تاریخ الاسلام المجلد 3

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

تاريخ الاسلام

جميع الحقوقه محفوظة

الطَّبْعَةُ الأولى

1432 ه- / 2011م

للطباعة والنشر و التوزيع

بيروت - لبنات

اشارة

جميع الحقوقه محفوظة

الطَّبْعَةُ الأولى

1432 ه- / 2011م

للطباعة والنشر و التوزيع

بيروت - لبنات

هاتف: 03/946161 - 03/115425 - تلفاكس: 01/279988

http://www.Dar-Alamira.com

e-mail:zakariachahbour@hotmail.com

محرر الرقمي: محمد مهدي فصيحي

تاريخ الاسلام

لجنة التاريخ

المنظمة العالمية للحوزات والمدارس الإسلامية

• قم -

الجزء الثالث

للأسیرة

للطباعة والنشر والتوزيع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كلمة المنظمة

لقد أرسى الإسلام العظيم أسس ثورته الثقافية العملاقة على قواعد علمية تضمنها القرآن الكريم و طبقها الرسول العظيم و أهل بيته الميامين، و ذلك من خلال تربية علماء صلحاء يفقهون الشريعة و يعملون بها و لا يألون جهداً في تبليغها و تعليمها من يرونه مستعداً لحمل هذا العبء الرسالي العظيم.

و بالرغم من كلّ الضغوط و أنواع الاضطهاد الذي مارسه الحكام الطغاة و المستعمرون في حق الحوزات العلمية لقلعها أو تحجيمها أو حرفها عن مسيرتها الربانية الحقة، استطاعت أن تصمد أمام كلّ هذه الأعاصير الصفراء متجهة نحو الرقي والكمال مستجيبة لحاجات العصور على مدى الأجيال، و مجيبة على الأسئلة والشبهات المثارة من قبل الأعداء أو الأصدقاء. كلّ ذلك لما كانت تمتلكه من مرونة و انفتاح و قدرة فائقة على النمو والإبداع.

و الخصائص التي تمتاز بها الحوزات العلمية المتطورة تتجلى اليوم في ما يلي:

1 . اهتمام الحوزات العلمية بجميع روافد المعرفة والثقافة الإسلامية، و التحقيق المستمر و العمل العلمي الدؤوب في مختلف فروع المعرفة الإسلامية.

2 . الإبداع و التجديد المستمر في أساليب التدريس و تدوين الكتب الدراسية التي تتطلبها حاجات العصر بنحو يحقق التطور العلمي باستمرار و ينمي قوة الإبداع إلى

جانب تعميق المفاهيم و حفظ الأصالة و الارتباط التام بالتراث الإسلامي العريق.

3 . الانفتاح على معضلات العصر و قضاياه و التصدّي لكل الشبهات المستحدثة و الإجابة على الأسئلة التي تتولّد باستمرار بنحو يوفّر للحوزات العلمية عنصر مسايرة الزمن أو التقدّم عليه على أسس قرآنية علمية و مبان عقلية قويمة.

و من هنا تبنّت المنظمة العالمية للحوزات والمدارس الإسلامية المنهج العلمي

المتطوّر في نظامها الدراسي و أساليب التدريس و تدوين الكتب الدراسية في مختلف فروع المعرفة الإسلامية مستفيدة من الجهود العلميّة الجبّارة للعلماء و المحققين و المؤلّفين الذين انتدبتهم لتحقيق هذه الأهداف السامية.

و قد روعيت في الكتب التي تبنت المنظمة تأليفها أو تدوينها ما يلي:

1 . مراعاة الأهداف المتوخاة في كلّ درس من خلال الالتزام بالمنهج المقرر لكلّ مادة دراسية.

2 . مراعاة المستوى العلمي للطلبة في كلّ مرحلة من المراحل الدراسية.

3 . مراعاة الانسجام فيما بين الكتب الدراسية لكلّ مرحلة دراسية مع الاجتناب عن ملل الإطناب و خلل التكرار.

4 . مراعاة أصول التدوين الدراسي.

إنّ هذا الكتاب تأريخ الإسلام (3) يشكل مفردة من هذه المنظومة الدراسية التي قرّرتها المنظمة للمرحلة العامة ومن هنا نتقدم بالشكر لسماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد منذر الحكيم الذي تصدّى لتأليف هذا الكتاب ولجميع من ساهم في إخراجه سائلين من الباري لهم ولجميع المؤمنين التوفيق.

لجنة التأريخ

وحدة تأليف الكتب الدراسية

1421 ه. ق

الفهرست

الدرس (1)

ملامح العقد الأوّل من عصر الإمام الكاظم علیه السلام ... 17

الدرس (2)

متطلبات عصر الإمام الكاظم علیه السلام في عهد المنصور ... 27

الدرس (3)

ملامح العقد الثاني من عصر الإمام الكاظم علیه السلام (عهد المهدي العباسي) ... 37

متطلبات العقد الثاني من عصر الإمام علیه السلام ... 40

النشاط العام للإمام علیه السلام مع الأمة ... 40

الدرسان (4) و (5)

دور الإمام الكاظم علیه السلام في بناء الجماعة الصالحة ... 47

الإمام الكاظم علیه السلام في عهد الهادي العباسي ... 53

واقعة فخّ ... 54

نتائج الثورة ... 55

موقف الإمام الكاظم علیه السلام من الثورة ... 56

الدرس (6)

العقد الثالث من عصر الإمام الكاظم علیه السلام ... 59

ملامح عهد هارون الرشيد ... 59

أساليب الرشيد مع الإمام الكاظم علیه السلام ... 62

الدرس (7)

مواقف ونشاطات الإمام الكاظم علیه السلام في عهد الرشيد ... 71

1 . موقف الإمام الكاظم علیه السلام من سياسة الرشيد ... 71

2. نشاطات الإمام الكاظم علیه السلام في عهد الرشيد ... 73

حركة التأليف في عصر الإمام الكاظم علیه السلام ... 78

الدرسان (8) و (9)

اعتقالات الإمام الكاظم علیه السلام ... 83

التخطيط لسجن الإمام علیه السلام ... 83

اعتقال الإمام علیه السلام ... 85

الإمام علیه السلام في سجن البصرة ... 86

الإيعاز لعيسى باغتيال الإمام علیه السلام ... 86

حمل الإمام علیه السلام إلى بغداد ... 87

دعاء الإمام علیه السلام وإطلاق سراحه ... 87

الاعتقال الثاني ... 88

الإمام علیه السلام في سجن السندي بن شاهك ... 88

نشاط الإمام علیه السلام داخل السجن ... 89

الدرس (10)

شهادة الإمام موسى الكاظم علیه السلام ... 97

إلى الرفيق الأعلى ... 98

التحقيق في قتل الإمام علیه السلام ... 100

وضع الإمام على الجسر و مبادرة سليمان ... 102

تجهيز الإمام علیه السلام ... 103

تشییع جثمان الإمام علیه السلام ودفنه ... 104

الدرس (11)

ملامح عصر الإمام الرضا علیه السلام (1) ... 107

النصوص على إمامة الرضاء علیه السلام ... 107

الملامح العامة عند التصدّي للإمامة ... 110

أسلوب الإمام علیه السلام في التحرك ... 114

الدرس (12)

ملامح عصر الإمام الرضا علیه السلام (2) ... 117

مظاهر الانحراف الفكري ... 117

متطلبات عصر الإمام الرضا علیه السلام ... 120

الإمام الرضاء علیه السلام و الإصلاح الفكري والديني ... 120

الدرس (13)

مواقف الإمام الرضا علیه السلام في العقد الأول من عصره ... 125

الأوضاع السياسية في عهد هارون ... 125

الأوضاع السياسية في عهد محمد بن هارون ... 129

أسلوب قيادة الإمام علیه السلام للحركة الرسالية ... 130

نشر القواعد الأساسية للفكر السياسي ... 131

الدرس (14)

الإمام الرضا علیه السلام والإصلاح الاقتصادي ... 137

مظاهر التدهور الاقتصادي ... 137

دور الإمام علیه السلام في الإصلاح الاقتصادي ... 140

الدرس (15)

الإمام الرضا علیه السلام والإصلاح الأخلاقي ... 147

مظاهر الانحراف الأخلاقي ... 147

أساليب الإمام الإصلاحية ... 151

الدرس (16)

الدور السياسي للإمام الرضا علیه السلام قبل ولاية العهد ... 159

المأمون وإضفاء القدسيّة على حكمه ... 159

الحركات المسلّحة ... 160

الحركات العلوية المسلّحة ... 160

الوضع العام بعد إخماد الثورات ... 161

موقف الإمام علیه السلام من الثورات العلوية ... 162

ازدياد عدد المعارضين لحكم المأمون ... 163

تفرغ الإمام علیه السلام الأداء دوره ... 164

توسیع القاعدة الشعبية ... 164

الدرس (17)

ولاية العهد ... 169

دوافع المأمون من تولية الإمام علیه السلام ... 169

أسباب قبول الإمام علیه السلام بولاية العهد ... 173

الدرس (18)

مكتسبات القبول بولاية العهد ... 179

أولاً: اعتراف المأمون بأحقية أهل البيت علیه السلام ... 180

ثانياً: توظيف وسائل الإعلام لصالح الإمام علیه السلام ... 181

ثالثاً: حرية الإمام علیه السلام في المناظرة ... 182

رابعاً: نشر مفاهيم وفضائل أهل البيت علیه السلام ... 183

خامساً: حقن الدماء ... 186

الدرس (19)

نشاط الإمام الرضا علیه السلام بعد البيعة ... 189

1 . إحياء سنة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم في صلاة العيد ... 189

2 . إفشال خطط المأمون ... 190

3 . إصلاح القضاء ... 190

4 . الإصلاح الإداري ... 191

5 . نشر الآراء الصائبة في داخل البلاط ... 192

6 . نصائح الإمام علیه السلام للمأمون ... 193

7 . الحفاظ على الوجود الإسلامي ... 194

8 . تشجيع الشعراء الرسالتين ... 195

9 . نشاطات الإمام العلمية ... 196

الدرس (20)

مستقبل الرسالة والحركة الرسالية ... 199

إمام المستقبل ... 199

النصّ على إمامة محمد الجواد علیه السلام ... 201

الإعداد لإمامة المهدي المنتظر علیه السلام ... 202

استشهاد الإمام الرضاء علیه السلام ... 206

الدرس (21)

ظاهرة الإمامة المبكرة في مدرسة أهل البيت علیه السلام ... 209

نصوص الإمام الرضاء علیه السلام على إمامة الجواد المبكّرة ... 210

الإمام الجواد علیه السلام يدحض مزاعم المشككين بإمامته ... 212

الإمام الجواد علیه السلام وتخطي القوانين الطبيعية ... 214

الدرس (22)

مدلول ظاهرة الإمامة المبكرة ... 219

ظاهرة الإمامة المبكرة في حساب الاحتمالات ... 220

المحتملات في أفق الواقع ... 220

الافتراض المقبول ... 224

الدرس (23)

ملامح عصر الإمام محمد الجواد علیه السلام (1) ... 227

الحالة السياسية العامة ... 227

التحديات التي واجهها المأمون ... 229

حقيقة العلاقة بين المأمون والإمام الرضا علیه السلام ... 230

طبيعة حكم المأمون ... 233

الدرس (24)

ملامح عصر الإمام الجواد علیه السلام(2) ... 237

المأمون والإمام الجواد علیه السلام ... 237

تزويج المأمون ابنته من الإمام الجواد علیه السلام ... 237

الدرس (25)

ملامح عصر الإمام الجواد علیه السلام(3) ... 245

العلاقة بين المأمون والإمام الجواد علیه السلام ... 245

أهداف سياسة حسن التعامل مع الإمام علیه السلام ... 246

الموقف الحقيقي للمأمون من الإمام الجواد علیه السلام ... 246

الرقابة الصارمة على تحركات الإمام الجواد علیه السلام ... 248

موقف العباسيين من الإمام الجواد علیه السلام ... 248

موقف الإمام علیه السلام من ابن أكثم ... 248

حكومة المعتصم ... 248

المعتصم والإمام الجواد علیه السلام ... 249

الدرس (26)

متطلبات عصر الإمام الجواد علیه السلام (1) ... 255

اهتمام الإمام الجواد علیه السلام بالبناء الفكري والعلمي للجماعة الصالحة ...255

مدرسة الإمام الجواد علیه السلام ... 265

الدرس (27)

متطلبات عصر الإمام الجواد علیه السلام (2) ... 269

الإمام الجواد علیه السلام ونظام الوكلاء ... 269

التربية السياسية من خلال تراث الإمام الجواد علیه السلام ... 271

الإمام الجواد علیه السلام والتربية الاجتماعية ... 273

الإمام الجواد علیه السلام والتربية الروحية ... 274

(للمطالعة) ... 275

المناجاة للاستخارة ... 275

المناجاة بالاستقالة ... 275

المناجاة بالسفر ... 276

المناجاة في طلب الرزق ... 277

المناجاة بالاستعاذة ... 278

المناجاة بطلب التوبة ... 278

المناجاة بطلب الحج ... 279

المناجاة بكشف الظلم ... 280

المناجاة بالشكر لله تعالى ... 280

المناجاة بطلب الحوائج ... 281

الدرس (28)

النص على إمامة الهادي علیه السلام و ملامح عصره (1) ... 283

النصّ على إمامة علي بن محمد الهادي علیه السلام ... 283

ملامح عصر الإمام الهادي علیه السلام ... 288

الدرس (29)

ملامح عصر الإمام الهادي علیه السلام (2) ... 295

. المعتصم والإمام الهادي علیه السلام ... 295

2 . الإمام الهادي علیه السلام في عهد الواثق العباسي ... 301

الدرس (30)

ملامح عصر الإمام الهادي علیه السلام (3) ... 306

3 . المتوكل العباسي والإمام الهادي علیه السلام ... 306

الدرس (31)

ملامح عصر الإمام الهادي علیه السلام (4) ... 317

4 . المنتصر والعلويين ... 323

5 . الإمام علیه السلام في عهد المستعين ... 324

6 . عهد المعتز ... 326

الدرس (32)

متطلبات عصر الإمام الهادي علیه السلام(1) ... 329

ملامح المنهج التربوي عند الإمام علیه السلام ... 329

.1 نشاط الإمام علیه السلام و منهجه في بناء الذات ... 330

وسائل الإمام علیه السلام في البناء الفكري والثقافي ... 332

الدرس (33)

متطلبات عصر الإمام الهادي علیه السلام (2) ... 337

ظاهرة الزيارة في تراث الإمام الهادي علیه السلام ... 337

تأملات في الزيارة الجامعة ... 337

الدرس (34)

متطلبات عصر الإمام الهادي علیه السلام (3) ... 349

الجانب التنظيمي في منهج الإمام الهادي علیه السلام ... 349

الدرس (35)

متطلبات عصر الإمام الهادي علیه السلام(4) ... 358

موقف الإمام علیه السلام من الغلاة والمنحرفين ... 358

الإمام الهادي علیه السلام وثورات عصره ... 360

أصحاب الإمام الهادي علیه السلام ... 361

الإمام الهادي علیه السلام والأتراك ... 363

البشارة والتمهيد لإمامة المهدي المنتظر علیه السلام ... 364

النص على إمامة أبي محمد الحسن العسكري علیه السلام ... 365

استشهاد الإمام علي الهادي علیه السلام ... 365

الدرس (36)

النص على إمامة الحسن العسكري علیه السلام ... 369

(للمطالعة)

من دلائل إمامته علیه السلام بعد استشهاد أبيه علیه السلام ... 380

الدرس (37)

ملامح عصر الإمام الحسن العسكري علیه السلام (1) ... 385

مظاهر السلوك السياسي للدولة العباسية ... 385

الظروف الاجتماعية ... 387

الحالة الثقافية ... 390

الحالة الاقتصادية ... 390

الإمام الحسن العسكري علیه السلام وحكام عصره ... 391

الدرس (38)

ملامح عصر الإمام الحسن العسكري علیه السلام (2) ... 397

سياسة المهتدي تجاه معارضيه ... 397

الدرس (39)

ملامح عصر الإمام الحسن العسكري علیه السلام (3) ... 406

منهج الإمام العسكري علیه السلام في مواجهة أحداث عصره ... 410

إجراءات الإمام علیه السلام إزاء رقابة السلطة ... 410

الإمام العسكري والجماعة الصالحة ... 411

الدرس (40)

متطلبات عصر الإمام العسكري علیه السلام (1) ... 417

موقف الإمام الحسن العسكري علیه السلام من الفرق والمذاهب ... 417

الإمام العسكري علیه السلام والعمل المنظم ... 423

تنوع أساليب الإمام علیه السلام ... 426

الدرس (41)

متطلبات عصر الإمام الحسن العسكري علیه السلام (2) ... 429

1 . النصّ على الإمام المهدي علیه السلام ... 429

2 . التمهيد لإمامة محمد المهدي علیه السلام ... 431

من وصايا الإمام العسكري علیه السلام لشيعته ... 435

الدرس (42)

متطلبات عصر الإمام العسكري علیه السلام (3) ... 439

مدرسة الفقهاء، والتمهيد لعصر الغيبة الصغرى ... 439

الغيبة وقيادة العلماء ... 441

استشهاد الإمام العسكري علیه السلام ... 443

الصلاة على الإمام العسكري علیه السلام ... 445

أولاد الإمام الحسن العسكري علیه السلام ... 446

الدرس 1: ملامح العقد الأوّل من عصر الإمام الكاظم علیه السلام

لم يغيّر المنصور من سياسته ضدّ العلويين بعد قتله للإمام الصادق علیه السلام . وبالرغم قضائه على الثورات العلوية في زمانه، ظلّ هاجس الخوف والقلق يلاحقه، فضلاً الحقد عليهم، فاستمر. اضطهاده لهم بزجه للأبرياء في السجون المظلمة وهدمها عليهم، ودفن البعض في أسطوانات البناء أحياء، مع بثّه للجواسيس، ليحيط علماً بتحرّكهم ونشاطهم، وكان جواسيسه يخلطون الحقائق بالأكاذيب إرضاء لرغبة الخليفة في قمعهم كما سمح للتيارات الإلحادية مثل تيار الغلو والزندقه وغيرهما، في أن تأخذ طريقها بين الناس لإضلالهم، وكان تقريبه لبعض العلماء لتأييد سياسته اوّلاً وجعلهم في قبال أهل البيت علیه السلام ثانياً. ولاستجلاء الوضع بعد الإمام الصادق علیه السلام ينبغي أن نشير إلى عدة نقاط :

1 . وقفة مع وصية الإمام الصادق علیه السلام

أوصى الإمام الصادق علیه السلام أمام الناس لخمسة أشخاص، هم أبو جعفر المنصور، محمد بن سليمان، وعبدالله، وموسى، وحميدة، وكتب المنصور لعامله في المدينة بأن يقتل وصيّ الإمام الصادق علیه السلام إن كان معيناً.

ويتّضح من هذين الإجرائين:

أولاً. مدى مراقبة المنصور لحركة أهل البيت علیه السلام - التي كانت تشكل خطراً حقيقياً على السلطة ولو على المدى البعيد.

ثانياً. مدى دقة الإمام الصادق علیه السلام ودركه لسياسة المنصور والحزب العباسي الحاكم على المدى القريب والبعيد.

ثالثاً. مدى دقة الوصيّة والخطاب الذي تركه الإمام علیه السلام لشيعته.

4 . مستوى التربية العلميّة والإيمانية من قبل الإمام لصحابته وخاصة شيعته بحيث استطاع أن يرشدهم إلى الحقيقة المستترة وراء هذه الوصية.

فقد رُوي عن داود بن كثير الرقي أنه قال: وفد من خراسان وافد يكنى أبا جعفر، واجتمع إليه جماعة من أهل خراسان، فسألوه أن يحمل لهم أموالاً ومتاعاً ومسائلهم في الفتاوى والمشاورة، فورد الكوفة ونزل و زار أمير المؤمنين علیه السلام ، ورأى في ناحية المسجد رجلاً حوله جماعة.

فلما فرغ من زيارته قصدهم فوجدهم شيعة فقهاء يسمعون من الشيخ، فقالوا: هو أبو حمزة الثمالي.

قال: فبينما نحن جلوس إذ أقبل أعرابي، فقال: جئت من المدينة، وقد مات جعفر بن محمد علیه السلام فشهق أبو حمزة ثمّ ضرب بيده الأرض، ثم سأل الأعرابي: هل سمعت له بوصية؟

قال: أوصى إلى ابنه عبد الله وإلى ابنه موسى، وإلى المنصور

فقال: الحمد لله الذي لم يُضلّنا دلَّ على الصغير وبيّن على الكبير، وسر الأمر العظيم. ووثب إلى قبر أمير المؤمنين علیه السلام فصلّى وصلينا.

ثم أقبلت عليه وقلت له: فسر لي ماقلته؟

قال: بيَّن أنّ الكبير ذو عاهة ودلّ على الصغير أن أدخل يده مع الكبير، وسر الأمر العظيم بالمنصور حتّى إذا سأل المنصور: من وصيه؟ قيل أنت.

قال الخراساني: فلم أفهم جواب ما قاله (1).

فذهب بعد ذلك إلى المدينة ليطلع بنفس على الوصيّ من بعد الإمام جعفر بن محمد علیه السلام .

2 . الارتباك العام وإمامة الكاظم علیه السلام

يصوّر لنا هشام بن سالم - أحد رموز الشيعة - شدّة الارتباك، من الشيعة وشدّة الرقابة من السلطة بعد وفاة الإمام الصادق علیه السلام في مايلي:

قال: كنا في المدينة بعد وفاة أبي عبدالله علیه السلام أنا ومؤمن الطاق أبوجعفر، والناس مجتمعون على أنّ عبدالله (الأفطح) صاحب (الإمام) بعد أبيه، فدخلنا عليه أنا وصاحب الطاق، والناس مجتمعون عند عبدالله وذلك أنهم رووا عن أبي عبدالله علیه السلام (أنّ الأمر في الكبير مالم يكن به عاهة ) فدخلنا نسأله عما كنا نسأل عنه أباه، فسألناه عن الزكاة في كم تجب؟ قال: (في مائتين خمسة) قلنا (ففي مائة؟ ) قال: در همان ونصف درهم! (2)

قلنا له: والله ما تقول المرجئة هذا. فرفع (الأفطح) يده إلى السماء، فقال: لا: والله ما أدري ماتقول المرجئة !

قال: فخرجنا من عنده ضلالاً، لاندري إلى أين نتوجّه أنا وأبو جعفر الأحول (3)فقعدنا في بعض أزقة المدينة باكين، حياري، لاندري إلى من نقصد وإلى أين نتوجه!

نقول: (نذهب ) إلى المرجئة ؟ إلى القدرية ؟ إلى الزيدية؟ إلى المعتزلة ؟ إلى الخوارج؟

قال: فنحن كذلك إذ رأيتُ رجلاً شيخاً لا أعرفه يومئ إليَّ بيده، فخفت أن يكون


1) عوالم العلوم والمعارف والأحوال للشيخ عبدالله البحراني ، ص 175؛ نقلاً عن الخرائج والجرائح عوالم،ص 175.

2) من الثابت عند المسلمين أن لازكاة في أقل من مائتي درهم ولكنّ الأفطح كان يجهل هذا الحكم.

3) مؤمن الطاق و أبو جعفر و صاحب الطاق و الأحول، كلها ألقاب لرجل واحد.

عيناً (جاسوساً) من عيون أبي جعفر (منصور الدوانيقي)، وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس ينظرون على من أتفق من شيعة جعفر (الصادق) فيضربون عنقه، فخفت أن يكون (الرجل الشيخ )منهم؛ فقلت لأبي جعفر (مؤمن الطاق): تَنَجَّ فإنّي خائف على نفسي وعليك، وإنّما يريدني (الشيخ) ليس يريدك، فتنح عنّي، لاتهلك وتعين على نفسك.

فتنحى غير بعيد، وتبعتُ الشيخ، وذلك أنّي ظننت أني لا أقدر على التخلّص منه، فما زلتُ أتبعه حتى ورد بي على باب أبي الحسن موسى الكاظم علیه السلام ، ثم تركني ومضى؛

فإذا خادم بالباب فقال لي: أدخل ، رحمك الله. قال: فدخلت فإذا أبو الحسن الكاظم علیه السلام فقال لي - ابتداء - : لا إلى المرجئة، ولا إلى القدرية، ولا إلى الزيدية، ولا إلى المعتزلة، ولا إلى الخوارج، إليَّ إليَّ إليَّ !!

قال هشام : فقلت له: جعلت فداك مضى أبوك؟ قال نعم. قلت: جعلت فداك مضى في موت؟ قال: نعم. قلت: جعلت فداك فمن لنا بعده؟ فقال: إن شاء الله يهديك هداك.

قلت: جعلت فداك، إن عبد الله (الأفطح) يزعم أنه (إمام) من بعد أبيه. فقال: يريد عبدالله (الأفطح) أن لا يعبد الله، قال: قلت له: جعلت فداك، فمن لنا بعده؟ فقال إن شاء الله أن يهديك هداك أيضاً، قلت: جعلت فداك أنت هو (الإمام)؟ قال ما أقول ذلك!!

قلت - في نفسي - لم أصب طريق المسألة إنّي (أخطأت في كيفية السؤال)، قال

هشام :قلت: جعلت فداك، عليك إمام؟ قال: لا.

فدخلني (دخل قلبي) شيء لا يعلمه إلا الله إعظاماً له وهيبة، أكثر ما كان يحلّ بي من هيبة أبيه (الإمام الصادق) إذا دخلت عليه.

قلت: جعلت فداك، أسألك عمّا كان يسأل أبوك؟ قال: سَل، تُخبر، ولا تُذع (أي لا تنشر الخبر) فإن أذعت فهو الذبح.

قال (هشام): فسألته فإذا هو بحر! قلت جعلت فداك، شيعتك وشيعة أبيك ضلال،

فألق إليهم (أخبرهم) وادعهم إليك؟ فقد أخذت عَلَيَّ بالكتمان.

فقال الإمام : من آنست منهم رشداً، فألق عليهم (أخبرهم) وخذ عليهم بالكتمان، فإن أذاعوا فهو الذبح - وأشار بيده إلى حلقه - (1)

إن هذا النص يكشف لنا عدة حقائق :

1 . كثرة انتشار الجواسيس، وسط جوّ الرعب، وفقدان الأمن الذي عمّ أبناء الأمة وأخيارها.

2 . كما أن إعلان الإمامة، لم يكن ظاهراً لعامة الناس بل حتى مثل هشام لا يعلم أنّ الأمر لمن، إلا بعد حين.

3 . إنّ الخنق الظالم والحبس الفكري، وبثّ الإشاعات الكاذبة، خلق مناخاً يتنفس فيه الأدعياء حتى تعدّدت الفرق الضالة في هذه الفترة، لذا نجد هشام بن سالم في حديثه هذا يعدّد لنا الفرق في زمانه حيث يقول: نذهب إلى المرجئة؟ إلى القدرية؟ إلى الزيدية؟ إلى المعتزلة ؟ إلى الخوارج؟

4 . مارس الإمام موسى الكاظم علیه السلام أسلوباً يُميزه عن غيره.

3 . سياسة المنصور ضدّ العلويين

يدلّ حديث الخزانة الآتي على كيفية تعامل المنصور مع العلويين بشكل دقيق وإليك نصه:

«لما عزم المنصور على الحجّ دعا ريطة بنت أبي العباس امرأة المهدي وكان المهدي بالري قبل شخوص أبي جعفر فأوصاها بما أراد، وعهد إليها ودفع إليها مفاتيح الخزائن، وأحلفها ووكد الأيمان أن لا تفتح بعض تلك الخزائن، ولا تطلع عليها أحداً إلا المهدي، ولا هي إلّا أن يصح عندها موته، فإذا صح ذلك اجتمعت هي والمهدي وليس معهما


1) اختيار معرفة الرجال، ج 2، ص 565 ، ح 502 و بحار الأنوار، ج 48، ص 50.

أحد حتى يفتحا الخزانة، فلما قدم المهدي من الريّ إلى مدينة السلام دفعت إليه المفاتيح وأخبرته أنه أوصى إليها ألا يفتحه، ولا يطلع عليه أحداً حتى يصح عندها موته فلما انتهى إلى المهدي موت المنصور، وولي الخلافة؛ فتح الباب ومعه ريطة، فإذا أزج كبير فيه جماعة من قتلى الطالبتين، وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم، وإذا فيهم أطفال، ورجال شباب، ومشايخ عدة كثيرة، فلما رأى ذلك المهدي ارتاع لما رأى وأمر فحفرت لهم حفيرة فدفنوا فيها، وبنى فوقها دكاناً (1).

4 . عبدالله الأفطح ودعوى الإمامة

ومن المشاكل التي كانت تهدف لتمزيق الطائفة الشيعية وإثارة البلبلة والتخريب في صفوفها: التشكيك في مسألة القيادة بعد الإمام الصادق علیه السلام فقد ادعى الإمامة (عبد الله الأفطح) وهو أخو الإمام موسى الأكبر بعد إسماعيل، وهذا بطبيعة الحال يُضيف معاناة أخرى للإمام، لأنّ أجهزة المنصور العدوانية كانت تعدّ عليه الأنفاس وتشكّ في أيّ حركة تصدر منه في مجال تصديه للإمامة(2).

5 . الخط البديل لمرجعية أهل البيت علیه السلام

ومن الأساليب التي استخدمتها السلطات العباسية للتعتيم على مرجعية أهل البيت علیه السلام وتضعيف دورهم العلمي والفكري في المجتمع الإسلامي هي سياسة خلق البدائل العلمية وتقويتها من خلال دعم السلطة لها لتغطي الفراغ الحاصل من عزل أهل البيت وتؤيد السياسة الحاكمة فتوحي للأمة بأنه الخليفة على الخط الإسلامي وعلى نهج السنة النبوية، فالمنصور وجد (مالك بن أنس ) ممن تجاوب مع سياسته، وهذا مادفع بالمنصور إلى أن يفرض (الموطأ) على الناس بالسيف ثم جعل لمالك


1) الطبري، ج 1، ص 320، ط 1.

2) الكافي، ج 1، ص 285، ح 6 و الإرشاد، ص 85 و أخبار معرفة الرجال، ج 2، ص 524، ح 472.

السلطة في الحجاز على الولاة وجميع موظفي الدولة فازدحم الناس على بابه وهابته الولاة والحكام.

وحينما وفد الشافعي عليه فشفع بالوالي لكي يسهل له أمر الدخول عليه فقال له الوالي: إنّي أمشي من المدينة إلى مكة حافياً راجلاً أهون عليَّ من أن أمشي إلى باب مالك. ولست أرى الذل حتى أقف على بابه (1).

6 . الفرق الضالة

لقد تنوعت الفرق الضالة التي أنشرت واستفحلت في عصر الإمام الكاظم علیه السلام فبعضها كان يتحدّى الإسلام كمبدأ الزنادقة وبعضها كان ينتهي إلى مسخ العقيدة الإسلامية كالغلو والإرجاء والجبر.

وقد وجدت هذه الفرق جوّاً مساعداً للنمو والانتشار. وكلّها كانت تخدم الجهاز

الحاكم بشكل وآخر، ومن هنا كان الحكّام يسمحون لها بالتحرك والنشاط.

7 . محاولات السلطة لاستغلال الإمام الكاظم علیه السلام

رغم كل التعتيم الإعلامي على مرجعية أهل البيت علیه السلام المتمثلة في الإمام الكاظم علیه السلام ورغم كل الأساليب التي استخدمتها السلطة لإلهاء الأمة من خلال إشاعة التميع والذوبان الأخلاقي لئلا تقوى على النهوض ضدّ انحراف الحاكمين؛ نجد أنّ المنصور كان يحاول أن يوحي للأمة بالعلاقة الودية بينه وبين الإمام الكاظم علیه السلام لاسيما بعد أن عرف أنّ الإمام علیه السلام لا ينوي الخروج عليه، فقد طلب ذات يوم عيد من أعياد النيروز من الإمام الا أن يجلس في مجلس الخليفة ليستقبل الضيوف ويستقبل الهدايا التي يؤتى بها للخليفة. ولنلاحظ موقف الإمام علیه السلام من هذه الظاهرة كما يصوّرها لنا النص التالي:


1) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، ج 3، ص 180 - 181.

إن المنصور تقدّم إلى موسى بن جعفر علیه السلام بالجلوس للتهنئة في يوم النيروز وقبض ما يحمل إليه، فقال له علیه السلام : إني فتشت الأخبار عن جدّي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فلم أجد لهذا العيد خبراً. وأنه سنّة للفرس ومحاها الإسلام، ومعاذ الله أن نحيي ما محاه الإسلام. فقال المنصور: إنّما نفعل هذا سياسة للجند، فسألتك بالله العظيم إلا جلست. فجلس، ودخلت عليه الملوك والأمراء، والأجناد يهنئونه، ويحملون إليه الهدايا والتحف، وعلى رأسه خادم المنصور يحصي ما يحمل.

فدخل آخر الناس رجل شيخ كبير السن ، فقال له: يابن بنت رسول الله! إنني رجل صعلوك لامال لي أتحفك به، ولكن أتحفك بثلاثة أبيات من الشعر قالها جدّي في جدك الحسين بن علي علیه السلام .

عجبت لمصقول علاك فرنده (1)*** يوم الهياج وقد علاك غبار

ولأسهم نفذتك دون حرائر *** يدعون جدك والدموع غزار

ألا تفضفضت (2)السهام وعاقها *** عن جسمك الإجلال والإكبار

قال علیه السلام : قبلت هديتك، اجلس بارك الله فيك، ورفع رأسه إلى الخادم وقال: امض إلى أمير المؤمنين وعرّفه بهذا المال وما يصنع به فمضى الخادم وعاد وهو يقول: كلّها هبة منّي له يفعل به ما أراد، فقال موسى علیه السلام للشيخ: اقبض جميع هذا المال فهو هبة منى لك (3).

والذي يدقق في هذا المشهد يجد الإمام علیه السلام قد حقق فيه أمرين:

الأوّل: قد تخلّص الإمام علیه السلام بإعطائه المبلغ للشيخ من شبهة قد ترد عليه أو يخطر فی النفس حديث من كونه علیه السلام من المنتفعين.

الثاني: حقق الإمام بموقفه هذا نصراً للنهج الحسيني الذي يتعارض مع السياسة


1) فرند: السيف بكسر الفاء والراء.

2) التغضغض: الانتقاص

3) المناقب، ج 3، ص 433؛ بحار الأنوار، ج 48، ص 108.

القائمة جملة وتفصيلاً كما هو واضح (1).

الخاص

ينقسم عصر الإمام الكاظم علیه السلام إلى ثلاثة عهود متميّزة: العهد الأوّل وهو العقد الاول من إمامته في عهد المنصور العباسي. والعهد الثاني وهو عهد المهدي والهادي العباسيين والعهد الثالث وهو عهد هارون الرشيد.

و قضى المنصور على ثورات العلويين ودنّس يديه بقتلهم وقتل سيدهم الإمام الصادق علیه السلام وحاول قتل وصي الإمام الصادق علیه السلام باعتباره امتداداً لخطه. لكن تخطيط الإمام الصادق علیه السلام كان أذكى من أن يتصوّر. وقد كانت دقة الظرف بعد استشهاد الإمام الصادق علیه السلام تقتضي الحيطة والحذر المتزايدين في تحرّك الإمام الكاظم علیه السلام لاستقطاب شيعة أبيه علیه السلام .

و قد تغلب الإمام الكاظم علیه السلام في العقد الأول من عصر إمامته على أهم العقبات التي كانت تحول دون زعامته للخط الإمامي مثل الحركة الإسماعيلية أو حركة العباسيين باتجاه فرض خط وعاظ السلاطين.

و لم يفلح المنصور في توظيف وجود الإمام الكاظم علیه السلام لدعم سلطته حتى مات في آخر سفرة من سفرات حجّه وقبل إتمام الفريضة أي في الرابع من ذي الحجة سنة 158ه-.


1) وقد أظهر البعض الارتياب في صحة هذه الرواية باعتبار منافاته مع ماعرف عن المنصور من البخل والشح. راجع حياة الإمام موسى بن جعفر، ج 1، ص 430.

الأسئلة

1 . ما هي أهم ملامح العقد الأوّل من عصر الامام الكاظم علیه السلام؟

2 . ما هي أسباب وصيّة الإمام الصادق علیه السلام لخمسة أشخاص منهم المنصور؟

3 . كيف تصوّر الارتباك العام فيما يخص معرفة الإمام بعد الصادق علیه السلام ؟

4 . ما هو موقف الإمام الكاظم من الإسماعيلية ومن عبدالله الأفطح؟

5 . ما هي نوع العلاقة بين المنصور والإمام الكاظم علیه السلام بعد استشهاد أبيه؟

الدرس 2: متطلبات عصر الإمام الكاظم علیه السلام في عهد المنصور

لقد قام الإمام الكاظم علیه السلام بمجموعة من النشاطات كانت تتطلبها المرحلة الأولى من فترة تصديه للإمامة بعد أبيه الصادق علیه السلام .

وأول ما قام به الإمام علیه السلام أنه تصدّى لإثبات إمامته من خلال إبرازه للقدرات الغيبية التي زوّده الله بها، لأن الجو العام لم يساعد على تداول النص الخاص بالوصية إليه دون غيره. وبهذا اخترق الإمام علیه السلام الواقع الموجود وتحداه بقدراته الربانيه....، حتى أدّى ذلك إلى ضمور سائر الاتجاهات وظهور إمامته بالتدريج دون وجود مضاعفات تستلزم تصفيته أو قتله، ونستطيع أن نصنف هذا النشاط في حقلين:

النشاط الأول: إخبار الإمام موسى علیه السلام لعامة الناس ببعض الأخبار الغيبية التي لا يمكن للإنسان العادي أن يتوصل إليها، وفي هذه الإخبارت شواهد ملموسة ع-ل-ى ارتباطه بعالم الغيب والتوجه الرباني الخاص إليه. والروايات من هذا القبيل كثيرة جداً ننقل بعضاً منها:

أ . عن إسحاق بن عمّار قال: سمعت العبد الصالح علیه السلام ينعى إلى رجل من شيعته نفسه فقلت في نفسي: وإنه ليعلم متى يموت الرجل من شيعته ! فالتفت إليَّ شبه المغضب فقال: ياإسحاق قد كان رشيد الهجري يعلم علم المنايا والبلايا والإمام أولى

بعلم ذلك، ثمّ قال: يا إسحاق ! إصنع ما أنت صانع، فإنّ عمرك قد فني وقد بقي منه دون سنتين... فلم يلبث إسحاق بعد هذا المجلس إلا يسيراً حتى مات(1).

ب . قال خالد بن نجيح : قلت لموسى علیه السلام : إن أصحابنا قدموا من الكوفة وذكروا أنّ المفضّل شديد الوجع ، فادع الله له. قال: قد استراح، وكان هذا الكلام بعد موته بثلاثة أيام(2).

ج . قال ابن نافع التفليسي: خلّفت والدي مع الحرم في الموسم وقصدت موسى بن جعفر علیه السلام فلمّا أن قربت منه هممت بالسلام عليه فأقبل عليَّ بوجهه وقال: برّ حجّك يا ابن نافع آجرك الله في أبيك فإنّه قد قبضه إليه في هذه الساعة، فارجع فخذ في جهازه، فبقيت متحيراً عند قوله، وقد كنت خلفته وما به علّة، فقال: يا ابن نافع أفلا تؤمن؟ فرجعت فإذا أنا بالجواري يلطمن خدودهنَّ فقلت: ما وراءكن؟ قلن: أبوك فارق الدنيا. قال ابن نافع : فجئت إليه أسأله عما أخفاه وأراني فقال: لي أبد ما أخفاه وأراك، ثم قال: يا ابن نافع إن كان في أمنيتك كذا وكذا أن تسأل عنه فأنا جنب الله وكلمته الباقية وحجته البالغة(3).

2 . ومن قدرات الإمام الخارقة للعادة والتي كانت تميزه عن غيره هي تكلّمه بلغات عديدة من غير أن يتعلمها بالطرق الطبيعية للتعلم، وإنما بالإلهام الإلهي وفي هذا المجال تطالعنا مجموعة من الشواهد :

أ . عن أبي بصير: قال: دخلت على أبي الحسن الماضي علیه السلام ، فمالبثت أن دخل علينا رجل من أهل خراسان فتكلّم الخراساني بالعربية، فأجابه هو بالفارسية. فقال له : الخراساني: أصلحك الله ما منعني أن أكلمك بكلامي إلا أنني ظننت أنك

لا تحسن فقال: سبحان الله إذا كنت لا أُحسن بما أُجيبك فما فضلي عليك؟!


1) بحار الأنوار، ج 48، ص 68؛ جمعاً بين هذه الرواية ورواية إسحاق بن منصور.

2) بحار الأنوار، ج 48، ص 72.

3) بحار الأنوار، ج 48، ص 72.

ثمَّ قال: يا أبا محمد إنّ الإمام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس، ولاطير ولا بهيمة ولا شيء فيه روح . بهذا يعرف الإمام، فإذا لم تكن فيه هذه الخصال فليس هو بإمام(1).

ب . روي عن أبي حمزة قال: كنت عند أبي الحسن موسى علیه السلام إذ دخل عليه ثلاثون مملوكاً من الحبشة اشتروا له، فتكلّم غلام منهم - وكان جميلاً - بكلام فأجابه موسى علیه السلام بلغته فتعجب الغلام وتعجبوا جميعاً وظنوا أنه لا يفهم كلامهم، فقال له موسى: إنّي أدفع إليك مالاً ، فادفع إلى كلّ (واحدٍ) منهم ثلاثين درهماً، فخرجوا وبعضهم يقول البعض: إنّه أفصح منا بلغتنا، وهذه نعمة من الله علينا.

قال علي بن أبي حمزة : فلما خرجوا قلت : يا ابن رسول الله رأيتك تكلّم هؤلاء الحبشيين بلغاتهم ! قال: نعم. وأمرت ذلك الغلام من بينهم بشيء دونهم؟

قال: نعم، أمرته أن يستوصي بأصحابه خيراً وأن يُعطي كلّ واحدٍ منهم في كلّ شهر ثلاثين درهماً، لأنه لما تكلّم كان أعلمهم، فإنّه من أبناء ملوكهم، فجعلته عليهم، وأوصيته بما يحتاجون إليه، وهو مع هذا غلامُ صِدْقٍ ثمّ قال: لعلّك عجبت من كلامي إياهم بالحبشية؟ قلت: إي والله قال: لا تعجب فما خفي عليك من أمري أعجب وأعجب (2).

ج . قال بدر مولى الإمام الرضاء علیه السلام إن إسحاق بن عمار دخل على موسى بن جعفر علیه السلام فجلس عنده إذ استأذن عليه رجل خراساني يكلمه بكلام لم يسمع مثله قط كأنه كلام الطير.

قال: إسحاق: فأجابه موسى بمثله وبلغته إلى أن قضى وطره في مساءلته، فخرج من عنده فقلت : ماسمعت بمثل هذا الكلام .

قال: هذا كلام قوم من أهل الصين وليس كلّ كلام أهل الصين مثله ثم قال:أتعجب


1) قرب الإسناد، ص 146؛ بحار الأنوار، ج 25، ص 133؛ إثبات الهداة، ج 5، ص 535، ج 72 و أورده في كشف الغمة، ج 2، ص 224 و دلائل الإمامة، ص 169 و إثبات الوصية.

2) الخرائج والجرائح، ص 161؛ بحار الأنوار، ج 48، ص 70، ح 93 وإثبات الهداة، ج 5، ص .542 ح 81.

من كلامي بلغته؟ قلت: هو موضع التعجب، قال : علیه السلام أخبرك بما هو أعجب منه؟ إنّ الإمام يعلم منطق الطير، ومنطق كلّ ذي روح وما يخفى على الإمام شيء (1).

النشاط الثاني: إنّ الخواء الروحي الناتج عن الانكباب على الحياة المادية وإشباع العزائز بشكل مفرط كان يعني التخلّي عن مقاومة الظلم والظالمين وعدم الاكتراث بانتشار المنكرات وضمور المعروف في المجتمع الإسلامي بشكل عام فضلاً عن اضمحلال الجانب المعنوي للإنسان بالتدريج. وكان هذا الجانب بحاجة إلى علاج يتناسب مع ظروف المرحلة التي عاشها الإمام الكاظم علیه السلام . وكانت حياة الإمام المعنوية وعباداته بمستوى من الأهمية بحيث استطاع الإمام من خلالها تغيير بعض الواقع المنحرف وخلق شخصيات تتميّز بهذا الاتجاه المعنوي والروحي وتكون ذات تأثير إيجابي في المجتمع وإليك مثالاً واحداً في هذا المجال:

عن أبي حاتم قال: قال لي شقيق البلخي: خرجت حاجاً في سنة تسع وأربعين ومائة أي في السنة الأولى من تسلّم الإمام موسى مسؤولية الإمامة، فنزلت القادسية، فبينا أنا أنظر إلى الناس في زينتهم وكثرتهم، إذ نظرت إلى فتى حسن الوجه شديد السمرة ضعيف، فوق ثيابه من صوف ، مشتمل بشمله ، في رجليه نعلان وقد جلس منفرداً، فقلت في نفسي: هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلاً على الناس في طريقهم، والله لأمضين إليه ولأوبخّنّه فدنوت منه، فلمّا رآني مقبلاً، قال: ياشقيق «إجتنبوا كثيراً من الظنّ إنّ بعض الظن إثم»(2). ثمَّ تركني ومضى.

فقلت في نفسي: إنّ هذا الأمر عظيم، قد تكلّم بما في نفسي ونطق باسمي، وما هذا إلا عبد صالح لألحقته ولأسألته أن يُحلّلني، فأسرعت في أثره فلم ألحقه وغاب عن


1) الخرائج والجرائح، ص 161؛ بحار الأنوار، ج 48، ص 70، الحديث 94 وأورده في دلائل الإمامة، ص 171.

2) الحجرات / 12.

عيني. فلما نزلنا واقصة (1)وإذا به يصلّي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري، فقلت: هذا صاحبي أمضي إليه وأستحله، فصبرت حتى جلس، وأقبلت نحوه، فلما رآني مقبلاً، قال: ياشقيق! أتل: «وأني لغفّارٌ لمن تاب وآمَنَ وعَمِلَ صالحاً ثم اهتدى» (2)ثم تركني ومضى.

فقلت: إنّ هذا الفتى لمن الأبدال (3)، لقد تكلّم عن سري مرتين (4).

وقال شقيق: فلما نزلنا زبالة إذا الفتى قائم على البئر وبيده ركوة يريد أن يستقي ماءً فسقطت الركوة من يده في البئر وأنا أنظر إليه فرأيته قد رمق السماء وسمعته يقول:

أنت ربي إذا ظمئت إلى الماء *** وقوتي إذا أردت الطعاما

اللهم سيدي مالي غيرها فلا تعدمنيها.

قال شقيق: فوالله لقد رأيت البئر وقد ارتفع ماؤها، فمد يده وأخذ الركوة وملأها ماءً فتوضأ وصلّى أربع ركعات، ثمّ مال إلى كتيب رمل، فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحركه ويشرب، فأقبلت إليه وسلّمت عليه، فردّ عليَّ السلام، فقلت: أطعمني من فضل ما أنعم الله عليك.

قال: ياشقيق لم تزل نعمة الله علينا ظاهرة وباطنة، فأحسن ظنك بربك، ثم ناولني الركوة فشربت منها، فإذا هو سويق وسكّر فوالله ما شربت قط ألذ منه ولا أطيب ريحاً، فشبعت ورويت وأقمت أياماً لا اشتهي طعاماً ولا شراباً.

ثم لم أره حتى دخلنا مكة ، فرأيته ليلة إلى جنب قبة الشراب في نصف الليل قائماً


1) منزل بطريق مكه: معجم البلدان، ج 5، ص 354.

2) طه / 82

3) الأبدال - قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم سُمّوا بذلك لأنهم كلما مات واحد منهم أبدل الله مكانه آخر النهايه، ج 1، ص 108؛ مجمع البحرين، ج 5، ص 319.

4) كشف الغمة، ج 2، ص 213؛ بحار الأنوار، ج 48، ص 80 ح 102؛ إثبات الهداة. ج 5، ص 551، ح 95 و رواه ابن الجوزي في تذكرة الخواص، ص 348 وفي صفة الصفوة، ج 2، ص 185 عنه البدخشي في مفتاح النجاة، ص 172.

يصلّي بخشوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل، فلمّا رأى الفجر جلس في مصلاه يسبّح، ثم قام فصلّى الغداة وطاف بالبيت سبعاً وخرج فتبعته وإذا له غاشية (1)وموالٍ وهو على خلاف مارأيته في الطريق، ودار به الناس من حوله يسلّمون عليه، فقلت لبعض من رأيته بقرب منه: من هذا الفتى؟ فقال: هذا موسى ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام. النشاط الثالث: موقف الإمام علیه السلام من عوامل انشقاق الصف الإسلامي والشيعي.

1 . موقفه من عبدالله الأفطح.

نجد أنّ موقف الإمام موسى علیه السلام من أخيه عبدالله (الأفطح) لم يكن موقفاً عدائياً سافراً رغم أنه ادعى الإمامة بعد أبيه، وكان هذا الادعاء الخطير يؤثر على الوجود الشيعي ومستقبله، فلم يكرّس علیه السلام كامل جهده وطاقاته بحدود هذه المشكلة، ولم يسلك مساراً يضغط به من الخارج كي يفرض على الصف الشيعي أن ينقسم إلى فريقين: أنصار وخصوم.

كما أنه علیه السلام لم يدخل الحرب النفسية ولا الكلامية، وإنما عالج هذه المشكلة بأسلوب هاديء، وكفيل بعلاج هذه الأزمة.

فهو أوّلاً: ترك لأبناء الشيعة وعلمائها بشكل حر أن تكتشف بنفسها كفاءة هذا المدعي وعلميته أو تكتشف غير ذلك من الطاقات فيما إذا كان يمتلكها، عن طريق الفحص المباشر، أو المقارنة بينه وبين الإمام موسى علیه السلام كما حدث مع مؤمن الطاق وهشام بن سالم الذي تقدم ذكرهما.

ثانياً: أبقى الإمام علیه السلام علاقته مع أخيه وديّة ولم يجعل من المشكلة سبباً للمقاطعة بدليل أنه دعاء للحضور في منزله كما تذكره الرواية التي سوف نذكرها بعد قليل.


1) الغاشية السؤال، يأتونك مستجدين. الغاشية السؤال، يأتونك مستجدين.

ثالثاً : استخدم الإمام علیه السلام أسلوب المعجزة التي تميزه عن عبدالله باعتباره إماماً مفترض الطاعة فقام علیه السلام بإثبات إمامته أمام جمع من خواص الشيعة.

فقد روي عن المفضل بن عمر أنه قال: لما قضى الصادق علیه السلام كانت وصيته في الإمامة إلى موسى فادّعاها أخوه عبدالله وكان أكبر ولد جعفر في وقته ذلك هو المعروف بالأفطح فأمر موسى بجمع حطب كثير في وسط داره فأرسل إلى أخيه عبدالله يسأله أن يصير إليه، فلما صار عنده ومع موسى جماعة من وجوه الإمامية وجلس إليه أخوه عبدالله، أمر موسى أن يجعل النار في ذلك الحطب كله فاحترق كله ولا يعلم الناس السبب فيه، حتى صار الحطب كله جمراً، ثمّ قام موسى بثيابه في وسط النار وأقبل يحدّث الناس ساعة، ثمّ قام فنفض ثوبه ورجع إلى المجلس فقال لأخيه عبدالله : إن كنت تزعم أنك الإمام بعد أبيك فاجلس في ذلك المجلس، فقالوا: فرأينا عبدالله قد تغيّر لونه فقام يجرّ رداءه حتى خرج من دار موسى علیه السلام (1).

والجديد بالذكر أن الطائفة التي اتبعته قد رجع أكثرهم بعد ذلك إلى القول بإمامة أخيه (موسى الكاظم) لما تبينوا ضعف دعواه وقوّة رأي أبي الحسن موسى الكاظم ودلالة حقه، وبراهين إمامته(2).

2 . موقفه من المناهج والمرجعيات العلمية المنحرفة.

عن يونس بن عبدالرحمن قال: قلت لأبي الحسن الأول (الإمام الكاظم) علیه السلام،بما أوحد الله ؟ فقال علیه السلام :

يا يونس لا تكونن مبتدعاً، من نظر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيه صلی الله علیه واله وسلم ضل ، ومن ترك كتاب الله وقول نبيه صلی الله علیه واله وسلم كفر (3).


1) بحار الأنوار، ج 47، ص 251، ح 22 وج 48، ص 67، ح 89 و الخرائج الجرائح ص 159 ومدينة المعاجز، ص 459، ح 93.

2) الإرشاد، ص 289

3) أصول الكافي، ج 1، ص 56 - 58. ط طهران.

وقال الإمام الكاظم علیه السلام في موضع آخر مالكم والقياس! إنما هلك من هلك من قبلكم بالقياس(1).

ب . عن محمد الرافعي أنه قال: كان لي ابن عم يقال له (الحسن بن عبدالله) وكمان زاهداً وكان من أعبد أهل زمانه، وكان يلقاه السلطان، وربّما استقبل السلطان بالكلام الصعب يعظه ويأمر بالمعروف، وكان السلطان يحتمل له ذلك لصلاحه. فلم يزل هذه حالته ، حتى كان يوماً دخل أبو الحسن موسى علیه السلام المسجد فرآه فأدناه إليه، ثم قال له: يا أبا علي، ما أحبّ إليَّ ما أنت فيه وأسرني بك، إلا أنه ليست لك معرفة، فاذهب فاطلب المعرفة.

قال: جعلت فداك وما المعرفة ؟ قال اذهب وتفقه واطلب الحديث.

قال: عمّن؟ قال عن أنس بن مالك وعن فقهاء أهل المدينة ثم اعرض الحديث عليّ.

قال: فذهب فتكلّم معهم، ثمّ جاءه فقرأه عليه فأسقطه كله (2).

3 . موقفه من القيادات السياسية المنحرفة.

أ . أعطى الإمام علیه السلام مقياساً واضحاً تميز به الأمة الحق من الباطل لتستطيع أن تطبقه وتكتشف مدى صدق من يدعي القيادة والخلافة كي تعرف المحق من المبطل.

فعن أبي بصير عن أبي الحسن الماضي علیه السلام قال: دخلت عليه فقلت له: جعلت فداك يم يُعرف الإمام؟ فقال: بخصال أما أوّلهن فشيء تقدَّم من أبيه فيه، وعرفه الناس، ونصبه لهم علماً، حتى يكون حجّة عليهم، لأن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم نصب عليا علیه السلام علماً وعرفه الناس، وكذلك الأئمة يعرفونهم الناس وينصبونهم لهم حتى يعرفوه، ويُسأل


1) وسائل الشيعة، ج 18، ص 23 و 24، ح 19، ط طهران.

2) بصائر الدرجات، ص 254 في الخرائج والجرائح، ص 339؛ الإرشاد، ص 328؛ أعلام الورى، ص 301؛ بحار الأنوار، ج 48، ص 52 و 053 ح 38 و 50.

فيجيب، ويسكت عنه فيبتديء ويخبر الناس بما في غد، ويكلّم الناس بكل لسان...(1)

ب . لقد كان الإمام علیه السلام حريصاً على مقاطعة القيادات السياسية المنحرفة لعزلها عن القواعد التي تستغلها لتحقيق مآربها، وكان يحاسب شيعته على التسامح في التعامل مع السلطة الغاصبة والتعاون معها بأي شكل من الأشكال.

قال زياد بن أبي سلمة : دخلت على أبي الحسن موسى علیه السلام فقال: لي يازياد! إنك لتعمل عمل السلطان؟ قال: قلت: أجل قال لي ولم؟ قلت أنا رجل لي مروة وعليَّ عيال وليس وراء ظهري شيء. فقال لي: يازياد لأن أسقط من على حالق (مكان شاهق) فأقطع قطعة قطعة ، أحب إلي من أن أتولّى لأحدٍ منهم عملاً أو أطأ بساط رجل منهم، إلّا، لماذا؟ قلت: لا أدري جعلت فداك.

قال: إلّا لتفريج كربة عن مؤمن، أو فك أسره، أو قضاء دينه، يا زياد إن أهون ما يصنع الله بمن تولّى لهم عملاً أن يضرب عليه سرادق من نار إلى أن يفرغ من حساب الخلائق.

يا زياد : فإن وليت شيئاً من أعمالهم، فأحسن إلى إخوانك، فواحدة بواحدة، والله من وراء ذلك، يازياد أيما رجل منكم تولّى لأحد منهم عملاً، ثم ساوى بينكم وبينهم، فقولوا له: أنت منتحل كذاب (2).


1) بحار الأنوار، ج 48، ص 47، ح 33.

2) الكافي، ج 5، ص 109 و 110، ط طهران وبحار الأنوار، ج 48، ص 172، ح 13 و أخرجه في التهذيب، ج 1، ص 333، ح 45 عن محمد بن يعقوب، عنهما وسائل الشيعة، ج 12، ص 140. ح 9.

الخاص

لقد مارس الإمام الكاظم علیه السلام أنواعاً من النشاط الخاص لتثبيت إمامته في العقد الأوّل من عصر إمامته - وهو العهد الذي تلا استشهاد الإمام الصادق علیه السلام حيث كان تداول النص على إمامته ذا محاذير وأخطار على حياة الإمام علیه السلام و شيعته.

و كان النشاط العام للإمام علیه السلام متجهاً إلى التربية الروحية والأخلاقية من خلال معاشرة أبناء الأمة ومعايشتهم وتقديم النموذج الحي للإنسان النموذجي الكامل علماً وعملاً.

كما وقف علیه السلام الموقف المعالج من عوامل انشقاق الصف الإسلامي والشيعي من جهة و سار على نهج أبيه في محاربة اتجاه الرأي و القياس الذي يؤدّي إلى مسخ الشريعة و بدأ بالتمهيد لإدانة السلطة الحاكمة التي تقمصت الخلافة دون استحقاق.

الأسئلة

1 . ما هي النشاطات التي مارسها الإمام الكاظم علیه السلام لتثبيت أركان زعامته وإمامته بعد استشهاد أبيه علیه السلام ؟

2 . ما هو نوع النشاط التربوي الذي كان يمارسه الإمام علیه السلام مع الأمة؟

3 . ما هو موقف الإمام من عوامل انشقاق الصف الإسلامي والشيعي؟

4 . لماذا وقف الإمام علیه السلام أمام مدرسة الرأي والقياس؟

5 . هل مارس الإمام في هذا العقد من إمامته نشاطاً ضدّ السلطة؟ وكيف ذلك؟

الدرس 3: ملامح العقد الثاني من عصر الإمام الكاظم علیه السلام

اشارة

عهد المهدي العباسي

مات المنصور في ذي الحجة سنة 158 قبل أن يتم الحج، واستولى على منصب الخلافة والحكم ابنه محمّد المهدي وبويع له في اليوم الذي مات فيه المنصور أي في الرابع من ذي الحجة سنة (158 ه-).

وقد تميّز المهدي العباسي، عن أبيه المنصور بما يلي:

1 . حاول المهدي أن يسلك أسلوباً مرناً مع العلويين في بداية حكمه خلافاًلسياسة أبيه حيث أصدر عفواً عاماً عن جميع المسجونين، كما ردّ الأموال المنقولة وغير المنقولة التي صادرها أبوه ظلماً وعدواناً إلى أهلها، فردّ على الإمام موسى الكاظم علیه السلام ما كان قد صادره أبوه من أموال الامام الصادق علیه السلام .

2 . بعد أن نشط الإمام الكاظم علیه السلام وذاع صيته استخدم المهدي سياسة التشدّد والتضييق على الإمام موسى علیه السلام فاستدعاه إلى بغداد وحبسه في أحد شجونها ثمّ ردّه

إلى المدينة (1)كما خطط لقتل الإمام، فدعا حميد بن قحطبة نصف الليل وقال: إنّ إخلاص أبيك وأخيك فينا أظهر من الشمس، وحالك عندي موقوف.

فقال: أفديك بالمال والنفس، فقال هذا لسائر الناس.

قال: أفديك بالروح والمال والأهل والولد، فلم يجبه المهدي.

فقال : أفديك بالمال والنفس والأهل والولد. فقال لله درّك.

فعاهده على ذلك وأمره بقتل موسى الكاظم علیه السلام في السحرة (2)بغتة، فنام فرأى في منامه عليّاً علیه السلام يشير إليه ويقرأ: فهل عسيتم إن تولّيتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم؟! (3).

فانتبه مذعوراً، ونهى حميداً عما أمره وأكرم الكاظم علیه السلام ووصله (4).

3 . شجّع المهدي الوضاعين في زمنه حتى قاموا بدور إعلامي تضليلي منحرف فأحاطوا السلاطين بهالة من التقديس زاعمين أنهم يمثلون إرادة الله في الأرض وأنّ الخطأ لا يمسهم، مثل غياث بن إبراهيم الذي عرف هوى المهدي في الحمام فحدّثه عن أبي هريرة أنه قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : لا سبق إلا في حافر أونصل ، (وزاد فيه ) أو جناح...

فأمر له المهدي - عوض افتعاله للحديث - بعشرة آلاف درهم، ولما ولّى عنه قال لجلسائه: أشهد أنه كذب على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، ماقال رسول الله ذلك، ولكنه أراد أن


1) قرب الإسناد، ص 140؛ بحار الأنوار، ج ،48، ص 228 ، ح 32؛ كشف الغة، ج 2، ص 238 وأخرجه المالكي في الفصول المهمة، ص 216 و الشبلنجي في نور الأبصار، ص 175.

2) السحر.

3) محمد / 22

4) مناقب الشيعة، ج 3، ص 417 عن البحار، ج 3، ص 417 عن البحار، ج 48، ص 139، ح 15؛ مدينة المعاجز، ص 465، ح 110 و تأريخ بغداد، ج 13، ص 30 عنه تذكرة الخواص، ص 349 و وفيات الأعيان، ج 5، ص 308 و في مرآة الجنان لليافعي، ج 1، ص 394 و في الصواعق المحرقة، ص 122 و في الفصول المهمة، ص 214 و في فصل الخطاب على مافي ينابيع المودة، ص 382.

يتقرب إليَّ (1).

4 . وأسرف المهدي في صرف الأموال الضخمة على انتقاص العلويين والحطّ من شأنهم فتحرّك الشعراء والمنتفعون وأخذوا يلفّقون الأكاذيب في هجاء العلويين، وكان من جملة هولاء الزنديق بشار بن برد الّذي دخل على المهدي ذات يوم وأنشده:

يا ابن الذي ورث النبي محمّداً *** دون الأقارب من ذوي الأرحام

لوحي بين بني البنات وبينكم *** قطع الخصام فلات حين خصام

ماللنساء مع الرجال فريضة *** نزلت بذلك صورة الأنفال

أنى يكون وليس ذاك بكائن *** لبني البنات وراثة الأعمال

فأجازه المهدي على ذلك ألف درهم تشجيعاً له ولغيره على انتقاص أهل البيت علیه السلام ، ولما سمع الإمام موسى الكاظم علیه السلام بقصيدة بشار تأثر أشد التأثر، وفي الليل سمع هاتفاً يتلو عليه أبياتاً تجيب على أبيات بشار وهي:

أني يكون ولا يكون ولم يكن *** للمشركين دعائم الإسلام

لبني البنات نصيبهم من جدهم *** والعم متروك بغير سهام

ما للطليق وللتراث وإنما *** سجد الطليق مخافة الصمصام

وبقي ابن شلّة واقفاً متلدّداً *** فيه ويمنعه ذوو الأرحام

إن ابن فاطمة المنوّه باسمه *** حاز التراث سوى بني الأعمام(2)

5 . شاع في عهد المهدي اللهو وانتشر المجون وسادت الميوعة والتحلل. وبلغ

المهدي حُسْنَ صوت إبراهيم الموصلي وجودة غنائه فقربه إليه وأعلى من شأنه (3).

ولقد استغرق المهدي في المجون واللهو، وظنّ الناس به الظنون واتهموه بشتى التهم (4).


1) تأریخ بغداد، ج 2، ص 193.

2) الاحتجاج للطبرسي، ص 214.

3) الأغاني، ج 5، ص 5.

4) شذرات الذهب، ج 1، ص 365 راجع حياة الإمام موسى بن جعفر علیه السلام، ج 1، ص 438.

متطلبات العقد الثاني من عصر الإمام علیه السلام

لقد استغل الإمام علیه السلام لان هذا الانفتاح النسبي ليقوم بنشاط عام على مستوى الأمة وبنشاط خاص بالجماعة الصالحة التي أخذت تتعمق جذورها وتتسع في وجودها ممّا جعلها تصبح بؤرة خطر في المستقبل القريب فهي بحاجة إلى تحصينات كافية ضدّ التحديات التي سوف تواجهها في المستقبل القريب.

وكان العقد الثاني من عصر الإمام الكاظم علیه السلام - المنطبق على السنوات العشر التي حكم فيها المهدي - هو قمة النشاط المكتف للإمام علیه السلام بعد أن عُرف الإمام في الأوساط الإسلامية بأنه الممثل الحقيقي لخط أهل البيت علیه السلام وتحدى كل الفرق والقيادات الضالة واستطاع أن يبرز إماماً وقائداً روحياً وعلمياً وسياسياً للأمة.

النشاط العام للإمام علیه السلام مع الأمة

1. في المجال السياسي

أخذ الإمام علیه السلام يوضح موقفه للأمة من الخلافة والخلفاء. فقام بتعميق خطه عبر عدة مواقف:

1 . ذكرنا أنّ المهدي عند استيلائه على كرسي الخلافة بعد أبيه المنصور أبدى سياسة مرنة مع العلويين أراد بها التضليل على الأفكار وحاول أن ينسب المظالم العبّاسيّة للعهد البائد، ويوحي من جانب بقوّة الحكم القائم وشرعيته وعدالته عندما أعلن عن إعادته للحقوق الضائعة والمغصوبة.

وهنا وجد الإمام علیه السلام الفرصة لاستغلال هذه البادرة فطالب المهدي بإرجاع فدك إليه وجعل هذه المطالبة منطلقاً للكشف عن الحقيقة الضائعة تحت جبروت الحاكمين فإنّ فدكاً كانت تحمل قيمة سياسية باعتبارها رمزاً للصراع التأريخي بين خط السقيفة وخط أهل البيت علیه السلام.

قال علي بن اسباط: لما ورد أبو الحسن موسى علیه السلام على المهدي وجده يردّ المظالم

فقال له الإمام علیه السلام : مابال مظلمتنا يا أمير المؤمنين لا تُردّ؟!

فقال له المهدي: وما هي يا أبا الحسن؟ فذكر له الإمام علیه السلام قصة فدك وكيف دفعها النبي صلی الله علیه واله وسلم إلى فاطمة علیها السلام ثم كيفية انتزاعها منها.

فقال له المهدي: حدّها لي، فقال له الإمام علیه السلام : حد منها جبل أحد، وحدّ منها عريش مصر، وحدّ منها سيف البحر، وحدّ منها دومة الجندل.

فقال المهدي: كلّ هذه حدود فدك ؟ فقال له الإمام علیه السلام نعم.

فتغير المهدي وبدا الغضب على وجهه بعد أن أعلن له الإمام أن جميع أقاليم العالم الإسلامي قد أخذت منهم وأنّ فدكاً هي رمز لاستحقاق أهل البيت لمنصب الخلافة.

وهنا قال له المهدي: (هذا كثير فانظر فيه) (1).

2 . وفي هذه المرحلة نجد الإمام علیه السلام حريصاً على تماسك الوجود الشيعي ووحدة صفه، لأنّ الظروف الصعبة، كانت تشكل فرصة لنفوذ النفوس الضعيفة والحاقدة بقصد التخريب.

وظاهرة القرابة والمحسوبية باعتبارها أهم الركائز التي بني الحكم العباسي عليها،

كانت هي الحاكمة فوق كل المقاييس.

لذا نجد موقف الإمام علیه السلام من هذه الظاهرة كان حاسماً، فنراه يعلن عن مقاطعة عمه محمد بن عبدالله الأرقط أمام الناس تطهيراً للوجود الشيعي من أي عنصر مضرّ مهما كان نسبه وقربه من الإمام علیه السلام ، ولا يسمح بالتسلّق للوصول إلى المواقع أو استغلالها وعندها تتعدّد التصاريح وتعكس صورة شوهاء للوجود الشيعي.

فعن عمر بن يزيد قال: كنت عند أبي الحسن علیه السلام فذكر محمّداً فقال: إنّي جعلت أن لا يظلّني وإياه سقف بيت، فقلت : في نفسي: هذا يأمر بالبر والصلة ويقول هذا لعمه قال: فنظر إليَّ فقال: هذا من البر والصلة إنه متى يأتيني ويدخل عليَّ، فيقول ويصدقه


1) الكافي، ج 1، ص 543، ج 2؛ بحار الأنوار، ج 48، ص 156، ح 29 و قرب الإسناد، ص 124 وكشف الغمه، ج 2، ص 245.

الناس، وإذا لم يدخل عليَّ لم يقبل قوله إذا قال (1).

3 . موقف الإمام علیه السلام من ثورة صاحب فخّ.

رغم أن الإمام علیه السلام لم يعمل في هذه المرحلة بصيغة المواجهة المسلّحة طيلة أيام حياته، وقد أعلن عن موقفه من حكومة المهدي عندما طلب منه الأمان بعدم الثورة عليه قائلاً له: أفتؤمنني أن لا تخرج عليَّ أو على أحد من ولدي؟ فقال علیه السلام : والله لا فعلت ذلك ولاهو من شأني(2).

وهذا الموقف للإمام علیه السلام بقي - كما هو - مع حكومة موسى الهادي لأسباب موضوعية سبقت الإشارة إليها، إلا أنّ الإمام مارس دور الإسناد والتأييد لثورة الحسين بن علي - صاحب فخّ - من أجل تحريك ضمير الأمة والإرادة الإسلامية ضدّ التنازل المطلق عن شخصيتها وكرامتها للحكام المنحرفين.

ولما عزم الحسين على الثورة قال له الإمام: إنّك مقتول فأحد الضراب فإن القوم فسّاق يظهرون إيماناً ويضمرون نفاقاً وشركاً فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الله أحتسبكم من عصبة)(3).

ولما سمع الإمام الكاظم بمقتل الحسين رضی الله عنه بكاه وأبنه بهذه ، الكلمات: إنا لله وإنا إليه راجعون ، مضى والله مسلماً صالحاً ، صوّاماً قواماً، أمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، ماكان في أهل بيته مثله (4).

2. المجال الأخلاقي والتربوي

لقد فرض العباسيون أخلاقاً وممارسات جاهليّة أصابت القيم والأخلاق الإسلامية


1) بحار الأنوار، ج 48، ص 160، ح 5.

2) كشف الغمة، ج 2، ص 213 و بحار الأنوار، ج 48، ص 148، ح 22.

3) بحار الأنوار، ج 48، ص 161، ح 6.

4) بحار الأنوار، ج 48، ص 165، ح 6.

بالاهتزاز وتعرّضت المُثل للضياع، ووجدت القيم الجاهليّة أجواء منفتحة تحرّكت

خلالها.

وهذا النشاط الذي كان يستهدف المسخ الحضاري للأمة لم يكن حالة عفوية

أفرزتها نزوة الخليفة المهدي، أو غيره وإنّما هي خطة هادفة لتغيير معالم الرسالة. لذا واجه الإمام علیه السلام هذا المخطط بأسلوب اخلاقي رفيع فكان علیه السلام يذكر الأمة بأصالتها ويعيد لها أخلاقية الرسول الأعظم صلی الله علیه واله وسلم . ونختار لهذا، المجال بعض الأمثلة.

المثال الأوّل: عن حماد بن عثمان قال: بينا موسى بن عيسى في داره التي في

المسعى إذ رأى أبا الحسن موسى علیه السلام مقبلاً من المروة على بغلة فأمر ابن هياج - رجل من همدان كان منقطعاً إليه - أن يتعلّق بلجامه ويدعي البغلة، فأتاه فتعلّق باللجام وادعى البغلة، فثنى أبو الحسن علیه السلام رجله فنزل عنها وقال لغلمانه: خذوا سرجها وادفعوها إليه، فقال: والسرج أيضاً لي، فقال له أبو الحسن علیه السلام : كذبت، عندنا البينه بأنه سرج محمد بن عليّ، وأما البغلة فأنا اشتريتها منذ قريب وأنت أعلم وماقلت(1).

المثال الثاني: خرج عبدالصمد بن عليّ ومعه جماعة فبصر أبا الحسن علیه السلام مقبلاً راكباً بغلاً، فقال لمن معه : مكانكم حتى أضحككم من موسى بن جعفر، فلما دنا منه قال له: ما هذه الدابة التي لا تدرك عليها الثأر، ولا تصلح عند النزال؟ فقال له أبو الحسن علیه السلام : تطأطات عن سموّ الخيل وتجاوزت قموء العير، وخير الأمور أوسطها، فأفحم عبدالصمد فما أحار جواباً (2).

المثال الثالث: فعن الحسن بن محمّد أنّ رجلاً من ولد عمر بن الخطاب كان بالمدينة يؤذي أبا الحسن موسى علیه السلام ويسبّه إذا رأه ويشتم عليّاً، فقال له بعض حاشيته يوماً: دعنا نقتل هذا الفاجر فنهاهم عن ذلك أشدّ النهي وزجرهم أشدّ الزجر.

وسأل عن العمري، فذكر له أنه يزرع بناحية من نواحي المدينة فركب إليه، فوجده


1) بحار الأنوار، ج 48، ص 148، ح 23.

2) بحار الأنوار، ج 48، ص 154، ح 26.

في مزرعة له، فدخل المزرعة بحماره فصاح به العمري:

لا توطئ زرعنا ، فوطأه علیه السلام بالحمار حتى وصل إليه، ونزل وجلس عنده، وباسطه وضاحكه.

وقال له: كم غرمت على زرعك هذا؟ قال: مائة دينار.

قال: فكم ترجو أن تصيب منه؟ قال: لست أعلم الغيب.

قال له: إنما قلت: كم ترجو أن يجيئك فيه؟ قال: أرجو أن يجيء مائتا دينار.

قال: فأخرج له أبو الحسن علیه السلام الناصرة فيها ثلاثمائة دينار، وقال هذا زرعك على حاله، والله يرزقك فيه ماترجو.

فقام العمري فقبل رأسه وسأله أن يصفح عمّا فارطه، فتبسم إليه أبو الحسن وانصرف، وراح إلى المسجد فوجد العمري جالساً، فلما نظر إليه قال: الله أعلم حيث يجعل رسالته.

فوثب أصحابه فقالوا ماقضيّتك؟ قد كنت تقول غير هذا! فقال لهم: قد سمعتم

ماقلت الآن. وجعل يدعو لأبي الحسن علیه السلام فخاصموه وخاصمهم.

فلما رجع أبو الحسن إلى داره قال لجلسائه الذين سألوه في قتل العمري: أيما كان خيراً؟ ما أردتم ، أم ما أردت ؟ إنني أصلحت أمره بالمقدار الذي عرفتم، وكفيت به شره (1).

3. المجال العلمي

1 . قال أبويوسف للمهدي - وعنده موسى بن جعفر علیه السلام - تأذن لي أن أسأله عن مسائل ليس عنده فيها شيء؟ فقال له: نعم.

فقال لموسى بن جعفر علیه السلام أسألك؟ قال: نعم. قال: ما تقول في التظليل للمحرم؟


1) الإرشاد للمفيد، ص 333؛ بحار الأنوار، ج ،48، ص 102، ح 7؛ أعلام الورى، ص 306؛ تأریخ بغداد، ج 13، ص 28؛ سير أعلام النبلاء، ج 1، ص 271.

قال: لا يصلح. قال: فيضرب الخباء في الأرض ويدخل البيت؟ قال: نعم. قال: فما الفرق بين هذين؟

قال أبو الحسن علیه السلام ما تقول في الطامث أتقضي الصلاة؟ قال: لا.

قال: فتقضي الصوم؟ قال: نعم. قال: ولم؟ قال: هكذا جاء، قال أبو الحسن علیه السلام وهكذا جاء هذا.

فقال المهدي لأبي يوسف: ما أراك صنعت شيئاً؟! قال: رماني بحجر دامغ(1).

2 . عن عليّ بن يقطين: سأل المهدي أبا الحسن علیه السلام عن الخمر هل هي محرمة في كتاب الله عزّ وجلّ فإنّ الناس إنّما يعرفون النهي عنها ولا يعرفون التحريم لها.

فقال أبو الحسن علیه السلام : بل هي محرمة في كتاب الله عزّ وجلّ يا أميرالمؤمنين ، فقال له: في أي موضع هي محرمة في كتاب الله جل اسمه يا أبا الحسن؟

فقال: قول الله عزّ وجلّ: قل إنما حرّم ربّي الفواحش ماظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق... وأمّا الإثم فإنّها الخمرة بعينها وقد قال الله عزّ وجلّ في موضع آخر يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير.

فقال المهدي: ياعلي بن يقطين هذه والله فتوى هاشمية. قال: قلت له صدقت

يا أمير المؤمنين. الحمد لله الذي لم يخرج هذا العلم منكم أهل البيت.

قال: فوالله ماصبر المهدي أن قال لي: صدقت يا رافضي(2).

3 . حينما أمر المهدي بتوسعة المسجد الحرام امتنع بعض أرباب الدور عن تخليتها لإدخالها في المسجد وقال الفقهاء بأنّه لا ينبغي أن يدخل في المسجد شيء غصباً فأشار ابن يقطين على المهدي بأن يسأل الإمام الكاظم علیه السلام فكتب له بجواز ذلك بقوله:

إن كانت الكعبة هي النازلة بالناس فالناس أولى بفنائها وإن كان الناس هم النازلون


1) عيون أخبار الرضاء علیه السلام، ج 1، ص 78.

2) الكافي، ج 6، ص 406 و مسند الإمام الكاظم علیه السلام . ج 1، ص 53 - 54 .

بفناء الكعبة فالكعبة أولى بفنائها(1).

الخاصه

استوعب العهد الثاني من عصر الإمام الكاظم علیه السلام عهد المهدي والهادي معاً. وتميّز بالانفراج النسبي بالنسبة للإمام الكاظم علیه السلام ولكنه تميز بنشاط الوضاعين في انتقاص أهل البيت علیه السلام و بدأ الإمام علیه السلام يقتحم الميدان السياسي فيطالب بفدك ويشير إلى أنها رمز الحقانية أهل البيت علیه السلام وموقعهم القيادي المغتصب، كما دخل معترك الصراع العلمي وبدا للسلطة تميّز الإمام علمياً على من سواء، وكان يحرم الإمام لأتباعه إعانة السلطة والدخول معهم في أعمالهم الإدارية مستثنياً بعض خواص أصحابه الذين كان قد ادخرهم للأعمال الكبرى ليضمن الحفاظ على الكيان الشيعي من التصدّع والانهيار.

الأسئلة

1 . حدد العهد الثاني من عصر الإمام الكاظم علیه السلام .

2 . ما هي ملامح هذا العهد؟

3 . هل اقتحم الإمام في هذا العهد ميدان السياسة؟ وكيف؟

4 . ما هو نوع النشاط التربوي الذي قام به الإمام علیه السلام في هذا العهد؟

5 . ما هو النشاط العلمي الذي زاوله الإمام في هذا العهد؟

6 . لماذا حرم الإمام التعاون مع السلطة؟

7 . و لماذا استثنى بعض أصحابه من هذا التحريم؟


1) تفسير العياشي، ج 1، ص 185.

الدرسان 4 و 5: دور الإمام الكاظم علیه السلام في بناء الجماعة الصالحة

اشارة

إنّ الانفراج النسبي في العهد الثاني من عصر الإمام الكاظم علیه السلام لا يعني حرية في الحركة العامة. ومن هنا كان التوجّه لتركيز بناء الجماعة الصالحة ضرورة من ضرورات المرحلة، التي عاشها الإمام علیه السلام بكل أبعادها الفكرية والاجتماعية، ومارس من خلالها دوره القيادي في ظل إمامته للأمة.

فكرّس الإمام الكاظم علیه السلام لانها جهده لتركيز البناء، وكان يهدف من خلاله إلى الحفاظ على الشريعة من الضياع، ويطرح النموذج الصالح الذي يتولّى عملية التغيير والبناء للأمة بإشراف الإمام علیه السلام

وقد مارس الإمام علیه السلام تحرّكاً مشهوداً حتى استطاع أن يربّي أكثر من جيل يحمل لواء التغيير ويعطي للأمة النموذج الصالح الذي ينتمي لمدرسة أهل البيت علیه السلام ويمثل منهجهم ويهتدي بهديهم ويجسّد القيم الإسلامية التي حرصوا على تحقيقها في المجتمع الإسلامي.

ويتلخص دور الإمام الكاظم علیه السلام ونشاطه وأساليبه التي تميز بها عصر إمامته فيما يلي:

1. الحضور الفاعل في الساحة السياسية

لقد سمح الإمام علیه السلام المجموعة من أصحابه أن يلتزموا بالحضور في الجهاز الإداري للدولة بالرغم من تحريمه التعامل والتعاون مع الجهاز الحاكم لعامة شيعته ومواليه.

وكان الإمام علیه السلام يهدف في ذلك إلى عدة أمور ويحقق من خلال هذا الحضور عدة نتائج:

الهدف الأول: الاقتراب من أعلى موقع سياسي، من أجل الإحاطة بالمعلومات السياسية وغيرها التي تصدر من البلاط الحاكم ليتخذ بصددها التدابير اللازمة والحيطة المطلوبة لئلا يتعرّض الوجود الشيعي بعد إشادة كيانه للإبادة أو الانهيار.

ويشهد لذلك ماورد من أنه لما عزم موسى الهادي على قتل الإمام موسى الكاظم علیه السلام بعد ثورة الحسين - صاحب فخ - وتدخل أبويوسف القاضي في تغيير رأي الهادي عندما قال له : بأنّ موسى الكاظم علیه السلام لم يكن مذهبه الخروج على النظام ولا مذهب أحد من ولده فاستطاع أبويوسف أن يقنع الخليفة بذلك. هنا كتب علي بن يقطين إلى أبي الحسن موسى بن جعفر علیه السلام بصورة الأمر(1)من أجل أن يحتاط ويخطط على ضوء المعلومة التي تصله أولاً بأول، وسترى أيضاً الدور الفاعل الذي قام به عليّ بن يقطين في عهد الرشيد لصالح الإمام علیه السلام والشيعة الموالين له.

الهدف الثاني : كان الإمام علیه السلام يهدف من ظاهرة الاندساس في الجهاز الحاكم تحقيق مهمة كبرى هي قضاء حوائج المؤمنين الشخصيّة رغم بساطتها باعتبارها هدفاً بحد ذاته، لأنّ الإمام علیه السلام كان عليه أن يحافظ على عوامل بقاء واستمرار الوجود الشيعي الذي يشكل أساساً من أسس التغيير الاجتماعي في أرجاء العالم الإسلامي.


1) مهج الدعوات، ص 229، ح 1 راجع عوالم العلوم والمعارف الإمام موسى ب-ر جعفر علیه السلام ، ص 366.

1 . فعن عليّ بن طاهر الصوري، قال: ولي علينا بعض كتاب يحيى بن خالد وكان عليَّ بقايا ديون يطالبني بها وخفت من الزامي إيَّاها خروجاً عن نعمتي، وقيل لي: إنّه ينتحل هذا المذهب، فخفت أن أمضي إليه فلا يكون كذلك، فأقع فيما لا أُحبّ. فاجتمع رأيي على أنّي هربت إلى الله تعالى ، وحججت ولقيت مولاي الصابر -

يعني موسى بن جعفر علیه السلام - فشكوت حالي إليه فأصحبني مكتوباً نسخته:

بسم الله الرحمن الرحيم

إعلم أنّ لله تحت عرشه ظلاً لا يسكنه إلا من أسدى إلى أخيه معروفاً، أو نفس عنه

كربة، أو أدخل على قلبه سروراً، وهذا أخوك، والسلام.

قال: فعدت من الحج إلى بلدي ومضيت إلى الرجل ليلاً واستأذنت عليه وقلت: رسول الصابر علیه السلام فخرج حافياً ماشياً، ففتح لي بابه، وقبلني وضمني إليه، وجعل يقبل بين عيني ويكرّر ذلك كلّما سألني عن رؤيته علیه السلام وكلما أخبرته بسلامته وصلاح أحواله استبشر وشكر الله.

ثم أدخلني داره، وصدّرني في مجلسي وجلس بين يدي، فأخرجت إليه كتابه علیه السلام فقبله قائماً وقرأه. ثم استدعى بماله وثيابه، فقاسمني ديناراً ديناراً، ودرهماً درهماً، وثوباً ثوباً وأعطاني قيمة مالم يمكن قسمته. وفي كلّ شيء من ذلك يقول: يا أخي هل سررتك؟ فأقول: إي والله، وزدت على السرور.

ثم استدعى العمل فأسقط ماكان باسمي، وأعطاني براءة ممّا يتوجه علي منه، وودعته، وانصرفت عنه، فقلت: لا أقدر على مكافأة هذا الرجل إلا بأن أحجّ في قابل، وأدعو له وألقى الصابر علیه السلام وأعرفه فعله، ففعلت ولقيت مولاي الصابر علیه السلام وجعلت أحدثه ووجهه يتهلّل فرحاً فقلت: يامولاي هل سرك ذلك؟

فقال: إي والله لقد سرني وسرّ أمير المؤمنين علیه السلام . والله لقد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم سر جدّي ولقد سر الله تعالى (1).


1) بحار الأنوار، ج 48، ص 174 و ج 74، ص 313.

2 . عن علي بن يقطين قال: قلت لأبي الحسن علیه السلام ما تقول في أعمال هؤلاء؟ قال: إن كنت لابد فاعلاً فاتق الله في أموال الشيعة.

قال: فأخبرني علي أنه كان يجبيها من الشيعة علانية ويردّها عليهم في السر(1).

الهدف الثالث:

1. التوجيه السياسي غير المباشر للجهاز الحاكم قد يهدف الإمام علیه السلام من اختراق السلطة ومسك مواقع متقدمة في الجهاز الحاكم التأثير في السياسة العامه للسلطة وإنجاز أعمال سياسية ودينية لصالح الأمة من خلال هذه المواقع.

يحدثنا إسماعيل بن سلام عن آليات هذا الارتباط وما يتضمنه من نشاط وأهداف: روى إسماعيل بن سلام وآخر معه فقالا: بعث إلينا عليّ بن يقطين فقال: اشتريا راحلتين، وتجنّبا الطريق - ودفع إلينا أموالاً وكتباً - حتى توصلا معكما من المال والكتب إلى أبي الحسن موسى علیه السلام ولا يعلم بكما أحد، قالا: فأتينا الكوفة واشترينا راحلتين وتزوّدنا زاداً، وخرجنا نتجنب الطريق حتى إذا صرنا ببطن الرمة شددنا راحلتينا ووضعنا لهما العلف ، وقعدنا نأكل فبينا نحن كذلك، إذ راكب قد أقبل شاكري (خادم)، فلمّا قرب منّا فإذا هو أبو الحسن موسى علیه السلام فقمنا إليه وسلّمنا عليه ودفعنا إليه الكتب وما كان معنا فأخرج من كمة كتباً فناولنا إياها فقال: هذه جوابات كتبكم.

قال: فقلنا: إن زادنا قد فني فلو أذنت لنا فدخلنا المدينة، فزرنا رسول الله وتزوّدنا زاداً فقال : هاتيا ما معكما من الزاد . فأخرجنا الزاد إليه فقلبه بيده فقال: هذا يبلغكما إلى الكوفه، وأما رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فقد رأيتما، إني صليت معهم الفجر، وإنِّي أُريد أن أُصلي معهم الظهر إنصرفا في حفظ الله (2).


1) الكافي، ج 5، ص 110، ح 3؛ بحار الأنوار، ج 48، ص 158، ح 31.

2) بحار الأنوار، ج 48، ص 34، ح 5.

2. التثقيف السياسي : لقد أكد الإمام لشيعته بشكل خاص وللمسلمين بشكل عام

حرمة التعاون مع الظالمين وكان يروي عن الرسول صلی الله علیه واله وسلم ما يفيد هذا التأكيد مثل قوله صلی الله علیه واله وسلم : ما قرب عبد من سلطان إلا تباعد من الله تعالى (1)

وقوله صلی الله علیه واله وسلم : من نكث بيعة أو رفع لواء ضلالة أو كتم علماً أو اعتقل مالاً ظلماً أو أعان ظالماً على ظلمه وهو يعلم أنه ظالم فقد برىء من الإسلام.

وقوله صلی الله علیه واله وسلم : إياكم وأبواب السلطان وحواشيها، وأبعدكم من الله تعالى من آثر سلطاناً على الله تعالى ، ومن آثر سلطاناً على الله تعالى جعل الله في قلبه (الإثم) ظاهره وباطنه وأذهب عنه الورع وجعله حيران.

وقوله صلی الله علیه واله وسلم : من أرضى سلطاناً بما أسخط الله خرج من دين الإسلام.

وقوله صلی الله علیه واله وسلم : الفقهاء أمناء الرسل مالم يدخلوا في الدنيا. قيل: يارسول الله فما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتباع السلطان فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على أديانكم.

كما روى عنه صلی الله علیه واله وسلم أنه قال : إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الظلمة؟ والأعوان للظلمة؟ من لاق لهم دواة أو ربط لهم كيساً أو مد لهم مدة أحشروه معهم (2).

من هنا نلاحظ تبرّم علي بن يقطين وإصراره على ترك العمل مع السلطان الظالم. قال علي بن طاهر: استأذن علي بن يقطين مولاي الكاظم علیه السلام في ترك عمل السلطان، فلم يأذن له، وقال: لا تفعل فإنّ لنا بك أنساً، ولإخوانك بك عزّاً، وعسى أن يجبر بك كسراً، ويكسر بك نائرة المخالفين عن أوليائه.

يا علي كفّارة أعمالكم الإحسان إلى إخوانكم. إضمن لي واحدة وأضمن لك ثلاثة: إضمن لي أن لا تلقى أحداً من أوليائنا إلا قضيت حاجته وأكرمته. وأضمن لك أن لا يظلك سقف سجن أبداً، ولا ينالك حد سيف أبداً، ولا يدخل الفقر بيتك أبداً.


1) بحار الأنوار، ج 75، ص 379 - 380.

2) بحار الأنوار، ج 75، ص 379 - 380.

ياعلي من سرَّ مؤمناً فبالله بدأ، وبالنبي صلی الله علیه واله وسلم ثنى وبنا ثلث (1)

بحار الأنوار، ج 48، ص 136، ح 10 و ج 75، ص 379، ح 40.

.

وكان الإمام علیه السلام يقوي النفوس التي آمنت بالحق موضحاً بأن الأمر لا يتعلق بكثرة الأنصار أو قلتها.

فعن سماعة بن مهران قال: قال لي العبد الصالح علیه السلام : ياسماعة أمنوا على فرشهم، وأخافوني، أما والله لقد كانت الدنيا ومافيها إلا واحداً يعبد الله، ولو كان معه غيره لأضافه الله عزّ وجلّ إليه حيث يقول: (إنّ إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفاً ولم يكن من المشركين ) (2)فصبر بذلك ماشاء الله. ثمّ إنّ الله آنسه بإسماعيل وإسحاق، فصاروا ثلاثه(3).

أما والله إنّ المؤمن لقليل، وإنّ أهل الباطل لكثير . أتدري لم ذلك؟ فقلت: لا أدري جعلت فداك. فقال: صُيّروا أُنساً للمؤمنين يبنّون إليهم مافي صدورهم، فيستريحون إلى ذلك ويسكنون إليه .

وفي هذا النص دلالة واضحة على ضرورة حُسن تعايش المؤمنين مع عامة المسلمين وضرورة الدقة في التعامل في التعامل مع الناس وضرورة دركهم ومعرفتهم بعقائدهم واتجاهاتهم من دون أن ينزلق المؤمن في الخط العام المنحرف عن الحق.

3 . النشاط العلمي الخاص : إن التربية العلمية لأبناء الجماعة الصالحة تشكل خطاً عاماً في نشاط أهل البيت علیه السلام فيما يخص الجماعة الصالحة، ولكن مرحلة الأئمة الأربعة - بدءً بالإمام زين العابدين فالباقر والصادق والكاظم علیه السلام - تتميز باشاع هذا النشاط العلمي بشكل واضح.


1) کتاب قضاء حقوق المؤمنين، المطبوع في تراثنا، العدد الثالث، ص 187، ح 25:

2) النحل / 120.

3) الكافي، ج 2، ص 243؛ بحار الأنوار، ج 47، ص 373، ح 94 و ج 67، ص 162 . قال المجلسي معلّقاً ومفسّراً على هذا الخبر أي إنّما جعل الله تعالى هؤلاء المنافقين في صورة المؤمنين مختلطين بهم لئلا يتوحش المؤمنون لقلتهم.

وقام الإمام موسى الكاظم علیه السلام بإعداد نخبة من الفقهاء ورواة الحديث اجتازت الثلاثمائة راعٍ وفقيه وقد اشتهر من بين أصحابه ستة وعرفوا بالصدق والأمانة، وأجمع الرواة على تصديقهم فيما يروونه عن الأئمّه علیه السلام . والمشهور بين الفقهاء والمحدثين أن ثمانية عشر رجلاً من أصحاب الأئمة الثلاثة (الباقر والصادق والكاظم علیه السلام ) هم أصحاب الإجماع، ستة من أصحاب أبي جعفر وستة من أصحاب أبي عبدالله وستة من أصحاب أبي الحسن موسى علیه السلام : وهم يونس بن عبدالرحمن، وصفوان بن يحيى بياع السابري، ومحمد بن أبي عمير، وعبدالله بن المغيرة ، والحسن بن محبوب السراد، وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، هذا في المجال الفقهي.

أما الميادين الفكرية الأخرى مثل الفلسفة والكلام والقرآن ، والسياسة والمناظرة ، فلها أيضاً نخبة متخصصة مثل هشام بن الحكم ومؤمن الطاق وهشام بن سالم

والمفضل بن عمر وغيرهم...

الإمام الكاظم علیه السلام في عهد الهادي العباسي

لقد استولى على كرسي الخلافة موسى الهادي بعد وفاة أبيه المهدي لثمان بقين من المحرم سنة (169) وتوفّي بعد ثلاثة عشر شهراً في ربيع الأول سنة 170 ه- وكان عمره (25) سنة (1).

وبالرغم من قصر المدة التي حكم فيها الهادي إلا أنها قد تركت أثاراً سيئة على الشيعة وتميزت بحدث مهم في التأريخ الشيعي وهو واقعة فخ التي قال عنها الإمام الجواد علیه السلام : لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ ، فكانت سياسة هذا الخليفة قد امتازت بنزعات شريرة ظهرت في سلوكه حتّى نقم عليه القريب والبعيد وبغضه الناس جميعاً، وقد حقدت عليه أمه الخيزران حتى بلغ بها الغيظ له أن أقدمت على قتله


1) خلاصة الذهب المسبوك، ص 75 و إعلام الورى، ص 294 و تأريخ اليعقوبي، ص 401 و 407.

بواسطة بعض جواريها(1).

وقد نكل بالعلويين وأشاع الخوف والرعب في صفوفهم وقطع ما أجراه لهم المهدي من الأرزاق والعطاءات وكتب إلى جميع الآفاق في طلبهم وحملهم إلى بغداد(2).

واقعة فخ

إن الذي فجر الثورة على الحاكم العباسي هو الحسين بن علي بن الحسن بن

الحسن بن عليّ بن أبي طالب علیه الاسلام .

وأهم الأسباب التي أدت إلى الثورة هي: الاضطهاد والإذلال الذي مارسه الخلفاء

العبّاسيّون ضدّ العلويين واستبداد الهادي على وجه الخصوص.

وقد عيّن الهادي ولاة قساة على المدينة مثل إسحاق بن عيسى بن علي الذي

استخلف عليها رجلاً من ولد عمر بن الخطاب يُعرف بعبد العزيز.

وقد بالغ هذا الأثيم في إذلال العلويين وظلمهم فألزمهم بالمثول عنده كل يوم، وفرض عليهم الرقابة الشخصيه فجعل كلّ واحد منهم يكفل صاحبه بالحضور، وقبضت شرطته على كلّ : من الحسن بن محمّد بن عبدالله بن الحسن، ومسلم بن جندب وعمر بن سلام، زعمت الشرطة أنها وجدتهم على شراب فأمر بضربهم، وجعل في أعناقهم حبالاً، وأمر أن يطاف بهم في الشوارع ليفضحهم(3).

وفي سنة 169 ه- عزم الحسين بن علي - على الخروج وأخبر الإمام موسى علیه السلام بالأمر وطلب منه المبايعة فقال له الإمام علیه السلام : يا ابن عمّ لا تكلفني ماكلف ابن عمّك عمك أباعبدالله فيخرج مني مالا أريد كما خرج من أبي عبدالله ما لم يكن يُريد، فقال له الحسين: إنّما عرضت عليك أمراً فإن أردته دخلت فيه. وإن كرهته لم أحملك عليه


1) الإمام موسى الكاظم، ج 2، ص 457 - 483، باقر شريف القرشي.

2) تأريخ اليعقوبي، ج 3، ص 136.

3) بحار الأنوار، ج 48، ص 161.

والله المستعان، ثمّ ودّعه.

فجمع الحسين أصحابه مثل يحيى، وسليمان وإدريس بني عبدالله بن الحسن،

وعبد الله بن الحسن الأفطس إبراهيم بن إسماعيل طباطبا وعمر بن الحسن بن علي بن الحسن المثلث، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن المثنى، وعبدالله جعفر الصادق، ووجّهوا إلى فتيان من فتيانهم ومواليهم، فاجتمعوا ستة وعشرين رجلاً من ولد علي علیه السلام وعشرة من الحاج وجماعة من الموالي.

فلما أذن المؤذن الصبح دخلوا المسجد ونادوا أجد أجد، وصعد الأفطس المنارة، وأجبر المؤذن على قول حي على خير العمل، وصلّى الحسين بالناس الصبح. فخطب بعد الصلاة وبايعه الناس، وبعد أن استولى على المدينة توجه نحو مكه وبعد أن وصل إلى (فخ) عسكر فيه وكان معه 300 مقاتل ولحقته الجيوش العباسية وبعد صراع رهيب استشهد الحسين وأصحابه وأرسلت رؤوس الأبرار إلى الطاغية ، ومعهم الأسرى وقد قيدوا بالحبال والسلاسل ووضع في أيديهم وأرجلهم الحديد، وأمر الطاغيه بقتلهم فقتلوا صبراً وصلبوا على باب الحبس(1).

نتائج الثورة

وبعد أن انتهت الثورة باستشهاد الحسين رحمت الله وصحبه أخذ الهادي يتوعد الأحياء منهم، وقد ذكر سيدهم الإمام موسى قائلاً: والله ما خرج حسين إلا عن أمره، ولا أتبع إلا محبته، لأنه صاحب الوصيّة في أهل هذا البيت قتلني الله إن أبقيت عليه (2).

وكتب عليّ بن يقطين إلى الإمام موسى بصورة الأمر وورد الكتاب . فلمّا أصبح علیه السلام أحضر أهل بيته وشيعته فأطلعهم على ما ورد عليه من الخبر، وقال: ما تشيرون في هذا؟ فقالوا: نشير عليك - أصلحك الله - ونحن معك أن تباعد شخصك


1) تأريخ الطبري، ج 10، ص 29 و بحار الأنوار، ج 48، ص 161 و 162.

2) بحار الأنوار، ج 48، ص 150 - 153.

عن هذا الجبار وتغيب شخصك دونه.

فتبسم موسى علیه السلام ثم تمثل ببيت كعب بن مالك أخي بني سلمة وهو: زعمت سخينة أن ستغلب ربّها *** فليغلبنَّ مُغالب الغلاب

وأقبل الإمام نحو القبلة ودعا بدعاء الجوشن الصغير المعروف الوارد عنه علیه السلام ثم قال: قد مات في يومه هذا والله (وأنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) (1).

قال الراوي: ثمّ قمنا إلى الصلاة وتفرّق القوم فما اجتمعوا إلا لقراءة الكتاب الوارد

بموت الهادي والبيعة للرشيد (2).

موقف الإمام الكاظم علیه السلام من الثورة

لقد استعرضنا فيما سبق المحاث من حياة الإمام الكاظم علیه السلام ودوره في التربية للجماعة الصالحة وإيصالها إلى مستوى علمي وإيماني وسياسي رفيع بحيث تهي الأرضية الكافية لإنجاز المشروع التغييري الإسلامي الكبير.

أمّا العامل الثاني الذي يتكامل به الإنجاز لهذا المشروع؛ فهو تحريك ضمير الأمة وإرادتها التي تمنحها القوة والصلابة وتحصنها ضدّ التنازل عن كرامتها، أو الذوبان في سياسة الظالمين والإستجابة لها، وذلك من خلال استمرار العمل الثوري المسلّح ضدّ الحكومة الظالمة، وانطلاقاً من هذه الضرورة نلخص موقف الإمام موسى من واقعة (فخ) بما يلي.

1 . لم يكن موقف الإمام علیه السلام في هذه المرحلة موقفاً ثورياً إذ لم يمارس المواجهة المباشرة لنظام الحكم القائم، بل جمّد صيغة المواجهة المسلّحة لأسباب موضوعية سبقت الإشارة إليها.


1) الذاريات / 23

2) بحار الأنوار، ج 48، ص 150 - 153 وص 217، ح 17 و عن أخبار الرضاء ج 1، ص 79.

2 . صرّح الإمام علیه السلام بموقفه من الثورة لزعيمها (الحسين) عندما طلب منه المبايعة وذكره بموقف الإمام الصادق علیه السلام من ثورة محمد ذي النفس الزكية، وسوف يكون موقفه كأبيه فيما إذا أصرّ الحسين على ضرورة المبايعة (1).

3 . عندما استولى الحسين على المدينة وصلّى بالناس صلاة الصبح لم يتخلّف عنه أحد من الطالبيين إلا الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن وموسى بن جعفر علیه السلام (2).

4 . صدر من الإمام تأييد ومساندة صريحة لحركة الحسين وثورته عندما عليها في قوله علیه السلام : إنك مقتول فأحد الضراب، فإنّ القوم فساق يُظهرون إيماناً

عزم ويضمرون نفاقاً وشركاً، فإنّا لله وإنا إليه راجعون وعند الله أحتسبكم من عصبة(3).

5 . ولمّا سمع الإمام موسى علیه السلام بمقتل الحسين (رض) بكاه وأبنه بهذه الكلمات: إنا لله وإنا إليه راجعون مضى والله مسلماً صالحاً، صوّاماً قواماً ، آمراً بالمعروف ، وناهياً عن المنكر، ماكان في أهل بيته مثله (4).


1) بحار الأنوار، ج 48، ص 161.

2) بحار الأنوار، ج 48، ص 163.

3) بحار الأنوار، ج 48، ص 161

4) بحار الأنوار، ج 48، ص 165.

الخاصه

بالرغم من الانفراج النسبي في عهد المهدي العباسي كان تركيز بناء الجماعة الصالحة ضرورة من ضرورات المرحلة.

و قد ركز الإمام إلى جانب التثبيت السياسي على التعريف بحقانية أهل البيت علیه السلام وضرورة مقاطعة الجهاز الحاكم الظالم إلى جانب الحضور في الساحة السياسية من خلال المخلصين من أصحابه حيث أمرهم بمزاولة العمل مع السلطان والنفوذ إلى عمق جهازه الإداري والسياسي.

و اعتنى علیه السلام من جهة أخرى بتربية العلماء المتخصصين بشؤون الشريعة فتخرجت من مدرسته مجموعة فريدة من العلماء ورواة الحديث وانتشروا في شتى بقاع العالم الإسلامي ومارسوا نشاطهم باتجاه توسیع رقعة الموالين لمدرسة أهل البيت علیه السلام و سوف نلاحظ حجم الخطر الذي واجهه بنو العباس بعد عهد الرشيد مما اضطر المأمون لفرض ولاية العهد على الإمام الرضا علیه السلام .

الأسئلة

1 . لماذا ركز الإمام الكاظم علیه السلام على إشادة بناء الجماعة الصالحة؟

2 . ما هو مدى الانفراج الذي حصل للإمام الكاظم علیه السلام في عهد المهدي

العباسي؟

3 . لماذا ركز الإمام علیه السلام على ضرورة مقاطعة الجهاز الحاكم؟

4 . لماذا أباح أو فرض الإمام على بعض أصحابه مزاولة العمل مع السلطان؟

5 . ما هو حجم النشاط العلمي الذي مارسه الإمام الكاظم علیه السلام في هذه المرحلة؟

الدرس 6: العهد الثالث من عصر الإمام الكاظم علیه السلام

اشارة

تعتبر السنوات الأخيره من عمر الإمام الكاظم علیه السلام من أعقد المراحل وأشدّها صعوبة وأذى عليه بالقياس إلى المراحل الأخرى التي سبقتها.

وقد عاصر فيها هارون الرشيد لمدة (14) سنة وأشهراً(1). وقد حفلت بالالام حيث صبّ فيها هارون كلّ الحقد الجاهلي وما تنطوي عليه نفسه من حقد ولوم ضدّ أهل البيت علیه السلام ، واتبع بدهائه سياسة تميز بها عمن سبقه، والتي كان من شأنها شلّ حركة الإمام علیه السلام وعزله عن الأمة تمهيداً لقتله فيما بعد.

من هنا كان الإمام علیه السلام قد انتهج أساليب أخرى من العمل للمرحلة الجديدة.

ملامح عهد هارون الرشيد

1 . تقمص الرشيد الخلافة وهو في عنفوان الشباب لم يذق محن الأيام ولم تصقله التجارب، وجاء إليه الملك بعد نجاح مؤامرة اغتيال الهادي والتي اشتركت في تدبيرها الخيزران (أمه) ورئيس وزرائه يحيى البرمكي(2).


