ghaemiyeh.com
تاریخ عصر الغیبة
جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى
1432 هـ / 2011م
الأمیرة
للطباعة والنثير والتوزيع
بيروت - لبنات
هاتف: 03/946191 - 03/115425 - تلفاكس: 01/271988
http://www.Dar-Alamira.com e-mail:zakariachahbour@hotmail.com
جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى
1432 هـ / 2011م
الأمیرة
للطباعة والنثير والتوزيع
بيروت - لبنات
هاتف: 03/946191 - 03/115425 - تلفاكس: 01/271988
http://www.Dar-Alamira.com e-mail:zakariachahbour@hotmail.com
تاریخ عصر الغیبة
لجنة التاريخ المنظمة العالمية للحوزات والمدارس الإسلامية
قم-
الجزء الرابع
الأمیرة
للطباعة والنثير والتوزيع
بسم الله الرحمن الرحیم
لقد أرسى الإسلام العظيم أسس ثورته الثقافية العملاقة على قواعد علمية تضمنها القرآن الكريم و طبقها الرسول العظيم و أهل بيته الميامين، و ذلك من خلال تربية علماء صلحاء يفقهون الشريعة و يعملون بها و لا يألون جهداً في تبليغها و تعليمها من يرونه مستعداً لحمل هذا العبء الرسالي العظيم.
و بالرغم من كل الضغوط و أنواع الاضطهاد الذي مارسه الحكام الطغاة و المستعمرون في حق الحوزات العلمية لقلعها أو تحجيمها أو حرفها عن مسيرتها الربانية الحقة، استطاعت أن تصمد أمام كل هذه الأعاصير الصفراء متجهة نحو الرقي والكمال مستجيبة لحاجات العصور على مدى الأجيال، و مجيبة على الأسئلة والشبهات المثارة من قبل الأعداء أو الأصدقاء. كل ذلك لما كانت تمتلكه من مرونة و انفتاح و قدرة فائقة على النمو والإبداع.
و الخصائص التي تمتاز بها الحوزات العلمية المتطورة تتجلى اليوم في ما يلي:
اهتمام الحوزات العلمية بجميع روافد المعرفة و الثقافة الإسلامية، و التحقيق المستمر و العمل العلمي الدؤوب في مختلف فروع المعرفة الإسلامية.
الإبداع و التجديد المستمر في أساليب التدريس و تدوين الكتب الدراسية التي تتطلبها حاجات العصر بنحو يحقق التطوّر العلمي باستمرار و ينمي قوة الإبداع إلى جانب تعميق المفاهيم و حفظ الأصالة و الارتباط التام بالتراث الإسلامي العريق.
الانفتاح على معضلات العصر و قضاياه و التصدي لكل الشبهات المستحدثة و
الإجابة على الأسئلة التي تتولّد باستمرار بنحو يوفّر للحوزات العلمية عنصر مسايرة الزمن أو التقدّم عليه على أسس قرآنية علمية و مبان عقلية قويمة.
و من هنا تبنّت المنظمة العالمية للحوزات و المدارس الإسلامية المنهج العلمي
المتطوّر في نظامها الدراسي و أساليب التدريس و تدوين الكتب الدراسية في مختلف فروع المعرفة الإسلامية مستفيدة من الجهود العلمية الجبّارة للعلماء و المحققين و المؤلّفين الذين انتدبتهم لتحقيق هذه الأهداف السامية.
و قد روعيت في الكتب التي تبنّت المنظمة تأليفها أو تدوينها ما يلي:
مراعاة الأهداف المتوخاة في كل درس من خلال الإلتزام بالمنهج المقرر لكل مادة دراسية.
مراعاة المستوى العلمي للطلبة في كل مرحلة من المراحل الدراسية. مراعاة الانسجام فيما بين الكتب الدراسية لكل مرحلة دراسية مع الاجتناب عن ملل الإطناب و خلل التكرار.
مراعاة أصول التدوين الدراسي.
إنّ هذا الكتاب تأريخ الإسلام 4 يشكل مفردة من هذه المنظومة الدراسية التي قررتها المنظمة للمرحلة العامة. ومن هنا نتقدم بالشكر لسماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد منذر الحكيم الذي تصدّى لتأليف هذا الكتاب ولجميع من ساهم في إخراجه سائلين من الباري لهم ولجميع المؤمنين التوفيق.
لجنة التأريخ
وحدة تأليف الكتب الدراسية
1420 هـ. ق
الدرس(1)
المهدوية في التأريخ الإسلامي والإنساني... 13
قضية المصلح العالمي قضيّة إنسانيّة... 13
القضيّة المهدوية قضيّة إسلامية... 16
تمذهب القضيّة المهدوية...20
الدرس (2)
الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ظل أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)...24
الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) والظروف الحرجة...24
أم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)...28
ميلاد الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والظروف المحيطة به...29
الدرس (3)
الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ظل أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).... 34
الأخبار الدالة على إخفاء ولادته...34
علة إخفاء الولادة...35
الدرس (4)
الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ظل أبيه الا (3)....39
دور الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الإعلان عن الولادة...39
عرض الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولده على شيعته...44
الدرس (5)
عصر الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)...50
اغتيال الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) واضطراب السلطة...50
تجهيز الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتشييعه...51
كبس دار الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)...52
الدرس (6)
الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتسلم زمام الأمر...57
عمره حين تسلّمه مهام الإمامة.... 57
بدء الغيبة الصغرى... 57
الملامح العامة لعصر الغيبة الصغرى... 59
الثورات العلوية... 63
الدرس (7)
الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والتصدي لمهام الإمامة...67
وفد القمّيين...67
جعفر بن الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ)...69
موقف جعفر من الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)...70
لماذا ادعى جعفر الإمامة؟...71
لماذا فشل تخطيط جعفر؟...72
موقف الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من جعفر....72
الدرس (8)
تمهيدات الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) و الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) للغيبة الصغرى... 78
علل الغيبة الصغرى...80
الدرس (9)
الغيبة الصغرى والارتباط بالإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)...84
السفير الأوّل.... 84
السفير الثاني....87
السفير الثالث...89
السفير الرابع...92
الدرس (10)
السفارة: الخصائص والمضمون...96
الخصائص العامة والمضمون الاجتماعي للسفارة...96
المهام الأساسية للسفارة... 104
الدرس (11)
السفارات المزورة....107
ادعاء السفارة عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)... 107
مناشئ التزوير... 107
التسلسل التأريخي للتزوير...108
موقف الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مدعي السفارة...110
الدرس (12)
تفاصيل أعمال السفراء (1)...115
الدرس (13)
تفاصيل أعمال السفراء (2)...125
حياة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الغيبة الصغرى (1)....128
الدرس (14)
الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الغيبة الصغرى (2)...136
أهم نشاطاته العامة...136
الدرس (15)
الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الغيبة الصغرى (3)...142
الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) والسلطة العباسية...142
الدرس (16)
من تراث الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الغيبة الصغرى (1)...150
الدرسان (17) و (18)
من تراث الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الغيبة الصغرى (2)...162
الدرس (19)
من تراث الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الغيبة الصغرى (3)...187
الدرس (20)
من تراث الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الغيبة الصغرى (4)...197
الدرس (21)
بدء الغيبة الكبرى...206
الإعلان عن بدء الغيبة الكبرى...207
علل الغيبة الكبرى...209
الدرس (22)
خصائص الغيبة الكبرى...214
سيرة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عصر الغيبة الكبرى...215
مهام الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الغيبة الكبرى...220
الدرس (23)
الإنتفاع بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الغيبة الكبرى (1)...224
الدرس (24)
الإنتفاع بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الغيبة الكبرى (2)...231
موطن الإمام في الغيبة الكبرى....234
زواج الإمام وأولاده...234
الدرس (25)
تكاليف الأمة الإسلامية في عصر الغيبة الكبرى (1)...238
1 - الإيمان بالإمام المهدي المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ)...238
2 - الانتظار...240
3- أهمية العمل الإسلامي قبل الظهور...244
الدرس (26)
تكاليف الأمة الإسلامية في عصر الغيبة الكبرى (2)...247
مدلول الانتظار...247
مراحل الانتظار....247
الدرس (27)
الحكم الإسلامي في عصر الغيبة الكبرى...256
الكيان الشيعي في عصر الغيبة الكبرى...259
الدرس (28)
رؤية الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عصر الغيبة الكبرى (1)...264
الدرس (29)
رؤية الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عصر الغيبة الكبرى (2)...273
نماذج من الرؤية... 273
الدرس (30)
تراث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عصر الغيبة الكبرى...286
الدرس (31)
شرائط الظهور وعلاماته (1)...293
الظروف الموضوعية لانتهاء الغيبة الكبرى.... 293
الفرق بين شرائط الظهور وعلاماته... 293
الدرس (32)
علامات الظهور (2)...304
الدرس (33)
علامات الظهور (3)...311
الدرس (34)
الدولة الإسلامية في عصر الظهور...319
بين أفراد الإنسان».
دور الدين في طرح قضية المصلح العالمي
«وحينما يدعم الدين هذا الشعور النفسي العام، ويؤكد أن الأرض في نهاية المطاف ستمتلىء قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً، يعطي لهذا الشعور قيمته الموضوعية ويحوّله إلى إيمان حاسم بمستقبل المسيرة الإنسانية، وهذا الإيمان ليس مجرد مصدر للسلوة والعزاء فحسب، بل مصدر عطاء وقوة، فهو مصدر عطاء؛ لأن الإيمان بالمهدي إيمان برفض الظلم والجور حتى وهو يسود الدنيا كلها، وهو مصدر قوة ودفع لا ينضب؛ لأنه بصيص نور يقاوم اليأس في نفس الإنسان، ويحافظ على الأمل المشتعل في صدره مهما ادلهمت الخطوب وتعملق الظلم، لأن اليوم الموعود، يثبت أن بإمكان العدل أن يواجه عالماً مليئاً بالظلم والجور، فيزعزع ما فيه من أركان الظلم، ويقيم بناءه من جديد وأنّ الظلم مهما تجبّر وامتد في أرجاء العالم، وسيطر على مقدراته، فهو حالة غير طبيعية، ولابد أن ينهزم. وتلك الهزيمة الكبرى المحتومة للظلم وهو في قمة مجده، تضع الأمل كبيراً أمام كلّ فرد مظلوم، وكل أمة مظلومة في القدرة على تغيير الميزان وإعادة البناء».
«وإذا كانت فكرة المهدي أقدم من الإسلام وأوسع منه، فإنّ معالمها التفصيلية التي حددها الإسلام جاءت أكثر إشباعاً لكل الطموحات التي انشدت إلى هذه الفكرة منذ فجر التأريخ الديني، وأغنى عطاءً و أقوى إثارة لأحاسيس المظلومين والمعذبين على مر التأريخ؛ وذلك لأن الإسلام حوّل الفكرة من غيب إلى واقع، و من مستقبل إلى حاضر، و من التطلع إلى منقذ تتمخض عنه الدنيا في المستقبل البعيد المجهول، إلى الإيمان بوجود المنقذ فعلاً، وتطلعه مع المتطلّعين إلى اليوم الموعود، واكتمال الظروف التي تسمح له بممارسة دوره العظيم.
فلم يعد المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكرة ننتظر ولادتها، ونبوءة نتطلع إلى مصداقها، بل واقعاً قائماً ننتظر فاعليته، وإنساناً معيناً يعيش بيننا - بلحمه ودمه - نراه ويرانا، ويعيش مع
آمالنا وآلامنا ويشاركنا أحزاننا وأفراحنا، ويشهد كلّ ما تزخر به الساحة على وجه الأرض من عذاب المعذَّبين وبؤس البائسين وظلم الظالمين، ويكتوي بكل ذلك من قريب أو بعيد، وينتظر بلهفة اللحظة التي يتاح له فيها أن يمد يده إلى كلّ مظلوم وكلّ محروم، وكلّ بائس، ويقطع دابر الظالمين».
«وقد قدّر لهذا القائد المنتظر أن لا يعلن عن نفسه، ولا يكشف للآخرين حياته على الرغم من أنه يعيش معهم؛ انتظاراً للحظة الموعودة».
آثار الإيمان بالمهدي المنتظر
و نحن حينما يراد منا أن نؤمن بفكرة المهدي بوصفها تعبيراً عن إنسان حي محدَّد يعيش فعلاً كما نعيش ويترقب كما نترقب، يراد الإيحاء إلينا بأن فكرة الرفض المطلق لكل ظلم وجور التي يمثلها المهدي، تجسّدت فعلاً في القائد الرافض المنتظر، الذي سيظهر وليس في عنقه بيعة لظالم كما في الحديث (1)، و أنّ الإيمان به إيمان بهذا الرفض الحي القائم فعلاً ومواكبة له.
وقد ورد في الأحاديث الشريفة الحثّ المتواصل على انتظار الفرج، ومطالبة المؤمنين بالمهدي أن يكونوا بانتظاره. وفي ذلك تحقيق لتلك الرابطة الروحية، والصلة الوجدانية بينهم وبين القائد الرافض، وكل ما يرمز إليه من قيم، وهي رابطة وَصِلَةٌ ليس بالإمكان إيجادها ما لم يكن المهدي قد تجسّد فعلاً في إنسان حي معاصر.
وهكذا نلاحظ أنّ هذا التجسيد أعطى الفكرة زخماً جديداً، وجعل منها مصدر عطاء وقوة بدرجة أكبر، إضافة إلى ما يجده أي إنسان رافض من سلوة وعزاء
1) الشيخ الصدوق، إكمال الدين، ج 1، ص 479 - 480.
و تخفيف لما يقاسيه من آلام الظلم والحرمان، حين يحس أن إمامه وقائده يشاركه هذه (عَلَيهِ السَّلَامُ) م ويتحسّس بها فعلاً بحكم كونه إنساناً معاصراً، يعيش معه وليس مجرد فكرة مستقبلية». (1)
«إن كثيراً من قضايانا العقائدية صبغت بطابع مذهبي أو طائفي، بسبب عوامل معينة، طرأت عليها، فجعلتها في إطار ذلك المذهب، أو نطاق تلك الطائفة.. مما أفقدها طابعها العام، بصفتها عقيدة إسلامية عامة.
و راحت تتغلغل في تمذهبها نتيجة دفع كثير من الدراسات والبحوث، غير المقارنة، أو غير الموضوعية، التي تدور حول القضيّة على اعتبار أنها من عقائد مذهب معين، أو طائفة معينة.
و (قضية المهدي المنتظر)، إحدى تلكم القضايا التي حولتها العوامل الطارئة، إلى قضيّة خاصة، فجعلتها في إطار مذهب الشيعة و في نطاق هذه الطائفة من طوائف المسلمين.
«في حين أن دراسة هذه القضيّة أو بحثها بشيء من الوعي والموضوعية، ينتهي بنا حتماً إلى أنها قضيّة إسلامية، قبل أن تكون مذهبية، شيعية أو غيرها.
إن باحثي موضوع المهدي المنتظر - على إختلاف مذهبهم - يمتدون بجذور المسألة إلى أحاديث صادرة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)... ثبت صحة صدورها، إما لأنها متواترة أو لأنها أخبار آحاد توفّرت على شرائط الصحة.
إن الأحاديث في المسألة الواردة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قد قال بتواترها غير واحد من العلماء....
1) بحث حول المهدي للشهيد السيد محمد باقر الصدر، ص 7 - 12.
وهي - في حدود ما وقفت عليه - على طوائف ثلاث:
والقول بالتواتر لدى طائفتي المسلمين - في واقعه - قول بالتواتر عند المسلمين جميعاً.
وقال بصحة صدورها من لم يصرح بتواترها من العلماء، أمثال: أبي الأعلى المودودي.. قال: «غير أنّ من الصعب - على كل حال - القول بأن الروايات لا حقيقة لها أصلاً، فاننا إذا صرفنا النظر عمّا أدخل فيها الناس من تلقاء أنفسهم، فانها تحمل حقيقة أساسية، هي القدر المشترك فيها، وهي: أنَّ النبي (رَضِیَ الله عَنهُ) أخبر أنه سيظهر في آخر الزمان زعيم عامل بالسُنّة، يملأ الأرض عدلاً، ويمحو عن وجهها أسباب الظلم والعدوان، ويُعلي فيها كلمة الإسلام، ويعمّم الرفاه في خلق الله». (2)
طوائف أحاديثها
إن الأحاديث في المسألة على طوائف، هي:
ما لم يصرح فيها بذكر المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ما صرح فيها بذكر المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وقد حمل العلماء القسم الأوّل من الأحاديث (وهي التي لم يصرح فيها بذكر المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنَّها مطلقة على القسم الثاني (وهي التي صرّح فيها بذكر المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)) لأنها مقيّدة.
يقول المودودي: «قد ذكرنا في هذا الباب نوعين من الأحاديث: أحاديث ذكر فيها المهدي بالصراحة، وأحاديث إنما أخبر فيها بظهور خليفة عادل بدون تصريح بالمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ولمّا كانت الأحاديث من النوع الثاني تشابه الأحاديث من النوع الأول في موضوعها، فقد ذهب المحدّثون إلى أن المراد بالخليفة العادل فيها هو المهدي». (1)
و تنقسم الطائفة الأخيرة إلى طوائف أيضاً، هی:
أ - ما صرح فيها بأن المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الأمة.
ب – " " " " " " من العرب.
ج - " " " " " " المهدي من كنانة.
د - " " " " " " من قريش.
هـ " " " " " " من بني هاشم.
و- " " " " " " من أولاد عبدالمطلب.
وإلى هنا يحمل المطلق منها على المقيد، نظراً إلى عدم وجود ما يمنع من ذلك، فتكون النتيجة هي: ما تصرّح به الطائفة الأخيرة (و المهدي من أولاد عبدالمطلب).
وهي تنقسم إلى طائفتين أيضاً، هما: -
ما صرح فيه بأن المهدي من أولاد أبي طالب.
ما صرّح فيه بأن المهدي من أولاد العباس.
وهنا نظراً لتكافؤ الاحتمالين وهما احتمال حمل المطلق المتقدم (وهو ما تضمن أنّ المهدي من أولاد عبدالمطلب)، على القسم الأوّل (وهوما تضمن أن المهدي من أولاد أبي طالب)، واحتمال حمله على القسم الثاني (وهو ما تضمن أن المهدي من أولاد العبّاس) لا يكون تقييده بأحدهما إلا مع ثبوت المرجّح.
1) البيانات، ص 116.
وحيث قد ثبت أنّ الأحاديث التي تضمّنت أن المهدي من أولاد العباس موضوعة (1)تبقى الأحاديث من القسم الأوّل (وهي التي تضمنت أن المهدي من أولاد أبي طالب) غير معارضة، فيقيّد بها إطلاق ما قبلها، فيحمل عليها فتكون النتيجة: هي أنّ المهدي من أولاد أبي طالب.
والأحاديث المتضمنة أنّ المهدي من أولاد أبي طالب تنقسم إلى طوائف أيضاً، هي:
المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من آل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).
من العترة (عَلَيهِ السَّلَامُ).
من أهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ).
من ذوي القربي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
من الذرية.
من أولاد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
من أولاد فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ).
والأخيرة - في هذا السياق - تُقيّد ما قبلها فتحمل عليها.
وهي تنقسم إلى طائفتين هما:
أ- المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أولاد الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ب - المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أولاد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وهنا نعود فنقول: نظراً لتكافؤ الاحتمالين (2)(احتمال حمل المطلق على القسم الأوّل، واحتمال حمله على القسم الثاني)، لا يمكن حمل المطلق المتقدم على أحدهما من غير مرجّح.
ولما كانت الأحاديث المتضمنة أنّ المهدي من أولاد الحسن موضوعة، لما يشابه
العوامل السياسية التي حملت بني العباس على وضع أحاديث (المهدي من أولاد العباس)، يحمل المطلق المتقدم على القسم الثاني، فيقيد بها... فتكون النتيجة أنّ
المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أولاد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)
ولا أقل من أن أحاديث القسم الأوّل لضعفها وقلّتها، لا تقوى على مناهضة
أحاديث القسم الثاني لصحتها وكثرتها.
و تنقسم الطائفة الأخيرة منهما إلى طوائف هي:
المهدي من أولاد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ).
المهدي من أولاد الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ).
المهدي من أولاد الإمام الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وشأن هذه الطوائف الثلاث الأخيرة، في حمل المطلق منها على المقيد، شأن ما تقدمها من طوائف.
وفي النهاية تكون النتيجة الأخيرة هي:
أنّ المهدي المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، هو: ابن الإمام الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وهذا اللون من المحاولة في الدراسة والبحث لإرجاع المسألة إلى واقعها العام، والخروج بها عن الأطر المذهبية الضيقة، يتطلب منا الرجوع إلى أصول عامة في بحث الحديث، تُوفّر العالم الأجواء الكافية للدراسة المقارنة والبحث الموضوعي.
أن العوامل التي ساعدت على تمذهب القضية المهدوية على نوعين:-
1) راجع: (في انتظار) الإمام العبد الهادي الفضلي: عوامل الغيبة الصغرى.
كما يتمثل في استغلال الحسنيين القضيّة أيضاً، بغية التوصل إلى الحكم. (1)
الخاصة
يتضمن هذا المبحث قضيّة ذات أهمية خاصة لكونها قضية عقائدية إسلامية أولاً، ولأنّ بعض الباحثين والدارسين حاول أن يضيقها بطابع مذهبي لعوامل وأسباب متعددة في طليعتها قلة الوعي الإسلامي، وعدم الموضوعية في تناولها، لأنّ السنة والشيعة يقولون بتواتر هذه القضية عن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وإن اختلفوا في تفصيلاتها المتعلقة بالاعتقاد والإيمان بالإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
ثمّ إنّ هذه الأحاديث منها ما يتصف بالإطلاق والأخرى تحمل اسمه من جهة وطائفة من الأحاديث تنسبه إلى العرب أو كنانة أو بني عبدالمطلب أو غير ذلك ثمّ طائفة أخرى تنسبه إلى بني هاشم أو بني العباس أو إلى أولاد أبي طالب ثم طائفة أخرى تقول بأنه من ولد الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو من ولد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد أن تجعله إما من أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو من ولد فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) فهي مع قلتها موضوعية.
والأخرى لها أرجحية على سابقاتها لذا يؤخذ بها.
1) يقرأ: السيد اسماعيل الصدر، ص 133.
الأسئلة:
كيف صبغت مسألة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالصبغة المذهبية؟
ما هو مصدر القائلين بقضية الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أصحاب المذاهب الإسلامية؟
هل الأحاديث الواردة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بشأنه متواترة؟ وما هي الأقوال في ذلك؟
ما هو المقصود بالخليفة العادل وعلى من تحمل الأحاديث التي لم تصرح باسم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
ما هي العوامل التي ساهمت في جعل قضيّة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قضية مذهبية؟
إن تتبع الأحداث ووقائع عصر الإمامين علي بن محمد الهادي والحسن بن علي العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوضح موقف السلطة نحوهما ومدى ما كانا يعانيان من قهر واضطهاد وإبعاد عن القواعد الشعبية من أجل تطويقهما ووضع العراقيل أمام تأثيرهما في هذه القواعد وغيرها من أبناء الأمة الاسلامية، فإن المتوكل مع اشتهار بغضه للإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبنائه وشيعته كان قد أشخص الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مدينة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) إلى سامراء وأرسل إليه رسالة يُظهر فيها حبّه وتقديره وتكريمه له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذلك عام (234هـ) (1)حيث أرسل يحيى بن هر ثمة لإشخاص الإما (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليه، وكان بصحبته الإمام الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) و هو لم يزل صغيراً وله من العمر عامان (2).
وهذه الخطوة من الخليفة العباسي تظهر مخاوف السلطة من دور الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأن اشخاصه إلى البلاط وقربه من السلطة يجعله دوماً تحت مراقبة عيونها ويسهل عليها
التعرف على تحرّكه واتصالاته والداخلين عليه من مواليه ومؤيديه مما ييسر للسلطة متابعة ذلك، واتخاذ الاجراءات الكفيلة بالحدّ من تأثيره ثمّ متابعة شيعته ومطارتهم وإلقائهم في السجون فضلاً عن وسائل السلطة الأخرى في قهرهم واضطهادهم.
وكانت سامراء عاصمة الدولة العباسية مسرحاً لتلك الأحداث والوقائع ولنشاط الإمامين الهادي والعسكري (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وما يلاحظ على نشاطهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) تجاه السلطة العباسية من قرب من الخليفة وحضور مجالسه لم يمنعهما ذلك من ممارسة دورهما في رعاية تلك القواعد المؤمنة بقيادتهما الروحية والفكرية وتربيتها، فكانا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) يتكفّلان الإصلاح والحفاظ على الشريعة ما استطاعا إلى ذلك من سبيل، بيد أن ذلك النشاط في الغالب كان يتصف بالحذر، كما كان محاطاً بالكتمان والرمزية قولاً وعملاً إلا ما يطرحه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمام خلّص أصحابه ومواليه ومن هو على درجة عالية من الارتباط بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وكان للإمامين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) جمع من الوكلاء المنتشرين في الأمصار الإسلامية، وكان للوكيل دور هام في إيصال ما يصدر عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى قواعده و ما تريده القواعد من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ). وكان الوكلاء يجمعون الحقوق الشرعية من خمس وزكاة ترد إليهم من شيعة الإمام الالها ومواليه المنتشرين في المناطق المختلفة من الوطن الإسلامي آنذاك فكانوا يوصلون هذه الأموال إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومعها الأسئلة والاستفتاءات حول المسائل الدينية والدنيوية، وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقوم بدوره في تقسيمها وتوزيعها والإجابة على ما يرد إليه من أسئلتهم واستفساراتهم عن طريق وكلائه وخواصه لتصل إلى قواعده الشعبية للعمل وفقاً لها (1).
وأما موقف السلطة فكان يتمثل في الخليفة نفسه و قواده و وزرائه وخاصته وأهل بيته من العباسيين الذين كانوا يتوجّسون خيفةً باستمرار من وجود الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)
1) يُراجع ابن شهر آشوب، المناقب، ج 3، ص 505.
و ما يصدر عنه من قول وفعل أو من أحد أصحابه، فمن يُعرف بولائه واتصاله بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فالسجن والأغلال هما النهاية الطبيعية له، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل كان يتعداه إلى إلقاء القبض على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإيداعه السجن وفرض مراقبة مشدّدة فضلاً عليه في سجنه عن اختيار أسوأ السجّانين خُلقاً وسلوكاً وممن يعرف بعدائه و نصبه للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لتبلغ السلطة بذلك غايتها في عزل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قواعده وإبعاده عنها فكانت السلطة تعمل جاهدة لعزل القواعد الشعبية للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فكان الفرد منهم يعاني الخوف والفقر والمرض من دون أن يجد ناصراً أو معيناً له (1).
ويتضح لنا من الظروف المحيطة بالإمامين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) الهادي والعسكري (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وموقفهما إزاءها ونشاطهما الخاص تجاه قواعدهما الشعبية أن كلا منهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) لم يكن مكرّساً مواقفه وتحرّكه ونشاطه للاستيلاء على السلطة وإنما كان غاية ما يسعى له الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو رعاية مصالح أصحابه وإدارة شؤونهم. وبالرغم من وضوح عدم التصدّي لاستلام السلطة فإنّ السلطة - بمختلف مستوياتها - كانت تثار بذلك النشاط مع ما يضاف إليه من وهمها الخاطيء باحتمال مطالبة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحقه المشروع المستلب من قبل السلطة غير الشرعية.
من هنا كانت السلطة تبذل الجهود الجبارة ضدّ أي تحرك من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأي نشاط له (2)، وبالرغم من ذلك كلّه وبالرغم من سياسة المراقبة والتقريب إلى البلاط فقد استطاع الإمامان (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أن يخفيا نشاطهما واتصالهما بقواعدهما الشعبية، وبذلك أمنا قسطاً كبيراً من الاضطهاد الذي كان يمكن أن يصيبهما وأصحابهما من السلطة، كما
حققا كثيراً من المصالح التي كان يستحيل تحقيقها لولا أُسلوبهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في تجاوز عيون السلطان وأساليبه في المواجهة للحدّ من نشاط و تحرّك الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) واتصاله بمواليه وشيعته.
ولا تعني إجراءات السلطة وتعسفها تجاه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنها كانت تجهل أحقيته و منزلته العالية، فالسلطة بمختلف طبقاتها وموظفيها وأهل الأمر النافذ فيها، وعلى تفاوتهم في التعصب أو حسن التفكير، كانوا يعرفون في قرارة أنفسهم حق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) و علوّ منزلته ويعتبرونه خير خلق الله في عصره؛ وذلك لما عُرف به من العبادة والعلم والزهد في الدنيا والأخلاق الحميدة و النسب الشريف، فهو سليل الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ولا يختلف في ذلك الموالون عن غيرهم، ولا الخلفاء عمّن سواهم، فنرى الخليفة المعتمد العباسي إبان إحساسه بالضعف يأتي إلى الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنفسه، فيجيبه الإمام إلى طلبه ويدعو له، وكانت خلافته عشرين سنة بفضل دعاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ونلاحظ أنّ المعتمد العباسي - الذي عاصر بداية أيام الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الذي تصدى للفحص عن تركة الإمام وورثته ومراقبة الحوامل من نسائه، وإنّ ذلك لدليل على معرفته للحق وخشيته على عرشه وسلطته؛ لعلمه أن المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الإمام القائم بالحق المقيم للعدل، والمزيل العروش الظالمين والطغاة، وقد روى المسلمون بمختلف فرقهم ومذاهبهم ذلك عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).
إن الاعتقاد بوجود المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وظهوره من القضايا التي كانت قد انتشرت بين المسلمين؛ وذلك للتبليغ المستمر بها منذ زمان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) إلى زمان الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ففي الوقت الذي كان يبلغ فيه الإمامان الهادي والعسكري (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) عن غيبة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كان يكتب البخاري ومسلم وأبوداود وابن ماجه في صحاحهم أخباره التي كانوا يروونها عن الرسول
االأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) جيلاً بعد جيل (1).
وقد مارس الإمامان العسكريان التلال التمهيد المباشر لغيبة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذلك لكي يعتاد أصحابه فكراً وسلوكاً عليها، وكان ذلك التمهيد باتخاذ نظام الوكلاء أوّلاً وتخطيطهم للاحتجاب عن الناس ثانياً.
وسوف يتحقق كلا الأمرين في الغيبة الصغرى للإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فالإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعلن بصراحة عن إمامة ولده الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبيل وفاته، وأنّ إجراءاته حول غيبة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم تكن أوسع مما اتخذه الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي تكفّل بالقسط الأكبر فيما يتعلق بالتمهيد للغيبة فهو والده مع قرب وقوع الغيبة. ونخلص إلى ما أوجزناه عن ظروف الإمامين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)- العامة والخاصة - التي سبقت ولادة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) و تزامنت مع ولادته وهي عموماً تفصح عن سبب إخفاء ولادته و شخصه عن عموم الناس من قبل الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ).
لقد ذكرت الروايات المختلفة بأن أمّ الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) رومية الأصل وكانت من سبايا الروم وجلبت عند الفتح الإسلامي حيث كانت مع جيش الروم الذي كان قد تحرّك لغزو بلاد المسلمين آنذاك وبعد أن هزم هذا الجيش وانتصر الجيش الإسلامي أخذت أمّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) سبية مع سائر السبايا، ثم اشتراها الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ويرجع نسبها من حيث الأب إلى ملك الروم قيصر ووالدها هو (يشوع) كما أنّ أمها تنتهي بنسبها إلى شمعون وصي السيد المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وكانت سيدة زكية من سيّدات نساء المسلمين في تقواها وورعها وإيمانها وطهارة نفسها، ويكفيها فخراً أنها كانت وعاءً للإمام الحجة بن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي سوف يصلح
1) محمد الصدر، الغيبة الصغرى، ص 240 - 241.
الله به الدنيا ويملأها عدلاً وقسطاً بعدما ملئت ظلما وجوراً.
و قد نقل الرواة أسماءً كثيرة لهذه السيدة الزكية الكريمة، وان إشتهرت بـ (نرجس) (1)وكانت تدعى بـ (صيقل) و (سوسن) و (مليكة) و(ريحانة)... وغيرها (2).
وُلد الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند الفجر في النصف من شعبان.
أما سنة ولادته فالمشهور أنها سنة 255هـ (3). والموافق (869م) ورد في بعض المصادر أنها كانت سنة 256 (4)، وفي حالة وتفرع تنافي في الروايات ينبغي الأخذ بالمشهور (5). أي أن ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ) هي سنة (255هـ).
وبذا تكون ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد وفاة جده الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحوالي عام واحد، وبعد تولّي المهتدي العباسي سدة الحكم بأقل من شهر حيث استخلف المهتدي لليلة بقيت من رجب و ولادة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الا في النصف من شعبان، وبقي المهتدي في الحكم سنة واحدة حتى نحاه الأتراك وبايعوا المعتمد سنة 256هـ.
وبقي المعتمد (6)في الحكم ثلاثاً وعشرين سنة حتى عام 279هـ، وقد عاصر الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) خمس سنوات من حياة أبيه حيث كان استشهاد الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) سنة 260هـ.
1) الصدوق، محمد بن علي كمال الدين، ج 2، ص 424 وما بعدها.
2) الطوسي، محمد بن الحسن الغيبة، ص 124 - 128 و مناقب ابن شهر آشوب، ج 3، ص 534.
3) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 514 وكمال الدين للشيخ الصدوق، ج 2، (ميلاد الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)).
4) الشيخ الصدوق، كمال الدين، ج 2، ص 430.
5) محمد الصدر الغيبة الصغرى، ص 261.
6) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، أحداث (255 - 279)5.
أما بالنسبة لنشاط الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) خلال هذه الفترة فقد انصب في باتجاهين بارزين من خلال تتبع أحداث التأريخ لتلك الحقبة من حياته الشريفة:
الاتجاه الأوّل: الحذر التام تجاه تحرّكات السلطة العباسية.
الاتجاه الثاني: التعرّف على خواص أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع التكتم وإخفاء ولادته عن الجميع سوی خواص الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ).
و يتعزّز لدينا ذلك من خلال الروايات التي تحدثت عن كيفية ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ):
ففي أحد الأيام زارت السيدة حكيمة عمّة الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) و صادفت زيارتها الليلة التي ولد فيها الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وطلب الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) من عمته أن تبقى بعد أن أخبرها بأنه سيولد في هذه الليلة المولود الكريم على الله عزّوجلّ وعليهم، وحجته في أرضه، فتسأله العمّة ومَنْ أمه؟ فيقول لها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): نرجس! فتنفي العمة أن يكون بنرجس أثر للحمل، فيؤكد لها الإمام ذلك قائلاً، هو ما أقول لك، فتفحصها العمّة جيداً فلا تجد أثر الحمل، فتعود فتخبره تارة أخرى.
فيتبسّم الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويعطيها الحجّة الوافية والمبرّر الإلهي الصحيح في ذلك قائلاً:
إذا كان وقت الفجر يظهر لك الحبل... لأن مثلَها كَمَثَلِ أُمّ موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث لم يظهر بها الحبل ولم يعلم بها أحد إلى وقت الولادة؛ لأنّ فرعون كان يشق بطون الحوامل في طلب موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهذا نظير موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).
كما أنّ المعتمد العباسي كان قد أرسل قوابل لفحص نساء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولم يتعرّفن عليها.
إن تحديد الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقت ولادة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالفجر، لعمته ربما يستشف منه زيادة الحذر والخفاء حيث أنّ مثل هذا الوقت تكون القوابل وعيون
1) الشيخ الطوسي، الغيبة، ص 120.
السلطان وجلاوزته غاطة فيه في نوم عميق، فضلاً عن قلة النشاط والحركة في مثل هذا الوقت، وبعد أن سمعت السيدة حكيمة تأكيد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عادت إلى السيدة نرجس فأخبرتها بما قال أبو محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) اهلا وسألتها عن حالها، فأجابت نرجس: يامولاتي ما أرى شيئاً من هذا، ثمّ إنّ نرجس نامت وقامت حكيمة بصلاة الليل وجلست للدعاء عقيبها، وهي في كل ذلك ترقب حالة نرجس فلا ترى عليها إلا النوم الهادئ، لا تقلب جنباً عن جنب حتّى إذا كان الفجر، و ثبت نرجس من نومها فزعةً فضمتها حكيمة إلى صدرها، وقالت لها: هل تحسين بشيء؟
قالت: نعم يا عمّة، وهنا يأمر الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمته أن تقرأ سورة الدخان والتي تبدأ بقوله تعالى:
[بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ: خم والكتابِ المُبينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا منذرين، فيها يُفْرَقُ كُلّ أمرٍ حكيم، أمراً مِن عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرسلين].
و في قراءة هذه الآيات المباركات يتضح لنا ما كان يهدف إليه الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) من بيان المناسبة ومقتضى الحال وهي ولادة المصلح والمنقذ المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعدما ملئت ظلما وجوراً كما ورد في أحاديث كثيرة عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) نقلها أصحاب الصحاح والسنن فضلاً عما رواه محدّثوا الإمامية. وحينما حان وقت الميلاد الميمون حدث أمر بين السيدتين بحيث لم تطلع عمّه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على نرجس وحالها.
وقد عبّرت عن ذلك بعض الروايات بالفترة... وهي نوع من الغفلة أو النعاس... أصابتهما معاً وصوّرت السيدة حكيمة هذه الحالة في رواية أُخرى بقولها: حتى غُيّبت عنّي نرجس فلم أرها كأنه ضرب بيني وبينها حجاب، و تنتبه السيدة حكيمة فتجد الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نا ساجداً لله على الأرض وهو يردّد الآية المباركة: وَنُرِيدُ أن نَمُنَّ عَلَى الذين اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلُهُم أَتمَّةً
وَنَجْعَلُهُمُ الْوارِثينَ (1).)ولابد من الإشارة إلى أنّ أكثر الروايات (2تشير إلى أن ولادة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تمت ولم يكن في وقتها غير السيدة حكيمة قريبة من أم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأن الإمام الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان منشغلاً بالصلاة والدعاء وهو ينتظر المولود الكريم، بَيْد أنّ هناك رواية تصرّح باستقدام قابلة - كانت تسكن بجوار منزل الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) - بشكل محاط بالكتمان للقيام بشأن أم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لها الحال ولادتها. وليس في هذا ما ينافي الروايات القائلة بإخفاء ولادته (3).)الخاصة* تم الحديث عن موقف السلطة من الامامين الهادي والعسكري (عَلَيهِمَا السَّلَامُ وكذا الموقف من الجماعة الصالحة، والقواعد الشعبية الموالية للإمام الله، وكيف أن المتوكل أشخص الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى سامراء، وقد بلغت وسائل اضطهاد الدولة للإمام العسكري إلى درجة إلقاء القبض عليه وسجنه مع العلم أنّ الخليفة وسائر طبقات السلطه العباسية لم تكن تجهل منزلته العالية، وأنّ نشاط الإمامين كان متوجّهاً إلى رعاية مواليهم ومن يؤمن بقيادتهم الروحية والفكرية وتربيته هؤلاء ما استطاعا إلى ذلك من سبيل.)* كان للإمامين (عَلَيهِم السَّلَامُ وكلاء ورعين في شتّى المناطق لإيصال ما يرد إليهم من موالي الإمام من حقوق شرعية ومسائل واستفتاءات فضلاً عن قضايا تتعلق بشؤونهم الحياتية.)
* كانت ولادة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ في النصف من شعبان سنة 255هـ أي بعد استشهاد الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسنة واحدة وكان ذلك بدرجة عالية في الكتمان وعدم وضوح علامات الحمل على أم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) واستغراب السيدة حكيمة عمة الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) من حالتها وقد حضرت ولادتها و قدمت الوليد المبارك إلى أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأجرى له مراسيم الولادة.)الأسئلة1. لماذا أُشخص الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ من المدينة إلى سامراء؟)2. ما كانت فائدة وجود الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ قريباً من بلاط الخليفة للخليفة وأعوانه؟)3. ما كان موقف السلطة من القواعد الشعبية الموالية للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ؟)4. ما هو النشاط الذي ركز عليه الإمامان (عَلَيهِم السَّلَامُ؟)5. ما هو دور وكلاء الإمامين الهادي والعسكري (عَلَيهِم السَّلَامُ؟)6. هل كان نشاط الإمامين الله مكرساً لاستلام السلطة؟ ولماذا؟7. كان دور السيدة حكيمة عمة الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ؟)8. متى كانت ولادة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ، ولماذا أحيطت بالكتمان من قبل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟)9. هل ظهرت بوادر الحمل والولادة على السيدة نرجس؟ ولماذا؟
## الدرس 3### الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ في ظل أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2))### الأخبار الدالة على إخفاء ولادة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)لقد وردت أخبار كثيرة تشير إلى غيبة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ، وقد تناقلها المسلمون جيلاً بعد جيل، وفيها الإشارة إلى ما يسود المجتمع البشري من الجور والظلم والاضطهاد. وهناك أحاديث أخرى تضمّنت الإخبار عن خفاء ومولده (عَلَيهِ السَّلَامُ).)إن واقع الحال - الذي سبقت الإشارة إليه - و هو ظروف ولادة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ تعزز ذلك، مع إمكان الاستفادة من الروايات التي وردت عن الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، والتي تشير إلى غيبة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحيرة الأمة وما يجري على أهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ) كمؤشرات على خفاء ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومن هذه الروايات والأخبار:)1. ما جاء عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: إن القائم منا إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة، فلذلك تخفى ولادته و يغيب شخصه (1).)2. ما عن الإمام علي بن الحسين سيد العابدين الا أنه قال: القائم منا تخفى ولادته على الناس حتى يقولوا: لم يولد بعد (2.)
3. وما عن عبدالله بن عطاء حيث قال: قلت لأبي جعفر - أي محمد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ - إن شيعتك بالعراق كثيرون فوالله ما في أهل بيتك مثلك فكيف لا تخرج؟)فقال ياعبدالله بن عطاء قد أمكنت الحشو من أذنيك والله ما أنا بصاحبكم، قلت: فمن صاحبنا؟ قال: انظروا من تخفى على الناس ولادته فهو صاحبكم (1.)4. وعن أيوب بن نوح قال: قلت للرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ: إنا لنرجو أن تكون صاحب هذا الأمر وأن يردّه الله عزّوجل إليك من غير سبق فقد بويع لك وضربت الدراهم باسمك فقال: ما منا أحد اختلفت إليه الكتب وسئل عن المسائل وأشارت إليه الأصابع و حملت إليه الأموال، إلا أغتيل أو مات على فراشه حتى يبعث الله عزّوجلّ لهذا الأمر رجلاً خفي المولد والمنشأ غير خفي في نسبه (2).)إلى غيرها من الأحاديث المروية عن بقية الأئمة (عَلَيهِمَ السَّلَامُ (3)والتي صرّحت بأن للإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) سُنّة من موسى ويوسف وعيسى (عَلَيهِم السَّلَامُ) - وهي الغيبة وخفاء الولادة - وقد صرّح القرآن حول عيسى ﴿كَمَثَلِ آدَمَ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). وتفيد الآية المباركة التي ذكرت المماثلة أنّ الحمل وما يرافقه من حالات لم تكن تعرض لأم المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهي كذلك بالنسبة لأم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
إن قضيّة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليا بكل أبعادها ومظاهرها قضية تتعلق بإرادة الله سبحانه وحكمته فهو أعلم حيث يجعل رسالته، وهي من القضايا العامة التي اهتمت الديانات بها، وبشّر الأنبياء بظهور المصلح المنتظر الذي يزيل الظلم ويقيم دولة الحق، فهي ليست قضيّة إسلاميّة خاصة ولا هي من معتقدات الشيعة الإمامية فحسب، فالتوراة تضمّنت البشارة به وكذا الأناجيل الأربعة، بيد أن وضوح الرؤية حول هذه
العقيدة تجلت بكل أبعادها - فيما عدا التوقيت بظهور الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) - بما تناقله المسلمون على امتداد التأريخ الإسلامي منذ البعثة حتى يومنا هذا.
أما بخصوص العلة في إخفاء ولادته فقد أثر عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والأئمة المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) ما يوضح السبب والعلة في إخفاء ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ):
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله أي الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «صاحب هذا الأمر تعمى ولادته على هذا الخلق لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج» (1).
وعن الإمام علي بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: «كاني بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي - أي الإمام الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) - كالنعم يطلبون المرعى فلا يجدونه. قلت له: ولِمَ ذاك يا ابن رسول الله؟ قال: لأنّ إمامهم يُغيب عنهم، فقلت: ولم؟ قال: لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا قام بالسيف» (2).
عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إن للقائم غيبة يطول أمدها، فقلت له: يابن رسول الله ولِمَ ذلك؟ قال: لأن الله أبى إلا أن تجري فيه سنن الأنبياء(عَلَيهِم السَّلَامُ) فى غيباتهم، وأنه لابد له ياسدير من استيفاء مدد غيباتهم، قال الله تعالى: (لتركينّ طبقاً عن طبق) (3)أي سنن من كان قبلكم» (4).
وعن زرارة قال: سمعت أبا جعفر - أي الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول إن للقائم غيبة قبل أن يقوم، قال: قلت: ولم؟ قال: يخاف و أومأ بيده إلى بطنه - قال زرارة: يعني القتل (5).
عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إن القائم منا إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة، فلذلك تخفى ولادته ويغيب شخصه.
عن سدير بن حكيم، عن أبيه عن أبي سعيد عقيصا قال: لما صالح الحسن
ابن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) معاوية ابن أبي سفيان دخل عليه الناس فلامه بعضهم على بيعته، فقال: ويحكم ما تدرون ما عملت والله الذي عملت خيرٌ لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت ألا تعلمون أنني إمامكم مفترض الطاعة عليكم، وأحد سيدي شباب أهل الجنة بنص من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) علي؟ قالوا: بلى، قال: أما علمتم أن الخضر (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك؟ وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمةً وصواباً.
أما علمتم أنه ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلّي روح الله عيسى بن مريم (عَلَيهِ السَّلَامُ) خلفه، فإنّ الله عزّوجل يخفي ولادته ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج. ذلك التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة الإماء يطيل الله عمره في غيبته ثمّ يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة، ذلك ليعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير (1).
إنّ هذه الأحاديث الشريفة كلّها تفيد أنّ علّة إخفاء الولادة وأن سبب الغيبة ترجع إلى أمرين:
الأوّل: أن لا تكون في عنقه بيعة لطاغية زمانه.
الثاني: الخوف من القتل.
وإنّ الحديث السابق عن الإمام الحسن المجتبى (عَلَيهِ السَّلَامُ) والذي ضرب فيه المثل قام به الخضر (عَلَيهِ السَّلَامُ) واستنكار نبي الله موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) لذلك نظراً لعدم وضوح حكمة الله له، يُستفاد منه أنّ للإخفاء علّة معلومة عند الله وإن كانت خافية على الناس، وإن
سألوا ولم يعرفوها فعليهم التسليم لحكم الله وحكمته.
الخاصة
كما وردت الأخبار عن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) عن غيبة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، جاءت نصوص أخرى تخبر بخفاء ولادته عن الأمة، لتوضح مسيرة حياة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) و موقف القواعد الشعبية الموالية والأمة من حيث الإيمان به حتى إذا جاء وقت الولادة والغيبة لاتشك الأمة ولا ترتاب في وجوده (عَلَيهِ السَّلَامُ) نظراً للإعداد اللازم لذلك.
وقد أوضحت أحاديث أخرى العلّة والسبب في خفاء ولادته ويمكن حصر ما ورد فيها في علّتين:
الأولى: حتى لا تكون بيعة في عنق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لطاغية زمانه.
الثانية: مخافة القتل على نفسه فيما لو انكشف أمره للناس.
الأسئلة
هل يمكن الاستدلال على تحقق الإخبار بخفاء الولادة من روايات الإخبار عن الغيبة العامة؟
اذكر حديثاً عن خفاء ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
لماذا لم ينهض الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالسيف مع كثرة مواليه في عصره؟
اذكر علّة خفاء ولادة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
على الرغم مما أحيط به الميلاد المبارك من كتمان وسريّة وخفاء نجد أنّ الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) يكتم ذلك خاصته ثقاته، فهو يأمر أبا عمر عثمان أباعمر بن سعيد، وهو من أخص أصحابه لديه بأن يعق عن المولود الجديد عدداً من الشياه و أن يشتري عشرة آلاف رطل من الخبز وعشرة آلاف رطلاً لحماً ويوزّعه على الفقراء - كما أرسل الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) شاة مذبوحة إلى محمّد بن إبراهيم الكوفي، وهي عقيقة عن المولود الجديد (1).
ويتباشر أصحاب الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) بميلاد الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويأتون الإمام مهنئين بالمولود ويتواصون فيما بينهم بكتمان الأمر، ويسأل أحدهم عن اسمه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فيقال له سُمِّي: بـ «محمد» وكنّي: «بأبي جعفر». و من خلال الظروف والملابسات التي كانت تحيط بالإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) والجماعة الصالحة يتضح عِظَم المهمة التي يقوم بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تجاه ولده المبارك، و تتمثل هذه المهمة في أمرين:
1) كمال الدين، ج 2، ص 432 وما بعدها.
إذن فليس من الممكن أن يبلغ الحذر والتوقي إلى حدّ إخفائه الكامل بحيث يؤدّي إلى ضياع اسمه وإنكار وجوده مع كونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الإمام الثاني عشر لمواليه والمسلمين والقائد المؤمل والمذخور لإقامة دولة الحق.
فلابد إذن من إقامة الحجة والدليل على وجوده على المستوى الخاص بمواليه وعلى مستوى المسلمين عامة بحيث يصبح هناك تواتر في الأخبار على ولادته ورؤيته، ليدحض مزاعم من يقول بعدم ولادته وعدم وجوده.
فظهوره (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعني الحكم على نظامهم بالانقراض المحتم، وفضح انحرافاتهم وبعدهم عن الرسالة الإسلامية.
والخليفة والسلطة بطبقاتها، وان لم يتمكنوا من تحديد تاريخ ميلاد الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما أحيط به من سرية من قبل الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلا أنهم كانوا يعلمون إجمالاً أن زمانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أطلّ عليهم وأنه على وشك الولادة لما عرفوا من أنّ الإمام
العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) يكون الإمام الحادي عشر في سلسلة خلفاء الأمة الإسلامية التي وعد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بأنهم عدد نقباء بني إسرائيل... فيكون ولده الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو خاتم هذه السلسلة المباركة من الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ).
و ممّا يرشدنا إلى جهل السلطة بوجوده و ميلاده الا و ترقبها لميلاده، هو ما قامت به السلطة من مراقبتها لنساء الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) لان و البحث من تظهر عليها علامات الحمل، مع أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان مولوداً قبل خمس سنوات، وقد عرضه الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) على خواصه ومواليه.
وإذا كان نشاط الإمامين العسكريين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) مقتصراً على حفظ مصالح قواعدهم الشعبية والسياسية من الجهاز الحاكم، فقد كان ذلك مثيراً للسلطة إذ كان لها مواقف مختلفة ضد الإمامين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فكيف بنشاط إمام المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قامة الحق والعدل، و و محو الجور والظلم لتنعم الإنسانية في ظلاله الوارفة بكرامة الإسلام و عدله، ولهذا كانت السلطة تترقب وتبحث من أجل التعرف على أخبار المولود الموعود و من هنا يتضح مبلغ حراجة موقف الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) ودقته في مثل تلك الظروف والتي هي في غاية التعقيد خصوصاً إذا عرفنا أن الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يعيش في مجتمع، قد سلطت عليه الأضواء فيه و أنه تحت إقامة جبرية ومراقبة دائمة، فهو المثال الذي يقتدى به لتقواه وورعه وعلمه، فضلاً عن القاعدة الواسعة من الأمة الإسلامية آنذاك والتي كانت تقول بإمامته وترجع إليه في حل مشاكلها، فضلاً عن أنّ السلطة كانت تلجأ إليه بين الحين والآخر عندما تقع في مأزق أو واقعة يعيى فيها السلطان وتؤرّقه المشكلة ويُشلّ فيها تفكير فقهاء السلطة ووعاظها فلا تجد السلطة من بيّ في الالتجاء إلى الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) للتخلّص من المأزق الذي وقعت فيه، كما في قصة الراهب الذي استسقى للمسلمين ومعه الخليفة وكاد أن يرتد أكثر الناس، وكان الإمام في السجن، فأخرجه المعتمد وقال له، أدرك دين جدك،
فخرج الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكشف حيلة الراهب (1).
كما أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نظر السلطة كان يمثل القطب الأهم في الجبهة المعارضة و هو امتداد لخط آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ)، والسلطة على معرفة تامة بهم وبمواقفهم تجاهها، ولهذا كان تقريبها للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في البلاط ودمجه في دائرتها لتحديد أثره ونشاطه.
ولما كانت الأمة على علم و اطلاع بالمهمة والدور الذي يقوم به الإمام المهدي المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ) فمن الطبيعي أن تتوجّه الأنظار صوب ميلاده ووجوده (عَلَيهِ السَّلَامُ).
و بغض النظر عن كون المنتظرين يؤمنون أو لا يؤمنون بقيادة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) فقد كان من تخطيط الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) عدم الإعلان عن ولادة ولده، وإن كان معتاداً أن يعلن عن الولادة وتقام الولائم شكراً لله سبحانه على نعمه، إذ كانت الأمور تجري في بيت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصورة طبيعية، ولم يكن هناك أي نشاط يثير الانتباه حتى أن خادم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم ينتبه إلى شيء (2)، ولم يعرف شيئاً، ولما لم يكن انتباه وشك في ولادته الله فمن الطبيعي أن لا يحصل بحث وسؤال وتتبع لوجود الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو ولادته.
وكان يساعد الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) على إخفاء ولادة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) - مساعدة كبرى تطبيقه لسياسة الاحتجاب على نفسه، وانقطاعه عن أصحابه ومواليه إلا بواسطة المراسلات، حيث استطاع (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك تحقيق نتيجتين أساسيتين:
تعويد قواعده الشعبية على فكرة الاحتجاب والقيادة غير المباشرة.
إحاطة تحرّكه بالكتمان والسرية التامة، واستقطاب المهام التي كانت تحتاج تدخله ورأيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بشكل منفرد وبعيد عن الانتباه، وتسليط الأضواء بعيدة عن رقابة الدولة وعيونها لأنه سوف لا يطلع على تحركه بهذا الخصوص إلا من له صلة بهذا التحرك.
كما كان للظروف غير الطبيعية التي تمر بها الدولة آنذاك دور مساعد في عملية إخفاء الولادة حيث كانت الدولة توجّه أنظارها إلى صاحب الزنج الذي انتفض في جنوب العراق والأهواز في نفس عام ميلاد الإمام الحجة (عَلَيهِ السَّلَامُ) - 255 هـ. - والمتتبع للتاريخ العام يعرف ما أوجده صاحب الزنج من فزع وقلق في أذهان الناس عامة والجهاز الحاكم خاصة (1).
و حتى عام 258 هـ الذي أوكل فيه المعتمد قتال صاحب الزنج وسواه إلى أخيه أبي أحمد الموفق لم يكن قد ثار حول ولادة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أي إحساس والتفات أو شك من قبل المجتمع والدولة نتيجة لتلك الظروف، وقد استطاع الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يضمن حماية ولده المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الجهاز الحاكم ومن عيونه، وبذلك قام بالوظيفة الثانية خير قيام.
أما بالنسبة للوظيفة الأولى للإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي إثبات وجود المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) للتأريخ والأمة الإسلامية عامة ولمواليه خاصة.. وفي مثل تلك الظروف التي عاشها الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان لابد أن يختص التبليغ بوجوده ورؤيته بالأشخاص الذين يعلم بصلابة إرادتهم وقوة إيمانهم بقيادة الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) - فضلاً عن إطمئنان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى صلابتهم وقوّة إرادتهم في الصمود تجاه إغراء واضطهاد السلطة الحاكمة، وكان بهذه الطريقة قد تمكن من كتمان ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحَجْبها عن غير مواليه بل حتى عن جمهور الموالين ممن لا يحرز فيه الحفاظ على سرّيّة الولادة وكتمانها، عندما يتعرّض إلى الاضطهاد والمطاردة من قبل السلطة.
وكان الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) عندما يخبر أو يُطلع أحداً على المولود المبارك يُلزمه بأن يكتم خبره ولا يذكر اسمه (2).
اتضح من خلال الإجراءات التي اتخذها الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أن السلطة لم تكن قد التفتت إلى ولادة المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو أحست بشيء يدل على ذلك، وكانت السلطة تترقب ولادته وتبحث عنه غير أن محاولاتها باءت بالفشل.
وكان الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) يكتفي عند عرض ولده على خاصته بقوله لهم: «هذا إمامكم» يعني أنه الإمام بعده، ويقتصر في التصريح باسمه على الأقل، كما أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم ينة عن تسميته (1).
فالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث كان يُريد أن يثبت وجود ولده المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كان يختار من يطمئن إليه وخاصة أولئك الذين يربطون بينه وبين قواعده الشعبية وينقلون المراسلات والتوقيعات منه وإليه، فإنّهم خير مَنْ يستطيع أن يبلغ خبر الولادة إلى القواعد الشعبية، فإنّ هذه القواعد تعرف سلفاً وثاقة هؤلاء الأشخاص وإيمانهم وإخلاصهم واعتماد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليهم. حيث لا يتيسر للقواعد الشعبية أن ترى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الحالات الطبيعية، فكيف في تلك الظروف المعقدة وهي كانت تحصل على ما تحتاجه عن طريق أولئك الذين هم حلقة الوصل بين الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقواعده، فمثلما كان يحصل لهم اليقين بما ينقلونه لهم عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكذلك سوف يحصل لهم اليقين والإطمئنان بخبر الولادة ووجود الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من نفس الطريق. كما أن ذلك هو طريق كافة الناس في حصول اليقين والإطمئنان في مثل تلك الأحوال في مجال نقل الحوادث والأخبار.
ونحن الذين نعيش عصر الغيبة الكبرى قد وصلنا من طرق الخاصة والعامة تواتر خبر ولادته ووجوده، فكيف من عاش في ذلك الزمن الذي كانت كلّ القرائن تدلّ عليه، وكلّ الأيدي تشير إليه؟! وكان همَّ أبيه ووكلاته وأصحابه، هو التأكيد على
1) الغيبة للشيخ الطوسي، ص 280 - 281.
وجوده و التبليغ عنه إلى كلّ من يصلح أن يتحمّل مسؤولية ذلك.
وكان أوسع إعلان قام به الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) بين أصحابه عن ولادة ابنه وإمامته من بعده ووجوب طاعته عليهم، قبل وفاة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأيام، وقد كان مجلسه غاصاً بأربعين من أصحابه وخاصته منهم: محمّد بن عثمان العمري، ومعاوية بن حكيم، و محمد بن أيوب بن نوح وسواهم فعرض عليهم ولده (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال: هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم أطيعوه ولا تتفرّقوا من بعدي فتهلكوا في دياركم، ثمّ أضاف مشيراً إلى غيبته (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً: أما إنكم لا ترونه بعد يومكم هذا (1).
كما أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد عرض ولده في اليوم الثالث من ولادته وأشار أيضاً إلى غيبته وظهوره (عَلَيهِ السَّلَامُ)... فهو القائم الذي تمدّ إليه الأعناق بالانتظار. فإذا امتلأت الأرض جوراً وظلماً، خرج فملأها قسطاً وعدلاً.
فهكذا كان الإعلان الرسمي الكبير حول مولده (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد الميلاد وقبل وفاة الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) لكي يكون هو الأساس لإقامة الحجة تجاه القواعد الشعبية الموالية، كما أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يعرضه خلال هذه المدّة على أشخاص يزورونه بمفردهم، منهم: عمرو الأهوازي حيث أراه الإمام ولده المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال له: هذا صاحبكم (2).
و ممن رأى الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) رجل من فارس كان قد قصد الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليتشرف بخدمته، فأذن له الإمام بذلك فكان مع الخدم يشتري لهم الحوائج من السوق وبقي على هذه الحال حتى أصبح خاصاً وارتفعت الكلفة بينه وبين الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)... فكان يدخل الدار دون استئذان إذا لم يكن فيها إلا الرجال، وبينما هو داخل عليه في يوم من الأيام إذ سمع حركة في البيت فناداه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): مكانك لا تبرح. قال: فلم أجسر أن أخرج ولا أدخل. فخرجت عليّ جارية معها شيء مغطى ثم أمره
الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) - العسكري - بالدخول فدخل الغرفة، وأم-ر الج-ارية أن ترفع الغطاء، فكشفت عن غلام أبيض حسن الوجه، قدّره الراوي بسنتين، وقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): هذا صاحبكم، ثم أمر الجارية به فحملته فلم يره بعد ذلك حتى توفّي الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فمع كون هذا الرجل ملازماً لدار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) و قربه منه، نجد أنه لم يعلم بولادة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولم يشعر بأي أمر غير طبيعي في الدار، واكتفى الإمام بعرضه عليه مرّة واحدة كما هو الشأن مع جملة أصحابه وخاصته. وبالتأمل في الرواية نجد أن المولود المبارك قد عرض على رجال آخرين كانوا في الدار وليس على هذا الرجل فحسب (1). و ممّن عُرض عليه الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونظر إليه هو أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري، وهو من خاصة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان أحمد هذا قد قصد زيارة الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)، يُريد أن يسأله الخلف من بعده، ومن يتولى الإمامة بعد وفاته عن ويضطلع بشؤون الأمة، فيدخل عليه فيقول له الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمبتدءاً: يا أحمد بن إسحاق إن الله تبارك وتعالى لم يُخل الأرض منذ خلق آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجّة الله على خلقه به يدفع البلاء عن أهل الأرض وبه ينزل الغيث وبه يخرج بركات الأرض. ثمّ يسأل الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الإمام بعده فينهض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مسرعاً ويدخل إحدى الغرف، ثمّ يخرج وعلى عاتقه غلام كأن وجهه القمر ليلة البدر، من أبناء ثلاث سنين ثمّ يقول: يا أحمد بن إسحاق لولا كرامتك على الله عزّوجلّ وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنه سمي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وكنيه، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً يا أحمد بن إسحاق، مثله في هذه الأمّة مَثَل الخضر (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومَثَله مَثَل ذي القرنين، والله ليغيبن غيبة لا ينجو فيها من الهلكة إلا من ثبته الله عزّ وجلّ على القول بإمامته ووفقه الله للدعاء بتعجيل فرجه.
1) كمال الدين الباب 47 الحديث 4.
قال أحمد بن إسحاق: فقلت يا مولاي فهل من علامة يطمئن بها قلبي؟ فنطق الغلام بلسان عربي فصيح: أنا بقية الله في أرضه والمنتقم من أعدائه، ولا تطلب أثراً بعد عين يا أحمد بن إسحاق.
قال أحمد بن إسحاق: فخرجت مسروراً. وعُدت إليه في الغد، فقلت له: ي-ا ابن رسول الله، لقد عظم سروري بما مننت عليّ فما السنة الجارية عن الخضر و ذي القرنين؟ قال: طول الغيبة يا أحمد. قلت: يا ابن رسول الله وإن غيبته لتطول؟ قال: إي وربي، حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به إلا من أخذ الله عزّوجل عهده بولايتنا وكتب في قلبه الإيمان وأبره بروح منه يا أحمد بن إسحاق هذا أمر من أمر الله وسرّ من سرّ الله، و غيب عن غيب الله فخذ ما آتيتك واكتمه وكن من الشاكرين معنا، في عليين (1).
1) كمال الدين الباب 38 الحديث 1.
الخاصة
المبارك ويرسل إلى آخر ذبيحة وهي عقيقة عقها عن ولده (عَلَيهِ السَّلَامُ).
إن مهمة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) و دوره تتضمن تعريف القواعد الشعبية وإقامة الدليل والحجة على ولادته وحمايته من الطغاة الذين يتربصون بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الدوائر لأنهم يعلمون أنه ابن الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأنه الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً وهو المؤمل لإقامة حكم الله في الأرض وإشاعة العدل والأمن فيها.
كما أن الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يربّي قواعده ومواليه على تقبل الاحتجاب، وقد سلك هذا الطريق بنفسه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكانت صلته بقواعده عن طريق وكلائه والرسائل المتبادلة بينه وبين تلك القواعد عن طريق وكلاته (رض) وبهذا كان قد مهد لاحتجاب الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وغيبته عن مواليه، وبتخطيطه هذا قد أقام الدليل والحجة على القواعد الشعبية الشيعية بشكل خاص والأمّة بشكل عام، وبفضله وصلت إلينا وتواترت أخبار ولادة الإمام وغيبته (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وقد أوضح الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) اسمه وكنيته وبعض علامات ظهوره بعد الإشارة إلى غيبته.
الأسئلة
لماذا كان يُفصح الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ولادة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ووجوده لبعض شيعته ومواليه؟
ما هو دور الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) تجاه ولادة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ووجوده؟
ما هي طريقة الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيان ولادة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأصحابه؟
ما هو تخطيط الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) طروحة الغيبة؟
ماذا كانت تعني الهدايا والذبائح التي وزّعها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمناسبة الولادة؟
ما هي الإجراءات التي قام بها الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) للتمويه على السلطة؟
ماذا يُستفاد من حوار الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع أحمد بن إسحاق؟
هل ساهم انشغال الدولة في الحروب الداخلية في إنجاح تخطيط الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟ وضح ذلك؟
لقد استشهد الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) سنة 260هـ بعد أن سُقي السم من قبل المعتمد العباسي في أوّل ربيع الأوّل من تلك السنة حيث بدأت العلة وثقل المرض عليه التحق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالرفيق الأعلى في الثامن من الشهر (1).
