ghaemiyeh.com
تاريخ الاسلام
جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأُولی
1432 - 2011م
للطباعة والنثير و التوزيع بيروت - لبنات
جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأُولی
1432 - 2011م
للطباعة والنثير و التوزيع بيروت - لبنات
هاتف: 03/946161 - 03/115425 - تلفاكس: 01/271988
http://www.Dar-Alamira.com e-mail:zakariachahbour@hotmail.com
تاريخ الاسلام
لجنة التاريخ المنظمة العالمية للحورات والمدارس الإسلامیّة
الجزء الأوّل
لالاميرة
للطباعة والنشر والتوزيع
لقد أرسى الإسلام العظيم أسس ثورته الثقافية العملاقة على قواعد علمية تضمنها القرآن الكريم وطبّقها الرسول العظيم و أهل بيته الميامين، و ذلك من خلال تربية علماء صلحاء يفقهون الشريعة و يعملون بها و لا يألون جهداً في تبليغها و تعليمها من يرونه مستعداً لحمل هذا العبء الرسالي العظيم.
و بالرغم من كلّ الضغوط و أنواع الاضطهاد الّذی مارسه الحكام الطغاة و المستعمرون في حق الحوزات العلمية لقلعها أو تحجيمها أو حرفها عن مسيرتها الربانية الحقة، استطاعت أن تصمد أمام كلّ هذه الأعاصير الصفراء متجهة نحو الرقي والكمال مستجيبة لحاجات العصور على مدى الأجيال و مجيبة على الأسئلة والشبهات المثارة من قبل الأعداء أو الأصدقاء. كلّ ذلك لما كانت تمتلكه من مرونة و انفتاح و قدرة فائقة على النمو و الإبداع.
و الخصائص الّتی تمتاز بها الحوزات العلمية المتطورة تتجلّى اليوم في ما يلي:
اهتمامها بجميع روافد المعرفة والثقافة الإسلامیّة و التحقيق المستمر و العمل العلمي الدؤوب في مختلف فروع المعرفة الإسلامیّة .
الإبداع والتجديد المستمر في أساليب التدريس و تدوين الكتب الدراسية الّتی تتطلبها حاجات العصر بنحو يحقق التطور العلمي باستمرار و ينمي قوة الإبداع إلى جانب تعميق المفاهيم و حفظ الأصالة و الارتباط التام بالتراث الإسلامي العريق.
3.الانفتاح على معضلات العصر وقضاياه و التصدّي لكل الشبهات المستحدثة و الإجابة على الأسئلة الّتی تتولّد باستمرار بنحو يوفّر للحوزات العلمية عنصر مسايرة الزمن أو التقدّم عليه على أسس قرآنية علمية و مبان عقلية قويمة.
و من هنا تبنّت المنظمة العالمية للحوزات و المدارس الإسلامیّة المنهج العلمي المتطوّر في نظامها الدراسي و أساليب التدريس و تدوين الكتب الدراسية في مختلف فروع المعرفة الإسلامیّة مستفيدة من الجهود العلميّة الجبارة للعلماء و المحققين و المؤلّفين الّذین انتدبتهم لتحقيق هذه الأهداف السامية.
و قد روعيت في الكتب الّتی تبنت المنظمة تأليفها أو تدوينها ما يلي:
مراعاة الأهداف المتوخاة في كل درس من خلال الالتزام بالمنهج المقرر لكلّ مادة دراسية.
مراعاة المستوى العلمي للطلبة في كلّ مرحلة من المراحل الدراسية.
مراعاة الانسجام فيما بين الكتب الدراسية لكلّ مرحلة دراسية مع الاجتناب عن ملل الإطناب و خلل التكرار.
.4 مراعاة أصول التدوين الدراسي.
إنّ هذا الكتاب تأريخ الإسلام (1) يشكّل مفردة من هذه المنظومة الدراسية الّتی قرّرتها المنظمة للمرحلة العامّة ومن هنا نتقدم بالشكر لسماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد منذر الحكيم الّذی تصدّى لتأليف هذا الكتاب ولجميع من ساهم في إخراجه سائلين من الباري لهم ولجميع المؤمنين التوفيق.
لجنة التأريخ
وحدة تأليف الكتب الدراسية
1421 ه-. ق
الدرس 1
الإسلام والتأريخ ....................23
1 . القرآن الكريم والتأريخ ....................23
3 . مستويات البحث التأريخي ....................27
الدرس 2
تأريخ الإسلام ....................31
1 . ما هو الإسلام؟ ....................31
2 . ما هو تأريخ الإسلام؟ ....................31
3 . تأريخ الخط الرسالي ....................32
4 . عصر الثورة وتأسيس الدولة الإسلامیّة ....................33
5 . عصر الوصاية على الثورة والدولة الإسلامیّة ....................34
الدرس 3
مصادر التأريخ الإسلامي (1) ....................37
نظرة تقويمیّة إلى مصادر التأريخ الإسلامي ....................40
ملاحظات على كتب السيرة والتأريخ ....................41
الدرس (4)
مصادر التأريخ الإسلامي (2) ....................47
عصر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم
الدرس (5) ....................
بيئة الرسالة الإسلامیّة (1) جغرافياً وسياسياً ....................57
جغرافيّة شبه الجزيرة العربیّة ....................60
العصر الجاهليّ ....................58
الحياة السياسیّة في الجزيرة العربیّة ....................60
عام الفيل ( 570 م) ....................62
الدرس (6)
بيئة الرسالة الإسلامیّة (2) اقتصادياً واجتماعياً ....................67
أهمیّة مدن الحجاز ....................67
ا . مکّة ....................68
2 . يثرب ....................68
3 . الطائف ....................69
الأسرة في المجتمع العربي قبل الإسلام ....................69
الدرس (7)
بيئة الرسالة الإسلامیّة (3) دينياً وثقافياً ....................75
الحالة الدينیّة عند العرب قبل الإسلام ....................75
الحالة الثقافیّة ....................78
الدرس (8)
الرسول القائد صلی اللّه علیه و آله وسلم انه بين الميلاد و النبوّة ....................81
الدرس (9)
البعثة النبویّة المباركة ....................93
العهد المکّی
إرهاصات الوحي و النبوّة ....................93
تأريخ البعثة النبویّة المباركة ....................94
كيفيّة البعثة المباركة ....................95
أوّل ما نزل من القرآن ....................98
مراحل الدعوة والتبليغ في العهد المكّي ....................100
التوجيهات القرآنيّة ومنهج الحركة الإسلامیّة ....................101
الدرس (10)
من الدعوة الخاصة حتّی الإعلان العامّ ....................105
المرحلة الأُولی من العهد المکّی ....................105
المرحلة الثانية من العهد المکّی ....................108
الدرس (11)
الصدّ عن سبيل اللّه : الأسباب والمراحل والأساليب ....................115
. أسباب مواجهة الرسالة ....................115
مراحل و أساليب المواجهة ....................120
الدرس (12)
صور من جهاد النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم وحماته في العهد المكّي....................127
جهاد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم و جهاد أبي طالب علیه السلام...................127
صور من جهاد المسلمين ....................129
الهجرة إلى الحبشة ....................130
الحصار الشامل ....................132
الدرس (13)
سنوات الانفراج ....................137
عام الحزن ....................137
الإسراء والمعراج ....................138
محاولات ما بعد الحصار ....................140
قدوم اليثربيين إلى مکّة ....................141
خروج الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم من مکّة .................... 143
الدرس (14)
العهد المکّی والتمهيد لإقامة الدولة الإسلامیّة ....................147
جذور أطروحة الدولة الإسلامیّة في العهد المکّی ....................147
ما نزل من القرآن بمکّة ....................153
العهد المدني
الدرس (15)
العهد المدني الخطوات الأُولی لتأسيس أوّل دولة إسلامیّة ....................159
مرحلة تثبيت القواعد ....................159
الإنجاز الأوّل: بناء المسجد ....................161
التشريعات الأُولی في المدينة ....................163
أ . تشريع صلاة الجنائز ....................163
ب . تشريع الأذان ....................163
الإنجاز الثاني: المؤاخاة ومداليلها الاجتماعیّة والاقتصادیّة والسياسیّة.......... 164
الإنجاز الثالث: تحديد معالم السياسة الداخلیّة والخارجیّة ....................165
الدرس (16)
العهد المدني: مرحلة البناء والدفاع عن كيان الدولة الإسلامیّة (1) ....................171
مهمات البناء والدفاع ....................171
دور الدفاع: أهمّ حوادث السنة الثانية للهجرة ....................176
دروس من غزوة بدر ....................178
الدرس (17)
العهد المدني: مرحلة البناء والدفاع عن كيان الدولة الإسلامیّة (2) ....................183
أهمّ حوادث السنة الثالثة للهجرة ....................183
دروس من غزوة أحد ....................185
أهمّ حوادث السنة الرابعة للهجرة ....................186
أهمّ حوادث السنة الخامسة للهجرة ....................190
الدرس (18)
العهد المدني: مرحلة البناء (3) ....................195
دور السلام المشروط (1) ....................195
نتائج صلح الحديبیّة ....................199
تبليغ الرسالة خارج الجزيرة ....................200
الدرس (19)
العهد المدني: مرحلة الفتح والانتشار (1) ....................205
دور السلام المشروط (2) ....................205
فتح خيبر واستسلام أهالي فدك ....................207
عمرة القضاء ....................211
الدرس (20)
العهد المدني: مرحلة الفتح (2) ....................217
دور التحرير ....................217
فتح مکّة ....................218
دخول مکّة ....................218
الدرس (21)
العهد المدني: مرحلة الفتح (3) ....................222
دور التحرير وإحكام المواقع ....................227
غزوة حنين وحصار الطائف ....................227
غزوة تبوك ....................231
جيش العسرة ....................232
محاولة اغتيال النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ....................233
نتائج غزوة تبوك ....................233
مسجد ضرار ....................234
الدرس (22)
العهد المدني : عام الوفود وتصفیّة الوجود الوثني داخل الجزيرة ....................237
وفاة إبراهيم ابن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ....................238
إعلان البراءة من المشركين ....................239
مباهلة نصارى نجران ....................240
حجة الوداع ....................242
خطبة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في حجة الوداع ....................243
الدرس (23)
الرسول القائد ومستقبل الرسالة والدولة الإسلامیّة ....................249
تعيين الوصي والقيادة النائبة ....................249
ظهور المتنبئين ....................249
التعبئة العامّة لغزو الروم ....................252
الحيلولة دون كتابة الوصیّة ....................254
الزهراء علیه السلام تزور أباها صلی اللّه علیه و آله وسلم ....................256
اللحظات الأخيرة من عمر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ....................257
الدرس (24)
دولة سيّد المرسلين صلی اللّه علیه و آله وسلم ....................261
ملامح دولة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ....................264
1 . الإدارة ....................264
2 . الجباية المالیّة والضرائب والاقتصاد ....................266
3 . الدعوة ....................267
4 . القضاء ....................268
5 . قضايا الدفاع ....................268
6 . المسألة الاجتماعیّة ....................269
7.العلاقات الخارجیّة ....................269
عصر الإمام على علیه السلام
الدرس (25)
عصر الإمام علي علیه السلام ....................275
في رحاب عصر الإمام علي علیه السلام ....................275
مدخل لدراسة عصر ما بعد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم (اللمطالعة) ....................279
السقيفة في منظار الإمام علي علیه السلام ....................279
عهد الخلفاء ....................281
الدرس (26)
الأحداث قبل بيعة السقيفة ....................291
تحلیل و تقویم ....................292
أحداث السقيفة ....................295
الدرس (27)
تحليل المواقف والأحداث ....................303
ملامح التخطيط المسبق ....................303
الدرس (28)
عقبات في طريق الخلافة ....................313
عقبات في طريق استقرار الحزب الحاكم ....................314
التحصن في دار فاطمة علیها السلام ....................316
المتخلّفون عن البيعة ....................323
الدرس (29)
موقف الحزب الحاكم من المعارضة ....................327
الدرس ( 30)
جذور الانحراف السياسي ونتائجه ....................339
1 . جذور الانحراف السياسي ....................339
الدرس (31)
متطلبات عصر الإمام علي علیه السلام (1) ....................353
موقف الإمام علیه السلام من بيعة السقيفة ....................353
تحليل موقف الإمام علي علیه السلام من بيعة السقيفة ....................354
الدرس (32)
متطلبات عصر الإمام علي علیه السلام (2) ....................365
لماذا لم يحتج الإمام علي علیه السلام بالنص؟ ....................365
تخطيط الإمام علي علیه السلام لمواجهة صدمة الانحراف ....................371
الدرس (33)
متطلبات عصر الإمام علي علیه السلام....................377
إنجازات الإمام علي علیه السلام ....................377
1 . صيانة الرسالة الإسلامیّة ....................377
2 . صيانة الأمّة والكيان الإسلامي....................379
3 . صيانة وحدة الصف الإسلامي....................379
4 . إسداء النصيحة والمشورة للخلفاء ....................383
الدرس (34)
الشورى السداسیّة ....................391
ملامح عهد عثمان بن عفّان (1) ....................393
نظرة عثمان والجهاز الحاكم إلى الدولة ....................400
الدرس (35)
ملامح عهد عثمان (2) ....................405
اشتداد تيار المعارضة ....................405
محاولات التغيير ....................408
عهد الإمام علي علیه السلام
الدرس (36)
عهد الإمام على علیه السلام(1)....................421
1 . دور عائشة ومعاوية في مقتل عثمان ....................421
موقف الإمام علیه السلام تجاه الجماهير الغاضبة ....................422
البيعة العامّة مع الإمام علیه السلام ....................425
الدرس (37)
عهد الإمام علي (2) ....................431
حكومة الإمام علي علیه السلام والعقبات ....................431
متطلبات العهد العلوي ....................432
1 و 2 . الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي ....................433
3 . الإصلاح الإداري ....................434
4 و 5 . الإصلاح الديني والثقافي ....................436
الدرس (38)
عقبات في طريق دولة الإمام علي علیه السلام ....................441
أسباب فتنة الجمل ....................441
تمرد عائشة ....................442
معاوية يحرّض الزبير للتمرد على الإمام علي علیه السلام ....................444
عائشة تتّجه إلى البصرة ....................446
على مشارف البصرة ....................448
الاقتتال الهدنة الغدر ....................449
الدرس (39)
موقف الإمام علي علیه السلام من فتنة الجمل ....................453
الإمام علیه السلام والقضاء على التمرد ....................453
الإمام علیه السلام بعد فتنة الجمل ....................457
نتائج معركة الجمل ....................458
الكوفة عاصمة الدولة الإسلامیّة ....................459
الإمام علیه السلام يحذر معاوية من التمرد ....................460
الدرس ( 40)
تخطيط معاوية لاستنزاف قوى الإمام علیه السلام (1) ....................463
استعداد معاوية لمحاربة الإمام علیه السلام ....................463
الحرب بعد الهدنة ....................465
مقتل عمّار بن ياسر ....................466
خدعة رفع المصاحف ....................467
خدعة التحكيم ....................469
الدرس (41)
تخطيط معاوية لاستنزاف قوى الإمام علیه السلام ....................473
اجتماع الحكمين ....................474
قرار التحكيم ....................474
إفرازات معركتي الجمل و صفّین وظهور الخوارج ....................475
ردّ الإمام علیه السلام على قرار الحكمين ....................476
المواجهة مع الخوارج ....................477
احتلال مصر ....................479
الدرس (42)
فزت ورب الكعبة ....................483
الانهيار والتفكّك ....................483
آخر محاولات الإمام علیه السلام....................458
علي علیه السلام الشهيد المحراب ....................486
وصیّة الإمام علیه السلام ....................488
الدرس (43)
فاطمة الزهراء علیها السلام عراقة النسب وخصوصيات النشأة ....................493
شخصيّة خديجة «أُمّ فاطمة علیها السلام »....................493
اقتران خديجة برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم....................495
خديجة عليها السلام وإرهاصات البعثة النبویّة ....................496
البعثة النبویّة ....................497
حسن العلاقات الزوجیّة ....................498
ثناء اللّه تعالى على خديجة عليها السلام ....................499
الأمر الإلهي في خَلْق فاطمة علیها السلام ....................499
أُنس خديجة بفاطمة علیها السلام ....................501
فاطمة الوليدة ....................502
تأريخ الولادة . ...................503.
الاسم المبارك ....................503
الدرس (44)
فاطمة علیها السلام من الولادة إلى عام الأحزان ....................509
خصائص الأبوين وظروف النشأة ....................509
مواجهة المشركين للأسرة النبویّة ....................510
فاطمة علیها السلام والحصار في شعب أبي طالب ....................512
فاطمة علیها السلام و معجزة أكل الأرضَة لصحيفة المقاطعة ....................514
التخفيف من وطأة المواجهة ....................515
مرض أبي طالب عليه السلام و موقف قريش....................516
فاطمة عليها السلام وفاجعة عام الأحزان ....................518
الدرس (45)
فاطمة علیها السلام من عام الأحزان إلى الاستقرار في المدينة ....................523
فاطمة بين الآلام والآمال ....................523
المشاركة في المحنة الجديدة ....................524
استمرار الدعوة وصبر فاطمة علیها السلام....................525
الإمامة في وعي فاطمة علیها السلام ....................526
فاطمة عليها السلام والأمل في دنوّ الفرج ....................527
الاستعداد للهجرة ....................528
هجرة فاطمة علیها السلام إلى المدينة ....................528
استقرار فاطمة في دار أبيها علیها السلام ....................530
فاطمة علیها السلام وموقف المؤاخاة ....................530
الدرس (46)
الزهراء عليها السلام والحياة الزوجية....................535
الأمر الإلهي في زواج فاطمة علیها السلام ....................535
عناية رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بمراسيم الزواج....................536
زهد الأسرة وشؤونها المتواضعة ....................538
ولادة الحسنين عليهما السلام ....................539
الإعداد الإلهي لأسرة فاطمة علیها السلام ....................540
الإعداد النبوي لأسرة فاطمة علیها السلام ....................542
الإعداد النبوي لدور فاطمة علیها السلام ....................544
الدرس (47)
فاطمة الزهراء علیها السلام في العهد المدني ....................549
القرب من مصدر التلقي ....................549
الزهراء علیها السلام في غزوة أحد ....................550
الزهراء عليها السلام في غزوة الخندق ....................551
الزهراء عليها السلام في فتح خيبر ....................553
الزهراء عليها السلام وفتح مکّة ....................554
الزهراء علیها السلام وغزوة تبوك ....................555
بعث علي علیه السلام بسورة براءة ....................555
الزهراء عليها السلام في المباهلة ....................556
الزهراء علیها السلام في حجة الوداع ....................557
مأساة التمرد على أوامر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ....................558
فاطمة ورحيل أبيها إلى الملكوت الأعلى ....................560
الدرس (48)
الزهراء علیها السلام بعد أبيها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم....................563
الموقف العملي لإعادة الخلافة إلى علي علیه السلام ....................564
تأميم فدك وموقف الزهراء علیها السلام ....................565
مقاطعة فاطمة علیها السلام لأبي بكر و عمر....................567
تحليل حركة الزهراء ضدّ السلطة الحاكمة ....................568
حزن فاطمة علیها السلام المتواصل ....................571
الرحيل إلى الرفيق الأعلى ....................572
ص: 23
1 . القرآن الكريم هدى اللّه (1)1) الّذی أنعم به على البشریّة ليهديها للّتي هي أقوم (2)، ففيه تبيان كل (3)شيء وتفصيله(4)4 ، ولم يترك القرآن شيئاً يحتاج إليه العباد إلّا وبيّنه لهم(5)5)، ففيه خبر السماء وخبر الأرض وخبر ما كان وخبر ما يكون وخبر ما هو كائن(6).
2 . التأريخ : هو مجموعة التجارب البشريّة الماضیّة . وقد اعتبره القرآن الكريم مصدراً من مصادر المعرفة فحثّ البشريّة على التعرّف عليه والاستفادة منه قائلاً: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين)(7)، وقال أيضاً مخاطباً الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم : ( فاقصص القصص لعلهم يتفكرون)(8).
3 . وللقرآن منهج كامل وواضح في التعامل مع التأريخ الإنساني بشتّى فروعه ومجالاته و مستوياته.
4 . لقد تضمّن القرآن الكريم حقائق تأريخية ممتعة، وبلغ اعتناؤه بالتأريخ حدّاً جعله يكرّر بعض هذه الحقائق ويفصّل في بعضها وكأنّه كتاب تأريخ، حتّى قيل: إنّ ثلث القرآن قصص و تأريخ.
منها قوله تعالى: (وجاءك في هذه الحقّ وموعظة وذكرى للمؤمنين) (1).
وقوله تعالى: (لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أُذُن واعیة ) (2).
و قوله تعالى:( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) (3).
6 . إنّ المعرفة الّتی يحصل عليها الإنسان من خلال التأريخ تمتاز على المعرفة النظریّة الّتی لم تصل إلى محكّ التجربة والتطبيق من حيث درجة الإقناع والاعتماد عليها. قال تعالى: (وكلّاً نقص عليك من أنباء الرُّسل ما نثبت به فؤادك ) (4).
7 . ويترتّب على هذه المعرفة إمكان التأسي والاقتداء بالّذين نجحوا في حياتهم العمليّة، ومن هنا اعتَبَر القرآنُ الأنبياءَ الّذین أفلحوا في سلوك الصراط المستقيم في هذه الحياة الدنيا أُسوةً وقدوةً لغيرهم.
قال تعالى: (لقد كانت لكم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم والّذين معه)(5). وقال أيضاً:
(لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة) (6).
كما يتميّز بالدقّة والصدق والواقعية والاستيعاب لكلّ مراحل تأريخ الإنسانيّة.
ويتميّز أيضاً بقدرته المعجزة على توظيف حقائق التأريخ لهداية الإنسان وتربيته للسير به نحو الكمال المطلوب له.
1 . أوضح القرآن الصادق أنّ إشراق النبوّة يعتبر بداية العصر التأريخي للإنسان. وذلك في قوله تعالى:«وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ »«وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ »«قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ »«قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ »«وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ »«وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ »«فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ »«فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»«قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ » (1)
وقال عن اصطفاء آدم علیه السلام للنبوّة:( إنّ اللّه اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم و آل عمران على العالمين) (2).
إذن يكون آدم علیه السلام قد مثل بداية خطّ النبوّة والهداية الإلهيّة للبشريّة ليخرجها من عهد الغريزة إلى عهد العقل و من منطق الصراع الغريزي إلى منطق النظام و مرجعيّة القانون.
ويشهد لذلك قوله تعالى: (كان الناس أمّةً واحدةً فبعث اللّه النبيّين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اختلف فيه إلا الّذین أوتوه من بعدما جاءتهم البينات بغياً بينهم، فهدى اللّه الّذین آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)(1).
2 . واعتبر القرآن خطّ النبوّة هو المحور الأوّل في حركة الإنسانية وبناء الحضارة، وعلى أساسه تكوّن تأريخ الإنسان الّذی زوّده اللّه بالعقل والغريزة والاختيار.
لاحظ قوله تعالى: (... فإما يأتينّكم منّي هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. و الّذین كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ...) (2).
ولاحظ أيضاً قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدةً فبعث اللّه النبيين مبشِّرين و منذرين.... ) (3).
ولا أصرح من قوله تعالى:( ولكل قوم هاد) (4)وقوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس على اللّه حجّة بعد الرسل)(5).
وأوضح الإمام علي علیه السلام هذه الحقيقة القرآنية - بعد استعراضه لتأريخ الكون وكيفية خلقه، و تأريخ خلق الإنسان وإسكانه في الأرض - قائلاً:
«و اصطفى سبحانه من ولده (1)أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم لما بدل أكثر خلقه عهد اللّه إليهم فبعث فيهم رُسُلَه و واتر إليهم أنبياءه ولم يُخلِ اللّه سبحانه خلقه من نبيٍّ مُرسَل أو كتابٍ مُنزَلٍ أو حجّةٍ لازمةٍ أو محجّة قائمة رسلٌ لا تقصر بهم قلة عددهم ولا كثرة المكذِّبين لهم على ذلك نسلت القرون ومضت الدهور.. إلى أن بعث اللّه سبحانه محمّد اً رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الإنجاز عدته وإتمام نبوّته، مأخوذاً على النبیّین ميثاقه مشهورة سماته كريماً ، ميلاده، وأهل الأرض يومئذٍ ملل متفرقة وأهواء منتشرة.. فهداهم به من الضلالة. ثمّ اختار سبحانه لمحمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم لقاء.. فقبضه إليه كريماً، وخلّف فيكم ما خلّفت الأنبياء في أممها؛ إذ لم يتركوها بغير طريقٍ واضحٍ و لا علمٍ قائمٍ(2).
تتنوّع البحوث التأريخيّة - فيما يرتبط بتأريخ الإنسان - إلى مستويات ثلاثة بالرغم من ترابطها و توقّف بعضها على بعض:
1 . البَحث التأريخي النقلي ويهتمّ بنقل الحوادث التأريخية، والتثبت من تحقّقها، و التعرّف على كيفية تحققّها.
2 . البحث التأريخي التحليلي ويعتني بتحليل الحوادث التأريخية من خلال التعرّف على أسبابها واكتشاف آثارها ونتائجها بالإضافة إلى الاهتمام بمدى ارتباطها بالحوادث الّتي تعاصرها.
لحركة التأريخ بشكل عامّ والتنبّؤ بالمستقبل الّذي ينتظر الإنسانیّة في نهاية والبحث التأريخي الفلسفي يستطيع أن يمدّ الباحث التأريخي بالقدرة على التحليل والتفسير والاستنباط لتوظيف أحداث التأريخ في خدمة الإنسان بشكل عامّ.
وقد اعتنى القرآن الكريم بالبحث التأريخي بمستوياته الثلاثة وذلك: لترابطها وعدم إمكان الاستغناء عن واحد منها.
الخلاصه
القرآن الكريم مصدر تأريخي علمي موثوق - بل فوق الوثاقة - وهو يتمتّع بالغِنى من حيث الدقة والصدق والواقعیّة والاستيعاب بما لا يتمتّع به غيره من المصادر التأريخیّة المتداولة.
للقرآن منهج تأريخي قد تفرّد به فلابدّ من التعرف عليه والاستهداء به في التعامل مع التأريخ بجميع مستوياته.
اعتنى القرآن الكريم بتأريخ البشریّة بشكل عام، وبتأريخ النبوات والأنبياء بشكل خاص، وبتأريخ الرسالة الإسلامیّة الخاتمة بشكل أخص.
إنّ دراسة تأريخ الرسالة الإسلامیّة الخاتمة بشكل موضوعي ومنطقي لا يمكن أن تنفصل عن دراسة تأريخ النبوات بعد أن كانت امتداداً لها وذات قواسم مشتركة معها.
إنّ اعتماد المنهج القرآني في البحث التأريخي والاعتناء بالحقائق التأريخیّة القرآنیّة يسلّط الضوء الكاشف على سائر المصادر التأريخیّة وما علق بمحتوياتها من شوائب.
الأسئلة
1 . ما هو موقف القرآن الكريم من التأريخ بشكل عامّ؟
2 .ميّز بين المعرفة المستقاة من التأريخ وبيّن المعرفة المستقاة من سائر المصادر.
3.هل نستطيع أن نعتبر القرآن مصدراً تأريخياً؟ ولماذا؟
4 . ما هي مميزات القرآن الكريم كمصدر تأريخي؟
6 . ما هي مستويات البحث التأريخي؟ وما هو نوع الترابط فيما بينها؟
مصادر للمراجعة والتحقيق
ا . محمّد باقر الصدر: خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، التفسير الموضوعي وسنن التأريخ.
2 . عمادالدین خليل: التفسير الإسلامي للتأريخ.
3 . محمّد هادي اليوسفي مقدمة الجزء الأوّل من موسوعة التأريخ الإسلامي.
4 . عبدالرسول الغفّار: مصادر السيرة النبویّة في العدد 17 من مجلّة الفكر الإسلامي.
5 . مرتضى مطهري: المجتمع والتأريخ.
الإسلام هو دين اللّه للبشريّة كافّة (1)، فهو رسالة ربّانیّة تغييريّة شاملة، تهدف إلى تغيير حياة الإنسان بشكل كامل و أساسي، فهو ثورة على الجاهلیّة بكلّ مفاهيمها وقِيَمها ومظاهرها وأشكالها، وفي جميع الأبعاد الّتی ترتبط بحياة هذا الإنسان؛ وذلك لأنّ الإسلام في حقيقته ومحتواه هو «التسليم المطلق للّه وحده»، فهو تسليم العقل والفكر، وتسليم القلب والشعور، وتسليم الإرادة والعمل للّه وحده بشكل تامّ و في كلّ مجالات الحياة(2).
إذا كان الإسلام هو دين اللّه للبشریّة على مدى الحياة (3)كان تأريخه جمیع رسالات اللّه تعالى، بدءً برسالة أبي البشر آدم علیه السلام وانتهاءً برسالة خاتم النبيّين جميع محمّد بن عبد اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم
وقد اعتنى القرآن الكريم بتأريخ هذه الرسالات جميعاً، فقدّم لنا صورة كاملة عن تأريخ هذا الإسلام العامّ والجهود الجبارة الّتی قدمها جميع رسل اللّه وأتباعُهم لإرساء قواعد هذا الدين الإلهيّ في حياة الإنسانیّة جمعاء.
واصطلح القرآن الكريم أيضاً على الرسالة الخاتمة الّتی جاء بها سيّد المرسلين وخاتم النبیّین محمّد بن عبدالله بن عبد المطّلب صلی اللّه علیه و آله وسلم بمصطلح: «الإسلام» بشكل خاص قائلاً: «ومَن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقْبَلَ منه وهو في الآخرة من الخاسرين» (1).
وفي هذا الكتاب نقصد المصطلح الثاني من تأريخ الإسلام.
إنّ تأريخ الإسلام هو تأريخ الرسالة الإسلامیّة الّتی جاءت لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، وليس هو تأريخ كل من تربَّع على كرسي الحكم والخلافة وحَكَمَ باسم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ، ولا هو تأريخ آحاد المسلمين، و إنّما هو تأريخ هذه الرسالة الخاتمة بمقدار ما لها من حضور وامتداد في حياة المسلمين.
إنّ القادة الربّانيين والأئمّة المعصومين الّذين عيّنهم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بأمر من اللّه سبحانه لحفظ الرسالة من عبث العابثين (2)
و راجع أيضاً حديث الثقلين وحديث السفينة والأمان وغيرها من الأحاديث الّتی تضمنت مرجعیّة أهل البيت الدينیّة وأنهم يمثلون الخط السليم والحقيقي للرسالة الإسلامیّة .
وصيانة هذا الخطّ الربّاني في حياة البشریّة بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم من تسرّب التحريف له، و الّذین دأبوا على تأصيله وتعميقه وذابوافي حمايته والدفاع عنه، تُمثّلُ حياتُهم حياةَ الرسالة ومواقفُهُم مواقفَ الشريعة و حركتُهُم حركة الدين الإلهي؛ لأنهم يجسدون قِيَمه وحقائقه، ويُعبرون عنها أصدق تعبير، فتأريخهم هو تأريخ هذا الخط الرسالي بكلّ مراحله وملابساته، وليس هو تأريخ شخص أو فردٍ من آحاد المسلمين، ومن هنا كان تأريخ القادة الميامين - محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم والصفوة من عترته وأهل بيته علیهم السلام - هو تأريخ الإسلام الحقيقي، باعتبارهم المقياس والمثل الأعلى لحركة هذه الرسالة في هذه الحياة.
يبدأ تأريخ الإسلام بالبعثة المباركة في السابع والعشرين من شهر رجب قبل الهجرة النبویّة بثلاثة عشر عاماً، حيث بدأت الرسالة الخاتمة حياتها وأخذت تشق طريقها، مخترقة المجتمع العربي والإنساني على يدي الرسول الأعظم محمّد بن عبد اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم على شكل ثورة إلهیّة تغييريّة شاملة، انطلاقاً من مکّة المكرمة وانتهاءً بالدولة الإسلامیّة المباركة الّتی أثمرتها جهوده المتواصلة وقيادته الحكيمة في أقصر فترة زمنية ممكنة في تأريخ الرسالات السماویّة والدعوات التغييریّة .
و لِعصر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم عهدان متميّزان هما: العهد المكيّ والعهد المدنيّ. ويبدأ الأوّل منهما بالبعثة النبویّة في مکّة وينتهي بالهجرة من مکّة إلى المدينة المنورّة (يثرب) ويبدأ الثاني منهما بهجرة النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى المدينة وينتهي بوفاته صلی اللّه علیه و آله وسلم فیها
و في كلا العهدين كان الوحي الإلهي هو الموجّه المباشر للنبي القائد صلی اللّه علیه و آله وسلم و الأمّة المسلمة من خلال آيات القرآن الكريم الّتی نزلت خلال ثلاثة وعشرين عاماً من الهدم والبناء المتواصِلَيْن. وقد حفظ القرآن الكريم لنا أحداث هذين العهدين.
ونستطيع أن نقف على تأريخ هذا العصر فيما إذا عرفنا ترتیب نزول آيات القرآن الكريم بشكل صحيح.
إنّ حركة التغيير الشاملة للمجتمع الجاهلي بمفاهيمه وقيمه وأعرافه وأنظمته كانت تتطلّب وصاية عقائدیّة على الثورة والدولة النبویّة الفتيّة؛ وذلك لأن الطريق أمام هذه الحركة كان طويلاً و ممتدّاً بامتداد الفواصل المعنویّة الضخمة بين الجاهلیّة والإسلام. ولم تكن المدة الزمنیّة الّتی استوعبتها الثورة والدولة النبویّة كافية لاجتثاث كلّ الجذور الجاهلیّة ورواسبها، كما برهن على ذلك تأريخ الحوادث الّتی وقعت عقيب وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم حتّی أصبحت الخلافة كرة يتلاعب بها صبيان بني أمیّة الّذین وقفوا بوجه الدعوة النبویّة ورسالته الربانیّة حتّی آخر لحظة (1).
ومن هنا فقد عيّن النبي القائد صلی اللّه علیه و آله وسلم بأمر من اللّه تعالى إثني عشر وصيّاً على ثورته ودعوته ورسالته ليقودوا أمته ودولته الربانیّة من بعده وليقوموا بمهمة الدفاع والذب
عن شريعة اللّه ودولة رسول اللّه وأُمّة خاتم النبیّین صلی اللّه علیه و آله وسلم
وينقسم عصر الائمة الراشدين إلى ثلاثة عهود متميّزة، وهي:
2 . عهد الغيبة ويبدأ بوفاة الإمام الحسن العسكري علیه السلام ويستمّر حتّی ظهور الإمام المهدي علیه السلام.
3 . عهد الظهور: ويبدأ بظهور الإمام محمّد المهدي علیه السلام ويستمرّ حتّى يرث اللّه الأرض ومن عليها.
1) راجع للتفصيل (نشأة التشيّع والشيعة): 51 - 57 و 58 - 61.
الخلاصه
الإسلام هو خاتمة الرسالات الإلهیّة للبشریّة جمعاء.
تأريخ الإسلام هو تأريخ الرسالة( تأريخ الخط الرسالي) وليس هو تأريخ الخلفاء أو تأريخ آحاد المسلمين.
إنّ حياة القادة الرسالیّین - محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم وعترته الطاهرين - تمثّل حياة الرسالة الإسلامیّة ، وتأريخهم هو تأريخ هذا الخط الرسالي بلا ريب.
ينقسم تأريخ الإسلام إلى عصرين متميزين: عصر النبي المرتبط بالوحي بشكل مباشر، وهو عصر الثورة الربانية وتأسيس الدولة الإسلامیّة عصر أوصياء النبي علیهم السلام الإثني عشر الّذین أذهب اللّه الّذین أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً وهو عصر الوصاية على الرسالة و الأمّة المسلمة والدولة الإسلامیّة .
الأسئلة
1 . ما هو الإسلام؟ وما هو تأريخه؟
2 . ميز بين تأريخ الخلفاء و تأريخ المسلمين وتأريخ الأئمّة الراشدين.
3 . ما هو العصر النبّوي وما هي خصائصه؟
4 . ما هي سمات عصر الوصاية؟
مصادر للمراجعة والتحقيق
2 . محمّد حسين الطباطبائي: الشيعة في الإسلام.
4 . احمد حسين يعقوب: المواجهة مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و أهل بيته.
تعتبر الرسالة المحمّديّة أعظم حادث في حياة البشر عامة وحياة العرب خاصّة، فهي تشكّل محوراً مهماً من محاور تأريخ البشریّة بشكل عام و تأريخ العرب بشكل خاصّ.
ولم يدوّن في تأريخ الإسلام وسيرة النبيّ العظيم صلی اللّه علیه و آله وسلم وسيرة أصحابه وأعدائه شيء يذكر في عصر النبیّ صلی اللّه علیه و آله وسلم سوى ما تضمّنه القرآن الكريم.
و ما سجّله بعض الصحابة الكرام في عصر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم مثل ما جمعه الإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام من أسباب النزول وسواها من حوادث التأريخ لعصر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم، و ما كتبه غيره من الصحابة في حياته صلی اللّه علیه و آله وسلم فإنّه لم يصل كلّه إلينا إلّا في عصورٍ متأخّرة وعبر روايات ذات وسائط متسلسلة.
وذلك لأنّ مصحف الإمام عليّ علیه السلام وما سجّله فيه من أحاديث ترتبط بتفسير القرآن وشأن نزول آياته وجملة من علوم القرآن قد عرضه الإمام علیه السلام على أبي بكر حين زعم أنه خليفة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فزهد فيه وردّه عليها (1).
وقد طلب كلٌّ من أبي بكر وعمر من عامّة الصحابة ما دوّنوه من أحاديث
1) المناقب، ج 2، ص 41؛ بحار الأنوار، ج 12، ص 99 والإتقان للسيوطي، ج 2، ص 187.
الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم فجمعاه وأحرقاه زعماً منهما بأنّ كتاب اللّه لا يُشاب بشيء، وأن تدوين السنة النبويّة قد يؤدّي إلى ضياع القرآن الكريم(1).
غير أنّ الخلفاء قد لمسوا الحاجة إلى سنّة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم و أحاديثه كلّما تقدّم الزمن، وكلّما ابتعدوا عن عصر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ، وازدادت العقبات فاتّضح لديهم بعد مرور قرن من الزمن حجم الأضرار الّتی نشأت من خلال هذا المنع من تدوين الحديث النبويّ الشريف(2).
وكان من جملة تلك الأضرار أن فُسحَ المجال للوضّاعين الّذين كانوا يشترون بالأحاديث الّتی ينسبونها للرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وصحابته الكرام ثمناً قليلاً. وهكذا أخذ ضباب التزوير يموّه حقائق التأريخ الإسلامي بالتدريج ممّا دعا العلماء بل الخلفاء أنفسهم لنقض سيرة الشيخين ومن تلاهما من الخلفاء في وضح النهار وإبطال الحظر الّذی كانوا قد ضربوه على عملية التدوين.
نعم تفرّدت مدرسة أهل البيت علیهم السلام للحديث النبويّ الشريف. - بقيادة عميدها الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام - بالحثّ على تدوين السنّة الشريفة والإهتمام بحفظها ونشرها، وكتابة التأريخ الإسلامي (3)
مؤسسة النشر الإسلامي.
بالرغم من حظر السلطة الحاكمة والضغط الّذی كانت تمارسه على الصحابة والتابعين لشلّ هذه الحركة التصحيحيّة الّتی حاول أئمة أهل البيت علیهم السلام من خلالها مواجهة هذا التیّار المنحرف الّذی حاق بالأمّة الإسلامیّة عامة وتأريخها المجيد بشكل خاصّ.و من هنا قد نفهم السرّ في الجرأة على التدوين عند بعض التابعين وتابعي التابعين قبل تأريخ رفع الحظر رسميّاً.
فقد أشارت المصادر الموجودة بأيدينا إلى أنّ أوّل من صنّف في السيرة هو: عروة بن الزبير (م 92ه-). وذكر ابن سعد: أنّ أوّل من تخصص في السيرة: أبان بن عثمان (م 105ه-). واستمرّت حركة التأليف في السيرة حتّى وصل الدور إلى محمّد ابن إسحاق ( م 153ه-)،و لكن لم يصلنا من كتبهم شيء سوى سيرة ابن إسحاق برواية ابن هشام (م 218 ه-).
إلى جانب هؤلاء ظهر من لم يقتصر على أخبار السيرة، بل جمع إليها أخبار الجاهليّة ثمّ أخبار الخلفاء أو بعضهم أو أخبار الأئمّة من أهل البيت علیهم السلام مثل: محمّد ابن السائب الكلبي (م 146ه-) و أبي مخنف لوط بن يحيى (م 157ه-) و هشام بن محمّد الكلبي (م (206ه-) و نصر بن مزاحم (م) (212ه) وابن قتيبة الدينوري (م 274ه-) والبلاذري (م 279ه-) وأبي الفرج الإصبهاني (م 284ه-) واليعقوبي (م 292ه) والطبري (م) (310ه-) والمسعودي (م 346ه) (1).
وقد اشتهرت سيرة ابن إسحاق وكُتِبَ لها النجاح؛ لاعتماد الثقات عليه، وقد أخرج له مسلم في صحيحه واستشهد به البخاري في مواضع وروى له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. وقال الرجالي المعروف ابن عَدِيّ: «ولم يتخلّف في الرواية عنه القضاة والأئمّة الأثبات (2).
و هكذا أصبح ابن إسحاق عمدة المؤلفّين في السيرة، ولا سيّما بعد تهذيبها بواسطة ابن هشام الحميري البصري (م) (218 ه-)، فروى سيرته من طريق زياد بن عبدالملك البكّائي العامريّ الكوفي (م) (183) ولكنّ ابن هشام هذا قد اختصرها وأضاف عليها ونقدها أحياناً وعارضها بروايات أخر، وعلّل الاختصار والحذف بأمور منها: ما تفرّد
به ابن اسحاق ومنها ما يشنع الحديث به ومنها ما يسوء بعض الناس ذكره!
كما أسقط منها تأريخ الأنبياء، و تأريخ ولد إسماعيل ممن ليس في عمود النسب النبويّ.
و أمّا الواقدي فهو محمّد بن عمر بن واقد (م) 207ه-) فقد روى عن سائر رواة الأخبار عن الزهري مع تشابه كبير بين فقرات كتاب السيرة لابن إسحاق وكتاب المغازي للواقدي إلا أنه انفرد عنه بتطبيق المنهج العلمي حيث رتّب تفاصيل الحوادث بطريقة منطقية لا تتغيّر، فذكر أولاً قائمة بالرجال الناقلين للأخبار ثمّ ذكر المغازي واحدة واحدة مع تأريخ الغزوة بالتحديد، وغالباً ما يذكر تفاصيل جغرافية عن موقع الغزوة ثمّ يذكر غزوات الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم و أسماء من استخلفهم على المدينة في كلّ غزوة ثمّ أشعار المسلمين في القتال. كما يذكر اسم كل غزوة وتأريخها و أميرها(1).
ويذكر أيضاً ما نزل من آيات القرآن في كلّ غزوة واضعاً لها مع تفسيرها في نهاية أخبار الغزوة (2).
وكان الواقدي يقوم بعمليّة المسح الجغرافي للاطلاع المباشر على مواقع الغزوات والإحاطة بخصائصها، فيكون إخباره مقروناً بمجموعة من القرائن الحسية الّتی تعكس على رواياته طابعاً من الوثوق النابع من الحسّ والمشاهدة(3).
لقد دأب بعض المستشرقين على تناول بعض أخبار السيرة بالبحث والنقد ثمّ
جعلوا ذلك وسيلة للطعن في شخص النبيّ الكريم صلی اللّه علیه و آله وسلم أو ما يتّصل به»، فآمن بعض
أصحاب الأقلام الجديدة بأنّ في السيرة أخباراً لا تمت إلى الحق بصلة في قليل ولا كثير، ثمَّ تجرأوا فأقدموا على تهذيب السيرة ممّا ألصق بها وهو ليس منها، كقصة شق الصدر والغرانيق(1)وغرام الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بزوجة ربيبه زيد!
إنّ سيرة النبي محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم كسائر العظماء أضيف إليها ما ليس منها، إما عن حبٍّ وهوى وحسن نيّة وطويّة، وإما عن حقد وسوء قصد متعمّد، ولكنّها از عن سيرجميع العظماء بأنّ شيئاً كثيراً منها قد ضمّه الوحي الإلهي وضمن حفظه القرآن الكريم، وكثيراً منها مرويّ على لسان الحفاظ الثقات من المحدثين.
فعلى هذه الأسس الصحيحة يجب أن تُبنى السيرة، وأن تحلّل التحليل العلميّ النزيه بملاحظة حال البيئة وجوانبها المختلفة من عقائد ونظم وعادات وتقاليد وطقوس، وأنْ لا يُبنى الأساس على المعجزات والكرامات وخوارق العادات إلا ما خرج بالدليل، بل يُبنى على أساس: «إنّ اللّه أبى أن يُجري الأشياء إلا بأسباب» (2)اللّهم إلا ما خرج بالدليل الثابت المعقول.
1 . إنّ الدارس لكتب السيرة والتأريخ؛ يلاحظ أنّ ما روته من أنباء الخوارق والمعجزات وغيرها من كثير من الأنباء، ينقص ثمّ يزيد بزيادة الأزمان الّتی وضعت فيها هذه الكتب، فقديمها أقلّ رواية للخوارق من متأخّرها، وما ورد من الخوارق في الكتب القديمة أقل بعداً عن مقتضى العقل مما ورد في كتب المتأخّرين.
فهذه سيرة ابن هشام ، قُل: سيرة ابن إسحاق وهي أقدم السِّير المعروفة اليوم تغفل كثيراً عما ذكره أبو الفداء في أريخه، وما ذكره القاضي عياض في «الشفاء» وعن جميع كتب المتأخرين تقريباً.
فلابدّ للباحث من أن يقبل لنفسه مقياساً يعرض عليه ما اتفقوا عليه وما اختلفوا فيه، فما صدّقه هذا المقياس أقرّه وأقرّ به وقربه، وما لم يصدقه فلا يورده بل يردّه»(1)
وقد رواها ابن إسحاق، ثمّ قال : إنها من وضع الزنادقة. وذكرها ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» فقال: ذكروا قصة الغرانيق، وقد أحببنا الإضراب عن ذكرها صفحاً لئلا يسمعها من لا يضعها في مواضعها، إلا أن أصل القصة في الصحيح، ثمّ ذكر حديثاً عن البخاري في أمرها وأردفه بقوله: «انفرد به البخاري دون مسلم».
أمّا الّذی يتخذ عصمة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في تبليغ الرسالة مقياساً للأخذ والرد، فلا يتردّد في نفي القصة من أساسها، بل يتفق مع ابن إسحاق في أنّها من وضع الزنادقة ويكتفي في ردّها بما فيها من نقض ما للرسول من عصمة في تبليغ رسالة ربه، كما تقتضي ذلك قواعد النقد العلمي، كما فعل هيكل في كتابه: ص 48 و 147 - 161.
.2 . وهناك سبب آخر يوجب تمحيص ما ورد في كتب السلف ونقده نقداً علميّاً دقيقاً، هو أن أقدمها قد كُتب بعد وفاة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بمائة سنة أو أكثر، وبعد أن فشت في الدولة الإسلامیّة دعايات سياسيّة وغير سياسية كان اختلاق الروايات والأحاديث من وسائلها للغلبة على خصومها، فكيف بما كتب متأخراً في أشد أزمان الاضطرابات والقلاقل؟ وكيف بما ورد في المتأخِّر من كتب السيرة؟ فهل يمكن الأخذ به بدون تمحيص بدقة علمية؟ وقد أدت المنازعات السیاسیّة وغيرها الّتی حدثت بعد الصدر الأوّل إلى اختلاق كثير من الروايات والأحاديث تأييداً لها، هذا والحديث لم يدوّن إلى أواخر عصر الأمويّين.
ذلك لأنّ عمر بن الخطّاب حين عزم على ذلك أصبح يوماً يقول: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن، ثمّ عدلت عن كتابتها، فإنّي -والله - لا أشوب كتاب اللّه بشيء أبداً! ثمّ كتب إلى الأمصار بذلك يقول: من كان عنده شيء غير القرآن فليمحُه! وظلّ الأمر
1) مثلاً: إنّ قصة الغرانيق الّتی تذهب إلى أن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم لما ضاق ذرعاً بسادات قريش فتلا عليهم سورة النجم حتّی إذا بلغ فيها إلى قوله سبحانه( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى) أضاف إليها «تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى» ثمّ أتم السورة فسجد وسجد المسلمون والمشركون!
كذلك - ما عدا عهد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وابنه الحسن عليها حتّى أمر عمر بن عبدالعزيز بجمع الحديث(1).
أمّا كيف روى مثل البخاري قصّة الغرانيق مثلاً ؟ فقد اعتذر عن ذلك النووي في شرحه لصحيح مسلم حين قال: «أخذ جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أخلّا بشرطيهما فيها ونزلت عن درجة ما التزماه»، وقد التزما بمقياس السند والثقة بالرواية في قبول الحديث ورفضه ولكنّه وحده غير كاف لذلك.
بل إنّ خير مقياس يقاس به الحديث والخبر عن النبيّ ما روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «إنّكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عنّي فأعرضوه على كتاب اللّه فما وافقه فمنّي وما خالفه فليس منّي» (2)فهو مقياس صحيح أخذ به كثير من الثقات، وهو يتّفق مع قواعد النقد العلمي، وقال ابن خلدون بشأنه: «إنني لا أعتقد صحة سند حديث ولا قول صحابي عالم يخالف ظاهر القرآن، و إنّ وثّقوا رجاله، فَرُبَّ راوٍ يوثّق للإغترار بظاهر حاله وهو سيّء الباطن. ولو انتقدت الروايات من جهة فحوى متنها كما تنتقد من جهة سندها؛ لقضت المتون على كثير من الأسانيد بالنقض. وقد قالوا: إنّ من علامة الحديث الموضوع مخالفته لظاهر القرآن، أو القواعد المقرّرة في الشريعة ، أو لبرهان العقل أو الحسّ والعيان وسائر اليقينيّات».
حقّاً إنّ اختلاف المسلمين بعد وفاة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بلغ حدّاً دعا الدعاة فيهم إلى اختلاق الآلاف المؤلّفة من الأحاديث والروايات.
لما قُتل عثمان وبدأت الحروب الداخلیّة بين المسلمين بخصومة خُصُماء عليّ علیه السلام ، وأيد أمير المؤمنين من أيّده، ثمّ استتبّ الأمر لبني أمية؛ جعل المحدّثون
المتّصلون ببني أمية يضعفون ما يُروى عن علي بن أبي طالب علیه السلام وفضائله، كما جعل أنصار عائشة يشيعون عنها ما يؤيد دعواها (1).
. وقد تولّى كتاب السيرة كتابتها للخلفاء، فابن إسحاق كتب سيرته للمنصور و ابنه المهدي، والواقدي كتب مغازيه للرشيد و وزيره يحيى بن خالد البرمكي. اللّهم إلا هشاماً الكلبي و المدايني فإنهما لم يكتبا لأحدٍ منهم، ولكنهما ما كان لهما أن ينازعا الخليفة فى آرائه خوفاً منه، ولذلك فإنّه لا ينطبق ما كتبوه على مقاييس الصحّة بدقّة»(2).
و هذه بعض المآخذ على جملة مهمّة من المصادر التأريخية الّتی عرضنا لها بالرّغم ممّا احتوته من معلومات قيمة لا نكاد نجد ما يضارعها في ما سواها من مصادر التأريخ دقّةً وتفصيلاًو أهمّية.
الخلاصه
إنّ ما دوّنه الصحابة من حديث الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في حياته قد أُحرق بعد وفاته، ومنعوا من تدوين الحديث بشكل رسمي طيلة القرن الأوّل على الأقلّ.
ولم يصلنا شيء من نصوص التأريخ الإسلامي، ما كان معاصراً لأحداث صدر الإسلام وعصر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم، إلا ما اشتمل عليه القرآن الكريم من إشارات ونصوص.
اتّسعت دائرة وضع الحديث بعد عصر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ولا سيّما في عصر معاوية وما تلاه، ومن هنا أخذت حقائق التأريخ تغيب تحت هذا الركام.
وقف الإمام عليّ علیه السلام وبنوه وصحابتهم أمام منع حركة تدوين الحديث، فدوّنوا ما أمكنهم تدوينه وحاولوا إيصاله إلى الأجيال اللاحقة حرصاً منهم على حفظ حقائق التأريخ.
تعتبر سيرة ابن هشام تلخيصاً لسيرة ابن إسحاق إذ كان ابن إسحاق معتمداً عند الثقات و أصحاب الصحاح وتعتبر مغازي الواقدي ثاني المصادر المعتمدة لدى المؤرّخين.
وقد تضمّنت كتب السيرة أخباراً متعارضة وهذا أحد أسباب ضرورة تقويم أحاديثها وعدم الاعتماد على كلّ ما جاء فيها من أحاديث. بالرغم من اشتمالها على أحاديث قيمة لا غنى للباحث التأريخي عنها.
الأسئلة
1 . مَن الّذی منع من تدوين حديث الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ولماذا؟
2 . لماذا أحرقت أحاديث الرسول الّتی كان قد دونّها بعض الصحابة؟
3 . ما هو موقف أهل البيت علیهم السلام من حركة المنع من تدوين الحديث؟
4 . ما هي أقدم المصادر التأريخيّة العامّة ؟ وهل وصلنا شيء منها؟
5 . ما هي علاقة سيرة ابن هشام بمسيرة ابن اسحاق؟
6 . ما هي أهمّ الملاحظات على المصادر التأريخيّة الأولى؟
عرفنا أن المصادر التأريخية المعروفة عند عامة المسلمين هي تلك المصادر الّتی دوّنت بعد سنوات الحظر من تدوين الحديث أي بعد أكثر من قرن، ولم تخل من التأثّر بميول وأهواء أصحاب السلطة والخطّ الحاكم من قريب أو بعيد.
كما عرفنا أنّ أئمّة أهل البيت علیهم السلام - باعتبار المسؤولية الّتی أُلقيت على عاتقهم في مجال لصيانة الشريعة الإسلاميّة وأمة خاتم النبیّین من مضاعفات الإنحراف - قد خالفوا حظر السلطة بالنسبة لتدوين حديث وسنّة سيّد المرسلين صلی اللّه علیه و آله وسلم ؛ وذلك لما كانوا يرونه في الأُفق البعيد و هم المعصومون المهديّون - من آثار سلبيّة و تخريبيّة لهذا الحظر الّذي فرضه على المسلمين الخليفتان أبوبكر وعمر ومن تبعهما عليه من سائر الخلفاء.
لقد كان تخطيط الأئمّة الأطهار علیهم السلام في هذا المجال يتمثّل في الحثّ على التدوين والحث على تداول رواية النصوص المدوّنة عبر الأجيال المتعاقبة لإيجاد تيار قويّ قادر على حفظ التراث الّذي بدأت السلطة بالتمهيد لضموره وضياعه من خلال هذا الحظر غير الحكيم.
علماً بأنّ الكتاب والسنّة كانا يشكّلان - بحقّ - البذرة الأُولی للحضارة الإسلامیّة
السامية من خلال الدعوة إلى التعلّم والتعقّل والمبادرة للتجربة لاكتساب أنواع المعرفة وتعميمها وتعميقها ويدعوان إلى الاهتمام بالسنّة النبویّة الشريفة كالاهتمام بالكتاب العزيز والتوجّه إلى السيرة والتأريخ بشكل خاص ومن هنا كان الحثّ من قبل أهل البيت علیهم السلام على تدوين السنّة وتداولها منسجماً مع محكمات الكتاب والسنة.
وقد انتج هذا الحثّ الأكيد أثرين إيجابيين في المجتمع الإسلامي:
الأثر الأوّل: هو اهتمام صحابة أهل البيت علیهم السلام وأتباعهم بتدوين السنّة وقضايا التأريخ الإسلامي اهتماماً خاصاً تمثّل في مجموعة من الكتب التأريخية والحديثية الّتی تكفّلت بحفظ التراث الإسلامي ولا سيّما تراث الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله وسلم وأهل بيته الأطهار علىهم السلام .
الأثر الثاني: هو التمهيد لرفع الحظر الجادّ من خلال كسر الطوق الّذي كان الحكّام قد طوقّوا به الأمّة الإسلامیّة لا سيّما محدّثيهم وعلماءهم ، بالرغم من أنّ هذا الطوق كان قد غدا سُنّة من سنن الشيخين الّتی أصبحت بمرور الزمن توازي سنّة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم تقديساً واحتراماً، بل كانت تتقدّم على سنّة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم عند بعض المسلمين، لا في الشعار واللسان بل في السلوك والشعور والعمل.
وعلى هذا فالمصادر التأريخيّة الّتی يمكن أن تلقي بضوئها على تأريخنا الإسلامي وسيرة الرسول وأهل بيته الطاهرين لا تنحصر فيما عرف من كتب السيرة العامّة الّتی تعرّضنا لها في البحث السابق، وإنّما يجد الباحث نفسه أمام تراث تأريخي ثريّ لا يمكن التغافل عنه أو تناسيه أو تسقيطه؛ لأنه من تدوين أتباع أهل البيت علیهم السلام وشيعتهم؛ فإنّ جملة من المصادر العامّة أيضاً قد كتبها من لا يؤمن بإمامتهم وخلافتهم المشروعة بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم . فالمصادر كلّها متكافئة من هذه الجهة في ميزان العلم والعقل، وإنّما الّذی يميّز بعضها عن بعض هو ما يؤيّده المنهج العلمي من حقائق تكتشف من خلال النصوص والوثائق الّتی وصلتنا بالطرق المتداولة علميّاً حيث يمكن تقويمها و موازنتها مع غيرها على أُسس علميّة متينة ومقبولة لدى المؤرّخين.
وهكذا يصبح التعرف على هذه المصادر التأريخية فرضاً علمياً لا غنى للباحث عنه.
و من الطبيعي أيضاً أن تنتقل إلينا سيرة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وسنّته من خلال أهل بيته الطاهرين، فإنّهم أحفظُ لها وأدرى بها ، وقد حرص أتباعهم على تدوينها وتناقلها بحسب تسلسل الأجيال والقرون.