1) إعلام الورى، ص 294 و بحار الأنوار، ج 48، ص 1، ح 1.

2) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 406.

2 . واستوسقت له الأمور ونال من دنياه كلّ ما اشتهى ، وعمّ نفوذه ساحة كبيرة من المعمورة حتى أثر عنه خطابه للسحاب: اذهبي إلى حيث شئت يأتيني خراجك(1).

3 . وجبي له الخراج من جميع الأقاليم الإسلامية وأصبح بيت المال أضخم

مستودع للمال في العالم.

4 . وأصبحت بغداد مستودع الثراء الفاحش ومهوى النوابغ والفنانين والتجار

والمطربين..

5 . و أوكل تدبير أمور الرعيّة إلى يحيى البرمكي وأسند إليه جميع السلطات واعتمد عليه اعتماداً مطلقاً أغناه عن السهر والمتاعب الفكرية فانصرف إلى التلذذ بجميع متع الحياة من الغناء والتندر بمجالسة الظرفاء حتى أنفق قسماً كبيراً من الخزينة العامة على الماجنين والمطربين (2)، فضلاً عن الشعراء والموائد واقتناء الجواري والجواهر حتى تجلى بذخه في بذخ بلاطه وحاشيته وكلّ من يرتبط به بحسب أو نسب أو عمل(3).

6 . وكان مولعاً بالغناء منذ حداثة سنه فقد نشأ بين أحضان المطربات واجتمع في

قصره عدد كبير منهن حتى جعل المغنين طبقات (4).

7 . و اندفع إلى شرب الخمر والإدمان عليها وكان يدعو خواص جواريه إذا أراد الشراب(5)، كما كان يلعب بالنرد - وهو من أنواع القمار - الذي حرمه الإسلام. كما كان يلعب بالصولجان(6).


1) صبح الأعشى، ج 3، ص 207.

2) راجع حياة الإمام موسى بن جعفر علیه السلام ، ج 2، ص 31 - 35.

3) راجع المصدر، ج 2، ص 36 - 54.

4) المصدر، ج 2، ص 61 - 62.

5) التاج، ص 37.

6) الأغاني، ج 5، ص 69 - 70

8 . لقد سار اللهو وعمّت الدعارة وانتشر المجون وتدهورت الأخلاق وأُقبرت الفضائل في عهد هارون(1).

9 . و ساس العلويين بسياسة جده المنصور وهي سياسة العنف والجور والاضطهاد فقابلهم منذ بداية حكمه بكل قوة وجفاء حتّى أقسم على استئصالهم قائلاً: والله لأقتلنهم ولأقتلنّ شيعتهم(2).

وقد نفّذ قَسَمَه فقتل طائفة كبيرة منهم، وأقدم على هدم الدور المجاورة لقبر

أبي عبد الله الحسين علیه السلام وأمر بحرث أرض كربلاء ليمحو كل أثر للقبر الشريف(3).

10 . وقد أصبح الاتهام بالزندقة وسيلة للقضاء على خصوم العباسيين من

هاشميين وغيرهم ممن لا يرضى بحكمهم أولا يرى جواز الصلاة خلفهم.

بل تعدّى الإتهام لكل من كان يناقش أحاديث الصحابة أو يردّها، وبذلك استحلوا إراقة دماء الشيعة الذين رفضوا الاعتراف بشرعيّة حكومة الخلفاء والملوك الأمويين والعباسيين (4).

بل كان المتهم بالإلحاد تقبل توبته بينما المتهم بالولاء لأهل البيت علیه السلام كان يحكم عليه بالمروق من الدين، وبهذا حُكم بالاعدام على الشيعة وزجوا في غياهب السجون.

11 . لقد ظهرت مشكلة خلق القرآن في عصر هارون عند ظهور أمر المعتزلة وانتشار أفكارها حيث أعلنوا القول بخلق القرآن بعد أن كان الجعد بن درهم قد ابتدعها في أواخر عهد الدولة الأموية . وكان بشر العربي من أهم دعاة هذه الفكرة وألف كتباً فيها، وأقسم الرشيد على قتله إن ظفر به وظل بشر متوارياً طوال أيام الرشيد. وقد قتل الرشيد من كان يقول بخلق القرآن.


1) سيدات البلاط العباسي، ص 48.

2) الأغاني، ج 5، ص 225.

3) تأريخ كربلاء، ص 198.

4) حياة الإمام موسى بن جعفر علیه السلام ، ج 2، ص 136 - 139.

وأخذت تتسع هذه الظاهرة حتى ساندها المأمون في عهده وحمل الناس بالقهر عليها(1).

12 . وجرت أعظم نكبة في التأريخ للبرامكة بعد أن كانت الدنيا بأيديهم فقد زهرت لهم وتمتعوا بلذائذها وظفروا بنعيمها، فغزاهم الدهر بنكباته فصاروا من الذل والهوان بأقصى مكان فصودرت أموالهم وقتل جعفر وقذف أبوه يحيى وباقي أسرته ظلمات السجون حتى بلغ سوء حالهم أنّ من كان يذكر أيامهم كان ينال العقوبة والعذاب (2).

أساليب الرشيد مع الإمام الكاظم علیه السلام

كان الرشيد شديد الحقد على الإمام موسى الكاظم علیه السلام بالقياس إلى من سبقه من الخلفاء العباسيين وقد حاول أن يشل حركة الإمام علیه السلام ونشاطه فاتبع في ذلك أساليب متعددة، مثل الاستدعاءات المتكررة لبلاطه ثمّ الإعتقالات المتكررة، ثم محاولات الاغتيال، وقتل أتباع الإمام علیه السلام وشيعته، وزجّ البعض في السجون وبت الجواسيس بشكل مكثف لرصد كلّ حركة تصدر من الإمام علیه السلام .

وتراوحت سياسة الرشيد العدوانية مع الإمام منذ أن بويع للخلافة بين السجن والاتهام السياسي مرّة وبين الإكرام والتعظيم نفاقاً وكذباً مرّة أخرى، واليك بعض ما يصوّر سياسته على وجه الإجمال:

1 . جاء عن الفضل أنه قال: كنت أحجب للرشيد، فأقبل عليَّ يوماً غضباناً، وبيده سيف يقلبه. فقال لي: يافضل بقرابتي من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لمن لم تأتني بابن عمّي لآخذن الّذي فيه عيناك. فقلت: بمن أجيئك؟ فقال: بهذا الحجازي.

قلت: وأي الحجازيين؟ قال: موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن


1) راجع حياة الإمام موسى بن جعفر علیه السلام ، ج 2، ص 212 - 214.

2) راجع حياة الإمام موسى بن جعفر علیه السلام ، ج 2، ص 212 - 214.

علي بن أبي طالب. قال الفضل: فخفت من الله عزّ وجلّ إن جئت به إليه.

ثم فكرت في النقمة، فقلت له: أفعل. فقال: ائتني بسوطين وهصارين (1)وجلادين. قال فأتيته بذلك ومضيت إلى منزل أبي إبراهيم موسى بن جعفر علیه السلام فأتيت إلى خربة فيها كوخ (2)من جرائد النخل فإذا أنا بغلام أسود فقلت له: استأذن لي على مولاك يرحمك الله. فقال لي لج (3)ليس له حاجب ولابواب. فولجت إليه، فإذا أنا بغلام أسود بيده مقص يأخذ اللحم من جبينه وعرنين أنفه من كثرة سجوده. فقلت له: السلام عليك یابن رسول الله، أجب الرشيد.

فقال: ماللرشيد ومالي؟ أما تشغله نعمته عني؟ ثمّ قام مسرعاً، وهو يقول: لولا أني سمعت في خبر عن جدّي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إن طاعة السلطان للتقية واجبة (4)لما جئت.

فقلت له: استعد للعقوبة يا أبا إبراهيم رحمك الله . فقال علیه السلام أليس معي من يملك الدنيا والآخره؟ ولن يقدر اليوم على سوء بي إن شاء الله.

قال الفضل بن الربيع: فرأيته وقد أدار يده يلوّح بها على رأسه ثلاث مرات.

فدخلت إلى الرشيد، فإذا هو كأنه إمرأة تكلي قائم حيران.

فلما رآني قال لي: يافضل. فقلت: لبيك. فقال جئتني بابن عمي؟ قلت: نعم. قال: لا تكون أزعجته؟ فقلت: لا. قال: لا تكون أعلمته أني عليه غضبان؟ فإنّي قد هيجت على نفسي مالم أرده. إنذن له بالدخول. فأذنت له . فلما رآه وثب إليه قائماً وعانقه وقال له مرحباً يابن عمّي وأخي ووارث نسمتي ثمّ أجلسه على فخذه وقال له: ما الذي


1) آلة العصر و الكبس.

2) بيت من قصب.

3) ولج البيت دخل فيه.

4) روي الصدوق في أماليه، ص 277، ح .20. بإسناده عن أنس قال قال رسول الله: طاعة السلطان واجبة، ومن ترك طاعة السلطان فقد ترك طاعة الله، ودخل فيه نهيه إن الله عز وجل يقول: (ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكه).

قطعك عن زيارتنا؟ فقال: سعة ملكك وحبّك للدنيا.

فقال ائتوني بحقة الغاليه (1)فأتي بها فغلّفه بيده ، ثمّ أمر أن يحمل بين يديه خلع

وبدرتان دنانير.

قال الربيع فتبعته علیه السلام فقلت له: ما الذي قلت حتى كُفيت أمر الرشيد؟ فقال: دعاء جدي علي بن أبي طالب علیه السلام كان إذا دعا به ما برز إلى عسكر إلا هزمه ولا إلى فارس إلا قهره، وهو دعاء كفاية البلاء. قلت: وماهو ؟ قال: قلت: (اللهم بك أساور، وبك أحاول [وبك أحاور]، وبك أصول، وبك أنتصر، وبك أموت، وبك أحيا، أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، لاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم.

اللهم إنك خلقتني ورزقتني وسترتني عن العباد بلطف ما خولتني أغنيتني، وإذا هربت رددتني، وإذا عثرت أقلتني، وإذا مرضت شفيتني، وإذا دعوتك أجبتني سيدي إرض عنّي فقد أرضيتني)(2).

2 . يصوّر لنا عبدالله المأمون بن الرشيد مدى معرفة الرشيد بالإمام علیه السلام والتي تجلّت له من خلال الإكرام والإجلال الذي قام به الرشيد له علیه السلام مدى الحقد والبغض الذي كان يبطنه الرشيد إزاء الإمام علیه السلام ، ويوضح هذا المشهد ثقل الإمام الشعبي الذي دفع بالرشيد لإضلال الجماهير.

قال المأمون: لقد حججت مع الرشيد سنة فلمّا صار إلى المدينة تقدّم إلى حجابه وقال: لا يدخلنَّ عليَّ رجل من أهل المدينة ومكه من أبناء المهاجرين والأنصار وبني هاشم وسائر بطون قريش إلا نسب نفسه، فكان الرجل إذا أراد أن يدخل عليه يقول: أنا فلان ابن فلان حتى ينتهي إلى جده من هاشم أو قريش وغيرهما فيدخل ويصله


1) الغالية: جمعها: غوال: أخلاط من الطيب وتغلى: تطيب بالغالية.

2) يون أخبار الرضا، ج 1، ص 76، ح 5 بوسائل، ج 4، ص 977 و ج 11، صر 472، ح 3 وج 12، ص 159، ح 11 و بحار الأنوار، ج 48، ص 215، ح 16 و ج 85 ص 166، ح 16 وج 95، ص 212، ح 5.

الرشيد بخمسة آلاف وما دونها إلى مائتي دينار على قدر شرفه وهجرة آبائه، فبينما أنا ذات يوم واقف إذ دخل الفضل بن الربيع فقال يا أمير المؤمنين: على الباب رجل زعم أنه موسى بن جعفر ، بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام ، فأقبل علينا ونحن قيام على رأسه والأمين والمؤتمن وسائر القواد وقال: احفظوا على أنفسكم، ثمّ قال لآذنه: ائذن له ولا ينزل إلا على بساطي، فأنا كذلك إذ دخل شيخ قد أنهكته العبادة كأنه شنّ بال قد كَلم السجود وجهه وأنفه، فلما رأى الرشيد رمى بنفسه عن حمار كان يركبه فصاح الرشيد: لا والله إلا على بساطي فمنعه الحجاب من الترجّل، ونظرنا إليه بأجمعنا بالإجلال والإعظام، فمازال يسير على حماره حتى سار إلى البساط والحجاب والقوّاد محدقون به فنزل علیه السلام وقام إليه الرشيد واستقبله إلى آخر البساط وقبل وجهه ورأسه وأخذ بيده حتى جرّه إلى صدر المجلس وأجلسه معه وجعل يحدثه ويُقبل عليه ويسأله عن أحواله، ولما قام الرشيد لقيامه وودعه، أقبل عليّ وعلى الأمين والمؤتمن ، وقال: يا عبد الله ويا محمّد ويا إبراهيم ! سيروا بين يدي عمكم وسيدكم وخذوا بركابه وسووا عليه ثيابه (1).

3 . قال المأمون: فلما خلا المجلس قلت : يا أمير المؤمنين من هذا الرجل الذي عظمته وأجللته، وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته ، وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه، ثمّ أمرتنا بأخذ ركاب دابته؟ قال: هذا إمام الناس، وحجّة الله على خلقه، وخليفته على عباده . فقلت : يا أمير المؤمنين ! أوليست هذه الصفات كلّها لك وفيك؟!

فقال: أنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر ، وموسى بن جعفر إمام حق. والله يابني إنه لأحق بمقام رسول الله صلی الله علیه واله وسلم مني ومن الخلق جميعاً، ووالله لو


1) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 88، ح 1؛ بحار الأنوار، ج 48، ص 129، ح 4؛ حلية الأبرار، ج 2، ص 169 و مدينة المعاجز، ص 449، ح 74 و إثبات الهداة، ج 5 ص 511، ح 29 و مستدرك الوسائل، ج 2، ص 52.

نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك فإنّ الملك عقيم(1).

4 . فلما أراد الرحيل من المدينة إلى مكة أمر بصرة فيها مائتا دينار، ثم أقبل على الفضل بن الربيع فقال له ، إذهب بهذه إلى موسى بن جعفر علیه السلام وقل له: يقول لك أمير المؤمنين: نحن في ضيق وسيأتيك برنا بعد هذا الوقت.

فقمت في صدره فقلت: يا أمير المؤمنين تعطي أبناء المهاجرين والأنصار وسائر قريش، وبني هاشم، ومن لا يُعرف حسبه ونسبه خمسة آلاف دينار إلى مادونها وتعطي موسى بن جعفر وقد أعطيته مائتي دينار؟ أخسّ عطيّة أعطيتها أحداً من الناس. فقال: اسكت لا أم لك، فإنّي لو أعطيت هذا ماضمنته له، ماكنت آمنه أن يضرب وجهي غداً بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه، وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم من بسط أيديهم وأعينهم(2).

5 . اتهامات سياسية: ومن أساليب الرشيد التي كان يهدف منها تخويف الإمام علیه السلام هو اتهامه بأعمال سياسية محظورة بنظر الخلافة، مثل جباية الخراج، وعن هذا الاتهام يحدثنا الإمام موسى علیه السلام نفسه :

عن أبي أحمد هاني، قال الإمام موسى: لمّا أُدخلتُ على الرشيد سلمت عليه فردّ

علي السلام ثمّ قال: يا موسى بن جعفر ! خليفتان يُجبى إليهما الخراج؟!

فقلت: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تبوء بإثمي وإثمك، وتقبل الباطل من أعدائنا علينا، فقد علمت أنه قد كُذب علينا منذ قبض رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بما علم ذلك عندك، فإن


1) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 88، ح 11 و بحار الأنوار، ج 48، ص 129، ح 4 و مدينة المعاجز، ص 499، ح 74 و حلية الأبرار، ج 2، ص 269 و إثبات الهداة، ج 5، ص 511، ح 29 و مستدرك الوسائل، ج 2، ص 52، ح 5.

2) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 88، ح 11؛ بحار الأنوار، ج 48، ص 129، ح 4؛ الأبرار، ج 2، ص 269 ومدينة المعاجز، ص 449 ، ح 74 و إثبات الهداة، ج 5، ص 511، ح 29 و مستدرك الوسائل، ج 2، ص 52، ح 5.

رأيت بقرابتك من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أن تأذن لي أحدثك بحديث أخبرني به أبي، عن آبائه عن جدّي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فقال: قد أذنت لك فقلت: أخبرني أبي عن آبائه عن جدي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أنه قال: إنّ الرّحِمَ إذا مَسَّتِ الرّحِمَ تحركت واضطربت(1).

ثم سأله هارون الرشيد عن أفضلية أهل البيت وتقدّمهم على بني العباس فأجابه

الإمام عن علة ذلك ثمّ أطلق سراحه.

6 . إتهام الإمام بانحرافات فكرية: ومن الاتهامات التي خطط لها الرشيد إتهام الإمام بأفكار منحرفة عن السنّة، لتبرّر للرشيد اضطهاد الإمام وإدانته، وهذا ماتصوره لنا الرواية التالية:

قال: هارون للإمام: بقيت مسألة تخبرني بها ولا تضجر. فقال له الإمام علیه السلام : سل فقال: أخبروني أنكم تقولون: إنّ جميع المسلمين عبيدنا، وجوارينا، وأنكم تقولون: من يكون لنا عليه حق ولا يوصله إلينا فليس بمسلم.

فقال له الإمام موسى علیه السلام كذب الذين زعموا أننا نقول ذلك، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يصح البيع والشراء عليهم ونحن نشتري المملوك ونقول له يابني، يا ابنتي ونقعدهم يأكلون معنا تقرّباً إلى الله سبحانه فلو أنهم عبيدنا وجوارينا ماصح البيع والشراء (2).

7 . السخرية بالامام علیه السلام : عن علي بن يقطين قال: استدعى الرشيد رجلاً يُبطل به أمر أبي الحسن موسى بن جعفر علیه السلام ويقطعه ويخجله في المجلس، فانتدب له رجل معزم (رجل عنده العزيمة والرقى).

فلما أحضرت المائدة عمل ناموساً على الخبز، فكان كلما رام خادم


1) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 81، ح 9؛ وسائل الشيعة، ج 14، ص 275، ح 3 و بحار الأنوار، ج ،48، ص 125، ح 2 و ج 73، ص 273.

2) فرج المهوم، ص 107، ح 25 و بحار الأنوار، ج 48، ص 145، ح 21 و ج 058 ص 252، ح 36 و مستدرك الوسائل، ج 2، ص 433، ح 10.

أبي الحسن علیه السلام أن يناوله رغيفاً من الخبز طار من بين يديه واستفز [استخف ] هارون الفرح والضحك لذلك. فلم يلبث أبو الحسن أن رفع رأسه إلى أسد مصوّر على بعض الستور فقال له: يا أسد الله خذ عدو الله.

فوثبت تلك الصورة كأعظم ما يكون من السباع ، فافترست ذلك المعزم، فخر هارون وندماؤه على وجوههم مغشياً عليهم وطارت عقولهم خوفاً من هول مارأوه. فلمّا أفاقوا من ذلك بعد حين ، قال هارون لأبي الحسن علیه السلام : أسألك بحقي عليك لما سألت الصورة أن تردّ الرجل.

فقال: إن كانت عصى موسى ردّت ما ابتلعته من حبال القوم وعصيهم، فإن هذه

الصورة تردّ ما ابتلعته من هذا الرجل. فكان ذلك أعمل الأشياء في إفاقة نفسه(1).

8 . محاولة اغتيال الإمام علیه السلام : لما هم هارون الرشيد بقتل موسى بن جعفر علیه السلام دعا الفضل بن الربيع وقال له : قد وقعت لي إليك حاجة أسألك أن تقضيها ولك مائة ألف درهم .

فخر الفضل عند ذلك ساجداً وقال: أمر أم مسألة؟ قال: بل مسألة. ثم قال: أمرت بأن تحمل إلى دارك في هذه الساعة مائة ألف درهم، وأسألك أن تصير إلى دار موسى بن جعفر وتأتيني برأسه.

قال الفضل: فذهبت إلى ذلك البيت فرأيت فيه موسى بن جعفر وهو قائم يصلي، فجلست حتى قضى صلاته، وأقبل الي وتبسم وقال: عرفت لماذا حضرت، أمهلني حتّى أُصلي ركعتين.

قال: فأمهلته فقام فأسبغ الوضوء، وصلّى ركعتين وأتم الصلاة بحسن ركوعها وسجودها، وقرأ خلف صلاته [حرزاً] فاندرس وساخ في مكانه، فلا أدرى أأرض


1) عون أخبار الرضا، ج 1، ص 95؛ أمالي الصدوق، ص 127، ح 19؛ المناقب، ح 3، ص 417؛ بحار الأنوار، ج 48، ص 41 و 42.

ابتلعته ؟ أم السماء اختطفته؟ فذهبت الى هارون وقصصت عليه القصة.

قال: فبكى هارون، ثمّ قال: قد أجاره الله مني (1)

5. ص 564. ح 114..

الخاصه

يبدأ العهد الثالث من عصر الإمام الكاظم علیه السلام بعهد حكم الرشيد سنة 170 ه- و ينتهي باستشهاده علیه السلام سنة 183ه-

و تميز عهد الرشيد بخصائص منها : سعة نفوذه، والثراء الفاحش في عاصمته وانهماكه بلذائذ الحياة ومحرماتها والذي انعكس على الأمة وأفرز عدة ظواهر سلبيّة منها التميع الأخلاقي والفقر والبؤس والحرمان لعامة المسلمين والطبقات المستضعفة.

و اضطهد العلويين وأقسم على إبادتهم وحارب خط أهل البيت علیه السلام ومنهجهم ونشط في محاربة الزندقة وتعدّى ذلك إلى اتهام خصوم الحكم العباسي بالزندقة كما نشط المعتزلة وأعلنوا عقيدتهم بخلق القرآن وحاول الرشيد تنفيذ حكم القتل بكل من يتظاهر بهذه العقيدة.

و استخدم الرشيد شتى الأساليب الدنيئة ضد الإمام الكاظم علیه السلام محاولاً إرغامه على الاعتراف بشرعيّة حكمه وكان منها عدة محاولات لاغتياله وتصفية وجوده الشريف.


1) مهج الدعوات، ص 23 و بحار الأنوار، ج 94، ص 332، ح 5 و إثبات الهداة، ج

الأسئلة

1 . كيف نحدّد العهد الثالث من عصر الإمام الكاظم علیه السلام ؟

2 . ما هي مميزات عهد هارون؟

3 . ما هي الآثار السلبية لانهماك هارون بملاذ الحياة الدنيا؟

4 . لماذا كان تعامل هارون الرشيد مع العلويين قاسياً؟ وكيف ذلك؟

5 . لماذا نشطت الزندقة في عهد هارون الرشيد؟

6 . هل استخدم الاتهام بالزندقة لإبادة الشيعة؟ ولماذا؟

7. ما هي محاولات هارون الرشيد ضد الإمام الكاظم علیه السلام؟

الدرس 7: مواقف و نشاطات الإمام الكاظم علیه السلام في عهد الرشيد

1 . موقف الإمام الكاظم علیه السلام من سياسة الرشيد

إن موقف الإمام الكاظم علیه السلام من الرشيد لم يكن موقفاً استسلامياً لمخططه الذي كان يهدف منه إخضاع الإمام علیه السلام وتنازله لإرادة الرشيد. بل كان موقفاً يتحدّى خطط الرشيد، بالرغم من أنّ بعض المواقف للإمام علیه السلام قد أخذت طابعاً مرناً من الرشيد وذلك لمعرفة الإمام به وبنواياه حيث راعى علیه السلام في مواقفه مصلحة أهم.

وهنا نختار بعض المشاهد التي تعبر عن حقيقة موقف الإمام علیه السلام من حكومة الرشيد.

الموقف الأوّل: قال محمد بن طلحه الأنصاري : كان مما قال هارون لأبي الحسن علیه السلام حين أدخل عليه: ما هذه الدار؟ فقال: هذه دار الفاسقين، قال الله تعالى: «سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً»(1).


1) الأعراف / 146.

فقال له هارون: فدار من هي؟ قال: هي لشيعتنا فترة ولغيرهم فتنة.

فقال: فما بال صاحب الدار لا يأخذها؟

فقال: أخذت منه عامرة ولا يأخذها إلّا معمورة.

قال: فأين شيعتك؟ فقرأ أبو الحسن علیه السلام : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة(1).

قال: فقال له: فنحن كفّار ؟ قال : لا ، ولكن كما قال الله: (الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار)(2).

فغضب عند ذلك عليه، فقد لقيه أبو الحسن علیه السلام بمثل هذه المقالة، وما رهبه، وهذا خلاف قول من زعم أنه هرب منه من الخوف(3).

الموقف الثاني: قال الإمام الكاظم علیه السلام : قال لي هارون: أتقولون إن الخمس لكم؟ قلت: نعم.

قال: إنّه لكثير . قال: قلت: إن الذي أعطاناه علم أنه لنا غير كثير (4).

الموقف الثالث : كان هارون الرشيد يقول لموسى بن جعفر علیه السلام : خُذ فدكاً حتى أردّها إليك، فيأبى حتى ألح عليه.

فقال علیه السلام لا آخذها إلا بحدودها قال: وما حدودها؟

قال: إن حددتها لم تردّها. قال: بحق جدّك إلا فعلت.

قال: أما الحدّ الأوّل فعدن . فتغير وجه الرشيد وقال: ايهاً.

قال: والحد الثاني سمرقند. فأريد وجهه.


1) البينة / 1.

2) إبراهيم / 28.

3) الاختصاص، ص 256؛ بحار الأنوار، ج 48، ص 156 ، ح 28 و ج 72، ص- 136 ، ح 22.

4) بحار الأنوار، ج 48، ص 158، ج 23 و ج 96، ص 188 ، ح 2.

قال: والحد الثالث إفريقية. فاسود وجهه وقال: هيه

قال: والرابع سيف البحر مما يلي الجزر وأرمينية.

قال الرشيد: فلم يبق لنا شيء، فتحوّل إلى مجلسي !

قال موسى : قد أعلمتك أنني إن حدّدتها لم تردّها. فعند ذلك عزم على قتله (1).

وقد سبق مثل هذا الموقف للإمام علیه السلام مع المهدي (والد الرشيد).

ويبدو ومن سياق النص أنّ الرشيد كان بصدد الاستفزار للإمام علیه السلام حينما كان يصر عليه بأخذها وهو قد سبق بموقف الإمام من فدك في عهد والده. الموقف الرابع: لما دخل هارون الرشيد المدينة توجه لزيارة النبي صلی الله علیه واله وسلم الناس، فتقدّم الرشيد إلى قبر رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وقال: السلام عليك يارسول الله يابن عمّ، مفتخراً بذلك على غيره.

فتقدم أبو الحسن علیه السلام فقال: السلام عليك يارسول الله، السلام عليك يا أبه، فتغيّر وجه الرشيد وتبين الغيظ فيه (2).

2 . نشاطات الإمام الكاظم علیه السلام في عهد الرشيد

كان الإمام علیه السلام قد قطع أشواطاً في منهجه التربوي كما عرفنا ذلك فلابد أنه كان يواصل بناءه التربوي والعلمي في هذه المرحلة ولاسيما في العقد الأوّل من حكم هارون .

وتمثل نشاه في تعميق ما أسس له سابقاً، مع توجيه الطاقات وتحريكها باتجاه


1) مناقب الشيعة، ج 3، ص 435؛ بحار الأنوار، ج ،48، ص 144، ح 20 وأورده الزمخشري في ربيع الأبرار مرسلاً وتذكرة الخواص، ص 350.

2) الإرشاد للمفيد، ص 334 و إعلام الورى، ص 307 و بار الأثوار، ج 48، ص 103، ح 7 و تأريخ بغداد للخطيب، ج 13، ص 31 و سير أعلام النبلاء، ج 6، ص 273 و وفيات الأعيان، ج 5، ص 309 و تذكرة الخواص، ص 350 و البداية والنهاية، ج 10، ص 183.

الأهداف الكبرى التي كان يسعى لها الأئمة علیه السلام مع تأصيل وتوسيع تأصيل وتوسيع دائرة الامتداد الشيعي في أوساط الأمة الإسلامية كي يمتلك القدرة اللازمة على مواجهة التحديات التي يترقبها الإمام علیه السلام للوجود الشيعي.

ويتم الحديث ضمن عدة مجالات:

1. المجال السياسي

قام الإمام موسى الكاظم علیه السلام في هذا المجال بخطوات تربوية تحصينية لشيعته، منها:

أ . تأكيد الانتماء السياسي لخط أهل البيت علیه السلام ، فلقد تشدّد علیه السلام على محبيه وشيعته وحرّم عليهم التعاون مع السلطات العبّاسيّة الظالمة، وأخذ يعمّق في نفوسهم الدقة في تطبيق مبدأ رفض الظلم، وأعطاهم وعياً سياسياً يُحصنهم من الانحراف أو الاستجابة لمخطط الخلفاء الظالمين، وموقفه مع صفوان يكشف لنا دقة المنهج التربوي عند الإمام علیه السلام مع شيعته. وخلاصة الحديث كما يلي:

دخل صفوان بن مهران الأسدي على الإمام موسى الكاظم علیه السلام فقال له: ياصفوان، كلّ شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً. قال: جعلت فداك، أي شيء هو ؟ قال: إكراؤك جمالك هذا الرجل - يعني هارون الرشيد - قال: والله ما أكريته أشراً ولا بطراً، ولا للصيد، ولا للهو، ولكن لهذا الطريق - يعني طريق مكه - ولا أتولاه بنفسي ولكن أبعث معه غلماني. قال: ياصفوان أيقع كراك عليهم؟ قال: نعم جعلت فداك قال أتحب بقاءهم حتى يخرج كراك ؟ قال نعم قال: مَنْ أحب بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم كان وارداً النار.

وقام صفوان من وقته فباع جماله وأعرض عن مهنته فبلغ ذلك هارون فأرسل خلفه، فلمّا مثل عنده قال له وهو يتميّز من الغيظ: قال يا صفوان: بلغني أنك بعت جمالك - قال: نعم قال: ولم قال: أنا شيخ كبير، وإنّ الغلمان لا يقوون على الأعمال.

قال: هيهات هيهات!! إني لأعلم من أشار عليك بهذا، أشار عليك موسى بن جعفر قال: مالي ولموسى بن جعفر ؟! قال : دع عنك هذا، فوالله لولا حسن صحبتك لقتلتك (1).

ب . التأكيد على الالتزام بمبدأ التقية.

ومن الأساليب التي أكدها الإمام الكاظم علیه السلام لشيعته وشدّد على أهمية الالتزام بها كمبدأ تحصيني، يُحافظ على الوجود الشيعي ويقيه من الضربات الخارجية هو مبدأ التقية. فقد روى معمر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن موسى علیه السلام عن القيام للولاة، فقال علیه السلام : قال أبو جعفر علیه السلام : «التقية ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لاتقية له»(2).

وحدث درست بن أبي منصور، قال: كنت عند أبي الحسن موسى علیه السلام وعنده الكميت بن زيد، فقال له الإمام علیه السلام : أنت الذي تقول.

فالآن صرت إلى أمية *** والأمور إلى مصائر

فقال الكميت: قد قلت ذلك، والله ما رجعت عن إيماني، وأني لكم لموالولعدوّكم لقال، ولكن قد قلته على التقية. فقال علیه السلام ان التقية لتجوز على شرب الخمر (3).

ج - نشط الإمام موسى علیه السلام عن طريق أصحابه، بالنفوذ والاندساس في الجهاز الحاكم فقد تصدر أصحاب الإمام علیه السلام مواقع سیاسیه مهمه في الحكومة العباسية، وكان الإمام علیه السلام يثني عليهم ويثمن عملهم لكنّه كان يشترط عليهم قضاء حوائج المؤمنين.

وإليك قائمة بأسماء أصحاب الإمام علیه السلام الذين شغلوا مواقع مهمة في

السلطة العباسية، وكانوا من أعاظم العلماء وأجلاتهم، منهم:

1 . عليّ بن يقطين: نشأ يقطين بالكوفة وكان يبيع الأبزار وكان يقول بالإمامة، وقد


1) النجاشي، ص 146 و الكشي، ص 276.

2) وسائل الشيعة، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3) كتاب الأمر بالمعروف.

اتصل بأبي العباس السفاح والمنصور والمهدي، ولما انتقل يقطين إلى دار الحق قام ولده عليّ مقامه فاتصل اتصالاً وثيقاً بالعباسيين، وتولّى المناصب المهمه في الدولة وكان عوناً للمؤمنين، وقام بتزويح عدد منهم وكان يعيل عوائل قسم كبير منهم، فقد حدث سليمان كاتبه فقال: أحصيت لعلي من يحجّ عنه في عام واحد مائة وخمسين رجلاً، أقل من أعطاه منهم سبعمائة درهم وأكثر من أعطاه عشرة آلاف درهم وزوّج ثلاثة أو أربعة من أولاد الامام علیه السلام وأنفق أموالاً ضخمة في وجوه البر والإحسان.

تقلّد عليّ أزمة الأزمة في أيام المهدي ومن بعده عينه هارون وزيراً له (1)وكان على اتصال سري ودائم مع الإمام علیه السلام .

2 . حفص بن غياث الكوفي، ولي القضاء ببغداد الشرقية من قبل هارون ثم تولى

قضاء الكوفة وتوفي سنة 194 ه- (2).

3 . عبدالله بن سنان بن طريف ، كان خازناً للمنصور والمهدي والهادي والرشيد(3).

4 . الفضل بن سليمان الكاتب البغدادي، كان يكتب للمنصور والمهدي (4).

5 . محمد بن إسماعيل بن بزيع من صلحاء الطائفة ومن عيونها وأحد رواة حديث

الإمام موسى الكاظم علیه السلام . كان مولى للمنصور وأحد وزراء الدولة العباسية (5).

6 . الحسن بن راشد مولى بني العباس: كان وزيراً للمهدي وموسى الهادي وهارون الرشيد".

وكان هؤلاء من أصحاب الإمام موسى الكاظم علیه السلام ورواة حديثه(6).


1) الكشي، ص 270 و الفهرست لابن الندیم، ص 328

2) تنقيح المقال، ج 1، ص 355.

3) جامع الرواة، ج 1، ص 487.

4) النجاشي، ص 255.

5) النجاشي، ص 255.

6) منهج المقال ص 98

2. المجال التربوي كان الإمام الكاظم علیه السلام يعتني بشيعته تربوياً حيث كان يصدر توجيهاته باستمرار إليهم ويرصد أوضاعهم ويتابع أحوالهم الأخلاقية والسلوكية ويعمل على تنميتهم وايصالهم إلى المستوي المطلوب.

وحين نطالع موقف الإمام الكاظم علیه السلام من علي بن يقطين بالنسبة لتعامله مع أحد شيعته (وهو إبراهيم الجمال ) نستطيع أن نكتشف مدى اهتمام الإمام علیه السلام بالجانب التربوي لأصحابه وشيعته.

فعن محمد بن علي الصوفي قال: استأذن إبراهيم الجمال. على أبي الحسن علي بن يقطين الوزير فحجبه، فحجّ عليّ بن يقطين في تلك السنة فاستأذن بالمدينة على مولانا موسیٰ بن جعفر فحجبه فرآه ثاني يومه فقال عليَّ بن يقطين: ياسيدي ماذنبي؟ فقال: حجبتك لأنك حجبت أخاك إبراهيم الجمّال وقد أبى الله أن يشكر سعيك أو يغفر لك إبراهيم الجمّال ، فقلت : سيدي ومولاي من لي بإبراهيم الجمال في هذا الوقت وأنا بالمدينة وهو بالكوفة؟ فقال: إذا كان الليل فامض إلى البقيع وحدك من غير أن يعلم بك أحد من أصحابك وغلمانك واركب نجيباً هناك مسرجاً قال: فوافي البقيع وركب النجيب ولم يلبث أن أناخه على باب إبراهيم الجمّال بالكوفة فقرع الباب وقال: أنا علي بن يقطين.

فقال: إبراهيم الجمال من داخل الدار وما يعمل علي بن يقطين الوزير بيابي؟! فقال: علي بن يقطين: ياهذا إنّ أمري عظيم ثمّ أقسم عليه بأن يسمح له بالدخول، فلما دخل قال: يا إبراهيم إنّ المولى علیه السلام أبى أن يقبلني أو تغفر لي، فقال: يغفر الله لك فآلى عليّ بن يقطين على إبراهيم الجمال أن يطأ خده فامتنع إبراهيم من ذلك فأبى عليه ثانياً ففعل، فلم يزل إبراهيم يطأ خده وعلي بن يقطين يقول: اللهم اشهد، ثم انصرف وركب النجيب وأناخه في ليلته بباب المولى موسى بن جعفر علیه السلام بالمدينة فأذن له ودخل عليه فقبله (1).


1) بحار الأنوار، ج 48، ص 85، ح 105.

3. المجال الفكري

لم يترك الإمام موسى الكاظم علیه السلام ذلك الزخم العظيم من علماء مدرسة الإمام الصادق علیه السلام ولم يترك تلك الثورة الفكرية هملاً بلا ترشيد، وإنما واصل علیه السلام دوره في التوجيه والتطوير وأبقى صلته بهم وثيقة حيث نجد التفاف هؤلاء حول الإمام الكاظم علیه السلام بعد أبيه.

فقام علیه السلام بإكمال المسيرة العلمية التي بدأها أهل البيت علیه السلام وتوجها بتوجيهاته العلمية. وتشهد آثاره التي تركها لنا هذا الإمام العظيم على عظمة الانجاز العلمي والفكري الذي قام به صلوات الله عليه واستطاع بفضل ذلك أن يواصل عملية التغيير الاجتماعي كيفاً وكما كما استطاع أن يحافظ على الوجود الشيعي بالرغم من كلّ الظروف العصبة التي كانت تحيط بهذا الوجود، بل أصبح هذا الوجود المتنامي أقرب إلى أهدافه التي رسمها له أهل البيت علیه السلام في مجال الاستقلال والشموخ العلمي والعملي والتنظيمي والتغييري في آفاق العالم الإسلامي، وبرزت مدرسة أهل البيت علیه السلام في الفقه والحديث والتفسير والسياسة والأخلاق وغيرها من فروع المعرفة الإسلامية.

واستلهم طلاب الإمام علیه السلام وتلامذته من توجيهاته وخطه الفكري والعملي فلعبوا أدواراً في مختلف الميادين السياسية والجهادية والفكرية، وكلُّ قد أبدع وأضاف فيما انطلق به كمهمة قد وجد نفسه مكلّفاً بها.

حركة التأليف في عصر الإمام الكاظم علیه السلام

إن حركة التأليف تعتبر ظاهرة متميزة في عصر الإمام الكاظم علیه السلام إذا قورنت بمثلها في عصور من سبقه من الأئمة علیه السلام . وساهمت هذه ، الظاهرة في تطوير حركة الوعي والتثقيف انطلاقاً من الشعور بالمسؤولية، في ردّ الشبهات والدفاع عن المعتقدات الإسلامية.

ولم ينحصر التأليف في حقل خاص من حقول المعرفة وإنّما شمل السياسة ،

والأدب، والتأريخ والحديث والتفسير وغيرها.

ولم تخضع حركة التأليف إلى إشراف مباشر من الإمام علیه السلام وإنما أخذت طابعاً مركزياً ينطلق فيه الكاتب ممّا استوحاه من الخطّ الفكري العام للإمامين الصادق والكاظم علیه السلام .

وإليك بعض الأسماء اللامعة من أصحاب الإمام الكاظم علیه السلام ممن ألف، ومارس هذه المهمة بجد.

اسم المؤلّف

1 . أبان بن تغلب 7

2 . بكر بن محمد 1

3 . جميل بن درّاج 1

4. حماد بن عيسى البصري 3

5 . سعيد بن ضباح الكوفي 2

6 . صفوان بن يحيى السابري 30

7 . الحسين بن عليّ 7

8 . الحسن بن محبوب السراد 6

9 . حذيفة بن منصور 1

10 . الحسن بن علي بن يقطين 1

11 . الحسن بن محمد بن سماعة الكندي 30

12 . عبدالله بن جبلة 7

13 . علي بن الحسن الطاطري 14

14 . هشام بن الحكم 30

15 . علي بن يقطين (1)3

عدد الكتب


1) راجع أسماء هذه الكتب في (تأريخ التشريع الإسلامي) للشيخ عبدالهادي الفضلي.

ظاهرة المناظرات

من الأنشطة الفكرية التي عُرفت في عصر الإمام الكاظم علیه السلام والتي كانت ذات تأثير فكري كبير هي المناظرات العلمية.

وبدأت هذه الظاهرة بوضوح في عصر الإمام الصادق علیه السلام واستمرت في عصر الإمام الكاظم علیه السلام .

وقد استثمر علیه السلام هذه الظاهرة وأعدا لها نخبة من العلماء المتخصصين في هذا الميدان الذين تعهدوا بالدفاع عن مذهب أهل البيت علیه السلام وتعريفه للناس.

واستطاعوا رغم الحصار المضروب عليهم أن يروّجوا للمذهب، وقد حققوا انتصارات مشهودة وكبيرة كما وقد نشطوا من جانب في دحض الشبهات والاتهامات التي كانت تثار ضدّ الفكر الإسلامي العام.

واستطاعوا أن يقفوا بوجه الموجات الانحرافية والحركات الإلحادية.

وإليك نموذج هشام بن الحكم الذي نشط في هذا الميدان في عصر الإمامين الصادق والكاظم علیه السلام واشتهر بقدرته الفائقة في ميدان المناظرة والانتصار لمذهب أهل البيت علیه السلام .

ويعتبر هشام بن الحكم من أفذاد الأمة الإسلامية ومن كبار علمائها، وفي طليعة المدافعين عن خط أهل البيت علیه السلام . جاهد طويلاً في نصرة الحق خصوصاً في عصر الرشيد، الذي انعدمت فيه الحريات، وإذ كان الذاكر لفضائل أهل البيت عرضة للانتقام والتنكيل من قبل السلطة.

كان من أصحاب الإمام الصادق وبعد وفاته اتصل بالإمام الكاظم علیه السلام واختص في علم الكلام فكان من كبار المتكلمين في عصره، وشهد له بذلك ابن النديم ونظراً لاختصاصه في هذا الفن فقد حكى يحيى بن خالد البرمكي مجلسه به وجعله قيماً المجالس كلامه (1).

وخاض هشام مع علماء الأديان والمذاهب مناظرات مستدلاً على صحة مبدئه وبطلان أفكارهم، ونظراً لخطورة استدلاله وقوّة حجّته كان الرشيد يحضر من وراء


1) الفهرست لابن النديم، ص 263.

الستار فيصغي إليها ويعجب بها، ولقد خاض مناظرات مع زعيم المعتزلة الروحي عمر بن عبيد(1).

ووجه يحيى بن خالد البرمكي سؤالاً لهشام بحضرة الرشيد من أجل إحراجه قائلاً له: أخبرني عن عليّ والعبّاس لما اختصما إلى أبي بكر في الميراث أيهما كان المحق من المبطل ؟ فاستولت الحيرة على هشام لأنه قال في نفسه: إن قلت عليّاً كان مبطلاً کفرت، وإن قلت العبّاس كان مبطلاً ضرب رشيد عنقي.

فقال هشام : لم يكن من أحدهما خطأ وكانا كلاهما محقين، ولهذا نظير قد نطق به القرآن في قصة داود علیه السلام حيث يقول الله تعالى: وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ، إلى قوله تعالى : خصمان بغى بعضنا على بعض. فأي الملكين كان مخطئاً؟ وأيهما كان مصيباً؟ أم تقول : إنهما كانا مخطئين فجوابك في ذلك جوابي بعينه.

فقال يحيى: لست أقول الملكين أخطئا، بل أقول: إنّهما أصابا وذلك أنهما لم يختصما في الحقيقة ولا اختلفا في الحكم وإنّما أظهرا ذلك لينتها داود على الخطيئة ويعرّفاه الحكم ويوقفاه عليه.

فقال هشام !كذلك عليّ والعبّاس لم يختلفا في الحكم ولا اختصما في الحقيقة وإنما أظهرا الاختلاف والخصومة لينتها أبابكر على غلطه ويوقفاه على خطيئته ويدلاه على ظلمه في الميراث ولم يكونا في ريب من أمرهما.

فتحيّر يحيى ولم يحر جواباً، واستحسن الرشيد هذا البيان الرائع الذي تخلّص به

هشام (2).

وله مناظرات من هذا القبيل مع النظام (3)ومع ضرار الضبي.


1) الكشي، 176 و 177 و أمالي الشيعة، ج 1، ص 55 و مروج الذهب، ج 2، ص 382

2) الفصول المختارة، ج 1، ص 24 - 25 و وردت المناظرة باختصار في عون أخبار الرضا، ج 2، ص 15.

3) الكشي، ص 165- 184 .

الخاصه

كان موقف الإمام الكاظم علیه السلام من الرشيد صلباً تحدى فيه كبرياء هارون وجبروته ولم يفلح هارون لإخضاع الإمام بأي نحو من الأنحاء.

و كان الإمام - رغم حراجة الظرف - نشطاً في تربيته السياسية والأخلاقية والعلمية لأصحابه وأتباعه الذين يشكلون أعمدة كيان الطائفة الموالية لأهل البيت ويعتبرون رموزها.

وقد نشطت حركة التأليف في عصر الإمام الكاظم علیه السلام إلى جانب حركة المناظرة التي كان ثمنها باهضاً، ولكنها كانت ضرورة من ضرورات المرحلة التي كان يقطعها الكيان الشيعي باتجاه إثبات حقانيته وتميز رموزه عن سائر الخطوط الفكرية والسياسية في الأمة الإسلامية.

الأسئلة

1 . اذكر نموذجين من مواقف الإمام الكاظم علیه السلام الاتجاه الرشيد.

2 . ماهي دلالات المواقف التي وقفها الإمام الكاظم علیه السلام بالنسبة للرشيد؟

3 . ماهي المواقف السياسية لأتباع أهل البيت علیه السلام تجاه الحكم العباسي في عصر الإمام الكاظم علیه السلام ؟

4 . هل استطاعت الظروف الحرجة في عهد هارون أن تمنع الإمام علیه السلام من نشاطه التربوي والتعليمي؟ وكيف؟

ه . هل نشطت حركة التأليف في عصر الإمام الكاظم علیه السلام و لماذا؟

6 . ما هو دور الإمام الكاظم علیه السلام في تنشيط حركة التأليف في عصره؟

7 . لماذا نشطت حركة المناظرة عند أصحاب الأئمّة؟ ومتى ظهر هذا النشاط ؟

الدرسان 8 و 9: اعتقالات الإمام الكاظم علیه السلام

التخطيط لسجن الإمام علیه السلام

إن سلوك الإمام علیه السلام وتأثيره في الأمة كان كافياً لدفع الرشيد لأن يخطط لسجن الإمام علیه السلام وبالتالي اغتياله وقتله، هذا فضلاً عن كون الرشيد قد قطع على نفسه في بداية تسلّمه الحكم بأن يستأصل العلويين.

فإذا كان هذا شعاره وتعامله مع العلويين فكيف لا يحقد على زعيم العلويين

وقائدهم؟

نعم هناك بعض الأسباب التي قد افتعلها الرشيد ليتمسّك بها كذريعة ليبرّر جريمته ضد الإمام الكاظم علیه السلام وهي توظيف الوشاة للإخبار عن توظيف الوشاة للإخبار عن نشاط الإمام والايحاء لهم بأنه يزاحم ملك هارون.

ولم يستطيع الرشيد السكوت على نشاط الإمام علیه السلام ووجوده فضاق صدره وأزعجه انتشار إسم الإمام لأنّ الناس غدت تتناقل مآثر الإمام وعلمه وأخلاقه، حتى كانت حادثة زيارة هارون لقبر الرسول صلی الله علیه واله وسلم ولقاء الإمام به وموقف الإمام منه حيث غضب الرشيد وخاطب الرسول صلی الله علیه واله وسلم قائلاً.

بأبي أنت وأمى إلى أعتذر إليك من أمر عزمت عليه أني أريد أن آخذ موسى بن

جعفر فأحبسه لأني قد خشيت أن يلقي بين أمتك حرباً يسفك بها دماءهم.

لقد كان للوشهاة دور سلبي ضدّ الإمام علیه السلام ، فقد تحرّك يحيى بن خالد قبل ذلك ليهيء مقدمات اعتقال الإمام علیه السلام فأغرى ابن أخ الإمام محمد بن إسماعيل أو علي كما في بعض الروايات لغرض الوشاية بالإمام، ونلاحظ الموقف السامي للإمام علیه السلام إزاء تصرّف إبن أخيه الشنيع حيث استجاب محمد لإغراء يحيى والتقى بالطاغية في بغداد وطعن بالإمام علیه السلام بما يرغب به الرشيد.

عن علي بن جعفر بن محمد علیه السلام قال: جاءني محمّد بن إسماعيل بن جعفر(1)يسألني أن أسأل أبا الحسن موسى علیه السلام أن يأذن له في الخروج إلى العراق وأن يرضى عنه، ويوصيه بوصية.

قال: فتنحيت حتى دخل المتوضأ وخرج وهو وقت يتهيأ لي أن أخلو به وأكلمه. قال: فلما خرج قلت له: إن ابن أخيك محمد بن إسماعيل يسألك أن تأذن له في

الخروج إلى العراق، وأن توصيه فأذن له علیه السلام .

فلما رجع إلى مجلسه قام محمّد بن إسماعيل وقال: ياعم أحب أن توصيني. فقال: اوصيك أن تتقي الله في دمي. فقال: لعن الله من يسعى في دمك، ثم قال: ياعم أوصني فقال: أوصيك أن تتقي الله في دمي.

قال: ثم ناوله أبو الحسن صرّة فيها مائة وخمسون ديناراً فقبضها محمد، ثم ناوله إخرى فيها مائة وخمسون ديناراً فقبضها، ثمّ أعطاه صرّة أخرى فيها مائة وخمسون ديناراً فقبضها، ثمّ أمر له بألف وخمسمائة درهم كانت عنده. فقلت له في ذلك، واستكثرته ! فقال: هذا ليكون أوكد لحجتي إذا قطعني ووصلته.

قال: فخرج إلى العراق، ولما وصل بغداد قصد باب هارون بثياب سفره قبل أن ينزل، واستأذن عليه، وقال للحاجب : قل لأمير المؤمنين : أنّ محمّد بن إسماعيل بن


1) في بعض الروايات (محمد بن إسماعيل) وفي بعضها «علي بن إسماعيل».

جعفر بن محمد بالباب.

فقال الحاجب : إنزل أوّلاً وغيّر ثياب طريقك وعُد لأدخلك عليه بغير إذن، فقد نام أمير المؤمنين في هذا الوقت . فقال: أعلم أمير المؤمنين أني حضرت ولم

تأذن لي.

فدخل الحاجب وأعلم هارون قول محمد بن إسماعيل، فأمر بإدخاله عليه، فدخل وقال: يا أمير المؤمنين خليفتان فى الأرض؟! موسى بن جعفر بالمدينة يُجبى له

الخراج، وأنت بالعراق يُجبى لك الخراج؟! فقال: والله؟! فقال: والله.

قال: فأمر له بمائة ألف درهم فلما قبضها وحمل إلى منزله، أخذته الذبحة في جوف ليلته فمات، وحُوِّل من الغد المال الذي حمل إليه (1).

هذه هي بعض الأساليب التي خطط لها يحيى بإيعاز من الرشيد.

اعتقال الإمام علیه السلام

بعد زيارة الرشيد لقبر الرسول صلی الله علیه واله وسلم أمر الطاغية هارون باعتقال الإمام علیه السلام فألقي القبض على الإمام وهو قائم يصلي عند رأس جده النبي صلی الله علیه واله وسلم ولم يمهلوه لإتمامها، فحمل وقيد فشكئ الإمام ذلك لجده الرسول صلی الله علیه واله وسلم قائلاً: إليك أشكو يارسول الله (2).

وبعد اعتقال الإمام غدت الناس تتحدّث فيما بينها باستنكار عن هذا الحدث المهم وتألمت الأمة كثيراً فلم يبقَ قلب إلا وتصدّع من الأسى والحزن فخافت السلطة من أن يكون اعتقال الإمام محفزاً للثورة. فحُمِل الإمام على أحد جملين وأرسل واحد منهما إلى البصرة والثاني إلى الكوفة للإيهام على الناس لئلا يعرف محل انتقال الإمام علیه السلام .


1) رجال الكشي، ص 263، ح 478 عنه بحار الأنوار، ج 48، ص 239، ح 48 ورواه الكافي، ج 1، ص 485 ، ح 8 عنه وسائل الشيعة، ج 3، ص 358، ح 3 و في غيبته الشيخ الطوسي، ص 429، ح 1.

2) مناقب الشيعة، ج 2، ص 385.

الإمام علیه السلام في سجن البصرة

كان المأمور لحراسة الإمام علیه السلام أثناء الطريق من المدينة إلى البصرة حسان السروي(1)، وقبل أن يصل إلى البصرة تشرف بالمثول بين يديه عبدالله بن مرحوم الأزدي فدفع له الإمام علیه السلام كتباً وأمره بإيصالها إلى ولي عهده الإمام الرضاء علیه السلام وعرفه بأنه الإمام من بعده (2).

وسارت القافلة تطوي البيداء حتى وصلت البصرة وأخذ حسان الإمام علیه السلام ودفعه إلى عيسى بن أبي جعفر فحبسه في بيت من بيوت المحبس وأقفل عليه أبواب السجن فكان لا يفتحها إلا في حالة خروجه للطهور، أو لإدخال الطعام إليه(3).

لقد انقطع الإمام إلى عبادة الله تعالى فكان يصوم النهار ويقوم الليل، ويقضي وقته في الصلاة والسجود والدعاء، ولم يضجر ولم يسأم من السجن بل اعتبر علیه السلام التفرغ للعبادة من أعظم النعم عليه، وكان يقول في دعائه: اللهم إنك تعلم أني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك، اللهم وقد فعلت فلك الحمد (4).

ولما شاع خبر اعتقال الإمام في البصرة وعلم الناس مكانه؛ هبت إليه العلماء وغيرهم لغرض الاتصال به من طريق خفي وكان ممن اتصل به وهو في السجن ياسين الزياني حيث روى عنه (5)بعض ما أملاه عليه وأخبره به.

الإيعاز لعيسى باغتيال الإمام علیه السلام

وأوعز الرشيد إلى عيسى يطلب منه فوراً القيام باغتيال الإمام علیه السلام ، لكن لما


1) بحار الأنوار، ج 48، ص 221.

2) تنقيح المقال.

3) منتخب التواريخ، ص 518.

4) مناقب الشيعة، ج 2، ص 279

5) النجاشي، ص 352.

وصلت أوامر الرشيد إلى عيسى باغتياله علیه السلام ثقل عليه الأمر وجمع خواصه وثقاته فعرض عليهم الأمر فحذروه من ارتكاب الجريمة فاستصوب رأيهم، وكتب إلى الرشيد رسالة يطلب فيها إعفاءه عن ذلك.

حمل الإمام علیه السلام إلى بغداد

استجاب الرشيد لطلب عيسى وخاف منه أن يطلق سراحه ويخلي سبيله فأمره بحمله إلى بغداد، وفرح عيسى بذلك، ولما وصل الامام علیه السلام إلى بغداد أمر الرشيد باعتقاله عند الفضل فأخذه وحبسه في بيته.

وكان هارون يتوجس في نفسه الخوف منه ولم يثق بالعيون التي كان قد وضعها عليه في سجنه، فكان يراقبه ويتطلّع على شؤونه خوفاً من أن يتصل به أحد أو يكون الفضل قد وسّع عليه، فكان يطلّ كلّ يوم من أعلى القصر على السجن فيري ثوباً مطروحاً في مكان منه لم يتغيّر عن موضعه حتى قال يوماً للفضل: ماذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع ؟ فأجابه الفضل : يا أمير المؤمنين، ماذاك بثوب، وإنما هو موسى بن جعفر ، له في كلّ يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال، فانبهر هارون وقال: أما أنّ هذا من رهبان بني هاشم.

والتفت إليه الربيع بعد ما سمع منه اعترافه بزهد الإمام قائلاً له: يا أمير المؤمنين !

مالك قد ضيّقت عليه في الحبس؟! فأجابه هارون قائلاً: هيهات لابد من ذلك(1).

دعاء الإمام علیه السلام و إطلاق سراحه

ولمّا طالت مدة الحبس على الإمام علیه السلام - وهو رهين السجون -، قام في غلس الليل البهيم فجدّد طهوره وصلّى لربّه أربع ركعات وأخذ يدعو بهذا الدعاء:


1) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 95، ح 14 و الوسائل، ج 4، ص 1073، ح 1 و بحار الأنوار، ج 48، ص 220، ح 24.

ياسيدي! نجني من حبس هارون، وخلّصني من يده، يا مخلّص الشجر من بين رمل وطين، ويا مخلّص النار من بين الحديد والحجر ويا مخلّص اللبن من بين فرث ودم، ويا مخلّص الولد من بين مشيمة ورحم، ويا مخلّص الروح من بين الأحشاء والأمعاء، خلصني من يد هارون.

واستجاب الله دعاء العبد الصالح فأنقذه من سجن الطاغية هارون وأطلقه في غلس الليل، وكانت مدة مكث الإمام علیه السلام في سجن الفضل طويلة لم يعينها لنا التأريخ.

وبقي علیه السلام بعد إطلاق سراحه في بغداد لم يخرج منها إلى يثرب وكان يدخل على الرشيد في كل أسبوع مرة يوم الخميس (1).

الاعتقال الثاني

ولما شاع ذكر الإمام علیه السلام وانتشرت فضائله ومآثره في بغداد؛ ضاق الرشيد من ذلك، وخاف منه فاعتقله ثانية فأودعه في بيت الفضل بن يحيى.

ولمّا رأى الفضل عبادة الإمام علیه السلام وإقباله على الله وانشغاله بذكره أكبر الإمام علیه السلام ولم يُضيّق عليه وكان في كلّ يوم يبعث إليه بمائدة فاخرة من الطعام وقد رأى علیه السلام من السعة في سجن الفضل مالم يرها في بقية السجون.

ولما أوعز الرشيد للفضل باغتيال الإمام علیه السلام امتنع ولم يجبه، وخاف من الله؛ لأنه كان ممّن يذهب إلى الإمامة ويدين بها.

الإمام علیه السلام في سجن السندي بن شاهك

أمر هارون بنقل الإمام علیه السلام إلى سجن السندي بن شاهك وأمره بالتضييق عليه فاستجاب هذا الأثيم لذلك فقابل الإمام علیه السلام بكل قسوة وجفاء والإمام صابر محتسب


1) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 93، ح 13 و أمالي الصدوق، ص 308، ح 3 و امالي الطوسي، ص 36 وبحار الأنوار، ج 48، ص 219، ح 20.

إلى الله، فأمره الطاغية أن يقيد الإمام علیه السلام بثلاثين رطلاً من الحديد ويقفل الباب في وجهه ولا يدعه يخرج إلا للوضوء .

وامتثل السندي ذلك فقام بإرهاق الإمام علیه السلام وبذل جميع جهوده للتضييق عليه ووكل به بشاراً مولاه، وكان من أشد الناس بغضاً لآل أبي طالب ولكنه لم يلبث أن تغيّر حاله وثاب إلى طريق الحق وذلك لما رأى من كرامات الإمام علیه السلام ومعاجزه (1).

نشاط الإمام علیه السلام داخل السجن

1. عبادته

أقبل الإمام علیه السلام على عبادة الله فكان يصوم النهار ويقوم الليل ولا يفتر عن ذكر الله سبحانه، وهذه أخت الجلاد السندي بن شاهك تحدثنا عمّا رأته من إقبال الإمام وطاعته لله والتي أثرت في نفسها وأصبحت فيما بعد من الصالحات، فكانت تعطف على الإمام علیه السلام وتقوم بخدمته، وإذا نظرت إليه انحدرت دموعها، وهي تقول: خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل(2).

2. اتصال العلماء به

اتصل جماعة من العلماء والرواة بالإمام علیه السلام من طريق خفي فانتهلوا من نمير علومه، فمنهم موسى بن إبراهيم المروزي، وقد سمح له السندي بذلك لأنه كان معلماً لولده، وقد ألف إبراهيم كتاباً مما سمعه من الإمام علیه السلام (3).

3 . الإجابة على الفتاوى المرسلة إليه

كانت بعض الأقاليم الإسلامية التي تدين بالإمامة ترسل عنها في كلّ مرة مبعوثاً


1) بحار الأنوار، ج 48، ص 241.

2) تاریخ بغداد، ج 13، ص 31.

3) النجاشي، ص 319.

خاصاً للإمام علیه السلام حينما كان في سجن السندي فتزوده بالفتاوى والرسائل فكان علیه السلام يجيبهم عليها، وممن جاءه عليّ بن سويد، فقد اتصل بالإمام علیه السلام وسلم إليه الكتب والفتاوى فأجابه علیه السلام عنها (1).

4 . نصب الوكلاء

عين الإمام علیه السلام جماعة من تلاميذه وأصحابه وكلاء له في بعض المناطق وأرجع إليهم شيعته لأخذ الأحكام الإسلامية منهم ، كما وكلهم في قبض الحقوق الشرعية، لصرفها على الفقراء والبائسين من الشيعة، وإنفاقها في وجوه البر والخير، فنصب المفضل بن عمر وكيلاً له في قبض الحقوق وأذن له في صرفها على مستحقيها (2).

5 . النصّ على الإمام من بعده

نص الإمام الكاظم علیه السلام على الإمام من بعده وهو علي الرضاء علیه السلام فجعله علماً لشيعته ومرجعاً لأمة جدّه.

قال الحسين بن المختار: لما كان الإمام موسى علیه السلام في السجن خرجت لنا ألواح من عنده وقد كتب فيها: عهدي إلى أكبر ولدي(3).

6 . وصيته علیه السلام

وأوصى الإمام علیه السلام إلى ولده على الرضاء علیه السلام وعهد إليه بالأمر من بعده وعينه على صدقاته وشؤونه الخاصة والعامه، أشهد على ذلك جماعة من المؤمنين.


1) حياة الإمام موسى الكاظم، ج 2، ص 492، باقر شريف القرشي.

2) حياة الإمام موسى الكاظم علیه السلام ، ج 2، ص 493، باقر شريف القرشي.

3) عيون أخبار الرضاء علیه السلام ، ج 1، ص 30 و مسند الإمام الكاظم علیه السلام ، ج 1، ص 147، الحديث 36

7 . صلابة الإمام علیه السلام وشموخه أمام الرشيد

وحيث مكث الإمام علیه السلام زمناً طويلاً في سجن هارون تكلم معه جماعة من خواص شيعته فطلبوا منه أن يتكلّم مع بعض الشخصيات المقربة عند الرشيد ليتوسط في إطلاق سراحه، فامتنع علیه السلام وترفع عن ذلك وقال لهم: حدثني أبي عن آبائه: إن الله عزّ وجل أوحى إلى داودعلیه السلام ، ياداود ! إنّه ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي دوني، وعرفت ذلك منه إلا قطعت عنه أسباب السماء، وأسَخت الأرض من تحته.

8 . محاولات هارون لإخضاع الإمام علیه السلام

أ. إرسال جارية له

وأنفذ هارون إلى الإمام علیه السلام جارية وضاءة بارعة الجمال أرسلها بيد أحد خواصه لتتولى خدمة الإمام ظاناً أنه علیه السلام سيفتتن بها، فلما وصلت إليه قال علیه السلام المبعوث هارون: قل لهارون: بل أنتم بهديتكم تفرحون، لاحاجة لي في هذه ولا في أمثالها.

فرجع الرسول ومعه الجارية وأبلغ هارون قول الإمام علیه السلام فالتاع غضباً وقال له: ارجع إليه، وقل له: ليس برضاك حبسناك ولا برضاك أخدمناك واترك الجارية عنده، وانصرف.

فرجع الرسول وترك الجارية عند الإمام علیه السلام وأبلغه مقالته، وأنفذ هارون خادماً له إلى السجن ليتفحّص حال الجارية، فلما انتهى إليها رآها ساجدة لريها لاترفع رأسها وهي تقول في سجودها: قدوس ، قدوس.

فمضى الخادم مسرعاً فأخبره بحالها، فقال هارون : سحرها والله موسى بن جعفر، عليَّ بها !! فجيء بها إليه، وهي ترتعد قد شخصت ببصرها نحو السماء وهي تذكر الله وتمجده، فقال لها هارون: ما شأنك؟!.

قالت: شأني الشأن البديع، إني كنت عنده واقفة وهو قائم يصلّي ليله ونهاره، فلمّا انصرف من صلاته قلت له: هل لك حاجة أعطيكها ؟ فقال الإمام علیه السلام وما حاجتي

اليك؟ قلت: إني أدخلت عليك لحوائجك.

قال الإمام علیه السلام : فما بال هؤلاء - وأشار بيده إلى جهة - فالتفت فإذا روضة مزهرة لا أبلغ آخرها من أولها بنظري، ولا أوّلها من آخرها ، فيها مجالس مفروشة بالوشي والديباج، وعليها وصائف ووصائف لم أر مثل وجوههن حسناً، ولامثل لباسهن لباساً، عليهن الحرير الأخضر، وعلى رؤوسهن الأكاليل المرصعة بالدرّ والياقوت، وفي أيديهن الأباريق والمناديل، ومن كلّ الطعام مالذ وطاب ، فخررت ساجدة حتى أقامني هذا الخادم فرأيت نفسي حيث كنت.

فقال لها هارون وقد أترعت نفسه بالحقد: يا خبيثة لعلّك سجدت، فنمت فرأيت هذا في منامك.

قالت: لا والله ياسيدي، رأيت هذا قبل سجودي، فسجدت من أجل ذلك.

فالتفت الرشيد إلى خادمه ، وأمره باعتقالها وإخفاء خبر الحادث لئلا يسمعه أحد من الناس فأخذها الخادم، واعتقلها عنده، فأقبلت على العبادة والصلاة، فإذا سئلت عن ذلك قالت: هكذا رأيت العبد الصالح (1).

ب . محاولة سمه علیه السلام

ولم يتحمل الرشيد سماعه لمناقب الإمام علیه السلام ومآثره وانتشارها بين الناس فعزم على قتله ودعا برطب، وأخذ رطبة من ذلك الرطب فوضع فيها سمّاً وقال لخادمه: إحمله إلى موسى بن جعفر وقل له: إنّ أمير المؤمنين أكل من هذا الرطب ويقسم عليك بحقه إلا ما أكلته عن آخره فإنّي اخترته لك بيدي. ولا تتركه يبقي منه شيئاً ولا تطعم منه أحداً.

فحمل الخادم الرطب وجاء به إلى الإمام وأبلغه رسالة هارون فأخذ الإمام علیه السلام يأكل من الرطب. وكانت للرشيد كلبة مفضلة عنده، فجذبت نفسها وخرجت تجرّ


1) مناقب الشيعة، ج 2، ص 263 - 264 .

بسلاسلها الذهبية حتى حاذت الإمام علیه السلام فبادر الإمام بالخلال إلى الرطبة المسمومة ورمى بها إلى الكلبة فأكلتها فلم تلبث أن ضربت بنفسها الأرض وماتت، واستوفى الإمام علیه السلام باقي الرطب وباء مخطط الرشيد بالفشل ولم تنجح محاولته في اغتيال الإمام حيث أنقذه الله منه وصرف عنه السوء.

ج . توسط يحيى في إطلاقه

واستدعى الرشيد وزيره يحيى بن خالد فقال له: يا أباعلي أما ترى مانحن فيه من

هذه العجائب؟ ألا تدبّر فى أمر هذا الرجل تدبيراً تريحنا من غمّه؟

فأشار عليه بالصواب وأرشده إلى الخير فقال له : الذي أراه لك يا أمير المؤمنين أن تمنّ عليه وتصل رحمه فقد والله أفسد علينا قلوب شيعتنا، فاستجاب الرشيد لنصحه وقال له :

انطلق إليه وفك عنه الحديد وأبلغه عنّي السلام وقل له: يقول لك ابن عمك: إنه قد سبق منّي فيك يمين أني لا أخليك حتى تُقرَّ لي بالإساءة وتسألني العفو عمّا سلف منك وليس عليك في إقرارك عار ولا في مسألتك إياي منقصة، وهذا يحيى بن خالد ثقتي ووزيري وصاحب أمري فاسأله بقدر ما أخرج من يميني.

لم يخف على الإمام علیه السلام ذلك لأنه كان يريد أن يأخذ من الإمام علیه السلام اعترافاً بالإساءة ليتخذها وسيلة إلى التشهير به، ومسرعاً لسجنه له.

فلمّا مثل يحيى عنده وأخبره بمقالة الرشيد قال له الإمام علیه السلام : سيجري عليك أنت وعلى أسرتك من زوال النعمة على يد هارون، وحذره من بطشه، ثمّ ردّ ثانياً على مقالة الرشيد بقوله:

يا أبا علي أبلغه عنّي: يقول لك موسى بن جعفر: يأتيك رسولي يوم الجمعة فيخبرك بما ترى - أي بموته - وستعلم غداً إذا جائيتك بين يدي الله مَنِ الظالم والمعتدي على صاحبه.

د . وكتب الإمام موسى علیه السلام رسالة من داخل السجن لهارون جاء فيها: (إنّه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك معه يوم من الرخاء، حتى نقضي جميعاً إلى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون(1).


1) تأريخ بغداد، ج 13، ص 32 تذكرة الخواص، ص 360 و كشف الغمه، ج 2، ص 218 و 250؛ بحار الأنوار، ج 48، ص 148 و الفصول المهمه، ص 222 و البداية والنهاية، ج 10، ص 183 والكامل، ج 6، ص 164 وسير أعلام النبلاء، ج 6، ص 283.

الخاصه

بعد أن أشار هارون إلى بعض من يرتبط به بانه يريد اعتقال الإمام علیه السلام ولكن بعد وشاية الوشاة. فتصدّى بعض اعماله لترتيب هذا الأمر كي يوجه هارون فعلته بدليل مشروع لدى عامة الناس وحاصله أنّ الإمام علیه السلام لأنه يتحرك ضدّ حكم هارون فهو مستحق للاعتقال.

و سجن الإمام في البصرة ثمّ أرسل إلى بغداد، وبعد أن طال سجنه أخرج من السجن الخاص وبقي في بغداد تحت الرقابة ثم أودع السجن مرّة أخرى فاودع عند الفضل بن يحيي ثمّ أودع في سجن السندي بن شاهك وكان من أشدّ السجون عليه.

و كانت للإمام في السجن عدة نشاطات سوى العبادة والانقطاع إلى الله تعالى. منها تربية النفوس والأفراد الذين كانوا يوكلون بحراسة الإمام علیه السلام الان ومنها الإجابة على الأسئلة التي كانت ترد عليه ومنها تعليم شيعته ماكانوا يحتاجونه من تعاليم و نص في السجن على ولده علي الرضا و لم تستطع محاولات هارون إخضاع الإمام علیه السلام لإرادته.

و وقف الإمام علیه السلام أمام جبروت هارون شامخاً لايلين ولا تأخذه في الله لومة لائم.

المسئله

1 . كيف خطط هارون لاعتقال الإمام الكاظم علیه السلام؟

2 . لماذا أقدم هارون على اعتقال الإمام وخطط لقتله؟

3 . من هم الذين تصدوا للوشاية ضد الإمام الكاظم علیه السلام ؟

4 . كم سجن الإمام الكاظم علیه السلام ؟ و ما هي السجون التي سجن فيها؟

5 . ما هي النشاطات التي مارسها الإمام علیه السلام في فترة السجن؟

6 . ما هي محاولات هارون لإخضاع الإمام علیه السلام للنزول عند إرادته؟

7 . هل أفلح هارون في إخضاع الإمام علیه السلام؟ و لماذا؟

الدرس 10: شهادة الإمام موسى الكاظم علیه السلام

اشارة

لقد عانى الإمام الكاظم علیه السلام أقسى ألوان التنكيل ، من تكبيل بالقيود، وتضييق وشدّة في التعامل معه، ومنع الاتصال مع الناس وأذى مرهق، وبعد كل هذه النكبات أقدم على قتله غير مكترث بما سيتركه قتل الإمام علیه السلام من آثار سلبية عليه وعلى ملكه .

وذهب أكثر المؤرّخين والمترجمين للإمام إلى أنّ الرشيد أوعز إلى السندي بن شاهك الأثيم بقتل الإمام علیه السلام فاستجابت نفسه الخبيثة لذلك فأقدم على تنفيذ أفضع جريمة.

وعمد السندي إلى رطب فوضع فيه سمّاً قاتلاً وقدّمه للإمام علیه السلام فأكل منه عشر رطبات فقال له السندي: زد على ذلك.

فرمقه الإمام علیه السلام بطرفه وقال له : حسبك قد بلغت ما تحتاج إليه.

وتسمّم الإمام وأخذ يعاني آلام السمّ الشديدة وأوجاعه القاسية، وقد حقت به الشرطة القساة ولازمه السندي بن شاهك الخبيث، فكان يُسمعه في كلّ مرة أخشن الكلام وأغلظه ومنع عنه جميع الإسعافات ليعجل له النهاية المحتومة.

وفي الأثناء استدعى السندي بعض الشخصيات والوجوه المعروفة إلى قاعة

السجن، وكانوا ثمانين شخصاً - كما حدث بذلك بعض شيوخ العامة - حيث يقولون: أحضرنا السندي فانبرى إلينا وقال: انظروا إلى هذا الرجل هل حدث به حدث؟ فإنّ الناس يزعمون أنه قد فعل به مكروه، ويكثرون من ذلك، وهذا منزله وفراشه وموسع عليه غير مضيق ، ولم يرد به أمير المؤمنين - يعني هارون - سوءاً، وإنما ينتظره أن يقدم فيناظره وها هوذا موسّع عليه في جميع أموره فاسألوه.

يقول الشيخ الذي كان حاضراً في السجن : ولم يكن لنا هم سوى مشاهدة الإمام

ومقابلته فلما دنونا منه لم نر مثله قط في فضله ونسكه فالتفت إلينا وقال لنا: أما ماذكر من التوسعة، وما أشبه ذلك، فهو على ماذكر، غير أني أخبركم أيها النفر

أني قد سُقيت السمّ في تسع تمرات، وأني أصفر غداً وبعد غد أموت.

ولما سمع السندي ذلك انهارت قواه واضطرب مثل السعفة التي تلعب بها الرياح العاصفة (1). فقد أفسد عليه الإمام علیه السلام مارامه من الحصول على البراءة من المسؤولية في قتله.

إلى الرفيق الأعلى

بعد أن سرى السم إلى جميع أجزاء بدن الإمام علیه السلام علم: أن لقاءه بربه قدحان ، فاستدعى السندي، فلما مثل عنده أمره أن يحضر مولى له ينزل عند دار العباس بن محمّد في مشرعة القصب ليتولى غسله.

وسأله السندي أن يأذن له في تكفينه فأبى علیه السلام وقال: إنا أهل بيت مهور نسائنا و حجّ صرورتنا وأكفان موتانا من طاهر أموالنا، وعندي كفني(2).

وأحضر له السندي مولاه، وثقل حال الإمام علیه السلام ، وأشرف على النهاية المحتومة، فأخذ يعاني آلام الموت فاستدعى المسيب بن زهرة فقال له:


1) روضة الواعظين، ص 185 - 186.

2) مقاتل الطالبين، ص 504 و بحار الأنوار، ج 48، ص 247.

إنِّي على ماعرفتك من الرحيل إلى الله عزّ وجل فإذا دعوت بشربة من ماء فشربتها ورأيتني قد انتفخت، واصفر لوني واحمر واخضر وتلوّن ألواناً فأخبر الطاغية بوفاتي.

قال المسيب: فلم أزل أراقب حاله حتى دعا علیه السلام بشربة فشربها ثم استدعاني، فقال لي: (يامسيب) إنّ هذا الرجس السندي بن مشاهك سيزعم أنه يتولّى غسلي ودفني « وهيهات هيهات أن يكون ذلك أبداً» فإذا حملت إلى المقبرة المعروفه بمقابر قريش فألحدوني بها، ولا ترفعوا قبري فوق أربعة أصابع مفرجات، ولا تأخذوا من تربتي شيئاً لتتبركوا به فإنّ كلّ تربة لنا محرّمة إلا تربة جدي الحسين بن علي فإنّ الله عزّ وجلّ جعلها شفاءاً لشيعتنا وأوليائنا.

قال: المسيب: ثم رأيت شخصاً أشبه الأشخاص به جالساً إلى جانبه، وكان عهدي بسيدي الرضا علیه السلام - وهو غلام ، فأردت أن أسأله، فصاح بي سيدي موسى، وقال: ألست قد نهيتك؟ ، ثمّ إنّ ذلك الشخص قد غاب عنّي، فجئت إلى الإمام علیه السلام وإذا به جنّة هامدة قد فارق الحياء فأنهيت بالخبر إلى الرشيد بوفاته. لقد لحق الإمام بالرفيق الأعلى، وفاضت نفسه الزكية إلى بارئها فاظلمت الدنيا لفقده وأشرقت الآخرة بقدومه، وقد خسر المسلمون ألمع شخصية كانت تذب عن كيان الإسلام ، وتنافح عن كلمة التوحيد وتطالب بحقوق المسلمين وتشجب كل اعتداء غادر عليهم. فسلام عليك يابن رسول الله ، يوم ولدت ، ويوم استشهدت، ويوم تبعث حيا.

والمشهور أن شهادة الإمام علیه السلام كانت سنة « 183 ه-» لخمس بقين من شهر رجب (1)وقيل سنة (186 ه- ) (2)، وكانت وفاته في يوم الجمعة وعمره الشريف يوم وفاته


1) ابن خلکان، ج 2، ص 173 و تأریخ بغداد، ج 13، ص 32 و الطبري، ج 10، ص 70 و ابن الأثير. ج 6، ص 54 و تأريخ أبي الفداء، ج 2، ص 17 و تهذیب التهذيب، ج 10، ص 340 و میزان الاعتدال، ج 3، ص 209 و عمدة الطالب، ص 85.

2) مروج الذهب، ج 3، ص 273.

خمس وخمسون (1)أو أربع وخمسون سنة(2).

التحقيق في قتل الإمام علیه السلام

بعد قتل الإمام علیه السلام حاول هارون أن يتخلّى عن مسؤولية قتله علیه السلام ويشيع بين الناس بأنّ الإمام قد مات حتف أنفه، وأنّ هارون وأجهزته لا علاقة لهما بالحادث وذلك ضمن خطوتين:

الخطوة الأولى

قام السندي بن شاهك بالخطوة الأولى من مسلسل التخلّي عن مسؤولية قتل الإمام علیه السلام ليمهد الأجواء لسيّده هارون في أن يتخلّى فيما بعد عن مسؤولية هذه الجريمة.

يحدثنا عمر بن واقد عن تحرّك السندي وكيفية تنصله عن مسؤولية هذا الحادث الخطير حيث قال: أرسل إلي السندي بن شاهك في بعض الليل وأنا ببغداد يستحضرني، فخشيت أن يكون ذلك لسوء يريده بي، فأوصيت عيالي بما احتجت إليه، وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم ركبت إليه، فلما رآني مقبلاً، قال: يا أبا حفص: لعلنا أرعبناك وأفزعناك؟

قلت: نعم، قال: فليس هناك إلا خير ، قلت: فرسول تبعثه إلى منزلي يخبرهم

خبري. فقال نعم.

ثمّ قال: يا أبا حفص أتدري لم أرسلت إليك؟ فقلت: لا، فقال: أتعرف موسى بن

جعفر ؟ فقلت: اي والله ، إنّي لأعرفه ، وبيني وبينه صداقة منذ دهر:

فقال: من هاهنا ببغداد يعرفه فمن يقبل قوله؟ فسمّيت، وجاء بهم كما جاء بي فقال


1) الفصول المهمه ص 255

2) مناقب الشيعة، ج 2، ص 383.

لهم: هل تعرفون قوماً يعرفون موسى بن جعفر ؟ فسمّوا له قوماً، فجاء بهم، فأصبحنا فصرنا - ونحن في الدار - نيفاً وخمسين رجلاً ممّن يعرف موسى بن جعفر علیه السلام وقد صحبه.

قال: ثم قام فدخل وصلّينا، فأخرج كاتبه طوماراً، فكتب أسماءنا ومنازلنا وأعمالنا

وحلالنا، ثم دخل إلى السندي.

قال: فخرج السندي فضرب يده إليّ فقال: قم يا أبا حفص، فنهضت ونهض أصحابنا ودخلنا، فقال لي: يا أبا حفص اكشف الثوب عن وجه موسى بن جعفر فكشفته فرأيته ميتاً، فبكيت واسترجعت.

ثم قال للقوم : أنظروا إليه فدنوا واحداً بعد واحد فنظروا إليه، ثمّ قال: تشهدون كلّكم أنّ هذا موسیٰ بن جعفر بن محمد؟

فقلنا: نعم، نشهد أنه موسى بن جعفر بن محمد، ثمّ قال: يا غلام إطرح على عورته

منديلاً واكشفه.

قال: ففعل فقال: أترون به أثراً تنكرونه؟ فقلنا: لا ، مانرى شيئاً ولانراه إلا ميتاً.

ثم سجّل شهادتهم وانصرفوا (1).

الخطوة الثانية

ثم قام هارون بنفسه ليعلن أمام حشد من وجوه الشيعة بأنه بريء من جريمة قتل

الإمام علیه السلام .

عن محمد بن صدقة العنبري قال: لما توفي أبو إبراهيم موسى بن جعفر علیه السلام ؛ جمع هارون الرشيد شيوخ الطالبية وبني العباس وسائر أهل المملكة والحكام وأحضر أبا إبراهيم موسى بن جعفر علیه السلام فقال: هذا موسى بن جعفر قدمات حتف أنفه، وما كان


1) كمال الدين، ص 37 و عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 97، ح 3 و بحار الأنوار، ج 48، ص 225، ح 37.

بيني وبينه ما أستغفر الله منه في أمره - يعني في قتله - فانظروا إليه.

فدخل عليه سبعون رجلاً من شيعته ، فنظروا إلى موسى بن جعفر وليس به أثر

جراحة ولا خنق، وكان في رجله أثر الحنّاء (1).

وضع الإمام على الجسر

ووضع الإمام علیه السلام على جسر الرصافة وهو ميت ينظر إليه القريب والبعيد وتتفرّج عليه المارة وقد أحاطت بجثمانه المقدّس شرطة الطاغية القاتل وكشفت وجهه للناس قاصدين بذلك انتهاك حرمته علیه السلام والحط من كرامته والتشهير به، وقد أمر السندي جلاوزته أن ينادوا على جثمان الإمام علیه السلام بذلك النداء المؤلم الذي تذهب النفوس لهوله أسى وحسرةً: هذا إمام الرافضة فاعرفوه.

مبادرة سليمان

كان سليمان بن أبي جعفر المنصور رجلاً محنّكاً وذا عقل متزن، وقد رأى أنّ الأعمال التي قام بها هارون ماهي إلا لطخة سوداء في جبين العباسيين، فلو أن هارون اكتفى باغتيال الإمام ودس السم إليه بدل هذه ، الأعمال الوحشية التي تدل على أنّ هارون لا عهد له بالشرف والنبل ويفتقد المعروف والإنسانية.

حينما سمع خبر وفاة الإمام علیه السلام والنداء الفضيع على جثمانه الطاهر؛ بادر بالتمهيد لتشييع جثمان الإمام ليغطّي على العار الذي ارتكبه ابن أخيه هارون.

لقد كان قصر سليمان مطلاً على نهر دجلة فسمع الضوضاء ورأى بغداد قد اضطربت ، فقال : لولده وغلمانه ماهذا؟ قالوا السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر، وأخبروه بذلك النداء الفضيع.


1) كمال الدين، ص 39؛ وسائل الشيعة، ج 1، ص 408، ح 7 و عيون الأخبار، ج 1، ص 105، ح 8 وبحار الأنوار، ج 48، ص 228، ح 31.

فصاح بأولاده قائلاً: انزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم فإن مانعوكم فاضربوهم

وفرّقوا ما عليهم من سواد - وهو لباس الشرطة والجيش - وانطلق أبناء سليمان وغلمانه إلى الشرطة فأخذوا جثمان الإمام منهم، ولم تبد الشرطة معهم أية معارضة، فسليمان عمّ الخليفة وأهم شخصيّة لامعة في الأسرة العباسية وأمره مطاع عند الجميع.

وحمل الغلمان نعش الإمام فجاءوا به إلى سليمان فأمر أن ينادى في شوارع بغداد: ألا من أراد أن يحضر جنازة الطيب ابن الطيب موسى بن جعفر فليحضر(1). وخرج الناس على اختلاف طبقاتها لتشييع جثمان الإمام علیه السلام وخرجت الشيعة فعبرت عن حزنها وأساها ففرج سليمان عن كربها وكشف عنها الآلام. وأكبر الظن أن سليمان خاف من انتفاضة شيعيّة أو تمرّد عسكري لأنّ الشيعة لم تكن قلة في ذلك العصر، فقد اعتنق التشيع خلق كثير من رجال الدولة، وقادة الجيش، وكبار الموظفين والكتاب، لذا تدارك سليمان الموقف وقام بهذه المهمة الجريئة، وأنقذ بذلك حكومة هارون من الاضطراب والثورة.

تجهيز الإمام علیه السلام

وقام سليمان بتجهيز الإمام فغسله ، وكفنه، ولفّه بحبرة قد كتب عليها القرآن الكريم بأسره كلّفته ألفين وخمسمائة دينار(2).

وقال المسيب بن زهرة: والله لقد رأيت القوم بعيني وهم يظنون أنهم يغسلونه فلا تصل أيديهم إليه ويظنون أنهم يحنّطونه ويكفنّونه وأراهم أنهم لا يصنعون شيئاً، ورأيت ذلك الشخص الذي حضر وفاته - وهو الإمام الرضا علیه السلام - هو الذي يتولى غسله


1) کمال الدين، ص 38؛ عيون الأخبار، ج 1، ص 19، ح 5 و بحار الأنوار، ج 48، ص 227 ، ح 29.

2) كمال الدين، ص 38؛ عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 99، ح 5؛ بحار الأنوار، ج 48، ص 227، ح 29.

وتحنيطه وتكفينه، وهو يظهر المعاونة لهم، وهم لا يعرفونه فلما فرغ من تجهيزه التفت إليّ فقال: يا مسيب مهما شككت في شيء فلا تشكن في، فإنّي إمامك ومولاك وحجة الله عليك بعد أبي يا مسيب مثلي مثل يوسف الصديق علیه السلام ومثلهم مثل إخوته حين دخلوا عليه وهم له منكرون (1).

وبعد انتهاء الغسل حُمِل الإمام إلى مرقده.

تشييع جثمان الإمام علیه السلام و دفنه

وبعد الغسل هرعت جماهير بغداد إلى تشييع الإمام علیه السلام فكان يوماً مشهوداً لم يرُ مثله في أيامها، فقد خرج البرّ والفاجر للمشاركة في مسيرة تشييع الإمام علیه السلام للفوز بحمل جثمانه الطاهر، وسارت المواكب وهي تجوب شوارع بغداد وتردّد أهازيج الحزن واللوعة ، متجهة نحو باب الّتين يتقدّمهم سليمان حافياً حاسراً مشقوق الجيب إلى مقابر قريش، وحفر للإمام علیه السلام قبر فيها وأنزله سليمان بن أبي جعفر فيه، وبعد الفراغ من الدفن أقبلت الناس تعزيه بالمصاب الأليم(2).


1) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 100، ح 6 وبحار الأنوار، ج 48، ص 222.

2) كمال الدين، ص 38؛ عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 99، ح 5 وبحار الأنوار، ج 48، ص 227، ح 29.

الخاص

لقد استشهد الإمام الكاظم علیه السلام بعد طول سجن وتعذيب بأمر من هارون وعلى يدي السندي بن شاهك بسم قاتل، وحاول أن يتخلّص من تبعة هذا الاغتيال وذلك بإشهاد مجموعة من الشهود بعد سمه وقبل وفاته كما أشهد على وفاته مجموعة بعدها.

و حاول هارون أن يتخلص من تبعة ذلك، ولكن أصابع الاتهام كلها كانت تمتد إليه لأنه كان قد سجن الإمام علیه السلام قبل استشهاده. لقد وضعوا جثمان الإمام على الجسر وحاولوا إهانته بعد الاستشهاد أيضاً، وبادر سليمان بن أبي جعفر المنصور بمبادرة حاول التخلص بها من انتفاضة الشيعة أو بعض قادة الجيش فانقذ بتشييعه لجثمان الإمام بكل احترام حكومة ابن أخيه هارون من انتفاضة عارمة ودفن الإمام علیه السلام في مقابر قريش وذلك في رجب سنة 183 ه-.

الأسئلة

1 . كيف استشهد الإمام الكاظم علیه السلام؟ ومتى؟

2 . من الذي أمر بسم الإمام علیه السلام ؟ ومَن الَّذي نفّذ ذلك؟ ولماذا؟

3 . لماذا أشهد السندي جماعة ممن يعرف الإمام علیه السلام على أنه لم يمت غيلة؟

4 . كيف أحبط الإمام علیه السلام محاولة السندي؟

5 . كيف أهين الإمام الكاظم علیه السلام بعد استشهاده؟

6 . ما هي مبادرة سليمان - عم هارون - تجاه جثمان الإمام علیه السلام ؟

7 . لماذا بادر سليمان لانتزاع جثمان الإمام علیه السلام من جلاوزة السندي بن

شاهك؟

الدرس 11: ملامح عصر الإمام الرضا علیه السلام(1)

النصوص على إمامة الرضا علیه السلام

تعتقد الإمامية أن الإمامة كالرسالة منصب الهي لا يتسنى لأي أحد أن يتسنّم هذا المنصب إلا باختيارٍ ونَصْبٍ من قبل الله تعالى. ومن هنا كان التنصيص على الإمامة لكل إمام أمراً ضرورياً حيث يكون كاشفاً عن النصب الإلهي.

وقد جرت السنة الإلهية على أن يكون النصّ من المعصوم السابق على الرسول أو الإمام المعصوم اللاحق باعتباره الطريق المأمون لنص المعصوم على المعصوم كما أنه يشكل حلقة الوصل الطبيعية بين سلسلة المعصومين على مدى الأجيال والقرون.

وتعددت النصوص العامة والخاصة عن الرسول الأعظم صلی الله علیه واله وسلم فيما يرتبط بخلفائه الشرعيين. فالنصوص العامة هي التي ذكرت عددهم أو أوصافهم والنصوص الخاصة هي التي ذكرتهم بأسمائهم وأنسابهم قبل أن يولد أكثرهم طبعاً وقد رواها أصحاب الرسول صلی الله علیه واله وسلم(1)بالإضافة إلى أهل البيت علیه السلام أنفسهم. حيث كان ينص كل منهم على من يليه من الأئمة الباقين ويؤكد النص على من يليه مباشرةً.


1) راجع عوالم العلوم، الجزء الخاص بالنصوص على الأئمة ( 15 / 3 )، 120، 138، 140، 144، 173، 181، 195، 212 و 221

وقد يبدأ تأريخ النصّ على الإمام اللاحق قبل ولادته وتتبعه النصوص المتتالية بعد ولادته وفي صباه وفي عنوان شبابه ويتم التأكيد عليه قبل وفاة الإمام السابق عليه.

والنصوص قد تكون لأشخاص بأعيانهم وقد تكون في مجلس عام وقد يتضمن النص استشهاداً عاماً أو خاصاً.

كما أن النصوص قد تتضمن الإسم أو الإشارة الحسية المعينة له كما قد تشتمل على الأوصاف والملاكات التي استحق بها منصب الإمامة. بل قد تشتمل بعض النصوص على علائم ذات دلالة واضحة حيث يعطي المعصوم السابق علامة تتحقق بعد وفاته فيطمئن المخاطب إلى أنّ صاحب العلامة هو الإمام الشرعي بلاريب.

هذا فضلاً عن الكرامات والشواهد الخاصة التي يقيمها الإمام المعصوم نفسه لمن لم يعثر على النصّ من الإمام السابق أو عثر عليه ولكنه يحتاج إلى مزيد تأكيد وتوضيح فيتصدّى الإمام اللاحق لإثبات إمامته بما يناسب ثقافته وعلمه

ومعرفته.

ومن هنا اشتملت المصادر التأريخية على جملة من الإثباتات العملية والعلمية التي تحققت بعد وفاة المعصوم السابق عُرفت باسم الدلالات أو الكرامات والمعاجز باعتبارها ذات دلالة معرفية تكشف عن أنه هو الإمام المعصوم المتصدّي لمنصب الإمامة في تلك الحقبة الزمنية.

والنصوص التي وردت حول إمامة علي بن موسى الرضاء علیه السلام قبل ولادته كثيرة.

وهي قدر ورد بعضها عن الرسول صلی الله علیه واله وسلم بواسطة معظم الصحابة. وبعضها ورد عن الرسول صلی الله علیه واله وسلم عبر آبائه الكرام. وبعضها قد ورد عن جده الصادق علیه السلام .

ويمكن أن نصنف ما ورد عن أبيه الكاظم علیه السلام إلى النصوص الواردة عن إمامته في صباه. والنصوص التي صدرت عن أبيه حين كان في المدينة وقبل اعتقاله، والنصوص الصادرة حين اعتقال الإمام الكاظم علیه السلام والنصوص الصادرة عنه حين كان في السجن ويبلغ مجموعها ثلاثة وأربعين نصاً جمعها الشيخ العطاردي في مسنده للإمام

الرضاء علیه السلام ، ونختار بعضها بحسب ما يقتضيه المقام.

1 . عن المفضل بن عمر ، قال: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر علیه السلام وعلي علیه السلام ابنه في حجره وهو يقبله ويمص لسانه ويضعه على عاتقه ويضمه إليه ويقول: بأبي أنت وأمي ما أطيب ريحك وأطهر خلقك وأبين فضلك!

قلت: جعلت فداك لقد وقع في قلبي لهذا الغلام من المودة مالم يقع لأحدٍ إلا لك! فقال لي: يامفضّل هو منّي بمنزلتي من أبي. ذريةً بعضها من بعض والله سميع عليم.

قال: قلت: هو صاحب هذا الأمر من بعدك؟ قال: نعم من أطاعه رشد ومن عصام كفر(1).

2 . وعن نعيم بن قابوس قال: قال أبو الحسن علیه السلام : علي ابني أكبر ولدي وأسمعهم بقولي وأطوعهم لأمري ينظر معي في كتابي الجفر والجامعة وليس ينظر فيه إلا نبي أو وصي نبي (2).

3 . عن داود بن زربي قال: جئت إلى أبي إبراهيم علیه السلام بمال فأخذ بعضه وترك بعضه فقلت: أصلحك الله لأي شيء تركته عندي؟ قال: إن صاحب هذا الأمر يطلبه منك، فلما جاءنا نعيه بعث إلي أبو الحسن علیه السلام ابنه فسألني ذلك فدفعته إليه(3).

4 . عبدالله بن الحرث وأمه من ولد جعفر بن أبي طالب علیه السلام قال: بعث إلينا أبو إبراهيم علیه السلام فجمعنا ثم قال: أتدرون لم جمعتكم؟ قلنا : لا. قال: اشهدوا أن علياً ابني هذا وصيي والقيم بأمري وخليفتي من بعدي...(4)وفي نص آخر قد أشهد ستين رجلاً من الهاشميين ومواليهم (5)، وفي نص ثالث قد جمعهم في قبا (في المدينة) وهم سبعة


1) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 32.

2) المصدر، ج 1، ص 31

3) الكافي، ج 1، ص 313.

4) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 27.

5) المصدر، ج 1، ص 26.

عشر رجلاً فأشهدهم على إمامته (1).

ه . وعن الحسن بن محبوب عن عبدالله بن مرحوم قال: خرجت من البصرة أريد المدينة فلما صرت في بعض الطريق لقيت أبا إبراهيم علیه السلام وهو يذهب به الى البصرة فأرسل إلي فدخلت عليه، فدفع إلي كتباً وأمرني أن أوصلها بالمدينة، فقلت: إلى من أدفعها جعلت فداك؟ قال: إلى إبني عليّ فإنه وصيّي والقيم بأمري وخير بني (2).

الملامح العامة عند التصدي للإمامة

1 . الانفراج النسبي للإمام الرضا علیه السلام في عهد هارون

استشهد الإمام موسى الكاظم علیه السلام مسموماً في سنة 183 ه- وكان هارون يتخوّف من تسرب خبر اغتياله للإمام الكاظم علیه السلام ، وذلك لمكانة الإمام علیه السلام في المجتمع الإسلامي، ووجود قاعدة شعبية واسعة موالية له ولاءاً عقائدياً وعاطفياً؛ لسمو شخصيته، ولانحداره من السلالة النبوية الطاهرة.

من هنا قام الرشيد بالتمويه على عملية اغتياله، حين جمع القواد والقضاة والكتاب وبني هاشم، ثمّ كشف عن وجه الإمام علیه السلام وسألهم قائلاً لهم: أترون أنّ به أثراً ومايدل على اغتيال؟ فأجابوه بالنفي(3).

وأدخل السندي بن شاهك أيضاً الفقهاء ووجوه أهل بغداد ليتفحصوا في جثمانه، فشهدوا على أنه مات حتف أنفه، وأخرج جثمانه الطاهر ووضع على الجسر ونودي: هذا موسى بن جعفر قدمات فانظروا إليه (4).


1) المصدر، ج 1، ص 28.

2) المصدر، ج 1، ص 27.

3) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 414.

4) كشف الغمة، ج 2، ص 234.

وبقيت الهواجس تنتاب هارون، وكان يتوقع انفجار الأوضاع بحركة شعبية واسعة تهدد سلطانه؛ لذا لم يتخذ أسلوباً متشدّداً مع الإمام علي بن موسى الرضا علیه السلام بل خفف من محاصرته ومضايقته؛ يمتص النقمة الشعبية ويخففٌ ردود الأفعال السلبية الناشئة من اضطهاد أهل البيت علیه السلام .

2 . المراقبة الدقيقة لتحرك الإمام علیه السلام

في الفترة الواقعة بين سنة 183 ه- وسنة 187 ه- لم يعلن الإمام عن تصديه للإمامة، ولم يظهر له أي تحرّك علني في المدينة، من خطب أو لقاءات عامة، ولم يسجل عليه أي حضور في المحافل العامة.

وقد أدرك هارون من خلال أخبار عيونه وجواسيسه : أنه كان بعيداً عن الأحداث، حتى أنه كتب إليه صاحب الخبر أنه علیه السلام دخل السوق فاشترى كلباً وكبشاً وديكاً، فلما وصل إليه الخبر قال: قد أمنًا جانبه (1).

ولهذا لم يصدّق هارون الأخبار الواردة عن غير طريق عيونه السرية، كالخبر الذي أورده أحد أحفاد الزبير بن العوام من أنّ الرضاع علیه السلام لقد فتح بابه ودعا إلى نفسه، فلم يلتفت إلى خبره ولم يرتب عليه أي أثر عملي.

3. عدم الاستجابة للوشاة

كثر الواشون في البلاط الحاكم وحرّضوا هارون على قتل الإمام وكان منهم: عيسى بن جعفر حيث قال لهارون: اذكر يمينك التي حلفت بها في آل أبي طالب، فإنك خلفت: إن ادعى أحد بعد موسى الإمامة ضربت عنقه صبراً، وهذا عليّ ابنه يدعي هذا الأمر، ويقال فيه مايقال فى أبيه، فنظر هارون إليه مغضباً، وقال: وما ترى؟ تريد أن أقتلهم


1) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 205. 2 . عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 205.

كلّهم(1).

وحينما حرّضه خالد بن يحيى البرمكي على قتله قال هارون : يكفينا ماصنعنا بأبيه، تريد أن نقتلهم جميعاً؟!

إن عدم الاستجابة للوشاة كان ناجماً عن رغبة هارون في امتصاص النقمة الشعبية، وعدم وجود دليل على تحرّك الإمام علیه السلام وتهديده لحكمه.

4 . تصدّع الجبهة الداخلية

من مظاهر تصدّع الجبهة الداخلية قيام المعارضين بحركات مسلحة للإطاحة بالحكومة القائمة أو الاستقلال عنها، ففي سنة 184 ه- خرج حمزة الشاري على حكم هارون، واستمر خروجه المسلّح حتى سنة 185 ه- ولم ينته إلا بمقتل عشرة آلاف من أنصاره والخارجين معه، ومقتل عدد كبير من جنود وقواد جيش هارون. وفي السنة نفسها قتل أهل طبرستان والي هارون عليها، وخرج أبو الخصيب للمرّة الثانية، وسيطر على عدة مدن : مثل أبيورد، وطوس ونيشابور، وزحف إلى مرو وسرخس وقوي أمره، ولم تنته حركته إلا بمقتل الآلاف من الطرفين بعد قتال استمر أكثر من سنة واحدة.

وكانت هنالك تمردات وحركات عسكرية أخرى قد أخمدت في مهدها.

وأهم الأحداث التي كان لها دور ملحوظ في خلخلة الجبهة الداخلية هي قيام هارون بقتل البرامكة في أواخر سنة 187 ه- الذين كانوا من أركان الحكومة ومشيدي صرحها ، وكانت لهم تجربة واسعة في ملاحقة الخصوم والمعارضين والقضاء على تحركاتهم، كما كانت لهم علاقات واسعة مع قادة الجيش والولاة.

وبقتل البرامكة واعتقال بعضهم خفّت حدة الوشايات والتحريض على قتل الإمام

الرضا علیه السلام ، بعد أن كانوا قد حرّضوا هارون على قتل الإمام الكاظم علیه السلام من قبل.


1) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 226.

وهذه الظروف مهدت الطريق للإمام علیه السلام كي تقوم بدوره العلني في إمامة المسلمين.

5 . إعلان التصدي للإمامة

أدرك الإمام موسى الكاظم علیه السلام نوع الظروف الموضوعية الحادثة بعد استشهاده من حيث طبيعة الحكم والحاكم وأجهزته الحكومية، وأساليبها في مواجهة الخصوم والمعارضين وخصوصاً أئمة أهل البيت علیه السلام وأتباعهم لذا ركز في وصيته للمقربين له أن يكون إعلان تصدّي الرضاء علیه السلام للإمامة بعد أربع سنين (1)من استشهاده أي في سنة 187 ه-

والتزم الإمام الرضاء علیه السلام بهذه الوصية وكان يتابع الظروف والأحداث بدقة إلى أن جاء الظرف المناسب بعد مضي أربع سنين من استشهاد الإمام الكاظم علیه السلام وخصوصاً بعد القضاء على البرامكة، فأعلن عن تصديه للقيادة باتخاذه مواقف لا يتخذها إلا من يتصدى للإمامة.

وكان الإمام علیه السلام يدرك طبيعة السياسة القائمة، ويضع جميع الاحتمالات التي سيقوم بها هارون تجاه إعلان تصديه للإمامة، والتي منها عدم مقدرته على تصفية الإمام علیه السلام جسدياً، وقد نصحه المقربون له بعدم التصدّي للقيادة خوفاً من الاعتقال أو الاغتيال فأجابهم قائلاً: ليجهدن جهده فلا سبيل له علي(2).

وأجابهم في موقف آخر : إن خدشت خدشاً من قبل هارون فأنا كذاب(3).

وكان هارون يكتفي بالتخطيط لقتله دون تنفيذ، أو يقتصر على التهديد فقط، ففي أحد المواقف قال: لأخرجنَّ العام إلى مكة ولآخذن علي بن موسى ولأردنّه حياض


1) عيون أخبار الرضا، ج 1 ، ص 26.

2) الفصول المهمة ص 245

3) إثبات الوصية ، ص 174

أبيه، وكان الإمام علیه السلام يدرك أنّ ذلك لا يتم ، فحينما وصل إليه هذا التهديد أجاب المخبر قائلاً: ليس عليّ منه بأس.

وحينما طلبه هارون للمثول بين يديه قال علیه السلام لمن معه: إنه لا يدعوني في هذا الوقت إلا لداهية، فوالله لا يمكنه أن يعمل بي شيئاً أكرهه، وحينما دخل على هارون تغيّر الموقف وطلب منه أن يكتب له ما يحتاجه، وحينما خرج قال هارون: أردت وأراد الله وما أراد الله خير(1).

أسلوب الإمام علیه السلام في التحرك

إن موقف الإمام علیه السلام تحدّده عوامل عديدة هي: الشرعية، والظروف القائمة، والمصلحة الإسلامية الكبرى، ومصلحة منهج أهل البيت علیه السلام .

إنّ هذه العوامل هي التي تحدد الموقف العملي كمّاً ونوعاً من حيث السرية والعلنية، ومن حيث التدخل المباشر وغير المباشر في السياسة، كما تحدد طبيعة المواجهة مع الحكم القائم لإصلاحه أو تغييره بالأساليب السلمية أو العسكرية، وهي التي تحدّد أيضاً درجة العلاقة مع الأتباع والأنصار ونوع العلاقة مع الخصوم والأعداء.

ولذا كان الموقف الشرعي للإمام علیه السلام منسجماً مع الظروف القائمة مراعياً للمصلحة الإسلامية الكبرى، وللمصلحة الخاصة المتمثلة في الحفاظ على كيان أهل البيت علیه السلام ومدرستهم الربانية، فلم يُبدِ الإمام علیه السلام أية معارضة علنية، ولم يفصح عن تخطيطه أو تنسيقه مع قادة الثورات المسلّحة، لعلمه بالرقابة الشديدة المحيطة به، وكثرة العيون والجواسيس التي كان قد وضعها هارون لمتابعة تحرّكاته ونشاطاته المختلفة، وإحصاء علاقاته ولقاءاته وزياراته، وكان علیه السلام أيضاً شديد الحذر والحيطة من أجل أن يأمن هارون جانبه.


1) بحار الأنوار، ج 49، ص 116.