واضطربت السلطة حينما اعتل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأوعز المعتمد إلى خمسة من ثقاته و رجال دولته منهم (تحرير) بملازمة دار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) والتعرف على خبره وأحواله، وإخباره بكل بادرة تحدث، كما أرسل مجموعة من الأطباء لتجري الفحوص وتشرف عليه صباحاً ومساءاً، وعهد إليهم أن لا يفارقوه، كما أرسل قاضي القضاة وعشرة أشخاص ممّن يثق بهم وأمرهم بملازمة دار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).
ومما تجدر الإشارة إليه أنه بمجرد اعتلال الإمام وصل الخبر إلى وزير المعتمد، عبیدالله بن يحيى بن خاقان، فركب مباشرة إلى البلاط لكي يخبر الخليفة بمرض
الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبعد إخباره أصدر أمره بإرسال الأطباء وغيرهم (1). إن إرسال هذا العدد مضافاً إلى خادم بعثه الوزير يشير إلى أنّ السلطة كانت تسعى لمعرفة أمر غير مسألة وفاة الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو الوقوف على ولده لأنها كانت تجهل ولادته وتعرف بأن حالة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ستؤدي به إلى الموت حتماً.
وبالرغم من بقاء هؤلاء في دار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإن وجودهم لم يمنع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أداء دوره، حيث كتب مجموعة من الكتب وأرسل بعضها إلى المدينة وأخرى إلى المدائن وهي تحمل ما يخططه إلى مرحلة حرجة بعد وفاته تتعلّق بدور ولده و موقف القواعد الشعبية منه. وقد تمكن الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) من إخفاء ما يتعلق بولده (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أعين السلطة ولم يحسوا بشيء، فلم يكن مع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مرضه سوى زوجته و عقيد الخادم، وقد أدى صلاة الفجر والتحق بالرفيق الأعلى مودعاً ولده و موكلاً أمره للرعاية الإلهية (2).
لما بلغ أهل سامراء نبأ استشهاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ضجت البلدة بأهلها فإنّ الجميع كانوا يقرون بزهده وورعه وعبادته وبشرف نسبه ولا يختلفون في ذلك على مختلف مستوياتهم - الخاصة والعامة - فتعطلت الأسواق واجتمع الناس لتشييع جثمان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما بعث الخليفة أخاه أبا عيسى بن المتوكل لأداء الصلاة، ولما دنا لأداء الصلاة كشف عن وجه الإمام وعرضه على الحاضرين وقال: هذا الحسن بن علي بن محمد بن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مات حتف أنفه على فراشه. وهذا القول ممّا يثير الاستغراب والتساؤل، فليس معهوداً ذلك عند الصلاة على ميت قبله، غير أنه يكشف عن الرعب
الذي كانت تعيشه السلطة وخشيتها من أن يثار سؤال حول سبب موته، وهو لم يتجاوز الثلاثين عاماً وكان بكامل صحته، ولم يشتك مرضاً، ثمّ غطى وجهه الكريم وصلّى عليه وأمر بحمله (1). وهكذا كان ذهن السلطة مشحوناً بالتوجس والحذر ممّا يرونه مرتسماً في أذهان الناس بوضوح - وإن لم تصرح به الأفواه، وهو التهمة التي تشير إلى ضلوع الجهاز الحاكم بعملية اغتيال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2)بدس السم إليه.
ونرى أن كثرة ما أرسله الخليفة من أطباء وخدم وغيرهم إنما كان من أجل أن يتعرّف على الداخلين إلى بيت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) والخارجين منه ومدى تعرفهم على حالة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
و مع أنّ أبا عيسى بن المتوكل قام بالصلاة على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خارج بيته فقد صلّى عليه ولده المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع جمع من أصحابه ومواليه بعيداً عن المستوى الرسمي الذي أعدته السلطة.
وقبل صلاة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أبيه خرج عقيد الخادم ودعا (جعفر بن علي) أخا الإمام العسكري وعم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وكان جعفر يرى أنّ الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليس له خلف ظاهر ووريث واضح، مما دفعه ذلك للصلاة والوقوف أمام الناس بقبول التعزية بأخيه والتهنئة بالإمامة، غير أنّ تخطيطه لم يفلح حيث تصدّى الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند دخوله للصلاة على أبيه الإمام العسكري ونحاه عن جنازة أبيه، وشاهد المجتمعون داخل البيت صبياً يخرج وبوجهه سمرة وبشعره قطط وبأسنانه تفليج، يجذب رداء عمّه جعفر ويتقدم للصلاة على أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ).
وبعد أن أدّى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الصلاة أخرج جثمان الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) للجمهور،
و من ثم تم تشييعه وحمله إلى مثواه الأخير، وقد دفن إلى جنب أبيه الهادي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ).
لم يتيسر للسلطة العباسية بعد البحث والتفصي، أي خبر عن وجود الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو ولادته. وكان أوّل خبر وصلها عن وجوده المبارك هو الذي وصلها عن طريق جعفر بن علي حين أبلغ المعتمد أبلغ المعتمد عن وفد من القميين كانوا قد جاءوا إلى سامراء وأوصلوا أموالهم إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان جعفر هذا قد رأى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأول مرة حين دفعه عن الصلاة على جنازة أبيه العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلما بلغ المعتمد ذلك أرسل جماعة من قواده و جنده للبحث في دار الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ولده، فالسلطة لم تتحمّل قضية المصلح المنتظر فهي قد بنّت عيونها بحثاً عنه وسبق أن أرسلت نساء للتعرف على نساء الإمام وأنّ أيّتهن تبدو عليها علامات الحمل، ولكن لم تفلح في شيء، والآن أصبح من تبحث عنه السلطة حقيقة ماثلة أمام عينيها وهذا عمّه أقرب الناس إليه به فأصبحت السلطة على يقين بوجوده الا، لذا بادرت بإرسال تلك الجماعة للبحث عنه، غير أنّ هذه الجماعة لم يسبق لها التعرّف على شخصيته المباركة، وربما كانت تراه ولا تستطيع التعرف عليه، وفعلاً تمكن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يخرج من البيت والجند مشغولون بالبحث عنه دون أن يلاحظوه، وهو يومئذ ابن ست سنوات فلم يره أحد منهم حتى غاب (1).
ولم يجد هؤلاء في دار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلا أم المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقبضوا عليها وأرسلوها إلى السلطان العباسي وبدأت محنة هذه المرأة الصالحة وهي تواجهها بكل صبر وصمود وإخلاص وإيمان، وخرجت من محنتها منتصرة قد حفظت سر ولدها ولم تبح به للسلطة، وأبقته محجوباً مصوناً من الأعداء، ومؤهت السيّدة الصالحة على السلطة
1) القطب الراوندي، الخرائج و الجرائح، ص 164.
بادعائها أنها حامل، ووقع كلامها في ذهن الحكام موقعاً محتملاً.
إن السلطة كانت تترقب ولادة المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهاهو قد انتهت حياته، ولم تر له ولداً ولم تسمع بولادته، ولما لم تعثر له على أثر بعد التفتيش قرب في ذهنها أن حديث ولادته صحيح، وأنه لابد من مراقبة والدته حتى تلد حملها فهو الإمام الموعود الذي سيزيل عروش الظالمين، ويملأ الأرض عدلاً.
و من هنا جعلوا السيدة أم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت مراقبة نساء لأعلى رجال الدولة - نساء المعتمد والموفق والقاضي ابن أبي الشوارب - وكانوا يتعاهدون أمرها في كلّ وقت وطالت المدة ولم يحصلوا على شيء. وبقيت تحت المراقبة والإقامة الجبرية حتى واجهت الدولة مشاكل كبرى وخاضت حروباً ضد معارضيها الذين أخذوا يهدّدون كيان الدولة فكانت ثورة صاحب الزنج، واقتراب يعقوب بن الليث الصفار من العاصمة، وغيرها من الاضطرابات التي أحاطت بالدولة وقتئذ (1)ومات وزير المعتمد عبيدالله بن يحيى بن خاقان وهو ذو شخصية مرموقة ومؤثرة في مجريات الأحداث (2).
ونخلص إلى أنّ أُم الإمام المهدي عاشت في حجز المعتمد مدة بلغت عامين تقريباً حيث أطلقوا سراحها سنة (262هـ).
ويتضح أن هدف السلطة من حجزها كان التعرّف على وجود الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنها كانت تتوقع أن يتصل بوالدته - إن كان مولوداً وموجوداً - خلال هذه المدة التي تعرضت فيها إلى الاضطهاد وإلا فإنّ المدة التي احتجزت فيها كانت أكثر من فترة الحمل، ومع هذا فقد باءت جهود السلطة بالفشل الذريع ولم تنل ما كانت تتوقعه من العثور على الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو أي أثر يدل عليه.
الخاصة
كانت السلطة تخشى وجود الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتحركه ونشاطه، ولما كان تحركه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببالغ الكتمان والسرية، لم تتمكن السلطة من الوقوف على نوع تحركه مع تنامي الوعي والنشاط في القواعد الشعبية الموالية له، فإنها التجأت إلى دس السم إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) واستشهد سنة 260هـ، فضلاً عن أن السلطة ربّما كان يدور في مخيلتها أن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يولد بعد، فهي بعملها هذا تكون قد حققت غايتها في التخلّص من الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) و ولده المنتظر زالة ملك الطواغيت.
وإن حرص الخليفة وحاشيته بتواجدهم في دار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) والتعرف على ما يحدث وسرعة وصول خبر اعتلال الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإرالأطباء والوجهاء والخدم إلى داره (عَلَيهِ السَّلَامُ) من قبل الخليفة وأن الموفّق حينما يكشف عن وجه الإمام العسكري ويقول عنه إنه مات حتف أنفه يوفّر قرينة أخرى تؤكد اتهام السلطة بالقيام بذلك العمل لأجل التخلّص منه.
ثمّ إنّ السلطة بعد وفاة الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) و وشاية جعفر بالوفد القمي وبأنه سلَّم الأموال إلى الإمام المهدي، قامت بإرسال جلاوزتها لكبس دار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، للبحث عن وجود المهدي مما أدى إلى اعتقال أُمّ الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولم يُفرج عنها إلا بعد عامين من حجزها بين نساء أعلى رجال الدولة.
الأسئلة
متى استشهد الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟ وكيف تم ذلك؟
ماذا يعني سرعة وصول خبر اعتلال ومرض الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) الوزير المعتمد؟
لماذا أرسله السلطة الأطباء والوجهاء إلى بيت الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
هل أن وجود عيون السلطة في دار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أثناء مرضه منعه من أداء دوره؟ ولماذا؟
من الذي صلّى على الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد وفاته؟
ماذا يُستفاد من كثرة الناس في تشييع الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) واضطراب سامراء في ذلك اليوم؟
كم مدة حجزت أم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و هل استفادت السلطة منها حول ولدها؟
أين دفن الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
كانت ولادة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) سنة 255هـ. أو 256هـ. (1)، وعاش في ظل أبيه الإمام الحسن العسكري خمس سنوات، حيث استشهد أبوه عام 260 هـ. (2)فيكون عمره الشريف حين تسلّمه مهام الإمامة خمس سنوات.
يؤرّخ لبدء الغيبة الصغرى بوفاة الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهي مقترنة بتولي الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مهامّ الإمامة، وقد بدأها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتنصيب وكيله الأول عثمان بن سعيد العمري عندما قابله وفد القميّين، وسمّيت هذه الفترة بالغيبة الصغرى لعدم احتجاب الإمام كليّاً، حيث كان يتصل بقواعده عن طريق وكلائه ونوابه.
ويمكن أن تُجمل عن مميّزات هذه الفترة - الغيبة الصغرى - بالنقاط التالية:
بدأت بتولي الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، للمنصب الإلهي الكبير في إمامة المسلمين بعد ارتحال أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومسؤوليته الكبرى في قيادة قواعده الشعبية خاصة والبشرية كلها عامة إلى شاطئ الأمن والعدل.
كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتصل في هذه الفترة بعدد من ثقاته وخاصته ولم يكن احتجابه مطلقاً، بل يبدأ استتاره بعد نهاية هذه الفترة في سنة 329هـ بعد وفاة النائب الرابع علي بن محمد السمري.
وجود السفراء الأربعة الموكلين بتبليغ تعاليم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الناس من قواعده الشعبية، بحسب الوكالة الخاصة المنصوص عليها من قبل المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه أو من قبل آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ).
فكان كلّ ما يصدر عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويرد عليه من قواعده يتم بواسطة هؤلاء السفراء.
ولابد من الإشارة إلى أنّ هذه الفترة قد اشتملت على مصاعب جمّة ومشاكل كبرى قد واجهها الكيان الشيعي وذلك بادعاء من قبل الوكالة الخاصة زوراً وبهتاناً أفراد متعددين و معارضتهم للسفراء الحقيقيين، وإغرائهم للناس بالجهل والغواية، غير أنه لم يكتب لتلك المزاعم إلا الفشل والخيبة، نتيجة لجهود واسعة بذلها السفراء في تكذيبهم وعزل الناس عنهم بإيصال ما كان يرد عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من توقيعات وبيانات بصدد هؤلاء المنتحلين للوكالة.
كما أضيفت إلى مسألة ادّعاء الوكالة صعوبات أخرى كان يواجهها الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقواعده الشعبية ومواليه، حيث كانت المطاردة والبحث من قبل السلطة عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالخصوص و تجاه قواعده الشعبية على وجه العموم.
كما أن الدولة كانت توجّه فقهاءها للتصدّي إلى مسألة الإمامة محاولة منها في تشويه هذا المبدأ بنفي حقيقة وجود الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) علماً بأن القواعد الشعبية الموالية كانت في هذه الفترة فاقدة للاتصال المباشر بشخصية الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) والتعرف
عليها تلك الشخصية الفذة النيرة التي تعطي من توجيهها و تدبيرها في نقض الشبهات وحل المشكلات الشيء الكثير مما يصعب على الوكلاء والسفراء القيام به إلا بشكل يكون أضيق دائرة وأقل درجة. على أنّ الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بياناته ومقابلاته للآخرين لم يكن يألُ جهداً في التوجيه والتدبير وحل تلك الإشكالات وما يثار من المسائل الكلامية وسواها، مضافاً إلى أن فكرة الإمام غيبة المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وطول عمره وما يترتب على ذلك من فائدة ونحوها من الأسئلة التي أصبحت تثار من قبل فقهاء السلطة لم يكن لها أي موضوع أو مجال في زمان وجود الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهذا الظرف كان يكلف السفراء، ومن ثم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه مناقشة مثل هذه الشبهات وتذليلها بنحو منطقي مقنع من أجل إفهام المؤمنين ورفع مستوى وعي القواعد الشعبية الموالية.
ويقصد بالملامح العامة أبرز الحوادث والظواهر التي تميّز بها هذا العصر على المستوى الخاص (أي الكيان الشيعي بقيادة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسفرائه وعلى المستوى العام الذي يشمل حالة الدولة بطبقاتها المختلفة وأوضاعها الاجتماعية والاقتصادية، واستتباب الأمن أو الاضطرابات والانتفاضات، ويشمل الأمة أيضاً ووضعها وموقفها من الدولة والأحداث التي مرت بها خلال هذه الفترة التي امتدت سبعين عاماً تقريباً أي من وفاة الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) لان سنة 260 هـ وحتى وفاة السفير الرابع علي بن محمد السمري عام 329 هـ. (1).
و أهم هذه الملامح هي:
1) تاريخ الطبري، احداث السنوات (260 هـ - 329 هـ).
خلق الله وخاصته وهم:
أ - عثمان بن سعيد العمري (لم تعرف سنة وفاته (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) ببغداد.
ب - محمد بن عثمان العمري المتوفى سنة (304 هـ أو 305) ببغداد.
ج - الحسين بن روح النوبختي، المتوفى سنة (320ه) ببغداد.
د - علي بن محمد السمري المتوفي سنة (328هـ أو 329هـ) ببغداد.
ثم الراضي حتى عام 329هـ وهو عام وفاة النائب الرابع علي بن محمد السمري (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) ونهاية العهد الذي نؤرّخ له.
ضعف الخلافة العباسية، وسيطر الموالي والأتراك على دفة الحكم ومقاليد الأمور، وتأثيرهم في نصب الخليفة وعزله، فكما كانوا الساعد الأيمن للدولة كانوا عاملاً مهماً في ضعفها وانحلالها.
قتل الخلفاء، إذ قلّما كان يموت خليفة حتف أنفه، فالمعتمد كان يكثر من الأكل فمات مبطوناً (2). والمعتضد مات مسموماً من قبل إحدى جواريه (3)والمقتدر قتل شرّ قتلة من قبل المغاربة والبربر، وقال لهم: ويحكم أنا الخليفة فقالوا: قد عرفناك يا سفلة. أنت خليفة إبليس، وقتلوه وأخذوا جميع ما عليه حتى سراويله، و تركوه مكشوف العورة إلى أن مرَّ به رجل فستره بحشيش ثم حفر له موضعاً ودفن وعفي
قبره (1). والقاهر العباسي تولى الحكم يومين وعاد أخوه المقتدر للحكم وقال له: لو لقبوك بالمقهور لكان أولى من القاهر وبكى القاهر، وقال: يا أمير المؤمنين نفسي نفسي اذكر الرحم الذي بيني وبينك (2).
كثرة الحروب والاضطرابات الداخلية التي كان يقوم بها المعارضون للدولة من الأكراد، والخوارج والأعراب وغيرهم، وكذا من الخارجين عليها الطامعين في الملك والسيطرة، حتّى أنّ بعض الأقاليم استقلت عن السلطة المركزية للدولة، فهذا مرداويج يخرج في فارس ويملك طول البلاد وعرضها.
انتقال الخلافة من سامراء إلى بغداد حيث بويع المعتضد أبي العباس بن الموفق في بغداد سنة 279هـ، وفقدت سامراء مركزها التأريخي الذي بدأ في خلافة المعتصم.
نهاية ثورة الزنج وقتل صاحبها علي بن محمد بعد أن عاث في البلاد فساداً و قتلاً و استعبد الناس حيث كان بدء خروجه سنة 255هـ وقتل سنة 270هـ. (3).
شهد هذا العصر أيضاً نهاية الدولة الطولونية في مصر، والتي بدأت سنة 254هـ في عهد المعتز وكان مؤسسها أحمد بن طولون التركي حيث كان والياً عليها، مستقلاً عن عاصمة الخلافة بغداد واستمر في الحكم حتى مات مبطوناً سنة 270هـ (4).
و بقيت الدولة الطولونية حتى سنة 292هـ حيث استولى الخليفة المكتفي على دولتهم وأموالهم وولّى مصر يحيى النوشري وبذلك انقرضت هذه الدولة.
زكريا الشيعي من أهل صنعاء وقضى على دولة آل الأغلب في تلك المنطقة وطرد آخر أمرائها زيادة الله بن محمّد (1). وملك قسماً كبيراً من الشمال الإفريقي بما يقابل ليبيا و تونس والجزائر من الدول المعاصرة وبعد أن استتبت له الأمور رفع يد أبي عبدالله الشيعي ويد أخيه أبي العباس، فسعى الأخير إلى التشكيك في مهدويّته قائلاً: إن هذا ليس الذي كنا نعتقد طاعته وندعو إليه، لأنّ المهدي يختم بالحجة ويأتي بالآيات الباهرات، فوقع قوله هذا في قلوب الناس وتأثروا به حتى أنّ شيخ المشايخ من كتامة قال لمدعي المهدوية، إن كنت المهدي فأظهر لنا آية فقد شككنا فيك فلم يمكن منه إلا أن قتل شيخ المشايخ هذا (2).
وكان للمهدي هذا جولات مع الدولة لاحتلال مصر في سنة 301 - 307هـ واحتل قسماً من المغرب سنة 315، وتوفي سنة 333هـ بعد أن قاتل أبايزيد الخارجي (3).
و من الطريف أن تقع دولة هذا المهديّ وادّعاءه للمهدوية في خلال عصر الغيبة
الصغرى للإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
و ربما يستفاد من رسالة المهدي محمّد بن عبد الله العلوي إليهم وجود صلة وعلاقة
بينه وبينهم، حيث أعادوا الحجر الأسود إلى مكانه بعد ورود رسالته إليهم.
كان لوجود الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وحضورهم وتوجيههم المباشر وغير المباشر أثراً واضحاً لانفجار الثورات الداعية إلى الرضا من آل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بنحو استطاع الائمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) أن يخفوه عن السلطات الجائرة في الفترة السابقة لعصر الغيبة، ففي خلال أقل من نصف قرن قد ثار عشرون شخصاً، بينما نرى أنّ السبعين سنة التالية لحضورهم تكاد تكون خالية من هذه الثورات.
وإن ما ذكره أبو الفرج الإصفهاني عن قتلى الطالبيين في هذه الفترة لا يعني كثرة الخارجين على الدولة، بل إنّ من باشر الحرب منهم لا يزيد عن اثنين أو ثلاثة (2). ويعود السبب في ذلك إلى أمرين:
الأول: كثرة الحركات المضادة للدولة والتي كانت تختلف في عقيدتها وأهدافها مع ثورات الرضا من آل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) و مع اعتزال العلويين الخروج ضد الدولة، كانت الدولة ترمي من تجد في وجوده خطراً عليها بأنه من القرامطة، وهو عنهم بعيد.
والأمر الثاني وهو أهم من الأوّل، والذي يرجع إلى انتهاء زمن حضور الائمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) و انقطاع اتصالهم بالأمة بعد وفاة الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) وابتداء الغيبة الصغرى. ففي هذه الفترة يلحظ تضاؤل الدافع الثوري والتوجيه القوي إلى التمرد والقيام بالسيف.
وقد يوجه ذلك بأن هدف الثورات العلوية غالباً لم يكن إسقاط النظام القائم بل كانت تلك الثورات لإشغال السلطة وإبعادها عن الضغط على إمام العصر، ليتمكن من أداء رسالته بإعداد قواعده والحفاظ على الشريعة. أما الوكلاء الأربعة فكانوا حلقة الوصل بين الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقواعده وكانوا يهيتون الأمة إلى مرحلة تطول ولا يعلم نهايتها إلا الله سبحانه، فلابد من إعدادهم وتنميتهم الفكرية والروحية والبلوغ بهم مرحلة الاستقلال الفكري في مرحلة الوكالة العامة وهي مرحلة الغيبة الكبرى، حيث لا اتصال للأمة بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
الخاصة
تسلّم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مهام الإمامة بعد استشهاد أبيه الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) سنة 260هـ وكان عمره الشريف خمس سنوات. وفي هذا العام ابتدأت الغيبة الصغرى وكان نائب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الاول ووكيله عثمان بن سعيد العمري هو الواسطة فيما بينه وبين قواعده، وسمّيت الفترة الممتدة بين 260هـ و 329هـ حيث وفاة آخر وكلائه بالغيبة الصغرى لعدم احتجاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلياً عن قواعده حيث كان الاتصال يتم عن طريق الوكلاء، وقد ادعى بعض الأشخاص الوكالة الخاصة والنيابة عن الإمام المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولكن تصدّي السفراء إلى محاولات هؤلاء أدى إلى إحباط محاولاتهم وإفشالها، فلم يفلحوا بانتحالهم النيابة وقد قاطعتهم القواعد الشعبية الموالية للإمام.
وقد كان لتوجيهات الإمام وبياناته الدور الأكبر في إفشال مخططات الدولة التي وجهت فقهائها في محاولة يائسة لتشويه حقيقة إمامة المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ووجوده وما يتعلق بذلك من طول عمره وصغر سنّه عند توليه منصب الإمامة.
ولهذه المرحلة - فترة الغيبة الصغرى - ملامح امتازت بها منها وجود الوكلاء أولاً ومن ثمّ ملامح تخص العصر وما يتعلق بضعف الخلافة والصراع على السلطة والخروج عليها من قبل المعارضين، كحركة صاحب الزنج والقرامطة وغيرها من الحركات، بيد أن الحركات الداعية إلى الرضا من آل محمّد تكاد تنعدم في هذه الفترة، وإن لم تخل من تعقب السلطة للعلويين والشيعة والقتل والتشريد فيهم.
الأسئلة
متى تسلّم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مهام الإمامة؟
كيف كان يتصل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقواعده الشعبية؟
لماذا لم تنجح الدولة في توظيف فقائها لأجل تشويه حقيقة وجود الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
عدد ملامح عصر الغيبة الصغرى؟
من هم وكلاء الإمام المهدي و يا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في فترة الغيبة الصغرى؟
ماذا يستفاد من تولّي ستة خلفاء للدولة العباسية خلال هذه الفترة 260 - 279هـ؟
ماذا يعني إدعاء البعض المهدوية وقيام دولة تحت هذا الاسم؟
بماذا تعلّل قلة الثورات العلوية الداعية للرضا من آل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في هذه الفترة؟
إلى أي شيء كانت تهدف الثورات العلوية؟
وفدت جمهرة من القميين والإيرانيين، ومعهم الأموال من الشيعة إلى الإمام الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلما انتهوا إلى (سامراء) أخبروا بوفاته، فسألوا عن القائم مقامه، فأخبرهم بعض عملاء جعفر أنه هو الإمام، وأنه قد خرج متنزّهاً في دجلة، ومعه فريق من المغنّين فهالهم ذلك، لأنّ الإمام لا يقترف أي ذنب أو معصية وصمّم الوفد القمي على الالتقاء به، والتعرّف على خبره، فلما قفل جعفر راجعاً إلى منزله خفّوا إليه فسلّموا عليه، وقالوا له:
«نحن من (قم) و معنا جماعة من الشيعة، وكنا نحمل إلى سيدنا أبي محمد الحسن ابن علي الأموال...».
و سارع جعفر قائلاً: «أين هي؟».
فقالوا: «معنا».
و بادر جعفر قائلاً: «احملوها إلي.....»
فطلبوا منه أن يخبرهم عن كمّية الأموال، ومن الذي أرسلها إلى الإمام كما كان يخبرهم بذلك الإمام الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) فزجرهم جعفر وصاح بهم: «كذبتم تقولون
على أخي ما لا يفعله، هذا علم الغيب، ولا يعلمه إلا الله...».
و عجب القوم، وراح بعضهم ينظر إلى بعض، وتميّز جعفر غيظاً وغضباً وقال لهم: «احملوا إلي هذا المال...».
فردوا عليه: «إنا قوم مستأجرون، ووكلاء، وإنا لا نسلم المال إلا بالعلامة التي كنا نعرفها من سيدنا الحسن بن علي العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإن كنت الإمام فبرهن لنا، وإلا رددنا الأموال إلى أصحابها يرون فيها رأيهم..».
ونهض جعفر إلى الخليفة فأخبره بالأمر مستعيناً به على أخذ الأموال منهم، فبعث إليهم، فلما مثلوا أمامه قال لهم:
«احملوا هذا المال إلى جعفر...».
فقالوا له برجاء:
«أصلح الله أمير المؤمنين نحن قوم مستأجرون، ووكلاء لأرباب هذه الأموال، وأمرونا أن لا نسلّمها إلا بعلامة ودلالة، وقد جرت بهذه العادة مع أبي محمد الحسن بن علي...».
وسارع الخليفة قائلاً: «فما كانت العلامة مع أبي محمد؟...».
وراحوا يخبرونه عنها قائلين:
«إنه كان يصف لنا الدنانير وأصحابها والأموال وكم هي؟ فإذا فعل ذلك سلّمناها إليه، وقد وفدنا إليه مراراً فكانت هذه علامتنا معه، وقد مات، فإن يكن هذا الرجل صاحب هذا الأمر فليقم لنا بما كان يقيمه لنا أخوه، وإلّا رددناها على أصحابها...».
و تمیز جعفر غضباً فقال للخليفة:
«يا أمير المؤمنين إنّ هؤلاء قوم كذابون على أخي، وهذا علم الغيب.». فلم يعتن الخليفة به، واستجاب للوفد وقال الجعفر: «القوم رسل وما على الرسول إلا البلاغ المبين».
وأسقط ما في يد جعفر، والتفت الوفد إلى الخليفة طالبين منه الحماية حتى
يخرجوا من سامراء فبعث معهم نقيباً من الشرطة لحراستهم، فلما خرجوا من المدينة، طلع عليهم شاب حسن الوجه، فصاح بأسمائهم واحداً بعد واحد وقال لهم:
«أجيبوا مولاكم».
فقالوا: «أنت مولانا؟».
فقال: «معاذ الله أنا عبد مولاكم، فسيروا إليه».
وساروا معه، وقد ملئت نفوسهم سروراً، فأتوا إلى دار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان جالساً على سرير، كأن وجهه الشريف فلقة قمر وعليه ثياب خضر فسلّموا عليه، ولما استقرّ بهم المجلس بادر الإمام فأخبرهم بكمية المال وبأسماء المرسلين له، وعرفهم برجالهم، و ما كان معهم من الدواب ولم تبق بادرة إلّا أخبرهم بها، فخروا لله ساجدين، لما هداهم إلى معرفة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثم سألوه عن بعض الأحكام الشرعية فأجابهم عنها، فسلّموه الأموال، وأمرهم أن لا يحملوا شيئاً من الأموال إلى سامراء وأنه ينصب لهم وكيلاً ببغداد يحملون الأموال إليه، وتخرج بواسطته التوقيعات، كما دفع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أبي العباس محمد بن جعفر القمّي الحميري شيئاً من الحنوط والكفن وقال له: عظم الله أجرك في نفسك ولما بلغوا عقبة همدان توفّي أبو العباس (1).
برزت شخصية جعفر بن علي الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عقيب وفاة أخيه الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذ كان يرى نفسه الوريث الشرعي لأخيه، كما كان يرى أن أخاه لم يكن له خلف يرثه، ويتولى شؤون الإمامة من بعده؛ لذا نجده تارة يسعى إلى السلطة لتجعله إماماً في محل أخيه العسكري، وأخرى يطلب من الوفد القمي أن يسلّمه الأموال وغيرها لأنه أخو الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهكذا فقد كان لجعفر دورٌ في جملة من الأمور والقضايا بعد
1) كمال الدين، ج 2، ص 156.
وفاة الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبدء الغيبة الصغرى ستتضح لنا من تضاعيف البحث، أمّا بالنسبة لموقف الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من ولده جعفر فنجده (عَلَيهِ السَّلَامُ) يأمر أصحابه بالابتعاد عنه وعدم مخالطته موضحاً لهم أنه خارج عن تعاليمه عاص لأمره ونهيه، وكان يقول لهم تجنبوا ابني جعفراً (1).
ويروى عن أحمد بن عبيد الله بن خاقان أنه كان إذا سُئل عن جعفر قال: ومن جعفر حتى يُسأل عنه أو يقرن بالحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟ (2)
وذات مرّة دخل الإمام الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أصحابه في السجن لأجل أن يبشرهم بخروجهم من السجن، ويعرفهم على رجل كان عيناً للسلطان يعمل ضدّهم، وكان معه أخوه جعفر (3).
وقد كانا معاً مسجونين في عهد المعتمد، فأرسل المعتمد رسولاً إلى السجن لإبلاغ الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) سلامه وإطلاق سراحه وحين وصل الرسول وجد على الباب حماراً ملجماً والإمام قد لبس خفه وطيلسانه فأدى له الرسالة، وهنا أرجع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) رسول المعتمد إليه من أجل أن يخبره بأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول إنه وجعفر، قد خرجا من الدار جميعاً، فإذا رجع وحده وليس معه جعفر كان في ذلك ما لا خفاء به على الخليفة، فمضى الرسول وعاد بأمر اطلاق سراح جعفر مع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فصار معه إلى دار (4).
ولم يؤثر ذلك السلوك من قبل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جعفر فنجده عندما التحق الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالرفيق الأعلى يستغل الموقف بالشكل الذي يتمكن به من الادعاء بأنه وريث الإمامة ليحرز منصب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) و جباية الأموال ولم ينجح في ذلك.
ويتلخص موقف جعفر في جملة من الأمور هي:
وقال له المعتمد: «اعلم أنّ منزلة أخيك لم تكن منّا وإنما كانت من الله عزوجل، و نحن قد جهدنا في حطّ منزلته والوضع منها، ولكنّ الله عزوجل يأبى إلا أن يزيده يوم رفعة. فإن كنت عند شيعة أخيك بمنزلته فلا حاجة لك إلينا، وإن لم تكن بمنزلته، ولم يكن فيك ما كان في أخيك لم نغنِ عنك شيئاً (1).
ادعاؤه عدم وجود وريث شرعي للإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأنه يستحق التركة، و من ثم استيلاؤه عليها بإذن من السلطات الحاكمة.
وشايته بالإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لدى السلطات، وتبدأ السلطة سلسلة من المطاردات والاعتقالات ولم تعثر إلا على أم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتحتجزها عامين.
و من خلال تتبع الأحداث بعد استشهاد الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) نجد أن جملة من العوامل دفعت جعفراً لادعاء الإمامة:
عدم وجود وريث ظاهر يطالب بحقه بين الناس.
ما أحيط به ميلاد الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من كتمان وسرّية وعدم الإعلان عنه سوئ في نطاق ضيق وبين بعض خواص الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وثقاته.
استقبال جعفر للمعزين بوفاة الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتصوّر المعزين بأنه وريث الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ).
1) منتخب الأثر، ص 370.
إن العوامل السابقة التي دفعت للتصدّي للإمامة لم تساهم في نجاحه لأسباب هي:
ما اشتهر به من سلوك غير مرضي و تحذير الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) شيعته منه وعدم مخالطته، لذا لم تجد دعواه صدى لدى شيعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقواعده الشعبية الموالية.
وإن كانت فكرة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مجملة في الأذهان، نجد أن ما قام به الإمام العسكري - من تخطيط تجاه إمامة المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وولادته ووجوده و من الإعلان الخاص عن ولادته وعرضه على جماعته وخواصه، فضلاً عن تواتر الروايات عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والأئمة في صفاته ونسبه كانت نتائجه إبعاد شبهة الإمامة عن جعفر.
من خلال تتبع الأحداث بعد استشهاد الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) نجد أن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لها قد تصدّى لفضح مخطط جعفر وادعائه الإمامة، ويتلخص موقف الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فى عدة نقاط أهمها:-
مبادرة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمنعه من الصلاة وإبعاده عن جثمان أبيه أمام جماعة كثيرة منهم السفير الأوّل له والخادم عقيد، ومن ثمّ صلّى الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) داخل البيت على جثمان والده (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مع ملاحظة أن جعفر تأخر عن الصلاة ولم يُظهر أي ممانعة في ترك الصلاة على جثمان أخيه.
البيان الذي أصدره الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حول نفي إمامة عمه، وتأكيده على بطلانها، حيث إن جعفر قد كتب إلى بعض موالي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يدعوهم إلى نفسه، وأنه
1) الإرشاد، ص 320، إضافة إلى مصادر ذكرت سابقاً.
يقوم مقام أخيه، وحين وصل الكتاب حصل استبعاد حيث دعاه إلى أن يسأل أحمد بن إسحاق الأشعري عن حقيقة هذه الرسالة، الذي هو من أخص أصحاب الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو معروف لدى مواليه فبادر أحمد بن إسحاق بالكتابة إلى الإمام الحجة (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن طريق النائب الخاص عثمان بن سعيد، إذ جعل كتاب جعفر في ضمن كتابه ليطلع عليه الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فجاء جواب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أحمد بن إسحاق ذا لهجة شديدة، مستنكراً أشد الاستنكار، ومتحدياً لجعفر في إثبات الإمامة أقوى التحدّي. تضمّن كتاب الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) م النقاط التالية (1):
أشار إلى وجود أخطاء إملائية في كتاب جعفر.
أكد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على اصطفاء الله سبحانه للأئمة من آل البيت دون سواهم من إخوتهم أو بني عمومتهم وميّزهم بالعصمة والصفات التي لا تتوفّر في غيرهم.
نفى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يكون جعفر هذا عالماً بالحلال والحرام وإنّما يزعم ذلك طلباً لمصلحته و منفعته.
ذكر الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحالة جعفر وسوابقه و آثار عصيانه مشهورة معلومة لدى الخاصة والعامة.
طلب الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أحمد بن إسحاق أن يمتحنه ويسأله عن آية من كتاب الله يفسّرها أو صلاة يبين حدودها وما يجب فيها، ليتضح بطلان ادعائه وعدم أعلميّته.
أكد على عدم اجتماع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وختم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كتابه بالدعاء لله سبحانه بحفظ الحق على أهله ويقول إذا أذن الله لنا في القول ظهر الحق واضمحل الباطل وانحسر عنكم.
و مما زاد في خيبة جعفر في دعواه أنّ السلطة بما تملك من سلطان وقوة عجزت
1) الطبرسي، الاحتجاج، ج 2، ص 259 وما بعدها.
عن دعمه في ادعائه للإمامة بل أقرّ الخليفة أنّ هذه المنزلة - الإمامة - من الله وليس للخليفة يد فيها كما مرّ سابقاً.
ولذا نرى أنّ الوزير يستهين بجعفر ويزجره ويسمعه ما يكره، فيقول له: يا أحمق، السلطان أطال الله بقاءه جرّد سيفه في الذين زعموا أنّ أباك وأخاك أئمة ليردّهم عن ذلك فلم يتهيأ له ذلك، فإن كنت عند شيعة أبيك و أخيك إماماً، فلا حاجة لك إلى سلطان يرتبك مراتبهم و لا غير سلطان، وإن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنصب بناء ثمّ إنّ الوزير استقله واستضعفه وأمر أن يُجَبَّ عنه، فلم يأذن له في الدخول عليه مات (1).
ولما ذهب إلى المعتمد من أجل طلب مساعدته في ذلك كان رده مثلما أجابه الوزير وقال له: ما لم يكن فيك ما كان في أخيك لم نغن عنك في ذلك شيئاً (2).
ثم إن جعفراً بعد ذلك النشاط المعادي للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفشله وإخفاقه في كلّ إدعاءاته تاب وأناب وأدركته الهداية الإلهية، فتاب ممّا كان منه، وتجاوز عنه الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فصدر التوقيع الشريف في العفو عنه والتجاوز عن تقصيره، تطبيقاً لقوله تعالى: (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (3)وقوله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (4). وقد خرج التوقيع عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بواسطة محمّد بن عثمان بن سعيد العمري ضمن عدة استفتاءات تقدّم بها أحمد بن يعقوب إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن طريق هذا السفير وكتب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيما يخص جعفر قائلاً وأمّا سبيل عمي جعفر وولده، فسبيل إخوة
يوسف(عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)، يشير بذلك إلى عفو الله تعالى عن أخوة يوسف بعدما ناصبوه الع-داء و غرروا به كما حدث بذلك القرآن الكريم ثمّ عفا عنهم حين تابوا قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (2).
وهذا البيان من الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يدلّ على العفو وتوبة جعفر وصلاحه بقرينة ذكره (عَلَيهِ السَّلَامُ) إخوة يوسف وما حدّث القرآن عنهم من استغفارهم.
الخاصة
لقد كان جعفر بن الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخطط لنيل الإمامة ووراثة الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) بادعائه أنّ الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يخلف وليس له وريث غيره، لذا فإنّه سعى بكل وسيلة لنيل ذلك، حتى أنه توسّل إلى الخليفة ليجعله بمكان ومنزلة أخيه الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) غير أن السلطة بكل ما تملك من وسائل وجدت نفسها عاجزة عن ذلك فقال له الخليفة إن منزلة أخيك من الله عزّوجل وليس لي فيها يد.
وأول ظهور جعفر كان عُقيب وفاة الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث كان يستقبل المعزين بوفاته والمهنئين له بالإمامة، وحاول أن يؤدي الصلاة على الإمام العسكري ومنعه الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصلّى الإمام على أبيه بمشهد من خواصه ووكيله الأوّل عثمان بن سعيد وخادم الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وحاول جعفر أن يغرّر بوفد القميين ويأخذ أموالهم واستعان بالسلطة وفشل في ذلك أيضاً حتى قال له الخليفة إن هؤلاء رسل، «وما على الرسول إلا البلاغ المبين فكانت محاولاته المتعدّدة قد باءت بالفشل غير أنه ادعى وراثة أخيه واستولى على كافة أمواله وما يعود له، لاحتجاب الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ولذا فإن جعفراً استغل مناسبة مجيء الوفد القمي ووشى بوجود الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإنه يستلم أموال هؤلاء وما أُرسلوا به من قم، وتشدّد السلطة في البحث والمطاردة ولم تفلح في التعرف على خبر الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
الأسئلة
لماذا لم يسلّم الوفد القمي الأموال إلى جعفر؟
ما هو موقف جعفر من الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
ما هو موقف الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مخططات جعفر لإفشالها؟
لماذا امتنع الخليفة من مساعدة جعفر لتولي منصب الإمامة؟
ما هي العوامل التي دفعت جعفراً لادّعاء الإمامة؟
لماذا كتب أحمد بن إسحاق إلى الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن جعفر؟
ما هي النقاط التي أكد عليها كتاب الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حول ادعاءات جعفر؟
ما هي علة اعتراف السلطة بفشل وسائلها في إبعاد الشيعة عن الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)؟
لقد تواترت الأخبار عن النبي الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والأئمة المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) حول غيبة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي على عدة أقسام:
الأحاديث التي ذكرت أنّ للإمام المهدي سنن بعض الأنبياء كنوح، وإبراهيم و يوسف و موسى وعيسى (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فمنهم من خفي مولده ومنهم من احتجب عن قومه وأهله ثمّ شاء الله أن يعود بعد غيبة قصيرة، ومنهم من امتد احتجابه بحكمة الله في ذلك كما هو حال العبد الصالح الخضر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وروح الله عيسى بن مريم(عَلَيهَا السَّلَامُ) (1).
صرّحت أحاديث أخرى بغيبته الكبرى التي تمتد حتى تتحقق مجموعة من العلامات وبعد ذلك ستملأ الأرض عدلاً وقسطاً وتقام دولة الحق التي وعد الله عباده بقيامها في آخر الزمان.
وصرحت أحاديث أخرى بأنّ للإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) غيبتين إحداهما أطول من الأخرى فالصغرى هي الفترة الممتدة من ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحتى احتجابه الكامل عن مواليه وشيعته بعد وفاة نائبه الرابع، ويمكن الاستفادة من أحاديث النقطة الأولى للاستدلال
1) راجع كمال الدين الأبواب 2 - 9 والباب 32.
على الغيبة الصغرى بالأحاديث التي شبهت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببعض الأنبياء، فمنهم من خفي مولده ومنهم من انقطع عن قومه، ثم عاد كما هو حالنبي الله يوسف يوسف حين كان من إخوته ما كان، وكذلك موسى حينخاف قومه فذهب تلقاء مدين ثم عاد إليهم، كما أن هناك أحاديث وردت عن الائمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وصرّحت بأنّ للإمام غيبتين صغرى وكبرى مثل ما ورد.
عن سعيد بن جبير قال: سمعت سيد العابدين علي بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) يقول «في القائم منا سنن من الأنبياء سنة من أبينا آدم وسنّة من نوح وسنة من إبراهيم وسنة من موسى، وسنّة من عيسى، وسنّة من أيوب وسنّة من محمّد صلوات الله عليهم، وأمّا. موسى، فالخوف والغيبة، وأما عيسى فاختلاف الناس فيه، وأما أيوب فالفرج بعد البلوى، وأمّا محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فالخروج بالسيف» (1).
والإمامة في عقب الحسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى يوم القيامة وأن للقائم منا غيبتين إحداهما أطول من الأخرى» (4).
وقتل يلجأون فيه إلى حرم الله و حرم رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)» (1).
عن محمد بن مسلم الثقفي عن الباقر أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه سمعه يقول: «إن للقائم غيبتين يقال له في إحداهما هلك ولا يدري في أي وادٍ سلك».
عن المفضل بن عمر قال: «سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: إن لصاحب هذا الأمر غيبتين، يرجع في إحداهما إلى أهله، والأخرى يقال: هلك وفي أي وادٍ سلك؛ قلت: كيف نصنع إذا كان ذلك؟ قال: إن ادعى مدع فاسألوه عن تلك العظائم التي يُجيب فيها مثله» (2).
فهذه الأحاديث تذكر أن للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) غيبتين إحداهما الصغرى التي كان السفراء فيها واسطة بين الإمام والشيعة وكانت تخرج على أيديهم الأجوبة عن كل ما كان يسأل عنه من المعضلات والمشاكل التي تواجههم في تعاملهم اليومي، وقد ذكرنا أحاديث عن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والأئمة (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) عن الغيبة الكبرى وهي متواترة لدى المسلمين عامة.
من خلال تتبع الروايات الواردة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) نجد أنها تعلل الغيبة بعلتين أساسيتين هما:
أن لا يكون في عنق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) البيعة لطاغية زمانه عند خروجه بالسيف. فعن أبي عبدالله الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «يبعث القائم وليس في عنقه بيعة لأحد» (3).
مخافة القتل من قبل الظالمين الذين يخشون على سلطانهم فالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو المؤمل للقضاء على الظلم والظالمين وإقامة العدل في دولة الحق.
عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر الباقر يقول: «إنّ للقائم غيبة قبل أن يقوم، قال:
قلت: ولِمَ؟ قال: يخاف - وأوماً بيده إلى بطنه» (1)أي يخاف القتل.
و في حديث للإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد استعراضه لمحاولة فرعون قتل موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) و حفظ الله تبارك وتعالى لموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كذلك بنو أمية وبنو العباس لما وقفوا على أن زوال ملك الأمراء والجبابرة منهم على يد القائم منا، ناصبونا العداوة ووضعوا سيوفهم في قتل آل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وإبادة نسله طمعاً منهم في الوصول إلى القائم ويأبى الله عزّوجل أن يكشف أمره لواحد من الظلمة إلا أن يتمّ نوره ولو كره المشركون (2).
و في حديث آخر للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشير الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى علّتين قد دعتا الظالمين لسلّ السيوف على آل الرسول الأولى علمهم بأنهم ليس لهم حق في الخلافة فيخافون من ادعاء أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) إياها واستقرارها في مركزها الذي جعله الله وعينه.
والثانية: هي أنهم قد وقفوا على أنّ زوال ملكهم على يد القائم (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) من خلال الأخبار المتواترة فسعوا في إبادة نسل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) سعياً لمنع تولّد القائم من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون (3).
ونرى أن الغيبة الصغرى والكبرى تشتركان في هاتين النقطتين ويضاف إلى الغيبة الصغرى بعلل وأسباب أخرى، هي:
لقد سبق بيان خفاء ولادة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اعتماداً على الروايات الواردة بهذا الشأن مضافاً إليها سلوك الإمام الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الشأن حول إخفائها و تكتمه عليه، ورأينا أنّ عمّ الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نا جعفر لم يعلم بولادته ولا بوجوده، وعليه فلابد من هذه الفترة - الغيبة الصغرى - كي يُعرف ميلاده (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويعرض على خواص الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما فعل هو حيث عرضه على خواص أصحابه وأعلن
ولادته عليهم، ثمّ عق عنه وتباشر الشيعة بذلك وكتموه عن من سواهم، وكما سبق تفصيل ذلك.
وبهذا نلمس بوضوح الدليل على فتح باب الاجتهاد في مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وبعد أن نمى الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذهنية الشيعية وارتفعوا بها متجاوزين أوليات كثيرة كانت تتطلبها عمليه الاجتهاد هذه، ويقتضيها التعامل الصحيح مع النصوص امتد على طول فترة الوجود المبارك للأئمة الأطهار (عَلَيهِم السَّلَامُ) و حتى نهاية عصر الغيبة الصغرى.
الخاصه
يمكن تصنيف الأحاديث التي تواترت حول غيبة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) و الأئمة: من بعده إلى طوائف ثلاث:
الطائفة التي تضمّنت أنّ للإمام سنن بعض الأنبياء: وأخرى صرّحت بأن له غيبة وحيرة كما تحدثت عن رجوع كثير ممن يقول بالإمامة عن قوله...
ثم نجد الطائفة الثالثة تتحدّث عن غيبتي الإمام الصغرى والكبرى. وأنّ الغيبتين تشتركان في بعض العلل مثل أن لا تكون بيعة في عنق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الطاغية زمانه وأنه يخشى على نفسه القتل، وتختص الغيبة الصغرى بأنها تمهيد للغيبة الكبرى وإثبات لمولد الإمام ووجوده وتعريف موالیه به مع عرضه عليهم.
الأسئلة
ما هي العلل المشتركة للغيبتين: الصغرى والكبرى؟
ما هي علة الغيبة الصغرى بشكل خاص؟
اذكر الأحاديث التي تتحدث عن الغيبة؟
ماذا يستفاد من الأحاديث التي تشبه سنن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسنن الأنبياء السلام؟
هل تحفظ حديثاً يشير إلى الغيبة الكبرى والصغرى معاً؟
لقد اتضح أنّ السفراء الأربعة، الذين تولوا الوكالة الخاصة عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) خلال غيبته الصغرى هم:
عثمان بن سعيد العمري وابنه محمّد، والحسين بن روح النوبختي وعلي بن محمد السمري، والذي بوفاته ينتهي عصر الغيبة الصغرى.
إن وجود السفراء الأربعة يشكل ميّزة رئيسية لهذه الفترة وعليه لابد من البحث عن تراجمهم وحياتهم (رضوان الله تعالى عليهم).
هو الشيخ الموثوق أبو محمد عثمان بن سعيد العمري، أبو عمرو الأسدي وإنما سمّي العمري نسبة إلى جده، ويقال له العسكري أيضاً لأنه كان يسكن العسكر وهي سامراء، ويقال له السمّان لأنه كان يتجر بالسمن تغطية على الأمر.
وكان الشيعة إذا حملوا إلى أبي محمد العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما يجب عليهم حمله من الأموال أنفذوا إلى أبي عمرو، فيجعله في جراب السمن وزقاقه ويحمله إلى أبي محمد
العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) تقيّة وخوفاً (1).
أولاده محمد وهو السفير الثاني بعد أبيه، وأحمد.
وكان محمّد بن عثمان من أصحاب الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وثقاته، وكان وكيلاً خاصاً للإمام وقد قال عنه الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ): هذا أبو عمرو الثقة الأمين ما قاله لكم فعنّي قوله، وما أداه إليكم فعني يؤدّيه (2).
وإنّ هذا النص يظهر لنا بوضوح مستوى الثقة العالية التي كان يتمتع بها عثمان ابن سعيد ومنزلته الفريدة، وعليه إذ كان يمثل مع جماعة آخرين دور الوساطة بين الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقواعده الشعبية، في الفترة التي بدأ الإمام فيها تطبيق مسلك الاحتجاب عن مواليه تعويداً لهم على الغيبة التي سوف يواجهونها في حفيده المهدي(عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبعد استشهاد الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) سنة (254هـ) أصبح عثمان بن سعيد وكيلاً خاصاً وموثوقاً لدى الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكان له نشاط وبراعة في العمل، وكان يتصف عمله بالسريّة والكتمان التام فكان يظهر كتاجر للسمن أمام الناس، تغطية على تحركه، و مسلكه لتضليل السلطة وعيونها، من أجل أداء دوره المناط به من قبل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
و من هنا كان الإمام العسكري يكثر مدحه والثناء عليه في مناسبات مختلفة أمام مواليه وشيعته، فمن ذلك أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «هذا أبو عمر و الثقة الأمين، ثقة الماضي وثقتي في المحيا والممات، فما قاله فعنّي قوله وما أدى فعنّي يؤدّي». وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمام وفد من اليمن: امض يا عثمان، فإنّك الوكيل والثقة المأمون على مال الله» (3)، واشتهر حاله وجلالة شأنه بين القواعد الشعبية الموالية للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فوفد اليمن حين سمع قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيه قالوا: يا سيدنا إن عثمان لمن خيار شيعتك، ولقد زدتنا علماً بموضعه
من خدمتك وإنه وكيلك وثقتك على مال الله تعالى (1). فلم تزل الشيعة مقيمة عدالته، وتتسالم على وثاقته وجلالة قدره.
لقد أمر الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) عثمان بن سعيد بأن يشتري عشرة آلاف رطل خبزاً و عشرة آلاف رطل لحماً يفرّقه بين بني هاشم وأن يعق عن الإمام المهدي بمناسبة ولادة الإمام المهدي المباركة وهذا دليل على تلك المكانة الرفيعة التي كان يتمتع بها عثمان بن سعيد لدى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما نلاحظ الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لنا في مجلس لخواصه، الذين كانوا يعدون بأربعين رجلاً، بعدما عُرض الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليهم ونص على إمامته، ينص على وكالة عثمان بن سعيد عن المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و سفارته له قائلاً: فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره فهو خليفة إمامكم والأمر إليه (2).
ويعزّز هذه المنزلة والمقام لدى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) موجوده أثناء تغسيل وتكفين الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصلاة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليه، وبقي أبو عمرو مضطلعاً بمهام السفارة، وقائماً بها خير قيام، إلى أن وافاه الأجل، فقام ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان بتغسيله و تجهيزه (3)، ودفن في الجانب الغربي من بغداد في شارع الميدان وأقام الرئيس أبو منصور محمد بن الفرج على القبر صندوقاً، وقال الشيخ الطوسي: يتبرك جيران المحلة بزيارته ويقولون هو رجل صالح ولا يعرفون حقيقة الحال فيه، وكان ذلك سنة سبع وأربعمائة (4).
وكتب الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ولده محمد معزياً بوفاة والده عثمان قائلاً: إنا لله وإنا إليه راجعون تسليماً لأمره ورضاءً بقضائه، عاش أبوك سعيد ومات حميداً فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه (عَلَيهِم السَّلَامُ) فلم يزل مجتهداً في أمرهم ساعياً فيما يقربه إلى الله
عزّوجل وإليهم، نضّر الله وجهه وأقال عثرته.. كان من كمال سعادته أن رزقه الله تعالى ولداً مثلك يخلفه من بعده، ويقوم مقامه بأمره ويترحم عليه، وأقول الحمد لله، فإنّ الأنفس طيبة بمكانك ، وما جعله الله تعالى فيك وعندك أعانك الله وقواك وعضدك ووفقك، وكان لك وليّاً وحافظاً و راعياً (1).
هو الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري، تولّى السفارة بعد أبيه، بنص من الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لوفد اليمن الذي أشرنا إليه: واشهدوا عليَّ أنّ عثمان بن سعيد وكيلي وأنّ ابنه محمد وكيل ابني مهديكم، وبنص أبيه على سفارته بأمر من المهدي (2). وكانت قواعده الشعبية مجتمعة على عدالته و ثقته وأمانته لا يختلف في ذلك اثنان من الإمامية، وكيف لا وفيه وفي أبيه قال الإمام الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبعض أصحابه:
العمري وابنه ثقتان فما أديا فعنّي يؤدّيان وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فإنّهما الثقتان المأمونان (3).
وكلمات الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيه متظافرة ومتواترة، فقد سمعناه يعزّيه بوفاة أبيه ويثني علي... ويشجّعه وهو في أوّل أيام اضطلاعه بمهمته الكبرى. وقال فيه: لم يزل ثقتنا في حياة الأب رضي الله عنه وأرضاه وأنظر وجهه، يجري عندنا مجراه ويسدّ مسدّه، من أمرنا يأمر وبه يعمل، وغير ذلك من عظيم الإجلال والإكبار... (4).
وبقي محمّد بن عثمان مضطلعاً بمسؤولية السفارة نحواً من خمسين سنة حتى لقي
ربه - في جمادى الأولى سنة 350هـ وكانت تخرج التوقيعات على يده من الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المهمات أول حياته، بالخط الذي كانت تخرج في حياة أبيه، لا يعرف الشيعة في هذا الأمر غيره ولا يرجع إلى أحدٍ سواء.
وقد نقلت عنه دلائل كثيرة و ظهرت على يده معجزات الإمام، و أخبرهم عن أمور زادتهم في هذا الأمر بصيرة (1).
و مدة سفارته كانت أطول ممّن سواه من السفراء (رض)، وكانت له كتب مصنّفة في الفقه، ممّا سمعه من أبي محمد الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و من الإمام «المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) » و من أبيه عثمان بن سعيد عن الإمامين الهادي والعسكري (عَلَيهِم السَّلَامُ)، و من كتبه: كتاب الأشربة والذي وصل إلى الحسين بن روح و علي بن محمد السمري فيما بعد.
وقد أخبره الإمام المهدي بوفاته، وأمره بجمع أمره. و قد حَفَر قَبرَهُ وسواه بالساج، ولما سُئل عن ذلك قال: للناس أسباب قد ذلك قال: للناس أسباب، قد أمرت أن أجمع أمري، فمات بعد ذلك بشهرين.
قال الراوي: فلما خرجت من عنده أثبَتُ ما ذكره، ولم أزل مترقباً به ذلك، فما تأخر الأمر حتى اعتل أبو جعفر، فمات فى اليوم الذي ذكره من الشهر الذي قاله من السنة التي ذكرها (2).
وقد أوصى إلى خلفه - السفير الثالث - الحسين بن روح بأمر من الحجة المهدى (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ودفن أبو جعفر العمري عند والده في شارع باب الكوفة في الموضع الذي كانت دوره ومنازله فيه، وقبره الآن مشيّد معروف وسمّيت منطقة قبره في بغداد بمحلة الخلاني والشارع الذي يقع فيه مرقده بشارع الخلاني وهو في جانب الرصافة ويزوره الناس ويتبركون به.
هو الشيخ الجليل أبو القاسم الحسين بن روح ابن أبي بحر النوبختي، لم يُذكر تأريخ مولده كسابقيه، ولمع نجمه كوكيل مفضل لأبي جعفر محمد بن عثمان العمري، ينظر في أملاكه، ويلقي بأسراره لرؤساء الشيعة، وكان مختصاً به، فكان له عند الشيعة و موالي آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) منزلة رفيعة وعلى درجة من الإكبار والإجلال، بما كان يحتمله من هذا الأمر، وما كان يختص بالمحافظة على سرّيّة وجود الإمام وكونه حلقة الوصل بينه وبين قواعده الشعبية - إلى أن انتهت الوصية إليه بالنص عليه، فلم يختلف في أمره ولم يشك فيه أحد (1).
وقد قدم بعض الموالين بمال على أبي جعفر العمري مقداره أربعمئة دينار للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأمره بإعطائها إلى الحسين بن روح، وحين تردّد هذا الشخص في ذلك، باعتبار وصول السفارة إليه يومئذ، فأكد أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك وأمره مكرراً بإعطاء المال لابن روح وذكر له أن ذلك بأمر الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وكان تحويله إلى أبي القاسم الحسين بن روح قبل موته بسنتين أو ثلاث حتى إذا اشتدت بأبي جعفر علته اجتمع لديه جماعة من وجوه الشيعة، منهم أبو علي بن همام وأبو عبدالله بن محمد النوبختي و أبو عبدالله بن الوجناء وغيرهم من الوجوه والأكابر، فقالوا له:
إن حدث أمر، فمن يكون مكانك؟
فقال لهم: هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي، القائم مقامي، والسفير بينكم وبين صاحب الأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والوكيل والثقة والأمين، فارجعوا إليه في أموركم وعوّلوا عليه في مهماتكم فبذلك أمرت وقد بلغت (2).
ويروى عن أبي جعفر بن أحمد بن متيل، وهو من متقدّمي أصحابه وأجلاتهم أنه قال: لما حضرت الوفاة أبا جعفر محمد بن عثمان العمري كنت جالساً عند رأسه أسأله وأحدثه، وأبو القاسم ابن روح عند رجليه، فالتفت إلي ثم قال: أمرت أن أوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح، قال ابن متيل وتحوّلت إلى عند رجليه. إلى غير ذلك من تأكيدات أبي جعفر عليه وإعلان وكالته.
و السبب المهم في هذا التأكيد هو كون الحسين بن روح لم تصدر فيه توقيعات سابقة عن الأئمة (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) كما هو حال السفيرين الأول والثاني، لذا فإنّ أباجعفر احتاج إلى توقيع وتأكيد من الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخرج بخطه توثيقاً للحسين بن روح عند قواعد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومواليه، فلما مضى أبوجعفر وقع الاختيار عليه. وكانت الوصية إليه (1).
في حين أنّ الأذهان كانت بعيدة عنه، وكان احتمال الإيكال إليه ضعيفاً عند الواعين المستبصرين بشؤون المجتمع من أصحابه، حتى احتاج أبو جعفر لأجل ترسيخ فكرة الإيكال إليه وإيضاحها إلى تكرار الإعلان عن ذلك، وتقديمه على ساعة موته بسنوات، وإنما كانت الظنون تحوم حول أشخاص آخرين أرسخ من أبي القاسم ثقافة و تأريخاً كجعفر بن أحمد بن متيل و أبيه، باعتبار خصوصيته وكثرة حضوره في منزله، حتى بلغ أنه كان في آخر عمره لا يأكل طعاماً إلا ما طبخ في منزل جعفر بن أحمد بن متيل وأبيه، وبالرغم من ذلك فقد أوكلت السفارة إلى الحسين بن روح، فسلم له الأصحاب، وكانوا معه وبين يديه كما كانوا مع أبي جعفر (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) (2).
و على أي حال، فقد تولى الحسين بن روح السفارة فعلاً، عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)... بموت أبي جعفر العمري سنة 305هـ إلى ان لحق بالرفيق الأعلى في شعبان عام ست
و عشرين وثلاثمائة، فتكون مدة سفارته حوالي الواحدة والعشرين سنة، فإن استطعنا أن نضيف العامين أو الثلاث التي أمر فيها أبو جعفر العمري قبل موته بتسليم الأموال إليه، ونص عليه بالوكالة، وتصوّرنا أن السفارة حينئذٍ كانت مسندة إلى شخصين دفعة واحدة.. فتكون مدة سفارته ثلاثاً وعشرين سنة أو أكثر.
وكان أوّل كتاب تلقاه من الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، هو كتاب يشتمل على الثناء عليه، و مشاركة الحملة التي بدأها أبوجعفر العمري في تعريف الحسين بن روح للرأي العام والأصحاب، ممّن مشى على خط الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ).
وقد وردت هذه الرقعة يوم الأحد لست خلون من شوّال سنة 305هـ بعد حوالي الخمسة أشهر من وفاة أبي جعفر العمري، الذي توفي في جمادى الأولى من نفس العام.
واضطلع أبو القاسم منذ ذلك الحين بمهام السفارة، وقام بها خير قيام، وكان مسلكه الالتزام بالتقيّة المضاعفة بنحو ملفت للنظر، بإظهار الاعتقاد بمذهب أهل السنة من المسلمين، يحفظ بذلك مصالح كبيرة، ويجلب بها قلوب الكثيرين، على ما يأتي التعرّض له فيما يلي من البحث، حتى إننا نسمع أنه يدخل عليه عشرة أشخاص تسعة يلعنونه وواحد شكك فيخرجون منه تسعة منهم يتقربون إلى الله بمحبته وواحد واقف. يقول الراوي: لأنه كان يجارينا من فضل الصحابة و ما رويناه وما لم نروه، فنكتبه نحن عنه (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) (1).
وهذا إن دل على شيء فإنما يدلّ على لباقته وسعة اطلاعه وتوجيهه على هذا المسلك من قبل الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد تولّى (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) أيام سفارته الحملة الرئيسية ضدّ ظاهرة الانحراف عن الخط، وادعاء السفارة زوراً من قبل المنحرفين وقام بتبليغ القواعد الشعبية توجيهات الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك، وشجبه ظاهرة الانحراف عن
1) الغيبة، للشيخ الطوسي، ص 228.
الخط وادعاء السفارة زوراً كما سيأتي التعرّض له.
وبقي مضطلعاً بمهامه العظمى حتى لحق بالرفيق الأعلى سنة 326هـ، ودفن في النوبختية (1)و قبره اليوم في بغداد.
هو الشيخ الجليل أبو الحسن علي بن محمد السمري أو السيمري أو الصيمري، والمشهور هو الأوّل مضبوطاً بفتح السين والميم معاً.
لم يذكر عام ميلاده ولا تاريخ فجر حياته، وانما ذكر أوّلاً كواحد من أصحاب الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ). ثم ذكر قائماً بمهام السفارة المهدية ببغداد، بعد الشيخ ابن روح، بإيعاز منه عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).
تولى السفارة من حين وفاة أبي القاسم بن روح سنة 326هـ، إلى أن لحق بالرفيق الأعلى سنة 329هـ في النصف من شعبان، فتكون مدة سفارته عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثلاثة أعوام كاملة، غير أيام.
ولم ينفتح السمري خلال هذا الزمان القصير بالنسبة إلى أسلافه من السفراء على القيام بنشاطات موسعة، كالتي قاموا بها، ولم يستطع أن يكتسب ذلك العمق والرسوخ في القواعد الشعبية كالذي اكتسبوه، وإن كان الاعتقاد بجلالته و وثاقته كالاعتقاد بهم، وربما يعود ذلك من كون تلك السنوات مليئة بالظلم والجور وسفك الدماء، مما أدى إلى تحجيم نشاط هذا السفير وقلة فعاليته، وهذا السبب نفسه من الأسباب الرئيسية لانقطاع الوكالة بوفاة السمري وعزم الإمام المهدي دي لا لا الهلال على الانقطاع عن الناس، كما انقطع الناس عنه، وفرّقتهم الحوادث عن متابعة وكلائه إلى أسباب أخرى تشير إليها
في فصل آتٍ، لذا نجد السمري (رَضِیَ اللهُ عَنهُ)، يخرج إلى الناس قبل وفاته بأيام، توقيعاً من الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعلن فيه انتهاء الغيبة الصغرى، وانتهاء عهد السفارة بموت السمري و يمنعه عن أن يوصي بعد موته إلى أحد ليكون سفيراً بعده.
يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا التوقيع:
«بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن محمد السمري! أعظم الله أجر إخوانك فيك. فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد، فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور إلا باذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد و قسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً.