وإليك تعريفاً موجزاً بهذه المصادر حسب تسلسلها التأريخي مع الإشارة إلى مؤلّفيها:
1 . الشريف الرضي (م 404 ه): له خصائص أخبار الأئمّة الإثني عشر، على ترتيب أيّامهم، ذاكراً فيه تواريخ مواليدهم وأعمارهم ووفياتهم وقبورهم، وطرفاً من حجج النصوص وحقائق البراهين عليهم، ولمعاً من جواباتهم وأقوالهم و أحاديثهم (صلوات اللّه عليهم أجمعين).
وقد ابتدأ بكتابته قبل سنة 383ه- ولم يكمل من هذا الكتاب سوى خصائص الإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام .
وله أيضاً نهج البلاغة الّذي تضمّن جملة من خطب ورسائل، وكتب الإمام علي علیه السلام، وتضمّن جملةً من حقائق التأريخ الّتی ترتبط بعصر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم والعصر الّذي تلاه حتّى أيّام حكومته واستشهاده علیه السلام.
الشيخ المفيد (م) 413 ها) له كتاب الإرشاد إلى معرفة حجج اللّه على العباد وهو أوّل كتاب جمع فيه تواريخ الأئمّة الإثني عشر الملا . وقد جاء فيه ذكر السيرة النبویّة الشريفة عَرَضاً ضمن عرضه لتأريخ الإمام عليّ علیه السلام على عهد النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم .
الشيخ الشهيد محمّد بن الفتّال النيسابوري (م) 508ها له كتاب روضة الواعظين في مجلّدين، وخصّ الأوّل منهما بالجانب العقائدي والتأريخي للنبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم والائمّة علیهم السلام.
الشيخ أبو علي الطبرسي (م 548ها له كتاب إعلام الورى بأعلام الهدى، يشتمل
على تواريخ مواليد وأعمار الأئمّة علیهم السلام وطرف من أخبارهم ومحاسن آثارهم والنصوص الدالّة على صحّة إمامتهم، وافتتح كتابه بالكلام عن مولد النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم و مبعثه وحياته وصفاته وأحواله وبعض غزواته ووفاته و قراباته.
وله كتاب تفسيري جامع بعنوان مجمع البيان لعلوم القرآن تضمّن بيان حوادث التأريخ خلال تفسيره للآيات، جاء بها من مصادرها العامّة والخاصّة.
5 . قطب الدين الراوندي (م) 573ه-) له كتاب قصص الأنبياء في عشرين باباً خصّ البابين الأخيرين بخاتم النبیّین صلی اللّه علیه و آله وسلم ، وله أيضاً كتاب الخرائج والجرائح خصّه بمعجزاته صلی اللّه علیه و آله وسلم .
6 . محمّد بن علي الحلبي (م 588ه) له كتاب مناقب آل أبي طالب وافتتحه بذكرسيّد المرسلين صلی اللّه علیه و آله وسلم
الشيخ عبدالحميد بن أبي الحديد المعتزلي الشافعي (م 655ه-) له كتاب شرح نهج البلاغة ضمّنّه جملة من حوادث صدر الإسلام نقلاً عن سيرة محمّد بن إسحاق برواية عبدالملك بن هشام ومغازي الواقدي وأنساب الأشراف للبلاذري مشيراً إلى وجهه نظر الشيعة عند الإختلاف في النقل والرواية.
الشيخ علي بن عيسى الأربلي (م) 693ه) له كتاب كشف الغمّة في معرفة الأئمّة وقد بدأ بحوثه بذكر شيء من أحوال الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وصفاته.
9 . السيد هاشم البحراني (م (1109ه) له كتاب حلية الأبرار محمّد وآله الأطهار.
10 . الشيخ محمّد باقر المجلسي (م) 1110ه) له كتاب شهير تحت عنوان بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأطهار علیهم السلام . و هو أكبر موسوعة (قرآنيّة - حديثيّة) تعتمد على تتبّع الأُصول المعتبرة لدى مدرسة أهل البيت علیهم السلام وأتباعهم المهجورة منها والمتداولة المشهورة، فألّف منها كتاباً منسّق الأبواب والفصول وطبعت بالطبعة الحديثة في 110 أجزاء، وبلغت أجزاء السيرة النبویّة وسيرة الأئمّة علیهم السلام ثمانية و ثلاثين جزءً سوى أجزاء الاحتجاجات والتراث الّذی جاء عنهم علیهم السلام في كل مجال
من مجالات المعرفة وسوى أجزاء حياة الأنبياء علیهم السلام .
وتميّزت هذه الموسوعة ب أنّها تتصدّر بحنوثه في كلّ باب الآيات القرآنيّة المتعلّقة بذلك الباب أو الفصل، ثمّ ما جاء عن المفسّرين حولها. ويتمّ التركيز على المفسّرين الشيعة بالإضافة إلى سائر المفسّرين؛ لأنّ للآثار الواردة عن أهل البيت علیهم السلام نكات خاصّة تستحقّ الاهتمام من العلماء مادام أهل البيت أدرى بما في البيت. ومن هنا لا يستطيع الباحث الموضوعي أن يتغافل عن هذه النصوص الواردة بحثاً وتحقيقاً و تدقيقاً بل لابدّ ّ له أن يضيفها إلى سائر مصادر التأريخ المعروفة ليخرج برؤية موضوعيّة دقيقة وشاملة.
لقد كانت محاولة المجلسيّ - رضوان اللّه تعالى عليه - محاولة شاملة لكلّ ما تمكّن من جمعه وضبطه و تصنيفه تأريخاً نقليّاً وليس تحليليّاً.
و من هنا قد استجدّت محاولات أُخرى بعد وجود فراغ كبير في الساحة العلميّة خلال أربعة قرون مرّت على محاولة المجلسي الموفّقة إلى حدّ بعيد.
فإنّ هذه النصوص الّتی جمعها المجلسيّ تشتمل على الصحيح والضعيف والغثّ والسمين، فهي إذن بحاجة إلى غربلة علميّة دقيقة تتناسب ومهمّة المؤرّخ الباحث الفاحص.
كما أنّ القرآن الكريم هو خير مصدر للبحث التأريخي السليم؛ لأنّه عاصر العصر النبويّ، وكان يتنزّل عند كلّ المستجدّات المهمّة في تأريخ الرسالة الإسلامیّة . ومن هنا فقد تخصّص جمع من الباحثين في استنطاق نصوص القرآن الكريم وتوظيفها لفهم و دراسة التأريخ بشكل عامّ و تأريخ الإسلام بشكل خاصّ.
وهذه المحاولات قد اعتمد بعضها على أسباب النزول في المصادر التفسيريّة العامّة، ولم تلتفت إلى المصادر الّتی وصلتنا عن مدرسة أهل البيت علیهم السلام ، وبعضها اعتمد على كتب السيرة العامّة أيضاً وغفل عن وجود مصادر علميّة ثمينة ورثها أتباع أهل البيت علیهم السلام عن أئمتهم الطاهرين.
و من هنا كانت البحوث القرآنية البعيدة عن هذه النصوص الحديثية فاقدة لجملة من عناصر القوة العلميّة إذا أردنا معرفة الملابسات والتفاصيل لأحداث عصر النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم و الّتی قد نزلت فيها آيات بيّنات واختلفت فيها آراء عامة المفسّرين عن خاصّتهم.
وعلى هذا فقد كانت الحاجة ماسة لدراسة آيات القرآن الكريم بحسب ترتيب النزول من جهة، وملاحظة ما ورد بشأنها من نصوص غير قرآنية وملاحظة كلّ ما ورد في المصادر الإسلامیّة العامّة والمصادر الخاصة الّتی اختصت بها مدرسة أهل البيت علیهم السلام ثمّ غَرْبَلَتُهاو تقويمها ومحاكمتها على أسس علمية متينة للوصول إلى رؤية علمية دقيقة وواضحة عن ملابسات الأحداث الّتی نبتعد عنها بفاصل زمني طويل يبلغ أربعة عشر قرناً تقريباً.
وسوف لا تكون هذه الدراسة هى آخر محاولة فى هذا الميدان ما دامت نقاط البحث الغائمة كثيرة جداً، وما دام المهتمون بحقل التأريخ على مستوى الاجتهاد والتفقه لم يبلغوا عدد الأصابع في كل عصر.
و من هنا جاءت المحاولة الموسوعيّة لأحد المختصّين بحقل التأريخ والمهتمّين بمصادر الفريقين تحت عنوان موسوعة التأريخ الإسلامي (1)لتسدّ المرحلة الأُولى من هذا الفراغ العلمي الّذی تحتاجه الساحة الإسلامیّة لتتلوها سائر الخطوات والمحاولات الّتی تستكمل بها عملية البناء التأريخي الإسلامي على أُسس علميّة متينة معتمدة على نصوص القرآن الكريم المحكمة، ونصوص السنّة الشريفة المعتبرة، و محكمات العقل الصائب، ومستجدّات العلم الّتی تفتح للدراسات التأريخيّة التحليليّة آفاقاً جديدة.
1) تأليف الشيخ محمّد هادي اليوسفي الغروي، نشر مجمع الفكر الإسلامي، يستوعب العصر النبوي منها أربعة أجزاء في ثلاثة آلاف صفحة تقريباً.
و لا يسوغ للدارس المحقّق في حقل التأريخ أن يتغافل عمّا جمعه مؤلّف هذه الموسوعة، وما قام به من موازنة وتقويم، ليكون على حيطة وحذر من إغفال ما تناثر في بطون الكتب والمصادر القديمة والحديثة من أمور قد تؤثّر على رؤية الباحث الحصيف.
الخلاصة
اهتمّ الائمّة المعصومون وشيعتهم بتداول أحاديث الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم والتزموا بالتدوين الّذی أسفر عن إبطال الحظر وساهم في إيصال مجموعة كبيرة من أحاديث الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وأهل بيته علیهم السلام إلينا.
ومن هنا ولدت مصادر تأريخية وحديثيّة إلى جانب المصادر العامّة اختص بتدوينها أتباع أهل البيت علیهم السلام ، وهي بوجودها تلقي الحجّة على كل مؤرّخ ومتتبّع حيث أنّه لا يستغني عنها ولا يكون معذوراً فيما إذا تغافل عنها، ل أنّها لا تقلّ في قيمتها التأريخيّة عن سائر المصادر الّتی اشتهرت عند المسلمين.
وتشكّل مجموعة أجزاء بحار الأنوار موسوعة حديثيّة غنيّة في مجال التأريخ والسيرة وغيرهما من مجالات المعرفة الإسلامیّة ، ولعلّها أوسع موسوعة حديثيّة في مجال التأريخ والسيرة ولكنّها بحاجة إلى دراسات تكميليّة حديثة.
وتأتي موسوعة التأريخ الإسلامي في عصرنا الراهن لترفد المكتبة الإسلامیّة بمحاولة جديدة تقوم بغربلة المصادر ومحتوياتها، ولا تغفل عمّا أفرزته آيات القرآن الكريم من حقائق تأريخيّة ينبغي للباحث أن يأخذها بنظر الإعتبار.
الأسئلة
1 . لماذا خالف أهل البيت علیهم السلام حكم السلطة بالنسبة لتدوين الحديث؟
2 . ما هي الآثار الّتی خلفتها مخالفة أهل البيت علیهم السلام لحركة منع تدوين الحديث؟
3 . هل يستطيع الباحث التأريخي أن يتغافل عن المصادر التأريخيّة الشيعيّة الّتی دوّنها اتباع أهل البيت علیهم السلام ؟
4 . ما هي المصادر التأريخيّة الّتی دونها أتباع أهل البيت علیهم السلام ؟
5 . ما هو أهمّ مصدر تأريخي للعلامة المجلسي؟
6 . ما هي موسوعة التأريخ الإسلامي؟ وما هي أهمّ مميزاتها؟
عرفت بلاد العرب عند مؤرّخي اليونان والرومان باسم أرابيا Arabia بينما يطلق عليها مؤرّخو العرب وجغرافيّوهم اسم «جزيرة العرب».
أمّا عن حدود شبه الجزيرة العربيّة فيحدّها من الشرق الخليج الفارسي وبحر عُمان، ومن الغرب البحر الأحمر، ومن الشمال بادية الشام، ومن الجنوب المحيط الهندي.
و تختلف بلاد العرب من حيثُ طبيعتُها باختلاف أجر فبعض أجزائها تغطّيه كثبان الرمل، وبعض تكسوه الصخور، وبعض منخفض، وبعضها مرتفع.
وفيها صحراوان كبيرتان صحراء الأحقاف في الجنوب، وصحراء النفوذ في الشمال، وبين الصحراوين والسلسلتين (أجاوسلمى) تنتشر نِجاد متّسعة، وتكثر فيها الواحات، وتنمو فيها أشجار النخيل. أمّا البوادي فأراضي جافّة تنشأ عادة من أطراف البطاح الخصبة، وتتلاشى في طلائع الرمال الصحراويّة، وتتحوّل في موسم الأمطار إلى مزارع كثيرة الخصب و تنتشر الواحات والحرّات في البوادي على غير انتظام و تكثر في تلك الواحات منابع المياه فتنبت فيها المزروعات، ويتكاثر فيها السكّان أما
الحرّات فهي مناطق جافّة وعرة تكثر فيها الحجارة السوداء، ويقلّ فيها العمران(1).
أمّا مناخ شبه الجزيرة العربیّة فصحراوي حارّ جدّاً في الصيف وبارد جدّاً في الشتاء، ومن حيثُ الأمطارُ فقليلة تسقط في الخريف والشتاء والربيع بدفعات غير منتظمة، أما في اليمن فتسقط صيفاً بفعل الرياح الموسميّة الآتية من شرقي أفريقيا.
وتتوفّر المياه الباطنيّة في معظم أنحاء الجزيرة، وغالباً ما تكون قريبة من سطح الأرض، حيث تكون كمّيّاتها كافية للزراعة والاستيطان، كذلك تتوفّر المياه في بطون الأودية و في بلاد اليمن، ممّا ساعد على الزراعة والاستقرار ونشوء الحضارات(2).
أمّا من ناحية الحاصلات الزراعيّة والنباتات فيأتي النخيل في مقدّمتها، ويكثر وجوده في الواحات وخصوصاً في خيبر والمدينة و في (هجر) من بلاد البحرين وفي (اليمامة). ويزرع من الحبوب القمح والشعير والذرة وتشتهر (فدك) ووادي القرى وخيبر والمدينة والبحرين بإنتاج الشعير، أمّا القمح فيكثر في اليمامة، والذرّة في عسير، و تشتهر الطائف بإنتاج الكروم وأنواع الفاكهة، ويزرع البرتقال والسفرجل في المناطق المرتفعة، والموز في بعض الوديان الصالحة نحو الجنوب (3).
عرف عصر ما قبل الإسلام في الجزيرة العربيّة «بالعصر الجاهلي»، و الجاهلیّة هنا لا تؤخذ بمعنى الجهل الّذی هو نقيض العلم، بل تعني: السفه والغضب والأنفة، وهي الحال الّتی كانت عليها العرب قبل الإسلام لما كانوا عليه من مزيد الجهل في كثير من الأعمال والأحكام(4).
ويرى بعض المؤرّخين أنّ الجاهلیّة في المعنى الصحيح هي: ذلك العصر الّذی لم يكن لبلاد العرب فيه ناموس وازع ولا نبيّ عليهم ولا كتاب منزل(1).
إنّ عرب الجاهلیّة كانوا على جهل بالشرائع الحقّة والأحكام العادلة والمُثُل العليا الّتی جاء بها الإسلام وعلى هذا الأساس يصحّ إطلاق لفظ الجاهلیّة هذا على العصر السابق لعصر النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم (2).
وقد ورد لفظ الجاهليّة في القرآن الكريم والحديث النبوي والشعر الجاهلي.
قال تعالى: (أفحكم الجاهليّة يبغون و من أحسن من اللّه حكماً لقوم يوقنون) (3).
وقال عزّ وجلّ: (يظنّون بالله غير الحق ظنّ الجاهليّة) (4).
وقال عزّ من قائل: (إذ جعل الّذین في قلوبهم الحميّة حميّة الجاهليّة) (5).
وقال أيضاً:( وقرن في بيوتكنّ ولا تبرّجن تبرج الجاهليّة الأولى)(6).
و قد اختلفت آراء المفسّرين في المراد بالجاهلیّة الأولى، فقيل: إنّها الزمن الّذی ولد فيه إبراهيم علیه السلام ، حيث كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشي في وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال.
وقيل: إنّها الفترة ما بين آدم و نوح علیهما السلام وهي ثمنمائة سنة، ورأى فريق آخر أنّها الفترة ما بين نوح وإدريس علیهما السلام ، ومنهم من جعلها ما بين نوح وإبراهيم علیهما السلام ، أو أنّها تعني: ما بين موسى وعيسى علیهما السلام ، في حين ذكر آخرون أنّها الفترة ما بين عيسى علیه السلام
و محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم (1). وهو الّذی تنصرف إليه الآيات المذكورة: من حكم الجاهلیّة وظنّ الجاهلیّة وحميّة الجاهلیّة وتبرج الجاهلیّة الأولى.
وورد في معلّقة عمرو بن كلثوم الثعلبي قوله:
ألا لا يجهلنّ أحد علينا ***فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ويظهر ممّا تقدّم أنّ كلمة الجاهلیّة استخدمت منذ القدم للدلالة على السفه والطيش والحمق، وقد أطلقت على العصر القريب من الإسلام، أو بعبارة أدقّ على العصر السابق له مباشرة، وكلّ ما كان فيه من وثنيّة وأخلاق منحرفة قوامها الحميّة والأخذ بالثأر و اقتراف ما حرَّمه الدين من الموبقات(2).
كانت القبيلة هي الوحدة السياسيّة عند العرب في عصر ما قبل الإسلام، فأفراد القبيلة ينتمون أو يعتقدون أنهم ينتمون إلى أصل واحد مشترك تجمعهم وحدة الجماعة و تربطهم رابطة الدم والعصبيّة للأهل والعشيرة، ورابطة العصبيّة هي: شعور بالتماسك والتضامن والاندماج بين من تربطهم رابطة الدم فهي بذلك تعدّ مصدراً للقوة السیاسیّة والدفاعيّة بين أفراد القبيلة، فتعمل العصبيّة بذلك على بناء المجتمع وحفظ كيانه، وهي تعادل الشعور بالقوميّة في العصر الحاضر، ولكنّ رابطة الدم فيها أقوى وأوضح، والفرد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقبيلته وينصرها ظالمة كانت أو مظلومة (3).
والعصبيّة عند العرب نوعان:
عصبيّة الدم و هي أساس القرابة ومصدر الترابط الوثيق بين أفراد القبيلة.
ثمّ عصبيّة الانتماء إلى أبٍ بعيد أو جدٍّ مشترك، من نسله تكونت القبيلة أو القبائل المنتمية إليه، وعلى هذا الأساس كان شعور العرب بالقوميّة الشاملة ضعيفاً؛ ذلك لأنّ وعيها السياسي كان ضعيفاً محدوداً لا يتجاوز القبيلة أو القبائل المنتمية إلى الجدّ المشترك (1).
و هكذا كان المجتمع العربي قبل الإسلام مجتمعاً مفكّكاً سياسيّاً ينقسم إلى وحدات متعدّدة قائمة بذاتها، تمثّلها القبائل المختلفة، فالعصبيّة في ذلك المجتمع قضت على فكرة الترابط السياسيّ، حتّى في حالة الانتساب إلى إحدى المجموعتين الكبيرتين: العدنانيّة والقحطانية مما أدّى إلى قيام صراع بين هاتين العصبيتين(2).
وتستوفي القبيلة كافّة مقوّمات الدولة سوى الأرض الثابتة الّتی تحدِّد منطقة نفوذها، فقد كان ضيق أسباب الحياة في الصحراء حافزاً لتلك القبائل على التنقّل و الحركة والسعي وراء العيش، إلا أنّها في بعض الأحيان تكون لها منطقة خاصّة تتحوّل في نطاقها وتُدعى (الدار) أو قد تنشئ لنفسها (حمى) أي منطقة ثابتة من الأرض لا يجوز لغيرها أن يخترقها أو يستعملها(3).
أمّا عن نُظُمِ الحكم السائدة في تلك المجتمعات القبليّة؛ فقد كان لكلّ قبيلة مجلس من شيوخها يرأسه رجل يتمّ اختياره من بين أفراد القبيلة، ويطلقون عليه ألقاباً منها: الرئيس والشيخ والأمير والسيّد(4).
ويشترط في من يتولّى هذا المنصب أن تتوفّر فيه عِدّة صفات تؤهّله لقيادة القبيلة ورئاستها، منها: الشجاعة والحكمة والصبر والكرم، وأن يكون ذا نفوذ عظيم وقوّة في البيان ورأي ثاقب.
وقد ذكر الجاحظ في كتاب شرائع المروءة: أنّ العرب كانت تسوّد على أشياء أمّا مضر فتسوّد ذا رأيها، و أمّا ربيعة فمن أطعم الطعام، و أمّا اليمن فعلى النسب.
وقيل إنّ أهل الجاهلیّة كانوا لا يسوّدون إلّا مَن تكاملت فيه ستّ خصال: السخاء، والنجدة، والصبر، والحلم، والتواضع، والبيان(1).
وكان على سيّد القبيلة واجبات أهمّها قيادة الجيش، وتولّي أمر المفاوضات مع القبائل الأخرى، وفضّ المنازعات والحكم في الخلافات، وإعانة الضعفاء، وإيواء الغريب، وإجارة المجير، والذود عن النساء، والمحافظة على وحدة القبيلة (2).
و من واجباته أيضاً تقسيم الغنيمة بين المقاتلين، وله فيها حقوق وامتيازات، أجملها عبدالله الضبّي في البيت التالي:
لك المرباع منها والصفايا ***وحكمك والنشيطة والفضول
وكان مجلس القبيلة يعقد اجتماعاته بدار الندوة، أو المنتدى أو النادي، حيث تناقش الأُمور والمسائل الّتی تخصّ القبيلة كإعلان الحرب، أو إقرار السلم، وتتّخذ قراراته بعد التشاور و المناقشات بالأغلبيّة (3).
دأب الأحباش منذ استيلائهم على اليمن إلى نشر الديانة المسيحيّة، وكان من أعمال أبرهة في اليمن بناؤه كنيسة في «صنعاء» سمّاها «القليس» وهو تحريف للكلمة اليونانية إكليزا Ekklessia أي الكنيسة، وقد بالغ أبرهة في الاعتناء بهذه الكنيسة وتزيينها وإتقانها، فنقشها بالذهب والفضّة والزجاج والفيسفساء وألوان
الأصباغ وصنوف الجواهر، وقد ذكر ياقوت الحموي أنّ أبرهة «استذلّ أهل اليمن في بناء هذه الكنيسة وجشّمهم فيها أنواعاً من السفر، وكان ينقل إليها آلات البناء كالرّخام والحجارة المنقوشة بالذهب من قصر بلقيس صاحبة سليمان علیه السلام ، وكان من موضع هذه الكنيسة على فراسخ، وكان فيه بقايا من آثار ملكهم فاستعان بذلك على ما أراده من بناء هذه الكنيسة وبهجتها وبهائها ونصب فيها صلبان من الذهب والفضّة، و منابر من العاج الأبنوس(1).
ولمّا فرغ أبرهة من بناء هذه الكنيسة؛ أرسل إلى نجاشيّ الحبشة يقول: «قد بنيت لك أيّها الملك كنيسة لم يبنَ مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتّى أصرف إليها حاجّ العرب»(2).
فلما تحدّثت العرب بذلك، كبر عليها، فأقدم رجل من النساة من بني فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة على تدنيس القليس ببعض القاذورات فلمّا بلغ ذلك أبرهة غضب غضباً شديداً وقال : من صنع هذا؟ فقيل: صنعه رجل من أهل هذا البيت الّذی تحجّ العرب إليه بمكّة لِما سمع من قولك: أصرف إليه حاجّ العرب».
فأقسم أبرهة لَيسيرنّ إلى البيت فيهدمه (3).
وسار أبرهة إلى مکّة على رأس جيش كبير من الأحباش يتقدّمهم فيل يقال له:
محمود (وهو تحريف للفظة مأموث Mammouth ومعناها الفيل(4).
وذكر ابن الأثير أنّه كان مع الجيش ثلاثة عشر فيلاً. فخرج على أبرهة رجل من أشراف اليمن يدعى (ذو نفر) فدعا قومه من العرب لقتال أبرهة ومن معه فقاتلهم، فهزمه أبرهة وأخذه أسيراً، ثمّ تابع الأحباش المسير نحو مکّة حتّی إذا كانوا بأرض
خثعم خرج عليهم نفیل بن حبيب الخثعمي وفيمن تبعه من قبائل العرب، فقاتلهم هزم و وقع في الأسر ولمّا وصل أبرهة الطائف بعث أهلها رجلاً يدلّه على الطريق يقال له «أبورغال» فنزلوا في «المغمس» حيث هلك أبورغال في ذلك الموضع فرجمت العرب قبره بعد ذلك (1).
ولمّا اقترب أبرهة من مکّة بعث طائفة من الجند بقيادة رجل يقال له الأسود ابن مقصود فساق إليه أموال أهل مکّة وأصاب مائتي بعير لعبد المطّلب بن هاشم ابن عبدمناف سيّد قريش فلمّا كان أبرهة في الموضع المعروف «بحبّ المحصّب»، أتاه عبدالمطّلب بن هاشم، فعظّمه أبرهة وها به وأجلَّه وقال له: سلني يا عبد المطّلب، فأبى أن يسأله إلّا إبلاً له فأمر بردّها عليه، وقال: ألا تسألني الرجوع فقال: أنا ربّ هذه الإبل، وللبيت ربّ سيمنعه منك» (2).
ثمّ عاد عبد المطّلب إلى مكّة، وأمر قريشاً أن تلحق ببطون الأودية ورؤوس الجبال من معرّة الجيش وأخذ بحلقة باب الكعبة وقال:
ياربّ لا أرجو لهم سواكا ***ياربّ فامنع منهم حماكا
إنّ عدو البيت مَن عاداكا ***إمنعهم أن يخربوا فناكا
ولمّا تهيّأ أبرهة للهجوم على مکّة برك الفيل في المغمس، ولم يحرّك ساكناً، وذكر البلاذري: أنّ الفيل انغمس بالرّمال فلم ينهض، ثمّ بعث اللّه إلى الجيش طيراً، مع كلّ طير ثلاثة أحجار فألقتها عليهم، فلم ينجُ منهم نفر(3).
وقد ذكر اللّه تعالى هذه الحادثة في القرآن الكريم فقال عزّوجلّ: (ألم ترَ كيف فعلَ ربّكَ بأصحاب الفيل، ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيراً أبابيل
ترميهم بحجارة من سجّيل فجعلهم كعصفٍ مأكول).
و هكذا انتهت حملة أبرهة بالفشل الذريع ، فعاد إلى اليمن منهزماً وهلك بعد عودته بقليل، فخلَفَهُ في الحكم ابنه يكسوم فأساء السيرة واتّبع سياسة تقوم على إذلال أهل اليمن ودام حكم يكسوم هذا عشرين عاماً، وتولّى الحكم من بعده أخوه «مسروق» فكان أكثر تعسّفاً منه وعمّ أذاه سائر الناس، وزاد على أبيه وأخيه في الأذى(1).
الخلاصه
إنّ التعرّف على تأريخ وجغرافيّة المنطقة الّتی ولد فيها خاتم الأنبياء صلی اللّه علیه و آله وسلم ونشأ وعاش في أرجائها حتّی بعثه اللّه برسالته؛ يساعدنا على الوقوف على الدور الّذی لعبه النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم ورسالته المباركة في النقلة الحضاريّة الكبرى لإنسان هذا الموطن الّذی كانت همومه و آماله تؤطّرها هموم و آمال القبيلة، حيث لم يعرف الدولة وقوانينها ولم يحمل مظاهر الحضارة، حتّی إذا ظهر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم و أسس الدولة الإسلامیّة في المدينة المنوّرة حدث التحوّل التأريخي في حياة إنسان الجزيرة وما جاورها.
ثمّ إنّ دراسة الظواهر والحالات الّتی كانت تكتنف المجتمع الجاهلي قبل الإسلام تسهم في التعرّف أوّلاً على قيم هذا المجتمع وأحواله، كما تساعدنا أيضاً في التعرّف على الدور الّذی لعبته الرسالة في تحرير هذا الإنسان، ونقله بنورها إلى عالم أرحب هو عالم العدل وكرامة الإنسان والمساواة الّتی لم يكن ينعم بها الإنسان من قبل.
1) المسعودي، مروج الذهب، ج 2، ص 447.
الأسئلة
1 . ما هي أهميّة التعرّف على أحوال المجتمع الجاهلي قبل الإسلام؟
2 . لماذا أطلق مصطلح الجاهلیّة على العصر السابق لعصر الرسالة الخاتمة؟
أُذكر الآيات الّتی اشتملت على لفظ الجاهلیّة، وأوضح المقصود منها.
اشرح الحالة السياسيّة في شبه جزيرة العرب قبل الإسلام.
5 . ما هو دور عبد المطّلب رضی اللّه عنه في عام الفيل ؟ وما الدليل على إيمانه باللّه تعالى؟
6 . ما هو السبب الّذی دفع أبرهة لهدم مکّة المكرّمة؟
تعتبر بلاد الحجاز من أهمّ أقسام شبه الجزيرة العربیّة من الناحيتين الدينيّة والاقتصاديّة. فمن الناحية الدينيّة كانت بلاد الحجاز ملتقى الأديان حيث انتشرت فيها إلى جانب الوثنيّة، الديانات السماويّة كاليهوديّة والمسيحيّة (1).
والحجاز هو الموطن الأوّل للدعوة الإسلامیّة ، فيه ولد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم و على أرضه نمى و هو منزل الوحي و مشرق النور ، و منه انطلقت صيحة الإصلاح ورسالة الإسلام(2).
أمّا من الناحية الاقتصاديّة، فقد كان الحجاز جسراً يربط بلاد الشام وحوض البحر المتوسط باليمن والحبشة والصومال والسواحل المطلّة على المحيط الهندي، فكان لذلك أعظم الأثر في قيام المدن التجاريّة وازدهارها بالحجاز، و الّتی كانت بمثابة محطّات تجاريّة على هذا الطريق التجاري، فازدهرت مکّة والطائف ويثرب.
وقد ساعد ازدهار هذه المدن أيضاً عامل آخر هو قربها من الأسواق التجاريّة المشهورة الّتی كانت تعقد في الأشهر الحرم، مثل سوق عكاظ، وسوق مجنّة، وسوق حباشه، وسوق ذي المجاز
وردت آراء و تفسيرات كثيرة حول اشتقاق اسم مكة، فقيل: إنّما سمّيت كذلك «لازدحام الناس بها من قولهم: قد امتلك الفصيل ضرع أُمّه إذا مصّه مصّاً شديداً».
وقيل أيضاً: «انّما سمّيت مکّة لأنّ العرب قبل الإسلام كانت تقول: لا يتمّ حجّنا حتّی نأتي مكان فنمكّ فيه أي نصفر صفير المكاء حول الكعبة.
وقيل: سمّيت مکّة لأنها تمكّ الجبارين أي تذهب تخوتهم» (1).
وقد ورد اسم مکّة في جغرافية بطليموس بصيغة ماكورابا (Macoraba) و هو مشتقّ من الكلمة السبئيّة «مكرب» أو مكورابا (2)الّتی تعني المقدّس، وهو لقب يحمله الكهنة في سبأ قبل أن يتحوّلوا إلى ملوك، ومن المرجّح أنّها تعني «المقرب إلى اللّه » لأنها مدينة مقدّسة، ويذهب (بروكلمان) إلى أنّ مكّة مشتقة من لفظة مكرب أو مقرب الّتی شاع استعمالها في جنوب جزيرة العرب ومعناها الهيكل(3).
ويرى بعض العلماء أنّ اسم مکّة مشتق من الكلمة البابلية «مكا» و الّتی تعني البيت و هو اسم الكعبة عند العرب.
وعرفت بأسماء أخرى وردت في القرآن (بكّة وأمّ القرى) (4).
مدينة قديمة ورد ذكرها في الكتابات المعينية، وقد أقامت فيها بعض الجاليات المعينية، ثمّ آل أمر المدينة إلى السبئيين بعد سقوط الدولة المعينيّة، وقد ورد ذكر يثرب في جغرافيّة بطليموس باسم يثربا lathrippa و في نقوش سبأ: ي ث رب، وذكرها
اصطيفانوس البيزنطي باسم Iathrippa Polis (1).
أمّا عند الاخباريّين العرب فقد عرفت باسم أثرب ويثرب، وذكر المسعودي أنّ يثرب سمّيت كذلك نسبة إلى يثرب بن قانية بن مهليل.
وبعد هجرة الرسول الكريم صلی اللّه علیه و آله وسلم من مکّة إلى يثرب أصبح اسمها «المدينة» أي مدينة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وقد عرفت بأسماء أخرى كثيرة منها: طيبة وطابة والمسكينة والعذراء والجابرة والمحبة والمحبّبة والمحبورة والناجية وغير ذلك. وذكر بعض المؤرّخين أنّ لها أربعة وتسعين اسماً.
وكانت الطائف تعرف قديماً باسم (وج) نسبة إلى وادي (وج) الّذی ينسب إلى (وج) بن عبد الحيّ من العماليق (2).
ويرجع بعض المؤرّخين تسميتها بالطائف إلى أنَّ رجلاً من الصدف يقال له: الدمون بن عبد الملك كان قد قتل ابن عم له بحضرموت فخرج هارباً حتّی نزل بموضع الطائف، فحالف أحد أشرافها و هو مسعود بن معتب الثقفي، وتزوج من ثقيف فأقام لهم في مقابل ذلك طوقاً مثل الحائط حتّی لا يصل إليهم أحد من العرب فسمّي الموضع بالطائف (3).
الزواج كان اهتمام العرب واضحاً في اختيار زوجاتهم، فحرصوا على أن تكون الزوجة من المنجبات المتوفّرة فيهنّ النجابة والذكاء والجمال، فعليها يتوقف مستقبل
العشيرة ومكانة الجيل الجديد وأنها قد تقوم بدور سياسي واجتماعي هامّ.
فالزواج قد يؤدّي إلى ترابط الأسر البعيدة، وينتج عن المصاهرة بين الإثنين إلفة بين القبيلتين و موالاة بين العشيرتين، فإنّ رابطة الفرد العشيرتين، فإنّ رابطة الفرد مع عشيرة أخواله قد لا تقلُّ قوّة عن رابطته مع أعمامه، وفي هذا أثر كبير على تقارب الناس وتعارفهم(1).
وكان لعرب ما قبل الإسلام في الزواج عقود تختلف باختلاف الأماكن وباختلاف أوضاعها الاجتماعيّة والاقتصاديّة واتصالها بالخارج، ولم تكن أنواع الزواج هذه بدعاً خاصاً بالجاهليين، بل كانت معروفة عند الساميّين وهي مراحل مرّت على جميع البشر، ولا يزال الكثير منها قائماً في أنحاء عديدة من العالم(2).
أنواع الزواج
1 . زواج البعولة : كان هذا النوع من الزواج شائعاً عند العرب وفي كلّ أنحاء الجزيرة العربيّة بين أهل الحضر وأهل الوبر، ويتمّ بأن يخطب الرجل إلى الرجل ابنته فيصدقها أي يعيِّن صداقها ويسمّي مقداره ثمّ يعقد عليها بالتراضي مع أهل الزوجة. ولم يكن العرب في جاهليّتهم يحدّدون عدد الزوجات، فكان مباحاً للرجل أن يتزوّج من النساء ما أحبّ.
وقد نهى الإسلام عن هذا النوع من الزواج، وجاء في الحديث: أنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قال: «لا شغار في الإسلام»(3).
وقد أبطل الإسلام هذا النوع من الزواج فقال تعالى في القرآن الكريم: ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف، إنه كان فاحشةً ومقتاً وساء سبيلاً)(2).
4 . زواج الأسْر: كان أَسْرُ النساء من العادات المألوفة في الجاهلیّة، وقد أُطلق على المرأة الأسيرة اسم النزّيعة، أي الّتی انتزعت من أهلها كرهاً، وتعتبر ملكاً خاصاً لسيِّدها إنّ شاء تزوّجها أو زوّجها لغيره أو باعها بيع العبيد والزواج في هذه الحالة يتمّ بدون مهر أيضاً(3).
الطلاق
كان الطلاق مباحاً عند العرب، وهو من المصطلحات العربیّة القديمة، ويعني عندهم تنازل الرجل عن كلّ حقوقه الّتی كانت له على زوجته ومفارقته لها.
وكان الطلاق بيد الرجل، أمّا النساء فلهنّ العدّة ، إلّا أنه وجد من النساء من اشترطن أن يكون أمرهنّ بأيديهنّ إنّ شئن أقمن، و إنّ شئن تركن معاشرتهم وأوقعن الطلّاق.
وعرف عند العرب قبل الجاهلیّة أيضاً أنواع أخرى من الطلاق منها:
1 طلاق الظِّهار: و هو تشبيه الرجل زوجته أو ما يعبَّر به عنها أو جزء شائع بمحرم تليه تأييداً، كأن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أمّي، أو كبطنها أو كفخذها أو كظهر أختي أو عمّتي(4).
وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك فقال تعالى: (و الّذین يظاهرون من نّسائهم يعودون لِما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسّا ذلكم توعظون به، واللّه بما
تعملون خبير، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسّا فمن لم يستطع فإطعام ستّين مسكيناً (1).
2 . طلاق الإيلاء: هو تحديد فراق الرجل لزوجته بأجل لا يقترب خلاله منها. وكان إيلاء العرب في الجاهلیّة السنة ،والسنتين، فجعل في الإسلام أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقلَّ من أربعة أشهر فليس بإيلاء(2).
قال عزّوجلّ: (للذين يؤلون من نّسائهم تربّصُ أربعة أشهر، فإن فاوا فإنّ اللّه غفور رحيم، و إن عزموا الطلاق فإنّ اللّه سميع عليم) (3).
ظاهرة الوأد كان الوأد من العادات المستهجنة عند العرب قبل الإسلام. والوأد: يعني دفن البنات وهنَّ أحياء خوفاً من العار إذا ما سبين في الحروب، فكانوا يحفرون حفرة فإذا ولدت الحامل بنتاً ولم يشأ أهلها الاحتفاظ بها رموا بها في الحفرة.
وكان بعض العرب يئد ابنته وهي في السادسة من عمرها فيقول لأمّها: طيِّبيها وزيِّنيها حتّی أذهب بها إلى أعمامها وقد حفر لها بئراً في الصحراء، فيبلغ بها البئر فيقول لها: أنظري فيها فيدفعها من خلفها، ويهيل عليها التراب حتّی تستوي البئر بالأرض، وقد شاعت هذه العادة الذميمة في تميم وقيس وهذيل وكندة وبكر وطيّ(4).
وقد أشار القرآن الكريم إلى الوأد فقال عزّوجلّ: (وإذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ظلَّ وجهه مسودّاً و هو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بُشِّر به، أيمسكه على هُونٍ أم يدُسُّه في التراب ألا ساء ما يحكمون) (5).
ويظهر من الآية الكريمة أنّ الدافع للوأد هو العامل الاجتماعي إذ تضمّنت وصفاً
للحالة النفسيّة والحزن الّذی يشعر به الأب عند إخباره بالمولودة.
وقد اختلف الباحثون في تحديد أسباب نشوء هذه العادة عند العرب، فأرجعها بعضهم إلى العامل الاجتماعي و هو شعور العرب بالغيرة والخوف من العار الّذی قد تجلبه له البنت إذا تعرّضت للسبي، في حين ذكر البعض الآخر أنّ سبب الوأد يعود إلى صفات في الموؤودة ؛ كان يتشاءم منها أهلها كأن تكون رقاء أو شيماء أو برشاء أو كسحاء(1).
أمّا في القرآن الكريم فقد ورد ما يفيد أنّ الدافع للوأد هو الخوف من الفقر والإملاق، فقال تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإيّاكم، إنّ قتلهم كان خطئاً كبيراً (2).
وقال أيضاً: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإيّاهم)(3).
ولم يكن الوأد في الجاهلیّة مقتصراً على البنات بل وجد من العرب من كان يقدم على قتل الأولاد الذكور، خشية الفقر.
الخلاصه
إنّ أهمّ مدن الحجاز هي مکّة المكرّمة و الّتی فيها بيت اللّه سبحانه، وكانت ما اللّه العرب تعظّمها في الجاهلیّة، والمدينة المنورّة و الّتی سمّاها الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم «طيّبة» وكانت هجرته المباركة إليها بعد ما واجهته فريش، وأجمعت على قتله صلی اللّه علیه و آله وسلم . والطائف هي إحدى المدن الأخرى المهمّة في الحجاز.
وللتعرّف على مكانة المرأة في الجاهلیّة لابدّ من التعرف على الأسرة في المجتمع الجاهلي، والوقوف على مظاهر التعامل مع المرأة في الزواج و الطلاق وغير ذلك من العلاقات الّتی تربط المرأة بالرجل أوّلاً وبالمجتمع ثانياً.
فكانت هناك عدّة طرق للزواج، وهناك أنواع متعدّدة لفكّ الارتباط وإنهاء العلاقة الزوجية وفقاً للأعراف الجاهلیّة في العصر السابق لظهور الإسلام في جزيرة العرب، وأشار القرآن الكريم إلى ظواهر تحط من مكانة المرأة، كالوأد، وقتل الأولاد خشبة الفقر .
الأسئلة
1 . لماذا تعتبر الحجاز أهمّ أقسام شبه الجزيرة العربیّة ؟
2 . لماذا سميت مکّة بهذا الاسم؟
3 . ما هي أنواع الزواج عند العرب قبل ظهور الإسلام؟
4 . أُذكر ظاهرتين استنكرهما القرآن على عرب الجاهلیّة مستشهداً بالآيات القرآنيّة.
إنّ من يستقرئ الأديان الّتی كانت موجودة في المنطقة العربیّة في زمن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يجدها خليطاً عجيباً من الأديان.
أ . عبادة الكواكب
ففي اليمن وحرّان وأعلى العراق، كان فئات من الناس يعبدون الكواكب والنجوم وهم الصابئة. ولا نستطيع أن نحدّد بدقّة متى بدأت عبادة النجوم عند العرب، و إنّ كانت هذه العبادة قديمة فيهم، فقد حدثنا القرآن الكريم - وهو أصدق محدِّث - إنّ ملكة مملكة سبأ اليمنيّة بلقيس بنت شراحيل» الّتی كانت تعاصر سليمان علیه السلام كانت وقومها يعبدون الشمس، فقال تعالى حاكياً لنا قصّة سليمان علیه السلام مع بلقيس هذه:
(وتفقّد الطير، فقال: ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين؟ لأعذّبنّه عذاباً شديداً أو لأذبحنّه أو ليأتينّي بسلطان مبين * فمكث غير بعيد فقال: أحطتُ بما لم تحط به، وجئتك من سبأ بنبأ يقين. إنّي وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كلّ شيءٍ ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون اللّه ، وزيّن لهم
الشيطان أعمالهم فصدَّهَم عن السبيل فهم لا يهتدون) (1)
وبقيت عبادة الكواكب هذه مستمرّة في الإقامة عليها إلى عصر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم، حيث أنكر القرآن الكريم على العرب - من جملة ما أنكر - عبادتهم الكواكب والنجوم، لأنّها ليست إلا من جملة مخلوقات اللّه تعالى وأنّ من يتأمّلها جيّداً يجدها آية على وجود خالقها سبحانه وتعالى، قال جل شأنه: (ومن آياته الليل والنهار، والشمس والقمر، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر وأسجدوا لله الّذی خلقهنّ إنّ كنتم إياه تعبدون) (2)ولو لم تكن عبادة الكواكب موجودة عندهم؛ لما أمرهم اللّه تعالى بتركها.
ب . المجوسيّة
وكان في البحرين وفي العراق فئات من الناس يعتقدون الديانة الزرادشتيّة المجوسيّة - الّتی تقدّس النار، وتعتبرها عنصر خير لأنّها مصدر النور، وكان مهد هذه الديانة بلاد فارس، وكانت الدولة الفارسيّة - وهي إحدى أقوى دول العالم آنذاك - تحمي هذه الديانة.
ج . النصرانيّة
وفي شمال الجزيرة العربیّة في قبائل تغلب وقضاعة وغسّان وفي جنوبها في اليمن حيث تخضع هذه القبائل لسيطرة الرومان النصارى كانت تسود الديانة النصرانيّة، وكانت فئات قليلة من الناس ليس لهم وزن سياسي أو عسكري، و أفراد مرموقون اجتذبتهم هذه الديانة إليها في أنحاء أخرى من الجزيرة العربيّة منهم: عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزّى الّذی هجر الوثنيّة إلى النصرانيّة ومات عليها،
ومنهم ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى الّذی هجر الوثنیّة ثمّ دخل النصرانيّة ومات عليها.
د . اليهوديّة
ونجد في اليمن، و في وادي القرى، وفي ،خيبر وفي تيماء، وفي يثرب حيث بنو قريظة، وبنو النضير وبنو قينقاع تجمّعات يهوديّة لها وزنها سياسيّاً وعسكريّاً واقتصاديّاً، استطاعت فيما بعد أن تستهلك من الدولة الإسلامیّة سبع سنوات كاملة للقضاء عليها سياسياً وعسكرياً، وقد كان هؤلاء اليهود هم المحرّضون الفعّالون للمشركين على حرب رسول اللّه، وهم المتآمرون الأكثر خبثاً ودهاءً مع الفرس على الدولة الإسلامیّة وعقيدتها.
لقد كان اليهود يعتبرون أنفسهم شعبَ اللّه المختار، وأنّهم القادة الّذین رشّحهم اللّه تعالى لقيادة البشریّة ، ولذلك كانوا يرون بعثة الرسول من العرب لا من بني إسرائيل انتزاعاً للقيادة من أيديهم وتسليمها لغيرهم، وليس من السهل أن يقبلوا هذا التحوّل، ولذلك كانت عداوتهم عنيفة، وكان حقدهم شديداً.
ه. الوثنیّة
كانت الوثنیّة منتشرة في جميع أنحاء الجزيرة العربيّة، حتّی لتعتبر الديانة الأكثر أتباعاً والأكثر انتشاراً فيها.
1 . نشأة الوثنية: ويقال بأنَّ أوّل من أدخل عبادة الأصنام إلى مکّة عمرو بن لحيّ الخزاعي، حين كانت السيادة على مکّة لخزاعة دون قريش، و ذلك أنّ عمرو بن لُحي أصيب بمرض الحكّة في جلده، فَوُصِف له الاغتسال بماء حارّة في بلاد حوران اليوم ويرجّح أنّها مياه الحِمَّةِ الكبريتيّة على الحدود السوريّة الفلسطينيّة - فذهب فاغتسل بها فشفاه اللّه و وجد الناس هناك يعبدون الأصنام، فحمل معه صنماً فنصبه في الكعبة المشرّفة.
ويقال: إنّ أصل عبادة الأصنام حدثت عندما كثر أبناء إسماعيل علیه السلام واضطرّوا أن يخرجوا من مکّة طلباً للعيش فكانوا يحملون عند خروجهم شيئاً من تراب الحرم الّذی يحمل ذكرى الكعبة، أثر أبيهم إسماعيل، ثمّ حملوا هذا التراب للحفاظ عليه، وتطوّرت الذكرى إلى تقديس، فعبادةٍ.
2 . أصنام العرب و من أصنامهم ،مناة، اللّات العُزَّى هبل، إساف ونائلة، ودّ، يغوث، يعوق ، نَسْر جهار ،شمس الفلس السعيدة، ذو الخليصة ذو اللبا، المحرق ذريح مَرْحَب المنطبق ذو الكفّيْن.
وهم لا يعبدون هذه الأصنام إلا لتكون وسيلتهم إلى اللّه ، كما قال تعالى على لسانهم وما نعبدهم إلّا ليقربونا إلى اللّه زُلفى (2)وبذلك وقعوا في مفارقات غريبة لا يقبلها عقل، ولا يقرُّها منطق.
اتّفقت كلمة المؤرّخين على أنّ العرب - قبيل بعثة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم - كانوا يتّصفون بالأميّة، وسجّل القرآن هذه الحقيقة عندما قال:
(هو الّذی بعث في الأمیّين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم
الكتاب والحكمة، و إنّ كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين) (3)
ولا ننكر أنّ العرب كانوا على علم بالنّجوم والطبّ ولكنّ علمهم بالنجوم كان لا بتعدّى مقدار احتياجهم إليها كأداة من أدوات الإستدلال على الاتجاهات في الصحراء الّتي تنعدم فيها معالم الطرق، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا في قوله تعالى: ﴿وهو الّذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر)(1).
و أمّا علمهم بالطب فإنّه كان لا يتعدّى الوصفات الشعبيّة المتداولة المبنيّة على أساس من التجربة لا على أساس من العلم(2).
ونستطيع أن نحصر علوم العرب في عِلْمَيْن أساسيّين هما: التأريخ واللغة:
ونريد بالتّاريخ : أیّام العرب وأنسابهم، ولعلّ ذلك من لوازم الحياة القبليّة. حيث كان رجال القبيلة يسمرون فيقصّ بعضهم على بعض أيّام العرب، ويذكرون أنسابهم فيتفاخرون بها فيما بينهم.
الخلاصة
تعدّدت الأديان الّتی كانت منتشرة قبل ظهور الإسلام في الجزيرة العربیّة والمناطق المحيطة بها.
فبالإضافة إلى المسيحيّة واليهوديّة وأهل الكتاب كانت هناك المجوسيّة و عبادة الأصنام و الكواكب وكانت الوثنيّة منتشرة في جميع أنحاء الجزيرة العربیّة وكانت الوثنيّة أكثر الأديان أتباعاً.
أمّا بالنّسبة للحالة الثقافيّة فقد أكَّد المؤرخون على أنّ الأميّة كانت منتشرة في الجزيرة وسجّل القرآن الكريم هذه الظاهرة في سورة الجمعة في قوله تعالى: (هو الّذی بعث في الأميين رسولاً منهم..... وكان العرب يهتمّون بتأريخ الوقائع وأيّامهم والأنساب، ولم يُعرف العرب وقتئذ بالفلسفة ولا بالعلوم الأخرى.
الأسئلة
1 . عدّد الأديان الّتی كانت تدين بها العرب في الجزيرة العربیّة و في أطرافها.
2 . كيف نشأت عبادة الوثنيّة فى الجزيرة العربیّة ؟
4 . ما هو المستوى الثقافي؟ وما نوع الثقافة الّتی كانت عند العرب قبل الإسلام؟
الرسول القائد صلی اللّه علیه و آله وسلم بين الميلاد و النبوّة
ما أن رأت عينا محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم النور حتّی أرسلت أمّه إلى جدّه عبد المطّلب علیه السلام «إنه قد ولد لك غلام فأته فانظر إليه»، فجاءه وحمله إلى الكعبة حيث راح يدعو ويشكره على ما أعطاءه، ثمّ أعاده إلى أمّه ريثما يجد له مرضعة ترضعه، ووقع اختياره على امرأة من بني سعد بن بكر يقال لها حليمة بنت أبي ذؤيب استصحبته معها إلى مضارب بني سعد حيث ظلّ محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم يشب وينمو، يشرب من لبن مرضعته ويتنفّس هواء الصحراء الطلق ويزداد قوة وصحة وعافية، وهو لم يبلغ السنتين من عمره، حيث فطمته حليمة ، فحملته وزوجها إلى أمه في مكة، وهما أحرص ما يكونان على مكثه بينهما لِما كانا قد رأيا من بركته فكلّمت حليمة أمّه وقالت لها «لو تركت ابنك عندي حتّی يغلظ، فإنّي أخاف عليه وباء مكّة» ولم تزل بها حتّی أجابتها إلى طلبها(1).
وعند ما بلغ السادسة من عمره الشريف توفّيت أمّه بالأبواء، وهي في طريق عودتها إلى مکّة في أعقاب زيارة لأهلها من بني عديّ بن النجار قصدت بها أن تريهم ولدها، فتولّى أمره جدّه عبد المطّلب الّذی كان يقعده إلى جواره في مجلسه في ظلّ
1) ابن هشام، تهذيب السيرة، ص 28 - 30.
الكعبة، ويقول لبنيه إذا ما أرادوا ابعاده عنه: «دعوا ابني، فواللّه إنّ له شأناً، ثمّ يمسح ظهره بيده ويسرّه ما يراه يصنع(1).
لم تطل رعاية الجدّ وعطفه الّذی عوّض حفيده حدب الأب وحنان الأمّ؛ إذ ما لبث أن توفّي، ومحمّد لم يجاوز الثامنة من عمره فتولّى أمره عمّه أبو طالب علیه السلام لأنّه و عبداللّه والد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم كانا لأمّ واحدة(2).
ولم يكن أبو طالب علیه السلام بالرّجل الموفور المال، وكان يعيل عدداً من الأبناء الأمر الّذی اضطر محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يعينه في كسب قوته حسب طاقته، فكان يرعى له الأغنام، وعندما قرّر عمّه الخروج في تجارة إلى الشام وكان قد بلغ آنذاك التاسعة(3)من عمره - رجاه أن يصحبه معه فرقّ له أبو طالب رحمه اللّه وقال «واللّه لأخرجن به معي، ولا يفارقني ولا أفارقه أبداً»(4)، ولدى وصول القافلة مدينة بُصرى الواقعة على طريق التجارة إلى الشام نزلوا قريباً من بصرى فدعاهم إلى الطعام راهب يدعى (بحيري) منقطع إلى صومعته يدرس فيها التوراة والإنجيل ويعبد اللّه.
فلمّا حضروا جميعاً راح (بحيرى) يركّز أنظاره على الصبي ويلحظه لحظاً شديداً، وينظر إلى أشياء من جسده كأنّه كان يبحث عن شيء ويمعن النظر في الصفات والملامح الّتی تحدّثت عنها التوراة والإنجيل في النبيّ الّذی حان موعد ظهوره، حتّی إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرّقوا قام إليه (بحيري) وقال له:
يا غلام أسألك بحقّ اللات والعزّى إلا ما أخبرتني عمّا أسألك عنه، فأجابه محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم : لا تسألني باللّات والعزّى فواللّه ما أبغضت شيئاً قطّ بغضهما.
قال (بحیرئ): فباللّه إلّا ما أخبرتني عمّا أسألك عنه
قال محمّد : سلني عمّا بدا لك.
فجعل (بحيرى) يسأله عن أشياء من حاله في نومه وهيئته وأموره، فجعل محمّد يخبره فيوافق ذلك ما عند (بحيري) من صفاته.
فلمّا فرغ أقبل على عمّه أبي طالب فقال له: ماذا يكون هذا الغلام منك؟
قال: إبن أخي..
قال: ما فعل أبوه؟
قال: مات وأمه حُبلى به.
قال بحیری: صدقت.
فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه اليهود فواللّه لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت لَيَبْغُنَّهُ شَرّاً، فإنّه كائن لابن أخيك شأن عظيم(1).
وورد في بعض كتب السير أنّ محمّداً قام لخديجة بسفرة أو سفرتين أو أربع سفرات إلى اليمن إلى سوق حباشة أو إلى جُرَش وذلك قبل قيامه بسفرته المشهورة إلى بصرى، وأنّ خديجة دفعت له بعيراً عن كلّ سفرة قام بها إلى اليمن، و أربع بكرات عن سفرته إلى بلاد الشام(2).
و اشترك محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم في حلف الفضول الّذی تمّ عقده في أعقاب حرب الفجار الّتی يبدو أنّها كانت الدافع الأساسي الّذی استفز زعماء قريش لعقد هذا الحلف الّذی يصفه ابن سعد بأنّه «أشرف حلف كان قط» وكان أوّل من دعا إليه الزبير ابن عبد المطّلب ، فاجتمعت بنو هاشم بنو زهرة وبنو أسد و تيم بن مرّة من عشائر قريش في دار عبدالله بن جدعان، فصنع لهم طعاماً وتعاقدوا و تعاهدوا بالله «لنكونن مع المظلوم حتّی يؤدّى إليه حقه» كما تعاهدوا على «التآسي في المعاش» وسمّوا ذلك الحلف ب-«حلف الفضول».
وقد قال عنه الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد نبوّته، - و هو يسترجع ذكرياته - : «ما أحبّ أنّ لي بحلف حضرته في دار ابن جدعان حمر النعم .. ولو دعيت به - (في الإسلام) - لأجبت»(1)بيد أنّ بني أمية لم تنظمّ إلى هذا الحلف.
وفي الخامسة والعشرين من عمره كان محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم قد اجتاز تجربة زواجه الأوّل، وكانت تجربة ناجحة لعبت دوراً كبيراً في حياته قبل البعثة وبعدها على السواء.
كان محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم قد اختير بوساطة عمّه أبي طالب، من قبل السيّدة خديجة ذات الشرف والمال في قريش ليكون أميناً لتجارتها إلى الشام برفقة خادمها ميسرة، لما كانت قد سمعته يحدّث عن محمّد من« صدق حديثه وعظم أمانته، وكرم أخلاقه». وقد وافق على القيام بالمهمّة لقاء أجر غير زهيد قرّرت خديجة منحه إياه لدى عودته رابحاً من الشام، ولقد عاد بعدئذ مضاعفاً، بصدقه وأمانته ونشاطه ربح التجارة الّتی كلف بإدارتها، فأعجبت خديجة به، وزادها إعجاباً و تقديراً ما حدثها به خادمها ميسرة عن أخلاق محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم وصفاته، وعلى عادة العرب في الوضوح والصراحة، وعدم الإلتواء، بعثت إليه من يقول له: إنّي قد رغبت فيك لقرابتك وشرفك في قومك، وأمانتك، وحسن خلقك وصدق حديثك، ثمّ عرضت عليه الزواج، وكانت خديجة يومئذ أوسط قريش نسباً، وأعظمهنّ شرفاً، وأكثرَهنّ مالاً، كلّ من قومها كان حريصاً على خطبتها لو قدر على ذلك(2).
استشار محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم أعمامه فخرج معه عمه أبو طالب رحمه اللّه ودخل على خويلد ابن أسد فخطب ابنته لابن أخيه، فوافق الأب وتمّ الزواج المبارك.
وقد حضر أبو طالب رحمه اللّه و رؤساء مضر ، فخطب أبو طالب فقال: الحمد للّه الّذی جعلنا من ذريّة إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معد - أي معدته - و عنصر مضر- أي
أصله - وجعلنا حفظة بيته وسُوّاسَ حَرَمِه - أي القائمين بخدمته - وجعل لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمناً وجعلنا الحكّام على الناس، ثمّ إنّ ابن أخي هذا محمّداً بن عبدالله لا يوزن به رجل من قريش إلا رجّح و إنّ كان في المال قلّ فإنّ المال ظلّ زائل، و أمر حائل، و محمّد من عرفتم قرابته وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها ماكان عاجله وآجله من مالي كذا، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل جسيم(1).
