علينا الإثنان معاً، مثلاً أصل الاعتقاد بالإمام الثاني عشر وأصل ولادته هو من محكم الأدلّة وقبل ولادته هو حقيقة قرآنية وروائية متواترة.
نعم تفاصيله في ليل أو في نهار وفي أي منزل وعند حضور مَن ممن شاهد الحدث فهذه أمور ظنية، والذي ليست لديه قوة تمييز عقلي يشتبه عليه الأمر، كما
1) سورة آل عمران: الآية 7.
أنّ أصل ولادة الْنَّبِي (صلی الله علیه و آله و سلم) من المحكمات لا تفاصيلها كيوم ولادة الثاني عشر من ربيع الأول أو السابع عشر من ربيع الأول.
وأكثر المعصومين (علیهم السلام) ولاداتهم قد تضاربت الروايات في تعيين تواريخها كما هو الحال في روايات تعيين يوم استشهادهم، وهذا أصل منهجي بالغ الأهمية كما هو الحال في إننا نعتقد بولاية أمير المؤمنين مع الترديد في كثير من تفاصيل الاحداث التاريخية ولكن اصلها يقيني وإنشاب تفاصيلها غموض، فتفاصيل الشيء مقام واصل الشيء مقام آخر فلابد على الباحث التمييز بين أبجديات منهج العلم وهذا بعينه ينطبق على البحث في المقام.
لابدّ أن لانخلط بين أصل الشيء وتفاصيله فإنّ تفاصيله أمر آخر وبذلك يتبين الجواب عن إمكانية إثبات تفاصيل الاعتقادات وإنّه هل تثبت بالظن؟ إنّ البحث في أصل الاعتقادات وأسسها وضرورياتها ليس كالبحث في تفاصيل الاعتقادات، وهذا لكي نعي ونركز في التمييز وأن لانخلط بينها، ولا تنطلي علينا شبهات المشبّهين والملبسين نلتفت لهذا الأمر.
ولنأخذ مثالاً آخر أيضاً أنّ مهندساً عندما يريد أن يبني مبنى معيّناً، هل
يبني الأساس في البداية أم أنّه يضع التفاصيل مثل نواعم الديكور كالكاشي والمرمر والثريا والمصابيح ويضع الألوان وكذا بقية التفاصيل والتشطيبات؟ قطعاً أولاً يبدأ بالاسس، الاعمدة ثم تأتي التفاصيل بعد ذلك.
وإذا كان عندك ترديد في التفاصيل فلا يعني أنّ هناك ترديداً في الاعمدة، أو في أصل المبنى أو في أصل القواعد، فلا نخلط الحابل بالنابل، فنصير مخلطين مخبطين وهذا شأن آخر، أمّا إذا كان لدينا إدراك منهجي مميز صحيح فلا نخلط بين الأمرين.
فنعاود ونكرر التمييز بين المبحثين لأنّه كما نشاهد تقع غفلة كثيرة وكبيرة ويقع خوف ويقع خلط ويقع خبط ويقع تشويش، ثم بالالتفات الى تفاصيل الاعتقادات هل يمكن أن تثبت بالظنون المعتبره ام لا؟
وقد مرّ بنا أمثلة تفاصيل ليست من الأسس وإن كان الشيء وأصلهمن الأصول أو من الضروريات لكن تفاصيله ليست كذلك كما هو الحال في كثير من الظنون في تفاصيل المعاد وليست كأصل المعاد فتعداد عقبات المعاد والصراط هو من التفاصيل، مثلاً كم عقبة هل تعدادها خمسين عقبة ثم العقبة ما هي؟ والعقبة الأولى ما هي؟ والعقبة الثانية ما هي؟ وكل عقبة كم يمكث البشر فيها؟ فهذه تفاصيل وهذا لا يستلزم الترديد في أصل المعاد ولا في أصل الصراط
كما هو الحال في تفاصيل جهنم كم طبقة هي؟ مع وجود بيان لذلك في الأدلّة.
فهذه من التفاصيل وكذلك تعداد أسماء جهنّم في القرآن مع أنّ هذه الأسماء ليست مجرد أصوات اسماء فقط، بل هي طبقات سعير زقوم جحيم هي كلها اسماء لطبقات من النار وأما معرفة أصل النار فهي من الاصول أمّا تفاصيلها فقد تكون ظنية؟
وهذا مقام بحث آخر والحال في الجنة وفي الجنان مع إنّ طبقاتها مذكورة في القرآن تعدادها جنة عدن وجنة الفردوس وجنتان مدهامتان وغيرها وهي تغاير معرفة أصل الجنة الذي هو اعتقاد من الاصول وأما تفاصيلها فمقام بحث آخر وقد تكون من اليقينيات وقد تكون من الضروريات وقد تكون من الظنيات ولا يخلط بين أصل الشيء وبين تفاصيله.
وجمهور المحدثين من الفريقين ومن كل المذاهب الاسلامية قائلون أنّه تثبت التفاصيل بالظن المعتبر وكذا أكثر المفسرين وكذلك جملة من المتكلمين وكذلك جملة من الفقهاء لا أكثر المتكلمين لكن جملة كثيرة ولنتذكر مساحات بقاع التفاصيل ولا تظن أنّها منطقة واحدة أو في مستوى واحد.
فالبحث لابدّ من تعيين موضعه وإنه يندرج في أي قسم؟ فالاستناد إلى الظن المعتبر في التفاصيل ذهب إليه الشيخ الصدوق والكليني وكثير من كبراء
علماء ومحدثي الإمامية وذهب اليه الشيخ الطوسي وهو ممن تميز بالطابع الموسوعي في العلم (رَحمهُ اللّه) وذهب إليه أيضا كذلكالخواجه نصير الدين الطوسي وهو فيلسوف متكلم ذو باع في الفقه، والعلامة الحلي إجمالا في بعض كلماته وكذلك الشيخ البهائي وهو موسوعي فقيه وفيلسوف ومتكلم وفلكي، وذهب إليه أيضا المجلسيان والميرزا القمي صاحب القوانين وغيرهم من متأخري العصر كالمحقق الاصفهاني والسيد الخوئي (قدس سرهم).
المحور الثاني ميزان البحث في أدلة الدائرة الاصطفائية الثانية من أهل البيت (علیهم السلام)
يشتبه الأمر على الكثير ويلتبس؛ عندما يشاهد في التفاصيل أنْ لا أدلّة ظنية هناك ولاسيما إذا ترامت الى تفاصيل التفاصيل وهلم جرا والى مباحث كثيرة مترامية، فيتصور إنّ أصل المبحث ظني وهذا اشتباه يتراءى له فيرى تكثّر الأدلة الظنية فيظن ذلك كثير من الباحثين.
وكثير منهم في وقتنا المعاصر يقتصرعلى النظر الى المعلومة مبتورة عن منظومة كل البحث فيتخيل أنّ قيمة المادة الإستدلالية الظنية في قالبها الفردي المبتور عن الإرتباط بمنظومة وسلسلة بقية الأدلة، لكن الحقيقة أنّ المعلومة لها قيمتان وإعتباران، منهما هو إنضمامها وإرتباطها ببقية المعلومات في الأدلّة.