وكان دور الإمام علیه السلام في أوائل إعلان التصدي هو الإصلاح الهاديء للأوضاع المختلفة وفي جميع جوانب الحياة الإسلامية، ومن أعماله علیه السلام : القيام بتوضيح المفاهيم والعقائد الإسلامية السليمة، والتي لا تمس سياسة الحكم القائم؛ لأن هارون كان يخشى من المفاهيم والمواقف التي تؤدّي إلى القضاء على حكمه، وأما المفاهيم والمواقف العامة فإنه لا يعارضها، ويتجنب الدخول في أي صراع عقائدي أو تشريعي لا يخدم بقاءه في الحكم.

ولهذا استثمر الإمام علیه السلام هذه الفرصة لنشر علوم أهل البيت علیه السلام في العقيدة وفي التشريع، فكان يفسّر القرآن وينشر الأحاديث النبوية الشريفة وأحاديث آبائه وأجداده في جميع المجالات.

واهتم علیه السلام ببناء الجماعة الصالحة فكرياً وعاطفياً وسلوكياً لرفد المجتمع بعناصر واعية متقيّة لإيقاف الانحراف وتحجيمه، وإعداد العدة لاتخاذ الموقف المناسب في الظرف والوقت المناسب.

واستطاع الإمام علیه السلام أن يوسع قاعدة أهل البيت علیه السلام في طول المجتمع وعرضه، فكثر أنصارهم وأتباعهم وانتشروا في الأمصار الإسلامية، فكان منهم الوزراء والقضاة والأمراء، وقد توسعت القاعدة الشعبية أكثر فأكثر، وأينعت ثمارها في المستقبل القريب وفي عهد عبدالله بن هارون كما سيأتي بيانه في الدروس القادمة إن شاء الله تعالى.

الخاصه

لقد احتاط الإمام الرضاء علیه السلام في إعلان تصدّيه للإمامة والزعامة بعد استشهاد أبيه علیه السلام و لكنه باشر مهامه بالتدريج.

و كان لتورّط هارون بدم الإمام الكاظم علیه السلام دور في عدم استجابته للوشاة الذين كانوا يخبرونه عن تحرّك الإمام الرضاء علیه السلام بعد أبيه خوفاً من اشتداد النقمة الشعبية ضده. كما كان لتصفية البرامكة دور في إعلان الإمام عن تصديه للإمامة ومباشرته لوظائفه في التوجيه والإصلاح العام والخاص.

و من جملة النشاطات الملفتة للنظر في هذه المرحلة هي إثبات إمامته من خلال إخباراته عن مستقبل الأوضاع ولا سيما فيما يخص تصفيته واغتياله بيد هارون بالرغم من الرقابة والتهديد.

الأسئلة

1 . ما هي العوامل التي تحدّد موقف الإمام علیه السلام بشكل عام؟

2 . لماذا لم يتخذ هارون موقفاً متشدّداً من الإمام الرضاء علیه السلام ؟

3 . ما هو الحدث المهم الذي أدّى إلى تصدّع الجبهة الداخلية للحكم العباسي

في عصر الإمام الرضاء علیه السلام؟

4 . ما هي توقعات الإمام علیه السلام و إخباراته عن موقف هارون منه؟

5 . في اي سنة أعلن الإمام تصديه للإمامة والقيادة؟

6 . لماذا لم يتخذ الإمام علیه السلام أسلوب المواجهة العلنية أو المواجهة المسلّحة مع الحكم القائم؟

7 . كيف تثبت أن هارون كان يراقب جميع تحرّكات الإمام علیه السلام حتى التحركات الشخصية التي لا علاقة لها بالسياسة؟

الدرس 12: ملامح عصر الإمام الرضا علیه السلام(2)

مظاهر الانحراف الفكري

1. انتشرت الأفكار والتيّارات المنحرفة في عهد العباسيين، وكثر أتباعها

وأنصارها، وانشغل الناس بالجدل والمراء لذلك.

فعلى مستوى الديانات المحرّفة كان لليهود والنصارى والمجوس والصابئين مطلق الحرية في الترويج لعقائدهم وأفكارهم، وكذا الحال بالنسبة للبراهمة والدهرية وجميع أصناف الزنادقة، كما تعددت المذاهب الإسلامية بتعدد أربابها. وانتشرت الأفكار الفلسفية المحضة، ولا سيما الفلسفات المثالية، وكثر الجدل في الجبر والتفويض والإرجاء، والتجسيم والتشبيه.

وانتشرت الدعوات المنحرفة كادّعاء النبوة، ولولا تشجيع الحكومة ومنح الحرّية

التامة لأرباب الديانات والأفكار الهدّامة لما انتشرت في أوساط المسلمين.

ومن أجل خلق الإضطراب في صفوف أتباع أهل البيت علیه السلام أطلق الحكام العنان لتيارات الغلو والوقف، ولم يبادورا إلى تطويقها في بداية نشوئها، رغبة منهم في إطفاة نور أهل البيت علیه السلام وتفتيت كيان أتباعهم إلى كيانات متعددة.

2 . القول بخلق القرآن وقدمه

انصرف البعض عن الأحداث السياسية وانشغلوا بالتنظير بدل العمل، واستثمر الحكام هذه الفرصة فاشغلوا المسلمين بالجدال والنقاش العقيم، وكانوا يعاقبون المخالفين لآرائهم المتبناة على الرغم من عدم وجود تأثير لتلك الآراء في الساحة السياسية، حتى شجّع هارون على القول يقدم القرآن، وقام بقتل من يقول خلاف ذلك، وحينما سئل عن رجلٍ مقتول بين يديه أجاب: قتلته لأنه قال: القرآن مخلوق (1). وتغير الرأي في عهد ابنه عبدالله، فناقض والده في رأيه، وأشاع القول بخلق

القرآن، وكان يمتحن العلماء في ذلك(2).

ومن الذين سجنوا وعُذبوا في عهده أحمد بن حنبل لقوله بقدم القرآن.

3 . التشجيع على ترويج الروايات الكاذبة

كان هارون يشجع على ترويج الروايات والأحاديث الكاذبة، المنسوبة إلى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وخصوصاً روايات وأحاديث الخرافة، ويعاقب كل من يعارض الترويج لها، فقد اعترض أحد القرشيّين عند هارون على الرواية المنسوبة إلى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : القائلة بأن موسى لقى آدم ، فقال: أنت آدم الذي أخرجتنا من الجنّة؟ فغضب هارون وقال: النطع والسيف. زنديق والله ! يطعن في حديث رسول الله !(3)، ولولا توسط أحد أعوانه لقتله.

وكان يكرم من يروّج للروايات الكاذبة التي تبعد المسلمين عن الأحداث، ففي ذات مرّة صب الماء على يد أبي معاوية الضرير، فاستفسر أبو معاوية عن شخصية


1) البداية والنهاية، ج 10، ص 215.

2) تأريخ الخميس، ج 2، ص 334.

3) تأريخ بغداد، ج 14 ،ص 8.

المكرم له، وحينما عرفه أجاب هارون: نعم إجلالاً للعلم(1).

4 . إضفاء القدسيّة على نظام الحكم

كان هارون يشجّع الآراء التي تلبس حكمه لباساً مقدساً، فقد أنشده أحد الشعراء أربعة أبيات لقبه فيها بأمين الله، فأمر له بكل بيت ألف دينار، وقال: لو زدتنا لزدناك (2)، فانساق الشعراء وراء الأموال حتى قال أحدهم مادحاً هارون:

حب الخليفة حبّ لايدين له *** عاصي الإله وشارٍ يلقح الفتنا(3).

وحينما عهد هارون لابنه محمّد بولاية الحكم مدحه سَلم الخاسر فاعطته زبيدة -

أم محمد - جوهراً باعه بعشرين ألف درهم(4).

وفي مقابل ذلك قام هارون بمحاصرة الفقهاء التابعين لأهل البيت علیه السلام للحيلولة دون كشف القناع المزيّف الذي أضفى القدسيّة على الحكم الظالم.

5 . ترجمة الكتب الأجنبية إلى العربية

قام العباسيون وخصوصاً المأمون بترجمة كتب الفلسفة من اليونانية إلى العربية (5)فأدى ذلك إلى انتشار التفلسف والتشكيك والبلبلة في عقائد المسلمين، وانشغل المسلمون بها وبالتنازع فيها.

وانتشرت في تلك الفترة مفاهيم خاطئة عن الزهد لإبعاد المسلمين عن الواقع وما يجري فيه من مواقف الحكّام وممارساتهم التي تستدعي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


1) تأريخ بغداد، ج 14، ص 8.

2) مروج الذهب، ج 3، ص 365.

3) تأريخ الخلفاء. للسيوطي، ص 233.

4) تأريخ الخلفاء للسيوطي، ص 233.

5) مآثر الإناقة في معالم الخلافة ، ج 1، ص 209.

6 . الإفتاء بالرأي وتبرير الانحراف

انتشر الإفتاء بالرأي، وتفسير القرآن بالرأي، وراج القياس المذموم القائم على الظنون والأهواء وأصبحت الفتاوى تابعة لأهواء الحكّام ورغباتهم، حتى قام أحد الفقهاء المعروفين بتحليل وطء هارون لجارية كان قد وطأها أبوه من قبل، وقال له: يا أمير المؤمنين أوكلما ادعت أمة شيئاً ينبغي أن تصدّق؟، لا تصدقها فإنها ليست بمأمونة، وحلّل له وطء جارية قبل الاستبراء، وقال له: تهبها لبعض ولدك ثمّ تتزوجها(1).

متطلبات عصر الإمام الرضا

الإمام الرضا والإصلاح الفكري و الديني

1 . الإمام الرضاع علیه السلام والمرجعية العلميّة كان الإمام علیه السلام محط أنظار الفقهاء، ومهوى أفئدة طلاب العلم، فهو القمّة في العلم في جميع مجالاته وهو المنحدر من سلسلة طاهرة أخذت العلم من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وباب مدينة علمه علي بن أبي طالب علیه السلام ، وقد تخرج من مدرسة أهل البيت علیه السلام كثير من الفقهاء وأئمة المذاهب: ومنهم مالك بن أنس وأبو حنيفة وغيرهم.

وكان الإمام الرضاء علیه السلام يقول: كنت أجلس في الروضة، والعلماء بالمدينة متوافرون، فإذا أعين الواحد منهم عن مسألة أشاروا عليّ بأجمعهم، وبعثوا إليّ بالمسائل فأجبت عنها (2).

وكان علیه السلام يدعو المقربين عنده إلى مداراة عقول الناس وعدم تحميلها مالا تطيق من أفكار وعقائد، حتى قال لمحمّد بن عبيد: قل للعباسي: يكف عن الكلام في


1) تأريخ الخلفاء، ص 233.

2) إعلام الورى بأعلام الهدى، ص 315.

التوحيد وغيره، ويكلّم الناس بما يعرفون، ويكف عمّا ينكرون(1).

2 . كشف وسائل التآمر الفكري: كشف الإمام علیه السلام وسائل التآمر الفكري التي تؤدي إلى بلبلة عقول المسلمين، وأعطى قاعدة كلّيّة في الأساليب والممارسات التي يستخدمها أعداء أهل البيت علیه السلام لتشويه المفاهيم الإسلامية، فقال علیه السلام : إن مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا وجعلوها على ثلاثة أقسام:

أحدها: الغلو، وثانيها: التقصير في أمرنا، وثالثها: التصريح بمثالب أعدائنا.

فإذا سمع الناس الغلو فينا كفروا شيعتنا ، ونسبوهم إلى القول بربوبيتنا، وإذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا، وإذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم؛ ثلبونا بأسمائنا(2).

فقد وضع الإمام علیه السلام أن جميع الأفكار المنحرفة هي من وضع المخالفين لأهل البيت علیه السلام لتشويه سمعتهم وتحجيم دورهم في إصلاح الأوضاع على النهج الإسلامي الصحيح.

3 . تزييف المفاهيم والأفكار المنحرفة : قام الإمام علیه السلام بخطوات عملية للردّ على جميع ألوان الانحراف الفكري والتشريعي، من أجل كسر الألفة والأنس بين أتباعها وبينها، وكان يستهدف الأفكار تارة، والأقوال أخرى، كما يستهدف الأشخاص الواضعين لها والمتأثرين بها.

فردّ على أفكار المشبهة، والمجسمة، والمجبرة والمفوّضة، وفنّد أفكار الغلاة ، والزنادقة، وعقائد اليهود والنصارى، وردّ على أصحاب القياس وعلى الإفتاء والتفسير بالرأي.

وناقش علیه السلام جميع الروايات التي كان يعتمد عليها المنحرفون، ووضح بطلان صدورها عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، وأرشد المسلمين إلى الروايات الصحيحة، وكان يسند الروايات بإسناده عن آبائه وأجداده بالشكل الذي لا يقبل التشكيك في السند والدلالة.


1) التوحيد، ص 95.

2) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 304.

4 . نشر المفاهيم الصحيحة عند اهل البيت علیه السلام : قام الإمام علیه السلام بنشر الأحاديث الشريفة عن آبائه وعن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لتهيمن على أفكار وتصورات المسلمين، وفسر القرآن تفسيراً ينسجم مع الأسس العقائدية والتشريعية؛ وكان يصنف الأفكار والآراء الرائجة ، الى الخاطئة والصائبة، كما كان يجيب على الأسئلة الموجهة إليه.

ونشر المفاهيم السليمة يشكل الركن الأساسي في الأصلاح الفكري بشكل عام

والإصلاح الديني بشكل خاص.

5 . التمهيد لمرجعية فقهاء مدرسة أهل البيت علیه السلام: بعد توسع القاعدة الشعبية لأهل البيت علیه السلام وصعوبة الإلتقاء بالإمام المعصوم باستمرار، قام الإمام علیه السلام بإرجاع الأمّة إلى عدد من الفقهاء لأخذ معالم الدين منهم، فقد أوصى عبد العزيز بن المهتدي بالرجوع إلى يونس بن عبد الرحمن لأخذ معالم دينه منه.

وكان له أتباع من الفقهاء منتشرون في الأمصار ، يدينون منهج أهل البيت علیه السلامويجيبون على المسائل المختلفة طبقاً لذلك المنهج.

وكان الإمام علیه السلام يتابع حركة الرواة مباشرة أو عن طريق أتباعه والمقر بين إليه لكي يطمئن من سلامة سلوكهم ومسيرتهم (1).

6 . مقاطعة المنحرفين: دعا الإمام علیه السلام إلى مقاطعة المنحرفين فكرياً مقاطعة كلّيّة ليمنع تأثيرهم في الأُمّة، ونسب دعوة المقاطعة إلى أجداده تارة وإليه تارة أخرى، فعن المجبّرة قال علیه السلام : حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد علیه السلام ، أنه قال: من زعم أنّ الله تعالى يجبر عباده على المعاصي أو يكلفهم مالا يطيقون، فلا تأكلوا ذبيحته، ولا تقبلوا شهادته، ولا تصلوا وراءه، ولا تعطوه من الزكاة شيئاً (2).

وأمر بمقاطعة الغلاة والمفوّضة وحرّم مجالستهم ومخالطتهم ومواصلتهم، والزواج منهم أو تزويجهم، وحرّم التصديق بحديثهم أو إعانتهم بشطر كلمة.


1) رجال الكشي، ص 483؛ بحار الأنوار، ج 49، ص 261.

2) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 124.

وأمر بالبراءة من جميع أصناف الغلاة، وأعلن المواجهة مع الواقفة، ولعنهم أمام الملأ، وحرم مجالستهم وإعطاء الزكاة إليهم، وبهذا استطاع تحجيم الكثير من الأفكار الهدامة بمحاصرة القائلين بها ومنع تأثيرهم على الآخرين وخصوصاً على أتباعه وأنصاره، فلم تنتشر الأفكار الهدامة إلا عند أصحاب المطامع والأهواء.

الخاصه

اشتهر القول بخلق القرآن في زمن هارون الرشيد وكان يقتص من أعدائه ويتخلص باتهامهم بالقول بخلق القرآن، وراجت الأحاديث والمرويات الكاذبة وفسح المجال لأهل الكتاب للتحرك ولنشر تعاليمهم وبدأت ترجمة الكتب إلى العربية مما أدى إلى شيوع الجدل حول كثير من المسائل الشرعية والعقائدية.

فكان الإمام علیه السلام يوجه الجماعة الصالحة كي لا تخوض في قضية خلق القرآن وأن يكفوا عن الكلام في التوحيد وغيره، ويكلموا الناس بما يعرفون لابما ينكرون، وكان لتعاليمه وتوجيهاته القيمة الدور البارز في حفظ كيان الجماعة الصالحة وتجنيبها الاصطدام مع السلطة أو أن تقع تحت اضطهادها كما كان الإمام علیه السلام محط أنظار العلماء والفقهاء في المدينة فهو المفزع لهم عندما كان يشكل عليهم أمر أو مسألة فيلتجئون إليه لحلها ونتيجة للظروف الصعبة التي كان يمر بها الإمام علیه السلام والجماعة الصالحة، عمد الإمام علیه السلام إلى إرجاعهم إلى الرواة والعلماء المرتبطين به وحذرهم من المنحرفين بشكل عام.

الأسئلة

1 . ما هي العوامل التي أدت إلى انتشار الأفكار والتيارات المنحرفة؟

2 . لماذا شجّع هارون على ترويج الروايات الكاذبة والخرافية؟

3 . ما هي العوامل المشجعة على الإفتاء بالرأي؟

4 . لماذا أصبح الإمام الرضاء علیه السلام محط أنظار الفقهاء؟

5 . من هو الإمام الذي تتلمذ على يديه مالك بن أنس وأبو حنيفة؟

6 . ما هي أهم العوامل المساهمة في انتشار الغلو؟

7 . ما هو موقف الإمام علیه السلام من الغلاة؟

الدرس 13: مواقف الإمام الرضا علیه السلام في العقد الأوّل من عصره

الأوضاع السياسية في عهد هارون

عاصر الإمام علیه السلام حكومة هارون عشر سنين (183 ه- إلى 193 ه) ، وكانت سياسة هارون لا تختلف عن سياسة من سبقه من الحكّام ، ولا عن سياسته السابقة في عهد الإمام الكاظم علیه السلام ، فهي سياسة واحدة اتجاه الأئمة علیه السلام واتجاه الأمة، لأن هارون ومن سبقه لم يصلوا إلى منصب الخلافة ورئاسة الدولة الإسلامية عن طريق شرعيّ فكانوا يشعرون بأنّ الأمة لا تؤمن بمشروعية خلافتهم ورئاستهم، وعلى هذا فمن الطبيعي أن يتسم عهد هارون بما يلي:

1. الإرهاب

أشرنا إلى أن هارون لم يصل إلى رئاسة الدولة عن طريق نص من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم عليه، ولم يختره أهل الحل والعقد طبقاً للنظريات السائدة آنذاك، وإنّما وصل عن طريق العهد والاستخلاف من قبل من هو مثله، دون أن يمتلك المؤهلات اللازمة التي تؤهله لهذا المنصب وهي العلم والتقوى والكفاءة كما هو المتسالم عليه عند أغلبية فقهاء المسلمين، فهو غير مؤهل لهذا المقام في نظر قطاعات عديدة من أبناء الأمة

الإسلامية، وهذا الشعور دفعه للتشبث بالحكم بأي أسلوب أمكن، ولهذا استخدم الإرهاب والاغراء لتثبيت حكمه، فلم يسمح لأي معارضة وإن كانت سلمية، ولم يستمع لأي نصح، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، فكان الأرهاب أحد السمات

المميزة لسياسته.

ففي إحدى خطبه قام إليه رجل فقال: «كَبُرَ مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون»(1). فأمر بضربه مئة سوط (2).

وفي سنة 188 ه- ضرب هارون أحد المقربين إلى أحمد بن عيسى العلوي ولم يتوقف عن ضربه إلى أن مات على الرغم من تجاوزه التسعين من عمره، ولم يكن له أي ذنب سوى أنه لم يخبره بمكان العلوي(3).

وطارد هارون يحيى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن، ثم آمنه، ولم يف له بالأمان فقد سجنه بعد وصوله إليه وبقي مسجوناً إلى أن مات، وقيل: إنّ الموكل به منعه من الطعام أياماً فمات جوعاً (4).

وبأمر منه قتل حميد بن قحطبة الطائي ستين علوياً، ورماهم في بئر فكان البئر

مقبرة جماعية لهم (5).

وعلى الرغم من ممارسته للارهاب وقتله للعلويين إلا أنه لم يقدم على سجن الإمام الرضا علیه السلام أو قتله، وإنما كان يكتفي بالتهديد أو التخطيط دون تنفيذ، وبقي الإمام علیه السلام محاطاً برقابة شديدة من قبل عيون وجواسيس هارون، إذ كانوا ينقلون له كلّ ما يقوله ، وكلّ ما يفعله، ويحصون عليه لقاءاته وزياراته، وكان الإمام علیه السلام شديد


1) الصف / 3.

2) العقد الفريد، ج 1، ص 51.

3) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 423.

4) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 408.

5) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 109.

الحذر والحيطة من أجل أن لا يعطي لهارون مبرراً لقتله أو سجنه.

2. الاستبداد

أصبح الحكم في عهد هارون ومن سبقه ملكاً، يرثه الأبناء عن الآباء دون أن يكون للأُمّة أي اختيار، ولم يشذ هارون عن هذه القاعدة السياسية، فقد استبد بالحكم وجعله لأبنائه الثلاثة من بعده، فاختار محمّداً بن زبيدة وقدّمه على إخوانه في ولاية العهد، إرضاءً لها، على الرغم من إيمانه بعدم أهليته لهذا المنصب، حيث اعترف بذلك قائلاً: وقد قدمت محمّداً ... وإني لأعلم أنه منقاد إلى هواه ، مبذر لما حوته يداه، يشارك في رأيه الإماء والنساء، ولولا أم جعفر - يعني زبيدة - وميل بني هاشم إليه لقدّمت عبدالله عليه(1).

فاختار ابن زبيدة لهواها فيه، ولم يكترث مما سيحلّ بالمسلمين من كوارث جرّاء التنافس بين ولديه الذي ذهب ضحيته - فيما بعد - آلاف المسلمين في قتال دموي أنفقت فيه الأموال الطائلة، وأزهقت فيه آلاف الأنفس، إضافة إلى آثاره السلبية في خلق أجواء الفساد الأخلاقي والاجتماعي والتخريب الاقتصادي.

ومن مظاهر الاستبداد هي: إسناد المناصب الحكومية والإدارية والعسكرية إلى أقربائه وخواصه والمتملقين إليه دون النظر إلى مؤهلاتهم الدينية والخلقية وكفاءاتهم في الإدارة والإشراف.

3 . الأخطار الخارجية

كانت الدولة والأمة الاسلامية محاطة بمخاطر قوى خارجية تتربص الدوائر بالإسلام والمسلمين ، ففي بداية عهد الإمام الرضا علیه السلام أوقع الخزر بالمسلمين وقعة شديدة الوطأة، قتل فيها آلاف المسلمين وأسر فيها أكثر من مئة ألف من الرجال


1) تأريخ الخمس، ج 2، ص 334.

والنساء، وكما قال المؤرخون جرى على الإسلام أمر عظيم لم يسمع قبله بمثله أبداً (1).

وكان الروم يتحينون الفرص للوثوب على المسلمين، وكانوا ينقضون الصلح بين

فترة وأخرى، ولا يرجعون إليه إلا بمعارك طاحنة.

وكانت الفتوحات غير قائمة على أسس موضوعيّة، كنشر الإسلام، وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية، وإنّما كان الدافع هو هوى الحاكم، ورغبته في السيطرة على أكثر مساحة ممكنة وأكثر عددٍ من الناس، إضافة إلى إشغال المسلمين، وإبعادهم عن السياسة أو المعارضة، فالحريص على الإسلام لا ينشغل بالجواري والامسيات الفكاهية، ولا ينشغل بالترف والملذات، في وقت يُقدّم فيه المسلمون آلاف الشهداء والجرحى والمعوقين في كلّ معركة يخوضونها مع الأعداء.

4 . خلل الجبهة الداخلية

أدت السياسة الخاطئة لهارون إلى ظهور خلل واضطراب في الجبهة الداخلية، ففي سنة 184 ه- خرج أبو عمرو حمزة الشاري واستمر إلى سنة 185 ه- وخرج أبو الخصيب في نفس السنة وسيطر على عدة أمصار ، ولم تنته هاتان الحركتان إلا بمقتل عشرات الألوف من الطرفين.

وتوسع الخلل في الجبهة الداخلية سنة 187 ه- حينما أقدم هارون على مقتل

البرامكة الذين يمثلون أعمدة الحكم وأركانه.

وفي السنة نفسها قتل إبراهيم بن عثمان بن نهيك لطلبه بثأر البرامكة.

وسجن هارون عبدالملك بن صالح بن علي العباسي، لسعي ابنه به وادعائه بأنه

يطلب الخلافة.

وفي سنة 1889 ه- توجه هارون إلى الري بعدما وصلته الأخبار بتمرد والي

خراسان عليه، وعاد بعد أربعة أشهر إلى بغداد دون أن يعزله.


1) تأريخ الإسلام للذهبي (حوادث 181، 191)، ص 12.

وكان كثير العزل والإقصاء لقادة الأجهزة الحسّاسة في الحكومة، فمنصب قائد

الشرطة قد تناوب عليه ثمانية أشخاص يُعزل أحدهم ويستبدله بآخر.

وهذه السياسة الخاطئة أدت إلى ضعف العلاقة بين هارون والأمة، والتي وصلت إلى حد الكراهية والبغضاء، وقد أفصح فضيل بن عياض عن ذلك - مشيراً إلى هارون - بقوله: الناس يكرهون هذا (1).

وكان الوضع خالياً من الثورات العلوية المسلّحة في عهد الإمام علیه السلام في الفترة التي عاصره هارون بها.

الأوضاع السياسية في عهد محمد بن هارون

عاصر الإمام علیه السلام حكومة محمّد بن هارون من سنة 193 إلى 198 ه- وفي هذه الحقبة الزمنية لم تظهر منه أيّة مبادرة إرهابية بالنسبة إلى الإمام علیه السلام وأهل بيته فضلاً عن الإقدام على قتلهم أو التخطيط له، ولم يظهر منه أي تصريح بذلك. ولعل الظروف لم تكن مؤاتية له، ففي بداية حكومته بدأ الخلاف بينه وبين أخيه عبدالله، وانقسمت الحكومة إلى قسمين، ولكل منهما أنصار وأتباع وأموال وسلاح.

وفي سنة 194 ه- تمرد أهل حمص، فقام قائد جيش محمد بن هارون بقتل الوجوه البارزة وسجن الأهالي، وإضرام النار في نواحي تلك البلاد ولم ينته التمرد إلا بمزيد من القتل والخراب الاقتصادي.

وفي السنة نفسها أمر بالدعاء على المنابر لابنه موسى بولاية العهد من بعده، وأمر أخاه عبدالله المأمون بالدعاء له ولكنه رفض ذلك.

وفي سنة 195 ه- أرسل جيشاً إلى خراسان لقتال أخيه فرجع الجيش مهزوماً، واستمر بإرسال الجيوش قرابة عامين، فلم تسيطر على خراسان، بل لاحقتها جيوش المأمون إلى أن حاصرت بغداد حصاراً شديداً دام سنة كاملة.


1) تاريخ بغداد، ج 14، ص 12.

وفي سنة 198 ه- سيطرت جيوش المأمون على بغداد بعد قتال دام ذهب ضحيته عشرات الآلاف من الطرفين، قتل فيه محمد الأمين ومن بقي من أصحابه. وهذه الظروف أدّت إلى تفرغ الإمام الرضاع علیه السلام ومجموعة العلويين للقيام بواجبهم في مجال إرساء قواعد وأركان المنهج السياسي الإسلامي.

أسلوب قيادة الإمام علیه السلام للحركة الرسالية

إن الإمام علیه السلام المسؤول عن بناء الانسان والمجتمع بناءً عقائدياً، وخلقياً، واجتماعياً، وسياسياً، وهدايته إلى المنهج السليم، ويتم ذلك ببناء قاعدة شعبية تقتدي بأهل البيت علیه السلام، ولذلك لم يكن عمل الإمام علیه السلام محدوداً بالتحرك السياسي والعسكري للوصول إلى قمة السلطة والحكم، وإنّما كان العمل السياسي جزء من كلّ، والسلطة وسيلة من وسائل تحقيق الأهداف وليست هدفاً نهائياً، ومن هذا المنطلق فإنّ الإمام علیه السلام كان يشرف على جميع محاور العمل الرسالي التي تتوزع على خطين أو جناحين - إن صح التعبير -

أوّلاً: الخط المدني: ومهمته طلب العلم ونشره، وأداء مسؤولية الأمر بالمعروف

والنهي عن المنكر بأسلوب هاديء سلمي لا يثير حفيظة السلطة القائمة.

ثانياً : الخط العسكري: ومهمته إعداد القوة لإعلان المعارضة المسلحة في وقتها وظرفها المناسب لإيقاف الانحراف أو الوصول إلى قمة السلطة السياسية.

وكان الإمام علیه السلام يقود هذين الخطين في آن واحد دون أن تعلم السلطة بخفايا التحرك العسكري حيث كان محاطاً بسرية وكتمان، ولم يعلن العاملون في الخط صل الله العسكري هوية الإمام علیه السلام واسمه بل يكتفون بالدعوة إلى الرضا من آل محمد صلی الله علیه واله وسلم ماداموا في مرحلة المواجهة ولم يتم الانتصار بعد.

وكان علیه السلام في فترة الانفراج النسبي مشغولاً بتعبئة الطاقات وتوسيع القاعدة الشعبية وتوزيعها على الخطّين كل حسب طاقاته وإمكانياته.

الدرس 14: الإمام الرضا علیه السلام والإصلاح الاقتصادي

مظاهر التدهور الاقتصادي

1 . تلاعب الحكام بأموال المسلمين

خالف الحكام العباسيون أسس وقواعد النظام الاقتصادي الإسلامي، التي تنص على أن الأموال وديعة عند الحاكم وليست ملكاً خاصاً له، ومن واجباته الإنفاق على ضوء القيود الشرعية، فكان الحكّام يتصرفون بالأموال حسب أهوائهم وإشباعاً لرغباتهم وشهواتهم، وكانوا ينفقونها لشراء الذمم من أجل تثبيت سلطانهم، وكان البذخ والترف هو السمة المرافقة لهم ولأنصارهم والمتملقين لهم، وتمتع المغنون والجواري بقسط وافر من بيت المال لدورهم الكبير في إدخال السرور على قلب الخليفة والحاكم المتسلط على رقاب المسلمين.

ومن الأمثلة على ذلك: جيء إلى هارون بخراج عظيم وأموال طائلة من الموصل، فأمر بصرفها إلى بعض جواريه، فاستعظم الناس ذلك وتحدّثوا به، فقال أبو العتاهية: أيدفع هذا المال الجليل إلى امرأة ، ولا تتعلق كفّي بشيء منه؟! ثم دخل على هارون فأنشده ثلاثة أبيات، فأعطاه عشرين ألف درهم، وزاده الفضل بن الربيع خمسة آلاف(1).

ص: 137


1) الأغاني، ج 4، ص 67.

وأسمعه إبراهيم بن المهدي أغنية فأمر له بألف ألف درهم(1).

واشترى جارية بسبعين ألف درهم ، واشترى لها جوهراً باثني عشر ألف دينار، ثمّ

حلف ألا تسأله يومه ذلك شيئاً إلا أعطاها (2).

وسار أولاده على نهجه في البذخ والترف والتلاعب بأموال المسلمين، فقد بني محمد الأمين قبة اتخذ لها فراشاً مبطناً بأنواع الحرير والديباج المنسوج بالذهب الأحمر وبالابريسم(3).

وصيدت له سمكة صغيرة فقرّطها حلقتين من ذهب فيهما حبتا درّ، وقيل ياقوت (4).

وكان ينفق الأموال على لهوه وعلى جلسائه وعلى الخصيان المحيطين به(5).

وأنفق عبدالله المأمون أموالاً طائلة في زواجه وأمر بإعطاء خراج فارس والأهواز

إلى والد زوجته، يجبى إليه لمدة سنة (6).

2 . فقدان الحماية لممتلكات المواطنين

على الدولة أن تحافظ على ممتلكات وأموال المواطنين، وتحميها من الاعتداء بالغصب والسرقة والغش والاحتيال، ولو باستخدام القوة لمنع المعتدين وتخويفهم من الإقدام على مثل هذه الممارسات.

إلا أنّ الحكّام العباسيين لم يعيروا أيه أهمية لهذه المسألة الضرورية في حياة المواطنين، وخصوصاً إذا كان المعتدون من أنصارهم وأتباعهم وممن يتقوى بهم

ص: 138


1) الأغاني، ج 10، ص 99.

2) الأغاني، ج 16، ص 342 و 343.

3) مروج الذهب، ج 3، ص 392.

4) مروج الذهب، ج 2، ص 394

5) الكامل في التأريخ، ج 1، ص 294

6) مروج الذهب، ج 3، ص 443.

حكمهم، فكان بطانة والي بغداد - على سبيل المثال - ينهبون أموال الناس وممتلكاتهم، فلا يمنعهم الوالي ولا المأمون من ذلك(1).

وكانت أموال وممتلكات المواطنين تسرق وتغتصب علناً عن طريق عصابات

منظمة تجوب القرى والأرياف لتغتصب ماتشاهده من أموال وممتلكات.

3 . ممتلكات الحاكم وولاته

من القواعد الثابتة في النظام الاقتصادي الاسلامي أن للحاكم حقه في بيت المال في حدود معينة حددتها له الشريعة، وأنّ الأموال التي في حوزته ليست ملكاً شخصياً له، بل هي وديعة أودعها الله تعالى لديه، لينفقها على أساس أمانته عليها طبقاً للضوابط والقواعد والقيود الثابتة، إلّا أنّ الحكّام العباسيين لم يلتزموا بتلك الضوابط، وكانوا يتصرفون بالأموال العامة وكأنها ملكهم الشخصي.

فقد وصلت ملكية هارون مائة ألف ألف دينار، ومن الأثاث والجواهر والورق

والدواب ما قيمته أكثر من مائة ألف ألف دينار (2)

وبلغت أموال والي هارون على خراسان ثمانين ألف ألف(3).

وكذا الحال في أموال أبنائه وبقية الولاة المقربين لهم.

4 . تدهور المستوى المعيشي للمواطنين

نتيجة للتلاعب بأموال المسلمين من قبل الحكّام ، وفقدان العدالة الاجتماعية في الإنفاق والتوزيع، وفقدان التواصي بالتكافل والتراحم من قبل الحكّام وولاتهم وأجهزة الدولة، وإثقال كاهل المواطنين بالضرائب الاضافية ، عاشت قطاعات واسعة من

ص: 139


1) تأريخ الطبري، ج 8، ص 551.

2) تأريخ الخلفاء للسيوطي، ص 237.

3) تأريخ الطبري، ج 8، ص 324.

المسلمين حياة الفقر والحرمان، وخصوصاً من ليس لهم علاقة بالحاكم ولا بأجهزة دولته، والحوار الذي دار بين رجلين من قريش وبين هارون يوضح لنا مظهراً من مظاهر الفقر والحرمان فقد خاطباء بالقول: نهكتنا النوائب، وأجحفت بأموالنا

المصائب (1).

5 . الظلم الاقتصادي وكبائر الذنوب

لم يكن الإمام الرضا علیه السلام على رأس السلطة حتى يستطيع إصلاح الأوضاع الاقتصادية؛ بتطبيق قواعد العدالة في النظام الاقتصادي الإسلامي، أو متابعة سير العمليات الاقتصادية، أو إنفاق الأموال في وجوهها المشروعة، بل اكتفى الإمام علیه السلام - كخطوة أُولى - بنشر المفاهيم الإسلامية المرتبطة بالنظام الاقتصادي الإسلامي، ففي تحديده لجوامع الشريعة في رسالة مطولة له، اعتبر الانحراف عن نهج الإسلام الاقتصادي من الكبائر المعاقب عليها، ومما جاء في هذه الرسالة قوله: واجتناب الكبائر وهي... أكل مال اليتامى ظلماً ... وأكل الربا ، والسحت بعد البينة، والميسر، والنجش في الميزان والمكيال... وحبس الحقوق من غير عسر... والإسراف والتبذير(2).

ففي هذه الرسالة رسم الإمام علیه السلام ظواهر الحالة الاقتصادية المتردية، وكشف مساويء الإسراف والتبذير، وحذر الناس من ممارسة الأعمال الواقعة في طريق الظلم الاقتصادي، وفيها حث على الإنفاق، والعدالة في التعامل الاقتصادي.

دور الإمام علیه السلام في الإصلاح الاقتصادي

1. الدعوة إلى إعطاء الخمس للإمام الحق

يعتبر الخمس من استحقاق الإمام الحق لاعانته على أداء مسؤوليته في الأمة،

ص: 140


1) الأغاني، ج 16، ص 261.

2) تحف العقول، ص 316

ولكنه أصبح في عهد العباسيين ومن سبقهم بيد من تصدّى للحكم وليس أهلاً له، فكان الإمام علیه السلام يدعو إلى وضعه في مورده الذي حددته الشريعة، وليس للحاكم المغتصب للحكومة أي حق فيه، ففي كتابه علیه السلام إلى أحد تجار فارس رداً على سؤال له، قال: ... لا يحل مال إلا من وجه أحلّه الله إنّ الخمس عوننا على ديننا، وعلى عيالاتنا، وعلى والينا، ومانبذله ونشتري من أعراضنا ممن نخاف سطوته، فلا تزووه عنا... فإنّ إخراجه مفتاح رزقكم، وتمحيص ذنوبكم.....(1)

2 . الدعوة إلى دفع الزكاة

من أجل إقرار التوازن في الحياة الاقتصادية، ورفع المستوى المعاشي للفقراء كان الإمام علیه السلام يدعو إلى دفع الزكاة: إنّ الله أمر بثلاثة مقرون بها ثلاثة أخرى: أمر بالصلاة والزكاة، فَمَنْ صلّى ولم يزك لم تقبل منه صلاته (2).

وكان يحذر من النتائج السلبية المترتبة على حبس الزكاة طبقاً للسنن الإلهية القائمة في الحياة: إذا كذبت الولاة حبس المطر ، وإذا جار السلطان هانت الدولة، وإذا حبست الزكاة ماتت المواشي(3).

وكان يدعو إلى ايصال الزكاة إلى مستحقيها، وحرمة الإعطاء إلى غير المستحقين (4).

3 . الدعوة إلى التكافل الاقتصادي

يتحقق التكافل الاقتصادي بعدة طرق:

الأول: قيام الحاكم بدوره في إشباع حاجات الفقراء والمعوزين.

ص: 141


1) وسائل الشيعة، ج 9، ص 538 عن الكافي.

2) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 258.

3) وسائل الشيعة، ج 9، ص 31 عن أمالي الطوسي، ج 1، ص 77.

4) وسائل الشيعة، ج 9، ص 221 عن الكافي.

الثاني: دفع الحقوق الشرعية إلى مستحقيها.

الثالث: الإنفاق التطوعي بممارسة أعمال الخير والبر والإحسان.

وكان الإمام علیه السلام يشجع على الانفاق التطوعي ليتحقق التكافل الاقتصادي دون إكراه أو إجبار، ومن أقواله علیه السلام : السخي يأكل من طعام الناس ليأكلوا من طعامه(1).

وكان يشجع أتباعه على ذلك، فيقول لأحد المقربين له: إضمن لي الكاهلي وعياله، وأضمن لك الجنّة (2).

وكان يحارب الإسراف والتبذير لأنه يؤدّي إلى خلق الارتباك وعدم التوازن في المستوى المعاشي، فعن ياسر الخادم قال: أكل الغلمان يوماً فاكهة، فلم يستقصوا أكلها ورموا بها، فقال لهم: أبو الحسن علیه السلام : سبحان الله إن كنتم استغنيتم، فإن أُناساً لم يستغنوا، أطعموه من يحتاج إليه(3).

4 . محاربة المفاهيم الخاطئة في الزهد

شَجَّعَ الحكّام على إشاعة مفاهيم خاطئة عن التصوّف والزهد، والانقطاع عن ملذات الدنيا، في وقت كانوا ينفقون الأموال بلا قيود ولا حدود، وينغمسون هم في ملذات الدنيا في أعلى مراتب الإسراف والتبذير، وكان الهدف من ذلك إبعاد المسلمين عن المطالبة بحقوقهم، أو الدعوة إلى تطبيق مبدأ التوازن الاقتصادي، وبدأت مفاهيم التصوّف والزهد الخاطيء تستشري في الأوساط الاجتماعية، ولهذا قام الإمام علیه السلام بمحاربة هذه المفاهيم الخاطئة وتبيان حقيقة الزهد المنسجم مع التصورات الإسلامية السليمة، فكان علیه السلام يجلس في الصيف على حصير، وفي الشتاء على بساط من شعر،

ص: 142


1) فرائد السمطين، ج 2، ص 323.

2) رجال الكشي، ص 435.

3) الكافي، ج 6، ص 297.

ويلبس الغليظ من الثياب، حتّى إذا برز للناس تزيَّن لهم(1).

واعترض قوم من الصوفية على لباسه لأنهم كانوا يرون أن الإمام يجب عليه أن يلبس الخشن من الثياب، ويأكل الجشب من الطعام، فأجابهم علیه السلام : كان يوسف نبياً يلبس أقبية الديباج المزردة بالذهب، ويجلس على متكئات آل فرعون، ويحكم، إنما يراد من الإمام قسطه وعدله، إذا قال صدق، وإذا حكم عدل، وإذا وعد أنجز (2).

وهذه الدعوة إلى رفض المفاهيم الخاطئة للتصوّف والزهد، هي معارضة صامتة للحكّام الذين سمحوا بانتشارها وإشاعتها في المجتمع الإسلامي.

5 . ممارسة دور القدوة في الإنفاق

لم يكتف الإمام علیه السلام بالإرشاد والتوجيه والحث على الانفاق، بل حوّله إلى ممارسة عملية في الواقع؛ ليكون قدوة لغيره، ويكون عمله ميزاناً تزن به الأمة ممارسات الحكّام الاقتصادية وتلاعبهم بأموال المسلمين ، لتميّز بين منهجين اقتصاديين: منهج أهل البيت علیه السلام ومنهج الحكّام ومقارنة كلا المنهجين مع الأسس الثابتة التي حددتها الشريعة الإسلامية.

فقد وزّع جميع ما يملكه في أحد الأيام - وهو يوم عرفة -، فقال له الفضل بن سهل: إن هذا المغرم، فقال علیه السلام : بل هو المغنم، لا تعدن مغرماً ما ابتغيت به أجراً وكرماً (3).

ووصفه إبراهيم بن العباس قائلاً: ... كثير المعروف والصدقة في السر، وأكثر ذلك في الليالي المظلمة (4).

واستطاع بكثرة إنفاقه أن يشبع حاجات من يستطيع الوصول إليه لرفع مستواه

المعاشي.

ص: 143


1) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 178.

2) كشف الغمة، ج 2، ص 310؛ الفصول: المهمة، ص 254.

3) مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 390

4) مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 389.

6 . قضاء حوائج المحتاجين

من واجبات الإمام أو الحاكم الاسلامي قضاء حوائج المحتاجين، وإذا كان الحكام العباسيون يقضون حاجات المتملقين والمقربين لهم، فإن الإمام علیه السلام كان يقضي حوائج المحتاجين دون أن يقدموا له أدنى خدمة ، فعن يعقوب بن إسحاق النوبختي قال: مرّ رجل بأبي الحسن الرضا علیه السلام، فقال له: أعطني على قدر مروءتك، قال علیه السلام : لا يسعني ذلك، فقال: على قدر مروءتي، قال: إذن فنعم، ثمّ قال: ياغلام أعطه مائتي دينار(1).

وجاءه رجل قد نفدت نفقته وطلب منه أن يعينه للرجوع إلى بلده وقال: فإذا بلغتُ بلدي تصدقت بالذي توليني عنك، فلست موضع صدقة، فاستجاب له الإمام وقال: خذ هذه المائتي دينار، فاستعن بها في أمورك ونفقتك وتبرك بها ولا تتصدّق بها عني، أخرج ولا أراك ولا تراني.

فلما خرج سُئل عن ذلك فقال: مخافة أن أرى ذل السؤال في وجهه لقضاء

حاجته(2).

وكان يتفقد أحوال الفقراء والمستضعفين ويقضي حاجاتهم ويلبي طلباتهم.

و كان يُشرك غلمانه وخدمه في مائدة الطعام فيأكل معهم كواحد منهم(3).

ص: 144


1) مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 389.

2) مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 390.

3) بحار الأنوار، ج 49، ص 101.

الخاصه

إن الأساس في المباديء الإسلامية هو حفظ كرامة الإنسان بصورة عامة، والإنسان المؤمن بصورة أخص كما ورد من الأحاديث والآيات التي تؤكد الحفاظ على كرامته، وليس له أن يذل نفسه.

و من دون شك كان للعامل الاقتصادي دور مهم في تعزيز ذلك على مستوى عموم الأمة، ولكن ماذا ينتظر من حكم قام على أساس الجور والتسلط وقتل الأبرياء وكتم الأنفاس كالحكم الاموي ومن بعده العباسي؟ حيث اشتهر الحكام بالاسراف والبذخ والترف، فعثمان يقطع خمس أفريقا لمروان بن الحكم، (طريد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم) والمأمون يعطي خراج فارس والأهواز إلى والد زوجته، وهكذا كانت تصرف الحقوق (زكاة - خمس) في غير مواردها على الملاذ والخلاعة والشهوات والليالي الحمراء في قصور الخلفاء، مما أدى إلى خلق طبقة - بل طبقات معدمة وفقيرة تعاني من آلام الجوع والحرمان، إلى جانب هذه الطبقات المرفّه عليها في ظل حاكمية الحاكم المستبد والسلطان الجائر.

و لم يكن الإمام الرضاء علیه السلام على رأس الدولة حتى يتمكن من إجراء الإصلاحات الاقتصادية غير أنه لم يتوان عن بثّ مفاهيم الإسلام والدعوة إلى العدل الاجتماعي ومحاربة خرافات الزهد والتصوف التي كانت تشجع

عليها الدولة.

ص: 145

الأسئلة

1 . ما هي حدود التصرّف الشرعي بالأموال العامة من قبل الحاكم الإسلامي؟

2 . هل كانت تصرفات الحكّام العباسيين بالأموال العامة منسجمة مع الأسس

المشروعة للإنفاق في النظام الاقتصادي الإسلامي؟

3 . ما هي أهم واجبات الحاكم الإسلامي في المجال الاقتصادي؟

4 . ما هي الأسباب التي أدت إلى ضعف المستوى المعاشي للمسلمين في عهد

هارون؟

5 . من هو مستحق الخمس في رأي أهل البيت علیه السلام؟

6 . ما هي السبل إلى تحقيق التوازن في الحياة الاقتصادية؟

7 . ما هو المفهوم الحقيقي للزهد عند الإمام الرضا علیه السلام ؟

8 . وزع الإمام علیه السلام جميع أمواله في يوم عرفة، فهل يُعتبر هذا العمل إسرافاً؟ ولماذا؟

9 . ما هي مصاديق الكبائر من الذنوب في المجال الاقتصادي كما وردت في

رسالة جوامع الشريعة التي كتبها الإمام الرضاء علیه السلام؟

10 . إن إعطاء الزكاة إلى غير المستحقين هل هو مبريء لذمة المكلف؟

ص: 146

نشر القواعد الأساسية للفكر السياسي

1 . قدّم الإمام علیه السلام المفاهيم السياسية السليمة بإسلوب حذر؛ لكي لا يعطي للحكام مبرراً لمحاصرته أو منعه من التحرّك، أو سجنه أو قتله، فقد أكد علیه السلام الضرورة الإمامة في كل زمن، ونقل عن آبائه وأجداده الروايات المتعلقة بهذا المفهوم السياسي، فنقل عبر السلسلة الذهبية عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أنه قال: يدعى كل أناس بإمام زمانهم، وكتاب ربِّهم، وسنة نبيهم (1).

وحدد علیه السلام علامات وخصائص الإمام لكي تتمكن الأمة من تشخيص الإمام و معرفته ، في ظرف كثر فيه التحريف ، والتدليس، وقلب الحقائق، فقال علیه السلام : للإمام علامات : يكون أعلم الناس، وأحكم الناس ، وأتقى الناس، وأحلم الناس، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس....(2)

ويؤكد الإمام علیه السلام على وحدة الإمامة، فلابد من تنصيب إمام واحد غير متعدد(3)، ويذكر علة ذلك وهي توحيد الأعمال والمواقف للحيلولة دون حدوث اضطراب في الدولة والأمة، وبهذا ميز علیه السلام بين الإمام الحق الذي يقوم بدور القدوة والحجة، وبين إمام الضلالة الّذي كان متسلطاً على الأمة بقوة الإرهاب.

2 . إظهار فضائل أهل البيت علیه السلام ودورهم في الحياة:

أكد الإمام علیه السلام على نشر الأحاديث الشريفة المتعلقة بفضائل أهل البيت علیه السلام ودورهم في الحياة الإسلامية، فقد روى عن آبائه عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم انه قال:

مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنا زج في النار (4).

ص: 131


1) مناقب آل أبي طالب، ج 3، ص 80.

2) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 213.

3) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 101.

4) م . ن، ج 2، ص 27.

وروى أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قال : النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأمتي (1).

وروى عنه صلی الله علیه واله وسلم أنه قال: ياعلي إنك قسيم الجنة والنار....(2).

ووجه الأنظار إلى فضائل أنصار أهل البيت علیه السلام الواردة عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ليستم تشخيص أهل الحق وأهل الباطل على طول التأريخ.

وأكد مفاهيم التولي والتبرّي المنسجمة مع المنهج السياسي السليم الذي تتشخص فيه الوجودات والكيانات القائمة.

وحثَّ الأمة على تكريم ذرّيّة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم حيث روى عنه صلی الله علیه واله وسلم أنه قال: أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة: المكرم لذريتي من بعدي ، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عند اضطرارهم إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه (3).

3 . اظهار المعنى الحقيقي للتشيع في خضم الأحداث الصاخبة، وماطرأ من تشويه وتدليس في المعتقدات والحقائق؛ بين الإمام علیه السلام للأمة المفاهيم الحقيقية، ومن أهمها مفهوم التشيع فقال: شيعتنا الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويحجون البيت الحرام، ويصومون شهر رمضان، ويوالون أهل البيت ويتبرأون من أعدائهم ، اولئك أهل الإيمان والتقى وأهل الورع والتقوى(4).

وشخص علیه السلام النماذج المجسدة له في الواقع من خلال مواقفها وممارساتها فقال: إنما شيعته الحسن والحسين وأبوذر وسلمان والمقداد ومحمد بن أبي بكر، الذين لم يخالفوا شيئاً من أوامره، ولم يركبوا شيئاً من فنون زواجره(5).

واستطاع علیه السلام من خلال هذه الأحاديث أن يُخرج الغلاة وغيرهم من التشيع الذي

ص: 132


1) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 101.

2) م . ن، ج 2، ص 27.

3) م . ن، ج 1، ص 253.

4) حار الأنوار، ج 65، ص 168.

5) بحار الأنوار، ج 65، ص 158.

هو عمل وممارسة وليس مجرد ادعاء.

4 . إقامة الشعائر الحسينية: حثّ الإمام علیه السلام على إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين علیه السلام إحياءً ينسجم مع عمق الأهداف التي ضحى من أجلها الحسين علیه السلام ، ليتعمق الولاء العاطفي والسياسي للنهج الثوري الذي انتهجه علیه السلام ، فإحياء الذكرى عامل من عوامل إثارة الحسّ الثوري المعارض للانحراف بجميع ألوانه.

قال علیه السلام : إن يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذل عزيزنا... فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإنّ البكاء عليه يحط الذنوب العظام(1).

وحثّ على تمنّي الكون مع أصحاب الحسين علیه السلام وهو حثّ على تصعيد روح التمرد على الواقع الفاسد، فقال: إن سرّك أن يكون لك من الثواب مثل لمن استشهد مع الحسين علیه السلام فقل متى ماذكرته : ياليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً(2).

وحت على زيارة قبر الإمام الحسين علیه السلام ؛ للتزود من مواقفه الشجاعة؛ ولتجديد العهد معه على رفض الانحراف والطغيان.

وحت علیه السلام على إقامة مراسيم العزاء، وكان يقيمها بنفسه، دون أن تمنعه السلطة، وقد أثمرت هذه التوجيهات فيما بعد، فقد انطلقت الثورات من قبر الحسين علیه السلام .

واستطاع الإمام علیه السلام بأسلوبه الهاديء وممارساته السلمية أن يوسع القاعدة الشعبية دون أن تلاحقه السلطة أو تمنع نشاطه، واستطاع أن يضم إلى صفوف قاعدته عناصر جديدة مقربة من الحكام، كبعض الوزراء، وقادة الجيش، وكانت تصله الأخبار من قبل هؤلاء المقربين للحكّام ليكون تحرّكه ناجحاً في ظروفه المناسبة.

وكان أنصاره وأهل بيته مشغولين ببناء كيانهم المسلّح بعد إخفاق الحركات المسلّحة السابقة؛ لذا لم تقم أية حركة مسلحة في عهد هارون وابنه الأمين.

ص: 133


1) مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 93.

2) بحار الأنوار، ج 44، ص 299.

الخاصه

عاصر الإمام الرضاء علیه السلام عشر سنوات من حكم هارون الرشيد (193-183ه) و كانت سياسة هارون تتصف بالتعسف والاضطهاد للمناوئين له باستخدام كافة السبل للقضاء عليهم كما هو حال البرامكة.

و المعلوم أن هارون كبقية حكّام الدولة العباسية لم تنتخبهم الأمة أو أهل الحل والعقد منها فضلاً من عدم وجود نص عليهم، مما ساعد الثائرين في الخروج على السلطة غير الشرعية فكان الحكم وراثياً استبدادياً. ونتيجة لعوامل داخلية وأخرى خارجيّة أسهمت في إنهاء الخليفة وإشغاله بها، تمكن الإمام علیه السلام من التحرّك في بناء الجماعة الصالحة، عقائدياً وفكرياً وروحياً فضلاً عن تركيز بعض المفاهيم المهمة كالشعائر الحسينية ومفهوم الإمامة وغيرها من قواعد الإسلام الأساسية كما عمل على نشر فضائل أهل البيت علیه السلام وأوصى الجماعة الصالحة بنشرها.

كما نجد أنّ الإمام علیه السلام كان يؤكد المعنى الحقيقي لشيعة أمير المؤمنين علیه السلام ويضرب المثل بسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار، موضحاً ماكان يتصف به هؤلاء من الأخلاق الحميدة والسلوك السوي الموافق لمباديء أهل البيت علیه السلام وذلك لتتحلى الجماعة الصالحة بأخلاقهم وتقتدي بآثارهم.

ص: 134

الأسئلة

1 . ما هي علامات الإمام التي ذكرها الإمام الرضاء علیه السلام؟

2 . لماذا قابل هارون النصائح الموجهة إليه بالارهاب والعنف؟

3 . ما هو الدافع لهارون في تقديم ابنه محمّد على ولديه الآخرين؟

4 . ما هيالأهداف الخفية وراء الفتوحات والغزوات في عهد هارون؟

5 . لماذا لم تعلم السلطة بتبعية الخطّ العسكري للإمام الرضاء علیه السلام؟

6 . لماذا يؤكد الإمام علیه السلام على وحدة الإمامة؟

7 . لماذا وجه الإمام علیه السلام الأنظار إلى فضائل أنصار أهل البيت علیه السلام ؟

8 . ما هو المعنى الحقيقي للتشيع، وما هو الأثر العملي المترتب على معرفة هذا

المعنى؟

9 . ما هي الآثار العملية لتركيز الإمام علیه السلام على إقامة الشعائر الحسينية؟ 10 . كيف كانت تصل الأخبار عن مخططات السلطة إلى الإمام الرضاء علیه السلام ؟

ص: 135

ص: 136

الدرس 15: الإمام الرضا علیه السلام والإصلاح الأخلاقي

اشارة

إن الانحراف الأخلاقي في عهد الحكّام العباسيين هو نتيجة طبيعية من نتائج الابتعاد عن المنهج الإسلامي، وعدم تحكيمه في العقول والنفوس، وقد ساهمت أجواء الترف والرفاهية مساهمة فعالة في انتشار الانحراف الأخلاقي عند الحاكم ومؤسساته وعند الأُمّة تبعاً لذلك. ومن مظاهر هذا الانحراف:

مظاهر الانحراف الأخلاقي

1. اللهو واللعب

إن التصدّي للحكم مسؤولية عظيمة، وعلى الحاكم أن يقضي وقته للقيام بأداء دوره على أحسن وجه، بحيث لا يبقى له فراغ ينشغل فيه باللهو واللعب، ولكن الحكام العباسيين لم يكترثوا بهذا المفهوم الإسلامي، فكان هارون أوّل حاكم لعب بالصوالجة والكرة ورمي النشاب، وبالشطرنج (1).

وكان يُجري سباق الخيل، فجاء في أحد الأيام فرسه سابقاً، فأمر الشعراء أن يقولوا

فيه شعراً وأجزل لهم في العطاء حينما أنشدوا شعراً في هذه المناسبة (2).


1) تأريخ الخلفاء، ص 237.

2) الأغاني، ج 4، ص 43.

وكان من حبه للضحك والفكاهة أن اختصّ بابن أبي مريم المدني، وكان لا يصبر عن فراقه، ولا يمل من محادثته، وبلغ من اختصاصه به أن جعل له منزلاً في قصره، وخلطه بحريمه وبطانته ومواليه وغلمانه (1).

ولما وصل ابنه محمّد الأمين إلى قمة السلطة طلب الخصيان وأتباعهم، وغالى في أثمانهم، فصيّرهم لخلوته في ليله ونهاره، وفرض لهم فرضاً من بيت المال، وأمر ببناء مجالس لمتنزهاته، ومواضع خلواته ولهوه ولعبه، وأنفق في بنائها أموالاً عظيمة.

وتابع المأمون أباه وأخاه في اللهو واللعب، ومن الطبيعي أن تستشري هذه الظاهرة المنحرفة في الأوساط المقربة للبلاط الحاكم، لأن فساد المؤسسات بفساد الحاكم.

2. الولع بالغناء و بالجواري

على الرغم من تعرض الدولة والأمة إلى مخاطر ومؤامرات من قبل أعداء الإسلام إلا أنّ الحكّام العباسيين لم يكترثوا بذلك، ولم يكن من همهم تحصين الإسلام من المخاطر المحدقة به ، مادام المسلمون مشغولين بالغزوات والفتوحات، لا يتابعون ممارساتهم الانحرافيّة في الولع بالغناء وبالجواري والغلمان.

فكان هارون من المولعين بالغناء حتى جعل للمغنين مراتب وطبقات (2).

وكان مولعاً بحبّ ثلاث من جواريه المغنيات حتى أفصح عن هذا الولع بأبيات

شعرية:

ملك الثلاث الانساتُ عِناني *** وحللن من قلبي أعز مكان

مالي تطاوعني البرية كلُّها *** وأُطيعهنَّ وهنَّ في عصياني

ما ذاك إلا أن سلطان الهوى *** وبه غلبن أعزّ من سلطاني (3)


1) تأريخ الطبري، ج 8، ص 349 و الكامل في التأريخ، ج 6، ص 293 و 294.

2) تأريخ الخلفاء، ص 237.

3) فوات الوفيات، ج 4، ص 226؛ الأغاني، ج 16، ص 345.

وفي الوقت الذي يذهب آلاف الجنود ضحايا في الغزوات، نجده لا يكترث من ذلك، ولا يؤلمه كثرة القتلى والمعوقين، بل يؤلمه موت جارية من جواريه ، فيرثها بأبيات شعرية:

فلها تبكي البواكي *** ولها تشجي المراثي

خلقت سقماً طويلاً *** جعلت ذاك تراثي(1).

وكان الأمين يأمر بفرش ساحة مفتوحة بأفخر الفراش، وتهيئة آنية من الذهب والفضة والجواهر، ثم يأمر قيمة جواريه بأن تهييء له مائة جارية، يصعدن إليه عشراً عشراً بأيديهن العيدان، يغنين بصوت واحد(2).

وقال إسحاق بن إبراهيم بن ميمون : وكان المأمون كثير الشغف بالنساء، وأشدّ

الناس ميلاً إليهنَّ واستهتاراً بهنَّ (3)، وكانت الجواري يغنين عنده إلى السَّحَر (4).

3. شرب الخمر

شرب الشعر من المحرمات الثابتة في الشريعة الإسلامية، فإذا استطاع الحكام العباسيون الحصول على فقهاء يبررون لهم سماع الغناء والولع بالجواري، فإنهم لا يستطيعون تبرير شرب الخمر من قبلهم ، ولكنّهم خالفوا هذه الحرمة الثابتة في ممارساتهم العملية، فكان هارون مدمناً على شرب الخمر وكان يتولّى بنفسه سقاية ندمائه (5).

ومن الدلائل الواضحة على ممارسة الأمين لشرب الخمر، قول الفضل بن سهل :


1) فوات الوفيات، ج 4، ص 226.

2) الكامل في التاريخ، ج 6، ص 295.

3) العقد الفريد، ج 8، ص 156.

4) تأريخ الخلفاء، ص 260.

5) حياة الإمام علي بن موسى الرضا، ج 2، ص 224؛ باقر شريف القرشي.

كيف لا يستحل قتل محمّد وشاعره من يقول في مجلسه:

ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر *** ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر(1).

وكان المأمون يشرب مع ندمائه فيأخذ الشراب منهم مأخذاً(2)، وأخرج من عدة طرق أن المأمون كان يشرب النبيذ (3).

4 . الممارسات المنحرفة في مجالس الحكام

الانحراف الأخلاقي ليس غريباً عند من يتولى الحكم دون سابقة علم وتقوى، ودون مؤهلات فكرية وخلقيّة، ومن يتحدّى حدود الله تعالى الثابتة، فإنّه سيرتكب مادونها، وليس غريباً أن تكثر الممارسات المنحرفة في مجالس الحكام، فقد كان هارون يستمع إلى ألفاظ الفحش، بل يضحك تشجيعاً لقائلها، وفي مجلسه كانت تمارس أمور مصحوبة بالألفاظ البذيئة، وهو يضحك، ولم يكتف بذلك وإنما كان يهب لمرتكبيها مالاً، كما وهب لابن أبي مريم مائة ألف درهم (4).

أما ابنه الأمين فهو -كما يصفه ابن الأثير -: لم نجد في سيرته مايستحسن ذكره،

من حلم أو معدلة أو تجربة، حتى نذكرها (5).

وفي مجالس المأمون كان يكثر الغزل المباشر، ففي ليلة من الليالي كان محمد بن حامد واقفاً على رأس المأمون وهو يشرب، فاندفعت جاريته عريب فغنت، فأنكر أن لا تكون ابتدأت بشيء، فأجابه ابن حامد : أنا ياسيدي أومأت إليها بقبلة(6).


1) الكامل في التأريخ، ج 1، ص 295.

2) الكامل في التأريخ، ج 6، ص 437.

3) تأريخ الخلفاء، ص 260.

4) تأريخ الطبري، ج 8، ص 349 و 350.

5) الكامل في التأريخ، ج 6، ص 295.

6) تأريخ الخفاء، ص 260.

5 . الممارسات المنحرفة لأتباع الحكام كان أحد قضاة الأمين ثمّ المأمون مشهوراً بممارسة الشذوذ الجنسي، فاشتكى الناس عند المأمون فأجابهم : لو طعنوا عليه في أحكامه قبل ذلك منهم.

وبعد ازدياد الشكاوى عليه عزله ثم جعله نديماً له، ورخص له في أمور كثيرة (1).

وكان المقربون للحكام والولاة في بغداد والكرخ يظهرون الفسق، ويختطفون الغلمان والنساء علانية من الطرق، وكان الطبري بعد ذكره لمثل هذه الممارسات يقول: لاسلطان يمنعهم، ولا يقدر على ذلك منهم، لأن السلطان كان يعتز بهم وكانوا بطانته (2).

وقد سجل المؤرخون بعض ما اشتهر من ممارسات انحرافية ولم يسجلوا الخفايا والانحرافات التي كانت تُمارس سرّاً، وهذا الانحراف لم ينحصر في البلاط الحاكم، وإنما امتد إلى جميع من يرتبط بالبلاط، وانعكس أثره على الأمة لوجود المقتضي وهو تشجيع الحكام للانحراف.

وكان لاستمرار الغزوات وما ينتج عنها من قتل وأسر وابتعاد عن الأهل دور كبير فی تفكك الأسر والعوائل، ومن ثمّ إشاعة واستشراء الانحراف لفقدان أو غيبة المعيل أو الرقيب.

أساليب الإمام الاصلاحية

الإمام علیه السلام مسؤول عن إصلاح أخلاق المجتمع وأبنائه إصلاحاً يتطابق مع القواعد والموازين والقيم الثابتة في الشريعة الإسلامية، ولهذا بذل الإمام علیه السلام عناية كبيرة في إصلاح الواقع الأخلاقي الفاسد، وكانت مسؤوليته منصبة على إصلاح جميع الوجودات القائمة، ابتداءً بالمقربين له، ومروراً بالأُمّة، ثمّ الأجهزة الحكومية، ثم وزراء الحاكم


1) مروج الذهب، ج 3، ص 435

2) تأريخ الطبري، ج 8، ص 551 و 552.

وشخصه.

وكان الإمام علیه السلام يستثمر جميع الفرص المتاحة للقيام بدوره الاصلاحي، وبناء واقع جديد مغاير للسابق ومتجاوز له، ولهذا تعددت أساليبه التربوية الإصلاحية ومنها:

أولاً: إحياء الاقتداء برسول الله صلی الله علیه واله وسلم

إن للقدوة الصالحة تأثيراً كبيراً في إصلاح وتغيير الأخلاق والقيم، والاقتداء بها له آثاره على جميع جوانب الشخصية الإنسانية: العقلية والعاطفية والسلوكية، فتندفع الشخصية للوصول إلى المقامات العانية التي وصل إليها الصالحون المقتدى بهم.

وإذا فقد الاقتداء جمدت جذوة الحياة وضعف الطموح وانحرف عن مساره وتعلق

بالنماذج المنحرفة.

ومن هنا قام الإمام علیه السلام بتوجيه الأنظار والقلوب للاقتداء بأرقى النماذج البشرية، المتمثلة برسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، فإنه قدوة للحاكم، وللفقهاء والقضاة، ولسائر المسلمين من أفراد وجماعات.

وإذا كان الحاكم لا يروق له تدخل الإمام بالسياسة، فإنّه لا يستطيع أن يمنعه من

الحديث المتعلق بأخلاق رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، ولذا وجد الإمام علیه السلام الظروف مناسبة للدعوة إلى الاقتداء به صلی الله علیه واله وسلم .

فكان يكثر من الأحاديث عن آبائه وأجداده حول أخلاق رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ومنها الحديث المروي عن الإمام الحسن بن علي علیه السلام عن أبيه علیه السلام في صفات رسول الله صلی الله علیه واله وسلم الأخلاقية:

إيثار أهل الفضل بأذنه من العطاء وتقسيمه عليهم على قدر فضلهم في الدين. كان رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يخزن لسانه إلا عما يعنيه، ويكرم كريم كلّ قوم ويولّيه عليهم. قد وسع الناس منه خلقه، وصار لهم أباً رحيماً، وصاروا عنده في الحق سواء، دائم البشر، سهل الخلق لين الجانب.

وجمع له الحذر في أربع : أخذه الحَسَنَ ليقتدى به، وتركه الباطل لينتهي عنه،

واجتهاده الرأي في إصلاح أمته، والقيام فيما جمع لهم من خير الدنيا والآخرة(1). الدعوة إلى الاقتداء برسول الله صلی الله علیه واله وسلم هی دعوة صامتة لتقوم الأمة بتشخيص منهجين في الأخلاق:

أ . منهج الحكام.

ب . منهج رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وأهل بيته علیه السلام

وهذه الدعوة دعوة سلمية لكشف حقيقة المنهج الأخلاقي للحكام، دون إعطاء مبرر لمنعه من التحدث عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وخصوصاً فيما يتعلق بأخلاقه و سیرته صلی الله علیه واله وسلم .

ثانياً: القيام بدور القدوة

إن دور الإمام علیه السلام هو دور القدوة، وقد أدى علیه السلام هذا الدور أداءً مطابقاً لقيم الإسلام الثابتة، وأبرز للمسلمين نموذجاً من أرقى نماذج الخلق الإسلامي الرفيع، وكان قمة في الصدق وأداء الأمانة والوفاء بالعهد، واحترام الآخرين، والاهتمام بأمور المسلمين، و مشاركتهم في آمالهم وآلامهم.

ووصفه إبراهيم بن العباس قائلاً: مارأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا، ماجفا أحداً، ولا قطع على أحدٍ كلامه، ولا ردّ أحداً عن حاجة، وما مد رجليه بين يدي جليس، ولا اتكأ قبله ولا شتم مواليه ومماليكه، ولا قهقه في ضحكه، وكان يجلس على مائدة مماليكه... كثير المعروف والصدقة في السر....(2).

وكان متواضعاً للناس، وكان من تواضعه أن يكلّفه البعض ببعض الأعمال غير


1) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 317 إلى 319.

2) مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 389.

المناسبة لمقامه فيؤديها، ولا يتوقف وإن عرفوه بشخصه (1).

وكان يعالج فساد العلاقات معالجة عمليّة، ففي أحد مواقفه أنه دعا بمائدته فجمع عليها مواليه، فقيل له: لو عزلت لهؤلاء مائدة، فقال: إن الرب تبارك وتعالى واحد، والأم واحدة، والأب واحد، والجزاء بالأعمال (2).

وكان يقول لمن يقوم بخدمته : إن قمت على رؤوسكم وأنتم تأكلون، فلا تقوموا

حتى تفرغوا، وكان لا يستخدم أحد خدّامه حتى يفرغ من طعامه (3).

وكان كثير العفو والصفح والمسامحة، لا يقابل الإساءة بالاساءة، رحيماً لا يحمل

حقداً ولا عداءً لمن يؤذيه من عامة الناس أو من خواصهم(4).

ووصف أخلاقه الكريمة بأبيات شعر لتقتدي به الأمة:

إذا كان من دوني بليت بجهله *** أبَيْتُ لنفسي أن أقابل بالجهل

وإن كان مثلي في محلّي من النهى *** أخذت بحلمي كي أجل عن المثل

وإن كنت أدنى منه في الفضل والحجي *** عرفت له حق التقدم والفضل (5).

ثالثاً: الدعوة إلى مكارم الأخلاق

كان الإمام علیه السلام يدعو للتمسك بمكارم الأخلاق ومحاسنها، ويعمق هذه الدعوة من خلال نشر أحاديث رسول الله صلی الله علیه واله وسلم التي ترسم للمسلمين المنهج السلوكي السليم، ومن


1) مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 391.

2) بحار الأنوار، ج 49، ص 102.

3) الكافي، ج 6، ص 289.

4) أعيان الشيعة، ج 2، ص 25.

5) مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 402.

هذه الأحاديث المروية عنه:

قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : المستتر بالحسنة يعدل سبعين حسنة، والمذيع بالسيئة مخذول، والمستتر بها مغفور له (1).

وقال صلی الله علیه واله وسلم : إن الله بعثني بالرحمة لا بالعقوق(2).

وكان علیه السلام يدعو للاندماج بقيم الإسلام ، والسنن الصادرة من مصادرها الحقيقية، فيقول: لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون فيه ثلاث خصال: سنة من ربه، وسنة من نبيه، وسنّة من وليّه، فأما السنّة من ربه فكتمان أمره.... وأما السنة من نبيه فمداراة الناس... وأمّا السنة من وليه فالصبر في البأساء والضراء(3).

وحدد علیه السلام المفهوم الحقيقي للتواضع والذي هو حركة سلوكية شاملة تبدأ بالنفس وتنتهي بالمجتمع قائلاً: التواضع درجات : منها أن يعرف المرء قدر نفسه، فينزلها منزلتها بقلب سليم، ولا يحب أن يأتي إلى أحد إلا مثل مايؤتى إليه، إن رأى سيئة درأها بالحسنة، كاظم الغيظ، عافٍ عن الناس، والله يحب المحسنين (4).

وكان علیه السلام يحث على إقامة العلاقات الاجتماعية الصالحة، ويدعو إلى الإخاء والتآلف والتآزر، ويدعو إلى نبذ الأخلاق الطالحة التي تؤدّي إلى التقاطع والتدابر، أو تؤدّي إلى إرباك العلاقات الاجتماعيّة، كالكذب والغيبة والبهتان والنميمة، والاعتداء على أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم، وينهى عن جميع الممارسات المنحرفة؛ لتكون تلك الأخلاق مطابقة للمنهج الإسلامي السليم الذي أرسى دعائمه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وأهل بيته علیه السلام.


1) الكافي، ج 2، ص 428.

2) الكافي، ج 2، ص 159.

3) الكافي، ج 2، ص 242. .

4) الكافي، ج 2، ص 124.

رابعاً : الإصلاح والتربية من خلال القصة

لم يكتف الإمام علیه السلام بنشر الأحاديث أو التحدث عن مكارم الأخلاق بل استخدم وسائل أخرى للدعوة إلى مكارم الأخلاق، فكان يضرب الأمثال، ويستخدم القصة لتبقى شاخصة في العقول والنفوس، لأنها تجد لها أذنا صاغية ويبقى تأثيرها ممتداً لفترة ليست بالقصيرة، ومما جاء في ذلك قوله علیه السلام : إن رجلاً كان في بني إسرائيل عبد الله تبارك وتعالى أربعين سنةً، فلم يقبل الله منه، فقال لنفسه: ما أتيت إلا منك، ولا الذنب إلا لك، فأوحى الله تبارك وتعالى إليه : ذمّك نفسك أفضل من عبادة أربعين سنة (1)1.

خامساً: الإصلاح والتربية من خلال الشعر

كان الإمام علیه السلام ينشد الشعر لتأثيره السريع على الأسماع ومن ثم العواطف والممارسات، وكان يستخدمه كوسيلة لإصلاح الأخلاق وتربية الأمة على المآثر والمكارم.

و من شعره علیه السلام المتعلّق بالعلاقات الاجتماعية:

اعذر أخاك على ذنوبه *** واستر وغط على عيوبه

واصبر على بهت السفيه *** وللزمان على خطوبه

ودع الجواب تفضلاً *** وكل الظلوم إلى حسيبه (2).

وأنشد شعراً لربط المسلمين باليوم الآخر وعدم الانخداع بالأماني، ولاستحضار

اليوم الآخر في الأذهان تأثير واقعي في إصلاح الأخلاق وتغييرها طبقاً للمنهج

الإسلامي السليم.

كلنا يأمل مداً في الأجل *** والمنايا هنَّ آفات الأمل

لا تغرنك أباطيل المنى *** والزم القصد ودع عنك العلل

إنّما الدنيا كظل زائل *** حلّ فيه راكب ثم ارتحل(3).


1) قرب الإسناد، ص 392

2) البداية والنهاية، ج 10، ص 250.

3) البداية والنهاية، ج 10، ص 250.

سادساً : إصلاح الأمة من خلال تشييد بناء الجماعة الصالحة

لقد كان الإمام علیه السلام مسؤولاً عن بناء جماعة صالحة تقوم بأداء دورها في إصلاح المجتمع وتغييره، لذا نجده يعمل ليل نهار ويلتقي بالأفراد والجماعات لانتقاء القادرين على أداء المهمة الإصلاحية في المجتمع، وكان لا يتوقف عن أداء توجيهاته ونصائحه للذين يلتقي بهم، وكان يراسل أتباعه ووكلاء في الأمصار ليقوم سلوكهم ويهذب أخلاقهم.

ومن أساليبه في بناء الجماعة الصالحة هي شراء العبيد وإعدادهم إعداداً تربوياً ثمّ عتقهم، فقد أعتق ألف مملوك في حياته(1).

وهذا العدد الكبير له تأثيره في دفع حركة الإصلاح والتغيير الأخلاقي أشواطاً إلى الأمام، حيث يصبح هؤلاء بعد التربية والإعداد الخلقي تياراً من الدعاة والكوادر يعمل في وسط الأمة، ويقوم بأداء دوره الإصلاحي ابتداءً بنفسه وأسرته ثم المجتمع الكبير.

الخاص

كان لانحراف الملوك العباسيين دور كبير في شيوع الانحراف الأخلاقي في المجتمع الإسلامي آنذاك، ولم يكن الانحراف منحصراً بالحكام فقط بل تجاوزه إلى المقربين من الخليفة والولاة والقضاة إلى غيرهم من الطبقات المترفة المحيطة بالخليفة فكيف لا يتعدّي ذلك الانحراف إلى الدوائر الخاصة ولا يشيع في أوساط العامة التي كانت تعاني من الفقر المدقع وهي ترى الانحرافات السلوكية في كل مفردة حياتية للحكام ومقربيهم.

و قد واجه الإمام الرضا علیه السلام ذلك الانحراف بنهج قويم من أجل


1) الإتحاف بحب الأشراف، ص 155.

تحجيم الانحراف وإعادة الأمة إلى الجاده السوية وكانت أساليب الإمام علیه السلام تتلخص في:

1. استثمار الفرص لمحاربة الانحراف مباشرة.

2 . إحياء سنة الاقتداء بالرسول صلی الله علیه واله وسلم والإكثار من الحديث عن

خلقه و سلوكه وعدله في حكمه.

3 . تجسيد الإمام الرضا علیه السلام نفسه لمكارم الأخلاق عند آبائه علیه السلام .

4 . الدعوة إلى اكتساب مكارم الأخلاق.

5 . توجيه الجماعة الصالحة في بث ونشر المفاهيم الإسلامية في أوساط الأمة.

المسئلة

1 . ما هي الأسباب الأساسية والثانوية للانحراف الأخلاقي في عهد العباسيين؟

2 . ما هو حكم الغناء في الإسلام؟ وما هو حكمه في خصوص الحكام؟

3 . ما هو دور القدوة في إصلاح الأخلاق؟

4 . ما هي الحكمة من دعوة الإمام علیه السلام للاقتداء برسول الله ؟؟

ه . ما هي الصفات الخلقية البارزة في سيرة الإمام علیه السلام ؟

6 . كيف كان الإمام علیه السلام يعالج فساد العلاقات الاجتماعية؟

7 . ما هي أساليب الإمام علیه السلام في الدعوة إلى مكارم الأخلاق؟

8 . ما هو حكم اللهو واللعب في خصوص الحكام؟

9 . ما هو تأثير الانحراف الأخلاقي للحكام على الأمة؟

10 . ما هي الوجودات الواجب إصلاحها من قبل الإمام؟

الدرس 16: الدور السياسي للإمام الرضا علیه السلام قبل ولاية العهد

اشارة

استلم المأمون زمام الحكم في سنة 198 ه- بعد حرب دامية استمرت خم سنوات، قتل فيها الآف القادة والجنود التابعين له ولأخيه الأمين، وحدث تفتت في التحالف العباسي، وانقسم البيت العباسي إلى مؤيدين ومعارضين لحكم المأمون، وهذه الأوضاع أدّت إلى انفراج سياسي استطاع الإمام الرضاء علیه السلام من خلاله أن يتحرك في دائرة أوسع من قبل، ويتحدث بحرية تامة لنشر المفاهيم والقيم الإسلامية والرد على الشبهات، وإبراز النهج السياسي المنسجم مع أسس الإسلام الثابتة.

المأمون وإضفاء القدسيّة على حكمه

إن المأمون ورث الحكم عن أبيه، وسارع في الوصول إليه عن طريق حروب دامية، وكان كسابقيه يؤطر حكمه بإطار شرعي، ويضفي عليه هالة قدسية ليتعمق له الولاء في قلوب المسلمين، وهذا ما يتجلّى من الكتب والمخاطبات التي وجهت له، ومنها ماكتبه إليه طاهر بن الحسين قائد الجيش الذي قتل الأمين، حيث جاء فيه . ... وقد قتل الله المخلوع، وأسلمه بغدره ونكثه، وأحصد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له ماكان

ينتظره من سابق وعده، والحمد لله الراجع إلى أمير المؤمنين حقه، الكائد له ممّن خان عهده، ونقض عقده، حتى ردّ به الألفة بعد فرقتها، وجمع له الأمة بعد شتاتها، فأحيا به أعلام الدين بعد دثور سرائرها (1).

وهذه الأفكار لم تكن من ابتداع طاهر بن الحسين ، بل هي توجيهات وتوصيات

لكل المرتبطين بالمأمون؛ للقيام بتركيزها في أذهان المسلمين.

الحركات المسلّحة

على الرغم من الهالة القدسية التي أحاط بها المأمون حكمه ومساندة بعض الفقهاء والقضاة له، نجد كثيراً من المسلمين كانوا يرونه مغتصباً للخلافة، أو غير مؤهل لها، وقد كان للظلم المتراكم على طول عهد العبّاسیين، وانحرافهم عن النهج الإسلامي دور كبير في تفاعل روح الثورة والتمرّد في نفوس المسلمين، إضافة إلى وجود الطامعين في الحكم والمنافسين للمأمون وكثرة الحاقدين على حكمه ومن بينهم الموالون لأخيه الأمين، وجميع هذه العوامل ساهمت في الثورة والتمرد عليه.

ففي أول سنة من حكمه وهي سنة 198 ه- أظهر نصر بن شيث العقيلي الخلاف

في حلب، وتغلب على ماجاورها من البلدان، ولم يقض عليه إلا في سنة 199 ه-. وفي السنة نفسها حدثت فتنة الموصل بين اليمانية والنزارية، وقتل فيها نحو ستة آلاف من النزارية.

وفي سنة 199 ه- انفجرت المعارك بين بني ثعلبة وبني أُسامة.

الحركات العلوية المسلّحة

كانت سنة 199 ه- فاتحة لثورة عظيمة وحركة تمرد واسعة قادها العلويون، حيث خرج أبوالسرايا السري بن منصور الشيباني بالعراق ومعه محمد بن إبراهيم ابن


1) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 442.

اسماعيل الحسني، فضرب الدراهم بالكوفة بغير سكة العباسيين، وسير جيوشه إلى البصرة وواسط ونواحيها.

وتوزعت الثورة على عدة جبهات

جبهة البصرة بقيادة العبّاس بن محمّد بن عيسى الجعفري.

وجبهة مكة بقيادة الحسين بن الحسن الأفطس.

وجبهة اليمن بقيادة إبراهيم بن موسى بن جعفر علیه السلام.

وجبهة فارس بقيادة إسماعيل بن موسى بن جعفر.

وجبهة الأهواز بقيادة زيد بن موسى بن جعفر.

وجبهة المدائن بقيادة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن، واستمرت هذه الثورات أكثر من سنة إلى أن قضي عليها، وفي سنة 200 ه- خرج محمد بن جعفر

الصادق علیه السلام ولكنه لم يستمر في خروجه فاستسلم وأرسل إلى المأمون. وكان لهذه الثورات أثر كبير في خلخلة الأوضاع الداخلية وإرباك المواقف

العسكرية والسياسية.

الوضع العام بعد إخماد الثورات

في سنة 201 ه- أصاب بغداد بلاء عظيم، وجلا كثير من ساكنيها بسبب النهب

والسلب والغلاء وخراب الدور(1).

و تدارك المأمون موقفه من الثوار فأعلن العفو عن قادة الثورات وخصوصاً العلويين، وهذا العفو لم يمنعه من استخدام الإرهاب لإخماد أصوات المعارضين، بل تمادى في إرهابه حتى أنه أقدم على قتل هرثمة بن أعين على الرغم من إخلاصه له، بوشاية من منافسه الحسن بن سهل (2).


1) العبر في خير من غبر، ج 1، ص 263.

2) تأريخ ابن خلدون، ج 5، ص 531.

ولم يسمح لمن كان يخالفه في الرأي حتى أقدم على نفي أحد الشعراء إلى السند لأنه أنشد قصيدة يذم بها قاضياً منحرفاً له علاقة مع المأمون(1)، وبقي كثير من العباسيين على عدائهم للمأمون ورغبتهم في إزاحته من الحكم.

وفي مقابل الإضطراب في الوضع الداخلي، كانت هنالك تحديات خطيرة تواجه الحكومة العبّاسيّة، فالدول الكافرة والمشركة تتحين الفرصة للقضاء على الحكومة وعلى الوجود الإسلامي أجمع، وكانت تعد العدة لوقتها المناسب.

ولهذه الأسباب أعلن المأمون العفو العام عن العلويين خشية من تأزم الأوضاع

والقيام بحركة تمرد مسلّحة وواسعة.

موقف الإمام علیه السلام من الثورات العلوية

كان الإمام علیه السلام يشرف على جميع خطوط الحركة الرسالية بما فيها الخطّ العسكري، الذي كان محاطاً بسرية وكتمان شديدين، وقد أسند قيادته المباشرة إلى إخوانه وأبناء عمومته؛ لكي لا يكون في موقع المواجهة العلنية مع الحكم القائم، لأنّ القيادة المباشرة للخط العسكري، أو إعلان ارتباطه بالإمام علیه السلام قد يؤدي إلى قتله في معركة من المعارك، أو قتله من قبل عيون وأعوان النظام الحاكم، قبل أن يهيء الأجواء لإمامة الإمام الذي يليه.

ومن معطيات القيادة غير المباشرة للخط العسكري أن جميع الأخطاء والممارسات التي ترتكب من قبل الثوار لا تحسب على الإمام، وإنما على القائد المباشر المشرف على الخط العسكري.

وكان الإمام علیه السلام يحيط تحرّكه بسرية تامة ويخفي كثيراً من الأعمال والتنسيقات حتى عن بعض عناصر الخط العسكري، ففي سنة 199 ه- اجتمع أنصار محمد بن


1) مروج الذهب، ج 3، ص 345.

سليمان العلوي بالمدينة وطلبوا منه أن يبعث إلى الإمام علیه السلام ويدعوه للقيام معه، فأرسل له أحد المقربين إليه، فأجابه الإمام علیه السلام : إذا مضى عشرون يوماً أتيتك، فمكثوا أياماً ، فلما كان اليوم الثامن عشر، قامت القوات العباسية بمحاصرتهم والقضاء على الثورة في مهدها (1)ولم تُلْقَ أية مسؤولية على الإمام.

وكان الإمام علیه السلام يوجه إنطلاقة الثورة ويبدي نصائحه للقائمين عليها، وقد يعطي لهم صلاحيات مطلقة دون الرجوع إليه باستمرار، بل كان يتابع الأحداث والمواقف عن بعد.

فحينما أراد محمد بن الإمام جعفر الصادق علیه السلام أن يثور في يوم معين؛ أرسل إليه الإمام علیه السلام : لا تخرج غداً فإنّك إن خرجت هُزِمْتَ وَقُتِلَ أصحابك (2).

وقد تكون بعض الثورات مستقلة عن الإمام علیه السلام من حيث التخطيط والتنسيق والتنفيذ.

ازدياد عدد المعارضين لحكم المأمون

كان الوضع السياسي في عهد المأمون مضطرباً للغاية، فبعد قتال دامي للإستيلاء على الحكم، فوجيء بعدة ثورات وحركات مسلحة ، منها : ثورات العلويين التي كانت أشد وطأة عليه، فقد نُظر في الدواوين، فوجد من قتل من أصحاب السلطان في وقائع أبي السرايا مائنا ألف رجل(3).

و ازداد عدد المعارضين لحكمه بعد أن وجدوا فيه عدم الحرص على دماء المسلمين وزجهم في معارك هدفها تثبيت سلطانه ليس إلا، وكان المعارضون منتشرين في جميع الأمصار الإسلامية وعلى جميع المستويات، وقد اعترف المأمون بذلك في قوله : والله ما أنزلت قيساً من ظهور خيولها إلا وأنا أرى أنه لم يبق في بيت مالي درهم


1) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 208

2) مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 368.

3) مقاتل الطالبتين، ص 550

واحد... وأمّا اليمن فوالله ما أحببتها، ولا أحبتني قط، وأما قضاعة، فساداتها تنتظر السفياني، حتى تكون من أشياعه، وأمّا ربيعة فساخطة على ربّها مذ بعث الله نبيه من مضر(1).

هذا بالإضافة إلى الساخطين على حكمه من البيت العباسي نفسه.

تفرغ الإمام علیه السلام الأداء دوره

استثمر الإمام علیه السلام الفرصة والظرف المناسب فقام بأداء دوره بحرية شبه تامة، لانشغال المأمون بتثبيت دعائم حكمه دون الاصطدام مع الإمام علیه السلام وأتباعه وأنصاره.

وكشف الإمام علیه السلام جهده لإبراز المفاهيم السياسية التي حددها رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وأهل بيته الأطهار، وأهمها صفات الإمام الحاكم ، وواجباته وحقوقه، والتمييز بين الإمام المنصوص من قبل الله تعالى ومن قبل رسوله، وبين غيره من المتصدين لإدارة الدولة دون نص أو رضى من قبل المسلمين، وطرح مفهوم قيام الإمام بدور الحجة والقدوة وإن لم تبسط له اليد في الإشراف المباشر على أجهزة الدولة الإسلامية، وأكد على الروايات التي تنص على إمامة علي والحسن والحسين علیه السلام والتسعة المعصومين من أولاد الحسين علیه السلام، وركز علیه السلام على شرط العصمة في من يتصدى للإمامة العظمى ويقوم بدور القدوة والحجّة، وأكد وجوب معرفة الأمة للامام ووجوب طاعتها له.

توسيع القاعدة الشعبية

إن المفاهيم التي طرحها الإمام علیه السلام كانت بحاجة إلى حَمَلَةٍ يحملونها في عقولهم وعواطفهم، ثمّ يروجون لها في الواقع، فاستثمر الإمام علیه السلام كل الفرص المتاحة لتكثير عدد الدعاة لمنهج أهل البيت علیه السلام وتوسيع قاعدة أهل البيت الشعبية، فكانت حركته بهذا الاتجاه أقوى وأوسع مما كانت في العهود السابقة على عهده، بهذا ازداد عدد أتباع


1) الكامل في التأريخ، ج 1، ص 432 و 433.

أهل البيت وكانوا منتشرين في مختلف الأمصار، وخصوصاً في خراسان والكوفة، كما كان لكثير من الوزراء ارتباط روحي بالإمام علیه السلام الإضافة إلى الولاء السياسي له، كالفضل بن الربيع، وأبي الصلت الهروي [مستشار المأمون]، وكان له أتباع وأنصار في الجهاز العسكري أيضاً مثل : كهرثمة بن أعين، وطاهر بن الحسين الخزاعي.

وكانت شخصية الإمام علیه السلام ذات تأثير كبير على ارتباط المسلمين به، فهو من السلالة النبوية الطاهرة، ولديه مؤهلات ذاتية لجذب القلوب، ومن أهم هذه المؤهلات: العلم والتقوى وعمق العلاقة مع الله تعالى وحسن السيرة.

أما العلم : فقد كان الإمام أعلم أهل زمانه في أمور الدين والدنيا، وهو الذي لم يتعلّم عند أحد قط وإنّما أخذ العلم عن آبائه الطاهرين عن جده رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، ووصفه إبراهيم بن العباس بقوله : مارأيت الرضا يُسأل عن شيء قط إلا علم، ولا رأيت أعلم منه ....(1).

وقال محمد بن عيسى اليقطيني: لما اختلف الناس في أمر أبي الحسن الرضاء علیه السلام جمعت من مسائله ممّا سُئل عنه وأجاب خمس عشرة ألف مسألة (2).

وكان يتمتع برأي ثاقب في تحليل الأحداث والمواقف، ويتوقع ماسيحدث في المستقبل ويخبر عنه إخبار العالم، فقد بيّن للمقربين إليه أن هارون لا يستطيع أن ينال منه (3)، وتوقع مقتل البرامكة (4)، كما أخبر عن مقتل الأمين من قبل المأمون(5).

ثانياً: التقوى: التقوى من أهم خصائص من يتصدى للإمامة، وهي عامل من عوامل ارتباط الناس بشخص المتقي ولذا ازدادت شعبية الإمام علیه السلام لأنه يمثل القمة في


1) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 180 و بنحوه في نور الأبصار، ص 170.

2) الغيبة، ص 73؛ الطوسي.

3) الكافي، ج 8، ص 257.

4) نور الأبصار، ص 175.

5) نور الأبصار، ص 176؛ الاتحاف بحب الأشراف، ص 160.

التقوى، فعن أحمد بن علي الأنصاري قال: سمعت رجاء بن أبي الضحاك يقول: ... مارأيت رجلاً كان أتقى لله تعالى منه، ولا أكثر ذكراً لله في جميع أوقاته منه، ولا أشدّ خوفاً لله عزّ وجلّ منه.....(1).

وكان في تمام الإخلاص لله تعالى، وقد رفض قول من ينسب إلى أهل البيت علیه السلام أنهم يقولون: إنّ الناس لهم عبيد، وكان يقول: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت شاهد بأني لم أقل ذلك قط، ولا سمعت أحداً من آبائي علیه السلام قاله قط... إذا كان الناس كلُّهم عبيدنا على ما حكوه عنا، فممن نبيعهم؟!(2).

ثالثاً: عمق العلاقة مع الله تعالى: كانت علاقة الإمام علیه السلام بالله تعالى علاقة راسخة ، إذ كان دائم الارتباط بالله تعالى في حركاته وسكناته ، أكثر الناس عبادة والمعروف عنه أنه إذا كان الثلث الأخير من الليل قام من فراشه بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل ثمّ قام إلى صلاة الليل(3).

وكان يختم القرآن في كل ثلاثة أيام، وكان يقول: لو أردت أن أختمه في أقرب من ثلاثة لختمته، ولكنني، ما مررت بآية قط إلا فكرت فيها، وفي أي شيء أنزلت، وفي أي وقت؟ فلذلك صرت أختم في كل ثلاثة أيام(4).

رابعاً: حسن حسن السيرة كان الإمام علیه السلام قمة في الأخلاق، وكان معروفاً بحسن السيرة الناس متواضعاً حتى مع المماليك والخدم، وكان يقدّم التقوى على الأنساب، حتّى أنه حينما قيل له: والله ما على وجه الأرض أشرف منك آباء أجاب: التقوى شرفتهم وطاعة الله أحظتهم.

وقيل له: أنت والله خير الناس ، فقال للقائل: لا تحلف ياهذا، خير منّي من كان أتقى


1) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 180 و 181.

2) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 184.

3) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 181.

4) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 180.

لله عز وجل وأطوع له (1).

وكان كثير المعروف للناس، إذ كان يقابل الإساءة بالإحسان(2).

وكان مدارياً لجميع أصناف الناس ، وله علاقات ودية مع الجميع، وكان علیه السلام موضع رضى من قبل الجميع حتى وصفه الإمام محمد الجواد علیه السلام بقوله: رضى به المخالفون من أعدائه، كما رضى به الموافقون من أوليائه....(3).

الخاصه

أتسم عهد المأمون بالاضطراب السياسي وكثرة الثورات والخروج ضد الدولة فضلاً عن خطر الدولة البيزنطية والتي كانت تتربص بالدولة الإسلامية الدوائر.

وقد استثمر الإمام علیه السلام هذه الظروف لنشر مباديء أهل البيت والإشراف غير المباشر على بعض الثورات العلوية، وتمكن علیه السلام من التأثير في المسلمين كافة بما امتاز به من صفات نموذجية من حسن السيرة والتقوى والورع والعلم، وكونه من السلالة النبوية الطاهرة ولم يتمكن المأمون تحديد دور الإمام علیه السلام والتأثير عليه بالوسائل المختلفة التي اتبعها معه، حيث تمكن الإمام علیه السلام من إعداد مجموعة من أصحابه لتباشر عمليات التوعية وبثّ الوعي الإسلامي فضلا عن الجناح الذي قاد بعض الحركات المسلّحة ضدّ المأمون دون أن يتمكن من ربطها بالإمام علیه السلام لما تمتعت به تلك القيادة من وعي وحكمة سياسية عالية استطاع بها التحرك السليم.


1) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 236.

2) نور الأبصار، ص 168؛ الوافي بالوفيات، ج 22، ص 251 و 252.

3) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 13.

المسئلة

1 . ما هي العوامل التي ساعدت الإمام علیه السلام على التحرك في دائرة أوسع؟

2 . ما هي الأسباب والعوامل التي أدت إلى قيام الثورات ونمو روح المعارضة لحكم المأمون؟

3 . ما هي علاقة الإمام علیه السلام بالثورات القائمة؟

4 . ما هي الأسباب التي أدت إلى نمو القاعدة الشعبية للإمام علیه السلام ؟

5 . ما هو دور الإمام السياسي في هذه المرحلة؟

6 . ما هي توقعات الإمام المستقبلية والتي تحققت بالفعل؟

7 . ما هو ميزان الشرف والتفاضل عند الإمام علیه السلام؟

8 . ما هي الأمصار الأكثر ولاءاً للإمام ولأهل البيت علیه السلام؟

الدرس 17: ولاية العهد

اشارة

في سنة 200 ه- وبعد عامين من سيطرة المأمون على زمام السلطة كتب إلى الإمام الرضاء علیه السلام يدعوه للقدوم إلى خراسان، فاعتل الإمام علیه السلام بعلل كثيرة، واستمر المأمون بمكاتبته ومراسلته حتى علم علیه السلام أنه لا يكف عنه، فاستجاب له، وأمر المأمون الشخص الموكل بالإمام الرضاء علیه السلام أن لا يسير به عن طريق الكوفة وقم، وعند وصوله إلى مرو عرض عليه أن يتقلد الخلافة، فأبى الله هذا العرض، وجرت بينهما مخاطبات كثيرة دامت نحواً من شهرين ، والإمام علیه السلام يأبى الموافقة، وحينما يئس المأمون عرض عليه ولاية العهد، فأجابه الإمام علیه السلام بعد الإلحاح الشديد والتلويح بالقتل، وشرط عليه شروطاً منها: إنّي أدخل في ولاية العهد على أن لا آمر، ولا أنهي، ولا أقضي، ولا أغير شيئاً مما هو قائم، وتعفيني من ذلك كله (1).

فقبل منه المأمون ماشرطه عليه الإمام، وتمت ولاية العهد في الخامس من رمضان سنة 201 ه-

دوافع المأمون من تولية الإمام علیه السلام

لم تكن دوافع المأمون من جعل الإمام علیه السلام وليّاً لعهده نابعة من ولائه لأهل


1) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 149 و 150.

البيت علیه السلام بل كان ميله لهم مصطنعاً (1)، إذ لا يعقل أن يضحي بالحكم الذي قتل من أجله أخاه والآلاف من الجنود والقادة ، ثم يسلمه بكل سهولة إلى غيره.

وفعلاً لم يدم الأمر طويلاً، كما أخبر الإمام علیه السلام فقد اغتيل الإمام الرضاعلیه السلام ورحل إلى ربه وهو سالم في بدنه من الأمراض بينما بقي المأمون على رأس السلطة حياً بعد الإمام علیه السلام .

ودوافع المأمون كانت نابعة من مصلحة الحفاظ على حكمه، وإلا فما معنى التلويح والتهديد بالقتل لإجبار الإمام على قبول الخلافة أو ولاية العهد؟!

ويمكن تحديد دوافع المأمون في النقاط التالية:

1. تهدئة الأوضاع المضطربة

اضطريت أوضاع الحكم بسبب القتال الدامي بين الأخوين، إضافة إلى قيام الثورات والحركات المسلّحة، وازدياد عدد المعارضين لحكمه.

فأراد المأمون من تقريب الإمام علیه السلام استقطاب أعوانه وأنصاره، وإيقاف حركاتهم المسلّحة ليتفرغ إلى بقيّة الثائرين والمتمردين الذين لا يُعتد بهم قياساً للثوار العلويين.

وأراد كسب ود الأغلبية العظمى من المسلمين لارتباطهم العاطفي والروحي بالإمام علیه السلام وخصوصاً أهل خراسان الذين أعانوه على احتلال بغداد، والشاهد على ذلك استقبال الإمام علیه السلام من قبل عشرين ألف عالم وفقيه وصاحب حديث في نيسابور(2).

وبتقريب الإمام علیه السلام كان يمكن امتصاص نقمة المعارضة وتفويت الفرصة عليها للمطالبة بالحكم، وشق صفوفها عن طريق تقريب البعض دون الآخر.


1) شذرات الذهب، ج 2، ص 3.

2) الفصول المهمة، ص 251؛ نور الأبصار، ص 170.

2 . إضفاء الشرعية على الحكم القائم

لم يصل المأمون إلى الحكم عن طريق النص كما هو رأي أهل البيت علیه السلام ولا عن طريق الشورى أو موافقة أهل الحل والعقد ، أو رضى الأمة بمقتضى العهد والاستخلاف كما هو رأي بقية أئمة المذاهب.

وإقرار حكمه من قبل الفقهاء كان نابعاً من الترغيب والترهيب، أو استسلاماً للأمر

الواقع، وعدم القدرة على إزالته.

لذا فإنّ ماقام به المأمون من تولية الإمام علیه السلام يمكن أن يحقق له ما يصبو إليه من إضفاء الشرعية على حكمه، مستفيداً من الولاء الفكري والعاطفي للإمام علیه السلام في نفوس المسلمين ، ورضاه الظاهري، يعني رضاه عن الحكم الواقع ولعدم معارضته له، وهذا ما تستنتجه الأمة حسب مشاهدتها للظواهر.

3 . منع الإمام من الدعوة لنفسه

الإمام مسؤول عن دعوة الأمة للارتباط بالإمام الحق والمنهج الحق، والمتعارف عليه أن ولي العهد يدعو للحاكم الفعلي ثم لنفسه، ومن هنا كان تفكير المأمون منصباً على منع الإمام من ذلك، وقد صرّح بهذه الحقيقة بقوله: قد كان هذا الرجل مستتراً عنا يدعو إلى نفسه دوننا، فأردنا أن نجعله ولي عهدنا؛ ليكون دعاؤه إلينا(1).

4 . إبعاد الإمام عن قواعده

إن وجود الإمام علیه السلام في العاصمة يعني انفصاله عن قواعده الشعبية، وتحجيم الفرص المتاحة للاجتماع بوكلائه ونوابه المنتشرين في شرق الأرض وغربها، وكتف المأمون من مراقبة الإمام علیه السلام وقام بتقريب هشام بن إبراهيم الراشدي - أحد خواص


1) فرائد السمطين، ج 2، ص 214.

الإمام - وولاه حجابة الإمام علیه السلام، فكان ينقل الأخبار إليه، ويمنع من اتصال كثير من مواليه به، وكان لا يتكلم في شيء إلا أورده على المأمون(1).

5 . ايقاف خطر الإمام على الحكم القائم

إن توسع القاعدة الشعبية للإمام علیه السلام كان يشكل خطراً حقيقياً على حكومة المأمون بعد التصدع الذي حدث في البيت العباسي، ولكن بعد قيام الثورات المسلّحة، لو ترك الإمام في المدينة لأدّى ذلك إلى ضعف الحكومة القائمة، وبهذا الصدد قال المأمون:

وقد خشينا إن تركناه على تلك الحالة أن ينفتق علينا منه مالا نسدّه، ويأتي علينا

مالا نطيقه(2).

6 . تشويه سمعة الإمام

أجاب الإمام علیه السلام المأمون موضحاً دوافعه بقوله: تريد بذلك أن يقول الناس: إنّ علي بن موسى الرضا لم يزهد في الدنيا بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً بالخلافة؟!(3).

وصرّح المأمون بذلك للعباسيين بقوله: ... ولكننا نحتاج أن نضع منه قليلاً قليلاً

حتى نصوّره عند الرعايا بصورة من لا يستحق هذا الأمر(4).

7 . تفتيت جبهة المعارضة

إن المعارضين لحكم المأمون سينظرون إلى الإمام علیه السلام على أنه جزء من الحكومة


1) بحار الأنوار، ج 49، ص 139.

2) فرائد السمطين، ج 2، ص 214.

3) علل الشرایع، ص 238.

4) فرائد السمطين، ج 2، ص 215.

القائمة، وتتعمق هذه النظرة حينما يجدون أنّ بعض ولاة المأمون من أهل بيت الإمام علیه السلام أو من أتباعه، وإضافة إلى ذلك فإن الوالي مكلف بقمع أي حركة مسلّحة، وفي هذه الحالة ستكون المعارضة وجهاً لوجه أمام علیه السلام المحسوبين على الإمام علیه السلام ممّا يؤدّي إلى تفتيت جبهة المعارضة ، والأهم من ذلك أن الفساد الإداري والحكومي ستلقى مسؤوليته على هؤلاء الولاة باعتبارهم أحد أركان الحكومة القائمة.

أسباب قبول الإمام علیه السلام بولاية العهد

1. التهديد بالقتل

قال المأمون للإمام علیه السلام : يا ابن رسول الله قد عرفت فضلك وعلمك وزهدك وورعك وعبادتك، وأراك أحق بالخلافة منّي.

فقال الإمام : بالعبودية لله عزّ وجل أفتخر، وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شر الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالغنائم ، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة

عند الله تعالى.

فقال المأمون: إنّي قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك وأبايعك!. 4قال الإمام: إن كانت هذه الخلافة لك وجعلها الله لك فلا يجوز لك أن تخلع لباساً البسكه الله وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك ، فلا يجوز لك أن تجعل لي ماليس لك.

فقال المأمون: يا ابن رسول الله لابد من قبول هذا الأمر. قال الإمام: لست أفعل ذلك طايعاً أبداً.

فمازال يجهد به أياماً فلما يئس من قبوله؛ عرض عليه ولاية العهد، ثم جرى بينهما كلام أوضح فيه الإمام علیه السلام الدوافع المأمون من ذلك، فغضب المأمون ثم قال: إنك تتلقاني أبداً بما أكرهه، وقد أمنت سطوتي، فبالله أقسم لئن قبلت ولايد العهد وإلا أجبرتك على ذلك، فإن فعلت وإلا ضربت عنقك.