وفي الخامسة والثلاثين من عمره مارس صلی اللّه علیه و آله وسلم مهمّة التحكيم في مسألة وضع الحجر الأسود، إذ كانت قريش قد أجمعت أمرها على إعادة بناء الكعبة وتسقيفها بعدما أصابها من السيول المنحدرة إليها من المرتفعات المجاورة وبعد محاولة لسرقة محتوياتها من قبل نفر من قريش.
وتعاونت قبائل قريش جميعاً في البناء، كلّ تناول جانباً، هدماً وبناءً، وعندما بلغوا موضع الركن حيث يوضع الحجر الأسود، اختصموا، فكلّ قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، فانحاز كلّ رجل إلى قبيلته وتأهّب الجميع للقتال، وظلّ الأمر على ذلك أربع ليالٍ، وحينذاك تقدّم أبوأمية بن المغيرة - وكان عامئذ أسنَّ قريش - فقال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أوّل من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه، فأقروا رأيه، وراحوا ينتظرون أوّل داخل، فكان محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا هذا محمّد!! فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال: هلم إليَّ ثوباً، فجيء به، فأخذ الحجر فوضعه فيه بيده ثمّ قال: لتأخذ كل قبيلة بجانب من الثوب وليرفعه الجميع، ففعلوا، حتّی إذا بلغوا به موضعه، أخذه هو بيده الشريفة و وضعه حيث مكانه(2).
إنّ الإطار التأريخي لسيرة رسولنا صلی اللّه علیه و آله وسلم ، منذ مولده حتّی وفاته يضمّ حشداً كبيراً من الروايات، ومن بين هذه الأحداث المرئيّة الأبعاد جميعاً لمحات غير مرئية الأبعاد أكّدتها الروايات الّتی جاءت بمثابة إرهاصات أوّليّة عن أن هذا الإنسان سيلعب دوره في القضية الكبرى في تأريخ البشریّة ، قضيّة الحوار المفتوح بين السماء والأرض(1)الخير العميم الّذی راح يتدفّق في مضارب مرضعته حليمة بعد إعسار وجفاف، إشارات أولى عن نبوّته تصدر عن الراهب (بحيرى) على تخوم الشام.
أمّا ما يتعلّق بالجانب الذاتي لسيرة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم قبل البعثة فيبدو أنّ الظروف (البيئيّة) و(الوراثيّة) الّتی تسهم معاً في تكوين الإنسان وتمنحه صفاته الخلقية والخُلقيّة، وتصوغ بنيانه الجسدي والنفسي، وتحدّد قدراته العقليّة واستجاباته العاطفيّة قد اجتمعت لكي تجعل من محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم الإنسان المهيّأ لتحمّل المسؤولية العظمى الّتی أُنيطت به بعد أربعين سنة من ميلاده....
أربعة عقود في حياة الإنسان المحدودة تمثِّل امتداداً زمنيّاً طويلاً أُريد به أن يستكمل محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم في كل مساحات تكوينه الذاتي ونضجه البشري قبل أن يتاح له أوّل لقاء مع الوحي الأمين، وما أصعب اللقاء الأوّل بين ممثّلي السماء والأرض، وما أشقّ الحوار!!
طيلة هذه العقود الأربعة و محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم يأخذ ويتلقّى ويهضم ويتمثّل شتّى المؤثّرات الوراثيّة والبيئيّة لكي يحوّلها إلى خلايا تبني كيانه وسمات ماديّة وروحيّة تهيّئه لليوم العظيم.
فعن (أصالة) أبيه وأمّه أخذ الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في دمه وأعصابه أصالة الشخصيّة ووضوحها ونقاءها. وكسب على المستوى الاجتماعي احتراماً و تقديراً في بيئة كانت تستهجن مجهولي الأنساب و تحتقر الخلطاء.
1) حسين بن محمّد الدياربكري، تاريخ الخميس مؤسّسة شعبان، بيروت، ج 1، ص 264.
و من مرارة اليُتم ووحشة العزلة وانقطاع معين العطف والحنان، اقتبس الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم الصلابة والاستقلال والقدرة على التحمّل، والإرادة النافذة والتحدّي الّذی لا تنكسر له قناة، وبالفقر والحرمان تربّى ونما بعيداً عن ترف الغني وميوعة الدلال واتّكاليّة الواجدين.
و عبر رحلته الأُولی إلى الشام في رعاية عمّه، فتح محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم عينيه ووعيه تجاه العالم الّذی يتجاوز حدود الصحراء، وسكونها إلى حيث المجتمعات المدنيّة الّتی تضطرب نشاطاً وقلقاً، والجماعات العربیّة الّتی فصلتها عن شقيقاتها في الصحراء الأم، سلطات أجنبيّة أحكمت قبضتها على الأعناق وساقت الشيوخ والأمراء العرب إلى ما تريد هي و تهوى.
ولم يبق ثمّة شيء إلّا البعد الروحي - وهو أشدّ الأبعاد ثقلاً وخطراً في حياة الإنسان، والروايات القليلة الّتی تحدثنا عن عزلة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بعيداً عن صخب مکّة و ضجيجها، حيناً بعد حين، وعن انقطاعه إلى الصحراء وحيداً متأمّلاً، باحثاً، منقبّاً، مقلّباً وجهه في آفاق السماوات والأرض هذه الروايات تكفي لالتقاط الإشارة الأخيرة الحاسمة المتمّمة للصورة الّتی علينا أن نعرفها عن حياة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم قبل بعثته.
إنّ عزلة رسولنا وانقطاعه واتّساع مساحات هذه العزلة والانقطاع، إزاء طغيان الجاهلیّة، وتجاه يوم الوحي كانت بمثابة الإرهاص الأكبر إلى أن موعد القطاف قد حان، و أنّ هذه الشخصية الّتی ربّتها عناية اللّه في مدى أربعين سنة، قد غدت على استعداد تامّ للتلقّي، والاتّصال المباشر بمبعوث اللّه في آخر حلقة من حلقات تعاليم السماوات للأرض.
الخلاصه
نشأ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ولم يرَ والده ثمّ بعد فترة من الزمن فقدَ والدته فاحتضنه جدّه عبدالمطّلب حتّى إذا كان عمره ثمانية أعوام فقد جده أيضاً فاحتضنه عمّه أبو طالب رحمه اللّه فلم يفارقه في كل أحواله، وكان يصحبه معه في أسفاره إلى الشام، وهناك يلتقيه الراهب (بحيرى) فيبشِّر أباطالب بمقام ومنزلة ابن أخيه ثمّ يدعوه أن يحفظه من اليهود مخافة أن يكيدوا له إنّ علموا خبره.
ولمّا بلغ الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم العشرين عاماً ذهب إلى الشام، واليمن بتجارة خديجة بنت خويلد علیها السلام ، وعندما بلغ الخامسة والعشرين تمّ زواجه عليها، حيث خطبها له عمه أبو طالب و الّذی أشار في خطبة الزواج إلى شأن ابن أخيه العظيم.
وقد اشترك النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في حلف الفضول وكانت قريش تدعوه ب-«الصادق الأمين».
والنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم هو الّذی وضع الحجر الأسود في مكانه عندما كادت الحرب أن تقع بين القبائل لأنّ كلّ واحدة منها كانت تروم وضع الحجر في مكانه، حتّی حكّموا النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في ذلك.
ولمّا بلغ النبي الأكرم صلی اللّه علیه و آله وسلم أربعين عاماً أرسله اللّه سبحانه إلى العالمين بشيراً ونذيراً ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، من ظلم الأديان إلى عدل الإسلام.
الأسئلة
2 - اشرح بصورة مجملة سفر النبي إلى الشام مع عمّه أبي طالب رحمه اللّه .
3 - وضّع دلالات خطبة أبي طالب عندما خطب السيّدة خديجة للرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم.
4 - هل اشترك النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة لقريش، وكيف ذلك؟
5- ما هو دور النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في منع القتال بين القبائل عندما أرادت كل واحدة منها أن تضع الحجر في مكانه؟
قال اللّه الحكيم في محكم كتابه المجيد( عالِمُ الغيب فلا يُظهرُ على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنّه يسلك من بين يديه و من خلفه رصداً *ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربّهم وأحاط بما لديهم وأحصى كلّ شيءٍ عدداً )(1).
وروى ابن أبي الحديد المعتزلي عن الإمام الباقر علیه السلام في تفسير هذا النصّ القرآني قوله علیه السلام : «يوكّل اللّه تعالى بأنبيائه ملائكةٌ يُحصون أعمالهم ويؤدون إليهم تبليغهم الرسالة و وكّل سبحانه بمحمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم ملكاً عظيماً منذ أن فُصل عن الرضاع، يرشده إلى الخيرات ومكارم الأخلاق، ويصدّه عن الشرّ ومساوئ الأخلاق، وهو الّذی كان يناديه: السلام عليك يا محمّد يارسول اللّه ، وهو شابّ لم يبلغ درجة الرسالة بعدّ، فيظنّ أنّ ذلك من الحجر والأرض، فيتأمّل فلا يرى شيئاً»(2).
ورُوي عن عامر الشعبي: أنّ اللّه قرن جبرئيل بنبوّة نبيه ثلاث سنين يسمع حسّه ولا يرى شخصه ويعلّمه الشيء بعد الشيء، ولا ينزل عليه القرآن فكان في هذه المدّة
مبشراً غير مبعوث إلى الأمّة »(1).
ورواه الطبري عنه قائلاً أُنزلت عليه النبوّة وهو ابن أربعين سنة فقرن بنبوّته إسرافيل ثلاث سنين... ولم ينزل القرآن على لسانه فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبرئيل الا فنزل القرآن على لسانه عشر سنين بمكّة وعشر سنين بالمدينة»(2).
وجاء عن علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي: أن النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم لمّا أتى له سبع وثلاثون سنة كان يرى في نومه كأن آتياً أتاه فيقول: يارسول اللّه ! فينكر ذلك، فلما طال عليه الأمر كان يوماً بين الجبال يرعى غنماً لأبي طالب فنظر إلى شخص يقول: يارسول اللّه . فقال له: من أنتَ؟ قال: أنا جبرئيل أرسلني اللّه إليك ليتّخذك رسولاً، فأخبرالنبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم خديجة بذلك، فقالت: يا محمّد أرجو أن يكون كذلك، فنزل عليه جبرئيل و أنزل عليه ماءً من السماء وعلمه الوضوء والركوع والسجود، فلما تمّ له أربعون سنة؛ علّمه حدود الصلاة ولم ينزل عليه أوقاتها، فكان يصلّي ركعتين ركعتين في كلّ وقت»(3).
المعروف عند أهل البيت علیهم السلام - وهم أدرى بما في البيت - أن البعثة النبویّة المباركة كانت في السابع والعشرين من شهر رجب الأصبّ.
فعن الإمام الصادق علیه السلام : أنّه اليوم الّذی أنزلت فيه النبوّة على محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم (4)، وعن الإمام الهادي علیه السلام أنّه : يوم بعث اللّه محمّدا صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى خلقه رحمةً للعالمين(5).
ويؤيّده ما رواه في كنز العمال عن البيهقي، وعن سلمان الفارسي رضی اللّه عنه ، و ما رواه الحلبي عن الدمياطي في سيرته عن أبي هريرة(1).
نعم هناك من ذهب إلى أنّ البعثة كانت في ربيع الأوّل، أو شهر رمضان استناداً إلى قوله تعالى: (شهر رمضان الّذی أنزل فيه القرآن )معتبراً ضرورة اقتران البعثة بنزول القرآن(2).
سأل زرارة الإمام الصادق علیه السلام قائلاً : كيف لم يَخَف رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ممّا يأتيه من قبل اللّه أن يكون ممّا ينزغ به الشيطان؟ فقال: إنّ اللّه اتّخذ عبداً رسولاً أنزل عليه السكينة والوقار فكان الّذی يأتيه من قبل للّه مثل الّذی يراه بعنيه(3).
وسُئل علیه السلام : كيف عَلِمتْ الرُّسل أنّها رُسلٌ ؟ فقال علیه السلام : كشف عنهم الغطاء (4).
وهذا هو الّذی تؤيّده محكمات العقل والكتاب والسنّة ولنقرأ ما جاء في الكتاب الحكيم في هذا العدد:
إنّ علينا لَلهدى(5). قد جاءكم من اللّه نورٌ وكتابٌ مبينٌ(6). ذلك هدى اللّه يهدي به مَنْ يشاء من عباده(7). وكذلك أنزلناه آياتٍ بيناتٍ(8). ويرى الّذین أوتوا العلم الّذی أُنزل
إليك من ربك هو الحقّ(1). قل إنّني هداني ربّي إلى صراط مستقيم(2). و إنّ اهتديت فيما يوحي إليَّ ربي (3). هو الّذی أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ(4). وادع إلى ربّك إنك لعلى هدى مستقيم(5). قل إنّي على بينة من ربّي (6). قل هذه سبيلي أدعو إلى اللّه على بصيرةٍ أنا و من اتبعني(7). فمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه... فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربّك(8).
إذن فاللّه تعالى لا يوحي إلى رسوله إلّا بالبراهين النيّرة والآيات البيّنة الدالّة على أنّ ما يوحى إليه إنّما هو من اللّه تعالى فلا يحتاج إلى شيء سواها ولا يفزع ولا يفرق»(9).
وبالرغم من أنّ جملة من النصوص الروائيّة الّتی وصلتنا في بعض كتب الحديث والسيرة والتفسير تتضمّن أموراً مثيرة أو مشينة ويستبعد تحقّقها في أوّل لقاء لجبرئيل علیه السلام مع النبيّ المصطفى صلی اللّه علیه و آله وسلم والمنتجب لهداية البشریّة ولا سیّما إذا لاحظنا الآيات البينات الّتی ذكرناها وسواها مما يدل على أنّ من يُصطفى لهداية الناس وينتجب لقيادتهم؛ فلابّد أن يكون مهتدياً بالله غير محتاج لهداية غيره من تابعيه؛ فإنّه القدوة دونهم و أنه المهديّ والهادي لهم وهم المهتدون بسببه، فكيف يكون تأييد مثل خدیجه علیها السلام أو ورقة بن نوفل سبباً لاطمئنانه بصحّة ما يوحى إليه؟! أو يكون مزيلاً
للشكّ ولاحتمال الجنون الّذی تضمنته بعض النصوص ؟!
وبالرغم من أنّ غالبيّة هذه النصوص تربط بين أوّل ما نزل من القرآن . و هو مطلع سورة العلق - وبين بدء النبوّة والبعثة في أوّل لقاء وحيي بين الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم و جبرئيل علیه السلام .
ويجدر بنا أن نطالع نصّاً فريداً في محتواه متناسقاً ومنسجماً مع طبيعة مهمة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ورسالته الهادية إلى الحقّ منقولاً عن تفسير الإمام الحسن العسكري علیه السلام عن أبيه الهادي علیه السلام حيث يصف بعثة جدّه النبي محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم فيقول: «انّ رسول اللّه لمّا ترك التجارة إلى الشام وتصدّق بكلّ ما رزقه اللّه تعالى من تلك التجارات؛ كان يغدو كلّ يوم إلى حراء ويصعده وينظر من قلله إلى آثار رحمة اللّه وإلى أنواع وعجائب رحمته وبدائع حكمته وينظر إلى أكناف السماء وأقطار الأرض والبحار والمفاوز والفيافي فيعتبر بتلك الآثار ويتذكر تلك الآيات ويعبد اللّه حق عبادته... حتّی استكمل سنّ الأربعين ووجد اللّه قلبه الكريم أفضل القلوب وأجلها وأطوعها وأخشعها؛ فأذن لأبواب السماء ففتحت وأذِنَ للملائكة فنزلوا ومحمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم ينظر إلى ذلك، فنزلت عليه الرحمة من لدن ساق العرش، ونظر إلى الروح الأمين جبرئيل المطوّق بالنور - طاووس الملائكة - هبط إليه وأخذ بضبعه و هزّه وقال: يا محمّد ! اقرأ. قال: ما أقرأ؟ قال: يا محمّد (اقرأ باسم ربك الّذی خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الّذی علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم) ثمّ أوحى إليه ما أوحى وصعد جبرئيل إلى ربّه.
ونزل محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم من الجبل وقد غشيه من عظمة اللّه وجلال اُبّهته ما ركبه الحمّى النافضة. وقد اشتدّ عليه ما كان يخاف من تكذيب قريش إيّاه ونسبته إلى الجنون وقد كان أعقل خلق اللّه وأكرم بريّته، وكان أبغض الأشياء إليه الشياطين وأفعال المجانين، فأراد اللّه أن يشجّع قلبه ويشرح صدره فجعل كلّما يمرّ بحجر و شجر ناداه:
السلام عليك يارسول اللّه )(1).
ومن الطبيعي حينئذٍ أن يرجع النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى أهله مسروراً مستبشراً بما أكرمه اللّه تعالى به مطمئناً إلى المهمّة الكبرى الّتی أُوكلت إليه، فيشاركه أهله في السرور فيؤمنوا بنبوّته ويكونوا له سنداً وحصناً منيعاً في مواجهة عُتاة قومه.
ومن هنا فإنّ العقل لا يستسيغ الروايات المضطربة الّتی اشتهر تداولها في كتب السيرة و الّتی تتّهم الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بالاضطراب والشكّ أو الجهل بما أُلقي إليه وعدم تمييزه بين الوحي الإلهي والإلقاء الشيطاني، إلا بعد أن طمأنَتهُ روجته خديجة وورقة بن نوفل النصراني الّذی مات على نصرانيته كما قيل - .
اتّفقت نصوص كثيرة عن أئمّة أهل البيت علیهم السلام وغيرهم على أنّ أوّل ما نزل من القرآن هو مطلع سورة العلق (وهي الآيات الخمس الأولى). ولم يذكر فيها بصراحة أنّ نزول هذا المطلع كان مقارناً لبدء البعثة النبویّة المباركة.
ولكن روى الطبرسي عن الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام حديثاً جاء فيه أنّ أوّل ما نزل بمکّة على النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم من القرآن هو (فاتحة الكتاب) ثمّ (إقرأ) ثمّ (ن والقلم)(2).
ويؤيّده ما رواه الواحدي في أسباب النزول بسنده عن شرحبيل بن عمرو(3).
وعلى أيّ حال فلا مانع من سبق البعثة النبویّة وتقدّمها على نزول مطلع سورة العلق أو الحمد من القرآن الكريم.
وعلى هذا يصحّ أن تكون البعثة وبداية الوحي غير القرآني في رجب، ويكون بدء
الوحي القرآني في شهر رمضان(1).
وقد يكون الفاصل الزمني طويلاً بين بدء النزول التدريجي للقرآن الكريم وبدء الوحي (باعتبار اقتران البعثة بالوحي الإلهي) وقد يكون الفاصل قصيراً.
وهناك من النصوص ما يقدّر هذا الفاصل بثلاث سنين وهو فترة الدعوة السريّة، ولا سیّما إذا لاحظنا النصوص الّتی تحدّد النزول التدريجي للقرآن في مکّة بعشر سنين. وإذا لاحظنا أيضاً قضيّة تتابع الوحي القرآني و ترابط مطالع السور الأول؛ وهي العلق والمزمل والمدّثّر والقلم و المسدّ؛ فإنّ الّذی نستظهره منها أن النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم قد بدأ بإظهار الدعوة حينما تسلّح بسلاح القرآن الكريم، وكان إظهاره الدعوة هو الّذی قد أدّى إلى المواجهة السلميّة الهادئة. ثمّ تطوّرت إلى المواجهة الحادّة. ولا نفهم سبباً معقولاً لاتّهامه بالجنون أو السحر إذا كانت الدعوة سريّة ولم تتضمّن أية مواجهة علنيّة لعتاة قريش.
ومن هنا فالتسلسل الطبيعي للأحداث يكون كالآتي:
1 . بُعِثَ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم يوم الإثنين في السابع والعشرين من رجب.
2 . والتحق به خاصّته من أهل بيته (علي و خديجة علیهما السلام ) فی يوم الثلاثاء وأعلنا إيمانهما بنبوته والسير على خطى هديه وتعاهدا معه لمؤازرته والدفاع عنه، ولم يكتما إيمانهما به ولا الاتّباع له، حيث أنّهما كانا يصلّيان معه في فناء الكعبة أمام عامّة الناس(2).
1) ولا ينبغي أن نغفل عن محاولة العلّامة الطباطبائي للتوفيق بين نصوص البعثة في 27 رجب ونصوص نزول القرآن في شهر رمضان وهي تبتني على التسليم باقتران بده نزول القرآن بالبعثة النبویّة فيكون نزول مطلع سورة العلق في 27 رجب وبدء النزول التدريجي ونزول القرآن في شهر رمضان هو النزول الدفعي و هو نزول مجموع القرآن الكريم على قلب الرسول العظيم صلی اللّه علیه و آله وسلم .
2) كما تشهد له قصة عفيف الكندي. راجع إعلام الورى 381 وقد وردت نصوص متعدّدة عن علي بن أبي طالب علیه السلام يصرح فيها بأنه قد عبد اللّه مع النبي قبل أن يعبده أحد من هذه الأمّة سبعاً أو ثلاث سنين، ورسول اللّه صامت لم يؤذن له بالإنذار والتبليغ (راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 1، ص 15 وج 13، ص 229).
4 . والتحق به بالتدريج جمع غفير من سائر القبائل.
5 . وقبيل إظهاره الدعوة توالت آيات القرآن بالنزول واستمرّ القرآن في النزول حتّی أمر صلی اللّه علیه و آله وسلم بالقيام والإنذار(1).
6 . ثمّ حدّدت له الآيات القرآنية تأريخ البدء بإنذار العشيرة الأقربين بشكل خاصّ و طلب منهم الإيمان به والنصرة لدينه والمؤازرة له.
7 . ثمّ أمر بإنذار عامّة الناس بعد أن أحكم أساس دعوته بالإعلان عن وجود من يخلفه في هذا الطريق الربّاني ويرعى مسيرته، وهو ربيبه وابن عمّه علي ابن أبي طالب علیه السلام الّذی أعلن بكلّ صراحة وشجاعة عن مؤازرته له والدفاع عنه أمام بني هاشم وبني المطّلب (عشيرته الأقربين) في القصّة المعروفة بحادثة يوم الدار.
وإذا قسمنا عصر النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى عهدين متميّزين: العهد المكّي والعهد المدني؛ فلنا أن نقسِّم كلّ عهد منهما إلى مراحل. وعليه نستطيع أن نقسم العهد المكّي إلى ثلاث مراحل هي:
1) وقد يشهد لهذا الإستظهار قصر المدة الّتی اتخذ فيها الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم دار الأرقم مقراً لأصحابه قبل إظهار الدعوة، وقد كان القرآن يتلى ويعلم في هذه الدار الّتی أصبحت مركزاً قيادياً لبناء الدعوة.
2 . مرحلة إعلان الدعوة وبداية المواجهة والصراع مع الوثنيّة والشرك.
حين نستقرئ الأوامر الأُولى الموجّهة إلى الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في مطالع السور الأُولى نحصل على منطلقات ومنهج الحركة الإسلامیّة الّتی رسمها القرآن الكريم للرسول العظيم صلی اللّه علیه و آله وسلم و لأتباعه المؤمنين برسالته وهي كالآتي:
1 . التثقيف والتعليم على أساس الهَدْي الربّاني: إقرأ باسم ربّك الّذی خلق. خلق الإنسان من علق:( إقرأ وربُّك الأكرم الّذی علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم) (1)، (ورتّل القرآن ترتيلا) (2).
2 . التربية على العبادة والخضوع التام والذكر الدائم للّه تعالى والتوكّل عليه قم الليل إلا قليلا... ورتّل القرآن.. واذكر اسم ربّك وتبتل إليه تبتيلاً. ربّ المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً) (3).
3 . القيام والحركة للّه وتكبيره وتعظيمه كما ينبغي: (قم فأنذر وربّك فكبّر).
4 . ترك الذنوب والموبقات و تجنّب الإنحرافات على جميع المستويات: (وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ) (4).
5 . الصبر والإستقامة والصمود حتّی تحقّق النصر:( واصبر على ما يقولون.. وذرني والمكذبين ... ومهلهم قليلاً )(5).
6 . اللين في التعامل من دون إدهان( واهجرهم هجراً جميلاً) (1)،( ودّوا لو تدهن فيُدهِنون)(2).
وتهدف الرسالة الإسلامیّة في كل مراحلها وبكلّ أساليبها إلى تربية الإنسان المسلم على مكارم الأخلاق ومعاليها، والابتعاد به عن سفاسفها من خلال التأسّي بالرسول الخاتم صلی اللّه علیه و آله وسلم و الالتزام بالأحكام الإلهيّة والتسلّح بالرؤية التوحيديّة للوجود والحياة.
قال تعالى في مجال التربية على الرؤية التوحيديّة السليمة: (اقرأ باسم ربك الّذی خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الّذی علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم) (4).
و في مجال التربية السليمة للوصول إلى الكمال الإنساني الّذی يتجلّى في مكارم الأخلاق، عرض القرآن للبشريّة الأسوة الكاملة والنموذج الفريد لهذا الكمال الإنساني متمثّلاً في الرسول الخاتم صلی اللّه علیه و آله وسلم في قوله تعالى: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم)(5).
و هكذا رسم القرآن الكريم الخطوط العريضة للرصيد الفكري والقيمي لهذه الحركة الإلهيّة المباركة.
الخلاصة
كان النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم مؤيداً مسدّداً قبل البعثة المباركة من قبل السماء، وأُنزلت عليه النبوّة وهو ابن أربعين سنة قبل أن ينزل عليه القرآن الكريم في يوم الإثنين في السابع والعشرين من رجب المرجّب ولم يشكّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في نبوّته لحظة ولم يتّكئ إلا على التسديد الإلهي والوحي الربّاني الّذی كان على يقين منه.
وكان أوّل ما نزل من القرآن حسب أكثر النصوص عند الفريقين هو مطلع سورة العلق، وكانت سورة الحمد والمزّمّل والمدّثّر والقلم والمسدّ هي السور التالية لها الّتی رسمت للنّبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم منهج الحركة والدعوة إلى اللّه سبحانه. وقد آمن بالنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم زوجته خديجة وربيبه علي بن أبي طالب و غلام خديجة زيد بن حارثة وابن عمّه جعفر بن أبي طالب، حتّی تكامل المسلمون أربعين شخصاً خلال ثلاث سنوات من النبوّة.
وتنقسم مراحل الدعوة إلى دين اللّه الخالد في العهد المكّي إلى ثلاث مراحل مرحلة إعداد القاعدة الأُولى، ثمّ مرحلة الإعلان وبداية المواجهة ثمّ مرحلة الامتداد والهجرة.
الأسئلة
1 . متى بعث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ؟ وفي أيّ يوم وأيّ شهر؟ وكم كان عمره الشريف؟
2 . ما هي التمهيدات الّتی أجريت للنّبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم قبل بعثته؟
3 . متى نزل القرآن الكريم؟ وهل اقترن نزوله بالبعثة؟
4 . إذا كان القرآن قد بدأ نزوله حين البعثة وكانت البعثة في رجب فكيف تجمع بين هذه النصوص الدالّة على نزول القرآن في شهر رمضان؟
5 . هل شكّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في نبوته في بدء البعثة؟ ولماذا؟
6 . ما هو أوّل ما نزل من القرآن على قلب الرسول الكريم؟
من هم المؤمنون الأوائل بنبوّة محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم ؟
ما هي مراحل الدعوة في العهد المكّي؟
ما هو منهج الحركة حسب التوجيهات القرآنيّة الأولى؟
10 . ما هي أهمّ أهداف الرسالة الإسلامیّة ؟ وما هو رصيدها الفكري والقيمي؟
و هي المرحلة الّتی استغرقت ثلاث سنوات، وقد اصطلح عليها المؤرّخون والباحثون بالمرحلة (السرّيّة) حيث اقتصر تحرّك الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم من كان يمتلك سلامة الفطرة وكان عنده ميل للإسلام؛ ولهذا اقتصرت الدعوة حينئذ على جملة من المستضعفين في مکّة و عشيرة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ، وكانت أمام الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم نقطتان هامّتان في هذه المرحلة وهما:
1 . بناء النواة الجهاديّة الأُولی للدّعوة.
2 . حماية هذه النواة والمحافظة عليها.
إنّ بناء وإعداد الجماعة الصالحة تكون بمثابة القاعدة الطليعيّة للدعوة، و إنّ مرحلة البداية و الانطلاق في تأريخ الدعوة تعدّ من أهمّ المراحل الأساسيّة الّتی تواجهها الدعوات، و لابدّ ّ من التخطيط لها بما يتناسب مع الأهداف والظروف المحيطة بها، فإذا أخذ بنظر الاعتبار المهمّة والمسؤوليّة المتعلّقة بالجانب التغييري بأبعاده الفكريّة والاجتماعيّة في مجتمع جاهلي يؤمن بأرباب متفرّقة، وعلاقاته القائمة على أساس
الاستعباد والرقّ وسيادة (الملأ) الّذین ارتبطت مصالحهم واستمرار سلطانهم بعبادة الأوثان وتقديسها.
وقد كشفت وقائع السيرة في المراحل التالية لهذه المرحلة(1)مدى خطورة هذه المرحلة ، لاسیّما إذا لاحظنا مدى عنف ردّ الفعل الّذی قوبلت به الدعوة من قبل المجتمع الجاهلي يومئذ.
لقد كان ردّ الفعل هذا - و ما اتّسم به من العنف بأقصى مداه - يعكس إدراك الملأ القرشي لمدى خطورة هذه الدعوة وما تبشِّر به من مبادئ العدل والأخوّة بين الناس والمساواة المؤدّية إلى ضرب عنيف لمصالحهم الماديّة ومواقعهم الاجتماعيّة.
إنّ خطوات الرسول القائد صلی اللّه علیه و آله وسلم كانت ذات أثر كبير في إكمال البناء الأوّل وإعداد القاعدة الطليعيّة لحمل الرسالة والحفاظ عليها. فمن خطواته صلوات اللّه عليه و آله في هذا الاتّجاه:
1 . اختيار الأشخاص الّذین يتمتّعون بمواصفات خاصّة تتناسب مع عظمة الرسالة.
2 . الحيطة والحذر في التحرّك والكتمان مهما أمكن.
3 . اتخاذ مقرّ خاصّ للقّاءات (وهو دار الأرقم)(2).
4 . التأنّي والدقّة في التعامل ، وعدم التظاهر بالممارسات العباديّة الجديدة.
5 . التعليم والتربية الفكريّة والأخلاقيّة والروحيّة على أساس مفاهيم وقيم الرسالة الجديدة. وهو أهمّ عناصر البناء والإعداد الرسالي، كما أشارت إلى ذلك الآية الثانية من سورة الجمعة بقوله تعالى:( هو الّذی بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة و إنّ كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين).
2 . حماية النواة الأُولی والمحافظة عليها
و هو تحدٍّ كبير يواجه كلّ الدعوات والحركات ويهدّدها بالإضعاف والانحراف، إنّ تتّخذ التدابير الوقائية اللازمة للحيلولة دون ذلك.
والتأريخ البشري مليء بالتجارب الّتی تمكّنت من تحقيق انطلاقات كبرى و مكاسب مهمّة، لكنّها سرعان ما تلاشت وأخذت اتّجاهات أخرى سارت بها بعيداً عن منطلقاتها وأهدافها(1).
في حين أنّ النواة والقاعدة الأُولی للدعوة الإسلامیّة قد تجاوزت ذلك بفضل القيادة العظيمة المتمثّلة في شخصيّة الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله وسلم الّتی لم تعرف الإنسانيّة مثيلاً لها على امتداد تأريخها، مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ الرسالة الإسلامیّة دعوة تغييريّة كبرى، تهدف إلى إحداث تحوّل شامل وعميق في حياة الإنسانيّة تنتقل عبره من الظلمات إلى النور.
وعليه تكون الحاجة ملحّة إلى حماية البناء الأوّل وإحكامه، حيث يعدّ قاعدة
التحرّك في مواجهة الوثنيّة العالميّة ووسائلها المتعدّدة، فإنّ طبيعة الدعوة والرسالة الإلهيّة، تناقض بصفة جذريّة أصول و مرتكزات الفكر والحياة الجاهليين في الاعتقاد وطريقة التفكير وطريقة العمل وأنواع العلاقات فهي تمثِّل ردّاً حاسماً على كلّ القيم الجاهلیّة وانقلاباً جذريّاً على ثقافة العصر وممارساته ومطامحه القريبة والعاجلة»(2).
والقرآن العزيز يوضّح مستوى ثقافة قوم النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم و مدى سيطرة الجهل عليهم من خلال تصويره لبعدهم عن الثقافة الإلهيّة. قال تعالى: (لتنذر قوماً ما أُنذر آباؤهم فهم غافلون لقد حقّ القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون) (3).
وقال أيضاً: (فإنّما يسّرناه بلسانك لتبشِّر به المتّقين و تنذر به قوماً لُدّاً) (1).
أي أنّهم درجوا على اللجاج والجدال بالباطل والإعراض عن الحق والمكابرة فيه. كما قرّر القرآن حقيقة أُخرى كان يعيشها المجتمع الجاهلي وهي الصدارة الاجتماعيّة المبنيّة على الثراء والجاه من هنا كانوا يرون أنه لابدّ ّ أن يُنزل القرآن على أحد رجلين كانا يتمتّعان بمنزلة ماديّة اجتماعيّة رفيعة في ذلك المجتمع.
قال تعالى: (لولا نزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (2).
فالدعوة في هذه الفترة كانت في حاجة أكيدة إلى نماذج نوعيّة أكثر قابليّة للانضباط وذات الاستعداد العالي للعطاء لبناء قاعدة الاضطلاع الحقيقي بالمشروع الإسلامي على طول الخطّ ومرحلة الانطلاق للدعوة العامّة بشكل خاصّ حتّی إقامة الدولة والمجتمع الإسلامي.
وهي المرحلة الّتی تبدأ بحادثة «يوم الدار» و هي بإنذار العشيرة الأقربين ثمّ الدعوة العامّة في مکّة من أجل توسيع دائرة حركتها وتأثيرها في المجتمع المكّي وغيره من المجتمعات.
وبعد أن اجتاز النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم المرحلة الأُولی بنجاح تامّ وهيّأ القاعدة الأُولی للانطلاق حيث بلغ عدد الداخلين في الإسلام أربعين رجلاً، أنزل اللّه سبحانه عليه: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (3).
ولمّا نزلت هذه الآية المباركة أمر النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم ربيبه وابن عمّه عليّ بن أبي طالب علیه السلام أن يصنع طعاماً ويدعو بني عبد المطّلب و بني هاشم ، فصنع علي علیه السلام ما
أمره النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ، و لمّا أكلوا وشبعوا من ذلك الطعام القليل تكلّم أبو لهب ومنع النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم عن الحديث حتّی تفرّقوا قبل أن يكلّمهم النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم. ثمّ أمر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم علیّاً ثانية وصنع لهم مثل ما صنع من قبل، و لمّا أكلوا وشربوا قال لهم الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم : إنه قد جاءهم بخير الدنيا والآخرة، ثمّ قال لهم: من يؤازرني على هذا الأمر فيكون أخي و وصيّي وخليفتي عليكم؟ فلم يجبه أحد غير عليّ علیه السلام ثلاثاً فأمرهم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد إجابته بالسمع له والطاعة، فأخذ القوم يضحكون وقالوا لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع وتطيع لابنك (1).
وهكذا كان التأسيس الإلهي للولاية جنباً إلى جنب مع الإعلان عن الرسالة ودعوة الناس إليها.
وذكر اليعقوبي أنهم قد اجتمعوا في دار الحارث بن عبد المطّلب وبعد أن أكملوا الطعام تكلّم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فأنذرهم كما أمره اللّه ودعاهم إلى عبادة اللّه تعالى و أعلمهم تفضيل اللّه إيّاهم واختصاصه بهم إذ بعثه بينهم...
فقال أبو لهب : خذوا على يدي صاحبكم قبل أن يأخذ على يده غيركم، فإنّ منعتموه قُتلتم و إنّ تركتموه ذللتم. فقال أبو طالب يا عورة والله لننصرنّه ثمّ لنعيننّه. يا ابن أخي إذا أردت أن تدعو إلى ربّك فأعلمنا حتّی نخرج معك بالسلاح» (2).
وهكذا انفضّ الاجتماع عن إعلان عميد البيت الهاشمي (أبي طالب) بقرار البيت الهاشمي ألا و هو حماية النبیّ صلی اللّه علیه و آله وسلم و عدم تسليمه إلى المكذّبين برسالته.
الإعلان العامّ
وبعد أن تمّ بناء القاعدة( الصلبة) للدعوة - متمثّلة بأولئك الروّاد الأوائل من
المسلمين الّذین انتموا للإسلام في أيّام غربته، و الّذین نمّت فيهم التجاربُ المقدرةَ على الصمود بوجه الضغوط، وأنضجتهم الآيات القرآنيّة الّتی كانت تتنزّل على مكث حيناً بعد حين - أصدر اللّه أمره إلى رسوله الكريم أن يتجاوز هذه المرحلة فيجهر برسالته ودعوته.. ، وكان هذا الجهر أمراً لابدّ منه لدعوة عالميّة شاملة جاءت لكي تثبت وجودها المنظور في الأرض العربیّة أولاً، وفي العالم المحيط بها ثانياً... كلّ ذلك في فترة لا تعدو ما تبقّى للرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم من سنيّ عمره المحدود.
لقد كان اجتماع الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بعشيرته الأقربين هو بداية العهد الجديد، وقد انتهى ذلك الاجتماع الحاشد بصدّ محزن عن دعوة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وإنذاره... ومنذ تلك اللحظة انفجر الصراع الواضح المكشوف بين المعسكرين معسكر الشرك ومعسكر الإيمان.
والمسلمون لم يؤمروا بالعنف - طيلة العصر المكّي - لئلا يتعرّضوا لعمليّة إبادة تحقق للوثنيّة ما كانت تأمله وترجوه...
وقد بدأ الملأ من قريش نشاطهم المضادّ في سلسلة من الاتصالات المبطّنة بالوعد و الوعيد مع أبي طالب و محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم ، فلما أعقبت جميعها وفشلاً ذريعاً حيث أعلن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم عن موقفه الّذی لا مهادنة فيه ولا مساومة في كلمته الحاسمة والمعروفة: «والله يا عمّ لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر أو أُقتل دونه ما تركته...» هنا وجدت الوثنیّة نفسها مسوقة إلى استخدام أساليب العنف والاضطهاد والحرب النفسيّة لإيقاف الخطر الجديد المحدق بها وبمصالح أصحابها. وانقضّت كلّ عشيرة على أبنائها وعبيدها المسلمين تعمل فيهم تعذيباً وتحطيماً للمعنويات واضطهاداً لهم ولم ينج الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم نفسه من هذا البلاء النازل، هو وأصحابه صمدوا وصبروا للمحنة تسندهم تجارب سنين طويلة من العمل والنموّ العقيدي، وتمنحهم المعنويّة والثقة آيات القرآن البيّنات الّتی كانت تتنزّل في قلب المحنة لكي ترفع المؤمنين إلى أُفق الأمل واليقين بالنصر...
وإلى جانب هذا وذاك كان الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم يبثّ في أصحابه روح الثبات والمقاومة، ويرسم لهم بذكائه الثاقب، وبالهدي الإلهي الطرائق والأساليب الّتی تقترب بهم يوماً بعد يوم من الهدف الّذی كان الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم قد وعد أصحابه ببلوغه مهما طال الطريق وعظمت المصائب... ولم يكن التخطيط للهجرة الموقوتة إلى الحبشة، والاتّصال المستمرّ بالقبائل والوفود القادمة إلى مكة، والذهاب إلى الطائف، ولقاءات العقبة الثلاثة إلّا خطوات على الطريق...
وبعد أن شعرت قريش أنّها قد أخفقت في كل الأساليب الّتی اعتمدتها للحدّ من انتشار الرسالة الّتی حملها محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم ارتأت في أعقاب اجتماع عقده زعماؤها أن تستخدم سلاح المقاطعة الشاملة) كعقاب جماعي للمسلمين وحماتهم من بني هاشم وبني المطّلب ، لعلّها تضعف قدرة أتباع النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم على المقاومة، وتدفع حماتهم، إلى أن ينفضّوا من حولهم ويتركوهم لوحدهم معزولين مجرّدين من الحماية، وسط عاصفة الغضب الهوجاء الّتی اجتاحت صدور المشركين وساحات مكة، إلا أنّ السلاح الجديد قد ثلم هو الآخر أيضاً إزاء مقاومة المسلمين وبني هاشم بما فيهم أبو طالب رحمه اللّه حامي الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وناصره على طول الخطّ.
إذن استتبع إعلان الدعوة العامّ المواجهةَ من قبل رموز الجاهلیّة الّذین عبّر عنهم القرآن الكريم بالملأ، وكانت قريش ببطونها هي المخاطب الأوّل لدعوة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ،
وكانت استجابتها - وهي في الموقع الاجتماعي والسياسي المرموق عند عرب الجزيرة - تشكّل منعطفاً كبيراً في تقدّم الرسالة، كما كان إحجامها وتلكّوها يشكِّل عقبة كؤوداً أمام حركة الرسالة وتطوّرها.
وتمخّضت دعوتهم إلى الإيمان بالرسالة عن مرحلتين من المواجهة:
الأولى: هي المواجهة السلميّة أو الحرب النفسيّة المتمثّلة بالتعجّب والتشكيك
بالرسالة وطلب المعجزة والسخريّة والاتّهام للنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وللقرآن الحكيم(1)وإشاعة كلّ ما يؤدّي إلى إحباط الدعوة وتعكير الجوّ أمام تقدمها وانتشارها.
وانتهت بتقديم العروض المختلفة لإغراء الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم .
ثمّ كان التهديد بشتّى أشكاله تعبيراً عن آخر السهام الّتی أطلقها الملأ القرشي لضرب النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ودعوته للانتقال من المواجهة السلميّة إلى المواجهة المتطوّرة وهي المواجهة الساخنة الّتی بدأت بالإيذاء بشتّى أشكاله ثمّ التعذيب للمسلمين الّذین لا حامي لهم، ثمّ انتهت بقرار التصفية الشاملة والسريعة المتمثّلة في قتل القيادة وإنهاء وجودها و تحرّكها بشكل تامّ.
وكانت ردود فعل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في كلّ مرحلة من مراحل المواجهة تتناسب مع أهدافه العليا ومُثُله وقيم الرسالة الّتی يريد إرساءها في وجدان ذلك المجتمع، فكان البلاغ المبين والصبر والمقاومة على طريق الحقّ هو الشعار الأول، والهجر الجميل و الّذی تمثّل بالأمر بالهجرة إلى الحبشة حلّاً للأزمة كما كان استمرار المقاومة والدعوة هو الشعار الثاني، وقد خرج النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم من المقاطعة الشاملة منتصراً ظافراً بالحماية الإلهيّة، واستمرّ يبحث عن القلوب الواعية حتّی أمره اللّه بالهجرة الشاملة ليعدّ العدّة اللازمة لصدّ العدوان القرشي الّذی أخذته العزّة بالإثم، وراح يخطّط لإطفاء نور اللّه في الأرض ولكنّ سوف نرى كيف كان اللّه متم نوره ولو كره الكافرون.
1) كالإتهام للقرآن بأنّه أساطير الأولين، أو أنه سحر يؤثر، واتّهام النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بأنه ساحر أو مجنون أو شاعر أو كاهن.
الخلاصه
بدأ الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله وسلم دعوته إلى اللّه سبحانه سرّاً ، وكان عليّ بن أبي طالب علیه السلام ربيبه وابن عمّه أوّل المؤمنين برسالته وأوّل من عبد اللّه مع رسوله.
كما كانت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد علیها السلام أوّل امرأة آمنت به وبرسالته، ثمّ آمن زيد ابن حارثة أو جعفر بن أبي طالب من بني هاشم. واستمرّت الدعوة حتّی بلغت القاعدة الأُولی أربعين شخصاً من رجال ونساء.
ثمّ أمر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بإعلان الدعوة بدءً بعشيرته الأقربين، وأسفر الإجتماع ببني المطّلب وبني هاشم عن إعلان النبوّة وولاية العهد معاً، وأعلن أبو طالب رحمه اللّه لحمايته للنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ودعوته بالرغم من وقوف أبي لهب في الموقع الأوّل من المواجهة.
ثمّ بدأت الدعوة العامّة وأخذ الملأ من قريش يخطّطون لتحجيم الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وحركة الرسالة ويطوّرون أساليبهم حسب تطوّر حركة الرسالة بالتدريج.
الأسئلة
1 . اُذكر أهمّ المشاكل الّتی واجهها النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في المرحلة السريّة.
2 . ما هو الأمر الهامّ الّذی دعا النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم عشيرته من أجله؟
3 . ماذا يمكن أن يستفاد من نصّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم يوم الدار حول ارتباط الرسالة والإمامة؟
4 . وضّح السبب في إيكال النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أمر الدعوة وإعداد الطعام إلى الإمام علي علیه السلام
5 . هل يمكن أن يستدلّ بقول أبي لهب لأبي طالب: «أمرك أن تسمع وتطيع لولدك»
على إمامة الإمام عليّ علیه السلام وسبق إيمان أبي طالب؟ وضّح ذلك.
بدأت الدعوة للإسلام سرّاً، وربّما عرفت قريش أخبارها آنذاك، ولكنّ قريشاً لم تعلن عن عدائها لشخص محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم ولا لبني هاشم في هذه المرحلة.
ولعلّ ذلك باعتبار أنّ قريشاً لم تتصوّر أنّ هذه الدعوة ستقوى وتشتدّ ويعتنقها أفراد كثيرون من مختلف القبائل.
وكذلك لم تهتم قريش بدعوة محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم لبني المطّلب ، ولعلّها كانت قد رأت أنّ هذه قضيّة داخليّة تختص بنطاق الأسرة الهاشميّة فلم تتدخل فيها، ولعلّها اكتفت بمقاومة مثل أبي لهب لها.
ولكنّ ما إنّ بدأ الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم يجهر برسالته ويجتهد في دعوته العامّة وأخذ يستقطب بدعوته المستضعفين والأرقاء والشباب من مختلف القبائل والعشائر؛ بدأت قريش ببطونها(1)تشعر بالخطر المحدق بها وأخذت تعلن حنقها على الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ورسالته وأتباعه وحماته من بني هاشم وسلكت كلّ السُبل الممكنة للقضاء عليه وعلى دينه و رسالته.
1) مروج الذهب، ج 2، ص 275 - 276.
فما هو السبب أو ما هي الدوافع الحقيقيّة الّتی كانت تكمن وراء هذه المواجهة الّتی تطوّرت بمرور الزمن حتّی انتهت إلى قرار التصفية الجسدية للرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وحماته وأتباعه؟
لقد أشار المؤرّخون إلى مجموعة من الأسباب ونكتفي هنا بالإشارة إلى أهمّها:
1 . التنافس على السيادة القبلیّة
كانت زعامة مکّة قد آلت إلى بطون قبيلة قريش الّتی تتألّف من خمسة وعشرين بطناً (1)، وكان أشرف البطون إطلاقاً أولاد عبد مناف (بني هاشم، بني المطّلب، بني عبد الشمس، بني نوفل) (2)، وقد تقاسمت هذه البطون مناصب الشرف، فاختصّ الهاشميون بالسقاية والرفادة، وهو من أخطر المناصب آنذاك وأكثرها كلفةً، واختص بنو عبد الدار باللواء، وهو رمز لوحدة قريش، واختص بنو عبد شمس بالقيادة الّتی آلت إلى أبي سفيان.
كان هاشم أوّل من سنّ رحلتي الشتاء والصيف، وفي السنين العجاف لم يكن لمكّة غير هاشم من يطعم الناس ويشبعهم، وكان يحمي ابن السبيل ويؤمِّن الخائف وينهى عن أكل الحرام، ويجالس الملوك، فكثيراً ما دخل على النجاشي وقيصر فأكرماه، مما جعله قائداً فعليّاً لمكّة، الأمر الّذی أثار حسد أميّة واعتبره خطراً يهدّد حصّته في القيادة (3).
وخلف هاشماً ابنه عبد المطّلب الّذی كان متخلِّقاً بأخلاق أبيه، فنهى عن الظلم والبغي، وحثّ على الوفاء بالنّذر، ومنع نكاح المحارم، ونهى عن وأد البنات، وحرّم
الخمر والزنا، وكانت رؤياه حقّاً، ودعاؤه مستجاباً، وكان يفي بالعقود ولا يظلم ولا يغدر، ويحرم أكل الميتة (1).
كانت كلّ تلك الصفات والمزايا العالية تجعل من صاحبها زعيماً وقائداً فعليّاً، الأمر الّذی أثار حسد البطون ووساوسها، وبدأت تشعر بالقلق من هذا التميّز الهاشمي، وكان أبوسفيان أكثرها قلقاً، وقد سمع خلال أسفاره أنّ نبيّاً سوف يظهر من بني عبد مناف، فقدّر أنه ليس فيهم من هو أجدر ب النبوّة منه (2)، لأنّه وارث الحقّ بالقيادة، فارتاح لهذا الوهم، وترقّب أن يصبح نبيّاً، فيرغم أنوف بني هاشم بنبوّته، ويضع حدّاً لتميّزهم.
بدأت الإشاعات تتسرّب عن النبوّة خلال المرحلة السرية للدّعوة، وتناهى إلى الأسماع أنّ (فتى عبد المطّلب يكلّم من السماء) فاستبعد أبوسفيان وبطون قريش صحّة هذه الإشاعات، واستثقلت نفوسهم أن يتبعوا هذا الغلام(3). ولكنّ سرعان ما تسرّبت وقائع الاجتماع الهاشمي في بيت النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم مع نبأ تعيين وليّ العهد للنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم الّذی تمثّل في شخص علي بن أبي طالب حين أعلن مؤازرته التامّة لصاحب الرسالة (4). وأعقب ذلك صعود النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم على الصفا، وإعلانه النبوّة على الملأ من قريش، ثمّ توجّه هو وأصحابه عبر طرق مکّة معلنين إنتماءهم للدين الجديد (5).
قدّرت بطون قريش عامّة وأبوسفيان خاصة أنهم المتضررون من هذا الدين الجديد، وأنّ النبوّة موجهة ضدّهم بالذات، وأنّ غايتها إبدال زعامة البطون بزعامة محمّد والهاشميين وحدهم، وهذا ما ينصح عنه جواب أبي جهل حينما سأله أبو شريف: أترى محمّداً يكذب؟ فقال له أبو جهل: كيف يكذب على اللّه ، وقد كنّا
نسمّيه الأمين لأنّه ما كذب قطّ، ولكنّ إذا اجتمعت في بني عبد مناف السقاية والرفادة والمشورة، ثمّ تكون فيهم النبوّة، فأي شيء يبقى لنا؟ وكان أبوسفيان يقول: (كنّا و بني هاشم كفرسي رهان، كلّما جاؤا بشيء جئنا بشيء مقابل، حتّی جاء منهم من يدّعي بخبر السماء، فأنّي نأتيهم بذلك) (1).
كان البطن الأموي بقيادة أبي سفيان أكثر البطون القرشيّة معاداةً للنّبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وللهاشميين؛ وذلك لأنّ دعوة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم تعني فقدان هذا البطن لمنصب القيادة، وقد شكّلت هذه البطون بقيادة أبي سفيان جبهة لمعارضة النبي وآل النبي، واستخدموا كلّ وسائل المعارضة، وآذوه بكلّ أنواع الأذى، وصدّوا عن سبيل اللّه بکلّ أساليب الصدّ، ثمّ تأمروا على قتل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وشرعوا بتنفيذ الجريمة لكنّ اللّه نجّى نبيّه منها (2)، و أبي إلا أن يتم نورَه ولو كره الكافرون
2 . الثورة على الرقّ
بالرغم من أنّ الإسلام لم يصرّح في بداية أمره بإلغاء الرقّ مطلقاً ولكنّ اتّجاه القيم الإسلامیّة الّذی تمثل في إلغاء الطبقية الاجتماعیّة من خلال جعل التقوى ميزاناً للتّنافس بين المسلمين دون التفاوت المادّي أو الحسب والنسب والموقع الاجتماعي؛ كان يشير بوضوح إلى إلغاء الفوارق الطبقيّة المصطعنة بين السادة والعبيد، و تكريم الإنسان بما هو إنسان، ومساواة جميع أبناء آدم في الحقوق والواجبات والانتماء الديني.
وهذا الأصل كان يستتبع تكبّر السادة على هذا الدين والتنكّر للانتماء إلى ما ينتمي إليه العبيد لأنّهم لا يستطيعون أن يتخلّوا عمّا شبّوا عليه من التميّز بين السادة والعبيد في كلّ شيء.
كما أنه كان يستتبع تمرّد العبيد على سادتهم بعد أن أحيى فيهم الإسلام روح العزّة والكرامة والاعتداد بالنفس فأصبح مصدر قوّتهم النفسيّة والعقليّة. بل كان السادة يرون دخول العبيد في هذا الدين من دون علمهم وإذنهم تمرّداً صريحاً وفاضحاً على سيادتهم وسحقاً لعزّتهم وكرامتهم .
3 . التعصّب الأعمى
إنّ تقليد الآباء والأجداد في المجتمع الجاهلي كان يشكِّل قيمة معنويّة يعتزّ به الجاهليّون ويرون التمرّد والخروج على عادات آبائهم تمرّداً على قيمهم وتقاليدهم الّتی ورثوها جيلاً بعد جيل، فإنّها دليل أصالتهم وحضارتهم وعصارة جهود آبائهم الّتی كان ينبغي عليهم الدفاع عنها والمحافظة عليها.
4 . العامل الاقتصادي
لقد عاب القرآن عبادة الأصنام وأسقطها من الاعتبار في وقتٍ كان بيع الأصنام للحجّاج حرفة يحترفها قاطنوا مکّة من قبيلة قريش الّتی كانت تعتزّ بأنّها تختصّ بسدنة الكعبة وبخدمة بيت اللّه الحرام، فكانت تجارة الأصنام تشكِّل مورداً من موارد الثروة لقريش، وكان تحريم القرآن لعبادتها تجفيفاً لهذا المصدر وضربة كبيرة لقريش ولا قتصادها، ولاسيما إذا أضفنا إلى ذلك سائر الموارد الّتی منع الإسلام من تداولها كالربا والتطفيف وغيرها من أسباب التملك وتحصيل الثروات الطائلة.
5 . أشار القرآن الكريم إلى أسباب و ذرائع أخرى كان يرفع شعارها المشركون ويجعلونها عاملاً للتمرّد على هذا الدين الجديد وعدم الانصياع إليه. مثل قوله تعالى:
(وقالوا إنّ تتبع الهدى معك نتخطّف من أرضنا)(1)باعتبار أنّ الإسلام قد تطاول على عبادة آبائهم وأهان أوثانهم الموروثة وندّد بمعتقداتهم وقوّض أركان ديانتهم، فالعرب الوثنيّون لا يسمحون للرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بمواصلة دعوته، ويكون انصياع قريش حينئذٍ لهذا الدين يعني فتح جبهة جديدة من الحرب مع سائر القبائل العربیّة الّتی تعتبر قريشاً حامية لمعتقداتها الموروثة، وأمينة على دينها فكيف تتمرّد على هذه الأوثان؟
أصبحت المواجهة بين النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم و الهاشميين من جهة وبين بقيّة بطون قريش من جهة أخرى قدراً محتوماً، اتّخذت المواجهة فيها في المرحلة الأُولی طابع الحرب الباردة والمواجهة النفسية والإعلامية، وذلك أن البطون أدركت أن عمليّة قتل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ستكون باهضة التكاليف وقد لا تنتهي إلّا بدمار الطرفين، بل هذا ما صرّح به أبو طالب حامي النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم إذ قال للبطون: واللّه لو قتلتموه ما أبقيت منكم أحداً حتّی نتفاني نحن و أنتم(2).
وكانت الأساليب في هذه المرحلة تقتصر على السخريّة والإستهزاء والإهانة والاتّهامات الباطلة كالرمي بالجنون والسحر والكهانة والشعر... ثمّ الإغراء المادي والمساومة على المبادّئ والطعن بالقرآن بشتّى الأشكال ثمّ التهديد.
ثمّ تطوّرت المواجهة مع شخص النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم و وُجّهت إلى المستضعفين من أتباعه والمؤمنين به وانتقلت من الحرب الباردة إلى المواجهة الساخنة متمثِّلة في الاضطهاد والتعذيب والسجن والقتل في نهاية المطاف.
كما تطوّرت المواجهة من قطّاع المستضعفين إلى عامّة المسلمين ممّن لا منعة لهم
ولا عشيرة تحميهم أو تجيرهم من كيد المعتدين.
وانتهت عمليات التصفية بالحصار الاقتصادي والاجتماعي الشامل والمر لعامة بني هاشم بقصد إبادتهم وإفنائهم من على وجه الأرض ما داموا يحمون النبيّ ورسالته. و بعد فشل عمليّة الحصار قرّرت قريش قتل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بإشراك جميع البطون معها.
وهكذا شكّلت البطون جبهة المعارضة الساخنة بقيادة أبي سفيان ضدّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم مستخدمة كلّ وسائل المعارضة الممكنة، وآذته بکلّ أنواع الأذى وصدّت عن سبيل اللّه بکلّ وسيلة حتّی تأمروا على قتله صلی اللّه علیه و آله وسلم وشرعوا في تنفيذ جريمتهم ولكن اللّه نجّى نبيّه منها حيث أمر بالهجرة من مکّة وأخرج منها مكرهاً إلى يثرب و أسّس دولته المباركة، فقامت البطون بتجييش الجيوش و تحزيب القبائل ضدّه طيلة ثمان سنوات حتّی أيست من تأثير المواجهة العلنيّة الساخنة، فاتّجهت إلى استبدالها بالمواجهة الخفيّة تحت ستار الإسلام نفسه منتهزة الفرصة لإعادة التوازن بين البطون والتوازن الّذی كان قد اختلّ - بحسب رأيها - حينما أصبحت النبوّة الهاشمية قدراً محتوماً وحقيقة اجتماعيّة لا مناص من قبولها.