وتوضيح هذا المطلب على درجة حساسة جداً، لاعتماد بُنية البحث
الاستدلالي في هذه الموسوعة (من مبحث منظومة الدائرة الثانية لأهل البيت والدائرة الثانية للقربى) بشكل رئيسي على هذه المقدمة وإن كانت المقدمات الاخرى التي مرت وستأتي أيضا مهمة ومتفاوتة في الأهمية والتأثير في الاستدلال وفي الاستنتاج.
وهذه المقدمة بالغة التأثير ولابد من إتقانها والتدقيق في قالبهاوهندستها صناعيا كالصناعة العلمية بشكل منضبط لا يعتريه الإلتباس ولتوضيح ذلك في ضمن نقاط منطوية في هذه المقدمة:
وهذه الضابطة المنهجية لازمة لأي باحث يخوض في بحث عن معلومة ما، إذا أراد أن يدرس تلك المعلومة لا يدرسها مبتورة كمفردة غريبة في صحراء العلم أو في صحراء الابهام والظلمة مقتصراً على هذا
النمط من التعاطي مع تلك المعلومة في إثباتها ونفيها أو ترصيفها أو التدقيق فيها وأن الاقتصار على هذا النمط من البحث عقيم وغير سوي وغير سليم.
لأنّ طبيعة المعلومة التي تعكس بقعة من الحقيقة أو حقيقة من الحقائق طبيعتها مرتبطة بمنظومة من المعلومات الاخرى ومرتبطة رباطاً بنظام وبسلسلة وبترابط حلقي.
أي أنّ المعلومات في ترابطها بما هي مترابطة تعكس واقع ترابط الحقائق بعضها مع البعض الآخر، لا أنّ واقع المعلومة أو الحقيقة مبتورة ومفككة عن حلقات كثيرة أخرى وهذا التفكيك مما لا يصح وغير قابل للتصوير الحقيقي وتخطيط البحث وتأسيسه على التفكيك يصيره خاطئاً في النتائج.
يؤكد القرآن على وحدة الترابط ووحدة المنظومة ووحدة النظام ووحدة السلسلة والتسلسل، فهذه النقطة في هذه المقدمة ضابطة منهجيةوعبارة عن وحدة منهج الترابط المنظومي ومنهج نظامي موحّد يؤكد عليه
القرآن الكريم وروايات أهل البيت (علیهم السلام) كثيراً، قال تعالى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ}(1).
وقوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}(2).
وقوله: {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيرِيدُونَ أَنْ يتَّخِذُوا بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا}(3).
أي لا يمكن أن تفكك القرآن بعضه عن البعض الآخر تريد أن تدرس معلومة فتلك المعلومة غير مبتورة والبتر والتفكيك شبيه أن تصف انساناً وتقول لا أب له ولا أم ولا أخوال ولا أنساب وهذا محال والمعلومة كذلك لها اصول متولدة منها مترشحة عنها مستنتجة منها لها نسيج أنساب مع معلومات.
وواقع الحقيقة هي هكذا مترابطة مع حقائق أخرى لأنّ المعلومة والمعلومات تعكس حقائق في الخارج كذلك والحقائق في الخارج مترابطة
مثلا كرة الارض لا ندرسها على أنّها هي خلقة من المخلوقات منعزلة عن السماء وعن الهواء وعن المجرات، وأنّ هذا العزل والتفكيك مما لايمكن، ولا معنى في أن تدرس الأرض منعزلة عن أي بعد من الأبعاد، مثلاً كرة الأرض تريد أن تدرسها في بعد جغرافي وبعد بيئي وبعد علم الاحياء وبعد التربة نعم يمكن أن تركز البحث على زاوية على قالب على جهة هذا ممكن منهجيا لكن لا يعني ذلك أن تتغافل وتغض النظر بتاتا عن كل تلك الجهات وتأثيرها فالحاصل أنّ المنهج المنظومي موحّد.
لنفترض أنك تريد أن تدرس ولادة الامام الثاني عشر (علیهم السلام) من باب المثال التطبيقي، فكيف تريد أن تدرسها؟ هل تدرسها مبتورة عن الخطوط العامة القرآنية في الإمامة وإنّ الإمامة مستمرة أو تريد أن تدرسها بعيداً عن إمامة أمير المؤمنين (علیه السلام) وإمامة الحسنيين (علیه السلام) وإمامة بقية الائمة (علیهم السلام) وسلسلة تاريخهم الناصع المتوهج وكيف تسلسلت الاحداث ولا يمكن الوصول الى الحقيقة والحقائق بالتفكيك والعزل بينها وهذا لا محصل له ولا معنى له ولا حقيقة محصلة.
ونظير ذلك ما لو أن تدرس شخصية سيد الأنبياء من خلال القرآن
الكريم وهو كلام الخالق جل وعلا، فعندما يستعرض شخصية الأنبياء يأتي به ضمن سلسلة الانبياء، وإنّهُ هرم الأنبياء وقمة الهرم يبين لك هرماً لا مبحثاً مبتوراً ولا معلومة مبتورة هذا القصر على التفكيك والعزل ليس منهجاً علمياً ابدا، لأنّ المنهج العلمي يدرس الحقيقة دائما ضمن منظومة.
نعم ترابط هذه المنظومة وتأثير هذه المنظومة وتأثير هذه الحلقات بعضها مع البعض الآخر كماً وكيفاً هذا بحث آخر لابد منه وصعب مستصعب وفيه بحوث تفصيلية مفصلّة أمّا أن تبني صورة لمعلومة مباينة مع جميع المواد فهذا منهج مبتور مبعثر نظير أن تدرس حدثاً تاريخياً معيناً ولا تدرس ملابسات هذا الحدث قبل وبعد ومع ومتى وأين وهذا مما لا يمكن وهل تبتر واقعة عن بقية الوقائع والأحداث.
ومثال آخر في معرفة الباري تعالى جلت عظمته أيضا يعرف من خلال آياته، فكيف الحال في المخلوقات.
هذا التفكيك والبتر في المعلومات وفي منظومة المعلومات منهج عقيم منهج مشتت ليس منظومياً موحّداً وأنّ العلم يعتمد على النظم والعلم يعتمد على وحدة النظام في المعلومات إذن أي معلومة عن حقيقة تقيّم ضمن سلسلة وضمن نسيج لذلك فالشيء يجر الى شيء آخر في سلسلة البحث.
ففي هذه المقدمة لو أردنا أن ندرس تراث الحديث أخذنا حديثاً واحداً ونظرنا الى سنده وختمنا البحث فيه بذلك وكان هذا نهاية المطاف، فهذا ليس دراسة تامة في متن الحديث وفي تراث الحديث بل لابدّ من النظر في مصدر الحديث من أي كتاب ومن صاحب هذا الكتاب ومتن الحديث له وعن شواهد يرتبط ويدور متن الحديث بها وإنه حول أي موضوع وكم له ارتباط بأصول معرفية أو تشريعية قرآنية أو سلسلة من الارتباطات والربّاطات الى ما شاء الله من الدراسة للحديث الواحد ومتنه وجهاته وهكذا.