فقال الإمام علیه السلام : قد نهائي الله عزّ وجلّ أن القي بيدي إلى التهلكة، فإن كان الأمر على هذا، فافعل ما بدا لك، وأنا أقبل ذلك على أن لا أُولي أحداً ولا أعزل أحداً ولا أنقضنَّ رسماً ولاسنة، وأكون في الأمر بعيداً مشيراً ، فرضى منه بذلك، وجعله ولي عهده والإمام علیه السلام كاره لذلك(1).

وفي رواية أخرى أن المأمون قال له: إن عمر بن الخطاب جعل الشورئ في ستة، أحدهم جدك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وشرط فيمن خالف منهم أن يضرب عنقه، ولابد من قبولك ما أريده منك، فإنّي لا أجد محيصاً منه(2).

وقد صرّح الإمام باضطراره للقبول وكان يقول: قد علم الله كراهتي لذلك، فلما

خيرت بين قبول ذلك وبين القتل اخترت القبول على القتل(3).

وقيل له: يا ابن رسول الله ما حملك على الدخول في ولاية العهد؟ فقال علیه السلام: ماحمل جدّي أمير المؤمنين على الدخول في الشورى(4).

والإمام علیه السلام لم يستسلم للقبول خائفاً من قتله، وإنما سيكون قتله سبباً في خسارة الحركة الرسالية لحاجتها إلى قيادته في هذه المرحلة، وسيكون قتله مقدمة لقتل أهل بيته، أو يؤدّي إلى ردود أفعال مسلّحة غير مدروسة بدافع الانتقام، وبالتالي تنهار القوة العسكرية دون أن تغير من الأحداث شيئاً.

2 . استثمار الظروف لإقامة الدين وإحياء السنة

إن الحرية النسبية الممنوحة للإمام علیه السلام ولأهل بيته وأنصاره هي فرصة مناسبة لتبيان معالم الدين وإحياء السنة النبوية ونشر منهج أهل البيت علیه السلام في مختلف


1) علل الشرایع، ص 237 و 238.

2) الإرشاد، ص 210.

3) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 139.

4) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 141.

الأوساط الاجتماعية والسياسية، وخصوصاً في البلاط الحاكم عن طريق الالتقاء

بالوزراء والخواص والخدم والحرّاس وغيرهم، وقد صرّح الإمام بذلك قائلاً:

اللهم إنك قد نهيتني عن الإلقاء بيدي إلى التهلكة، وقد أُكرهت واضطررت كما أشرفت من قبل عبدالله... على القتل متى لم أقبل ولاية عهده.... اللهم لا عهد إلا عهدك ، ولا ولاية إلا من قبلك، فوفقني لإقامة دينك، وإحياء سنة نبيك محمد صلی الله علیه واله وسلم ، فإنك أنت المولى وأنت النصير، ونعم المولى أنت، ونعم النصير (1).

وقد سمحت الظروف للإمام علیه السلام لتبيان المنهج السليم أمام الوزراء والقضاة والفقهاء وأهل الديانات الذين جمعهم المأمون المناظرة الإمام علیه السلام ، إضافة إلى قيامه بتوجيه المأمون إلى اتخاذ الرأي الأصوب مهما أمكن.

3 . تصحيح الأفكار السياسية الخاطئة

من الأفكار السائدة عند كثير من المسلمين هي عدم ارتباط الدين بالسياسة، وأنه لا يليق بالأئمة والفقهاء أن يتولوا المناصب السياسية، وأن المتقي هو الزاهد في الحكومة والخلافة، وقد حاول العباسيون تركيز هذا المفهوم عند المسلمين، فأراد الإمام علیه السلام بقبوله ولاية العهد أن يصحح هذه الأفكار السياسية الخاطئة، ويوضح للمسلمين وجوب التصدّي للحكم في الظروف المناسبة. والأفكار الخاطئة حقيقة قائمة، فقد دخل أحد أنصار الإمام عليه وقال له: يا ابن

رسول الله إن الناس يقولون: إنك قبلت ولاية العهد، مع إظهارك الزهد في الدنيا(2). ولا يمكن إزالة هذه الأفكار إلا بتربية مكثفة تحتاج إلى وقت طويل، اختصرها

الإمام علیه السلام في موقفه العملي بقبول ولاية العهد.


1) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 19.

2) علل الشرایع، ص 239.

4 . إفشال مخططات المأمون

من المتوقع أن المأمون سيقوم بتولية العهد لأحد العلويين، ويستثني عن إكراه الإمام علیه السلام أو قتله، والعلوي المنصب لولاية العهد، إما أن يكون : مساوماً، أو انتهازياً، أو مخلصاً قليل الوعي، أو واعياً معرَّضاً للانزلاق في مغريات السلطة، وفي جميع الحالات، فإنّ هذا الموقف سيؤدّي إلى شق صفوف أنصار أهل البيت علیه السلام أو توريط العلوي بممارسات خاطئة تؤدّي إلى تشويه سمعة أهل البيت علیه السلام أو القاء مسؤولية الفساد الاقتصادي والأخلاقي والإداري والسياسي عليه.

وقد يؤدّي انزلاق من يتولى العهد من العلويين إلى قيامه بمعارضة الإمام علیه السلام أو ملاحقة أتباعه وأنصاره.

وبقبول الإمام علیه السلام لولاية العهد سوف تفوت الفرصة على المأمون لإمرار مخططاته في شق صفوف الحركة الرسالية، أو القاء تبعة المفاسد على من ينسب إلى أهل البيت علیه السلام.

5 . تعبئة الطاقات

بعد فشل الثورات العلوية وانكسارها عسكرياً، فإن الظروف التي خلقتها ولايد العهد كانت مساعدة لإعادة بناء القوة العسكرية لأهل البيت علیه السلام وتعبئة الطاقات بعد ايقاف الملاحقة والمطاردة لها، وهي بحاجة إلى قسط من الراحة لإدامة التحرّك فيما بعد حينما تكون الظروف مناسبة له.

الخاص

كانت دعوة المأمون للإمام الرضاء علیه السلام بعد سنتين من توليه السلطة، وكان يكاتب الإمام علیه السلام ويراسله ويضغط عليه من أجل قبول الخلافة أو ولاية العهد وكان الإمام يمانع ولم يبد قبولاً، حتى استجاب للمأمون تحت ضغط التهديد بالقتل وكانت بينهما مخاطبات استمرت حوالي شهرين.

و قد قبل الإمام علیه السلام ولاية العهد، بشروط بعد أن هدده المأمون بالقتل، ومن هذه الشروط: ان لا يأمر ولا ينهى ولا يقضي ولا يغير شيئاً مما هو قائم، وفعلاً فإنّ الإمام علیه السلام حتى وقت استشهاده بالسم لم يتدخل في امور الدولة إلا بمقدار ما كان فيه خدمد للعامة وكان المأمون يهدف من تولية الإمام علیه السلام ولاية العهد أهدافاً متعددة أهمها.

1 . تهدئة الأوضاع المضطربة.

2. محاولة إضفاء الشرعيّة على حكمه وسلطته.

3 . محاولة التضييق على الإمام علیه السلام وحجبه عن قواعده في المدينة

والعراق.

4 . إضعاف المعارضة وخصوصاً الشيعية، منها.

و مع كلّ ذلك فالإمام علیه السلام عمل على إفشال ماخطط له المأمون حيث تمكن من تعبئة الجماهير المؤمنه بقيادته فضلاً عن فضح السلوك المنحرف للسلطة العباسية في مناسبات عديدة، كما تمكن الإمام علیه السلام من إحياء سنة جده صلی الله علیه واله وسلم و آبائه الكرام علیه السلام .

الأسئلة

1 . ما هي الأسباب وراء رفض الإمام الرضاء علیه السلام لقبول الخلافة؟

2 . لماذا لم يوافق الإمام علیه السلام على قبول ولاية العهد باختياره؟

3 . هل كان المأمون صادقاً في ولائه لأهل البيت علیه السلام ؟ وما هو الدليل على ذلك؟

4 . أراد المأمون من عرض ولاية العهد على الإمام علیه السلام أن يُلقي مسؤولية الفساد الإداري والحكومي عليه ، ولكنّ الإمام فوّت هذه الفرصة عليه عن طريق الشروط التي اشترطها، فما هي هذه الشروط؟

5 . لماذا لم يستسلم الإمام إلى القتل رافضاً القبول بولاية العهد؟

6 . ما هي الأسباب الايجابية لقبول الإمام علیه السلام بولاية العهد؟

7 . بعد قبول الإمام علیه السلام بولاية العهد توقفت الثورات والحركات المسلحة التي يقودها أهل البيت علیه السلام ، ما هي الآثار الايجابية لهذا التوقف على النظام الحاكم، و على كيان أهل البيت علیه السلام ؟

8 . كيف يستطيع المأمون تشويه سمعة الإمام علیه السلام عند قبوله بولاية العهد؟

9 . ما هي الأسباب وراء إقرار بعض الفقهاء حكومة المأمون على الرغم من

فقدانها للمبررات الشرعية؟

10 . لماذا اختار المأمون الإمام علیه السلام ولياً لعهده، ولم يختر غيره من العلويين؟

الدرس 18: مكتسبات القبول بولاية العهد

اشارة

جمع المأمون الخطباء والشعراء بعد انعقاد ولاية العهد، فأخذوا يعدّدون فضائل ومآثر وكرامات الإمام الرضاع علیه السلام .

وطلب المأمون من الإمام علیه السلام أن يخطب الناس، فخطب موضحاً الحقوق المتبادلة بينه وبين الناس قائلاً: أيها الناس إن لنا عليكم حقاً برسول الله صلی الله علیه واله وسلم، ولكم علينا حقاً به، فإذا أديتم إلينا ذلك، وجب لكم علينا الحكم والسلام(1).

ثم خطب المأمون وقال : أيها الناس جاءتكم بيعة علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام ، والله لو قرأت هذه الأسماء على الصم البكم لبرثوا بإذن الله عزّ وجلّ(2).

ووضح الإمام علیه السلام المنهج السياسي للحاكم الإسلامي، ودوره في تطبيق أحكام الشريعة، والأسباب التي تؤدي إلى شرعية الاستمرار في الحكم، جاء ذلك في وثيقة العهد التي كتبها علیه السلام بخطه: .... جعلت لله على نفسي عهداً إن استرعاني أمر المسلمين، وقلدني خلافة العمل فيهم... أن أعمل فيهم بطاعة الله تعالى، وطاعة رسوله صلی الله علیه واله وسلم ، ولا


1) الفصول المهمة، ص 255 و 256.

2) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 147.

أسفك دماً حراماً، ولا أبيح فرجاً، ولا مالاً إلا ماسفكته حدوده، وأباحته فرائضه، وأن أتخير الكفاة جهدي وطاقتي... وإن أحدثت أو غيّرت أو بدلت كنت للعزل مستحقاً وللنكال متعرضاً....(1).

واستطاع الإمام علیه السلام بهذا القبول أن يحقق جملة من المكتسبات ، منها :

أولاً : اعتراف المأمون بأحقية أهل البيت علیه السلام

كتب المأمون كتاباً للعباسيين المعترضين على تولية الإمام علیه السلام جاء فيه .... فلم يقم مع رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أحد من المهاجرين كقيام علي بن أبي طالب علیه السلام فإنه آزره ووقاه بنفسه....وهو صاحب الولاية في حديث غدير خم، وصاحب قوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي... وكان أحب الخلق إلى الله تعالى وإلى رسوله، وصاحب الباب، فتح له وسدّ أبواب المسجد.

وهو صاحب الراية يوم خيبر وصاحب عمرو بن عبدود في المبارزة.

وأخو رسول الله صلی الله علیه واله وسلم حين آخي بين المسلمين.

ثم وضح في الكتاب نفسه ظلم العباسيين لأهل البيت علیه السلام فقال: ... ثم نحن وهم يد واحدة كما زعمتم، حتى قضى الله تعالى بالأمر إلينا، فأخفاهم، وضيقنا عليهم، وقتلناهم أكثر من قتل بني أمية إياهم(2).

وفي موضع آخر: احتج المأمون على الفقهاء بفضائل الإمام علیه السلام وأحقيته

بالخلافة، فأيَّده الفقهاء وقالوا: كلنا نقول بقول أمير المؤمنين أعزه الله(3).

واعترف بأحقية الإمام الرضاء علیه السلام بالخلافة، وأخبر خواصه بأنه: نظر في ولد العباس، وولد عليّ رضي الله عنهم، فلم يجد في وقته أحداً أفضل ولا أحق بالأمر من


1) الفصول المهمة، ص 258 و 259

2) بحار الأنوار، ج 49، ص 210 عن كتاب: ندیم الفريد، لابن مسكويه.

3) العقد الفريد، ج 5، ص 358 و 359.

علي بن موسى الرضا(1).

واعتراف المأمون يستلزم تشجيع أتباعه وأتباع الإمام علیه السلام على ذكر مناقب وفضائل أهل البيت علیه السلام وهذا ما يزيد في توسع القاعدة الشعبية الموالية لأهل البيت فكراً وعاطفة وسلوكاً.

ثانياً: توظيف وسائل الإعلام لصالح الإمام علیه السلام

وظف المأمون وسائل الإعلام الرسمية لصالح الإمام علیه السلام، فالولاة والأمراء وأئمة الجمعة يدعون له من على المنابر في كلّ يوم، وكلّ جمعة وكل مناسبة، إضافة إلى طبع اسمه على الدراهم والدنانير المعمول بها في جميع الأمصار.

وكثرت الخطب والأشعار المادحة للإمام، والذاكرة لفضائله وفضائل أهل البيت علیه السلام وانتشرت في جميع الأمصار، دون حاجة إلى بث الدعاة من قبل

الإمام علیه السلام، وقد كان المأمون سبّاقاً في نظم الشعر وهو القائل.

ألام على حبّ الوصي أبي الحسن *** وذلك عندي من عجائب ذي الزمن

خليفة خير الناس والأول الذي *** أعان رسول الله في السر والعلن.

قال أيضاً:

لا تقبل التوبة من تائب *** إلا بحب ابن أبي طالب

أخو رسول الله حلف الهدى *** والأخ فوق الخل والصاحب

ثم قال مادحاً أهل البيت علیه السلام :

حبهم فرض نؤدي به *** كمثل حج لازم واجب (2).

وقد أثمر هذا الإعلام فيما بعد، ففي سنة 211 ه- أمر المأمون أن ينادي:

برئت الذمة ممن يذكر معاوية بخير، وأن أفضل الخلق بعد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم علي ابن


1) مروج الذهب، ج 3، ص 441.

2) تذكرة الخواص، ص 320.

أبي طالب(1).

ثالثاً: حرّيّة الإمام علیه السلام في المناظرة

أمر المأمون الفضل بن سهل أن يجمع للإمام علیه السلام أصحاب المقالات ومنهم: الجائليق وهو رئيس الأساقفة، ورأس الجالوت عالم اليهود، ورؤساء الصابئين، وعظماء الهنود من أبناء المجوس، وأصحاب زرادشت، وعلماء الروم، والمتكلمون.

وفي جلسات المناظرة احتج الإمام علیه السلام بالكتب المعتبرة عندهم، وفند مناهجهم ومتبنياتهم الفكرية والعقائدية، فاعترف الجميع بأعلميّته، واعترفوا بصحة أفكاره وآرائه، وأذعنوا إليها.

قال الجائليق: القول قولك، ولا إله إلا الله.

وأسلم عمران الصابي وقال: أشهد أن الله تعالى على ما وصفت ووحدت، وأشهد

أنّ محمداً عبده المبعوث بالهدى ودين الحق، ثم خر ساجداً نحو القبلة.

ولما نظر المتكلمون إلى كلام عمران الصابي، - وكان جدلاً - لم يقطعه عن حجته

أحد منهم قط، لم يدن من الإمام علیه السلام أحد منهم، ولم يسألوه عن شيء(2).

وفي مجلس آخر بعث المأمون على الإمام علیه السلام ليناظر متكلم خراسان سليمان المروزي، فتناظرا في البداء، وصفات الله تعالى، والفرق بين صفات الذات وصفات الفعل، وكان الإمام علیه السلام يجيب على جميع أسئلته، ويقطعه في الحجج إلى أن سكت لا يستطيع الجواب ، فقال المأمون: ياسليمان هذا أعلم هاشمي (3).

وفي مجلس آخر جمع المأمون عدداً من علماء الأديان وأهل المقالات، فلم يتكلم

أحد إلا وقد ألزمه الإمام علیه السلام حجته.


1) تأريخ الخلفاء، ص 247.

2) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 161 و 177.

3) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 179 إلى 191.

وقام إليه علي بن محمد بن الجهم، وأثار الشبهات حول عصمة الأنبياء استناداً إلى الآيات المتشابهة الواردة في القرآن الكريم، وكذا أثار الشبهات حول عصمة

رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، فأثبت له علیه السلام العصمة بالعقل والنقل، فبكى ابن الجهم وقال:

يا ابن رسول الله أنا تائب إلى الله عزّ وجلّ من أن أنطق في أنبياء الله علیه السلام بعد يومي هذا إلا بما ذكرته (1).

وكان هدف المأمون - كما يرى الشيخ الصدوق - هو الحرص على انقطاع

الإمام علیه السلام عن الحجة مع واحد من هؤلاء، حسداً منه له، ولمنزلته من العلم.

واستطاع الإمام علیه السلام من خلال حرّيّة المناظرة أن يردّ على جميع الشبهات المثارة من قبل أصحاب الأديان وأصحاب المذاهب، واستثمر الحرية المتاحة في تفنيد آراء الغلاة والواقفة، وتثبيت الآراء السليمة المنسجمة مع نهج أهل البيت علیه السلام .

رابعاً: نشر مفاهيم وفضائل أهل البيت علیه السلام

استثمر الإمام علیه السلام الفرصة المتاحة له لنشر مفاهيم وفضائل أهل البيت علیه السلام ودورهم الريادي في الأمة، وخصوصاً بين الوزراء وقادة الجيش والفقهاء والقضاة، ومن يرتبط بالبلاط الحاكم بصلة واليك صوراً من هذا النشاط:

1. فضائل و مقامات الإمام علي علیه السلام

نشر الإمام علیه السلام الأحاديث رسول الله صلی الله علیه واله وسلم التي تتعلق بإمامة علي علیه السلام وفضائله ومقاماته السامية، بعد أن طمست في عهد الأمويين والعباسيين الذين سبقوا المأمون في الحكم، ومنها:

قول رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : علي إمام كل مؤمن بعدي(2).


1) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 191 إلى 195.

2) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 281.

وقوله صلی الله علیه واله وسلم : ياعلي أنت حجة الله، وأنت باب الله، وأنت الطريق إلى الله.

وأنت النبأ العظيم، وأنت الصراط المستقيم، وأنت المثل الأعلى.

يا علي أنت إمام المسلمين وأمير المؤمنين، وخير الوصيين وسيد الصديقين.

يا علي أنت الفاروق الأعظم، وأنت الصديق الأكبر... إن حزبك حزبي، وحزبي

حزب الله، وإن حزب أعدائك حزب الشيطان (1).

2 . فضائل و مقامات العترة الطاهرة

وفي مجلس عقده المأمون لجماعة من علماء العراق وخراسان سأل عن معنى

الآية الكريمة: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا )(2).

فأجابه العلماء: أراد الله عزّ وجلّ بذلك الأمة كلها.

فقال المأمون: ما تقول: يا أبا الحسن؟

فقال الإمام علیه السلام : لا أقول كما قالوا ولكنّي أقول: أراد الله عزّ وجلّ بذلك العترة الطاهرة.

ثم ذكر اثنتي عشرة آيةً قرآنية تدل على أفضلية العترة الطاهرة ودورها الريادي في إمامة المسلمين.

فقال المأمون ومن معه: جزاكم الله أهل بيت نبيكم عن هذه الأمة خيراً، فما نجد

الشرح والبيان فيما اشتبه علينا إلا عندكم(3).

3 . كتاب الإمام في محض الإسلام

سأل المأمون الإمام علیه السلام أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز


1) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 6.

2) فاطر /32.

3) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 228 الى 240.

والاختصار، فكتب إليه أصول العقائد ومنها الإمامة وجمعها في كتاب جاء فيه: وإن الدليل بعده - أي بعد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم - والحجة على المؤمنين والقائم بأمور المسلمين، والناطق عن القرآن، والعالم بأحكامه، أخوه وخليفته، ووصيه ووليه، والذي كان منه بمنزلة هارون من موسى ، علي بن أبي طالب علیه السلام الأمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين ، وأفضل الوصيين ، ووارث علم النبيين والمرسلين.

وبعده الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.

ثم بين علیه السلام في كتابه أسماء الأئمة من أهل البيت علیه السلام وقال: ومن مات ولم يعرفهم مات ميتة جاهلية، وأنّ من دينهم الورع والعفة والصدق والصلاح والاستقامة والاجتهاد وأداء الأمانة إلى البر والفاجر...(1).

4 . خصائص و واجبات إمام المسلمين

وضح الإمام علیه السلام في لقاءاته وفي أجوبته ومناظراته ما يتعلق بإمام المسلمين من خصائص وشروط وواجبات وحقوق، لكي تطلع الأمة على المفاهيم السليمة حول الإمام، وتقارن بينها وبين المتصدي لمنصب الإمامة في خصوص الجانب التطبيقي وهو الحكم.

و من أقواله علیه السلام : إن الإمامة أسس الإسلام النامي وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف.

الإمام يحلّل حلال الله ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله ويذبّ عن دين الله ، ويدعو إلى سبيل ربِّه بالحكمة والموعظة الحسنة (2).


1) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 122.

2) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 218 و بنحوه في: تحف العقول.

وبين علیه السلام خصائص الإمام الذي يقوم بدور القدوة والحجة، والإشراف على تطبيق أحكام الإسلام، ومنها أن يكون الأفضل في العلم والتقوى والكفاءة في الإدارة والسياسة.

خامساً: حقن الدماء

من مكتسبات قبول ولاية العهد من قبل الإمام علیه السلام هو حقن دماء المسلمين من أتباع أهل البيت علیه السلام ومن أتباع النظام الحاكم، فأعلن المأمون العفو العام عن قادة الثورات، ومنهم : زيد وإبراهيم أخوة الإمام علیه السلام ، ومحمّد بن جعفر، وتوقفت الثورات المسلّحة، وتوجه قادتها وكوادرها إلى إصلاح الأوضاع بصورة سلمية هادئة، وبناء قواعدهم الشعبية ، والاستفادة من الظروف المتاحة لتطوير الحركة الرسالية، وتبيان الحقائق للمسلمين لكي لا يزجهم الحاكم فيما بعد لقمع المعارضين لحكمه من أهل البيت علیه السلام أو من غيرهم، وكان لتعيين أخوة الإمام علیه السلام في بعض المناصب الحكومية دور كبير في إرشاد وتوجيه المسلمين لاتخاذ الموقف السليم في التعامل فيما بينهم، والتعامل مع الحكومة القائمة، وقد جاء قبول الإمام علیه السلام الولاية العهد في وقت كان أتباعه في أمس الحاجة لقسط من التفرغ للعمل الرسالي بعيداً عن حمل السلاح الذي يكلّفهم كثيراً من الطاقات والإمكانيات المادية والبشرية.

الخاصه

بالرغم من أنّ الإمام الرضا علیه السلام كان قد اضطر إلى قبول ولاية العهد تحت التهديد والضغط لكنّه أحرز عدّة مكتسبات بقبوله ولاية العهد، ومن هذه المكتسبات مايلي:

1 . الجو العام الذي حصلت به البيعة الذي ساعد على نشر وإيضاح مكانة الإمام الرضاء علیه السلام وعظيم فضله وعلمه.

2 . انتشرت فضائل أهل البيت علیه السلام حيث كتب المأمون كتاباً للعباسيين المعترضين على ولاية العهد يوضح فيه فضائل الإمام علي علیه السلام و أهل البيت علیه السلام ودورهم في إرساء دعائم الرسالة ونصر الرسول صلی الله علیه واله وسلم .

3 . الحرّية النسبية التي تمتع بها الإمام علیه السلام وجماعته الصالحة.

4 . تمكن الإمام علیه السلام من نشر مباديء أهل البيت علیه السلام بشكل بعيد عن التقية.

5 . تأكيد الإمام الرضا علیه السلام على صفات الإمام ودوره في حفظ الشريعة

وإقامة العدل موضحاً بذلك انحراف الخليفة العباسي.

الأسئلة

1 . ما هي خصائص الإمام عند الإمام الرضاء علیه السلام؟

2 . ما هي الأمور التي تتوقف على وجود الإمام، وما هو دوره في الحياة الإسلامية؟

3 . أذكر خمسة مصادر لحديث الغدير في كتب الفريقين؟

4 . ما هي دلالات قوله صلی الله علیه واله وسلم: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟

5 . ماذا حقق الإمام علیه السلام في مناظراته مع أهل الأديان والمذاهب؟

6 . ذكر الإمام الرضا علیه السلام حديث رسول الله صلی الله علیه واله وسلم الذي جاء فيه: ياعلي أنت الفاروق الأعظم، وأنت الصديق الأكبر... إن حزبك حزبي، وحزبي حزب الله. فما هو حكم من عادى عليّاً طبقاً لهذا الحديث؟

7 . متى يُعزل الحاكم عن منصبه في رأي الإمام الرضا علیه السلام ؟

8 . ما ذا كان دور المأمون في الترويج لأهل البيت: بعد قبول ولاية العهد؟

الدرس 19: نشاط الإمام الرضا علیه السلام بعد البيعة

1 . إحياء سنة رسول الله الله في صلاة العيد

بعد ثلاثة وعشرين يوماً من كتابة كتاب العهد بعث المأمون إلى الإمام علیه السلام يسأله أن يصلي بالناس صلاة العيد، وبعد إلحاح شديد وتكرار للطلب وافق الإمام علیه السلام على أن يخرج كما خرج رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام، فأجابه المأمون إلى ذلك، فخرج كما خرج رسول الله في هيئته ولباسه، ثمّ رفع رأ رأسه إلى السماء وكبر أربع تكبيرات، ثمّ قال: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر على ما هدانا ، الله أكبر على مارزقنا... ورفع صوته ، فأجهش الناس بالبكاء، ونزل القواد عن دوابهم وترجلوا، وضجّت مرو ضجّة واحدة، وكان علیه السلام يمشي ويقف في كلّ عشر خطوات وقفة، ولمّا سمع المأمون بذلك، قال له الفضل بن سهل: يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس، فالرأي أن تسأله أن يرجع، فبعث إليه وسأله الرجوع، فدعا علیه السلام بخفه فلبسه ورجع(1).

واستطاع الإمام علیه السلام بفعله هذا أن يحيي سنة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بعد اندثار معالمها، واستطاع التأثير على قلوب الناس بما فيهم القادة والفقهاء.


1) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 150 و 151.

2 . إفشال خطط المأمون

طلب المأمون من الإمام علیه السلام أن يولّي أحد أتباعه على البلدان المتمردة على حكمه، لإيقاف تمردها، وجعل أتباع الإمام علیه السلام وجهاً لوجه أمام المعارضين، ولكنّ الإمام علیه السلام رفض ذلك استناداً إلى الشروط التي شرطها قبل القبول بولاية العهد، وقال له: تفي لي وأفي لك، فإنّي إنّما دخلت فيما دخلت على أن لا آمر فيه، ولا أنهى ولا أعزل، ولا أولي ولا أسير، حتى يقدمني الله قبلك، فوالله إن الخلافة لشيء ما حدثت به نفسي، ولقد كنت بالمدينة أتردّد في طرقها على دابتي، وأنَّ أهلها وغيرهم يسألونني الحوائج فأقضيها لهم، فيصيرون كالأعمام لي، وأنَّ كتبي لنافذة في الأمصار، ومازدتني في نعمة هي عليّ من ربي، فأجابه المأمون وقال: أفي لك(1)، ولم يراجعه في نفس القضيّة، ولم يبق أمامه إلا إصلاح الأوضاع لتجنّب الثورات والحركات المسلحة.

ولم يتدخل الإمام علیه السلام في تعيين مسؤولي سائر المناصب كالقضاة وأمراء الجيش وغيرهم، ولم يتدخل إلا في إصلاح المفاهيم والقيم الإسلامية وكل مافيه مصلحة للإسلام والمسلمين.

واستطاع علیه السلام إفشال خطط المأمون التي كان يهدف من ورائها إضفاء الشرعية على حكمه، أو القاء تبعية الفساد الإداري والحكومي على الإمام علیه السلام .

3 . إصلاح القضاء

رفع إلى المأمون أن صوفياً من أهل الكوفة قد سرق، فلما حضر راى المأمون سيماء الخير عليه ، فقال: سوءاً لهذه الآثار الجميلة بهذا الفعل القبيح، فقال الصوفي: فعلت ذلك اضطراراً لا اختياراً وقد منعت من الخمس والغنائم، فمنعتني حقي وأنا مسكين وابن سبيل وأنا من حملة القرآن، وبعد تهديد المأمون له أجابه الصوفي: أتقطعني وأنت عبدلي؟ أليست أمك اشتريت من مال الفي .... والأخرى أن النجس لا يطهر


1) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 166 و 167.

نجساً إنما يطهره طاهر، ومن في جنبه حد لا يقيم الحدود على غيره حتى يبدأ بنفسه.

فالتفت المأمون إلى الإمام علیه السلام وقال: ما تقول؟

فقال علیه السلام : إن الله عزّ وجلّ قال لنبيه: «قل فلله الحجة البالغة»(1).

وهي التي تبلغ الجاهل فيعلمها بجهله، كما يعلمها العالم بعلمه، والدنيا والآخرة

قائمتان بالحجة، وقد احتج الرجل، فأمر المأمون بإطلاقه (2).

وفي أحد الأيام أراد المأمون أن يضرب عنق رجل، فقال للإمام علیه السلام: ما تقول يا أبا الحسن؟

فقال علیه السلام : أقول: إن الله لا يزيدك بحسن العفو إلا عزاً، فاتبع قول الإمام علیه السلام وعفا عنه (3).

وأتي المأمون بنصراني قد فجر بهاشمية، فلما رآه أسلم، فغاظه ذلك، وسأل الفقهاء، فقالوا: أهدر الإسلام ماقبل ذلك، فسأل المأمون الرضاء علیه السلام فقال:

اقتله؛ لأنه أسلم حين رأى البأس؛ قال الله عزّ وجل: «فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا

بالله وحده » (4).

4 . الإصلاح الإداري

لم يتدخل الإمام علیه السلام في الشؤون الإدارية إلا في الحالات التي كان يجد فيها مصلحة إسلامية عامة، وتمنع الأعداء من اختراق الجهاز الإداري والحكومي، ففي ذات مرة قال الفضل بن سهل للمأمون : قد وليت النغر الفلاني فلاناً التركي، فسكت المأمون.


1) الأنعام / 149.

2) مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 398 و 399.

3) نثر الدر، ج 1، ص 362.

4) غافر / 84. نثر الدر 1: 361

فقال الإمام علیه السلام : ما جعل الله تعالى لإمام المسلمين وخليفة ربّ العالمين القائم بأمور الدين؛ أن يولّي شيئاً من ثغور المسلمين أحداً ذلك الثغر؛ لأن الأنفس

من سبي تحن إلى أوطانها، وتشفق على أجناسها ، وتحبّ مصالحها، وإن كانت مخالفة لأديانها.

فقال المأمون: اكتبوا هذا الكلام بماء الذهب (1).

فقد أعطى الإمام علیه السلام قاعدة كلّيّة في شؤون تعيين الولاة والأمراء على الثغور.

5 . نشر الآراء الصائبة في داخل البلاط

استثمر الإمام علیه السلام فرصة وجوده في البلاط الحاكم لنشر الآراء الصائبة في مختلف جوانب الفكر والعقيدة ليطلّع الحاكم والوزراء والقادة والأمراء والفقهاء، والخدم والبوابون على آراء مدرسة أهل البيت علیه السلام ومتبنياتهم الفكرية والعقائدية، إضافة إلى فضائلهم ومكارمهم.

وكان الإمام علیه السلام يتحدث ابتداءً حسب الظروف ، ويجيب في ظروف أخرى على الأسئلة الموجهة إليه.

فحينما سأله الفضل بن سهل على الجبر قال علیه السلام : الله أعدل (من) أن يجبر ثمّ يعذب.

وحينما سأله عن التفويض قال علیه السلام: الله أحكم [ من ] أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه (2).

وسأله المأمون عن الوجه الذي أصبح فيه عليّ بن أبي طالب قسيم الجنة والنار؟ قال علیه السلام: ألم تروعن أبيك عن آبائه عن عبدالله بن عباس أنه قال: سمعت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يقول: حبّ عليّ إيمان وبغضه كفر؟ فقال: بلى.

فقال الإمام علیه السلام : فقسمة الجنّة والنار إذا كانت على حبّه وبغضه، فهو قسيم الجنة


1) الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإلهية، ص 219 و 220.

2) نثر الدر، ج 1، ص 361.

والنار.

فقال المأمون: لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن، أشهد أنك وارث علم رسول الله علیه السلام (1).

واستطاع الإمام علیه السلام أن يجعل المأمون وغيره يسألونه، ويعترفون بفضائل

أهل البيت علیه السلام ، وكان المأمون يعقد مجالس النظر، ويجمع المخالفين لأهل البيت علیه السلام ويكلمهم في إمامة علي بن أبي طالب تقرباً للإمام الرضا علیه السلام (2).

6 . نصائح الإمام علیه السلام للمأمون

كان الإمام علیه السلام يكثر وعظ المأمون إذا خلا به، ويخوّفه بالله، ويقبح ما يرتكبه وكان المأمون يظهر قبول ذلك منه، ويبطن كراهته واستثقاله (3).

ودخل عليه ذات مرّة فرآه يتوضأ، والغلام يصب الماء على يده، فقال علیه السلام: لا تشرك بعبادة ربك أحداً، فتولى إتمام وضوئه بنفسه(4).

وقال له يوماً ما التقت فئتان قط إلّا نصر الله أعظمها عفواً(5).

ودخل عليه المأمون وقرأ عليه كتاب فتح بعض قرى كابل، فقال الإمام: وسرك

فتح قرية من قرى الشرك، فقال المأمون: أوليس في ذلك سرور؟

فقال علیه السلام .. إتق الله في أُمة محمد صلی الله علیه واله وسلم ... فإنك قد ضيعت أمور المسلمين، وفوضت ذلك إلى غيرك يحكم فيهم بغير حكم الله، وقعدت في هذه البلاد، وتركت بيت الهجرة ومهبط الوحي، وأن المهاجرين والأنصار يظلمون دونك ولا يرقبون في


1) نثر الدر، ج 1، ص 364.

2) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 184 و 185.

3) الإرشاد، ص 315.

4) بحار الأنوار، ج 69، ص 283.

5) تأريخ اليعقوبي، ص 453.

مؤمن إلا ولا ذمة، ويأتي على المظلوم دهر يتعب فيه نفسه، ويعجز عن نفقته ولا يجد من يشكو إليه حاله.

ونصحه بنقل عاصمته من خراسان فقال المأمون : نعم ماقلت ياسيدي! هذا هو

الرأي(1).

وبالفعل عاد المأمون إلى بغداد واتخذها عاصمة له، بعد أن وجد صواب الرأي

والنصيحة من قبل الإمام علیه السلام.

الحفاظ على الوجود الإسلامي

من مسؤوليات الأئمة علیه السلام بعد اقصائهم عن مركز القيادة السياسية الحفاظ على الوجود الإسلامي ومنعه من الانهيار والتفكك.

فحينما أراد الفضل بن سهل قتل المأمون وتنصيب الإمام علیه السلام حاكماً رفض علیه السلام ذلك ولعن الفضل لأن هدفه استغلال الإمام علیه السلام الإسكات المسلمين وإبقاء الإمام علیه السلام حاكماً مقيداً محجوراً عليه في البلاط، ومثل هذه المؤامرة تؤدّي إلى انقسام خطير في الوجود الإسلامي، تسفك فيه الدماء، فقام الإمام علیه السلام بواجبه وحذر المأمون من الفضل، وأن يتعامل معه بحيطة وحذر (2).

وقال علیه السلام للمأمون في موضع آخر: إنّ العامة تكره مافعلت بي، وأن الخاصة تكره ما فعلت بالفضل بن سهل ، فالرأي لك أن تنحينا عنك حتى يصلح أمرك(3).

وأخبره بمافيه الناس من الفتنة والقتال منذ قتل الأمين، وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه الأخبار(4).


1) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 159 و 160.

2) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 167.

3) نثر الدر، ج 1، ص 363.

4) تأريخ الطبري، ج 8، ص 564.

وبعد قتل الفضل بن سهل ، اجتمع أنصاره لقتل المأمون، فطلب من الإمام علیه السلام تفريقهم، فخرج إليهم علیه السلام فتفرقوا(1)، واستطاع إنقاذ المأمون من القتل لأن قتله يؤدّي إلى انقسام الكيان والوجود الإسلامي، فأنصار الفضل سيكون لهم كيان في خراسان، وسيستقل الحسن بن سهل بالبلاد التي بإمرته ، وسيبايع العباسيون لإبراهيم بن المهدي المغني الشهير، إضافة إلى خلخلة أوضاع الجيش الذي يقطن في الثغور، ولهذا قام الإمام علیه السلام بمنع إحراق بيت المأمون وقتله.

8 . تشجيع الشعراء الرساليين

من أجل نشر فضائل أهل البيت علیه السلام وبيان دورهم في الأمة، وتبيان مظلوميتهم على مر التأريخ، شجّع الإمام علیه السلام الشعراء على نظم الشعر في هذا الخصوص لأنه خير وسيلة إعلامية سريعة الانتشار والتأثير، فقد دخل عليه دعبل الخزاعي وأنشده قصيدته التي جاء فيها:

مدارش آياتٍ خَلَتْ من تلاوة *** ومنزل وحي مقفر العرصات

لآل رسول الله بالخيف من منى *** وبالبيت والتعريف والجمرات

أثمة عدلٍ يُقتدى بفعالهم *** ويؤمن فيهم زلة العثرات

وتضمنت القصيدة فضائل أهل البيت علیه السلام ومقاماتهم السامية، واستعراض لمظلوميتهم من قبل حكّام عصرهم، ثمّ ختم القصيدة بخروج الإمام المنتظر الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.

فأعطاه الإمام علیه السلام ستمائة دينار، فرفض استلامها، وطلب من الإمام أن يعطيه من ثيابه للتبرك فأعطاه جبّةً خز، وردّ عليه المال إضافة إلى الجبة (2).


1) سير أعلام النبلاء، ج 9، ص 391؛ الفصول المهمة، ص 249 و 250.

2) سير أعلام النبلاء، ج 9، ص 391؛ الفصول المهمة، ص 249 و 250.

9 . نشاطات الإمام العلمية

كان الإمام علیه السلام يمارس دوره العلمي في الأوساط التي عاشها في البلاط وغيره، وكان يلتقي مع المحسوبين على جهاز الحكم، ومع سائر المسلمين، فينشر علوم أهل البيت علیه السلام على أتم صورة. وكان المأمون وبطانته يطلبون منه التحدث، فيحدثهم ويجيب على أسئلتهم، فقد كتب للمأمون عدة رسائل في محض الإسلام وشرائع الدين، وفي الطب وغيره من العلوم ووضح في نشاطه العلمي علل الشرائع والأحكام، وعلل تحريم المنكرات، وقام بتفسير القرآن الكريم، ونشر أحاديث رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وأهل بيته، وعلم المسلمين الأدعية المأثوره عنه صلی الله علیه واله وسلم وعن آبائه، وبين التأريخ الصحيح للأنبياء، وللأمم السابقة، وأرشد الناس إلى الصحيح من سيرة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وأهل بيته علیه السلام .

وكان يعلم الناس الفقه على رأي مدرسة أهل البيت علیه السلام ، وقد بلغ عدد الرواة عنه حوالي 313 راوياً - كما أحصاهم صاحب مسند الإمام الرضا - وهم يشكلون طلاب مدرسته العلمية.

ونظرة سريعة إلى مسنده، تعطينا صورة عن مجموعة الإرشادات والتوجيهات التي أدلى بها علیه السلام لطلاب مدرسته وغيرهم في جميع مجالات الفكر والعقيدة والشريعة، نشر فيها المفاهيم والقيم الإسلامية التربوية والروحية، ليقوم الصالحون بنشرها في أوساط الأمة لكي تحلّ محلّ لمفاهيم والقيم المحرّفة غير المنسجمة مع مدرسة أهل البيت علیه السلام.

وقد ذكر الشيخ الطوسي رحمت الله 315 رجلاً من أصحاب الإمام علیه السلام ، بينما أنهاهم الشيخ القرشي إلى 367 صحابياً وراوياً (1).


1) راجع حياة الإمام علي بن موسى الرضاء علیه السلام للشيخ باقر شريف القرشي.

الخاص

لم ينجح المأمون في تحجيم دور الإمام علیه السلام والتضييق عليه بل كان للإمام علیه السلام دور مهم خلال فترة وجوده قريباً من المأمون، وأهم تلك النشاطات:

1 . إحياء سنة الرسول صلی الله علیه واله وسلم في إقامة صلاة العيد وإن منعه المأمون فيما بعد عن إقامتها.

2 . إفشال خطط المأمون حين أراد أن يجعل تبعة، ماكانت تعانيه الولايات من فساد إداري واقتصادي على الإمام علیه السلام وجماعته بممانعته المأمون حين طلب منه أن يرسل والياً على إحدى الولايات من الجماعة الصالحة.

3 . الحكم بما يرضي الله، حيث أجبر الإمام الرضاء علیه السلام المأمون أن يحكم بالعدل في قضايا كثيرة منها قضية الصوفي الذي أُتي به سارقاً منالكوفة.

4 . التدخل في إصلاح بعض الأمور الإدارية كما في إشارته على المأمون أن يولي غير الوالي التركي على أحد الثغور التركية.

5 . تصحيح المفاهيم الخاطئه في البلاط.

6 . الوعظ والنصح للمأمون الدائم وزجره عن الانحراف.

7 . الحفاظ على الوجود الإسلامي.

8 . مواصلة النشاط العلمي بجد.

الأسئلة

1 . ما هي عوامل خروج الإمام الرضاء علیه السلام إلى صلاة العيد ؟

2 . لماذا رفض الإمام علیه السلام أن يولي أحد أتباعه على البلدان المتمردة على

حكم المأمون؟

3 . لماذا تدخل الإمام علیه السلام في إبداء وجهة نظره في تعيين والي الثغر التركي؟

4 . كيف استدل الإمام علیه السلام على أن عليا علیه السلام هو قسيم الجنة والنار؟

5 . ما هي مظاهر الواقع الفاسد التي بينها الإمام علیه السلام للمأمون حينما وجده مسروراً بفتح قرية من قرى الشرك؟

6 . لماذا رفض الإمام علیه السلام لعرض الفضل بن سهل بقتل المأمون، وتنصيب الإمام حاكماً بدله؟

7 . ما هي الأسباب وراء موقف الإمام علیه السلام للحيلولة دون قتل المأمون؟

8 . ما هي أهم نصائح الإمام علیه السلام للمأمون في الحفاظ على الكيان الإسلامي؟

الدرس 20: مستقبل الرسالة والحركة الرسالية

اشارة

إن دور الإمام علیه السلام لا يتحدّد بحدود المرحلة الزمنية التي يعاصرها، وإنما يمتد بامتداد الزمان، فله دور مرحلي ودور شمولي، وهو المسؤول عن ثبات المنهج الإسلامي وخلوده مع الزمن، ومن هنا فإنّ دور الإمام ينصب في المهام التالية:

1 . طرح المفاهيم والعقائد الصحيحة، وبيان الأحكام الشرعية.

2 . إصلاح الواقع الفاسد.

3 . رفد الأمّة بالعناصر الواعية المخلصة القادرة على نشر العقائد والأحكام

وإصلاح الواقع.

4 . تعيين الإمام الذي يليه طبقاً للنصوص الصادرة عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم .

5 . توجيه العقول والقلوب إلى المستقبل المشرق الذي سيقوده الإمام المهدي علیه السلام في آخر الزمان، والتركيز على خصوصيات الإمام المهدي علیه السلام من حيث الولادة والنشأة والغيبة ، والمظاهر البارزة في دوره الرسالي.

إمام المستقبل

من أصول العقيدة في منهج أهل البيت علیه السلام أن الأرض لا تخلو من إمام منصوب

من قبل الله تعالى، فعن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال: لو لم يبق في الأرض إلا اثنان لكان أحدهما الحجة أو كان الثاني الحجة(1).

واتفق المسلمون على وجوب معرفة الإمام، ومن مات ولم يعرف إمام زمانه مات

ميتة جاهلية، فقد وردت روايات عديدة عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم تؤكد ذلك(2).

سئل الإمام الرضا علیه السلام عن كيفية تعيين الإمام اللاحق فقال علیه السلام: إنما يوصي بأمر الله عزّ وجل... ماهو إلا عهد من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم رجل فرجل مسمّى(3).

والإمامة خاصة بأهل البيت علیه السلام، وقد ورد عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أنه قال: في كلّ خلف من أُمتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ألا وأنّ أئمتكم وفدكم الى الله عزّ وجلّ، فانظروا من توفدون (4).

ووردت روايات عنه صلی الله علیه واله وسلم تصرح بأن عدد الأئمة إثنا عشر كلّهم من قريش(5)، ثمّ خصصهم ببني هاشم (6)، ثمّ بولد علي بن أبي طالب، ثمّ حصرهم في ولد الحسين، وذكر أسماءهم لعلي بن أبي طالب(7).


1) كمال الدين و تمام النعمة، ج 1، ص 230.

2) 1، کافي الشيعة، ج 1، ص 376؛ مسند أحم ند أحمد بن حنبل، ج 5، ص 61: السنن الكبرى، ج 8، ص 156: شرح المقاصد، ج 5، ص 239

3) بحار الأنوار، ج 23، ص 68.

4) الصواعق المحرقة، ص 231

5) مسند أحمد بن حنبل، ج 1، ص 657؛ سنن أبي داود، ج 4، ص 106؛ سنن الترمذي، ج 4، ص 501؛ مصابيح السنة، ج 4، ص 137.

6) مودة القربى، ص 445؛ إحقاق الحق، ج 13، ص 30؛ ينابيع المودة، ج 1، ص 308

7) كفاية الأثر في النص على الأئمة الإثني عشر، ص 23، 89، 217؛ أمالي المفيد،ص 217؛ ينابيع المودة، ج 2، ص 532.

النصّ على إمامة محمد الجواد علیه السلام

كان الإمام الجواد علیه السلام موضع عناية من قبل أبيه الإمام الرضاء علیه السلام منذ نشأته الأولى، وكان يوجه الأنظار إلى ولادته(1).

وكان علیه السلام يقول: هذا المولود الذي لم يولد مولود أعظم بركة على شيعتنا منه (2).

وقال أيضاً: هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي وصيّرته مكاني، إنا أهل بيت يتوارث

أصاغرنا عن أكابرنا القذة بالقذة (3).

وقال علیه السلام : أبو جعفر وصبي وخليفتي في أهلي من بعدي (4).

وكانت النصوص على إمامة ابنه محمّد الجواد علیه السلام عديدة ومتظافرة، اختلف في ظاهرها بسبب اختلاف الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة بالإمامين، وبأتباعهم وأنصارهم، وبسبب اختلاف أصحاب الإمام الرضاعلیه السلام في الوعي ودرجة التلقي وكتمان السر، وقربهم وبعدهم عن الإمام علیه السلام من حيث الولاء السياسي والعاطفي.

عن جعفر بن محمد النوفلي، قال: أتيت الرضا علیه السلام فسلمت عليه، وقلت له: جعلت فداك! إن أناساً يزعمون أن أباك حي، فقال: كذبوا لعنهم الله... فقلت له: ما تأمرني؟

قال: عليك بابني محمد من بعدي وأمّا أنا فإنّي ذاهب في وجه الأرض لا أرجع منه ...(5).

وعن البزنطي قال: قال لي ابن النجاشي: من الإمام بعد صاحبك؟ فأحب أن تسأله

حتى أعلم، فدخلت على الرضا علیه السلام فأخبرته، فقال لي: الإمام ابني".


1) الكافي، ج 1، ص 321؛ الفصول المهمة، ص 265.

2) الكافي، ج 1، ص 321.

3) الكافي، ج 1، ص 320؛ الفصول المهمة، ص 265.

4) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 240. ه . عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 216.

5) الكافي، ج 1، ص 320.

واجتمع جماعة عنده فلما نهضوا قال لهم: القوا أبا جعفر فسلموا عليه وأحدثوا به

عهداً، ثمّ قال: يرحم الله المفضل أنه لكان ليقنع بدون ذلك(1).

وفسر العلامة المجلسي قوله علیه السلام : ليقنع بدون ذلك، أي: بأقل مما قلت لكم في العلم بأنه إمام بعدي ونبههم على أنّ غرضه النصّ عليه، ولم يصرح به تقية واتقاء(2).

وكان علیه السلام على اتصال دائم بابنه الجواد علیه السلام ، وكان يخاطبه في رسائله بالتعظيم والتوقير (3).

وكان يبدي له التوجيهات والإرشادات لكي يفهم أتباع أهل البيت علیه السلام بأنها جاءت في مقام إعداده للإمامة من بعده وممّا جاء في بعض هذه الرسائل قوله علیه السلام : إنِّي أُريد أن يرفعك الله (4).

وقد أعد علیه السلام طليعة من الكوادر الإسناد إمامة الجواد علیه السلام ومنهم: عمه علي بن الإمام الصادق علیه السلام ، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر.

الإعداد لإمامة المهدي المنتظر علیه السلام

المهدي المنتظر من الحقائق الثابتة عند المسلمين بمختلف مذاهبهم، وهو المصلح الأكبر والمنقذ الأعظم للبشرية من الانحراف الفكري والسلوكي، ومن الظلم والاضطهاد والاستغلال والفساد، وظهوره يشكل قمّة الصراع بين الإسلام والكفر، وبين الحق والباطل، وبين الفضيلة والرذيلة، وبظهوره ينتصر الإسلام والحق على جميع ألوان الكفر والباطل.

واختلف المسلمون في خصوصيات ولادته:


1) الكافي، ج 1، ص 320.

2) بحار الأنوار، ج 50، ص 25.

3) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 240.

4) عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 8.

فالرأي الأوّل: يقول: إنّه لم يولد بعد.

والرأي الثاني - وهو رأي أهل البيت علیه السلام وبعض المؤرخين من غيرهم - أنه مولود وهو محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد(1).

وقد تواترت الروايات عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أنه من العترة الطاهرة، لقوله صلی الله علیه واله وسلم: لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً(2).

•

المهدي من عترتي من ولد فاطمة(3).

•

المهدي من ولد الحسين (4).

ووردت الروايات عنه صلی الله علیه واله وسلم في غيبته ومنها: والذي بعثني بالحق بشيراً ليغيبن القائم من ولدي بعهد معهود إليه منّي، حتى يقول أكثر الناس: مالله في آل محمد حاجة، ويشك آخرون في ولادته، فمن أدرك زمانه فليتمسك بدينه، ولا يجعل للشيطان إليه سبيلاً بشكه (5).

ووردت روایات متواترة عن أهل البيت علیه السلام تؤكد أنه الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت علیه السلام ، وهنالك روايات تؤكد على أنه التاسع من ولد الحسين بن علي علیه السلام ، ووردت روايات تؤكد على أنه الخامس من ولد السابع، ووردت أيضاً: إذا توالت ثلاثة أسماء: محمد وعلي والحسن كان رابعهم قائمهم(6).


1) تأريخ الإسلام للذهبي، ص 161؛ الوافي بالوفيات للصفري، ج 2، ص 336؛ شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، ج 1، ص 150 الكامل في التأريخ لابن الأثير، ج 7، ص 274.

2) سنن أبي داود، ج 4، ص 107.

3) سنن أبي داود، ج 4، ص 107؛ سنن ابن ماجة، ج 2، ص 1368؛ عقد الدرر، ص .42

4) عقد الدر، ص 46 كفاية الطالب، ص 503.

5) کمال الدین و تمام النعمة، ج 1، ص 51.

6) كمال الدين و تمام النعمة، ج 2، ص 334 و قبلها.

وكان الأئمة يروجون لهذه المفاهيم حول الغيبة وخصوصيات الإمام علیه السلام ، ويزداد التركيز على ذلك كلّما قرب عصر ولادة الإمام المهدي علیه السلام ، وجاء دور الإمام الرضاء علیه السلام لتركيز هذه الحقيقة في العقول والقلوب ، ولنلاحظ نشاطه علیه السلام في هذا العدد:

1. الإمام الرضا علیه السلام و الغيبة

عن أيوب بن نوح قال: قلت للرضا علیه السلام : إنا لنرجو أن تكون صاحب هذا الأمر، وأنه يردّه الله عزّ وجلّ إليك من غير سبق، فقد بويع لك، وضربت الدراهم باسمك.

فقال علیه السلام : مامنا أحد اختلفت إليه الكتب، وسئل عن المسائل وأشارت إليه الأصابع، وحملت إليه الأموال إلا اغتيل أو مات على فراشه، حتى يبعث الله عزّ وجلّ لهذا الأمر رجلاً خفيّ المولد والمنشأ غير خفي في نسبه(1).

وعن محمد بن أبي يعقوب البلخي قال: سمعت أبا الحسن الرضا علیه السلام يقول: إنه سيبتلون بما هو أشد وأكبر؛ يبتلون بالجنين في بطن أمه والرضيع، حتى يقال: غاب ومات، ويقولون: لا إمام(2).

2. تحدید نسبه و اسمه

صرح الإمام علیه السلام بنسب الإمام المهدي علیه السلام وبأنه الثالث من ولده، فقال علیه السلام : كأني بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي يطلبون المرعى فلا يجدونه.

فقال له علي بن الحسين بن فضال: ولم ذلك يا ابن رسول الله ؟

قال: لأنّ إمامهم يغيب عنهم... لئلا يكون في عنقه لأحد بيعة إذا قام بالسيف(3).


1) كمال الدين، ج 2، ص 370؛ الكافي، ج 1، ص 341.

2) بحار الأنوار، ج 51، ص 155 عن الغيبة للنعماني.

3) بحار الأنوار، ج 51، ص 152.

ثم صرّح باسمه فقال: لابد من فتنة صماء صيلم يسقط فيها كل بطانة ووليجة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي.. سَمّي جدي، وشبيهي، وشبيه موسى بن عمران(1).

3 . الارتكاز الذهني في العقيدة بالمهدي

كانت العقيدة المهدية مركوزة في أذهان أتباع أهل البيت علیه السلام ، وكانوا ينتظرون قيامه لإصلاح الأمة وإقامة العدل، وقد كان الإمام الرضا علیه السلام يعمق هذا الارتكاز في الأذهان.

قال دعبل الخزاعي: لما نشدت مولاي الرضا هذه القصيدة - مدارس آيات -

وانتهيت إلى قولي:

خروج إمام لامحالة قائم *** يقوم على اسم الله والبركات

يميّز فينا كل حق وباطل *** ويجزي على النعماء والنقمات.

بكي الرضاء علیه السلام ثم رفع رأسه إلي وقال:

ياخزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذا البيت، أتدري من هذا الإمام الذي

تقول؟.

قال دعبل: قلت: لا أدري إلا أني سمعت يامولاي بخروج إمام منكم يملأ الأرض

عدلاً.

فقال : يادعبل ، الإمام بعدي محمد ابني، وبعده علي ابنه، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجّة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم، حتى يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً (2).


1) كمال الدین، ج 2، ص 371

2) الفصول المهمة، ص 251 إعلام الورى، ص 318 كمال الدین، ج 2، ص 372.

وقد بين علیه السلام لخواصه والمقربين له جميع خصوصيات الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف لتعميق إيمانهم بغيبته، وكتمانهم للأمر خوفاً من ملاحقة السلطات له.

وكان العباسيون يدركون ولادة المهدي علیه السلام وغيبته، ولعلّ إشخاصهم للأئمة المتأخرين وفرض الإقامة الجبرية عليهم في داخل البلاط الحاكم هو أحد الأساليب المتبعة لمراقبة ولادة الإمام المهدي علیه السلام ، ولعل اغتيال الأئمة علیه السلام من قبلهم وهم في عمر الشباب كان أيضاً للحيلولة دون ولادة المهدي علیه السلام .

استشهاد الإمام الرضا علیه السلام

أدى الإمام علیه السلام دوره المكلف به في نشر المفاهيم والقيم الإسلامية وإقرارها في الواقع، وإعداد الجماعة الصالحة لتستمر في حمل المسؤولية، ووضع اللبنات الأساسية المستقبل الرسالة ، والحفاظ على الوجود الإسلامي.

وقد توقع الإمام علیه السلام استشهاده وعدم إتمام ولاية العهد وصرّح بأنه سيموت قبل المأمون.

وقد أحسّ المأمون بتنامي القاعدة الشعبية للإمام علیه السلام حتى تأثر به الوزراء والقواد والفقهاء والمقربون للبلاط، ولم يستطع أن يحقق ما أراد من تثبيت سلطانه، فقد تمرد عليه العباسيون، ولم يستطع المأمون أن يحط من شأنها علیه السلام أمام الملأ، وكان الإمام علیه السلام يعارضه في جملةٍ من مواقفه وممارساته، وأخذ المسلمون يقارنون بينهما من حيث الأهلية للخلافة، لذا أقدم على قتله واغتياله بالسمّ كما هو ظاهر أغلب الروايات (1).

وكانت شهادته في آخر صفر سنة 203 ه- فسلام عليه يوم ولد ويوم بويع ويوم

استشهد ويوم يبعث حياً.


1) الوافي بالوفيات، ج 22، ص 251؛ مرآة الجنان، ج 2، ص 12 تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 453؛ الثقات لابن حبان، ج 8، ص 457: نهاية الإرب، ج 22، ص 210؛ مآثر الاناقة في معالم الخلافة، ج 1، ص 211

الخاص

بالاضافة إلى جميع و مرحلته الزمنية نجد الإمام علیه السلام يهتم بمستقبل الرسالة والحركة الرسالية النشاطات والمكتسبات الخاصة بعصر الإمام الرضا

فينص على الإمام من بعده ويهتيء الأرضيّة اللازمة لإمامته كما نلاحظه الأرضيّة اللازمة لإمامة حفيده المهدي المنتظر وغيبته والذي أيضاً يهتي. كانت تقترب الأمة الإسلامية والجماعة الصالحة من أيام إمامته وغيبته.

و كما كان يقدر الإمام أنّ أيّام ولاية العهد سوف لا تطول لأن المأمون لا يستطيع أن يتحمّل تبعات هذه الولاية المشروطة بشروط الإمام علیه السلام لأن أهدافه لم تحقق، ووجود الامام علیه السلام ان كان يشكل خطراً ساحقاً له في المستقبل القريب، فقد وجد المأمون نفسه أمام هذا الفشل الذريع والخطر الناجم من ولاية عهد الإمام علیه السلام فخطط لاغتياله وتصفية وجوده الشريف.

و هكذا استشهد الإمام علیه السلام في آخر صفر من سنة 203 هجرية.

فسلام عليه يوم ولد و يوم استشهد و يوم يبعث حياً.

الأسأله

1 . اتفق المسلمون على وجوب معرفة الإمام، ووجوب البيعة له، اذكر ثلاثة

أحاديث عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم حول ذلك؟

2 . هل يكون تعيين الإمام باختيار من الأمة أم بنص من الله تعالى ورسوله.

ولماذا؟

3 . كيف كان الإمام الرضا علیه السلام يهيء الأجواء لإمامة ابنه محمد الجواد علیه السلام ؟

4 . لماذا لم يصرح الإمام علیه السلام بإمامة ولده أمام الملا؟

5 . حدد نسب الإمام المهدي (عج) من خلال أحاديث رسول الله صلی الله علیه واله وسلمو أهل بيته علیه السلام؟

6 . لماذا ازداد التركيز على الإمام المهدي علیه السلام من قبل الأئمة المتأخرين؟

7 . ماذا كان دور الإمام الرضاء علیه السلام تجاه قضية الإمام المهدي 7؟

8 . كيف تجمع بين الروايات التي تنص على : أنّ الأئمة تنص على أن الأئمة من قريش، والروايات التي تنص على : أن الأئمة من بني هاشم لتثبت أنها مشيرة إلى الأئمة الإثني عش- أولهم عليّ وآخرهم المهدي؟

9 . هل استطاع المأمون أن يحقق أهدافه من وراء تولية العهد للإمام الرضاء علیه السلام ؟

10 . كيف تثبت أنّ الإمام الرضاء علیه السلام مات مسموماً؟

الدرس 21: ظاهرة الإمامة المبكرة في مدرسة أهل البيت علیه السلام

اشارة

ولد الإمام محمد الجواد سنة 195 ه- واستشهد الإمام الرضاء علیه السلام سنة 202 أو 203 ه- فكان عمره حين استشهاد أبيه وتصديه لمنصب الإمامة سبع أو ثمان سنوات وأشهر وعاصر في باقي عمره القصير كلاً من المأمون والمعتصم وهذه الظاهرة بطبيعتها غريبة على الناس بالرغم من أنّ القرآن الكريم قد بيّن لها عدة مصاديق تأريخية فيما يخص نبوة عيسى ويحيى علیه السلام .

إنّ الإمكان العقلي لا يكفي لإقرار مثل هذه الحقيقة في النفوس التي لم تألفها، فلابد من تمهيدات ومقدمات تهييء الأرضيّة اللازمة ليتقبل عامة المؤمنين بإمامة أهل البيت علیه السلام هذه الظاهرة ويسلّموا زمام أمرهم إلى صبي يكون إماماً وقائداً ربانياً للمسيرة الإسلامية رغم كل التحديات الزمانية والمكانية التي تكتنف الخط الشيعي بشكل عام وهذه الظاهرة في هذا الخط بشكل خاص.

من هنا نلاحظ تمهيدات الإمام الرضا علیه السلام في خصوص الإمامة على مذهب أهل البيت علیه السلام ملفته للنظر وواسعة ومركزة للغاية وقد قرنها الإمام الرضا علیه السلام بتمهيدات تخص إمامة ابنه الجواد علیه السلام المبكرة والتي كانت تشكل بداية مهمة لهذه

الظاهرة المتميّزة التي تجسّدت في خط أهل البيت علیه السلام حيث نلاحظ تكرر هذه الظاهرة فيما بعد في إمامة الهادي علیه السلام ثم في إمامة حفيده المهدي علیه السلام .

ومن الواضح أنّ جملة من نشاطات الإمام الممهد والإمام الممهد له سوف تتمحور حول تقرير هذه الظاهرة التي تشكل مدخلاً جديداً للايمان بإمامة أهل البيت علیه السلام وعاملاً من عوامل استمرار هذا الخط الإلهي عبر التحديات المختلفة التي خرج منها مذهب أهل البيت علیه السلام ظافراً.

لقد أضافت هذه الظاهرة دليلاً حسيّاً جديداً إلى جانب سائر الأدلة على حقانية

مذهب أهل البيت علیه السلام وربانية خطهم ورسالتهم.

ومن هنا كانت دراسة النصوص الصادرة عن الإمام الرضا علیه السلام باعتباره الإمام المباشر في التمهيد لإمامة الجواد علیه السلام ضرورة تأريخية تستدعي الوقوف عندها والبحث فيها لنرى كيف استطاع مذهب أهل البيت علیه السلام أن يتجاوز هذه العقبة - كما تجاوز غيرها - بنجاح.

نصوص الإمام الرضا علیه السلام على إمامة الجواد المبكّرة

تدرّجت النصوص الخاصة الصادرة من الإمام الرضا علیه السلام حول إمامة ابنه الجواد من قبل أن يولد واستمر صدورها حتى قبل استشهاده وذلك لتمهيد وايجاد الأرضية اللازمة للإمامة المبكرة المتمثلة في إمامة الجواد علیه السلام ولاسيما إذا لاحظنا أنها تعتبر ظاهرة فريدة في نوعها إذ تظهر لأول مرة في تأريخ أهل البيت علیه السلام .

وبالإمكان أن نصنّف النصوص التي ناهزت الأربعين نصاً إلى عشرة نصوص يعود تأريخها إلى ماقبل الولادة وعدة نصوص صدرت بعد الولادة وحوالي 14 نصاً ترتبط بمرحلة الصبا وعشرة نصوص تختص بمرحلة ما قبل استشهاد الإمام الرضا بدءً بترحيله من المدينة وانتهاءً باستقراره في خراسان وطوس.

ومن النصوص التي صدرت عنه علیه السلامقبل ولادة ابنه محمد الجواد علیه السلام :

1 . عن ابن قياماً الواسطي :- وكان واقفياً - قال: دخلت على علي بن موسى علیه السلام فقلت له: أيكون إمامان؟ قال: لا إلّا أن يكون أحدهما صامتاً فقلت له: هو ذا أنت ليس لك صامت؟ فقال: بلى والله ليجعلنّ الله منّي ما يثبت به الحق وأهله ويمحق به الباطل وأهله ولم يكن في الوقت له ولد ، فولد له أبو جعفر علیه السلام بعد سنة (1).

2 . وعن عقبة بن جعفر قال: قلت لأبي الحسن الرضا علیه السلام: قد بلغت ما بلغت وليس لك ولد. فقال: يا عقبة إنّ صاحب هذا الأمر لا يموت حتى يرى خلفه من بعده (2).

3 . وعن حنان بن سدير، قال: قلت للرضا علیه السلام: يكون إمام ليس له عقب؟ فقال لي: أما إنه لا يولد لي إلا واحد ولكن الله ينشيء منه ذريَّة كثيرة(3).

وأما النصوص التي صدرت عنه علیه السلام بعد ولادته علیه السلام فمنها :

1 . قال صفوان بن يحيى، قلت لأبي الحسن الرضا علیه السلام : قد كنا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر، فكنت تقول: يهب الله لي غلاماً فقد وهب الله لك وأقرّ عيوننا فلا أراني الله يومك، فإن كان كون، فإلى مَن ؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر وهو قائم بين يديه.

فقلت: جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين ! قال: وما يضرة من ذلك قد قام عيسى

بالحجة وهو ابن أقل من ثلاث سنين (4).

2 . وعن معمر بن خلاد أن الرضا علیه السلام قال: هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي وصيرته مكاني. إنا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذة بالقذة(5).

وتبلغ النصوص التي صدرت عن الإمام الرضا علیه السلام خلال فترة حياة الجواد علیه السلام مع أبيه حوالي خمسة وعشرين نصاً على الأقل.


1) الإرشاد، ص 298

2) بحار الأنوار، ج 50، ص 35.

3) إثبات الوصية، ص 211

4) مسند الإمام محمد الجواد، ص 28

5) الكافي، ج 1، ص 320.

وفيها ما يتضمن إقرار بعض الشخصيات الشيعية اللامعة مثل علي بن جعفر (عم

أبيه ) بإمامته وخضوعه له والتسليم لأمره.

على أنّ طبيعة الظرف الذي عاشه الإمام الرضا علیه السلام سواء كان في المدينة أو في خراسان بالنسبة ، لظاهرة الإمامة المبكرة المتمثلة في الجواد من أهل البيت علیه السلام لأول مرة قد طغت على قضية النص، فكان اختبار الإمام علیه السلام من قبل شيعة أبيه وغيرهم هو الحكم الفصل في هذا المجال.

ومن هنا نجد جملة نشاطات الإمام الجوادعلیه السلام قد انصبت لتثبيت موقعه القيادي.

وما الكرامات والمناقب التي ظهرت منه بعد استشهاد أبيه علیه السلام إلا طريق واضح من طرق إثبات إمامته للمترددين فيها.

الإمام الجواد علیه السلام يدحض مزاعم المشككين بإمامته

إن اضطلاع الإمام الجواد علیه السلام بأعباء الخلافة لرسول الله صلی الله علیه واله وسلم وتصديه لإمامة المسلمين في ذلك الوقت المبكر قد أوجد حالة بين الناس تراوحت بين التساؤل والتشكيك.

على أن التساؤلات قد تم حسمها عبر الأحاديث والتوجيهات التي صدرت عن الإمام الرضا علیه السلام وانتشرت بين مقربيه ورؤساء القرى الموالية لأهل البيت علیه السلام في كثير من البلدان كمصر والحجاز والعراق وبلاد فارس، علاوة على مانهض به الإمام من أمور لتبديد تلك الأوهام التي قد تثار بعد وفاة الإمام الرضا كما يبدو من بعض الروايات الواردة بهذا الشأن.

قال أبو جعفر الطبري الإمامي: فلما مضى الرضا وذلك في سنة اثنتين ومائتين وسن أبي جعفر ست سنين وشهورا واختلف الناس في جميع الأمصار، اجتمع الريان بن الصلت وصفوان بن يحيى ومحمد بن حكيم وعبد الرحمن بن الحجاج في بركة زلزل يبكون

ويتوجعون من المصيبة فقال لهم يونس: دعوا البكاء، من لهذا الأمر يفتي المسائل إلى أن يكبر هذا الصبي - يعني أبا جعفر - وكان له ست سنين وشهور، ثمّ قال: أنا ومن مثلي.

فقام إليه الريان بن الصلت فوضع يده في حلقه ولم يزل يلطم وجهه ويضرب رأسه، ثم قال له: يابن الفاعلة ان كان أمر من الله جلّ وعلا فابن يومين مثل ابن مائة سنة، وإن لم يكن من عند الله فلو عمر الواحد من الناس خمسة آلاف سنة كان يأتي بمثل ما يأتي به السادة أو بعضه وهذا مما ينبغي أن ينظر فيه.

وأقبلت العصابة على يونس تعذله ، وقرب الحج واجتمع من فقهاء بغداد والأمصار وعلمائهم ثمانون رجلا وخرجوا إلى المدينة وأتوا دار أبي عبدالله، فدخلوها وبسط لهم بساط أحمر، وخرج إليهم عبدالله بن موسى فجلس في صدر المجلس وقام مناد فنادى: هذا ابن رسول الله فمن أراد السؤال فليسأل. فقام إليه رجل من القوم فقال له: ما تقول في رجل قال لامرأته أنت طالق عدد نجوم السماء؟ قال: طلقت ثلاثاً دون الجوزاء.

فورد على الشيعة مازاد في غمهم وحزنهم إليه، ثمّ قام رجل آخر فقال: ما تقول في رجل أتى بهيمة؟ قال: تقطع يده ويجلد مائة جلدة وينفي. فضج الناس بالبكاء وكان قد اجتمع فقهاء الأمصار فهم في ذلك إذ فتح باب من صدر المجلس وخرج موفق.

ثم خرج أبو جعفر وعليه قميصان وازار وعمامة بذؤابتين، أحدهما من قدام والأخرى من خلف ونعل بقبالين فجلس وأمسك الناس كلهم، ثم قام إليه صاحب المسألة الأولى فقال: يابن رسول الله ماتقول فيمن قال لامرأته أنت طالق عدد نجوم السماء ؟ فقال له: ياهذا اقرأ كتاب الله ، قال الله تبارك وتعالى: «الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان في الثالثة » قال: فإنّ عمّك أفتاني بكيت وكيت، فقال: ياعم اتق الله ولا تفت وفي الأمة من هو أعلم منك.

فقام إليه صاحب المسألة الثانية فقال له: يابن رسول الله ماتقول في رجل أتى بهيمة؟ فقال: يعزّر ويحمى ظهر البهيمة وتخرج من البلد لا يبقى على الرجل عارها، فقال: إنّ عمّك أفتاني بكيت وكيت فالتفت وقال بأعلى صوته: لا إله إلا الله ياعبدالله

إنه عظيم عند الله أن تقف غداً بين يدي الله فيقول لك: أفتيت عبادي بما لا تعلم وفي الأمة من هو أعلم منك.

فقال عبدالله بن موسى: رأيت أخي الرضا وقد أجاب في هذه المسألة بهذا الجواب. فقال أبو جعفر : إنّما سئل الرضا عن نباش نبش قبر امرأة ففجر بها وأخذ ثيابها فأمر بقطعه للسرقة وجلده للزنا ونفيه للمثلة، ففرح القوم(1).

الإمام الجواد علیه السلام و تخطي القوانين الطبيعية

إن تصدّي الإمام الجواد علیه السلام الإمامة المسلمين - وهو صبي كان معجزة بذاته.

وسنتطرق فيما بعد إلى ما أظهره من المعارف الإلهية، وتحدّيه لكبار الفقهاء بما فيهم قاضي قضاة الدولة العباسية ملاحظة عمره الشريف حين محاورته مع ابن أكثم باعتبار أنّ ذلك من مصاديق الصفة الإعجازية التي تجسد حقيقة ارتباطه بالله تعالى وقربه منه وحجم الدعم الغيبي الذي كان يحظى به من عند الله عزّ وجل.

ولكن التأريخ يحدثنا بأنه كان يستفيد من الدعم الإلهي الغيبي لتثبيت إمامته في نفوس المسلمين أو تصعيد درجة إيمان أتباعه من المؤمنين، وإليك نماذج من هذا

النشاط:

1 . عن محمد بن علي الهاشمي قال: دخلت على أبي جعفر محمد بن علي علیه السلام صبيحة عرسه ببنت المأمون وكنت تناولت من الليل دواء فاوّل من دخل عليه في سبيحته أنا وقد أصابني العطش وكرهت أن أدعو بالماء، فنظر أبو جعفر علیه السلام في وجهي وقال: أراك عطشاناً قلت أجل. قال: ياغلام اسقنا ماءً.

فقلت في نفسي: الساعة يأتونه بماء مسموم واغتممت لذلك، فأقبل الغلام ومعه الماء فتبسم في وجهي ثم قال: يا غلام ناولني الماء فتناول الماء فشرب، ثم ناولني


1) دلائل الإمامة، ص 204.

فشربت وأطَلْتُ عنده فعطشت فدعي بالماء ففعل كما فعل في المرة الأولى فشرب، ثمّ ناولني وتبسم. قال محمد بن حمزة: فقال لي محمد بن علي الهاشمي: والله إنّي أظن أن أبا جعفر يعلم ما في النفوس كما يقول الرافضة (1).

2 . عن المطرفي قال: مضى أبو الحسن الرضا علیه السلام ولي عليه أربعة آلاف درهم لم يكن يعرفها غيري وغيره.

فأرسل إلي أبو جعفر علیه السلام: إذا كان في غد فائتني فأتيته من الغد، فقال لي: مضى أبو الحسن علیه السلام ولك عليه أربعة آلاف درهم ، قلت : نعم ، فرفع المصلّى الذي كان تحته فإذا تحته دنانير فدفعها إلي فكان قيمتها في الوقت أربعة آلاف درهم(2).

3 . عن معلى بن محمد قال: خرج علي أبو جعفر علیه السلام الحدثان موت أبيه فنظرت إلى قده لأصف قامته لأصحابنا، فقعد، ثمّ قال: يا معلى إنّ الله احتج في الإمامة بمثل ما احتج به في النبوة، فقال: وَآتَيْنَاهُ الْحُكمَ صَبِيّاً(3).

4 . قال أبوهاشم داود بن القاسم الجعفري: دخلت على أبي جعفر الثاني ومعي ثلاث رقاع غير معنونة فاشتبهت عليَّ فاغتممت لذلك غمّاً، فتناول إحداهنَّ وقال: هذه رقعة ريان بن شبيب، ثمّ تناول الثانية فقال: هذه رقعة محمّد بن حمزة، وتناول الثالثة وقال: هذه رقعة فلان. فبهت فنظر إلي وتبسم علیه السلام .

قال الحميري: وقال لي أبوهاشم : وأعطاني أبو جعفر ثلاثمائة دينار وأمرني أن أحملها إلي بعض بني عمه وقال: أما إنّه سيقول لك دلني على حريف يشتري لي بها متاعاً فدلّه عليه، قال: فأتيت بالدنانير فقال لي: يا أباهاشم دلّني على حريف يشتري بها متاعاً ففعلت.


1) الإرشاد، ص 305 و يشير هذا النص إلى أن أتباع أهل البيت علیه السلام ومن يرتبط بهم كانوا يتوقعون اغتيال الإمام علیه السلام من قبل السلطة.

2) الإرشاد، ص 306.

3) الإرشاد، ص 306.

قال أبوهاشم: وكلّفني جمال أن أكلّمه ليدخله في بعض أموره فدخلت عليه لأكلمه فوجدته يأكل مع جماعة فلم يمكنني كلامه، فقال: يا أباهاشم كلّ، ووضع بين يديَّ ثم قال -ابتداء منه من غير أن أسأله - ياغلام أنظر الجمال الذي أتانا أبوهاشم فضمه إليك (1).

5 . عن الحر بن عثمان الهمداني قال: دخل اناس من أصحابنا من أهل الري على أبي جعفر علیه السلام وفيهم رجل من الزيدية فسألناه مسألة فقال أبو جعفر لغلامه: خذ بيد هذا الرجل فأخرجه فقال الزيدي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً ورسوله طيبا مباركا وأنك حجة الله (2).

6 . عن العباس بن السندي الهمداني عن بكير قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام : إن ابنة عمي تشتكي من ريح فقال: ايتني بها فأتيته فدخلت عليه فقال لها ممّ تشتكين. قالت: ركبتي جعلت فداك فمسح يده على ركبتها من وراء الثياب وتكلم بكلام فخرجت ولم تجد من الوجع شيئاً(3).

7 . عن علي بن إسباط قال: خرجت مع أبي جعفر علیه السلام من الكوفة وهو راكب على حمار فمر بقطيع غنم فتركت شياء القطيع وغدت اليه فاحتبس علیه السلام وأمرني أن أدعو الراعي إليه ففعلت، فقال أبو جعفر علیه السلام : أيها الراعي إن هذه الشياه تشكو وتزعم أنّ لها رحلين وأن تحيف عليها بالحلب وإذا رجعت إلى وطنها بالعنا لم تجد معها لبنا وإن كففت من ظلمها وإلا دعوت الله تعالى أن يبتز عمرك.

فقال الراعي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنك وصيه أسالك لما

أخبرتني من أين علمت هذا الشأن. قال أبو جعفر : نحن خزّان الله على علمه وغيبه

وحكمته وأوصياء أنبيائه وعباد مكرمون (4).


1) مسند الإمام الجواد علیه السلام ، ص 37 عن إعلام الورى.

2) الثاقب، ص 208

3) الثاقب، ص 208

4) الثاقب، ص 209.

8 . عن محمّد الأشعري قال: دخلت على أبي جعفر علیه السلام فقضيت حوائجي وقلت له : ان ام الحسن تقرئك السلام وتسألك ثوبا من ثيابك تجعله كفناً لها قال: قد استغنت عن ذلك فخرجت ولست أدري ما معنى ذلك فأتى الخبر بأنها قد ماتت قبل ذلك بثلاثة عشر يوما أو أربعة عشر يوما(1).

9 . عن ابن أرومة قال: إنّ المعتصم دعا جماعة من وزرائه وقال: اشهدوا لي على محمد بن علي بن موسى زورا فاكتبوا أنه أراد أن يخرج فدعاه، فقال: إنك أردت أن تخرج عليّ. فقال: والله ما فعلت شيئا من ذلك. فقال: إنّ فلانا وفلانا وفلانا شهدوا عليك واحضروا فقالوا: نعم هذه الكتب أخذناها من بعض غلمانك. قال وكان جالسا في نهر.

فرفع أبو جعفر يده وقال: اللهم إن كانوا كذبوا عليّ فخذهم. قال فنظرنا إلى ذا النهر يزحف ويذهب ويجيء وكلما قام واحد وقع عليه، وقال: قال المعتصم : يابن رسول الله تبت ممّا قلت فادع ربك أن يسكنه. فقال: اللهم سكنه وأنك تعلم أنهم أعداؤك وأعدائي (2).

الخاص

يعتبر التصدّي لإمامة المسلمين فكرياً وروحياً وسياسياً في سن الطفولة مع استجابة جماهير العلماء لهذه الإمامة ظاهرة فريدة من نوعها تميزت بها مدرسة أهل البيت علیه السلام تميزاً واضحاً وأضاف إلى سائر الأدلة العقائدية على حقانية مذهبهم دليلاً حسياً جديداً.

و يعتبر الإمام محمد الجواد علیه السلام أوّل إمام تمثلت فيه هذه الظاهرة الفريدة. واستدعت هذه الظاهرة التمهيد الخاص من الإمام الرضا علیه السلام


1) الثاقب، ص 210.

2) الثاقب، ص 210.

ثم تصدّى الإمام الجواد علیه السلام لإثبات هذه الحقيقة متحدياً كل المحاولات التي كرُست لإسقاطه وإبطال مذهب أهل البيت علیه السلام تبعاً لهذا الإسقاط.

و تدرجت نصوص الإمام الرضاء علیه السلام لإقرار هذه الظاهرة قبل بروزها بل قبل ولادة الإمام الجواد علیه السلام بتهيئة الذهنية الشيعية أولاً في الدائرة القريبة منه، ثم استمر التمهيد خلال سبع سنوات من حياة الجوادعلیه السلام في طلابه إذ كان يرجع إليه البت في الأمور ويكشف لأتباعه تميزه واستعداده

للتصدي لمنصب الإمامة الالهية التي يعتقد بها مذهب أهل البيت علیه السلام .

و كانت جملة من نشاطات الإمام الجواد علیه السلام تنصب على إقرار هذه الحقيقة الفريدة وقد استطاع الإمام الجواد علیه السلامخلال مدة إمامته أن يثبت هذه الحقيقة للملأ الإسلامي العام فضلاً عن أتباع أهل البيت علیه السلام .

الأسئلة

1 . ما هي ظاهرة الإمامة المبكرة؟

2 . وما هي دلالاتها؟

3 . ما هي التمهيدات التي صدرت من الإمام الرضاء علیه السلام تجاه هذه الظاهرة؟

4 . كيف تصنف النصوص الصادرة عن الإمام الرضاء علیه السلام في هذا المجال؟

5 . هل استطاع الإمام الجواد أن يدحض مزاعم المشككين بإمامته؟ وكيف؟

6 . ما هي الأساليب التي استخدمها الإمام الجواد علیه السلام لدحض مزاعم

المشككين؟

7 . اذكر نموذجاً لكلّ أسلوب.

الدرس 22: مدلول ظاهرة الإمامة المبكرة

اشارة

يشكل وجود الإمام الجواد علیه السلام برهاناً واضحاً على صحة عقيدة أهل البيت علیه السلامفي الإمامة.

وذلك لأن ظاهرة تولي شخص في سنّ الطفولة لمنصب الإمامة وما رافقها من شؤون تستطيع أن تقدّم لنا دليلاً قاطعاً على سلامة هذه العقيدة التي يتميز بها مذهب أهل البيت علیه السلام عما سواه من المذاهب في قضيّة الإمامة التي هی منصب إلهي وموقع (رباني) لا يكون على أساس الانتخاب والترشيح البشري وإنما يكون على أساس التعيين والنصب الإلهي لشخص تجتمع في وجوده كلّ عناصر الكفاءة والقدرة الحقيقيه لإدارة هذا المنصب الرباني من قيادة فكرية (علميّة) ودينيّة وعملية للمؤمنين بإمامته بل للمسلمين جميعاً.

لقد أجمع المؤرخون على أن الإمام الجواد علیه السلام قد توفى أبوها وعمره علیه السلام يزيد على ثماني أو سبع سنين. وتولى منصب الإمامة بعد أبيه علیه السلام وهو في سن الطفولة بحسب ظاهر الحال.

وهذه الظاهرة هي أوّل ظاهرة من نوعها في حياة الأئمة المعصومين علیه السلام .

ظاهرة الإمامة المبكرة في حساب الاحتمالات

لو درسنا هذه الظاهرة على أساس حساب الاحتمالات لوجدناها كافية لوحدها للإقناع بحقانية مدرسة الإمام الجواد وخط أهل البيت علیه السلام الأطهار الذي كان يمثله الإمام الجواد علیه السلام .

إذ كيف يمكن أن نفترض فرضاً آخر غير فرض الإمامة الواقعية (الربانية) في شخص لايزيد عمره عن سبع سنين ويتولّى زعامة هذه الطائفة في كل المجالات الروحيّة والفكرية والدينية (التشريعية والسياسية).

المحتملات في أفق الواقع

والفروض الأخرى التي لا يمكن افتراضها وقبولها هنا هی کمایلی :

الافتراض الأول

إن الطائفة الشيعية التي آمنت بإمامة هذا الشخص لم ينكشف لديها بوضوح أنّ هذا المدعي للإمامة هو صبي.

وهذا الفرض غير صحيح لأنّ زعامة الإمام من أهل البيت علیه السلام لم تكن زعامة محاطة بالشرطة والجيش وابهة الملك والسلطان بحيث يُحجب الزعيم عن رعيته.

ولم تكن زعامة دعوة سرية من قبيل الدعوات الصوفية أو الفاطمية التي تحجب رأس الدعوة وبين قواعد الدعوة ليُحتمل أن هذه القيادة كانت محجوبة عن رعيتها

بین مع إيمان الرعية بها.

إن الإمام من أهل البيت علیه السلام كان مكشوفاً أمام الطائفة وكانت الطائفة بكل طبقاتها تتفاعل معه مباشرة في مسائلها الدينية وفي قضاياها الروحية والأخلاقية.

إن الإمام الجواد علیه السلام نفسه كان قد أصر على المأمون حينما استقدمه إلى بغداد في أن يسمح له بالرجوع إلى المدينة وسمح له بالرجوع إليها فرجع وقضى بقية عمره أو

اكثر عمره فيها.

وهكذا بقي الإمام الجواد علیه السلام مكشوفاً أمام مختلف طبقات المسلمين بما فيهم الشيعة المؤمنون بزعامته وإمامته.

فافتراض أنه لم يكن مكشوفاً أمام شيعته بالخصوص خلاف طبيعة العلاقة التي

أنشئت منذ البداية بين أئمة أهل البيت علیه السلام وقواعدهم الشعبية هذا أولاً. واذا أضفنا إلى ذلك أنّ الإمام الجواد علیه السلام كان قد سلطت عليه أضواء خاصة من قبل المأمون (الخليفة العباسي) - في القصة المعروفة عن تزويجه لابنته أم الفضل ورصد العباسيين الإمام علیه السلام للردّ على موقف المأمون منه - فهذا شاهد آخر على بطلان احتمال عدم انكشافه أمام المسلمين.

الافتراض الثاني

ان المستوى الفكري والعلمي للطائفة الشيعية التي آمنت بالإمام علیه السلام وقتئذ لم يكن بالمستوى المطلوب الذي تستطيع من خلاله أن تميّز الخطأ من الصواب في مجال الإيمان بإمامة طفل يدّعي الإمامة وهو ليس بإمام.

وهذا الافتراض أيضاً مما يكذبه الواقع التأريخي لهذه الطائفة مع ما وصلت إليه من مستوى علمي وفقهي.

فإنّ هذه الطائفة قد خلفها الإمام الباقر والصادق علیه السلام وفيها أكبر مدرسة للفكر الإسلامي في العالم الإسلامي على الإطلاق وهذه المدرسة تتكوّن من جيلين متعاقبين: جيل تلامذة الإمام الصادق والكاظم علیه السلام ، وجيل تلامذة تلامذتهم.

وكان هذان الجيلان على رأس هذه الطائفة متميزين في ميادين الفقه والتفسير والكلام والحديث والأخلاق بل في كل جوانب المعرفة الإسلامية.

إذن المستوى الفكري والعلمي لهذه الطائفة ماكان ليمكن أن يُمرّر عليه مثل هذا الاعتقاد إن لم يكن له رصيد واقعي ودليل منطقي ومعقول ومُلزم لمعتنقيه بالايمان بهذه

الإمامة المبكرة التي تشكل تحدياً لكلّ الظروف والواقع المعاش الذي لا يستفيد معتنقوه من الإيمان به غير التحديد والضغط والمطاردة والقتل والتهديد.

وإن أمكن لشخص أن يتصوّر أنّ رجلاً عالماً كبيراً محيطاً مطلعاً بلغ الخمسين أو الستين يستطيع أن يقنع مجموعة من الناس بإمامته وهو ليس بإمام لأنه يتصف بدرجة كبيرة من العلم والمعرفة والذكاء والاطلاع فليس بالإمكان أن نفترض ذلك في شخص لم يبلغ العاشرة من عمره. فإنّه كيف يستطيع أن يُقنع طائفة بإمامته كذباً وهو مكشوف أمامها وهذه الطائفة ذات مدرسة فكرية من أضخم المدارس الفكرية التي وجدت في العالم الإسلامي يومئذ. وهي مدرسة كان بعض قطاعاتها في الكوفة وبعضها في قم وبعضها في المدينة، فهي مدرسة موزّعة في حواضر العالم الإسلامي وكانت على صلة مباشرة بالإمام الجواد علیه السلام تستفتيه وتسأله وتنقل إليه الأموال من مختلف الأطراف من شيعته.

فمثل هذه المدرسة لا يمكن أن نتصور أنها تغفل عن حقيقة طفل لا يكون إماماً.

الافتراض الثالث

إن مفهوم الإمام والإمامة لم يكن واضحاً عند الطائفة الشيعية بل إنها كانت تتصوّر أنّ الإمامة مجرد تسلسل نسبي ووراثي ولم تكن تعرف ماهو الإمام وماهي قيمة الإمام وماهي شروط الإمام.

وهذا الافتراض يكذبه واقع التراث المتواتر من أمير المؤمنين علیه السلام إلى الإمام الرضا علیه السلام عن شروط الإمامة وحقيقتها وعلامات الإمام عند هذه الطائفة بنحو يميزها عما سواها من الطوائف والمذاهب التي تجعل الإمامة منصباً بشرياً لا يصعب على كثير من الناس التسلّق إليه.

بينما قام التشيع على المفهوم الإلهي المعمّق للإمامة وهو من المفاهيم الأولى والبديهية للتشيع، فإنّ الإمام في المفهوم الشيعي إنسان فذ فريد في معارفه وأخلاقه

وأقواله وأعماله. وهذا المفهوم قد أشارت إليه مجموعة كبيرة من النصوص من عهد أمير المؤمنين علیه السلام إلى عهد الإمام الرضاء علیه السلام (1).

وقد أصبحت كل التفاصيل والخصوصيات بالتدريج واضحة ومرتكزة عند الطائفة

الشيعية وتقولبت بها ذهنيتها حتى بعض التفاصيل الثانوية.

يقول الراوي: دخلت المدينة بعد وفاة الإمام الرضا علیه السلام أسأل عن الخليفة بعد الإمام الرضاء علیه السلام . فقيل: إنّ الخليفة في قرية قريبة من المدينة فخرجت إلى تلك القرية و دخلتها وكان فيها بيت للإمام موسى بن جعفر علیه السلام انتقل منه إلى أولاده. فرأيت البيت غاصاً بالناس ورأيت أحد إخوة الإمام الرضاء علیه السلام كان جالساً يتصدر المجلس إلا أنّ الناس يقولون: إنّ هذا ليس هو الإمام بعد الرضاء علیه السلام لأننا سمعنا من الأئمة أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين.

نعم كلّ هذه التفاصيل والخصوصيات النسبية والمعنوية كانت واضحة ومحددة عند الطائفة.

إذن هذا الافتراض الثالث أيضاً يكذبه واقع التراث الثابت والمتواتر عن الأئمة

السابقين على الإمام الجواد علیه السلام .

الافتراض الرابع

أن يكون هناك بين أبناء الطائفة الشيعية نوع من التباني على الزور والباطل. وهذا الافتراض أيضاً يكذبه الواقع. لالإيماننا الشخصي فقط بورع هذه الطائفة

وقدسيتها. بل لأنّ الظرف الموضوعي لهذه الطائفة هو الذي يكذب هذا الافتراض.

فإن نشيع لم يكن في يوم من الأيام في حياة هذه الطائفة طريقاً إلى الأمجاد وإلى المال والجاد والسلطان والمقامات العالية. بل التشيع طيلة هذه المدة كان طريقاً إلى


1) راجع في هذا الجانب بالخصوص الحديث التفصيلي الذي ورد عن الإمام الرضا علیه السلام حول الإمام والإمامة في تحف العقول.

التعذيب والسجون والحرمان والويل والدمار.

لقد كان التشيع طريقاً شائكاً مزروعاً بالألغام فالخوف والتقية والذل كانت هی مظاهر وثمار هذا الطريق، فما الفائدة المادّيّة في التباني على هذا الزور والباطل في الإمامة مادام التشيّع ليس سبيلاً لتحقيق أي مطمع مادي أو مطمع دنيوي آنئذ.

فلماذا يتبانى عقلاء الطائفة ووجهاؤها وعلماؤها على إمامة باطلة؟ مع أن تبانيهم عليها يكلّفهم كثيراً من ألوان الحرمان والعذاب.

وأي عقل يستسيغ مثل هذه التبعات إذا كان مجرد تباني على أمر باطل؟!

الافتراض المقبول

إن هذه الظروف الموضوعيّة ألا تكون شاهداً ودليلاً على أن هذا الاعتقاد إنما كان ناشئاً عن حقيقة ثابته وملزمة لأبناء الطائفة قد وعوها وآمنوا بها واستسلموا للوازمها وآثارها بالرغم من أنها كانت تكلّفهم حياتهم المادية على طول الخط ؟ إذن أي واحد من الافتراضات الأربعة لا يمكن قبوله إذا اطلعنا على واقع الشيعة والتشيع وتأريخهم المليء بالألحام وأنواع الحرمان وهو يشكل اعتراضاً صارخاً على الوضع القائم في المجتمع الإسلامي بعد عصر الرسول صلی الله علیه واله وسلم .

وهكذا يبقى الافتراض الأخير وهو أنّ الإمام الجواد علیه السلام بدعواه الإمامة المبكرة وتحديه لكل من وقف أمامه، وصموده أمام كلّ الإثارات والتساؤلات والاختبارات يشكل دليلاً تأريخياً علمياً قاطعاً على حقانية دعواه، ومذهبه وخطه - وهو خط أهل البيت علیه السلام - الذي كان يمثله الإمام الجواد علیه السلام الاهلي في مجال إمامة المسلمين وزعامة الأمة الإسلامية وقيادة الدولة النبوية التي خلّفها الرسول صلی الله علیه واله وسلم لتكامل وتؤسس الحضارة الإسلامية على اسس الهية وقيم ربانية.

إن التراث القيم الذي تركه لنا هذا الإمام العظيم لدليل قاطع على عظمة الدور الذي قام به هذا الإمام في تبلور العقيدة الشيعية في مجال القيادة الإسلامية التي أكدتها

الآيات القرآنية والنصوص النبوية الشريفة (1)

حول الإمام الجواد علیه السلام وعرضناها بتصرف.

.

الخاصه

مثل وجود الإمام الجواد علیه السلام الظاهرة الإمامة المبكرة لأول مرة في تأريخ إمامة أهل البيت علیه السلام ، ودراسة هذه الظاهرة على أساس حساب الاحتمالات كفيلة لوحدها للإقناع بحقانية مدرسة أهل البيت علیه السلام في الإمامة. وكلّ المحتملات حينما تعرض على افق الواقع لا تصمد أمام النقد العلمي.

ویتعین أن يكون إيمان أبناء الطائفة الشيعية بإمامة صبي بالمعنى السامي للإمامة على أساس وجود حقيقة ثابتة وملزمة قد وعوها واستسلموا للوازمها بالرغم من أنّ الإيمان بها كان يكلفهم ثمناً باهضاً جداً. وهكذا كان تحدي الإمام الجواد علیه السلام لكل الاختبارات ومحاولات التسقيط العلمي وصموده أمام كل الإثارات والتساؤلات دليلاً تأريخياً قاطعاً على حقانية مدرسة أهل البيت علیه السلام في مجال إمامة المسلمين.


1) اعتمدنا في هذا البحث على محاضرة فريدة للشهيد السيد محمد باقر الصدر

الأسئلة

1 . ما هو معتقد أهل البيت علیه السلام في إمامة الصبي؟

2 . من هم الأئمة الذين تولوا منصب الإمامة في حال الصبا؟

3 . كيف تدرس ظاهرة الإمامة المبكرة تأريخياً على أساس حساب الاحتمالات؟

4 . ما هي الفروض المحتملة التي لا تصمد أمام الواقع التأريخي؟

5 . كيف تفنّد كلّ واحد من الفروض الأربعة الباطلة؟

6 . ما الذي يتميز به هذا التحليل العلمي للإمامة المبكرة؟

الدرس 23: ملامح عصر الإمام محمد الجواد علیه السلام(1)

الحالة السياسية العامة

قامت الدولة العباسية - في بداية أمرها - على الدعوة لخصوص العلويين، ثمّ لأهل البيت، ثمّ إلى الإمام الرضا علیه السلام من آل محمد صلی الله علیه واله وسلم ، وكان سرنجاحها في ربطها بأهل البيت علیه السلام، حيث تحكّم العباسيون، وتسلطوا على الأمة بدعوى القربى النسبية من الرسول الأكرم صلی الله علیه واله وسلم .

ومن هنا فإنَّه من الطبيعي أن يكون الخطر الحقيقي الذي يهدد العباسيين، وخلافتهم، هو من جهة العلويين الذين كانوا أقوى منهم حجةً، وأقرب منهم منزلة إلى النبي صلی الله علیه واله وسلم.

إن ادعاء العلويين له مسوّغاته الشرعية والتأريخية، لاسيما وأن من بينهم من له الجدارة والأهلية، ويتمتع بأفضل الصفات والمؤهلات لهذا المنصب من العلم والعقل والحكمة، وبعد النظر في الدين والسياسة، علاوة على ماكان يكنه الناس لهم من الاحترام والتقدير، أضف إلى ذلك كله: إنّ أهم رجالات الإسلام وأبطاله كانوا من آل أبي طالب رضوان الله عليه، فأبو طالب مربي النبي صلی الله علیه واله وسلم وكفيله، وعلي علیه السلام وصيه وظهيره، وكذلك الحسن والحسين، وعلي زين العابدين، وبقية الأئمة علیه السلام .

وقد كان الخلفاء من بني العباس يدركون جيداً مقدار نفوذ العلويين، ويتخوفون منهم منذ أيامهم الأولى فى السلطة. فمثلاً: وضع السفاح - منذ أول عهده بالحكم - الجواسيس على بني الحسن، حيث قال لبعض ثقاته - وقد خرج وفد بني الحسن من عنده -:« قم بإنزالهم ولا تأل في الطافهم، وكلّما خلوت معهم؛ فأظهر الميل إليهم، والتحامل علينا وعلى ناحيتنا وأنهم أحق بالأمر منا، وأحص لي ما يقولون، وما يكون منهم في مسيرهم، ومقدمهم (1).

لقد أدرك العبّاسيّون أنّ الخطر الذي يتهدّدهم إنما هو من قبل العلويين، وعليه كان عليهم أن يتحركوا لمواجهة الخطر المحدق بهم بكل وسيلة، وبأي أسلوب كان، سيّما وهم يشهدون عن كثب سرعة استجابة الناس للعلويين، وتأييدهم، ومساندتهم لكلّ دعوة من قبلهم.

ويقول المؤرخون: ... لكن ذلك المثل الأعلى للعدالة والمساواة الذي انتظره الناس من العباسيين، قد أصبح وهماً من الأوهام، فشراسة المنصور والرشيد وجشعهما، جور أولاد علي بن عيسى، وعبثهم بأموال المسلمين، يذكرنا بالحجاج وهشام ويوسف بن عمرو الثقفي، وعمّ الاستياء أفراد الشعب بعد أن استفتح أبوعبدالله المعروف به «السفاح»، وكذلك المنصور بالإسراف في سفك الدماء على نحو لم يعرف من قبل»(2).

وأما العباسيون في حياتهم الخاصة فنستطيع أن نقف عليها من خلال نص للمأمون عنهم حيث كتب للعباسيين في بغداد رسالة جاء فيها:

وليس منكم إلا لاعب بنفسه، مأفون في عقله وتدبيره، إما مغن، أو ضارب دف، أو زامِر، والله لو أنّ بني أمية الذين قتلتموهم بالأمس نُشروا، فقيل لهم: لا تأنفوا من


1) الحياة السياسية للإمام الرضاعلیه السلام ، جعفر مرتضى العاملي: ص66.

2) المصدر : ص 108-109، عن نظرية الإمامة، أحمد محمود صبحي.

معائب تنالونهم بها، لما زادوا على ما صيّرتموه لكم شعاراً ودثاراً، وصناعة وأخلاقاً.

ليس منكم إلا من إذا مسه الشر جزع، وإذا مسه الخير منع . ولا تأنفون، ولا ترجعون إلا خشية، وكيف يأنف من يبيت مركوباً، ويصبح بإئمه معجباً كأنه قد اكتسب حمداً، غايته بطنه وفرجه، لا يبالي أن ينال شهوته بقتل ألف نبي مرسل، أو ملك مقرّب، أحبّ الناس إليه من زيّن له معصية، أو أعانه في فاحشة، تنظفه المخمورة...(1).

فهذه القطعة تبين بجلاء كيف كان خلفاء العباسيين مغمورين في الملذات والشهوات، وتبين لنا نظرتهم للحياة وأهدافهم منها، وليس في أقوال المأمون مبالغة، بل إن الحقيقة أكبر من ذلك، وكتب التأريخ والأدب شاهدة على ذلك.

التحديات التي واجهها المأمون

لقد جابه المأمون تحدّيات كبيرة وخطيرة كانت تهدد كيان حكمه و تعصف به ،

وكان بقاؤه في السلطة يحتاج إلى الكثير من الدهاء والمناورات، لأنه كان يواجه: 1 . تحرّك الشيعة ضدّه وكان تحرّكاً عنيفاً ، وثورة أبي السرايا التي عمت الكثير من

الحواضر الإسلامية آنذاك كانت خير نموذج لذلك.

2 . تكتل العائلة العبّاسيّة ضدّ المأمون ووقوفها إلى جانب الأمين أولاً، ثم عزلها له

وتعيين عمّه إبراهيم بن المهدي بعد ذلك.

3 . تحرّكات الخوارج والفئات المناوئة الأخرى.

4 . وجود المخاطر الخارجيّة من جانب الدول المتربّصة بالدولة الإسلامية ، خصوصاً الدولة البيزنطية.

وأمام هذه التحديات قام المأمون بالأمور الآتية:

1 . تصفيته لتحرّك أخيه الأمين والقوى المتحركة القوية ضده.


1) مروج الذهب ج 3: ص 222.

2 . القيام بلعبة تولية الإمام الرضاء علیه السلام لولاية العهد بالإكراه ليصوّر للأمة بأنه مع القيادة الشرعية وأنه نقل الحكم إليها وهذا يضعف الروح الثورية للأمة باتجاه إقامة الحكم بقيادة أهل البيت.

3 . محاربة وتصفية ثورات العلويين.

4 . التصفية الجسدية للإمام الرضا علیه السلام بعد انتهائه من تصفية الثورات الخطيرة.

5 . التوجه لبغداد للقضاء على معارضة البيت العباسي.

6 . تصفية مراكز القوى في الدولة باتجاه تعزيز قوته.

7 . إشاعة فتنة خلق القرآن لإشغال الناس بها عمّا يهمهم.

8 . تصفية قوى المعارضة الأخرى كالخوارج.

9 . التوجه لمحاربة الدولة البيزنطية ودفع خطرها.

هذه هي أهم ملامح الوضع السياسي في مطلع عصر الإمام الجواد علیه السلام

حقيقة العلاقة بين المأمون والإمام الرضا علیه السلام

وصلت المسيرة الإسلاميّة أثناء إمامة الإمام الرضا علیه السلام إلى مرحلة متقدمة نتيجة الجهود العظيمة التي بذلها الأئمة السابقون على الإمام الرضا علیه السلام مما جعل السلطة العباسية مضطرة للدخول فيما دخلت فيه من تولية الإمام الرضا علیه السلام الولاية العهد والإيحاء بتحويل الخلافة من العبّاسيّين إلى أهل البيت علیه السلام .

ولإيضاح هذا الأمر نذكر الأمور التالية:

أ - حالة الأمة بلحاظ القيادة الشرعية

يبدو أن الأمة كانت تؤيد قيادة أهل البيت علیه السلام ولكن ضمن ثلاثة مستويات، هي:

1 . عموم الأمة التي أصبحت مؤمنة بقيادة أهل البيت علیه السلام ، دون ارتباطها بهم برباط عميق من الوعي.

2 . المعارضون للدولة الذين يعتمدون الكفاح المسلح لإسقاطها وإقامة الحكم

الإسلامي.

3 . المؤمنون الواعون بالقيادة الشرعية وهم أصحاب الإمام الرضا علیهالسلام وأنصاره.

ب - تحرك المأمون على واقع المستويات الثلاثة

انتهج المأمون سياسة المراحل في احتواء المستويات الثلاثة، وبالشكل التالي:

1 . التصدي لمواجهة الثوّار الموالين لأهل البيت علیه السلام وتصفيتهم عسكرياً. وفي أيامه خرج أبوالسرايا وقويت شوكته ودعا إلى بعض أهل البيت علیه السلام ، فقاتله الحسن بن سهل ، فكانت الغلبة لجيش المأمون وقتل أبوالسرايا.

2 . احتواء التوجه الشعبي لأهل البيت علیه السلام .

لقد ابتكر المأمون وسيلة سياسيّة بارعة لاحتواء هذا التوجه وذلك ببيعة الإمام الرضاع علیه السلام على ولاية العهد والتظاهر بموالاته وأهل البيت علیه السلام لتشويه هذا التوجه الشعبي نحو أهل البيت علیه السلام وتوجيهه نحو الجهاز الحاكم باعتبار الإمام ولياً لعهده.

كان المأمون حذراً من الإمام الرضا علیه السلام ، يتحين الفرص لاغتياله، وقد فعل ذلك في أول فرصة فأوعز لعملائه باغتياله، وذلك بعد عامين من ولاية العهد.