وسيأتي لشيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
فكان هذا آخر خطاب خرج من الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عن طريق السفارة الخاصة، و آخر ارتباط مباشر بينه وبين الناس في الغيبة الصغرى.
قال الراوي: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيّك من بعدك؟ فقال «لله أمر هو بالغه» وقضى، فهذا آخر كلام سمع منه، رضي الله عنه وأرضاه (1).
وأودع الأرض في قبره الذي هو في الشارع المعروف بشارع الخلنجي من ربع المحول، قريب من شاطىء نهر أبي عقاب، وله الآن في بغداد مزار معروف.
1) الغيبة، للشيخ الطوسي، ص 243.
الخاصة
إن الغيبة الصغرى يقصد بها الفترة التي بدأت باستشهاد الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و تسلم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مهام الإمامة بعده، وكان اتصاله بقواعده الشعبية يتم عن طريق السفراء الأربعة، والذين كان يتمتع بعضهم بمنزلة عالية عند الإمامين وكلهم عند الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث صدرت عنه توقيعات توضح وجوب رجوع قواعده الشعبية التي آمنت بقيادته الفكرية والسياسية والروحية فكانوا رضوان الله عليهم على درجة عالية من الورع والتقوى، لذا كانوا أهلاً لمقام السفارة عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ). ويجب أن يلاحظ أن فترة وجود الإمام المهدي مع والده (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعد ضمن مرحلة الغيبة الصغرى لرجوع القواعد الشعبية إلى الإمام العسكري فيما يحتاجونه من أمورهم، فهو المتولّي والشاغل لمنصب الإمامة وكانت فترة الغيبة الصغرى حوالي سبعين عاماً.
شغل منها السفير الأوّل: عثمان بن سعيد حوالي خمس سنوات، أي أنه لم يتعد فترة خلافة المعتمد، فكما عاصر هذا الخليفة وفاة الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) عاصر أيضاً وفاة السفير الأوّل.
وشغل السفير الثاني: محمد بن عثمان حوالي أربعين عاماً منها، عاصر فيها بقية خلافة المعتمد، ثمّ خلافة المعتضد، ثمّ خلافة المكتفي ثمّ عشر سنوات من خلافة المقتدر حين توفى سنة 305 من الهجرة.
وشغل السفير الثالث: الحسين بن روح بعد وفاة سلفه، واحداً وعشرين سنة، عاصر فيها بقيّة خلافة المقتدر، وقسماً من خلافة الراضي.
وخلفه السفير الرابع علي بن محمد السمري وبقي في السفارة ثلاث سنين و توفي عام وفاة الراضي، وعاصر خلافه المتقي مدة خمسة أشهر وخمسة أيام.
الأسئلة
ماذا نقصد بالغيبة الصغرى؟ ومتى بدأت؟
ما هو الدليل في استلام حسين بن روح السفارة مع وجود من اشتهر وعرف وكان قريباً من السفير الثاني كجعفر بن أحمد بن متيل وأبيه؟
ما هي أهمية دور السفراء الأربعة؟
لماذا لم يتخ للسفير الرابع القيام بنفس النشاطات للسفراء الذين سبقوه مع جلالته وعظم منزلته؟
هل صدرت توقيعات عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى قواعده في توثيق سفرائه؟
متى وقعت الغيبة الكبرى، وإلى من صدر التوقيع الشريف حول ذلك؟
من خلال التتبع التأريخي لهذه الفترة تتضح لنا عدة نقاط:
تشابه نشاط و تحرّك السفراء في الاسلوب والهدف الذي كان يسعى كل واحد منهم إليه - عن طريق توجيهات الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لتحقيقه.
إن السفارة صرفت عن العلويين صرفاً تاماً وأُنيطت بغيرهم، مع أنّ في العلويين يومئذ من كان عالياً شأنه في العلم والفقه والعبادة.
والسر في ذلك واضح جداً، يبرزه التأريخ الذي عاشه العلويون من حين ثورة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى العصر الذي نؤرّخ له وهو تأريخ الثورات والتمرد على الواقع الفاسد، والاحتجاج على الظلم والطغيان، فكانت الصورة الأولى التي تحملها الدولة عن علوي، هو كونه موالياً للأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، من ناحية، وثائراً على الظلم والفساد من ناحية أخرى، أو بتعبير آخر، إنّه ثائر على كيانها القائم بشكل لا تستره تقية ولا يجدي في تغييره حذر.
كما أنّ انحصار وجود هؤلاء السفراء في بغداد لا يعني انحصار توجيهات و توقیعات الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا البلد لما سنعرف من اتصال السفراء بالوافدين إلى بغداد من الأطراف، وما سنراه من وجود وكلاء عديدين لهؤلاء السفراء في مختلف البلاد الإسلامية، وكانت تنتشر تعاليم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن طريقهم، وكان الاتصال بينهم وبين السفراء، قائماً على قدم وساق.
لم يرد إلينا في النقل التأريخي الخاص قيام السفراء بأعمال اجتماعية واسعة و مؤسسات مهمة، حتى على النطاق الخاص، إلا أقل القليل.
كان الخط الذي يستعمله الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في توقيعاته وبياناته خطاً موحداً يعرفه الناس المتتبعون لذلك، فهو لا يختلف باختلاف أشخاص السفراء واختلاف خطوطهم، مما يحصل القطع بصدوره عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وقد توخّى الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن تصدر بياناته بنفس الخط الذي كانت تصدر بيانات أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإننا عرفنا أنّ الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)، استعمل أسلوب الاحتجاب تعويداً للناس على فكرة الغيبة، وكان يتصل بقواعده الشعبية عن طريق التوقيعات والبيانات المكتوبة، فقد كان خط الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) معروفاً لدى جملة قواعده الشعبية، وخاصة من كان من خاصتهم و مبرزيهم وقد سمعنا كيف طلب أحدهم من الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند مقابلته أن يكتب شيئاً في ورقة، حتى يطابقه مع التوقيعات الصادرة منه لأجل أن يأمن من التزوير، فقد استعمل الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفس الخط طيلة مدة غيبته الصغرى فقد كانت الأجوبة تخرج من ناحيته المقدسة بالخط الذي يخرج في حياة أبيه الحسن العسكري (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) (1).
ولسبق معروفية هذا الخط عند الأصحاب، تكون شهادة الخط أوسع وأعلى من شهادة السفير بكون هذا البيان صادر عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإذا انضمت الشهادتان
1) الغيبة للشيخ الطوسي، ص 216.
و تصادقنا على ذلك، كان في ذلك الكفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
أ - في معنى التوقيع
يطلق التوقيع في لسان رواياتنا - مطابقاً للعرف السائد آئنذ - على الكلمات القصار التي تمليها أقلام الكبراء في ذيل الرسائل والعرائض ونحوها، لأجل جواب السؤال الذي تتضمنه أو حلّ المشكلة التي تحتويها أو التعبير عن وجهة نظر معينة فيها.
اذن فتوقيعات الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هي ما كان يذكره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بخطه في جواب الأسئلة والعرائض بواسطة سفرائه من الكلمات القصار في مختلف ميادين المعرفة من الناحية العقائدية أو الفقهية أو الاجتماعية أو غيرها.
ب - في احتياج التوقيع إلى سؤال
لم تكن التوقيعات الصادرة عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مقتصرة على الإجابة على الأسئلة فقط. وإن كان الأغلب هو ذلك، بل كانت التوقيعات والبيانات الواصلة من الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) تتخذ أحياناً شكل بيان ابتدائي يطول ويقصر حين تقتضي المصلحة ذلك، بدون سؤال يقتضيه ويتطلبه، ومن من أمثلة ذلك التوقيع الذي أصدره (عَلَيهِ السَّلَامُ) مترحماً على سفيره الأول، أم والبيان الذي أعلن فيه انتهاء السفارة بموت السفير الرابع، والرسالة التي رویت عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) للشيخ المفيد (رَحمَةُ اللّه).
ج - إنّ التوقيع كما يعتبر عملاً للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) باعتبار معناه وخطه، فانّه هو الذي كتبه حلاً المشكلة أو جواباً على سؤال أو بيان لمصلحة، كذلك يعتبر عملاً من أعمال السفير باعتبار أنّ للسفير يداً في إظهاره إلى النور واطلاع أصحابه وقواعده الشعبية عليه.
د - في مدة خروج التوقيع
كان يحتاج خروج التوقيع: جواباً على سؤال معيّن إلى حوالي اليومين أو الثلاثة... كما هو ظاهر عدد من الروايات كقول الراوي في إحداها: فلما كان بعد أيام قال لي
صاحبي ألا نعود إلى أبي جعفر فنسأله عن حوائجنا التي كنا سألناه عنها (1).
و على أي حال فمدّة الثلاثة أيام أو نحوها، مدّة معقولة في ردّ الجواب، وعليه تحمل سائر الروايات التي تعرّضت إلى خروج الردّ من دون ذكر المدة.. باعتبار وضوح ذلك في الأذهان و تكرّره إلى حد أصبح متسالماً عليه، لا يحتاج إلى تكرار وتأكيد.
إن مسلك التستر أو الحذر الذي سلكه السفراء، انتج ما هو المقصود تماماً، وهو الخفاء على القواعد الشعبية السائرة في ركاب السلطات وعيون الدولة، وعلى المنتفعين منها والضالعين في ركابها.
وليس أدل على ذلك ممّا سمعناه عن موقف السفير الثالث في تفضيل الخلفاء الثلاثة جميعاً على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، في مجلس للعامة.. فرفعه العامة على رؤوسهم وكثر الدعاء له والطعن على من يرميه بالرفض(2).
وإن وهذا يدلّ على شيء، فانّما يدلّ على جهلهم التام بسفارته، وأنهم غاية ما يحملون عنه من فكرة.. أنه متهم بالرفض، وهذا القول منهم ماح لهذه التهمة ودليل على كذبها في نظرهم، وإذا لم يكن رافضياً فكيف يكون سفيراً لإمام الرافضة!؟
والذي كان يتوخاه ابن روح من كلامه ذلك، إبعاد احتمال السفارة عن أذهانهم إبعاداً تاماً، وجعلها بشكل لا يمكن أن تخطر في ذهنهم فضلاً عن أن يصدّقوا بها.
وإذا كانوا لا يعلمون به فهم لا يعلمون بأسلافه أيضاً، ولا بخلفه بطريق أولى. يندرج في هذه القائمة سائر السائرين على هذا الخط من حكام و محكومين، غير شخص الخليفة.
فإنّ حول بعض الخلفاء توجد قرائن تأريخية تدلّنا على أنه كان عارفاً بالحق
و بموضعه، كما صرح به الشيخ الصدوق في إكمال الدين فكما أن سمعنا موقف المعتمد من الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين طلب منه الدعاء له بالبقاء في الحكم، ورأينا موقفه من جعفر بن علي الهادي حين ادعى الإمامة بعد أخيه، حول التوسط الى الدولة لنيل مأربه.
وبالنسبة للمقتدر فقد كان للشيخ الحسين بن روح محل عظيم عنده، وهذا يمكن تفسيره باعتبار جهل المقتدر بتشيعه فضلاً عن سفارته، لما سمعناه من التزامه بالتقية والحذر، فكان المقتدر يقرّبه لأجل علمه وسعة اطلاعه و حضور خاطره جاهلاً بواقعه و حقيقته.
وهذا الاحتمال وإن كان لا يخلو من قوّة في الذهن إلا أن له مضعفات تأريخية و قرائن موهنة له منها: أنّ المقتدر نفسه حبسه مدة يسيرة، ومنها أنّ الشيخ ابن روح استتر مدة من الزمن (1). ولو كان بالمنزلة التي سمعناها مع غض النظر عن سفارته لمّا كان هناك موجب لذلك كما هو واضح. وإنّما يحدث ذلك لما قد يبلغ السلطات بشكل غامض وغير مباشر، ما قد يقوم به ابن روح من أعمال بصفته سفيراً عن الإمام المهدي(عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإذ لا يكون للسلطات أي مستمسك ضدّه فانها تغض النظر عنه وتطلق سراحه. وعلى أي حال، يكون مسبوقاً في الجملة بذلك.
ومنها: ما إذا ضممنا هذا الموقف من المقتدر إلى موقف المعتمد قبله وموقف الراضي بعده، فانا نحصل على سلسلة من الخلفاء العارفين بالأمر، إلى بعض الحدود وإن لم يجدوا أي اسلوب معين للوقوف ضده أو الحيلولة دونه، ثمّ نسمع بالنسبة إلى الراضي في حادثة أخرى أنه ذكر ابن روح في مجلسه، من قبل أحد مؤيدي الشلمغاني المدعي للسفارة زوراً... حين قال عن صاحبه الشلمغاني: إنه لم يدع الإلهية، وإنما
1) الغيبة، للشيخ الطوسي، ص 183.
ادعى أنه الباب إلى الإمام المنتظر مكان ابن روح (1).
فلم يسأله الراضي عن ابن روح هذا، ولم يستفسر منه عن خبره، ومن أين يعرف أنه كان سفيراً؛ ولو كان الراضي جاهلاً بذلك ومحاولاً التنكيل بالسفير لكان يتوجه بالسؤال إليه، ولكان بيده أوّل مستمسك يدله على الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فيدل ذلك على أنه كان عالماً به إلى حد ما، بل وعالماً بسفارته عن الإمام المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي أشار الرجل في كلامه.
إذن فالمعتمد والراضي بل والمقتدر أيضاً على احتمال كبير، كانوا يعلمون بالاتجاه الذي يسير فيه خط الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وبممثليه إلى حد كبير.
ذكرنا فيما سبق أنه لم يكن يعرف باسم السفير إلا من عُرف فيه الإخلاص العظيم والاستعداد للتضحية والفداء وهم الخاصة الأقلون بطبيعة الحال.
إلا أن المفهوم من مجموع النقل التأريخي في رواياتنا، أن القواعد الشعبية الموالية في بغداد خاصة و في العراق عامة كانت تعرف - على العموم - فكرة السفارة وكيفية الاتصال بالسفير ولو بوسائط، وأنّ عدداً مهماً من خاصتهم وعلمائهم، كانوا على اتصال مباشر بهم، وعلى علم بمسؤولياتهم.
وقد يقوم جملة منهم بالوساطة بين السفير والمجتمع لإبلاغ توقيعات الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتوجيهاته إلى الناس.
قال الشيخ الطوسي: وقد كان في زمان السفراء الممدوحين أقوام ثقاة ترد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل (2).
وقد يرتبط الفرد العادي من القواعد الشعبية الموالية بواحد من هؤلاء الخاصة
لقضاء مقصوده عن طريق السفير، من دون معرفته بشخص السفير ولا مكانه ولا عمله الاجتماعي الظاهر، ولا يكون هذا الواسطة على استعداد للتصريح بذلك باعتبار كون الفرد العادي غير قادر على الكتمان ولا على مستوى المسؤولية والإخلاص، وأنه كان لأبي جعفر العمري في بغداد نحواً من عشرة أشخاص، منهم أبو القاسم ابن روح (رَضِیَ الله عَنهُ) كانوا وكلاء على الأموال والتجارات، إلّا أنّ استعمالهم على ذلك إنما كان للتغطية على الأمر وزيادة الحذر والكتمان، كما هو الحال في السفير نفسه، وفي الواقع كانوا وكلاء في المال وفي قيادة قواعدهم الشعبية و أنّ الحسين بن روح كان يلقي بأسراره إلى الرؤساء من الشيعة (1). وكان له وكلاء منهم الشلمغاني قبل انحرافه (2)، و آخرین.
يقول الراوي: «كتبت إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح». ومن هذا التعبير يظهر وجود واسطة بينه وبين الراوي وذلك لعدم وجود البريد المعروف يومئذ.
فكان الأمر في بغداد والأطراف يجري على هذا النسق، وكانت توزّع تعاليم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتجبى الضرائب والحقوق الشرعية بشكل هرمي، يكون السفير قمته، والوكلاء الخاصون وسطه والقواعد الشعبية الموالية قاعدته، وذلك مبالغة في الخفاء والحذر والتستر.
و أما الأطراف البعيدة، فالأمر في مبدأ الغيبة الصغرى، وتحقق فكرة السفراء، كان مختلفاً عن ذلك إلى حد كبير، فقد كان الأمر عند الكثيرين غامضاً مجملاً.
إن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه أسس الأساس الرئيسي لإزالة هذا الغموض منذ اليوم الأوّل للغيبة الصغرى، حين ذكر لوفد القميين أنه سيعين لهم رجلاً في بغداد تدفع إليه الأموال، وتخرج عنه التوقيعات، فكان لهذا الوفد أثره الكبير في إيضاح الفكرة في
العراق وفي قم و أطرافها إلى حد كبير.
إلا أن الانتشار المطلوب لهذه الفكرة، كان يحتاج إلى عدة سنوات لا سيما وهو يعيش جو التكتم والحذر في كل أصقاع البلاد الإسلامية، ومن هنا كان الأمر في مبدأ الغيبة الصغرى غامضاً لدى الكثيرين و مبهماً مجملاً عندهم.
فهذا محمّد بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي يرد العراق شاكاً بعد وفاة الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)، باحثاً عن خلفه (1)، و في الدينور حين أراد أهلها بعد وفاة الإمام بسنة أو سنتين، أن يسلّموا أموالهم إلى أحمد بن محمّد الدينوري ليحملها إلى حيث يجب تسليمها.. فأجابهم يا قوم هذه حيرة ولا نعرف الباب في هذا الوقت.
أنظر كيف أنه يعرف السفارة وكونها مطبقة في ذلك الحين، ويعرف كونها في بغداد لكونه قصد بغداد بعد ذلك باحثاً عن السفير كما جاء به النقل(2). ولكنه يعترف بجهله باسم وشخص السفير (الباب) في ذلك الوقت.
و في مصر، خرج أبو الرجاء المصري، وكان من الصالحين، بعد مضي الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) بثلاث سنين، خرج في طلب خَلَفه (3)، والتعرّف على وظيفته وتكليفه تلك الفترة.
و من الطبيعي أن يثور مثل هذا الغبار في أوّل فترة الغيبة الصغرى في المناطق النائية عن المركز، ولكنّه كان ينجلي بالتدريج بعد أن استطاع هؤلاء الباحثون عن الأمر أن يحصلوا على المراد فيعرفوا شخص السفير أو يقابلوا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه أحياناً، فيرتفع شكهم ويرجعون إلى بلدانهم لكي يبلغوا ما رأوا من الحق، مضافاً إلى تبليغ وفد القميين و ما قام به من جهود حصل بها اليقين وهدأت لأجلها النفوس.
وحين اتضح الأمر أصبح النظام الهرمي مطبقاً في الأطراف أيضاً حيث رجع الناس هناك إلى الوكلاء المبثوثين في البلدان ورجع هؤلاء بالمراسلة إلى السفير في بغداد.
ويمكن أن تحصر هذه المهام والوظائف في أمرين:
الأوّل: تهيئة الأذهان للغيبة الكبرى، وتعويد الناس تدريجاً على الاحتجاب، وعدم مفاجأتهم بذلك، حيث تنتج المفاجأة نتيجة سيئة لا محالة، إذ قد يؤدي ذلك إلى الإنكار المطلق لوجود الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
و من ثمّ رأينا كيف أنّ الإمامين العسكريين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) بدءا الاحتجاب عن الناس تدريجاً، وضاعفه الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) على نفسه، كما أنّ الإمام نفسه تدرّج في عمق الاحتجاب.. فكانت فترة السفارة أيضاً إحدى الفترات المرحلية لتهيئة الأذهان لهذا التدرّج.
و من المعلوم أن هذا الغرض من السفارة يتحقق بنفس تحقق فكرة السفارة ووجود السفير في المجتمع ولو بأقل ما يقوم به من عمل فضلاً عن اضطلاعه بالمسؤولية بالنحو المطلوب.
الثاني: القيام بمصالح المجتمع بشكل عام، ومصالح القواعد الشعبية الموالية للأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) بشكل خاص، تلك المصالح التي تفوت بطبيعة الحال بسبب انعزال الإمام واختفائه عن مسرح الحياة وحضوره بشكل علني فيها، شأن أي مصلحة للمجموع تفوت بغياب القائد والموجه.
و من ثم جعلت السفارة، لكي يقود الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) برأيه وإن فاتت قيادته بشخصه، ويكون التطبيق بين السفراء في حدود الإمكان وبحسب المصالح والتصرفات التي يراها ويخططها الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه وهذا الغرض قد قام به كلّ واحد من السفراء الأربعة خير قيام حيث اضطلع بحفظ مصالح المجتمع، في حدود الجو الخانق والمراقبة الشديدة والتحفّظ.
الخاصة
إن نشاط وعمل السفراء الأربعة يتصفان بالوحدة والتشابه حيث إن المهمة المناطة بهم كانت واحدة.
فالتمهيد للغيبة الكبرى يُعتبر الهدف الرئيسي من نشاطهم وعملهم وقد كان مركز عملهم ونشاطهم بغداد، وقد اختاروها بناءً على أمر الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وربما وقع الاختيار عليها، لكونها تتوسط أمصار الدولة الإسلامية آنذاك، ولكبر مساحتها، وكثرة سكانها، وعليه فيمكن للسفراء إخفاء عملهم والتكتّم عليه فضلاً عن كون بغداد عاصمة الدولة ونقطة التقاء أبناء الدولة فيها، ففي زحمة هذا اللقاء يكون من السهل العثور على السفراء أو التعرف على نشاطهم مع ملاحظة حذرهم و تنبيهات الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهم.
وقد سبق توضيح خصائص هذه الفترة التي اشتملت على نقاط تخص الوضع العام الدولة والأمة - وأخرى، خصائص تتعلق بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقواعده الموالية له، وصلتهم بسفرائه الأربعة، وبيان أن الغالبية من القواعد لم تكن تعرف تفاصيل وضعية السفراء، من حيث طريقة اتصالهم بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومكان تواجدهم،... وربما مع امتداد فترة الغيبة تعرف الكثير على وجودهم من قواعدهم، مع أنّ هناك من له علاقة وطيدة بهم من ثقاة الشيعة.
الأسئلة
وضح كيف يتشابه نشاط وعمل السفراء الأربعة بالرغم من اختلاف ظروفهم؟
ماهي المهمة الأساسية للسفارة؟
عدد أربعاً من خصائص فترة الغيبة الصغرى؟
ما المقصود بتوقيع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وضح ذلك؟
بين كيفية ارتباط السفراء بقواعدهم الموالية؟
هل اتخذ بعض السفراء وسائل معينة في التخفّي للتمويه على السلطة؟ وضح ذلك.
لماذا ذا وقع الاختيار على بغداد لتكون مسرحاً لنشاط السفراء الأربعة؟
ما هو دور وفد القميّين في إيضاح فكرة الغيبة لدى القواعد الشعبية الموالية؟
ابتليت السفارة عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و وابتلي السفراء أيضاً، بعد أعوام قلائل من أول عهدهم، بدعاوي السفارة كذباً و زوراً، طمعاً في ابتزاز الأموال و تزعم قيادة الناس.
إنَّ السفارة الكاذبة في واقعها تشويه للسفارة الصادقة العادلة، ومن هنا جاءت متأخرة عنها بسنوات؛ وذلك لأنّ القواعد الشعبية الموالية في زمان الإمامين الهادي و العسكري (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) ، وإن كانت قد اعتادت على وجود السفراء عن الإمام عند احتجابه عن الناس تمهيداً للغيبة الصغرى، إلا أنه من المحتمل أن يحتجب الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قواعده الشعبية، ولا يوكل عنه شخصاً على الإطلاق.
وإنما ثبت عزمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على التوكيل خلال هذه الفترة، عن طريق تصريحه هو (عَلَيهِ السَّلَامُ) و تصريح أبيه الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعمال السفراء في إثبات وكالتهم.
فإذا ثبت عزمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على إيجاد الوكالة أو السفارة عنه انفتح باب إمكان دعوى السفارة الكاذبة وتزوير الدعوى بالاتصال بالمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، خاصة بعد العلم بالاتصال به
سراً فلا يمكن لأحد الاطلاع عليه أو السؤال عن مكانه و زمانه، فتكون دعوى الاتصال به سراً بمكان من الإمكان ولن يمنى المزوّر بصعوبة وإحراج من هذه الجهة. حيث يعضده في ذلك عدة أمور:
إحداها ضعف الإيمان لديه وعدم الإخلاص و قابليته للانحراف.
ثانيهما: الطمع بالأموال التي يحصل عليها عن هذا الطريق، إذ يتخيل المزوّر أنّ الحقوق الشرعية التي تدفع إلى السفير الصادق ستدفع إليه.
ثالثهما: السفارة مصدر للشهرة الاجتماعية، والتحكّم في القواعد الشعبية الموالية للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و إصدار الأوامر والنواهي فيها بزعم أنها صادرة عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ).
بدأ التزوير - على ما يدل عليه تأريخنا الخاص - في عهد السفير الثاني الشيخ محمد بن عثمان العمري (رَضِیَ اللهُ عَنهُ)، وأما أبوه السفير الأوّل، فقد كان أقوى وأسمى من أن يعارضه معارض، بعد تأريخه المجيد مع الإمامين العسكريين الماضيين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وثناؤهما العاطر عليه، وأداؤه لمختلف أنواع الجهاد في عهدهما، وبموجب توجيهاتهما، فلن يكون للظنون أن تحوم وللمطامع أن تظهر أو تثار لمعارضته أو مضايقته، فإنّها ستواجه بالنقد والإنكار من كل جانب.
كما أن الظروف لم تكن لتساعد على دعوى السفارة، فإنّ الغيبة الصغرى كانت في بدايتها، وتتبع السلطات ومطارتهم للمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعائلته ولكل من يمت إليه بصلة كانت قوية جداً.
وكانت سفارة عثمان بن سعيد جهاداً كبيراً وتضحية عظمى فكيف يعرض الشخص نفسه للمطاردة والخطر تلقائياً بانتحال السفارة. على أن التزوير لا يكاد يحتمل وجوده قبل أن يعتاد الناس على هذا النحو من السفارة عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهذا الاعتياد كان يحتاج في تحققه إلى زمن تعيشه القواعد الشعبية تجاه السفارة الصادقة، وهو ما
لم يتحقق في أوّل الغيبة الصغرى، وخلال الأعوام القليلة التي قضاها عثمان بن سعيد في السفارة.
وقد ظَهَرَ المزوّرون خلال الفترة الطويلة التي قضاها السفير الثاني في سفارته، و تأريخنا الخاص، وإن لم يضع الحروف على النقاط من حيث تأريخ التزوير وعدد جهاته إلا أنه يدلّ على بدء السفارة الكاذبة في زمان هذا السفير.
لقد ادعى السفارة زوراً عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في زمان أبي جعفر محمد بن عثمان العمري له عدة أشخاص، أولهم: أبو محمد الشريعي، قال الراوي: وأظن اسمه كان الحسن وهو أوّل من ادعى مقاماً لم يجعله الله فيه. (1).
ثم محمد بن نصير النميري ادعى ذلك الأمر بعد الشريفي(2)وأحمد بن هلال الكرخي(3)، وأبوطاهر محمّد بن علي بن بلال البلالي (4)، وأبوبكر محمد بن أحمد بن عثمان المعروف بالبغدادي ابن أخ أبي جعفر العمري (رَضِیَ اللهُ عَنهُ)، وإسحاق الأحمر (5)، ورجل يعرف بالباقطاني (6).
وقد كان بعض هؤلاء صالحين في مبدأ أمرهم ومن أصحاب الإمامين الهادي والعسكري (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، ولكن انحرفوا وسلكوا مسلك التزوير فجابههم العمري (رَحمَةُ اللّه) بكل قوة وانتصر عليهم، وخرجت من المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) التوقيعات والبيانات بلعنهم والبراءة منهم، والتأكيد على كذب سفارتهم وسوء سريرتهم.
وأما الشيخ الحسين بن روح السفير الثالث، فقد ابتلي بأشدّهم تأثيراً وأوسعهم
أصحاناً محمّد بن علي الشلمغاني العزاقري (1). وكان في مبدأ أمره مؤمناً مستقيماً، بل وكيلاً لا بن روح، ثم ظهر انحرافه وسقم عقيدته.
وآخرهم في دعوى السفارة الكاذبة - على ما يظهر من عبارة الشيخ الطوسي هو: أبو دلف الكاتب، حيث كان على ذلك إلى ما بعد وفاة السمري السفير الرابع.
قال الراوي: فلعناه وبرثنا منه لأنّ عندنا أنّ كلّ من ادعى الأمر بعد السمري فهو کافر ضال مضل.
بقي شخص ممن نسبت إليه دعوى السفارة، هو الحسين بن منصور الحلاج، المعروف بمذهبه الصوفي، وله في هذه الدعوى مكاتبة مع أبي سهل بن إسماعيل بن علي النوبختي إلا أنها كانت - على المظنون في زمن الحسين بن روح. فهؤلاء هـ الذين قامت حركة التزوير على أيديهم.
كان الاهتمام الكبير للإمام المهدي يا (عَلَيهِ السَّلَامُ) و سفرائه في الوقوف ضد هذا التيار، أكبر من الوقوف ضد أي تيار آخر، وذلك لسببين أساسيين:
أحدهما:
أنّ هذا العمل ممّا ينسجم مع سياسة السلطات، فلايكون منافياً لمسلك الحذر والتكتم، وحيث كان في ردع القواعد الشعبية الموالية عن هؤلاء المزورين مصلحة كبرى، ولا مانع منه من قبل السلطات، إذن فمن المنطق أن ننتظر ازدياد نشاط السفراء والوكلاء في ذلك. و تعدّد التوقيعات بخصوصه.
ثانيها:
و هو الأهم والمبتني على قاعدة عامة في منطق الجماعات البشرية، هي: أن الهدم
1) الغيبة، للشيخ الطوسي، ص 248.
الناشئ في داخل الجماعة يكون أضرَّ بها و أشد عليها من الهدم الوارد من الخارج، في الأعم الأغلب. بل إنّ المنحرفين في كلّ جماعة يمثلون الخط المناوئ جنباً إلى جنب مع الجماعات المعادية الأخرى.
و من ثم كان المنحرفون عن الإسلام والمتاجرون باسمه، أشدّ على الإسلام خطراً الكفّار والمشركين، وأكثر تأثيراً في الابتعاد عنه. وهم - في واقعهم - يد عاملة في مصلحة القوى العالمية المناوئة للإسلام في كل زمان.
ولذلك، كان هؤلاء المنحرفون المدّعون للسفارة زوراً، أشد على القواعد الشعبية و أضربها - لو استفحل أمرهم - من السلطات المنحرفة لأنهم يتاجرون باسم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويدخلون إلى عقول السذج عن طريق مهم معتاد بالنسبة إليهم وهو السفارة عنه وقبض الأموال بالوكالة عنه. ثمّ إنّهم يشيعون من عقائدهم المنحرفة وسلوكهم الباطل ويحاولون التأثير في نفوس الآخرين، تحت هذا الشعار ما يحلو لهم و ما يشاءون.
على حين أن السلطات لا تملك إلا الحديد والنار والسجون، ولم تكن هذه الأمور يوماً بصالحها في القيام ضدّ العقيدة أو التأثير عليها. إذ لا تستطيع أن تدخل إلى أذهان الموالين للأئمة (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)، عن طريق ديني بأي حال من الأحوال. وليس أدل على ذلك، من رفض المعتمد لعمالة جعفر بن علي، حين كان يائساً من تأثيره في فرض عمالته على موالي أخيه (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فكان من الواجب الوقوف ضد هذا التيار الداخلي المنحرف، الذي كاد أن يبلغ مبلغاً عظيماً، لولا ما بينه الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من بينات وما قام به السفراء من نشاط مضاعف كبير. إلى جانب شعور الدولة بالمعاداة مع هؤلاء المنحرفين ومطاردتها لهم. ولم يخطر لها أن تستفيد منهم في سبيل هدم الجماعة الموالية و تفريق شملها و تشتيت كلمتها مما أوجب تظافر نشاط السفراء والدولة على حربهم ومطاردتهم.
ولم تكن الدولة بقادرة على جرهم إلى جانبها والاستفادة منهم في مصلحتها لعدة عوامل:
الأوّل: إن دعوتهم - على الأغلب - كانت خارجة عن أصل الإسلام بشكل مكشوف وواضح لدى عموم الناس، بحيث لا يمكنهم التأثير الكبير. ولا ينفعون السلطات حتى لو أرادوا ذلك.
الثاني: إنّ توقيعات الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) و موقف سفرائه، كان قوياً فعالاً في التأثير على الجماعة الموالية. بحيث لم يبق لهؤلاء المزورين باقية يمكن أن تصلح سنداً للدولة، حتى لو أرادت استخدامها.
الثالث كانت الدولة تخاف على قواعدها الشعبية من التشتت والانهيار. فإنها كانت قائمة على أساس الالتزام بالإسلام، ومنتفعة في أصل وجودها من شعاراته. فإذا دخلتها الدعوات المنحرفة عنه بشكل علني صريح، كان ذلك مضراً بها لا محالة.
الرابع: إن الدولة كانت تخاف - في حدود ما تفهم - بأن يؤثر هؤلاء المنحرفون، بشكل أو بآخر، في صرف بعض قواعدها الشعبية عن مذهبهم وتقريبهم إلى خط الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) ولو باعتبار أن هؤلاء المنحرفين يدعون السفارة عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو القائد الفعلي لذلك الخط. وهو الخط الذي تخشاه السلطات وقد سبقت بعض الشواهد على ذلك (1).
الخامس: كان هؤلاء المنحرفون مشتركين مع خط الأئمة والسفراء، في الشعور بظلم السلطات وعدم الاعتراف بشرعيتها. وهذا الشعور بنفسه يجعلهم يرهبون أن يبيعوا ضميرهم للسلطات ويكرّسوا نشاطهم من أجلها. وهم يشعرون أنهم سوف لن يحصلوا من القواعد الشعبية أحداً، لو شعر الناس منهم مثل هذا الاتجاه.
وهذا هو الذي جعلهم طرفاً للعداء مع السلطات ومع السفراء على حد سواء. ولم
1) أنظر الكامل، ج 6، ص 87.
يكن في مستطاعهم، وهم يمثلون أضيق الاتجاهات وأضعفها، أن يحاربوا في جبهتين، ويبذلوا نشاطهم في أكثر من ميدان واحد. ممّا عجّل في خاتمة أمرهم وإنهاء حسابهم، و توفيق الله للأمة الإسلاميه عموماً والموالين خصوصاً للخلاص منهم.
الخاصة
ابتليت السفارة ككيان خاص، أنشئ في مرحلة معينة بأمر الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بافتراءات المفترين، وادعاءات المدعين، وقد ساعد في ذلك الظروف الخاصة المحيطة بكتمان وجود الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و وضعية السفراء؛ خلال هذه الفترة من تأريخ الشيعة، حيث كانت السلطات تبحث عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشيعته يواجهون الاضطهاد والمطاردة.
وقد ظهر جماعة من المدعين للسفارة والنيابة عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، غير أن جهود السفراء وما كان يصدر عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أفشلت تلك المحاولات وحدت من تأثيرها بين الجماعة الصالحة، وكانت هناك جملة من الأسباب كالطمع والجاه أو ربما تحريفى السلطات أدت إلى ظهور مثل هؤلاء الأشخاص، ومع كلّ ذلك كانت محاولاتهم يائسة، وفاشلة والراجح أن تاريخ ظهور السفارة الكاذبة وادّعائها كان بعد وفاة السفير الأوّل وقيام ولده محمّد بن عثمان مقامه، في أداء شؤون السفارة.
الأسئلة
وضح أسباب إدعاء السفارة المزوّرة؟
كم شخصاً ادعى هذه السفارة؟
ما هو التسلسل التأريخي لتزوير السفارة؟
ما هو دور السفراء في إفشال مخططات مدعي السفارة؟
ما هو موقف الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مدعي السفارة؟
لماذا كان موقف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) و سفراؤه شديداً تجاه هذا الانحراف ومدعيه؟
سبق أن تطرقنا إلى نشاط السفراء بنحو عام لأنهم لا يتميزون في الأساليب، باعتبار أن تحركهم كان وفقاً لتوجيهات الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكون ما يستقل به بعض السفراء من خصائص يعود إلى اختلاف المصالح التي كان يراها الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك. بحيث لو كان السفير الآخر في محلّه لقام بنفس العمل لا محالة، وأما تفاصيل أعمالهم فيكون الحديث عنه ضمن النقاط التالية:
النقطة الأولى
إقامة الحجة على إثبات صدقهم فيما يصدر عنهم من أجل توثيق الصادر عنهم، و تقوية الرابطة بينهم وبين قواعدهم الشعبية الموالية.
ويتضح ذلك للقواعد من خلال:
و مدحُ الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) للسفير الأول والثاني، وما صدر من توقيعات عن الإمام
المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في السفراء، توثيقاً ومدحاً يعتبر عاملاً مهماً في حصول ذلك..
فمن ذلك: ما قاله الحسين بن روح للراوي الذي ناقشه في بعض الأمور العقائدية. فغدا عليه من الغد وهو يقول في نفسه: أتراه ذكر لنا يوم أمس من عند نفسه؟.. فابتدأ. ابن روح، قائلاً: يا محمد بن إبراهيم لئن أخِرٌ من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق، أحب إلي من أن أقول في دين الله برأيي و من عند نفسي. بل ذلك من الأصل ومسموع من الحجّة صلوات الله وسلامه عليه (1).
انظر كيف اقترنت أمور ثلاثة أنتجت نتيجة واضحة أحدها: شك المخاطب. والآخر: التأكيد الذي ذكره ابن روح في كلامه والثالث: أن ابن روح ابتدأه بالكلام بما في نفسه قبل أن يعرب عنه وهو خرق للنواميس الطبيعية، وعلم للغيب ببعض مراتبه. وبذلك ارتفع شكه، ولم يكن شكه ليرتفع دون ذلك.
و من ذلك أيضاً: أن ابن روح (رَضِیَ اللهُ عَنهُ)، تكلّم مع امرأة من أهل آبة، بلغة قومها. فإنّها جاءت تحمل معها ثلاثمائة دينار لكي تسلّمها إلى السفير، واستصحبت معها مترجماً، ليكون واسطة في التفاهم بينهما ولكن أبا القاسم بن روح أقبل عليها وتكلم معها بلسان آبي فصيح بادئاً بسؤال أحوالها وحال صبيانها. فاستغنت عن المترجم، وسلّمت المال، و رجعت (2).
أنظر لهذه الحجة التي تزيل ما قد يكون علق في قلب هذه المرأة الوافدة من الشك، أو من ثقل المسؤولية بدفع المال إليه.
و من ذلك إخبار السمري بوفاة علي بن الحسين بن بابويه القمي حيث كتب
المشايخ تأريخ ذلك اليوم، فورد الخبر أنه توفّى في ذلك اليوم (1).
و من ذلك أيضاً: أنّ أبا جعفر العمري أخرج إلى محمد بن متيل، ثويبات معلمة، وصُرَر فيها دراهم. وقال له: تحتاج أن تصير نفسك إلى واسط في هذا الوقت، وتدفع ما دفعته إليك إلى أوّل رجل يلقاك عند صعودك من المركب في واسط (2). وبعد أن ينفذ ابن متيل هذا الأمر يرى الشخص المقصود، كما وصفه العمري، ويظهر له من تضاعيف الحادثة أنّ صرّة الثياب هي كفن لمحمد بن عبيدالله الحايري، وصرّة الدراهم كراء الحمالين والحفار.
و من ذلك: أنّ الشلمغاني بعد انحرافه و تزويره، أرسل إلى الشيخ الحسين بن روح يسأله أن يباهله. وقال: أنا صاحب الرجل - يعني الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) -، وقد أمرت بإظهار العلم. وقد أظهرته باطناً وظاهراً. فباهلني. فأنفذ إليه الشيخ (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) في جواب ذلك: أينا تقدم صاحبه فهو المخصوم. فتقدّم العزاقري (وهو الشلمغاني)، فقُتل وصُلب. وأخذ معه ابن أبي عون. وذلك في سنة 323هـ (3).
النقطة الثانية
المساهمة في إخفاء المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو ما كان كلّ واحد من السفراء يكافح في سبيله ويؤكد عليه. وكيف لا وهو على مستوى المسؤولية التي عبر عنها بعض الخاصة من معاصريهم بأنه لو كان الحجّة تحت ذيله وقرض بالمقاريض ليكشف الذيل عنه، لما كشفه.
فمن ذلك: أنّ عبدالله بن جعفر الحميري وأحمد بن إسحاق الأشعري وهما من أجلاء علماء الأصحاب وخاصة الموالين لخط الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) طلبا من أبي عمرو عثمان
بن سعيد السفير الأوّل أن يخبرهما عن اسم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: نهيتم عن هذا.
وخرج التوقيع من المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى محمد بن عثمان العمري السفير الثاني (رَضِیَ اللهُ عَنهُ)، ابتداءً من غير مسألة: ليُخبر الذين يسألون عن الاسم: إمّا السكوت والجنة، وإما الكلام والنار. فإنّهم إن وقفوا على الاسم أذاعوه. وإن وقفوا على المكان دلوا عليه (1).
فهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) يأمر سفيره أن يخبر أولئك الفضوليين الذين يسألون عن الاسم.. أنهم مأمورون بالسكوت. فإنّهم إن تقدّموا بشيء في هذا السبيل، فالنار مثواهم وبئس المصير.
وقد أثيرت هذه التساؤلات في الأغلب في السنوات الأولى من فترة الغيبة، وهذا ملحوظ مما نقلناه من أنّ التحريم صدر بنحو ملحوظ عن السفيرين الأول والثاني، ولم يصدر من السفيرين الأخيرين شيء ملحوظ في ذلك.
وعلى أي حال، فقد كان المتسائلون يغفلون أو يتناسون التبليغات القديمة من الأئمة الماضين (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)، كقول الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنكم لا ترون شخصه ولا يحل ذكره باسمه. قال الراوي: فقلت فكيف نذكره؟ فقال: قولوا: الحجة من آل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) (2). و قول الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): صاحب هذا الأمر لا يسمّيه باسمه إلا كافر(3).
وإن أبا جعفر العمري (رَضِیَ اللهُ عَنهُ)، حين رأى أن أبا طاهر بن بلال، وهو أحد مدعي السفارة زوراً، يحتكر الأموال التي للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولا يدفعها إلى سفيره الحق، اصطحبه وأدخله إلى بعض دوره. يقول أبوطاهر: فأشرف عليّ من علوّ داره فأمرني بحمل ما عندي من المال إليه. فقال له أخوه ومن أين علمت أنه صاحب الزمان؟ قال: قد وقع علي من الهيبة له ودخلني من الرعب منه ما علمت أنه صاحب الزمان (4).
فكان المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) - فيما تدلّ عليه هذه الرواية - يرى المصلحة في أن يقابل المدعي المزوّر وجهاً لوجه، ويأمره بدفع الأموال وعدم احتكارها. فكان ان ذهب به السفير إلى بعض دوره وتمّت المقابلة هناك. وكانت المقابلة قصيرة ورهيبة بالنسبة إلى هذا المزوّر.. و هو يعلم بكذب نفسه، وسوء تصرفه.
والطريف في أمره أنه اضطر إلى الاعتراف بعدم معرفته بصاحب الزمان المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) انا شخصياً، بالرغم من أنه يدعي السفارة عنه. وهذا يدلّ بكل وضوح على كذبه وإفحامه.
النقطة الثالثة
التزام السفراء بالتكتم والحذر. وقد سبق أن عرفنا هذا المسلك، وحملنا فكرة كافية عن أسبابه ونتائجه، وغايتنا في هذه النقطة أن نعرض أمثلة من ذلك، في حدود ما وردنا من التأريخ.
فمن ذلك ما سمعناه من أن أبا جعفر العمري (رَضِیَ اللهُ عَنهُ).. وقد كان الأمر رهيباً جداً و السيف يقطر دماً.. كان يتسلّم الأموال الراجعة إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أصحابها بصفته تاجراً من التجار، ولا يدفع بها وصلاً لئلا يتسرب إلى السلطان.
وحين آلت السفارة إلى الحسين بن روح بعد وفاة العمري، ازداد تمسكاً بالحذر والكتمان، إلى حدّ إظهار التدين بمذهب أهل السنة والجماعة والدفاع عنه. وقد سمعناه يظهر تأخير أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الأفضلية عن جميع الخلفاء الراشدين الثلاثة.
ولم يكتف ابن روح باظهار ذلك، بل شمل لطفه وعطفه معاوية بن أبي سفيان أيضاً.. فقد بلغه أنّ بوّاباً قد لعن معاوية وشتمه فأمر بطرده و صرفه عن خدمته. قال الراوي: فبقى مدة طويلة يسأل في امره. فلا والله ما ردّه إلى خدمته (1).
1) الغيبة، الشيخ الطوسي، ص 237.
إن ابن روح لم يمدح معاوية.. ولكنه في نفس الوقت لا يرى من صالح عمله كسفير عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، وجود من يلعن معاوية في بيته أو عند بابه.. حتى لا يكون هذا مستمسكاً ضدّه عند الدولة في يوم من الأيام.
وكان يستعمل نفس هذا الاسلوب مع سائر الناس ما عدا من يعلم بإخلاصه وقوّة إيمانه حتى انه كان عشرة ذاهبين إلى ابن روح تسعة يلعنونه وواحد يشكك، فيخرجون من عنده، تسعة يتقربون إلى الله بمحبته وواحد واقف (1).
النقطة الرابعة
إخراج توقيعات الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و حل المشاكل وتذليل العقبات التي قد تصادف بعض قواعدهم الشعبية في طريقها.
و في الحقيقة أن المشكلات إنّما تحلّ والحاجات إنما تقضى نتيجة لتعاليم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الواردة في توقيعاته، ومن هنا يعتبر التوقيع عملاً من أعماله، وإن استند إلى السفير باعتبار إظهاره والعمل على تطبيقه.
ونحن إذا لاحظنا أثر التوقيعات من الناحية الاجتماعية في حل المشاكل وقضاء الحاجات، نراها تندرج ضمن عدة أمور:
الأمر الأوّل: حل المشاكل العائلية، وتحويل الأسرة إلى أُسرة سعيدة.
فمن ذلك: أنّ زوجاً حمل زوجته إلى بيت أبيها، فأقامت فيه سنين لا يسمحون لها بالرجوع إلى منزل زوجها، وكانت لا تجدي محاولات الزوج في ذلك، ثم إنه أتى بغداد وسأل الدعاء من الإمام عن طريق الحسين بن روح. فخرج التوقيع: «والزوج والزوجة فأصلح الله ذات بينهما». فسهل الله له نقل زوجته بأيسر كلفة، وأقامت معه سنين كثيرة وأنجبت منه أولاداً.
قال الزوج (وهو الراوي): وأسأت إليها إساءات استعملت معها كل ما لا تصبر
1) المصدر، ص238.
النساء عليه، فما وقعت بيني وبينها لفظة شرّ ولا بين أحد من أهلها إلى أن فرق الزمان بيننا (1).
الأمر الثاني: تيسير الشفاء لأمراض قد أزمنت وطال علاجها فمن ذلك: أن شخصاً خرج به ناسور، فعرضه على الأطباء وأنفق في التداوي عليه مالاً. فلم يجد فيه شيئاً، فكتب رقعة إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يسأل فيها الدعاء. فخرج التوقيع إليه قائلاً: «ألبسك الله العافية وجعلك معنا في الدنيا والآخرة».
يقول: فما أتت علي جمعة حتى عوفيت وصار الموضع مثل راحتي، فدعوت طبيباً من أصحابنا وأريته إيَّاه. فقال: ما عرفنا لهذا دواء. وما جاءتك العافية إلا من الله بغیر احتساب (2).
الأمر الثالث: طلب الولد فمن ذلك: أنّ علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، أرسل إلى أبي القاسم بن روح بواسطة أبي جعفر محمد بن علي الأسدي، يسأل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يدعو له أن يرزقه ولداً ذكراً. فسأله أبو جعفر الأسدي لابن بابويه و لنفسه. فأخبره ابن روح بعد ذلك بثلاثة أيام أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد دعا لابن بابويه وأنه سيولد له ولد مبارك ينف الله به، وبعده أولاد. ولكنه لم يدع له وقال: ليس إلى ذلك من سبيل. فلم يولد له (3).
الأمر الرابع: سؤال الدعاء لمهام الأمور: فمن ذلك: أنّ القاسم بن العلا، وهو من الوكلاء في آذربيجان، وُلد له عدة بنين فكان يكتب إلى المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يسأل الدعاء لهم. فلايجاب بشيء في أمرهم. فماتوا كلّهم فلما ولد له ولده الحسين، كتب يسأل الدعاء له. فأجيب إلى ذلك. وبقي ابنه في الحياة (4).
الأمر الخامس: الاستئذان بالسفر. فمن ذلك: أنّ رجلاً يمانياً كان في بغداد، فأراد أن يخرج مع قافلة يمنية متهيئة للخروج. فكتب يستأذن في الخروج. فخرج التوقيع قائلاً: لا تخرج معهم فليس لك في الخروج معهم خِيَرَة. وأقم بالكوفة فامتثل الأمر وأقام بالكوفة.
و خرجت القافلة متوجّهة إلى اليمن فخرجت عليهم بنو حنظلة فاجتاحتهم واستأصلتهم.
فكتب هذا الرجل اليماني يستأذن في ركوب البحر، فلم يؤذن له، فبقي متطلعاً سائلاً عن أخبار المراكب التي خرجت في تلك السنة. فعرف بعد ذلك أنها جميعاً قد غرقت و تقطعت من الرياح البوارح، ولم يسلم منها مركب (1).
الأمر السادس: الاستئذان بالخروج إلى الحج. فمن ذلك: أنّ رجلاً من بني نوبخت عزم على الحج في إحدى السنين وتأهب له فخرج إليه من المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطاب يقول: نحن لذلك كارهون فاغتم الرجل وضاق صدره. وكتب إلى الناحية: أنا مقيم على السمع والطاعة، غير أنّي مغتم بتخلّفي عن الحج. فخرج إليه الجواب: لا يضيقن صدرك، فإنّك تحجّ من قابل. فلمّا كان من قابل - أي السنة الآتية - كتب الرجل يستأذن، فورده الإذن، فكتب إلى الناحية إنّي عادلت محمد بن العباس وأنا واثق بديانته وصيانته. فورد الجواب: الأسدي نعم العديل فإن قدم فلا تختر عليه. قال الراوي: فقدم الأسدي فعادلته (2).
انظر كيف يتوخى الإمام المهدي يا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمصالح أصحابه ومواليه ويذلل مشاكلهم ويحلّ مصاعبهم بسعة صدر وانفتاح على الحوادث.
الأمر السابع: طلب الناس تزويدهم بأكفان وحنوط. فمن ذلك ما كتب، محمد بن
زياد الصيمري يسأل المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كفناً. يتيمّن بما يكون من عنده، فورد الجواب: إنّك تحتاج إليه سنة إحدى وثمانين. فمات - رحمه الله تعالى - في الوقت الذي حدده و بعث إليه بالكفن قبل موته بشهر (1).
الأمر الثامن: تحذير الوكلاء من السلطات. فإنّه خرج إلى الوكلاء في بعض الأيام أمر بأن لا يأخذوا من أحد شيئاً وأن يتجاهلوا بالأمر. فلم يعلم الوكلاء السبب وكان السبب أن وصل إلى مسامع عبدالله بن سليمان الوزير، وجود وكلاء للمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بغداد وغيرها من النواحي فهم بالقبض عليهم، فنصحوه أن يرسل لكل وكيل شخصاً يدعي أنه له مال يدفعه للإمام. فمن قَبَضَ من الوكلاء شيئاً قَبِضَ عليه.
1) الغيبة للشيخ الطوسي، ص 181.
الخاصة
إن الحديث عن تفاصيل نشاط السفراء الأربعة يلقي لنا ضوءاً على جهادهم وحركتهم الواسعة وآثارها الإيجابية على القواعد الشعبية الموالية كما يوضح لنا مكانة السفراء العلمية ودورهم الجهادي على المستويات المختلفة سواء ما كان يخص الإخلاص والحرص في نقل ما يصدر عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمواليه أو ما ينقلونه من القواعد إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو ما يخص التكتم والسرية في كلّ ذلك. ثم نجد أنّ بعض السفراء يؤكد أن لا يقول أو يفعل شيئاً إلا أن يكون ذلك بعلم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإذنه ولا يحق له أن يتحدث من عنده.
وكان لوعيهم العقائدي والاجتماعي أثر بارز في إنجاح مهمتهم، فضلاً. توثيق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهم ومدحه وإطرائه لأمانتهم من دور في تمسك القواعد بهم والأخذ عنهم.
الأسئلة
بين دور السفراء في إخفاء وجود الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
بين الجهاد العلمي للسفراء؟
اذكر مورداً واحداً يوضح مساندة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للسفراء في حل مشكلة تتعلق بشخص ادّعى السفارة؟
وضح أثر التوقيعات في تماسك وترابط القواعد الشعبية بالسفراء.
هل صدرت توقيعات حول تحذير السفراء من السلطة وضح ذلك؟
النقطة الخامسة
قبض السفراء للأموال وتوزيعها وإيصالها إلى حيث يجب دفعها. وهو من واضحات وظائفهم ومهمات أعمالهم بصفتهم حلقة الوصل بين الإمام وقواعده الشعبية، وتتمثل هذه الأموال بما يملكه الإمام من الحقوق الشرعية الإسلامية في أموال الناس.
إن الموالين لخط الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، كانوا يحملون من أطراف البلاد الإسلامية هذه الأموال إلى الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وكانت الوفود تفد إليهم حاملة الأموال والأسئلة فتسلّم الأموال إليهم وتستقي منهم أجوبة المسائل وحل المشاكل.
وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أوّل مقابلة للوفد يصف المال قبل قبضه و يذكر جنسه وكميته و من دفعه وغير ذلك. إلزاماً للحجّة تجاه الوفد فإذا علم الوفد بإمامته، وورد عليه في السنوات الأخرى حاملاً له بعض الأموال لم يحتج إلى ذلك.
واستمرت الوفود تصل بالأموال إلى السفراء من بعيد، إلى جانب أموال أخرى يحملها الأفراد من قريب إليهم. ويكون من وظيفة السفراء إزاء ذلك - حين يتسلمون المال - أن يصفوه أيضاً ويذكروا خصائصه؛ لأجل إقامة الحجة على الآخرين، وإثبات
صدق السفير. وذلك بتعليم من الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فمن ذلك: أنّ محمّد بن إبراهيم بن مهزيار سلّم مالاً جليلاً إلى رسول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بدلالة الوصف (1)ودفع أحمد بن محمد الدينوري إلى وكيل المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ستة عشر ألف دينار من أهل الدينور، دفعها بدلالة الوصف أيضاً (2).
وظاهر بعض الروايات، أنّ الأموال كانت تحمل في السنوات الأولى من الغيبة الصغرى إلى سامراء حيث يكون من يقبضها هناك ويسلمها إلى المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ). وذلك بدلالة من السفير نفسه. كما فعل أبو جعفر العمري مع الدينوري المشار إليه (3).
فهذا هو حال قبض الأموال من قبل وكلاء الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسفرائه ثم لا يهمنا أن تفكر في أنّ هذه الأموال هل تبقى لدى السفراء أم تُدفع إلى المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ). لأنها على أي حال تكون تحت إشرافه و رهن تعليماته فإنّها إن دفعت إليه مباشرة فهو غاية المطلوب، وإن بقيت في يد السفير، فلا مانع منه فإنّ يد الوكيل مثل يد الأصيل.
النقطة السادسة
الجهاد العلمي للسفراء. حول المناقشات العقائدية وحلول المشاكل العلمية التي كان يقوم السفراء بها، سواء من ذلك ما كان لتوجيه أصحابهم وصقل أفكارهم، أو لأجل الاحتجاج ضدّ الشبهات التي كان يثيرها الآخرون، والدفاع عن الحق بلسان مخلص سليم.
ونقصد بالجهاد العلمي التوجيهات والمناقشات التي يذكرها أحد السفراء الأربعة، من عند أنفسهم، باعتبار ما يعرفونه من الحق. في حدود تعاليم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومسلكهم العام.
و يندرج في ذلك، ما سمعناه عن السفير الأوّل في النهي عن السفير الأوّل في النهي عن التصريح باسم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والشكوى من جور السلطات وسطوتهم.
و للشيخ ابن روح مناقشات عديدة، فمن ذلك مناقشته لبعض المتكلمين المعروف بترك الهروي، في فضل الزهراء على سائر بنات النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ). حتى قال الهروي فما رأيت أحداً تكلّم وأجاب في هذا الباب بأحسن ولا أوجز من جوابه (1).
و من ذلك مناقشته لرجل حول مقتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيد أعداء الله عزوجل. وقد أجابه بجواب مطوّل، أكد فيه أنّ حكمة الله عزّوجلّ قد جرت في أن أنبيائه وأوليائه يكونون في حال غالبين وأخرى مغلوبين وفي حال قاهرين وأخ-رى مقهورين. ولو جعلهم عزّوجلّ في جميع أحوالهم غالبين وقاهرين ولم يبتلهم ولم يمتحنهم لا تخذهم الناس آلهة من دون الله عزّوجلّ، ولما عُرف فضل صبرهم على البلاء والاختبار.
وحين شكّ الراوي في أنّ هذا الكلام، هل قاله من عنده أم هو من تعاليم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال له ابن روح يا محمّد بن إبراهيم لأن أخر من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح من مكان سحيق أحب إلي من أن أقول في دين الله برأيي و من عند نفسي بل ذلك من الأصل ومسموع من الحجّة صلوات الله وسلامه عليه (2).
و من تعاليمه (رَحمَةُ اللّه)، ما قاله لأحمد بن محمد الصفواني: أن يحيى بن خالد سم موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في إحدى وعشرين رطبة ومات بها. وأن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ما ماتوا إلا بالسيف أو السمّ. وقد ذكر عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه سُمّ. وكذلك ولده وولد ولده (3).
كان سلام الله عليه يوم وفاة أبيه، حين رآه الناس يصلي على أبيه.. صبياً، بوجهه سمرة، بشعره قطط، بأسنانه تفليج.
ثم وصفه من رآه بعد ذلك خلال غيبته الصغرى، بأنه شاب حسن الوجه طيب الرائحة، هيوب؛ ومع هيبته متقرّب إلى الناس. قال الراوي: فتكلم، فلم أر أحسن من كلامه ولا أعذب من منطقه في حسن جلوسه (1).
وفي رواية أخرى: إنه شاب أسمر لم أرَ [أحداً] قط في حسن صورته واعتدال قامته (2).
وفي رواية ثالثة: فتى حسن الوجه طيب الرائحة يتبختر في مشيته (3).
وفي رواية رابعة: انه ليس بالطويل الشامخ ولا بالقصير اللأزق بل مربوع القامة مدوّر الهامة صلت الجبين أزج الحاجبين، أقنى الأنف، سهل الخدين. على خده الأيمن خال (4). إلى غير ذلك من الروايات (5).
وتسمع من سفيره محمّد بن عثمان (رَحمَةُ اللّه)، حين سُئل عن رؤيته للمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).. يصف عنقه في حسنه وغلظه، فيشير بيده ويقول: وعنقه هكذا (6)أو قال: ورقبته مثل هذا (7).
وإنّما أكد على صفة عنقه ليدلّ على صفة الرجولة فيه، وأنه لم يبق كما عهده الناس في حياة أبيه صبيّاً صغيراً، أو غلاماً عشارياً عليه رداء تقنّع به (1).
و في زمان العمري السفير الثاني، حاول شخص أن يقابل المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فوفّر له العمري فرصة المقابلة. فرآه شاباً من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم رائحة.
ثمّ وُصِفَ لباسه حال الإحرام للحج: بأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحضر الموسم كل سنة، يرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه (2). ويكون في أثناء حجّه متزراً ببردة ومتشحاً بأخرى، و قد عطف بردائه على عاتقه، شأنه في ذلك شأن كل حاج محرم يلبس ثياب الإحرام. و في رواية أخرى عليه إزاران (3).
كان حال حياة أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في سامراء دلّت على ذلك جميع الروايات الناقلة لمشاهدته في تلك الفترة. ومن الطبيعي أن يبقى في سامراء يوم وفاة أبيه حيث يصلّي عليه ويقابل وفد القمتين، ليحولهم على بغداد، حيث يعين لهم سفيراً.
ويبقى في سامراء ردحاً من السنين بعد ذلك، كما تدلّ عليه حوادث تحويل السفيرين الأولين بأموال الوفود إلى سامراء. ويدلّ عليه أيضاً بعض مقابلاته هناك، ويدلّ عليه أيضاً ما قامت به السلطات من المطاردة له والكبس على داره في سامراء من قبل المعتمد والمعتضد، حيث يكون (عَلَيهِ السَّلَامُ) موجوداً هناك ولكنّه كان يستطيع التخلّص. إذن فهو إلى زمان خلافة المعتضد التي تولاها عام 279 هـ كان ساكناً في دار أبيه في سامراء فلو فرض كما هو المظنون - أن الكبس الذي أمر به المعتضد كان في أوّل سنة من خلافته، فمعنى ذلك أن المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نبقي هناك
تسعة عشر سنة بعد وفاة أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وقد أبعد المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن نفسه كل الآثار، وكل ما يلفت النظر ويثير الشك، وكلاؤه أصبحوا بعيدين عنه، لكي لا يوجهوا الأنظار إليه أوّلاً، ولكي يعيشوا في قلب الحوادث الاجتماعية شأن كلّ من يريد أداء الخدمة الصالحة لمجتمعه وأمته، ثانياً. ولكي يبعدوا هم بدورهم عن مراقبة الدولة وعاصمة الملك حال كونها في سامراء خلال هذه التسعة عشر سنة ثالثاً.
أما هو فلا ينبغي أن يعيش الحوادث ولا أن يختلط بالناس. بل يبقى بعيداً يكتفي بسماع الأخبار والاطلاع على الآثار، يعيش هموم الأمة الإسلامية. حتى تهدأ الثائرة، ويندمل الجرح و تخف المطاردة، ويمضي الردح الأوّل من الغيبة الصغرى ليستطيع بعد ذلك أن يقوم بعمل جديد.
والمتتبع لخروج التوقيعات والبيانات عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) خلال الفترة الأولى من غيبته، يرى بوضوح قلتها وندرتها. إلى حد لا يكاد ينقل عن السفير الأول، بل السفير الثاني في أوّل سفارته توقيع ذو أهمية إلا في حدود قليلة وعند الحاجة الكبيرة. وما ذلك إلا لأنّ الحاجة إلى الحذر كانت في هذه الفترة الزم، والبعد بين المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسفرائه من حيث المكان كان أكثر.
وحين تنتهي هذه الفترة الحرجة، ولا يزال محمّد بن عثمان سفيراً في ذلك الحين، تنفتح له (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فرصة جديدة في الخروج والتجوّل بنحو لا يمكن أن يعرفه الناس ولا أن يشار إليه بحقيقته. فإنّ أكثر الناس لم يروه في حياة أبيه. ومن رآه منهم كان قد رآه طفلاً أو صبياً والآن قد أصبح شاباً وسيماً، فلا تكاد ملامحه أن تكون محفوظة معروفة بعد مرور هذه الفترة، على أن جيلاً من الناس قد مات وجيلاً واجه الحياة من جديد، وهو لا يعرف من شكل المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) شيئاً. وكلما طالت المدة ابتعدت صورته عن أذهان.
و من هنا انفسحت للمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرصة جديدة، لأن يدخل بغداد لنراه تارة بزي
التجار (1). وأُخرى أمراً محمّد بن علي بن بلال أن يدفع ما لديه من الأموال إلى سفيره العمري(2). وأصبح يحضر موسم الحج في كلّ عام، ماشياً (3). بل أصبح يخالط الحجاج من خواصه ويحدثهم (4)ويعلمهم الأدعية ويعطيهم التعليمات (5). بل إنه ليكشف حقيقته أمام البعض إذا اقتضت المصلحة ولم يكن في ذلك خطر(6). وكان يسكن خلال فترة الحج في تلك الديار المقدّسة. ومن هنا سنرى أن جملة من مقابلاته تمت هناك، من قبل الباحثين عنه المريدين للتشرف بلقائه.
وكما يذهب إلى الحج، فإنه يذهب إلى كربلاء لزيارة جده سيّد الشهداء أبي عبدالله الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، يوم عرفة، فيوصل إلى أحدهم مالاً (7).
بل إنه يصل إلى مصر، على ما يظهر من بعض الروايات، وينزل الإسكندرية في خان ينزله الغرباء، يصلّي في مسجده بأهل ذلك الخان. ثمّ يسافر مع أحدهم، ويأخذ طريق البحر (8).
ثمّ إنّه يعود من هذه الأسفار إلى بغداد ليباشر الاتصال بسفرائه وإدارة مصالح المجتمع في وجه المنحرفين عن طريق التوقيعات والبيانات.
هذا ونسمع قول المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)- في رواية علي بن إبراهيم بن مهزيار - يا ابن المازيار أبي محمّد عهد إلي أن لا أجاور قوماً غضب الله عليهم ولعنهم، ولهم الخزي
في الدنيا والآخرة، ولهم عذاب أليم، وأمرني أن لا أسكن من الجبال إلا وعرها و من البلاد إلا عقرها، والله مولاكم أظهر التقية، فوكلها بي - فانا في التقية إلى يوم يؤذن لي فأخرج (1).
ولد (عَلَيهِ السَّلَامُ) في النصف من شعبان عام 255هـ، فيكون عمره حين وفاة أبيه في شهر الملا ربيع الأول من عام 260هـ أربع سنوات وحوالي ستة أشهر، وفي هذا العمر تولى منصب الإمامة وقيادة الأمة وآتاه الله الحكم صبياً.