وأمّا دراسته مبتوراً مقطوعاً مفككاً نائياً مصحّراً في صحراء الابهام والظلام في جزيرة نائية، فهذه ليست دراسة علمية واقعية للحقيقة والحقائق.
وباتت هذه الضابطة المنهجية في وحدة ترابط المعلومات من أكبر الموازين التي يؤكد عليها القرآن وتؤكّد عليها الروايات في كتب الفريقين من عرض المعلومات بل عرض موازين المعرفة في الدين على محكمات الكتاب والسّنّة وهذا العرض من أعظم ضوابط الأدلة في الدين الحنيف وهذا العرض يعني فيما يعنيه وحدة نظام ووحدة منظومة الدين وترابط حلقاته وسلسلته.
أي معلومة على الدوام لابد من ربطها مع بعض الكتاب أو كل الكتاب؟ بل مع كل الكتاب، مع بعض السنّة القطعية أو كل السنّة القطعية المطهرة من المعصومين بل مع كلها، مما يدل على أنّ البحث المنهجي نظمي منظومي موحّد وهذه نقطة يجب الالتفات اليها جيداً وهي أنّ سلسلة المعلومات والأبحاث حتى ولو رواية ظنية وردت فيمقام لأحد أفراد الدائرة الثانية من أهل البيت (علیهم السلام) لاتنظر اليها كمعلومة مبتورة بل لابدّ أن تلتفت الى أصلها القرآني حينئذٍ لن يكون هذا الظن ظناً لأنّ هذا الظن معتضد مستظهر بظهير وبأصل قرآني أو بأصل من السنّة القطعية.
فمع كونها لها أصل معرفي قرآني يكون مجموع النتيجة في اعتباره ليست بسبب هذه الرواية الأحادية بانفرادها.
ولا نرسم للدين معالما معرفية من خلال رواية في الحقيقة إنّما نرسمه من خلال المجموع من الأدلة في الحقيقة.
وهذه النقطة والضابطة إذا التفتنا اليها بشكل صناعي هندسي علمي
سنرى أنّ الكثير من فلاسفة الشيعة تلكّؤا عن الخوض في تراث آحاد الحديث بذريعة أنّ الظن لا نتوخاه بل نتوخّى اليقين، وما شابه ذلك هذه الذريعة التي تلكأ بها الفلاسفة عن الخوض في تراث الحديث وآحاده، وهذه ذريعة سقيمة وليست بسديدة لأنّه على الدوام المعلومة لا تدرس شاذة مبتورة منفكّة منفصلة بل لابد من ملاحظتها في الحقيقة متصلة متسلسلة مترابطة مع جسم منظومي معرفي كبير.
هذا بغض النظر عن الفوائد الأخرى في البحث عن متون الاحاديث حتى الآحاد منها كما هو الحال في تتبع أقوال علماء أي علم مع أنهم ليسوا علماء وحي لدني لا محدود، وههنا نقطة أخرى في ضمن المقدمة نثيرها الآن أنّه ربما رواية ضعيفة تتضمن محتملاً واحتمالاً بالغ الخطورة كأفق جديد وعلم من العلوم مبتكر.
بينما النقطة السابقة بينا كيف نظام العلاقة المنظومية المجموعية بين الرواية الواحدة ومجموع الكتاب والسنة، وأنّ الروايات الظنية سواء معتبرة أو ضعيفة، فالروايات الظنّية تلتئم مع جسم مجموعي كامل وبالتالي تكون النتيجة المجموعية يقيناً لكن مع ذلك هناك وجوه وطرق أخرى لضرورة الفحص والتنقيب عن المعارف الموجودة في الروايات الآحاد الظنية، منهج
آخر أيضا يشير وينبّه اليه القرآن الكريم وينبّه إليه أهل البيت (علیهم السلام) في تعاليمهم المعرفية المنهجية، {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}(1).
والحكمة ضالة المؤمن، أي الفحص والالتفات إلى البرهان في المقال في نفسه بغض النظر عن القائل نفسه، تلك هي النقطة الأخرى في هذه المقدمة لا زلنا فيها.
وهذه النقطة الاخرى لو غضضنا النظر عن النقطة السابقة في هذه المقدمة.
إنّ متن الحديث في المعارف وفي العقائد وإن لم تعتمد عليه أنت أيها الباحث لأنّه قد افترض صدوره أو دلالته ظنياً وأنت لا تعتمد على الظن المعتبر حتى في المعارف افترض أنّك تتبنى هذا المنهج لكن من حصر لك الفائدة في الحديث الظنّي سواء كان معتبراً أو غير معتبر وتقتصر الفائدة عليه أو الفائدة منه تختصر على الاعتماد عليه مفردا؟!
1) سورة الزمر، الآية: 18.
بل على أقلّ التقادير قد يكون دوره منبِّهاً إلى ما هو برهان في نفسه وإلفاتا إلى أفق جديد من مساحات الحقيقة.
ماذا يعني أنّه منبّه أو إرشاد؟ هل الإرشاد والمنبّه يعني الحجية وأنّه حجة؟ لا، المنبّه بنفسه ليس حجة، والمرشد بنفسه ليس حجة ولكن يؤدي بك الى الحجة.
أمّا كيف يتم ذلك؟ فبيان ذلك: لنفترض الفيلسوف أو المتكلم أو المفسّر أو العارف أو أي باحث في العلوم المعرفية عندما يستعرض أقوال علماء ذلك العلم وأهل فن علم الكلام أو علم الفلسفة أو علم التفسير وأقوال روّاد علم الفلسفة والنخب في ذلك العلم من العلماء هل استعراض أقوالهم لأنّها وحي؟ لا، هل هم بأنفسهم ميزان؟ لا.
إذن لماذا يبحث عن كلماتهم؟ لماذا ينقب عن قول كانت وهيجل وراسل وأرسطو وإفلاطون وأبي علي (ابن سينا) والفارابي والخواجة نصير الدين الطوسي والحكيم ملا صدرا لماذا؟
والطباطبائي (رَحمهُ اللّه) مثلاً ماذا قال؟ لماذا ننقب مع أنّ قولهم ليس بحجة؟
صحيح أنّ أقوالهم ليست بحجة لكن هذا لا يعني أن لاننقب في أقوالهم.
لماذا اذن ننقب عنها؟ ننقب لأنّه؛ من باب قاعدة معرفية (انظر الى ما قيل ولا تنظر الى من قال) انظر الى ما قيل متن القول لا الى صحّة إنتسابه للقائل، لماذا تنظر الى ما قيل؟ لأنّه ربما ينبّهك ويرشدك الى برهان في نفسه.
أليس الباحث في بحثه العلمي يجب أن يبذل الوسع والتحرّي والتدقيق والتنقيب ويبدأ بإيقاع التصوّر ثم يتطور الى التصديق والبحث عن البراهين، وإلّا فالعلم كيف يتحقق ويتنامى؟
بالبحث والفحص والتنقيب والتتبع عن البراهين وإذا كان الحال كذلك بالنسبة الى أقوال العلماء والعالم غير المعصوم، فكيف الحال بمتون الروايات؟
أليس الأقوال التي تروى لنا في كل علم هي عبارة عن روايات تاريخية علمية لأرباب وروّاد وعلماء تلك العلوم؟ نعم هي روايات علمية لكن روايات ليست عن معصومين بل عن غير المعصومين.