وقد تحقّق هذا التوازن حينما أصرّت البطون على أن تمسك بزمام القيادة للدولة الفتیّة بعد غياب الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وانتقاله إلى الرفيق الأعلى، إذ كانت تعتبر اجتماع النبوّة والخلافة في بني هاشم إجحافاً بحق البطون - على حد تعبير عمر بن الخطاب(1)-.
وهكذا اتّحدت البطون بعد عام الفتح ضدّ عليّ وبني هاشم لإجهاض اُطروحة الإمامة الّتی كانت تمثِّل استمرار خط النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد وفاته كما اتّحدت ضدّ محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم وبني هاشم لإجهاض حركة النبوّة في مكة، ولكنّها في هذه المرّة كانت مصمّمة على مصادرة كلّ جهود النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وإبادة ثورته المباركة رغم كلّ الدماء الّتی
ص 53 - 54.
1) تأريخ الطبري، ج 4، ص 222 - 223 والكامل في التأريخ، ج 3، ص 63 - 64 وشرح النهج، ج 12،
اُريقت من أجل إقامة الكيان السياسي الإسلامي الّذی وحّد الجزيرة العربیّة ، فتغتنم قريش هذه السيادة الّتی ستحصل عليها دون بذل وعطاء، ولعلّها لم تكن تحلم من قبل بقيادة مثل هذا الكيان الشامخ . و من هنا سعت البطون وجدّت بكلّ وسيلة لتحقيق هذه الأمنيّة ومصادرة قيادة هذا الكيان الّذی أصبح بفضل الإسلام العظيم واقعاً مفروضاً.
وسوف نرى كيف أنّها خطّطت لذلك وكيف فازت وانتصرت في مصادرة القيادة من أهلها و تربّعت على كرسي الخلافة ما يقرب من تسعة عقود أو أكثر.
دفاع الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في العهد المكّي: المراحل والأدوات والأساليب
لقد كانت رسالة النبي محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم رسالة تغييريّة اجتماعيّة، فلابدّ لها أن تنفذ إلى أعماق الفكر والنفس الإنسانية وتستخرجها من ظلمات الوهم والجاهلیّة والعصبيّة إلى نور العلم والمعرفة والإيمان واليقين وإلى نور القيم الرفيعة السامية.
وكان من الطبيعي أن تختلف منطلقات وأساليب وألوان المواجهة من قبل الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم تجاه قومه وسائر أبناء الجزيرة العربیّة . فالتأثير الفكري والعاطفي هو المحور الأوّل، ورفع موانع هذا التأثير هو المحور الثاني.
وكان القرآن الكريم بأسلوبه المنطقي ومنطقه الرائع وبلاغته الفائقة يجيب على التساؤلات ويقدّم الحجج والبراهين للعقل الإنساني ويبشّر وينذر ويرسم للإنسان آفاق المستقبل الّذی ينتظره بعد هذه الحياة الدنيا.
ومن هنا كان البناء العقيدي والإيماني هو الهدف الأوّل والأساس المتين الّذی كان الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم يسعى لتحقيقه، وقد أفلح في ذلك حينما قرن حججه الدامغة بالحلم والصبر والجهاد المستمرّ في الدعوة إلى اللّه تعالى رغم صعوبة الظروف وحراجتها، كما استخدم سلاحي «الهجرة» و«الجوار» حينما اضطرّ إلى ذلك، فكانت هجرة المسلمين إلى الحبشة وهجرته صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى الطائف ثمّ هجرته هو و هجرة المسلمين إلى
يثرب الأسلوب الوحيد لاجتناب استعمال القوّة قبل أوانها وقبل أن تكون هناك ضرورة لاستخدامها ما دام الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم جاء ليخاطب العقل والنفس معاً، ولم يأت ليتسلّط على رقاب الناس فيأمر وينهى رغبةً في الأمر والنهي وإشباعاً لشهوة السلطان.
وحين أسّس الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم دولته المباركة على قاعدة إيمانيّة وجماهيريّة صلبة الي استخدم إلى جانب المنطق سلاح القوّة دفاعاً عن كيانه الفتيّ ومقابلة للسلاح بالسلاح وللقوة بالقوة بعد أن يئس من جدوى سائر الوسائل الّتی استخدمها في العهد المکّی حيث تمادى المشركون في العناد واللجاج فكانت القوة هي الأداة الوحيدة الّتی يفهمها العدو، حتّی استطاع أن يرفع الحواجز الماديّة الّتی كانت تكبّل كثيراً من العقول والنفوس وتمنعها من العدو إلى فطرتها النقية واختيار طريق الإسلام النقيّ.
كما استفاد من موقع السلطة العليا في المجتمع المدني لإقرار حكم اللّه في الأرض و تطبيق شريعته ونظمه لتأنس بها النفوس وتجد حلاوتها عند التطبيق الصحيح لها.
وهكذا استطاع الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يدعو إلى اللّه كما أمره اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال ب الّتی هي أحسن ودفع السيئة بالحسنة وبالحلم والصبر كي تزكوا النفوس وتنمو وتتكامل حين تتّجه بشكل صحيح نحو اللّه سبحانه الّذی تعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
الخلاصه
بعد أن أعلن الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم دعوته وأخذت دعوته ورسالته بالانتشار بين أبناء القبائل تصدّت قريش ببطونها بشكل جادّ لحركة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم للقضاء عليها.
وكانت أهمّ أسباب هذه المواجهة تكمن في التنافس على السيادة القبليّة حيث كانت تشعر بأنّها ستصادر لو انتصر الرسول في دعوته. ثمّ تأتي الثورة على الرق الّتی كانت تتجلّى بوضوح في تعاليم الرسالة الجديدة بالإضافة إلى التعصب الجاهلي الأعمى كما أنّ هناك عاملاً اقتصاديّاً كان من وراء هذه المواجهة الصارمة.
وانتقلت المواجهة من الحرب الباردة والمواجهة الإعلامية إلى حرب ساخنة تمثّلت بالاضطهاد حتّی القتل والتهجير والحصار الشامل من أجل الإبادة التامة بقيادة أبي سفيان الأموي.
وبعد فشل مخطّط الحصار الشامل قرّرت قريش قتل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بإشراك جميع البطون معها لئلّا يستطيع بنوهاشم مواجهتهم والانتقام منهم.
وقد كانت آيات القرآن الكريم تتصدّر الخط الأمامي للدفاع عن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ورسالته والردّ على كل شبهة أو سؤال وإفشال مخطّطات الأعداء ، كما كان الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بخلقه وصبره العظيم وصبر أصحابه ودفاع بني هاشم ثمّ بهجرة جمع من المسلمين إلى الحبشة يغذّي حركة المقاومة الّتی كانت ستسفر يوماً عن عجز قريش ببطونها واستسلامهم لرسالته وقيادته.
الأسئلة
1 . متى بدأت قريش بمواجهة النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم ؟
2 . لماذا قررّت قريش ببطونها أن تواجه دعوة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ؟
. ما هي مراحل وأساليب المواجهة الّتی قامت بها قريش ضدّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ؟
4 . ما هي مواقف الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم تجاه مواجهة قريش له؟
5 . ما هو دور القرآن الكريم في دعم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ورسالته؟
6 . ما هو دور بني هاشم و أصحاب النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في مجال المقاومة لمخطّطات قريش الرهيبة؟
قال اليعقوبي: «وأقام رسول اللّه بمكّة ثلاث سنين يكتم أمره وهو يدعو إلى توحيد اللّه عزّوجلّ وعبادته والإقرار بنبوّته، فكان إذا مرّ بملأٍ من قريش، قالوا: إنّ فتى ابن عبد المطّلب ليُكلَّم من السماء. حتّی عاب عليهم آلهتهم وذكر هلاك آبائهم الّذین ماتوا كفّاراً.
ثمّ أمره اللّه عزّوجلّ أن يصدع بما أرسله فأظهر أمره وأقام بالأبطح فقال: إنّي رسول اللّه أدعوكم إلى عبادة اللّه وحده وترك عبادة الأصنام الّتی لا تنفع ولا تضرّ ولا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت.
فاستهزأت منه قريش و آذته وقالوا لأبي طالب: إنّ ابن أخيك قد عاب آلهتنا وسفّه أحلامنا وضلّل أسلافنا فليُمسك عن ذلك وليحكم في أموالنا بما يشاء. فقال: إنّ اللّه لم يبعثني لجمع الدنيا والرغبة فيها وإنّما بعثني لأبلِّغ عنه وأدلّ عليه.
وآذوه أشدّ الإيذاء، فكان المؤذون له منهم أبو لهب والحكم بن أبي العاص وعقبَة بن أبي معيط وعديّ بن حمراء الثقفيّ وعمرو بن الطُّلاطِلَة الخزاعيّ، وكان أبولهب أشدّ أذىً له.
وروى بعضهم أنّ رسول اللّه قام بسوق عُكاظ، عليه جبّة حمراء، فقال: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا اللّه تفلحوا وتنجحوا. وإذا برجل يتبعه له غديرتان كأنّ وجهه الذهب وهو يقول: يا أيها الناس إنّ هذا ابن أخي وهو كذاب فاحذروه. فقلت: مَن هذا؟ فقيل لي: هذا محمّد بن عبدالله، وهذا أبولهب بن عبد المطّلب عمه.
وكان المستهزئون به العاص بن وائل السهميّ والحارث بن قيس بن عديّ السهميّ والأسود بن المطّلب بن أسد والوليد بن المغيرة المخزومي والأسود بن عبد يغوث الزهريّ.
وكانوا يوكّلون صبيانهم وعبيدهم فيلقونه بما لا يحبّ حتّی أنهم نحروا جزوراً بالحَزْورة ورسول اللّه قائم يصلي، فأمروا غلاماً لهم فحمل السلي والفرث حتّی وضعه بين كتفيه و هو ساجد. فانصرف فأتى أبا طالب، فقال: كيف موضعي فيكم؟ قال: ما ذاك يا ابن أخي؟ فأخبره ما صُنع به.
فأقبل أبوطالب مشتملاً على السيف يتبعه غلام له فاخترط سيفه وقال: والله لا تكلّم رجل منكم إلا ضربته. ثمّ أمر غلامه فأمر ذلك السلي والفرث على وجوههم واحداً واحداً. ثمّ قالوا: حسبك هذا فينا يا ابن أخينا.
واجتمعت قريش إلى أبي طالب، فقالوا: ندعوك إلى نَصَفَة؛ هذا عُمارة بن الوليد ابن المغيرة أحسنُ قريش وجهاً وأكملهم هيئة فخذه فصيّرْه ابنك وصيز إلينا محمّد اً نقتله. فقال: ما أنصفتموني أدفع إليكم ابني تقتلونه، وتدفعون إليّ ابنكم أغذوها وقال أبو طالب في ذلك:
عجبتُ لحلمٍ يا ابن شيبةَ عارف*** وأحلامِ أقوامٍ لديك سِخافِ
يقولون شايع مَنْ أرادَ مُحمّداً ***بسوءٍ وقُم في أمرِهِ بخلافِ
أصاميم إما حاسد ذو خيانَةٍ*** وإمّا قريبٌ منه غيرُ مصافي
ولا يركبُنّ الدهر منكَ ظُلامةً*** وأنت امرؤ من خيرِ عبدِ منافِ
و إنّ له قُربى إليكم وسيلة ***وليس بذي حلفٍ ولا بِمُضافِ
ولكنّه من هاشم في صميمها*** إلى أبحرٍ فوق البحورِ طوافي
فإنّ عصبتْ فيه قريشٌ فقل لها ***بني عمّنا ما قومكُمْ بضعافِ
فما قومكم بالقوم يخشون ظُلمهم ***وما نحن فيما ساءكم بِخِفَافِ
وقال أيضاً:
وينهضُ قوم نحوكم غيرُ عُزَّل*** ببيضٍ حديثٍ عهدها بالصياقلِ
وأبيضُ يُستسقى الغمام بوجههِ ***ثِمالُ اليتامى عِصمةٌ للأراملِ(1)
«وأسلم خلق عظيم وظهر أمرهم وكثرت عدّتهم وعاندوا ذوي أرحامهم من المشركين فأخذت قريش من استضعفت منهم إلى الرجوع عن الإسلام والشتم لرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم.
فكان ممّن يعذَّب في اللّه عمّار بن ياسر وياسر أبوه وسُميّة أمّه حتّی قتل أبوجهل سُميّة؛ طعَنها في قُبلِها فماتت فكانت أوّل شهيد في الإسلام، وخَبّاب بن الأرتّ وصُهَيب بن سِنان وأبو فُكَيْهَة الأزديّ وعامر بن فُهَيْرة وبلال بن رباح.
وقال خبّاب بن الأرتّ: يا رسول اللّه ادْعُ لنا. قال: إنّكم لتعجلون، لقد كان الرجل ممن كان قبلكم يُمشط بأمشاط الحديد ويُشقّ بالمنشار فلا يردّه ذلك عن دينه، والله ليتمّمنّ اللّه هذا الأمر حتّی يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلّا اللّه والذئب على عنزه .
واشتدّ على القوم العذاب ونالهم منه أمر عظيم فرجع عن الإسلام خمسة نفر، فروي أنّ فيهم نزلت هذه الآية: الّذينَ تَتَوَفَّاهُم المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) إلى آخر الآية(2).
قال اليعقوبي: «ولمّا رأى رسول اللّه ما فيه أصحابه من الجهد والعذاب وما هو فيه من الأمن بمنع أبي طالب عمّه إيَّاه قال لهم ارحلوا مهاجرين إلى أرض الحبشة إلى النجاشي فإنّه يحسن الجوار.
فخرج في المرّة الأُولی اثنا عشر رجلاً، وفي المرّة الثانية سبعون رجلاً سوى أبنائهم ونسائهم، وهم المهاجرون الأوّلون، فكان لهم عند النجاشي منزلة، وكان يرسل إلى جعفر فيسأله عمّا يريد.
فلمّا بلغ قريشاً ذلك وجّهت بعمرو بن العاص وعمارة بن الوليد المخزومي إلى النجاشيّ بهدايا وسألوه أن يبعث إليهم بمن صار إليه من أصحاب رسول اللّه ، وقالوا: سفهاء من قومنا خرجوا عن ديننا وضلّلوا أمواتنا وعابوا آلهتنا، و إنّ تركناهم ورأيهم لم نأمن أن يُفسدوا دينك.
فلمّا قال عمرو وعمارة للنجاشيّ هذا، أرسل إلى جعفر فسأله، فقال (له جعفر): إنّ هؤلاء على شرّدين يعبدون الحجارة ويصلّون للأصنام ويقطعون الأرحام ويستعملون الظلم ويستحلّون المحارم، و إنّ اللّه بعث فينا نبياً من أعظمنا قدراً وأشرفنا سرراً وأصدقنا لهجة وأعزّنا بيتاً، فأمر عن اللّه بترك عبادة الأوثان واجتناب المظالم والمحارم والعمل بالحقّ والعبادة له وحده.
فردّ على عمرو وعمارة الهدايا وقال: أدفع إليكم قوماً في جواري على دين الحقّ وأنتم على دين الباطل؟
وقال لجعفر : اقرأ عليّ شيئاً ممّا أُنزل على نبيكم. فقرأ عليه: كهيعص، فبكى وبكى مَن بحضرته من الأساقفة.
فقال له عمرو وعمارة: أيها الملك إنّهم يزعمون أن المسيح عبدٌ مملوك؛ فأوحشه ذلك وأرسل إلى جعفر فقال له: ما تقول وما يقول صاحبكم في المسيح؟
قال: إنّه يقول إنّه روح اللّه وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول. فأخذ عوداً بين
إصبعيه ثمّ قال ما يزيد المسيح على ما قلت ولا مقدار هذا(1).
وبعد هذا أقام المسلمون في الحبشة آمنين واستمرّت إقامتهم ودعوتهم حتّی فتح خيبر حيث عاد جعفر بن أبي طالب إلى المدينة بأمر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم.
إنّ الآيات القرآنيّة العديدة (2)تفيد بأنّ أهمّ الدوافع للهجرة كان هو الاضطهاد الشديد الّذی وقع على المسلمين والمحاولات القاسية الّتی بذلها المشركون لفتنتهم آملين رجوعهم عن الدين الحقّ وارتدادهم حيث كان يشكِّل هذا الارتداد انتصاراً للجاهليّة والوثنيّة، وكانت هذه المرحلة من تأريخ الدعوة المشرق لا تتحمل مثل هذه الظاهرة؛ إذ الدعوة في بداية طريقها الشائك.
وهذه المحاولات الّتی تمثّلت في الاضطهاد والقتل هي الّتی دفعت الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى الإيعاز إليهم بالهجرة إلى الحبشة.
وكان اختيار الحبشة داراً لهجرة المسلمين خطوة موفّقة .. وذلك أوّلاً للصفة الّتی وصف ملكها بها - في الحديث المرويّ عن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم (3)- ثمّ تيسُّر السفر إليها بالسفن، المساعدة الرياح الموسميّة لهذا السفر البحري في ظروفه، فضلاً عن العلاقات المذهبيّة الطيّبة بين الإسلام والنصرانيّة.. بل قد يكون أمل وجود مجال للدعوة فيها هو أحد أسباب اختيارها. ومن هنا يكون لانتداب جعفر بن أبي طالب مغزىً آخر وراء مجرّد قيادة المجموعة المهاجرة.
ولعلّ ما روي عن إسلام النجاشيّ و غيره من الأحباش ووفادة بعضهم على النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم مسلمين مستطلعين ما يؤيّد هذا الاحتمال.
وكانت الهجرة إلى الحبشة بعد سنتين من إعلان الدعوة، وتضمّنت هذه الخطوة
أهدافاً شتى منها: إيجاد قاعدة آمنة للمسلمين إلى جانب مکّة قاعدة الدعوة الأُولی والحيلولة بينهم وبين الافتتان في ذلك الظرف الحرج، وتهديد قريش بالموقع الجديد حيث إنّه كان يشكل عامل ضغط على الملأ من قريش ومن شأنه أن يخفف حجم الضغط الّذی كانت توجّهه قريش للنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم والمسلمين الّذین لم يهاجروا إلى الحبشة. ولأبي طالب علیه السلامموقف إيجابيّ لنصرة الدين الحنيف و تأييد المسلمين فيما يخصّ هجرتهم إلى الحبشة. فقد ورد أنه أرسل للنجاشي أبياتاً يحثّه فيها على الدفع عن المهاجرين وحسن جوارهم (1).
وفي هذا الموقف دلالة على أنّ أباطالب رجل مبدأ وعقيدة وليس كما يحلو للبعض أن يصوّره مندفعاً على أساس العصبيبة القبليبة للدفاع عن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ودعوته ورسالته.
وقد كانت نتائج هذه الهجرة إيجابيبة إلى حدٍّ كبير، ولم تفلح قريش - رغم محاولاتها المتكرّرة - في استرجاع المهاجرين أو تثبيط النجاشيّ في حمايتهم.
وعندما أيقنت قريش بأنها قد هُزمت في محاولة الاسترداد ورأت أن الإسلام أخذ ينتشر بين القبائل حيث صمد النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وثبت على دعوته مستمرّاً فيها، قرّر زعماء قريش أن يعتمدوا أسلوباً جديداً للمواجهة يقوم على المقاطعة الشاملة الّتی تنتهي بموت النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم وحماته من بني هاشم وبني عبدالمطّلب بما فيهم عميدهم أبو طالب علیه السلام حامي الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم و ناصره.
وهنا دخلت المواجهة مرحلة جديدة يمكن تسميتها بالحصار الشامل.
قال اليعقوبي: «وهمّت قريش بقتل رسول اللّه وأجمع ملأُها على ذلك، وبلغ
1) السيرة النبویّة ، ج 1، ص 357.
أبا طالب فقال:
والله لن يصِلوا إليكَ بجمعهمْ*** حتّی أُغَيَّبَ في الترابِ دفينا
ودعوتَني وزَعمت أنكَ ناصِحُ ***ولقد صدقتَ وكنت ثمّ أمينا
وعرضتَ ديناً قَدْ عَلِمتُ بأنهُ *** من خير أديانِ البريّةِ دينا
فلما علمت قريش أنهم لا يقدرون على قتل رسول اللّه ، وأن أبا طالب لا يسلّمه و سمعت بهذا من قول أبي طالب؛ كتبت الصحيفة القاطعة الظالمة: «ألّا يبايعوا أحداً من بني هاشم ولا يناكحوهم ولا يعاملوهم حتّی يدفعوا إليهم محمّداً فيقتلوه. وتعاقدوا على ذلك وتعاهدوا وختموا على الصحيفة بثمانين خاتماً.
وكان الّذی كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، فشلّت يده.
ثمّ حصرت قريش رسول اللّه وأهل بيته من بني هاشم وبني المطّلب بن عبد مناف في الشّعب الّذی يقال له شِعب بني هاشم بعد ست سنين من مبعثه. فأقام ومعه جميع بني هاشم وبني المطّلب في الشعب ثلاث سنين حتّی أنفق رسول اللّه ماله، وأنفق أبو طالب ماله، وأنفقت خديجة بنت خويلد مالها وصاروا إلى حدّ الضُرّ والفاقة.
ثمّ نزل جبريل على رسول اللّه فقال: إنّ اللّه بعث الأرَضَة على صحيفة قريش فأكلت كلّ ما فيها من قطيعة وظلم إلّا المواضع الّتی فيها ذكر اللّه .
فخبّر رسول اللّه أبا طالب بذلك ثمّ خرج أبو طالب ومعه رسول اللّه وأهل بيته حتّی صار إلى الكعبة، فجلس بفنائها وأقبلت قريش من كلّ أوب فقالوا: قد آن لك يا أبا طالب أن تذكر العهد وأن تشتاق إلى قومك وتَدَع اللجاج في ابن أخيك.
فقال لهم: يا قوم احضروا صحيفتكم فلعلّنا أن نجد فرجاً وسبباً لصلة الأرحام وترك القطيعة؛ وأحضروها وهي بخواتيمهم. فقال: هذه صحيفتكم على العهد لم تنكروها. قالوا: نعم. قال: فهل أحدثتم فيها حدثاً؟ قالوا: اللّهمّ لا.
قال: فإنّ محمّد اً أعلمني عن ربه أنه بعث الأرضَة فأكلت كل ما فيها إلا ذكر اللّه
أفرأيْتُم إنْ كان صادقاً ماذا تصنعون؟ قالوا: نكفّ ونُمسِك. قال: فإنّ كان كاذباً دفعته إليكم تقتلونه.
قالوا: قد أنصفت وأجملت؛ وفُضّت الصحيفة فإذا الأرَضة قد أكلت كلّ ما فيها إلا مواضع بسم اللّه عزّوجلّ، فقالوا: ما هذا إلّا سحر، وما كنّا قط أجدّ في تكذيبه منّا ساعتَنا هذه.
وأسلم يومئذ خلق من الناس عظيم وخرج بنو هاشم من الشَّعب وبنو المطّلب فلم يرجعوا إليه»(1).
1) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 31 - 32.
الخلاصه
لقد آذت قريش النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أشد الإيذاء حتّی كانت توكل إلى صبيانها و عبيدها بالإيذاء الّذی يكلّ اللسان عن ذكره فضلاً عنالاستهزاء و السخرية. وكان لأبي طالب علیه السلام أكثر من موقف مشرِّف في الدفاع عن الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ونصرته أمام جموع قريش وبطونها.
وأخذت قريش تؤذي وتضطهد من استضعفت من أتباع الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم
حتّی قتلت ياسراً وسميّة فكانت أوّل شهيد في الإسلام.
وأمر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم المسلمين المضطهدين بالهجرة إلى الحبشة فی جوار النجاشي الّذی أسلم فيما بعد. وقد أحسن النجاشي جوارهم ولم يسلّمهم إلى عتاة قريش.
وكانت الهجرة إلى الحبشة ضربة قاضية لقريش ولم تفلح في محاولاتها لهدم هذا الموقع الجديد للمسلمين، إذ كان مركز خطر يهدِّد كبرياء قريش وموقعها السلطويّ، وكان يشكِّل عامل ضغط خارجيّ عليها لتكفّ عن إيذاء الرسول وصحابته.
و من هنا اضطرّت قريش لتغيير شكل المواجهة فقرّرت محاصرة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وحماته من بني هاشم ثمّ انتهى الحصار بعد ثلاث سنوات عجاف، تحمّل فيها النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وبنوهاشم ما تنوء عنه الجبال من الشدّة والعذاب حتّی أكلت الأرضة الصحيفة وأبطلت بنودها المكتوبة سوى ذكر اللّه وعندها اضطرّت قريش لرفع الحصار، واستئناف المواجهة بأسلوب جدید.
الأسئلة
1 . اذكر ثلاث صور من جهاد النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم وجهاد أبي طالب في العصر المكّي.
3 . ما هي أسباب الهجرة المبكِّرة إلى الحبشة ومتى كانت؟
4 . ما هي أسباب اختيار الحبشة كأوّل موطن للهجرة؟
5 . ما هي نتائج الهجرة إلى الحبشة ؟
6 . لماذا بادرت قريش لمؤامرة الحصار الشامل؟ ومتى كان ذلك؟
7 . كيف انتهت مؤامرة الحصار الشامل؟
قال اليعقوبي: «وتُوفيت خديجة بنت خويلد في شهر رمضان قبل الهجرة بثلاث سنين، ولها خمس وستّون سنة؛ ودخل عليها رسول اللّه وهي تجود بنفسها، فقال: بالكره منّي ما أرى، ولعل اللّه أن يجعل في الكره خيراً كثيراً، إذا لقيتِ ضرّاتك في الجنّة يا خديجة فاقرئيهنّ السلام قالت: ومَن هنّ يارسول اللّه ؟ قال: إنّ اللّه زوّجنيكِ في الجنّة وزوّجني مريم بنت عمران و آسية بنت مزاحم وكلثوم أخت موسى فقالت: بالرفاء والبنين.
ولمّا توفّيت خديجة جعلت فاطمة تتعلّق برسول اللّه وهي تبكي وتقول: أين أمي؟ أين أمّي؟ فنزل عليه جبريل فقال: قل لفاطمة إنّ اللّه تعالى بني لأمّك بيتاً في الجنّة من قصب لا نصب فيه ولا صخب.
وتُوفّي أبو طالب بعد خديجة بثلاثة أيّام وله ستّ وثمانون سنة، وقيل: بل تسعون سنة. ولمّا قيل لرسول اللّه : إنّ أبا طالب قد مات عظُم ذلك في قلبه واشتدّ له جزعه، ثمّ دخل فمسح جبينه الأيمن أربع مرات وجبينه الأيسر ثلاث مرّات ثمّ قال: يا عم ربيّتَ صغيراً وكفلت يتيماً ونصرت كبيراً، فجزاك اللّه عنّي خيراً؛ ومشى بين يدي سريره وجعل يعرضه ويقول: وَصَلَتْك رحم وجزيت خيراً، وقال: اجتمعت على هذه الأمّة في
هذه الأيّام مصيبتان لا أدري بأيهما أنا أشدّ جزعاً! يعني مصيبة خديجة ومصيبة أبي طالب. وروي عنه أنه قال: إنّ اللّه عزّوجلّ وعدني في أربعة: في أبي وأمّي وعمّي و أخ كان لي في الجاهلیّة»(1).
وهكذا فجع الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد سنوات الصبر والمقاومة الباهرة - بأعزّ ناصرَيْه: زوجته البرّة خديجة الكبرى علیها السلام و عمّه أبي طالب علیه السلام ، ففقد بذلك سندَيْه العاطفي والاجتماعي، وحزن لفقدهما حزناً عميقاً حتّى سمّى ذلك العامّ بعام الحزن، وانتهزت قريش الفرصة فألحقت بالرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب عميد بني هاشم.
واختلف المؤرّخون في تأريخهما ما بين السنة الثانية من البعثة حتّی السنة العاشرة أو الحادية عشرة بعد وفاة أبي طالب وخديجة علیهماالسلام
وقد ذكر اليعقوبي حادثة الإسراء قبل إنذار العشيرة الأقربين فقال:
واُسري به وأتاه جبريل بالبراق و هو أصغر من البغل وأكبر من الحمار مضطرب الأُذنين خطوه مدّ بصره، له جناحان يحفّزانه من خلفه عليه سرج ياقوت، فمضى به إلى بيت المقدس فصلّى به ثمّ عُرج به إلى السماء، فكان بينه وبين ربّه كما قال اللّه : قاب قوسين أو أدنى، ثمّ هبط به فنزل في بيت أم هانئ بنت أبي طالب. فقصّ عليها القصة فقالت له: بأبي أنت وأمي، لا تذكر هذا لقريش فيكذّبوك.
وفي الليلة الّتی أُسري به افتقده أبو طالب فخاف أن تكون قريش قد اغتالته أو قتلته، فجمع سبعين رجلاً من بني عبد المطّلب معهم الشفار وأمرهم أن يجلس كلّ رجل منهم إلى جانب رجل من قريش، وقال لهم: إنّ رأيتموني ومحمّداً معي فأمسكوا
1) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 35.
حتّی آتيكم وإلا فليقتل كلّ رجل منكم جليسه ولا تنتظروني. فوجدوه على باب أمّ هانئ، فأتى به بين يديه حتّی وقف على قريش فعرّفهم ما كان منه فأعظموا ذلك وجلّ في صدورهم وعاهدوه وعاقدوه أنهم لا يؤذون رسول اللّه ولا يكون منهم إليه شيء يكرهه أبداً.
وأنت تلاحظ أنّ هذا النصّ يشير إلى أنّ الحادثة كانت في زمن الجهر بالدعوة حيث كانت قريش تؤذي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ايذاء يخشى منه أن تكون قد همّت بقتله ممّا دعى أبا طالب أن يجمع بني عبد المطّلب لينتقم من قريش إنّ كانت قد قتلت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم
لقد كانت حادثة الإسراء والمعراج في هذه الفترة الّتی اشتهر وقوعها فيه وهي أعقاب الحصار الشامل و بعد افتقاده لسنديه الاجتماعي والعاطفي (أبي طالب وخديجة) وبعد تزايد الاضطهاد من قبل بطون قريش... فكانت تكريماً للقائد الإلهي في أعقاب سنين طويلة من العمل الدائب والصمود والجهاد و تتويجاً لهذه السنين الصعبة من البذل والعطاء وذلك برفعه إلى السماوات واطّلاعه على آيات اللّه الباهرة كما نصّت على ذلك الآيات التالية:( لنريه من آياتنا )و(لقد رأى من آيات ربّه الكبرى )حسبما جاء في سورتي النجم والإسراء.
لقد تضمّن هذا الحادث حقائق أشعرت المسلمين بأنهم ليسوا إلا حلقة من حلقات حركة التوحيد المتواصلة الّتی تمثّلت في الأنبياء جميعاً بدءً بآدم علیه السلام وانتهاءً بالرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم . بل تضمّنت صلاة الأنبياء خلف خاتم المرسلين صلی اللّه علیه و آله وسلم معنى أهمّ و مغزى أكبر.
وكانت في الوقت نفسه - امتحاناً لقدرات وإيمان أصحاب الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وأتباعه على تصوّر المدى الّذی ينافحون فيه مع رسولهم من أجل إخراج إنسان الجاهلیّة إليه وهو مدى رحيب يتجاوز أبعاد الملموس و المسموع والمنظور.
لقد كانت هذه الحادثة بالنسبة للمسلمين ذات عطاءين: تعميق إيمان المؤمنين
وتشخيص المتذبذبين الّذین كان لابدّ من تصفيتهم وتطهير التجمّع الرسالي من وجودهم.
وكانت حجّة تامة على المشركين إذ أوضحت لهم بشكل محسوس مدى ارتباط هذا النبي ورسالته بالله العلي القدير فلا حجّة لهم في استمرار العناد ومحاربة الإسلام العظيم.
أدرك الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم أن القيادة الوثنیّة في مکّة مصرّة على الوقوف بوجه دعوته ماضية في إلحاق أذاها به واضطهاد ،أتباعه فرأى أن يغادر مکّة ويطلب النصرة من خارجها، فهاجر عدّة هجرات ليعرض دعوته على القبائل حيث أوحي إليه: «أن أخرج منها فقد مات ناصرك» فخرج إلى بني عامر بن صعصعة ومعه علي علیه السلام فدعاهم وطلب منهم النصرة وتلا عليهم القرآن فلم يجيبوه فعاد إلى مکّة بعد عشرة أيّام (1).
وخرج إلى ربيعة ومعه عليّ وأبوبكر وهاجر إلى بني شيبان معهما أيضاً ولم يحصل على دعم منهم، ثمّ قرّر الهجرة إلى الطائف ومعه عليّ علیه السلام و زيد بن حارثة كما في رواية المدائني (2).
قال اليعقوبي: «واجترأت قريش على رسول اللّه بعد موت أبي طالب وطمعت فيه وهمّوا به مرّة بعد أخرى، وكان رسول اللّه يعرض نفسه على قبائل العرب في ك-لّ موسم ويكلّم شريف كلّ قوم؛ لا يسألهم إلا أن يؤووه ويمنعوه، ويقول: لا أكره أحداً منكم، إنّما أُريد أن تمنعوني مما يراد بي من القتل حتّی أبلّغ رسالات ربّي، فلم يقبله أحد، وكانوا يقولون: قوم الرجل أعلم به.
فعمد لثقيف بالطائف، فوجد ثلاثة نفر إخوة هم يومئذ سادة ثقيف وهم: عبدياليل
بن عمرو و حبیب بن عمرو و مسعود بن عمرو؛ فعرض عليهم نفسه وشكا إليهم البلاء فقال أحدهم : ألا يسرق ثياب الكعبة إنّ كان اللّه بعثك؟ وقال الآخر: أعجز على اللّه أن يرسل غيرك؟ وقال الآخر: والله لا أكلّمك أبداً، لئن كنت رسولاً كما تقول لأنت أعظم خطراً من أن أردّ عليك الكلام، ولئن كنتَ تكذب على اللّه ما ينبغي لي أن أكلمك. وتهزّأوا به وأفشوا في قومهم ما قالوه له، وقعدوا له صفّین . فلما مر رسول اللّه رجموه بالحجارة حتّی أدموا رجله، فقال رسول اللّه : ما كنت أرفع قدماً ولا أضعها على حجر. ووافاه بالطائف عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومعهما غلام لهما نصرانيّ ويقال له عدّاس؛ فوجّها به إلى رسول اللّه ، فلمّا سمع كلامه أسلم. ورجع إلى رسول اللّه إلى مكّة» (1).
قال اليعقوبي: «وكانت الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة أهل عزّ ومنعة في بلادهم حتّی كانت بينهم الحروب الّتی أفنتهم في أيّام لهم مشهورة منها:يوم الصُّفينَة وهو أوّل يوم جرت الحرب فيه ويوم السرارة ويوم وفاق بني خطمة ويوم حاطب ابن قيس ويوم حُضير الكتائب ويوم أُطم بني سالم ويوم أبتروه ويوم البقيع ويوم بُعاث ويوم مضرس و مُعَبّس ويوم الدار ويوم بعاث الآخر ويوم فجار الأنصار، وكانوا ينتقلون في هذه المواضع الّتی تُعرف أيّامهم بها ويقتتلون قتالاً شديداً. فلما ضرّستهم الحرب وألقتْ برْكَها عليهم وظنّوا أنّها الفناء، واجترأت عليهم بنو النضير وقريظة وغيرهم من اليهود خرج قوم منهم إلى مکّة يطلبون قريشاً لتقوّيهم وعزّوا، فاشترطوا عليهم شروطاً لم يكن لهم فيها مقنع، وكان المشترط عليهم أبوجهل بن هشام
1) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 36.
المخزومي؛ وقد قيل: إنّ قريشاً كانت قد أجابتهم حتّی قدم أبوجهل من سفر له وكان غائباً فنقض الحلف واشترط عليهم شروطاً لم يقنعوا بها. ثمّ صاروا إلى الطائف فسألوا ثقيفاً فأبطأوا عنهم فانصرفوا.
وقدم رجل منهم بعد مبعث رسول اللّه يُقال له سويد بن الصامت من الأوس حاجّاً أو معتمراً، فبلغه أمر رسول اللّه فلقيه وكلّمه فدعاء رسول اللّه إلى اللّه . فقال له سويد: إنّ معي مجلّةَ لقمان. قال: فاعرضها عليّ؛ فعرضها عليه. فقال رسول اللّه : إنّ هذا الكلام لحسن، و الّذی معي أحسن منه كلام اللّه وقرأ عليه فقال: يا محمّد إنّ هذا لكلام حسن. ثمّ انصرف إلى المدينة، فلم يلبث أن قتلته الخزرج؛ ثمّ قدم نفر منهم أيضاً إلى مكة، وهم بنو عَفراء، يتفاخرون مع أسعد بن زُرارة، فلقيهم رسول اللّه ودعاهم إلى اللّه وقرأ عليهم القرآن فقال رجل منهم يقال له إياس بن معاذ: يا قوم هذا والله النبي الّذی كانت اليهود تعدكم به، فلا يسبقنّكم إليه أحد فأسلموا، وأخذ عليهم رسول اللّه الأيمان بالله وبرسوله؛ ثمّ انصرفوا فأخبروا قومهم الخبر وقد كانوا سألوه أن يوجه معهم رجلاً من قبله يدعو الناس بكتاب اللّه عزّوجلّ، ويعلمهم الإسلام، وكان أوّل من قدم المدينة. ثمّ خرج إثنا عشر رجلاً منهم إليه فلقوه وهم أصحاب العقبة الأُولی فآمنوا بالله وصدقوه، وانصرفوا إلى المدينة وكثر خبره وفشا الإسلام فيها.
فلما كان العامّ القابل خرج إليه جماعة من الأوس وجماعة من الخزرج فوافی منهم سبعون رجلاً وامرأتان فأسلموا وصدّقوه؛ وأخذ رسول اللّه عليهم بيعة النساء. فسألوه أن يخرج معهم إلى المدينة، وقالوا: إنّه لم يصبح قوم في مثل ما نحن فيه من الشرّ، ولعلّ اللّه أن يجمعنا بك ويجمع ذات بيننا فلا يكون أحد أعزّ منّا. فقال لهم رسول اللّه قولاً جميلاً، ثمّ انصرفوا إلى قومهم فدعوهم إلى الإسلام فكثروا حتّی لم تبقَ دار من دور الأنصار إلا وفيها ذِكر حسن من ذِكر رسول اللّه ، وسألوه الخروج معهم وعاهدوه أن ينصروه على القريب والبعيد والأسود والأحمر، قال له العبّاس ابن عبد المطّلب: وإنِّي - فداك أبي وأمّي - آخذ العهد عليهم؛ فجعل ذلك إليه وأخذ عليهم
العهود والمواثيق أن يمنعوه وأهله ممّا يمنعون منه أنفسهم وأهليهم وأولادهم، وعلى أن يحاربوا معه الأسود والأحمر وأن ينصروه على القريب والبعيد، وشرط لهم الوفاء بذلك والجنّة» (1).
قال اليعقوبي: «وأجمعت قريش على قتل رسول اللّه ، وقالوا : ليس له اليوم أحد ينصره وقد مات أبوطالب؛ فأجمعوا جميعاً على أن يأتوا من كل قبيلة بغلام نهد فيجتمعوا عليه فيضربوه بأسيافهم ضربة رجل واحد فلا يكون لبني هاشم قوّة بمعاداة جميع قريش. فلمّا بلغ رسول اللّه أنهم أجمعوا على أن يأتوه في الليلة الّتی اتّعدوا فيها، خرج رسول اللّه لما اختلط الظلام ومعه أبو بكر؛ وإنّ اللّه عزّوجلّ، أوحى في تلك الليلة إلى جبريل وميكائيل أنيّ قضيت على أحدكما بالموت فأيّكما يواسي صاحبه؟ فاختار الحياة كلاهما، فأوحى اللّه إليهما: هلا كنتما كعلي بن أبي طالب، آخيت بينه وبين محمّد ، وجعلت عمر أحدهما أكثر من الآخر، فاختار علي الموت و آثر محمّداً بالبقاء وقام في مضجعه اهبطا فاحفظاء من عدوّه. فهبط جبريل وميكائيل فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه يحرسانه من عدوّه ويصرفان عنه الحجارة وجبريل يقول: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب مَن مثلك يباهي اللّه بك ملائكة سبع سماوات
وخلّف عليّاً على فراشه لردّ الودائع الّتی كانت عنده وصار إلى الغار فكمن فيه وأتت قريش فراشه فوجدوا عليّاً فقالوا: أين ابن عمّك؟ قال: قلتم له اخرج عنّا، فخرج عنكم. فطلبوا الأثر فلم يقعوا عليه، وأعمى اللّه عليهم المواضع، فوقفوا على باب الغار وقد عشّشت عليه حمامة، فقالوا: ما في هذا الغار أحد؛ وانصرفوا. وخرج رسول اللّه
1) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 37 - 38.
متوجهاً إلى المدينة، ومرّ بأمّ معبد الخزاعيّة فنزل عندها. ثمّ نفذ لوجهه حتّی قدم المدينة، وكان جميع مقامه بمكّة حتّی خرج منها إلى المدينة (بعد) ثلاث عشرة سنة من مبعثه. وروى بعضهم أنه قال: ما علمت قريش أين توجه رسول اللّه حتّی سمعوا هاتفاً من بعض جبال مکّة يقول:
فإنْ يُسلمِ السَّعدانِ يُصبح محمّدٌ ***بمكّةَ لا يخشى خلافَ المخالِف
وقال أبوسفيان من السعود؟ سعد هذيم وسعد تميم وسعد بكر، فسمعوا في الليلة المقبلة قائلاً يقول:
فيا سعدُ سعدَ الأوس كن أنتَ ناصراً ***وياسعدُ سعد الخزرجينَ الغطارفِ
أنيبا إلى داعي الهُدى وتمنَيّا ***على اللّه في الفردوس منيةَ عارِفِ
فعلمت قريش أنه قد مضى إلى يثرب، واتبعه سراقة بن جعشُم المدلجي لمّا صار إلى ماء بني مدلج. فلمّا لحقه قال رسول اللّه : اللّهم اكفنا سُراقة، فساخت قوائم فرسه، فصاح يا ابن أبي قحافة، قل لصاحبك أن يدعو اللّه بإطلاق فرسي، فلعمري لئن لم يصبه منّي خير؛ لا يصبه منّي شرّ. فلما رجع إلى مکّة خبرهم الخبر فكذّبوه، وكان أشدّهم له تكذيباً أبوجهل، فقال سراقة:
أباحكمٍ والله لو كنت شاهداً*** لأمرِ جوادي حيثُ ساخت قوائمه
علمتَ ولم تشكُكْ بأنّ محمّد اً ***رسولٌ و برهانٌ فمن ذا يكاتِمُهُ»(1)
1) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 39 - 40.
الخلاصه
انتهى الحصار وانتهت بذلك أيّام حياة سندين عظيمين للنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم دعوته وهما: زوجته الوفيّة خديجة وعمّه الوفيّ أبو طالب علیهما السلام وسمّى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ذلك العامّ بعام الحزن.
ولم يعلن أبو طالب إسلامه إشفاقاً على النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ودعوته. وانتهزت قريش فرصة وفاة أبي طالب لإيذاء النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد فقده لأعظم حماته و ناصريه.
ثمّ جاءت معجزة الإسراء والمعراج بعد هذا الحصار وهذا الفقدان لأعز ما عند الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد رسالته. وكانت تكريماً للرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وتوسيعاً لآفاق رؤيته ومستقبل دعوته وامتحاناً لإيمان أتباعه وحجّة دامغة على المشركين.
ثمّ خرج الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم برفقة ابن عمّه وخليفته وناصره عليّ بن أبي طالب ليطلب النصرة من القبائل الّتی كانت تقطن خارج مكّة.
ولم يجبه واحد منها، غير أنه عثر على غلام نصرانيّ فأسمعه كلام اللّه وأسلم ورجع إلى مکّة وهو مطمئن بالنّصر الإلهي بعد هذا الجهاد والصبر.
وأسفر جهاده في الدعوة إلى اللّه عن إسلام بعض أهل يثرب، واستمرّت دعوته إليهم حتّی أسلم جمع من أهلها وقدم عليه في العامّ الثالث عشر من البعثة سبعون رجلاً وامرأتان وبايعوه على الدفاع والنصرة، وسألوه أن يخرج إليهم فيمنعوه كما يمنعون أبناءهم ونساءهم ويحاربوا معه الأسود والأحمر وينصروه على القريب والبعيد وشرط لهم بذلك الجنّة.
ثمّ خرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد أن قرّرت قريش قتله، ونجّاه اللّه من هذه الخطة الشيطانية الّتی دبّرتها قريش للقضاء على شخص الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم و رسالته.
الأسئلة
1 . ما هو عام الحزن؟ ولِمَ سُمّي بذلك؟
2 . متى كانت حادثنا الإسراء والمعراج؟
3 . ما هي دلالات حادثتي الإسراء والمعراج ؟
4 . لماذا خرج النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم من مکّة بعد وفاة أبي طالب؟ ومع من خرج؟
5 . ما هي حصيلة الهجرة إلى الطائف؟
6 . كيف أسلم أهل يثرب؟ ولماذا؟
7 . ما هي آخر محاولات قريش للقضاء على النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم و رسالته؟ ولماذا؟
لقد تكاملت ملامح الخطوط العامّة للدولة، والنظام السياسي - الاجتماعي، وقضيّة الحكم، بعد الهجرة إلى المدينة، وتكوين أوّل مجتمع سياسي إسلامي لأول مرّة في التأريخ، وإنشاء الدولة لهذا المجتمع وعلى أرضه، وإقامة الحكم الإسلامي بقيادة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أمّا قبل ذلك - في العهد المکّی - فلم يتناول التشريع الإسلامي هذه الأمور بصورة مباشرة وصريحة، لأنّ المسلمين في (مكّة) لم يكونوا مجتمعاً سياسيّاً، و إنّما كانوا جماعة عقيديّة تحكمها علاقات تتراوح بين الاستغراب والجفاء، والتوتّر، والعداء مع مجتمعها الّذی كان محكوماً - وهي ضمنه - بنظام« الملأ»(1).
ولم تكن نقاط الخلاف والصدام بين الجماعة المسلمة ومجتمها في (مكّة) مسائل
1) نظام الملأ: هو النظام الّذی كانت مکّة محكومة به قبل الإسلام حيث كان يحكمها مجلس يتكون من زعماء عشائر قريش الّتی كان أبناؤها يمثِّلون أغلبية شعب (مكّة). فكان هذا المجلس يمثِّل السلطة السیاسیّة والتنفيذية العليا في (مكّة)، ويرتكز بالدرجة الأُولی على نظام الإيلاف) التجاري السياسي الّذی نظم علاقات (مكة) الخارجیّة بالقبائل الأخرى، خارج (مكة) ومحيطها، وبالدول المجاورة للحجاز .
سياسيّة بشكل مباشر، وإنّما كانت مسائل عقيديّة وفكرية واجتماعية، ذات مفاعيل سياسيّة واقتصاديّة، بلا شكّ، ولكنّها لا تتضمّن اعتراضاً مباشراً على ما يتّصل بالسلطة السياسيّة في المجتمع.
ولم تشتمل الدعوة الإسلامیّة في هذا العهد على مفردات سياسيّة واضحة وصريحة، وإنّما كانت مفردات الدعوة مقصورة على قضايا العقيدة الأساسية الكبرى: قضيّة الألوهيّة والتوحيد، وقضيّة النبوّة العامّة (النبوّات السابقة) ونبوّة محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم وقضيّة (الحياة بعد الموت البعث والمعاد واليوم الآخر، وقضيّة عدل اللّه تعالى ورحمته ، وقدرته وعلمه، وسائر صفاته، سبحانه وتعالى.
كما كانت مفردات الدعوة تشتمل على المسألة الاجتماعيّة: الفقراء والأغنياء، والظلم الاجتماعي والاقتصادي الّذی يمارسه الأغنياء المتحكّمون المتسلّطون، وسلوك «المترفين» في الحياة الاجتماعیّة والسياسيّة.
وفي ثنايا بيان هذه الحقائق كان الوحي القرآني ينبّه الأذهان ويوجّه العقول للبرهنة بحقائق الخلق وإبداعه على قدرة اللّه الشاملة الكاملة، وعلى قضايا العقيدة الأساسيّة الكبرى.
ولكنّ مع ذلك حمل العهد المکّی - في القرآن والسيرة - إشارات إلى طبيعة الدعوة الإسلامیّة من الناحية السياسيّة، كما تضمّنت الآيات، وبعض وقائع السيرة، إشارات إلى المستقبل.
وقد تضمّنت هذه الإشارات فكرة المجتمع السياسي والدولة، والسلطة السياسيّة، والحكم.
وقد ورد ذلك في جملة من النصوص الإسلامیّة :
أ . فممّا جاء في القرآن الكريم، جملة من الآيات، منها:
1 . قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر، أنَّ الأرض يرثها عبادي
الصالحون. إنّ في هذا لبلاغاً لقوم عابدين. وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين. قل إنّما يوحى إليَّ إنّما إلهكم إلهٌ واحدٌ فهل أنتم مسلمون فإنّ تولّوا فقل آذنتكم على سواء، و إنّ أدري أقريب أم بعيد ما توعدون)(1).
ففي هذه الآيات إشعار وإيحاء قويّ بأنّ وضع المسلمين لن يبقى على ما هو عليه في (مكّة) ، وأن لهم في المستقبل دولة وسلطاناً، وأنّ المكذِّبين المعتدين سيرون هذه الحقيقة في وقت قريب أو بعيد، ولكنّه آت على كلّ حال، وأنهم سينالون عقابهم).
2 . قوله تعالى: (و الّذین هاجروا في اللّه من بعدما ظلموا لنبوئنّهم في الدنيا حسنة، ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الّذین صبروا وعلى ربِّهم يتوكّلون) (2).
وفي هذه الآية المباركة وعد من اللّه بتغيير الحال في الدنيا، وينبغي أن يكون تغييراً في الوضع السياسي للمسلمين والظاهر أنّ الآية في شأن مهاجري الحبشة، والمسلمون يواجهون في (مكّة) عدواناً ضارياً من قريش المشركة، وهجرة من هاجر إلى الحبشة من المسلمين كانت مظهراً من مظاهر الاضطهاد السياسي للمسلمين.
3 . وقال تعالى:( أليس اللّه بكافٍ عبده؟ ويخوفونك بالّذین من دونه. و من يضللِ اللّه فما له من هاد)(3).
وفي الآية إشعار واضح بالحماية، ووعد ضمني بنصر في المستقبل على قوى الشرك الّتی يهدّد بها المشركون النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم والمسلمين المستضعفين.
ومِمّا رزقناهم ينفقون. و الّذین إذا أصابهم البغي هم ينتصرون. وجزاء سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على اللّه ، إنَّهُ لا يُحبّ الظالمين. ولَمَن انتصر بعد ظلمه فأُولئك ما عليهم من سبيل. إنّما السبيل على الّذین يظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق، أولئك لهم عذابٌ أليم )(1).
فقد اشتملت هذه الآيات على بدايات التشريع في شأن المجتمع السياسيّ والدولة وهي كما يلي:
أ - الإنفاق المالي: وهو المرحلة التأسيسيّة الأوليّة من تشريعات الواجبات الماليّة العامّة .
ب - ردّ العدوان على الجماعة: و هو المرحلة التأسيسية الأوّليّة من تشريع الجهاد.
ج - حكم المفسدين في الأرض في مرحلته الأوّليّة.
د - مبدأ الشورى في إدارة الشؤون العامّة .
5 . قوله تعالى: ﴿ واصبر لحكم ربك فإنّك بأعيننا، وسبّح بحمد ربّك حين تقوم) (2).
فإنّ الآية تتضمن إشعاراً بوعد الحماية والنصرة، وتغيير الواقع السيّء.
ذلك قوله تعالى: (نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحقّ لقوم يؤمنون. إنّ فرعون علا في الأرض، وجعل أهلَها شِيعَاً يستضعف طائفة منهم، يذبِّح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنّه كان من المفسدين. ونريد أن نمنَّ على الّذین استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونُري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) (3).
وقوله تعالى: (إنا لننصرُ رسلنا و الّذین آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)(2).
فهذه الآيات - وثمّة غيرها في القرآن المکّی - تتضمّن إرهاصات ووعوداً بإقامة المشروع السياسي للإسلام المجتمع السياسي والدولة، والحكومة، في المرحلة الّتی كان المسلمون يكابدون فيها القمع والاضطهاد والمطاردة، في (مكّة). وكان المجتمع السياسي ونظامه يتحكّمان بكلّ شيء. ولقد صدق اللّه وعده في (المدينة) بعد الهجرة. وفي الآية الأُولی من آيات سورة (القصص) تصريح بأنّ تلاوة نبأ موسى وفرعون موجّهة «لقوم يؤمنون» فهي تتضمّن الإيحاء بأنّ مصير المؤمنين وعاقبة أمرهم هي: الخلاص، والحرّية والسيادة.
ب . ومما جاء في السنّة، في سيرة النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم في العهد المکّی جملة من الروايات
منها: حديث الدار. ورواه الطبري) في تأريخه بسنده عن ابن عبّاس. ورواه غيره:في السنة الثالثة من مبعث النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم حين نزل قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (3)، أمر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم علیّاً علیه السلام أن يصنع طعاماً ويجمع بني عبد المطّلب...
في حديث طويل جاء فيه:
« .. ثمّ كلّم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فقال: يا بني عبد المطّلب ! إني والله ما أعلم شابّاً في
العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي، و وصيّي، وخليفتي فيكم؟».
( قال علي بن أبي طالب): فأحجم القوم جميعاً، وقلت - وإني لأحدثهم سنّاً، وأرمصهم عيناً (1)، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً (2)- : أنا يا نبيّ اللّه أكون وزيرك عليه! فأخذ برقبتي، ثمّ قال: إنَّ هذا أخي و وصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا» (3).
لقد كانت البيئة المكّيّة غير صالحة لإقامة الدولة الإسلامیّة عليها للأسباب الّتی عرفناها، فكان على القيادة الحكيمة أن تبحث عن أرض صالحة لتحقيق هذه المهمّة تتكفّل تجسيد الرسالة الإسلامیّة في الحياة الإنسانية وتقديم النموذج الّذی يريده للإسلام على يد رسوله الأمين صلی اللّه علیه و آله وسلم و من هنا لاحظنا اهتمام النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بالهجرة إلى الطائف وطلب النصرة والحماية لإقامة دين اللّه في الأرض، وحين أحجمت الطائف عن تقديم النصرة للرسول والدفاع عنه أمام عتاة قريش، أخذ الرسول يبحث عن بيئة صالحة وأرض مناسبة ، فكانت يثرب هي خياره الوحيد في هذا المضمار، وقد هيّاً اللّه له أسباب ذلك، فقد لاحظنا مدى تفتّح أهل يثرب لاحتضان الرسول والرسالة؛ لمجاورتهم اليهود من أهل الكتاب الّذین زرعوا فيهم روح التطلّع للرسول الجديد مستغلين النزاع التأريخي بين الأوس الخزرج لإحكام السيطرة السياسيّة والاقتصاديّة عليهم، والمدينة بلد زراعي يحقّق للدولة الجديدة رصيداً اقتصادياً مهماً قادراً على
1) رمصت عينه - كفرحَ - : من الرَّمص، وهو وسخٌ أبيض يجتمع في الموق... النعت أرمص ورمضاء (قاموس).
2) أحمش الساقين: يعني صار دقيق الساقين (قاموس).
3) تأريخ الطبري، ج 2، ص 217؛ مسند أحمد، ج 1، ص 11؛ كنز العمال، ج 6، ص 392، 396، 397 و 401: الكامل لابن الأثير، ج 2، ص 28 راجع كتاب الشيخ محمّد مهدي شمس الدين في الاجتماع السياسي الإسلامي، ص 80 - 85 ونظام الحكم والإدارة في الإسلام لسماحته أيضاً.
تحقيق الاكتفاء الذاتي الّذی تحتاجه الدولة الفتيّة في بداية تأسيسها. ومن هنا كانت بيعة العقبة الأُولی بيعة على عقيدة التوحيد، وكانت الخطوة الأُولی لاكتشاف الرسالة والرسول من قبل اليثربيّين. وكانت بيعة العقبة الثانية بيعة على النصرة والحماية الرسميّة فيما إذا انتقلت القيادة إليها. إذن فهي بيعة على تأسيس سلطة سياسية تحكم مجتمعاً سياسيّاً كان قد تأسس على أساس عقائدي توحيدي، وكانت العقبة الثالثة المرحلة الأخيرة لتحقيق الحماية الكاملة من خلال سعة انتشار الإسلام في أهل يثرب وتحقّق درجة عالية من الأمان حيث اتّسعت القاعدة الشعبيّة الموالية والمدافعة في يثرب وهاجر عامة مسلمي مکّة إليها ثمّ انتقلت إليها القيادة بنجاح وسلام، مكلّلة بالعناية الإلهيّة الظاهرة وبهذا اجتمعت أهمّ عناصر تكوين الدولة من (شعب) مؤمن و (سلطة) معترف بها لدى الشعب والقانون) المعترف به لدى الأمّة والقيادة و هو الإسلام العظيم.
وبالبيعة والهجرة ولد المجتمع السياسي الإسلامي على أساس عقائدي إسلامي في يثرب (مدينة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم )فهي أوّل عاصمة للدولة الإسلامیّة المباركة.