ولم يكن شكله يوم وفاة أبيه موافقاً مع هذا العمر بل كان صبياً يافعاً حتى قال من راه: إنه ابن ثمان أو عشر سنين، وحين شوهد في الحجّج سنة 293هـ، فقد شاهد شاباً أسمراً، قال الراوي: لم أرَ مثله قط في حسن صورته واعتدال قامته (2)، ثمان وثلاثون عاماً ويكون عمره عند وفاة سفيره الثاني في جمادى الأولى سنة 305 هجرية خمسين عاماً غير ثلاثة أشهر وعند وفاة سفيره الثالث الحسين بن روح (رَحمَةُ اللّه) سنة 326 هـ واحداً وسبعين سنة. ويكون عمره عند وفاة سفيره الرابع الشيخ السمري، سنة 329 هـ وانتهاء فترة الغيبة الصغرى، أربعاً وسبعين سنة. قضى منها أربع سنين ونصفاً في حياة أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وتسعة وستين عاماً ونصفاً وخمسة عشر يوماً في الغيبة الصغرى، ثم بدأت الغيبة الكبرى، حيث لا ظهور إلا أن يأذن الله تعالى بالفرج لكي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلما وجوراً، ويكون عمره يوم انتهى المسعودي من كتابه إثبات الوصية و في هو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة. مائة.. أي بعد انتهاء الغيبة الصغرى بثلاث سنوات.. يكون عمره الشريف ستّاً وسبعين سنة وأحد عشر شهراً
و نصف شهر، كما ذكر المسعودي (1).
هذا بحسب عدد السنين. و أما بحسب شكله، فكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) لايزال شاباً، يقدره الناظر بحوالي العشرين عاماً على ما يستفاد من مجموع أوصافه. وهذا أمر ممكن بل ضروري الثبوت، باعتبارين:
أحدهما: وهو الأمر الأساسي، وهو الإيمان بقدرة الله تعالى الذي خلقنا أوّل مرة، والذي يحيي العظام وهي رميم، وبيده ملكوت كلّ شيء، وهو على كل شيء قدير.
فاذا عرفنا المصلحة الكبرى المتوقفة على وجود المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والمسؤولية الكبرى المناطة به، وأنها من الأهمية في الإسلام إلى حدّ تقتضي أن يُعمل الله عزّوجل إرادته الخاصة في تنفيذها.. عرفنا كيف يمكن أن يحفظ الله تعالى الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأجل ذلك الهدف الكبير. ولا مانع من ذلك عقلاً ونقلاً كما ورد في القرآن الكريم عن أصحاب الكهف وعزير.
ثانيهما: نموّه البطيء في غيبته الكبرى بحيث يقدّر له من العمر حين ظهوره أربعين عاماً كما ورد في مجموعة من الأحاديث(2).
و من طريف ما ورد في هذا الصدد، ما في عقد الدرر عن أبي عبدالله الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: لو قام المهدي لأنكره الناس، لأنه يرجع إليهم شاباً موفقاً وإن من أعظم البلية أن يخرج إليهم صاحبهم شاباً، وهم يظنونه شيخاً كبيراً (3). والمراد من قوله، يرجع إليهم أنه يظهر لهم بعد غياب، لا أنه يكون شيخاً ثمّ يتحوّل شاباً بطريق إعجازي.
هذا كله، بحسب المصالح الإلهية الكبرى المذخورة ليومه الموعود.
الخاصة
إن صلاة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أتاحت فرصة رؤيته، وكان صبياً بوجهه الكريم سمرة، بشعره قطط بأسنانه تفليج كما ورد عن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) في صفاته (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وقد وصفه سفيره الثاني لمواليه عندما سألوه عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وسكن في سامراء فترة ليست بالقصيرة وتنقل بينها وبين الأمصار التي يسكنها مواليه، وذهب إلى زيارة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كربلاء، وشوهد وهو يؤدي مراسم الحج، كما ذهب إلى مصر.
وكان عمره الشريف حين وفاة والده (عَلَيهِ السَّلَامُ) أقل من خمس سنوات، وعمره عند وفاة السفير الرابع عام 329هـ 3هـ أربعاً وسبعين عاماً، وكل من رآه في ذلك الوقت يقول عنه أنه شاب ابن ثلاثين سنة أو تزيد قليلاً، وكان في تنقلاته بزي تاجر ليموه على السلطان الجائر ويتمكن من التحرك بحرية لإتمام هذه المرحلة من غيبته وليتم بناء الكيان الذي ابتدأه آباؤه الكرام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
الأسئلة
هل تتوافق الروايات الواردة عن الأئمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحلول صفة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع ما ورد من أحاديث عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)؟
بماذا اتسمت البيانات والتوقيعات الصادرة من الإمام خلال حياة السفير الأوّل؟ 3
كيف كان تنقل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بين المناطق المختلفة؟
هل زار الإمام مناطق موالیه و قواعده؟
هل شوهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يؤدي مراسم الحج؟
بماذا تفسّر الحيوية الدائمة للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
أولاً: وجوده و إمامته
إن التحاق الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالرفيق الأعلى وما رافق ولادة ولده الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من كتمان وتحفظ كلها عوامل تدفع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى تعريف مواليه وسواهم بوجوده وإظهار ما يلزم لبيان توليه الإمامة بعد أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وكانت صلاته على أبيه وإبعاده لعمّه جعفر أوّل ظاهرة يخرج فيها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويكشف نفسه أمام ملأ من الناس بمختلف المستويات حيث تجمعوا لتشييع الإمام الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد حضر من القواعد الشعبية ما يقارب الأربعين شخصاً مع السفير الأوّل عثمان بن سعيد رضي الله عنه.
ثانياً: صيانة تراث آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ)
إن النشاط العام الثاني البارز للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في فترة الغيبة الصغرى هو الحفاظ على تراث آبائه وتنمية الناحية العلمية والفكرية لقواعده الشعبية والحفاظ على مسار الأمة بقدر ما يمكن عن الانحراف. وقد تضمّن هذا التراث تحديد و توضيح قواعد وأصول استنباط الأحكام الشرعية والمعارف الإسلامية كما يتضح ذلك من خلال نشاطات
السفراء وتوجيهات الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهم.
وقد دونت في عصر الغيبة الصغرى الأصول الأربعمائة والتي ضمت ما ورد عن الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وحفظت فيها السنّة النبوية الواردة عن طريق أهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) (1). وبالتالي حفظ المسيرة الثقافية والتكاملية للأمة الإسلامية.
ثالثاً: النيابة الخاصة
إن النيابة كنظام قد اكتمل وأرسى مرتكزاته الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد سبقه الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) في الاعتماد على الثقات والخواص من أهل التقوى وممن عرفوا بوفرة العلم والاجتهاد.
و نجد أن الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يمهد للوكالة ويوثق لقواعده وكيل الإمام المهدي الأوّل بقوله: «هذا أبو عمرو الثقة الأمين ثقة الماضي وثقتي في المحيا والممات، فما قاله لكم فعني يقوله، وما أدى إليكم فعنّي يؤدّيه» (2).
وقد أحصى الشيخ الصدوق أسماء اثني عشر شخصاً من وكلاء ونواب الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الغيبة الصغرى، وأضاف السيد محمد الصدر إليهم أسماء ستة آخرين استناداً إلى ما ورد في المصادر التأريخية وكتب الرجال(3).
وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعينهم مباشرة ويصدر بيانات وتوثيقات حول ذلك مع نفي الوكالة عمّن كان يدّعيها غيرهم ولم يكن منهم.
وربّما يقال أنه لم تكن حاجة في زمن الأئمة الذين سبقوا الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الوكلاء الخاصين الذين يقومون بنفس أعمال السفراء الأربعة لأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان موجوداً و ظاهراً، وكان بالإمكان لكل أحد أن يتصل به، ولئن مرَّ بعض الأئمة (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)
في بعض الظروف بوضع استثنائي يصعب الوصول المباشر إليهم خصوصاً بعد واقعة الطف، وامتداداً مع وجودهم حتى تاريخ الغيبة الصغرى؛ فإنّ ذلك لا يقاس بعصر غيبة الإمام عال وعدم إمكان الارتباط به.
و ممّا لا شك فيه أنّ الأوضاع السياسية والظروف الخاصة بالكيان الشيعي، عقيب استشهاد الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبدء مرحلة الغيبة الصغرى لم تكن تسمح بأن يكون عمل السفراء علنيّاً، لذا كان الشرط الأوّل في الوكلاء وخاصة السفراء أن يكونوا على مرتبة عالية من الإلتزام بالسريّة والكتمان وعدم الكشف عن المهام المناطة بهم خلال هذه المرحلة.
كما وضع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الإطار العام والشروط الواجب توفّرها في النائب العام في مرحلة الغيبة الكبرى إتماماً لما ورد عنهم من الصفات اللازمة عن آبائه (عَلَيهِمَ السَّلَامُ).
رابعاً: الكيان الشيعي
يستفاد من الروايات الواردة بشأن سيرة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) خلال فترة الغيبة الصغرى أنّ جهوده و رعايته لم تقتصر على سفرائه بل كان الإمام يسعى لحفظ سائر المؤمنين من الاضطهاد والظلم العباسي متخذاً سبيل آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ).
فقد روى الشيخ الكليني (رَحمَةُ اللّه) في الكافي «عن علي بن محمد قال: خرج نهي عن زيارة مقابر قريش والحيرة فلما كان بعد أشهر دعا الوزير الباقطائي فقال له: الق بين الفرات والبرسيين وقل لهم لا يزوروا مقابر قريش فقد أمر الخليفة أن يتفقد كل من زار فيقبض عليه» (1).
كما أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) منع وكلاءه من استلام الأموال من قواعده، عندما أمر الخليفة بأن ترسل إليهم أموال بيد أشخاص لا يعرفونهم كي يقبضوا على الذين يستلمون المال لما بلغه وجود الإمام، وأنه تجبى إليه الأموال عن طريق وزير الخليفة - عبد الله
1) الكافي، ج 1، ص 441.
بن سليمان (1)_
كما شملت هذه الرعاية قضاء حوائج المؤمنين الشخصية والاجتماعية والإصلاح بينهم وحلّ مشاكلهم المختلفة الفكرية وغيرها مما نقلته لنا المصادر التأريخية في هذه الفترة (2).
فضلاً عن مواقفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كشف الانحرافات العقائدية، وإفشال انتحال السفارة من مدعي السفارة والإمامة.
فكانت التوقيعات الشريفة والرسائل الصادرة عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مرحلة الغيبة الصغرى هي أحد أهم أنشطته في الغيبة الصغرى وتُعدّ أحد مصادر تأريخ هذه الفترة.
خامساً: لقاؤه بالمؤمنين
لقد اشتملت المصادر الروائية المعتبرة على الكثير من الروايات التي تحكي عن التقاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالمؤمنين خلال الغيبة الصغرى فلا يكاد يخلو كتاب من الكتب المصنّفة في تأريخ الأئمّة أو الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) خاصة من ذكر مثل هذه الروايات، فالشيخ الصدوق (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) قد روى عن محمد بن أبي عبدالله الكوفي إصابته حول من التقى بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مختلف أرجاء العالم الإسلامي فقد ذكر ثمانية وستين شخصاً، كما ذكر الميرزا النوري: أنّ عدداً من الثقات بلغ ثلاثمائة وأربعة أشخاص استناداً إلى المصادر المعتبرة (3).
وهي تخص الذين رأوه وعرفوه، وكان يقصد من لقائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهم أموراً، وقد صرّح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعيسى الجوهري حين التقاه قرب المدينة المنورة سنة (268هـ) بسبب لقائه به بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«يا عيسى ما كان لك أن تراني لولا المكذِّبون القائلون بأين هو؟ وأين ولد؟ ومن رآه؟ وما الذي خرج إليكم منه؟ وبأي شيء نبأكم؟ وأي معجز أتاكم؟ أما والله لقد دفعوا أميرالمؤمنين مع ما رَوَوْه، وقدموا عليه، وكادوه وقتلوه، وكذلك آبائي (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) ولم يصدّقوهم ونسبوهم إلى السحر وخدمة الجن إلى ما تبين.
يا عيسى، فخير أولياءنا ما رأيته، وإياك أن تخبر عدوّنا فَتُسْلَبه، فقلت: يا مولاي ادع لي بالثبات، فقال: لو لم يثبتك الله ما رأيتني وامض بنجعك راشداً فخرجت أكثر حمداً الله وشكراً» (1).
ويستفاد من الروايات أن كثيراً من المؤمنين كانوا يجتهدون في طلب لقائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في موسم الحج خاصة - كما تجد مصداق ذلك في قصة علي بن مهزيار الأهوازي.
1) تبصرة الولي، ص 197.
الخاصة
الأسئلة
ماذا قصد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من نشاطاته المختلفة؟
وضح دور الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) خلال الغيبة الصغرى؟
ما هو دور الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تركيز فكرة النيابة العامة؟
ماذا كان قصد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من لقاءاته بالمؤمنين؟
ما هو دور الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حفظ الكيان الشيعي خلال فترة الغيبة الصغرى؟
كان القبض على الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحد الأهداف الكبرى للدولة، حيث أنها تعلم ما في كيانها من ضعف و انحراف وتعلم أنّ المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو المذخور لرفع الظلم والجور عن الإنسانية، اذن وجوده يعتبر تهديداً لكيان الدولة العباسية الظالمة.
ولم تكن الدولة تعلم انه سيتأخّر ظهوره، فإنّ من مميزات ظهور الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كونه محتمل الظهور في كلّ وقت لكي يخافه كلُّ ظالم ويخشاه كلُّ منحرف.
وقد قامت السلطة العباسية بثلاث حملات للقبض عليه، إحداها قام بها المعتمد في الفترة المتأخرة عن وفاة الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) والأخريان قام بهما المعتضد الذي تولّى الحكم بعده. وأما الخلفاء المتأخرون فلم ينقل عنهم ذلك، ولعلهم كانوا قد يئسوا من ذلك يأساً تاماً.
وقد انشغلت الدولة بحرب صاحب الزنج وغيره، مما أوجب انحراف السلطات عن أن تجرّد حملات أخرى للكبس والتفتيش عن الإمام، أثناء خلافة المعتمد، وهي التسعة عشر عاماً التي قضاها في الحكم بعد وفاة الإمام الحسن العسكري(عَلَيهِ السَّلَامُ).
إلا أن التجسس المستمر والرصد الدائم من قبل السلطات، كان قائماً على قدم
وساق و مستمراً خلال ذلك الزمان، وكان يجابهه بأساليب السرية والكتمان المضاعفة التي كان السفيران الأوّلان يقومان بها في هذه الفترة الصعبة من الغيبة الصغرى. بما في ذلك تحريم التصريح باسمه والدلالة على مكانه، إلا لمن امتحن الله قلبه للإيمان.
و في خلال هذه الأعوام التسعة عشر كان التجسّس قد أنتج شيئاً مهماً بالنسبة للدولة. وهو ثبوت فكرة السفارة لديها، بعد ثبوت وجود الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأن هناك من يدعي السفارة عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويقبض المال بالوكالة عنه (1)اذن فهو موجود. ليس هذا فقط، بل يقود قواعده الشعبية ويقبض الأموال منهم. وهذه كانت من أعظم مهام المعتضد عند تولّيه للخلافة أن يجدد الحملات للقبض على الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
انظر إلى مقدار ما أتت به أخبار التجسس انه يعلم بدار المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي دار أبيه و هو لا يحاول أن يرى المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو أن يكلمه، وإنما يأمر بقتله وحمل رأسه إليه. وبذلك يتحقق الهدف الأعلى لكيان الدولة المتسلّط.
و الخليفة لا يعيّن شخصاً أو اسماً معيناً. بل يغمض من هذه الناحية لأنه يريد أن يبقي هذا الأمر خفيّاً حتّى على هؤلاء القائمين بالعملية، ولا يهمه بعد ذلك أن يقتلوا شخصاً غير المهدي ويأتوه برأسه. فحسبه أنه قام بالمحاولة.
و يتوخى المعتضد من من هذا الغموض أهدافاً:
الأوّل: عدم إثارة مسألة المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمام هؤلاء الجلاوزة.
الثاني: عدم كشف مهمتهم الحقيقية أمامهم محافظة على سمعته وسمعة الدولة فإنّهم إن عرفوا أنّ المعتضد يكلّفهم القبض على المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ). أمكن تسرب الخبر إلى المجتمع، فيترتب على ذلك، ما لا يحمد للمعتضد عقباه.
الثالث: عدم كشف مهمتهم الحقيقية أمامهم للمحافظة على سرية المطلب، حتّى عن
1) أعلام الورى، من 421.
خاصة رجال الدولة، وجهاز استخباراتها، فإنّ الأمر أهم وأدق من أن يعرفه الناس.
وبدأت الحملة كما أمر المعتضد، وتوجّه ثلاثة أشخاص إلى سامراء، وبحثوا عن الدار، فوجدوها، كما وصفها لهم المعتضد، ورأوا في الدهليز خادماً أسود وفي يده تكة ينسجها. فسألوه عن الدار ومن فيها. فقال صاحبها. قال رشيق الذي هو قائد حملة الاغتيال: فوالله ما التفت إلينا وقل اكتراثه بنا.
ثمّ إنّهم استمروا في مهمتهم، فكبسوا الدار و تجسسوا خلالها فوجدوا غرفة سرية وعليها ستر جميل جديد.
ولم يكن في الدار أحد، فرفعوا الستر، فرأوا بيتاً كبيراً كأنه بحر فيه ماء. وفي أقصى البيت حصير يبدو كأنه على الماء. وفوقه رجل من أحسن الناس هيئة، قائم يصلي. وبقي مشتغلاً بصلاته متوجهاً إلى ربه لم يلتفت إليهم، كأنه لم يرهم ولم يسمعهم.
فسبق أحد الرجلين اللذين كانا مع رشيق ليتخطّى البيت، فغرق في الماء، وما زال يضطرب، حتى أنقذه صاحباه وأخرجاه مغشياً عليه وبقي ساعة. ثمّ همّ الرجل الآخر أن يتخطى البيت فغرق في الماء أيضاً. فأصابه ما أصاب صاحبه.
فبقي رشيق وحده وهو قائد الحملة، مبهوتاً واجماً، وأيس من تحقيق الغرض، و أراد أن يلطف من خاطر هذا المصلي ويزيل ما يكون قد علق بذهنه من هذه الحملة، فتوجه إليه قائلاً: المعذرة إلى الله وإليك فوالله ما علمت كيف الخبر ولا إلى من أجيء. و أنا تائب إلى الله. قال رشيق: فوالله ما التفت إلى شيء. وما انتقل عما كان فيه فهالنا ذلك، وانصرفنا عنه.
انظر الرعاية الإلهية وكيف انتصر المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على هؤلاء الجلاوزة المنحرفين وكيف استطاع أن يؤثر هذا التأثير الرهيب الذي هو كرامة له من الله سبحانه وتعالى.
وحين آيس رشيق من بلوغ الغرض، وذاق صاحباه الغرق والعذاب، اضطر إلى الانصياع للتحدّي واعترف بالعجز. إنه لم يكن يتوقع شيئاً ممّا رآه، فضلاً عن كلّ ما
رآه. ولم يعلم إلّا أنّ المعتضد أرسله على شخص ما ليقبض عليه ويأخذ برأسه. وأما مثل هذا التدبير الحاسم فهو لم يواجه مثله من قبل أي شخص آخر حاول القبض عليه. إنّه يواجه الهول والتحدّي الصريح لأول مرة في حياته، بشكل لا يجد حيلة، ولا يعرف إلى تذليله طريقاً.
إذن، فلصاحب هذا البيت شأن غير اعتيادي، شأن أعلى من القوى الاعتيادية التي يعرفها رشيق. والمعتضد إنّما أغمض له الشك لسبب في نفسه.. إذ لعله يعرف شأن صاحب هذا البيت على الإجمال. إنّه هو الذي أوقعه في هذا الهول والتحدي بالرغم من أنّ التحدي في واقعه متوجّه إلى المعتضد نفسه أكثر مما هو متوجه إلى رشيق. فينبغي التخلّص من المسألة، والقاء المسؤولية كلها على كاهل المعتضد، والاعتذار من صاحب الدار، ذي الشأن المجهول الرهيب.
وصحب هؤلاء الجلاوزة هول في داخل قلوبهم، وتوجهوا توّاً إلى بغداد، ليحملوا هذا الخبر العجيب الرهيب إلى المعتضد وكان المعتضد ينتظرهم، وقد أمر الحجاب والحرس على أن يدخل هذا الوفد عليه في أي وقت كان ليلاً أو نهاراً فإنّ مهمّته أعمق وأعقد من أن تحتمل التأجيل.
ودخل عليه الوفد وهو يحمل هولة بين جنبيه ونقل له الحكاية كما وقعت فقال: ويحكم لقيكم أحد قبلي وجرى منكم إلى أحد سبب أو قول؟ فقالوا: لا. فقال: أنا نفي من جدّي أي ليس من بني العباس، وحلف بأشدّ أيمان له، أنه إذا بلغه أنهم أخبروا أحداً بهذا الخبر ليضربن أعناقهم. قال رشيق فما جسرنا أن نحدث به إلا بعد موت المعتضد.
إذن يعرف المعتضد ذلك جيّداً، ولكنّه يخاف منه على حاشيته وأساس ملكه. إن هؤلاء الثلاثة بالرغم من أنه حاول الإغماض عليهم في كلامه، قد اطلعوا على الحقيقة وواجهوا الحق، حتّى اضطرّ رشيق إلى التنازل والتوبة. إلا أنه لا ينبغي أن يكون الناس الآخرون كرشيق عارفين بالحق أو منصاعين له. و من ثمّ نراه يحلف لهم
بأغلظ الأيمان ويهدّدهم بالقتل إن بلغه أنهم أخبروا أحداً بذلك. فلم يجسروا أن يخبروا به إلا بعد موته. فإنّ أيمانه و تهديده إنما يكون رسمياً في حال حياته لا بعد موته.
وظن المعتضد، أن هذه الحملة، إنَّما فشلت باعتبار قلة العدد وباعتبار سرّية التخطيط والتنفيذ. فلا أقل من احتمال نجاح الحملة لو كثر العدد وانكشف الغرض. ولم يستطع أو لم يرد أن يفهم أن هذا العقل الذي تحدّاه مرة واحدة، يمكنه أن يتحداه عشرات المرات. ولن تستطيع أي قوة في البشر أن تسيطر أو تقضي عليه.
و من هنا جرّب حملة أكبر، وبعث عدداً أكثر، وأتبعه بجيش كبير. فانظر إلى هذا الجبن أمام فرد واحد والفزع الذي تتصف به الدولة تجاه هذا الأمر العظيم.
وينبغي في هذا الصدد أن نذكر الرواية بنصّها (1)قال الراوي:
ثم بعثوا عسكراً أكثر، فلما دخلوا الدار سمعوا من السرداب قراءة القرآن فاجتمعوا على بابه وحفظوه حتى لا يصعد ولا يخرج. وأميرهم - يعني قائد الحملة - قائم يصل (2)العسكر كلهم. فخرج من السكة التي على باب السرداب، ومرّ عليهم. فلما غاب، قال الأمير: انزلوا عليه. فقالوا: أليس هو الذي مرّ عليك؟ فقال: ما رأيته. قال: ولم تركتموه؟ قالوا: إنا حسبنا أنَّك تراه.
إنه يقرأ القرآن، إنّ القرآن الكريم هو حلقة الوصل بين جميع الفئات الإسلامية. والعلامة الرئيسية لتمسك الفرد بالإسلام. فالمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يريد أن يفهمهم ضمناً - لو كانوا يفهمون - حرمة الاعتداء عليه وقتله، باعتباره مؤمناً بالقرآن الذي تعترف السلطات بقدسيته في ظاهر سلوكها.
و من طريف حال هؤلاء الجلاوزة أنهم لم يبادروا للقبض على الإمام(عَلَيهِ السَّلَامُ). بل
وقفوا على باب السرداب و عن اقتحامه إنّهم يخافون مواجهة المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويحتاجون إلى مدد أكبر وعدد أكثر. فهم منتظرون لوصول المدد من بغداد إلى سامراء.
و في هذه الأثناء استغلّ الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أروع لحظة من لحظات ذلك الحصار لحظة اقترنت بالدقة في التوقيت والضبط في التدبير والعناية الإلهية التي ترعاه. إنّها لحظة غفلة قائد الحملة عن الترصد والانتباه. لحظة لم يأتِ فيها المدد، ولم تصدر الأوامر بعد باقتحام المكان.
و هنا خرج أمامهم من السرداب و مرّ على قائد الحملة ولم يشاهده، وأختفى حيث لا يمكن أن يصل إليه هذا الجيش. وهكذا تظافرت هذه الأمور لكي تنتج النتيجة الكبرى ولكي ينفذ المخطط الإلهي العظيم لإنقاذ مستقبل البشرية بالإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الظلم والجور.
الخاصة
قامت السلطة العباسية وعلى امتداد فترة الغيبة الصغرى بالعمل الجاد من أجل القبض على الإمام أو قتله غير أن جهودها باءت بالفشل الذريع.
وقد عمدت السلطة إلى تفتيش ومداهمة دار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عدة مرات وتمكن الإمام من التخلّص من طَوْق جلاوزة السلطة دون أن تشعر به بل لعله كان مروره على بعضهم من دون أن يحرك ساكناً تجاه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وفي آخر مرة دخلوا الدار وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقرأ القرآن وسمعوا ذلك وذهبوا صوب الصوت على أنّ الرعاية الإلهية تسببت في إصابتهم بذهول، ويمر عليهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولم يحركوا شيئاً تجاهه، ويذهب دون أن يمسوه بأذى.
وكان للفشل الذي لحق بهذه الحملات دور في العدد لقتل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) غير أن هذه الجهود ذهبت أدراج الرياح، وسلم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) برعاية الله وحفظه.
الأسئلة
وضح سبب محاولات التفتيش والبحث عن الإمام من قبل السلطة؟
ما الذي كان يتوخاه المعتضد من الغموض والإبهام في أوامره التي أصدرها لقتل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ما هي نتائج التصرف الذي صدر من الإمام الاتجاه الحملة التفتيشية لداره الا؟
اذكر الآثار التي تركها تصرف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نفوس المهاجمين؟
ما هي الأمور التي أدت إلى حفظ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من السلطة وجلاوزتها؟
من التراث العقائدي
«إن الله تعالى هو الذي خلق الأجسام وقسم الأرزاق، لأنه ليس بجسم ولا حال في جسم، ليس كمثله شيء وهو السميع العليم، وأمّا الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) فإنّهم يسألون الله تعالى فيخلق ويسألونه فيرزق إيجاباً لمسألتهم وإعظاماً لحقهم» (1).
«الذي يجب عليكم ولكم أن تقولوا إنا قدوة الله وأئمّة وخلفاء الله في أرضه وأمناؤُهُ على خلقه، وحُججُهُ في بلاده، نعرف الحلال والحرام ونعرف تأويل الكتاب وفصل الخطاب» (2).
«يا هذا يرحمُكَ اللهُ إِنَّ الله تعالى لمْ يَخلُقِ الخلقَ عبثاً، ولا أَهْمَلَهُم سُدى، بلْ خَلَقَهُمْ بقدرته وجعل لهم أسماعاً وأبصاراً وقلوباً وألباباً، ثمَّ بعثَ إليهم النبيِّينَ عليهم السلام مُبشِّرين ومنذرينَ، يأمُرونَهُم بطاعته وينهونهم عن معصيته، ويعرفونهم ما جهلوه من أمر خالقهم ودينهم، وأنزَلَ عليهمْ كِتاباً وبعث إليهم ملائكة، يأتونَ بينهم وبينَ مَنْ بعثهم إليهم بالفضل الذي جعله لهم عليهم، وما آتاهم من الدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة والآياتِ الغالبة، فمنهم من جعلَ النّارَ عليه برداً وسلاماً، واتخذه خليلاً، ومنهم مَنْ كلَّمَهُ تكليماً، وجعلَ عَصاهُ ثُعباناً مُبيناً، ومنهمْ مَنْ أحْيِي الموتى بإِذنِ اللهِ، وأبـراً الأكمة والأبرص بإذن الله، ومنهم من علمه منطق الطيرِ وأُوتِيَ مِن كُلِّ شيءٍ، ثمَّ بعثَ محمّداً صلى الله عليه و آله رحمةً للعالمين، وتَمَّم به نعمته، وختَمَ بِهِ أنبياءَهُ، وأرسلَهُ إلى النّاسِ كافَّةً، وأظهر من صدقهِ ما أظهر، وبيَّنَ من آياته وعلاماتهِ ما بَيَّنَ، ثُمَّ قبضهُ صلَّى الله عليه و آله حميداً فقيداً سعيداً، وجعل الأمر بعده إلى أخيه وابن عمه و وصيه و وارِثه علي بن أبي طالب عليه السّلامُ، ثُمَّ إلى الأوصياء من ولده واحِداً واحداً، أحيى بهم دينه وأتمَّ بهمْ نُورَهُ، وجعل بينهم وبين إخوانهم وبني عمهم والأذنين فالأذنين من ذوي أرحامهمْ فُرقاناً بيناً يعرفُ به الحُجّةُ من المحجوج، والإمام من المأموم، بأن عَصَمهُم من الذُّنوبِ، وبرَّأهُمْ من العُيوبِ وطهَّرهمْ من الدَّنَسِ، ونزَّههُم مِن اللَّبْسِ، وجعلهُمْ خُزَانَ علمه، ومُستودع حكمته و موضعَ سِرِّهِ، وأَيَّدَهُمْ بالدلائل، ولولا ذلك لكانَ النَّاسُ على سواء، ولادَّعى أمر الله عزَّ وجلَّ كُلُّ أحد، ولما عُرف الحق من الباطل، ولا العالم من الجاهل» (1).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تتمة كلامه السابق الذي أوضح فيه صفات الإمام الحق:
1) الغيبة، للشيخ الطوسي، ص 174.
«وقد ادعى هذا المُبْطِلُ المُفتري على الله الكَذِبَ بما ادعاه، فلا أدري بأية حالةٍ هی له رجاء أنْ يُتمَّ دعواهُ؟ أيفِقه في دينِ الله؟ فوالله ما يعرفُ ح(عَلَيهِ السَّلَامُ) من حرام ولا يُفرِّقُ بين خطأ وصواب، أم بعلم؟ فما يعلَمُ حقاً من باطِلٍ، ولا مُحْكماً من متشابه، ولا يعرفُ حدَّ الصَّلاةِ ووقتها. أم بورع؟ فالله شهيد على تركه الصَّلاةَ الفرضَ أربعين يوماً، يزعُمُ ذلك لطلب الشَّعوذة، ولعلَّ خبره قد تأدَّى إليكم، وهاتيك ظروف مسكره منصوبةٌ، و آثارُ عصيانه لله عزّوجلَّ مشهورةٌ قائِمةً. أم بآيةٍ؟ فليأتِ بها، أم بحجةٍ. فليقنها، أم بدلالة. فليذكرها. قال الله عزّوجلّ في كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم حم، تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم، ما خَلقنا السَّماواتِ والأرض وما بَيْنَهُما إِلَّا بالحَقِّ وأجلٍ مُسَمَّى والَّذِينَ كَفَرُوا عمّا أُنذِروا معرضونَ، قُل أرأيتمْ ما تَدعونَ مِن دُونِ الله أروني ماذا خَلقُوا مِن الأرضِ أم لهُمْ شِرك في السماواتِ، انتوني بكتاب من قَبْلِ هذا أو أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إن كُنتُم صادقين، ومنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يستَجيبُ لَهُ إلى يوم القيامةِ وهُم عن دُعائهم غافلون، وإذا حُشِرَ النَّاسُ كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادَتِهم كافرين فالتمش تولَّى الله توفيقك من هذا الظَّالِمِ ما ذكرتُ لكَ، وامتحنه وسله عن آيةٍ من كتاب الله يفَسِّرُها، أو صلاة فريضةٍ يُبيِّنُ حدُودَها، وما يجب فيها لتعلم حاله و مقدارَهُ، ويظهر لكَ عُوَارُهُ ونقصانه، والله حسيبه.
حفظ الله الحق على أهله، وأقرهُ في مُستقرِّهِ، وقد أبى الله عزّوجل أن تكونَ الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وإذا أذِنَ الله لنا في القولِ ظهر الحقُّ، واضمحل الباطل، وانحسر عنكم. وإلى الله أرغبُ في الكفاية، وجميل الصُّنعِ والولايه، وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلّى الله على مُحمّدٍ وآلِ محمّدٍ» (1).
و من رسالة له إلى سفيريه العمري وابنه: «وفقكُما الله لطاعته، وتبتكما على دينه،
1) الغيبة للشيخ الطوسي، ص 174.
وأسعدكما بمرضاته، انتهى إلينا ما ذكر تُما أنَّ الميثمي أخبركُما عن المختارِ ومناظراته من لقي، واحتجاجه بأنه لا خلف له غيرُ جعفر بن عليّ وتصديقه إياه، وفهمت جميع ما كتبتما به ممّا قالَ أصحابُكُما عنه، وأنا أعوذُ بالله من العمى بعد الجلاء، ومن الصّلالة بعد الهدى، ومن موبقاتِ الأعمال و مردياتِ الفتن، فإنّه عزّوجل يقول: (ألم، أحَسِبَ النّاسُ أن يُتركوا أن يقولُوا آمَنَّا وهُم لا يُفتنونَ) كيف يتساقطون في الفتنة، ويتردّدون في الحيرة، ويأخذُونَ يميناً وشمالاً، فارَقُوا دينهم، أم ارتابوا، أم عاندوا الحق، أم جهلُوا ما جاءت به الروايات الصادقة والأخبار الصحيحة، أو علموا ذلك فتناسوا ما يَعْلَمونَ أنَّ الأرضَ لا تخلو من حُجَّةٍ إِمّا ظاهراً وإما مغموراً.
أوْ لَمْ يعلموا انتظام أئمتهم بعلم نبيهم صلّى الله عليه و آله واحداً؟ بعد واحِدٍ إلى أنْ أفضَى الأمرُ بأَمرِ الله عزّوجلّ إلى الماضي - يعني الحسن بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) - فقام مقام آبائه (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، كانوا نوراً ساطعاً، وشهاباً لامعاً، و قَمَراً زاهِراً، ثُمَّ اختار الله عزّوجلّ له ما عنده فمضى على منهاج آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) حذو النعل بالنعل على عهدٍ عَهَدَهُ، ووصيّة أوصى بها إلى وصي ستره الله عزّوجل بأمره إلى غاية، وأخفى مكانه بمشيئة للقضاءِ السّابقِ والقدَرِ النّافذ، وفينا موضِعُهُ، ولنا فضله، ولو قَدْ أذِنَ الله عزّوجلَّ فيما قَدْ منعهُ عنهُ وأزالَ عنه ما قد جرى بِهِ من حكمه لأراهُمُ الحق ظاهراً بأحسن جليةٍ، وأبين دلالةٍ، وأوضح علامة، ولأبان عن نفسه وقام بحجَّتِهِ، فليدعُوا عنهم اتِّباعَ الهوى، وليقيموا على أصلهمُ الّذي كانوا عليه، ولا يبحثوا عمّا سُتر عنهُم فيأثَمُوا، ولا يكشِفوا سِتْرَ اللهِ عزّوجلّ فيندمُوا، وليعلموا أنَّ الحق معنا وفينا، لا يقول ذلك سوانا إلّا كَذَّابٌ مُفتر، ولا يدَّعِيهِ غيرُنا إلا ضال غوي، فليقتصِرُوا مِنّا على هذهِ الجُملة دون التفسير، ويقنعوا من ذلك بالتعريض دون التصريح إن شاء الله» (1).
1) کمال الدين ص 510.
وجّه قوم من المفوّضة كامل بن إبراهيم المدني، إلى أبي محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: فقلت في نفسي -: لئن دخلت عليه أسأله عن الحديث المروي عنه: (لا يدخل الجنة إلا من عرف معرفتي وقال بمقالتي) وكنت جلست إلى باب عليه ستر مسبل، فجاءت الريح فكشفت طرفه، وإذا بفتى كأنه فلقة قمر، من أبناء أربع سنين، أو مثلها فقال لي: يا كامل بن إبراهيم فاقشعررت من ذلك، فقلت: لبيك ياسيدي.
قال: جئت إلى ولي الله تسأله: لا يدخل الجنّة إلا من عرف بمعرفتك وقال بمقالتك؟
قلت: إي والله.
قال: إذن والله - يقل داخلها، والله ليدخلنها قوم يقال لهم: (الحقية).
قلت: و من هم؟
قال: هم قوم من حبّهم لعلّي يحلفون بحقه، ولا يدرون ما حقه وفضله.
إنهم قوم يعرفون ما تجب عليهم معرفته جملة لا تفصيلاً، من معرفة الله ورسوله والأئمة ونحوها.
ثمّ قال: وجئت تسأل عن مقالة المفوّضة كذبوا، بل قلوبنا أوعية لمشيئة الله، فإذا شاء الله شئنا والله يقول: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله).
ثم رجع الستر إلى حالته فلم استطع كشفه، فنظر إلي أبو محمد مبتسماً فقال: ياكامل ما جلوسك وقد آساك بحاجتك الحجة من بعدي (1).
«يا محمد بن علي، تعالى الله وجل عما يصفون، سبحانه وبحمده، ليس نحن
شركاؤه في علمه ولا في قدرته، بل لا يعلم الغيب غيره، كما قال في محكم كتابه تباركت أسماؤه: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ.
وأنا وجميع آبائي من الأولين آدم ونوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من النبيين، و من الآخرين محمّد رسول الله وعلي بن أبي طالب وغيرهم من مضى من الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين، إلى مبلغ أيامي ومنتهى عصري، عبيد الله عزّوجلّ: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا؟ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى.
يا محمّد بن علي قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاءهم، ومن دينه جناح البعوضة أرجح منه. فأشهد الله الذي لا إله إلا هو وكفى به شهيداً، ورسوله محمد علي الله و ملائكته وأنبياؤه وأولياؤه السلام، و أشهدك وأشهد كل من سمع كتابي هذا: أني بريء إلى الله و إلى رسوله ممّن يقول: إنا نعلم الغيب، ونشاركه في ملكه، أو يُحلّنا محلاً سوى المحل الذي رضيه الله لنا وخُلقنا له، أو يتعدى بنا عمّا قد فسرته لك وبينته في صدر كتابي.
و أشهدكم أنّ كلّ من نبرأ منه فإنّ الله يبرأ منه وملائكته ورسله وأولياءه. وجعلت هذا التوقيع الذي في هذا الكتاب أمانة في عنقك وعنق من سمعه، عه، أن لا يكتمه من أحد من موالي وشيعتي، حتى يظهر على هذا التوقيع، الكل من الموالي، لعلّ الله عزوجل يتلافاهم فيرجعون إلى دين الحق وينتهون عما لا يعلمون منتهى أمره، لا يبلغ منتهاه، فكل من فهم كتابي ولا يرجع إلى ما قد أمرته ونهيته، فقد حلّت عليه
اللعنة من الله وممن ذكرتُ من عباده الصالحين. وأما ندامة قوم شكوا في دين الله على ما وصلونا به، فقد أقلنا من استقال فلا
حاجة إلى صلة الشاكين» (1).
«عرف -أطال الله بقاك، وعرّفك الله الخير كله، وختم به عملك - من تثق بدينه و تسكن إلى نيته من إخواننا أدام الله سعادتهم بأنّ محمّد بن علي المعروف بالشلمغاني، عجل الله له النقمة ولا أمهله: قد ارتد عن الإسلام وفارقه، وألحد في دين الله، وادعى ما كفر معه بالخالق جل وتعالى، وافترى كذباً وزوراً، وقال بهتاناً وإثماً عظيماً، كذب العادلون بالله وضلّوا ضلالاً بعيداً، وخسروا خسراناً مبيناً.
وإنا برثنا إلى الله تعالى، وإلى رسوله صلوات الله عليه وسلامه ورحمته وبركاته منه، ولعنّاه، عليه لعائن الله في الظاهر منّا والباطن في السر والجهر، وفي كل وقت، و على كلّ حالٍ وعلى كلّ من شايعه وبلغه هذا القول منا فأقام على توليه بعده.
أعلمهم تولاك الله أننا في التوقي والمحاذرة منه على مثل ما كنا عليه ممن تقدّمه من نظرائه: من (السريعي، والنميري والهلالي والبلالي) وغيرهم، وعادة الله جل ثنائه ذلك قبله وبعده عندنا جميلة وبه نثق وإيَّاه نستعين، وهو حسبنا في كل أمورنا ونعم الوكيل» (2).
9- الغيبة والقيادة والمرجعية
«أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك، ووقاك من أمر المنكرين لي من من أهل بيتنا وبني عمنا، فاعلم أنه ليس بين الله عز وجل وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس مني و سبیله سبیل ابن نوح.
و أما سبيل عمّي جعفر وولده، فسبيل إخوة يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأما الفقاع فشر به حرام ولا بأس بالشلماب.
و أمّا أموالكم فلا نقبلها إلا لتطهروا، فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع، وما آتانا الله خير مما آتاكم.
و أمّا ظهور الفرج فإنّه إلى الله وكذب الوقاتون.
و أما قول من زعم أنّ الحسين لم يقتل، فكفر و تكذيب وضلال.
و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم و أنا حجّة الله.
و أما محمّد بن عثمان العمري - فرضي الله عنه وعن أبيه من قبل فإنّه ثقتي وكتابه كتابي.
وأمّا محمّد بن علي بن مهزيار الأهوازي فسيصلح الله قلبه، ويزيل عنه شكه.
وأما ما وصلنا به، فلا قبول عندنا إلا لما طاب وطهر، وثمن المغنية حرام.
و أما محمّد بن شاذان بن نعيم، فإنه رجل من شيعتنا أهل البيت (1).
وأما أبوالخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع فإنّه ملعون وأصحابه ملعونون فلا تجالس أهل مقالتهم، فإنّي منهم بريء، وآبائي الا منهم براء.
و أما المتلبسون بأموالنا، فمن استحلّ منها شيئاً فأكله فإنّما يأكل النيران.
و أما الخمس فقد أُبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حل إلى وقت ظهور أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث.
و أمّا علّة ما وقع من الغَيْبة فإنّ الله عزّوجلّ قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ إنه لم يكن أحد من آبائي إلا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه.
1) الاحتجاج، ص 281 - 284.
وإنِّي أخرج - حين أخرج - ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي.
وأما وجه الانتفاع في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، فاغلقوا السؤال عما لا يعنيكم، ولا تتكلّفوا علم ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإن ذلك فرجكم والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى» (1).
10 - خلف العسكري (2)
«بسم الله الرحمن الرحيم. عافانا الله وإياكم من الفتن، و وهب لنا ولكم روح اليقين، وأجارنا وإياكم من سوء المنقلب.
إنه أنهي إلي ارتياب جماعة منكم في الدين، وما دخلهم من الشك والحيرة في ولاة أمرهم فغمّنا ذلك ولكم لا لنا، وساءنا فيكم لا فينا لأنّ الله معنا فلا فاقة بنا إلى غيره، والحق معنا فلن يوحشنا من قعد عنا ونحن صنايع ربنا والخلق بعد صنايعنا.
يا هؤلاء، مالكم في الريب تتردّدون، وفي الحيرة تتسكعون؟
أوما سمعتم الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ؟ أوما علمتم ما جاءت به الآثار مما يكون ويحدث في أئمتكم؟ على الماضين والباقين منهم السلام، أوما رأيتم كيف جعل لكم الله معاقل تأوون إليها، وأعلاماً تهتدون بها، من لدن آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أن ظهر الماضي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلما غاب علم بدأ علم، وإذا أفل نجم طلع نجم، فلما قبضه الله ظننتم أن الله أبطل دينه وقطع السبب بينه وبين خلقه كلا ما كان ذلك ولا يكون حتّى تقوم الساعة ويظهر أمرهم وهم كارهون.
وإن الماضي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مضى سعيداً فقيداً على منهاج آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) (حذو النعل بالنعل) وفينا وصيته وعلمه، ومنه خلفه ومن يسد مسده، ولا ينازعنا موضعه إلا ظالم آثم، ولا يدعيه دوننا إلا كافر جاحد.
ولو أنّ أمر الله لا يغلب، وسره لا يظهر ولا يعلن لظهر لكم من حقنا ما تبهر منه عقولكم ويزيل شكوكم، ولكن ما شاء الله كان، ولكلّ أجل كتاب، فاتقوا الله وسلّموا لنا، وردّوا الأمر إلينا، فعلينا الإصدار كما كان منا الإيراد، ولا تحاولوا كشف ما غطّي عنكم، ولا تميلوا عن اليمين وتعدلوا إلى اليسار واجعلوا قصدكم إلينا بالمودة على السنة الواضحة فقد نصحت لكم والله شاهد عليّ وعليكم، ولولا ما عندنا من محبّة صاحبكم ورحمكم والإشفاق عليكم، لكنّا عن مخاطبتكم في شَغَل مما قد امتحنّا به منازعة الظالم العتل الظالم، المتتابع في غيّه المضاد لربّه المدعي ما ليس له، الجاحد حق من افترض الله طاعته، الظالم الغاصب.
و في ابنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لي أسوة حسنه وسيتردّى الجاهل رداء عمله، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار.
عصمنا الله وإياكم من المهالك والأسواء، والآفات والعاهات كلّها برحمته فإنه وليّ ذلك، والقادر على ما يشاء، وكان لنا ولكم وليّاً وحافظاً، والسلام على جميع الأوصياء والأولياء، والمؤمنين ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على النبي محمد و آله وسلّم تسليماً» (1).
1) الاحتجاج، ج 2، ص 277 - 279.
الخاصة
للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ففي الجانب العقائدي نجد أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يركز على عظمة الله سبحانه وقدرته وإليه يعود كلّ شيء، كما أنّ هنالك إشارات وإيضاحات حول مقام الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأنهم عباد مكرمون، وأنّ لهم مقاماً ومكاناً خاصاً عند الله سبحانه كما ورد عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيان خاص بعلة الخلق وبعث الأنبياء والأوصياء ودورهم في حياة الإنسان.
كما أن رسائله إلى قواعده ومواليه قد أوضح فيها المشاكل العقائدية التي كانت تعاني منها الجماعة الصالحة ولاسيما مسائل إمامة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وبالأخص قضايا الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أسباب الغيبة وفوائدها وتكاليف الجماعة الصالحة في عصر الغيبة إلى غيرها من قضايا العقيدة بما يتناسب مع الظروف المحيطة به وبقواعده الموالية له.
الأسئلة
بيّن المناحي التي تضمّنها تراث الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
ما هي إشارات الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مقام ومكانة الأئمة عند الله سبحانه؟
اذكر الكيفية التي دحض بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ادعاءات عمه جعفر بن علي(عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
وضح علة الخلق وبعث الأنبياء كما وردت في كلمات الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
ما هي وصية الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقواعده ليكونوا في أتم الاستعداد لظهوره (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
. ما هي أهمية الرسائل التي بعثها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أعلام الطائفة؟
مسائل الحميري (1)- رقم 1
«بسم الله الرحمن الرحيم. أطال الله بقاك، وأدام الله عزّك، وتأييدك وسعادتك وسلامتك وأتم نعمته عليك، وزاد في إحسانه إليك، وجميل مواهبه لديك، وفضله عندك، وجعلني من السوء فداك، وقدمني قبلك (2)الناس يتنافسون في الدرجات، فمن قبلتموه كان مقبولاً، ومن دفعتموه كان وضيعاً، والخامل من وضعتموه، ونعوذ بالله من ذلك وببلدنا أيدك الله جماعة من الوجوه يتساوون ويتنافسون في المنزلة، وورد أيدك الله كتابك إلى جماعة منهم في أمر أمرتهم به من معاونة، وأخرج علي بن محمد بن الحسين بن الملك المعروف بملك بادوكة وهو ختن (3)رحمه الله من بينهم فاغتنم بذلك، وسألني - أيدك الله - أن أعلمك ما ناله من ذلك، فإن كان من ذنب فاستغفر الله منه، وإن يكن غير ذلك عرفته ما تسكن نفسه إليه إن شاء الله.»
التوقيع: «لم نكاتب إلا من كاتبنا».
(وقد عودتني أدام الله عزّك في تفضلك ما أنت أهل أن تخبرني على العادة، و قبلك - أعزك الله - فقهاؤنا قالوا إنا محتاجون إلى أشياء تسأل لنا عنها.
روى لنا عن العالم (1)(عَلَيهِ السَّلَامُ): أنه سئل عن إمام قوم، صلّى بهم بعض صلاتهم وحدثت عليه حادثة (2)، كيف يعمل من خلفه؟
فقال: يؤخّر ويتقدّم بعضهم، ويتم صلاتهم، ويغتسل من مسه.»
التوقيع: «ليس على من نحاه إلا غسل اليد، وإذا لم يحدث حادثة يقطع الصلاة، تمّم صلاته مع القوم» (3).
»وروي عن العالم (عَلَيهِ السَّلَامُ): أن من مس ميتاً بحرارته غسل يده، ومن مسه وقد برد فعليه الغسل.
وهذا الإمام في هذه الحالة لا يكون إلا بحرارة، فالعمل ما هو. ولعله ينحيه بثيابه ولا يمسه، فكيف يجب عليه الغسل.»
التوقيع: «إذا مسه على هذه الحال لم يكن عليه إلا غسل يده».
و عن صلاة جعفر: إذا سها في التسبيح في قيام أو قعود، أو ركوع أو سجود وذكره في حالة أخرى قد صار فيها من هذه الصلاة، هل يعيد ما فاته في ذلك التسبيح في الحالة التي ذكرها أم يتجاوز في صلاته؟»
التوقيع: «إذا سها في حالة من ذلك ثم ذكر في حالة أُخرى، قضى ما فاته في الحالة التي ذكره».
«و عن المرأة: يموت زوجها، يجوز أن تخرج في جنازته أم لا؟»
التوقيع: «تخرج في جنازته».
«وهل يجوز لها في عدتها أن تزور قبر زوجها أم لا؟»
التوقيع: «تزور قبر زوجها ولا تبيت عن بيتها».
«وهل يجوز لها أن تخرج في قضاء حق يلزمها، أم لا تبرح من بيتها وهي في عدتها؟»
التوقيع: «إذا كان حق خرجت فيه وقضته، وإن كانت حاجة ولم يكن لها من ينظر فيها خرجت بها حتى تقضيها، ولا تبيت إلا في بيتها» (1).
«وروي في ثواب القرآن في الفرائض وغيرها: أن العالم (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: عجباً لمن لم يقرأ في صلاته: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) كيف تقبل صلاته؟
وروي: ما زكت صلاة من لم يقرأ (قل هو الله أحد).
وروي أن من قرأ في فرائضه «الهمزة» أعطي من الثواب قدر الدنيا فهل يجوز أن يقرأ «الهمزة» ويدع هذه السور التي ذكرناها، مع ما قد روي: أنه لا تقبل صلاة ولا تزكو إلا بهما؟
التوقيع: الثواب في السورة على ما قد روي: وإذا ترك سورة مما فيها الثواب وقرأ (قل هو الله أحد وإنا أنزلناه) لفضلهما أعطي ثواب ما قرأ، وثواب السور التي ترك، ويجوز أن يقرأ غير هاتين السورتين وتكون صلاته تامة ولكن يكون قد ترك الفضل».
«و عن وداع شهر رمضان: متى يكون؟ فقد اختلف فيه أصحابنا، فبعضهم يقول: يقرأ في آخر ليلة منه وبعضهم يقول: وهو في آخر يوم منه إذا رأى هلال شوال؟»
التوقيع: «العمل في شهر رمضان في لياليه والوداع يقع في آخر ليلة منه، فإذا خاف أن ينقص الشهر جعله في ليلتين».
1) فأصل الخروج من البيت لحاجة - لا يوجد من ينظر فيها - يجوز، إنما المهم أن لا تبيت خارج بيتها.
«و عن قول الله عزوجل: (إنّه لقول رسول كريم) أرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) المعني به؟ ذي قوّة عند ذي العرش مكين) ما هذه القوة؟ (مطاع ثمَّ أمين) (1)ما هذه الطاعة و أين هي؟ ما خرج لهذه المسألة جواب.
فرأيك أدام الله عزّك بالتفضّل عليّ بمسألة من تثق به من الفقهاء عن هذه المسائل فأجبني عنها منعماً مع ما تشرحه لي من أمر علي بن محمد ابن الحسين بن الملك المتقدم ذكره بما يسكن إليه ويعتد بنعمة الله عنده، و تفضل علي بدعاء جامع لي ولإخواني في الدنيا والآخرة فعلت مثاباً إن شاء الله (2).»
التوقيع: «جمع الله لك ولإخوانك خير الدنيا والآخرة».
مسائل الحميري (3)- رقم 2
«فرأيك أدام الله عزّك في تأمّل رقعتي والتفضّل بما أسأل من ذلك لأضيفه إلى سائر أياديك عندي و مننك عليّ، واحتجت أدام الله عزّك أن يسألني بعض الفقهاء عن المصلي إذا قام من التشهد الأوّل إلى الركعة الثانية هل يجب عليه أن يكبر؟ فإنّ بعض أصحابنا قال: لا يجب عليه التكبير، ويجزيه أن يقول بحول الله وقوته أقوم وأقعد؟.
الجواب: «إنّ فيه حديثين أما أحدهما: (فإنّه إذا انتقل من حالة إلى حالة أخرى فعليه التكبير). وأما الآخر فإنّه روى: (أنه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية فكبر ثمّ جلس ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير وكذلك في التشهد الأول يجري هذا المجرى) وبأيهما أخذت من جهة التسليم كان صواباً».
و عن الفص الخماهن (1): هل يجوز فيه الصلاة إذا كان في اصبعه؟»
الجواب: «فيه كراهية أن يصلّى فيه، وفيه أيضاً إطلاق، والعمل على الكراهية» (2).
«و عن الرجل اشترى هدياً لرجل غاب عنه، وسأله أن ينحر عنه هدياً بمنى فلمّا أراد: نحر الهدي نسي اسم الرجل ونحر الهدي، ثمّ ذكره بعد ذلك، أيجزي عن الرجل أم لا؟»
الجواب: «لا بأس بذلك، وقد أجزاً عن صاحبه».
«وعندنا حاكة مجوس، يأكلون الميتة، ولا يغتسلون من الجنابة، وينسجون لنا ثياباً، فهل يجوز الصلاة فيها من قبل أن تغسل؟»
الجواب: «لا بأس بالصلاة فيها».
«وعن المصلّى: يكون في صلاة الليل في ظلمة، فإذا سجد يغلط بالسجادة ويضع جبهته على (مسح أو نطع) فإذا رفع رأسه وجد السجادة هل يعتد بهذه السجدة أم لا يعتد بها؟»
الجواب: «ما لم يستو جالساً فلا شيء عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة» (3).
«و عن المحرم: يرفع الظلال هل يرفع خشب أو العمارية الكنيسة ويرفع الجناحين أم لا؟» (4)
1) كلمة معربة تطلق على نوع من الحديد. وفي بعض النسخ (الجوهر) وإذا صح فالمراد غير الجواهر التي يستحب الصلاة فيها.
2) من عادة الأئمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنهم كانوا يعملون على تربية المواهب لدى أصحابهم، ولعل التفصيل في الجوابين السابقين لتربية ملكة الاجتهاد لدى الحميري.
3) حصيرة صغيرة كانت توضع ليسجد عليها - كالسجدة المعمولة من التراب - سمّيت خمرة لأنها تستر الوجه من الأرض.
4) العمارية رقعة مزينة تخاط في المظلّة، وتطلق على قماش المظلة. والكنيسية: نوع من المحمل تشبه هندسته هندسة الكنيسة. وفي مجمع البحرين الكنيسة شيء يعزّز في المحمل أو الرحل ويلقى عليه ثوب يستظل به الراكب ويستتر به.
الجواب: «لا شيء عليه في ترك رفع الخشب».
«و عن المحرم: يستظلّ من المطر بنطع أو غيره، حذراً على ثيابه وما في محمله أن يبتل، فهل يجوز ذلك؟»
الجواب: «إذا فعل ذلك في المحمل في طريقه، فعليه دم» (1).
«و عن الرجل: يحج عن واحد هل يحتاج أن يذكر الذي حج عنه عند عقد إحرامه أم لا، وهل يجب أن يذبح عمّن حجّ عنه وعن نفسه أم يجزيه هدي واحد؟»
الجواب: «قد يجزيه هدي واحد، ويذكره وإن لم يفعل (2)
وإذا ساق الهدي قرن بين عمرته وحجّه بإحرام واحد، وإذا لم يسق تمتّع بالعمرة إلى الحج وضحى يوم العيد بما يشتريه من منى.
فلابأس».«وهل يجوز للرجل أن يحرم في كساء خز أم لا؟»
الجواب: «لا بأس بذلك، وقد فعله قوم صالحون».
«وهل يجوز للرجل أن يصلّى في بطيط (3)لا يغطي الكعبين أم لا يجوز؟»
الجواب: «جائز».
«و عن الرجل يصلّى وفي كمه أو سراويله سكين أو مفتاح حديد، هل يجوز ذلك؟»
«و عن الرجل: يكون معه بعض هؤلاء (4)
و أول هذا الميقات - من جهة العراق - موضع يقال له: (المسلخ) و وسطه (غمرة) و آخره (ذات عرق). والشيعة يحرمون من (المسلخ) والسنّة يحرمون من (ذات عرق).
فإذا اقتضت التقية تأخير الإحرام إلى ذات عرق) وجب على الحاج أن يلبس ثوبي الإحرام ويلبي سراً من المسلخ) ثمّ يلبس المخيط تقية وإن لم يمكنه ذلك أحرم بثيابه ولبي فإذا بلغ (ذات عرق) ينزع المخيط ويفدي لبسه في حال الإحرام والحاصل أن الواجب هو الإحرام من المسلخ.
، ويكون متصلاً بهم، فيحج ويأخذ ذات1) أي عليه أن يكفر بذبح شاة والتصدق بها.
2) الظاهر أنّ هذين جوابان عن سؤالين دمجاً معاً (و يذكره) أي: المنوب عنه في عقد الاحرام. والهدي من الأنعام: ما يسوقه الحاج المقرن معه، فالقارن يسوق الهدي عند إحرامه، ويتخير بين التلبية والإشعار أو التقليد، ويختص البقر والغنم بتقليدها بنعل قد صلّى فيه. وأما إن ساق الإبل فيتخير بين تقليدها، وبين إشعارها بأن يشق الجانب الأيمن من سنامها ويلطخ صفحتها بدمها.
3) البطيط: نوع من الأحذية مفلطح مفتوق عند قبة القدم.
4) وادي العقيق، ثاني المواقيت التي يحرم منها الحجاج، ويبعد عن مكة المكرمة مائة كيلومتراً تقريباً، وهو ميقات أهل العراق وأهل نجد، وكل من يمر به في طريقه إلى مكة.
عرق فيحرم معهم لما يخاف الشهرة (1)أم لا يجوز إلا أن يحرم من المسلخ.»
الجواب: يحرم من ميقاته ثم يلبس الثياب، ويلبي في نفسه، فإذا بلغ إلى ميقاتهم أظهر».
«و عن لبس النعل المعطون (2)فإنّ بعض أصحابنا يذكر أن لبسه كريه؟»
الجواب: «جائز، ولا بأس به».
«و عن الرجل: من وكلاء الوقف مستحلاً لما في يده، ولا يرع عن أخذ ماله ربّما نزلت في قريته وهو فيها. أو أدخل منزله - وقد حضر طعامه - فيدعوني إليه، فإن لم آكل من طعامه عاداني عليه وقال: فلان لا يستحل أن يأكل من طعامنا فهل يجوز لي أن آكل من طعامه وأتصدق بصدقة؟ وكم مقدار الصدقة؟ وأن أهدي هذا الوكيل هدية إلى رجل آخر فأحضر فيدعوني إلى أن أنال منها، وأنا أعلم أن الوكيل لا يرع عن أخذ ما في يده، فهل عليّ فيه شيء إن أنا نلت منها؟»
الجواب: «إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه واقبل بره، وإلا فلا».
«وعن الرجل ممّن يقول بالحق ويرى المتعة، ويقول بالرجعة، إلا أن له أهلاً
موافقة له في جميع أموره، وقد عاهدها: ألا يتزوج عليها، ولا يتمتع ولا يتسرى وقد فعل هذا منذ تسعة عشر سنة. و وفى بقوله، فربما غاب عن منزله الأشهر فلا يتمتع ولا تتحرك نفسه أيضاً لذلك، ويرى أن وقوف من معه من أخ وولد و غلام و وكيل وحاشية ممّا يقلّله في أعينهم، ويحبّ المقام على ما هو عليه محبة لأهله وميلاً إليها، وصيانة لها ولنفسها، لا لتحريم المتعة بل يدين الله بها، فهل عليه في ترك ذلك مأثم أم لا؟»
الجواب: «يستحب له أن يطي(عَلَيهِ السَّلَامُ) تعالى بالمتعة، ليزول عنه الحلف في المعصية ولو مرّة».
مسائل الحميري (1)- رقم 3
سأل عن المحرم: «يجوز أن يشدّ المئزر من خلفه على عقبه بالطول، ويرفع طرفيه إلى حقويه ويجمعهما في خاصرته ويعقدها، ويخرج الطرفين الآخرين من بين رجلين ويرفعهما إلى خاصرته ويشدّ طرفيه إلى وركيه فيكون مثل السراويل يستر ما هناك، فإنّ المنزر الأوّل كنّا نتّزر به إذا ركب الرجل جمله يكشف ما هناك، وهذا أستر؟»
فأجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «جاز أن يتزر الإنسان كيف شاء إذا لم يحدث في المئزر حدثاً بمقراظ ولا إبرة يخرجه به عن المئزر، وغزره غزراً ولم يقعده، ولم يشد بعضه ببعض، وإذا غطى سرته وركبتيه كلاهما فإنّ السنّة المجمع عليها بغير خلاف تغطية السرة و الركبتين، والأحبّ إلينا والأفضل لكلّ أحد شدّه على السبيل المألوفة المعروفة عند الناس جميعاً إن شاء الله».
1) الاحتجاج، ج 2، ص 306 - 309. كتاب آخر لمحمد بن عبدالله الحميري إلى صاحب الزمان (عَلَيهِ السَّلَامُ)، من أجوبة مسائله التي سأله عنها في سنة سبع وثلاثمائة....
وسأل: «هل يجوز أن يشد عليه مكان العقد تكه؟»
فأجاب: «لا يجوز شد المئزر بشيء سواه من تكه ولا غيرها».
وسأل عن التوجه للصلاة أن يقول على ملة إبراهيم و دين محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فإن بعض أصحابنا ذكر: «أنه إذا قال على دين محمّد فقد أبدع، لأنا لم نجده في شيء من كتب الصلاة خلا حديثاً في كتاب القاسم بن محمّد عن جده عن الحسن بن راشد: أن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال للحسن: كيف تتوجه؟
فقال: أقول لبيك وسعديك.
فقال له الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليس عن هذا أسألك. كيف تقول وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً.
قال الحسن: أقول.
فقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): إذا قلت ذلك فقل: على ملة إبراهيم و دين محمد، ومنهاج علي بن أبي طالب، والإنتمام بآل محمّد حنيفاً ومسلماً وما أنا من المشركين.»
فأجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «التوجه كله ليس بفريضة، والسنّة المؤكدة فيه التي كالإجماع الذي لا خلاف فيه: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، حنيفاً مسلماً على ملة إبراهيم ودين محمد وهدي أمير المؤمنين، وما أنا من المشركين. إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. اللهمّ اجعلني من المسلمين أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ثم اقرأ الحمد.»
قال الفقيه (1)الذي لا يشك في علمه: «إنّ الدين لمحمد والهداية لعلي أميرالمؤمنين
1) يمكن أن يكون المراد من (الفقيه) هو الإمام الصادق، باعتبار الرواية عنه في السؤال، ويمكن أن يكون المراد من (الفقيه) الإمام الكاظم، لأنّ الشيعة كانوا يعبرون عنه بـ (الفقيه) أو بـ(فقيه أهل البيت) ويمكن أن المراد غيرهما من الأئمة، لأنّ هذا اللقب كان يطلق على منهم في زمانه.
لأنها له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفي عقبه باقية إلى يوم القيامة فمن كان كذلك فهو من المهتدين ومن شك فلا دين له، ونعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى».
وسأله عن القنوت في الفريضة إذا فرغ من دعائه، يجوز أن يردّ يديه على وجهه وصدره للحديث الذي روي: أنّ الله عزّوجلّ أجلّ من أن يردّ يدي عبده صفراً بل يملأهما من رحمته) أم لا يجوز؟ فإنّ بعض أصحابنا (1)ذكر أنه عمل (2)في الصلاة.»
فأجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ردّ اليدين من القنوت على الرأس والوجه غير جائز في الفرائض، والذي عليه العمل فيه، إذا رجع يده في قنوت الفريضة وفرغ من الدعاء، أن يردّ بطن راحتيه معصدره تلقاء ركبتيه على تمهل ويكبر ويركع، والخبر صحيح وهو في نوافل النهار والليل دون الفرائض والعمل به (3)فيها أفضل».
وسأل: «عن سجدة الشكر بعد الفريضة، فإنّ بعض أصحابنا ذكر أنها (بدعة) فهل يجوز أن يسجدها الرجل بعد الفريضة؟ وإن جاز ففي صلاة المغرب هي بعد الفريضة أو بعد الأربع ركعات النافلة؟»
فأجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «سجدة الشكر من ألزم السنن، وأوجبها، ولم يقل إنّ هذه السجدة بدعة إلا من أراد أن يحدث بدعة في دين الله. فأما الخبر المروي فيها بعد صلاة المغرب والاختلاف في أنها بعد الثلاث أو بعد الأربع فإنّ فضل الدعاء والتسبيح بعد الفرائض على الدعاء بعقيب النوافل كفضل الفرائض على النوافل، والسجدة دعاء و تسبيح فالأفضل أن تكون بعد الفرائض فإن جعلت بعد النوافل أيضاً جاز» (4).