فلماذا أنت أيها الباحث عاكف على تلك الروايات لأقوال علماء ذلك العلم ولا تتوقف عند النظر والتدبّر في ما قيل (متونها) على صحّة إنتسابها الى
أولئك العلماء؟ تقول ليس لأجل حجية نسبة صدور تلك الروايات من أولئك العلماء، ولكن لأجل ماذا؟
بل لأنّ ما قيل قد يكون منبّهاً ومرشداً الى برهان لماذا تبذل الليالي والأيام وتدور وتبحث وتنقّب في الكتب الكثيرة والصفحات الكثيرة وتتأمل وتتدبر وتتأنى وفي فهم كلمات الكثيرين ممن هم غير معصومين؟ ما الملزم لك بذلك؟
لا ريب أنّ أي باحث سواء في العلوم الدينية أو العلوم المعرفية أو العلوم التجريبية البشرية سوف يجيب إني أبحث عن البرهان، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام): «...الحكمة ضالة المؤمن، فاطلبوها ولو عند المشرك، تكونوا أحق بها وأهلها»(1).
حديث روي عند الفريقين الحكمة لها دور، البرهان له دور، حينئذٍ نلتفت الى دور وأهمية الأحاديث الضعيفة، عندما يبحث الباحث في المعارف عن الروايات الضعيفة لا يعتمد على ضعف الروايات وضعف نسبة صدورها بل ينقب في متنها ومتونها عن ماينبّهه ويرشده الى برهان
1) الأمالي: ص925، ح1290-3؛ بحار الأنوار: ج2، ص97، ح45، باب 14 من يجوز أخذ العلم منه ومن لا يجوز وذم التقليد.
قرآني أو في السنّة القطعية أو في العقل الفطري، فكيف يشكل عليه لماذا تعتني بالرواية الضعيفة.
وكيف اعتمد على رواية ضعيفة في البحث العقائدي أو في التفسير أو في الفقه أو في أي علم من العلوم الدينية أو غير الدينية؟ الباحث في الرواية الضعيفة لا ينقب عن ضعف الرواية صدوراً ولايعتمد على ضعف نسبة الرواية الى المعصوم (علیه السلام) وكيف يعتمد على ضعف الرواية؟!
بل إنّما هو في صدد التنقيب والتنبّه والاسترشاد بمتون الروايات الضعيفة عن المعصوم أي النسبة فيها ضعف الى المعصوم، هو في صدد التنبه والاسترشاد والتنقيب والوقوف على برهان مذكور في متن الرواية، الباء تجر في روايات تاريخية علمية عن أقوال غير معصوم وهنا في الرواية المنسوبة احتمال ضعيف إلى المعصوم الباء لاتجر؟!
لا مجال للتفكيك في المنهج وتلاحظ المنهج العلمي لا يختلف في الفحص والتنقيب عن التصورات الجديدة التي يغفل عنها الباحثون في العلوم وهل من الصحيح أن يبقى الباحث العلمي في غفلة وجهل مركّب بينما الإطّلاع على
الروايات الضعيفة يبدّد الجهل المركب ويخففه الى جهل بسيط وأصل التصوّر وأصل الإلتفات وهو رأس مال علمي لايثمّن بثمن ومن ثم قيل في البحوث المنطقية المستجدّة وأصول نظرية المعرفة أنّ حدوث التصوّر أعظم قيمة علمية من التصديق نفسه لأنه باب ينفتح من تصديقات.
في أي علم من العلوم لو افترضنا في علم الفقه كصاحب الجواهر عندما كان يؤلف كتاب الجواهر، فغالبا يشدّه بعد الكتاب وسنّة المعصومين، وينشدّ الى أهم كتب علماء الفقه من علماء الإمامية ودائما يشدّه الفحول لا العلماء المتوسطين في العلم فضلاً عن العلماء المغمورين.
ويشدّه الفحول كالطوسي والمفيد والمرتضى ووو الخ سلسلة العمالقة في ذلك العلم، فصاحب الجواهر في البحث وأي باحث فيأي مبحث هكذا حاله.
وافترض الطباطبائي عندما كان يؤلف كتاب التفسير لماذا ينشدّ الى متابعة وتتبع اقوال كبّار المفسرين؟ الجواب واضح: لأنّه كلما كبر علم العالم
كبر إحتمال وجود البرهان الذي يرشد اليه وينبّه اليه وقد يكون برهاناً فريداً ثميناً وأفقاً جديداً كبيراً، فمن ثم كلما ازداد علم ذلك العالم كان التنقيب عن أقواله ورواياته أشدّ أهمية تناسباً طردياً ولا شك أن شدّة الأهمية تتضاعف بتضاعف درجة علم ذلك العالم ومستواه العلمي.
ولنعد مرّة أخرى الى الروايات التاريخية العلمية في كل علم هل هي مسندة الى أصحابها بطرق صحيحة؟ كلا وكلا.
إذاً لماذا يتعاطاها العلماء في كل علم؟ أجل ليس اعتماداً على طريق تلك الروايات العلمية ونسبة صدورها عن العلماء في كل علم بل اعتمادا على التنقيب عن المواد العلمية والبراهين في المتن، يبذلون الجهود المضنية المجهدة ليالياً وسنيناً وأعماراً لتقصّي قول غير معصوم بغية النظر إلى ما قال لا إلى من قال.
وهذا منهج عقلي ومنهج عقلائي ومنهج حكيم وصحيح لأن أعلم الناس من جمع علوم الناس إلى علمه وأعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله.
فكيف بك إذا تقصّى الباحث محتمل قول من يطّلع على عرش السماء وعرش عالم الخلقة وعلم الأولين وعلم الآخرين وأسرار علوم الخلقة والخلائق مما لا يطلع عليها البشر في علومهم ولو امتد بهم الزمان إلى يوم القيامة.
لا ريب حينئذٍ، أن التنقيب في متون الروايات الضعيفة أهم بدرجة لاتقاس بغيرها من متون أقوال علماء علوم البشر، ولعلك تقول أنّ الروايات المنسوبة الى المعصومين نسبتها ضعيفة، وليكن نسبة صدورها ضعيفة غاية وأقصى الضعف إلّا أنّه ليس اعتمادنا على النسبة الضعيفة وليس توخينا وليس تطلّعنا في البحث الى ضعف الطريق وضعف النسبة أو التعامي عن ضعف النسبة، لا ليس كذلك.
بل همّنا في منهج البحث وهدفنا في منهج البحث الوقوف على المواد العلمية والبراهين الموجودة في المتون والبرهان في نفسه كما هو الحال في التنقيب عن أقوال علماء ذلك العلم فإن الاعتماد ليس على اعتبار نسبة صدور ذلك القول من ذلك العالم، بل على المواد العلمية والآفاق الجديدة في مقول مقال ذلك العالم.
والآن في بحث أي عالم أو في أي علم أو في أي بحث افترضْ عالماً فيزياوياً أو عالماً في العلوم الأخرى الإنسانية أو الاجتماعية أو العقلية أو غيرها.