قال اليعقوبي: «ونزل من القرآن بمكّة إثنتان وثمانون سورة، على ما رواه محمّد ابن حفص بن أسد الكوفي عن محمّد بن كثير و محمّد بن السائب الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس. وكان أوّل ما نزل على رسول اللّه : «اقرأ باسم ربّك الّذی خلَق» ثمّ «نُون والقلم وما يسطرُونَ» ثمّ «والضحى» ثمّ «يا أيّها المُزَّمِّل» ثمّ «يا أيّها المُدّثِّر» ثمّ «فاتحة الكتاب» ثمّ «تبّت» ثمّ إذا الشمس كوّرت» ثمّ «سبّح اسم ربّك الأعلى» ثمّ «والليل إذا يغشى» ثمّ «الفجر» ثمّ «ألم نشرح لك صدرك ثمّ «الرحمن» ثمّ «والعصر» ثمّ «إنّا أعطيناك الكوثر» ثمّ «ألهاكم التكاثر» ثمّ أرأيت الّذی يكذِّب بالدّين» ثمّ «ألم ترَ كيف فعل
ربّك بأصحاب الفيل» ثمّ «والنجم إذا هوى» ثمّ «عبس وتولّى» ثمّ «إنا أنزلناه في ليلة القدر» ثمّ والشمس وضحاها» ثمّ والسماء ذات البروج» ثمّ «و الّتی ن والزيتون» ثمّ لإيلاف قريش» ثمّ «القارعة» ثمّ «لا أُقسم بيوم القيامة» ثمّ «ويل لكلِّ هُمَزَةٍ» ثمّ والمُرسلات عُرْفاً ثمّ ق والقرآن المجيد» ثمّ « لا أقسم بهذا البلد» ثمّ «والسماء والطارق» ثمّ «اقتربت الساعة» ثمّ «ص والقرآن ذي الذكر» ثمّ «الأعراف» ثمّ «سورة الجنّ» ثمّ «سورة يس» ثمّ «تبارك الّذی نزّل «الفرقان» ثمّ «حمد الملائكة» ثمّ «سورة مريم ثمّ «سورة طه» ثمّ «طسم الشعراء» ثمّ «طس النمل ثمّ «طسم القصص» ثمّ« سورة بني إسرائيل» ثمّ «سورة يونس» ثمّ «سورة هود» ثمّ «سورة يوسف» ثمّ ((الحجر» ثمّ ((الأنعام)» ثمّ «الصافات» ثمّ «لقمان» ثمّ «حم المؤمن» ثمّ «حم السجدة» ثمّ « حم عسق» ثمّ «الزخرف» ثمّ «حمد «سبأ» ثمّ تنزيل الزمر» ثمّ «حم الدخان» ثمّ الشريعة» ثمّ «الأحقاف» ثمّ «والذاريات» ثمّ «هل أتاك حديث الغاشية» ثمّ «سورة الكهف» ثمّ «سورة النحل» ثمّ «إنا أرسلنا نوحاً» ثمّ «سورة إبراهيم» ثمّ «اقترب للناس حسابهم» ثمّ «قد أفلح المؤمنون» ثمّ «الرعد» ثمّ «الطور» ثمّ «تبارك الّذی بيده الملك» ثمّ «الحاقة» ثمّ «سأل سائل» ثمّ «عمّ يتساءلون» ثمّ «والنازعات غرقاً ثمّ إذا السماء انفطرت» ثمّ «سورة الروم» ثمّ «العنكبوت».
وقد اختلف الناس في هذا التأليف في غير رواية ابن عبّاس، وكان الاختلاف أيضاً يسيراً. وروى محمّد بن كثير و محمّد بن السائب عن ابن صالح عن ابن عباس أنّه قال: كان القرآن ينزل مفرَّقاً، لا ينزل سورة سورة؛ فما نزل أوّلها بمکّة أثبتناها بمکّة و إنّ كان تمامها بالمدينة، وكذلك ما نزل بالمدينة، وإنّه كان يعرف فصل ما بين السورة والسورة إذا نزل بسم اللّه الرحمن الرحيم، فيعلمون أنّ الأُولی قد انقضت وابتدئ بسورة أخرى(1).
1) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 33 - 34.
الخلاصه
لم تشتمل الدعوة الإسلامیّة في العهد المکّی على مفردات سياسيّة صريحة و إنّما كانت مفرداتها مقصورة على قضايا العقيدة الأساسيّة. بالإضافة إلى جملة من المسائل الاجتماعيّة.
ولكنّ القرآن والسيرة قد اشتملا على إشارات إلى طبيعة الدعوة الإسلامیّة وعالميّتها وفكرة المجتمع السياسي والدولة والسلطة السياسيّة والحكم.
و من هذه الآيات ما جاء في سورة الأنبياء (105 - 109) وسورة النحل (41 - 42) وسورة الزمر (36) وسورة الشورى (36 - 43) وسورة الطور (48) وسورة القصص (3 - 6) وسورة الصافات (171 - 173) وسورة غافر (51) وحديث الدار و غيره ممّا جاء عنه حين دعوة بعض القبائل وانتباههم إلى قضيّة الخلافة والحكم بعد وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم .
وبهذا تهيّأ الظرف الفكري والنفسي للتحرّك نحو إقامة دولة إسلاميّة في وسط صالح لاحتضان الدعوة والرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وأتباعه. وقد تحقّق ذلك عند إسلام أهل يثرب وتعاهدهم مع الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم لحمايته.
وكانت يثرب تتميّز بمميزات جعلتها الخيار الوحيد لاختيارها مركزاً لتأسيس دولة الإسلام الكبرى والانطلاق منها إلى العالم أجمع.
الأسئلة
1 . هل تعرّض القرآن المکّی لمسألة الحكم وتأسيس الدولة الإسلامیّة بشكل صريح؟ ولماذا؟
2 . ما هي أهمّ المؤشّرات لتأسيس الدولة الإسلامیّة في العهد المكي؟
3 . اذكر أهمّ آية تدلّ على لزوم تأسيس كيان سياسي إسلامي من آيات العهد المكّي؟
4 . هل مهّد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ضمن دعوته لقضيّة الحكم الإسلامي؟ متى وكيف؟
5 . لماذا اختار النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم يثرب لتأسيس دولته المباركة؟
6 . متى اختار النبي اختار النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم يشرب قاعدة لدولته؟ ولماذا؟
7 . ما هي أهمّ عناصر تكوين الدولة ؟ ومتى اجتمعت في الجزيرة العربیّة في عصر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم
وصل الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى منطقة «قُبا» من مدينة يثرب مع زوال الشمس لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول(1).
ومكث في حيّ قبا أيّاماً ولم يدخل المدينة - بالرغم من إصرار صاحبه أبي بكر على الإسراع في الدخول اليها وذلك لانتظاره قدوم ابن عمه وأخيه في اللّه ووصيّه علي بن أبي طالب علیه السلام الّذی كان قد فدى الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بنفسه ليلة هجرته.
وقد أفصح الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم عن سر هذا التاني حينما عرض عليه الورود إلى يثرب فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : «لَسْتُ أريم حتّی يقدم ابن عمّي وأخي في اللّه - عزّ وجلّ - وأحبّ أهل بيتي اليّ فقد وقاني بنفسه من المشركين»(2).
و أمّا أبوبكر فقد ترك النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ثاوياً في قباء ونزل صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى يثرب، وليس لدينا من النصوص التأريخيّة ما يوضح لنا سرّ هذا الاستعجال من أبي بكر الّذی كان قد صاحب النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم طيلة مسيرة هجرته إلى يثرب.
وتفيدنا جملة من النصوص التأريخيّة بنبأ إسلام سلمان الفارسي ونبأ إسلام الحبر
اليهودي (الحصين بن سلام) وسعيه في إقناع قومه اليهود بنبوّة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم عدم نجاحه في ذلك.
أمّا سلمان رضی اللّه عنه فقد كان من أهل الكتاب قبل أن يُسلم، وكان قد حصل على خبر ظهور الدين الحنيف فخرج من بلاده (فارس) و وقع إلى راهب بالشام فسأله عن ظهور الدين الحنيف فقال له : اطلبه بمكّة مخرجه واطلبه بيثرب مهاجره.
فقصد مکّة فوقع بيد الأعراب فاستعبدوه ردحاً من الزمن، فلمّا وصله خبر وصول النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى يثرب جاء إليه ومعه طبقٌ من رطب، فقال لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم: هذه صدقتنا وأحببنا أن تأكلوا منها، فلم يأكل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم و أمر أصحابه بالأكل.
ثمّ جاء في اليوم الثاني ومعه طبق من رطب فقال: هذه هديّة أهديتها إليك، فأكل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم، ثمّ طلب سلمان من الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يريه خاتم النبوّة ففعل ذلك وعندها أعلن إسلامه(1).
و أمّا عبدالله بن سلام فقد روي عنه أنه قال : لمّا سمعت برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وكنت قد عرفت صفته واسمه وزمانه الّذی كنّا نترقّبه ولكنّي كنت مستتراً بذلك حتّى قدم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم المدينة وبعد أن اُخبِرت بمكانه ذهبتُ إليه وأعلنت إسلامي(2).
أولى الإنجازات في قبا
روى الكليني عن الإمام الصادق أنّه قال: إنّ المسجد الّذی أُسّس على التقوى «في قوله سبحانه - لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم أحقّ أن تقوم فيه» هو مسجد قباء (3).
وروي عن علي بن الحسين علیه السلام أنه قال: قَدم على علیه السلام والنبی صلی اللّه علیه و آله وسلم في بيت بني عمرو بن عوف فنزل معه ثمّ تحوّل إلى بني سالم بن عوف وعلي معه، فخطّ صلی اللّه علیه و آله وسلم مسجداً و نصب لهم قبلته إلى بيت المقدس وصلّى بهم فيه الجمعة ركعتين وخطب خطبتين (1)..
. ثمّ راح بعد العصر من يومه إلى المدينة على ناقته الّتی قدم عليها و عليّ لا يفارقه - يمشي بمشيته - وكلّما مرّ ببطنٍ من بطون الأنصار قاموا يسألونه النزول عندهم فيقول:« خلّوا سبيل الناقة فإنّها مأمورة» فانطلقت - وأشار بيده - إلى باب مسجد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الّذی يصليّ عنده على الجنائز، فوقفت و برکت... فنزل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم، ونزل دار أبي أيّوب حتّی بنى له مسجداً (2)و بنى منازله حوله فتحوّل إليها من دار أبي أيوب.
وكان موقف عبدالله بن أبي سلّول من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم موقفاً مزرياً حينما وصلت ناقة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم إليه، حيث وضع لباسه على أنفه وقال لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم: ياهذا إذهب إلى الّذین غروّك وخدعوك وأتوا بك فانزل عليهم ولا تغشانا في ديارنا(3).
إلا أنّ سعد بن عبادة التمس من الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يغضّ عنه وأعلمه بالأزمة النفسيّة الّتی كان يعيشها ابن أبي سلول حيث إنّ أهل يثرب كانوا قد اجتمعوا عليه يملّكونه عليهم وكانوا ينظمون له الخرز ليتوّجوه وإذا بالنبی صلی اللّه علیه و آله وسلم يفاجئه بالهجرة إلى يثرب فيتركه أهل يثرب ويتوجّهون إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم. فالنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بدخوله المدينة كان قد سلبه ملكاً كاد أن يصل إليه(4).
لقد بادر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم لبناء أوّل مسجد مركزي في يثرب قبل أن يبني لنفسه بيتاً
أو مسكناً، وساهم بجّد في بنائه مع أصحابه الأوفياء من المهاجرين والأنصار فزادهم شوقاً ونشاطاً، واتّخذه مركزاً للصلاة و رمزاً للوحدة و مقّراً للحكم والقضاء ومدرسة للتربية والتعليم و محّلاً للتعبئة العسكريّة فيما بعد.
وكانت أوّل خطبة خطبها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في يشرب بعد حمد اللّه والثناء عليه بما هو أهله، أن قال:
أمّا بعد أيها الناس فقدّموا لأنفسكم، تعلَمُنَّ والله ليُصَعُقَنَّ أَحدُكم ثمّ لَيَدَعَنَّ غنمه ليس لها راع ثمّ ليقولنّ له ربّه وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فبلّغك؟! و آتيتُك مالاً وأفضلتُ عليك ؟ فما قدّمت لنفسك؟ فلينظرنَّ يميناً وشمالاً فلايرى شيئاً، ثمّ لينظرنّ قدّامه فلا يرى غير جهنّم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشقّ من تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمةٍ طيّبة؛ فإنّ بها تُجزى الحسنة عشرُ أحثالها إلى سبعمائة ضِعف والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.
ثمّ خطب خطبته الثانية فقال:
إنّ الحمدَ للّه أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا، يهده اللّه فلا مضلّ له، ومَن يضلل فلا هاديَ له وأشهد أن لا إله الا اللّه وحده لا شريك له. إنّ أحسن الحديث كتاب اللّه تبارك وتعالى، قد أفلح من زيّنه اللّه في قلبه وأدخله في الإسلام بعد الكفر واختاره على ماسواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه أحبّوا ما أحبَّ اللّه من كلّ قلوبكم ولا تملوا كلام اللّه وذكره، ولا تقش عنه قلوبكم، فإنّه من كلّ ما يخلق اللّه ويختار ويصطفي قد سماه اللّه خيرته من الأعمال ومصطفاهُ من العباد، والصالحَ مِن الحديث، ومن كلّ ما اُوتي الناسُ الحلالُ والحرامُ، فاعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئاً، واتّقوه حقّ تقاته وأصدقوا اللّه صالح ما تقولون بأفواهكم وتحابّوا بروح اللّه بينكم إنّ اللّه يغضب أن يُنكَث عهدُه، والسلام عليكم(1).
1) السيرة النبویّة« ابن هشام» 2: 146 - 147.
وبعد أن تَمَّ بناء المسجد النبوي بنى الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم لنفسه داراً إلى جنب المسجد وانتقل إليها من دار أبي أيوب الأنصاري وذلك بعد سبعة أشهر من الهجرة النبویّة المباركة.
أ. تشريع صلاة الجنائز
وفجع المسلمون بوفاة أسعد بن زرارة - أوّل نقيب للأنصار - وهم فی غمرة الانهماك ببناء المسجد النبوي وهو أوّل أنصاري يموت بعد قدوم الرسول صَلّی اللّه علیه و آله وسلم إلى يثرب و الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم صلاة الجنائز، ولم يكن قبل ذلك صلاة على الجنائز، ودفن في البقيع وتلاحق المهاجرون إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فلم يبق بمکّة منهم أحدٌ إلا مفتونٌ أو محبوس(1)، وبهذا وبفرض الهجرة على كل مسلم - يكون النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم - اللّه قد استقدم جميع الكفاءات المخلصة (2).
لقد أصبح المسجد النبوي هذا مقرّاً للعبادة ومركزاً رسمياً للقيادة وإدارة شؤون أوّل دولة إسلاميّة.
وروي عن الإمام الصادق علیه السلام انه قال: سُئل الحسين بن علي علیه السلام عن قول الناس في الأذان أنّ السبب فيه كان رؤيا رآها عبدالله بن زيد فأخبر بها النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم فأمر بالأذان؟ فغضب علیه السلام و قال : الأذان وجه دينكم والوحي ينزل على نبيكم وتزعمون أنّه
أخذ الأذان عن عبداللّه بن زيد؟!! بل سمعت أبي علي بن أبي طالب يقول: أهبط اللّه عزّ وجل ملكاً حين عرج برسول اللّه ... وساق حديث المعراج حتّی قال: فأذن مثنى مثنى وأقام مثنى مثنى ثمّ قال جبرئيل للنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم : يا محمّد هكذا أذّن للصلاة (1)ثمّ علّم ذلك رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بلالاً وأمره بأن يرفع صوته بالأذان إذا دخل وقت الصلاة(2).
لقد شُرّع الأذان ليكون أداة إعلام للصلاة وأداة إعلام رسمي لشعار الدولة الإسلامیّة الّتی اتّخذت عقيدة التوحيد الخالصة أساساً مبدئيّاً لها (الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللّه ). والشهادة بالرسالة لخاتم الأنبياء صلی اللّه علیه و آله وسلم (أشهد أن محمّد اً رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ) تأكيداً لتجسيد الحاكميّة الالهيّة في قيادة النبي محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم للبشريّة وشريعته الخالدة السويّة.
وقد كانت السنة الأُولی من الهجرة سنة تأسيس الدولة الإسلامیّة و تثبيت قواعدها الاولى بقيادة خاتم الأنبياء محمّد بن عبدالله صلی اللّه علیه و آله وسلم وكان من أهمّ ما قام به النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد بناء المسجد (مركز العبادة والسياسة هو تحكيم أواصر المسلمين في مجتمعهم الجديد وذلك من خلال المؤاخاة الّتی عقدها صلی اللّه علیه و آله وسلم بين المهاجرين والأنصار قائلاً لهم: تأخوا في اللّه أخوين أَخَوَيْن، ثمّ أخذ بيد علي بن أبي طالب علیه السلام فقال: هذا أخي، فكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم سيد المرسلين وإمام المتّقين ورَسول ربّ العالمين الّذی ليس له خطير ولا نظير من العباد وعلي بن أبي طالب علیه السلام أخوين(3).
لقد كانت هذه المؤاخاة سبباً لزوال وحشة الغربة واُنساً لهم من مفارقة الأهل والعشيرة وحلّاً لمشكلتهم الاقتصاديّة والسَكَنيّة إذ كانت سبباً للتوارث المالي، أعز اللّه الإسلام واجتمع الشمل وذهبت الوحشة فأنزل اللّه قوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه ، فنسخ التوريث بين الأخوين المؤمنين بهذه الآية المباركة، وأصبح المؤمنون جميعاً اخوة في الدين كما قال تعالى: ( إنّما المؤمنون أخوة)، وبهذا قضى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم على العصبية الجاهلیّة القبليّة وصنع من القبائل المتناحرة مجتمعاً متعاطفاً متراحماً ومتلاحماً.
كان ضبط الجبهة الداخليّة وإحكام مواقعها من خلال كتابة الصحيفة الّتی اشتملت على أصول الموادعة وحُسن الجوار بين المسلمين واليهود داخل أراضي الدولة الإسلامیّة هي أوّل معاهدة رسمية بين النبي واليهود والمسلمين بعد أن أقّرهم الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم على دينهم وأموالهم فشرط لهم واشترط عليهم.
بنود هذه الصحيفة التأريخيّة تمثل مدى حنكة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وحُسن قيادته للمجتمع الإسلامي الأوّل حيث نظّم العلاقة - من خلالها - بين المسلمين واليهود باعتبارهم يشكّلون مجتمعاً سياسياً واحداً و متنوّعاً في انتمائه الديني، وهذه هي أوّل تجربة سياسيّة في التأريخ تنفرّد في نوعها حيث إنها أقرّت للأقليّات الدينيّة حقّ المواطنة الناشيء من الخضوع للسلطة السياسيّة وقوانينها، وأعطتهم احترام النفس والعرض والمال، وعدم إجبار أحد منهم على الدخول في الإسلام، وهي حريّة دينيّة محدودة بحدود خاصّة.
لقد تضمّنت هذه الصحيفة تحديد معالم السياسة الداخليّة والخارجيّة للدولة الإسلامیّة الفتیّة، كما حددّت الحقوق والواجبات لكلّ من الأطراف بعد أن نصّت على أن الحاكميّة العُليا للنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم.
لقد أفلح النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في تسوية الأوضاع الداخليّة للدولة الفتيّة الّتی كانت قد تكونت من عدّة شرائح اجتماعيّة كانت متباعدة فيما بينها وهي:
1 . المهاجرون.
2 . الأنصار بأوسهم وخزرجهم على ماكان بينهم من تناحر وتنافس قبل إسلامهم.
3 . اليهود بشتّى قبائلهم حيث كانوا يشكلّون قوةّ اقتصاديّة وثقافيّة وسياسيّة داخل المدينة وخارجها.
فالأنصار قد هدم الإسلام مابينهم من تناحر سابق وربط بينهم برابطة الدين فأصبحوا بذلك أخوة متضامنين متناصرين ولاسيما بعد ما أعطوا من عهود ومواثيق
الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم حيث عاهدوه على الدفاع عنه وعن رسالته ضدّ أعدائه.
والمهاجرون قد ارتفعت مشكلتهم من حيث السكن والعمل والموقع الاجتماعي ببركة المؤاخاة والمواساة الّتی غرسها الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم فيما بينهم وبين الأنصار.
واليهود قد اعتُبروا مواطنين لهم حريتّهم مع حماية الدولة الإسلامیّة لأموالهم ودمائهم وأعراضهم، وكان عليهم مساندة الدولة في رد العدوان عنها كما كان عليهم عدم التآمر على هذه الدولة الإسلامیّة الّتی يعيشون في ظلّها وليس لهم أن يغادروا أراضيها إلّا بإذنه صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد أن اُعطيت السيادة في فصل الخصومات لقيادتها المتمثلة في الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم.
ولم يترك النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم مهمّة التبليغ والإرشاد الإسلامي في القطّاع العامّ في الصلوات العامّة ولا القطاع الخاص حينما كان ينفرد مع آحاد المسلمين ويستمع إليهم و يسمعهم مواعظه.
واستمرّ صلی اللّه علیه و آله وسلم في صنع المجتمع والدولة الإسلامیّة المباركة تحت رعاية اللّه تعالى حتّی تكامل البناء التنظيمي للمجتمع حسب حاجات المرحلة، وتوزّعت المهامّ فيه تحت رعاية النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وقيادته الحكيمة.
كما نرى ذلك بوضوح في السنة الأُولی وقبل حلول عام على الهجرة حيث تصدّى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم للتهيؤ العسكري فأسّس نواة أوّل جيش إسلامي وذلك للردّ على أي هجوم مباغث من قبل قريش أو القبائل المشركة أو غيرهم ممّن كان يخشى على موقعه وسيادته بعد قيام دولةٍ إسلاميّة مركزيّة قويّة في شبه الجزيرة العربیّة .
لقد كانت أوّل سرية (عسكريّة) عقدها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد سبعة أشهر من الهجرة بقيادة عمّه حمزة بن عبدالمطّلب ليعترض بها عيراً لقريش بقيادة أبي جهل أحد قادة الحزب القرشي المناوي، للرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم و الّذی كان قد خططّ لقتل الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم والقضاء على الإسلام. وسبّب هجرة المسلمين و صادر أموالهم وممتلكاتهم.
وكانت ثاني سريّة بقيادة عبيدة بن الحارث بن المطّلب في ستين راكباً كلهم من المهاجرين معترضاً أبا سفيان لكنّ أبا سفيان ومن معه فروّا مرعوبين بعد أن رماهم سعد بن أبي وقّاص بسهامه حتّی نفدت(1).
وكانت السريّة الثالثة في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر من الهجرة بقيادة سعد بن أبي وقّاص لمباغتة عير لقريش فبلغوا الخرّار بينما كانت العير قد فاتتهم فرجعوا إلى المدينة دون حصول أيّ اشتباك (2).
وهكذا استطاع النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يجسّد القيادة اليقظة والعين الساهرة على مصالح الدولة الفتیّة وينشّط المسلمين للدفاع عن كيانهم وعزّتهم وإسلامهم العظيم.
وفي شوّال من السنة الأُولی بنى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بعائشة (وتزوّجها) بعد أن كان قد عقد عليها في مکّة قبيل الهجرة، وبنى لها بيتاً إلى جنب بيت زوجته سودة في جوار المسجد.
إنّ انشغال النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بتثبيت قواعد دولته في السنة الاولى من هجرته قد يفسّر لنا
السبب في عدم اشتراكه صلی اللّه علیه و آله وسلم هو فيما قام به من مناورات عسكريّة ضدّ قريش في هذا العام.
ولم يغفل النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم عن وجود عبدالله بن أبي وأعوانه ممن اضطروا لإظهار الإسلام، كما لم يغفل عن احتمال ارتباطهم وتلاحمهم مع القبائل اليهوديّة الّتی كانت لها أحلاف سابقة مع كل من الأوس والخزرج، ومن هنا كانت بنود الصحيفة تخطيطاً رائعاً لضبط هذه الجبهة الداخلیّة بکلّ ملابساتها.
وكان أوّل مانزل من القرآن الكريم في السنة الاولى من الهجرة مجموعة كبيرة من آيات سورة البقرة الّتی كثفت الإضاءة على شعارات ومؤامرات وخطط كلّ من اليهود والمنافقين وتصدّت للردّ على شبهاتهم والإجابة على كثير من أسئلتهم وإثاراتهم الّتی كانت مصدر قلق و تشويش لكثير من المسلمين.
الخلاصه
من أهمّ الأحداث في تأريخ الإسلام السياسي هو حدث الهجرة المباركة حيث تمّ بعدها إقامة الدولة الإسلامیّة بزعامة الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله وسلم .
وقد بدأ الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ببناء مسجد قبا ثمّ المسجد المعروف اليوم بمسجد النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم لجمع المسلمين فيه وليكون مركزاً للدولة وانطلاق الدعوة إلى أطراف العالم، ثمّ آخى بين المهاجرين والأنصار واحتفظ بالإمام علي علیه السلام أخاً له من دون ساير المسلمين.
وقد تمّ بناء المسجد المبارك، فكانت تقام فيه الصلاة، ثمّ شرّع الأذان في السنة الاولى للهجرة المباركة.
وقد اتّسع نفوذ الدولة الإسلامیّة وتوحدت العشائر المحيطة بالمدينة مع امتداد الأيّام تحت قيادة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وكانت المدينة منطلق سرايا الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وغزواته للدفاع عن الكيان السياسي الإسلامي ولإعلاء كلمة الإسلام وإنقاذ المستضعفين والقضاء على الظلم والاستبداء القرشي و من كان يضلع بركابه.
الأسئلة
1 . تحدّث عن إسلام سلمان المحمدي رضی اللّه عنه .
2 . كيف تمّ بناء المسجد النبوي في المدينة؟
4 . تحدّث عن أولى سرايا الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وأهدافها.
5 . ما هو معطى التآخي بين الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم و الإمام علي علیه السلام ؟
6 . كان لعمّار دور أساسي في بناء المسجد، وضح دوره و موقف بعض المهاجرين منه وماذا يُستفاد من ذلك بمراجعة المصادر التأريخيّة؟
7 . كيف كانت عمليّة احتواء اليهود الّذین كانوا مصدر قلقٍ وشغب قبل هجرة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى يشرب؟
1 . لاحظنا مانزل من آيات قرآنيّة في العهد المکّی كانت قد اهتمت بالتمهيد لفكرة الدولة الإسلامیّة إلى جانب التأكيد على عالميّة الإسلام، بالرغم من توجيه الخطاب فيها لأهل مکّة أو لمن كان يحيط بالرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وكان يوجّه الدعوة إليه في تلك الأيّام.
2 . كما لاحظنا أنّ شبه الجزيرة العربیّة قد أصبحت مهد الدعوة الإسلامیّة والبيئة المركزيّة الّتی كان على الرسالة الإسلامیّة لابدّ أن تنتشر من على أرضها.
3 . ولا يتحقّق نشر الرسالة من دون وجود أمّةٍ تضطلع بأعبائها، ولا تفلح هذه الأمّة المضطلعة بمهمّة نشر الرسالة وتبليغها مالم تملك القدرة الفكريّة والعمليّة على التبليغ والأداء.
وتتمثّل القدرة العملية في الجرأة والشجاعة والإقدام لرفع الموانع والحواجز الّتی تمنع من وصول الدعوة إلى آذان وقلوب العالمين.
ولن يستطيع الفرد أو الجماعة أن يمارسا مهمّتهما الرسالية حتّی النهاية حينما لا تحميهما دولة قويّة، لاسيما إذا كانت قيم الفرد والجماعة وأخلاقيّاتهما تمثلّان
رفضاً حاسماً لقيم الواقع المُعاش، فلابدّ إذن من ايجاد الأرضيّة الصالحة الّتی يتحرك عليها المسلم قبل أن تسحقه الظروف الخارجيّة أو تنحرف به عن الطريق.
من هنا كان تأسيس الدولة الإسلامیّة لحماية حركة الرسالة والدعوة إليها ضرورة من ضرورات عالمية الرسالة الإسلامیّة ؛ وذلك لضمان انطلاقها إلى العالم الإنساني من مجتمع شبه الجزيرة الّذی كان يحتوي على قوة سياسيّة وعسكريّة لقريش وهي الّتی كانت قد تصدّت بكلّ ثقلها لإحباط أيّة خطّةٍ للتوسع، كما كان يحتوي هذا المجتمع العربي في منطقة يثرب على قوة سياسية وعسكرية واقتصاديّة يهوديّة، وكانت السلطات الفارسيّة والبيزنطيّة ذات القوة العسكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة تحيط بشبه الجزيرة العربیّة من جهة ثالثة.
4 . ومن هنا كان على الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يعدّ العّدة بالتدرّج لمكافحة كلّ الموانع والعقبات الّتی ستحول بينه وبين مهمته العالميّة، فيبدأ بمحاربة الوثنيّة في داخل الجزيرة ويحول دون مؤامرات اليهود، ويشكّل قوةّ كبرى قادرة على الوقوف أمام السلطان الفارسي والبيزنطي خارج الجزيرة.
لقد كانت العصبيّة القبليّة الجاهليّة مع عدم خضوع القبائل العربیّة لسلطة واحدة مركزية يشكّلان عامل قوةّ لبدء حركة الدعوة في هذا الوسط المليء بالمتناقضات حيث استفاد النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم من دعم عشيرته له، وكان التحالف والجوار عاملاً من عوامل المقاومة والصمود أمام وثنيّة قريش وقوتها العاتية، على أن هذه العصبيّة القبليّة كانت تستطيع أن تشكّل مانعاً قويّاً أمام تأسيس دولة مركزيّة وقدرة موحّدة إنّ بقيت دون احتواء وتوجيه.
ولكنّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بحكمته ورؤيته الإلهيّة الفريدة استطاع أن يبدّل هذا المانع إلى عنصر قوة إيجابي ويوظّفه لبناء الدولة الجديدة من خلال طرح مفهوم الإخاء الّذی احتوى على كلّ ألوان المواساة والمساواة والتعاون والتضحية والذوبان في العقيدة من دون أن يقضي على الولاء للقبيلة الّتی كانت تستطيع أن تساهم في رفع بعض الأعباء
الاقتصادیّة و الاجتماعیّة عن كاهل الدولة الفتیّة، كما نلاحظ ذلك بوضوح في الوثيقة السیاسیّة الّتی طرحها الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم لتنظيم الشؤون الداخلیّة والخارجیّة و الّتی سُميت بالصحيفة. وقد وحّدت المسلمين أمام أعدائهم وأعطت للقبيلة موقعها الاجتماعي، وحالت دون تحرّك اليهود داخل الدولة الإسلاميّة ضدّها حيث لم يذوبوا في هذا الكيان الجديد.
5 . لقد وضع الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في العامّ الأوّل من هجرته إلى المدينة اللبنات الأُولی في لدولته الإسلامیّة ليحمي بها رسالته من الأخطار الجسيمة.
وكانت خطواته صلی اللّه علیه و آله وسلم تدريجيّة ومتجانسة مع تكثر هموم وحاجات المسلمين، ومتلائمة مع تحوّل الجماعة المسلمة من مستوى مجموعة وتيّار إسلامي إلى مستوى مجتمع متكافل متكامل.
ومجموعة الخطوات الّتی خطاها الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم لإنشاء الدولة الربانيّة العالميّة يمكن تصنيفها - في العهد المدني - على مراحل ثلاث:
أ . مرحلة تثبيت قواعد الدولة
وهي مجموعة انجازاته في السنة الأُولی من هجرته المباركة.
ب . مرحلة البناء
وقد استوعبت خمس سنوات تقريباً و تضمّنت مواجهة أنواع التحدّيات إلى جانب النشاط المستمرّ للبناء ضمن دورين متميزين و هما دور الدفاع ودور الإسلام المشروط.
ج . مرحلة الانتشار والتوسّع
وكان صلح الحديبيّة مؤشّراً سياسيّاً واجتماعيّاً لاكتمال عمليّة البناء وإيذاناً بانفتاح الطريق أمام مرحلة التوسّع والانتشار.
6 . و أمّا العقبات الّتی كانت تحول دون انتصار هذه الدولة بعد تأسيسها فيمكن تصنيفها إلى مايلي:
أ - في الجبهة الخارجيّة، فقد كانت قريش تقف في مقدمة هذه الجبهة المعارضة تأتي عقبة القبائل المشركة الّتی كانت تنظر إلى موقع قريش في هذه الجبهة المعارضة وتحسب لقدرتها ألف حساب ثمّ تأتي عقبة السلطة البيزنطيّة والفارسيّة المرابطتين على الحدود الشماليّة والشرقيّة للجزيرة العربیّة .
ب - وفي الجبهة الداخلیّة كان من المتّوقع أن تتحرّك القبائل اليهوديّة ضدّ الدولة الفتيّة بعد أن لم تفلح هي في استيعاب حركة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وتوظيف دعوته ضدّ الأوس والخزرج في يثرب، بل كان زمام المبادرة دائماً بيد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم حيث أصبح اليهود مواطنين عاديّين تحميهم الدولة الجديدة إنّ بقوا أوفياء بشروط الذمة، وكانوا عناصر محايدة لها، وإلّافسوف يشكلّون جبهة معادية في داخل كيان الدولة الجديدة إلى جانب بعض العناصر الّتی اضطرّت لإعلان الإسلام حيث لم يكن من صالحها هذا الاستسلام للدين الجديد.
كما لاحظنا ذلك في موقف عبدالله بن أُبيّ بن أبي سلّول من الرسول له عند هجرته إلى يثرب حيث لم يتوقع الخذلان من قومه له بعد أن كان يعدّ نفسه لقيادة أهل يثرب.
إذن كان على الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يتأهب للتحالف المتوقّع بين عنصرين موتورين في داخل يثرب وهما اليهود والمنافقون. ونلاحظ ذلك من خلال الاهتمام الجادّ في القرآن الكريم بالمنافقين واليهود في أوّل سورة مدنيّة وهي سورة البقرة وذلك في مساحات واسعة من السورة المباركة وما ذلك إلا للدور التخريبي الكبير الّذی يمكن أن يقوم به كلّ من المنافقين واليهود بالرغم من كتابة الصحيفة وإحكام الوثيقة معهم حيث كانت هی الوثيقة السیاسیّة الّتی عُيّنت فيها الخطوط العريضة للسياسة الداخلیّة و الخارجیّة للدولة النبویّة ، وقد أخذ الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم العهود والمواثيق من القبائل اليهوديّة
على الوفاء ببنود الصحيفة وعدم القيام بأيّ نشاط يمسّ أمن الدولة الإسلامیّة لامن قريب ولا من بعيد.
تحرّكاً متضامناً و منسجماً مع تحرّك الجبهة الوثنیّة (القريش) ضدّ الدولة الإسلامیّة . فما أن انتصر المسلمون في غزوة بدر على قريش إلا وتحرّك بنو قينقاع و تمردوا على بنود الصحيفة ونقضوا عهودهم الّتی كانوا قد أبرموها مع الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم.
وما انتهت غزوتا أحد وحمراء الأسد إلّا وانتفض بنو النضير على المسلمين مستغلين الفرصة لتسديد الضربة القاضية ضدّ المسلمين انتصاراً لقريش الوثنيّة.
كما نلاحظ بوضوح عنصر التحريك والتحريض من اليهود لقريش والقبائل المشركة وتحزبيها جميعاً ضدّ دولة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وتأجيجها لحرب الأحزاب للقضاء التام على الدولة الفتيّة وإجهاضها قبل أن تستعيد قواها.
وهنا تتلاحم بنو قريظة مع قريش ضدّ المسلمين مستغلّة عطف الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ورحمته الّتی شملت بني قينقاع وبني النظير، وهنا يأتي التسديد الإلهي لرسوله صلی اللّه علیه و آله وسلم الصابر والمجاهد وللمسلمين الّذین اتبعوه بإحسان، ويتمّ القضاء على تحزّب الأحزاب وهدم آخر مواقع اليهود في المدينة وتسديد الضربة القاضية عليهم، ولمن يريد متابعة خطواتهم في فدك وغيرها.
ويبقى الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم صابراً على أذى المنافقين الّذی كان في ازدياد مستمرّ كلما ضعفت جبهة الشرك وانهارت جبهة اليهود الخائنين.
ويستمر القرآن الكريم في إفشال خططهم ومكرهم وفضحهم من أجل إحباط مؤامراتهم وتشخيص هوّيتهم في المجتمع الإسلامي الجديد.
وهكذا تشابكت في سنوات البناء أنواع المواجهة وفي عدّة جبهات:
جبهة قريش من الخارج وجبهة اليهود والمنافقين في الداخل. وكانت سنوات عصيبة على المسلمين، استطاعت أن تعطيهم الحنكة والقوّة
والصمود على مُرّ الأحداث فسجّلوا تأريخاً مشرقاً مشعاً بالنور والعطاء على مدى العصور والأجيال.
وإذا أردنا أن نقدّم تحليلاً تأريخيّاً لما حدث خلال سنوات البناء الخمس فعلينا أن نمر على حوادث هذه السنين الخمس لنحصل على صورة عامة من هذا المقطع من العهد المدني، وسوف نلاحظ أن التصدي لردّ العدوان والدفاع عن الدولة الإسلامیّة كان يشكّل أهمّ ظاهرة في مرحلة البناء وتنتهي المرحلة بدور السلام المشروط الّذی مهّد لمرجلة التوسّع والانتشار.
بعد أن وطّد النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم دعائم دولته الفتیّة في السنة الأُولی - بما قام به من تنظيم إداري وسياسي و اجتماعي وعسكري وتربية وتعليم وتثقيف ورصدٍ لتحرّكات أعدائه في الخارج والداخل - خرج غازياً قريشاً بنفسه في بدايات العامّ الثاني من الهجرة وذلك بعد انقضاء الأشهر الحرم، وفي بداية صفر من السنة الثانية حيث قصد قافلة تجارية لقريش في منطقة الأبواء، وكانت عيونه تراقب تحرّكات قريش بدقّة، ولم يترك المدينة بلا نائب يخلفه في غيابه، ثمّ توالت منه صلی اللّه علیه و آله وسلم سبع غزوات أخرى في هذا العامّ في غير الأشهر الحرم؛ مستهدفاً في جميعها: ضرب مصالح قريش الاقتصادية، وتهديد أمنها، وإلقاء الرعب في رجالها، وسحق كبريائها.
وإليك فهرساً بغزوات النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم و سراياه في هذا العام:
1 . غزوة الأبواء في صفر.
2 . غزوة بواط في ربيع الأول.
4 . غزوة ذي العشيرة في جمادى الأولى.
6 . غزوة بدر الكبرى في رمضان.
7.غزوة بني سليم في شوال.
9 . غزوة بني قينقاع في شوال.
10 . غزوة السويق في ذي الحجّة.
و في غزوة الأبواء وادَعَ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بني ضمرة من كنانة، كما وادَعَ بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة، واختلف المسلمون في تقسيم غنائم بدر فنزلت سورة الأنفال لتقول كلمة الفصل بما تضمنته من أحكام.
و فرض صوم شهر رمضان في شعبان، كما فرض الإفطار وقصر الصلاة السفر في شهر رمضان حينما خرج النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بالمسلمين إلى غزوة بدر. وتخلّف من المسلمين عن فريضة الإفطار والقصر، فوصفهم الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بالعُصاة.
وعلى رأس سبعة عشر شهراً من مقام النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بالمدينة أوحى اللّه إلى نبيّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بأن يجعل قبلته إلى المسجد الحرام بدلاً عن المسجد الأقصى، فردّ اللّه على مكيدةٍ من مكائد اليهود بعد أن تمّ اختبار المسلمين أنفسهم، وتبيّن مدى انقيادهم لأوامر اللّه ، ومدى استعدادهم للتنازل عن عاداتهم وتقاليدهم.
وكما نزلت أحكام الصوم والإفطار - في عيدي الفطر والأضحى - وصلاة العيد في هذا العامّ كذلك نزلت أحكام القتال والطلاق والإيلاء والحيض والعدّة والزواج مع المشركين والمشركات في جملة آيات أخرى من سورة البقرة.
وكانت السنة الثانية للهجرة سنة حافلة بمزيد من الانتصارات والتشريعات في جوانب شتى من الحياة السیاسیّة و الاجتماعیّة للمسلمين.
وإذا ما حاولنا أن نبرز أهمّ حدث لهذا العام، فإنّ انتصار المسلمين في غزوة بدر الكبرى قد اعتبر أهمّ حدث على الإطلاق في حياة هذه الدولة الفتيّة،
حيث مُنيت قريش - بكلّ جبروتها وخيلائها - بعار الهزيمة أمام قوة المسلمين الّتی كانت قد احتقرتها رجالات قريش، بينما كلَّلَ اللّه إخلاص المسلمين وجهادهم بالنصر بالرغم من أنهم لم يخرجوا بادىء الأمر لمواجهة قريش عسكرياً، ولم تكن الكفّتان العسكريتّان متكافئتين، ولكن ليقضي اللّه أمراً كان مفعولاً.
وقدّم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في هذه الغزوة أوّل شهيد من أهل بيته في سبيل اللّه ، كما قتل من رؤوس الكفر أمية بن خلف) و (أبو جهل) واُسِر كلٍ من العبّاس وعقيل من بني هاشم.
ومن الأنباء السارّة الأخرى في هذا العامّ هو زواج الزهراء سيّدة النساء علیها السلام وعقدها لعلي بن أبي طالب علیه السلام ابن عمّ النبي وأخيه في اللّه وأوّل من أعلن عن إسلامه في سنوات المحنة من غير أن يسجد لصنم قط، وخير من فدئ النبي بنفسه في أيّام الحصار بمکّة وفي ليلة الهجرة.
لقد رفض النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم و الزهراء علیها السلام كلّ الخاطبين لها من عينة المهاجرين وارتضى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ؟ و الزهراء عليّاً زوجاً لابنته وصهراً له ، وصرّح النبي قائلاً بأن اللّه قد زوّج عليّاً من فاطمة. فعقد عليها في أواخر صفر من السنة الثانية، وبنى بها (تزوّجها) في ذي الحجّة من نفس العام.
وأسلم عمير بن وهب في هذا العام، وأوّل من تُوفّي من المهاجرين هو عثمان بن مظعون وكانت وفاته في ذي الحجة، كما توفّيت رقيّة بنت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في هذا العامّ كما قيل.
وثاني الأحداث أهميّةً في هذا العامّ هو إجلاء أوّل طائفة من يهود المدينة عنها، و هم بنوقينقاع بعد أن كانوا قد عاهدوا الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بعدم الخيانة لدولته وأمّته، فنكثوا العهد بعد انتصار المسلمين ببدر حيث شعر اليهود والمشركون والمنافقون بمزيد قوّة
المسلمين، وتمثّل تأمرهم في التحريض على النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وعلى المسلمين. فحاصرالنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بني قينقاع في النصف من شوال خمسة عشر يوماً متتابعة لا يخرج منهم أحد ولا يدخل عليهم بطعام، فلم يبق لهم إلّا النزول على حكمه صلی اللّه علیه و آله وسلم والتسليم بقضائه.
وكان طبيعيّاً أن ينكمش غير المسلمين من أهل المدينة بعد جلاء بني قينقاع عنها، و تمتعت المدينة بنوع من الهدوء والسكينة، وظلّ الناس على هذا الهدوء شهراً كاملاً لكنّ أبا سفيان لم يطق البقاء بمکّة قابعاً تحت خزي هزيمة بدر، فخرج من مکّة مستخفياً برجاله، غير أنّه على مقربة من المدينة اغتال شخصين، وأحرق بيتين و نخيلاً ثمّ انكفاً هارباً خائفاً أن يطلبه النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وأصحابه، واطلع النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم فندب أصحابه فخرجوا في أثرهم حتّی بلغوا قَرْقَرَةَ الكَدَر، وأبوسفيان ومن معه جادّون في الفرار، بعدما اضطرّوا لإلقاء ماحملوا من السويق من المسلمين. وانقلب فرار أبي سفيان عاراً عليه بعد أن كان يحسب أنّ ذلك سوف يرفع من مكانة قريش بعد هزيمتهم في بدر
وهكذا انتهت السنة الثانية والمسلمون قد أدخلوا الرعب في قلوب أرباب الجبهة الوثنیّة وأذنابهم من المنافقين وسائر المشركين (1).
1) «مجلة الفكر الإسلامي» العدد السابع عشر، ص 273 - 287. راجع أيضاً: موسوعة التأريخ الإسلامي الجزء الثاني (القسم الأوّل من العهد المدني) نشر مجمع الفكر الإسلامي.
الخلاصه
تتلخّص خطوات الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم لإنشاء أوّل دولة ربّانيّة إسلامية في ثلاث
مراحل:
1 . مرحلة تثبيت القواعد خلال السنة الاولى من الهجرة.
2 . مرحلة البناء خلال السنوات الخمس التالية أي حتّی صلح الحدیبیّة .
وأمّا عقبات هذه الدولة فيمكن تصنيفها إلى:
1 . عقبات خارج حدود الوطن الإسلامي وكانت تتمثّل فی قريش والقبائل المشركة داخل الجزيرة ثمّ السلطتين (البيزنطيّة والفارسيّة) على حدود الجزيرة.
وكانت أهمّ سرايا وغزوات النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ضدّ قريش هي الأبواء وبدر الكبرى ثمّ غزوة السويق و أهمّ هذه الثلاث هي غزوة بدر الكبرى بلاريب لأنها قد حطمت معنویات قریش و رفعت من معنويات المسلمين. ممّا أثار يهود بني قنيقاع فنكثوا العهد فأجلاهم الرسول عن المدينة. وبهذا أدخل الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم الرعب في نفوس القرشيين واليهود والمنافقين حتّی باتوا على حذر دائم من الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وأصحابه.
الأسئلة
1 . ما هي التشريعات الّتی نزلت في السنة الثانية من الهجرة؟ وفي أيّة سورة نجدها؟
2 . ما هي دلالات الآيات المتكررة الّتی جاءت في مطلع سورة البقرة وفي ثلثها الأوّل حول المنافقين واليهود؟
3 . كيف استطاع النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يحتوي العصبيّة القبليّة ويوظّفها باتّجاه بناء الدولة الإسلامیّة ؟
4 . ما هي مراحل تأسيس الدولة الإسلامیّة النبویّة في العهد المدني؟
5 . ما هي العقبات الّتی كانت تقف بوجه الدولة الإسلامیّة الفتیّة بعد تأسيسها؟
6 . هل كان النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم يتوقع نكث العهد من اليهود؟ ولماذا؟
فى السنة الثالثة من الهجرة رأت القبائل القريبة من المدينة بعد انتصارات النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أن قوّته تهدّدها حيث أنه انتصر على قريش فماذا يصيب هذه القبائل لو انقطعت تجارة قريش؟
لقد بلغ النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم أن جمعاً من غطفان وسليم قد عزموا على الاعتداء على المسلمين، فخرج النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في النصف من محرم إلى قرقرة الكدر ليأخذ عليهم الطريق. كما بلغه أنّ جمعاً من بني ثعلبة ومحارب بذي أمرّ يريدون أن يصيبوا أطراف دولته فخرج في الثاني عشر من ربيع الأوّل قاصداً إياهم، فما لبثوا أن سمعوا باقترابه منهم حتّی فرّوا فوق الجبال، كما بلغه أنّ جمعاً كبيراً من بني سليم بنجران قد تهيّأوا لقتاله فخرج في جمادى الأُولی باتجاههم، ثمّ بلغه تفرّقهم قبل وصوله إليهم.
وكان كعب بن الأشرف ممّن آذى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم و هجاه بعد انتصار المسلمين ببدر، فإنه لما تيقّن كعب خبر الانتصار ذهب إلى مکّة لِيحرّض على الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم فأخذ ينشد الأشعار ويبكي قتلى المشركين (أصحاب القليب) أمام رجال قريش ونسائهم،
ثمّ رجع الى المدينة فجعل يشبّب بنساء المسلمين، فغاض المسلمين ذلك حتّی أجمعوا على قتله، فقُتل في ربيع الأوّل من هذه السنة، فأصاب اليهود بسبب قتله من الفزع ما جعلهم يلزمون دُورَهم.
وبعد أن أخذ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم على قريش طريق تجارتها إلى الشام سلكت قريش طريق العراق إلى الشام، وبلغ هذا النبأ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم فبعث زيد بن حارثة في مائة راكب فاعترضوا القافلة عند القَرْدَة ففرّ رجال القافلة، وأصاب المسلمون العير، وكانت هذه أوّل غنيمة ذات قيمة غنمها المسلمون.
و لکنّ قريشاً لم تزدها هذه المصيبة إلا حرصاً على الثأر ولم يكن هذا الأمر ليغيب عن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وعن حكمته السياسية. فمن المتوقع أن تتهيأ قريش للأخذ بثأر بدر
و ما تلا وقعة بدر من هزائم.
وقبل غزوة أحد، نقف عند خطبة عثمان بن عفّان من حفصة الّتی كانت قد أصبحت أرملة الشهيد خنيس فردّه عمر بن الخطاب فخطبها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وتزوّجها وزوّج عثمان (ابنته الأخرى بالتبنّي) اُم كلثوم لتكون لابنه عبدالله كاُمّه رقيّة. ثمّ تزوّج النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم باُمّ شريك حيث وهبت نفسها له.
و في النصف من شهر رمضان المبارك وُلِد الحسن بن علي المجتبى الام كما تزوّج الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم باُمّ المساكين زينب بنت خزيمة.
و في شوّال - وفي غمرة هذه الأفراح - تجهزّت قريش لقتال النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم والثأر من المسلمين، وسارت في ثلاثة آلاف فارس و راجل حتّی نزلت عند بعض السفوح من جبل اُحد على خمسه أميال من المدينة.
وخرج النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم بألف من المسلمين وبدأ ابن سلول بعمليّة تخذيل المسلمين فأرجع ثلاثمائة من الخزرج إلى المدينة مثبطاً لهم عن القتال.
و أحكم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم خطتّه للقتال وكادت المعركة أن تنتهي لصالح المسلمين إلّا أنّ انهيار الرُّماة أمام الغنائم بدل النصر إلى هزيمة منكرة ولم يثبت مع النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم إلا علي
أبي طالب علیه السلام وأبو دجانة وسهل بن حنيف الأنصاريّان ونسيبة الخزرجيّة، ولم ضع الحرب أوزارها إلا بعد استشهاد سبعين من المسلمين بما فيهم حمزة بن عبد المطّلب عم النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم كما جُرِح النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم والثابتون معه من أصحابه على خط الجهاد والمقاومة والاستشهاد في سبيل اللّه .
وبعد أن وقف النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وهؤلاء الأربعة من صحابته أمام جحافل جيش المشركين وتراجع المسلمون إلى ساحة القتال بعد اطّلاعهم على حياة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم استعاد المسلمون قواهم القتاليّة وانسحبت قوّات قريش باتجاه مكّة، بعد أن دفنت قتلاها و دفن المسلمون قتلاهم.
واستغلّ اليهود والمنافقون في يثرب هزيمة المسلمين في أحد وراحوا يقولون: ما محمّد إلا طالب ملك اُصيب في أصحابه واُصيب في بدنه و ما اُصيب هكذا نبي قطّ.
ولأجل أن يخفّف النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم من وطأة الهزيمة ويعيد للمسلمين معنويّاتهم وهيبتهم قرر أن يطارد المشركين في الغد من يوم اُحُد، فأذن مؤذن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في المسلمين - الّذین كانوا قد حضروا ( أُحداً) وكلُّ مَن كان به جراحة من أصحابه - بلزوم طلب العدو، فاستنفرهم لمطاردته وانتهى المسلمون إلى حمراء الأسد، وظنّ أبوسفيان أن النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم قد جاء بمدد جديد وقوة قتالية فخاف لقاءه و ولّى دبره. ورجع النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى المدينة بعد أن استرد كثيراً من معنويات قوّاته الّتی كانت قد تزعزعت على أثر هزيمة أحد.
وأخذت العصماء من بني خطمة تهجو النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم وتمشي في مجالس الأوس والخزرج و تحرّضهم على قتاله بعد خروجه إلى حمراء الأسد، وحين رجوعه منها غدا إليها : عمير بن عدي فقتلها؛ لهجائها، وأيّده الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم على فعلته هذه.
ونزلت أحكام الإرث بعد غزوة اُحد بعد أن وردت أكثر من شكوى إلى النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم
بالنسبة إلى الميراث. وهذا يقتضي نزول أوائل سورة النساء حتّی الآية الرابعة عشر، كما اختصت ستون آية من آل عمران بغزوة اُحد وأربع آيات منها اختصت بغزوة حمراء الأسد.
وقعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في ذي ذي القعدة وذي الحجّة عن القتال، وتوفّيت أمّ المؤمنين زينب بنت خزيمة بعد شهرين من زواجها مع الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم أي في ذي القعدة من نفس السنة.
وانتهت الحوادث المؤلمة للسنة الثالثة بمؤامرة بني لحيان و الّتی عُرفت بحادثة الرجيع الّتی استشهد فيها جمع من القراء إذ كانوا قد ذهبوا لتعليم القرآن بناءً على طلب رهط من قبيلتي (عضل) و(القارة) من الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم حتّی إذا بلغوا بطن الرجيع هجم عليهم حيٌ من هذيل فأصابوهم جميعاً، واستبقَوا خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة وباعوهما إلى مشركي مكّة.
وحين هلّ هلال محرم من السنة الرابعة كانت قد وصلت للرسول اللّه أنباء استعداد بني أسد لمهاجمته؛ تصوّراً منهم بأنّ المسلمين قد ضعفوا بعد اُحد، فأرسل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم سريّة بقيادة أبي سلمة إليهم وانتهت مهمته بنجاح.
كما دعا النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم عبدالله بن أنيس الجهني ليغتال سفيان بن خالد قائد بني لحيان - الّذی كان قد جمّع الجموع والّب القبائل ضدّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد غزوة أحد. و تمّت خطّة الجهني بنجاح حيث استطاع أن يغتال سفيان.
وبعد انقضاء الأشهر الحرم أخرجت قريش خبيب وزيد (وهما من أصحاب الرجيع إلى خارج الحرم وقتلتهما صبراً بعد أن كانا قد حُبسا بمکّة طيلة ذي القعدة .. وذي الحجّة والمحرّم.
وبالرغم من تألّم الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم من مقتل أصحاب الرجيع وبالرغم من حذره أن
تتكرّر تلك الحادثة جاء أبوبراء (ملاعب الأسنّة) يطلب من الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم إيفاد جمع من القرّاء إلى نجد لتبليغ الرسالة الإسلامیّة وعَهِدَ أن يكونوا في جواره، فنزل الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم عند رغبته فبعث عشرين أو أربعين من قراء المدينة لهذه المهمة، حتّی إذا نزلوا بئر معونة وبعثوا كتاب الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى أخيه عامر بن الطفيل، قتلَ عامرُ حامل الكتاب قبل أن يفتح الكتاب واستصرخ قبائلَ بني سليم لمقاتلتهم فقُتِلوا عن آخرهم سوى رجلين منهم، وبلغ الخبر أبابراء فشقّ عليه ما أصاب أصحاب الرسول، فحمل ابنه ربيعة على قتل عمّه (عامر) فطعنه فأصاب فخذه، وحزن الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم والمسلمون لقتلى بئر معونة أشدّ الحزن، وقال النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم : هذا عمل أبي براء، لقد كنت لهذا كارهاً متخوفاً.
وفي ربيع الأوّل وبعد مضي أكثر من أربعة أشهر على غزوة أحد وبعد ما أصاب المسلمين في الرجيع وبئر معونة استغل يهود بني النضير هذا الظرف الحسّاس لنقض عهدهم وكأنهم قد أحسّوا بضعف المسلمين وسقوط هيبتهم، و لکنّ لم يغفل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم عن هؤلاء اليهود ولا المنافقين الّذین كانوا يتربصون به الدوائر فلعلّه ذهب ليستدرجهم ولتتضح له نياتهم، فخرج في جمع من المسلمين إليهم يستقرضهم في دية رجلين كانا قد قتلهما رجل من أصحابه غيلةً.
واستغلّ رؤوس اليهود من بني النضير هذه الفرصة لاغتيال النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ، فأخذوا يخطّطون لذلك، وشعر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بما بيتوا له، فترك أصحابه ورجع فوراً إلى المدينة، ثمّ أرسل إليهم من يطلعهم على علم الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بغدرهم ونقضهم لعهدهم، فهدّدهم بالجلاء عن المدينة، ولكنّ ابن أبيّ مَنّاهم بالدفاع عنهم إنّ ثبتوا لحرب الرسول فحاصرهم الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ثمّ أخذ بقطع نخيلهم حتّی نزلوا على حكمه، وتمّ إجلاؤهم
من المدينة واصطفى الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم أموالهم وقسّمها بين المهاجرين، وهكذا تمّت تصفية ثاني حصن من ثلاثة حصون يهودّيّة مهمّة داخل المدينة.
وأقام رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بالمدينة مستريحاً إلى نصر اللّه إياه، مطمئناً إلى ما أعاده اللّه
للمسلمين من هيبتهم، حَذِراً غدرة العدّو، باثّاً عيونه في كلّ النواحي. حتّى توجّه بعد شهرين من غزوة بني النضير إلى ذات الرقاع بعد أن وصله الخبر باستعداد جماعة من غطفان بنجد يريدون قتاله، فهاجمهم الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في جمادى الأُولی على حين غرّة، إذ لم يكونوا مستعدّين للحرب، وصلّى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بأصحابه صلاة الخوف. حذراً من مباغتة العدّو لهم.
وخرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في هذا الشهر أيضاً إلى بني لحيان مطالباً بدماء أصحاب الرجيع، ولكنّه وجدهم قد تمنّعوا في رؤوس الجبال فعرّج على عسفان تخويفاً لأهل مکّة ثمّ عاد راجعاً إلى المدينة.
وبين هذه الغزوة حتّی غزوة بدر الأخيرة في ذي القعدة من السنة الرابعة للهجرة توفّي عبدالله بن عثمان من رقيّة بنت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد أن توفيت اُمّه بالحصبة في ذي القعدة من السنة الثالثة، وبعد لجوء (المغيرة) عمّ عثمان إلى عثمان، وقتله بأمر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ظن عثمان باُم كلثوم (زوجته وخالة عبدالله) سوءً متصوّراً أنهاهي الّتی اخبرت بذلك أباها فضربها حتّى ماتت ودفنها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بنفسه في شوّال من السنة الرابعة.
وتوفّيت فاطمة بنت أسد، وكانت أوّل امرأة بايعت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم، وقال صلی اللّه علیه و آله وسلم في وفاتها: «اليوم ماتت اُمّي»، وكفّنها بقميصه ونزل في قبرها واضطجع في لحدها. قائلاً
عنها: «إنّها كانت تجيع صبيانها و تشبع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و تشعثهم و تدهنه».
وانتفض جرح أبي سلمة - وهو ابن عمّة الرسول بعد رجوعه من بعثه إلى بني أسد، فمات لثلاثٍ مضين من جمادى الآخرة.
