تاریخ الاسلام المجلد 2

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

تاریخ الإسلام

جميعُ الحقوق مَحفوظَة

الطَّبعة الأولى

1432 ه / 2011م

الأمیرة

للطباعة والنشير و التوزيع

بيروت - لبنات

اشارة

جميعُ الحقوق مَحفوظَة

الطَّبعة الأولى

1432 ه / 2011م

الأمیرة

للطباعة والنشير و التوزيع

بيروت - لبنات

هاتف: 03/946161 - 03/115425 - تلفاكس: 1/271988

http://www.Dar-Alamira.com

e-mail: zakariachahbour@hotmail.com

محرر الرقمي: روح الله شيراني

تاریخ الاسلام

لجنة التاريخ

المنظّمة العَالميّة للحوزات وَالمدارس الإسلاميّة

• قم -

الجزء الثّاني

الأمیرة

للطباعة والنّشر والتوزيع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كلمة المنظمة

لقد أرسى الإسلام العظيم أُُسس ثورته الثقافيّة العملاقة على قواعد علميّة تضمّنها القرآن الكريم و طبّقها الرسول العظيم و أهل بيته الميامين، و ذلك من خلال تربية علماء صلحاء يفقهون الشريعة و يعملون بها و لا يألون جُهداً في تبليغها و تعليمها من يرونه مستعداً لحمل هذا العبء الرسالي العظيم.

و بالرغم من كلّ الضغوط و أنواع الاضطهاد الّذي مارسه الحكّام الطغاة و المستعمرون في حقّ الحوزات العلميّة لقلعها أو تحجيمها أو حرفها عن مسيرتها الربّانيّة الحقّة، استطاعت أن تصمد أمام كلّ هذه الأعاصير الصفراء متّجهة نحو الرقيّ والكمال مستجيبة لحاجات العصور على مدى الأجيال، و مجيبة على الأسئلة والشبهات المثارة من قبل الأعداء أو الأصدقاء. كلّ ذلك لما كانت تمتلكه من مرونة و انفتاح و قدرة فائقة على النموّ و الإبداع.

و الخصائص الّتي تمتاز بها الحوزات العلمية المتطورّة تتجلّى اليوم في ما يلي:

1.

اهتمام الحوزات العلميّة بجميع روافد المعرفة و الثقافة الإسلاميّة، و التحقيق المستمرّ و العمل العلمي الدؤوب في مختلف فروع المعرفة الإسلامية.

2.

الإبداع و التجديد المستمرّ في أساليب التدريس و تدوين الكتب الدراسيّة الّتي تتطلّبها حاجات العصر بنحو يحقّق التطوّر العلمي باستمرار و ينمّي قوة الإبداع إلى جانب تعميق المفاهيم و حفظ الأصالة و الارتباط التامّ بالتراث الإسلامي العريق.

3.

الانفتاح على معضلات العصر و قضاياه و التصدّي لكلّ الشبهات المستحدثة و

الإجابة على الأسئلة التي تتولّد باستمرار بنحو يوفّر للحوزات العلميّة عنصر مسايرة الزمن أو التقدّم عليه على أسس قرآنيّة علميّة و مبان عقليّة قويمة.

و من هنا تبنّت المنظّمة العالميّة للحوزات و المدارس الإسلاميّة المنهج العلمي المتطوّر في نظامها الدراسي و أساليب التدريس و تدوين الكتب الدراسيّة في مختلف فروع المعرفة الإسلاميّة مستفيدة من الجهود العلميّة الجبّارة للعلماء و المحقّقين و المؤلّفين الّذين انتدبتهم لتحقيق هذه الأهداف السامية.

و قد روعيت في الكتب التي تبنّت المنظّمة تأليفها أو تدوينها ما يلي:

1.

مراعاة الأهداف المتوخّاة في كلّ درسٍ من خلال الالتزام بالمنهج المقرّر لكلّ مادّة دراسيّة.

2.

مراعاة المستوى العلمي للطلبة في كلّ مرحلة من المراحل الدراسية.

3.

مراعاة الانسجام فيما بين الكتب الدراسيّة لكلّ مرحلة دراسيّة مع الاجتناب عن ملل الإطناب و خلل التكرار.

4.

مراعاة أصول التدوين الدراسي.

إنّ هذا الكتاب تأريخ الإسلام (2) يشكّل مفردة من هذه المنظومة الدراسيّة الّتي قرّرتها المنظّمة للمرحلة العامّة و من هنا نتقدّم بالشّكر لسماحة حجّة الإسلام والمسلمين السيّد منذر الحكيم الذي تصدّى لتأليف هذا الكتاب و لجميع من ساهم في إخراجه سائلين من الباري لهم و لجميع المؤمنين التوفيق.

لجنة التأريخ

وحدة تأليف الكتب الدراسيّة

1421ه- . ق

الفهرست

الدرس (1)

عصر الإمام الحسن المجتبى علیه السلام 23

نصّ الرسول الأعظم صلّی الله عليه و آله و سلّم على إمامة سبطه الحسن علیه السلام 23

أمير المؤمنين علیه السلام يؤكّد إمامة العترة الطاهرة 24

توجيه الأنظار إلى إمامة الحسن علیه السلام 25

عهد أميرالمؤمنين علیه السلام بالإمامة لابنه الحسن علیه السلام 25

وصايا أميرالمؤمنين للإمام الحسن علیه السلام 26

البيعة للإمام الحسن علیه السلام بالخلافة 27

اعتراف معاصريه بمؤهّلاته 27

خصائصه القياديّة 28

الدرس (2)

ملامح عصر الإمام الحسن علیه السلام (1) 33

مرحلة ما قبل الصلح 33

التخطيط للمرحلة القادمة 33

دعوته معاوية للبيعة والطاعة 34

حركة معاوية العسكريّة باتّجاه العراق 35

حركة الإمام الحسن علیه السلام الردّ العدوان 36

مؤامرات معاوية 37

توالي الخيانات في جيش الإمام علیه السلام 38

توالي الإشاعات والحرب النفسيّة 38

مراسلة معاوية للإمام علیه السلام ودعوته لتسليم الأمر إليه 39

الدرس (3)

ملامح عصر الإمام الحسن علیه السلام (2) 43

ظروف الصلح البعيدة والقريبة 43

ظروف الحكم الأموي 43

شخصيّة معاوية 45

ظروف الحكم العلوي 45

ظروف وأوضاع جيش الإمام الحسن علیه السلام 47

شخصيّة الإمام الحسن علیه السلام 48

الدرس (4)

متطلّبات عصر الإمام الحسن علیه السلام (1) 52

أسباب وعوامل الصلح 52

أسباب عدم اختيار موقف التضحية 52

شروط الإمام علیه السلام ووعود معاوية 54

الدور الإيجابي للوعود والشروط 56

الإمام الحسن علیه السلام والمبادرة إلى الصلح 57

الدرس (5)

متطلبات عصر الإمام الحسن علیه السلام (2) 61

الصلح ومراعاة المصلحة الإسلاميّة 61

1.

شرعيّة الموقف والقرار 61

2.

الظروف 61

3.

المصلحة الإسلاميّة 62

المصلحة العامّة للمسلمين 62

1.

حقن دماء أفراد الجماعة الصالحة 65

2.

استمرار الدعوة من قبل الجماعة الصالحة 66

3.

إعادة بناء الجماعة الصالحة 67

الدرس (6)

نتائج الصلح وآثاره 71

انكشاف حقيقة معاوية والحكم الأموي 71

انكشاف انحراف معاوية وعدم وفائه بالشروط 72

خصائص معاوية الإرهابيّة 73

معارضة حرّيّة الجماعة الصالحة 73

رقابة الإمام الحسن علیه السلام لتصرّفات معاوية 74

حرّيّة التحرّك والعمل الرسالي 75

توسّع القاعدة الشعبيّة لأهل البيت علیهم السلام 77

الدرس (7)

الإمام الحسن علیه السلام بعد الصلح حتّى الشهادة 81

الاجتماع في الكوفة 81

عدم الاعتراف بشرعيّة أوامر معاوية 82

رفض مصاهرة الأمويّين وتبيان حقيقة الصراع بينهما 83

فضح النظام الأموي في مركز قوّته 83

استقبال المعارضين 84

الإعداد الفكري والسلوكي للجماعة الصالحة 85

مدرسة الإمام ونشاطه العلمي 86

غدر معاوية اغتيال الإمام الحسن علیه السلام 87

وصايا الإمام علیه السلام 88

الدرس (8)

ملامح عصر الإمام الحسين علیه السلام 91

منهج معاوية لهدم الإسلام 91

الدرس (9)

منهج الإمام الحسين علیه السلام بعد استشهاد الإمام الحسن علیهما السلام 100

1.

مواجهة معاوية وبيعة يزيد 100

2.

محاولة جمع كلمة الأمّة والاستجابة لحركة الجماهير 102

3.

فضح جرائم معاوية 103

4.

استعادة حقّ مضيّع 104

ه. تذكير الأمّة بمسؤوليّته 106

الدرسان (10) و (11)

هجرة الإمام الحسين علیه السلام إلى مكّة المكرمة 110

دخول الإمام الحسين علیه اسلام مكّة المكرّمة 114

دعوة أهل الكوفة والإعلان عن الاستعداد للبيعة 114

رسول الحسين علیه السلام إلى الكوفة 115

المستشار المسيحي ليزيد 117

كتاب الحسين علیه السلام إلى أهل البصرة 117

الكوفة قبل ورود الحسين علیه السلام إليها 118

موقف زعماء البصرة من دعوة الحسين علیه السلام 118

ابن زياد يتدارك الوضع في الكوفة 120

مسلم يأبى اغتيال ابن زیاد 120

ابن زياد يكتشف مخبأ مسلم وأصحابه 120

ابن زياد يعتقل هانياً 121

خروج مسلم في الكوفة 122

مسلم يتحدّى كبرياء ابن زياد 126

الدرسان (12) و (13)

حركة الإمام الحسين علیه السلام من مكّة إلى العراق 130

ملاحقة السلطة للإمام الحسين علیه السلام 132

كتاب الأمان من أمير المدينة 134

الإمام علیه السلام يخبر أهل الكوفة بتوجّهه إليهم 134

اعتقال رسول الحسين علیه السلام و قتله 135

التحاق زهير بن القين بركب الإمام علیه السلام 136

في الثعلبية 137

نبأ مقتل مسلم و هاني 138

رسول الحسين علیه السلام يتحدّى ابن زياد 139

تفرّق الناس عن الحسين علیه السلام 139

الإمام الحسين علیه السلام يلتقي بالحرّ 141

کرم و مروءة 141

الإمام الحسين علیه السلام يصلّي بالحرّ وأصحابه 142

الحرّ يمنع الإمام الحسين علیه السلام من الانصراف 143

التحاق أنصار الحسين علیه السلام بإمامهم 144

الدرس (14)

موكب الإمام الحسين علیه السلام في كربلاء 147

أرض الميعاد 148

هذا موضع كربٍ و بلاء 149

انطلاق عمر بن سعد لقتال الحسين علیه السلام 150

حرمانُ الحسين علیه السلام و أصحابه من الماء 153

أحداث ليلة عاشوراء 154

المفاوضات بين الحسين علیه السلام وابن سعد 154

ليلة عاشوراء 156

الدرس (15)

الإمام الحسين علیه السلام في صبيحة عاشوراء 163

الاستعداد للقتال 163

الخطبة الأولى 164

كرامة و هداية 167

خطبة زهير بن القين 168

خُطبة بُرير بن خضير 170

خُطبة الحسين علیه السلام الثانية 171

توبةُ الحرّ بن يزيد الرياحيّ 174

نصيحةُ الحُرِّ لأهلِ الكوفة 176

الدرسان (16) و (17)

بطولة أصحاب الحسين علیه السلام واستشهادهم 179

الحملة الأولى 179

مبارزة الاثنين والأربعة 180

عَزْرَة يستمدُّ الرجال 184

أبو الشعثاء 185

حبيبُ بن مظاهرٍ الأسدي 186

الحُرُّ الرياحي 186

أداء الصلاة 187

عَقيرُ الخيلُ 188

أبو ثُمامة الصائدي 189

زُهير وابن مُضارب 189

عَمرو بن قَرَظَةَ الأنصاري 190

نافع الجملي 190

واضحُ وأسلمُ 191

بُریر بن خضير 191

حنظلة الشبامي 192

عابس بن شبیب 193

جَوْن مولى أبي ذرّ 194

أَنَسُ الكاهلي 194

عَمْرو بنُ جُنادة 194

الحجّاج الجُعفي 195

سَوّار الفهمي 195

سُويد بن عمرو 196

الدرسان (18) و (19)

جهاد بني هاشم واستشهادهم 199

شِبل الحسين الأكبر علیهما السلام 199

عبدُالله بن مسلم بن عقیل 202

حملة آل أبي طالب 202

القاسم بن الحسن المجتبى علیه السلام 203

أُخوة العبّاس 204

العبّاس بن أمير المؤمنين علیهما السلام 204

مقتل عبدالله الرضيع 208

الحسين السبط يودّع عياله 210

مقتل محمّد بن أبي سعيد بن عقيل 213

مقتلُ عبدالله بن الحسن علیهما السلام 213

دعاءُ الحسين علیه السلام في لحظاته الأخيرة 215

الدرس (20)

الثورة الحسينية (1) 219

العوامل والأهداف 219

1.

لماذا وقّت الإمام الحسين علیه السلام ثورته بموت معاوية؟ 219

2.

ما هي الدوافع الحقيقية للثورة الحسينيّة؟ 220

3.

ولماذا لم يكتف الإمام بالموعظة أو المقاطعة للسلطة؟ 220

الدرس (21)

الثورة الحسينية (2) 229

المقوّمات، الخصائص، النتائج 229

المقوّمات والخصائص 229

نتائج الثورة الحسينيّة 234

الدرس (22)

النصّ على إمامة علي بن الحسين زين العابدين علیه السلام 238

الإمام علي بن الحسين علیه السلام بعد استشهاد أبيه 239

الإمام علیه السلام و ودائع الرسالة في الشام 241

الإمام السجاد علیه السلام يتحدّى يزيد الطاغية 243

الدرس (23)

الإمام زين العابدين علیه السلام في مدينة الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم 250

ردود فعل الثورة الحسينيّة 250

الإمام زين العابدين علیه السلام يتّخذ بيتاً في البادية 252

ثورة أهل المدينة 253

الإمام زين العابدين علیه السلام و ثورة أهل المدينة 256

انهيار الحكم السفياني وانشقاق البيت الأُموي 257

ثورة التوّابين 258

ثورة المختار 259

الدرس (24)

ملامح عصر الإمام زين العابدين علیه السلام 262

أسس وعناصر قوّة الحضارة الإسلامية 262

محنة انحراف الحكّام 265

عوامل انهيار الحكم الأموي 266

عوامل استمرار الحكم الأموي 268

الدرس (25)

ملامح التخطيط في سيرة الإمام زين العابدين علیه السلام 275

المرحليّة والتدرّج في العلاج 276

معالم المرحلة الأولى 277

معالم المرحلة الثانية 277

متطلّبات المرحلة الثانية 279

أهل البيت والدولة الإسلاميّة 281

أهل البيت علیهم السلام و الحكّام المنحرفون 282

الإمام زين العابدين و المسخ الثقافي و الأخلاقي 283

الإمام زين العابدين علیه السلام والجماعة الصالحة 284

الدرس (26)

متطلّبات عصر الإمام زين العابدين علیه السلام (1) 288

1.

ظاهرة الزهد 288

2.

ظاهرة العبادة 290

3.

ظاهرة الدعاء 292

4.

ظاهرة البكاء على سيّد الشهداء علیه السلام 295

ه. ظاهرة الإعتاق 297

الدرس (27)

متطلّبات عصر الإمام زين العابدين علیه السلام (2) 301

6.

ظاهرة الإنفاق 301

7.

مدرسة الإمام زين العابدين علیه السلام 303

استشهاد الإمام علیه السلام 309

الدرس (28)

ملامح عصر الإمام محمد الباقر علیه السلام 313

مظاهر الانحراف في عصر الإمام علیه السلام 314

أولاً: الانحراف الفكري والعقائدي 314

ثانياً: الانحراف السياسي 315

ثالثاً: الانحراف الاجتماعي والأخلاقي 318

رابعاً: الانهيار الاقتصادي 319

الدرس (29)

متطلّبات عصر الإمام محمد الباقر علیه السلام (1) 324

محور النشاط العام 324

الإصلاح الفكري والعقائدي 324

الإصلاح السياسي 328

الدرس ( 30)

متطلّبات عصر الإمام محمّد الباقر علیه السلام (2) 336

الإصلاح الاجتماعي من خلال التغيير الأخلاقي 336

توظيف السُنّة النبويّة الشريفة لإيجاد التغيير 336

الدعوة إلى اكتساب مكارم الأخلاق 338

الإصلاح الاقتصادي 339

الدعوة إلى التعالي على الحرص والطمع 340

التحذير من الاعتداء على أموال الآخرين 341

الدعوة إلى الإنفاق الواجب 341

الدعوة إلى الإنفاق الاستحبابي 342

بناء الجماعة الصالحة 343

الدرس (31)

أسس بناء الجماعة الصالحة (1) 348

الأهداف العامّة للجماعة الصالحة 348

أهمّ خصائص الجماعة الصالحة 352

الأسس العامّة في بناء الجماعة الصالحة (1) 354

أسس العقيدة السليمة 354

الدرس (32)

أسس بناء الجماعة الصالحة (2) 358

أسس التربية الصحيحة 358

مقوّمات التزكيه المطلوبة عند الإمام علیه السلام 359

منهج التزكية المطلوبة عند الإمام علیه السلام 361

الدرس (33)

أسس بناء الجماعة الصالحة (3) 369

أسس التثقيف والتربية العلميّة 369

التعليم والمنهج التثقيفي عند الإمام الباقر علیه السلام 370

أسس بناء الجماعة الصالحة (4) 376

إحياء الروح الثوريّة 376

الدرس (34)

ملامح عصر الإمام الصادق علیه السلام (114 - 132 ه-) 381

الحالة السياسيّة في عصر الإمام الصادق علیه السلام 383

الدرسان (35) و (36)

متطلبّات عصر الإمام الصادق علیه السلام (1) 393

النشاط الفكري والعقائدي للإمام الصادق علیه السلام 394

مواجهة تيّار الإلحاد والغلوّ 396

مواجهة أصحاب الشرايع 400

مواجهة تيّار الخوارج والمعتزلة 401

مواجهة تيّار القياس والرأي 406

مواجهة تيّار التصوّف 410

للمطالعة 411

الدرس (37)

متطلّبات عصر الإمام الصادق علیه السلام (2) 419

الإمام الصادق علیه السلام وبناء جامعة أهل البيت علیهم السلام 419

مميّزات جامعة الإمام الصادق علیه السلام 419

النشاط السياسي للإمام الصادق علیه السلام 424

الدرس (38)

متطلّبات عصر الإمام الصادق علیه السلام (3) 430

النظام العام للجماعة الصالحة (تكامل البناء والتأصيل) 430

1.

الهويّة ومشخّصاتها 431

2.

المرجعيّة الدينيّة (الفكريّة والسياسيّة) 433

3.

العلاقات في نظام الجماعة الصالحة 434

4.

الاتّجاه السياسي للجماعة الصالحة 435

ه. النظام الأمني للجماعة الصالحة 437

أ . التقيّة 438

ب . كتمان الأسرار 439

ج . التوازن في العلاقة مع الحكّام 439

6.

النشاط الاقتصادي للجماعة الصالحة 440

7.

نظام العلاقات الاجتماعيّة والعبادات الإلهيّة 441

الدرس (39)

المستجدّات السياسيّة ونشأة الحكم العبّاسي 444

الحركة العبّاسيّة (النشأة والأساليب) 446

الدرس ( 40)

الإمام الصادق علیه السلام والحكم العبّاسي 453

1.

موقف الإمام علیه السلام من عرض أبي سلمة الخلّال 454

2.

موقف الإمام الصادق علیه السلام من العلويّين 455

3.

موقف الإمام علیه السلام من عرض أبي مسلم الخراساني 456

الإمام الصادق و ضرورة الثورة 458

الإمام الصادق علیه السلام في الكوفة 459

الدرس (41)

موقف المنصور من الإمام الصادق علیه السلام 462

ثورة محمّد بن عبدالله ذي النفس الزكيّة 467

موقف الإمام علیه السلام من الثورة 468

الدرس (42)

العقد الأخير من حياة الإمام الصادق علیه السلام 471

محاصرة الإمام علیه السلام الشاملة 476

استشهاد الإمام الصادق علیه السلام 477

الدرس 1: عصر الإمام الحسن المجتبى علیه السلام

نصّ الرسول الأعظم صلّی الله علیه و آله على إمامة سبطه الحسن علیه السلام

الإمامة بعد رسول الله صلّی الله علیه و آله تُعيّنُ بالنصّ، ولا تُترَك لاختيار الأمّة، فهي عهد من الله لرسوله، ومنه صلّی الله علیه و آله إلى مَن بعده، ويستمرّ العهد الإلهي متنقّلاً من إمام إلى إمام يليه، حتّى يصل إلى آخر الأئمّة وهو المهديّ المنتظر (عج).

فقد نصّ رسول الله صلّی الله علیه و آله على إمامة اثني عشر رجلاً من قريش(1)، ثم خصّص العموم ببني هاشم،(2)ثمّ ضيّق دائرته وحصرها في العترة الطاهرة.(3)

ووردت روايات عديدة عن رسول الله صلّی الله علیه و آله ذكر فيها إمامة أمير المؤمنين علیه السلام ثمّ إمامة ابنه الحسن ومن بعده إمامه الحسين ومنها:

قوله صلّی الله علیه و آله : (يا عليّ أنا وأنت وابناك الحسن والحسين، و تسعة من ولد الحسين أركان الدين ودعائم الإسلام، مَنْ تبعنا نجا، ومن تخلّف عنّا فإلى النار).(4)


1) مسند أحمد بن حنبل، ج 6، ص 92 إلى 124؛ صحيح مسلم، ج 3، ص 1452؛ سنن أبي داود، ج 4، ص 106؛ سنن الترمذي. ج 4، ص 501.

2) مودّة القربى، ص 445؛ ينابيع المودّة، ج 1، ص 308؛ إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل، ج 13، ص 30.

3) كفاية الأثر في النصّ على الأئمة الإثني عشر، ص 89؛ ينابيع المودّة، ج 2، ص 534.

4) أمالي المفيد، ص 217.

و قال صلّی الله علیه و آله للإمام الحسين علیه السلام: (أنت إمام ابن إمام أخو إمام ...)(1).

وقال صلّی الله علیه و آله محدداً أوصياءه: (أوّلهم أخي و وزيري و وارثي وخليفتي في أمّتي، ووليّ كلّ مؤمن بعدي... ثمّ ابني الحسن... واحداً بعد واحد حتّى يردوا عليّ الحوض، هم شهداء الله في أرضه وحجّته على خلقه، وخزّان علمه، ومعادن حكمته من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم عصى الله).(2)

أميرالمؤمنين علیه السلام يؤكد إمامة العترة الطاهرة

حينما تصدّى أمير المؤمنين علیه السلام للقيادة وأصبح على رأس السلطة في الدولة الإسلاميّة؛ كثر أنصار أهل البيت علیهم السلام وقاموا بنشر أحاديث رسول الله صلّی الله علیه و آله عن إمامة أهل البيت علیهم السلام، كان أمير المؤمنين علیه السلام يؤكّد هذه الحقيقة ويوجّه الأنظار إلى خطّ الإمامة الحقّة، ومما قاله في ذلك: وكيف تَعمَهون وبينكم عترة نبيّكم؟ وهم أزمّة الحقّ، وأعلام الدين، وألسنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن، ورِدُوهم ورودَ الهيم العطاش)(3).

وقال علیه السلام: (انظروا أهل بيت نبيّكم، فالزموا سمتهم، واتّبعوا أثرهم، فلن يخرجوكم من هدىً، ولن يعيدوكم في ردىً، فإن لبدوا فالبدوا، وإن نهضوا فانهضوا، ولا تسبقوهم فتضلّوا، ولا تتأخّروا عنهم فتهلكوا)(4).

وقال علیه السلام: (ألا إنّ مثل آل محمّدٍ صلّی الله علیه و آله كمثل نجوم السماء، إذا هوى نجم طلع نجم، فكأنّكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع)(5).


1) الخصال، ص 475؛ جامع الأخبار، ص 62.

2) فرائد السمطين، ج 1، ص 318.

3) نهج البلاغة، ص 119، الخطبة 87.

4) نهج البلاغة، ص 143، باب كلامه 97.

5) نهج البلاغة، ص 146، الخطبة 100.

وقال علیه السلام: (لا يقاس بآل محمد صلّی الله علیه و آله من هذه الأمّة أحد، ولا يسوّى بهم مَن جرت نعمتهم عليه أبداً؛ هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة)(1).

توجيه الأنظار إلى إمامة الحسن علیه السلام

كان أمير المؤمنين علیه السلام يوجّه الأنظار إلى إمامة ولده الحسن علیه السلام ومقامه السامي وخصائصه وكفاءته، فقد كان علیه السلام يسأله عن المسائل المختلفة أمام مرأى ومسمع الملأ من أصحابه، فقد تركّزت أسئلته على: الزهد والسداد، والشرف، والنجدة، المجد، المروءة، والكرم، الإخاء، الجبن، المنعة(2)وكان الإمام علیه السلام يجيب عليها بأجوبةٍ مختصرة شافية.

وبعث ملك الروم إلى معاوية من يسأله عن مسائل، فعجز معاوية وبعث رجلاً متنكّراً ليسأل أمير المؤمنين علیه السلام، فاعترف الرجل بحاله فقال له علیه السلام: هذان ابنا رسول الله صلّی الله علیه و آله فسل أيّهما أحببت، فسأل الشامي الإمام الحسن علیه السلام فأجابه عن تلك المسائل(3).

وكان علیه السلام يكلِّف الإمام الحسن علیه السلام بالمهام الصعبة، ويبعثه لحلّ الأزمات، ويُشركه في المواقف الحرجة فقد بعثه إلى أهل الكوفة لعزل الأشعري، وأمره بإجابة عبدالله بن الزبير في الجمل، وأمره بنقض حكم الحَكَمينِ لمخالفتهما القرآن.

عهد أمير المؤمنين علیه السلام بالإمامة لابنه الحسن علیه السلام

في اليومين الأخيرين من حياة أمير المؤمنين علیه السلام - وبعد أن ضربه ابن ملجم -


1) شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 138، 139.

2) تحف العقول، ص 158.

3) تحف العقول، ص 162.

أدنى ابنه الحسن علیه السلام وأوصى إليه قائلاً: (يا بنيّ! إنّه أمرني رسول الله صلّی الله علیه و آله أن أوصي إليك، وأدفع إليك كتبي وسلاحي، كما أوصى إليّ ودفع إليّ كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين...)(1).

وفي ليلة استشهاده علیه السلام دعا إليه ولديه الحسن والحسين، وقال لهما: (إنّي مقبوض في ليلتي هذه، فاسمعا قولي، وأنت يا حسن وصيّي والقائم بالأمر من بعدي، وأنت يا حسين شريكه في الوصيّة، فاصمت وكن لأمره تابعاً ما بقي، فإذا خرج من الدنيا فأنت الناطق من بعده، والقائم بالأمر عنه، وكتب له كتاباً بذلك نقله جمهور المؤرّخين(2).

وصايا أمير المؤمنين للإمام الحسن علیهما السلام

انطلاقاً من استخلاف الإمام الحسن علیه السلام لأبيه؛ قام علیه السلام بإيصائه بوصايا عديدة، فعند انصرافه من صفّين أوصاه بتقوى الله، وإحياء القلب بالموعظة، والنظر في أحوال الماضين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واللجوء إلى الله تعالى في جميع الأمور.

وأوصاه بالإيثار، وذمّ الإعجاب بالنفس، والصبر على المكاره والشدائد.

وأوصاه بدوام العلاقة مع الله عن طريق المداومة على الدعاء، وذكر الموت.

وكانت آخر وصيّة له بالخصوص قوله: (أُوصيك، أي بنيّ، بتقوى الله، وإقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلّها، وحسن الوضوء... وأوصيك بغفر الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عن الجاهل والتفقّه في الدين، والتثبت في الأمر، والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش)(3).


1) إعلام الورى بأعلام الهدى، ص 207.

2) إثبات الهداة، ج 2، ص 553.

3) نهج البلاغة، ص 391 و ما بعدها.

البيعة للإمام الحسن علیه السلام بالخلافة

بعد استشهاد أمير المؤمنين علیه السلام و بعد دفنه قام الإمام الحسن علیه السلام خطيباً فقال: (قد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون، ولا يدركه الآخرون بعمل، لقد كان يجاهد مع رسول الله صلّی الله علیه و آله فيسبقه بنفسه، ولقد كان يوجّهه برايته، فيكنفه جبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتّى يفتح الله عليه، ولقد توفّي في الليلة الّتي عرج فيها بعيسى بن مريم، والّتي توفّي فيها يوشع بن نون، وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلّا سبعمائة درهم من عطائه).

ثم خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه ثمّ قال: (أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمّد رسول صلّی الله علیه و آله، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير، أنا من أهل البيت الّذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيرا، والّذين افترض الله مودّتهم في كتابه...).

ثمّ قام عبدالله بن العبّاس بين يديه؛ فدعا الناس إلى بيعته، فاستجابوا، وقالوا: ما أحبّه إلينا وأحقه بالخلافة فبايعوه(1).

وكان عدد المبايعين له أكثر من أربعين ألفاً، كانوا قد بايعوا أباء على الموت.(2)

وبقي نحو سبعة أشهر خليفةً بالعراق، وما وراءه من خراسان والحجاز واليمن.(3)

اعتراف معاصريه بمؤهّلاته

اعترف المعاصرون للإمام الحسن علیه السلام بمؤهّلاته وفضائله الّتي تؤكّد استحقاقه للخلافة - إضافة إلى النصّ والبيعة - وقد جاء هذا الإعتراف من قبل شخصيّات مخالفة لأهل البيت علیهم السلام بشكل عام.


1) الكامل في التأريخ، ج 3، ص 170.

2) شرح نهج البلاغة، ج 16، ص 30، 31.

3) أُسد الغابة، ج 1، ص 491.

قال عبدالله بن الزبير: والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن عليّ.(1)

وقال واصل بن عطاء: كان الحسن بن عليّ عليه سيماء الأنبياء وبهاء الملوك.(2)

وقال معاوية لابنه يزيد: إنّ الحق حقّهم.(3)

وقال عنه مروان بن الحكم: أحلم من هذا - وأشار إلى الجبل-(4)

وكتب إليه الحسن البصري: أمّا بعد: فإنّكم معشر بني هاشم الفلك الجارية، واللجج الغامرة، والأعلام النيّرة الشاهرة، أو كسفينة نوح علیه السلام، الّتي نزلها المؤمنون، ونجا فيها المسلمون.(5)

خصائصه القياديّة

كان الإمام الحسن علیه السلام يتمتّع بخصائص ذاتيّة تعبّر عن استحقاقه للخلافة، وانطباق شروطها عليه، فقد كان عاقلاً حليماً محبّاً للخير فصيحاً، من أحسن الناس منطقاً وبديهةً، وكان معاوية يوصي أصحابه باجتناب محاورته.(6)

وكان يُبْسَطُ له على باب داره، فإذا خرج وجلس انقطع الطريق، فما مرّ أحد من الناس إلّا وقف إجلالاً له.(7)

وكان معاوية يخشاه ويتخوّف من عودة الخلافة إليه لتمتّعه بخصائص لا يتّصف بها غیره(8)لذا كبّر عند موته علیه السلام وقال: والله ما كبّرت شماتة لموته، ولكن استراح قلبي


1) أُُسد الغابة، ج 1، ص 491.

2) تأریخ ابن کثیر، ج 8، ص 37.

3) أئمّتنا، ج 1، ص 168.

4) تحف العقول، ص 166.

5) الأعلام للزركلي، ج 1، ص 230.

6) بحار الأنوار، ج 43، ص 338.

7) ربيع الأبرار، ج 4. ص 209.

8) وفيات الأعيان، ج 2، ص 69.

وصفت لي الخلافة.(1)

وكان أعلم الناس بعد أبيه علیهما السلام في جميع العلوم، وكان ذا معرفة تامّة بالأحداث والمواقف الآتية والمستقبلية.

وكان دائم الإرتباط بالله تعالى وأكثر الناس خشيةً منه، فإذا فرغ من الوضوء تغيّر لونه، فقيل له في ذلك، فقال: حقّ على من أراد أن يدخل على ذي العرش أن يتغيّر لونه.(2)

وحجَّ بيت الله الحرام عشرين مرّةً ماشياً على قدميه وقيل خمساً وعشرين حجّة.(3)

وامتاز بالكرم وإشباع حاجات الناس، فقد سمع إلى جنبه رجلاً يسأل الله تعالى أن يرزقه عشرة آلاف دينار، فانصرف إلى منزله فبعث بها إليه.(4)

وامتاز بالزهد وهو القائل(5):

لكسرة من خسيس الخبز تشبعني***وشربةٌ من قراح الماء تكفيني

وطمرةٌ من رقيق الثوب تسترني***حيّاً وإن متّ تكفيني لتكفيني

وكان متّصفاً بالحلم إلى أقصى حدوده، وكان يقابل الإساءة بالإحسان، فقد جاء رجل من أهل الشام يبغض أمير المؤمنين علیه السلام فسبّه وسبّ أباه، فقال له الإمام علیه السلام : أحسبك غريباً... فإن احتجت إلى منزل أنزلناك، أو إلى مال آسيناك، أو إلى حاجة عاونّاك.(6)

وكان شجاعاً لا يخشى إلّا الله تعالى، فقد خطب بعد الصلح ومعاوية حاضر قائلاً: ... وأيمُ اللهِ لا ترى أُمّة محمّد خفظاً ما كانت سادتهم وقادتهم في بني أميّة، ولقد وجّه


1) مختصر تاریخ دمشق، ج 7، ص 23.

2) مختصر تاریخ دمشق، ج 7، ص 25.

3) أعيان الشيعة، ج 1، ص 578.

4) وفيات الأعيان، ج 2، ص 67.

5) شرح نهج البلاغة، ج 16، ص 28.

6) ربيع الأبرار، ج 2، ص 837.

الله إليكم فتنة لن تصدروا عنها حتّى تهلكوا، لطاعتكم طواغيتكم.(1)

وقال لمعاوية: إنّ الخلافة لمن سار بسيرة رسول الله صلّی الله علیه و آله ... وليست الخلافة لمر عمل بالجور وعطّل الحدود.(2)

وكانت له مواقف شجاعة في قلب العاصمة الأمويّة وهو وحيد بين معاوية وأعوانه.

و من كفاءاته علیه السلام أنّه وجد أنّ المصلحة تكمن في الصلح، فصالح معاوية وحقن دماء أنصاره وأتباعه وسائر المسلمين، ولم يدخل في معركة خاسرة لا تحسم لصالحه ولصالح الوجود الإسلامي.


1) شرح نهج البلاغة، ج 16، ص 28.

2) ربيع الأبرار، ج 2، ص 837.

الخلاصه

回 إنّ تأكيد الإمام أمير المؤمنين علیه السلام على إمامة ابنه الحسن علیه السلام من بعده يمثّل مساراً عقائدياً، وامتداداً شرعياً لحقيقة إمامة الحسن علیه السلام من بعد أبيه ليمارسها وإن وقف الرافضون في طريقها.

回 و المهّام الفكريّة الّتي اضطلع بها الإمام الحسن في عهد أبيه علیهما السلام تدلّ على علمه علیه السلام وخبرته وغزارة معارفه، فقد أجاب على أسئلة وردت إلى معاوية من ملك الروم كان قد عجز عن الجواب عليها.

回 و عهد الإمام علي علیه السلام إليه بالامامة من بعده ليتولّى زمام السلطة ويقود الأمّة إلى حيث يريد الله سبحانه.

回 و قد اعترف المعاصرون للإمام الحسن علیه السلام بمؤهلاته السامية وفضائله، التي دلّت على وجوب بيعة الأمّة له، وعلى إمامته من بعد أبيه بنصّ من جدّه عليه. إذ كان يتمتّع بخصائص القائد الفذ، وتنطبق عليه كلّ مواصفات السيّد المطاع.

回 كان سلام الله عليه على جانب كبير من الزهد والورع والتقوى، كما كان شجاعاً عرف بصلابته في مواطن الحقّ، يذود عن الإسلام حفاظاً على كيان الأمّة الّتي عرفته غيوراً على دينها، مدافعاً عن حقوقها، حريصاً على مصلحتها حتّى وافاه الأجل فترك الدنيا شهيداً محتسباً بعد أن وضع أمّة جدّه على الطريق الحقّ القويم.

الأسئلة

1.

كيف تستدل على إمامة الحسن علیه السلام من خلال قول أمير المؤمنين علیه السلام : ( وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيّكم! وهم أزمَّة الحقّ، وأعلام الدين، وألسنة الصدق...)؟

2.

ما هي الحكمة من وصايا أمير المؤمنين علیه السلام للإمام الحسن علیه السلام، وهو الإمام المعصوم علیه السلام والّذي وصل إلى القمّة في السموّ والتكامل؟

3.

ما هي المقوّمات الشرعيّة لخلافة الإمام الحسن علیه السلام في رأي الشيعة والسنّة؟

4.

قال الإمام الحسن علیه السلام : (أنا من أهل البيت... الّذين افترض الله مودّتهم في كتابه)، اذكر دليلاً من القرآن على ذلك.

5.

اعترف المعاصرون للإمام الحسن علیه السلام بأهليّته للخلافة، اذكر نصّاً صريحاً -لأحدهم- في ذلك؟

6.

ما هي أهمّ خصائص الإمام الحسن علیه السلام والّتي تعتبر كافية لإثبات أحقّيّته بالخلافة؟

الدرس 2: ملامح عصر الإمام الحسن علیه السلام (1) مرحلة ما قبل الصلح

التخطيط للمرحلة القادمة

كان الإمام الحسن علیه السلام يدرك جيّداً المخطّطات الّتي كان يضعها معاوية والمتربصون بالإسلام وبأهل البيت علیهم السلام لإعادة الجاهليّة من جديد وبمظهر إسلامي.

وكان معاوية يمتلك جيشاً مطيعاً، ذا قدرة على استمالة قلوب الانتهازيّين والنفعيّين من القاطنين في الكوفة، إضافة إلى وجود عدد من الموالين لمعاوية فيها؛ لذا جاء تخطيطه منسجماً مع الظروف والأحداث المستقبليّة، حيث وضع لكلّ موقف موقفاً يقابله ينسجم مع الظروف ومع المصلحة الإسلاميّة الكبرى، ومصلحة الجماعة الصالحة على وجه الخصوص.

فحينما بويع بالخلافة قال له قيس بن سعد الأنصاري: ابسط يَدَكَ أبايعكَ على كتاب الله وسنّة نبيّه وقتال المحلّين أجابه علیه السلام : على كتاب الله وسنّة رسوله، فإنّهما يأتيان على كلّ شرط. فبايعه الناس، وكان علیه السلام يشترط عليهم بقوله: (إنّكم مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت).(1)


1) الكامل في التأريخ، ج 3، ص 402.

لقد جعل الأمر إليه في اتّخاذ الموقف المطلوب في السلم والحرب ومن أجل حثّ المبايعين على الطاعة له؛ قام بزيادة عطاء المقاتلين مائة مائة.(1)

دعوته معاوية للبيعة والطاعة

كتب الإمام الحسن علیه السلام لمعاوية كتاباً أرسله مع جندب بن عبدالله الأزدي جاء فیه:

(بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان... إنّ الله تعالى بعث محمد صلّی الله علیه و آله رحمة للعالمين... فلما توفّي صلّی الله علیه و آله تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحلّ لكم أن تنازعوا سلطان محمّد في الناس وحقّه... فأنعمت لهم العرب وسلّمت ذلك، ثم حاججنا قريشاً بمثل ما حاجّت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها... واستولوا بالإجتماع على ظلمنا ومراغمتنا... فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين... فاليوم فليعجب المتعجّب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضلٍ في الدين معروف، ولا أثرٍٍ في الإسلام ،محمود وأنت ابن حزب من الأحزاب...

إنّ عليّاً - رضوان الله عليه - لمّا مضى لسبيله - رحمة الله عليه- ... ولّاني المسلمون الأمر بعده... فدع التمادي في الباطل وأدخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فإنّك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند الله، وعند كلّ أوّاب حفيظ، ومن له قلب منيب.

واتّق الله، ودع البغي، واحقن دماء المسلمين... فادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله، ومن هو أحقّ به منك، ليطفئ الله النائرة بذلك، وتجمع الكلمة وتصلح ذات البين.


1) مقاتل الطالبيّين، ص 55.

وإن أنت أبيت إلّا التمادي في غيّك نهدت إليك بالمسلمين، فحاكمتك حتّى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين).

فأجابه معاوية متمرّداً عليه وقائلاً له: (... فأنت أحقّ أن تجيبني إلى هذه المنزلة الّتي سألتني، فادخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي ولك...).(1)

لقد أصرّ معاوية على تمرّده على الإمام والخليفة الشرعي، وبعث الجواسيس إلى الكوفة والبصرة لإشاعة الاضطراب والبلبلة بين الناس وإفساد الوضع داخل دولة الإمام علیه السلام، فألقى علیه السلام القبض عليهم وقتلهم، وكتب إلى معاوية: أمّا بعد فإنّك دسست الرجال للاحتيال والاغتيال، وأرصدت العيون كأنّك تحبّ اللقاء، وما أوشك ذلك! فتوقّعه إن شاء الله.(2)

حركة معاوية العسكرية باتّجاه العراق

تبادل الإمام الحسن علیه السلام الرسائل مع معاوية لإلقاء الحجّة عليه في حقن دماء المسلمين إلّا أنّ معاوية تمادى في غيّه وتمرّده وكان آخر كتاب من معاوية يتضمّن تهديده للإمام علیه السلام بقوله : (... فاحذر أن تكون منيّتك على يد رعاع الناس... وإن أنت أعرضت عمّا أنت فيه، وبايعتني وفيت لك بما وعدت).

فأجابه الإمام علیه السلام : أمّا بعد، وصل إليّ كتابك تذكر فيه ما ذكرت، فتركت جوابك خشية البغي عليك، وبالله أعوذ من ذلك، فاتبع الحقّ تعلم أنيّ من أهله، وعليّ إثم أن أقول، فأكذب والسلام.

فلمّا وصل كتاب الإمام علیه السلام،قرأه، ثم كتب إلى عمّاله على النواحي يأمرهم بالتهيّؤ لقتال الإمام علیه السلام، فاجتمعت العساكر لديه، وسار قاصداً العراق،(3)فلما انتهى إلى جسر


1) مقاتل الطالبيّين، ص 55 إلى 57.

2) الإرشاد، ص 189.

3) مقاتل الطالبيّين، ص 59، 60.

(منبج) - وهو بلد قديم يبعد عن حلب مسافة يومين - أقام فيه، بعد أن اجتمع لديه ستون ألفاً وقيل أكثر.

حركة الإمام الحسن علیه السلام لردّ العدوان

واستنهض الإمام الحسن علیه السلام الناس للجهاد، فبعث حِجر بن عدي يأمر العمّال والناس بالتهيّؤ للمسير، وقام علیه السلام بالناس خطيباً: أمّا بعد: فإنّ الله كتب الجهاد على خلقه وسمّاه كُرهاً، ثمّ قال لأهل الجهاد من المؤمنين: اصبروا إنّ الله مع الصابرين، فلستم أيّها الناس نائلين ما تحبّون إلّا بالصبر على ما تكرهون.

إنّه بلغني أنّ معاوية بلغه أنّا كنّا أزمعنا المسير إليه؛ فتحرّك لذلك، فاخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة.(1)

فسكتوا ولم يجيبوه ، فقام عدي بن حاتم الطائي وبعده قيس بن سعد بن عبادة ومعقل بن قيس الرياحي وزياد بن صعصعة التيمي يؤنّبون الناس ويلومونهم على السكوت ويحرّضونهم على الجهاد.

فتهيّأ الناس للخروج معه، فتحرك علیه السلام حتّى نزل دير عبد الرحمن ثمّ دعا عبيدالله بن العبّاس وبعثه مع اثني عشر ألفاً من فرسان أهل الكوفة، وأمره أن لا يقاتل معاوية حتّى يقاتله.

فسار عبيدالله حتّى أتى مسكن، وتحرّك الإمام الحسن علیه السلام حتّى دخل دير كعب، ثمّ نزل ساباط، فلمّا أصبح خطب بالناس، وممّا جاء في خطابه: إنّي لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه وأنا أنصح خلقه لخلقه، وما أصبحت حاملاً على مسلم ضغينة، ولا مريداً له بسوء ولا غائلة، ألا وإنّ ما تكرهون في الجماعة خير لكم ممّا تحبّون في الفرقة، ألا وإنّي ناظر لكم خيراً من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، ولا


1) أعيان الشيعة، ج 4، ص 19.

تردّوا عليّ رأيي غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإيّاكم لما فيه محبّته ورضاء إن شاء الله.

ثم نزل، فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا: نظنّه يريد أن يصالح معاوية، كفر والله الرجل! ثمّ شدّوا على فسطاطه فانتهبوه، وقام إليه رجل من بني أسد فطعنه بمعول، فحمل علیه السلام إلى المدائن.(1)

مؤامرات معاوية

نزل معاوية قرب مسكن وبعث خيله للإغارة على جيش عبيدالله بن العباس، فرجعت مقهورة، فلمّا كان الليل أرسل معاوية إليه أنّ الحسن قد راسلني في الصلح، وهو مسلّم الأمر إليّ، فان دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً، وإلّا دخلت وأنت تابع، ولك إن أجبتني الآن أن أُعطيك ألف ألف درهم، فانطلت الخديعة على عبيدالله، فانسلّ ليلاً ودخل عسكر معاوية ومعه ثمانية آلاف(2)فاستلم القيادة من بعده قيس بن سعد بن عبادة، فحثّ الناس على الجهاد فأجابوه بالطاعة.

وكثّف معاوية مؤامراته الإعلاميّة، ونادى قائد جيشه: يا أهل العراق! ويحكم! هذا أميركم عندنا قد بايع، وإمامكم الحسن قد صالح، فعلامَ تقتلون أنفسكم؟

وكتب معاوية إلى قيس يدعوه ويمنّيه، فكتب إليه قيس: لا والله لا تلقاني أبداً إلّا بيني وبينك الرمح.(3)

واستمر معاوية في دسائسه، فقد دسّ إلى أربعة من كبار الشخصيّات دسيساً أفرد كلّ واحد منهم قائلاً: إنّك إن قتلت الحسن بن عليّ؛ فلك مائتا ألف درهم، وجند من أجناد الشام، وبنت من بناتي، فبلغ الإمام علیه السلام ذلك فكان يخرج لابساً درعه.(4)


1) شرح نهج البلاغة، ج 16، ص 42،41.

2) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 214.

3) شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 43.

4) علل الشرائع، ص 221.

توالي الخيانات في جيش الإمام علیه السلام

بعث الإمام علیه السلام قائداً من كندة في أربعة آلاف، فلمّا نزل الأنبار أغراه معاوية بمالٍ و منصبٍ، فالتحق به مع مئتي رجل من خواصّه، ثمّ التحق بمعاوية قائد من مراد في أربعة آلاف.(1)

وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالسمع والطاعة له، وضمنوا له تسليم الإمام الحسن علیه السلام إليه عند دنّوهم من عسكره، أو الفتك به.(2)

وأخبر الإمام علیه السلام المحيطين به: أنّ أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية فبايعوه، فحسبي منكم لا تغروني في ديني ونفسي.(3)

وكان جيشه علیه السلام متعدّد الولاءات، فبعضهم شيعة له، وبعضهم خوارج، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم، وبعضهم أصحاب عصبيّة اتّبعوا رؤساء قبائلهم(4)وبعضهم له ولاء الأمويّين ، وله اتّصالات سرّيّة معهم، فلا غرابة من توالي الخيانات، وعدم الثبات مع الإمام علیه السلام حتّى النهاية.

توالي الإشاعات والحرب النفسيّة

كان معاوية يدسّ الجواسيس في جيش الإمام علیه السلام لخلق البلبلة والاضطراب في صفوفه، فقد دسّ من يتحدّث - في عسكر الإمام - بأنّ قيس بن سعد قد صالح معاوية وصار إليه، ودسّ إلى عسكر قيس من يتحدّث أنّ الحسن قد صالح معاوية وأجابه.

و وجّه معاوية إلى الإمام الحسن علیه السلام المغيرة بن شعبة وآخرين فالتقوا به، وحينما خرجوا، أخذوا يتحدّثون لإسماع الجيش ويقولون: إنّ الله قد حقن بابن رسول الله الدماء، وسكّن به الفتنة وأجاب إلى الصلح، فاضطرب عسكره بسبب ما سمعوه،


1) الإرشاد، ص 191.

2) الإرشاد، ص 190.

3) أنساب الأشراف، ج 3، ص 39.

4) الإرشاد، ص 189.

وافترق بعضهم عنه(1)وأشاع معاوية أن قيس ابن سعد قد قتل.(2)

وتوالت الإشاعات ممّا أدّت إلى خلخلة جيش الإمام علیه السلام وإضعاف معنوياته، وتشجيع أهل الأهواء والمنافع للالتحاق بمعاوية أو الفرار من معسكرات الجيش، فبدأت القبائل تلتحق به قبيلةً بعد قبيلة حتّى خفَّ عسكره.(3)

مراسلة معاوية للإمام علیه السلام ودعوته لتسليم الأمر إليه

بعد استمرار الفرار من جيش الإمام علیه السلام والالتحاق بمعاوية، وبعد تعرّض الإمام علیه السلام لعدّة محاولات استهدفت قتله،(4)وبعد أن يئس الإمام علیه السلام من حسم المعركة لصالحه، وأيقن أنّ بقاء الأوضاع على هذه الحالة يؤدّي إلى قتله وقتل أهل بيته وأصحابه المخلصين، جاءته وفود معاوية تدعوه للصلح، ومعهم كتب رؤساء العشائر الّذين ضمنوا لمعاوية فيها قتل الإمام أو تسليمه إليه.(5)

وكان مع آخر الوفود صحيفة بيضاء، مختوم على أسفلها، بخطّ معاوية وختمه: أن اشترط في هذه الصحيفة الّتي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك.(6)

ولما راسله معاوية خطب في البقيّة المتبقيّة من جيشه، وأخبرهم بدعوة معاوية للصلح، ثمّ قال: فإن أردتم الموت رددناه عليه، وحاكمناه إلى الله عزّوجلّ بظُبى السيوف، وإن أردتم الحياة قبلناه، وأخذنا لكم الرضا فناداه الناس من كلّ جانب: البقيّة البقيّة.(7)


1) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 215.

2) الكامل في التأريخ، ج 3، ص 203.

3) الفتوح، ج 4، ص 291.

4) الإرشاد، ص 190؛ حياة الإمام الحسن للقرشي، ج 2، ص 106.

5) الإرشاد، ص 191.

6) تأريخ الطبري، ج 5، ص 162.

7) الكامل في التأريخ، ج 3، ص 406.

فوجد علیه السلام أنّ جيشه غير مستعدّ للقتال لانهياره العسكري والمعنوي، وأنّه لا يقوى على مواجهة جيش معاوية المتماسك في صفوفه، والمستسلم لمعاوية استسلاماً مطلقاً، فأجاب علیه السلام إلى الصلح، وكان الصلح أفضل موقف في تلك الظروف، ولا خيار له غيره، فتمّ الصلح.

الخلاصة

回 أراد معاوية من خلال حكمه أن يعيد الجاهليّة ولكن تحت غطاء الإسلام و كان يعتمد دائماً في تصرّفاته اسلوب الخداع والتضليل، وسياسة البطش و التنكيل مع المعترضين على سياسته، وكان ينظر للحياة بمنظار ماديّ فهو يمتلك جيشاً كبيراً مطيعاً له، وبيده خزائن الدنيا، وله أتباع يدورون في فلكه.

回 و قد اشترط على الناس وجوب مبايعته، وليس لأحد الإعتراض عليه، فهو الحاكم المطلق، ومن أجل ذلك فقد بدّد الثروة يبثّ حكمه وبسط نفوذه، وكان يتظاهر بأنّه يعمل بالقرآن والسنّة. ولكنّه أصرّ على تمرّده على الخلافة الشرعيّة. وكان يبثّ الجواسيس إلى الأمصار لبعث الرعب في النفوس، وإشاعة الاضطراب والبلبلة في صفوف الناس، حتّى اغتال عدداً من المؤمنين الموالين لأهل البيت علیهم السلام.

回 و الإمام الحسن علیه السلام تصدّى لمعاوية، وكاتبه لإلقاء الحجّة عليه، ولكنّه تمادى في غيّه، وتمرّد على أوامر الإمام، وأخذ يهيّء العدّة لقتاله، واستعمل الحرب النفسيّة لإشاعة الخوف وبثّ الرعب في نفوس الناس، ولعبت الدعاية المضلّلة دوراً خبيثاً، فالتحق بجيوش معاوية بعض قادة جيش الإمام علیه السلام. فمالت كفّة الحرب إلى صالح معاوية قبل وقوعها. ودبّ الوهن في جيش الإمام الأمر الذي أدّى إلى تعريض حياة الإمام علیه السلام إلى الموت، فقد تعرّض لعدّة محاولات لقتله، ممّا اضطر علیه السلام إلى ركونه للصلح ليحفظ بذلك وحدة الأمة وكيانها، ويحفظ مسيرتها وكرامتها. وقد ناداه الناس: البقيّة البقيّة، فلبّى الطلب، وهو أفضل اسلوب سلكه الإمام علیه السلام لدعم الحقّ وإرساء قواعد الإسلام.

الأسئلة

1.

لماذا اشترط الإمام علیه السلام على المبايعين أن يسالموا من سالمه، ويحاربوا من حاربه؟

2.

في كتابه علیه السلام إلى معاوية ذكر فيه سكوت أمير المؤمنين علیه السلام عن حقّه في الخلافة، فما هي أسباب ذلك؟

3.

لماذا خاطب الإمام علیه السلام معاوية بالقول: إنّ عليّاً -رضوان الله عليه- لمّا مضى إلى سبيله ولّاني المسلمون الأمر بعده، ولم يخاطبه بأنّه إمام منصوص عليه من قبل رسول الله صلّی الله علیه و آله.

4.

لماذا لم يترك الإمام علیه السلام حاكماً على الشام، ويبقى هو خليفة على غير الشام؟

5.

ما هي الآثار السلبيّة لالتحاق عبيد الله بن العبّاس بجيش معاوية؟

6.

ما هي الأسباب وراء انقياد جيش الشام لمعاوية، وعدم انقياد جيش العراق للإمام الحسن علیه السلام؟

7.

ما هي الأسباب وراء التحاق بعض قادة الجيش ورؤساء العشائر بمعاوية؟

8.

ما هي الآثار السلبيّة لإشاعات معاوية؟

الدرس 3: ملامح عصر الإمام الحسن علیه السلام (2)

ظروف الصلح البعيدة والقريبة

لابدّ في قضيّة صلح الإمام الحسن علیه السلام مع معاوية من الإحاطة بهذا الحدث وملابساته، والنظر إليه من جميع زواياه والتنقّل بين الرأي والرأي الآخر، لكي تكون الصورة واضحة في معرفة المبرّرات الموضوعيّة للصلح، وأثرها في خدمة الرسالة الإلهيّة الّتي شكّلت الهدف الأساسي من قبول الإمام علیه السلام بذلك الصلح المفروض عليه.

ظروف الحكم الأموي

إنّ صلح الإمام علیه السلام لم يكن منفصلاً عن ظروفه وأسبابه البعيدة الّتي شكّلت صراعاً داخل الجسد الإسلامي الواحد، حيث استطاع الطلقاء أن يجدوا لهم موقعاً ومركزاً حسّاساً في داخل الكيان الإسلامي، فقد كان معاوية والياً على الشام في عهد الخلفاء وكانت له صلاحيات مطلقة، حتّى كان عمر بن الخطاب يحاسب جمیع ولاته غير معاوية حيث كان يقول له: (لا آمرك ولا أنهاك)،(1)وكان يمدحه كثيراً، وينهى عن ذمّه ويقول: دعونا من ذمّ فتى قريش.(2)


1) الاستيعاب، ج 3، ص 397؛ العقد الفريد، ج 1، ص 15.

2) مختصر تأريخ دمشق، ج 25، ص 18.

كما حذّر أهل الشورى من الفرقة وقال: إيّاكم والفرقة بعدي فإن فعلتم، فاعلموا أنّ معاوية بالشام، فإذا وكلتم إلى رأيكم عرف كيف يستبزّها منكم.(1)

وكان يقول أيضاً: هذا كسرى العرب.(2)

فاستقل معاوية بالشام استقلالاً حقيقياً نظراً لصلاحياته المطلقة وعدم تدخّل الحكّام في شؤونه، وتوسّعت ولايته بعد أنّ ضمّ عثمان له الشام كلّها.(3)

فاستطاع أن يكوّن جيشاً مطيعاً مستسلماً، عن طريق الخداع والتضليل وشراء الضمائر بأموال المسلمين وكان يوجّهه توجيهاً خاصّاً عن طريق الوعّاظ والرواة المتملّقين، وكان معزولاً عن بقيّة الأمصار، فلا يعرف غير معاوية وبيت أبي سفيان، ولا يعرف من الإسلام إلا ما يوجّهه به معاوية، من حيث تأريخ الإسلام، وتأريخ رجاله، فكان الناس يفهمون أنّ معاوية خال المؤمنين، وموضع ثقة الخلفاء السابقين، وابن عم الخليفة عثمان، إضافة إلى ما نسبه وعّاظ السلاطين إليه من فضائل بعد غياب الوعي وعدم الاختلاط ببقيّة الأمصار.

وتربّص معاوية بعثمان حتّى قتل، فلم ينصره في حياته، وإنّما استغلّ مقتله للتمرّد على خلافة عليّ أمير المؤمنين علیه السلام، ومن ثمّ الإستقلال الكامل بالشام بعد حرب صفّين.

فكان أهل الشام مستسلمين له وحده، ومنقادين لقيادة واحدة، وليس له في الشام من ينافسه على الحكم والإمرة.

وممّا ساعد على تقوية كيان الأمويّين هو عدم تأمير أحد من بني هاشم في عهد أبي بكر وعمر وعثمان.(4)


1) الإصابة، ج 6، ص 114.

2) تأريخ الخلفاء للسيوطي، ص 155.

3) تأريخ الخلفاء، ص 156.

4) النزاع والتخاصم، ص 84.

شخصيّة معاوية

أسلم معاوية بعد فتح مكّة بعد أن اشترك في مواجهات مسلّحة مع رسول الله صلّی الله علیه و آله طيلة العهد المكّي والمدني، لذا لم يكن إسلامه انقياداً حقيقياً لله ولرسوله، ولم يتفاعل مع مفاهيم الإسلام وقيمه فكرياً وعاطفياً وسلوكياً، مع كلّ هذا التأريخ القاتم فقد مارس شتى الأساليب غير المشروعة لتثبيت حكمه وتقوية كيانه، كحاكم مسلم وكان منها:

1.

تزوير الأحاديث المتضمّنة بيان فضله وفضل أهل الشام.

2.

اختلاق الأحاديث الّتي تشوّه سمعة الإمام علي أمير المؤمنين علیه السلام و أهل البيت علیهم السلام.

3.

انفاق الأموال في شراء الضمائر، وتوسيع القاعدة الشعبيّة له.

4.

استغلال المفاهيم العامّة للتمويه على الأمة.

5.

حكمه برأيه دون الرجوع إلى الكتاب والسنّة.

واستطاع من خلال هذه التصرّفات أن يجعل نفسه شخصيّة مقدّسة في نفوس أهل الشام، وقد تمرّن على المناورة السياسيّة لعدم تقيّدة بالشريعة، وكان مستعدّاً للدخول في أيّ معركة متوقعة أو مفاجأة، لأن أوامره نافذة في جيشه، فلا يوجد له منافس في أهل الشام، ليقوم بتثبيط الناس أو صرف ولائهم عنه.

ظروف الحكم العلوي

عاد الحقّ إلى أهله بعد ربع قرن من رحيل رسول الله صلّی الله علیه و آله، إذ تولّى الإمام علي علیه السلام أمير الخلافة بعد فتنة تصارعت فيها الأهواء، واصطدمت فيها المصالح، وانتشر المنافقون والمتربصون بأهل البيت علیهم السلام في جميع الميادين الاجتماعيّة والسياسيّة، وكانوا يتحينون الفرص لإعادة الجاهليّة من جديد إلى واقع الأمّة، لذا انخرطوا تحت جميع الرايات والشعارات الّتي رفعت في مواجهة حكومة

أمير المؤمنين علیه السلام، بعد أن أيقنوا أنّ الخلافة عادت إلى أصحابها الّذين لا تأخذهم في الله لومة لائم في تطبيق العدالة الإسلاميّة والمساواة بين الطبقات وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، وتوزيع المناصب على المخلصين والأكفاء.

وفي بداية خلافته علیه السلام تمرّد ثلاثة ممّن اشتهر بالصحبة مع رسول الله صلّی الله علیه و آله و هم عائشة وطلحة والزبير، ولم ينته تمردّهم إلّا بمقتل جماعة من الطرفين، إضافة إلى عدد كبير من الجرحى والمعوقين.

واستثمر معاوية ظروف حرب الجمل وظروف مقتل عثمان، فحارب أمير المؤمنين علیه السلام وانتهت المعركة بمجموعة كبيرة من القتلى، من ضمنهم كبار الشخصيات الموالية لأهل البيت علیهم السلام.

وأفرزت المعركة ظاهرة الانشقاق في جيش أمير المؤمنين علیه السلام حيث تمرّدت عليه جماعة عرفت فيما بعد بالخوارج وقاموا بخلق البلبلة والاضطراب في داخل قوّات الإمام الان علیه السلام.

وكان معاوية يشنّ الغارات المتوالية على أطراف دولته علیه السلام، ويقوم بقتل كلّ موالٍ له والاستيلاء على ممتلكاته.

ولم تسمح الظروف لأمير المؤمنين علیه السلام كي يبني دولته وجيشه بناءً عقائدياً وسلوكياً.

وكان أغلب المكّيّين وأهل البصرة لا يدينون بالولاء له.

وإضافة إلى كلّ ذلك أنّ المنخرطين في جيشه لم ينخرطوا ولاءً له، وإنّما تابعوه لأنّه على رأس دولة، فهم تبع لأيّ حاكم؛ لا يفرّقون بين أمير المؤمنين علیه السلام وبين غيره من الحكّام، وقد يكون أقصى تقييمهم أنّه علیه السلام أفضل من معاوية فقط.

ولم تستمر خلافته سوى أربع سنين حتّى اغتالته أيدي المتآمرين، للحيلولة دون أن يقوم بإكمال المسيرة الّتي تحتاج إلى زمن طويل في بناء دولة وكيان، وتأسيس جيش عقائدي متماسك.

ظروف وأوضاع جيش الإمام الحسن علیه السلام

لم يكن جيش الإمام الحسن علیه السلام موحّداً في أفكاره وعواطفه، و ولائه، بل كان خليطاً من ولاءات متعدّدة، وآراء مختلفة، وقد عبّر الإمام الحسن علیه السلام عنه قائلاً: رأيت أهل الكوفة قوماً لا يثق بهم أحدٌ أبداً إلّا غُلب، ليس أحد منهم يوافق آخر في رأي ولا هوى، مختلفين لا نيّة لهم في خير ولا شرّ.(1)

فقد بيّن علیه السلام تعدّد الآراء والأهواء والاتجاهات والنوايا، وهي كافية لخلق البلبلة والاضطراب وعدم الوصول إلى وحدة في التخطيط والتنسيق والتنفيذ.

فمنهم أهل الطمع وعددهم عشرون ألفاً، ومنهم أتباع كلّ ناعق، ومنهم الخوارج(2)ومنهم من يوالي الأمويّين كعمر بن سعد وغيره، ومنهم الّذين يقاتلون طلباً للثأر لا عن عقيدة وإدراك للأحداث، وهم مزيج من عرب مكّة والمدينة واليمن إضافة إلى عدد كبير من الموالي - غير العرب - التابعين لأسيادهم وللقبائل الّتي تحالفوا معها. ومنهم من كان يرى أنّ الصراع قائم بين قبيلتين من قريش؛ بين بني أميّة وبني هاشم، أو بين شخصيّتين: معاوية و الحسن علیه السلام، فلا يكترثون بمن يقودهم، ولا يفرّقون بين باطل معاوية وحق الإمام الحسن علیه السلام.

وقد لعبت الأهواء والشهوات والمنافع الذاتيّة دوراً كبيراً في تبدّل النوايا عمّا كانت عليه من قبل، وقد وصف الإمام الحسن علیه السلام هذه الظاهرة قائلاً: (كنتم في مسيركم إلى صفّين ودينكم أمام دنياكم، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم).(3)

فحينما يصبح أمر الدنيا مقدَّماً على أمر الدين وحاكماً عليه؛ فإنّه يغيّر من معادلة الصراع ومعادلة الموقف، ويصبح المقاتل تبعاً لمصالحه الذاتيّة التي تغيّر من ولائه ومواقفه العمليّة.


1) الكامل في التأريخ، ج 3، ص 407.

2) بحار الأنوار، ج 44، ص 15.

3) الكامل في التأريخ، ج 3، ص 406.

فلم تبق إلّا القلّة المخلصة في ولاتها للإمام الحسن علیه السلام و لنهجه السليم كحجر بن عدي وقيس بن سعد وآخرين، حيث إنّ معركة صفّين قد أدّت إلى فقدان الكثير منهم، إضافة إلى قيام معاوية بقتل الآخرين منهم كمحمّد بن أبي بكر ومالك الأشتر.

وأفرز تعدّد الولاءات وتعدّد الآراء إضافة إلى تقديم الدنيا على الدين الظواهر السلبيّة التالية:

1.

عدم الإخلاص في القتال.

2.

ضعف القدرة على الثبات والصمود إلى آخر المعركة.

3.

عدم الانقياد للقيادة الصالحة والتعاطف مع معاوية.

4.

الاستعداد الفعلي للغدر والخيانة.

ه. التأثّر بالإشاعات والحرب النفسيّة.

وقد تحقّق ذلك بالفعل بالالتحاق بجيش معاوية، والاستعداد لتسليم الإمام علیه السلام إليه، إضافة إلى محاولات اغتياله علیه السلام.

شخصيّة الإمام الحسن علیه السلام

وجد الإمام الحسن علیه السلام نفسه أمام مرحلة طويلة من الإعداد، وإصلاح وترميم كثيرٍ من المواقع السياسيّة والعسكريّة، وحتّى الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وهو يرى أنّه يقود جيشاً منهاراً عسكرياً ومعنوياً، لا يمكن جعله منقاداً إلّا باستخدام وسائل وأساليب كالّتي يستخدمها معاوية، وهو علیه السلام غير مستعدّ لاستخدام تلك الوسائل والأساليب غير المشروعة كالخداع والتضليل وشراء الضمائر بأموال المسلمين وإنفاقها على جماعة خاصّة كرؤساء القبائل وقادة الجيش، فالإمام علیه السلام مقيدٌ بقيود شرعيّة حاكمة على جميع ممارساته ومواقفه. وليس هدفه البقاء في السلطة الآنيّة، وإنّما هو جزء من حركة إصلاحيّة تنظر إلى الحاضر من زاوية المستقبل، لكي تبقى المفاهيم والقيم الإسلاميّة هي الحاكمة على أفكار المسلمين وعواطفهم وممارساتهم العمليّة على طول الحركة التأريخيّة لهم.

وكان علیه السلام حريصاً على المصلحة الإسلاميّة الكبرى، ومصلحة الجماعة الصالحة، وهي المصالح الحاكمة على جميع مواقفه، فقد وجد علیه السلام أنّه لا يستطيع - حسب الظروف القائمة - أن يحسم الموقف لصالح الوجود الإسلامي، ولا يستطيع القضاء على رأس الفتنة الّتي كان يقودها معاوية، فأصبح أمام خيارين هما: الاستمرار في معركة خاسرة تؤدّي إلى إضعاف الكيان الإسلامي ككلّ أمام التحديات الخارجيّة أو الميل إلى الصلح وحقن الدماء، والمحافظة على الوجود الإسلامي ثمّ ممارسة الإصلاح من الداخل.

وفي غير ذلك فالمعركة إمّا أن تؤدّي إلى استيلاء معاوية على الحكم دون قيد أو شرط بعد مقتل الإمام الحسن علیه السلام وأهل بيته علیهم السلام والخيرة من أصحابه، وإمّا أن تؤدّي إلى قيام دولتين إحداهما في الكوفة وأخرى في الشام وتبقى كلّ واحدة منهما في حالة صراع دائم، وتنشغل عن مواجهة الأعداء الخارجيّين، وبالتالي إلى إنهاء الوجود والكيان الإسلامي الّذي جاهد الرسول صلّی الله علیه و آله وخيرة صحابته وأهل بيته من أجل بنائه.

فاختار علیه السلام الصلح على الاستمرار في المعركة، مقيّداً بشروط فيها مصلحة الكيان الإسلامي وكيان الجماعة الصالحة الّتي تضمن للشريعة بقاءها واستمرار حياتها.

الخلاصه

回 لكي تكون صورة صلح الإمام الحسن علیه السلام واضحة في الأذهان، لابدّ من الإحاطة بظروف الحدث الّذي دخل مرحلة التنفيذ على الرغم من اعتراض مجموعة من المسلمين عليه. فقد كان الصلح نتيجة تصرّف معاوية المعتدي ومن يحيطون به، إذ جدوا في هذا الصلح مبرّراً لاستقرار الحكم الأموي في البلاد الاسلامية.

回 و من خلال سياسة الخداع الّتي مارسها معاوية استطاع أن يكوّن جيشاً مطيعاً له عن طريق شراء الضمائر الميّتة الّتي لا تعي موقفاً ولا يملك أصحابها إرادة ولا صنع قرارٍ. وقد أدّى الوعّاظ والرواة المتملّقون السائرون في ركاب السياسة الأمويّة دوراً خطيراً في تثبيت دعائم هذا النظام، الأمر الّذي استطاع من خلاله معاوية أن يستبدّ في السلطة وأن يسلّط سيف جوره واستبداده على رقاب الأمّة. فكان الوعّاظ يروّجون أنّ معاوية خال المؤمنين، وموضع ثقة الخلفاء السابقين، وابن عمّ الخليفة عثمان وأنّه كان كاتب وحي رسول الله صلّی الله علیه و آله.

回 و لم تكن عودة الحكم إلى أهله فترة حكم الإمام علي علیه السلام كافية، للأُمة الّتي أغرتها السياسة الأمويّة بألاعيبها الخبيثة لمعرفة الأمّة دينها. فما برحت حتّى فاجأها القدر باستشهاد الإمام عليّ علیه السلام، واضطراب الأمور بعد ذلك. فقد غابت شرعيّة الخلافة عن الساحة، وحجبت القيادة الحقّة عن النور، وكان المنافقون يساندون سياسة الحكم الأموي لتحقيق مآربهم.

回 و لم يكن جيش الإمام الحسن علیه السلام، موحّداً في أفكاره وولائه، بل كان خليطاً من ولاءات متعدّدة، وقد لعبت المنافع الذاتيّة دوراً منحرفاً في تمزيق الصفّ وتثبيط العزائم. فوجد الإمام علیه السلام نفسه أمام مرحلة شاقّة من

الصراعات السياسيّة والعسكريّة والإقتصاديّة، وتحيط بها النزاعات والمطامع، ولكنّه بحكمته وايمانه و بثقته بنفسه، وصبره استطاع فضح مؤامرات الأعداء.

回 وكان هدفه جزءً من حركة إصلاحيّة، تنظر من زاوية المستقبل لكي تبقى المفاهيم والقيم الإسلاميّة هي المهيمنة على ذهنيّة وأفكار المسلمين، وعواطفهم وممارساتهم العمليّة على طول خط الحركة الفكريّة والتأريخيّة لهم. فاختار الصلح على القتال بشروط أعطت ثمارها، في المستقبل القريب والبعيد معاً.

الأسئلة

1.

ما هي الظروف الّتي استثمرها معاوية لبناء كيانه؟

2.

ما هي العوامل الّتي شجّعت معاوية للتفكير في الوصول إلى الحكم؟

3.

ما هي العوامل الّتي أدّت إلى تفرّد معاوية في سلطته على الشام؟

4.

ما هي الأسباب الّتي أعاقت أمير المؤمنين علیه السلام عن بناء دولته وجيشه بناءً محكماً؟

5.

ما هي مظاهر التعدّديّة في جيش الإمام الحسن علیه السلام؟

6.

ما هي أهمّ الظواهر السلبيّة الّتي اتصف بها جيش الإمام الحسن علیه السلام؟

7.

ما هي أهمّ الفوارق بين جيش الإمام الحسن علیه السلام وجيش معاوية؟

8.

ما هي النتائج المتوقعة في حالة استمرار الإمام الحسن علیه السلام في القتال؟

الدرس 4: متطلّبات عصر الإمام الحسن علیه السلام (1)

أسباب وعوامل الصلح

هنالك أسباب وعوامل عديدة اجتمعت وتضافرت لتجعل الإمام الحسن علیه السلام مضطرّاً لقبول الخيار الصعب من بين الخيارات المطروحة، والّتي منها: الاستمرار في القتال ثمّ التضحية بالنفس في حال عدم إحراز النصر العسكري.

أسباب عدم اختيار موقف التضحية

إنّ موقف الإمام الحسن علیه السلام لابدّ وأن يكون منسجماً مع الأهداف المرحليّة والبعيدة المدى لمنهج أهل البيت علیهم السلام والحركة الإسلام العامّة، لِتستتبعه نتائج إيجابيّة للمنهج والوجود الإسلامي معاً، فاتخاذ الموقف معاً، فاتخاذ الموقف بجميع ألوانه في سِلمٍ أو تضحية مقيّد بقيود المصلحة الإسلاميّة العليا، وتبعٌ لها، ومن هنا اختار الإمام الحسن علیه السلام موقف التوقف عن القتال المؤدّي إلى التضحية للأسباب التالية:

أوّلاً: إنّ معاوية أحكم خطته وأظهر نفسه بمظهر المسالم المحبّ للصلح، وحقن الدماء، وإعادة الأُلفة بين المسلمين، وأراد أن يُلصق بالإمام الحسن علیه السلام رغبته في القتال وإراقة الدماء، وقد استطاع أن يُدخل في عقول المسلمين هذه المغالطات، فلو لم يستجب الإمام الحسن علیه السلام للصلح لكان مخطّط معاوية سيجد له قبولاً ورواجاً،

وسيلقي المسلمون باللّائمة على الإمام علیه السلام وينسبون إليه حبّه للقتال وإراقة الدماء.

ثانياً: إنّ الظروف الّتي كانت تحيط بالإمام الحسن علیه السلام لم تكن في صالحه، فإنّ استمرار القتال سيؤدي إلى قتله من قِبَل عملاء معاوية المندسّين في جيشه، وسيتنصّل معاوية من جريمة قتله. أو قد يؤدّي القتال إلى تسليم الإمام علیه السلام إلى معاوية من قبل رؤساء بعض العشائر أو قادة الجيش، وفي جميع التقادير سيكون معاوية هو الغالب، كما ورد ذلك في قول الإمام علیه السلام: يزعمون أنّهم لي شيعة، ابتغوا قتلي وانتهبوا ثِقلي وأخذوا مالي. والله لئن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وآمن به في أهلي خير من أن يقتلوني، فيضيع أهل بيتي وأهلي. والله لو قاتلت معاوية؛ لأخذوا بعنقي حتّى يدفعوني إليه سِلماً، فوالله لئن أُسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسيره، أو يمنَّ عليَّ فتكون سُبّة على بني هاشم إلى آخر الدهر.(1)

ثالثاً: إنّ تضحية الإمام الحسن علیه السلام ستكون بلا صدى؛ وذلك لقدرة معاوية على احتواء آثارها وتشويه أهدافها، وما دام كثير من المسلمين لا يعي طبيعة الصراع، و یسمع الإشاعات المستمرّة بأنّ الإمام الحسن علیه السلام كان يقاتل من أجل السلطة، أو بدوافع قبليّة موروثة في الصراع بين بني هاشم وبني أميّة.

رابعاً: إنّ التضحية ستؤدّي إلى القضاء على الإمامين الحسن والحسين علیهما السلام وبقيّة بني هاشم، والصفوة الخيّرة الصالحة من أتباع أهل البيت علیهم السلام، وبالتالي ستخلو الساحة لمعاوية وأنصاره دون معارضين ودون غيورين ومصلحين، وخلوّ الساحة يشجّع معاوية وأتباعه على قلب المفاهيم الإسلاميّة، وتغيير القيم، وإعادة الجاهليّة بلباس إسلامي من جديد.

وتكفي هذه الأسباب ولئلّا يستمر الإمام علیه السلام في القتال المؤدّي إلى القضاء على رموز المنهج الإسلامي، وإلى تسلّط معاوية على رقاب المسلمين دون قيدٍ أو شرط،


1) بحار الأنوار، ج 44، ص 20.

ودون رادع أو معارض، فلم يبق له خيار إلّا الصلح الّذي اضطرّ إليه تحت ضغط الظروف والأوضاع الّتي عرفناها بالتفصيل.

وتتلّخص الأسباب الّتي فرضت الصلح على الإمام علیه السلام فيما يلي:

أوّلاً: عدم رغبة جيشه في القتال.

ثانياً: التواطؤ مع معاوية من قبل الكثير من القادة والجنود.

ثالثاً: الخيانات الفعليّة المتكرّرة، والمتمثّلة بالالتحاق بمعاوية، أو الفرار من المعسكرات.

رابعاً: شيرع البلبلة والاضطراب في صفوف القادة والجنود.

خامساً: عدم الإخلاص للقيادة الشرعيّة.

وقد عبّر الإمام علیه السلام عن الأسباب الّتي أجبرته على القبول بالصلح في كثير من أقواله، كما ركّز علیه السلام على قلّة الأنصار الذين ينهض بهم للقتال، فقال علیه السلام: والله ما سلّمت الأمر إليه إلّا أنّي لم أجد أنصاراً، ولو وجدت أنصاراً لقاتلته ليلي ونهاري.(1)

وقال علیه لاسلام في موقف آخر: وقد خذلتني الأُمّة وبايعتك يا ابن حرب، ولو وجدت عليك أعواناً يخلصون ما بايعتك.(2)

شروط الإمام علیه السلام ووعود معاوية

إنّ الصلح الّذي قرّر الإمام علیه السلام قبوله قد أحاطه بشروطٍ تجعل الإمام علیه السلام في موقع القوّة دائماً ومعاوية في موقع الضعف على المدى القريب والمدى البعيد معاً سواء كان معاوية يفي بالشروط أم لا يفي بها، فإنّ عدم الوفاء بها يتضمن للإمام علیه السلام ولخطّ أهل البيت علیهم السلام نصراً على المدى البعيد لا محالة.


1) بحار الأنوار، ج 44، ص 147.

2) بحار الأنوار، ج 10، ص 143.

وقد وعد معاوية الإمام الحسن علیه السلام بوعود عديدة(1)نذكر منها مايلي:

1.

لك الأمر من بعدي.

2.

لك ما في بيت مال العراق من مالٍ بالغاً ما يبلغ تحمله إلى حيث أحببت.

3.

لك خراج أيّ كور العراق شئت، معونة لك على نفقتك، يجبيها أمينك ويحملها إليك في كلّ سنة.

4.

لك ألّا نستولي عليك بالإساءة.

5.

لا نقضي دونك الأمور.

6.

لا نعصيك في أمر أردت به طاعة الله.

وفي رواية كتب إليه: إنّي صالحتك على أنّ لك الأمر من بعدي ولك عهد الله وميثاقه وذمّته... لا أبغيك غائلة ولا مكروهاً، وعلى أن أعطيك في كلّ سنة ألف ألف درهم من بيت المال، وعلى أنّ لك خراج (منسا) و (دار أبجرد) تبعث إليها عمّالك، و تصنع بهما ما بدا لك.(2)

وأهمّ ما في الوعود هو جعل الخلافة للإمام علیه السلام من بعده.(3)

وأمّا شروط الإمام الحسن علیه السلام فيمكن تحديدها بما يلي(4):

1.

أن يعمل معاوية بكتاب الله وسنّة رسول الله صلّی الله علیه و آله وسيرة الخلفاء الصالحين.

2.

ليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد لأحدٍ من بعده عهداً.

3.

الناس آمنون حيث كانوا في العراق والشام والحجاز وتهامة.

4.

أمان شيعة وأصحاب علي علیه السلام على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم.

5.

أن لا يبغي للحسن ولا لأحد من أهل بيته غائلة سرّاً وعلانية، ولا يُخيف أحداً


1) شرح نهج البلاغة، ج 16، ص 36.

2) أنساب الأشراف، ج 3، ص 41.

3) الإصابة، ج 2، ص 13؛ الاستيعاب، ج 1، ص 373.

4) الفتوح، ج 4، ص 293؛ أنساب الأشراف، ج 3، ص 42.

منهم في أفق من الآفاق.

6.

أن تكون الخلافة للإمام الحسن علیه السلام من بعده.(1)

7.

أن لا يسمّيه أمير المؤمنين.

8.

أن لا يقيم عنده شهادة.

9.

أن يضمن نفقة أولاد الشهداء من أصحاب الإمام علي علیه السلام.

10.

ترك سبّ الإمام علي علیه السلام والعدول عن القنوت عليه في الصلاة.

11.

أن لا يتعرّض لشيعته بسوء، ويوصل إلى كلّ ذي حقّ حقّه.

الدور الإيجابي للوعود والشروط

إنّ الوعود والشروط الممضاة من قبل الطرفين، تفرض منطقياً على كلّ من يفاضل بين الحرب والصلح، أن يختار الصلح مع تلك الظروف والموازنة العسكريّة غير المتكافئة، وإلّا فإنّ معاوية سيتسلم السلطة إمّا بانتصاره العسكري أو بقتل الإمام علیه السلام من قبل عملائه المندسين في جيش الإمام علیه السلام، وستؤول السلطة إليه دون شروط أو قيود تقيّده أمام المسلمين.

بينما أخذ الإمام علیه السلام عهوداً ومواثيق مقرونة بأيمانٍ مغلّظة من قبل معاوية على أن يفي بها.

فإن وفى بما تعهّد به، فإنّ الأمر سيعود إلى الإمام من بعده، وستكون لأتباع الإمام علیه السلام مطلق الحرّيّة في أداء دورهم الإصلاحي والتغييري.

وإنّ شرط عدم تسميته بأمير المؤمنين يسلب عنه شرعيّة الخلافة وإمرة المؤمنين، ويبقى مجرّد حاكمٍ أو ملك في أنظار المسلمين.

وإذا لم يفِ معاوية بالشروط فإنّ الأمّة ستنكشف لها حقيقة معاوية والحكم


1) أسد الغابة، ج 1، ص 491.

الأموي، وأنّه مجرّد طالب سلطة منذ أوّل شعار أعلنه حين مطالبته بدم عثمان، وبالتالي فإنّ الأمّة ستشخص قادتها الحقيقيّين وهم أهل البيت علیهم السلام وستعود إلى موالاتهم في الحاضر أو في المستقبل.

الإمام الحسن علیه السلام والمبادرة الى الصلح

ذكر جماعة من المؤرّخين أنّ الإمام الحسن علیه السلام علم أنّه لن تغلب إحدى الفئتين حتّى يقتل أكثر الأُخرى، ورأى تفرّق الأمر عنه فبادر إلى الصلح مع معاوية، ففرح معاوية بذلك وأجابه طبقاً للشروط الّتي وضعها الحسن علیه السلام.(1)

وهذا الرأي له وجاهة وقبول، فالإمام الحسن علیه السلام وإن تفرّق عنه كثير من قادة جيشه، وحاول بعضهم اغتياله، إلّا أنّه كان يشكّل خطراً حقيقياً على معاوية، وهذا ما عبّر عنه معاوية في قوله لعمرو بن العاص - في شأن قيس بن سعد-: على رَسُلِكَ، فإنّا لا نخلص إلى قتلهم حتّى يقتلوا أعدادهم من أهل الشام، فما خير العيش بعد ذلك؟ فإنّي والله لا أقاتله أبداً حتى لا أجد من قتاله بدّاً.(2)

وعلى هذا فإنّ الإمام علیه السلام قد صالح من موقع القوّة، فإنّ معاوية كان يعلم أن الإمام علیه السلام إن استمر على القتال فإنّه سيخسر كثيراً من قادته وجنوده، ولا يستطيع معاوية حسم المعركة إلا بتضحيات جسيمة يخرج منها منهوكاً لا يقوى على النهوض.

ويمكن أن نستشهد بشخصيّة معاوية أيضاً، وذلك أنّ معاوية كان متيقّناً من صعوبة حسم الموقف لصالحه إلّا بتقديم خسائر جسيمة، إذ لو كان يرى سهولة القضاء على جيش الإمام علیه السلام لما كان يصالح الإمام علیه السلام ويقيّد نفسه بشروط وقيود صعبة، فشخصيّته ترفض أن يكون لها ندّ يعارضها، أو ينافسها في مجالات الحياة المختلفة،


1) بحار الأنوار، ج 44، ص 2، 48 و 65.

2) تأريخ الطبري 5: 159، أسد الغابة 1: 491، تأريخ الخميس 2: 290، البداية والنهاية 8: 17، المنتظم 5: 183.

وبالخصوص في مجال الحكم والرئاسة، وترفض أيضاً أن يمنح الحرّيّة لمعارضيه.

فمن المنطقيّ أن يكون الإمام الحسن علیه السلام هو الّذي قد بادر إلى الصلح، وعلى ضوئه يكون الإمام علیه السلام قد فوّت الفرصة على معاوية لأن يظهر بمظهر المصلح والمحبّ لحقن الدماء، ويكون له قَصب السَبق في ذلك.

وممّا يؤيّد ذلك أنّ الإمام علیه السلام كان قد اشترط على المبايعين له بعد استشهاد أبيه علیه السلام أن يستسلموا لأوامره إن حارب أو سالم.

وعلى كلا الرأيّين فإن الإمام علیه السلام قد اتّخذ الصلح من أجل حقن الدماء والتفرّغ للعمل الإصلاحي والتغييري بعده، وبناء القاعدة الشعبيّة الّتي أنهكتها حروب ثلاث في أقلّ من أربع سنين.(1)


1) الكامل في التأريخ 3: 408.

الخلاصه

回 تظافرت عدّة عوامل أدّت الى أن يقبل الإمام الحسن علیه السلام الخيار الصعب من بين الخيارات الماثلة؛ أمامه وهي: الاستمرار في الحرب الّتي تنتهي بتصفيته جسدياً وتمزيق جيشه، أو الصلح، والحكمة الّتي تقف وراءه اقتضت أن يختاره - وهو موقف ينسجم مع المصلحة الإسلاميّة في أجمل صورها، وبذلك خسر معاوية ما كان يخطّط له. وقد تظاهر بمظهر المسالم المحبّ، وأشاع بأنّه أراد بذلك حقن دماء المسلمين، وهي مغالطة وقع في هوّتها، فقد سار إلى حتفه بيده، وتظاهر وكأنّه هو المنتصر، وكان يقدّر قبل ذلك أنّ القتال إذا استمرّ سيسلّم المقاتلون الإمام الحسن علیه السلام إليه وبذلك يربح طرفي المعركة اجتماعياً وعسكرياً. ولكنّ الصلح لم يحقّق أهدافه إذ في إطار هذا الصلح حقّق الإمام علیه السلام مجموعةً من المكاسب والّتي كان في مقدّمتها حفظ بيضة الإسلام، والحفاظ على أصحابه، وإلّا فلو وقعت الحرب لأتت على كلّ شيء يتطلع إليه الحكم الأموي.

الأسئلة

1.

ما هي العوامل الّتي تحدّد الموقف السياسي في نظر أهل البيت علیهم السلام؟

2.

ما هي الأسباب الّتي دفعت الإمام علیه السلام لعدم الاستمرار في القتال؟

3.

لو كان الإمام علیه السلام قد ضحّى الإمام علیه السلام بنفسه فهل كانت تترتّب آثار إيجابيّة على هذه التضحية؟

4.

ما هي الأسباب الّتي اكرهت الإمام علیه السلام على قبول الصلح؟

5.

ما هي أهمّ الوعود الّتي قطعها معاوية على نفسه؟

6.

ما هي أهمّ الشروط الّتي اشترطها الإمام الحسن علیه السلام على معاوية؟

7.

هل اعترف الإمام علیه السلام بشرعيّة معاوية أم لا؟ وما هو الدليل على ذلك؟

8.

ما هو الدور الإيجابي لشروط الإمام الحسن علیه السلام؟

الدرس 5: متطلّبات عصر الإمام الحسن علیه السلام (2)

الصلح ومراعاة المصلحة الإسلاميّة

اشارة

إنّ موقف الإمام المعصوم علیه السلام تحدّده عدّة عوامل، راعاها الإمام الحسن علیه السلام في صلحه ومن أهمّها:

1. شرعيّة الموقف والقرار

وهذا الأمر بديهي في السيرة التأريخيّة لحركة الإسلام وقادته الصالحين، فالشريعة هي الحاكمة على الموقف وهي الّتي تحدّده في جميع الظروف والأحوال، فقد صالح رسول الله صلّی الله علیه و آله قريشاً في الحديبيّة وهم كفّار، وصالح اليهود والنصارى في أكثر من واقعة، وصالح أمير المؤمنين علیه السلام معاوية في وقته.

2. الظروف

الظروف بنوعيها: الإيجابي والسلبي هي الّتي تحدّد الموقف وتكون حاكمة عليه، وهذا واضح من خلال سيرة رسول الله صلّی الله علیه و آله وسيرة أمير المؤمنين علیه السلام، فرسول الله صلى الله علیه و آله لم يجاهد قريشاً في المرحلة المكيّة لأنّ الظروف لا تسمح بذلك، وحينما تغيّرت في المرحلة المدنيّة غيّر صلّی الله علیه و آله موقفه واستمرّ في جهاده إلى أن انتصر على جميع قوى الشرك في المدينة والحجاز واليمن، وكذلك أمير المؤمنين علیه السلام في سيرته مع الخلفاء الذين سبقوه، ومع المتمرّدين عليه في خلافته.

3. المصلحة الإسلاميّة

من أساسيات المنهج الإسلامي أنّ لأي حكم شرعي مصلحة يتضمّنها، فمن باب أولى أن يكون لأخطر موقف - وهو الصلح وفي تلك الظروف الحسّاسة - مصلحة على المدى القريب والبعيد، فالصلح انطوى على عدّة مصالح آنيّة ومستقبليّة راعاها الإمام علیه السلام قبل اتخاذه القرار، بعضها متعلّق بالمصلحة العامّة للمسلمين، والآخر متعلّق بمصلحة منهج أهل البيت علیهم السلام في حركته الواقعيّة في المسيرة التأريخيّة.

وقد عبّر الإمام علیه السلام عن صلحه بالقول: (لا تعذلوني فإنّ فيها مصلحة).(1)

المصلحة العامّة للمسلمين

اشارة

إنّ الإمام الحسن علیه السلام قدّم مصلحة المسلمين العامّة على جميع الإمتيازات الأخرى، لأنّه مكلّف بالحفاظ على كيان المسلمين الإجتماعي والسياسي، وقد تبلورت المصلحة العامّة في صلحه بالنقاط التالية:

أوّلاً: وحدة الدولة والأمّة

إن استمرار التصادم العسكري ينتهي حتماً إلى إحدى النتيجتين: وهي قيام دولتين أحدهما في العراق وما وراءه من جهة الشرق كالحجاز وخراسان والريّ، والأخرى في الشام وما وراءه من جهة الغرب كافريقيا وما بعدها.

والنتيجة الأخرى: انتصار أحد الطرفين وخروجه من المعركة ضعيفاً لا يقوى على مواجهة الأعداء في الخارج أو بناء الدولة الإسلاميّة في الداخل، وكلاهما خسارة فادحة للمسلمين.

فمن أجل وحدة الدولة والمجتمع صالح الإمام علیه السلام بعد أن رأى المصلحة في (جمع


1) مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 41.

الكلمة وترك القتال)،(1)فنزل عن الخلافة وجعل الملك بيد معاوية حتّى تجتمع الكلمة على أمير واحد.(2)

ثانياً: إفشال المخطّطات الخارجيّة

إنّ الكيان الإسلامي معرّض في كلّ حين لمؤامرات خارجيّة تسعى للقضاء على الكيان الإسلامي منهجاً وسلوكاً ووجوداً، وإذا كان لكلّ معركة استحقاقاتها الخاصّة، فإنّ دخول الإمام علیه السلام في معركة مع معاوية يعني وضع جميع الإمكانيات والطاقات العسكريّة والإقتصاديّة في صراع داخلي ينهك القوى ويجعل الكيان الإسلامي يتهاوى لمجرّد أيّة ضربة متوّقعة من الخارج أو فتنة من الداخل، وعليه فإنّه صالح لأنه وجد أنّ الكيان الإسلامي يواجه خطر الأعداء إلى جانب خطر المفروضين عليه باسمه.(3)

فقد أفشل علیه السلام مخطّطات الأعداء؛ ومنع من تفكيرهم في الإنقضاض على الوجود الإسلامي أو تحجيمه في بقعة جغرافيّة محدودة.

ثالثاً: حقن الدماء

إنّ حقن دماء المسلمين بالتخلّي عن معركة خاسرة هي موقف يستوجب النظر إليه في إطار المسؤوليّة والحرص على كيان الأمّة، وقد أدرك الإمام علیه السلام النتائج من أنّ وضع المسلمين لا يحتمل صراعاً من هذا النوع، لذا صالح حقناً للدماء وإصلاح الأوضاع، وأن يكون موقفه وقراره حجّة على الطامعين في السلطة، والّذين يضحّون بإمكانيات الأمّة من أجلها.

وقد عبّر علیه السلام عن هذه المصلحة في كثير من أقواله ومواقفه، قال علیه السلام: (وإنّ معاوية نازعني حقّاً هو لي، فتركته لصلاح الأمّة وحقن دمائها... ورأيت أنّ حقن الدماء خير


1) تأريخ الخميس، ج 2، ص 290.

2) البداية والنهاية، ج 8، ص 16.

3) الحسن بن علي، سليمان كامل، ص 105.

من سفكها وأردت صلاحكم، وأن يكون ما صنعت حجّة على من كان يتمنّى هذا الأمر).(1)

وقال علیه السلام للمعترضين على صلحه (رأينا أنّ حقن دماء المسلمين خير من إهراقها).(2)

وقد قدّر علیه السلام ضحايا المعركة - لو حدثت - بسبعين ألفاً، وهي خسارة كبيرة حيث قال: ولكنّي خشيت أن يأتي يوم القيامة سبعون ألفاً، تشخب أوداجهم دماً كلّهم يستعدي الله فيم أهرق دمه.(3)

وعبّر علیه السلام عن صلحه في موضع آخر قائلاً: (طالت الفتنة وسفكت فيها الدماء، قطعت فيها الأرحام، وقطعت السُبل، وعطلّت الثغور).(4)

رابعاً: إدامة مسؤوليّة الإصلاح والتغيّير

إنّ الظروف الّتي عاشتها الأمّة من قبل جعلتها تتّجه نحو الابتعاد عن المنهج الإسلامي عقيدةً وسلوكاً، حيث تغيّرت بعض المفاهيم والقيم، وقام الولاة والمنحرفون بتشويه المفاهيم والحقائق، وقلب الموازين، وإشاعة الأحاديث الكاذبة.

ومن هنا فإنّ الأمّة بحاجة إلى وجود عدد كبير من المصلحين والمغيّرين لإعادتها إلى الإستقامة في الفكر والعاطفة والسلوك، بعد خطوات دائمة من التحرك في مختلف ميادينها وأوساطها، وهذا يستدعي بقاء الجماعة الصالحة والمحافظة على حياتها لتؤدّي مسؤوليّتها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أجل ذلك قام الإمام علیه السلام باتخاذ قرار الصلح، وقد عبّر عن ذلك بالقول: (إنّي لمّا رأيتكم ليس بكم عليهم قوّة سلّمت الأمر، لأبقى أنا وأنتم بين أظهرهم، كما عاب العالم السفينة لتبقى


1) أنساب الأشراف، ج 3، ص 43.

2) البداية والنهاية، ج 8، ص 42.

3) شرح نهج البلاغة، ج 16، ص 17.

4) تهذيب تأريخ دمشق، ج 4، ص 224.

لأصحابها، وكذلك نفسي وأنتم لتبقى بينهم).(1)

وهذا لا يتّم إلّا بالصلح وبقاء الجماعة الصالحة يمنع معاوية من كثير من ممارساته الّتي تستهدف تشويه الحقائق وقلب الموازين، وتمنعه من تحريف الكتاب والسنّة، وتمنعه من التفرّغ لتنفيذ مخطّطاته لعودة الجاهليّة من جديد.

ثانياً: مصلحة الجماعة الصالحة

لقد واجهت الجماعة الصالحة بقيادة أهل البيت علیهم السلام ومنذ اللحظات الأولى لوفاة رسول الله صلّی الله علیه و آله محاولات كثيرة لتحديد وتحجيم دورها الريادي في الأمة، خلافاً لوصايا رسول الله صلّی الله علیه و آله الصريحة على ضرورة تفعيل دور الإمامة في الحياة الإسلاميّة، وتمكينها من واقع المسلمين بما يحفظ وجود الكيان الإسلامي وديمومة المنهج السليم.

وحيث أنّ القاعدة العريضة من الأمّة المندرجة في كيان الجماعة الصالحة تحتاج إلى القائد الّذي يوجّه حركتها وسلوكها نحو أهداف الإسلام الكبرى، فإنّ وجود القائد الإمام المعصوم يعدّ من أوّليات حفظ هذه الجماعة وتدعيم حركتها نحو وضع التحرك الإسلامي العامّ في إطاره الصحيح.

ومن خلال الصلح بقيت القيادة المعصومة حاضرة في الأحداث وفي المسيرة بما يحفظ الشرعيّة الواعية للأمّة وتوجيه الدولة والأمّة صوب المسار الصحيح لحركتها. وبالإضافة إلى الحفاظ على وجود الإمام الحسن علیه السلام ووجود الإمام الحسين علیه السلام وامتداد خطّ الإمامة بهما، فإنّ مصلحة الجماعة الصالحة تمثّلت في المظاهر التالية:

1. حقن دماء أفراد الجماعة الصالحة

استطاع الإمام علیه السلام من خلال اتخاذ قرار الصلح حقن دماء أفراد الجماعة الصالحة،


1) تحف العقول، ص 227.

والحيلولة دون إراقة دمائها، وقد عبر علیه السلام عن هذه المصلحة المتوخّاة من قراره، ففي جوابه لمن اعترض عليه قال: (إنّما فعلت ما فعلت ابقاءً عليكم).(1)

وقال أيضاً: (فلو كنت بالجزم في أمر الدنيا أعمل، ولسلطانها أربض وألحب، ما كان معاوية بأبأس منّي بأساً... وما أردت فيما فعلت إلّا حقن الدماء...).(2)

وقال علیه السلام: ( ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض إلّا قتل).(3)

2. استمرار الدعوة من قبل الجماعة الصالحة

الهدف من وجود الجماعة الصالحة هو إقرار المنهج الإلهي في الواقع، بالدعوة إلى مفاهيمه العقائديّة وقيمه التشريعيّة، وتحقيقها في صورة عمليّة وواقع موضوعي ذي معالم منظورة، تترجم فيها النصوص والمفاهيم النظريّة إلى حركات وأعمال وممارسات وأوضاع وارتباطات، والإنتقال من مرحلة التأثّر الوجداني بالفكر والعقيدة إلى مرحلة العمل الإيجابي وفق هذا التأثر تحقيقاً للمنهج الّذي أراده الله تعالى.

ولا يتحقّق ذلك إلّا بالحفاظ على وجود الجماعة الصالحة، فهي الكفيلة بالدعوة إلى المنهج السليم وإقراره في الواقع، وفي هذا الصدد قال الإمام علیه السلام: (إنّي لما رأيت الناس تركوا ذلك إلّا أهله؛ خشيت أن يجتثوا عن وجه الأرض، فأردت أن يكون للدين في الأرض ناع).(4)

أحرز الإمام علیه السلام من خلال الصلح حرّيّة أتباعه وأنصاره، حيث جعلها شرطاً من شروطه والحرّيّة المنشودة هي فرض على معاوية لا يستطيع التنصّل عنه بسهولة ما دام يخشى من المواجهة المسلحة من جديد، ومن مظاهر الحرّيّة عدم متابعة من له دور


1) أنساب الأشراف، ج 3، ص 45.

2) أنساب الأشراف، ج 3، ص 49.

3) علل الشرائع، ص 211.

4) مختصر تاریخ دمشق، ج 7، ص 38.

كبير في معركة صفّين أو التحريض على معارضة عثمان، ومن مظاهرها أيضاً حرّيّة الإعتراض على معاوية، وحرّيّة التحرّك باتّجاه توعية الأمّة وتصحيح فهمهما للأفكار والأشخاص والأحداث.

3. إعادة بناء الجماعة الصالحة

إنّ الأحداث الّتي ابتدأت منذ أواخر عهد عثمان مروراً بثلاث معارك طاحنة لإخماد تمرّد أصحاب الجمل وصفّين والنهروان أدّت إلى تصدّع الطاقات والإمكانيات الّتي تتمتّع بها الجماعة الصالحة، حيث أنّ سرعة الأحداث وشدّتها أدّت إلى حدوث الكلل والإرهاق داخل الجماعة الصالحة، فهي بحاجة إلى استراحة نسبيّة من أجل إعادة بنائها وتمتين قوّتها، وتوسيع قاعدتها ورفدها بعناصر جديدة، وجميع ذلك حقّقه الإمام علیه السلام،بصلحه، وقد عبّر عن ذلك قائلاً: (أردت صلاحكم وكفّ بعضٍ عن بعض، فارضوا بقدر الله وقضائه، حتّى يستريح برّ أو يستراح من فاجر).(1)

وجميع الشروط الموضوعة تنطوي على جملة من المصالح الخاصّة بالجماعة الصالحة وبقيادتها المتمثّلة بالإمام الحسن علیه السلام.

وجميع المصالح الّتي تحقّقت من صلح الإمام علیه السلام هي الّتي جعلت الإمام علیه السلام يدفع الحرب بالصلح على أساس خدمة الأهداف الإسلاميّة الكبرى، فقد ضحّى علیه السلام بالسلطة الفوقيّة من أجل سلامة البنى التحتيّة.

وقد عبّر الإمام الباقر علیه السلام عن هذه المصالح قائلاً: (والله، لَلذي صنعه الحسن بن علي علیهما السلام كان خيراً لهذه الأمّة ممّا طلعت عليه الشمس).(2)


1) شرح نهج البلاغة، ج 16، ص 15.

2) الكافي، ج 8، ص 330.

الخلاصه

回 إن شرعيّة الموقف والقرار الّذي اتخذه الإمام اتّجاه عمليّة الصلح مع معاوية، والظروف الّتي أحدقت بقرار الصلح، ومن فوقها المصلحة الإسلاميّة العليا كانت كلّها مبرّراً عملياً وموقفاً عامّاً لتقرير اسلوب الصلح ليكون اسلوباً عملياً في حياة الأمّة متى ما دعت الحاجة إليه. ولا غرو في أنّ ما جنح الإمام علیه السلام إليه إبّان توقيعه على وثيقة الصلح إنّما يمثّل منعطفاً تأريخياً لمسيرة الأمّة في كلّ زمان باعتباره منهجاً سياسياً وفكرياً وقيادياً تتعامل الأمّة على أساسه كلّما أرادت أن تتخذ قراراً إلى صالح الإسلام.

回 و تقديم المصلحة الإسلاميّة يظلّ مناراً للأمّة ترجع إليه في إزهاق الباطل، و تثبيت الحق، وتتبلور تلك المصلحة حينما يكون وعي الأمّة طاغياً على تفكيرها وآفاقها النفسيّة. وإذا كانت وحدة الأمّة هي المحور لتحرّكها في بناء كيانها؛ فلا ريب أنّ التضحية من أجلها هو الثمن لنجاحها. فإذا حفظت الأمّة كيانها وموقعها كان ذلك كفيلاً في حقن الدماء، وإفشال المخطّطات للإطاحة بنظامها السياسي والفكري وحفظ وحدتها. فطالما تتعرّض حياة أكثر من أمّة حينما تفقد شخصيّتها، وموقعها القيادي.

回 ولو قدّر للإمام علیه السلام اتخاذ قرار الحرب، وهو يخوضها مع جيش متخاذل طامع في أموال معاوية؛ لكانت نتيجة ذلك ضياع الإسلام، وانتصار الباطل على الحقّ في الساحة العسكريّة، لأنّ الظروف الّتي عاشتها الأمّة وهي تتابع طغيان حكم معاوية، جعلتها تعتزل حياة المواجهة مع العدوّ لكثرة عدده. وقلّة الناصرين لجبهة الحقّ.

回 و غياب القيادة الشرعيّة عن الساحة الميدانيّة والعسكريّة بقتل الإمام علیه السلام يؤدّي إلى فقدان الأمّة للقائد الّذي يقود مسيرتها ويوجّه أفكارها وحركتها

وسلوكها، فإقرار المنهج الإسلامي، وحقن دماء الأمّة، وإحراز حرّيّة الجماعة الصالحة والثبات على المبدأ من معطيات عمليّة الصلح الّتي مارسها الإمام علیه السلام ودافع بعد ذلك عنها. وإذا كان اتخاذ القرار منطلقاً للعمل من أجل تقرير المصلحة الإسلاميّة العليا، فلا مجال للتنصّل عنه حينما لا يروق ذلك لمن لا يحلم إلّا بتحقيق مآربه.

回 وقد عبّر الإمام الباقر علیه السلام عن هذه المصالح قائلاً: (والله لَلذي صنعه الحسن بن عليّ علیهما السلام كان خيراً لهذه الأمّة ممّا طلعت عليه الشمس).

الأسئلة

1.

ما هو دور المصلحة في اتّخاذ قرار الصلح؟

2.

لماذا لم يقم الإمام الحسن علیه السلام بتشكيل حكومته في الكوفة، وترك الشام لمعاوية؟

3.

ما هو دور الصلح في إفشال المؤامرات الخارجيّة على الكيان الإسلامي؟

4.

ما هو المقصود من قول الإمام علیه السلام: وأن يكون ما صنعت حجّة على من كان يتمنّى هذا الأمر؟

5.

ما هو المقصود من قول الإمام علیه السلام: سلّمت الأمر؛ لأبقى أنا وأنتم بين أظهرهم؟

6.

ما هو المقصود من قول الإمام علیه السلام: أردت أن يكون للدين في الأرض ناعٍ؟

7.

ما هو الهدف من محافظة الإمام علیه السلام على نفسه من القتل؟

8.

من أهداف الإمام علیه السلام حقن دماء أنصاره، ما هو الضمان لذلك في حال سيطرة معاوية على الحكم؟

9.

ما هي أهمّ الأضرار الّتي ستلحق بالجماعة الصالحة، في حال الإستمرار في القتال؟

10.

كيف تفسّر قول الإمام محمّد الباقر علیه السلام: والله لَلذي صنعه الحسن بن علي علیهما السلام كان خيراً لهذه الأمّة ممّا طلعت عليه الشمس؟

الدرس 6: نتائج الصلح وآثاره

انكشاف حقيقة معاوية والحكم الأموي

في أجواء الكيد والدسّ، والتربّص بقادة الأمّة الحقيقيّين، وفي خضّم تزيّين الضلال، وتزيّيف الحقائق، وإشاعة اللبس والغبش في الرؤية من قبل معاوية لإبقاء المسلمين بعيداً عن الوعي وإدراك الحقائق؛ كان للصلح دوره الكبير في كشف حقيقة معاوية ونواياه الخفيّة، فبعد أن استلم معاوية زمام الأمور استسلم لزهو الإنتصار، ولم يتمالك نفسه حتّى كشف عن سريرته ومكنونات أهوائه، ولم يلتفت إلى الآثار المترتّبة على هذا الكشف، فأعلن لأهل العراق عن أهدافه الحقيقيّة وهي تتلخّص في الوصول إلى قمّة السلطة، كما جاء ذلك في خطابه حين قال: إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجّوا، ولا لتزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك، وإنّما قاتلتكم لأتأمرّ عليكم.(1)

وهذا التصريح قد كشف عن الوجه الحقيقي لمعاوية كشفاً لا يمكن بعد ذلك التسترّ عليه بتزوير الأحاديث، وتحريف الوقائع، ولا تقوى المبرّرات الموضوعة للتسترّ عليه والتي كان منها عدالة جميع الصحابة، وغيرها من الفضائل الّتي أدلى بها الوضّاعون من وعّاظ السلاطين.


1) مقاتل الطالبيين، ص 70.

وانكشفت حقيقة معاوية أمام الأمويّين وخصوصاً أمام عائلة عثمان، إذ قد رفع معاوية شعار الطلب بدم عثمان وتمرّد على الإمامة الشرعيّة المنصوبة من قبل رسول الله صلّی الله علیه و آله وبالبيعة من قبل أهل الحلّ والعقد -كما هو الرأي السائد آنذاك- ثمّ تمرّد على خلافة الإمام الحسن علیه السلام بعد أن بايعه عامّة المهاجرين والأنصار، تخلّى عن شعاراته حين تمّ الصلح، وترك متابعة قتلة عثمان، وحينما دخل دار عثمان قالت عائشة بنت عثمان: واأبتاه، وبكت، فأجابها معاوية: يا ابنة أخي إنّ الناس أعطونا طاعة، وأعطيناهم أماناً... وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، ومع كلّ إنسان سيفه وهو يرى مكان أنصاره، فإن نكثنا بهم نكثوا بنا ولا ندري أعلينا تكون أم لنا؟ ولأن تكوني بنت عمّ أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين.(1)

انکشاف انحراف معاوية وعدم وفائه بالشروط

لقد كشف معاوية عن نواياه في عدم الوفاء بالعهود والمواثيق الّتي قطعها على نفسه وقال: ألا أنّ كلّ شيء أعطيته للحسن بن عليّ تحت قدميّ هاتين لا أفي به).(2)

وكان لهذا التصريح دور واضح في تقييم الأشخاص والأحداث والمواقف من قبل عموم المسلمين، حيث استطاعوا تشخيص القيادة الحقيقيّة عن القيادة المزيّفة وانكشفت لهم طبيعة الصراع القائم، فهو ليس صراعاً بين قبيلتين أو شخصين، وإنّما هو صراع بين منهجين: منهج الاستقامة الّذي يمثّله أهل البيت علیهم السلام ومنهج الانحراف والجاهليّة الّذي يمثّله الأمويّون.

وكان هذا التصريح فرصة للجماعة الصالحة لتبيان الحقائق وإقناع الأمّة بمخطّطات معاوية التخريبيّة النابعة من أهوائه.


1) عيون الأخبار لابن قتيبة، ج 1، ص 67.

2) مقاتل الطالبيّين، ص 69.

خصائص معاوية الإرهابيّة

كان معاوية يتظاهر بالعفو والحِلم والسماحة، ويتظاهر بحبّ السلام والأمان، وكراهة إراقة الدماء، فقد رفع المصاحف في صفّين ودعا إلى الصلح مبرّراً ذلك بحقن الدماء وهكذا فعل قبل الصلح، إلّا أنّه سرعان ما كشف القناع عن زيفه، فبعد أن تمّ تسليم السلطة إليه بأيّام قلائل؛ نادى - وهو في المدائن- بأعلى صوته: (ألا إنّ ذمّة الله بريئة ممّن لم يخرج فيبايع... ألا وإنّا قد أجّلنا ثلاثاً، فمن لم يبايع فلا ذمّة له ولا أمان له عندنا).

فقد خالف معاوية أساسيات المنهج الإسلامي المتفق عليه بين عموم المسلمين وهو عدم الإكراه على البيعة، وقد قامت سيرة رسول الله صلّی الله علیه و آله وسيرة أمير المؤمنين علیه السلام على ذلك، فلم يكرهوا أحداً على البيعة لأنّها اختياريّة.

بينما أعلن معاوية عن طبيعته الإرهابيّة في ملاحقة ومطاردة وقتل الرافضين لبيعته.

معارضة حرّيّة الجماعة الصالحة

لم يستطع معاوية في حياة الإمام الحسن علیه السلام أن يقيّد حرّية الجماعة الصالحة، خوفاً من إعلان المواجهة المسلّحة ضدّ حكمه، فكان لها دور في التحرّك في أوساط الأمّة، وكان كثير من أعضائها البارزين يعترضون على معاوية، ويكشفون عن الحقائق دون أن يعمل معاوية شيئاً.

فقد صرّح عبدالله بن عبّاس بتباطئ معاوية عن نصر عثمان(1)وحمّله قسطاً من المسؤوليّة عن قتله دون أن يجيب على شيء.

وهدّده جارية قدّامة قائلاً: (فإن وفيت لنا وفينا، وإن ترغب إلى غير ذلك فقد تركنا وراءنا رجالاً مداداً وأذرعاً شداداً وأسنّةً حداداً، فإن بسطت إلينا فتراً من غدر، زلفنا إليك بباع من ختر...).(2)


1) أنساب الأشراف، ج 3، ص 47.

2) شرح نهج البلاغة، ج 16، ص 155.

وكان الأنصار لا يلتقون به إن قدم المدينة وحينما سأل أبا قتادة عن ذلك، قال: لم يكن لنا دوابّ، وحينما قال له: أين النواضح؟ أجابه: عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر.(1)

رقابة الإمام الحسن علیه السلام لتصرّفات معاوية

تمتّع الإمام الحسن علیه السلام بحرّيّة كاملة في الاعتراض على معاوية وكشف انحرافه عن المنهج الإسلامي.

فقد قام خطيباً علیه السلام - ومعاوية جالس - فقال: (أيّها الناس إنّ معاوية زعم: أنّي رأيته للخلافة أهلاً، ولم أرَ نفسي لها أهلاً، وكذب معاوية؛ أنا أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان نبي الله...).(2)

وهكذا بيّن الإمام علیه السلام إحدى الحقائق الأساسيّة وهي عدم أهليّة معاوية للخلافة وكذّب مدعياته، وأكّد إمامة أهل البيت علیهم السلام ونفى الشرعيّة عن حكم معاوية فلم يخاطبه إلّا باسمه.

وفي خطاب آخر وضع علیه السلام منهجاً لتشخيص الخليفة الحقّ وبيّن انحراف معاوية عن المنهج السياسي الإسلامي، فخاطب معاوية أمام جمهور من المسلمين بقوله: (ويلك يا معاوية إنّما الخليفة من سار بسيرة رسول الله صلّی الله علیه و آله وعمل بطاعة الله، ولعمري إنّا لأعلام الهدى ومنار التقى، ولكنّك يا معاوية ممّن أبار السنن وأحيا البدع، واتَّخذ عباد الله خولاً ودين الله لعباً، فكان قد أخمل ما أنت فيه، فعشت يسيراً، وبقيت عليك تبعاته).(3)

وفي داخل البلاط في عاصمة الأمويّين أراد معاوية وبعض رجال الحكم انتقاصه


1) تأريخ الخلفاء للسيوطي، ص 159.

2) تأريخ الخلفاء، ص 160.

3) الاحتجاج، ج 2، ص 8.

فلمّا أكملوا كلامهم، تكلّم الإمام علیهم السلام متحدّياً الحكم الأموي في عقر داره، وقال: أمّا بعد يا معاوية، فما هؤلاء شتموني ولكنّك شتمتني، فحشاً ألِفته، وسوء رأي عُرفت به، وخُلقاً سيّئاً شبتَ عليه، وبغياً علينا؛ عداوةً منك لمحمّد وأهله... وأنّك يا معاوية وأباك من المؤلّفة قلوبهم تُسرّون الكفر، وتظهرون الإسلام، وتُستمالون بالأموال.

ثمّ بيّن علیه السلام فضائل أبيه علیه السلام، ومساوئ أعدائه، فابتدأ بمعاوية وأبيه ثمّ ابن العاص، والوليد بن عقبة، والمغيرة بن شعبة ثمّ خرج.

فقال معاوية: والله ما قام حتّى أظلم عليَّ البيت، قوموا عنّي، فلقد فضحكم والله وأخزاكم.(1)

حرّيّة التحرّك والعمل الرسالي

لم يستطع معاوية تحجيم التحرّك والعمل الرسالي للإمام الحسن علیه السلام وأنصاره، بل كان يزجر من يريد أن يتدخّل لتقييد هذه الحركة في حياة الإمام الحسن علیه السلام، فقد كتب زياد بن أبيه إليه: إنّ ابن عباس يفسد الناس عليّ، فإن أذنت لي أن أتوعّده فعلت.

فكتب معاوية: إنّ أبا الفضل وأبا سفيان كانا في الجاهليّة في مسلاخ واحد، وذلك

حلف لا يحلّه سوء رأيك.(2)

ومن خلال هذين الكتابين نرى أن للمقرّبين من الإمام الحسن علیه السلام مطلق الحرّيّة في التحرّك والعمل الرسالي، حيث إنّ إفساد الناس الّذي ورد في كتاب زياد، يعني تبیان فضائل أهل البيت علیهم السلام والدعوة إلى التمسّك بمنهجهم، وفضح ممارسات الحكم الأموي وانحرافه عن الأسس الإسلاميّة الثابتة، والتحريض على مخالفة حكمهم، وكان موقف معاوية هو ردع زياد عن توعّد ابن عبّاس وتهديده.


1) تحف العقول، ص 164.

2) شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 288 إلى 294.

وحينما لاحق زياد رجلاً من أصحاب الإمام الحسن علیه السلام، كتب الإمام الحسن علیه السلام إلى زياد كتاباً جاء فيه: من الحسن بن عليّ إلى زياد، أمّا بعد... قد ذكر لي فلان أنّك تعرّضت له، فأحبّ ألّا تعرض له إلّا بخير، والسلام.

فغضب زیاد وكتب له: ... وأيم الله لأطلبنّه بين جلدك ولحمك.