عن أحمد بن علي الأنصاري قال: سألت أبا الصلت الهروي فقلت له: كيف طابت نفس المأمون بقتل الرضاع علیه السلام مع اكرامه ومحبته له وما جعل له من ولاية العهد بعده؟ فقال: إنّ المأمون إنّما كان يكرمه ويحبه لمعرفته بفضله، وجعل له ولاية العهد من بعده ليرى الناس أنه راغب في الدنيا فيسقط محله من نفوسهم، فلما لم يظهر منه في ذلك للناس إلا ما ازداد به فضلاً عندهم ومحلاً في نفوسهم جلب عليه المتكلمين من البلدان طمعاً في أن يقطعه واحد منهم فيسقط محله عند العلماء وبسببهم يشتهر نقصه عند العامة فكان لا يكلمه خصم من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والبراهمة والملحدين والدهريّة ولا خصم من فرق المسلمين المخالفين إلا قطعه وألزمه الحجة ،

وكان الناس يقولون: والله إنّه أولى بالخلافة من المأمون، وكان أصحاب الأخبار يرفعون ذلك إليه فيغتاظ من ذلك ويشتد حسده له، وكان الرضاء علیه السلام يحابي المأمون من حق وكان يجيبه بما يكره في أكثر أحواله فيغيظه ذلك ويحقده عليه ولا يظهره له، فلمّا أعيته الحيلة في أمره اغتاله فقتله بالسم(1).

عن علي بن إبراهيم ، عن ياسر الخادم قال: لمّا كان بيننا وبين طوس سبعة منازل اعتل أبو الحسن علیه السلام فدخلنا طوس وقد اشتدت به العلّة، فبقينا بطوس أياماً فكان المأمون يأتيه في كلّ يوم مرتين. فلمّا كان في آخر يومه الذي قبض فيه كان ضعيفاً في ذلك اليوم فقال لي بعد ما صلّى الظهر:

«يا ياسر أكل الناس شيئاً؟» قلت : ياسيدي من يأكل ههنا مع ما أنت فيه. فانتصب علیه السلام ثم قال: «هاتوا المائدة» ولم يدع من حشمه أحداً إلا أقعده معه على المائدة يتفقد واحداً واحداً، فلما اكلوا قال: «ابعثوا إلى النساء بالطعام» فحمل الطعام إلى النساء فلما فرغوا من الأكل أغمي عليه وضعف، فوقعت الصيحة وجاءت جواري المأمون ونساؤه حافيات حاسرات.

وجاء المأمون حافياً وحاسراً يضرب على رأسه، ويقبض على لحيته، ويتأسف ويبكي وتسيل الدموع على خديه فوقف على الرضاء علیه السلام وقد أفاق فقال: ياسيدي والله ما أدري أي المصيبتين أعظم عليّ، فقدي لك وفراقي إياك، أو تهمة الناس لي أنا اغتلتك وقتلتك، قال: فرفع طرفه إليه ثمّ قال: «أحسن يا أمير المؤمنين معاشرة أبي جعفر، فإنّ عمرك وعمره هكذا.» وجمع سبابتيه.

قال: فلما كان من تلك الليلة قضى عليه بعد ماذهب من الليل بعضه، فلما لما أصبح اجتمع الخلق وقالوا: هذا قتله واغتاله، يعني المأمون، وقالوا: قتل ابن رسول الله وأكثروا القول والجلبة، وكان محمد بن جعفر بن محمد علیه السلام استأمن إلى المأمون وجاء إلى


1) بحار الأنوار ج 49: ص 290.

خراسان وكان عمّ أبي الحسن فقال له المأمون: يا أبا جعفر أُخرج إلى الناس وأعلمهم أنّ أبا الحسن لا يخرج اليوم وكره أن يخرجه فتقع الفتنة فخرج محمد بن جعفر إلى الناس فقال: أيها الناس تفرقوا فإنّ أبا الحسن لا يخرج اليوم فتفرق الناس وغسل أبوالحسن في الليل ودفن(1).

وقد استطاع المأمون أن يخدع الكثيرين عندما أظهر حزنه وجزعه على استشهاد الإمام الرضاء علیه السلام بصورة أثرت على عامة الناس المغفلين لكنّها لم تنطل على الخواص والعارفين.

طبيعة حكم المأمون

لقد شخص السيد عبدالله بن موسى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، طبيعة حكم المأمون وأساليبه برسالة تسلط مزيداً من الضوء على العلاقة بين هذا الحاكم والإمام الجواد علیه السلام ، فقد كان تشخيص هذا السيد دقيقاً وعميقاً، فقد كتب المأمون إلى عبدالله بن موسى - وهو متوار منه - يعطيه الأمان ويضمن له ان يوليه العهد بعده، كما فعل بعلي بن موسى، ويقول: ماظننت أن أحداً من آل أبي طالب يخافني بعدما عملته بالرضا، وبعث الكتاب إليه.

فكتب عبدالله بن موسى : وصل كتابك وفهمته ، تختلني فيه عن نفسي ختل القانص، وتحتال عليّ حيلة المغتال القاصد لسفك دمي، وعجبت من بذلك العهد وولايته لي بعدك كأنك تظن أنه لم يبلغني ما فعلته بالرضا، ففي أي شيء ظننت أني أرغب من ذلك؟ أفي الملك الذي قد غرتك نضرته وحلاوته؟ فوالله لئن أقذف وأنا ب في نار تتأجج أحب إلي من أن ألي أمراً بين المسلمين أو أشرب شربة من غير لمها مع عطش شديد قاتل أم في العنب المسموم الذي قتلت به الرضا؟ أم ظننت أن


1) حار الأنوار ج 49: ص 299-300.

الاستتار قد آلمني وضاق به صدري ، فوالله إنّي لذلك كاره ولقد مللت الحياة وأبغضت الدنيا، ولو وسعني في ديني أن أضع يدي في يدك تبلغ من قبلي مرادك لفعلت ذلك، ولكن الله قد حظر علي المخاطرة بدمي، وليتك قدرت عليّ من غير أن أبذل نفسي لك فقتلتني، ولقيت الله عز وجل، بدمي، ولقيته قتيلاً مظلوماً، فاسترحت من هذه الدنيا.

واعلم أني رجل طالب النجاة لنفسي ، واجتهدت فيما يرضي الله عز وجل عنّي وفي عمل أتقرب به إليه، فلم أجد رأياً يهدي إلى شيء من ذلك، فرجعت إلى القرآن الذي فيه الهدى والشفاء، فتصفحته سورة سورة وآية آية، فلم أجد شيئاً أزلف للمرء عند ربه جل وعز من الشهادة في طلب مرضاته، ثمّ تتبعته ثانية أتأمل الجهاد أيه أفضل، ولأي صنف، فوجدته جل وعلا يقول: «قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة». فطلبت أي الكفار أضر على الإسلام وأقرب من موضعي فلم أجد أضر على الإسلام منك، لأنّ الكفار أظهروا كفرهم، فاستبصر الناس في أمرهم، وعرفوهم فخافوهم، وأنت ختلت المسلمين بالإسلام ، وأسررت الكفر، فقتلت بالظنة، وعاقبت بالتهمة، وأخذت المال من غير حلّه فأنفقته في غير محله، وشربت الخمر المحرمة صراحاً، وأنفقت مال الله على الملهين وأعطيته المغنين ، ومنعته من حقوق المسلمين، فغششت بالإسلام، وأحطت بأقطاره إحاطة أهله ، وحكمت فيه للمشرك، وخالفت الله ورسوله في ذلك خلافة المضاد المعاند، فإن يسعدني الدهر، ويعينني الله عليك بأنصار الحق، أبذل نفسي في جهادك بذلاً يرضيه عنّي، وأن يمهلك ويؤخرك ليجزيك لما تستحقه في منقلبك، أو تحترمني الأيام قبل ذلك فحسبي من سعيي ما يعلمه الله عزوجل من نيتي، والسلام(1).


1) مقاتل الطالبتين، ص 416 - 417.

الخاصه

لقد أدرك العباسيون أنّ الخطر الذي يهددهم هو خطر العلويين الذين كانوا يشكلون المعارضة الحقيقية للانحراف الذي طال الحكم الإسلامي بعد الرسول صلی الله علیه واله وسلم و كانت سرعة استجابة الأمة لأهل البيت علیه السلام مؤشراً آخر على شدّة الخطر الذي يهددهم، بالإضافة إلى الخواء الداخلي للاسرة العباسية نفسها.

و حاول المأمون أن يستفيد من هذه الورقة الرابحة فكانت اطروحة ولاية العهد منه للإمام الرضاء علیه السلام لاحتواء المعارضة ضده، ولما لم تتحقق له كلّ أهدافه حاول أن يتخلص من الإمام الرضاء علیه السلام بشكل خفي بحيث لا ينعكس على الموالين لأهل البيت علیه السلام والأمة الإسلامية أنه هو السبب الحقيقي وراء اغتيال الإمام الرضاء علیه السلام لكنّ الواعين من أتباعهم لم تنطل عليهم هذه اللعبة بلاريب.

و قد جهد المأمون للتغطية على جريمته باحتفائه بالإمام الجواد نجل الرضاء علیه السلام وهو صبي لم يبلغ الحلم ولم يتوقع منه أن يقوم بدور أبيه الرضا علیه السلام في هداية المسيرة الرسالية وهو مازال صبياً حيث يصعب على الكثير الاعتراف بإمامته في هذه السن المبكرة هذا فضلاً عن إمكان احتواء تحركه فيما بعد.

الأسئلة

1 . ما هو الخطر الحقيقي الذي كانت تواجهه السلطة العباسية؟

2 . ما هي التحديات التي واجهها المأمون إبان حكمه؟

3 . كيف واجه المأمون التحديات التي كانت تحيط بحكومته؟

4 . ما هي حقيقة العلاقة بين المأمون والإمام الرضاء علیه السلام ؟

5 . ما هو منهج المأمون في مواجهة العلويين بشكل خاص والشيعة بشكل

عام؟

الدرس 24: ملامح عصر الإمام الجواد علیه السلام (2)

المأمون و الإمام الجواد علیه السلام

استمر المأمون على منهجه السابق في التظاهر بالإحسان لأهل البيت علیه السلام ، وقد تظاهر بإكرام الإمام الجواد علیه السلام وزوجه ابنته أمّ الفضل متقرباً إليه، ولكنّه بهذا الإكرام في ظاهر الأمر كان يكيد للإمام علیه السلام إذ يشدد عليه الرقابة وقام بتحجيم نشاطه خلال تواجد إبنته التي كانت قد دخلت بيته وأحاطت بشؤونه:

وقد قضى الإمام الجواد علیه السلام خمسة عشر عاماً من عمره المبارك في حكومة المأمون في الفترة الواقعة بين استشهاد الإمام الرضا علیه السلام سنة (203ه-) وموت المأمون (218ه-). سنة (218) ه-). وهي معظم مدة إمامته التي لم تدم سوى سبعة عشر عاماً إذ اغتيل بعد سنتين من حكومة المعتصم في سنة 220 ه-

تزويج المأمون ابنته من الإمام الجواد علیه السلام

لما أراد المأمون أن يزوج ابنته أمّ الفضل أبا جعفر محمد بن علي علیه السلام بلغ ذلك العباسيين فغلظ عليهم، واستنكروه وخافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى مع الرضا علیه السلام فخاضوا في ذلك واجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه. فقالوا:

ننشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تقيم على ما : الأمر الذي عزمت عليه من تزويج ابن الرضا فإنّا نخاف أن يخرج به عنا أمر قد ملكناه الله عز وجل، وينزع منا عزّاً قد ألبسناه الله، وقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديماً وحديثاً، وما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم، وقد كنا في وهلة من عملك مع الرضا علیه السلام عملت فكفانا الله المهم من ذلك. فالله الله أن تردّنا إلى غمّ قد انحسر عنا، واصرف رأيك عن ابن الرضا واعدل إلى من تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره.

فقال لهم المأمون: أما ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه، ولو انصفتم القوم لكانوا أولى بكم، واما ماكان يفعله من قبلي بهم، فقد كان قاطعاً الرحم، وأعوذ بالله من ذلك، والله ماندمت على ماكان منّي من استخلاف الرضا علیه السلام ولقد سألته أن يقوم بالأمر وأنزعه من نفسي فأبى، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.

وأما أبو جعفر محمد بن علي فقد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم والفضل، مع صغر سنه، والأعجوبة فيه بذلك، وأنا أرجو أن يظهر للناس ماقد عرفته منه، فيعلموا أن الرأي مارأيت فيه.

فقالوا له: إنّ هذا الفتى وإن راقك منه هديه فإنه صبي لا معرفة له ولافقه، فأمهله ليتأدب ثمّ اصنع ماتراه بعد ذلك. فقال لهم:

ويحكم إنّي أعرف بهذا الفتى منكم وإنّ أهل هذا البيت علمهم من الله تعالى ومواده والهامه، ولم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبين لكم به ما وصفت من حاله. قالوا: قد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه، فخل بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشريعة، فإن أصاب في الجواب عنه لم يكن لنا الانفترض في أمره وظهر للخاصة والعامة سديد رأي أميرالمؤمنين فيه، وإن عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه فقال لهم المأمون : شأنكم وذلك متى أردتم.

فخرجوا من عنده واجتمع رأيهم على مساءلة يحيى بن اكثم له، وهو يومئذ قاضي الزمان على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك، وعادوا إلى المأمون وسألوه أن يختار لهم يوماً للاجتماع فأجابهم إلى ذلك. فاجتمعوا في اليوم الذي اتفقوا عليه وحضر معهم يحيى بن أكثم وأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر دست ويجعل له فيه مسورتان ففعل ذلك، وخرج أبو جعفر وهو يومئذ ابن تسع سنين وأشهر فجلس بين المسورتين وجلس يحيى بن أكثم بين يديه وقام الناس في مراتبهم والمأمون جالس في دست متصل بدست أبي جعفر عليه الصلاة والسلام.

فقال يحيى بن أكثم للمأمون : يأذن لي أمير المؤمنين أن اسأل أبا جعفر عن مسألة؟ فقال له المأمون: استأذنه في ذلك فأقبل عليه يحيى بن أكثم، فقال: أتأذن لي - جعلت فداك - في مسألة؟

فقال أبو جعفر علیه السلام : سل إن شئت.

قال يحيى: ما تقول - جعلت فداك - في محرم قتل صيداً؟

فقال أبو جعفر علیه السلام : قتله في حلّ أو في حرم، عالماً كان المحرم أو جاهلاً، قتله عمداً أو خطأ، حرّاً كان المحرم أو عبداً، صغيراً كان أو كبيراً، مبتدئاً بالقتل أو معيداً، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها ، من صغار الصيد أم من كبارها مصرّاً على ما فعل أو نادماً، في الليل كان قتله للصيد أم في النهار، محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرماً؟

فتحير يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع ولجلج حتى عرف جماعة أهل المجلس أمره. فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي ثمّ نظر إلى أهل بيته فقال لهم: أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟ ثم أقبل على أبي جعفر علیه السلام فقال له: أتخطب يا أبا جعفر؟

فقال : نعم يا أمير المؤمنين. فقال له المأمون : اخطب لنفسك جعلت فداك قد رضيتك

لنفسي وأنا مزوجك أمّ الفضل ابنتي وإن رغم قوم ذلك.

فقال أبو جعفر : الحمد لله إقراراً بالنعمة، ولا إله إلا الله إخلاصاً لوحدانيته وصلى

الله على محمد سيد بريّته، والأصفياء من عترته.

أما بعد فقد كان من فضل الله على الأنام، أن أغناهم بالحلال عن الحرام، فقال سبحانه: «وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم».

ثم إنّ محمّد بن علي بن موسى يخطب أمّ الفضل بنت عبدالله المأمون، وقد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت محمد علیه السلام وهو خمسمائة درهم جياداً فهل زوجته يا أمير المؤمنين بها على هذا الصداق المذكور؟

فقال المأمون: نعم قد زوّجتك يا أبا جعفر أمّ الفضل ابنتي على الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح؟

قال أبو جعفر علیه السلام : قد قبلت ذلك ورضيت به.

فأمر المأمون أن يقعد الناس على مراتبهم في الخاصة والعامة.

قال الريان: ولم نلبث أن سمعنا أصواتاً تشبه أصوات الملاحين في محاوراتهم، فإذا الخدم يجرون سفينة مصنوعة من فضة مشدودة بالحبال من الأبريسم، على عجلة مملوّة من الغالية، ثمّ أمر المأمون أن تخضب لحاء الخاصة من تلك الغالية، ثم مدت إلى دار العامة فتطيبوا منها ووضعت الموائد فأكل الناس وخرجت الجوائز إلى كلّ قوم على قدرهم.

فلما تفرق الناس وبقي من الخاصة من بقي ؛ قال المأمون لأبي جعفر علیه السلام : إن رأيت - جعلت فداك - أن تذكر الفقه الذي فصلته من وجوه من قتل المحرم لنعلمه ونستفيده.

فقال أبو جعفر علیه السلام: نعم إن المحرم إذا قتل صيداً في الحلّ وكان الصيد من ذوات الطير، وكان من كبارها، فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً، وإذا قتل فرخاً في الحلّ فعليه حمل قد فطم من اللبن وإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة

الفرخ، فإذا كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنة وإن كان ظبياً فعليه شاة وإن كان قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة.

واذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه ، وكان إحرامه بالحج نحره بمنى، وإن كان إحرامه بالعمرة نحره بمكة، وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد عليه المأثم وهو موضوع عنه في الخطأ، والكفّارة على الحرّ في نفسه، وعلى السيد في عبده، والصغير لا كفارة عليه، وهي على الكبير واجبة والنادم يسقط ندمه عنه عقاب الآخرة، والمصرّ يجب عليه العقاب في الآخرة.

فقال المأمون أحسنت يا أبا جعفر أحسن الله إليك فإن رأيت أن تسأل يحيى عن

مسألة كما سألك.

فقال أبو جعفر علیه السلام ليحيى: أسألك ؟

قال: ذلك إليك جعلت فداك، فإن عرفت جواب ما تسألني وإلا استفدته منك.

فقال له أبو جعفر علیه السلام: أخبرني عن رجل نظر إلى إمرأة في أول النهار فكان نظره اليها حراماً عليه، فلما ارتفع النهار حلّت له ، فلما زالت الشمس حرمت عليه، فلما كان وقت العصر حلّت له، فلما غربت الشمس حرمت عليه، فلما دخل وقت العشاء الآخرة حلّت له، فلما كان وقت انتصاف الليل حرمت عليه، فلما طلع الفجر حلّت له، ما حال هذه المرأة وبماذا حلّت له وحرمت عليه؟

فقال له يحيى بن أكثم : لا والله لا أهتدي إلى جواب هذا السؤال ولا أعرف الوجه

فيه، فإن رأيت أن تفيدناه.

فقال أبو جعفر علیه السلام : هذه أمة لرجل من الناس ، نظر اليها أجنبي في اول النهار فكان نظره اليها حراماً عليه، فلما ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلّت له، فلما كان عند الظهر أعتقها فحرمت عليه، فلما كان وقت العصر تزوجها فحلت له، فلما كان وقت المغرب ظاهر منها فخرمت عليه فلما كان وقت العشاء الآخرة كفّر عن الظهار فحلّت

له ، فلما كان نصف الليل طلقها واحدة ، فحرمت عليه، فلمّا كان عند الفجر راجعها فحلّت له.

قال: فأقبل المأمون على من حضره من أهل بيته فقال لهم: هل فيكم من يجيب

هذه المسألة بمثل هذا الجواب ، أو يعرف القول فيما تقدم من السؤال؟

قالوا: لا والله ان امير المؤمنين اعلم ومارأى ،

فقال: ويحكم ان اهل هذا البيت خصوا من الخلق بما ترون من الفضل، وان صغر

السن فيهم لا يمنعهم من الكمال.

أما علمتم ان رسول الله صلی الله علیه واله وسلم افتتح دعوته بدعاء أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام وهو ابن عشر سنين، وقبل منه الإسلام وحكم له به، ولم يدع أحداً في سنّه غيره، وبايع الحسن والحسين علیه السلام وهما ابنا دون الست سنين، ولم يبايع صبيا غيرهما، أولا تعلمون ما اختص الله به هؤلاء القوم وانهم ذرّيّة بعضها من بعض يجري لآخرهم ما يجري لأولهم. فقالوا: صدقت يا امير المؤمنين ثم نهض القوم(1).


1) كشف الغمة ج 2، ص 353 - 359.

الخاصه

قضى الإمام الجواد علیه السلام اكثر مدة إمامته البالغة سبع عشرة سنة في عهد حكم المأمون العباسي. وكان من الطبيعي للمأمون أن يتظاهر بالاحسان إلى الإمام الجواد علیه السلام بعد اغتياله لأبيه الرضاء علیه السلام للتغطية على دوره في تصفية الإمام الرضاء علیه السلام .

و تمثل هذا الاحتفاء منه بالإمام الجواد علیه السلام بتزويجه لابنته أم الفضل له بعد إظهار علمه وفضله للعباسيين وغيرهم من المعترضين على هذا الزواج.

على أن المأمون لم يأل جهداً في إفحام الإمام الجواد علیه السلام من خلال أمره لابن أكثم باختباره أمام الآخرين. وقد سببت هذه المحاولة ظهور فضل الإمام علیه السلام وعلمه الفائق فكان نصراً واضحاً له استغله المأمون لإظهار التقرب من الإمام علیه السلام .

كما استطاع الإمام علیه السلام أن يفحم ابن أكثم ويوقفه عند حده. ممّا اضطره لأن يعترف بعظمة الإمام الجواد علیه السلام .

الأسئلة

1 . كم هي الفترة التي قضاها الإمام الجواد علیه السلام مع المأمون؟

2 . لماذا قرر المأمون أن يزوج ابنته للإمام الجواد علیه السلام ؟

3 . لماذا عارض العباسيون هذا الارتباط السببي بين المأمون والإمام الجواد علیه السلام ؟

4 . كيف استطاع المأمون أن يُسكت العباسيين المعترضين عليه؟

5 . ما هي نتائج الاختبار الذي أجراه المأمون للإمام الجواد علیه السلام ؟

الدرس 25: ملامح عصر الإمام الجواد علیه السلام (3)

العلاقة بين المأمون والإمام الجواد علیه السلام

1 . كان المأمون يدرك جيداً أن الإمام الجواد علیه السلام هو الوارث الحقيقي لأبيه وهو القائد الشرعي لامة جده رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، لذلك تعامل في تخطيطه السياسي معه تعاملاً جاداً بصفة أنّ الإمام علیه السلام كان قطباً مهماً من أقطاب الساحة السياسية الإسلامية وقتذاك فيما يمثله من قائد مطاع من قبل الطليعة الواعية في الأمة وما يمتلكه من مكانة واحترام في نفوس قطاعات واسعة من الأمة.

وقد أعلن المأمون تصوره هذا أمام العباسيين عندما قالوا له:

يا أمير المؤمنين أتزوج ابنتك وقرة عينك صبياً لم يتفقه في دين الله؟! ولا يعرف حلاله من حرامه، ولا فرضاً من سنة ؟! ولأبي جعفر علیه السلام إذ ذاك تسع سنين فلو صبرت له حتى يتأدب ويقرأ القرآن ويعرف الحلال من الحرام.

فأجاب المأمون: بأنه لأفقه منكم وأعلم بالله ورسوله وسنته وأحكامه، وأقر الكتاب الله منكم وأعلم بمحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه وظاهره وباطنه وخاصه وعامه وتنزيله وتأويله منكم، ولذلك نرى أن تعامل المأمون مع الإمام الجواد علیه السلام كان مخططا له بعناية وحنكة. وهذا الأمر يفسر البعد الضخم الذي أخذه

زواج الجواد علیه السلام من بنت المأمون وكيف اهتم القوّاد والحجاب والخاصة والعمال به.

أهداف سياسة حسن التعامل مع الإمام علیه السلام

على أساس النقطة السابقة فقد تظاهر المأمون بحبه وتقديره للإمام الجواد علیه السلاممستهدفاً ما يلي:

أ . كسب الجماهير المسلمة المحبة لأهل البيت علیه السلام باعتباره من المحبين والمكرمين لآل الرسول، وهو نظير ما يقوم به السياسيون المعاصرون من رفعهم للشعارات التي تطمح الأمة إلى تحقيقها.

ب . التغطية على جريمة قتله للإمام الرضا علیه السلام ، وذلك بإظهار الحب والشفقة والاحترام لولده الجواد علیه السلام وبهذا التصرف يستطيع المأمون أن يخدع الرأي العام.

الموقف الحقيقي للمأمون من الإمام الجواد علیه السلام

كانت علاقة المأمون بالإمام الجواد علیه السلام كعلاقته السابقة مع أبيه الإمام الرضا علیه السلام ، تستبطن أغراضاً سياسية، ظاهرها جميل وباطنها ماكر مخادع. لقد كاد المأمون للإمام الجواد علیه السلام ، ولكنّه لم يستطع تحقيق أغراضه في الانتقاص منه وإسقاطه، فكانت آخر محاولة له مع الجواد هي تزويجه لابنته، فقد روي في الكافي: عن محمد بن الريان قال : احتال المأمون على أبي جعفر بكل حيلة، فلم يمكنه فيه شيء فلما اعتل وأراد أن يبني عليه ابنته دفع إلى مائتي وصيفة من أجمل ما يكون إلى كلّ واحدة منهن جاماً فيه جوهر يستقبلن أبا جعفر علیه السلام إذا قعد في موضع الأخيار فلم يلتفت إليهن، وكان رجل يقال له مخارق صاحب صوت وعود وضرب، طويل اللحية فدعاء المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين إن كان في شيء من أمر الدنيا فأنا أكفيك أمره، فقعد بين يدي أبي جعفر علیه السلام فشهق مخارق شهقة اجتمع عليه أهل الدار، وجعل يضرب بعوده ويغنّي، فلمّا فعل ساعة وإذا أبو جعفر لا يلتفت إليه يمينا ولا شمالاً، ثمّ

رفع إليه رأسه وقال: اتق الله ياذا العثنون. قال: فسقط المضراب من يده والعود، فلم ينتفع بيديه إلى أن مات، قال: فسأله المأمون عن حاله فقال: لما صاح بي أبو جعفر فزعت فزعة لا أفيق منها أبداً(1).

يتجلى لنا من هذه الرواية أنّ المأمون احتال بكلّ حيلة لإظهار عدم صلاحية الجواد علیه السلام للإمامة والقيادة أمام الناس وأنه أولى منه بالخلافة والقيادة، لكنه فشل في ذلك مما اضطره لسلوك أسلوب آخر يحتوي حركة الإمام عن طريق تزويجه إبنته له علیه السلام.

أما توجهات قاضي القضاة ابن أكثم في التصدي لإحراج الإمام بالاسئلة الصعبة

فما كانت إلا بدافع من المأمون.

قال المأمون ليحيى بن أكثم : اطرح على أبي جعفر محمد بن الرضا علیه السلام مسألة تقطعه فيما، فقال: يا أباجعفر ماتقول في رجل نكح امرأة على زنا أيحل أن يتزوجها؟

فقال علیه السلام : يدعها حتى يستبرئها من نطفته ونطفة غيره، إذ لا يؤمن منها أن تكون قد أحدثت مع غيره حدثاً كما أحدثت معه. ثمّ يتزوج بها إن أراد، فإنّما مثلها مثل نخلة أكل رجل منها حراماً ثمّ اشتراها فأكل منها حلالاً. فانقطع يحيى(2).

ولكن دهاء المأمون وحنكته السياسية كانا يجعلانه يظهر الفرح عندما يجيب الإمام الجواد علیه السلام على المشكلات من المسائل فتظهر توجهات ابن أكثم وكأنها توجهات فرديّة. وهذا لون من ألوان السياسة المتبعة حتى الآن وهي أن القائد يظهر الود لجهة ما، لكنّه يأمر أتباعه وأذنابه بمحاربة هذه الجهة.

ولم تظل هذه السياسة على جملة من اتباع الإمام علیه السلام الواعين لألاعيب السلطة وسياساتها تجاه أهل البيت علیه السلام.


1) عوالم العلوم ، ج 23، ص 527 - 528.

2) تحف العقول، ما أثر عن الإمام الجواد علیه السلام .

الرقابة الصارمة على تحركات الإمام الجواد علیه السلام

إن إصرار المأمون على تزويج ابنته للإمام الجواد علیه السلام إضافة لما سيحققه هذا الزواج من دعاية في الأوساط العامة للمأمون لما سوف يظهره من كونه محباً لأهل البيت علیه السلام ، فإنّ ثمة سبباً آخر لا نستبعده وهو وضع الجاسوس والرقيب الدائم على الإمام علیه السلام في بيته ليحصي عليه سكناته وحركاته ويرفعها إلى الجهة التي زرعته وهكذا كانت أمّ الفضل مع الإمام الجواد علیه السلام .

موقف العباسيين من الإمام الجواد علیه السلام

اتسم موقف العباسيين بالحقد والتعصب والسذاجة. فقد استاؤوا مما رأوه من تساهل المأمون مع الإمام علیه السلام في الظاهر كثيراً دون إدراك البعد الحقيقي الذي كان يستهدفه المأمون من هذا التقارب والتمازج.

وقد استفاد المأمون من موقفهم العدائي ليظهر وكأنه موالٍ حقيقي لأهل البيت علیه السلام.

موقف الإمام علیه السلام من ابن أكثم

لقد تصدى الإمام علیه السلام للرد على ابن أكثم ففضحه أمام الناس للأسباب الآتية:

أ . إثبات إمامته وعلمه أمام الناس في وقت راحت تشن الجهات المعادية حملة إعلامية شديدة على الإمام بزعمها أنه علیه السلام لا يفقه من الدين شيئاً وذلك لصغر سنه.

ب . تفنيده وإفحامه لابن أكثم يعتبر تفنيداً وإفحاماً للنظام الحاكم باعتباره عالمه

وقاضي قضاته.

ج . تثقيف الناس وكشف الحقيقة بإظهار العلم الصحيح لهم من خلال الإجابه على

أسئلته.

حكومة المعتصم

المعتصم العباسي هو أبو إسحاق محمد بن الرشيد ولد سنة ثمانين ومائة، كذا قال

الذهبي. وقال الصولي في شعبان ثمان وسبعين.

وأمّه أمّ ولد من مولدات الكوفة اسمها ماردة وكانت أحظى الناس عند الرشيد. وكان ذاشجاعة وقوة وهمة وكان عريّاً من العلم، لقب بالمعتصم بالله وهو أبعد ما يكون من الاعتصام بالله عز وجل.

وكان فاسد الأخلاق له غلام يقال له عجيب وكان مشغوفاً به.

وقد استمر على نهج أخيه في فتنة خلق القرآن . فسلك ماكان المأمون عليه وختم به عمره من امتحان الناس بخلق القرآن فكتب إلى البلاد وأمر المعلمين أن يعلموا الصبيان ذلك، وقاسى الناس منه مشقة في ذلك، وقتل عليه خلقاً من العلماء، وضرب الإمام أحمد بن جنبل وكان ضربه في سنة عشرين. قيل: فجلده حتى غاب عقله وتقطع جلده وقيده وحبسه (1).

لقد كان المعتصم محدود التفكير ميالاً للقسوة في تعامله مع خصومه السياسيين وغيرهم، وكان يفتقد كثيراً من مقومات الحنكة السياسية في إدارة شؤون الدولة، وقد تعرّض حكمه لكثير من الاضطرابات السياسية في أقاليم عديدة من الدولة العباسية، وقد هيمن الجيش على الحكم في عصره بعد أن مال المعتصم إلى أخواله الأتراك وكوّن منهم جيشاً خاصاً به وأغدق عليهم الأموال الطائلة مما أثار حفيظة العسكريين العرب، وكرّس الروح القومية في المجتمع.

وتعتبر سياسة المتعصم هذه أخطر ما واجهته الدولة العباسية في مسيرتها، فيما ساءت الأحوال بعد المعتصم، واستشرى خطر العسكريين في الدولة وباشروا الانقلابات العسكرية على الخلفاء الذين حاولوا تقليص سلطاتهم.

المعتصم والإمام الجواد علیه السلام

لم تكن المدة التي قضاها الإمام الجواد علیه السلام في خلافة المعتصم طويلة فهي لم


1) دراسات و بحوث السنة الثانية لعدده منهاج التحرك عند الإمام الجواد علیه السلام .

تتجاوز السنتين، كان ختامها استشهاد الإمام الجواد علیه السلام على يد هذا الحاكم العباسي المنحرف، وذلك عبر خطوتين :

الخطوة الأولى: استقدام الإمام علیه السلام بغداد

لقد خشي المعتصم من بقاء الإمام الجواد علیه السلام بعيداً عنه في المدينة، لذلك قرر استدعاءه إلى بغداد، حتّى يكون على مقربة منه يحصي عليه أنفاسه ويراقب حركاته، وكان سبب وروده إليها إشخاص المعتصم له من المدينة :« فورد بغداد لليلتين بقيتا من المحرم سنة عشرين ومائتين ، وتوفي بها في ذي القعدة من هذه السنة.»

لقد كان هذا الاستقدام بمثابة الإقامة الجبرية تتبعه عملية أكبر وهي التصفية

الجسدية.

الخطوة الثانية: اغتيال الإمام الجواد علیه السلام

كان وجود الإمام الجواد علیه السلام يمثل خطراً حقيقياً على النظام الحاكم لما يملكه هذا الوجود من دور فاعل وقيادي للأمة، لذلك قررت السلطة أن تتخلص منه مع عدم استبعادها وجود العلاقة بين الإمام القائد والتحركات النهضوية في الأمة.

فقد روى المؤرخون عن زرقان صاحب ابن أبي داود قاضي المعتصم قوله:

رجع ابن أبي داود ذات يوم من عند المعتصم وهو مغتم فقلت له في ذلك، فقال: وددت اليوم أني قدمت منذ عشرين سنة، قال قلت له: ولم ذاك؟ قال: لما كان من هذا الأسود أبي جعفر محمد بن علي بن موسى اليوم بين يدي أميرالمؤمنين، قال: قلت له: وكيف كان ذلك؟ قال: إنّ سارقاً أقرّ على نفسه بالسرقة، وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحدّ عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه وقد أحضر محمد بن علي فسألنا عن القطع في أي موضع يجب أن يقطع؟ قال: فقلت: من الكرسوع.

قال: وما الحجة في ذلك؟ قال: قلت لأنّ اليد هي الأصابع والكفّ إلى الكرسوع،

لقول الله في التيمم «فامسحوا بوجوهكم وأيديكم» واتفق معي [على] ذلك قوم. وقال آخرون: بل يجب القطع من المرفق، قال: وما الدليل على ذلك؟ قالوا: لأنّ الله

لمّا قال: «وأيديكم إلى المرافق » في الغسل دلّ ذلك على أنّ حدّ اليد هو المرفق.

قال: فالتفت إلى محمد بن علي علیه السلام فقال: ماتقول في هذا يا أبا جعفر؟ فقال: قد تكلم القوم فيه يا أمير المؤمنين ، قال: دعني ممّا تكلموا به ! أي شيء عندك ؟ قال: اعفني عن هذا يا أمير المؤمنين، قال: أقسمت عليك بالله لما اخبرت بما عندك فيه.

فقال: أما إذا أقسمت عليّ بالله إنّي أقول إنّهم أخطأوا فيه السنة، فإنّ القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع، فيترك الكفّ، قال: وما الحجة في ذلك؟ قال: قول رسول الله: السجود على سبعة أعضاء : الوجه واليدين والركبتين والرجلين، فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها وقال الله تبارك وتعالى: «وأنّ المساجد لله» يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها «فلاتدعوا مع الله أحداً» وما كان الله لم يقطع.

قال: فأعجب المعتصم ذلك وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكفّ. قال ابن أبي داود: قامت قيامتي وتمنّيت أني لم أك حيّاً قال زرقان : قال ابن أبي داود: صرت إلى المعتصم بعد ثالثة، فقلت: إن نصيحة أميرالمؤمنين علي واجبة وأنا أكلمه بما أعلم أني أدخل به النار، قال: وما هو ؟ قلت: إذا جمع أمير المؤمنين في مجلسه فقهاء رعيّته وعلماءهم لأمر واقع من أمور الدين، فسألهم عن الحكم فيه فأخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك، وقد حضر مجلسه أهل بيته وقواده ووزراؤه وكتابه، وقد تسامع الناس بذلك من وراء بابه، ثمّ يترك أقاويلهم كلهم لقول رجل يقول شطر هذه الأمة بإمامته، ويدعون أنه أولى منه بمقامه ثمّ يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء؟

قال: فتغير لونه وانتبه لما نبهته له، وقال: جزاك الله عن نصيحتك خيراً. قال: فأمر اليوم الرابع فلاناً من وزرائه بأن يدعوه (أى الجواد علیه السلام) إلى منزله فدعاه فأبى أن

يجيبه وقال: قد علمت أني لا أحضر مجالسكم، فقال: إنّي إنما أدعوك إلى الطعام وأحبّ أن تطأ ثيابي، وتدخل منزلي فأتبرك بذلك، فقد أحب فلان ابن فلان من وزراء الخليفة لقاءك. فصار إليه، فلمّا طعم منها أحس السم فدعا بدابته فسأله رب المنزل أن يقيم . قال: خروجي من دارك خير لك، فلم يزل يومه ذلك وليله في خلفة حتى قبض علیه السلام (1).

لقد كان الإمام الجواد علیه السلام يتوقع مقتله بعد هذا الاستدعاء فقد روي عن إسماعيل بن مهران قوله: لمّا أخرج أبو جعفر علیه السلام من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأولى من خرجتيه قلت له عند خروجه: جعلت فداك، إني أخاف عليك من هذا الوجه، فإلى من الأمر بعدك؟ قال: فكر بوجهه إلي ضاحكاً وقال: «ليس حيث ظننت في هذه السنة»، فلما استدعي به إلى المعتصم صرتُ إليه فقلتُ له: جعلت فداك، أنت خارج، فإلى من هذا الأمر من بعدك؟ فبكى حتى اخضلّت لحيته ثم التفت الي فقال: عند هذه يُخاف علي الأمرُ من بعدي إلى ابني علي(2).

وهناك من يذهب إلى أن المعتصم قد سمّ الإمام بواسطة أمّ الفضل إذ لم يجد أفضل من بنت أخيه المأمون للقيام بهذه المهمة فهي التي تستطيع أن تقتله بصورة أكيدة دون أن تثير ضجة في ضجة في الأمة، مستغلاً نقطتين في شخصيتها:

1 . كونها تنتمي للخط للخط الحاكم انتماءاً حقيقياً، فهي بنت المأمون وعمها المعتصم، وليست بالمستوى الإيماني الذي يجعلها تنفك عن انتمائها النسبي هذا، لذلك كانت تخضع لتأثيراته وما تفرزه من سلبيات ضد الإمام.

2 . غيرتها وحقدها على الإمام بسبب تسريّه وتزوّجه من نساء أخريات خصوصاً

وأنها لم تلد للإمام علیه السلام بينما قد ولدت له أمّ الإمام الهادي علیه السلام .


1) تفسير العياشي، ج 1، ص 319.

2) الإرشاد، ص 369

ولقد كان أمر غيرتها شائعاً بين الناس ولذلك قال بعض المؤرخين: قد روى الناس أن أم الفضل كتبت إلى أبيها من المدينة تشكو أبا جعفر وتقول: إنه يتسرى عليّ ويغيرني، فكتب إليها المأمون يابنيتي إنا لم نزوجكي أبا جعفر لنحرم عليه حلالاً، فلا تعاودي لذكر ماذكرتي بعدها )(1).

ولم تخل هذه الفترة من الاعتداءات الظاهرية على الإمام علیه السلام من طرف أذناب السلطة ، ومن ذلك مافعله عمر بن فرج الرفجي الرجل المعادي لأهل البيت علیه السلام والعامل عند السلطة العبّاسيّة. فقد روى المؤرخون عن محمد بن سنان قوله : دخلت على أبي الحسن علیه السلام فقال : يا محمد حدث بآل فرج حدث؟ فقلت: مات عمر، فقال: الحمد لله على ذلك. أحصيت أربعاً وعشرين مرة ثمّ قال: أو لا تدري ماقال لعنه الله لمحمّد بن علي أبي؟ قال: قلت: لا، قال: خاطبه في شيء، فقال: أظنك سكران، فقال أبي: اللهم إن كنت تعلم أني أمسيت لك صائماً فأذقه طعم الحرب وذل الأسر، فوالله إن ذهبت الأيام حتى حُرب ماله، وماكان له، ثم أخذ أسيراً فهو ذا مات(2).

الخاصه

إن اهتمام المأمون بالإمام الجواد علیه السلام يعكس أموراً أهمها:

1 . إن المأمون كان يدرك أنّ الإمام الجواد علیه السلام هو الوارث الحقيقي والامتداد الواقعي لخط الإمامة، وهو القائد الشرعي لأمة جده صلی الله علیه واله وسلم .

2 . إن الاحتفاء بالإمام الجواد علیه السلام كان يؤدّي إلى اضفاء نوع من الشرعية على حكم المأمون وتأمين جانب من توقعات الجماعة الصالحة المرتبطة بالإمام علیه السلام فكرياً وروحياً وعقائدياً.


1) كشف الغمة، ج 2 ص .358

2) أصول الكافي، (كتاب الحجة)، ص 415.

3 . إمكان تحجيم دور الإمام الجواد علیه السلام حيث يكون قريباً من عيون السلطة ويقع تحت رقابتها.

ومن هنا نجد إسراع المأمون في استدعاء الإمام الجواد علیه السلام و تزويجه من إبنته (أمّ الفضل).

ومات المأمون سنة 218 ه- ليخلفه المعتصم على عرش الدولة العباسية، والذي كان لا يختلف في سياسته عن المأمون فضلاً عن اعتماده على الأتراك في قيادة الدولة والجند.

لم يشهد الإمام الجواد علیه السلام سوى سنتين من حكم المعتصم، حيث تم

اغتياله بالسمّ على يد عمال المعتصم.

الأسئلة

1 . ما هي حقيقة علاقة المأمون بالإمام الجواد علیه السلام؟

2 . لماذا دفع المأمون يحيى بن أكثم ليحاجج الإمام الجواد علیه السلام ؟

3 . لماذا زوّج المأمون الإمام الجواد من ابنته أمّ الفضل ؟

4 . ما هي صفات المعتصم وكيف كان يتعامل مع مناوئيه؟

5 . لماذا استقدم المعتصم الإمام الجواد علیه السلام إلى بغداد؟

6 . كيف تمّ أغتيال الإمام الجواد علیه السلام ؟

7 . ما هو دور أبي داود السجستاني في اغتيال الإمام الجواد علیه السلام ؟

الدرس 26: متطلبات عصر الإمام الجواد علیه السلام (1)

اهتمام الإمام الجواد علیه السلام بالبناء الفكري والعلمي للجماعة الصالحة

كان اهتمام الإمام الجواد علیه السلام في بناء الجانب العقائدي في شخصية الإنسان المسلم واضحاً للناظر في تراثه فممّا يرتبط بالعقيدة في تراثه نلاحظ مايلي:

1. الدعوة إلى التوحيد الخالص

التوحيد هو أساس العقيدة الإسلامية. وسلامة تصورات المسلم عن الله تعالى تعدّ الركيزة التي تستند عليها باقي المفردات العقيديّة، ومن هنا كان الإمام علیه السلام يعتني عناية شديدة بإيضاح هذا الأساس وتجليته.

قال داود بن قاسم الجعفري: قلت لأبي جعفر الثاني علیه السلام: «قل هو الله أحد». ما معنى «الأحد»؟

قال: المجمع عليه بالوحدانية، أما سمعته يقول: «ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخّر الشمس والقمر ليقولن الله»، ثم يقولون بعد ذلك: له شريك وصاحبة.

فقلت: قوله: «لاتدركه الأبصار»(1).


1) الاحتجاج، ج 2، ص 238.

قال: يا أباهاشم ! أوهام القلوب أدق من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند، والبلدان التي لم تدخلها، ولم تدرك ببصرك ذلك، فأوهام القلوب لا تدركه، فكيف تدركه الأبصار؟!

وسئل علیه السلام : أيجوز أن يقال لله: إنه شيء؟

فقال علیه السلام : نعم، تخرجه من الحدين: حدّ التعطيل وحد التشبيه.

قال: أخبرني عن الرب تبارك وتعالى له اسماء وصفات في كتابه؟ وأسماؤه وصفاته هي هو ؟

فقال ابو جعفر علیه السلام : ان لهذا الكلام وجهين : إن كنت تقول: هي هو، اى انه ذو عدد وكثرة، فتعالى الله عن ذلك. وان كنت تقول: هذه الصفات والأسماء لم تزل، فانّ «لم تزل» محتمل معنيين : فإن قلت: لم تزل عنده في علمه وهو مستحقها، فنعم، وان كنت تقول: لم يزل تصويرها وهجاؤها وتقطيع حروفها فمعاذ الله ان يكون معه شيء غيره. بل كان الله ولا خلق، ثمّ خلقها وسيلة بينه وبين خلقه يتضرعون بها اليه ويعبدونه وهي ذكره، وكان الله ولا ذكر، والمذكور بالذكر هو الله القديم الذي لم يزل.

والأسماء والصفات مخلوقات ، والمعاني والمعني بها هو الله الذي لا يليق به الاختلاف ولا الائتلاف، وانما يختلف ويأتلف المستجزيء فلا يقال: الله مؤتلف، ولا الله قليل ولا كثير، ولكنه القديم في ذاته، لأنّ ماسوى الواحد متجزئ، والله واحد لا متجزيء، ولامتوهم بالقلة والكثرة وكلّ متجزيء او متوهم بالقلة والكثرة، فهو مخلوق دال على خالق له.

فقولك: إن الله «قديس» خبّرت أنه لا يعجزه شيء، فنفيت بالكلمة العجز وجعلت

العجز سواه.

وكذلك قولك: «عالم» انما نفيت بالكلمة الجهل، وجعلت الجهل سواء، واذا أفنى الله الأشياء أفنى الصورة والهجاء والتقطيع، ولا يزال من لم يزل عالماً.

فقال الرجل: فكيف سمينا ربنا «سميعاً»؟

فقال: لانه لا يخفى عليه ما يدرك بالاسماع، ولم نصفه بالسمع المعقول في الرأس.

وكذلك سميناه «بصيراً لانه لا يخفى عليه ما يدرك بالأبصار، من لون او شخص او

غير ذلك، ولم نصفه ببصر لحظة العين.

وكذلك سميناه «لطيفاً» لعلمه بالشيء اللطيف مثل البعوضة وأخفى من ذلك.

ضع النشوء منها ، والعقل والشهوة للسفاد والحدب على نسلها وإقام بعضها على بعض ، ونقلها الطعام والشراب إلى أولادها في الجبال والمفاوز والأودية والقفار، فعلمنا ان خالقها لطيف بلاكيف، وانما الكيفية للمخلوق المكيف.

وكذلك سمينا ربنا «قويّاً» لابقوّة البطش المعروف من المخلوق، ولو كانت قوته قوة البطش المعروف من المخلوق لوقع التشبيه ولاحتمل الزيادة، وما احتمل الزيادة احتمل النقصان، وما كان ناقصاً كان غير قديم ، وما كان غير قديم كان عاجزاً.

فربنا تبارك وتعالى لا شبه له ولاضد ولاند ولا كيف ولانهاية ولا تبصار بصر، ومحرّم على القلوب أن تمثله، وعلى الأوهام أن تحدّه، وعلى الضمائر أن تكونه، جل وعز عن أداة خلقه وسمات بريّته ، وتعالى عن ذلك علوا كبيراً (1).

2 . الرد على الشبهات

لقد استغل بعض الناس صغر سنّ الإمام الجواد علیه السلام للرد على عقيدة الإمامة لاهل البيت علیه السلام فراحوا يبثون الدعايات المضادة حولها.

قال صاحب الملل والنحل:

«فاعلم أنّ من الشيعة من قال بإمامة: أحمد بن موسى بن جعفر دون أخيه علي الرضا علیه السلام ومن قال بعلي : شكّ أوّلاً في محمّد بن علي إذ مات أبوه وهو صغير غير مستحق للإمامة ولا علم عنده بمناهجها وثبت قوم على إمامته » (2).


1) كافي الشيعة، ج 1 ص 16.

2) الملل والنحل، ج 1، ص 169.

وردّاً على مثل هذه الشبهات فقد تصدى الإمام الجواد علیه السلام إلى إثبات إمامته من خلال كثير من المواقف العملية والفكرية.

قال علي بن أسباط: « رأيت أبا جعفر علیه السلام وقد خرج علي فأخذت النظر إلي-ه وجعلت أنظر إلى رأسه ورجليه، لأصف قامته لأصحابنا بمصر فبينا أنا كذلك حتى قعد، فقال: ياعلي إن الله احتج في الإمامة بمثل ما احتج في النبوة، فقال: «وآتيناه الحكم صبياً».

«ولما بلغ أشده» «وبلغ أربعين سنة»، فقد يجوز أن يؤتى الحكمة وهو صبي

ويجوز أن يؤتاها وهو ابن أربعين سنة»(1).

3 . التمهيد إلى الإمام المهدي وغيبته

قضيّة الإمام المهدي (عج) من القضايا الأساسية في الثقافة الإسلامية، والمتتبع لآثار الرسول صلی الله علیه واله وسلم والأئمة علیه السلام من بعده يجد التأكيد عليها واضحاً جداً.

وعلى هذا المنهج سار الإمام الجواد علیه السلام فطرح قضية الإمام المهدي(عج) للأمة قاصداً تركيز هذا المفهوم في الأذهان وإعدادها لاستقبال عصر إمامته وظهوره ومن نماذج هذه الدعوة:

1 . ماجاء عن عبد العظیم بن عبدالله الحسن رضی الله عنه قال: «قلت لمحمد بن علي بن موسى علیه السلام : يا مولاي ! إني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلما وجوراً . فقال علیه السلام :

مامنا إلا قائم بأمر الله، وهادٍ إلى دين الله ولكن القائم الذي يطهر الله به الأرض من أهل الكفر والجحود ويملؤها قسطاً وعدلاً هو الذي يخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليه تسميته، وهو سميّ رسول الله وكنيته، وهو الذي تطوى له الأرض، ويذل له كلّ صعب، يجتمع إليه من أصحابه عدة أهل بدر: (ثلاثمائة


1) الكافي ج 1، ص 413، كتاب الحجة.

وثلاثة عشر)، رجلاً من أقاصي الأرض وذلك قول الله عز وجل: «أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً إن الله على كلّ شيءٍ قدير». فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الإخلاص، أظهر الله أمره، فإذا كمل له العقد وهو (عشرة آلاف ) رجل، خرج بإذن الله تعالى، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله عز وجل.

قال عبد العظيم: فقلت له: ياسيدي ! وكيف يعلم أن الله تعالى قد رضي؟

قال: يلقي في قلبه الرحمة. فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فأحرقهما.(1)»

2 . عن أبي تراب عبدالله موسى الروياني، قال: حدثنا عبدالعظيم بن عبدالله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن ابي طالب علیه السلام الحسني قال:

دخلت على سيدي محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن

الحسين علي بن أبي طالب علیه السلام وأنا اريد أن أسأله عن القائم أهو المهدي أو غيره فابتدأني فقال لي:

«يا أبا القاسم إن القائم منا هو المهدي الذي يجب أن ينتظر في غيبته، ويطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي، والذي بعث محمد صلی الله علیه واله وسلم بالنبوة وخصنا بالإمامة، إنه لولم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وإن الله تبارك وتعالى ليصلح له أمره في ليلة، كما أصلح أمر كليمه موسى علیه السلام اذ ذهب ليقتبس لأهله ناراً فرجع وهو رسول نبي، ثمّ قال علیه السلام : أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج(2).

4 - النص على إمامة الهادي ومن يليه

قال الصقر ابن أبي دلف: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضاء علیه السلام يقول:

إن الإمام بعدي ابني علي ، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي والإمام بعده


1) الاحتجاج، ج 2، ص 250.

2) كمال الدرس، ج 1، ص 360.

ابنه الحسن ، أمره امر ابيه ، وقوله قول أبيه، وطاعته طاعة أبيه، ثم سكت. فقلت له: يا ابن رسول الله فمن الإمام بعد الحسن؟ فبكى علیه السلام بكاء شديداً، ثمّ قال: ان من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر فقلت له: يا ابن رسول الله لم سمّي القائم؟ قال: لانه يقوم بعد موت ذكره وارتداد اكثر القائلين بإمامته . فقلت له: ولم سمّي المنتظر؟ قال: لأن له غيبة يكثر أيامها ويطول أمدها فينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون ويستهزيء بذكره الجاحدون ويكذب بها الوقاتون ، ويهلك فيها المستعجلون، وينجو فيها المسلمون(1).

5 . مكافحة الغلو

الغلو بأهل البيت علیه السلام يعتبر من الانحرافات الخطيرة التي انتشرت في تلك الحقبة وقد وقف الأئمة علیه السلام بالمرصاد للمغالين فردّوهم وأفحموهم وأوصوا الأمة بالابتعاد عنهم.

وقد سار الإمام الجواد علیه السلام على نهج آبائه لمكافحة هذه الظاهرة الخطرة. عبدالله بن رزین قال: كنت مجاوراً بالمدينة مدينة الرسول وكان أبو جعفر علیه السلام عن يجيء في كل يوم مع الزوال إلى المسجد فينزل إلى الصخرة ويمر إلى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ويسلّم عليه، ويرجع إلى بيت فاطمة ويخلع نعله فيقوم فيصلي فوسوس إلي الشيطان، فقال: إذا نزل فاذهب حتى تأخذ من التراب الذي يطأ عليه فجلست في ذلك اليوم أنتظره لأفعل هذا.

فلما أن كان في وقت الزوال أقبل علیه السلام على حمار له فلم يزل في الموضع الذي كان ينزل فيه فجازه حتى نزل على الصخرة التي كانت على باب المسجد ثم دخل فسلّم على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ثم رجع إلى مكانه الذي كان يصلّي فيه ففعل ذلك أياماً


1) كمال الدين ص 387

فقلت: إذا خلع نعليه جئت فأخذت الحصا الذي يطأ عليه بقدميه.

فلما كان من الغد جاء عند الزوال فنزل على الصخرة ثم دخل على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وجاء إلى الموضع الذي كان يصلّي فيه ولم يخلعهما ففعل ذلك أياماً فقلت في نفسي: لم يتهيأ لي ههنا ولكن أذهب إلى باب الحمام فإذا دخل أخذت من التراب الذي يطأ عليه فسألت عن الحمّام فقيل لي إنه يدخل حمّاماً بالبقيع لرجل من ولد طلحة، فتعرفت اليوم الذي يدخل فيه الحمّام، وصرت إلى باب الحمام وجلست إلى الطلحي أحدثه وأنا أنتظر مجيئه علیه السلام.

فقال الطلحي: إن أردت دخول الحمام؛ فقم فادخل فإنه يهيّأ لك بعد ساعة، قلت: ولم قال: لأن ابن الرضا يريد دخول الحمام ،قال: قلت: ومن ابن الرضا؟ قال: رجل من آل محمد صلی الله علیه واله وسلم له صلاح وورع ، قلت له: ولا يجوز أن يدخل معه الحمام غيره؟ قال: نخلّي له الحمام إذا جاء، قال: فبينا أنا كذلك إذ أقبل علیه السلام ومعه غلمان له، وبين يديه غلام ومعه حصير ، حتى أدخله المسلخ ، فبسطه ووافى وسلّم ودخل الحجرة على حماره، ودخل المسلخ، ونزل على الحصير.

فقلت للطلحي: هذا الذي وصفته بما وصفته من الصلاح والورع؟ فقال: ياهذا والله ما فعل هذا قط إلا في هذا اليوم، فقلت في نفسي: هذا من عملي أنا جنيته، ثم قلت: أنتظره حتى يخرج فلعلي أنال ما أردت إذا خرج ، فلما خرج وتلبس دعا بالحمار وأدخل المسلخ، وركب من فوق الحصير وخرج علیه السلام ، فقلت في نفسي: قد والله آذيته ولا أعود أروم مارمت منه أبداً وصح عزمي على ذلك. فلما كان وقت الزوال من ذلك اليوم أقبل على حماره حتّى نزل في الموضع الذي كان ينزل فيه في الصحن، فدخل فسلّم على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وجاء إلى الموضع الذي كان يصلّي فيه في بيت فاطمة علیها السلاموخلع نعليه وقام يصلّي(1).


1) كافي الشيعة، ج 1، ص 412 - 413.

6 . تصحيح مفاهيم خاطئة

كان للغلو ألوان شتّى، منها الغلق بالصحابة، ونجد في حوار للإمام الجواد علیه السلام مع يحيى بن أكثم أمام جماعة كبيرة من الناس أنه قد فنّد فيه التوجهات المغالية بالصحابة :

قال له يحيى بن أكثم: ما تقول يابن رسول الله في الخبر الذي، روي: أنه «نزل جبرئيل علیه السلام على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وقال : يا محمد ! إن الله عزّ وجلّ يقرؤك السلام ويقول لك: سل أبابكر هل هو عنّي راض فإنّي عنه راض»؟

فقال أبو جعفر علیه السلام: لست بمنكر فضل أبي بكر ولكن يجب على صاحب هذا الخبر ما أن يأخذ مثال الخبر الذي قاله رسول الله صلی الله علیه واله وسلم في حجة الوداع: «قد كثرت عليّ الكذابة وستكثر بعدي فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار فإذا أتاكم الحديث عنّي فاعرضوه على كتاب الله عزّ وجلّ وسنّتي فما وافق كتاب الله وسنّتي فخذوا به، وما خالف كتاب الله وسنّتي فلا تأخذوا به» وليس يوافق هذا الخبر كتاب الله، قال الله تعالى: «ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ماتوسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد». فالله عزّ وجلّ خفي عليه رضاء أبي بكر من سخطه حتى يسأل عن مكنون سره، هذا مستحيل في العقول.

ثم قال يحيى بن أكثم : وقد روي: «إنّ مثل أبي بكر وعمر في الأرض كمثل جبرئيل

وميكائيل في السماء».

فقال علیه السلام : وهذا أيضاً يجب أن ينظر فيه، لأنّ جبرئيل وميكائيل ملكان لله مقربان لم يعصيا الله قط، ولم يفارقا طاعته لحظة واحدة. وهما قد أشركا بالله عزّ وجلّ وإن أسلما بعد الشرك فكان أكثر أيامهما الشرك بالله فمحال أن يشبههما بهما.

قال يحيى: وقد روي أيضاً: «أنهما سيّدا كهول أهل الجنّة»، فما تقول فيه؟

فقال علیه السلام: وهذا الخبر محال أيضاً، لأنّ أهل الجنّة كلهم يكونون شباناً ولا يكون فيهم كهل وهذا الخبر وضعه بنو أُمية لمضادّة الخبر الذي قاله رسول الله صلی الله علیه واله وسلم في

الحسن والحسين علیه السلام بأنهما «سيدا شباب أهل الجنّة».

فقال يحيى بن أكثم وروي: «أنّ عمر بن الخطاب سراج أهل الجنّة » فقال علیه السلام : وهذا أيضاً محال، لأنّ في الجنّة ملائكة الله المقربين، وآدم ومحمد صلی الله علیه واله وسلم ، وجميع الأنبياء والمرسلين، لا تضيء الجنّة بأنوارهم حتى تضيء بنور عمر؟!

فقال يحيى بن اكثم : وقد روي :« أن السكينة تنطق على لسان عمر.»

فقال علیه السلام : لست بمنكر فضل عمر ، ولكن أبابكر أفضل من عمر، فقال - على رأس المنبر -: «إنّ لي شيطاناً يعتريني، فإذا ملت فسددوني». فقال يحيى: قد روي أن النبي صلی الله علیه واله وسلم قال: «لولم أبعث لبعث عمر».

فقال علیه السلام: كتاب الله أصدق من هذا الحديث ، يقول الله في كتابه: «وإذ أخذنا النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح»، فقد أخذ الله ميثاق النبيين فكيف يمكن أن يبدل ميثاقه، وكلّ الأنبياء علیه السلام لم يشركوا بالله طرفة عين، فكيف يبعث بالنبوة من أشرك وكان أكثر أيامه مع الشرك بالله، وقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «نبنت وآدم بين الروح والجسد.»

فقال يحيى بن أكثم: وقد روي أيضاً أن النبي صلی الله علیه واله وسلم قال: «ما احتبس عني الوحي قط إلا ظننته قد نزل على آل الخطاب» فقال علیه السلام : وهذا محال أيضاً، لأنه لا يجوز أن يشك النبي صلی الله علیه واله وسلم في نبوّته، قال الله تعالى: «الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس » فكيف يمكن أن تنتقل النبوّة ممّن اصطفاه الله تعالى إلى من أشرك به.

یحيى: روي أن النبي صلی الله علیه واله وسلم قال: «لونزل العذاب لما نجا منه إلا عمر».

فقال علیه السلام : وهذا محال أيضاً، لأنّ الله تعالى يقول: «وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون». فأخبر سبحانه أنه لا يعذب أحداً مادام فيهم رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وما داموا يستغفرون الله(1).


1) الاحتجاج، ج 2، ص 245 - 249.

وهكذا أطرح الإمام علیه السلام منهج أهل البيت علیه السلام في مرجعية القرآن الكريم وكيفية الاستضاءة به للردّ على التحريف الذي خيم على الحديث النبوي والتأريخ الإسلامي خلال عصور الخلفاء والحكام الأمويين والعباسيين.

7 . الإجابة على الاستفتاءات الفقهية

و من نماذج إجاباته علیه السلام على الاستفتاءات والاستفسارات الفقهية نقرأ مايلي .

أ . الحصين بن أبي الحصين، قال: كتبت إلى أبي جعفر: جعلت فداك، اختلف

عن مواليك في صلاة الفجر، فمنهم من يصلّي إذا طلع الفجر الأول المستطيل في السماء، ومنهم من يصلي إذا اعترض في أسفل الأرض واستبان، ولست أعرف أفضل الوقتين فأصلي فيه. فإن رأيت يامولاي جعلني الله فداك أن تعلمني أفضل الوقتين، وتحدّد لي كيف أصنع مع القمر والفجر لأتبين معه حتى يحمر ويصبح؟ وكيف أصنع مع الغيم؟ وماحد ذلك في السفر والحضر؟ فعلت إن شاء الله.

فكتب بخطه علیه السلام: الفجر - يرحمك الله - الخيط الأبيض، وليس هو الأبيض صعداً، ولا تصل في سفر، ولا في حضر حتى تتبينه - رحمك الله - فإن الله لم يجعل خلقه في شبهة من هذا، فقال تعالى: «وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر»(1)فالخيط الأبيض هو الفجر الذي يحرم به الأكل والشرب في الصيام، وكذلك هو الذي يوجب الصلاة (2).

وفي هذا النص تعليم السائل لكيفية الاستظهار من النص القرآني واعطائه خطاً

عملياً في كيفية الاستنباط.

ب . عن يحيى بن أبي عمران الهمداني، قال: كتبت إلى أبي جعفر علیه السلام : جعلت فداك، ما تقول في رجل ابتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاته وحده في أم الكتاب، فلمّا


1) البقرة.

2) كافي الشيعة، ج 3، ص 282.

صار إلى غير أم الكتاب من السورة ترك تلك البسملة؟

فقال العباسي (1): ليس بذلك بأس.

فكتب بخط يده يعيدها مرتين على رغم أنفه - يعني العباسي.

ج . جاء في رواية علي بن مهزيار عن محمد بن الحسن الأشعري، قال: كتب بعض بني عمي إلى أبي جعفر الثاني علیه السلام : ما تقول في صبية زوجها عمها، فلما كبرت أبت التزويج؟ فكتب بخطه علیه السلام:

لا تكره على ذلك، والأمر أمرها (2).

عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي ، قال : كتبت إلى أبي جعفر الثاني علیه السلام أسأله عن أرض أوقفها جدّي على المحتاجين من ولد «فلان بن فلان » وهم كثير، متفرقون في البلاد؟

فأجاب علیه السلام: ذكرت الأرض التي أوقفها جدك على فقراء ولد «فلان ابن فلان» وهي لمن حضر البلد الذي فيه الوقف، وليس لك أن تتبع من كان غائباً.(3)

وهكذا كان يقوم الإمام الجواد علیه السلام بتفقيه شيعته وأتباعه فضلاً عن عامة المسلمين.

مدرسة الإمام الجواد علیه السلام

لقد كان عُمر الإمام الجواد علیه السلام منذ ولادته وحتى استشهاده لا يتجاوز العقدين ونصف العقد وهو أقل من متوسط عمر سائر الأئمة علیه السلام الذين سبقوه حين استلامهم للقيادة وتصديهم لمنصب الإمامة.

وقد قضى ما يقل عن العقد الواحد في ظل أبيه الرضاء علیه السلام وكانت مدة مباشرته لمهام الإمامة ثماني عشرة سنة وإذا لاحظنا الظروف الخاصة التي اكتنفت حياته من


1) قيل هو هشام بن إبراهيم العباسي وكان يعارض الرضا والجواد علیه السلام .

2) وسائل الشيعة، ج 14، ص 207.

3) وسائل الشيعة، ج 13، ص 308

حيث الرقابة المشددة على نشاطه ولا سيما فيما يرتبط بعلاقاته شيعته وأتباعه في عهد المأمون الذي شغل خمسة عشر عاماً من عمر الإمام الجواد علیه السلام، ولاحظنا أيضاً حجم التراث الذي وصلنا عنه الا الا وحجم الرواة عنه - البالغين 276 راوياً وراوية (1)لعرفنا مستوى نشاط مدرسة الإمام الجواد علیه السلام العلمية ومدى نجاحه في المهمة التعليمية والبناء التثقيفي للجماعة الصالحة في عهده القصير جداً فيما إذا قورن إلى عهود غيره من الأئمة السابقين عليه.


1) راجع الإمام الجواد علیه السلام من المهد إلى اللحد. ص 95 - 376.

الخاصه

كانت مسيرة الإمام الجواد علیه السلام اكمالاً واتماماً لمسيرة ، آبائه علیه السلام وإن اختلفت الوسائل والخطط في مواجة التحديات التي تحتمها الظروف التي يعيشها الإمام علیه السلام فإن تحركه علیه السلام يتحدد بنفس هدفهم وغايتهم من التحرّك في حفظ الرسالة والحيلولة دون انحراف الأمة وبناء الجماعة الصالحة المرتبطة بخط الإمامة فكرياً وروحياً، لهذا نجد أن مواقف الإمام علیه السلام كانت تنصب في جملة من القضايا والأمور المهمه التي تتلخص في:

1 . موقف الإمام علیه السلام تجاه البناء الفكري والعقائدي.

2 . الموقف ضد الغلو والمغالين في أهل البيت علیه السلام والصحابة.

3 . التركيز على البناء التربوي للجماعة الصالحة.

4 . رد الشبهات التي كانت تثار من قبل المعاندين وناصبي العداء لأهل البيت علیه السلام و وعاظ السلاطين و تصحيح المفاهيم الخاطئة.

5 . وردت عنه علیه السلام اجوبة لمجموعة من الاستفتاءات والأسئلة حول

مسائل فقهية مختلفة.

6 . أكد على غيبة الإمام المهدي علیه السلام وأنه آخر الأئمة علیه السلام وأنه سيظهر ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً.

الأسئلة

1 . ما هو اختلاف الإمام الجواد علیه السلام عن الأئمة السابقين له في منهج المتعامل مع الأحداث؟

2 . ما هو موقف الإمام علیه السلام من القضايا الفكرية؟

3 . وضح موقف الإمام علیه السلام من شبهات المعاندين حول الإمامة.

4 . كيف يُرَدّ على مانعي صغر السن من تولي الإمامة؟

5 . ما هو موقف الإمام علیه السلام من المغالين؟

6 . وضح موقف الإمام علیه السلام من قضية الإمام المهدي .

7 . ما هو موقف الإمام علیه السلام من بعض المفاهيم المخطوءة الشائعة؟

الدرس 27: متطلبات عصر الإمام الجواد علیه السلام(2)

الإمام الجواد علیه السلام و نظام الوكلاء

لقد كان التشيع حركة تصحيحية معارضة للنظام القائم بعد الانحراف الذي حصل

عند وفاة الرسول صلی الله علیه واله وسلم وتمثل في ردّة سياسية وانقلاب على الحكم الشرعي المتمثل في حكم الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام. وقد استلزم هذا الانحراف السياسي انحرافات ثقافيّة ودينيّة طغت على القيم الإسلامية والسلوك الإسلامي بالتدريج.

إن أهل البيت علیه السلام كانوا هم المؤتمنون على صيانة الرسالة الإسلامية والأمة المحمدية من الزيغ وحفظ الدولة التي بناها الرسول صلی الله علیه واله وسلم - وصحابته الأبرار بيديه الكريمتين وجهاده المتواصل - من التردي والانهيار... وقد بدأوا هذه الحركة التصحيحية بإيجاد تيار فكري ثقافي ووجود اجتماعي حي متحرك داخل شرايين المجتمع الإسلامي لينبض هذا الكيان بالحياة ويحاول إرجاع السفينة المنحرفة إلى مسارها الصحيح.

من هنا كان انتشار التشيع واتساع رقعته هدفاً من أهداف أهل البيت علیه السلام الرسالية وكان هذا الانتشار يشكل معارضة واضحة للحكم القائم وبشكل دائم. وكان يعد اتساع هذا التيار الفكري والاجتماعي خطراً سياسياً يهدد كيان الحاكمين الظالمين حتى وإن

لم يتحرّك أهل البيت علیه السلام على مستوى الثورة لقلب نظام الحكم كما حدث في ثورة أبي عبدالله الحسين علیه السلام.

وكلما كان يتسع هذا التيار كلّما كانت الرقابة تشدّد على الأئمة الأطهار باعتبارهم

الرموز القائمة والمحاور التي تمدّ هذا التيار بالحيوية والنشاط.

وكانت هذه الحركة الثقافية والاجتماعية لأهل البيت علیه السلام تستدعي ایجاد کیان اجتماعي داخل المجتمع الإسلامي يقوم بمهمة الارتباط بين الامام (القيادة الشرعية) والقواعد الشعبية والتنسيق بين حركة الإمام وأتباعه ويقوم هذا لكيان بتلقى الأوامر والنواهي والإرشادات من القيادة الربانية وينشرها بين الأتباع - بعيداً عن عيون الرقابة والجواسيس الذين كانوا يحصون على الإمام المعصوم حركاته ونشاطه ويخشون تحركه ضدّ الحاكم المتسنّم لمنبر الخلافة دون استحقاق. إن نظام الوكلاء الذي يعتمد الوعي والإخلاص من أتباع الأئمة وأصحابهم كان من الطبيعي أن يبدأ تأسيسه منذ عهد أمير المؤمنين علیه السلام وبدأت تظهر آثاره وتتضح معالمه ورموزه بشكل واضح في عهد الإمام الصادق علیه السلام حيث أخذ التشيع بالانتشار وبدأت الشيعة تشعر بضرورة الارتباط الدائم بالإمام المعصوم علیه السلام عبر أصحابه وتلامذته.

وكلّما كانت الرقابة تشتدّ ضدّ الأئمة علیه السلام ونشاطهم كلّما كانت الحاجة تشتد إلى ازدیاد عدد الوكلاء، واتساع مجال تحرّكهم ونشاطهم.

من هنا كان الخط البياني لهذا النظام تصاعدياً خلال عهود الأئمة الثلاثة: الكاظم

والرضا والجواد علیه السلام .

يعتبر عهد الإمام الجواد علیه السلام .

وبعد الرقابة المشدّدة التي أعملت في داخل بيت الإمام الجواد علیه السلام من خلال ابنة الخليفة العباسي التي كانت تحصي على الإمام علیه السلام أنفاسه بداية عهد جديد لتوسيع رقعة هذا النظام (نظام الوكالة) وتعميقه في داخل المجتمع الإسلامي

والخط الشيعي باعتبار الحاجات المستجدة للجماعة الصالحة التي سوف تحرم بالتدريج من الارتباط المستمر بالإمام المعصوم من جهة، وضرورة استقلال الكيان الشيعي والحفاظ على قدرته للصمود أمام التيارات المنحرفة في المجتمع الإسلامي وقدرته على الاستمرار في ايجاد التغيير الاجتماعي داخل المجتمع الإسلامي من جهة أخرى.

وسوف نلاحظ تلك المستجدات في عهود الأئمة اللاحقين وهم الهادي والعسكري

والمهدي علیه السلام .

وهكذا تبلورت ظاهرة الوكالة في عهد الإمام الجواد علیه السلام واعتبرت بداية عصر جديد للجماعة الصالحة من حيث ضرورة تدريبها وتعويدها على الاستقرار والاستقلال في أيامها المقبلة حين تنقطع عن الإمام المعصوم وتضطرها الظروف السياسية القائمة لقطع العلاقة المباشرة وغير المباشرة بالإمام إذ يضطر الإمام علیه السلام إلى الغيبة عن الأنظار ويكون ارتباطه من جهة واحدة ويكتفي بالتوجيه والارشاد دون أن يعرفه الناس بشخصه وكان الأئمة علیه السلام منذ عهد الإمام علي علیه السلام يمهدون الأمر لهذه الظروف العصيبة التي كانوا يخبرون شيعتهم بها ويتنبأون بها استعداداً بعصر الغيبة.

التربية السياسيّة من خلال تراث الإمام الجواد علیه السلام

لقد أثرت عن الإمام الجواد علیه السلام النصوص التالية(1):

1 . من شهد أمراً فكرهه كان كمن غاب عنه، ومن غاب عن أمر فرضيه كان كمن شهده.

2 . من استحسن قبيحاً كان شريكاً فيه.

3 . العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء.

4 . من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبدالله وإن كان


1) راجع النصوص التالية في تحف العقول والإمام الجواد من المهد إلى اللحد.

الناطق ينطق عن لسان إبليس فقد عبد إبليس.

ه . إظهارك الشيء قبل أن يستحكم مفسدة له.

6 . قال أمير المؤمنين علیه السلام اللقيس بن سعد - وقد قدم عليه من مصر -: صر - ياقيس إن للمحن غايات لابد أن يُنتهى إليها، فيجب على العاقل أن ينام لها إلى إدبارها فإنّ مكايدتها بالحيلة عند إقبالها زيادة فيها.

7 . أربع خصال تعين المرء على العمل الصحة والغنى والعلم والتوفيق.

وهذه النصوص وإن كانت قد رواها عن جده الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام ولكنها تكشف لنا عن مدى توجهاته في العمل والتحرّك السياسي ومدى ضرورة التثقيف لأتباعه.

8 . من هجر المداراة قاربه المكروه.

9 . من لم يعرف الموارد أعيته المصادر.

10. من انقاد إلى الطمأنينة قبل الخبرة فقد عرّض نفسه للهلكة والعاقبة المتعبة.

11 . كفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً للخونة.

12 . لا يضرك سخط من رضاه الجور.

13 . إياك ومصاحبة الشر فإنه كالسيف المسلول يحسن منظره ويقبح أثره.

14 . من انقطع إلى غير الله وكله الله إليه.

لقد كان الإمام يزرع روح الأمل ويقوّي ملكة الصبر في قلوب أتباعه وشيعته ويعدهم إعداداً رسالياً يتناسب مع المراحل المستقبلية التي تنتظرهم وتتطلب منهم أن يكونوا قوةً لاتلين وثورة لا تقاوم.

وكان مما أثر عنه علیه السلام:

1 . الصبر على المصيبة مصيبة على الشامت بها.

2 . من وثق بالله أراه السرور ومن توكل عليه كفاه الأمور والثقة بالله حص-

حصن لا يتحصن فيه إلا مؤمن أمين، والتوكل على الله نجاة من كل سوء وحرز من كل عدو.

والدين عزّ والعلم كنز والصمت فوز ، وغاية الزهد الورع، ولاهدم الدين مثل البدع، ولا أفسد للرجال مثل الطمع ، وبالراعي تصلح الرعيّة، وبالدعاء تصرف البلية، ومن ركب مركب الصبر اهتدى إلى مضمار النصر، ومن عاب عيب، ومن شتم أجيب ومن غرس أشجار التقى اجتني ثمار المنى.

وقد تضمّن هذا النصّ وصايا للعاملين كما تضمن التوعية السياسية والدينية حين

أشار إلى عوامل هدم الدين وفساد الرجال والحكام والمحكومين.

3 . كيف يضيع من الله كافله؟! كيف ينجو من الله طالبه؟!

4 . الثقة بالله ثمن لكلّ غالٍ وسُلّم إلى كلّ عالٍ.

ه . عزّ المؤمن غناه عن الناس.

6 . لا تكن لله ولياً في العلانية وعدواً له في السر.

7 . تعزّ عن الشيء إن مُنعته بقلة صحبته إذا أعطيته.

8 . توسد الصبر واعتنق الفقر وارفض الشهوات وخالف الهوى واعلم أنك لن تخلو

من عين الله، فانظر كيف تكون؟

9 . المؤمن يحتاج إلى ثلاث خصال: توفيق من الله وواعظ من نفسه وقبول ممّن

ينصحه.

10 . من استغنى بالله افتقر الناس إليه، ومن اتقى الله أحبّه الناس وإن كرهوا.

الإمام الجواد علیه السلام و التربية الاجتماعية

إن توثيق أواصر الكيان الاجتماعي لأتباع أهل البيت ضرورة فعلية ومستقبلية

تعينهم على الصمود أمام التحديات التي كانت تزداد أمامهم يوماً بعد يوم.

من هنا نلاحظ توجّهاً خاصاً للإمام الجواد علیه السلام نحو هذا المجال. قال علیه السلام.

1 . إنّ لله عباداً يخصهم بالنعم ويقرها فيهم مابذلوها، فإذا منعوها نزعها عنهم

وحوّلها إلى غيرهم.

2 . ما عظمت نعمة الله على عبده إلا عظمت عليه مؤونة الناس فمن لم يحتمل

المؤونة فقد عرض النعمة للزوال.

3 . أهل المعروف إلى اصطناعه أحوج من أهل الحاجة إليه لأنّ لهم أجره وفخره وذكره، فمهما اصطنع الرجل من معروف فإنّما يبدأ فيه بنفسه، فلا يطلبن - شكر ماصنع إلى نفسه - من غيره.

4 . المؤمن لا يشتفي غيضه، وعنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه.

ه . ثلاث يبلغن بالعبد رضوان الله : كثرة الاستغفار وخفض الجانب وكثرة الصدقة. 6 . ثلاث من كن فيه لم يندم : ترك العجلة والثورة والتوكل عند العزم على الله عز وجل.

7 . لا تعالجوا الأمر قبل بلوغه فتندموا ولا يطولنّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم

وارحموا ضعفاءكم واطلبوا الرحمة من الله بالرحمة لهم.

8 . من أخطأ وجوه المطالب خذلته الحيل.

الإمام الجواد علیه السلام و التربية الروحية

لقد اعتنى أئمة أهل البيت علیه السلام ببناء الإنسان داخلياً قبل أي بناء واهتموا ببناء الروح أشدّ الاهتمام لأنّ الإنسان المتعالي بروحه هو الذي يستطيع أن يتسلّق سلّم الكمال ويسمو بقوّة الروح على المصائب والمشاكل ولا يهتز مهما قويت الأعاصير.

فالتوبة والاستغفار والتوجه إلى الله تعالى في كلّ صغير وكبير من الأمور والدعاء بنصوص صادرة عن المعصومين هي من أولى خطوط التربية النفسية والروحية في مدرسة أهل البيت علیه السلام.

وقد أثرت عن الإمام الجواد علیه السلام مجموعة من الأدعية عُرفت بالمناجاة أو الوسائل إلى المسائل وقد جعلها الإمام علیه السلام مهراً لزوجته حينما زوجه المأمون ابنته فكتب علیه السلام للمأمون: إنّ لكلّ زوجةٍ صداقاً من مال زوجها وقد جعل الله أموالنا

في الآخرة مؤجّلة مذخورة هناك كما جعل أموالكم معجلة في الدنيا.. وقد أمهرتك ابنتك (الوسائل إلى المسائل) وهي مناجاة رفعها إلي أبي... ثم عرفها : بأنها كنوز الدنيا والآخرة، وقال: فلاتؤثرها في حوائج الدنيا فتبحنس بها الحظ من آخرتك...(1)

(للمطالعة)

المناجاة للاستخارة

«اللهم انَّ خيرتك فيما استخرتك فيه تنيل الرَّغائب وتجزل المواهب وتغنم المطالب وتطيب المكاسب وتهدي إلى أجمل المذاهب وتسوق إلى أحمد العواقب وتقي مخوف التّوائب، اللهم اني استخيرك فيما عزم رأيي عليه وقادني عقلي إليه.

فسهل اللهم فيه ماتوعر، ويسر منه ما تعسّر واكفني فيه المهم وادفع به عنّي كلّ ملم واجعل يارب عواقبه غنماً ومخوفه سلماً وبعده قرباً وجد به خصباً.

وارسل اللهم اجابتي وأنجح طلبتي واقض حاجتي واقطع عنّي عوائقها وامنع عنّي بواثقها وأعطني اللهم لواء الظفر والخيرة فيما استخرتك ووفور المغنم فيما دعوتك وعوائد الإفضال فيما رجوتك.

وأقرنه اللهم بالنجاح وخصّه بالصَّلاح وأرني أسباب الخيرة فيه واضحة وأعلام

غنيها لائحة واشدد خناق تعسيرها وانعش صريخ تكسيرها.

وبين اللهم ملتبسها وأطلق محتبسها ومكن اشها حتّى تكون خيرة مقبلة بالغُنْمِ

مزيلة للغُرْمِ عاجلة للنفع باقية الصُّنع إنَّك مليء بالمزيد مبتدئ بالجود».

المناجاة بالاستقالة

«اللهمَّ إِنَّ الرَّجاءَ لسعة رحمتك أنطقني باستقالتك والأمل لأناتك ورفقك شجعني على طلب أمانك وعفوك ولي يارب ذنوب قد واجهتها أوجه الانتقام وخطايا قد لاحظتها أعين الاصطلام واستوجبت بها على عدلك أليم العذاب واستحققته باجتراحها


1) راجع مهج الدعوات، ص 258 - 265.

مبير العقاب وخفت تعويقها لاجابتي وردَّها اياي عن قضاء حاجتي بإبطالها لطلبتي وقطعها لأسباب رغبتي من أجل ماقد انقض ظهري من ثقلها وبهظني من الاستقلال بحملها.

ثم تراجعت ربّ إلى حلمك عن الخاطئين وعفوك عن المذنبين ورحمتك للعاصين فاقبلت بثقتي متوكلاً عليك طارحاً نفسي بين يديك شاكياً بقي إليك سائلاً م-الا استوجبه من تفريج الهم ولا أستحقه من تنفيس الغمّ مستقيلاً لك اياي واثقاً مولاي بك.

اللهم فامنن عليَّ بالفرج وتطوّل بسهولة المخرج وادللني برأفتك على سمت المنهج وازلقني بقدرتك عن الطريق الأعوج وخلّصني من سجن الكرب بإقالتك وأطلق أسري برحمتك وطل عليَّ برضوانك وجد عليَّ بإحسانك وأقلني عثرتي وفرج كربتي وارحم عبرتي ولا تحجب دعوتي واشدد بالإقالة أزري وقو بها ظهري وأصلح بها أمري وأطل بها عمري وارحمني يوم حشري ووقت نشري إنَّك جواد كريم غفور رحيم».

«أمرتني فلم أنتمر ونهيتني فلم أنزجر فها أنا عبدك بين يديك أعتذر»

المناجاة بالسفر

«اللهم إني أريد سفراً فخر لي فيه وأوضح لي فيه سبيل الرأي وفهمنيه وافتح عزمي بالاستقامة واشملني في سفري بالسَّلامة وأفدني جزيل الحظوالكرامة واكلاني بحسن الحفظ والحراسة.

وجنبني اللهم وعثاء الأسفار وسهل لي حزونة الأوعار واطولي بساط المراحل وقرب مني بعد ناي المناهل وباعدني في المسير بين خطى الرواحل حتى تقرّب نياط البعيد وتسهل وعور الشديد.

ولقني اللهم في سفري نجح طائر الواقية وهبني فيه غنم العافية وخفيرالاستقلال ودليل مجاوزة الأهوال وباعث وفور الكفاية وسانح خفير الولاية.

واجعله اللهم سبب عظيم السلم حاصل الغنم واجعل الليل عليَّ ستراً من الآفات والنَّهار مانعاً من الهلكات واقطع عنّي قطع لصوصه بقدرتك واحرسني من وحوشه بقوتك، حتى تكون السلامة فيه مصاحبتي والعافية فيه مقارنتي واليمن سائقي واليسر معانقي والعسر مفارقي والفوز موافقي والأمن مرافقي إنَّك ذو الطول والمن والقوة والحول وأنت على كلّ شيء قدير وبعبادك بصير خبير».

المناجاة في طلب الرزق

«اللهم أرسل عليَّ سجال رزقك مدراراً وامطر عليَّ سحائب إفضالك غزاراً وأدم غيث نيلك إليَّ سجالاً وأسبل مزيد نعمك على خلَّتي إسبالاً وافقرني بجودك إليك واغنني عمَّن يطلب مالديك.

وداو داءَ فقري بدواء فضلك وانعش صرعة عيلتي بطولك وتصدق على إقلالي بكثرة عطائك وعلى اختلالي بكريم حبائك وسهل ربّ سبيل الرزق إليَّ وثبت قواعده لدي وبجس لي عيون سعته برحمتك.

وفجر أنهار رغد العيش قبلي برأفتك وأجدب أرض فقري واخصب جدب ضري واصرف عنّي في الرزق العوائق واقطع عنّي من الضيق العلائق وارمني من سعة الرزق اللهم بأخصب سهامه وأحبني من رغد العيش بأكثر دوامه.

واكسني اللهم سرابيل السَّعة وجلابيب الدَّعة فإنّي يارب منتظر لإنعامك بحذف المضيق ولتطوّلك بقطع التَّعويق ولتفضّلك بإزالة التقتير ولوصول حبلي بكرمك

بالتيسير.

وامطر اللهم عليَّ سماءَ رزقك بسجال الديم واغنني عن خلقك بعوائد النعم وارم مقاتل الإقتار مني واحمل كشف الضُّرّ عنّي على مطايا الإعجال واضرب عنّي الضيق بسيف الاستيصال واتحفني ربّ منك بسعة الإفضال وامددني بنمو الأموال.

واحرسني من ضيق الإقلال واقبض عنّي سوء الجدب وابسط لي بساط الخصب

واسقني من ماء رزقك غدقاً وانهج لي من عميم بذلك طرقاً وفاجئني بالثروة والمال وانعشني به من الإقلال وصبّحني بالاستظهار ومسني بالتمكن من اليسار إنّك ذو الطول العظيم والفضل العميم والمنّ الجسيم وأنت الجواد الكريم».

المناجاة بالاستعاذة

«اللهم إني أعوذ بك من ملمات نوازل البلاء وأهوال عظائم الضَّرَاءِ فأعذني ربِّ من صرعة البأساء واحجبني من سطوات البلاء ونجني من مفاجأة النقم وأجرني من زوال النعم ومن زلل القدم.

واجعلني اللهمَّ في حياطة عزّك وحفاظ حرزك من مباغتة الدوائر ومعاجلة البوادر اللهمَّ ربّ وأرض البلاء فاخسفها وعرصة المحن فارجفها وشمس النوائب فاكسفها وجبال السوء فانسفها وكرب الدهر فاكشفها وعوائق الأمور فاصرفها وأوردني حياض السَّلامة واحملني على مطايا الكرامة واصحبني بإقالة العثرة واشملني بستر العورة.

وجد علي يارب بآلائك وكشف بلائك ودفع ضرائك وارفع كلاكل عذابك واصرف عني أليم عقابك وأعذني من بوائق الدهور وأنقذني من سوء عواقب الأمور واحرسني من جميع المحذور واصدع صفاء البلاء عن أمري واشلل يده عني مدى عمري إنَّك الرَّبُّ المجيد المبدي المعيد الفعّال لما تريد».

المناجاة بطلب التوبة

«اللهم إنّي قصدت إليك بإخلاص توبة نصوح وتثبيت عقد صحيح ودعاء قلب قريح وإعلان قول صريح.

اللهم فتقبل منّي مخلص التوبة وإقبال سريع الأوبة ومصارع تخشع الحَوْبَة وقابل رب توبتي بجزيل الثَّواب وكريم المآب وحطّ العقاب وصرف العذاب وغنم الإياب وستر الحجاب.

وامحُ اللهمَّ ماثبت من ذنوبي واغسل بقبولها جميع عيوبي واجعلها جالية لقلبي شاخصة لبصيرة لبّي غاسلة لدرني مطهرةً لنجاسة بدني مصححة فيها ضميري عاجلة إلى الوفاء بها بصيرتي.

واقبل يارب توبتي فإنَّها تصدر من إخلاص نيّتي ومحض من تصحيح بصيرتي واحتفالاً في طويتي واجتهاداً في نقاء سريرتي وتثبيتاً لإنابتي مسارعة إلى أمرك

بطاعتي.

واجل اللهمَّ بالتّوبة عنّي ظلمة الإصرار وامح بها ماقدمته من الأوزار واكسني لباس التَّقوى وجلابيب الهدى فقد خلعت ربق المعاصي عن جلدي ونزعت سربال الذنوب عن جسدي مستمسكاً ربّ بقدرتك مستعيناً على نفسي بعزتك مستودعاً توبتي من النكث بخفرتك معتصماً من الخذلان بعصمتك مقارناً به لاحول ولا قوة الا بك».

المناجاة بطلب الحج

«اللهم ارزقني الحج الذي افترضته على من استطاع إليه سبيلاً واجعل لي فيه هادياً وإليه دليلاً وقرب لي بعد المسالك وأعني على تأدية المناسك وحرم بإحرامي على النار جسدي وزد للسفر قوتي وجلدي وارزقني ربّ الوقوف بين يديك والإفاضة إليك واظفرني بالنُّجح بوافر الربح واصدرني ربّ من موقف الحج الأكبر إلى مزدلفة المشعر.

واجعلها زلفة إلى رحمتك وطريقاً إلى جنتك وقفني موقف المشعر الحرام وم-ق-ام وقوف الإحرام وأهلني لتأدية المناسك ونحر الهدي التوامك بدم يثج وأوداج يمج وإراقة الدماء المسفوحة والهدايا المذبوحة وفري أوداجها على ما أمرت والتنقل بها كما وسمت.

واحضرني اللهمَّ صلوة العيد راجياً للوعد خائفاً من الوعيد حالقاً شعر رأسي

ومقصراً ومجتهداً في طاعتك مشمّراً رامياً للجمار بسبع بعد سبع من سبع من الأحجار.

وأدخلني اللهم عرصة بيتك وعقوتك ومحلّ أمنك وكعبتك ومساكينك وسؤالك

ومحاويجك وجد عليَّ اللهم بوافر الأجر من الانكفاء والنَّفر واختم اللهم مناسك حجي

وانقضاء عجي بقبول منك لي ورأفة منك بي يا أرحم الراحمين».

المناجاة بكشف الظلم

«اللهمَّ إنَّ ظلم عبادك قد تمكن في بلادك حتى أمات العدل وقطع الشبل ومحق الحقَّ وأبطل الصدق وأخفى البرَّ وأظهر الشَّرَّ وأحمد التَّقوى وأزال الهدى وأزاح الخير وأثبت الضَّير وأنمى الفساد وقوى العناد وبسط الجور وعدى الطَّور.

اللهم يارب لا يكشف ذلك إلا سلطانك ولا يجير منه إلا امتنانك اللهم ربّ فابتر الظلم وبثّ حبال الغشم وأحمد سوق المنكر وأعزّ من عنه ينزجر واحصد شافة أهل الجود وألبسهم الحور بعد الكور.

وعجّل اللهمَّ إليهم البيات وأنزل عليهم المثلات وأمت حياة المنكر ليؤمن المخوف ويسكن الملهوف ويشبع الجايع ويحفظ الضايع ويأوي الطريد ويعود الشريد ويغنى الفقير ويجار المستجير ويوفّر الكبير ويرحم الصَّغير ويعزّ المظلوم ويذل الظالم ويفرج المغموم وتنفرج الغماء وتسكن الدهماء ويموت الاختلاف ويعلو العلم ويشمل السلم ويجمع الشتات ويقوى الإيمان ويتلى القرآن إنّك أنت الديان والمنعم المنان».

المناجاة بالشكر لله تعالى

«اللهم لك الحمد على مردّ نوازل البلاء وتوالي سبوغ النعماء وملمات الضَّرّاءِ وكشف نوائب اللأواء ولك الحمد على هنييء عطائك ومحمود بلائك وجليل آلائك

ولك الحمد على إحسانك الكثير وخيرك العزيز وتكليفك اليسير ودفع العسير.

ولك الحمد يارب على تثميرك قليل الشكر وإعطائك وافر الأجر وحطك مثقل الوزر وقبولك ضيق العذر ووضعك باهض الإصر وتسهيلك موضع الوعر ومنعك مفظع الأمر.

ولك الحمد على البلاء المصروف ووافر المعروف ودفع المخوف وإذلال العسوف

ولك الحمد على قلة التكليف وكثرة التخفيف وتقوية الضعيف وإغاثة اللهيف. ولك الحمد على سعة إمهالك ودوام إفضالك وصرف إمحالك وحميد أفعالك وتوالي نوالك ولك الحمد على تاخير معاجلة العقاب وترك مغافصة العذاب وتسهيل طريق المآب وإنزال غيث السَّحاب».

المناجاة بطلب الحوائج

«جدير من أمرته بالدُّعاء أن يدعوك ومن وعدته بالإجابة أن يرجوك ولي اللهم حاجة قد عجزت عنها حيلتي وكلت فيها طاقتي وضعفت عن مرامها قوتي وسولت لي

نفسي الأمارة بالسُّوءِ وعدوّي الغرور الذي أنا منه مبلو أن أرغب إليك فيها.

اللهم وأنجحها بأيمن النّجاح واهدها سبيل الفلاح واشرح بالرجاء لإسعافك صدري ويسر في أسباب الخير أمري وصوّر إليَّ الفوز ببلوغ مارجوته بالوصول إلى

ما أملته.

ووفقني اللهم في قضاء حاجتي ببلوغ امنيتي وتصديق رغبتي وأعذني اللهم بكرمك من الخيبة والقنوط والأناة والتَّثبيط اللهمَّ إنَّك مليء بالمنائح الجزيلة وفي بها وأنت على كلّ شيءٍ قدير بعبادك خبير بصير»(1).

الخاصه

إن إحدى مهام الإمام الجواد علیه السلام والتي ركز عليها وأحيا من خلالها تراث آبائه هي العناية الفائقة بالجانب التربوي للأمة، أي بناء الخلق الإسلامي والشخصية السوية وفقاً لمنهج أهل البيت علیه السلام ، وقد أكد الإمام علیه السلام في هذا الاتجاه المفاهيم التالية:


1) مهج الدعوات، ص 258 - 265.

أ . ضرورة الحكمة في العمل.

ب . ضرورة ابتعاد المؤمنين عن الركون للظالم.

ج . أهمية النشاط الاجتماعي ودور الجماعة الصالحة فيه.

د . تحسين العلاقة مع الأصدقاء والاختبار الجيد لهم.

ه . وصاياه للعاملين وحثهم على الصبر والجد والمثابرة.

و . الحث على طلب العلم وبيان فضيلته.

ز . التركيز على أهمية التوبة حياة الإنسان المؤمن.

ح . النصّ على الإمام الهادي علیه السلام والتمهيد لإمامته من بعده.

الأسئلة

1 . اذكر نماذج لنشاط الإمام الجواد تعزز إحياءه لمنهج آبائه علیه السلام .

2 . ما هي المفاهيم التي تناولها الإمام الجواد في حفظ الأمة وصيانة الرسالة؟

3 . لما ذا أكد الإمام الجواد علیه السلام على الحكمة في العمل والتحرك داخل الأمة؟

4 . ما هي دلالة المنع من التعامل مع السلطان الظالم؟

5 . كيف حنّ الإمام الجواد علیه السلام على التحرك الاجتماعي؟

6 . ما هي الغاية من الحثّ على الصبر والثقة بالله في أحاديث المعصومين علیه السلام ؟

7 . ما هي أهمية التوبة في حياة الإنسان المؤمن؟

الدرس 28: النص على إمامة الهادي علیه السلام و ملامح عصره (1)

اشارة

ويتمثل عصر الإمام الهادي علیه السلام الإمام الهادي علیه السلام في الحقبة الزمنية التي بدأت من تحمله أعباء منصب الإمامة وانتهت باستشهاده علیه السلام فهي تبدأ منذ سنة 220 ه- (سنة استشهاد الإمام الجواد علیه السلام ) وحتى استشهاده الا سنة 254ه- ، وقد عاصر الإمام الهادي، عدداً من خلفاء بني العباس، وقد تزامن تولّي هؤلاء مع بداية ضعف السلطة العباسية وسيطرة الترك على زمام الأمور.

النص على إمامة علي بن محمد الهادي علیه السلام

ولد الإمام علي بن محمد الهادي علیه السلام في ذي الحجة من سنة 212 هجرية وتصدّى لمنصب الإمامة الكبرى في ذي الحجة من سنة 220 هجرية حيث استشهد والده الجواد علیه السلام بأمر من المعتصم العباسي بعد أن نص على إمامة ابنه الهادي وأتم الحجّة على شيعته وبهذا يكون عمره الشريف حين تصدّيه لإمامة المسلمين الربانية مالايزيد على ثمان سنوات، كما تصدّى من قبل أبوه الجواد علیه السلام لهذا المنصب الإلهي الخطير وهو في عمر لايزيد على الثمان سنوات أيضاً.

إذن فإمامة الهادي علیه السلام هي المصداق الثاني للإمامة المبكرة التي ظهرت في مدرسة أهل البيت علیه السلام، وعلى هذا فمن الطبيعي أن يكون خضوع علماء الطائفة ووجهائها لإمامته على أساس النص المعتبر أو الإحساس المباشر بقابليات الإمام علیه السلام وقدراته الربانية التي تعتقد الطائفة لزوم توفّرها في الإمام المعصوم لأنّ الإمامة الربانية هي إمامة العقول والقلوب والدين فلابد للإمام المعصوم من أن يكون كفوء لهذا المنصب ولا يضره الصغر في السنّ لأن علمه ليس مستمداً من التجارب أو الاكتساب العادي.

ومن الطبيعي أيضاً أن يكون التمهيد الإمامة الجواد علیه السلام المبكرة تمهيداً لإمامة من يليه من الأئمة المعصومين في سن مبكرة حيث أن كثيراً من الاستبعادات قد أجيب عليها خلال التمهيد الذي قام به الإمام الرضا علیه السلام أولاً والجدارة التي أثبتها الإمام الجواد علیه السلام خلال سنوات إمامته القصيرة ثانياً.

وعلى هذا فمن الطبيعي أن لا نلاحظ كثافة في النصوص الواردة عن الإمام الجواد علیه السلام بهذا الشأن كما كانت النصوص على إمامة الجواد علیه السلام قد سبقت ولادته بشكل مكثف وكانت تتضمن دفع الشبهات عن إمامته المبكرة بشكل ملفت للنظر أيضاً.

وقد ذكرنا في البحث الذي سيق لبيان دور الإمام الجواد علیه السلام في بناء الجماعة الصالحة واحداً من النصوص الصادرة عنه حول إمامة ابنه علي الهادي ثم ولده الحسن العسكري ثم ابن الحسن محمد المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف.

وإليك مجموعة النصوص التي وصلت إلينا عن الإمام الجوادعلیه السلام فيما يخص موضوع إمامة ولده علي الهادي علیه السلام .

1 . روى الكليني، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مهران قال: لمّا اخرج أبو جعفر علیه السلام من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأولى من خرجتيه، قلت له عند خروجه: جعلت فداك إنّي أخاف عليك في هذا الوجه، فإلى من الأمر بعدك؟ فكر بوجهه إليَّ ضاحكاً وقال: ليس الغيبة حيث ظننت في هذه السنة، فلما أخرج به الثانية

إلى المعتصم صرت إليه فقلت له: جعلت فداك أنت خارج فإلى من هذا الأمر من بعدك؟ فبكى حتى اخضلّت لحيته، ثم التفت إليَّ فقال: عند هذه يخاف عليَّ، الأمر من بعدي إلى ابني عليّ(1).

2 . وعن الخيراني، عن أبيه أنه قال: كان يلزم باب أبي جعفر علیه السلام للخدمة التي كان وكل بها وكان أحمد بن محمد بن عيسى يجيىء في السحر في كل ليلة ليعرف خبر علة أبي جعفر علیه السلام وكان الرسول الذي يختلف بين أبي جعفر علیه السلام وبين أبي إذا حضر قام أحمد وخلا به أبي، فخرجت ذات ليلة وقام أحمد عن المجلس وخلا أبي بالرسول واستدار أحمد فوقف حيث يسمع الكلام. فقال الرسول لأبي: إنّ مولاك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إنّي ماض والأمر صائر إلى ابني عليّ وله عليكم بعدي ماكان لي عليكم بعد أبي، ثم مضى الرسول ورجع أحمد إلى موضعه وقال لأبي: ما الذي قد قال لك؟ قال: خيراً، قال: قد سمعت ماقال، فلم تكتمه؟ وأعاد ماسمع، فقال له أبي قد حرَّم الله عليك ما فعلت لأنَّ الله تعالى يقول: «ولا تجسسوا» فاحفظ الشهادة لعلنا نحتاج إليها يوماً ما وإياك أن تظهرها إلى وقتها.

فلما أصبح أبي كتب نسخة الرسالة في عشر رقاع وختمها ودفعها إلى عشرة من وجوه العصابة وقال: إن حدث حدث الموت قبل أن أطالبكم بها فافتحوها واعلموا

بي بما فيها، فلما مضى أبو جعفر علیه السلام ذكر أبي أنه لم يخرج من منزله حتى قطع على يديه نحواً من أربعمائة إنسان واجتمع رؤساء العصابة عند محمد بن الفرج يتفاوضون هذه، فكتب محمّد بن الفرج إلى أبي يعلمه باجتماعهم عنده وأنه لولا مخافة الشهرة لصار معهم إليه ويسأله أن يأتيه، فركب أبي وصار إليه، فوجد القوم مجتمعين عنده، فقالوا لأبي: ما تقول في هذا الأمر؟ فقال أبي لمن عنده الرقاع : احضروا الرقاع، فأحضروها، فقال


1) الكافي، ج 1، ص 323.

لهم: هذا ما أمرت به ، فقال : بعضهم قد كنا نحبُّ أن يكون معك في هذا الأمر شاهد آخر؟

فقال لهم: قد آتاكم الله عزّ وجلّ به هذا أبو جعفر الأشعري يشهد لي بسماع هذه الرسالة وسأله أن يشهد بما عنده، فأنكر أحمد أن يكون سمع من هذا شيئاً، فدعاه أبي إلى المباهلة، فقال لما حقق عليه، قال: قد سمعت ذلك وهذا مكرمة كنت أحبُّ أن تكون لرجل من العرب لالرجل من العجم، فلم يبرح القوم حتى قالوا بالحق جميعاً(1).

3 . عن محمد بن الحسين الواسطي أنه سمع أحمد بن أبي خالد مولى أبي جعفر يحكي أنه أشهده على هذه الوصية المنسوخة: شهد أحمد بن أبي خالد مولى أبي جعفر أنَّ أبا جعفر محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب علیه السلام أشهده أنه أوصى إلى عليّ ابنه بنفسه وأخواته وجعل أمر موسى إذا بلغ إليه وجعل عبدالله بن المساور قائماً على تركته من الضياع والأموال والنفقات والرقيق وغير ذلك إلى أن يبلغ علي بن محمد.

صير عبدالله بن المساور ذلك اليوم إليه، يقوم بأمر نفسه وأخواته ويصير أمر موسى إليه، يقوم لنفسه بعدهما على شرط أبيهما في صدقاته التي تصدق بها وذلك يوم الأحد لثلاث ليال خلون من ذي الحجة سنة عشرين ومائتين، وكتب أحمد بن أبي خالد شهادته بخطه وشهد الحسن بن بن عبدالله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب علیه السلام وهو الجواني على مثل شهادة أحمد بن أبي خالد في صدر هذا الكتاب وكتب شهادته بيده وشهد نصر الخادم وكتب شهادته بيده (2).

4 . قال الخزاز القمي: حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا عبدالواحد بن محمد ابن عبدوس العطار ، قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري، قال: حدثنا حمدان بن سليمان، قال: حدثنا الصقر بن أبي دلف، قال: سمعت أباجعفر محمد بن علي بن


1) الكافي، ج 1، ص 324.

2) الكافي، ج 1، ص 325.

موسى الرضاء علیه السلام يقول الإمام بعدي ابني علي ، أمره أمري، وقوله قولي وطاعته طاعتي، والإمام بعده ابنه الحسن أمره أمر أبيه وقوله قول أبيه وطاعته طاعة أبيه. ثمّ سكت فقلت له: يا ابن رسول الله فمن الإمام بعد الحسن؟

فبكى علیه السلام بكاءاً شديداً ثمّ قال: إنّ بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر. فقلت له: يا ابن رسول الله ولم سمّي القائم؟ قال: لأنه يقوم بعد موت ذكره وارتداد أكثر القائلين بإمامته . فقلت له ولم سمّي المنتظر؟ قال: لأنّ له غيبة يكثر أيامها ويطول أمدها ، فينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون ويستهزي به الجاحدون ويكذب فيها الوقاتون ويهلك فيها المستعجلون وينجو فيها المسلمون (1).

5 . وقال : حدثنا علي بن محمد السندي، قال: حدثنا محمد بن الحسن، قال: حدثنا عبدالله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن هلال، عن (أمية بن علي) القيسي، قال: قلت لأبي جعفر الثاني علیه السلام: من الخلف من بعدك؟ قال: ابني علي. ثم قال: إنه سيكون حيرة. قال: قلت: إلى أين؟ فسكت ثمّ قال: إلى المدينة، قلت: وإلى أي مدينة؟ قال: مدينتنا هذه، وهل مدينة غيرها؟(2).