ووُلِد الحسين بن علي علیهما السلام في أوائل شعبان المعظّم من هذه السنة. وتزوّج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بأم سلمة وهي ابنة عمّ أبي جهل بعد أن انقضت عدّتها في شوال من هذه السنة وقد أبت الزواج بأبي بكر وعمر.
وهنا يُذكر أنّ عثمان بن عفّان قال: «أيَنكحُ محمّدٌ نساءنا إذا متنا ولا ننكح نساءه
إذا مات؟! واللّه لو قد مات أجبلنا على نسائه بالسهام»(1)، وكان يريد اُمّ سلمة. وكذلك قال طلحة، وكان يريد عائشة فانزل اللّه : (إنّ الّذین يؤذون اللّه ورسوله لعنهم اللّه في الدنيا والآخرة و أعدّ لهم عذاباً مهيناً) (2).
وفي شوال أو ذي القعدة هذه السنة من رجم رسول اللّه زانيين محصَنَين يهوديين بحكم التوراة بعد أن كره اليهود رجم المرأة لكونها في شرف منهم، وهنا نزلت مجموعة من آيات سورة المائدة (41 - 52) توضح للمسلمين كيف أنّ أهل الكتاب كانوا يخفون كثيراً من أحكام اللّه . كما نزلت آيات من سورة النساء (105 - 113) تتعلّق بسرقة ابن اُبيرق وهو من المنافقين الّذین كانوا يهجون رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم. ثمّ اتهامه لبيد بن سهل وهو من المؤمنين، وشكوى اُسيد بن عروة عند رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم(3)
لقد اطمأنت المدينة بعد إجلاء بني النضير عنها، وكانت فترة هدوء، استراح إليها المهاجرون والأنصار جميعاً وهم ينتظرون موسم بدر الصفراء، في ذي القعدة حيث كان أبوسفيان قد واعد فيه محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم يوم اُحد.
وخرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلمبالرغم من تثاقل أصحابه - إلى (بدر الموعد / بدر الصفراء) وكان أبوسفيان يودّ تأجيل اللقاء لأنه كان عام جدب، فسعى في زعزعة عزم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم و خرج ليتظاهر باستعداده للّقاء أملاً أن يكون التراجع من المسلمين. ولكنّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم والمسلمين انتظروهم ثمانية أيّام متتابعة واتّضح فيها للجميع نكوص أبي سفيان وعدم استعداده لمحاربة المسلمين.
وعاد المسلمون مستبشرين بفضل اللّه ، مستعيدين معنوياتهم بعد أن محت هذه
الغزوة آثار اُحد محواً تاماً، ولم يبق لقريش إلا أن تنتظر عاماً آخر ترزح تحت عارٍ من جُبنها بما لا يقل عن عار هزيمتها في بدر الأولى.
وهكذا بدأ العامّ الرابع للهجرة وكأنه عام نصر لقريش ولكنّه قد انتهى بوصمة عارٍ عليهم عبّأت أصحاب الحميّة منهم للاستعداد لحرب النبي في العام المقبل.
لقد كان هذا العامّ للمسلمين عاماً حرجاً جداً بالرغم من مطاردتهم قريشاً إلى حمراء الأسد، وذلك لأنّ القبائل أخذت تجترئ على الدولة الفتیّة وتحاول زعزعة سيادتها وسلطانها ولكنّ تصدّي النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم لكل المؤامرات ومباغتته لأعدائه وإجلائه لبني النضير واستعداده للصمود أمام قريش فی بدر الموعد أعاد لهم معنوياتهم وسلطانهم وهيبتهم في النفوس.
وبعد كلّ هذا العناء عادت المدينة الى شيء من الطمأنينة خلال عام واحد تقريباً أي من ذي القعدة إلى ذي القعدة، فذهب المسلمون ينظّمون عيشهم، ويهتمّون بتحسين وضعهم الاقتصادي الّذی أصبح أقل شظفاً بما غنموا في غزواتهم. و لکنّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم كان على طمأنينته وفي حذر دائم من غدر العدو، باثّاً عيونه وأرصاده في شبه الجزيرة، وكان هذا الحذر والتجسّس الدائم يمهّد له دائماً فرصة الاستعداد للدفاع عن دولته، ولاسيما وهو يرى غدر قريش و غير قريش من اليهود والقبائل المشركة باستمرار، وهو الخبير بالنظام القِبَلي في الجزيرة، وهو البصير بما ركّب في الغريزة من الحرص الشديد على أخذ الثأر مهما كانت النتائج.
لقد كانت قريش ويهود بني قينقاع ويهود بني النضير وعرب غطفان وهذيل والقبائل المتاخمة للشام تتربّص - بالنبیّ صلی اللّه علیه و آله وسلم و أصحابه - الدوائر، لتدرك ثأرها من هذا الرجل الّذی خرج من مکّة مهاجراً لاحول له ولاقوّة إلا ما يملأ نفسه الكبيرة من الإيمان. وهو الآن وفي نصف عقد قد أصبح قوةً تهابها أشّد القبائل حولاً وقوّةً.
لقد اختمرت فكرة تأليب العرب على الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في نفوس أكابر بني النضير واستطاع هؤلاء أن يحزّبوا قريشاً وحلفاءها من جهة، كما استطاعوا أن يقنعوا بني قريظة بنقض العهد وإعانتهم لِقريش من داخل المدينة بعد أن اتّجهت جموع الأحزاب المعادية للرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم نحو المدينة.
وألهم اللّه رسوله خطةً فريدة تمثّلت في حفر الخندق الّذی أشار به سلمان فوصلت الأحزاب والنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم قد هيأ أصحابه للحصار والمقاومة، والمنافقون قد تبيّن نفاقهم وتخذيلهم للرسول اللّه و أصحابه، في أحرج اللحضات.
وبعد أن اجترأ عمرو بن عبدود واجتاز الخندق وقُتِل بيد علي بن أبي طالب علیه السلام و بان الانهيارُ على قريش وعلى حلفائها، لم يتلكّأ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في بعث نُعَيم بن مسعود و الّذی كان قد كتم إسلامه - وكان في الجاهلیّة نديماً لبني قريظة، ليحذرّهم من عدم وفاء قريش لهم، ويحذّر قريشاً من تراجع بني قريظة أمام النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ، واطمأنّ كل منهما لما حذرهم منه، و تردّدت غطفان في قتال محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم بما وعدها النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم من ثمار المدينة، وقد حالفهم نصر اللّه الّذی تمثلّ في عصف الرياح، وهطول المطر، وقصف الرعد، وخطف البرق، واشتداد العاصفة، وقلع خيام الأحزاب، وانكفاء قدورهم، ودخول الرعب إلى نفوسهم. حتّى هزم اللّه الأحزاب وحده ونصر عبده و أعز جنده، فتراجعت قريش وارتحلت القبائل إلى محالّها، وأصبح المسلمون وليس حول الخندق أحد من الأعداء. وبقيت بنو قريظة تنتظر مصيرها الأسود بعد خيانتها للرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في أشد الظروف حراجةً.
وفي نفس اليوم عبّاً النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم المسلمين واتّجه إلى محاصرة بني قريظة بالرغم من شدّة البرد، والجوع الّذی كان قد أجهدهم، وطال حصار اليهود خمساً وعشرين ليلة، واضطروا للاستسلام للنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ، فطلبوا تحكيم حلفائهم من الأوس، فحكم رسول صلی اللّه علیه و آله وسلم سعد بن معاذ، فحكم عليهم بقتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريهم ومصادرة أموالهم، وأيّد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم هذا الحكم وذلك للخيانة الكبرى الّتی ارتكبوها ضدّ
المسلمين، على أنهم لو كانوا قد انتصروا لما كانوا يقنعون إلا باستئصال المسلمين. وهكذا انتهت السنة الخامسة ب أهمّ غزوتين حُطّمت فيهما كبرياء قريش وحلفائها من العرب واستئصل اليهود داخل المدينة ولم يبق من أعداء هذه الدولة الفتیّة إلا المنافقون. وذهبت العرب كلها تتحدّث عن قوة المسلمين وسلطانهم، وبمقام محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم وقوّته.
وانتهت السنة الخامسة بسريّتين: الأُولی سرية أبي عتيك إلى خيبر لاغتيال أحد رؤوس بني النضير الّذی كان قد تحصن في خيبر، والثانية سرية أبي عبيدة إلى سيف البحر.
ونزلت في هذه السنة فريضة الحج، وسقط النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم من فرس كان قد ركبه في الغابة (قرب المدينة)، فجرح فخذه الايمن، كما تزوّج النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ابنة عمّته زينب بنت جحش بعد أن طلّقها زيد بن حارثة الّذی كان قد تبنّاه الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم . وبهكذا أبطلت الشريعة بهذا الزواج بنوّة المتبنّى بالرغم من أن النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم كان يصعب عليه الخروج على هذه العادة العربیّة لولا إرادة اللّه وأمره، وأنّه أحقّ أن يخشاه، فاستسلم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم لإرادة اللّه لإرادة اللّه و تزوّج زوجة ابنه (المتبنّى) زيد؛ لأنّه القدوة الّتی تستطيع القضاء على الأعراف الخاطئة. وكان أمر اللّه مفعولاً.
الخلاصه
لئن كانت السنة الثالثة تحمل نصراً تعبويّاً للمشركين فإنها كانت تحمل فشلاً سوقيّاً لهم أمام المسلمين حيث فشل المشركون في القضاء على قوّات المسلمين، ونجح المسلمون في الخروج من تطويق المشركين رغم الخسارة الّتی بلغت نسبتها 10٪ من قواتهم.
وعرفوا مواطن الضعف والقوة في قوّاتهم واكتشفوا المنافقين في صفوفهم مما أتاح لهم القيام بعملية التطهير بعد أحد. وهكذا جاءت هزيمة اُحد تعليماً قيماً للمسلمين.
لئن وجدت الوثنیّة العربیّة فرصتها للانتقام من المسلمين في أعقاب هزيمة أحد فإنّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم هو اللّه استطاع أن يتصدّى لكل المؤامرات ضدّ دولته الفتیّة.
وتوّج اللّه جهود النبيّ والمخلصين من أصحابه بالنصر في غزوتي الخندق و بني قريظة وكان نصراً حاسماً ذا آثار عظيمة في انتشار الإسلام وقوته فيما بعد.
الأسئلة
1 . ما هي أهمّ حوادث السنة الثالثة من الهجرة؟
2 . ما هو تقويمك العامّ للسنة الثالثة للمسلمين والمشركين جميعاً؟
4 . ما هي أهمّ حوادث السنة الرابعة للهجرة؟
5 . ما هي أهمّ حوادث السنة الخامسة؟
6 . ما هي أهمّ معالم السنة الخامسة من حيث البناء والدفاع؟
7 . ما هي أهمّ إنجازات النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم خلال السنوات الخمس فيما يرتبط ببناء دولته الفتیّة ؟
لقد كان من الطبيعي أن تنتشر أخبار انهزام الأحزاب الّذین تحالفوا لقمع الدين الإسلامي وأتباعه في شبه الجزيرة العربیّة بسرعة فائقة.
وقد كان لانهزام قريش - وهي أكبر قوة سياّيّة وعسكريّة في المنطقة - أكبر الأثر في الهزيمة النفسية لها ولحلفائها.
وشكّلت هذه الهزيمة منعطفاً سياسيّاً كبيراً في قرارات قريش والنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ... قريش لا تفكّر بعد هزيمتها مع الأحزاب الّتی حزّبتها ضدّ المسلمين معاودة قتال النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم الّذی أصبح قوّة كبيرة تصمد أمام الأعاصير.. والنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم لابدّ أن يخرج من هذا الحصار الّذی حطّمتْه غزوة الأحزاب بنتائجها الباهرة.
هنا انطلق النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد أن نصره اللّه على ألدّ أعدائه في التخطيط لاقتحام مركز قريش والوصول إلى بيت اللّه الحرام الّذی احتكرته قريش لنفسها وللمشركين انه بالرغم من ليس ملكاً لأحد... وقررّ النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يكون اقتحامه للبيت الحرام سلميّاً رحلة عباديّة متمثّلة في العمرة، ليعلن من خلالها مواصلته لنشاطه الرسالي وليبيّن مفاهيم الرسالة الإلهيّة الخاتمة ويعبّر عمليّاً عن تقديسه لبيت اللّه الحرام.
وبهذا سوف ينتقل بشكل طبيعيّ من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الانتشار والتوسّع لتبليغ
رسالة اللّه تعالى متحدّياً كبرياء قريش الّتی أَبَتْ الانصياع إلى صوت الحقّ الهادر، لاسيّما وهي الآن تعيش هزيمة نفسيّة كبرى لا تستطيع معها الدفاع فضلاً عن الهجوم.
لقد كانت قريش ترصد حركات النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد هزيمتها، وكان ورود النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم (الحديبيّة) وروداً مباغتاً لقريش حيث سلك طريقاً وعراً، و بركت ناقة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم - على خلاف عادتها - في هذه المنطقة السهلة، وعلمت قريش باتّجاه الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم مكة. وبالرغم من أنّها استخبرت عن هدف النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم من هدف النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم من هذا التحرّك ولكنّها أبت أن يدخل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم مکّة إذ اعتبرته دخولاً مفروضاً عليها فيكون سحقاً لكبريائها.
وكانت كل الشواهد تشير إلى أنّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم قد جاء زائراً لا محارباً؛ لأنّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم قد استنفر ألفاً وأربعمائة مسلم - على أقلّ التقادير - وساق الهدي أمامه (سبعين بعيراً)... وبلغ قريشاً نبأ خروج النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم والمسلمين بأنّهم يريدون أداء العمرة فأصبحت قريش في ضيق من أمرها إذ كان أمامها طريقان: إما أن تسمح للمسلمين بأداء العمرة وبذا يتحقّق للمسلمين أملهم في زيارة البيت الحرام وللمهاجرين خاصة تتهيّاً فرصة الاتصال بأهلهم وذويهم - وربّما دعوتهم إلى الإسلام - أو أن تمنع قريش المسلمين عن دخول مکّة وبذا ستتعرّض مكانة قريش للاهتزاز وتكون محطّاً لِلَوْم القبائل الأخرى وذلك لِسوء معاملتها لقوم مسالمين يبتغون أداء مناسك العمرة وتعظيم الكعبة المشرفة.
أبت قريش إلا المنع فأخرجت مجموعة من فرسانها تقدّر بمئتي فارس بقيادة خالد بن الوليد، وكان النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم قد خرج محرماً وليس غازياً وهنا كشف النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم النقاب عن الهزيمة النفسيّة لقريش فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : «ياويح قريش لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب؟! فإنّ هم أصابوني كان الّذی أرادوا، و إنّ أظهرني اللّه عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، و إنّ لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟! فوالله لا أزال أجاهد على الّذی بعثني اللّه به حتّی يظهره اللّه أو تنفرد هذه السالفة»(1).
1) تأريخ الطبري، ج 3، ص 223.
ثمّ أمر بالعدول عن الطريق تجنّباً لوقوع قتال تتّخذه قريش ذريعة لصحّة موقفها وفخراً لها. وأرسل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم خراش بن اُميّة الخزاعي ليفاوض قريشاً فی الأمر فعقروا ناقته وكادوا أن يقتلوه ولم ترع قريش حرمةً ولاذمّةً للأعراف والتقاليد المعترف بها لديهم.
وكلّفت قريش خمسين رجلاً للتحرش بالمسلمين عسى أن يبدر منهم ما ينفي صفة السلم عنهم وفشلت هذه المحاولة وتمكّن المسلمون من أسرهم فعفا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم مؤكّداً هدفه السلمي (1).
وأراد النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يبعث إلى قريش رسولاً آخر، ولم يتمكّن من إرسال علي بن أبي طالب ممثّلاً عنه إذ أنّ عليّاً كان قد وتر أغلب بطون قريش بقتل صناديدها في معارك الدفاع عن الإسلام والنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم والدولة الإسلامیّة فانتدب عمر بن الخطاب و لکنّ عمر خاف من قريش على نفسه رغم أنه لم يقتل فرداً من أفرادها واقترح على النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يرسل عثمان بن عفّان(2)لكونه أموياً وذا قرابة مع أبي سفيان.
وتأخر عثمان حين ذهب للتفاوض مع قريش وشاع خبر مقتله فكان هذا إنذاراً بفشل كلّ المساعي السلمية لدخول مكة.
ولم يجد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بدّأ من التهيؤ للقتال، ومن هنا كانت بيعة الرضوان إذ جلس النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم تحت شجرة وأخذ أصحابه يبايعونه على الاستقامة والثبات مهما كلّف الأمر، وهدأ استنفار المسلمين بعودة عثمان وأرسلت قريش سهيل بن عمرو لمفاوضة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم، وبالرغم من تشدّد سهيل في الشروط، أسفرت المفاوضات عن شروط الصلح التالية:
1 . تعهّد الطرفان بترك الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكفّ بعضهم عن بعض.
2 . من أتى محمّداً من قريش بغير إذن وليه ردّه عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمّد لم يردّوه عليه.
4 . يرجع محمّد بأصحابه إلى المدينة عامه هذا فلا يدخل مكّة، و إنّما يدخل مکّة في العامّ القادم فيقيم فيها ثلاثة أيّام ليس معه سوى سلاح الراكب، والسيوف في القرب (1). .
5 . لا يُستكره أحد على ترك دينه ويعبد المسلمون اللّه بمکّة علانية وبحرّية وأن يكون الإسلام ظاهراً بمکّة وأن لا يؤذى أحد ولا يعيّر (2).
لا إسلال (سرقة) ولا إغلال (خيانة) بل يحترم الطرفان أموال الطرف الآخر(3).
لا تعينُ قريشٌ على محمّد و أصحابه أحداً بنفسٍ ولا سلاحٍ (4).
ولم يرضَ بعض الصحابة ببنود الصلح، فاعترض على النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم زاعماً أن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم قد وقف موقف المنهزم أمام جبروت قريش(5). ولم يدرك أن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم مسدَّد من قِبَلِ اللّه وأنّه ينظر بنور اللّه إلى مستقبل الرسالة والدعوة الإسلامیّة ومصالحها العليا.
وردّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم هذا الاعتراض قائلاً: «أنا عبدالله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيّعني»، وتم الصلح لولا هروب أبي جندل والتماسه من النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أن لا يرجعه إلى قريش واضطرّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى تسليمه.
لکنّ قضيّة تسليم أبي جندل لقريش(1)في ظرف توتر الوضع النفسي لجمعٍ من المسلمين، كان مثيراً لهم.
لقد كان هذا الصلح فتحاً مبيناً للمسلمين خلافاً لما استظهره البعض من بنود الصلح؛ إذ انقلبت شروط المعاهدة لصالح المسلمين بشكل تامّ كما سنرى فيما بعد.
وفي طريق الرجوع إلى المدينة نزلت آيات القرآن الكريم(2)لتؤكّد البعد الحقيقي للصلح مع زعيمة الوثنيّة. ومبشّرةً المسلمين بدخولهم مکّة في زمن قريب.
1 . لقد اعترفت قريش بكيان المسلمين كقوة عسكريّة وسياسيّة مشروعة.
2 . دخلت المهابة في قلوب المشركين والمنافقين وتصاغر دَوْرُهم، وظهر ضعفهم
عند المواجهة.
3 . أعطت الهدنة للنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم والمسلمين فرصة لنشر الإسلام ودخول كثير من القبائل في الإسلام، وقد كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يحلم منذ بدء دعوته أن تترك قريش له فرصة يعبّر فيها بحريّة عن موقفه، ويشرح الإسلام للناس بأمان.
4 . بعد أن أمّن المسلمون جانب قريش حوّلوا ثقلهم وجهودهم لمواجهة اليهود وسائرالمناوئين.
5 . جعلت مفاوضات الصلح حلفاء قريش يفقهون موقف المسلمين ويميلون إليهم بالتدريج.
6 . مكّن الصلح النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يراسل الملوك خارج الجزيرة لدعوتهم إلى الإسلام، و أن يستعدّ لنقل الإسلام إلى خارج الجزيرة العربیّة .
7 . مهّد الصلح لفتح مکّة الّتی كانت أهمّ قلاع الوثنیّة حين ذاك، كما سنرى، في مراحل لاحقة.
لقد كانت محاولات قريش للقضاء على الإسلام سبباً لانشغال النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم والمسلمين في معارك الدفاع والتحصين و تثبيت أركان الدولة والمجتمع الإسلامي عدّة سنين، فلم يستطع خلالها أن يبلّغ فيها رسالته السماويّة العالميّة والخاتمة الأديان بحرّيّة تامّة.
وبتوقيع معاهدة صلح الحديبيّة أمن الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم جانب قريش وأتاحت فرصة الأمان هذه أن يبعث الرسول الأكرم صلی اللّه علیه و آله وسلم سفراءه إلى زعماء القوى الكبرى المحيطة بالجزيرة العربیّة وإلى كلّ رؤساء القبائل في الجزيرة وخارجها يدعوهم إلى الإسلام ويوضح لهم التعاليم الإلهيّة.
فقد روي أنه صلی اللّه علیه و آله وسلم قال في أصحابه: « أیّها الناس إنّ اللّه قد بعثني رحمة وكافّة فلا تختلفوا عليّ كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم».
فقال أصحابه: وكيف اختلف الحواريون يارسول اللّه ؟ قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : «دعاهم إلى الّذی من بعثه مبعثاً قريباً فرضي وسلّم و فأمّا من بعثه مبعثاً بعيداً فكره دعوتكم إليه فأمّا وجهه و تثاقل».
واتّخذ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم خاتماً من فضّة نقشت على فصّه « محمّد رسول اللّه » و ختم به الكتب، حين علم أنّ الملوك لا يقرأون كتاباً إلا مختوماً (1).
وتوجّهت رسل الهداية تنقل رسائل الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى مختلف بقاع الأرض(2).
وقبل أن ندخل إلى استعراض حوادث السنة السابعة بعد الهجرة لابدّ أن نقف على
سائر حوادث السنة السادسة لنلتقط معالمها العامّة .
لقد مارس النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم نشاطه التبليغي والدفاعي بعد انهزام الأحزاب فكانت سريّة محمّد بن مسلمة الأنصاري إلى قبيلة القرطاء في محرّم من السنة السادسة. وغزوة بني لحيان وسريّة الغمر بقيادة عكاشة بن محصن الأسدي في ربيع الأوّل ثمّ موادعة بني أشجع وردّ غارة الفزاري ومحاربة بني محارب، كما أقيمت صلاة الاستسقاء في ربيع الآخر من هذه السنة.
وصادر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم قافلة تجاريّة لقريش في جمادى الأُولی وأرسل سريّة إلى بني ثعلبة في جمادى الآخرة. وكانت غزوة دومة الجندل في شعبان من هذه السنة.
وأرسل سريّة إلى فدك بقيادة علي بن أبي طالب علیه السلام ثمّ كانت غزوة ذات السلاسل وغزوة بني المصطلق وتزوّج بعدها جويريّة بنت الحارث.
ومات ابن أبي سلول وصلّى عليه النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم و نزلت الآيات 50 إلى 52 من سورة الأحزاب، كما تزوّج الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بالأنصاريّة الّتی وهبت نفسها له.
وفي رمضان أرسل زيداً يقود سرية إلى بني بدر وأرسل ابن رواحة بسرية إلى خيبر و سريّة ثالثة إلى بني ضبّة.
ثمّ كانت بيعة الرضوان كما لاحظنا قبل صلح الحديبيّة.
ونزلت سورة الفتح بعد الصلح لتؤيّد موقف الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في الحديبيّة و تشير إلى بُعد نظره كما تضمنّت الردّ على الّذین وقفوا أمام قرار الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في مسألة الصلح الّتی مهد لها النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم منذ خروجه من المدينة مؤشّراً فيها للمسلمين أنّه إنّما يسالم من موقع القوة لا من موقع الضعف.
بهذا كان الصلح فتحاً واقعياً إذا لاحظنا آثاره الكبيرة من حيث الانتصار الواقعي للمسلمين حيث يرفع الإسلام لواء السلم ويدعوا كافّة الناس إلى الدخول في السلم واجتناب الفتنة، ويعتبر الحرب آخر أسلوب لرفع الفتنة كي يكون الدين كلّه لله.
لقد كان الصلح ضماناً لانطلاق الرسالة وانتشارها خارج الحصار الّذی أرادت
قریش فرضه على المسلمين.
وأسفرت حركة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد الصلح عن دعوة النجاشي في الحبشة إلى الإسلام ودعوة المقوقس في الإسكندريّة والحارث الغسّاني بالشام ودعوة قبائل غطفان إلى رسالة الإسلام الخاتمة.
وخطب النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم من النجاشي رملة (أم حبيبة) بنت أبي سفيان الّتی كانت تقطن في الحبشة آنذاك. كما نزلت الآيتان (10) و (11) من سورة الممتحنة في هذا العام.
الخلاصه
لقد كانت السنة السادسة سنة الانتقال من خندق الدفاع إلى مرحلة الانتشار الّتی كانت تتطلبها عالميّة الرسالة الخاتمة.
وبقيت قريش تعيش غرورها وكبرياءها وتتصوّر أنّها قد وقفت أمام امتداد الرسالة الإلهيّة بمنعها النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم من أداء العمرة.
بينما بشّر القرآن الكريم الرسول الأمين صلی اللّه علیه و آله وسلم بأنّه سيدخل المسجد الحرام إنّ شاء اللّه آمناً محلّقاً رأسه وسوف ترتفع كلّ الحواجز المصطنعة أمام رسالة اللّه إلى البشریّة كافّة إذ ستسفر الأيّام القريبة القادمة عن دقّة التخطيط الرباني لإظهار كلمة اللّه تعالى عالية خفّاقة ويتبينّ الحقّ حيث يقول:
هو الّذی أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون).
الأسئلة
1 . ما هي ردود الفعل الحقيقيّة لانتصار المسلمين في غزوة الأحزاب؟
2 . ماذا قرّر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد النصر الّذی حققّه اللّه له في غزوة الأحزاب؟
3 . ما هي طبيعة المرحلة الّتی عاشتها الرسالة الإسلامیّة خلال السنة السادسة للهجرة؟
4 . ما هي شروط الصلح الّذی وقّعه النبیّ صلی اللّه علیه و آله وسلم مع قريش؟
5 . ما هي أسباب قبول الصلح؟
6 . لماذا كان هذا الصلح فتحاً مبيناً؟
دخلت السنة السابعة للهجرة والمسلمون لازالوا في مرحلة السلام المشروط وقد استطاعوا بعد مضي ست سنوات أن يتخلّصوا من أشرس أعدائهم (اليهود) وأن يواصلوا تبليغ رسالتهم (رسالة اللّه) إلى القبائل العربیّة داخل الجزيرة، كما تمكّنوا من أن يقتلوا إرادة القتال عند قريش، وهم على أتم استعداد لمواصلة الدفاع بروح قتاليّة عالية وكفاءة وخبرة متنامية... وبهذا أصبح المسلمون يشكّلون القوة الرئيسة في جزيرة العرب لا ينافسهم فيها أحد. وقد أخذت آثار وأبعاد هذا الفتح المبين تظهر بالتدريج: فالرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم خرج إلى الحديبيّة في ألف وأربعمائة مسلم ثمّ خرج إلى فتح مکّة بعد سنتين في عشرة آلاف رجل مسلم.
وذلك لأنّ الهدنة جعلت الناس يأمن بعضهم بعضاً ... وكان عرض الإسلام على الناس عاملاً لقبوله دون خوف أو تهديد من تبعات هذا الايمان، والقبائل العربیّة رأت نفسها في حلٍّ من الانتماء لزعيمة الوثنیّة لاسيما وهي ترى فشل قريش في مواجهة
الإسلام من جهة وتنامي قدرة المسلمين من جهة أخرى.
وكان انضمام خزاعة إلى معسكر المسلمين نصراً كبيراً لهم لأن جزءً كبيراً من الأحابيش الّذین كانت تعتمد عليهم قريش يعدّون من بطونها...وبهذا ضعف ركز قريش الحربي(1).
وكان لانتشار الإسلام في اليمن في الفترة الّتی أعقبت الحديبيّة أهمّیّة خاصّة من الناحية العسكريّة إذ أصبحت قريش محفوفة بالمسلمين من الشمال والجنوب وبذلك تقرّر مصير مکّة وقريش نهائيّاً.
وكانت قريش تتصوّر أنّها باشتراط ردّ الّذین أسلموا وهربوا من مکّة وعدم قبول النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم لهم سوف تقف أمام تزايد قوة المسلمين... ولكنّها بعد مدّة قليلة أخذت تصطدم بمشكلة الهاربين من ظلمها حيث شكّلوا قوةّ تهدد أمن قوافل قريش التجارية وبهذا فقدت قوافلها الأمن الّذی كانت ترتجيه بالصلح.
وحين أمِن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم جانب قريش والقبائل الموالية لها كان قد تفّرغ للقوى المضادّة الأخرى. فخيبر والمواقع اليهودية المجاورة لها لازالت تشكّل بؤرة خطر على الدولة الإسلامیّة الفتیّة، والبيزنطيون وحلفاؤهم العرب الّذین ازداد تكالبهم في الجهات الشمالية بازدياد نشاط الإسلام هناك، فضلاً عن التجمعات البدويّة المنتشرة في الصحراء و الّتی كانت تنتظر الفرصة السانحة للنزال... فبعد فصم عقدها بالهدنة مع قريش أخذ يوجّه إليها السرايا تلو السرايا طيلة السنة السابعة ليصدّها عن المضيّ فيما تبتغيه وليشعرها بمقدرة المسلمين على العقاب.
من هنا نجد سريّة زيد إلى حسمى وسريّة ابن سعد إلى بني مرة وسريّتين هوازن وسريّة بشير إلى غطفان وسريّة السلمي إلى بني سُلَيم قد كانت كلّها في هذه السنة بالذات.
1) عمادالدين خليل دراسة في السيرة، ص 232، عن الشريف احمد ابراهيم، ص 469
وطيلة الأشهر الاولى من السنة السابعة استمرّت السرايا الإسلامیّة تغادر المدينة منطلقة إلى أهدافها في قلب الصحراء... وعادت وهي قد لقنّت الأعراب ودعاة الفتنة دروساً لن ينسوها(1).
ونشط الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد الحديبيّة و حتّی فتح مکّة في توجيه دعاته وسفرائه إلى كبار أمراء العرب الوثنيين يدعوهم إلى الإسلام في نفس الفترة الّتی كان قد وجّه فيها سفراءه إلى أباطرة العالم وملوكه لعرض الإسلام عليهم.
فأسلم المنذر بن ساوي العبدي أمير البحرين ومعه الكثير من رعاياه وصالح النبي من بقي على مجوسيّتهم وبقي العلاء بن الحضرمي أميراً من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم على البحرين(2)- كما بعث إلى عمان واليمامة فأسلم أمراؤهما. كما أسلم زعماء اليمن ومشايخها وبقايا ملوك حمير وأسلم جمع من أمراء كندة وحضر موت وبقي بعضهم على شركهم... كما وجّه كتاباً إلى جماعة من العبيد وقطّاع الطريق في جبل تهامة بعد أن استقبل وفداً منهم(3). وجاءت غزوة خيبر واستسلام أهالي فدك ومعركة مؤتة لإزالة الخطر اليهودي وايقاف الخطر البيزنطي طيلة العامين السابع والثامن.
كما كانت عمرة القضاء في نهاية السنة السابعة تصديقاً لوعد اللّه الّذی جاء في سورة الفتح.
بعد إجلاء بني قينقاع و بني النضير أصبحت خيبر مركزاً للتجمع اليهودي السياسي
و منها انطلق زعماء اليهود لدعوة القبائل العربیّة وتحزيبها ضدّ المسلمين، ومنها خرج حيي بن بن أخطب ودفع بني قريظة إلى نقض معاهدة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم والمسلمين فی اللحظات العصيبة، وغدت خيبر بمرور الأيّام ملجأ يأوي إليه اليهود المبعدون عن المدينة ينتظرون الفرصة للانتقام من الإسلام والمسلمين واسترداد مواقعهم الّتی جُرّدوا منها، وبعد وصول نبأ هزيمة بني قريظة إلى خيبر أعلن سلام بن مشكم السير إلى محمّد في عقر داره بما معهم من يهود خيبر مع استجلاب يهود تيماء وفدك و وادي القرى.
وفي أواخر العامّ السادس توجّهت سرية علي بن أبي طالب إلى فدك حيث كان يقطن عندها حيّ من بني سعد بن بكر وكانوا قد سعوا إلى مدّ أيديهم لاولئك اليهود لقاء أن يمنحوهم جزءً من ثمار خيبر(1).
وهم الآن يتحالفون مع غطفان في محاولة جديدة ضد المدينة تمهيداً لدخول أهل خيبر في حرب مع المسلمين.
إذن فالخطر اليهودي لازال قابعاً في الجزيرة حيث لم يكف اليهود عن التآمر والعدوان، من هنا انطلق الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في مطلع السنة السابعة صوب خيبر على رأس حملة استنفر لها الراغبين في الجهاد فحسب دون الغنائم.
ولما كانت يهود خيبر أعظم الطوائف اليهوديّة بأساً ودربةً على القتال، كانت شبه الجزيرة متطلعة إلى نتائج هذه الغزوة، وكان النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم يدرك أنّ الفشل فيها سوف يغيّر ميزان القوى من جديد... من هنا كان عليه أن يقود جيشاً مؤمناً بأهدافه مقدّراً لحراجة الظروف ... وكان الجيش الّذی أعدّه النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم قليلاً بعدده كثيراً بإيمانه (2).
واستهدف الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم السيطرة على الطريق الواصل بين غطفان و خيبر ليمنع
المدد عنهم واستطاع أن يحول بين غطفان وبين يهود خيبر، ثمّ باغت خيبراً في وقت كان قد خرج أهلها إلى مزارعهم.
لقد تمالكهم الخوف حين رأوا جيش المسلمين وهربوا لائذين بحصونهم وهيّأوا أنفسهم لحصار طويل(1).
وتلخصت خطة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بمشاغلة بعض الحصون بقواّت صغيرة و تركيز الهجوم على حصن واحد ثمّ الانتقال إلى سائر الحصون مع تقسيم القوات بنحو يشتدّ التنافس بينها مع قيام بعضها بالاستراحة بشكل متناوب لتكون مستعدّة للقتال على أيّ حال (2).
وبدأ الهجوم وراحت الحصون تسقط بأيدي المسلمين حصناً بعد حصن، وكان آخرها مقاومةً سلاسل الوطيح والسلالم وقلعة الزبير وظلّوا يقاومون بضعاً وعشرين ليلة جرت خلالها مبارزات فرديّة. وتمّ الفتح على يدي علي بن أبي طالب علیه السلام بعد أن فشل الآخرون من الصحابة في اقتحام هذه الحصون. وقال الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم كلمته المعروفة لأعطين الراية غداً رجلاً يحبّ اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله كرّار غير فرار ودعا عليّاً وأعطاه الراية و تمّ الفتح على يديه.
وحين أيقنوا بالهلكة سألوا الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم الجلاء من المنطقة وحقن دمائهم فأجابهم الى طلبهم، فلمّا نزلوا إليه عرضوا عليه أن يبقيهم في أرضهم لقاء نصف حاصلاتهم فوافق على ذلك بشكل مشروط من دون أن يكون ملزماً إلى الأبد بذلك. فإنّ اليهود قد عرفوا بالغدر في أية فرصة تسنح لهم للغدر(3).
وفي يوم فتح خيبر أقبل جعفر بن أبي طالب علیه السلام من الحبشه فاستقبله
الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وقبل ما بين عينيه ثمّ قال: بأيهما أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر (1)؟!
و تناسى اليهود كلّ المواقف السمحة والعادلة إزاءهم، وكانت أولى محاولات الغدر ما تمّ على يد زينب ابنة الحارث زوجة سلام بن مشكم إذ أهدت للرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم شاة مشويّة نثرت فيها السمّ وعرف النبي ذلك بعد أن مضغ من ذراعها مضغة ولفظها وكان بشر بن البراء قد أكل منها فمات بعد قليل.
واعترفت الجانية قائلة للرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم : بلغت من قومي مالم يخفَ عليك، فقلتُ: إنّ كان ملكا استرحت منه و إنّ كان نبياً فسيخبر، فتجاوز عنها الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ، وقيل : إنه قتلها (2).
ويذكر عدد من المؤرّخين أنّ وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد ثلاث سنوات كانت بسبب هذا السم الّذی دسته له بنت الحارث يوم فتح خيبر(3).
ولمّا سمع يهود فدك ماحلّ برفاقهم فی خيبر من معاملة طيبة بعثوا إلى الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم يعلنون رغبتهم في المصالحة على مناصفة أراضيهم(4).
و أمّا وادي القرى فقد بقيت عاصية فتوجه إليها الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم و فرض الحصار عليها ودعا أهلها إلى الإسلام ولكنّهم أصرّوا على القتال و جرت بين الطرفين مناوشات محدودة وشدّد الحصار عليهم حتّی فتح بلدهم عنوة وبقي أربعة أيّام قسّم خلالها الغنائم على أصحابه وترك المزارع بيد اليهود مناصفة عليها ولمّا بلغت يهود تيماء أنباء الانتصارات الإسلامیّة صالحوا الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم على الجزية وأقاموا في بلدهم(5).
وأصبحت فدك ملكاً للرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم خاصة بحكم القرآن الكريم لأنّها ممّا لم يوجف عليه بخيل ولاسلاح بعد استسلام أهاليها للنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم دون تهديد أو قتال.
وقد وهب الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بأمر من اللّه تعالى فدكاً لابنته الصديقة فاطمة الزهراء علیها السلام (1).
روى الشيخ الطوسي في التهذيب عن علي بن اسباط عن الإمام موسى الكاظم علیه السلام أنه قال: - حين طالب المهديّ بردّ مظلمة، وكان يعني بها فدكاً : إنّ اللّه عزّ وجلّ لما فتح على نبيّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فدكاً وما والاها ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب فأنزل اللّه تعالى على نبيّه صلی اللّه علیه و آله وسلم« وآتِ ذا القربى حقّه »فلم يدر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلممن هم، فراجع في ذلك جبرئيل علیه السلام فسأل اللّه عزّ وجلّ عن ذلك فأوحى اللّه إليه أن ادفع فدكاً إلى فاطمة علیها السلام فدعاها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فقال لها : يا فاطمة إنّ اللّه تعالى أمرني أن أدفع إليك فدكاً فقالت: قد قبلت يارسول اللّه من اللّه ومنك، فلم يزل وكلاؤها فيها حياة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم (2).
وتزوّج النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بصفية بنت حيي بن أخطب بعد رجوعه من فتح خيبر.
انقضت الأيّام والنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم والمسلمون في عمل دؤوب متواصل لتركيز دعائم الحكم الإسلامي، ولم تحدث تحرّكات عسكريّة بعد فتح خیبر سوى خروج سرايا تبليغيّة أو تأديبيّة لبعض العناصر الّتی كانت تظهرالشَغَب.
ومضى عام على صلح الحديبيّة التزم خلالها الطرفان ببنود الاتفاق وحل الوقت الّذی أصبح النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم والمسلمون فيه في حلٍّ من عهدهم للدخول إلى مكّة، فنادى منادي الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يتجهز المسلمون لأداء عمرة القضاء. وخرج مع النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أن ألفان من المسلمين لا يحملون سلاحاً إلّا السيوف في القِرب، ومن حيطة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم
وحذره من احتمال الغدر جهّز مجموعة مسلحة تستعد للدفاع عن المسلمين عند أي طاريء وأوقفهم عند (مرّ الظهران).
ولمّا وصل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ذا الحليفة أحرم هو وأصحابه وساق معه ستّين بدنة، وقدّم الخيل أمامه (وكانت نحواً من مائة بقيادة محمّد بن مسلمة)، وخرج زعماء مکّة ومن تبعهم إلى رؤوس الجبال والتلال المجاورة المطلة على مکّة زاعمين أنهم لا يريدون النظر إلى النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم ولا إلى أصحابه، و لکنّ جلالة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وهيبة منظر المسلمين الّذین يحتفون حول الرسول وهم يردّدون التلبية بهرت عيونهم وهلع قلوبهم وشدّهم مذهولين للنظر للنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم والمسلمين وهم يؤدّون مناسكهم.
وطاف النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم حول البيت على راحلته يقودها عبدالله بن رواحة و أمر صلی اللّه علیه و آله وسلم أن ينادي المسلمون: «لا إله إلا اللّه وحده، صدق وعده ونصر عبده، وأعَزَّ جنده وهزم الأحزاب وحده».
فدوّى النداء في مکّة وشعابها فانصدعت قلوب المشركين رعباً وتملّكهم الغيظ والحقد من مظاهر النصر الإلهي للنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم الّذی خرج منهم طريداً قبل سبعة أعوام.
وأتمّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم والمسلمون معه مناسك العمرة، وأيقنت قريش قوّة الإسلام والمسلمين وكذب من أخبرها أن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ومن معه في جهد وتعب وضيق و حرج.
وصعد بلال على ظهر الكعبة يعلن نداء التوحيد مؤذناً لصلاة الظهر بمظهر روحاني بهيج أغاظ رؤوس الكفر من قريش.... وقد كانت كلّ مکّة تحت تصرف المسلمين بکلّ مرافقها.
وتفرّق المهاجرون يصحبون إخوتهم الأنصار يعودون دورهم الّتی غادروها فی سبيل اللّه ويلتقون بأهليهم وذويهم بعد طول فراق.
وأمضى المسلمون ثلاثة أيّام في مکّة وغادروها حسب الاتفاق مع قريش الّتی رفضت طلب النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يتمّ مراسم زواجه من «ميمونه» بنت الحارث أخت أمّ
الفضل زوجة العبّاس وذلك خشية من أن تزداد قوة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في اختراق الإسلام لمجتمع مكّة.
وخلّف النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أبا رافع ليحمل إليه زوجته «ميمونه» حين يمسي إذ خرج المسلمون قبل صلاة الظهر(1).
ونزلت سورة الدهر في ذي الحجة من هذه السنة كما نزلت الآيات 28 إلى 34 من
سورة الأحزاب متضمنة لآية التطهير.
وهكذا انتهت السنة السابعة والمسلمون أقوى شوكةً وأشدّ عزيمة على المضّي لإعلاء كلمة اللّه في ربوع الأرض.
واعتبر بعض المؤرّخين أنّ مکّة قد تمّ فتحها للمسلمين من يوم عمرة القضاء لأنها قد أثّرت على معنويّات المكیّين أعظم تأثير، فعمرة القضاء فتحت قلوبهم وغزوة الفتح فتحت أبوابها (2).
الخلاصه
تعتبر السنة السابعة من العهد المدني بدء مرحلة الفتح من خلال السلام المشروط الّذی حققّه النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم من خلال صلح الحديبيّة في السنة السادسة من الهجرة.
وهذا الفتح هو فتح القلوب قبل فتح الأراضي والبلدان، كما أنه فتح الجزيرة العربیّة وما والاها وأحاط بها من خلال توفّر فرص التبليغ والدعوة إلى اللّه ، و من خلال الأمن الّذی حققه الصلح للمسلمين.
وكانت تصفية قلاع خيبر واستسلام فدك من النتائج القريبة لهذا الصلح فضلاً عن تأديب دعاة الفتنة في قلب الصحراء.
وكانت عمرة القضاء تحقيقاً لوعد اللّه تعالى وأيقنت قريش خلالها بقوة المسلمين وتفانيهم في سبيل دينهم ونبتهم. وخشيت قريش ازدياد تأثیر النبي والمسلمين فمنعوهم من المكث في مکّة أكثر من ثلاثة أيّام ولم محوا للنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يتمّ مراسم زواجه بميمونة.
الأسئلة
1 . ما هي أهمّ حوادث السنة السابعة للهجرة؟
2 . ما هي أهمّ ملامح العامّ السابع الهجري؟
3 . ما هي المكاسب الّتی تحقّقت بعد صلح الحديبيّة خلال العامّ السابع الهجري؟
4 . لماذا كانت غزوة خيبر ؟
5 . ما هي ردود الفعل بعد فتح خيبر ؟
6 . كيف تحقّقت عمرة القضاء؟
7 . ما هي مكاسب هذه العمرة للمسلمين و آثارها على المشركين؟
كان لبعض أمراء القبائل العربیّة النصرانية الموالية للبيزنطيّين في شمال الجزيرة عدّة مواقف غادرة من دعاة الإسلام المبعوثين إلى الشام ممّا دعا الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم للتخطيط لتأديبهم وإشعارهم بقدرة الدولة الإسلامیّة الفتیّة، فجهزّ صلی اللّه علیه و آله وسلم جيشاً من ثلاثة آلاف مقاتل و ولىّ زيد بن حارثة قيادة الجيش وألحق به قائدين احتياطيين نظراً لبعد الطريق واحتمال مجابهة قوى كثيرة العدد.
وتقدّم الامبراطور البيزنطي على رأس مائة ألف مقاتل من الروم سوى القواّت العربیّة الموالية، وهذا العدد و إنّ كان خياليّاً ومبالَغاً فيه فإنّ المسلمين الّذین عسكروا جنوب الأردن طلبوا من الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يمدّهم بالرجال إلا أنّ عبدالله بن رواحة اندفع بفورة حماسه الإيماني نحو الشهادة قائلاً: « إنّما هي إحدى الحسنيين» واستجاب له جمع من الجيش مؤيّدين رأيه فلم ينتظروا المدد وغادروا معسكرهم حتّی بلغوا تخوم البلقاء، ولقيتهم جموع الروم والعرب فانحازوا صوب قرية مؤته: فعبّأوا أنفسهم وانطلق زيد بن حارثة يقاتل حتّی استشهد ثمّ استلم الراية جعفر بن أبي طالب وقاتل حتّی استشهد، ثمّ حمل عبدالله بن رواحة الراية وقاتل حتّی استشهد فأخذ الراية رجل من المسلمين منادياً: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم.
واتّفق المسلمون على قيادة خالد بن الوليد. وقرّر خالد حسب خطة تمويهيّة أن ينسحب بالمسلمين وأن يجنّبهم عمليّة الإبادة الشاملة الّتی ستسفر عن انتصار البيزنطييّن وتحرّضهم للمزيد من التخطيط لتوجيه ضربة أخرى للإسلام والمسلمين. ولم يخسر المسلمون سوى ثمانية أو اثني عشر قتيلاً بينما كانت خسائر العدوّ أضعافاً مضاعفة ممّا أثر في معنوياتهم وصدّهم عن مطاردة المسلمين.
لقد اطلّع المسلمون على خصائص قوّات الروم و تنظيمها ودرجة تسليحها وأساليب قتالها.
ووصلوا المدينة بعد مسيرة مجهدة في جحيم الصحراء وتلقّاهم الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم والمسلمون، والصبيان يعدون من ورائهم هاتفين يافُرّار فررتم في سبيل اللّه ؟ فيجيبهم الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم : ليسوا بالفرار و لکنّهم الكرّار إنّ شاء اللّه تعالى(1).
وكما عقّب الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم عزوة أحد بغزوة حمراء الأسد استرداداً لهيبة المسلمين بإيهام قريش بقدرة المسلمين على متابعة القتال، كذلك نجد النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم هنا وبعد معركة مؤتة يقوم بإرسال جيش إلى الشمال ليشتّت جموع أهل الشام استرداداً لهيبة المسلمين في تلك النواحي(2).
فتح مکّة (3)
لقد كانت ردود فعل القوى في المنطقة بعد معركة مؤته مختلفة، فالروم فرحوا إذ انسحب المسلمون ولم يتمكّنوا من دخول الشام وخشوا أن يلاحقوهم إلى الجزيرة.
أمّا قريش فقد سادها الفرح وانبعثت فيهم الجرأة على المسلمين وأخذت تسعى
لنقض صلح الحديبيّة عبر الإخلال بالأمن فحرّضت قبيلة بني بكر على بني خزاعة -بعد أن كانت قبيلة بني بكر قد دخلت في حلف قريش وخزاعة في حلف النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد صلح الحدیبیّة - وأمدتها بالسلاح فعَدَتْ بكر على خزاعة غيلة وقتلوا عدداً من أفرادها، ففزعوا إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم طالبين النصرة، ووقف عمرو بن سالم بين يدي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وهو جالس في المسجد ينشد أبياتاً يعرض فيها نقض العهد. فتأثر
رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وقال: نُصِرْتَ ياعمرو بن سالم.
انتبهت قريش إلى سوء فعلتها وتملّكها الخوف من المسلمين فاجتمع رأيهم على
إيفاد أبي سفيان إلى المدينة ليجدّد الصلح ويطلب تمديد المدة من النبي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم .
و لکنّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم لم يصغ لطلب أبي سفيان وسأله، هل كان من حدث؟
فقال أبوسفيان: معاذ اللّه .
فأجابه النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم : نحن على مدّتنا وصلحنا.
لكنّ أبا سفيان لم يهدأ له بال ولم يقنع بل أراد أن يستوثق عهداً وأماناً جديداً من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فسعى لتوسيط من يؤثر على النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم فقابله الجميع بالرفض واللامبالاة.
فقفل راجعاً بالخيبة إلى مکّة وقد ضاقت الأمور على قوى الشرك حيث تبدلت الظروف، فالنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم يطلب مکّة فاتحاً، بعدّة تتزايد وإيمان يترسّخ، وقريش تطلب الأمان والسلامة في دمائها وأموالها، بعد أن سنحت الفرصة بنقض الصلح.
وإنّ مکّة هي آخر خطوة مهمّة في تمام سيطرة الإسلام على الجزيرة العربیّة آنذاك.من هنا أعلن النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم النفير العام، و توافدت عليه جموع المسلمين ملبيّة نداءه فجهّز جيشاً قارب تعداده عشرة آلاف رجل واجتهد في كتمان قصده وهدفه إلا على الخاصّة وكان صلی اللّه علیه و آله وسلم يدعو اللّه قائلاً: «اللهم خذ العيون والأخبار من قريش نباغتها في بلادها»(1).
1) السيرة النبویّة ، ج 3، ص 397؛ المغازلي، ج 2، ص 796.
ويبدو أنّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم كان يودّ أن يتحقق النصر المؤزّر سريعاً دون إراقة قطرة دم متخّذاً اُسلوب المباغته. و لکنّ الخبر تسرّب إلى رجل كان قد ضعف أمام عواطفه فكتب إلى قريش كتاباً بذلك وبعثه مع امرأة توصله.
ونزل الوحي يخبر النبي يخبر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بذلك فأمر اللّه عليّاً والزبير بأن يلحقا المرأة ويسترجعا الكتاب، وانتزع علي بن أبي طالب علیه السلام بقوة إيمانه برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الكتاب من المرأة(1).
ولمّا استلم الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم الكتاب جمع المسلمين في المسجد ليثير ويحذّر من مسألة الخيانة ويؤكّد ضرورة كبت العواطف مرضاة اللّه . وقام المسلمون يدفعون حاطب بن أبي بلتعة صاحب الكتاب الّذی حلف بالله أنه لم يقصد الخيانة وانفعل عمر بن الخطاب وطلب من رسول اللّه أن يقتله فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : «وما يُدريك ياعمر لعل اللّه اطلع على أهل بدر وقال لهم إعملوا ما شئتم فلقد غفرت لكم»(2).
وتحرّك جيش المسلمين في العاشر من شهر رمضان ولمّا بلغ «الكديد» طلب النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم ماءاً فأفطر به أمام المسلمين وأمرهم أن يفطروا لکنّ بعضاً منهم عصوا الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ولم يفطروا فغضب الرسول وقال: «أولئك العصاة» وأمرهم أن يفطروا(3).
ولمّا وصل النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى مرّ «الظهران» أمر المسلمين أن ينتشروا في الصحراء ويوقد كلّ منهم ناراً. فأضاء الليل عن جيش عظيم تضيع أمامه كل قوى قريش ممّا أقلق العبّاس بن عبدالمطّلب - آخر المهاجرين إذ التحق بركب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في الجحفة - و تحرّك يبحث عن وسيلة يُبلغ بها قريشاً أن تأتي مسلمة قبل دخول الجيش عليها.
وفجأة سمع صوت أبي سفيان يحادث بديل بن ورقاء مستغرباً وجود هذه القوة الكبيرة على مشارف مكّة. وارتعد أبوسفيان خوفاً حين أخبره العبّاس بزحف النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بجيشه لفتح مكّة، ولم يجد أبوسفيان بدّاً من اصطحاب العبّاس لأخذ الأمان من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم.
ولم يكن بوسع ينبوع العفو والأخلاق الكريمة أن يبخل بإجازة جوار عمّه لأبي سفيان فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : « إذهب فقد أمناه حتّی تغدو به عليّ».
ولما مثل أبوسفيان بين يدي النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم قال له: «ويحك ياأباسفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا اللّه ؟».
فقال أبوسفيان بأبي أنت وأمي ما أحلمك، وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع اللّه إله غيره لقد أغنى عني شيئاً بعد.
فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول اللّه ؟
قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أمّا والله فإنّ في النفس منها حتّی الآن شيئاً (1).
وتدارك العباس الموقف ليضغط على أبي سفيان ليسلم وقال له: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمّد اً رسول اللّه قبل أن يُضرب عنقك، فشهد أبوسفيان الشهادتين ودخل في عداد المسلمين.
كان إسلام أبي سفيان بمثابة إزالة لكلّ العقبات أمام إسلام البقية من زعماء الكفر من قريش، و لکنّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم استتماماً للضغط النفسي على قريش كي تستسلم دون إراقة دماء قال للعباس: «يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتّی تمرّ به جنود اللّه فيراها».
ولإشاعة الاطمئنان إلى رحمة الإسلام ورحمة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وإرضاء لغرور
1) السيرة النبویّة ، ج 2، ص 40 مجمع البيان، ج 10، ص 554؛ المغازلي، ج 2، ص 816.
أبي سفيان كي لا يكابر قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، و من دخل المسجد فهو آمن و من طرح السلاح فهو آمن».
ومرت جنود اللّه تعبر المضيق والعبّاس يعرف الكتائب لأبي سفيان وهو مندهش فقال أبوسفيان: والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً فأجابه العباس: يا أبا سفيان إنّها النبوة، وتردّد أبوسفيان في الجواب فقال: فنعم إذن. ثمّ انطلق أبوسفيان إلى مکّة يحذّر أهلها ويعلن أمان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم .
أصدر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أوامره الحكيمة بتوزيع مدّاخل القوّات إلى مکّة مؤكداً عدم اللجوء إلى القتال إلا ردّاً عليه. وأهدر صلی اللّه علیه و آله وسلم دماء عددٍ من المشركين ولو وُجدوا متعلّقين بأستار الكعبة لعظيم جنايتهم ومعاداتهم للإسلام وللنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم
وما إنّ لاحت بيوتات مکّة حتّی اغرورقت عينا النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بالدموع، ودخلت قوات الإسلام الظافرة مکّة من جهاتها الأربع ومظاهر العزّ والنصر تجلّلها ودخل الفاتح العظيم الرسول الأكرم صلی اللّه علیه و آله وسلم مکّة مطأطئاً رأسه شكراً لله على ما منحه من الفضل والنعمة إذ دانت له أمّ القرى، بعد طول جهد في سبيل إعلاء كلمة اللّه .
وبعد استراحة في قبّة من أدم نصبت له قرب قبر أبي طالب علیه السلام - إذ رفض أن يدخل دار أحد من أهالي مکّة رغم كثرة عروضهم - اغتسل وركب راحلته وكبّر فكبّر المسلمون فدوّى الصوت في الجبال والوهاد - الّتی فرّ إليها بعض رؤوس الشرك خوفاً ورعباً من الإسلام - وجعل يشير وهو يطوف في البيت إلى كلّ صنم موجود حوله ويقول: قل جاء الحقّ وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقاً فيسقط الصنم لوجهه.
ولم يستطع علي بن أبي طالب علیه السلام أن يحمل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم على كتفه لكسر الأصنام الّتی كانت فوق الكعبة، فصعد عليّ على كتف النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم وكسّر الأصنام.
ثمّ دعا النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بمفاتيح الكعبة ففتحت ودخلها ومسح مافيها من صور.
ثمّ وقف على بابها يخطب الجموع المتكاثرة خطبة الفتح العظيم فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : «لا إله إلا اللّه وحده لاشريك له، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو فاصلة أكثر دم أو مال يدّعى فهو تحت قدميّ هاتين، إلّا سدانة البيت وسقاية الحاج.
ثمّ قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : «يا معشر قريش إنّ اللّه قد أذهب عنكم نخوة الجاهلیّة وتعظّمها بالآباء، الناس من آدم و آدم من تراب... ثمّ تلا قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم إنّ اللّه عليم خبير)(1)يا معشر قريش ماترون أني فاعل بكم»؟.
قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : « إذهبوا فأنتم الطلقاء»(2).
ثمّ ارتقى بلال سطح الكعبة ليؤذّن لصلاة الظهر فصلى المسلمون بإمامة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في المسجد الحرام.
ووقف المشركون والحيرة تملكهم وخشيت الأنصار أن لا يرجع معها الرسول الكريم حين رأوا تفاعل النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم مع أهل مکّة ووقفوا تدور في مخيّلتهم الأسئلة والنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم واقف يدعو اللّه وقد علم مايدور بينهم فالتفت إليهم قائلاً: «معاذ اللّه المحيا محياكم والممات مماتكم معلناً بذلك أنّ المدينة ستبقى عاصمة الإسلام.
ثمّ أقبل الناس يبايعونه فبايعه الرجال - وتشفّع عدد من المسلمين لدى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ليعفو عمن أهدر دمه فعفا وصفح.
وجاءت النساء ليبايعن - فكانت المرأة تدخل يدها في قدح فيه ماء وضع الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم يده الكريمة فيه - على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصين النبي في معروف(3).
وغضب النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم حين عدت خزاعة ( حليفة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ) على رجل من المشركين فقتلته وقام صلی اللّه علیه و آله وسلم خطيباً قائلاً: «يا أيها الناس إنّ اللّه حرم مکّة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام من حرام من حرام إلى يوم القيامة، لا يحلّ لامريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك دماً أو يعضد فيها شجراً...».
ثمّ قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : «فمن قال لكم إنّ رسول اللّه قد قاتل فيها فقوالو إنّ اللّه قد أحلّها لرسوله ولم يحلّها لكم يامعشر خزاعة».
وأكبرت قريش جميع مواقف النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم من مکّة وأهلها من عطف ورحمة وسماحة وعفو واحترام وتقديس فمالت قلوبهم إليه وأقبلوا على الإسلام آمنين مطمئنين.