فبعث الإمام علیه السلام بكتاب زياد إلى معاوية، فلمّا قرأه غضب وكتب له: من معاوية ابن أبي سفيان إلى زياد. أمّا بعد، فإنّ لك رأيين: رأياً من أبي سفيان ورأياً من سميّة، فأمّا رأيك من أبي سفيان فحلم وحزم، وأمّا رأيك من سميّة، فما يكون من مثلها، إنّ الحسن بن عليّ كتب إليّ بأنّك عرضت لصاحبه، فلا تعرض له، فإنّي لم أجعل لك عليه سبيلاً، وأنّ الحسن ليس ممّن يرمى به الرجوان، والعجب من كتابك إليه لا تنسبه إلى أبيه أو إلى أمّه، فالآن حين اخترت له، والسلام.(1)

وهدم زياد دار أحد الشيعة - وهو سعيد بن سرح-، فكتب الإمام علیه السلام إليه كتاباً فلم يستجب له، فأخبر معاوية بالأمر فكتب معاوية إلى زياد: ... كتابك إلى الحسن تشتم أباه، وتعرض له بالفسق، ولعمري إنّك الأولى بالفسق من أبيه... فإذا ورد عليك كتابي فخلّ ما في يديك لسعيد بن سرح، وابنِ له داره، واردد عليه ماله، ولا تعرُض له، فقد كتبت إلى الحسن أن يخيّره، إن شاء أقام عنده، وإن شاء رجع إلى بلده، ولا سلطان لك عليه لا بيدٍ ولا لسان.

وكتب في أسفل الكتاب شعراً، من جملته:

أمّا حسنٌ فابن الّذي كان قبله***إذا سار سار الموت حيث يسير

وهل يلد الرئبال إلّا نظيره***وذا حسنٌ شبهٌ له ونظير(2)

وفي إمارة المغيرة بن شعبة على الكوفة كان لأصحاب الإمام الحسن علیه السلام مطلق


1) العقد الفريد، ج 5، ص 273.

2) شرح نهج البلاغة، ج 16، ص 18، 19؛ أنساب الأشراف، ج 3، ص 53.

الحرّيّة في التحرّك والعمل الرسالي، فلم يتعرّض لأحد منهم بسجنٍ أو قتل أو ملاحقة، وكان يقال له: إنّ فلاناً يرى رأي الشيعة، وفلاناً يرى رأي الخوارج، فيقول: قضى الله أن لا يزالوا مختلفين وسيحكم الله بين عباده.(1)

توسّع القاعدة الشعبيّة لأهل البيت علیهم السلام

استثمر الإمام علیه السلام الفرصة المتاحة له في توسيع القاعدة الشعبيّة لأهل البيت علیهم السلام بنشر الأفكار والمفاهيم السليمة، ونشر فضائل أمير المؤمنين علیه السلام ونشر الأحاديث الّتي توجّه الأنظار إلى إمامة أهل البيت علیهم السلام ودورهم القيادي في الأمّة، ونشر مطلق أحاديث رسول الله صلّی الله علیه و آله بعد أن منع الخلفاء الثلاثة نشرها في العهود السابقة، واستطاع علیه السلام أن ينشر الوعي في صفوف المسلمين حتّى أصبحوا يميّزون بين منهجين: منهج الإستقامة على خطّ الرسالة بقيادة أهل البيت علیهم السلام، ومنهج الأمويّين المنحرف وهكذا وضع الإمام الحسن علیه السلام اللبنات الأولى لتعرية الحكم الأموي وبيان حقيقته الجاهليّة لكي تأتي اللبنة الأخرى في مراحل الحركة الرساليّة ولتكون الاُمّة في حالة تعبئة نفسيّة وروحيّة للتفاعل مع ثورة الإمام الحسين علیه السلام فيما بعد، فقد تفاعل صلح الحسن علیه السلام مع ثورة الحسين علیه السلام ليؤدّيا بالنتيجة إلى تبنّي الجهاد المسلّح لإيقاف انحراف الحاكم أو إزالته، فكانت ثورة أهل المدينة وثورة التوّابين والمختار وغيرها من الثورات، الّتي كسرت الطوق المفروض على أئمة أهل البيت علیهم السلام وأتباعهم فانطلقوا لأداء دورهم الرسالي في الأمّة رغم التخطيط الجاهلي لهدم أوصول الإسلام وحصونه.(2)


1) شرح نهج البلاغة، ج 16، ص 194، 195.

2) الكامل في التأريخ 3: 421.

الخلاصه

回 في وقت استعمل فيه معاوية الكيد والدس والخداع والتمويه على الحقائق في أجواء سادها الركود الفكري، وطغا فيه الطمع المادي، وشاع فيه الخوف والإرهاب؛ جاء دور الصلح الّذي صالح به الإمام الحسن علیه السلام معاوية، جاء كاشفاً زيف السياسة الأمويّة، وواضعاً الحقيقة ناصعة أمام الأمّة إذ وجدت في ذلك حكمة الإسلام في تنظيم شؤون الأمّة في إطار تفكير قائدها المحنّك الإمام الحسن علیه السلام الذي فوّت بدوره فتنة لولاه لحلّت بالأمّة المأساة الكبرى الّتي خطّط لها معاوية، والأتباع الضالعون في مخطّطه الإرهابي. وانكشفت من خلال الصلح حقيقة معاوية أمام الأمويّين الّذين خدعهم بريق سياسته المزيّفة، فقد تستّر معاوية بمطالبة الإمام بدم عثمان، ولكن معاوية حينما وصل إلى قمّة السلطة تخلّى عن المطالبة بدم عثمان.

回 و بعد استشهاد الإمام الحسن علیه السلام أخذت التداعيات للضجّة الّتي أثارها معاوية في إبّان مطالبته بدم عثمان أخذت تلك التداعيات تنكشف حقائقها يوماً بعد يوم ويتضّح زيفها حتّى لمن لا صلة له بالأحداث فضلاً عن الضالعين في مؤامرات معاوية من المقرّبين والنفعيّين، والمنخدعين. فقد انطلت إشاعة حلم معاوية وسماحته وعفوه حتّى على بعض الواعين للأحداث وإلى يومنا هذا.

回 و طارد معاوية أنصار الإمام عليّ والحسن علیهما السلام، ونكّل بالمؤمنين شر تنكيل وأدخل في الإسلام ما ليس فيه، ومهّد الطريق أمام تنفيذ الحكم الأموي بالحديد والنار، وحكم الأمّة بالقهر والتهديد، وزيّف الحقائق، حتّى أوعز إلى عامله زياد بهدم دور أنصار الإمام عليّ والحسن علي علیهما السلام.

回 وقد استثمر الإمام الحسن علیه السلام فرصة وعي الأمّة وهو يقودها فكرياً ولو لم يكن حاكماً فاستغلّها في توسيع القاعدة الشعبيّة الّتي ربّاها أبوه عليّ وأمّه الزهراء علیهما السلام بنشر الأحاديث الّتي توجّه الأنظار إلى إمامة أهل البيت، باعتبار ذلك منهجاً فكرياً وروحياً يتميّز به شيعته ومحبّوه والسائرون على هدى الإسلام وموضّحاً علیه السلام إلى جانب هذا منهجاً منحرفاً يتميّز به أتباع السياسيّة الأمويّة الرعناء، وقد هيّأت سياسة الإمام الحسن علیه السلام هذه الأذهان إلى قيام ثورة الإمام الحسين علیه السلام وأدّى استشهاده بعده إلى قيام ثورات ضدّ بني أميّة رغم طغيانهم كسرت طوق الخوف، فانطلقت الأمّة في ظلّ تلك الثورات لأداء دورها الرسالي.

الأسئلة

1.

ما هي أهمّ النوايا السلبيّة التي صرّح بها معاوية أمام جمهور من المسلمين بعد أن كان متستّراً عليها؟

2.

كان لشعار المطالبة بدم عثمان دور كبير في وصول معاوية إلى السلطة، فما هي الأسباب الّتي دفعته للتخلّي عن ذلك بعد أن أصبحت القوّة بيده؟

3.

ماهي أسباب سكوت معاوية عن معارضيه، هل هي: الحلم والوفاء بالشروط أم غير ذلك؟

4.

خالف معاوية سيرة رسول الله صلّی الله علیه و آله في أخذ البيعة، فما هو وجه هذه المخالفة؟

5.

من نوايا معاوية هي عدم تنفيذ الوعود وعدم التقيّد بالشروط الموضوعة في الصلح، إلّا أنّه نفّذ بعضاً منها، فما هي أسباب ذلك؟

6.

هل حصل الشيعة على الأمان في عهد الإمام الحسن؟ اُذكر الدليل على ذلك؟

7.

ما هي أهمّ المواضيع الّتي تطرّق إليها الإمام علیه السلام في تبيانه لخصائص الحاكم الإسلامي؟

8.

ما هي أهمّ انحرافات الحكم الأموي الّتي بيّنها الإمام الحسن علیه السلام؟

9.

ما هو الميزان الّذي ذكره الامام علیه السلام في إثبات عدم إيمان معاوية؟

10.

ما هي أهمّ المكاسب الّتي حصل عليها الإمام علیه السلام من خلال اتخاذه قرار الصلح؟

الدرس 7: الإمام الحسن علیه السلام بعد الصلح حتّى الشهادة

الاجتماع في الكوفة

عُقد اجتماع موسّع حضره أنصار أهل البيت علیهم السلام وأنصار الأمويّين ممّن انخرطوا في جيش معاوية، وتبادل معاوية والإمام علیهم السلام الخطب الّتي تعبّر عن منهج كلٍّ منهما.

بيّن الإمام علیه السلام دور أهل البيت القيادي في الأمّة ووجوب طاعتهم وممّا جاء في ذلك قوله علیه السلام: ( نحن حزب الله المفلحون وعترة رسول الله صلّی الله علیه و آله الأقربون، وأهل بیته الطاهرون الطيّبون، وأحد الثقلين اللذين خلّفهما رسول الله صلّی الله علیه و آله... فإنّ طاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله والرسول وأولي الأمر مقرونة...).(1)

وبيّن فضل أهل البيت علیهم السلام على المسلمين في هدايتهم وحقن دمائهم، كما بيّن سنن التأريخ في تقلّب الدول وعدم دوامها، فقال علیه السلام: (أمّا بعد أيّها الناس، فإنّ الله قد هداكم بأوّلنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وأنّ لهذا الأمر مدّة، والدنيا دول، وأنّ الله تعالى قال لنبيه صلّی الله علیه و آله: «وإن أدري لعلّهُ فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حين».(2)

وأكّد علیه السلام على المواثيق المأخوذة على معاوية في إقامة العدالة وتحسين الأوضاع


1) مروج الذهب، ج 2، ص 431 و قد ينسب هذا القول للحسين علیه السلام في بعض كتب الاحتجاج.

2) تأريخ الطبري، ج 5، ص 163؛ سورة الأنبياء / 111.

المعيشيّة وأشهده على ذلك، فقال علیه السلام: (... وإنّي قد أخذت لكم على معاوية أن يعدل فيكم وأن يوفّر عليكم غنائمكم، وأن يقسّم فيكم فَيْتَكُم).

ثمّ أقبل على معاوية فقال: أكذاك؟ قال: نعم.(1)

وحينما نال معاوية من أمير المؤمنين علیه السلام في خطابه أجابه الإمام علیه السلام: (أیّها الذاكر عليّاً أنا الحسن وأبي عليّ، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمّي فاطمة، وأمّك هند، وجدّي رسول الله صلّی الله علیه و آله وجدّك حرب، وجدّتي خديجة وجدّتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكراً، وألأمنا حسباً، وشرّنا قدماً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً).

فقال من في المسجد: آمين.(2)

وفي جميع المواقف كان علیه السلام يسمّي معاوية باسمه دون إضافة أيّ لقب إليه لئلا يضفي عليه أيّة صفة شرعيّة، ولم يستطع معاوية أن يكرهه على تسميته بالأمير، أو الخليفة.

عدم الاعتراف بشرعيّة أوامر معاوية

أراد معاوية من الإمام علیه السلام أن يتولّى قتال الخوارج، من أجل إشغال المعارضة بعضها ببعض، فلم يجبه علیه السلام إلى ذلك وكان جوابه: (والله لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين، وما أحسب ذلك يسعني، أفأقاتل عنك قوماً أنت والله أولى بالقتال منهم).(3)

وجاء في رواية أنّه قال له: (لو آثرت أن أُقاتل أحداً من أهل القبلة لبدأت بقتالك، فإنّي تركتك لصلاح الأمّة وحقن دمائها).(4)

فرفض الاستجابة لأوامره وبيّن عدم شرعيّتها، وأفشل مخطّط معاوية في زرع العداوة المصحوبة في توجّه الأنظار إلى العدوّ المشترك. وترك علیه السلام الكوفة عائداً إلى المدينة.


1) تأريخ الإسلام للذهبي، ص 39.

2) مقاتل الطالبيّين، ص 78.

3) شرح نهج البلاغة، ج 5، ص 98؛ العقد الفريد، ج 1، ص 181.

4) الكامل في التأريخ، ج 3، ص 409.

رفض مصاهرة الأمويّين وتبيان حقيقة الصراع بينهما

رام معاوية مصاهرة بني هاشم، وكتب لعامله مروان أن يخطب زينب بنت عبدالله بن جعفر ليزيد، على حكم أبيها في الصداق وقضاء دينه، وعلى صلح بني هاشم وبني أميّة، فأجاب عبدالله مروان بأنّ الأمر بيد الإمام الحسن علیه السلام.

فجمع مروان الهاشميّين والأمويّين وخطب من الإمام الحسن علیه السلام فأجابه الإمام علیه السلام قائلاً: (أمّا ما ذكرت من حكم أبيها في الصداق، فإنّا لم نكن لنرغب عن سنّة رسول الله صلّی الله علیه و آله في أهله وبناته، وأمّا قضاء دين أبيها فمتى قضت نساؤنا ديون في آبائهنّ؟! وأمّا صلح الحيّين، فإنّا عاديناكم لله وفي الله، فلا نصالحكم للدنيا).(1)

وهكذا رفض علیه السلام توثيق العلاقة مع الأمويّين، وبيّن أنّ حقيقة الصراع هو صراع في جميع مقوّمات الشخصيّة، صراع الفكر والعاطفة والسلوك، صراع بين الاستقامة والانحراف العقائدي والسلوكي، فلا دور للقيم المادّيّة في إزالته وإعادة الأمور إلى التوافق حيث لا توافق بين منهجين متناقضين في قربهما وبعدهما عن المنهج الإسلامي.

فضح النظام الأموي في مركز قوّته

وفد الإمام علیه السلام على معاوية في عاصمة نظامه، وكان اللقاء على هيئة مناظرات استطاع الإمام علیه السلام من خلالها فضح رأس النظام الأموي وأتباعه، ففي أوّل مناظرة بعد أن افتخر معاوية عليه عند اجتماع الناس حوله أجابه علیه السلام:

هيهات، لَشرّ ما علوت يابن آكلة الأكباد، المجتمعون عليك رجلان: بين مطيع ومكره، فالطائع لك عاص لله والمكره معذور بكتاب الله، وحاشا لله أن أقول أنا خير منك؛ لأنّك لا خير فيك، فإنّ الله قد برأني من الرذائل كما برأك من الفضائل).(2)


1) مقتل الحسين للخوارزمي، ج 1، ص 124.

2) حياة الإمام الحسن، ج 2، ص 306 عن روضة الواعظين للنيسابوري.

وفي مناظرة أُخرى كشف مساوئ معاوية والمقرّبين إليه - كما تقدّم في الدرس السابق - وبيّن عداء معاوية لرسول الله صلّی الله علیه و آله على امتداد مراحل حياته.

وفي مجلس آخر قال معاوية: مَن أكرم الناس أباً وأمّاً وجدّاً وجدّةً وخالاً وخالةً وعمّاً وعمّةً؟ فقام النعمان بن العجلان الزرقي، فأخذ بيد الإمام الحسن علیه السلام فقال: هذا... ثمّ التفت إلى عمرو بن العاص وقال: يا ابن العاص أما علمت أنّه من التمس رضا مخلوق بسخط الخالق حرمه الله أمنيّته، وختم له بالشقاء في آخر عمره؟!!(1)

وفي مناظرة رابعة بيّن علیه السلام خيانة معاوية للحكّام ودوره في التربّص بعثمان، وصدّ أبيه عن الإسلام، فقال علیه السلام: ولّاك عمر الشام فخنته، ثمّ ولّاك عثمان فتربّصت عليه، وأنت الّذي كنت تنهى أباك عن الإسلام حتّى قلت له:

يا صخر لا تسلمن طوعاً فتفضحنا***بعد الّذين ببدرٍ أصبحوا مزقا(2)

وقد شجّعت مواقف الإمام الحسن علیه السلام غيره على تحدّي معاوية، حتّى قد تحدّاه سعد بن أبي وقّاص وقال له: إنّما أنت منتزٍ، بعد أن سلّم عليه بالقول: السلام عليك أيّها الملك،(3)وتحدّاه أبو الأسود، وابن عباس وابن الزبير، وعبدالله بن هاشم المرقال وآخرون.

وله علیه السلام مواقف عديدة في المدينة واجه بها معاوية عند قدومه إليها وبيّن فيها مقام أهل البيت ومثالب معاوية والحكم الأموي.

استقبال المعارضين

كان المعارضون للحكم الأموي يتوجّهون إلى الإمام علیه السلام في مقرّ إقامته بالمدينة،


1) مختصر تاریخ دمشق، ج 7، ص 23.

2) تذكرة الخواص، ص 183.

3) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 217.

وكان يستقبلهم ويوجّه أفكارهم وممارساتهم، وعلى الرغم من صدور الإساءة من بعضهم لمقامه السامي إلّا أنّه علیه السلام كان يقابلهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ويوضّح لهم الظروف الّتي دفعته للصلح، والمصالح المترتّبة عليه، ويدعوهم للصبر والتعبئة النفسيّة والروحيّة إلى أن يأتي اليوم الّذي يتّخذون فيه قرار الثورة المسلّحة في ظرفها المناسب.

وكان علیه السلام مأوى للشخصيات المطارَدة من قبل الولاة، يدافع عنهم ويطالب بحقوقهم، ورفع الحظر عنهم.

الإعداد الفكري والسلوكي للجماعة الصالحة

كان علیه السلام مستمرّاً في إعداد أصحابه إعداداً فكرياً وسلوكياً، وكان يوجّه عقولهم وقلوبهم وإرادتهم إلى المسؤوليّة الكبرى في حمل المنهج الإسلامي وتقرير مفاهيمه وقيمه في واقع الحياة، وكان يؤكّد على اتّساع أفق النظر، والتعامل الموضوعي مع الأفكار والأحداث، وبذل الجهد لحماية العقيدة والشريعة، وصيانة الأخلاق في الشعور والممارسات العمليّة إضافة إلى أعماق الضمير وفي الواقع الاجتماعي، وكان يدعو أصحابه وسائر المسلمين إلى جعل مصادر موازين الإسلام الثابتة معياراً لتقويم الأفكار والأعمال والأحداث والناس.

وكان يؤكّد على أنّ التشيّع مسؤوليّة وممارسة سلوكيّة، وهو مرتبة شريفة وليس شعاراً يرفع وادعاءً، فارغاً كما جاء في قوله لأحد أصحابه: (إن كنت لنا في أوامرنا وزواجرنا مطيعاً فقد صدقت، وإن كنت بخلاف ذلك فلا تزد في ذنوبك بدعواك مرتبة شريفة لست من أهلها...).(1)

وكانت أحاديثه الشريفة تؤكّد على الإخاء والتعاون والإحسان وحسن الخلق،


1) بحار الأنوار، ج 65، ص 156.

وصدق اللسان، والتكافل الاجتماعي، وكان يؤكّد المداومة على اللقاءات في المساجد والبيوت لمدارسة الجوانب المختلفة في العقيدة والشريعة، وله علیه السلام لقاءات مع مختلف الطبقات ومختلف الناس من أنصاره وغيرهم.

مدرسة الإمام ونشاطه العلمي

أنشأ الإمام علیه السلام مدرسته الكبرى في المدينة، لنشر علوم أهل البيت علیهم السلام في مختلف حقولها، وقد انتمى لمدرسته كبار العلماء، وعظماء المحدّثين والرواة، وقد ذكر المؤرّخون بعض أعلام تلامذته مثل: ابنه الحسن المثنّى، والمسيّب ابن نجبة، وسويد غفلة، والشعبي، والأصبغ بن نباتة، وجابر بن خلد، وأبو مريم قيس الثقفي، وإسحاق بن يسار.(1)

وكان علیه السلام يجلس في مسجد رسول الله صلّی الله علیه و آله ويجتمع الناس حوله فيتكلّم بما يشفي غليل السائلين ويقطع حجج المجادلين.(2)

وكان يجيب على الأسئلة الموجّهة إليه من مختلف الأفراد والّذين ينتسبون إلى مدارس فكريّة أخرى، كالحسن البصري الّذي أجابه علیه السلام في مختلف حقول المعرفة الإسلاميّة، في العقيدة والشريعة.(3)

وقد روى عن رسول الله صلّی الله علیه و آله وكان يحثّ على تداول حديث الرسول صلّی الله علیه و آله ونشره وتدوينه.(4)


1) تأريخ دمشق، ج 12 صورة فوتوغرافيّة في مكتبة الإمام أمير المؤمنين. مختصر تاريخ دمشق، ج 7 ترجمة الإمام الحسن علیه السلام.

2) الفصول المهمّة، ص 155.

3) تحف العقول، ص 166.

4) مختصر تاریخ دمشق، ج 7، ص 5.

غدر معاوية اغتيال الإمام الحسن علیه السلام

أيقن معاوية أنّ بقاء الإمام علیه السلام حيّاً يشكّل تهديداً واضحاً لنظامه القائم على أساس الخداع والتضليل وتزوير الحقائق وشراء الضمائر، وإشاعة الإرهاب، وقد منعته الهيبة من الإمام علیه السلام من ممارسة كثير من الانحرافات المخالفة للكتاب والسنّة والمنهج الإسلامي الثابت، وبقيت تراوده الهواجس من وقوف الإمام علیه السلام بوجه مؤامراته والّتي كان منها ترشيح يزيد للخلافة، فنفّذ أوّل غدر له، حين نسّق مع زوجة الإمام علیه السلام - جعدة بنت الأشعث - لدسّ السمّ إليه.

وبالفعل نفّذت جعدة المؤامرة وسمّت الإمام،(1)فاستشهد الإمام مسموماً، وحينما وصل الخبر إلى معاوية كبّر في جمعٍ من أهل الشام، وقال: والله ما كبّرت شماتة بموته، ولكن استراج قلبي(2)وصَفَتْ لي الخلافة.(3)

ثمّ استمر معاوية بنقضه للعهود بعد استشهاده علیه السلام حتّى قيل إنّ: أوّل ذُلّ دخل على العرب موت الحسن بن عليّ.(4)

وكان معاوية يخطّط لبيعة يزيد إلّا أنّه لم يكشف عنها إلّا بعد استشهاد الإمام،(5)ولمّا استشهد الإمام علیه السلام لعن معاوية أمير المؤمنين علیه السلام على المنابر وكتب إلى عمّاله أن يلعنوه ففعلوا.(6)

وازداد البلاء بعد استشهاده، فلم يبق أحد من أتباعه إلّا وهو خائف على دمه، أو


1) الاستيعاب، ج 1، ص 375؛ مقاتل الطالبيّين، ص 80؛ تذكرة الخواص، ص 192.

2) وفيات الأعيان، ج 2، ص 66.

3) ربيع الأبرار، ج 4، ص 209.

4) مختصر تأريخ دمشق، ج 7، ص 46؛ شرح نهج البلاغة، ج 16، ص 10.

5) الاستيعاب، ج 1، ص 376.

6) العقد الفريد، ج 5، ص 114.

طريد في الأرض،(1)حيث أصدر معاوية أوامره ببراءة الذمّة ممّن يذكر أهل البيت علیهم السلام بخير، وملاحقة أتباعهم بقطع أرزاقهم وهدم منازلهم(2)وأصدر أوامره بقتل من اتّهم بحبّ علي علیه السلام وإن لم تقم عليه بيّنة،(3)فقتل حجر بن عدي وعمرو ابن الحمق وخيرة صحابة رسول الله صلّی الله علیه و آله وأمير المؤمنين علیه السلام.

وصايا الإمام علیه السلام

دخل عليه الصحابي الجليل جنادة بن أبي أميّة، وقال له: عظني يا ابن رسول الله، فأجابه - وهو في أشدّ الأحوال - وأوصاه قائلاً: استعد لسفرك... واعلم أنّك تطلب الدنيا والموت يطلبك... واعلم أنّ الدنيا في حلالها حساب وفي حرامها عقاب، وفي الشبهات عتاب... واعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كانك تموت غداً...).(4)

وأوصى أخاه الإمام الحسين علیه السلام بوصايا عديدة تتعلّق بالشؤون العامّة، وبشؤونه الخاصّة، وأن يدفن مع رسول الله صلّی الله علیه و آله فإن رفض الحكّام ذلك دفن في البقيع، وأوصاه أن لا تراق محجمة دم من أجله.(5)

وأوصى أخاه محمّد بن الحنفيّة قائلاً: (... كونوا أوعية العلم ومصابيح الدجى... علم الله أنّكم خير خلقه فاصطفى منكم محمّداَ صلّی الله علیه و آله واختار محمّدٌ عليّاً، واختارني عليّ للإمامة، واخترت أنا الحسين) فأجابه محمّد بالطاعة والتسليم.(6)


1) شرح نهج البلاغة، ج 11، ص 46.

2) شرح نهج البلاغة، ج 11، ص 44 و ما بعدها.

3) بحار الأنوار، ج 44، ص 126.

4) أعيان الشيعة، ج 4، ص 85.

5) أعيان الشيعة، ج 4، ص 79.

6) حياة الإمام الحسن، ج 2، ص 487، 489.

الخلاصه

回 تبادل الإمام الحسن علیه السلام ومعاوية الخطب والمناظرات الّتي توضّح منهج كلّ منهما، وأنّ طاعة أهل البيت واجبة على الأمّة دون غيرهم بنصّ من القرآن، وأقوال الرسول صلّی الله علیه و آله.

回 و رغم معاندة معاوية للحقّ؛ فقد اعترف للإمام علیه السلام بأحقيّته بالأمر منه، ولكن معاوية حرّض على قتال الإمام بإشعال نار الفتن، وإثارة الأحقاد، فأراد من الإمام أن يقاتل الخوارج ورفض الإمام علیه السلام ذلك وبذلك أفشل خطط معاوية، وفضح أساليب مكره. وطلب معاوية من مروان أن يخطب زينب بنت عبدالله لابنه يزيد، ولكنّ الإمام علیه السلام رفض هذه الخطبة، وبيّن أنّ الإنحراف والإستقامة لا يلتقيان.

回 و تحدّى الإمام الحسن علیه السلام معاوية في عاصمته حينما ناظره أمام الناس، وأكّد على دور الحقّ في بناء الأمّة، فكان علیه السلام خلال ذلك لا يسمّي معاوية إلّا باسمه، وخرج علیه السلام من المناظرة تاركاً معاوية منفعلاً حتّى أمر الناس بالإنصراف عنه، حيث فضحه أمام الحاضرين وسفّه أحلامه، وترك الناس، يعتقدون بغصب معاوية للإدارة السياسيّة، والقيادة الشرعيّة من أهلها.

回 و اعتراف معاوية أمام أهل الشام في مجلسه؛ بأنّ الإمام الحسن علیه السلام أكرم الناس أباً وأمّاً وجدّاً وجدّة وخالاً وخالةً وعمّاً وعمّةً يدلّ على اغتصاب الخلافة من يد أهلها، وعلى عدم أهليّة معاوية لها.

回 و كان علیه السلام يؤكّد من خلال ما قام به من نشاطات على دور التشيّع لمستقبل الأمّة، فهو يريد أن يعدّ أتباعه إعداداً فكرياً وروحياً يتناسب مع روح الإسلام، ليمارسوا بأنفسهم دوراً قيادياً رائداً، وتتوحّد كلمتهم للدفاع عن الحقّ الّذي يحمل رايته المقدّسة أئمة الهدى صلوات الله عليهم

أجمعين. فقد أنشاء علیه السلام مدرسة كبرى في المدينة لنشر علوم أهل البيت علیهم السلام انتمى إليها كبار الصحابة والمحدّثون والرواة. ولكن معاوية لم يحل له ما كان يشاهده من الإمام علیه السلام فتربّص به حتّى دسّ إليه السم، ومات علیه السلام مسموماً. فاستغلّ بذلك معاوية استشهاد الإمام، فأمر بسبّ علي علیه السلام على المنابر ليشفي غيظه، وجعل مسبّته سنّة يشبّ عليها الصغير، ويهرم عليها الكبير.

الأسئلة

1.

لماذا أكّد الإمام علیه السلام في خطابه بالكوفة على المواثيق المأخوذة على معاوية، ولماذا أشهده عليها؟

2.

في أوّل خطاب لمعاوية حين نال أمير المؤمنين علیه السلام بسوء، ما الدافع لذلك؟ وماذا كان جواب الإمام علیه السلام؟

3.

لماذا كان الإمام علیه السلام يسمّي معاوية باسمه دون إضافة أيّ لقب آخر عليه؟

4.

ماهي الأسباب الّتي دفعت الإمام الحسن علیه السلام لعدم الاستجابة إلى أوامر معاوية في قتال الخوارج؟

5.

ما هي الأسباب الحقيقيّة للصراع بين العلويّين والأمويّين والّتي وضّحها الإمام علیه السلام بعد رفضه لمصاهرة الأمويّين؟

6 . ما هي أهمّ الموبقات الّتي فضح بها الإمام معاوية؟

7.

ما هي أهمّ نشاطات الإمام علیه السلام في المدينة بعد الصلح؟

8.

لماذا أقدم معاوية على اغتيال الإمام علیه السلام بالسمّ؟

الدرس 8: ملامح عصر الإمام الحسين علیه السلام

منهج معاوية لهدم الإسلام

لقد كانت الخطوات الّتي خطاها معاوية بعد إبرام الصلح مع الإمام الحسن علیه السلام تشكِّل مخطّطاً متكاملاً لهدم الإسلام وإعادة الجاهليّة إلى المجتمع الإسلامي باسم الإسلام وخلافة الرسول صلّی الله علیه و آله و إمرة المؤمنين . وتتلخّص هذه الخطوات فيما يلي:

1. إشاعة الإرهاب والتصفية الجسديّة لكلّ القوى المعارضة للحكم الأموي سيّما أتباع الإمام عليّ علیه السلام منهم، ومتابعتهم، وإخراس كلّ لسان حُرّ بكل وسائل التنكيل والاضطهاد.

وبمقدور القارئ الكريم أن يدرك أبعاد تلك السياسة الهوجاء من خلال النصّ الآتي الذي يوصي به معاوية أحد قادة جيوشه:... فاقتل من لقيته ممّن ليس هو على مثل رأيك، واخرب كلّ ما مررت به من القرى، واحرِب الأموال، فإنّ حرب الأموال شبيه بالقتل وهو أوجع للقلب.(1)

وإذا كان المخطّط الأموي المنحرف الّذي يعكس النصّ السابق طبيعته وانحرافه، قد بدأ تنفيذه في عهد الإمام عليّ علیه السلام، فإنّه بعد توقيع الوثيقة قد اتّخذ أبعاداً أشدّ خطورة، وأبعد أثراً في إراقة الدماء البريئة، وتصفية المعارضين بشتّى مذاهبهم، وفي طليعتهم أتباع الإمام عليّ وأهل بيته علیهم السلام.

فقد كتب معاوية إلى ولاته في جميع الأمصار: انظروا مَنْ قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته، فامحوه من الديوان واسقطوا عطاءه ورزقه.(2)

وكتب كتاباً آخر جاء فيه: مَنْ اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به واهدموا داره.(3)

وقد صوّر الإمام محمد الباقر علیه السلام تلك المأساة الدامية بأقصر عبارة وأدقّها حین قال: فقُتِلتْ شيعتُنا بكلّ بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان مَنْ يُذكَر بحبّنا والإنقطاع إلينا سجن، أو نهب ماله، أو هدمت داره، ثم لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين علیه السلام.(4)


1) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 2، ص 86.

2) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 11، ص 45.

3) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 11، ص 45.

4) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 11، ص 43.

وكان في طليعة ضحايا تلك المجزرة الرهيبة كوكبة من الصحابة الأبرار أمثال: حجر بن عدي وجماعته، ورشيد الهجري، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وأوفى بن حصن، وسواهم كثير، ومن شاء الإحاطة بمزيد من الأرقام الدالّة على مواقف معاوية؛ فدونه الطبري والكامل وشرح النهج وغيرها.

2. إغداق الأموال من أجل شراء الضمائر والذمم إمعاناً في إذابة الشخصيّة الإسلاميّة وتمكيناً للسياسة المنحرفة من تحقيق أهدافها السوداء، وقد تمّ فعلاً شراء نوعين من الناس:

أ - بعض الوعّاظ والمحدّثين الّذي كان لهم دور مفضوح في العمالة لمعاوية وافتراء الأحاديث الكاذبة ونسبتها إلى الرسول صلّی الله علیه و آله للنيل من عليّ علیه السلام وأهل بيته قاطبة.

ب - شراء ضمائر الوجوه الإجتماعيّة الّتي يخشى من تحرّكها ضدّ الحكم الأموي، وهو أسلوب مارسه معاوية وغيره من ساسة الحكم حتّى صار إحدى متبنّيات السياسة الأمويّة في جميع مراحلها؛ وليس أدلّ على ذلك من إرسال معاوية إلى مالك بن هبيرة السكوني ألف درهمٍ حين بلغه استياؤه من قتل معاوية للصحابي الجليل جر بن عدي وأصحابه (رضی الله عنهم)، فما كان من السكوني إلّا أن أخذ ثمن ضميره وتخلّى عن عزمه على التحرّك بوجه الظلم والفساد!!.

3. المضايقة الاقتصاديّة وأسلوب التجويع:

وهو أكثر الأساليب الأمويّة تأثيراً سلبياً في نفسيّة الأمّة المسلمة بإذلالها وإشاعة المسكنة في نفوس أبنائها.

وبالنّظر إلى أنّ السياسة المذكورة تقوم على أساس محاربة القوى المعارضة في رزقها وقوتها اليومي، فقد سلك معاوية أبشع الطرق لمحاصرة شيعة أهل البيت علیهم السلام على وجه الخصوص، ومضايقتهم اقتصادياً كما تشير الوثائق التأريخيّة إلى ذلك، ومنها بيان معاوية الّذي بلّغه لجميع ولاته بهذا الصدد: انظروا مَن قامت عليه البيّنة أنّه يحبُّ

عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان، واسقطوا عطاءه ورزقه.(1)

ولك أن تقدّر أبعاد تلك السياسة الهوجاء الّتي درج على انتهاجها البيت الأموي من تخريب للضمائر وإفساد للنفوس وهي مسألة ليست يسيرة وليست طارئة، وإنّما منحها معاوية صفة الاستمراريّة طيلة العشرين سنة الّتي صفا الجوّ السياسي له فيها (41 ه- حتّى 60ه-).

4.

العمل على تمزيق أواصر الأمّة الإسلاميّة بإثارة الروح القوميّة والقبليّة والإقليميّة بين قطّاعاتها المختلفة إمعاناً منه في إلهاء الأمّة في تناقضات جانبيّة على حساب تناقضها الأساسي مع الحكم الأموي الجائر، وذلك في ممارسة إثارة الضغائن بين القبائل العربيّة وإشغالها بالصراعات الجانبيّة فيما بينها، كالصراع الّذي نشب بين قيس ومضر، وأهل اليمن والمدينة، وبين قبائل العراق فيما بينها، وإثارة العنصريّة عند العرب ضدّ المسلمين من غير العرب الّذي يُعرفون تأريخياً باسم الموالي، وبمقدور المرء أن يجد آثار تلك السياسة الجاهليّة جليّاً في أشعار مسكين الدارمي والفرزدق وجرير والأخطل وسواهم(2).

5.

اغتيال الإمام السبط الحسن بن عليّ علیهما السلام بالرغم من أنّه كان قد تعهّد بأن لا يبغي له ولا لأخيه الغوائل.

6.

فرض البيعة لولده (يزيد) المعلن بفسقه وتحكيمه في رقاب المسلمين تحت ظلال الكبت والإضطهاد والإغراء والترغيب، خلافاً للوثيقة الّتي تقضي أن يكون الحسن خليفة للمسلمين بعد موت معاوية، فإن كان الحسن هو الآخر قد رحل إلى ربّه يومها فالحسين ولي الأمر من بعده.


1) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 11، ص 45.

2) محمد مهدي شمس الدين، ثورة الحسين، ط دار الأندلس (بيروت)، إحياء النزعة القبليّة واستغلالها، ص 61 و ما بعدها.

وهكذا استكمل معاوية مخطّطه الجاهلي حين نقض كلّ بند من بنود الوثيقة الّتي عقدها مع الإمام الحسن علیه السلام، وقدن ارتكب معاوية شططاً آخر تجاوز فيه حدود المفهوم الإسلامي في الحكم، من خلال اتّخاذ «الوراثة» ذات الطابع الدكتاتوري أطروحة للحكم في دنيا المسلمين؛ الأمر الّذي عرّض المبدأ الإسلامي والأمّة الإسلاميّة إلى أعنف كارثة في تأريخها، حيث بدأ مسار حركتها يأخذ طريقاً مضادّاً للقيم الإسلاميّة الّتي أرسى قواعدها القرآن الكريم.

وقد تبلور واقع الانحراف الّذي خطّطت له السياسة الأمويّة المتمثّلة في خطط معاوية حينما سيطر ابنه يزيد على زمام الحكم.

إنّ منح يزيد السلطة ليقود الأمّة الإسلاميّة، ويخطّط لمستقبلها، ويحدّد مسارها؛ معناه الإنهاء العملي للوجو الإسلامي على الإطلاق، ورِدّة واقعيّة عن مبادئ السماء، وعودة للجاهليّة ولكن في ثوب جديد وبشكل صريح.

فيزيد - كما تؤكّد المصادر التأريخيّة - كان يغلب عليه طابع الشذوذ في شتّى أفكاره وممارساته ومشاعره، الأمر الّذي يحمل المنصف على القول بأنّ يزيداً لم يتوفّر له أي انفتاح واعٍ على الرسالة الإسلاميّة وأهدافها العليا الّتي تحقّق أرقى صياغة للإنسان - كفرد وكعضو في المجتمع - صياغة لا تتّصل مطلقاً بمرتكزات الجاهليّة من قريب أو بعيد.

وحين يعدم يزيد الجو التربوي الّذي يوفّره الإسلام عادة لأبنائه؛ فإنّ الأمر لا يدعو إلى العجب بعد ذلك إذ أطلعنا التأريخ الإسلامي على نشاطات مشبّعة بروح الإنحراف عن الإسلام ممّا كان ابن معاوية يمارسه على مسمع ومرأى من كثير من المسلمين في بلاد الشام، كالّلهو الماجن والّلعب الخليع وشرب الخمر ومنادمة الفتيات والغناء، بل كان يُلبس كلابه أساور الذهب.(1)


1) عبدالله العلايلي، الإمام الحسين، ط دار مكتبة التربية (بيروت)، 1972 م، ص 345؛ البلاذري، أنساب الأشراف، ج 4، ص 1 و 2.

قال البلاذري: كان ليزيد قرد يجعله بين يديه ويكنّيه أباقيس ويقول: هذا شيخ من بني إسرائيل أصاب خطيئة فمسخ، وكان يسقيه النبيذ ويضحك ممّا يصنع، وكان يحمله على أتان وخشبة ويرسلها مع الخيل.(1)

وقال المسعودي: وكان يزيد صاحب طرب وجوارح(2)وكلاب وقرود وفهود ومنادمة على الشراب، وجلس ذات يوم على شرابه، وعن يمينه ابن زياد، وذلك بعد قتل الحسين، فأقبل على ساقيه فقال:

أسقني شربة تروي مشاشي(3)***ثم مِل فاسقِ مثلها ابن زياد

صاحب السرّ والأمانة عندي***ولتسديد مغنمي وجهادي

ثم أمر المغنّين فغنّوا به.

وغلب على أصحاب يزيد وعمّاله ما كان يفعله من الفسوق، وفي أيّامه ظهر الغناء بمكّة والمدينة، واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب.(4)

ولم ينته الموقف إلى هذا الحدّ، ولم تهدأ الحرب والصراع الممتدّ من بزوغ الدعوة الإسلاميّة بين الأمويّين وأهل البيت علیهم السلام، حتّى حينما جلس الحسنان (الحسن والحسين) بعيدين عن الميدان السياسي بصيغته العمليّة، بل بدأت الحملة تشتدّ ضدّ أهل البيت علیهم السلام وضدّ أتباعهم من قبل معاوية وجهازه الحاكم، والصراع يتصاعد، والمحنة تتفاقم، حتّى توفّي الحسن علیه السلام فاتّجه الناس إلى الحسين علیه السلام وقرّروا البيعة له وخلع حكومة معاوية.


1) البلاذري، أنساب الأشراف، ج 4، ص 1 و 2.

2) الجوارح السباع والطير ذات الصيد. السيوطي، تأريخ الخلفاء، ص 196 - 197.

3) مشاشي: عظامي.

4) المسعودي، مروج الذهب و معادن الجوهر، ط دار الأندلس (بيروت)، ج 3، ص 67.

بينما قرّر معاوية أن ينصب ابنه يزيداً خليفة على المسلمين من بعده، ويأخذ له البيعة بنفسه خلافاً للأعراف والأحكام الاسلاميّة المتّبعة حينذاك في تعيين الخليفة، فأثار هذا القرار الرأي العامّ الإسلامي وخصوصاً الشخصيّات الإسلاميّة البارزة كالحسين بن علي علیه السلام، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عمر، وشخصيّات مرموقة أخرى.

فقد نقل المؤرّخون صوراً ومواقف تأريخيّة معبّرة عن الرفض والمواجهة نذكر منها ما ذكره السيوطي:

قال: في سنة خمسين فُتحت قوهستان عَنوةً، وفيها دعا معاوية أهل الشام إلى البيعة بولاية العهد من بعده لابنه يزيد، فبايعوه، وهو أوّل من عهد بالخلافة لابنه، وأوّل من عهد بها في صحّته. ثمّ أنّه كتب إلى مروان بالمدينة أن يأخذ البيعة، فخطب مروان فقال: إنّ أميرالمؤمنين رأى أن يستخلف عليكم ولده يزيداً سُنّة أبي بكر وعمر، فقام عبد الرحمن بن أبي بكر الصِّديق فقال: بل سنّة كسرى وقيصر، إنّ أبابكر وعمر لم يجعلاها في أولادهما، ولا في أحد من أهل بيتهما.

ثم حجّ معاوية سنة إحدى وخمسين وأخذ البيعة لابنه يزيد، فبعث إلى ابن عمر فتشهّد وقال: أمّا بعد يا ابن عمر، إنّك كنت تحدّثني أنّك لا تحبّ أن تبيت ليلة سوداء ليس عليك فيها أمير، وإنّي أحذّرك أن تشقّ عصا المسلمين(1)أو تسعى في فساد ذات بينهم.

فحمد ابن عمر الله وأثنى عليه ثم قال: أمّا بعد فإنّه قد كان قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبائهم ما رأيت في إبنك، ولكنّهم اختاروا المسلمين حيث علموا الخيار، وأنّك تحذّرني أن أشقّ عصا المسلمين، ولم أكن لأفعل وإنّما أنا رجل من من المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر فإنّما أنا رجل منهم. فقال: يرحمك


1) تشق عصا المسلمين: تفرقهم.

الله! فخرج ابن عمر، ثمّ أرسل إلى ابن أبي بكر فتشهّد ثم أخذ في الكلام فقطع عليه كلامه، وقال: إنّك لو وددت إنّا وكّلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنّا والله لا نفعل، والله لتردنّ هذا الأمر شورى في المسلمين، أو لنُعِدنَّها عليك جذعة(1)، ثمّ وثب ومضى، فقال معاوية: اللّهمّ اكفنيه بما شئت، ثم قال: على رسلك أيّها الرجل، لا تشرفنّ على أهل الشام فإنّي أخاف أن يسبقوني بنفسك حتّى أخبر العشيّة أنّك قد بايعتنا، ثمّ كن بعد على ما بدا لك من أمرك. ثم أرسل إلى ابن الزبير، فقال: يا ابن الزبير، إنّما أنت ثعلب روّاغ كلّما خرج من حجر دخل في آخر، وأنّك عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما(2)، وحملتهما على غير رأيهما.

فقال ابن الزبير: إن كنت قد مَلَلْتَ الإمارة فاعتزلها، وَهَلمّ ابنك فلنبايعه، أرأيت إذا بايعنا إبنك معك لأيّكما نسمع ونطيع؟ لا تجتمع البيعة لكما أبداً. ثمّ راح، فصعد معاوية المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار(3)، زعموا أنّ ابن عمر وابن أبي بكر وابن الزبير لن يبايعوا يزيداً، وقد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له، فقال أهل الشام: والله لا نرضى حتّى يبايعوا له على رؤوس الأشهاد، وإلّا ضربنا أعناقهم. فقال: سبحان الله! ما أسرع الناس إلى قريش بالشرّ، لا أسمع هذه المقالة من أحد منكم بعد اليوم، ثمّ نزل.

فقال الناس: بايع ابن عمر، وابن أبي بكر، وابن الزبير، وهم يقولون: لا والله ما بايعنا، فيقول الناس: بلى، وارتحل معاوية فلحق بالشام.(4)

وهكذا وقفت الأمّة على عتبة تأريخ جديد من حياتها، وأصبحت أمام خيارين: - إمّا أن تتبنّى سياسة الرفض القاطع للواقع الّذي فرض عليها مهما كان الثمن.


1) جذعة: اعادتها كما بدأت.

2) فنفخت في مناخرهما: أغريتهما.

3) العوار: العيب.

4) جلال الدين السيوطي، تأريخ الخلفاء، ص 196 و 197.

أو القبول بسياسة الأمر الواقع، حيث عليها أن تتنازل عن رسالتها وسرّ عظمتها وعنوان عزّتها في الحياة، فكيف كان الأمر(1)؟

الخلاصه

回 يتلخص منهج معاوية لهدم الإسلام في إشاعة الإرهاب والتصفية الجسديّة لكلّ القوى المعارضة وإغداق الأموال لشراء الضمائر وسياسة التجويع وتمزيق أواصر الأمّة بإثارة الروح القوميّة واغتيال الإمام الحسن علیه السلام وفرض البيعة ليزيد الفاسق - المعلن بالفسق - متحدّياً بذلك قيم الرسالة وسنّة جميع الخلفاء السابقين عليه في رفض جعل الخلافة سلطة بالوراثة.

回 و هكذا جرّ الأمّة إلى وضع جديد وجعلها أمام أحد خيارين؛ هما رفض الحكم والحاكم المنحرف عملاً بالأصول السياسيّة للشريعة الإسلاميّة، أو الخضوع للإنحراف الّذي يمثِّل عودة الجاهليّة بكلّ ثقلها إلى الساحة السياسة من جديد.

الأسئلة

1.

هل خطّط معاوية لهدم الإسلام؟ ولماذا؟

2.

ما هي الأساليب الّتي اتّخذها معاوية لقمع المعارضة؟

3.

كيف مهّد معاوية لولاية العهد ليزيد الفاجر ؟ ولماذا؟

4.

لماذا بادر معاوية إلى قتل الإمام الحسن علیه السلام؟

5.

ما هي الأدلّة على أنّ الحكم الأموي كان حكماً جاهلياً؟ ولماذا؟

6.

كيف مزّق معاوية أواصر الأمّة الإسلاميّة؟ ولماذا؟


1) سيرة رسول الله وأهل بيته، ج 2، ص 64 - 71 بتصرّف.

الدرس 9: منهج الإمام الحسين علیه السلام بعد استشهاد الإمام الحسن علیه السلام

1. مواجهة معاوية وبيعة يزيد

أعلن الإمام الحسين علیه السلام رفضه القاطع لبيعة يزيد بعدما قرّر معاوية أن يسافر إلى يثرب ليتولّى بنفسه إقناع المعارضين، وبعد أن اجتمع بالإمام علیه السلام وعبدالله بن عباس أشاد بالنبي صلّی الله علیه و آله وأثنى عليه، وعرض بيعة ابنه ومنحه الألقاب الفخمة ودعاهما إلى بيعته، فانبرى الإمام علیه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

«أمّا بعد يا معاوية فلن يؤدّي المادح وإن أطنبَ في صفة الرسول صلّی الله علیه و آله وقد فهمتُ

ما لبست به الخلف بعد رسول الله صلّی الله علیه و آله من إيجاز الصفة، والتنكّب عن استبلاغ النعت، وهيهات هيهات يا معاوية!! ففضح الصبحُ فحمةَ الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضّلت حتّى أفرطت، واستأثرت حتّى أجحفت ومنعت حتّى بخلت، وجُرت حتّى تجاوزت، ما بذلت لذي حقّ من إسم حقّه من نصيبٍ، حتى أخذ الشيطان حظّه الأوفر ونصيبه الأكمل.

وفهمتُ ما ذكرته عن يزيد من اكتماله، وسياسته لأمّة محمد صلّی الله علیه و آله تريد أن توهم الناس في يزيد كأنّك تصفُ محجوباً أو تنعت غائباً، أو تخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاصّ، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش والحمام السبق لأترابهنّ، والقيان ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده ناصراً.

ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه، فوالله ما برحتَ تقدح باطلاً في جورٍٍ وحنقاً في ظلمٍ حتّى ملأتَ الأسقية، وما بينك وبين الموت إلّا غمضة فتقدم على عملٍ محفوظ في يوم مشهودٍ، و لات حين مناص، ورأيتك عرّضت بنا بعد هذا الأمر، ومنعتنا عن آبائنا تراثاً، ولعمر الله لقد أورثنا الرسول صلّی الله علیه و آله ولادة، وجئت لنا بما حججتم به القائم عند موت الرسول صلّی الله علیه و آله فأذعن للحجّة بذلك وردّه الإيمان إلى النصف.

فركبتم الأعاليل وفعلتم الأفاعيل، وقلتم كان ويكون حتّى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك، فهناك فاعتبروا يا أولى الأبصار.

وذكرت قيادَة الرجلِ القومَ بعهد رسول الله صلّی الله علیه و آله وتأميره له، وقد كان ذلك لعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول ويبعثه له وما صار لعمرو يومئذ حتّى أنف القوم إمرته وكرهوا تقديمه وعدّوا عليه أفعاله، فقال صلّی الله علیه و آله لا جَرَمَ يا معشرَ المهاجرين لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري، فكيف تحتجُّ بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الأحكام وأولاها بالمجتمع عليه من الصواب؟ أم كيف ضاهيتَ بصاحبٍ تابعاً وحولك من يؤمن في صحبته، ويُعتمد في دينه وقرابته، وتتخطّاهم إلى مسرفٍ مفتونٍ، تريد أن تُلبس الناس شبهةً يسعد بها الباقي في دنياه وتشقى بها في آخرتك، إنّ هذا لهو

الخسران المبين، وأستغفر الله لي ولكم».

وذهل معاوية من خطاب الإمام علیه السلام، وضاقت عليه جميع السُبل فقال لابن عباس: ما هذا يا ابن عبّاس؟ فقال ابن عبّاس: لعمر الله إنّها لذرّيّة رسول الله صلّی الله علیه و آله وأحد أصحاب الكساء ومن البيت المطهّر، فاسأله عمّا تريد فإنّ لك في الناس مقنعاً حتّى يحكم الله بأمره وهو خير الحاكمين.(1)

وقد اتّسم موقف الإمام الحسين علیه السلام مع معاوية بالشدّة والصرامة، وأخذ يدعو المسلمين علناً إلى مقاومة معاوية، ويحذّرهم من سياسته الهدّامة الّتي تحمل شارات الدمار إلى الإسلام.

2. محاولة جمع كلمة الأمّة والاستجابة لحركة الجماهير

وأخذت الوفود تترى على الإمام من جميع الأقطار الإسلاميّة وهي تعجّ بالشكوى وتستغيث به نتيجة الظلم والجور الّذي حلّ بها، وتطلب منه القيام بإنقاذها من الإضطهاد، ونقلت العيون في يثرب إلى السلطة المحلّيّة تجمّع الناس واختلافهم على الإمام علیه السلام، وكان الوالي مروان بن الحكم، ففزع من ذلك وخاف إلى حدّ بعيد من عواقبه، فرفع مذكّرة إلى معاوية جاء فيها: أمّا بعد فقد كثر اختلاف الناس إلى الحسين، والله، إنّي لأرى لكم منه يوماً عصيباً.(2)

واضطرب معاوية من تحرّك الإمام فكتب إليه رسالةً جاء فيها: أمّا بعد، فقد أنهيت إليّ عنك أمور، إن كانت حقّاً فإنّي لم أظنّها بك رغبة عنها، وإن كانت باطلة فأنت أسعد الناس بمجانبتها، وبحظّ نفسك تبدأ، وبعهد الله تُوفي فلا تحمّلني على قطيعتك والإساءة إليك، فإنَّك متى تُنْكِرْني أَنْكُرُكَ، ومتى تَكِدْني أكذكَ، فاتَّقِ الله يا حسين في شقّ عصا الأمّة، وأن تردّهم في فتنة.(3)


1) المصدر السابق، ص 223.

2) کتاب سلیم بن قیس، ص 166، طبعة طهران.

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 4، ص 327 و ناسخ التواريخ، ج 1، ص 195.

3. فضح جرائم معاوية

كتب الإمام علیه السلام إلى معاوية مذكّرةً خطيرةً كانت جواباً لرسالته يحمّله فيها مسؤوليّات جميع ما وقع في ما وقع في البلاد من سفك الدماء وفقدان الأمن وتعريض الأمّة للأزمات، وتعدّ من أروع الوثائق الرسميّة الّتي حفلت بذكر الأحداث الّتي صدرت من معاوية، وهذا نصّها: «أمّا بعد، بلغني كتابك تذكر فيه أنّه انتهت إليك عنّي أمور أنت عنها راغب وأنا بغيرها عندك جدير، وإنّ الحسنات لا يهدي لها ولا يسدّد إليها إلّا الله تعالى. أمّا ما ذكرت أنّه رقى إليك عنّي فإنّه إنّما رقاه إليك الملّاقون المشّاؤون بالنميمة، المفرّقون بين الجمع، وكذب الغاوون، ما أردت لك حرباً ولا عليك خلافاً، وإنّي لأخشى الله في ترك ذلك منك، ومن الإعذار فيه إليك وإلى أوليائك القاسطين حزب الظلمة.

ألستَ القاتل حجر بن عدي أخا كندة وأصحابه المصلّين العابدين الّذين كانوا ينكرون الظلم، ويستعظمون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يخافون في الله لومة لائم؟ قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعدما أعطيتهم الأيمان المغلّظة والمواثيق المؤكّدة، جرأةً على الله واستخفافاً بعهده.

أولست قاتل عمرو بن الحمق الخزاعي صاحب رسول الله صلّی الله علیه و آله العبد الصالح الّذي أبلته العبادة فنحل جسمه واصفرّ لونهُ؟ فقتلته بعدما أمّنته وأعطيته ما لو فهمته العصم لنزلت من رؤوس الجبال.

أولست بمدّعي زياد بن سميّة المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعمت أنّه ابن أبيك؟ وقد قال رسول الله صلّی الله علیه و آله: (الوالد للفراش وللعاهر الحجر» فتركت سنّة رسول الله صلّی الله علیه و آله تعمّداً، وتبعت هواك بغير هدىً من الله، ثمّ سلّطته على أهل الإسلام يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم ويسملُ أعينهم ويصلبهم على جذوع النخل، كأنّك لست من هذه الأمّة وليسوا منك.

أولست قاتل الحضرمي الّذي كتب فيه إليك زياد أنّه على دين عليّ كرّم الله وجهه، فكتبتَ إليه أن اقتل كلّ من كان على دين عليّ؟ فقتلهم ومثَّل بهم بأمرك، ودينُ عليّ هو دين ابن عمّه صلّی الله علیه و آله الّذي أجلسك مجلسك الّذي أنت فيه، ولولا ذلك لكان شرفك

و شرف آبائك الرحلتين رحلة الشتاء ورحلة الصيف.

وقلت فيما قلت: اُنظر لنفسك ودينك ولأمّة محمد صلّی الله علیه و اله واتّق شقّ عصا هذه الأمّة وأن تردّهم إلى فتنةٍ، وإنّي لا أعلم فتنةً أعظم على هذه الأمّة من ولايتك عليها، ولا أعظم لنفسي ولديني ولأمّة محمد صلّی الله علیه و آله أفضل من أن اُجاهرك ، فإن فعلتُ فإنّه قربة إلى الله، وإن تركتُه فإنّي أستغفر الله لديني وأسأله توفيقه لإرشاد أمري.

وقلت فيما قلت: إنّي إن أنكرتك تنكرني، وإن أكدك تكدني، فكدني ما بدا لك، فإنّي أرجو أن لا يضرّني كيدك ، وأن لا يكون على أحدٍ أضرّ منه على نفسك، لأنّك قد ركبت جهلك وتحرّصت على نقض عهدك، ولعمري ما وفيتَ بشرطٍ، ولقد نقضتَ عهدك بقتل هؤلاء النفر الّذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان والعهود والمواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قدقاتلوا أو قُتلوا، ولم تفعل ذلك بهم إلّا لذكرهم فضلنا وتعظيمهم حقّنا، مخافة أمرٍٍ لعلّك إن لم تقتلهم مُتّ قبل أن يفعلوا، أو ماتوا قبل أن يدركوا.

فأبشر يا معاوية بالقصاص، واستيقن بالحساب، واعلم أنّ لله تعالى كتاباً لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلّا أحصاها، وليس الله بناس لأخذك بالظنّة ، وقتلك أولياءه على التُّهم، ونفيك إيّاهم من دورهم إلى دار الغربة، وأخذك الناس ببيعة ابنك الغلام الحدث، يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب، ما أراك إلّا قد خسرت نفسك، وبترت دينك، وغَشَشتَ رعيّتك، وسمعت مقالة السفيه الجاهل، وأخفت الورع التقيّ».(1)

ولا توجد وثيقة سياسيّة في ذلك العهد عرضت لعبث السلطة وسجّلت الجرائم الّتي ارتكبها معاوية غير هذه الوثيقة، وهي صرخة في وجه الظلم والاستبداد.

4. استعادة حقّ مضيّع

وكان معاوية ينفق أكثر أموال الدولة على تدعيم ملكه، كما كان يهب الأموال الطائلة لبني أميّة لتقوية مركزهم السياسي والاجتماعي، وكان الإمام الحسين علیه السلام يشجب هذه السياسيّة، ويرى ضرورة إنقاذ الأموال من معاوية الّذي يفتقد حكمه لأيّ


1) نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 4، ص 327، الطبعة الأولى و ناسخ التواريخ، ج 1، ص 195.

أساس شرعي، ولا يقوم إلّا على القمع والتزييف والإغراء. وقد اجتازت على يثرب أموال من اليمن إلى خزينة دمشق، فعمد الإمام علیه السلام إلى الاستيلاء عليها ووزّعها على المحتاجين، وكتب إلى معاوية: «من الحسين بن عليّ إلى معاوية بن أبي سفيان، أمّا بعد فإنّ عيراً مرّت بنا من اليمن تحمل مالاً وحُللاً وعنبراً وطيباً إليك لتودعها خزائن دمشق وتعلّ بها بعد النهل بني أبيك، وإنّي احتجتها فأخذتها، والسلام».(1)

فأجاب معاوية: من عبدالله معاوية أمير المؤمنين إلى الحسين بن عليّ، سلام عليك، أمّا بعد فإنّ كتابك ورد عليّ تذكر أنّ عيراً مرّت بك من اليمن تحمل مالاً وحُللاً وعنبراً وطيباً إليّ لأودعها خزائن دمشق وأعُلّ بها بعد النهل بني أبي، وأنّك احتجت إليها فأخذتها، ولم تكن جديراً بأخذها إذ نسبتها إليّ لأنّ الوالي أحقّ بالمال ثمّ عليه المخرج منه، وأيم الله لو تركت ذلك حتّى صار إليّ لم أبخسك حظّك منه، ولكنّي قد ظننت يا ابن أخي أنّ في رأسك نزوةً وبودّي أن يكون ذلك في زماني، فأعرف لك قدرك وأتجاوز عن ذلك، ولكنّي والله أتخوّف أن تبتلى بمن لا ينظرك فواق ناقة.(2)

إنّ الإمام الحسين علیه السلام دلّ بعمله على أنّ الخليفة غير الشرعي ليس من حقّه أن يتصرّف بأموال المسلمين، وأنّ ذلك من حقوق الحاكم الشرعي، والحاكم الشرعي هو الإمام الحسين علیه السلام نفسه الّذي ينفق أموال بيت المال وفق المعايير الإسلاميّة. وقد أكد علیه السلام في رسالته أنّه لا يعترف رسمياً بخلافة معاوية إذا لم يصفه بأمير المؤمنين كما كان يصفه الآخرون، ومن هنا حاول معاوية الالتفاف على موقف الإمام فوصف نفسه في رسالته الجوابيّة بأمير المؤمنين و والي المسلمين ولكنّه فشل في محاولته تلك، فقد بات موقف الإمام الحسين علیه السلام معياراً إسلامياً بيّن الصواب والخطأ للمسلمين على مدى التأريخ، في حين لم يعتبر المسلمون موقف معاوية سوى أنّه تشويه للحقيقة وتضليل للرأي العام.

لقد كان موقف الإمام علیه السلام هذا إشارة واضحة للاعتراض على تصرّفات معاوية


1) الإمامة والسياسة، ج 1، ص 284 و الدرجات الرفيعة، ص 334 و الغدير، ج 10، ص 161.

2) حياة الإمام الحسين علیه السلام، ج 2، ص 244.

والمطالبة بسيادة الحقّ والعدل الإلهي.

5. تذكير الأمّة بمسؤوليّتها

عقد الإمام علیه السلام مؤتمراً سياسياً عامّاً دعا فيه جمهوراً غفيراً ممّن شهد موسم الحجّ من المهاجرين والأنصار والتابعين وغيرهم من سائر المسلمين، فانبرى علیه السلام خطيباً فيهم، وتحدّث بما ألمّ بعترة النبي صلّی الله علیه و آله وشيعتهم من المحن والإحن والّتي صبّها عليهم معاوية، وما اتّخذه من الإجراءات المشدّدة في إخفاء فضائلهم، وستر ما أثر عن الرسول صلّی الله علیه و آله في حقّهم ، وألزم الحاضرين بإذاعة ذلك بين المسلمين، وفيما يلي ما رواه سليم بن قيس عن هذا المؤتمر ونصّ خطاب الإمام علیه السلام حيث قال: ولمّا كان قبل موت معاوية بسنة حجّ الحسين بن عليّ وعبدالله بن عبّاس وعبدالله بن جعفر، فجمع الحسين بني هاشم ونساءهم ومواليهم ومن حجّ من الأنصار ممّن يعرفهم الحسين وأهل بيته، ثم أرسل رسلاً وقال لهم: لا تدعوا أحداً حجّ العام من أصحاب رسول الله صلّی الله علیه و آله المعروفين بالصلاح والنسك إلّا إجمعوهم لي، فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل وهم في سرادق، وعامّتهم من التابعين، ونحو من مائتي رجل من أصحاب النبي صلّی الله علیه و آله، فقام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإنّ هذا الطاغية - يعني معاوية - قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم، وإنّي اُريد أن أسألكم عن شيء فإن صدقت فصدّقوني، وإن كذبتُ فكذّبوني، اسمعوا مقالّتي واكتموا قولي، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم من آمنتموه ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون، فإنّي أخاف أن يندرس هذا الحقّ ويذهب، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون.

قال الراوي: فما ترك الحسين شيئاً ممّا أنزل الله فيهم إلّا تلاه وفسّره، ولا شيئاً ممّا قاله رسول الله صلّی الله علیه و آله في أبيه وأخيه وأمّه وفي نفسه وأهل بيته إلّا رواه، وفي كلّ ذلك يقول أصحابه: اللّهمّ نعم قد سمعنا وشهدنا، وممّا ناشدهم علیه السلام أن قال: اُنشدكم الله، أتعلمون أنَّ عليّ بن أبي طالب كان أخا رسول الله حين آخى بين أصحابه فآخي بينه وبين نفسه، وقال: أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة؟ قالوا: اللّهم نعم، قال:

اُنشدكم هل تعلمون أنّ رسول الله اشترى موضع مسجده ومنازله فابتناه ثمّ ابتنى فيه عشرة منازل تسعة له، وجعل عاشرها في وسطها لأبي، ثمّ سدّ كلّ بابٍ شارعٍ إلى المسجد غير بابه؟ فتكلّم في ذلك من تكلّم، فقال: ما أنا سددتُ أبوابكم وفتحت بابه، ولكن الله أمرني بسدّ أبوابكم وفتح بابه، ثم نهى الناس أن يناموا في المسجد غيره، وكان بجنب في المسجد ومنزله في منزل رسول الله، فولد لرسول الله وله فيه أولاد، قالوا: اللّهمّ نعم، قال: أفتعلمون أنّ عمر بن الخطاب حرص على كوّة قدر عينه يدعها في منزله إلى المسجد فأبى عليه، ثمّ خطب فقال: إنّ الله أمرني أن أبني مسجداً طاهراً لا يسكنه غيري وغير أخي وبنيه؟ قالوا: اللّهمّ نعم، قال: اُنشدكم الله أتعلمون أنّ رسول الله قال في غزوة تبوك: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، وأنت وليّ كلّ مؤمنٍ بعدي؟ قالوا: اللّهمّ نعم، قال: اُنشدكم الله أتعلمون أنّ رسول الله صلّی الله علیه و آله حين دعا النصارى من أهل نجران إلى المباهلة لم يأت إلّا به وبصاحبته وابنيه؟ قالوا: اللّهمّ نعم، قال: اُنشدكم الله أتعلمون أنّ رسول الله دفع إليه اللواء يوم خيبر، ثمّ قال: لأدفعه إلى رجل يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله كرّار غير فرّار، يفتحها الله على يديه؟ قالوا: اللّهمّ نعم، قال: أتعلمون أنّ رسول الله صلّی الله علیه و آله بعثه ببراءة وقال: لا يبلّغ عنّي إلّا أنا أو رجل منّي؟ قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: أتعلمون أنّ رسول الله لم تنزل به شدّة قطّ إلّا قدّمه لها ثقةً به وأنّه لم يدعه باسمه قطّ، إلّا يقول يا أخي؟ قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: أتعلمون أنّ رسول الله قضى بينه وبين جعفر وزيد فقال: يا عليّ أنت منّي وأنا منك وأنت وليّ كلّ مؤمن بعدي؟ قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: أتعلمون أنّه كانت له من رسول الله صلّی الله علیه و آله كلّ يوم خلوة، وكلّ ليلة دخلة، إذا سأله أعطاه، وإذا سكت أبداه؟ قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: أتعلمون أنّ رسول الله فضّله على جعفر وحمزة حين قال لفاطمة علیها السلام: زوّجتك خير أهل بيتي أقدمهم سلماً وأعظمهم حلماً وأكثرهم علماً؟ قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: أتعلمون أنّ رسول صلّی الله علیه و آله قال: أنا سيّد ولد آدم، وأخي عليّ سيّدالعرب، وفاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة، والحسن والحسين إبناي سيّدا شباب أهل الجنّة؟ قالوا:

اللّهمّ نعم.

قال: أتعلمون أنّ رسول الله صلّی الله علیه و آله أمره بغسله، وأخبره أنّ جبرئيل يعينه عليه؟ قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: أتعلمون أن رسول الله صلّی الله علیه و آله قال في آخر خطبةٍ خطبها: إنّي تركتُ فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي فتمسّكوا بهما لن تضلّوا؟ قالوا: اللّهمّ نعم.

فلم يدع صلّی الله علیه و آله شيئاً أنزله الله في عليّ بن أبي طالب خاصّة وفي أهل بيته من القرآن ولا على لسان نبيّه إلّا ناشدهم فيه فيقول الصحابة: اللّهمّ نعم قد سمعناه، ويقول التابع: اللّهمّ قد حدّثنيه من أثق به فلان وفلان، ثمّ ناشدهم أنّهم قد سمعوه يقول: من زعم أنّه يحبّني ويبغض عليّاً فقد كذب، ليس يحبّني ويبغض عليّاً، فقال له قائل: يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال: لأنّه منّي وأنا منه، من أحبّه فقد أحبّني ومَن أحبّني فقد أحبّ الله، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله، فقالوا: اللّهمّ نعم، قد سمعناه، وتفرّقوا على ذلك.(1)

وكان هذا المؤتمر يتضمّن الإعداد لوضع مستقبلي كان قد خطّط له الإمام الحسين علیه السلام.


1) حياة الإمام الحسين علیه السلام، ج 2، ص 219 - 220.

الخلاصه

回 كان للإمام الحسين علیه السلام بعد استشهاد أخيه الحسن السبط علیه السلام نشاط سياسي واضح تجاه معاوية، فهو لم ينقض بنود الصلح الّتي أمضاها أخوه الحسن علیه السلام مع معاوية كما نقضها معاوية ولكنّه بدأ يتحرّك باتّجاه إعداد وتجنيد الطاقات المستعدة للمعارضة وابتدأ بمواجهة معاوية بكلّ جرأة وصراحة لأخذه البيعة اللّا مشروعة ليزيد كوليّ للعهد بعده.

回 و حاول أن يجمع كلمة الأمّة ويوحّدها باتّجاه واحد. وكان مراقباً لكلّ تصرّفات معاوية وفاضحاً لجرائمه باستمرار ولم يزل يستفيد من كلّ الفرص الممكنة للاستعداد للمرحلة المقبلة من المواجهة.

الأسئلة

1.

لماذا كانت الثورة الحسينيّة بعد موت معاوية؟ لا قبله؟

2.

هل كان الإمام الحسين علیه السلام ناقضاً لبنود الصلح لو كان قد ثار على معاوية بعد استشهاد الإمام الحسن علیه السلام؟

3.

كيف فضح الإمام الحسين علیه السلام جرائم معاوية؟

4.

لماذا استولى الإمام الحسين علیه السلام على أموال كانت قد أُرسلت لمعاوية؟

5.

ما هو المؤتمر الّذي عقده الإمام الحسين علیه السلام؟ ولماذا عقده ؟

الدرسان 10 و 11: هجرة الإمام الحسين علیه السلام إلى مكّة المكرّمة

اشارة

«لمّا استشهد الإمام الحسن علیه السلام تحرّكت الشيعة بالعراق وكتبوا إلى الحسين علیه السلام في خلع معاوية والبيعة له، فامتنع عليهم وذكر أنّ بينه وبين معاوية عهداً وعقداً لا يجوز له نقضه حتّى تمضي المدّة فإذا مات معاوية نظر في ذلك.

فلمّا مات معاوية منتصف رجب سنة ستين من الهجرة وتخلّف بعده ولده يزيد، كتب يزيد إلى ابن عمه الوليد بن عتبة والي المدينة مع مولى لمعاوية يقال له ابن أبي زريق يأمره بأخذ البيعة على أهلها وخاصّة على الحسين علیه السلام ولا يرخص له في التأّخر عن ذلك ويقول: إن أبى عليك فاضرب عنقه وابعث إليّ برأسه.

وكان معاوية قبل وفاته قد حذّر يزيد من أربعة: الحسين بن علي وعبدالله بن الزبير وعبدالله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ولا سيّما من الحسين وابن الزبير.

أمّا ابن الزبير فهرب إلى مكّة وأرسل الوليد خلفه واحداً وثمانين راكباً فلم يدركوه وكان ابن عمر بمكّة.

وأمّا الحسين علیه السلام فأحضر الوليدُ مروانَ بنَ الحكم واستشاره في أمره، فقال: إنّه لا يقبل، ولو كنت مكانك لضربت عنقه، فقال الوليد: ليتني لم أك شيئاً مذكوراً.

ثم بعث إلى الحسين علیه السلام في الليل فاستدعاه فعرف الحسين علیه السلام الّذي أراد فدعا بجماعة من أهل بيته ومواليه وكانوا ثلاثين رجلاً وأمرهم بحمل السلاح وقال لهم: إنّ

الوليد قد استدعاني في هذا الوقت ولست آمن أن يكلّفني فيه أمراً لا أجيبه إليه وهو غير مأمون فكونوا معي فإذا دخلت فاجلسوا على الباب فإن سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه لتمنعوه عنّي.

فصار الحسين علیه السلام إلى الوليد فوجد عنده مروان بن الحكم فنعى الوليد معاوية فاسترجع الحسين علیه السلام، ثم قرأ عليه كتاب يزيد وما أمره فيه من أخذ البيعة منه لزيد، فلم يرد الحسين علیه السلام أن يصاحره بالامتناع من البيعة وأراد التخلّص منه بوجه سلمي، فورّى عن مراده وقال: إني أراك لا تقنع ببيعتي سرّاً حتّى اُبايعه جهراً فيعرف ذلك الناس، فقال له الوليد: أجل، فقال الحسين علیه السلام تصبح وترى رأيك في ذلك، فقال له الوليد انصرف على اسم الله حتّى تأتينا مع جماعة الناس.

فقال له مروان والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتّى تكثر القتلى بينكم وبينه ولكن احبس الرجل فلا يخرج من عندك حتّى يبايع أو تضرب عنقه.

فلما سمع الحسين علیه السلام هذه المجابهة القاسية من مروان الوزغ ابن الوزغ صارحهما حينئذٍ بالامتناع من البيعة وأنّه لا يمكن أن يبايع ليزيد أبداً، فوثب الحسين علیه السلام عند ذلك وقال لمروان: ويلي عليك يا ابن الزرقاء! أنت تأمر بضرب عنقي؟! كذبت واللهِ ولؤمت.

ثمّ أقبل على الوليد فقال: أيّها الأمير إنّا أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة، ثمّ خرج يتهادى بين مواليه.

ولمّا بلغ يزيد ما صنع الوليد عزله عن المدينة وولّاها عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق فقدِمها في رمضان.

وأقام الحسين علیه السلام في منزله تلك الليلة وهي ليلة السبت لثلاث بقين من رجب

سنة ستّين فلمّا أصبح خرج من منزله يستمع الأخبار، فلقيه مروان فقال له: يا أباعبدالله إنّي لك ناصح فأطعني ترشد، فقال الحسين علیه السلام وما ذاك، قل حتّى أسمع.

فقال مروان: إنّي آمرك ببيعة يزيد بن معاوية فإنّه خير لك في دينك ودنياك.

فقال الحسين علیه السلام: إنّا لله وإنّا إليه راجعون وعلى الإسلام السلام إذ قد بليت الأمّة براعٍ مثل يزيد. وطال الحديث بينه وبين مروان حتّى انصرف وهو غضبان، فلمّا كان آخر نهار السبت بعث الوليد الرجال إلى الحسين علیه السلام ليحضر فيبايع فقال لهم الحسين علیه السلام أصبحوا ثمّ ترون ونرى، فكفّوا تلك الليلة عنه ولم يلحّوا عليه فخرج في تلك الليلة وقيل في غداتها وهي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب متوجّهاً نحو مكّة.

ولمّا علم ابن الحنفيّة عزمه على الخروج من المدينة لم يدر أين يتوجّه، فقال له: يا أخي أنت أحبّ الناس إليّ وأعزّهم عليّ ولستُ والله أدّخر النصيحة لأحد من الخلق وليس أحد من الخلق أحقّ بها منك لأنّك مزاج مائي ونفسي وروحي وبصري وكبير أهل بيتي ومن وجبت طاعته في عنقي لأنّ الله قد شرّفك عليّ وجعلك من سادات أهل الجنّة تنحّ ببيعتك عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت ثمّ ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك، فإن تابعك الناس وبايعوا لك حمدت الله على ذلك وإن اجتمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا تذهب به مروءتك ولا فضلك وإنّي أخاف عليك أن تدخل مصراً من هذه الأمصار فيختلف الناس بينهم فمنهم طائفة معك وأخرى عليك فيقتتلون فتكون لأوّل الأسنّة غرضاً، فإذا خير هذه الأمّة كلّها نفساً وأباً وأمّاً أضيعها دماً وأذلّها أهلاً.

فقال له الحسين علیه السلام: فأين أذهب يا أخي؟

قال: تخرج إلى مكّة فإن اطمأنّت بك الدار بها فذاك وإن تكن الأخرى خرجت إلى بلاد اليمن فإنّهم أنصار جدّك وأبيك وهم أرأف الناس وأرقّهم قلوباً وأوسع الناس بلاداً فإن اطمأنّت بك الدار وإلّا لحقت بالرمال وشعف الجبال وجزت من بلد إلى بلد حتّى تنظر ما يؤول إليه أمر الناس ويحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين فإنّك أصوب ما

تكون رأياً حين تستقبل الأمر استقبالاً.

فقال الحسين علیه السلام: يا أخي والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية.

فقطع محمد بن الحنفيّة عليه الكلام وبكى، فبكى الحسين علیه السلام معه ساعة.

ثمّ قال له الحسين علیه السلام: يا أخي جزاك الله خيراً فقد نصحت وأشفقت وأرجو أن يكون رأيك سديداً موفّقاً وأنا عازم على الخروج إلى مكّة وقد تهيّأت لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي أمرهم أمري ورأيهم رأيي وأمّا أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عيناً عليهم لا تخفي عنّي شيئاً من أمورهم.

وأقبلت نساء بني عبد المطّلب فاجتمعن للنياحة لمّا بلغهنّ أن الحسين علیه السلام يريد الشخوص من المدينة، حتّى مشى فيهن الحسين علیه السلام فقال: أنشدكن الله أن تبدين هذا الأمر معصية لله ولرسوله.

قالت له نساء بني عبد المطّلب: فلمن نستبقي النياحة والبكاء؟ فهو عندنا كيوم مات فيه رسول الله صلّی الله علیه و آله وعليّ وفاطمة والحسن ورقيّة وزينب وأمّ كلثوم، جعلنا الله فداك من الموت يا حبيب الأبرار من أهل القبور.

ولمّا عزم الحسين علیه السلام على الخروج من المدينة مضى في جوف الليل إلى قبر أمّه فودّعها ثمّ مضى إلى قبر أخيه الحسن علیه السلام ففعل كذلك وخرج معه بنو أخيه وإخوته وجلّ أهل بيته إلّا محمّد بن الحنيفة وعبدالله بن جعفر.

وخرج علیه السلام من المدينة في جوف الليل وهو يقرأ «فخرج منها خائفاً يترقّب قال ربّ نجّني من القوم الظالمين» ولزم الطريق الأعظم فقال له أهل بيته لو تنكّبت الطريق الأعظم كما فعل ابن الزبير كيلا يلحقك الطلب، فقال: لا والله لا أفارقه حتّى يقضي الله ما هو قاض.

فلقيه عبدالله بن مطيع فقال جعلت فداك أين تريد؟ قال: أمّا الآن فمكّة، وأمّا بعد فإنّي أستخير الله قال: خار الله لك وجعلنا فداك، فإذا أتيت مكّة فإيّاك أن تقرب

الكوفة فإنّها بلدة مشؤومة بها قُتل أبوك وخُذل فيها أخوك واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه الزم الحرم فأنت سيّد العرب لا يعدل بك أهل الحجاز أحداً ويتداعى إليك الناس من كلّ جانب لا تفارق الحرم فداك عمّي وخالي، فوالله لئن هلكت لنسترقنّ بعدك.

دخول الإمام الحسين علیه السلام مكّة المكرّمة

كان دخوله علیه السلام إلى مكّة يوم الجمعة لثلاث مضين من شعبان، ودخلها وهو يقرأ: «ولمّا توجّه تلقاء مدين قال عسى ربّي أن يهديني سواء السبيل».

فأقام بمكّة باقي شعبان وشهر رمضان وشوّالاً وذا القعدة وثماني ليال من ذي الحجّة.

وأقبل أهل مكّة ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق يختلفون إليه وابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة فهو قائم يصلّي عندها عامّة النهار ويطوف ويأتي الحسين علیه السلام فيمن يأتيه اليومين المتواليين وبين كلّ يوم مرّة ولا يزال يشير عليه بالرأي وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير لأنّه قد علم أنّ أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين علیه السلام باقياً في البلد وأن الحسين علیه السلام أطوع في الناس منه وأجلّ.

دعوة أهل الكوفة والإعلان عن الاستعداد للبيعة

ولمّا بلغ أهل الكوفة موت معاوية وامتناع الحسين علیه السلام من البيعة ارجفوا بيزيد وعُقد اجتماع في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، فلمّا تكاملوا قام سليمان فيهم خطيباً وقال في آخر خطبته: إنّكم قد علمتم بأنّ معاوية قد هلك وصار إلى ربّه وقدم على عمله وقد قعد في موضعه ابنه يزيد، وهذا الحسين بن عليّ قد خالفه وصار إلى مكّة هارباً من طواغيت آل أبي سفيان وأنتم شيعته وشيعة أبيه من قبله، وقد احتاج إلى نصرتكم اليوم فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهد و عدوّه فاكتبوا إليه، وإن خفتم

الوهن والفشل فلا تغرّوا الرجل من نفسه. قالوا: بل نقاتل عدوّه ونقتل أنفسنا دونه.

فأرسلوا وفداً من قبلهم وعليهم أبو عبدالله الجدلي وكتبوا إليه معهم (بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن عليّ من سليمان بن صرد والمسيّب بن نجبة ورفاعة بن شدّاد البجلي وحبيب بن مظاهر وعبدالله بن وال وشيعته من المؤمنين والمسلمين، سلام عليك أمّا بعد فالحمد لله الّذي قصم عدوّك وعدوّ أبيك من قبل الجبّار العنيد الغشوم الظلوم الّذي انتزى على هذه الأمّة فابتزّها أمرها وغصبها فيأها وتأمرّ عليها بغير رضاً منها ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وعتاتها فبعداً له كما بعدت ثمود وإنّه ليس علينا إمام غيرك فأقبل لعلّ الله يجمعنا بك على الحقّ والنعمان بن بشير في قصر الإمارة ولسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد ولو قد بلغنا أنّك أقبلت أخرجناه حتّى يلحق بالشام إن شاء الله تعالى والسلام عليك ورحمة الله يا ابن رسول الله وعلى أبيك من قبلك ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم).

ثمّ لبثوا يومين وأنفذوا قيس بن مسهر الصيداوي وعبد الرحمن بن عبدالله بن شدّاد الأرحبي وعمارة بن عبد الله السلولي إلى الحسين علیه السلام ومعهم نحو مائة وخمسين صفحة من الرجل والإثنين والأربعة وهو مع ذلك يتأنّى ولا يجيبهم فورد عليه في يوم واحد ستمائة كتاب وتواترت الكتب حتّى اجتمع عنده إثنا عشر ألف كتاب ثمّ لبثوا يومين آخرين وسرّحوا إليه هاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي وكانا آخر الرسل وكتبوا إليه: [بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن عليّ من شيعته من المؤمنين والمسلمين أمّا بعد فحيّهلا فإنّ الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك فالعجل العجل ثمّ العجل العجل والسلام].

رسول الحسين علیه السلام إلى الكوفة

ثم كتب الإمام الحسين علیه السلام مع هاني بن هاني وسعيد بن عبدالله: بسم الله

الرحمن الرحيم من الحسين بن عليّ إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين أمّا بعد فإنّ هانياً وسعيداً قدما عليَّ بكتبكم وكانا آخر من قدم عليّ من رسلكم وقد فهمت كلّ الّذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلّكم أنّه ليس علينا إمام فأقبل لعلّ الله يجمعنا بك على الحقّ والهدى وأنا باعث إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل فإن كتب إليّ أنّه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم وقرأتُ في كتبكم فإنّي أقدم إليكم وشيكاً إن شاء الله تعالى فلعمري ما الإمام إلّا الحاكم بالكتاب القائم بالقسط الدائن بدين الحقّ الحابس نفسه على ذلك لله والسلام.

ودعا الحسين علیه السلام ابن عمّه مسلم بن عقيل، وقيل إنّه كتب معه جواب كتبهم فسرّحه مع قيس بن مسهر الصيداوي ورجلين آخرين وأمره بالتقوى وكتمان أمره واللطف فإن رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجّل إليه بذلك، فأقبل مسلم رحمه الله حتّى أتى المدينة واستأجر دليلين من قيس فأقبلا به يتنكبان الطريق وأصابهما عطش شديد فعجزا عن السير فاومأ له إلى سنن الطريق ومات الدليلان عطشاً.

ثمّ أقبل حتّى دخل الكوفة فنزل دار المختار، وأقبلت الناس تختلف إليه فكلّما اجتمع إليه جماعة قرأ عليهم كتاب الحسين علیه السلام وهم يبكون، وبايعه الناس حتّى بايعه منهم ثمانية عشر ألفاً، فكتب إلى الحسين علیه السلام: أمّا بعد فإنّ الرائد لا يكذب أهله وإنّ جميع أهل الكوفة معك وقد بايعني منهم ثمانية عشر ألفاً فعجّل الإقبال حين تقرأ كتابي هذا والسلام.

وجعل الناس يختلفون إليه حتّى عُلم بمكانه فبلغ النعمان بن بشير ذلك «وكان والياً على الكوفة» فصعد المنبر وخطب الناس وحذّرهم الفتنة، فقام إليه عبدالله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني اُميّة فقال له: إنّه لا يصلح ما ترى إلّا الغشم إنّ هذا الّذي أنت عليه رأي المستضعفين، فقال له النعمان: أن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحبُّ إليّ من أن أكون من الأعزّين في معصية الله، ثمّ نزل.

المستشار المسيحي ليزيد

كتب عبدالله بن مسلم إلى يزيد يخبره بقدوم مسلم بن عقيل الكوفة ومبايعة الناس له ويقول: إن كان لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قوياًّ ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوّك فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعّف.

وكتب إليه عمارة بن الوليد بن عقبة وعمر بن سعد بنحو ذلك فدعا يزيد سرجون الرومي مولى معاوية (وكان سرجون مستولياً على معاوية في حياته) واستشاره فيمن يولّي على الكوفة وكان يزيد عاتباً على عبيدالله بن زياد وهو يومئذ وال على البصرة وكان معاوية قد كتب لابن زياد عهداً بولاية الكوفة ومات قبل إنفاذه، فقال سرجون لزيد: لو نشر لك معاوية، ما كنت آخذاً برأيه؟ قال: بلى. قال: هذا عهده العبيد الله على الكوفة.

فضمّ يزيد البصرة والكوفة إلى عبيد الله وكتب إليه بعهده وسيّره مع مسلم بن عمرو الباهلي وكتب إلى عبيد الله معه: أمّا بعد فإنّه كتب إليّ شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أنّ ابن عقيل فيها يجمع الجموع ليشقّ عصا المسلمين، فسر حين تقرأ كتابي هذا حتّى تأتي الكوفة فتطلب ابن عقيل طلب الخرزة حتّى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام.

فخرج مسلم ابن عمر و حتّى قدم على عبيد الله بالبصرة فأمر عبيدالله بالجهاز من وقته والتهيّؤ والمسير إلى الكوفة من الغد.

كتاب الحسين علیه السلام إلى أهل البصرة

وكتب الحسين علیه السلام إلى رؤساء الأخماس بالبصرة وإلى أشرافها مع ذراع السدوسي ومع مولى للحسين علیه السلام اسمه سليمان ويكنّى أبارزين فكتب إلى مالك بن مسمع البكري والأحنف بن قيس ويزيد بن مسعود النهشلي والمنذر بن الجارود العبدي ومسعود بن عمر الأزدي بنسخة واحدة:

أمّا بعد فإنّ الله اصطفى محمد صلّی الله علیه و آله على خلقه وأكرمه بنبوّته واختاره لرسالته ثمّ قبضه الله إليه وقد نصح لعباده وبلّغ ما أرسل به وكنّا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته وأحقّ الناس بمقامه في الناس فاستأثر علينا قومنا بذلك فأغضينا كراهيّة للفرقة ومحبّة للعافية ونحن نعلم أنّا أحقّ بذلك الحقّ المستحقّ علينا ممّن تولاه، وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيته، فإنّ السنّة قد أميتت وإنّ البدعة قد أحييت فإن تجيبوا دعوتي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد.(1)

الكوفة قبل ورود الحسين علیه السلام إليها

موقف زعماء البصرة من دعوة الحسين علیه السلام

فجمع يزيد بن مسعود بني تميم وبني حنظلة وبني سعد فلمّا حضروا قال: يا بني تمیم كيف ترون موضعي فيكم وحسبي منكم؟ فقالوا: بخ بخ أنت والله فقرة الظهر ورأس الفخر حللت في الشرف وسطاً وتقدّمت فيه فرطاً. قال فإنّي قد جمعتكم لأمر أُريد أن أشاوركم فيه وأستعين بكم عليه، فقالوا: إذا واللهِ نمنحك النصيحة ونجهد لك الرأي، فقل نسمع.

فقال: إنّ معاوية قد مات فأهون به والله هالكاً ومفقوداً، ألا وإنّه قد انكسر باب الجور والإثم وتضعضعت أركان الظلم وقد كان أحدث بيعة عقد بها أمراً ظنّ أن قد أحكمه، وهيهات الّذي أراد، اجتهد والله ففشل وشاور فخذِل وقد قام ابنه يزيد شارب الخمور ورأس الفجور يدّعي الخلافة على المسلمين ويتأمّر عليهم بغير رضىً منهم مع قِصَر حلم وقلّة علم، لا يعرف من الحقّ موطىء قدمه، فاُقسم بالله قسماً مبروراً لجهادُه على الدين أفضل من جهاد المشركين، وهذا الحسين بن عليّ ابن رسول الله صلّی الله علیه و آله ذو الشرف الأصيل والرأي الأثيل له فضل لا يوصف وعلم لا ينزف وهو


1) راجع أعيان الشيعه، ج 1.

أولى بهذا الأمر لسابقته وسنّه وقدمه ،وقرابته يعطف على الصغير ويحنو على الكبير فأكرِم به راعي رعيّة وإمام قوم وجبت لله به الحجّة وبلغت به الموعظة وقد كان صخر بن قيس (وهو الأحنف) انخزل بكم يوم الجمل فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله صلّی الله علیه و آله ونصرته، والله لا يقصر أحد عن نصرته إلّا أورثه الله تعالى الذلّ في ولده والقلّة في عشيرته وها أنا ذا قد لبست للحرب لامتها وادّرعت لها بدرعها، من لم يُقتل يمت ومن يَهرب لم يَفُت فأحسنوا رحمكم الله ردّ الجواب.

فتكلّمت بنو حنظلة فقالوا: أبا خالد نحن نبل كنانتك وفرسان عشيرتك إن رميت بنا أصبت وإن غزوت بنا فتحت، لا تخوض والله غمرة إلّا خضناها ولا تلقى والله شدّة إلّا لقيناها ننصرك والله بأيدينا ونفديك بدمائنا إذا شئت فافعل.

وتكلّمت بنو سعد بن يزيد فقالوا: أبا خالد إنّ أبغض الأشياء إلينا خلافك والخروج عن رأيك وقد كان صخر بن قيس (الأحنف) أمرنا بترك القتال يوم الجمل فحمدنا رأيه فأمهلنا نراجع الرأي فنأتيك برأينا... وتكلّمت بنو عامر بن تميم وأعربوا عن استجابتهم لأمره.

ثمَّ كتب إلى الحسين علیه السلام جوابه مبدياً فيه استعداده للنصرة وقرأ الحسين كتابه ودعا له بالأمن يوم الخوف والارواء يوم العطش الأكبر، ولكن لمّا تجهّز للخروج لنصرة سيّده الحسين علیه السلام بلغه قتله فجزع من انقطاعه عنه.

وأمّا الأحنف بن قيس فقد كتب للحسين علیه السلام: أمّا بعد فاصبر إنّ وعد الله حقّ ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون.

وأمّا المنذر بن الجارود فإنّه جاء بالكتاب والرسول إلى عبيد الله بن زياد في عشيّة الليلة الّتي يريد ابن زياد أن يذهب في صبيحتها إلى الكوفة. فأخذ عبيدالله الرسول فصلبه، ثم خطب الناس وتوعّدهم على الخلاف وخرج من البصرة واستخلف أخاه عثمان عليها.

ابن زياد يتدارك الوضع في الكوفة

وأقبل ابن زياد إلى الكوفة فلمّا أشرف عليها نزل حتّى أمسى، ودخلها ليلاً ممّا يلي النجف وعليه عمامة سوداء وهو متلثّم فدخلها من جهة البادية في زيّ أهل الحجاز ليوهم أنّه الحسين علیه السلام، والناس كانوا قد بلغهم إقبال الحسين علیه السلام فهم ينتظرونه فظنّوا أنّه الحسين فقالت امرأة الله أكبر ابن رسول الله صلّی الله علیه و آله فتصايح الناس وقالوا: إنّا معك أكثر من أربعين ألفاً، وأخذ لا يمرّ على جماعة من الناس إلّا سلّموا عليه وقالوا: مرحباً بك يا ابن رسول الله قدمت خیر مقدم فرأى من تباشرهم بالحسين علیه السلام ما ساءه، وازدحموا عليه حتّى أخذوا بذنب دابّته، وكشف لهم عبدالله بن مسلم الباهلي عن هويّته قائلاً: تأخّروا، هذا الأمير عبيدالله بن زياد وحسر اللثام عن وجهه وقال: أنا عبيدالله فتساقط القوم ووطىء بعضهم بعضاً. وسار حتّى وافي القصر بالليل.

وأصبح ابن زياد فخطب وتوعّد الناس بالعقوبة للعاصي والإحسان للمطيع منهم.

مسلم يأبى اغتيال ابن زیاد

ولمّا سمع مسلم بن عقيل خبر مجيء عبيد الله وتَوَعُّدِه الناسَ خرج من دار المختار إلى دار هاني بن عروة في جوف الليل وأخذ أنصاره يختلفون إليه على تستّر وألحّ عبيدالله في طلبه، وجاء عبيد الله لعيادة شريك بن الحارث الهمداني في دار هاني وأمر شريك مسلم بن عقيل بأن يقتل عبيد الله إذا جلس عنده ونهاه هاني. ولمّا أراد الخروج تعلّقت به امرأة لهاني وبكت في وجهه وناشدته الله أن يفعل وخرج ابن زياد ومات شريك من مرضه ذلك.

ابن زیاد يكتشف مخبأ مسلم وأصحابه

ولمّا خفي على ابن زياد أمر مسلم عمد إلى التجسّس فدعا غلاماً له اسمه معقل ودفع إليه أربعة آلاف درهم وأمره بحسن التوصل إلى أصحاب مسلم وأن يدفع إليهم المال ليستعينوا به ويظهر لهم أنّه منهم من أهل حمص فجاء إلى مسلم بن عوسجة

فاغترّ بكلامه وأدخله على مسلم بن عقيل فأخبر ابن زياد بكلّ ما أراد.

وبلغ الّذين بايعوا مسلماً خمسة وعشرين ألف رجل فعزم على الخروج، فقال هانئ: لا تعجل، وخاف هانئ عبيدالله على نفسه فانقطع عن مجلسه وتمارض. فدعا ابن زياد محمّد بن الأشعث وحسّان بن أسماء بن خارجة وعمرو بن الحجّاج الزبيدي وكان هانئ متزوّجاً رويحة بنت عمرو هذا فقال لهم: ما يمنع هانياً من زيارتنا؟ قالوا: إنّه مريض، قال: بلغني أنّه بريء وأنّه يجلس على باب داره فالقوه ومُروه أن لا يدع ما عليه من حقّنا فإنّي لا أحبّ أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب.

فأتوه وقالوا: ما يمنعك من لقاء الأمير؟ فإنّه قد ذكرك، قال: المرض، قالوا: بلغه أنك برئت، وأقسموا عليه أن يذهب معهم فذهب، ولم يكن حسّان يعلم بشيء ممّا كان، وكان محمّد بن الأشعث عالماً به.

ابن زياد يعتقل هانياً

فلمّا دخل هانئ على ابن زياد قال: ايه يا هانئ ما هذه الأمور الّتي تربّص في دارك لأمير المؤمنين وعامّة المسلمين؟ جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك وجمعت له الجموع والسلاح في الدور حولك وظننت أنّ ذلك يخفى عليّ فأنكر هانئ أن يكون قد فعل، فدعا ابن زياد معقلاً.

فعلم هانئ أنّه كان عيناً عليهم فسقط في يده ساعة ثمّ راجعته نفسه وجعل يعتذر إلى ابن زياد بأنّه ما دعا مسلماً إلى منزله وإنّما جاءه يسأله النزول فاستحيا من ردّه وداخله من ذلك ذمام وأنّه يذهب الآن فيخرجه، فقال ابن زياد: والله لا تفارقني حتّى تأتيني به فقال: لا والله لا أجيئك به، أجيئك بضيفي تقتله؟!

وخلا به مسلم بن عمرو الباهلي ليقنعه بأن يأتي به فأبى، فقال ابن زياد والله لتأتينيّ به أو لأضربنّ عنقك، قال: إذاً تكثر البارقة حول دارك، فقال: والهفاه عليك!

أبالبارقة تخوّفني؟ وهانئ يظنّ أنّ عشيرته سيمنعونه، ثمّ قال: ادنوه منّي فاستعرض وجهه بالقضيب حتّى كسر أنفه وشقّ حاجبه ونثر لحم جبينه وخدّه على لحيته وسالت الدماء على ثيابه ووجهه ولحيته وكسر القضيب.

وضرب هانئ يده على قائم سيف شرطي وجاذبه الشرطي ومنعه، فقال عبيدالله: أحروريّ سائر اليوم؟ قد حلّ دمك، جُروّه فجرّوه فألقوه في بيت من بيوت الدار وأغلقوا عليه بابه وجعلوا عليه حَرَساً.

فقام إليه حسّان بن خارجة فقال: أرسُل غَدرٍ سائر اليوم؟! أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتّى إذا جئناك به فعلت به هذا، فقال عبيدالله: وإنّك لهاهنا فأمر به فضُرب وتُعتِع وأجلس ناحية.

فقال محمّد بن الأشعث: رضينا بما رأى الأمير، لنا كان أم علينا إنّما الأمير مؤدّب. وبلغ عمرو بن الحجّاج أنّ هانياً قد قتل فأقبل في مذحج حتّى أحاط بالقصر فقال ابن زياد لشريح القاضي: ادخل على صاحبهم فانظر إليه ثمّ أعلمهم أنّه حيّ ففعل فقالوا: أمّا إذا لم يقتل فالحمد لله وانصرفوا.

خروج مسلم في الكوفة

أرسل مسلم إلى القصر من يأتيه بخبر هانئ فلمّا اُخبر أنّه ضرب وحبس، قال لمناديه: نادِ يا منصورُ أمِت، وكان ذلك شِعارهم، فنادى، فاجتمع إليه أربعة آلاف كانوا في الدور حوله - وقال المسعودي: اجتمع إليه في وقت واحد ثمانية عشر ألف رجل - فسار إلى ابن زياد فما نزل ابن زياد حتّى دخلت النظارة المسجد يقولون: جاء ابن عقيل فدخل عبيدالله القصر مسرعاً وأغلق أبوابه.

وقدّم مسلم مقدّمته وعبّاً أصحابه ميمنة وميسرة ووقف هو في القلب وأقبل نحو القصر وتداعى الناس واجتمعوا حتّى امتلأ المسجد والسوق وضاق بعبيد الله أمره وبعث إلى وجوه أهل الكوفة فجمعهم عنده وليس معه إلّا ثلاثون رجلاً من الشرطة

وعشرون رجلاً من أشراف الناس وخاصّته وجعل مَن في القصر مع ابن زياد يُشرفون على أصحاب مسلم وأصحاب مسلم يرمونهم بالحجارة ويشتمونهم ويفترون على عبيد الله وأمّه وأبيه.

فدعا ابن زياد كثير بن شهاب وأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج ويخذّل الناس عن ابن عقيل ويخوّفهم، وأمر محمّد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت فيرفع راية أمان وأمر جماعة من الأشراف بمثل ذلك وحبس باقي وجوه الناس عنده استيحاشاً إليهم لقلّة من معه.

وأقام الناس مع ابن عقيل يكثرون حتّى المساء وأمرهم شديد، وأمر ابن زياد من عنده من الأشراف أن يشرفوا على الناس فيمّنوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة ويخوّفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة، وجعل كثير يخذّل الناس ويخوّفهم بأجناد الشام فأخذوا يتفرّقون، وكانت المرأة تأتي ابنها وأخاها فتقول: انصرف، الناس يكفونك، ويجيء الرجل إلى ابنه وأخيه ويقول: غداً يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب؟ حتّى أمسى ابن عقيل في خمسمائة فلما اختلط الظلام جعلوا يتفرّقون فصلّى المغرب وما معه إلّا ثلاثون نفساً فتوجّه نحو باب المسجد فلم يبلغه إلّا ومعه عشرة أنفس فخرج من الباب فإذا ليس معه أحد. فمضى على وجهه متلدّداً في أزقّة الكوفة حتّى أتى باب امرأة اسمها (طوعة) ولها ولد اسمه بلال كان قد خرج مع الناس وأمّه قائمة تنتظره فسلّم عليها ابن عقيل فردّت عليه السلام وطلب منها ماء فسقته وجلس، ودخلت ثمّ خرجت فقالت يا عبد الله ألم تشرب؟ قال: بلى، قالت: فاذهب إلى أهلك فسكت، ثمّ أعادت مثل ذلك فسكت، فقالت: سبحان الله يا عبد الله قم عافاك الله إلى أهلك فإنّه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا أحلّه لك، فقام وقال: يا أمة الله ما لي في هذا المصر أهل ولا عشيرة، فهل لك في أجر ومعروف ولعلّي مكافيك بعد اليوم؟ قالت: وما ذاك؟ قال: أنا مسلم بن عقيل، قالت: أنت مسلم؟ قال: نعم، قالت: أدخل فدخل إلى بيت في دارها غير الّذي تكون فيه وفرشت له وعرضت عليه العشاء فلم يتعشّ، وجاء ابنها

فرآها تكثر الدخول في البيت والخروج منه فاستراب بذلك ولم يزل بها حتّى أخبرته.

وجعل ابن زياد لا يسمع لأصحاب ابن عقيل صوتاً كما كان يسمع، فأمر أصحابه أن يشرفوا فينظروا هل يرون أحداً فلم يروا أحداً، فأخبروه بتفرّق القوم.

فخرج بأصحابه إلى المسجد ونادى مناديه: برئت الذمّة من رجل من الشرط والعرفاء والمناكب والمقاتلة صلّى العتمة إلّا في المسجد فامتلأ المسجد من الناس فصلّى بهم وأقام الحرس خلفه ثُمّ صعد المنبر وقال: إنّ ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم من الخلاف والشقاق فبرئت ذمّة الله من رجل وجدناه في داره، ومن جاء به فله ديّته، اتّقوا الله عباد الله ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً، يا حصين بن تميم - وهو صاحب شرطته - ثكلتك اُمّك إن ضاع باب من سكك الكوفة وخرج هذا الرجل ولم تأتني به وقد سلّطتك على دور أهل الكوفة ثمّ دخل القصر.

فلمّا أصبح جلس مجلسه وأذن للناس فدخلوا عليه وأقبل محمّد بن الأشعث فقال له: مرحباً بمن لا يستغشّ ولا يّتهم، وأقعده إلى جنبه، وجاء ابن تلك المرأة فأخبر عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث بمكان مسلم من اُمّه، وكانت اُمّه اُمّ ولد للأشعث بن قيس فأعتقها وتزوّجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالاً فبين بلال وأولاد الأشعث علاقة بسبب تلك المرأة، فجاء عبد الرحمن فأخبر أباه سرّاً وهو عند ابن زياد فعرف ابن زیاد سراره فبعث معه سبعين رجلاً حتّى أتوا الدار الّتي فيها مسلم فلمّا سمع مسلم وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال علم أنّه قد اُتي فخرج إليهم بسيفه واقتحموا عليه الدار فشدّ عليهم يضربهم بسيفه حتّى أخرجهم من الدار ثمّ عادوا إليه فشدّ عليهم كذلك فأخرجهم مراراً وقتل منهم جماعة واختلف هو وبكر بن حمران ضربتين فضرب بكر فم مسلم فقطع شفته العليا وأسرع السيف في السفلى وفصلت له ثنيتاه، وضربه مسلم في رأسه ضربة منكرة وثنّااه بأخرى على حبل العاتق كادت تطلع إلى جوفه فأشرفوا عليه من فوق البيوت يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في أطنان القصب ويلقونها عليه، فلمّا رأى ذلك قال أكلّ ما أرى من الأجلاب لقتل مسلم بن عقيل يا نفس اخرجي إلى

الموت الّذي ليس عنه محيص، فخرج عليهم مصلتاً سيفاً في السكّة فقاتلهم فناداه ابن الأشعث لك الأمان وهو يقاتلهم ويتمثّل:

أقسمت لا اُقتل إلّا حرّا***وإن رأيت الموت شيئاً نُكر

أخاف أن اُكذب أو أُغَرّا***أو اُخلط الباردَ سخنا مُرّا

ردّ شعاع الشمس فاستقرّا***كلّ امرىء يوم ملاقٍ شرّا

أضربكم ولا أخاف ضرّا

فقال له ابن الأشعث: إنّك لا تكذب ولا تغرّ وكان قد اُثخن بالحجارة وعجز عن القتال فأسند ظهره إلى جنب تلك الدار وأعاد عليه ابن الأشعث لك الأمان. وقيل: إنّهم تكاثروا عليه بعد أن اُثخن بالجراح فطعنه رجل من خلفه فخرّ إلى الأرض فأخذ أسيراً وحمل على بغلة وانتزع ابن الأشعث سيفه وسلاحه.

فيئس عند ذلك من نفسه ودمعت عيناه وبكى، فقيل له: إنّ الّذي يطلب مثل الّذي تطلب إذا نزل به مثلما نزل بك لم يبك، فقال: والله ما لنفسي بكيت ولا لها من القتل أرثي وإن كنت لم اُحب لها طرفة عين تلفا، ولكنّني أبكي لأهلي المقبلين إليّ، أبكي لحسين وآل حسين، ثم قال لابن الأشعث هل عندك خير؟ تستطيع أن تبعث من عندك رجلاً على لساني يبلغ حسيناً؟ فإنّي لا أراه إلّا وقد خرج اليوم أو هو خارج غداً وأهل بيته، ويقول له انّ ابن عقيل بعثني إليك وهو أسير في أيدي القوم لا يرى أنّه يمسي حتّى يُقتل وهو يقول لك: ارجع فداك أبي واُمّي بأهل بيتك ولا يغررك أهل الكوفة فإنّهم أصحاب أبيك الّذي كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل.

قال ابن الأشعث: والله لأفعلن - وكذب -. وجيء به إلى باب القصر وقد اشتدّ به العطش وعلى الباب قُلّةٌ فيها ماء بارد فقال: اسقوني من هذا الماء، فقال له مسلم بن عمرو الباهلي - والد قتيبة أمير خراسان:- أتراها؟ ما أبردها! لا والله لا تذوق منها قطرة حتّى تذوق الحميم، ومنعهم أن يسقوه، فقال له ابن عقيل: لأمّك الثكل ما أجفاك وأفضّك وأقسى قلبك! أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنّم منّي.

وأرسل عمرو بن حريث غلاماً له فأتاه بقُلّة عليها منديل وقدح فصبّ فيه ماء، وقال له: اشرب فأخذ كلّما شرب امتلأ القدح دماً من فمه فلا يقدر أن يشرب، فعل ذلك مرّة أو مرّتين فلمّا ذهب في الثالث ليشرب سقطت ثناياه في القدح فقال: الحمد لله، لو كان لي من الرزق المقسوم لشربته.

مسلم يتحدّى كبرياء ابن زياد

ثمّ أدخل مسلم على ابن زياد فلم يسلّم عليه بالإمرة، فقال له الحرسي: سلّم على الأمير، فقال: اسكت ويحك! والله ما هو لي بأمير، فقال ابن زياد: لا عليك سلّمت أم لم تسلّم فإنّك مقتول، قال: إن قتلتني فلقد قتل من هو شرّ منك من هو خيرٌ منّي.

قال: قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام.

فقال: أما إنّك أحقّ مَن أحدث في الإسلام ما لم يكن ، وإنّك لا تدع سوء القتلة و قبح المُثلة وخبث السريرة ولؤم الغلبة لأحد أولى بها منك.

فقال: یا عاقّ يا شاقّ! شققت عصا المسلمين و ألقحت الفتنة.

قال: كذبت إنّما شقّ عصا المسلمين معاوية وابنه يزيد، وأمّا الفتنة فإنّما ألقحتَها أنت وأبوك زياد بن عبيد عبد بني علاج من ثقيف.

قال: ايه، ابن عقيل أتيت الناس وهم جميع وأمرهم ملتئم فشتّت أمرهم وفرّقت كلمتهم.

قال: كلّا لست لذلك أتيت ولكنّكم أظهرتم المنكر ودفنتم المعروف وتأمّرتم على الناس بغير رضا منهم وعملتم فيهم بأعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر فيهم بالمعروف وننهى عن المنكر وندعوهم إلى حكم الكتاب والسُنّة وكنّا أهل ذلك.

فأقبل ابن زياد يشتمه ويشتم عليّاً والحسن والحسين وعقيلاً.

فقال له مسلم: أنت وأبوك أحقّ بالشتيمة فاقض ما أنت قاض يا عدوّ الله.

فقال ابن زیاد: اصعدوا به فوق القصر فاضربوا عنقه ثمّ أتبعوه جسده، فصُعد به

وهو يكبّر ويستغفر الله ويُسبّحه ويُصلّي على رسوله صلّی الله علیه و آله فضرب عنقه واُتبع رأسه جثّته.

وقام ابن الأشعث فشفع في هاني فوعده ابن زياد ثمّ بدا له فأمر بهاني بعد قتل مسلم فقال: اخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقه فأخرجوه وهو مكتوف فجعل يقول وامذحجاه ولا مذحج لي اليوم ثمّ جذب يده فنزعها من الكتاف ووثبوا إليه فشدّوه وثاقاً وضربه مولى تركي لعبيد الله بن زياد يقال له رشيد فقتله.

وكان خروج مسلم في الكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجّة يوم التروية وقتله يوم الأربعاء يوم عرفة لتسع خلون منه. وأمر ابن زياد بجثة مسلم وهانئ فصلبتا بالكناسة وبعث برأسيهما إلى يزيد بن معاوية وأخبره بأمرهما فأعاد يزيد الجواب إليه يشكره على فعله وسطوته ويقول له: قد بلغني أنّ حسيناً قد سار إلى الكوفة فضع المناظر والمسالح واحبس على الظنّة وخذ على التهمة واكتب إليّ في كلّ ما يحدث.(1)


1) راجع أعيان الشيعه، ج 1.

الخلاصه

回 أمر يزيدُ واليَ المدينة بأن يأخذ البيعة له من الحسين علیه السلام وامتنع الحسين معلناً بأنّ مثله لا يبايع مثل يزيد. وهنا قرّر الهجرة من المدينة واتجه إلى مكّة فدخلها في الرابع من شعبان سنة 60 هجريّة وقد ثقل على ابن الزبير تواجد الحسين علیه السلام في مكّة. وبدأت دعوات الكوفيّين تترى عليه وتطلب منه التوجّه إلى العراق ليقاتلوا معه الحزب الأموي الحاكم، ووجّه الحسين رسوله مسلم بن عقيل ليستخبر الوضع له، وراسل الإمام زعماء البصرة فلم يستجب إلّا يزيد بن مسعود النهشلي مع من كان تحت أمره من بني تميم وبني حنظلة وبني سعد، وتدارك يزيد وضع الكوفة بإرسال عبيدالله بن زياد إليها ويتراجع الكوفيون ويسجن هانئ والمختار ويحاصر مسلم بن عقيل بعد تفرّق أصحابه ثمّ يستشهد هو وهانئ ويجرّان في سكك الكوفة لارعاب أهلها والحيلولة دون أيّ تحرّك آخر بعدها.

الأسئلة

1.

لماذا أرغم يزيد الإمام الحسين علیه السلام على البيعة؟

2.

كيف قابل الإمام علیه السلام وإلى المدينة حينما أخبره بأمر يزيد وطلب منه البيعة؟

3.

لماذا هاجر الإمام علیه السلام من المدينة واتّجه إلى مكّة؟

4.

لماذا ثقل على ابن الزبير حضور الإمام في مكّة؟

5.

ما هي أهمّ النقاط الّتي أثارها الإمام علیه السلام منذ واجه الوليد حتّى هاجر من مكّة (في كلماته و خطبه و وصاياه)؟

6.

لماذا تراجع الكوفيون عند مجيء ابن زياد إلى الكوفة؟

7.

ما هو موقف هاني ومسلم من ابن زياد؟

8.

ما هي الروح العامّة الّتي كانت تسيطر على أهل الكوفة قبل وصول الحسين إليها؟

الدرسان 12 و 13: حركة الإمام الحسين علیه السلام من مكّة إلى العراق

اشارة

وكان يزيد بن معاوية قد أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص من المدينة إلى مكّة في عسكر عظيم وولّاه أمر الموسم وأمّره على الحاجّ كلّهم فحجّ بالناس وأوصاه بقبض الحسين علیه السلام سرّاً وإن لم يتمكّن منه يقتله غيلة، وأمره أن يناجز الحسين علیه السلام القتال إن هو ناجزه.

فلمّا كان يوم التروية قدم عمرو بن سعيد إلى مكّة في جند كثيف فلمّا علم الحسين علیه السلام بذلك عزم على التوجّه إلى العراق وكان قد أحرم بالحجّ وقد وصله قبل ذلك كتاب مسلم بن عقيل ببيعة أهل الكوفة له فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وقصّر من شعره وأحلّ من إحرام الحجّ وجعلها عمرة مفردة؛ لأنّه لم يتمكّن من إتمام الحجّ مخافة أن يقبض عليه، فخرج من مكّة یوم الثلاثاء وقيل: يوم الأربعاء يوم التروية لثمان مضين من ذي الحجّة. فكان الناس يخرجون إلى منى والحسين علیه السلام خارج إلى العراق.

ولمّا عزم الحسين علیه السلام على الخروج من مكّة إلى العراق قام خطيباً في أصحابه، فكان ممّا قال: «الحمد لله وماشاء الله ولا قوّة إلّا بالله وصلّى الله على رسوله رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفّينا أُجور الصابرين، لن تشذّ عن رسول الله لحمته بل هي مجموعة له في حظيرة القدس تقرُّ بِِهم عينهُ ويُنجَز بهم وعده، مَن كان باذلاً فينا مهجته

وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإنّى راحلٌ مصبحاً إن شاء الله تعالى.

وجاءه أبوبكر عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي فنهاه عن الخروج إلى العراق فقال له الحسين علیه السلام: جزاك الله خيراً يا ابن عمّ قد اجتهدت رأيك، ومهما يقض الله يكن.

وجاءه عبدالله بن عبّاس فنهاه عن الخروج أيضاً فقال أستخير الله وأنظر ما يكون.

ثمّ أتاه مرّة ثانية فأعاد عليه النهي وقال: إن أبيت إلّا الخروج فاخرج إلى اليمن، فقال الحسين علیه السلام: يا ابن عمّ إنّي والله لأعلم أنّك ناصح مشفق وقد أزمعت وأجمعت المسير.

وجاءه عبدالله بن الزبير فأشار عليه بالعراق ثمّ خشي أن يتّهمه فقال: لو أقمت لما خالفنا عليك، فلما خرج ابن الزبير قال الحسين علیه السلام: إنّ هذا ليس شيء أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز.

ثمّ جاءه عبدالله بن عمر فأشار عليه بصلح أهل الضلال وحذّره من القتل والقتال فقال له: يا أباعبد الرحمن أما علمت أنّ من هوان الدنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريا اُهدي إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل؟ أما تعلم أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيّاً ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئاً فلم يعجّل الله عليهم بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيزٍ ذي انتقام؟ اتَّقِ الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعنّ نصرتي.

وكان الحسين علیه السلام يقول: وأيم الله لو كنت في جحر هامّة من هذه الهوامّ لاستخرجوني حتّى يقتلوني والله ليعتدنّ عليّ كما اعتدت اليهود في السبت. والله لا يَدَعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم من يُذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من فرام(1)المرأة.


1) الفرام خرقة الحيض.

وجاءه محمد بن الحنفيّة في الليلة الّتي أراد الحسين علیه السلام الخروج في صبيحتها عن مكّة فقال له: يا أخي إنّ أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى فإن رأيت أن تقيم فإنّك أعزّ مَن بالحرم وأمنعه. فقال: يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم فأكون الّذي يستباح به حرمة هذا البيت.

فقال له ابن الحنفيّة: فإن خفت ذلك فصر إلى اليمن أو بعض نواحي البر فإنّك أمنع الناس به، ولا يقدر عليك أحد، فقال علیه السلام: أنظر فيما قلت.

فلمّا كان السحر إرتحل الحسين علیه السلام فبلغ ذلك ابن الحنفيّة فأتاه فأخذ بزمام ناقته - وقد ركبها - فقال: يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألتك؟ فما حداك على الخروج عاجلاً؟ قال: أتاني رسول الله صلّی الله علیه و آله بعدما فارقتك فقال: يا حسين اُخرج فإنّ الله شاء أن يراك قتيلاً. فقال محمد ابن الحنفيّة: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. فما معنى حملك هؤلاء النسوة معك وأنت تخرج على مثل هذا الحال؟! فقال: إنّ الله قد شاء أن يراهنّ سبايا فسلّم عليه ومضى.

وسمع عبدالله بن عمر بخروجه فقدّم راحلته وخرج خلفه مسرعاً فأدركه في بعض المنازل فقال: أين تريد يا ابن رسول الله؟ قال: العراق، قال: مهلاً ارجع إلى حرم جدّك فأبى الحسين علیه السلام، فلما رأى ابن عمر إباءه قال: يا أباعبدالله اكشف لي عن الموضع الّذي كان رسول الله صلّی الله علیه و آله يقبّله منك فكشف الحسين علیه السلام عن سرّته فقبّلها ابن عمر ثلاثاً وبكى وقال: استودعك الله يا أبا عبدالله فإنّك مقتول في وجهك هذا.

ملاحقة السلطة للإمام الحسين علیه السلام

لمّا خرج الحسين علیه السلام من مكّة اعترضته رسل عمرو بن سعيد ابن العاص أمير الحجاز من قبل يزيد، عليهم أخوه يحيى بن سعيد ليردّوه، فأبى عليهم وتدافع الفريقان وتضاربوا بالسياط ثمّ امتنع عليهم الحسين علیه السلام وأصحابه امتناعاً شديداً ومضى

الحسين علیه السلام على وجهه فبادروا وقالوا: يا حسين ألا تتقي الله؟! تخرج من الجماعة وتفرّق بين هذه الاُمّة؟ فقال: لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون ممّا أعمل وأنا بريء ممّا تعملون.

وعن عليّ بن الحسين علیهما السلام قال: خرجنا مع الحسين علیه السلام فما نزل منزلاً ولا ارتحل منه إلّا ذكر يحيى بن زكريّا وقتله.