عندما يستعرض الباحث نظرية انيشتاين في الفيزياء أو في الرياضيات وغيرها، أو في علم النحو هل تنقيبه، ومتابعته ملاحقته، ولروايات علمية في العلوم لأجل أنّها مسلسلة بأسانيد صحيحة عن اصحابها واصحاب تلك الاقوال؟ كلا وكلا.
أصلا سلسلة السند غير موجودة للأقوال في العلوم بل كلها مراسيل فلو فتحت أي كتاب. افترض كتاباً فلسفياً قال فلان وقالفلان أين الطريق والسند؟
فسيجيبون: نحن لسنا وراء الأسانيد ولا وراء الطرق إذن وراء ماذا؟ وراء الوقوف على البراهين فيما قيل لا من قال، أليس كذلك حقيقة المنهج العلمي في كل العلوم؟
ولماذا نذهب الى كبار علماء ذلك العلم؟ لنذهب الى صغار علماء ذلك
العلم لماذا نقصر المنهج على الكبار والرواد، لنتدبّر منهج متوسطي العلم الأدنيين في ذلك العلم هل الفطرة تدعوهم الى أن يذهبوا الى قليلي البضاعة في ذلك العلم، أو كثيري البضاعة في ذلك العلم؟ من الواضح أنّهم يذهبون الى كثيري البضاعة.
افترض أنّ سلسلة السند ضعيفة الى ارسطو أو افلاطون أو الفارابي الحكيم الشيعي أو الحكيم الشيعي الآخر ابن سينا او الخواجة نصير الدين الطوسي فسيجيبون: إنّه ليس الكلام في الإعتبار والقيمة العلمية في النسبة وقوتها وضعفها؛ الكلام في مضمون المتن المنسوب اليه قوي أو لا، لا من حيث أنه منسوب إليه بل بما هو هو، نعم قوته الذاتية تتأثر بقوة علم ذلك العالم.
فلا ينقب الباحث عن المصدر اليقين لقول انشتاين مثلاً، أو كتب أرسطو مثلا ولا يبحث عن ذلك أو عن نسبة قول لهيجل أو كانت أو راسل أو غيرهم في أي علم من العلوم كان، فتجد أنّ الباحث دائما لا يبحث قط في سلسلة السند في اللغة وفي علم الإدارة عن نظرية معينة أو في النظرية الإستراتيجية لعلم معين، نعم ربما يبذل بعض الجهد لتوثيق الكتب والاقوال ونسبة الاقوال ولكن ليس هذا هو المطمح النهائي لبحثه، بل المطمح النهائي
وغاية الغايات لذلك البحث الوقوف على المواد البرهانية والنظريات الجديدة، لأنّ البرهان هو برهان في نفسه بغض النظر عن نسبته الى القائل.
إذن أيها الباحث التفت وانتبه فإنّك تلقائيا تبحث عن الروايات العلمية الضعيفة المنسوبة لغير المعصومين وتعتني بها وتقف عندها وتتدبرها وتتأملها لا لحجية القائلين ولا لحجية النسبة إليهم، بل لحجية البرهان على نظريات جديدة وفتح آفاق جديدة ذلك البرهان الذي في كلامهم والذي قد يقف عليه انظر الى ما قيل: يعني الى مضمون القول في نفسه، لا تنظر الى من قال، قال تعالى: {الَّذِينَ يسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ الله وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}(1).
وحسن القول في نفسه هو برهان - البرهان في مضمون القول -. فكلما ازدادت درجة علم ذلك العالم كان الاهتمام العلمي بأهمية التحري والمتابعة والمدارسة لأقواله أو متن أقواله أو ما يقول من اقوال أهم فأهم وهذا في كل علم، فكيف بمن لدينا برهان على أنّهم يحيطون بما لا تحيط به كل البشرية، فأهمية التنقيب في متون اقوالهم بالغة الثمار العلمية بلا أدنى مقايسة
1) سورة الزمر: الآية 18.
مع أقوال العلماء البشر، بغض النظر عن الطريق، وليس هذا تعامياً عن ضعف الطريق إنّما هو استبصار بنور البرهان على نظريات جديدة ومساحات كبيرة من الحقيقة في متن القول ومتن الرواية.
وهذا هو الذي سنراه أيضا في منهج بحثنا هنا، ربما رواية ضعيفة مروية - افرض - عن العامة أو عن الخاصة بطريق ضعيف ولكن المتن الذي في الرواية يشير لمنقبة مهمة معينة لفرد من أفراد الدائرة الثانية ذات أصل أصيل قرآني مما قد ينبهك الى وجه الاستدلال بقاعدة معرفية ذكرها القرآن مثلا عن عنوان الصالحين وهي منطبقة على أبي الفضل العباس (علیه السلام) أو على الشهداء، أو منطبقة على عبد الله الرضيع أو على الصدّيقين أو منطبقة على أبي طالب وجعفر وحمزة وعبد الله والد النبي (علیهم السلام) انطباقاً برهانياً والقاعدة برهانية قرآنية فأين الظن في البين؟ وأين الضعف في البين؟
وما كنت لتتنبه الى هذا الأصل الأصيل البرهاني في القرآن وانطباقه على أفراد هذه الدائرة الثانية من أهل البيت أو ذوي القربى، لولا بركة رجوعك الى هذه الرواية الضعيفة، فالإحتجاج لم يتم بسند ضعيف لتلك الرواية إنّما تم بالتنبه والالتفات والاسترشاد من متن تلك الرواية إلى المدلول القطعي في القرآن، كما يحصل التنبه في ديدن البحث العلمي في كل العلوم بالرجوع الى
أرباب وأكابر فنيي ذلك العلم، فكيف بمن هو يبلغ الأكابر وهو الوحي الإلهي، نعم قد تكون النسبة ضعيفة وليكن.
ولكن المحتمل كبير وهائل، وإلّا فهل يسوّغ العقل أن يفرّط في المحتمل الكبير بسبب ضعف الاحتمال؟! لو كان القائل عالماً من العلماء ليس فحلاً من العلماء وليس فحلاً من الفحول بل عالم ذو علم يسير؛ ونسبة القول إليه قطعية، هل يثمر هذا شيئا إذا كان علم ذلك العالم يسير بضاعته مزجاة؟
قطعاً لايفيد هذا البحث العلمي، لأنّ المحتمل كلما كان كبيراً عظيماً كان هو الخطير في البحث العلمي وإن كان الاحتمال ضعيفاً ضئيلاً ولكن المحتمل مهول، لأنّ المحتمل قد يكون مشتملاً على برهان غيبي متفجر في أنوار الأدلّة على أبواب أو فصول من العلم.
وهذا كافٍ في أن نعكف عليه طول عمرنا ولن يكون حينئذ استنادنا الى ضعف الخبر، وهذه غفلة كبيرة وقع فيها الفلاسفة وفلاسفة المسلمين وفلاسفة الشيعة مع احترامنا لجهودهم وتشكّرنا لسعيهم طوال أجيال، لكن هذه نكتة منهجية غفلوا عنها، بينما المحدثون والمتكلمون على الأقل جملة منهم تنبهوا لها.