وأرسل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم سراياه إلى أطراف مکّة وما حولها لهدم ما تبقّى من الأصنام وأماكن عبادة المشركين فأخطأ خالد بن الوليد إذ قتل عدداً من قبيلة بني جذيمة بعد استسلامهم ثأراً لعمّه وغضب النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم حين علم بذلك وأمر عليّاً أن يأخذ أموالاً ويدفع ديّة المقتولين ثمّ قام صلی اللّه علیه و آله وسلم واستقبل القبلة رافعاً يديه وهو يقول: «اللهم إنّي أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد»، وبذلك هدأت نفوس بني خزيمه(1)و(2)و(3)
الخلاصه
إنّ هيبة المسلمين ورهبة المشركين هي الّتی منعت من استمرار الفريقين في معركة مؤتة فقنع كلٌ منهما بالمناورة.
وأدرك المسلمون من معركة مؤتة أنّ الجولة الحربيّة الحقيقيّة ستكون ضدّ الرّوم وأعقب الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم هذا التراجع بإرسال جيش لتشتيت جموع أهل الشام استرداداً لهيبة المسلمين.
وكان نقض قريش لأحد بنود المعاهدة مع النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم سبباً لتوجه النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بشكل سرّي وسريع نحو مكة. وتم فتحها بغتة. وكان استسلام أهل مکّة عملاً هائلاً في تأريخ حياة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم فقد توقّف النشاط المعادي للإسلام من أخطر مركز باشر العداء للدين الجديد أكثر من عشرين عاماً.
كما أنه مهّد الطريق لاستسلام الجزيرة العربیّة كلها. وسمّي العام الثامن الهجري بعام الفتح. وأصبح المسلمون سادة مکّة وحماة البيت الحرام.
الأسئلة
2 . ما هي المعركة الّتی تمت فيها عمليّة التأديب؟ وماذا كانت نتائجها؟
ماذا كان موقف قريش بعد معركة التأديب الّتی قادها صحابة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم
ما هو السبب المباشر الّذی أدّى بالنبی صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى أن يقرّر فتح مكّة؟
5 . متى تمّ فتح مكّة؟ وكيف تحقق الفتح؟
6 . ما هو موقف النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم من المكیّين؟ وما الّذی قام به النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم من نشاط بعد الفتح؟
7 . ماذا كان موقف أبي سفيان من الرسالة الإسلامیّة ونبوّة محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم وفتح مكّة؟
كان فتح مکّة تعبيراً عن دخول راية التوحيد إليها وسقوط لواء الشرك من جديد
وأمضى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم خمسة عشر يوماً في مکّة والأمان والسرور يعمّان المسلمين.
وترامت إلى أسماع النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أن قبيلتي هوازن وثقيف قد أعدّتا العدة لمحاربة الإسلام ظناً منهما أنّهما سوف يُحقّقان ما عجزت عنه قوى الشرك والنفاق.
وعزم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم على الخروج إليهم بعد أن وطّد دعائم الإدارة في مکّة كما هي سيرته عند كلّ فتح، فعيّن معاذ بن جبل ليعلّم الناس القرآن وأحكام الإسلام وعتاب بن أسيد للصلاة بالناس وإدارة شؤونهم.
وخرج النبی صلی اللّه علیه و آله وسلم بأثني عشر ألفاً من المسلمين، وهي قوة لم يشهد المسلمون مثلها مما أدّى بهم إلى الغرور حتّی أنّ أبا بكر قال لو لقينا بني شيبان لن نغلب اليوم من قلّة(1).
أمّا (هوازان) و(ثقيف) فقد تحالفتا وخرجتا بعدّة قويّة تصحبهم نساؤهم وأطفالهم
1) الطبقات الكبرى، ج 2، ص 150؛ المغازلي، ج 2، ص 889
وكمنوا للمسلمين، وما إنّ دخلت طلائع الجيش الإسلامي أطراف الكمين حتّی فرّت مجاميعهم فزعاً من أسلحة العدو الموجّهة نحوهم من أعالي الجبال. ولم يثبت مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلمإلا تسعة أشخاص من بني هاشم عاشرهم أيمن (ابن أم أيمن).
سرّ المنافقون سروراً عظيماً حتّی قال أبوسفيان: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وقال
آخر: الابطل السحر اليوم، وعزم آخر على قتل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في ذلك الوضع المضطرب(1).
وأمر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم عمه العباس أن يصعد على صخرة وينادي فلول المهاجرين والأنصار
المدبِرة : يا أصحاب سورة البقرة، يا أهل بيعة الشجرة إلى أين تفرّون؟ هذا رسول اللّه !
وعاد الوعي إلى الجموع الهاربة فعادوا يوفون بوعود النصرة والدفاع عن الإسلام والنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم.
ولمّا رأى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم حماسهم قال: الآن حمي الوطيس، أنا النبي لاكَذِب أنا ابن عبدالمطّلب .
فأنزل اللّه السكينة على المسلمين وأيّدهم بالنصر فولّت جموع الكفر منهزمة تاركة وراءها ستّة الآف أسير وغنائم كبيرة جدّاً، وأمر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أن تحفظ الغنائم وتراعي أحوال الأسرى حتّی تتمّ ملاحقة العدو الفارّ نحو منطقة أوطاس ونخلة والطائف.
ومن سمّو أخلاق النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وعظيم عفوه وسعة رحمته حين عفى عن الّذین فرّوا عنه وخذلوه.
غضب النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم حين علم أن بعض المسلمين يقتل ذريّة المشركين فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : «ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتّی بلغ الذريّة، ألا لا نقتل الذريّة» فقال أسيد بن حضير: يارسول اللّه أليس هم أولاد المشركين ؟! فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : أوليس خياركم أولاد المشركين ؟!
1) السيرة النبویّة ، ج 2، ص 443؛ المغازلي، ج 3، ص 99.
كلّ نسمة تولد على الفطرة حتّی يعرب عنها لسانها، وأبواها يهوّدانها أو ينصّرانها(1). وواصلت قوّات المسلمين ملاحقتها للعدو حتّی الطائف فحاصروهم بضعاً وعشرين يوماً يترامون بالنبل من خلف الجدران والبساتين، ثمّ عدل النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم عن الطائف لاعتبارات شتى.
و عند وصوله إلى الجعرانة (وهو محل جمع الأسرى والغنائم) قام إليه وفد هوازن يلتمسون العفو منه فقالوا: يارسول اللّه إنّما في هذا الأسرى عمّاتك وخالاتك اللاتي كن يكفلنك ( لأنّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم كان قد رضع في بني سعد وهم من هوازن ) ولو أنا مالحنا الحارث بن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثمّ نزل منّا بمثل الّذی نزلت به رجونا عطفه وعائدته علينا و أنت خير المكفولين.
فخيّرهم صلی اللّه علیه و آله وسلم بين الأسرى والمال فأختاروا الأسرى ثمّ قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : « أمّا ما كان لي ولبني عبدالمطّلب فهو لكم».
واقتدى المسلمون جميعاً بالرسول الكريم صلی اللّه علیه و آله وسلم وأخذوا يهبون له مالهم من نصيب(2).
وبحكمة بالغة ودراية عميقة بنفوس الناس وسعياً لهداية الجميع وإطفاءاً لنار الحرب منّ الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بعفوه على مثير هذه الحرب «مالك هذه الحرب «مالك بن عوف» فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : «أخبروا مالكاً أنه إنّ أتاني مسلماً رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل». وما أسرع ما أسلم مالك. بعد هذا العفو.
وتدافع المسلمون على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يطلبون منه أن يقسّم الغنائم حتّی ألجأوه إلى شجرة وأخذوا رداءه؛ فقال: «ردوا عليّ ردائي فوالله لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعماً لقسمته عليكم، ثمّ ما ألفيتموني بخيلاً ولا جباناً ولا كذّاباً».
ثمّ قام صلی اللّه علیه و آله وسلم وأخذ وبرة من سنام بعيره فجعلها بين أصبعيه ثمّ رفعها وقال: «أیها الناس والله مالي في فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم».
ثمّ أمر أن يُردّ كلّ ماغنم حتّی تكون القسمة عدلاً.
وبدأ صلی اللّه علیه و آله وسلم بإعطاء المؤلفة قلوبهم كأبي سفيان وابنه معاوية وحكيم بن حزام وغيرهم ممن كان يحاربه بالأمس القريب من رؤوس الكفر ثمّ قسّم عليهم حقّه من الخمس.
وهذا الموقف أثار الحفيظة في نفوس بعض المسلمين حتّی قال أحدهم للنبي: لم
صلى اللّه
أرك عدلت فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟(1).
ورأى سعد بن عبادة أن يبلغ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بما كان يدور بين الأنصار من تصورّهم أنّ رسول اللّه قد لقي قومه ونسي أصحابه. فجمع سعد الأنصار وأقبل الرسول الكريم صلی اللّه علیه و آله وسلم يحدثهم فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال:
«يا معشر الأنصار مامقالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموهما في أنفسكم؟ ألم آتكم ضُلّالاً فهداكم اللّه وعالة فأغناكم اللّه وأعداءً فألّف اللّه بين قلوبكم؟ قالوا: بلى اللّه ورسوله آمَن و أفضل قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: وماذا نجيبك
يارسول اللّه ؟ قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : أمّا والله لوشنتم قلتم فصدقتم: أتيتنا مكذَّباً فصدّقناك و مخذولاً فنصرناك وطريداً فآويناك وعائلاً فآسيناك. وجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في شيء من الدنيا تألفت به قوماً ليسلموا و وكلتكم إلى إسلامكم، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول اللّه إلى رحالكم؟ و الّذی نفس محمّد بيده لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار».
وأثارت هذه الكلمات في قلوب الأنصار الشعور بالخطأ في تصوّرهم عن
الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم فضجّوا بالبكاء وقالوا: رضينا يارسول اللّه حظّاً وقسماً.
1) السيرة النبویّة ، ج 2، ص 496 المغازلي، ج 3، ص 948.
وخرج النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بمن معه من الجعرانة متّجهاً نحو مکّة في شهر ذي القعدة فأتمّ عمرته وحلّ من إحرامه واستخلف على مكّة عتّاب بن أسيد ومعه معاذبن جبل وخرج متجهاً إلى المدينة بمن معه من المهاجرين والأنصار(1).
أصبحت الدولة الإسلامیّة كياناً يُهاب جانبه بعد فتح مکّة وكان على المسلمين الحفاظ على هذا الكيان حتّی تبلغ دعوة الرسالة الإسلامیّة أرجاء الأرض، واستنفر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم المسلمين من جميع نقاط الدولة الإسلامیّة استعداداً لحرب الروم إذ وردت أخبار تؤكّد استعدادهم لغزو الجزيرة وضرب الرسالة الإسلامیّة و دولتها الفتیّة وصادف أن كان ذلك العامّ عام جدب وكان الوقت صيفاً حاراً مما زاد من صعوبة الخروج لملاقاة عدو قويّ متمرس كبير العدد والعدّة. فتقاعس بعض المسلمين وبدأت رموز النفاق تثبّط العزائم
و تخذّل النفوس و تخلّف بعض عن الالتحاق بالجيش الإسلامي متعلليّن بعلل شتّى.
وبلغ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أن المنافقين يجتمعون في بيت أحد اليهود يثّبطون الناس ويخوفّونهم من اللقاء فتعامل معهم بحزم وشدّة فأرسل إليهم من يحرق عليهم دارهم ليكونوا عبرةً لغيرهم.
وقد أنزل اللّه في ذلك آيات تفضح المنافقين وتؤنّب المتقاعسين وتعذر الضعفاء. وبلغ عدد جيش المسلمين ثلاثين ألف مقاتل - على أقلّ تقدير - واستخلف
النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم علي بن أبي طالب في المدينة لما كان يعلم منه من حنكة و حسن تدبیر وقوة يقين؛ وكان الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم يخشى من قيام المنافقين بعمل تخريبي في المدينة،وقال صلی اللّه علیه و آله وسلم «يا علي إنّ المدينة لا تصلح إلا بي أو بك»(2)فإنّ حركة النفاق أخذت تنمو
بعد اندحار المشركين و تتابع آيات القرآن الكريم بالتحذير من خطط وأساليب المنافقين خير دليل على تنامي قدرة هذا العدو داخل أراضي الدولة الإسلامیّة بعد الفتح. وأشاع المنافقون عن بقاء علي بن أبي طالب علیه السلام في المدينة أموراً إذ قالوا: إنّما تركه رسول اللّه استثقالاً له وتخفّفاً منه؛ سعياً منهم للإثارة وعسى أن يخلو جوّ المدينة لهم فأسرع عليٌّ علیه السلام فلحق بالرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم على مقربة من المدينة وقال له:
يانبي اللّه زعم المنافقون أنك إنّما خلّفتني أنك استثقلتني و تخفّفت مني. فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : «كذبوا ولكنّني خلّفتك لما تركت ورائي فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى ياعلي أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟! إلّا أنه لا نبي بعدي»(1).
وانطلق جيش المسلمين في طريق وعر طويل بعد أن بيّن لهم الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم هدف المسيرة خلافاً لسيرته في الغزوات الماضية. وأخذ يتخلّف عنه في الطريق بعض ممّن خرجوا معه من المدينة فكان يقول صلی اللّه علیه و آله وسلم لأصحابه دعوه فإنّ يكن به خير فسيلحقه الله بكم و إنّ يكن غير ذلك فقد أراحكم اللّه منه.
وأسرع النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم السير حين مرّ على أطلال قوم صالح لا وقال لأصحابه - و هو يعظهم: - «لا تدخلوا بيوت الّذین ظلموا إلا وأنتم باكون خوفاً أن يصيبكم مثل ما أصابهم»، ونهاهم عن استعمال الماء من هذه المنطقة(2).
ونظراً للصعوبات الّتی أحاطت بهذه الغزوة في الماء والغذاء والنفقة والظهر (الخيل والإبل )فقد سمّي هذا الجيش ب«جيش العسرة».
ولم يجد المسلمون جيش الروم؛ إذ كان قد تفرّق جمعهم، واستشار الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم
أصحابه في ملاحقة العدو أو العودة إلى المدينة فقالوا: إنّ كنت اُمِرت بالسير فسِر. فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : ( ولو أمرت به ما استشرتكم فيه(1)» فكان قرار العودة إلى المدينة.
واتصل الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بزعماء المنطقة الشماليّة للجزيرة وعقد معهم عدّة معاهدات تتضمن عدم التعرّض من الجانبين (2).
محاولة اغتيال النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم
واقفل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم راجعاً مع المسلمين إلى المدينة بعد أن أمضوا بضع عشرة يوماً في تبوك، وتحرّك المنافقون فعزموا على اغتيال الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وذلك بتنفير ناقته عند مرورها ليطرحوه في وادٍ كان هناك.
وحين وصل الجيش إلى عقبة( بين المدينة والشام) قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي فإنّه أوسع لكم فأخذ الناس بطن الوادي وسلك هو طريق العقبة يقود ناقته عمّار بن ياسر ويسوقها حذيفة بن اليمان، فرأى ع اللّه في ضوء القمر فرساناً لحقوا به من ورائه في حركة مريبة فغضب صلی اللّه علیه و آله وسلم وصاح بهم وأمر حذيفة أن يضرب وجوه رواحلهم؛ فتمالكهم الرعب وعرفوا بأن النبي له قد علم بما أضمرته نفوسهم من المؤامرة والاغتيال فأسرعوا تاركين العقبة ليخالطوا الناس.
وطلب حذيفة من الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يبعث إليهم فيقتلهم بعدما عرفهم من رواحلهم ولكنّ رسول الرحمة صلی اللّه علیه و آله وسلم عفا عنهم وأوكل أمرهم إلى اللّه تعالى(3).
1 . لقد برز المسلمون كقوة كبيرة منظمة تملك العقيدة القويّة فتهابهم الدول
المجاورة والديانات الأخرى فكان هذا إنذاراً حقيقيّاً لكلّ القوى في خارج البلاد الإسلامیّة وتحذيراً لها من التعرّض للمسلمين.
2 . ضمن المسلمون عن طريق المعاهدات مع زعماء المناطق الحدوديّة (من جهة الشمال) أمن هذه المنطقة.
4 . كانت غزوة تبوك اختباراً لمعنويات المسلمين و تمييزاً للمنافقين من المؤمنين.
تتبّع الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم خط المنافقين بيقظة كاملة وراح يضع لكلّ خطّة تخريبيّة حلّاً متناسباً معها.
و تحركت نوازع الحسد والحقد لدى مجموعة من المنافقين من جديد وبدعم من قوى ضالّة بنوا مسجداً مقابل مسجد (قباء) زاعمين أنه لذوي العلة والحاجة والليلة المطيرة فأسرعوا إلى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم يطلبون منه أن يصلّي فيه ليضفي عليه نوعاً من المقبولية فأخّر الاستجابة لهم إلى ما بعد غزوة تبوك، فلما رجع من تبوك نزل الأمر الإلهي بالنهي عن الصلاة في هذا المسجد لأنه كان يهدف إلى تشتيت كلمة المسلمين والإضرار بالأمّة ،والعقيدة، وشتّان بين بنيان أسّس على التقوى وآخر للضلالة والنار وأمر النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم بعض أصحابه للإسراع في هدمه وإحراقه(1)(2)
الخلاصه
أحدث فتح مکّة واستسلامها للنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ردّ فعل عنيف لدى القبائل العربیّة كهوازن وثقيف وحاولت أن توجّه ضربتها للقوات الإسلامیّة . و أفلحت في أوّل الطريق، ولولا إيمان المسلمين ورجوعهم إلى دعوة رسولهم العظيم لاكتسحت هاتان القبيلتان قوّات المسلمين.
وكانت غزوة حنين تجربة قيّمة للمسلمين لئلا يغتروا بكثرة العدد فإنّ قدرة الإيمان هي الّتی تؤدّي إلى النصر دائماً.
وحاصر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم الطائف ثمّ تركها لما كان يراه من أنّها ستسعى للانتماء لدولة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في آخر المطاف. على أن رحلة تبوك كانت هي الأهمّ بعد وصول الأنباء باستعداد الروم لغزو المسلمين.
وحقّق النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بحركته الصعبة إلى تبوك انتصاراً على الجبهة النصرانية البيزنطية لا يقلّ عن انتصاراته على الجبهتين الوثنیّة واليهوديّة وكسب عدداً من القبائل القاطنة في جنوب الشام ومثّلت غزوة تبوك خطوة
لتخطي نطاق العرب إلى العالم أجمع.
وجاءت تجربة تبوك لتمحيص قوى الايمان من فلول المنافقين وأنجى نبيّه من اغتيال المنافقين وعفى عنهم الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم و أمر بحرق قاعدة من أهمّ قواعدهم الّتی شيّدوها تحت غطاء (المسجد).
وهكذا انتهى العامّ الثامن وتسعة أشهر من العامّ التاسع والانتصارات تكلّل مساعي الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم والمسلمين.
الأسئلة
1 . ماذا كانت ردود الفعل لفتح مكّة على سائر القبائل المشركة؟
2 . كيف خطّطت هوازن و ثقيف لضرب القوات الإسلامیّة ؟
3 . كيف انتصر المسلمون في حنين؟ ولماذا؟
4 . ما هي النتائج الّتی حققّتها غزوة حنين؟
5 . لماذا حاصر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم الطائف؟ ولماذا ترك الحصار؟
6 . لماذا كانت غزوة تبوك؟
كان سقوط مکّة بأيدي المسلمين ثمّ هزيمة التحالف الوثني فی حنين آخر ضربتين حاسمتين للوجود الوثني في الجزيرة، انهار بعدها جدار الكفر وانطلقت حركة الإسلام بسرعة إلى كلّ مكان وأدركت القبائل العربیّة أن لا مناص لها من تحديد موقفها من الإسلام ودولته المتفرّدة بالحكم والسلطان في الجزيرة كلّها... فراحت تتسابق هذه القبائل في إرسال وفودها إلى قاعدة الإسلام - مدينة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم - المبايعته على الإسلام أو مصالحته.
ولكثرة هذه الوفود في العامّ التالي لفتح مکّة ومطلع الّذی يليه سمّاه المؤرخون (عام الوفود).
وكان في طليعة هذه الوفود وفد ثقيف الّذی قدم المدينة في أعقاب عودة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم من غزوة تبوك.
رحب النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بمقدم الوفد الثقفي و ضربت لهم قبّة في ناحية المسجد النبوي وكلّف النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم خالد بن سعيد ليقوم بالضيافة ثمّ بدأ الوفد يفاوض النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم على الإسلام بشروط هي: أنه يترك صنم القبيلة مدّة من الزمن وأبي النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم إلا التوحيد
الناصع الخالص للّه وتنازل القوم شيئاً فشيئاً حتّی وصل الأمر أن قبلوا الإسلام بشرط أن يعفيهم صلی اللّه علیه و آله وسلم النبي عن كسر أصنامهم بأنفسهم وشرطوا أن يعفيهم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم من الصلاة فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم لاخير في دين لاصلاة فيه... فقبلوا الإسلام وبقي الوفد مع النبي مدّة من الزمن يتعلمون أحكام الدين. ثمّ كلف رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة أن يذهبا إلى الطائف لهدم الأصنام فيها(1).
وفي غمرة أفراح النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بنجاح الإسلام وانتشاره حيث الناس يدخلون في دين اللّه أفواجاً، وعك إبراهيم بعد أن دخل في عامه الثاني وجعلت أُمّه مارية تمرّضه ولم ينفع معه شيء فأبلغ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم باحتضار ولده فأقبل وإبراهيم يجود بنفسه في حضن اُمّه فاخذه النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وقال: يا إبراهيم إنّا لن نغني عنك من اللّه شيئاً إنا بك لمحزونون تبكي العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الربّ ولولا أنه وعدٌ صادق و موعود جامع فإنّ الآخر منّا يتبع الأوّل لوجدنا عليك يا إبراهيم وجداً شديداً ما وجدناه(2).
وبدت علامات الحزن واضحة على قسمات وجه النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم و قيل له: يارسول اللّه أولست قد نهيتنا عن هذا. فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : ما عن الحزن نهيتُ ولكنّي نهيت عن خمش الوجوه وشق الجيوب ورنّة الشيطان(3).
وروي أنه قال: «إنّما هذا رحمة و من لا يَرحم لا يُرحم»(4).
ولعظيم منزلة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم عند اللّه سبحانه وما أظهر من معجزات للعالمين آمنوا به
ظنّ بعض المسلمين أنّ كسوف الشمس في يوم وفاة إبراهيم إنّما هو من آيات اللّه لموته.
وما أسرع ماردّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم هذا الزعم خشية أن تتحوّل الخرافة إلى سُنّة ومعتقد يتّخذها الجاهلون.
فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : « أیّها الناس إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات اللّه لا يُكسفان لموت أحد ولا لحياته»(1).
لم يبق في الجزيرة العربیّة قوّة تتمسّك بالشرك و الوثنیّة إلا أفراد لا يعتد بهم، وانتشرت العقيدة الإسلامیّة السمحاء بتفاصيلها الّتی كان يعتنقها المسلمون وكان لابدّ من إعلان صريح حازم يلغي كلّ مظاهر الشرك و الوثنیّة في مناسك أكبر تجمع عبادي سياسي.
وحان الوقت المناسب لتعلن الدولة الإسلامیّة شعاراتها في كلّ مكان وتنهي مرحلة
المداراة وتأليف القلوب الّتی تطلبتها المرحلة السابقة.
واختار النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم يوم النحر (في منى ) (2)مكاناً للإعلان واختار أبابكر ليقرأ مطلع
سورة التوبة (3)الّذی تضمن إعلان البراءة بصراحة وتضمنت هذه الآيات مايلي:
2 . لايطوف في البيت الحرام عُريان؛ إذ كانت تقاليد الجاهلیّة تسمح بذلك.
4 . من كان بينه وبين رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم عهد فأجله إلى مدته، ومن لم يكن له عهد و مدة من المشركين فإلى أربعة أشهر وبعدها سوف يقتل من وُجِدَ مشركاً.
ونزل الوحي الإلهي على النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم قائلاً: «إنه لا يؤدّي عنك إلا أنت أو رجل منك». فاستدعى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم عليّاً وأمره أن يركب ناقته العضباء ويلحق بأبي بكر ويأخذ منه البلاغ ويؤدّيه للناس(1).
و وقف عليّ بين جموع الحجيج وهو يتلو البيان الإلهي بقوّة وجرأة تتناسق مع حزم القرار و وضوحه. و وقف الناس ينصتون إليه بحذر ودقّة... وكان أثر الإعلان على المشركين أن قدموا مسلمين على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم .
واجتمع زعماء نصارى نجران وحكماؤهم يتدارسون أمر كتاب النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم الّذی يدعوهم فيه إلى الإسلام. ولم يتوصّلوا إلى رأي قاطع فما في أيديهم من تعاليم تؤكّد وجود نبي بعد عيسى ، وما يبدو من محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم فهو دالّ على نبوته. فأجمعوا أن يرسلوا وفداً يقابل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم نفسه ويحاوره.
وأستقبل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم الوفد الكبير وعلامات عدم الرضا بادية عليه من مظهرهم الّذی كان يحمل طابع الوثنیّة فقد كانوا يرتدون الديباج والحرير ويلبسون الذهب ويحملون الصلبان في أعناقهم. ثمّ غدوا عليه ثانية وقد بدّلوا مظهرهم فرحّب بهم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وأبدى احترامه لهم وفسح لهم المجال ليمارسوا طقوسهم(2).
ثمّ عرض عليهم الإسلام وتلا عليهم آيات من القرآن فامتنعوا وكثر الحِجاج معهم، فخلصوا إلى أن يباهلهم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بأمر من اللّه عزّ وجلّ واتفقوا على اليوم اللاحق موعداً.
و خرج إليهم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يحمل الحسين بن علي وبيده الحسن بن علي وخلفه فاطمة الزهراء وعلي بن أبي طالب امتثالاً لأمر اللّه حيث نزل قائلاً: (فمن حاجك فيه من بعد ماجاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثمّ نبتهل فنجل لعنة اللّه على الكاذبين) (1).
ولم يصحب النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أحداً من المسلمين سوى أهل بيته هؤلاء الّذین أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا اللّه أن يزيل جبلاً
من مكانه لأزاله فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني.
فأبوا أن يباهلوا النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم و أهل بيته، فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : أمّا إذا أبيتم المباهلة فأسلموا یكن لكم ماللمسلمين وعليكم ما على المسلمين فأبوا.
فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : إنِّي أنا جزكم القتال. فقالوا: مالنا بحرب العرب طاقة، و لکنّ نصالحك على أن لا تغزونا و لا تردّنا عن ديننا على أن نؤدّي إليك في كلّ عام ألفي حلّة، ألفاً في صفر، وألفاً في رجب، وثلاثين درعاً عاديّة من حديد، فصالحهم على ذلك.
وقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : و الّذی نفسي بيده أنّ الهلاك قد تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستئصل نجران وأهله الطير على رؤوس الشجر، ولمّا حال الحول على النصارى كلّهم حتّی يهلكوا فرجعوا إلى بلادهم(2).
وروي أنّ السيّد والعاقب من زعمائهم لم يلبثا إلّا يسيراً حتّی عادا إلى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ليعلنا إسلامهما (3).
كان الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله وسلم القدوة الحسنة للإنسانيّة جمعاء يبلّغ آيات اللّه ويفسّرها ويفصّل أحكامها ببيان جلي، وجماهير المسلمين حريصون على الاقتداء به وبحلول شهر ذي القعدة من العامّ العاشر للهجرة عزم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم على أداء فريضة الحج - ولم يكن قد حجّ مع المسلمين من قبل - ولم تبلّغ جميع أحكام الحجّ فتقاطرت اُلوف المسلمين على المدينة يتجهّزون للخروج مع النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم حتّی بلغ عددهم ما يقارب مائة ألف مسلم من مختلف الحواضر والبوادي والقبائل تجمعهم المودّة الصادقة والاُخوة الإسلامیّة والاستجابة للرسول القائد صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد أن كانوا بالأمس القريب أعداءاً متنافرين، جُهّالاً كافرين. واصطحب النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم معه كل نسائه وابنته الصديقة فاطمة الزهراء وتخلّف عنه علي بن أبي طالب علیه السلام حيث كان قد بعثه النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم مهمّة إلى اليمن واستعمل على المدينة أبادجانة الأنصاري.
وعند ذي الحليفة أحرم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بلبس قطعتين من قماش أبيض ولبي عند الإحرام قائلاً: «لبّيك اللّهم لبّيك لبّيك لا شريك لك لبيك إنّ الحمد والنعمة لك والملك، لاشريك لك لبيك».
وفي الرابع من شهر ذي الحجّة الحرام شارف النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم مکّة وقطع التلبية، دخل صلی اللّه علیه و آله وسلم المسجد الحرام وهو يكثر الثناء على اللّه ويحمده ويشكره فأستلم الحجر وطاف سبعاً وصلّى ركعتين عند مقام إبراهيم ثمّ سعى بين الصفا والمروّة والتفت إلى الحجيج قائلاً: «من لم يسق منكم هدياً فليحلّ وليجعلها عُمرة، ومن ساق منكم هدياً فليقم على إحرامه».
على أنّ بعض المسلمين لم يستجب لأمر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم فغضب النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم لموقف الناس وقال: «لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كما أمرتكم»(1).
و أقفل علي بن أبي طالب علیه السلام راجعاً من اليمن نحو مکّة ليلتحق برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم
1) بحار الأنوار، ج 21، ص 319.
واستخلف أحد أفراد سريّته عليها. وسرّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بلقاء علي وما حقّقه من نجاح في اليمن وقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : انطلق فطف بالبيت وحِلّ كما حلّ أصحابك. فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : يارسول اللّه إنّي أهللت كما أهللت، ثمّ قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : إني قلت حين أحرمت: اللّهم إنّي أهلّ بما أهلّ به عبدك ونبيك ورسولك محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم ثمّ أمره صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يعود إلى سريّته ويصحبهم إلى مكّة، ولمّا قدموا على النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم اشتكوا عليّا علیه السلام لأنه رفض تصرّفاً غير صحيح كانوا قد فعلوه في غيابه، فغضب النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وقال: «أيها الناس لا تشكوا عليّاً، فوالله إنه لأخشن في ذات اللّه من أن يشتكى»(1).
وفي اليوم التاسع من ذي الحجة توجه النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وجموع المسلمين نحو عرفات. ومكث صلی اللّه علیه و آله وسلم في عرفات حتّى غروب اليوم التاسع، ومع الظلام ركب ناقته وأفاض إلى المزدلفة وأمضى فيها شطراً من الليل ولم يزل واقفاً من الفجر إلى طلوع الشمس في المشعر الحرام. ثمّ توجّه في اليوم العاشر إلى «منى» وأدّى مناسكها من رمي الجمرات والنحر والتقصير ثمّ توّجه نحو مکّة لأداء بقية مناسك الحجّ.
وقد سمّي هذا الحج ب-«حجّة الوداع» لأنه صلی اللّه علیه و آله وسلم ودّع المسلمين في هذا الحجّة الّتی أشاعوا فيها إلى دنو وفاته كما سُمّيت ب-«حجّة البلاغ» لأنه صلی اللّه علیه و آله وسلم بلغ فيها ما أنزل إليه من ربه في شأن الخلافة من بعده، ومنهم من سماها ب-«حجّة الإسلام» لأنها الحجّة الأُولی للنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم و الّتی بين فيها أحكام مناسك الحج.
وروي أن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم قد خطب خطاباً جامعاً فقال - بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه- :
«أيها الناس اسمعوا منّي اُبيّن لكم، فإني لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.
1) السيرة النبویّة ، ج 2، ص 603؛ بحار الأنوار، ج 21، ص 385.
أیّها الناس إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة يومكم هذا
في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلّغت اللّهم ّ اشهد.
فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى الّذی ائتمنه عليها وإنّ ربا الجاهلیّة موضوع
وإنّ أوّل رباً أبداً به ربا عمّي العبّاس بن عبدالمطّلب .
و إنّ دماء الجاهلیّة موضوعة، وإنّ أوّل دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن
عبدالمطّلب .
وإنّ مآثر الجاهلیّة موضوعة غير السدانة والسقاية والعمد قود وشبه العمد ماقتل
بالعصا والحجر ففيه مائة بعير فمن زاد فهو من أهل الجاهلیّة .
أيّها الناس إنّ الشيطان قد يئس أن يُعبد في أرضكم هذه ولكنّه رضي أن يطاع
فيما سوى ذلك ممّا تحتقرون من أعمالكم.
أيّها الناس إنّما النسيء زيادة في الكفر يُضَلُّ به الّذین كفروا يُحِلّونه عاماً ويحرّمونه عاماً ليواطئوا عدّة ما حرّم اللّه وإنّ الزمان استدار كهيئته يوم خلق اللّه السموات والأرض وإنّ عدّة الشهور عند اللّه إثنا عشر شهراً في كتاب اللّه يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرم ثلاثة متواليات وواحد فرد ذو القعدة وذو الحجّة والمحرم و رجب الّذی بين جمادي وشعبان. ألا هل بلّغت اللّهمّ اشهد.
أيّها الناس إنّ لنسائكم عليكم حقّاً وإنّ لكم عليهن حقاً. لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم ولا يدخلنّ أحداً تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة فإنّ فعلن فإنّ اللّه قد أذن لكم أن تعضلوهنّ وتهجروهنّ في المضاجع وتضربوهنّ ضرباً غير مبرح فإنّ انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهنّ وكسوتهن بالمعروف، و إنّما النساء عندكم عوار لا يملكن لأنفسهن شيئاً، أخذتموهن بأمانة اللّه واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللّه فاتقوا اللّه في النساء واستوصوا بهنّ خيراً.
أيها الناس إنّما المؤمنون إخوة فلا يحلّ لامرىءٍ مال أخيه إلا عن طيب نفس. ألا
هل بلّغت؟ اللّهمّ اشهد.
فلا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض؛ فإنّي تركت فيكم ما إنّ أخذتم
به لن تضلوا كتاب اللّه و عِترتي أهل بيتي، ألا هل بلغت اللّهم اشهد. أيها الناس إنّ ربكم واحد، و إنّ أباكم واحد كلكم لآدم، و آدم من تراب، أكرمكم عند اللّه أتقاكم، ليس لعربي على عجميّ فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلّغت؟ قالوا: نعم،
قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : فليبلّغ الشاهد منكم الغائب(1).
أيّها الناس إنّ اللّه قد قسّم كلّ وارث نصيبه من الميراث ولا يجوز لوارث وصيّة في أكثر من الثلث، والولد للفراش و للعاهر الحجر، من ادّعى إلى غير أبيه أو تولّى غير مواليه فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه صرفاً ولا عدلاً.. ... والسلام عليكم و رحمة اللّه (2)
للمزيد من التفصيل راجع موسوعة الغدير للعلّامة الأميني الجزء الأول.
المائدة: 67/5
.الخلاصه
كان العامّ التاسع الهجري عام الوفود وعام تصفية الوجود الوثني داخل الجزيرة العربیّة من خلال الإعلان الرسمي بالبراءة من المشركين، الأمر الّذی أدى بالمسلمين أن يخرجوا من حدود الجزيرة للدعوة إلى الإسلام الّذی قوت فيه شوكة المسلمين بعد الانتصار العظيم الّذی تحقّق بعد غزوة تبوك الظافرة.
وبعد هذا الإعلان الرسمي أصبحت الجزيرة ذات دولة مركزيّة وسيادة سياسيّة تعتمد الإسلام نظاماً للحياة وأصبح الكفر والشرك شذوذاً وخروجاً على نظام الدولة الجديدة .
وكانت دعوة القبائل النصرانية إلى حظيرة الإسلام ثمّ دعوتها إلى المباهلة و تراجعها أمام دعوة المباهلة دليلاً كافياً لعظمة الإسلام وموجباً لرضوخها للقيادة الإسلامیّة وسبباً لقطع صلتها بدولة الروم النصرانيّة بعد إدخالهم في ذمة الدولة الإسلامیّة .
وكان العامّ العاشر عام حجّة الوداع أو حجّة البلاغ الّتی أتمّ فيها الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم الحجج البالغة على جميع الحجج البالغة على جميع المسلمين وجعلهم أمام مسؤولياتهم الربانية وأعدّهم للدور القادم بعد وفاته لحمل مشعل الإسلام في ربوع الأرض.
الأسئلة
1 . لماذا سمّي العامّ التاسع بعام الوفود؟
2 . ما هي ميزة عام الوفود؟
3 . ماذا كان موقف النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم من وفاة ابنه إبراهيم؟
4 . ما هي دلالات إعلان البراءة من المشركين؟
5 . كيف تمّ إعلان البراءة من المشركين؟
متى كانت حجّة الوداع ولماذا سميت بذلك؟
ما هي أهمّ النقاط الّتی أكد عليها النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في خطبته في حجّة الوداع؟
أتم المسلمون حجهم الأكبر وهم يحفّون بالنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وقد أخذوا مناسكهم عنه، وقرّر صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يعود إلى المدينة، ولمّا بلغ موكب الحجيج العظيم «رابغ» قرب «غدیر خم» وقبل أن يتفرّق الحجيج إلى بلدانهم من هذه المنطقة نزل الوحي الإلهي بآية التبليغ قائلاً: (يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك و إنّ لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس)(1). إنّ هذا الخطاب الإلهي كان يأمر الرسول بأمر مهّم ويجعل على عاتقه مسؤوليّة
عظيمة. فأيّ تبليغ طُلب من الرسول إنجازه وهو لم يقم به بعد؟ وقد أمضى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ما يقارب من ثلاثة و عشرين عاماً يبلغ آيات اللّه وأحكامه ويدعو الناس إلى دين اللّه ، وقد نال مانال من عظيم المحن والبلاء والجهد كي يقال له: «و إنّ لم تفعل فما بلغت رسالته».
وهنا أصدر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أوامره بأن تقف القوافل حتّی يلحق آخرها بأوّلها في يوم
1) المائدة / 67.
شديد الحر كان يضطر المرء فيه أن يغطّي رأسه ويقي قدميه من شدة حرّ الرمضاء ليتلو عليهم أمر السماء ويكمل تبليغ الرسالة الخاتمة. إنها الحكمة الإلهيّة بأن يتم التبليغ في هذا المكان وفي هذا الظرف كي يبقى عالقاً في وجدان الأمّة حيّاً فی ذاكرتها على مرّ الزمن حفاظاً على الرسالة والأمّة الإسلامیّة .
وجمعت الرحال وصعد عليها النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد أن صلّى في جموع المسلمين فحمد اللّه وأثنى عليه وقال بصوت رفيع يسمعه كلّ من حضر:
«أيها الناس يوشك أن أدعى فأجيب وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك بلّغت و نصحت و جاهدت فجزاك اللّه خيراً. قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : ألستم تشهدون أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمّد اً عبده ورسوله وأنّ جنّته حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها و أنّ اللّه يبعث من في القبور ؟ قالوا: بلى نشهد بذلك قال صلی اللّه علیه و آله وسلم اللّهمّ أشهد.
ثمّ قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : فإنّي فرطكم علىّ الحوض وأنتم واردون عليّ الحوض وأنّ عرضه ما بين صنعاء وبُصرى فيه أقداح عدد النجوم من فضة فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين.
فنادى مناد وما الثقلان يارسول اللّه ؟ قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : القل الأكبر كتاب اللّه طرف بيد اللّه عزّ وجلّ وطرف بأيديكم فتمسّكوا به لاتضلّوا والآخر الأصغر عترتي. و إنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتّی يردا علي الحوض فسألت ذلك لهما ربّي فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصّروا عنهما فتهلكوا.
ثمّ أخذ بيد علي بن أبي طالب حتّی رُئي بياض إبطيهما وعرفه الناس أجمعون. فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : « أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : إنّ اللّه مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فعليّ مولاه - يقولها ثلاث مرات -.
ثمّ قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأحبّ من أحبّه وابغض من أبغضه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحقّ معه حيث دار، ألا فليبلّغ الشاهد الغائب».
ثمّ لم يتفرّقوا حتّی نزل أمين وحي اللّه بقوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً )(1)، فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : «الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الربّ برسالتی والولاية لعلي بعدي».
ثمّ أمر صلی اللّه علیه و آله وسلم أن تنصب خيمة لعلي علیه السلام و أن يدخل عليه المسلمون فوجاً فوجاً ليسلّموا عليه بإمرة المؤمنين ففعل الناس ذلك كلّهم وأمر أزواجه وسائر نساء المؤمنين ممّن معه أن يفعلن ذلك.
وكان في مقدمة المهنّئين أبوبكر وعمر بن الخطاب، كلٌّ يقول: بخٍ بخٍ لك ياابن
أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة(2).
تفرّقت جموع الحجيج من غدير خم نحو العراق والشام واليمن، ويمّم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بأصحابه صوب المدينة. وحمل الجميع وصيّة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بالقيادة النائبة لتستمرّ حركة الرسالة الإسلامیّة بنهج تتعمّق في النفوس وتجتاز العقبات بعد أن يرحل عنها صاحب الرسالة صلی اللّه علیه و آله وسلم ويكون قد عيّن لصيانة رسالته وقيادة أمّته شخصاً نموذجيّاً في حمل هموم الرسالة والحرص على نجاحها لا تأخذه في اللّه لومّة لائم ولم يشرك بالله طرفة عين.
بعد أن انبسط سلطان الدين الإلهي في ربوع الجزيرة وما والاها، وانحازت القبائل جميعاً إلى دولة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم لمّا رأوه من العزة والاستقلال الّذی اكتسبوه في ظلال دولته المباركة ولمّا لاحظوه من حرصه على أن يكون خليفة في اُمته ودولته والقائم
على شؤون رسالته من اعتبره القرآن الكريم نفس الرسول العظيم(1).
فمن الطبيعي جداً للنفوس السليمة بفطرتها أن تخلص الولاء لهذا الرسول ودولته
الفتيّة.
. ولم يعد ذا بال أن يتمرّد بعض العرب ويرتدّ عن ولائه السياسي بل العقيدي وهو
يرى النبي سلطاناً وحاكماً متنفّذاً ليس إلّا، كما كان أبوسفيان يرى النبيّ كذلك.
غير أنّ الاذكياء من هؤلاء كانوا يرون صلاحهم في الخضوع لهذا الكيان الجديد وكانوا يخطّطون للنفوذ إلى مراكز القوة في الدولة الجديدة، والأغبياء منهم بدأوا التمرّد على النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم طالبين منه أن يقسّم سلطانه.
إنّ الطمع في الشرف الّذی نالته قريش يوم أصبح منها محمّد نبيّاً - كما ظنّ الجاهلون - كان ممّا دفع البعض لأن يدّعي النبوّة، فهذا مسيلمة يكتب للنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ويدّعي النبوّة ليشارك النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في سلطان الأرض، ولمّا وقف النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم على مضمون الرسالة إلتفت إلى من حملها إليه وقال: «لولا أنّ الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما لأنكما أسلمتما من قبل وقبلتما برسالتی فلِمَ اتّبعتما هذا الأحمق و تركتما دينكما؟».
ثمّ ردّ على مسيلمة الكذاب برسالة بعثها إليه : جاء فيها: «بسم اللّه الرحمن الرحيم. من محمّد رسول اللّه إلى مسيلمة الكذّاب. السلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد فإنّ الأرض اللّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين»(2).
التعبئة العامّة لغزو الروم (3)
وأبدى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم اهتماماً كبيراً للحدود الشماليّة للدولة الإسلامیّة حيث دولة الروم
المنظمة وصاحبة الجيش القوي وأمّا فارس فلم تكن ذان أثر مُقلق؛ لأنّ علامات الانهيار كانت قد بدت عليها، كما أنّها لم تكن تمتلك عقيدة روحيّة تدافع عنها
كالمسيحية لدى الروم.
على أنّ بعض عناصر الشغب والنفاق كانت قد أجليت عن الدولة الإسلامیّة فاتّجهت إلى الشام وكان وجود نصارئ نجران في الجنوب أيضاً عاملاً سياسيّاً يدفع الروم لنصرتهم.
وكلّ هذه لم تكن عوامل آنيّة عاجلة تستدعي الاهتمام الكبير الّذی ظهر واضحاً
من إعداد النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم لجيش كبير يضم وجوه كبار الصحابة ما خلا عليّاً وسعة المخلصين معه.
من هنا يظهر أنّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم كان يريد أن يخلو الجو السياسي من أحداث تعيق استلام وصيّه علي بن أبي طالب علیه السلام زمام السلطة من بعده، بعد أن لمس أنّ تحسّساً وانزعاجاً من بعض الأطراف لتأكيده المستمر على مرجعيّة علي علیه السلام لإتمام مسيرة الرسالة الإسلامیّة ليست بيعة الغدير ببعيدة عنه فأراد النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أن تخلو المدينة من أي توتّر سياسي ليتم لعلي علیه السلام ما خطّط من استلام مقاليد الخلافة من بعده ولهذا عقد النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم لواء المسلمين وسلّمه إلى اُسامة بن زيد القائد الشاب الّذی نصبه الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بمغزى واضح وإشارة بليغة إلى أهمّیّة الكفاءة في القيادة وجعل تحت إمرته شيوخ الأنصار والمهاجرين. وقال له: «سِر إلى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد ولّيتك هذا الجيش فاغز صباحاً وشنّ الغارة على أهل اُبنى».
و لکنّ روح التمرد وقلّة الانضباط الّتی كانت تبدر من بعض المسلمين أخذت تعترض على التسليم لأمر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ولعلها كانت جاهلة بالأهداف والمصالح العليا للإسلام و الّتی قد عناها النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وهو المعصوم المسدّد من قبل اللّه سبحانه، فقد كانت حركة الجيش الّذی كان قد عسكر في «الجرف».
وبلغ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ذلك فغضب و خرج و هو يلتحف قطيفة، وقد عصَّبَ جبهته بعصابة
من ألم الحمّى الّتی أصابته فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه وقال.
أمّا بعد أيّها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري اُسامة، ولئن طعنتم في إمارتي اُسامة فقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله وأيم اللّه كان للإمارة خليقاً وإنّ ابنه من بعده لخليق للإمارة، و إنّ كان لمن أحبّ الناس إليّ وإنّهما لمخيلان لكلّ خيرا(1)، واستوصوا به خيراً فإنّه من خياركم(2).
واشتدت الحمّى برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ولم يشغله ثقل المرض عن الاهتمام الكبير منه لخروج الجيش فكان يقول: «أنفذوا جيش اُسامة» (3)لكلّ من يعوده من أصحابه ويزيد إصراراً بقوله: «جهزوا جيش اُسامة لعن اللّه من تخلف عنه» (4). وأوصل بعض المسلمين أنباء تردّي صحة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى معسكر المسلمين في الجرف فرجع اُسامة يعود النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم فحته على المضي نحو هدفه الّذی رسمه له قائلا له: اُغد على بركة اللّه .
فعاد اُسامة مسرعاً لجيشه يحثّه على الخروج ولكنّ المتقاعسين وذوي الأطماع
في الخلافة تمكّنوا من عرقلة مسيرة الجيش زاعمين أن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم يحتضر، بالرغم من إصرار الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم على التعجيل في المسير وعدم التخلّف عنه.
و رغم ثقل الحمّى وألم المرض خرج النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم مستنداً على علي علیه السلام والفضل ابن العبّاس ليصلّي بالناس وليقطع بذلك الطريق على الوصوليين كي لا يتخّذوها حجّة ويقتنصوا الزعامة الّتی طمحوا لها من قبل وقد عصوا الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وتخلّفوا عن أمره
بالخروج مع جيش اُسامة.
وحين أتم الصلاة التفت إلى الناس قائلاً: « أیّها الناس سُعّرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، وإني والله ما تمسكون عليّ بشيء، إني لم أحل إلا ما أحل اللّه ، ولم أحرم إلا ما حرم اللّه )(1).
فأطلق بقوله هذا تحذيراً آخر أن لا يعصوه و إنّ لاحت في الأفق نواياهم السيّئة
الّتی ستجلب الويلات للأمّة إذ يتزعّمها جهّالها.
واشتدّ المرض على النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم واجتمع الصحابة في داره ولحق بهم من تخلّف عن جيش اُسامة فلامهم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم واعتذروا بأعذار واهية. وحاول النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يعرقل المؤامرة السياسيّة الّتی كان يتوقعها من بعد وفاته فقال للحاضرين عنده: ايتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لاتضلون بعده.
فقال عمر بن الخطاب: إنّ رسول اللّه قد غلبه الوجع (2)و عندكم القرآن حسبنا کتاب اللّه .
و وقع التنازع والاختلاف وقالت النسوة من وراء الحجاب: إئتوا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بحاجته فقال عمر: اسكتن فإنّكن صويحبات يوسف إذا مرض عصرتنّ أعينكن وإذا صح أخذتنّ بعنقه، فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم: هنّ خير منكم(3). ثمّ قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع
وكم كانت الأمّة بحاجة ماسّة لكتاب الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم هذا حتّی أن ابن عبّاس كان يأسف كلمّا يذكر ذلك ويقول: الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بيننا و بین کتاب رسول اللّه (4).
ولم يصرّ نبي الرحمة على الكتاب بعد اختلافهم عنده خوفاً من تماديهم فی الإساءة ونكرانهم لما هو أكبر، فقد علم اللّه بما في نفوسهم، وحين راجعوه ثانية بشأن الكتاب قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : « أَبَعْدَ الّذی قلتم ؟»(1)؟!» وأوصاهم ثلاث وصايا... تتذكر كتب التأريخ اثنتين منها وهما: إخراج المشركين من جزيرة العرب وإجازة الوفد كما كان يجيزهم وتزعم نسيان الثالثة.
وعلّق السيد محسن الأمين على ذلك قائلاً والمتأمّل لا يكاد يشكّ في أنّ الثالثة سكت عنها المحدّثون عمداً لا نسياناً و أنّ السياسة اضطرتهم إلى السكوت عنها عمداً وتناسيها و أنّها هي الّتی طلب الدواة والكتف ليكتبها لهم(2).
وأقبلت الزهراء علیها السلام وهي تجرّ أذيالها بحزن وتتطلّع إلى أبيها وهو يوشك أن
سحق بربه فجلست عنده منكسرة القلب دامعة العين مختنقةً بعبرتها وهي تردّد:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمالَ اليتامى عصمة للأرامل
وفي هذه اللحظات فتح النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم عينيه من إغمائه وقال بصوت خافت: يابنيّة هذا قول عمّك أبي طالب لا تقوليه و لکنّ قولي: وما محمّد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أ فإنّ مات أو قتل انقلبتُم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر اللّه شيئاً وسيجزي اللّه الشاكرين(3).
وأشار النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى حبيبته الزهراء علیها السلام أن تدنو منه ليحدّثها فانحنت عليه فسارّها بشيء فبكت ثمّ سارّها ثانية .فضحكت ممّا أثار فضول الحضور وسألوها عن
سرّ ذلك فقال : ما كنت لأفشي سرّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم .
وسئلت الزهراء بعد وفاة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم عن ذلك ثانية فقالت: أخبرني رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أنّه قد حضر أجله وأنّه يقبض في وجعه هذا، فبكيت ثمّ أخبرني أني أوّل أهله لحوقاً به فضحكتُ(1).
وكان علي علیه السلام يلازم الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم كظلّه حتّی آخر لحظات حياته الشريفة وهو يوصيه ويعلّمه ويضع سرّه عنده.
نعم في الساعة الأخيرة قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : ادعوا لي أخي - وكان صلی اللّه علیه و آله وسلم قد بعثه في حاجة فجاءه بعض المسلمين فلم يعبأ بهم الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم حتّی جاء علي علیه السلام فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : أدن مني. فدنا علي علیه السلام فاستند إليه فلم يزل مستنداً إليه يكلّمه بدت صلی اللّه علیه و آله وسلم علي علیه السلام علامات الاحتضار(2)، وتوفّي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و هو في حجر علي علیه السلام كما قد صرّح بذلك علي علیه السلام نفسه في إحدى خطبه(3)الشهيرة.
الخلاصة
لقد تغافل المؤرخون عن أهمّ قضية حدثت في أواخر حياة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم. وحاول البعض تأويل ما أشارت إليه آية التبليغ وآية إكمال الدين وإتمام النعمة... جرياً مع السياسة الّتی تحكمَّت في شؤون المسلمين بعد وفاة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم
ولعلّ خضوع الصحابة واستسلامهم للأمر الواقع لئلّا تتمزّق الدولة الإسلامیّة هو الّذی جعل البعض يعتقد بشرعيّة الحكم القائم بعد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم
وبحكم هذه الشرعية غضّ الطرف عن حقائق التأريخ أو جواز تحريف الحقائق بما يتناسب مع ماحدث بعد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم
إنّ هذا الصراع بين التیّارات المختلفة على الخلافة لا يبعد أن يكون هو العامل لجرأة المتنبئين وزعمهم النبوّة تشبّهاً برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ولم تفلح
خطوات الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم للحيلولة دون التمرّد السياسي الّذی كان يتوقعه حين نزلت عليه آية التبليغ. ولكنّ اللّه قد عصمه من الناس واختبر أمّته أشدّ اختبار في التأريخ، ووعده النصر على الدين كله ولو كره المشركون.
الأسئلة
1 . كيف ومتى تمّ الإعلان عن الوصي الّذی عيّنه الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم للقيادة من بعده؟
2 . لماذا كان الاهتمام من الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بقضيّة الوصيّة بليغاً؟
3 . لماذا أهمل بعض المؤرخين نصوص الوصيّة؟
4 . لماذا أصرّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم على الصلاة وهو محموم؟
5 . لماذا عبّأ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم جيش اُسامة؟ ولماذا كان يؤكد على جدارة اُسامة للقيادة؟
6 . ما هي ردود فعل كبّار الصحابة تجاه الانخراط في جيش أسامة؟
7 . لماذا تخلف من تخلّف عن جيش اُسامة بالرغم من تأكيد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ولعنِه المتخلّفين عنه؟
قامت الدولة الإسلامیّة الأُولی بقيادة خاتم الأنبياء محمّد بن عبد اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد أن استكملت عناصر تكوين الدولة في أحدث مفاهيمها المعاصرة، وهي:
الشعب، والسلطة المعترف بها من قبل الشعب، والقوانين الواحدة لجميع أفراد الشعب من دون تمییز بین فرد و آخر.
لقد تكوّنت النواة الأُولی للدولة الإسلامیّة - على المستوى العملي التطبيقي - عند إِنجاز بيعة العقبة الثانية بين النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم و وفد (الأَوس) و(الخزرج) إلى موسم الحج في (مكّة). وقد تمت هذه البيعة قبل أَشهر من هجرة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى المدينة بعد هجرة المسلمين المكیّين تدريجاً إليها قبل ذلك.
وقد كان مضمون هذه البيعة تعاقداً على تأسيس سلطة سياسيّة بما لهذه الكلمة من معنى مألوف، تحكم مجتمعاً سياسياً ملتزماً. وقد لاحظ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم، وممثّلو أهل (يثرب) أَنَّ هذا المجتمع وحكومته سيدخلان في عداوات سياسية وحروب مع قريش وغيرها بسبب المضمون العقائدي لهذا المجتمع (1).
وقد أقامت هذه السلطة السياسيّة على أساس الإسلام نظاماً للحياة، وللمجتمع.
1) ابن هشام، السيرة، ج 2، ص 52.
وقد كانت بيعة العقبة الأُولی قبل ذلك بعام قد تضمنّت إسلام المبايعين من أَهل يثرب)،و التزامهم بنشر الإسلام بين أَهلها.
فكأنّ (بيعة العقبة الأُولی تمثل الأساس الأيديولوجي - العقائدي للبيعة الثانية،
والمدخل إلى تكوين قاعدة أوّليّة للإسلام في (يثرب) تولى مبعوث النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ( مصعب بن عمير) مع المبايعين إعدادها، ومثّلت (بيعة العقبة الثانية) التعبير السياسي - التنظيمي لهذا المضمون.
و بالبيعة وما ترتّب عليها من قرار بالهجرة إلى المدينة وهجرة المسلمين المكّیّين إليها، ولد المجتمع السياسي الإسلامي على أساس عقائدي هو الإسلام، بما يقتضيه ذلك من التزام بالدعوة إليه، والدفاع عنه، وعن قيمه الّتی يجسدها المنتمون إليه في المجتمع الجديد.
وقد ولد هذا المجتمع من اللحظة الأُولی خارج حدود العرف الجاهلي، فقد حلّت المصالحة بين القبائل اليثربيّة المتحاربة.
وعبّر القرآن عن هذا الواقع الجديد بين هذا الواقع الجديد بين هذه القبائل بتسمية تعبّر عن المضمون العقيدي لها الّذی حلَّ محل المضمون القبلي، وهي (الأنصار)(1)، أنصار الإسلام، أو أنصار النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم . وقد اندمجت هذه القبائل - بما تحمله من مضمون عقيدي جديد وعلى أساس هذا المضمون - بالمسلمين المكيين الّذین يحملون المضمون نفسه، وأعطاها القرآن إسماً عقيديّاً مشتقاً من مضمونهم العقيدي بدل انتماءاتهم القبليّة هو:
(المهاجرون)(2).
لقد اندمج الجميع في تكوين عقيدي - سياسي - مجتمعي واحد مختلف تماماً عن تحالفات الجاهلیّة . و إنّ كان هذا الاندماج بين هذه المجموعات في المشروع
الإسلامي لم يلغ التنوع القبلي، ولم يتمّ على حسابه، فقد بقيت التنوّعات القبليّة سائدة و لکنّ دون أن تشكل الزعامات القبليّة مرجعاً، ودون أن يكون عرفها شريعة.
مرعيّة، لقد تحدّد المرجع بالنبي، وتحدّدت الشريعة بالإسلام. ولعلّ هذا كان أوّل تطبيق لمبدأ «التعارف - التعاون على البر والتقوى» الّذی اعتبره الإسلام أسَاسَاً في الاجتماع البشري.