وكتب عمرو بن سعيد وهو والي المدينة بأمر الحسين علیه السلام إلى يزيد فلمّا قرأ الكتاب تمثَّل بهذا البيت:

فإن لا تزر أرض العدوّ وتأته***يزرك عدوّ أو يلومنّك كاشح

ثم سار علیه السلام حتّى مرّ بالتنعيم فلقي هناك عيراً تحمل هديّة قد بعث بها بحير بن ريسان الحميري عامل اليمن إلى يزيد بن معاوية وعليها الورس والحلل فأخذ الهديّة وقال لأصحاب الجمال: مَن أحبّ أن ينطلق معنا إلى العراق وفيناه كراه وأحسنّا معه صحبته، ومن أحبّ أن يفارقنا أعطيناه كراه بقدر ما قطع من الطريق، فمضى معه قوم وامتنع آخرون.

ثمّ سار علیه السلام حتّى أتى الصفاح فلقيه الفرزدق الشاعر، قال الفرزدق: حججت باُمّي سنة ستين فبينما أنا أسوق بعيرها حتّى دخلت الحرم إذ لقيت الحسين علیه السلام خارجاً من مكّة معه أسيافه وأتراسه. فقلت: لِمن هذا القطار؟ فقيل للحسين بن عليّ، فأتيته وسلّمت عليه وقلت له: أعطاك الله سؤلك وأمّلك فيما تحبّ بأبي أنت وأمّي يا ابن رسول الله ما أعجلك عن الحجّ؟ فقال: لو لم أعجل لاُخذت. ثمّ قال لي: مَن أنت؟ قلت: رجل من العرف فلا والله ما فتّشني عن أكثر من ذلك، ثمّ قال لي: أخبرني عن الناس خلفَك ؟ فقلت: الخبير سألت، قلوبُ الناس معك وأسيافهم عليك، والقضاء ينزل السماء والله يفعل ما يشاء. فقال علیه السلام: صدقت، لله الأمر من قبل ومن بعد وكلّ من يوم ربّنا هو في شأن، إن نزل القضاء بما نحبّ فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يبعد من كان الحقّ نيّته والتقوى

سيرته. فقلت له: أجل بلّغك الله ما تحبّ وكفاك ما تحذر وسألته عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني بها وحرّك راحلته، وقال السلام عليك.

كتاب الأمان من أمير المدينة

وألحق عبدالله بن جعفر الحسين علیه السلام بابنيه عون ومحمّد وكتب على أيديهما كتاباً يقسم عليه فيه بالرجوع ويقول: إنّي مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك وإن هلكت اليوم طفئ نور الأرض فإنّك عَلم المهتدين.

وصار عبدالله إلى عمرو بن سعيد أمير المدينة فسأله أن يكتب للحسين علیه السلام أماناً ويمنّيه البرّ والصلة، فكتب له وأنفذه مع أخيه يحيى بن سعيد، فلحقه يحيى وعبدالله بن جعفر وجهدا به في الرجوع، فقال: إنّي رأيت رسول الله صلّی الله علیه و آله في المنام وأمرني بما أنا ماضٍ له. فقال له: فما تلك الرؤيا، قال: ما حدّثت بها أحداً وما أنا محدّث بها أحداً حتّى ألقى ربّي عزّوجلّ، فلمّا أيس منه عبدالله بن جعفر أمر ابنيه عوناً ومحمداً بلزومه والمسير معه والجهاد دونه ورجع هو إلى مكّة.

وسار الحسين علیه السلام نحو العراق مسرعاً لا يلوي على شيء حتّى بلغ وادي العقيق فنزل ذات عرق فلقيه رجل من بني أسد يسمّى بشر بن غالب وارداً من العراق فسأله عن أهلها، فقال: خلّفت القلوب معك والسيوف مع بني أميّة فقال: صدق أخو بني أسد إنّ الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

الإمام علیه السلام يخبر أهل الكوفة بتوجّهه إليهم

ولمّا بلغ الحسين علیه السلام إلى الحاجز من بطن الرمّة كتب كتاباً إلى جماعة من أهل الكوفة منهم سليمان بن صرد الخزاعي والمسيّب بن نجبة ورفاعة بن شدّاد وغيرهم وأرسله مع قيس بن مسهر الصيداوي، وذلك قبل أن يُخبَر بقتل مسلم يقول فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن عليّ إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلام

عليكم فإنّي أحمد إليكم الله الّذي لا إله إلّا هو (أمّا بعد) فإنّ كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم واجتماع ملئكم على نصرنا والطلب بحقّنا سألت الله لنا الصنيع وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم من مكّة یوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجّة يوم التروية فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا أمركم وجدّوا فإنّي قادمٌ عليكم في أيامي هذه إن شاء الله تعالى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

وكان مسلم بن عقيل قد كتب إليه قبل أن يقتل بسبع وعشرين ليلة.

اعتقال رسول الحسين علیه السلام وقتله

أقبل قيس بكتاب الحسين علیه السلام، وكان ابن زياد لمّا بلغه مسير الحسين علیه السلام من مكّة إلى الكوفة بعث الحصين بن تميم صاحب شرطته حتّى نزل القادسيّة ونظّم الخيل بين القادسيّة إلى خفان وما بين القادسيّة إلى القطقطانة وإلى جبل لعلع، قال الناس: هذا الحسين يريد العراق فلمّا انتهى قيس إلى القادسيّة اعترضه الحصين ابن تميم ليفتّشه فأخرج قيس الكتاب وخرقه فحمله الحصين إلى ابن زياد فلمّا مثل بين يديه قاله له: من أنت؟ قال أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وابنه. قال: فلماذا خرقت الكتاب؟ قال لئلّا تعلم ما فيه. قال: وممّن الكتاب وإلى مَن؟ قال: من الحسين إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم فغضب ابن زياد وقال: والله لا تفارقني حتّى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم أو تصعد المنبر فتسبّ الحسين بن علي وأباه وأخاه وإلّا قطّعتك إرباً إرباً. فقال قيس: أمّا القوم فلا اُخبرك بأسمائهم وأمّا سبّ الحسين وأبيه وأخيه فافعل (وكان قصده أن يبلّغ رسالة الحسين علیه السلام إلى أهل الكوفة).

فصعد قيس فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي صلّی الله علیه و آله وأكثر من الترحّم علىّ علي والحسن والحسين ولعن عبيدالله بن زياد وأباه ولعن عتاة بني اُميّة ثمّ قال: أیّها الناس إنّ هذا الحسين بن عليّ خير خَلق الله ابن فاطمة بنت رسول الله صلّی الله علیه و آله وأنا

رسوله إليكم وقد خلّفته بالحاجر فأجيبوه. فأمر به ابن زياد فرمي من أعلى القصر فتقطّع فمات، فبلغ الحسين علیه السلام قتله فاسترجع واستعبر بالبكاء ولم يملك دمعته، ثمّ قرأ «فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً»، ثمّ قال: جعل الله له الجنّة ثواباً اللهم اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ من رحمتك ورغائب مذخور ثوابك إنّك على كلّ شيءٍ قدير.

ثمّ أقبل الحسين علیه السلام من الحاجر حتّى انتهى إلى ماء من مياه العرب فإذا عليه عبدالله بن مطيع العدوي وهو نازل به فلمّا رأى الحسين علیه السلام قام إليه فقال: بأبي أنت وأمّي يا ابن رسول الله ما أقدمك؟! واحتمله فأنزله، فقال له الحسين علیه السلام: كان من موت معاوية ما قد بلغك فكتب إليّ أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم. فقال له عبدالله: اُذكّرك الله يا ابن رسول الله وحرمة الإسلام أن تنتهك، أنشدك الله في حرمة قريش، أنشدك الله في حرمة العرب، فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني اُميّة ليقتلنُّك ولئن قتلوك لا يهابوا بعدك أحداً أبداً، والله إنّها لحرمة الإسلام تُنتهك وحرمة قريش وحرمة العرب، فلا تفعل ولا تأت الكوفة ولا تعرّض نفسك لنبي أميّة.

وكان عبيد الله بن زياد أمر فأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشام إلى طريق البصرة فلا يَدعون أحداً يلج ولا أحد يخرج.

التحاق زهير بن القين بركب الإمام علیه السلام

وأقبل الحسين علیه السلام يشعر بشيء حتّى لقي الأعراب فسألهم، فقالوا: لا والله ما ندري غير أنّا لا نستطيع أن نلج ولا نخرج، فسار تلقاء وجهه، وكان زهير بن القين البجلي قد حجّ في تلك السنة وكان عثمانيّاً فلمّا رجع من الحجّ جمعه الطريق مع الحسين علیه السلام، فحدّث جماعة من فزارة وبجيلة قالوا: كنّا مع زهير بن القين حين أقبلنا من مكّة فكنّا نساير الحسين علیه السلام فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن نسير معه في مكان واحد أو ننزل معه في منزل واحد، فإذا سار الحسين تخلّف زهير بن القين وإذا نزل

الحسين تقدّم زهير فنزلنا يوماً في منزل لم نجد بدّاً من أن ننزل معه فيه فنزل هو في جانب ونزلنا في جانب آخر فبينا نحن جلوس نتغدّى من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسين علیه السلام حتى سلّم ثمّ دخل فقال: يا زهير إنّ أباعبدالله بعثني إليك لتأتيه، فطرح كلّ إنسان منّا ما في يده كأنّ على رؤوسنا الطير كراهة أن يذهب زهير إلى الحسين علیه السلام.

قال أبو مخنف: فحدّثتني دلهم بنت عمرو وهي امرأة زهير قالت: فقلت له: الله! أيبعث إليك ابن رسول الله ثمّ لا تأتيه؟! سبحان الله لو أتيته فسمعت من كلامه! ثمّ انصرفت، فأتاه زهير على كره فما لبث أن جاء مستبشراً قد أشرق وجهه فأمر بفسطاطه وثقله ورحله فحوّل إلى الحسين علیه السلام ثم قال لامرأته أنت طالق الحقي بأهلك فإنّي لا أحبّ أن يصيبك بسببي إلّا خير، وقد عزمتُ على صحبة الحسين علیه السلام... وقال لأصحابه: من أحبّ منكم أن يتّبعني وإلّا فهو آخر العهد منّي، إنّي سأحدّثكم حديثاً: إنّا غزونا بلنجر - وهي بلدة ببلاد الخزر - ففتح الله علينا وأصبنا غنائم ففرحنا فقال لنا سلمان الفارسي: إذا أدركتم قتال شباب آل محمّد فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معهم ممّا أصبتم من الغنائم، فأمّا أنا فأستودكم الله، ولزم الحسين علیه السلام.

في الثعلبية

ولمّا نزل الحسين علیه السلام الخزيميّة أقام بها يوماً وليلة ثم سار حتّى نزل الثعلبيّة فبات بها فلمّا أصبح إذا برجل من أهل الكوفة يكنّى أباهِرّة الأزدي قد أتاه فسلّم عليه، ثمّ قال: يا ابن رسول الله ما الّذي أخرجك عن حرم الله وحرم جدّك محمد صلّی الله علیه و آله؟ فقال الحسين علیه السلام: ويحك يا أباهرة إنّ بني أميّة أخذوا مالي فصبرت وشتموا عرضي فصبرت وطلبوا دمي فهربت وأيم الله لتقتلني الفئة الباغية وليلبسهم الله ذلّاً شاملأ وسيفاً قاطعاً وليسلطنّ عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة فحكمت في أموالهم ودمائهم.

نبأ مقتل مسلم وهاني

وروى عبدالله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديان قالا، لمّا قضينا حجّنا لم يكن لنا همّة إلا اللحاق بالحسين علیه السلام لننظر ما يكون من أمره فأقبلنا ترقل بنا ناقتانا مسرعين حتّى لحقناه بزرود فلمّا دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين علیه السلام فوقف الحسين كأنّه يريده ثمّ تركه ومضى، فقال أحدنا لصاحبه: إذهب بنا إلى هذا لنسأله فإنّ عنده خبر الكوفة فمضينا إليه فقلنا: ممّن الرجل؟ قال أسدي قلنا له ونحن أسديان. ثمّ قلنا له أخبرنا عن الناس مِن ورائِك، قال: لم أخرج من الكوفة حتّى قُتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة ورأيتهما يجرّان بأرجلهما في السوق. فأقبلنا حتّى لحقنا الحسين علیه السلام فسايرناه حتّى نزل الثعلبيّة ممسياً، فجئنا فقلنا له: رحمك الله إنّ عندنا خبراً إن شئت حدّثناك علانية وإن شئت سرّاً، فنظر إلينا وإلى أصحابه ثمّ قال: ما دون هؤلاء سرّ، فقلنا له: رأيت الراكب الّذي استقبلته عشيّة أمس؟ قال: نعم وقد أردت مسألته، فقلنا قد والله استبرأنا لك خبره وكفيناك مسألته، وهو امرؤ منّا ذو رأي وصدق وعقل، وأنّه حدّثنا أنّه لم يخرج من الكوفة حتّى قتل مسلم وهانئ ورآهما يجرّان في السوق بأرجلهما، فقال: إنا لله وإنّا إليه راجعون رحمة الله عليهما، يردّد ذلك مراراً، فقلنا له: ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلّا انصرفت من مكانك هذا فإنّه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة، بل نتخوّف أن يكونوا عليك، فنظر إلى بني عقيل فقال: ما ترون فقد قتل مسلم؟ فقالوا: والله لانرجع حتّى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق، فأقبل علينا الحسين علیه السلام وقال: لا خير في العيش بعد هؤلاء، فعلمنا أنّه قد عزم رأيه على المسير، فقلنا له: خار الله لك، فقال: رحمكما الله، وارتجّ الموضع بالبكاء لقتل مسلم بن عقيل وسالت الدموع عليه كلّ مسيل.

فلما كان السحر قال لفتيانه وغلمانه: أكثروا من الماء فاستقوا وأكثروا، وكان لا يمرّ بماء إلَّا اتَّبعه مَن عليه، ثم ارتحلوا فسار حتّى انتهى إلى زبالة فأتاه بها خبر عبدالله بن

بقطر(1)وهو أخو الحسين علیه السلام من الرضاعة.(2)

رسول الحسين علیه السلام يتحدّى ابن زياد

قال الطبري: وكان سرّحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق وهو لا يعلم بقتله فأخذته خيل الحصين فسيّره من القادسيّة إلى ابن زياد(3)فقال له ابن زیاد: اصعد فوق القصر والعن الكذّاب ابن الكذّاب، ثمّ انزل حتى أرى فيك رأيي، فصعد فأعلم الناس بقدوم الحسين علیه السلام ولعن ابن زياد وأباه فألقاه من القصر فتكسّرت عظامه وبقي به رمق فأتاه عبد الملك بن عمير اللخمي قاضي الكوفة فذبحه بمديته، فعيب عليه فقال: أردت أن أريحه.

تفرّق الناس عن الحسين علیه السلام

فلمّا بلغ الحسين علیه السلام خبره أخرج إلى الناس كتاباً فقرأه عليهم وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد فإنّه قد أتاني خبر فظيع، قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبدالله بن بقطر وقد خَذَلنا شيعتنا فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج ليس عليه ذمام. فتفرّق الناس عنه وأخذوا يميناً وشمالاً حتّى بقي في أصحابه الّذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممّن انضمّوا إليه، وكان اجتمع إليه مدّة مقامه بمكّة نفر من أهل الحجاز ونفر من أهل البصرة، وإنّما فعل ذلك لعلمه بأنّ أكثر من اتّبعوه إنّما اتّبعوه ظنّاً. أنه يقدم بلداً قد استقامت له طاعة أهله فكره أن يسيروا معه إلّا وهم يعلمون ما يقدمون عليه وقد علم أنّه إذا بيّن لهم لم يصحبه إلّا من يريد مواساته والموت معه.


1) بالباء الموحّدة كما ضبطه ابن الأثير ولكنّه سمّي رضيعاً له لحضانة أمّه له.

2) قيل كانت اُمّه حاضنة للحسين علیه لاسلام ولم يكن رضع، ولكنه سمّي رضيعاً له لحضانة اُمّة له.

3) و قيل بل أرسله الحسين علیه السلام مع مسلم فلمّا رأى مسلم الخذلان بعثه إلى الحسين يخبره بما انتهى إليه الأمر فقبض عليه الحصين وأرسله إلى ابن زياد.

ولقيه الفرزدق بعدما رجع من الحجّ فسلّم عليه وقال: يا ابن رسول الله كيف ترکن إلى أهل الكوفة وهم الّذين قتلوا ابن عمك مسلم بن عقيل وشيعته فاستعبر الحسين علیه السلام، باكياً ثمّ قال: رحم الله مسلماً فلقد صار إلى روح الله وريحانه وتحيّاته ورضوانه أما إنّه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا وأنشأ يقول:

لئن تكن الدنيا تعدّ نفيسة***فإنّ ثواب الله أعلى وأنبل

وإن تكن الأبدان للموت اُنشئت***فقتل امرىء بالسيف في الله أفضل

وإن تكن الأرزاق قسماً مقدّراً***فقلّة حرص المرء في السعي أجمل

وإن تكن الأموال للترك جمعها***فما بال متروك به المرء يبخل؟

فلمّا كان وقت السحر أمر الحسين علیه السلام أصحابه فاستقوا ماء وأكثروا ثمّ سار من زبالة حتّى مرّ ببطن العقبة فنزل عليها فلقيه شيخ من بني عكرمة وهو عمّ لوذان(1)فسأله: أين تريد؟ فقال له الحسين علیه السلام: الكوفة، فقال الشيخ: اُنشدك الله لمّا انصرفت فوالله ما تقدم إلّا على الأسنّة وحدّ السيوف، وإنّ هؤلاء الّذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتل ووطّأوا لك الأشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأياً، فأمّا على هذا الحال الّتي تذكر فإنّي لا أرى لك أن تفعل، فقال له الحسين علیه السلام: يا عبدالله ليس يخفى عليّ الرأي ولكنّ الله تعالى لا يُغلب على أمره، ثمّ قال الله علیه السلام: والله لا يَدَعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي فإذا فعلوا سلّط الله عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من فرق الأَمَة.

ثم سار حتّى نزلوا شراف، فلما كان في السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء فأكثروا.


1) الذي في إرشاد المفيد يقال له: عمرو بن لوذان والذي في تاريخ الطبري، ثمّ سار حتّى مرّ ببطن العقبة فنزل بها قال أبو مخنف: فحدّثني لوذان أحد بني عكرمة أنّ أحد عمومته سأل الحسين علیه السلام أين تريد إلى آخر ما ذكره المفيد. وعليه فالظاهر أنّ صواب العبارة فلقيه شيخ من بني عكرمة وهو عمّ لوذان كما ذكرناه فصحف عمّ بعمرو وزيد عليه يقال له عمرو، والله أعلم. المؤلّف.

الإمام الحسين علیه السلام يلتقي بالحرّ

ثمّ سار حتّى انتصف النهار، فبينا هو يسير إذ كبّر رجل من أصحابه، فقال الحسين علیه السلام: الله أكبر، لِمَ كبّرت؟ قال: رأيت النخل فقال له جماعة من أصحابه: والله إنّ هذا المكان ما رأينا به نخلة قط، فقال لهم الحسين علیه السلام فما ترونه؟ قالوا: نراه والله أسنّة الرماح وآذان الخيل، قال: وأنا والله أرى ذلك، ثمّ قال علیه السلام: ما لنا ملجأ نلجأ إليه فنجعله في ظهورنا ونستقبل القوم بوجه واحد؟ فقالوا له: بلى هذا ذو حسم وهو جبل إلى جنبك فمل إليه عن يسارك فإن سبقت إليه فهو كما تريد، فأخذ إليه ذات اليسار وملنا معه فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي الخيل فتبينّاها وعدلنا عن الطريق فلمّا رأونا عدلنا عدلوا إليها كأنّ أسنّتهم اليعاسيب وكأنّ راياتهم أجنحة الطير فاستبقنا إلى ذي حسم فسبقناهم إليه وذلك على مرحلتين من الكوفة، وأمر الحسين علیه السلام بأبنيته فضُرِبت.

كرم ومروءة

جاء القوم زهاء ألف فارس مع الحرّ بن يزيد التميمي حتّى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حرّ الظهيرة والحسين وأصحابه معتمّون متقلّدون أسيافهم فقال الحسين علیه السلام لفتيانه: اسقوا القوم وأرووهم من الماء ورَشّفوا الخيل ترشيفاً أي اسقوها قليلاً، فأقبلوا يملؤون القصاع والطساس من الماء ثم يدنونها من الفرس فاذا عبّ فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت عنه وسقوا آخر حتّى سقوها عن آخرها.(1)

وقال الحسين علیه السلام للحرّ: ألنا أم علينا؟ فقال: بل عليك يا أباعبدالله، فقال


1) قال عليّ بن الطعان المحاربي: كنت مع الحرّ يومئذ فجئت في آخر من جاء من أصحابه، فلمّا رأى الحسین علیه السلام ما بي وبفرسي من العطش قال إنخ الراوية، والراوية عندي السقاء ثمّ قال يا ابن الأخ انخِ الجمل فأنخته، فقال: اشرب، فجعلت كلّما شربت سال الماء من السقاء، فقال الحسين علیه السلام: إخنث السقاء أي اعطفه فلم أدرِ كيف أفعل، فقام فخنّثه بيده فشربت وسقيتُ فرسي.

الحسين علیه السلام: لا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.

وكان مجيء الحر من القادسيّة، وكان عبيدالله بن زياد بعث الحصين بن تميم وأمره أن ينزل القادسيّة ويقدّم الحرّ بين يديه في ألف فارس يستقبل بهم الحسين فلم يزل الحرّ موافقاً للحسين حتّى حضرت صلاة الظهر، فأمر الحسين علیه السلام الحجاج ابن مسروق أن يؤذّن فلمّا حضرت الإقامة خرج الحسين علیه السلام في إزار ورداء ونعلين، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال:

أیّها الناس! إنّها معذرة إلى الله وإليكم إنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم وقدمت عليّ رسلكم أن اَقدِم علينا فإنّه ليس لنا إمام لعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى والحقّ فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم فأعطوني ما أطمئنّ إليه من عهودكم ومواثيقكم وإن لم تفعلوا وكنتم لقدومي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الّذي جئت منه إليكم فسكتوا فقال للمؤذّن أقم فأقام الصلاة.

الإمام الحسين علیه السلام يصلّي بالحرّ وأصحابه

قال الحسين علیه السلام للحرّ: أتريد أن تصلّي بأصحابك؟ قال: لا، بل تصلّي أنت ونصلّي بصلاتك، فصلّى بهم الحسين علیه السلام ثمّ دخل فاجتمع إليه أصحابه وانصرف الحرّ إلى مكانه الّذي كان فيه فدخل خيمة قد ضربت له واجتمع إليه جماعة من أصحابه وعاد الباقون إلى صفّهم الّذي كانوا فيه فأعادوه ثمّ أخذ كلّ رجل منهم بعنان دابّته وجلس في ظلّها، فلمّا كان وقت العصر أمر الحسين علیه السلام أن يتهيّأوا للرحيل ففعلوا ثمّ أمر مناديه فنادى بالعصر وأقام، فاستقدم الحسين علیه السلام وقام فصلّى ثمّ سلّم وانصرف إليهم بوجهه، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أما بعد أيّها الناس فإنّكم إن تتّقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى الله عنكم ونحن أهل بيت محمّد أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان وإن أبيتم إلّا الكراهيّة لنا والجهل بحقّنا وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم وقدمت به عليّ

رسلكم انصرفت عنكم.

فقال له الحرّ: أنا والله ما أدري ما هذه الكتب والرسل الّتي تذكر، فقال الحسين علیه السلام لبعض أصحابه يا عقبة بن سمعان أخرج الخرُجَيْن اللّذين فيهما كتبهم إليّ فأخرج خرجين مملوئين صحفاً فنثرت بين يديه، فقال له الحرّ: إنّا لسنا من هؤلاء الّذين كتبوا إليك وقد أُُمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتّى نقدمك الكوفة على عبيد الله، فقال له الحسين علیه السلام: الموت أدنى إليك من ذلك.

الحرّ يمنع الإمام الحسين علیه السلام من الانصراف

ثمّ قال الحسين علیه السلام لأصحابه: قوموا فاركبوا فركبوا وانتظر هو حتّى ركبت نساؤه، فقال لأصحابه: انصرفوا، فلما ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الإنصراف، فقال الحسين علیه السلام للحرّ: ثكلتك اُمّك ما تريد؟ فقال له الحرّ: أما لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال الّتي أنت عليها ما تركت ذكر اُمّه بالثكل كائناً من كان ولكن مالي إلى ذكر اُمّك من سبيل إلّا بأحسن ما أقدر عليه. فقال له الحسين علیه السلام فما تريد؟ قال اُريد أن أنطلق بك إلى الأمير عبيدالله بن زياد، فقال: إذاً والله لا أتّبعك، فقال: إذاً واللهِ لا أدعك، فترادّا القول ثلاث مرّات فلمّا كثر الكلام بينهما قال له الحرّ: إنّي لم اؤمر بقتالك إنّما اُمرت أن لا اُفارقك حتّى اُقدمك الكوفة فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يردّك إلى المدينة يكون بيني وبينك نصفا حتّى أكتب إلى الأمير عبيدالله بن زياد فلعلّ الله يرزقني العافيه من أن اُبتلى بشيء من أمرك، فخذ هاهنا، فتياسر عن طريق العذيب والقادسيّة، فتياسر الحسين وسار والحرّ يسايره.

فقال الحسين علیه السلام: إن رسول الله صلّی الله علیه و آله قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنّة رسول الله صلّی الله علیه و آله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغيّر بقول ولا فعل كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتولّوا عن طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدود واستأثروا بالفيء

وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله وإنّي أحقّ بهذا الأمر وقد أتتني كتبكم وقدَمت عليّ رسلكم ببيعتكم: أنّكم لا تُسلموني ولا تخذلوني فإن وَفَيتم لي ببيعتِكم فقد أصبتم حظّكم ورشدكم، وأنا الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله صلّی الله علیه و آله ونفسي مع أنفسكم وأهلي وولدي مع أهاليكم وأولادكم ولكم بي اُسوة. وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدي وخلعتم بيعتي فلعمري ما هي منكم بنكر لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم بن عقيل والمغرور من اغترّ بكم فحظّكم أخطأتم ونصيبكم ضيّعتم ومن نکث فإنّما ينكث على نفسه وسيغني الله عنكم والسلام.

فقال له الحرّ اُذكّرك الله في نفسك فإنّي أشهد لئن قاتلت لتُقتلنَّ.

فقال له الحسين علیه السلام: أفبالموت تخوّفني؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟ وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه وهو يريد نصرة رسول الله صلّی الله علیه و آله فخوّفه ابن عمّه وقال: أين تذهب؟ إنّك مقتول فقال:

سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى*** إذا ما نوى حقّاً وجاهد مسلما

وواسى الرجال الصالحين بنفسه*** وفارق مثبوراً وودّع مجرما

أقدّم نفسي لا أريد بقاءها***لتلقى خميساً في الوغى وعرمرما

فإن عن عشت لم أندم وإن مت لم ألم***كفى بك ذلّاً أن تعيش وترغما

فلمّا سمع الحرّ ذلك تنحّى عنه وجعل يسير ناحية عن الحسين علیه السلام.

التحاق أنصار الحسين علیه السلام بإمامهم

ولم يزل الحسين سائراً حتّى انتهوا إلى (عذيب الهجانات) فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة لنصرة الحسين على رواحلهم وهم عمرو بن خالد الصيداوي ومجمع العائذي وابنه وجنادة بن الحارث السلماني ومعهم غلام لنافع بن هلال الجملي، وهو يجنب فرساً لنافع يقال له الكامل وكان نافع خرج إلى الحسين علیه السلام قبلهم فلقيه في الطريق وأوصى أن يتبع بفرسه المسمّى بالكامل ومعهم دليل يقال له الطرمّاح بن عدي

الطائي على فرسه، وكان قد امتار لأهله من الكوفة ميرة فخرج بهم على غير الطريق حتّى إذا قاربوا الحسين علیه السلام حدا بهم الطرمّاح فقال:

يا ناقتي لاتذعري من زجري *** وشمّري قبل طلوع الفجر

بخیر رکبان وخير سفر ***حتّى تحلّي بكريم النجر

الماجد الحر الرحيب الصدر ***أتى به الله لخير أمر

ثمّة أبقاء بقاء الدهر

فلمّا وصلوا إلى الحسين علیه السلام أراد الحرّ حبسهم أو ردّهم إلى الكوفة فمنعه الحسين علیه السلام من ذلك وقال: لأمنعنّهم ممّا أمنع منه نفسي إنّما هؤلاء أنصاري وهم بمنزلة من جاء معي فإن بقيت على ما كان بيني وبينك وإلّا ناجزتك، فكفّ الحرّ عنهم.

ثم سألهم الحسين علیه السلام عن خبر الناس فقالوا: أمّا الأشراف فقد استمالهم ابن زياد بالأموال فهم إلب واحد عليك، وأمّا سائر الناس فأفئدتهم لك وسيوفهم مشهورة عليك، ثم قال لهم: فهل لكم علم برسولي قيس بن مسهر؟ قالوا: نعم قتله ابن زیاد، فترقرقت عينا الحسين علیه السلام ولم يملك دمعته. ثمّ قال: منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا، اللّهمّ اجعل لنا ولهم الجنّة نزلاً واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ من رحمتك ورغائب مذخور ثوابك.(1)


1) و قال له الطرماح بن عدي: اُذكّرك الله في نفسك ولا يغرنّك أهل الكوفة فوالله إن دخلتها لتقتلن وإنّي لأخاف أن لا تصل إليها وما أرى معك كثير أحد ولم لم يقاتلك إلّا هؤلاء لكفى، ولقد رأيت قبل خروجي من الكوفة جمعاً عظيماً يريدون المسير إليك فأنشدك الله إن قدرت أن لا تقدم إليهم شبراً فافعل وطلب منه أن يذهب معه إلى بلاد قومه حتّى يرى رأيه وأن ينزل جبلهم أجاً ويبعث إلى من بأجأ وسلمى وهما جبلان لطي، فجزّاه الحسين علیه السلام وقومه خيراً وقال له إنّ بيننا وبين القوم قولاً لا نقدر معه على الإنصراف، فإن يدفع الله عنّا فقديماً ما أنعم علينا وكفى وإن يكن ما لابدّ منه ففوز وشهادة إن شاء الله.

الخلاصه

回 قرّر يزيد ان يقتل الحسين إذا امتنع من البيعة ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة، وعلم الحسين بأنّه مقتول لا محالة فقرّر أن يكون ذلك في خارج الحرمين الشريفين لئلّا تنتهك حرمتهما، ولئلّا يضيع دمه ويذهب هدراً بل يكون مصباحاً للهدى يستضيء به السائرون على درب الحسين علیه السلام. فتوجّه إلى العراق الّذي كان قد دُعي إليه، ولم يتراجع بالرغم من علمه باستشهاد رسوله مسلم بن عقيل وبالرغم من تفرّق كثير ممّن كان قد التحق به طلباً للدنيا، وقرّر الشهادة هو وخاصّة أهل بيته وأصحابه ترجيحاً للموت مع العزّ على الحياة مع الذلّ وامتناعاً من الاستسلام للسلطة الجاهليّة وتحريكاً للضمائر الميّتة الّتي عرفت الحقّ ولكنّها كانت قد فقدت عزيمتها وشجاعتها أمام صولة الباطل آنذاك.

الأسئلة

1.

لماذا لم يُتم الإمام حجّه وخرج يوم التروية من مكّة إلى العراق؟

2.

ماذا كان صدى خروج الإمام في هذا اليوم وبماذا خاطب أصحابه؟

3.

لماذا أشار ابن الزبير على الحسين علیه السلام بالخروج إلى العراق؟

4.

لماذا نهى عامّة المشيرين الحسين علیه السلام من الخروج إلى العراق؟

5.

لماذا مزّق مسهر بن قيس كتاب الحسين علیه السلام إلى الكوفة؟

6.

كيف ولماذا التحق زهير بن القين بركب الإمام علیه السلام؟

7.

كيف تحدّى رسول الإمام الحسين علیه السلام ابن زياد؟

8.

ما هي دلالة صلاة الحرّ بإمامة الحسين علیه السلام وهو الّذي كان يمنعه من الرجوع؟

الدرس 14: موكب الإمام الحسين علیه السلام في كربلاء

اشارة

لم يزل الحسين علیه السلام سائراً حتّى انتهى إلى قصر بني مقاتل فنزل به، فلمّا كان آخر الليل أمر فتيانه فاستقوا من الماء ثمّ أمر بالرحيل فارتحل من قصر بني مقاتل ليلاً.

قال عقبة بن سمعان فسرنا معه ساعة فخفق وهو على ظهر فرسه خفقة ثمّ انتبه وهو يقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون والحمد لله ربّ العالمين ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثاً فأقبل إليه ابنه عليّ الأكبر(1)فقال: يا أبه! جعلت فداك مِمَ حمدت واسترجعت؟ قال: يا بني إنّي خفقت خفقة فعنّ لي فارس على فرس وهو يقول: القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم فعلمت أنّها أنفسنا نُعِيَت إلينا فقال: هل يا أبه لا أراك الله سوءاً، ألسنا على الحقّ؟ قال: بلى والّذي إليه مرجع العباد، قال: إذاً لا نبالي أن نموت محقّين. فقال له الحسين علیه السلام: جزاك الله من ولد خير ما جزى ولداً عن والده.

فلمّا أصبح نزل فصلّى الغداة ثمّ عجّل الركوب فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرّ. بهم فيأتيه الحرّ فيردّه وأصحابه، فجعل إذا ردّهم نحو الكوفة ردّاً شديداً امتنعوا عليه وارتفعوا فلم يزالوا يتياسرون كذلك حتّى انتهوا إلى نينوى، فإذا راكب على نجيب له عليه السلاح متنكّب قوساً مقبل من الكوفة وهو مالك بن النسر الكندي فوقفوا جميعاً


1) كان للحسين ولدان باسم عليّ وهذا الأكبر، أمّا الأصغر فهو الملقّب بزين العابدين.

ينتظرونه، فلمّا إنتهى إليهم سلّم على الحرّ وأصحابه ولم يسلّم على الحسين علیه السلام وأصحابه ودفع إلى الحرّ كتاباً من ابن زياد فإذا فيه:

أمّا بعد فجعجع بالحسين - أي ضيّق عليه - حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي فلا تنزله إلّا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء وقد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتّى يأتيني بإنفاذك أمري والسلام.

فعرض لهم الحرّ وأصحابه ومنعوهم من السير وأخذهم الحرّ بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا قرية فقال له الحسين علیه السلام ألم تأمرنا بالعدول عن الطريق؟ قال: بلى ولكن كتاب الأمير عبيدالله قد وصل يأمرني فيه بالتضييق عليك وقد جعل عليّ عيناً يطالبني بذلك فنظر يزيد بن زياد بن مهاصر الكندي وكان خرج إلى الحسين علیه السلام من الكوفة قبل أن يلاقيه الحرّ إلى رسول ابن زياد فعرفه، فقال له: ثكلتك اُمّك ماذا جئت به؟ قال: أطعت إمامي ووفيت ببيعتي فقال له ابن مهاصر: بل عصيت ربّك وأطعت إمامك في هلاك نفسك وكسبت العار والنار وبئس الإمام إمامك قال الله تعالى: (وجعلناهم أئمّة يدعون إلى النار) فإمامك منهم.

فقال الحسين علیه السلام للحرّ: دعناك ويحك ننزل هذه القرية أو هذه يعني نينوى والغاضريّة أو هذه يعني شفية فقال: لا أستطيع هذا رجل قد بعث عليّ عيناً.

أرض الميعاد

فقال زهير بن القين للحسين علیه السلام: أنّي والله لا أرى أن يكون بعد الّذي ترون إلّا أشدّ مما ترون، يا ابن رسول الله؛ إنّ قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا بعدهم، فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به. فقال الحسين علیه السلام: ما كنت لأبدأهم بالقتال.

فقال له: سر بنا إلى هذه القرية حتى ننزلها فإنّها حصينة وهي على شاطئ الفرات فإن منعونا قاتلناهم فقتالهم أهون علينا من قتال من يجيء بعدهم، فقال الحسين علیه السلام

ما هي؟ قال العقر، قال: اللهم إني أعوذ بك من العقر.

قال له: فسر بنا يا ابن رسول الله حتّى ننزل كربلاء فإنّها على شاطئ الفرات فنكون هناك فإن قاتلونا قاتلناهم واستعنّا الله عليهم، قال فدمعت عينا الحسين علیه السلام ثمّ قال: «اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء».

ثمّ خطب أصحابه وقيل أنّه خطب هذه الخطبة بذي حسم فحمد الله وأثنى عليه وقال: إنّه قد نزل بنا من الأمر ما قد ترون وإنّ الدنيا تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها واستمرّت حذاء ولم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ألا ترون إلى الحقّ لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه؟ لِيرغبِ المؤمن في لقاء ربّه محقّاً فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظالمين إلّا برما.

فقام زهير بن القين فقال: قد سمعنا هداك الله يا ابن رسول الله مقالتك ولو كانت الدنيا لنا باقية وكنّا فيها مخلّدين لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها.

ووثب نافع بن هلال الجملي فقال: والله ما كرهنا لقاء ربّنا وإنّا على نيّاتنا وبصائرنا نوالي من والاك ونعادي من عاداك.

وقام بریر بن خضير فقال: والله يا ابن رسول الله لقد منّ الله بك علينا أن نقاتل بين يديك وتقطّع فيك أعضاؤنا ثمّ يكون جدّك شفيعنا يوم القيامة.

هذا موضع کرب و بلاء

ثمّ إنّ الحسين علیه السلام قام وركب وكلّما أراد المسير يمنعونه تارة ويسايرونه أخرى حتّى بلغ كربلاء يوم الخميس الثاني من المحرّم سنة إحدى وستّين فلمّا وصلها قال: ما اسم هذه الأرض؟ فقيل: كربلاء فقال: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء، ثمّ أقبل على أصحابه فقال:

الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديانون.

ثمّ قال: أهذه كربلاء؟ قالوا: نعم يا ابن رسول الله، فقال: هذا موضع كرب وبلاء، انزلوا، هاهنا مناخ ركابنا ومحطّ رحالنا ومقتل رجالنا ومسفك دمائنا، فنزلوا جميعاً ونزل الحرّ وأصحابه ناحية.

ثمّ إنّ الحسين علیه السلام جمع ولده وأخوته وأهل بيته ثمّ نظر إليهم فدمعت عيناه ثمّ قال: اللّهمّ إنّا عترة نبيك محمد صلّی الله علیه و آله وقد اُزعجنا وطُردنا واُخرجنا عن حرم جدّنا وتعدّت بنو اُميّة علينا اللّهمّ فخذ لنا بحقّنا وانصُرنا على القوم الظالمين.

وكتب الحرّ إلى عبيد الله بن زياد يعلمه بنزول الحسين بكربلاء، فكتب ابن زياد إلى الحسين أمّا بعد فقد بلغني يا حسين نزولك بكربلاء وقد كتب إليّ أميرالمؤمنين يزيد أن لا أتوسّد الوثير ولا أشبع من الخمير أو ألحقك باللطيف الخبير أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد والسلام.

فلمّا قرأ الحسين الكتاب ألقاه من يده وقال: لا أفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق.

فقال له الرسول: الجواب يا أبا عبدالله، فقال له: ما عندي جواب فرجع الرسول إلى ابن زياد فأخبره فاشتدّ غضبه وجهّز إليه العساكر وجمع الناس في مسجد الكوفة وخطبهم ومدح يزيد وأباه وذكر حسن سيرتهما ووعد بتوفير العطاء وزادهم في عطائهم مائة مائة وأمر بالخروج إلى حرب الحسين علیه السلام.

انطلاق عمر بن سعد لقتال الحسين علیه السلام

فلمّا كان اليوم الثالث من المحرّم قدم عمر بن سعد بن أبي وقّاص في أربعة آلاف، وكان ابن زياد قد ولّاه الري وأرسل معه أربعة آلاف لقتال الديلم فلمّا جاء الحسين علیه السلام قال له سر إليه فإذا فرغت فسر إلى عملك فاستعفاء، فقال: نعم على أن تردّ إلينا عهدنا فاستمهله واستشار نصحاءه فنهوه عن ذلك فبات مفكِّراً فسمعوه وهو يقول:

دعاني عبیدالله من دون قومه *** إلى خطّة فيها خرجت لحيني

فوالله لا أدري وإنّي لواقف *** اُفكّر في أمري على خطرين

أأترك ملك الريّ والريّ رغبة *** أم أرجع مذموماً بقتل حسين

وفي قتله النار الّتي ليس دونها *** حجاب وملك الريّ قرّة عين

وجاءه حمزة بن المغيرة بن شعبة وهو ابن اُخته فقال له: اُنشدك الله يا خال أن تسير إلى الحسين فتأثم عند ربّك وتقطع رحمك، فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلّها لو كان لك خير لك من أن تلقى الله بدم الحسين. فقال له ابن فإنّي أفعل إن شاء الله.

وجاء ابن سعد إلى ابن زياد فقال إنّك وليّتني هذا العمل يعني الريّ وتسامع به الناس فإن رأيت أن تنفذ لي ذلك وتبعث إلى الحسين من أشراف الكوفة من لست خيراً منه وسمّى له اُناساً فقال له ابن زياد: لست استشيرك في من أبعث، إن سرت بجندنا وإلّا فابعث إلينا بعهدنا، قال: فإنّي سائر. وقَبِِل أن يحاربَ الحسين علیه السلام.

وسار ابن سعد إلى قتال الحسين بالأربعة الآلاف الّتي كانت معه، وانضم إليه الحرّ وأصحابه فصار في خمسة آلاف ثمّ جاءه شمر في أربعة آلاف ثمّ أتبعه ابن زياد بيزيد بن ركاب الكلبي في ألفين والحصين بن تميم السكوني في أربعة آلاف وفلان المازني في ثلاثة آلاف ونصر ابن فلان في ألفين، فذلك عشرون ألف فارس تكمّلت عنده إلى ستّ ليال خلون من المحرّم، وبعث كعب بن طلحة في ثلاثة آلاف وشبث ابن ربعي الرياحي في ألف وحجّار بن أبجر في ألف ذلك خمسة وعشرون ألفاً، وما زال يرسل إليه بالعساكر حتّى تكامل عنده ثلاثون ألفاً ما بين فارس وراجل.(1)

ثمّ كتب إليه إنّي لم أجعل لك علّة في كثرة الخيل والرجال فانظر لا اُصبح ولا اُمسي إلّا وخبرك عندي غدوة وعشيّة وكان يستحثّه لستّة أيام مضين من المحرّم.


1) هكذا ذكره المفيد في الإرشاد وهو المروي عن الصادق علیه السلام.

وأراد ابن سعد أن يبعث إلى الحسين رسولاً يسأله ما الّذي جاء به فعرض ذلك على جماعة من الرؤساء فكلّهم أبي استحياءً من الحسين علیه السلام لأنّهم كاتبوه، فقام إليه كثير بن عبدالله الشعبي وكان فارساً شجاعاً لا يردّ وجهه شيء فقال: أنا أذهب إليه والله إن شئت لأفتكنّ به. فقال عمر: ما أريد أن تفتك به ولكن اذهب فسله ما الّذي جاء به؟ فأقبل فلمّا رآه أبو ثمامة الصائدي قال للحسين علیه السلام: أصلحك الله يا أباعبدالله قد جاءك شرّ أهل الأرض وأجرأه على دم وأفتكه، وقام إليه فقال له: ضع سيفك، قال: لا والله ولا كرامة إنّما أنا رسول فإن سمعتم منّي وإلّا انصرفت. قال: فآخذ بقائم سيفك ثمّ تكلّم، قال: لا والله لا تمسّه، قال إخبرني بما جئت به وأنا اُبلّغه عنك ولا أدعك تدنو منه فإنّك فاجر. فاستبّا وانصرف إلى عمر بن سعد فأخبره فأرسل قرّة ابن قيس الحنظلي، فلمّا رآه الحسين علیه السلام مقبلاً قال أتعرفون هذا؟ قال: حبيب بن مظاهر: نعم هذا رجل من حنظلة تميم وهو ابن اختنا وقد كنت أعرفه بحسن الرأي وما كنت أراه يشهد هذا المشهد فجاء حتّى سلّم على الحسين علیه السلام وبلّغه رسالة عمر ابن سعد.

فقال له الحسين علیه السلام: كتب إليّ أهل مصركم هذا أن أقدم. فأمّا إذا كرهتموني فإنّي أنصرف عنكم. فقال له حبيب بن مظاهر: ويحك يا قرّة أين ترجع إلى القوم الظالمين انصر هذا الرجل الّذي بآبائه أيّدك الله بالكرامة فقال له ارجع إلى صاحبي بجواب رسالته وأرى رأيي فانصرفَ إلى ابن سعد فأخبره، فقال: أرجو أن يعافيني الله من أمره وكتب إلى ابن زياد بذلك فلمّا قرأ الكتاب قال:

الآن إذ علقت مخالبنا به *** يرجو النجاة ولات حين مناص

ثمّ كتب إلى ابن سعد أن أعرض على الحسين أن يبايع ليزيد هو وجميع أصحابه فإذا هو فعل ذلك رأينا رأينا، فقال ابن سعد: قد خشيت أن لا يقبل ابن زياد العافية.

حرمانُ الحسين علیه السلام و أصحابه من الماء

وورد كتاب ابن زياد في الأثر إلى ابن سعد أن حُل بين الحسين وأصحابه وبين الماء فلا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقيّ الزكي عثمان بن عفان.

فبعث عمر في الوقت عمرو ابن الحجّاج في خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين علیه السلام وأصحابه وبين الماء ومنعوهم أن يستقوا منه قطرة وذلك قبل قتل الحسين علیه السلام بثلاثة أيّام. فلما اشتدّ العطش على الحسين علیه السلام وأصحابه أمر أخاه العبّاس بن عليّ علیهما السلام فسار في عشرين رجلاً يحملون القرب وثلاثين فارساً فجاؤوا حتّى دنوا من الماء ليلاً وأمامهم نافع بن هلال الجملي يحمل اللواء، فقال عمرو بن الحجاج: من الرجل؟ قال نافع، قال: ما جاء بك؟ قال: جئنا نشرب من هذا الماء الّذي حلأتمونا عنه، قال فاشرب هنيئاً، قال: لا والله لا أشرب منه قطرة والحسين عطشان هو وأصحابه، فقالوا: لا سبيل إلى سقي هؤلاء إنّما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء. فقال نافع لرجاله: املأوا قربكم فملؤها وثار إليهم عمرو بن الحجّاج وأصحابه فحمل عليهم العبّاس ونافع بن هلال فكشفوهم وأقبلوا بالماء، ثمّ عاد عمرو بن الحجاج وأصحابه وأرادوا أن يقطعوا عليهم الطريق فقاتلهم العبّاس وأصحابه حتّى ردّوهم وجاؤا بالماء إلى الحسين علیه السلام.

وقال سبط بن الجوزي: إنّهم اقتتلوا على الماء ولم يمكّنوهم من الوصول إليه (وضيّق) القوم على الحسين علیه السلام حتّى نال منه العطش ومن أصحابه، فقال له برير بن خضير الهمداني: يا ابن رسول الله أتأذن لي أن أخرج إلى القوم؟ فأذن له فخرج إليهم فقال: يا معشر الناس إنّ الله عزّوجل بعث محمّداً بالحقّ بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابه وقد حيل بينه وبين ابنه، فقالوا: يا برير قد أكثرت الكلام فاكفف والله ليعطش الحسين كما عطش من كان قبله، فقال الحسين علیه السلام: اُقعد يا برير.

ثمّ وثب الحسين علیه السلام متوكّئاً على قائم سيفه ونادى بأعلى صوته فقال: اُنشدكم الله

هل تعرفونني؟ قالوا: نعم أنت ابن رسول الله صلّی الله علیه و آله وسبطه، قال: اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ جدّي رسول الله صلّی الله علیه و آله؟ قالوا: اللّهمّ نعم، قال: اُنشدكم الله هل تعلمون أنّ أمّي فاطمة بنت محمد صلّی الله علیه و آله؟ قالوا: اللّهمّ نعم، قال اُنشدكم الله هل تعلمون أنّ جدّتي خديجة بنت خويلد أوّل نساء هذه الاُمّة إسلاماً؟ قالوا: اللّهمّ نعم، قال: اُنشدكم الله هل تعلمون أن سيد الشهداء حمزة عمّ أبي؟ قالوا: اللّهمّ نعم، قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أنّ هذا سيف رسول الله صلّی الله علیه و آله أنا متقلّده؟ قالوا: اللّهمّ نعم، قال: اُنشدكم الله هل تعلمون أنّ هذه عمامة رسول الله صلّی الله علیه و آله أنا لابسها؟ قالوا: اللّهمّ نعم، قال: اُنشدكم الله هل تعلمون أنّ عليّاً كان أوّل القوم إسلاماً وأعلمهم علماً وأعظمهم حلماً وأنّه وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة ؟ قالوا: اللّهمّ نعم، قال: فيمَ تَستَحِلّون دمي وأبي الذائد عن الحوض يذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الصادّ(1)عن الماء ولواء الحمد في يد أبي يوم القيامة؟ قالوا: قد علمنا ذلك كلّه ونحن غير تاركيك حتّى تذوق الموت عَطَشاً.

فلمّا خطب هذه الخطبة وسمع بناته وأخواته كلامه بكين وارتفعت أصواتهنّ فوجّه إليهن أخاه العبّاس وعليّاً ابنه وقال لهما: أسكتاهن فلعمري ليُكثرن بكاؤهن.

أحداث ليلة عاشوراء

المفاوضات بين الحسين علیه السلام وابن سعد

وأرسل الحسين علیه السلام إلى عمر بن سعد مع عمرو بن قرظة الأنصاري أنّي أريد أن اُكلّمك فالقني الليلة بين عسكري وعسكرك، فخرج إليه ابن سعد في عشرين وخرج الحسين علیه السلام في مثلها فأمر الحسين علیه السلام أصحابه فتنحّوا وبقي معه أخوه العبّاس وابنه عليّ الأكبر وأمر ابن سعد أصحابه فتنحّوا وبقي معه ابنه حفص وغلام له، فقال له الحسين علیه السلام: ويلك يا ابن سعد أما تتّقي الله الّذي إليه معادك؟ أتقاتلني وأنا ابن من


1) الصاد بلفظ حرف الهجاء البعير الّذي أصابه الصيد وهو داء يلوي العنق كذا في الفائق للزمخشري.

علمت؟ ذر هؤلاء القوم وكن معي فإنّه أقرب لك إلى الله؟

فقال ابن سعد: أخاف أن تهدم داري، فقال الحسين أنا أبنيها لك، فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي؟ فقال الحسين: أنا اُخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز. فقال: لي عيال وأخاف عليهم، ثمّ سكت ولم يجبه إلى شيء، فانصرف عنه الحسين وهو يقول: مالكَ ذَبَحَكَ الله على فراشك عاجلاً ولا غفر لك يوم حشرك فوالله إنّي لأرجو أن لا تأكل من بُرّ العراق إلّا يسيراً، فقال: في الشعير كفاية عن البر، مستهزئاً بذلك القول.

وأرسل إليه مرّة أخرى إنّي أريد أن ألقاك فاجتمعا ليلاً بين العسكرين وتناجيا طويلاً، والتقى الحسين وعمر بن سعد مراراً ثلاثاً أو أربعاً ثمّ كتب عمر إلى ابن زياد: أمّا بعد فإنّ الله قد أطفأ النائرة وجمع الكلمة وأصلح أمر الاُمّة، هذا الحسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الّذي منه أتى أو أن يسير إلى ثغر من الثغور فيكون رجلاً من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم أو أن يأتي أميرالمؤمنين يزيد فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا لك رضا وللاُمّة صلاح.

وعن عقبة بن سمعان أنّه قال: والله ما أعطاهم الحسين علیه السلام أن يضع يده في يد ريد ولا أن يسير إلى ثغر من الثغور، ولكنّه قال: دعوني أرجع إلى المكان الّذي أقبلت منه أو أذهب في هذه الأرض العريضة.

قال: فلمّا قرأ ابن زياد الكتاب، قال: هذا كتاب ناصح لأميره مشفق على قومه، فقام إليه شمر بن ذي الجوشن وقال: أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكوننّ أولى بالقوّة والعزة ولتكوننّ أولى بالضعف والعجز، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه فإن عاقبت فأنت أولى بالعقوبة وإن عفوت كان ذلك لك. فقال له ابن زياد: نعم ما رأيت، الرأيّ رأيك. اُخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي فإذا فعلوا فليبعث بهم إليّ سلماً وإن أبوا فليقاتلهم فإن فعل فاسمع له وأطع وإن أبى فأنت أمير الجيش فاضرب عنقه وابعث إليّ برأسه.

وكتب إلى ابن سعد أنّي لم أبعثك إلى الحسين لتكفّ عنه ولا لتطاوله ولا لتمنّيه السلامة والبقاء ولا لتعتذر عنه ولا لتكون له عندي شافعاً اُنظر فإن نزل حسين وأصحابه على حكمي واستسلموا فابعث بهم إليّ سلما وإن أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم فإنّهم لذلك مستحقّون، فإن قتلت حسيناً فاوطئ الخيل صدره وظهره فإنّه عاقّ شاقّ قاطع ظلوم ولست أرى أنّ هذا يضر بعد الموت شيئاً ولكن على قول قد قلته لو قد قتلته لفعلت هذا به فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر فإنّا قد أمرناه بأمرنا والسلام.

فلمّا قرأ ابن سعد الكتاب، قال له: مالكَ ويلك لا قَرّبَ الله دارك وقبّح الله ما قدمت به عليّ والله إنّي لأظنّك أنت نهيته أن يقبل ما كتبت به إليه وأفسدت علينا أمراً كنّا قد رجونا أن يصلح لا يستسلم والله حسين إنّ نفس أبيه لَبَيْنَ جنبيه. فقال له شمر بن ذي الجوشن: أخبرني بما أنت صانع، أتمضي لأمر أميرك وتقاتل عدوّه؟ وإلّا فخلّ بيني وبين الجند والعسكر قال: لا ولا كرامة لك، ولكن أنا أتولّى ذلك فدونك، فكن أنت على الرجّالة.

ليلة عاشوراء

ونهض عمر بن سعد إلى الحسين علیه السلام عشيّة يوم الخميس لتسع مضين من المحرّم، وجاء شمر حتّى وقف على أصحاب الحسين علیه السلام فقال: أين بنو أختنا - يعني العبّاس وجعفراً وعبدالله وعثمان أبناء عليّ علیه السلام- فقال الحسين علیه السلام: أجيبوه وإن كان فاسقاً، فإنّه بعض أخوالكم، وذلك أنّ اُمّهم اُمّ البنين كانت من بني كلاب وشمر من بني كلاب.

فقالوا له: ما تريد؟ فقال لهم: أنتم يا بني اُختي آمنون فلا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم الحسين والزموا طاعة يزيد، فقالوا له: لعنك الله ولعن أمانك أتؤمننا وابن رسول الله لا أمانَ له؟!

وناداه العبّاس ابن أميرالمؤمنين علیهما السلام: تبّت يداك ولَعَن ما جئتنا به من أمانك يا عدوّ الله أتأمرنا أن نترك أخانا وسيّدنا الحسين بن فاطمة وندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء؟!(1)

ثمّ نادى عمر بن سعد يا خيل الله اركبي وبالجنّة أبشري فركب الناس ثمّ زحف نحوهم بعد العصر والحسين علیه السلام جالس أمام بيته محتبٍ بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه فسمعت اُخته زينب الصيحة فدنت من أخيها فقالت: يا أخي أما تسمع هذه الأصوات قد اقتربت؟ فرفع الحسين علیه السلام رأسه فقال: إنّي رأيت رسول الله صلّی الله علیه و آله الساعة في المنام فقال إنّك تروح إلينا، فلطمت اُخته وجهها ونادت بالويل فقال لها الحسين علیه السلام: ليس لكِ الويل يا اُخيّة اسكتي رحمك الله.(2)

وقال له العبّاس: يا أخي أتاك القوم فنهض ثمّ قال: يا عباس اركب أنت حتّى تلقاهم وتقول لهم: ما بالكم وما بدا لكم؟ وتسألهم عمّا جاء بهم، فأتاهم في نحو عشرين فارساً فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر فسألهم فقالوا: قد جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم، قال: فلا تعجلوا حتّى أرجع إلى أبي عبدالله فأعرض عليه ما ذكرتم، فوقفوا ورجع العباس إليه بالخبر ووقف أصحابه يخاطبون القوم ويعظونهم ويكفّونهم عن قتال الحسين علیه السلام.

فلمّا أخبره العبّاس بقولهم قال له: ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غدوة وتدفعهم عنّا العشيّة لعلّنا نصلّي لربّنا الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم أنّي كنت اُحبّ


1) فرجع الشمر إلى عسكره مغضباً، وكان ابن خالهم عبدالله بن أبي المحل بن حزام وقيل جرير بن عبدالله بن مخلّد الكلابي قد أخذ لهم أمانا من ابن زياد وأرسله إليهم مع مولى له وذلك أنّ اُمّهم اُمّ البنين بنت حزام زوجة عليّ هي عمّة عبدالله هذا، فلمّا رأوا الكتاب، قالوا: لا حاجة لنا في أمانكم أمان الله خير من أمان ابن سميّة.

2) و في رواية أنه علیه السلام جلس فرقد ثمّ استيقظ وقال: يا اُختاه رأيت الساعة جدّي محمداً وأبي عليّاً وأُمِّي فاطمة وأخي الحسن وهم يقولون يا حسين إنّك رائح إلينا عن قريب.

الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار. فسألهم العبّاس ذلك، فتوقّف ابن سعد، فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي سبحان الله والله لو أنّهم من الترك أو الديلم وسألونا مثل ذلك لأجبناهم فكيف وهم آل محمّد؟! وقال له قيس ابن الأشعث بن قيس: أجبهم لعمري ليصبحنّك بالقتال. فأجابوهم إلى ذلك.

فجمع الحسين علیه السلام أصحابه عند قرب المساء. قال زين العابدين علیه السلام: فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم وأنا إذ ذاك مريض فسمعت أبي يقول لأصحابه: اُثني على الله أحسن الثناء وأحمده على السرّاء والضرّاء اللّهمّ إنّي أحمدك على أن أكرّمتنا بالنبوّة وعلّمتنا القرآن وفقّهتنا في الدين وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة فاجعلنا لك من الشاكرين. أمّا بعد فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عنّي خيراً ألا وإنّي لأظنّ يوماً لنا من هؤلاء ألا وأنّي قد أذنت لكم انطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم منّي ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً وليأخذ كلّ واحد منكم بيد رجل من أهل بيتي وتفرّقوا في سواد هذا الليل وذروني وهؤلاء القوم فإنّهم لا يريدون غيري.

فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وأبناء عبدالله بن جعفر: ولِمَ نفعل ذلك لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبداً، بدأهم بهذا القول أخوه العبّاس ابن أمير المؤمنين واتّبعه الجماعة عليه فتكلّموا بمثله ونحوه.

ثم نظر إلى بني عقيل فقال: حسبكم من القتل بصاحبكم مسلم، إذهبوا قد أذنت لكم، قالوا: سبحان الله فما يقول الناس لنا؟! وما نقول لهم؟ إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرمِ معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح ولم نضرِب معهم بسيف ولا ندري ما صنعوا! لا والله ما نفعل ذلك، ولكنّنا نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك حتّى نردَ موردك، فقبّح الله العيش بعدك.

وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي فقال: أنحن نخلّي عنك وقد أحاط بك هذا العدوّ؟ وبمَ نعتذر إلى الله في أداء حقّك؟ لا والله لا يراني الله أبداً وأنا أفعل ذلك حتّى

أكسر في صدورهم رمحي وأضاربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي، ولو لم يكن معي سلاح اُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ولم اُفارقك أو أموت معك.

وقام سعيد بن عبدالله الحنفي فقال: لا والله يا ابن رسول الله لا نخلّيك أبداً حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا فيك وصيّة رسوله محمد صلّی الله علیه و آله والله لو علمت أنّي اُقتّل فيك ثمّ اُحيا ثمّ اُحرق ثمّ اُذرى يُفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حِمامي دونَك، وكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة ثمّ أنال الكرامة الّتي لا انقضاء لها أبداً.

وقام زهير بن القين وقال: والله يا ابن رسول لوددت أنّي قُتلت ثمّ نُشِرت ألف مرّة وأنّ الله تعالى يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن نفس هؤلاء الفتيان من إخوانك وولدك وأهل بيتك.

وتكلّم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا وقالوا: أنفسنا لك الفداك نقيك بأيدينا ووجوهنا، فإذا نحن قُتلنا بين يديك نكون قد وفينا لربّنا وقضينا ما علينا.(1)

وأمر الحسين علیه السلام أصحابه أن يقرّبوا بين بيوتهم ويدخلوا الأطناب بعضها في بعض ويكونوا بين يدي البيوت فيستقبلون القوم من وجه واحد والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم قد حقّت بهم إلّا الوجه الّذي يأتيهم منه عدوّهم.

وقام الحسين وأصحابه الليل كلّه يصلّون ويستغفرون ويدعون وباتوا ولهم دويّ كدويّ النحل ما بين ركاع وساجد وقائم وقاعد، فعبر إليهم في تلك الليلة من عسكر ابن سعد اثنان وثلاثون رجلاً.

قال بعض أصحاب الحسين علیه السلام: مرّت بنا خيل لابن سعد تحرسنا وكان الحسين علیه السلام يقرأ (ولا يحسبنّ الّذين كفروا أنّما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنّما نُملي لهم


1) و وصل الخبر إلى محمّد بن بشير الحضرمي في تلك الحال بأنّ ابنه قد اُسر بثغر الريّ فقال: عند الله أحتسبه ونفسي ما كنت اُحبّ أن يؤسر وأبقى بعده، فسمع الحسين علیه السلام قوله فقال: رحمك الله أنت في حلّ من بيعتي فاعمل في فكاك ابنك فقال: أكلتني السباع حيّاً إن فارقتك، قال: فأعط ابنك هذا هذه الأثواب البرود يستعين بها في فداء أخيه فأعطاه خمسة أثواب برود قيمتها ألف دينار فحملها مع ولده.

ليزدادوا إثماً ولهم عذابٌ مهين ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتّى يميز الخبيث من الطيّب).

فسمعها رجل من تلك الخيل يقال له عبدالله بن سمير فقال: نحن وربّ الكعبة الطيّبون ميّزنا منكم، فقال له بریر بن خضير: يا فاسق أنت يجعلك الله من الطيّبين؟! فقال له : مَن أنتِ ويلك؟ قال: أنا برير بن خضير فتسابّا، فلمّا كان وقت السحر خفق الحسين علیه السلام برأسه خفقة ثمّ استيقظ فقال: رأيت كأنّ كلاباً قد جهدت لتنهشني وفيها كلب أبقع رأيته أشدّها عَلَيَّ وأظنّ أنّ الّذي يتولّى قتلي رجلُ أبرص.

الخلاصه

回 «ألسنا على الحقّ؟ إذن لا نبالي أن نموت محقّين»، إنّها الكلمة البليغة في التعبير عن روح التفاني في الحقّ وسموّ المعنى الّذي بلغه الحسين علیه السلام وأهل بيته وصحبه.

回 و لم يبدأ الإمام أحداً بالقتال حين نزوله كربلاء حتّى جمع ابن زياد ثلاثين ألفاً، وحاول ابن سعد أن يتخلّص من القتال بعد مفاوضات عديدة مع الإمام الحسين علیه السلام وكاتب ابن زياد بذلك ولكنّ ابن زياد كان مُصِّراً على قتال الحسين علیه السلام، وتوريط ابن سعد - الّذي كان يحلم بمُلك الريّ - بقتل الإمام علیه السلام وقد صيّر ابن زياد شمر بن ذي الجوشن ليتسلّم قيادة الجيش إن لم يبادر ابن سعد إلى القتال.

回 و هنا رجّح ابن سعد أن يتولّى قيادة الجيش ويرتكب هذه الجريرة الكبيرة ولم يفلح شمر في تخذيل العبّاس وإخوته وأحيا الحسين علیه السلام وأصحابه ليلة عاشوراء بالعبادة انتظاراً للشهادة الّتي كانوا قد اشتاقوا إليها في ركاب سيّد الإباء أبي عبد الله علیه السلام.

الأسئلة

1.

ما هي كلمة عليّ بن الحسين الأكبر ؟ وما مدى دلالتها على التفاني في الله. 2. لماذا لم يبدأ الإمام الحسين علیه السلام الحرّ بالقتال؟

2.

كيف استطاع ابن زياد أن يجنّد من الكوفة ثلاثين ألفاً لقتال الحسين علیه السلام؟

3.

ما هي محاولات الإمام الحسين لصرف ابن سعد عن قتاله؟

ه. لماذا قرّر ابن سعد قتال الإمام الحسين بنفسه؟

6.

لماذا خذّل شمر بن ذي الجوشن العبّاس وإخوته عن نصرة الحسين علیه السلام؟ وهل تفلح في ذلك؟

7.

لماذا طلب الحسين علیه السلام تأجيل القتال إلى يوم عاشوراء؟

8.

ماذا كان موقف أصحاب الحسين علیه السلام حينما علموا بأنّهم سيقتلون؟ وماذا كان موقفهم قبل علمهم بذلك؟

9 . صف حالة الحسين وأصحابه ليلة عاشوراء.

الدرس 15: الإمام الحسين علیه السلام في صبيحة عاشوراء

الاستعداد للقتال

لمّا أصبح الحسين علیه السلام يوم عاشوراء وصلّى بأصحابه صلاة الصبح، قام خطيباً فيهم، فحَمِدَ الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «إنّ الله تعالى قد أذِنَ في قتلِكم وقتلي في هذا اليوم فعليكم بالصبر والقتال».(1)

ثمّ صفّهم للحرب، وكانوا إثنين وثمانين فارِساً وراجلاً.

فجعل زُهير بن القين في الميمنة، وحبيب بن مظاهر في الميسرة(2)، و ثبت هو علیه السلام وأهل بيته في القلب،(3)وأعطى رايته أخاه العبّاس.(4)

وجعلوا البيوت في ظهورهم ، وأمر بحطبِ وقصبِ كان من وراء البيوت أن يُترك في خندق كان قد حُفر هناك، وأن يُحرق بالنار، مخافة أن يأتوهم من ورائهم.(5)

وأقبل عُمر بن سعدٍ نحو الحسين علیه السلام في ثلاثين ألفاً.

وأقبلوا يجولون حول البيوت، فيرون النار تضطرِم في الخندق.


1) اثبات الوصيّة، ص 163 وكامل الزيارات، ص 73.

2) الإرشاد للمفيد، ص 233.

3) مقتل الحسين للخوارزمي، ج 2، ص 4.

4) تأريخ الطبري، ج 3، ص 217.

5) الإرشاد للمفيد، ص 233.

فنادى شمر بن ذي الجوشن بأعلى صوته: يا حسين تعجَّلتَ النارَ قبل يوم القيامة؟

فقال الحسين علیه السلام: مَن هذا؟ كأنّه شمرُ بن ذي الجوشن؟

قيل: نعم، فقال علیه السلام: يا بن راعية المِعزى(1)أنت أولى بها منّي صليّاً.

ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم، فمنعه الحسين علیه السلام، وقال: أكره أن أبدأهم بقتال.(2)

ولمّا نظر الحسين علیه السلام إلى جمعهم كأنّه السيل، رفع يديه بالدعاء وقال:

«اللّهمّ أنت ثقتي في كلّ كربٍ، ورجائي في كلِِّ شدّة، وأنت لي في كُلِِّ أمرٍٍ نزَل بي ثقةٌ وعُدَّةٌ، كم مِِن هَمِّ يضعفُ فيه الفؤادُ، وتقِلُّ فيه الحيلةُ، ويخذلُ فيه الصديقُ، ويشمُتُ فيه العدوُّ، أنزلتُه بِكَ وشكوتُه إليك، رغبةً منّي إليكَ عمّن سِواكَ، فكشفتَه وفرّجتَه، فأنتَ وَليُّ كُلِّ نعمةٍ، ومُنتهى كُلِِّ رَغبةٍ».(3)

الخطبة الأولى

ثمَّ دَعا براحِلتِه فَرَكِبَها، ونادى بصوتٍ عالٍ، يسمعهُ جُلُّهم:(4)

أيّها الناس اسمَعوا قولي ولا تعجلوا، حتّى أعظَكم بما هو حقٌّ لكم عليّ، وحتّى أعتذِر إليكم من مقدَمي عليكم، فإن قَبِِلتُم عُذري، وصدّقتم قولي، وأعطيتموني النصف(5)من أنفسكم كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيلٌ، وإن لم تقبلوا منّي العذر، ولم تعطوا النَّصَفَ من أنفسكم «فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثمّ لا يكن أمركُم


1) المَعزا خلاف الضأن من الغنم أي ذوات الشعر والأذناب القصار، سمّي بذلك لشدّة وصلابة فيه لا تكون في الضأن، والمِعزى - بكسر الميم - اُنثى الماعز، المنجد.

2) الإرشاد للمفيد، ص 234 و تأريخ الطبري، ج 3، ص 318.

3) الكامل في التأريخ، ج 4، ص 61.

4) المقتل للمقرم، ص 373.

5) النَصَف - بفتح النون والصاد - بمعنى العدل والإنصاف، المنجد.

عليكم غُمّةً ثمّ اقضوا إليَّ ولا تُنظرون»(1)«إنّ ولیّي اللهُ الّذي نزَّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين».(2)

فلمّا سَمِعن النساء هذا منه صِحْنَ وبكين، وارتفعت أصواتهنّ، فأرسل إليهنّ أخاه العبّاس وابنه عليّاً الأكبر، وقال لهما : سكّتاهنّ فلعمري ليكثرُ بكاؤهنّ.

ولمّا سكتن حمدَ الله وأثنى عليه، وصلّى على محمّد وعلى الملائكة والأنبياء، وقال في ذلك ما لا يحصى ذِكره، ولم يُسمع متكلّمٌ قبله ولا بعده أبلغَ منه في منطقه(3). ثُمّ قال:

عِباد الله اتّقوا الله، وكونوا من الدنيا على حذرٍٍ، فإنّ الدنيا لو بقيت على أحدٍ أو بقي عليها أحدٌ لكانت الأنبياء أحقّ بالبقاء وأولى بالرضا وأرضى بالقضاء، غيرَ أنَّ الله خلق الدنيا للفناء، فجديدها بالٍ، ونعيمها مضمحِلّ، وسرورُها مُكفهِرٌّ،(4)والمنزلِ تَلْعَةٌ،(5)والدار قلعةٌ، فتزوّدوا فإنَّ خير الزاد التقوى، واتّقوا الله لعلّكم تفلحون.(6)

أيّها الناس إنّ الله تعالى خلق الدنيا ، فجعلها دار فناءٍ وزوالٍ، متصرِّفةٌ بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور من غرّته والشقيُّ من فتنته فلا تغرّنّكم هذه الدنيا، فإنّها تقطعُ رجاء من ركن إليها، وتُخيِّب طمعَ من طمِعَ فيها، وأراكُم قد اجتَمعتُم على أمرٍ قد أسخطتُم الله فيه عليكم، وأعرَضَ بوجههِ الكريم عنكم، وأحلَّ بكم نِقْمَته، فنعمَ الربُّ ربُّنا، وبئس العبيد أنتم، أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمدٍ صلّی الله علیه و آله، ثمّ إنّكم زحفتم إلى ذُريّته وعترته تريدون قتلهم، لقد استحوذَ عليكم الشيطان، فأنساكم ذِكر الله


1) سورة يونس / 71.

2) سورة الأعراف / 196.

3) تأريخ الطبري، ج 3، ص 318 و الكامل في التأريخ، ج 4، ص 61.

4) يقال «فلان مُكفهِر» أي منقبض كالح لا يُرى فيه أثر بِشرٍٍ ولا فَرَح، المنجد.

5) ما سفل من الأرض، المنجد.

6) مقتل الحسين للمقرّم، ص 274؛ نقلاً عن زهر الآداب للحصري، ج 1، ص 62.

العظيم، فتبّاً لكم ولما تريدون إنّا لله وإنّا إليه راجعون، هؤلاء قومٌ كفروا بعد إيمانهم، فبُعداً للقوم الظالمين.(1)

أيها الناس انسبُوني مَن أنا، ثُمَّ ارجِعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، وانظُروا هل يَحلُّ لكم قَتلي وانتِهاكُ حُرمتي؟ ألستُ ابنَ بنتِ نبيِّكم، وابن وصيِّه وابنَ عمِّه، وأوّل المؤمنين بالله والمصدِّق لرسوله بما جاء من عند ربِّه؟ أوليسَ حمزةُ سيّدالشهداء عمَّ أبي؟، أوليسَ جعفرُ الطيّار عمّي؟، أوَلَم يَبلُغكم قول رسول الله لي ولأخي: «هذانِ سيّدا شبابِ أهل الجنّة»؟ فإن صدَّقتموني بما أقول - وهو الحقّ - والله ما تعمَّدتُ الكِذب مُذ علمتُ أنَّ الله يمقتُ(2)عليه أهلَه، ويُضِرُّ به من اختلقَه، وإن كذَّبْتموني فإنَّ فيكم من إنْ سألتموه عن ذلك أخبركم، سلُوا جابر بن عبدالله الأنصاري، وأباسعيدٍ الخدري، وسهل الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، يخبروكم أنّهم سَمِعوا هذه المقالةَ من رسول الله لي ولأخي، أما في هذا حاجزٌ لكم عن سفكِ دمي؟

فقال الشمر : هو يعبدُ الله على حرفٍ إن كان يدري ما يقول.

فقال له حبيب بن مظاهر : والله إنّي أراك تعبدُ الله على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنّك صادِقٌ، ما تدري ما يقول، قد طبعَ الله على قلبك.

ثمّ قال الحسين علیه السلام: فإن كنتم في شكٍّ من هذا القول أفتشكّون أنّي ابن بنت نبيِّكم، فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري فيكم ولا في غيركم وَيْحَكُمْ أتطلبوني بقتيلٍ منكم قتلتهُ؟، أو مالٍ لكم استهلكتُه، أو بقِصاص جِراحة؟!

فأخذوا لا يُكلّمونه، فنادى: يا شَبث بن ربعي، ويا حجّار بن أبجر، ويا قيس ابن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليَّ أن أقدِم قد أينعت(3)الثِمار، واخضرَّ


1) بحار الأنوار، ج 45، ص 5؛ نقلاً عن محمّد ابن أبي طالب.

2) المقت بمعنى البغض الشديد لمن تراه تعاطى القبيح، مفردات الراغب.

3) أينع الثمر: أي أدرك وطاب وحان قطافه، المنجد.

الجناب،(1)وإنّما تقدمُ على جُندٍ لكَ مُجَنَّدة؟.

فقالوا: لم نفعل.

قال: سبحان الله! بلى والله لقد فعلتم، ثمّ قال: أيّها الناس إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض.

فقال له قيس بن الأشعث: أولا تنزل على حكم بني عمِّك، فإنّهم لن يروكَ إلّا ما تُحِبُّ، ولن يصل إليك منهم مكروه؟

فقال الحسين علیه السلام: أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم أكثر من دمِ مسلم بن عقيل؟

لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذيل، ولا أفرُّ فِرار العبيد.

عباد الله، إنِّي عُذّت بربِّي وربِّكم أن ترجمون، أعوذ بربّي وربِّكم من كُلِّ متكبِّرٍ لا يؤمنُ بيوم الحِساب.

ثمَّ أناخ(2)راحلته، وأمر عقبة بن سمعان فعقلَها.(3)

كرامة و هداية

وأقبل القوم يزحفون نحوه، وكان فيهم عبدالله بن حوزة التميمي، فصاح: أفيكم حسينٌ؟ وفي الثالثة قال أصحاب الحسين: هذا الحسين، فما تريد منه؟ قال: يا حسين أبشر بالنار، قال الحسين علیه السلام: كذِبتَ، بل أقدِم على ربٍّ غفورٍٍ كريمٍ مطاعٍ شفيع، فمَنْ أنت؟ قال: أنا ابن حوزة.

فرفع الحسين علیه السلام يديه حتّى بان بياض اُبطيه، وقال: اللّهمّ حُزه إلى النار، فغضب ابن حوزة، وأقحم الفرس إليه، وكان بينهما نهرٌ فسقط عنها، وعُلّقت قدمهُ بالرِكاب،


1) الجَناب - بفتح الجيم - ما قرب محلّة القوم، المنجد.

2) أناخ إناخة الجملَ أي أبركه، المنجد.

3) تأريخ الطبري، ج 3، ص 319.

وجالت به الفرسُ، وانقطعت قدمه وساقه وفخذه، وبقي جانبه الآخر مُعلّقاً بالرِكاب، وأخذت الفرسُ تضرب به كلَّ حجرٍٍ وشجرٍ،(1)وألقته في النار المشتعلة في الخندق، فاحترق بها ومات.

فخرَّ الحسين ساجداً شاكِراً حامِداً على إجابة دعائه.

ثم إنّه رفع صوته يقول: «اللّهمّ إنّا أهلُ بيت نبيّك وذرّيّته وقرابته، فاقصم من ظلمنا وغصبنا حقّنا، إنّك سيمع قريبٌ».

فقال له محمّد بن الأشعث: أيّ قرابةٍ بينك وبين محمّدٍ؟

فقال الحسين: «اللّهمّ إنّ محمّد بن الأشعث يقول ليس بيني وبين محمّدٍ قرابة، اللّهمّ أرِني فيه هذا اليوم ذُلّاً عاجِلاً».

فاستجاب الله دعاءه، فخرج محمّد بن الأشعث من العسكر، ونزل عن فرسه لحاجته، وإذا بعقربٍ أسود يضربه ضربةً، تركته متلوّثاً في ثيابه ممّا به،(2)ومات بادي العَورة.(3)

قال مسروق بن وائل الحضرمي كنت في أوّل الخيل الّتي تقدّمت لحرب الحسين لَعَليّ أنْ أصيبَ رأس الحسين، فأحظى به عند ابن زیاد، فلمّا رأيت ما صنع الله بابن حوزة عرفتُ أنَّ لأهل هذا البيت حرمةً ومنزلةً عند الله، وتركتُ الناس، وقلت: لا أقاتلهم فأكون في النار.(4)

خطبة زهير بن القين

وخرج إليهم زُهير بن القين على فرسٍ ذَنوبٍ، وهو شاكٍ في السلاح.


1) الكامل في التأريخ، ج 4، ص 66.

2) مقتل الحسين للخوارزمي، ج 1، ص 249.

3) روضة الواعظين، ص 185.

4) الكامل في التأريخ، ج 4، ص 66.

فقال: يا أهل الكوفة، نذارِ لكم من عذاب الله، إنّ حقّاً على المسلم نصيحة أخيه المُسلم، ونحنُ حتّى الآن إخوةٌ، وعلى دينٍ واحدٍ، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، وأنتم للنصيحة منّا أهلٌ، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنّا اُمّةً وأنتم أمّةً.

إنّ الله ابتلانا وإيّاكم بذرّيّة محمّد علي صلّی الله علیه و آله، لينظرَ ما نحن وأنتم عاملون، إنّا ندعوكم إلى نصرِهم وخذلان الطاغية يزيد وعبيد الله بن زياد، فإنّكم لا تدركون منهما إلّا سوء عُمر سلطانهما، يسملان(1)أعينكم، ويُقطّعان أيديكم وأرجلكم، ويمثِّلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل، ويقتِّلان أماثِلكم وقرّاءكم، أمثال حجر بن عدي وأصحابه، وهاني بن عروة وأشباهه.

فسَبُّوه، وأثنوا على عبيد الله بن زياد، ودعوا له، وقالوا: لا نبرح حتّى نقتل صاحبك ومن معه، أو نبعث به وبأصحابه إلى عبيد الله بن زياد سِلماً.

فقال زهير : عباد الله، إنّ وِلد فاطمة علیها السلام أحقّ بالودِّ والنصر من ابن سميّة، فإن لم تنصروهم فاُعيذكم بالله أن تقتلوهم، فخلُُّوا بين هذا الرجل وبين يزيدٍ، فلعمري إنّه ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين علیه السلام.

فرماه الشمر بسهم، وقال: اسكُت أسكت الله نأمَتَكَ،(2)أبرمتنا(3)بكثرة كلامك.

فقال زهير : يابن البوّال على عقبيه، ما إيّاك أخاطب إنّما أنت بهيمةٌ، والله ما أظنُّك تحكم من كتاب الله آيتين، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم.

فقال الشمر: إنّ الله قاتلك وصاحبك عن ساعة.

فقال زهير: أفبالموت تخوِّفني؟ فوالله للموتُ معه أحبُّ إليَّ من الخُلدِ معكم.

ثمَّ أقبل على القوم رافعاً صوته، وقال:


1) سَمَل يسمُل سَملاً عينه أي فقأها، المنجد.

2) النأمة: بمعنى النغمة والصوت، ويقال «أسكت الله نأمته» أي أماته، المنجد.

3) أبرمه أي أملّه وأضجره، المنجد.

عباد الله، لا يغرنّكم عن دينكم هذا الجِلف(1)الجافي وأشباهه، فوالله لا تَنالُ شفاعةُ محمد صلّی الله علیه و آله قوماً هرقوا دماء ذُرِّيَّته وأهل بيته، وقتلوا من نصرهم وذبَّ عن حريمهم.

فناداه رجلٌ من أصحابِه: إنّ أبا عبدالله يقول لك: أقبِل: فلعمري لئن كان مؤمن آل فِرعون نصحَ لقومِه وأبلغ في الدعاء، فلقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفعَ النُّصح والإبلاغ.(2)

خُطبة بُرير بن خضير

واستأذن الحسينَ بُرير بن خُضير في أن يُكلِّم القوم، فأذن له، وكان شيخاً تابعيّاً ناسكاً قارئاً للقرآن، ومن شيوخ القرّاء في جامع الكوفة، وله في الهمدانيّين شرفٌ وقدرٌ.

فوقف قريباً منهم، ونادى: يا معشر الناس إنّ الله بعث محمّداً بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله وسراجاً منيراً، وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد،(3)وقد حيل بينه وبين ابن بنت رسول الله صلّی الله علیه و آله، أفجزاءُ محمّدٍ هذا؟

فقالوا: يا بُرير قد أكثرت الكلام، فاكفُف عنّا، فوالله ليعطش الحسين كما عطِشَ من كان قبله.

قال: يا قوم إنَّ ثقل محمّدٍ قد أصبح بين أظهركم، وهؤلاء ذُرِّيَّته وعترته وبناته وحُرَمُه، فهاتوا ما عندكم، وما الّذي تريدون أن تصنعوه بهم؟

فقالوا: نُريد أن تُمكِّن منهم الأمير عبيد الله بن زياد، فيرى فيهم رأيه.

قال: أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الّذي جاؤوا منه؟


1) الجِلف - بكسر الجيم - الغليظ، والجافي أي الظالم، المنجد.

2) تأريخ الطبري، ج 3، ص 320.

3) يطلق «السواد» على ما بين البصرة والكوفة وعلى ما حولهما، المنجد.

ويلكم يا أهل الكوفة أنسيتم كتبكم وعهودكم الّتي أعطيتموها؟ وأشهدتم الله عليها وعليكم، أدعوتم أهل بيت نبيِّكم، وزعمتم أنّكم تقتلون أنفسكم دونهم، حتّى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد، وحلأتموهم(1)عن ماء الفرات بئسما خَلَفتم نبيّكم في ذُرِّيَّته، مالكم لا سقاكم الله يوم القيامة، فبئس القوم أنتم؟

فقال له نفرٌ منهم: يا هذا ما ندري ما تقول؟

قال: الحمدُ لله الّذي زادني فيكم بصيرةً، اللهمَّ إنّي أبرأُ إليك من فِعال هؤلاء القوم، اللّهمَّ ألقِِ بأسهم بينهم، حتّى يلقوك وأنت عليهم غضبان، فجعل القوم يرمونه بالسِهام، فتقهقر.(2)

خُطبة الحسين علیه السلام الثانية

ثمّ إن الحسين علیه السلام ركب فرسه، وأخذ مصحفاً ونشره وجعله على رأسه، ووقف بإزاء القوم، وقال: يا قوم إنَّ بيني وبينكم كتاب الله وسنّة جدّي رسول الله صلّی الله علیه و آله.(3)

ثُمَّ استشهَدَهم عن نفسه المقدّسة، وما عليه من سيف النبي صلّی الله علیه و آله، ولامتِه وعمامته، فأجابوه بالتصديق، فسألهم عمّا أقدمهم على قتله، قالوا: طاعةً للأمير عبيدالله بن زیاد.(4)فقال علیه السلام:

تبّاً لكم أيّتها الجماعةُ وترحاً، حين استصرختمونا واِلهين(5)فأصرخناكم موجِفين،(6)سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم، وحششتُم علينا ناراً اقتدحناها على عدوِّنا وعدوِّكم،


1) حلأه عن الماء أي طرده ومنعه عن وروده، المنجد.

2) بحار الأنوار، ج 45، ص 5: نقلاً عن محمّد ابن أبي طالب. وتقهقر: أي رجع إلى الوراء، المنجد.

3) تذكرة الخواص، ص 252.

4) مقتل الحسين للمقرّم، ص 281 و راجع أيضاً الأمالي للشيخ الصدوق، ص 135، مجلس 30.

5) وَلَه يَلِه وَلَها أي حزن شديداً حتّى كاد يذهب عقله، المنجد.

6) أوجَف الفرسَ أي جعله يعدو عدواً سريعاً، المنجد.

فأصبحتم إلباً(1)لأعدائكم على أوليائكم، بغير عدلٍ أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، فهلّا لكم الويلات، تركتمونا والسيف مشيمٌ(2)طامِنٌ،(3)والرأي لمّا يُستحصفُ،(4)ولكن أسرعتم إليها كطيرةِ الدَبا،(5)وتداعيتم إليها كتهافت الفَراش،(6)ثمَّ نقضتموها.

فسحقاً(7)لكم يا عبيدَ الأمَةِ،(8)وشُذّاذ(9)الأحزاب، ونبذَةَ الكتابِ، ومحَرِّفي الكَلِم، وعصبةَ الإثم، ونفَثَةَ(10)الشيطان، ومطفيء السنن.

ويحكم أهؤلاء تعضدون، وعنّا تتخاذلون؟

أجل والله غدرٌ فيكم قديمٌ، وشجت(11)إليه اُصولكم، وتأزّرت(12)عليه فروعكم، فكنتم أخبثَ ثمرٍ شجاً(13)للناظر، واُكلةً للغاصب.


1) الإلب - بكسر الهمزة - القوم تجمعهم عداوة واحدة، «يقال هم عليّ إلب واحد»، المنجد.

2) مشيم -بفتح الميم- أي مُغمد، من شام السيف بمعنى أغمده، راجع أبصار العين، ص 19.

3) الجأش جمعه جؤوش بمعنى القلب والصدر، وطامن بمعنى ساكن، المنجد.

4) استحصف الشيء أي استحكم، والحصيف كلّ محكم لا خلل فيه، المنجد.استحصف الشيء أي استحكم، والحصيف كلّ محكم لا خلل فيه، المنجد.

5) الطَيرَة -بفتح الطاء وسكون الياء- والطَيرورة بمعنى الطيش والخفّة والدَبا -بفتح الدال وتخفيف الباء- الواحدة دَباة: أصغر الجراد والنمل، المنجد.

6) الفراش -بفتح الفاء- طير معروف، المفردات للراغب. وفي أبصار العين: الفراشة جمعه فَراش حشرة تتساقط على الضوء ليلاً.

7) سُحقاً له أي أبعده الله عن رحمته، المنجد.

8) الأمة -بتخفيف الميم- بمعنى الجارية، كناية عن الذلّ، مأخوذ من قوله علي صلّی الله علیه و آله: ذلّ قوم تملكهم أمة، ويجري على الألسن بتشديد الميم وهو وإن كان له ضرب من التأويل لكنّه غير بليغ، راجع أبصار العين، ص 19.

9) شُذّاذ -بضم الشين وتشديد الذال المعجمتين- جمع شاذّ، وهم المتفرّقون من الجمع، ويعبّر عنهم بالفارطة والغوغاء، أبصار العين، ص 19.

10) النَفث: قذف الريق القليل وهو أقلّ من التفل، مفردات الراغب.

11) وشجَ يشِج وشجاً، وَشَجت الأغصان أي اشتبكت، المنجد.

12) أزَرَ يأزِِر، وأزّر فلاناً أي قوّاه، المنجد.

13) الشَجا -بفتح الشين- أي الهمّ والحزن، المنجد. ومعناه أنّ الناظر إليكم يحزن.

ألا وإنّ الدَّعي ابن الدَّعي قد رَكَزَ بين اثنتين بين السلَّة(1)والذِلّة، وهيهاتَ منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهُرت، وأنوفٌ حميّةٌ، ونفوسٌ أبيَّةٌ، من أن نُوثِرَ طاعة اللّئامِ على مصارع الكرام.

ألا وإنّي زاحفٌ بهذه الاُسرة، مع قلّة العدد وخذلان الناصر.

ثمَّ أنشد أبيات فروة بن مُسيك المرادي:

فإن نهزِم فهزّامون قِدماً *** وإن نُهزَم فغيرُ مهزَّمينا

وما إن طِبُّنا(2)جبنٌ ولكن *** منايانا ودولةُ آخرينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا *** سَيَلقى الشامِتونَ كما لَقينا

إذا ما الموتُ رُفّْعَ عن أناسٍ *** بكلكلهِ(3)أناخَ بآخَرينا

أما والله لا تَلبَثونَ بعدها إلّا كريثَما(4)يركب الفرس، حتّى تدور بكم دور الرَّحى، وتقلقَ بكم قلق المِحورَ، عهدٌ عهده إليَّ أبي عن جدّي رسول الله، (فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثُمَّ لا يكن أمركم عليكم غُمَّةٌ ثمَّ اقضوا إليَّ ولا تنظرون)(5)(إنّي توكَّلتُ على الله ربّي ورَبِّكم، ما من دابةٍ إلا هو آخذٌ بناصيتها إنَّ ربّي على صِراطٍ مستقيمٍ).(6)

ثمّ رفع يديه نحو السماء، وقال: اللهمَّ احبِس عنهم قطرَ السماءِ، وابعث عليهم سنين كسنِيِّ يوسف، وسلِّط عليهم غلامَ ثقيفٍ، يسقيهم كأساً مُصبَّرَةً،(7)فإنّهم كذَّبونا وخذلونا،


1) السِلّة -بكسر السين وتشديد اللام- بمعنى استلال السيوف، وكناية عن الحرب والقتال.

2) الطِبَ -بكسر الطاء- بمعنى الشأن والعادة، المنجد.

3) الكَلكَل جمعه كلاكل بمعنى الصدر أو ما بين الترقوتين، المنجد.

4) الريث: مقدار المهلة من الزمن.

5) يونس / 71.

6) هود /56.

7) صبّر الكأس أي ملأها إلى رأسها، والصبرة بمعنى المُرّة، المنجد. والمعنى يسقيهم كأساً مُرّة.

وأنت ربُّنا، عليكَ توكَّلنا، وإليكَ أنبنا وإليك المصير.(1)

والله لا يدعُ أحداً منهم إلّا انتقَمَ لي منه، قتلةً بقتلَةٍ، وضربةً بضربةٍ، وإنَّه لينتصر لي ولأهل بيتي وأشياعي.(2)

واستدعى الحسين علیه السلام عمر بن سعد فدُعِي له، وكان كارِهاً لا يحبُّ أن يأتيه، فقال: أي عُمَرُ أتزعمُ أنّك تقتلني، ويولّيك الدَّعيُّ بِلادَ الرّيّ(3)وجُرجان،(4)والله لا تتهنَّأ بذلك، عهدٌ معهودٌ، فاصنع ما أنت صانِعٌ، فإنّك لا تفرحُ بعدي بدنياً ولا آخرةٍ، وكأنّي برأسك على قصبةٍ، يتراماه الصبيان بالكوفة، ويتّخذونه غر ضاً بينهم، فصرفَ بوجهه عنه مُغضباً.(5)

توبةُ الحرّ بن يزيد الرياحيّ

ولمّا سمع الحرُّ بن يزيد الرياحي كلامه واستغاثته، أقبل على عمر بن سعد، وقال له: أمُقاتلٌ أنت هذا الرجل؟ قال: إي والله قتالاً أيسرهُ أن تسقط فيه الرؤوس، وتطيح الأيدي، قال: مالَكُم فيما عرضَه عليكم من الخِصال؟ فقال: لو كان الأمر إليَّ لقبلتُ، ولكنَّ أميرك أبى ذلك، فتركه ووقف مع الناس، وكان إلى جنبه قُرّة بن قيس، فقال لقُرّة: هل سقيتَ فرسك اليوم؟ قال: لا، قال: فهل تُريد أن تَسقيه؟، فظنَّ قُرّة من ذلك أنّه يريد


1) اللهوف على قتلى الطفوف، ص 96 - 100 والمقتل الخوارزمي، ج 2، ص 6.

2) المقتل للمقرّم، ص 283؛ نقلاً عن مقتل العوالم، ص 84.

3) الريّ -بفتح الراء وتشديد الياء- مدينة إيرانيّة بالقرب من طهران دفن فيها عبد العظيم بن عبدالله الحسني، وذكر ياقوت إنَّ طهران كانت تُعدّ من قرى «الريّ» بينهما نحو فرسخ، راجع طهران من معجم البلدان، ج 4، ص 51.

4) جُرجان -بضم الجيم وسكون الراء- مدينة مشهورة عظيمة بين طبرستان و خراسان قاله ياقوت في معجم البلدان، ج 3، ص 119.

5) المقتل للمقرم، ص 284؛ نقلاً عن تظلّم الزهراء، ص 110 ومقتل العوالم، ص 84 ومقتل الخوارزمي ، ج 2، ص 8.

الاعتزال، ويكره أن يشاهده، فتركه.

فأخذ الحرُّ يدنو من الحسين علیه السلام قليلاً قليلاً، فقال له المهاجر بن أوس: أتُريد أن تحمِل؟ فسكت، وأخذته الرّعدة،(1)فارتابَ المُهاجِرُ من هذا الحال، وقال له: لو قيل لي: مَن أشجع أهل الكوفة؟ لما عدوتك، فما هذا الّذي أراه منك؟ فقال الحُرّ: إنّي اُخيّر نفسي بين الجنّة والنار، والله لا أختارُ على الجنّة شيئاً، ولو اُحرقتُ، ثمَّ ضرب جوادَه نحو الحسين علیه السلام(2)مُنَكِّساً رمحه، قالباً تُرسَه،(3)وقد طأطأ برأسه حياءً من آل الرسول، بما أتى إليهم، وجعجع(4)بهم في هذا المكان على غير ماءٍ ولا كلاء،(5)رافعاً صوته(6):

«اللهم إليكَ اُنيبُ، فتُبْ عليَّ، فقد أرعبْتُ قُلوبَ أوليائِكَ، وأولاد نبيِّكَ، يا أباعبدالله، إنّي تائبٌ، فهل لي من توبة؟».

فقال الحسين علیه السلام: نعم، يتوبُ اللهُ عليك.(7)

فَسَرَّه قوله، وتيقَّن الحياةَ الأبديّة، والنعيم الدائِم، ووضحَ له قولُ الهاتِفُ لمّا خرجَ من الكوفة، فحدَّث الحسين علیه السلام بحديثٍ قال فيه: لمّا خرجتُ من الكوفةِ نوديتُ: أبشِر يا حرُّ بالجنّة، فقلت: ويلٌ للحُرّ يُبَشِّرُ بالجنّة وهو يسيرُ إلى حربِ ابن بنت رسول الله.(8)

فقال له الحسين علیه السلام: لقد أصبتَ خيراً وأجراً،(9)وكان معه غُلامٌ تُركي.(10)


1) الرَّعدة -بكسر الراء وسكون العين- الإضطراب يكون من الفزع وغيره، المنجد.

2) تأريخ الطبري، ج 3، ص 320.

3) التُرس -بضم التاء- جمعه أتراس وتراس وتروس وترسة: صفحة من الفولاد تحمل للوقاية من السيف ونحوه، المنجد.

4) جعجع بالغريم أي طالبه وضيّق عليه، المنجد.

5) الكلأ جمعه أكلاء بمعنى العشب رطبه وياسبه ، المنجد.

6) المقتل للمقرم، ص 284.

7) اللهوف على قتل الطفوف، ص 103 و الأمالي للصدوق، ص 136، مجلس 30.

8) المقتل للمقرم، ص 285 و راجع مثير الأحزان لابن نما، ص 59.

9) مثير الأحزان لابن نما، ص 60.

10) المقتل للخوارزمي ، ج 2، ص 9.

نصيحةُ الحُرِّ لأهل الكوفة

ثُمَّ استأذن الحسين في أن يُكلِّم القومَ، فأذِنَ له، فنادى بأعلى صوته: يا أهل الكوفة لأُمِّكُم الهَبَلُ والعبرُ،(1)إذ دعَوتَموه وأخذتم بكظمه، وأحطتُم به من كلِّ جانبٍ، فمنعتُمُوه التوجُّه إلى بلاد الله العريضة، حتّى يأمَنَ وأهل بيته، وأصبح كالأسير في أيديكم، لا يملِكُ لنفسِه نفعاً ولا ضرّاً، وحلأتموه ونساءَه وصبيته وصحبه عن ماء الفرات الجاري الّذي يشربه اليهود والنصارى والمجوس، وتمرّغُ فيه خنازير السواد وكلابه،(2)وهاهم قد صرعهم العطش، بئسما خلَفْتُم محمّداً في ذُرِّيَّته، لا سقاكم الله يوم الظمأِ.

فحملت عليه رجّالةٌ ترميه بالنبلِ، فتقهقهر حتّى وقف أمام الحسين علیه السلام.(3)


1) الهَبَل بالتحريك: الثكل. والعَبر، بفتح العين وسكون الباء الحزن.

2) يطلق «السواد» على ما بين البصرة والكوفة وعلى ما حولهما المنجد.

3) الكامل في التأريخ، ج 4، ص 65.

الخلاصه

回 في صبيحة يوم العاشر من المحرّم - وحينما تقابل الجيشان على أرض كربلاء - عبّأ الإمام الحسين علیه السلام أصحابه للقتال دفاعاً عن النفس، وعن المقدّسات ومبادئ الرسالة الإسلاميّة، وحينما اشتدّ الكلام بين الفريقين تجرّاً أصحاب عمر بكلام غير مؤدّب؛ فأراد أصحاب الإمام الحسين أن يرموهم بسهامهم فمنعهم من ذلك كارهاً أن يبدأهم بقتال.

回 و قد وعظ الإمام القوم أكثر من مرّة لعلّهم يرجعون عن غيّهم، ولكن رغم ذلك لم يفد معهم أيّ وعظ من هذا القبيل، بل صمّموا على قتاله، وإلّا ينزل على حكم أميرهم. ولكن يأبى الله ورسوله والمؤمنون ذلك، فاختار الحرب دفاعاً عن شريعة جده صلّی الله علیه و آله.

回 و قد تكلّم بعض صحابة الإمام مع جيش عمر بن سعدٍ لعلّهم يفيئون، ولكنّ القوم قد استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله العظيم.

回 هذا وقد وقف الإمام الحسين بأهل بيته وأصحابه أمام مخيّمهم، وأشعلوا ناراً في خندق خلفهم لئلّا يكون هجوم القوم عليهم من ورائهم، وتقدّم بعض أصحاب ابن سعد نحو مخيّم الحسين علیه السلام فنادى: تعجّلت یا حسین بنار الدنيا قبل نار الآخرة ولكنّ دعوة الإمام عليه لم تمهله فأقحمت به فرسه ورمته في النار وذهب إلى لعنة الله وعذابه.

回 و لمّا رأى الحرّ بن يزيد الرياحي عزم القوم على قتال الحسين علیه السلام؛ خيّر نفسه بين الجنّة والنار، فاختار الجنّة وضرب بفرسه نحو مخيّم الإمام وقد وضع يده على رأسه منكِّساً رمحه قالباً ترسه مطأطئاً رأسه حياءً من رسول الله صلّی الله علیه و آله رافعاً صوته قائلاً: سيّدي أباعبدالله: أنا تائب، فهل لي من توبة؟

回 اللّهمّ إليك تبت فتب عليّ، فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيّك فأجابه الإمام علیه السلام: إن تبت تاب الله عليك. وكان معه غلام تركي، ثمّ استأذن الإمام الحسين علیه السلام بأنّه يكلّم الناس فأذن له، فذّكر القوم ووعظهم، ولكنّ القوم رموه بالنّبل فتقهقهر حتّى وقف أمام الحسين.

الأسئلة

1.

لقد منع الحسين علیه السلام أصحابه أن يرموا جيش ابن سعد بالسهام، لماذا؟

2.

ما هو رأيك في حفر الإمام الحسين علیه السلام خندق نار خلف الخيام؟

3.

ماذا كان موقف الحرّ بن يزيد حينما علم بأنّ ابن سعد قد صمّم على قتال الحسين علیه السلام؟

4.

وماذا كان موقف الحسين علیه السلام من الحرّ؟ ولماذا؟

5.

ما هي أهمّ النقاط الّتي تضمنّتها خطبة الحسين علیه السلام الأولى؟

6.

من هو ابن حوزة وماذا حدث له؟

7.

قارن بين الخُطبة الأولى والثانية للإمام الحسين علیه السلام يوم عاشوراء؟

الدرسان 16 و 17: بطولة أصحاب الحسين علیه السلام واستشهادهم

الحملة الأولى

تقدَّم عُمر بن سعد نحو جيش الحسين علیه السلام، وَرَمى بسهمٍ، وقال: اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل مَن رَمى، ثُمَّ رمى الناس،(1)فلم يبقَ من أصحاب الحسين أحدُ إلّا أصابه مِن سهامهم(2)فقال علیه السلام لأصحابه: قوموا رحمكم الله إلى الموت الّذي لابُدُّ منه، فإنَّ هذه السهامُ رُسلُ القوم إليكم، فحمَل أصحابه حملةً واحدة،(3)واقتتلوا ساعةً، فما انجلَت الغُبرة إلّا عن خمسين صريعاً.(4)

وخرج يسارُ مولی زیاد و سالم مولى عبیدالله بن زیاد، فطلبا البِرازَ، فوثَبَ حبيب وبُرير، فلم يأذن لهما الحسين علیه السلام.

فقام عبدالله بن عمير الكلبي من «بني عُلَيْم» وكنيته أبو وهب، وكان طويلاً شديد الساعدين، بعيداً ما بين المنكبين، شريفاً في قومه، شُجاعاً مُجرَّباً، فأذن له، وقال: أحسبه للأقران قتّالاً.


1) المقتل للمقرم، ص 286؛ نقلاً عن الخطط المقريزيّة، ج 2، ص 287.

2) المقتل للمقرم، ص 286؛ نقلاً عن مقتل العوالم، ص 84.

3) اللهوف على قتل الطفوف، ص 101.

4) بحار الأنوار، ج 45، ص 12؛ نقلاً عن محمّد ابن أبي طالب.

فقالا له: مَن أنتَ؟ فانتسب لهما، فقالا: لا نعرفُك، ليخرج إلينا زهير أو حبيب أو برير، وكان يسارٌ قريباً منه، فقال له يا ابن الزانية أو بكَ رغبةً عن مبارزتي؟ ثمَّ شدَّ عليه بسيفه يضربه، وبينا هو مشتغل به، إذ شدّ عليه سالمٌ، فصاح أصحابه: قد رهَقَكَ العبد، فلم يعبأ به، فضربه سالم بالسيف، فاتّقاها عبدالله بيده اليسرى، فأطار أصابعه، ومال عليه عبدالله فقتله، وأقبل إلى الحسين يرتجز، وقد قتلهما.

وأخذت زوجته أمُّ وهب بنت عبدالله - من النِّمرِ بن قاسِطٍ- عموداً وأقبلت نحوه، تقول له: فداك أبي وأمّي، قاتِل دون الطيّبين، ذرِّيَّة محمّدٍ صلّى الله عليه وآله، فأراد أن يردّها إلى الخيمة فلم تطاوعه، وأخذت تجاذِبه ثوبه، وتقول: لن أدعَكَ دون أن أموت معك، فناداها الحسين: جُزيتُم عن أهل بيت نبيِّكم خيراً، إرجعي إلى الخيمة، فإنّه ليس على النساء قتالٌ، فرجعت.(1)

مبارزة الاثنين والأربعة

ولمّا نظر مَن بقي من أصحاب الحسين علیه السلام إلى كثرة من قُتِلَ منهم، أخذ الرجلان والثلاثة والأربعة يستأذنون الحسين علیه السلام في الذَّبِّ عنه، والدفع عن حُرَمِه، وكلُّ يحمي الآخرَ من كيدِ عدوِّه.

فخرجَ الجابريّان وهما: سيفُ بن الحارث بن سريع ومالك بن عبد بن سريع، وهما ابنا عمٍّ وأخوان لاُمٍّ، وهما يبكيان.

قال الحسين: ما يُبكيكما؟ إني لأرجو أن تكونا بعد ساعةٍ قريري العين، قالا: جعلنا الله فداك ما على أنفسنا نبكي، ولكن نبكي عليك، نراك قد اُحيط بك، ولا نقدرُ أن تنفعَكَ، فجزاهما الحسين خيراً، فقاتلا قريباً منه حتّى قُتلا.(2)


1) تأريخ الطبري، ج 3، ص 322 و الكامل في التأريخ، ج 4، ص 66.

2) الكامل في التأريخ، ج 4، ص 72 و 73.

ولمّا نظر الحسين علیه السلام إلى كثرة من قُتِلَ من أصحابه، قَبَض على شيبته المُقدَّسة، وقال:

اشتدَّ غضبُ الله على اليهود إذ جعلوا له ولداً، واشتدَّ غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالثَ ثلاثةٍ، واشتدَّ غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه، واشتدَّ غضبه على قوم اتّفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيَّهم، أما والله لا أُجيبهم إلى شيءٍ ممّا يُريدون، حتّى ألقى الله وأنا مُخضَّبٌ بدمي. ثُمَّ صاح:

أما مِن مُغيثٍ يُغيثُنا؟ أما مِن ذابٍّ عن حُرَمِ رسول الله؟(1)فبَكَت النساءُ، وكثُر صراخهُن.

وسمع الأنصاريان: سعد بن الحارث وأخوه أبو الحتوف استنصارَ الحسين علیه السلام واستغاثته وبكاءَ عِياله، وكانا مع ابن سعد، فمالا بسيفيهما على أعداء الحسين، وقاتلا، حتَّى قُتِلا.(2)

وأخذ أصحاب الحسين علیه السلام بعد أن قلَّ عددهم، وبان النقصُ فيهم، يبرُزُ الرجلُ بعد الرجلِ، فأكثروا القتل في أهل الكوفة.

فصاح عمرو بن الحجّاج بأصحابه: أتدرون مَن تُقاتلون؟ تقاتلون فُرسان المِصر وأهلَ البصائر، وقوماً مستميتين، لا يبرزُ إليهم أحدٌ منكم إلّا قتلوه على قِلَّتهم، والله لو لم ترموهم إلّا بالحجارة لتقتلتموهم.

فقال عمر بن سعد: صدقت، الرأيُ ما رأيت، أرسِل في الناس من يعزِم عليهم أن لا یبارِزهم رجل منهم، ولو خرجتم إليهم وحداناً(3)لأتوا عليكم.(4)


1) اللهوف على قتلى الطفوف، ص 116.

2) المقتل للمقرّم، ص 289؛ نقلاً عن الحدايق الورديّة مخطوط.

3) الوِحداني -بكسر الواو- المنفرد بنفسه، المنجد.

4) تأريخ الطبري، ج 3، ص 324.

ثمَّ حملَ عمرو بن الحجّاج على ميمنة الحسين، فثبتوا له، وجثوا(1)على الرُّكب، وأشرعوا(2)الرِماحَ، فلم تقدِم الخيل، فلمّا ذهبت الخيل لترجع رشقهم أصحاب الحسين بالنَّبلِ، فصرعوا رجالاً وجرحوا آخرين.

وكان عمرو بن الحجّاج يقول لأصحابه : قاتلوا مَن مَرَقَ(3)عن الدين، وفارَقَ الجماعة.

فصاح الحسينُ: ويحك يا حجّاج أعليَّ تُحرّض الناس؟ أنحنُ مَرَقنا عن الدين وأنتَ تُقيم عليه؟ ستعلمون إذا فارقت أرواحنا أجسادنا مَن أولى بصلي النار.(4)

ثم حمل عمرو بن الحجّاج من نحو الفراتِ، فاقتتلوا ساعةً، وفيها قاتل مسلم ابن عوسجة، فشدَّ عليه مسلم بن عبدالله الضُّبابي وعبدالله بن خُشكارة البجلي، وثارت لشدَّة الجِلاد(5)غُبرة شديدةٌ، وما انجلت الغُبرة إلّا ومسلمٌ صريعٌ، وبه رمقٌ، فمشى إليه الحسين ومعه حبيب بن مظاهر فقال له الحسين علیه السلام: رحمك الله يا مسلم، «فَمِنْهُم مَن قضى نَحْبَه ومِنْهُم مَن يَنْتَظِر وما بَدَّلُوا تَبديلاً».(6)

ودنا منه حبيب وقال: عَزَّ علي مصرعك يا مسلم إبشر بالجنّة.

فقال بصوتٍ ضعيفٍ: بشّرك الله بخير.

قال حبيب: لو لم أعلم أنّي في الأثر لأحببتُ أن تُوصِيَ إليَّ بما أهمَّكَ.

فقال مسلم: اُوصيك بهذا - وأشار إلى الحسين علیه السلام- أن تموت دُونه.

قال: أفعل وربّ الكعبة، وفاضت روحه بينهما.


1) جثا أي جلس على ركبتيه، المنجد.

2) أشرع الشيء أي رفعه جدّاً، المنجد.

3) مرق عن الدين أي خرج منه بضلالة أو بدعة، المنجد.

4) المقتل للمقرم، ص 290؛ نقلاً عن الكامل لابن كثير، ج 8، ص 182.

5) الجِلاد -بكسر الجيم- المضاربة بالسيوف، المنجد.

6) الأحزاب / 23.

وصاحت جاريةٌ له: وامسلماه! یا سیّداه! یا ابن عوسجتاه!

فتنادى أصحاب الحجّاج: قَتَلنا مُسلِماً.

فقال شبث بن ربعي لِمن حوله: ثكلتكم اُمّهاتُكم، أيُقتل مثلُ مسلم وتفرحون؟ لرُبَّ موقِفٍ له كريمٌ في المسلمين رأيته يوم «آذربایجان»(1)وقد قتل ستّة من المشركين قبل تتامّ(2)خيول المسلمين.(3)

وحمل الشِّمر في جماعة من أصحابه على ميسرة الحسين، فثبتوا لهم حتّى كشفوهم، وفيها قاتل عبدالله بن عمير الكلبي، فقتل تسعة عشر فارساً وإثني عشر راجلاً، وشدَّ عليه هاني بن ثُبيت الحضرمي، فقطع يده اليمنى(4)وقطع بكر بن حيٍّ ساقه.(5)

فأُُخِذ أسيراً، وقُتل صبراً.(6)

فمشت إليه زوجته أمُّ وهب، وجلست عند رأسه، تمسحُ الدم عنه وتقول: هنيئاً لك الجنّة، أسأل الله الّذي رزقكَ الجنّة أن يُصحِبني معكَ.

فقال الشمر لغلامِه رستم: اضرِب رأسها بالعمود، فشدَخَهُ وماتت مكانها، وهي أوّل إمرأةٍ قُتلت من أصحاب الحسين.(7)


1) كلمة آذربايجان -بمدّ الهمزة وفتح الذال وسكون الراء ثمّ الباء والألف وسكون الياء ثمّ الجيم الألف والنون- مركّبة من «آذر» بمعنى النار بالفارسيّة، و«بایگان» -معرّبها بايجان- بمعنى الحافظ، وفسّرها ياقوت بمعنى «بيته النار» أو «خازن النار»، وأضاف: وهذا أشبه بالحقّ وأحرى به، لأنّ بيوت النار في هذه الناحية كثيرة جدّاً. معجم البلدان، ج 1، ص 128.

2) تتامّ القوم أي جاؤوا كلّهم، المنجد.

3) تأريخ الطبري، ج 3، ص 325.

4) مناقب ابن شهر آشوب، ج 4، ص 101.

5) المقتل للمقرم، ص 291.

6) في مقتل الخوارزمي، ج 2، ص 13 أنّ شماله قطعت بعد أن قطعت يمينه.

7) تأريخ الطبري، ج 3، ص 329.

وقطع رأسه ورُمي به إلى جهة الحسين علیه السلام، فأخذت اُمُّه ومسحت الدم عنه، ثمَّ أخذت عمود خيمةٍ وبرزت إلى الأعداء، فردَّها الحسين علیه السلام، وقال: ارجِعي رحمك الله، فقد وضِعَ عنك الجهاد، فرجعت وهي تقول: اللّهمَّ لا تقطع رجائي، فقال الحسين: لا يقطع الله رجاءَك.(1)

وحمَلَ الشمرُ حتّى طعنَ فِسطاط الحسين بالرمح، وقال: عليَّ بالنار لاُحرقه على أهله، فتصايحت النساء، وخرجن من الفِسطاط، وناداه الحسين: يا ابن ذي الجوشن أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي أحرقك الله بالنار، وقال له شبثُ بن ربعي: أمُرعباً للنّساء صِرت؟ ما رأيت مقالاً أسوأ من مقالِكَ، وموقِفاً أقبح من موقِفكَ، فاستحي وانصرف.

وحَمَلَ على جماعته زهير بن القين في عشرةٍ من أصحابه، حتّى كشفوهم عن البُيوت.(2)

عَزْرَة يستمِدُّ الرجال

ولمّا رأى عزرةُ بن قيس - وهو على الخيل - الوهنَ في أصحابه والفشل كلّما يحملون، بعث إلى عُمر بن سعدٍ يستمِدُّه الرجال، فقال ابن سعدٍ لشبث بن رِبعي: ألأ تقدِم إليهم؟ قال: يا سبحان الله تُكلّف شيخ المِصر وعندَك مَن يجزي عنه؟

ولم يزل شَبتُ بن رِبعي كارِهاً لقتال الحسين، وقد سُمِعَ يقول: قاتَلنا مع عليِّ بن أبي طالبٍ ومع ابنه من بعده آل أبي سفيان خمس سنين، ثمَّ عدونا على ولدِهِ، وهو خيرُ أهل الأرض، تُقاتِله مع آل معاوية وابن سميّةٍ الزانية، ضلالٌ يالَكَ من ضلالٍ، والله لا


1) المقتل للمقرم، ص 292؛ نقلاً عن تظلّم الزهراء، ص 113.

2) تأريخ الطبري، ج 3، ص 326 و المقتل للخوارزمي، ج 2، ص 16.

يعطي الله أهلَ هذا المِصر خيراً أبداً، ولا يُسدِّدهم لرُشدٍ.(1)

فمدّه بالحصين بن تميم في خمسمائةٍ من الرُّماة، واشتدَّ القِتال، وأكثر أصحاب الحسين فيهم الجراح، حتّى عقروا خيولهم وأرجلوهم،(2)ولم يقدِروا أن يأتوهم من وجهٍ واحدٍ، لتقارُب أبنيتهم، فأرسل ابن سعدٍ الرجال ليقوِّضوها(3)عن أيمانهم وعن شمائلهم ليحيطوا بهم، فأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الحسين يتخلّلون البيوت فيشدّون على الرجل وهو ينهب فيقتلونه، ويرمونه من قريبٍ فيعقِرونه.

فقال ابن سعدٍ: احرقوها بالنّار، فأضرموا فيها النار، فصاحت النساء ودُهِشت الأطفال، فقال الحسين: دعوهم يحرقونها فإنّهم إذا فعلوا ذلك لم يجوزوا إليكم، فكان كما قال.(4)

أبو الشَّعثاء

وكان أبو الشَّعثاءِ الكِندي وهو - يزيدُ بنُ زيادٍ - مع ابنِِ سعدٍ فلمِا ردّوا الشروط على الحسين صار معه، وكان رامياً، فجَثا على رُكبيته بين يدي الحسين علیه السلام ورمى بمائة سهمٍ، والحسين يقول: اللهمَّ سَدِّد ،رميَتَه، واجعل ثوابه الجنّة، فلمّا نفدت سهامه قام وهو يقول: لقد تبيَّن لي أني قتلتُ منهم خمسة،(5)ثمَّ حمَلَ على القوم، فقتل تسعة نفرٍ و قُتِل.(6)

والتفتَ أبو ثُمامة الصائدي إلى الشمس قد زالت، فقال للحسين: نفسي لك الفِداء،


1) تأريخ الطبري، ج 3، ص 325.

2) إعلام الورى، ص 245 و الكامل في التأريخ، ج 4، ص 69.

3) قوّض البناء أي هدّمه، المنجد.

4) الكامل في التأريخ، ج 4، ص 69.

5) تأريخ الطبري، ج 4، ص 330.

6) الأمالي للصدوق، ص 137، مجلس 30.

إنّي أرى هؤلاء قد اقتربوا مِنك، لا والله لا تُقتَل حتّى اُقتل دونك، وآُحبُّ أن ألقى الله وقد صلّيتُ هذه الصلاة الّتي دنا وقتها، فرفع الحسين علیه السلام رأسه إلى السماء وقال: ذكرتَ الصلاة جَعَلكَ الله من المُصلّين الذاكرين، نعم هذا أوّل وقتها، سلُوهم أن يكفُّوا عنّا حتّى نُصلّي، فقال الحصين بن تميم: إنّها لا تُقبَل.

حبيبُ بن مظاهرٍ الأسدي

فقال حبيب بن مظاهر: زَعمتَ أنّها لا تُقبل من آل الرسول وتُقبل منك يا حِمار، فحمَلَ عليه الحصين بن تميم فضرب حبيبٌ وجه فرسِه بالسَّيف، فشبَّتْ به، ووقعَ عنه، واستنقذهُ أصحابه، فحملوه.

وقاتلهم حبيبٌ قتالاً شديداً، فقتلَ على كِبرِه إثنين وستّين رجلاً، وحمل عليه بُديل بن صريم فضربه بسيفه، وطعنه آخرٌ من تميم برمجِه فسقطَ إلى الأرض، فذهبَ ليقوم وإذا الحصين بن تميمٍ يضربه بالسيف على رأسه، فسقط لوجهِه، ونزل إليه التميميُّ واحتزّ رأسه.

فهدَّ مقتله الحسين، فقال: عند الله أحتسِب نفسي وحُماةَ أصحابي،(1)واسترجع كثيراً.