لا زلنا في هذه المقدمة وهي كيفية الاستدلال في العقائد، وكيفية التعاطي مع الظن في العقائد والادلّة، ولا يتوهم ظان ويظن أنّ اعتمادنا أولاً وأخيراً على السند، ولسنا في منهج مع الاخباريين أو الحشويين أو القشريين كما إنّنا لسنا مع الاصوليين وإنّما نحن مع المحققين من الاصوليين والمحققين من الاخباريين.
وهذا ما سيأتي في خضم الأبحاث الآتية، فربما رواية ضعيفة طريقها في منتهى الضعف ولكن يتنبّه منها على أصل أصيل قطعي قرآني برهاني مبدّه عند المسلمين ولكن حصلت الغفلة عن استثماره معرفياً وتطبيقه على أفراد الدائرة الثانية، وربما تجد رواية صحيحة السند لكن مضمونها المعرفي عادي وغير مشتمل على برهان هذه الرواية الصحيحة وإن كانت عن المعصوم ومنسوبة لمعصوم وأعظم بها وأنعم، ولكن كلماتهم؛ كلمات المعصومين أيضا هي ذات طبقات وذات مراتب.
كما يقول أهل البيت (علیهم السلام) إنّ لكلامنا بطناً ولبطنه بطناً الى سبعين بطن
ومحكم ومتشابه كالقرآن، إذن كلماتهم على طبقات كما أنّ القرآن على طبقات مع أنّ كل ما فيه نور وحجة ومعجزة وبرهان من الله عزّ وجل ولكن آياته الشريفة على درجات من الحجية كما ينص القرآن الكريم على ذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ...}(1).
(مِنْهُ آَياتٌ مُحْكَمَاتٌ) لم يقل أنّ كل الآيات محكمات بل قال (منه)، (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ): أي إنّ القرآن مع أنّه نور واحد ولكن فيه (أم) وهن الأصل وفيه فرع، وكذلك الحال بالنسبة للتراث الحديثي، وربَّ رواية صحيحة متلألئة السند ولكن متنها ليس (أم). وربَّ رواية ضعيفة الطريق والسند ولكن متنها متلألئ برهاني نوراني في البرهانونوراني في الإلفات إلى فصل أو باب جديد من العلم، ويكفيك ان تتنبه لذلك.
نقطة أخرى في خِضم هذه المقدمة نلفت النظر إليها؛ لو نلاحظ المدارس المنطقية القديمة وحتى الجديدة تجد أنّهم يقسمون العلم الى تصور
1) سورة آل عمران: الآية 7.
وتصديق وربما يظن في غابر السنين السابقة بأنّ التصور أدنى من التصديق، ولكنّ الأبحاث العلمية الحديثة الآن تنبّهت الى أنّ التصور أعظم من التصديق.
ونفس هذه الدعوة فيها تصور وفيها تصديق وتصورها أهم من تصديقها، ولقد أثبتت الابحاث العلمية البشرية الآن سواء الدينية أو البشرية المعاصرة الى أنّ التصور أعظم وأعظم وأعظم من التصديق.
وقد تتعجب كيف أنّ التصور يكون أعظم من التصديق؟، لأنّ التصور إن لم يتحقق لدى الإنسان؛ فلا يمكنه الوصول الى التصديق قطعاً، فالجاهل المركّب أو الغافل لايستطيع أن يهتدي الى التصديق، لأنّه غافل وغافل عن غفلته، فلا يمكنه أن يتنبه بينما إذا حصل له تنبّه تجد أنّه شيئا فشيئاً ينقب ويبحث عن التصديق، فالتصديق منبعه التصور، والتصديق مرهون ومديون للتصور، فرغم أنّ التصديق منيع مكانه ورفيع ولكنه مديون للتصور.
لاحظ في معجزة منهج القرآن قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
بِالْحِكْمَةِ}؛ أي تصديق. {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِالْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِي أَحْسَنُ...}(1).
وأمّا قوله تعالى (وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ): الموعظة تصور وهي تنبيه وبعد ذلك تأتي رتبة (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِي أَحْسَنُ)، فالموعظة: عبارة عن تنبيه جرس إيقاظ، ورحم الله الحر العاملي صاحب الوسائل، عنده كتاب في عقيدة الرجعة يعبر عنه بعنوان علمي اسمه (الإيقاظ من الهجعة في اثبات الرجعة) لماذا عَبَّرَ عنه بالإيقاظ؟ وذلك لأن أول خطوة في العلم والتعلم اليقظة وبعد ذلك قل له إثبات وبرهان وتصديق، فكثيراً ما يكون العمى أو الجهل سببه مركباً، فأول خطوةٍ تبدأ بها هي الإيقاظ (اليقظة) ومن ثم الإثبات، وقد جعل اصحاب علوم المعرفة والعرفان اقتباساً من الوحي اليقظة أول منزل لسير الإنسان، لأنّ الإنسان إذا لم يتصور الشيء فكيف يسعى الى تصديقه؟!
كذلك لو لم يكن للروايات الضعيفة المنسوبة لبحور وملكوت الوحي دور إلّا اليقظة في العلم لكفى بذلك ثمرة عظيمة، لأنّ التصديق يأتي بعد التصور، فلماذا يتحاشى الباحث الروايات الضعاف؟! أيها الباحث لا تتوهم
1) سورة النحل: الآية 125.
انها دعوى لنهج الحشوية أو القشرية بل سواء كنت أصوليا أو اخبارياً هذا النهج للتحقيق، فطريق التحقيق ليس بالتعامي عن الروايات الضعاف، ولا نقول أن تعتمد على الروايات الضعاف من حيثية ضعفها وحسب، بل كما أنت تنقب وتعتني وتهتم وتسجّل وتدوّن وتجمع أقوال غير المعصومين بروايات علمية تاريخية مرسلة لأجل التدبر فيما قيل لا من قال.
إذن فكيف بك بنسبة اقوال منسوبة الى صقور الوحي ونسور الغيب وبحوره، والتي لابدّ أن يكون البحث والتنقيب عنها أكثر من غيرها، لأنها أكثر أهمية في أفق المعرفة وأوسع أبواباً في العلم وأعظم ترامياً وبحوراً وخطورة.
فإذن أيها الباحث لا تكن متعصبا وجاهلا مركبا، كفى بالرواياتالضعيفة أن تكون محدثة للتصور لديك ويكفيك التصور لكي تخطو خطوات بعد ذلك الى التصديق، وهذا لايعني القول بأنّ بناء العقائد والمعارف على التصور، بل التصور البوابة الأولى للوصول الى التصديق فلا تصد وتوصد الأبواب عن نفسك.