6 . وقال: قال أحمد بن هلال : أخبرني محمد بن إسماعيل بن بزيع أنه حضر أمية

بن علي وهو يسأل أبا جعفر الثاني علیه السلام عن ذلك، فأجابه بمثل ذلك الجواب(3).

7 . وروى المجلسي عن عيون المعجزات : عن الحميري، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبيه أنَّ أبا جعفر علیه السلام لما أراد الخروج من المدينة إلى العراق ومعاودتها أجلس أبا الحسن في حجره بعد النص عليه وقال له: ما الذي تحبُّ أن أهدي إليك من طرائف العراق ؟ فقال علیه السلام : سيفاً كأنه شعلة نار ثمَّ التفت إلى موسى ابنه وقال له:


1) كفاية الأثر، ص 279

2) كفاية الأثر، ص 280.

3) كفاية الأثر، ص 280.

ما تحبُّ أنت؟ فقال: فرساً ، فقال علیه السلام : أشبهنى أبو الحسن، وأشبه هذا أمه (1).

وقضى الإمام علي الهادي علیه السلام اثنتين وعشرين سنة من عمره المبارك في مدينة جده الرسول الأعظم صلی الله علیه واله وسلم . وحمل على هجرتها سنة 234 هجرية بعد أن كان قد ولد له الحسن في سنة 232 هجرية.

وبهذا يكون الإمام الهادي علیه السلام قد قضى أربع عشرة سنة من سني إمامته في المدينة وعشرين سنة أخرى في (سرّ من رأى) مقر حكومة العباسيين.

وقد أدرك الإمام الهادي علیه السلام قبل استشهاد أبيه ست سنوات من عهد المأمون وسنتين من حكم المعتصم.

وعاصر بعد استشهاد أبيه خلال أربع وثلاثين سنة - وهي سني إمامته - ستة من

الحكام العباسيين، وهم على الترتيب:

المعتصم (وقد دام حكمة 8 سنوات) 227 ه- .

والواثق (5 سنوات و 9 أشهر) 232 ه- .

والمتوكل ( 14 سنة) 247 ه- .

والمستنصر (ستة أشهر) 248 ه-

والمستعين (سنتان وقيل ثلاث سنوات و 9 أشهر) 252 ه- .

والمعتز (8 سنوات و 6 أشهر) 258 ه- .

واستشهد في عهد المعتز العباسي في سنة 254 ه- .

ملامح عصر الإمام الهادي علیه السلام

الحالة السياسية

اتسم عصر الإمام الهادي علیه السلام بانتشار الفوضى وفقدان الأمن، لأن السلطة العباسية


1) بحار الأنوار، ج 50، ص 123.

كانت قد فقدت هيمنتها وقدرتها التي كانت تتمتع بها أيام الرشيد والمأمون. ويعود ذلك إلى عدة أسباب منها: تسلّط الأتراك على زمام الحكم حتى لم يعد للخليفة أي نفوذ وسلطان، إذ كانوا هم الذين يولون من شاء وا ويعزلون من أرادوا من الخلفاء فضلاً عن الوزراء وسائر أعمال الدولة (1).

ووصف الجاحظ الأتراك بأنهم : أصحاب خيام وسكان منافٍ وأرباب مواش وهم أعراب العجم... فلم تكن لهم معرفة بشؤون الحكم والإدارة. ومن هنا ظهرت ألوان الفساد في الجهاز الحاكم بدءً بانعدام المسؤولية فانتشار الرشوة واختلاس أموال الأمة بواسطة الوزراء والعمّال والقضاة وكتاب الدواوين ورجال الحسبة.

وكان الولاة يشترون وظائفهم من الوزراء، وجهد أغلبهم على ظلم الناس والاستبداد عليهم وزجوا الأبرياء في ظلمات السجون.

من هنا كره المسلمون بجميع اتجاهاتهم الحكم العبّاسي وتمنوا زواله لحظة بعد أخرى، وقد اضطهد دعاة الإصلاح والعدل الاجتماعي من العلويين وعانوا من الإرهاق مالم يكن يعانيه أحد وزخر عهد المتوكل العباسي بهذه الظاهرة المزرية إذ جهد في ظلمهم والتنكيل بهم. حتّى فرض عليهم الحصار الاقتصادي ومنع رسمياً من البرّ بهم وعاقب على الإحسان إليهم فأضر هذا الحصار الاقتصادي بالعلويين أضراراً بليغة حتى انتهى بهم الحال أنّ القميص الواحد يكون بين جماعة من العلويات تصلي فيه واحدة بعد واحدة وكنّ يرقعنه ويجلسن على مغازلهن عواري حواسر (2)، في حين أن المتوكل كان ينفق على لياليه الحمراء الملايين من الدنانير ويهب الآلاف للمغنين واللاهين.

وكانت الأموال الطائلة تمنح للشعراء من أجل النيل من آل بيت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم(3)


1) راجع تأريخ اليعقوبي، عهد المعتصم و المعتمد و المعتز

2) مقاتل الطالبين ص 599

3) حياة الامام علي الهادي، ص 291 - 296.

الذي يحكم هؤلاء الطغاة باسمه ويتصرفون بكلّ صلف في سلطانه ودولته. وتصرّض العلويون - ولاسيما في أيام المتوكل - إلى الاعتقال والاضطهاد لالذنب سوى مطالبتهم بحقوق الأمة المهدورة وتوارى جمع من كبار العلويين وفضلاتهم وهربوا إلى الأرياف متنكرين خوفاً من السلطة العباسية الغاشمة.

وأقدم المتوكل على هدم قبر الإمام الحسين بن علي علیه السلام إذ كان يتحرق غيظاً ممّا يسمعه من تهافت الناس على زيارة هذا القبر الشريف. كما هدم كل بناء حول القبر وكرب ماحوله وأجرى الماء عليه إلّا أنّ الماء قد دار حول القبر ولم يصل إليه ومن ثمّ سمي بالحائر، وقد خرجت من القبر الشريف رائحة طيبة لم يشم الناس عطراً مثلها (1).

ومنع المتوكل رسمياً المسلمين من زيارة قبر ريحانة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وسيد شباب أهل الجنّة إذ أقام المراصد وبثّ العيون لملاحقة الزائرين وإنزال أقسى العقوبة بهم متمثلة في القتل والصلب وقطع الأيدي. لكن المسلمين كانوا يزدحمون على زيارة هذا القبر الشريف رغم كلّ هذا الاضطهاد والتنكيل حتى ثار أهل السواد واضطر للكفّ عن هذا الحظر (2).

الحياة الاقتصادية

إن الفوضى السياسية التي أشير إليها كانت ترافقها فوضى اقتصادية تتمثل في السلب والنهب وعدم التوزيع الصحيح للثروة فضلاً عن احتكار الأموال الطائلة في خزانات المتنفّذين وانتشار البؤس والفقر بين الأكثرية الساحقة من أبناء الأمة إلى جانب البذخ والإسراف الذي كان يطغى على سلوك الخلفاء، فكانت هباتهم للمغنين وجواري القصور واللاهين والشعراء الذين كانوا ينتقصون أهل البيت علیه السلام ، هذا فضلاً


1) مقاتل الطالبين، ص 658 و 598 و أخبار الدول، ص 359.

2) حياة الإمام علي الهادي، ص 303 - 304.

عن الاحتفالات والدعوات التي كانت تقام لأدنى مناسبة ويتفنن فيها بمالا يخطر على فكر بشر من أنواع البذخ والإسراف(1).

وظاهرة بناء القصور في عهد المتوكل ظاهرة ملفتة للنظر حتى أنه قد بنى قصراً في سفينة. وقد أنفق الملايين على قصوره التي عرفت بالجعفري والبرج والمليح والشبندار والمختار والغرو وبركوار والخير وبرك الماء التي كانت مسرحاً للهو والعبث والسخرية بالناس بدل صرف أوقاته في خدمة الأمة ومعالجة مشكلاتها والعمل على ازدهار حياتها وإنقاذها من البؤس الذي ألم بها.

لقد كانت معظم حياة هؤلاء الخلفاء حياة لهو ومجون فقصورهم مسرحاً لتعاطي

المنكرات وشرب الخمور (2).

الحالة الدينية

لقد أثارت القوى الحاقدة على الإسلام - في العصر الذي لاحظنا عليه الاضطراب السياسي والانهيار الاقتصادي - شكوكاً كثيرة حول العقيدة الإسلامية بشكل عام. كما اندست زمرة خبيثة من الملاحدة في صفوف الشيعة المعارضين للحكم القائم... لتشويه معالم الخط المعارض الذي ينتسب أصحابه إلى آل الرسول صلی الله علیه واله وسلم من العلويين وأتباعهم المؤمنين بخط أهل البيت علیه السلام .

وتمثلت هذه البدع بالغلو بأهل البيت علیه السلام من جانب والتهتك بترك الفرائض والسنن وإسقاطها والتشجيع لاقتراف المآثم من جانب آخر. كما أشيع القول بالتناسخ إلى جانب إنكار ضروريات الشريعة الإسلامية، كما حاول البعض تأويل الفرائض وتفسيرها بتفسيرات بعيدة عن منهج الإسلام وخطه الواضح المبين.


1) المصدر، ص 305 - 308.

2) المصدر، ص 309 - 322 و 323 - 330.

وقد تصدى الإمام الهادي علیه السلام وأصحابه لمحاربة هؤلاء الغلاة والمنحرفين حزم وعلى مختلف المستويات كما سنعرض لذلك في مجاله إن شاء الله تعالى. واستمرت فتنة خلق القرآن في عصر الإمام الهادي علیه السلام كمحنة كان قد ابتدعها الحكم العباسي لأغراض سياسية وكان للإمام الهادي علیه السلام منها موقف واضح كما سوف نلاحظه فيما سيأتي ، وقد كان الوعي الديني بشكل عام ضعيفاً للغاية ممّا وفّر الأرضيّة الكافية لانتشار المذاهب الباطلة والفرق المنحرفة عن أصول الشريعة الإسلامية، وقد ساعد انحراف الحكّام وانغماسهم في الشهوات على انتشار حياة اللهو كما شاع شرب الخمر وانتشرت الخلاعة والمجون في أكثر أيام بني العباس. فإنّ الطيور على أشكالها تقع أو كما قال الشاعر:

إذا كان ربّ البيت بالدق ناقراً *** فشيمة أهل البيت كلهم الرقص(1).


1) حياة الإمام علي الهادي، ص 330 - 341.

الخاصه

إنّ الحقبة الزمنية الممتدة من سنة ( 220 - 254ه-) تمثل عصر إمامة الإمام الهادي علیه السلام حيث تولى قيادة الجماعة الصالحة بعد استشهاد والده علیه السلام ،

فقد مارس دوره في بناء الجماعة الصالحة وحفظ الرسالة، وتخلّلت هذه الحقبة أحداث كثيرة، وفيها كان منعطف الدولة الكبير بعد قوتها ومنعتها إذ دب إليها الضعف والوهن حيث استولى الأتراك على مقاليد الدولة وقيادة الجيش.

و قد عاصر الإمام علیه السلام عدداً من خلفاء العصر العباسي الثاني وكانت له علیه السلام مواقف إزاء الأحداث والقضايا التي اكتنفت هذه الفترة من التأريخ

الإسلامي.

و تبرز هنا ظاهرة التخلّص من الخلفاء عن طريق الأتراك وكانت تلك الظاهرة لها أثرها في زعزعة كيان الدولة من خلال القتل المستمر للخلفاء، وبفواصل زمنية متقاربة كما حصل للمنتصر والمعتز وسواهما.

و قد تدهور الوضع الاقتصادي للمجتمع الإسلامي خلال هذه الفترة، وإن شهد تقدماً ثقافياً ملحوظاً وأدبياً أيضاً.

و كان الإمام الهادي علیه السلام في أوائل هذا العصر يحيا في المدينة المنوّرة، غير أنّ المتوكل أشخصه إلى سامراء ليكون تحت رقابة الدولة من أجل إبعاده عن قواعده وتحديد دوره وتقليص تأثيره في الأمة.

الأسئلة

1 . حدّد الفترة التي تولّى فيها الإمام الهادي علیه السلام لمنصب الإمامة وقيادة الجماعة الصالحة.

2 . وضح مظاهر الحياة السياسية في عصر الإمام الهادي علیه السلام وبماذا امتازت هذه الفترة.

3 . ما هو موقف المتوكل من العلويين؟ وضح ذلك.

4 . اذكر دور الأتراك في عزل وتنصيب خلفاء هذا العصر.

5 . وضح الحالة الثقافية والوضع الاقتصادي في هذه الفترة.

6 . تحدّث عن موقع الإمام علیه السلام الاجتماعي والسياسي في سامراء.

7 . كيف تحدد موقف الإمام علیه السلام إزاء الوضع العام في هذه الفترة؟

الدرس 29: ملامح عصر الإمام الهادي علیه السلام(2)

1 . المعتصم والإمام الهادي علیه السلام

بعد اغتيال الإمام الجواد علیه السلام بأمر المعتصم، عهد المعتصم إلى عمر بن الفرج أن يشخص إلى المدينة ليختار معلماً لأبي الحسن الهادي علیه السلام البالغ من العمر آنذاك ثمان سنين على أكبر تقدير، وقد عهد إليه أن يكون المعلّم معروفاً بالنصب والانحراف عن أهل البيت علیه السلام ليغذيه ببغضهم، ولما انتهى عمر إلى المدينة التقى بالوالي وعرفه بمهمته فارشِدَ إلى الجنيدي، وكان شديد البغض للعلويين فأرسل خلفه وعرفه بالأمر فاستجاب له، وعيّن له راتباً شهرياً، وعهد إليه أن يمنع الشيعة من زيارته والاتصال به، وباشر الجنيدي مهمته إلا أنه قد ذهل لما كان يراه من حدة ذكائه حتى قال:

إني والله لأذكر الحرف في الأدب، وأظنّ أني قد بالغت، ثمّ إنّه يملي أبواباً أستفيده منه، فيظن الناس أني أعلمه، وأنا والله أتعلم منه .

وقال أيضاً: والله تعالى لهو خير أهل الأرض ، وأفضل من برأه الله تعالى، وأنه لربّما هم بدخول الحجرة فأقول له: حتى تقرأ سورة، فيقول أي سورة تريد أن أقرأها؟ فاذكر له السور الطوال فيسرع بقراءتها بما لم أسمع أصح منها، وكان يقرؤها بصوت أطيب من مزامير داود، إنّه حافظ القرآن من أوّله إلى آخره، ويعلم تأويله وتنزيله. وأضاف

قائلاً: هذا الصبي صغير نشأ بالمدينة بين الجدران السود فمن أين علم هذا العلم الكبير ياسبحان الله؟!

ثم نزع عن نفسه النصب لأهل البيت علیه السلام ودان بالولاء لهم واعتقد بالإمامة»(1).

لقد كان لأدب الإمام الهادي علیه السلام وحسن تعامله معلمه «الناصبي» أثر كبير في تحوّله الاعتقادي وإيمانه بزعامة أهل البيت علیه السلام .

ثمّ إنّ الجنيدي نفسه قد صرّح بأنه تعلم من الإمام علیه السلام ولم يأخذ الإمام علیه السلام العلم عنه، وتلك خاصة للإمام وآبائه علیه السلام ، فإنّ الإمام الرضا علیه السلام لما سُئل عن الخلف بعده أشار إلى الإمام الجواد علیه السلام وهو صبي أو غلام واحتج بقوله تعالى: «وآتيناه الحكم صبياً».

وتعكس لنا هذه الرواية مدى الاهتمام المبكر من قبل المعتصم بالإمام الهادي علیه السلام من أجل تطويق تحرّكه وعزله عن شيعته ومريديه.

تصعيد المواجهة مع أهل البيت علیه السلام

تصدّى قاضي القضاة - يحيى بن أكثم - من قبل السلطة العباسية لتوجيه أسئلة

محرجة لموسى بن الإمام محمد الجواد علیه السلام وموسى لم يتصد لمنصب الإمامة ولم يتزعم حركة أهل البيت علیه السلام ، ولهذا التوجيه دلالته في تصعيد المواجهة مع خط أهل البيت علیه السلام وأتباعهم بعد اتضاح قدرة الإمام المعصوم - المنصوب من الله - على الإجابة والردّ على جميع التحديات التي حاولها ابن أكثم من قبل مع أبيه الإمام الجواد علیه السلام .

قال موسى بن محمد الجواد علیه السلام: لقيت يحيى بن أكثم في دار العامة فسألني عن مسائل فجئت إلى أخي علي بن محمد علیه السلام فدار بيني وبينه من المواعظ ما حملني


1) مآثر الكبراء في تأريخ سامراء، ج 3، ص 95 - 91 راجع حياة الإمام الهادي علیه السلام للشيخ باقر شريف القرشي، ج 4، ص 26.

وبصرني طاعته، فقلت له: جعلت فداك إنّ ابن أكثم كتب يسألني عن مسائل لأفتيه فيها فضحك علیه السلام ثم قال: فهل أفتيته ؟ قلت: لا، لم أعرفها، قال علیه السلام : وما هي؟ قلت: كتب يسألني عن قول الله: «وقال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك» نبي الله كان محتاجاً إلى علم آصف؟

وعن قوله: «ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً» سجد يعقوب وولده ليوسف وهم أنبياء؟

وعن قوله: «فإن كنت في شكٍّ ممّا أنزلنا إليك فسئل الذين يقرون الكتاب» من المخاطب بالآية؟ فإن كان المخاطب النبي صلی الله علیه واله وسلم فقد شك، وإن كان المخاطب غيره فعلى من إذا أنزل الكتاب؟

وعن قوله: «ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله » ما هذه الأبحر وأين هي؟

وعن قوله: «وفيها ماتشتهيه الأنفس وتلذ الأعين » فاشتهت نفس آدم علیه السلام أكل البر فأكل وأطعم [وفيها ماتشتهي الأنفس] فكيف عوقب؟

وعن قوله: «أو يزوجهم ذكرانا وإناثاً» يزوّج الله عباده الذكران وقد عاقب قوماً

فعلوا ذلك؟

وعن شهادة المرأة جازت وحدها وقد قال الله: «وأشهدوا ذوي عدل منكم»؟

وعن الخنثى وقول علي علیه السلام : «يورث من المبال » فمن ينظر إذا بال إليه؟ مع أنه عسى أن يكون امرأة وقد نظر إليها الرجال، أو عسى أن يكون رجلاً وقد نظرت إليه النساء؟ وهذا مالا يحلّ، وشهادة الجار إلى نفسه لا تقبل ؟

وعن رجل أتى إلى قطيع غنم فرأى الراعي ينزو على شاة منها، فلما بصر بصاحبها

خلى سبيلها فدخلت بين الغنم كيف تذبح؟ وهل يجوز أكلها أم لا؟

وعن صلاة الفجر لم يجهر فيها بالقراءة وهي من صلاة النهار وإنما يجهر في صلاة الليل.

وعن قول علي علیه السلام لابن جرموز بشر قاتل ابن صفية بالنار فلم يقتله وهو إمام؟ وأخبرني عن علي علیه السلام لما قتل أهل صفين وأمر بذلك مقبلين ومدبرين وأجهز على الجرحى، وكان حكمه يوم الجمل أنه لم يقتل موليا ولم يُجهز على جريح ولم يأمر بذلك، وقال: من دخل داره فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن. لم فعل ذلك؟ فإن كان الحكم الأول صواباً فالثاني خطاً.

وأخبرني عن رجل أقرّ باللواط على نفسه أيحدّ أم يدرأ عنه الحد؟.

الإمام الهادي علیه السلام ومواجهة التحديات العلمية

ثم قال الإمام الهادي علیه السلام لموسى : اكتب إليه قال موسى : وما أكتب؟ قال

الإمام علیه السلام اكتب:

بسم الله الرحمن الرحيم وأنت فألهمك الله الرشد أتاني كتابك فامتحنتنا به من تعنّتك لتجد إلى الطعن سبيلا إن قصرنا فيها والله يكافيك على نيتك، وقد شرحنا مسائلك فاصغ إليها سمعك وذلل لها فهمك، واشغل بها قلبك، فقد لزمتك الحجة والسلام.

1 . سألت عن قول الله عز وجل: «قال الّذي عنده علم من الكتاب» فهو آصف بن برخيا، ولم يعجز سليمان علیه السلام عن معرفة ماعرف آصف لكنّه صلوات الله عليه أحبّ أن يعرّف أُمّته من الجن والإنس أنه الحجّة من بعده، وذلك من علم سليمان علیه السلام أودعه عند آصف بأمر الله، ففهمه ذلك لئلا يختلف عليه في إمامته ودلالته، كما فهم سليمان علیه السلام في حياة داود علیه السلام لتعرف نبوّته وإمامته من بعد لتأكد الحجة على الخلق.

2 . وأما سجود يعقوب علیه السلام وولده كان طاعة لله ومحبة ليوسف علیه السلام، كما أنّ السجود من الملائكة لآدم علیه السلام لم يكن لآدم علیه السلام وإنما كان ذلك طاعة لله ومحبة منهم لآدم علیه السلام ، فسجود يعقوب وولده ويوسف علیه السلام معهم كان شكراً لله باجتماع شملهم، ألم تره يقول في شكره ذلك الوقت: «رب قد أتيتني من الملك وعلمتني من تأويل

الأحاديث * فاجر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين»(1).

3 . وأما قوله: «فإن كنت في شك ممّا أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب»(2)، فإنّ المخاطب به رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ولم يكن في شك ممّا أنزل إليه، ولكن قالت الجهلة كيف لم يبعث الله نبياً من الملائكة؟ إذ لم يفرّق بين نبيه وبيننا في الاستغناء عن المآكل والمشارب والمشي في الأسواق، فأوحى الله إلى نبيه: فاسأل الذين يقرؤون الكتاب بمحضر الجهلة، هل بعث الله رسولاً قبلك إلا هو يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ؟ ولك بهم أسوة، وإنّما قال: فإن كنت فى شكٍّ ولم يكن شك ولكن للمنفعة كما قال: «تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين، سورة آل عمران 61.

ولو قال (عليكم) لم يجيبوا إلى المباهلة، وقد علم الله أنّ نبيه يؤدّي عنه رسالته وماهو من الكاذبين، فكذلك عرف النبي أنه صادق فيما يقول ولكن أحب أن ينصف من نفسه.

4 . وأما قوله: «ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله»، فهو كذلك لو أنّ أشجار الدنيا أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر وانفجرت الأرض عيوناً لنفدت قبل أن تنفد كلمات الله وهي عين الكبريت وعين التمر وعين ال-(برهوت) وعين طبرية وحمة ماسبندان وحمة افريقية يدعى لسان وعين بحرون، ونحن كلمات الله لا تنفد ولا تدرك فضائلنا.

5 . وأما الجنّة فإنّ فيها من المآكل والمشارب والملاهي ماتشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وأباح الله ذلك كله لآدم علیه السلام ، والشجرة التي نهى الله عنها آدم علیه السلام وزوجته أن


1) يوسف / 101.

2) يوسف / 101.

يأكلا منها شجرة الحسد ، عهد إليهما أن لا ينظرا إلى من فضل الله على خلائقه بعين الحسد فنسي، ونظر بعين الحسد ولم يجد له عزما.

6 . وأما قوله: «أويزوجهم ذكراناً وإناثاً » أي يولد له ذكور ويولد له إناث، يقال لكلّ اثنين مقرنين زوجان ، كل واحد منهما زوج، ومعاذ الله أن يكون عن الجليل مالبست به على نفسك تطلب الرخص لارتكاب المآثم، «ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا » -الفرقان 68 / 69 - إن لم يتب.

7 . وأما شهادة المرأة وحدها التي جازت فهي القابلة، جازت شهادتها مع الرضا، فإن لم يكن رضي فلا أقل من إمرأتين تقوم المرأتان بدل الرجل للضرورة، لأن الرجل لا يمكنه أن يقوم مقامها، فإن كانت وحدها قُبِلَ قولها مع يمينها.

8 . وأما قول علي علیه السلام في الخنثى فهي كما قال: ينظر قوم عدول يأخذ كل واحد منهم مرآة وتقوم الخنثى خلفهم عريانه وينظرون في المرايا فيرون الشبح فيحكمون عليه.

9 . وأما الرجل الناظر إلى الراعي وقد نزا على شاة فإن عرفها ذبحها وأحرقها، وإن لم يعرفها قسم الغنم نصفين وساهم بينهما فإذا وقع على أحد النصفين فقد نجا النصف الآخر، ثمّ يفرق النصف الآخر فلا يزال كذلك حتى تبقى شاتان فيقرع بينهما فأيتها وقع السهم بها ذبحت وأحرقت ونجا سائر الغنم.

10 . وأما صلاة الفجر فالجهر فيها بالقراءة، لأنّ النبي صلی الله علیه واله وسلم كان يغلس بها فقراءتها من الليل.

11 . وأما قول علي علیه السلام : بشر قاتل ابن صفية بالنار فهو لقول رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وكان ممن خرج يوم النهروان فلم يقتله أمير المؤمنين صلی الله علیه واله وسلم بالبصرة لأنه علم أنه يقتل في فتنة نهروان

12 . واما قولك: إن عليه علیه السلام قتل أهل صفين مقبلين ومدبرين وأجهز على جريحهم وأنه يوم الجمل لم يتبع مولّياً ولم يجهز على جريح، ومن ألقى سلاحه آمنه

و من دخل داره آمنه ، فإنّ أهل الجمل قتل إمامهم ولم تكن لهم فئة يرجعون إليها وإنما رجع القوم إلى منازلهم غير محاربين ولا مخالفين ولامتنابذين رضوا بالكف عنهم فكان الحكم فيها رفع السيف عنهم والكفَّ عن أذاهم إذ لم يطلبوا عليه أعواناً.

وأهل صفين كانوا يرجعون إلى فئة مستعدة، وإمام يجمع لهم السلاح : الدروع والرماح والسيوف ويسني لهم العطاء ويهييء لهم الإنزال ويعود مريضهم ويجبر كسيرهم ويداوي جريحهم ويحمل راجلهم ويكسو حاسرهم ويردّهم فيرجعون إلى محاربتهم وقتالهم فلم يساو بين الفريقين في الحكم لما عرف من الحكم في قتل أهل التوحيد لكنّه شرح ذلك لهم، فمن رغب عرض على السيف أو يتوب من ذلك.

13 . وأما الرجل الذي اعترف باللواط فإنّه لم تقم عليه بيّنة وإنما تطوّع بالإقرار من نفسه وإذا كان للإمام الذي من الله أن يعاقب عن الله كان له أن يمن عن الله، أما ما سمعت قول الله: «هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب»؟! قد أنبأناك ما سألتنا عنه فاعلم ذلك(1).

2 . الإمام الهادي علیه السلام في عهد الواثق العباسي

كان الواثق كأسلافه الحاكمين في إسرافه في اللهو والمفاسد، وقد قيل عنه:

كان وافر الأدب مليح الشعر، وكان أعلم الخلفاء بالغناء، وله أصوات وألحان عملها نحو مائة صوت، وكان حاذقاً يجيد ضرب العود، وكان راوية للأشعار والأخبار. (2)محبّاً للغلمان وقيل عنه إنه كان يحبّ خادماً له أهدي له من مصر فأغضبه الواثق يوماً ثمّ إنّه سمعه يقول لبعض الخدم : والله إنه ليروم أن أكلمه - أي الواثق - من أمسي فما أفعل، فقال الواثق في ذلك شعراً.

ياذا الذي بعذابي ظلّ مختفراً *** ما أنت إلا مليك جار إذ قدرا


1) ابن شعبة، تحف العقول، ص 352.

2) السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص 343.

لولا الهوى لتجارينا على قدر *** وإن أقف منه يوماً فسوف ترى

الواثق وفتنة خلق القرآن

وامتحن الواثق الناس بفتنة خلق القرآن فكتب إلى القضاة أن يفعلوا ذلك في سائر البلدان وأن لا يجيزوا إلّا شهادة من قال بالتوحيد فحُبسَ بسبب ذلك أناس كثيرون.

وفي سنة إحدى وثلاثين ورد كتاب إلى أمير البصرة يأمره أن يمتحن الأئمة

والمؤذنين بخلق القرآن، وكان قد تبع أباه في ذلك ثم رجع في آخر أمره.

وفي هذه السنة قتل أحمد بن نصر الخزاعي وكان من أهل الحديث وقد استفتى الواثق جماعة من فقهاء المعتزلة بقتله فأجازوا له ذلك، وقال: إذا قمت إليه فلا يقومن أحد معي فإني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد رباً لانعبده ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها، ثم أمر بالنطع فأجلس عليه وهو مقيد فمشى إليه فضرب عنقه، وأمر بجمل رأسه إلى بغداد فصلب بها، وصلبت جثته في سرّ من رأى، واستمر ذلك ست سنين إلى أن ولّي المتوكل فأنزله ودفنه، ولما صلب كتب ورقة وعلقت في أذنه فيها: هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك دعاء عبدالله الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه فأبى إلا المعاندة فعجله الله إلى ناره، ووكل بالرأس من يحفظه.

وفي هذه السنة استفك من الروم ألفاً وستمائة أسير مسلم فقال ابن داود: من قال من الأسارى «القرآن مخلوق » خلصوه وأعطوه دينارين ومن امتنع دعوه في الأسر(1).

قال الخطيب: كان أحمد بن أبي داود قد استولى على الواثق وحمله على التشدّد في المحنة ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن.

ومن جملة من شملهم ظلم الواثق أبو يعقوب بن يوسف بن يحيى البوطي صاحب الشافعي - الذي مات سنة 231 ه - محبوساً في محنة الناس بالقرآن، ولم يجب إلى


1) يراجع تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 479 - 483 و تأريخ الخلفاء، ص 340.

القول بأنه مخلوق وكان من الصالحين(1).

موقف الإمام الهادي علیه السلام من فتنة خلق القرآن

لقد عمّت الأمة فتنة كبرى زمن المأمون والمعتصم والواثق بامتحان الناس بخلق القرآن وكأنّ هذه المسألة مسألة يتوقف عليها مصير الأمة الإسلامية، وقد بين الإمام الهادي علیه السلام الرأي السديد في هذه المناورة السياسية التي ابتدعتها السلطة فقد روي عنه أنه كتب إلى بعض شيعته ببغداد:

بسم الله الرحمن الرحيم: عصمنا الله وإياك من الفتنة، فإن يفعل فأعظم بها نعمة وإلا يفعل فهي الهلكة، نحن نرى أن الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائل والمجيب فتعاطى السائل ماليس له وتكلّف المجيب ماليس عليه، وليس الخالق إلا الله وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله لا تجعل له اسماً عندك فتكون من من الضالين ، جعلنا الله وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون(2).

إخبار الإمام علیه السلام بموت الواثق

كان الإمام الهادي علیه السلام يتابع التطورات السياسية ويرصد الأحداث بدقة. فعن خيران الخادم قال: قدمت على أبي الحسن علیه السلام المدينة فقال لي: ماخبر الواثق عندك؟ قلت: جعلت فداك خلفته في عافية، أنا من أقرب الناس عهداً به عهدي به منذ عشرة أيام فقال لي: إنّ أهل المدينة يقولون: إنّه مات . فلمّا أن قال لي: الناس، علمت أنه هو ثم قال لي: مافعل جعفر؟ قلت: تركته أسوأ الناس حالاً في السجن فقال: أما أنه صاحب الأمر. ما فعل ابن الزيات؟ قلت: جعلت فداك الناس معه والأمر أمره فقال: أما إنه شوم عليه ثم سكت وقال لي: لابد أن تجري مقادير الله تعالى وأحكامه ياخيران،


1) تأريخ ابن الوردي، ج 1، ص 335.

2) أمالي الشيخ الصدوق، ج 1، ص 489.

مات الواثق وقد قعد المتوكل جعفر وقد قتل ابن الزيات فقلت: متى جعلت فداك؟ قال: بعد خروجك بستة أيام(1).

وهذه الرواية دون شك تظهر لنا حدة الصراع والتنافس على السلطة داخل الأسرة العباسية الحاكمة، كما تظهر لنا متابعة الإمام علیه السلام للاوضاع العامة والسياسية أولاً بأول، واهتمامه الكبير هذا يوضح حالة القهر والاضطهاد التي كانت تعاني منها قواعد الإمام علیه السلام الشعبية ومواليه ، فكان علیه السلام يوافيهم بمآل الأحداث والظواهر السياسية، ليكونوا على حذر أوّلاً ولتنمية قابليّاتهم في المتابعة وتحليل الظواهر ثانياً.

الخاص

حاول المعتصم بعد استشهاد الإمام الجواد علیه السلام أن يحتوي تحرّك الإمام الهادي علیه السلام لذا بعث عمر بن الفرج إلى المدينة كي يختار معلماً للإمام الهادي علیه السلام - وأن يكون - هذا المعلم، معروفاً بالنصب والانحراف عن أهل البيت علیه السلام - غير أن معلم الإمام علیه السلام أعجب بعلمه وأدبه مع صغر سنه علیه السلام . فقال عنه الجنيدي وهو معلمه حين سأل عنه أو قيل له أنه صبی ، قال: «والله تعالى لهو - أي الإمام علیه السلام - خير أهل الأرض وأفضل من يراه الله سبحانه». ونشأ الإمام علیه السلام وترعرع في مدينة جده رسول الله صلی الله علیه واله وسلم.

ثم إن المعتصم حاول بكل وسائل سلطانه أن يدحض حجة الإمام علیه السلام عن طريق أسئلة واحتجاجات يحيى بن أكثم الذي نقل أسئلته إلى الإمام أخوه موسى بن محمد ابن الرضاء علیه السلام ، وأجاب عليها الإمام علیه السلام بأجمعها فيهت ابن أكثم.


1) أصول الكافي، ج 1، ص 381.

أما في عصر الواثق فقد امتحن الناس بمسألة خلق القرآن وعمّ ذلك على القضاة في الأمصار حيث طلب منهم أن لا يجيزوا شهادة من خالف رأي الخليفة في ذلك وطلب من الولاة وخاصة أمير البصرة أن يمتحن الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن وكان متبعاً في ذلك سبيل أبيه ثم أنّ الإمام الهادي علیه السلام أخبر بموت الواثق كأنه بذلك الإخبار كان يبشر الناس بالخلاص من طاغية من طواغيت العبّاستين الذين عتوا وطغوا واستبدوا بالسلطان.

الأسئلة

1 . علل سبب اختيار المعتصم معلماً للإمام الهادي علیه السلام.

2 . اذكر أهم الأمور في موقف معلم الإمام علیه السلام منه.

3 . أوضح النقاط التي تظهر علمية الإمام الهادي علیه السلام.

4 . ما غرض الواثق من إثارة مسألة خلق القرآن؟

5 . لماذا اعتمد الواثق على بعض فقهاء المعتزلة دون سائر الفرق الإسلامية؟

6 . ما هو موقف الإمام علیه السلام من مسألة خلق القرآن؟

7 . ما دلالة من إخبار الإمام خيران الخادم بموت الواثق؟ للجماعة الصالحة؟

الدرس 30: ملامح عصر الإمام الهادي علیه السلام (3)

3 . المتوكل العباسي والإمام الهادي علیه السلام

لقد عرف المتوكل ببغضه لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام بشكل خاص ولآل البيت علیه السلام بشكل عام، وكان شديداً على الشيعة فعمد إلى هدم قبر الإمام أبي عبدالله الحسين بن علي علیه السلام ومنع الشيعة من زيارته وأخذ يعاقبهم عليها ويضطهدم لذلك.

إشخاص الإمام الهادي علیه السلام إلى سامراء

1. رسالة المتوكل إلى الإمام الهادي علیه السلام: روى الشيخ الكليني عن محمد بن بن يحيى، عن بعض أصحابنا قال: أخذت نسخة كتاب المتوكل إلى أبي الحسن الثالث علیه السلام من يحيى بن هرثمة في سنة ثلاث وأربعين ومائتين وهذه نسخته : -

«بسم الله الرحمن الرحيم»

أما بعد فإنّ أميرالمؤمنين عارف بقدرك ، راعٍ لقرابتك، موجباً لحقك يقدر الأمور فيك وفي أهل بيتك، ما أصلح الله به حالك وحالهم وثبت به عزّك وعزّهم، وأدخل اليمن والأمن عليك وعليهم، ويبتغي بذلك رضا ربه وأداء ما أفترض عليه فيك وفيهم،

وقد رأى أمير المؤمنين صدق عبدالله بن محمّد عمّا كان يتولاه من الحرب والصلاة بمدينة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم.

إذا كان على ماذكرت من جهالته بحقك واستخفافه بقدرك، وعندما قرفك به، ونسبك إليه من الأمر الذي قد علم أمير المؤمنين براءتك منه وصدق نيتك في ترك محاولته، وأنك لم تؤهّل نفسك له، وقد ولّي أمير المؤمنين ماكان يلي من ذلك محمّد بن الفضل، وأمره بإكرامك وبتجيلك والإنتهاء إلى أمرك ورأيك والتقرب إلى الله وإلى أمير المؤمنين بذلك، وأمير المؤمنين مشتاق إليك يحبّ إحداث العهد بك والنظر إليك.

فإن نشطت لزيارته والمقام قبله مارأيت شخصت ومن أحببت من أهل بيتك ومواليك وحشمك على مهلة وطمأنينة ترحل إذا شئت وتنزل إذا شئت، وتسير كيف شئت وإن أحببت أن يكون يحيى بن هرثمة مولى أمير المؤمنين ومن معه من الجند مشيعين لك، يرحلون برحيلك، ويسيرون بسيرك، والأمر في ذلك إليك حتى توافي أمير المؤمنين.

فما أحد من إخوته وولده وأهل بيته وخاصته ألطف منه منزلة ولا أحد له أثرة ولاهو لهم أنظر وعليهم أشفق، وبهم أبر وإليهم أسكن منه إليك إن شاء الله تعالى والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (1).

2. أسباب الإشخاص : كان المتوكل يهدف في رسالته أموراً إعلامية هي التأثير في أهل المدينة محاولةً منه لتغيير انطباعهم فإنّ الغالبية من أهل المدينة كانوا يعرفون المتوكل ويعلمون عداءه لأهل البيت علیه السلام وشيعتهم.

وحاول ثانياً أن يُبدي للإمام الهادي علیه السلام أنه يحترم رأيه ويقدره ويعزّه، لذا فقد أبدل والي المدينة بغيره ومن ثم جعل له الحريّة في الشخوص إلى الخليفة كيف يشاء الإمام علیه السلام ، وهذه أساليب تغري العامة فالإمام علیه السلام يدرك ما يهدف إليه المتوكل في


1) الكافي، ج 1، ص 501.

استدعائه.

لقد أمر المتوكل - يحيى بن هرثمة بالذهاب إلى المدينة إشخاص الإمام الهادي علیه السلام إلى سامراء، وكانت للإمام علیه السلام مكانة رفيعة عند أهل المدينة، ولما عمد يحيى إلى إشخاصه اضطربت المدينة وضجّ أهلها.

قال يحيى بن هر ثمة: دخلت المدينة فضجّ أهلها ضجيجاً عظيماً، ما سمع الناس بمثله خوفاً على علي - أي الإمام الهادي علیه السلام - وقامت الدنيا على قدم وساق، لأنه كان محسناً إليهم ملازماً المسجد ، لم يكن عنده ميل إلى الدنيا فجعلت أسكتهم، وأحلف لهم أني لم أؤمر فيه بمكروه وأنه لا بأس عليه، ثم فتشت منزله فلم أجد إلا مصاحف وأدعيةً، وكتب علم، فعظم في عيني (1). وكان ذلك في سنة 234 ه- وتفيد هذه الرواية مايلي:

1 . قوة تأثير الإمام الهادي علیه السلام وانشداد الناس إليه وتعلقهم به؛ لكثرة إحسانه إليهم.

2 . خشية السلطة العباسية من تعاظم أمر الإمام علیه السلام لسهولة اتصال الجماعة الصالحة به، فكان في إشخاصه إلى سامراء إبعاداً له عنهم، فضلاً عن وضعه تحت المراقبة الشديدة وتحديد حركته وارتباطاته أو كشفها لإبادتها.

3 . تأثر قائد الجيش العباسي - يحيى بن هرثمة - بالإمام علیه السلام ، وتعظيمه له حيث لاحظ كذب الاتهامات والوشايات المرفوعة حوله بالنسبة لعد العدة والسلاح للإطاحة بالخليفة العباسي.

4. عزوف الإمام علیه السلام عن الدنيا وملازمة المسجد متخذاً من سيرة آبائه نبراساً له، ومن المسجد طريقاً لبثّ علوم أهل البيت علیه السلام وتصحيح معتقدات الأمة.

5 . عزل الإمام علیه السلام عن شيعته ومحبّيه ، فسامراء مدينة أسسها العباسيون أنفسهم


1) سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص، ص 202.

وكانت تسكنها غالبية تركية (قوّاد وجنود)، ولم يكونوا ليعبأوا بالدين وقيمه بقدر اهتمامهم بالسيطرة وإحكام السلطة.

إن من أسباب إشخاص الإمام إلى سامراء - كما تفيده بعض المصادر التأريخية -

وشاية بعض عمّال السلطة العباسية الذين كانوا يرون الإمام علیه السلام منافساً لهم.

فقد كتب بريحة العباسي - صاحب الصلاة بالحرمين - إلى المتوكل: إن كان لك في الحرمين حاجة فأخرج عليّ بن محمّد منهما فإنه قد دعا إلى نفسه واتبعه خلق كثير، وتابع بريحة الكتب في هذا المعنى فوجه المتوكل يحيى بن هرثمة وكتب معه إلى أبي الحسن علیه السلام كتاباً جميلاً يعرفه أنه قد اشتاقه ويسأله القدوم عليه، وأمر يحيى بالمسير معه كما يحبّ، وكتب إلى بريحة يعرّفه ذلك فقدم يحيى بن هرثمة المدينة فأوصل الكتاب إلى بريحة وركبا معاً إلى أبي الحسن علیه السلام فأوصلا إليه كتاب المتوكل فاستأجلهما ثلاثاً، فلمّا كان بعد ثلاث عاد إلى داره فوجد الدواب مسرجة والأثقال مشدودة قد فرغ منها، وخرج علیه السلام متوجهاً نحو العراق وتبعه بريحة مشيّعاً فلما صار في بعض الطريق قال له بريحة: قد علمت وقوفك على أني كنت السبب في حملك وعلى ذلك حلف بأيمان مغلظة لئن شكوتني إلى أمير المؤمنين أو أحد من خاصته وأبنائه لأجمرنّ نخلك ولأقتلنّ مواليك ولأعورن عيون ضيعتك ولا فعلن ولأصنعن، فالتفت إليه أبو الحسن فقال له: إنّ أقرب عرضي إيّاك على الله البارحة وماكنت لأعرضنك عليه ثمّ لأشكونك إلى غيره من خلقه قال: فأنكبّ عليه بريحة وضرع إليه واستعفاه فقال له الإمام علیه السلام : قد عفوت عنك (1).

ويبدو من هذه الرواية أنّ المتوكل أمر يحيى بن هرثمة برعاية الإمام علیه السلام وعدم التشديد عليه، وقد بلغ ذلك بريحة وخشي أن يشتكيه الإمام علیه السلام للمتوكل، فتوعد الإمام علیه السلام ولكن الإمام علیه السلام عمد إلى تركيز مفهوم إسلامي وهو مسألة الارتباط بالله


1) المسعودي، إثبات الوصية، ص 196 - 197.

سبحانه، فإنّه الذي ينفع ويضرّ ويدفع عن عباده الضر لذا أجاب الإمام علیه السلام بريحة بأنه قد شكاه إلى الله تعالى قبل يوم من سفره وأنّ الإمام علیه السلام ليس في نيته أن يشتكي بريحة عند الخليفة مما اضطر بريحة إلى أن يعتذر من الإمام علیه السلام ويطلب العفو منه، فهو يعرف منزلة الإمام ومنزلة آبائه علیه السلام وصلتهم الوثيقة بالله سبحانه، فأخبره الإمام علیه السلام بأنه قد عفى عنه.

وكان الإمام يدرك أبعاد سلوك الخليفة إزاءه وما يرمي إليه من إشخاصه من المدينة إلى سامراء، وإبعاده عن أهله ومواليه ومن ثمّ وضعه تحت الرقابة المشدّدة لمعرفة الداخلين على الإمام والخارجين منه أي ضبط تصرّف الإمام علیه السلام وحركات قواعده، فوجوده علیه السلام في المدينة يعني بالنسبة للخليفة تمتع الإمام علیه السلام البحرية في التحرك، فضلاً عن سهولة سبل الاتصال به من قبل القواعد الموالية للإمام علیه السلام .

فكان الإمام علیه السلام في كل تحركاته، يقظاً وكانت وصاياه إلى شيعته تتصف بالحذر، من هنا كانت الوشايات تبوء بالفشل، وبالرغم من مباغتة الإمام علیه السلام وكبس داره لم يجد جلاوزة السلطان فيها غير كتب الأدعية والعلم والقرآن الكريم (1).

والسبب الآخر للإشخاص - كما يراه ابن الجوزي -: هو أن المتوكل كان يبغض

علياً أمير المؤمنين علیه السلام وذريته وخشي تأثيره في أهل المدينة وميلهم إليه(2).

الإمام علیه السلام في خان الصعاليك

ذكر الشيخ المفيد أن الإمام الهادي علیه السلام حين وصل سرّ من رأى كان المتوكل قد تقدم بأن يحجب عنه في يومه فنزل في خان الصعاليك وأقام به يومه ثم تقدم المتوكل بإفراد دار له فانتقل اليها.

وأقام أبو الحسن علیه السلام مدة مقامه بسر من رأى مكرّماً في ظاهر حاله يجتهد


1) سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص، ص 322

2) سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص، ص 322

المتوكل في إيقاع حيلة به، فلا يتمكن من ذلك(1).

كبس دار الإمام الهادي علیه السلام في سامراء واستدعائه

لم تحقق وسائل السلطة في التضييق على الإمام ومراقبته شيئاً من أهدافها في ضبط بعض القضايا التي تؤكد صحة الوشايات بالإمام علیه السلام ، فكثيراً ماسعى بعض المتزلّفين للخليفة بالإمام علیه السلام أو غروا صدره ضد الإمام علیه السلام وأخبروا الخليفة كذباً بأن لديه السلاح وتجبى إليه الأموال من الأقاليم ، مما أدى بالخليفة إلى إرسال بعض أمراء جنده إلى دار الإمام علیه السلام وتفتيشها ثم استدعاء الإمام علیه السلام إلى البلاط.

لقد كان المتوكل مرّةً ثملاً على مائدة الشراب حينما دخل عليه الإمام علیه السلام وبعد أن أعظم الإمام علیه السلام وأجلسه إلى جانبه؛ ناوله الكأس.

فقال الإمام علیه السلام : يا أمير المؤمنين ما خامر لحمي ودمي قط فاعفني فأعفاه.

ثم قال له المتوكل: أنشدني شعراً.

فقال الإمام علیه السلام : إني لقليل الرواية للشعر.

فقال المتوكل : لابد من ذلك، فانشده الإمام هذه الأبيات:

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم *** غلب الرجال فما أغنتهم القُلَلُ

واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم *** فا ودعوا حُفراً يا بئس مانزلوا

ناداهم صارخ من بعد ماقبروا *** أين الأسرة والتيجان والحُلل

أين الوجوه التي كانت منعمة *** من دونها تضرب الأستار والكللُ

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم *** تلك الوجوه عليها الدود يقتتل

قد طال ما أكلوا دهراً وماشربوا *** فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا

فبكى المتوكل، ثمّ أمر برفع الشراب وقال: يا أبا الحسن! أعليك دين؟ قال: نعم أربعة


1) الإرشاد، ص 313 - 314.

آلاف دينار، فدفعها إليه وردّه إلى منزله مكرّماً.

وروى ابن شهر آشوب بإسناده عن أبي محمد الفحام أنه قال: سأل المتوكل ابن الجهم مَنْ أشعر الناس؟ فذكر الجاهلية والإسلام، ثمّ إنّه سأل أبا الحسن علیه السلام، فقال: «الجماني» حيث يقول:

لقد فاخرتنا من قريش عصابة *** بمد خدود وامتداد أصابع

فلما تنازعنا المقال قضى لنا *** عليهم بمانهوى نداء الصوامع

ترانا سكوتاً والشهيد بفضلنا *** عليهم جهير الصوت في كل جامع

فإنّ رسول الله أحمد جدنا *** ونحن بنوه كالنجوم الطوالع

قال المتوكل: ومانداء الصوامع يا أبا الحسن؟

قال علیه السلام : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، جدّي أم جدّك؟

فضحك المتوكل ثمّ قال: هو جدك لاندفعك عنه (1).

إن الواقع العملي كان يفضح أساليب المتوكل الذي عمد إلى التضييق على الإمام علیه السلام وفرض الإقامة الجبرية عليه، ومن ثمّ ايداعه السجن وغيرها من أساليب الاضطهاد التعسّفيّة التي اتخذها المتوكل ضد الإمام علیه السلام، كما اتضح ذلك ، كما اتضح ذلك من كبس دار الإمام علیه السلام عدة مرات واستدعائه إلى البلاط.

ومما يعزز ذلك أيضاً ما رواه الشيخ الطوسي رضی الله عنه بإسناده عن محمد بن الفحام: أنّ الفتح بن خاقان قال: قد ذكر الرجل - يعني المتوكل - خبر مال يجيء من قم، وقد أمرني أن أرصده لأخبره به، فقال لي من أي طريق يجيء حتى أجتنبه، فجئت إلى الإمام علي بن محمد علیه السلام فصادفت عنده من احتشمه فتبسم وقال لي:

لا يكون إلا خيراً يا أبا موسى، لم لم تعد الرسالة الأولى؟ فقلت: أجللتك ياسيدي،

فقال لي: المال يجيء الليلة وليس يصلون إليه فبت عندي.


1) ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج 2، ص 446.

فلما كان من الليل وقام إلى ورده قطع الركوع بالسلام وقال لي: قد جاء الرجل

ومعه المال، وقد منعه الخادم الوصول إلي فاخرج خذ مامعه.

فخرجت فإذا معه زنفيلجة (1)فيها المال : فأخذته ودخلت به إليه، فقال: قل له هات المحنقة التي قالت له القمية أنها ذخيرة جدتها، فخرجتُ له فأعطانيها، فدخلت بها إليه، فقال لي: قل له الجبة التي أبدلتها منها ردّها إليها، فخرجت إليه فقلت له ذلك، فقال: نعم كانت ابنتي استحسنتها فأبدلتها بهذه الجبة وأنا أمضي فأجيء بها، فقال: اخرج فقل له: إن الله يحفظ مالنا وعلينا، هاتها من كتفك، فخرجت إلى الرجل فأخرجها من كتفه فغشي عليه، فخرج إليه علیه السلام ، فقال له: قد كنت شاكاً، فتيقنت (2).

وفي الرواية دلالات كثيرة، أهم ما يلفت الانتباه فيها هو: -

أولاً: إنّ الإمام يعرف شك السلطة وهو آخذ حذره ومستيقظ للأمر، لذا أجاب من

سأله عن المال بأنه سيصل ولاسبيل للمتوكل وجلاوزته عليه، وفعلاً وصل سالماً. ثانياً : إنّ حامل المال إلى الإمام علیه السلام يريد أن يختبر الإمام علیه السلام أو يبحث عن وسيلة لليقين في إمامته علیه السلام ، لذا فقد أرشد الإمام مستلم المال إلى أمور لا يعرفها إلا حامله كالجبة التي أخفاها تحت كتفه، وزاد علیه السلام بقوله: أتيقنت مشيراً إلى ماكان يكنه هذا الرجل بنفسه ومايروم أن يصل إليه وهو معرفة الإمام بهذه الأمور وقد أيقن وأطمأن حينما أخبره رسول الإمام علیه السلام إليه بما يضمره.

اعتقال الإمام الهادي علیه السلام في سامراء

وأمر الطاغية المتوكل باعتقال الإمام وزجه في السجن، فبقي فيه أياماً، وجاء

لزيارته صقر بن أبي دلف، فاستقبله الحاجب وكانت له معرفة به، وكان عالماً بتشيعه ، وبادر الحاجب قائلاً: «ياصقر ما شأنك؟ وفيم جئت؟...»


1) زنفيلجة معرب زنبيلة بمعنى وعاء ادوات الراعي. بحار الأنوار، ج 50، ص 125.

2) أمالي الشيخ الطوسي، ج 1، ص 282 و المناقب، ج 2، ص 451.

فقلت: «لخير ما»

فقال: «لعلك جئت تسأل عن خبر مولاك؟».

فقلت له: ومن مولاي؟ «مولاي أمير المؤمنين - يعني المتوكل».

فتبسّم الحاجب وقال: «أسكت مولاك هو الحق - يعني الإمام الهادي علیه السلام - فلا تحتشمني فإني على مذهبك... »

فقلت: الحمد لله... قال: أتحب أن تراه؟

قلت: نعم....

قال: «اجلس حتى يخرج صاحب البريد من عنده».

ولما خرج صاحب البريد التفت الحاجب إلى غلامه فقال له: خذ بيد الصقر حتى

تدخله الحجرة التي فيها العلوي المحبوس، وخل بينهما.

فأخذه الغلام حتى أدخله الحجرة وأوماً إلى بيت فيه الإمام علیه السلام ، فدخل عليه الصقر ، وكان الإمام علیه السلام جالساً على حصير وبإزائه قبر محفور قد أمر به المتوكل لإرهاب الإمام علیه السلام ، والتفت علیه السلام قائلاً بحنان ولطف: «ياصقر ما الذي أتى بك؟».

قلت: «جئت لأتعرف على خبرك .....»، وأجهش الصقر بالبكاء رحمة بالإمام وخوفاً

عليه، فقال علیه السلام : «يا صقر لا عليك، لن يصلوا إلينا بسوء الآن....».

وهكذا هدأ روعه وحمد الله على ذلك، ثمّ سأل الإمام عن بعض المسائل الشرعية فأجابه عنها، وانصرف مودعاً الإمام (1)، ولم يلبث الإمام إلا قليلاً في السجن حتى أطلق سراحه.


1) بحار الأنوار، ج 50، ص 194.

الخاصه

كان المتوكل معروفاً ببغضه لأمير المؤمنين علیه السلام وأهل البيت علیه السلام ، وكان شديداً على القواعد الشيعية الموالية لأهل البيت علیه السلام ، لذا عمد إلى اشخاص الإمام علیه السلام من المدينة إلى سامراء وصحب ذلك اضطراب شديد في المدينة حزناً وألماً لذهاب الإمام علیه السلام إلى سامراء.

و يمكن أن يضاف إلى عامل حقد المتوكل على الإمام علیه السلام والشيعة عوامل اخرى دفعت المتوكل إلى إبعاده عن المدينة هی :

1 . تأثير الإمام علیه السلام في أهل المدينة وانشدادهم إليه.

2 . خشية السلطة من تعاظم أمر الإمام علیه السلام .

3 . اتخاذ الإمام علیه السلام من المسجد النبوي مقراً لبت علوم أهل البيت علیه السلام .

4 . محاولة إبعاد وعزل الإمام علیه السلام عن الجماعة الصالحة إلى غير ذلك من العوامل التي ساهمت في تطويق تحرّك الإمام علیه السلام وشيعته، ثم نجد أن المتوكل لم يترك الإمام علیه السلام وشأنه حيث حلّ في سامراء، بل ذهب إلى مضايقته وتحديد تحرّكه بل عمد المتوكل إلى سجن الإمام علیه السلام ومن ثمّ عمل على اغتياله علیه السلام ولكن باءت محاولته بالفشل.

ففي إحدى المرات دعا المتوكل الإمام علیه السلام إلى مجلس شراب ورفض الإمام علیه السلام الشراب وأنشده شعراً فيه ترهيب ووعيد ولم يخش الإمام علیه السلام سطوة المتوكل وغضبه.

قد لجأ الإمام علیه السلام داعياً إلى الله من أجل هلاك المتوكل لشدّة ظلمه وبطشه ولم يلبث المتوكل بعد دعاء الإمام علیه السلام عليه سوى ثلاثة أيام، حتى أعلن هلاك المتوكل وتخلّصت الأمة عامة والجماعة الصالحة خاصة منه ومن استبداده وظلمه.

الأسئلة

1 . بم عُرف المتوكل العباسي إزاء أهل البيت علیه السلام ومواليهم؟

2 . لماذا أمر المتوكل بإشخاص الإمام علیه السلام إلى سامراء؟

3 . ما هي أهم إجراءات السلطة العباسية لتحديد نشاط الإمام علیه السلام ومنع تأثيره في مواليه وشيعته؟

4 . ما هي أهم النقاط التي تضمنتها رسالة المتوكل إلى الإمام علیه السلام؟

5 . ما هي دلالات عملية اعتقال الإمام علیه السلام ومحاولة اغتياله من قبل المتوكل؟

6 . بأي وسيلة واجه الإمام علیه السلام المتوكل بحيث قتل بعدها بثلاثة أيام؟

7 . كيف قتل المتوكل العباسي وعلى أيدي من؟

الدرس 31: ملامح عصر الإمام الهادي علیه السلام(4)

اشارة

المتوكل ومحاولة اغتيال الإمام الهادي علیه السلام

وقد دبّرت السلطة الحاكمة أنذاك مؤامرة لقتل الإمام الهادي علیه السلام ولكنها لم تنجح ، فقد حدث أبو العباس فضل بن أحمد بن إسرائيل الكاتب عن أبيه، قال: كنا مع المنتصر وأبي كاتبه فدخلنا والمتوكل على سريره فسلّم المنتصر ووقف ووقفت خلفه، وكان إذا دخل رحّب به وأجلسه، فأطال القيام وجعل يرفع رجلاً ويضع أخرى وهو لا يأذن له في القعود، ورأيت وجهه يتغيّر ساعة بعد ساعة ويقول للفتح بن خاقان: هذا الذي يقول فيه ما تقول؟ يردّ عليه القول والفتح يسكته ويقول: هو مكذوب عليه. وهو يتلظى ويستشيط ويقول:

والله لاقتلنّ هذا المرائي الزنديق وهو يدعي الكذب ويطعن في دولتي، ثم طلب أربعة من الخزر أجلافاً ودفع إليهم أسيافاً . وأمرهم أن يقتلوا أبا الحسن إذا دخل وقال: والله لأحرقنه بعد قتله. وأنا قائم خلف المنتصر من وراء الستر فدخل أبو الحسن وشفتاه تتحركان وهو غير مكترث ولا جازع ، فلما رآه المتوكل رمى بنفسه عن السرير إليه، وأنكبّ عليه يقبل بين عينيه ويديه ، واحتمل شقه بيده وهو يقول:

ياسيدي يابن رسول الله يا خير خلق الله يابن عمّي يامولاي يا أبا الحسن، !

وأبو الحسن علیه السلام يقول: أعيذك يا أمير المؤمنين من هذا. فقال: ماجاء بك ياسيدي في هذا الوقت؟ قال: جاءني رسولك قال: كذب ابن الفاعلة.

إرجع ياسيدي يافتح ياعبيد الله يامنتصر شيعوا سيّدكم وسيدي فلما بصر به الخزر

خروا سجداً فدعاهم المتوكل وقال: لم لم تفعلوا ما أمرتكم به؟

قالوا: شدّة هيبته ورأينا حوله أكثر من مائة سيف لم نقدر أن نتأملهم، وامتلأت

قلوبنا من ذلك رُعباً، فقال: يافتح هذا صاحبك وضحك في وجهه.

وقال: الحمد لله الذي بيض وجهه وأنار حجّته.

المتوكل واضطهاد الإمام الهادي علیه السلام وإهانته

روى الحسين بن محمد أن المتوكل لمّا حبس أبا الحسن الهادي علیه السلام عن علي بن كركر قال أبو الحسن علیه السلام : أنا أكرم على الله من ناقة صالح: تمتغوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب. فلمّا كان من الغد أطلقه واعتذر إليه، فلما كان في اليوم الثالث وثب عليه باعز وتامش ومعطون فقتلوه وأقعدوا المنتصر ولده خليفة.

وعن أبي سالم أن المتوكل أمر الفتح بسيه علیه السلام فذكر الفتح له ذلك فقال: قل تمتعوا في داركم ثلاثة أيام... وأنهى ذلك إلى المتوكل فقال: أقتله بعد ثلاثة أيام فلمّا كان اليوم الثالث قتل المتوكل والفتح (1).

وروى المجلسي عن عيون المعجزات أنه لمّا كان في يوم الفطر في السنة التي قتل فيها المتوكل أمر المتوكل بني هاشم بالترجل والمشي بين يديه وإنما أراد بذلك أن يترجل أبو الحسن علیه السلام فترجل بنو هاشم وترجّل أبو الحسن علیه السلام واتكأ على رجل من مواليه فأقبل عليه الهاشميون وقالوا: ياسيدنا ما في هذا العالم أحد يستجاب دعاؤه ويكفينا الله به تعزّز هذا . قال لهم أبو الحسن علیه السلام: في هذا العالم من قلامة ظفره أكرم


1) بحار الأنوار، ج 50 ص 204 و بحار الأنوار، ج 50، ص 192 - 194 و 204، ج 95 ص 234 - 240

على الله من ناقة ثمود لما عقرت الناقة صاح الفصيل إلى الله تعالى فقال الله سبحانه: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب.

وروى المجلسي عن زرافة حاجب المتوكل تفصيل الحدث مشيراً فيه إلى أن

المتوكل لحظوة الفتح بن خاقان عنده وقربه منه أراد أن يبين موضعهه عندهم فأمر الجميع بأن يمشوا بين يديه ولا يركب أحد الا هو والفتح وكان يوماً قائظاً شديد الحر وأخرجوا أبا الحسن في جملة الأشراف وقد شقّ عليه مالقيه من الحرّ والزحمة... قال زرافة: فوالله ماجاء اليوم الثالث حتى هجم المنتصر ومعه بناء والوصيف والأتراك على المتوكل فقتلوه وقطعوه والفتح جميعاً... فلقيت أباالحسن علیه السلام بعد ذلك...فقال علیه السلام :بلغ مني الجهد رجعت إلى كنوز نتوارثها من آبائنا هي أعزّ من الهون والسلاح والجنن وهو دعاء المظلوم على الظالم فدعوت به عليه فأهلكه الله.

ثم طلب من الإمام علیه السلام أن يعلمه الدعاء فعلمه. وإليك نصه:

للمطالعة

«اللهم: إنّي وفلاناً - يعني المتوكل - عبدان من عبيدك ، نواصينا بيدك، تعلم مستقرنا ومستودعنا، وتعلم منقلبنا ومثوانا، سرنا وعلانيتنا، وتطلع، وتحيط بضمائرنا، علمك بما نبدیه كعلمك بما نخفيه، ومعرفتك بما نبطنه كمعرفتك بما نظهره، ولا ينطوي عنك شيء من أمورنا ولا يستر دونك حال من أحوالنا ولا لنا منك معقل يحصننا، ولاحرز يحرزنا، ولا هارب يفوتك منّا، ولا يمتنع الظالم منك بسلطانه، ولا يجاهدك عنه جنوده، ولا يغالبك مغالب بمنعته ولا يعازك متعزّز بكثرة أنت مدركه أينما سلك، وقادر عليه، أين لجأ، فعاذ المظلوم ببابك، وتوكل المقهور منا عليك ورجوعه إليك، ويستغيث بك إذا خذله المغيث، ويستصرخك إذا قعد عنه النصير، ويلوذ بك إذا أنته الأفنية، ويطرق بابك إذا غلقت دونه الأبواب المرتجة ويصل إليك إذا احتجبت عنه الملوك الغافلة، تعلم به قبل أن يشكوه

إليك، وتعرف ما يصلحه قبل أن يدعوك له ، فلك الحمد سميعاً بصيراً لطيفاً قديراً..... ».

«اللهم: إنه قد كان في سابق علمك ومحكم قضائك، وجاري قدرك وماضي حكمك ونافذ مشيئتك في خلقك أجمعين سعيدهم، وشقيهم، وبرّهم وفاجرهم أن جعلت لفلان يعني -المتوكل - عليَّ قدرة فظلمني بها وبغى عليَّ لمكانها، وتعزّز عليَّ بسلطانه الذي خولته إياه، وتجبر عليَّ بعلو حاله الذي جعلته له، وغرّه إملاؤك له، وأطغاه حلمك عنه فقصدني بمكروه عجزت عن الصبر عليه، وتعمّدني بشر ضعفت عن احتماله ولم أقدر على الانتصار منه لضعفي والانتصاف منه لذلي فوكلته إليك، وتوكلت في أمره عليك، وتوعدته بعقوبتك، وحذرته سطوتك، وخوّفته نقمتك، فظن أن حلمك عنه من ضعف، وحسب أن إمهالك له من عجز ولم تنهه واحدة عن أخرى، ولا انزجر عن ثانية بأولى، ولكنه تمادى في غيه وتتابع في ظلمه ولج في عدوانه، واستشرى في طغيانه جرأة عليك ياسيدي، وتعرّضاً لسخطك الذي لا تردّه عن الظالمين، وقلة اكتراث ببأسك الذي لا تحسبه عن الباغين، فها أنا ياسيدي مستضعف في يديه مستضام تحت سلطانه مستدل بعنانه، مغلوب مبغي عليَّ، مغصوب وَجِل خائف مروع، مقهور، قد قلّ صبري، وضاقت حيلتي، وانغلقت عليَّ المذاهب إلّا إليك، وانسدت علي الجهات إلا جهتك، والتبست عليّ أموري في دفع مكروهه عنّي، وأثبتت علي الآراء في إزالة ظلمه، وخذلني من استنصرته من عبادك وأسلمني من تعلقت به من خلقك، واستشرت نصيحتي فأشارت إليَّ بالرغبة إليك، واستر شدت دليلي فلم يدلني إلا عليك، فرجعت إليك يامولاي صاغراً راغماً مستكيناً عالماً أنه لا فرج لي إلا عندك، ولا خلاص لي إلا بك، أنجز وعدك في نصرتي، وإجابة دعائي فإنك قلت - وقولك الحق الذي لا يردّ ولا يبدل -: «وَمَن عاقب بمثل ماعوقب به ثمّ بغي عليه لينصرنّه الله»(1).

وقلت: جلّ جلالك وتقدست أسماؤك «ادعوني استجب لكم»(2).


1) الحج / 60.

2) غافر / 40.

وأنا فاعل ما أمرتني به لامناً عليك، وكيف أمن به وأنت عليه دللتني؟

فصل على محمد وآل محمّد فاستجب لي كما وعدتني يامن لا يخلف الميعاد. وإني لأعلم ياسيدي أنّ لك يوماً تنتقم فيه من الظالم للمظلوم، وأتيقن أن لك وقتاً تأخذ فيه من الغاصب للمغصوب لأنك لا يسبقك معاند، ولا يخرج عن قبضتك منابذ، ولاتخاف فوت فائت، ولكن جزعي وهلعي لا يبلغان بي الصبر على أناتك، وانتظار حلمك، فقدرتك عليّ ياسيدي ومولاي فوق كلّ قدرة، وسلطانك غالب على كلّ سلطان، ومعاد كل أحد إليك وإن أمهلته، ورجوع كلّ ظالم إليك وإن أنظرته، وقد ضرّني من فلان - يعني المتوكل - وطول أناتك له، وإمهالك إياه، وكاد القنوط يستولي عليَّ لولا الثقة بك، واليقين بوعدك فإن كان في قضائك النافذ، وقدرتك الماضية أن ينيب أو ينوب عن ظلمي أو يكفّ مكروهه عنّي، وينتقل عن ذلك عظيم ما ركب منّي...اللهم فصل على محمد وآل محمد وأوقع ذلك في قلبه الساعة، الساعة قبل إزالة نعمتك التي أنعمت بها عليَّ، وتكديره معروفك الذي صنعته عندي، وإن كان في علمك به غير ذلك من مقام على ظلمي فأسألك يا ناصر المظلوم المبغى عليه إجابة دعوتي.

فصل على محمدٍ وآل محمد، وخذه من مأمنه أخذ عزيز مقتدر وافجأه في غفلة مفاجأة مليك منتصر، واسلبه نعمته وسلطانه ، وافضض عنه جموعه وأعوانه، ومزق ملكه كل ممزّق، وفرّق أنصاره كلّ مفرّق، وأغرِهِ من نعمتك التي لا يقابلها بالشكر، وانزع عنه سربال عزّك الذي لم يجازه بالإحسان، واقصمه ياقاصم الجبابرة، واهلكه يا مهلك القرون الخالية، وأبره يامبير الأمم الظالمة، واخذله ياخاذل الفئات الباغية، وأبر عمره وابتز ملكه، وعفٌ أثره، واقطع خبره واطف ناره، وأظلم نهاره، وكوّر شمسه، وأزهق نفسه، واشم شدّته، وجب سنامه، وارغم أنفه، وعجّل حتفه، ولا تدع له جنبة إلا هتكتها، ولادعامة إلا قضمتها، ولا كلمة مجتمعة إلّا فرقتها، ولا قائمة علوٌّ إلا وضعتها، ولا ركناً إلا وهنته ولا سبباً إلا قطعته، وأرنا أنصاره ، وجنده وأحباءه وأرحامه أباديد بعد الالفة، وشتى بعد اجتماع الكلمة، ومقنعي الرؤوس بعد الظهور على الأمة، وأشف

بزوال أمره القلوب المنقلبة الوجلة والأفئدة اللهفة، والأمة المتحيرة، والبرية الضائعة.

وأزل ببواره الحدود المعطلة والأحكام المهملة، والسنن الدائرة والمعالم المغيرة، والآيات المحرفة، والمدارس المهجورة والمحاريب المجفوة، والمساجد المهدومة، وأرح به الأقدام المغبة، وأشبع به الخماص الساغبة ، واردد به اللهوات اللاغية، والأكباد الظامية، واطرقه بليلة لا أخت لها ، وساعة لاشفاء منها ، ونكبة لا انتعاش معها، وبعثرة لا إقالة منها، وأبح حريمه، ونقص نعيمه، وأره بطشتك الكبرى، ونقمتك المثلى، وقدرتك التي هي فوق كُلّ قدرة ، وسلطانك الذي هو أعزّ من سلطانه، واغلبه لي بقوتك القوية، ومحالك الشديد، وامنعني بمنعتك التي كُلّ خلق فيها ذليل، وابتله بفقر لاتجبره، وبسوء لا تستره وكله إلى نفسه فيما يريد إنك فعال لما تريد، وابرأه من حولك وقوتك وأحوجه إلى حوله وقوته وأذل مكره بمكرك، وادفع مشيئته بمشيئتك، واسقم جسده، وأيتم ولده، وأنقص أجله وخيب أمله، وأزل دولته، وأطل عولته، واجعل شغله في بدنه ولا تفكه من حزنه، وصيّر كيده في ضلال، وأمره إلى زوال، ونعمته إلى انتقال، وجده في سفال، وسلطانه في اضمحلال، وعاقبته إلى شرّ مآل وأمته بغيظه إذا أمته وأبقه لحزنه إن أبقيته، وقني شره وهمزه ولمزه وسطوته وعداوته، والمحه لمحة تدمر بها عليه فإنّك أشدّ بأساً وأشدّ تنكيلا، والحمد لله رب العالمين».

هلاك المتوكل

واستجاب الله دعاء وليه الإمام الهادي علیه السلام فقصم ظهر عدوه، وانتقم منه كأشدّ ما يكون الانتقام، فلم يلبث المتوكل بعد هذا الدعاء سوى ثلاثة أيام حتى أودى الله بحياته وجعله أثراً بعد حين.

وتم ذلك باتفاق المنتصر ابن المتوكل مع مجموعة من الأتراك حيث هجم الأتراك على المتوكل ليلة الأربعاء المصادف لأربع خلون من شوال 247 ه- يتقدمهم باغر التركي، وقد شهروا سيوفهم، وكان المتوكل ثملاً سكراناً، وذعر الفتح ابن خاقان فصاح

بهم: «ويلكم أميرالمؤمنين».

فلم يعنوا به ورمى بنفسه عليه ليكون كبش الفداء له إلّا أنه لم يغن عن نفسه ولا عنه شيئاً، وأسرعوا إليهما، فقطعوهما إرباً إرباً، بحيث لم يعرف لحم أحدهما من الآخر -كما يقول بعض المورّخين - ودفنا معاً.

وبذلك انطوت أيام المتوكل الذي كان من أعدى الناس لأهل البيت علیه السلام .

وخرج الأتراك، وكان المنتصر بانتظارهم فسلّموا عليه بالخلافة وأشاع المنتصر أنّ الفتح بن خاقان قد قتل أباه، وأنه أخذ بثأره فقتله، ثمّ أخذ البيعة لنفسه من أبناء الأسرة العباسية وسائر قطعات الجيش.

وقد استقبل العلويون وشيعتهم النبأ بهلاك المتوكل بمزيد من الابتهاج والأفراح فقد هلك الطاغية الذي صيّر حياتهم إلى مآسي لا تطاق(1).

4 . المنتصر و العلويين

من الأمور المعروفة عند حدوث الانقلابات السياسية هي إحسان السلطة الجديدة للقوى المظلومة في العهد السابق، وهكذا كان المنتصر مع العلويين المظلومين في عهد أبيه، فعطف المنتصر عليهم ووجّه بمال فرّقه عليهم وكان يؤثر مخالفة أبيه في جميع أحواله ومضادّة مذهبه طعناً عليه ونصرة لفعله (2).

فقد كان محسناً إلى العلويين وموالياً ، لهم أزال عن آل أبي طالب علیه السلام ماكانوا فيه من الخوف والمحنة بمنعهم من قبل المتوكل من زيارة قبر الحسين علیه السلام وردّ على آل الحسين فدكاً.

فقال يزيد المهلبي في ذلك-:

ولقد بررت الطالبية بعدما *** ذمّوا زماناً بعدها وزمانا


1) الكامل في التأريخ، ج 10، ص 349.

2) مقاتل الطالبتين، ص 396.

ورددت إلفة هاشم فرأيتهم *** بعد العداوة بينهم إخوانا(1)

وقال أبو الفرج عنه: «وكان المنتصر يُظهر الميل إلى أهل البيت ويخالف أباه في

أفعاله فلم يجر منه على أحد منهم قتل أو حبس أو مكروه»(2).

وجاء في تأريخ الطبري: «أنّ المنتصر لما ولي الخلافة كان أول شيء أحدث من الأمور عزلُ صالح بن علي عن المدينة وتولية علي بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد إيَّاها فذكر عن علي بن الحسين أنه قال: دخلت عليه اودعه فقال لي: يا علي إنّي أوجهك إلى لحمي ودمي ومد جلد ساعده، وقال: في هذا وجهتك فانظر كيف تكون مع القوم وكيف تعاملهم يعني آل أبي طالب علیه السلام.

موت المنتصر

ولما ولي المنتصر صار يسب الأتراك ويقول: هؤلاء قتلة الخلفاء، فعملوا عليه وهموا به فعجزوا عنه لأنه كان مهيباً شجاعاً فطناً متحرزاً فتحيلوا إلى أن دسوا إلى طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار في مرضه فأشار بفصده ثم فصده بريشة مسمومة فمات، ويقال: إن ابن طيفور نسي ذلك ومرض فأمر غلامه بفصده بتلك الريشة فمات أيضاً، وقيل: بل سُمّ في كمثراة وقيل: مات بالخوانيق»(3).

5 . الإمام علیه السلام في عهد المستعين

أ . الوضع العام : وكان المستعين ضعيفاً أمام الأتراك، ولكنه أراد أن يتخلّص من هذه الحالة فقتل كبارهم فتنكّر له الأتراك لمّا قتل وصيفاً وبغا ونفى باغر التركي الذي فتك بالمتوكل، ولم يكن للمستعين مع وصيف وبغا أمر حتى قيل في ذلك:


1) تأريخ الخلفاء، ص 356.

2) مقاتل الطالبيين، ص 419.

3) تأريخ الخلفاء، ص 357.

خليفة في قفص *** بين وصيف وبغا

يقول ماقالا له *** كما تقول الببغا

ولما تنكر له الأتراك خاف وانحدر من سامراء إلى بغداد(1)فخلعه الأتراك وبايعوا

أخاه المعتز بدلاً عنه وتبعوه حتى قتلوه.

ب . الثورات في عصره: وأشار المؤرخون إلى ماحدث في عصره من الثورات

بقولهم:

1 . وثبة في الأردن بقيادة رجل من لخم.

2 . وثب في حمص أهلها بعاملهم كيدر الأثر وسني.

. وثبة الجند في سامراء وضربة لاوتاش التركي وهو أحد القادة.

4 . وثبة المعرة بقيادة القصيص، وهو يوسف بن إبراهيم التنوخي.

5 . وثبة الجند بفارس بعاملهم الحسين بن خالد.

6 . وثبة إسماعيل بن يوسف الجعفري الطالبي في المدينة.

عزل المستعين وقتله

خلع المستعين في أول سنة (252) ه- وأشهد عليه القضاة وغيرهم، فأحدر إلى

واسط فأقام بها تسعة أشهرٍ محبوساً موكلاً به أميناً ثمّ رُدّ إلى سامراء.

وأرسَلَ المعتز إلى أحمد بن طولون أن يذهب إلى المستعين فيقتله فقال: والله لا أقتل أولاد الخلفاء، فندب له سعيد الحاجب فذبحه في ثالث شوال من السنة نفسها، وله إحدى وثلاثون سنة»(2).


1) تأريخ الخلفاء، ص 358.

2) تأريخ الخلفاء للسيوطي، ص 359.

6 . عهد المعتز

الوضع العام

كان المعتز مستضعفاً من قبل الأتراك وألعوبة بأيديهم، وأول سنة تولى الحكم فيها مات أشناس الّذي كان الواثق قد استخلفه على السلطة، وخلّف خمسمائة ألف دينار، فأخذها المعتز وخلع خلعة الملك على محمّد بن عبدالله بن ظاهر، وقلّده سيفين، ثمّ عزله وخلع خلعة الملك على أخيه - يعني أخا المعتز أبا أحمد - وتوجه بتاج من ذهب وقلنسوة مجوهرة، ووشاحين مجوهرين وقلّده سيفين، ثم عزله من عامه ونفاه إلى واسط، وخلع على بغا الشرابي وألبسه تاج الملك فخرج على المعتز بعد سنة فقتل وجيء إليه برأسه.

وفي رجب من هذه السنة خلع المعتز أخاه المؤيد من العهد وضربه وقيده فمات بعد أيام، فخشي المعتز أن يتحدّث عنه أنه قتله أو احتال عليه، فأحضر القضاة حتّى شاهدوه وليس به أثر، وكان المعتز مستضعفاً من جانب الأتراك، فاتفق أن جماعة من كبارهم أتوه وقالوا:

يا أمير المؤمنين: أعطنا أرزاقنا لنقتل صالح بن وصيف، وكان المعتز يخاف منهم فطلب من أمه مالاً لينفقه فيهم، فأبت عليه وشحت نفسها، ولم يكن قد أبقي في بيوت المال شيء، فاجتمع الأتراك على خلعه، ووافقهم صالح بن وصيف، ومحمد بن بغا، فلبسوا السلاح وجاءوا إلى دار الخلافة فبعثوا إلى المعتز أن اخرج إلينا، فبعث يقول: قد شربت الدواء وأنا ضعيف ، فهجم عليه جماعة وجرّوا برجله وضربوه بالدبابيس، وأقاموه في الشمس في يوم صائف، وهم يلطمون وجهه ويقولون: إخلع نفسك، ثمّ أحضروا القاضي ابن أبي الشوارب والشهود وخلعوه، ثم أحضروا من بغداد إلى دار الخلافة - وهي يومئذ سامراء - محمد بن الواثق، وكان المعتز قد أبعده إلى بغداد فسلّم المعتز إليه الخلافة وبايعه (1).


1) تأريخ الخلفاء للسيوطي، ص 360.

ومات بعد خلعه من الخلافة بطريقة مستحدثه « إذ أنّ الملأ أخذوا المعتز بعد خمس ليال من خلعه، فأدخلوه الحمّام، فلما اغتسل عطش فمنعوه الماء، ثمّ أخرج - فسقوه ماءً بثلج فشربه وسقط ميتاً، وهو أوّل ميت مات عطشاً وذلك في شهر شعبان المعظم سنة خمس وخمسين ومائتين.

اضطهاد الشيعة : وذكر المؤرّخون موقف المعتز الاستبدادي ضدّ آل محمد صلی الله علیه واله وسلم واضطهادهم واضطهاد شيعتهم.

وإليك بعض نماذج هذا الاضطهاد:

1 . قتل جعفر بن محمد الحسيني في وقعة حدثت بالري بينه وبين أحمد بن

عیسی عامل محمّد بن طاهر (1).

2 . وقتل إبراهيم بن محمد العلوي، قتله طاهر بن عبد الله في وقعة كانت بينه وبين الكوكبي بقزوين(2).

3 . وهناك من مات في الحبس، مثل عيسى بن إسماعيل الجعفري وأحمد بن محمّد الحسيني(3)


1) مقاتل الطالبتين، ص 434

2) مقاتل الطالبتين، ص 434

3) مقاتل الطالبتين، ص 434

الخاصه

تولى المنتصر الخلافة بعد هلاك المتوكل، وحصل شيء من تحوّل في سياسة الدولة تجاه الإمام علیه السلام وشيعته والعلويين حيث بدأت تتحسّن معاملة السلطة لهم، صاحب ذلك تدهور الحالة العامة والأوضاع السياسية حيث استشرى أمر الترك وعتوا كثيراً، لما حصل بينهم وبين الحكام العباسيين من جفوة وتناحر حتى آل الأمر إلى أن يعجل الأتراك في القضاء على الخليفة والإتيان بغيره.

ثم جاء المستعين وكان ضعيفاً أمام الأتراك وقد قتل منهم جماعة. ولكنهم قتلوه وبايعوا المعتز مكانه وكان المعتز شديداً قاسياً مع أهل البيت علیه السلام وشيعتهم وعُرف بالاستبداد والظلم، فمن لم يعمل سيفه فيه مات في سجونه، وقد ثار في زمنه جعفر بن محمّد الحسيني وإبراهيم بن محمد العلوي وقد قتلا جميعاً.

الأسئلة

1 . ما هو موقف المنتصر من العلويين؟

2 . كيف قتل المنتصر العباسي؟

3 . عدد الثورات في عهد المستعين العباسي؟

4 . كيف قتل المستعين العباسي؟

5 . ما هو موقف المعتز من العلويين والشيعة؟

6 . ما هي أهم القضايا التي حدثت في خلافة المعتز العباسي؟

الدرس 32: متطلبات عصر الأمام الهادی علیه السلام

ملامح المنهج التربوي عند الإمام علیه السلام

إن المنتبع لسيرة الإمام الهادي علیه السلام وماروي عنه من أحاديث تبرز أمامه ملامح المنهج الذي أتخذه هذا الإمام علیه السلام في تكامل بناء الجماعة الصالحة وصيانتها م-ن الانهيار وإحكام تماسكها وتأمين عطائها الرسالي بحفظ ما تحمله من مفاهيم معبرة عن رسالتها تجاه الواقع بأبعاده الاجتماعية والسياسية والفكرية.

لذا فإنا نجد إتجاهين واضحين في منهج الإمام علیه السلام في البناء وهما: - الأوّل: بناء الذات وتزكية النفس، إذ كان الإمام علیه السلام يعمد إلى تركيز مفهوم التقوى وطاعة الله سبحانه في كلّ مناسبة وفرصة ، بشكل مباشر أو من خلال رسائله إلى شيعته ومواليه، فقد أوصى فتح بن يزيد الجرجاني حين ضمّه وإيَّاه الطريق من مكة إلى خراسان قائلاً له: من اتقى الله يُتقى ومن أطاع الله يُطاع (1).

الثاني: ما يخص كيان الجماعة الصالحة ومواقفها إزاء الوقائع والأحداث والظروف التي تكتنفها وما يتعلق بالجانب التنظيمي لها لتتجاوز الصعاب التي تضعها السلطة أمامها، ولتقوم بنشر الوعي الرسالي بما يتناسب مع الظروف التي تكتنفها.


1) كشف الغمة، ج 2، ص 386.

1 . نشاط الإمام الهادي علیه السلام ومنهجه في بناء الذات

لدينا وصايا وأحاديث عن الإمام الهادي علیه السلام تركز على جوانب وميادين متعدّدة تتعلّق بالبناء الذاتي للفرد، كما هي ناظرة في الوقت نفسه إلى تقوية أواصر العلاقة فيما بين أفراد الجماعة الصالحة ذاتها، والسير بهم نحو الكمال من خلال الاتصال بالله سبحانه وتعالى.

فعنه علیه السلام أنه قال لأحد مواليه كاتب فلاناً وقل له: «إنّ الله إذا أرد بعبد خيراً؛ إذا عوتب قبل»(1).

وعند التأمل في هذا الأثر الشريف نجد أنّ الإمام علیه السلام يشير إلى جانب مهم في بناء الشخصية، وله جذور في النفس - وهو حب الظهور أو ما يتصل بالأنانية - فمسألة تقبل النقد والرضا بالتعرّف على عيوب النفس من الأمور التي تظهر فيها النفس ممانعة، وربما رفض الاعتراف بها، وهنا نجد أنّ الإمام علیه السلام يربط ذلك بالصلة بالله سبحانه وبالحالة السامية للنفس التي تجد في ذلك عملية بناء لها في هدم ماتغفل عنه بالنقد والتنبيه من قبل الإخوان، فليس في ذلك عيب بل فيه سمو وكمال يتجلّى في الخير ورضا الله سبحانه وتعالى ممّا يُيسّر على الإنسان أن يتقبل النقد البناء، ويرى ضرورة تزكية نفسه بانقاذها مما علق بها من معايب ونواقص، هذا فضلاً عما ينجم عنه من تلاحم الجماعة وتماسك بنائها في ظل حالة تسود فيها ظاهرة النقد من أجل البناء، المرتكز على النصح والتوجيه المستمر والسليم ، لبلوغ الغاية القصوى وهي رضا الله سبحانه وتعالى.

ولما كانت الظروف التي تحيط بالإمام علیه السلام وشيعته ظروفاً قاسيةً تتمثل في السجن والمطاردة والتضييق عليهم، فالإمام علیه السلام يوجّه أنظار الجماعة الصالحة على امتداد وجودها الزماني إلى طاعة الله سبحانه حيث تعطي لكلّ حركة تصدر منهم بعداً ربانياً أولاً وتجعلها عاملاً من عوامل نموا الإيمان الصادق والإخلاص ثانياً.


1) تحف العقول، ص 360.

قال علیه السلام : ومن أطاع الخالق لم يبال سخط المخلوقين، ومن أسخط الخالق فلييقن أن يحلّ به سخط المخلوقين»(1).

فالإمام يرسم خطاً واضحاً لمعادلة العلاقة بين الله الله وبين الإنسان.

فإنّ الآصرة التي تحكم هذه العلاقة التقوى والطاعة، حيث أنهما معيار التوازن

هي بين كرامة الإنسان وموقعه في التعامل مع الآخرين، وأن تنمية مثل هذا التوجه في الارتباط بالله سبحانه يعزّز قوّة شخصيّة الإنسان تجاه المغريات أو ما يواجهه من اضطهاد أو محاربة من قبل السلطان الجائر.

وقد كان لهذا المنحى التربوي أثر واضح في مواقف الشيعة على امتداد وجودهم وحركتهم في الواقع تجاه سلاطين الجور والظالمين، فضلاً عن تأثيره في حفظ كيانهم الفكري والروحي.

وقال علیه السلام : «مَنْ أمِن مكر الله وأليم عذابه أخذه تكبّر حتى يحلّ به قضاؤه ونافذ أمره، ومن كان على بينة من ربّه هانت عليه مصائب الدنيا ولو قرّض ونشر»(2).

فالطاعة والتقوى ركيز تهما ، أن يكون المرء على بينة من ربه فمن كان كذلك فإنّه يستصغر المغريات، ويهون عليه يلاقي من عذاب أو تشريد في سبيل ما آمن به واعتقده ضميره ووجدانه.

كما نجد أن الإمام علیه السلام يلفت نظر الجماعة الصالحة إلى تجنب بعض الأمور التي من شأنها أن تعكر صفو الجماعة، كما هي في نفس الوقت تشكل خطراً على الفرد لأنها مداخل للشيطان، وابتعاد عن رضا الله سبحانه، حيث أنها تقوّي في الفرد حب ذاته وتشعره بالكبر وغيره من الرذائل.

ونجد الإمام علیه السلام يمنع شخصاً من «الملق» لآخر، حيث يقول علیه السلام: أقبل على شأنك، فإنّ كثرة الملق يهجم على الظنّة، وإذا حللت من أخيك في محلّ الثقة فاعدل


1) تحف العقول، ص 361.

2) تحف العقول، ص 361.

عن الملق إلى حسن النية.

وكما منع علیه السلام من الملق نراه يوضح مفهوماً آخر لبناء الإنسان والجماعة الصالحة وتوجيهها نحو طاعة الله ورضاه بقوله علیه السلام: «من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه»(1).

2 . وسائل الإمام علیه السلام في البناء الفكري والثقافي

تعددت الأساليب والوسائل التي اتبعها الإمام علیه السلام في تنمية وبناء الجانب الفكري والثقافي للجماعة الصالحة وقواعده الشعبيّة، وكان من هذه الوسائل الرسائل المكتوبة إلى أصحابه ومواليه:

1 . عن أحمد بن إسحاق قال: كتبت إلى أبي الحسن علي بن محمد العسكري علیه السلام أسأله عن الرؤية ومافيه الخلق فكتب علیه السلام :

«لا تجوز الرؤية مالم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فمتى انقطع الهواء وعدم الضياء لم تصح الرؤية، وفي الجواب اتصال الضياء بين الرائي والمرئي وجوب الاشتباه والله تعالى منزّه عن الاشتباه فثبت أنه لا يجوز عليه سبحانه الرؤية بالأبصار لأنّ الأسباب لابد من اتصالها بالمسبّبات»(2).

2 . أجاب الإمام علیه السلام عن التوحيد حين قيل له علیه السلام: لم يزل الله وحده لاشيء معه ثم خلق الأشياء بديعاً واختار لنفسه أسماء لم تزل الأسماء والحروف له معه قديمة، فكتب علیه السلام:

لم يزل الله وحده موجوداً ثمّ كونّ ما أراده لقضائه ولا معقب لحكمه تاهت أوهام المتوهّمين وقصر طرف الطارفين وتلاشت أوصاف الواصفين واضمحلت أقاويل المبطلين عن الدرك لعجيب شأنه أو الوقوع بالبلوغ على علو مكانه فهو: الموضع الذي


1) الحسني، هاشم معروف، ج 2، ص 474.

2) الطبرسي، الاحتجاج، ج 2، ص 45.

لا يتناهى، وبالمكان الذي لم يقع عليه عيون بإشارة ولا عبارة هيهات هيهات (1).

3 . لما احتدمت الحوارات وثار الجدل في مسألة الجبر والتفويض كتب الإمام علیه السلام جواباً لرسالة وردت إليه من بعض شيعته ومواليه.

لقد فصل الإمام علیه السلام هذه المسألة بشكل لا يدع لشالاً أو قائل حجة، وبذا وضع حداً لهذا النزاع ومَكَّن شيعته من التصدّي للجواب بأبلغ حجة وبرهان وكان ذلك في رسالته المعروفة إلى أهل الأهواز حين سألوه عن الجبر والتفويض(2)، وقد جاء فيها:

اجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك: أنّ القرآن حق لا ريب فيه عند جميع فرقها، فهم في حالة الإجماع عليه مصيبون، وعلى تصديق ما أنزل الله مهتدون، ولقول النبي صلی الله علیه واله وسلم : «لا تجتمع أمتي على ضلال» ، فأخبر علیه السلام أن ما اجتمعت عليه الأمة، ولم يخالف بعضها بعضاً هو الحق، فهذا معنى الحديث لاكما تأوّله الجاهلون، ولا ماقاله المعاندون، ومن إبطال حكم الكتاب واتباع حكم الأحاديث المزوّرة والروايات المزخرفة، اتباع الأهواء المروية المهلكة التي تخالف نص الكتاب، وتحقيق الآيات الواضحات النيّرات، ونحن نسأل الله أن يوفقنا للصواب، ويهدينا إلى الرشاد(3).

ولابد من وقفة تأمل عند هذه المقدّمة الوجيزة البليغة التي صدر الإمام علیه السلام رسالته عن الجبر والتفويض بها.

فالإمام علیه السلام يوضح لمواليه جملة قواعد أصيلة ذات أهمية بالغة في التعامل مع الأحداث والحوادث عقليّة كانت أو موضوعية فقد أشار علیه السلام:

أوّلاً: إلى أنّ كتاب الله هو المرجع في الاختلاف لحل كلّ إشكال حاصل حيث

اجمعت الأمة على أنّ القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فبذلك

مصيبون حين الاجتماع عليه.


1) الاحتجاج، ج 2، ص 449.

2) الاحتجاج، ج 2، ص 450.

3) الاحتجاج، ج 2، ص 450.

ثانياً: إن الحق هو: ما اجتمعت عليه الأمة ولم يخالف بعضها بعضاً.

ثالثاً: النهي عن اتباع حكم الأحاديث المزورة والروايات المزخرفة.

ثم يستمر الإمام علیه السلام موضحاً مقصوده في النص السابق حول الكتاب بقوله: فإذا شهد الكتاب بتصديق خبر وتحقيقه فأنكرته طائفة من الأمة وعارضته بحديث من هذه الأحاديث المزورة، فصارت بإنكارها ودفعها الكتاب كفاراً ضلالاً، وأصبح خبر ماعرف تحقيقه من الكتاب مثل الخبر المجمع عليه من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم حيث قال: «إنِّي مستخلف فيكم خليفتين : كتاب الله وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، وأنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض»(1).

ثم قال علیه السلام: ومرادنا وقصدنا الكلام في الجبر والتفويض وشرحهما وبيانهما إنما قمنا بهذا ليكون اتفاق الكتاب والخبر - إذا اتفقا - دليلاً لما أردناه، وقوّة لما نحن مبيّنوه من ذلك إن شاء الله.

(فقال): الجبر والتفويض يقول الصادق جعفر بن محمد علیه السلام عندما سئل عن ذلك فقال: لاجبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين.

قيل: فماذا يا ابن رسول الله ؟

فقال: صحة العقل، وتخلية السرب، والمهلة في الوقت والزاد قبل الراحلة، والسبب المهيّج للفاعل على فعله، فهذه خمسة أشياء، فإذا نقص العبد منها خلة كان العمل عنه مطرحاً بحسبه، وأنا أضرب لكلّ باب من هذه الأبواب الثلاثة وهي: الجبر، والتفويض، والمنزلة بين المنزلتين، مثلاً يقرّب المعنى للطالب، ويسهّل له البحث من شرحه، ويشهد به القرآن بمحكم آياته، ويحقق تصديقه عند ذوي الألباب، وبالله العصمة والتوفيق.

ثم قال علیه السلام : فأما الجبر: فهو: قول من زعم أنّ الله عزّ وجلّ جبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها، ومن قال بهذا القول فقد ظلم الله وكذبه، وردّ عليه قوله تعالى: «ولا يظلم ربّك أحداً»(2).


1) الاحتجاج، ج 2، ص 450.

2) الكهف / 50 .

وقوله جل ذكره: «ذلك بما قدمت يداك وأنّ الله ليس بظلام للعبيد»(1)مع آي كثيرة

في مثل هذا، فمن زعم انه مجبور على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله وظلمه في عظمته له، ومن ظلم ربّه فقد كذَّب كتابه ومن كذب كتابه لزمه (الكفر) بإجماع الأمة.

فالمثل المضروب في ذلك: مثل رجل ملك عبداً مملوكاً لا يملك إلا نفسه، ولا يملك عرضاً من عروض الدنيا ويعلم مولاه ذلك منه ، فأمره - على علم منه بالمصير - إلى السوق لحاجة يأتيه بها ولم يملكه ثمن ما يأتيه به ، وعلم المالك أنّ على الحاجة رقيباً لا يطمع أحد في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن، وقد وصف به مالك هذا العبد نفسه بالعدل والنصفة وإظهار الحكمة ونفي الجور، فأوعد عبده إن لم يأته بالحاجة يعاقبه، فلما صار العبد إلى السوق، وحاول أخذ الحاجة التي بعثه بها، وجد عليها مانعاً يمنعه منها إلا بالثمن ولا يملك العبد ثمنها فانصرف إلى مولاه خائباً بغير قضاء حاجة فاغتاظ مولاه لذلك وعاقبه على ذلك، فانّه كان ظالماً متعدّياً مبطلاً لما وصف من عدله و حكمته ونصفته، وإن لم يعاقبه كذَّب نفسه، أليس يجب أن لا يعاقبه والكذب والظلم ينفيان العدل والحكمة؟، تعالى الله عمّا يقول المجبرة علوّاً كبيراً.

قال العالم علیه السلام- بعد كلام طويل : فأما التفويض الذي أبطله الصادق علیه السلام وخطاً من دان به، فهو قول القائل: «إنّ الله عزّ وجلّ فوّض إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم».

الخاصه

إن أهم ما يمتاز به منهج أهل البيت علیه السلام هو الشمولية والواقعية؛ فالشمولية هي ما يتعلق بالجوانب الروحيّة والفكرية والاجتماعية، وأما الواقعية وهو ما يختص بالحلول والمعالجات التي تمس صميم حياة الفرد والجماعة في


1) الحج / 10.

آن واحد وبما ينسجم وقابليات الفرد وإمكانيات الجماعة في التحمل والقبول ولذا فإنّا نجد اتجاهين واضحين في منهج الإمام الهادي علیه السلاموالذي هو امتداد لمنهج آبائه علیه السلام.

ما يخص البناء الذاتي (الفردي).

ما يخص كيان الجماعة الصالحة ومواقفها إزاء الأحداث.

و قد تعددت وسائل الإمام علیه السلام في تنمية وبناء الفرد والجماعة الصالحة وأكد مفاهيم التوحيد وجملة من المسائل المتعلقة بالرؤية والجبر والتفويض وركز الإمام علیه السلام على الأحاديث الصحيحة الصادرة عن الرسول صلی الله علیه واله وسلم وأبائه الطاهرين والآيات القرآنية، حيث يؤكد على محورية كتاب الله سبحانه وما خالفه فلا قيمة له ويضرب به عرض الحائط فهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

الأسئلة

1 . بماذا يمتاز منهج أهل البيت علیه السلام ولماذا ؟

2 . ما هي ملامح منهج الإمام الهادي علیه السلام في تنمية الفرد والجماعة الصالحة؟

3 . وضح موقف الإمام علیه السلام الاتجاه مسألة الجبر والتفويض.

4 . كيف وضح الإمام علیه السلام دلالة حديث الرسول صلی الله علیه واله وسلم : «لا تجتمع أمتي على ضلال»؟

5 . اذكر توجيهات الإمام علیه السلام مع ذكر بعض الأحاديث في مسألة البناء الذاتي للإنسان المؤمن .

6 . وضح الخط الذي رسمه الإمام علیه السلام لعلاقة الإنسان بالله سبحانه.

الدرس 33: متطلبات عصر الإمام الهادي علیه السلام (2)

ظاهرة الزيارة في تراث الإمام الهادي علیه السلام

تعد ظاهرة الزيارة للإئمة علیه السلام إحدى وسائل الإمام الهادي علیه السلام في ايصال المفاهيم الفكرية والروحية لشيعته ومواليه من أجل تركيز هذه المفاهيم السليمة وتنمية الجانب الروحي والفكري لدى الجماعة الصالحة، وهذه الوسيلة لا تثير الشك والريب مع سهولتها في الانتشار وظهور أثرها في الأمة والجماعة الصالحة.

وما ورد عن الإمام الهادي علیه السلام وحَفَظَه لنا التأريخ من الوثائق المهمة في هذا المضمار مايلي:

1 . الزيارة الجامعة.

2 . زيارة أمير المؤمنين يوما الغدير .

3 . زيارات متعدّدة للأئمة علیه السلام .

ونحاول هنا إلقاء الضوء عل دلالات ومضامين الزيارة الجامعة ليتضح من خلال

ذلك أهمية هذا الأسلوب في التربية وبناء الفرد والمجتمع.

تأملات في الزيارة الجامعة

نظرة عامة إلى زيارة الجامعة : وهي من أشهر زيارات الأئمة الطاهرين علیه السلام،

وأعلاها شأنا، وأكثرها ذيوعاً وانتشاراً، فقد أقبل أتباع أهل البيت علیه السلام وشيعتهم على حفظها، وزيارة الأئمة بها خصوصاً في يوم الجمعة، ونتحدث - باختصار - عنها.

أما سند زيارة الجامعة فقد حاز درجة القطع من الصحة، حيث رواها شيخ الطائفة في التهذيب، ورئيس المحدّثين الصدوق في (الفقيه) و(العيون) وغيرهما وقال المجلسي: إنّ هذه الزيارة من أصح الزيارات سنداً، وأعمقها مورداً : وأفصحها لفظاً، وأبلغها معنى، وأعلاها شأناً(1).

لقد روى هذه الزيارة محمّد بن إسماعيل البرمكي عن موسى بن عبدالله النخعي، قال: قلت : لعلي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب علیه السلام ، علمني يا ابن رسول الله قولاً أقوله بليغاً كاملاً إذا زرت واحداً منكم، فقال: إذا صرت إلى الباب فقف واشهد الشهادتين، وأنت على غسل، فإذا دخلت ورأيت القبر فقف ، وقل: الله أكبر الله أكبر ، ثلاثين ثم امش قليلاً وعليك السكينة الوقار، وقارب بين خطاك، ثمّ قف وكبّر الله عزّ وجلّ ثلاثين مرة، ثم ادن من القبر، وكبر الله أربعين مرّة تمام مائة تكبيرة، ثم ساق الإمام علیه السلام الزيارة (2).

وتفيض زيارة الجامعة بالأدب الرائع، فقد رُصعت بأرق الألفاظ كما تحلّت بجواهر الفصاحة والبلاغة، وبداعة الديباجة، وجمال التعبير ودقة المعاني الأمر الذي يدلل على صدورها عن الإمام علیه السلام، فقد اعتبر العلماء أنّ آية الخبر الصحيح هو ما إذا كان في أرقى مراتب البلاغة، فإنّ الأئمة الطاهرين هم معدن البلاغة والفصاحة، وهم الذين أسسوا قواعد الكلم البليغ فكان كلامهم في أعلى مراتب الكلام الفصيح.

واهتم العلماء اهتماماً بالغاً بشرح زيارة الجامعة لما فيها من المطالب العالية،

والأسرار المنيعة، والأمور البديعة.


1) راجع حياة الإمام علي الهادي علیه السلام، ص 138؛ باقر شريف القرشي.

2) بحار الأنوار، كتاب المزار.

محتوياتها : الدعوة إلى التشيّع والاتباع الكامل لأهل البيت علیه السلام :

تعتبر زيارة الجامعة الكبرى من النتاجات المهمة للإمام الهادي علیه السلام ومن الوثائق التي نستل منها ملامح التصور السليم، وفي استعراضنا للزيارة المذكورة وتأشيرنا على الأفكار الأساسية فيها تنجلي لنا المنهجية الحركية والفكرية.

1. اصطفاء أهل البيت علیه السلام

يقول علیه السلام «السلام عليكم يا أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة و مهبط الوحي ومعدن الرحمة وخزّان العلم ومنتهى الحلم وأصول الكرم وقادة الأمم وأولياء النعم وعناصر الأبرار ودعائم الأخيار وساسة العباد وأركان البلاد وأبواب الإيمان وامناء الرحمن وسلالة النبيين وصفوة المرسلين وخيرة رب العالمين ورحمة الله وبركاته».

فالإمام علیه السلام يلغت الأنظار إلى مايلي:

أ . إنّ الله اختص أهل البيت بكرامته فجعلهم موضع الرسالة ومختلف الملائكة

ومهبط الوحي.

ب . إنّ هذا الجعل الإلهي نابع من الصفات الكمالية التي يبلغون القمّة فيها كالعلم والحلم والكرم والرحمة.

ج . كون أهل البيت موضع الرسالة إنّما هو لاختيار الله لهم - نتيجةً لتكاملهم - وتعيينهم كأمناء لمنصب القيادة العليا للبشرية فضلاً عن قيادة المسلمين وأتباعهم فهم دعائم الأخيار وساسة العباد وأركان البلاد وأبواب الايمان وامناء الرحمن وسلالة النبيين.

2 . حركة أهل البيت علیه السلام

يقول الإمام الهادي علیه السلام« على أئمة الهدى ومصابيح الدجى وأعلام التقى

وذوي النهي وأولي الحجى وكهف الورى وورثة الأنبياء والمثل الأعلى والدعوة الحسنى وحجج الله على أهل الدنيا والآخرة والأولى ورحمة الله وبركاته. السلام على محال معرفة الله ومساكن بركة الله ومعادن حكمة الله وحفظة سرّ الله وحملة كتاب الله وأوصياء نبي الله وذرّيّة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ورحمة الله وبركاته السلام على الدعاة إلى الله والأدلاء على مرضاة الله والمستقرين في أمر الله والتامين في محبة الله والمخلصين في توحيد الله والمظهرين لأمر الله ونهيه وعباده المكرمين الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ورحمة الله وبركاته».

هذه الكلمات نستفيد الأمور التالية:

أ . في المسيرة البشرية ينفرز دائماً خطان هما: خط الهدى، وخط الضلالة، بقيادة: أئمة الهدى وأئمّة الضلالة ، وأئمّة أهل البيت هم أئمة الهدى، أما غيرهم ممن يتصدّى للإمامة ويخالفهم في خطهم ونهجهم فهو من أئمة الضلال فلذلك لا يكون التلقي إلا منهم ولا يكون نهج التحرّك إلا نهجهم.

ب . أما واقع الأئمّة فهم ذوو الحجى وكهف الورى وورثة الأنبياء والمثل الأعلى

والدعوة الحسنى التي يُحتذى بها، فهم أهل لأن يقتدى بهم.