الحُرُّ الرياحي

وخرَجَ مِن بعده الحرّ بن يزيد الرياحي ومعه زهيرُ بن القين يحمي ظهرَه، فكان إذا شدَّ أحدُهما وأستلحم،(2)شدَّ الآخر واستنقذه، ففعلا ساعةً،(3)وإنّ فرس الحُرِِّ لمضروب


1) الكامل في التأريخ، ج 4، ص 70 و 71 و تأريخ الطبري، ج 3، ص 327.

2) استلحم الزرع التفّ، المنجد.

3) تأريخ الطبري، ج 3، ص 327 و البداية، ج 8، ص 183.

على اُذُنيه وحاجبيه والدماء تسيلُ منه، وهو يتمثّل بقول عنترة:

ما زِِلتُ أرميهم بِثُغرَةِ نحرّه *** ولبانِهِ حتّى تسربل بالدمِ

فقال الحصين بن تميمٍ ليزيد بن سفيان: هذا الحُرُّ الّذي كنت تتمنّى قتله، قال: نعم، وخرجَ إليه يطلبُ المبارزة، فما أسرع أن قتله الحُرُّ، ثم رمى أيّوبُ بن مُشرِِّح الخيواني فرس الحُرِِّ بسهم فعقَرَهُ، وشبَّ به الفرس فوثَبَ عنه كأنَّه ليثٌ،(1)وبيده السيف، وجعل يُقاتل راجلاً حتّى قتل نيفاً وأربعين،(2)ثُمَّ شدّت عليه الرجّالة فصرعته، وحملَهِ أصحاب الحسين علیه السلام، ووضعوه أمام الفِسطاط الّذي يقاتِلونَ دونه.

وهكذا يؤتى بكلِّ قتيلٍ إلى هذا الفِسطاط، والحسين يقول: قتلةٌ مثلُ قتلة النبيّين وآل النبيّين،(3)ثمَّ التفت إلى الحرِّ، وكان به رَمَقٌ، فقال لهُ وَهُوَ يمسح الدَم عنه: أنت الحرُّ كما سَمَّتْكَ اُمُّك، وأنت الحرُّ في الدنيا والآخرة.

أداء الصلاة

وقام الحسين علیه السلام إلى الصلاة، فقيلَ إنّه صلّى بِمَن بَقِي من أصحابه صلاة الخوف، وتقدّم أمامه زهير بن القين وسعيد بن عبدالله الحنفي في نصف من أصحابه،(4)ويقال إنّه صلّى وأصحابُه فرادى بالإيماء.(5)

ولمّا أُثخِنَ سعيدٌ بالجِراح سقطَ إلى الأرض، وهو يقول: اللهمَّ العَنْهُم لعن عادٍ وثمود وأبلغ نبيّك منّي السلام، وأبلِغه ما لقيتُ من ألَمِ الجِراح، فإنّي أردتُ بذلك ثوابَك في


1) تأريخ الطبري، ج 3، ص 324 و 325.

2) مناقب ابن شهر آشوب، ج 4، ص 100.

3) المقتل للمقرم، ص 296؛ نقلاً عن تظلّم الزهراء، ص 118.

4) المقتل للمقرم، ص 296؛ نقلاً عن مقتل العوالم، ص 88 و مقتل الخوارزمي، ج 2، 17.

5) مثير الأحزان لابن نما، ص 65.

نُصرةٍ ذُرِّيَّة نبيِّك صلّى الله عليه وآله وسلّم.(1)

والتفتَ إلى الحسين قائلاً: أوفَيتُ يا ابن رسول الله؟

قال: نعم أنت أمامي في الجنّة، وقضى نحبه، فوجِدَ فيه ثلاثةَ عشر سهماً غير الضرب والطعن.

ولمّا فرغ الحسين علیه السلام من الصلاة، قال لأصحابه: يا كرامٌ هذه الجنّة قد فُتِحَت أبوابها، واتّصلت أنهارُها، وأينعت ثمارُها، وهذا رسول الله والشهداء الّذين قُتلوا في سبيل الله يتوقّعون قدومكم، ويتباشرون بكم، فحاموا عن دين الله ودين نبيَّه، وذُبُّوا عن حرم الرسول.

فقالوا: نفوسنا لنفسكِ الفِداء، ودماؤنا لدمِك الوِقاء، فوالله لا يصلُ إليك وإلى حرمِك سُوءٌ وفينا عِرقُ يُضْرَبُ.(2)

عَقْيرُ الخيلُ

ثم إنّ عمر بن سعدٍ وجّه عمرو بن سعيدٍ في جماعةٍ من الرُّماة، فرموا أصحاب الحسين وعقروا خيولَهم،(3)و لم يبقَ مع الحسين علیه السلام فارسُ إلّا الضحاك بن عبدالله المشرقي، يقول: لمّا رأيت خيل أصحابنا تُعقرُ(4)أقبلت بفرَسي وأدخلتُها فِسطاطاً لأصحابنا.(5)

واقتتلوا أشدّ القتال(6)، وكان كلُّ من أراد الخروج ودّعَ الحسين بقوله: السلامُ عليك يا


1) المقتل للمقرم، ص 297؛ نقلاً عن مقتل العوالم، ص 88.

2) أسرار الشهادة، ص 283.

3) مثير الأحزان لابن نما، ص 66.

4) عَقَر الإبل أي قطع قوائمها بالسيف، المنجد.

5) تأريخ الطبري، ج 3، ص 330.

6) تأريخ الطبري، ج 3، ص 330.

ابن رسول الله، فيُجيبُه الحسين: وعليك السلام ونحن خلفَك، ثمَّ يقرأ: «وَمِنهم مَنْ قضى نحبه ومنهم مَنْ ينتظر وما بدَّلوا تبديلاً».(1)

أبو ثُمامة الصائدي

وخرجَ أبو ثُمامة الصائِدي فقاتَلَ حتّى اُثخِنَ بالجِراح، وكان مع عمرِ بنِ سعدٍ ابنُ عمٍّ له يقال له قيس بن عبدالله، بينهما عداوةٌ، فشدَّ عليه وقتله.

زُهير وابن مُضارِب

وخرج سلمان بن مضارب البجلي وكان ابن عمِّ زهير بن القين، فقاتلَ حتّى قُتل، وخرج بعده زُهير بن القين فوضع يده على منكب الحسين، وقال مستأذِناً:

أقدِم هديتَ هادِياً مهديّاً *** فاليوم ألقى جدَّك النبيّا

وحَسَناً والمرتضى عليّاً *** وذا الجَناحين الفتى الكَمِيّا(2)

وأسدَ اللهِ الشهيدَ الحَيّا

فقال الحسين علیه السلام: وأنا ألقاهما على أثَرِكَ، وفي حملاته يقول:

أنا زهيرٌ وأنا ابن القَينِ *** أذودكم بالسيفِ عن حسينِِ

فقتل مائةً وعشرين، ثم عطف عليه كثير بن عبدالله الصَّعبي والمهاجر بن أوسٍ فقتلاه،(3)فوقف الحسين وقال: لا يُبعِدنَّك الله يا زُهير، ولَعنَ قاتليك لَعْنَ الّذين مُسِخُوا قِردةً وخنازيرَ.(4)


1) المقتل للمقرم، ص 298؛ نقلاً عن مقتل العوالم، ص 85 و مقتل الخوارزمي، ج 2، ص 25 و الآية 23 من سورة الأحزاب.

2) الكمي بفتح الكاف - الشجاع أو لابس السلاح، لأنّه يكمي نفسه أي يسترها بالدرع والبيضة، المنجد.

3) تأريخ الطبري، ج 3، ص 327 و 328.

4) مقتل الخوارزمي ، ج 2، ص 20.

عَمرو بن قَرَظَةَ الأنصاري

وجاء عَمْرو بن قَرَظَةَ الأنصاري ووقفَ أمام الحسين يقيهِ من العدوِّ ويتلقّى السهامَ بصَدْرِه وَجَبْهَتِه، فلم يَصِلْ إلى الحسين سُوءٌ، ولما كَثُرَ فيه الجِراح التفت إلى أبي عبدالله وقال: أَوَفيتُ يابن رسول الله؟ قال: نَعَمْ أنتَ أمامي في الجنّة، فأقرأ رسول الله منّي السلام وأعلِمه أنّي في الأثر، وخَرَّ ميّتاً.(1)

فنادى أخوه عليّ وكان مع ابن سعدَ: يا حسين يا كذّاب غررتَ أخي حتّى قتلته، فقال علیه السلام: إنّي لم أغرَّ أخاك، ولكنّ الله هداه وأضلّكَ.

فقال: قتلني الله إن لم أقتلك، ثمَّ حَمَلَ على الحسين ليطعنه، فاعترضه نافع بن هلال الجملي فطعنهُ حتّى صرعه، فحمله أصحابه وعالجوه، وبرأ.(2)

نافع الجملي

ورمى نافِع بن هلال الجملي المِذحجي بنبالٍ مسمومةٍ، كتب اسمه عليها،(3)وهو يقول:(4)

أرمي بها مُعْلِمَةٌ أفواقُها(5)*** مسمومةً تجري بها إخفاقُها(6)

ليملأنَّ أرضها رِشاقُها *** والنَّفْسُ لا ينفعها إشفاقُها

فقتَل اثني عشر رجلاً سوى مَن جَرحَ، ولمّا فُنيت نِبالُه، جرَّدَ سيفَه يضربُ فيهم،


1) المقتل للمقرم، ص 299؛ نقلاً عن مقتل العوالم، ص 88.

2) الكامل في التأريخ، ج 4، ص 67.

3) تأريخ الطبري، ج 3، ص 328 و الكامل في التأريخ، ج 4، ص 29 و البداية لابن كثير، ج 8، ص 184.

4) المقتل للمقرم، ص 300؛ نقلاً عن العوالم، ص 90.

5) أفواق جمع الفوق بمعنى شقّ رأس السهم حيث يقع الوتر، المنجد.

6) اخفاق بمعنى الصرع، يقال أخفق زيد عمرواً في الحرب أي صرعه، فكأنّ النبل يجري بها الصرع، إبصار العين، ص 89.

فأحاطوا به يرمونه بالحجارة والنِّصال، حتى كسروا عضديه، وأخذوه أسيراً،(1)فأمسكه الشمر ومعه أصحابه يسوقونه، فقال له ابن سعدٍ: ما حَمَلَكَ على ما صنعتَ بنفسِك؟ قال: إنَّ ربّي يعلمُ ما أردتُ، فقال له رجلٌ وقد نظر إلى الدماء تسيل على وجهه ولحيته: أما ترى ما بكَ؟ فقال: والله لقد قتلتُ منكم اثني عشر رجلاً سوى من جرحتُ، وما ألومُ نفسي على الجهدِ، ولو بقيت لي عضدٌ ما أسّرتموني(2)وجرّد الشمر سيفه، فقال له نافعٌ والله يا شمر لو كنت من المسلمين لعَظُم عليك أن تلقى الله بدمائِنا، فالحمدُ لله الذي جعلَ منايانا على يدي شِرار خلقِه، ثُمَّ قدَّمه الشمرُ وضَرَبَ عُنقَه.(3)

واضحٌ وأسلمُ

ولمّا صُرع واضح التركي مولى الحرثِ المِذْحَجي، استغاثَ بالحسين فأتاه أبوعبدالله واعتنقه، فقال: مَن مِثلي وابن رسول الله واضعٌ خدَّه على خَدّي، ثمّ فاضت نفسه الطاهرة.(4)

ومشى الحسين إلى أسلم مولاه واعتنقَه، وكان به رَمَقٌ، فتبسَّم وافتخرَ بذلك وماتَ.(5)

بُریر بن خضير

ونادى يزيدُ بن مَعْقِلٍ(6): يا برير كيف ترى الله صنع بك؟ فقال صنع الله بي خيراً


1) مقتل الخوارزمي ، ج 2، ص 21.

2) تأريخ الطبري، ج 3، ص 328.

3) تأريخ الطبري، ج 3، ص 328 و البداية لابن كثير، ج 8 ص 84.

4) المقتل للمقرم، ص 300؛ نقلاً عن مقتل العوالم ، ص 91 و أبصار العین، ص 85.

5) المقتل للمقرم، ص 297؛ نقلاً عن ذخيرة الدارين، ص 366.

6) جاء في تأريخ الطبري، ج 3، ص 322: أنّه من بني عميرة بن ربيعة، وهو حليف لبني سليمة من عبدالقيس.

وصنَع بك شرّاً، فقال يزيد: كذبت وقبل اليوم ما كنت كذّاباً، أتذكر يوم كنتُ أماشيك في «بني لوذان»(1)وأنت تقول: كان معاوية ضالّاً وإنّ إمام الهدى عليّ بن أبي طالب؟ قال بُريرٌ: بلى أشهدُ أنَّ هذا رأيي فقال يزيد: وأنا أشهدُ أنّك من الضالّين فدعاه برير إلى المباهلة، فرفعا أيديهما إلى الله سبحانهُ يدعوانه أن يلعن الكاذب ويقتله، ثمَّ تضاربا فضربَهُ بريرٌ على رأسه قدَّت المِغفَرَ(2)والدِّماغ، فخرَّ كأنّما هَوى من شاهِقٍٍ، وسيفُ بريرٍٍ ثابت في رأسه، وبينا هو يريد أن يُخرجه إذ حملَ عليه رضِيُ بن منقذِ العبدي واعتنق بريراً، واعتركا، فصرعه بريرٌ، وجلس على صدره، فاستغاث رضِيُّ بأصحابه، فذهب كعب بن جابر بن عمرو الأزدي ليحمل على برير، فصاح به عفيف بن زهير بن أبي الأخنس: هذا بريرُ بن خُضير القاري الّذي كان يُقرئُنا القرآن في جامع الكوفة، فلم يلتفت إليه وطعن بريراً في ظهره، فبرَك بُرير على رضيِّ وعضَّ وجهه، وقطع طرفَ أنفه، وألقاء كعب بِرمحِه عنه، وضربه بسيفه فقتله.

وقام العبدي ينفض التراب عن قَبائه، وقال: لقد أنعمتَ عليَّ يا أخا الأزد نعمةً لا أنساها أبداً.(3)

حنظلة الشبامي

ونادى حَنظلةُ بن سعدِ الشَّبامي: «يا قوم إنّي أخاف عليكم مِثلَ يومِ الأحزاب، مثلَ دأبِ قومِ نوحٍ وعادٍ وثمود والّذين من بعدهم، وما الله يريدُ ظلماً للعِباد، ويا قومِ إنِّي أخافُ عليكم يومَ التَّنادِ، يومَ تُولُّونَ مُدبرين ما لكم من اللهِ مِن عاصمٍ، ومن يُضلِل الله فما لَه من هادٍ»،(4)يا قوم لا تقتُلوا حسيناً فيُسحِتَكُم اللهُ بعذابٍ، وقد خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ.


1) جاء في تاج العروس بمادّة «لوذ»: لوذان ابن عبد ود بن الحرث بن زید بن جشم بن حاسد.

2) المِغفَر - بكسر الميم وسكون الغين وفتح الفاء : زَرَد يلبسه المحارب تحت القَلَنسُوة، المنجد.

3) تأريخ الطبري، ج 3، ص 322 و 323.

4) المؤمن / 30 - 33.

فجزّاه الحسين علیه السلام خيراً، وقال: رَحِمَكَ الله إنّهم قد استوجبوا العذاب حين ردُّوا عليك ما دَعَوتهم إليه من الحقِّ، ونهضوا إليك ليستَبيحوك وأصحابك، فكيف بهِم الآن وقد قتلوا إخوانَك الصالحين.

قال: صدقت یا ابن رسول الله أفلا نروحُ إلى الآخرةِ؟ فأذِنَ لَهُ، فسلَّمَ على الحسين، وتقدَّم يقاتل حتّى قُتل.(1)

عابس بن شبيب

وأقبلَ عابس بن شبيب الشاكري على شوذَبَ مولى شاكِرٍ، وكان شَوذَبٌ من الرجال المخلِصين، وداره مألفٌ للشيعة، يتحدّثون فيها فضلَ أهل البيت.

فقال: يا شوذبٌ ما في نفسك أن تصنع؟ قال: اُقاتِل معكَ حتّى أُقتَلَ، فجزّاه خيراً، وقال له: تقدّم بين يدي أبي عبدالله علیه السلام حتّى يحتسبك كما احتسبَ غيرك، وحتّى احتسبَكَ فإنَّ هذا يومٌ نطلبُ فيه الأجرَ بكلِِّ ما نقدِرُ عليه، فسلَّم شوذبٌ على الحسين، وقاتل حتّى قُتِل.

فوقف عابسٌ أمام أبي عبدالله علیه السلام، وقال : ما أمسى على ظهر الأرض قريبٌ ولا بعيدٌ أعزُّ عليَّ منكَ، ولو قَدِرْتُ أن أدفع الضيمَ عنكَ بشيءٍ أعزُّ عليَّ من نفسي لفعلتُ، السلامُ عليكَ، أشهدُ أنّي على هُداكَ وهُدى أبيك، ومشى نحو القوم، مُصلتاً سيفه، وبه ضربةٌ على جبينه فنادى: ألا رَجلٌ؟ فأحجموا عنه، لأنّهم عرفوه أشجع الناس، فصاحَ عمرُ بن سعدٍ: إرصخوه بالحجارة، فرُمِيَ بها، فلمّا رأى ذلك ألقى درعه ومِغفَرَه، وشدّ على الناس، وأنّه ليطردُ أكثر من مائتين، ثمّ تعطَّفوا عليه من كلِّ جانبٍ فقُتِل.

فتنازع ذووا عدّةٍ في رأسه، فقال ابن سعدٍ: هذا لم يقتله واحد، فرّق بينهم بذلك.(2)


1) تأريخ الطبري، ج 3، ص 329.

2) تأريخ الطبري، ج 3، ص 329.

جَوْن مولى أبي ذرّ

و وقف جَوْنُ مولى أبي ذرّ الغفاري أمام الحسين يستأذنه فقال علیه السلام: يا جون إنّما تبعتنا طلباً للعافية، فأنت في إذْنِ مِنّي، فوقع على قدَميه يُقبِّلُهما، ويقول: أنا في الرَّخاءِ ألْحَسُ(1)قِصاعكم، وفي الشَّدّة أخذُلُكم، إنَّ ريحي لَنَتِنٌ، وحسبي لَلَئيمٌ، ولَوني لأسودٌ، فتنفَّس عليَّ بالجنّةِ، لِيطيبَ ريحي، ويشرف حسبي، ويبيَضُّ لوني، لا والله لا اُفارقُكم حتّى يختلط هذا الدم الأسودُ مع دمائكم.(2)

فأذِن له الحسين علیه السلام، فقتل خمسةً وعشرين، وقُتل.

فوقفَ عليه الحسين علیه السلام، وقال : اللّهمّ بيِّض وجهه وطيِّب ريحه، واحشُرُه مع محمّدٍ صلّى الله عليهِ وآلِهِ، وعَرَّف بينهُ وبينَ آل محمّد عليهم السلامُ.

فكان من يَمُرُّ بالمعركة يَشُمُّ منه رائحةً طيبةً أذكى من المِسك.(3)

أَنَسُ الكاهلي

وكان أنس بن الحارث بن نبيهٍ الكاهلي شيخاً كبيراً رأى النبيّ وسمِعَ حديثه، وشَهِدَ معه بدراً وحُنيناً، فاستأذن الحسين، وبرزَ شادّاً وسطهُ بالعمامة، رافعاً حاجبيه بالعصابة، ولمّا نظر إليه الحسين بهذه الهيئة بكى وقال: شكرَ الله لكَ يا شيخُ، فقتل على كِبَرِه ثمانية عشر رجلاً وقُتِل.(4)

عَمْرو بنُ جُنادة

وجاءَ عمرو بن جنادة الأنصاري بعد أن قُتل أبوه وهو ابن إحدى عشرة سنةً،


1) لَحَس القصعة أي لعقها وأخذ ما علق بجوانبها بلسانه أو بإصبعه، المنجد.

2) اللهوف على قتل الطفوف، ص 47.

3) المقتل للمقرم، ص 305؛ نقلاً عن مقتل العوالم، ص 88.

4) المقتل للمقرم، ص 305؛ نقلاً عن ذخيرة الدارين، ص 208 و ذكر ابن نما في مثير الأحزان، ص 63 مبارزته و رجزه.

يستأذِنُ الحسين علیه السلام، فأبى، وقال: هذا غُلامٌ قُتِل أبوه في الحملة الأُولى ولعلَّ اُمَّه تكرهُ ذلك، قال الغلامُ: إنَّ اُمّي أمرتني. فأذِنَ له، فما أسرع أن قُتِل، ورُمي برأسه إلى جهة الحسين علیه السلام، فأخذته اُمّهُ، ومَسَحت الدم عنه، وضربت به رجلاً قريباً منها، فمات(1)وعادت إلى المُخيَّم فأخذت عموداً، وقيل سيفاً، وأنشأت:

إنِّي عجوزٌ في النسا ضعيفة *** خاويةٌ باليةٌ نحيفة

أضرِبكم بضربةٍ عنيفة *** دونَ بني فاطمة الشريفة

فردّها الحسين إلى الخيمة بعد أن أصابت بالعمود رجلين.(2)

الحجّاج الجُعفي

وقاتل الحجّاج بن مسروقٍ الجُعفي حتّى خُضَّبَ بالدماء، فرجع إلى الحسين علیه السلام يقول:

اليوم ألقى جدَّك النبيّا *** ثُمَّ أباكَ ذا الندى عليّا

ذلك الّذي نَعرِفه الوَصيّا

فقال الحسين علیه السلام: وأنا ألقاهما على أثَرِك، فرجع يقاتِلُ حتّى قُتِل.(3)

سَوّار الفهمي

وقاتل سَوّار بن أبي حِِميرٍٍ من وُلد فهم بن جابر بن عبدالله بن قادم الفهمي الهمداني قتالاً شديداً، حتّى ارتَثَّ(4)بالجراح،(5)واُخِذَ أسيراً، فأراد ابن سعد قتله وتشفَّع قومه،


1) مناقب ابن شهر آشوب، ج 4، ص 104 و مقتل الخوارزمي، ج 2، ص 22.

2) بحار الأنوار، ج 45، ص 28 و مقتل الخوارزمي، ج 2، ص 22.

3) بحار الأنوار، ج 45، ص 25.

4) الرثّيث أي الجريح فيه رمق، المنجد.

5) المقتل للمقرم، ص 306؛ نقلاً عن الإكليل للهمداني، ج 10، ص 103.

وبقي عندهم جريحاً إلى أن تُوفِّي على رأس ستّة أشهر.(1)

وفي زيارة مأثورةٍ للشهداء: «السلامُ على الجريح المأسور سوّار بن أبي حِمير الفهمي الهمداني وعلى المُرْتَت معه عمرو بن عبدالله الجندَعي».(2)

سُوید بن عمرو

ولمّا اُثخِن بالجِراح سُويد بن عمرو بن أبي المطاع سقط لوجهه، وظُنَّ أَنه قُتِل، فلمّا قُتل الحسين، وسمعهم يقولون قُتِل الحسين، أخرج سكينةً كانت معه، فقاتل بها، وتعطَّفوا عليه فقتلوه، وكان آخر من قُتِل من الأصحاب بعد الحسين علیه السلام.(3)


1) المقتل للمقرم، ص 307؛ نقلاً عن الحدائق الورديّة -مخطوط-.

2) بحار الأنوار، ج 101، ص 273.

3) تأريخ الطبري، ج 3، ص 334 و 335.

الخلاصه

回 كان عمر بن سعد حريصاً على كسب رضى ابن زياد وقد تمثّل حرصه في مبادرته لقتال الحسين علیه السلام. بينما كان أصحاب الحسين علیه السلام حريصين على كسب رضى ربِّهم المتمثل في الدفاع عن ابن بنت نبيّهم وإمامهم وسيّدهم المنصوب للقيادة من قبل خالقهم.

回 و من هنا نلاحظ اختلاف المواقف بين المعسكرين تبعاً لاختلاف الرؤى والأهداف والمقاصد، كما نستطيع أن نفسّر مدى التباين والتنافر بين الخطيّن في الخطب والشعارات الّتي عبّرت عن ولاءَين متميّزين إذ كان لكلّ ولاءٍ مواقفه المنسجمة مع طبيعته واُصوله.

回 و حينما نقارن بين أخلاقيّة شخصيات المعسكرين ومنفردات سلوكهم نجد فارقاً واضحاً وامتيازاً واسعاً باتّساع الهوّة الحقيقيّة بين الحق والباطل، أو باتّساع الهوّة بين الهدى والضلال.

الأسئلة

1.

كيف نشب القتال بين معسكر الحسين علیه السلام ومعسكر ابن سعد؟

2.

من هي أمّ وهب وما هو موقفها يوم عاشوراء؟

3.

ما هي وصيّة مسلم بن عوسجة إلى حبيب؟

4.

لماذا كان شبث بن ربعي كارهاً لقتال الحسين علیه السلام؟

5.

من هو أبو الشعثاء الكندي وماذا كان موقفه؟

6.

من هو أبو ثمامة الصائدي؟ وماذا قال للحسين علیه السلام وقت الزوال؟

7.

كيف استشهد سعيد بن عبدالله الحنفي؟

8.

اذكر الصور البطوليّة لبعض أصحاب الحسين علیه السلام يوم عاشوراء.

الدرسان 18 و 19: جهاد بني هاشم واستشهادهم

شِبل الحسين الأكبر علیهما السلام

ولمّا لم يَبْقَ مع الحسين علیه السلام إلّا أهل بيته، عَزَموا على ملاقاةِ الحُتُوفِ، ببأسٍ شديدٍ، وحِفاظٍ مُرٌّ، ونفوسٍ أبيَّةٍ، وأقبل بعضهم يودِّعُ بعضاً.(1)

وأوّل مَنْ تقدّم أبو الحسن عليّ الأكبر، وعمرهُ سبعٌ وعشرون سنة،(2)وكان مرآة الجمال النبوي، ومثال خُلقه السامي، فاستأذنَ أباه، وبرَزَ مُرْتَجزاً معرِّفاً بنفسه القدسيّة وغايته السامية قائلاً:

أنا عليُ بن الحسين بن علي *** نحنُ وربِّ البيتِ أولى بالنبيّ

تالله لا يحكُمُ فينا ابن الدَّعي *** أضرِبُ بالسيفِ اُحامي عن أبي

ضَرْبَ غُلامٍ هاشِميٍّ قُرَشي(3)

ولم يتمالَك الحسين علیه السلام دون أن أرخى عينيه بالدّموع،(4)وصاح بعمر بن سعدٍ:


1) مقتل الخوارزمي ، ج 2، ص 26؛ و مثير الأحزان لابن نما، ص 68.

2) ولد علي الأكبر في الحادي عشر من شعبان سنة ثلاث وثلاثين من الهجرة، ذكره المقرم في المقتل، ص 309؛ نقلاً عن أنيس الشيعة - مخطوط-.

3) الإرشاد للمفيد، ص238.

4) مثير الأحزان لابن نما، ص 68.

مالَكَ؟ قطعَ الله رَحِمَكَ كما قطعتَ رَحِمي، ولَمْ تحفظ قرابتي من رسول الله صلّى الله عليه وآلهِ وسلّم، وسلّط عليك مَن يذبحك على فِراشك.(1)

ثمَّ رفع شيبته المقدّسة نحو السماء، وقال: اللّهمّ اشهد على هؤلاء، فقد برز إليهم أشبه الناس برسولك محمّدٍ خُلقاً وخلقاً ومَنْطِقاً،(2)وكُنّا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيِّك نظَرنا إليه، اللّهمّ فامنعهم بركات الأرض، وفرِّقهم تفريقاً، ومزّقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائقَ قِدداً،(3)ولا تُرضِِ الوُلاة عنهم أبداً، فإنّهم دعونا لينصرونا ثمَّ عدوا علينا يقاتلوننا، ثمّ تلا قوله تعالى: «إنَّ الله اصطفى آدم ونُوحاً وآلَ إبراهيم وآلَ عمران على العالمين، ذريَّةً بعضها من بعضٍ والله سميعٌ عليمٌ».(4)

فلم يَزل يُقاتِلُ حتّى ضجّ أهلُ الكوفة لكثرة من قَتَلَ منهم،(5)فلم يُقابله جَحْفَلٌ إِلَّا ردّه، ولا برز إليه شجاعُ إلّا قتله.

فقتلَ مائةً وعشرين فارِساً، وقد اشتدَّ به العَطش، فرجع إلى أبيه يستريح، ويذكر ما أجهده من العَطش، فبكى الحسين علیه السلام، وقال : واغَوْثَاهُ! ما أسرعَ المُلتقى بجدّك، فيسقيك بكأسه شربةً لا تظمأُ بعدَها! وأخَذَ لسانَه فمَصَّه، ودَفَعَ إِليه خاتَمَهُ لِيَضَعه في فِيهِ.(6)

وَرَجَعَ «عليٌّ» إلى الميدانِ مُبْتَهِجاً بالبشارة الصادِرَة من الإمام الحُجّةِ علیه السلام بملاقاةِ جدِّه المصطفى صلّى الله عليهِ وآلِهِ، فَزَحَفَ فيهم زَحْفَةَ العلويّ السابق، وغَيَّرَ وجوةَ القومِ، ولم يَشْعُروا أهوَ «الأكبرُ» يطرُدُ الجماهير من أعدائه أمْ أنَّ «الوصِيَّ» علیه السلام لا يَزْأَرُ(7)


1) مقتل الخوارزمي ، ج 2، ص 30.

2) مثير الأحزان لابن نما، ص 68؛ واللهوف على قتلى الطفوف، ص 49 و مقتل الخوارزمي، ج 2، ص 30.

3) طرائق قِدَداً أي فرقاً مختلفة الأهواء، المنجد.

4) آل عمران / 33 و 34.

5) مقتل الخوارزمي، ج 2، ص 30.

6) مقتل الخوارزمي، ج 2، ص 31؛ و مقتل العوالم، ص 95.

7) زأر الأسد أي صات من صدره، المنجد.

في الميدان؟، أم أنَّ الصَّواعِقَ تَتْرى في بِِرِيقِِ سَيْفِهِ؟!(1)

فأكثرَ القتلى في أهلِ الكوفة حتّى أكْمَلَ المائتين،(2)فقال مُرّةُ بنُ مُنْقِذِ العَبْدي(3)علىَّ آثامُ العرب إنْ لَمْ أُُُثكِل أباه به،(4)فطَعَنه بالرُّمح في ظهره،(5)وضرَبَه بالسّيف على رأسه، فَفَلَق هامَتَه، واعتَنَقَ فَرَسه فاحتملَهُ إلى معسكر الأعداء، وأحاطوا به حتّى قطََّعُوه بسيوفهم إرباً إرباً.(6)

ونادى رافعاً صوته: عليك منّي السلامُ أباعبدالله،(7)هذا جدّي قد سقاني بكأسه شربةً لا أظمأُ بعدَها، وهو يقول: إنَّ لك كأساً مذخورَةٌ.(8)

فأتاه الحسين علیه السلام وانكبَّ عليه واضِعاً خَدَّه على خَدَّه،(9)وهو يقول: على الدُّنيا بعدك العفاء،(10)ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاكِ حُرمة الرسولِ، يَعِزُّ على جدِّك وأبيك أن تدعوهم فلا يُجيبونك، وتستغيث بهم فلا يغيثونك.(11)

وأمر فتيانه أن يحملوه إلى الخيمة، فجاؤوا به إلى الفسطاط الّذي يقاتِلون أمامه.(12)


1) المقتل للمقرم، ص 313

2) مقتل الخوارزمي، ج 2، ص 31.

3) الكامل في التأريخ، ج 4، ص 74 و الأخبار الطوال، ص 256.

4) تأريخ الطبري، ج 3، ص 331 و مناقب ابن شهر آشوب، ج 4، ص 109.

5) مقتل الخوارزمي، ج 2، ص 31 و مقتل العوالم، ص 95.

6) تأريخ الطبري، ج 3، ص 331.

7) المقتل للمقرم، ص 314؛ نقلاً عن رياض المصائب.

8) مقتل الخوارزمي ، ج 2، ص 31 و مقتل العوالم، ص 95.

9) اللهوف على قتلى الطفوف، ص 49.

10) العفاء مصدر بمعنى التراب، المطر، دروس الديار، الهلاك، المنجد.

11) تأريخ الطبري، ج 3، ص 331.

12) تأريخ الطبري، ج 3، ص 331 و الإرشاد للمفيد، ص 239 و المقتل للخوارزمي، ج 2، ص 31.

عبدُالله بن مسلم بن عقيل

وخرجَ من بعده عبدالله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب، واُمّه رُقيّة الكبرى بنت أميرالمؤمنين علیه السلام(1)وهو يقول:

اليوم ألقى مسلماً وهو أبي *** وعصبةً بادوا على دين النبي

فقتلَ جماعةً بثلاثِ حَمَلاتٍ،(2)ورماه يزيد بن الرقّاد الجهني، فاتّقاه بيدِه فسمّرها إلى جبهته(3)فما استطاع أن يزيلها عن جبهته،(4)فقال: اللّهمّ إنّهم استقلُّونا واستذَلُُّونا، فاقتُلهُم كما قَتلونا، وبينا هو على هذا إذْ حَمَلَ عليه رَجلٌ برمحه فطَعَنهُ في قلبِه، ومات.(5)

فجاء إليه يزيد بن الرقّاد وأخرج سهمه من جبهته، وبقي النصل(6)فيها وهو ميّتٌ.(7)

حملة آل أبي طالب

ولمّا قُتِل عبدالله بن مسلم حَمَلَ آل أبي طالب حَمْلةً واحدةً، فصاح بهم الحسين علیه السلام: صبراً على الموت يا بني عمومتي، والله لا رأيتُم هواناً بعد هذا اليوم(8)، فَوَقَعَ فيهم عونُ بن عبدالله بن جعفر الطيار، واُمّه العقيلة زينب، وأخوه محمّد، واُمّه الخوصاء، وعبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب، وأخوه جعفر بن عقيل، ومحمّد بن


1) المقتل للمقرم، ص 317؛ نقلاً عن نسب قريش لمصعب الزبيري، ص 45.

2) مناقب ابن شهر آشوب، ج 4، ص 105.

3) سمّر الباب وغيره أي شدّه بالمسمار، المنجد. والمعنى ألصق يده بجبهته.

4) مقاتل الطالبيّين، ص 62.

5) الإرشاد للمفيد، ص 239 و جاء في تأريخ الطبري، ج 3، ص 331؛ أنّ عَمرو بن صبيح الصدائي رماه بسهم ورماه بآخر ففلق قلبه.

6) النصل: حديدة الرمح والسهم والسكّين، المنجد.

7) المقتل للمقرم، ص 318؛ نقلاً عن تأريخ الطبري.

8) المقتل للخوارزمي ، ج 2، ص 28.

مسلم بن عقيل.

وأصابت الحسنَ المثنّى ابن الإمام الحسن السبط علیه السلام ثماني عشرة جراحةً، وقُطعَتْ يده اليُمنى، ولم يستشهد.

وخرج أبوبكر بن أمير المؤمنين علیه السلام، واسمه محمّد، قتله زَحر بن بدرِِ النَّخعي.(1)

وَخَرَج عبدالله بن عقيلٍ، فما زالَ يضرِب فيهم حتّى أُثخنَ بالجِراح، وسقطَ إلى الأرض، فجاء إليه عثمان بن خالد التميمي فقتلهُ.(2)

وخرج أبوبكر بن الحسن بن أمير المؤمنين علیه السلام، وهو عبد الله الأكبر، وأُُمّه أُمّ ولد يقال لها رملةٌ، فقاتل حتّى قُتِلَ.(3)

القاسم بن الحسن المجتبى علیه السلام

وخَرجَ من بعده أخوه لاُمّه وأبيه القاسم، وهو غلامٌ لم يبلُغ الحُلُم، فلمّا نظر إليه الحسين علیه السلام اعتنقه وبكى،(4)ثمَّ أذِنَ له، فبرَزَ كأنّ وجهه شِقَّةُ قمرٍ، وبيده السيف، وعليه قميصٌ وإزارٌ وفي رجليه نَعْلانِ، فَمَشى يَضْرِبُ بسيفه، فانقطع شِسعُ(5)نعله اليسرى، فوقف يشدُّ شِسعَ نعله.

وبينا هو على هذا إذ شدَّ عليه عمرو بن سعد بن نُفيل الأزدي، فقال له حميد ابن مسلم وما تريد من هذا الغلام؟ يكفيك هؤلاء الّذين تراهم احتوشوه،(6)فقال: والله لأشُدَّنَّ عليه، فما ولّى حتّى ضرب رأسه بالسيف، فوقع الغلام لوجهه، فقال: يا عمّاه،


1) مناقب ابن شهر آشوب، ج 4، ص 107 و مقتل الخوارزمي، ج 2، ص 28.

2) مناقب ابن شهر آشوب، ج 4، ص 106.

3) تأريخ الطبري، ج 3، ص 343 و فيه أنّ قاتله هو عبد الله بن عقبة الغنوي.

4) مقتل الخوارزمي، ج 2، ص 27.

5) الشِسع - بكسر الشين المعجمة وسكون السين المهملة- زمام للنعل بين الإصبع الوسطى والّتي تليها، المنجد.

6) احتوش القوم الرجلَ أي أحدقوا به وجعلوه في وسطهم، المنجد.

فأتاه الحسين كالليث الغضبان، فضرب عمرواً بالسيف فاتّقاه بالسّاعِد فأطنِّها من المِرفق، فصاحَ صيحةً عظيمةَ سمعَها العسكرُ، فَحَمَلَتْ خيلُ ابن سعدٍ لتستنقذِه فاستقبلته بصدرها، ووطأته بحوافِرها، فمات.

وانجلت الغبرة وإذا الحسين علیه السلام قائمٌ على رأس الغلام، وهو يفحَصُ برجلَيه، والحسين يقول: بُعداً لقومٍ قتلوك، خصمهم يوم القيامة جَدُّكَ.

ثُمّ قال: عزّ والله على عمِّك أن تدعُوه فلا يُجيبك، أو يُجيبكَ ثمَّ لا ينفعك، صوتٌ والله كثُرَ واتِرُه، وقلَّ ناصِره، ثمَّ احتملَه وكان صدرهُ على صدر الحسين علیه السلام، ورِجلاه يخطّان في الأرض، فألقاء مع عليٍّ الأكبر وقتلى حوله من أهل بيته،(1)ورفع طَرْفَه إلى السماء وقال: اللهمَّ أحصِهِم عدداً، ولا تُغادِر منهم أحداً، ولا تَغفِر لهم أبداً، صبراً يا بني عمومتي، صبراً يا أهل بيتي، لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً.(2)

أُخوة العبّاس

ولمّا رأى العبّاس كَثرةَ القتلى من أهله؛ قال لإخوانه من أُُمِّه وأبيه عبدالله وعثمان وجعفر: تقدّموا يا بني أُُمّي حتّى أراكم نَصَحتم لله ولرسوله، والتفتَ إلى عبدالله، وكان أكبر من عثمان وجعفر، وقال: تقدّم يا أخي حتّى أراك قتيلاً وأحتسبك،(3)فقاتلوا بين يدي أبي الفضل حتّى قُتِلوا بأجمعهم.

العبّاس بن أمير المؤمنين علیهما السلام

ولم يستطِع العبّاس صبراً على البقاء، بعد أن فنى صحبه وأهل بيته، وهو يرى


1) تأريخ الطبري، ج 3، ص 331 و مقتل الخوارزمي، ج 2، ص 27 و الإرشاد للمفيد، ص 239.

2) مقتل الخوارزمي ، ج 2، ص 28.

3) مقاتل الطالبيّين، ص 54.

«حجّة الوقت» مكثوراً(1)قد انقطعَ عنه المَدَد، وملأَ مسامِعَه عَوِيلُ النساء، وصُراخُ الأطفال من العَطشِ، فطَلَبَ من أخيهِ الرُخْصَةَ.

ولمّا كان العبّاس علیه السلام أنفسَ الذخائِرِ عندَ السِّبط الشهيد علیه السلام لأنّ الأعداء تَحذَرُ صولتَه وتَرهَبُ إقدامَه، والحَرَمُ مطمئنّةٌ بوجوده مهما تنظُرُ اللِّواء مرفوعاً، فلم تسمح نفسُ «أبيِّ الضيم» القُدسيَّةُ بمفارقتِه،(2)فقال له الحسين علیه السلام: يا أخي «أنت صاحب لِوائي».

فقال العبّاس علیه السلام: قد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين، وأُُريد أن آخذَ ثأري منهم،(3)فأمَرَهُ الحسين علیه السلام أن يطلبَ الماء للأطفال، فذهبَ العبّاس إلى القوم، ووعَظَهُم وحذَّرَهُم غضبَ الجبّار، فلم ينفع، فنادى بصوتٍ عالٍ: يا عمر بن سعد! هذا الحسين ابن بنت رسول الله قتلتم أصحابه وأهل بيته، وهؤلاء عياله وأولاده عُطاشى، فاسقوهم من الماء، قد أحرقَ الظّمأ قُلوبَهم، وهو مع ذلك يقول: دعوني أذهب إلى الرُّوم أو الهند، وأُُخلي لكم الحجاز والعراق.

فأثّر كلامه في نفوس القوم، حتّى بكى بعضهم، ولكنَّ الشِّمر صاحَ بأعلى صوته: يا ابن أبي تراب لو كان وجه الأرض كلّه ماءً وهو تحت أيدينا لما سقيناكم منه قطرةً، إلّا أن تدخُلُوا في بيعة يزيد.

فرجع إلى أخيه يخبره، فسمع الأطفال يتصارخون من العطش.(4)

ثُمَّ ركِبَ جواده وأخذ القِربة، فأحاط به أربعةُ آلافٍ، ورموه بالنّبال،(5)فلم تُرعِبه كثرتهم، وأخذ يطرد أولئك الجماهير وحده، ولواء الحمد يرفُّ على رأسه، ولم يشعر


1) المكثور أي المغلوب، وهو الّذي كثر عليه الناس فقهروه، المنجد.

2) المقتل للمقرم، ص 324.

3) بحار الأنوار، ج 45، ص 41.

4) المقتل للمقرم، ص 324؛ نقلاً عن ظلم الزهراء، ص 118.

5) بحار الأنوار، ج 45، ص 41.

القوم أهو العبّاس يجدّلُ الأبطال؟ أم أنّ الوصيّ يزأرُ في الميدان؟ فلم تثبت له الرجال ونزل إلى الفرات مطمئناً غير مبالٍ بذلك الجمع.(1)

ولمّا اغترف من الماء ليشرب تذكّر عطش الحسين ومن معه، فرمى الماء وقال:

يا نفسُ من بعد الحسين هوني *** وبعده لا كنتِ أن تكوني

هذا الحسينُ وارِِدُ المَنون *** و تشربين بارد المعين

تا الله ما هذا فِعالُ ديني(2)

ثُمَّ ملاً القِربة، وركب جواده، وتوجّه نحو المخيَّم، فقطع عليه الطريق، وجعل يضرِبُ، حتّى أكثر القتل فيهم، وكشفهم عن الطريق وهو يقول:

لا أرهبُ الموت إذا الموت زَقا(3)*** حتّى أُوارى في المصاليت(4)لِقى

نفسي لِسِبط المصطفى الطُّهرِ وِقى *** إنّي أنا العبّاس أغدُوا بالسِّقا

ولا أخاف الشرّ يوم المُلتقى

فكمن له زيد بن الرقّاد الجهني من وراء نخلة، وعاونه حكيم بن الطُّفيل السنبسي فضربه على يمينه فبراها، فقال علیه السلام:

والله إن قطعتُم يميني *** إنِّي أُحامي أبداً عن ديني

وعن إمامٍ صادق اليقين *** نجلِ النبي الطاهرِ الأمين(5)

فلم يعبأ بيمينه بعد أن كان همُّه إيصال الماء إلى أطفال الحسين وعياله،(6)ولكنّ


1) المقتل للمقرم، ص 325.

2) المقتل للمقرم، ص 225؛ نقلاً عن رياض المصائب، ص 119.

3) زَقا بمعنى صاح، المنجد.

4) يقال «هو من مصاليت الرجال» أي من شجعانهم الماضين في الحواج، المنجد.

5) المناقب لابن شهر آشوب، ج 4، ص 108.

6) المقتل للمقرم، ص 327.

حكيم بن الطفيل كمَنَ له من وراء نخلةٍ، فلمّا مرَّ به ضربَه على شماله فقطعها،(1)وتكاثروا عليه، وأتته السهام كالمطر، فأصاب القِربة سهمٌ وأُريق ماؤها، وسهمٌ أصاب صدره،(2)وضربه رجلٌ بالعمود على رأسِه، ففلَقَ هامَتَه.(3)

وسقطَ على الأرض ينادي: عليك منّي السلام أباعبدالله، فأتاه الحسين علیه السلام فرآه على تلك الحالة، نادى: الآن انكسر ظهري وقلَّت حيلتي.(4)

ورجع الحسين علیه السلام إلى المخيّم منكسِراً حزيناً باكياً، يُكَفِّكِفُ دُموعه بكُمِّه،(5)فأتته سكينةٌ وسألته عن عمّها فأخبرها بقتله، وسمعته زينب فصاحت: واأخاه، واعبّاساه واضعيتنا بعدك! وبكينَ النسوة وبكى الحسين معهُنَّ، وقال: واضيعَتَنا بعدَك!(6)

ولما قُتِلَ العبّاس علیه السلام التفت الحسين علیه السلام فلم يرَ أحداً ينصره، ونظر إلى أهله وصحبه مجزَّرين كالأضاحي، وهو إذ ذاك يسمعُ عويلَ الأيامى وصُراخَ الأطفالِ، صاحَ بأعلا صوته: هَل من ذابٍّ عن حُرَمِ رسول الله؟ هل من مُوحّدٍ يخافُ الله فينا؟ هل من مُغيثٍ يرجو الله في إغاثتِنا؟ فارتفعت أصواتُ النساء بالبكاء.(7)

ونهض السجّاد يتوكّأُ على عصا ويجرُّ سيفَه، لأنّه مريض لا يستطيع الحركة، فصاحَ الحسين بأُمِّ كلثوم: إحبسيه لئلّا تخلو الأرض من نسل آل محمّدٍ، فأرجعته إلى فراشه.(8)

ثمّ إنّه علیه السلام أمر عياله بالسكوت وودّعهم،(9)وكان عليه جُبَّةٌ خزٍّ دكناءُ،(10)وعِمامةٌ


1) المناقب لابن شهر آشوب، ج 4، ص 108.

2) بحار الأنوار، ج 45، ص 42.

3) المنتخب للطريحي، ص 314.

4) بحار الأنوار، ج 45، ص 42 وظلم الزهراء، ص 120.

5) الكُم - بضم الكاف - بمعنى مدخل اليد ومخرجه من الثوب، المنجد.

6) المقتل للمقرم، ص 228.

7) اللهوف على قتلى الطفوف، ص 116.

8) الخصائص الحسينيّة، ص 188.

9) المقتل للمقرم، ص 330.

10) فروع الكافي، ج 6، ص 452 و «دكناء» - من دكِنَ يَدْكَنُ دكناً - بمعنى مال لونه إلى السواد، المنجد.

مورَّدةً، أرخى لها ذُوابتين، والتحفَ ببردةِ رسول الله صلّى الله عليه وآله، وتقلَّد بسيفه.(1)

وطلب ثوباً لا يرغَبُ فيه أحدٌ، يضعه تحت ثيابه، لئلّا يُجرَّد منه، فإنّه مقتولٌ مسلوبٌ، فأتوه بتبّانٍ، فلم يرغب فيه، لأنّه من لباسِ الذلّة، وأخذ ثوباً خَلِقاَ وخرقُةُ، وجعله تحت ثيابه، ودعا بسراويل من حبرةٍ ففزرها(2)ولبسها، لئلّا يُسلبها.(3)

مقتل عبدالله الرضيع

وَدَعا بولَدِه الرضيع يودِّعه، فأتته زينب بابنه عبدالله، وأُُمّه الرباب، فأجلسه في حِجْرِه يُقبِّلُه، ويقول: بُعداً لهؤلاء القوم إذا كان جدُّك المصطفى خصمهم، ثمَّ أتى به نحو القوم يطلب له الماء، فرماه حرملة بن كاهِل الأسدي بسهمٍ فذبحه، فتلقّى الحسين الدمَ بكفِّه، ورمی به نحو السماء.

قال أبو جعفر الباقر علیه السلام: فلم تسقُط منه قطرةٌ،(4)وفيه يقول حجّة آل محمّدٍ عجَّل الله فرجه: السلام على عبدالله الرضيع المرمي الصريع المتشحِّط دماً والمصعَّد بدمه إلى السماء، المذبوح بالسهم في حِجر أبيه، لعنَ الله راميه حرملة بن كاهِل الأسدي وذويه.(5)

ثم قال الحسين علیه السلام: هَوَّنَ ما نزلَ بي أنَّه بعين الله تعالى،(6)اللّهمَّ لا يكون أهونَ


1) المقتل للمقرم، ص 330؛ نقلاً عن المنتخب للطريحي، ص 315.

2) فَزَره بمعنى شقّه، المنجد. والمعنى أوجد فيها ثقوباً لئلّا يرغب فيها أحد.

3) اللهوف على قتل الطفوف، ص 123 و المناقب لابن شهر آشوب، ج 4، ص 109.

4) اللهوف علی قتلی الطفوف، ص 117.

5) بحار الأنوار، ج 101، ص 270.

6) اللهوف على قتلى الطفوف، ص 117.

عليك من فصيل ناقة صالحٍ، إلهي إن كنت حَبَسْتَ عنّا النصر فاجعله لِما هو خيرٌ منه، وانتقم لنا من الظالمين،(1)واجعل ما حلّ بنا في العاجِل ذَخيرةً لنا في الآجل،(2)اللّهمَّ أنتَ الشاهدُ على قومٍ قتلوا أشبه الناس برسولك محمّد صلّى الله عليه وآله.(3)

وسَمِعَ علیه السلام قائلاً يقول: دَعْهُ يا حسين! فإنَّ له مرضعاً في الجنة.(4)

ثم نزل علیه السلام عن فرسه و حفرَ له بجفن سيفه ودفَنَه مرمَّلاً بدمه، وصلّى عليه، ويقال وضعه مع قتلى أهل بيته.(5)

وتقدّم الحسين علیه السلام نحو القوم مصلِتاً سيفه آيساً من الحياة، ودعا الناس إلى البراز، فلم يزل يقتلُ كلَّ من برز إليه، حتّى قتلَ جمعاً كثيراً، ثمَّ حَمَلَ على الميمنة وهو يقول:

الموتُ أولى من ركوبِ العارِِ *** والعارُ أولى من دخولِ النار(6)

وحملَ على الميسرة وهو يقول:

أنا الحسين بن علي *** آليت أن لا أنثَني

أحمي عيالات أبي *** أمضى على دين النبيّ(7)

قال عبدالله بن عمّار بن يغوث: ما رأيتُ مكثوراً(8)قطُّ قد قتِلَ وِلدهُ وأهل بیته وصحبه أربط جأشاً منه، ولا أمضى جناناً ولا أجراً مَقدِماً، ولقد كانت الرجال تنكشِفُ بين يديه إذا شدَّ فيها، ولم يثبت له أحدٌ.(9)


1) مثير الأحزان لابن نما، ص 70.

2) المقتل للمقرم، ص 333؛ نقلاً عن ظلم الزهراء، ص 122.

3) المقتل للمقرم، ص 333؛ نقلاً عن المنتجب للطريحي، ص 313.

4) المقتل للمقرم، ص 333؛ نقلاً عن تذكرة الخواص، ص 144 و القمقام لميرزا فراهاد، ص 385.

5) الإرشاد للمفيد، ص 240 و مثير الأحزان لابن نما، ص 70.

6) مثير الأحزان لابن نما، ص 72.

7) المناقب لابن شهر آشوب، ج 4، ص 110.

8) المكثور أي المغلوب، وهو الّذي كثر عليه الناس فقهروه، المنجد.

9) مثير الأحزان لابن نما، ص 72.

فصاح عمر بن سعدٍ بالجمع: هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابنُ قتّال العرب، إحملوا عليه من كلِّ جانبٍ(1)فأتته أربعة آلاف نَبْلَةٍ، وحال الرجاّلة بينه وبين رحلِه، فصاحَ بهم: يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دينٌ، وكُنتم لا تخافون المَعاد فكونوا أحراراً في دنياكم، وارجِعوا إلى أحسابكم إن كُنتُم عُرباً كما تزعمونَ.

فناداه الشمرُ: ما تقول يا ابن فاطمة؟ قال: أنا الّذي أُُقاتِلكم والنساء ليس عليهنَّ جناحٌ، فامنعوا عُتاتَكم عن التَّعرِِّضِ لِحُرَمي ما دمتُ حيّاً.

قال اقصدوني بنفسي واتركوا حُرَمي *** قد حانَ حيني وقد لاحت(2)لوائِحه

فقال الشمرُ: لكَ ذلك.(3)

وَقَصده القومُ، واشتدَّ القتالُ، وقد اشتدَّ به العطَش، فحملَ من نحو الفُرات على عمرو بن الحجِّاج، وكان في أربعة آلافٍ، فكشَفَهم عن الماء وأقحَمَ(4)الفرسَ الماءَ، فلمّا همَّ الفَرَسُ ليشربَ، قال الحسينُ: أنتَ عطشانٌ وأنا عطشانٌ، فلا أشرب حتّى تشرب، فرفَعَ الفَرَس رأسه كأنَّه فَهم الكلام، ولمّا مدَّ الحسين يده ليشرب ناداه رجل أتلتذُّ بالماء وقد هُتِكَتْ حُرَمُكَ؟ فَرَمى الماء ولم يشرب، وقَصَدَ الخيمة.(5)

الحسين السبط يودِّع عياله

ثُمَّ إنه علیه السلام ودَّعَ عِيالَه ثانياً، وأمرَهُم بالصّبرِ ولَبْسِِ الاُزَرِِ،(6)وقال: اِستعدّوا للبلاء، واعلموا أنَّ الله تعالى حاميكم وحافِظكم، وسينجِّيكم من شرِّ الأعداء، ويجعل عاقبة


1) المناقب لابن شهرآشوب، ج 4، ص 110.

2) لاح بمعنى بدا وظهر، المنجد.

3) مقتل الخوارزمي، ج 2، ص 33.

4) أقحم فرسَه النهرَ أي أدخله بعنف فيه، المنجد.

5) بحار الأنوار، ج 45، ص 51.

6) الأُزُر - بضم الهمزة والزاي - بمعنى العفاف، المنجد.

أمركم إلى خيرٍ، ويعذّب عدوَّكم بأنواع العذاب، ويعوِّضُكم عن هذه البليّة بأنواع النِّعم والكرامة، فلا تشكوا ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقِّص من قدرِكم.(1)

والتفتَ الحسين علیه السلام إلى ابنتِه سكينة الّتي يصفها الحسنُ المثنى : «بأنَّ الإستغراق(2)مع الله غالبٌ عليها»، فرآها منحازةً عن النساء، باكيةً نادبةً، فوقف عليها مصبِّراً ومُسلِّياً.(3)

فقال عمر بن سعد: ويحكم اِهجموا عليه ما دام مشغولاً بنفسه وحُرَمِه، والله إن فَرغَ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم، فحملوا عليه يرمونه بالسّهام حتّى تخالَفَت السهام بين أطناب المخيَّمِ، وشكَّ سهمٌ بعض أُُزَرِِ النساء، فدُهِشَنَ وأُُرْعِينَ وصِحْنَ ودخَلن الخيمةَ ينظُرنَ إلى الحسين كيف يصنع؟ فحملَ عليهم كاللّيث الغضبان، فلا يَلْحَقُ أحداً إلّا بعجَه بسيفه فقتَلَه، والسهام تأخذُه من كلِّ ناحيةٍ، وهو يتَّقيها بِصدره ونحرِه.(4)

ورجع إلى مركزه يكثرُ من قول: لا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم،(5)وطلَبَ في هذا الحال ماءاً، فقال الشمر: لا تذوقُه حتَّى تَرِِدَ النار.

و ناداه رجلٌ: يا حسين ألا ترى الفراتَ كأنّه بُطونُ الحيّاتِ؟ فلا تشرب منه حتّى تموت عطشاً، فقال الحسين علیه السلام: اللّهمَّ أمِته عطشاً، فكان ذلك الرجل يطلبُ الماء فيؤتى به فيشرَبُ حتّى يخرج من فيه، وما زال كذلك إلى أن مات عطشاً.(6)

ورماه أبو الحُتوف الجعفي بسهمٍ في جبهته فنزَعه، وسالت الدماء على وجهِه، فقال:


1) المقتل للمقرم، ص 337؛ نقلاً عن جلاء العيون للعلّامة المجلسي بالفارسيّة.

2) استغرق الغاية أي بمعنى جاوزها، المنجد. والمعنى أنّها منهمكة في التوجّه إلى الله ومستغرقة في عبادته.

3) المقتل للمقرم، ص 338.

4) مثير الأحزان للجواهري، ص 86.

5) اللهوف على قتلى الطفوف، ص 78.

6) مقاتل الطالبيين، ص 34.

اللهمَّ إنّك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العُصاة، اللّهمَّ احصِهِم عدداً، واقتُلهم بدداً، ولا تذَر على وجه الأرضِِ منهم أحداً ولا تغفِر لهم أبَداً.

وصاح بصوتٍ عالٍ: يا أُمّةَ السُّوء بنسما خلَفْتُم محمّداً في عِترته، أما إنّكم لا تَقتُلون رجلاً بعدي فتهابون قتله، بل يهون عليكم ذلك عند قتلِكم إِيَّايَ، وأيمُ الله إِنِّي لأرجو أن يكرِمني الله بالشّهادة، ثمَّ ينتقِمُ لي منكم من حيث لا تشعرون.

فقال الحصين بن تميم: وبماذا ينتقم لك منّا يا ابن فاطمة؟ قال: يُلقي بأسَكم بينكم، ويسفِكُ دِماءَكم، ثمَّ يصبُّ عليكم العذاب صبّاً.(1)

ولما ضَعُف القتال، وقف يستريح، فرماه رجلٌ بحجرٍ على جبهته، فسال الدم على وجهه، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن عينيه، رماه آخرٌ بسهمٍ محدّدٍ له ثلاث شُعَبٍ وقع على قلبه.

فقال: بسم الله وبالله وعلى ملةِ رسول الله، ورفَعَ رأسه إلى السماء وقال: إلَهي إنّك تَعلَمُ أنّهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابنُ بنتِ نبيٍّ غيريّ.

ثمَّ أخرج السهم من قفاه، وانبعثَ الدمُ كالميزاب،(2)فوضع يده تحت الجُرح، فلمّا امتلأت رمی به نحو السماء، وقال: هوَّنَ عليَّ ما نزل بي أنّه بعين الله، فلم يسقُط من ذلك الدم قطرةٌ إلى الأرض، ثمّ وضعها ثانياً فلمّا امتلأت لطَّخَ به رأسه ووجهه ولحيته، وقال: هكذا أكونُ حتّى ألقى الله وجدّي رسول الله صلّى الله عليه وآله وأنا مُخَصَّبٌ بدمي، وأقول: يا جدّ قتلني فلانٌ وفلانٌ.(3)

وأعياه(4)نَزْفُ الدم، فجلَسَ على الأرض ينوءُ(5)برقَبَته، فانتهى إليه في هذا الحال


1) مقتل الخوارزمي، ج 2، ص 34.

2) اللهوف على قتلى الطفوف، ص 120 و مقتل الخوارزمي، ج 2، ص 34.

3) مقتل الخوارزمي، ج 2، ص 34.

4) الإعياء بمعنى التعب دون العجز، المنجد.

5) ينوء أي يميل، المنجد.

مالكُ بن النسر ،فشتمه، ثمَّ ضربه بالسيف على رأسه، وكان عليه بُرْنُسٌ،(1)فامتلأ البُرنس دماً، فقال الحسين علیه السلام: لا أكلت بيمينك ولا شربِبت، وحشرك الله مع الظالمين.

ثم ألقى البُرنس واعتمَّ على القَلنسوةِ.(2)

مقتل محمّد بن أبي سعيد بن عقيل

قال هاني بن ثُبيت الحَضرمي: إِنِّي لَواقفٌ عاشرُ عَشرةٍ لمّا صُرعَ الحسين علیه السلام، إذ نظرت إلى غُلامٍ من آل الحسين عليه إزارُ وقميص، وفي أُذنيه دُرَّتان، وبيده عمودٌ من تلك الأبنية وهو مذعورٌ يتلفَّتُ يميناً وشمالاً، فأقبل رجلُ يركضُ حتّى إذا دنا منه مال عن فرسه وعلاه بالسيف فقتلَه.(3)

وذلك الغُلام هو: محمّد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب،(4)وكانت أُُمُّه تنظر إليه وهي مدهوشة.(5)

مقتلُ عبدالله بن الحسن علیهما السلام

ثمّ إنّهم لبِثوا هُنيئةً، وعادوا إلى الحسين، وأحاطوا به وهو جالسٌ على الأرض، لا يستطيع النهوض، فنظر عبدالله بن الحسن السِّبط علیه السلام وله إحدى عشرة سنةً إلى عَمِّه، وقد أحدق به القوم، فأقبل يشتدُّ نحو عمِّه، وأرادت زينب حبسه فأفلتَ منها، وجاء إلى عمِّه، وأهوى بحرُ بن كعبٍ بالسيف ليضرب الحسين، فصاح الغلام: يا ابن الخبيثة!


1) البُرْنُس -بضم الباء وسكون الراء وضم النون- كلّ ثوب يكون غطاء الرأس جزاً منه متّصلاً به، المنجد.

2) الكامل في التأريخ، ج 4، ص 75 و مقتل الخوارزمي ، ج 2، ص 34 و القلنسوة - بفتح القاف واللّام معاً وسكون النون وضم السين وفتح الواو - نوع من ملابس الرأس وهو على هيئات متعدّدة، المنجد.

3) تأريخ الطبري، ج 3، ص 332 و البداية لابن كثير، ج 890. ص 186.

4) المقتل للمقرم، ص 342.

5) المقتل للمقرم، ص 342؛ نقلاً عن الخصائص الحسينية، ص 129.

أتضربُ عمّي؟ فضربه واتّقاه الغلام بيده، فأطنَّها(1)إلى الجِلد، فإذا هي مُعلَّقةٌ، فصاح الغلامُ: يا عمّاه، ووقع في حِجر الحسين، فضمّه إليه، وقال: يا ابن أخي اِصْبِرْ على ما نزلَ بكَ، واحْتَسِب في ذلك الخير، فإنَّ الله تعالى يُلْحِقُكَ بآبائِكَ الصالحين، وَرَفعَ يديهِ قائلاً: اللّهمَّ إن متَّعتَهم إلى حين، ففرِّقهم تفريقاً، واجعلهُم طرائق قِدداً، ولا تُرضِِ الولاة عنهم أبداً، فإنّهم دَعَوْنا لينصرونا ثمَّ عدوا علينا يقاتِلوننا.(2)

ورمى الغلامَ حرملَةُ بن كاهل بسهم فذَبحه، وهو في حِجر عمِّه.(3)

وبقي الحسين علیه السلام مَليّاً جالساً، ولو شاؤوا أن يقتلوه لفعلوا، إلّا أنّ كلّ قبيلة تتَّكل على غيرها، وتكره الإقدام على قتلِه.(4)

فصاح الشمر ما وقوفكم وما تنتظرون بالرَّجل؟ وقد أثخنته السِهام والرِِماح، احملوا عليه.(5)

وضربَه زُرعة بن شريكٍ على كتفه الأيسر، ورماه الحصين بن تميم في حلقِه،(6)وضربَه آخرٌ على عاتِقه، وطعنه سنان بن أنسٍ في ترقوَّته(7)ثمّ في بواني(8)صَدرِِه، ثمّ رماه بسهمٍ في نَحرِه،(9)وطعنه صالح بن وهب في جنبه.(10)


1) أطنّها بمعنى قطعها، المنجد.

2) تأريخ الطبري، ج 3، ص 333 و مثير الأحزان لابن نما، ص 74.

3) اللهوف على قتلى الطفوف، ص 122.

4) الأخبار الطوال، ص 258.

5) مقتل الخوارزمي ، ج 2، ص 35 و المناقب لابن شهر آشوب، ج 4، ص 111.

6) المقتل للمقرم، ص 343؛ نقلاً عن الإتحاف بحب الأشراف، ص 16.

7) التَرقُوة - بفتح التاء وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو - بمعنى مقدّم الحلق في أعلى الصدر حيث يترقّى فيه النَفَس المنجد.

8) قال ابن الأثير : «والبواني في الأصل: أضلاع الصدر، وقيل الأكتاف والقوائم، الواحدة بانِيَة»، النهاية، ج 1، ص 164.

9) اللهوف على قتلى الطفوف، ص 53.

10) مقتل الخوارزمي ، ج 2، ص 35.

قال هِلال بن نافع كنت واقفاً نحو الحسين، وهو يجود بنفسه فوالله ما رأيت قتيلاً قطّ مضمَّخاً(1)بدمه أحسن منه وجهاً ولا أنور، ولقد شَغَلَني نورُ وجهه عن الفكرة في قتله، فاستقى في هذه الحال ماءً، فأبوا أن يسقوه.

وقال له رجل: لا تذوق الماء حتّى ترِدَ الحامية فتشرَبَ من حميمها، فقال علیه السلام: أنا أرِِدُ الحامية؟ وإنّما أرِدُ على جَدّي رسول الله وأسكنُ معهُ في داره، في مقعدِ صدقٍ عند مليكٍ مُقتدرٍ، وأشكو إليه ما ارتكبتم منّي وفعلتم بي، فغضبوا بأجمعهم حتّى كأنّ الله لم يجعل في قلب أحدِهم من الرحمة شيئاً.(2)

دعاءُ الحسين علیه السلام في لحظاته الأخيرة

ولمّا اشتدَّ به الحال رفع طرفه إلى السماء وقال:

اللهمَّ مُتعالي المكان، عظيم الجبروت، شديد المِحال، غنيٌّ عن الخلائق، عريضُ الكبرياء، قادِرُ على ما تشاء، قريبُ الرحمة، صادق الوعد سابغ النعمةِ، حسنُ البلاء، قريبٌ إذا دُعيت، محيطٌ بما خلقتَ، قابِل التوبة لمن تاب إليك، قادرٌ على ما أردت، ومُدركٌ ما طلبتَ، وشكورٌ إذا شُكِرْتَ، وذكورُ إذا ذُكِرْتَ، أدعوكَ محتاجاً، وأرغبُ إليك فقيراً، أفزع إليك خائفاً، وأبكي مكروباً، وأستعين بك ضعيفاً، وأتوكّلُ عليك كافياً، اللهمَّ احكم بيننا وبين قومنا فإنّهم غرُّونا وخذلونا وغدروا بنا وقتلونا، ونحن عترةُ نبيِّك، ووِلدُ حبيبك محمّد صلّى الله عليه وآله الّذي اصطفيته بالرسالة، وائتمنته على الوحي، فاجعل لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً، يا أرحم الراحمين.(3)


1) ضمّخ جسده بالطيب أي لطّخه به، المنجد.

2) مثير الأحزان لابن نما، ص 75.

3) بحار الأنوار، ج 101، ص 348، باب زيارته يوم ولادته علیه السلام نقلاً عن المصباح للشيخ الطوسي، ص 759.

وأقبل الفرسُ يدورُ حولَه ويلطِّخ ناصيته بدمه،(1)فصاح ابن سعدٍ: دونكم الفرَسَ فإنّه من جياد خيل رسول الله، فأحاطت به الخيل، فجعل يرمُحُ برجليه، حتّى قتل أربعين رجلاً وعشرة أفراسٍ، فقال ابن سعد: دعوه لننظر ما يصنع، فلمّا أمِنَ الطَّلَبَ، أقبلَ نحو الحسين يُمرِّغُ ناصِيته بدمه، ويشمُّه ويصهل صهيلاً عالياً.(2)

قال أبو جعفر الباقر علیه السلام كان يقول:

«الظليمةَ، الظليمة، من أُُمَّةٍ قتلت ابن بنت نبيِّها».(3)

وذهب الفرس يركض إلى خيمة النساء وهو يصهلُ ويضرِِب برأسه الأرض عند الخيمة، فلمّا نظرت أخوات الحسين وبناته وأهله إلى الفرس ليس عليه أحدٌ رفعن أصواتهنَّ بالصُّراخ والعويل.(4)

ونادت أُمّ كلثومٍ زينب العقيلة: وامحمّداه! واأبتاه! واعليّاه! واجعفراه! واحمزتاه! هذا حسينٌ بالعراء، صريعٌ بكربلاء،(5)ثمَّ نادت: ليت السماءُ أُُطبقت(6)على الأرض، وليتَ الجِبال تدَكْدَكَتْ على السَهْلِ.(7)

وانتهت نحو الحسين، وقد دَنا منه عُمَرُ بن سعدٍ في جماعةٍ من أصحابه، والحسين يجودُ بنفسه، فصاحت: أي عُمر! أيُقتَل أبو عبدالله وأنت تَنظر إليه؟ فصرَفَ بوجهِهِ عنها ودُموعه تسيلُ على لحيته.(8)


1) الأمالي للصدوق، ص 138، مجلس 30 و مقتل الخوارزمي ، ج 2، ص 37 و تظلّم الزهراء، ص 128.

2) بحار الأنوار، ج 45، ص 57 و تظلّم الزهراء، ص 129.

3) المقتل للمقرم، ص 346 و راجع بحار الأنوار، ج 44، ص 266 و 308.

4) المقتل للخوارزمي ، ج 2، ص 27.

5) المقتل للخوارزمي، ج 2، ص 37 و بحار الأنوار، ج 45، ص 58.

6) وفي تأريخ الطبري، ج 3، ص 334 تطابقت.

7) اللهوف على قتلى الطفوف، ص 54.

8) الكامل في التأريخ، ج 4، ص 78 و تأريخ الطبري، ج 3، ص 334.

فقالت: ويحكم أما فيكم مُسلمٌ؟ فلم يُجبها أحدٌ،(1)ثمَّ صاح ابن سعدٍ بالناس: إنزلوا إليه وأريحوه، فبدرَ إليه الشمرُ فرَفَسَه برِجلِه وجلس على صدره، وقبض على شيبته المُقدَّسةِ، وضربه بالسيف اثنتي عشرة ضربةً، واحتزَّ رأسه المُقدَّس.(2)

الخلاصه

回 لم يشهد التأريخ مرحلةً سجّلت صفحاتُه بطولاتها فانحنت لها الأجيال إكباراً كتلك الّتي جسّدتها واقعة الطف بما فيها تضحية أخوة وأبناء الحسين علیه السلام.

回 فمع قلّة العدد وخذلان الناصر، يهيمن الذعر والخوف على الصفوف الهائلة في كلّ صولة لبطل من هذه الصفوة يدخل المعركة، فيقاتل وكأنَّه جَمْعٌ يشدّ بعضه بعضاً.

回 وكانت الدماء الطاهرة الّتي سالت على صعيد كربلاء تُسقط أقنعة الظالمين وتفجّر كلّ قطرة منها بركاناً يزعزع عروش الطغاة.

回 فالبطولة العالية والشجاعة النادرة والامتناع من شرب الماء بعدما ملكه أبوالفضل العبّاس لئلّا يُروى وهناك الحسين علیه السلام وأطفاله ونسوته عطاشى هي أبلغ تعبير عن الأصالة في الحبّ والوفاء للقائد والصدق في العطاء والفداء.


1) الإرشاد للمفيد، ص 242.

2) المقتل للخوارزمي ، ج 2، ص 36 و 37 و مقتل العوالم، ص 100.

الأسئلة

1.

لماذا لم ينادِ أبوالفضل العبّاس أخاه الحسين علیهما السلام طيلة حياته بكلمة أخي بينما ناداه بها في آخر لحظات حياته؟

2.

بماذا أوصى الإمام الحسن علیه السلام ابنه القاسم إذا وصل كربلاء؟

3.

على أيّ شيءٍ يدل امتناع العبّاس من شرب الماء بعد أن ملك الشريعة؟

4.

كيف تفسّر عدم سقوط دم الطفل الرضيع حينما رمى به الإمام الحسين علیه السلام نحو السماء؟

5.

ماهي الجرائم الّتي اقترفها جنود عمر بن سعد قبل مقتل الإمام الحسين علیه السلام؟

6.

ما هي دلالات مواقف بني هاشم تجاه الحسين علیه السلام في يوم عاشوراء؟

الدرس 20: الثورة الحسينيّة (1) العوامل والأهداف

1. لماذا وقّت الإمام الحسين علیه السلام ثورته بموت معاوية؟

بعد استشهاد الإمام الحسن علیه السلام واغتياله من قبل معاوية ونقض معاوية لبنود الصلح تحرّكت الشيعة وطالبت الإمام الحسين علیه السلام بالتحرّك والثورة ضد معاوية، حيث إنّ الحسين علیه السلام كان يملك الدليل المقبول لثورته. ولكنّه لم يستجب لطلباتهم وآثر السكون ما دام معاوية حيّاً.

والسرّ -كما يبدو- كان يكمن في أمرين على الأقل:

الأوّل: إنّ الوفاء بالعهد خُلق إسلامي رفيع يمثِّله الإمام المعصوم أحسن تمثيل، ولا يسوّغ الإمام لنفسه أن يهبط إلى مستوى معاوية في نقضه للعهد، بالرغم من أنّ نقض العهد من قِبل معاوية مسوّغ شرعي وأخلاقي للخروج من تعهّده، ولكنّ معاوية كان بإمكانه أن يستغلّ هذا النقض كورقة رابحة يستعملها ضدّ الإمام الحسين علیه السلام ويضلّل به الرأي العام.

الثاني: إن السبب الّذي من أجله عقد الإمام الحسن علیه السلام الصلح مع معاوية ما دام مستمرّاً ونافذ المفعول، فالإمام الحسين علیه السلام يتحرّك ولا يثور، إلّا إذا تهيّأت الظروف الموضوعية الّتي تضمن لثورته تحقيق أهدافها.

وكان السبب في إبرام الصلح مع معاوية أنَّ الأمّة الاسلاميّة - ولا سيّما القطّاع الواسع من الموالين لأهل البيت علیهم السلام -كانت قد سيطرت عليه حالة الشكّ في رساليّة خط أهل البيت علیهم السلام حينما لاحظوا مرارة الصراع بين معاوية والإمام عليّ علیه السلام، وطلحة والزبير وعائشة مع عليّ علیه السلام والخوارج معّ عليّ علیه السلام وأنزلوا عليّاً علیه السلام إلى مستوى معاوية الّذي كان يرمي للوصول إلى الحكم بكلّ سبب، ولم يكن لهذا التصدّي منه والحرص على استلام السلطة أيّ مسوّغ رسالي، وقد سرى هذا الشكّ في مدى رساليّة حروب الإمام علیه السلام إلى جمع من الموالين لأهل البيت علیهم السلام حتّى أنّهم استبعدوا أن يكون مثل عائشة أو طلحة أو الزبير على باطل، فكيف يقاتلهم الإمام عليّ علیه السلام وكلّهم صحابة رسول الله صلّی الله علیه و آله؟

وحينما يستفحل هذا الشكّ ويتحوّل إلى حالة مرضيّة - كما حدث ذلك في عصر الإمام الحسن علیه السلام- لم يكن بالإمكان علاجها حتّى بالتضحية، بل لابدّ من الصبر والتأنّي ليتّضح لعامّة المسلمين مدى دَجَل معاوية ومدى تظاهره بالإسلام والتزام أهل البيت علیهم السلام بمبادئهم الرساليّة.

وقد فضح معاوية نفسه وكشف عن واقعه بعد نقضه لكلّ بنود الصلح مع الإمام الحسن علیه السلام وكان لابدّ للشاكّين في سلامة خطّ أهل البيت علیهم السلام من الاكتواء بلظى النار الّتي سعّرها لهم معاوية وأخذ يؤجّجها بكلّ ضراوة. وكان ترشيح يزيد وفرض البيعة له بالخلافة هو آخر الخطّ لمعاوية وقد مهّد لذلك باغتيال الإمام الحسن علیه السلام ليخلو له الجوّ، وقد ذكر له التأريخ أكثر من محاولة ومراوغة لتحقيق مأربه هذا وتحكيم الجاهليّة بثوبٍ جديد في ربوع الدولة الإسلاميّة.

2. ما هي الدوافع الحقيقيّة للثورة الحسينيّة؟

3. ولماذا لم يكتف الإمام بالموعظة أو المقاطعة للسلطة ؟

هناك أكثر من دافع وسبب قد ذكره المؤرِّخون لتعليل النهضة الحسينيّة ولكنّ هذه

الأسباب متداخلة ومترتّبة فيما بينها حيث يكون بعضها سبباً أعمق أو كاشفاً عن سبب.

وهناك أسباب مقبولة لدى عامّة المسلمين وقاطعة للعذر بينما لا تكون أسباباً حقيقيّة ونهائيّة.

والأسباب الحقيقيّة لابدّ أن نستلهمها من صاحب الثورة نفسه ولا يكفي أن نستند فيها إلى تحليلات الآخرين عنها.

وقد لاحظنا نصوص الإمام الحسين علیه السلام حين أعلن في أكثر من مشهد، ومنذ بداية تحرّكه وحتّى نهاية الشوط من حياته: أنّه إنّما قام لطلب الإصلاح في أُمّة جدّه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتمثِّل في التصدّي للحاكم الجائر المستحلّ لحرمات الله وحيث لا يتحقّق هذا المستوى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلّا بالتضحية والشهادة في سبيل الله، تعيّن هذا الأسلوب من الأمر بالمعروف، ولا سيّما إذا كان تركه يؤدّي إلى محق الشريعة وضياع الرسالة الّتي لا شيء أغلى منها في ميزان الله تعالى.

وللوصول إلى الجواب التفصيلي - الّذي كان يحتّم على الإمام الحسين علیه السلام اختيار طريق التضحية والشهادة بالنحو الّذي اختاره، فضلاً عن تنبّؤات الرسول صلّی الله علیه و آله وإخباراته الّتي كانت تفصح عن الأسباب الكامنة في واقع الأمّة ومدى تردّيها وهبوطها - لابدّ أن نقف على أبعاد المشكلة الحقيقيّة الّتي كانت تعانيها الأمّة الإسلاميّة في عصر الإمام الحسن علیه السلام. لتتّضح لنا مدى سلامة هذا الطريق أنّه هو الطريق الوحيد الّذي كان يستطيع الإمام علیه السلام أن يختاره من أجل معالجة هذه المشكلة.

لقد عرفنا أنّ الإمام الحسن علیه السلام لقد عالج بصلحه مشكلة التشكيك في مدى رساليّة خطّ أهل البيت علیهم السلام، ولكن بعد أن اكتوت الأمّة بنار المأساة الّتي أجّجها الحكم الأموي - وقد عرفنا أساليبه الّتي استخدمها لتمييع شخصيّة أبناء الأمّة وسلب إرادتها وإباحة كرامتها وتخديرها - حتّى أصبحت تدرك الخطر ولكنّها لا تقدر على مجابهته. وكلمة الفرزدق المعروفة للإمام الحسين علیه السلام: «قلوبهم معك وسيوفهم عليك» تعبّر عن

تصوير دقيق وواقعي لهذه الحالة الاجتماعيّة المرضيّة الّتي انتابت المجتمع الإسلامي في عصر الحكم الأموي.

إنّ هناك أكثر من مشهد لتصوير مدى عمق مرض فقدان الإرادة في جسم الأمّة وعلى مختلف المستويات والقطّاعات الاجتماعيّة بدءً بأقرب الناس إلى أهل البيت علیهم السلام وانتهاءً بالبُعداء عنهم وعن ثقافتهم.

ولابدّ أن نستعرض بعض النماذج لرسم صورة عن هذا الواقع المؤلم الّذي كان يلمسه الإمام الحسين علیه السلام بكلّ وضوح.

1.

لقد أجمعت كلمة عقلاء المسلمين على تخويفه - يوم صمّم الحسين علیه السلام أن يرفض بيعة يزيد ويثور عليه باعتباره معلناً بفسقه مستحلّاً لحرمات الله - وكانوا يمنّونه السلامة ويقترحون عليه الحلول الّتي لا تنتهي به إلى الشهادة وكانوا لا يتصوّرون أنّ التضحية يمكن أن تكون بديلاً للحياة. ولم يتلق الإمام علیه السلام هذه النصائح من عوام الناس بل من سادة المسلمين أمثل: محمّد بن الحنفيّة وعبدالله بن جعفر وعبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر. لقد كانت تعبّر هذه النصائح عن نوعٍ من الانهيار النفسي الّذي شمل زعماء المسلمين فضلاً عن الجماهير الّتي كانت تعيش هذا الانهيار مضاعفاً في أخلاقها وسلوكها وأطماعها.

2.

موقف عامّة زعماء البصرة الموالين لخطّ الإمام عليّ علیه السلام الّذين كاتبهم الإمام الحسين علیه السلام واستنصرهم بعد أن أشعرهم بالخطر الّذي تواجهه الأمّة الإسلامية.

لقد كان ردّ الفعل لعامّتهم هو عدم الاستجابة لنداء الإمام الحسين علیه السلام بل نرى أثر الانهيار التامّ كان بادياً على عبدالله بن مسعود النهشلي الّذي سلّم الرسول والرسالة إلى ابن زياد لا حُبّاً به بل حفاظاً على نفسه، ولئلّا يكتشف ذلك ابن زياد فيجعله نقطة ضعفٍ عليه، فلكي يوفّر كلّ ضمانات البقاء الذليل قام بهذا الردّ الخيانّي وتسبّب في قتل رسول الحسين علیه السلام.

وأمّا الأحنف بن قيس الّذي تربّى على يدي الإمام علي علیه السلام فقد أجاب الإمام علیه السلام

بآية واحدة فقط يأمره فيها بالتصبرّ والتريّث، ونلمس في هذا الجواب أنّ إقدام الحسين علیه السلام كان يُعدّ عند هؤلاء نوعاً من العجلة وقلّة الأناة والخفّة واللاتعقّل. وهذه هي أخلاقيّة الهزيمة النفسيّة الّتي تقع فيها الأمّة بالتدريج.

3. حينما لقي الإمام الحسين علیه السلام عبيد الله بن الحرّ الجعفي استنصره، وكان عبيدالله ممّن عرف الحسين علیه السلام وعرف خطّ الحسين علیه السلام فعزّ عليه أن يقدّم قطرة من دمه في سبيل الله لكنّه كان مستعدّاً لأن يقدّم فرسه لمولاه.

4 . ذهب حبيب بن مظاهر الأسدي ليدعو عشيرته بني أسد لنصرة سيّده الحسين علیه السلام، وما كان من العشيرة إلّا أن غادرت بأجمعها تلك الليلة المنطقة وخشيت أن تبقى حيادّيّة لا إلى الحسين علیه السلام ولا إلى عدو الحسين علیه السلام، وهل هذه إلّا الهزيمة النفسيّة الّتي مُنيت بها قطاعات الأمّة بمختلف مستوياتها يومذاك؟

5. لقد استطاع عبيدالله بن زياد خلال اسبوعين أو ثلاثة بعد مقتل مسلم بن عقيل أن يجنّد الألوف من أبناء الكوفة - ممّن كانوا يحملون الولاء لعلي علیه السلام وبنيه - ضدّ الحسين بن عليّ بن أبي طالب علیهما السلام وهم كانوا قد حاربوا إلى جانب أبيه علیه السلام في صفّين والجمل والنهروان.

وإذا كانت الهزيمة النفسيّة للأمّة هي الحالة المرضيّة العامّة الّتي قد تعرّضت لها الأمّة المسلمة في عصر الحسين علیه السلام، فالحسين علیه السلام حين يريد معالجة هذا المرض المستشري في جسمها لابدّ له أن يقدّم الموقف النظري والعملي معاً تجاه الوضع القائم ويضع النقاط على الحروف بنحوٍ ينتهي إلى اجتثاث جذور هذا المرض الخبيث.

ومن هنا كانت الثورة المسلّحة بالشكل المثير جدّاً والذي يستنهض النفوس الميّتة ويحييها من سباتها ويبدِّل جُبنها إلى الشجاعة ووهنها إلى الإقدام هو الحلّ الوحيد للأزمة الّتي حلّت بالأمة المسلمة بعد رسول الله صلّی الله علیه و آله.

و تفصيل ذلك: أنّ الحسين علیه السلام كانت أمامه عدّة حلول ممكنة بعد أن طلب يزيد منه البيعة وهدّده بالقتل إن لم يبايع:

الموقف الأوّل: أن يبايع يزيد كما بايع عليٌ أبابكر وعمر وعثمان.

الموقف الثاني: أن يرفض البيعة ويبقى في مكّة أو المدينة.

الموقف الثالث: أن يلجأ إلى بلد من بلاد العالم الإسلامي كما اقترح عليه أخوه محمّد بن الحنفية.

الموقف الرابع: أن يتحرّك ويذهب إلى الكوفة مستجيباً للرسائل الّتي وردته من أهلها ثم يُستشهد بالطريقة الّتي وقعت.

وكان اختياره للموقف الرابع قائماً على أساس إدراكه لطبيعة الظرف الّذي يعيشه، فإنّه كان عليه أن يقف موقفاً يعالج فيه عدّة أقسام من أفراد الأمّة الإسلاميّة: القسم الأول: - وكان يشكِّل جزءاً كبيراً من الأُُمّة - كان قد فقد خلال عهد معاوية بن أبي سفيان إرادته وقدرته على مواجهة الوضع القائم وهو يشعر الذل والاستكانة، وأنّ خسارة كبيرة تحيق بالأُمّة الإسلاميّة وهي تبديل الخلافة إلى كسرويّة وهرقليّة.

القسم الثاني - من الأُمّة - هان عليه الإسلام، فلم يعد يهتم بالرسالة بقدر اهتمامه بمصالحه الشخصيّة، وتضاءلت أمامه الرسالة وكبر أمامه وجوده ومصالحه واعتباراته.

القسم الثالث: كان من المغفّلين الّذين كان بالإمكان أن تنطلي عليهم حيلة بني أُُميّة لو سكت صحابة الرسول عن تحويل الخلافة إلى قيصريّة وكسرويّة.. فإنّ الخلافة وإن انحرفت عن خطّها المستقيم منذ توفّي الرسول صلّی الله علیه و آله لكن بقي مفهومها هو مفهوم الخلافة غاية الأمر اغتصبه أبوبكر ومن ثمّ عمر وعثمان. بينما في عهد معاوية ابن أبي سفيان طرأ على نفس المفهوم تغيّر أساسي إذ لم تعد الخلافة حكماً للأُمّة وإنّما حوّلها معاوية إلى حكم كسرى وقيصر، وهو تحويل خطير في المفهوم أراد معاوية أن يلبسه ثوب الشرعيّة ولو كان هذا التحويل يواجه بسكوت من قبل الصحابة لأمكن أن تنطلي حيلة معاوية على الكثير من السنّج والبسطاء إذ يرون في سكوت الصحابة إمضاءً له...

القسم الرابع: - وهو ما يرتبط بتنازل الإمام علیه السلام عن المعركة مع معاوية وإعلانه الهدنة

باعتباره هو الأسلوب الوحيد الّذي كان يحتّمه على الإمام الحسن علیه السلام موقعه ومركزه كأمين على الإسلام والمسلمين - فإنّ هذا الواقع لم يكن مكشوفاً - بالدرجة الواضحة إلّا داخل دائرة الجماهير الّتي كانت تعيش المأساة عن قرب كالعراق بشكل عامّ دون من كان يعيش في أطراف العالم الإسلامي كأقاصي خراسان حيث لم يعش المحنة يوماً بعد يوم ولم يكتوِِ بالنّار الّتي اكتوى بها الإمام الحسن علیه السلام في الكوفة من قواعده وأعدائه، وإنّما كانت تصله الأخبار عبر المسافات الشاسعة بين الكوفة وأطراف خراسان مثلاً.. فهو لم يميّز أنّ هذا التنازل هل هو اعتراف بشرعيّة الأطروحة الأمويّة أو هو تصرّف اقتضته الضرورة والظروف الموضوعيّة الّتي كان يعيشها الإمام الحسن علیه السلام؟

فكان لابدّ للإمام الحسين علیه السلام أن يختار موقفاً يعالج فيه مشكلة كلّ واحد من هذه الأقسام الأربعة من الأُمّة، وليس هذا تقسيماً حدّياً بحيث لا يمكن أن ينطبق قسمان منهما على فرد واحد، بل يمكن أن يتصادق عنوانان منها على فرد أو أفراد من الأمّة الإسلاميّة.

فكان لابدّ أن يختار الموقف الّذي يرجع فيه للقسم الأوّل إرادته الّتي فقدها بالتميّع الأموي، وإلى القسم الثاني إيمانه بالرسالة وشعوره بأهميّة الإسلام، وأن يسلب الدليل عن معاوية على تحويل الخلافة إلى كسرويّة وقيصريّة، وذلك عن طريق معارضة الصحابة - المتمثِّلة فيه وفي البقيّة الباقية من الصحابة والتابعين - لعمليّة التحويل هذه.. وأن يختار الموقف الّذي يشرح فيه - حتّى لمن كان بعيداً عن الأحداث - أن تنازل الإمام الحسن علیه السلام لم يكن إمضاءً لعمليّة التحويل. وتقويم المواقف الأربعة من حيث قدرة كلّ منها على تحقيق الأهداف المُشار اليها كما يلي:

أمّا الموقف الأوّل: - وهو أن يبايع يزيد بن معاوية - فهو لا يحقّق مكسباً على مستوى معالجة تلك الأقسام من الأُمّة... لأنّه لم تكن قصّة يزيد قصّة أبي بكر وعمر

وعثمان، لأنّ التحويل هنا على مستوى المفهوم، ولم يكن بالإمكان أن تمضي دون أن يقف أهل البيت الّذين هم القادة الحقيقيون للأُمّة الموقف الديني الواضح المحدّد من عمليّة التغيير هذه..

وأمّا الموقف الثاني: فهو لا يحقّق ذلك المكسب الّذي يريده الحسين علیه السلام أيضاً. وذلك لأنّ الإمام الحسين علیه السلام كان يؤكّد - والظروف الموضوعيّة كانت تشهد على طبق تأكيده - أنّه لو بقي في المدينة أو في مكّة رافضاً للبيعة لقتل من قِبِلِ بني أُميّة حتّى ولو كان متعلِّقاً بأستار الكعبة.. وهذا القتل ليس كالقتل الّذي استطاع أن يحرِّك البقيّة الباقية من عواطف المسلمين تجاه رسالتهم ودينهم.. فإرجاع الناس إلى عقيدتهم باستغلال المتبقّي من عواطفهم ومشاعرهم لا يمكن خلال قتلٍ عابرٍ سهلٍ من القبيل، بل لابدّ من أن تحشد له كلّ المثيرات والمحرِّكات.

وأما الموقف الثالث: فهو وإن كان أسلم من الأوّل والثاني على الخطّ القصير لأنّه يمكنه أن يعتصم بشيعته في اليمن مثلاً إلى برهة معيّنة لكنّه سوف ينعزل ويحيط نفسه بإطار منغلق عن مسرح الأحداث بينما لابدّ أن يباشر عمله التغييري على مسرح الأحداث الّذي كان وقتئذ هو الشام والعراق ومكّة والمدينة كي يمكن لهذا العملي أن يؤثِّر تربوياً وروحياً وأخلاقياً في كلّ العالم الإسلامي.

وعليه كان لابدّ أن يختار الموقف الرابع الّذي استطاع أن يهزّ به ضمير الأمّة من ناحية، ويشعرها بأهمّيّة الإسلام وكرامة هذا الدين من ناحية ثانية. وأن يدحض عمليّة تحويل الخلافة إلى كسرويّة وقيصريّة من ناحية ثالثة، وأن يوضّح لكلّ المسلمين مفهوم التنازل عند الإمام الحسن علیه السلام وأنّه لم يكن موقفاً إمضائياً وإنّما كان اسلوباً تمهيدياً لموقف الإمام الحسين علیه السلام(2).

الخلاصه

回 لم يتحرّك الإمام الحسين علیه السلام - بعد موت معاوية لأن الحسين علیه السلام لم يكن مستعدّاً لنقض بنود الصلح الموقّعة في زمن الإمام الحسن علیه السلام بحالٍ من الأحوال وهو كان ينتظر توفّر كلّ الشروط اللازمة للثورة الّتي لم تكن متوفّرة على استشهاد الإمام الحسن علیه السلام.

回 و يعود الدافع الحقيقي للثورة بهذا الشكل الّذي تحقّق - وإن لم يكن فيها أي مكسب آنّي من حيث الوصول إلى الحكم - إلى أنّ إرادة الأمّة كانت قد أصبحت ميّتة بعد أن عرفت حقيقة خط أهل البيت علیهم السلام.

回 و لم يكن أيّ إجراء بقادر على تحريك ضميرها إلّا الشهادة والتضحية الّتي تغرس في أعماق وجودها عظمة الدين ورخص النفس والحياة المادّيّة بالنسبة إلى دين الله الّذي جاء بكرامة الإنسان واستهدف إيصاله إلى الكمال اللّائق به.

الأسئلة

1.

ما هي الأسباب المباشرة وغير المباشرة الّتي منعت الإمام الحسين علیه السلام من الثورة على معاوية؟

2.

إلى أيّ مدى وصلت حالة الشك لدى الأمّة بعد سيطرة معاوية على الحكم؟

3.

لماذا مزّق معاوية وثيقة الصلح الّتي أبرمها مع الإمام الحسن علیه السلام؟

4.

ما هو رأيك في اعتراضات بعض الأطراف على الإمام الحسين علیه السلام عندما أعلن الخروج إلى العراق؟

5.

كيف كانت الأمّة تنظر إلى الدين في عصر الحسين علیه السلام؟

6.

ما هو واجب المسلم إذا واجه منكراً، أو رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرم الله ؟

الدرس 21: الثورة الحسينيّة (2) المقومات، الخصائص، النتائج

المقوّمات والخصائص

نستطيع أن نحدّد الموقف العملي للحسين علیه السلام بأنّه موقف مبني على ضوء النظرة الإسلاميّة للحكم؛ لأنّ النظريّة الإسلاميّة في الحكم تبتني على أساس الأطروحة المنفذّة في الواقع والمتجسّدة في الخطوات العمليّة للسلطة، فإن كانت تلك الأطروحة إسلاميّة فهي وإلّا فلا قيمة لإسلاميّة الحاكم. وصلاته وتعبّده، لأنّ المعنى العبادي الحقيقي لابدّ أن ينعكس على سلوك الفرد ومشاعره وأعماله.

ومن هنا فلا قيمة لإسلاميّة يزيد أو غيره من حكّام الجور ولا معنى للشعائر الّتي يؤدّونها.

وإذا كان الأمر كذلك، والحكّام الأمويون لا يطبّقون شريعة السماء، فعلى الحسين علیه السلام باعتباره أفضل إنسان يجسِّد الإسلام يومذاك وعلى المسلمين جميعاً الوقوف بوجه هؤلاء الطغاة والتصدّي لهم لأنّهم يريدون حكم الجاهليّة ويحاربون شريعة السماء.

ولكنّ هذه الجاهليّة ارتدت ثوباً جديداً هذه المرّة يخفي حقيقتها عن الأنظار، ولقد ثار الحسين علیه السلام ليكشف للأُمّة اختفاء الحكّام خلف اسم الدين، وليفضح أمام

المسلمين حقيقة الطواغيت الّذين حكموا الناس باسم خلافة الرسول صلّی الله علیه و آله.

لم تكن واقعة الطف قضيّة مأساويّة عابرة حدثت في مرحلة معيّنة من التأريخ فحسب؛ بل هي صورة متكاملة لتجسيد الصراع بين الحقّ والباطل، هي مسرحيّة واقعيّة تنبض بالحياة، أدّى أدوارها كلّ صنف من أصناف البشر وبمختلف الأعمار والأجناس، فيها المعصوم الّذي لا يُخطئ ساهياً، والمجرم الّذي لا يتورّع عن فعل أدنى الأفعال وأبشعها، فيها المرأة والطفل الرضيع والصبي والشيخ العجوز، فيها التائب والعاصي، فيها السموّ والرفعة، وفيها أيضاً الدناءة والخسّة.

وهي وإن لم تعبِّر عن مرحلة تأريخيّة لكنّها عبَّرت عن حالة أمّة، انحرف بها الحكّام عن جادّة الصواب وأبعدوها عن رسالتها وعقيدتها، حتّى أصبحت أمّة ميّتة، لا تفكِّر إلّا بهذا المقدار من النفس الصاعد النازل، هذه الأمّة الّتي بلغ بها الخوف حدّاً لا يوصف، فهي تعرف أنَّ الحقّ لا يعمل به والمنكر لا يتناهى عنه، تدرك ذلك ولا تحرِّك ساكناً، إنّ هذه الأمّة جاءها أجلها فماتت، وإن كانت الأجساد متحرِّكة.

وجاءت واقعة الطف كقضيّة مأساويّة مثيرة، لتحرِّك في الأمّة ضميرها وتعيدها نحو رسالتها وتبعث شخصيّتها العقائديّة من جديد، وكان من اللّازم أن يقوم بهذا الدور مجموعة من الناس قادرة بما تمتلك من قدرات ومقوّمات تجعل دورها فاعلاً ومؤثراً في حياة هذه الأمّة الميّتة؟ كما صوّر ذلك الفرزدق بقوله للإمام الحسين علیه السلام: الناس سيوفهم عليك وقلوبهم معك.

وكانت أهمّ هذه المقوّمات - (الّتي اجتمعت في ثورة الحسين علیه السلام الفريدة) - ما يلي:

1. المقوّمات الشخصيّة للثّائر: إنّ الثائر الّذي يقود جبهة الحقّ كان إماماً معصوماً يمتلك كلّ المواصفات القدسيّة بنصّ حديث الرسول صلّی الله علیه و آله: (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)، فهذه الصفة القدسيّة الّتي يمتلكها الحسين علیه السلام تدركها الأمّة، خصوصاً مع

وجود عدد غير قليل من الصحابة الّذين عاصروا الرسول صلّی الله علیه و آله وسمعوا منه تلك الأحاديث بشأن هذا الإمام علیه السلام.

وبالإضافة إلى ذلك فالإمام علیه السلام يمتلك عنصر النسب الّذي لا تشوبه شائبة ولا يناله شكّ: أبوه عليّ علیه السلام وأمّه فاطمة علیها السلام وجدّه الرسول صلّی الله علیه و آله، والصحابة يتذكّرون حديث الرسول صلّی الله علیه و آله بشأنه: حسين منّي وأنا من حسين، يدركون هذا التمازج الروحي والتمازج النسبي، والحسين علیه السلام يمتلك الجاه والشرف، كيف لا؟! وهو محطّ أنظار المسلمين وكهف المستغيثين واللاجئين، ويمتلك الإمام المال الثروة. أتذكرون يوم عاشوراء حينما خاطب - سلام الله عليه - أُخته الحوراء قائلاً: ناوليني ملابس استبدل بها ملابسي هذه لئلّا يطمع القوم فيها فيسلبونيها فلما أعطته ملابس رديئة بالية قال لها مستنكراً (أو يلبس إبن أبيك مثل هذا؟) فلو كان لباسه الأوّل عادياً لقبل تلك الخرق البالية، فلابدّ أن يكون لباسه في أوّل الأمر من أفخر الألبسة وأثمنها، والروايات تذكر أنَّ القافلة الهاشميّة كانت محمّلة بالأموال الكثيرة، فالحسين علیه السلام كان يمتلك كلّ المقوّمات الشخصيّة للقداسة والشرف والجاه، الغنى والثروة، والعصمة.

2. الحجّة: ولكي لا تكون الثورة هامشيّة، فلا تعطي ثمرتها المرجوة، فقد كان الثائر يمتلك الوثائق الكفيلة بإضفاء المشروعيّة على هذه الثورة وأنّها الحلّ الوحيد والخيار الّذي لا بديل له. فقد كانت الرسائل الواردة من زعماء العراق ومن الكوفة خاصّة تطلب من الإمام علیه السلام بإلحاح القدوم إلى العراق، وكان مضمون هذه الرسائل - كما تنقل الروايات - : أقدِم على جند لك مجنّدة، فقد طاب الجنان واخضرّ المقام.

ولاشكّ أنّ عدم تلبية الإمام لهذه الطلبات - الّتي تقدّر على أقلّ الروايات بإثني عشر ألف رسالة - سيلزم الإمام علیه السلام الحجّة في تفويته للفرصة، وبالعكس فإنّ المجيء سيُلزم الأمّة الحجّة إن هي خانت.

والأمر الآخر أنّ الإمام علیه السلام كان أمامه التهديد الأموي إن هو لم يبايع، ولو بايع فإنّه

سيعطي في مثل هذه الحالة الوثيقة الشرعيّة للحكّام الأمويّين الظّلمة وسيطفئ بالتالي بصيص الأمل الّذي ترصده الأمّة في تلك الشخصيّة المعارضة، أعني شخصيّة الإمام علیه السلام.

وفي حالة رفضه فإنّه أمام خيارين، إمّا الموت الّذي قرّره الأمويّون له - ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة - وإمّا الرحيل إلى إحدى المناطق الّتي يمتلك فيها شعبيّة وشيعة، ولا تتعدّى هذه المناطق اليمن، الكوفة والبصرة، ومن المعلوم أنّ الطلب الأموي سوف يلاحقه في هذه المناطق بلا فرق، وما دامت الكوفة تحتوي أكثر القواعد الشعبيّة المؤيدة له - سلام الله عليه - بالإضافة إلى الطلب الشديد من قبل أهلها، فإنّ الخيار الصحيح لابدّ أن يكون بالرحيل إلى الكوفة عاصمة أبيه أمير المؤمنين علیه السلام. ولهذا رفض الإمام علیه السلام إلحاح أخيه محمّد بن الحنيفة وممانعته من الذهاب إلى الكوفة، كما رفض طلب ابن عبّاس رحمه الله الّذي أشار على الإمام علیه السلام بالذهاب إلى اليمن.

3. الشعار: ولكي لا تشوّه هذه الثورة، خصوصاً وأنّ الإمام علیه السلام قد علم بخيانة أهل الكوفة، وكيف أنّهم قتلوا رسوله مسلم بن عقيل علیه السلام وصاحبه هانيء بن عروة، وشرّدوا بقيّة الأنصار واعتقلوا قسماً منهم. إنّ هذه الصورة جعلت الحسين علیه السلام أمام مواجهة عسكريّة لا مناص له منها، ولكي لا تشوّه هذه الثورة فقد أعلن الحسين عن أهدافها وطرح شعاراتها ابتداءً من المدينة حتّى يوم المجزرة الكربلائيّة، فهو يقول (والله إنّي ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدي لآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر) ثم أنّه وضع الأمّة أمام الخيارات الّتي لا مناص منها ليجعل من ثورته الأسلوب الوحيد أمام التحدّيات الكافرة، فبعد أن التقى الحرّ بن يزيد الرياحي رضی الله عنه قال علیه السلام: هذه أرض الله واسعة فدعوني أذهب وشأني، أو ما يقارب هذه العبارة، وفي هذه الكلمة - في أقلّ تقدير أن يُتركَ الإمام علیه السلام يختار حياة العزلة، ولكنّ جيش الحرّ رفض التخلّي عن أوامر السلطة

الجائرة فجعجعوا به إلى كربلاء، وهناك أيضاً وضع أصحابه أمام الخيار فلم يرد إقحامهم في معركة خاسرة من الناحية العسكرية، لذا جمعهم ليلة العاشر من المحرّم ثمّ خطبهم وقال:

إنّ هذا الليل قد أرخى سدوله فاتخذوه جملاً، ليس عليكم منّي ذمام. ولقد رفض هؤلاء الأخيار هذا الطلب، حينما قام زهير بن القين، فقال: ماذا نقول للعرب - أو: لجدّك - أيقتل ابن بنت رسول الله ونظلُّ أحياءً؟! لا والله لا نفعل ذلك أبداً. وقال غيره مثل قوله.

ولمّا كانت المواجهة حتميّة وأنّ السيف هو الحكم الفصل؛ أصرّ الحسين علیه السلام على خوض هذه الحرب قائلاً: إن كان دين محمّد لم يستقم إلّا بقتلي فيا سيوف خذيني.

وعلى كلّ حال فقد وضع الإمام الحسين علیه السلام أهداف الثورة أمام عينيه منذ حركته من المدينة حتّى مصرعه في الطفّ، بل واصلت أخته الحوراء علیها السلام حمل تلك الرسالة فكانت الوسيلة الإعلاميّة الّتي تذيع أخبار الثورة، والمِعوَل الهدّام في العرش الأموي الحاكم.

4. المقوّم العاطفي: وهي عمليّة إثارة المشاعر في نفوس المسلمين الّذين لم تحرِّك الأفكار المنطقيّة عقولهم.

ويلاحظ المقوّم العاطفي في الثورة الحسينيّة من خلال أُسلوبين:

أوّلهما: إشراك العقائل من الهاشميات في الثورة بالإضافة إلى إشتراك الأطفال بالدرجة الّتي يساهم فيها رضيع وُلد في اليوم العاشر من المحرّم أثناء المعركة؛ فإنّ وجود نساء البيت العلوي ومخدرات الهاشميّين في خضّم هذه المحنة لابدّ أن يثير في النفوس العطف وفي القلوب الإنكسار مهما كانت تلك النفوس متوحّشة والقلوب قاسية. أمّا الأطفال فقد قدّمّتهم الثورة كدليل على أنّ هؤلاء القوم يحاربون خوفاً

وطمعاً قد بلغ بهم الأمر حينما نسوا الله فأنساهم ذكر أنفسهم، بلغ بهم الأمر حدّاً لا يوصف من الدناءة والوضاعة واللؤم، فلهذا خاطبهم الحسين علیه السلام بقوله: (إن كان الذنب ذنب الكبار فما هو ذنب هؤلاء الأطفال؟) وبهذه المشاركة أضاف للثورة رصيداً عاطفياً ضخماً جعلها تحتلّ مركز القمّة بين الفواجع على طول التأريخ وتحرّك مشاعر المسلمين وعواطفهم وأحاسيسهم إلى يومنا هذا.

والأسلوب الثاني: هو اسلوب التذكير والوعظ الّذي استخدمه الإمام علیه السلام وصحبه (رضوان الله عليهم) فلقد ذكّر الإمام القوم بقوله: إنسبوني من أنا، ألست ابنَ بنت نبيّكم؟ ثم يقول لِمَ تحاربونني، ألسنّةٍ غيّرتها أم لبدعةٍ ابتدعتها؟) وفي موضع آخر يقول: إن لم يكن لكم دين وكنتم عُرُباً - كما تزعمون-، فكونوا أحراراً في دنياكم، كان ذلك في إشارة منه للقوم حينما هجموا على بيوت عقائل الرسالة، إلّا أنّهم وصلوا حدّاً لم ينسوا دينهم فحسب، بل نسوا حتّى أعرافهم العربيّة الّتي تعوّدوها وتسالموا عليها، ولهذا أيضاً نجد الإمام علیه السلام يصف حال الناس بقوله: والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم فإذا مُحِصّوا بالبلاء قلّ الديانون.

وعلى ضوء ما سبق نكون قد رسمنا صورة موجزة لمقوّمات الثورة من جهة ولحالة الأمّة أيضاً، فالأمّة - كما قلنا - بلغت حالة الاحتضار أو الموت، بحيث لا تقوى على المعارضة إذ كانت تعيش أزمة معقّدة من الخوف في الوقت الّذي كان يحاول الحكّام جرّ الأمّة إلى الهاوية، وقتل روح العزّة والكرامة لديها، وتفتيت كيانها الحضاري وإبعادها عن رسالتها رسالة السمحاء.(1)

نتائج الثورة الحسينيّة

وإذا أردنا أن نعرف مدى نجاح الإمام الحسين علیه السلام في تحقيق أهدافه فإنّنا نلمس


1) المجموعة الكاملة لآثار الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سرّه ، ج 13، ص 83 بتصرّف.

انتصاره في يوم عاشوراء نفسه حيث استطاع أن يستقطب جمعاً ممّن خرج لقتاله وانضوى تحت لواء الجيش الأموي. وما التحاق الحرّ وغيره من أفراد الجيش إلى معسكر الحسين علیه السلام واستشهادهم إلّا بوادر النصر الأولى الّتي نجدها بوضوح في قدرة الحسين علیه السلام على تحريك ضمير الأمّة وإحياء روح البسالة والشهادة فيها.

وقد توالت الاستجابة لنداء الحسين علیه السلام بعد عاشوراء واستمرّت في الألغام الّتي زرعها الحسين علیه السلام بين جوانح الأمّة تتفجّر باستمرار وحتّى يومنا هذا، واستطاعت هذه النهضة وروح الشهادة الّتي أحياها في أمّة جده صلّی الله علیه و آله أن تزلزل عروش الظالمين بما فيها الحكم الأموي وتسقط عنه كلّ الأقنعة أوّلاً ثمّ تؤدي به إلى الإنهيار والزوال.

ولم يستطع الحكم العبّاسي الغاشم أيضاً أن يتخلّص من شرر هذه الثورة المقدّسة، وأصبحت الثورة على الظلم هي الشعار الأوّل لأهل البيت علیهم السلام وأتباعهم ومحبِّيهم، بل قد تأثّر من سواهم بهذه الروح العالية، واستطاع المسلمون أن يصمدوا بوجه الاستعمار الصليبي الّذي عمّ العالم الإسلامي بعد سقوط الخلافة العثمانيّة، وما الثورة الإسلاميّة في ايران اليوم إلّا أثرٌ واحدٌ من آثار تلك النهضة المقدّسة المباركة.

إذن لقد أفلح الحسين علیه السلام في ثورته حيث استطاع أن يحقّق مكاسبها ويجني ثمارها على مدى القرون محقّقاً النبوءة التأريخية الفريدة الّتي صدرت من جدّه صلّی الله علیه و آله: حسين منّي وأنا من حسين، بعد أن استجاب هو لله ولرسوله ملبيّاً دعوة الحقّ إلى الشهادة في سبيل الله متّخذاً منها وسامه الخالد الّذي به خلدت ثورته وستبقى مشعلاً متوهّجاً ينير الدرب في الظلمات ويكتسح كلّ العقبات أمام دين الله حتّى يظهره الله على الدين كلّه ولو كره المشركون، ويتحقّق الوعد الإلهي القاطع بانتصار الحقّ بشكل تامّ وزهوق الباطل وزواله من على وجه الأرض ببركة دماء الشهداء من أبناء وأنصار الحسين علیه السلام ومحبّيه وشيعته ومن حذا حذوهم تحت راية لا إله إلّا الله محمّد رسول الله عليّ وليّ الله.

اللّهمّ اجعلنا من الآخذين بثأره تحت راية وليّك الإمام المنصور المهدي المنتظر من

أبناء وليّك الحسين علیه السلام الّذي وعدت به الأمم أن تجمع به الكلم وتقصم به جبابرة الكفر ورؤوس الضلال.

وسبحان ربّنا إن كان وعد ربّنا لمفعولاً ولن يخلف الله وعده وهو العزيز الحكيم.

الخلاصه

回 تقوّمت ثورة الإمام الحسين علیه السلام بقائد كالحسين السبط علیه السلام الّذي نصبه الله إماماً للمسلمين بنصّ من الرسول الكريم صلّی الله علیه و آله و كان يمتلك كلّ الوثائق الكفيلة بإثبات مشروعيّة ثورته.

回 و كانت الشعارات الّتي رفعها الإمام منذ بداية حركته صريحة واضحة بحيث لا تقبل التشويه والتزيّيف مدى العصور.

回 كما أنّ الحسين بن علي علیه السلام قد جمع في ثورته كلّ عناصر التحريك العاطفي والّتي أعطت لحركته رصيداً عاطفياً ضخماً بحيث جعلها تحتل مركز القمّة بين الفواجع على طول التأريخ.

回 وقد آتت هذه الثورة ثمارها منذ اليوم الأوّل الّذي التحق فيه مجموعة من جنود ابن سعد بمعسكر الحسين علیه السلام، وآثروا الآخرة على الدنيا.

回 و واقعة الطفّ مثّلت كلّ هذه القيم والمبادئ على صعيد الواقع، من حبّ المجاهدين لقائدهم وحبّ القائد لهم، وتلاحم والتقاء البطولات الرائعة التي سجّلوها على ساحة كربلاء لتصبّ في خندق واحد، ولتؤدّي دوراً بطولياً متعدّد الوجوه جمع صنوفاً وأعماراً شتّى من البشر، دافعت عن حقّ مقابل خندق وقف فيه الباطل، متمثّلاً في انحراف أمير وشذوذ حاكم وطمع شرّيرٍ ومبادئ جاهليّة بائدة، ومصالح دنيويّة زائفة، وكلّها أدّت دوراً حاقداً تجلّت فيه خسّة القوم والكفر الصريح.

回 و كان من نتائج هذه الثورة الّتي كان رائدها الحقّ وعدل السماء أن سجّلت عن دفاعاً عن المقدّسات، وإزهاق الباطل، ودحر الشيطان وتبديد الوهام، وكشف الزيفِ وفشل الطماع وتصحيح انحراف ساد أوساطاً في ظلّ حاكم جائر كيزيد بن معاوية.

回 و ظلّت واقعة الطف بعد ذلك منطلقاً للحقّ ومسرحاً للفكر النيّر، ورمزاً خالداً يُشير دائماً وأبداً إلى العزّة والكرامة والتضحية والإباء.

الأسئلة

1.

ما هما الأسلوبان اللذان استخدمهما الإمام الحسين علیه السلام في إثارة مشاعر المسلمين؟

2.

هل يجب على جميع المسلمين الوقوف بوجه الطغاة والتصدّي لهم في كلّ وقت؟ ولماذا؟

3.

كيف وصف الفرزدق الناس للإمام الحسين علیه السلام حينما التقى به؟

4.

متى يستطيع الحكّام السيطرة على حياة الأمّة؟

5 . ماهي العناصر الّتي أدّت أدوارها في واقعة الطفّ؟

6.

متى يكون القائد مؤثّراً في نفوس الأمة؟

7.

ما هي الثمار الّتي تمخّضت عنها ثورة الطفّ؟

8.

ما هي أهم مقوّمات الثورة الحسينيّة؟ وما هي أهمّ صفات قائدها؟

9.

ما هو الشعار الّذي رفعه الإمام الحسين علیه السلام يوم خروجه من مكّة؟ إشرحه.

10.

لماذا رفض الإمام الحسين علیه السلام كلّ العروض الّتي عرضت عليه قبل خروجه إلى العراق؟

الدرس 22: النصّ على إمامة علي بن الحسین زین العابدین علیه السلام

اشارة

بالإضافة إلى النصوص العامّة الّتي تظافرت عن الرسول صلّی الله علیه و آله حول إمامة خلفائه الاثني عشر المهديّين(1)، والنصوص الّتي تضمّنت ذكرهم بأسمائهم(2)، والنصوص الّتي وردت عن أهل البيت علیهم السلام أنفسهم حول إمامة الأئمّة منهم.. نلاحظ أنّ كلّ إمام كان ينصّ على إمامة الّذي يليه في الموضع المناسب والزمن المناسب.

وقد نصّ الإمام الحسين علیه السلام على إمامة زين العابدين علیه السلام في أكثر من موضع وزمان، منها ما ورد عن أمّ سلمة قبيل هجرته من المدينة إلى مكّة فكربلاء حيث دفع إليها كتباً وقال لها : إذا أتاك أكبر ولدي فادفعي إليه ما قد دفعتُ إليك، فلمّا قتل الحسين علیه السلام أتى عليّ بن الحسين علیه السلام أمّ سلمة فدفعت إليه كلّ شيء أعطاها الحسين علیه السلام.(3)


1) راجع كفاية الأثر ومنتخب الأثر وقادتنا وإثبات الهداة وأعلام الورى وإحقاق الحقّ والأصول من الكافي الّتي جُمعت فيها النصوص على إمامة الأئمة علیهم السلام وعيون كراماتهم الدالّة على إمامتهم.

2) راجع كفاية الأثر ومنتخب الأثر وقادتنا وإثبات الهداة وأعلام الورى وإحقاق الحقّ والأصول من الكافي الّتي جُمعت فيها النصوص على إمامة الأئمة علیهم السلام وعيون كراماتهم الدالّة على إمامتهم.

3) الغيبة للطوسي، ص 118 و الكافي، ج 1، ص 242، الحديث 3.

وقد ورد في نصٍّ آخر أنّه علیه السلام قد جعل طلب ذلك منها علامة على إمامة الطالب، فطلبها زين العابدين علیه السلام.

كما نصّ الحسين علیه السلام على إمامة ولده زين العابدين علیه السلام قبيل استشهاده حيث دفع كتاباً ملفوفاً ووصيّة ظاهرة إلى ابنته فاطمة الكبرى، وكان عليّ بن الحسين مريضاً لا یرون أنّه يبقى بعده، ولمّا قتل الحسين علیه السلام ورجع أهل بيته إلى المدينة دفعت فاطمة الكتاب إلى عليّ بن الحسين علیه السلام ثمّ صار الكتاب إلى ابنه الباقر علیه السلام.(1)

ونصّ الإمام زين العابدين علیه السلام على هذه الوصيّة حين احتجاجه مع عمّه محمّد ابن الحنفيّة عند الحجر الأسود.(2)

الإمام علي بن الحسين علیه السلام بعد استشهاد أبيه

قال حميد بن مسلم - وهو شاهد عيان - لما جرى بعد ظهر اليوم العاشر من محرّم إثر استشهاد الإمام الحسين علیه السلام: لقد كنت أرى المرأة من نسائه وبناته وأهله تنازع ثوبها من ظهرها حتّى تغلب عليه فيذهب به منها ثمّ انتهينا إلى عليّ بن الحسين علیهما السلام وهو منبسط على فراش وقد اشتدّ به المرض ومع شمر جماعة من الرجّالة فقالوا له: ألا تقتل هذا العليل؟ فقلت: سبحان الله أبقتز الصبيان؟! إنّما هذا صبيٌ وإنّه لما به، فلم أزل حتّى دفعتهم عنه.

وجاء عمر بن سعد فصاحت النساء في وجهه وبكين، فقال لأصحابه: لا يدخل أحد منكم بيوت هؤلاء النسوة ولا تتعرّضوا لهذا الغلام المريض... من أخذ من متاعهنّ شيئاً ليردّه عليهن، فوالله ما ردّ أحد منهم شيئاً».(3)


1) إعلام الورى، ج 1، ص 482 - 483.

2) راجع الاحتجاج، احتجاجات الإمام زين العابدين علیه السلام.

3) الإرشاد، ص 242.