كلمة المركز... 5
مقدمة المؤلف
مقام أمير المؤمنين وزينب العقيلة (علیه السلام)... 17
المدخل... 49
الباب الأول منهجية البحث ومعطيات للاستدلال في الدائرة الاصطفائية الثانية
الفصل الأول: أبعاد خمسة
البعد الأول والثاني الموقعية العقائدية للدائرة الثانية... 63
الدائرة الثانية لأهل آية التطهير... 67
سلسلة ومنظومات ومجموعات يتكامل بها بناء الدين المشيد... 68
الدائرة الثانية تحيط وتحدق بالدائرة الأولى... 69
المقام الجامع المنيع لأفراد الدائرة الثانية... 70
دور هذا المقام الاعتقادي في الدّين؟... 70
الاعتقاد بالدائرة الثانية لأهل البيت (علیهم السلام) من كمال الإيمان... 72
التعرف على بقية الدوائر من كمال المعرفة... 74
أهل آية التطهير على مرتبتين وأهميتين مختلفتين في الدرجة... 75
قطع الطريق على الأدعياء من الدّجَلَة والدجّالين... 76
البُعد الثاني: أسماء نجوم الدائرة الثانية لأهل آية التطهير... 78
قمر بني هاشم المولى أبو الفضل العباس (علیه السلام) ... 78
عبد الله والد سيد الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم).... 78
البعد الثالث نماذج روائية مهمة وإشارات استدلالية في خطورة العقيدة بالدائرة الثانية
حمزة يُسائل عن مقام حمزة!!! ... 87
حمزة يُساءل عن مقام حمزة... 89
الموضع الأول... 91
الموضع الثاني... 93
والجواب: ... 93
الموضع الثالث... 94
الموضع الرابع... 96
الموضع الخامس... 97
بماذا آمن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)؟ ... 101
والبيعة في الاصل... 102
أخذ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الإقرار من أصحاب الدائرة الأولى بمقاماتهم... 103
الاعتقاد بمقام العباس (علیه السلام)... 104
وأنذر عشيرتك الاقربين... 106
بنو هاشم جهاز القيادة في الدين... 107
الدائرة الثانية للقربى قربى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)... 109
حمزة وجعفر يشهدان لأنبياء أولي العزم... 110
منزلة ومقام أبي طالب (علیه السلام)... 111
منزلة فاطمة المعصومة (علیها السلام)... 113
عناوين متعددة للدائرة الثانية... 114
عظم شأن ذوي القربى في الدين وغير مقصور على الشريعة... 115
قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا... 116
أهمية التعرّف على حلقات ومراحل هذا البحث... 117
ذكر القرآن الكريم قربى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في موارد عديدة... 118
اشارات اصطفائية لأفراد الدائرة الثانية... 119
آية الفيء ولاية حاكمية الأرض... 121
كان مصيرك إلى النار... 122
الشك في إيمان أبي طالب (علیه السلام) موجب لدخول النار... 122
شأن أفراد الدائرة الثانية... 124
فائدة المعرفة في الحاضر والمستقبل... 125
البعد الرابع عنوان أهل البيت (علیهم السلام)
آل ياسين (وإل ياسين) هم آل محمد (عَلَيهِم السَّلَامُ) ... 132
معنى (البيت) في مصطلح أهل البيت القرآني... 133
تواتر الأخبار من طرق الفريقين في اصطفاء أبي طالب (علیه السلام) ... 134
أبو طالب (علیه السلام) وصي من أوصياء إبراهيم (علیه السلام) ... 134
هل روى العامة في إيمان أبي طالب (علیه السلام)؟ ... 136
البعد الخامس أقوال علماء الامامية حول الدائرة الثانية
تنوع الجهود في الأبواب العقائدية عند علمائنا الأعلام... 142
كلمات علمائنا حول النواب الأربعة... 143
الجاحد للنواب الأربعة مارق من المذهب... 144
توسع مباحث المعرفة عند عُلَمَاء التفسير وشُرّاح... 145
الحديث... 145
مطابقة جملة من المعتقدات بين الفريقين... 147
الفوارق بين كتب الكلام وكتب شرح الحديث... 148
محمد طه نجف وعصمة العباس (علیه السلام)... 150
الاوردبادي: الاعتقاد بمقام أبي الفضل العباس (علیه السلام) فريضة... 151
البيرجندي ومقام أبي الفضل العباس (علیه السلام) ... 152
المحقق الدربندي صاحب كتاب أسرار الشهادة... 152
عنوان آل مُحمَّد (علیهم السلام)... 153
الأوردبادي واحتجاجه ببعض أفعال أبي الفضل العباس (علیه السلام) ... 154
الشيخ الصدوق وسلسلة آباء النبي وعلي صلى الله عليهما وآلهما... 155
الصدوق وفضائل جعفر الطيار (علیه السلام)... 158
ابن برّاج: حمزة من أهل البيت (علیهم السلام)... 159
الكاشاني: حمزة من أهل البيت (علیهم السلام)... 160
ابن قولويه: حمزة من أهل البيت (علیهم السلام) ... 161
عبد الحسين الحلي ورسالة الشعائر الحسينة... 162
الحلي ومكانة العباس السامية... 162
الحلي ومقام أبي الفضل العباس (علیه السلام)... 164
الحلي في رده على من ينكر عصمة أبي الفضل العباس (علیه السلام) ... 165
الفرق في العصمة والاصطفاء بين الفريقين... 166
آباء الْنَّبِي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأجداده كلهم أنبياء أو أوصياء... 167
تتمة مشوقة
ملخص الاطلالة لهذا البحث... 174
الفصل الثاني المقدمات التمهيدية
المنهجية للبحث... 177
المقدمة المنهجية الأولى الأقسام الستة في الحجج المصطفين (أصل مقام الاصطفاء اعتقادي)
النقطة الأولى: تبويب الاعتقادات بين التراث والمتكلمين... 183
النقطة الثانية... 185
القسم الاوّل... 185
القسم الثاني... 185
النقطة الثالثة... 186
النقطة الرابعة... 186
الفرق بين المقام الإصطفائي والاكتسابي (الكسبي) ... 191
النواب الأربعة نموذجا في العقيدة (ضرورة مذهب الإمامية) ... 192
فتوى علماء الامامية في القرن الرابع والخامس... 195
خطورة منصب النّواب الأربعة... 195
خطورة موقعية النواب الأربعة في الدين... 196
انفصال اتباع الأدعياء للنيابة الخاصة عن الجسم الإمامي... 198
المقدمة المنهجية الثانية تبويب العقائد في كتب أعلام الإمامية
المقدمة المنهجية الثانية تبويب العقائد فِي كتب أعلام الإمامية... 203
المقدمة المنهجية الثالثة مراتب الدائرة الأولى والدائرة الثانية
الروايات المشيرة الى مكانة الدائرة الثانية... 210
المقدمة المنهجية الرابعة أقسام الحجج
المقدمة المنهجية الرابعة... 217
أقسام الحجج... 217
الاصطفاء منصب إلهي... 218
(فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا) ... 221
الاصطفاء يشمل القسم الخامس (الدائرة الثانية) ... 222