وسأل: «أنّ لبعض إخواننا ممّن نعرفه ضيعة جديدة بجنب ضيعة خراب، للسلطان
1) يقصد من أصحابنا: علماء الشيعة.
2) عمل في الصلاة، أي عمل خارج عن الصلاة، والعمل الخارج عنها - إذا دخل فيها - يفسدها.
3) أي العمل بالخبر المذكور أعلاه في النوافل أفضل فيرد يديه من القنوت على وجهه وصدره، ولا يفعل ذلك في الفرائض وإنما يرد راحتي يديه مع صدره سوية مقابل ركبتيه للركوع.
4) لأنها مستحبّة، فتقديمها على النافلة أفضل، وتأخيرها لا يضر كما أن تركها ليس حراماً،
فيها حصته واكرته ربما زرعوا حدودها ويؤذيهم عمال السلطان ويتعرّضون في الكل من غلات ضيعته، وليس لها قيمة لخرابها وإنّما هي بائرة منذ عشرين سنة، وهو يتحرّج من شرائها لأنه يقال: إنّ هذه الحصة من هذه الضيعة كانت قبضت عن الوقف قديماً للسلطان، فإن جاز شراؤها من السلطان، وكان ذلك صلاحاً له وعمارة لضيعته، وإنه يزرع هذه الحصة من القرية البائرة لفضل ماء ضيعته العامرة، وينحسم عنه طمع أولياء السلطان، وإن لم يجز ذلك عمل بما تأمره به إن شاء الله تعالى؟»
فأجاب: «الضيعة لا يجوز ابتياعها إلا من مالكها أو بأمره أو رضاء منه» (1).
وسأل: «عن رجل استحلّ امرأة خارجة من حجابها، وكان يحترز من أن يقع ولد فجاءت بابن، فتحرّج الرجل أن لا يقبله فقبله وهو شاكّ فيه. وجعل يجري النفقة على أمه وعليه حتى ماتت الأم، وهو ذا يجري عليه غير أنه شاك فيه ليس يخلطه بنفسه، فإن كان ممّن يجب أن يخلط بنفسه ويجعله كسائر ولده فعل ذلك وإن جاز أن يجعله له شيئاً من ماله دون حقه فعل؟»
فأجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الاستحلال بالمرأة يقع على وجوه، والجواب يختلف فيها فليذكر الوجه الذي وقع الاستحلال عليه به مشروحاً ليعرف الجواب فيما يسأل عنه من أمر الولد إن شاء الله».
وسأله الدعاء له فخرج الجواب:
«جاد الله عليه بما هو جلّ وتعالى أهله إيجابنا لحقه، ورعايتنا لأبيه رحمه الله، وقربه منا، وقد رضينا بما علمناه من جميل نيته، ووقفنا عليه من مخاطبته، المقر له من الله، التي يرضي الله عزّوجلّ ورسوله وأوليائه عليهم السلام والرحمة بما بدأنا، نسأل الله بمسألته ما أمله من كلّ خير عاجل وآجل، وأن يصلح له من أمر دينه
1) لأن ما يغتصبه السلطان يبقى ملكاً لمالكه الشرعي، فشرائه من السلطان ليس أكثر من عملية صورية لرفع سلطته، وأما شرائه الحقيقي فلايتم إلا من مالكه.
و دنياه ما يجب صلاحه، إنه ولي قدير».
مسائل الحميري (1)- رقم 4
«بسم الله الرحمن الرحيم أطال الله بقاك وأدام عزك وكرامتك وسعادتك وسلامتك، وأتم نعمته عليك وزاد في إحسانه إليك، وجميل مواهبه لديك، وفضله عليك، وجزيل قِسَمِه لك، وجعلني من السوء كله فداك، وقدمني قبلك (2).
إن قبلنا (3)مشايخ وعجايز يصومون رجباً منذ ثلاثين سنة وأكثر، ويصلّون بشعبان و شهر رمضان. وروى لهم بعض أصحابنا: أن صومه معصية؟»
فأجاب(عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال الفقيه (4)
فكان الشيعة يرمزون عن الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بـ (الفقيه) وبـ(العالم) وربّما بـ(الرجل). وفي مجمع البحرين: (قد يطلق العالم ويراد به أحد الأئمة من غير تعيين) ولعلّ أحدهم من غير تعيين هو المعني بـ (العالم) في بعض الأحاديث التالية، لأنها تشير إلى روايات مأثورة عن غير الإمام الكاظم.
ويلاحظ أن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يستشهد ببعض الروايات أو بعض الأئمة - كما نجد في هذا الحديث وأحاديث أخرى - رغم أن قوله حجّة كأقوالهم. ولعل سبب ذلك: -
توجيه العلماء إلى الاعتماد على الروايات المأثورة عن أهل البيت جميعاً وعدم محاولة استقصاء المعارف الإسلامية عن طريق مراسلته فقط، وكأنه يريد إشعارهم بأن أهل البيت جميعاً خطوط متوازية إلى الإسلام وهو واحد نزل من عند الأحد.
تکریم آبائه(عَلَيهِم السَّلَامُ)، شأن كل الأئمة والأنبياء الذين كانوا يروون عن أسلافهم: لا لقصور فيهم وإنما تخليداً لأولئك الأسلاف في سلسلة الاقداس. كما نجد القرآن الكريم وسائر كتب السماء تروي عن الأنبياء السابقين وربما عن غيرهم كلقمان رغم أنها هبطت من عند الله الذي هو مرسل الرسل ومصدر الرسالات، ولكنه أراد أن يلم البشر بالترابط الوثيق بين شجرة النبوّة وجذورها الممتدة حتى المظهر الأولى للإنسان، وأن يتواكب مع توجهات السماء إلى الأرض وتجاوب الرسالات مع تطور الإنسان، حتى لا يحسبها أطروحة مرتجلة أو تجربة مجهولة النتائج والأبعاد.
إن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث لم يكن حاضراً يحاور أنصاره وأعدائه حتى الإقناع والإفحام اختار الاستناد إلى المسلمات العقلية أو الإسلامية أحياناً، وأحياناً الاعتماد على الروايات المأثورة عن آبائه ليكون أبعد عن التفنيد والتشكيك.
: يصوم منه أياماً إلى خمسة عشر يوماً إلا أن يصوم عن1) الاحتجاج، أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، ج 2، ص 309 - 315.
2) أي جعل وفاتي قبل وفاتك.
3) قبلنا: عندنا.
4) الفقيه في مصطلح الحديث - هو الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) ففي عهد الإمام الكاظم كان الإرهاب الرشيدي يلاحق الشيعة، ويكفي دليلاً على مدى إرهاب هارون الرشيد، أن ذرية النبي تنكروا وهربوا إلى أفريقيا و أنّ الإمام الكاظم بقي سبع سنوات على المشهور - مسجوناً في الزنزانات الانفرادية تحت الأرض، ثم توفي مسموماً وحمل جثمانه أربعة من الحمالين.
الثلاثة الأيام الفائتة (1)
ولعل هذا النهي عن سيّدنا ومولانا صاحب الزمان - صلوات الله عليه - إنما هو لأجل أن أبا الخطاب كان قد روى وجوب صوم رجب وشعبان، فنهي الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) نهي وجوب، أو نهي انتشار عمل لكي يعرف الاستحباب، قال شيخنا الحر العاملي - قدّس الله نفسه الزكية - في الوسائل: «قال الكليني: وجاء في صوم شعبان أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) سئل عنه فقال: ما صامه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ولا أحد من آبائي - أقول - حمله الكليني على إرادة نفي الفرض والوجوب وأنهم ما صاموه على ذلك الوجه بل على الاستحباب (قال) وذلك أن قوماً قالوا: إن صومه فرض مثل صوم شهر رمضان وأن من أفطر يوماً من شعبان وجبت عليه الكفارة». (وسائل الشيعة، ج 7، ص 361 - 362).
، للحديث: «أن نعم شهرُ القضاء رجب».وسأل: «عن رجل يكون في محمله والثلج كثير بقامة الرجل، فيتخوّف إن نزل الغوص فيه، وربّما يسقط الثلج وهو على تلك الحال ولا يستوي له أن يلبّد شيئاً منه لكثرته وتهافته، هل يجوز [له] أن يصلّي في المحمل الفريضة؟ فقد فعلنا ذلك أياماً فهل علينا في ذلك إعادة أم لا؟»
فأجاب: «لا بأس [به] عند الضرورة والشدّة».
1) لعل المعنى: يصوم عن الأشهر الثلاثة الأيام الفائتة بأنها يصومها قضاءاً إذا كانت عليه، لأن صوم القضاء مقدم على صوم الندب. وإلا فإنّ عدداً من الأحاديث تؤكد استحباب صيام الأشهر الثلاثة.
وسأل: »عن الرجل يلحق الإمام وهو راكع فيركع معه ويحتسب تلك الركعة، فإنّ بعض أصحابنا قال: إن لم يسمع تكبيرة الركوع فليس له أن يعتد بتلك الركعة؟»
فأجاب: «إذا لحق مع الإمام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتد بتلك الركعة وإن لم يسمع تكبيرة الركوع» (1).
وسأل: «عن رجل صلّى الظهر ودخل في صلاة العصر فلما أن صلى من صلاة العصر ركعتين استيقن أنه صلّى الظهر ركعتين، كيف يصنع؟»
فأجاب: «إن كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاة أعاد الصلاتين وإن لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الآخرتين تتمة لصلاة الظهر، وصلّى العصر بعد ذلك» (2).
وسأل: «عن أهل الجنّة يتوالدون إذا دخلوها أم لا؟»
فأجاب: «إن الجنة لا حمل فيها للنساء ولا ولادة، ولا طمث ولا نفاس ولا شقاء بالطفولية، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين(3)، كما قال سبحانه: فإذا اشتهى المؤمن ولداً خلقه الله بغير حمل ولا ولادة على الصورة التي يريد كما خلق آدم عبرة».
وسأل: «عن رجل تزوّج امرأة بشيء معلوم إلى وقت معلوم، وبقي له عليها وقت، فجعلها في حلّ ممّا بقي له عليها وقد كانت طمئت قبل أن يجعلها في حلّ من أيامها بثلاثة أيام، أيجوز أن يتزوّجها رجل معلوم إلى وقت معلوم عند طهرها من هذه
1) الفتوى على أن من أدرك الإمام في حالة الركوع اعتد بتلك الركعة وإن لم يدرك تسبيحة ولا تكبير الركوع، استناداً إلى أحاديث صحيحة قد عمل بها فيحمل مثل هذا التوقيع على ضروب من الفضيلة أو غيرها إذ لم ينقل القول به عن أحد من الفقهاء قديماً وحديثاً سوى الشيخ في نهاية الأحكام والعلّامة في التذكرة مع موافقتهما للمشهور في سائر كتبهما، بل عبارة التذكرة غير ظاهرة في مخالفة المشهور، فلا يبعد تحقق الاجماع عليه.
2) بعض الفتاوى لا يعتمد هذا النص بوجود نصوص معارضة. وعلى العموم هذا الحديث معرض للاجتهاد كبقية الأحاديث. وعملية الاستنباط تتوقف على جميع النصوص الواردة في القضية المطروحة للاجتهاد، والنظر فيها وفق المقاييس المأثورة التي نقحت في علم (أصول الفقه).
3) الزخرف / 71.
الحيضة أو يستقبل بها حيضة أخرى؟»
فأجاب: يستقبل حيضة غير تلك الحيضة، لأنّ أقلّ تلك العدة حيضة وطهرة تامة».
وسأل عن الأبرص والمجذوم وصاحب الفالج، هل يجوز شهادتهم، فقد روي لنا: أنهم لا يؤمون الأصحاء.»
فقال: «إن كان ما بهم حادثاً جازت شهادتهم، وإن كان ولادة لم تجز» (1).
وسأل: «هل يجوز للرجل أن يتزوج ابنة امرأته؟»
فأجاب: «إن كانت ربّيت في حجره فلا يجوز، وإن لم تكن ربيت في حجره وكانت أمها من غير عياله (2)روي: أنه جائز».
وسأل: «هل يجوز أن يتزوج بنت ابنة امرأة ثم يتزوج جدتها بعد ذلك أم لا؟»
فأجاب: «قد نهي عن ذلك».
وسأل: «عن رجل ادعى على رجل ألف درهم و أقام به البيئة العادلة، وادعى عليه أيضاً خمسمائة درهم في صلّ آخر، وله بذلك بينة عادلة، وادعى عليه أيضاً ثلاثمائة درهم في صك آخر، ومائتي درهم في صلّ آخر، وله بذلك بينة كله بينة عادلة، ويزعم المدعى عليه أنّ هذه الصكوك كلّها قد دخلت في الصك الذي بألف درهم،
1) هذه الرواية فقهياً غير معمول بها لمعارضتها للعمومات الدالة على قبول شهادة غير الفاسق مطلقاً، التي قد عمل بها قديماً وحديثاً، وعدم اعتبار سند هذه الرواية لإثبات الحكم الشرعي، وعدم عمل الفقهاء بها حتى يجبر السند بالعمل، وعدم شاهد آخر له سوى مرسل الدعائم عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي رواه من مستدرك الوسائل بالنسبة للأبرص فقط من هذه الثلاثة، ومطلقاً لا مقيداً بالولادة (اذن) فيجب ردّ علم هذه الرواية إلى أهلها - صلوات الله عليهم أجمعين - والله أعلم.
2) أي عقد عليها ولم يدخل بها ما لم يدخل بها لا تجب عليه نفقتها ولا تكون من عياله مع امتناعها في الدخول بها لأنها حينئذ بحكم الناشزة، إذ النفقة والاعالة في مقابلة التمكين، فان لم يكن من طرفها تمكين فلا تجب الإعالة من طرفه وحينئذ لا تكون ابنتها ربيبته، لقوله تعالى: «وربائبكم اللاتي في حجوركم، من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فإن لم تكونوا دخلتم بهنّ فلا جناح عليكم....» (النساء /23).
والمدعي منكر أن يكون كما زعم فهل يجب الألف درهم مرة واحدة أو يجب عليه كلما يقيم البينة به؟ وليس في الصكاك استثناء إنما هي صكاك على وجهها (1).»
فأجاب: «يؤخذ من المدعى عليه ألف درهم مرّة وهي التي لا شبهة فيها، ويرد اليمين في الألف الباقي على المدعي فان نكل فلا حق له».
وسأل عن طين القبر (2): «يوضع مع الميت في قبره هل يجوز ذلك أم لا؟»
فأجاب: «يوضع مع الميت في قبره، ويخلط بحنوطه إن شاء الله».
وسأل: «فقال: روي لنا عن الصادق الالها: أنه كتب على إزار ابنه: إسماعيل يشهد أن لا إله إلا الله، فهل يجوز أن نكتب مثل ذلك بطين القبر أم غيره؟»
فأجاب: «يجوز ذلك». وسأل: هل يجوز أن يسبّح الرجل بطين القبر، وهل فيه فضل؟»
فأجاب: «يجوز ذلك وفيه فضل» (3)
فأجاب(عَلَيهِ السَّلَامُ): يسبح به فما من شيء من التسبيح أفضل منه و من فضله أن الرجل ينسى التسبيح ويريد السبحة فيكتب له التسبيح.
و عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: من سبح بسبحة من طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تسبيحة كتب الله له أربعماة حسنة ومحا عنه أربعماة سيئة وقضيت له أربعماة حاجة ورفع له أربعمأة درجة (الحديثان من كتاب: جامع أحاديث الشيعة، ج 2، ص 332).
.وسأل: «عن الرجل يزور قبور الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا؟ وهل يجوز لمن صلّى عند بعض قبورهم (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) أن يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة،
1) هذا إذا كانت الشهادات والصكوك بحيث يحتمل أن يكون الألف مجموع الديون أما إذا كانت الشهادات والصكوك بحيث تدلّ على أن الفريق الأول دفع إلى الفريق الثاني مرّة ألف ومرة خمسمائة وثالثة ثلاثمائة ورابعة مائتين فعلى الفريق الثاني ألفان ولا تردّ اليمين على الفريق الأول.
2) المراد من طين القبر كلما ورد مطلقاً في الأحاديث هو طين قبر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
3) وقد ورد في عديد الأحاديث ذلك منها ما ورد في كتاب آخر للحميري (رَحمَةُ اللّه) إلى صاحب الأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) (وسئل هل يجوز أن يسبح الرجل بطين القبر وهل فيه فضل؟
أو يقوم عند رأسه أو رجليه؟ وهل يجوز أن يتقدّم القبر ويصلّي ويجعل القبر خلفه أم لا؟»
فأجاب: «أما السجود على القبر، فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة (1)والذي عليه العمل أن يضع خده الأيمن على القبر. وأما الصلاة فإنّها خلفه، ويجعل القبر أمامه ولا يجوز أن يصلّي بين يديه ولا عن يمينه ولا عن يساره، لأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتقدم ولا يساوي» (2)
و ثبت - أيضاً - عندنا حسب الاستدلال الفقهي عدم جواز الصلاة في حضرة المعصوم مساوياً له أو مقدماً عليه، سواء كان حيّاً أو ميتاً، لأنّ المعصومين جميعاً أحياء عند ربهم.
.وسأل: «يجوز للرجل إذا صلّى الفريضة أو النافلة وبيده السبحة أن يديرها وهو في الصلاة؟»
فأجاب: «يجوز ذلك إذا خاف السهو والغلط».
وسأل: هل يجوز أن يدير السبحة بيده اليسار إذا سبّح، أو لا يجوز؟»
فأجاب: «يجوز ذلك والحمد لله ربّ العالمين».
وسأل: «روي عن الفقيه في بيع الوقف خبر مأثور: إذا كان الوقف على قوم بأعيانهم وأعقابهم، فاجتمع أهل الوقف على بيعه وكان ذلك أصلح لهم أن يبيعوه، فهل يجوز أن يشتري من بعضهم إن لم يجتمعوا كلّهم على ذلك أم لا يجوز إلا أن يجتمعوا كلّهم على ذلك؟ وعن الوقف الذي لا يجوز بيعه؟»
فأجاب: «إذا كان الوقف على إمام المسلمين فلا يجوز بيعه، وإن كان على قوم من
1) أي ولا صلاة زيارة وهذه الصلاة من النوافل الخاصة التي تستحب بعد زيارات المعصومين - حسب الترتيب المأثور - وليست من النوافل العامة.
2) ثبت في السنة: أنّ الإمام لا يتقدم ولا يساوي. وهذا الحكم عام يشمل إمام الجماعة مطلقاً سواء أكان معصوماً أو غير معصوم، فلا تجوز الصلاة معه الخطوط التي بينه وبين الكعبة أو في الخط المساوي له، وإنما في الخطوط التي خلفه فقط.
المسلمين فليبع كلّ قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين و متفرقين إن شاء الله» (1).
وسأل: «هل يجوز للمحرم أن يصير على إبطه المرتك والتوتياء لريح العرق أم لا يجوز؟» (2)
فأجاب: «يجوز ذلك وبالله التوفيق».
وسأل: «عن الضرير إذا شهد في حال صحته على شهادة، ثمّ كف بصره ولا يرى خطه فيعرفه، هل يجوز شهادته أم لا؟ وإن ذكر هذا الضرير الشهادة، هل يجوز أن يشهد على شهادته أم لا يجوز؟»
فأجاب: «إذا حفظ الشهادة وحفظ الوقت، جازت شهادته» (3)
الأول: إذا وقع عقد أو وقف أو غيرهما، وكتبت به وثيقة وحضر شاهدان وشعا وثيقة العقد بيع بشهادتهما ثم كف بصر أحدهما، فهل تمضي شهادته الكتبية قائمة إلا ما دام صاحبها قادراً على قراءة خطه لتقريره أو إنكاره، والحاصل هل الخط حجّة إذا انفصل عن كاتبه أم لا؟
الثاني: إذا شهد إنسان حادثاً أو عقداً، ثمّ كفّ بصره فهل يبقى حاملاً للشهادة أو تعطل قابليته لحمل الشهادة؟
والجواب ناظر إلى الجزء الثاني من السؤال، حيث يركز فقط على قابلية الضرير للشهادة مادامت تتوفّر فيه شرائطها من حفظ الشهادة وحفظ الوقت والعدالة والإيمان وما إلى ذلك. وقد خُص الشرطين الأولين بالذكر لأنّ الاصابة بالعمى لا تفقد المرء إيمانه وعدالته - غالباً ولكن قد تسلب منه بعض محفوظاته.
.وسأل: عن الرجل يوقف ضيعة أو دابة ويشهد على نفسه باسم بعض وكلاء الوقف، ثمّ يموت هذا الوكيل أو يتغيّر أمره ويتولّى غيره، هل يجوز أن يشهد الشاهد
1) هذا إذا كان الوقف نوعاً من الهبة، بحيث لا يكون حبس العين الموقوفة مأخوذاً في مضمونه، وإلا فلا يجوز إلا في صور خاصة مستثناة في الفقه الإسلامي، وذلك من أجل أدلة مؤكدة عليه.
2) المرتك، نوع من الحشيش خفيف الرائحة، والتوتيا حجر يكتحل به، ولا يعتبر من الطيوب فلا يستعمل في الاكتحال حالة الإحرام لحرمته مهما كانت المادة التي تستعمل فيه، ولا مانع من طلي الإبط به لقطع رائحة العرق.
3) للسؤال جزءان:
لهذا الذي أقيم مقامه إذا كان أصل الوقف لرجل واحد أم لا يجوز ذلك (1)؟»
فأجاب: «لا يجوز ذلك، لأنّ الشهادة لم تقم للوكيل وإنّما قامت للمالك، وقد قال الله: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ.
وسأل «عن الركعتين الأخراوين وقد كثرت فيهما الروايات فبعض يروي: أنّ قراءة الحمد وحدها أفضل، وبعض يروي أنّ التسبيح فيهما أفضل، فالفضل لأيهما لنستعمله؟»
فأجاب: «قد نسخت قراءة أم الكتاب في هاتين الركعتين للتسبيح، والذي نسخ التسبيح قول العالم الا: كل صلاة لا قراءة فيها فهي خداج (2)
وهذا الحديث يدلّ على نقصان الصلاة بدون فاتحة الكتاب مع أنها تقرأ في الأوليين فلا يبقى نقص وإن لم يقرأها في الآخرين، ولعل الاستشهاد به للقراءة في الأخيرتين دون التسبيح لما يشعر به من أهمية أم الكتاب في الصلاة ومع هذا فالمشهور بين الفقهاء أفضلية التسبيح فيهما لأدلة أخرى معارضة لهذا الخبر واقوائية تلك من وجوه عديدة.
إلا للعليل، أو يكثر عليه السهو فيتخوّف بطلان الصلاة عليه (3)الأولى: العليل، الذي يشق عليه الوقوف طويلاً لقراءة الفاتحة فيكتفي بالتسبيح.
الثانية: كثير السهو الذي إن قرأ الفاتحة في الأخريين استشبههما بالأوليين. فيسبح التسبيحات الأربعة حتى يتذكر أنه في الأخريين.
».وسأل: «يتخذ عندنا ربّ الجوز لوجع الحلق والبحبحة، يؤخذ الجوز الرطب من قبل أن ينعقد ويدق دقاً ناعماً ويعصر ماؤه ويصفى ويطبخ على النصف ويترك يوماً وليلة ثمّ ينصب على النار، ويلقى على كلّ ستة أرطال منه رطل عسل ويغلى وينزع
1) بأن كان الوقف على شخص الوكيل الأول، لا على أمر عام يمثله الوكيل الأول حتى إذا أصيب تولاه من يخلفه لبقاء ذلك الأمر العام ممثلاً في خليفته.
2) الخداج: النقصان، يقال: خدجت الناقة، فهي خادج إذا ألقت ولدها قبل تمام الأيام، وإن كان تام الخلق. و وصفت الصلاة التي لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب بالمصدر للمبالغة.
3) استحباب التسبيح في مادتين: -
رغوته، ويسحق من النوشادر والشب اليماني في كلّ واحد نصف مثقال ويراق بذلك الماء، ويلقى فيه درهم زعفران المسحوق ويغلى ويؤخذ رغوته ويطبخ حتى يصير مثل العسل ثخيناً، ثمّ ينزل ويبرد ويشرب منه، فهل يجوز شربه أم لا؟»
فأجاب: «إذا كثيره يسكر أو يغيّر (1)فقليله وكثيره حرام، وإن كان لا يسكر فهو حلال».
وسأل: «عن الرجل يعرض له الحاجة مما لا يدري أن يفعلها أم لا، فيأخذ خاتمين فيكتب في أحدهما (نعم فعل) وفي الآخر (لا تفعل) فيستخير بالله مراراً، ثم يرى فيهما، فيخرج أحدهما فيعمل بما يخرج، فهل يجوز ذلك أم لا؟ والعامل به والتارك له أهو مثل الاستخارة أم سوى ذلك؟»
فأجاب: «الذي سنّه العالم (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الاستخارة بالرقاع والصلاة» (2).
وسأل: «عن صلاة جعفر بن أبي طالب (رَحمَةُ اللّه): في أي أوقاتها أفضل أن تصلى فيه، وهل فيها قنوت؟ وإن كان ففي أي ركعة منها؟»
فأجاب: «أفضل أوقاتها صدر النهار في يوم الجمعة، ثمّ في أي الأيام شئت وأيّ وقت صليتها من ليل أو نهار فهو جائز، والقنوت فيها مرتان في الثانية قبل الركوع و في الرابعة بعد الركوع» (3).
وسأل: «عن الرجل ينوي إخراج شيء من ماله وأن يدفعه إلى رجل من إخوانه ثمّ يجد في أقربائه محتاجاً، أيصرف ذلك عمّن [فيمن] نواه له أو إلى قرابته؟»
فأجاب: «يصرفه إلى أدناهما وأقربهما من مذهبه، فإن ذهب إلى قول العالم (عَلَيهِ السَّلَامُ):
1) أي يسكر سكراً خفيفاً، ويدلّ على أنّ المقصود من (يغير) السكر الخفيف قوله: (وان كان لا يسكر).
2) والحاصل أنه ليس حراماً إن لم يكن بنية التشريع، ولكنه ليس من الاستخارة، وأما الاستخارة فهي (ذات الرقاع) وإنما يدل على أنها الاستخارة التي بينها (العالم) وهو الإمام موسى بن جعفر(عَلَيهِ السَّلَامُ).
3) مسألة كون القنوت الثاني بعد ركوع الرابعة لم يرد في غير هذا الخبر، وهو مناف للعمومات الدالة على أن القنوت قبل الركوع إلا في صلاة الجمعة.
(لا يقبل الله الصدقة وذوالرحم محتاج) فليقسم بين القرابة وبين الذي نوى حتى يكون قد أخذ بالفضل كلّه».
وسأل: «قد اختلفت أصحابنا في مهر المرأة، فقال بعضهم: إذا دخل بها سقط المهر ولا شيء لها، وقال بعضهم: هو لازم في الدنيا والآخرة، فكيف ذلك؟ وما الذي يجب فيه؟»
فأجاب: «إن كان عليه بالمهر كتاب فيه ذكر] دين فهو لازم في الدنيا والآخرة، وإن كان عليه كتاب فيه ذكر الصداق سقط إذا دخل بها، وإن لم يكن عليه كتاب، فإذا دخل بها سقط باقي الصداق» (1)
ولعل اشتقاق الكلمتين اللتين استخدمهما الإمام في التوقيع - يساعد على فهم الحكم، و(المهر) ما يمهر عليه أي يختم عليه في وثيقة، فيكون ديناً لازماً. و(الصداق) ما يعبر عن صدق الرجل في محبة خطيبته، فيكون نافلة لها دورها الموقت إذا لم يشترط وكان تبرعاً
.وسأل: «روي لنا عن صاحب العسكر(عَلَيهِ السَّلَامُ) (2)أنه سئل عن الصلاة في الخز الذي يغش بوبر الأرانب. فوقع يجوز، وروي عنه أيضاً، أنه لا يجوز. فأي الخبرين
يعمل به؟»
1) لعلّ المصطلح حين صدور هذا التوقيع يختلف عن المصطلح اليوم، فالقرآن لم يصطلح على كلمة (المهر) وإنما ذكر (الصداق) بصيغة الجمع مرّة واحدة فقط و آتوا النساء صدقاتهن نحلة.» (النساء / 4). ولعل المقصود أن ما تبنى عليه عقدة النكاح - من أموال نقدية أو عينية، التي تدرج عادة في وثيقة الزواج فهو دين لازم في الدنيا والآخرة، وأما الهدايا والنقود التي تقدّم إلى الخطيبة في فترة الخطوبة أو تعارف الأزواج على القيام بها من ولائم و عزائم وما إليها، سواء كتب فيها كتاب أو لم يكتب بها كتاب، فهي تختص بفترة الخطوبة، وينتهي دورها بالدخول.
2) المتوكل العباسي من الخلفاء العباسيين عاصر الإمام علي الهادي فاستدعاه ونجله الإمام الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مدينة جدهما الرسول إلى مدينة سامراء وفرض عليهم الإقامة الجبرية في المنطقة العسكرية حتى تنقطع عنهما الشيعة، فلقبا بـ(العسكريين) وقد اشتهر الإمام علي بن محمد بالهادي و اشتهر نجله الحسن بالعسكري و صاحب العسكر) يرمز إلى كل منهما دون تعيين.
فأجاب: «إنما حرم في هذه الأوبار والجلود، وأما الأوبار وحدها فحلال» (1)
ولعلّ تفصيل الإمام في الجواب لعدم اتخاذ موقف جدي مع إعطاء الإشارة للفقهاء إلى أنه من محرمات اللحوم و تبنى عليه أحكامها. علماً بأن المستحصل من مجموع روايات هذا الباب عدم التفريق بين الجلد والوبر، فما حل لحمه تجوز الصلاة فيهما وما لا يحلّ لحمه لا تجوز الصلاة في شيء منهما.
(ولا يخفى) الحيوان - سواء أكان حلال اللحم أو حرامه - إذا ذبح بالطريقة الشرعية طهر جلده وإلا كان من الميتة، وبما أنّ الناس لا يعنون بذبح الحيوانات المحرمة اللحوم - غالباً - يكون جلدها نجساً فإذا اتخذ منه كساءاً نجس الثوب الذي يليه إذ لا تخلو ملابس الإنسان من رطوبة مسرية من عرقه أو من المياه التي يستعملها.
.وسأل: «نجد في إصفهان ثياب عتابه [عتابية ] على عمل الوشا في قزّ أو إبريسيم هل يجوز الصلاة فيها أم لا؟»
فأجاب: «لا يجوز الصلاة إلا في ثوب سداه ولحمته قطن أو كتان».
وسأل: «عن المسح على الرجلين وبأيهما يبدأ باليمنى أو يمسح عليهما جميعاً معاً؟»
فأجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يمسح عليهما معاً فإن بدأ بإحدهما قبل الأخرى فلا يبتدئ إلا بالیمنی».
وسأل: «عن صلاة جعفر في السفر هل يجوز أم لا؟»
فأجاب: «يجوز ذلك».
وسأل: «عن تسبيح فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ): من سها وجاز التكبير أكثر من أربع وثلاثين هل يرجع إلى أربع وثلاثين أو يستأنف؟ وإذا سبّح تمام سبع وستين هل يرجع إلى ستة وستين أو يستأنف؟ وما الذي يجب في ذلك؟»
فأجاب: «إذا سها من التكبير حتى يجوز أربعة وثلاثين عاد إلى ثلاثة وثلاثين
1) مسألة لحم الأرنب من المسائل الخلافية فالسنّة يرون أن لحمه حلال والشيعة على أنه من المسوخ و من ذوات المخلب وتحيض انشاه وفيه أدلّة خاصة ونصوص متعدّدة بالتحريم أيضاً، فلحمه حرام، وتلحقه أحكام الحيوانات المحرمة.
وبنى عليها، وإذا سها في التسبيح فتجاوز سبعاً وستين تسبيحة عاد إلى ستة وستين وبنى عليها (1).
مسائل الأسدى
«.... أما ما سألت عنه من الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، فلئن كان كما يقول الناس: «إن الشمس تطلع بين قرني شيطان و تغرب بين قرني شيطان» فما أرغم أنف الشيطان شيء أفضل من الصلاة، فصلها وأرغم الشيطان أنفه.
أما ما سألت عنه من أمر الوقف على ناحيتنا، وما يجعل لنا ثم يحتاج إليه صاحبه فكل ما لم يسلّم فصاحبه فيه بالخيار، وكل ما سلّم فلا خيار لصاحبه فيه احتاج أو لم يحتج افتقر إليه أو استغنى عنه.
وأما ما سألت عنه من أمر من يستحلّ ما في يده من أموالنا ويتصرف فيه تصرفه في ماله من غير أمرنا، فمن فعل ذلك فهو ملعون، ونحن خصماؤه يوم القيامة.
وقد قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): « المستحل من عترتي ما حرم الله ملعون على لساني ولسان كل نبي مجاب فمن ظلمنا حقنا كان في جملة الظالمين لنا، وكانت لعنة الله عليه لقوله عزّوجلّ: (ألا لعنة الله على الظالمين).
وأما ما سألت عنه عن أمر المولود الذي نبتت غلفته بعدما يختن مرة أُخرى، فإنّه يجب أن يقطع غلفته فإنّ الأرض تضجّ إلى الله تعالى من بول الأغلف أربعين صباحاً.
1) تسبيحة الزهراء: أربعة وثلاثون تكبيرة، وثلاثة وثلاثون تحميدة، وثلاثة وثلاثون تهليلة. فإذا تجاوز الأربعة والثلاثين تكبيرة - سهواً - اعتبرها ثلاثة وثلاثين وبنى عليها) فكسر الرابعة والثلاثين ليضع خاتمها بإرادته. وإذا حمد أكثر من ثلاثة وثلاثين فكان مجموع التكبيرات والتحميدات أكثر من سبعة وستين عاد إلى ستة وستين أي اعتبر التحميدات اثنتين وثلاثين (و بنى عليها) بأن حمد الثالثة حمد الثالثة والثلاثين ليضع خاتمتها بارادته. كل هذا لم يتجاوز التحميد مائة فإذا تجاوزها فقد تجاوز السهو حد التدارك ولا تحسب له تسبيحة الزهراء، ولكن لا شيء عليه لأن أصلها مستحب.
وأما ما سألت عنه من أمر المصلّى والنار والصورة والسراج بين يديه هل يجوز صلاته فإنّ الناس قد اختلفوا في ذلك قبلك؟ فإنّه جائز لمن لم يكن من أولاد عبدة الأصنام والنيران؛ أن يصلّي والنار والصورة والسراج بين يديه، ولا يجوز ذلك لمن كان من أولاد عبدة الأوثان والنيران.
وأما ما سألت عنه من أمر الضياع التي لناحيتنا، هل يجوز القيام بعمارتها وأداء الخارج منها، وصرف ما يفضل من دخلها إلى الناحية احتساباً للأجر وتقرباً إليكم، فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه؛ فكيف يحلّ ذلك في مالنا؟ من فعل ذلك بغير أمرنا فقد استحلّ منّا ما حرّم عليه، ومن أكل من أموالنا شيئاً فإنّما يأكل في بطنه ناراً وسيصلى سعيراً، وأما ما سألت عنه من أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة، ويسلّمها من قيم يقوم بها ويعمرها، ويؤدّي من دخلها خراجها ومؤونتها و يجعل ما بقي من الدخل لناحيتنا، فإنّ ذلك جائز لمن جعله صاحب الضيعة قيماً عليها، إنما لا يجوز ذلك لغيره.
وأما ما سألت عنه من الثمار من أموالنا يمر به المار فيتناول منه ويأكل هل يحلّ ذلك؟ فإنّه يحل له أكله ويحرم عليه حمله (1).»
1) الاحتجاج، الطبرسي، ج 2، ص 298 - 300.
الخاصة
نظرة إلى التراث الفقهي
كان عصر الغيبة الصغرى يشكل تمهيداً لاستقلال فقهاء مدرسة أهل البيت: واعتمادهم على الاجتهاد الذي حدّدت لهم الشريعة معالمه الأساسية وطبقه أهل البيت ورسموا لهم معالمه.
و من هنا نلاحظ في هذا التراث الفقهي الذي ورد عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه يحكي عن غزارة المادة الفقهية لدى الفقهاء ومن هنا يسترشد الفقهاء بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لحلّ موارد التعارض والاختلاف إتماماً لمراحل العمل الاجتهادي في مجال استنباط الأحكام الشرعية.
الأسئلة
ما هي أهم المحاور التي تدور حول أسئلة الحميري؟
ما هي أهم المحاور التي تدور حول أسئلة الأسدي؟
. ماذا نستفيده من مسائل الحميري وأجوبة الإمام عليها؟
من أدب الدعاء و الزيارة
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم إني أسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة أمرك المأمونون على سرك المستبشرون بأمرك الواصفون لقدرتك المعلنون لعظمتك أسألك بما نطق فيهم من مشيئتك فجعلتهم معادن لكلماتك وأركاناً لتوحيدك و آياتك ومقاماتك التي لا تعطيل لها في كلّ مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك وخلقك فتقها ورتقها بيدك بدؤها منك وعودها إليك أعضاد وأشهاد ومناة وأذواد وحفظة و روّاد، فيهم ملأت سمائك وأرضك حتى ظهر أن لا إله إلا أنت فبذلك أسألك وبمواقع العزّ من رحمتك وبمقاماتك وعلاماتك أن تصلّي على محمّد و آله و أن تزيدني إيماناً و تثبيتاً، يا باطناً في ظهوره و ظاهراً في بطونه و مكنونه يا مفرّقاً بين النور والديجور يا موصوفاً بغير كنه و معروفاً بغير شبه حادّ كلّ محدود و شاهد كلّ مشهود، وموجد كلّ موجود و محصي كلّ معدود وفاقد كلّ مفقود ليس دونك من معبود أهل الكبرياء
والجود يا من لا يكيف بكيف ولا يؤين بأين يا محتجباً عن كل عين يا ديموم يا قيوم وعالم معلوم صلّ على محمد وآله وعلى عبادك المنتجبين وبشرك المحتجبين وملائكتك المقربين والبهم الصافّين الحافين وبارك لنا في شهرنا هذا المرجب المكرّم وما بعده من الأشهر الحرم وأسبغ علينا فيه النعم وأجزل لنا فيه القسم وأبرر لنا فيه القسم باسمك الأعظم الأجل الأكرم الذي وضعته على النهار فأضاء وعلى الليل فأظلم، واغفر لنا ما تعلم منا وما لا نعلم، واعصمنا من الذنوب خير العصم واكفنا كوافي قدرك وامنن علنيا بحسن نظرك ولا تكلنا إلى غيرك، ولا تمنعنا من خيرك، وبارك لنا فيما كتبته لنا من أعمارنا وأصلح لنا خبيئة أسرارنا وأعطنا منك الأمان، واستعملنا بحسن الإيمان، وبلغنا شهر الصيام وما بعده من الأيام والأعوام ياذا الجلال والإكرام (1).
«اللهم إن أطعتك فالمحمدة لك، وإن عصيتك فالحجّة لك، منك الروح و منك الفرج، سبحان من أنعم وشكر، سبحان من قدر وغفر.
اللهم إن كنتُ قد عصيتك فإنّي قد أطعتك في أحب الأشياء إليك وهو الإيمان بك، لم أتخذ لك ولداً، ولم أدعُ لك شريكاً، مناً منك به عليّ. لا مناً منّي به عليك، وقد عصيتك يا إلهي على غير وجه المكابرة، ولا الخروج عن عبوديتك، ولا الجحود لربوبيتك، ولكن أطعت هواي وأزلّني الشيطان فلك الحجة علي والبيان، فإن تعذبني فبذنوبي غير ظالم، وإن تغفر لي وترحمني فإنّك جواد كريم، يا كريم يا كريم حتى ينقطع النفس] ثمّ تقول: يا آمناً من كلّ شيء، وكل شيء منك خائف حذر أسألك بأمنك من كلّ شيء، وخوف كلّ شيء منك، أن تصلي على محمد و آل محمد،
1) الشيخ عباس القمي، مفاتيح الجنان، ص 130.
و أن تعطيني أماناً لنفسي وأهلي وولدي وسائر ما أنعمت به عليّ. حتى لا أخاف أحداً ولا أحذر من شيء أبداً، إنك على كلّ شيء قدير، وحسبنا الله ونعم الوكيل، يا كافي إبراهيم نمرود، يا كافي موسى فرعون، أسألك أن تصلي على محمّد و آل محمد و أن تكفيني شرّ فلان بن فلان (1).
اللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم انتقم لي من أعدائي.»
«إلهي بحق من ناجاك، وبحق من دعاك في البر والبحر، تفضل على فقراء المؤمنين والمؤمنات بالغناء والثّروة، وعلى مرضى المؤمنين والمؤمنات بالشفاء والصحة، وعلى أحياء المؤمنين والمؤمنات باللطف والكرم، وعلى أمواتِ المؤمنين والمؤمنات بالمغفرَةِ والرَّحمةِ، وعلى غُرَباءِ المؤمنين والمؤمنات بالرَّد إلى أوطانهم سالمين غانمين، بمحمَّد و آله أجمعين» (2).
«... وأسألك باسمك الذي خلقت به خلقك ورزقتهم كيف شئت وكيف شاؤوا، يا من لا تغيّره الأيام والليالي أدعوك بما دعاك به نوح حين ناداك فأنجيته ومن معه و أهلكت قومه، وأدعوك بما دعاك إبراهيم خليلك حين ناداك فأنجيته وجعلت النار عليه برداً وسلاماً، وأدعوك بما دعاك به موسى كليمك حين ناداك ففلقت له البحر فأنجيته وبني إسرائيل، وأغرقت فرعون وقومه في اليم، وأدعوك بما دعاك به عيسى روحك حين ناداك، فنجَّيْتَهُ من أعدائه وإليك رفعته وأدعوك بما دعاك حبيبك وصفيُّكَ
و نبيك محمّد صلّى الله عليه و آله فاستجبت له و من الأحزاب نجيته، وعلى أعدائك نصرته، وأسألك باسمك الذي إذا دُعيتَ بهِ أجبتَ يا مَنْ له الخلق والأمر، يا من أحاط بِكلِّ شيءٍ علماً، يا مَنْ أحصى كُلَّ شيءٍ عدداً، يا من لا تُغيّره الأيام والليالي، ولا تتشابه عليه الأصوات، ولا تخفى عليه اللغات، ولا يُبرمه إلحاح الملحين.
أسألك أن تُصلِّي على محمَّدٍ وآلِ مُحمَّدٍ خيرتِكَ من خَلْقِكَ، فصَلِّ عليهم بأفضل صلواتك، وصل على جميع النبيِّينَ والمرسلين الذينَ بلَّغُوا عَنكَ الهُدى، وأعقدوا لك المواثيق بالطاعةِ، وصل على عبادِكَ الصَّالِحِينَ، يا مَن لا يُخلف الميعاد أنجز لي م-ا وعدتني واجمع لي أصحابي، وصبرهُمْ، وانصرني على أعدائك وأعداء رسُولك، ولا تخيب دعوتي، فإني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، أسير بين يديك، سيدي أنت الذي مننتَ عليَّ بهذا المقام، وتفضّلت به عليَّ دونَ كثير من خلقِكَ، أسألُكَ أن تُصلّي على محمّد و آلِ محمَّدٍ، وأن تُنجِزَ لي ما وعدتني، إنَّك الصادق، ولا تُخلف الميعاد، وأنتَ على كُلِّ شيءٍ قدير» (1).
قال الإمام (عج): «اللهم احجبني، عن عيون أعدائي، واجمع بيني وبين أوليائي، و أنجز لي ما وعدتني، واحفظني في غيبتي إلى أن تأذن لي في ظهوري، وأحيي بي ما درس من فُروضِكَ وسُننك، وعجل فرجي، وسهل مخرجي، واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً، وافتح لي فتحاً مبيناً، واهدني صراطاً مستقيماً، وقني جميع ما أحاذره من الظالمين، واحجبني عن أعين الباغضين الناصبين العداوة لأهل بيت نبيك، ولا يصل منهم إليَّ أحد بسوءٍ، فإذا أذنتَ في ظهوري فأيدني بجنودك، واجعل من يتبعني لنُصرة دينكَ مؤيدين، وفي سبيلك مُجاهدين، وعلى من أرادني بسوءٍ منصورين،
1) المصدر نفسه، ص 68.
و وفقني لإقامة حدودِكَ، وانصرني على من تعدى محدودك، وانصر الحق، وأزهق الباطِلَ، إنَّ الباطِلَ كان زَهُوقاً، وأورد عليَّ من شيعتي وأنصاري من تقرُّ بهم العين، ويُشد بهم الأزْرُ، واجعلهُمْ في حرزِكَ وأمنك، برحمتك يا أرحم الراحمين» (1).
«اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمّدٍ سَيِّد المرسلين وخاتم النَّبيِّينَ وحُجّة ربِّ العالمين المنتَجَب في الميثاق المصطفى في الظَّلالِ المُطَهَّرِ مِنْ كُلِّ آفةٍ البريء مِن كُلِّ عَيْبِ المُؤَمَّل للنجاة المُرْتَجى للشَّفاعةِ المفوَّض إليه دين الله اللهُمَّ شَرِّف بنيانَهُ وعَظُم بُرْهَانَه وافْلج حُجَّتَهُ وارفَعْ دَرجَته و أضئ نُورَه وبَيّض وَجْهَهُهُ وأعطه الفضل والفضيلة والمنزلة والوسيلة والدرجة الرفيعة و أبْعَثه مقاماً محموداً يَغبطه به الأوّلون والآخرون وصل على أمير المؤمنين و وارثِ المُرسَلينَ وقائدِ الغُر المحجلين وسيد الوصيين وحُجّة ربِّ العالمين وصل على الحسَنِ بن عليّ إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحُجّة رب العالَمينَ وصَلِّ على الحُسين بن عليّ إمام المؤمِنينَ و وارثِ المُرْسَلين وحُجَّةِ رَبِّ العالَمينَ وصَلِّ على عليّ بن الحُسينِ إمامِ المُؤْمِنِينَ و وارثِ المُرسَلينَ وحُجَةِ رَبِّ العالَمِين وصَلِّ على مُحَمّدِ بن عليّ إمام المؤمِنينَ ووارث المُرْسَلين وحُجّة ربِّ العالَمينَ وَصَلِّ على جعْفَر بن مُحمّدٍ إمام المؤمِنينَ و وارثِ المُرْسَلين وحُجّةِ رَبِّ العالمينَ وصَلِّ على مُوسى بن جَعْفَر إمام المؤْمِنِينَ ووارثِ المُرْسَلين وحُجَّةِ رَبِّ العالمينَ وصَلِّ على عليّ بن موسى إمام المؤمِنينَ و وارثِ المُرْسَلين وحُجَّةِ رَبِّ العالمينَ وصَلِّ على محمّد بن علي إمام المؤمِنينَ و وارثِ المُرْسَلين وحُجَةِ رَبِّ العالمينَ وصَلِّ على عليّ بن محمّد إمام المؤمِنينَ و وارثِ المُرْسَلين وحُجَّةِ رَبِّ العالمينَ وصَلِّ على الحَسَن بنِ عليٍّ إمام المؤمِنينَ و وارثِ المُرْسَلين وحُجّةِ رَبِّ
1) مهج الدعوات، ص 68.
العالمينَ وصَلِّ على الخَلَفَ الهادي المهدي إمام المؤمِنينَ و وارثِ المُرْسَلين وحُجَّةِ ربِّ العالمينَ. اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمّدٍ وأَهْلِ بَيْتِهِ الأئِمَّةِ الهَادِينَ العُلَماء الصادقين الأبرار المتقين دعائِم دينِكَ وَأرْكَان تَوْحِيدِكَ وَتَراحِمَةِ وَحْيِكَ وحُجَجِكَ عَلَى خَلْقِكَ وخُلَفَائِك في أَرْضِكَ الَّذِينَ اِخْتَرْتَهُمْ لنَفْسِكَ وأصْطَفَيْتَهُمْ عَلَى عِبادِكَ وَأَرْتَضَيْتَهُمْ لِدِينِكَ وَخَصَصْتُهُمْ بِمَعْرِفَتِكَ وَجَلَّلْتَهُمْ بِكَرامَتِكَ وَغَشَيْتَهُمْ بِرَحْمَتَكَ ورَبَّيْتَهُم بِنِعْمَتِكَ وَغَذَّيْتَهُمْ بِحَكْمَتِكَ والْبَسْتَهُمْ نُورَكَ ورَفَعْتَهُمْ في مَلَكُوتِكَ وَحَفَفْتَهُم بِمَلائِكَتِكَ وَشَرَّفْتَهُمْ بِنَبِّيكَ صَلواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمّدٍ وَعَلَيْهِمْ صَلاةٌ زَاكِيَةٌ نامِيَةٌ كَثيرةٌ دائِمَةٌ لا يُحيط بها إلا أنتَ ولا يَسَعُها إِلَّا عِلْمُكَ ولا يُحْصِيها أحَدٌ غَيْرُكَ. اللَّهُمَّ وَصَلِّ على وليِّكَ المخيي سُنَّتَكَ القائِمِ بِأَمْرِكَ الدّاعي إِلَيْكَ الدَّلِيلِ عَلَيْكَ حُجَّتِكَ عَلَى خَلْقِكَ وَخَلِيفَتِكَ فِي أرْضِكَ وَشَاهِدِكَ عَلَى عِبادِكَ اللَّهُمَّ أَعِزَّ نَصْرَهُ وَمُدَّ في عُمْرِهِ وَزَيِّن الْأَرْضَ بِطُولِ بَقَائِهِ. اللّهُمَّ اكْفِهِ بَغْيَ الحَاسِدِينَ وَأَعِذْهُ مِنْ شَرِّ الْكَائِدِينَ وَازْجُرْ عَنْهُ إِرادَة الظَّالِمِينَ وَخَلَّصْهُ مِنْ أَيْدي الجبّارينَ. اللّهُمَّ أَعْطِهِ في نَفْسِهِ وذُرِّيَّتِهِ وَشِيعَتِهِ وَرَعِيَّتِهِ وَخَاصَّتِهِ وَعامَّتِهِ وَعَدُوه وَجَمِيعِ أَهْلَ الدُّنْيا ما تُقرُّ بِهِ عَيْنَهُ وَتُسِرُّ بِهِ نَفْسَهُ وَبَلِّغْهُ أَفْضَلَ مَا أَمَّلَهُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. اللَّهُمَّ جَدِّدْ بِهِ مَا أَمْتَحَى مِنْ دِينِكَ وَأَحْي بِهِ مَا بُدِّل مِنْ كِتابِكَ وَأَظْهِرْ بِهِ ما غَيّر منْ حُكْمِكَ حَتَّى يَعُودَ دينُكَ بِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ غَضَاً جَدِيداً خالِصَاً مُخْلَصَاً لا شَكٍّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ مَعَهُ وَلا َباطِلَ عِنْدَهُ وَلَا بِدْعَةٌ لَدَيْهِ اللَّهُمَّ نَوِّرُ بِنُورِهِ كُل ظُلمَةٍ وَهُدٌ بركنه كُلَّ بِدْعَةٍ وَاهْدِمُ بِعَزِّهِ كُلُّ ضَلَالَةٍ وَاقْصِمْ بِهِ كُلَّ جَبَّارٍ وَأَخْمِدْ بِسَيْفِهِ كُل نارٍ وَأَهْلِكَ بِعَدْلِهِ جَوْرَ كُلِّ جائرٍ وَأَجْرٍ حُكْمَهُ عَلَى كُلِّ حُكْم وَأَذِلَّ بِسُلْطَانِهِ كُلَّ سُلْطَانٍ اللَّهُمَّ أَذِلَّ كُلَّ مَنْ ناوَاهُ وَأَهْلِكْ كُلَّ مَنْ عاداهُ وَامْكُرْ بِمَنْ كَادَهُ وَاسْتَأْصِلْ مَنْ جَحَدَهُ حَقَّهُ وَأَسْتَهانَ بِأَمْرِهِ وَسَعَى في إطفاءِ نُورِهِ وَأَرادَ إِخْمَادَ ذِكْرِهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمّدٍ المُصْطَفى وَعَليَّ المُرْتَضى وَفاطِمَةَ الزَّهْراءِ والحَسَن الرّضا والحُسَيْنِ المُصَفّى وَجَمِيعِ الأَوْصياء مصابيح الدُّجَى وَأَعْلامِ الهُدى وَمَنارِ التَّقى والعُروة الوثقى والحبل المتين والصراط المستقيم وصلّ على وليك وولاة عهدك والأئمة من ولده ومد في
أعمارهم وزد في آجالهم وبلغهم أقصى آمالهم دينا ودنيا وآخرة إنك على كل شيءٍ قدير« (1).
قال محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري: خرج التوقيع من الناحية المقدسة حرسها الله - بعد المسائل (2):
بسم الله الرحمن الرحيم لا لأمره تعقلون حكمة بالغة فما تغني النذر عن قوم لا يؤمنون. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
إذا أردتم التوجه بنا إلى الله وإلينا فقولوا كما قال الله تعالى:
(سلام على آل ياسين) (3)السلام عليك يا داعي الله ورباني آياته السلام عليك يا باب الله وديان دينه. السلام عليك يا خليفة الله وناصر خلقه. السلام عليك يا حجّة الله ودليل إرادته. السلام عليك يا تالي كتاب الله و ترجمانه. السلام عليك يا بقية الله في أرضه. السلام عليك يا ميثاق الله الذي أخذه ووكده. السلام عليك يا وعد الله الذي ضمنه. السلام عليك أيها العلم المنصوب والعلم المصبوب، والغوث والرحمة الواسعة وعداً غير مكذوب. السلام عليك حين تقعد السلام عليك حين تقوم السلام عليك حين تقرأ وتبين. السلام عليك حين تصلّي وتقنت. السلام عليك حين تركع و تسجد. السلام عليك حين تكبر وتهلل. السلام عليك حين تحمد و تستغفر. السلام عليك حين تمسي و تصبح السلام عليك في الليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى. السلام عليك أيها الإمام المأمون. السلام عليك أيها المقدّم المأمول. السلام عليك بجوامع
السلام أشهدك يا مولاي أني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده و رسوله لا حبيب إلا هو وأهله، وأشهد أن أمير المؤمنين حجته، والحسن حجّته، و الحسين حجّته، وعلي بن الحسين حجّته، ومحمد بن عليّ حجته، وجعفر بن محمد حجته، و موسى بن جعفر حجّته، وعلي بن موسى حجّته، ومحمد بن علي حجته، و علي بن محمد حجّته، والحسن بن علي حجته، وأشهد أنك حجة الله.
أنتم الأوّل والآخر، وأن رجعتكم حق لا شك فيها يوم لا ينفع نفساً ايمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيراً، وأنّ الموت حق، وأن ناكراً ونكيراً حق وأشهد أنّ النشر والبعث حق، وأنّ الصراط والمرصاد حق، والميزان والحساب حق، والجنة والنار حق، والوعد والوعيد بهما حق.
يا مولاي شقي من خالفكم وسعد من أطاعكم.
فاشهد على ما أشهدتك عليه، وأنا ولي لك بريء من عدوّك، فالحق ما رضيتموه، والباطل ما سخطتموه، والمعروف ما أمرتم به والمنكر ما نهيتم عنه، فنفسي مؤمنة بالله وحده لا شريك له، وبرسوله، وبأمير المؤمنين، وبأئمة المؤمنين وبكم يا مولاي. أولكم وآخركم ونصرتي معدة لكم، فمودتي خالصة لكم آمين آمين.
الدعاء عقيب هذا القول: بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إني أسألك أن تصلي على محمد نبي رحمتك، وكلمة نورك، وأن تملأ قلبي نور اليقين، وصدري نور الإيمان، و فكري نور الثبات و عزمي نور العلم، وقوّتي نور العمل، ولساني نور الصدق، وديني نور البصائر من عندك، وبصري نور الضياء وسمعي نور وعي الحكمة. ومودتي نور الموالاة لمحمّد وآله (عَلَيهِم السَّلَامُ). حتى ألقاك وقد وفيت بعهدك وميثاقك. فلتسعني رحمتك يا ولي يا حميد.
اللهم صل على حجتك في أرضك. وخليفتك في بلادك. والداعي إلى سبيلك والقائم بقسطك، والثائر بأمرك، ولي المؤمنين، وبوار الكافرين، ومجلّي الظلمة ومنير الحق، والساطع بالحكمة والصدق. وكلمتك التامة في أرضك، المرتقب الخائف والولي
الناصح سفينة النجاة، وعلم الهدى ونور أبصار الورى، وخير من تقمص وارتدى، و مجلّي العمى الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلما وجوراً إنك على كلّ شيءٍ قدير.
اللهم صل على وليك و ابن أوليائك الذين فرضت طاعتهم، وأوجبت حقهم و أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيراً.
اللهم انصره وانصر به أولياءك وأولياءه، وشيعته وأنصاره واجعلنا منهم.
اللهم اعذه من كلّ باغ وطاغ، ومن شر جميع خلقك. واحفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله. واحرسه وامنعه من أن يوصل إليه بسوء واحفظ فيه رسولك وآل رسولك وأظهر به العدل وأيده بالنصر وانصر ناصريه واخذل خاذليه و اقصم به جبابرة الكفرة واقتل به الكفار والمنافقين و جميع الملحدين، حيث كانوا. في مشارق الأرض ومغاربها، برها وبحرها، واملأ به الأرض عدلاً، واظهر به دين نبيّك، واجعلني اللهم من أنصاره وأعوانه، وأتباعه وشيعته، وأرني في آل محمد ما يأملون، وفي عدوّهم ما يحذرون إله الحق آمين يا ذا الجلال والإكرام، يا أرحم الراحمين.
الخاصة
الأسئلة
بين بعض الجوانب التي تناولتها أدعية الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
إلى أي شيء تهدف تلك الأدعية؟
ماذا تهدف الزيارات الواردة عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
ما هو دور الأدعية والزيارات في تربية وتنمية الجانب الروحي والعقائدي للجماعة الصالحة؟
الأجوبة الموجزة الصادرة عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)
هناك رسائل كثيرة كانت تكتب إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فيها حوائج وأسئلة وكان يصدر الجواب عليها باختصار، نثبت هنا نماذج منها - من غير استيعاب - مقتصرين على الأجوبة فقط، دون تفاصيل الرسائل والحوائج:
كتب رجل يسأل الدعاء في حمل له فورد عليه الدعاء في الحمل قبل الأربعة الأشهر، فجاء كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).
وكتب أحمد بن إسحاق وكيل الإمام الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) - بعد موت الإمام العسكري، إلى الناحية المقدسة يستأذن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الحج.
فورد الإذن له، وبعث إليه بثوب. فقال أحمد بن إسحاق: نعى إلي نفسي.
1) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 51، ص 306، عن كتاب النجوم.
فانصرف من الحج فمات بحلوان (1).
و بعث الحسين بن علي بن بابويه والد الشيخ الصدوق (رَحمَةُ اللّه) - مع أبي القاسم الحسين بن روح برقعة إلى صاحب الأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يسأله فيها الولد، فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الجواب:
«قد دعونا الله لك بذلك، وسترزق ولدين ذكرين خيرين».
فولد له أبو جعفر (الصدوق) وأبو عبدالله من أم ولد.
وكان أبو عبدالله الحسين بن عبيدالله يقول: سمعت أبا جعفر (يعني الشيخ الصدوق قدس سِرُّه) يقول: أنا ولدت بدعوة صاحب الأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) و يفتخر بذلك (2).
وعن علي بن محمد قال: حدثني بعض أصحابنا قال: ولد لي ولد فكتبت - أي: إلى الناحية المقدسة - أستأذن في تطهيره يوم السابع فورد: «لا تفعل».
فمات يوم السابع أو الثامن. ثمّ كتب بموته فورد الجواب: «ستخلف غيره، وغيره، فسمّ الأوّل أحمد، و من بعد أحمد جعفراً».
فجاء اكما قال. (3)
و عن سعد بن عبد الله أن الحسن بن النضر - في قصة طويلة - قال:... وإذا بيت عليه ستر فنوديت منه:
«یا حسن بن النضر أحمد الله على ما منَّ به عليك ولا تشكّنَ فَوَد الشيطان أنك
شککت».
وأخرج إلي ثوبين وقيل لي: «خذهما فتحتاج إليهما». فأخذتهما وخرجت.
قال سعد فانصرف الحسن بن النضر ومات في شهر رمضان (يعني: من نفس تلك السنة) وكفّن في الثوبين (1).
و عن القاسم بن العلاء قال: ولد لي عدة بنين فكنت أكتب وأسأل الدعاء فلا يكتب إلي لهم بشيء، فلما ولد لي الحسن ابني كتبت أسأل الدعاء فأجبت:
«يبقى والحمد لله» (2).
و عن الحسن بن الفضل بن زيد اليماني قال: كتب أبي بخطه كتاباً فورد جوابه، ثمّ كتب بخطي فورد جوابه، ثمّ كتب بخط رجل من فقهاء أصحابنا فلم يرد جوابه.
فنظرنا فكانت العلة أنّ الرجل تحوّل قرمطياً (3).
و عن الحسن بن الحسين العلوي قال: كان رجل من ندماء روز حسني و آخر معه فقال له: هوذا يجبى الأموال (يقصد صاحب الأمر صلوات الله عليه) وله وكلاء وسمّوا جميع الوكلاء في النواحي و أنهى ذلك إلى عبيد الله بن سليمان الوزير، فهم الوزير بالقبض عليهم.
فقال السلطان: أطلبوا أين هذا الرجل؛ فان هذا أمر غليظ.
فقال عبیدالله بن سليمان: نقبض على الوكلاء. فقال السلطان: لا، ولكن دسوا لهم قوماً لا يعرفون بالأموال فمن قبض منهم شيئاً قبض عليه. قال: فخرج (يعني: من الناحية المقدسة إلى بعض الوكلاء).
«بأن يتقدّم إلى جميع الوكلاء: أن لا يأخذوا من أحد شيئاً، وأن يمتنعوا من ذلك، ويتجاهلوا الأمر».
فاندسّ بمحمد بن أحمد رجل لا يعرفه وخلا به فقال: معي مال أريد أن أوصله فقال له محمد غلطت أنا لا أعرف من هذا شيئاً، فلم يزل يتلطفه ومحمّد بتجاهل عليه، وبقوا الجواسيس وامتنع الوكلاء كلّهم لما كان تقدّم إليهم (1).
وعن محمد بن إبراهيم بن مهزیار قال: اجتمع عند أبي مال كثير بعد مضي أبي محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) - فحمله وركب في السفينة وخرجت معه مشيعاً له، فوعك وعكاً شديداً، فقال: يابني ردني ردّني فهو الموت، واتق الله في هذا المال وأوصى إليّ ومات.
فقلت في نفسي: لم يكن أبي يوصي بشيء غير صحيح، أحمل هذا المال إلى العراق، وأكتري داراً على الشط، ولا أخبر أحداً، فإن وضح لي شيء كوضوحه أيام أبي محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنفذته وإلا تصدقت به.
فقدمت العراق، وأكتريت داراً على الشط وبقيت أياماً فإذا أنا برسول معه رقعة فيها:
«يا محمد معك كذا وكذا، في جوف كذا وكذا».
حتى قص علي جميع ما معي ممّا لم أحط به علماً، فسلّمت المال إلى الرسول، وبقيت أياماً لا يرفع لي رأس، فاغتممت، فخرج إلي:
1) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 51، ص 310، عن الكافي للكليني (قدس سره).
«قد أقمناك مقام أبيك فاحمد الله» (1).
وقال الحسن بن الفضل بن زيد اليماني:
كتبت في معنيين (أي: في موضوعين) وأردت أن أكتب في الثالث وامتنعت منه مخافة أن يكره ذلك، فورد جواب المعنيين والثالث الذي طويته، مفسّراً (2).
وقال أحمد بن الحسن وردت الجبل (أي: إيران) وأنا لا أقول بالإمامة، أحبّهم جملة إلى أن مات يزيد بن عبدالملك وفي نسختي الكافي، وإرشاد المفيد: يزيد بن عبدالله فأوصى إليّ في علّته أن يدفع الشهري السمند، وسيفه، ومنطقته إلى مولاه (يعني: صاحب الأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ)) فخفت إن لم أدفع الشهري إلى «اذكوتكين» (حاكم الجبل آنذاك) نالني منه استخفاف، فقومت الدابة والسيف والمنطقة بألف دينار في نفسي، ولم أطلع عليه أحداً، فإذا الكتاب قد ورد عليّ من العراق:
«يا أحمد بن الحسن الألف دينار التي لنا عندك ثمن الفرس والسيف سلّمه إلى أبي الحسن الأسدي».
قال: فخررت لله ساجداً شكرت لما منّ علي وعرفت أنه حجة الله حقاً لأنه لم یكن وقف على هذا أحد غيري فأضفت إلى ذلك المال ثلاثة آلاف دينار أخرى سروراً بما من الله علي بهذا الأمر(3).
الشهري السمند نوع من الفرس.
وبعد موت القاسم بن العلاء خرج التوقيع إلى ابنه الحسن كتاب تعزية وفي آخره دعاء.
«ألهمك الله طاعته، وجنب معصيته».
«قد جعلنا أباك إماماً لك، وفعاله لك مثالاً» (1).
وقال أبو غالب: وقد كتبت رقعة أسأل فيها أن تقبل ضيعتي، وألمحت في ذلك فكتب إليّ: «اختر من تثق به فاكتب الضيعة باسمه فإنك تحتاج إليها».
فكتبتها باسم أبي القاسم موسى بن الحسن ابن أخ أبي جعفر، ثقتي به وموضعه من الديانة والنعمة.
فلم تمض الأيام حتى أسرني الأعراب، ونهبوا الضيعة التي كنت أملكها، وذهب فيها من غلاتي ودوابي وآلتي نحواً من ألف دينار، وأقمت في أسرهم مدة إلى أن اشتريت نفسي بمائة دينار وألف وخمسمائة درهم ولزمني من أجرة الرسل نحو من خمسمائة درهم، فخرجت واحتجت إلى الضيعة فبعتها (2).