«وسار ابن سعد بسبايا أهل بيت رسول الله صلّی الله علیه و آله فلمّا قاربوا الكوفة اجتمع أهلها للنظر إليهن فأشرفت امرأة من الكوفيات وقالت: من أيّ الأسارى أنتنّ؟ فقلن لها: نحن أُسارى آل محمد صلّی الله علیه و آله فنزلت من سطحها فجمعت لهنّ ملاءً وأزراً ومقانع».(1)

وذكر المؤرّخون عن شاهد عيان آخر أنّه قال: قدمت الكوفة في المحرّم من سنة إحدى وستّين، منصرف عليّ بن الحسين علیه السلام بالنسوة من كربلاء ومعه الأجناد يحيطون بهم وقد خرج الناس للنظر إليهم فلمّا أُُقبل بهم على الجمال بغير وطاء جعل نساء الكوفة يبكين، ويلتدمن،(2)فسمعت علي بن الحسين وهو يقول بصوت ضئيل وقد أنهكته العلّة وفي عنقه الجامعة ويده مغلولة إلى عنقه: إنّ هؤلاء النسوة يبكين، فمن قتلنا؟!».(3)

وعندما أدخلوا الإمام السجاد علیه السلام على ابن زياد سأله من أنت؟ فقال: أنا عليّ ابن الحسين.

فقال له: أليس قد قتل الله عليّ بن الحسين؟

قال عليّ علیه السلام: قد كان لي أخ يسمّى عليّاً قتله الناس.

فقال ابن زیاد: بل الله قتله.

فقال علي بن الحسين علیه السلام: الله يتوفّى الأنفس حين موتها، فغضب ابن زياد وقال: وبك جرأة لجوابي وفيك بقيّة للردّ عليّ؟! اذهبوا به فاضربوا عنقه.(4)

فتعلّقت به عمّته زینب وقالت: يا ابن زياد حسبك من دمائنا واعتنقته وقالت: لا والله لا أُفارقه فإن قتلته فاقتلني معه، فقال لها عليّ علیه السلام: اسكتي يا عمّة حتّى أُكلّمه.(5)


1) أعيان الشيعة، ج 4، ص 142.

2) التدمت المرأة: ضربت صدرها في النياحة، وقيل ضربت وجهها في المآتم.

3) الأمالي للطوسي، ص 91، ط 1، 1414.

4) الإرشاد للمفيد، ج 244.

5) الإرشاد للمفيد، ص 244.

ثم أقبل عليّ على ابن زياد قائلاً: أبالقتل تهدّدني يابن زياد؟ أما علمت أنّ القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة؟

ثم أمر ابن زياد بعليّ بن الحسين علیه السلام وأهل بيته فحملوا إلى دار بجنب المسجد الأعظم...

ولمّا أصبح ابن زياد أمر برأس الحسين علیه السلام فطيف به في سكك الكوفة كلّها وقبائلها، ولمّا فرغ القوم من الطواف به في الكوفة ردّوه إلى باب القصر.

ثمّ إنّ ابن زياد نصب الرؤوس كلّها بالكوفة على الخشب وهي أوّل رؤوس نصبت في الإسلام بعد رأس مسلم بن عقيل بالكوفة.

وكتب ابن زياد إلى يزيد يخبره بقتل الحسين علیه السلام وخبر أهل بيته».(1)

وبعث ابن زياد إلى عمرو بن سعيد بن العاص أمير المدينة وهو من بني أُميّة يخبره بقتل الحسين علیه السلام ولمّا وصل كتاب ابن زياد إلى الشام، أمره يزيد بحمل رأس الحسينعلیه السلام ورؤوس من قتل معه إليه. فأمر ابن زياد بنساء الحسين علیه السلام وصبيانه فجهّزوا، وأمر بعليّ بن الحسين علیه السلام فغلّ بغلّ إلى عنقه، ثمّ سرّح بهم في أثر الرؤوس مع محضر بن ثعلبة وشمر بن ذي الجوشن وحملهم على الأقتاب وساروا بهم كما يسار بسبايا الكفّار حتّى لحقوا بالقوم الّذين معهم الرؤوس فلم يكلّم عليّ بن الحسين علیه السلام أحداً منهم في الطريق بكلمة إلى أن بلغوا الشام.(2)

الإمام علیه السلام و ودائع الرسالة في الشام

خضعت الشام منذ فتحها بأيدي المسلمين لحكّامٍ مثل خالد بن الوليد ومعاوية ابن أبي سفيان. فلم يشاهد الشاميون النبي صلّی الله علیه و آله ولم يسمعوا حديثه الشريف منه مباشرة


1) أعيان الشيعة، ج 4، ص 146.

2) راجع المصدر السابق، ص 147.

ولم يطّلعوا على سيرة أصحابه عن كثب. أمّا النفر القليل من صحابة رسول الله صلّی الله علیه و آله الّذين انتقلوا إلى الشام وأقاموا فيها فلم يكن لهم أثر في الناس بقدر ما كان يقوم به معاوية من دور لتمثيل الإسلام ورسم معالمه لدى الشاميّين.

فليس أمراً عجيباً أن نقرأ أنّ شيخاً شامياً دنا من الإمام السجاد علیه السلام عند دخول سبايا آل محمد صلّی الله علیه و آله الشام وقال له: الحمد لله الّذي أهلككم وأمكن الأمير منكم.

فقال له الإمام علیه السلام: يا شيخ أقرأت القرآن.

فقال الشيخ: بلى.

فقال له الإمام علیه السلام: أقرأت (قل لا أسألكم عليه أجراً إلّا المودّة في القربى)؟

فقال الشيخ: بلى.

فقال له الإمام علیه السلام: فنحن القربى يا شيخ.

ثمّ قال له: فهل قرأت (وآت ذا القربي حقّه)؟

قال: قد قرأت ذلك.

قال علیه السلام: فنحن القربى يا شيخ، فهل قرأت هذه الآية: (واعلموا أنّ ما غنمتم من شيء فأنّ لله خمسه وللرسول ولذي القربي)؟

قال: نعم.

قال الإمام علیه السلام: نحن القربى يا شيخ... هل قرأت (إنّما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهرّكم تطهيراً)؟

قال الشيخ: بلى.

قال له الامام علیه السلام: نحن أهل البيت الّذين اختصّنا الله بآية الطهارة.

قال الشيخ: بالله إنّكم هم.

قال الإمام علیه السلام: تالله إنّا لنحن هم من غير شكّ، وحقّ جَدِّنا رسول الله صلّی الله علیه و آله إنَّا لنحن هم.

فبكى الشيخ ورمى عمامته ثمّ رفع رأسه إلى السماء وقال: اللّهمّ إنّي أبرأ إليك من

عدوّ آل محمّدا.(1)

وحين استقبل إبراهيم بن طلحة بن عبيدالله(2)

يتبيّن بوضوح من خلال حديث ابن طلحة أنّ بعض أبناء كبّار المهاجرين وأشراف قريش لم يحملوا من الإسلام إلّا اسمه، ولعلّ آباءهم الّذي أبلوا بلاءً حسناً مع النبي صلّی الله علیه و آله في حروبه كانوا طامعين في المال والمقام. وإن كانوا من العاملين في سبيل الله حقّاً فإنّ أبناءهم لم يدخل الإيمان المطلوب في قلوبهم، وإلّا كيف يصحّ اعتبار حرب الجمل أو فتح مكّة وواقعة كربلاء واستشهاد الحسين علیه السلام نصراً لبني هاشم وبني أميّة؟ وكيف يفرح ابن المهاجر - هذا - مع أنّه ليس أمويّاً - لانتصار الأمويّين على الهاشميّين ولمقتل الإمام الحسين علیه السلام؟

الإمام علي بن الحسين علیه السلام قال: يا عليّ بن الحسين، من غلب؟ وهو مغطي رأسه، وهو في المحمل، فقال له عليّ بن الحسين إذا أردت أن تعلم مَن غلب، ودخل وقت الصلاة، فأذّن ثمّ أقِم.(3)

لقد كان جواب عليّ بن الحسين علیه السلام: إنّ الصراع إنّما هو على الأذان وتكبير الله تعالى والإقرار بوحدانيّته وليس على رئاسة بني هاشم. وأنّ استشهاد الإمام الحسين علیه السلام والصفوة من أهل بيته وأصحابه هو سبب بقاء الإسلام المحمّدي وثباته أمام جاهليّة بني أميّة ومن حذا حذوهم ممّن لم يذوقوا حلاوة الإيمان والتسليم الشريعة الله سبحانه.

الإمام السجاد علیه السلام يتحدّى يزيد الطاغية

وأُدخل رأس الحسين علیه السلام ونساؤه وأهل بيته على يزيد وهم مقرَّنون في الحبال و زین العابدين علیه السلام مغلول، فلمّا وقفوا بين يديه على تلك الحال تمثّل يزيد بشعر حصين بن حمام المرّي قائلاً:


1) راجع حياة الإمام الحسين، ج 3، ص 371.

2) إبراهيم هو ابن طلحة أحد السابقين إلى الإسلام ومن أوائل المهاجرين لكنّه بعد ربع قرن من وفاة النبيّ صلّی الله علیه و آله أعلن الحرب على الإمام عليّ علیه السلام.

3) أمالي الطوسي، ص 677.

يفلقن هاماً من رجال أعزّة *** علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما(1)

فردّ عليه الإمام عليّ بن الحسين علیه السلام بقوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلّا في كتاب من قبل أن نبرأها إنّ ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحبّ كلّ مختال فخور).(2)

وتميّز يزيد غضباً، فتلا قوله تعالى: (ما أصابتكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير).(3)

قالت فاطمة بنت الحسين علیه السلام: «فلمّا جلسنا بين يدي يزيد رقّ لنا فقام إليه رجل من أهل الشام أحمر فقال يا أميرالمؤمنين: هب لي هذه الجارية - يعنيني - فأرعدت وظننت أنّ ذلك جائز لهم، فأخذت بثياب عمّتي زينب وكانت تعلم أنّ ذلك لا يكون فقالت عمتي للشامي:

كذبت والله ولؤمت والله ما ذاك لك ولا له. فغضب يزيد وقال: كذبت إنّ ذلك لي ولو شئت أن أفعل لفعلت، قالت: كلّا، والله ما جعل الله لك ذلك إلّا أن تخرج من ملّتنا وتدين بغيرها، فاستطار يزيد غضباً، وقال: إيّاي تستقبلين بهذا؟ إنّما خرج من الدين أبوك وأخوك.

قالت: بدین الله ودين أبي ودين أخي اهتديت أنت وجدّك وأبوك إن كُنت مسلماً. قال: كذبتِ يا عدوّة الله.

قالت: أنت أمير تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك، فكأنّه استحيى وسكت.

فعاد الشامي فقال: هب لي هذه الجارية فقال يزيد: أُُعزُب. وَهَبَ الله لك حتفاً قاضياً».(4)


1) زندگانی علیّ بن الحسين علیه السلام، ص 69؛ نقلاً عن العقد الفريد، ج 5، ص 124.

2) الحديد / 22 - 23.

3) الشورى / 30.

4) الإرشاد، ص 246.

ويبدو أنّ اعتماد يزيد لهجة أقلّ قسوة وشراسة من لهجة ابن زياد في الكوفة يعود إلى أنّ ابن زياد كان يريد أن يثبت إخلاصه لسيّده، بينما لا يخشي يزيد أحداً، ولعلّ يزيد أدرك أنّه قد ارتكب خطأً كبيراً في قتله الحسين علیه السلام وسبيه أهل بيت النبوّة، من هنا فإنّه أراد تخفيف مشاعر السخط تجاهه.

وفي تلك الأيام أوعز يزيد إلى خطيب دمشق أن يصعد المنبر ويبالغ في ذمّ الحسين وأبيه علیهما السلام فانبرى إليه الإمام زين العابدين علیه السلام فصاح به:

ويلك أيّها الخاطب! اشتريت رضاء المخلوق بسخط الخالق فتبوّأ مقعدك من النار».

واتّجه الإمام نحو يزيد فقال له: «أتأذن لي أن أصعد هذه الأعواد فأتكلّم بكلمات فيهنّ لله رضا، ولهؤلاء الجالسين أجرٌ وثواب...».

وبهت الحاضرون وعجبوا من هذا الفتى العليل الّذي ردّ على الخطيب والأمير وهو أسير، فرفض يزيد إجابته، وألحّ عليه الجالسون بالسماح له فلم يجد بُدّاً من إجابتهم فسمح له، واعتلى الإمام أعواد المنبر، وكان من جملة ما قاله:

«أيها الناس أُعطينا ستّاً، وفُضّلنا بسبع: أُعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبّة في قلوب المؤمنين، وفُضِّلنا بأنّ منّا النبيّ المختار محمّداً صلّی الله علیه و آله ومنّا الصِّديق ومنّا الطيّار، ومنّا أسد الله وأسد الرسول صلّی الله علیه و آله ومنّا سيّدة نساء العالمين فاطمة البتول، ومنّا سبطا هذه الأُمّة وسيّدا شباب أهل الجنّة».

وبعد هذه المقدّمة التعريفيّة لأُسرته، أخذ علیه السلام في بيان فضائلهم، قائلا:

«فمن عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي.

أنا ابن مكّة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الزكاة بأطراف الرداء، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن خير من حجّ ولبّى، أنا ابن من حُمل على البراق في الهواء، أنا ابن من أُُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فسبحان من أسرى، أنا ابن من بلغ به جبرئيل

إلى سدرة المنتهى أنا ابن من دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلّى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمّد المصطفى، أنا ابن عليٍّ المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتّى قالوا: لا إله إلا الله.

أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله صلّی الله علیه و آله بسيفين، وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحُنين، ولم يكفر بالله طرفة عين.

أنا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيّين وقاطع الملحدين ويعسوب المسلمين ونور المجاهدين وزين العابدين وتاج البكّائين وأصبر الصابرين وأفضل القائمين من آل ياسين ورسول ربّ العالمين.

أنا ابن المؤيد بجبرئيل المنصور بميكائيل أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، والمجاهد أعداءه الناصبين، وأفخر من مشى من قريش أجمعين، وأوّل من أجاب واستجاب لله من المؤمنين وأقدم السابقين وقاصم المعتدين ومبير المشركين وسهم من مرامي الله وبستان حكمة الله، ... ذاك جدّي علىّ بن أبي طالب.

أنا ابن فاطمة الزهراء أنا ابن سيّدة النساء، أنا ابن الطهر البتول، أنا ابن بضعة الرسول صلّی الله علیه و آله أنا ابن المرمّل بالدماء أنا ابن ذبیح كربلاء أنا ابن من بكى عليه الجنّ في الظلماء، وناحت عليه الطير في الهواء».

ولم يزل الإمام يقول أنا: حتى ضجّ الناس بالبكاء وخشي يزيد من وقوع الفتنة وحدوث ما لا تحمد عقباه، فقد أوجد خطاب الإمام انقلاباً فكرياً إذ عرّف الإمام نفسه لأهل الشام وأحاطهم علماً بما كانوا يجهلون.

فأوعز يزيد إلى المؤذِّن ليقطع على الإمام كلامه فصاح المؤذن: «الله أكبر» فالتفت إليه الإمام فقال له: كبّرت كبيراً لايقاس، ولا يدرك بالحواس، لا شيء أكبر من الله، فلمّا قال المؤذِّن : أشهد أن لا إله إلّا الله. قال الإمام علیه السلام: شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي ومخّي وعظمي، ولمّا قال المؤذِّن : «أشهد أنّ محمّداً رسول الله» التفت

الإمام إلى يزيد فقال له: يا يزيد محمّد هذا جدّي أم جدّك؟ فإن زعمت أنّه جدّك فقد كذبت، وإن قلت أنّه جدّي فلِمَ قتلت عترته».(1)

و وجم يزيد، ولم يطق جواباً وتبيّن لأهل الشام أنّ بني أُميّة غارقون في الإثم، وأنّ الحكم الأموي قد جهد في إغوائهم وإضلالهم. وتبيّن بوضوح أنّ الحقد الشخصي وغياب النضج السياسي هما السببان لعدم إدراك يزيد عمق ثورة الإمام الحسين علیه السلام ممّا أدّى إلى توهّمه بأنّها لن تؤدّي إلى نتائج خطيرة على حكمه.

ولعلّ أكبر شاهد على هذا التوهّم هو رسالة يزيد في بدايات تسلّمه الحكم لواليه على المدينة والّتي أمره فيها بأخذ البيعة من الحسين علیه السلام، وإن رفض علیه السلام البيعة فقد طلب منه أن يشدّد عليه بقتله وبعث رأسه إلى دمشق.

وفي سياق الحديث عن حسابات يزيد الخاطئة نُشير أيضاً إلى عمليّة نقل أسرى أهل البيت علیه السلام إلى الكوفة ومن ثمّ إلى الشام وما تخلّل ذلك من ممارسات إرهابيّة عكست نزعته الإجراميّة. ولم يلتفت يزيد إلى خطورة الجريمة الّتي ارتكبها إلّا بعد أن تدفّقت عليه التقارير الّتي تتحدّث عن ردود الفعل والاحتجاجات على قتله لريحانة رسول الله صلّی الله علیه و آله. ولذلك حاول أن يلقى مسؤوليّة الجريمة البشعة على ابن مرجانة، قائلاً للإمام السجّاد علیه السلام: «لعن الله ابن مرجانة أما والله لو أنّي صاحبه ما سألني خصلة أبداً إلّا أعطيته إيّاها، ولدفعت الحتف عنه بكلّ ما استطعت، ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن قضى الله ما رأيت يا بُني كاتبني بكلّ حاجة تكون لك».(2)


1) حياة الإمام زين العابدين دراسة وتحليل، ص 175 - 177.

2) تأريخ الطبري، ج 1، ص 378 - 379.

الخلاصه

回 بدأ الإمام علي بن الحسين علیه السلام بعد استشهاد أبيه السبط جهاده وهو في دور الأسر متحدّياً طغاة عصره ومحرّضاً المسلمين على قتل قتلة الإمام الحسين علیه السلام وكاشفاً عن الأقنعة الّتي تقنّع بها نظام يزيد وفاضحاً حكّام بني أُميّة الّذين أخذوا يهدمون الإسلام باسم خلافة الرسول صلّی الله علیه و آله.

回 و قد صرّح الإمام علیه السلام بانتصار ثورة أبيه علیه السلام حين انفجارها مستدلّاً بأنّ وقت الصلاة هو الّذي يدلّ على من غلب إذا أذّن المؤذّن وأقام.

回 و حين رأى يزيد انكشاف سؤأته الّتي لم يتحمّلها المسلمون ولم يغفروها له؛ تراجع وأعرب عن أسفه على قتل ابن زياد لسبط الرسول صلّی الله علیه و آله.

回 و هذا دليل آخر على فشل خطّة الأمويّين لضرب المعارضة وقمع ثورة الحسين علیه السلام بوجه الظلم المستشري في بلاد الإسلام وباسم رسول الله صلّی الله علیه و آله.

الأسئلة

1.

متى نصّ الإمام الحسين علیه السلام على إمامة ولده عليّ زين العابدين علیه السلام؟

2.

كيف نجا الإمام زين العابدين من القتل يوم عاشوراء؟

3.

ما هو موقف ابن زياد من زين العابدين علیه السلام حين رآه حيّاً أمامه؟

4.

ما هو موقف الإمام زين العابدين علیه السلام من شعار المجبّرة الّذي حاول أن يستفيد منه ابن زیاد؟

5.

ما هو دور زينب الكبرى علیها السلام في الحفاظ على وريث الحسين علیه السلام وصيانة ثورته من الضياع؟

6.

ما هي المواقف الإرشاديّة والأساليب الّتي اتّخذها الإمام زين العابدين علیه السلام لكشف الأقنعة الكاذبة للنظام الأموي السفياني؟

7.

كيف تحدّى الإمام زين العابدين علیه السلام طاغية زمانه يزيد بن معاوية؟

8.

ما هي أسباب إخفاق المخطّط الأموي لِمحو الإسلام المحمّدي؟

الدرس 23: الإمام زين العابدين علیه السلام في مدينة الرسول صلّى الله عليه و آله

ردود فعل الثورة الحسينيّة

بدأت ردود الفعل على مقتل الحسين علیه السلام بالظهور مع دخول سبايا أهل البيت علیهم السلام إلى الكوفة. فبالرغم من القمع والإرهاب اللذين مارسهما ابن زياد مع كلّ من كان يبدي أدنى معارضة ليزيد فإنّ أصواتاً بدأت ترتفع محتجّة على الظلم السائد.

فعندما صعد ابن زياد المنبر وأثنى على يزيد وحزبه وأساء إلى الحسين علیه السلام وأهل بيت الرسالة «قام إليه عبدالله بن عفيف الأزدي وقال له: يا عدوّ الله إنّ الكذّاب أنت وأبوك والّذي ولّاك وأبوه يابن مرجانة، تقتل أولاد النبيّين وتقوم على المنبر مقام الصدّيقين؟!

فقال ابن زياد، عليّ به، فأخذته الجلاوزة فنادى بشعار الأزد فاجتمع منهم سبعمائة فانتزعوه من الجلاوزة. فلمّا كان الليل أرسل إليه ابن زياد من أخرجه من بيته فضرب عنقه وصلبه».(1)

ومع أنّ هذه المواجهة انتهت لصالح ابن زياد لكنّها كانت مقدّمة لاعتراضات أخرى.


1) الإرشاد، ص 244.

وظهرت في الشام أيضاً بوادر السخط والإستياء، الأمر الّذي جعل يزيداً ينحو باللّائمة في قتل الحسين علیه السلام على ابن زياد.

إلّا أنّ أشدّ ردود الفعل كانت تلك الّتي برزت في الحجاز. فلقد انتقل عبدالله ابن الزبير إلى مكّة في الأيّام الأولى من حكومة يزيد واتّخذها قاعدة لمعارضته للشام، وقام بتوظيف فاجعة كربلاء للتنديد بنظام يزيد، وألقى خطاباً وصف فيه العراقيّين بعدم الوفاء، وأثنى على الحسين بن علي علیه السلام ووصفه بالتقوى والعبادة.

وفي المدينة ألقى الإمام زين العابدين علیه السلام خطاباً في أهلها لدى عودته من الشام والعراق. يقول المؤرّخون: إنّ الإمام علیه السلام جمع الناس خارج المدينة قبل دخوله إليها، وخطب فيهم قائلاً:

«الحمد لله ربّ العالمين مالك يوم الدين بارئ الخلائق أجمعين، الّذي بعد فارتفع في السماوات العُلى، وقرب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأُمور وفجائع الدهور، ومضاضة اللواذع، وجليل الرزء وعظيم المصائب الفاظعة الكاظّة الفادحة الجائحة.

أيّها القوم: إنّ الله - وله الحمد - ابتلانا بمصائب جليلة، في الإسلام عظيمة، قُتل أبو عبدالله الحسين علیه السلام وسُبي نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان من فوق عالي السنان، وهذه الرزيّة الّتي لا مثلها رزيّة.

أيها الناس: فأيّ رجالات منكم يسرّون بعد قتله ؟! أم أيّ فؤادٍ لا يحزن من أجله؟! أم أيّة عين منكم تحبس دمعها وتضنّ عن انهمالِها؟! فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار بأمواجها والسماوات بأركانها والأرض بأرجائها والأشجار بأغصانها والحيتان في لجج البحار والملائكة المقرَّبون وأهل السماوات أجمعون.

أیّها الناس: أيّ قلب لا ينصدع لقتله ؟! أم أيّ فؤاد لا يحنّ إليه؟! أم أيّ سمع يسمع هذه الثلمة الّتي ثلمت في الإسلام ولا يصمّ؟!

أيّها الناس أصبحنا مطرودين مشرّدين مذودين و شاسعين عن الأمصار، كأنّا أولاد ترك وكابل، من غير جرم اجتر مناه ولا مكروه ارتكبناه ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها،

ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين، إن هذا إلّا اختلاق.

والله لو أنّ النبيّ تقدّم إليهم في الوصاية بنا؛ لما زادوا على ما فعلوا. فإنّا لله وإنّا إليه راجعون من مصيبة ما أعظمها وأوجعها وأفجعها وأكظّها وأفظعها وأمرّها وأفدحها!! فعند الله نحتسب فيما أصابنا وأبلغ بنا فإنّه عزيز ذو انتقام».(1)

لقد جسّد هذا الخطاب - على قصره - واقعة كربلاء على حقيقتها مركّزاً على المظلوميّة الّتي لحقت بأهل البيت علیهم السلام في قتل الحسين بن علي علیهما السلام من جانب، وأسر أهل بيته من جانب آخر، بالإضافة إلى المظلوميّة الّتي لحقتهم بعد واقعة الطف إذ نصبت رؤوس الشهداء - بما فيهم سيّدهم الحسين علیه السلام- فوق الأسنة تُنقل ويُتباهى بها من بلدٍ إلى بلد.

وعقّب الإمام زين العابدين علیه السلام واصفاً ما لقيه آل النبيّ من السبي والتشريد كما يُعامل الترك والروم الكافرون، وهم أهل بيت الوحي ومعدن الرسالة وهم قادة الإيمان وأبواب الخير والرحمة والهداية.

وأنهى الإمام خطابه بوصفٍ في منتهى الدقّة عن عظمة الجرائم الّتي ارتكبها جيش السلطة الأمويّة في حقّ أهل البيت علیهم السلام؛ فإن الرسول صلّی الله علیه و آله لو كان يأمر هؤلاء بالتمثيل بأهل البيت وتعذيبهم لما كانوا يزيدون على ما فعلوا، فكيف بهم وقد نهاهم عن التمثيل بالكلب العقور، وكيف يمكن توجيه كلّ ما فعلوه وقد أوصاهم النبيّ بحفظه في عترته، ولم يطالبهم بأجرٍ للرسالة سوى المودّة في قرباه؟!

الإمام زين العابدين علیه السلام يتّخذ بيتاً في البادية

روي عن أبي جعفر الباقر علیه السلام أنّه قال: كان أبيّ علي بن الحسين علیهما السلام قد اتّخذ منزله - من بعد مقتل أبيه الحسين بن علي علیه السلام- بيتاً من شَعرٍٍ، وأقام بالبادية فلبث بها


1) اللهوف، ص 116 و بحار الأنوار، ج 45، ص 128 - 129.

عدّة سنين، كراهيّة لمخالطة الناس وملاقاتهم. وكان يصير من البادية بمقامه إلى العراق زائراً لأبيه وجده علیهما السلام ولا يُشعر بذلك من فعله.(1)

نعم بهذا الإجراء الفريد قد أبعد الامام الأخطار الموجّهة إليه وهو ابن سيّدالشهداء الثائر على الحكم القائم والكفيل لعوائل الشهداء، فإنّه يكون قد ابتعد عن البيئة الّتي تُحصي عليه أنفاسه، وسوف لا تستطيع الدولة أن تتّهمه بشيء يحدث في المدينة.

ثورة أهل المدينة

ولم تكن الأوضاع هادئة في المدينة في السنة الّتي كانت تحت إدارة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. وأوضح شاهد على اضطراب الأوضاع في المدينة هو استبدال ثلاثة ولاة خلال عامين.(2)

وأراد عثمان بن محمّد بن أبي سفيان أن يكسب رضا أهل المدينة فأرسل وفداً من أبناء المهاجرين والأنصار إلى دمشق ليشاهدوا الخليفة الشابّ عن كثب وينالوا نصيبهم من هداياه.

إلّا أنّ الوفد رأى في سلوك يزيد ما يشين ويقبح.

ولما رجعوا إلى المدينة أظهروا شتم يزيد وعيبه وقالوا: قدمنا من عند رجلٍ ليس له دين يشرب الخمر ويضرب بالطنابير وتعزف عنده القيان ويلعب بالكلاب ويسمر عنده الحراب - وهم اللصوص - وإنّا نشهدكم أنّا قد خلعناه.

وقال عبدالله بن حنظلة (غسيل الملائكة): لو لم أجد إلّا بَنيّ هؤلاء لجاهدته بهم وقد أعطاني وأكرمني وما قبلت عطاءه إلّا لأتقوّى به، مخلع الناس يزيد وبايعوا عبدالله بن حنظلة وولّوه عليهم.(3)


1) فرحة الغري لابن طاووس، ص 43.

2) تأريخ الطبري، ج 7، ص 402.

3) الكامل في التأريخ، ج 4، ص 103.

إنّ نقد الوفد المدني لزيد لم يكن هو الدليل الوحيد على انحراف يزيد وتنكّره للإسلام ، بل إنّ جور يزيد وعمّاله على البلدان الإسلاميّة وفسقهم وشدّة بطشهم واستهتارهم بالحرمات الإلهيّة مثل قتل ريحانة الرسول صلّی الله علیه و آله الحسين ابن علي بن أبي طالب علیهما السلام سيّد شباب أهل الجنّة دليل قويّ على انحرافه عن الإسلام المحمّدي. هذا فضلاً عن حقد الأمويّين للأنصار.

ومن هنا لم يتلكّاً أهل المدينة في إخراج عامل يزيد عليها. فحاصروا بني أميّة وأتباعهم، وأخرجوهم عن المدينة بشرط عدم الرجوع إليها.

ولمّا بلغ أمر الثورة إلى مسامع يزيد أرسل مسلم بن عقبة - السفّاك - ليقضي على ثورة أهل المدينة - مدينة رسول الله صلّی الله علیه و آله ومهبط وحي الله - وزوّده بتعليمات خاصّة تجاههم قائلاً له:

اُدع القوم ثلاثاً فإن أجابوك وإلّا فقاتلهم، فإذا ظهرتَ عليهم فأبحها - أي المدينة - ثلاثاً، فما فيها من مال أو دابّة أو سلاح أو طعام فهو للجند.(1)وأمرهُ أن يُجهِز على جريحهم ويقتل مُدْبِرَهم.(2)

وصل جيش يزيد إلى المدينة، وبعد قتال عنيف مع أهلها، استبسل فيه الثائرون دفاعاً عن دينهم، واستشهد أغلب المدافعين وكان فيهم عبدالله بن حنظلة ومجموعة من صحابة رسول الله صلّی الله علیه و آله، ونفّذ قائد الجيش أوامر يزيد وأوعز إلى جنوده باستباحة المدينة فهجم الجند على البيوت وقتلوا الأطفال والنساء والشيوخ كما أسروا آخرين.

قال ابن كثير: أباح مسلم بن عقبة - الّذي يقول فيه السلف (مسرف بن عقبة) قبّحه من شيوخ سوء ما أجهله - المدينة ثلاثة أيّام كما أمره يزيد - لا جزاه الله خيراً- وقتل خلقاً من أشرافها وقرّائها وانتهب أموالاً كثيرة منها... وجاءته امرأة فقالت: أنا


1) تأريخ الطبري، ج 4، ص 372 و الكامل في التأريخ، ج 4، ص 113.

2) التنبيه والإشراف، ص 263، ط القاهرة.

مولاتك وابني في الأُسارى. فقال: عجّلوه لها، فضرب عنقه، وقال: أعطوها رأسه. ووقعوا على النساء حتّى قيل أنّه حبلت ألف امرأة في تلك الأيّام من غير زوج.

قال المدائني، عن هشام بن حسّان: ولدت ألف امرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحرّة من غير زوج، وروي عن الزهري أنّه قال: كان القتلى يوم الحرّة سبعمائة من وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ووجوه الموالي، ممّن لا أعرف من حرّ وعبد وغيرهم، عشرة آلاف.(1)

ثم نصب كرسي لمسلم بن عقبة، وجيء بالأسارى من أهل المدينة فكان يطلب إلى كلّ واحد منهم أن يبايع ويقول: إنّني عبد مملوك ليزيد بن معاوية يتحكّم فيّ وفي دمي وفي مالي وفي أهلي ما يشاء،(2)وكلّ من امتنع ولم يبايع بالعبوديّة ليزيد وأصرّ على القول بأنّه عبدالله سبحانه وتعالى قتله.(3)

واُتي بزين العابدين علیه السلام إلى مسلم بن عقبة، وهو مغتاظ عليه فتبرّأ منه ومن آبائه. فلمّا رآه وقد أشرف عليه ارتعد وقام له، وأقعده إلى جانبه، وقال له: سلني حوائجك فلم يسأله في أحد ممّن قدّم إلى السيف إلّا شفّعه فيه، ثمّ انصرف عنه.

فقيل لعلي علیه السلام: رأيناك تحرّك شفتيك، فما الّذي قلت؟

قال: قلت: اللّهمّ ربّ السماوات السبع وما أظللن، والأرضين السبع وما أقللن ربّ العرش العظيم، ربّ محمّد وآله الطاهرين. أعوذ بك من شرّه، وأدراً بك في نحره. أسألك أن تؤتيني خيره، وتكفيني شرّه.

قيل لمسلم: رأيناك تسبّ هذا الغلام وسلفه فلما اُتي به إليك رفعت منزلته؟ فقال: ما


1) البداية والنهاية، ج 8، ص 220، ط دار الفکر، بيروت، سنة 1398 و تأريخ الخلفاء، ص 233.

2) تأريخ الطبري، ج 4، ص 381؛ مروج الذهب، ج 3، ص 70؛ الكامل في التأريخ، ج 4، ص 118؛ البداية والنهاية، ج 8، ص 222 و قد جاء في تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 251: كان الرجل من قريش يؤتى به فيقال: بايع أنّك عبد--- ليزيد، فيقول لا، فيضرب عنقه.

3) الكامل في التأريخ، ج 4، ص 118: مروج الذهب، ج 3، ص 70.

كان ذلك لرأي منّي، لقد مُليء قلبي منه رعباً!

ولم يبايع الإمام علیه السلام ليزيد كما لم يبايع عليّ بن عبدالله بن العباس. حيث امتنع بأخواله من كندة فالحصين بن نمير نائب مسلم بن عقبة قال: لا يبايع ابن اختنا إلّا كبيعة عليّ بن الحسين.(1)على أنّه ابن عمّ أمير المؤمنين وإلّا فالحرب بيننا فأُعفي عن البيعة.

وذكر المؤرّخون أنّ الإمام علیه السلام كفل في واقعة الحرّة أربعمائة أسرة من عبد مناف وظلّ ينفق عليها حتّى خروج جيش مسلم من المدينة.(2)

وبعد أن قمع مسلم بوحشيةٍ ثورة أهل المدينة وأجهض انتفاضتهم، توجّه إلى مكّة الّتي أعلن فيها عبدالله بن الزبير ثورته على الحكم الأموي، لكنّه لقي حتفه في الطريق. فتسلّم الحصين بن نمير قيادة الجيش الأموي بناء على أوامر يزيد. وعندما وصل أطراف مكّة فرض حصاراً عليها وضرب الكعبة بالمنجنيق وأحرقها.(3)

وفي الوقت الّذي كانت فيه مكّة تحت حصار الجيش الاُموي، لقي يزيد حتفه. فعقد قائد الجيش الأموي الّذي لم يكن وقتذاك يعرف زعيمه الّذي يقاتل معه، مفاوضات مع ابن الزبير أعرب له فيها عن استعداده لقبول بيعته شريطة أن يرافقه إلى الشام. إلّا أنّ ابن الزبير رفض الشرط، فعاد الحصين وجيشه إلى الشام.

الإمام زين العابدين علیه السلام و ثورة أهل المدينة

قال المسعودي: كانت حركة أهل المدينة ضدّ يزيد، وكان إخراجهم لبني أميّة


1) النظريّة السياسيّة لدى الإمام زين العابدين، محمود البغدادي، ص 273. المجمع العالمي لأهل البیت علیهم السلام، الطبعة الأولى، سنة 1415ه-

2) كشف الغمة، ج 2، ص 107.

3) تأريخ الطبري، ج 4، ص 383، حوادث سنة 64: الكامل في التأريخ، ج 4، ص 24.

وعامل يزيد من المدينة بإشارة من ابن الزبير.(1)

فلم يكن للإمام السجاد علیه السلام ولا لأهل البيت علیهم السلام موقع أو دور في تلك الحركة ويشهد لذلك ما جاء عن الإمام علیه السلام بالنسبة لتلك الفترة الزمنيّة قوله: «ما بمكّة والمدينة عشرون رجلاً يحبّنا».(2)

هذا فضلاً عن طبيعة الظروف الّتي كانت تحتّم على الإمام علیه السلام الابتعاد عن المدينة في السنين الاُولى من إقامته فيها بعد وقعة كربلاء، وبعد المواقف البطوليّة الّتي وقفها وهو في الأسر حيث وظّف كلّ ما لديه من طاقات لفضح الحكم القائم. فموقف الإمام المسبق - قبل حركة أهل المدينة - وجفاء أهل المدينة لأهل البيت علیهم السلام، وإسراف الدولة في إراقة دماء أهل البيت علیهم السلام كانت تكفي لئلّا يتورّط يزيد مرّة أخرى في إراقة دماء البقيّة الباقية من أهل البيت علیهم السلام، بل كان كلّ ذلك مرجّحاً وداعياً للتزلّف إليه وكسب ودّه تقليلاً أو دفعاً للنقمة الّتي واجهتها بعد استشهاد الحسين علیه السلام.

على أنّ هتك حرمة المدينة لم تكن مطلوبة ولم تكن مرجّحاً لأن تكون مركزاً للثورة وقد يشهد لذلك رفض الحسين علیه السلام لدعوات البقاء في مكّة أو المدينة حين قد عزم على الخروج على يزيد، لأنّ الحكم القائم لا يتورّع عن هتك حرمة الحرمين الشريفين.

انهيار الحكم السفياني وانشقاق البيت الاُموي

مات يزيد في ربيع الأوّل من سنة 64 هجريّة وهو في الثامنة والثلاثين من عمره، وكانت صحيفة أعماله في مدّة حكمه - الّذي استمر ثلاث سنوات وبضعة أشهر سوداء


1) مروج الذهب، ج 3، ص 78.

2) شرح نهج البلاغة، ج 4، ص 104.

بسبب قتله ابن بنت النبي صلّی الله علیه و آله وأسر أهل بيت رسول الله صلّی الله علیه و آله والقتل الجماعي لأهل المدينة وهدم الكعبة.

ثمّ بايع أهل الشام ولده معاوية إلّا أنّ حكمه لم يستمرّ أكثر من أربعين يوماً، إذ أعلن تنازله عن العرش. ومات بعدها في ظروف غامضة حتّى قيل إنّه مات مسموماً.(1)فانشقت القيادات المؤيّدة لبني أميّة على نفسها إلى كتلتين: كتلة أيّدت زعامة مروان بن الحكم، وقد مثّل هذا الاتجاه القبائل اليمانيّة، بقيادة حسّان الكلبي بينما أيّدت قوى القيسيّين بقيادة الضحّاك بن القيس الفهري، عبدالله بن الزبير.

وإبّان خلافة يزيد القصيرة امتدت أيدي الكلبيّين تدريجياً إلى مراكز السلطة فمارسوا ضغوطاً شديدة على القيسیّين، الأمر الّذي أزعج الضحّاك كثيراً فانتهز الفرصة بعد موت يزيد ليبايع ابن الزبير - وهو من العرب العدنانيّين - واشتبك الكلبيّون والقيسيّون في «مرج راهط»(2)في معركة أسفرت عن انتصار القيسيّين، فأصبح مروان بن الحكم خليفة واستقرّت الأوضاع المضطربة في الشام نسبياً.

ثورة التوّابين

صعد عبدالله بن الزبير معارضته للشام والّتي كان قد بدأها بعد موت معاوية حيث كان قد دعا الحجازيّين لمبايعته كخليفة للمسلمين فاستجابت له الأكثريّة الساحقة منهم بعد استشهاد الإمام الحسين علیه السلام. وشهد العراق تحرّكاً جديداً وذلك بعد الندم الّذي أخذ يقضّ مضاجع الكوفيّين إذ خذلوا سيّدهم الحسين علیه السلام ضدّ الحكم الأموي. لكنّهم لم يحقّقوا شيئاً يذكر على صعيد إسقاط الحكم على المدى القريب. فقد قتل سلیمان بن صرد قائد التوّابين ورجع من بقي من جيشه إلى الكوفة.


1) الفخري، ص 118.

2) منطقة في شرق دمشق.

ثورة المختار

و في تلك الغضون ظهر المختار بن أبي عبيدة الثقفي على مسرح الأحداث مستنهضاً أهل العراق لأخذ الثأر من قَتَلة أبي عبدالله الحسين علیه السلام، فبدأ بإعداد الشيعة للثورة بعد فشل ثورة التوّابين. وكان يعرف جيّداً أنّ أي تحرّك شيعي يقتضي زعامة من أهل بيت الرسالة علیهم السلام، وأنّ الإنطلاق للثورة ينبغي أن يتمّ باسمه. ومَن أفضل من عليّ بن الحسين علیه السلام؟ وإن رفض الإمام الاستجابة لذلك فليس أمامه غير محمّد بن عليّ بن أبي طالب وهو عمّ الإمام السجّاد علیه السلام.

من هنا كاتب المختار كُلّاً من الإمام زين العابدين علیه السلام وعمّه محمّد.

أمّا الإمام علیه السلام- الّذي كان قد خَبَرَ عدم وفاء العراقيّين وتذبذبهم وأنّ الدين لعق على ألسنتهم - لم يعلن عن تأييده الصريح له، لكنه علیه السلام أمضى عمله عندما ثأر من قتلة أبيه الحسين علیه السلام.

وأرسل المختار رأسَي عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد إلى الإمام علیه السلام فسجد علیه السلام شكراً لله تعالى وقال: «الحمد لله الّذي أدرك لي ثأري من أعدائي وجزى الله المختار خيراً».(1)

قال اليعقوبي: «ووجّه المختار بالرأس الخبيث - (أي رأس ابن زياد) - إلى الإمام علي بن الحسين، وعهد إلى رسوله بأن يضع الرأس بين يدي الإمام وقت ما يوضع الطعام على الخوان بعد الفراغ من صلاة الظهر، وجاء الرسول إلى باب الإمام، وقد دخل الناس لتناول الطعام، فرفع الرجل عقيرته ونادى: يا أهل النبوة، ومعدن الرسالة، ومهبط الملائكة، ومنزل الوحي! أنا رسول المختار بن أبي عبيدة ومعي رأس عبيدالله بن زياد.... فلم تبق علويّة في دور بني هاشم إلّا صرخت.(2)


1) رجال الكشي، ص 84؛ المختار الثقفي، ص 124.

2) حياة الإمام زين العابدين دراسة وتحليل، ص 658 عن تأريخ اليعقوبي.

ويقول بعض المؤرّخين: إنّ الإمام زين العابدين علیه السلام لم يَرَ ضاحكاً منذ أن استشهد أبوه إلّا في اليوم الّذي رأى فيه رأس ابن مرجانة.(1)

وعن بعض آخر: انه لمّا رأى الإمام علیه السلام رأس الطاغية قال: «سبحان الله ما اغترّ بالدنيا إلّا من ليس لله في عنقه نعمة، لقد أُدخل رأس أبي عبدالله على ابن زياد، وهو يتغدّى».(2)

الخلاصه

回 بدأت ردود فعل الثورة الحسينيّة قبل استشهاد الإمام الحسين علیه السلام حين التحق بمعسكره جمع من معسكر ابن زياد ورجّحوا الموت معه على الحياة مع الطغاة اللئام.

回 و استمرّت ردود الفعل بالظهور بعد عاشوراء فقد أدان ابن زياد في الكوفة عبدالله ابن عفيف الأزدي وفي الشام ظهرت ردود فعل أُُخرى، ثم تمخّضت سنة 62 هجريّة عن ثورة أهل المدينة الّتي انتهك يزيد حرمتها، وبذلك أثبت للتأريخ وللعالم الإسلامي أنّه لا يحترم مسلماً ولا نبيّاً ولا كعبة ولا مسجد النبي صلّی الله علیه و آله ولا مدينة الرسول صلّی الله علیه و آله فضلاً عن أحكام الإسلام وحرماته الّتي يتحدّاها بانتهاكها على مرأى ومسمع من المسلمين.

回 و لم يساهم الإمام زين العابدين علیه السلام في ثورة أهل المدينة لأسباب شتّى. وكانت آخر ردود فعل الثورة الحسينيّة هي انهيار الحكم السفياني وانشقاق البيت الأموي الّذي لم ينج من الثورات المتتالية الّتي تعاقبت لإسقاطه

وتفنيته.


1) المصدر، ص 659.

2) العقد الفريد، ج 5، ص 143.

الأسئلة

1.

ما هي ردود فعل الثورة الحسينيّة؟ ومتى ظهرت؟

2.

ما هي المحاور المهمّة الّتي تكلّم عنها الإمام علیه السلام في المدينة بعد استشهاد أبيه؟

3.

هل اتّخذ الإمام علیه السلام بيتاً في البادية؟ ولماذا؟ وإلى متى؟

4.

كيف اندلعت ثورة أهل المدينة؟ ولماذا؟

5.

ما هو موقف الإمام علیه السلام من ثورة أهل المدينة؟ ولماذا؟

6.

هل ساهم الإمام في ثورة أهل المدينة؟ ولماذا؟

7.

لماذا انهار الحكم السفياني وتزعزع الحكم الأموي بعد استشهاد الحسين علیه السلام؟

8.

ما هي ثورة التوّابين؟ ولماذا؟ ومتى انفجرت؟

الدرس 24: ملامح عصر الإمام زين العابدين علیه السلام

أسس وعناصر قوّة الحضارة الإسلاميّة

فجّر الإسلام في غياهب الجاهليّة ثورته الثقافيّة العملاقة وأرسى بذلك قواعد وأسس الحضارة الإسلاميّة العظيمة.

فكانت الدعوة القرآنيّة إلى استخدام العقل وطلب العلم هي الركن الأوّل في هذه الثورة الثقافيّة والتسامي إلى الكمال الأخلاقي والمعنوي هي الركن الثاني في هذه الثورة العملاقة، وجاء الجهاد في سبيل الله وطلب الشهادة كعنصر حيوي في هذه المنظومة الثقافيّة والأخلاقيّة الإلهيّة الّتي طلع بها الإسلام على المجتمع البشري آنذاك.

وكانت النتيجة أن تحوّل المجتمع العربي الجاهلي المفتّت في فترة قصيرة جدّاً - في حساب الحضارات - إلى دولة عظمى وحضارة جديدة تنطوي على عناصر القوّة والبقاء والكمال.

غير أنّ الاهتمام الكبير بالفتوحات الإسلاميّة لم يرافقه الإهتمام بالصيانة الداخليّة، أو فقل: أنّ الإهتمام بالجهاد الأصغر لم يرافقه الإهتمام بالجهاد الأكبر المتمثّل بتعميق الثقافة والأخلاق السامية والتكامل المعنوي بنحوٍ يكون متكافئاً أو بنحوٍ يضمن صيانة الأمّة الإسلاميّة الفاتحة من عوامل الهدم المتمثّلة في الغفلة عن حقيقة عالم الدنيا والغفلة عن التوجّه لعالم الآخرة والغفلة عمّا جاء الإسلام من أجله وهو انتشال الإنسان

من الضياع في عالم الحسّ والمادّة والارتقاء به إلى عالم السمو والكمال المعنوي ويعود ذلك في أحد أسبابه المهمّة إلى عزل القيادة الإلهيّة الرشيدة عن ممارسة دورها المطلوب وهي قيادة الأئمّة المعصومين بعد رسول الله صلّی الله علیه و آله.. حيث أدّى ذلك إلى افتقاد المربّي الكفوء والحارس الأمين والحريص على تحقيق أهداف الرسالة... ولم تكن الفترة القصيرة الّتي حكم فيها الإمامان عليّ بن أبي طالب وابنه الحسن علیهما السلام كافية لردم ما دخل الاُمّة الإسلاميّة وتجذّر فيها من عوامل الضعف والانهيار..

وأخذ الحاكمون يهتّمون بالفتوح لأسباب عديدة حيث كانت تحقّق لهم عدّة مآرب مادّيّة وسياسيّة في آن واحد.(1)

فالعقود الأولى من تأسيس الدولة الإسلاميّة وبالضبط في العقد الثاني من تأسيسها كان المسلمون قد اتّجهوا نحو الشرق والغرب وأخذوا يجاهدون لتوسيع رقعة الدولة الإسلاميّة.

وقد ساعدت الظروف السيّئة المسيطرة على الاُمم المغلوبة أن تدخل الإسلام بسرعة وتنفتح على المسلمين وعلى الثقافة الإسلاميّة انفتاحاً ملفتاً للنظر، وبدأت تتحضّر على الإسلام وأصبحت جزءً من الاُمّة الإسلاميّة الكبرى فكان الإسلام لها نوراً وهدىً ونبراساً وقنطرة إلى الكمال المنشود.

ولكن هذه الفتوحات كانت ذات نتائج سلبيّة على المجتمع الإسلامي الفاتح. إلى جانب النتائج الإيجابيّة للأمم والشعوب الداخلة إلى حضيرة الإسلام، ويمكن إيجازها في خطرين أساسيّين:

1. خطر الانهيار والمسخ الثقافي.

1) المآرب الماديّة هي الغنائم والثروات الّتي تحقّق مكسباً ماديّاً للحاكم وللغزاة، ومن المآرب السياسيّة اشغال المسلمين بالعدوّ الخارجي وتفويت الفرصة على عناصر التوتّر الداخليّين، فإنّ المسلمين يتّحدون أمام أعدائهم الخارجيّين كما تنازل الإمام عليّ عن حقّه في الخلافة من أجل تفويت الفرصة على أعداء الإسلام المحيطين بالدولة الفتيّة.

2. خطر الانهيار والمسخ الأخلاقي

وذلك أنّ هذه الموجة وان امتدّت بزخمها الروحي وحماسها العسكري والعقائدي فزلزلت عروش الأكاسرة والقياصرة وضمّت شعوباً مختلفة وبلاداً واسعة إلى الدعوة الإسلاميّة، وأصبح المسلمون قادة الجزء الأعظم من العالم المتمدّن وقتئذٍ خلال نصف قرن فقط... ولكنّها بالرغم من العوائد الّتي حصلت عليها الشعوب المنفتحة على الإسلام والمسلمين، قد عرّضت المسلمين لخطرين كبيرين خارج النطاق السياسي والعسكري.

والأوّل منهما: هو الخطر الّذي نجم عن انفتاح المسلمين على ثقافات متنوّعة وأعراف تشريعيّة وأوضاع اجتماعيّة مختلفة بحكم تفاعلهم مع الشعوب الّتي دخلت في دين الله أفواجاً.

وهنا كان لابدّ من عمل على الصعيد العلمي يؤكّد في المسلمين أصالتهم الفكريّة وشخصيّتهم التشريعيّة المتميّزة المستمدّة من الكتاب والسُنّة.(1)

وكان لابدّ من حركة فكريّة اجتهاديّة تفتح آفاقهم الذهنيّة ضمن ذلك الإطار، لكي يستطيعوا أن يحملوا مشعل الكتاب والسُنّة بروح المجتهد البصير والممارس الذكي الّذي يستطيع أن يستنبط منها ما يفيده في كلّ ما يستجدّ له من حالات. كان لابدّ إذن من تأصيل للشخصيّة الإسلاميّة، ومن زرع بذور الاجتهاد.

والثاني منهما: هو الخطر الّذي نجم عن موجة الرخاء الّتي سادت المجتمع الإسلامي في أعقاب ذلك الإمتداد الهائل ؛ لأنّ موجات الرخاء تعرّض أي مجتمع إلى خطر الإنسياق مع ملذّات الدنيا والإسراف في زينة هذه الحياة المحدودة، وانطفاء الشعور الملتهب بالقيم الخلقيّة والصلة الروحيّة بالله واليوم الآخر وبما تضعه هذه الصلة أمام الإنسان من أهداف كبيرة.


1) راجع مقدّمته على الصحيفة السجّاديّة.

وقد ساهم الحكّام الأمويون أيضاً بقدر كبير في تشجيع حياة اللهو والطرب والميوعة بين أبناء الأمّة الإسلاميّة.

ولكنّ الإمام زين العابدين علیه السلام قد قاوم هذين الخطرين وقام بعلاج كلٍ منهما بعد أن استلم مسؤولياته القياديّة عند استشهاد أبيه علیهما السلام بالإضافة إلى كلّ ما درسناه من مواقفه الجهاديّة الرائعة الّتي كانت تتطلّبها ثورة الإمام الحسين علیه السلام فيما بعد استشهاده لتؤتي ثمارها كاملة بعد تلك الملحمة الاستشهاديّة العظيمة.

لقد أسّس الإمام علیه السلام مدرسة علميّة إسلاميّة عامرة بصنوف المعرفة الإسلاميّة وكانت هى المنطلق لما نشأ بعد ذلك من مدارس الفقه والمعرفة كما سنلاحظ ذلك فيما بعد.

كما أنّه عالج الخطر الثاني أيضاً بسلاح الدعاء الّذي اتّخذه أساساً لعلاج الأمراض الروحيّة الناشئة من خطر الرخاء والانسياق مع الشهوات بالإضافة إلى الموعظة والتزهيد في الدنيا قولاً وعملاً، كما سنلاحظ ذلك فيما سيأتي بالتفصيل.

هذا كلّه فيما يخصّ الحضارة الإسلاميّة والشريعة الإلهيّة والأمّة الإسلاميّة بمختلف قطاعاتها واتّجاهاتها.

وأمّا الأخطار والمحن الّتي كانت تخصّ الجهاز الحاكم في الدولة الإسلاميّة أو بعض قطّاعات الأمّة المسلمة فيمكن تلخيصها فيما يلي:

محنة انحراف الحكّام

في نظرة سريعة إلى عصر الإمام زين العابدين - بدءً باستلامه لمهامّ الإمامة بعد استشهاد أبيه علیه السلام في 25 محرّم الحرام سنة 94 / أو 95 - هجريّة نلاحظ معاصرته لحكومة يزيد الّتي انتهت بهلاكه عام 64 هجريّة ثمّ حكومة مروان البالغة تسعة أشهر في الشام وحكومة ابن الزبير في مكّة، حيث بويع لعبد الملك بن مروان بعد هلاك أبيه عام 65 هجريّة.

وقد استمرّ التنافس بين ابن الزبير وعبد الملك حتّى عام 73 هجريّة حيث قتل ابن الزبير وخَلا كرسيّ الحكم لعبد الملك حتّى سنة 86 هجريّة، ثمّ بويع للوليد بعد هلاك عبد الملك، واستمر حكمه حتّى استشهاد الإمام زين العابدين سنة 94 أو 95 هجريّة.

إذن فترة حكم عبد الملك أطول فترة عاصرها الإمام علیه السلام حيث تبلغ العقدين (عشرين سنة) تقريباً.

وقد اجتعت في هذا العصر عدّة عوامل لانهيار الحزب الأموي الحاكم ولكنّا نلاحظ استمرار الأمويّين في الحكم حتّى عام 132 هجريّة فما هي الأسباب الّتي أدّت إلى دوام هذا الحكم الجاهلي المنحرف بالرغم من توفّر عناصر الهدم والانهيار؟

إذن لابدّ أن ندرس كلّاً من عوامل الهدم إلى جانب عوامل الدوام، ثمّ نقارن بين المجموعتين لنرى الأسباب الواقعيّة الّتي وقفت وراء استمرار الحكم الأموي لمدّة تناهز سبعة عقود بعد ثورة الإمام الحسين علیه السلام. ومن خلالها نقف على طبيعة الظروف الدينيّة والثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة الّتي اتّصف بها عصر الإمام زين العابدين علیه السلام.

عوامل انهيار الحكم الأموي

1. ثورة الإمام الحسين علیه السلام

استطاعت ثورة الإمام الحسين علیه السلام أن تكشف زيف الأقنعة الدينيّة الّتي كان يتقنّع بها الحكم الأموي الجاهلي حيث بدت القيم الجاهليّة الّتي هدمها الإسلام واضحة في سلوك الأمويّين الحاكمين، واتّضح لكلّ القطاعات زيف الشعارات الدينيّة الّتي يرفعها الحاكمون فإنّ الإمام الحسين علیه السلام قد قتل مظلوماً عطشاناً وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو الناس إلى الإلتزام بشريعة جدّه المصطفى صلّی الله علیه و آله، وانكشف للمغفّلين أيضاً أنّ الحسين علیه السلام لو كان طالب ملك لكان يبايع يزيد أوّلاً ثمّ ينتهز الفرصة ويستخدم أنواع الأساليب الملتوية للتسلّق إلى الحكم.

لقد أدان يزيد كلّ من اطّلع على أوامره بقتل الحسين بن علي علیهما السلام قال الحافظ

السيوطي: «ولمّا قتل الحسين علیه السلام وبنو أبيه بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد، فسُرَّ بقتلهم أوّلاً ثمّ ندم لمّا مقته المسلمون على ذلك، وأبغضه الناس، وحقّ لهم أن يبغضوه».(1)

وقد أحيت الملحمة الحسينيّة في سنة 61 - روح الإباء والعزّة والكرامة لدى المسلمين، وتجلّت هذه الحقيقة في المعارضة الدمويّة المستمرّة الّتي تمثّلت في الثورات المتتالية حتّى إسقاط الحكم الأموي فقد كانت ثورة أهل المدينة سنة 62 ه-، ثمّ تلتها ثورة التوّابين سنة 64 ه-، ثمّ ثورة المختار بن أبي عبيدة الثقفي في الكوفة على الحكم الأموي سنة 65ه- ثمّ ثورة الخوارج في العراق ثمّ ثورة الأشعث ثمّ ثورة أبي مسلم الخراساني وتصفية الحكم الأموي سنة 132ه-.

2. حركة الإمام زين العابدين علیه السلام وعقائل الرسالة

لقد كانت خُطب الإمام زين العابدين وعمّته زينب الكبرى عقيلة بني هاشم في كربلاء والكوفة والشام والمدينة أهمّ حواضر العالم الإسلامي تشكّل الدور الثاني والمكمّل للثورة الحسينيّة العملاقة، وذلك لأنّ رسالة الثورة الحسينيّة لولا هذه الخطب الفاضحة لحقيقة التعامل الأموي مع أهل بيت الوحي والمفسرّة لأبعاد ومعالم الثورة الحسينيّة والكاشفة عن حقيقتها؛ لكانت شعارات الأمويّين المضلّلة تقضي على أهداف هذه الثورة العظيمة، فإنّ الأمويّين حاولوا بكلّ جهدهم أن يصفوا الإمام الحسين علیه السلام بالخروج على شريعة جدّه، على العكس تماماً من واقع ثورته الّتي استهدف فيها الإطاحة بالحكم الجاهلي وإحياء شريعة جدّه صلّی الله علیه و آله.

وكان للإمام زين العابدين علیه السلام أيضاً دور آخر لإكمال المسيرة الحسينيّة في أشدّ الظروف حراجة وقد استمرّ ذلك حتّى استشهاده، كما سوف نقف عليه فيما بعد إن شاء


1) تأريخ الخلفاء، ص 208.

الله تعالى.(1)

3. انهيار الحكم السفياني وانشقاق البيت الأموي

لقد هلك يزيد سنة 64ه- بعد أن ارتكب الفضائح العظام الّتي تمثّلت أوّلاً بقتله للإمام الحسين علیه السلام ثمّ استباحته لمدينة الرسول صلّی الله علیه و آله وقتل الصحابة والتابعين فيها سنة 62ه-. ثمّ هدمه الكعبة واستباحتها سنة 63ه-.

ولم يستعد ابنه معاوية أن يتحمّل وِزر بني أميّة في اغتصاب منصب الخلافة ولم يستخلف أحداً، بل أدان معاوية الأوّل وأباه يزيد بن معاوية، وبهذا انهار الحكم السفياني لولا تدارك مروان للأمر والتخطيط لاستلام الخلافة في هذا الظرف المتخلخل والمضطرب بعد موت معاوية بن يزيد وحاول السيطرة على مصر والشام والأردن، ثمّ بايع لابنه عبد الملك في وقت كان قد بايع أهل الشام لعمرو بن سعيد بعده. وهكذا أخذ البيت الأموي بالانشقاق والتصدّع.

عوامل استمرار الحكم الأموي

عرفنا أنّ هناك عدّة عوامل تلاحمت للقضاء على الحكم الأموي بعد موت معاوية بن أبي سفيان الّذي قضى على كلّ معارضة ضدّه وخنقها بالقوّة وبالغطاء الديني الّذي كان يلبس به حكمه بالرغم من غدره وفتكه ونقضه لبنود الصلح مع الإمام الحسن بن علي علیهما السلام.

وقد انتهى الحكم السفياني عام 64ه- ثمّ أعقبه الحكم المرواني الّذي استمرّ حتّى عام 132ه-. وإذن لم يسقط الحكم الأموي الجاهلي بالرغم من تلاحم عدّة عوامل قويّة لإبادته.

ويبدو أن الأمويّين المروانيّين قد استفادوا من تجربة يزيد الفاشلة والّتي أبادت


1) لاحظ مبحث ظاهرة البكاء ودور الإمام السجّاد لإكمال المسيرة الحسينيّة.

حكومته بسبب التعرّض الفضيع لأهل بيت الرسالة علیهم السلام وهتك حرمات الشريعة والحرمين الشريفين، كما استفادوا من تجربة معاوية بن أبي سفيان الّذي كان يغطّي حكمه بغطاء شرعي مزيّف.

إنّ حقيقة الحكم الأموي الجاهلي قد انكشفت بشكل علني لكلّ المسلمين تقريباً بعد استشهاد الحسين علیه السلام سليل النبوّة والرسالة. فروح الثورة الحسينيّة قد دبّت في أوساط المجتمع الإسلامي. فكان لابدّ لهم من المقاومة أمام هذين العنصرين المؤدّيين إلى الإنهيار .

ولكننا نجد اتّجاه الحكّام نحو تحقيق غطاء شرعي - وإن كان مزيّفاً في الواقع - ليستند عليه الحكم ويبدو مشروعاً واجب القبول. كما نجد منهم اتّجاهاً واضحاً نحو إضعاف عنصر الحماس والجهاد بين أبناء المجتمع من خلال المساهمة الجادّة في عمليات المسخ الثقافي والأخلاقي وتفتيت الجبهة المعارضة بكلّ الوسائل المتاحة وعدم التعرّض المباشر لأهل البيت علیهم السلام. وإليك صورة موجزة وسريعة عن كلّ واحد من هذه الأسباب:

1. الغطاء الشرعي للحكم المنحرف

يتمثّل الغطاء الشرعي في مفردتين أساسيتين:

الأولى: وعّاظ السلاطين.

الثانية: مفاهيم عقائديّة ودينيّة خاطئة.

بعد أن كشفت الثورة الحسينيّة زيف الخطّ الحاكم وجاهليّة الحكم الأموي كان لابدّ للسلطة من استخدام بعض العلماء للتعاون معها وتوجيه خططها وسلوكها مثل محمّد بن مسلم بن شهاب (الزهري) والشعبي.

وكان لارتباط مثل هؤلاء بالسلطة دور إيجابي في إسباغ الطابع الشرعي على الحكم القائم.

كما كان لمفاهيم الجبر وحرمة الخروج على الحاكم المسلم وإسباغ طابع القدسيّة على الخلافة والخليفة وحرمة ترك الجماعة وحرمة نقض البيعة.. دور إيجابي أيضاً في التوجيه العقائدي والديني لتصرّفات الحاكمين.

2. عدم التعرّض المباشر والصريح لأهل البيت علیهم السلام

عرفنا إنّ أطول فترة حكم في عصر الإمام زين العابدين علیه السلام هي فترة حكومة عبد الملك بن مروان، وقد استفاد عبد الملك بن مروان من التجربة الخاطئة للحكم السفياني تجاه أهل البيت علیهم السلام.

فاستعمل سياسة مرنة تجاه الإمام زين العابدين والهاشميّين (بني عبد المطّلب) من جهة بينما شدّد على أتباعهم من جهة أُخرى وذلك امتصاصاً للنقمة ضد حكمه.

ولا تعني مرونته هذه تجاه الإمام علیه السلام أنّه كان يحترم الإمام واقعاً ولا يمسّه بسوء أبداً، وإنّما اجتنب مظاهر الخشونة الّتي تولّد بطبيعتها ردّة فعل شعبيّة عنيفة.

وقد أرسل عبد الملك إلى الحجّاج كتاباً جاء فيه: «أمّا بعد فانظر دماء بني عبد المطّلب فاحتقنها واجتنبها فإنّي رأيت آل أبي سفيان لمّا ولغوا فيها لم يلبثوا إلّا قليلاً».

وهناك محاولات دون القتل سجّلها التأريخ عن عبدالملك تجاه الإمام علیه السلام، مثل غمزه بتزويج الإمام لمولاته الّتي أعتقها وتهديده للإمام بقطع رزقه من بيت المال إن لم يسلّمه سلاح رسول الله صلّی الله علیه و آله وإلقاء القبض على الإمام وتسريحه إلى دمشق.(1)

3. تفتيت جبهة المعارضة

تركّزت سياسة الحاكمين الأمويّين بشكل عامّ على قمع وتفتيت جبهة المعارضة منذ عصر معاوية، وكان ذلك من خلال عدّة وسائل وقنوات:


1) انظر بحار الأنوار، ج 46، ص 146 و 130 وكشف الغمّة، ج 2، ص 76 - 79.

منها: الرقابة التامّة والضغط الشديد الموجّه إلى مراكز التحرّك الّتي عرفها السفيانيون وهي مراكز الولاء لأهل البيت علیهم السلام مثل الكوفة وما والاها.

ومنها: الضغط الاقتصادي وسياسة التجويع.

لقد سلّط عبد الملك الحجّاج السفّاك للقضاء على حركة ابن الزبير ثمّ سلّطه على العراق حيث توجّه إلى شيعة أهل البيت علیهم السلام فقتلهم شرّ قتلة وأخذهم بكلّ ظنّة وتهمة حتّى أنّ الرجل كان أحبّ إليه أن يقال له زنديق أو كافر من أن يقال له شيعة عليّ. وقد أوصى عبد الملك أبناءه بالحجّاج خيراً وطلب منهم الاستعانة به لأنّه هو الّذي وطّأ لهم الملك بسفكه لدماء المعارضين.(1)

و من أساليب تفتيت جبهة المعارضة التأكيد على النزعة القبليّة الجاهليّة وسياسة التفريق بين أبناء الأمّة وتشديد التناقض الطبقي الّذي أكّد عليه من سبقهم من الخلفاء بدءً بعمر بن الخطّاب، ثمّ عثمان ثمّ معاوية حيث كان لهذه السياسة آثار إيجابيّة في تجويع العامّة والأخذ بزمام الأقليّة المترفة من رؤساء القبائل وأصحاب النفوذ الاجتماعي.

ونستطيع أن نضيف إلى عوامل تفتيت المعارضة سياسة الخداع والتضليل الديني حيث أنّ التضليل الديني بشتّى أشكاله يستطيع إضعاف التحرّك المضادّ حيث يضعف الدواعي للخروج على الحكم القائم الّذي يتصوّر السذّج من الناس مشروعيّته وحرمة الخروج عليه.

كما أنّ المسخ الأخلاقي والثقافي الّذي -كان للحاكمين في تقويته دور فاعل - يساعدان على إضعاف الجبهة المعارضة لأنهما يسلبان الإنسان القدرة على المعارضة ويشلّان عزمه على الخروج والاعتراض.

وهكذا استطاع الحكّام المنحرفون بالرغم من توفّر عوامل الانهيار أن يستمرّوا في


1) راجع تأريخ الخلفاء ومروج الذهب واليعقوبي: حياة عبدالملك.

الحكم أكثر من سبعة عقود حتّى تغلّبت عناصر الهدم على عناصر البناء حيث أولغوا أيديهم في دماء أهل البيت علیهم السلام. فالوليد بادر إلى سمّ الإمام زين العابدين علیه السلام، وسُمّ الإمام الباقر علیه السلام في سنة 114 هجريّة بأيدي أمويّة أيضاً.

واستطاع أهل البيت علیهم السلام أن يزيلوا الغطاء الشرعي الّذي اصطنعه الظالمون لأنفسهم من خلال تعرية الوعّاظ أمام الناس والردّ على المفاهيم الدينيّة الخاطئة من خلال التحقيف الصحيح وتوعية الأمّة على مفاهيم الكتاب والسنّة الصحيحة، وتقوية شيعة أهل البيت ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً من خلال بناء كتلة متضامنة ومتعاضدة ومنظّمة من شيعتهم وتربية علماء أفاضل يقومون بدور تثقيفي واجتماعي وسياسي فاعل.. حتّى بلغ الأمر أن يتّجه العبّاسيّون لاستلام السلطة تحت شعار الدفاع عن مظلوميّة أهل البيت علیهم السلام وكسب رضاهم، فتسلّقوا إلى السلطة باسم أهل البيت علیهم السلام فحسب.

وفي هذا دلالة واضحة على عظمة الدور الّذي قام به أهل البيت علیهم السلام وشيعتهم لتعرية الباطل وتبيان الحقّ وتعرية الحكم الظالم من كلّ عناصر القوّة خلال عقود معدودة.

الخلاصه

回 اتّسم عصر الإمام زين العابدين علیه السلام - والّذي أعقب موجة الفتوح الاُولى- بانفتاح الأمّة الإسلاميّة على سائر الشعوب ممّا أدّى إلى أن تواجه خطرين كبيرين: خطر المسخ الثقافي وخطر الانهيار الأخلاقي.

回 و كانت نشاطات الإمام علیه السلام متجهة إلى معالجة هذين الخطرين من خلال التأصيل العلمي والثقافي والتربية الأخلاقيّة عن طريق ربط الإنسان بربّه في عالم المادّة من خلال الدعاء والتفاني في المعبود الحقّ.

回 و كان على الإمام علیه السلام أن يواجه انحراف الحكّام بنحوٍ لا تتضرّر بذلك الدولة الإسلاميّة ككيان سياسي إسلامي، ولا يستغل الحكّام ذلك لتثبيت حكمهم المنحرف. وقد جمع الحكّام مجموعة من عوامل البقاء إلى جانب عوامل الهدم الّتي كانت قد اجتمعت لانهيار الحكم الأموي الظالم، وتمثّلت هذه العوامل بالغطاء الشرعي للحكم المنحرف وعدم التعرّض الصريح والمباشر لأهل البيت علیهم السلام وتفتيت جبهة المعارضة، وكان على الإمام علیه السلام أن يستجيب لمتطلّبات هذه المرحلة بشكل خاصّ إلى جانب اهتمامه بمتطلبات المسلمين على المدى البعيد بشكل عامّ أيضاً.

الأسئلة

1.

ما هي عناصر القوّة في الحضارة الإسلاميّة؟

2.

لماذا دخلت الأمم بشكل سريع في الإسلام؟

3.

ما هي الأخطار الّتي تعرّضت لها الأمّة الإسلاميّة بعد موجة الفتوح الاُولى؟

4.

ما هي عوامل انهيار الحكم الأموي بعد منتصف القرن الأوّل؟

5.

لماذا لم ينته الحكم الأموي بالرغم من توفّر عناصر انهياره؟

6.

ما هي الأساليب الّتي استخدمها الأمويّون لتفتيت جبهة المعارضة؟

7.

ما هي متطلّبات عصر الإمام زين العابدين علیه السلام بشكل خاصّ؟

الدرس 25: ملامح التخطيط في سيرة الإمام زين العابدين علیه السلام

اشارة

إذا عرفنا أوّلاً المهامّ الأساسيّة الّتي اختار الله لتحقيقها أهل بيت الرسالة بعد الرسول صلّی الله علیه و آله هي صيانة الرسالة والأُمّة والدولة الإسلاميّة من الضياع - حيث جاهد الرسول صلّی الله علیه و آله والصفوة الخيّرة من صحابته من أجل تبليغ وتطبيق النظام الإسلامي وإرساء قواعده على وجه الأرض .

وعرفنا ثانياً التخطيط الماكر الّذي قام به أعداء الإسلام لمحو الإسلام المحمّدي المتمثّل في خط أهل بيت الوحي، وذلك من خلال عزل أهل بيت الرسالة علیهم السلام عن مزاولة مهامّهم الرساليّة في الميدان السياسي والاجتماعي بالإضافة إلى الميدان التشريعي والتربوي والتثقيفي.

وعرفنا ثالثاً الأساليب والأُطر والقنوات الّتي تمّ هذا العزل من خلالها، وعرفنا النتائج الّتي كان يتوقّع حصولها بعد هذا العزل الّذي اقترن بالتزام أهل البيت علیهم السلام بالأصول الأخلاقيّة والمنهج القِيَمي الّذي دعا إليه الإسلام وأرسى قواعده الرسول صلّی الله علیه و آله إلى جانب معرفة الأعداء بالتزام أهل البيت علیهم السلام بأصول الشريعة والرسالة وعدم تخطّيهم عن قِيَمِها، وعدم الالتواء في التعامل حتّى مع أعدائهم، حينئذٍ نكون قادرين على فهم عظمة الدور الّذي قام به أهل البيت علیهم السلام في الظروف الحرجة الّتي

كان ينبغي من خلالها أن يُحفظ تراث الرسول صلّی الله علیه و آله و ثمرة جهاده من الضياع ويقاوم الانحراف العميق الّذي بدأ بالظهور والتطوّر بسرعة فائقة والنفوذ في جسم الأمّة والدولة وأخذ يتسرّب إلى الرسالة والشريعة بشكل تدريجي.

ولولا صبر أهل البيت علیهم السلام وأناتهم وحلمهم، ولولا تخطيطهم الحكيم الّذي كان الأصالة والدقّة والعمق والمشروعيّة؛ لما كان يندحر الباطل القابع تحت ستار الشعارات الإسلاميّة البرّاقة، ولما كان الباطل المختبئ تحت أُُطرو مفاهيم دينيّة ينكشف لعامّة المسلمين ولما كان التأريخ يخلّدهم كأبطال حملوا لواء التضحية والفداء من أجل العقيدة الإلهيّة والشريعة الربّانيّة.

المرحليّة والتدرّج في العلاج

اشارة

لقد تدرّج أهل البيت علیهم السلام في تخطيطهم الحكيم - والّذي نعتقد أنّه كان بإشارة وتنسيق من الرسول صلّی الله علیه وآله لعلاج حالات الطوارئ الّتي كان يترقّبها وهو يعيش كلّ تناقضات ذلك المجتمع الجاهلي في أُفق الواقع المنظور ويرى آفاق المستقبل المُقبِل بسرعة فائقة.

ولا مانع من أن يكون هذا التخطيط ربّانياً وفي نفس الوقت واقعياً وموضوعيّاً يمكن اكتشافه والاهتداء به والسير على هديه، كما هو منهج القرآن الكريم في التعامل مع كلّ وقائع التأريخ وحقائقه.

وكان تدرّج أهل البيت علیهم السلام في تخطيطهم منسجماً مع عمق الانحراف وتدرّجه ومتناسقاً مع مجموعة الآثار السلبيّة الّتي كان يولّدها الانحراف في القيادة على شتّى المستويات ومختلف الجوانب، تشريعيّة كانت أو سياسيّة واجتماعيّة وثقافيّة ودينيّة وأخلاقيّة.

وإذا استطعنا أن نصنّف سلوك أهل البيت علیهم السلام لمعالجة الانحراف الّذي أصاب المجتمع والدولة والشريعة فإنّنا سوف نلاحظ نوعاً من المرحليّة في العلاج إلى جانب

نوع من العلاج المشترك الّذي التزم به كلّ الأئمة علیهم السلام و على طول الخطّ الجهادي الّذي قطعوه خلال ثلاثة قرون تقريباً.(1)

معالم المرحلة الأولى

وكانت المرحلة الأولى من العلاج - حين كان الانحراف طافياً على السطح ولم يأخذ طريقه باتّجاه الاعماق والجذور على صعيد المجتمع والدولة والشريعة.

وتتمثّل هذه المرحلة في كشف الانحراف وبيان مصاديقه، وكان يكفي إعلان الحقيقة الضائعة وهي أحقيّة أهل البيت علیهم السلام بالخلافة وكشف زيف المتربّعين على منبر الخلافة وعدم شرعيّة خلافتهم بنحو لا يزعزع أركان النظام الإسلامي ولا يؤدّي إلى ارتداد المسلمين وهم في بداية الطريق الشائك الّذي سلكه الأنبياء والصلحاء.

وتجسّد هذا العلاج في سيرة الأئمّة الأربعة: عليّ بن أبي طالب علیه السلام والحسن والحسين والمقطع الأوّل من حياة الإمام زين العابدين علیه السلام حيث كانت درجة الانحراف تتطلّب هذا المقدار من العلاج.

معالم المرحلة الثانية

ولكن بعد تجذّر الانحراف وتطوّر آثاره واتساع دائرته كما لاحظنا ذلك من قبل، حيث رأينا بوضوح كيف استطاع الحكم المنحرف أن يستمرّ حضوره في الساحة وهو يحمل في طيّاته عناصر الانهيار، وكيف تسلّح الحاكمون بغطاء شرعي لحكوماتهم، وكيف استدعى ذلك تسرّب الانحراف إلى جوانب خطيرة تكاد تمسّ الشريعة والاُمناء


1) فللأئمّة علیهم السلام اهتمام بالغ ومستمرّ بتربية الجماعة الصالحة (شيعة أهل البيت وحملة الإسلام النقي) على طول الخط ولهم اهتمام عامّ بشؤون المسلمين عامّة، تعليماً وتربية وتوعية سياسيّة. بالإضافة إلى المعالجة الخاصّة لأهمّ الظواهر السلبيّة والإنحرافيّة في كلّ عصر.

عليها وهم العلماء بالشريعة الّذين يتوقّع منهم صيانتها والحفاظ عليها، هنا كان لابدّ لأهل البيت علیهم السلام من تخطيط يتناسب مع هذه المرحلة من تطوّر الداء وتجذّر الانحراف.

وبداية هذه المرحلة هي العقود الثلاثة والأخيرة من حياة الإمام زين العابدين علیه السلام والّتي كانت بعد زوال الحكم السفياني وبداية استفحال الحكم المرواني.

إنّ انكشاف زيف الخطّ الأموي الحاكم وانحراف الحكّام لدى قطّاع واسع من المسلمين استدعى إيجاد غطاء شرعي يقبع تحته الحاكمون، وهنا قام بعض أهل العلم من رواة وفقهاء - وممّن عرفوا فيما بعد بوعّاظ السلاطين - بدور مهمّ لإيجاد هذا الغطاء الشرعي في نظر عامّة المسلمين، وحقّقوا بذلك غرضين كبيرين:

الأوّل: منح الشرعيّة للحاكمين.

والثاني: محاولة عزل أبناء الاُمّة الاسلاميّة عن مدرسة أهل البيت علیهم السلام، إذ كان هؤلاء الرواة والفقهاء يشكّلون وجهاً علميّاً وثقافياً معترفاً به لدى الحكّام والسلاطين، باعتبارهم امتداداً لِمدرسة الصحابة الّتي استهدفوا منها إيجاد بديل مقبول لأهل البيت بعد أن يتمّ عزلهم عن الساحة الثقافيّة والدينيّة بالرغم من أنهم هم الاُمناء على الرسالة والشريعة.

وقد كان لمنع تدوين السُنّة النبويّة من قبل أبي بكر وعمر دور فاعل في تنشيط هذه المدرسة وإبراز الصحابة على أنهم حملة علم النبي صلّی الله علیه و آله، وفسح وجال إبداء الرأي لهم بعد ضمور مصادر العلم الإلهي وإلغاء التميّز العلمي لأهل البيت علیهم السلام في مجال حفظ واستيعاب وتبليغ تراث الرسول صلّی الله علیه و آله.

إذن كان هذا الغطاء يعبّر عن خطرين كبيرين على مستقبل الأمّة والرسالة والدولة والحضارة الإسلاميّة بشكل عام، وهما:

1.

خطر استمرار الخطّ المنحرف في الحكم.

2.

خطر عزل الاُمّة عن مَعين أهل البيت الرسالي وذلك بتقديم البديل الناقص أو

المنحرف لإشباع حاجة الأمّة المتنامية إلى استيعاب سنّة الرسول صلّی الله علیه و آله الصحيحة.

متطلّبات المرحلة الثانية

1. إنّ هذه المرحلة الجديدة كانت تتطلّب من أهل البيت علیهم السلام- الاُمناء على الرسالة وعلى صيانة الاُمّة الإسلاميّة من الانهيار - إحباط هذه المؤامرة.

ومن هنا نفهم أنّه لماذا تركّزت جهود أهل البيت علیهم السلام بعد استشهاد الإمام الحسين علیه السلام على بناء جامعة أهل البيت علیهم السلام العلميّة وتخريج علماء وفقهاء أتقياء يكونون أمناء على الشريعة لا يهادنون السلطة ولا يسيرون في ركابها ويشكّلون تيّاراً علميّاً وزخماً ثقافياً ومدرسةً ذات أصول ومناهج ورموز في شتّى ميادين المعرفة الإسلاميّة يقومون باكتساح الساحة العلميّة والدينيّة في المجتمع الإسلامي.

إن مراجعة سريعة لكتاب تأسيس الشيعة لِعلوم الإسلام وكذلك كتاب الشيعة وفنون الإسلام وموسوعة أعيان الشيعة... تكشف لنا عظمة المجهود الّذي قدّمه أهل البيت علیهم السلام لمعالجة هذا الخطر الّذي قد أحدق بالأمّة الإسلاميّة وبالشريعة بعد منتصف القرن الأوّل الهجري واستمرّ على مدى قرنين أو أكثر.

وكانت أوّل نتائج هذا الجهد المشكور: صيانة الشريعة الإسلاميّة من أنواع التحريف الّذي بدأ يتسرّب إليها، وذلك من خلال تربية العلماء الأمناء عليها والسهر على حراستها متّخذين من معين أهل البيت علیهم السلام الرسالي كلّ عناصر القوّة والأصالة والإبداع والحيويّة.

قال الشهيد الصدر قدّس سرُّه: «كان لابدّ من عمل على الصعيد العلمي يؤكّد في المسلمين أصالتهم الفكريّة وشخصيّتهم التشريعيّة المتميّزة المستمدّة من الكتاب والسُنّة، وكان لا بدّ من حركة فكريّة اجتهاديّة تفتح آفاقهم الذهنيّة ضمن ذلك الإطار لكي يستطيعوا أن يحملوا مشعل الكتاب والسُنّة بروح المجتهد البصير والممارس الذكيّ الذي يستطيع أن يستنبط منها ما يفيده في كلّ ما يستجدّ له من حالات، كان لابدّ إذن من تأصيل

للشخصيّة الإسلاميّة، ومن زرع بذور الاجتهاد.

وهذا ما قام به الإمام عليّ بن الحسين علیهما السلام فقد بدأ حلقة من البحث والدرس في مسجد الرسول صلّی الله علیه و آله يحدّث الناس بصنوف المعرفة الإسلاميّة، من تفسير وحديث وفقه، ويفيض عليهم من علوم آبائه الطاهرين، ويمرّن النابهين منهم على التفقّه والاستنباط.

وقد تخرّج من هذه الحلقة عدد مهمّ من فقهاء المسلمين، وكانت هذه الحلقة هي المنطلق لما نشأ بعد ذلك من مدارس الفقه والأساس لحركته الناشطة.(1)

وهكذا زيّف أهل البيت علیهم السلام الا هذا الغطاء الّذي تلبّس به الحكم المنحرف من قبل الخلفاء المتمثّل بتربية العلماء.

2.

ولم يكتف أهل البيت علیهم السلام بالعمل الإيجابي وطرح البديل الصحيح لفضح الخطّ المنحرف وإنّما قاموا بمناظرات جادّة تكشف مدى انحراف العلماء المنتمين إلى السلطة والّذين حقّقوا بانتمائهم إليها غطاءً مشروعاً لها لدى عامّة المسلمين.

3.

وحارب أهل البيت علیهم السلام كلّ الأفكار والعقائد الخاطئة في عصرهم، والّتي كان الحكّام يتذرّعون بها أو كان يروّجها لهم علماء البلاط إسناداً لهم ودفاعاً عن حكمهم.

4.

واستطاع أهل البيت علیهم السلام أن يحقّقوا نجاحاً باهراً في توجّه أنظار المسلمين إليهم باعتبارهم حملة مشعل الوحي والرسالة بعد الرسول صلّی الله علیه و آله، لارتباطهم بالرسول، ولفضلهم الّذي كان يفوق فضل مَنْ سواهم بالرغم من كلّ التحدّيات الّتي مورست والتضبيب على فضلهم وكمالاتهم من قبل السلطة وعمّالها.

5.

وساهم طلّاب مدرسة أهل البيت علیهم السلام في نشر فضلهم العلمي وتميّزهم الديني والمعرفي على من سواهم. وهكذا بدأ المسلمون - بالرغم من كلّ الظروف المعاكسة الحركة أهل البيت علیهم السلام- يشعرون بضرورة الارتباط بأهل البيت علیهم السلام، وأصبح الولاء


1) من مقدّمة الشهيد الصدر على الصحيفة السجّاديّة.

القلبي لأهل البيت علیهم السلام مَعْلَماً واضحاً لدى عامّة العلماء وبالتدريج لدى قطّاعات كبيرة من المسلمين.. وبلغ الأمر حدّاً جعل الخلفاء وعلماء البلاط يشعرون بالخطر المحدق بهم من حضور ذكر أهل البيت علیهم السلام في الساحة الإسلاميّة وتجلّى ذلك بوضوح في عصر الإمامين الباقر و الصادق علیهما السلام ثمّ الكاظم والرضاء علیهما السلام... واستمرّ بالتألّق حتّى عصر الإمام العسكري علیه السلام. ويدل على ذلك مدى التضييق عليهم وشدّة الرقابة المفروضة على نشاطاتهم الاجتماعيّة والفرديّة وحتّى العائليّة، وشؤونهم الداخليّة الخاصّة.

فتشديد النقمة على الحكم الأموي ثمّ على الحكم العبّاسي وتعميم المواجهة واستمرارها هي من آثار هذا النشاط الثقافي الّذي مارسه الأئمة علیهم السلام في هذه المرحلة واستمرّ حتّى مراحل متأخّرة من حياتهم في القرن الثالث الهجري.

أهل البيت والدولة الإسلاميّة

وأمّا موقف أهل البيت علیهم السلام في هذه المرحلة من الحكّام ومن الدولة الإسلاميّة بشكل خاصّ فكان يتمثّل في ما يلي:

إنّ الحاكم كشخص يختلف عن الدولة والنظام الإسلامي؛ لأنّ انحراف الحاكم وإن كان له تأثير سلبي على الدولة والمجتمع الإسلامي؛ لكنّ الحفاظ على الدولة الإسلاميّة -ككيان سياسي إسلامي أسسه الرسول صلّی الله علیه و آله- واجب على كلّ مسلم ولا يجوز التفريط به، وقد لاحظنا تنازل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام عن الخلافة لأجل حفظ هذا الكيان من التصدّع ولاحظنا كذلك سيرة الإمام الحسن المجتبى علیه السلام، وكانت ثورة الإمام الحسين علیه السلام ضدّ يزيد الفاسق المعلن بفسقه وضدّ حزبه وجلاوزته للإطاحة به كحاكم مستهتر بالحرمات ولم يكن ذلك منه في زمن حكم معاوية بالرغم من انحرافه.

ومن هنا كان الأئمّة بعد الإمام الحسين علیهم السلام يقدّمون الخدمات الّتي تتطلّبها كلّ

مرحلة لحفظ كيان المسلمين المعبّر عن شخصيّتهم ووجودهم السياسي في العالم، ويشهد لذلك دعاء الإمام زين العابدين علیه السلام، لأهل الثغور، وتقديم الحل المناسب لمشكلة النقد الّتي واجهها عبد الملك بن مروان(1)ويشهد لذلك أيضاً ما جاء في رسالة الحقوق المأثورة عن الإمام زين العابدين علیه السلام والّتي تضمّنت بشكل كامل حقوق واحد من الراعي والرعيّة أي حقوق الحاكم والاُمة معاً.(2)

أهل البيت علیهم السلام و الحكّام المنحرفون

لخّص الإمام زين العابدين علیه السلام موقفه من الحكّام المنحرفين في الفقرة التالية من دعائه في يوم الجمعة:

«اللهم إنّ هذا المقام لخلفائك وأصفيائك ومواضع اُمنائك في الدرجة الرفيعة الّتي اختصصتهم بها، قد ابتزّوها حتّى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزّين یرون حكمك مبدّلاً وكتابك منبوذاً وفرائضك محرّفةً عن جهات أشراعك وسنن نبيّك متروكة. اللّهم العن أعداءهم من الأوّلين والآخرين ومن رضي بفعالهم وأشياعهم وأتباعهم...».(3)

وما كان الإمام يُجاري الحكّام في شيء ممّا يتوقّعونه منه حتّى أنّه لم يستجب لتهديد عبد الملك حين طلب من الإمام تسليمه سيف رسول الله صلّی الله علیه و آله.(4)

كما أنّه ردّ على عبد الملك إذ انتقصه حين بلغه نبأ تزوّج الإمام علیه السلام بمملوكته الّتي كان قد أعتقها.(5)


1) أنظر بحار الأنوار، ج 46، ص 104 و مقدّمة الصحيفة السجّاديّة للشهيد الصدر.

2) راجع دعاء أهل الثغور في الصحيفة السجاديّة ورسالة الحقوق للإمام زين العابدين علیه السلام في تحف العقول.

3) راجع الصحيفة السجاديّة، دعاؤه يوم الجمعة.

4) راجع محاسن البرقي.

5) بحار الأنوار، ج 46، ص 164.

وإنّ إدانة الإمام علیه السلام لسلوك مثل الزهري الموالي للبلاط هي إدانة للحاكم الّذي وظّف العلماء والمحدّثين لإضفاء الشرعيّة على سلطته.(1)

الإمام زين العابدين و المسخ الثقافي و الأخلاقي

وتميّز عصر الإمام زين العابدين علیه السلام بما قلناه من الانفتاح على الحضارات الأخرى ودخول الأفواج الكبيرة في رحاب الدولة الإسلاميّة المترامية الأطراف والفتوحات ذات الغنائم والمكاسب المادّيّة الكثيرة المؤدّية إلى المسخ الثقافي والأخلاقي بالتدريج.

فكانت المرحلة تتطلّب من الإمام علیه السلام أن يقف أمام هذا المسخ الخطير. وكانت جهوده العلميّة والتربويّة هي الحصن المنيع أمام المسخ الثقافي.

وأمّا المسخ الأخلاقي فكان يتطلّب جُهداً من نوع آخر توجّه إليه الإمام علیه السلام ووجّه إليه الأمّة بشكل عامّ، والجماعة الصالحة بشكل خاصّ. ومن هنا برزت في مدرسة أهل البيت علیهم السلام ظاهرة الدعاء الّتي ميّزتها عن سائر المدارس الإسلاميّة.

قال الشهيد الصدر قدّس سره: «إنّ موجات الرخاء تعرّض أيّ مجتمع إلى خطر الانسياق ملذّات الدنيا والإسراف في زينة الحياة المحدودة وانطفاء الشعور الملتهب بالقيم الخلقيّة والصلة الروحيّة بالله واليوم الآخر وبما تصنعه هذه الصلة أمام الإنسان من أهداف كثيرة، وهذا ما وقع فعلاً. وتكفي نظرة واحدة في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني ليتّضح الحال.

وقد شعر الإمام عليّ بن الحسين علیه السلام بهذا الخطر وبدأ بعلاجه واتّخذ من الدعاء أساساً لهذا العلاج وكانت الصحيفة السجاديّة .. من نتائج ذلك. فقد استطاع هذا الإمام العظيم بما أُُوتي من بلاغة فريدة وقدرة فائقة على أساليب التعبير العربي وذهنيّة ربّانيّة تتفتّق عن أروع المعاني وأدقّها في تصوير صلة الإنسان بربّه ووجده بخالقه وتعلّقه


1) راجع تحف العقول، رسالة الإمام إلى الزهري.

بمبدئه ومعاده، وتجسيد ما يعبّر عن ذلك من قيم خلقيّة وحقوق وواجبات... لقد استطاع الإمام عليّ ابن الحسين علیه لاسلام بما أوتي من هذه المواهب أن ينشر من خلال الدعاء جوّاً روحياً في المجتمع الإسلامي يساهم في تثبيت الإنسان المسلم عندما تعصف به المغريات وشدّه إلى ربّه حينما تجرّه الأرض إليها وتأكيد ما نشأ عليه من قيم روحيّة لكي يظلّ أميناً عليها في عصر الغنى والثروة، كما كان أميناً عليها وهو يشدّ حجر المجاعة على بطنه.

وقد جاء في سيرة الإمام علیه السلام أنّه كان يخطب الناس في كلّ جمعة ويعظهم ويزهّدهم في الدنيا ويرغّبهم في أعمال الآخرة ويقرع أسماعهم بتلك القطع الفنيّة من ألوان الدعاء والحمد والثناء الّتي تمثّل العبوديّة المخلصة لله سبحانه وحده لا شريك له.

وهكذا تعرف أنّ الصحيفة السجاديّة تعبّر عن عمل اجتماعي عظيم كانت ضرورة المرحلة تفرضه على الإمام إضافة إلى كونها تراثاً ربانيّاً فريداً يظلّ على مدى الدهور مصدر عطاء ومشعل هداية ومدرسة أخلاق وتهذيب وتظلّ الإنسانيّة بحاجة إلى هذا التراث المحمّدي العلويّ وتزداد حاجة كلّما ازداد الشيطان إغراءً والدنيا فتنةً».(1)

الإمام زين العابدين علیه السلام والجماعة الصالحة

إن أهل البيت علیهم السلام الأمناء على صيانة الإسلام من الزيغ والأهواء كان عليهم أن يبيّنوا الحقّ كما قال رسول الله صلّی الله علیه و آله: إذا ظهرت البدع في اُمّتي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل فعليه لعنة الله.(2)

فكلّما كان الانحراف يتّسع ويتعمّق؛ كان على الأئمّة المعصومين أن يوضّحوا


1) راجع مقدّمة الصحيفة السجاديّة للشهيد الصدر.

2) راجع بحار الأنوار، ج 2، ص 261 و 283، باب البدعة والسنة وباب البدع والرأي.

معالم الإنحراف ومعالم الحقّ ويرشدوا طلّاب الحقيقة إليها. وهكذا أخذت تتّضح المعالم التفصيليّة للإسلام النقي بالتدريج في الوسط المنحرف الّذي كان يعيش فيه الأئمّة المعصومون وأتباعهم الصالحون.

وكان على الأئمة علیهم السلام أن يهتّموا بهؤلاء الأتباع الّذين اتّبعوا أهل البيت لأنّهم يمثّلون خطّ الإسلام النبوي ولأنّهم يحملون راية الحقّ. وكان هذا الاهتمام شاملاً لكلّ جانب تحتاجه الجماعة الصالحة.

وهكذا أخذت بالتدريج تتضّح معالم التشيع وخصائص الإنسان المسلم المشايع لأهل البيت علیهم السلام، وكان عصر الإمام زين العابدين علیه لاسلام بشكّل بداية اتضاح هذه المعالم.

ووصايا الإمام علیه السلام لشيعته وأتباعه هي خير مرشد لمدى هذا الإهتمام من الإمام علیه السلام.

الخلاصه

回 كلّ من يقف على خصائص عصر الإمام زين العابدين علیه السلام ويلاحظ سلوك الإمام علیه السلام يجد انسجاماً كبيراً بين سلوكه وسيرته وبين متطلّبات عصره، فكان تخطيطاً واقعياً كان يتحكّم في سيرته وسلوكه علیه السلام.

回 و يتلخّص نشاطه علیه السلام في كشف الأقنعة المزيّفة الّتي قبع الحاكمون تحتها مستغلّين غطاءً دينياً يتمثّل في توجيه الحكم المنحرف وإعطائه صبغة دينيّة إسلاميّة لمفاهيم خاطئة كان يروّجها هؤلاء المرتبطون بالبلاط كمفهوم الجبر وحرمة الخروج على الحاكم المسلم وإن كان ظالماً. وكان بناء جامعة أهل البيت علیهم السلام بشكل تفصيلي هو العلاج الأساسي للقضاء على هذه المشكلة الجديدة الّتي اتّجهت الحكومات للتسلّح بها.

回 و كانت لأهل البيت علیهم السلام مواقف إيجابيّة مع الدولة الإسلاميّة إلى جانب مواقفهم السلبيّة من الحكّام المنحرفين.

回 و كان اتجاه الإمام علیه السلام إلى حقل الدعاء كعلاج ضروري تتطلّبه ظروف عصره وما تلاه من العصور.

الأسئلة

1.

هل تدرّج أهل البيت علیهم السلام في معالجة الانحراف الّذي حصل بعد السقيفة؟ ولماذا؟

2.

ما هي معالم المرحلة الأولى؟ وما هو العلاج الّذي قدّمه الأئمّة علیهم السلام لها ؟

3.

ما هي معالم المرحلة الثانية؟

4.

ما هي الخطوات الّتي كانت تتطلّبها المرحلة الثانية؟

5.

ما هو علاج مشكلة (المسخ) الثقافي؟

6.

ما هو علاج مشكلة الإنهيار الأخلاقي؟

7.

ما هو موقف أهل البيت علیهم السلام من الدولة الإسلامية؟

8.

ما هو موقف أهل البيت علیهم السلام من الحكّام المنحرفين؟

9 . ما هو دور الإمام زين العابدين علیه السلام في بناء الجماعة الصالحة؟

الدرس 26: متطلّبات عصر الإمام زين العابدين علیه السلام (1)

اشارة

تميّزت حياة الإمام زين العابدين علیه السلام بشكل خاصّ بمجموعة ظواهر ملفتة للنظر ذات علاقة بالمرحلة الّتي عاشها من مراحل حياة الرسالة الإسلاميّة، وهي: الزهد، العبادة، الدعاء، البكاء، الإنفاق، الإعتاق، التربية، التعليم. وهي بمجموعها كانت علاجاً فريداً وملبياً لمتطلّبات عصره الّتي عرفناها فيما مرّ.

1. ظاهرة الزهد

ظاهرة الزهد - بمعنى عدم الإعتناء بمباهج الدنيا وزينتها - قد عُرِف بها الإمام زين العابدين علیه السلام وشهد له بها غير واحد من معاصريه إذا اعتبروه أزهد الناس في عصره،(1)وقد اعتبره المتصوّفة أحد كبار أعلامهم.(2)

وإذا عرفنا أنّ حقيقة الزهد قد جمعت في آية من كتاب الله: (لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم)(3)وأنّ الزهد ليس هو أن لا تملك شيئاً، وإنّما الزهد أن


1) بحار الأنوار، ج 46، ص 62.

2) حلية الأولياء، ج 3، ص 133.

3) تحف العقول، ص 278 - 279.

لا يملكك شيء».(1)فالإمام زين العابدين هو سيّد الزاهدين، فإنّه حين رأى سائلاً يبكي فتأثّر منه وقال: لو أنّ الدنيا كانت في كفّ هذا ثمّ سقطت منه؛ لما كان ينبغي له أن يبكي عليها.(2)

ومناجاة الزاهدين الّتي أُثرت عنه هي خير دليل على رؤيته العميقة الّتي صاغت منه شخصيّة مُثلى في هذا الحقل متأسّية برسول الله صلّی الله علیه و آله وجدّه أميرالمؤمنين علیه السلام وهو مع هذا يرى نفسه عاجزاً عن الوصول إلى مرتبتهما السامية.(3)

قال علیه السلام: «إلهي أسكنتنا داراً حفرت لنا حُفر مَكرِها وعلّقَتنا بأيدي المنايا في حبائل غدرها، فإليك نلتجئ عن مكائد خُدَعِها وبك نعتصم من الاغترار بزخارف زينتها فإنّها المهلكة طُلّابها المتلِفة حُلّالها المحشوّة بالآفاتِ المشحونة بالنكبات إلهي فزهِّدنا فيها وسَلَّمنا منها بتوفيقك وعصمتك وانزع عنّا جلابيب مخالفتك... واخرج حُبّ الدنيا من قلوبنا كما فعلت بالصالحين من صفوتك والأبرار من خاصّتك».(4)

ولم يكن زهد الإمام علیه السلام سبباً لانعزاله عن الحياة الإجتماعيّة المليئة بالمتناقضات كما كان يتصوّر المتصوّفة من أنّ ترك الساحة الاجتماعيّة للمنحرفين هي الزهد في الدنيا، وقد كان يجرّهم خطؤهم في فهم حقيقة الزهد إلى مداراة الظلمة والخضوع لهم أيضاً.

واستطاع الإمام علیه السلام بتقديم النموذج الصحيح للزهد أن يحقّق عدّة مكاسب تربويّة واجتماعيّة وسياسيّة وعقائديّة تتلخّص في ما يلي:

1. إنارة الطريق الصحيح للصالحين.

1) نهج البلاغة، قصار الحكم.

2) الفصول المهمة، ص 192.

3) الكافي (الروضة)، ج 8، ص 163.

4) مفاتيح الجنان المناجاة الخمسة عشر له علیه السلام و راجع أيضاً تحف العقول، ص 272 - 274 لترى شدّة اهتمامه بتعريف الزهد وبيان حدوده وعلله وآثاره.

2.

إدانة دعاة التصوّف المنحرفين.

3.

قطع الطريق على الحكّام المنحرفين لاستغلال ارتباطهم بالمتصوّفة واستثماره لتوجيه سلوكهم.

4.

كسب الولاء الحقيقي من المسلمين حيث يتّضح لهم أنّ أهل البيت علیهم السلام لزهدهم في الدنيا لا يريدون أيّ مكسب مادّي في الحياة، فمقارعتهم للظالمين وتوجّههم لإقامة حكم الله في الأرض له دافع إلهي غير ماديّ ولا يقاس بحرص الحكّام على حفظ مناصبهم السياسيّة الّتي اغتصبوها.

5.

لقد كان الإمام علیه السلام- بالرغم من زهده - في هذه الحياة الدنيا مصدر رعب للظالمين.(1)

ويعود السرّ في ذلك إلى أنّ هذا الزهد كان يكشف عن عظمة شخصيّة الإمام علیه السلام وأنّه لا يمكن أن يتنازل عن دينه وآخرته للدنيا وملاذّها، ولا يمكن لأحد أن يتعامل معه على شيء من حطام الدنيا وزينتها وبهذا يكون مصدر رعب يهدّد عروش الطغاة الظالمين.

6. وحينما يكون الإمام مثلاً أعلى للزهد في الحياة الدنيا يكون قادراً على مواساة عامّة الناس المعدمين ومرشداً لكلّ الّذين تجرّهم ملاذّ الحياة المادّيّة للركون إلى الدنيا، ويكون قادراً على تزهيدهم فيها بالعلم والعمل كي يقدّم لهم مثلاً عملياً واضحاً على ذلك.

2. ظاهرة العبادة

«سيّد العابدين» و «زین العابدين» و «ذو الثفنات» و «السجّاد» هي ألقاب ذات دلالة واضحة على هذه الظاهرة الّتي اتفق عليها المؤرّخون حيث أجمعوا على أنّه كان أعبد


1) راجع مروج الذهب، ج 3، ص 80 و مختصر تأريخ دمشق، ج 17، ص 4 - 235.

أهل زمانه وأكثرهم طاعةً لله تعالى إذ لم ير الناس مثله في عظيم إنابته وعبادته.

والعبادة في حياة الإمام ذات معنى عميق وذات أبعاد شتّى، وقد شغلت مساحة كبيرة من حياته الفرديّة والاجتماعيّة بل كانت كلّ حالاته حالات عبادة وتوجّه وانقطاع إلى الله تعالى، فبكاؤه على أبيه عبادة، وإنفاقه بالليل والنهار عبادة، وعتقه لأفواج العبيد عبادة، وتعليمه وتربيته عبادة.

ولكنّ العبادة بمعناها الخاصّ هو التفرّغ إلى الصلاة والصيام والحج وكلّ أوجه النشاط العبادي المعروف لدى الناس كانت ظاهرة ملفتة للنظر في حياته علیه السلام.

كما كانت عبادته لا تنفكّ عن الدعاء والمناجاة بحالٍ من الأحوال وكان يتألّق بتفانيه في معبوده، وكان حين يصلّي كأنّه ساق شجرة لا يتحرّك منه شيء إلّا ما حرّكت الريح منه.(1)

وبلغ من شدّة تفانيه أن وقع له ابنٌ في البئر وهو قائم يصلّي ولم يشعر بذلك، فلمّا انتهى من صلاته قيل له في ذلك فقال: ما شعرت، أنّي كنت أناجي ربّاً عظيماً».(2)

كما وقع حريق في بيته - وكان مشغولاً في صلاته - فلم يعتن به، ولمّا فرغ من صلاته قيل له في ذلك فقال: ألهتني عنها النار الكبرى.(3)

وذكروا أنّه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكان كثير السجود وطويله، كما كان كثير التسبيح ملازماً لصلاة الليل وبتلك الأدعية الّتي اختصّ بها...

وذبل الإمام من كثرة العبادة وأجهدته أيّ إجهاد، وقد بلغ به الضعف حتّى أشفق عليه أهله ومحبّوه من كثرة عبادته فكلّموه لكنّه أصرّ على ما كان عليه حتّى يلحق بآبائه الكرام.(4)


1) وسائل الشيعة، ج 4، ص 685.

2) أخبار الدول، ص 100 و بحار الأنوار، ج 46، ص 99.

3) صفوة الصفوة، ج 2، ص 52.

4) حياة الإمام زين العابدین، ج 1، ص 201.

وقضى الإمام معظم حياته صائماً حتّى قالت جاريته: ما قدّمت له طعاماً في نهار قط إلّا في يوم العيدين أو في غيرهما ممّا كان له عذر.

وما كان يترك في شهر رمضان نوعاً من البرّ إلّا أتى به، وكان لا يتكلّم إلّا بالتسبيح والاستغفار والتكبير. وكان يستقبل شهر رمضان أشدّ استقبال ويودّعه أحرّ توديع.(1)

وكان لحجّ الإمام علیه السلام شأن خاصّ واهتمام عجيب في الإتيان به وتشجيع الآخرين على القيام به، وكان يحتف به القرّاء والعلماء إذ يتزوّدون من معارفه و آدابه حتّى قال سعيد بن المسيّب: إنّ القرّاء كانوا لا يخرجون حتّى يخرج عليّ بن الحسين. فيخرج ويخرج معه ألف راكب.(2)

وكان إذا لبّى غُشي عليه شدّة خوفه من الله تعالى وكأنّه سقط من راحلته ولا يزال يعتريه ذلك حتّى يقضي حجّه.(3)

وكان لحجّ الإمام علیه السلام عالم خاصٌّ به وظواهر يتفرّد بها في التوجّه والإقبال على الله والمناجاة في البيت الحرام وفي المشاعر المقدّسة ويوم عرفة ويوم الأضحى كما تفصح عن ذلك أدعيته الشريفة.(4)

3. ظاهرة الدعاء

والدعاء في قاموس حياة الإمام علیه السلام مدرسة بتمام معنى الكلمة كما كانت عبادته مدرسة متكاملة شكلاً ومضموناً .

والصحيفة السجاديّة أكبر دليل على عظمة الدعاء وأهميّته ومدى ضرورته عند الإمام علیه السلام. ولك أن تتصوّر جانباً من ذلك من خلال قوله علیه السلام في مناجاته الّتي


1) راجع أدعيته في استقبال شهر رمضان وتوديعه.

2) حياة الإمام زين العابدین، ج 1، ص 227.

3) تهذيب التهذيب، ج 7، ص 306.

4) راجعها في الصحيفة السجّاديّة.

عُرفت بمناجاة الذاكرين:

«إلهي فألهمنا ذكرك في الخلاً والملأ والليل والنهار والإعلان والإسرار وفي السرّاء والضرّاء. وآنسنا بالذكر الخفيّ واستعملنا بالعمل الزكي والسعي المرضي...

أنت المُسبَّح في كل مكان والمعبود في كلّ زمان والموجود في كلّ أوان والمدعوّ بكلّ لسان والمعظّم في كلّ جَنان. واستغفرك من كلّ لذّةٍ بغير ذكرك ومن كلّ راحة بغير أُنسك ومن كلّ سرور بغير قربك ومن كلّ شغلٍ بغير طاعتك ...».

لقد عرفنا الأبعاد التربويّة والإجتماعيّة في ظاهرة الدعاء والعبادة للإمام علیه السلام، ولكنّ صحيفته قد تميّزت بمميّزات تكاد تنفرد بها، وهي تطبع مدرسة أهل البيت التربويّة والتثقيفيّة بطابعها الخاصّ بها. حيث فتحت آفاقاً جديدة للوعي الديني والعبادي، كما أنّها يسّرت السبيل لسالكي الطريق إلى الله. وقد اهتم بها العلماء والعبّاد والعارفون أيّما اهتمام وتداولوها وحافظوا عليها أشدّ الحفاظ في كلّ الظروف القاسية خوفاً من إضاعتها وإتلافها من قبل الظالمين.

وإليك بعض ما تميّزت به هذه الصحيفة القيّمة من خصائص ومميزات:

1.

إنّها تمثّل التجرّد التام من عالم المادّة والإنقطاع الكامل إلى الله تعالى والإعتصام به والّذي هو أثمن ما في الحياة.

2.

إنها تكشف عن كمال معرفة الإمام علیه السلام بالله تعالی و عمیق ایمانه به.

3.

وامتازت عن أدعية باقي المعصومين بما فيها من أفانين التضرّعات وإظهار التذلّل والمسكنة لله تعالى مما ليس في غيرها.

4.

فتحت الصحيفة للإنسان المسلم أبواب الأمل والرجاء برحمة الله الواسعة.

5.

فتحت للمناظرات البديعة مع الله تعالى باباً مهمّاً يتضمّن أنواع الحجج البالغة لاستجلاب عفو الله وغفرانه مثل قوله علیه السلام: «إلهي إن كنت لا تغفر إلّا لأوليائك وأهل طاعتك فإلى من يفزع المذنبون؟! وإن كنت لا تُكرِم إلّا أهل الوفاء لك فَبِمَنْ يستغيث المسيئون؟!

وهكذا قوله علیه السلام: «إلهي إنّي امرؤ حقير وخطري يسير وليس عذابي ممّا يزيد في ملكك مثقال ذرّة...».

6.

تضمّنت الصحيفة برامج أخلاقيّة روحيّة وسلوكيّة مهمّة لتربية الإنسان ورسمت له أصول الفضائل النفسيّة والكمالات المعنويّة.

7.

احتوت على حقائق علميّة لم تكن معروفة في عصره علیه السلام.

8.

تضمّنت الصحيفة بركاناً ثائراً على الفساد الفردي والاجتماعي والسياسي في عصرٍ أشاعت فيه السياسة الأمويّة الفساد الأخلاقي والخلاعة والمجون بين المسلمين، فكانت الصحيفة خير وسيلة للإصلاح في أحلك الظروف الّتي اتبع فيها الأمويون سياسة القمع والإرهاب.

9.

والصحيفة بعد هذا هي منجم من مناجم البلاغة والفصاحة وينبوع ثرّ للأدب الإسلامي الهادف والبلاغة الفريدة البنّاءة، فهي لا تفترق عن نهج البلاغة في هذا المضمار.

10.

وقد ضمّن الإمام زين العابدين علیه السلام أدعيته - الّتي تمثّلت في الصحيفة الكاملة وسائر الأدعية الّتي وصلت إلينا عنه - منهاجاً كاملاً للحياة الإنسانيّة الفريدة، فلم يترك الإمام جانباً من ما تحتاجه الاُمّة الإسلاميّة إلّا وتعرّض له وعالجه بأسلوبه الفذّ وبلاغته البديعة.

إنّ هذه الروح الّتي نطقت بأدعية الصحيفة السجاديّة وبالمناجاة المأثورة عنه(1)هي الروح الّتي تحدّت الطغاة، وكانت مستعدّة للشهادة والقتل في سبيل الله، وفي هذا خير شاهد على اجتماع روح الحماسة وروح الدعاء والمناجاة والعبادة.

وهذه الحقيقة أدّت بدورها إلى أن تحمل أدعية الإمام علیه السلام جوانب سياسيّة و جهاديّة واجتماعيّة وأخلاقيّة إلى جوار جوانبها العقائديّة والمعرفيّة والعباديّة فكانت


1) راجع الفصل الخاصّ بتراثه علیه السلام.

ذات أهداف تغييريّة شاملة.

لقد كانت للأدعية السجّاديّة «أبعاد فكريّة واسعة المدى، بالنصوص الحاسمة لقضايا عقائديّة إسلاميّة، كانت بحاجة إلى البتّ فيها بنصّ قاطع، بعد أن عصفت بالعقيدة تيّارات الإلحاد، كالتشبيه والجبر والإرجاء، وغيرها ممّا كان الأمويّون وراء بعثها وإثارتها وترويجها، بهدف تحريف مسيرة التوحيد والعدل، تمهيداً للردّة عن الإسلام، والرجوع إلى الجاهليّة الأولى.

وفي حالة القمع والإبادة، ومطاردة كلّ المناضلين الأحرار، وتتّبع آثارهم وخنق أصواتهم؛ كان قرار الإمام زين العابدين علیه السلام باتّباع سياسة الدعاء، باعتباره أنجح وسيلة لبثّ الحقائق وتخليدها، وأأمن طريقة وأبعدها من إثارة السلطة الغاشمة وأقوى أداة اتّصال سرّيّة مكتوبة هادئة موثوقة».(1)

4. ظاهرة البكاء على سيّد الشهداء علیه السلام

إنّ إكثار الإمام زين العابدين علیه السلام من البكاء على أبيه الحسين سيّدالشهداء علیه السلام طيلة حياته لم يكن لمحض الرقّة والعاطفة ... بل إنه علیه السلام قد لاحظ به غاية سامية وهي تعريف الأجيال المتعاقبة الواعية بهذا النبأ ظُلامة أهل البيت علیهم السلام، وما اتصف به الأمويّون من القساوة والفظاعة وخروجهم عن حريم الدين والشريعة وتنمّرهم تجاه العدل المروءة والإنسانيّة...

لقد بكى علیه السلام علی أبيه المدّة الّتي عاش فيها حتّى قال له مولاه: إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين فقال: إنّما أشكو بثّي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون، إنّي لم أذكر مصرع بني فاطمة إلّا خنقتني العبرة.

وقال له آخر: أما آنَ لحزنك أن ينقضي؟ فقال: ويلك لقد شكا يعقوب إلى ربّه في


1) جهاد الإمام السجاد، ص 224 - 225.

أقلّ ممّا رأيت حين قال: (يا أسفى) ولم يفقد إلّا ابناً واحداً وهو حي في الدنيا - وأنا رأيت أبي وجماعة من أهل بيتي يذبّحون حولي.

وكان علیه السلام إذا أخذ الإناء ليشرب الماء؛ تذكّر عطش أبيه ومن معه فيبكي حتّى يمزجه من دموعه فإذا قيل له في ذلك، يقول: كيف لا أبكي وقد مُنِع أبي من الماء الّذي هو مباح للوحوش والسباع..

وكثيراً ما كان يحدّث أصحابه بفوائد الحزن لأجل مصابهم والبكاء على ما انتابهم من المحن فيقول: أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين حتّى تسيل على خدّه؛ بوّأه الله في الجنة غرفاً... فكان صلوات الله عليه بإدامته البكاء على أبيه مُصِرّاً على إحياء شعار أهل البيت علیهم السلام تجاه الدين وتجاه الظلم والظالمين.

وحيث لم تسعه المجاهرة بموبقات من اغتصبهم الخلافة الإلهيّة وجرّ إليهم الويلات ونكّل بهم، اتّخذ البكاء طريقاً لتنبيه الناس إلى تلكم الجرائم، وهذا منه علیه السلام أكبر جهاد ناجع في تحطيم عرش من أهلك الحرث والنسل ونشر العبث والفساد في البلاد فكان بكاؤه متمّماً للنهضة المقدّسة...

إذن لقد كان البكاء واحداً من الأساليب الّتي جعلها الإمام السجاد علیه السلام وسيلة لإحياء ذكرى كربلاء، كما استعمل أساليب اُخرى، مثل: زيارة الحسين علیه السلام والحثّ عليها.

قال أبو حمزة الثمالي: سألت عليّ بن الحسين، عن زيارة الحسين علیه السلام. فقال: زُره كلّ يوم، فإن لم تقدر فكلّ جمعة، فإن لم تقدر فكلّ شهر، فمن لم يزره فقد استخفّ بحق رسول الله صلّی الله علیه و آله!(1)

ومنها: الاحتفاظ بتراب قبر الحسين علیه السلام للسجود عليه.(2)


1) جهاد الإمام السجّاد، ص 220.

2) بحار الأنوار، ج 46، ص 79، باب 5. ح 75.

ومنها: أنه علیه السلام كان يتختّم بخاتم أبيه الحسين علیه السلام.(1)

5. ظاهرة الإعتاق

العتق ظاهرة فريدة جاءت بها الشريعة الإسلاميّة وقد اعتنى بها الأئمّة الأطهار علیهم السلام اعتناء تامّاً إلّا أنّ تحرير الرقيق كان يشكّل ظاهره بارزة في حياة الإمام زين العابدين علیه السلام بشكل خاصّ لا مثيل له في تأريخ الإمامة، فهو أمر يسترعي الانتباه والملاحظة الفاحصة.

وإذا دقّقنا في الظروف والملابسات الّتي عاشها الإمام علیه السلام وقمنا ببعض المقارنات بين أعمال الإمام علیه السلام والظروف الّتي اكتنفت عمليّة الإعتاق الواسعة الّتي تبنّاها الإمام علیه السلام: اتّضحت الصورة الحقيقيّة لأهدافه علیه السلام من ذلك.

فيلاحظ أوّلاً: أنّ الأعداد الهائلة من الرقيق والعبيد كانت تتواتر على البلاد الإسلاميّة، فكان الموالي في ازدياد بالغ مذهل على أثر توالي الفتوحات وسرعتها.

ثانياً: كان الاُمويون ينتهجون سياسة التمييز العنصري إذ كانوا يعتبرون الموالي عبيداً.(2)

ثالثاً: إنّ الجهاز الحاكم في الدولة الإسلاميّة ابتداءً من الخليفة نفسه وانتهاءً بموظّفي الدولة ومروراً بالاُمراء، كانوا لا يمثّلون الإسلام، وإنّما كانوا ضدّ معنوياته وأخلاقه وإن حملوا من الإسلام اسمه.

رابعاً: إنّ انتشار العبيد والموالي وبالكثرة الكثيرة ومن دون أيّ تحصين أخلاقي أو تربية إسلاميّة لَأمرٌ يؤدّي إلى شيوع البطالة والفساد وهو ما ترمي إليه الدولة الظالمة.

ويلاحظ فيما يتّصل بعمل الإمام علیه السلام:


1) نقش الخواتيم، للسي،د جعفر مرتضى، ص 11.

2) تأريخ دمشق ومختصره لابن منظور، ج 17، ص 284.

1.

أنّ الإمام علیه السلام كان يشتري العبيد والإماء ولكن لا يُبقي أحدهم عنده أكثر من سنة واحدة وهذا يعني أنّه كان مستغنياً عن خدمتهم، فكان يعتقهم بحجج متعدّدة وفي مناسبات مختلفة.

2.

أنّ الإمام علیه السلام كان يعامل الموالي، لا كعبيد أو إماء، بل يعاملهم معاملة إنسانيّة فذّة ممّا يعزز في نفوسهم الأخلاق الكريمة ويحبّب إليهم الإسلام وأهل البيت علیهم السلام.

3.

أنّ الإمام علیه السلام كان يعلّم الرقيق أحكام الدين ويغذّيهم بالمعارف الإسلاميّة.

4.

كان الإمام علیه السلام يزوّد من يعتقه بما يغنيه، فيدخل المجتمع ليزاول الأعمال الحرّة، كأيّ فرد من الأمّة المسلمة، ولا يكون عالة على المجتمع.