ج . من خلال مامرّ نعرف أنّ حركة أهل البيت حركة أصيلة ذات عمق في المسيره النبوية الراشدة وكلّ حركة تدعي المنهج الديني أو الإصلاح الدنيوي ولاتسير على خطاهم فهي منحرفة، لأنّ أهل البيت أهل البيت محلّ معرفة الله ومساكن بركته ومعادن حكمته وحفظة سرّه وحملة كتابه وأوصياء نبيه.

د . ومن مظاهر أصالة أهل البيت في المسيرة الإلهية:

1 . الدعوة إلى الله والدلالة على مرضاته.

2 . الثبات على أمر الله.

3 . الحب التام لله.

4 . الإخلاص في التوحيد.

5 . الإظهار لأوامر الله ونواهيه.

6 . عدم سبق الله بقول والعمل بأمره.

3 . الأسس الفكرية للتشيع

إن الأسس الفكرية التي تقوم عليها دعوة أهل البيت والتي يجب أن تسير الحركة

الشيعية عليها وتلتزم بحدودها، يمكن تحديدها في نقاط يقول علیه السلام :

«السلام على الأئمة الدعاة والقادة الهداة والسادة الولاة والذادة الحماة وأهل الذكر وأولي الأمر وبقية الله وخيرته وحزبه وعيبة علمه وحجته وصراطه ونوره وبرهانه ورحمة الله وبركاته».

«أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما شهد الله لنفسه وشهدت له ملائكته وأولوا العلم من خلقه لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد أن محمدا عبده المنتجب ورسوله المرتضى أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وأشهد أنكم الأئمة الراشدون المهديون المعصومون المكرمون المقربون المتقون الصادقون المصطفون المطيعون لله القوامون بأمره العاملون بإرادته الفائزون بكرامته اصطفاكم بعلمه وارتضاكم لغيبه واختاركم لسرّه واجتباكم بقدرته وأعزكم بهداه وخصكم ببرهانه وانتجبكم لنوره وأيدكم بروحه ورضيكم خلفاء في أرضه وحججاً على بريته وأنصاراً لدينه وحفظةً لسره وخزنةً لعلمه ومستودعاً لحكمته وتراجمة لوحيه وأركاناً لتوحيده وشهداء على خلقه وأعلاما لعباده ومنارا في بلاده وأدلاء على صراطه، عصمكم الله من الزلل وآمنكم من الفتن وطهركم من الدنس وأذهب عنكم الرجس وطهركم تطهيرا فعظمتم جلاله وأكبرتم شانه ومجدتم كرمه وأدمتم ذكره ووكدتم ميثاقه وأحكمتم عقد طاعته ونصحتم له في السر والعلانية ودعوتم إلى سبيله بالحكمةوالموعظة الحسنة وبذلتم أنفسكم في مرضاته وصبرتم في جنبه وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر وجاهدتم في الله حق جهاده

حتى أعلنتم دعوته وبينتم فرائضه وأقمتم حدوده ونشر تم شرائع أحكامه وسننتم سنته وصرتم في ذلك منه إلى الرضا وسلّمتم له القضاء وصدقتم من رسله من مضى.

ومما مر نستفيد النقاط التالية:

أ . الأئمة هم الدعاة إلى الله والقادة الهداة والسادة والولاة وهم حزب الله وحجته وبرهانه.

ب . العناصر الفكرية الأساسية للتشيّع:

1 . الإيمان بالله وحده لاشريك له.

2. محمّد عبده المنتخب ورسوله المنتجب.

3 . الأئمة هم بشر راشدون مهديون معصومون مکرمون قيمتهم نابعة من تكريم

الله لهم.

ج . الجانب العملي لحركة الأئمة علیه السلام .

1 . تعظيم الله وإكبار شأنه وتمجيد كرمه.

2 . توكيد ميثاقه وإحكام عقد طاعته.

3 . النصح له بالسر والعلن.

4 . الدعوة له بالحكمة والموعظة الحسنة.

5 . التضحية المستمرة في سبيل الله ببذل النفس والصبر على المكروه.

6 . إقامة الصلاة وايتاء الزكاة وممارسة باقي العبادات والحدود الإسلامية.

7 . الحفاظ على سلامة الشريعة من التحريف.

8 . التسليم بالقضاء والقدر .

9 . التأكيد على وحدة المسيرة النبوية وتصديق الرسل.

د . الموالون لأهل البيت علیه السلام

وبين الإمام أنه:

أ . هناك صنفان من الناس قسم يوالي أهل البيت فيسير في طريق الهدى وآخر

يوالي أعداءهم فيسير في طريق الضلال، يقول علیه السلام :

«فالراغب عنكم مارق واللازم لكم لاحق والمقصّر في حقكم زاهق، والحق معكم وفيكم ومنكم وإليكم وأنتم أهله ومعدنه وميراث النبوّة عندكم وإياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم وفصل الخطاب عندكم وآيات الله لديكم وعزائمه فيكم ونوره وبرهانه عندكم وأمره إليكم ، مَنْ والاكم فقد والى الله ومَنْ عاداكم فقد عادى الله ومَنْ أحبكم قد أحبَّ الله ومن أبغضكم فقد أبغض الله ومن اعتصم بكم فقد اعتصم بالله. أنتم الصراط الأقوم وشهداء دار الفناء وشفعاء دار البقاء والرحمة الموصولة والآية المخزونة والأمانة المحفوظة والباب المبتلى به الناس مَنْ أتاكم نجا ومَنْ لم يأتِكم هلك، إلى الله تدعون وعليه تدلّون و به تؤمنون وله تسلّمون وبأمره تعملون وإلى سبيله ترشدون وبقوله تحكمون. سَعَدَ من والاكم وهلك من عاداكم وخاب من جحدكم وضلّ من فارقكم وفاز من تمسك بكم وأمن من لجأ إليكم وسلم من صدقكم وهدي من اعتصم بكم ، من اتبعكم فالجنّة مأواه ومَن خالفكم فالنار مثواه ومن جحدكم كافر ومن حاربكم مشرك ومن ردّ عليكم في أسفل درك من الجحيم».

ب - أنَّ الموالي لأهل البيت علیه السلام يعلم قيمتهم الحقيقية عند الله لذلك يقول علیه السلام :

«أشهدُ أنَّ هذا سابق لكم فيما مضى وجار لكم فيما بقي وأن أرواحكم ونوركم وطينتكم واحدة طابت وطهرت بعضها من بعض . خلقكم الله أنوارا فجعلكم بعرشه محدقين حتَّى مَنَّ علينا بكم فجعلكم في بيوت أذِنَ الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه وجعل صلواتنا عليكم وماخصنا به من ولايتكم طيبا لخلقنا وطهارة لأنفسنا وتزكية لنا وكفارة لذنوبنا فكنا عنده مسلمين بفضلكم ومعروفين بتصديقنا إياكم».

ج . الرغبة في انتشار أمرهم وتشعشع فضلهم فلا يبقى خير إلا وأضاءه نورهم

الشريف:

«فبلغ الله بكم أشرف محلّ المكرمين وأعلى منازل المقربين وأرفع درجات المرسلين حيث لا يلحقه لاحق ولا يفوقه فائق ولا يسبقه سابق ولا يطمع في إداراكه

طامع، حتّى لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا صديق ولاشهيد ولا عالم ولا جاهل ولادني ولا فاضل ولا مؤمن صالح ولا فاجر طالح ولاجبار عنيد ولاشيطان مريد ولا خلق فيما بين ذلك شهيد إلا عرفهم جلالة أمركم وعظم خطركم وكبر شأنكم وتمام نوركم وصدق مقاعدكم وثبات مقامكم وشرف محلّكم ومنزلتكم عنده وكرامتكم عليه وخاصتكم لديه وقرب منزلتكم منه.

د . الإقرار الدائم بمعتقدات أهل البيت والعمل بموجبها:

«بأبي أنتم وأمي وأهلي ومالي وأسرتي أشهد الله وأشهدكم أني مؤمن بكم وبما آمنتم به کافر بعدوّكم وبما كفرتم به مستبصر بشأنكم وبضلالة من خالفكم ، موال لكم ولأوليائكم، مبغض لأعدائكم ومعاد لهم، سلمٌ لمَنْ سالمكم وحرب لمن حاربكم محقق لما حققتم مبطل لما أبطلتم مطيع لكم عارف بحقكم مقرّ بفضلكم محتمل لعلمكم».

ومن مصاديق الإيمان بقضية أهل البيت قول الإمام علیه السلام :

«محتجب بذمتكم ومعترف بكم مؤمن بإيابكم مُصدّق برجعتكم منتظر لأمركم مرتقب لدولتكم آخذ بقولكم عامل بأمركم مستجير بكم زائر لكم عائد بقبوركم مستشفع إلى الله عزّ وجلّ بكم متقرب بكم إليه ومقدمكم أمام طلبتي وحوائجي وإرادتي في كل أحوالي وأموري، مؤمن بسركم وعلانيتكم وشاهدكم وغائبكم وأولكم وآخركم ومفوّض في ذلك كله إليكم ومسلّم فيه معكم، وقلبي لكم مسلّم ورأيي لكم تبع ونصرتي لكم مُعدَّة حتّى يحيى الله تعالى دينه بكم ويردكم في أيامه ويظهركم لعدله ويُمكنكم في أرضه، فمعكم معكم لامع غيركم آمنت بكم وتوليت آخركم بما توليت به أولكم، وبرئت إلى الله عزّ وجلّ من أعدائكم ومن الجبت والطاغوت والشياطين وحزبهم الظالمين لكم الجاحدين لحقكم والمارقين من ولايتكم الغاصبين لإرثكم الشاكين فيكم المنحرفين عنكم ومن كل وليجة دونكم وكلّ مطاع سواكم ومن الأئمة الذين يدعون إلى النار، فثبتني الله أبدا

ماحييت على موالاتكم ومحبتكم ودينكم ووفقني لطاعتكم ورزقني شفاعتكم وجعلني من خيار مواليكم التابعين لما دعوتم إليه وجعلني ممن يقتص آثاركم ويسلك سبيلكم ويهتدي بهدايكم ويحشر في زمرتكم ويكرّ في رجعتكم ويملك في دولتكم ويشرف في عافيتكم ويُمكّن في أيامكم وتقرّ عينه غدا برؤيتكم، بأبي أنتم وأم-ي ونفسي وأهلي ومالي من أراد الله بدأ بكم ومن وحده قبل عنكم ومن قصده توجه بكم. موالي لا أحصي ثناءكم ولا أبلغ من المدح كنهكم ومن الوصف قدركم وأنتم نور الأخيار وهداة الأبرار وحجج الجبّار بكم فتح الله وبكم يختم وبكم ينزل الغيث وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه وبكم ينفّس الهم ويكشف الضر وعندكم مانزلت به رسله وهبطت به ملائكته وإلى جدكم بعث الروح الأمين آتاكم الله مالم يُؤتِ أحداً من العالمين. طأطأ كل شريف لشرفكم وبخع كل متكبر لطاعتكم وخضع كل جبار لفضلكم وذلّ كلّ شيء لكم وأشرقت الأرض بنوركم وفاز الفائزون بولايتكم ، بكم يُسلك إلى الرضوان وعلى من جحد ولايتكم غضب الرحمن.

بأبي أنتم وأمي ونفسي وأهلي ومالي ذكركم في الذاكرين وأسماؤكم في الأسماء وأجسادكم في الأجساد وأرواحكم في الأرواح وأنفسكم في النفوس وآثاركم في الآثار وقبوركم في القبور فما أحلى أسماء كم وأكرم أنفسكم وأعظم شأنكم وأجل خطركم وأوفى عهدكم وأصدق وعدكم ، كلامكم نور وأمركم رشد ووصيتكم التقوى وفعلكم الخير وعادتكم الإحسان وسجيّتكم الكرم وشأنكم الحق والصدق والرفق وقولكم حكم وحتم ورأيكم علم وحلم وحزم، إنْ ذُكِرَ الخير كنتم أوله وأصله وفرعه ومعدنه ومأواه ومنتهاه.

بأبي أنتم وأمي ونفسي كيف أصف حسن ثنائكم وأحصي جميل بلائكم وبكم أخرجنا الله من الذلّ وفَرّج عنا غمرات الكروب وأنقذنا من شفا جرف الهلكات ومن النار بأبي أنتم وأمي ونفسي بموالاتكم علّمنا الله معالم ديننا وأصلح ماكان فسد من

دنيانا.

وبموالاتكم تمّت الكلمة وعظمت النعمة وائتلفت الفرقة وبموالاتكم تقبل الطاعة المفترضة ولكم المودّة الواجبة والدرجات الرفيعة والمقام المحمود والمكان المعلوم عند الله عزّ وجلّ والجاه العظيم والشأن الكبير والشفاعة المقبولة، ربَّنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ربَّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنّك أنت الوهاب سبحان ربّنا إنْ كان وَعدُ ربّنا لَمفعولا.

ياولي الله إن بيني وبين الله عزّ وجلّ ذنوباً لايأتي عليها إلا رضاكم فبحق مَنْ ائتمنكم على سره واسترعاكم أمر خلقه وقرن طاعتكم بطاعته لما استوهبتم ذن-وب-ي وكنتم شفعائي فإنّي لكم مطيع، مَنْ أطاعكم فقد أطاع الله ومن عصاكم فقد عصى ومَنْ أحبّكم فقد أحبّ الله ومَنْ أبغضكم فقد أبغض الله.

اللهم إنّي لو وجدت شفعاء أقرب إليك من محمّدٍ وأهل بيته الأخيار والأئمة الأبرار لجعلتهم شفعائي فبحقهم الذي أوجبت لهم عليك أسألك أن تدخلني في جملة العارفين بهم وبحقهم وفي زمرة المرحومين بشفاعتهم إنّكَ أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وسلّم تسليماً كثيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ومن هذه الفقرات نستلهم النقاط التالية:

1 . الإيمان بإيابهم وقيام دولتهم.

2 . أهمية زيارة قبورهم.

3 . أهمية الإيمان بالرجعة.

4 . أهمية الإيمان بسرهم وعلانيتهم.

5 . أهمية الاستعداد لنصرة دولتهم لحد التمكين في الأرض.

6 . أهمية البراءة من عدوهم.

7 . فرح المؤمن بمارزقه الله على يد أهل البيت واعتقاده لهذا المعنى.

8 . وحدة المسلمين السليمة لا تتم إلا تحت لوائهم علیه السلام .

9 . الإيمان بهم لا يكون عاطفيا بل يكون عن وعي وإدراك وبحث وتمحيص .

الخاصه

إن تنوع أساليب التعامل مع الأحداث والظواهر التي اتخذها الإمام الهادي علیه السلام تظهر لنا طبيعة الظروف التي كانت تعيشها قواعده سواء كانت موضوعية أو مصطنعة من قبل السلطة العباسية وطبيعة الأطراف التي تختلف في توجهاتها مع خط الإمام علیه السلام ، لذا نجد أن الإمام علیه السلام يغير أساليبه ووسائله في التصدي للأحداث والظواهر بما يتناسب والواقع المعاش، فتارة يطلب من أصحابه الهدوء والسكون وعدم إظهار أي نشاط يستفّز السلطة، وتارة هو يحاول الاحتجاب عن خلّص أصحابه علاجاً لمتطلبات الظرف الذي يعيشه أو الظروف الأقسى في المستقبل القريب حيث يقترب عصر الغيبة بشكل سريع. إلى زمن الإمام السجاد علیه السلام والظروف التي كانت تمر بها الأمة آنذاك نجد هناك تشابهاً في وسائل التأثير قوة وضعفاً، حددها الظرف المضطرب بعد ثورة الإمام الحسين علیه السلام ، وثورة الحرّة، وتحرّك ابن الزبير، وكانت وسيلة الإمام علیه السلام هي الأدعية والزيارات المأثورة عنه في الصحيفة السجادية فكانت هذه المشابهة في الظروف إلى عودة أسلوب الأدعية والزيارات في منهج التحرّك لدى الإمام الهادي علیه السلام التخطي المرحلة الصعبة التي تمر بها الجماعة الصالحة وإياه علیه السلام .

الأسئلة

1 . ما هي أهمية دراسة وحفظ الزيارة الجامعة؟

2 . وضح درجة الوثوق بالزيارة الجامعة بغض النظر عن صحة سندها؟

3 . ماذا يُستفاد من كثرة عدد الشروح للزيارة الجامعة؟

4 . وضح ما تضمنته الزيارة الجامعة بالنسبة للفقرات التالية:

أ - مقام ومنزلة أهل البيت علیه السلام

ب - حركة أهل البيت علیه السلام.

ج - الأسس الفكرية للتشيع.

ه . ما هي أقسام الناس الواردة في الزيارة بالنسبة للقرب والبعد من أهل البيت؟

الدرس 34: متطلبات عصر الإمام الهادي علیه السلام(3)

الجانب التنظيمي في منهج الإمام الهادي علیه السلام

لقد مارس الإمام الهادي علیه السلام وظيفته بصفته الإمام والقائد لمواليه والراعي لمصالحهم بالرغم من الظروف الصعبة التي كانت تمرّ بالإمام علیه السلام وبشيعته من تتبع السلطة لهم ومطاردتهم، وفرض الإقامة الجبرية على الإمام بعد إشخاصه من المدينة إلى سامراء (1)ليكون قريباً من السلطان وتحت رقابته المباشرة وتتجلى لنا مواقف الإمام علیه السلام في اتجاهين:

الأوّل: فيما يتعلّق بإثبات الحق أو نقد الباطل على المستويات المختلفة سواء اتجاه الدولة أو المخالفين أو سواهما، وقد سبقت الإشاره المواقف الإمام علیه السلام مع المتوكل ،وبعض مقربيه .

الثاني: وهو ما يتعلق بالمحافظة التامة على شيعته ورعاية مصالحهم وقضاء حوائجهم وتحذيرهم ما تحوكه السلطة ضدّهم، وما يجب أن يتخذوه من حيطة وكتمان لنشاطهم واتصالاتهم حتى لا يقعوا في حبائل السلطة الغاشمة التي كانت تتربص بهم، وبالإمام علیه السلام الدوائر.


1) تأريخ الطبري، ج 7: احداث عام 234 ه-.

لذا فإنّ وصايا الإمام علیه السلام كانت تُظهر مدى اهتمامه ومدى قربه من الأحداث العامة والخاصة، وكانت إجراءاته وأوامره تصل الجماعة الصالحة سابقة للأحداث لتتمكن تلك الجماعة من تجاوز ما يحاك ضدها، كما أن إجراءات الإمام وأساليبه كانت مظهراً لعمل حركي وتنظيمي على درجة عالية من الدقة والتخطيط، وهذا ما تظهره لنا خطابات الإمام علیه السلام إلى شيعته والتي تحمل بين طياتها أدوات ووسائل مختلفة ومتعدّدة لمواجهة الظروف التي تحيط بهم، واليك شيئاً منها:

أ. الحذر من تدوين الأمور

كان الإمام علیه السلام يحذر أصحابه من تدوين وكتابة بعض الأمور وخصوصاً ما يتعلّق بعلاقات ووضع الجماعة الصالحة ومواقفها، فعن داود الصرمي قال: أمرني سيدي بحوائج كثيرة فقال علیه السلام لي : قل كيف تقول ؟ فلم أحفظ مثل ماقال لي فمد الدواة وكتب.

بسم الله الرحمن الرحيم أذكره إن شاء الله والأمر بيد الله، فتبسمت، فقال علیه السلام : مالك؟ قلت: خير، فقال: أخبرني ! قلت: جعلت فداك!ذكرت حديثاً حدثني به رجل من أصحابنا عن جدّك الرضاعا علیه السلام ، إذا أمر بحاجة كتب بسم الله الرحمن الرحيم، أذكر إن شاء الله فتبسمت، فقال علیه السلام لي: ياداود ولو قلت: إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً .

فالإمام علیه السلام هنا يربط الكتمان والحذر بمفهوم إسلامي وهو: «التقية» والتي وردت بها أحاديث وآيات كريمة كقوله تعالى: «إلّا أن تتقوا منهم تقاة» وكذا قوله تعالى: «إلّا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان »: وهي الآية التي نزلت في قضية عمار بن ياسر رضی الله عنه حيث عذبه المشركون في مكة لكي ينال من الرسول ويتركوه، ثم جاء الرسول صلی الله علیه واله وسلم

1 . تحف العقول.

فقال له: إن عادوا فعد، فلم تكن أوامر الإمام علیه السلام بهذا الصدد فقط الخشية من انكشافها بل أيضاً تأكيداً لهذا المفهوم الذي عرفت به الشيعة لوصايا الأئمة علیه السلام والقرآن الكريم بها.

ب . تغيير الأسماء

كان الإمام علیه السلام يذكر في توقيعاته إلى بعض أصحابه وينسبهم إلى عبيد بن زرارة، وكانوا قد عرفوا ببني الجهم وهم من أكابر بيوت الشيعة وأصحاب الأئمة علیه السلام ، فعن الزراري (أحدهم) قال: إنّ ذلك تورية وستر من قبل الإمام علیه السلام ثم اتسع ذلك وسمينا به، وكان علیه السلام يكاتبه في أمور له بالكوفة وبغداد(1).

ج . التحذير من الحديث في الأماكن العامة

كان علیه السلام يمنع بعض أصحابه من الحديث والمسألة في الطريق وغيره من الأماكن التي يكون فيها عيون للسلطان.

فعن محمد بن شرف قال: كنت مع أبي الحسن علیه السلام أمشي في المدينة فقال لي: ألست ابن شرف؟ قلت بلى، فأردت أن أسأله عن مسألة فابتدأني من غير أن أسأله فقال: «نحن على قارعة الطريق وليس هذا موضع مسألة».

د . استعمال وسائل متعدّدة ضد الأعداء

لقد اختلفت وتعدّدت الوسائل التي أوصى بها الإمام علیه السلام شيعته ومواليه أن يتخذوها ضد أعدائهم بحسب حجم الخطورة وماتسمح به الظروف السياسية والاجتماعية آنذاك، فنجده تارة يوصي أن يضرب ويخدش أحد المغالين والمدعين لولاء الإمام علیه السلام كما في حالة علي بن حسكة (2)بيد أنه - أي الإمام - أمر باغتيال وقتل


1) تأريخ الكوفة، ص 393.

2) رجال الكشي، ص 437

(فارس بن حاتم ) لما كان يشكله من خطر على الجماعة الصالحة، فعن الجنيد أنه قال: أرسل إلي أبو الحسن العسكري علیه السلام يأمرني بقتل فارس بن حاتم(1).

ه . العمل مع الظالمين

لقد استولى بنو العباس على السلطة وتولّوا أمر الأمّة بالقهر والغلبة بعد سقوط الدولة الأموية 132 ه-، وعاثوا في الأرض الفساد، حيث استشرى أمرهم فكان القتل والتشريد وابتزاز الأموال، وعليه فلم تكن للدولة والسلطات الحاكمة أي شرعية إسلامية، لذا فكان العمل معهم غير مشروع، وقد كتب محمد بن علي بن عيسى - أحد أصحاب الإمام علیه السلام - إلى الإمام الهادي علیه السلام يسأله عن العمل لبني العباس وأخذ ما يتمكن من أموالهم هل فيه رخصة ؟ فقال علیه السلام ما كان المدخل فيه بالجبر والقهر فالله قابل به العذر ، وماخلا ذلك فمكروه، ولا محالة قليله خير من كثيره، ومايكفر به ما يلزمه فيه من يرزقه بسبب وعلى يديه مايسرك فينا وفي موالينا.

ولما وافى كتاب الإمام علیه السلام إلى محمّد بن علي بن عيسى بادر فكتب إلى الإمام علیه السلام : «إن مذهبي في الدخول في أمرهم وجود السبيل إلى إدخال المكروه على عدوّه وانبساط اليد في التشفّي منهم بشيء أتقرب إليهم، فأجاب الإمام علیه السلام من فعل ذلك فليس مدخله في العمل حراماً بل أجراً وثواباً(2).

لقد وضع الإمام علیه السلام في النصين أعلاه ضوابط العمل مع السلطان الجائر والظالمين باتباع وسائل إضعافهم، أو خدمة مواليه.

و . احترام وتقييم أهل الكفاءة والمقدرة

روي أنه اتصل بأبي الحسن علي بن محمد العسكري علیه السلام: أن رجلاً من فقهاء


1) رجال الكشي، ص 444.

2) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 12، ص 137.

شيعته كلّم بعض النواصب فأفحمه بحجته حتى أبان عن فضيحته، فدخل إلى علي ابن محمد علیه السلام وفي صدر مجلسه دست عظیم منصوب وهو قاعد خارج الدست، وبحضرته خلق من العلويين وبني هاشم فما زال يرفعه حتى أجلسه في ذلك الدست وأقبل عليه فاشتد ذلك على أولئك الأشراف فأما العلويون فأجلوه عن العتاب، وأمّا الهاشميون فقال له شيخهم : يابن رسول الله هكذا توثر عامياً على سادات بني هاشم من الطالبيين والعباسيين؟

فقال علیه السلام : إياكم وأن تكونوا من الذين قال الله تعالى فيهم: ألم تر إلى الذين اوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثمّ يتولّى فريق منهم وهم معرضون» (1)أترضون بكتاب الله حكماً؟

قالوا: بلى.

قال: أليس الله يقول: «يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم؟ إلى قوله: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات » فلم يرض للعالم المؤمن إلا أن يرفع على من ليس بمؤمن أخبرني عنه قال: «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات» أو قال: «يرفع الذين اوتوا شرف النسب درجات » أوليس قال الله «هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون»؟

فكيف تنكرون رفعي لهذا لما رفعه الله إن كسر هذا (الفلان) الناصب بحجج الله التي علّمه إياها لأفضل له من كل شرف في النسب.

فقال العباسي: يابن رسول الله قد أشرفت علينا هو ذا تقصير بنا عمّن ليس له نسب كنسبنا ومازال، أو الإسلام يقدّم الأفضل في الشرف على من دونه فيه؟

فقال علیه السلام : سبحان الله أليس عباس بايع أبابكر وهو (تيمي) والعباس (هاشمي)؟ أوليس عبدالله بن عباس كان يقدم عمر بن الخطاب وهو (هاشمي) أبو الخلفاء، وعمر


1) آل عمران /23.

(عدوي) وما بال عمر أدخل البعداء من قريش في الشورى ولم يدخل العباس؟ فإن كان رفعنا لمن ليس بهاشمي على هاشمي منكراً فأنكروا على عباس بيعته لأبي بكر، وعلى عبدالله بن عباس خدمته لعمر بعد بيعته فإن كان ذلك جائزاً فهذا جائز. فكأنما ألقم الهاشمى حجراً (1).

ثم إن رعاية الإمام علیه السلام واهتمامه بشيعته ومواليه لاتقف عند حدود مسائل التنمية الفكرية والروحية... ويمكن أن نجمل ماكان يهدف إليه الإمام بالنسبة لشيعته في الأمور التاليه:

1 . قضاء حوائجهم الخاصة

وهذه الحوائج قد تكون فيما يتعلّق بموقف السلطان من بعضهم كما في قصة محمد بن الفرج الرفجي، حيث كتب إليه الإمام محذراً : يا محمد ! اجمع أمرك وخذ حذرك فلم يفهم ماذا أراد الإمام بكلامه هذا، فيقول: فأنا في جمع أمري لست أدري ما الذي أراد بما كتب، حتّى ورد عليّ رسول حملني من وطني مصفّداً بالحديد، وضرب على كلّ ما أملك، وكنت في السجن ثماني سنين، ثمّ يمتد لطف الإمام علیه السلام ورعايته بمحمد هذا أواخر سجنه فيكتب له علیه السلام: يا محمد بن فرج لا تنزل في ناحية الجانب الغربي: ويعجب محمد من كتاب الإمام علیه السلام حتى أفرج عنه، وخلي سبيله (2).

وقصة أخرى للإمام مع أحد أصحابه وقد تضرّر كثيراً من المتوكل، يقول: قصدت الإمام يوماً فقلت: إنّ المتوكل قطع رزقي، وما أتهم في ذلك إلا علمه بملازمتي لك، فينبغي أن تتفضّل عليّ بمسألته، ولم يتفضل الإمام بالوساطة إلى المتوكل - كما طلب - وإنما تفضل علیه السلام بالوساطة مع الله تعالى فهو غاية المأمول ونهاية المسؤول(3).


1) الاحتجاج، ص 259 - 260.

2) إعلام الورى، ص 342

3) الصدر محمّد صادق الغيبة الصغرى، ص 140 - 141.

فقال الإمام علیه السلام لهذا الرجل: تكفى إن شاء الله.

يقول الراوي: فلما كان في الليل طرقني رسل المتوكل رسول يتلو رسولاً، فجئت فوجدته في فراشه: فقال: يا أبا موسى يشتغل شغلي عنك، وتنسينا نفسك: أي شيء لك عندي به ، فقلت : الصلة الفلانية ، وذكرت أشياء، فأمر لي بها وبضعفها.

وكان هذا الرجل قد توسّط الإمام علیه السلام لدى المتوكّل من أجله لذا بدر إلى الوزير الفتح بن خاقان وقال له مستفهماً :

وافِ عليّ بن محمّد إلى ههنا ، أو اكتب رقعة ! فأجاب الوزير بالنفي ثم دخل على الإمام الهادي علیه السلام ، فقال له : يا أبا موسى هذا وجه الرضا، فقلت ببركتك ياسيدي، ولكن قالوا: إنّك مامضيت ولا سألت؛ فأجابه الإمام علیه السلام المهمات إلّا إليه ولا تتوكل ي الملمات إلا عليه، وعدنا - إذا سألناه - الإجابة ونخاف أن نعدل فيعدل لنا(1).

وقد سبق أن أشرنا إلى قصة الكوفي الذي جاء يطلب من الإمام علیه السلام أن يقضي دَيْنَه فقد أخبر الإمام علیه السلام أنه من شيعة جده أمير المؤمنين، ثمّ إنّ الإمام علیه السلام أوصاه أن يلتزم بما يقوله له، ثمّ يسمع المتوكل بذلك ويرسل إلى الإمام علیه السلام أربعة آلاف درهم فيعطيها إلى هذا الرجل ليستعين بها على دينه وحوائج أهله.

2 . إن ممارسة الإمام علیه السلام لهذا الدور ومتابعته لمختلف أحوالهم الخاصة والعامة، تعني تركيز ثقتهم به فهو المرجع في كلّ أمورهم، ولما تستشعر القواعد هذا الإهتمام والرعاية في صغائر الأمور كما في المهمات من قبل الإمام علیه السلام يزداد ولاؤها وارتباطها به .

3 . كما أن الإمام علیه السلام بأدائه لهذا الدور كان يهدف إلى تجديد نشاطهم الاجتماعي وحيويتهم بالتفاعل مع الأحداث والمواقف بما يرضي الله سبحانه. فكانت غاية الإمام علیه السلام هي الارتفاع والسمو بهم إلى الدرجات السامية والرفيعة


1) المناقب، ج 3، ص 514.

بما يوجب نيل الرعاية والرضا الإلهيين.

الخاصه

للحفاظ على كيان الجماعة الصالحة - القواعد الشعبية - أوما يصطلح عليه بالجانب التنظيمي، سعى الإمام علیه السلام بشتى الوسائل والطرق ليجنب الجماعة الصالحة ماتحوكه السلطة ضدّها من خطط ومؤامرات من أجل النيل منها وإضعافها وبالتالي تحجيم دورها التأثيري في مجريات الأحداث التي عاصرها الإمام علیه السلام ، ويمكن تحديد منهج الإمام علیه السلام هذا بالنقطتين التاليتين: -

ما يتعلق بإثبات الحق ونقد الباطل على المستويات المختلفة.

ما يتعلق بالحفاظ على قواعد الإمام علیه السلام ورعاية مصالحهم وتحذيرهم مما يحيط بهم من أخطار وحل المعضلات التي تعترضهم الظروف القاسية التي كانت تمر بالإمام علیه السلام والقواعد الموالية له فكانت تعليماته علیه السلام إليهم تتضمن جملة أمور:

تحذيره لهم من كتابة الرسائل وغيرها.

طلبه من بعض قواعده تغيير أسمائهم.

اشتراط العمل مع السلطان الظالم بشروط خاصة.

تحذيرهم من الحديث في الأماكن العامة إلى غير ذلك من الوصايا والتعليمات.

و كان الإمام علیه السلام يتفقد أحوال مواليه ويسهم في قضاء حوائجهم ومشكلاتهم وكان يترقب أخبارهم وأمورهم المختلفة.

الأسئلة

1 . وضح بماذا اتصفت مواقف الإمام علیه السلام في حفظ كيان الجماعة الصالحة؟

2 . ما هي أساليب الإمام علیه السلام في مواجهة الظروف والملابسات التي تخص حفظ الجماعة الصالحة؟

3. ما هي ضوابط العمل مع السلطان الظالم حسب ماورد عن الإمام الهادي علیه السلام ؟

4 . ما هو موقف الإمام الهادي علیه السلام من أحد أصحابه الذي أفحم الناصبي في محاورته إياه؟

ه . كيف كان موقف الإمام الهادي علیه السلام في قضاء حوائج أصحابه؟

6 . ما الذي كان يهدفه الإمام علیه السلام في مواقفه تجاه قواعده الشعبية؟

7 . ما هي دلالات المنهج الذي اتبعه الإمام علیه السلام في الحفاظ على كيان الجماعة الصالحة؟

الدرس 35: متطلبات عصر الإمام الهادي علیه السلام(4)

موقف الإمام علیه السلام من الغلاة و المنحرفين

إن موقف الإمام الهادي علیه السلام من الغلاة وتحركهم كان موقفاً متشدّداً، بحسب خطورة التحرك أو باعتبار مالصاحبه من منزلة ومكانة في المجتمع، لذا اختلفت مواقف الإمام علیه السلام إزاءهم كما تعدّدت وصاياه في هذا الاتجاه لشيعته موضحاً ما يجب أن يتخذوه تجاه الغلاة والمنحرفين، فربما كان يكتفي بالاستخفاف والهجران وربما أمر بالضرب لبعضهم وربّما تطلب الأمر أن يقتل زعيم أو رأس تلك العصابة المغالية أو المنحرفة.

عن أحمد بن محمد بن عيسى قال: كتبت إليه - أي الإمام الهادي علیه السلام- في قوم يتكلمون ويقرؤون أحاديث ينسبونها إليك وإلى آبائك فيها ما تشمئز منها القلوب ، وأشياء من الفرائض والسنن والمعاصي فأولوها وصيّروها فإن رأيت أن تبين لنا وأن تمن على مواليك بما فيه سلامتهم ونجاتهم من الأقاويل التي تصيرهم إلى المعطب والهلاك، والذين ادّعوا هذه الأشياء ادعوا أنهم أولياء، وادعوا إلى طاعتهم، منهم علي بن حسكة والقاسم اليقطيني، فما تقول في القول منهم جميعاً؟

فكتب «ليس هذا ديننا فاعتزله»(1).

وعن محمد بن عيسى قال كتب إلي أبو الحسن علیه السلام ابتداء منه: لعن الله القاسم اليقطيني ولعن الله علي بن حسكة القمّي إن شيطاناً يتراءى للقاسم فيرمي إليه زخرف القول غرورا.

كما كتب أحد أصحاب الإمام الهادي علیه السلام إليه سائلاً ومستفسراً عن أحوال علي بن حسكة: جعلت فداك ياسيدي إنّ علي بن حسكة يدّعي أنه من أوليائك، وأنك أنت الأوّل القديم وأنه بابك ونبيك أمرته أن يدعو إلى ذلك ويزعم أن الصلاة والزكاة والحج والصوم كلّ ذلك معرفتك ومعرفة من كان في مثل حال ابن حسكة فيما يدعي من البابية والنبوّة، فهو مؤمن كامل سقط عنه الاستبعاد بالصلاة والصوم والحج وذكر جميع شرائع الدين أن معنى ذلك كله ما ثبت لك ومال الناس إليه كثيراً، إن رأيت أن تمن على مواليك بجواب في ذلك تنجيهم من الهلكة ؟ قال : فكتب علیه السلام كذب ابن حسكة عليه لعنة الله أو بحسبك أني لا أعرفه ؟! لعنه الله، فوالله ما بعث الله محمّداً والأنبياء قبله إلا بالحنفية والصلاة والزكاة والصيام والحج والولاية. ومادعا محمد صلی الله علیه واله وسلم إلا إلى الله وحده لاشريك له، وكذلك نحن الأوصياء من ولده، لانشرك به شيئاً، إن أطعناه رحمنا وإن عصيناه عذبنا، مالنا على الله من حجّة بل الحجّة لله علينا وعلى جميع خلقه أبرأ إلى الله ، ممن يقول ذلك وأنتفي إلى الله من هذا القول، فاهجروهم لعنهم الله وألجئووهم إلى ضيق الطريق، فإن وجدتم أحداً منهم فاخدشوا رأسه بالحجر (2).

وتضمّن هذا النص الشريف جملة من الأمور المهمة نشير إليها :

1 . تأكيده على مقام الألوهية، وأنّ الحجّة لله سبحانه على جميع خلقه وأن الطاعة

لله سبحانه هي الأساس في رضا الله سبحانه.


1) رجال الكشي، ص 43.

2) رجال الكشي، ص 437.

2 . إنّ الرسول الأعظم صلی الله علیه واله وسلم والأنبياء (سلام الله عليهم) دعوا إلى الحنفية والعبادات المفروضة.

3 . إن الأئمة علیه السلام هم أوصياء الرسول محمد صلی الله علیه واله وسلم لا يشركون بالله شيئاً.

4 . تأكيد الإمام علیه السلام على البراءة من هؤلاء الغلاة والمنحرفين ولعنهم وحرّض مواليه على هجرانهم وإيقاع الأذى فيهم.

ووفقاً لهذا نجد الإمام الهادي علیه السلام - كما هو شأن آبائه علیه السلام- سعوا جاهدين للحفاظ على سلامة الشريعة الإسلامية، كما عملوا كثيراً من أجل صيانة الأمة من الانحراف، بيد أنا نجد الكثير من المسلمين - وللأسف - اتخذوا منهج المستشرقين في رمي الشيعة الإمامية ممّاهم بُراء منه مثل هذه الافتراءات التي ذكرت أعلاه وسواها مما ورد عن الأئمة علیه السلام أنفسهم ردّها ولعن أصحابها ومنع شيعتهم من الاختلاط بهم وضرورة الابتعاد عنهم، فالأئمة علیه السلام كانوا يراقبون هذه الأمور بدقة، وتصدر عنهم الوصايا إلى شيعتهم أولاً بأول وحسب الظروف وأهمية تلك المطالب.

الإمام الهادي علیه السلام و ثورات عصره

إن أهم ما يميز عصر الإمام الهادي علیه السلام هو ضعف الخلافة العباسية وسقوط هيبتها لاستيلاء الأتراك على العاصمة والعمّال والأمراء على الأطراف، ونتيجة لذلك كان الخليفة مسلوب الإرادة يُحرّك من قبل قواده الذين كانت بأيديهم زمام السلطة(1).

واتسم الوضع بعدم الاستقرار وازدياد الاضطرابات وكثرة الخارجين على السلطة وكثرة الوثبات في الأمصار ، فكان للخوارج نشاط ملحوظ قوي ومدعم بالمال والسلاح، كما نجد أن مجموعة من الأقاليم قد حدثت فيها انتفاضات ضد السلطة كما حصل في الأردن بقيادة رجل من لخم ، وكانت في حمص وثبة أخرى ضدّ عاملها


1) ابن الاثير، الكامل، ج 6، ص 73.

كيدر الأشرو بيني، وكذا وثبة الجند في سامراء فضلاً عن حدوث ثورات أخرى منها: ثورة يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي بن أبي طالب علیه السلام وقد انطلقت هذه الثورة من كربلاء باتجاه الكوفة وكان شعارها الدعوة إلى «الرضا من آل محمد صلی الله علیه واله وسلم» وعرف يحيى بحسن السيرة وأظهر العدل حتى قتل(1).

إن موقف الإمام الهادي علیه السلام تجاهها وسواها من الأحداث يصعب الوقوف عليه لعدم وجود نص صريح عنه علیه السلام ، يبد أنه يمكن أن يُستفاد من خروج بعض المخلصين من أصحابه مع العلويين موقفه غير العلني، ويعلل عدم إبدائه أي رأي تجاه الثورة أو الحدث للظروف الحرجة التي كان يعيشها من مراقبة مشدّدة واضطهاد لشيعته ومواليه، فليس من السهل أن يعطي رأياً صريحاً بثورة سواء كانت تتفق وخطه، أم لا تتفق، فإنّ الفساد والظلم قد استشريا في هذا العصر الذي ازداد سوءاً باستيلاء الأتراك على مقاليد الأمور، فهم الذين كانوا ينصبون الخليفة أو يعزلونه وقد لاقت منهم الأمّة الأمرّين(2).

أصحاب الإمام الهادي علیه السلام

كان لأصحاب الأئمّة - الذين تميزهم الرعاية الخاصة - الدور البارز في نقل تراث الأئمة علیه السلام ومواقفهم إزاء الظروف الاجتماعيّة فكان هؤلاء الأصحاب يمثلون الخط الرسالي ويجسدون أعلى درجات الوعي والالتزام بخط الأئمة علیه السلام على امتداد وجودهم المبارك رغم اشتداد الظروف وقساوتها تجاههم.

والذي يدعو إلى الاعتزاز والفخر بجهاد هؤلاء الرواة هو أنهم اتصلوا بالأئمة ودوّنوا عنهم، في وقت كان من أعسر الأوقات حراجة وأكثرها ضيقاً وضغطاً، وقد أمعنت السلطات الأموية والعباسية في ظلم العلويين وشيعتهم، ومنعت الأوساط الشعبية من الاتصال بهم، وأخذت تطارد كلّ من ينشر فضائل أهل البيت علیه السلام، أو يتحدث عن


1) أبو الفرج الإصفهاني، مقاتل الطالبيين، ص 420.

2) يُراجع الكامل لابن الاثير، ج 5، ج 6 أحداث السنين (247 - 255ه-).

مناقبهم، ومآثرهم أو يروي أحاديثهم(1).

وقد بلغ عدد الرواة عن الإمام الهادي علیه السلام وأصحابه 182 راوية (2)وهي نسبة كبيرة قياساً إلى الرواة عن الأئمة علیه السلام الآخرين، ومن ثقاة أصحابه علیه السلام:

1 . أحمد بن حمزة اليسع.

2 . صالح بن محمد الهمداني.

3 . يعقوب بن يزيد الكاتب.

4 . أبو الحسين بن هلال.

5 . إبراهيم بن إسحاق.

6 . خيران الخادم.

7 . النضر بن محمد الهمداني.

8 . جعفر بن سهيل الصقيل من وكلائه.

9 . وداود بن زيد من اصحابه الذين جاء ذكرهم في مناقب آل أبي طالب وأضاف اليهم:

10 . أبوسليمان زنكان.

11 . سليم بن جعفر المروزي.

12 . محمد بن سعيد بن كلثوم.

13 . الحسين بن محمد المدائني.

14 . احمد بن اسماعيل بن يقطين.

15 . بشر بن بشار النيشابوري الشاذاني .

16 . معاوية بن حكيم الكوفي.


1) القرشي، باقر شريف، حياة الإمام الهادي علیه السلام، ص .169 - 170

2) عبدالهادي الفضلي، تأريخ التشريع الإسلامي، ص 205.

17 . علي بن محمد بن معبد البغدادي.

18 . أبو الحسن ابن رجا العبرتائي.

إلى غيرهم من أصحاب الإمام علیه السلام الذين ذكرتهم عامة كتب الرجال(1).

الإمام الهادي علیه السلام و الأتراك

إنّ الحديث عن موقف الإمام الهادي علیه السلام تجاه الأتراك، يتضح لنا من خلال نقطتين : النقطة الأولى فقد كان للاتراك دورٌ كبيرٌ مؤثر في الحياة العامة يبدأ بالتأثير في السياسة المتبعة وتغيير الخليفة وعزله وتنصيبه وإلى أبسط الأمور ذات العلاقة بسياسة الدولة والمجتمع.

والنقطة الأخرى أنهم لم يكونوا من موالي الامام علیه السلام وشيعته بل إنهم كانوا القوة الضاربة للدولة ويدها وعقلها المدبّر، وكان الأتراك على قسمين: القوّاد والأمراء، وعامة الجند، وكان بيدهم إعلان الحرب والسلم مع أي شخص في أطراف الدولة، وكانوا يخوضون الحرب في الغالب في الجيش الممثل للدولة، وهو المنتصر في الحرب غالباً، وبذلك يغنم الأتراك ومن يليهم أموالاً طائلة على حساب المظلومين المقهورين تحت وطأة الحروب (2).

ولم يكن الإمام علیه السلام اليوافق على تصرفاتهم التي لم تكن قائمة على شيء من تعاليم الدين والعدل الإسلامي، وبخاصة أنه يعلم موقفهم ضده وضد مواليه حتى كأن الخليفة يستخدمهم في الكبس على دار الإمام وحبسه، ومن هنا ينبثق موقفه علیه السلام حيث كان موقفاً حكيماً جداً مراعياً فيه ظروفهم وموقعهم السياسي والاجتماعي.

إن جهود الإمام علیه السلام في هذا الإتجاه قد أثمرت بعض الشيء في تقريب بعضهم إليه


1) يُراجع رجال الطوسي و رجال الكشي.

2) الغيبة الصغرى، ص 157، بتصرف.

وإيمانهم بفضله، وربّما بإمامته...وكانت جهوده علیه السلام المتواصلة في ذلك(1).

فمن ذلك أنه مرَّ به تركي، فكلّمه بالتركية، فنزل عن فرسه فقبل حافر دابة الإمام علیه السلام، قال الراوي: فحلفت التركي أن يقول ماقال له الرجل، - أي الإمام - قال التركي: هذا كنّاني باسم سمّيت به في صغري ببلاد الترك، ما علمه أحد إلا الساعة (2)فكان للإمام علیه السلام هذا أثر كبير في نفس هذا التركي حتى قبل حافر دابته.

أما بالنسبة لموقفه من القوّاد بخاصة تجاه (بغا الكبير) والذي يعتبر أحد القواد البارزين في عصر الإمام علیه السلام والذي يصفه المسعودي بقوله: كان بغا الكبير كثير التعطف والبر على الطالبتين ثمّ ، ينقل عنه تعاطفه مع أحد شيعة الإمام علیه السلام حيث حاول قتل عامل المعتصم على الكوفة، فأمر المعتصم بغا أن يلقيه إلى السباع، فلم يلقه إلا أنه أمره بأن يجهد أن لا يظهر في أيّام المعتصم (3)، فالتعاطف هذا يعتبر مظهراً من مظاهر تأثير الإمام علیه السلام في هذا القائد التركي.

البشارة والتمهيد لإمامة المهدي المنتظر علیه السلام

إن البشارة بالمهدي علیه السلام وظهوره لإقامة العدل في الأرض بعد ما تملأ ظلماً وجوراً قد نقلها المسلمون كافة عن الرسول صلی الله علیه واله وسلم ثم إن الأئمة قد تتابعوا في ذكر ذلك: وروايته حتى كانت إمامة الهادي علیه السلام وعندما قرب استشهاده أبلغ شيعته ومواليه إمامة الخلف من بعده وأخبرهم عما سيكون من غيبة حفيده وهو بين أظهرهم ولا يستطيعون الوصول إليه، وسيخفى عنهم ويحجب ولا يحق لهم ذكر اسمه خوفاً من طلب السلطان ومتابعته له.

عن أبي جعفر محمد بن أحمد العلوي عن أبي هاشم الجعفري قال: سمعت


1) الغيبة الصغرى، م . س. ص 158 - 159 بتصرف.

2) مناقب ابن شهر آشوب، ج 3، ص 512.

3) المسعودي، مروج الذهب، ج 4، ص 76.

أبا الحسن علیه السلام يقول : الخلف بعدي ابني الحسن، فكيف بالخلف بعد الخلف؟ فقلت: ولم جعلني الله فداك؟ قال: إنّكم لا ترون شخصه، ولا يحل لكم ذكره باسمه قلت: فكيف نذكره؟ فقال: قولوا: الحجّة من آل محمّد صلّى الله عليه وآله (1).

النص على إمامة أبي محمد الحسن العسكري علیه السلام

إن النص والإشارة إلى الإمام علیه السلام في كل عصر من قبل الإمام علیه السلام السابق له قد توالت منذ عهد الإمام أمير المؤمنين علیه السلام فالإمام الهادي علیه السلام قد نص على إمامة أبي محمد الحسن العسكري لما اعتل فضلاً عن النصوص الواردة عن النبي صلی الله علیه واله وسلم والأئمة علیه السلام حول إمامته علیه السلام ومما ورد عن الإمام الهادي علیه السلام نصاً على إمامة الحسن العسكري علیه السلام مايلي:

1 . عن عليّ بن محمّد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن يحيى بن يسار القنبري قال أوصى أبو الحسن علیه السلام إلى إبنه الحسن قبل مضيه بأربعة أشهر، وأشهدني على ذلك وجماعة من الموالي(2).

2 . وعن علي بن عمر النوفلي قال : كنت مع أبي الحسن علیه السلام في صحن داره فمرّ محمد ابنه فقلت له: جعلت فداك ! هذا صاحبنا بعدك؟ فقال: لاصاحبكم بعدي الحسن (3).

استشهاد الإمام علي الهادي علیه السلام

لقد استشهد ولي الله عليّ بن محمد علیه السلام في آخر ملك المعتز ودفن علیه السلام في داره بسر من رأى (4)وكان عمره الشريف يوم وفاته أربعين سنة.


1) المسعودي، علي بن الحسين إثبات الوصية، ص 208.

2) كافي الشيعة، ج 1، ص 313.

3) كافي الشيعة، ج 1، ص 384.

4) الطبرسي، الفضل بن الحسن، أعلام الورى، ج 2، ص 109 - 110.

يقول المسعودي (1): لما أعتل علیه السلام دعا ولده أبا محمد علیه السلام وسلم له المواريث - وهي ما ورثه عن آبائه علیه السلام - وسلاح الإمامة، وأوصى إليه أنه مات مسموماً (2).

وروى المسعودي: أنه اجتمع في دار الإمام الهادي علیه السلام حين التحق بالرفيق الأعلى جملة من بني هاشم من الطالبيين والعباسيين ، واجتمع خلق من الشيعة، ولم يكن ظهر عندهم أمر أبي محمد علیه السلام - أي الإمام الحسن العسكري - ولاعرف خبره إلا الثقات الذين نص أبو الحسن عندهم عليه فحكوا أنهم كانوا في مصيبة وحيرة ففيماهم فيه إذ خرج من الدار الداخلة خادم وصاح بخادم آخر یارباش خذ هذه الرقعة وامض بها إلى دار أمير المؤمنين - أي الخليفة المعتز - وادفعها إلى فلان وقل له هذه رقعة الحسن بن علي، فاستشرف الناس لذلك ثم فتح من صدر الرواق باب وخرج خادم أسود ثمّ خرج بعده أبو محمد علیه السلام حاسراً مكشوف الرأس مشقوق الثياب وعليه مبطنة بيضاء، وكان وجهه وجه أبيها علیه السلام يخطيء منه شيئاً، وكان في الدار أولاد المتوكل وبعضهم ولاة العهود فلم يبق أحد إلا قام ووثب إليه أبو محمّد الموفق فقصده أبو محمد علیه السلام فعانقه، ثمّ قال له مرحباً : يابن العم ! وجلس بين بابي الرواق والناس كلهم بين يديه، وكانت الدار كالسوق بالأحاديث، فلما خرج وجلس - أي الإمام العسكري علیه السلام - أمسك الناس فما كنا نسمع شيئاً إلا العطسة والسغلة، وخرجت جارية تندب أبا الحسن علیه السلام فقال أبو محمد : ماهاهنا من يكفي مؤونة هذه الجاهلة! فبادر الشيعة إليها فدخلت الدار، ثم خرج خادم فوقف بحذاء أبي محمد علیه السلام فنهض وصلى عليه وأخرجت الجنازة، وخرج حتى أخرج بها إلى الشارع الذي بإزاء دار موسى بن بقاء ، وصلّى عليه المعتمد، ثم دفن في دارٍ من دوره (3)وكان ذلك في سنة أربع وخمسين


1) المسعودي، إثبات الوصية، ص 205.

2) إبن صباغ المالكي، علي بن أحمد، الفصول المهمة، ص 279.

3) اثبات المصة، ص . 205 - 206

ومائتين للهجرة يوم الإثنين لخمس ليال بقيت من جمادى الآخرة(1).

الخاصه

تعاظم تيار الغلاة وحدثت عدة ثورات في عصر الإمام الهادي علیه السلام وكانت تصدر التعليمات والوصايا من الإمام علیه السلام إلى قواعده الموالية لتكون على بينة من أمرها في التعامل مع تلك الأحداث والظواهر. ولتجنيبها مزالق الانحراف فتارة نجد أنّ الإمام علیه السلام يأمر باعتزال أهل الغلو والانحراف ، واخرى يوصي بتأديبهم بالضرب أو الزجر ، فإذا لم تجد هذه الوسائل نجده

يأمر باغتيال أشخاص لخطرهم وتأثيرهم في المجتمع الإسلامي.

وإن أهم ما يميز الدولة العباسية في عصره علیه السلام هو الضعف وسقوط هيبتها لاستيلاء الأتراك على العاصمة والأطراف الأخرى، فالخليفة والحالة هذه يكون مسلوب الإرادة يُحرّك من قبل قواد الجند الذين ملكوا زمام الأمور، لذا نجد أنّ الإمام علیه السلام لم يؤيد مواقف وتصرفات الأتراك وكان يحذر منهم.

و في الختام نجد أنّ الإمام علیه السلام ركّز على أمرين هامين: أحدهما فيما يخص الإمام علیه السلام بعده، والثاني الإمام المنتظر وغ-يبته وحاول تثبيت هذين الأمرين بين خاصته وقواعده .


1) کشف الغمة، ج 2، ص 174.

الأسئلة

1 . لماذا اختلفت وصايا الإمام علیه السلام ومواقفه تجاه الغلاة؟

2 . ما هي مظاهر الغلو في آراء علي بن حسكة القمي وما هو موقف الإمام علیه السلام منه ؟

. ما هي الثورات التي حدثت في عصر الإمام؟ وما هو موقف الإمام منها؟

4 . ما هو دور أصحاب الإمام الهادي علیه السلام ؟

5 . ما هو موقف الإمام الهادي علیه السلام من الأتراك؟

6 . ما هو موقف الإمام الهادي علیه السلام من مسألة الغيبة والإمام المهدي علیه السلام؟

7 . كيف كانت شهادة الإمام الهادي علیه السلام؟ وما هي اسباب اغتياله؟

الدرس 36: النصّ على إمامة الحسن العسكري علیه السلام

اشارة

ولد الإمام أبو محمد الحسن بن علي العسكري سنة 232 ه- في المدينة وحمل مع أبيه الهادي علیه السلام سنة 234 ه- إلى سرّ من رأى. فكانت مدة مكثه في المدينة سنتين فقط. وعاش في ظل أبيه الهادي 22 سنة ه- حتى حيث تولى منصب الإمامة في سنة 254 ه- بعد استشهاده، واغتيل وهو في عمر الزهور بعد ست سنوات من استشهاد أبيه وذلك في سنة 260 ه- وتعتبر مدة إمامته أقصر مدة للإمامة في تأريخ أهل البيت علیه السلام .

لقد كانت فترة حياة الإمام العسكري كلّها فترة متميزة بالأهمية ومتميزة بحراجة ظروفها أيضاً.

أما حراجة ظروفها فلأن العباسيين كانوا يراقبون تحرّكات الأئمة المعصومين عن كتب ويحاولون السيطرة التامة على كلّ نشاطاتهم وهم يتوقعون كسائر المسلمين ولادة المهدي المنتظر من نسل الحسين بن علي علیه السلام ، بل تزيد حساسيتهم عن غيرهم لأنهم المسيطرون على جهاز الحكم وهم أبناء عمومة العلويين فهم طرف المنافسة الحقيقية لقيادة أهل البيت علیه السلام و زعامتهم السياسية والدينية، ومن هنا نجد اهتمامهم البليغ برصد كلّ حركات الأئمة الأطهار منذ ولاية عهد الإمام الرضا علیه السلام فالجوداد

والهادي العسكري وبشكل مكثف ليس له نظير.

وتميزت فترة إمامة الحسن العسكري بالأهمية القصوى لأن مهمة التمهيد لولادة الإمام المهدي علیه السلام والنص على إمامته وتعريف الشيعة به والمحافظة على وجوده والتمهيد لغيبته وربط الوكلاء به والتنسيق لاستمرار الارتباط الصحيح به بحيث لا تنهار كلّ الأواصر التي أوجدها الأئمة الأطهار مع شيعتهم، ولا يتفتت الكيان الذي أسسوه على مدى قرنين ونصف من النشاط المباشر في تربية أتباعهم، وضرورة الانتقال بهم من الارتباط المباشر إلى الارتباط غير المباشر مع حفظ استقلال الكيان الشيعي في الوسط غير الشيعي الذي يهدّد وجودهم.... كلّ هذه النقاط تشير إلى دقة وحراجة الظرف الذي كان يعيشه الإمام الحسن العسكري علیه السلام حيث كان عليه أن يقوم بكل التمهيدات اللازمة خلال هذه الفترة القصيرة من مدة إمامته.

من هنا كان علينا أولاً أن نطالع كلّ التمهيدات التي قام بها الإمام الهادي علیه السلام لإعلان وتثبيت إمامة ابنه الحسن العسكري علیه السلام خلال فترة إمامته التي دامت 34 سنة والتي رافقها وجود مثل نجله محمد المعروف بالفضل وجلالة القدر ووجود الأرضية للانشقاق داخل الخط الشيعي كما حدث ذلك في حياة الإمام الصادق علیه السلام بالنسبة لابنه اسماعيل.

إذن ينبغي أن يطالع نشاط الإمام الهادي علیه السلام في هذا الصدد لتثبيت إمامة الحسن من جهة وتبديد الشبهات والأرضية التي قد تستغل لإيجاد هذا الانشقاق الذي يضر بالكيان الشيعي في هذه الظروف الحرجة.

كما سوف نطالع نشاطه فيما يخص إمامة حفيده المهدي علیه السلام تمهيداً للخطوات التي كان ينبغي أن تتحقق في هذا الظرف العصيب فيما يخص إمامة المهدي المنتظر علیه السلام .

إن النصوص التي وصلتنا عن الإمام الهادي علیه السلام حول الإمام من بعده يمكن تصنيفها تأريخياً إلى عدة طوائف:

1 . النصوص التي صدرت قبل وفاة ابنه محمّد المعروف بأبي جعفر.

2 . النصوص التي صدرت حين وفاة ابنه محمّد.

. النصوص التي صدرت بعد وفاته.

4 . النصوص التي صدرت قبيل استشهاد الإمام الهادي علیه السلام.

ه . وهناك نصوص لم يُعرف تأريخ صدورها.

الطائفة الأولى

1 . عن علي بن عمرو العطار قال: دخلت على أبي الحسن العسكري علیه السلام وأبو جعفر ابنه في الأحياء وأنا أظنّ أنه هو . فقلت له: جعلت فداك من أخص من ولدك ؟ فقال لا تخصّوا أحداً حتى يخرج إليكم أمري.

قال: فكتب اليه بعد: فيمن يكون هذا الأمر؟ قال: فكتب الي: في الكبير من ولدي،

قال: وكان أبو محمد أكبر من أبي جعفر(1).

وهذا النص ليس فيه اي اشارة أو تصريح بإمامة أبي جعفر بل فيه إيهام الأمر

والتمهيد لخروج النص.

2 . عن علي بن عمرو النوفلي، قال: كنت مع أبي الحسن علیه السلام في صحن داره فمرّ بنا محمد ابنه فقلت له: جعلت فداك، هذا صاحبنا بعدك؟ فقال: لا صاحبكم بعدي الحسن .

وهذا النص تضمن حقيقتين: الأولى : نفي الإمامة عن أبي جعفر، والثانية: النص على الحسن(2).

3 . عن عبدالله بن محمّد الإصفهاني قال: قال أبو الحسن علیه السلام: صاحبكم بعدي الذي يصلّي عليّ. قال: ولم نعرف أبا محمّد قبل ذلك، قال: فخرج أبو محمد فصلّى


1) الكافي، ج 1، ص 326.

2) الكافي، ج 2، ص 325 و غيبة الشيخ الطوسي، ص 120.

عليه (1).

وهذا النص تضمّن علامة فارقة ومميزة قد عرفها الشيعة وهي أن الذي يصلي على الإمام هو الإمام. ومن هنا كانت هذه العلامة ذات دلالة إرشادية قوية لكشف الحقيقة ونفي الريب لمن لم يبلغه النص الصريح.

4 . عن أحمد بن عيسى العلوي من ولد علي بن جعفر قال: دخلت على أبي الحسن ب(صريا) فسلّمنا عليه فإذا نحن بأبي جعفر وأبي محمد قد دخلا فقمنا إلى أبي جعفر لنسلّم عليه، فقال أبو الحسن علیه السلام: ليس هذا ،صاحبكم عليكم بصاحبكم وأشار إلى أبي محمدعلیه السلام.

وفي هذا النص أيضاً الإشارة إلى حقيقتين: الأولى نفي الإمامة عن أبي جعفر

والثانية إثباتها لأبي محمد الحسن علیه السلام(2).

الطائفة الثانية

1 . عن علي بن جعفر قال: كنت حاضراً أبا الحسن علیه السلام لما توفي ابنه محمّد فقال للحسن: يابني أحدث الله شكراً فقد أحدث فيك أمراً (3).

2 . عن أحمد بن محمد بن عبدالله بن مروان الأنباري قال: كنت حاضراً عند [مضي] أبي جعفر محمد بن علي علیه السلام فجاء أبو الحسن علیه السلام فوضع له كرسي فجلس عليه وحوله أهل بيته وأبو محمد قائم في ناحيته، فلمّال فرغ من أمر أبي جعفر التفت إلى أبي محمد علیه السلام فقال: يابني أحدث لله تبارك وتعالى شكراً فقد أحدث فيك أمراً (4).

ويتوافق هذا النص مع سابقه في المضمون ولا يبعد أن يكون وقت وظرف صدور


1) الكافي، ج 1، ص 326.

2) غيبة الشيخ الطوسي، ص 120.

3) الكافي، ج 1، ص 326.

4) المصدر.

النص واحد، وفي هذا النص دلالة واضحة مع إشهاد أهل بيته على ذلك.

3 . عن سعد بن عبدالله عن جماعة من بني هاشم منهم الحسن بن الحسن الأفطس أنهم حضروا - يوم توفي محمد بن علي بن محمد - باب أبي الحسن يعزونه وقد بسط له في صحن داره والناس جلوس حوله فقالوا: قدرنا أن يكون حوله من آل أبي طالب وبني هاشم وقريش مائة وخمسون رجلاً سوى مواليه وسائر الناس إذ نظر إلى الحسن بن علي قد جاء مشقوق الجيب حتى قام عن يمينه ونحن لا نعرفه فنظر اليه أبو الحسن علیه السلام بعد ساعة فقال: يابني أحدث لله عزّ وجلّ شكراً فقد أحدث فيك أمراً، فبكى الفتى وحمد الله واسترجع، وقال: الحمد لله ربّ العالمين وأنا أسأل الله تمام نعمته لنا فيه وإنا لله وإنا اليه راجعون، فسألنا عنه فقيل: هذا الحسن ابنه وقدرنا له في ذلك الوقت عشرين سنة أو أرجح، فيومئذٍ عرفناه وعلمنا أنه قد أشار إليه بالإمامة وأقامه مقامه (1).

وقد تضمن هذا الخبر عدّة حقائق

الأولى أن وفاة أبي جعفر محمد بن علي علیه السلام كانت قبيل استشهاد الإمام الهادي بقليل (قبل سنة أو سنتين)؛ لأن الإمام الحسن العسكري قد تقلد منصب الإمامة وهو ابن اثنين وعشرين سنة.

الثانية: أن الإمام الحسن علیه السلام لم يكن معروفاً لدى الكثيرين في سر من رأى

بخلاف جعفر الذي كان معروفاً.

الثالثة: أن هذا الاجتماع الغفير كان في دار الإمام الهادي علیه السلام في سر رأى من بينما كان الاجتماع السابق كما يبدو من قوله : لما فرغ من أمر أبي جعفر، أنه كان عند محل قبره في خارج سرّ من رأى كما هو قبره المعروف الآن.

ووصف الحاضرين عنده في الخبرين متباين أوّلاً، والنص وان كان فيه نوعاشتراك


1) الكافي، ج 1، ص 326.

ولكن مجموعة الظروف المذكورة في النص تشير إلى تنوع وتكرّر النص عليه مما يفيد أنه كان في مجلسين وفي وقتين متفاوتين: أحدهما بعد الفراغ من تجهيزه ودفنه عند موضع دفنه الآن، وثانيهما في مجلس التعزية الذي أقيم في دار الامام الهادي علیه السلام في سر من رأى.

الرابعة: أن النص السابق قد دلّ على إمامته أمام أهل بيته، والثاني قد دلّ عليها في الملأ العام الذي جمع آل أبي طالب وبني هاشم وقريش.

3 . عن شاهوية بن عبدالله الجلاب :قال كتب إلي أبو الحسن في كتاب: أردت أن تسأل عن الخلف بعد أبي جعفر وقلقت لذلك فلا تغتمّ فإنّ الله عزّ وجلّ لا يضلّ قَوْماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، وصاحبك بعدي أبو محمد ابني وعنده ما تحتاجون إليه، يقدّم مايشاء الله ويؤخر ما يشاء الله ، ماننسخ من آية أو ننسها نأتِ بخير منها أو مثلها، قد كتبت بما فيه بيان وقناع لذي عقل يقظان(1).

إنّ الخلف بعد أبي جعفر ليس فيه دلالة على أنه كان قد نص عليه بالإمامة بل يكفي لصحة اطلاق هذا اللفظ أن يراد به( الذي يخلف الإمام الهادي علیه السلام بعد موته) حيث توفي ابنه محمّد الذي كان يتوقع البعض أن يكون خَلَف أبيه.

الطائفة الثالثة

1 . عن محمد بن يحيى بن درياب قال: دخلت على أبي الحسن علیه السلام بعد مضي أبي جعفر فعزّيته عنه وأبو محمد علیه السلام جالس. فبكى أبو محمد علیه السلام فأقبل عليه أبو الحسن علیه السلام فقال له : إن الله تبارك وتعالى قد جعل فيك خلفاً منه فاحمد الله (2).

وليس في هذا النص دلالة على إمامة أبي جعفر ولو كانت فإنما نُسبت إلى


1) الكافي، ج 1، ص 328

2) الكافي، ج 1، ص 326.

أبي محمد علیه السلام ، ولا يبعد أن يكون فيها تلميح إلى أنه هو الخلف لأبيه ولا سيما قوله علیه السلام : فاحمد الله.

2 . عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي الحسن علیه السلام بعد ما مضى ابنه أبو جعفر وإني لأفكر في نفسي أريد أن أقول؛ كأنهما أعني أباجعفر وأبا محمد في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل ابني جعفر بن محمد علیه السلام وأن قصتهما كقصتهما، إذ كان أبو محمد المرجئ بعد أبي جعفر علیه السلام .

فأقبل أبو الحسن قبل أن أنطق فقال : نعم يا أباهاشم بدا الله في أبي محمّد بعد أبي جعفر علیه السلام مالم يكن يعرف له، كما بدا له في موسى بعد مضي اسماعيل ماكشف به عن حاله وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون. وأبو محمد ابني الخلف من بعدي عن عنده علم ما يحتاج إليه ومعه آلة الإمامة(1).

وقد أشار الإمام علیه السلام في هذا النص إلى عدة حقائق مهمة:

الأولى: أنه بالإضافة إلى النص على أبي محمد قد أخبر الإمام الهادي علیه السلام أباهاشم عما كان يدور في خلده وهو شاهد آخر على قوة هذا النص سوى التصريح الذي جاء فيه

الثانية : أنه قد شهد للإمام الحسن العسكري علیه السلام بأنه قد زوّد بجميع مستلزمات الإمامة فهو الجدير بها.

الثالثه : أن البداء هنا يكفي أن يكون ولو باعتبار توهم البعض بأنّ الإمامة هي لأبي جعفر؛ لظهور فضله واشتهاره أو لأنه الأكبر من ولده، كما اشارت بعض كتب التأريخ إلى أنه كان الابن الأكبر ولا يضره هذا ماسوف يأتي من ان الحسن هو الأكبر من ولده حين وفاة أبيه علیه السلام .

وعلى هذا فليس معنى البداء أن النص كان على أبي جعفر علیه السلام ثم وجه النص بعد


1) الكافي، ج 1، ص 327.

وفاته إلى أبي محمد.

الرابعة: أن هناك من كان يحاول استغلال فضل أبي جعفر أو تصور بعض الناس بأنه الإمام بعد الهادي علیه السلام لاختراق الصف الشيعي بطرح إمامته ولو بعد موته كما حدث بالنسبة لاستغلال قصة اسماعيل لايجاد الانشقاق داخل الصف الشيعي بعد الإمام الصادق علیه السلام.

الطائفة الرابعة

1 . روى الكليني بسنده عن يحيى بن يسار القنبري قال: أوصى أبو الحسن علیه السلام الى ابنه الحسن قبل مضيّه بأربعة أشهر وأشهدني على ذلك وجماعة من الموالي(1).

الطائفة الخامسة

1 . عن علي بن مهزيار قال: قلت لأبي الحسن علیه السلام : إن كان كون -وأعوذ بالله - فإلى من؟ قال: عهدي إلى الأكبر من ولدي (2).

وواضح أنّ الأكبر من ولده حين وفاته هو الفرض المعقول حتى وان قلنا إن محمداً كان أكبر من الحسن؛ لأنه لم يكن موجوداً حين وفاة أبيه علیه السلام، ولا معنى للوصية إلى شخص غير حي، فالأكبر في هذا النص هو أكبر الموجودين لامحالة.

2 . عن أبي بكر الفهفكي قال: كتب إلي أبو الحسن علیه السلام : أبو محمد ابني أنصح آل محمد غريزة وأوثقهم حجة، وهو الأكبر من ولدي، وهو الخلف وإليه ينتهي عُرى الإمامة وأحكامها، فما كنت سائلي فسله عنه، فعنده ما يحتاج إليه(3).


1) الكافي، ج 1، ص 325 و في الإرشاد، ص 315؛ العنبري بدل القنبري.

2) الكافي، ج 1، ص 326.

3) الكافي، ج 1، ص 327.

وهذا النص لا يعلم وقت صدوره هل كان قبل وفاة محمد أم بعده.

وهو دالّ على أي حال على أن الحسن علیه السلام هو الأكبر مطلقا أو الأكبر حين صدور النص.

على أن القيود والأوصاف التي تضمنها النص تنفي الريب فيما يخص إمامة غير الحسن من ولد الإمام الهادي علیه السلام ، لأن الإمام الهادي علیه السلام هنا قد ذكر الضوابط التي ترشح الشخص لمنصب الإمامة وطبقها على ابنه الحسن تطبيقاً لا يترك مجالاً للريب ولاسيما إرجاعه اليه في حياته وبعد حياته وهو شاهد آخر على أنه هو الإمام بعد أبيه علیه السلام .

3 . عن محمد بن رجا صاحب الترك قال: قال أبو الحسن علیه السلام: الحسن ابني القائم من بعدي(1).

4 . عن داود بن القاسم قال : سمعت أبا الحسن علیه السلام يقول: الخلف من بعدي الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟ فقلت: ولم جعلني الله فداك؟ فقال: إنكم لاترون شخصه ولا يحل لكم ذكره باسمه، فقلت: فكيف نذكره؟ فقال: قولوا: الحجة من آل محمد علیه السلام (2).

5 . قال الصقر بن أبي دلف: سمعت علي بن محمد بن علي الرضا علیه السلام يقول: الإمام بعدي الحسن ابني ، وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً(3).

6 . عن عبدالعظيم بن عبدالله الحسین قال: دخلت على سيدي علي بن محمد علیه السلام فلما بصر بي قال لي: مرحباً بك يا أبا القاسم أنت ولينا حقاً.


1) غيبة الشيخ الطوسي، ص 120.

2) الكافي، ج 1، ص 328 و كفاية الأثر، ص 288.

3) كفاية الأثر. ص 288.

قال: فقلت له: يا ابن رسول الله إني أريد أن أعرض عليك ديني فإن كان مرضيّاً

أثبت عليه حتى ألقى الله عزّ وجلّ فقال: هات يا أبا القاسم. قلت:

إني أقول: إنّ الله تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء خارج من الحدين حدّ الإبطال وحدّ التشبه وإنه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر.

بل هو مجسّم الأجسام ومصوّر الصور وخالق الأعراض والجواهر وربّ كلّ شيء ومالكه وجاعله ومحدثه وأن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين، لانبي بعده إلى يوم القيامة.

وأقول بإنّ الإمام والخليفة وولي الأمر بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ثمّ الحسن ثم الحسين ثمّ علي بن الحسين ثمّ محمّد بن علي ثم جعفر بن محمد ثمّ موسى بن جعفر ثمّ علي بن موسى ثم محمّد بن علي ثمّ أنت يامولاي.

فقال علیه السلام : ومن بعدي الحسن ابني فكيف للناس للخلف من بعده؟ قال: فقلت: وكيف ذلك يامولاي؟

قال: لايرى شخصه ولا يحل ذكره باسمه حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً

كما ملئت جوراً وظلماً.

قال: قلت: أقررت وأقوله إن وليهم ولي الله وعدوهم عدو الله وطاعتهم طاعة الله [ومبغضهم مبغض الله ] ومعصيتهم معصية الله.

وأقول: إن المعراج حق والمسائلة في القبر حق وأن الجنة حق والنار حق والصراط

حق والميزان حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور. وأقول : إن الفرائض الواجبة بعد الولاية، الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فقال علي بن محمد علیه السلام: يا أبا القاسم هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده فاثبت

عليه ثبتك الله عليه بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة(1).

والنصوص الثلاثة الأخيرة قد تضمنت بالإضافة إلى التصريح بإمامة الحسن بن علي العسكري التصريح بإمامة ابنه محمّد المهدي علیه السلام وهي من جملة التمهيدات التي قام بها الإمام الهادي علیه السلام بالنسبة لإمامة حفيده وغيبته.

ونلاحظ التأكيد على عدم جواز ذكر الاسم في نصين منها، لما قد ورد بتعليله في نصوص أخرى من أن ذكر الاسم يؤدّي إلى كشف الشخص وهذا مالا يتناسب مع التخطيط المرسوم لكيفية غيبة الإمام المهدي علیه السلام في الظروف الخاصة التي كان يعيشها والده الحسن العسكري علیه السلام .

وهذا التمهيد إنما هو قبل ولادته علیه السلام ، إعداداً للنفوس والعقول وترويضاً لها لتقبل عصر الغيبة بظروفه الخاصة.

وقد لاحظنا هذه الطوائف الخمسة من النصوص المرتبطة بإمامة الخلف من بعد الإمام الهادي علیه السلام ولم نجد فيها ما يتضمن التصريح أو الإشارة إلى إمامة ابنه محمّد الذي توفي في حياة أبيه علیه السلام ، بل وجدنا فيها ما صرّح فيه بإمامة الحسن علیه السلام وفي زمن حياة محمّد بالذات. وقد عضدتها النصوص التي صدرت من الإمام الهادي علیه السلام بعد وفاة ابنه أبي جعفر محمد بن علي باستمرار حتى قبيل استشهاده.

ولا ننسى النصوص الصادرة حول إمامة الحسن العسكري من الأئمة السابقين على الإمام الهادي علیه السلام ونصوص الرسول الأعظم صلی الله علیه واله وسلم وجملة النشاطات التي صدرت من الإمام الحسن العسكري علیه السلام نفسه لتبديد كلّ أنواع الشك والارتياب حول إمامته خلال فترة إمامته بدءً بالصلاة على أبيه وانتهاءً بالكرامات الكثيرة الصادرة عنه خلال هذه المدة القصيرة (2).


1) كفاية الأثر، ص 282.

2) راجع مسند الإمام العسكري، باب دلالاته علیه السلام، ص 79 - 132.

وبهذا التصنيف التأريخي للنصوص الصادرة لا نجد أي تهافت بينها كما أننا نلمس جموعة الخطوات التي قام بها الإمام الهادي علیه السلام الطرح وتثبيت إمامة ابنه الحسن وفي تلك الظروف الخاصة التي لم يعرف فيها الحسن بأنه ابن الإمام الهادي علیه السلام كما كان يُعرف محمد بذلك.

إن الإمام الهادي علیه السلام قد تدرّج بلاريب في طرحه لقضية إمامة ابنه الحسن علیه السلام وهيأ الأجواء اللازمة لذلك واستغلّ أحسن الظروف الحرجة لإتمام الحجة وإقامة الدليل على الخاصة وغيرهم من آل أبي طالب وشيعته على الرغم من حراجة الظروف ولزوم دقة التخطيط للوصول إلى الحق وعدم فسح المجال لاختراق الوجود الشيعي بأي شكل من الأشكال.

للمطالعة : من دلائل إمامته علیه السلام بعد استشهاد أبيه علیه السلام

1 . قال أبوهاشم الجعفري: خطر ببالي أن القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ فقال أبو محمد علیه السلام : يا أباهاشم، الله خالق كل شيء، وماسواه مخلوق(1).

2 . وقال أيضاً : قال أبو محمد علیه السلام: اذا خرج القائم يأمر بهدم المنابر والمقاصير التي في المساجد، فقلتُ في نفسي: لأيّ معنى هذا؟ فأقبل عليّ وقال: معنى هذا أنها محدثة مبتدعة، لم يبنها نبي ولا حجة (2).

3 . سأله الفهفكي: مابال المرأة تأخذ سهماً واحداً ويأخذ الرجل سهمين؟ فقال أبو محمد علیه السلام : إنّ المرأة ليس عليها جهاد ولا نفقه ولا عليها معقلة، إنما ذلك على الرجال.


1) المناقب، ج 2، ص 467.

2) المناقب، ج 2، ص 468.

فقلتُ في نفسي؛ قيل لي إن ابن أبي العوجاء سأل أبا عبدالله علیه السلام عن هذه المسأله فأجابه بمثل هذا الجواب في رواية لما جعل لها من الصداق.

فأقبل أبو محمّد عَلَيَّ فقال: نعم هذه مسألة ابن أبي العوجاء، والجواب منا واحد إذا كان معنى المسألة واحداً، أجري لآخرنا ما أجري لأوّلنا وأوّلنا وآخرنا في العلم والأمر سواء، والرسول الله صلی الله علیه واله وسلم ولأمير المؤمنين علیه السلام فضلهما(1).

4 . وقال أبوهاشم الجعفري: قلتُ في نفسي قد كتب الإمام يا أسمع السامعين ... إلى آخره، اللهم اجعلني في حزبك وفي زمرتك. فأقبل عليّ أبو محمد فقال: أنت في حزبه وفي زمرته إذ كنت بالله مؤمناً ولرسوله مصدّقاً ولأوليائه عارفاً ولهم تابعاً، فأبشر ثمّ أبشر(2).

5 . عن علي بن أحمد بن حمّاله، قال: خرج أبو محمد في يوم مصيف راكباً وعليه تجفاف وممطر، فتكلموا في ذلك، فلما انصرفوا من مقصدهم أمطروا في طريقهم وتبلوا سواه (3).

6 . وعن محمد بن عيّاش قال تذاكرنا آيات الإمام علیه السلام فقال ناصبي: إن أجاب عن كتاب بلامداد علمت أنه حق ، فكتبنا مسائل وكتب الرجل بلامداد على ورق وجعل في الكتب وبعثنا اليه فأجاب عن مسائلنا وكتب على ورقة إسمه وإسم أبويه فدهش الرجل، فلما أفاق اعتقد الحق (4).

. وعن محمد بن عبدالله قال: فقد غلام صغير فلم يوجد، فأخبر بذلك فقال علیه السلام: اطلبوه في البركة، فطلب فوجد فيها ميتاً(5).


1) المناقب، ج 2، ص 468.

2) المناقب، ج 2، ص 469.

3) المناقب، ج 2، ص 470.

4) المناقب، ج 2، ص 470.

5) المناقب، ص 231

8 . وروى أبوسليمان المحمودي فقال: كتبتُ إلى أبي محمد علیه السلام أسأله الدعاء بأن أرزق ولداً ، فوقع رزقك الله ولداً وأصبرك عليه فولد لي ابن ومات(1).

9 . وروي عن محمد بن علي بن إبراهيم الهمداني قال: كتبت إلى أبي محمد علیه السلام أسأله التبرك بأن يدعو أن أرزق ولداً من بنت عم لي، فوقع: رزقك الله ذكراناً فولد لي أربعة (2).

10 . وعن عمر بن أبي مسلم قال: كان سميع المسمعي يؤذيني كثيراً ويبلغني عنه ما أكره، وكان ملاحقاً لداري، فكتبت إلى أبي محمد علیه السلام أسأله الدعاء بالفرج منه، فرجع الجواب: أبشر بالفرج سريعاً، ويقدم عليك مال من ناحية فارس، وكان لي بفارس ابن عم تاجر لم يكن له وارث غيري فجاءني ماله بعد مامات بأيام يسيرة.

ووقع في الكتاب: استغفر الله وتُب اليه مما تكلمت به، وذلك أني كنت يوماً مع جماعة من النصاب فذكروا أبا طالب حتى ذكروا مولاي، فخضت معهم لتضعيفهم أمره، فتركت الجلوس مع القوم، وعلمت أنه أراد ذلك(3).

11 . وروي عن الحجاج بن يوسف العبدي انه قال: خلّفت ابني بالبصرة عليلاً وكتبت إلى أبي محمد أسأله الدعاء لابني فكتب الي : رحم الله ابنك إن كان مؤمناً، قال الحجاج: فورد عليّ كتاب من البصرة أنّ ابني مات في ذلك الذي كتب اليَّ أبو محمد بموته، وكان ابني قد شكّ في الإمامة للاختلاف الذي جرى بين الشيعة (4).


1) بحار الأنوار، ج 50، ص 269 عن الخرائج.

2) بحار الأنوار، ج 50 ص 273 عن الخرائج.

3) بحار الأنوار، ج 50 ص 273 عن الخرائج.

4) بحار الأنوار، ج 50، ص 274.

الخاصه

إن الظروف التي مرت بالإمام الهادي علیه السلام والجماعة الصالحة بما اشتملت عليه من قهر واضطهاد وتضييق كان لها أثر واضح في التفاوت في النص على إمامة أبي محمد الحسن العسكري علیه السلام، حتى أن احدى الروايات تشير بل تصرّح أنّ الإمام الهادي الا قد نص قبل أربعة اشهر من استشهاده علیه السلام على إمامة الحسن العسكري علیه السلام ، ولكن بالتأمل والنظر يمكن حل ماقد ورد عليها من إشكالات بلحاظ السياق التأريخي لصدورها مضافاً الى ذلك أن النصوص الواردة حول إمامة الحسن العسكري علیه السلام عن النبي صلی الله علیه واله وسلم والأئمة أيضاً تفيد في ذلك. كما أنّ لمسألة التمهيد للغيبة دوراً واضحاً في حلّ ما يظهر من اختلاف وتفاوت ثمّ إنّ طريقة الإمام الهادي علیه السلام تعزّز مسألة التدرّج كما تعكس صعوبة الظروف التي كان يعيشها الإمام علیه السلام و الجماعة الصالحة. فتارة يصرّح أو يشير بذلك إلى أحد ثقاته أو مجموعة بل ربما يشهد آخرين على النص الصادر عنه بهذا الصدد لتثبيت إمامة الإمام الحسن العسكري علیه السلام ورجوع قواعده الشعبيه إليه وتثبيت ذلك في الأذهان.

و قد أكد الإمام الهادي علیه السلام أفضلية الإمام العسكري علیه السلام وعلمه وتقواه أكثر من مناسبه، وأشار بالرجوع إليه في جميع الأمور ليتضح للجماعة الصالحة أهلية الإمام العسكري علیه السلام لهذا المنصب العظيم دون سواه من

في ولده.

و بذلك يرتفع ماقد يترءى من اختلاف دلالات النصوص الشريفة الصادرة عن الإمام الهادي علیه السلام بخصوص إمامة الإمام الحسن العسكري علیه السلام . ثم يضاف إلى ذلك جملة من الأمور التي مارسها الإمام العسكري علیه السلام والتي توضح و تثبت إمامته، للدلائل التي تضمنتها بالإضافة إلى النصوص الواردة بحقه علیه السلام.

الأسئلة

1 . بماذا تعلل اختلاف دلالات النصوص الواردة في إمامة الإمام العسكري علیه السلام ؟

2 . كيف تستدل على إمامة الإمام الحسن العسكري علیه السلام؟

3 . أذكر حديثين يتفاوتان في الدلالة حول إمامة الحسن العسكري علیه السلام؟

4 . كيف تُحلّ تلك الاختلافات بين النصوص؟

ه . وضح أسلوب الإمام الهادي علیه السلام في مسألة النص على إمامة الإمام

العسكري علیه السلام؟

6 . أذكر بعض دلائل إمامة الإمام الحسن العسكري علیه السلام؟

7 . هل التمهيد لغيبة الإمام المنتظر علیه السلام له تأثير في تفاوت الروايات واختلاف أساليب النصّ على إمامة الإمام الحسن العسكري علیه السلام؟ وضح ذلك.؟

الدرس 37: ملامح عصر الإمام الحسن العسكري علیه السلام(1)

مظاهر السلوك السياسي للدولة العباسية

أطلق مؤرخوا التأريخ الإسلامي على الفترة التي تبدأ بخلافة المتوكل على الله (232) ه- وما بعدها بالعصر العباسي الثاني؛ لما لهذه الفترة من خصائص امتازت بها عن خصائص العصر العباسي الأوّل الذي بدأ بعد سقوط الدولة الأموية سنة (132 ه-) وقيام دولة بني العباس فيها.

إن العصر العباسي الثاني قد عاصر الإمام العسكري علیه السلام أعواماً عصيبة منه مع خلفاء مستبدين اعتلوا عرش الدولة منذ أن قدم سامراء مع أبيه الإمام الهادي علیه السلام أيام المتوكل عام ( 234 ه-) واستمر قاطناً فيها حتى استشهد عام (260 ه-) في خلافة المعتمد العباسي.

وأهم ظواهر هذا العصر هو النفوذ الذي تمتع به الأتراك والذين غلبوا الخلفاء في سلب زمام إدارة الدولة، وما اتصفوا به من سلوك شائن في التعامل مع الأهالي، وقد اضطر سابقاً المعتصم لنقل عاصمة الخلافة من بغداد إلى سامراء بسبب سلوك الأتراك السيء وشكاية أهالي بغداد منهم، ثم ازدياد سوء الحالة العامة امتداد عمر هذا العصر، والدور الأكبر في المتغيرات الحاصلة فيه تعزى إلى العنصر التركي الذي كان

يسهم في خلع وتعيين الخلفاء(1).

ويمكن إجمال أهم مظاهر هذا العصر في مايلي

1 . تدهور الوضع السياسي للدولة العباسية حيث تم استيلاء الموالي والذين كان أغلبهم من الأتراك، وكانت سيطرتهم على مقاليد السلطة في العاصمة والأمصار. حيث ساهموا في خلع المتوكل وقتله ( 247) ه-) والمهتدي (256 ه-) ونصب غيرهما (2).

2 . اللهو والمجون وحياة الترف التي كان يحياها الخليفة وأتباعه والتي كانت عاملاً

مهماً في سيطرة الأتراك وسقوط هيبة الخليفة عند عامة الناس.

وقصة المتوكل مع الإمام الهادي علیه السلام تعد خير تعبير عن تلك الحياة الماجنة التي كان الخليفة يعيشها(3).

3 . حوادث الشغب والفتن التي حدثت في بغداد ، وكان نتيجة تلك الفتن أن بويع لخليفتين في آن واحد حيث بويع المستعين في بغداد كان الأتراك في نفس الوقت قد بايعوا المعتز في سامراء، وقد جهز جيشاً بقيادة أخيه لقتال المستعين في بغداد (4).

4 . الحركات الانفصالية في أطراف الدولة والتي يعود سببها إلى ضعف سلطان الخليفة، وكثرة حوادث الخروج على الدولة، أي إن الحركات المسلّحة المناوئة للسلطة العباسية قد ازدادت، كما كانت الحروب تدور في الأطراف بين الأمراء والولاة أيضاً، ومن أوضح تلك الموارد، بلاد الأندلس التي كانت مستقلة تحت حكم عبدالرحمن الخليفة الأموي.

ثم ازداد الأمر بعد ذلك سوءاً ففقدت الدولة سيادتها على أطراف كثيرة، وولدت


1) الكامل في التأريخ، ج 4، ص 301 و ما بعدها احداث السنين، (232 ه- - 322 ه).

2) الكامل في التأريخ، ج 1، ص 4 أحداث السنين (247) ه- - 256ها و المسعودي، ج4، ص 60 وما بعدها.

3) تأريخ المسعودي، ج 4، ص 11.

4) الكامل في التأريخ، ج 4، ص 390.

دول الطوائف والأمراء في الأمصار بعد أن كانت دولة واحدة تخضع لحكومة مركزية في بغداد أو سامراء (1)، فكانت أمصار الدولة العباسية مسرحاً لحروب دامية، ولأعمال التخريب من حرق ونهب للأموال والغلات وغيرها... كما حصل ذلك في السنوات 238 253، 265 ، ويضاف إلى ذلك ماحدث من حوادث في بلاد ماوراء النهر من عام 261 - 279 ه- (2).

الظروف الاجتماعية

تحدثنا فيما سبق عن الظرف السياسي وملابساته : من عدم الاستقرار وفقدان الأمن وذلك لتعدّد الحركات السياسية والمذهبية، الخارجة على الدولة العباسية في مختلف الأمصار الإسلامية فضلاً عن دور الأتراك البارز في خلع وتولية الخليفة العباسي، وهذا دون شك ينعكس سلبياً على الظروف الاجتماعية التي كان يعيشها أبناء الأمة المسلمة ورعايا الدولة الإسلامية فينجم عنه توتر في علاقة السلطة بالشعب، وعدم استقرار الوضع الاجتماعي نتيجة لذلك، كما أنّ اختلال الظروف السياسية يؤدي إلى ظهور الطبقية أو الفئات المتفاوته في المستوى المعيشي والمتباينة في الحقوق والواجبات تبعاً لولاتها وقربها أو بعدها من البلاط ورجاله ، والحروب ماتكاد تخمد إحداها حتى تتأجج الثانية وتتسع لتشمل مساحة أوسع من أرض الدولة الإسلامية(3)، ثم لتنفصل بعض أجزائها فتكون دولة مستقلة عن مركزية الدولة وغير خاضعة لها. وأطلق المؤرخون على هذا العصر: عصر (إمرة الأمراء) (4). ثمّ عصر الدول المستقلة كما هو الحال بالنسبة لإمارة الحمدانيين والبويهيين والدولة الصفّاريّة (254ه-) والدولة


1) تأريخ الطبري، ج 7، ص 7 حوادث السنين ( 234 - 260 ه-)

2) تأريخ الطبري، ج 8 و الكامل في التأريخ، ج 4 و أحداث تلك الأعوام في المصدر السابق.

3) الكامل لأبن الأثير، ج 4 أحداث السنين (248 - 322) ه-.

4) تأريخ الإسلام السياسي د. حسن إبراهيم حسن، ج 3، ص 26 وما بعدها.

السامانية ( 261 - 389 ه-) وغيرها... مما أدى إلى تفكك وسقوط الدولة العباسية سنة (656 ه-).

لقد كان المجتمع الإسلامي في أواخر عصر الدولة العباسية الأوّل يتألف من عدة

عناصر.

هي: العرب والفرس والمغاربة وظهر العنصر التركي أيضاً على مسرح السياسة في عهد الخليفة المعتصم الذي اتخذهم حرساً له ، وأسند إليهم مناصب الدولة الهامة وأهمل العرب والفرس ، ولمّا رأوا الخطر المحدق بهم من قبل الأتراك استعانوا بالمغاربة والفراعنة وغيرهم من الجنود المرتزقة(1).

كما نلاحظ في انقسام المسلمين في هذا العصر إلى شيع وطائف وتعرض المجتمع الإسلامي إلى انواع التنازع المذهبي الذي أدّى إلى التفكك أيضاً، فهناك أبناء السنّة والعامة الذين كانوا يشكلون السواد الأعظم ويتمتعون بقسط وافر من الحرية المذهبية والطمأنينة النفسية في عهد نفوذ الأتراك، وهناك الشيعة الذين كانوا يقاسون كثيراً من العنت والاضطهاد(2)، وهذا لا يعني الالتزام الديني من قبل حكام الدولة العباسية بالمذهب السُنّي بقدر ما يوضح لنا أنّ موقفهم هذا كان من أجل التصدي لحركة الأئمة في الأمة ومحاصرتها بمختلف الوسائل والطرق والتي منها دعم ومساندة فرق وحركات تحمل توجهات السلطة وترى السلطة فيها استتباب الوضع لها ولا تخشى من تمردها فهي تعيش على فتات موائدها وبذلها وبذخها لهم من أجل ديمومة الحكم واستمرار السلطة للخلفاء. ولم يكن هذا ليدوم بدخول العنصر التركي الذي كان يميل إلى البذخ والسيطرة وعدم الخضوع إلى سلطة الخليفة العباسي كما أوضحنا.

أما بالنسبة إلى التفكك الاجتماعي في هذا العصر فيمكن ملاحظته من خلال


1) تأريخ الإسلام السياسي، ج 3، ص 422 - 423.

2) تأريخ الإسلام السياسي، ص 423.

طبقات المجتمع فيه:

1. طبقة الرقيق : وكانت مصر وشمالي أفريقيه وشمالي جزيرة العرب من أهم أسواق الرقيق الأسود، وقد جُلب كثير من الزنجيات، كما جلب كثير من الزنج لفلاحة الأرض وحراسة الدور، وإنّ كثرة الزنج في العراق أدّت إلى قيام ثورة الزنج التي دامت أكثر من أربع عشرة سنة 255 - 270ه-)(1).

وكلّفت هذه الثورة الدولة والأمة الكثير من الأموال والدماء لإخمادها مما أسهم

بشكل كبير في إضعافها.

2 . أهل الذمة : وهم اليهود والنصارى، ولم تتدخل الدولة في شعائرهم بل على العكس كان يبلغ من تسامح الحكام أنهم كانوا يحضرون مواكبهم واحتفالاتهم ويأمرون بحمايتهم(2).

3 . رجال البلاط والملاك وغيرهم ممن لهم نفوذ كبير في سياسة الدولة وتأثير واسع في الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

4 . عامة الناس والذين أجهدتهم الضرائب والحروب والخلافات والمنازعات الداخلية.

5 . ونشأت طبقة واسعة من الرقيق وغيرهم - من المغنّيات - اللاتي كن يُحيين ليالي اللهو للخلفاء، وغيرهم، وقد ارتفعت أسعارهن بشكل ملفت للنظر(3)، مما أدى ذلك أخيراً إلى إضعاف العلاقة داخل البلاط نفسه بين البلاط وبين قواد الجيش من أتراك وغيرهم، فضلاً عن آثاره السلبية على المجتمع عامة.


1) تأريخ الطبري، ج 7، أحداث السنين (225 - 270) ه-.

2) الحضارة الإسلامية، ج 15 ، ص 268 ، عن تأريخ الإسلام، ص 424.

3) تأريخ الإسلام السياسي، ج 3، ص 435.

الحالة الثقافية

انتشرت الثقافة الإسلامية في هذا العصر انتشاراً يدعو إلى الإعجاب بفضل الترجمة من اللغات الأجنبية وخاصة اليونانية والفارسية والهندية إلى العربية والعامل الأول في ذلك هو حثّ الإسلام المسلمين على طلب العلم باعتباره فريضة على كلّ مسلم ومسلمة.

كما حظي العلماء بتشجيع من الخلفاء والسلاطين والأمراء ورجال العلم والأدباء

بموقع متميز ساعدهم على ممارسة نشاطاتهم كل حسب اختصاصه.

وكانت مراكز هذه الحركة الثقافية في بلاط السامانيين والغزنونيين والبويهين والحمدانيين في الشرق وفي بلاط الطولونيين والأخشيديين والفاطميين في مصر وفي بلاد الأمويين في الأندلس.

ويضاف إلى ذلك ظهور كثير من الفرق التي اتخذت الثقافة والعلم وسيلة لتحقيق مآربها السياسية والدينية. وخير مثل لذلك مانشاهده من الآثار التي خلفها الشيعة الإمامية والمعتزلة ودعاة الإسماعيلية من العلماء والمتصوفين، وغيرهم.

وكان للجدل والنقاش الذي قام بين هذه الفرق من ناحية وبينها وبين العلماء الرسميين - أي فقهاء السلطة - من ناحية اخرى أثر كبير في هذه النهضة العلمية التي يتميز بها هذا العصر وخاصة في القرن الرابع الهجري على الرغم مما انتاب العالم الإسلامي بوجه عام من تفكك وانحلال وما أصاب الدولة العباسية من ضعف ووهن (1).

الحالة الاقتصادية

عنى العباسيون بالزراعة وفلاحة البساتين التي قامت على الدراسات العلمية(2)،


1) تأريخ الإسلام السياسي، ج 3، ص 332.

2) تأريخ الإسلام بتصرف، ج 3، ص 319.

وذلك بفضل انتشار المدارس الزراعية التي كان لها الأثر الكبير في إنارة عقول المسلمين، ولما كانت الزراعة تعتمد على الري ، اهتم العباسيون بتنظيم أساليبه وجعل الماء مباحاً للجميع، ولذلك عملوا على تنظيمه في مصر والعراق واليمن وشمال شرقي فارس وبلاد ماوراء النهر، وبلغ هذا النظام شأواً بعيداً من الدقة، حتّى أنّ الأوربيين أدخلوا كثيراً من هذه النظم في بلادهم، وعنت الدولة العباسية بصيانة السدود والترع، وجعلوا جماعة من الموظفين أطلق عليهم اسم (مهندسين) ومهمتهم المحافظة على السدود خشية انبثاق الماء منها فيما إذا حدث ثغر من الهدم والتخريب(1).

الإمام الحسن العسكري علیه السلام و حكّام عصره

لقد أمضى الإمام الحسن العسكري علیه السلام الجزء الأكبر من عمره الشريف في العاصمة العباسية - سامراء - وواكب جميع الظروف والملابسات والمواقف التي واجهت أباه الإمام عليّاً الهادي علیه السلام، ثم تسلّم مركز الإمامة وقيادة الأمة الإسلامية سنة (254) ه- بعد وفاة أبيه علیه السلام وعمره الشريف آنذاك (22) عاماً.

وكانت « مواقفه امتداداً لمواقف أبيه علیه السلام بوصفه المرجع الفكري والروحي لأصحابه وقواعده وراعياً لمصالحهم العقائدية والاجتماعية بالإضافة إلى تخطيطه وتمهيده لغيبة (2)ولده الإمام المهدي المنتظر علیه السلام .

بالرغم منّ الضعف الذي أحاط بالدولة العباسية في عصر الإمام علیه السلام لكن السلطة القائمة ضاعفت إجراءاتها التعسفية في مواجهة الإمام الحسن العسكري علیه السلام والجماعة الصالحة المنقادة لتعاليمه وإرشاداته علیه السلام .فلم تضعف في مراقبته ولم تترك الشدّة في التعامل معه : بسجنه أو محاولة تسفيره إلى الكوفة خشيةً منه ومن حركته الفاعلة


1) تجارب الأمم ابن مسكويه، ج 2، ص 296 - 297 بتصرف.

2) الأئمة الإثناعشر، عادل الأديب دار الأضواء، 1404 ه-، ص 235.

الأمة ولتأثيره الكبير فيها.

ثم إن المواجهة من الإمام كقيادة للحركة الرسالية لم تكن خاصة بالخلفاء العباسيين الذين عاصرهم الإمام علیه السلام بل كان هناك أيضاً خطر النواصب الذين نصبوا العداء لأهل البيت النبوي علیه السلام ووقفوا ضدّ أطروحتهم الفكرية، والسياسة المتميزة، والتي كانت تتناقض مع أطروحة الحكم القائم والطبقة المستأثرة بالحكم والمنحرفة عن الإسلام النبوي(1).

والنواصب الأمويون منهم أو العباسيون كانوا يعلمون جيداً أن أهل البيت النبوي هم ورثة النبي الحقيقيون ولا يمكنهم أن يسيطروا على السلطة إلا بإبعاد أهل البيت علیه السلام عن مصادر القدرة وذلك بتحديد الأئمة المعصومين وشيعتهم وشلّ حركتهم وعزلهم عن الأمة والتضييق عليهم بمختلف السبل وبما يتاح لهم من وسائل قمعية.

وقد يكون لطبيعة هذه الظروف والملابسات التي عانى منها الإمام العسكري علیه السلام وشيعته الدور الأكبر في ماكان يتخذه الإمام علیه السلام من مواقف سلبية أو ايجابية إزاء الأحداث والظواهر التي منيت بها الأمة الإسلامية والتي ستعرفها فيما بعد...

لقد عاصر الإمام العسكري علیه السلام ثلاثة من خلفاء الدولة العباسية، فقد عاش علیه السلام شطراً من خلافة المعتزّ والذي هلك على أيدي الأتراك، فخلفه المهتدي العباسي الذي حاول أن يتخذ من سيرة عمر بن عبدالعزيز الأموي مثلاً يحتذي به إغراء للعامة ولينقل أنظارهم المتوجهة صوب الإمام العسكري علیه السلام لزهده وتقواه وورعه، وما كان يعيشه من همومهم وآلامهم التي كانوا يعانونها من السلطة وتجاوزاتها في الميادين المختلفة.

ولم يفلح المهتدي بهذا السلوك لازدياد الاضطراب في دائرة البلاط العباسي نفسه مما أثار الأتراك عليه فقتلوه عام( 256 ه-)، وقد اعتلى العرش العباسي من بعده


1) المصدر السابق.

المعتمد الذي انتقل عن سامراء وقتل(1)في سنة ( 270 ه-).

1. المعتز العباسي

لقد ازداد نفوذ الأتراك بعد قتلهم المتوكل عام (247ه-) وتنصيب ابنه المنتصر بعده، حتّى أنّ الخليفة العباسي أصبح مسلوب السلطة ضعيف الإرادة ويتضح ذلك مما رواه ابن طباطبا حيث قال:

«ولما جلس المعتز على سرير الخلافة حضر خواصه وأحضروا المنجمين وقالوا لهم: أنظروا كم يعيش وكم يبقى في الخلافة، وكان بالمجلس بعض الظرفاء، فقال: أنا أعرفُ مِن هؤلاء بمقدار عمره ،وخلافته، فقالوا فكم تقول إنه يعيش وكم يملك؟

قال: مهما أراد الأتراك، فلم يبق أحد إلا ضحك(2).

يعكس لنا هذا النص ماكان للأتراك من نفوذ ودور في إدارة الدولة وعزل الخلفاء والتحكّم في الأمور العامة. فقد استولوا على المملكة واستضعفوا الخلفاء، فكان الخليفة في أيديهم كالأسير إن شاؤوا خلعوه وإن شاؤوا قتلوه، وكان المعتز يخاف الأتراك ويخشى بأسهم ولا يأمن جانبهم وكان بُغا الصغير - وهو أشد هؤلاء خطراً - أحد قواد الجيش الذي أسهم في قتل المعتز مع جماعة من الأتراك بعد أن أشهدوا عليه بأنه قد خلع نفسه.

لقد عاصر الإمام الحسن العسكري علیه السلام أواخر خلافة المعتز الذي كان استشهاد الإمام الهادي علیه السلام على يديه بدس السم إليه إذ كانت سياسة المعتز امتداداً لسياسة المتوكل في محاربة الإمام الحسن العسكري علیه السلام والشيعة، بل ربما ازدادت ظروف القهر في هذه الفترة حتّى أنّ المعتز نفسه أمر بتسفير الإمام الحسن العسكري علیه السلام إلى الكوفة لما تنبه الخليفة إلى خطر وجود الإمام علیه السلام و اتساع دائرة تأثيره وكثرة أصحابه.


1) الفخري في الآداب السلطانية، ابن طبطبا، ص 221.

2) الفخري في الآداب السلطانية، ابن طبطبا، ص 221.

فقد كتب إلى الإمام الحسن العسكري علیه السلام أبو الهيثم - وهو أحد أصحاب

الإمام علیه السلام - يستفسر عن أمر المعتز بإبعاده إلى الكوفه قائلاً:

«جعلت فداك بلغنا خبر أقلقنا وبلغ منا»، فكتب الإمام علیه السلام: «بعد ثلاث يأتيكم الفرج»، فقتل المعتز في اليوم الثالث(1)، فلم تكن العلاقة بين الإمام علیه السلام والمعتز إلا تعبيراً عن الصراع والعداء الذي ابتدأ منذ استلم بنو العباس الخلافة بعد سقوط الدولة الأموية، وامتد على طول عمر الدولة إلا في فترات قصيرة جداً، فكان كيد السلطة وترصدها لتحرك الإمام علیه السلام دائماً؛ لما عرفه الخلفاء من المكانة السامية والدور الفاعل للأئمة علیه السلام فى الأمة، وماكانوا يخشونه منهم على سلطتهم وكيانهم الذي أقاموه بالسيف والدم على جماجم الأبرياء والأتقياء من أبناء الأمة الإسلامية.

ويروي لنا محمّد بن علي السمري توقع الإمام الحسن العسكري هلاك المعتز قائلا: «دخلت على أبي أحمد عبيدالله بن عبدالله وبين يديه رقعة أبي محمد العسكري علیه السلام ، فيها: إنّي نازلت الله في هذا الطاغي يعني الزبيري - لقب المعتز - وهو آخذه بعد ثلاث، فلما كان في اليوم الثالث فعل به ما فعل»(2)، فقد قتل شر قتلة.