قال محمد بن شاذان بن نعيم: اجتمع عندي مال للغريم (عَلَيهِ السَّلَامُ) خمسماة درهم تنقص عشرين درهماً، فأبيت أن أبعثها ناقصة هذا المقدار، فأتممتها من عندي وبعثت بها إلى محمد بن جعفر ولم أكتب مالي فيها، فأنفذ إلي محمد بن جعفر القبض وفيه:
«وصلت خمسماة درهم لك فيها عشرون درهماً» (3).
الغريم: كناية عن مولانا صاحب الزمان عليه الصلاة والسلام وعجل الله تعالى فرجه
قال الشيخ العمري - نائب الناحية المقدسة -: صحبت رجلاً من أهل السواد (يعني: أهل العراق) و معه مال للغريم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأنفذه فرد عليه وقيل له:
«أخرج حق ابن عمك منه و هو أربعمأة درهم».
فبقي الرجل باهتاً متعجباً ونظر في حساب المال، وكانت في يده ضيعة لولد عمه قد كان ردّ عليهم بعضها و زوى عنهم بعضاً، فإذا الّذي فضل لهم من ذلك المال أربعماة درهم كما قال الله. فأخرجه و أنفذ الباقي فقبل (1).
قال علي بن عاصم الكوفي:
خرج في توقيعات صاحب الزمان (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«ملعون ملعون من سمّاني في محفل من الناس» (2).
و قال الشيخ محمد بن عثمان العمري - نائب الناحية المقدسة - قدس الله روحه: خرج توقيع بخطه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعرفه:
«من سمّاني في مجمع من الناس باسمي فعليه لعنة الله».
وكتبت أسأله عن ظهور الفرج؟ فخرج في التوقيع:
«كذب الوقاتون» (3).
وعن أبي عبدالله الصالحي قال: سألني أصحابنا بعد مضي أبي محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن أسأل عن الاسم والمكان فخرج الجواب: إن دللتم على الاسم أذاعوه، وإن عرفوا المكان دلوا عليه.» (1)
مسألة النهي عن تسمية الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) باسمه الخاص صلوات الله عليه وعلى آبائه قد ورد في أئمة أهل البيت بدءاً بأمير المؤمنين وانتهاءاً بالإمام الحسن العسكري والإمام أحاديث عديدة عن المهدي نفسه عليهم الصلاة والسلام.
وقد جمع منها العلامة المجلسي في بحار الأنوار بضعة عشر حديثاً. (ج 51، ص 31-34).
وقد اختلفت كلمات الفقهاء - رضوان الله عليهم - في تفسير هذا النهي.
فقد قال الشيخ الصدوق - رضوان الله عليه-: «الذي أذهب إليه النهي عن تسميته» يقصد بذلك التحريم. وقال بعضهم بالكراهة، وفصل بعضهم بين أوائل الغيبة الصغرى فالتحريم وبين الأزمنة المتأخرة فالكراهة.
قال المحقق القمي (قدس سره) في جامع الشتات ما ترجمته:
«أخبار المنع عن تسميته جنابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثيرة، حتى أنّ الكليني (قدس سره) من روى بسند صحيح عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: صاحب هذا الأمر لا يسمّيه باسمه إلا كافر، وهكذا في أحاديث أخرى ورد التصريح بحرمة ذكر اسمه الشريف.
ولكن ما يستفاد من سائر الأخبار هو: أنّ ذلك من باب التقية والاتقاء في حقه ومن الأزمنة الأولى من ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ) والأزمنة المتقاربة من أيام غيبته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذلك لأن الفراعنة في زمان آل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كانوا دائماً يحاولون إطفاء النور الإلهي.
وحيث أنهم كانوا قد سمعوا أن صاحب الأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) سيملأ الأرض عدلا وقسطاً بعدما ملئت ظلماً و جوراً، وقد كان علماء السنة أيضاً رووا هذا الحديث، وكان قد ورد في أخبارهم أيضاً أن اسمه موافق لاسم جده رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)... إلى أن قال:
لهذه الأسباب كان فرعون ذاك الزمان يسعى حثيثاً في طلبه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولأجل ذلك جعلوه مختفياً، ونهوا شيعتهم عن ذكر اسمه الشريف وعن مكانه، وقد ورد في بعض الأخبار التصريح بأن علة ترك ذكر الاسم الشريف هو: أنه حيث تحقق عند السلطان أن أبا محمد يعني الإمام الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) مات ولم يخلف ولداً فإذا ذكر اسمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) صار في طلبه فاتقوا الله، واحفظوا ألسنتكم عن ذكر اسمه (والحاصل) أنّ وجه المنع ظاهراً هو هذا، وأما في أمثال زماننا فلا أرى مانعاً عنه ظاهراً (ولو) لم يصرح باسمه واكتفي بلفظ (الحجة) كان أحوط». (جامع الشتات، ج 2، ص 748).
1) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 51، ص 33، عن الكافي.
الخاصة
الأسئلة
ما هي الواسطة بين الجماعة الصالحة والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من حيث إيصال الرسائل؟
عدد بعض ما حملته الرسائل من أجوبة؟
ماذا يستفاد من دعاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بولادة الصدوق (رَضِیَ اللهُ عَنهُ)؟
بماذا يمكن أن يستفاد من دلالة كثرة الرسائل بين الجماعة الصالحة والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
كانت وفاة علي بن محمد السمري (329هـ) إيذاناً بابتداء عصر الغيبة الكبرى. وكان التوقيع الصادر عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى محمّد قبل وفاته بستة أيام هو الإعلان عن انتهاء فترة الغيبة الصغرى، فلم تكن الغيبة الكبرى واحتجاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن شيعته وقواعده أمراً مفاجئاً وغير متوقع بل قد مهد لهذه الغيبة الرسول االأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) حيث تواترت عنه الأخبار الدالة على ذلك.
فقد روى جابر بن عبدالله الأنصاري عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قوله: «المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كُنيتي أشبه الناس بي خلقاً وخُلقاً، تكون له غيبة وحيرة تضلّ فيه الأمم، ثمّ يقبل كالشهاب، ويملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً
وظلماً.» (1)
وكما تواتر عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ذلك فقد تواتر عن أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أيضاً من خلال الروايات الكثيرة التي تشير إلى الغيبة الصغرى والكبرى معاً.
إذن كانت عامة الشيعة قبل حصول الغيبة تعلم بحتمية وقوعها فلم يكن في حدوثها
1) كمال الدين، ج 1، ص 286.
عنصر المفاجأة كما يتوهمه البعض بل كانت الصدمة التي تلقاها الشيعة المعاصرون للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) - بغيبة إمامهم صدمة كبيرة. وكانوا يظنون أن لا تقع غيبته إلا في زمان متأخر عن زمانهم.
إن العمل الدؤوب لإعداد النفس وترويضها أوّلاً والتصدّي لمظاهر الفساد والظلم والانحراف ثانياً يُعدّان الترجمة العملية والواقعية لانتظار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) والاعتقاد بإمامته وبذلك يتحقق الانتظار الواعي الذي حنّت عليه الروايات واعتبرته أفضل العبادة.
فعن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: «انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله تعالى، فإنّ أحب الأعمال إلى الله انتظار الفرج» (1).
ويحدّث الإمام علي بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أبا خالد الكابلي عن أهل زمان الغيبة الكبرى قائلاً له: يا أبا خالد إنّ أهل زمان غيبته القائلون بإمامته المنتظرون لظهوره أفضل أهل كلّ زمان لأنّ الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بالسيف، أولئك المخلصون حقاً، وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى دین الله تعالى سراً وجهراً.
و قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «انتظار الفرج من أعظم الفرج» (2).
كان التوقيع الشريف الصادر عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى علي بن محمد السمري يخبره بدنو أجله، وأنه ميت بعد ستة أيام إعلاناً ببدء مرحلة الغيبة الكبرى وإنتهاء الفترة الممهدة لها وهي فترة السفراء الأربعة التي عُرفت بالغيبة الصغرى.
ونصّ التوقيع المبارك هو: «بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن محمد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور إلا باذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول أمد وقسوة القلب وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي لشيعتي من يدعي المشاهدة ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني، والصيحة فهو كذاب مفتر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (1).
و وفقاً للنص المبارك يتضح ما يلي:
انتهاء دور النيابة الخاصة..
إنّ مرحلة الغيبة الصغرى ودور السفراء - كوسطاء - كانا إتماماً لدور الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) في إنضاج العقل الشيعي وإبلاغه مستوى عالياً في التفاعل مع الأحداث واستنباط أحكامها.
بدء مرحلة النيابة العامة وإرجاع الشيعة إلى رواة أحاديث أهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) كل واقعة تحدث كما ورد في النص الشريف عن الإمام الحجة لأحمد بن إسحاق: «و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجّة الله» (2).
التمويه التام على السلطات الجائرة حول وجود الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأن من يدعي مشاهدته فهو كذاب مفتر، فالسلطات والحالة هذه أمنت خروجه ليمحو الظلم والطغيان العباسي.
إنّ أمر الإذن بخروجه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عائد إلى الله سبحانه وتعالى.
لقد أشارت الأحاديث الشريفة المروية عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والأئمة الأطهار (عَلَيهِم السَّلَامُ) لأسباب و علل غيبة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبإلقاء نظرة متمعنة فيما جاء من النصوص حول الغيبة يتضح أنّ هذه الروايات والأحاديث على طوائف:
فطائفة تذكر أنّ علّة الغيبة هي أنّ الله سبحانه جعل للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) سنن الأنبياء في غيباتهم.
وطائفة أُخرى تعلل غيبته (عَلَيهِ السَّلَامُ) بخوفه من القتل.
وطائفة ثالثة تذكر أنّ العلة هي أن لا تكون في عنقه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيعة لطاغية حين يظهر بالسيف.
وطائفة رابعة لم تذكر سبباً صريحاً بل لسانها يقول: إن الغيبة أمر من أمر الله سبحانه وسرّ من أسراره يُكشف عنه حين ظهور الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وننقل هنا مجموعة الأحاديث حول هذا الموضوع، ثم نشير إلى ما جاء في كلِّ منها مما يرتبط بتعليل ظاهرة الغيبة له لا (عَلَيهِ السَّلَامُ).
و روى عبدالله بن الفضل الهاشمي قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: إن لصاحب هذا الأمر غيبة لابد منها يرتاب فيها كلّ مبطل، فقلت له: ولم جعلت فداك؟ قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال:
1) الحر العاملي، إثبات الهداة، ج 3، ص 486 - 487.
وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدّم من حجج الله تعالى ذكره. إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر الا إلا بعد افتراقهما، يا ابن الفضل إنّ هذا الأمر من أمر الله وسرّ من سرّ الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنّ الله عزّوجلّ حكم، صدّقنا بأن أفعاله كلها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف (1).
إنّ للقائم غيبة قبل ظهوره، قلت، ولم؟ قال: يخاف - وأومن بيده إلى بطنه - ق-ال زرارة يعني: القتل (2).
ومنها ما روي عن عبد الله بن عطا عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت له إن شيعتك بالعراق كثيرة، والله ما في أهل بيتك مثلك، فكيف لا تخرج؟ قال: فقال: یا عبدالله ابن عطا، قد أخذت تفرش أذنيك للنؤكى. إي والله ما أنا بصاحبكم، قال: قلت له: فمن صاحبنا؟ قال: انظروا من عَمِيَ على الناس ولادته فذاك صاحبكم؛ إنّه ليس منا أحد يشار إليه بالإصبع ويُمضَعُ بالألسن إلا مات غيظاً أو رغم أنفه (3).
قلت لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو قال له رجل: أصلحك الله ألم يكن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوياً في دین الله؟ قال: بلى، قال: فكيف ظهر عليه القوم وكيف لم يمنعهم؟ وما منعه من ذلك؟ قال: آية في كتاب الله عزوجل منعته، قال: قلت: وأي آية هي؟ قال: قول الله عزّوجل لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا إنه كان لله عزّوجل ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين و منافقين فلم يكن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليقتل الآباء حتى تخرج الودائع،
فلما خرجت الودائع ظهر على ظهر فقاتله، وكذلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبداً حتى تظهر ودائ(عَلَيهِ السَّلَامُ) عزّوجلّ فاذا ظهرت ظهر على ظهر فقاتله (1).
«و الله لا يكون الذي تمُدنّ إليه أعناقكم حتّى تميّزوا وتمحصوا، ثم يذهب من عشرة شيء ولا يبقى منكم إلا الأندر، ثم تلا هذه الآية أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (2).
«دولتنا آخر الدول، ولم يبق أهل بيت لهم دولة إلّا ملكوا قبلنا لئلا يقولوا إذا رأوا سيرتنا إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله عزّوجلّ: العاقبة للمتقين» (3).
وهذا المعنى مروي عن كثير من الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) بألفاظ متقاربه، منها ما روي عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال في توقيعه إلى إسحاق بن يعقوب في جواب أسئلته:
«و أمّا علّة ما وقع من الغيبة، فإنّ الله عزّوجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ إنّه لم يكن أحد من آبائي (عَلَيهِم السَّلَامُ)، إلا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإنّي أخرج حين أخرج، ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي» (5).
نحن وإن كنا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين حسب الذي أراناء الله تعالى لنا من الصلاح والشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين (1).
ولو أنّ أشياعنا - وفقهم الله لطاعته - على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم، لما تأخّر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجّل لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا. فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرهه ولا تؤثره منهم (2).
إذن هناك أسباب واقعية وموضوعية هي التي تكمن وراء ظاهرة الغيبة كشفت هذه النصوص عنها تارة بشكل صريح وأخرى بشكل رمزي هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنّ كلّ نص تكفّل ببيان جزء من تلك العلة الواقعية التي ظهرت بمظهر سنّة من سنن الأنبياء، فإنّ معنى وجود سنة هو وجود قانون عام ينطبق على الحوادث التأريخية كلما تشابهت الظروف. وحيث أنّ الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعبر عن نفس الخط الذي سار عليه الأنبياء وبعثوا من أجل تحقيق أهدافه. إذن سوف تخضع حركته لنفس السنن العامة التي تحققت في حياة الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ).
وصلاح الأمة يقتضي أن يغيب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث لا تتحقق الأهداف بظهوره قبل الأوان وقبل تهيؤ الظروف الموضوعية الكفيلة بتحقق أهداف رسالات الأنبياء على يده.
وظهور الإمام قبل أن تتحقق الظروف الكفيلة بحفظ وجوده الذي يستطيع إيجاد التغيير العالمي المنشود قد يستلزم قتله من قبل الظالمين فلايكون نفع ظهوره أكبر من نفع غيبته.
الخاصة
الأسئلة
إن حدث الغيبة الكبرى هل كان أمراً مفاجئاً للقواعد الشعبية؟ ولماذا؟
هل تدلّ أحاديث انتظار الفرج على وقوع الغيبة؟ وكيف ذلك؟
ما هي الدلالة في الأحاديث التي اعتبرت انتظار الفرج من أفضل العبادة؟
كيف تم الإعلان عن حدوث الغيبة الكبرى؟
ما هي علل الغيبة الكبرى حسب طوائف الأحاديث الواردة في هذا الصدد؟
ابتدأت الغيبة الكبرى بإعلان الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن إنتهاء الغيبة الصغرى المتمثل بانتهاء السفارة وبدء الغيبة التامة وأنه لا ظهور إلا باذن الله عزّوجل.
و تنتهي الغيبة الكبرى باليوم الموعود حيث يشرق فيه نور الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويظهر لعامة الناس ظهوراً يتصدّى فيه لأخذ زمام الأمور في العالم الإسلامي والإنساني أجمع، وتسعد البشرية حينذاك بلقائه حيث يخرجها من الظلمات إلى النور ويملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلما وجوراً.
وتتصف هذه المرحلة من حياة الإمام بخصائص و مميزات تجعلها من أحرج الفترات في تأريخ الإسلام عامة والجماعة الصالحة خاصة، وإن أهم هذه الخصائص هی:
انتشار الظلم والجور، وانحسار الإسلام عن الحياة السياسية، وبذلك تتميز هذه الفترة عن العصر الذي كان يسود فيه الإسلام ويسيطر على حياة الإنسان وبطابع الرسالة الإسلاميّة، وبذا تكون هذه الفترة متميّزة عن عهود سيادة وقيمومة الإسلام في الحياة العامة.
التشكيك في وجود الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لاحتجابه عن واقع الحياة ولطول زمان غيبته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثم طغيان التيارات الضالة التي تُسبب في بروز ظاهرة التشكيك واتساعها في حياة الأمة الإسلامية.
ففي زمن الغيبة الصغرى نجد أنّ التواصل بين القواعد والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان حاصلا عن طريق السفراء، وأن ما كان يطرح من إشكالات حول المسائل المختلفة كانت الأمة تجد حلولها إما بمبادرة من الإمام وإخراج توقيع يتضمّن ذلك أو عن طريق سؤال قواعده ومواليه بتوسط سفرائه. فالإلزام متيقن في التوقيعات الصادرة عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث أن القواعد الموالية كانت تجهد وتجد في تطبيق ما يصدر عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو سفرائه، والحال أنّ الغيبة الكبرى حيث لا واسطة بين الإمام وقواعده إذ هي فترة الاحتجاب التام وانقطاع الإمام عن الارتباط بالناس. فوسيلة الإفهام للقواعد الموالية والجماعة الصالحة هي الرجوع إلى الفقهاء الرواة لنصوص أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الأمناء على الشريعة و على الأمة الإسلامية كما ورد ذلك في الحديث المعروف عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ).
إن الإطار العام لسيرة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الفترة هو التمهيد لظهوره. وهذا التمهيد يشمل رعاية الجماعة الصالحة وحفظها وحفظ الرسالة الخاتمة من التحريف إضافة إلى القيام بمهام أخرى تتعلّق بسائر وظائف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإن كان ذلك بأساليب أكثر خفاءً مما كان عليه الحال في الغيبة الصغرى وبذلك يتحقق الانتفاع بوجوده المبارك كما يُنتفع بالشمس إذا غيّبها السحاب كما ورد في مجموعة من الأحاديث الشريفة.
ويمكن تصوير تحرّك ونشاط الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) خلال احتجابه في عصر الغيبة الكبرى بأحد شكلين:
وهي الأطروحة التقليدية المتعارفة المذكورة في ذهن عدد من الناس و تدلّ عليها ظواهر بعض الأدلة على ما سنرى، وهي أنّ الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يختفي بجسمه عن الأنظار، فهو يرى الناس ولا يرونه، وبالرغم من أنه قد يكون موجوداً في مكان إلا أنه يُرى المكان خالياً منه.
أخرج الصدوق في إكمال الدين بإسناده عن الريان بن الصلت، قال: سمعته يقول: سئل أبو الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن القائم (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: لا يرى جسمه ولا يسمى باسمه.
وأخرج بإسناده عن الصادق جعفر بن محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث قال: الخامس من ولد السابع يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته (1).
وأخرج أيضاً بإسناده عن عبيد بن زرارة قال سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: يفقد الناس إمامهم فيشهد الموسم فيراهم ولا يرونه.
وهذه الأُطروحة هي أسهل افتراض عملي لاحتجاب الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الناس ونجاته من ظلم الظالمين، فإنّه في اختفائه هذا يكون في مأمن قطعي حقيقي من أي مطاردة أو تنكيل حيثما كان على وجه البسيطة.
وهذا الاختفاء يتم عن طريق الإعجاز الإلهي، كما تمّ طول عمره لمدى السنين المتطاولة بالإعجاز أيضاً، وكان كلا الأمرين لأجل حفظ الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الموت والأخطار، لكي يقوم بالمسؤولية الإسلامية الكبرى في اليوم الموعود.
و تضيف هذه الأطروحة بأنّ هذا الاحتجاب قد يزول أحياناً عندما توجد مصلحة
1) بحار الأنوار، ج 51، ص 143.
في زواله كما لو أراد الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يقابل شخصاً من البشر لأجل أن يقضي له حاجة أو يوجه له توجيهاً أو ينذره إنذاراً. فإنّ المقابلة تتوقف على رؤيته، ولا تتم مع الاختفاء.
و على ذلك تحمل كلّ أخبار مشاهدة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) خلال غيبته، حتى ما كان خلال الغيبة الصغرى، ويذكر التأريخ بأنّ الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ظهر لعمه جعفر الكذاب مرتين ثم اختفى من دون أن يعلم أين ذهب، وهذا الشاهد يؤيّد صحة هذه الأطروحة.
و نريد بذلك أنّ الناس يرون الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بشخصه دون أن يكونوا عارفين أو ملتفتين إلى حقيقته.
لقد سبق أن عرفنا من تأريخ الغيبة الصغرى أنّ الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أبوه محتجباً عن أعين الناس، إلا القليل من الخاصة الذين أراد أن يطلعهم على وجوده و يثبت لهم إمامته من بعده، ثم ازداد الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) احتجاباً بعد وفاة أبيه وأصبح لا يتصل بالناس إلا عن طريق سفرائه الأربعة، غير عدد من الخاصة المأمونين على السرّ الذين كانوا يبحثون عن الخلف بعد الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) كعلي بن مهزیار الأهوازي وغيره، وكان الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يؤكد عليهم في كل مرة الكتمان والحذر.
وكلما تقدّمت السنون في الغيبة الصغرى وتقدّمت الأجيال وقل الذين كانوا قد عاصروا الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشاهدوا ابنه المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى انقرضوا بالتدريج، و وجدت أجيال جديدة لا تعلم أسلوب اتصالها بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الإتصال بسفيره على أفضل تقدير.
وكان هذا الجيل - بشكل عام - جاهلاً بشكل إمامه المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحيث لو واجهوه
1) محمد الصدر، تاريخ الغيبة الكبرى، ص 7 - 10.
لما عرفوه البتة إلا بإقامته الأدلة القطعية على شخصيته.
و من هنا تيسرت له كما علمنا في ذلك التأريخ - فرصة السفر إلى مختلف أنحاء البلاد كمكة ومصر، من دون أن يكون ملفتاً لنظر أحد.
وهذا ما نعنيه من خفاء العنوان، فإنّ أيّ شخص يراه يكون غافلاً بالمرة عن كونه هو الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإنما يرى فيه شخصاً عادياً كسائر الناس لا يلفت النظر على الإطلاق.
ويمكن للمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يعيش في أي مكان يختاره وفي أي بلد يفضّله سنين متطاولة، من دون أن يُلفت إلى حقيقته نظر أحد، وتكون حياته في تلك الفترة كحياة أي شخص يكتسب لمعيشته من بعض الأعمال الحرّة كالتجارة أو الزراعة أو غيرها، ويبقى على حاله هذه في مدينة واحدة أو عدة مدن حتى يأذن الله تعالى له بالفرج.
ويمكن الإستدلال على هذه الأطروحة من زاويتين: -
الزاوية الأولى: الأخبار الواردة بهذا الصدد منها ما أخرجه الشيخ الطوسي في الغيبة عن السفير الثاني الشيخ محمد بن عثمان العمري أنه قال: «والله إن صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلّ سنة، يرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه».
والمقصود بصاحب هذا الأمر: الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والمراد بالموسم موسم الحج، والرواية واضحة الدلالة على عدم اختفاء الشخص و مقترنة بالقسم بالله تعالى تأكيداً، وصادرة من سفير الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و هو أكثر الناس اطلاعاً على حاله.
ومنها ما ورد عن السفير من قوله حول السؤال عن اسم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ): وإذا وقع الاسم وقع الطلب (1).
فإنّه ليس في طلب الحكام للمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و ومطاردتهم له، أي خطر ولا أي تأثير، لو كانت الاطروحة الأولى صادقة وكان جسم المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مختفياً، إذ يستحيل الوصول
1) الغيبة، للشيخ الطوسي، ص 219.
إليه، وإنّما الخطر يكمن في إمكان كشفه فيما إذا لم يكن مختفياً بجسمه، والنهي عن الاسم إنّما يكون تجنّباً للمطاردة. وهذا ينسجم مع الأطروحة الثانية. فإنه ما دام عنوان المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) واسمه مجهولين، يكون في مأمن عن المطاردة، وأما إذا «وقع الاسم» وعرف العنوان لا يكون هذا الأمن متحققاً ويكون احتمال المطاردة قويّاً.
ومنها: ما ورد من التوقيع الذي خرج من المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى سفيره محمد بن عثمان (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) يقول فيه: فإنّهم إن وقفوا على الاسم أذاعوه، وإن وقفوا على المكان دلوا عليه (1).
فإنه لو صدقت الأطروحة الأولى لم يكن رؤية المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أي مكان على الإطلاق ولم يكن في الدلالة على أي مكان خطر أصلاً، وإنما يكون الخطر موجوداً طبقاً للأطروحة الثانية.
ومنها: ما قاله أبوسهل النوبختي حين سئل فقيل له: كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: هم أعلم وما اختاروه، ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأناظرهم، ولو علمت بمكانه كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجة على مكانه لعلّي كنت أدلّ على مكانه، وأبو القاسم فلو كان الحجّة تحت ذيله وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه (2).
و من الواضح أنه لا معنى لكل هذه الاحتياطات والتحفظات مع صحة الأطروحة الأولى في اختفاء شخص المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، وإنما ينبغي كل هذا التحفظ مع صحة الأطروحة الثانية، فإنّ الدلالة على المكان هي فرع انكشاف العنوان، والقائل لهذا الكلام هو أبوسهل النوبختي الذي كان من جلالة القدر والوثاقة بـحيث كان من المحتمل أن يكون هو السفير عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)... و من هنا سئل في هذه الرواية عن
سبب غض النظر عنه وإبداله بالشيخ ابن روح.
ولابد من الإشارة إلى أنّ هناك مجموعة من العوامل ساهمت في إبعاد الناس عن التصدي للبحث عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي:
الجهل بشكله وهيئة جسمه جهلاً تاماً، وهو عامل مشترك بين أعدائه ومحبّيه.
إنكاره من قبل غير قواعده الشعبية بما فيهم سائر الحكام الظالمين الذين يمثل المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) رمز الثورة عليهم وإزالة نظمهم من الوجود، فهم في إنكارهم له مرتاحون عن مطاردته، وهو في راحة من مطاردتهم.
ارتكاز صحة الأطروحة الأولى عند عدد من قواعده الشعبية، أخذاً بظواهر الأخبار التي سمعناها؛ إذ مع صحتها لا يكون هناك سبيل إلى معرفته بل يستحيل الإحساس بوجوده إلا عن طريق المعجزة وهي لا تتحقق إلا للأوحدي من الناس.
الإيمان بعناية الله تعالى له وحفظه ليومه الموعود. فمتى تعلَّقت المصلحة بالمقابلة مع الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان كان هو الذي يريدها. ومتى لم تتعلّق المصلحة فالأصلح للإسلام والمسلمين ألا تتمّ المقابلة، وإن تحرّق الفرد المؤمن إليها شوقاً، و من هنا يكون الفرد الاعتيادي في حالة يأس من مقابلته والتعرف إليه.
تتركز مهام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) - مع ملاحظة إنقياد الأمة وطاعتها له - في الأمور التالية:
وجوب توليه رئاسة الدولة وقيادة الأمة، بمعنى تطبيق الأطروحة الكاملة للعدل الإسلامي على وجه الأرض، والأخذ بزمام أمور المجتمع وإدارته لأجل ضمان هذا التطبيق.
وجوب الدعوة الإسلامية، بمعنى إدخال المجتمع الكافر في بلاد الإسلام، إما بالحرب أو بالصلح أو بغيرهما.
وجوب الحفاظ على المجتمع المسلم ضدّ الغزو الخارجي، والدفاع عن بيضة
الإسلام بالنفس والنفيس.
وجوب صيانة المجتمع المسلم من الانحراف وشيوع الفساد في العقيدة أو السلوك بالتوجيه الصحيح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و تبليغ تعاليم الإسلام. وهذه الأمور الأربعة، تجب وجوباً مطلقاً في أي مكان وزمان، ويجب أن يبذل الإمام والأُمة في سبيلها أقصى ما يستطيع وتستطيع.
وفي صورة عجز الإمام عن جملة من الأعمال السابقة؛ لكونه يعيش في مجتمع منحرف يطارده ويراقبه ويعزله عن الأعمال الاجتماعية والسياسية، كما كان عليه حال عامة أئمتنا (عَلَيهِم السَّلَامُ). ففي مثل ذلك يكون عمل الإمام(عَلَيهِ السَّلَامُ) - مكرساً في الأغلب - على الحفاظ على قواعده الشعبية ومواليه وعلى حسن علاقتهم بالآخرين و حسن تلقيهم تعاليم الدين وتطبيقهم أحكام الإسلام.
نعم إن وجد الإمام طريقاً إلى القيام ببعض الأعمال الإسلامية على نطاق واسع، وكان المانع مرتفعاً عنه في ذلك العمل، وجب عليه إنجازه ولا سيما إذا كان ذلك العمل أوسع من قواعده الشعبية وشاملاً لكل بلاد الإسلام.
إن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مذخور للقيام بتأسيس وإدارة دولة الحق العالمية في اليوم الموعود، وهو من أعظم الأهداف الإلهية التي ترتبط بأصل خلق البشرية ووجودها. وقد علمنا من القواعد العامة بما فيها قانون المعجزات بأنّ الأهداف الإلهية العليا تتقدّم على أي شيء آخر، فكل ما تتوقف هذه الأهداف العليا على حدوثه فإنّه يحدث لا محالة وكل ما تتوقف على انتفائه وانعدامه فإنّه ينتفي لا محالة سواء كان ذلك من أمور الكون أو من أحكام الشريعة.
فإذا نظرنا إلى هذا الهدف المهم الذي ذُخِر الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجدنا أموراً
عديدة يتوقف هذا الهدف على حدوثها كوجود المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وغيبته، والمعجزة التي تتكفّل طول بقائه، والمعجزة التي تتكفّل اختفاءه الشخصي أحياناً لصيانته من الأخطار، كما نجد أموراً يتوقف اليوم الموعود على انتفائها، فمن ذلك في جانب الأحكام:
أنّ كلّ حكم شرعي يكون تطبيقه متنافياً مع حفظ الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو غيبته، وبالتالي يكون متنافياً مع تحقق اليوم الموعود فإنّ وجوب تطبيق هذا الحكم يكون ساقطاً شرعاً عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولا يجب عليه امتثال هذا الحكم وتنفيذه، وأما الأحكام الشرعية الإسلامية غير المنافية لهذه الأمور سواء كانت أحكاماً فردية كوجوب الصلاة والصوم أو أحكاماً اجتماعية عامة كوجوب الأمر بالمعروف - مثلاً - فلا موجب للالتزام بسقوطها، بل تكون شاملة له، ويجب عليه تنفيذها لاستطاعته، وعدم منافاتها غيبته والهدف من وجوده.
إذا علمنا ذلك، استطعنا أن نحكم بوضوح بسقوط التكليف بأي واحد من الأمور السابقة إذا كان مستلزماً لانكشاف أمره وزوال غيبته، وهذا واضح إلى حد كبير في الأمور الثلاثة الأولى، فإنّه مستلزم لذلك عادة، إلا أن يفترض كونه قائداً أو موجهاً بشخصية ثانوية يُعرَفُ بها غير صفته الحقيقية.
الخاصة
بدأت الغيبة الكبرى بانتهاء السفارة، وتنتهي عندما يأذن الله بظهور الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قامة دولة الحق.
وللغيبة الكبرى خصائص منها: انقطاع الارتباط بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و، وبروز ظاهرة التشكيك في وجوده، فضلاً عن انتشار الظلم والفساد في الأرض، وازدياد اضطهاد الجماعة الصالحة.
وهناك اطروحتان حول تحرك الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الفترة دون أن يخلّ ذلك باحتجابه وغيبته، وهناك مجموعة من العوامل ساعدت في اختفاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) انا وجعلت البحث عنه من الاستحالة بمكان. سواء كان البحث من قواعده الشعبية أو من معاديه.
وللإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مهام خلال فترة احتجابه وظهوره يسعى لتحقيقها فيما إذا توفرت شروط معينة.
الأسئلة
ما هي خصائص الغيبة الكبرى؟
لماذا تبرز ظاهرة التشكيك في وجود الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حال الغيبة الكبرى؟
هناك اطروحتان لكيفية تحرّك الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الغيبة الكبرى، اذكر أدلة كل منهما؟
ما هي العوامل التي ساعدت في المنع عن البحث عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
كيف تأخذ الجماعة الصالحة معالم دينها وأحكامها في الغيبة الكبرى؟
إذا كان الإمام الغائب لا يستطيع ممارسة واجباته السياسية والاجتماعية، إذن فما الفائدة في وجوده وإمامته.
وإذا وصلنا إلى روح قبل الغيبة في المجتمع الإسلامي ولكنّهم لم يكونوا قادرين على ممارسة مهامهم الاجتماعية والسياسية وهي إدارة شؤون الدولة الإسلامية وقيادة الأمة الإسلامية قيادة علنية كما كان يمارسها الخلفاء والحكام بعد عصر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).
إذن ينسحب هذا السؤال الخطير على إمامة جميع الأئمة المعصومين ما عدا فترةٍ من حياة الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفترة قصيرة جداً من حياة الإمام الحسن المجتبى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأُخرى من حياة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
و من هنا انطلق بعض الكتاب المعاصرين للتشكيك في إمامة الأئمة الاثني عشر متجاوزاً بهذا الإشكال إمامة الإمام المهدي المنتظر من أهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ويندفع هذا الاعتراض من أساسه إذا استطعنا أن نتصوّر للإمام الغائب دوراً اجتماعياً أو سياسياً يقوم به في عصر غيبته كما استطعنا أن نصوّر لسائر الأئمة من أهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ) أدواراً اجتماعية وسياسية كانوا يقومون بها في حياتهم بالرغم من
فرض الحصار والرقابة الشديدة عليهم ممّا أدّى هذا النوع من النشاط والدور إلى عدم تحمّل وجودهم أحياءً في أوساط الأمة الإسلامية. فبادر الحكام إلى عزلهم بالكامل و محاصرتهم حتى في داخل بيوتهم وحياتهم الشخصيّة، فكان الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولياً للعهد ولكنّه كان مراقباً على الدوام من قبل المأمون العبّاسي. وكانت زوجة الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنت المأمون فهي خير رقيب عليه وسُجِنّ الإمام الهادي والعسكري (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في سامراء إلى جانب قصر الخليفة.
ولم تدم أعمار هؤلاء الأئمة طويلاً ولم تبلغ حتى متوسط العمر الطبيعي لكل إنسان بالرغم من كونهم أصحاء غير مبتلين بمرض يؤدي بحياتهم.
إذن تأريخ أهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) الحافل بالجهاد والنشاط الاجتماعي والسياسي غير المباشر خير دليل على أنّ أهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) هم أهل بيت الرسالة والأمناء عليها شاء الناس أم أبوا ذلك، وهم يمارسون واجباتهم كأئمة هداة على أي حال وفي كل الظروف وإن انتهت ممارساتهم الجهادية إلى القتل والسبي والتشريد والاضطهاد والسجن حيث لا تأخذهم في الله لومة لائم، كما شهد تأريخهم المجيد بذلك.
إن تأريخ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بدءاً بالإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وانتهاء بالإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهم يعيشون مختلف الظروف السياسية والاجتماعية القاسية حافل بصور الجهاد التي لم نجد لها مثيلاً عند غيرهم من المسلمين وحينئذ ألا يكون جهاد أصحاب هذا الخط المؤزر بالتضحيات دليلاً واضحاً ومنطقياً على أنهم أعرف بمهامهم وأنهم لا يتخلون عنها بأي شكل.
و من هنا سوف يولد هذا الاستقراء لنا اطمئناناً نفسياً على أن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) کسائر آبائه الطاهرين يمارس مهامه وهو غائب عن الأنظار كما يمارسها وهو حاضر ولا يتلكا في ذلك رغم حراجة الظروف وصعوبتها. بل لعله بغيبته يكون أقدر على الممارسة والتحرّك.
على أن مهام الأئمة الأطهار لا تتلخص في ممارسة العمل السياسي أو الجهادي
المكشوف بل إنها تستوعب كلّ أوجه النشاط الاجتماعي والسياسي والثقافي ولمجاهديها وعلمائها ورموزها بشكل مباشر أو غير مباشر إن تعذر التوجيه المباشر. ولا يبعد أن يكون نشاط الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الاجتماعي والسياسي في غيبته أكثر وأكبر حجماً من نشاطه مما لو كان ظاهراً يُعرف بشخصه في عصر الغيبة الذي نتكلم عنه.
وينبغي أن لا يغيب عنا أنّ النشاط السياسي أو الاجتماعي هو أحد مهام الإمام المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي تشمل الأمة المسلمة والرسالة الإسلامية وما يتعلق بهما بل الإنسانية جمعاء وتبدأ هذه المهام بصيانة الرسالة والشريعة من التحريف وصيانة الأمة الإسلامية من الانهيار والاضمحلال وبالتالي صيانة وجودهم السياسي وكيانهم الدولي من الضعف إن أمكن ذلك ثمّ قيادته العلنية للأُمة الإسلامية إن توفّرت ظروفها وشروطها.
إذن هنا عدة مهام مترتبة من حيث الأهمّيّة.
وحين يعزل الإمام من مركز القيادة العلنية للأمة فإنه يضطر لممارسة دوره القيادي وسائر مهامه من وراء الستار.
ونحن لا نستطيع أن ننكر ممارسته لدوره بعد أن قام الدليل النقلي والعقلي على وجوده و استمرار حياته وضرورة بقائه ولو كان ذلك بقدرة إلهية خاصة.
ويشهد بقاء الأمة الإسلامية بالرغم من أنها قد مرت بظروف عصيبة جداً كانت من شأنها أن تضمحل بالكامل وبقاء مشعل الحق فيها متوهّجاً على مدى القرون، و استمرار روح الثورة والجهاد ضدّ الباطل بالرغم من شراسته و هيمنته على العالم أجمع، كل ذلك يشهد على أن يداً غيبية ترعى هذه الأمة المسلمة وأن قلباً واعياً و هادياً يوقد مشعل الحق الهادي على مدى العصور.
وقد أشارت جملة من النصوص الروائية الواردة عن أهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) وبعضها عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالذات إلى كيفية الانتفاع به في عصر الغيبة بحيث تتحقق بعض الأغراض - إن لم تتحقق جميعها قبل توفّر الشروط اللازمة لإقامة دولة العدل
الموعود - وحينئذ سوف لا يكون وجوده لغواً بل يكون ضرورياً إذا أخذنا كل الأهداف البعيدة والقريبة من وجوده بنظر الاعتبار.
فمن ذلك قوله المشهور وأمّا وجه الانتفاع في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الأبصار السحاب (1). وأضاف (عَلَيهِ السَّلَامُ): وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء.
فالسحاب كناية عن خفاء العنوان والشمس كناية عن التأثير النافع المنتج في المجتمع بعد وضوح أن العمل الذي يمكن للمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) تنفيذه مع جهل الناس بحقيقته و عنوانه - أي في غيبته - أقل بكثير ممّا يستطيع القيام به حال ظهوره وإعلان أمره.
و من ذلك: ما روي عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً في نصّ له بهذا الخصوص: إنّا غير مهملين لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء، فاتقوا الله جل جلاله، وظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم يهلك فيها من حمّ أجله ويحمى عنها من أدرك أمله (2).
ونحن نعلم أن وقوفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ضد الأعداء ونزول اللأواء - و هي الشدائد - لا يكون إلا بالعمل المثمر والجهاد الحقيقي على الصعيدين العام والخاص. وخاصة وهو يأمرنا بمظاهرته أي معاونته وموافقته على إخراجنا من الفتنة والنجاة من الهلكة. فإنّ على كل فرد مسؤولية تامة في ذلك، ولا تنحصر المسؤولية بالقائد كما هو واضح، بل أن شعوره بالمسؤولية لا يكاد يكون مثمراً من دون شعور شيعته و رعيته بمسؤوليتهم تجاه قائدهم و مبدأهم أيضاً.
إذن فهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحمل هم شعبه ومواليه يتذكّرهم دائماً ويعمل على حفظهم ودرء المخاطر عنهم باستمرار، بمقدار ما يمكنه أن يؤدّيه من عمل تماماً، كما عرفنا عن
آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وكما عرفناه في خلال غيبته الصغرى غاية الفرق أن تلك الأعمال كانت منه و من آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) بالصفة الحقيقية لهم، وأمّا عمله خلال هذه الفترة، فليست بهذه الصفة وإنّما بصفته فرداً اعتيادياً في المجتمع.
ولكن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتوخى في موارد عمله وجود شرطين أساسيين إن اجتمعا كان في إمكانه أن يتصدّى للعمل، وإن تخلّف أحدهما ترك العمل لا محالة و أبقى الواقع على واقعه.
الشرط الأوّل: أن لا يؤدي به عمله إلى انكشاف أمره وانتفاء غيبته، إذ من الواضح أن المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين يقوم بالأعمال العامة الإسلامية، بصفته فرداً عادياً في المجتمع يمكنه أن يستمر بها إلى حدّ معيّن ليس بالقليل. ولكنّه لو لمع اسمه واشتهر صيته بـ «شخصيته الثانوية» لكان هناك احتمال كبير في انكشاف حقيقته وافتضاح سره. ولا أقل من أن ينتبه الناس إلى غموض نسبه وجهالة أصله، فيتوصلوا بالفحص والسؤال إلى حقيقته، أو يحتملوا ذلك على الأقل، وهو ما لا يريده الله تعالى أن يكون.
إذن فعمل الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بد أن يقتصر على الحدود التي لا تؤدّي إلى انكشاف أمره، فيدقق في ذلك ويخطط له، وهو الخبير الألمعي ويحسب لكل عمل حسابه، وأي عمل علم أن التدخل فيه يوجب الانكشاف؛ انسحب عنه، مهما ترتبت عليه من نتائج لأنّ الحفاظ على سره وذخره لليوم الموعود، أهم من جميع ما يتركه من أعمال.
ولكن هذا لا ينافي تأثيره في الأعمال اليومية الخيرة التي نراها سائدة في المجتمع، وذلك لإمكان أن يكون هو المؤثر في تأسيسها حال صغرها وضآلة شأنها، وقد أودعها إلى المخلصين الذين يأخذون بها ويذكّون أوارها، بدون أن يلتفتوا أو يُلتفت إلى حقيقة عمله بقليل ولا بكثير.
الشرط الثاني: أن لا يؤدي عمله إلى التخلف والقصور في تربية الأمة أو اختلال شرائط يوم الظهور الموعود.
بيان ذلك، أننا أشرنا أنّ ليوم الظهور الموعود شروطاً سوف نتعرّض لها تفصيلاً، ولكل شرط من تلك الشروط أسبابه وعلله. تلك الأسباب التي تتولّد و تنشأ في عصر ما قبل الظهور، حتى إذا آتت أكلها وأثرت تأثيرها بتحقيق تلك الشروط وإنجازها كان يوم الظهور قد آن أوانه و تحققت أركانه.
و المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، حيث يعلم الشرائط و الأسباب، فهو مكلّف - على الأقل - بحماية تلك الأسباب عن التخلّف أو الانحراف، لئلا يتأخر تأثيرها أو ينخفض عما هو المطلوب انتاجها، إن لم يكن مكلّفاً بإذكاء أوارها والسير الحثيث في تقدم تأثيرها. و من أهم شرائط اليوم الموعود، أن تكون الأمة ساعة الظهور على مستوى عالٍ من الشعور بالمسؤولية الإسلامية، والاستعداد للتضحية في سبيل الله عزّوجلّ. أو على الأقل، أن يكون فيها العدد الكافي ممّن يحمل هذا الشعور ليكون هو الجندي الصالح الذي يضرب بين يدي المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ضد الكفر والانحراف، ويكون الجيش المكوّن من مثل هذا الشخص هو الجيش الرائد الواعي الذي يملأ الأرض بقيادة المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قسطاً و عدلاً كما ملئت ظلما وجوراً.
وإذا كان ذلك من الشرائط، فلابد من توفّر أسبابه في زمن ما قبل الظهور في عصر الغيبة الكبرى والمحافظة على هذه الأسباب. والسبب الرئيسي لتولّد مثل هذا الوعي والشعور بالمسؤولية الإسلامية والإقدام على التضحية لدى الأمة بالمستوى المطلوب، هو مرورها بعدد مهم من التجارب القاسية والظروف الصعبة وإحساسها بمرارة الظلم والتعسف ردحاً كبيراً من الزمن؛ حتى تستطيع أن تعي نفسها وأن تشخص واقعها و تشعر بمسؤوليتها، فان هذه الصعوبات كالمبرد الذي يجلو الذهب ويجعل السكين نافذاً، فإنّ الأمة - في مثل ذلك - لا تخلد إلى الهدوء والسكون بل تضطر إلى التفكير بأمرها وبلورة أفكارها و تشخيص آلامها وآمالها و تشعر بنحو وج-داني عميق بسهولة التضحية في سبيل الأهداف الكبيرة ووجوبها إذا لزم الأمر ونادى منادي الجهاد في سبيل الله.
و تلك الأمّة الواعية هي التي تستطيع أن تصول بين يدي الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأن تؤسّس العدل المنتظر في اليوم الموعود، دون الأمّة المنحرفة المتداعية، أو الأمة المنعزلة أو المنصهرة المنهارة، فإذا كان مرور الأمة بظروف الظلم والتعسف ضرورياً لتحقيق شرط اليوم الموعود، فمثل هذا الشرط يجب رعايته والمحافظة عليه.
إذن فالمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالرغم من أنه يشعر بالأسى لمرور شعبه وقواعده بمثل هذه الظروف القاسية، إلا أنه لا يتصدّى لإزالتها ولا يعمل على تغييرها، تقديماً لمصلحة اليوم الموعود على أهل هذا اليوم الموجود.
و أما ما لا يكون من الظلم دخيلاً في تحقيق ذلك الشرط، وكان الشرط الأول لعمل المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) متوفّراً فيه - أيضاً - فإنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتدخل لإزالته ويعمل على رفعه، بموجب التكليف الشرعي الإسلامي المتوجّه إليه.
ونحن - الذين لا نعيش هموم الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأهدافه ورؤاه - نكاد نكون في جهل مطبق، من حيث تشخيص أنّ هذا الظلم هل له دخل في تحقيق شرط الظهور أو لا. ما عدا بعض موارد التخمين. فإنّه يحتاج إلى نظر بعيد يمتد خلال السنين إلى يوم الظهور. وهذا النظر منعدم لدى أي فرد في العالم ما عدا المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه، فيعود تشخيص ذلك إليه، بما وهبه الله من ملكات و قابليّات على تشخيص الداء وتوفير الدواء (1).
1) السيد محمد الصدر، تاريخ الغيبة الكبرى، ص 57 - 59.
ولـ «رونلدسن»: عدم التفات الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أصحابه وقواعده الشعبية وعدم رفع الظلم عنهم، وهو بذلك يريد أن يستنتج عدم وجوده زاعماً أنه لو ك-ان موجوداً، فهو شخص يشعر بالمسؤولية والعطف تجاه أصحابه، فهو لا محالة رافع للظلم عنهم. مع أنه لم يعمل ذلك، بالرغم من أنّ المظالم في التأريخ كثيرة وشديدة. فهو غير موجود.
و هو وإن لم يصرح بهذه النتيجة، ولكنّه يوحي بها إيحاء واضحاً، حين يقول:
«و في القرن التالي لغيبة الإمام استلم البُوَيْهِيّون زمام السلطة الزمنية فبذلوا جهوداً كبيرة لتوحيد الطائفة الشيعية وتقويتها كبناء مشاهدها وجمع أحاديثها وتشجيع علمائها ومجتهديها.
ومع ذلك فلم يظهر الإمام المنتظر في هذا القرن الذي كانت الطائفة الشيعية تتمتع فيه بحسن الحال».
و مرَّ قرن آخر دالت فيه دولة حماة الشيعة من البويهيين، ولكنّ الإمام في (غيبته الكبرى).
و مرَّ قرن ثالث يمتاز بالظلم والثورات وتحكّم المماليك، ولكنّ الإمام الذي كانوا
ير تجون ظهوره لم يظهر.
وجاء دور الحروب الصليبية التي اشترك (آل البيت) فيها دون أن يكون لهم إمام، فمن الجانب الإسلامي، كانت السلطة لإعلان الجهاد تنحصر بيد بني العباس والفاطميين المارقين في مقاومة الجيوش الغازية للشعوب المسيحية بالاسم في أوربا، ولكن الإمام أخر ظهوره.
وبعد مرور أربعة قرون على وفاة آخر الوكلاء في القرن الثالث عشر الميلادي - اجتاح الغزاة المغول بلاد ايران يقتلون ويهدمون بقساوة لا مثيل لها.
وبالرغم من التخريب والآلام فإنّ (صاحب الزمان) المنتظر بفارغ الصبر لم يظهر. و حتى في ابتداء القرن السادس على زمن شيوخ آذربيجان والدولة الصفوية الجديدة، لم يتصل الإمام الغائب بشيعته إلّا بالحلم فكان يظهر لهؤلاء الملوك كما يدعون!» (1).
وبالرغم من أنّ في هذا الكلام توجد عدة نقاط تحتاج إلى إعادة النظر، إلا أن المهم مناقشة الإشكال الرئيسي الذي يثيره رونلدسن وهو استبعاد وجود الإمام من خلال عدم ظهوره عند الحاجة لأجل رفع الظلم عن قواعده الشعبية خاصة، والمسلمين عامة.
و قد اتضح الجواب على ذلك مما قلناه متمثلاً في عدة وجوه:
أولاً: إنا يجب أن لا نتوقع من الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الظهور الكامل، في أي ظرف من الظروف، باعتباره مذخوراً لنشر العدل الكامل في العالم كله، لا لرفع المظالم الوقتية أو الاتصال بأشخاص معينين.
وقد عرفنا أن الإسراع بالظهور قبل أوانه يوجب جزماً فشل التخطيط الإلهي لليوم الموعود، لأن نجاحه منوط بشروط معينة وظروف خاصة لا تتوفّر قبل اليوم الموعود.
1) عقيدة الشيعة لرونلدسن، ص 348 - 349.
وقد عرفنا أنّ كلّ ما أعاق نجاحه لا يمكن وجوده بحسب إرادة الله تعالى وإرادة المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه، مهما كان الظرف مهمّاً و صعباً.
ثانياً: إننا نحتمل - على الأقل - أنّ المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى أنّ بعض الظلم الذي كان ساري المفعول خلال التأريخ، كالحروب الصليبية مثلاً، غير قابلة للإزالة من قبله حال الغيبة بحال، ولا ينفع التخطيط السرّي أو العمل الاعتيادي، بصفته فرداً عادياً، في إزالتها؛ لقوة تأثيرها وضراوة اندفاعها. ومعه يصبح الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حال غيبته عاجزاً عن رفع هذا الظلم، فيكون معذوراً بالنسبة لعدم التصدّي لرفعه طبقاً للقواعد الإسلامية و لوظيفته الصحيحة.
ثالثاً: إنّ جملة من موارد الظلم الساري في المجتمع لا يتوفّر فيه الشرط الأوّل من الشرطين السابقين اللذين ذكرناهما لعمل الإمام المهدي يا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلا يعمل المهدي لإزالته بطبيعة الحال، وهو ما إذا كان العمل ملازماً لانكشاف أمره وانتفاء غيبته.
رابعاً: إنّ جملة من موارد الظلم لا يتوفّر فيه الشرط الثاني من الشرطين السابقين، باعتبار أن وجوده سبب لانتشار الوعي في الأمة وشعورها بالمسؤولية الذي هو أحد الشروط الكبرى ليوم الظهور. وقد قلنا بأنّ مثل هذا الظلم وإن وجب على الأمة الكفاح لإزالته إلّا أنّ الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يتسبّب لرفعه، لأنّ في رفعه إزالة للشرط الأساسي لليوم الموعود، وهو ما لا يمكن تحققه في نظر الإسلام.
إذن سائر أنحاء الظلم الساري المفعول في التأريخ لا محالة مندرجة تحت أحد هذه الأمور، فإذا كان الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد عمل لإزالتها فقد خالف وظيفته الإسلامية ومسؤوليته الحقيقية، ولا أقل من احتمال ذلك.
إذن فليس هناك أي تلازم بين وجود المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبين وقوفه ضدّ هذه الأنحاء من الظلم حتى يمكن لرونلدسن أن يستنتج من عدم وقوفه ضد الظلم، عدم وجوده.
وأمّا الأنحاء الأخرى من الظلم، فقد قلنا بأنّ تكليفه الشرعي ووظيفته الإسلامية، تقتضي وقوفه ضده وحيلولته دونه بصفته فرداً عادياً في المجتمع كما أوضحناه. إذن
فهو يقف ضد الظلم في حدود الشروط الخاصة الإسلامية، كيف و هو على طول الخط يمثل المعارضة الصامدة ضد الظلم والطغيان (1).
تعدّدت النصوص الواردة حول موطن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإليك جملة منها:
يا ابن المازيار! أبي محمد عهد إلي أن لا أجاور قوماً غضب الله عليهم ولعنهم ولهم الخزي في الدنيا والآخرة ولهم عذاب أليم. وأمرني أن لا أسكن من الجبال إلا وعرها، و من البلاد إلا عفرها...
وردت بعض النصوص المشيرة إلى قضية زواج الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأولاده وهي:
إن لصاحب هذا الأمر غيبتين إحداهما تطول حتى يقول بعضهم مات ويقول بعضهم قتل، ويقول بعضهم ذهب، حتّى لا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر لا يطلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره إلا الذي يلي أمرها (1).
وفي آخره هكذا:
«اللهم صل على محمّد المصطفى، وعلي المرتضى، وفاطمة الزهراء والحسن الرضا، والحسين المصفّى، وجميع الأوصياء مصابيح الدّجى، وأعلام الهدى، ومنار التقى والعروة الوثقى، والحبل المتين، والصراط المستقيم وصل على وليك وولاة عهده والأئمة من ولده، ومد في أعمارهم وزد في آجالهم، وبلغهم آمالهم ديناً ودنياً، و آخرة انك على كلّ شيءٍ قدير» (2).
«صلى الله عليك وعلى آل بيتك الطيبين الطاهرين».
وفي موضع آخر منها «صلوات الله عليك وعلى آل بيتك هذا يوم الجمعة».
و في آخرها قال: «صلوات الله عليك وعلى أهل بيتك الطاهرين».
«اللهم أعْطِه في نفسه وذريته وشيعته ورعيّته وخاصته وعامته وجميع أهل الدنيا ما تقر به عینه و تست به نفسه» (1).
الخاصة
إنّ الاستفادة من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حال غيبته الكبرى حاصلة دون أدنى شك سواء حصل لنا العلم بالكيفية التي تتم بها أم لم يحصل ذلك، فإنّ التشبيه الوارد في الروايات بحمل الانتفاع به (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما ينتفع بالشمس حين تحجبها السحاب، وأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء.
وقد وردت تشكيكات حول سبب عدم ظهوره مع ازدياد الظلم والجور، كما أنه قد قامت دول موالية أو شيعية في فترات من التأريخ.
وقد وردت مجموعة من الروايات تشير إلى مكان وجوده المبارك (عَلَيهِ السَّلَامُ) و تشير إلى زواج الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأن له عدداً من الأولاد.
الأسئلة
كيف يتم الاستفادة والانتفاع من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) خلال الغيبة الكبرى؟
هل أشار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى كيفية الانتفاع به؟ وكيف؟
ماهي الشروط التي لو توفّرت لأمكن للإمام أن يتحرك؟
ماهي الشبهة التي أثارها رونلدسن؟ وما هو جوابها؟
اذكر نصاً يُحدّد موطن ومسكن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في غيبته الكبرى؟
هل وردت روايات حول وجود أولاد للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) اذكر نصاً منها؟
من التكاليف المطلوبة إسلامياً حال الغيبة: الاعتراف بالمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كإمام مفترض الطاعة وقائد فعلي للأمة، وإن لم يكن عمله ظاهراً للعيان، ولا شخصه معروفاً لدى الناس.
وهذا من الضروريات الواضحة على المستوى الإمامي للعقيدة الإسلامية وقد اعتبرناها في هذا التأريخ أصلاً مسلّماً.
فإنّه الإمام الثاني عشر الموجه لقواعده الشعبية، وهو المعصوم المفترض الطاعة الحي منذ ولادته إلى زمان ظهوره.
و حسب الفرد المسلم أن يعلم أنّ إمامه وقائده مطلع على أعماله وملم بأقواله، يفرح للتصرّف الصالح و يأسف للسلوك المنحرف، ويعضد الفرد عند الملمّات... حسب الفرد ذلك لكي يعي موقفه ويحدّد سلوكه تجاه إمامه، وهو يعلم أنه يمثل العدل المحض وأنّ رضاه رضاء الله ورسوله وأنّ غضبه غضب الله ورسوله.
كما أن حسب الفرد أن يعرف أن عمله الصالح وتصعيد درجة إخلاصه و تعميق شعوره بالمسؤولية تجاه الإسلام والمسلمين يشارك في تحقيق شرط الظهور
و يقرّب اليوم الموعود.
إذن فـ(الجهاد الأكبر) لكل فرد تجاه نفسه يحمّل الفرد المسؤولية الكبرى تجاه العالم كله، ويدعوه إلى ملئه قسطاً وعدلاً كما ملئ ظلماً وجوراً.
فكيف لا ينطلق الفرد مجاهداً مضحيّاً عاملاً في سبيل إصلاح نفسه وإرضاء ربه؟!
و من ثم نرى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يؤسس أساس هذا الشعور في الفرد المسلم ويقرن طاعة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بطاعته و معرفته - على المستوى العملي التطبيقي - بمعرفته، فإنّ معرفة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بصفته حامل مشعل العدل إلى القائم، والاعتراف به لا يكون بالاعتراف التأريخي المجرد بوجوده ووجود شریعته بل بالمواظبة التامة على الالتزام بتطبيق تعاليمه والأخذ بإرشاداته وتوجيهاته، وإلا كان الفرد منكراً للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كنبيٍّ على الحقيقة، وإن كان معترفاً بوجوده التأريخي.
وحيث أنّ أفضل سلوك إسلامي وأعدله إنّما يتحقق تحت إشراف القائد الكبير و هو الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لها إذن تكون الطاعة الحسنى لنبي الإسلام وأفضل تطبيقات شريعته هي ما كانت بقيادة المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذن صح أن معرفة المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) - على المستوى السلوكي التطبيقي - معرفة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وإنكاره على مستوى إنكاره له، و من هنا نفهم مغزى ما ورد عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بقوله: من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني (1).
وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): القائم من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي، وشمائله شمائلي وسنته سنتي، يقيم الناس على ملّتي و شريعتي، ويدعوهم إلى كتاب ربّي عزّوجل. من أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني، ومن أنكره في غيبته فقد أنكرني، ومن كذبه فقد كذبني، ومن صدقه فقد صدقني، الحديث (2). إلى غير ذلك من الأخبار الواردة بهذا المضمون عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وعن أئمة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ).
وهذا الكلام من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وإن كان منطبقاً على المعتقد الإمامي في المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلا أنه بنفسه قابل للتطبيق على المعتقد العام لأهل السنة والجماعة في المهدي إذا استطعنا إلغاء فكرة الغيبة عن كلامه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فإنهم عندئذ يتفقون مع الإمامية في مضمون الحديث جملةً وتفصيلاً، إذ من المقطوع به والمتسالم عليه بين سائر المسلمين أنّ المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الرائد الأكبر في عصره لتطبيق الإسلام، فهو يقيم الناس على ملة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) و يدعوهم إلى كتاب الله عزّوجلّ.
و من الطبيعي مع اتحاد الاتجاه والأطروحة، أن تكون طاعة المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) طاعة للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) و عصيانه عصياناً له، وتكذيبه تكذيباً له، وتصديقه تصديقاً له.
كما أن من المحتم أن يكون إنكار ظهور المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقيامه بالسيف لإصلاح العالم، إنكاراً لرسالة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ورفضاً لجهوده الجبارة في بناء الإسلام، كيف لا! وظهور المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو الأمل الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في أن تسود شريعته في العالم، وتتكلّل مساعيه وتضحياته بالنصر المبين بعد أن لم تكن الشروط وافية والظروف مؤاتية لحصول هذا النصر في عصره.
بل يكون إنكار المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الحقيقة إنكاراً للغرض الأساسي من خلق البشرية والحكمة الإلهية من وراء ذلك، كما قد يؤدّي إلى التعطيل الباطل في الإسلام.
الانتظار هو التوقع الدائم لتنفيذ الغرض الإلهي الكبير وحصول اليوم الموعود الذي تعيش فيه البشرية العدل الكامل بقيادة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وهذا التوقع الدائم لا يرفع التكاليف الإلهية بالنسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله والدفاع عن شعائر الله ودفع الفساد الاجتماعي والفردي.
بل إنّه يدلّ على تأكد الواجبات والتكاليف ولزوم الاستعداد التام للوقوف إلى جنب
الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في غيبته وظهوره.
وينسجم الانتظار في بعض مستوياته مع الإعداد والتمهيد لظهور الإمام المنتظر القائم بالقسط والعدل.
يا ترى ما هي مستويات الانتظار؟
مستويات الانتظار
و يتضح لنا مغزى هذا التكليف بالانتظار من خلال المستويات التالية:
... ويتكوّن برهانياً من ثلاثة أمور: -
الأمر الأوّل: الاعتقاد بتعلّق الغرض الإلهي بإصلاح البشرية جميعاً وتنفيذ العدل المطلق فيها في مستقبل الدهر، وأنّ ما تعلّق به الغرض الإلهي والوعد الرباني في القرآن لا يمكن أن يتخلّف.
الأمر الثاني: الاعتقاد بأنّ القائد المظفّر الرائد في ذلك اليوم الموعود، هو الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما تواترت بذلك الأخبار عند الفريقين، ومن هنا أصبح ذلك ضروري الثبوت.
الأمر الثالث: الاعتقاد بأنّ المهدي القائد هو محمّد بن الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)... الأمر الذي قامت ضرورة المذهب الإمامي. وقامت عليه الأعداد الضخمة من أخبارهم... ووافقهم عليه جملة من مفكّري العامة وعلمائهم كابن عربي في الفتوحات المكية، والقندوزي في ينابيع المودة والحمويني في فرائد السمطين والكنجي في البيان... وغيرهم.
ويتكوّن من أمرين رئيسيين: -
الأمر الأوّل: الاستعداد الكامل لتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة، كواحد من البشر على أقل تقدير، إن لم يكن من الدعاة إليها والمضحين في سبيلها.
الأمر الثاني: توقع البدء بتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة أو شروق الظهور في أي وقت؛ لما قلناه من أنه منوط بإرادة الله تعالى بشكل لا يمكن لغيره التعيين أو التوقيت. و من المحتمل أن يشاء الله تعالى ذلك في أي وقت؛ مضافاً إلى الأخبار الدالة على حصوله فجأة أو بغتة.
ويتمثل بالالتزام الكامل بتطبيق الأحكام الإلهية السارية في كل عصر، على سائر علاقات الفرد وأفعاله وأقواله حتى يكون متبعاً للحق الكامل والهدى الصحيح، فيكسب الإرادة القوية والإخلاص الحقيقي الذي يؤهّله للتشرف بتحمّل طرف من مسؤوليات اليوم الموعود.
وهذا السلوك ضروري و ملزم لكل من يؤمن باليوم الموعود، على أي من المستويات السابقة فضلاً عن مجموعها، وبخاصة المسلمين الذين قام البرهان لديهم بأن المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يطبق أطروحته العادلة الكاملة متمثلة في أحكام دينهم الحنيف.
و أما المسلم الإمامي الذي يعلم بأنّ قائده معاصر له يراقب أعماله ويعرف أقواله، و يأسف لسوء تصرفه، فهو مضافاً إلى وجوب إعداد نفسه لليوم الموعود، يجب أن يكون على مستوى المسؤولية في حاضره أيضاً. وفي كل أيام حياته، لكي لا يكون عاصياً لقائده متمرّداً على تعاليمه، وهذا الإحساس نفسه يسرع بالفرد إلى النتيجة المطلوبة، و هو النجاح في التمحيص، والإعداد لليوم الموعود.
وإذا كان الفرد على هذا المستوى الرفيع استطاع أن يحرز الخير على مستويات أربعة:
المستوى الأول
إحراز الخير لنفسه في دنياه وآخرته، أما في آخرته، فباعتبار رضا الله عزّوجلّ، وأما في دنياه فباعتبار أمرين:
أحدهما: السلوك العادل الذي يتخذه الفرد والمعاملة الصالحة والعلاقات الجيدة
التي يعامل بها الآخرين.
وثانيهما: أنه يصبح على مستوى المسؤولية إذ يأمل بلقاء القيادة في اليوم الموعود إذا أشرق فجره.
المستوى الثاني
إحراز الخير لأمته باعتبار أنه إذ يعد نفسه الإعداد الصالح، فإنّه يشارك في تهيئة شرط اليوم الموعود، بمقدار تكليفه وقدرته فيكون قد تسبّب إلى الخير كل الخير لأمته.
المستوى الثالث
إحراز الخير لا لأمته فحسب، بل للبشرية جمعاء، فإنّ الخير الناتج من إيجاد شرط الظهور، عام لكل البشر، والمشاركة في إيجاده مشاركة في إيجاد العدل الكامل السائد في اليوم الموعود.
و هذه المستويات الثلاثة، ممّا تقتضيه العقائد الإسلامية العامة المشتركة بين سائر المذاهب، بل ممّا يقتضيه الاعتراف باليوم الموعود، في أي دين من الأديان.
المستوى الرابع
إن الفرد بمساهمته في إيجاد شرط الظهور، يساهم في إرضاء إمامه المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و جلب توجهه فيما يخص الشعور بزيادة المؤمنين وقلة العاصين والمشاركة الحقيقية في الإعداد للهدف الكبير.