إذن كان الإمام علیه السلام بعمله - الّذي لم يكن مشيراً للجهاز الحاكم - مستهدفاً ضرب السياسة الّتي انتجها الأمويّون مع الموالي، وقد حقّق عدة أهداف سياسيّة وتربويّة وتثقفيّة واجتماعيّة واقتصاديّة بهذه العبادة في آنٍ واحدٍ فإنّ الرقيق المعتقين أصبحوا يشكّلون جيلاً من التلامذة الّذين كانوا قد تربّوا في بيت الإمام وعلى يديه وعاشوا مع سيرته الإلهيّة العطرة، ومن الطبيعي أن ينقلوا انطباعاتهم إلى أبنائهم وأبناء أبنائهم. ولو كان الإمام يريد فتح مدرسة للتعليم بغير هذا الاُسلوب لكان يواجه منعاً من الجهاز الحاكم بينما كان حرّاً وبعيداً عن الرقابة الحكوميّة وهو يزاول عمليّة شراء الرقيق وعتقهم.

كما استقطب الإمام علیه السلام ولاء هذه الأعداد الكبيرة من الموالي المحرَّرين وأبنائهم وأحفادهم وهم يرتبطون به برباط ولاء العتق الّذي قرّره الإسلام وألِفَته النفوس البشريّة الّتي جبلت على مجازاة الإحسان بالإحسان وشكر النعمة وتقدير المعروف، حتى قيل: إنّهم أصبحوا يشكّلون قوّة ضاغطة على الجهاز الحاكم فيما بعد.

الخلاصه

回 إنّ الظواهر الّتي تميّزت بها حياة الإمام زين العابدين علیه السلام وأعطتها طابعاً خاصّاً كشفت لنا عن متطلبات عصره علیه السلام.

回 و هذا الظواهر هي الزهد والعبادة والدعاء والبكاء على سيّدالشهداء والإعتاق والإنفاق والتربية والتعليم.

回 وهي ظواهر مترابطة ذات أهداف متنوّعة وهي حلول لمشاكل آنيّة ومستقبليّة، وقد أرسى علیه السلام قواعدها وأعطى للأمّة وللجماعة الصالحة تفصيلاتها بما جسّد فيها من قيم ومُثُل عُليا بسلوكه وسيرته العطرة.

回 و قد كشفت لنا هذه الظواهر عن سمّو أهل البيت علیه السلام وعدم امكان مقايستهم بمن عاصرهم وتحلّى ببعض صفاتهم. وحقّقت هذه الظواهر مكسباً عقائدياً وتربوياً وسياسياً في آنٍ واحد.

回 وكانت تعبّر عن حلول أساسيّة لمشاكل اجتماعيّة كان يعاني منها المجتمع الإسلامي بعد عصر الفتوحات الاٌولى.

الأسئلة

1.

ما هي الظواهر الملفتة للنظر في سيرة الإمام زين العابدين علیه السلام؟

2.

ما هو الزهد الّذي اتّصفت به حياة الإمام علیه السلام وما هي دلالاته؟

3.

صوّر عبادة الإمام علیه السلام واذكر أبعادها ومداليلها.

4.

لماذا تميّزت سيرة الإمام علیه السلام بظاهرة الدعاء وما هي أبعادها في حياته؟

5.

لماذا كان البكاء والحزن مسيطراً على حياة الإمام علیه السلام؟

6.

ما هي آثار اهتمام الإمام بعزاء سيّد الشهداء علیه السلام؟

7.

تكلّم عن الآثار الإيجابيّة لظاهرة الإعتاق في حياة الإمام علیه السلام.

الدرس 27: متطلّبات عصر الإمام زين العابدين علیه السلام (1)

6. ظاهرة الإنفاق

«كان عليّ بن الحسين علیه السلام في الّيوم الذي يصوم فيه يأمر بشاة فتذبح وتقطّع أعضاؤها وتطبخ، فإذا كان المساء انكبّ على القدور حتّى يجد ريح المرق - وهو صائم- ثمّ يقول: هاتوا القصاع، اغرفوا لِآل فلان، ولآل فلان، حتّى يأتي على آخر القدور ثمّ يؤتى بخبز وتمر فيكون عشاءه.(1)

وهذا النصّ يبيّن لنا أنّه علیه السلام كان يذبح في شهر رمضان ثلاثين شاة على الأقّل. و كان يخرج في الليلة الظلماء فيحمل الجراب فيه الصِرار والدنانير والدراهم حتّى يأتي الدور باباً باباً فيقرع كلّ باب ثمّ يناول من يخرج إليه فلمّا مات علیه السلام فقدوا ذلك، فعلموا أنّ عليّ بن الحسين كان هو الّذي يفعل ذلك.(2)

ولقد كان يعول مائة أهل بيت من فقراء المدينة،(3)وقيل كان في كلّ بيت جماعة من الناس.(4)


1) بحار الأنوار، ج 46، ب 5، ص 53.

2) بحار الأنوار، ج 46، ب 5، ص 28.

3) بحار الأنوار، ج 46، ب 5، ص 19.

4) بحار الأنوار، ج 46، ب 5، ص 77.

وحَمَل الصدقات حتّى أثّر ذلك في ظهره وسمّي صاحب الجراب.(1)

وكان يقول لمولاه: لا يعبر على بابي سائل إلّا أطعمتموه، فإنّ اليوم يوم جمعة(2)وكان الفقراء يتباشرون حينما يرونه قد أقبل إليهم وكانوا ينتظرونه على أبوابهم ليلا من كثرة اعتيادهم عليه. وكان لا يأكل الطعام حتّى يتصدّق بمثله.

ولم يكتف الإمام بأخلاقيّة الإنفاق فقط بل ضمّ إلى ذلك حكمته في التأثير بهذا الإنفاق وتركيزه بالنفوس، فكان يرفض أن يبيع ملابسه، وإنّما كان يتصدّق بها وكان يشتري الكسوة الفاخرة من الخزّ الّتي تقدّر بخمسين ديناراً ليتصدّق بها عند انقضاء الشتاء، واستهدف الإمام من ذلك أن يكون هذا الإنفاق مؤثّراً في نفوس الناس وتأكيداً لارتباط الفقراء والمساكين به، لأنّهم سيرتدون ملابسه من بعده ويذكرونه على الدوام.

فقد أصبحت ثُلّة كبيرة من الناس ترتدي ملابس الإمام وتتعاطف معه نتيجة تصدّقه بالكسوة الثمينة الّتي كان يرغب فيها كلّ الناس، فكان إذا انقضى الشتاء تصدّق بكسوته وإذا انقضى الصيف تصدّق بكسوته، كذلك وكان يلبس من خزّ اللباس فقيل له: تعطيها من لا يعرف قيمتها ولا يليق به لبسها، فلو بعتها فتصدّقتَ بثمنها، فقال: إنّي أكره أن أبيع ثوباً صلّيت فيه.(3)

وهذا النصّ يدلّ على أنّ الإمام علیه السلام كان يعطيها إلى الفقراء والمساكين الّذين لم يلبسوا مثل هذا اللباس، فيسّرون أشدّ السرور، ومن المؤكّد أن هذا النوع من الإنفاق كان معروفاً ومعتاداً عليه الإمام حتّى عوتب فيه.

فأخلاقيّة الإنفاق كانت عملاً تربوياً للأمّة وتوعية على ضرورة التكامل الاجتماعي، وكانت تلك الروح الّتي تصاحب إنفاق الإمام من احترامه للفقراء


1) بلاغة الإمام زين العابدين، ص 226.

2) بحار الانوار، ج 46. ب 5، ص 77.

3) بحار الأنوار، ج 46، ب 5، ص 77.

والمحتاجين وتقبيله الفقير وحبه أن يحضر طعامه اليتامى ومن لا حيلة له، ومناولته الطعام لهم، وحمله لبيوتهم، إذا كان لهم عيال(1)- تمثّل صورة عمليّة مثاليّة لمبادىء الإسلام الاجتماعيّة.

إنّ الإمام بعمله هذا كان يدفع العجب الّذي قد ينتاب الباذل والمنفق شعوراً منه بفضله وإحسانه، ويبدّده الإمام بالتأكيد على أنّ الفقير هو صاحب الفضل وأنّ اليد الآخذة للصدقة هي المحسنة لأنّها سبب للثواب، إذ كان يرحبّ بالسائل ويقول له: مرحبا بمن يحمل زادي للآخرة.(2)

ومن أهمّ تلك الدروس الّتي أعطاها للاُمّة نفقة السرّ الّتي اشتهر بها، فقد عرفت المدينة بعد موته أنّه هو صاحب ذلك الإنفاق الليلي، وهو المتلثّم الّذي كان يحمل الجراب على ظهره ويفرّق الطعام والدنانير على بيوت الفقراء والمساكين.(3)(4)

7. مدرسة الإمام زين العابدين علیه السلام

أشرنا إلى أنّ انفتاح المسلمين -في عصر الإمام زين العابدين علیه السلام- على ثقافات متنوعة وأعراف مختلفة للشعوب الّتي دخلت في الإسلام أدىّ إلى خطرٍ كبير هو الذوبان في هذه الأعراف وافتقاد الأصالة الفكريّة الّتي جاء بها الإسلام وحقّقها للمسلمين بشكل تدريجي.

كما أنّ الحكومة الأمويّة من أجل إحكام سيطرتها على رقاب المسلمين سارت في خطّ إماتة الوعي ومحاربة العلم وإنشاء مذاهب أو تيّارات عقيديّة تنتهي إلى الجمود الفكري والركود العلمي بالتدريج.


1) بحار الأنوار، ج 46، ب 5، ص 19.

2) بحار الأنوار، ج 46، ب 5، ص 86.

3) بحار الأنوار، ج 46، ب 5. ص 86.

4) بحار الأنوار، ج 46، ب 5، ص 77.

ومن هنا كان لا بدّ من حركة فكريّة اجتهاديّة تفتح الآفاق الذهنيّة للمسلمين كي يستطيعوا أن يحملوا مشعل الكتاب والسنة بروح المجتهد البصير، وهذا ما قام به الإمام زین العابدين علیه السلام إذ انبرى إلى تأسيس مدرسة علميّة وايجاد حركة فكريّة بما بدأه من حلقات البحث والتدريس في مسجد الرسول صلّی الله علیه و آله وبما كان يثيره في خطبه في صلوات الجُمعَ اسبوعيّاً.

أخذ الإمام علیه السلام يحدّث الناس بصنوف المعرفة الإسلاميّة من تفسير وحديث وفقه وعقائد وأخلاق... ويفيض عليهم من علوم آبائه الطاهرين ويمرّن النابهين منهم على التفقّه والإستنباط.

وقد تخرّج من هذه الحلقة عدد غضير من فقهاء المسلمين، يحمل وعي الإمام وروحه وعلمه وكانت هذه الحلقة هي المنطلق لما نشأ بعد ذلك من مدارس فقهيّة وشخصيّات علميّة.(1)

ونلمس من خلال ما ورد عن الإمام علیه السلام من أحاديث ترتبط بالعلم والعلماء أنّه قد خطّط لهذه الحركة العلميّة تخطيطاً بارعاً، فهو بالإضافة إلى تفرّغه للتعليم -وعلى الرغم من جميع الهموم والآلام الّتي تركتها واقعة الطف الأليمة في نفسه وما تلاها من حوادث مؤلمة في العالم الإسلامي- نجده يشيد بفضل العلم ويحثّ المستعدّين للتعلّم حثّاً أكيداً قولاً وعملاً، كما نجده يرسم للمتعلّمين آداب التعلّم والتعليم بحيث استطاع أن يجمع عدداً كبيراً من طلّاب المعرفة الّذين عُرفوا بالقرّاء باعتبار أنّ قراءة القرآن وحفظه وتعليم تفسيره كانت هي المحور في التعلّم والتعليم حينذاك ولم يكن للحديث أو السيرة أو الفقه تدوين وتأليف بسبب الحظر الّذي أوجدته السلطة بعد غياب الرسول صلّی الله علیه و آله، فلم يكن الخطّ العام في الدولة الإسلاميّة في صالح هذه الحركة الفكريّة.

ومع كلّ هذا نلاحظ احتفاف القرّاء والفقهاء والعلماء بالإمام علیه السلام بنحو لا نجد له


1) راجع مقدّمة السيد الشهيد محمّد باقر الصدر للصحيفة السجاديّة.

نظيراً في غيره من العصور، فإنّ القرّاء كانوا لا يفارقونه في حضر أو سفر حتّى قال سعيد بن المسيّب: «إنّ القرّاء كانوا لا يخرجون إلى مكّة حتّى يخرج عليّ بن الحسين فخرج وخرجنا مع معه ألف راكب».(1)

لقد قال الإمام علیه السلام- في فضل العلم وثوابه وأهميّته -: «لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج».(2)

وكان علیه السلام يكرم طلّاب العلوم ويرفع منزلتهم ويرحّب بهم قائلاً: مرحباً بوصيّة رسول الله صلّی الله علیه و آله. وكان إذا نظر إلى الشباب - وهم يطلبون العلم - أدناهم إليه وقال: مرحباً بكم أنتم ودائع العلم، ويوشك إذ أنتم صغار قوم أن تكونوا كبار آخرين».(3)

وقد لاحظنا ما جاء في رسالة الحقوق من الإشادة بفضل العالم وحقوقه على المتعلّمين، من التعظيم له والتوقير لمجلسه وحسن الإستماع إليه والإقبال عليه وعدم رفع الصوت عليه والدفاع عنه وستر عيوبه وإظهار مناقبه وعدم مجالسته أعدائه وعدم معاداة أوليائه.

كما نلاحظ تأكيده على عدم كتمان العلم وعدم التكبّر بالنسبة للمتعلّمين وحسن الإتقان في فنّ التعليم وعدم ابتغاء الأجر الماديّ على التعليم.

وقد قام الإمام السجّاد علیه السلام بأداء دور مهمّ في ميدان الإصلاح الثقافي أيضاً فتصدّى لنشر حديث الرسول صلّی الله علیه و آله تحدّياً لحظر السلطة ودعا إلى العمل بالسنة الشريفة واهتمّ بتدريس القرآن وتفيسره وحفظه وإكرام حملته، وأشاد قواعد التوحيد الإلهي وأجاب على الشبهات الّتي كان يثيرها دعاة الجبر والتجسيم والتشبيه والإرجاء.


1) من مقدّمة السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر للصحيفة السجاديّة.

2) راجع أصول الكافي كتاب العلم.

3) أصول الكافي، ص 35.

كلّ هذا يشير إلى تخطيط واضح في سلوك الإمام علیه السلام لايجاد حركة ثقافيّة واسعة وتأسيس تيّار ثقافي يتسنى له أن يقف أمام التيّارات المنحرفة والتخطّيط الأموي الّذي لم يَرُق له تفتّح الوعي الإسلامي عند أبناء المسلمين.

فعلى صعيد الإمامة والولاية، أعلن الإمام علیه السلام عن إمامة نفسه بكلّ وضوح وصراحة ومن دون أيّة تقيّة وخفاء. وقد تعددت الأحاديث الناقلة لهذا الإعلان منها قوله علیه السلام: نحن أئمّة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين وقادة الغرّ المحجّلين وموالي المؤمنين ونحن أمان أهل الأرض، كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء... ولو ما في الأرض منّا لساخت بأهلها، ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجّة الله فيها، ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجّة الله فيها، ولو لا ذلك لم يُعبَد الله.(1)

وقال أبو المنهال نصر بن اوس الطائي: قال لي عليّ بن الحسين علیه السلام: إلى مَن يذهب الناس؟ قال: قلت: يذهبون هاهنا وهنا هنا. قال: قل لهم: يجيئون إليّ.(2)

وقال له أبو خالد الكابلي: يا مولاي! أخبرني كم يكون الأئمّة بعدك؟ قال: ثمانية لأنّ الأئمّة بعد رسول الله إثنا عشر إماماً، عدد الأسباط، ثلاثة من الماضين، وأنا الرابع، وثمانية من ولدي...».(3)

والإنحراف الّذي حصل عن خط أئمّة أهل البيت علیهم السلام لم يكن في إقصائهم عن الحكم والولاية فقط بل انتهى إلى الجهل بأحكام الشريعة الّتي كان الأئمّة هم المرجع الواقعي والصحيح للتعرّف عليها.

فالإمام ليس وليّاً للأمر وحاكماً على البلاد والعباد فحسب، وإنمّا هو مصدر يرجع


1) أمالي الصدوق، ص 112؛ الاحتجاج، ص 317.

2) تاريخ دمشق الحديث، ص 21.

3) كفاية الأثر، ص 236 - 237.

إليه لفهم الشريعة وتبيين أحكامها باعتبار معرفته التامّة بالشريعة الخاتمة وارتباطه الوثيق بمصادرها الحقيقيّة.

وكما أقصى الحكامُ أئمّة أهل البيت علیهم السلام عن الحكم والولاية حاولوا كذلك نفي مرجعيّتهم الدينيّة والعلميّة وإبعاد الناس عنهم، لذلك اهتمّ الأئمّة وأتباعهم بإرشاد الناس إلى هذا المعين الصافي للشريعة الإسلاميّة كي ينهلوا من غيره الصافي.

وكان اهتمام الإمام السجاد علیه السلام بليغاً بهذا الأمر حتى قال علیه السلام لرجل شاجره في مسألة شرعيّة فقهية:

يا هذا! لو صرت إلى منازلنا، لأريناك آثار جبرئيل في رحالنا، أيكون أحدٌ أعلم بالسنّة منّا.(1)

و قال علیه السلام: إنّ دين الله لا يُصاب بالعقول الناقصة، والآراء الباطلة،والمقاييس الفاسدة، لا يُصاب إلّا بالتسليم.

فمن سلّم لنا سَلِم ومن اقتدى بنا هُدي، ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك، ومن وجد في نفسه -ممّا نقوله أو نقضي به - حَرَجاً كفر بالدين والّذي أنزل والسبع المثاني والقرآن العظيم وهو لا يعلم.(2)

وقد خرجّت مدرسة الإمام السجاد علیه السلام كوكبة من العلماء الكبار منهم الفقهاء والمفسّرون الّذين سطعت أسماؤهم في العالم الإسلامي إليهم يعود الفضل في دفع عجلة الإحياء العلمي في ذلك العصر الرهيب وما تلاه من عصور. ونشير فيى ما يلي إلى الإسماء اللّامعة في هذا الصدد:

1. وفي مقدّمتهم الإمام أبو جعفر الباقر علیه السلام وأخواه زيد والحسين إبنا عليّ بن الحسين بن عليّ علیهم السلام .

1) نزهة الناظر، ص 45.

2) اکمال الدین، ص 324، ب 31، ح 9.

2. أبان بن تغلب بن رباح، أبوسعيد البكري الجريري، كوفي المولد والنشأة، وكان نابهاً ومقدّماً في كلّ فن: من قرآن وحديث وأدب ولغة ونحو.

وتتلمذ عند الأئمّة الثلاثة السجّاد والباقر والصادق علیهم السلام، وكان يقول له الإمام الباقر علیه السلام: «إجلس في مسجد المدينة وافت الناس فإنّي أحبّ أن يرى في شيعتي مثلك». وألّف اُبان في تفسير غريب القرآن وفي فضائل أهل البيت كما روى ما يناهز ثلاثين ألف حديث عن حديث عن أئمته علیهم السلام.(1)

3.

إسماعيل بن عبد الخالق: وجه من وجوه أصحاب الأئمّة وفقيه من فقهائهم وأدرك الإمام الصادق علیه السلام وروى عنه وعن الإمام الباقر والسجّاد أيضاً.(2)

4.

ثابت بن أبي صفيّة: وهو أبو حمزة الثمالي عالم جليل ورع تقيّ تربّى بآداب أهل البيت علیهم السلام وحمل علومهم ومعارفهم، وأجمع المترجمون على وثاقته وأنّه كسلمان الفارسي في زمانه وكانت الشيعة ترجع إليه في الكوفة لإحاطته بفقه أهل البيت علیه السلام.

5 . رشيد الهجري: من أبطال الإسلام وأعلام الجهاد وقد صلبه الأمويون من أجل عقيدته وولائه لأهل البيت علیهم السلام.

6.

يحيى بن أمّ طويل المطعمي: كان باب الإمام وموضع سرّه وحلقة الوصل بينه وبين الناس وقد أمر الحجّاج بقطع يديه ورجليه وقتله.

7.

أبو خالد الكابلي: كان من خواصّ الإمام وممّن خدم الإمام دهراً من عمره وكان باب الإمام وموضع سرّه.

8.

محمّد بن جبير بن مطعم: وكان من ضمن المجموعة الّتي ثبتت على الإمامة ولم تعصف بها العواصف.


1) راجع ترجمته بالتفصيل في حياة الإمام زين العابدين، ص 522 - 527.

2) المصدر، ص 529.

9.

المنهال بن عمرو الأسدي.

10.

سعيد بن المسيّب.

وقد ذكر المؤرّخون مجموعة أخرى من أصحاب الإمام إضافة إلى هؤلاء الرجال. وقد صحبه واستفاد منه مجموعة من أصحاب آبائه الكرام منهم: جابر بن عبدالله الأنصاري وعامر بن وائلة وقنبر مولى أميرالمؤمنين وكميل بن زياد وسليم بن قيس.

وحقّق النشاط العلمي للإمام علیه السلام غاياته المتوخّاة، فالمسجد النبوي الشريف ودار الإمام علیه السلام شهدا طوال خمسة وثلاثين عاماً - وهي فترة إمامته علیه السلام- نشاطاً فكريا من الطراز الأوّل، حيث استقطب الإمام علیه السلام طلّاب المعرفة الإسلاميّة فيي جميع حقولها، لا في المدينة المنورة ومكّة المكرّمة وحدهما، وإنّما في الساحة الإسلاميّة بأكملها، حتّى استطاع علیه السلام أن يخلق نواة مدرسة فكريّة، لها طابعها ومعالمها المميّزة، تخرّجت منها قمم فكريّة وقادة رأي ورواة ومحدثون وفقهاء:

إنّ انفراط أمر الشيعة بعد استشهاد الحسين علیه السلام وتَشَتَّتَ قُواهم، كان من أعظم الأخطار الّتي واجهها الإمام السجاد علیه السلام الاستجماع القوى وتكميل الإعداد من جديد، وهذا كان بحاجة إلى إعداد نفسي وعقيدي وإحياء الأمل في القلوب وبثّ العزم في النفوس.

وقد تمكن الإمام علیه السلام بعمله الهادئ من الإشراف على تكميل هذه الاستعادة، وعلى هذا الإعداد والتمهيد، بكلّ قوّة وبحكمة وبسلامة وجدٍّ.

استشهاد الإمام علیه السلام

كان الإمام السجّاد علیه السلام يتمتع بشعبيّة كبيرة، فقد تحدّث الناس بإعجاب عن علمه وفقهه وعبادته، وعجّت الأندية بالتحدّث عن صبره وسائر ملكاته، وقد احتلّ قلوب الناس وعواطفهم فكان السعيد من يحظى برؤيته والسعيد من يتشرّف بمقابلته والاستماع إلى حديثه، وقد شقّ ذلك على الأمويّين عامّة وأقض مضاجعهم، وكان من

أعظم الحاقدين عليه الوليد ابن عبدالملك.(1)

روى الزهري أنّ الوليد قال: «لا راحة لي وعليّ بن الحسين موجود في دار الدنيا».(2)فاجمع رأيه على اغتيال الإمام حينما آل إليه الملك، فبعث سمّاً قاتلاً إلى عامله على يثرب، وأمره أن يدسّه للإمام(3)ونفذّ عامله ذلك، فسَمَتْ روح الإمام علیه السلام العظيمة إلى خالقها بعد أن أضاءت آفاق هذه الدنيا بعلومها وعباداتها وجهادها وتجرّدها من الهوى.

وبعد أن أوصى إلى ولده الإمام محمد الباقر علیه السلام في مرضه الّذي توفّي فيه ولم يترك الأمّة بلا ضياء تستنير به.

وقام الإمام أبو جعفر محمد الباقر علیه السلام بتجهيز جثمان أبيه علیه السلام. وبعد تشييع حافل لم تشهد يثرب له نظيراً، وجيء بجثمانه الطاهر إلى بقيع الفرقد، فحفروا قبراً بجوار قبر عمّه الزكي الإمام الحسن المجتبى سيّد شباب أهل الجنة علیه السلام وريحانة رسول الله صلّی الله علیه و آله. وأنزل الإمام الباقر علیه السلام جثمان أبيه السجّاد علیه السلام فواراه في مقرّه الأخير.

فسلام عليه يوم ولد ويوم جاهد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً.


1) هناك من المؤرّخين من يعتبر أنّ هشام بن عبد الملك أمر درس اسم الإمام علیه السلام وليس الوليد. راجع المصدر السابق، ص 201- 202.

2) راجع حياة الإمام زين العابدين، ص 678.

3) منتهی الآمال، ج 2، ص 57.

الخلاصه

回 شكّلت ظاهرة الإنفاق حقلاً مهمّاً من حياة الإمام زين العابدين علیه السلام و رسمت لنا بُعداً مميّزاً من شخصيّته ولم يكن انفاقه محدوداً بحدود خاصّة غير أنّه كان حكيماً في أسلوب الإنفاق كما كان هادفاً في أساليبه تربية الأمّة ولم يكن مختصّاً بشيعته. والإنفاق والإعتاق إلى جانب الزهد له دلالة كبيرة على سموّ أهل البيت وعظمتهم و تميّزهم عمّن سواهم.

回 و كانت أنشطة الإمام التثقيفيّة والعلميّة تشكّل مدرسة حقيقة حتّى أصبحت الأساس الأوّل لمدرسة أهل البيت و جامعتهم العلميّة على مدى القرون حتّى يومنا هذا.

回 و كان خريجو مدرسة الإمام علیه السلام وصحابته وخاصّته دليلاً آخر على عظمة النشاط الّذي مارسه الإمام إلى جانب سائر الأنشطة العباديّة والاجتماعيّة ذات الآثار السياسيّة الحقيقيّة والأصيلة في المجتمع الإسلامي.

الأسئلة

1.

كيف تصوّر ظاهرة الإنفاق في حياة الإمام زين العابدين علیه السلام؟

2.

ما هي الأخلاقيّة الّتي كان الإمام يحملها مع الإنفاق ويريد زرعها في المجتمع الإسلامي؟

3.

كيف تفسّر النصوص الّتي وردت حول ضرورة العلم واُسلوب طلبه في أحاديث الإمام علیه السلام؟

4.

ما هي المجالات الثقافيّة الّتي تناولتها مدرسة الإمام علیه السلام؟

5.

من هم أهمّ طلّاب مدرسة الإمام علیه السلام؟

6.

ما هي آثار اهتمام الإمام بعزاء سيد الشهداء علیه السلام؟

7.

تكلّم عن الآثار الايجابيّة لظاهرة الإعتاق في حياة الإمام علیه السلام.

الدرس 28: ملامح عصر الإمام محمّد الباقر علیه السلام

اشارة

بعد استشهاد الإمام علي بن الحسين زين العابدين علیه السلام بالسمّ الّذي دسّه إليه الحاكم الأموي الوليد بن عبدالملك حاول الوليد أن يمتص النقمة، ودبّ الخلاف بين الوليد وأخيه سليمان، حيث أراد الوليد خلعه ومبايعة إبنه عبدالعزيز، فأبى عليه سليمان، ولم يجبه للبيعة جميع الولاة باستثناء الحجّاج وقتيبة بن مسلم وبعض الخواص، فعزم الوليد على السير إليه ليخلعه بالقوّة فمات قبل ذلك.(1)

وانشغل سليمان سنة 196ه- بمتابعة ولاة الوليد وعزلهم عن مناصبهم،(2)كما حاول إصلاح بعض الأوضاع المتردّية تقربّاً إلى الناس، فأطلق المعتقَلَين وفكّ الأسرى.(3)

وكانت الأخطار الخارجيّة والداخليّة تحيط بالدولة الإسلاميّة والحاكم الاُموي.(4)فانشغلت السلطة ملاحقة الإمام الباقر علیه السلام فتصدّى الإمام الباقر علیه السلام للإمامة، بعيداً عن عن المواجهة السياسيّة العلنيّة للحكم القائم، ولم تظهر من قبل الحاكم وواليه على المدينة أي معارضة للإمام علیه السلام حينذاك.


1) المنتظم، ج 7، ص 12.

2) الكامل في التأريخ، ج 5، ص 11.

3) المنتظم، ج 7، ص 12.

4) الكامل في التأريخ، ج 5، ص 13 و ما بعدها.

مظاهر الانحراف في عصر الإمام علیه السلام

اشارة

كان الانحراف قد تغلغل في جميع الميادين: ميدان النفس، وميدان الحياة الاجتماعيّة، وأصبح الإنسان المسلم فريسة للأهواء والمطامع، وانحسر تفكيره إلى أُفق ضيّق، ورؤية محدودة، وتأرجحت مواقفه إلى اليمين والشمال، وهو لا يلوذ إلى ركن ركين لابتعاده عن منهج أهل البيت علیهم السلام وانسياقه وراء التيّارات والأفكار الهدّامة الّتي شجّع عليها حكّام بني أميّة.

وتتلخّص أهمّ مظاهر الانحراف في عهد الإمام الباقر علیه السلام فيما يلي:

أولاً: الانحراف الفكري والعقائدي

لقد ازداد الانحراف في عهد الحكم المرواني، وكان للأفكار والعقائد نصيبها الأكبر من هذا الانحراف، ولم يكترث الحكّام بهذا الانحراف، لأنّه كان يخدم مصالح حكمهم، ويُشغل المسلمين عن همومهم الأساسيّة، وعن أهدافهم الحقيقيّة بتغيير الأوضاع وإعادتها إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله صلّی الله علیه و آله وعهد أميرالمؤمنين علي علیه السلام.

ففي الفترة الواقعة بين سنة 95ه- إلى 114ه- تعدّدت التيّارات الفكريّة والعقائديّة المنحرفة، وأصبحت ذات أتباع وأنصار، وتحوّلت إلى كيانات ذات إفرازات سياسيّة خالف الكثير منها الأسس الواضحة في العقيدة الإسلاميّة، فانتشرت أفكار الجبر والتفويض والإرجاء، كما انتشرت أفكار التجسيم وتشبيه الله تعالى بخلقه، وإثبات الحركة والمكان والزمان والإنتقال لله تعالى، وكثرت الشبهات حول ثوابت العقيدة، وكثر الحديث حول ماهيّة الله تعالى وذاته، وتعدّدت تيّارات الغلوّ وتنوّعت فادّعت حلول الذات الإلهيّة في قوم من الصالحين، وقالوا بالتناسخ، وراجت الزندقة، فجحدوا البعث والنشور ، وأسقطوا الثواب والعقاب وراج تزوير الحديث واختلقت كثير من الروايات إحكاماً للتسلّط الأموي، واستمرّت عمليّة عزل أهل البيت علیهم السلام عن الساحة السياسيّة والاجتماعيّة وازداد الاهتمام بالصحابة كبديل لهم، ومن هنا حاولوا توسيع

دائرة الصحبة والصحابة لِيدخل في هذا العنوان كلّ من عاصر الرسول صلّی الله علیه و آله بشكل من الأشكال وإن لم يتأثّر بثقافته وروحه. وهكذا استمرّت عمليّة طمس فضائل أهل البيت علیهم السلام من خلال التعتيم الإعلامي عليها.

وكان للحكّام دور كبير في عمليّة تزوير الحديث، وقد وصف الإمام علي بن موسى الرضاء علیهم السلام ذلك قائلاً: إن مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا وجعلوها على ثلاثة أقسام:

أحدها: الغلوّ.

وثانيها: التقصير في أمرنا.

وثالثها: التصريح بمثالب أعدائنا.(1)

وفي عهد الأمويّين كثر الإفتاء بالرأي، وتفسير القرآن بالرّأي وانتشر القياس، وأفكار التصوّف والاعتزال عن الحياة، وذلك بتحجيم دور الدين في الحياة وفصيله عن السياسة بشكل وآخر.

ثانياً: الانحراف السياسي

اتّبع الحكّام الأمويون سياسة مَن سبقهم في تحويل الخلافة إلى ملك يتوارثه الأبناء عن الآباء دون سابقة علم أو تقوى، ووزّعوا المناصب الحسّاسة في الدولة على أبنائهم وأقربائهم والمتملّقين لهم، واستبدّوا بالأمر فلا شورى ولا استشارة إلّا للمنحرفين والفسّاق من بطانتهم واستمرّوا في اتخاذ الإرهاب والتنكيل وسيلة لتثبيت سلطانهم، فحينما وجد الوليد بن عبدالملك أنّ ولاية عمر بن عبدالعزيز على مكّة والمدينة قد أصبحت ملجأً للهاربين من ظلم بقيّة الولاة عزله(2)تنكيلاً منه بالمعارضين وغلقاً لمنافذ السلامة أمامهم.


1) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 304.

2) الكامل في التأريخ، ج 4، ص 577.

وكان الوليد - كما يصفه المؤرِّخون - جبّاراً عنيداً ظلوماً غشوماً.(1)وحاول سليمان بن عبدالملك من بعده أن يصلح الأوضاع تقرّباً إلى الناس فأطلق السجناء، فكان في بداية عهده انفراج نسبي لانشغاله بتغيير ولاة الوليد وعزلهم، إلّا أن السياسة العامّة لم تتغيّر، لأنّ كثيراً من البلدان كان يتولّاها القساة الظلمة من أمثال والي العراق خالد بن عبدالله القسري.(2)

وكان سليمان محاطاً بثلّة من الرجال المعروفين بفسقهم وسوء سيرتهم وقد وصفهم أعرابيّ له - بعد أن أخذ منه الأمان - فقال له: يا أميرالمؤمنين، إنّه قد تكتّفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياهم بدينهم، ورضاك بسخط ربّهم، خافوك في الله، ولم يخافوا الله فيك، حرب للآخرة وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما يأمنك الله عليه، فإنّهم لم يأتوا إلّا ما فيه تضييع وللأمّة خسف وعسف، وأنت مسؤول عمّا اجترموا، وليسوا مسؤولين عمّا اجترمت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك.(3)

واتّبع (الوليد وسليمان ابنا عبد الملك) سيرة أبيهما، والتزما بوصيّته - في قتل الرافضين للبيعة لهما - والّتي جاء فيها: وادع الناس إلى البيعة، فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا.(4)

وأقرّ كثير من الفقهاء سياسة الحكّام خوفاً أو طمعاً أو استسلاماً للأمر الواقع، ومن تلك المُبْتَدَعات الّتي أقرّوها العهد إلى اثنين أو أكثر، حيث عهد سليمان بالحكم إلى عمر بن عبدالعزيز ومن بعده ليزيد بن عبدالملك، فأقرّ كثير من الفقهاء ذلك، حتّى أصبحت نظريةً من نظريات تولّي الحكم.(5)


1) مروج الذهب، ج 3، ص 157.

2) مروج الذهب، ج 3، ص 179.

3) مروج الذهب، ج 3، ص 178.

4) البداية والنهاية، ج 9، ص 161.

5) الأحكام السلطانية للماوردي، ص 13.

وحينما تولّى عمر بن عبدالعزيز الحكم اتخذ سياسة جديدة تخالف من سبقه من الأمويّين، فقام ببعض الإصلاحات كمنح الحرّية للمعارضين ليعبّروا عن آرائهم، وألغى سنّة سبّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام من على منابر المسلمين، وردّ فدكاً إلى أهل البيت علیهم السلام، واعترف بالممارسات الخاطئة لأسلافه من الحكّام، وأمر بردّ المظالم، فامتدحه الإمام الباقر علیه السلام على ذلك،(1)ولكنّ حكمه لم يدم أكثر من سنتين وخمسة أشهر، فعاد الوضع إلى ما كان عليه سابقاً.

وامتازت هذه المرحلة بقصر مدّة حكم الخلفاء المتحكّمين في رقاب المسلمين، فحكم سليمان ثلاث سنين، وحكم عمر بن عبدالعزيز أقلّ من ثلاث سنين، وحكم يزيد بن عبدالملك أربع سنين، وكان كلّ حاكم ينشغل بتغيير ولاة مَن سبقه، وكَثَرُت اختلافات البيت الأموي تنافساً على الحكم، كما كثرت الفتن الداخليّة، فقام قتيبة بن مسلم بخلع سليمان والاستقلال بالحكم في خراسان، فجهّز إليه من قام بقتله ومعه أحد عشر رجلاً من أهل بيته،(2)وقام يزيد بن المهلّب في سنة 101ه بخلع يزيد بن عبدالملك وجهّز إليه الأخير من قتله وقتل أتباعه.

وقد أفتى بعض المتملّقين إلى الأمويّين أنّه ليس على الخلفاء حساب.(3)

وكانت الأمّة الإسلاميّة محاطة بمخاطر شتّى، ففي سنة 104ه- ظفر الخزر بالمسلمين وانتصروا عليهم في بعض الثغور، وفي عهد هشام بن عبدالملك ازداد الإرهاب والتنكيل بأهل البيت علیهم السلام وأتباعهم وسائر المعارضين، فقد أقدم هشام على سجن الإمام الباقر علیه السلام ثم أخرجه لتأثّر السجّانين به،(4)وأصدر أوامره بقتل بعض أتباع الإمام الباقر علیه السلام إلّا أنّ الإمام علیه السلام استطاع أن ينقذهم من القتل حيث استفادوا من


1) الكامل في التأريخ، ج 5، ص 62 و تأريخ مختصر الدول، ص 114.

2) تاریخ ابن خلدون، ج 5، ص 151.

3) البداية والنهاية، ج 9، ص 232.

4) مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 206.

اسلوب التقيّة الّذي أرشدهم إليه الإمام علیه السلام.(1)

والتجأ المخالفون إلى العمل السرّي للإطاحة بالحكم الأُموي، فكان العبّاسيون يعدّون العدّة ويبثّون دعاتهم في الأقاليم البعيدة عن مركز الحكومة وخصوصاً في خراسان، وبدأ زيد بن علي بن الحسين علیهم السلام يعدّ العدّة للثورة على هشام الّذي لم يتأثّر من سبّ النبي علي صلّی الله علیه و آله عنده.

ثالثاً: الانحراف الاجتماعي والأخلاقي

حوّل الأمويون الأنظار إلى الغزوات، وحشّدوا جميع الطاقات والإمكانيات البشريّة والماديّة لفتح البلاد طلباً للغنائم وتوسّعاً في أرض المملكة الإسلاميّة الّتي سيطروا على ثرواتها. وأدّى التوسّع في غزو البلاد إلى خلق أنواع الإضطراب في المجتمع الإسلامي مثل تشتيت الأُسَر بغياب المعيل أو فقدانه، وكثر العبيد المأسورون (الجواري والغلمان) ممّا أدّى إلى التشجيع على اقتناء الجواري والمغنّيات والمغنّين وتملّك المخنّثين، وانتقل هذا الإنحراف من البلاط إلى الأمّة، وانشغل الحكّام باللهو وانساقوا وراء الشهوات دون حدود. ومن هنا تطوّرت ظاهرة الغزل والتشبيب بالنساء في العهد الأموي كما يفصح عن ذلك تأريخ الأدب العربي.(2)

وكانت همّة سليمان بن عبدالملك تنصبّ على انشغاله بالنساء، وانعكس ذلك على أوساط المجتمع فكان الرجل يلقى صاحبه فيقول: كم تزوجت؟ وماذا عندك من السراري؟(3)

ووصف أبو حازم الأعرج الوضع الاجتماعي والأخلاقي في جوابه على سؤال


1) بحار الأنوار، ج 46، ص 283.

2) الأغاني، ج 6، ص 219.

3) البداية والنهاية، ج 9، ص 165.

سليمان بن عبدالملك (ما لنا نكره الموت؟) قائلاً: (لأنّكم عمّرتم دنياكم وأخربتم آخرتكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب).(1)

وكان سليمان يسابق بين المغنّيين ويمنح السابقين الجوائز الثمينة،(2)ويجزل العطاء على المغنّيات وازداد عدد المخنّثين في عهده.(3)

وأقبل يزيد بن عبدالملك على شرب الخمر واللّهو،(4)ولم يتب من الشراب إلّا اُسبوعاً إذ عاد إليه بتأثير من جاريته حبّابة.(5)

وكان يقول: ما يقرّ عيني ما أوتيت من أمر الخلافة حتّى أشتري سلامّة... وحبّابة، فأرسل من يشتريهما له.(6)

وأصبح اللّهو والمجون مقدَّماً على كلّ هموم الدولة، ولقد طرب يوماً وقال: دَعوني أطير، فقالت له جاريته حبّابة: على مَن تَدَع الأمّة؟ قال: عليكِ.

ولما ماتت تركها ثلاثة أيام دون دفن حتّى نتنت، وبقي سبعة أيّام لا يظهر للنّاس.(7)

رابعاً: الانهيار الاقتصادي

خالف الأمويون الأُسس الثابتة للنظام الإقتصادي الإسلامي الّتي تنص على أنّ الأموال هي وديعة عند الحاكم، وليست ملكاً شخصيّاً له، وأنّ إنفاقها يجب أن يكون مقيّداً بقيود حدّدتها الشريعة، إلّا أنَّ الحكّام الأمويّين تصرّفوا بالأموال وكأنّها ملكٌ


1) مروج الذهب، ج 3، ص 177.

2) الأغاني، ج 1، ص 317.

3) الأغاني، ج 4، ص 272.

4) مروج الذهب، ج 3، ص 196.

5) الأغاني، ج 15، ص 295.

6) الأغاني، ج 8، ص 346.

7) الكامل في التأريخ، ج 5، ص 121.

شخصي لهم، فكانوا ينفقونها حسب رغباتهم وأهوائهم، إذ كانوا ينفقونها على ملذّاتهم، وكان للجواري والمغنّين نصيب كبير في بيت المال، كما كانوا ينفقون الأموال لشراء الذمم والضمائر، ويمنحونها لمن يشترك في تثبيت سلطانهم أو مدحهم والثناء عليهم، فقد مدح النابغة الشيباني يزيد بن عبدالملك فأمر له بمائة ناقة، وكساء وأجزل صلته.(1)

فتنافس الشعراء فيما بينهم للحصول على مزيد من الأموال وتنافس المغنّون لنيل الهدايا من الحكّام أو ولاتهم.

وكان الحكّام يعيشون أعلى مراتب الترف والبذخ، ويبذّرون أموال المسلمين على شهواتهم، وعلى المقرّبين لهم، في وقت كان يعيش فيه كثير من الناس حياة الفقر والجوع والحرمان.

وازداد التناقض الطبقي وضوحاً حينما عُطّل مفهوم التكافل الاجتماعي، ولم تكترث الدولة لمعاناة الناس وهمومهم المعيشيّة.

وقد ضاعف الحكّام الضرائب، فأضافوا ضرائب جديدة على الصناعات والحرف وخصوصاً في عهد هشام بن عبدالملك الّذي كان ينفق ما تجمّع لديه على الشعراء المادحين له.(2)

وقد وصف سليمان بن عبدالملك حالات الترف الّتي وصلوا إليها قائلاً: قد أكلنا الطيب، ولبسنا الليّن، وركبنا الفارِةَ، ولم يبق لي لذّة إلّا صديق أطرح معه فيما بيني وبينه مؤونة التحفّظ.(3)

وانساق الناس وراء شهواتهم ورغباتهم خصوصاً أتباع الأمویّين، وهكذا أخذ الناس يسعون للحصول على المال بأيّ وجه ما دام الحكّام لا همّ لهم إلّا كسب الأموال


1) الأغاني، ج 7، ص 109.

2) الأغاني، ج 1، ص 339.

3) مروج الذهب، ج 3، ص 76.

والترف في هذه الحياة الدنيا ولزم من ذلك غياب كثير من مشاعر الرحمة والتعاطف والإيثار فيما إذا قيس وضع الأُمّة إلى عصر الرسول صلّی الله علیه و آله والعصر الّذي تلاه مباشرة.

الخلاصه

回 زخر عصر الإمام الباقر علیه السلام بالإضطرابات السياسيّة الحادّة والصراعات الفكريّة العميقة، نتيجة السياسة الأمويّة المنحرفة.

回 و أحدقت بالوطن الإسلامي أخطار خارجيّة وداخليّة فانشغل الحكّام بها عن ملاحقة الإمام علیه السلام ومطاردته فلم تشلّ نشاطاته الفكريّة وحركته العلميّة الواسعة الّتي أسّسها وأرسى قواعدها. فتصدّى لأُمور الإمامة بعيداً عن المواجهة السياسيّة العلنيّة للنظام القائم المهزوز، فلم تظهر أيّة معارضة للإمام من قبل الحاكم وواليه حينذاك، ويمكن تلخيص أبرز مظاهر الإنحراف في عهد الإمام بما يلي:

1回. الانحراف الفكري والعقائدي: وتمثّل هذا الإنحراف بشقّيه في تزوير الحديث والتلاعب بآيات الكتاب، وظهرت حركة الزندقة لطمس معالم الرسالة الإسلاميّة وسنّة رسول الله صلّی الله علیه و آله وفضائل أهل البيت علیهم السلام وانتشرت أفكار التفويض والجبر والتجسيم والتشبيه لله بخلقه.

2回. الانحراف السياسي: وتمثّل ذلك في تحويل الخلافة إلى ملك يتوارثه الأبناء عن الآباء دون سابقة علم أو تقوى.

3回. الانحراف الاجتماعي والأخلاقي: وتمثّل في تمزيق وحدة المسلمين، وضياع مكارم الأخلاق وإشاعة الفساد الخُلقي وشغلت الأمّة بحروب طحنت الرجال وبقيت الأسر لا كافل لها فلجأت إلى الإنحراف والشذوذ الخلقي.

4回. الانحراف الاقتصادي: فقد تحوّلت الأموال في ظلّ الحكم الأموي إلى ملك شخصيّ، وشاع مفهوم أنّ الأموال وديعة عند الحاكم يتصرّف بها ما يشاء وينفقها لشراء الضمائر الّتي تشيد بالحاكم وتدعو إلى إطاعته فضعفت

مشاعر الرحمة والتعاطف والإيثار.

回 و خلال هذه الأوساط المسممّة كان الامام علیه السلام يتصل بقطّاعات الأمّة يوجّهها نحو معالم الإسلام ومعارف القرآن وأحكام السنّة النبويّة المطهّرة ليربي مشاعرها ويوقظ وجدانها ويحرّك وعيها ضدّ انحراف الحكّام، ويفضح ألاعيب السياسة الأمويّة وظلم الولاة، فأنشأ مدرسة أهل البيت وحوّل الأنظار إليها،فوجدت الأمّة فيه قائداً ورائداً وإماماً تتطلّع إليه لبناء مستقبلها الديني والفكري والثقافي.

الأسئلة

1.

بِمَ كان يزخر عصر الإمام الباقر علیه السلام وماذا كان أثر ذلك على حياة الأمّة؟

2.

ما هي أبرز معالم الانحراف في عصر الإمام علیه السلام؟

3.

ما هي المدارس الفكريّة الّتي ظهرت في عهد الإمام الباقر علیه السلام؟

4.

لماذا لم يظهر الحكّام الأمويّون معارضة جادّة للإمام علیه السلام؟

5.

عرّف حركة الزندقة.

6.

تكلّم باختصار عن مظاهر الترف المادّي الّذي عاشه الحكّام ومن سار في ركبهم.

الدرس 29: متطلّبات عصر الإمام محمّد الباقر علیه السلام (1)

اشارة

كان نشاط الإمام محمد بن علي الباقر علیه السلام الإصلاح الواقع الفاسد يدور حول محورين أساسيّين: محور الأمّة الإسلاميّة وهو محور النشاط العامّ، ومحور الجماعة الصالحة وهم أتباع أهل البيت علیهم السلام وهو محور النشاط الخاصّ.

محور النشاط العام

الإصلاح الفكري والعقائدي

بعد مرور قرن تقريباً على الأفكار والمفاهيم الإسلاميّة الناصعة أخذت التيّارات السياسيّة المنحرفة تستغلّ عقائد وأفكار المسلمين لتصوغ منها وسيلة لتثبيت قواعدها بإسباغ طابع فكري وديني أو فلسفي على الواقع المنحرف.

ومن هنا كان هذا العصر الزاخر بالانحرافات الفكريّة يتطلّب إصلاحاً فكرياً وعقائدياً يتراوح بين: ردّ الشبهات والأفكار المنحرفة من جهة، وتبيان البديل الصحيح والفكر السليم من جهة أُخرى، وتم ذلك بأساليب شتّى:

1. المواجهة العلنيّة للحركات المنحرفة

حركة الغلاة وموقف الإمام علیه السلام منها: نشطت حركة الغلاة بقيادة المغيرة بن سعيد

العجلي، مولى خالد بن عبدالله القسري أحد أقطاب النظام الأموي،

وأخذ الإمام علیه السلام في محاصرة المغيرة والتحذير منه وكان يلعنه أمام الناس ويقول: (لعن الله المغيرة بن سعيد كان يكذب علينا).(1)

وكان يحذّر المسلمين - وخصوصاً أنصار أهل البيت علیهم السلام- من أفكار الغلوّ، ويرشدهم إلى الاعتقاد السليم، وكان يقول: (لا تضعوا عليّاً دون ما وضعه الله، ولا ترفعوه فوق ما رفعه الله)،(2)وكان يخاطب أنصاره: (يا معشر الشيعة شيعةِ آلِ محمّد كونوا الّنمرقة الوسطى: يرجع إليكم الغالي، ويلحق بكم التالي).(3)

حركة المرجئة وحذّر علیه السلام من المرجئة ولعنهم وقال: اللّهمّ العن المرجئة فإنّهم أعداؤنا في الدنيا والآخرة.(4)

حركة المفوّضة والمجبّرة: وكان يحذِّر منهما بقوله: إيّاك أن تقول بالتّفويض فإنّ الله عزّوجلّ لم يفوّض الأمر إلى خلقه وهناً وضعفاً، ولا أجبرهم على معاصيه ظلماً.(5)

وفي عرض هذا الردّ كان علیه السلام يبيّن الأفكار السليمة حول التوحيد لكي تعي الأُمّة سلامة مفاهيم الإسلام النقيّ وتميّز بينه وبين الإسلام المشوّه، وكان يعتمد في ذلك على الآيات القرآنيّة الّتي تتناول قواعد وأُصول العقيدة الإسلاميّة ويقوم بتفسيرها ويروي الأحاديث المسندة إلى رسول الله صلّی الله علیه و آله.

إجراء المناظرات مع أرباب الأديان والمذاهب قام الإمام علیه السلام بمناظرة بعض رؤوس المخالفين دون أتباعهم.

وإليك نماذج من هذه المناظرات:


1) بحار الأنوار، ج 25، ص 297.

2) بحار الأنوار، ج 25، ص 283.

3) بحار الأنوار، ج 67، ص 101.

4) بحار الأنوار، ج 46، ص 291.

5) بحار الأنوار، ج 5، ص 298.

أ - مع علماء النصارى: حينما أحضر هشام بن عبدالملك الإمام علیه السلام من المدينة إلى الشام كان ينزل معه، وكان علیه السلام يجلس مع أهل الشام في مجالسهم، فبينا هو جالس وعنده جماعة من الناس يسألونه، إذ نظر إلى النصارى يدخلون في جبل هناك، فسأل عن حالهم، فأُخبر بأنّهم يأتون عالماً في كلّ سنة في هذا اليوم يسألون عمّا يريدون وعمّا يكون في عامهم، وقد أدرك هذا العالم أصحاب الحواريّين من أصحاب عیسی علیه السلام، فقال الإمام علیه السلام: فهلمّ نذهب إليه فذهب علیه السلام إلى مكانهم، فقال له النصراني: أسألك وتسألني؟ قال علیه السلام: تسألني، فسأله عن مسائل عديدة حول الوقت، وحول أهل الجنّة وحول عزرة ، وعزير، فأجابه على أسئلته علیه السلام.

فقال النصراني: يا معشر النصارى ما رأيت أحداً قط أعلم من هذا الرجل لا تسألوني عن حرف وهذا بالشام ردّوني فردّوه إلى كهفه، ورجع النصارى مع الإمام علیه السلام، وفي رواية أنّه أسلم ومعه أصحابه على يد الإمام علیه السلام.(1)

ب - مع هشام بن عبدالملك: وناظره هشام بن عبد الملك في مسائل متنوّعة تتعلّق بمقامات أهل البيت علیهم السلام، وميراثهم لعلم رسول الله صلّی الله علیه و آله، وادّعاء الإمام عليّ علیه السلام علم الغيب، فأجابه الإمام علیه السلام عن مسائله المتنوّعة وناظره في إثبات مقامات أهل البيت علیهم السلام مستشهداً بالآيات القرآنيّة والأحاديث الشريفة، فلم يستطع هشام أن يردّ عليه، وناظره في مواضع أُخرى، فقال له هشام: أعطني عهد الله وميثاقه ألّا ترفع هذا الحديث إلى أحد ما حييت، قال الإمام الصادق علیه السلام: فأعطاه أبي من ذلك ما أرضاه.(2)

وله علیه السلام مناظرات مع محمد بن المنكدر وهو من مشاهير زهّاد ذلك العصر، ومع نافع بن الأزرق أحد رؤساء الخوارج، ومع عبدالله بن معمر اللّيثي، ومع قتادة بن دعامة البصري.(3)


1) بحار الأنوار، ج 46، ص 313 - 315.

2) بحار الأنوار، ج 46، ص 308، 316.

3) أعيان الشيعة، ج 1 ، ص 653.

2. محاسبة الفقهاء المخالفين

جاء قتادة بن دعامة البصري إلى الإمام علیه السلام وقد هيّأ له أربعين مسألة ليمتحنه بها، فقال له علیه السلام: أنت فقيه أهل البصرة؟ قال: نعم، فقال علیه السلام: (ويحك يا قتادة إنّ الله عزّ وجلّ خلق خلقاً، فجعلهم حججاً على خلقه، فهم أوتاد في أرضه، قوّام بأمره، نجباء في علمه اصطفاهم قبل خلقه) فسكت قتادة طويلاً، ثمّ قال: أصلحك الله، والله لقد جلست بين يدي الفقهاء، وقدّام ابن عبّاس، فما اضطرب قلبي قدّام أحد منهم ما اضطرب قدّامك.(1)

وحاسب علیه السلام أبا حنيفة لقوله بالقياس، وقد علّق محمّد أبو زهرة على هذه المحاسبة قائلاً: (تتبيّن إمامة الباقر للعلماء، بمحاسبتهم على ما يبدو منهم، وكأنّه الرئيس يحاكم مرؤوسيه ليحملهم على الجادّة، وهم يقبلون طائعين تلك الرئاسة).(2)

3. نشر حديث الرسول صلّی الله علیه و آله وأهل بيته المعصومين

افتتح الإمام علیه السلام مدرسته العلميّة العامّة، وقد وفد إليها طلّاب العلم من مختلف البقاع والاتجاهات، وأخذ عنه العلم عدد كبير من المسلمين منهم: عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، والزهري، وربيعة الرأي، وابن جريح، والأوزاعي، وبسّام الصيرفي،(3)وأبو حنيفة.(4)

وفي ذلك قال عبدالله بن عطاء: (ما رأيت العلماء عند أحدٍ أصغر علماً منهم عند أبي جعفر، لقد رأيت الحكم عنده كأنّه متعلِّم).(5)


1) بحار الأنوار، ج 46، ص 357.

2) تأريخ المذاهب الإسلامية، ص 689.

3) سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 401.

4) تأريخ المذاهب الإسلاميّة، ص 361.

5) مختصر تاریخ دمشق، ج 23، ص 79.

وكانت أحاديثه مسندة عن آبائه عن رسول الله صلّی الله علیه و آله فلا يعتريها نقاش للسند من حيث التجريح والتعديل كما يحدث لأحاديث غيره، وحينما سئل عن الحديث يرسله ولا يسنده فقال: (إذا حدّثت بالحديث فلم أسنده، فسندي فيه أبي زين العابدين عن أبيه الحسين الشهيد عن أبيه علي بن أبي طالب عن رسول الله صلّی الله علیه و آله عن جبرئيل عن الله عزّوجلّ).(1)

4. الدعوة إلى أخذ العلم من مصادره النقيّة

حذّر الإمام علیه السلام من الإفتاء بالرأي فقال: (من أفتى الناس بغير علم ولا هدىً من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر مَن عمل بفتياه).(2)

وكان يدعو إلى أخذ العلم من منابعه النقيّة وهم أهل بيت الوحي والرسالة، فقد قال لسلمة بن كهيل وللحكم بن عتيبة: (شرِّقا وغرِّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلّا شيئاً خرج من عندنا).(3)

الإصلاح السياسي

استثمر الإمام علیه السلام بعض أجواء الانفراج السياسي النسبي لبناء وتوسعة القاعدة الشعبيّة، وتسليحها بالفكر السياسي السليم المنسجم مع رؤية أهل البيت علیهم السلام، وتعبئة الطاقات وتهيئة الإمكانيات، ولهذا لم تنطلق أيّ ثورة علويّة في عهده، لعدم اكتمال شروطها من حيث العدّة والعدد.

وتجلّى دوره الإصلاحي في الممارسات التالية:


1) أعلام الورى، ص 294.

2) المحاسن، ص 205.

3) الكافي، ج 1، ص 399.

1. الدعوة إلى تطبيق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحرّران الإنسان والمجتمع من جميع ألوان الانحراف في الفكر والعاطفة والسلوك، ويحوّلان المفاهيم والقيم الإسلاميّة الثابتة إلى ممارسات سلوكيّة واضحة المعالم، لكي تكون الأمّة والدولة بمستوى المسؤوليّة المناطة بهما في الحياة، وهي حمل الأمانة الإلهيّة وخلافة الله تعالى في الأرض.

قال علیه السلام: (إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصالحين، وفريضة عظيمة بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب وتحلّ المكاسب، وتردّ المظالم وتعمّر الأرض، وينتصف بها من الأعداء ويستقيم الأمر، فأنكروا بقلوبكم، والفظوا بألسنتكم، وصكّوا بها جباههم، ولا تخافوا في الله لومة لائم...).(1)

وحذّر علیه السلام من مغبّة التخلّي عن المسؤوليّة، ومداهنة المنحرفين حكّاماً كانوا أم غير حكّام من أفراد الأمّة فقال علیه السلام: (أوحى الله تعالى إلى شعيب النبي علیه السلام: إنّي لمعذّب من قومك مائة ألف: أربعين ألفاً من شرارهم، وستّين ألفاً من خيارهم، فقال: يارب هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار ؟

فأوحى الله عزّوجلّ إليه: إنّهم داهنوا أهل المعاصي، ولم يغضبوا الغضبي).(2)

2. نشر المفاهيم السياسية السليمة

وجّه الإمام علیه السلام الأنظار إلى دور أهل البيت علیهم السلام في قيادة الأمّة نحو الرشاد فقال: (نحن ولاة أمر الله وخزائن علم الله، وورثة وحي الله، وحملة كتاب الله، طاعتنا فريضة، وحبّنا إيمان، وبغضنا كفر، محبّنا في الجنّة، ومبغضنا في النار).(3)


1) تهذيب الأحكام، ج 1، ص 18.

2) تهذيب الأحكام، ج 1، ص 181.

3) مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 223.

وحذّر الأمّة من الابتعاد عن نهج أهل البيت علیهم السلام: فقال علیه السلام (برأ الله ممّن يبرأ منّا، لعن الله لعننا، أهلك الله من عادانا).(1)

وحثّ علیه السلام على نصرتهم فقال علیه السلام: (من أعاننا بلسانه على عدوّنا أنطقه الله بحجّته يوم موقفه بين يديه عزّوجلّ).(2)

وأكّد أن تولّي الإمام لمنصب الإمامة منحصر بالنصّ، ولا عبرة بما هو الشائع من البيعة والعهد والغلبة، قال علیه السلام: (كلّ من دان الله عزّوجلّ بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول، وهو ضالّ متحيّر، والله شاني لأعماله...).(3)

3. كشف الواقع الأموي

كشف الإمام علیه السلام حقيقة الحكم الأموي، ووضّح الجرائم الّتي ارتكبها سلف معاصريه بحق أهل البيت علیهم السلام وأنصارهم، فبعد أن بيّن ملابسات الخلافة، وكيفيّة الاستحواذ عليها وإقصاء أهل البيت علیه السلام عن موقعهم فيها، قال: (... وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن، فَقُتِلَتْ شيعتنا بكلّ بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان من يذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سُجِن أو نُهِبَ ماله؛ أو هُدِّمَت داره، ثمّ لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد إلى زمان عبيدالله بن زياد قاتل الحسين، ثمّ جاء الحجّاج فقتلهم كلّ قتلة، وأخذهم بكلّ ظنّ وتهمة، حتّى أن الرجل ليقال له: زنديق أو كافر، أحبُّ إليه من أن يقال: شيعة عليّ، وحتّى صار الرجل الّذي يذكر بالخير - ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً - يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة، من تفضيل بعض من قد سَلَفَ من الولاة، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها، ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنّها حقٌّ


1) بحار الأنوار، ج 27، ص 222.

2) بحار الأنوار، ج 2، ص 135.

3) الكافي، ج 1، ص 184.

لكثرة من قد رواها ممّن لم يعرف بكذب، ولا بقلّة ورع).(1)

4. الدعوة إلى مقاطعة الحكم القائم

دعا علیه السلام إلى مقاطعة الحكم الجائر ونهى عن إسناده، فقال علیه السلام - في معرض جوابه عن العمل معهم - : (ولا مدّة قلم، إنّ أحدهم لا يصيب من دنياهم شيئاً إلّا أصابوا من دینه مثله).(2)

واستثنى علیه السلام المواقف الّتي تُتّخذ من أجل مصلحة الإسلام الكبرى، فجوّز إسنادهم بالسلاح إن كان القتال مع أعداء الإسلام، لأنّهم يدفعون بالسلاح العدوّ المشترك، قال علیه السلام لمن كان يحمل إليهم السلاح: (إحمل إليهم، فإنّ الله يدفع بهم عدوّنا وعدوّكم - يعني الروم - وبِعهُم، فإذا كانت الحرب بيننا فلا تحملوا).(3)

5. مواقفه علیه السلام المباشرة من الحكّام المعاصرين

إنّ دور الإمام الحقيقي هو دور الحجّة والقدوة، وصيانة الأمّة والدولة من الانحراف. وهذا الدور تختلف أساليبه وبرامجه تبعاً للظروف السياسيّة المحيطة بالإمام. وتتغيّر هذه الأساليب تبعاً للمقوّمات التالية:

أ- المصلحة الإسلاميّة العامّة.

ب- المصلحة الإسلاميّة الخاصّة، والّتي تتعلّق بالحفاظ على خطّ أهل البيت علیهم السلام ومنهجهم ورفده بالعناصر النزيهة، لإدامة وجوده في الأُمّة.

ت- الظروف العامّة والخاصّة من حيث قوّة الحاكم، وقوّة القاعدة الشعبيّة لأهل البيت علیهم السلام.


1) شرح نهج البلاغة، ج 11، ص 42، 44.

2) الكافي، ج 5، ص 107.

3) الكافي، ج 5، ص 112.

وكانت التقيّة هى الأُسلوب الذي يتخذه الإمام علیه السلام في مواقفه من الحاكم، وهي تتغيّر من حاكم إلى حاكم ، فكان علیه السلام يقول - موضّحاً مظاهرها وحدودها -: (التقيّة في كلّ ضرورة).(1)

وقال علیه السلام: (إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدماء، فإذا بلغ الدم فلا تقيّة).(2)

واستثمر الإمام علیه السلام الحرّية النسبيّة في عهد عمر بن عبدالعزيز، فقام بإرشاده إلى الإستقامة في التعامل مع الرعيّة، ولبّى علیه السلام الدعوة بالقدوم إليه واجتمع معه، وأخذ ينصحه ويوجّهه باتّجاه القيم الإسلاميّة في التعامل ، ومما جاء في نصائحه له قوله علیه السلام: (... فاتقِّ الله، واجعل في قلبك اثنتين تنظر الّذي تحبّ أن يكون معك إذا قدمت على ربِّک، فابتغ به البدل، ولا تذهبنّ إلى سلعة قد بارت على من كان قبلك ترجو أن تجوز عنك، واتقِّ الله يا عمر وافتح الأبواب وسهّل الحجاب، وانصر المظلوم وردّ المظالم).(3)

ولمّا حُمل علیه السلام إلى الشام وأراد هشام أن ينتقص منه، نهض قائماً ثمّ قال: (أيّها الناس أين تذهبون؟ وأين يراد بكم؟ بنا هدى الله أوّلكم، وبنا يختم آخركم، فإن يكن لكم ملك معجّل، فإنّ لنا ملكاً مؤجّلاً...).(4)

6. موقفه علیه السلام من الجهاد المسلّح

وقف الإمام علیه السلام موقف الحياد من الثورات الّتي قادها الخوارج، فلم يصدر منه تأييد ولا معارضة.

وفي عهده علیه السلام لم تنطلق أيّ ثورة علويّة يقودها أهل البيت علیه السلام أو أنصارهم، لأنّ


1) بحار الأنوار، ج 72، ص 399.

2) بحار الأنوار، ج 72، ص 399.

3) بحار الأنوار، ج 75، ص 182.

4) مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 206.

الإمام علیه السلام كان مشغولاً بتوسعة القاعدة الشعبيّة، لكي تنطلق فيما بعد لإكمال العدّة والعدد، وكان علیه السلام يوجّه الأنظار إلى ثورة أخيه زيد الّتي ستنطلق في المستقبل القريب.(1)

وكان علیه السلام يحذِّر من خذلان زيد فيقول: (إنّ أخي زيد بن علي خارج فمقتول على الحقّ، فالويل لمن خذله، والويل لمن حاربه، والويل لمن قاتله».(2)


1) سفينة البحار، ج 2، ص 273.

2) مقتل الخوارزمي ، ج 2، ص 113.

الخلاصه

回 انصبّ دور الإمام الباقر علیه السلام في هذه الفترة الّتي كثرت فيها أقوال الغلاة والمرجئة وأهل التفويض والجبر والتجسيم على إيطالها، إذ وقف منها موقفاً تميّز بالحزم والردع الحاسم، مسلّطاً الضوء على أخطار تلك النشاطات وتأثيرها المباشر على مستقبل الأمّة، فقد استخدمها الحكّام الأمويون أسلوباً لحرف الأمّة عن مسار الرسالة الإسلاميّة المقدّسة، وإبعادها عن مبادئ وقيم وأخلاق أهل البيت علیهم السلام، فتصدّى لهذه الأفكار بالمناظرة والمحاججة مع أصحابها. وفي مقابلها كان يوضّح الأفكار السليمة بالنسبة للتوحيد وسائر أصول العقيدة لكي تعي الأُمّة مفاهيم رسالتها السماويّة، ونظرتها للحياة، وكان علیه السلام يعتمد على تفسير آيات القرآن الّتي تتناول قواعد وأُصول العقيدة الإسلاميّة، ونشر حديث الرسول صلّی الله علیه و آله وأئمّة أهل البيت صلوات الله عليهم بشكل خاصّ.

回 و قد ركّز علیه السلام في مناظراته مع دعاة المذاهب الضالّة على أصول التوحيد بنفي التشبيه عن الله تعالى وتجسيده وتجسيمه، ناهياً عن التكلّم في ذات الله مؤكّداً على العبوديّة الخالصة لله وحده.

回 كانت مناظرات الإمام علیه السلام مع المخالفين وعلماء النصارى، ومع هشام بن عبدالملك والحسن البصري صاحب نظريّة التفويض، وفي هذه الفترة الشائكة جدّاً أرسى الإمام علیه السلام أصول مدرسته العلميّة العامّة الّتي وفد إليها طلّاب العلم من مختلف المذاهب والتيّارات، وأسّس على منوالها ومنهجها مدارس أُخرى تبعتها في علوم الفقه والأصول والحديث والتفسير والمعارف الأُخرى المتفرّعة عنها، وأثمرت علومه المختلفة في مدارس البصرة والكوفة وخراسان. وامتدّت إشعاعاتها إلى كلّ الأمصار في البلاد

الإسلاميّة.

回 فكانت مؤسّسته العلميّة الّتي بناها وأشرف عليها منطلقاً للفكر النيّر الواعي، والتربية القرآنيّة الفريدة.

الأسئلة

1.

ما هي المذاهب الّتي ظهرت في زمن الإمام الباقر علیه السلام؟

2.

قارن بين مدرسة الجبر ومدرسة التفويض.

3.

ما هي أهم المواقع الإجتماعيّة الّتي ناظرها الإمام علیه السلام وردّ عليها؟

4.

لماذا شجّع الحكّام الأمويون مذهبي الجبر والتفويض على الخصوص؟

5.

هل تستطيع تفسير ظهور المذاهب المخالفة لمذهب أهل البيت علیهم السلام؟

6.

ما هو مردّ الإشتباه عند من يجسّمون الله تعالى؟

7.

أي مادّة استخدمها الإمام علیه السلام في الردّ على المذاهب المخالفة في مناظراته معهم؟

الدرس 30: متطلّبات عصر الإمام محمّد الباقر علیه السلام (2)

الإصلاح الاجتماعي من خلال التغيير الأخلاقي

لقد بذل الإمام محمد الباقر علیه السلام عناية خاصّة لإصلاح أخلاق أبناء المجتمع الإسلامي بدءً بالمقرّبين منه، ثمّ سائر الأوساط الاجتماعيّة والمؤسّسات الحكوميّة. وكان يستثمر جميع الفرص الممكنة لإيجاد التغيير المطلوب، ولهذا تعدّدت الأساليب الّتي كان يتّبعها لتحقيق هذا التغيير.

توظيف السُنّة النبويّة الشريفة لإيجاد التغيير

تضمّنت السنّة النبويّة الشريفة الّتي كان يتلقّاها المسلمون بالقبول والتقديس عناصر التغيير الأخلاقي والإصلاح الاجتماعي. ومن هنا أخذ الإمام علیه السلام يهتمّ بنشر الحديث الشريف والتحديث به محقّقاً بذلك هدفين مهمَّين:

الأوّل: كسر طوق الحظر الّذي كان قد فرضه الحكّام المنحرفون على أبناء الأمّة الإسلاميّة لإبعادها عن أحد مصدري عزّتها وكمالها وهو سنّة النبي العظيم وسيرته الشريفة.

الثاني: إيجاد عامل للتغيير الأخلاقي معتمداً على أساس تقديس الأمّة الإسلاميّة لنبیّها العظيم والتأسّي به وبخلقه القويم.

ومن هنا انصبّ الجهد الكبير على تداول أحاديث النبي صلّی الله علیه و آله بشكل عامّ وأحاديث تخصّ سيرته بشكل خاصّ.

فمن أصول التغيير الإجتماعي هو تغيير العناصر المؤثِّرة في بناء المجتمع. قال صلّی الله علیه و آله: «صنفان من أمّتي إذا صلحا صلحت أمّتي وإذا فسدا فسدت أمّتي... الفقهاء والأُمراء».(1)

وأكّد على إخلاص النصيحة في الممارسة الإصلاحيّة مستنداً إلى قوله صلّی الله علیه و آله: «لينصح الرجل منكم أخاه كنصيحته لنفسه».(2)

والعفّة والحياء خلقان عظيمان ومظهران من مظاهر تكامل النفس البشريّة، ومن هنا روى عن رسول الله صلّی الله علیه و آله قوله : (إنّ الله يحبُّ الحييَّ الحليم العفيف المتعفّف).(3)

وأكّد علیه السلام على اكتساب حسن الخلق والكفّ عن أعراض المؤمنين لقوله صلّی الله علیه و آله: (والّذي لا إله إلّا هو ما أعطي مؤمن قطّ خير الدنيا والآخرة إلّا بحسن ظنّه بالله ورجائه له، وحسن خلقه، والكفّ عن اغتياب المؤمنين).(4)

وقال علیه السلام: (إنّ رسول الله صلّی الله علیه و آله نهى عن القيل والقال، وفساد المال، وكثرة السؤال).(5)

ودعا علیه السلام إلى إدخال السرور على المؤمن بما رواه من قول رسول الله صلّی الله علیه و آله: (من سرّ مؤمناً فقد سرّني ومن سرّني فقد سرّ الله).(6)

وحثّ علیه السلام على صلة الرحم - وهي أعجل الخير ثواباً - لقوله صلّی الله علیه و آله: (إنّ أعجل


1) الخصال، ج 1، ص 260.

2) الكافي، ج 2، ص 208.

3) الكافي، ج 2، ص 112.

4) الكافي، ج 2، ص 72.

5) الكافي، ج 1، ص 60.

6) الكافي، ج 2، ص 188.

الخير ثواباً صلة الرحم).(1)

ولصلة الرحم دور كبير في إصلاح علاقات المجتمع الإسلامي.

وقال علیه السلام: سئل رسول الله صلّی الله علیه و آله عن خيار العباد، فقال: (الّذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا، وإذا أعطوا شكروا وإذا ابتلوا صبروا، وإذا غضبوا غفروا).(2)

ولم يكتفِ علیه السلام بنشر الأحاديث الشريفة والدعوة إلى تجسيد محتواها في الواقع؛ وإنّما قام بأداء دور القدوة في ذلك. فكان علیه السلام يعالج الواقع الفاسد معالجة عمليّة من خلال سيرته الحسنة وتوثيق العلاقات الطيبة مع جميع الناس من الموالين وغير الموالين.

الدعوة إلى اكتساب مكارم الأخلاق

كثّف الإمام علیه السلام دعوته إلى إصلاح النفوس وإكتساب مكارم الأخلاق لتكون هي العلامة الفارقة لتعامل المسلمين فيما بينهم، فكان علیه السلام يدعو إلى إفشاء السلام وهو مظهر من مظاهر الإخاء والودّ والمحبّة والصفاء في العلاقات الاجتماعيّة، قال علیه السلام: (إنّ الله يحبّ إفشاء السلام).(3)

كما دعا علیه السلام إلى تطهير اللّسان وتقييده بقيود شرعيّة، لتحسين العلاقات بين الناس، فقال علیه السلام: (قولوا للناس أحسن ما تحبّون أن يقال لكم، فإنّ الله يبغض اللّعان السبّاب الطعّان على المؤمنين، الفاحش المتفحّش، السائل المحلف ويحبّ الحيّي الحليم الضعيف المتعفّف).(4)

ودعا علیه السلام إلى الارتباط بأهل التقوى وتعميق أواصر العلاقات معهم لما اختصّوا به


1) الكافي، ج 2، ص 152.

2) الخصال، ج 1، ص 317.

3) تحف العقول، ص 220.

4) تحف العقول، ص 220.

من خصائص تؤثّر على المصاحبين لهم تأثيراً إيجابياً ينتهي إلى تجسيد المُثل الإسلاميّة العليا، قال علیه السلام: (إنّ أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤونة وأكثرهم لك معونة، إن نسيت ذكّروك، وإن ذكرت أعانوك، قوّالين بحقّ الله، قوّامين بأمر الله).(1)

ووضّح علیه السلام بعض حقوق المؤمن على المؤمن فقال: (إنّ المؤمن أخو المؤمن لا يشتمه ولا يحرمه ولا يسيء به الظنّ).(2)

وقال علیه السلام: من اغتيب عنده أخوه المؤمن فنصره وأعانه نصره الله في الدنيا والآخرة، ومن لم ينصره، ولم يدفع عنه وهو يقدر على نصرته وعونه خفضه الله في الدنيا والآخرة).(3)

وحذّر علیه السلام من ظلم الآخرين أو الإعانة على ظلمهم فقال علیه السلام: (من أعان على مسلم بشطر كلمة كتب بين عينيه يوم القيامة آيس من رحمة الله).(4)

ودعا علیه السلام إلى مقابلة الإساءة والقطيعة بالإحسان والصلة فقال علیه السلام: (ثلاثة من مکارم الدنيا والآخرة: أن تعفوَ عمّن ظلمك وتصلَ من قطعك، وتحلَم إذا جهل عليك).(5)

وهكذا نلاحظ تنوّع أساليب الإمام علیه السلام لايجاد التغيير الأخلاقي في عامّة طبقات المجتمع.

الإصلاح الاقتصادي

لم يكن الإمام علیه السلام على رأس سلطة حتّى يستطيع إصلاح الأوضاع الاقتصاديّة إصلاحاً عملياً جذريّاً، ومن هنا اقتصر علیه السلام على نشر المفاهيم الصحيحة الإسلاميّة


1) صفة الصفوة، ج 2، ص 109.

2) تحف العقول، ص 216.

3) المحاسن، ص 103.

4) المحاسن، ص 103.

5) تحف العقول، ص 214.

المرتبطة بالحياة الاقتصاديّة، والنظام الاقتصادي الإسلامي، والّتي تعصم مراعاتها الفرد والمجتمع من الإنحراف والإنسياق وراء إشباع الرغبات إشباعاً مخلّاً بالتوازن الاقتصادي، وهنا نلاحظ أنّ الإمام علیه السلام حدّد أوّلاً الأهداف المتوخّاة من التصرّف بالأموال، فهو وسيلة للتفرّغ إلى عبادة الله تعالى، وقال في هذا الصدد: «نعم العون الدنيا على طلب الآخرة».(1)وذكر علیه السلام مصاديق طلب الآخرة فقال: «من طلب الرزق في الدينا استعفافاً عن الناس، وتوسيعاً على أهله، وتعطفاً على جاره؛ لقي الله عزّوجلّ يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر».(2)

وأكّد علیه السلام على حرمة بعض التصرّفات الماليّة كالتطفيف في المكيال، فقال علیه السلام: «اُنزِل في الكيل: (ويلٌ للمُطَفِفين)، ولم يجعل الويل لأحد حتّى يسمّيه كافراً...».(3)

وقدّم علیه السلام مهمّة سدّ احتياجات المسلمين على أهم العبادات المستحبّة وهو الحجّ تطوعاً، فقال: «لئن أحجّ حجة أحبّ إليّ من أن أعتق رقبة ورقبة - حتّى أنتهي إلى سبعين - ولئن أعوّل أهل بيت من المسلمين اُشبع جوعتهم وأكسو عورتهم وأكفّ وجوههم عن الناس أحب إليّ من أن أحجّ حجّة وحجة - حتّى أنتهي إلى سبيعن».(4)

الدعوة إلى التعالي على الحرص والطمع

روى علیه السلام عن رسول الله صلّی الله علیه و آله انّه قال: «... لن تموت نفس حتّى تستكمل رزقَها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحمل أحدكم استبطاء شيء من الرزق أن يطلبه بغير حلّه، فإنّه لا يدرك ما عند الله الّا بطاعته».(5)


1) الكافي، ج 5، ص 73.

2) الكافي، ج 5، ص 78.

3) تفسیر نور الثقلين، ج 5، ص 527.

4) الكافي، ج 4، ص 2.

5) الكافي، ج 2، ص 74.

و وجّه علیه السلام الأنظار إلى الآثار السلبيّة للحرص فقال علیه السلام: «مثل الحريص على الدنيا، كمثل دودة القزّ، كلّما ازدادت على نفسها لفّاً؛ كان أبعد لها من الخروج حتّى تموت غمّاً».(1)

وركّز علیه السلام على زوال المال مادام الإنسان مخلوقاً للآخرة ومعرّضاً للفناء بقوله: «ملك ينادي كلّ يوم: ابن آدم لَد للموت، واجمع للفناء، وابن للخراب».(2)

وحثّ علیه السلام على القناعة لأنّها إحدى مقدّمات السعادة الروحيّة فقال علیه السلام: «من قنع بما أوتي قرّت عينُه».(3)

ودعا علیه السلام إلى الاقتصاد والإعتدال في مختلف الظروف واعتبره من المنجيات فقال: «امّا المنجيات فخوف الله في السرّ والعلانية، والقصد في الغنى والفقر».(4)

التحذير من الاعتداء على أموال الآخرين

حدّد الإمام الباقر علیه السلام لكلّ انسان حقّه، وحذّره من الاعتداء على أموال الآخرين فقال علیه السلام: «من أصاب مالاً من أربع لم يقبل منه أربع: من أصاب مالاً من غلول أو ربا أو خيانة أو سرقة؛ لم يقبل منه في زكاة ولا صدقة ولا في حجّ ولا في عمرة».(5)

الدعوة إلى الإنفاق الواجب

قال علیه السلام: «إنّ الله تبارك وتعالى قرن الزكاة بالصلاة ... فمن أقام الصلاة، ولم يؤت الزكاة، فكأنّه لم يقم الصلاة»،(6)وروى عن رسول الله صلّی الله علیه و آله قوله: «ملعون كلّ مالٍ لا


1) الكافي، ج 2، ص 134.

2) الكافي، ج 2، ص 131.

3) سفينة البحار، ج 2، ص 452.

4) الخصال، ج 1، ص 84.

5) أمالي الصدوق، ص 359.

6) الكافي، ج 3، ص 506.

يزكّى»،(1)وبيّن علیه السلام الآثار السلبيّة المترتّبة على منع الزكاة فقال علیه السلام: «وجدنا في كتاب علي علیه السلام، قال رسول الله صلّی الله علیه و آله: إذا منعت الزكاة منعت الأرض بركاتها».(2)

الدعوة إلى الإنفاق الاستحبابي

لا يتحقق التوازن الاقتصادي ولا التكافل الاجتماعي إلّا بتعاون أفراد المجتمع وتضامنهم المالي لرفع المستوى المعيشي لجميع المعوزين على أساس الإيثار وحبّ الخير والتقرّب إلى الله تعالى، من هنا نفهم مغزى قوله علیه السلام: «البرّ والصدقة ينفيان الفقر ویزیيدان في العمر، ويدفعان سبعين ميتة سوء».(3)فالتأكيد على البرّ والتصدّق وبيان آثارهما الدنيويّة يشكّل حافزاً للتوجّه إليهما.

وحثّ علیه السلام على معونة الإخوان وقضاء حوائجهم فقال: «من بخل بمعونة أخيه المسلم والقيام في حاجته؛ ابتلي بمعونة من يأثم عليه ولا يؤجر».(4)

وحدّد علیه السلام موارد إعطاء الصدقات فقال: «إنّ الصدقة لا تحلّ لمحترف، ولا لذي مرّة سويّ قويّ...».(5)

وكان علیه السلام يقوم بإنفاق ما يحصل عليه على الفقراء والمعوزين لتقتدي به الاُمة، وفي نفس الوقت كان يدين تصرّفات الحكّام الّتي لا ترتكز على اُسس مشروعة مثل ما رواه عن رسول الله صلّی الله علیه و آله حول الملعونين فذكر منهم: «المستأثر بالفيء والمستحلّ له».(6)


1) وسائل الشيعة، ج 9، ص 29.

2) الكافي، ج 3، ص 505.

3) الخصال، ج 1، ص 48.

4) المحاسن، ص 99.

5) الكافي، ج 2، ص 293.

6) وسائل الشيعة، ج 9، ص 231.

بناء الجماعة الصالحة

إنّ الإسلام الّذي أنزله الله على رسوله الأمين صلّی الله علیه و آله وعينّ الرسول أهل بيته الأبرار اُمناء على شريعته وخلفاء الله في أرضه وقدّموا دماءهم الغالية رخيصة للدفاع عنه والحفاظ عليه من التشويه والتحريف .. هو الإسلام المحمّدي الّذي حاربته بطون قريش بقيادة أبي جهل وأبي سفيان وأبناء وأحفاد أبي سفيان.

وهكذا كان عزل أهل البيت علیهم السلام عن مسرح القياة السياسيّة ينتهي إلى عزلهم عن مسرح القيادة الدينيّة والفكريّة وتشويه معالم هذه الرسالة بالتدريج لولا الحضور الفاعل لأهل البيت علیهم السلام ومحاولات الصدّ لهذه الصدمة الّتي كادت أن تؤدي بحياة الرسالة المحمّديّة كما أودت بحياة الاُمناء عليها.

وكان هذا الحضور الفاعل من أهل البيت علیهم السلام منذ بداية العزل والتطويق يتمثل في نوعين من النشاط:

1. نشاط عام يحاول توجيه الاُمّة إلى حقيقة الانحراف ومضاعفاته، وكان يتمثل البيان الهادىء تارةً والصمت البليغ تارةً اُخرى، والحركة الهادفة وعدم المساومة على القيم الرساليّة لأجل الوصول إلى حكمٍ عاجلٍ وباُسلوب ذي التواء مرة ثالثة، ثمّ الحركة الهادرة والنهضة المسلّحة ضدّ الإنحراف حين يبلغ أقصى مداه ولا يمكن تحريك ضمير الاُمّة إلّا بالتضحية والملحمة الثوريّة الّتي تزلزل القلوب وتثير النفوس وتجتث منها جذور التعلّق بالحياة المادّيّة الرخيصة، وكلّ هذه الأوجه للنشاط بخطواته المتدرّجه والخطى العظيمة في ميزان القيم الإسلاميّة فإنّها لا تشكلّ إلّا حلولاً على المدى القريب الّذي كان يتدرّج فيه الإنحراف من السطح إلى العمق ومن العامّة إلى الخاصّة.

وكلّما كانت الأجيال تبتعد عن عصر الرسول صلّی الله علیه و آله ومصدر الإشعاع ومعين أهل البيت علیهم السلام تجاهلاً أو جهلاً لم تكن مثل هذه الخطوات لتشكّل الحلّ الناجح وتفيد الوعي الكافي والمعمّق والفهم الأصيل للرسالة المحمّديّة وأبعادها ومدى الانحراف عنها.

و من هنا كان على أهل البيت علیهم السلام الاُمناء على الرسالة أن يقوموا بتخطيط بعيد المدى يتضمّن تحقّق الأهداف الكبرى للإسلام بعد أن مُنى بالانحراف على مستوى القيادة والمفاهيم الرساليّة بالتدريج فأخذت القاعدة تنهار بسبب الابتعاد عن القيادة الرشيدة.

2. النشاط الخاصّ: ونريد به ما قام به أهل البيت علیهم السلام من نشاط التربية جيل أو أجيال صالحة وتوعيتهم على حقائق الرسالة واستثمانهم على أهدافها ومصالحها وهو نشاط يختصّ به الأئمّة ثمّ جمع خاصّ من المسلمين وهم أتباع أهل بيت الرسالة الّذين عرفوا موقعهم الرباني ووعوا رسالتهم التغييريّة وأهدافهم الكبرى.

وهذا النشاط يعتبر هو التخطيط البعيد المدى الّذي حرص الأئمة علیهم السلام على تحقيقه لبثّ الوعي المطلوب في الاُمّة المسلمة وتربيتها على حقائق الرسالة الناصعة، فإنّ فرض الرقابة الحكوميّة على أهل البيت علیهم السلام بعد عزلهم السياسي والسعي لمصادرة موقعهم العلمي لا يسمح لهم بالحركة الحرّة في أوساط المجتمع الإسلامي ليتولّوا ما يشاؤون ويفعلوا ما يريدون، ومن هنا كانت عمليّة التربية تتطلّب زمناً طويلاً عناية خاصّة منهم تستدعي تكثيف النشاط في هذا الحقل الخاصّ لبناء اللبنات الأولى لعمليّة التغيير الاجتماعي وتكوين عناصر الحركة التغييريّة المستمرّة في الأجيال المتعاقبة وبالتالي التوسع والانتشار في أرجاء المجتمع الإسلامي من خلال هذه المجموعة الصالحة والمتراصّة السائرة على هدي أهل البيت علیهم السلام.

وقد قام أهل البيت علیهم السلام بدءً بالرسول صلّی الله علیه و آله والإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام فالحسن والحسين وتحرّكوا على أساس هذا التخطيط المدروس ولم يكتفوا بالخطوات القصيرة المدى للوصول إلى مركز الحكم وتطبيق أحكام الله في الأرض، فقد رأينا دولة الإمام علي علیه السلام وهي الدولة النموذجيّة من حيث القيادة ولكنها لم تكن أحسن حالاً من دولة الرسول صلّی الله علیه و آله الفتيّة حيث احتوت على أنواع التيّارات المضادّة وأرهقتها المشاكل السياسيّة حتّى أدّت إلى استشهاد إمام الأمّة علیه السلام بأيد ترفع

شعار الإسلام ديناً لها.

ومن هنا فقد كانت الركيزة الأساسيّة للحركة التغييريّة هي العمل على المدى البعيد. إذن كان تخطيط أهل البيت علیهم السلام منصبّاً منذ البداية على الاهتمام بتكوين الجماعة الصالحة المؤمنة بهم وبخطّهم وبرسالتهم التغييريّة وتربية رجال هذه المجموعة تربية تعتمد التوعية والتدريب على الالتزام بالخط الصحيح والاستعداد للتضحية من أجل العقيدة وترجيح الآخرة الباقية على الدنيا الزائلة.

غير أنّ ما كانت تحتاجه الجماعة الصالحة في المرحلة الاُولى من نشأتها في العقود الاُولى وفي النصف الأوّل من القرن الأوّل من التوجيه والإشراف والإدارة من قبل الأئمة علیهم السلام لم يكن مثل ما كانت تحتاجه بعد عصر الإمام الحسين علیه السلام وهو العصر الّذي بدأت فيه هذه الجماعة بالتميّز، واقتضت الظروف الموضوعيّة اتّضاح الخطوط التفصيليّة الّتي كانت تشكّل معالم هذه الجماعة الصالحة.

لقد بدأت تتضح معالم الجماعة الصالحة بنشاط الإمام زين العابدين علیه السلام في المدينة بعد ملحمة عاشوراء وبعد سقوط الحكم السفياني ثم تهيّب عبدالملك بن مروان من التورط بدماء العترة الطاهرة.

وقد ورث الإمام الباقر علیه السلام عدة أجيال كانت قد تربّت على يد أبيه وتطلّبت الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة تحديد هذه الجماعة وتعيين الإطار التفصيلي لها. من هنا تصدّى الإمام الباقر علیه السلام إلى تربية هذه الجماعة الصالحة والواعية والأمينة على رسالة الله وخطّ أهل البيت علیهم السلام، وعكف على تحديد معالمهما وتنظيم شؤونها وتعبئتها لتقوم بالدور المطلوب منها في عمليّة التغيير الاجتماعي فكرياً وتربوياً وسياسياً.

واستمر الإمام الباقر علیه السلام في تشييد هذا الصرح ورفده بعناصر جديدة لتستمرّ الحركة الصاعدة في تبنّي منهج أهل البيت علیهم السلام وتطبيقه على واقع الحياة، وتمثّلت حصيلة هذه التربية في كوكبة من أصحاب الإمام الباقر علیه السلام وعلى

رأسهم: (زرارة بن أعين، ومعروف بن خربوذ، وأبوبصير الأسدي، والفضيل ابن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي، وبرير بن معاوية العجلي). وهؤلاء الطليعة المتقدمة من أصحاب الإمام الباقر علیه السلام. وتلت هذه الطليعة الطبقة الثانية من صحابته وهم (حمران بن أعين، وإخوته، وعبدالله بن ميمون القدّاح، ومحمد بن مروان الكوفي، وإسماعيل بن الفضل الهاشمي، وأبوهارون المكفوف) وآخرون.(1)

وتنوّعت توجّهات الجماعة الصالحة، فمنهم الفقهاء، ومنهم قادة الثورات، ومنهم المصلحون الّذين كانوا يجوبون الأمصار لتعميق منهج أهل البيت علیهم السلام في قلوب الناس ونفوسهم.


1) مناقب آل أبي طالب، ص 229.

الخلاصه

回 تركّز دور الإمام الباقر علیه السلام على بناء القاعدة الثابتة للجماعة الصالحة لتكون الطليعة الواعية، والقاعدة الصلبة لتوسيع القواعد الشعبيّة من أجل إقامة حكم الله في الأرض.

回 و قد شاركت هذه الكتلة الصالحة في عمليّة البناء والتغيير الّتي قادها الإمام على ضوء التوجيهات الّتي كان ويرسلها إلى مواقع القيادة في تلك الجماعة، وقد ضمّت هذه الجماعة الفقهاء والمعلّمين وقادة الثورات والمفكّرين والدعاة، وإنتشروا بعد ذلك حتّى وصلوا إلى أبعد نقطة في الساحة الإسلاميّة وهم يحملون علوم أهل البيت علیهم السلام.

الأسئلة

1.

باعتبارك مؤمناً بمنهج أهل البيت علیهم السلام، ما هو واجبك تجاه الجماعة الصالحة؟

2.

لماذا يؤكد الإمام الباقر علیه السلام على دور الجماعة الصالحة في توعية الأمّة؟

3.

ما هي الصورة الّتي رسمها القرآن الكريم لشخصيّة المسلم؟

4.

ما خصائص الجماعة الصالحة؟

5.

ما هي النشاطات الّتي ركّز عليها الإمام علیه السلام في توسيع القاعدة المؤمنة؟

6.

من أين تستقي الجماعة الصالحة تعليماتها في بناء القاعدة المؤمنة؟

الدرس 31: أسس بناء الجماعة الصالحة (1)

الأهداف العامّة للجماعة الصالحة

عرفنا أن الأهداف الرسالية لأهل البيت علیهم السلام لم تكن لتتحقق - في الظروف الّتي كانت تحيط بهم بعد مؤامرة السقيفة وما استتبعها من أوضاع - إلّا من خلال قاعدة أمينة وواعية ومؤمنة تقوم بدور الوسيط بين القيادة المعصومة الرشيدة والأمّة الإسلاميّة، وكان لابدّ لهذه القاعدة أن يتناسب مستوى وعيها وإيمانها وإخلاصها مع مستوى الأهداف الّتي يراد منها تحقيقها.

وهذه الأهداف يمكن إجمالها فيما يلي:

1. حفظ الشريعة الإسلاميّة من التحريف

وهو أهمّ هدفٍ لوجود الإمام المعصوم في المجتمع البشري على مدى الأجيال إذ التحريف ظاهرة عامّة كانت تتعرض له كلّ شريعة بعد غياب رسولها.

وكان مبدأ مقاومة الظالمين من أهمّ المباديء التي تعرّضت للتحريف فوضعت لأجل ذلك أحاديث على لسان النبي صلّی الله علیه و آله لتبرير الاستسلام للظالمين.

واستطاعت الجماعة الصالحة أن تلتزم بهذا المبدأ عبر القرون وتنقله لنا على مستوى النظريّة والتطبيق معاً.

كما أنّ الجماعة الصالحة استطاعت أن تحتفظ بمبدأ انفتاح باب الاجتهاد والتفقّه في الدين بالرغم مما ذهبت اليه سائر الفرق والمذاهب الإسلاميّة في القرون الاُولى من تأريخ الاُمّة الإسلامية. وقد ضمن هذا المبدأ قدرة الشريعة على معالجة المستجدّات الاجتماعيّة ومواكبة الزمن مع الاحتفاظ بالأصالة والحداثة والحيويّة للشريعة الإسلاميّة.

وقامت الجماعة الصالحة بدور الصيانة لمبدأ الحرّيّة الفكريّة الّتي جاءت بها الشريعة الإسلاميّة للبشريّة بالرغم من محاولات التحريف الجادّة لضرب هذا المبدأ المهمّ الّذي يضمن حيويّة الشريعة وصيانتها من التحريف من خلال نقد التيّارات المضادّة وكشف زيفها وبطلانها باستمرار.

واهتمت الجماعة الصالحة - رغم حراجة الظروف ومواجهة السلطات الحاكمة - بحفظ وتدوين وضبط تراث النبي صلّی الله علیه و آله والأئمّة الأطهار، وساهمت التقوى والعدالة الّتي أوجدها أهل البيت علیهم السلام عند أتباعهم في الحرص على حفظها من كلّ تلاعب وتحريف.

2. المحافظة على المجتمع الإسلامي

إنّ هيمنة التيّارات غير الكفوءة على مركز الحكم في الدولة الإسلاميّة استتبع تحريف المفاهيم الإسلاميّة واستحداث مفاهيم جديدة لتبرير السيطرة على الحكم، كما أنّه استتبع إنهيار المجتمع الإسلامي بالتدريج؛ وذلك لأسباب تعود الى غياب المربّي الكفوء من الساحة السياسيّة والاجتماعيّة العامّة.

فكان على الإمامة الرشيدة أن تقف أمام هذا المدّ المؤدّي إلى إنهيار المجتمع الإسلامي وذلك بتعبئته بعوامل تصونه من التردي والاضمحلال وتحاول أن تعيد له حيويّته وأصالته وقدرته بالتدريج.

والجماعة الصالحة المؤمنة بقيادة أهل البيت علیهم السلام وسلامة مسيرتهم ورسالتهم هي

ذلك العامل القادر على إيجاد هذه الصيانة وإعادة الحيويّة والقدرة من جديد، وذلك من خلال القيام بالأدوار والمهامّ التالية:

أ- الإسهام في حفظ الوحدة الإسلاميّة بين المذاهب المختلفة.

ب- الإسهام الجادّ في الدفاع عن كيان المجتمع الإسلامي حينما يتعرّض للغزو الخارجي والهدم الداخلي.

ج- إيجاد القدرة الحسنة والنموذج الصالح للإنسان المسلم الّذي يريد الإسلام بناءه، وقد عرّف الإمام الباقر شيعة علیه السلام بأنّه زين القبيلة وأقضاهم للحوقق وأصدقهم للحديث وآداهم للأمانة... تسأل عنه العشيرة فتقول: مَن مثل فلان؟ إنّه آدانا للأمانة وأصدقنا للحديث.(1)

د- الإلتزام بالمثل العليا والقيم الإسلاميّة بالرغم من ابتعاد التيّار العامّ عن هذه المثل، وبالرغم من تعرّضهم لفقدان كثير من المكاسب المادّيّة الّتي يطمع إليها الناس.

ه- - محاربة العنصريّة والطائفيّة والإقليميّة الّتي أحياها خطّ الخلافة.

و- الاحتفاظ بروح التضحية والشهادة - تبعاً للأئمّة الأطهار - وذلك للحفاظ على القيم الربّانيّة وتأجيج روح الرفض للظلم والطغيان، وقد تمثّل ذلك في مجموعة من الثورات التحريريّة والتصحيحيّة للأوضاع الفاسدة في المجتمع الإسلامي على مرّ القرون.

3. المساهمة في الحكم الإسلامي

إنّ الحكم الصالح يحتاج إلى بطانة صالحة وقادرة على تطبيق أحكام الإسلام فتكون العين الحارسه والساعد الأيمن في إدارة الولايات وتولّي القضاء و فرق الجيش وجباية الخراج وتبليغ الرسالة الإسلاميّة إلى عامّة الخلق، وقد ساهمت الجماعة


1) وسائل الشيعة، ج 8، ص 398، الحديث 2.

الصالحة في الحكم الإسلامي بعد عصر الرسول صلّی الله علیه و آله حين سنحت لهم الفرصة المؤاتية وفي دولة أميرالمؤمنين علیه السلام والإمام الحسن المجتبى علیه السلام. وفي حكم الخلفاء حين كان يُسمح لهم بذلك.

وكان إعداد هذه المجموعة هدفاً من أهداف أهل البيت علیهم السلام.

4. التمهيد للظهور

لقد تنبّأ النبي صلّی الله علیه و آله بسقوط قلاع كسرى وقيصر كما تنبّأ بانحسار القيم والمفاهيم الإسلاميّة من الاُمّة الإسلاميّة وامتداد الأرض ظلماً وجوراً بالتدريج، وكان هذا في إيذاناً لضرورة التخطيط على المدى البعيد كي تتحقّق كامل أهداف الشريعة وظهور الإسلام على الدين كلّه كما أخبرنا بذلك القرآن الكريم.

ولا تتحقّق الأهداف السابقة - كما أشرنا - إلّا من خلال قاعدة أمينة وجماعة صالحة تتولّى التمهيد لهذا الهدف الكبير. وذلك من خلال حمل تفاصيل هذا الهدف و كيفيّة تحقّقه وتبليغه على المستوى العامّ والعمل للوصول إليه على المستوى الخاصّ، في العصر الّذي تسيطر فيه قوى الطاغوت لتشويه معالم الشريعة وتفكيك قوى الاُمّة وإبعاد القيادات الكفوءة عن تولي الحكم.

وقد حملت الجماعة الصالحة الّتي تربّت على يدي أهل البيت هذه الفكرة الأساسيّة بشكلها الحيّ فاتّخذت الانتظار شعاراً حيّاً في وجودها الثقافي ووعيها السياسي، وحملت إرادة التغيير بشكل جادّ وأخذت تساهم في عمليّة الظهور بمواجهتها للحضارة المادّيّة وللتيّارات المنرفة كما يدلّ على ذلك تأريخها الناصع عبر

القرون(1)


1) راجع للتفصيل وللوقوف على الشواهد الكافية، دور أهل البيت، في بناء الجماعة الصالحة، الجزء الأوّل، ص 31 إلى 54.

أهمّ خصائص الجماعة الصالحة

إن الأهداف الكبرى الّتي استعرضناها للجماعة الصالحة تتطلّب توفّر مواصفات خاصّة وبمستوى عالٍ في الجماعة الّتي تريد تحقيقها.

ويمكن أن نجمل هذه المواصفات فيما يلي:

1. العقيدة الصحيحة والثقافة السليمة

لقد حرص أهل البيت علیهم السلام على بيان معالم العقيدة السليمة وإعطاء تفاصيلها إلى أتباعهم باستمرار، ونلمس ذلك في التراث الّذي حفظه لنا أتباعهم وهو ثروة كبرى في هذا المضمار.(1)

2. الرجوع إلى أهل بيت الوحي

في معرفة الدين وفهم تفاصيل الشريعة وحقائق الرسالة والولاء السياسي والفكري لهم، وقد تميّز أتباع أهل البيت بهذه الصفة فإنّهم لا يتعدّون نصوص وتراث أهل البيت علیهم السلام الغني كلّ الغنى في هذا الجانب، فإنّ أهمّ ما عكف عليه أهل البيت إلى جانب كلّ نشاطاتهم الاجتماعيّة والفرديّة هو بيان ضرورة رجوع الأمّة إليهم لمعرفة الدين، وقد أعلنوا ذلك ضمن إحتجاجهم مع علماء سائر فرق المسلمين وأمام أعين الخلفاء وطلّاب الحقيقة ولم يخفوا من ذلك شيئاً حتّى في أشدّ الظروف حراجة.

روى عمر بن أبي القداح عن جابر قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: ما ادّعى أحد من الناس أنّه القرآن كلّه كما اُنزل إلّا كذّاب، وما جمعه وحفظه - كما نزّله الله


1) و نستطيع أن نجد بغيتنا فيما جاء في القسم العقائدي من أصول الكافي وكتاب الاحتجاج والقسم العقائدي من موسوعة بحار الأنوار للعلّامة المجلسي قدس سرّه.

تعالى - إلّا علي بن أبي طالب والأئمّة من بعده.(1)

وعن سورة بن كليب قال: قال أبو جعفر: والله انّا لخزان الله في سمائه وأرضه، لا على ذهب ولا على فضّة إلّا على علمه.(2)

3. الاتّصاف بدرجةٍ عُليا من الكمالات النفسيّة والعمليّة

اهتمّ أهل البيت علیهم السلام بتربية أتباعهم تربية تجعلهم في مستوى رفيع من الكمالات بحيث تجعلهم في مستوى القدوة الحسنة للآخرين حتّى عرف شيعة أهل البيت بهذه الميزة على مدى القرون والأجيال.

قال علیه السلام: إنّما شيعة عليّ الحلماء العلماء، الذبل الشفاه، تُعرف الرهبانيّة على وجوههم.(3)

وقال لجابر بعد بيانه لكيفيّة تقييم الإنسان الشيعي لنفسه بشكل دائم ذاكراً خصائص ومميّزات المسلم الشيعي: وماكانوا يعرفون - ياجابر - إلّا بالتواضع والتخشّع والأمانة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبرّ بالوالدين والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام وصدق الحديث وتلاوة القرآن وكفّ الألسن عن الناس إلّا من خير، وكانوا اُمناء عشائرهم في الأشياء.(4)

وبعد كلّ هذا فالجماعة الصالحة ذات كيان متكامل ومتراصّ داخل المجتمع الإسلامي الواسع، فهم يشكّلون حصناً منيعاً داخل المجتمع الكبير وهم يغذّون أبناء اُمّتهم بالمفاهيم الصحيحة والتربية العالية والثبات على الحقّ، ومن هنا تركّزت جهود أهل البيت علیهم السلام على بيان تفاصيل الخطّ السياسي والثقافي والمالي والأمني للجماعة


1) الكافي، ج 1، ص 228، الحديث 1.

2) الكافي، ج 1، ص 148، الحديث 2، من باب أن الأئمّة مولاة أمر الله.

3) بحار الأنوار، ج 65، ص 189.

4) الكافي، ج 2، ص 74.

الصالحة وحرصوا على تجذّر هذا الكيان في داخل المجتمع الإسلامي وأشرفوا على غرسه ونموّه وإثماره ولم يهتموا بشيء كاهتمامهم بهذا الجانب لأنّه يشكّل محور العمل الرسالي على المدى البعيد والقريب أيضاً، إذن فهو حصيلة قدرتهم وخلاصة جهودهم الجبّارة لتحقيق أهداف الرسالة الكبرى.(1)

الأسس العامّة في بناء الجماعة الصالحة (1)

إنّ الأهداف والخصائص الّتي ذكرت للجماعة الصالحة تتطلّب تخطيطاً محكماً حاذقاً لبناء مثل هذه الجماعة الصالحة داخل المجتمع الإسلامي الكبير بنحو يضمن تحقيق الأهداف الكبرى ولا ينتهي الى التعارض والتناحر بين هذه المجموعة وما يحوط بها من فرق ومذاهب وتيّارات وعروض مغرية وفرص ذهبيّة لرموز هذه الجماعة إذا اكتشف الأعداء رسالة هذه الجماعة ومهمّتها الكبرى داخل الكيان الإسلامي وخارجه.

إنّ الأصالة والإحكام والشموليّة والانسجام هي أهمّ معالم هذه الاُسس لإيجاد بناء مرصوص قادر على القيام بدور تأريخي كبير يتمثّل في حفظ الإسلام والاُمّة المسلمة والدفاع عنها من خلال ضخّ الوعي الإسلامي الصحيح في الاُمّة وتحقيق التربية المطلوبة لأبناء الاُمّة وحفظ الكيان الشيعي من التفتّت والانهيار أو الانعزال و الذوبان.

أسس العقيدة السليمة

إنّ العقيدة هي أساس أيّة حركة اصوليّة سليمة، وبمقدار قوّة العقيدة ووضوحها و انسجامها مع الركائز النظريّة للإنسان يكون النجاح والثبات والاستمرار والتطوّر مضموناً لأصحابها.

وهذه الانطلاقة في المنهج لبناء الجماعة الصالحة هي انطلاقة قرآنيّة وعقلائيّة


1) راجع دور أهل البيت في بناء الجماعة الصالحة، ج 1، ص 55 - 75.

منطقيّة نجد ملامحها بوضوح في عامّة السور المكيّة في القرآن الكريم حيث اهتمّت ببناء الكيان الفكري والعقائدي قبل الاهتمام ببناء الكيان الإخلاقي والسلوكي وقبل التصدّي لبناء أيّ كيان سياسي أو نظام اجتماعي عامّ.

وهذه الاُسس هي:

1. مصدريّة العقل والكتاب والسنة

إنّ العقل الفطري والعقل النظري اليقيني المرتكز على اُسس فطريّة واضحة هو أساس الحركة المنطقيّة الصحيحة للإنسان باتّجاه الإيمان بالوحي وفهم نصوصه واستيعاب مضامينه، ومن هنا كان تركيز أهل البيت علیهم السلام على العقل والكتاب و السنّة معاً تركيزاً يعطي لكلّ منهما موقعه ودوره الّذي يتميّز به. وتجد أدلّة ذلك في عامّة كتب الحديث الشيعي الجامعة مثل أصول الكافي وبحار الأنوار حيث يتقدم كتاب العقل والجهل على كتاب العلم والتوحيد والحجّة. وهو تقدّم منطقي أقرّه الوحي المتمثل في القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة.(1)

2. مرجعيّة أهل البيت العلميّة والسياسيّة

ودورهم الكبير في تفسير حقائق الكتاب والسنّة وترشيد حركة العقل البشري وذلك لتميّزهم على من سواهم من الاُمّة بالعلم والعصمة والكمال الّذي تتطلّبه أهداف الشريعة الخالدة.

فعن أبي جعفر الباقر علیه السلام: إنّ العلم الّذي نزل مع آدم علیه السلام لم يرفع، والعلم يتوارث، وكان علي علیه السلام عالم هذه الاُمّة وإنّه لم يهلك منّا عالم قطّ إلّا خلفه من أهله مَن علم مثل علمه أو ماشاء الله.(2)


1) راجع كتاب العقل والجهل من الكافي.

2) أصول الكافي، ج 1، ص 222، الحديث 3 و راجع أبواب علم الأئمّة من كتاب الحجّة في أصول الكافي.

3. سلامة المنهج

وقد اعتنى أهل البيت: بسلامة المنهج كأسس لضمان سلامة العقيدة الّتي يريدون تربية أتباعهم عليها. وتكفي نظرة واحدة إلى أبواب العقل والعلم والتوحيد والحجّة في أصول الكافي للوقوف على النهج القويم الّذي سلكه أهل البيت للتربية الفكريّة والعقائديّة لأتباعهم بشكل خاصّ ولعامّة المسلمين بشكل عامّ.

4. حرّيّة الفكر

إنّ أهم ما اتصفت به مدرسة أهل البيت وعرف عنهم هو نفي الجبر والتفويض و حرّيّة الإرادة والفكر الإنساني، وقد ربّوا أتباعهم على هذا الأساس وتجلّت آثاره في انفتاح باب الاجتهاد والاستنباط بالرغم من تظافر العوامل السياسيّة والاجتماعيّة المختلفة لغلق هذا الباب في وجه أتباع أهل البيت علیهم السلام: كما حدث ذلك لغيرهم.

5. وضوح المفاهيم و انسجامها و شمولها

إذا قلنا بأنّ مدرسة أهل البيت هي المدرسة الفكريّة الوحيدة الّتي اتصفت مفاهيمها العقائديّة بالوضوح والإنسجام والشمول؛ فإنّا لم نتجاوز الواقع ولم نبالغ فيه، ولك أن ترجع إلى عقائد الإماميّة للشيخ محمد رضا المظفّر وأصل الشيعة واصولها للشيخ محمد حسین كاشف الغطاء والجزء الأوّل من الكافي لتلمس ذلك بوضوح.

6. قوّة المنطق

إنّ ما جاء في كتب الحديث الشيعيّة حول العقائد الإسلاميّة العامّة والشيعيّة الخاصّة قد احتوى على الأدلة المتقنة وزَوَّدَ العالَم الإسلامي والمدرسة الإسلاميّة بشكل عامّ والمدرسة الشيعيّة بشكل خاصّ بهذه الثروة الكبيرة الّتي لا تعدو المنطق السليم والاستدلال القويم بحال من الأحوال.

الخلاصه

回 تتلخّص الأهداف العامّة للجماعة الصالحة في حفظ الشريعة الإسلاميّة من التحريف وصيانة المجتمع الإسلامي من الضعف والإنهيار والمساهمة في إدارة الحكم الإسلامي حينما تساعد الظروف على ذلك والتمهيد للظهور الموعود بالعلم والعمل الإعداد والنفسي الفردي والجماعي.

回 تتلخّص أهمّ مواصفات الجماعة الصالحة في سلامة العقيدة والثقافة الإسلاميّة الرجوع الى أهل البيت علیهم السلام لأخذ معالم الدين منهم والولاء السياسي بالإضافة الى الولاء الفكري لهم والاتصاف بالدرجات العليا من الكمالات النفسيّة العمليّة.

回 و أهمّ معالم أسس بناء الجماعة الصالحة هي: الأصالة والإحكام والشموليّة والإنسجام ووتتمثّل هذه الأسس في: مصدريّة العقل والكتاب والسنة ومرجعيّة أهل البيت العلميّة والسياسيّة وسلامة المنهج ووضوح المفاهيم وانسجامها وقوّة المنطق وحرّيّة الفكر.

الأسئلة

1.

ما هي الأهداف العامّة للجماعة الصالحة؟

2.

ما هي أهمّ مواصفات الجماعة الصالحة؟

3.

ما هي أهمّ معالم أسس بناء الجماعة الصالحة؟

الدرس 32: أسس بناء الجماعة الصالحة(2)

أسس التربية الصحيحة

إن تطهير النفس من الرذائل الخلقيّة وسعيها لتحصيل الملكات الفاضلة ومكارم الأخلاق الّتي اجتمعت في القادة الربّانيّين وحظى بتمامها وكمالها خاتم المرسلين وعترته الميامين هو الأساس الثاني الّذي يعتمد عليه بناء الجماعة الصالحة بشكل خاصّ والنظام الاجتماعي الإسلامي بشكل عامّ.

ونجد اهتمام القرآن الكريم ببناء هذا الجانب في الإنسان بشكل واضح حتّى أنّه جعل سعادة الإنسان وشقاءه يدوران مدار هذا البناء الأخلاقي. قال تعالى: (و نفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكّاها وقدخاب من دسّاها).(1)

والاعتدال في هذا البناء الأخلاقي والانسجام مع البناء العقائدي والمنهج العملي والسلوكي ضمن منهج واضح وتخطيط مدروس ومعقول هو السمة الأساسيّة لتربية أهل البيت علیهم السلام أتباعَهم على اكتساب الأخلاق والقدرة على تجسيدها بشكل صحيح في واقعهم.

وامتازت توجيهات أهل البيت علیهم السلام في هذا المجال باستنادها الى الرؤية القرآنية


1) سورة الشمس.

ونصوص الوحي الإلهي الّتي تضمّنت المنهج الكامل نظريّةً وتطبيقاً، ولكنّ المسلمين لابتعادهم عن أهل بيت الوحي قد أفرطوا وفرّطوا في فهمها وتطبيقها وانتهوا تارة إلى الرهبنة الّتي ذمّها القرآن الكريم أو إلى التصوف الخاطيء الّذي تستّر المستعمرون خلفه لإحكام السيطرة على ثروات المسلمين وحكوماتهم وسلب خيرات بلادهم.

بينما بقي أتباع أهل البيت مرابطين على ثغور الفكر والعقيدة والأخلاق والعرفان وسهروا على خطّ الدفاع عن كيان الإسلام على مدى القرون والأجيال بالرغم من اهتمامهم البليغ بالتزكية الروحيّة والنقاء الخلقي دون تظاهر أو جلب انتباه.

وقد اعتبر أهل البيت علیهم السلام بما فيهم الرسول الكريم صلّی الله علیه و آله أنّ الجهاد الأكبر هو جهاد النفس وكلّ جهاد سواه يُعّد إلى جانبه جهاداً أصغر منه لأنّه جهاد على مدى العمر، وفي كلّ زمان ومكان لا يكاد يفارق الإنسان حتّى يتسامي على كلّ الشهوات والنزوات ويسمو بروحه وفكره إلى أعلى عليّين ويضمن لنفسه الوصول إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر.

مقومات التزكيه المطلوبة عند الإمام علیه السلام

إنّ التزكية لا تتمّ إلّا بعد أن تنطلق من القلب والضمير وتتفاعل مع الشعور بخشية مستمرّة وحذر دائم وتوقّ من الرغائب والشهوات والمطامع، فلابدّ وأن تكون شعوراً في الضمير، وحالة في الوجدان، وصولة في المشاعر لتتهيّأ النفوس والأعمال لتلقي اسسها وتقريرها في الواقع، ولهذا ركّز الإمام علیه السلام على أهمّ المقومات الّتي تدفع النفس للتزكية ومنها:

1. استشعار الرقابة الإلهيّة

لا تتمّ التزكية الّا باستشعار الرقابة الإلهيّة في العقل والضمير والوجدان، والإحساس بأنّ الله تعالى محيط بالإنسان يحصي عليه حركاته وسكناته، ولهذا ركّز

الإمام علیه السلام على هذه الرقابة لتكون دافعه لإصلاح النفس وتزكيتها، ففي موعظته لجماعة من أنصاره قال لهم: (ويلك... كلّما عرضت لك شهوة أو ارتكاب ذنب سارعت إليه وأقدمت بجهلك عليه، فارتكبته كأنّك لست بعين الله، أو كأنّ الله ليس لك بالمرصاد...).(1)

2. التوجّه إلى اليوم الآخر

إنّ الحياة الإنسانيّة هي حياة ممتدّة مع الإنسان في جميع مراحل النشوء والتكوين من الولادة حتّى الممات، والبعث في يوم الجزاء، فهنا حياة فانية وهناك أخرى باقية خالدة، والتوجه إلى الحياة الخالدة يمنع الإنسان من الانحراف ويدفعه لتخليص النفس من ربقة الشهوات وظلمة المطامع وأدناس الهوى، وقد وجّه الإمام علیه السلام الجماعة الصالحه إلى ذلك اليوم ليجعلوه نصب أعينهم وليكون حافزاً لهم لإصلاح النفس وتزكيتها، وممّا جاء في موعظته لجماعة منهم قوله علیه السلام: (... ياطالب الجنّة ما أطول نومك وأكل مطيتك، وأوهى همّتك، فلله أنت من طالب ومطلوب.

ويا هارباً من النار ما آمن مطيتك إليها وما أكسبك لما يوقعك فيها...

يا ابن الأيّام الثلاثة: يومك الّذي ولدت فيه، ويومك الّذي تنزل فيه قبرك، ويومك الّذي تخرج فيه إلى ربّك، فياله من يوم عظيم، ياذوي الهيئة المعجبة والهيم المعطنة مالي أرى أجسامكم عامرة وقلوبكم دامرة...).(2)

وبيّن الإمام علیه السلام أنّ الدنيا دار بلاء يتناسب مع درجة الإيمان فقال: (إنّما يبتلى المؤمن في الدنيا على قدر دينه).(3)


1) تحف العقول، ص 212.

2) تحف العقول، ص 212، 213.

3) جامع الأخبار، ص 313.

3. تحكيم العقل

إنّ الله تعالى خلق الإنسان مزوّداً بعقل وشهوة، ومنحه سبل الهداية من خلال البينات والحقائق الثابتة، وهو مكّلف بتهيئة القلب للتلقي والاستجابة والتطلع الى افق اعلى وإلى اهتمامات أرفع من الرغبات والشهوات، ولهذا ركّز الإمام علیه السلام على تحكّم العقل على جميع الرغبات والشهوات، ولابدّ أن يكون للإنسان واعظ من نفسه ليقوم بتزكيتها ، فقال علیه السلام: (من لم يجعل الله له من نفسه ،واعظ، فإنّ مواعظ الناس لن تغني عنه شيئاً).(1)

4. التطابق بين الإرادة الإنسانيّة والإرادة الإلهيّة

إنّ تكامل النفس لا يتمّ إلّا من خلال التطابق بين الإرادة الإنسانيّة والإرادة الإلهيّة باتّباع المنهج الإلهي في الحياة، وهذا التطابق يحتاج إلى مجاهدة الهوى والهيمنة على الشهوات وتقييدها بقيود شرعيّة، ومجاهدة النفس تجعل الإنسان مهيّأً للفيض الإلهي لإكمال نفسه وتزكيتها. قال الإمام الباقر علیه السلام: (يقول الله عز وجل: وعزّتي وجلالي، لا يؤثر عبد هواي على هواه إلّا جعلت غناه في قلبه، وهمِّه في آخرته...).(2)

منهج التزكية المطلوبة عند الإمام علیه السلام

رسم الإمام علیه السلام للجماعة الصالحة منهجاً واقعياً لتزكية النفس كفيلاً بتحقيقها إن روعي من قبلها، وجسّدته في الفكر والعاطفة والسلوك. وتتحدّد معالم هذا المنهج بالنّقاط التالية:


1) تحف العقول، ص 214.