حصر الاصطفاء بمقام النبوة والرسالة عند المذاهب الإسلامية... 226
للإمامة عناوين عديدة في القرآن الكريم... 229
خاتم الأنبياء هو إمام الأئمة (علیهم السلام)... 230
الإمامة الإلهية على مراتب ودرجات... 230
القسم الرابع من الحجج الإلهية... 231
الصديقة الكبرى فاطمة من القسم الرَّابِع... 232
تعداد أقسام الحجج والأفضلية... 234
الفرق بين أهل البيت (علیهم السلام) والأنبياء... 237
القسم الخامس من الحجج الإلهية... 239
افتخار النبي الأعظم بأسد الله وأسد رسوله حمزة... 242
افتخار واحتجاج أهل البيت بذويا الجناحين جعفر الطيار... 245
الحجج المصطفون القسم الخامس خاصّة من بني هاشم... 247
أفراد الحجج الإلهية من القسم السادس... 248
حجية القسم السادس... 249
المعرفة التفصيلية لحجج الله... 250
المقدمة المنهجية الخامسة فوائد وحقيقة المعرفة بالدائرة الثانية
المقدمة المنهجية الخامسة فوائد وحقيقة المعرفة بالدائرة الثانية... 255
الفائدة الاولى... 255
الفائدة الثانية... 257
الفائدة الثالثة... 258
الفائدة الرابعة... 259
ضرورة ترجمة معاني هذا المبحث بمعاني عصرية... 262
جملة فوارق بين أقسام الحجج... 263
شأن علي بن الحسين الأكبر... 265
آل محمد قراءة من القراءات العشرة... 266
أصحاب القسم الخامس... 267
دور النواب الأربعة بعد القسم الخامس... 268
ذكر بعض النواب الخاصين للأئمة... 268
القسم السابع دور المرجعيات الدينية... 270
لا تتم المعرفة والإيمان إلا بمعرفة هذه الاقسام... 271
المؤدى الاجتماعي للبحث وتأثيره في العصر الراهن... 273
الأقسام التي تلي الدائرة الثانية... 274
شأن النواب الأربعة عند الفقهاء... 276
لا يقاس بآل محمد أحد... 277
ماهية القسم الخامس... 279
شرف انتساب بني هاشم لخاتم الأنبياء... 279
انطباق عنوان القربى على الدائرتين من أهل البيت (علیهم السلام) ... 280
جذور عنوان أهل البيت في القرآن وحديث المعصومين... 281
إشارات في عظمة حمزة وجعفر (علیه السلام) في هوية الإسلام... 283
المقدمة المنهجية السادسة تقسيم الصفات الاصطفائية أو الصفات الاكتسابية
المقدمة المنهجية السادسة تقسيم الصفات الاصطفائية... 287
تداعيات خاطئة حول صفة الإصطفاء أو الاكتساب... 288
فهم خاطئ للصفة الاصطفائية أو الاكتسابية... 288
هل الاصطفاء جبر أم اختيار؟... 289
بنود الاصطفاء في دعاء الندبة... 290
ميثاق الأنبياء في عالم الذر... 291
ميثاق المؤمنين في عالم الذر... 292
أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي... 294
بيان منظومة الاصطفاء... 296
الأبعاد الاصطفائية في دعاء الندبة وزيارة الزهراء (علیها السلام) ... 297
علة قبول الله عز وجل للمصطفين... 298
شرط القبول في هذه المدرسة الإلهية... 299
عظمة معاني الإصطفاء في دعاء الندبة وزيارة الزهراء (علیها السلام) ... 300
الإصطفاء جزاء إلهي لأعمال سابقة ولأعمال لاحقة في الدنيا... 301
الصفة الإكتسابية... 306
حكمة الله في اصطفاء المصطفين... 306
سلام الله على آل محمد دون آل بقية الأنبياء... 307
نتائج مسبقة لأفعال ستأتي... 308
بنود عديدة من العصمة الاصطفائية... 309
إختيار المصطفين من قبل الله تعالى... 310
درجات الاصطفاء الإلهي... 311
علم الله الازلي قبل الخلق هو عالم الإمتحان... 312
الصفة الإكتسابية اللدنية... 313
إمكانية انسلاخ المقام الإكتسابي اللدني الغيبي من الإنسان... 315
الحكمة صفة اكتسابية لدنية... 316
إعطاء الصفة الإكتسابية اللدنية للكافر... 317
إعطاء الصفة الإكتسابية اللدنية لعفريت من الجن... 320
يقوم إبليس بأفعال سرية وخطيرة من خلال القدرة الاكتسابية... 322
الفرق بين الكمال اللدني والكمال المادي... 323
طبيعة الكمال اللدني... 325
الصفة الاكتسابية اللدنية قابلة للزوال... 327
الوصول الى مقامات لدنية إكتسابية... 329
المقامات اللّدنّية الإكتسابية تسمى (كرامة) ... 333
المقامات الإصطفائية اللدنية تسمى (معجزة) ... 334
الصفة الاكتسابية هو الجزاء بعد العمل... 335
بيان لبعض الصفات الإكتسابية اللدنية... 336
الصفة الإكتسابية اللدنية شيء وحبط العمل شيء آخر... 338
العمدة في عدم حبط الجزاء... 339
تسلط إبليس بالصفة الإكتسابية اللدنية على معظم الناس... 339
إكتساب المخلوق الصفة اللدنية الاكتسابية لاتدل على هدايته... 341
الفصل الثالث ميزان البحث فِي الاعتقادات
المحور الأول كيفية الإستدلال في العقائد بالروايات
المحور الأول كيفية الإستدلال في العقائد بالروايات... 351
الدائرة الإصطفائية الثانية وموقعها في الأقسام العقائدية... 354
تعدد موقع وحكم أصل الشيء وموقع تفاصيله... 357
أهمية ضرورة الفصل بين أصل الشيء وتفاصيله... 359
أصل وجود الدائرة الثانية قطعي أمّا تفاصيلها فمقام آخر... 360
مودة أهل البيت ضرورة قرآنية ودينية... 362
أصول الإيمان وأصول الإسلام... 363
مودّة أهل البيت (علیهم السلام) لا تحوم حولها الشبهات... 364
الأصل شيء إجمالي مدمج التفاصيل... 365
أهمية التمييز بين الأدلة المناسبة لأصول الدين والتفاصيل... 367
المحور الثاني ميزان البحث في أدلة الدائرة الاصطفائية الثانية
مِنْ أهل البيت (علیهم السلام)
المحور الثاني ميزان البحث في أدلة الدائرة الاصطفائية الثانية... 375
ضابطة منهجية... 376
الذين جعلوا القرآن عِضين... 377
المنهج العلمي هو منظومة مترابطة... 379
العرض على الكتاب والسنة والمنهج المنظومي... 381
عرض الروايات على الكتاب والسنّة القطعية... 382
صيرورة الرواية الظنية يقيناً... 382
البحث والتنقيب في قول غير المعصوم... 384
قيمة التنبيه في البحث العلمي... 385
دراسة متن الحديث... 386
التنبّه والتنقيب في الرواية للوقوف على برهان في متنها... 388
كلما ازداد علم ذلك العالم كان التنقيب عن أقواله ورواياته... 389
هل الروايات العلمية التاريخية لأقوال علماء العلوم... 390
أيهما أشدّ أهمية من جهة الاحتمال العلمي؟... 391
الغاية من طريق الرواية متنها وغاية المتن... 392
هاهنا لماذا لا تبحث الأسانيد؟... 393
ربَّ رواية صحيحة عادية المضمون وربَّ رواية ضعيفة... 397
التصور أعظم من التصديق... 398
الروايات الضعيفة منبهة الى القطع واليقين... 399
المحتويات.. 403