و هذا المستوى خاص بالأطروحة الإمامية لفهم المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فهذه هي الجهات الأساسية التي يجب أن يتخذها الفرد، لكي يكون على المستوى الإسلامي المطلوب للانتظار.
إنّ الفرد الذي يهرب بنفسه من ظروف الظلم، وهكذا المجتمع الذي يعيش في الرفاه النسبي بعيداً عن هذه الظروف، فإنّه لن يعمل ولن يستطيع الوصول إلى ح-د الوعي والإخلاص المطلوب، ولو وصل إلى شيء، فإنّما يصل إليه ببطء شديد، ويكون ضحلاً وقليلاً.
كما أنّ الأمّة إذا شاع بين ظهرانيها الظلم والتعسف، وكانت راضية به مستسلمة تجاهه، لا يوجد فيها عمل ضدّه، ولا تفكير لرفعه أو تخفيف منه، إذن فسوف تكون أمة خائنة يتضاءل إخلاصها، وينمحي شعورها بالمسؤولية، وتحتاج في ولادة ذلك الشعور عندها من جديد إلى زمان مضاعف و دهر طويل. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ (1).
وليت شعري كيف يكون هؤلاء على مستوى إصلاح البشرية كلها في اليوم الموعود، وهم قاصرون عن إصلاح مجتمعهم الصغير و أنفسهم؟
لهذا فالتفكير الجدّي والعمل الصالح الجهادي هو الأساس لتصعيد درجة الإخلاص والشعور بالمسؤولية والمران على الصمود والتضحية هو الشرط الأساسي لتكفّل مهمة اليوم الموعود.
ثم إن تصعيد درجة الإخلاص، قد يكون قائماً على أساس الاضطرار، وقد يكون قائماً على أساس الاختيار.
أما قيامه على أساس الاضطرار فهو الأمر العام الذي يقتضيه التمحيص الإلهي بشكل رئيسي، فإنّ الأفراد في حبّهم لذاتهم وتفضيلهم للراحة، لا يميلون - عادة - إلى العمل الاجتماعي العام، لما فيه من شعور بالجهد والمسؤولية، ومن ثُمَّ فَهُم لا ينطلقون نحوه إلا تحت وطأة من الاضطرار والشعور بالضغط والإحراج، ومن ثُمَّ كان لابد في
1) الرعد / 11.
حملهم على العمل العام إيكالهم إلى الظروف الصعبة الظالمة.
و من ثم انعقد التخطيط الإلهي على حمل الأمة على العمل الاضطراري بهذا المعنى، لأجل تحقيق مصالحها الكبرى في يوم الظهور.
وأما قيام الإخلاص والوعي على أساس الاختيار، فباندفاع المكلف إلى العمل أكثر من مقدار الاضطرار والإحراج، أي بمجرد شعوره بالمطلوبية الإسلامية له، إلزاماً أو استحباباً... بأن يكون على الدوام معارضاً للظلم داعياً إلى الحق هادياً إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة.
فإنّ الاندفاع إلى ذلك يحتاج إلى درجة كبيرة من الوعي والاخلاص وقوة الإرادة، ولا يتوفّر ذلك إلا للقليل، إلا أنه - على أي حال - ليس هو المستوى المطلوب توفّره في المشاركة في قيادة العالم كله في يوم الظهور وإنّما يكون العمل الاختياري أو ما نسمّيه بالتمحيص الاختياري مضافاً إلى التمحيص الاضطراري سبباً لإيجاد مثل هذا المستوى الرفيع.
و من الواضح أيضاً ما لهذا التمحيص الاختياري، من أثر بليغ في التصعيد السريع، بشكل أعظم بكثير مما ينتجه التمحيص الاضطراري و في التعجيل بإيجاد شرط الظهور، بمقدار ما تقتضيه الظروف الثقافية والفكرية التي يعيشها الفكر الإسلامي، في أي عصر.
إذن فما قيمة هذه الشبهة التي تقول بأنّ الاعتقاد بالمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يمنع عن العمل الاجتماعي الإصلاحي.
إن شرط الظهور، هو هذا المستوى الإيماني، وليس هو كثرة الظلم وامتلاء الأرض جوراً، كما يريد البعض أن يفكروا، لوضوح أن الأرض لو امتلأت تماماً بالظلم وانعدم منها عنصر الإيمان لما أمكن إصلاحها عن طريق القيادة العامة، بل يكون منحصراً بالمعجزة التي برهنا على عدم وقوعها أو إرسال نبوّة جديدة، وهو خلاف ضرورة الدين من أنه لا نبي بعد رسول الإسلام.
وإنما تتضمّن فكرة اليوم الموعود، سيطرة الإيمان على الكفر، بعد سيطرة الكفر على الإيمان، مع وجود كلا الجانبين، و هو قوله تعالى بالنسبة للمؤمنين: ليستخلفنّهم في الأرض وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): يملأ الأرض قسطاً وعدلاً. كما ملئت ظلما وجوراً.
سبق أن أشرنا إلى أنّ إيجاد اليوم الموعود، هو الغرض الأساسي من إيجاد البشرية، وقد خطط الله تعالى لإيجاده منذ فجر الخليقة ولازال هذا التخطيط سارياً إلى حين تحقق نتيجته النهائية وغرضه الأصيل.
وقد كان انتظار البشرية لليوم الموعود موجوداً، منذ بلغ الأنبياء السابقون (عَلَيهِم السَّلَامُ) البشرية عن وجوده، إلا أن الانتظار اكتسب صيغاً متعدّدة بتعدد أزمنة تطوّر البشرية نحو ذلك الغد المنشود، فإنّ البشرية قد مرّت بهذا الاعتبار - بأربعة عهود أو مراحل.
المرحلة الأولى
فترة ما قبل الإسلام. وقد كان الناس خلالها يفهمون من كل نبي يبلغهم عن اليوم الموعود، أمرين مقترنين:
أولهما: الإهمال من التأريخ وإيكاله إلى إرادة الله تعالى محضاً.
وثانيهما: أنّ هذا النبي الذي يبلغهم عنه، ليس هو القائد المذخور لهذه المهمة. وإنما سيوجد في المستقبل البعيد شخص آخر يكون مضطلعاً بها وقائداً للبشرية من خلالها. والناس في تلك العهود، وإن لم يكونوا ملتفتين إلى سرّ ذلك، إلا أننا عرفنا سرّ ذلك بسبب اطلاعنا على تفاصيل التخطيط الإلهي، حيث عرفنا أن كلا شرطي اليوم الموعود لم يكونا متوفرين في تلك الفترة. فلم تكن البشرية على مستوى فهم الأطروحة العادلة من ناحية، ولم تكن على مستوى الإخلاص وقوة الإرادة المطلوب توفّرها في قيادة اليوم الموعود من ناحية أخرى.
المرحلة الثانية
فترة ما بعد الاسلام إلى بدء الغيبة الصغرى حيث كانت البشرية قد تلقت عن الله عزّ وجل أطروحتها العادلة الكاملة، وبذلك توفّر أحد الشرطين السابقين.
إلا أن معنى الانتظار لم يكن يختلف مع ذلك اختلافاً جوهرياً كما سبق، بمعنى أنّ الأمل في ذلك الحين لم يكن منعقداً على حدوث اليوم الموعود بغتةً و في أي وقت. بل كان المفهوم هو تحققه في المستقبل البعيد أيضاً.
ولكن الفرق بينه وبين الانتظار في المرحلة السابقة هو إحراز المسلمين أن اليوم الموعود سوف يكون طبقاً لأطروحتهم ودينهم، دون غيره.
وهذا واضح جداً، لو لاحظنا طرق التبليغ عن ذلك اليوم من قِبَلِ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والأئمة المعصومين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعده. أما بالنسبة إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فيكفينا إخباره عن المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و أنّه من ولده وعترته وأنه من ذرية فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ). وأنه سيولد فيملأ الارض قسطاً وعدلاً، و أنه من ولد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأن صفاته هي صفات النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ). إذن فقائد اليوم الموعود ليس هو شخص النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ولن يقوم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بهذه المهمة الكبرى، خلال حياته، كما عرفنا فلسفة ذلك. فالانتظار في عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كان مقترناً باليقين بعدم حدوثه الفوري في ذلك الحين.
ويبقى الانتظار في عصر الأئمة الام حاملاً لنفس هذا المفهوم ويمكن أن نستفيد
ذلك من عدة أقسام من الأحاديث التي كانوا (عَلَيهِم السَّلَامُ) يعلنون بها فكرة المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمام الناس. كقولهم (عَلَيهِم السَّلَامُ): أنّ المهدي هو السابع من ولد الخامس منهم (1). أو قول الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): والله ما أنا بصاحبكم. قال الراوي: فمن صاحبنا؟ قال انظروا من تخفى على الناس ولادته فهو صاحبكم.
فهو إذ ينفي عن نفسه أنه المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعرف شيعته أنّ اليوم الموعود لن يتحقق ما دام في الحياة على أقل تقدير.
وكقولهم: «كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدى ولا علم، يبرأ بعضكم من بعض»؟!
فما دام أئمة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ) معروفين ومتصلين بالناس فالمهدي الموعود (عَلَيهِ السَّلَامُ) غير موجود، و من ثَمّ فليس هو الذي يقوم بالسيف لإنجاز اليوم الموعود.
وكذلك إذا لاحظنا أخبار التمحيص التي تنفي الظهور قبل مرور الناس بهذا القانون، كقوله الا الله: إن هذا الأمر لا يأتيكم إلا بعد يأس، ولا والله حتى تميزوا، ولا والله حتى تُمحصوا ولا والله لا يأتيكم حتى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد، فاليوم الموعود لن يتحقق ما دام الناس غير ممحصين.
وكذلك إذا لاحظنا الأخبار الدالة على حدوث علامات الظهور، ممّا لم يتحقق في الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) السابقين، كالصيحة والخسف وغيرها فإنه ما لم توجد هذه العلامات، لا يظهر المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فالمسلمون في زمن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والأئمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكونوا ينتظرون ظهور المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الفور، وإن كانوا قد بلغوا بشكل أكيد و شديد عن ظهوره في مستقبل الزمان.
والإماميّون، فقد دلّت الأخبار على هذا التوقع فيهم، بما فيها أخبار التمحيص نفسها حيث يقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها: إنّ هذا الأمر لا يأتيكم إلا بعد يأس، أو يقول: هيهات
1) منتخب الأثر، ص 212.
هيهات... لا يكون الذي تمدّون إليه أعناقكم حتى تمحصوا (1).
المرحلة الثالثة
الانتظار في عصر الغيبة الصغرى، لمن يؤمن بها، وهم القواعد الشيعية الإمامية.
و في هذه المرحلة كان الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) موجوداً يقود قواعده الشعبية في الخفاء، ولاشك أن الناس كانوا ينتظرون ظهوره في أي وقت، باعتبار ما يشعرون به من ظلم ومطاردة وتعسف من قبل الحاكمين وهم يعلمون علم اليقين بوجوده واطلاعه على الأوضاع الشاذة التي يعيشها المجتمع، ويعلمون أنه المذخور لإزالة الظلم من العالم كله غافلين - بطبيعة الحال - عن اقتضاء التخطيط الإلهي تأجيل ذلك، لعدم توفر أحد شرائط اليوم الموعود.
ولو دققنا النظر، لم نجد في رفع هذا الجو الفكري من الناس مصلحة، بل كانت المصلحة تقتضي إيكالهم إلى انتظارهم التلقائي الارتكازي وعدم التعرض إلى تصحيحه أو تكذيبه، لأنه يزيد من الربط العاطفي للقواعد الشعبية المؤمنة بالمهدوية، بإمامها وقائدها، لوضوح أنّ الأمل فيه كلّما كان أقوى كان هذا الارتباط أبلغ وأكبر. بل إن هناك من الأخبار ما يدلّ على أنّ الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه كان يذكّي هذه العاطفة و يؤكد قرب الظهور..
المرحلة الرابعة
فترة الغيبة الكبرى التي لازلنا نعيشها.
وقد قلنا إن الانتظار فيها يحمل معنى توقع الظهور، وقيام اليوم الموعود في أيّ وقت وفي كلّ يوم؛ لكونه منوطاً بإرادة الله تعالى لا غير، كما ورد في بيان
1) غيبة النعماني ص 111.
المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي أعلن به انتهاء السفارة وبدء الغيبة الكبرى حيث قال: فلا ظهور إلا بإذن الله تعالى ذكره.
ولما ورد من أنّ يوم الظهور يحدث فجأة أو بغتة، كما سمعنا من مكاتبة المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) للشيخ المفيد. وغيرها من الروايات.
نعم يمكن أن نلاحظ أنه في فترة بدء الغيبة الكبرى، كانت هناك بعض الدلائل على عدم فوريّة الظهور، حيث نسمع من بيان انتهاء السفارة نفسه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):
فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور إلا باذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد و قسوة القلوب (1).
وطول الأمد يستدعي مضيّ عدّة سنوات، بل عشرات السنين، لابد من انتظار انتهائها قبل توقع الظهور الفوري.
إلا أن مفهوم طول الأمد يختلف باختلاف تصوّر الأفراد ومقدار وعيهم العقلي والثقافي والإيماني، فقد لايحتاج حين يسمعه الفرد العادي لأوّل مرّة أكثر عدة من سنوات، وبخاصة مع إناطة الظهور بإذن الله تعالى مع ما يراه الفرد من قسوة القلوب فعلاً وامتلاء الأرض جوراً، فكان في الإمكان - بحسب الجو النفسي السائد يومئذ - أن يبدأ مفهوم الانتظار الفوري بعد عدة سنوات من تأريخ هذا البيان، ولم يكن أهل ذلك العصر بحاجة إلى أن يدركوا أنّ المراد من طول الأمد ما يزيد على الألف عام بقليل أو كثير، كما ندركه الآن من التكاليف المطلوبة في عصر الغيبة الكبرى ألا وهي: الالتزام بالتعاليم الإسلامية الحقة النافذة فيما قبل الظهور.
وهذا من واضحات الشريعة، فإنّ مقتضى شمول تعاليمها هو عمومها لكل الأجيال، و وجوب إطاعتها وتطبيقها على واقع الحياة في كلّ الأجيال، سواء ما كان منها على مستوى العقائد والمفاهيم، أو ما كان على مستوى الأحكام.
1) الغيبة، للشيخ الطوسي، ص 243.
إذن تكون الأحكام الإسلامية الصادرة المعلنة منذ عصر الرسالة، نافذة المفعول، بكل تفاصيلها وخصائصها، من دون معارض ولا ناسخ ويجب على الفرد إطاعتها وامتثالها، وهو واضح من وجهة نظر إسلامية.
وهذا هو المراد من عدد من الأخبار على اختلاف مضامينها، إذ تأمر المسلم بالبقاء على ما كان عليه من عقيدة و تشريع، بالرغم من وجود تيار الفتن وشبهات المنحرفين.
أخرج ابن ماجة (1)عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ما يفيد ذكر التكليف في عصر الفتن قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): تأخذون بما تعرفون وتعدون ما تنكرون، وتقبلون على خاصتكم وتذرون أمر عامتكم.
والمراد بهذا الحديث الشريف، بعد فهمه على أساس القواعد الإسلامية العامة.. هو وجوب الأخذ بما قامت عليه الحجّة من أحكام الإسلام أو عقائده.
بمعنى أنه متى دلّ الدليل الصحيح على كون شيء معين هو حكم إسلامي أو عقيدة إسلامية، وجب وجب الأخذ به، بمعنى لزوم العمل عليه إن كان حكماً ووجوب الاعتقاد به إن كان عقيدة، وأما ما كان مخالفاً لذلك، فيجب رفضه واعتباره انحرافاً وفساداً.
وأخرج الكليني في الكافي والصدوق في إكمال الدين والنعماني في الغيبة عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين سأله الراوي عن تكليفه في زمان الغيبة حين تكثر الفتن ودعاوي الضلال وتنتشر الشبهات قال الراوي، فكيف نصنع؟ قال: فنظر إلى شمس داخلة في الصفة. فقال: يا أبا عبدالله ترى هذه الشمس؟ قلت: نعم، قال: والله لأمرنا أبين من هذه الشمس (2).
فالمطلوب إسلامياً، هو متابعة خط الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين هم البقاء الأمثل للنبوة
والإسلام باعتبار وضوح ما هم عليه من الحق كوضوح الشمس المشرقة، وقيام الحجة فيه على الخلق فلابد من التمسك به والسير عليه خلال الغيبة الكبرى، لكي ینجو به المسلم من الفتن ويبتعد عن مزالق الانحراف.
ولئن كان هذا الحديث ممّا لا يؤمن به إلّا القواعد الشعبية الإمامية، فإنّ الأخبار المتقدّمة تعمّهم وغيرهم من أبناء الإسلام.
وهل من التكاليف اتخاذ مسلك السلبية والعزلة أو المبادرة إلى الجهاد؟
لقد دلّنا الوجدان والأخبار الخاصة والقواعد العامة، على ما سمعنا، على أن زمان الغيبة الكبرى، مستغرق بموجات الظلم والانحراف والفساد فهل من وظيفة الفرد المسلم هو السلبية والانعزال عن الأحداث وعدم وجوب إعلان المعارضة ومحاولة تقويم المعوج من الأفراد والأوضاع، أو أن وظيفة الفرد في نظر الإسلام هو العمل الاجتماعي الفعّال والجهاد الناجز في سبيل الله ضد الظلم والطغيان؟
دلت الآيات الكريمة بعمومها على وجوب الجهاد كقوله عزّ من قائل: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (1)وقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (2).
الخاصة
إن من القضايا الضرورية الواضحة، الاعتقاد بوجود الإمام المهدي(عَلَيهِ السَّلَامُ). ولقد ورد عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أن المنكر للمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) منكر للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ). و من سياق البحث اتضح أنّ الله سبحانه قد كان من حكمته أن يحتجب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وانه المؤمل لإقامة الكتاب والسنة يوم يأذن الله بخروجه (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ومن هنا ولضرورة الاتصال الدائم والارتباط به (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجبت على الأمة مجموعة من التكاليف لابد أن تلتزمها الأمة وتقوم بها تعبيراً عن ذلك الاتصال والارتباط به (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أجل التمهيد والإعداد لظهوره.
وليس الانتظار هو الابتعاد عن أداء مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهما قوام صلاح المجتمع الإسلامي وضمان سيره تجاه الحق والعدل.
لقد أكدت كثير من الروايات أهمية الانتظار ووصفته بأنه أفضل العبادة.
للانتظار مفهوم خاص وإنّ البشارة بالمنقذ المصلح مسألة مشتركة بين الأديان، وقد كانت البشرية قبل الإسلام منتظرة قدومه طلباً للخلاص من الظلم والجور.
ثم جاءت الرسالة الخاتمة وأعطت هذه المسألة أبعادها الحقيقية على المستويات كافة.
الأسئلة
ما هو دور الإخلاص والشعور بالمسؤولية في رفع الظلم والجور؟
هل يتعارض العمل والتحرّك ضدّ المفاسد والظالمين مع مضمون الحديث أنّ خروجه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعدما تُملأ الأرض ظلما وجوراً؟
هل الاعتقاد بالإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يمنع العمل الاجتماعي والإصلاحي؟
ما هي دلالة مفهوم الانتظار؟
عدد المراحل التي مرت بها البشرية من حيث فهم الانتظار؟
هل يعني الانتظار توقع الظهور والتهيؤ له حسب الفهم الإمامي؟
إن معنى الانتظار لغة هو: الترقب والتوقع. وعليه فقد يتوهم أنّ علينا أن نعيش في فترة الغيبة مترقبين فقط لليوم الموعود الذي يبدأه الإمام المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالقضاء على الكفر، وبالقيام بتطبيق الإسلام لنعيش الحياة تحت ظلاله في دعة وأمان، غير متوفّرين على القيام بمسؤولية تحكيم الإسلام في حياتنا وفي كل مجالاتها، وبخاصة مجالها السياسي بدافع من إيماننا بأنّ مسؤولية تحكيم الإسلام في كل مجالات الحياة هي وظيفة الإمام المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلسنا بمكلفين بها الآن.
إلا أننا متى حاولنا تجلية واقع الأمر بما يرفع أمثال هذه الألوان من التوهمات، نجد أنّ منشأ هذه المفارقة هو محاولة عدم الفهم، أو سوء الفهم في الواقع.
وذلك لأنّ ما يُستفاد من الانتظار في إطار واقعه كلازم من لوازم الاعتقاد بالإمام المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتنافى وهذه الألوان من التوهّم تمام المنافاة، لأنه يتنافى وواقع العقيدة الإسلامية التي تضمّ عقيدة الإمامة كجزء مهم من أجزائها.
يقول الشيخ المظفر (رَحمَةُ اللّه): «ومما يجدر أن نعرفه في هذا الصدد: ليس معنى انتظار هذا المصلح المنقذ (المهدي)، أن يقف المسلمون مكتوفي الأيدي فيما يعود إلى الحق من دينهم، وما يجب عليهم من نصرته، والجهاد في سبيله، والأخذ بأحكامه، والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر.
بل المسلم أبداً مكلف بالعمل بما أنزل من الأحكام الشرعية، وواجب عليه السعي لمعرفتها على وجهها الصحيح بالطرق الموصلة إليها حقيقة، وواجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ما تمكن من ذلك وبلغت إليه قدرته (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).
ويقول الصافي الكلبايكاني: «وليعلم أنّ معنى الانتظار ليس تخلية سبيل الكفار والأشرار وتسليم الأمور إليهم، والمراهنة معهم، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإقدامات الإصلاحية.
فإنّه كيف يجوز إيكال الأمور إلى الأشرار مع التمكن من دفعهم عن ذلك، والمراهنة معهم، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها من المعاصي التي دلّ عليها العقل والنقل وإجماع المسلمين.
ولم يقل أحد من العلماء وغيرهم بإسقاط التكاليف قبل ظهوره(عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولا يُرى منه عين ولا أثر في الأخبار.
نعم، تدلّ الآيات والأحاديث الكثيرة على خلاف ذلك، بل تدلّ على تأكد الواجبات والتكاليف والترغيب إلى مزيد الاهتمام في العمل بالوظائف الدينية كلها في عصر الغيبة.
فهذا توهم لا يتوهمه إلا من لم يكن له قليل من البصيرة والعلم بالأحاديث والروايات» (1).
إن الذي يستفاد من الروايات في هذا المجال، هو أنّ المراد من الانتظار هو: وجوب التمهيد والتوطئة لظهور الإمام المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويدل على ذلك ما يلي:
1) منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ص 499 - 500، هامش.
مكّنت قريش لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وجب على كل مؤمن نصره (أو قال: إجابته)...»
ما روي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أيضاً: «يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي».
ما روي عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أيضاً: «يأتي قوم من قبل المشرق، ومعهم راي-ات سود، فيسألون الخير فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوه، فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملأها قسطاً، كما ملأوها جوراً، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم؛ ولو حبوا على الثلج» (1).
ضرورة الحكم الإسلامي في زمن الغيبة
يعتبر وجوب قيام حكم إسلامي في زمن الغيبة من ضروريات الدين التي لا تحتاج إلى محاولة إثبات أو تجسّم استدلال.
يقول الفيض الكاشاني: «فوجوب الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى والإفتاء والحكم بين الناس بالحق، وإقامة الحدود والتعزيرات، وسائر السياسات الدينية، من ضروريات الدين، وهو القطب الأعظم في الدين، والمهم الذي ابتعث الله له النبيين، ولو تركت لعطّلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفتنة وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، وخربت البلاد، وهلك العباد، نعوذ بالله من ذلك» (2).
ويقول صاحب الجواهر: «وبالجملة، فالمسألة من الواضحات التي لا تحتاج إلى أدلة» (3).
ويقول السيد البروجردي: «اتفقت الخاصة والعامة على أنه يلزم في محيط الإسلام وجود سائس وزعيم يدير أمور المسلمين، بل هو من ضروريات الإسلام» (4).
ولعلّ ما يترتب على ترك امتثال هذا الوجوب من محاذير شرعية، يكفي في لفت النظر إلى ضروريّته الدينية.
وربّما كان أهمها ما يلي:
يقول العلامة الحلّي، في تعطيل الحدود وهي فرع من فروع التشريع السياسي: «إن تعطيل الحدود يفضي إلى ارتكاب المحارم، وانتشار المفاسد؛ وذلك مطلوب الترك في نظر الشرع» (1).
ويقول الشهيد الثاني: «فإنّ إقامة الحدود ضرب من الحكم، وفيه مصلحة كلية، و لطف في ترك المحارم، وحسم لانتشار المفاسد» (2).
ظهرت عوامل في القرن الرابع الهجري، ساعدت على انتشار مذهب التشيع و تقويته، منها ضعف الخلافة العباسية، وظهور ملوك آل بويه.
لقد كان لملوك آل بويه - وهم شيعة - التأثير البالغ في مركز الخلافة ببغداد، وكذا
في الخليفة، وهذه القدرة جعلت الشيعة قادرة على أن تقف أمام المخالفين، الذين طالما حاربوا الشيعة لما كان لهم من قدرة خلال خلافتهم، وتمكن الشيعة حينذاك أن ينشروا عقائدهم بكل حرية.
والمؤرّخون متفقون على أنّ الجزيرة العربية، أو معظمها كانت تعتنق مذهب الشيعة، سوى المدن الكبيرة منها، علماً بأنّ بعض المدن مثل، هجر وعمان وصعدة، كانت شيعية، ومدينة البصرة كانت تعتبر مركزاً لأهل السنة، وكانت في صراع ديني مع الكوفة باعتبارها مركز التشيع، وكذا كانت الشيعة تتواجد في كل من طرابلس ونابلس وطبرية وحلب وهراة، وكذلك في الأهواز وسواحل الخليج الفارسي من إيران (1).
و في أوائل - القرن الرابع - استولى ناصر الأطروش على شمال إيران، بعد كفاح دام سنوات، فاستقر في ناحية طبرستان وأسس دولته، واستمرت لأولاده من بعده، وكان الحسن بن زيد العلوي قد حكم هذه المنطقة قبل الأطروش(2).
و في هذا القرن استولى الفاطميون وهم من الفرقة الإسماعيلية على مصر، وأسسوا حكومتهم التي استمرت أكثر من قرنين (296 - 527).
وقد كان يظهر صراع بين الشيعة والسنّة أحياناً في بعض الحواضر كبغداد والبصرة و نيسابور.
توسعت رقعة تواجد الشيعة خلال القرن الخامس حتى أواخر القرن التاسع وظهر ملوك اعتنقوا مذهب التشيع، فصاروا يدعون له.
ورسخت الدعوة الإسماعيلية في «قلاع الموت»، واستقلت في دعوتها قرناً
و نصف قرن في وسط إيران (1). وحكم السادة المرعشيون سنين متمادية في مازندارن(2).
واختار الملك «خدابنده» وهو أحد ملوك المغول مذهب الشيعة، وخلفه في الحكم ملوك من هذه الطائفة لأعوام متعاقبة، وساهموا في نشر و ترويج المذهب الشيعي، وكذا سلاطين «آق قوينلو»، إذ كانت مدينة تبريز (3)مركز حكومتهم، وكانت تنبسط سيطرتهم حتى فارس وكرمان، وحكمت الدولة الفاطمية في مصر لسنوات متعاقبة كما أشرنا.
و من الطبيعي أنّ القدرة الدينية لأهل السنّة مع الملوك كانت متغيرة ومتفاوتة، وبعد سقوط الدولة الفاطمية ومجيء دولة الأيوبيين، تغيّرت الظروف، وفقد الشيعة في مصر والشام الحرية على الاطلاق، وقتل الكثير منهم (4).
و ممّن قتل من كبار علماء الشيعة بعد سيطرة أهل السنّة على مقاليد الحكم الشهيد الأوّل «محمد بن محمد المكي» أحد نوابغ الفقه الشيعي أحد نوابغ الفقه الشيعي سنة 786 للهجرة في دمشق بتهمة التشيّع (5).
وقتل أيضاً الشيخ شهاب الدين السهروردي» في حلب بتهمة الفلسفة (6).
فالشيعة خلال هذه القرون الخمسة كانوا في ازدياد من حيث النفوس والعدد، وكانت الزيادة تابعة لمدى موافقة ومخالفة السلاطين للتشيع من حيث إعطائهم القدرة والحرية الفكرية ولم تعلن في هذه الفترة أيّة دولة إسلامية مذهب التشيع مذهباً رسمياً لها.
نهض شاب في سنة 906 للهجرة، وهو في الثالثة عشرة من عمره، من عائلة «الشيخ صفي الدين الأردبيلي» المتوفّى سنة 735هـ وكان أحد مشايخ الطريقة على المذهب الشيعي مع ثلاثمائة من الدراويش الذين كانوا من مريدي آبائه، وتحرك لإيجاد دولة شيعية مستقلة مقتدرة، فسار من مدينة «أردبيل» وشرع بفتح البقاع وإخضاعها لسيطرته مزيلاً بذلك نظام ملوك الطوائف في إيران، وبعد حروب دامية مع الملوك المحلّيين وخاصة مع ملوك آل عثمان الذين كانوا ينوبون عن الإمبراطورية العثمانية، استطاع أن يجعل من إيران دولة موحدة بعد أن كانت ممزقة، يحكم كل بقعة منها فئة خاصة، وجعل المذهب الشيعي، مذهباً رسمياً لها (1).
وبعد وفاة الملك إسماعيل الصفوي» أعقبه ملوك آخرون من السلالة ذاتها، منتصف القرن الثاني عشر الهجري، وكل واحد من هؤلاء الملوك كان يؤيد المذهب الشيعي، ففي زمن «الشاه عباس الكبير» والذي كان يعتبر ذروة القدرة لهذه السلالة، استطاع أن يوسع بقعتهم، فازدادت نفوسهم فبلغت ضعف (2)ما عليه الآن في إيران سنة 1384هـ). والفرقة الشيعية في القرنين ونصف القرن الأخير تقريباً، بقيت على حالتها في سائر البقاع الإسلامية مع استمرار الازدياد الطبيعي لها.
إن الازدياد والتطور لأتباع المذهب الشيعي خلال القرون الثلاثة الأخيرة ك-ان يتحقق في الوقت الحاضر الذي هو مطلع القرن الخامس عشر الهجري، ويعتبر التشيع مذهباً رسمياً في ايران، ومعظم سكان اليمن والعراق هم من الشيعة، كما تتواج-د الشيعة في كل الدول الإسلامية في العالم.
الخاصة
كان لعوامل كثيرة، الأثر في الحد من انتشار التشيع في أرجاء الوطن الإسلامي؛ فللاضطهاد والتشريد والتنكيل من قبل السلطات الأموية أولاً و من ثم العباسية الدور الأكبر في الحد من نشاط الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) من جهة وشيعتهم ومواليهم من ناحية أخرى، غير أنّ هناك فترات ضعف ووهن بسبب الصراع داخل الأسرة المالكة والحروب الخارجية، قد ساهمت في انتشار وتوسع حركة الجماعة الصالحة في كثير من بلدان العالم الإسلامي، كما قامت لهم دول في فارس و عراق ومصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي. وكانت تلك الدول تتصف بالتسامح في تعاملها مع أصحاب المناصب الإسلامية الأخرى وإن لم تخل بعض المراحل من صراع كان يصل إلى حدّ شهر السيف بين السيف بين المتصارعين.
ولقد شهدت الفترات المختلفة التطور العلمي والفلسفي والأدبي لرجال وعلماء الشيعة على امتداد التأريخ الإسلامي.
الأسئلة
اذكر بعض العوامل التي ساعدت على انتشار التشيع في القرن الرابع الهجري؟
هل هناك دور لعلماء الشيعة في قيام بعض الدول الشيعية، وضح ذلك؟
كيف شهدت القرون (4 إلى 9) هجرية انتشار المذهب الشيعي؟
ما هو سبب قتل بعض العلماء الشيعة في الشام أو مصر؟
تفيد الأحاديث الشريفة المتحدّثة عن غيبة الإمام المهدي (عجل الله فرجه) أنّ غيبته هي «غيبة عنوان» وليست «غيبة شخص» بمعنى أنه: «حي موجود يُحلّ ويرتحل ويطوف في الأرض» (1)، وقد صرّحت بذلك طائفة من الأحاديث الشريفة تذكر فيما يلي نماذج منها:
ما رواه الشيخ النعماني في كتاب البيعة عن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال ضمن حديث طويل عن غيبة المهدي الموعود: «... فوربٌ علي: إن حجّتها قائمة ماشية في طرقاتها، داخلة في دورها وقصورها جوّالة في شرق الأرض وغربها تسمع الكلام و تسلّم على الجماعة» (2).
ما رواه الشيخ الصدوق في كمال الدين عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال ضمن حديث عما في المهدي المنتظر (عجل الله فرجه) من سُنَن الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ): «... وأمّا
سنّة يوسف، فإنّ إخوته كانوا يبايعونه ويخاطبونه ولا يعرفونه...» (1).
ما في دلائل الإمامة عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الموضوع نفسه قال: «.... و أمّا سنّة من يوسف فالستر، جعل الله بينه وبين الخلق حجاباً يرونه ولا يعرفونه...» (2).
ما في غيبة النعماني بسنده عن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال في ضمن حديث: «... ولكنّ الحجّة تعرف الناس ولا يعرفونها، كما كان يوسف يعرف الناس وهم له منكرون» (3).
ما روى الكليني في الكافي بسنده عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «للقائم غيبتان إحداهما قصيرة، والأخرى طويلة، الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه وفي رواية النعماني: «... إلا خاصة مواليه في دينه» ورواه من عدة طرق (4).
ما روى الشيخ الطوسي في غيبته بسنده عن الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «لابد لصاحب هذا الأمر من عزلة، ولابد في عُزلته من قوة، وما بثلاثين من وحشة ونعم المنزل طيبة» (5)، وواضح من الحديث أنّ الإمام يستقوي بهؤلاء «الثلاثين» في غيبته.
ما روى الكليني في الكافي والنعماني في الغيبة بأسانيدهم عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: «لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة، ولابد له في غيبته من عزلة ونعم المنزل طيبة وما بثلاثين من وحشة» (6).
1) كمال الدين للشيخ الصدوق، ج 1، ص 28؛ إثبات الهداة، ج 3، ص 458.
2) دلائل الإمامة للشيخ أبو جعفر الطبري الإمامي، ص 251 ومثله في كمال الدين، ج 2، ص 350.
3) غيبة النعماني، ص 141 إثبات الهداة، ج 3، ص 532.
4) الكافي، ج 1، ص 350؛ تقريب المعارف، للشيخ تقي الدين أبي الصلاح الحلبي، ص 190؛ غيبة النعماني، ص 170؛ بحار الأنوار، ج 52 ص 155؛ إثبات الهداة، ج 3، ص 445.
5) الغيبة، للشيخ الطوسي، ص 102؛ بحار الأنوار، ج 52، ص 153.
6) الكافي، ج 1، ص 340: غيبة النعماني ص:188؛ تقريب المعارف، ص 190 إثبات الهداة، ج 3. ص 445.
إذن الأحاديث الشريفة: «متناصرة بأنه لابد للقائم المنتظر من غيبتين إحداهما أطول من الأخرى يعرف خبره الخاص في القصوى، ولا يعرف العام له مستقراً في الطولى إلا من تولّى خدمته من ثقات أوليائه ولم ينقطع عنه إلى الاشتغال بغيره...» كما يقول الشيخ المفيد (رضوان الله عليه) (2)، كما أنها صريحة في تأكيد رؤية الناس له (عَلَيهِ السَّلَامُ) دون معرفة هويته؛ وأنه يتعامل معهم ويحادثهم ويلتقي بهم وإن كانوا غير عارفين بهويته، وهذا معنى (غيبة العنوان)».
وعليه يتضح أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يلتقي بالعباد ويهديهم ويقضي حوائجهم في غيبته ويقوم بمهام إمامته في غيبته، مثلما كان يفعل يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع إخوته على ما حكاه القرآن الكريم.
ومع اتضاح هذه الحقيقة؛ يتضح أيضاً أنّ من الطبيعي أن يتنبه بعض الملتقين به (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى هويته بعد انتهاء التقائهم به لصدور بعض الأمور والكرامات التي لا يمكن أن تصدر عن غيره (عَلَيهِ السَّلَامُ). وقد تواتر نقل وقوع ذلك في الروايات المنقولة في المصادر المعتبرة بشأن الذين التقوا به في غيبته.
بل وليس ثمة مانع من أن يكشف لبعضهم عن هويته حتى أثناء اللقاء كما كشف يوسف عن هويته لأخيه «بنيامين» حسب ما نقله القرآن الكريم، بل قد لاحظنا في الأحاديث الشريفة تصريحاً بما هو أبعد من ذلك وأهم وهو معرفة بعض الأولياء من «خاصة مواليه في دينه» حتى بمكانه في الغيبة الكبرى، وقد صرّحت بعض الروايات
بمعرفة بعض ثقات الأولياء بهويته (عجل الله فرجه) أثناء اللقاء كما ورد بالنسبة للسيد الجليل علي بن طاووس والسيد بحر العلوم وغيرهم كما سنرى لاحقاً.
أجل تردّد البعض تجاه إمكانية الالتقاء به (عَلَيهِ السَّلَامُ) في غيبته الكبرى بالخصوص استناداً إلى ما ورد في التوقيع الشريف الذي بعثه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى آخر سفرائه في الغيبة الصغرى و هو الشيخ علي بن محمد السمري (رضوان الله عليه)، حيث جاء فيه: «ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر» (1).
بيد أنّ هذا الفهم لا ينسجم مع هدف التوقيع الشريف وهو إعلان انتهاء الغيبة الصغرى ونظام الوكلاء المنصوبين من قبل الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مباشرة، فالمقصود منه تكذيب من يدعي المشاهدة بمعنى الوكالة الظاهرية العامة وتشكيل حلقة الارتباط بين الإمام والأمة حيث أمر الإمام الشيخ السمري بأن لا ينصب بعده أحداً لانتفاء الحاجة إلى ذلك بانتهاء عصر الغيبة الصغرى وكذلك تكذيب مدعي المشاهدة بمعنى الظهور العلني العام وبدء التحرّك العسكري العلني للإمام (عجل الله فرجه) كما يشير إلى ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قبل خروج السفياني والصيحة» وهما من العلامات الحتمية التي تسبق خروجه (عجل الله فرجه) بشهور قليلة فالهدف هو تحذير المؤمنين من الأدعياء المنحرفين الذين يسعون لخداع الأمة بادعاء الارتباط بالإمام.
على أنّ هذا الفهم لا ينفي أن يلتقي الإمام بالمؤمنين في غيبته الكبرى دون أن يعرفهم بهويته أو يشرط عليهم الكتمان وعدم إخبار أحد إلا عددٍ قليل من ثقات المؤمنين ولا يصدق على ذلك عنوان «الادعاء».
وقد تصدّى عدد من العلماء الأعلام لدحض الاستدلال بهذا التوقيع على نفي الالتقاء بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في غيبته الكبرى ولعلّ أجمع ردّ هو ما أورده السيد محمد الصدر
1) راجع نفس التوقيع الشريف كاملاً في كمال الدين، ج 2، ص 516.
في تأريخ الغيبة الصغرى (1).
وقد صرّح بالحقيقة المتقدّمة عدد من كبار العلماء من المتقدمين والمتأخرين فمثلاً يقول السيد المرتضى علم الهدى (قدّس سره):.... إنه غير ممتنع أن يكون الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته أسباب الخوف، فإن هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه وإنّما يعلم كلّ واحد من شيعته من حال نفسه ولا سبيل له إلى العلم بحال غيره» (2)، ويقول الشيخ الطوسي: «نحن نجوز أن يصل إليه كثير من أوليائه والقائلون بإمامته فينتفعون به» (3)، ويقول السيد علي بن طاووس: «والطريق مفتوحة إلى إمامك (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمن يريد الله جل شأنه عنايته به و تمام إحسانه إليه» (4)، ويقول رضوان الله عليه في مقام آخر: «و إذا كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) غير ظاهر الآن لجميع شيعته فلا يمتنع أن يكون جماعة منهم يلقونه وينتفعون بمقاله وفعاله ويكتمونه كما جرى الأمر في جماعة من الأنبياء والأوصياء والملوك حيث غابوا عن كثير من الأمة لمصالح دينية أو دنيوية أوجبت ذلك» (5).
ويقول المولى الخراساني في كفاية الأصول ضمن مبحث الإجماع «... بل لا يكاد يتفق العلم بدخوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) على نحو الإجمال في الجماعة في زمن الغيبة وإن احتمل تشرّف بعض الأوحدي بخدمته ومعرفته أحياناً» (6)، ويقول المحقق النائيني: «... قد يتفق في زمان الغيبة للأوحدي التشرف بخدمته وأخذ الحكم
منه (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (1)ويقول السيد الكلبايكاني في جواب على استفتاء بشأن الأعمال التي تؤدي إلى التشرّف بلقاء الإمام المهدي (عجل الله فرجه): «إجمالاً لا يمكن تحديد
سبيل تمكن أي أحد من الالتقاء بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلا أن العمل بالتكاليف الشرعية والسعي لمرضاته وسروره (عَلَيهِ السَّلَامُ) والقيام ببعض الأعمال كالاعتكاف لأربعين ليلة في مسجد السهلة أو غيره قد تؤدّي إلى تشرّف البعض برؤيته حسب ما تقتضي المصلحة» (2). والشهادات والتصريحات المماثلة كثيرة يصعب إحصاؤها.
يُضاف إلى كل ذلك أنّ الواقع التأريخي قد صدّق هذه الحقيقة عملياً باستمرار هذه اللقاءات إلى عصرنا الحاضر والأخبار التي تناقلها العلماء الأعلام والثقات كثيرة، يفوق عددها حد التواتر بكثير بحيث يحصل العلم لدى مراجعتها واستقرائها بعدم الكذب والخطأ فيها في الجملة (3)، وقد نقل الميرزا النوري مائة منها في كتابه «النجم الثاقب»، و في المصادر الأخرى ما يزيد على ذلك بكثير وأكثر منها ما لم يتم تدوينه فی المصنفات، يُضاف إلى ذلك العدد الجم من المقابلات التي لم يصرح بها أصحابها إلا لعدد محدود.
ويُستفاد من هذه الروايات أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقوم في معظم هذه اللقاءات بقضاء حوائج المؤمنين اقتفاء بسنّة آبائه الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، و توضيح بعض القضايا العقائدية المهمة وإبلاغ التوجيهات التربوية المهمة والأدعية المسنونة وما يقوّي ارتباطهم بالله عزّ وجلّ و سُبل التقرّب منه، يُضاف إلى ذلك أنّ إظهاره (عَلَيهِ السَّلَامُ) المعجزات والكرامات في هذه اللقاءات يساهم في إثبات وجوده (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإمامته بهدف ترسيخ الإيمان بذلك وقطع
الشكوك المثارة في كلّ عصر من المشككين بشأن وجوده، الأمر الذي يعزّز مسيرة المؤمنين في التمهيد لظهوره (عجل الله فرجه)، وعليه يتضح أن هذه اللقاءات تشكل في الواقع أحد وسائل الإمام للقيام بمهام إمامته في غيبته.
كما يُلاحظ أنّ معظم هذه اللقاءات تكون عادة بمبادرة من الإمام نفسه وبصورة لا يتوقعها الفائز بلقياه عادةً وواضح أنّ للعامل الأمني تأثيراً واضحاً في ذلك، كما أنّ هذه اللقاءات تكون بعد مدة - قد تطول أحياناً - من صدق المؤمن في طلب مقابلته (عجل الله فرجه) والإخلاص لله عزوجل في القيام بالأعمال الصالحة والفوز برضاه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل الفوز بلقياه كما يشير إلى ذلك السيد الكلبايكاني في النص الذي نقلناه عنه آنفاً.
ويُلاحظ أيضاً أنّ الذين فازوا بلقائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هم من الذين أخلصوا في العمل الصالح و أنهم ينتمون إلى شرائح اجتماعية مختلفة من العلماء والعباد والصالحين وحتى المؤمنين العاديين الذين ينقطعون إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الاشتغال بغيره.
كما يُلاحظ أنّ هذه اللقاءات عادة ما تكون بالمقدار اللازم لقضاء ما يطلبه المؤمن الطالب للقاء أو تحقيق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لغايته المرجوة منها، وغالباً ما ينتبه المؤمن إلى أنّ من التقاء هو الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد انتهاء المقابلة طبعاً وذلك حفظاً لمبدأ الاستتار في هذه الفترة، إلا أن ذلك لا يمنع أن نرى في هذه اللقاءات أن العديد من الفائزين بلقياه كانوا يعرفون هويته (عجل الله فرجه)، وهؤلاء عادةً ما يكونون من ذوي المراتب الإيمانية السامية.
كما نلاحظ في هذه الروايات أنّ المقابلات حصلت في أماكن متعدّدة، منها المراقد المقدّسة والمساجد المباركة وفي موسم الحج الذي صرّحت الأحاديث الشريفة بأنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحضره كلّ عام، وهو يمثل فرصة ثمينة للالتقاء بالمؤمنين الذين يأتون من جميع أقطار المعمورة، وإيصال التوجيهات إليهم حتى دون التعريف بنفسه بصراحة.
ويمكن أن يكون بعض هذه اللقاءات مع أولياء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الثقات الذين رأينا في الأحاديث الشريفة المتقدّمة تصريحاً بأنهم يعلمون بمكان الإمام ويشكلون جهاز أمن
المعاونين له يستقوي بهم للقيام بمهام الإمامة، فيمكن أن يتصوّر بعض المؤمنين الذين يطلبون من الإمام شيئاً ويقضيه لهم على أيدي أحد هؤلاء الثقات، بأنّ من التقوه هو الإمام نفسه إلّا أنّ من الثابت أنّ الكثير من الروايات تشتمل على دلائل و شواهد كثيرة تصرح بأن الالتقاء كان بالإمام المهدي نفسه (عَلَيهِ السَّلَامُ).
بعد التوضيحات العامة المتقدّمة ننتخب مجموعة قليلة من روايات الالتقاء بالإمام المهدي (عجل الله فرجه) في غيبته الكبرى منذ بدايتها وإلى القرون الأخيرة.
الخاصة
الأسئله
ما معنى غيبة الشخص؟ وما هو الفرق بينها وبين غيبة العنوان؟
اذكر بعض النصوص الدالة على أنّ الإمام المهدي يلتقي بالمؤمنين في غيبته؟
ما هي الأهداف التي تتضمنها النصوص الدالة على التقاء الإمام المهدي في عصر الغيبة ببعض مواليه وثقاته والمؤمنين.
ما هو المراد من تكذيب مدّعي الرؤية؟ وما المراد من دعوى الرؤية؟
1) الفهرست للشيخ منتجب الدين، ج 87، ص 639.
أخذنا منه موضع الحاجة (1).
و الشيخ ابن قولويه المذكور وصفه النجاشي بأنه من ثقات أصحابنا وأجلاتهم في الحديث والفقه وقال عنه الشيخ الطوسي: «ثقة له تصانيف كثيرة على عدد أبواب الفقه» ومات (رَحمَةُ اللّه) سنة (368هـ)، وهو أستاذ الشيخ المفيد. فالمقصود من سنة (37) المذكورة في الرواية هي سنة (337) وقد توفّي الشيخ ابن قولويه بالفعل بعد ثلاثين سنة من الحادثة المذكورة.
والحادثة وقعت بعد ثمان سنوات من بدء الغيبة الكبرى بوفاة آخر السفراء الأربعة الشيخ علي بن محمد السمري سنة (329هـ) والملاحظ في الرواية أنّ الالتزام بمبدأ الاستتار في الغيبة الكبرى لم يمنع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الاقدام على وضع الحجر الأسود في مكانه ليستقر فيه وهذا من خصائص الحجّة كما جرى مع الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و غيره، ومن المعلوم أنّ وضع الحجر يُمثل حادثة مهمّة تستقطب اهتمام الناس والاحتشاد لمشاهدة من يضعه لذا فهي من يضعه لذا فهي فرصة مناسبة لإثبات الإمام (عجل الله فرجه) لوجوده وإمامته في الوقت نفسه، وهذه غاية مهمة جديرة بالملاحظة.
ويُلاحظ في الرواية أنّ ابن هشام رسول الشيخ جعفر بن محمد بن قولويه يصف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنه: «غلام أسمر اللون حسن الوجه»، وهذا الوصف متكرر في الروايات الأخرى وإن اختلفت التعبيرات، وفيه تصديق لما صرّحت به الأحاديث الشريفة بأنّ الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يهرم بمرور الأعوام ويظهر لهم شاباً وهم يتصوّرونه بهيئة الشيوخ (2).
علي بن عبيدالله المشهور بمنتجب الدين (504 - 585) شيخ الأصحاب في كتابه الرجالي «الفهرست» الذي ترجم فيه علماء الإمامية منذ عصر الشيخ الطوسي إلى عصره فكان بمثابة تذييل لفهرست الشيخ الطوسي (1)قال في عدد التراجم: «الثائر بالله المهدي ابن الثائر بالله الحسيني الجيلي كان زيديّاً وادعى إمامة الزيدية وخرج بجيلان ثم استبصر وصار إماميّاً وله رواية الأحاديث، وادعى أنه شاهد صاحب الأمر وكان يروي عنه أشياء.
وقال: أبو الحسن عليّ بن محمّد بن علي ابن أبي القاسم العلوي الشعراني عالم صالح، شاهد الإمام صاحب الأمر، ويروي عنه أحاديث، عليه وعلى آبائه السلام.
وقال: أبو الفرج المظفّر بن علي بن الحسين الحمداني ثقة عين وهو من سفراء الإمام صاحب الزمان (عَلَيهِ السَّلَامُ) أدرك الشيخ المفيد وجلس مجلس درس السيد المرتضى والشيخ أبي جعفر الطوسي قدس الله أرواحهم» (2).
والثلاثة الذين ذكرهم الشيخ منتجب الدين هم من العلماء الأجلاء، ورواة الأحاديث عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويظهر أنّ رؤية الثائر الحسيني الجيلي المذكور للمهدي (عجل الله فرجه) قد تضمّنت ظهور معجزات وكرامات إلهية على يد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) جعلته يؤمن به وبإمامته ويترك دعواه إمامة الزيدية ويستبصر ويؤمن بإمامة المهدي و آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ).
ويظهر من جملة من الروايات أن الإمام المهدي (عجل الله فرجه) أولى الزيدية اهتماماً خاصاً لهدايتهم إلى المذهب الحق لقربهم من الإمامية وإخلاص الكثيرين منهم في طلب الحق ورفض الظلم. وستأتي لاحقاً رواية هدايته السيد عطوة الحسيني من مشائخ الزيدية في القرن الهجري السابع كما لاحظنا في غيبته الصغرى هدايته
لأبي سورة الزيدي و هو أيضاً من مشايخهم كما نقله الشيخ الطوسي وغيره.
ويُلاحظ أيضاً أنّ الشيخ منتجب الدين قد صرّح بأنّ العالم الصالح أبا الحسن علي العلوي الشعراني يروي عن الإمام المهدي (عجل الله فرجه) أحاديث، دون أن ينكر ذلك الأمر الذي يشير إلى تلقي هذه الظاهرة بالقبول.
كما تنبغي الإشارة إلى ما وَصَفَهُ به أبو الفرج المظفّر الحمداني وهو من تلامذة المفيد والمرتضى والطوسي أي من علماء القرن الخامس الهجري بأنه «من سفراء الإمام صاحب الزمان» لا يعني السفارة الخاصة التي انتهت بوفاة السمري (رضوان الله عليه) سنة (329هـ) والتي كانت مألوفة في الغيبة الصغرى، بل المقصود أنه حمل شيئاً إلى بعض موالي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشيعته من خلال التقائه به، فلعل حاله مثل حال الذي حمل رسائل الإمام للشيخ المفيد (رضوان الله عليه)، أو الذي حمل رسالة الإمام للسيد ابن طاووس (قدس سره) التي ذكرها السيد ابن طاووس في كتابه غياث سلطان الورئ (1).
كان بالكوفة شيخ قصار، كان موسوماً بالزهد منخرطاً في سلك السياحة متبتلاً للعبادة مقتضياً للآثار الصالحة فاتفق يوماً أنني كنت بمجلس والدي، وكان هذا الشيخ يحدثه و هو مقبل عليه.
قال: كنت ذات ليلة بمسجد جعفي و هو مسجد قديم في ظاهر الكوفة وقد انتصف الليل وأنا بمفردي فيه للخلوة والعبادة إذا أقبل عليَّ ثلاثة أشخاص، فدخلوا المسجد فلمّا توسطوا صَرْحَته جلس أحدهم ثم مسح الأرض بيده يمنة ويسرة وخضخض الماء، ونبع فأسبغ الوضوء منه، ثمَّ أشار إلى الشخصين الآخرين بإسباغ الوضوء فتوضنا ثمَّ تقدَّم فصلّى بهما إماماً فصليت معهم مؤتماً به.
فلمّا سلّم وقضى صلاته بهرني حاله واستعظمت فعله من إنباع الماء، فسألت الشخص الذي كان منهما على يميني عن الرجل فقلت له: من هذا؟ فقال لي: هذا صاحب الأمر ولد الحسن فدنوت منه وقبلت يديه وقلت له: يا ابن رسول الله ما تقول في الشريف عمر بن حمزة هل هو على الحق؟ فقال: لا، وربّما اهتدى إلا أنه لا يموت حتى يراني. فاستطرفنا هذا الحديث.
فمضت برهة طويلة فتوفّي الشريف عمر ولم يسمع أنه لقيه فلما اجتمعت بالشيخ الزاهد ابن بادية ذكرته بالحكاية التي كان ذكرها، وقلت له مثل الراد عليه أليس كنت ذكرت أنّ هذا الشريف لا يموت حتى يرى صاحب الأمر الذي أشرت إليه؟ فقال لي: و من أين علمت أنه لم يره؟
ثم إنني اجتمعت فيما بعد بالشريف أبي المناقب ولد الشريف عمر بن حمزة و تفاوضنا أحاديث والده فقال: إنا كنا ذات ليلة في آخر الليل عند والدي وهو في مرضه الذي مات فيه، وقد سقطت قوته وخفت صوته، والأبواب مغلقة علينا إذ دخل علينا شخص هبناه واستطرفنا دخوله وذهلنا عن سؤاله، فجلس إلى جنب والدي و جعل يحدثه مليّاً ووالدي يبكي ثم نهض.
فلما غاب عن أعيننا تحامل والدي وقال: أجلسوني فأجلسناه وفتح عينيه وقال:
أين الشخص الذي كان عندي؟ فقلنا: خرج من حيث أتى فقال: اطلبوه فذهبنا في أثره فوجدنا الأبواب مغلقة ولم نجد له أثراً فعُدنا إليه فأخبرناه بحاله وأنا لم نجده، وسألناه عنه، فقال: هذا صاحب الأمر ثم عاد إلى ثقله في المرض وأغمي عليه (1).
يستفاد من سند الرواية أن الحادثة وقعت في بدايات القرن الهجري السادس.
ويبدو أنّ الشيخ الكوفي الزاهد كان يطلب لقاء الإمام (عجل الله فرجه) وأن الإقبال على صالحات الأعمال من الوسائل المهمة للفوز برضا الإمام وفيه رضا الله تعالى - وبالتالي الفوز بلقائه. أما الشريف عمر بن حمزة فيظهر أنه كانت له مكانة مرموقة بين الإمامية إلّا أنّ فيه إعوجاجاً ليس عن عناد أو إصرار بل عن جهل أزاله الإمام بلقائه به وأثر فيه ذلك كما هو واضح من بكائه عند حديث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وواضح أن لاهتداء مثل هذا الشخص ذي المكانة المرموقة آثاراً مهمة على الآخرين.
1) بحار الأنوار، ج 52، ص 55.
يخرج فاجعل الرُّقعة عند القبة فإذا جئت بكرة ولم تجد الرقعة فلا تقل لأحد شيئاً.
قال: ففعلت ما أمرني وجئت بكرة فلم أجد الرقعة وانحدرت إلى أهلي وكان الشيخ قد سبقني إلى أهله على اختياره فلمّا جئت في أوان الزيارة ولقيته في منزله بالحلة قال لي: تلك الحاجة انقضت.
قال أبو العباس: ولم أحدث بهذا الحديث قبلك أحداً منذ توفّي الشيخ إلى الآن وكان له منذ مات ثلاثون سنة تقريباً (1).
وأسلوب الاتصال بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بواسطة «الرقع» والرسائل مأثور الأئمة الأطهار عن وقد رويت في ذلك عدة أحاديث شريفة وقد رواها السيد ابن طاووس في كشف المحجّة (2)والرواية المتقدّمة أحد موارد تصديق نجاح هذه الوسيلة الارتباطية.
قال (رضوان الله عليه) في أواخر كتابه مهج الدعوات: «كنت أنا بسرِّ من رأى فسمعت سَحَراً دعاء القائم (عَلَيهِ السَّلَامُ) فحفظت من دعائه لمن ذكره الأحياء والأموات: و أبقهم أو قال وأحيهم في عزّنا وملكنا أو سلطاننا ودولتنا وكان ذلك في ليلة الأربعاء ثالث عشر ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وستمائة» (4).
والدعاء للمؤمنين من مظاهر رأفة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهم، وقد وردت عدة روايات علّم
فيها المؤمنين طائفةٌ من الأدعية للخلاص من المحن.
قال (رَحمَةُ اللّه) في هذا الكتاب: وحكى لي السيد باقي بن عطوة الحسني أن أباه عطوة کان آدر، وكان زيدي المذهب وكان ينكر على بنيه الميل إلى مذهب الإمامية ويقول: لا أصدقكم ولا أقول بمذهبكم، حتى يجيء صاحبكم، يعني المهدي(عَلَيهِ السَّلَامُ) فيبروني من هذا المرض، وتكرّر هذا القول منه.
فبينا نحن مجتمعون عند وقت العشاء الآخرة إذا أبونا يصيح ويستغيث بنا فأتيناه سراعاً فقال: الحقوا صاحبكم الساعة خرج من عندي، فخرجنا فلم نر أحداً فعدنا إليه وسألناه فقال: إنّه دخل إليَّ شخص وقال: يا عطوة فقلت: من أنت؟ فقال: أنا صاحب بنيك قد جئت لأ برئك ممّا بك ثمَّ مدَّ يده فعصر (قروتي) ومشى ومددت يدي فلم أر لها أثراً.
قال لي ولده وبقي مثل الغزال ليس به (آدر) و اشتهرت هذه القصة وسألت عنها غير ابنه فأخبر عنها.
والأخبار عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا الباب كثيرة وأنه رآه جماعة قد انقطعوا في طريق الحجاز وغيرها، فخلصهم وأوصلهم إلى حيث أرادوا، ولولا التطويل لذكرت منها
1) راجع ملخص ترجمته في تبصرة الولي، ص 234، الهامش.
جملة، ولكن هذا القدر الذي قرب عهده من زماني كاف (1).
والآدر: هو من به الأدرة، وهي حالة مرضية تنتج من إنفتاق الصفاق ويحدث إنتفاخ في الصفن نتيجة لذلك. وواضح أنّ مجيء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذا السيد وإذهاب مرضه عنه باذن الله هو انتصار للمذهب الحق في هذا التحدّي المتكرّر من السيد عطوة: الحسني؛ وإضافة للآثار المحمودة لهذا الانتصار على الآخرين، فإن فيه أيضاً هداية للسيد عطوة إلى الصراط المستقيم.
وأما ما أشار إليه الشيخ علي بن عيسى من كثرة الأخبار بشأن إغاثته (عَلَيهِ السَّلَامُ) للمنقطعين في الصحاري والطرق، فهو من الأمور المشهورة التي اشتملت عليها الكثير من الأدلة المصرحة بقيام الإمام بنفسه (سلام الله عليه) بمهمة الإغاثة، وقد تحدث آية الله الميرزا حسين النوري خاتم المحدّثين في كتابه القيم «النجم الثاقب» عن طائفة الأدلة الروائية المؤيدة لهذه الحقيقة.
الأولى نقلها الشيخ الفاضل علي بن إبراهيم المازندراني المعاصر للشيخ البهائي والسيد الشهيد الثالث القاضي التستري صاحب إحقاق الحق في مجالس المؤمنين قال ما ملخصه أنه اشتهر بين أهل الإيمان أنّ بعض علماء العامة ألف كتاباً اشتمل على شبهات بشأن عقائد الإمامية وكان يقرأه على الناس في مجالسه ويُضلّهم به، فسعى العلامة الحلّي أن يأخذه منه ليردّ عليه لكنّ الرجل كان يرفض إعارته لأحد من الإمامية خشية من الردّ عليه، فاتخذ العلامة تلمذه على الرجل في بعض الفنون وسيلة
1) كشف الغمة، ج 2، ص 497؛ بحار الأنوار، ج 52، ص 65.
لاستعارته منه، فاستحيى الرجل من ردّه لكنّه قال: إني آليت على نفسي أن لا أعطيه أحداً أزيد من ليلة فأخذه العلّامة واشتغل باستنساخ الكتاب حتى تعب وغلبه النوم فحضر الإمام الحجة (عجل الله فرجه) وقال للعلامة: ولني الكتاب وخذ في نومك، فلما انتبه العلّامة وجد الكتاب وقد تم استنساخه بإعجاز الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).
أما الحادثة الثانية فقد نقلها المرحوم الميرزا التنكابني في كتابه «قصص العلماء» نقلاً عن صاحب المناهل الفقيه الجليل السيد محمد المجاهد، وملخصها أنّ العلامة الحلّي التقى صاحب الزمان (عجل الله فرجه) في طريقه لزيارة سيدالشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو لا يعرفه ولكن لما وجد سعة علمه أخذ يسأله جملة من المسائل الفقهية، فأفتى فيها بما أنكره العلّامة وقال مع سعة اطلاعه على الأحاديث -: ليس لدينا حديث يطابق هذه الفتوى، فأخبره الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بوجود الحديث في تهذيب الشيخ الطوسي وذكر له الصفحة والسطر، ثمّ سأله عن رؤية المهدي (عجل الله فرجه) في غيبته الكبرى فقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وكان قد وضع يده في يد العلامة -: كيف لا يمكن رؤية صاحب الأمر في حين أن يده في يدك، فهوى العلامة يريد تقبيل أقدام الإمام، فأغمي عليه فلما أفاق لم ير أحداً، ثم عاد إلى منزله وبحث عن الحديث في كتاب التهذيب فوجده في المكان الذي حدّده الإمام فكتب على حاشية الكتاب: «هذا الحديث الذي أشار إليه صاحب الأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذكر الصفحة والسطر». ونقل المرحوم التنكابني عن الآخوند المولى اللاهيجي تلميذ السيد المجاهد أنه رأى نسخة كتاب التهذيب المذكورة و في حاشيته خط العلامة الحلّي وعبارته المذكورة (2).
ودلالة الروايتين واضحة في تسديد الإمام المهدي (عجل الله فرجه) للعلماء العاملين في نشاطهم لترويج المذهب الحق والإسلام النقي والدفاع عنه، وكذلك في
نشاطهم العلمي لمعرفة أحكامه، وهذا من المهام الأساسية للإمام المعصوم في عصر. على أنّ في الرواية الثانية تصريحاً من الإمام (عجل الله فرجه) بشأن إمكانية رؤيته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في غيبته.
والحادثة واضحة الدلالة في تسديد صاحب الزمان (عَلَيهِ السَّلَامُ) للعلماء العاملين وثقات الأتقياء في نشاطهم العلمي لمعرفة حقائق الدين وإيصالها للناس (1).
وقد نقل الميرزا النوري في جنة المأوى طائفة من روايات التقاء السيد بحر العلوم
بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، نكتفي بالإشارة إلى واحدة منها ترتبط بالسنين التي قضاها السيد بحر العلوم في مكة المكرّمة لأمر يرتبط بإعمار المسجد الحرام وحفظ معالمه الأصيلة. و تشتمل هذه الرواية على تقديم دعم مالي وفير من الإمام)سلام الله عليه) للسيد بعد أن نفذت نفقته، وفيها دلالة على تنوّع الدعم الذي يقدمه الإمام لثقات العلماء العاملين في نشاطاتهم لحفظ الدين ومعالمه (1).
الخاصة
الأسئلة
هل هناك أدلة تأريخية على تحقق رؤية المذنبين للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عصر الغيبة الكبرى؟ اذكر بعضها، ثمّ بين أهداف ونتائج هذه الرؤية؟
كيف توفق (تجمع) بين النصّ الدال على تكذيب مدعي الرؤية وبين الأدلة التأريخيّة الدالة على تحقق الرؤية في عصر الغيبة الكبرى؟
رسالتها إلى الشيخ المفيد (1)
للأخ السديد والولي الرشيد الشيخ المفيد أبي عبدالله محمد بن محمد بن النعمان أدام الله إعزازه، من مستودع العهد المأخوذ على العباد.
بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، سلام الله عليك أيها الولي المخلص في الدين المخصوص فينا باليقين. فإنّا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ونسأله الصلاة على سيدنا و مولانا ونبينا محمد و آله الطاهرين.
ونعلمك - أدام الله توفيقك لنصرة الحق وأجزل مثوبتك على نطقك عنا بالصدق - أنه قد أذن لنا في تشريفك بالمكاتبة وتكليفك ما تؤدّيه عنا إلى موالينا قبلك أعزهم الله بطاعته وكفانا المهم برعايته لهم وحراسته.
فقد - أمدّك الله بعونه على أعدائه المارقين من دينه - على ما تذكره واعمل في تأديته إلى من تسكن إليه، بما نرسمه إن شاء الله.
نحن وإن كنا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين - حسب الذي أرانا الله
1) أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسی، الاحتجاج، ج 2، ص 322، طبع النجف، 1386هـ.
تعالى من الصلاح والشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين - فإنّا نحيط علماً بأنبائكم ولا يعزب عنا شيء من أخباركم، ومعرفتنا بالذل الذي أصابكم مذجنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً، ونبذوا العهد المأخوذ وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون.