2) جامع الأخبار، ص 270.

1. تقوية الارتباط بالله تعالى

إنّ الارتباط بالله تعالى والإستسلام له والعزم على طاعته من شأنه أن يمحّص القلوب، ويطهرّ النفوس، لأنّه ينقل الإنسان من مرحلة التفكّر والتدّبر في خلق الله تعالى وهيمنته ورقابته إلى مرحلة العمل الإيجابي وفق هذا التدّبر، فمجرّد البدء به يتبعه العون منه تعالى، ويتبعه التثبيت على المضيّ في طريق تزكية النفس.

والارتباط بالله تعالى يبدأ بمعرفته، وفي هذا المضمار قال الأمام الباقر علیه السلام: (ما عَرَفَ اللَّهَ مَنْ عَصَاهُ) وأَنشد:

تعْصِي الإلهَ وَأَنْتَ تُظهِرُ حبَّهُ *** هَذا لَعَمْرُكَ فِي الفِعالِ بَديعُ

لو كان حبُّك صادقاً لأطَعْتَهُ *** إن المحبَّ لِمَنْ أَحَبَّ مُطيعُ(1)

والارتباط بالله تعالى يتجسّد في مصاديق عديدة منها: حسنُ الظنِّ بالله والرجاء له والتسليم لأمره والرضا بقضائه والتوكّل عليه، فقد روى الإمام علیه السلام عن رسول الله صلّی الله علیه و آله أنه قال: (والّذي لا إله إلّا هو ما أُعطي مؤمن قطّ خيرَ الدنيا والآخرة إلّا بِحسن ظنِّه باللهِ ورجائه له وحسنِِ خُلُقِهِ والكفِّ عن اغتياب الناس).(2)

ويتجدّد الإرتباط بالله تعالى عن طريق المداومة على العبادات، وقد حثّ الإمام علیه السلام الجماعة الصالحة على العبادات، حتّى جعلها إحدى خصائصهم.

وحثّ الله على قراءة القرآن الكريم، وحثّ علیه السلام على جعل الحبّ والبغض على أساس القرب والبعد من الله تعالى، فقد أورد أحاديث الرسول الله صلّی الله علیه و آله تؤكّد على ذلك ومنها قوله صلّی الله علیه و آله: (ودُّ المؤمن للمؤمن في الله من أعظم شُعُبِ الإيمان، ومَنْ أحبّ في الله، وأبغض في الله، وأعطى في الله، ومنع في الله، فهو من أصفياء الله).(3)


1) تحف العقول، ص 215.

2) الكافي، ج 2، ص 72.

3) المحاسن، ص 263.

2. الإقرار بالذّنب والتوبة

إنّ منهج أهل البيت علیهم السلام يهدف إلى علاج النفوس البشريّة، واستجاشة عناصر الخير فيها، وإلى مطاردة عوامل الشر والضعف والغفلة، وهو موضوع للنّفس بما تحمل أهواء ورغبات ومصالح عارضة، والطبيعة البشريّة قد تستقيم مرّة وتنحرف مرّة أخرى، ولهذا فإنّ العودة إلى الاستقامة تقتضي محاسبة النفس باستمرار، والإقرار بالأخطاء والخطايا، ثمّ التوبة، والعزم على عدم العود، ولذا أكدّ الإمام علیه السلام على هذه المقوّمات، وبدأ بالإقرار بالذّنب كمقدّمة للنّجاة منه، فقال علیه السلام: (واللهِ ما ينجو من الذنب إلّا من أقرّ به)،(1)وقال علیه السلام: (كفى بالندّم توبة).(2)

والإقرار يتبعه الغفران بعد طلبه من الله تعالى، قال علیه السلام: (لقد غفر الله لرجل من أهل البادية بكلمتين دعا بهما قال: اللّهُّمَّ إن تعذِّبني فأهل ذلك أنا، وإن تغفِر لي فأهل ذلك أنت، فغفر له).(3)

والتوبة تمحي الذنب فيعود الإنسان من خلالها إلى الاستقامة ثانية، قال علیه السلام: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمقيم على الذنب وهو مستغفر منه كالمستهزيء).(4)

3. الحذر والحيطة

الحذر والحيطة من الذنوب ضرورة ملحّة في تزكية النفس، وهي تتطلّب الدقّة في تناول كلّ خالجة وكلّ حركة وكلّ موقف، وتتطلّب التحليل الشامل للأسباب والظواهر، والعوامل الفاعلة للموقف والمسيرة للحدث، والتعالي بالنّفس في ميادينها الباطنيّة، ولهذا دعا الإمام علیه السلام إلى الحذر والحيطة من جميع الممارسات فقال: (إنّ الله خبّأ ثلاثة


1) الكافي، ج 2، ص 311.

2) وسائل الشيعة، ج 16، ص 59.

3) وسائل الشيعة، ج 16، ص 70.

4) الكافي، ج 2، ص 316.

أشياء في ثلاثة أشياء: خبّاً رضاه في طاعته، فلا تحقرنّ من الطاعة شيئاً فلعلّ رضاه فيه، وخبّأ سخطه في معصيته فلا تحقرنّ من المعصية شيئاً فلعلّ سخطه فيه، وخبّاً أولياءه في خلقه، فلا تحقرنّ أحداً فلعلّه ذلك الولي).(1)

ودعا علیه السلام إلى الاحتياط في القول في الحكم على الأشخاص والأعمال والممارسات فقال: (لايسلم أحد من الذنوب حتّى يخزن لسانه).(2)

وقال علیه السلام: (يا فضيل بلّغ مَنْ لقيت من موالينا عنّا السلام، وقل لهم: إنّي أقول: إنّي لا أغني عنكم من الله شيئاً إلّا بورع، فاحفظوا ألسنتكم وكفّوا أيديكم، وعليكم بالصّبر والصلاة، إنّ الله مع الصابرين).(3)

4. تعميق الحياء الداخلي

إنّ موحيات التزكية كامنة في النفس ذاتها، قبل التأثّر بالعوامل الخارجيّة، والتزكية ليست مجرّد كلمات ورؤى نظريّة بل هي ممارسة وسلوك عملي، يجب أن تنطلق من داخل النفس الإنسانيّة، ولابدّ أن يتسلّح الإنسان بالواعز الذاتي الّذي يصدّه عن فعل القبيح، ولذا أكدّ الإمام علیه السلام على الحياء لأنّه حصن حصين يردع الأهواء والشهوات من الانطلاق اللّامحدود، قال علیه السلام: (الحياء والإيمان مقرونان في قرن، فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه).(4)

5. كسر الإلفة بين الإنسان وسلوكه الجاهلي

حينما يعتاد الإنسان على السلوك الجاهلي فإنّه سيأنس به، ويألفه حتّى يصبح


1) كشف الغمة، ج 2، ص 148.

2) تحف العقول، ص 218

3) تفسير العياشي، ج 1، ص 68.

4) تحف العقول، ص 217.

وكأنّه جزء من كيانه، ترضاه نفسه، ويقبله قلبه، ولهذا فهو بحاجة إلى كسر هذه الإلفة إن أراد أن يزّكي نفسه ويسمو بها إلى مشارف الكمال، ولذا أكدَّ الإمام علیه السلام على بعض الخطوات الّتي تكسر هذه الإلفة، فقال: (إنّ الله يبغض الفاحش المتفحّش).(1)

وزرع في النفس كراهيّة الطمع والرغبات المذلّة، فقال: (بئس العبدُ عبدٌ يكون له طمع يقوده، وبئس العبدُ عبدٌ له رغبة تذّله).(2)

ومن أجل زرع الكراهيّة للشّر روى عن رسول الله صلّی الله علیه و آله قوله: (ألا أنَّ شرار أمّتي الذين يُكرَمُونَ مخافةَ شرّهم، ألا وإنّ مَنْ أكرمه الناس اتّقاءَ شرّه فليس مني).(3)

6. إزالة الحاجز النفسي بين الإنسان والسلوك السليم

قد يحدث حاجز نفسي بين الإنسان والسلوك السليم بسبب ضغط الأهواء والشهوات، أو بسبب الهواجس والوساوس المطبقة عليه، وسوء التصوّر، ورواسب الجاهليّة، والضعف البشري، فلابدّ من إزالة هذه الحواجز أوّلاً ثمّ التمرين على ممارسة السلوك السليم ثانياً.

فقد حببّ الإمام علیه السلام إلى أصحابه السلوك الصالح، بربطه بالعبادة وطلب العون من الله تعالى، فقال: (ما من عبادة أفضل من عفّة بطنٍٍ أو فرجٍ، وما من شيء أحبُّ إلى الله من أن يُسأل، وما يدفع القضاء إلّا الدعاء، وأنّ أسرع الخير ثواباً البرّ...).(4)

وحببّ إلى النفوس حسن الخُلُقِ والرفق، فقال: (من أعطي الخُلُقَ والرفقَ، فقد أعطي الخيرَ كلّه، والراحة، وحَسُنَ حاله في دنياه وآخرتِه، ومن حُرِمَ الرفقَ كان ذلك له


1) الكافي، ج 2، ص 245.

2) وسائل الشيعة، ج 16، ص 34.

3) الخصال، ج 1، ص 15.

4) مختصر تأريخ دمشق، ج 23، ص 86.

سبيلاً إلى كلّ شرّ وبليّة إِلَّا مَنْ عصمه الله تعالى).(1)

وحبب إلى نفوس أصحابه الأدب وحسن السيرة، فقال: (ما استوى رجلان في حسبٍ ودينٍ قط إلّا كان أفضلهما عند الله آدبهما).(2)

ورُوى علیه السلام عن الإمام عليّ علیه السلام قوله: (إنّ من أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا).(3)

وحثَّ علیه السلام على أداء العبادات المندوبة لكي تتجذّر في النفوس لأنّها تساعد على إصلاح النفس وتزكيتها، وبيّن ثواب من عمل بها، واستمرّ على أدائها في جميع الظروف والأحوال وحثَّ على التمرّن على الأخلاق الفاضلة والخصائص الحميدة، فقال: (عليكم بالورع والاجتهاد، وصدق الحديث، وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم عليها بَرّاً كان أو فاجراً، فلو أنّ قاتل عليّ بن أبي طالب علیه السلام إئتمنني على أمانة لأدّيتها إليه).(4)


1) حلية الأولياء، ج 3، ص 187.

2) مختصر تأريخ دمشق، ج 23، ص 85.

3) وسائل الشيعة، ج 16، ص 12.

4) تحف العقول، ص 219.

الخلاصه

回 تتحدّد معالم المنهج الذي رسمه الإمام الباقر لالالا لتزكية الجماعة الصالحة بالنقاط التالية:

1回. الارتباط بالله تعالى فكراً وسلوكاً وعاطفة، ويجسّد هذا الارتباط الحبّ والوفاء لله سبحانه ويبعث فيه يقظه الضمّير ليعيش النوّر، ويشعر الإنسان بهيمنة الله عليه، ورقابته الشاملة له، وينقله من مرحلة التفكير إلى مرحلة التطبيق.

2回. الإقرار بالذّنب: يتّجه منهج أهل البيت علیهم السلام إلى علاج النفوس البشريّة وتربيتها لاستجابة عناصر الخير فيها وطرد عناصر الشر في أعماقها. فلا ينحرف الإنسان ولا يشّذ، بل يستقيم.

3回. الحذر واليقظة: وهما ضمانة روحيّة وعمليّة تخلق في الإنسان روح الثورة على كلّ واقع فاسد، وتعزّز موقفه لتصحيح السلوك من أجل العمل الصالح لتكون قراراته وانطباعاته منسجمة مع الأفق العقائدي الّذي يتنفسه.

4回. تعميق الحياء الداخلي: إنّ تسليح الإنسان بالواعز الذاتي وتربيته على ممارسة المحاسبة لجمع ما يصدر منه من تصرّفات ونشاطات، وإحساسه برقابة الله له من أبرز معالم الحياء لديه، فهو يتصرف بدّقّة ويزاول أعماله بحذر لأنّه يشعر بأنّ وراءه رقابة واعية وقوّة كونيّة هائلة ترصد حركاته وتعدّ عليه أنفاسه. ولذا لا يمكنه الخروج عن دائرة إحساسه بهذه الرقابة.

5回. كسر الإلفة بين الأنسان وسلوكه الجاهلي: فهو يثور على كلّ سلوك وتصرّف حذّر منه الإسلام، وينطلق في مسيرته لتصحيح كلّ خطأٍ لبناء شخصيّته، فيحارب الهوى في نفسه ويتحرّر من قيود الأنا في علاقته مع

الأخرين.

6回. إزالة الحاجز النفسي بين الإنسان والسلوك السليم: تعترض مسيرة الأنسان بعض الحواجز النفسيّة، فتحرفه عن مسيرته بسبب ضغط الأهواء والشهوات ومثيرات الواقع، أو بسبب الهواجس وسوء التصوّر ورواسب الجاهليّة والضعف البشري، فلابدّ من إزالتها أوّلاً ثمّ التمرين على ممارسة السلوك السليم ثانياً.

الأسئلة

1.

أذكر النقاط المهمّة الّتي تحدّد معالم منهج الإمام علیه السلام في تزكية الجماعة الصالحة.

2.

ما معنى الحياء الداخلي، وما هو تأثيره على سلوك الفرد العامّ؟

3.

لماذا أوجب الإمام الاتصال بينه وبين قواعده؟

4.

ما نوع العلاقة بين القيادة والقاعدة؟

الدرس 33: أسس بناء الجماعة الصالحة (3)

أسس التثقيف والتربية العلميّة

نلاحظ تركيز الرسالة الإسلاميّة ولاسيّما القرآن الكريم على بناء الفرد الصالح وتنميته وتطويره بشكل مستمرّ وصولاً إلى المجتمع الإسلامي الصالح.

ويبدأ بناء الفرد الصالح ببناء عقيدته بناءً سليماً وبناء أخلاقه على القيم الإلهيّة العالية ولكن البناء العقيدي والأخلاقي لا يكون سليماً إلّا إذا كان عن طريق صحيح يكون في متناول اليد لعامّة الناس وتوفّر أدواته بنحوٍ لا يكلّف الفرد إلّا الرغبة والجهد في سلوكه وتحصيله ويمكن تشخيص سلامته وصوابه من خطئه. وهذا هو طريق العلم والمعرفة لتحصيل البصيرة المطلوبة عن المعتقد الصحيح والخلق القديم والسلوك المستقيم.

ومن هنا ركّز أهل البيت علیهم السلام القيّمون على مصالح الأمّة المسلمة والموكول اليهم صيانة الرسالة من الضياع والأمّة من الانهيار - على نظام معرفي وثقافي يضمن تحقيق هذه الأهداف للرسالة وللأمّة معاً.

والتراث الّذي تركه لنا أئمّة أهل البيت علیهم السلام - (لاسيّما الإمامان الصادقان علیهما السلام) - حافل بتفاصيل هذا النظام الثقافي والمعرفي وكاشف عن القواعد الرصينة الّتي أرساها هؤلاء الأئمّة الأطهار (عليهم سلام الله أجمعين).

فالعلم في مدرسة أهل البيت علیه السلام- وهي الإمتداد الطبيعي لمدرسة القرآن الكريم - ليس هدفاً نهائياً للحياة كما أنّ الحياة ليست ذاقيمة إن لم تكن على وعي وبصيرة ومعرفة. فلابدّ من التعلّم والتعليم كمبدأ أساسي لتحقيق التربية والإصلاح الحقيقين، ويمكن أن نسمي هذا الأصل المعرفي (بمبدأ المعرفة للحياة).

ولابدّ من تحديد مصادر اكتساب المعرفة الإسلاميّة ضماناً لسلامة الفكر والمعرفة. والعقل والكتاب والسنة الشاملة لسنة الرسول صلّی الله علیه و آله وأهل بيته علیهم السلام هي المصادر الأساسيّة للمعرفة في مدرسة أهل البيت علیهم السلام.

ونلاحط اهتمام أهل البيت علیهم السلام كالقرآن الكريم - بالمنهج العقلي الاستدلالي والاستقرائي إلى جانب المنهج التجريبي وتحديد مجال كلّ منهج وأسسه واصوله والنتائج المترتبة عليه.

ولا يكتفي أهل البيت بالمعرفة في مستوياتها العامّة بل قد ركّزوا على أعلى مستويات المعرفة، ودعوا إلى الوصول إليها، وذكروا علوماً وأسراراً علميّة لا يحتملها إلّا نبي أو وصي نبي أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان.

وتوسعوا علیهم السلام في مجالات العلم وأساليب الكتابه كما عملوا على تأسيس معاهد ومؤسسات ثقافيّة تكفل استمرار منهجهم العلمي والمعرفي وتضمن تكامل الجماعة الصالحة على هذا الخط القديم.

التعليم والمنهج التثقيفي عند الإمام الباقر علیه السلام

العلم وسيلة لتجلية حقيقة التصوّر الإسلامي، وحقيقة المنهج الإلهي في الحياة الإنسانيّة، وهو الوسيلة الطبيعيّة المتاحة لتوجيه الجماعة الصالحة والإرتفاع بها إلى مستوى الأمانة العظيمة الّتي أناطها الله تعالى بالانسان، ولذا كان أهل البيت علیهم السلام يحثّون أتباعهم على تلقي العلوم والمعارف الإسلاميّة مأخوذة مصادرها السليمة الصافية وهي القرآن والسنّة الشريفة الّتي يحفظها ويسهر على حفظها أهل البيت علیهم السلام

وحين نتابع منهج الإمام الباقر علیه السلام التثقيفي والتعليمي نلاحظ مايلي:

الأوّل: الحثّ على طلب العلم: حثّ الإمام علیه السلام على التفقّه في الدرس قائلاً (الكمال كلّ الكمال: التفقّه في الدين، والصبر على النائبة وتقدير المعيشة).(1)

وحثّ علیه السلام على السؤال باعتباره مفتاح العلم، وروى عن رسول الله صلّی الله علیه و آله قوله: (العلم خزائن ومفتاحها السؤال، فاسألوا يرحمكم الله، فإنّه يؤجر فيه أربعة: السائل، والمعلِّم والمستمع، والمجيب لهم).(2)

وبيّن علیه السلام فضل العالم وقدّمه على العابد، لأنّ العلم الحقيقي المطابق للواقع يجعل الإنسان على وعي كامل بالآراء والتصوّرات وبالأحداث والمواقف، فلا تختلط عليه الأمور ولا المواقف فيكون قادراً على إصابة الواقع في جميع مجالاته، قال علیه السلام: (عالم يُنتَفَعُ بِعلمِهِ أفضلُ من ألفِ عابدٍ).(3)

وقال علیه السلام: (والله لَمَوْتُ عالمٍ أحبُّ إلى إبليس من موتِ سبعين عابداً).(4)

الثاني: خصائص حامل العلم: وبيّن علیه السلام خصائص العالم فقال: (إنّ الفقيه حقّ الفقيه: الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، المتمسّك بسنّة النبي صلّی الله علیه و آله).(5)

كما حثّ علیه السلام على إخلاص النيّة في طلب العلم، بأن يكون الهدف من طلبه هو الوصول إلى الحقيقة، وتقريرها في عقول الناس وقلوبهم تقرّباً إلى الله تعالى الّذي هو الحق المطلق والمطلوب النهائي في الحياة، وتجسيداً لمنهجه في الحياة وصولاً إليه تعالى.

قال علیه السلام: (مَنْ طَلِبَ العلم ليباهيَ به العلماءَ، أو يماريَ به السفهاءَ، أو يَصْرِفَ به


1) الكافي، ج 1، ص 32.

2) حلية الأولياء، ج 3، ص 192.

3) حلية الأولياء، ج 3، ص 183.

4) تذكرة الخواص، ص 304.

5) الكافي، ج 1، ص 70.

وجوه الناس إليه، فليتبّوأ مقعده من النار، إنّ الرئاسة لا تصلح إلّا لأهلها).(1)

الثالث: الحثّ على نشر العلم وتعميم المعرفة: دعا الإمام علیه السلام أتباعه إلى نشر العلم و تعليمه للنّاس، وإشاعته في الأوساط المختلفة، ونهى عن كتمانه تعميماً للمعرفة وضماناً لاستمرارها وتكاملها ، فقال علیه السلام: (مَنْ علّم باب هدى فله أجرُ مَنْ عمل به، ولا ينقص أولئك من أجورهم شيئاً...).(2)

وقال علیه السلام: (رحم الله عبداً أحيى العلم ثمّ بين طريقة إحيائه فقال: (أن يذاكر به أهل الدين وأهلَ الورع).(3)

وجعل على العلم زكاة وهي التعليم فقال: (زكاةُ العِلْمِ أَنْ تُعلَّمَهُ عباد الله).(4)

وجعل تذاكره صلاةٌ، فقال: (تذاكر العلمِ دراسة، والدراسة صلاةُ حسنة).(5)

الرابع: العلم والمسؤوليّة: وحثّ الإمام علیه السلام المتعلّمين على الاحتياط في الإجابة وحذّرهم من التسرع في الإجابة لكي لا يقع المتعلمّون في تغرير الآخرين وخصوصاً مَنْ له اطلاع محدود، قال علیه السلام: (الوقوف عند الشبهة خيرٌ من الإقتحام في الهلكة، وتركك حديثاً لم تُروهِ خيرٌ من روايتك حديثاً لم تُحصِه).(6)

وعلّم أيضاً كيفيّة الإجابة فقال: (ما علمتم فقولوه وما لم تعلموا فقولوا: الله أعلم، إنّ الرجل لَيَنْتَزِعُ الآية من القرآن يخرّ فيها أبعد ما بين السماء والأرض).(7)

وجعل هذا الإحتياط حقّاً لله على العباد، فقال: (حقّ الله على العباد: أن يقولوا


1) الكافي، ج 1، ص 70.

2) الكافي، ج 1، ص 35.

3) الكافي، ج 1، ص 41.

4) الكافي، ج 1، ص 41.

5) الكافي، ج 1، ص 41.

6) الكافي، ج 1، ص 50.

7) الكافي، ج 1، ص 42.

ما يعلمون، ويقفوا عند مالا يعلمون).(1)

الخامس: المرجعيّة العلميّة: من الحقائق الواضحة عند المسلمين أن عليّاً علیه السلام أعلم الصحابة بكتاب الله وسنة رسوله صلّی الله علیه و آله، وهو باب علم الرسول صلّی الله علیه و آله، وقد علمّ أبناءه ما تعلّمه من رسول الله صلّی الله علیه و آله وكانوا يتوارثون العلم إماماً عن إمام، ولذا فإنّ أهل البيت علیهم السلام هم أعلم الناس بالقرآن والسنّة، ولهذا أكدّ الإمام الباقر علیه السلام على مرجعيّة أهل البيت علیهم السلام العلميّة، وبينّ أنّ علمهم موروث منذ آدم إلى يومنا هذا، فقال: (إنّ العلم الّذي نزل مع آدم علیه السلام لم يرفع، والعلم يتوارث، وكان علي علیه السلام عالم هذه الأمّة، وأنّه لم يهلك منّا عالم قطّ إلّا خَلَقَه من أهله من عَلِمَ مثلَ عِلْمِه، أو ماشاء الله).(2)

وبيّن علیه السلام اختصاص أهل البيت علیهم السلام من دون الناس بعلم القرآن ظاهرِه وباطِنه بقوله علیه السلام: (ما يستطيع أحد أن يدّعيَ أنّ عنده جميع القرآن كلّه ظاهره وباطنه غير الأوصياء).(3)

وبيّن علیه السلام أنّ علمهم علیهم السلام هو المصيب للواقع، فقال: (ليس عند أحد من الناس حقّ ولا صواب ولا أحد من الناس يقضي بقضاء حقّ إلّا ما خرج منّا أهل البيت).(4)

وقد أثبت الواقع التأريخي ذلك، فكانوا علیه السلام مقصد العلماء من جميع أقطار العالم الإسلامي.

السادس: تنوّع اساليب التعليم واكتساب المعرفة: لم يقتصر أهل البيت علیهم السلام على أسلوب واحد لنشر العلم والتعليم وإنّما تنوعت أساليبهم بين الإلقاء المباشر والخطابة والوصايا والكتب والرسائل والأدعية والزيارات بالإضافة إلى الحثّ على قراءة القرآن الّذي يعتبر أوّل مصدر معرفيّ وينبوع ثرٍ لتزويد الإنسان بالمعرفة بشكلٍ مستمرّ.


1) الكافي، ج 1، ص 43.

2) الكافي، ج 1، ص 222

3) الكافي، ج 1، ص 228.

4) الكافي، ج 1، ص 399.

السابع: تنوع مجالات المعرفة والحثّ على الاختصاص العلمي: والملاحظ في مدرسة الإمامين الباقر والصادق علیهم السلام بشكل واضح سعة دائرة العلوم والمعارف الّتي تداولوها ونشروها بين أصحابهم من جهة ودعوتهم إلى التخصّص العلمي وتربية الفقهاء والمتكلّمين ومفسّري القرآن والمؤرّخين وعلماء الأحياء والكيمياء والفلك..

فمن المتكلمين هشام بن الحكم، ومن الفقهاء زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم، ومن المفسرين أبان بن تغلب ومن المؤرّخين أبان الأحمر البجلي وسليم بن قيس ولوط بن يحيى ومن علماء الكيمياء جابر بن حيان واضع أسس هذا العلم.(1)

و راجع أيضاً الإرشاد، ص 264 و وفيات الأعيان، ج 1، ص 327.

الثامن: المستوى المعرفي: لقد رسم أهل البيت علیهم السلام ولا سيما الإمامان الصادقان علیهم السلام خطوط النهج المعرفي والثقافي بشكل تفصيلي وبيّنا المستوى المعرفي المطلوب للإنسان بشكل عامّ وللمسلم بشكل خاصّ وللشيعي بشكل أخصّ. فنلاحظ الإمام الباقر علیه السلام یوصي ابنه الصادق علیه السلام بالاهتمام بأصحابه علميّاً فيجيبه الصادق علیه السلام بأنّه سوف يربّيهم بنحوٍ لا يحتاج أحدهم إلى السؤال من أحد وذلك بمعنى أن يبلغ كلّ منهم قمة المستوى المعرفي في عصره.

وهذا هو الّذي دعا إليه القرآن الكريم حينما قال: نبّئوني بعلم إن كنتم صادقين.

أو حينما قال: لا يعلم تأويله إلّا الله والراسخون في العلم. أوحينما قال: إنّ في ذلك لآيات للمؤمنين.

التاسع: ضمانات استمرار ونموّ المعرفة وتكاملها: إنّ حيويّة الشريعة الإسلاميّة هي من جانب رهينة بحيويّة العلماء بها والاجتهاد في علومهاكما يضمن حريّة الرأي من جهة فإنّه يطور العلماء في علمهم من جهة أخرى.

ولكن استمرار الاجتهاد وصياتة هذه الحيويّة يقتضيان وجود مؤسسات علميّة


1) راجع للمزيد من الإطلاع تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام.

وتثقيفيّة بالمستوى المطلوب لتكون البيئة المناسبة لِهذه الحياة العلمية المتطوّرة.

من هنا اهتمّ أهل البيت علیهم السلام بإشادة هذه المؤسسات وحرصوا على سلامتها وصيانتها من عوامل الزوال والانحراف.

العاشر: المؤسسات الثقافيّة الإسلاميّة: وكان للإمام الباقر علیه السلام دور كبير في توسيع المؤسّسات الثقافيّة الّتي تنهج نهج أهل البيت في نشر العلم والمعرفة.

وقد أسّس علیه السلام عدّة مدارس في أهّم الأمصار الإسلاميّة وهي:

1.

مدرسة المدينة : وكان يشرف عليها مباشرة، وينتقي منها الفقهاء ليواصلوا حمل العلم ونشره.

2.

مدرسة الكوفة: وكان يشرف عليها من تتلمذ على يديه، رتخرّج من مدرسته، ويكون دائم الاتّصال به، وقد أثمرت هذه المدرسة في نشر علوم أهل البيت علیهم السلام وإرجاع الناس إليهم، حتّى اعترف الحاكم الأموي هشام بهذه الحقيقة، فقد استفسر عن الإمام علیه السلام قائلاً: (هذا المفتون به أهل العراق)؟(1)

ولذا أمر الأمويون بمنع أهل العراق من الالتقاء بالإمام علیه السلام.(2)

3. مدرسة قمّ: وكان يشرف عليها بعض من تتلمذ على يدي الإمام علیه السلام، وهي متفرّعة من مدرسة الكوفة.

وهناك مدارس أخرى في الشرق الإسلامي، كما في الريّ وخراسان.(3)

وهناك مدارس جوّالة كان ينشئها طلابه أينما حلّوا وهي محدودة بحدود عدد الأفراد المشرفين والاستجابة لهم من قبل الناس.


1) مختصر تاریخ دمشق، ج 23، ص 79.

2) مختصر تاریخ دمشق، ج 23، ص 83.

3) دور أهل البيت علیهم السلام في بناء الجماعة الصالحة، ج 1، ص 133.

أسس بناء الجماعة الصالحة (4)

إحياء الروح الثورية

كان لثورة الإمام الحسين علیه السلام دور كبير في إحياء الروح الثوريّة، وإلهاب الحماس في العقول والقلوب والإرادة، لمقاومة الظالمين.

ولهذا أكدّ الإمام الباقر علیه السلام على جعل الثورة حيّة تمنح الناس طاقة ثوريّة لخوض المواجهة في وقتها وظرفها المناسب.

وتجسّد إحياؤه للروح الثوريّة في مظهرين:

الأوّل: إقامة الشعائر الحسينيّة

كان الإمام علیه السلام يقوم بنفسه بإحياء الشعائر الحسينيّة، فكان يقيم مجالس العزاء الحسيني في منزله، دون أن يخشى من الحكّام الأمويّين وبهذا الأسلوب العملي كان يحثّ شيعة وأتباعه على إقامة مجالس العزاء فضلاً عن دعواته الصريحة أحاديثه الشريفه الّتي تتضمن الحثّ على ذلك.

وقد تجسدت الشعائر الحسينيّة بالممارسات التالية:

1.

البكاء: شجّع الإمام علیه السلام على البكاء لمصاب جدّه الإمام الحسين علیه السلام وأهل بيته الأحرار وذلك من أجل أن تتجذّر الرابطة العاطفيّة به علیه السلام فكان علیه السلام يقول: (من ذرفت عيناه على مصاب الحسين ولو مثل البعوضة غفر الله له ذنوبه).(1)

2.

الزيارة حثّ الإمام علیه السلام على زيارة قبر الحسين علیه السلام، وتهدف الزيارة إلى تعميق الارتباط به فكراً ومنهجاً واستلهام روح الثورة منه، ومعاهدته على الإستمرار على نهجه.

وكان علیه السلام يؤكّد لمحبّيه وشيعته ضرورة الزيارة، ويقول: (مُروا شيعتنا بزيارة


1) بحار الأنوار، ج 98، ص 1.

الحسين بن علي، وزيارته مفروضة على من أقرّ للحسين بالإمامة).(1)

وأكدّ علیه السلام على اقتران حبّ أهل البيت علیهم السلام بزيارة قبر الحسين علیه السلام كما جاء في قوله علیه السلام: (من كان لنا محبّاً فليرغب في زيارة قبر الحسين علیه السلام، فمن كان للحسين زَوّاراً عرفناه بالحبّ لنا أهل البيت).(2)

3. انشاد الشعر في الحسين علیه السلام و مجالس العزاء: وكان علیه السلام يشجّع على قول الشعر في الإمام الحسين علیه السلام، وقد عرفت أنّه علیه السلام كان يقيم مجالس العزاء في داره ويدعو إلى توسعتها.

وقد أثمر هذا الإحياء في إدامة روح الثورة، وكانت الثورات اللاحقة لحياة الإمام الباقر علیه السلام تنطلق في عاشوراء، وتحمل شعارات عاشوراء وكان الثوّار يتزودون من قبره علیه السلام ثمّ ينطلقون بثورتهم وحركتهم المسلّحة.

الثاني: إحياء حقيقة الإمام المهدي علیه السلام

إنّ الصراع بين الإسلام والجاهليّة، وبين الحقّ والباطل لا ينتهي مادام كلّ منهما موجوداً وله كيان وقيادة وأنصار، ويستمر الصراع إلى أن ينتصر الحقّ على الباطل في نهاية الشوط، ويمثل ظهور الإمام المهدي علیه السلام آخر حلقة من سلسلة الصراع حيث يختفي الباطل ولا يبقى له وجود وكيان مستقل.

وانتظار الإمام علیه السلام هو حركة ايجابيّة تتطلّب تعبئة الأفكار والطاقات للاشتراك في عمليّة الخلاص والإنقاذ.

وقد أكدّ الأئمة علیهم السلام على هذه الحقيقة ومنهم الإمام الباقر علیه السلام لكي تتعمّق في العقول والنفوس.


1) بحار الانوار، ج 44، ص 293.

2) بحار الأنوار، ج 98، ص 4.

قال علیه السلام: (إنّما نجومكم كنجوم السماء كلّما غاب نجم طلع نجم حتّى إذا أشرتم بأصابعكم، وملتم بحواجبكم غيَّب الله عنكم نجمكم، واستوت بنو عبدالمطلب فلم يعرف أيُّ من أيّ فإذا طلع نجمكم، فاحمدوا ربّكم).(1)

وجعل قيام الإمام المهدي علیه السلام من المحتوم حين قال: (من المحتوم الّذي حتمه الله قيام قائمنا).(2)

وقال علیه السلام: (لاتزالون تمدّون أعناقكم إلى الرجل منّا تقولون: هو هذا، فيذهب الله به، حتّى يبعث الله لهذا الأمر من لاتدرون ولد أم لم يولد، خلق أو لم يخلق).(3)

وكان يهيّء الأذهان للتعبئة إلى ذلك اليوم ويقول: (إذا قام قائمنا وظهر مهدينا كان الرجل أجراً من ليث وأمضى من سنان).(4)

وبهذا كان الإمام علیه السلام يُحيي الأمل بانتصار الحقّ وأفول الباطل ويكون هذا الأمل عاملاً للأنتظار الإيجابي البنّاء انتظاراً يتضمّن الإستعداد الدائم والمستمرّ للنهوض تحت راية الحقّ.


1) بحار الأنوار، ج 51، ص 138.

2) بحار الانوار، ج 51، ص 139.

3) بحار الأنوار، ج 51، ص 140.

4) حلية الأولياء، ج 3، ص 184.

الخلاصه

回 إنما يتحقّق بناء المجتمع الصالح من خلال بناء الفرد الصالح وكلّما اتسعت دائرة بناء الأفراد وتعمقّت جذوره كلّما كان المجتمع الصالح أقرب إلى التحقق.

回 و العلم والمعرفة أساس كلّ بناء عقائدي وأخلاقي وسلوكي. ولابدّ لهذه المعرفة من نظام ومنهج كفيل بتحقيق أهدافها المطلوبة.

回 و لأهل البيت منهجهم المعرفي الخاصّ المستلهم من القرآن الكريم. وقد ضمنوا استمرار الحياة لمنهجهم من خلال عناصر القوّة الّتي اشتمل عليها ومن خلال المؤسسات الثقافيّة الّتي أسسّوها وعملوا على منهجهم أولاً تأصيلها في الوجود الاجتماعي ثانياً.

回 و عمل الأئمة علیهم السلام على إحياء الروح الثوريّة لمجابهة الباطل وروح النضال ضدّ المنكر من خلال توظيف ثورة الحسين علیه السلام لهذا الهدف الكبير أوّلاً وتأصيل حقيقة الإمام المهدي المنتظر في فكر وعقيدة وعاطفة أتباعهم ثانياً لأنّها تشّع بالأمل الكبير والهدف العظيم الّذي جاء الأسلام من أجل تحقيقه.

الأسئلة

1.

ما هي علاقة التعليم والتعلّم بالبناء العقيدي والأخلاقي؟

2.

هل هناك نظام معرفي وتثقيفي عند أهل البيت؟ ولماذا؟

3.

ما هي أهمّ الخطوط العريضة لهذا النظام التعليمي؟

4.

اذكر أهمّ النقاط الّتي وردت في الدرس عن منهج الإمام الباقر التثقيفي.

5.

ما هي ضرورة المؤسّسات الثقافيّة في مدرسة أهل البيت علیهم السلام؟

6.

كيف أحيى أهل البيت الروح الثوريّة عند أتباعهم؟

7.

ما هي العلاقة بين العقيدة بالإمام المنتظر علیه السلام وبين إحياء الروح الثوريّة؟

الدرس 34: ملامح عصر الإمام الصادق علیه السلام (114- 132 ه-)

اشارة

يُعتبر عهد الإمامين الباقر والصادق علیهما السلام - (95 - 148 ه-) حتّى بداية أيّام هارون الرشيد (170 ه-) - هو عهد الانفراج للنشاط الفكري لمدرسة أهل البيت علیهم السلام إذا ما قيس إلى العهود السابقة واللاحقة.

وذلك لأنّ الحكم الأموي كان قد أخذ بالضعف والانهيار حتّى السقوط (سنة 132 ه-) لأسباب قد نتعرض لها فيما سيأتي..

وبداية العهد العبّاسي الأوّل -كما سوف نلاحظ في كيفيّة نشوء الحكم العبّاسي - كانت بداية دولة فتيّة لاسيّما وهي ترفع شعار الرضا من آل محمد صلّی الله علیه و آله.

فتلك النهاية وهذه البداية اجتمعتا لتشكّلا عصر ضعف الدولتين. ومن الطبيعي في هذا الظرف أن يشتغل الحكام وأتباعهم بإحكام القبضة على الحكم لئلا يفلت من أيديهم زمام الأمر.

إنّ تنامي الاضطرابات ضدّ الحكّام الأمويّين من جهة والتناحر بين رموز البيت الأموي من جهة ثانية واشتداد نقمة الأمّة على الحاكمين هي من جملة أسباب هذا الانهيار وانقراض الحكم الحديدي الأموي.

ومن هنا سُمّي هذا العصر بعصر انتشار علوم آل محمد. وكان فضلاء الشيعة

ورواتهم في تلك السنين آمنين على أنفسهم مطمئنّين متجاهرين بولاء أهل البيت علیهم السلام معروفين بذلك بين الناس، ولم يكن للأئمة علیهم السلام مزاحم لنشر الأحكام. فكان يحضر شيعتهم مجالسهم العامّة والخاصّة للاستفادة من علومهم. وفي تلك المدة القليلة كتبوا عن أئمّتهم أكثر ما ألّفوه وبسعيهم نشرت علوم آل محمد صلّی الله علیه و آله.(1)

وهناك عامل آخر ساعد الإمامين الصادقين على القيام بمهامهّما الفكريّة هو ابتعادهما عن الطموح إلى تولّي السلطة؛ لعلمهما بأنها لا تصل إليهما وأنّهما لا يصلان إليها؛ لأسباب أدركاها من متابعتهما لما جرى ويجري من أحداث، ولمعرفتهما بواقع المستويات الاجتماعيّة والسياسيّة لأبناء الأمّة الإسلاميّة آنذاك فلم يقتربا من سلطان ولم يتصلا بسلطة ولم يتدخلا بشأن سياسي يمّت الى النظام الأموي أو النظام العبّاسي بوجه من الوجوه.(2)

وامتاز عهد الإمامين الصادقين علیهما السلام بميزة أخرى هي: غزو الحضارات الرافدة كاليونانيّة والهنديّة والفارسيّة والعبريّة والسريانيّة بما تحمل من فلسفات وثقافات ونظريات لا تلتقي مع وجهة النظر الإسلاميّة.

فلابدّ أن تكون للمسلمين فلسفة منبعثة من واقع النظريّة الإسلاميّة حتّى لاتتوزعهم الفلسفات الوافدة والحضارات اللا إسلاميّة.

ولم يكن بين المسلمين آنذاك شخصيّة مؤهّلة علميّاً بمستوى هذه المسؤوليّة غير الإمام الصادق علیه السلام.

لقد أدرك الإمام الصادق علیه السلام خطورة هذه المرحلة وضرورة التهيؤ لهذا العمل العسير الخطير ليؤسس للمسلمين مدرستهم الفلسفيّة الخاصّة بهم لتحتضن فكرهم الفلسفي الإسلامي وتقف أمام تحدّي الحضارات الوافدة وتحدّ من تأثيرها على


1) الذريعة، ج 2، ص 131 - 132.

2) عبدالهادي الفضلي، تأريخ التشريع الإسلامي، ص 96.

الذهنيّة الإسلاميّة في مجال العقيدة والتشريع معاً.

قال الإمام الصادق علیه السلام: لمّا حضرت أبي الوفاة قال: يا جعفر اُوصيك بأصحابي خيراً قلت: جعلت فداك، والله لأدَعَنَّهم والرجلُ منهم يكون في مصرٍ فلا يسألُ أحداً).(1)(2)

فالإمام الصادق علیه السلام كان قد استعدّ وخطّط لمرحلة تصديّه للإمامة وذلك بالتركيز على الإعداد العلمي والإغناء الثقافي بحيث يجعل كلّ واحد من تلامذة أبيه علیه السلام في غنى عن الأخذ من الغير.

وهذا يعني الإعداد لمرجعيّة أصحاب أهل البيت العلميّة فضلاً عن مرجعيّة أهل البيت أنفسهم.

كما أنّ الإمام الباقر علیه السلام كان قد هيّاً أصحابه وشيعته لأخذ معالم الشريعة من ابنه الصادق علیه السلام عندما قال لهم: إذا افتقدتموني فاقتدوا بهذا - مشيراً الى جعفر الصادق - فإنّه الإمام والخليفة بعدي.(3)

الحالة السياسيّة في عصر الإمام الصادق علیه السلام

1. لم يكن الوضع السياسي الّذي كان يريد الإمام الصادق علیه السلام أن يتحرّك فيه قد تبدّل عن عصر أبيه الباقر علیه السلام، فهشام بن عبدالملك الّذي أقدم على اغتيال الإمام الباقر علیه السلام كان هو الحاكم الطاغي، وسياسته مع الإمام الصادق علیه السلام وشيعته كانت هي السياسة الفاتحة على أساس الحقد الجاهلي والترويع والإضطهاد.

فقد تعرّض زيد بن علي عمّ الإمام الصادق علیه السلام في زمن أخيه الإمام الباقر علیه السلام


1) الإرشاد، ج 1، ص 40 و بحار الأنوار، ج 47، ص 12 ح 1.

2) إثبات الوصيّة: 177، وإثبات الهداة: 330/5.

3) كفاية الأثر، ص 254 و بحار الأنوار، ج 47، ص 15.

للإذلال والتوهين من قبل هشام باعتباره أحد رموز أهل البيت علیهم السلام، كما جعل زيداً يزداد قناعة بضرورة الثورة المسلحة ضد الحاكمين وذلك لِفساد الحكّام الّذين جلسوا في موقع الرسول صلّی الله علیه و آله وهم يحكمون باسمه في الوقت الّذي يستهينون بالنبي صلّی الله علیه و آله وأهل بيته وهم غير مكترثين بمن يسبّه عندهم.

فحينما صمّم زيدٌ على الثورة المسلّحة ضد طغاة بني أميّة جاء إليه جابر بن يزيد الجعفي يسأله عن سبب تصميمه على الثورة ويخبره بأنه لو خرج يُقتل.

فقال زيد لجابر: ياجابر لم يَسَعَنِ أن أسكت وقَد خولف كتاب الله وتحوكم بالجبت والطاغوت، وذلك أنّي شاهدت هشاماً ورجل عنده يسبّ رسول الله صلّی الله علیه و آله فقلت للسابّ: ويلك يا كافر أما أنّي لو تمكّنت منك لاختطفتُ روحك وعجّلتُك إلى النار. فقال لي هشام، مَه جليسنا يازيد.

قال زيد لجابر: فوالله لولم يكن إلّا أنا ويحيى إبني لخرجتُ عليه وجاهدته حتى أفنى).(1)

2. زيد بن علي واعلان الثورة على الاُمويّين

جمع زيد بن علي الأنصار والدعاة وأعلن ثورته والتحق به عدد غفير وأيّده جمع من الفقهاء والعلماء على ذلك.

لكنّ المتتبع للوضع السياسي والأخلاقي لتلك المرحلة يرى أنّ الاضطراب العقائدي والأخلاقي كان سمة من سمات ذلك العصر.

فبالرغم من وجود التذمّر الصارخ من بني أميّة وجورهم، وبالرغم من بحثهم عن بديل سياسي يتمثّل في خط أهل البيت علیهم السلام وهو الخط الّذي كافح الظلم وتحمّل ألوان العذاب من الحكم الأموي المنحرف، نجد أن هاتين المفردتين لم تفيا بكامل


1) حياة الإمام محمد الباقر لباقر شريف القرشي، ج 1، ص 72.

الشروط الموضوعيّة لنجاح الثورة. بل نجد ظاهرة التخذيل والتشكيك في حركة زيد سمة بارزة في هذه المرحلة أيضاً.

لقد كانت الثورة على مستوى تكامل مسيرة الأمّة ضرورة اجتماعيّة وسياسيّة لئلا تتنازل عن شخّصيّتها للظالمين ولتحافظ على هوّيّتها الإسلاميّة المتمثله في الحيويّة والحساسيّة ضد الباطل.

من هنا فَجَّرَ زيد ثورته وحقَقَّ نصراً حاسماً ضد الأمويّين من هذه الزاوية بعد أن خاض حرباً طاحنه كادت أن تنتهي لصالح زيد لولا وقُوع الفتنة في صفوف أتباعه المقاتلين حيث تعّمدت بعض العناصر الدخيلة أن تفرّق جيشه وأتباعه ولكنّه صمد وقاتل حتى استشهد رضوان الله عليه.

وبعد قتله أمر هشام بصلب جثمانه الطاهر على باب دمشق ثم أرسل جثمانه إلى المدينة فنصب عند قبر النبي صلّی الله علیه و آله(1)في سنة 121 ه-.

3. موقف الإمام الصادق علیه السلام من ثورة زيد

قال مهزم الأسدي دخلت على الإمام الصادق علیه السلام فقال: يامهزم ما فعل زيد؟ قال: قلت: صلب، قال: أين؟ قلت: في كناسة بني أسد. قال أنت رأيته مصلوباً في كناسة بني أسد؟ قال: قلت: نعم، فبكى حتّى بكت النساء خلف الستور.(2)

وبعد هذا المصاب نجد الإمام الصادق علیه السلام في مواقف متعدّدة يتبنّى الدفاع عن عمّه زيد ويترحّم عليه ويوضّح منطلقاته وأهدافه ويرسّخ في النفوس مفهوماً اسلامياً عن ثورته حيث يعتبر هذه الثورة جزء من حركة الإمام علیه السلام وليس حدثاً خارجاً عنها، كما نجده يردّ على الإعلام المضادّ للثورة ضمن عدة مواقف وتصريحات:


1) عمدة الطالب، ص 258 و النزاع والتخاصم للمقريزي، ص 27 و أنساب الأشراف، ج 27، ص 292.

2) أمالي الطوسي، ج 2، ص 284.

منها: مانجده فيما رواه الفضيل بن يسار حيث يقول: ذهبت إلى المدينة بعد قتل زيد لألتقي بالإمام الصادق علیه السلام وأخبره بنتائج الثورة، وبعد أن التقيته وسمع منّي مادار في المعركه قال: يا فضيل شهدت مع عمّي قتال أهل الشام؟ قلت: نعم. قال: فكم قتلتَ منهم؟

قلت: ستّة. قال: فلعلّك شاكٌّ في دمائهم؟ قال: فقلت: لوكنت شاكّاً ماقتلتهم. ثمّ قال: سمعته وهو يقول: أشركني الله في تلك الدماء، مضى واللهِ زيدٌ عمّي وأصحابه شهداء، مثل مامضى عليه عليُّ بن أبي طالب وأصحابه.(1)

ومنها: أيضاً مارواه عبدالرحمن بن سيّابه حيث يقول: دفع إليَّ أبو عبدالله الصادق علیه السلام ألف دينار وأمرني أن أقسمها في عيال مَن أصيب مع زيد بن علي علیه السلام فقسّمتها فأصاب عبدالله أخا الفضيل الرسان أربعة دنانير.(2)

4. حكومة الوليد بن يزيد

وبعد أن هلك هشام بن عبدالملك في ربيع الثاني من سنة 125 ه- استولى على الخلافة الوليد بن يزيد بن عبدالملك وكان يسمى بالفاسق؛ إذ لم يكن في بني أميّة أكثر إدماناً منهُ للشراب والسماع ولا أشد مجوناً وتهتكاً واستخفافاً بأمر الأمّة.

حتّى أنّه واقَعَ جاريةٌ له وهو سكران وجاءه المؤذِّنون يؤذّنونه بالصلاة فحلف أن لا يصلي إلّا هي، فلبست ثيابه، وصلّت بالمسلمين وهي سكرى وجنب، وكان قد اصطنع بركة من الخمر، وكان إذا طرب ألقى بنفسه فيها ويستمر بالشرب منها حتّى يظهر النقص في أطرافها.(3)


1) أمالي الصدوق، ص 286، ج 1.

2) أمالي الصدوق، ص 275، ج 13.

3) حياة الحيوان، ج 1، ص 72.

ومن مظاهر فسقه أيضاً نكاحه لاُمّهات أولاد أبيه. ويروى أنّه تفاءل يوماً بالمصحف الكريم فخرجت الآية التالية: (واستفتحوا وخاب كلّ جبار عنيد) فمزّق المصحف وأنشأ يقول.

أتوعد كل جبارٍ عنيد *** فها أنا ذاك جبّارٌ عنيد

اذا ماجئت ربّك يوم حشر *** فقل ياربّ مزّقني الوليد(1)

ولقد تمادى في فسقه حتّى قال له هشام: وَيحكَ والله ما أدري أعلى دين الإسلام أنت أم لا؟!

5. بداية الانهيار

لم تكن هذه اللحظات التأريخيّة من حياة الأمّة الّتي بدأت فيها الأمّة بالمطالبة بإزاحة بني أميّة من مركز الحكم لتتحقّق بشكل عفوي وإنّما كانت قد جاءت هذه المرحلة نتيجة لفعاليات ثوريّة بدأت بعد ثورة الإمام الحسين علیه السلام واستمرّت حتّى ثورة زيد بن علي علیه السلام الّتي كسّرت هيبة هشام بن عبدالملك الطاغية الأموي.

وفي هذا الظرف يكتب عامل الوليد بن يزيد في خراسان الى الوليد عن تردّي الأوضاع وحدوث تمردّ عام فيجيبه الوليد بأنّي مشغول بالعريض ومعبد وابن أبي عائشة،(2)وهم المغنّون الّذين كان قد أحضرهم عنده.

لقد صرّح الإمام الصادق علیه السلام بعاقبة هذا الانحدار والتردّي والتمرّد على حرمات الله قائلاً: إن الله عزّ ذكره أذن في هلاك بني أميّة بعد إحراقهم زيداً بسبعة أيّام.(3)

والوليد هو الّذي أمر بإنزال جثمان زيد الشهيد وإحراقه بعد أن كان قد بقي أربع


1) مروج الذهب، ج 3، ص 149.

2) تأريخ الإسلام للذهبي، ج 5، ص 178.

3) الكافي، ج 8، ص 161، ح 165 و تفسير العياشي، ج 1، ص 325.

سنين على أعواد المشانق، وبعد تشديد الحراسة من السلطة على جثمان زيد خشية إنزاله من قبل العلويّين.

ويدل هذا الإجراء على وجود فعّاليات منظمّة للمعارضة ضدّ الحكم القائم. حتّى أنّ الإمام الصادق علیه السلام كان يعاتب الشيعة على عدم تصديّهم لإنزال جثمان عمّه زيد الشهيد.

وحين اشتدّت المعارضة كتب الوليد إلى عامله في الكوفة يوسف بن عمر قائلاً: خُذ عجل أهل العراق فأنزله وأحرقه بالنار ثم انسفه في اليمّ وقد نفّذ عامله كلّ ما أمره سيّده فأحرقه ورماه في نهر الفرات.(1)

لقد كانت سياسة السلطة الحاكمة عندما تريد الانتقام من خصومها هي إلقاء تهم وعناوين مستهجنة في نظر العرف العام مثل: شقّ عصا المسلمين أو الخروج على الخليفة أو الارتداد لتكون مبرّراً لاستباحة دمائهم وتحشيد البسطاء من الناس عليهم، فمن هذا القبيل كان ما أطلقوه على ثورة زيد بن علي علیه السلام بأنها خروج على سلطان زمانه المفروضة طاعته من قبل الله!

أو أنّها لأهداف سياسيّة شخصيّة، لكن الإمام الصادق علیه السلام يقول في هذا الصدد: لا تقولوا خرج زيد فإنّ زيداً كان عالماً صدوقاً ولم يدعُكم إلى نفسه إنّما دعاكم إلى الرضا من آل محمد صلّی الله علیه و آله ولو ظفر لَوَفى بما دعاكم إليه إنّما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه.(2)

وحاور رجل شيعي يحيى بن زيد مستفهماً عن موقف زيد فقال له: يابن رسول الله إنّ أباك قد اُدّعى الإمامة وخرج مجاهداً، وقد جاء عن رسول الله صلّی الله علیه و آله فيمن ادّعى الإمامة كاذباً فقال: مَه ياعبدالله.


1) الطبري، ج 8، ص 122 و ابن الأثير، ج 5، ص 127 و تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 391.

2) الحور العين، ص 188.

إنّ أبي كان أعقل من أن يدّعي ماليس له بحق وإنّما قال أدعوكم إلى الرضا من محمّد صلّی الله علیه و آله، عنى بذلك ابن عمي جعفراً. قلت: فهو اليوم صاحب الأمر؟ قال: نعم هو أفقه بني هاشم.(1)

6. استيلاء يزيد بن الوليد على الخلافة

وفي سنة (126) ه- قُتل الوليد بن يزيد من قبل الاُمويّين أنفسهم واستولى على مركز الخلافة من بعده: يزيد بن الوليد بن عبدالملك المسمى بالناقص حيث أنقص عطاءات الناس وكانت مدة حكمه خمسة أشهر ونصفاً ولم يتعرض الإمام في عهده لأيّ ضغط فكان يزاول نشاطه العلمي بشكل حرّيّة.

وفي عهد يزيد الناقص وعهد أخيه إبراهيم بن الوليد الّذي لم يدم عهده سوى شهرين وعشرة أيام حدثت بعد ذلك فوضى سياسيّة لم تشهد من قبل، فقد قتل مروان بن محمد إبراهيم بن الوليد وتقلد الحكم حين اندلعت نيران الحرب في معظم أقاليم الدولة الإسلاميّة وتحرّك كلّ من كان له أدنى طمع في الحكم؛ لأنّ الأمّة في هذا الظرف كانت مستعدة لأن تستجيب لأيّ لافتة ترفع شعار محاربة الظلم والانتقام من الأمويّين فكانت تتقبّل هذه الدعوات بلا فحص.

وهذا الواقع السياسي لم يمكن مسكه ولا السيطرة عليه وتكريسه باتّجاه واحد من قبل الإمام علیه السلام.

من هنا نجد أنّ موقفه علیه السلام من هذا الوضع كان موقف المصلح المرشد حيث نراه تارة يحذّر من الاندفاع وراء أصحاب الدعوات وتارة يدعو للموقف الثوري لكن للّذي يعتمد الخط الصحيح والعقيدة الصحيحة إن وجد ذلك.

فالإمام علیه السلام محيط بتفاصيل واقعه؛ لأنّه على رأس حركة لم تكن وليدة الساعة ولا


1) مستطرفات السرائر، ص 145.

تخفى عليه حركة التيّارات الطارئة في هذا الظرف ولا الإطماع الّتي كانت تحرّك رؤساءها.

فهو يعلم جيداً ما يستتر خلف هذه الشعارات من نوايا وأهداف كشعار بني العباس الّذي خدعوا به الأمّة من هنا حذّر الإمام علیه السلام من الانسياق وراء تلك الدعوات كما لم يستجب هو لأي واحدٍ من العروض الّتي قدمت له وحذّر العلويّين منها مؤكّداً على ضرورة الالتزام بالقيم والمباديء المفقودة، وأعطى ملامح الخط السياسي الّذي ينسجم مع هذه المرحلة.(1)

وأما الحالة الدينيّة والثقافيّة العامّة في هذه الظروف السياسيّة المضطربة فمن الطبيعي أن لا نشهد لها تطورّاً إلّا بمقدار ما يرتبط بالشعور بالتذمّر من الظالمين وضرورة القضاء على الحكم الفاسد الّذي لم ينفك عن دعوة الناس إلى الفساد الفكري والأخلاقي ويجرّهم إلى الانهيار الاقتصادي والفقر والحرمان.

نعم وجد أهل البيت علیهم السلام وأتباعهم منفسّاً في هذه الفترة مادام الحكّام وأصحاب الأطماع في الحكم مشغولين فيما بينهم فاستغلّوا هذه الفرصة لإرساء قواعد المذهب الحقّ والدعوة والتبليغ لنشر فكر أهل البيت علیهم السلام وتعميق خطّهم العقيدي والسياسي في ربوع المجتمع الإسلامي والتوسّع عموديّاً وافقيّاً بغية الاقتراب من الأهداف الإسلاميّة العُليا الّتي يلتزم بها خط أهل البيت علیهم السلام منذ نشأته ويحرص على تحقيقها بشكل صحيح ومبدئي حيث إنّه يحمل لواء الإسلام المحمّدي الّذي هو دين الله للبشريّة جمعاء.


1) راجع حياة الإمام الصادق (القرشي)، ج 7، ص 66- 77.

الخلاصه

回 عاصر الإمام الصادق علیه السلام شطراً من حكم هشام بن عبدالملك كما عاصر ثورة عمّه زيد بن علي ضد الأمويّين سنة 121 ه- كما عاصر حكومة الوليد بن يزيد الّذي استولى على الحكم سنة 125 ه- وقد بدأت الاضطرابات تزداد بعد مقتل زيد ويحيى بن زيد ولم يستطع الأمويون من ضبط الأمور داخل البلاد الاسلاميّة فالوليد قد قتل في سنة 126ه- واستولى على الخلافة يزيد الناقص ثم أخوه إبراهيم بن الوليد ثم قتله مروان بن محمد الّذي عرف بمروان الحمار واستمر عهده المليء بالاضطرابات حتّى سنة 132 ه- حيث انتهى عمر الحكومة الأمويّة بشكل كامل وتأسست الدولة العبّاسيّة على أنقاضها لتبدأ عهداً جديداً من الظلم والطغيان.

回 و هذه الفترة (114 - 132 ه-) هي الفترة الّتي كانت مؤاتية للإمام الصادق علیهم السلام لإكمال بناء قواعده وتشييد دعائم الصرح الفكري الإسلامي لأنّها فترة انشغال الحكام عنه وعن شيعته وهي فترة الانتقال من عهد آخذٍ بالانهيار الى عهد جديد لم يستقر بعد.

الأسئلة

1.

حددّ عصر انتشار علوم آل محمد صلّی الله علیه و آله.

2.

بماذا تميّز عصر الإمام الصادق علیه السلام؟

3.

ما هي ملامح الحالة السياسيّة في عصر الإمام الصادق علیه السلام؟

4.

من هم الملوك الأمويون الّذين عاصروا الإمام الصادق علیه السلام؟

5.

متى ولماذا ثار كلّ من زيد بن علي علیه السلام ويحيى بن زيد رضوان الله عليهما؟

6.

ما هي نتائج ثورة زيد و يحيى؟

7.

ما هو موقف الإمام الصادق علیه السلام من ثورتي زيد و يحيى؟

الدرسان 35 و 36: متطلبات عصر الإمام الصادق علیه السلام(1)

اشارة

إنّ طبيعة الحالة الدينيّة والسياسيّة والفكريّة والأخلاقيّة هي الّتي تحدّد للقائد الرسالي نوع نشاطاته ومستوى كلّ نشاط في ضوء الأهداف الرساليّة العُليا والمصلحة الإسلاميّة المُثلى.

وقد عاش الإمام الصادق علیه السلام في عهدين سياسيّين متماثلين هما: نهاية العهد الأموي وبداية العهد العبّاسي الأول.

وطبيعة المرحلة الّتي عاشها الإمام الصادق علیه السلام إبّان الحكم الأموي وبدء انهياره - وهي المرحلة الأولى من عصره - تطلبّت من الإمام علیه السلام نشاطاً فكريّاً وعلميّاً وتربوياً وسياسيّاً خاصّاً لمعالجة مجموعة الانحرافات الفكريّة والدينيّة والأخلاقيّة والسياسيّة الّتي كانت تزخر بها الساحة الإسلاميّة أنذاك والعلاج كان لابد أن يكون على المدى القريب والبعيد معاً.

فالانحراف السياسي كان يعود في جذوره إلى الانحراف الفكري والديني والأخلاقي بشكل خاصّ ومن هنا لم يمكن علاجه بشكل سطحي دون معالجة جذوره وأسبابه.

وكانت المرحلة تتطلّب من الإمام علیه السلام أن يقدّم علاجه لهذه الانحرافات فيها مستویین أيضاً: على المستوى العام لمجتمع المسلمين بشتى اتّجاهاته ومذاهبه

وتيّاراته، وعلى المستوى الخاصّ باتّباع أهل البيت (وهم الجماعة الصالحة).

ومن هنا نلاحظ تنوّع نشاطات الإمام الصادق علیه السلام وأساليب عمله بما يتناسب مع كلّ هذه المجالات المستويات ومراحل الإصلاح القريبة والبعيدة معاً.

ثّم إنّ الانحرافات الأخلاقيّة قد تعود هي أيضاً إلى جذور عقائديّة أو فكريّة وثقافيّة أو منهجيّة، ومن هنا نلاحظ تنوّع النشاط الفكري والعلمي للإمام علیه السلام وتنوّع أطراف الحوار والاحتجاج معه، فهو يناقش أصحاب التيّارات الفكريّة الإلحاديّة كالزنادقة والغلاة وفي نفس الوقت يحاجج المعتزلة وأصحاب الرأي والقياس. كما أنّه يعكف على بناء قواعد جامعته الإسلاميّة الكبرى، ويعتزل العمل الثوري السياسي مباشرةً بينما يرعى ثورات العلويّين ويشجّع بعضها ويشجب البعض الآخر تارة أخرى، ويهتم بأتباع أهل البيت علیهم السلام بشكل خاصّ بحيث يرسم لهم برنامجاً كاملاً يستوعب كلّ أبعاد وجودهم الفكري والأخلاقي والديني والسياسي والاجتماعي والأمني والاقتصادي ويرسم لهم خُطى حركتهم المستقبليّة ويعدّهم إعداداً قويماً للتأثير في المجتمع الإسلامي وإصلاح انحرافاته، كما يعدّهم لتسلّم زمام الأمور في مستقبلهم القريب أو البعيد بحسب حجم استجابتهم لقواعد وسنن التغيير والإصلاح الاجتماعي.

النشاط الفكري والعقائدي للإمام الصادق علیه السلام

إذا راجعنا حوارات واحتجاجات الإمام علیه السلام في كتب الاحتجاج أو السيرة الخاصّه به،(1)لاحظنا عدّة ظواهر ملفتة للنظر:

1.

إن أكبر نسبة من الاحتجاجات هي مع رموز الملاحدة والزنادقة في عصره مثل الديصاني وابن أبي العوجاء.

2.

ويأتي الاحتجاج مع أصحاب الرأي والقياس في الدرجة الثانية من مجموعة


1) راجع احتجاج الطبرسي وعوالم المعارف الجزآن المختصان بالإمام الصادق علیه السلام.

الاحتجاجات المأثورة عنه.

3. تتنوع أطراف الحوار مع الإمام علیه السلام إلى أنواع المعتقدات بدءً من الانكار لوجود الله تعالى وحتّى السلوك المنحرف والمغلوط والفهم الخاطيء لمسيرة الشريعة.

ويمكن تقسيم مجموعة هذه الأطراف الّتي تكشف عن تنوّع الاتجاهات والتيّارات في عصره الى مايلي:

أ- التيّارات الّتي تنكر المبدأ والرسالة ويعدّ أصحابها خارجين عن دين الإسلام وتتمثل في تيّار الزندقة، وتيّار الغلوّ، وتيّار المسيحيّة وما شاكلها.

ب- التيّارات الّتي تشكّل انحرافات داخل المسلمين وهي تيّار الاعتزال والتفويض والإرجاء والتصوّف والرأي والقياس.

وتنقسم هذه التيّارات بدورها إلى تيّارات عقائديّة وأخرى فقهيّة.

4. ونلاحظ أيضاً أنّ الإمام علیه السلام في حواره مع الزنادقة والملحدين يمثّل العالم الحليم الهاديء المسيطر على كلّ أرجاء المعرفة المتعمق إلى كلّ أغوار الفكر، آخذ بزمام البحث الموضوعي النزيه، ممّا أدّى إلى رجوع بعض الملحدين وايمانهم بالله على يديه.

بينما نجده في مواجهته لتيّار الغلو، ذلك القائد الهادر الّذي لا يقرّ له قرار وهو يكيل أنواع اللعن ويتمنى الإبادة التامّة لهؤلاء الغلاة بالرغم من أنّه يتبرأ منهم أشد البراءة. ولا نجده كذلك أمام سائر التيّارات المنحرفة ولعل ذلك لأن الغلوّ ينتهي الى مسخ الدين مسخاً تامّاً فلا ينبغي أن يسمح لهم بالنموّ والانتشار.

وبالرغم من تصدّي الإمام علیه السلام لتيّار الرأي والقياس الّذي يؤدّي الى مسخ أحكام الشريعة لكنّه تيّار لا يرتبط بأصول الشريعة وأسسها العقائديّة، ومن هنا كانت المشكلة أخف وإن كانت هي أيضاً مشكلة كبرى في نفس الوقت ومن هنا نجده مهاجماً لهذا التيّار آخذاً بزمام المبادرة في كلّ حوار.

مواجهة تيّار الإلحاد والغلوّ

1. قال هشام بن الحكم: كان زنديق بمصر يبلغه عن أبي عبد الله علیه السلام عِلمٌ، فخرج إلى المدينة ليناظره، فلم يصادفه بها، فقيل له: هو بمكّة. فخرج الزنديق إلى مكّة، ونحن مع أبي عبدالله علیه السلام فقاربنا الزنديق - ونحن مع أبي عبدالله علیه السلام- في الطواف، فضرب كتفه كتف أبي عبدالله علیه السلام:

فقال له جعفر علیه السلام: ما اسمك؟ قال: اسمي عبدالملك.

قال: فما كنيتك؟ قال: أبو عبدالله.

قال: فمن الملك الّذي أنت له عبد، أمن ملوك السماء أم من ملوك الأرض؟

وأخبرني عن ابنك، أعبد إله السماء أم عبد إله الإرض؟ فسكت.

فقال له أبو عبد الله علیه السلام: قل ماشئت تخصم.

قال هشام بن الحكم: قلت للزنديق: أما تردّ عليه؟ فقبّح قولي.

فقال له أبو عبد الله علیه السلام إذا فرغت من الطواف فأتنا.

فلمّا فرغ أبو عبد علیه السلام أتاه الزنديق، فقعد بين يديه، ونحن مجتمعون عنده؛

فقال للزنديق: أتعلم أنّ للأرض تحت وفوق؟ قال: نعم. قال: فدخلت تحتها؟ قال: لا.

قال: فما يدريك بما تحتها؟ قال: لا أدري إلّا أنّي أظنّ أن ليس تحتها شيء.

قال أبو عبدالله علیه السلام: فالظنّ عجز مالم تستيقن؛

قال أبو عبد الله علیه السلام: فصعدت إلى السماء؟ قال: لا. قال: فتدري مافيها؟ قال: لا.

قال: فأتيت المشرق والمغرب، فنظرت ماخلفهما؟ قال: لا.

قال: فعجباً لك! لم تبلغ المشرق، ولم تبلغ المغرب، ولم تنزل تحت الأرض، ولم تصعد إلى السماء، ولم تخبر هنالك فتعرف ما خلفهن، وأنت جاحد مافيهنّ!؟

وهل يجحد العاقل مالا يعرف؟ فقال الزنديق: ماكلّمني بهذا أحد غيرك.

قال أبو عبدالله علیه السلام: فأنت في شكّ من ذلك؟ فلعلّ هو، أو لعلّ ليس هو.

قال الزنديق: ولعلّ ذاك.

فقال أبو عبد الله علیه السلام: أيّها الرجل! ليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم، فلا حجّة للجاهل (على العالم)، يا أخا أهل مصر! تفهّم عنّي، فإنّا لانشكّ في الله أبداً؛

أما ترى رى الشمس والقمر والليل والنها يلجان (ولا يشتبهان؟ يذهبان ولا يرجعان قد اضطرّا) ليس لهما مكان إلّا مكانهما؟ فإن كانا يقدران على أن يذهبا ولا يرجعان، فلم يرجعان!؟ وإن لم يكونا مضطرّين فلم لايصير الليل نهاراً، والنهار ليلاً؟ اضطرّا - والله - يا أخا أهل مصر إلى دوامهما، والّذي اضطرّهما أحكم منهما، وأكبر منهما.

قال الزنديق: صدقت.

ثمّ قال أبو عبد الله علیه السلام: يا أخا أهل مصر! الّذي تذهبون إليه، وتظنّون بالوهم، فإن كان الدهر يذهب بهم لم لا يردّهم؟ وإن كان يردّهم لم لا يذهب بهم؟ القوم مضطرّون يا أخا أهل مصر، السماء مرفوعة، والأرض موضوعة، لم لا تسقط السماء على الأرض؟ ولم لا تنحدر الأرض فوق طباقها فلا يتماسكان، ولا يتماسك من عليهما؟

فقال الزنديق: أمسكهما - والله - ربّهما وسيّدهما، فآمن الزنديق على يدي أبي عبد الله علیه السلام، فقال له حمران بن أعين: جعلت فداك إن آمنت الزنادقة على يديك، فقد آمنت الكفّار على يدي أبيك.

فقال المؤمن الّذي آمن على يدي أبي عبد الله علیه السلام: اجعلني من تلامذتك، فقال أبو عبد الله علیه السلام لهشام بن الحكم: خذه إليك فعلّمه. فعلّمه هشام، فكان معلّم أهل مصر وأهل الشام، وحسنت طهارته حتّى رضي بها أبوعبدالله علیه السلام.(1)

2. وروى أبان بن تغلب: أنّه دخل يماني على الصادق علیه السلام فقال له: مرحباً بك يا سعد!

فقال الرجل: بهذا الاسم سمّتني أُمّي، وقلّ من يعرفني به.


1) عوالم العلوم، ج 20، ص 531 - 533 و رواه في الكافي، ج 1، ص 72، ح 1 بإسناده إلى هشام.

فقال: صدقت ياسعد المولى! فقال: جعلت فداك بهذا كنت اُلقّب.

فقال: لاخير في اللقب، إنّ الله يقول: (ولا تنابزوا بالألقاب).(1)

ما صناعتك ياسعد ؟ قال: أنا من أهل بيت ننظر في النجوم.

فقال: كم ضوء الشمس على ضوء القمر درجة؟ قال: لا أدري.

قال: فكم ضوء القمر على ضوء الزهرة درجة؟ قال: لا أدري.

قال: فكم للمشتري من ضوء عطارد؟ قال: لا أدري.

قال: فما اسم النجوم الّتي إذا طلعت هاجت البقر؟ قال: لا أدري.

فقال: يا أخا أهل اليمن! عندكم علماء؟ قال: نعم؛

إنّ عالمهم ليزجر الطير، ويقفو الأثر في الساعة الواحدة مسيرة سير الراكب المجدّ.

فقال علیه السلام: إنّ عالم المدينة أعلم من عالم اليمن؛ لأنّ عالم المدينة ينتهي إلى حيث لا تقف الأثر يزجر الطير، ويعلم مافي اللحظة الواحدة مسيرة الشمس، فيقطع اثني عشر برجاً، وإثني عشر بحراً، وإثني عشر عالماً.

قال: ماظننت أنّ أحداً يعلم هذا ويدري.(2)

بإسناده إلى أبان بن تغلب و الطبري في دلائل الإمامة، ص 135.

3. عن ابن سنان، قال: قال أبو عبد الله علیه السلام: إنّا أهل بيت صادقون لانخلو من كذّاب يكذب علينا، فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول الله صلّی الله علیه و آله أصدق البريّة لهجةً، وكان مسيلمة يكذب عليه؛

وكان أمير المؤمنين علیه السلام أصدق من برأ الله من بعد رسول الله صلّی الله علیه و آله، وكان الّذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه بما يفتري عليه من الكذب عبدالله بن سبأ لعنه الله، وكان أبوعبدالله الحسين بن عليّ علیه السلام قد ابتلي بالمختار.


1) الحجرات / 11.

2) عوالم العلوم، ج 20، ص 569 عن المناقب، ج 3، ص 379 و رواه الصدوق في الخصال، ص 489، ح 68،

ثمّ ذكر أبو عبدالله الحارث الشامي، وبناناً،(1)فقال: كانا يكذبان على عليّ بن الحسين علیه السلام، ثمّ ذكر المغيرة بن سعيد، وبزيعاً والسرّي، وأبا الخطاب، ومعمّراً، وبشّاراً الشعيري وحمزة البربري، وصائداً النهدي فقال: لعنهم الله، إنّا لانخلو من كذّاب أو عاجز الرأي، كفانا الله مؤونة كلّ كذّاب وأذاقهم الله حرّ الحديد.

4. وجاء في تأريخ جرجان بإسناده عن عيسى الجرجاني، قال: قلت لجعفر بن محمّد: إن شئت أخبرتك بما سمعت القوم يقولون. قال: فهات.

قال: قلت: فإنّ طائفة منهم عبدوك، أتخذوك إلهاً من دون الله، وطائفة أخرى قالوا لك بالنبوّة. قال: فبكى حتّى ابتلّت لحيته، ثمّ قال: إن أمكنني الله من هؤلاء فلم أسفك دماءهم، سفك الله دم ولدي على يدي.

5. عن زياد بن أبي الحلّال، قال: اختلف أصحابنا في أحاديث جابر الجعفي؛ فقلت لهم: أسأل أبا عبدالله علیه السلام، فلمّا دخلت ابتدأني، فقال: رحم الله جابر الجعفي، ان يصدق علينا، لعن الله المغيرة بن سعيد، كان يكذب علينا.

قال أبو الحسن الرضاء علیه السلام: كان المغيرة بن سعيد يكذب على أبي جعفر علیه السلام فأذاقه الله حرّ الحديد.(2)

6. سمعت أباعبدالله علیه السلام وذكر أبا الخطّاب، فقال: اللّهمّ العن أبا الخطّاب، فإنّه خوّفني قائماً وقاعداً وعلى فراشي، اللّهمّ أذقه حرّ الحديد.(3)

وعن عمران بن علي، قال: سمعت أباعبدالله علیه السلام يقول: لعن الله أبا الخطّاب، ولعن من قتل معه، ولعن من بقي منهم، ولعن الله من دخل قلبه رحمة لهم.(4)

7. عن ابن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبدالله علیه السلام: إنّ بزيعاً يزعم أنّه نبيّ؛

1) عوالم العلوم، ج 20، ص 2، ح 1149.

2) عوالم العلوم، ج 20، ص 2، ح 1150.

3) عوالم العلوم، ج 20، ص 2، ح 1151 وإثبات الهداة، ج 5، ص 0444 ح 208.

4) المصدر وأورد في المصدر المذكور، ص 290 - 308(47) رواية في ذمّه وذمّ أصحابه، فراجع.

فقال: إن سمعته يقول ذلك، فاقتله. قال: فجلست له غير مرّة، فلم يمكنّي ذلك.(1)

عن ابن أبي يعفور؛ قال: دخلت على أبي عبدالله علیه السلام: فقال: مافعل بزيع؟ فقلت له: قتل.

فقال: الحمد لله، أما أنّه ليس لهؤلاء المغيريّة شيء خير من القتل، لأنّهم لا يتوبون أبداً.(2)

8. عن المدائني عن أبي عبد الله علیه السلام، قال : قال لي: يامرازم، من بشّار؟ قلت: بيّاع الشعير، قال: لعن الله بشّاراً.

قال: ثمّ قال لي: أيا مرازم، قل لهم ويلكم! توبوا إلى الله، فإنّكم كافرون مشركون.(3)

مواجهة أصحاب الشرايع

عن أبي خنيس الكوفي، قال: حضرت مجلس الصادق علیه السلام وعنده جماعة من النصارى، فقالوا: فضل موسى وعيسى ومحمد صلّی الله علیه و آله سواء لأنّهم صلوات الله عليهم أصحاب الشرائع والكتب.

فقال الصادق علیه السلام: إن محمّداً صلّی الله علیه و آله أفضل منهما وأعلم، ولقد أعطاه الله تبارك وتعالى من العلم مالم يعط غيره؛

فقالوا: آية من كتاب الله تعالى نزلت في هذا؟ قال علیه السلام: نعم، قوله تعالى: (وكتبنا له في الألواح من كلّ شيء).(4)وقوله تعالى لعيسى: (ولاُبّين لكم بعض الذي تختلفون


1) وسائل الشيعة، ج 18 ، ص 555، ح 2.

2) ص 305 ح 550 راجع عوالم العلوم: 20 / 2 / 1151.

3) عوالم العلوم، ج 20، ص 2 ح 1152. قال في معجم رجال الحديث، ج 3، ص 304 و مقالة بشّار هي مقالة العلياويّة، يقولون: إنّ عليّا علیه السلام ربّ (هرب) وظهر بالعلويّة الهاشميّة، وأظهر وليّه من عنده ورسوله بالمحمديّة.

4) الأعراف / 145.

فيه).(1)وقوله تعالى للسيّد المصطفى صلّی الله علیه و آله:

(وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء)(2). وقوله تعالى: (ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربّهم وأحاط بما لديهم وأحصى كلّ شيء عدداً).(3)

فهو - والله - أعلم منهما؛

ولو حضر موسى وعيسى بحضرتي، وسألاني، لأجبتهما وسألتهما، ما أجابا.(4)

مواجهة تيّار الخوارج والمعتزلة

1. قال بعض الخوارج لهشام بن الحكم:

العجم تتزوّج في العرب؟ قال: نعم.

قال: فالعرب تتزوّج في قريش؟ قال: نعم.

قال: فقريش تتزوّج في بني هاشم؟ قال: نعم.

فجاء الخارجيّ إلى الصادق علیه السلام فقصّ عليه، ثمّ قال: أسمعه منك؟

فقال علیه السلام: نعم، قد قلت ذاك. قال الخارجيّ: فها أنا ذا قد جئتك خاطباً.

فقال له أبوعبدالله علیه السلام: إنّك لكفو في دينك وحسبك في قومك، ولكنّ الله عزّوجلّ صاننا عن الصدقات، وهي أوساخ أيدي الناس، فنكره أن نشرك فيما فضّلنا الله به من لم يجعل الله له مثل ما جعل لنا.

فقام الخارجيّ وهو يقول: بالله ما رأيت رجلاً مثله، ردّني والله أقبح ردّ، وما خرج


1) الزخرف / 63.

2) النحل / 89.

3) الجنّ / 28.

4) عوالم العلوم، ج 20، ص 597 و بحار الأنوار، ج 10، ص 215.

من قول صاحبه.(1)

2. عن عبدالكريم بن عتبة الهاشمي، قال: كنت عند أبي عبدالله علیه السلام بمكّة إذ دخل عليه أناس من المعتزله فيهم عمرو بن عبيد،(2)وواصل بن عطاء، وحفص ابن سالم، واُناس من رؤسائهم، وذلك حين قتل الوليد، واختلف أهل الشام بينهم؛

فتكلّموا فأكثروا، وخطبوا فأطالوا، فقال لهم أبو عبد الله جعفر بن محمّد علیه السلام: إنّكم قد أكثرتم عليّ فأطلتم، فأسندوا أمركم إلى رجل منكم، فليتكلّم بحجّتكم وليوجز.

فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد، فأبلغ وأطال، فكان فيما قال، أن قال:

قتل أهل الشام خليفتهم، وضرب الله بعضهم ببعض، وتشتّت أمرهم، فنظرنا فوجدنا رجلاً له دين وعقل ومروّة، ومعدن للخلافة، وهو «محمّد بن عبدالله بن الحسن»فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه، ثمّ نظهر أمرنا معه، وندعو الناس إليه، فمن بايعه كنّا معه وكان منّا، ومن اعتزلنا كففنا عنه، ومن نصب لنا جاهدناه، ونصبناله على بغيه ونردّه إلى الحقّ وأهله، وقد أحببنا أن نعرض ذلك عليك، فإنّه لا غنى لنا عن مثلك لفضلك وكثرة شيعتك.

فلمّا فرغ، قال أبو عبد علیه السلام: أكلّكم على مثل ما قال عمرو؟ قالوا: نعم.

فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبيّ صلّی الله علیه و آله، ثم قال:

إنّما نسخط إذا عُصي الله، فإذا اٌطيع (الله) رضينا.

أخبرني ياعمرو، لو أنّ الأمة قلّدتك أمرها فملكته بغير قتال ولا مؤونة، فقيل لك: ولّها من شئت: تولّي؟ قال: كنت أجعلها شورى بين المسلمين.

قال: بين كلّهم؟ قال: نعم. قال: بين فقهائهم وخيارهم؟ قال: نعم.


1) بحار الأنوار، ج 47، ص 99 و عوالم العلوم ، ج 20، ص 561.

2) قال في سير أعلام النبلاء، ج 6، ص 104: هو عمرو بن عبيد الزاهد العابد القدري، كبير المعتزلة وأوّلهم، أبو عثمان البصري، قال: قال الخطيب: مات بطريق مكّة سنة ثلاث، وقيل: سنة أربع وأربعين ومائة، وذكر في هامشه الكتب الّتي ترجمت له.

قال: قريش وغيرهم؟ قال: العرب والعجم.

قال: أخبرني ياعمرو أتتولّى أبابكر وعمر، أو تتبرّأ منهما؟ قال: أتولّاهما.

قال: ياعمرو! إن كنت رجلاً تتبرّأ منهما، فإنّه يجوز لك الخلاف عليهما، وإن كنت تتولّاهما فقد خالفتهما، قد عهد عمر إلى أبي بكر فبايعه ولم يشاور أحداً، ثمّ ردّها أبوبكر عليه ولم يشاور أحداً، ثمّ جعلها عمر شورى بين ستّة، فأخرج منها الأنصار (والمهاجرين) غير اُولئك الستّة من قريش، ثمّ أوصى فيهم الناس بشيءٍ ما أراك ترضى به أنت ولا أصحابك.

قال: وما صنع؟ قال: أمر صهيباً(1)أن يصلّي بالناس ثلاثة أيّام، وأن يتشاور أولئك الستّة ليس فيهم أحد سواهم إلّا ابن عمر، ويشاورونه، وليس له من الأمر شيء؛

وأوصى من (كان)، بحضرته من المهاجرين والأنصار إن مضت ثلاثة أيّام ولم يفرغوا ويبايعوا أن يضرب أعناق الستّة جميعاً؛

وإن اجتمع أربعة قبل أن تمضي ثلاثة أيّام وخالف إثنان أن يضرب أعناق الإثنين؛ أفترضون بذا فيما تجعلون من الشورى في المسلمين؟ قالوا: لا.

قال: يا عمرو! دع ذا، أرأيت لو بايعت صاحبك هذا الّذي تدعو إليه، ثمّ اجتمعت لكم الأمّة، ولم يختلف عليكم منها رجلان، فأفضيتم إلى المشركين الّذين لم يسلموا ولم يؤدّوا الجزية، أكان عندكم وعند صاحبكم من العلم ماتسيرون فيهم بسيرة رسول الله صلّی الله علیه و آله في المشركين في حروبه؟(2)قالوا: نعم.

قال: فتصنعون ماذا؟


1) هو صهيب بن سنان أبو يحيى النمري، من النمر بن قاسط، ويعرف بالرومي، لأنّه أقام في الروم مدّة، وهو من أهل الجزيرة، سبي من قرية نينوى، من أعمال الموصل، وقد كان أبوه أو عمّه عاملاً لكسرى ثم إنّه جلب إلى مكّة فاشتراه عبدالله بن جدعان القرشي التيمي.... لمّا طعن عمر استنابه على الصلاة بالمسلمين، مات بالمدينة في شوّال سنة ثمان وثلاثين (سير أعلام النبلاء، ج 2، ص 17).

2) «الجزية» م.

قالوا: ندعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا دعوناهم إلى الجزية.

قال: وإن كانوا مجوساً وأهل كتاب؟

قالوا: وإن كانوا مجوساً وأهل كتاب.

قال: وإن كانوا أهل الأوثان وعبدة النيران والبهائم، وليسوا بأهل كتاب؟

قالوا: سواء. قال: فأخبرني عن القرآن أتقرؤه؟ قال: نعم. قال: اقرأ:

(قاتلوا: الّذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ماحرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الّذين اُوتوا الكتاب حتّى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون).(1)

قال: فاستثنى الله عزّ وجل، واشترط من الّذين اُوتوا الكتاب منهم، والّذين لم يؤتوا الكتاب سواء؟ قال: نعم.

قال علیه السلام: عمّن أخذت هذا؟ قال: سمعت الناس يقولونه.

قال: فدع ذا، فإنّهم إن أبوا الجزية فقاتلتهم فظهرت عليهم، كيف تصنع بالغنيمة؟

قال: اُخرج الخمس واُقسّم أربعة أخماس بين من قاتل عليها.

قال: تقسّمه بين جميع مَن قاتل عليها ؟ قال : نعم.(2)

قال: قد اختلف فيه الفقهاء، فقال بعضهم: قرابة النبي صلّی الله علیه و آله وأهل بيته، وقال بعضهم: الخليفة، وقال بعضهم: قرابة الّذين قاتلوا عليه من المسلمين.

قال: فأيّ ذلك تقول أنت؟ قال: لا أدري. قال: فأراك لاتدري، فدع ذا.

ثمّ قال: أرأيت الأربعة أخماس تقسّمها بين جميع من قاتل عليها؟ قال: نعم».

قال: فقد خالفت رسول الله صلّی الله علیه و آله في فعله وفي سيرته، وبيني وبينك فقهاء أهل


1) التوبة / 20.

2) زاد في الكافي ما لفظه «قال: أخبرني عن الخمس من تعطيه؟ قال: حيثما سمّى الله، قال: فقرأ: (واعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ لله خمسه وللرّسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) (الأنفال / 41) الّذي للرسول من تعطيه؟ ومن ذو القربي؟

المدينة ومشيختهم، فسلهم فإنّهم لا يختلفون ولا يتنازعون في أنّ رسول الله صلّی الله علیه و آله إنَّما صالح الأعراب على أن يدعهم في ديارهم، وأن لا يهاجروا على أنّه إن دَهمه(1)من عدوّه دهم يستنفرهم(2)فيقاتل بهم وليس لهم من الغنيمة نصيب؛

وأنت تقول بين جميعهم، فقد خالفت رسول الله صلّی الله علیه و آله في سيرته في المشركين.

دَع ذا، ماتقول في الصدقة؟ قال: فقرأ عليه هذه الآية (إنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها)(3)إلى آخرها قال: نعم، فكيف تقسّم بينهم؟

قال: أقسّمها على ثمانية أجزاء، فأعطي كلّ جزء من الثمانية جزءً.

فقال علیه السلام: إن كان صنف منهم عشرة آلاف، وصنف رجلاً واحداً، أو رجلين أو ثلاثة، جعلت لهذا الواحد مثل ماجعلت للعشرة آلاف؟ قال: نعم.

قال: وكذا تصنع بين صدقات أهل الحضر وأهل البوادي، فتجعلهم فيها سواء؟

قال: نعم. قال: فخالفت رسول الله صلّی الله علیه و آله في كلّ ما أتى به في سيرته، كان رسول الله صلّی الله علیه و آله يقسّم صدقة البوادي في أهل البوادي، وصدقة الحضر في أهل الحضر؛

ولا يقسّمه بينهم بالسويّة، إنّما يقسّمه على قدر ما يحضره منهم، وعلى مايرى.(4)

فإن كان في نفسك شيء ممّا قلت (لك)، فإنّ فقهاء أهل المدينة ومشيختهم كلّهم لا يختلفون في أنّ رسول الله صلّی الله علیه و آله كذا كان يصنع.

ثم أقبل على عمرو، وقال: اتّق الله يا عمرو، وأنتم أيّها الرهط(5)فاتقوا الله؛

فإنّ أبي حدّثني - وكان خير أهل الأرض وأعلمهم بكتاب الله وسنّة رسوله-.

أنّ رسول الله صلّی الله علیه و آله قال: مَن ضرب الناس بسيفه ودعاهم إلى نفسه، وفي المسلمين


1) دهمه الأمر: غشيه، والدهم: العدد الكثير.

2) «يستنفرهم» خ . واستنفر القوم: استنجدهم واستنصره وكلّفهم أن ينفروا.

3) التوبة / 60.

4) «وعلى قدر ما يحضره» م.

5) الرهط : عدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة وليس فيهم امرأة.

مَن هو أعلم منه فهو ضالٌّ متكلّف.(1)

مواجهة تيّار القياس والرأي

1. وروى بعض أصحاب أبي عبد الله علیه السلام قال:

كنت عند أبي عبدالله علیه السلام إذ دخل عليه غلام من كندة فاستفتاه في مسألة، فأفتاه فيها؛ فعرفت الغلام والمسألة، فقدمت الكوفة، فدخلت على أبي حنيفة، فإذا ذاك الغلام بعينه يستفتيه في تلك المسألة بعينها، فأفتاه فيها بخلاف ما أفتاه أبوعبدالله علیه السلام؛

فقمت إليه، فقلت: ويلك يا أبا حنيفة! إنّى كنت العام حاجّاً، فأتيت أباعبدالله علیه السلام مسلّماً عليه، فوجدت هذا الغلام يستفتيه في هذه المسألة بعينها، فأفتاه بخلاف ما أفتيته.

فقال: وما يعلم جعفر بن محمّد، أنا أعلم منه، أنا لقيت الرجال، وسمعت من أفواههم، وجعفر بن محمّد صحفيّ أخذ العلم من الكتب!

فقلت في نفسي: والله لأحجّنّ ولو حبواً.

قال: فكنت في طلب حجّة، فجاءتني حجّة فحججت، فأتيت أبا عبدالله علیه السلام؛

فحكيت له الكلام فضحك، ثمّ قال: أمّا في قوله إنّي رجل صحفيّ فقد صدق؛

قرأت صحف آبائي إبراهيم وموسى. فقلت: ومن له بمثل تلك الصحف؟

قال: فما لبثت أن طرق الباب طارق، وكان عنده جماعة من أصحابه؛

فقال للغلام: انظر من ذا؟ فرجع الغلام فقال: أبو حنيفة.

قال: أدخله فدخل، فسلّم على أبي عبدالله علیه السلام فردّ عليه.

ثمّ قال: أصلحك الله أتأذن لي في القعود؟ فأقبل على أصحابه يحدثّهم، ولم يلتفت إليه.


1) عوالم العلوم، ج 20، ص 506 - 510 و راجع بحار الأنوار، ج 47، ص 213، ح 2 و 3.

ثمّ قال الثانية والثالثة، فلم يلتفت إليه، فجلس أبو حنيفة من غير إذنه.

فلمّا علم أنّه قد جلس التفت إليه، فقال: أين أبو حنيفة؟ فقيل: هو ذا أصلحك الله. فقال: أنت فقيه أهل العراق؟ قال: نعم.

قال: فبم تفتيهم؟ قال: بكتاب الله وسنّة نبيه صلّی الله علیه و آله.

قال: يا أبا حنيفة! تعرف كتاب الله حقّ معرفته، وتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: نعم.

قال: يا أبا حنيفة لقد ادّعيت علماً، ويلك! ماجعل الله ذلك إلّا عند أهل الكتاب الّذين أنزل عليهم، ويلك! ولا هو إلّا عند الخاصّ من ذريّة نبينّا صلّی الله علیه و آله، وما ورّثك الله من كتابه حرفاً، فإن كنت كما تقول ولست كما تقول، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ:

(سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمنين)(1)أين ذلك من الأرض؟ قال: أحسبه ما بين مكّة والمدينة.

فالتفت أبو عبدالله علیه السلام إلى أصحابه، فقال: تعلمون أنّ الناس يقطع عليهم بين المدينة ومكّة، فتؤخذ أموالهم ولا يأمنون على أنفسهم ويقتلون؟ قالوا: نعم. قال: فسكت أبو حنيفة فقال: يا أبا حنيفة! أخبرني عن قول الله عزّ وجلَّ: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً).

أين ذلك من الأرض؟ قال: الكعبة. قال: أفتعلم أنّ الحجّاج بن يوسف حين وضع المنجنيق على ابن الزبير في الكعبة فقتله كان آمناً؟ قال: فسكت.

ثمّ قال له: يا أبا حنيفة! إذا ورد عليك شيء ليس في كتاب الله، ولم تأت به الآثار والسنّة، كيف تصنع؟ فقال أصلحك الله: أقيس، وأعمل فيه برأيي.

قال: يا أبا حنيفة! إنّ أوّل من قاس إبليس الملعون، قاس على ربّنا تبارك وتعالى، فقال:


1) سبأ / 18.

(أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقتَني مِن نَارٍ وَخَلَقتَهُ مِن طِينٍ).(1)فسكت أبو حنيفة.

فقال: يا أبا حنيفة! أيّما أرجس البول أو الجنابة؟ فقال: البول.

فقال: فما بال الناس يغتسلون من الجنابة، ولا يغتسلون من البول؟ فسكت.

فقال: يا أبا حنيفة! أيّما أفضل الصلاة أم الصوم؟ قال: الصلاة.

قال: فما بال الحائض تقضي صومها، ولا تقضي صلاتها؟ فسكت.

فقال: يا أبا حنيفة! أخبرني عن رجل كانت له أمّ ولد، وله منها ابنة، وكانت له حرّة لاتلد، فزارت الصبيّة بنت أمّ الولد أباها، فقام الرجل بعد فراغه من صلاة الفجر، فواقع أهله الّتي لا تلد وخرج إلى الحمّام، فأرادت الحرّة أن تكيد اُمّ الولد وابنتها عند الرجل، فقامت إليها بحرارة ذلك الماء، فوقعت عليها وهي نائمة، فعالجتها كما يعالج الرجل المرأة، فعلقت؛

أيّ شيءٍ عندك فيها؟ قال: لا والله ماعندي فيها شيء.

فقال: يا أبا حنيفة! أخبرني عن رجل كانت له جارية، فزوّجها من مملوك له وغاب المملوك، فولد له من أهله ،مولود وولد للملوك مولود من اُمّ ولد له، فسقط البيت على الجاريتين ومات المولى، مَن الوارث؟ فقال: جعلت فداك: لا والله ماعندي فيها شيء.

ثمّ قال أبوحنيفة: أصلحك الله إنّ عندنا قوماً بالكوفة يزعمون أنّك تأمرهم بالبراءة من فلان وفلان (وفلان). فقال: ويلك يا أباحنيفة! لم يكن هذا، معاذ الله.

فقال: أصلحك الله، إنّهم يعظّمون الأمر فيهما.

قال: فما تأمرني؟ قال: تكتب إليهم. قال: بماذا؟ قال: تسألهم الكفّ عنهما.

قال: لا يطيعونني قال: بلى أصلحك الله إذا كنت أنت الكاتب وأنا الرسول أطاعوني.

قال: يا اباحنيفة! أبيت إلّا جهلاً؛


1) الأعراف / 12.

كم بيني وبين الكوفة من الفراسخ ؟ قال: أصلحك الله مالا يحصى.

فقال: كم بيني وبينك؟ قال: لاشيء.

قال: أنت دخلت عليّ في منزلي فاستأذنت في الجلوس ثلاث مرّات، فلم آذن لك؛ فجلست بغير إذني خلافاً عليّ، كيف يطيعونني اُولئك وهم هناك وأنا هاهنا!؟

قال: فقبّل رأسه وخرج وهو يقول: أعلم الناس، ولم نره عند عالم.

فقال أبوبكر الحضرمي: جعلت فداك الجواب في المسألتين الأوليين.

فقال: يا أبابكر! «سيروا فيها ليالي وأيّاماً آمنين» فقال: مع قائمنا أهل البيت.

وأمّا قوله (ومن دخله كان آمناً)، فمن بايعه ودخل معه، ومسح على يده، ودخل في عقد أصحابه، كان آمناً.(1)

2 . عن محمّد بن مسلم، قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله علیه السلام فقال له: إنّي رأيت ابنك موسى يصلّي والناس يمرّون بين يديه، فلا ينهاهم، وفيه مافيه.

فقال أبو عبد الله علیه السلام: ادع لي موسى فلمّا جاءه، قال: يابنيّ! إنّ أبا حنيفة يذكر أنّك تصلّي، والناس يمرّون بين يديك فلا تنهاهم؟ قال: نعم يا أبه، إنّ الّذي كنت اُصلّي له كان أقرب إليّ منهم، يقول الله تعالى: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)؛(2)

قال: فضمّه أبوعبدالله علیه السلام إلى نفسه، وقال: بأبي أنت وأمّي يا مودع الأسرار.

فقال أبوعبدالله علیه السلام: يا أبا حنيفة! القتل عندكم أشدّ أم الزنا؟ فقال: بل القتل.

قال: فكيف أمر الله تعالى في القتل بالشاهدين وفي الزنا بأربعة؟ كيف يدرك هذا بالقياس؟ يا أباحنيفة! ترك الصلاة أشدّ أم ترك الصيام؟ فقال: بل ترك الصلاة.

قال: فكيف تقضي المرأة صيامها ولا تقضي صلاتها، كيف يدرك هذا بالقياس؟

ويحك يا أباحنيفة! النساء أضعف عن المكاسب أم الرجال؟ فقال: بل النساء.


1) راجع بحار الأنوار، ج 2، ص 292، الحديث 13 و حلية الأبرار، ج 2، ص 148.

2) ق / 16.

قال: فكيف جعل الله تعالى للمرأة سهماً وللرجل سهمين؟ كيف يدرك هذا بالقياس؟

يا أباحنيفة! الغائط أقذر أم المنيّ؟ قال: بل الغائط.

قال: فكيف يستنجي من الغائط، ويغتسل من المنيّ؟ كيف يدرك هذا بالقياس؟ ويحك يا أباحنيفة! تقول: ساُنزل مثل ما أنزل الله؟

قال: أعوذ بالله أن أقوله. قال: بلى تقوله أنت وأصحابك من حيث لا تعلمون.

قال أبوحنيفة: جعلت فداك حدّثني بحديث نحدّث به عنك.

قال: حدّثني أبي محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين قال: قال رسول الله صلّی الله علیه و آله:

«إنّ الله أخذ ميثاق أهل البيت من أعلى علّيّين، وأخذ طينة شيعتنا منّا، ولو جهد أهل السماء وأهل الأرض أن يغيّروا من ذلك شيئاً ما استطاعوه».

قال: فبكى أبوحنيفة بكاءً شديداً، وبكى أصحابه، ثمّ خرج وخرجوا.(1)

مواجهة تيّار التصوف

1- روی محمّد بن طلحة، عن سفيان الثوري، قال:

دخلت على جعفر بن محمد علیهما السلام، وعليه جبّة خزّدكناء، وكساء خزّ فجعلت أنظر إليه تعجّباً، فقال لي: ياثوري! مالك تنظر إلينا؟ لعلّك تعجب ممّا ترى؟

فقلت: یابن رسول الله ! ليس هذا من لباسك ولا لباس آبائك!!

قال: ياثوري! كان ذلك زمان إقتار(2)وافتقار، وكانوا يعملون على قدر إقتاره


1) راجع بحار الأنوار، ج 10، ص 204، ح 8 و رواه في الكافي، ج 3، ص 297، ح 4.

2) الإقتار: التضييق على الإنسان في الرزق، يقال: أقتر الله رزقه: أي ضيّقه وقلّله.

(وافتقاره)، وهذا زمان قد أسبل كلّ شيء عزاليه،(1)ثمّ حسر ردن جبّته، فإذا تحتها جبّة، فإذا تحتها جبّة صوف بيضاء، يقصر الذيل عن الذيل، والردن عن الردن.

وقال: ياثوري! لبسنا هذا لله تعالى وهذا لكم، فما كان لله أخفيناه، وما كان لكم أبديناه.(2)

للمطالعة

2. عن مسعدة بن صدقة: دخل سفيان الثوري على أبي عبدالله علیه السلام فرأى عليه ثياباً بيضاً كأنّها غرقىء البيض (القشرة الملتزقة ببياض البيض).

فقال له: إن هذا اللباس ليس من لباسك. فقال علیه السلام: اسمع منّي وعِ ما أقول لك عاجلاً وآجلاً إن أنت مُتّ على السُنّة والحقّ، ولم تمت على بدعة، أخبرك أن رسول الله صلّی الله علیه و آله كان في زمان مقفر جدب، فأمّا إذا أقبلت الدنيا فأحق أهلها بها أبرارها لافجّارها ومؤمنوها لا منافقوها ومسلموها لا كفّارها فما أنكرت ياثوري؟ فوالله إنني لمع ماترى، ما أتى عليّ مذ عقلت صباح ولا مساء ولله في مالي حق أمرني أن أضعه موضعاً إلّا وضعته.

قال: فأتاه قوم ممّن يظهرون الزهد ويدعون الناس أن يكونوا معهم على مثل الّذي هم عليه من التقشّف، فقالوا له: إنّ صاحبنا حصر عن كلامك ولم تحضره حججه.

فقال لهم: فهاتوا حججكم فقالوا له: إنّ حججنا من كتاب الله.

فقال لهم: فادلوا بها فإنّها أحق ما اتبع وعمل به.

فقالوا: يقول الله تبارك وتعالى مخبراً عن قوم من أصحاب النبي علي صلّی الله علیه و آله: ويؤثرون


1) أسبل المطر والدمع إذا هطلا. يقال «أنزلت السماء عزاليها» إشارة إلى شدّة وقع المطر، فقوله: «وأسبل كلّ شيء عز اليه» يريد به وفور الخير.

2) راجع بحار الأنوار، ج 47، ص 221، ح 7.

على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحّ نفسه فاولئك هم المفلحون.(1)فمدح فعلهم، وقال في موضع أخر: ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً(2)فنحن نكتفي بهذا.

فقال رجل من الجلساء: إنّا رأيناكم تزهدون في الأطعمة الطيّبة، ومع ذلك تأمرون الناس بالخروج من أموالم حتّى تتمتعوا أنتم منها!

فقال أبو عبدالله علیه السلام: دعوا عنكم مالا ينتفعون به، أخبروني أيّها النفر:

ألكم علم بناسخ القرآن من منسوخه، ومحكمه من متشابهه الّذي في مثله ضلّ من ضلّ، وهلك من هلك من هذه الأمّة؟ فقالوا له: بعضه، فأمّا كلّه فلا.

فقال لهم: فمن هاهنا اُتيتم، وكذلك أحاديث رسول الله صلّی الله علیه و آله؛(3)

فأمّا ماذكرتم من إخبار الله عزّ وجلّ إيّانا في كتابه عن القوم الّذين أخبر عنهم بحسن فعالهم، فقد كان مباحاً جائزاً،(4)ولم يكونوا نهوا عنه، وثوابهم منه على الله عزّ وجل؛ وذلك أنّ الله جلّ وتقدّس أمر بخلاف ما عملوا به، فصار أمره ناسخاً لفعلهم، وكان نهي الله تبارك وتعالى رحمةً منه للمؤمنين ونظراً، لكيلا يضرّوا بأنفسهم وبعيالاتهم، منهم الضعفة الصغار، والولدان، والشيخ الفاني، والعجوزة الكبيرة، الّذين لا يصبرون على الجوع؛ فإن تصدّقت برغيفي ولا رغيف لي غيره ضاعوا وهلكوا جوعاً.

فمن ثمّ قال رسول الله صلّی الله علیه و آله: خمس تمرات، أو خمسة أقراص، أو دنانير أو دراهم يملكها الإنسان وهو يريد أن يمضيها، فأفضلها ما أنفقه الإنسان على والديه؛ ثمّ الثانية على نفسه وعياله. ثمّ الثالثة على قرابته الفقراء؛ ثمّ الرابعة على جيرانه الفقراء. ثمّ


1) الحشر / 9.

2) الإنسان /8.

3) أي فيها ناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه وأنتم لا تعرفون. مرآة العقول، ج 19، ص 7.

4) هذا لا ينافي ماذكره علیه السلام في جواب الثوري، فإنّه علّة شرعيّة الحكم أوّلاً ونسخه ثانياً (مرآة العقول).

الخامسة في سبيل الله، وهو أحسنها أجراً.

وقال صلّی الله علیه و آله للأنصاري - حين أعتق عند موته خمسة أو ستّة من الرقيق لم يكن يملك غيرهم وله أولاد صغار- : لو أعلمتموني أمره ماتركتكم تدفنونه مع المسلمين، يترك صبية صغاراً يتكفّفون الناس!

ثمّ قال: حدّثني أبي أنّ رسول الله صلّی الله علیه و آله قال: ابدأ بمن تعول، الأدنى فالأدنى؛

ثمّ هذا مانطق به الكتاب ردّاً لقولكم، ونهياً عنه مفروضاً من الله العزيز الحكيم؛

قال: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً).(1)

أفلا ترون أنّ الله تبارك وتعالى قال غير ما أراكم تدعون الناس إليه من الإثرة على أنفسهم؛

وسمّى من فعل ماتدعون (الناس) إليه مسرفاً،

وفي غير آية من كتاب الله يقول: (إنّه لا يحبّ المسرفين).(2)

فنهاهم عن الإسراف، ونهاهم عن التقتير، ولكن أمر بين الأمرين، لا يعطي جميع ما عنده، ثمّ يدعو الله أن يرزقه فلا يستجيب له؛ للحديث الّذي جاء عن النبي صلّی الله علیه و آله: إنّ أصنافاً من اُمّتي لا يستجاب لهم دعاؤهم: رجل يدعو على والديه؛ ورجل يدعو على غريم ذهب له بمال، فلم يكتب عليه، ولم يُشهد عليه؛ ورجل يدعو على امرأته، وقد جعل الله عزّ وجلّ تخلية سبيلها بيده؛ ورجل يقعد في بيته ويقول: «ربّ ارزقني ولا يخرج، ولا يطلب الرزق، فيقول الله عزّوجلّ له»: «عبدي ألم أجعل لك السبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة، فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لإتّباع أمري، ولكي لا تكون كلّاً على أهلك فإن شئت رزقتك، وإن شئت قتّرت عليك، وأنت (غير) معذور عندي؛


1) الفرقان / 67.

2) الأنعام / 141.

ورجل رزقه الله عزّ وجلّ مالاً كثيراً فأنفقه، ثمّ أقبل يدعو ياربّ ارزقني، فيقول الله عزّوجلّ: ألم أرزقك رزقاً واسعاً؟ فهلّا اقتصدت فيه كما أمرتك، ولم تسرف وقد نهيتك عن الإسراف؛ ورجل يدعو في قطيعة رحم؛

ثمّ علّم الله جلّ اسمه نبيه صلّی الله علیه و آله كيف ينفق، وذلك أنّه كانت عنده أوقيّة من الذهب، فكره أن تبيت عنده، فتصدّق بها، فأصبح وليس عنده شيء، وجاء من يسأله، فلم يكن عنده ما يعطيه، فلامه السائل، واغتمّ هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه، وكان رحيماً رقيقاً؛ فأدّب الله عزّ وجلّ نبيه صلّی الله علیه و آله بأمره، فقال:

(ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كلّ البسط فتقعد ملوماً محسوراً).(1)

يقول: إنّ الناس قد يسألونك ولا يعذرونك، فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت(2)من المال.

فهذه أحاديث رسول الله صلّی الله علیه و آله يصدّقها الكتاب، والكتاب يصدّقه أهله من المؤمنين.

وقال أبوبكر عند موته حيث قيل له: أوص، فقال: اُوصي بالخمس، والخمس كثير، فإنّ الله جلّ وعزّ قد رضي بالخمس، فأوصى بالخمس.

وقد جعل الله عزّ وجلّ له الثلث عند موته، ولو علم أنّ الثلث خير له أوصى به.

ثمّ «من قد علمتم بعده في فضله وزهده: سلمان رضی الله عنه، وأبوذر رضی الله عنه»:

فأمّا سلمان، فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته، حتّى يحضر عطاؤه من قابل، فقيل له:


1) الإسراء / 29.

2) «حُسرت: على بناء المجهول من الحسر بمعنى الكشف، أي مكشوفاً عارياً من المال، أو من، الحسور وهو الانقطاع، يقال: حسره السفر إذا قطع به؛ وعلى التقديرين تفسير لقوله تعالى محسوراً».

يا أباعبدالله! أنت في زهدك تصنع هذا؟ وأنت لاتدري لعلّك تموت اليوم أو غداً؟ فكان جوابه أن قال: مالكم لا ترجون لي البقاء، كما خفتم عليّ الفناء؟

أما علمتم ياجهلة أنّ النفس قد تلتاث(1)على صاحبها إذا لم يكن (لها) من العيش ما تعتمد عليه، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنّت.

وأمّا أبوذر رضی الله عنه فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم، أو نزل به ضيف، أو رأى بأهل الماء الّذين هم معه خصاصة نحر لهم الجزور، أو من الشياه على قدر ما يذهب عنهم بقرم(2)اللحم، فيقسمه بينهم، ويأخذ هو كنصيب واحد منهم، لا يتفضّل عليهم؛

ومن أزهد (من) هؤلاء؟ وقد قال فيهم رسول الله صلّی الله علیه و آله ماقال، ولم يبلغ من أمرهما أن صار ألّا يملكان شيئاً البتّة، كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم وشيئهم، ويؤثرون به على أنفسهم وعيالاتهم؛

واعلموا أيّها النفر أنّي سمعت أبي يروي عن آبائه علیهم السلام أنّ رسول الله صلّی الله علیه و آله قال يوماً: ماعجبت من شيء كعجبي من المؤمن، أنّه إن قرض جسده في دار الدنيا بالمقاريض كان خيراً له، وإن ملك مابين مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له، وكلّ ما يصنع الله عزّ وجلّ به فهو خير له.

فليت شعري هل يحيق فيكم ماقد شرحت لكم منذ اليوم (أم) أزيدكم؛

أما علمتم أنّ الله عزّ وجلّ قد فرض على المؤمنين في أوّل الأمر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين(3)ليس له أن يولّي وجهه عنهم، ومن ولّاهم يومئذ دبره فقد تبوّأ مقعده من النار، ثمّ حوّلهم عن حالهم رحمة منه لهم، فصار الرجل منهم عليه أن


1) «الإلتياث: الاختلاط والالتفاف والإبطاء»؛

2) «القرم، محرّكة: شهوة اللحم» منه ره.

3) قال تعالى: إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبون مائتين). الأنفال / 15.

يقاتل رجلين من المشركين(1)تخفيفاً من الله عزّ وجلّ للمؤمنين فنسخ الرجلان العشرة.

وأخبروني أيضاً عن القضاة، أجَوَرَةٌ هم حيث يقضون على الرجل منكم نفقة إمرأته إذا قال: إنّي زاهد، وإنّي لاشيء لي؟

فإن قلتم جورة، ظلّمكم(2)أهل الإسلام، وإن قلتم بل عدول، خصمتم أنفسكم؛

وحيث يردّون(3)صدقة من تصدّق على المساكين عند الموت بأكثر من الثلث؛

أخبروني - لوكان الناس كلّهم كالّذين تريدون زهّاداً لا حاجة لهم في متاع غيرهم

فعلى من كان يتصدّق بكفّارات الأيمان والنذور والصدقات، من فرض الزكاة من الذهب والفضّة والتمر والزبيب، وسائر ما وجب فيه الزكاة من الإبل والبقر والغنم وغير ذلك؟ إذا كان الأمر كما تقولون لا ينبغي لأحدٍ أن يحبس شيئاً من عرض الدنيا إلّا قدّمه، وإن كان به خصاصة، فبئس ما ذهبتم فيه، وحملتم الناس عليه:

من الجهل بكتاب الله عزّ وجلّ، وسنّة نبيّه صلّی الله علیه و آله و أحاديثه الّتي يصدقّها الكتاب المنزل، وردّكم (إيَّاها) بجهالتكم، وترككم النظر في غرائب القرآن من التفسير بالناسخ من المنسوخ، والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي.

وأخبروني أين أنتم عن سليمان بن داود علیهما السلام؟

حيث سأل الله مُلكاً لا ينبغي لأحد (من) بعده؟ فأعطاه الله عزّ وجلّ اسمه ذلك، وكان يقول الحقّ ويعمل به، ثمّ لم نجد الله عزّ وجلّ عاب عليه ذلك، ولا أحداً من المؤمنين؛ وداود النبيّ علیه السلام قبله في ملكه وشدّة سلطانه، ثمّ يوسف النبيّ(4)صلوات الله


1) إشارة إلى (وعلم فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين...). الأنفال /66.

2) «قوله علیه السلام: ظلّمكم، على بناء التفعيل: أي نسبوكم إلى الظلم».

3) « قوله علیه السلام: حيث يردّون، معطوف على قوله حيث يقضون» منه رحمه الله.

4) كان الترتيب بينه وبين سليمان ومن قبله داود بحسب درجة الوضوح دون الزمان، وإلّا كان يوسف متقدّماً على داود فضلاً عن سليمان علیهما السلام.

عليه حيث قال لملك مصر:

(اجعلني على خزائن الأرض إنّي خفيظ عليم)،(1)فكان - من أمره الّذي كان - أن اختار مملكة الملك وما حولها إلى اليمن، وكانوا يمتارون الطعام من عنده لمجاعة أصابتهم؛

وكان يقول الحقّ ويعمل به، فلم نجد أحداً عاب ذلك عليه.

ثمّ ذو القرنين علیه السلام عبد أحبّ الله فأحبّه الله (و) طوى له الأسباب، وملّكه مشارق الأرض ومغاربها، وكان يقول الحقّ ويعمل به، ثمّ لم نجد أحداً عاب ذلك عليه.

فتأدّبوا أيّها النفر بآداب الله عزّ وجلّ للمؤمنين، واقتصروا على أمر الله ونهيه؛

ودعوا عنكم ما اشتبه عليكم ممّا لا علم لكم به، وردّوا العلم إلى أهله، تؤجروا وتعذروا عند الله تبارك وتعالى، وكونوا في طلب علم ناسخ القرآن من منسوخه، ومحكمه من متشابهه، وما أحلّ الله فيه ممّا حرم، فإنّه أقرب لكم من الله، وأبعد لكم من الجهل؛

ودعوا الجهالة لأهلها، فإنّ أهل الجهل كثير، وأهل العلم قليل، وقد قال الله عزّ

وجلّ: ( وفوق كلّ ذي علم عليم)


1) يوسف / 055 76. راجع عوالم العلوم، ج 20، ص 591 - 596.

الخلاصه

回 تنوّع النشاط الفكري للإمام الصادق علیه السلام بين مواجهة التيّارات الإلحاديّة وغير الإلحاديّة مما كان منتشراً في عصره. وهذا التنوع في النشاط يشير الى وجود حرّيّة الرأي في عصره كما يشير الى الانفتاح على الحضارات الأخرى فكرياً وثقافياً، ويشير أيضاً الى وجود ردود فعل عند بعض المسلمين حيث أخذوا يبحثون عن ثقافات وأسس أخرى غريبة عن الثقافة الإسلاميّة. ولاحظنا أيضاً كيف اختلف المسلمون وتوزعوا إلى فرق عقائديّة وغير عقائديّة شتى.

回 و لاحظنا أيضاً أن أهم ظاهرتين هاجمها الإمام علیه السلام هما ظاهرة الغلوّ وظاهرة القياس والرأي الّذي يؤدّي إلى مسخ الشريعة كما يؤدّي الغلوّ إلى مسخ اسس العقيدة.

الأسئلة

1.

ما هي التيّارات الّتي واجهها الإمام علیه السلام في عصره؟

2.

كيف تصنّف هذه التيّارات؟

3.

ما هي أهمّ التيّارات الّتي كانت مواجَهةُ الإمام علیه السلام لها شديدة وعنيفة؟

4.

ما هي دلالة وجود التيّارات العديدة في عصر الإمام علیه السلام؟

5.

ما هي العلاقة بين الانحرافات السياسيّة والانحرافات العقائديّة؟

الدرس 37: متطلبات عصر الإمام الصادق علیه السلام (2)

الإمام الصادق علیه السلام وبناء جامعة أهل البيت علیهم السلام

لقد واصل الإمام الصادق علیه السلام تطويره للمدرسة الّتي أسسها آباؤه الطاهرون علیهم السلام من قبله وانتقل بها إلى آفاقٍ أرحب فاستقطبت الجماهير من مختلف البلاد الإسلاميه لأنّها استطاعت أن تُلبّي رغباتهم وحاولت ملىء الفراغ الّذي كانت تعانيه الأمّة آنذاك، حيث جاءت الجامعة ومع حضور ثقل الإمام علیه السلام فيها عاملاً أساسيّاً في التخلّص من الاضطراب الفكري في تلك المرحلة.

مميزات جامعة الإمام الصادق علیه السلام

1. ممّا يميّز مدرسة الإمام الصادق علیه السلام عن باقي المدارس أنّها لم تنغلق في المعرفة على خصوص العناصر الموالية فحسب؛ وإنّما إنفتحت لتضمّ طلاب العلم من مختلف الاتجاهات، فهذا أبو حنيفه الّذي كان يخالف الإمام علیه السلام في منهجه، -باعتباره قد سلك في القياس مسلكاً استوجب شدة الإنكار عليه وعلى أصحابه وهو الّذي أطلق على مؤمن الطاق (أحد أصحاب الإمام الصادق ومعتمديه) اسم شيطان الطاق- كان ممن يختلف إلى الإمام الصادق علیه السلام ويسأله عن كثير من المسائل، وقد روى عن الإمام الصادق علیه السلام وحدّث عنه واتصل به في المدينة مدّة من الزمن، كما أنّه كان قد

ناصر زيد بن علي علیه السلام وساهم في الدعوة إلى الثورة والخروج معه وكان يقول: ضاهى خروج زید خروج رسول الله يوم بدر.(1)

2. ولم يقتصر علم الإمام علیه السلام على حقل واحد -كالفقة أو الكلام مثلاً ليكون سبباً لمخاطبة وجذب فئة محدوده من الناس - وإنّما تناولت جامعته العلميّة مجموعة العلوم الدينيّة وغير الدينيّة وتربّى فيها كبار العلماء في مختلف فروع المعرفة الإسلاميّة والبشريّة بحيث نجد الحضارة الإنسانيّة أصبحت مَدينة إلى علوم الإمام ومعارفه ومنهجه التعليمي والمعرفي.