ويصف ابن الأثير قتل المعتز الذي ورد في هذه العبارة قائلاً: «فدخل إليه جماعة من الأتراك فجروه برجله إلى باب الحجرة وضربوه بالدبابيس وخرقوا قميصه ، وأقاموه في الشمس في الدار، فكان يرفع رجلاً ويضع أخرى لشدة الحر، وكان بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده وأدخلوه حجرة، وأحضروا ابن أبي الشوارب وجماعة أشهدوهم على خلعه ، وشهدوا على صالح بن وصيف أن للمعتز وأمه وولده وأخته الأمان، وسلّموا المعتز إلى من يعذبه، فمنعه الطعام والشراب ثلاثة أيام، فطلب حسوة من ماء البئر فَمَنَعه ثمّ أدخلوه سرداباً وسدوا بابه، فمات(3).


1) كشف الغمة، ج 2، ص 417 عن دلائل الإمامة لمحب الدين الطبري.

2) المصدر السابق.

3) كشف الغمة، ج 2، ص 417.

وكان سبب خلعه أنه منع الأتراك أرزاقهم، ولم يكن لديه من المال وقد تنازلوا له إلى خمسين ألف دينار، فأرسل إلى أمه يسألها أن تعطيه مالاً فأرسلت إليه: «ماعندي شيء»، فتآمروا عليه وقتلوه.

وهذه القصة خير موشّر على ضعف السلطة العبّاسيّة وخروج الأمر من يد الخليفة، فالكتاب المسؤولون على الأموال يتصرفون بها كيف ما يشاءون ولا يطيعون الخليفة فكانت تلك النهاية المخزية للمعتز على أيدي أعوانه، وحراسه من الأتراك.

الخاصه

يعتبر عهد المتوكل بداية لانحلال الدولة العباسية وضعفها وقد سمي العصر الذي بدأ به المتوكل بالعصر الثاني حيث تمكن الأتراك من السيطرة على مقاليد الأمور وزمام السلطة، ثم أصبح الخلفاء بعد ذلك خاضعين لقادة الجند الأتراك، كما امتاز هذا العصر بازدياد الشغب والحركات الانفصالية ضد الدولة مع اطّراد ظاهرة اللهو والمجون لدى السلاطين العباسيين وقادة الجند والطبقة المقربة من البلاط العباسي.

و قد ظهرت الطبقية في المجتمع نتيجة لظروف القهر والاضطهاد حيث أصبحت الثروة دولة بين علية القوم والقادة.

و عاصر الإمام العسكري علیه السلام عدداً من السلاطين منهم المعتز إذ عاصر الإمام علیه السلام أواخر أيامه، كما عاصر المهتدي العباسي من بعده.

و قد عانت الجماعة الصالحة الكثير من الاضطهاد ومصادرة الأموال والممتلكات، فقد أمر المهتدي بسجن الإمام العسكري علیه السلام كما هم بإبعاده إلى الكوفة.

الأسئلة

1 . ما هي مظاهر السلوك العباسي في هذا العصر.

2 . ما هو موقف المعتز من الإمام العسكري علیه السلاموشيعته؟

. ما هو أهم الأحداث في عصر المهتدي؟

4 . ما هو موقف المهتدي العبّاسي من الجماعة الصالحة؟

5 . لماذا سجن الإمام العسكري علیه السلام ؟

الدرس 38 : ملامح عصر الإمام الحسن العسكري علیه السلام(2)

اشارة

2. المهتدي العباسي هو محمد بن الواثق بن المعتصم ، أمه أم ولد تسمّى وردة، ولي الخلافة بعد مقتل أخيه المعتز سنة ( 255ه-)، وماقبل أحد ببيعته حتى جيىء بالمعتز واعترف أمام شهود أنه عاجز عن الخلافة ومد يده فبايع المهتدي فارتفع حينئذ إلى صدر المجلس(1)، وبويع بالخلافة.

ولقد تصنّع الزهد والتقشف محتذياً سيرة عمر بن عبدالعزيز إغراء للعامة ومحاولة لتغيير انطباعهم عن الخلفاء العباسيين الذين عُرفوا بالمجون والترف والإسراف على الملذات والخمر ومجالس اللهو، فقد نقل هاشم بن القاسم حينما سأل المتوكل عما هو عليه من التقشف وبما هو فيه من النعمة فقال له: إنّ الأمر كما وصفت، ولكنّي فكرت في أنه كان في بني أمية عمر بن عبدالعزيز - وكان من التقلّل والتقشف ما بلغك - فغرتُ على بني هاشم فأخذت نفسي بما رأيت(2).

فلم تكن الدوافع وراء هذه السيرة رضا الله سبحانه بل كانت هذه السيرة لإفتاء


1) تأريخ الخلفاء، السيوطي، ص 361.

2) تأريخ الخلفاء، ص 316.

شيء من صبغة التدين على نفسه من أجل أن تطيعه عامة الناس ومحاولة لإبعاد أنظارها عما تحلّى به بنو هاشم وفي مقدمتهم الإمام الحسن العسكري علیه السلام الذي عُرف بتقواه وورعه ومواساته للأمة في ظروفها القاسية، وكان الأولى بالخليفة الاتعاظ بسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام لما عرف بزهده وتقواه بل هو الذي سنّ نهج الزهد للمسلمين بعد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وإن عمر بن عبدالعزيز نفسه حين سأله جلساؤه

عن أزهد الناس، فقالوا له: أنتم، قال: لا: إنّ أزهد الناس عليّ بن أبي طالب(1).

سياسة المهتدي تجاه معارضيه

ألف - الخليفة وأمراء الجند: كانت سياسة المهتدي تجاه الأتراك تتمثل بالحذر والحيطة والخشية من انقلابهم عليه كما فعلوا بالمتوكل والمعتز، لذا أمر بقتل موسى ومفلح من أمراء جنده الأتراك الذين كانوا يتمتعون بنفوذ كبير وتأثير فاعل في مجريات الأحداث، غير أنّ (بكيال) الذي أمره المهتدي بقتله توقف عن قتل موسى بن بغا، لإدراكه أنّ للمهتدي خطة للحدّ من نفوذ الأتراك وتقليص الدور الذي يتمتعون به، وقال بكيال: إنّي لست أفرح بهذا وإنّما هذا يعمل علينا كلنا، فأجمعوا على قتل المهتدي فكان بين الأتراك ومناصري الخليفة قتال شديد وقتل في يوم واحد أربعة الآف من الأتراك ودام القتال إلى أن هزم جيش الخليفة المؤلف من المغاربة والفراعنة والأسروسنيّة، ومن ثم أمسك الخليفة فعصر على خصيتيه فمات في عام 256 ه- (2).

ومن الأحداث المهمة في عصر المهتدي:

1 . انتفاضة أهل حمص بقيادة ابن عكار على محمّد بن إسرائيل.

2 . إخراجه أمّ المعتز وأبا أحمد وإسماعيل ابني المتوكل وابن المعتز إلى مكة ثمّ

ردّهم إلى العراق.


1) تأريخ الطبري، ج 3، حوادث 991 - 1010 ه- و هي خلافة عمر بن عبدالعزيز.

2) تأريخ الخلفاء، السيوطي، ص 362 - 363.

3 . نفي وإبعاد بعض الشيعة من بلدانهم إلى بغداد كما هو حال جعفر ابن محمود.

4 . إعطاؤه الأمان لمعارضيه.

ه . الحرب بين عيسى بن شيخ الربعي وأماجور التركي عامل دمشق وهزيمة

الأول(1).

المهتدي وأصحاب الإمام الحسن العسكري علیه السلام: لم تكن الظروف المحيطة بالإمام العسكري علیه السلام وأصحابه في عهد المهتدي أحسن ممّا كانت عليه من الشده والنفي والتهجير والقتل إبان عهدي المعتز والمتوكل ومن سبقهما من خلفاء الدولة العباسية، بل كانت سياسة المهتدي امتداداً للمنهج العبّاسي في التصدّي للإمام وشيعته وخاصته والنكاية بهم، والتجسس عليهم ومصادرة أموالهم ومطاردتهم.

لقد قاسى الشيعة والإمام الحسن العسكري علیه السلام في عهد المهتدي الكثير من الظلم والتعسف، ويمكن أن نقف على ذلك من خلال مارواه أحمد بن محمد حيث قال: كتبت إلى أبي محمد علیه السلام حين أخذ المهتدي في قتل الموالي: ياسيدي الحمد لله الذي شغله عنك، فقد بلغني أنه يتهدّدك ويقول: «والله لأخلينّهم عن جديد الأرض» فوقع أبو محمد علیه السلام بخطه : ذاك أقصر لعمره، وعدّ من يومك هذا خمسة أيام ويقتل في اليوم السادس بعد هوان واستخفاف بموته، فكان كما قال علیه السلام، وقد سبق أن أوضحنا ذلك(2).

ومن مظاهر اضطهاد الشيعة ومصادرة أملاكهم وأموالهم ماروي عن عمر بن أبي مسلم حيث قال: قدم علينا (بسر من رأى ) رجل من أهل مصر يقال له سيف بن الليث يتظلم إلى المهتدي في ضيعة له قد غصبها إياه شفيع الخادم وأخرجه منها، فأشرنا عليه أن يكتب إلى أبي محمد علیه السلام يسأله تسهيل أمرها، فكتب إليه أبو محمد علیه السلام: لا بأس عليك ضيعتك تردّ عليك فلا تتقدم إلى السلطان والي الوكيل


1) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 243.

2) أعلام الورى، ص 375.

الذي في يده الضيعة وخوّفه بالسلطان الأعظم الله ربّ العالمين، فلقيه، فقال له الوكيل الذي في يده الضيعة : قد كُتب إليّ عند خروجك من مصر أن أطلبك وأردّ الضيعة عليك، فردّها عليه بحكم القاضي ابن أبي الشوارب وشهادة الشهود ولم يحتج إلى أن يتقدم إلى المهتدي (1).

ويمكن الاستدلال من خلال النصّ على اتساع القاعدة الشعبية للإمام علیه السلام وصلته بها وعمق الأواصر بينه وبينها، فهو يتفقد أصحابه، ويساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في قضاء حوائجهم، وإنّ لبعض أصحابه في الأمصار تأثيراً وعلائق بالولاة ومن يدبرون الأمور في الولايات، فكانت أخبار شيعته تصله أولاً بأول، ويحاول إبعادهم عن الوقوع في حبائل السلطان وشَرَكه كما في قصة سيف بن الليث المصري.

ب - سجن الإمام الحسن العسكري علیه السلام : ولما رأى المهتدي أن وسائل النفي والإبعاد والمصادرة لم تكن لتحد من نشاط الإمام علیه السلام وشيعته، واتساع حركته، لما كان لتعليمات الإمام علیه السلام ورقابته لشيعته من أثر في إفشال محاولات السلطة العباسية لم تجد السلطة بداً من اعتقال الإمام علیه السلام والتضييق عليه في السجن، وكان المتولي لسجنه صالح بن وصيف الذي أمر المهتدي موسى بن بغا التركي بقتله وقد جاءه العباسيون إبان اعتقال الامام علیه السلام فقالوا له: ضيّق عليه ولا توسع، فقال صالح : «ما أصنع به قد وكلت به رجلين ، شرُّ من قدرت عليه فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمر عظيم»، ثم أمر بإحضار الموكلين فقال لهما: ويحكم ما شأنكما في أمر هذا الرجل: - يعني الإمام الحسن العسكري علیه السلام؟ - فقالا له: مانقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله لا يتكلّم ولا يتشاغل بغير العبادة فإذا نظر إلينا أرعدت فرائصنا وداخلنا مالا نملكه من أنفسنا فلمّا سمع العباسيون ذلك انصرفوا خائبين(2).


1) الكافي، ج 1، ص 428 و 511، طبعة المكتبة الإسلامية طهران.

2) كشف الغمة، ج 2 ص 414.

3 . المعتمد بن المتوكل العباسي

وعاصر الإمام الحسن العسكري علیه السلام بعد المعتز والمهتدي، المعتمد العباسي، الذي انهمك في اللهو والملذات واشتغل عن الرعيّة فكرهه الناس وأحبوا أخاه طلحة(1).

وكان المعتمد ضعيفاً قد وقع تحت تأثير الأتراك الذين يديرون أمور الحكم، ويقومون بتغيير الخلفاء والأمراء، وقد صوّر المعتمد نفسه هذا الضعف الذي هو فيه بقوله:

أليس من العجائب أنّ مثلي *** یری ماقل ممتنعاً عليه؟

وتؤكل باسمه الدنيا جميعاً *** وما من ذاك شيء في يديه

إليه تحمل الأموال طرّاً *** ويمنع بعض ما يجبى إليه (2).

وكانت الفترة التي عاشها الإمام الحسن العسكري علیه السلام في عهد المعتمد تقرب من خمس سنين ، من ابتداء خلافة المعتمد سنة (256ه-) وحتّى استشهاده علیه السلام سنة ( 260 ه-)، وكان الوضع العامّ مضطرباً لسيطرة الأتراك على السلطة أولاً، ولما كان يحدث من حركات ضدّ السلطة في أقاليم الدولة ثانياً. فضلاً عن مطاردة السلطة للشيعة والمضايقة على الإمام علیه السلام وعليهم وتشديد المراقبة من جهة ثالثة.

وأهم هذه الأحداث في عصر المعتمد:

أ . ثورة الزنج : كانت ثورة الزنج حدثاً مهماً لما نتج عنها من آثار سيئة، فقد صحب حركة الزنج هذه، قتل، ونهب ، وسلب، وإحراق مما أدى إلى اضطراب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في عدة أمصار سيطر عليها صاحب الزنج، فبدأت ثورتهم في البصرة وامتدت إلى الأهواز وعبادان وغيرهما.

وقد كلّف القضاء على هذه الحركة الدولة كثيراً من الأموال والجند الذين هزمهم


1) تأريخ الخلفاء، السيوطي، ص 363.

2) سبائك الذهب، ص 87.

صاحب الزنج في أكثر من واقعة وأخيراً تمكنت الدولة من القضاء عليهم (1).

وقد ادعى صاحب الزنج علي بن محمد أنه ينتسب إلى الإمام علي علیه السلام، ولكن الإمام الحسن العسكري علیه السلام كذب هذا الادعاء، فعن محمد بن صالح الخثعمي قال: كتبت إلى أبي محمد - الحسن العسكري علیه السلام - أسأله - وكنت أريد أن أسأله صاحب الزنج الذي خرج بالبصرة - فوقع علیه السلام :« صاحب الزنج ليس منا أهل البيت»(2).

وفي نص الإمام علیه السلام هذا دلالة على عدم شرعيّة ثورة صاحب الزنج وعدم

ارتباطها بخط أهل البيت علیه السلام وأنها بعيدة عن الالتزام بمباديء الإسلام.

ب . حركة ابن الصوفي العلوي: وقد ظهر في صعيد مصر إبراهيم بن محمد من ولد عم ابن علي بن أبي طالب(3).

ويعرف بإبن الصوفي وملك مدينة أشنا(4). وكانت معارك بينه وبين جيش الدولة بقيادة ابن طولون اقتتلو فيها قتالاً شديداً فقتل من رجال ابن الصوفي الكثير وانهزم، ثمّ كانت وقعة أخرى مع جنده عام (259ه-) وانهزم ابن الصوفي أيضاً إلى المدينة وألقي القبض عليه وأرسل إلى ابن طولون في مصر(5).

ج . ثورة علي بن زيد في الكوفة : كانت حركته في الكوفة سنة (256 ه-) واستولى عليها، وأزال عنها نائب الخليفة، واستقربها ، وسَيَّر إليه المعتمد الشاه بن مكيال في جيش كثيف فالتقوا واقتتلوا وانهزم الشاه وقتل جماعة كثيرة من أصحابه، ثم وجه المعتمد كيجور التركي لمحاربته، وقد أرسل كيجور إلى علي بن زيد يدعوه إلى الطاعة وبذل له الأمان، وطلب علي بن زيد أموراً لم يجبه كيجور إليها، فخرج علي بن زيد


1) راجع الكامل في التأريخ، ج 4، ص 430 - 445.

2) كشف الغمة، ج 3 2، ص .424

3) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 506.

4) الكامل في التأريخ، ج 4، ص 432.

5) الكامل في التأريخ، ج 4، ص 432 - 433.

من الكوفة وعسكر في القادسية فبلغ خبره كيجور فاشتبكا وانهزم علي بن زيد وقتل جماعة من أصحابه(1).

وحصلت حوادث أخرى في عهد المعتمد فقد استولى الحسن بن زيد العلوي على جرجان وقتل كثيراً من العساكر وغنم هو وأصحابه ماعندهم وخرج مساور الخارجي وطوق من بني زهير وهو من الخوارج أيضاً وقاتلهم الحسن بن أيوب بن أحمد العدوي وهزمهم وقطع رأس مساور وأنفذه إلى سامراء (2).

وقد استمرت هذه الحركات التي كانت ضدّ الدولة العباسية الجائرة حتى سقوط

بغداد على يد التتار عام (656 ه-).

د . المعتمد والإمام العسكري علیه السلام : سعى المعتمد جاهداً في التخلّص من الإمام العسكري علیه السلام أي أنه سار على ذات المنهج الذي اتبعه أسلافه الخلفاء الأمويين من والعباسيين مع الأئمة المعصومين علیه السلام غير أن موقفه هذا سرعان ماتغير ظاهراً، وقدّم الاعتذار للإمام علیه السلام بعد محاولة قام بها لتصفيته وذلك برميه مع السباع حين سلّم أمر الإمام علیه السلام إلى يحيى بن قتيبة الذي كان يضيّق على الإمام علیه السلام ورمى به إلى مجموعة من السباع ظناً منه أنها سوف تقتل الإمام علیه السلام مع العلم بأن امرأة يحيى قد حذرته من يمس الإمام بسوء فقالت له: إتق الله فإنّي أخاف عليك منه، وروي أن يحيى بن قتيبة قد أتاه بعد ثلاث مع الأستاذ فوجده يصلّي، والأسود حوله، فدخل الأستاذ الغيل- أي موضع الأسد - فمزّقته الأسود وأكلته ، وانصرف يحيى في قومه إلى المعتمد وأخبره، فدخل المعتمد على العسكري علیه السلام وتضرع إليه، وسأله أن يدعو له بالبقاء عشرين سنة في الخلافة فقال الإمام علیه السلام : «مد الله في عمرك»، فأجيب وتوفي المعتمد بعد عشرين سنة (3).


1) الكامل في التأريخ، ج 4، ص 447.

2) . الكامل في التأريخ، ج 4، ص 439.

3) المناقب، ج 4، ص 430.

واستمر المعتمد في التضييق على الإمام الحسن العسكري علیه السلام فيما بعد حتى ألقاه في سجن علي بن جرين وكان يسأله عن أخباره فيجيبه: إنه يصوم النهار ويقوم الليل(1).

ه-. المعتمد وموقفه من الشيعة : لم تتغير الإجراءات القمعية التي كانت تمارسها السلطة العباسية تجاه الشيعة في عصر المعتمد بل كانت امتداداً للسياسة المعهودة والتي أصبحت تقليداً يتوارثه الخلفاء العباسيون إزاء الأئمة الأطهارة صلی الله علیه واله وسلم وشيعتهم وذلك لما كان يخشاه الخلفاء من تطور الوضع لصالحهم واتساع نشاطهم السياسي ممّا قد ينجم عنه تغيّر الوضع ضدّ السلطة القائمة، والتفاف الناس بشكل أكبر حول الإمام علیه السلام ، وبالتالي قد يتخذ الإمام موقفاً جهادياً تجاه الخليفة وسلطته.

وكانت أساليب السلطة تجاه الحركة الشيعية نفس ما عهدناه في عصور سابقة وهي:

1 . المراقبة ضدّ تحرّكات أصحاب الإمام وشيعته.

2 . السجن، وكانت تعمد إليه السلطة من أجل الحدّ من نشاط أصحاب الإمام علیه السلام

3 . القتل حين لاترى السلطة جدوى في أساليبها الأخرى تجاه الشيعة، وتشعر

بتنامي نشاطهم فتلجأ إلى قتل الشخصيات البارزة والمقربين من الإمام علیه السلام.


1) مهج الدعوات، ص 275.

الخاص

كان الوضع العام في عهد المعتمد العباسي مضطرباً، وقد عاصر الإمام علیه السلام من حكمه خمس سنوات حتى استشهاد الإمام علیه السلام وكانت السلطة تطارد الشيعة وتضطدهم وتضيق على الإمام علیه السلام فكانت هناك صعوبات واجهها الإمام علیه السلام والجماعة الصالحة. كما أنه قد حدثت عدة وقائع وثورات خلال هذا العهد، كثورة الزنج وحركة ابن الصوفي العلوي وثورة علي بن زيد في الكوفة.

و لم يختلف المعتمد عن سابقيه في التضييق على الإمام علیه السلام والسعي للتخلّص منه ومتابعة الشيعة واضطهادهم ومحاولة التأثير فيهم لعزلهم عن الإمام العسكري علیه السلام .

فكانت وسائل السلطة اتجاههم تتدرج من المراقبة والتضييق ثم السجن أو

القتل.

الأسئلة

1 . ما هي خصائص المعتمد وعصره؟

2 . ما هي أهم الحركات الثورات التي عاصرها الإمام العسكري علیه السلام؟

3 . ما هو موقف المعتمد من الشيعة؟

4 . كيف واجه المعتمد الإمام علیه السلام من أجل أن يحد من دوره؟

ه . كيف واجه الإمام علیه السلام المصاعب والمحن التي مرت بالجماعة الصالحة؟

الدرس 39: ملامح عصر الإمام الحسن العسكري علیه السلام (3)

اشارة

و . المعتمد والاستسقاء بالرهبان

وفي عهد المعتمد أصاب أهل سامراء الجدب والمجاعة لشحة المياه وقلة الأمطار فدعا المعتمد الرهبان وغيرهم وخرج هو ورجالات بلاطه للاستسقاء وكان هناك راهب ينفرد عن باقي الرهبان ويرفع يديه فتنهمر الأمطار وقد تكرر ذلك ليومين متواليين فاضطرب الناس وارتدّ بعضهم ممّا اضطر المعتمد إلى الالتجاء للإمام العسكري علیه السلام ليفرج عن أمة جده رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ما فيه من ارتداد وشك، فأمر الإمام العسكري أن يخرجوا في اليوم الثالث، ولما رفع الراهب يديه تجمعت الغيوم والسحب في السماء، فقال الإمام علیه السلام لهم إنّ هذا الراهب في يده عظم من عظام الأنبياء وأنها إذا ما أظهرت تحت السماء تغيّم وتمطر فأخذوا منه العظم فانكشفت الغيوم وعم الصخو السماء، ولمّا رفع الراهب يديه لم يحدث شيء فلم يتجمع السحاب ولم تمطر السماء (1).

وفي هذه القصة دلالات كثيرة منها:

1 . أنّ المعتمد كان على يقين من أنّ للإمام علیه السلام شأناً كبيراً عند الله سبحانه وأنه


1) الفصول المهمة ابن صباغ المالكي، ص 269.

أولى بأمر هذه الأمة، غير أنّ المعتمد في عدم دعوته الإمام علیه السلام للاستسقاء كان يهدف إلى إبعاد الإمام عن التأثير في الناس فيما إذا ظهرت تلك الكرامة على يديه حين يدعو الله ليبدل جدبهم ريعاً مغدقاً.

2 . تظهر لنا هذه القصة مدى نفوذ أهل الكتاب ومدى تأثيرهم في مجرى الأحداث وما كانوا يتمتعون به من حرية في هذا العصر وغيره، في حين أن الإمام علیه السلام وشيعته يعانون من المطاردة والاضطهاد والإبعاد عن التدخل في كثير من الأمور التي لا تصلح ولا يمكن معالجتها إلا عن طريق الإمام علیه السلام ؛ و الصلته القوية بالله سبحانه وهو القيم على الرسالة والأمة والدولة جميعاً.

ز . الحركة الشيعية في عصر الإمام العسكري علیه السلام

لقد تزامن التشيع مع ظهور الإسلام وصاحبه في طريقه، شأنه شأن العقائد والمباديء التي تحمل رسالة لتغيير الواقع والنهوض به وفقاً لمبادئها ومفاهيمها عن الإنسان والحياة والكون .

وكانت تلك المزامنه والمصاحبة يوم أنذر الرسول صلی الله علیه واله وسلم عشيرته امتثالاً لقوله تعالى: «وأنذر عشيرتك الأقربين » وقد جمع النبي صلی الله علیه واله وسلم عشيرته الأقربين فأنذرهم وجعل صلی الله علیه واله وسلم السمع والطاعة لمن يؤازره على أمره على أن يكون السابق منهم في الاستجابه أخاه ووزيره، فلم يجبه غير ابن عمه علي بن ابي طالب علیه السلام(1).

وكما تتعرّض الحركات والمذاهب والأحزاب الهادفة للتغيير إلى المعارضة من قبل السلطات الجائرة وتتحمّل التنكيل والاضطهاد بمختلف أشكاله فقد تعرّض حملة التشيع وهم أهل البيت وأتباعهم لما لم يتعرّض له أي مذاهب من المذاهب الإسلامية على امتداد التأريخ الإسلامي ولم ينل أصحاب سائر المذاهب من العذاب والمطاردة


1) يراجع تأريخ الطبري، ج 2، تأريخ ماقبل الهجرة و سيرة ابن هشام و تفسير الفخر الرازي (و تفسير هذه الآية وغيرها).

ومصادرة الأموال والأملاك مالقيه حملة التشيع على طول الخط، ماعدا فترات قصيرة كان الحكم فيها لأتباع مذهب أهل البيت والمتعاطفين معهم.

علماً بأنّ الفترة التي انتعش فيها التشيّع هي مدة خلافة الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام وستة أشهر من خلافة الإمام الحسن بن علي علیه السلام حيث اضطر بعدها - لظروف قاهرة - لعقد الصلح مع أوّل ملوك بني أمية (معاوية بن أبي سفيان)(1)مؤسس الدولة الأموية في الشام والذي أجمع المؤرخون على أنه امتلك زمام الأمر بالقهر والغلبة دون رضى المسلمين ومشورتهم، وهو مؤسس نظام الوراثة بتوليته لابنه يزيد من بعده.

وكانت الأمصار التي يقطنها الشيعة تحت إمرة ولاة عتاة أشداء عرفوا بالنصب

والعداء لآل الرسول صلی الله علیه واله وسلم مثل زياد بن أبيه وعبيدالله بن زياد والحجاج وغيرهم، حتى كان عهد الإمامين محمّد الباقر وجعفر الصادق علیه السلام هو عصر تحوّل وانتقال، حيث ضعفت الدولة الأموية وبدأت حركة العباسيين ثمّ قامت دولتهم، فكان لنشاط هذين الإمامين المعصومين وجهودهما العلميّة والفقهيّة أثر بارز في تأريخ الحضارة الإسلاميّة بشكل خاص لما امتاز به عهدهما من عطاء ثرّ في العقيدة والفكر بل وفي مختلف العلوم الإسلامية فكان ذلك أفضل ما قدمه أصحاب الفكر الإسلامي وأحسن ماجاءوا به من عطاء.

وأخذ التشيع ينتشر ويتسع بشرياً وجغرافياً خلال القرنين الثاني والثالث برعاية الأئمة الأطهار وبفضل تعاليمهم وجهادهم المتواصل بالرغم من ضيق الحصار المفروض عليهم من قبل السلطات الحاكمة وأجهزتها التي كانت تلاحقهم في كلّ مكان (2).


1) يراجع تأريخ اليعقوبي، ج 2، خلافه معاوية و الطبري، ج 3، أحداث سنة 40 - 41 ه-.

2) سيرة الأئمة الإثني عشر، هاشم معروف الحسيني، ج 2، ص 514.

وكان لانتشار الفكر الشيعي وكثرة معتنقيه أكبر الأثر في دفع المأمون العباسي لإكراه الإمام الرضا علیه السلام على قبول ولاية العهد محاولة منه لوضع الإمام علیه السلام تحت المراقبة الشديدة وعزله عن شيعته ومواليه وبالتالي تحجيم دوره، وأخيراً دسّ له السمّ وقتله عسى أن يتخلّص من شخصه الذي كان يعتبره محور الحركة الشيعية بشكل خاص.

وفي عهد الإمامين الهادي والعسكري علیه السلام وبعد استشهاد الإمامين الرضا والجواد علیه السلام لم تتوقف الحركة الشيعية عن التوسع والانتشار بل قد اتسع وانتشر التشيع في أمصار العالم الإسلامي كقم والري ، والكوفة، وبغداد، والمدائن، ومصر، والحجاز وحتى في عاصمة العباسيين سامراء(1).

ومن هنا كان من الضروري أن نتعرّف على المنهج والأسلوب والوسائل التي اتبعها الإمام العسكري علیه السلام في مواجهة الظروف الصعبة التي واجهته وواجهت شيعته من قبل السلطة في نشر وتربية ورعاية شيعته ومواليه متجاوزاً بذلك أساليب السلطة ضدّه وضد شیعته.

لقد اتبع الإمام الحسن العسكري علیه السلام تخطيطاً خاصاً في مجال تربية وإعداد الشيعة، ويتضمن هذا التخطيط جوانب متعددة : منها ما يختص بعهده علیه السلام وما يكتنفه من أحداث مختلفة، ومنها ما يختص بالتمهيد لغيبة الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف ومنها ما يختص بالوضع الامتدادي للمذهب بعد عصره علیه السلام وإلى حين ظهور الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف وإقامة دولة الحق والعدل والتي لا تكون إلا في ظل حكومته الكريمة، إذلا تقام بغير المعصوم علیه السلام ونلاحظ هذه الجوانب على الترتيب التالي:

1 . منهجه ومواقفه تجاه حوادث عصره .

2. نهجه وأساليبه التي مهد بها لإمامة ولده محمد ولغيبته علیه السلام .

1) سيرة الأئمة، ج 2، ص 514.

3 . منهجه وأساليبه التي ترتبط بالإعداد للظروف المستقبلية بعد عصره أي في

عصر الغيبة الكبرى للإمام الحجة بن الحسن علیه السلام وحتى ظهوره عجل الله فرجه الشريف.

منهج الإمام العسكري علیه السلام في مواجهة أحداث عصره

اتبع خلفاء بني العباس سياسة خاصة تجاه الأئمة الأربعة: الرضا والجواد والهادي والعسكري علیه السلام، وقد تعزى هذه السياسة بالتتبع التأريخي إلى إتساع القاعدة الموالية لهولاء الأئمة القادة وإلى مالهم من تأثير في الأمة وانشداد الواعين من أبنائها بهم ولذا انتهج العبّاسيّون اتجاه الإمامين الهادي والعسكري علیه السلام بالخصوص سبلاً خاصة لتحجيم دورهما ومحاولة منهم لوضع حاجز بين الإمام ومواليه.

ويمكن إجمال هذه السبل التي اتبعها الخلفاء تجاه الإمام العسكري علیه السلام ومن قبله الإمام الهادي علیه السلام في مايلي:

1 . تقريب الإمام علیه السلام من البلاط.

2 . المراقبة الشديدة والفحص عن أمور الإمام صغيرها وكبيرها.

3 . إكرامه واحترامه ظاهراً لأجل ذرّ الرماد في العيون وإسكات من يحاول الاحتجاج على المراقبه والمضايقة (1).

4 . اتخاذ اجراءات صارمة تجاه الإمام علیه السلام من سجن أو مداهمة في بيته أو

غيرهما إذا اقتضت الضرورة بحسب ماتراه السلطة تجاهه.

إجراءات الإمام علیه السلام إزاء رقابة السلطة

وقد اتخذ الإمام الحسن العسكري علیه السلام أساليب مضادّة إزاء أساليب السلطة


1) تأريخ الغيبة الصغرى، ص 190، بتصرف.

وحسب ما تفرضه الظروف الخاصة به وبشيعته الذين كانوا ينتشرون ويتركزون في الكوفة، وبغداد، وقم ، ونيسابور والبصرة وسامراء، وغيرها من أمصار الدولة الإسلامية.

لقد كان اتصال الإمام الحسن العسكري علیه السلام بشيعته وخاصته في هذه الأمصار، يتم عن طريقين:

أحَدُهما عن طريق الوفود التي تتقدم إلى حاضرة الدولة - سامراء - وبذلك كانت تصل الأموال إلى الإمام علیه السلام مع الحقوق والضرائب الإسلامية مع إيصال ما يحتاجه الشيعة من استفتاءات وعرض لأمورهم الشخصية والاجتماعية عليه. ثانيهما : كان الإمام علیه السلام قد جعل له وكلاء في الأقاليم التي يسكنها الشيعة وكان يتم عن طريقهم إيصال المعلومات الخاصة من الإمام علیه السلام إلى أتباعه ومن أتباعه إلى الإمام كما كان يصل إلى الإمام علیه السلام ما يعانيه شيعته وما يحتاجون إليه فيتم إرسال الجواب عن طريق هؤلاء الوكلاء.

الإمام العسكري علیه السلام و الجماعة الصالحة

تضمن منهج الإمام علیه السلام في تربية ورعاية شيعته وأنصاره منحيين ويتضح ذلك من خلال ما بته الإمام علیه السلام في رسائله ووصاياه وأحاديثه التي تناقلها الشيعة جيلاً بعد جيل.

المنحى الأوّل: وهو ما يختص بالأمور العامة والأحداث التي كان يزخر بها الواقع من متغيرات ثقافية وفكرية وعقائدية ولا سيّما ما يتعلق بالآراء والأفكار التي تصدر عن مخالفي الإمام ووعاظ السلاطين وسواهم ، والمنحى الثاني وهو، ما يختص بالشيعة من حيث الاهتمام بهم وحفظهم كمجموعة صالحة وقاعدة شعبية أمينة في داخل المجتمع الإسلامي.

وتنوعت اهتمامات الإمام الحسن العسكري بشيعته كما يلاحظ ذلك من خلال النصوص التي بأيدينا وهي:

أ . قضاء حوائجهم.

ب . الإجابة على الاستفتاءات المتعلقة بالمستجد من الأمور غير الحركية ومنها

ما يتلعلق برد الشبهات أو ما يدخل في إطارهما كما في رده على تناقضات القرآن التي كتبها الكندي عن طريق أحد تلامذته.

ج . تحذيرهم من الفتن الناتجة عن اضطراب الوضع السياسي للدولة.

د . إصلاح ذات البين فيما كان يشجر بينهم.

ه- . وصاياه بالابتعاد عن الجدل والخوض في امور لا تغني.

و . الاهتمام بتهذيب نفوسهم بشكل خاص كي يجعلهم في قمة المجتمع الإسلامي، ونشير إلى بعض النقاط التي كان يركز عليها الإمام علیه السلام في تربيته لشيعته فيما يلي:

نصوص تربوية للإمام علیه السلام: لقد رسم الإمام العسكري علیه السلام خطاً تكاملياً لأتباعه كي ينتهجوه في تربية نفوسهم وتنمية الملكات النفسية العالية لرفعهم باتجاه الحق سبحانه وتعالى وإبعاداً لهم عن دائرة الانحرافات السائدة في المجتمع آنذاك، فكرياً وسلوكياً.

فنجد الإمام علیه السلام يُحذر أصحابه من الغضب ونتائجه السيئة التي تنجم عنه، فقد ورد عنه علیه السلام أنه قال: «الغضب مفتاح كلّ شر»(1).

كما ورد عنه علیه السلام أيضاً التحذير من مخالطة الجاهل ومداومة مصاحبته فقد قال: «صديق الجاهل تعبان (2).

كما أكد علیه السلام صعوبة تغيير وضع وحالة الجاهل، وإذن فلاجدوى من استمرار مصاحبته بغية إصلاحه، فترك مخالطته تكون آخر أسلوب لردعه، من هنا يقول الإمام علیه السلام: «رياضة الجاهل وردّ المعتاد عن عادته كالمعجز»(3).


1) تحف العقول، ص 362.

2) تحف العقول، ص 363.

3) تحف العقول، ص 363.

ويوضح الإمام علیه السلام آثار خصلة ذميمة أخرى تفقد الإنسان المؤمن شخصيته ومهابته، وهذا الخصلة هي المراء، فقد قال الإمام علیه السلام ناصحاً أصحابه: «لاتمار فيذهب بهاؤك»(1)، وقال أيضاً: «لا تمازح فيجترأ عليك»(2).

ثم يرسم علیه السلام في نص آخر صورة أوضح لمعالم الشخصية الإسلامية وهي: أنّ المؤمن لا تقوده رغباته ولا يخضع لسلطان الشهوات، فقد ورد عنه علیه السلام أنه قال: «ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تُذلّه».

ويحدد علیه السلام لأصحابه معايير سلوكيه ليألفهم الناس ويتآلفوهم، ومما ورد عنه علیه السلامفي هذا المجال:

1 . قوله علیه السلام: «أقل الناس راحة الحقود»(3).

2 . «وليس من الأدب إظهار الفرح عند المحزون»(4).

3 . «من التواضع السلام على كلّ من تمرّ به والجلوس دون شرف المجلس»(5)،

و «التواضع نعمة لا يحسد عليها »(6).

4 . «المؤمن بركة على المؤمن وحجّة على الكافر»(7).

كما نهى علیه السلام أصحابه من التلوّن ومخالطة الناس بوجوه متعدّدة حيث يؤثر ذلك في العلاقات التي تربطهم بالآخرين ، قال علیه السلام: «بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين يطري أخاه شاهداً ويأكله غائباً، إن أعطي حسده، وإن أبتلي خانه»(8).

ورسم لهم طريقاً سليماً في إصلاح ما يظهر من بعضهم من معايب، ومما قاله علیه السلام «من وعظ أخاه سِرّاً فقد زانه ومن وعظه علانية فقد شانه»(9).


1) تحف العقول، ص 363.

2) تحف العقول، ص 363.

3) تحف العقول، ص 362 - 364.

4) تحف العقول، ص 362 - 364.

5) تحف العقول، ص 362 - 364.

6) تحف العقول، ص 362 - 364.

7) تحف العقول، ص 362 - 364.

8) تحف العقول، ص 362 - 364.

9) تحف العقول، ص 364.

ه . وأوضح الإمام علیه السلام لأصحابه مفهوم العبادة الإسلامية، فهي ليست بكثرة القيام والسجود بل هي كما يحدّدها حديث الإمام علیه السلام بقوله: «ليست العبادة كثرة القيام والصلاة وإنّما العبادة كثرة التفكر في أمر الله»(1).

ونرجح ان يكون هذا النص ردّاً على بعض الفرق التي عاصرت الإمام علیه السلام والتي تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعزفت عن مشاغل الحياة والتجأت إلى العبادة الصورية التي أشار إليها الإمام علیه السلام موضحاً مسلك هؤلاء وطريقتهم، لأنّ الإسلام رسالة وعقيدة تشتمل مفاهيمها ومبادؤها على حلول وصيغ عملية لجميع جوانب حياة الإنسان، ومشاكله المتعددة.

إنّ هذه الجولة القصيرة في بعض نصوص الإمام علیه السلام تكشف لنا أسساً لبناء الشخصية الإسلامية إذ ترسم له منهجاً ذا طرائق متعدّدة للتعامل مع الآخرين مقياسه في جميعها رضا الله سبحانه المتجلي في هدي الرسول صلی الله علیه واله وسلم والأئمة الأطهار علیه السلام .

وهناك جانب مهم في علاقة الإمام علیه السلام بشيعته من حيث إعدادهم وتربيتهم ألا وهو الإحاطة التامة بشوؤنهم العامة مالية كانت أو اجتماعية أو أسرية إذ كان علیه السلام يبادرهم إلى قضائها فيوصل لهم ما يحتاجونه من مالٍ أو غيره أو دعاء يتضمّن طلباً خاصاً كالشفاء من مرض أو طلب الولد أو الحصول على غير هذه الأشياء التي يعسر نيلها والحصول عليها بغير دعائه علیه السلام.

ومن هذه الأمور التي تعكس اهتمام الإمام علیه السلام البليغ بأحوال شيعته ومواليه ما قدمه من نصح لأحدهم: أن لا يدخل في صفقة تجارية محذراً أياه من إصابة الجراد لما أراد الشركة فيه مع أحد الأشخاص، وكان الأمر كما قال الإمام علیه السلام (2).

وعن جعفر بن محمد بن موسى قال: كنت قاعداً بالعشي فمرّ بي وهو راكب


1) تحف العقول، ص 363.

2) كشف الغمة، ج 2 ص 423.

وكنت أشتهي الولد شهوة شديدة فقلت في نفسي: تُرى أرزق ولداً؟ فقال برأسه: أي نعم : فقلت: ذكراً ؟ فقال برأسه: لا، فولدت لي بنت.

وفي نفس هذا المجال نلاحظ ما نقله جعفر بن محمد القلانسي قال: كتب محمد أخي إلى أبي محمد علیه السلام - وامرأته حامل مقرب - أن يدعو الله أن يخلصها ويرزقها ذكراً، ويسميه، فكتب - الإمام علیه السلام - يدعو الله بالصلاح وقال: رزقك الله ذكراً سوياً، ونعم الإسم محمد وعبدالرحمن، فولدت اثنين في بطن، فسمّى واحداً محمّداً والآخر عبد الرحمن (1)إلى كثير من هذه القضايا (2).

الخاصه

كان لحادثة الاستسقاء التي قام بها راهب مسيحي دور في اختلال اعتقاد الناس وخشي المعتمد من أن ترتد الأمة فأخرج الإمام العسكري علیه السلام من السجن ليحلّ هذا الأمر الجليل وفعلاً ما أن خرج الإمام علیه السلام حتى دحض حجة، الراهب وأعاد الأمة إلى صوابها وارتباطها بعقيدتها، وكان للإمام علیه السلام منهج خاص للتعامل مع الأحداث والوقائع وتربية الجماعة الصالحة وإبعادها عن مواطن الخطر.

و يجد المتتبع للأحداث التأريخيّة منذ عصر المأمون وحتى خلافة المعتمد العباسي أنها تتسم بمواصفات وخصائص متقاربة تطبع المنهج الذي اتبعه العباسيون تجاه الأئمة الأربعة الرضا علیه السلام والجواد والهادي ومن ثمّ العسكري علیه السلام ويعود ذلك إلى اتساع القاعدة الموالية للأئمة علیه السلام وانتشار أمرهم لتأثر الأمة وتعلقها بهم مما يزيد في حنق السلاطين .


1) كشف الغمة ج 2، ص 427 - 428.

2) راجع مسند الإمام الحسن العسكري علیه السلام و بحث دلائله علیه السلام .

فيذهبون إلى المراقبة والتشدّد تجاه الأئمة والشيعة. ومن هنا نجد أن أحد أساليب السلطة هو تقريب الإمام العسكري علیه السلام من البلاط ومراقبته ووضع العيون عليه لمنعه من ممارسة دوره في بناء الأمة والمجتمع الإسلامي، وقد جعل الإمام علیه السلام وكلاء له يتصل بهم أهل الأمصار كما يلتقون به عن طريق الوفود القادمة إلى العاصمة سامراء.

و كان لمنهجه التربوي أثر بالغ في تنمية الجوانب الفكرية والروحية للقواعد الموالية، فقد صدرت عنه علیه السلام وصايا ورسائل تخص رفع الجانب الأخلاقي وتنمية القابلية في التعامل مع الواقع بمتناقضاته.

المسئلة

1 . بماذا امتاز منهج المأمون حتى عصر المأمون حتى عصر المعتمد مع الأئمة علیه السلام؟

2 . ما هي أساليب الإمام العسكري علیه السلام في مواجهة أساليب السلطة العباسية؟

3 . ما هي ملامح المنهج التربوي للإمام علیه السلام ؟

4 . كيف كانت تتصل الجماعة الصالحة بالإمام علیه السلام؟

5 . ما هي المعايير السلوكية التي وضعها الإمام علیه السلام لأصحابه؟

الدرس 40: متطلبات عصر الإمام الحسن العسكري علیه السلام (1)

موقف الإمام الحسن العسكري علیه السلام من الفرق والمذاهب

لقد اختلف المسلمون بعد الرسول الأعظم صلی الله علیه واله وسلم وافترقوا إلى فرقتين، فرقة اجتهدت مقابل النصوص الواردة عنه علي صلی الله علیه واله وسلم، وأخرى التزمت النص ومنهجه في حياتها ومواقفها وسارت وفقاً له.

امتداد تأريخ الدولة الإسلامية تفرعت كلّ فرقة إلى فروع فظهرت فرق متعدّدة ، كالمرجئة، والمعتزلة، والخوارج التي نشأت بعد قضيّة التحكيم في وقعة صفين

في عهد الحكم العلوي والتي حدثت بعد وقعة الجمل عام 36 ه-

وقد تصدّى الأئمة الأطهار علیه السلام باعتبارهم حماة الرسالة والعقيدة الإسلامية للفرق الضالة في عصورهم فكان لكلّ إمام مواقف خاصة مع كلّ فرقة من هذه الفرق التي كان يخشى من تأثير انحرافاتها على الأمة المسلمة وبمقدار ابتعاد كل فرقه ع-ن مباديء الإسلام الحنيف والسنة المحمدية الشريفة كان التصدي من الإمام يأخذ حجمه المطلوب كما وكيفاً، موضحاً في مواقفه انحرافاتهم ومبيناً لشيعته ما يجب أن يتخذوه من مواقف إزاء كل فرقة من هذه الفرق.

1. الإمام علیه السلام والصوفية

لقد أوضح الإمام علیه السلام لأصحابه فساد معتقدات الصوفية من خلال بيانه لآرائهم وأساليبهم في التعامل وعلاقاتهم مع الناس ومن ثمّ ما يتحلون به من صفات وخصائص، ونلاحظ ذلك في حديث الإمام العسكري علیه السلام مع أبي هاشم الجعفري - وهو أحد أصحابه - قال له الإمام علیه السلام: يا أباهاشم : سيأتي زمان على الناس وجوههم ضاحكة، مستبشرة، وقلوبهم مظلمة منكدرة ، السَّنة فيهم بدعة، والبدعة فيهم سُنّة، المؤمن بينهم محقر والفاسق بينهم موقّر ، أمراؤهم جاهلون، جائرون، وأصاغرهم يتقدمون على الكبراء، وكلّ جاهل عندهم خبير وكلّ محيل عندهم فقير، لا يتميّزون بين المخلص والمرتاب، ولا يعرفون، الضئان من الذئاب، علماؤهم شرار خلق الله على جه الأرض، لأنهم يميلون إلى الفلسفة والتصوّف، وأيم الله إنهم من أهل العدول والتحرّف، يبالغون في حبّ مخالفينا ويُضلّون شيعتنا وموالينا، فإن نالوا منصباً لم يشبعوا من الرثاء، وإن خُذلوا عبدوا الله على الرياء، إلا إنهم قطاع طريق المؤمنين والدعاة إلى نحلة الملحدين، فمن أدركهم فليَحْذَرُهم وليصن دينه وإيمانه. ثم قال: يا أباهاشم: هذا ما حدثني به أبي عن آبائه عن جعفر بن محمد علیه السلام وهو من أسرارنا فاكتمه إلا عن أهله(1).

والإمام علیه السلام يحدّد آراء وأفكار فرقة سيكون لها شأن فيما بعد زمانه ولما لها من أثر على عوام الناس وسواهم، نجد الإمام علیه السلام يحذر شيعته منهم حفاظاً على عقيدتهم من الانحراف على يدي هؤلاء الذين يصعب على الإنسان أن يميز بين المخلص والمرتاب منهم والإمام علیه السلام ينبّه أباهاشم إلى أنّ ما حدثه به هو حديث عن آبائه علیه السلام أي أنّ الأئمة قد حذروا الشيعة جيلاً بعد جيل.


1) ذرائع البيان في عوارض اللسان، ص 38؛ حديقة الشيعة، ص 592؛ الأنوار النعمانية، ج 2، ص 293.

2 . الإمام علیه السلام والواقفة

والواقفة جماعة، وقفت على إمامة الإمام موسى بن جعفر علیه السلام ، ولم تقل بإمامة الإمام الرضا علیه السلام ، وكان المؤسس لمذهب هذه الجماعة زياد بن مهران وعلي بن أبي حمزة، وعثمان بن عيسى، وكان سبب توقفهم هو أن زياد بن مهران كانت عنده سبعون ألف دينار من الإمام موسى بن جعفر علیه السلام فأظهر هو وصاحباه القول بالوقف طمعاً بالمال الذي كان عندهم(1).

روى شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي رضی الله عنه عن ابن يزيد عن بعض أصحابه قال: مضى أبو إبراهيم - الإمام موسى بن جعفر علیه السلام وعند زياد القندي سبعون ألف دينار وعند عثمان بن عيسى الرواسي ثلاثون ألف دينار، وخمس جواري ومسكنه بمصر، فبعث إليهم أبو الحسن الرضا علیه السلام أن أحملوا ما قبلكم من المال، وماكان اجتمع لأبي عندكم، فإنّي وارثه وقائم مقامه، وقد اقتسمنا ميراثه - وبهذا أشار الرضا علیه السلام إلى موت الإمام الكاظم علیه السلام- ولا عذر لكم في حبس ماقد اجتمع لي ولوراثه قبلكم.

فأما أبو حمزة فإنّه أنكره ولم يعترف بما عنده، وكذلك زياد القندي، وأما عثمان ابن عيسى فإنّه كتب إليه - أي إلى الإمام الرضاء علیه السلام- : إن أباك صلوات الله عليه لم يمت وهو حي قائم، ومن ذكر أنه مات فهو مبطل، واعمل على أنه مضى كما تقول، فلم يأمرني بدفع شيء إليك، وأما الجواري، فقد أعتقتهن وتزوجت بهن(2).

وقد ذمّهم الأئمة: الرضا، والجواد، والهادي والعسكري علیه السلام وتبروا منهم، وقد سأل أحد أصحاب الإمام الحسن العسكري علیه السلام عمّن وقف على أبي الحسن موسى بن جعفر علیه السلام قائلاً: أتولاهم أم أتبرأ منهم ؟ فكتب علیه السلام: «أتترحم على عمك لا رحم الله عمّك وتبرأ منه، أنا إلى الله منه بريء فلا تتولّهم ، ولا تعد مرضاهم، ولا تشهد جنائزهم،


1) يراجع رجال الكشي، ص 396 سفينة البحار، ج 1، ص 581.

2) الغيبة، ص 43.

ولا تصل على أحد منهم مات أبداً سواءاً من جحد إماماً من الله أو زاد إماماً ليست إمامته من الله ... إنّ الجاحد أمر آخرنا جاحد أمر أوّلنا، والزايد فينا كالناقص الجاحد أمرنا(1). وكان هذا السائل لا يعلم أنّ عمّه كان منهم، فأعلمه الإمام علیه السلام بذلك.

3 . الإمام علیه السلام والثنوية

والثنوية من الفرق التي ظهرت في عصر الإمام العسكري علیه السلام، وهم القائلون بأزلية النور والظلمة (2). أو من أثبت مع القديم قديماً غيره(3).

وروى الشيخ الكليني رضی الله عنه عن إسحاق قال: أخبرني محمد بن الربيع الشالي؟

قال ناظرت رجلاً من الثنوية بالأهواز، ثمّ قدمت سرّ من رأى وقد علق بقلبي شيء مما قاله، فإنّي لجالس على باب أحمد بن الخضيب، إذ أقبل أبو محمد علیه السلام من دار العامة يوم المركب، فنظر إلي وأشار بسبابته أحد أحد، فرد فسقطت مغشياً عليَّ (4).

وكتب إليه أحد أصحابه يسأله الدعاء لوالديه، وكان الأب ثنوياً والام مؤمنة فكتب علیه السلام ، رحم الله والدتك، والتاء منقوطة(5).

4 - الإمام العسكري علیه السلام والمفوضة

المفوّضة: جماعة قالت إن الله خلق محمّداً وفوّض إليه خلق الدُّنيا، فهو الخلّاق لما فيها، وقيل: فوّض ذلك إلى الإمام علي علیه السلام(6)والأئمة علیه السلام من بعده. وعن إدريس بن


1) كشف الغمة، ج 3، ص 319 و بحار الأنوار، ج 50، ص 274.

2) الملل والنحل الشهرستاني، ج 1، ص 244.

3) مجمع البحرين الطريحي، ص 16.

4) كافي الشيعة، ج 1، ص 511.

5) إثبات الهداة، ج 3، ص 427.

6) يُراجع معجم الفرق الإسلامية، ص 235.

زياد الكفرتوثائي قال: كنت أقول فيهم : قولاً عظيماً فخرجت إلى العسكر للقاء أبي محمد علیه السلام، فقدمت وعليَّ أثر السفر وعناؤه، فألقيتُ نفسي على دكان حمّام، فذهب بي النوم، فما انتبهت إلا بمقرعة أبي محمد علیه السلام، قد قرعني بها حتى استيقظت، فعرفته صلّى الله عليه فقمتُ قائماً أقبل قدمه وفخذه ، وهو راكب، والغلمان من حوله فكان أوّل ماتلقاني به أن قال: يا إدريس، «بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وه-=م بأمره يعملون»(1).

فقلت: حسبي يامولاي وإنّما جئت أسألك عن هذا، قال: فتركني ومضى(2).

وإن قوماً من المفوّضة قد وجهوا كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمد علیه السلام قال كامل: قلت في نفسي أسأله عن الحديث المروي عنه علیه السلام : لا يدخل الجنة إلا من عرف معرفتي، وكنت جلستُ إلى باب عليه ستر مرخی، فجاءت الريح فكشفت طرفه فإذا أنا بفتى كأنه فلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها، فقال لي: ياكامل بن إبراهيم؛ فاقشعررت من ذلك وألهمت أن قلت: لبيك ياسيدي. فقال: جئت إلى ولي الله تسأله «لا يدخل الجنة إلا من عرف معرفتك وقال بمقالتك»؟

قلت: إي والله.

قال: إذن والله يقل داخلها والله إنه ليدخلها قوم يقال لهم الحقية.

قلت ومن هم؟

قال: «قوم من حبّهم لعلي بن أبي طالب علیه السلام يحلفون بحقه وما يدرون ماحقه وفضله». (أي قوم يعرفون ما يجب عليهم معرفته جملة لا تفصيلاً من معرفة الله ورسوله والأئمة علیه السلام ).


1) الأنبياء /26.

2) المناقب، ج 4، ص 428.

ثم قال: جئت تسأل عن مقالة المفوّضة؟ كذبوا ، بل إنّ قلوبنا أوعية لمشيئة الله عزّ وجلّ، فإذا شاء الله تعالى شئنا والله يقول: «وما تشاءون إلا أن يشاء الله»(1). فقال لي أبو محمد علیه السلام : ما جلوسك وقد أنبأك بحاجتك؟ قم. فقمت (2).

ه . الإمام والكندي

كان الكندي من كبار فلاسفة المسلمين وقد عاصر الإمام الحسن العسكري علیه السلام ، وقد أخذ في تأليف كتاب يجمع الآيات التي تحتوي على شيء من التناقض فيما بينها رأيه وشغل نفسه بذلك، ودخل أحد تلامذته على الإمام أبي محمد الحسن العسكري علیه السلام ، فقال له الإمام علیه السلام : أما فيكم رجل رشيد يردع أستاذكم الكندي عمّا أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟

فقال التلميذ: نحن تلامذته كيف يجوز منّا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره؟

فقال أبو محمد علیه السلام: أتؤدّي إليه ما ألقيه إليك ؟

قال: نعم.

قال الإمام علیه السلام: فصر إليه وتلطّف في مؤانسته ومعونته على ماهو بسبيله، فإذا وقعت الأنسة في ذلك فقل: قد حضرتني مسألة أسألك عنها، فإنّه يسترعي ذلك منك، فقل له: إن أتاك هذا المتكلّم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلّم منه غير المعاني التي قد ظننتها أنك ذهبت إليها؟

فإنّه سيقول لك: إنّه من الجائز، لأنه رجل يفهم إذا سمع، فاذا أوجب ذلك فقل له:

فما يدريك لعله أراد غير الذي ذهبت أنت إليه، فيكون واضعاً لغير معانيه.

ثمّ إنّ الرجل صار إلى الكندي، ولمّا جعلت الأنسة ألقى عليه تلك المسألة فقال


1) الإنسان / 30.

2) الغيبة، ص 148

الكندي: أعد عليّ، فتفكر في نفسه ورأى ذلك محتملاً في اللغة وسائغاً في النظر.

فقال - الكندي : أقسمت عليك إلّا أخبرتني من أين لك؟

فقال: تلميذه: إنّه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك، فقال: كلّا ما مثلك من اهتدى إلى هذا، ولا من بلغ هذه المنزلة، فعرفني من أين لك هذا؟

فقال: أَمَرَني به أبو محمد العسكري علیه السلام.

فقال: الآن جئت به ، ماكان ليخرج مثل هذا إلا من ذلك البيت.

ثم إن الكندي دعا بالنار وأحرق ماكان الفه(1).

وهذا الموقف من الإمام علیه السلام له دلالة كبيرة على رصد الإمام علیه السلام لكل النشاطات العلمية والفكرية التي من شأنها أن تمس الرسالة الإسلامية من قريب أو بعيد بالإضافة إلى دورها الكبير في تنمية الحس الاعتقادي الصحيح وإبعاد الشيعة عن مواطن الشكّ والشبهة، وذلك أسلوب اتبعه الإمام علیه السلام تجاه الفرق والمذاهب، والانحرافات الفكرية بشكل عام ليكون درساً لأصحابه وشيعته على مر الأجيال.

الإمام العسكري علیه السلام والعمل النظم

يؤرّخ لحركة الأئمة بعيد التحاق الرسول الأعظم صلی الله علیه واله وسلم بالرفيق الأعلى، وبعد بيعة السقيفة عام (11 ه-) وإبعاد الإمام علیه السلام من ممارسة دوره في قيادة التجربة الإسلامية بعد الرسول صلی الله علیه واله وسلم ، فكان للإمام علي علیه السلام دور بارز في تصحيح المسار باتجاهين: الأوّل ما يختص بالدولة الإسلامية، والآخر : ما يختص بالأمة وإعداد قاعدة شعبية تحمل هموم الرسالة وقضاياها، ويظهر أوج المسار التصحيحي للإمام علیه السلام إبان ثورة الأمصار والتي كان من نتائجها مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان والتجاء الثوار إلى الإمام علي علیه السلام والإلحاح عليه من أجل قبول البيعة وتولي أمر الدولة والأمة،


1) المناقب، ج 4، ص 424.

فكانت خلافته عام 35 ه- بعد مقتل عثمان(1). ثمّ يتمثل دور الإمامة في عهد الإمام الحسن علیه السلام الذي تولّى الخلافة عام 40 ه- ولمدة ستة أشهر، وأغتيل بالسم من قبل معاوية الذي التزم بأن يكون الأمر من بعده للحسن علیه السلام ، فما كان من معاوية الا الغدر بالإمام الحسن علیه السلام ليتسنى له تحويل الخلافة إلى ملك كسروي وقيصري بعد أن كان قد خطط لاضطرار الإمام الحسن علیه السلام لعقد صلح معه بشروط مهمة لكنه لم يف بشرط واحد منها (2).

وقد أسس معاوية نظاماً استبدادياً وراثياً امتدّ تسعة عقود أو ما يقرب من قرن واحد حتى سقطت الدولة الأموية نتيجة للثورات الكثيرة التي قام ببعضها أتباع أهل البيت وغيرهم ممن تأثر بنهجهم ومدرستهم في مقارعة الظلم ممن لا يرى شرعية للحكم الأموي الغاصب.

وقد سار بنو العباس على النهج الأموي في هذا الجانب فجعلوا الخلافة وراثة كسروية قيصرية وتعدّوا في الاضطهاد وفاقوا الأمويين في ذلك ونتيجة لظروف القهر والاضطهاد التجأ الأئمة علیه السلام وأصحابهم إلى العمل السري المنظم تحت شعار التقية ابتعاداً عن متابعة السلطة لهم وتخلّصاً من الاجراءات التعسفية للحاكمين، وقد كانت هناك فترات انفراج نسبيّة قلّت فيها الضغوط على الأئمة وأصحابهم وربما تحصر هذه الفترة في جزء من عصر الإمام محمد الباقر علیه السلام وأوائل عصر الإمام الصادق علیه السلام وتقع هذه الفترة بين أواسط خلافة عبدالملك بن مروان إلى بداية نشوء الدولة العباسية.

لقد ازداد التضيق على الأئمة الأطهار علیه السلام وشيعتهم مع ازدياد قوة الدولة العباسية حتى حلت الظروف القاسية التي عاصرها الأئمة أبناء الرضا وهم محمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري علیه السلام وانتهج الإمام الحسن العسكري نهج آبائه للمحافظة


1) يُراجع تأريخ اليعقوبي، ج 2 و الطبري، ج 3، أحداث السنوات 34 - 35 ه-.

2) يُراجع اليعقوبي، ج 2 و الفتوح ابن أعثم، ج 3.

على شيعته وأتباعه الذين يمثلون الجماعة الصالحة في المجتمع الإسلامي، وقد شدّد الإمام العسكري دعوته إلى الكتمان وعدم الإذاعة والحذر في التعامل مع الآخرين، والتشدد في نقل الأخبار والوصايا عنه ونقل أوامره إلى أصحابه ونقل أخبارهم إليه فإنّ أتباعه قد انتشروا في أقطار الدولة الإسلامية في عصره علیه السلام بعد أن أخذ التشيع طابع المعارضة واتسعت دائرتها تحت راية أهل البيت علیه السلام وكثيراً ما كانت تصدر عنه علیه السلام التحذيرات المهمّة لهم تجاه الفتن والابتلاءات المستقبلية تجنيباً لهم من الوقوع في شَرَك السلطة وحفظاً لهم من مكائدها.

فعن محمد بن عبدالعزيز البخلي قال : أصبحت يوماً فجلست في شارع الغنم فإذا بأبي محمد أقبل من منزله يريد دار العامة، فقلت في نفسي ترى إن صحت أيها الناس هذا حجة الله عليكم فاعرفوه، يقتلوني؟ فلما دنا منّي أوماً بإصبعه السبابة على فيه أن اسكت، ورأيته تلك الليلة يقول: «إنّما هو الكتمان أو القتل، فاتق الله على نفسك»(1).

دلالات النص الشريف

1 . كشف الإمام علیه السلام عن نية أحد أصحابه لمعرفته بما في دخيلة نفسه، ومنعه من التحدث بما عزم عليه من إظهار أمر الإمام علیه السلام.

2 . كما كشف عن حراجة الظروف التي تحيط بالإمام علیه السلام وأصحابه ومحاولة السلطة للتعرف عليهم ولتطويق عملهم.

3 . إنّ النص يظهر لنا استغلال الإمام علیه السلام للمناسبات المختلفة لتحذير أصحابه من الإفصاح عن أنفسهم وإظهار علاقتهم بالإمام كما سيتضح لنا ذلك من النصوص الآتية.

ونلاحظ أن أحد أساليب الإمام علیه السلام في عمله المنظم والمحاط بالسرية التامة هو منعه أصحابه من أن يسلّموا عليه أو يشيروا له بيد.


1) كشف الغمة، ج 3، ص 214.

روى عليّ بن جعفر عن أحد أصحاب الإمام الحسن العسكري علیه السلام فقال: اجتمعنا بالعسكر - أي سامراء - وقد صرنا لأبي محمد علیه السلام يوم ركوبه فخرج توقيعه: «لا يسلمنّ عليَّ أحد، ولا يشير إلي بيده، ولا يوميء، فإنّكم لا تأمنون على أنفسكم»(1).

ونجد الإمام علیه السلام يستغل هذا الظرف ويلقي الحجّة على شاب قد أتى من المدينة لاختلاف وقع بين أصحابه في إمامة الحسن العسكري علیه السلام، فيبادره الإمام علیه السلام بالسؤال: أغفّاري أنت ؟ فقال الشاب: نعم، ثمّ يسأله الإمام علیه السلام عن والدته ويسميها له قائلاً: ( ما فعلت أُمّك حمدوية؟) فقال - الشاب - صالحة، وكان الشاب من ولد الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري، ويعود إلى أصحابه وهو مطمئن القلب بإمامة الحسن العسكري علیه السلام.

تنوع أساليب الإمام علیه السلام

وكان للظروف الاجتماعية والسياسية في عصر الإمام الحسن العسكري علیه السلام أثر بالغ في تنوع أساليب الإمام علیه السلام في إيصال الوصايا والتعليمات إلى شيعته وأصحابه، فتارة كانت تنقل بطريق مأمون وهو الرسائل، ولكن مع اشتداد الظرف نجد الإمام علیه السلام يلجأ إلى استعمال أسلوب آخر غير مألوف وهو الكتابة على خشبة وإرسالها إلى أحد وكلائه المشهورين وهو العمري .

روى أبوهاشم الجعفري عن داود بن الأسود قال: دعاني سيدي أبو محمد - الحسن العسكري علیه السلام- فدفع لي خشبة، كأنها رجل باب مدوّرة طويلة ملء الكف فقال علیه السلام: «صر بهذه الخشبة إلى العمري» فمضيت إلى بعض الطريق فعرض لي سقاء معه بغل، فزاحمني البغل على الطريق... فضربت البغل فانشقت - الخشبة - فنظرت إلى كسرها فإذا فيها كتب، فبادرت سريعاً فرددت الخشبة إلى كميّ فجعل السقاء يناديني


1) بحار الأنوار، ج 5، ص 269 عن الخرائج والجرائح للراوندي.

ويشتمني، ويشتم صاحبي ، فقال: يقول لك مولاي:« لِمَ ضربت البغل وكسرت رجل الباب؟» فقلت: ياسيدي لم أعلم مافي رجل الباب، فقال علیه السلام: (ولم احتجت أن تعمل عملاً تحتاج أن تعتذر منه. إيَّاك بعدها أن تعود إلى مثلها، وإذا سمعت لنا شأناً فامض لسبيلك التي أمرت بها، وإيّاك أن تجاوب من يشتمنا أو تعرفه من أنت، فإنّنا في بلد سوء، ومصر سوء وامض في طريقك فإنّ أخبارك وأحوالك ترد إلينا فاعلم ذلك)(1).

وفي هذا النص دلالات كثيرة ومهمة في مجال العمل المنظم، وكما أنه يعكس السرّيّة التامة في العمل من جهة الإمام وأصحابه المقربين من أجل تجاوز ما يثيره الظرف من إشكالات تجاه العاملين، لذا نجد أنّ الإمام علیه السلام يمنع رسوله من التعرّض لأيّ أمر يمكن من خلاله أن تكشف هويته وشخصيّته وصلته بالإمام علیه السلام حتى لوشتمه أحد أو ربما يُسبّ الإمام علیه السلام أمامه، فعليه أن يغض الطرف وكأنه ليس هو المقصود ويذهب في مهمته، حتى لا يُكشف هو أو يتعرّف أحد جلاوزة السلطان على ما يخرج من الإمام علیه السلام لوكلائه وثقاته.

وتفيد هذه النصوص وغيرها أنّ الظروف الصعبة والقاهرة التي عاشها الإمام علیه السلام وأصحابه هي التي ألجأته إلى اتخاذ السرية والكتمان الشديد في تعامله مع قواعده الشعبية، وبالتالي فهي الطريق الأصوب إلى تربية وتهيئة قواعده لعصر الغيبة الصغرى والتي كان يتم اتصال الشيعة بالإمام الحجة علیه السلام عن طريق وكيل له، حيث لم يكن الاتصال به أمراً ميسوراً والالتقاء معه ممكناً ومباشراً لما فرضته السلطة العباسية من رقابة شديدة على الشيعة لمعرفة مكان الإمام الحجة علیه السلام.


1) المناقب، ج 4. ص 427.

الخاصه

كان لرحيل الرسول الأعظم صلی الله علیه واله وسلم أثر بارز في اختلاف الأمة بعده وانقسامها وتعدد فرقها ومذاهبها وقد فرضت بعض الفرق في زمنه صلی الله علیه واله وسلم أصل الإجتهاد مقابل النص، لما كان هناك من تعبد بالنص الذي سمعه أو وصله عن الثقات موصولاً بالرسول الأعظم صلی الله علیه واله وسلم .

و هكذا مع امتداد تأريخ الدولة الإسلامية تكاثرت الفرق، وكلما حدثت واقعة نجد أن الانشقاق كان يسري في جسم المجتمع فظهرت ، المرجئة، والخوارج والمعتزلة وسواهن كثيرة حيث أن كل واحدة من هذه الفرق انشطرت على نفسها عدة مرات.

و كان للإمام العسكري علیه السلام مواقف تجاه هذه الفرق كالصوفية والمفوضة والواقفة سواء كانت هذه الفرق ظهرت قبل عصره أو أثنائه، وكانت

التعليمات والوصايا تصدر منه لمواليه لاتخاذ المواقف الخاصة تجاه هذه

الفرق والمذاهب.

الأسئلة

1 . هل يعتبر عصر الإمام العسكري بداية لنشأة وظهور الفرق الإسلامية؟

2 . ما هو موقف الإمام علیه السلام من الواقفة؟

3 . ما هو موقف الإمام علیه السلام من الصوفية؟

4 . ما هو موقف الإمام علیه السلام من الكندي حول مسألة تناقضات القرآن؟

5 . لماذا تنوعت أساليب الإمام علیه السلام في مواجهة الأحداث والظواهر؟

6 . ما هو موقف الإمام علیه السلام من العمل المنظم؟

الدرس 41: متطلبات عصر الإمام الحسن العسكري علیه السلام (2)

1 . النصّ على الإمام المهدي علیه السلام

كان دور الإمام العسكري علیه السلام في الإعداد والتمهيد لغيبة الإمام المهدي علیه السلام دوراً متميّزاً ومختصاً به علیه السلام، وإن كانت فكرة الغيبة وظهور إمام يملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعد أن تملأ ظلماً وجوراً قد مهّد لها صاحب الرسالة نفسه صلی الله علیه واله وسلم ومن بعده الأئمة من أهل بيته علیه السلام فكل إمام منهم كان يقوم بدوره في التبليغ والإرشاد إلى هذه الفكرة الكبرى وذات الأهمية الخاصة في الجانب الاعتقادي حسب الرؤية الإسلامية للحياة.

غير أن دور الإمام العسكري علیه السلام كانت أهميته وخصوصيته تتضح من خلال الجانب الإعدادي المباشر لمرحلة الغيبة والتي أوشكت أن تقع عند استشهاد الإمام العسكري علیه السلام، مضافاً إلى ذلك أنّ الإمام المهدي يا علیه السلام وهو ابن الإمام العسكري فبسبب هاتين النقطتين تتجلى لنا أهميّة مرحلة الإعداد العملي على يدي الإمام الحسن العسكري علیه السلام.

إن الإرهاصات الأولى حول موضوع الغيبة كانت قد تواترت عن الرسول صلی الله علیه واله وسلم ، ومن بعده عن الأئمة علیه السلام وكان يتناقلها عنهم شيعتهم وسواهم جيلاً بعد جيل، وربما

لم تنل قضيّة من القضايا الإسلامية الاهتمام من قبل جميع الفرق الإسلامية مثل ما نالت قضية الإمام المهدي علیه السلام من الاهتمام وتواتر النصوص عليها. ووفقاً لذلك، لم يكن الإمام العسكري يواجه أمراً لم تتهيأ له الذهينة الإسلامية، بل

إن التهيئة كانت سابقة على عصره إذ كانت ترجع إلى عصر صاحب الرسالة صلی الله علیه واله وسلم نفسه، بيد أن الصعوبة كانت تتمثل في الجانب الأهم من الفكرة وهو الجانب العملي، فعلى المستوى النظري كان الجوّ مهيّأ لهذه الفكرة، فماهي الخطوات التي اتخذها الإمام العسكري بهذا الصدد؟

مما تجدر الإشارة إليه أنّ الخطوات التي اتبعها الإمام العسكري كانت تنسجم والظروف العامة المحيطة به علیه السلام والتي سبقت الإشارة إليها، والظروف الخاصة بالقواعد الشعبية التي ترى في الإمام العسكري علیه السلام مرجعها الروحي والفكري الذي يتحمّل فيما بعد مسؤولية تربية الأجيال على هذه الفكرة، ومن هنا نلمس دقة مهمة الإمام علیه السلام وصعوبة موقفه في التوفيق بين هذه المهمة وبين سلبيته تجاه الدولة (1)التي كانت ترصد كلّ حركة في مراقبتها الدقيقة لبيت الإمام حذراً من الوالد وخوفاً من الوليد - الذي سيدمر عروش الظالمين والمتجبرين في الأرض ويقيم العدل والقسط، ولذا فقد أخفى الإمام العسكري علیه السلام ولادة الإمام المهدي علیه السلام ، والجانب الآخر لموقف الإمام العسكري هو ما يتصل ب-«إيضاح فكرة المهدي للأجيال»(2).

ومن هنا كان على الإمام أن يتخذ مجموعة من الإجراءات لتحقيق كل أهدافه في هذا الجانب وهي : كتمان الولادة ، ثمّ عرض الإمام على الشيعة بشكل سري ثم الإشهاد على النصّ على إمامته مع مراعاة كلّ الجوانب الأمنية التي تحيط بهذا الموضوع.


1) تأريخ الغيبة الصغرى، ص 213.

2) تأريخ الغيبة الصغرى، ص 213 و يراجع حياة الإمام العسكري، محمد رضا الطبسي، ص 313.

2 . التمهيد لإمامة محمد المهدي علیه السلام

أ . كتمان ولادة الإمام المهدي علیه السلام

لقد كتم الإمام العسكري ولادة الإمام المهدي علیه السلام خوفاً عليه من السلطة التي كانت تنتظر ولادته وهي تعلم أنّ المهدي المنتظر هو ابن الحسن العسكري علیه السلام وأنه المدخر للقضاء على الظلم وإنهاء دور الاستبداد في الحياة وإقامة العدل والانتصار للمستضعفين.

والإمام العسكري علیه السلام قد أمر خاصة شيعته كأحمد بن إسحاق وغيره، حينما بشرهم بولادته علیه السلام : أن يكتموا أمره ويستروا ولادته عن الآخرين، فقال علیه السلام: «ولد لنا مولود فليكن عندك مستوراً وعن جميع الناس مكتوماً»(1).

كما أنّ الإمام الحسن العسكري علیه السلام قبيل ولادته قد بعث إلى «حكيمة» عمته بنت الإمام الجواد علیه السلام- ليلة النصف من شعبان وقال لها - ياعمة إجعلي إفطارك عندي، فإنّ الله عزّ وجلّ سيسرك بوليه وحجّته على خلقه، خليفتي من بعدي.

قالت حكيمة: فتداخلني لذلك سرور شديد، وأخذتُ ثيابي عليّ، وخرجت من ساعتي حتى انتهيتُ إلى أبي محمد علیه السلام وهو جالس في صحن الدار وجواريه حوله فقلتُ : جُعِلتُ فِداك ياسيدي، الخَلَفُ ممّن هو ؟

قال : من موسى .

فأدرت طرفي فيهنّ فلم أرَ جارية عليها أثر، غير سوسن(2).

فنرى الإمام العسكري علیه السلام - مع ما اتخذه من إجراءات احتياطية حول ولادة الإمام وأمره لمن اطلع على ولادته المباركة أن يكتم ماشاهد - أنه علیه السلام كان يبشر شيعته بولده المبارك وخليفته، ولكن كان ذلك في دائرة الجماعة الصالحة خاصة والذين


1) كمال الدين، ج 2، ص 434.

2) غيبة، الشيخ الطوسي، ص 141.

يؤتمنون على مثل هذا الأمر.

فقد روى الشيخ الصدوق رضی الله عنه - بسنده عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري قال: سمعت أبا محمد الحسن بن علي العسكري علیه السلام يقول: «الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى أراني الخَلَف من بعدي ، أشبه الناس برسول الله صلی الله علیه واله وسلم خَلْقاً وخُلقاً، يحفظه الله تبارك وتعالى في غيبته، ثُمّ يُظهرُه فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً»(1).

ب . إخبار الشيعة بولادة الإمام المهدي علیه السلام و عرضه عليهم

و ممّن رأى الإمام الحجة المنتظر علیه السلام بعد ثلاثة أيام من ولادته من خواص الإمام العسكري علیه السلام ، علي بن بلال، ومحمد بن معاية بن حكيم، والحسن بن أيوب بن نوح وغيرهم، فقد قال لهم الإمام العسكري علیه السلام- بعد أن عرضه عليهم: -

«هذا صاحبكم من بعدي وخليفتي عليكم، وهو القائم الذي تمتد إليه الأعناق

بالانتظار، فإذا امتلأت الأرض جوراً وظلماً خرج فملأها قسطاً وعدلاً»(2).

وقد سأل أحمد بن إسحاق الإمام العسكري علیه السلام قائلاً: يا مولاي فهل من علامة يطمئن إليها قلبي؟

فنطق الغلام بلسان عربي فصيح فقال: أنا بقيّة الله في أرضه والمنتقم من أعدائه فلا تطلب أثراً بعد عين يا أحمد بن إسحاق، فقال أحمد: فخرجت مسروراً فرحاً، فلما كان الغد عُدت إليه فقلت له: يابن رسول الله لقد عظم سروري بما مننت به عليَّ، فما السنة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين؟

فقال: طول الغيبة يا احمد .


1) كمال الدين، ج 2، ص 308

2) كمال الدين، ج 2، ص 431.

قلت: يابن رسول الله وإن غيبته لتطول؟

قال: إي وربي حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به ولا يبقى إلا مَن أخذ الله عزّ وجلّ عهده لولايتنا وكتب في قلبه الإيمان ، وأيّده بروح منه، يا أحمد بن إسحاق، هذا أمر من أمر الله وسِرُّ مِن سِرّ الله وغَيْبُ مِن غَيْبِ الله فخذ ما آتيتك واكتمه وكن من الشاكرين فكن معنا غداً في عليين(1).

ج . النصّ على إمامة المهدي و غيبته والإشهاد على ذلك

إن وفداً من أربعين شخصاً من الموالين لآل البيت علیه السلام قدموا إلى سامراء وحضروا في بيت الإمام العسكري علیه السلام ليسألوه عن الحجّة من بعده وفي مجلسه أربعون رجلاً، فقام إليه عثمان بن سعيد بن عمرو العمري فقال له: يا ابن رسول الله! أريد أن أسالك عن أمر أنت أعلم به مني.

فقال له علیه السلام : اجلس يا عثمان.

فقام مغضباً ليخرج.

فقال: لا يخرجن أحد - فلم يخرج أحد إلى أن كان بعد ساعة، فصاح علیه السلام بعثمان فقام على قدميه.

فقال علیه السلام: أخبركم بما جئتم؟

قالوا: نعم يا ابن رسول الله.

قال: جئتم تسألونني عن الحجة من بعدي.

قالوا: نعم.

فإذا بالإمام المهدي كأنه قطعة قمر أشبه الناس بأبي محمد علیه السلام.

فقال - العسكري -: هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم أطيعوه ولا تتفرّقوا من


1) كمال الدين، ج 2، ص 384.

بعدي فتهلكوا في أديانكم، ألا وإنّكم لاترونه من بعد يومكم هذا حتى يتم له عمر فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره واقبلوا قوله ، فهو خليفة إمامكم والأمرُ إليه (1).

وقد اشتمل هذا النص - بعد التعريف بالإمام المهدي علیه السلام - على الإشارة إلى وكالة عثمان بن سعيد العمري لأنهم لا يرون الإمام المنتظر علیه السلام بعد رؤيتهم هذه له، كما تضمن النص على إمامته وأنه الخلف والحجة بعد الإمام العسكري علیه السلام.

وكان الإمام العسكري علیه السلام يستغل الفرص المناسبة للنص على إمامة ولده والتعريف بأمره وبغيبته، فعن موسى بن جعفر بن وهب البغدادي قال: سمعت أبا محمد الحسن بن علي علیه السلام يقول: كأني بكم وقد اختلفتم بعدي في الخلف منّي، أما إن المقرّ بالأئمة من بعد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم المنكر لولدي كمن أقر بجميع أنبياء الله ورسله ثم أنكر نبوة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، والمنكر لرسول الله صلی الله علیه واله وسلم كمن أنكر أنبياء الله، لأن طاعة جميع آخرنا كطاعة أوّلنا، والمنكر لآخرنا كما المنكر لأوّلنا، أما إن لولدي غيبةً يرتاب فيها الناس إلا من عصمه الله عزّ وجلّ (2).

ثم يضيف الإمام العسكري علیه السلام بياناً آخر إثباتاً لإمامة ولده المهدي علیه السلام بما ينقله عن آبائه علیه السلام : «إنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله على خلقه إلى يوم القيامة، وإن من مات، ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة»، ثمّ يشير الإمام العسكري علیه السلام إلى ظهور الإمام المهدي علیه السلام بعد غيبة يحار فيها الجاهلون ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقاتون(3).


1) الغيبة، ص 217

2) كمال الدين، ج 2، ص 409

3) كمال الدين ص 409

من وصايا الإمام العسكري علیه السلام لشيعته

وتضمنت وصايا الإمام ورسائله ، بيان الأحكام الشرعية ومسائل الحلال والحرام، يضاف إلى ما اشتملت عليه من رسم خط عام للتعامل مع الآخرين وكان ذلك بمثابة منهاج سلوكي ليسير عليه شيعته ويقيموا علائقهم وفقاً له فيما بينهم وبين أبناء المجتمع الذي يعيشون فيه وان اختلفوا معهم في المذهب والمعتقد، ومن هذه الوصايا :-

قوله علیه السلام: «أوصيكم بتقوى الله والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم من بَرِّ أو فاجر ، وطول السجود، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد صلی الله علیه واله وسلم ، صلوا في عشائركم ، واشهدوا جنائزهم وعودوا مرضاهم، وأدوا حقوقهم، فإنّ الرجل منكم إذا ورع في دينه، وَصَدق في حديثه، وأدّى الأمانة، خلقه مع الناس قيل: هذا شيعي فيسرني ذلك، اتقوا الله وكونوا زَيْناً ولا تكونوا شَيْئاً، جروا إلينا كلّ مودّة، وادفعوا عنّا كلّ قبيح فإنّه ماقيل فينا من حُسْن فنحن أهله وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك .لَنا حقٌّ في كتاب الله وقرابة من رسول الله وتطهير من الله لا يدعيه أحد غيرنا إلا كذاب ، أكثروا ذكر الله وذكر الموت وتلاوة القرآن والصلاة على النبي صلی الله علیه واله وسلم ، فإن الصلاة على رسول الله عشر حسنات، احفظوا ما أوصيكم

به وأستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام(1).

وقال علیه السلام: أمرناكم بالتختم في اليمين ونحن بين ظهرانيكم والآن نأمركم بالتختم في الشمال لغيبتنا عنكم إلى أن يظهر الله أمرنا وأمركم فإنه أول دليل عليكم ف-ي ولا يتنا أهل البيت، وقال علیه السلام لهم: «حدثوا بهذا شيعتنا»(2).

وكتب الإمام الحسن العسكري علیه السلام يوصي أحد أصحابه، - وهو علي بن الحسين ابن بابويه القمي:


1) تحف العقول، ص 487 - 488 .

2) تحف العقول، ص 487 - 488 .

«أوصيك... بتقوى الله وإقامة الصلاة ، وايتاء الزكاة فإنّه لا تقبل الصلاة من مانع الزكاة، وأصيك بمغفرة الذنب وكظم الغيظ، وصلة الرحم، ومواساة الإخوان، والسعي في حوائجهم في العسر واليسر والحلم عند الجهل ، والتفقه في الدين، والتثبت في الأمور، والتعاهد للقرآن، وحسن الخلق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله تعالى: «لاخير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس» واجتناب الفواحش كلّها، وعليك بصلاة الليل فإنّ النبي صلی الله علیه واله وسلم أوصى عليا علیه السلام فقال: ياعلي عليك بصلاة الليل، عليك بصلاة الليل، ومن استخف بصلاة الليل فليس منا، فاعمل بوصيتي وامر جميع شيعتي بما أمرتك به حتى يعملوا به، وعليك بالصبر وانتظار الفرج فإنّ النبي صلی الله علیه واله وسلم قال : أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج ....(1).

وبذلك رسم الإمام الحسن العسكري علیه السلام منهجاً واضحاً لشيعته للسير عليه وهو يتضمن مباديء وأحكام الشريعة الإسلامية وما تدعو إليه من خلق رفيع وحسن تعامل الناس سواءاً كانوا موافقين لشيعته في المبدأ أو مخالفين لهم وتلك هي أخلاق الإسلام التي دعا إليها رسول الإنسانية محمد بن عبد الله صلی الله علیه واله وسلم .


1) الأنوار البهية، القمي، ص 264.

الخاصه

لقد أجمع المسلمون بشكل عام على ظهور مهدي آل محمد صلی الله علیه واله وسلم فی آخر الزمان لتواتر الروايات على هذا، بيد أن مسألة الغيبة والتأكيد عليها والتمهيد لها اختص بأئمة أهل البيت علیه السلام، وللإمام العسكري علیه السلام اور خاص في هذا الاتجاه لتقارب عهده بعهدها، وكون الإمام المهدي علیه السلام ابنه علیه السلام . فكان لابد من أن يهتي ذهنية الجماعة الصالحة لوقوعها القريب منها فنجد أن ممارساته وتعامله كان يضفي عليه طابع السريّة والخفاء كي يمهد إلى دور السفراء في عصر الغيبة الصغرى، فمن هنا نجد أنّ الإمام العسكري علیه السلام يكتم ولادته إلا على الخواص دون سواهم، والدولة العباسية التي كانت ترتقب ولادة الإمام علیه السلام لم تتمكن من العثور على أثر له ولم تعلم ولادته، والإمام العسكري تمكّن من ايضاح كل الأمور المتعلقة بالإمام المهدي علیه السلام وما يتصل بغيبته وإرجاع الناس إلى رواة الأحاديث ليأخذوا معالم دينهم وأحكامهم منهم، وعليه فكانت وصاياه علیه السلام تتضمن بيان الأحكام الشرعية، من حلال وحرام فضلاً عن أمور أخرى تتعلق بمسائل مختلفه حتى تكون الجماعة الصالحة على وعي تام بدورها بعده وبالمهام الموكلة إليهم.

الأسئلة

1 . ما هي خصوصية دور الإمام العسكري علیه السلام في التمهيد لإمامة المهدي علیه السلام ؟

2 . لماذا اهتمت فرق المسلمين كافة بمسألة ظهور الإمام المهدي علیه السلام واختصت قضيّته باهتمام أكبر من غيرها من القضايا؟

3 . ما هي الخطوات التي اتبعها الإمام العسكري في التمهيد الإمامة المهدي علیه السلام و غيبته؟

4 . لماذا كانت الدولة العباسية تراقب ولادة الإمام المهدي علیه السلام ؟

5 . ما هي أهم وصايا الإمام العسكري علیه السلام.

الدرس 42: متطلبات عصر الإمام الحسن العسكري علیه السلام(3)

مدرسة الفقهاء و التمهيد لعصر الغيبة الصغرى

لقد اتسم عهد الأئمّة من أبناء الرضاع علیه السلام (وهم الجواد والهادي والعسكري) باتساع رقعة انتشار التشيع، وكثرة العلماء والدعاة إلى مذهب أهل البيت، واكتمال معالم وأبعاد مدرستهم الفقهيّة في المنهج والمادة معاً.

ويتلخص المنهج الذي سارت عليه مدرسة الفقهاء الرواة عن أهل البيت علیه السلام في نقاط جوهرية وأساسية تميزها عما سواها من المدارس الفقهية حينذاك وهي:

1 . اعتماد الكتاب والسنّة فقط مصدراً للتشريع الإسلامي.

2 . الرجوع في تعلم العلوم الشرعية وأخذ الفتوى إلى الإمام المعصوم إن أمكن.

3 . الرجوع إلى الفقهاء الثقات حيث لا يمكن أو يتعسّر الرجوع إلى الإمام المعصوم.

4 . الإفتاء بنص الرواية أو بتطبيق القاعدة المستخلصة من الرواية (1).

وبهذا وفرت مدرسة أهل البيت علیه السلام ومن قبل الأئمة أنفسهم - خلال قرنين ونصف قرن من الزمن ، هذه النخبة الصالحة لتكون حلقة وصل فكرية وفقهية بين أئمّة


1) تأريخ التشريع الاسلامي، عبدالهادي الفضلي، ص 202 - 211.

الهدى علیه السلام وبين قواعدهم الواعية لتظلّ منطلقاً إلى آفات الإسلام لرحبة على الرغم من قساوة الظروف انفتاح عدة جبهات للمعارضة مع الحكم القائم وبهذا قد ضمنت كلّ متطلبات إحياء الشريعة الإسلامية واستمرار دعوتها وحركتها حتى بعد غياب الأئمة المعصومين من الساحة، وهيأت للمسلمين عامة ولشيعة أهل البيت خاصة كل مقدمات الاستقلال الفكري والسياسي والاقتصادي والثقافي وأعطتهم الزخم اللازم لاستمرار المواجهة مع الباطل الذي يترصد الحق في كل زمان ومكان.

وقد أكمل الإمام العسكري علیه السلام الخط الذي أسسه آباؤه الطاهرون وهو تكوين وإعداد جماعة صالحة تمثل خط أهل البيت الفكري والعقائدي والأخلاقي والسلوكي.

وبذلك يكون قد أعطى للمدرسة الفقهيّة تركيزاً واهتماماً يشير إلى أن الخط الفقهائي هو الخط المستقبلي الذي يجب على القاعدة الشيعية أن تسير عليه(1). وقد أيّد الإمام العسكري جملة من الكتب الفقهية والأصول الروائية التي جمعت في عصره أو قبل عصره وأيد أصحابها وشكر لهم مساعيهم.

وقد أحصيت أسماء أصحاب الإمام الحسن العسكري علیه السلام ورواة حديثه فبلغوا 213 شخصاً (2)، ومع ملاحظة حراجة الظروف المحيطة بالامام العسكري علیه السلام وقصر الفترة التي عاشها إماماً ومرجعاً للأمة والشيعة فإنّ هذه النسبة من الرواة تشكل رقماً قياسياً مهماً طبعاً.

وكان لمحمد بن الحسن بن فروخ الصفار المتوفّي سنة 290 ه- مجموعة من

المؤلفات تقارب الأربعين مؤلفاً(3).

وقد تضمنت كتبه مختلف أبواب الأحكام كالصلاة والوضوء العتق والدعاء والزهد

والخمس والزكاة والشهادات ، والتجارات ، والجهاد وكتاب فضل القرآن الكريم.


1) راجع حياة الإمام العسكري الشيخ محمد جواد الطبسي، ص 325.

2) راجع حياة الإمام العسكري للشيخ محمد جواد الطبس، الفصل العاشر.

3) الفهرست، الشيخ الطوسي، ص 174.

ومن ثقات الإمام الحسن العسكري علیه السلام.

1 . علي بن جعفر الهمداني.

2 . أبوهاشم داود بن القاسم الجعفري.

3 . داود بن أبي يزيد النيسابوري.

4 . محمد بن علي بن بلال.

ه . عبد بن جعفر الحميري القمي.

6 . أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري الزيان والسمّان.

7 . إسحاق بن الربيع الكوفي.

8 . أبو القاسم جابر بن يزيد الفارسي.

9 . إبراهيم بن عبيدالله بن إبراهيم النيسابوري.

ومن أصحابه علیه السلام محمّد بن الحسن الصفار - عبدوس العطار - عمري بن سلامة النيسابوري - أبوطالب الحسن بن جعفر - أبو البختري - الحسين بن روح النوبختي.

الغيبة وقيادة العلماء

إن مرجعية العلماء وقيادتهم للشيعة بعد الغيبة الكبرى التي ابتدأت سنة 329ه- عند وفاة الوكيل الرابع (1)للإمام المهدي علیه السلام كانت تأسيساً حيوياً من قبل الأئمة المعصومين علیه السلام وبأمر من الله ورسوله ، فهم الذين أمروا الشيعة بالرجوع إلى العلماء والفقهاء الذين تربوا في مدرستهم الرسالية لأخذ معالم دينهم عنهم، وهذا المفهوم قد أعطاه الإمام الصادق علیه السلام صيغته التشريعية بقوله علیه السلام : ينظر من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنّما استخف بحكم الله وعلينا


1) علي بن محمد السمري يراجع كشف الغمة، ج 3، ص 207.

رد، والرادّ علينا رادّ على الله وهو على حد الشرك بالله(1).

ثم كان للخطوات التي اتخذها الإمام الهادي علیه السلام الدور البارز في إعطاء الصيغة الاجتماعية الكاملة لمرجعية العلماء - فقد قال علیه السلام : لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم علیه السلام من العلماء الداعين إليه والدالين عليه، والذابين عن دينه بحجج الله ، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله، ولكنّهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء شيعتنا كما يمسك صاحب السفينة سكّانها ، أولئك هم الأفضلون عند الله عز وجل (2).

إنّ الأساس والمرتكز الذي تقوم عليه فكرة إرجاع الشيعة إلى الفقهاء العدول هو: أن الأجيال المسلمة تحتاج باستمرار إلى المرشد والموجّه والمفكر المُدبر كي يعطيهم تعاليم دينهم ويرتفع بهم إلى المستوى المطلوب في إيمانهم وعقيدتهم ويشرح لهم إسلامهم ويوجههم في سلوكهم إلى العدل والصلاح ورضا الله عز وجل (3). ووفقاً لذلك كان ما اتخذه الإمام العسكري علیه السلام تمهيداً للغيبة، وتأسيساً لفكرة المرجعية ونظام الوكلاء وتعيين الثقات المأمونين من شيعته لإرجاع عامة الطائفة إلى العلماء منهم إنّ هذا الإساس ، كان خطوة أولية في هذه الاتجاه.

وكان احتجابه عن الشيعة واتخاذ المراسلات والتواقيع الخارجة عنه سبيلاً آخر للتمهيد أيضاً، فقد جاء عنه علیه السلام التوثيق الصريح في العمري وابنه محمّد: بأن العمري وابنه ثقتان فما أديا إليك فعنّي يؤديان وماقالا فعنّي يقولان فاسع لهما وأطعهما؛ فإنهما الثقتان المأمونان(4).

ثم نجد أنّ الإمام العسكري علیه السلام كان يوجه القواعد الشعبية للرجوع إلى الفقهاء وتقليدهم وأخذ معالم دينهم عنهم بعد أن يذكر الصفات التي يجب أن يكونوا عليها بقوله علیه السلام : «فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر


1) وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، كتاب القضاء، ج 3، ص 424.

2) الاحتجاج، ج 2، ص 260.

3) الغيبة الصغرى، ص 219

4) الغيبة الصغرى، ص 219

مولاه فللعوام أن يقلدوه»(1).

وبهذه الخطوات أكمل الإمام العسكري علیه السلام الدور الموكل إليه في هذه المرحلة المهمة من تأريخ الرسالة الإسلامية، فقد أنشأ مدرسة علمية لها الدور الأكبر في تراث أهل البيت علیه السلام ومباديء الإسلام أوّلاً، ومن ثم كان لها الأثر الكبير في نشر فكرة الغيبة وتهيئة الذهنية العامة لتتقبلها ثانياً، كما كان لها مساهمة فعالة في توجيه شيعة الإمام علیه السلام بالرجوع إلى الفقهاء الذين هم حصن الإسلام الواقي للمسلمين من الأعداء ثالثاً.

وبعد الغيبة الكبرى ظهرت الآثار الايجابية لمدرسة الإمام العسكري علیه السلام وتعاليمه ووصاياه في التزام الشيعة وأتباع أهل البيت علیه السلام بخط المرجعية الرشيدة.

ويعد مبدأ الاجتهاد والتقليد عند الإماميّة مظهراً لواقعية هذا المذهب

في قدرته على الحفاظ على روح التشريع والرسالة الإسلامية بعد غيبة الإمام المعصوم علیه السلام وإلى اليوم الذي يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً بعد ما ملئت جوراً وظلما.

استشهاد الإمام العسكري علیه السلام

وبعد أن أدّى الإمام العسكري علیه السلام مسؤوليته بشكل كامل تجاه دينه وأمة جده صلی الله علیه واله وسلم وولده علیه السلام نعى نفسه قبل سنة ستين ومئتين، وأخذ يُهديء روع والدته قائلاً لها: لابد من وقوع أمر الله لا تجزعي... ونزلت الحادثة كما قال، والتحق بالرفيق الأعلى بعد أن اعتل علیه السلام في أول يوم من شهر ربيع الأول من ذلك العام(2). ولم تزل العلة تأخذ منه والمرض يثقل عليه حتى توفي في الثامن من ذلك الشهر، وروي أيضاً أنه قد اغتيل بالسم من قبل السلطة إذ دس السم له المعتمد العباسي الذي كان قد أزعجه


1) تفسير الإمام العسكري، ص 141.

2) الارشاد، ص 335 و مهج الدعوات، ص 274.

تعظيم الأمة للإمام العسكري وتقديمهم له على جميع الهاشميين من علويين وعباسيين فجمع رأيه على القتل، ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمد (الحجة) وكان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين حيث آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب(1).

ودفن الإمام الحسن العسكري علیه السلام إلى جانب أبيه الإمام الهادي علیه السلام (2). في سامراء، وقد ذكر أغلب المؤرّخين أنّ سنة وفاته كانت ( 260ه-) وأشاروا إلى مكان دفنه، دون إشارة لسبب وفاته(3)، بالرغم من أنه كان صحيحاً سالماً وفي عمر الشباب حيث أم يتعد عمره الثامنة والعشرين.

وروى ابن الصباغ عن أحمد بن عبيد بن خاقان أنه قال: لما اعتل (ابن الرضا) علیه السلام ، بعث (جعفر بن علي) إلى أبي: إن ابن الرضا علیه السلام قد أعتل فركب أبي من ساعته مبادراً إلى دار الخلافة : ثم رجع مستعجلاً ومعه خمسة نفر من خدم الخليفة كلّهم من ثقاته ورجال دولته وفيهم تحرير ، وأمرهم بلزوم دار الحسن بن علي وتعرف خبره وحاله، وبعث إلى نفر من المتطببين وأمرهم بالاختلاف إليه وتعاهده في الصباح والمساء، فلما كان بعدها بيومين جاءه من أخبره أنه قد ضعف فركب حتى بكر إليه، ثم أمر المتطببين بلزومه وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممّن يوثق بهم في دينهم وأمانتهم وورعهم فأحضرهم وبعث بهم إلى دار الحسن علیه السلام وأمرهم بلزوم داره ليلاً ونهاراً ، فلم يزالوا هناك حتّى توفّي لأيام مضت من شهر ربيع الأوّل من سنة ستين ومائتين(4).

ويتضح لنا من خلال متابعة تأريخ الإمام العسكري علیه السلام وموقف السلطة العباسية منه أنّ هناك محاولة للتخلّص من الإمام كانت قد دبّرت من قبل الخليفة المعتمد


1) الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيثمي، ص 314 عن وفياة الأعيان لابن خلكان.

2) المنتظم، عبدالرحمن بن علي الجوزي، ج 7، ص 126.

3) الكامل في التأريخ، ابن الأثير، ج 4، ص 454 و الطبري، ج 7، حوادث سنة 260

4) الفصول المهمة، ص 271 و كمال الدين، ج 1، ص 42.

خصوصاً إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار سلسلة الإجراءات التي اتخذتها السلطة إزاء الإمام علي الهادي علیه السلام أولاً، ومن ثم ما اتخذته من إجراءات ضد الإمام الحسن العسكري علیه السلام، ثانياً فقد قامت بسجنه عدّة مرّات فضلاً عن المراقبة المشدّدة على بيته، كما حاولت نفيه إلى الكوفة، وغيرها من الإجراءات التعسفية التي مارستها السلطة العبّاسيّة ضدّه وضدّ شيعته وضدّ العلويين، ووفقاً لذلك وبضم رواية أحمد بن عبيد بن خاقان والذي كان أبوه أحمد أبرز رجالات الدولة، يتأكد لنا أن استشهاد الإمام العسكري علیه السلام كان وراءه يد السلطة الغاصبة دون أدنى شك.

الصلاة على الإمام العسكري علیه السلام

وكان لاستشهاد الإمام العسكري علیه السلام صدى كبير في سامراء حيث عطلت الأسواق وسارع العامة والخاصة مهرعين إلى بيت الإمام علیه السلام ، ويروي أحمد بن عبيد واصفاً ذلك اليوم العظيم قائلاً: ولما رُفع خبر وفاته ، ارتجّت سرّ من رأى، وقامت ضجّة واحدة :«مات ابن الرضا(1)، وعطّلت الأسواق، وغلّقت أبواب الدكاكين وركب بنو هاشم والكتاب والقوّاد والقضاة والمعدّلون وساير الناس إلى أن حضروا جنازته فكانت سرّ من رأى شبيهاً بالقيامة»(2).

وبعدما جهز الإمام العسكري علیه السلام خرج عقيد خادمه، فنادى جعفر بن علي فقال: ياسيدي قد كُفّن أخوك ، فقم وصَلِّ عليه، فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله: يتقدمهم عثمان بن سعيد العمري وهو أحد وكلائه علیه السلام ولما دخلوا الدار فإذا بالحسن بن علي صلوات الله عليه على نعشه مكفّناً، فتقدّم جعفر بن علي ليصلّي عليه، فلما هم بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة بشعره قطط، وبأسنانه تفليج - فجذب رداء جعفر


1) كمال الدين، ج 1، ص 43.

2) الفصول المهمة، ص 271

وقال: ياعم ! أنا أحق بالصلاة على أبي فتأخّر جعفر وقد أربد وجهه واصفر، فتقدم الصبي فصلّى على أبيه علیه السلام (1).

ولما أخرج نعش الإمام العسكري علیه السلام صلّى عليه أبوعيسى بن المتوكل(2)، بأمر الخليفة المعتمد العباسي، تمويهاً على الرأي العام وتغطية على استشهاد الإمام علیه السلام ، وكأنّ السلطة ليس لها في ذلك يد، بل على العكس فقد أظهرت اهتماماً كبيراً أيام مرض الإمام علیه السلام حتى خرج كبار رجال البلاط العباسي مشيعين ولكن مثل هذه الأمور لا يمكن أن تنطلي على شيعة الإمام ومواليه، وهكذا غالبية المسلمين الذين عاصروا الأحداث المؤلمة التي واجهها الإمام علیه السلام من قبل السلطة من سجن وتضييق.

أولاد الإمام الحسن العسكري علیه السلام

إن المشهور بين الشيعة الإمامية، أنّ الإمام العسكري علیه السلام لم يكن له من الولد سوئ الإمام محمّد المهدي المنتظر علیه السلام ، ويدل عليه ما أشار إليه الشيخ المفيد (3)رضی الله عنه حيث قال: أما الحسن بن علي العسكري علیه السلام فلم يكن له ولد سوى صاحب الزمان عليه الصلاة والسلام ولم يخلّف ولداً غيره ظاهراً أو باطناً (4)، كما ذهب إلى ذلك ابن شهر آشوب حيث قال: وولده القائم لاغيره(5)، وأصحاب المصادر التأريخية، كالطبري (6)والمسعودي(7)وغيرهما لم يشيروا إلى غير الإمام المنتظر علیه السلام .


1) كمال الدين، ج 2، ص 475.

2) بحار الأنوار، ج 50، ص 328.

3) الإرشاد، ص 346

4) تاج المواليد، ص 135.

5) مناقب ابن شهر آشوب، ج 4، ص 421.

6) تاريخ الطبري، ج 7، ص 519.

7) تأريخ المسعودي، ج 4، ص 110.

على أن بعض الروايات تشير إلى وجود أولاد غير القائم علیه السلام وتذهب إلى أنّ له أربعة أولاد : هم موسى وفاطمة وعائشة سوى القائم علیه السلام ، وليس هناك ما يدعم هذا القول ، والقرائن التأريخيّة تعضد القول الأوّل أي أنّه لم يكن له ولد عدا المهدي المنتظر علیه السلام وهو الذي ولد في النصف من شعبان سنة 255 ه-.

الخاصه

إن أحد الأهداف الأساسية في منهج أهل البيت علیه السلام هو إنشاء جماعة صالحة تمثل خطهم الفكري والعقائدي والأخلاقي، فكان الإمام العسكري علیه السلام امتداداً لآبائه وأجداده علیه السلام في هذا النشاط والتحرك، فقد أعد جماعة من الثقات رواة وفقهاء ، تمثلت فيهم مدرسة علمية واصلت مسيرة الإمام علیه السلام بعد رحيله علیه السلام ، ممهدة وعاملة لاحياء مدرسة ومذهب أهل البيت، وقد تبلور هذا التحرّك الشريف في قيادة الفقهاء للأمة في عصر الغيبة الكبرى حيث أرجع الإمام المهدي علیه السلام في أحد التواقيع المباركة له الجماعة الصالحة إلى الفقهاء الذين يمثلون خطه وخط آبائه علیه السلام . فمن هنا نجد التحام الجماعة الصالحة بالعلماء وفقهاء أهل البيت على امتداد التأريخ، وإنّ الاضطراب الذي حصل عند استشهاد الإمام علیه السلام في سامراء يعكس لنا المنزلة الاجتماعية الكبيرة التي كان يتمتع بها الإمام علیه السلام في وقته عند أهالي سامراء وغيرهم لما عرف عنه من التقوى والورع والزهد والتحامه بالناس وتفاعله معهم في حل قضاياهم وماكانوا يعانونه من الظروف القاسية التي كانت تكتنف المجتمع الإسلامي آنذاك.

الأسئلة

1 . ما هو دور الإمام علیه السلام في إكمال دور آبائه علیه السلام في إنشاء مدرسة تحمل مفاهيم أهل البيت علیه السلام ومبادئهم .

2 . كيف تم إرجاع الجماعة الصالحة في عصر الغيبة الكبرى إلى الفقهاء؟

3 . ما هو الأساس في إرجاع الشيعة إلى العلماء؟

4 . متى استشهد الإمام العسكري علیه السلام وكيف؟

5 . لماذا ظهر الإمام المهدي علیه السلام للصلاة على والده علیه السلام؟