إنا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء (1)واصطلمكم (2)الأعداء، فاتقوا الله جل جلاله وظاهرونا على انتياشكم من فتنة (3)قد أنافت عليكم (4)، يهلك فيها من حمّ أجله (5)، ويحمى عنها من أدرك أمله، وهي إمارة لأزوف (6)حركتنا بأمرنا ونهينا والله متم نوره ولو كره الكافرون.
اعتصموا بالتقية، من شب نار الجاهلية يحششها (7)عُصباً أموية، يهول بها فرقة مهدية.
أنا زعيم بنجاة من لم يرم فيها المواطن الخفيّة، وسلك في الظعن منها الشبل المرضية.
إذا حلّ جمادى الأولى من سنتكم هذه، فاعتبروا بما يحدث فيها واستيقظوا من رقدتكم لما يكون في الذي يليها ستظهر لكم من السماء آية جلية، ومن الأرض مثلها بالسوية، ويحدث في أرض المشرق ما يحزن ويقلق، ويغلب من بعد على العراق طوائف عن الإسلام مراق تضيق بسوء فعالهم على أهله الأرزاق، ثمّ تنفرج الغمّة من
بعد ببوار طاغوت من الأشرار، ثمّ يسرّ بهلاكه المتقون الأخيار ويتفق لمريدي الحجّ من الآفاق ما يؤملونه منه على توفير غلبه منهم وأنفاق، ولنا في تيسير حجهم على الاختيار منهم والوفاق، شأن يظهر على نظام واتساق فليعمل كل امرىء منكم بما يقرب به من محبتنا، ويتجنّب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا، فإن أمرنا بغتة فجأة حين لا ينفعه توبة، ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة، والله يلهمكم الرشد ويلطف لكم في التوفيق برحمته.
نسخة التوقيع
باليد العليا على صاحبها السلام
رسالة ثانية للشيخ المفيد (1)
من عبدالله المرابط في سبيله، إلى ملهم الحق ودليله (2).
بسم الله الرحمن الرحيم. سلام الله عليك أيها الناصر للحق، الداعي إليه بكلمة الصدق.
فإنّنا نحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو إلهنا وإله آبائنا الأولين، ونسأله الصلاة على سيدنا و مولانا محمد خاتم النبيين وعلى أهل بيته الطاهرين.
وبعد فقد كنا نظرنا مناجاتك عصمك الله بالسبب الذي وهبه الله لك من أوليائه، وحرسك به من كيد أعدائه وشفعنا ذلك (3)الآن من مستقر لنا ينصب في شمراخ من بهماء (4)صرنا إليه آنفاً من غماليل (5)ألجأنا إليه السباريت (6)من الإيمان (7)ويوشك أن
1) الاحتجاج، ج 2، ص 324 - 325.
2) الإمام يقصد نفسه من (عبدالله المرابط في سبيله كما يقصد المفيد من (ملهم الحق ودليله).
3) أي شفعنا مناجاتك، فدعمناها من الموقع الذي نحن فيه.
4) شمراخ: هو العذق عليه بسر أو عنب رأس الجبل. أعالي السحاب والبهماء: المشكلة المبهمة. الصحراء. وإذا فسرنا البهماء بالصحراء وفسرنا الشمراخ برأس الجبل يكون المعنى أن الإمام اختار مسكنه في قمة جبل في صحراء و من هناك دعم مناجاة المفيد.
5) الغماليل: الأمور المستورة المتراكبة.
6) السباريت: المساكين.
7) وهذا النص قد يدلّ على أن سلبيات بعض الشيعة تنعكس على الإمام فيضطر إلى تغيير بعض أوضاعه السكنية والإجتماعية.
يكون هبوطنا إلى ضحضح (1)من غير بعد الدهر، ولا تطاول من الزمان، ويأتيك نبأ منا بما يتحدّد لنا من حال (2)فتعرف بذلك ما يعتمد (نعتمده) من الزلفة إلينا بالأعمال، والله موفقك لذلك برحمته.
فلتكن - حرسك الله بعينه التي لا تنام - أن تقابل بذلك فتنة تبسل نفوس قومٍ حرثت باطلاً لاسترهاب المبطلين (3)يبتهج الدمارها المؤمنون، ويحزن لذلك المجرمون.
و آية حركتنا من هذه اللوثة (4)
ولعل المقصود من اللوثة) الغيبة و من حركتنا): الظهور، والحرم المعظم هو المسجد الحرام، فتكون حادثة المسجد الحرام من علامات الظهور.
حادثة بالحرم المعظم، من رجس منافق مذمّم ستحلّ للدم المحرم، يعمد بكيده أهل الإيمان ولا يبلغ بذلك غرضه من الظلم والعدوان، لأننا من وراء حفظهم بالدعاء الذي لا يحجب عن ملك الأرض والسماء (5)فلتطمئن بذلك من أوليائنا القلوب وليتقوا بالكفاية منه وإن راعتهم بهم الخطوب والعاقبة - بجميل صن(عَلَيهِ السَّلَامُ) سبحانه - تكون حميدة ما اجتنبوا المنهي عنه من الذنوب.1) الضحضح: الماء اليسير.
2) وهذا النصّ يدلّ على أنّ الشيخ المفيد سيبقى على اتصال بالإمام بعد تأريخ هذه الرسالة.
3) تبسل نفوس قوم توردها الهلكة، واسترهاب المبطلين تخويفهم، وربما المعنى أن جانبي الفتنة من أهل الباطل، فتترك دماراً يفرح به المؤمنون ويحزن المجرمون.
4) اللوثة - بالضم - الاسترخاء والبطؤ، ومنه التأثت راحلته): أبطأت في سيرها، و في الحديث (إنّ النفس قد تلتأث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه المعنى قد تضطرب ولم تنبعث مع صاحبها - مجمع البحرين.
5) الحوادث التي وقعت في المسجد الحرام عديدة، فلا نستطيع التأكد من الحادثة التي يعنيها الإمام هنا.
و نحن نعهد إليك أيها الولي المخلص المجاهد فينا الظالمين أيدك الله بنصره الذي أيد به السلف من أوليائنا الصالحين: إنّه من اتقى ربّه من إخوانك في الدين، وأخرج مما عليه إلى مستحقيه، كان آمناً في الفتنة المبطلة، ومحنها المظلمة المضلة، و من بخل منهم بما أعاده الله من نعمته على من أمره بصلته، فإنّه يكون خاسراً بذلك لأولاه و آخرته (1)
ولعلّ سبب تشديد الإمام المهدي في هذه الرسالة، وفي التوقيع الذي رواه أبو الحسن الأسدي، وفي أجوبته على أسئلة الحميري وغيره أنّ العنصر الاقتصادي أهم العناصر في استمرار الحركة الدينية - في غيبته - بعد العنصر البشري.
.ولو أن أشياعنا وفقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا بنا، فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا ممّا نكرهه ولا نؤثره منهم (2)والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلواته على سيدنا البشير النذير محمّد وآله الطاهرين وسلّم.
وكتب في غرة شوّال من سنة اثنتي عشرة وأربعمائة.
نسخة التوقيع
باليد العليا صلوات الله على صاحبها
1) هذا النص عهد من الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) له بأن دفع الحقوق الشرعية ضمان للأمن من المحنة في الدنيا والفتنة في الدين وأنّ البخل بها يُعرض الدنيا والآخرة للبوار.
2) المعنى الظاهر لهذه العبارة: أنّ عدم اجتماع قلوب الشيعة على الوفاء بالعهد الذي أخذه الله عليهم هو الذي يؤدّي إلى تأخير الظهور، و لو اجتمعت قلوب العدد الكافي منهم على التضحية المخلصة في سبيل الله - بما لا يقل عن ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً - يظهر الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولكن عدم توفر مثل هذا العدد حتى الآن - في المستوى المطلوب - هو الذي أدى إلى بقاء الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) رهن الغيبة. ويحتمل أن يكون المعنى: أنّ مشاهدة الإمام على حق المعرفة يتوقف على إخلاص القلب للوفاء بالعهد وطهارته من الذنوب.
هذا كتابنا إليك أيها الوليّ المُلهم للحق العليّ (1)
ولعل الإمام المهدي كان يؤدّي عملاً تربوياً من خلال مدحه للشيخ المفيد، ليشعره بأنه في هذا المستوى فعليه أن يحرص على أن يرتفع لا أن ينحدر، والتعظيم يصعد النابهين كما يغر التافهين.
بإملائنا وخط ثقتنا، فأخفه عن كلّ أحد، واطوه واجعل له نسخة عليها من تسكن إلى أمانته من أوليائنا، شملهم الله ببركاتنا إن شاء الله.الحمد لله والصلاة على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين.
دعاء الفرج
إلهي عظم البلاء وبرح الخفاء، وانكشف الغطاء وانقطع الرجاء، وضاقت الأرض و منعت السماء و أنت المستعان وإليك المشتكى وعليك المعوّل في الشدة والرخاء. اللهم صل على محمد و آل محمّد أُولي الأمر الذين فرضت علينا طاعتهم وعرفتنا بذلك منزلتهم، ففرج عنا بحقهم فرجاً عاجلاً قريباً كلمح البصر أو هو أقرب. يا محمد يا علي يا علي يا محمد اكفياني فإنّكما كافيان وانصراني فانكما ناصران، يا مولانا يا صاحب الزمان، الغوث الغوث الغوث، أدركني أدركني أدركني، الساعة الساعة الساعة العجل العجل العجل، يا أرحم الراحمين بحق محمد و آله الطاهرين(2).
الخاصة
تدلّ الرسالتان اللتان صدرتا من الناحية المقدسة على مدعى اهتمام الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنوابه وشيعته وأنه يتدخل لحل معضلاتهم وتأييدهم و تسديدهم وتكامل مسيرتهم - إذا اقتضت المصلحة الإلهية ذلك.
والاهتمام بدعاء الفرج تعبير آخر عن توجيههم الوجهة المطلوبة بتعجيل الفرج والانتظار المستمر حتى يتحقق النصر الإلهي على يديه.
الأسئلة
ما هي أهم المحاور في رسالة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأولى للشيخ المفيد؟
ما هي أهم المحاور في رسالته الثانية؟
قارن بين موضوعات الرسالتين.
ما هي دلالة الرسالتين في مجال رعاية الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للجماعة الصالحة؟
ما هي المفاهيم الأساسية التي جاءت في دعاء الفرج؟
و في هذا الموضوع يتم البحث في عدة جهات:
الجهة الأولى
فمن شرائط الظهور وجود العدد الكافي من المخلصين الممحصين لغزو العالم بالحق والهدى.
وسنعرف من علائم الظهور وجود الدجّال والخسف وغيرها.
و يشترك هذان المفهومان الشرائط والعلائم - بأنهما معاً ممّا يجب تحققه قبل الظهور، ولا يمكن أن يوجد قبل تحقق كل الشرائط والعلامات. فان تحققه قبل ذلك، مستلزم لتحقق المشروط قبل وجود شرطه أو الغاية قبل الوسيلة؛ كما أنه مستلزم لكذب العلامات التي أحرز صدقها وتوافرها.
فلابد أن يوجدا معاً قبل الظهور، خلال عصر الغيبة الكبرى. وبالرغم من نقاط الاشتراك هذه، فإنّ بينهما من نقاط الاختلاف ما لابد لنا من بيانها بشكل يتضح الفرق
بين المفهومين بشكل أساسي.
الفرق الأوّل: إنّ إناطة الظهور بالشرائط إناطة واقعية وبتمام تحققها يتحقق الظهور. وهذا هو الفرق الأساسي المستفاد من نفس مفهوم اللفظين، - الشرط والعلامة -.
فان معنى الشرط في الفلسفة، ما كان له بالنتيجة علامة علية وسببية لزومية بحيث يستحيل وجوده بدونه.
وهذا هو الذي نجده على وجه التعيين في شرائط الظهور، فإننا سنرى إن انعدام بعض الشرائط يقتضي انعدام الظهور أساساً بحيث لا يعقل تحققه، وانعدام بعضها الآخر فشله يقتضي و من ثمّ عدم إمكان نشر العدل الكامل المستهدف في التخطيط الإلهي الكبير. فلابد أوّلاً من اجتماع الشرائط لكي يمكن تحقق الظهور ونجاحه.
أمّا العلامة، فليس لها دخل سوى الدلالة والإعلام والكشف عن وقوع الظهور بعدها، ومثالها هيجان الطيور الدالّ على وقوع المطر أو العاصفة بعده من دون إمكان أن يقال: إنّ العاصفة لا يمكن أن تقع بدون هيجان الطيور.
يل يمكن وقوعها، بطبيعة الحال، وإن كانت قد لا تنفك عن ذلك في كلّ عاصفة. و معه فتنبثق ضرورة وجود العلامة قبل الظهور بصفتها دليلاً كاشفاً عن وقوعه لا بصفتها ذات ارتباط واقعي لزومي، كما كان الحال في شرائط الظهور.
نعم، ينبغي أن نأخذ بنظر الاعتبار، نقطة واحدة، وهي أن بعض العلامات، كوجود الدجال، وقتل النفس الزكية مربوطة ارتباطاً عضوياً بالشرائط.
بمعنى أن هذه العلامات من مسببات ونتائج عصر الفتن والانحراف الذي هو سبب التمحيص الذي هو سبب إيجاد أحد شرائط الظهور.
الفرق الثاني: إنّ علامات الظهور عبارة عن عدة أحداث، قد تكون مبعثرة، ولابد من وجود ترابط واقعي بينها، سوى كونها سابقة على الظهور، الأمر الذي برر جعلها علامة للظهور في الأدلة الإسلامية.
و أمّا شرائط الظهور، فلها - باعتبار التخطيط الإلهي الطويل - ترابط سببي و مسبّبي
واقعي، سواء نظرنا إلى ظرف وجودها قبل الظهور، أو نظرنا إلى ظرف إنتاجها قبل الظهور.
الفرق الثالث: إن العلامات قد لا تجتمع أصلاً في أي زمان بل يحدث أحدها وينتهي، ثم يبدأ الآخر في زمان متأخّر.. وهكذا. كما أنها قد تجتمع صدفة صدفة أحياناً، فهي حوادث مبعثرة في الزمان كما أنها مبعثرة بحسب الربط الواقعي.
و أما الشروط، فلابد أن تجتمع في نهاية المطاف، فإنها توجد تدريجاً، إلا أنّ الشرط الذي يحدث يستمر في البقاء، ولا يمكن - في منطق التخطيط الإلهي - أن يزول، فعندما يحدث الشرط الآخر، يبقى مواكباً للشرط الأول، وهكذا تتجمع الشرائط و تتجمع في نهاية المطاف في اللحظة الأخيرة من عصر الغيبة.
الفرق الرابع: إن العلامات تحدث وتنفذ بأجمعها قبل الظهور. في حين أن الشرائط لا توجد بشكل متكامل إلا قبيل الظهور أو عند الظهور. ولا يمكن أن تنفذ، وإلا لزم انفصال الشرط عن مشروطه والنتائج عن المقدمات، وهو مستحيل.
والسرّ في ذلك كامن في الفرق بين النتائج المتوخاة من وراء كلا المفهومين. فإنّ العلامات بصفتها د(عَلَيهِ السَّلَامُ) ت وكواشف عن الظهور، فإنّ وظيفتها سوف تنتهي عند حدوثه، ولا يبقى لها أي معنى بعده، وأما الشروط فحيث أنها دخيلة في التسبب إلى وجود يوم الظهور وإلى تحقق النصر فيه.
الفرق الخامس: إنّ شرائط الظهور دخيلة في التخطيط الإلهي، ومأخوذة بنظر الاعتبار فيه؛ باعتبار توقف اليوم الموعود عليه. بل إنّنا عرفنا أن البشرية كلّها من أوّل ولادتها إلى يوم الظهور، كرّسها التخطيط الإلهي، لإيجاد يوم الظهور.
وأمّا العلامات، فليس لها أيّ دخل من هذا القبيل؛ بل كلّ إنتاجها هو إعلام المسلمين وتهيئة الذهنية عندهم لاستقبال يوم الظهور وجعلهم مسبوقين بحدوثه في المستقبل أو بقرب حدوثه.
الفرق السادس: إنّ علامات الظهور، يمكن الانتباه أو الفحص والتدقيق، والتأكد
ممّا وجد منها وما لم يوجد، باعتبارها حوادث يمكن تحديدها، والإشارة إليها، ومن هنا انبثقت دلالتها للمسلمين على قرب الظهور.
و أما الشرائط، فقد قلنا إجمالاً أنه من المتعذر تماماً التأكد من اجتماعها.
و ذلك، لأنّ منها: حصول العدد الكافي من المخلصين الممحصين في العالم، وهذا مما لا يكاد يمكن التأكد منه لأحد من الناس الاعتياديين.
الجهة الثانية
ونحن إذ نتكلم عن شرائط الظهور، إنما نريد بها الشرائط التي يتوقف عليها تنفيذ اليوم الموعود، ونشر العدل الكامل في العالم كله فيه، وذلك اليوم الذي يعتبر ظهور المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الركن الأساسي لوجوده، ومن ثمّ يتحدّد ظهوره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنفس تلك الشرائط، بالرغم من أنّ فكرة الغيبة والظهور إذا لاحظناها مجرّدة، لن نجدها منوطة بغير إرادة الله عزّوجل مباشرة ولكنّ الله تعالى أراد أن يتحدّد الظهور بنفس هذه الشرائط، لأجل إنجاح اليوم الموعود لأنّ المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مذخور لذلك، فيكون بين الأمرين ترابط عضوي وثيق.
وإذا نظرنا إلى هذا المستوى الشامل ارتفعت الشرائط إلى ثلاثة:
الشرط الأول: وجود الأطروحة العادلة الكاملة التي تمثل العدل المحض الواقعي، والقابلة التطبيق في كل الأمكنة والأزمنة، والتي تضمن للبشرية جمعاء السعادة والرفاه في العاجل والكمال البشري المنشود في الآجل.
بدون مثل هذه الأطروحة يكون العدل الكامل منتفياً، وغير ممكن التطبيق.
وعليه فإن الهدف في الحقيقة هو تطبيق الأطروحة العادلة الكاملة التي لا تحتوي على ظلم أو نقص.
و أن تكون هذه الاطروحة ناجزة عند الظهور، إذن مع عدمها يومئذ، ينتفي التطبيق بانتفائها ويتعذر العدل المنشود في اليوم الموعود.
ولابد أن تكون هذه الأطروحة معروفة ولو بمعالمها الرئيسية قبل البدء بتطبيقها، لما عرفنا في الحديث عن التخطيط الإلهي من أن تطبيقها يتوقف على مرور الن-اس بخط طويل من التجربة والتمحيص عليها ليكونوا مُمرّنين على تقبلها وتطبيقها، ولا يفاجؤهم أمرها، ويهولهم مضمونها ويصعب عليهم امتثالها فيفسد أمرها ويتعذر نجاحها كما هو واضح.
الشرط الثاني: وجود القائد المحنّك الكبير الذي له القابلية الكاملة لقيادة العالم كله ويتم الكلام حول هذا الشرط ضمن نقطتين:
النقطة الأولى: يرجع هذا الشرط بالتحليل إلى شرطين:
أحدهما: اشتراط وجود القائد للثورة العالمية، حيث لا يمكن تحققها من دون وجود قائد.
ثانيهما: أن يكون لهذا القائد قابلية القيادة العالمية.
إلا أننا يجب أن نلاحظ أنّ قيادة العالم وتطبيق الأطروحة الكاملة الدقة من والأهمية بحيث تفوق بأضعاف مضاعفة قيادة أي دولة في العالم مهما كانت واسعة وكبيرة. ومن هنا كان للرأي العام - لأجل أن يكون كاملاً و قابلاً لهذه القيادة - أن يكون كل فرد من مكوّنيه بالرغم من نقصانه، ذو درجة عليا من الوعي والشعور بالمسؤولية والتدقيق في الأمور، بحيث يحصل بانضمامه إلى غيره ذلك الرأي العام المتفق عليه، القابل للقيادة، وهذه الصفة لم تصبح غالبة في الأفراد على طول الخط التأريخي الطويل لعمر البشرية تجاه أي مبدأ من المبادئ فضلاً عن العدل الكامل، و في دولة محدودة، فضلاً عن أفراد البشرية في دولة عالمية.
وهذا أمر وجداني يعيشه كلّ فرد منا بالنسبة إلى ملاحظة أنحاء الفشل والاضطرار إلى التعديلات المتوالية في الدول والسياسات العامة مهما كانت قيادتها شخصية أو جماعية، ولم تنجح أي ديمقراطية جماعية لحد الآن من الخطأ والزلل، بل العمد في أكثر الأحيان. وعلى أي حال، يستحيل على عصر الفتن والانحراف، أن يوجد رأياً
عاماً كاملاً عادلاً، يمكنه أن يقود العالم قيادة جماعية في اليوم الموعود.
الشرط الثالث: وجود الناصرين المؤازرين المنفّذين بين يدي ذلك القائد الواحد ويتعين القول به، بعد نفي فرضيتين:
الفرضية الأولى: أن يفترض أنّ هذا الفرد الواحد، يغزو العالم بمفرده.
وهو واضح الامتناع والبطلان، مهما أوتي الفرد من كمال عقلي وجسمي، بعد التجاوز عن الفرضية الآتية، و هو إيجاد المعجزة من أجل تحقيق النصر.
الفرضية الثانية: إنّ هذا القائد يغزو العالم عن طريق المعجزة، ويتلخص ذلك فيما يلي:
أنه لو كانت الدعوة الإلهية على طول التأريخ، قائمة على إيجاد المعجزات من أجل النصر، لما وجد على وجه الأرض منذ خلقت أي انحراف أو ضلال، ولما احتاج الأمر إلى قتال وجهاد، في حين أنّ الدعوة الإلهية قدّمت آلاف الأنبياء والعاملين يهديهم كشهداء في طريق الحق، بما فيهم الأئمة المعصومون (عَلَيهِم السَّلَامُ).
إن الدعوة الإلهية على طول الخط قد ارتكزت على التربية الاختيارية للفرد والأمة، على السواء.
وذلك، أنه بعد أن وهب الله تعالى للإنسان السمع والبصر والفؤاد يعني العقل والاختيار، وهداه النجدين طريق الحق وطريق الباطل، وحمله مسؤولية أعماله والأمانة الكبرى التي رفضت السماوات والأرض أن تحملها، وحملها الإنسان وبها تبدأ فكرة التمحيص.
و من المعلوم أنّ الإيمان الممحص، ولو بشكله البسيط يكون أثمن وأرسخ من الإيمان القهري؛ فإنّه يتصف بالضحالة والضعف وفي قلة الاستجابات الصالحة المطلوبة من قبل الإنسان، وهذا الإيمان القهري يمكن أن ينتج من جوّ المعجزات.
إذن، فحيث تنتفي هاتان الفرضيتان، يتعين المطلوب، وهو احتياج القائد في تطبيق العدل على العالم إلى الناصرين والمؤيدين لكي ينتشر الجهاد انتشاراً طبيعياً.
و تندرج في هذا الشرط، الصفات الأساسية التي يجب أن يتصف بها هؤلاء المريدون، ليكون هذا الشرط في واقعه وجود المؤيدين على النحو المعين لا المؤيدين كيف كان.
وأهم ما يشترط في هؤلاء المؤيدين، شرطان متعاضدان، يكمّل أحدهما الآخر،. و يندرج تحتهما سائر الأوصاف.
أحدهما: الوعي والشعور الحقيقي بأهمية عدالة الهدف الذي يسعى إليه، والأطروحة التي يسعى إلى تطبيقها.
ثانيهما: الاستعداد للتضحية في سبيل هدفه على أي مستوى اقتضته مصلحة ذلك الهدف.
وبمقدار ما يوجد في نفس الفرد من هاتين الصفتين، يكون الفرد، قابلاً للعمل الاجتماعي والجهاد في سبيل الحق.
وبمقدار ما يفقد الفرد من هاتين الصفتين، يكون عاجزاً عن العمل والجهاد مهما كان مخلصاً في تدينه ولكنّه كان منعزلاً عن المجتمع.
و من هنا، استهدف التخطيط الإلهي إيجاد التمحيص الذي يربي الأمة التربية التدريجية البطيئة نحو إيجاد هذين الشرطين وتكاملهما في نفوس الأفراد بحيث يكونون قابلين لقيادة العالم، فيحققون هذا الشرط الثالث.
قد يقال بلزوم شرط رابع لتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة في اليوم الموعود، وهو وجود قواعد شعبية كافية ذات مستوى مطلوب من حيث الوعي والتضحية من أجل هذا التطبيق، لتكون هي رائده الأول في اليوم الموعود.
فإنّ المخلصين الممحصين الذين يتوفّر فيهم الشرط الثالث، يمثلون الطليعة الواعية لغزو العالم، وأما تطبيق الأطروحة فيحتاج إلى عدد أكبر من القواعد الشعبية الكافية ليكونوا هم المُثل الصالحة لتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة في العالم.
الجهة الثالثة
يتأكد توفّر الشرط الثالث، باعتبار وضوح توفّر سائر الشروط في دعوته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و عدم وجود بوادر انخرامها إلا فيما يعود إلى هذا الشرط، فإن دعوته مبدئية ذات قيادة، وهو بشخصه القائد ونلاحظ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يعاني من توفّر الشرط الثالث، حيث نراه في العهد الأخير من خلافته يخاطب أصحابه بأنهم ملأوا قلبه قيحاً ويتمنّى إبدالهم بخير من صرف الدينار بالدرهم وهذا راجع في حقيقته والتأسف من ضعف الشرط الثالث يومئذ وعدم توفّره بالنحو المطلوب، للظروف التي كان يعيشها المجتمع يومئذ.
وحينما تولّى الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) مركز الخلافة، والقيادة، وحاول مناجزة القتال للجهاز المنحرف الحاكم تفرّق عنه جيشه، واستطاع معاوية شراء ضمائر قادة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) واحداً بعد واحد، حتى لم يبق معه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من جيشه ناصر؛ فاضطر إلى الصلح مع معاوية، وهذا في واقعه رجوع إلى المحافظة على الدعوة المبدئية بعد انخرام الشرط الثالث أو الرجوع إلى التقية بعد عدم وجود الناصرين المؤيدين ويأتي بعده دور الإمام الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ فتأتيه مئات الكتب من العراق، من الناصرين المؤيدين الثائرين على الحكم الأموي المنحرف؛ فتتوفّر له الحجة بوجود الناصر - أعني الشرط الثالث - بعد توفّر الشرائط الأخرى، فيشعر بوجوب قيامه بالدعوة الإلهية والثورة لطلب الاصلاح في أمة جده رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كما قال هو (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).
ويأتي دور الأئمة المعصومين (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) المتأخرين عن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ فيبدأ عصر الهدنة، كما سُمّي بذلك من قبلهم (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وذلك باعتبار عدم توفّر الشرط الثالث و انعدام الناصرين المخلصين أو قلّتهم عن المقدار الكافي للثورة.
1) مقتل الحسين المقرّم، ص 139.
ويتضح ذلك بجلاء من موقف الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) تجاه مبعوث الثورة الخراسانية إليه، الذي كان يقول له بأنّ الثائرين هناك من أصحابه ومؤيديه فلماذا لا يقوم بالجهاد والمطالبة بحقه في الحكم المباشر، قائلاً: يا ابن رسول الله لكم الرأفة والرحمة، وأنتم أهل بيت الإمامة، ما الذي يمنعك أن يكون لك حق تقعد عنه، وأنت تجد من شيعتك مائة ألف يضربون بين يديك بالسيف.
فقال له (عَلَيهِ السَّلَامُ): اجلس يا خراساني رعى الله حقك، ثمّ قال: يا حنيفة أسجري التنور، فسجرته حتى صار كالجمرة وابيض علوّه، ثمّ قال: يا خراساني! قم فاجلس في التنور. فقال الخراساني: ياسيدي يا ابن رسول الله لا تعذبني بالنار، أقلني أقالك الله، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أقلتك.
قال الراوي - وهو حاضر في ذلك المجلس - فبينما نحن كذلك، إذ أقبل هارون المكي، ونعله في سبابته، فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله، فقال له الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): ألق نعلك من يدك واجلس في التنور، قال: فألقى النعل من سبابته، ثم جلس في التنور وبعد هنيئة التفت إليه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال: كم تجد بخراسان مثل هذا؟ فقال: والله ولا واحداً. فقال: أما إنا لا نخرج في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت (1).
1) بحار الأنوار، ج 11، ص 139 عن المناقب لابن شهر آشوب.
الخاصة
إن الحديث عن الظروف الموضوعية لانتهاء مرحلة الغيبة الكبرى وبدء مرحلة أخرى - وهي ظهور الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) - يعني الحديث عن شروط وعلامات تواترت الروايات الكثيرة بذكرها تمهيداً لتربية الشخصية الإسلامية على د(عَلَيهِ السَّلَامُ) تها لتعيشها على امتداد هذا التأريخ الذي تناولته المباحث المتعدّدة منتظرة ومتوقعة لهذه المرحلة في كلّ آن حتى اليوم الموعود.
ووفقاً لذلك لابد من التعرّف على المراد بالشروط والفرق بينها وبين العلامات ليتضح لنا المراد بها في تضاعيف البحث، ولفهم الروايات التي تضمنتها.
فالشرط معناه ما كان له بالنتيجة شيء يدلّ عليه وسببية لزومية بحيث يستحيل وجوده بدونها، مثل وجود العدد الكافي من المخلصين الممحصين لنصرة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وأما العلامة فليس لها سوى دلالة الإعلام والكشف عن وقوع الظهور بعدها، ومن العلائم وجود الدجّال والخسف بالبيداء وغيرها.
ثمة فروق متعدّدة بين الشرط والعلامة تميّز بينهما.
الأسئلة
ماذا نعني بشروط الظهور؟
ماذا يقصد بعلامات الظهور؟
عدد الفروق بين العلائم والشروط؟
ما هو الهدف من مرحلة الظهور؟
إذكر دور القائد في الثورة العالمية؟ وما هي مواصفاته لهذه المهمة؟
ماذا يتطلب تحقق وجود الناصرين المؤازرين بين يدي القائد من أجل إنجاح ثورته العالمية.
إن الروايات التي تدلّ على حدوث دلائل وعلامات معينة في مستقبل الزمان، على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يتعلق بظهور المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنص الرواية، كما هو الحال في الأعم الأغلب من أخبار المصادر الإمامية، حيث كرست كلّها تقريباً لذلك وقلّ فيها التعرّض لعلامات الساعة التي تحدث بعد الظهور.
القسم الثاني: ما ورد مربوطاً بالساعة وقيام يوم القيامة، وهو الأعم الأغلب من أخبار المصادر العامة، حيث لم يرتبط بظهور المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) منها إلا القليل نسبياً.
القسم الثالث: ما ورد مهملاً من الناحيتين السابقتين بمعنى تكفّل الرواية لبيان حدوث الحادثة من دون أن يفهم منها ارتباطها بالظهور وبقيام الساعة.
فما ورد مرتبطاً بالمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بشكل مباشر أو غير مباشر، مما حدث أو لم يحدث، هو في حقيقته من علامات قيام الساعة أيضاً، باعتبار ما قلناه من أن مفهوم العلامة ليس إلا الحادثة التي جعلت منبهاً للناس عند حدوثها إلى حدوث ما يليها، وكاشفة عنه.
و من المعلوم أن الحادثة المتقدّمة على الظهور والكاشفة عنه كاشفة عن
قيام الساعة أيضاً.
إذن فمن الصحيح أن تنسب علامات الظهور إلى الساعة، وتجعل علامات عليها، كما ورد بالفعل في العديد من الروايات.
و ما ورد مرتبطاً بالساعة بشكل غير مباشر ولا قريب، يمكن لنا جعله علامة على الظهور بنفس اعتبار التقابل السابق.
وكذلك ما ورد مهملاً من الارتباط بالظهور والساعة، يمكن أن نجعله من علامات الظهور أيضاً.
ولا يبقى من علامات الساعة الخاصة بها إلا ما يقع قبل قيامها بقليل، بحسب الأخبار الدالة عليها، وفي مثله يتعين أن يكون واقعاً بعد الظهور أيضاً:
هناك عدة قرائن تدلّنا على تقدّم الأعمّ الأغلب من الحوادث الواردة في الأخبار، متقدمة على الظهور، وتصلح أن تكون علامة عليه، وإن ورد في الأخبار مرتبطاً بقيام الساعة أو مهملاً عن الربط.
القرينة الأولى: وجود الدليل التأريخي على وقوع الحادثة التي تنبأت بها الرواية. فإن معنى ذلك تقدّمها على العصر الحاضر و هو دليل على تقدمها على الظهور أيضاً، ومثاله التنبؤ بهلاك الدولة العباسية.
القرينة الثانية: ارتباط الحادثة بعصر الفتن والانحراف كوجود الكذابين والدجال وقد علمنا تقدّم عصر الفتن على الظهور، فيكون كلّ ما هو مرتبط بهذا العصر، متقدم على الظهور أيضاً.
فإن قال قائل: فكيف علمنا بتقدّم عصر الفتن على الظهور، مع أن عدداً من الروايات السابقة الدالة على انحراف الزمان لم يكن مرتبطاً بظهور المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحسب صراحته و مدلوله المباشر، وهو الأعم الأغلب من روايات العامة، فكيف نثبت تقدم عصر الفتن على الظهور بشكل مطلق؟
قلنا: يمكن الجواب على ذلك في مستويين:
المستوى الأوّل: إنّ تقدّم عصر الفتن على الظهور، أو عصر الظلم على العدل من واضحات الإسلام، بل من واضحات كلّ من يؤمن باليوم الموعود القاطع للظلم، من أهل الأديان، إذن كلّ ما دلّ على وجود الانحراف فهو خاص بما قبل الظهور. المستوى الثاني: وجود عدد كبير من الروايات تربط الفتن والانحراف بما قبل الظهور بالصراحة والدلالة المباشرة، فتكون هذه الروايات قرينة على أن المراد من الروايات الأخرى، نفس هذا المضمون أيضاً.
القرينة الثالثة: إن الحادثة الواحدة كالخسف بالبيداء، مثلاً، يتكرر ذكرها في عدة روایات، منها ما هو مرتبط بالساعة، ومنها ما هو مرتبط بالمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومنها ما هو مهمل. فيكون ما دل على ارتباطه بالمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أي على تقدمه على ظهوره، قرينة على باقي الروايات.
أما الروايات التي تذكر الحادثة مهملة عن الربط، فحملها واضح، لأنه من باب حمل المطلق على المقيد فكأنّ الأخبار المهملة ذكرت الحادثة مربوطة بعصر ما قبل الظهور أيضاً.
و أما الروايات التي تربط نفس الحادثة بقيام الساعة، وتجعلها من أماراتها فباعتبار أنّ هذا الارتباط يناسب البعد الزمني الكبير كما عرفنا، فيكون شاملاً لعصر ما قبل الظهور و ما بعده.
القرينة الرابعة: قيام الدليل في كثير من الأحيان على تقدّم الحادثة المعينة على بعض الحوادث المتقدّمة على الظهور أو المعاصرة له فيكون ذلك الدليل بنفسه كافياً لإثبات وقوع تلك الحادثة المعينة قبل الظهور.
مثاله: ما ثبت في الروايات من تقدم وجود الدجّال على نزول المسيح الذي هو بدوره معاصر مع الظهور فيتعيّن أن يكون وجود الدجّال متقدماً على الظهور، إلى غير ذلك من الأمثلة.
فبهذه القرائن ونحوها يثبت أنّ الأعمّ الأغلب ممّا رواه العامة من الحوادث حال
كونها منسوبة و مرتبطة بقيام الساعة هي في واقعها من علامات الظهور.
إن هذه القرائن التي ذكرناها لا تختص بتعيين زمن حدوث الحوادث بل تشمل، بشكل وآخر سائر الخصائص والتفاصيل المعطاة في الروايات، إذ يمكن على الدوام جعل بعض الروايات قرينة على بعض لإثبات شيء أو نفيه وخاصة بعد الالتزام بالتشدد السندي.
و يمكن أن ينظر إلى العلامات وانقسامها بالنسبة للظهور:
الأول: ما كان مندرجاً في التخطيط الإلهي وقريباً من الظهور كقتل النفس الزكية، لو ثبت دلیل نقله.
الثاني: ما كان مندرجاً في هذا التخطيط وبعيداً عن عصر الظهور، كوجود دولة العباسيين والحروب الصليبية.
الثالث: ما كان أمراً تكوينياً قريباً من الظهور كالكسوف والخسوف المشار إليه.
الرابع ما كان أمراً تكوينياً بعيداً عن عصر الظهور، كالذي ورد في الأخبار من حصول الفيضانات ووجود أسراب الجراد وشحة الأمطار في عصر الغيبة الكبرى.
وتكون هذه العلامة مطابقة للقواعد الأولية، ولابد من الإلتزام بها سواء ورد ذكرها في الروايات أو لا. بعد أن تمّ البرهان على وجود التخطيط الإلهي وصحته، وهذه هي المزيّة الرئيسية لهذا الشكل من الروايات عن غيرها.
و أما بالنسبة إلى الحوادث التكوينية التي بشرت الروايات بوقوعها قبل الظهور، ولو بزمن طويل. فالسرّ الأساسي في كشفها عن الظهور وكونها علامة عليه، هو أن النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والأئمة الأطهار (عَلَيهِم السَّلَامُ) يختارون بعض الحوادث الكبرى الملفتة للنظر ممّا يعلمون وقوعها في المستقبل بالوحي أو بالإلهام فيخبرون بها مرتبطاً بالظهور، فيثبت بالقطع واليقين صدق الإخبار بالظهور وهذا هو معنى كاشفيتها عن الظهور، وكونها علامة عليه.
وأما بالنسبة إلى الحوادث الكونية القريبة من الظهور، بحسب دلالة الأخبار، فالسرّ
الأساسي في دلالتها على الظهور هو أنّ الله تعالى يوجد بعض الحوادث الكونية، بشكل خاص لأجل أن تصبح علامة على الظهور لأجل إلفات نظر الناس إلى الظهور، وخاصة أولئك المخلصين الممحصين الذين كانوا ولا زالوا ينتظرون الظهور.
مناقشة علامات الظهور
بعض الإشكالات التي قد ترد على علامات الظهور ونذكر أهمها:
الإشكال الأول: إنّ بعض العلامات المذكورة في الأخبار متضمنة للمعجزات و خوارق الطبيعة. وهي ممّا لا يمكن حدوثها، ومعه لابد من الاقتصار على ما يقع بشكل طبيعي من العلامات.
والجواب عن ذلك:
أن قانون المعجزات هو الحكم الفصل في ذلك. وبتطبيقه على العلامات نعرف أنّ كل علامة كانت واردة بشكل منحصر في مقام إقامة الحجة من قبل الله تعالى على البشر، فهي ممكنة الوقوع بل ضرورية لا محالة، ومطابقة للقواعد العامة المبرهن على صحتها في الإسلام.
وإن لم تكن العلامة المنقولة واقعة في هذا السبيل لم تكن مطابقة للقاعدة ولزم رفض دليلها ما لم يكن قطعياً، وليس في الإسلام دليل قطعي يدلّ على ذلك.
وإذا تصفّحنا العلامات، لم نجد منها ما هو قائم على أساس إعجازي غير بعض الحوادث الكونية السابقة على الظهور كالكسوف والخسوف في غير أوانه والصيحة.
الإشكال الثاني: إنّ كلّ علامات الظهور تتضمن إخباراً بالمستقبل، فكيف يمكن أن نتأكد من صحتها، مع أنه لا يمكن للبشر الاطلاع على المستقبل.
والجواب على ذلك: إنه لا يمكن الإخبار بالمستقبل إلا عن طريق التعليم من قبل علام الغيوب جل شأنه، إما بالوحي أو بما يمت إليه بصلة بواسطة أو بوسائط كما كانت عليه صفة
النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) و الأئمة المعصومين من بعده على ما هو الثابت في عقيدة الإسلام.
إذن، فمادام المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ) عارفاً بحدوث المستقبل، أمكنه الإخبار بها بطبيعة الحال.
ومعه، فليس علينا إلا أن ننظر إلى ما وَصَلَنا من هذه الأخبار فإن كانت إثباتاً تأريخياً كافياً للعلامة المعينة، أمكن الأخذ به بطبيعة الحال. وإلا لزم رفضه لأنه غير كاف للإثبات، لا لكونه موضعاً للمناقشة في أساسه النظري.
الإشكال الثالث: إنّ علامات الظهور، كما تكون منبهة للمخلصين الممحصين المؤيدين للمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فتُعِدُّهم نفسياً لاستقباله ومؤازرته، كذلك تكون العلامات منبهة لأعداء المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذين من المحتمل أن يعدّوا العدّة ضده، وخاصة إذا حدثت العلامات القريبة من الظهور في يوم من الأيام، فيكون هذا التنبيه ضد مصلحة اليوم الموعود كما هو واضح فكيف كان ذلك؟!
والجواب على هذا الإشكال يتم على عدة مستويات:
المستوى الأول: أننا إذا لاحظنا ما عليه البشر اليوم، بل على مدى الخط التأريخي، وجدنا أنّ هذا الإشكال غير ذي موضوع بالنسبة إلى أي فرد منهم.
أما منكروا اليوم الموعود و منكروا وجود المهدي أساساً، باعتبار الاتجاه المادي أو غيره، فهم بطبيعة الحال ينكرون علائم الظهور، جملةً وتفصيلاً، ولا يعتبرون شيئاً من الحوادث كاشفاً عنه أو دالاً عليه وهم في نهاية الشوط لا يتوقعون الظهور لكي يستعدّوا ضده بعدة أو عدد.
و أما المعترفون باليوم الموعود من أهل الأديان المختلفة، فليس عندهم. علامات له ولم يلتفتوا إلى أي تقديمات إليه أو كواشف عنه، ومعه يكون حالهم في عدم توقع الظهور حال منكريه.
و مثلهم من هذه الجهة، المسلمون المنحرفون الذين ساروا على أساس مادي أو مصلحي في انحرافاتهم في عصر الفتن والانحراف، ولا يبقى - بعد ذلك - إلا
المسلمون المخلصون الذين يعتقدون بالمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وينتظرون ظهوره، وهـم على إحاطة ذهنية كاملة بالعلامات فهم الذين تلفتهم الحوادث إلى يوم الظهور.
المستوى الثاني: إنّ هؤلاء المنحرفين أو الكافرين الذين يخشى من التفاتهم إلى علائم الظهور، لن يلتفتوا إليها، وإن عرفوا مجملاً أنّ هناك أخباراً تدلّ على ذلك.
إنّ هؤلاء حتى لو صادف أن اطلعوا على بعض الأخبار الناقلة لعلامات الظهور أو سمعوها من الأفواه، فسوف لن يأخذوا منها محصَّلاً واضحاً أو دليلاً موثوقاً، بعدما عرفنا من اكتنافها بالرمزية، وسيرها طبقاً لفهم الناس المعاصرين لعصور الصدور. مضافاً إلى تحقيق السند و تذليل سائر المشكلات التي يحتاج تذليلها إلى فهم مترابط متكامل، وهو ممّا يفقده الأعمّ الأغلب من البشر وحيث لا يفهم الفرد المراد، لم يستطع تطبيق العلامة المخبر عنها.
الخاصة
تنقسم العلامات المستقبلية إلى علامات ما قبل الظهور وعلامات الظهور و علامات قيام الساعة (ما بعد الظهور).
و لقرب مقام الساعة من الظهور إذا ما قيس إلى تأريخ ما قبل الظهور تكون علائم قيام الساعة علائم للظهور أيضاً.
وهناك إشكالات قد تورد على علامات الظهور ولكن بالإمكان الإجابة عنها كما جاء في نص البحث.
فى الحوادث التي دلّنا التأريخ على حدوثها
إن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أو أحد الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) حين يخبر بوقوع بعض الحوادث قبل وقوعها، مرتبطة بالمهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو غير مرتبطة به، فتحدث هذه الحوادث فعلاً. فنجدها ونحن في العصر المتأخر، وقد حدثت وانتهت وسمعنا التنبؤ بوقوعها أيضاً - وحينئذ - فأكبر القرائن على صدق هذه الروايات هو حدوث الأمور التي أخبرت بحدوثها. ما لم يقم دليل خارجي على عدم صحتها في بعض الأحيان.
و من الطريف أن بعض التنبؤات قد قالها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وسجّلها أتباع أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) في مصادرهم، قبل حدوث الحادثة المطلوبة، ثم حدثت الحادثة فعلاً باليقين.
و ما دل الدليل على حدوثه ممّا ورد التنبؤ بحدوثه عدة أمور:
الأمر الأول: إخبار النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بانحراف القيادة الإسلامية بعده.
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال، قلوبهم قلوب الشياطين، في جثمان إنس.
وأخرجت الصحاح الأخرى كالترمذي وابن ماجة وأحمد والحاكم - مثل ذلك.
الأمر الثاني: إخبار النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أو أحد الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) عن شؤون دولة بني العباس.
فمن ذلك: ما رواه النعماني في غيبته، عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، إنه التفت إلى العباس فقال: ياعم ألا أخبرك بما خبّرني به جبرئيل؟ فقال: بلى يارسول الله، قال: قال لي: ويل لذريتك من ولد العباس. فقال يارسول الله، أفلا أجتنب النساء، فقال: قد فرغ الله ممّا هو كائن.
ودولة بني العباس، واضحة للعيان في التأريخ وما وقع بينها وبين أولاد علي وفاطمة (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) - أولاد النبي عليه وعليهم الصلاة والسلام - من الخلاف وما ذاقوه من بني العباس من التشريد والمطاردة والتعسّف، أوضح من أن يذكر وأشهر من أن يسطر، كما أنّ ثورات العلويين عليهم التي تعد بالعشرات خلال تأريخهم الطويل، معروف موصوف.
وكالخبر الذي ورد عن الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث أنه قال: ثم يملك بنو العباس فلا يزالون في عنفوان من الملك وغضارة من العيش حتى يختلفوا فيما بينهم، فإذا اختلفوا ذهب ملكهم (1).
ودولة العباسيين أسست بعد وفاة الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بثمانية عشر عاماً حيث توفي (عَلَيهِ السَّلَامُ) سنة 114هـ وتولى أبو العباس السفّاح، أوّل ملوك بني العباس سنة 132هـ.
وقد بدأ نجمهم بالأفول عند سيطرة الأتراك على الحكم ثم انعزلوا تماماً عن المشاركة الفعلية في الحكم في عصر البويهيين وعصر السلاجقة. حتى إذا لم يبق للخلافة أي هيبة أو قيادة وتضارب المجتمع المسلم في داخله أصبح طعمة سائغة لهجمات التتار بقيادة هولاكو المغولي، حيث سقط آخر خلفائهم عبدالله المستعصم بالله سنة 656هـ (2).
كما ورد التنبؤ باختلاف أهل المشرق والمغرب، كالذي ورد عن الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)
أيضاً في نفس الحديث حيث قال: واختلف أهل المشرق والمغرب».
التنبؤ بثورة صاحب الزنج
أخرج الصدوق في الإكمال (1)عن ابن عباس عن رسول الله عن الله عزّوجل في بعض كلامه مع رسوله في المعراج، حيث جعل ذلك من علامات الظهور فقال:
«و خراب البصرة على يد رجل من ذريتك يتبعه الزنوج».
وقال في الإرشاد (2): «وقد جاءت الآثار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدی (عَلَيهِ السَّلَامُ) و عدّد عدداً كبيراً منها، إلى أن قال: «وخروج العبيد عن طاعة ساداتهم وقتلهم مواليهم».
وكل ذلك ممّا حدث بالفعل على يد صاحب الزنج.
اسمه علي بن محمد، زعم أنه علوي، ولم يكن - على ما يذكر التأريخ - كذلك، فإنّ نسبه في عبد قيس وأمه من بني أسد بن خزيمة.
وعلى أي حال فرواية الصدوق تؤيد كونه علويّاً، على حين نجد الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) برواية ابن شهر آشوب (3)، ينفي ذلك ويقول: «و صاحب الزنج ليس منا أهل البيت».
إخبار النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بوقوع الحروب الصليبية
وذلك فيما أخرجه أبو داود وابن ماجة في صحيحيهما بألفاظ متقاربة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، واللفظ لأبي داود:
«ستصالحون الروم صلحاً آمناً، فتغزون أنتم وهم عدوّاً من ورائكم فتنصرون
و تغنمون وتسلمون، ثم ترجعون حتى تنزلوا بمرج ذي تلول. فيرجع رجل من أهل الصليب. فيقول غلب الصليب فيغضب رجل من المسلمين فيدقه، فعند ذلك تغدر الروم و تجتمع للملحمة».
وأضاف أبوداود بسند آخر: «و يثور المسلمون إلى أسلحتهم، فيقتلون، فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة».
و أما ابن ماجة فأضاف إلى الحديث الأول بسند ثان:
«فيأتون تحت ثمانين، تحت كلّ غاية اثنا عشر ألفاً».
و هذا الحديث الشريف مطابق كل المطابقة مع فترة التأريخ الإسلامي.
وقد قلنا: إنّ أوّل دليل على صحة الأخبار وقوع ما أخبر به، وهذا الحديث من أوضح مصاديق ذلك، لأنّ مضمونه واقع في التأريخ بالقطع واليقين.
وإن هذا الحديث الشريف لا يحتمل فيه ذلك لأنه صدر عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في صدر الإسلام.
و من هنا يمكن أن يعتبر ذلك من المعجزات التي تؤيّد عقيدة الإسلام، وصدق كلام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. فضلاً عن إسنادها لفكرة وجود المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ولعلّ أوضح الحوادث صراحة في ذلك ما حدث سنة 375 هـ على ما يحدثنا التأريخ (1). من أنه وقع اختلاف بين ملوك الروم مع بعضهم فاستنجد بعض منهم بملوك الإسلام وذلك البعض هو «ورد» الرومي، وكان من أكابر رؤسائهم وقواد جيوشهم وعظماء بطارقتهم فطمع في الملك و لا قدرة له على قتال المتنازعين، فكاتب أباتغلب بن حمدان أمير حلب والموصل نيابة عن الخليفة، واستنجد به وصاهره، فأجابه
ابن حمدان واستجاش بالمسلمين من الثغور فحصل له جيش ضخم، فقصد قتال الروم
1) الفتوحات الإسلامية، ج 1، ص 347.
بذلك الجيش فأخرجوا له جيشاً بعد جيش وهو يهزمهم، فقوى جنانه فقصد القسطنطينية، ومع تلك الجيوش «ورد» الرومي الطالب لتملك القسطنطينية.
فانظر كيف اتفق هذا الحمداني والرومي على حرب بقية الروم وانتصرا عليهم، كما قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وإن لم يدم هذا النصر طويلاً، فإنه حين أراد فتح مدينة القسطنطينية جمعوا له جيوشاً كثيرة وقاتلوه قتالاً شديداً حتى انهزم (1).
فتح القسطنطينية
أخرج مسلم: أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال:
«لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ إلى أن يقول: فيفتحون القسطنطينية».
وهذا ما تحقق فعلاً، بعد عدة قرون من تسجيله في المصادر الحديثية فضلاً عن زمن التنبّؤ به من قبل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فيكون من هذه الناحية كما قلنا في التنبؤ بالحروب الصليبية على مستوى المعجزات.
وأما المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسوف يفتحها مرة أخرى إلا أنه سوف يأخذها من المسلمين المنحرفين كما يأخذ سائر البلاد الإسلامية وغيرها.
وإنما ذكرت في الأخبار لأهميتها الجغرافية واستراتيجيتها العسكرية.
علامات أخرى متحققة
أولاً: مقتل الحسني.
ثانياً: اختلاف بني العباس في الملك الدنيوي.
ثالثاً: إقبال رايات سود من قبل خراسان.
1) الفتوحات الإسلامية، ج 1، ص 347.
رابعاً: ظهور المغربي بمصر وتملكه الشامات.
خامساً: نزول الترك الجزيرة.
سادساً: نزول الروم بالرملة.
سابعاً: خلع العرب أعنتها وتملكها البلاد، وخروجها عن سلطان العجم. ثامناً: ثبت في الفرات، حتى يدخل الماء أزقة الكوفة.
تاسعاً: عقد الجسر بما يلي الكرخ بمدينة بغداد.
عاشراً: اختلاف صنفين من العجم، وسفك دماء كثيرة فيما بينهم.
الخاصة
إن الروايات التي تُحدّثنا عن علامات الظهور كانت على أوجه ثلاثة منها ما تحدّث أو ارتبط بظهور الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، في حين أن الوجه الآخر ك-ان يتضمن ما هو مرتبط بقيام الساعة، وإشراطها كما ان بعض الروايات كانت تحمل التنبؤ بحدوث الحادثة والعلامة دون أن تظهر متعلقها بالساعة أو بالظهور، ويمكن أن تحمل الأوجه الثلاثة على بعضها، لأن الحادثة المتقدّمة على الظهور والكاشفة عنه تكون أيضاً كاشفة عن قيام الساعة. كما يمكن أن تحمل أو توجه العلامات التي تضمنت الكشف عن يوم القيامة على الظهور، كما يمكن أن تحمل تلك العلامات التي لم يراد بها ذكر الظهور أو الساعة على الظهور، فالظهور قطعاً قبل الساعة من أشراطها وكثيرة هي الروايات التي أشارت إلى حصوله وحدوثه ولو بيوم قبل الساعة.
إن الحوادث التي تضمنتها الروايات منها ما تحقق وحدث فعلاً ومنها متوقع الحدوث، فمنها ما كان لسانه يتحدّث عن قيام دولة بني العباس وقبلها الدولة الأموية، وحوادث أخرى في شرق الأرض وغربها، ولا يغفل في كلّ هذا أنّ الدور الأكبر في تحقق هذه العلائم وترابطها يعود إلى المخطط الإلهي المتعلّق باليوم الموعود وظهور الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لإقامة دولة الحق.
الأسئلة
ماذا يقصد بالعلامة وما هو دورها في الدلالة على ظهور الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
ما هي أقسام الروايات التي تحدثت عن علائم الظهور؟
كيف يمكن حمل تلك الأقسام على بعضها فتكون علائم للظهور؟
هل تحققت بعض علائم الظهور التي تضمنتها الروايات؟
اذكر بعض القرائن التي تساعد على حمل روايات الفتن والإنحراف على أنها مرتبطة بالظهور؟
كيف ينظر إلى العلامات وانقسامها بالنسبة للظهور؟
ما هي الإشكالات الواردة على علائم الظهور؟ وكيف تجيب عنها؟
إن دولة الإمام المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، هي دولة الإسلام، تلك الدولة التي تتجسد فيها تطبيقات التشريع الإسلامي كاملة عادلة، وفي مختلف مجالات الحياة، لدى الفرد، والأسرة، والمجتمع، والدولة.
والتي تمثلت في حكم نبينا محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، حينما أقام الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة.
وهنا قد يتساءل: إنّ الظروف الزمانية والمكانية التي عاشتها دولة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وأحاطت بها، ولابستها، ربما اختلفت مع ظروف دولة الإمام المنتظر(عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهذا قد يستدعي شيئاً من الاختلاف بين الدولتين؟
وهو تساؤل ينطوي على قدر من الوجاهة، وبخاصة وأن التشريع الإسلامي المدوّن لم يحتوِ في الكثير من أنظمته على التفاصيل الوافية في بيان وسائل وأساليب التطبيقات للأحكام التشريعية في مجال الدولة، ولم يتضمن في كثير من مواده دستورية ونظامية - إلّا الأحكام الكلّيّة والخطوط العامة.
و إن الحياة قد قفزت في تطوّراتها المدنية قفزات هائلة وبعيدة، عادت معها تلكم
الوسائل والأساليب للقرون السالفة غير ذات أهمية.
إنه تساؤل وجيه لما تقدّم، غير أننا متى أدركنا أنّ للإمام المعصوم الكشف عن الأحكام الشرعية الإلهية الواقعية كالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وليست المسألة لديه مسألة اجتهاد قد يصيب الواقع وقد يخطىء، وإنما هي مسألة إدراك الأحكام الشرعية بواقعها (1)ولعله إلى هذا تشير الأحاديث المتضمنة دعوة الإمام المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ) الناس إلى إسلام جديد، وهديهم إلى أمر قد دثر فضل عنه الجمهور (2). ويؤيّده ما اشتهر عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): أنّ الإسلام سيعود غريباً كما جاء غريباً (3).
إنّنا حينما ندرك ذلك لا يبقى لدينا أي مجال لأمثال هذا التساؤل، على أن الوسائل والأساليب خاصة، هي موضوعات والموضوعات تختلف تبعاً لتطور الحضارة والمدنية، فتتغيّر الأحكام وفقاً لتغيّر الموضوعات و تغيّر الحكم تبعاً لتغير الموضوع شيء طبيعي في كلّ تشريع إسلامي أو غير إسلامي.
نعم، هناك فرق واحد بين دولة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ودولة حفيده الإمام المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرجع إلى طبيعة الظروف أيضاً ومساعدتها في إعداد الأجواء الكافية للتطبيق، وهو اتساع نفوذ الدولة السياسي.
ففي دولة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لم يتسع نفوذها السياسي اتساعاً يشمل كل العالم، وإن كانت دولة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) عالمية في أهم خصائصها إلّا أنّ الأجواء الاجتماعية والسياسية آنذاك لم تؤاتها ظروفها لتحقيق عالميتها.
عالمية النفوذ السياسي
أما دولة الإمام المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فالذي نقرأه في الأحاديث التنبؤية عن
المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، أن نفوذها السياسي سيشمل العالم كله، تحقيقاً لوعد الله تعالى بعالمية الإسلام في أمثال الآيات الكريمة التالية:
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (1).
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا (2).
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (3).
و في الحديث المروي عن الإمام الصادق الالها عن أبيه الإمام الباقر: «لم يجيء تأويل هذه الآية يعني قوله تعالى: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً (4)ولو قد قام قائمنا سيرى من يدركه ما يكون تأويل هذه الآية وليبلغنّ دين محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ما بلغ الليل».
و عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً: «إذا قام القائم المهدي لا تبقى أرض إلا نودي فيها شهادة أن لا إله إلّا الله وأن محمداً رسول الله».
وليست عالمية النفوذ السياسي هي وحدها أبرز معالم دولة الإمام المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهناك من خصائصها ومعالمها البارزة غير هذا مما سنلاحظه في النصوص التنبّوئيّة الواردة عن المعصومين (عَلَيهِمَ السَّلَامُ).
وربّما كان أهمّها ما يأتي:
أ - عن محمد بن مسلم قال: قلت للباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما تأويل قوله تعالى في الأنفال وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ؟
قال: لم يجيء تأويل هذه الآية، فإذا جاء تأويلها يقتل المشركون، حتى يوحدوا الله - عزّوجلّ - وحتى لا يكون شرك، وذلك في قيام قائمنا.
ب - عن رفاعة بن موسى قال: سمعت جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول في قوله تعالى: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا قال: إذا قام القائم المهدي لا تبقى أرض إلا نودي فيها شهادة أن لا إله إلّا الله وأن محمداً رسول الله.
ج - عن عمران بن ميثم عن عباية: أنه سمع أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ أظهر بعد ذلك؟
قالوا: نعم.
قال: كلا، فوالذي نفسي بيده، حتى لا تبقى قرية إلا وينادئ فيها بشهادة أن لا إله إلا الله بكرة وعشياً.
أ - عن عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال: تتنعم أمتي في زمن المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نعمة لم يتنعموا مثلها قط، ترسل السماء عليهم مدراراً ولا تدع الأرض شيئاً من نباتها إلا أخرجته، والمال كدوس يقوم الرجل فيقول: يا مهدي أعطني: فيقول: خذ (1).
ب - إذا قام القائم (عَلَيهِ السَّلَامُ) حكم بالعدل، وارتفع أيامه الجور، وأمنت به السبل، وأخرجت الأرض بركاتها، ورد كلّ حق إلى أهله ولم يبق أهل دين حتى يظهروا
1) الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 7، ص 317؛ مستدرك الصحيحين، ج 4، ص 558.
الإسلام، ويعترفوا بالإيمان.
أما سمعت الله - سبحانه - يقول: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا.
و حكم بين الناس بحكم داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) و حكم محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).
فحينئذ تظهر الأرض كنوزها و تبدي بركاتها، ولا يجد الرجل منكم يومئذ موضعاً الصدقته، ولا برّه لشمول الغنى جميع المؤمنين.
ج - يقاتلون حتى يوحد الله، ولا يشرك به شيئاً، وتخرج العجوز الضعيفة من المشرق تريد المغرب لا يؤذيها أحد، ويخرج الله من الأرض نباتها، وينزل من السماء قطرها.
د - إذا قام قائمنا قسم بالسوية، وعدل في الرعيّة، فمن أطاعه فقد أطا(عَلَيهِ السَّلَامُ) ، ومن عصاه فقد عصىالله.
روي عن الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث له:
«وتؤتون الحكمة في زمانه حتّى أنّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)«.
أ - عن عبدالله بن عطاء المكي عن شيخ من الفقهاء (يعني أباعبدالله الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)) قال: سألته عن سيرة المهدي: كيف سيرته؟
فقال: يصنع كما صنع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يهدم ما كان قبله كما هدم رسول الله أمر الجاهلية، ويستأنف الإسلام جديداً.
ب - عن عبدالله بن عطاء قال: سألت أبا جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقلت: إذا قام القائم بأي
سيرة يسير في الناس؟
فقال: يهدم ما قبله كما صنع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ويستأنف الإسلام جديداً.
ج - وعن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: في صاحب هذا الأمر شبه من أربعة أنبياء: شبه من موسى وشبه من عيسى وشبه من يوسف، وشبه من محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).
فقلت: ما شبه موسی؟
قال: خائف يترقب.
قلت: و ما شبه عیسی؟
فقال: يقال فيه ما قيل في عيسى.
قلت: فما شبه يوسف؟
قال: السجن والغيبة.
قلت: و ما شبه محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)؟
قال: إذا قام سار بسيرة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) إلا أنه يبين آثار محمد.
د - وفي حديث عبدالله بن عطا مع الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قلت: بما يسير؟
قال: بما سار به رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) هدر ما قبله واستقبل (1).
أما أصحاب الإمام المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهم من خيار البشر في تقواهم وورعهم وتحرّجهم في الدين، ونلمح - بإيجاز إلى بعض شؤونهم:
أ - روى محمّد بن الحنفية، أنّ رجلاً سأل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الإمام المهدي، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخرج في آخر الزمان، ثم ذكر الإمام أوصاف أصحابه، فقال:
1) بحار الأنوار، ج 51، ص 136 - 149.
فيجمع الله تعالى له قوماً قزع كقزع السحاب يؤلف الله بين قلوبهم لا يستوحشون إلى أحد، ولا يفرحون بأحد يدخل فيهم» (1).
و معنى هذا الحديث أنهم على بصيرة من أمرهم، وبينة من ربهم، فلا يفرحون بمن التحق بهم، ولا يستوحشون بمن خرج منهم قد ألف الله بين قلوبهم، واترعت نفوسهم بالإيمان وحبّ الله، والتفاني في خدمة الإسلام، والذب عن قيمه وأهدافه.
ب - من كلام للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصفهم جاء فيه:
«قوم لم يمنّوا على الله بالصبر، ولم يستعصموا بذل أنفسهم في الحق، حتى إذا وافق وارد القضاء انقطاع مدة البلاء، حملوا بصائرهم على أسيافهم ودانوا لربهم بأمر واعظهم» (2).
وحفل كلام الإمام بأروع آيات المدح والثناء لأصحاب المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، دعاة الحق، و أنصار الإسلام، وحملة القرآن.
ج - قال الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصفهم:
«يجاهدون في الله قوم أذلّة عند المتكبّرين في الأرض مجهولون، وفي السما معروفون» (3).
و هؤلاء الصفوة من المتقين الأخيار، هم أصحاب الإمام المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وولاة أموره، و وزرائه الذين يقيمون معه الحق ويؤسسون العدل، ويدمرون قلاع الظلم والجور.
أما أصحاب الإمام الذين يبايعونه فهم كعدد أصحاب (بدر).
روی عبدالله بن سنان عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: «المفقودون من فرشهم أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ وهم أصحاب المهدي» (4).
وقال الإمام أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ):
«و الله إني لأعرفهم - أي أصحاب الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وأعرف أسماءهم وقبائلهم، واسم أميرهم، وهم قوم يحملهم الله كيف شاء من القبيلة الرجل والرجلين حتى بلغ تسعة فيوافون من الآفاق ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدة أهل (بدر). وهو قول الله: أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ حتّى أنّ الرجل ليحتبى فلا يحلّ حبوته حتى يبلغه الله في ذلك» (1).
الخاصة
إنّ البحث في موضوع دولة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وخصائصها وما تكون عليه بعد ظهوره (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكيفية تعامله مع الأمة الإسلامية وأهل الأديان يرتكز دون ريب على الروايات التي وردت عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والأئمة (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)، فليست هي إذن مورد لتكهن واستطراد الاحتمالات بناءاً على الخيال العقلي غير المستند إلى دليل.
ووفقاً لذلك وعلى ضوء الأحاديث والأخبار التي تحدثت عن ظهوره ومدة حكمه وما يكون في تلك المرحلة من حياة البشرية، فقد ركزت تلك الأحاديث على مكان ظهوره والبيعة له، وذكرت يوم خروجه وأنصاره، وما يتم عليه من خير عميم وفتح أقطار المعمورة حتى تعلو كلمة الله في كل بلد وقرية كما هو حال كثير من الروايات.
1) الملاحم و الفتن، للسيد ابن طاووس، ج 2، ص 104.
الأسئلة
ماذا نقصد بدولة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكيف يمثل لها؟
ما هو المرتكز من الأدلة في بحث دولة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وما يتفرع عليها؟
ما هي خصائص دولة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
عدد الأوجه التي ركزت عليها الأحاديث الشريفة بخصوص ظهور الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإقامة الدولة؟
عدد بعض خصائص أصحاب الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
اذكر عدد أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) واستشهد بحديث يؤيد ذلك؟