والعلوم الّتي تناولتها جامعة الإمام علیه السلام بالبحث والتدريس هي علم الفلك، والطبّ، والحيوان والنبات والكيمياء والفيزياء، فضلاً عن الفقه والأصول والكلام والفلسفة وعلم النفس والتربية والأخلاق والأصول والمنطق.

3.

لم تتلوث جامعة الإمام علیه السلام بسياسة الحكومات الجائرة. فلم تكن موضع شبهة وكراهيّة من الناس ليتصوّر أنّ المدرسة ماهي إلّا أداة لخدمة الحكّام كما يلاحض في بعض المدارس المعاصرة لها، بل قد رأت الأمّة أنّ هذه المدرسة على رأسها وريث النبوة وعملاق الفكر المحمّدي الإمام أبوعبدالله الصادق علیه السلام المعروف بمواقفه الرساليّة واستقامته على خط الشريعة الربانيّة المحمّديّة وقد لقب بالصادق الصدقه وعدم مساومته وعدم خضوعه لسياسة الحكام المنحرفين، من هنا كانت جامعة الإمام علیه السلام تعتبر حصناً سياسياً وفكرياً يلوذ به طلّاب الحقيقة.

4.

كما تميزت أيضاً جامعة الإمام علیه السلام بمنهجها العلمي السليم وعمقها الفكري واتّجاهها العقائدي التربوي والإصلاحي، ولم تكف أطروحتها في الإعداد العلمي الاعتماد على حشو الذهن بالمعلومات فقط، وإنّما خرّجت هذه الجامعة شخصيّات كُبرى ونماذج مُثلى عرفت بالعطاء السخيّ للأمة.. بحيث أصبح الانتماء إلى مدرسة


1) حياة الإمام الصادق (القرشي).

الإمام وجامعته يعدّ من المفاخر، فقد وصل عدد طلّابها إلى أربعة آلاف طالب علم، واتسعت فيما بعد لتشكّل عدة فروع لها في الكوفة والبصرة، وقم، ومصر.

5.

والجدير بالذكر أنّ الإمام علیه السلام لم يجعل من الجامعة والجهد المبذول فيها نشاطاً منفصلاً عن حركتة وأنشطته الاُخرى، بل كانت جزءً لا ينفصل عن برنامجه التغييري لأنّها بالتأكيد كانت تساهم في خلق مناخ يمهّد بدوره لبناء الفرد الصالح ومن ثمّ المجتمع الصالح؛ لأنّ هذه الجامعة تشكّل امتداداً واعياً للخط الرسالي في وسط الأمّة، ونشاط الإمام علیه السلام وإن تعدّد لكنه نشاط مترابط ومتداخل حيث نجد الكادر العلمي الحاضر في مدرسة الإمام علیه السلام هو الّذي يحضر في نشاطات الإمام الخاصّة وبعض نشاطاته العامّة.

6.

لقد حرص الإمام الصادق علیه السلام في هذه الفترة أن يحقّق من خلال مدرسته إنجازاً في خصوص تدوين الحديث والحفاظ على مضمونه، بعد أن كان قد تعرّض في وقت سابق للضياع والتحريف والتوظيف السياسي، بعد المنع من تدوينه. والأئمّة المعصومون علیهم السلام لم يستجيبوا لقرار المنع ضياع الحديث ونسيانه.

يقول الإمام الصادق علیه السلام: إنّ عندنا ما لا تحتاج معه الى الناس وأنّ الناس ليحتاجون إلينا وأنّ عندنا كتاباً بإملاء رسول الله صلّی الله علیه و آله وخط علي علیه السلام صحيفة فيها كلّ حلال و حرام...).

وجاء عنه علیه السلام (أنّه قال: علمُنا غابر، ومزبور ونكتٌ في القلوب ونقرٌ في الأسماع وإنّ عندنا الجفر الأحمر، والجفر الأبيض، ومصحف فاطمة وإنّ عندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج الناس إليه...)(1)والجفر كانوا يكتمونه عن غيرهم.

7. وكان علیه السلام يأمر طلابه ويؤكّد لهم ضرورة التدوين والكتابة كما نجد ذلك في

1) المناقب لابن شهر آشوب، ص 396 و بحار الأنوار، ج 47، ص 26 و في الرشاد، ص 307 و الاحتجاج، ج 2، ص 134 و زادوا فيه: فسئل عن تفسير هذا الكلام فقال أما لا قابر فالعلم بما يكون.

قوله علیه السلام: (إحتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون إليها).

وكان علیه السلام يشير إلى نشاط زرارة في مجالى الحديث ويقول: رحم الله زرارة بن أعين لولا زرارة لاندرست أحاديث أبي.

وقال عن زرارة وجماعة من أصحابه: لولا هؤلاء ماكان أحد يستنبط هذا الفقه، هؤلاء حفّاظ الدين واُمناء أبي علیه السلام على حلاله وحرامه وهم السابقون إلينا في الدنيا والآخرة).(1)

وكان يأمر طلابه أيضاً بالتدارس والمباحثة حيث يقول للمفضل بن عمر: اكتب وبثّ علمك في إخوانك، فإن متّ فأورث كتبك بنيك، فإنّه يأتي على الناس زمان حرج لا يأنسون فيه إلّا بكتبهم.(2)

وعلى هذا الأساس اهتمّ أصحابه بكتابة الأحاديث وتدوينها حتّى تألّفت واجتمعت الاُصول الأربعمائة المعروفة.(3)والّتي شكّلت المجاميع الحديثيّة الاولى عند الشيعة الإماميّة.

8. اعتنى الإمام علیه السلام بالتخصّص العلمي في تلك المرحلة لأنّ للاختصاص دوراً كبيراً في إنماء الفكر الإسلامي وتطويره، بحيث يكون قادراً على استيعاب الطاقات الكثيرة الوافدة على مدرسة الإمام علیه السلام من سائر انحاء العالم الإسلامي، وبالتخصص تتنوع العطاءات، ويكون الإبداع وعمق الانتاج، لذا وجّه الإمام التخصص العلمي، وتصدّى للإشراف على كلّ تلك التخصصات.

ففي الفلسفه وعلم الكلام ومباحث الإمامة تخصص كلّ من هشام بن الحكم وهشام بن سالم، ومؤمن الطاق، ومحمد بن عبدالله الطيار، وقيس الماهر. وغيرهم.


1) وسائل الشيعة، ج 8، ص 59 - 57.

2) أصول الكافي، ج 1، ص 52.

3) وسائل الشيعة، ج 18، ص 59 - 57.

وفي الفقه واُصوله وتفسير القرآن الكريم تخصّص كلّ من: زراره بن أعين، ومحمّد بن مسلم، وجميل بن درّاج، وبريد بن معاوية، وإسحاق بن عمار وعبدالله الحلبي، وأبو بصير، وأبان بن تغلب والفضيل بن يسار، وأبو حنيفة ومالك بن أنس، ومحمد بن الحسن الشيباني، وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد، وسفيان الثوري.

كما تخصّص في الكيمياء جابر بن حيان الكوفي.

وتخصّص في حكمة الوجود المفضل بن عمر الّذي أملى عليه الإمام الصادق علیه السلام كتابه الشهير المعروف (بتوحيد المفضّل).

9 . ونشط طلّاب الإمام علیه السلام في نتاجاتهم، كلُّ حسب اختصاصه في التأليف والمناظره، فقد جمع السيد حسن الصدر أسماء مؤلفات الشيعة في هذه الفترة وذكر أنّها وصلت إلى ستة آلاف وستمائة كتاب.(1)

كما برز في المناظرة هشام بن الحكم، وكان الإمام الصادق علیه السلام مسروراً بمناظرات هشام ويحبّ أن يسمع مناظواته مع زعيم المعتزله عمرو بن عبيد الّذي تغلّب عليه وبعد أن قصّها هشام للإمام علیه السلام و قال له الإمام: «يا هشام من علمّك هذا؟ قال: يابن رسول الله جرى على لساني.. قال الإمام هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى.(2)

10. ومن الأهداف الّتي خطّط لها الإمام علیه السلام في مدرسته هو إنشاء وتنشيط حركة الاجتهاد وتخريج الفقهاء والمجتهدين في علوم الشريعة الإسلاميّة.

والاجتهاد ضرورة قرآنيّة التزم بها أهل البيت علیه السلام وعملوا على تحقيقه لأتباعهم لئلّا يكونوا أتباعاً لغيرهم وليكونوا القدوة المثلى في كلّ عصر.

والاجتهاد المشروع هو: طريق الاستنباط الصحيح للحكم الواقعي أو الظاهري كما


1) تأسيس الشيعه لعلوم الإسلام، ص 288

2) راجع الاحتجاج تجد كامل المناظرة، ج 2، ص 125 - 128.

رسمه أهل البيت علیهم السلام. وقد تميّزت روايات أهل البيت عن روايات غيرهم كما أفصح عن هذه الحقيقة الإمام الصادق علیه السلام في قوله: (حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث الحسين وحديث الحسين حديث الحسن وحديث الحسن حديث أميرالمؤمنين وحديث أميرالمؤمنين حديث رسول الله صلّی الله علیه و آله وحديث رسول الله قول الله عز وجل)(1)وقال علیه السلام (إنا لو كنا نفتي الناس برأينا وهَوانا لكنّا من الهالكين ولكنّها آثار من رسول الله صلّی الله علیه و آله أصل علم نتوارثها كابر عن كابر، نكتنزها كما يكتنز الناس ذهبهم وفضّتهم).(2)

وعليه فالاجتهاد في مذهب أهل البيت علیهم السلام هو اجتهاد في دائرة النص الشرعي الواصل إلينا عن طريق أهل البيت عن الرسول صلّی الله علیه و آله أو النص القرآني الّذي لوحظت كلّ ملابساته ومن هنا رسم الإمام علیه السلام منهج الاجتهاد في فهم النص وحارب اجتهاد الرأي المتمثل في القياس والاستحسان كما حاربه القرآن وسائر أئمّة أهل البيت علیهم السلام وحاولوا إبعاده عن الشريعة وإبعاد أتباعهم عنه، ومن هنا رسموا لنا معالم هذا الاجتهاد وخطوطه العريضه وبيّنوا أسسه وأساليبه ووفّروا وسائله وأدواته وطبّقوا منهجه ودعوا أصحابهم إليه وقدّموا نماذج حيّة للمجتمع الإسلامي في هذا الصدد وهكذا انبثقت مدرسة الفقهاء الرواة الّتي اعتمدت منهج أهل البيت الفقهي والتشريعي، وتميّزت بذلك عن سائر المدارس الفقهيّة المتحرّرة من هذا المنهج أو الجامدة على ظواهر النصوص.

النشاط السياسي للإمام الصادق علیه السلام

لا استهدف الإمام علیه السلام لونين من الانحراف الاول: الانحراف السياسي المتمثل في انحراف الحاكمين، والثاني: الانحراف السياسي الفكري الناشيء من فقدان الفكر


1) أصول الكافي، ص 53 - 58.

2) بصائر الدرجات، ص 299

والوعي السياسي السليم.

ولهذا ركّز الإمام علیه السلام على ما يلي:

أوّلاً: التثقيف على عدم شرعيّة الحكومات الجائرة والّتي ليس لها رصيد شرعي ورتّب على ذلك تحريم الرجوع إليها لحلّ النزاعات والخصومات كما ورد عنه قوله علیه السلام: (إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه).(1)

وقال أيضاً: «أيّما مؤمن قدّم مؤمناً في خصومة إلى قاضٍ أو سلطان جائر فقضى عليه بغير حكم الله فقد شركه في الإثم».(2)

وعن عمر بن حنظله قال: سألت أبا عبدالله عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو الى القضاء أيحل ذلك؟ فقال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنّما تحاكم إلى طاغوت وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقه ثابتاً، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به.(3)إذن فالرجوع إليهم يعتبر نوعاً من الإقرار بشرعيّتهم ولهذا لابد من مقاطعتهم والاستغناء عنهم، ومن هنا أيضاً كان التعاون معهم محرّماً بطريق أولى.

فمن توصياته بهذا الصدد قوله علیه السلام: إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتّى يحكم الله بين العباد.(4)

وقال علیه السلام لا تُعِنْهم (أي حكّام الجور) على بناء مسجد(5)وقال علیه السلام لبعض أصحابه:


1) وسائل الشيعة، ج 18، ص 4.

2) وسائل الشيعة، ج 18، ص 2.

3) النساء / 60: وسائل الشيعة، ج 18، ص 3.

4) وسائل الشيعة، ج 1، ص 129.

5) المصدر، ج 6، ص 130.

«يا عذافر نبئت أنّك تعامل أبا أيوب والربيع فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة؟!.(1)

إنّ تفتيت الأسس الّتي يعتمد عليها الظالمون في حكمهم يعتبر عملاً سياسياً مهمّاً لزعزعة عرشهم والقضاء على الجور من خلال زعزعة اُسس قوتهم وسيطرتهم.

قال علي بن حمزة: إني كان لي صديق من كتّاب بني اُمية فقال لي: استأذن لي على أبي عبدالله علیه السلام فأستأذنت له، فلما دخل سلّم وجلس، ثم قال: جعلت فداك إنّي كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالاً كثيراً، وأغمضت في مطالبه.

فقال أبوعبدالله علیه السلام لو أنّ بني اُميّة لم يجدوا من يكتب لهم ويجبي لهم الفيء(2)ويقاتل عنهم، ويشهد جماعتهم، لما سلبونا حقّنا، ولو تركهم الناس وما في أيديهم، ما وجدوا شيئاً إلّا ما وقع في أيديهم. فقال الفتى: جعلت فداك فهل لي من مخرج منه؟

قال إن قلت لك تفعل؟ قال: أفعل، قال: أخرج من جميع ماكسبت في دواوينهم، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومَن لم تعرف تصدّقت به).(3)

ثانياً: مارس الإمام علیه السلام التثقيف على الصيغة السياسيّة السليمة من خلال تبيان موقع الولاية المغصوب، واستخدم الخطاب القرآني في هذا المجال الّذي حاولت فيه المدارس الفكريّة الأخرى تجميد النص بحدود الظاهر. فقد علّق علیه السلام على قوله تعالى: وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمّهن قال: إنّي جاعلك للناس إماماً قال: ومن ذريتي قال: لا ينال عهدي الظالمين إنّ الله عزّ وجل إتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبيّاً، وأنّ الله اتخذه نبيّاً قبل أن يتخذه رسولاً وإنّ الله اتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً وإنّ


1) المصدر، ج 6، ص 128.

2) الفيء: الخراج.

3) المناقب لابن شهر آشوب، ج 3، ص 365 عن بحار الأنوار، ج 47، ص 138 و في الكافي، ج 5، ص 106، ح 4 والتهذيب، ج 1، ص 331، ح 41، وسائل الشيعة، ج 12، ص 144، ح 1.

الله اتخذه خليلاً قبل أن يتخذه إماماً، فلما جمع له الأشياء قال: إنّي جاعلك للناس إماماً.

قال علیه السلام فمن عِظَمِها - أي الإمامة - في عين إبراهيم علیه السلام قال: ومن ذريّتي؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين قال: لا يكون السفيه إمام التقي.

كما فسّر علیه السلام قوله تعالى : صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون)(1)بأن الصبغة هي الإسلام(2)وفي قول آخر عنه علیه السلام بأن الصبغة هي صبغ المؤمنين بالولاية - يعني الولاية لإمام الحق. الإمام أميرالمؤمنين علیه السلام في الميثاق.(3)

وعلق العلّامة الطباطبائي على ذلك بقوله: وهو من باطن الآية(4)كما نجده علیه السلام يتحدث عن الإمام أميرالمؤمنين ويذكّر الناس بحدث الغدير ذلك الحدث السياسي الخطير في حياة الاُمّة، يذكّرهم به لئلا يتّعرّض هذا الحدث للنسيان والإلغاء حتى قال: في حق عليّ علیه السلام: المدعو له بالولاية المثبت له الإمامة يوم غدير خم، يقول الرسول صلّی الله علیه و آله: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأعن من أعانه.(5)

ثالثاً: قام علیه السلام بدعم الحركام المسلّحة وتوجيهها الوجهة الصحيحة ليحافظ على الروح الثوريّة ضد الباطل وليبقى الطغاة على وجلٍٍ من عاقبة طغيانهم من دون أن يتدخل بشكل مباشر في هذا الحقل كما لاحظنا ذلك في مواقفه من ثورتي زيد ويحيى.


1) البقرة /126.

2) تفسير القمي.

3) الكافي والمعاني.

4) الميزان، ج 1، ج 315.

5) العوالم، ج 15، 3، ص 270 - 271.

الخلاصه

回 كان عصر الإمام الصادق علیه السلام عهد الانفراج النسبي لمدرسة أهل البيت علیهم السلام ممّا أدّى إلى وجود نوع من الحرّيّة لحركتهم العلميّة. وقد ارتفعت نسبة طلّاب المعرفة الّذين كانوا يقصدون الإمام للاغتراف من علومه، كما توسّعت مواد وفروع العلوم الّتي أفاضها الإمام علیه السلام على طلّاب الحقيقة وتنوعت إلى المعارف العقليّة والشرعيّة والعلوم الطبيعيّة والعلوم الإنسانيّة.

回 و ارتفعت نسبة التأليف ومحتويات التأليف. كما برزت ظاهرة حرّيّة الرأي والحوار والمناقشة والنقد حول قضايا المبدأ والمعاد والشريعة وفلسفة الأحكام وفروع الدين ومفاهيم الإسلام، واتجه اسلوب التعليم إلى البحث والاستقراء والتجربة بدل الحفظ والاستظهار فضلاً عن التعقل والاستدلال المنطقي الّذي طفحت به حوارات الإمام علیه السلام.

回 و حارب الإمام علیه السلام بكلّ قوّة منهج الرأي الاستحساني وأكد على منهج الاجتهاد في فهم النص كما وضع الأسس العلميّة لتقعيد القواعد الأصوليّة والفقهيّة.

回 و تأسست بذلك المدرسة الفلسفيّة والكلاميّة الإسلامية في الحواضر الإسلاميّة. كما برزت الكوفة مركزاً لنشر علوم آل محمد.

回 و تمثل النشاط السياسي للإمام الصادق علیه السلام في نوعين من النشاط الإيجابي والسلبي حسب حسب متطلبات المرحلة.

الأسئلة

1.

ما هي عوامل تأسيس جامعة الإمام الصادق علیه السلام؟

2.

ما هي أهم ملامح جامعة الإمام الصادق علیه السلام؟

3.

ما هي الفروع العلميّة الّتي تناولتها دراسات الإمام الصادق علیه السلام وبحوثه؟

4.

من هم أصحاب الاختصاص من تلامذة الإمام الصادق علیه السلام؟

5.

ما هي أهم خصائص المدرسة الفقهيّة للإمام الصادق علیه السلام؟

6.

ما هو النشاط الإيجابي السياسي للإمام الصادق علیه السلام؟

7.

ما هو النشاط السياسي السلبي للإمام الصادق علیه السلام؟

الدرس 38: متطلّبات عصر الإمام الصادق علیه السلام (3)

النظام العام للجماعة الصالحة (تكامل البناء والتأصيل)

اشارة

عرفنا أنّ أهم ماركّز عليه أئمّة أهل البيت علیهم السلام لبناء المجتمع الصالح بعد رسول الله صلّی الله علیه و آله هو بناء الجماعة الصالحة الّتي تستطيع أن تقوم بمهمّة التغيير الحقيقي والتدريجي والعميق في أوساط المجتمع الإسلامي. ومن هنا كان بناء الفرد الصالح والجماعة الصالحة الّتي تحتضن هذا الفرد وتهييء الأجواء اللازمة لتنميته وتطويره هدفاً أساسياً للقيادة الربّانيّة الّتي تسهر على تحقيق أهداف الرسالة في مجتمع مليء بالتناقضات والقيم الّتي تحتاج إلى هدم وبناء مستمرّين.

إنّ عمليّة بناء هذه الجماعة الصالحة الفاعلة في المجتمع الإسلامي قد تمّت بشكل تدريجي منذ عهد الرسول صلّی الله علیه و آله وبدأت تتّسع وتتأصّل وتتكامل كلّما اتسّع الفاصل المعنوي والزمني بين الأمّة والرسالة.

ويعتبر عصر الإمامين الباقر والصادق علیهما السلام هو عصر التأصيل النظري والتوسع الله الاجتماعي وتكامل البناء وتحديد المعالم وتشخيص الهويّة لهذه الجماعة المتميّزة بالفكر والعقيدة والقيم والسلوك.

وقد اعتنى أهل البيت علیهم السلام ولا سيّما الإمامان الصادقان علیهما السلام منهم بشكل خاصّ بتحديد هذه الهويّة.

1. الهويّة ومشخّصاتها

الأوّل: الإسم. أطلق الإمام الباقر والصادق علیهما السلام عدة أسماء لتشخيص هويّة الجماعة الصالحة وفرزها وتمييزها عن غيرها ومنها.

1. شيعة عليّ 2. شيعة فاطمة 3. شيعة آل محمد 4. شيعة ولد فاطمة ولهذا الاسم جذر تأريخي وقرآني ورد في قوله تعالى: (وإنّ من شيعته لإبراهيم).(1)

وروى أبو بصير عن الإمام الصادق علیه السلام قوله: نحن أهل بيت الرحمة وبيت النعمة وبيت البركة ونحن بنيان الأرض وشيعتنا عُرى الإسلام...(2)

وأقرّ علیه السلام إسم الرّافضة على الجماعة الصالحة بعد أن سمّاهم به أتباع السلطان فحينما شكا إليه بعض أصحابه عن هذه التسمية قال له: (وأنا من الرافضة) قالها ثلاثاً.(3)

وعن أبي بصير، قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام: جعلت فداك إسم سُمِّينا به، استحلت به الولاة دماءنا وأموالنا وعذابنا قال: وما هو؟ قال: الرافضة، فقال أبو جعفر علیه السلام: إنَّ سبعين رجلاً من عسكر فرعون رفضوا فرعون فأتوا موسى علیه السلام، فلم يكن في قوم موسى علیه السلام أشدّ اجتهاداً ولا أشدّ حبّاً لهارون منهم، فسمّاهم قوم موسى الرافضة، فأوحى الله إلى موسى: أن ثبّتْ لهم هذا الإسم في التوراة، فإنّي قد نحلتهم، وذلك اسم قد نحلكموه الله.(4)

الثاني: الصفات، أطلق أهل البيت علیه السلام عدة صفات قرآنيّة على شيعتهم مثل الصالحون (وأولو الألباب) وأولياء الله والمصلّون وأصحاب اليمين وخير البريّة.

فعن أبي بصير قال الإمام الصادق علیه السلام: قد ذكركم الله تعالى بقوله: اولئك الّذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين... نحن الصديقون والشهداء


1) الصافات /83.

2) بحار الأنوار، ج 65، ص 35، الحديث 75.

3) المحاسن، ص 157.

4) المحاسن، ص 157.

وأنتم الصالحون أنتم والله شيعتنا.(1)

وعن أبي بصير أيضاً، قال الصادق علیه السلام لقد ذكركم الله في كتابه حيث يقول: هل يستوي الّذين يعلمون والّذين لا يعلمون إنّما يتذكر أولو الألباب فنحن الّذين تعلم وأعداؤنا الّذين لا يعلمون وشيعتنا اُولو الألباب.(2)

الثالث: الانتماء إلى الرسول صلّی الله علیه و آله وأهل بيته علیهم السلام.

أكدّ أهل البيت علیهم السلام انتماء شيعتهم إليهم وإلى رسول الله صلّی الله علیه و آله وهذا الانتماء الفكري والروحي والاتّباع العملي هو الّذي يعطيهم الرفعة والمكانة السامية في الدنيا والآخرة.

فعن عمر بن يزيد أنّه قال له الإمام الصادق علیه السلام: يابن يزيد أنت والله منّا أهل البيت. قلت: جُعلت فداك من آلِ محمد؟ قال: إي والله من أنفسهم ياعمر. أما تقرأ كتاب الله عزّ وجل: إنّ أولى الناس بإبراهيم للذين اتّبعوه وهذا النبي والّذين آمنوا والله وليّ المؤمنين. وما تقرأ قول الله عزّ اسمه: فمن تبعني فإنّه منّي ومن عصاني فإنّك غفور رحيم؟!(3)

الرابع: منزلة الجماعة الصالحة وأمّا المكانة السامية لأتباع أهل البيت علیهم السلام في الدنيا والأخرة فقد ورد عن الإمام الباقر علیه السلام: إنّ الله عزّ وجل أعطى للمؤمن ثلاث خصال: العزّ في الدنيا والدين، والفُلج (النصر والفوز) في الآخرة والمهابة في صدور العالَمين.(4)

وعن أبي بصير عن الإمام الصادق علیه السلام: والله ما بعدنا غيركم، وإنّكم معنا في السنامِ


1) بحار الأنوار، ج 27، ص 124 و ص 72 و 129، الحديث 143 و ج 65، ص 29، ح 58 و 96 و 59.

2) بحار الأنوار، ج 27، ص 125.

3) بحار الأنوار، ج 65، ص 20، ب 15، ح 32.

4) المصدر السابق، ج 65، ص 16.

الأعلى، فتنافسوا في الدرجات.(1)

2. المرجعيّة الدينيّة (الفكريّة والسياسيّة)

إنّ الملاكات الأساسيّة الّتي جعلت الأنبياء والائمة علیهم السلام قادةً فكريّين وسياسيّين وحاجة المجتمع البشري إلى القيادة الربانيّة على طول خط المسيرة التكامليّة نحو الله سبحانه وتعالى هي الّتي جعلت الأئمّة من أهل البيت علیهم السلام يخطّطون - على هدي الكتاب الألهي- لنظام المرجعيّة الدينيّة لأتباعهم وذلك بتنصيب المجتهد الجامع لشرائط الإفتاء والقضاء والحكم مرجعاً فكرياً وسياسيّاً يحكم فيهم على أساس شريعة الله الخالدة وقيمها الربانيّة، واعتباره امتداداً لإمامتهم المشروعة. وبدأوا بالعمل على طرحه وتطبيقه في حياتهم وحضورهم ليتركز وتستقر دعائمه وتتضح معالمه من خلال الممارسة والتطبيق في نطاق أتباعهم، وقد ورد عن الإمام الصادق علیه السلام في باب اختيار القاضي في المتخاصمين - بعد تحريم الرجوع إلى قضاة الحكومة الجائرة - أنّهما: ينظران من كان منكم ممّن روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً.(2)

وروى الإمام الباقر علیه السلام عن رسول الله صلّی الله علیه و آله قوله: اللهم ارحم خلفائي - ثلاثاً. وحين سُئل عنهم قال: الّذين يأتون بعدي يروون حديثي وسنتي.(3)

وبدأ الطرح النظري والتطبيق العملي لهذا الأصل المميّز لنظام الجماعة الصالحة في الصادقين علیهما السلام. واستمر التأصيل النظريّ والتطبيق العملي حتّى نهاية الغيبة الصغرى حتى أصبح لأتباع أهل البيت نظام متكامل ووجود مستقل ضمن المجتمع


1) المصدر السابق، ج 65، ص 27.

2) وسائل الشيعة، ج 18، ص 19، ح 1.

3) المصدر السابق، حدیث 7.

الإسلامي الواسع مما جعلهم قادرين على مواجهة عمليات التصفية والتمييع والإبادة على طول الخط بالرغم من غياب القيادة المعصومة المتمثّلة في الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.

3. العلاقات في نظام الجماعة الصالحة

للجماعة الصالحة قاعدة وطليعة وقيادة. فالقيادة تتمثّل في الإمام المعصوم حسين حضوره أو في المرجع الديني النائب عنه عند غيابه، والطليعة هي المجموعة المخلصة ذات البصيرة والوعي الكامل بشؤون القائد وحلقة الوصل بين القاعدة والقيادة من جهة وبين القيادة والقاعدة من جهة اُخرى.

على أنّ الأئمة علیهم السلام لهم اتصال مباشر بقواعدهم من خلال زياراتهم العامة والخاصّة.

وقد أكّد الإمامان الباقر والصادق علیهم السلام على ضرورة لقاء الإمام واعتبراه من تمام الحج فقد ورد عن الباقر علیه السلام أنّه قال: إنّما أمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها ثمّ يأتونا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرهم.(1)

كما ورد عن الصادق علیه السلام أن تفسير قوله تعالى: (ليقضوا تفثهم) هو لقاء الإمام علیه السلام.(2)

بل نجد الإمام يترقب زيارة شيعته وينتظرها بفارغ الصبر بقوله: والله إني لأحبّ ريحكم وأرواحكم ورؤيتكم وزيارتكم وأنّي لعلى دين الله ودين ملائكتة فأعينوا على ذلك بورع، أنا في المدينة بمنزلة الشعرة، أتقلقل حتّى أرى الرجل منكم فأستريح إليه.(3)

وتقوم الطليعة (الوكلاء) بدور بيان الأحكام الشرعيّة والمواقف السياسيّة


1) الكافي، ج 4، ص 549، ح 1.

2) المصدر نفسه.

3) المحاسن، ج 1، ص 264، ح 10.

والاجتماعيّة والتوجيهات والنصائح الأخلاقيّة أو استلام الحقوق الشرعيّة أو فصل النزاعات أو توليّ الأوقاف وغيرها من الأمور الحسبيّة.(1)

وقد شخّص أهل البيت علیهم السلام مضمون العلاقة بين أفراد الجماعة الصالحة وبيّنوا حقوقها وشكلها. بعد بيان أسسها وقواعدها وتفاصيل البناء الفوقي لها.

أمّا مضمون هذه العلاقة فهو الحبّ في الله والبغض في الله تعالى.(2)

وأمّا حقوق هذه العلاقة فهي التناصر والتكافل الاجتماعي بكلّ أبعاده ومستوياته، فقد ورد أنّ الصادق علیه السلام قال السدير: لاتزال شيعتنا مرعيّين محفوظين مستورين معصومين ما أحسنوا النظر لأنفسهم فيما بينهم وبين خالقهم، وصحّت نيّاتهم لأئمتّهم وبرّوا إخوانهم فعطفوا على ضعيفهم وتصدقوا على ذوي الفاقة منهم...(3)

وأمّا شكل هذه العلاقة فهي التزاور وعقد الاجتماعات والتحدث في مختلف الشؤون والّتي منها إحياء أمر أهل البيت علیهم السلام(4)فضلاً عن الاجتماعات الخاصّة مثل تشييع الجنائز وقضاء حوائج الإخوان والتحابب والتواصل.

وقد فصّل أهل البيت علیهم السلام أيضاً نوع العلاقة فيما بين الجماعة الصالحة وسائر المسلمين وفيما بينهم وبين غير المسلمين أيضاً، وهي علاقة التعايش مع الانفتاح والبراءة من أعدائهم مع التقيّة والمقاطعة مع الكفّار والظالمين وأهل البدع والضلال.(5)

4. الاتّجاه السياسي للجماعة الصالحة

لا ريب أن الإسلام نظام كامل للحياة، فهو يأخذ الواقع بكلّ أبعاده ليعالج مشكلاته


1) راجع دور أهل البيت في بناء الجماعة الصالحة، ج 1، ص 256 - 258.

2) المصدر، ج 1، ص 259 - 261.

3) المحاسن، ج 1، ص 258، ح 492.

4) وسائل الشيعة، ج 12، ص 20، ح 1.

5) ورد اهل البيت، ج 1، ص 269 - 269 و 495 - 516.

في ضوء الهدي الإلهي وذلك ليكون الانسان في كلّ سيرته تحت رعاية ربّانيّة تتربّى من خلالها شخصيّته وتتّزن دون انفصام أو ازدواجيّة.

ومنهج أهل البيت علیهم السلام وهو منهج الإسلام الكامل، فلابدّ للأئمة علیهم السلام أن يرسموا لأتباعهم الاتجاه السياسي الصحيح ويحدّدوا لهم المنطلقات السياسيّة والخطوط العريضة في التحرك على أرض الواقع.

وتراث أهل البيت علیهم السلام وتأريخهم يشير بوضوح إلى الاتجاه التغييري في حركتهم السياسيّة؛ إذ لم تكن حركتهم مجرد ردّة فعل للواقع الفاسد كما كانت جملة من الشخصيّات الإسلاميّة تستجيب لردود الفعل دون أن تنظر إلى جميع الأهداف الرساليّة وجميع المراحل الّتي تنتظرهم للوصول إليها.

وقد كان أهل البيت يؤيّدون بعض الحركات الإصلاحيّة ولكنّهم لم يختاروا هذا الاتّجاه لأنفسهم لأنّهم مأمورون بتغيير الواقع الفاسد من جذوره، ومن هنا كانوا یوازنون بين مصالح الإسلام العليا والمفاسد والانحرافات السائدة ويقدمون الأهم على المهم وقد يدفعون الأفسد بالصبر على الفاسد لئلا تبتعد الأمّة عن الواقع المطلوب نتيجةً لحركة انفعاليّة ذات آثار سلبيّة لا يمكن تفاديها.

وأمّا بالنسبة لأتباعهم فقد رسموا لهم منهج التحرك السياسي على أسس قويمة هي:

أ. الإيمان المطلق بولاية أهل البيت علیهم السلام فالإمام منار للمهتدين وولايته سبب للنجاة وطاعته مفترضة في الحياة وعدّة بعد الممات... .(1)

وحب أهل البيت إيمان وبغضهم كفر.(2)

ب. والتبرّؤ من أعدائهم - وهم أعداء الله - هو الأساس الآخر في التحرّك. ومن


1) بحار الأنوار، ج 25، ص 169 - 170، ح 38.

2) الكافي، ج 2، ص 18، ح 5.

هنا حُرِّمَ التعاون مع الأنظمة الظالمة وجبت مقاومتها.

ج. ولابدّ من الموازنة بين المصالح والأولويّات في الشريعة الإسلاميّة وتقديمها على المنافع والمصالح الخاصّة. وهذا هو أحد أبعاد (مبدأ التقيّة) كما سيأتي. و من هذه المصالح مصلحة الحفاظ على وحدة المجتمع الإسلامي وتلاحم أجزائه.

د. والاُمّة لها الدور الكبير في عمليّة التغيير إذ لا يغير الله ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم ومن هنا كان نشاط الأئمة علیهم السلام باتّجاه تغيير الأمّة اتّجاهاً واقعياً فلم يتحرّكوا لاستلام زمام الحكم بقدر ما كانوا يتحرّكون لتغيير فكر وسلوك وقيم الأمّة باتّجاه الواقع المطلوب.

ه-. والالتزام بأحكام الإسلام الثابتة وعدم تعدّيها وجعلها ميزاناً في التحرّك والتورّع عن محارم الله في كلّ حال أساس ثابت لا يمكن التنازل عنه بحالٍ من الأحوال في منهج أهل البيت علیهم السلام لتغيير الواقع.(1)

5. النظام الأمني للجماعة الصالحة

اشارة

أولى الإمام علیه السلام إهتماماً خاصّاً بالنّظام الأمني للجماعة الصالحة، حفاظاً على سلامة أفرادها وكيانها من التصدّع وليبقى أفرادها أحراراً في حركتهم الإصلاحيّة والاحتياط والحذر الأمني له آثار إيجابيّة على سلامة العقيدة وسلامة الشريعة وسلامة القيم الإسلاميّة، فإنّ أيّ خلل في الوضع الأمني يؤدّي إلى سجن أو قتل أو تهجير مَنْ له تأثير إيجابي في الأمّة، وبالتالي يكون خير فرصة للمنحرفين لنشر عقائدهم وخلق الاضطراب في العقول والقلوب والنفوس، بعد خلّو الميدان من المصلحين.

والاهتمام بالنّظام الأمني يضمن للجماعة الصالحة بقاء القيادة وهي الإمام المعصوم علیه السلام الّذي يرشدهم ويوجههم ويربّيهم، ويعلّمهم أحكام الدين وسبل الشريعة.


1) راجع دور أهل البيت علیهم السلام في بناء الجماعة الصالحة، ج 1، ص 273 - 295.

(للمطالعة)

وللنّظام الأمني معالم ومظاهر يمكن تحديدها في النقاط التالية:

أ. التقيّة

التقيّة ظاهرة ذات آثار إيجابيّة على مسيرة الجماعة الصالحة دون عرقلة أو تحجيم.

والضرورة هي الّتي تحدّد استثمار التقيّة واستخدامها في كلّ اتّجاه، حتّى لاتتعرض حركة الجماعة الصالحة إلى الكشف فتكون عرضة للأعداء، والهدف من التقيّة هو حقن الدماء وعدم هدرها في مواقف ليست ضروريّة.

قال الإمام الباقر علیه السلام: إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدماء، فإذا بلغ الدم فلا تقيّة.(1)

والتقيّة هي الموقف المتوازن بين الانعزال عن المجتمع والابتعاد عن ميدان الإصلاح والتغيير، وبين المواجهة والصراع.

فالانعزال قد يؤدي إلى الوقوع في حبائل الغلوّ والتحوّل إلى الباطنيّة كما حدث للحركة الإسماعيلية.

والمواجهة قد تؤدّي إلى الضعف أمام أساليب الإرهاب والإغراء والخُداع والتضليل إن كانت الجماعة الصالحة غير مهيّأةٍ لخوض غمار الصراع والمواجهة.

وقد استطاع الإمام علیه السلام أن يحافظ على أمن الجماعة الصالحة بتأكيده على التقيّة، حيث استطاع أن يوسّع قاعدته الشعبيّة، ويرفد الجماعة الصالحة بأفراد جدد، واستطاع أن ينشر علوم أهل البيت علیهم السلام، وأن يشيع الفضائل والمكارم في المجتمع، دون أن يمنح للحكّام فرصة لاغتياله أو اعتقاله أو منعه من نشاطاته العامّة في التدريس، واللّقاءات، والزيارات.


1) بحار الأنوار، ج 72، ص 399.

ب. كتمان الأسرار

إنّ الظروف المحيطة بالإمام علیه السلام وبالجماعة الصالحة جعلت الإمام علیه السلام يأمر بكتمان الأسرار، قال علیه السلام: أكتموا أسرارّنا ولا تحمّلوا الناس على أعناقنا.(1)

والجماعة الصالحة محاطة بجماعات وتيّارات وأجهزة أمنيّة تتابع أقوالها وأفعالها وممارساتها العمليّة، وتنتهز الثعزات والفرص المتاحة لتشويه سمعتها في عقيدتها وفي أحكامها وفي سلوكها، وتحجيم دورها في الحياة؛ ولهذا فهي بحاجة إلى عناية إضافيّة بكتمان الأسرار.

ج. التوازن في العلاقة مع الحكّام

إنّ مقاطعة الحاكم الجائر هي إحدى مميّزات أئمة أهل البيت علیهم السلام، وقد كانت إرشادات وأوامر الإمام علیه السلام إلى أفراد الجماعة الصالحة تؤكّد على المقاطعة في جميع صورها، لأنّ العمل مع الجائر يؤدّي إلى احتمالات واقعيّة:

الأوّل: تقويته وتشييد أركان دولته المنحرفة.

الثاني: ممارسة الأعمال المنحرفة الّتي يتطلّبها الواقع المنحرف.

الثالث: تأثّر العامل معه - في بعض الأحيان - بالإغراء المتنوّع، بالأموال والمناصب والجاه، وقد يؤدّي هذا عن التخلّي عن الانتماء إلى الجماعة الصالحة.

الرابع: تحوّل العامل إلى عدوّ في بعض الأحيان.

ولهذا أمر علیه السلام بمقاطعة الحاكم الجائر.(2)

إلّا أنه راعى المصلحة الإسلاميّة العليا في عدّة موارد عديدة، فجوز علیه السلام بیع السلاح أو حمله إلى أتباع السلطان(3)للمساهمة في ردّ أعداء الكيان الإسلامي.


1) بحار الأنوار، ج 71، ص 225.

2) كفاية الأثر، ص 251.

3) الكافي، ج 5، ص 112.

6. النشاط الاقتصادي للجماعة الصالحة

ولحماية الجماعة الصالحة الأخطار الناشئة من الضغوط والآفات نجد أهل البيت بشكل عام والإمام الصادق علیه السلام بشكل خاصّ اتجّهوا لتربية أتباعهم على الاجتهاد في طلب الرزق والعمل بدل الاتّكال على الآخرين أو الارتباط بالدولة(1)وأعطوا المنهج العام للنشاط الاقتصادي السليم والّذي يتلخص في: التصدّي لطلب الرزق والالتزام بأن يكون عن طريق الحلال والاهتمام بإصلاح الأموال وحفظ الموازنة بين الإنفاق والإسراف والتقيد والالتزام بسياسة الادّخار بمقدار مؤونة السنة وترجيح التصدّي المباشر والمستقل لتكون فوائد العمل له لا لغيره وتوزيع الأموال على عدة محاور اقتصاديّة لئلا يُفاجأ الإنسان إذا أصابته آفة في محور واحد، ثم عدم ادّخارها بشكل نقود بل الأفضل تداولها في السوق أو تحويلها إلى عقارات سكنيّة أو أراضي زراعيّة أو تجاريّة.(2)

على أن مدرسة أهل البيت علیهم السلام قد تميّزت بتشريعات اقتصاديّة خاصّة كالخمس في أرباح المكاسب سوى التشريعات العامّة مثل الزكاة والخراج والأوقاف. ويمثّل الخمس أهم مصدر مالي للجماعة الصالحة وهو يمثّل نسبة مئويّة عالية من مجمل الثروة العامّة للمجتمع الإنساني وهو يجعل للإمام امكانيّة ماليّه كبيرة يستطيع توظيفها لخدمة الإسلام والمسلمين، وطريقة دفعه لا تلفت نظر الأعداء ولا يعدّ تهديداً أمنيّاً للسلطة بخلاف دفع الأموال الظاهرة كالزكاة والخراج. وهو تعبير عن الولاء والحب والوفاء لأهل البيت علیهم السلام ونصرتهم بالمال والّذي يعدّ إنفاقه في سبيل الله ذامدلول تربوي كبير للنفس الإنسانيّة.(3)


1) راجع دور أهل البيت في بناء الجماعة الصالحة. الجزء الأول: البحث على النشاط الاقتصادي، ص 432 - 434.

2) المصدر، ص 432 - 439.

3) المصدر، ص 402 - 420.

7. نظام العلاقات الاجتماعيّة والعبادات الإلهيّة

وتميّزت مدرسة أهل البيت علیهم السلام بالأهتمام الخاصّ بحقلين مهمّين لتنظيم حياة الجماعة الصالحة وجعلها اسوة للمجتمع الإسلامي:

والحقل الأوّل هو حقل العلاقات الاجتماعيّة الّذي يعطي لنا تصويراً متكاملاً النظام الاجتماعي الإسلامي العام.

والحقل الثاني هو حقل العبادات الّتي تعطي للإنسان المسلم ميزةً أساسيّة وتطبع حياته المادّيّة بطابع إلهي خاصّ.

وقد تميّزت مدرسة أهل البيت بالاهتمام بالعبادات تميّزاً ملحوظاً في سلوك أهل البيت علیهم السلام وتراثهم. ونحيل الطالب الكريم إلى الدراسات الموسعة في ذلك.(1)


1) يُراجع المصدر: ش / 18 - 22 والجزء الثاني المخصص لنظام الشعائر والعبادات.

الخلاصه

回 الإسلام هو المحور الأساس للإنتماء في الجماعة الصالحة، وهو المنظّم لسير العمل والحركة داخل هذه الجماعة، وتكون المصلحة الإسلاميّة العليا هي الحاكمة على جميع المصالح الأخرى: فالإسلام هو القاعدة للسّلوك والفكر والتصرّفات لأفراد تلك الجماعة الصالحة. إذ يعتبرها جزءً من المجتمع الإسلامي الكبير وهي في نفس الوقت مسؤولة عن الحفاظ على كيان وحدة الأمّة من التصدع والضياع.

回 و يعتبر الإسلام حبّ أهل البيت علیهم السلام والإنتماء إلى مذهبهم المنطلق لكلّ المباديء والقيم السامية الّتي زخرت بها الشريعة الإسلاميّة المقدّسة. ويعتبر الأخذ بمذهبهم مصداقاً لحبّهم والإنتماء إليهم.

回 و يكون الفكر المشترك والعقيدة المشتركة بين الجماعة الصالحة وسائر الجماعات القائمة هي: الإيمان بالله تعالى ورسله وكتبه واليوم الآخر.

回 و الجماعة الصالحة لا تكون كذلك مالم تمّر بفترة تمحيص واختبار فتتعرّض حياتها لأنواع البلاء حتّى تصقل نفوس أفرادها وتربّى أرواحهم، فهم جند في ساحة الاختبار هدفهم رضى الله تعالى وغايتهم تحقيق مابه رضاه يعيشون من أجل الله ويتحركون في أفق دينه وشريعته الّتي يأخذونها من أهل البيت علیهم السلام.

回 و من هنا احتاجت هذه الجماعة إلى نظام أمني واقتصادي واجتماعي وعبادي وسياسي خاصّ بها.

الأسئلة

1.

ما هي محاور الإنتماء في الجماعة الصالحة؟

2.

كيف تشخّص هويّة أتباع أهل البيت علیهم السلام؟

3.

ما معنى الرافضة عند أهل البيت علیهم السلام؟

4.

ما هي صفات أفراد الجماعة الصالحة؟

ه. وضّح العلاقة في نظام الجماعة الصالحة؟

6. ما الفرق بين القيادة والطليعة، وما هو نوع الارتباط بينهما؟

7.ما هي معالم واسس العلاقة الداخليّة للجماعة الصالحة؟

8.

ما هو الاتجاه السياسي للجماعة الصالحة؟ وماهي منطلقاته؟

9.

ما هي أهم محاور النظام الأمني للجماعة الصالحة؟

10.

ما هي محاور النشاط الاقتصادي للجماعة الصالحة؟

الدرس 39: المستجدّات السياسيّة ونشأة الحكم العبّاسي

اشارة

لقد استحكمت قناعة الاٌمة وآمنت بضرورة التخلّص من الطغيان الأموي، ولم يبق بعدُ شيء بيد وعّاظ السلاطين ليرتشوا به لتوجيه الاستبداد الأموي وليوظّفوا القرآن والحديث لصالح هذا الحكم الجائر حيث تراكمت في ذهن الاُمّة وضميرها تلك المظالم الّتي ارتكبت بحقّ ذرّيّة رسول الله صلّی الله علیه و آله وأهل بيته الطاهرين ولاسيّما سبط الرسول وريحانته وأبنائه وأصحابه الميامين ومن حذا حذوهم طيلة العقود السبعة بعد مقتل الحسين بن علي علیهما السلام.

ومن جانب آخر اتّسع نفوذ أهل البيت وامتدّ خطّهم وكثرت أنصاره واستلهمت الاُمّة ثقافته حيث إنّه قد أثّر في عقلها وقراراتها، حتّى أصبح له وجود في مختلف البلاد الإسلاميه وتألّق الإمام الصادق علیه السلام ودخل صيته في كلّ بيت وكان مرجعاً روحياً تهوى إليه القلوب من كلّ مكان وتلوذ به لحل مشكلاتها الفكريّة والعقائديّة والسياسيّة بكلّ سهولة وارتياح.

وممّن كان يغتنم الفرص ليحضر عند الإمام ويستمع منه، أبو حنيفة مؤسس المذهب الحنفي وكان يقول بحق الإمام علیه السلام: «ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد علیه السلام».

كان مالك بن أنس أيضاً ممّن يحضر عند الإمام علیه السلام ليتأدّب بآدابه ويهتدي بهديه فكان يقول: «مارَأَتْ عينٌ ولا سمعت أُذُنٌ ولا خَطَر على قلب بشرٍ أفضل من جعفرٍ بنِ

محمدٍ الصادقِ علماً وعبادة وورعاً».

وقال: اختلفت إلى جعفر بن محمد زماناً فما كنت أراه إلّا على إحدى ثلاث خصال إمّا مصلّياً وإمّا صائماً وإمّا يقرأ القرآن، وما رأيته قطّ يحدّث عن رسول الله صلّی الله علیه و آله إلّا على طهارة، ولا يتكلّم بما لا يعنيه، وكان من العلماء العبّاد والزّهاد الّذين يَخشَوْنَ الله.(1)

وقد شهد المنصور بحقّه - وهو من ألدّ أعدائه - فقال: إنّ جعفر بن محمد كان ممّن قال الله فيه: ثم أورَيْنا الكتاب الَذين اصطفينا من عبادنا. وكان ممن اصطفى الله وكان من السابقين بالخيرات.(2)

ولم يكن الإمام مرجعاً للعلماء والفقهاء والمحدّثين وقائداً للنهضة الفكريّة والعلميّة في زمانه فحسب؛ بل كان مرجعاً للساحة والثوّار أيضاً العلوي الثائر فزيد بن علي الثائر الشهيد كان يرجع إليه في قراراته، وكان يقول بحق الإمام علیه السلام.

(في كلّ زمان رجل منّا أهل البيت يحتج الله به على خلقه، وحجّة زماننا إبن أخي جعفر لا يضلّ من تبعه ولا يهتدي من خالفه).(3)

كان الامام علیه السلام يدعم الثورة بالمال والدعاء والتحريض والتوجيه كما مر في البحوث السابقة.

أمّا العلويّون من آل الحسن - كعبدالله بن الحسن وعمر الأشرف بن الإمام زین العابدين - فهم كانوا يرجعون إليه ويستشيرونه في مسائل حياتهم، ولم يتجاوزه أحد في الأعمال المسلحة والنشاطات الثوريّة.

من هنا كانت القناعة السائدة آنذاك في أوساط الأمّة أنّ البديل للحكم الأموي هو الخط الّذي كان يتزعّمه الإمام علیه السلام، وهذه الحقيقة لم يمكن تغافلها بحال، فإنّ قادة


1) مالك بن أنس للخولي، ص 94 و كتاب مالك لمحمد أبوزهره، ص 28.

2) تأريخ اين واضح، ج 3، ص 17.

3) المناقب لأبن شهر آشوب، ج 2، ص 147.

الحركة العبّاسيّة ورموزها المدبّرين لها وقادتها العسكريّين لم يتجاوزوا الإمام علیه السلام حينما كانوا قد قرروا الثورة على الأمويّين بالرغم من عدم ايمانهم بضرورة تسليم الحكم إلى شخص الإمام علیه السلام كما سيتضح ذلك فيما بعد.

الحركة العباسية (النشأة والأساليب)

وكان هشام بن عبدالملك يحذر وجود أبي هاشم - وهو من رجال أهل البيت البارزين - لوجود لياقات علميه وسياسيّة عنده كانت تؤهله للقيادة، فحاول هشام اغتياله. ولمّا أحسّ أبوهاشم بالمكيدة ضدّه احترز من ذلك فأوصى إلى محمد بن علي عبدالله بن العبّاس بإدارة أتباعه في مقاومة الأمويّين سنة 99 ه- وكانت هذه الوصيّة.

هي بذرة الطمع الّتي حرکت محمد بن علي بن عبدالله بن العباس مما جعلته يشعر بأنّه القائد والخليفة مستقبلاً. وكانت الفرصة سانحة في ذلك الوقت بالتبليغ لشخصه، لذا شرع في بثّ الدعاة إلى خراسان سرّاً لهذا الغرض واستمّر بدعوته إلى أن مات سنة 125 ه- وترك من بعده أولاده وهم: إبراهيم الإمام، والسفّاح، والمنصور،(1)وإنّ أبراهيم الإمام هو الّذي كان يخطّط لقيام دولة عباسّيّة لأنّه الأكثر دهاءً وحنكة وتخطيطاً من أخويه.

فنشط إبراهيم بالدعوة وأخذ يتّحدث بأهميّة الثورة وإنقاذ المنكوبين، وشارك البساط من الناس آلامهم وأخذ يعطف على المظلومين ويلعن الظالمين. وانتشر دعاة إبراهيم في بلاد خراسان وكان لهم الأثر هناك وقد تعرض الدعاة العبّاسيون للقتل في سبيل دعوتهم ومثّل ببعضهم وحبس البعض الآخر(2)وكان في طليعة الدعاة الأكثر


1) الأداب السلطانية، ص 127.

2) تأريخ ابن الساعي، ص 3.

نشاطاً وقوّة ودهاءً أبو مسلم الخراساني... .(1)

وتضمّن المنهج السياسي العبّاسي لكسب الاُمّة عدة أساليب كانت منسجمة مع الواقع ومقبولة عند عامّة الناس، ولذا لقيت الدعوة استجابة سريعة وانضمّ المحرومون والمضطهدون إليها.

الأسلوب الأوّل: روّج العبّاسيّون أفكار الدعوة بقوّة وحرّكوا العواطف تجاهها وحاولوا إقناع الناس بأنّ الهدف من دعوتهم هو الانتصار لأهل البيت علیهم السلام الّذين تعرّضوا للظلم والاضطهاد، واُريقت دماؤهم في سبيل الحق.

وركّز العبّاسيّون. بين صفوف دعاتهم بأن الهدف المركزي من دعوتهم هو رجوع الخلافة المغصوبة إلى أهلها، ولهذا تفاعل الناس مع شعار (الرضا لآل محمد) ووجدوا بهذا الشعار ضالّتهم.

وكان يعتقد الدعاة أنّ هذه الدعوة تنبيء بظهور عهد جديد يضمن لهم حقوقهم كما عرفوه من عدالة علي.

وقد حقّق هذا الشعار نجاحاً باهراً خصوصاً في البلاد الّتي كانت قد لاقت البؤس والحرمان وكانت تترقّب ظهور الحق على يدي أهل بيت النبوة علیهم السلام.

الأسلوب الثاني: ركّز العبّاسيون على إخفاء إسم الخليفة الّذي يدعون إليه وتكتِموا على أمره وأوعدوا الناس بأنّ الخليفة لا يمكن إظهار اسمه إلّا بعد زوال سلطان الأمويّين وهناك يعلن اسمّه الّذي تعرفه القواد والنقباء.).(2)

الأسلوب الثالث: كان العبّاسيون يلبسون السواد وكانوا يرمزون به إلى محاربة الظالمين وإظهار الحزن والتألّم لأهل البيت علیهم السلام والشهداء الّذين لحقوا بهم.

وهكذا قامت الدعوة العبّاسيّة باسمهم للإنتقام من الأمويّين.


1) الدينوري، ص 360.

2) راجع الإمام الصادق والمذاهب الأربعة.

وتركيزاً لهذا الشعار الّذي كان له وقع بالغ في النفوس أرسل إبراهيم الإمام لواءً يُدعى الظِل أو السحاب على رمح طويل - وكان ثلاثة عشر ذراعاً، - وكتب إلى أبي مسلم: إنّي قد بعثت إليك براية النصر).(1)وقد تأوّلوا الظل أو السحاب: بأنّ السحاب يُطبّق الأرض، وكما أنّ الارض لا تَخلو من الظل كذلك لا تَخلو من خليفة عبّاسي(2)وأنّ ذلك يمثّل لواء رسول الله صلّی الله علیه و آله لانّهم ذكروا أنّ لواءه في حروبه وغزواته كان أسود.

إجتماع الأبواء.

وكان الهدف من عقد هذا الاجتماع الصوري فَهمَ خطط الإمام والعلويّين من خلال اقتراح تعیین خليفة وتطلعات وهموم العلويّين من جهة وتهيئة الأجواء الودّية وإشاعة روح المحبّة والوئام بينهم وبين العلويّين وتطميناً لخواطرهم من جهة أخرى أو على أقل تقدير جعلهم محايدين في هذا الصراع ليتم لهم ما يهدفون إليه وبذلك يكونون قادرين على تحشيد ما استطاعوا من قوّة لصالحهم، فكان محل الاجتماع هو منطقة الأبواء (الّتي تقع بين مكّه والمدينة).

ودعوا إلى الاجتماع كبّار العلويّين والعبّاسيّين فحضر كلٌّ من إبراهيم الإمام والسفّاح والمنصور وصالح بن علي وعبدالله بن الحسن وإبناء محمد ذوالنفس الزكيّة وإبراهيم وغيرهم.

وقام صالح بن علي خطيباً فقال: (قد علمتم أنّكم الّذين تمّد الناس أعينهم إليهم، وقد جمعكم الله في هذا الموضع، فاعقدوا بيعةً لرجل منكم تعطونه إيّاها من أنفسكم، وتواثقوا على ذلك حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين).

ثم حمد الله عبدالله بن الحسن، وأثنى عليه ثم قال: قد علمتم أنّ إبني هذا هو المهدي فهلّموا لنبايعه. وقال أبو جعفر المنصور: لأي شيء تخدعون أنفسكم، ووالله


1) الطبري، ج 9، ص 82.

2) الكامل لابن الاثير، ج 5، ص 170 و الطبري، ج 9، ص 85

لقد علمتم ما في الناس أحداً أطول أعناقاً، ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى - يريد محمد بن عبدالله - قالوا قد - والله - صدقت إنّ هذا لهو الّذي نعلم فبايعوا جميعاً محمّداً، ومسح على يده كلّ من إبراهيم الإمام والسفّاح والمنصور وكلّ من حضر الاجتماع(1)وبعد أن أنهى مؤتمرهم أعماله بتعيين محمد بن عبدالله بن الحسن خليفة للمسلمين، أرسلوا على الإمام الصادق علیه السلام فجاء فقال: لماذا اجتمعتم؟ قالوا: نبايع محمد بن عبدالله فهو المهديّ، فقال الإمام جعفر الصادق علیه السلام: لا تفعلوا فإنّ الأمر لم يأت بعد، وهو ليس بالمهديّ، فقال عبدالله، ردّاً على الإمام علیه السلام: يحملك على هذا الحسد لابني! فأجابه الإمام علیه السلام بخُلق الأنبياء: والله لا يحملني ذلك ولكن هذا وإخوته وأبناؤهم دونكم وضرب بيده على ظهر أبي العباس، ثم قال لعبدالله: ماهي إليك ولا إلى إبنيك، ولكنها لبني العبّاس، وأنّ إبنيك لمقتولان، ثم نهض علیه السلام، وقال: إنّ صاحب الرداء الأصفر - يقصد بذلك أبا جعفر - يقتله. فقال عبدالعزيز: والله ما خرجت من الدنيا حتى رأيته قتله وانفضّ القوم، فقال أبو جعفر المنصور للإمام جعفر علیه السلام: تتّم الخلافة لي؟ فقال: نعم أقوله حقاً.(2)

تحرك العبّاسيّين بعد اجتماع الأبواء: بعد أن حقّق اجتماع الأبواء غرضه وأنسَ الحاضرون بقراره الكاذب نشط إبراهيم الإمام بالاتّجاه الآخر ليواصل عمله بلا رجوع لأعضاء المؤتمر ولا للخليفة المرشَّح فأصدر عدّة قَرارات كعادته سرّاً.

منها: أنّه كتب إلى شيعته في الكوفة وخراسان: إنّي قد أمرت أبامسلم بأمري فاسمعوا له وأطيعوا، قد أمّرته على خراسان وما غلب عليه) وكان ذلك سنة (128) ه- وكان أبو مسلم لا يتجاوز عمره التسع عشرة سنة وكان يقظاً فاتكاً غادراً لا يعرف الرحمة ولا الرأفة وكان ماهراً في حبك الدسائس. ودهش الجميع لتعيين أبي مسلم في


1) مقاتل الطالبيّين، ص 256.

2) الخرائج والجرائح، ج 2، ص 765 و بحار الأنوار، ج 47، ص 120 و مقاتل الطالبین، ص 256.

هذا المنصب الخطير نظراً لحداثة سنّه وقلّة تجاربه، وأبى جمع من الدعاة طاعته والانصياع لأوامره إلّا أنّ إبراهيم الإمام ألزمهم السمع والطاعة.(1)وأبومسلم فيما بعد أقدم على إعدام جميع من عارض اختياره لقيادة هذه المنطقة.

أمّا ماهو الخط الّذي سوف يتحرّك بموجبه أبو مسلم لإعلان ثورته هناك؟ فقد جاء هذا الخط في وصيّة إبراهيم الإمام له عندما قال: يا عبدالرحمن إنّك منّا أهل البيت فاحفظ وصيّتي، انظر هذا الحي من اليمن فأكرمهم، وحل بين ظهرانيهم، فإنّ الله لا يتمّ هذا الأمر إلّا بهم، وانظر هذا الحيّ من ربيعة فاتّهمهم في أمرهم، وانظر هذا الحي من مضر فإنّهم العدوّ القريب الدار، فاقتل من شككت في أمره ومن وقع في نفسك منه شيء، وإن شئت أن لاتدع بخراسان من يتكلم العربيّة فافعل، فأيّما غلام بلغ خمسة أشبار فاقتله.(2)وهذه الوصيّة تلخّص السياسة العبّاسيّة مع المسلمين.

وقد أثّر أبو مسلم الخراساني في الناس لتعاطفه معهم إذ كان يتمتّع بصفات تؤهّله لهذا الموقع فهو خافض الصوت فصيح بالعربيّة والفارسيّة حلو المنطق راويةٌ للشعر لم يرُ ضاحكاً ولا مازحاً إلّا في وقته ولا يكاد يُقطبّ في شيء من أحواله، تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر السرور وتنزل به الحوادت الفادحه، فلا يُرى مكتئباً، وعندما سئل إبراهيم الإمام عن أهليّة أبي مسلم قال: إنّي قد جرّبت هذا الإصفهاني، وعرفت ظاهره وباطنه فوجدته حَجَر الارض.(3)

وفجّر الثورة هناك وكان يبذر الشقاق بين جنود الأمويّين ليحصل الانقسام بينهم. وقد استفاد بذلك ونجح في مهمّته، وقد انجفل الناس من هرات والطالقان، ومرو، وبلخ وتوافروا جميعاً مسوّدين الثياب.(4)


1) تأريخ ابن الاثير، ج 4، ص 195 و تأريخ ابن الساعي، ص 3.

2) تأريخ ابن الأثير، ج 4، ص 295.

3) وفيات الأعيان لأبن خلكان، ج 3، ص 145.

4) الديثوري، ص 360.

وباشر أبو مسلم إبادة الأبرياء فقتل - فيما ينقل المؤرخون - ستمائة ألف عربيّ بالسيف صبراً عدا من قتل في الحرب.(1)وتقدّمت جيوش أبي مسلم بعد أن هزمت ولاة الأمويّين في خراسان نحو العراق - وهي كالموج - تخفق عليها الرايات السود فاحتلت العراق وبهذا اُعلن الحكم العبّاسي على يد أبي مسلم الخراساني في الكوفة سنة 132 ه-.

الخلاصه

回 في العقود الأخيرة من العهد الأموي أخذت الأمّة تزداد قناعة بضرورة التخلّص من الحكم الأموي الفاسد وكان خط أهل البيت علیهم السلام قد أخذ بقلوب الناس وعقولهم. ومن هنا تحرك العبّاسيون مستغلّين هذا التوجه لأهل البيت علیهم السلام رافعين شعار الدعوة إلى (الرضا من آل محمد صلّی الله علیه و آله) واكتسحوا الساحة بهذا الشعار مستعملين عدة أساليب تبليغيّة كان يستتر خلفها مخطّطوا الثورة ضد الحكم الأموي كما استطاعوا أن يقوموا بتصفية العناصر الّتي تطلب الحكم من العلويّين وأتباعهم من خلال ماعرفوه في اجتماع الأبواء.

回 و كان موقف الإمام الصادق علیه السلام سلبياً وصريحاً وكاشفاً عن عدم طعمه في الحكم وعدم توجّهه إلى الخلافة ومخبراً بوصول الحكم إلى العبّاسيّين أى أنّه علیه السلام كان قد كشف للحاضرين نوايا العبّاسيّين الّتي كانت قد استترت خلف قرارات هذا الاجتماع.


1) عبادة الإمام موسى، ج 1، ص 326.

الأسئلة

1.

لماذا انهار الحكم الأموي في عقوده الأخيرة؟

2.

لماذا انخرط الناس تحت لواء من كان يرفع شعار الرضا من آل محمد؟

3.

ما هي أساليب العبّاسيّين لاكتساح الساحة الإسلاميّة؟

4.

ما هي الأهداف الّتي كانت تكمن وراء اجتماع الأبواء؟

5.

ماذا كان موقف الإمام علیه السلام من قرارات اجتماع الأبواء؟

6.

ما هي دلالات إخبار الإمام علیه السلام للسفاح وأخيه بوصولهم إلى الحكم؟

7.

ما هي تحرّكات العبّاسيّين بعد اجتماع الأبواء؟

الدرس 40: الإمام الصادق علیه السلام والحكم العباسي

اشارة

التزم الإمام الصادق علیه السلام إزاء المستجداّت السياسيّة في هذه المرحلة موقف الحياد، لکنّه من جانب آخر كان يواصل العمل على نهجه السابق، وأخذ يتحرّك بقوّة ويوسّع من دائرة الأفراد الصالحين في المجتمع تحقيقاً لهدفه الّذي كان قد خطّط له قبل هذا الوقت.

و من هذا المنطلق أصدر جملة من التوصيات لشيعته كان من شأنها أن تَجنَّبهم الدخول في المعادلات السياسيّة المتغيّرة الّتي تؤدّي بنتيجتها إلى استنزاف الوجود الشيعي في نظر الإمام علیه السلام محذِّراً من أساليب العنف والمواجهة لهذه المرحلة.

فعن أبي بصير قال سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: اتقوّا الله وعليكم بالطاعه لأئمّتكم، قولوا ما يقولون، واصمتوا عمّا صمتوا، فإنّكم في سلطان من قال الله تعالى: (وإن كان مكرهم لتذول منه الجبال)(1)يعني بذلك ولد العباس، فأتّقوا الله فإنّكم في هدنة، صلّوا في عشائرهم واشهدوا جنائزهم وأدوّا الأمانة اليهم.(2)

ويمكن بلورة سيرة الإمام علیه السلام ومنهجه السياسي مع الأطراف الطامعة في الحكم،


1) إبراهيم / 46.

2) الكافي، ج 8، ص 210.

أو العبّاسيّين الّذين كانوا يرون في الإمام الصادق علیه السلام وخطّه خطراً حقيقياً على سلطانهم ولو على المدى البعيد من خلال المواقف التالية:

1. موقف الإمام علیه السلام من عرض أبي سلمة الخلّال

كان أبوسلمة الخلّال أحد الدعاة العبّاسيّين النشطين في الكوفة، وقد لعب دوراً متميّزاً في نجاح الدعوة العبّاسيّة وتكثير أنصارها في الكوفة، لما امتاز به من لباقة وعلم ودهاء وثراء حيث أنفق كثيراً من مالهِ الخاصّ على رجال الدعوة العبّاسيّة وكانت له علاقة خاصّة واتّصالات مستمّرة بإبراهيم الإمام.

لقد أدرك هذا الرجل بعد موت إبراهيم الإمام بأنّ الاُمور تسير على خلاف ماكان يطمح إليه أو أنّه كان قد تغيّر هواه واستجدّ في نفسه شيء، فقد لاحظ مثلاً أنّ مستقبل الخلافة سيكون إلى أبي العبّاس أو المنصور وهما غير جديرين بالخلافة أو لطمعه في السلطة فكتب للعلويّين وفي مقدمّتهم الإمام الصادق علیه السلام بأنّه يريد البيعة لهم.

لكننا لا نفهم من رسالة - أبي سلمة - للإمام بأنّها رسالة ندم أو اعتراض على النهج العبّاسي وخديعتهم للعلويّين أو كشف أساليبهم في الاستيلاء على السلطة.

والّذي ذكره مشهور المؤرّخين،(1)هو أنّ أبا سلمة الخلّال أراد نقل الخلافة إلى العلويّين ولم يوفّق لذلك.

وقد احتمل البعض أنّ أبا سلمة فعلاً كان صادقاً في عرضه كما احتمل آخرون أنّ هناك عوامل اُخرى كانت قد دفعته لذلك، منها: أنّه أراد أن يتخلّص من خصومه فاحتمى بالعلويّين.

وهنا لابدّ أن نرجع إلى جواب الإمام علیه السلام على رسالة أبي سلمة حيث نجد فيه أنّ الإمام علیه السلام قد رفض العرض، لا بسبب كون الظروف قلقة وغير مؤاتية فحسب بل كان


1) الطبري، ج 9، ص 124 و ابن قتيبة، ص 128 و الطقطقي، ص 127 و الفرج بعد الشدة، ص 347 و غيرهم.

الرفض يشمل أباسلمه نفسه، فقد قال : مالي ولأبي سلمة وهو شيعة لغيري؟!!(1)

وأكّد الإمام علیه السلام رفضه القاطع عندما قام بحرق الرسالة جواباً لأبي سلمة. قال المسعودي: كاتَبَ أبوسلمة الخلّال ثلاثة من أعيان العلويّين وهم جعفر بن محمد الصادق علیه السلام وعمر الأشرف بن زين العابدين وعبدالله المحض وأرسل الكتب مع رجل من مواليهم كان يسمّى محمّد بن عبدالرحمن بن أسلم مولىً لرسول الله صلّی الله علیه و آله. وقال أبوسلمة للرسول: العجل العجل فلا تكوننّ كوافد عاد. وقال له: أقصد أوّلاً جعفر بن محمد الصادق فإن أجاب فأبطل الكتابين الآخرين وإن لم يُجب فالق عبدالله المحض فإن أجاب فأبطل كتاب عمر وإن لم يجب فالق عمر.

فذهب الرسول إلى جعفر بن محمد أوّلاً، ودفع إليه كتاب أبي سلمة فقال الإمام علیه السلام مالي ولأبي سلمة وهو شيعة لغيري قال له الرجل: إقرأ الكتاب. فقال لخادمه إدن السراج منّي فأدناه. فوضع الكتاب على النار حتّى احترق، فقال الرسول ألا تجبه؟ قال علیه السلام: قد رأيت الجواب، عرّف صاحبك بما رأيت.(2)

2. موقف الإمام الصادق علیه السلام من العلويّين

أمّا العلويّون الّذين خدعهم العبّاسيّون في اجتماع الأبواء قبل انتصار العبّاسيّين وبايعوا في حينه محمّد بن عبدالله كخليفة للمسلمين، فقد استجاب عبدالله بن الحسن أيضاً للعرض الّذي تقدّم به أبوسلمة وجاء للإمام الصادق علیه السلام مسروراً يبشّره بهذا العرض. قال المسعودي: فخرج الرسول من عند الإمام الصادق وأتى عبدالله بن الحسن، ودفع إليه الكتاب وقرأه وابتهج، فلمّا كان غد ذلك اليوم الذي وصله فيه الكتاب ركب عبدالله حتى أتى منزل أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق علیه السلام فلمّا رأه


1) مروج الذهب المسعودي، ج 3، ص 184 و الآداب السلطانية، ص 137.

2) مروج الذهب، ج 3، ص 184 و الآداب السلطانية، ص 137.

أبو عبدالله أكبر مجيئه، وقال يا أبا محمد (وهي كتبة عبدالله المحض) أمرٌ مّا أتى بك؟ قال: نعم هو أجل من أن يوصف. فقال له: وما هو يا أبا محمّد؟ قال: هذا كتاب أبي سلمة يدعوني للخلافة، وقد قدمت عليه فقال له أبو عبدالله: يا أبا محمد، ومتى كان أهل خراسان شيعة لك؟ أنت بعثت أبا مسلم إلى خراسان؟ وأنت أمرتهم يلبس السواد؟ هؤلاء الّذين قدموا العراق أنت كُنت سبب قدومهم أو وجّهت فيهم؟ وهل تعرف منهم أحداً؟

فنازعه عبدالله بن محمّد لأنّه مهديّ هذه الأمّة، فقال أبو عبدالله جعفر الصادق علیه السلام: ماهو مهديّ هذه الأمّة ولئن شهر سيفه ليقتلنّ. فقال عبدالله: كان هذا الكلام منك لشيء: فقال الصادق علیه السلام: قد علم الله أنّي أوجب النصيحة على نفسي لكلّ مسلم، فكيف أدّخرها عنك فلا تمنّ نفسك الأباطيل، فإنّ هذه الدولة ستتم لهؤلاء وقد جاءني مثل الكتاب الّذي جاءك.(1)

3. موقف الإمام علیه السلام من عرض أبي مسلم الخراساني

أمّا ابو مسلم الخراساني الّذي قاد الإنقلاب على الأمويّين في خراسان وتمّ تأسيس الدولة العبّاسيّة على يديه نجده في الشهور الأولى من انتصار العبّاسيّين وإعلان البيعه لأبي العبّاس السفّاح بالكوفة يكتب إلى الإمام الصادق علیه السلام رسالة يريد بها البيعة للإمام علیه السلام حيث جاء فيها: (إنّي قد أظهرت الكلمة، ودعوت الناس عن موالاة بني اُميّة إلى موالاة أهل البيت فإن رغبت فلا مزيد عليك.).(2)

ولاشك أنّ أبامسلم الخّراساني المعروف بولائه وإخلاصه للعباسييّن - وهو صنيعتهم - يعتبر صدور رسالة من عنده بهذهِ اللهجة نوعاً من المفاجأة، ولابدّ أنّها


1) مروج الذهب ، ج 3، ص 184 و الآداب السلطانية، ص 137.

2) الملل والنحل للشهرستاني، ج 1، ص 241.

تكون متأثّرة بعوامل طارئة كانت قد غيّرت من قناعاته سواء كانت تلك العوامل ذاتيّة أو موضوعيّة وإلّا فما هي الجهة الّتي تربطه بالإمام علیه السلام.

لم يحدّثنا التأريخ عن أيّة علاقة بينه وبين الإمام علیه السلام، لا عقائديّة، ولا سياسيّة سوی لقاء واحدٍ لم يتم فيه التعارف بينهما أو التفاهم.

نعم كان الإمام علیه السلام قد عَرِفَهُ وذكر اسمه ومستقبله السياسي قبل إعلان العبّاسيّين ثورتهم.(1)

أمّا موقف الإمام علیه السلام من عرض أبي مسلم الخراساني فيمكن معرفته من خلال جواب الإمام على الرسالة، فقد جاء في جوابه علیه السلام: ما أنت من رجالي ولا الزمان زمانی.(2)

إنّ أبا مسلم قبل أيّام قد سفك من الدماء البريئة مئات الآلاف، حتّى قيل لعبدالله بن المبارك: أبو مسلم خير أو الحجّاج؟ قال: لا أقول إنّ أبا مسلم كان خيراً من أحد ولكن الحجاج كان شراً منه.(3)

وكان لا يعرف أحداً من خطّ أهل البيت ومواليهم، وكانت علاقته محصورة بدائرة ضيّقة كما حدّدها له مولاه إبراهيم الإمام عندما أمره أن لا يخالف سليمان بن كثير فكان أبو مسلم يختلف ما بين إبراهيم وسليمان.(4)

كما نجده بعد مقتل إبراهيم الإمام الّذي كان يدعو له يتحوّل بولائه لأبي العبّاس السفّاح ومن بعده لأبي جعفر المنصور، علماً بأنّ العلاقة كانت بينه وبين المنصور سيّئة جدّاً وكان أبو مسلم يستصغر المنصور أيّام حكومة السفّاح.(5)إلا أنّ المنصور ثأر لنفسه


1) أعلام الورى، ص 279.

2) الملل والنحل للشهرستاني، ج 1، ص 241.

3) وفيات الأعيان، ج 3، ص 145.

4) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 349.

5) راجع تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 349.

منه أيّام حكومته فقتله شرّ قتله.

الإمام الصادق و ضرورة الثورة

لقد ساهمت الظروف السياسيّة الساخنه في إيجاد بعض التصوّرات والإرهاصات عند أصحاب الإمام علیه السلام اُسوة بباقي الناس، وقد لاحظ هؤلاء بأنّ الظرف مناسب لتفجير الوضع واستلام الحكم لضنحامة ما يشاهدونه من شعبيّة الإمام وكثرة الناس الموالين له.

جاءت هذه التساؤلات عندما ورد إلى الإمام علیه السلام كتاب أبي مسلم الخراساني فعن الفضل الكاتب قال كنت عند أبي عبدالله علیه السلام فأتاه كتاب أبي مسلم فقال: ليس لكتابك جواب اُخرج عنّا فجعلنا يُسارّ بعضنا بعضاً فقال: أيّ شيء تسارُّون يافضل؟ إنّ الله عزّ ذكره لا يعجّل العجلة العباد، ولَإزالة جبل عن موضعه أيسر من زوال ملك لم ينقض أجله. ثم قال: إنّ فلان بن فلان، حتى بلغ السابع من ولد فلان. قلت: فما العلامة فيما بيننا وبينك جعلتُ فداك؟ قال: لا تبرح الأرض يافضل حتى يخرج السفياني، فإذا خرج السفياني فأجيبوا إلينا - يقولها ثلاثاً- وهو من المحتوم.(1)

وروى المعلّى بأنّه جاء إلى الإمام علیه السلام بكتب كثيرة من شيعته تطالبه بالنهوض(2)وكان جواب الإمام علیه السلام أنّ الكثرة المزعومة وذلك العدد الّذي لا يستهان به لهو أحوج ما يكون إلى الإخلاص ورسوخ العقيدة في النفوس فلايمكن للإمام علیه السلام أن يخوض المعركة بالطريقة الّتي يفكّر بها فضل الكاتب أو سهل الخراساني وغيرهم فإنّ المغامرة من هذا النوع والدخول في اللُعَب السياسيّة استغلالاً للظرف ستؤول إلى نتائج لم يدركها هؤلاء حيث ستتكوّن تجربة عقيمة تعطّل المخطّط الإلهي الّذي تكلّفه


1) الكافي، ج 8، ص 331 و بحار الأنوار، ج 48، ص 297 و وسائل الشيعة، ج 11، ص 37.

2) الكافي، ج 8، ص 274.

الإمام علیه السلام حتّى في حالة نجاح الإمام العاجل وتسلّمه لمقاليد الحكم لفترة وجيزة.

الإمام الصادق علیه السلام في الكوفة

وكان حضور الإمام الصادق في الحيرة المدينة القريبة من الكوفة قد لفت أنظار الأمّة جميعاً واتّجهت الناس حوله لتنهل من علومه وتستفيد من توصياته وتوجيهاته حتّى قال محمد بن معروف الهلالي: مضيت إلى الحيرة إلى جعفر بن محمّد فما كان لي من حيلة من كثرة الناس فلمّا كان اليوم الرابع رآني، فأدناني...(1)

وهذا الحشد الجماهيري الكبير الّذي يؤمن بأهليّة الإمام علیه السلام وأعلميّته والتفافه المستمّر حول الإمام علیه السلام قد دفع الحكومة العبّاسيّة الى أن تحدَ من هذه الظاهرة لكنّ الإمام علیه السلام انطلاقاً من محافظته على مسيرة الاُمّة ودفاعاً عن الإسلام نجده قد مارس مع السفّاح أسلوباً مرناً.

فعن حذيفة بن منصور، قال: كنت عند أبي عبدالله علیه السلام بالحيرة، فأتاه رسول أبي العبّاس السفّاح الخليفة، يدعوه فدعا بممطر أحد وجهيه أسود والآخر أبيض، فلبسه، ثم قال أبو عبدالله علیه السلام: أما أني ألبسه، وأنا أعلم أنّه لباس أهل النار.(2)

واستمرّت إجراءات العبّاسيّين للحدّ من ظاهرة الالتفاف حول الإمام والاستفادة من علومه. فقد روى هارون بن خارجة أنّه كان رجل من أصحابنا طلّق أمرأته ثلاثاً فسأل أصحابنا، فقالوا: ليس بشيء: فقالت أمرأته لا أرضى حتى تسأل أباعبدالله علیه السلام وكان في الحيرة إذ ذاك، أيّام أبي العبّاس السفاح. فقال: فذهبت إلى الحيرة ولم أقدر على مكالمته، إذ منع الخليفة الناس من الدخول على أبي عبدالله وأنا أنظر كيف إلى لقائه ؟ فإذا سواديّ(3)عليه جبّة صوف يبيع خياراً، فقلت له: بكم خيارك هذا كلّه؟ قال:


1) فرصة الغري، ص 59.

2) الكافي، ج 6 ، ص 449 و بحار الأنوار، ج 47، ص 45 و وسائل الشيعة، ج 3، ص 279.

3) سوادي: نسبة إلى العراق الّذي سمي بأرض السواد أو إلى السوادية قرية بالكوفة.

بدرهم فأعطيته درهماً، وقلت له أعطيني جبتّك هذه فأخذتها ولبستها وناديت مَن يشتري خياراً؟ ودنوت منه! فإذا غلام من ناحية ينادي: ياصاحب الخيار! فقال لي -لما دنوت منه-: ما أجود ما احتلت إلى حاجتك؟

قلت: إنّي ابتليت: فطلّقت أهلي ثلاثاً في دفعة، فسألت أصحابنا فقالوا: ليس بشيء، وإنّ المرأة قالت لا أرضي حتى تسأل أبا عبدالله علیه السلام فقال: ارجع إلى أهلك فليس عليك شيء.(1)

وهكذا انطلق العبّاسيّون من هذه النقطة باتّجاه تصفية الإمام علیه السلام وتجميد نشاطه لأنّهم كانوا يرون فيه البديل القوي لهم لاستلام الحكم على المدى البعيد بالرغم من عدم ممارسة أي نشاط سياسي ظاهر له وانشغاله بالفقه وعلوم الشريعة والتصدّي للتحديات الفكريّة الحضاريّة آنذاك.

لكن هذا النشاط بدوره ينتهي إلى المرجعيّة الفكريّة والعلميّة وهي مصدر خطر للسياسة لأنّها ترشّح الفرد المرجع إلى مركز الحكم فيكون قويّاً بفكره وبأنصاره وهو تهديد حقيقي للحكم غير المشروع.


1) الخرائج والجرائح، ج 2، ص 642 و بحار الأنوار، ج 47، ص 171 و وسائل الشيعة، ج 15، ص 319.

الخلاصه

回كان موقف الإمام الصادق علیه السلام من الحكم العبّاسي موقف المحايد ولم يتدخل في شؤونهم من قريب ولا من بعيد ولم يستجب لأي واحد من العروض الّتي عرضت عليه قبل الانتصار أو بعده.

回 و قد حاول الإمام أن يجيب على تساؤلات شيعته الّذين كانوا يرون ظواهر الاُمور وهي تسير باتّجاه يستطيع الإمام وأصحابه من خلاله استلام زمام الحكم دون أضرار كبيرة. وكان جواب الإمام هو عدم الاغترار بظواهر الحوادث الجارية وضرورة التسليم للإمام المفترض الطاعة العالم بحقائق الأمور. وقد استمر الإمام في نشاط العلمي بالرغم من بدء العبّاسيّين بسياسة التضييق على الإمام وهم في بدايات عهدهم الجديد.

الأسئلة

1.

ما هو موقف الإمام علیه السلام من العروض الّتي وردته قبل انتصار العبّاسيّين؟

2.

ما هو موقف الإمام علیه السلام من العروض الّتي وردته بعد انتصار العبّاسيّين؟

3.

ما هي أسباب إعراض الإمام عن كلّ هذه العروض؟

4.

ما هي إجابة الإمام على تساؤلات أصحابه حول ضرورة الثورة؟

5.

لماذا بدأ العبّاسيّون سياسة التضييق على الإمام علیه السلام؟

الدرس 41: موقف المنصور من الإمام الصادق علیه السلام

اشارة

استولى ابو جعفر المنصور على الحكم بعد وفاة أخيه السفاح سنة (136 ه-).

«وعُرف المنصور بأنّه كان خدّاعاً لا يتردد في سفك الدماء وكان سادراً في بطشه مستهتراً في فتكه(1)».

ووصفه ابن هبيرة - وهو أحد معاصريه - بقوله: (ما رأيت رجلاً في حرب أوسلم أمكر ولا أنكر ولا أشد تيقّظاً من المنصور(2)» لذا نجده بمجرد أن استلم زمام الحكم بادر إلى قتل أبي مسلم الخراساني الّذي يبغضه. وأبومسلم هو القائد الأوّل للانقلاب العبّاسي. وكان المنصور قد أعدّ له مكيدةً وأغراه بالمجيء إلى بغداد، بعد أن جرّده من كلّ مناصبه العسكرية.

ولمّا دخل أبومسلم الخراساني على المنصور قابله بقساوة بالغة وأخذ يعدّد عليه أعماله وأبومسلم يعتذر عن ذلك.

وهنا صفّق المنصور عالياً، فدخل الحرّاس وبأيديهم السيوف فقال: أبومسلم للمنصور متوسّلاً: استبقني لعدّوك فصاح به «وأيّ عدوٍ أعدى لي منك؟».


1) تأريخ ابن الأثير، ج 4، ص 355.

2) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 399.

وبمثل هذا الأسلوب أيضاً قد غدر بعمّه عبدالله بن علي حيث ارسل عليه بعد أن كان قد اعطاء الأمان - وقتله بعد ذلك.(1)

وبالرغم من كلّ تحفّظات الإمام الصادق علیه السلام تجاه العبّاسيّين وعدم الدخول في أي شأن سياسي يختص بهم أو يمّت اليهم بصلة، لم يتركه المنصور العبّاسي حرّاً في نشاطه بل بدأ يخطّط للتآمر على الإمام علیه السلام ونشاطه ضمن عدّة مراحل وخطوات.

إنّ مخطط المنصور ضد الإمام الصادق علیه السلام ونهضته العلميّة بشكل عام قد مرّ بثلاث مراحل:

المرحلة الولى: المرونة والاستفادة من جهد الإمام علیه السلام لاحتوائه ضمن سياسة الخلافة العبّاسيّة فقد كتب إليه «لِمَ لا يغشانا كسائر الناس؟!

فأجابه الإمام علیه السلام: ليس لنا مانخافك ولاعندك من أمر الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنئك بها ولاتراها نقمة فنعزّيك بها».

فكتب إليه المنصور: تصحبنا لتنصحنا.

فأجابه الإمام علیه السلام: من أراد الدنيا لا ينصحك، ومَن أراد الآخرة لا يصحبك. قال: المنصور: والله لقد ميّز عندي منازل الناس، من يريد الدنيا ممن يُريد الآخرة، وإنّه ممّن يريد الآخرة لا الدنيا.(2)

ومن أساليب المنصور مع الإمام في هذا الاتجاه ماجاء عن عبدالوهاب عن أبيه قال: بعث أبو جعفر المنصور إلى أبي عبد الله جعفر علیه السلام بن محمد علیه السلام وأمر بفرش فطرحت له إلى جانبه، فأجلسه عليها ثمّ قال: عليّ بمحمد عليَّ بالمهدي وأقبل المنصور على جعفر علیه السلام فقال: يا أباعبدالله حديث حدثتنيه في صلة الرحم اذكره يسمعه المهدي.


1) تأريخ الطبري، ج 1، ص 266.

2) كشف الغمّة، ج 2، ص 203 و 208 و بحار الأنوار، ج 47، ص 185.

قال: نعم، حدثّني أبي، عن أبيه، عن جدّه عن علي علیه السلام قال قال رسول الله صلّی الله علیه و آله: إنّ الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين، فيصيرّها الله عزّ وجلّ ثلاثين سنة ويقطعها وقد بقي من عمره ثلاثون سنة، فيصيّرها الله ثلاث سنين ثم تلا علیه السلام:

«یمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب».(1)

قال: هذا حسن يا أباعبدالله، وليس إياه أردت قال أبوعبدالله علیه السلام: نعم، حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه عن علي علیه السلام قال:

قال رسول صلّی الله علیه و آله : صلة الرحم تعمّر الديار وتزيد في الأعمار وإن كان أهلها غير أخيار.

قال: هذا حسن يا أبا عبدالله، وليس هذا أردت.

فقال أبوعبدالله علیه السلام: نعم ، حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه عن علي علیه السلام قال:

قال رسول الله صلّی الله علیه و آله: صلة الرحم تهّون الحساب وتقي ميتة السوء.

قال المنصور: نعم إيّاه أردت.(2)

إنّ السلاطين يخافون الموت، فالإمام علیه السلام ركّز على هذه الناحية وربطها بصلة الرحم لتعالج الحقد والكيد الّذي يشغل ذهن المنصور ضدّ الإمام علیه السلام والعلويّين من أهل بيته، لذا أكّد علیه السلام عن طريق الأحاديث بأنّ طول العمر يرتبط بصلة الرحم.

المرحلة الثانية: مرحلة المراقبة لحركة الإمام الصادق علیه السلام ورصد نشاطاته للحصول على آخر المعلومات عنه ليستطيع أن يتخذ منها دليلاً ومستمسكاً للنيل من الإمام علیه السلام والتضيق على حركته الّتي كان يرى فيها المنصور خطراً حقيقياً على سلطانه.

وقد اتخذ لذلك عدة أساليب:


1) الرعد / 29.

2) أمالي ابن الشيخ، ج 2، ص 94 و بحار الأنوار، ج 47، ص 163 و البرهان، ج 2، ص 299.

الأسلوب الأوّل: أسلوب الاندساس في صفوف العلويّين وإغرائهم وجمع المعلومات عنهم.

قال مهاجر بن عمّار الخزاعي: بعثني أبو الدوانيق إلى المدينة، وبعث معي بمال كثير، وأمرني أن أتضرّع لأهل هذا البيت، وأتحفّظ مقالتهم، قال: فلزمت الزاوية الّتي ممّا يلي القبلة، فلم أكن أتنحّى منها في وقت الصلاة، لافي ليل ولا في نهار.

قال: وأقبلت أطرح إلى السؤّال - الّذين حول القبر - الدراهم ومن هو فوقهم الشيء بعد الشيء حتى ناولت شباباً من بني الحسن ومشيخةً (منهم) حتى آلفوني وآلفتهم في السر.

قال: وكلّما دنوت من أبي عبدالله علیه السلام يلاطفني ويكرمني حتّى إذا كان يوماً من الأيّام بعد مائلت حاجتي ممن كنت أريد من بني الحسن وغيرهم دنوت من أبي عبدالله علیه السلام وهو يُصلّي، فلما قضى صلاته التفت إليّ وقال:

تعال يامهاجر! - ولم أكن أتسمّى (باسمي) ولا أتكنى بكنيتي - فقال: قل لصاحبك:

يقول لك جعفر: كان أهل بيتك إلى غير هذا أحوج منهم إلى هذا، نجيىء إلى قوم شباب محتاجين فتدسّ إليهم، فلعلّ أحدهم يتكلم بكلمة تستحل بها سفك دمه.

فلو بررتهم ووصلتهم (وأنلتهم) وأغنيتهم، كانوا إلى هذا أحوج ممّا تريد منهم.

قال: فلما أتيت أبا الدوانيق، قلت له: جئتك من عند ساحر كان من أمره كذا وكذا فقال:

صدق والله لقد كانوا إلى غير هذا أحوج، وإيّاك أن يسمع هذا الكلام منك إنسان.(1)

الأسلوب الثاني: اسلوب التضعيف والنيل غير المابشر من مكانة الإمام علیه السلام فقد حاول المنصور أن يسلّط الضوء على بعض الشخصيّات ليجعل منها بدائل علميّة تغطّي


1) الخرائج والجرائح، ج 2، ص 646 و بحار الأنوار، ج 47، ص 172.

على الإمام علیه السلام، وتؤيد سياسته، وتساهم في تضعيف القدسيّة والانجذاب الجماهيري نحو الإمام علیه السلام وتؤدّي آخر الأمر إلى شقّ وحدة التيّار الإسلامي الّذي يقرّ بزعامة الإمام علیه السلام وأعلميّته.

وقد نجح المنصور في هذه الخطوة بعض النجاح فكسب بعض طلاب الإمام علیه السلام بعد أن أحاطهم بهالة من الاحترام والتقدير فخلق منهم وجوداً قبال وجود الإمام علیه السلام ونهجه الإسلامي المحمديّ.

قال الحسن بن زياد سمعت أبا حنيفة وقد سئل: مَن أفقه من رأيت؟ قال: جعفر ابن محمد.

ثمّ قال: لمّا أقدمه المنصور بعث إليّ، فقال: يا أباحنيفه! إنّ الناس قد فُتنوا. بجعفر بن محمد، فهّيء له من مسائلك الشداد.

فهيّأت له أربعين مسألة، ثم بعث إلي أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته.

فدخلت عليه، وجعفر جالس عن يمينه، فلما بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر مالم يدخل لأبي جعفر، فسلّمت عليه، فأومأ اليّ فجلست، ثم التفت إليه، فقال:

يا أبا عبدالله: هذا أبو حنيفه، قال نعم أعرفه.

ثم التفت اليّ فقال: يا أباحنيفة ألقِِ على أبي عبدالله علیه السلام من مسائلك.

فجعلت ألقي عليه فيجيبني، فيقول: «أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا» فربّما تابعنا، وربما تابعهم، وربما خالفنا جميعاً.

حتّى أتيت على الأربعين مسألة، فما أضلّ منها شيء، ثم قال أبو حنيفة: أليس إنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس؟!!.(1)

الأسلوب الثالث: اسلوب التحذير المباشر للإمام علیه السلام حيث لم تكن سياسة الإمام علیه السلام إزاء حكومة المنصور ذات طابع ثوري، بل سار الإمام على نهجه السابق


1) سير أعلام النبلاء، ج 9، ص 543.

في التغيير والإصلاح، وقد أوحى للمنصور في وقت سابق بأنّه لم يكن بصدد الثورة ضده بل صرّح له في أكثر من مرّة، في ذلك إلا أنّ المنصور لم يطمئن من جانب الإمام وكان يخشى من تحركه ومباغتته له كما باغت العبّاسيّون بني الحسن.

ولعل السبب هو ماكان يشاهده المنصور من ازدياد عددد مؤیدیه.

فعن حمران قال: قال أبوعبدالله علیه السلام وذكر هؤلاء عنده وسوء حال الشيعة عندهم فقال: إنّي سرت مع أبي جعفر المنصور وهو في موكبه، وهو على فرس وبين يديه خيل و من خلفه خيل، وأنا على حمار إلى جانبه، فقال لي:

يا أباعبدالله! قد كان ينبغي لك أن تفرح بما أعطانا الله من القوّة وفتح لنا من العزّ، ولا تخبر الناس أنك أحقّ بهذا الأمر منّا وأهل بيتك، فتغرينا بك وبهم.

قال: فقلت: ومن رفَعَ هذا إليك عنّي فقد كَذِبَ فقال: أتحلف على ما تقول؟

قال: فقلت: إنّ الناس سحرة - يعني - يحبّون أن يفسدوا قلبك عليّ، فلا تمكّنهم من سمعك، فإنّا إليك أحوج منك إلينا.

فقال لي: تذكر يوم سألتك هل لنا ملك فقلت: نعم طویل عریض شدید، فلا تزالون في مهلة من أمركم وفسحة في دنياكم حتى تصيبوا منّا دماً حراماً في شهر حرام في بلد حرام؟

فعرفت أنّه قد حفظ الحديث: فقلت لعل الله (عز وجل) أن يكفيك، فإنّي لم أخصّك بهذا، وإنّما هو حديث رويته، ثم لعل غيرك من أهل بيتك يتولى ذلك، فسكت عنّي.(1)

ثورة محمّد بن عبدالله ذي النفس الزكيّة

وبعد اختلاس العبّاسيّين للحكم تألّم محمّد فأخذ يدعو الناس إلى نفسه فاستجاب له الناس وبايعوه وبعد ذلك أعلن ثورته في المدينة وانضمت إليه أهالي اليمن ومكه


1) الكافي، ج 8، ص 36 و بحار الأنوار، ج 52، ص 255 و اثباة الهداة، ج 5، ص 351.

وقام بهم خطيباً ووضّح مظالم العبّاسيّين.

ولمّا علم المنصور بالثورة وجه جيشاً بأربعة آلاف فارس بقيادة عيسى بن موسى وبعد أن اندلعت الحرب وتفرّق جند محمد بن عبدالله اُصيب بجراح أدّى الى استشهاده.

موقف الإمام علیه السلام من الثورة

لقد حذّر الإمام الصادق علیه السلام عبدالله بن الحسن من الترويج لابنه محمّد على أساس أنّه المهديّ لهذه الاُمّة، وأخبره بمستقبل الأحداث ونّه بأنّها ستنتهي إلى استشهاد محمد وأخيه إبراهيم وأنّ الخلافة بعد أبي العبّاس السفّاح ستكون للمنصور.

وحينما سئل عن محمّد بن عبدالله ودعوته - قبل أن يعلن محمد ثورته - أجاب: إنّ عندي كتابين فيها اسم كلّ نبي وكلّ ملك يملك لا والله ما محمد بن عبدالله في أحدهما.(1)

ولمّا ثار محمّد بن عبدالله (ذو النفس الزكية) ترك الإمام الصادق علیه السلام المدينة وذهب إلى أرض له بالفرع فلم يزل هناك مقيماً حتى قلت محمّد فلما قتل واطمأنّ الناس وأمنوا رجع إلى المدينة.(2)

المرحلة الثالثة: مرحلة الفتك بالإمام واغتياله. كما سنلاحظ في الدرس اللاحق.


1) بحار الأنوار، ج 26، ص 115؛ بصائر الدرجات، ص 169.

2) كشف الغمّة، ج 2، ص 162 و بحار الأنوار، ج 47، ص 5.

الخلاصه

回 عرف المنصور بالخداع وسفك الدماء واستولى على الحكم سنة 136ه- وبالغدر تخلّص من أبي مسلم الخراساني وعمّه عبدالله بن علي.

回 و أمّا موقفه من الإمام الصادق علیه السلام بالرغم من عدم ممارسة الإمام علیه السلام لأي نشاط مثير ضد العبّاسيّين، بل كانت مواقفه تجاه الخروج عليهم مصحوبة بالتحذير، ولكن المنصور قد عبّر عن مكنون حقده على الإمام ضمن ثلاث مراحل (وثلاثة اتّجاهات): مرحلة المرونة، مرحلة المراقبة ومرحلة الفتك بالإمام علیه السلام. واتخذ في المرحلة الثانية عدة أساليب للوصول إلى هدفه هي: أسلوب الاندساس في صفوف العلويّين وإغرائهم لجمع المعلومات عنهم، واسلوب التضعيف غير المباشر للإمام علیه السلام وايجاد الفرقة بين تلامذته وأصحابه، واسلوب التحذير والتهديد المباشر للإمام علیه السلام.

الأسئلة

1.

ما هي معالم شخصيّة المنصور؟

2.

كيف ولماذا غدر المنصور بأبي مسلم الخراساني؟

3.

لماذا وكيف غدر المنصور بعمّه؟

4.

ماذا خطط المنصور ضد الإمام الصادق علیه السلام ولماذا ؟

5.

ما هي مراحل المواجهة من قبل المنصور ضدّ الإمام علیه السلام؟

6.

ما هي الأساليب الّتي اتخذها المنصور في مرحلة المراقبة للإمام علیه السلام؟

7.

لماذا خطط المنصور ضد الإمام الصادق علیه السلام؟

الدرس 42: العقد الأخير من حياة الإمام الصادق علیه السلام

اشارة

لقد كان العقد الأخير من حياة الإمام الصادق علیه السلام في حكومة المنصور يمثّل مرحلة تكثيف التشدّد والمراقبة لحركة الإمام بحيث تخللّتها عدة محاولات لإغتيال الإمام علیه السلام.

وحينما علم الإمام علیه السلام أنّ المنصور قد صمّم على قتله، أخذ يمارس مجموعة من الأنشطة الّتي يهیّيء فيها الخطّ الشيعي لمواصلة الطريق من بعده وهذه الأنشطة يمكن ايجاز الكلام عنها فيما يلي:

النشاط الأوّل: حاول الإمام الصادق علیه السلام أن يجعل الصفّ الشيعي صفّاً متماسكاً في عمله ونشاطه، وركّز على الإمام الكاظم لقيادة الجماعة الصالحة من بعده فيما لو تعرض لعمليّة القتل من قبل المنصور، وقد قطع الطريق أمام المنتفعين والأدعياء الّذين كانوا يتّربصون الفرص في تلك الظروف، لأنّ إسماعيل ابن الإمام المتوفى في هذه الفترة كان يصلح كعنصر لتفتيت الصفّ الشيعي باعتباره الابن التقي للإمام علیه السلام.

وقد التفت الإمام إلى هذه العقبة وحاول أن يرفعها بأساليب شتّى.

ومن النشاطات الّتي بذلها الإمام معالجة هذه المشكلة: التأكيد لصحابته على تحقق موت ابنه إسماعيل ورفع الشكوك المحتملة حول موته في كلّ فرصة كانت تسنح لذلك.

1. فقد جاء عن زرارة بن أعين أنّ الصادق علیه السلام دعا داود بن كثير الرقّي وحمران بن أعين، وأبا بصير، ودخل عليه المفضل بن عمر وأتى بجماعة حتى صاروا ثلاثين رجلاً فقال ياداود إكشف عن وجه إسماعيل، فكشف عن وجهه، فقال: تأمّله یاداود، فأنظره أحيّ هو أم ميّت؟ فقال بل هو ميّت. فجعل يعرضه على رجل رجل حتى أتى على آخرهم فقال: اللهم اشهد. ثم أمر بغسله وتجهيزه.

ثم قال: يامفضّل أحسر عن وجهه فحسر عن وجهه، فقال: أحي هو أم ميّت؟ إنظروه أجمعكم فقال : بل هو ياسيّدنا ميّت فقال: شهدتم بذلك وتحققتموه؟ قالوا: نعم وقد تعجّبوا من فعله.

فقال: اللّهم أشهد عليهم. ثم حمل إلى قبره، فلما وضع في لحده، قال:

يا مفّضل، اكشف عن وجهه، فكشف، فقال للجماعة انظروا أحي هو أم ميّت؟ فقالوا: بل ميت ياوليّ الله.

فقال: اللّهم اشهد فإنّه سيرتاب المبطلون يريدون أن يطفئوا نور الله - ثم أوماً إلى موسى علیه السلام وقال - والله متّم نوره ولو كره الكافرون.

ثم حثوا عليه التراب، ثمّ أعاد علينا القول فقال: الميت المكفّن المدفون في هذا اللحد من هو ؟ قلنا: إسماعيل ولدك.

فقال اللهم اشهد ثم أخذ بيد موسى فقال: هو حق، والحق معه ومنه، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.(1)

2. جاء عن العابد أنّه قال:

لمّا مات إسماعيل بن جعفر بن محمد علیه السلام وفرغنا من جنازته، جلس الصادق علیه السلام وجلسنا حوله وهو مطرق، ثم رفع رأسه فقال:

أيها الناس: إنّ هذه الدنيا دار فراق، ودار التواء لادار استواء، على أنّ فراق المالوف


1) المناقب لأبن شهر آشوب، ج 1، ص 288 و بحار الأنوار، ج 47، ص 253.

حرقة لا تدفع، ولوعة لاتردّ، وإنمّا يتفاضل الناس بحسن العزاء وصحّة الفكر، فمن لم يثكل أخاه، ثكله أخوه، ومن لم يقدّم ولداً هو المقدّم دون الولد.

ثم تمثل بقول أبي خراش الهذلي يرثي أخاه.

ولا تحسبن أنّي تناسيت عهده ولكنّ صبري يا أُُميم جميل.(1)

3. جاء عن إسحاق بن عمار أنّه قال: وصف إسماعيل أخي لأبي عبدالله علیه السلام دينه واعتقاده فقال: إنّي أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمداً رسول الله صلّی الله علیه و آله الله ثمّ وصف الأئمّة، واحداً واحداً حتّى انتهى إلى أبي عبدالله ثم قال: وإسماعيل من بعدك! فقال الإمام الصادق علیه السلام: أمّا إسماعيل فلا.(2)

النشاط الثاني: رغم الحرب الباردة بين المنصور والإمام الصادق علیه السلام إلا أنّ الإمام علیه السلام قد مارس بعض الأدوار مع السلطة لغرض الحفاظ على الأمة وسلامة مسيرتها وإبقاء روح الرفض قائمة في نفوسها، مخافة أن تسبّب ممارسات المنصور حالة من الانكسار للشيعة بسبب الاستجابة لمخططاته الخبيثه. وإليك بعض هذه الممارسات:

1. لقد ورد أنّ أبا جعفر المنصور قال للإمام الصادق علیه السلام: إنّي قد عزمت على أن اُخرّب المدينة ولا أدع فيها نافخ ضرمة.

فقال: يا أميرالمؤمنين لا أجد بُدّاً من النصاحة لك فاقبلها إن شئت أولا.

ثمّ قال علیه السلام: إنّه قد مضى لك ثلاثة أسلاف: أيوب علیه السلام اُبتلي فصبر، وسليمان علیه السلام أُعطي فشكر ويوسف علیه السلام قَدَرَ فغفر، فاقتد بأيّهم شئت. قال: قد عفوت..(3)

2. قال عبدالله بن سليمان التميمي: لما قتل محمّد وإبراهيم ابنا عبدالله بن الحسن

1) أمالي الشيخ الصدوق وإكمال الدين، ج 73، ص 197 و بحار الأنوار، ج 47، ص 245.

2) غيبة النعماني، ص 324 و بحار الأنوار، ج 47، ص 261.

3) سير أعلام النبلاء، ج 1، ص 266.

صار إلى المدينة عبدالله بن الربيع الحارثي بعد قتل محمد سنة (145) ه- فرقى المنبر یوم الجمعة فقال: أمّا بعد فإنّ عليّ بن أبي طالب شقّ عصا المسلمين، وحارب المؤمنين، وأراد الأمر لنفسه، ومنعه أهله فحرمه الله عليه وأماته بغصتّه.

وهؤلاء ولده يتبعون أثره في الفساد وطلب الأمر بغير استحقاق له.

فهم في نواحي الأرض مقتولون، وبالدماء مضرجون قال فعظم هذا الكلام منه على الناس، ولم يجسر أحد منهم أن ينطق بحرف.

فقام إليه رجل عليه إزار قرمسي فقال: ونحن نحمد الله ونصلّي على محمد خاتم النبيّين وسيّد المرسلين وعلى رسل الله وأنبيائه أجمعين، أمّا ماقلت من خير فنحن أهله، وما قلت من سوء فأنت وصاحبك به أولى وأحرى يامن ركب غير راحلته وأكل غير زاده، ارجع مأزوراً.

ثم أقبل على الناس، فقال: ألا أنبّئكم بأخفّ الناس ميزاناً يوم القيامة، وأبينهم خسراناً؟! مَن باع أخرته بدنيا غيره، وهو هذا الفاسق.

فأسكت الناس، وخرج الوالي من المسجد ولم ينطق بحرف، فسألت عن الرجل فقيل لي: هذا جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام.(1)

النشاط الثالث: لقد ركّز الإمام علیه السلام: على مبادىء إسلاميّة وممارسات إصلاحيّة في نفوس شيعته مثل مبدأ التقيه، وكتمان السر، والعلاقة الفكريّة والعاطفيّة بالثورة الحسينيّة لتقي هذه المباديء والممارسات الوجود الشيعيّ من الضربات والمخططات الخارجيّة.

وممّا رواه الوليد بن صبيح أنّه قال:

كنّا عند أبي عبدالله علیه السلام في ليلة إذ طرق الباب طارق، فقال للجارية: اُنظري من هذا؟


1) أمالي الشيخ الطوسي، ص 49 و بحار الأنوار، ج 47، ص 165 و حلية الأبرار، ج 2، ص 215.

فخرجت ثم دخلت فقالت: هذا عمّك عبدالله بن علي علیه السلام فقال: أدخليه.

وقال لنا: ادخلوا البيت فدخلنا بيتاً، فسمعنا منه حسّاً، ظننّا أنّ الداخل بعض نسائه، فلصق بعضنا ببعض، فلمّا دخل أقبل على أبي عبدالله علیه السلام فلم يدع شيئاً من القبيح إلّا قاله في أبي عبدالله علیه السلام ثم خرج وخرجنا، فأقبل يحدّثنا من الموضع الّذي قطع كلامه.

فقال بعضنا: لقد استقبلك هذا بشيء ماظننا أنّ أحداً يستقبل به أحداً حتّى لقد همّ بعضنا أن يخرج إليه فيوقع به.

فقال: مه، لاتدخلوا فيما بيننا. فلما مضى من الليل ما مضى، طرق الباب طارق فقال للجارية. انظري من هذا؟ فخرجت، ثم عادت، فقالت: هذا عمّك عبدالله بن علي علیه السلام فقال لنا: عودوا إلى مواضعكم. ثم أذن له، فدخل بشهيق ونحيب وبكاء وهو يقول: يابن أخي، اغفر لي غفر الله لك، إصفح عنّي صفح الله عنك.

فقال: غفر الله لك ياعمّ، ما الّذي أحوجك إلى هذا؟ قال: إنّي لما آويت إلى فراشي أتاني رجلان أسودان فشدّا وثاقي، ثم قال أحدهما للآخر: انطلق به إلى النار: فانطلق بي، فمررت برسول الله صلّی الله علیه و آله فقلت: يارسول الله، لاأعود. فأمره فخلّى عنّي، وأني لأجد ألم الوثاق.

فقال أبوعبدالله علیه السلام أوصِ.

قال: بم أوصي؟ مالي مال، وإنّ لي عيالاً كثيرة وعليّ دين.

فقال أبوعبدالله علیه السلام: دينك عليّ، وعيالك عيالي. فأوصى، فما خرجنا من المدينة حتّى مات، وضمّ أبوعبدالله علیه السلام عياله إليه، وقضى دينه، وزوّج إبنه إبنته...(1)

وأغلب الظنّ أنّ نشاط الإمام الصادق علیه السلام من هذا النوع كان قد كثّر في أيّام المنصور لكثرة الجواسيس والعيون الّذين كانوا يرصدون حركة الإمام علیه السلام ممّا دفع


1) المناقب لابن شهر آشوب، ج 2، ص 619 و بحار الأنوار، ج 47، ص 96 و إثبات الهداة، ج 5، ص 410.

بالإمام علیه السلام إلى أن يلجأ إلى عقد جلسات سرّيّة في بيته لغرض مواصلة دوره الإلهي مع الاُمّة عن طريق حفظ النخبة الصالحة وتوجيهها وضمان تكامل مسيرتها.

محاصرة الإمام علیه السلام الشاملة

ثم إنّ المنصور قد صعّد من تضييقه على الإمام الصادق ومهد لقتله فقد جاء عن الفضل بن الربيع عن أبيه أنّه قال: دعاني المنصور، قال: إنّ جعفر بن محمد يُلحد في سلطاني، قتلني الله إن لم أقتله.

فأتيته، فقلت: أجب أميرالمؤمنين. فتطّهر ولبس ثياباً - أحسبه قال: جدد.

فأقبلت به، فأستأذنت له فقال: أدخله، قتلني الله إن لم أقتله. فلما نظر إليه مقبلاً، قام من مجلسه فتلقّاه وقال: مرحباً بالتقّي الساحة! البريء من الدغل والخيانة، أخي وابن عمّي.

فأقعده على سريره، وأقبل عليه بوجهه، وسأله عن حاله، ثم قال:

سلني حاجتك، فقال: أهل مكة والمدينة قد تأخّر عطاؤهم فتأمر لهم به.

قال: أفعل، ثم قال: ياجارية! ائتني بالتحفة فأتته بمدهن زجاج فيه غالية، فغلفه بيده وانصرف فأتبعته، فقلت يابن رسول الله! أتيت بك ولا أشك إنه قاتلك، فكان منه ما رأيت وقد رأيتك تحرّك شفتيك بشيء عند الدخول، فما هو؟

قال: قلت: «اللّهم احرسني بعينك الّتي لا تنام، واكنفني بركنك الّذي لا يرام، واحفظني بقدرتك عليّ، ولا تهلكني وأنت رجائي...(1)

ولم تكن هذا الاستدعاء للامام علیه السلام من قبل المنصور هو الأوّل من نوعه بل كان قد أرسل عليه عدّة مرات وفي كلها كان يريد بها قتله.(2)


1) سير أعلام النبلاء، ج 6، ج 266؛ ملحقات إحقاق الحق، ج 19، ص 513 و الفرج بعد الشدة، ص 70 عن التذكرة لأبن الجوزي، ص 353.

2) مهج الدعوات، ص 175 و 184 و الخرائج والحرائج، ج 2، ص 195 و الكافي، ج 2، ص 559 و تأريخ مدينة دمشق، ج 19، ص 516 و الكافي، ج 6، ص 445.

ويصوّر لنا الإمام الصادق علیه السلام عمق المأساة الّتي كان يعانيها في هذا الظرف بالذات والأذى الّذي كان يصبّه عليه المنصور في كلامه الّذي نقله لنا عنبسه حيث، قال: سمعت أبا عبدالله علیه السلام يقول: أشكو إلى الله وحدتي وتقلقلي من أهل المدينة حتى تقدموا(1)وأراكم وأسّربكم فليت هذا الطاغية أذن لي فاتخذت قصراً في الطائف فسكنته، وأسكنتكم معي، وأضمن له أن لا يجيء من ناحيتنا مكروه أبداً.(2)

استشهاد الإمام الصادق علیه السلام

وأخيراً أقدم المنصور على الفتك بالإمام جعفر بن محمد الصادق واغتياله سنة (148 ه-) فدسّ إليه السم على يد عامله في يثرب(3)فسقاه به ولمّا تناوله الإمام علیه السلام تقطّعت أمعاؤه وأخذ يعاني الآلام القاسية.

ولمّا علم الإمام أنّ أجله قد حان أوصى بجميع وصاياه إلى ولده الإمام الكاظم علیه السلام وكان منها تجهيزه وتكفينه والصلاة عليه، كما أنّه كان قد نصبه إماماً من بعده لكنّه عهد بأمره أمام الناس إلى خمسة أشخاص حفاظاً على حياة الإمام موسى بن جعفر علیه السلام.

وكان المنصور يراقب الحدث يقول أبو أيوب الخوزي: بعث إليّ أبو جعفر المنصور في جوف اللّيل، ولمّا دخلت عليه قال لي: اكتب إلى والي المدينة: فكتبتُ صدر الكتاب ثم قال اكتب: إن كان قد أوصى إلى رجل بعينه، فقدِّمه واضرب عنقه.

قال فرجع الجواب إليه: أنّه قد أوصى إلى خمسة أحدهُم أبو جعفر المنصور


1) الموالون لأهل البيت علیهم السلام أو خاصّة الإمام علیه السلام.

2) رجال الكشّي، ص 365 و الكافي، ج 8، ص 215 و بحار الأنوار، ج 47، ص 185.

3) نور الأبصار، ص 133 ، الفصول المهمّة لأبن الصباغ، الإتحاف بحبّ... الأشراف، ص 54 و سبائك الذهب، ص 72.

والباقون هم محمد بن سليمان وعبدالله وموسى وحميدة فقال المنصور: ليس إلى قتل هؤلاء سبيل.(1)

وجاء عن داود بن كثير الرقّي قال: وَفَدَ من خراسان وافِدٌ يكنّى (أباجعفر) واجتمع إليه جماعة من أهل خراسان، فسألوه أن يحمل لهم أموالاً ومتاعاً ومسائلهم في الفتاوى والمشاورة، فورد الكوفة، فنزل، وزار أميرالمؤمنين ورأى في ناحيته رجلاً حوله جماعة، فلمّا فرغ من زيارته قصدهم فوجدهم شيعة فقهاء، ويسمعون من الشيخ فسألهم عنه فقالوا: هو أبو حمزة الثمالي.

قال فبينما نحن جلوس إذ أقبل أعرابي فقال: جئت من المدينة، وقد مات جعفر ابن محمد فشهق أبو حمزة وضرب بيده الأرض، ثم سأل الأعرابي: هل سمعت له بوصيّة؟

قال: أوصى إلى إبنه عبدالله وإلى إبنه موسى، وإلى المنصور فقال أبوحمزة الحمد لله الّذي لم يضلّنا، دل على الصغير وبيّن على الكبير وشَهر الأمر العظيم، ووثب إلى قبر أميرالمؤمنين فصلّى وصلّينا.

ثم أقبلتُ عليه وقلت له فسّرلي ماقلته.

فقال: بيّن أن الكبير ذو عاهة(2)ودل على الصغير بأن أدخل يده مع الكبير.

وستّر الأمر العظيم بالمنصور حتى إذا سئل المنصور من وصيّه؟ قيل أنت.

وهكذا انتهت حياة هذا الإمام العظيم الّذي عُرف به المذهب الجعفري وإليه يُنسب، ويدل على ذلك عظمة التراث الّذي خلّفه لنا جعفر بن محمد الصادق حيث يشكّل أغنى تراث يتضمن تفاصيل مذهب أهل البيت علیهم السلام، وبجهوده أخذ الكيان الشيعي


1) بحار الأنوار، ج 47، ص 3 عن الغيبه للشيخ الطوسي و الكافي، ج 1، ص 310.

2) وضح الإمام الصادق بأن عبدالله ولده الأفطح ذو عاهة فلا يكون إماماً أي لو لم يكن عبدالله ذا عاهه لجعل له وصيّة مفردة، ولما كان قد أشرك معه الإمام موسى الأصغر منه فهذا إخبار على أنّه غير صالح للإمامة.

بتكامل ويتلألأ في الأفق يوماً بعد يوم وقرناً بعد قرن حتّى يتوّج الله ذلك بقيام المهدي من آل محمد صلّی الله علیه و آله ويكلّل جهود آبائه الكرام بالنصر المبين. وصدق الله العظيم حيث يقول: ألا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم ولاهم يحزنون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.(1)


1) يونس / 62.

الخلاصه

回 في العقد الأخير من حياة الإمام الصادق علیه السلام بعد تشديد المراقبة ومحاولات الاغتيال حاول الإمام علیه السلام أن يزيد من تماسك الصف الشيعي من جهة وأخذ يتحدّى الحاكمين من جهة اُخرى لئلّا يستغلّ سكوته ويجعل وسيلة لضرب من يصرخ بوجه الظلم والظالمين، كما كشف الإمام من نشاطاته السرّيّة ليقي الوجود الشيعي من الضربات المحتملة.. واشتدت محاصرة الإمام واستمرت حتّى أقدم المنصور على اغتيال الإمام عن طريق دسّ السمّ إليه، ولكنه جعل وصيّته بنحوٍ يَضمن فيها حفظ ابنه الكاظم علیه السلام من شرّ المنصور بعد أن كان المنصور قد اهتمّ بمعرفة وارث الإمام صاحب منصب الإمامة الشرعيّة من بعده.

الأسئلة

1.

ما هي ملامح العقد الأخير من حياة الإمام الصادق علیه السلام؟

2.

لماذا أخذ المنصور يشدّد في مراقبة الإمام علیه السلام والحدّ من نشاطه؟

3.

ما هي الإجراءات الّتي اتخذها الإمام علیه السلام حينما شعر بقرب أجله ومحاولة المنصور لاغتياله؟

4.

كيف تجمع بين ترك الإمام علیه السلام للعمل السياسي المباشر في فترة ضعف الحكم العبّاسي وتصدّيه للردّ على تحدّيات السلطة في العقد الأخير من حياته؟

5.

كيف حفظ الإمام الصادق علیه السلام بوصيّته ابنه الإمام الكاظم من كيد المنصور العبّاسي؟