وقد شكَّل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أدوات هذه السلطة الجديدة في هذه المرحلة من تشكيل الدولة بنصب النقباء الإثني عشر (ثلاثة من الأوس و تسعة من الخزرج) على الأوس والخزرج. وقد تمّ اختيارهم من قبل مجموعة (الأوس) و (الخزرج) أنفسهم في (العقبة الثانية)، ولم يفرضهم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم مع قدرته على ذلك، واستعداد القبيلتين لقبول ذلك منه صلی اللّه علیه و آله وسلم . ولعلّ هذا أَوّل مظهر من مظاهر تطبيق مبدأ الشورى الإسلامي في القيادة والحكومة.
وقد انضمَّ هؤلاء النقباء إلى المبعوث الّذی وجهه النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى المدينة منذ (بيعة العقبة الألى)، وهو مصعب بن عمير بن هاشم). وقد شكّلوا جميعاً نواة السلطة الجديدة في المدينة، قبيل هجرة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم إليها.
ولدت الدولة الإسلامیّة والحكومة الإسلامیّة بوصول النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى المدينة، حيث باشر على الفور مهمّات القيادة والحكم السياسي إلى جانب مهمات الرسالة والنبوة، وهي التبليغ والإرشاد، وعلى أساس كونه نبياً رسولاً بالإسلام.
فكان من أوّل الأعمال الّتی قام بها صلی اللّه علیه و آله وسلم على المستوى التنظيمي العام، المؤاخاة بين المهاجرين والأنصارَ(1)الّتی كان لها إلى جانب مضمونها الأخلاقي - الايماني والعاطفي مضمون حقوقي - اقتصادي هو التوارث بين المتآخين دون النسب والرحم. وقد نسخ هذا المضمون فيما بعد، وبقي المضمون الايماني - الأَخلاقي، والعاطفي.
ثمّ كان أَنْ نظَّم صلی اللّه علیه و آله وسلم العلاقة بين المسلمين واليهود في المدينة باعتبارهم يشكّلون
1) ابن هشام، السيرة، ج 2، ص 504 - 507؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 232؛ تفسير الطبري، ج 6، ص 30 - 40.
جميعاً مجتمعاً سياسيّاً واحداً متنوعاً في انتمائه الديني - وهذه أوّل تجربة سياسيّة في التأريخ من هذا النوع(1).
فوضع الصحيفة الّتی حدّدت بنودها العلاقات بين الطرفين، وحدّدت فيها الحقوق والواجبات لكلّ منهما، وعلى كلّ منهما تجاه الآخر، ونصت بوضوح على أنَّ الحاكمية العليا هي للنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم .
و مضى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم يصنع المجتمع والدولة على عين اللّه تعالى، وعلى هدي الوحي ولم يمض وقت طويل حتّى تكامل البناء التنظيمي للمجتمع حسب المرحلة وحاجاتها، و توزّعت المهمّات فيه تحت سلطة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم باعتباره القائد والحاكم الأَعلى.
ونعرض فيما يلي بعض ملامح الوضع الحكومي والتنظيمي لدولة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم، في ذلك الحين:
كوَّن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم الجهاز الإداري الحكومي للدولة في المدينة وما حولها، وعلى امتداد الرقعة الإسلامیّة الّتی كانت تتوسع باستمرار نتيجة لنمو الاستجابة للدعوة إلى الإسلام، وكلا نتصارات الّتی أحرزها المسلمون على قريش وغيرها في حروبهم الدفاعيّة. وقد حكم صلی اللّه علیه و آله وسلم المدينة وما حولها بصورة مباشرة. وكان يستعين بأشخاص يكلفهم بمهام محدّدة، أو يوليهم مناصب معينة. وعيَّن العمّال والممثّلين الشخصيّين له في المناطق البعيدة عن المدينة (مكّة، والطائف، وصنعاء، وحضرموت، وغيرها)(2)
وذكر عن (أُميّة بنت قيس الغفاريّة): خرجت زعيمة للآسيات الممرّضات ولمّا تبلغ السابعة عشرة من عمرها وأُمّ سليم قال فيها (أنس): إِنَّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم كان يغزو ومعه أم سليم ومعها نسوة من من الأنصار يسقين الماء ويداوين الجرحى و (أُمّ سنان الأسلميّة) قد اشتركت ممرضة، في غزوة (خيبر) و(أُمّ أيمن): حضرت (أُحداً) وكانت تسقي العطشئ وتداوي الجرحى و (حمنة) وكان موقفها في (أُحد) مشهوداً، فقد كانت تغشى الموقعة، فتحمل الجريح وتعود به حيث تأسو جراحه و الربيع بنت معوذ): وكانت تسقي القوم في الغزوات وتخدمهم وتداوي الجرحى وتردّ القتلى إلى المدينة ونسيبة بنت كعب المازنيّة): اشتركت في غزوة بدر)، فعملت آسية، تضمّد الجراح لمن جرح، كما خرجت وشاركت في ذلك يوم (أحد) أيضاً. (راجع أعلام النساء - عمر رضا كحالة مؤسسة الرسالة - ط 4، 1982 م. والطب عند العرب، د. أحمد الشطي - مؤسسة المطبوعات الحديثة، مصر. دون تأريخ.
ولم1) ابن هشام، السيرة، ج 2، ص 119 - 123.
2) كان عامله على الطائف (عثمان بن أبي العاص) و عامله على مکّة (عتاب بن أسيد الأموي) و كان أيضاً أميراً على الحجّ و عامله على صنعاء (المهاجر بن أبي أُميّة) و عامله على حضرموت (زياد بن لبيد الأنصاري البياضي) - راجع الإصابة، ص 540 - و عامله على البحرين (العلاء بن الحضرمي) سيرة ابن هشام، ج 2، ص 349 و تأريخ الطبري، ج 2، ص 455 - وأوّل راتب فرضه كان راتب (عتاب بن أسيد) عامله على مکّة وكان درهماً واحداً في كل يوم سيرة ابن هشام، ج 2، ص 500 - و ولی (فروة مسيك المرادي) على مراد و زبيد و مذحج كلّها، كما قال ابن هشام) في (السيرة) وولى (أباذان / بارزام) على اليمن و كان والياً من قبل الفرس فأسلم و ولى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم إبنه مكانه بعد وفاته. و في المهمات الّتی أسندت إلى المرأة مهمّة التمريض والعناية بالجرحي. فقد روى ابن هشام في السيرة، وغيره، أن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم قد نصب خيمة لإمرأة من قبيلة أسلم يقال لها (رفيدة)، كانت تداوي الجرحى. و قال صلی اللّه علیه و آله وسلم حين أصيب (سعد بن معاذ) بالسهم في الخندق): «إجعلوه في بيت رفيدة حتّی أعوده عن قریب».
تستبعد المرأة من تولّي العمل العام.
فقد روى (ابن عبدالبر) أَنَّ:( سمراء بنت نهيك الأسديّة)، أدركت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم . وعمرت، وكانت تمرُّ بالأسواق، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتضرب الناس على ذلك بسوط معها.
وكان إذا غاب عن المدينة، عيَّن خليفة له عليها ينوب عنه(1).
1) راجع السيرة النبویّة لابن هشام، ج 2، ص 220 - 230.
وكان من تولّوا إمارة المدينة (سعد بن عبادة، و محمّد بن مسلمة الأنصاري و أبو سلمة بن عبد الأسد، وزيد بن حارثة، وأبولبابة.
واستخلف صلی اللّه علیه و آله وسلم علي بن عيّن على الجباة (عمّال الصدقات) لجباية الزكاة، فكانوا يقومون بقبض الزكاة. وعيّن مسؤولين عن (إبل الصدقة) واهتمّ بسلامة الخيل المعدّة للجهاد، وحمى لها الحمى (المراعي الخاصّة) (1). وكان بعض المكلّفين بالجباية مقيمين في مناطقهم وقبائلهم، وبعضهم كان يرسل من المدينة لقيام بهذه المهمّة كما هو الظاهر من صحيح (عبدالله بن سنان)، عن الإمام الصادق علیه السلام في بيان فرض الزكاة لمّا نزلت آية: (خذ من أموالهم صَدَقة تطهرهم وتزكّيهم بها ...) (2)في شهر رمضان، قال: «.. ثمّ
بها... وجّه عمّال الصدقة وعمّال الطسوق» (3)كما أنه أخذ خمس الغنائم الّذی هو ضريبة الدولة على غنائم الحرب والأموال المصادرة من الأعداء المحاربين. وجبى الجزية
1) روى (البخاري)، عن ابن عباس أن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم حمى (النقيع) لخيل المسلمين والنقيع موضع على عشرين فرسخاً من المدينة، وهو صدر (وادي العقيق)، وهو أخصب واد هناك.
2) التوبة / 103.
3) الوسائل، ج 6 (ما يجب فيه الزكاة)، الباب 8 1. قال ابن هشام في السيرة: ( إنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم کان يبعث من أمراء. وعماله على الصدقات إلى محل ما أوطأ الإسلام من البلدان) وقد ولى صلی اللّه علیه و آله وسلم على جباية الزكاة وغيرها ( عدي بن حاتم على بني أسد من طيء و (مالك بن نويرة) على بني حنظلة، و(الزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم على بني سعد وسعد بن معاذ على اليمن و (بلالاً) على صدقات الثمار في المدينة و(عبادة بن بشر) على بني المصطلق و الأقرع بن حابس على بني دارم و (عيينة بن حصن) على بني فزارة و الحارث بن عوف) على بني مرّة و (نعيم بن مسعود) على أشجع و(العبّاس بن مرداس) على بني سليم و(زياد الباهلي والد الهرماس )ولّاه النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم على عشيرته من باهلة (الإصابة، ج 1، ص 541) وذكر (ابن هشام) في (السيرة) أَنَّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ولى (خالد بن سعيد بن العاص على صدقات (مراد) و (زبيد) و (مِذحج).
ممّن صالحهم من أهل الكتاب ك- أهل نجران) و (أَهل البحرين) الّذین أرسل إليهم (أبا عبيدة بن الجراح)، و(معاذ بن جبل أرسله إلى (اليمن). كما تولّى مهمّة استيفاء الأموال (الجزية، والزكاة) من العمال الإمام علي بن أبي طالب في (اليمن) و (نجران). وكان من المعلوم أنَّ هذا المال مال عام ينفق على أنشطة الدولة الدفاعيّة و الاجتماعیّة ، وليس ملكاً خاصاً للنبي. ونشأ مصطلح (مال اللّه ) للدلالة على أنَّ أموال الضرائب هى أموال عامة تملكها الأمّة ، وتديرها وتنفقها الحكومة.
وتصدّى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم لظاهرة الاحتكار والمحتكرين مراراً عديدة(1).
خصّص صلی اللّه علیه و آله وسلم جماعة من الصحابة لكتابة الوحي القرآني، وكتابة الرسائل، والترجمة، و جعل مركزاً لتعليم القرآن في المدينة وهي (الصّفة) في مدخل المسجد النبوي، وكان ممّن تولّى الإقراء فيها (عبادة بن الصامت)، وسمّاها (الواقدي): (دار القرّاء).
وكان النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم يتولّى بنفسه مهمات الدعوة والتبليغ في المدينة بصورة ثابتة، وحيث حلّ في خارجها إذا غزا. و أمّا في خارج المدينة فقد عين الدعاة والمبلّغين، فكان يرسل من أعيان الصحابة أشخاصاً إلى القبائل والمدن الأخرى، يقومون بمهمّات التبليغ والدعوة إلى الإسلام، وتعليم القرآن.
وكان من مبعوثيه للدعوة وتعليم القرآن، مصعب بن عمير)، و (معاذ بن جبل) أرسله صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى أهل مكّة، و (عمر بن حزم الحضرمي) إلى أهل (نجران)، وكانت (الشفاء بنت عبدالله / أمّ سليمان) تعلّم النساء القراءة والكتابة، كما روى ذلك (أبو الدرداء).
1) يراجع كتابنا (الاحتكار في الشريعة الإسلامیّة منشورات (مسجد) 1990 م / 1410ه- للاطلاع على نصوص الاحتكار ومصادرها.
تولّى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في المدينة مسؤولية القضاء بين الناس في جميع ماكانوا فيه يختلفون من شؤون عائليّة، وماليّة، وجرائم قتل، واعتداء. ونفّذ العقوبات والتعزيرات، والحدود في المجرمين، كما تولّى القضاء في المدينة واليمن علي بن أبي طالب. ومن الّذین تولّوا القضاء (معاذ بن جبل) و (معاذ بن نوفل) و (أبوموسى الأشعري في اليمن، و (راشد بن عبداللّه).
وعيّن القضاة في الأماكن البعيدة عن المدينة، فكان يرسل إليها بعض فقهاء الصحابة ليتولوا مهمّة القضاء بين الناس، ومن ذلك إرساله عليّاً علیه السلام إلى اليمن.
في المسألة العسكريّة نظَّم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم المدينة على أساس عسكري، وكوّن من شعبها مجتمع حرب، فقسّم المسلمين في المدينة إلى عرافات، وجعل على كل عشرة عريفاً ()(1).
وجعل من جميع الذكور البالغين جنوداً، وكوّن منهم الجيوش وقادها إلى المعارك، وخاض الحروب الدفاعيّة كلّها، وعيّن القادة و أمراء السرايا، وأرسلهم في مهمات عسكريّة واستطلاعيّة. واعتمد في تقدير القوة العسكرية على الأخصّاء فقد روى (البخاري)، عن حذيفة بن اليمان)، أنَّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قال: «اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس، فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل». ويبدو أن ماعرف بعد ب-(الديوان أو ديوان الجُنْد) وضعت نواته في عهد النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم .
كما يبدو أن سجلات الجند الذكور البالغين كانت تراجع باستمرار ليضاف إليها
1) الطبري، ج 4، ص 158) وفي رواية (البخاري) في شأن سبي (هوازن) ورده عليهم بعد أن وزع فَيْءَ المسلمين، قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : « إِنَّا لاندري من أذن لكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتّی يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فكلمهم عرفاؤهم...).
كلّ من بلغوا خمس عشرة سنة كما تدل على ذلك رواية (الترمذي) عن ابن عمر)، أو رواية ابن عبدالبرّ) في (الاستيعاب)، عن (سمرة بن جندب).
وأولى عناية خاصة بمسألة توفير السلاح الّذی تملكه الدولة، فكان يشتري السلاح، ويستعيره، ويستأجره.
لم يقتصر الأمر في المسألة الاجتماعیّة على التوعية الإنسانية والموعظة وتربية المسلمين على خلق البر والإحسان فقط، و إنّما عمل وفقاً للتشريع الإسلامي على ايجاد مجتمع الكفاية والعدل، وخصّص صلی اللّه علیه و آله وسلم جزءاً من الأموال العامّة للإنفاق على الأيتام، والمعوّزين، والعاجزين عن العمل بعد أن جعل من العمل واجباً وشرفاً.
وغيّر صلی اللّه علیه و آله وسلم وضع المرأة فرفع من شأنها المعنوي، وموقعها في المجتمع بما هي إنسان. ووضع الأسس - وفقاً للتشريع الإسلامي - الّتی رفعت من المستوى الإنساني والاجتماعي للرقيق. ووضع التشريعات المرحليّة إلى إلغاء الرقّ.
وضع النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أسس العلاقات الخارجیّة مع الأقوام والدول الأخرى. فأنشأ علاقات مع نصاری (نجران) وبعض القبائل الأخرى. وأوفد السفراء إلى الدول الأجنبيّة ( مصر ، وفارس، وبيزنطيّة، والغساسنة )وغيرهم. وعقد المعاهدات، وهادن بعض الجماعات والقبائل ورفض الهدنة مع البعض الآخر.
وعامل الخارج المسلم على الأساس الّذی ذكرناه سابقاً، فجعل الهجرة إلى (دار الإسلام) واجباً على كلّ مسلم مقيم خارج (دار الإسلام)(1).
1) في الاجتماع السياسي الإسلامي، ص 159 - 169 .
الخلاصة
كلّ هذه الأنشطة السياسيّة الداخليّة والخارجيّة، والعسكريّة، والقضائيّة، والتعليميّة، والماليّة، والاقتصاديّة، و الاجتماعیّة ، مارسها النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بنفسه باعتباره قائداً وحاكماً على أساس الشريعة الإسلامیّة ، وبسلطة مستمدّة من كونه نبيّاً رسولاً، كما أعطى - بصفته هذه - سلطة القيام ببعض هذه المسؤوليات لأشخاص آخرين باعتبارهم نواّباً عنه، ووكلاء له، وممثّلين و معاونين له، في القيام بمسؤوليات الحكم.
وبهذه الأنشطة أنشأ دولة على أساس الإسلام، عقيدة أو شريعة، ونظّم حياة الإنسان المسلم - فرداً، وأسرة، وجماعةً، و مجتمعاً - فيها على هدى التشريع الإسلامي. وحكم هذه الدولة وقادها طيلة حياته الشريفة.
وقد سلك المسلمون فيما بينهم - جماعات وقبائل وأفراداً ، ومع النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ، مسلك أنهم يعيشون ويعملون في مجتمع سياسي عليه التزامات تجاه نفسه، وتجاه المجتمعات الأخرى، ومسؤوليّات كذلك، وأنّهم من الناحية السیاسیّة لم يعودوا إلى ماكانوا عليه في نظامهم الّذی كان سائداً بينهم. وأنّهم يعيشون ويعملون في دولة و تحت سلطة حكومة برئاسة وقيادة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وأنّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم قائدهم وحاكمهم. وأنَّ عليهم لذلك واجب الطاعة له فيما يأمر به وينهى عنه. وأنه ليس مجرّد نبي يبلّغ الأحكام فقط، ويترك الناس وشأنهم فيما يشاؤون وكما يشاؤون.
وكان النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم يبلّغ المسلمين بالوحي القرآني مايرد فيه من تشريع و غيره - وكانوا يتعلّمون هذا الوحي ويفهمونه، وفيه زجرهم عن أشياء، وأفعال، وأقوال ومواقف، وأمرهم بأشياء، وأفعال، وأقوال، ومواقف، و فيه أوامر الطاعة للرسول فيما يأمر به.
الأسئلة
1 . كيف ومتى تكوّنت النواة الأُولی لدولة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ؟
3 . ما هي المهمّات القياديّة الّتی باشرها النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم فور وصوله إلى يثرب؟
4 . ما هي الملامح العامّة لدولة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ؟
5 . اذكر خصائص الجهاز الإداري والاقتصادي لدولة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم.
6 . ما هي خصائص جهاز الدعوة والتبليغ في دولة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ؟
كما انقسم عصر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى عهدين متميّزين هما: عهد بناء الأمّة المسلمة و عهد تكوين الدولة الصالحة كذلك ينقسم عصر الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام العهدين متميزين هما: عهد الخلفاء الثلاثة أبي بكر الخلفاء الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان، وعهد حكومته هو علیه السلام .
ويبدأ الأوّل منهما بوفاة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في الثامن والعشرين من صفر سنة 11 هجريّة وينتهي بمقتل عثمان وهو عهد إقتصائه عن القيادة المباشرة للدولة الإسلامیّة ، ويبدأ الثاني منهما بالبيعة معه على الحكم والقيادة المباشره للدولة و الأمّة الإسلامیّة وينتهي باستشهاده في الواحد والعشرين من شهر رمضان سنة 40 هجريّة.
وهناك جملة من أوجه الشبه بين عهدي الإمام علیه السلام و عهدي الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم يستطيع الباحث أن يسنخلصها من تأريخ عهديهما كما سنلاحظ انشاء اللّه تعالى.
2 . ولفهم ملامح كل من هذين العهدين المتميزين لابدّ لنا قبل كلّ شيء أن نقف على ما حققه الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله وسلم في ثورته ودولته خلال ثلاثة وعشرين عاماً من الجهاد والبذل في سبيل اللّه والعطاء بکلّ إخلاص منه و من الأبرار من صحابته لبناء أوّل دولة إسلامية على وجه الأرض، وكان التسديد الإلهي إلى جانب تضحيات
المخلصين من المؤمنين ودمائهم الرخيصة في سبيل اللّه تحت قيادة الرسول الحكيمة و تربيته الرشيدة حيث كان يصنع هذه الأمّة الوسط الشاهدة الشهيدة لتكون هي الجماعة الصالحة لتطبيق شريعة اللّه في الأرض والأمّة القادرة على صيانة رسالته الخالدة من عبث العابثين.
3 . لقد عرفنا كيف كان يسلك الرسول الرائد لله طريقه في التربية والإعداد والحكم والقيادة آخذاً بنظر الاعتبار الأسباب الطبيعيّة والظروف الموضوعيّة، بالرغم من ارتباطه بعالم الغيب ورعاية اللّه العزيز الجبّار لمسيرته المباركة.
ولئن كانت التربية النبویّة الفريدة تعدّ قفزة في تأريخ الأمم فإنّها لم تخرج عن المعايير والقوانين العامّة الّتی تحكم البشریّة ، ولم تخترق السنن الاجتماعیّة الّتی ذكرها القرآن الكريم وأرشدنا إلى كيفية جريها في الحياة الإنسانية على مدى التأريخ.
4 . و حين قدم القرآن الكريم للإنسان عوامل التكامل البشري ومنهاجه وأوضح له أسباب انحطاطه وانهيار مجتمعاته فقد أرشدنا إلى الطريق الّذی كان ينبغي للأمة الإسلامیّة سلوكه إلى جانب تزويدها برسول معصوم وأئمة هُداة معصومين، فإنّهم لا يُراد منهم اختراق سنن الحياة لإيصال أمة رسولهم إلى مرفأ السعادة والسلام.
5 . فالرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وأهل بيته الطاهروّن المطهرون من كلّ رجس قد أؤتمنوا على رسالة اللّه وشريعته - تبليغاً وتعليماً وتطبيقاً - في ظرف تتمتّع فيه البشریّة بكمال الحريّة في اختيار طريق اللّه السويّ أو طريق الشيطان الغويّ؛ فإنّ الكمال الانساني لن يتحقّق للإنسان إلا حسب ما يختاره من العمل الصالح إذ ليس له إلا ماسعى إليه بملء ارادته و حسن اختياره.
6 . ومن هنا كان علينا أن نتعرّف على ما خلّفه الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم من حصيلة جهاده الرسالي طيلة ثلاثة وعشرين عاماً وعلى ما أؤتمن عليه علي بن أبي طالب علیه السلام من مهامّ رساليّة، وماطرأت له من ظروف اجتماعيّة وسياسيّة.
بالجهاد على شتّى الأصعدة جهادٍ مع الوثنیّة المتمثلة في قريش وسائر القبائل العربیّة المنتشرة في أنحاء الجزيرة، وجهادٍ مع أهل الكتاب الّذین كانوا يشكّلون قوّة داخلية ضاغطة منذ الأيّام الاولى و حتّی أواخر هذا العقد، وجهاد مع المنافقين الّذین مازالوا في تصاعد وتنامي كلّما كانت تضعف الجبهة الوثنیّة خارج حدود الدولة الإسلامیّة ، حتّی وصل بهم الأمر إلى التخطيط لاغتيال الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في أكثر من مرة، وجهاد مع الدولة البيزنطية القوية ودولة الفرس العريقة خارج حدود الدولة الإسلامیّة الفتیّة.
لقد كانت هذه الدولة تشكّل بؤرة الخطر لكلتا الدولتين العريقتين، فلحظات غياب لحظات عن الساحة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم استيقاظ هاتين الدولتين الكبيرتين. وهي لحظات استفحال خطّ النفاق داخل الدولة الإسلامیّة .
ووجود خطّ خط النفاق واستفحاله في داخل دولة فتيّة يشكّل مؤشّراً واضحاً على انطواء هذه الدولة على عوامل الانهيار والسقوط لاسيّما إذا أضفنا إلى ذلك وجود مجموعة كبيرة ممن أسلم بعد الفتح استسلاماً للأمر الواقع لا إيماناً برسالة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ونبوّته.مع وجود خطّ عريق من التنافس بين المهاجرين والأنصار من جهة والأنصار أنفسهم من جهة أخرى.
8 . أضف إلى كلّ هذا عدم تجذّر اصول وقيم النظام الإسلامي في نفوس أبنائه تجذّرا تقتلع به كلّ رواسب العصبيّة الجاهلیّة ... مما يشير إلى عدم تحقّق الايمان عند جميع قطّاعات الأمّة بالقيادة النائبة الّتی عيّنها الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم لخلفه وتقود الأمّة من بعده.
لقد غياب الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم يشكّل بنفسه نقطة فراغ كبيرة لا يتوقع الكثير إمكان ملئها بقيادة شابّة و إنّ كانت عريقة بتأريخها التضحوي والجهادي ومرتبطة بالرسول القائد صلی اللّه علیه و آله وسلم أشد الارتباط وأوضحه.
وبالرغم من أنّ الرسول الرائد صلی اللّه علیه و آله وسلم قد حاول بجدٍّ أن يجعل الكفاءة شعاره العملي في كلّ سلوكه وسيرته و تربيته للمسلمين كما تمثّل ذلك بوضوح في تعيين قوّاد
معركة مؤته وقيادة اُسامة قبيل رحيله، لکنّ تغيير الواقع كان يتطّلب وقتاً أكبر و ترويضاً أطول.
وهكذا نلاحظ أنّ كلّ عوامل انهيار الدولة الإسلامیّة من الداخل والخارج كانت قد اجتمعت حين غياب الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم عن ساحة القيادة بالرغم من تظافر جهود الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم الحكيمة لإعداد القيادة النائبة الّتی لا مثيل لها ولا بديل عنها في كلّ ما كانت تملكه الأمّة الإسلامیّة من طاقات و عناصر قياديّة كان من الممكن أن تخلف الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم لإدارة دولته بعد وفاته.
كما أن الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم لم يأل جهداً في تهيئة الأرضية الاجتماعیّة اللازمة لدعم هذه القيادة النائبة الّتی أعدّها بأمر من اللّه سبحانه ورعايته و تسديده.
9 . وينبغي أن لا تغيب عنا حقيقة أخرى هي في غاية من الأهمیّة ألا وهي أنّ المهامّ الأساسيّة للرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم و للإمام علیه السلام الّذی يخلفه معاً بعد تكوين امّة مسلمة
و تأسيس دولة إسلاميّة تتّرتب بحسب الأهمیّة كما يلي:
1 . صيانة الرسالة والشريعة من أي تحريف أو تزييف.
2 . صيانة الأمّة الإسلامیّة من الضياع والاضمحلال.
3 . صيانة الدولة الإسلامیّة الفتیّة من الانهيار.
فإنّ الرسالة والشريعة هي الأساس في تكوين الأمّة المسلمة إلى جانب المربّي الكفوء، والأمّة المسلمة هي القاعدة الصلبة والدعامة الأُولی في تأسيس الدولة الإسلامیّة إلى جانب القيادة الصالحة.
إذن على الإمام الّذی يخلف الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يحافظ على كلّ ثمار الرسالة الخاتمة بما فيها دولة الرسول وأمّته، وليست مهمة القيادة الحقيقية إلا تحقيق أهداف الرسالة الإسلامیّة في الحياة الإنسانية من خلال استخدام السنن الّتی تحكم الحياة الفرديّة و الاجتماعیّة ، وليس منصب القيادة أو الحكم هدفاً نهائيّاً في مفاهيم الشريعة و إنّما هو وسيلة لتطبيق أحكام اللّه في الأرض.
10 . فإذا دار الأمر بين أن تنهار الدولة - حين يتسَلّم قيادتها المباشرة الإمام المعصوم(1)- وبين أن يتخلّى الإمام المعصوم عن القيادة المباشرة ولكنّه يحافظ الكيان السياسي من التصدّع والانهيار(2)، فالقيادة الرسالية هي القيادة الأمينة الحريصة على مصالح الرسالة وليست هي القيادة الّتی تستأثر بالحكم والأمر والنهي مهما كانت الأضرار والنتائج.
يعتبر الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام عند عامّة المسلمين على اختلاف مذاهبهم -سنةً وشيعة - الصحابّي المقبول لدى كلّ الاتجاهات والمذاهب الّتی خطّأت خط الخلافة الّذی أشيدت دعائمه بعد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم والاتجاهات الّتی صححّت هذا الخطّ معتبرة الإمام عليّاً رابع الخلفاء الراشدين.
هذا فضلاً عن كونه من أهل البيت الّذین أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وابن عم الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم أخاه ووصيه والإمام من بعده على أمّته لدى كثيرمن المسلمين.
من هنا كان الاحتجاج بكلام علي علیه السلام ميزة خاصة لاتتوفّر في كلام غيره من الصحابة الّذین استولوا على منصب الخلافة، لأنّ كلام من سواه لم يكن محل اجماع المسلمين.
1) وان كان السبب يعود إلى شغب المنافقين والمصلحيين المتظاهرين بالإسلام وعدم الانصياع لقيادته علیه السلام الّتی هي محط رضا اللّه تعالى.
2) باعتبار أن المتظاهرين بالإسلام وصحبة الرسول لا يجرأون على دولة الإسلام والدولة الإسلامیّة بعد أن أصبحت قوة سياسيّة ذات كيان يُشار إليه بالبنان به تتحقق جملة من مصالحهم ومآربهم، و من هنا ينتقل التوجيه من الحالة المباشرة إلى التوجيه ثمّ غير المباشر و تكرّر مواجهة الكفر والإيمان من جديد و لکنّ بثوب حديث وستار أنيق ومائز ظريف وهو الّذی عبّر عنه الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بالتنزيل والتأويل حيث قاتل النبي قريشاً على التنزيل وعلي قاتلهم بعده على التأويل.
على أنّ خطّ الخلافة الّذی كتب له أن يمتد بعد الخلفاء الأربعة متمثّلاً في الحكم الأموي والعبّاسي والعثماني كان من الطبيعي أن نجد المصادر التأريخيّة المدوّنة في ظلّ هذا الخطّ الحاكم لا تصوّر بوضوح كلّ حقائق التأريخ و إنّ كانت فيها شيء من الإدانة للخط الحاكم.
من هنا تعتبر المصادر المدوّنة طيلة القرون الأُولی والمشتملة على نصوص تعارض أجواء الخطّ الحاكم، بعيدة عن تهمة التأثر بميول الخطّ الحاكم و أبعد عنالتحريف مادامت المخالفة للخط الحاكم ذات ضرائب فادحة تكلّف المؤرّخ حياته وحرّيته وموقعه.
إنّ التأريخ ناصع فيما يخص المواقف المناقبيّة لأمير المؤمنين علي علیه السلام في حياة الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله وسلم و بعد وفاته، حيث عُرِف الا حتّی عند غير المسلمين بعدم المداهنة في الحقّ وعدم التنازل عن القيم العُليا الّتی آمن بها وجاهد من أجلها زاهداً في حطام الدنيا و إنّ كان هذا الحطام متمثلاً في السلطة العليا للعالم البشري ولقد أثبت علیه السلام بسيرته النقية صدق مقاله حينما قال: والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي اللّه في نملةٍ أسلُبها جُلب شعيرة مافعلتُه، وإنّ دنياكم عندي لأهون من ورقةٍ في فم جرادة تقضَمُها. مالعليٍّ ولنعيم يفنى ولذةٍ لا تبقى! نعوذ بالله من سُبات العقل و قبح الزلل و به نستعين (1).
إنّ النظرة الثاقبة لعلي علیه السلام وإحاطته بمجريات الأمور وارتباطه الوثيق بالرسول العظيم صلی اللّه علیه و آله وسلم، وتصدّيه لإحقاق الحقّ في كل زمان ومكان وعدم الطمع في الخلافة أو غيرها من شؤون هذه الحياة وحرصه على سلامة الرسالة الخاتمة وعلمه الفائق الّذی دان له به كلّ الصحابة وأهل البيت بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم... كلّ هذه الخصائص تعطي لكلام علي علیه السلام ميزة يتفردّ بها عمّن سواه إذا أردنا معرفة حقائق التأريخ لعصر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلمو ما بعده حتّی استشهاده.
1) نهج البلاغة (صبحي الصالح)، ص 347.
والرؤية الّتی تضمنتها نصوص الإمام علي علیه السلام هي الرؤية الشاملة والعميقة لأحداث عصر ما بعد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بلا ريب أو ترديد.
من هنا كان على الباحث الاهتمام بالنصوص الصادرة عنه وليس له إلّا الترجيح بها عند تعارضها مع ماسواها.
وردت نصوص عديدة في نهج البلاغة تُفصح عن حقيقة ماجرى بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم من الانحراف السياسي وتكشف النقاب عن أسباب هذا الانحراف بشكل لا يدع مجالاً للريب في موقف الإمام علیه السلام الّذی يستند إلى دليل واضح و برهان ثاقب.
1 . قال علیه السلام : أما والله لقد تقمصّها(1)ابن أبي قحافة، وإنه ليعلَمُ أن محليّ منها محلّ القطب من الرحي(2).
2 . وحين سأله بعض أصحابه: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحقّ به؟! قال علیه السلام ... أما الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسباً والأشدّون برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم نوطاً؛ فإنّها كانت أثرةً شحت عليها نفوس قومٍ وسحّت عنها نفوس آخرين، والحَكَم اللّه والمِعْوَد القيامة(3).
3 . حين قال له قائل: إنك على هذا الأمر يا ابن أبي طالب لحريصٌ... أجابه قائلاً: بل أنتم والله لأحرص وأبعد، وأنا أخص وأقرب. و إنّما طلبتُ حقّاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه، و تضربون وجهي دونَه.
ثمّ قال علیه السلام : اللّهم إني أستعديك على قريش و من أعانَهم، فإنهم قطعوا رَحِمي وصغَّروا عظيم منزلتي وأجمعوا على منازعتي أمراً هُوَ لي(1)، قال أيضاً: أجمعوا على منازعتي حقاً كنت أولى به من غيري(2).
4 . وقال أيضاً: والله ماتنقِم منّا قريشٌ إلا أنّ اللّه اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيّزنا(3).
5 . وقال أيضاً: حتّى إذا قبض اللّه رسولَه رجع قوم على الأعقاب وغالتهم السُبُل واتكلوا على الولائج ووصلوا غير الرّحِم وهجروا السبب الّذی أمروا بمودّتِه، ونقلوا البناء عن رَصّ أساسه فبنوه في غير موضعه. معادن كلّ خطيئة وأبواب كلّ ضارِب في غمرة، قد مارُوا في الحيرة وذهلوا في السكرة على سنّة من آلِ فرعون، من منقطعٍ إلى الدنيا راكن أو مفارق للدين مباينٍ(4).
و تضمّنت هذه النصوص التصريح بعّدة حقائق مهمّة:
1 . أنّ الخلافة هى حقّ الإمام علیه السلام دون غيره.
2 . أنّ أبا بكر قد تقمّص هذا المنصب واستولى عليه.
3 . أن قريشاً مع من أعانهم هم الّذین خطّطوا للاستيلاء على الخلافة ومنازعة الإمام علي علیه السلام .
4 . أنهم استبدّوا بالخلافة ولم يسمحوا له ولغيره للتصدي والترشيح.
5 . أن أبابكر و من أجمع معه على المنازعة كانوا يعلمون جيّداً بجدارة الإمام علیه السلام للخلافة وحقّه فيها وأنّ الأدلة الّتی استندوا إليها للاستيلاء على هذا المنصب كلّها تتمثّل في علي علیه السلام وأهل بيت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم .
6 . أنّ أبابكر و من أعانه على هذا الاستيلاء كانوا يجهدون لمنع الامام علیه السلام من الوصول إلى الخلافة ويحولون بينه وبينها ويضربون وجهه لئلّا يستردّ هذا الحقّ.
. ان الوسائل الّتی اتخذّها الحاكمون لابعاد علي علیه السلام تتمثّل في قيم منبوذة في الإسلام كالحرص على الحكم، بينما أثبت الإمام تنزهه عن هذا الحرص حينما تنازل عن الحكم بسخاء طيلة عقدين ونصف حتّی فرض عليه استلام الحكم فرضاً ... فإذا كان يُتّهم بالحرص على الخلافة و هو لم يَتَلهّف عليها فما حال من تلهف لها واستبدّ بها وحال بينها وبين أهلها.
و بهذا كشف الإمام علیه السلام عن أهمّ أسباب هذا الانحراف الخطير الّذی قام على أساس سحق القيم الإسلامیّة مهما كلّف الأمر ومهما كانت النتائج.
و من هنا يتضح للباحث وجود خطيّن فكريين وسلوكين متضاربين:
أحدهما يرى استلام السلطة هدفاً أعلى وأنّ القيم وسائل قد تخدم هذا الهدف وقد لا تخدمه ولا ضرورة للخضوع لها.
والثاني: يرى أنّ استلام السلطة إنّما هو وسيلة لتحقيق القيم العُليا، ولا تسحق القيم من أجل الوصول إلى السلطة و أنّ الحق هو الأحق بالاتباع دون غيره.
وقد تمثّل الخطّ الأوّل في مواقف وسلوك الخلفاء قبل علي علیه السلام، وتجسّد الخطّ الثاني في سلوك علي علیه السلام و الأئمّة من بنيه أحسن تجسيدوأوضحه.
8 . أن هذا الانحراف أساس كل انحراف و يعتبر ارتداداً عن الإسلام الّذی جاء
رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و جسّده في مواقفه كلها.
و يشهد لهذا التحليل ماورد من تصريح أحد أقطاب الخطّ الحاكم الّذی دان للخلفاء الثلاثة بالولاء وتسنّم منصب الحكم في الشام بتمهيد منهم... أعني به معاوية ابن أبي سفيان حينما ردّ على محمّد ابن أبي بكر إذ ناقشه في منازعته لعلي بن أبي طالب الّذی أجمع الصحابة على فضله واستحقاقه للخلافة بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم
ولنقرأ معاً جواب معاوية للرد على مناقشة ابن الخليفة الأوّل له.
وإليك جُملاً مختارة ممّا أثبته المسعودي من كتاب معاوية لمحمّد بن أبي بكر، قائلاً له: فقد أتاني كتابك ... مع كلام كثير لك فيه تضعيف ولأبيك تعنيف... فقد كنّا وأبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب وحقه لازماً لنا مبروراً علينا... فكان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزّه حقه وخالفه على أمره، على ذلك اتفّقا واتّسقا ثمّ إنّما دعواه إلى بيعتهما فأبطاً عنهما ... فهّما به الهموم وأرادا به العظيم ... ثمّ إنه بايع لهما وسلّم لهما وأقاما لا يشركانه في أمرهما ولا يُطلعانه على سرّهما(1).
وإلى هنا نكون قد عرفنا أن تأمراً على الخطّ الشرعي للسلطة تحقّق حين وفاة
الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم واستطاع هذا التآمر أن ينفّذ خطّته لاستلاب السلطة من أصحابها الشرعيين الّذین عيّنهم الوحي الإلهي ونصّ عليهم الرسول الأمين.
وهذا التآمر هو أكبر تآمر على الإسلام والمسلمين والدولة الإسلامیّة على مدى التأريخ كما نص على ذلك كبار علماء المسلمين باعتبار أن الخلافة والسلطة بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم تعتبر أهمّ منصب له آثاره الكبرى على حياة الرسالة وحياة المسلمين. من خلاله سطّر تأريخ الإسلام الأمّة الإسلامیّة بعد عصر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم
إنّ هذا التآمر له أسبابه و جذوره قبل وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وكان الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم يدركها جيّداً وكان الوحي الالهي يخطّط للانتصار على هذه العقبة الكؤود في طريق الرسالة و مستقبل المسلمين.
وقد وعد اللّه رسوله بأن يعصمه من الناس (2)و لا معنى لذلك الا إذا قلنا بوجود تآمر بالفعل على رسالة الرسول المكّف بأدائها وكان صلی اللّه علیه و آله وسلم يخشى الناس في أدائها وهو الّذی لا تأخذه في اللّه لومة لائم. ولا معنى لهذة الخشية إلا أن يكون هناك تيّار قويّ كان يقف عقبة أمام تخطيط الرسالة ويعمل على إجهاضه بحيث يؤدّي إلى وأد الرسالة
وإحباطها وهذا التیّار هو الّذی اضطرّ الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم لأن يترك وصيّته المكتوبة في آخر لحظات حياته لأنّه وقف أمام طلب النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم متحدّياً الوحي الإلهي حين قال عنه صلی اللّه علیه و آله وسلم : لا ينطق عن الهوى وهو في تحدّيه هذا يكون قد أدان كلّ شيء بلّغه الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم عن ربّه.
وقد وعد اللّه نبيّه بعصمته من ذلك التیّار. و هذه العصمة - بالرغم من نجاح المؤامرة ظاهراً وسيطرتها على مقاليد الأمور - إنّما تعني أنّ اللّه سبحانه قد عصم رسالةالرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم من تسرّب التحريف إليها. كما تعني أنّها سوف تنتصر للرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بالرغم من قوة كيد المتآمرين؛ فإنّ الإسلام قد خرج على مستوى النظريّة سالماً من أيّ زيغ بالرغم من أن التیّار القرشي المعارض للرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم كان يصبو لمحق الرسالة وإنكار عصمة الرسول وسداده في آخر لحظات حياته، وهذه الإدانة حينما تتسرب إلى سائر نصوص الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم فإنها تجعلها في قفص الاتهام، كما أتت إلى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه وتجاوز نصوص الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم.
و لکنّ اللّه سبحانه وتعالى بتسديده أهل بيت نبيّه وإعدادهم إعداداً رساليّاً قد ضمن للأُمة الإسلامیّة سلامة الرسالة من الزيغ وذلك بسبب وجود هذه المرجعيّة الفكريّة والدينيّة السليمة والمعصومة كما عصم رسوله صلی اللّه علیه و آله وسلم من تسرّب هذا التشكيك إلى حريم رسالته، فإنّ عامة المسلمين بالرغم من تفرّقهم واختلافهم حول اجتهاد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وعصمته طيلة حياته لا يشكوّن في عصمته في تبليغ رسالة ربّه و يَتعبّدون بنصوص الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم كما يتعبدون بنصوص القرآن الكريم.
إذن قبل استعراض جميع ما وقع بعد وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم من أحداث تفصح عن كيفية تحقّق المؤامرة وتطوّر أحداثها علينا أن نغور إلى أعماق تأريخ عصر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم لنكتشف جذور هذا التآمر وخيوطه الأُولی الّتی انتهت إلى هذا الانحراف العظيم بعد وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم
الخلاصه
ينقسم عصر الإمام علي علیه السلام إلى عهدين متميزين: عهد الخلفاء وعهد الحكم العلوي.
إنّ القيادة الرساليّة الّتی عرفها الرسول الكريم صلی اللّه علیه و آله وسلم لأمّته و الّتی تمثّلت في علي بن أبي طالب علیه السلام هي القيادة الأمينة على مصالح الرسالة الساهرة على تحقيق أهدافها الإلهيّة رغم كلّ الصعاب والعقبات.
و إنّ دراسة تأريخ عصر ما بعد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم لا يمكن أن تحقّق بموضوعيّة تامّة، مع العلم بأنه عصر تزاحمت فيه المصالح الذاتية والمصالح الرساليّة إذا رجعنا إلى المصادر الّتی كانت تكتب حسب مذاق الحكّام الّذین استأثروا بالسلطة العليا دون أهلها المنصوبين لها.
على أن شخصيّة الإمام علي علیه السلام الرسالية هي الشخصيّة المرموقة والمقبولة لدى جميع المذاهب الإسلامیّة ونصوص الإمام علي الّتی وصلتنا - رغم كلّ الظروف المعاكسة - تعدّ نصوصاً فريدة لتصوير ذلك العصر بكل مآسيه.
وقد نص الإمام على أنّ أبا بكر قد تقمّص الخلافة واستأثر بها دون أهلها. وأنّ هناك تخطيطاً قد حيك لابتزاز حقّ الإمام علي علیه السلام وقد صبر الإمام علیه السلام لكي يحقق الأهداف الكبرى للرسالة بالرغم من أنّ هذا الانحراف السياسي له تبعاته السلبيّة على الأمّة والكيان الإسلامي. وهو الا بصبره وجهاده قد حاول تفادي هذه الصدمة الكبرى. ففاز في نهاية المطاف على المدى القريب والبعيد معاً.
الأسئلة
1 . حدّد عصر الإمام علي علیه السلام ثمّ بيّن العهود الّتی تضمّنها هذا العصر.
ما هو العامل الأهمّ لتحقيق التكامل البشري في التأريخ؟
ارسم صورة توضح الظروف الّتی غادر فيها الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم أمتّه إلى جوار ربه.
4 . ما هي متطلبات المرحلة الّتی توفّي فيها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ؟
5 . كيف ندرس تأريخ المرحلة الّتی تلت وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ؟
6 . ما هو رأي الإمام علي علیه السلام في خلافة أبي بكر وعمر؟
توفّي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم نصف النهار يوم الاثنين وأبوبكر غائب بالسُّنح، وعمر عمر ودخل عليه مع المغيرة بن شعبة وكشف الثوب عن وجهه حاضر، فاستأذن وقال عمر:
واغشياه، ما أشدّ غشي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم !
فقال المغيرة: مات والله رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم
فقال عمر: كذبت، ما مات رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ، ولكنّك رجل تحوسك فتنة، ولن يموت رسول اللّه حتّی يُفني المنافقين(1).
أخذ عمر يقول: إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول اللّه توفّي، إنّ رسول اللّه ما مات ولكنّه ذهب إلى ربِّه، كما ذهب موسى عن قومه، وغاب أربعين ليلة. والله ليرجعنّ رسول اللّه فليقطعنَّ أيدي رجال وأرجل من يزعمون أنه مات (2).
من قال إنّه مات علوت رأسه بسيفي، و إنّما ارتفع إلى السماء(3).
فتلي عليه في المسجد :
وما محمّد إلّا رسول قد خلت من قبله الرسل أ فإنّ مات أو قتل انقلبتم أعقابكم). وقال العبّاس بن عبد المطّلب : إنّ رسول اللّه قد مات وإني رأيت في وجهه مالم أزل أعرفه في وجوه بني عبدالمطّلب عند الموت، وقال: هل عند أحدكم عهد من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في وفاته فليحدثنا؟ قالوا: لا. فقال: اشهدوا أيّها الناس أن أحداً لا يشهد على رسول اللّه بعهد عهد إليه في وفاته ...(1).
فما زال عمر يتكلَّم حتّی ازبدّ شدقاه(2)، حتّی جاء أبوبكر من السُنح وتلا: ﴿وما محمّد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) . فقال عمر : هذا في كتاب اللّه ؟ قال: نعم. فسكت عمر (3).
و إنّ هذه الآية الّتی قرأها على عمر هي الّتی كان ابن أمّ مكتوم قد قرأها عليه قبل ذلك. وكان التشكيك في موت الرسول يوم وفاته من خصائص الخليفة عمر بن الخطاب، فإنّ أصحاب السير والمؤرّخين لم يذكروا هذا التشكيك عن غيره(4).
((في اليوم الّذی حانت فيه الساعة الأخيرة في تأريخ النبوات الّتی قطعت أقدس أداة وصل بين السماء والأرض وأفيضها خيراً ونعمةً وأجودها حقلاً للإنسانية؛ إذ لَفَظَ سيد البشر نفسه الأخير وصعدت روحه إلى الرفيق الأعلى فكان قاب قوسين أو أدنى،
1) رواه ابن سعد في طبقاته، ج 2، ق 2، ص 57 و في كنز العمال، ج 4، ص 053 ح 1092 وابن كثير في ج 5، ص 243 من تأريخه المواهب للزرقاني، ج 8، ص 281 والآية 144 من سورة آل عمران.
2) أنساب الأشراف، ج 1، ص 567 وابن سعد، ج 2، ق 2، ص 53.
3) الطبقات لابن سعد، ج 2، ق ،2، ص 54 ابن كثير، ج 5، ص 243؛ السيرة الحلبية، ج 3، ص 392 وابن ماجة، ح 1627.
4) راجع معالم المدرستين، ج 1، ص 149 - 150.
هرع الناس إلى بيت النبوّة الّذی كان يشرق بأضوائه لتوديع العهد المحمّدي السعيد و تشييع النبوّة الّتی كانت مفتاح مجد الأمّة وسرّ عظمتها، واجتمعوا حوله تتقاذفهم شتى الخواطر و ترتسم في أفكارهم ذكريات من روعة النبوّة وجلال النبيّ العظيم.
وقد خيّل إليهم أن هذه السنوات العشر الّتی نعموا فيها برعاية خير الأنبياء وأبرّ الآباء كانت حلماً لذيذاً تمتعوا به لحظة من زمان وازدهرت به الإنسانيّة برهة من حياتها وهاهم قد أفاقوا على أسوأ ما يستيقظ النائم.
وبينما كان المسلمون في هذه الغمرة الطاغية والصمت الرهيب لا ينطق أحد منهم بكلمة وقد اكتفوا في تأبين الراحل العظيم بالدموع والحسرات والخشوع والذكريات إذ يفاجأون بصوتٍ يجلجل في الفضاء ويقطع خيط الصمت الّذی لفّ المجتمعين وهو يعلن أنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم لم يمت ولا يموت حتّی يظهر دينه على الدين كله وليرجعنّ فليقطّعنّ أيدي رجال و أرجلهم ممن أرجف بموته: «لا أسمع رجلاً يقول مات رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الّا ضربته بسيفي»(1).
والتفّت الأنظار إلى مصدر الصوت ليعرفوا القائل؛ فوجدوا عمر بن الخطّاب قد وقف خطيباً بين الناس وهو يجلجل برأيه في شدّة لا تقبل نزاعاً وشاعت الحياة في الناس من جديد فتكلّموا وتحدّثوا في كلام عمر والتفّ بعضهم حوله.
و أكبر الظنّ أنّ قوله وقع من أكثرهم موقع الاستغراب والتكذيب، وحاول جماعة منهم أن يجادلوه في رأيه ولكنّه بقي شديداً في قوله ثابتاً عليه والناس يتكاثرون حوله ويتكلمون في شأنه ويعجبون لحاله حتّی جاء أبوبكر، وكان حين توفّي النبيّ - في منزله بالسُّنح والتفت إلى الناس وقال: «من كان يعبد محمّداً فإنه قد مات، و من كان يعبد اللّه فإنّه حي لا يموت. قال اللّه تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ) (2)
وقال: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)(1)، ولمّا سمع عمر ذلك أذعن واعترف بموت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وقال: «كانّي سمعتها - يعني الآية - [الآن]»(2).
و نحن لانرى في هذه القصة ما يراه كثير من الباحثين من أنّ الخليفة كان بطل ذلك الظرف العجيب، والرجل الّذی تهيّأت له معدّات الخلافة بحكم موقفه من رأي عمر؛ لأنّ المسألة ليست من الأهمّيّة بهذا الحدّ ولم يحدّثنا التأريخ عن شخص واحد انتصر لعمر في رأيه، فلم يكن إلا رأياً شخصيّاً لاخطر له ولا شأن للقضاء عليه. وقد يكون من حقّ البحث أن يقال أنّ شرح الخليفة لحقيقة الحال في خطابه الّذی وجّهه إلى الناس كان شرحاً باهتاً في غير حدّ لا يبدو عليه من مشاعر المسلمين المتحرّقة في ذلك اليوم شيء، بل لم يزد في بيان الفاجعة الكبرى على أن قال: «إنّ من كان يعبد محمّداً فإنّ محمّد اً قد مات». وقد كان الموقف يتطّلب من أبي بكر - إذا كان يريد أن يقدّم في نفسه زعيماً لتلك الساعة - تأبيناً للفقيد الأعظم يتّفق مع العواطف المتدفّقة بالذكريات والحسرات يومئذٍ.
ومَن الّذي كان يعبد سيّد الموحّدين حتّی يقول: مَن كان يعبد محمّداً فإنّه قد مات؟ وهل كان في كلام عمر معنىً يدلّ على أنه كان يعبد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم؟ أو كانت قد سرت موجة من الارتداد والإلحاد في ذلك المجتمع المؤمن الّذی كان يعتصر دموعه من ذكرياته، وصبره، وتماسكه من عقيدته حتّی يعلن لهم أنّ الدين ليس محدوداً بحياة رسول اللّه لأنّه ليس بالإله المعبود. إذن فلم يكن لكلام أبي بكر الّذی خاطب به الناس صلة بموقفهم ولا علاقة برأي عمر، ولا انسجام مع عواطف المسلمين في ذلك اليوم وشؤونهم، وقد سبقه به غيره ممّن حاول مناقشة الفاروق كما مرّ(3)».
وكان يعاصر الاجتماع حول جنازة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم اجتماع آخر للأنصار عقدوه في سقيفة بني ساعدة برئاسة سعد بن عبادة زعيم الخزرج (1).
و وصف الطبري الاجتماع الأوّل في السقيفة قائلاً: «اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وتركوا جنازة الرسول يغسّله أهله فقالوا: نولّي هذا الأمر بعد محمّد ، سعد بن عبادة. وأخرجوا سعداً إليهم و هو مريض ....
فحمد اللّه وأثنى عليه، وذكر سابقة الأنصار في الدين وفضيلتهم في الإسلام وإعزازهم للنبي وأصحابه وجهادهم لأعدائه، حتّی استقامت العرب، وتوفّي الرسول و هو عنهم راض، وقال: استبدّوا بهذا الأمر دون الناس فأجابوه بأجمعهم أن قد وفّقت في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدو ما رأيت نولّيك هذا الأمر. ثمّ إنهم ترادّوا الكلام بينهم فقالوا فإنّ أبَت مُهاجِرَة قريش فقالوا نحن المهاجرون وصحابة رسول اللّه الأولون، ونحن عشيرته وأولياؤه، فعلامَ تنازعوننا هذا الأمر بعده؟ فقالت طائفة منهم: فإنَّا نقول إذاً: منا أمير ومنكم أمير. فقال سَعد بن عبادة: هذا أوّل الوهن (2).
سمع أبوبكر وعمر بذلك، فأسرعا إلى السَّقيفة مع أبي عُبيدة بن الجرَّاح وانحاز معهم أُسيد بن حُضَيْر(3)
ترجمته في الاستيعاب، ج 1، ص 31 - 33 والإصابة، ج 1، ص 64 وجوامع السيرة، ص 283.
ص 158.
وعُويم بن ساعِدَة (4)، وعاصم بن عَدِيّ(5)من بني العجلان(6)حدث أمر لابدّ أن تحضره فخرج فاعل الخير فمضينا مسرعين نحوهم ومعهما أبوعبيدة.
.1) تأريخ الطبري، ج 2، ص 233.
2) الطبري في ذكره لحوادث سنة 11 ه-، ج 2، ص 456، ط. أوربا، ج 1، ص 1838، عن عبدالله ابن عبدالرحمن بن أبي عمرة الأنصاري. وابن الأثير، ج 2، ص 125 و تأريخ الخلفاء لابن قتيبة، ج 1، ص 5 قريب منه و أبوبكر الجوهري في كتابه السقيفة في الجزء الثاني من شرح ابن أبي الحديد في خطبة (و من كلام له في معنى الأنصار).
3) ورد اسمه في سيرة ابن هشام، ج 4، ص 335 وأسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امريء القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن الحرث بن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن الأوس الأنصاري الأشهلي، شهد العقبة الثانية وكان ممن ثبت في أحد، وشهد جميع مشاهد النبي، وكان أبوبكر لا يقدم أحداً من الأنصار عليه. توفّي سنة 20 أو 21 ه- فحمل عمر نعشه بنفسه. روى عنه أصحاب الصحاح 18 حديثاً.
4) عويم بن ساعدة بن عائش بن قيس بن النعمان بن زيد بن أمية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي: شهد العقبة وبدراً وما بعدها، وتوفي في خلافة عمر وبترجمته في النبلاء: أنه كان أخا الخليفة عمر. وقال عمر على قبره: «لا يستطيع أحد من أهل الأرض أن يقول: أنا خير من صاحب هذا القبر». الاستيعاب، ج 3، ص 170 والإصابة، ج 3، ص 45 وأسد الغابة، ج 4.
5) عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان بن حارثة بن ضُبَيْعَة بن حرام البلوي العجلاني، حليف الأنصار وكان سيد بني عجلان. شهد أحداً وما بعدها. توفّي سنة 45 هجرية. الاستيعاب، ج 3، ص 133 والإصابة، ج 2، ص 237 وأسد الغابة، ج 3، ص 75.
6) سيرة ابن هشام، ج 4، ص 339. أرسل عمر إلى أبي بكر وهو في منزل الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم : أن أخرج فقد
تكلَّم أبوبكر - بعد أن منع عمر عن الكلام - فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ ذكر سابقة المهاجرين في التصديق بالرّسول دون جميع العرب، وقال: فهم أوّل من عبد اللّه في الأرض و آمن بالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم. ثمّ ذكر فضيلة الأنصار، وقال: فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء، و أنتم الوزراء.
فقام الحُباب بن المنذر (1)وقال: يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإنّ الناس في فيئكم وفي ظلكم، ولن يجتري مجتريء على خلافكم، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقض عليكم أمركم. فإنّ أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنّا أمير ومنهم أمير.
فقال عمر: هيهات! لا يجتمع اثنان في قرن... والله لا ترضى العرب أن يؤمّروكم
1) الحباب بن المنذر بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري، شهد بدراً وما بعدها، وتوفّي في خلافة عمر الاستيعاب بهامش الإصابة، ج 1، ص 353 والإصابة، ج 1، ص 302 وأسد الغابة، ج 1، ص 364 ونسبه في جمهرة ابن حزم، ص 359.
ونبیّها من غيركم، و لکنّ العرب لا تمتنع أن تولّي أمرها من كانت النبوّة فيهم، وولي أمورهم منهم ولنا بذلك على من أبى الحجّة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمّد وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته(1)إلّا مدلٍ بباطل أو متجانف لإ ثمّ أو متورّط في هلكة ؟!
فقام الحباب بن المُنذر وقال: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإنّ أبوا عليكم ما سألتموهم، فأجلوهم عن هذه البلاد، وتولّوا عليهم هذه الأمور، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، فإنّه بأسيافكم دان لهذا الدين من لم يكن يدين به. أنا جُذَيْلُها المَحَكَك (2)وعُذَيْقُها المُرَجّب (3). أما والله لو شئتم لنُعيدنّها جَذَعَة (4)
جذعة، أي: أوّل ما يبتدأ فيها.
.قال عمر: إذاً يقتلَك اللّه .
قال: بل إيّاك يقتل.
فقال أبو عُبيدة: يا معشر الأنصار، إنّكم كنتم أوّل من نصر و آزر، فلا تكونوا أوّل من بدّل و غيّر.
فقام بشير بن سعد الخزرجيّ أبو النعمان بن بشير فقال: يا معشر الأنصار، إنّا والله لئن كنّا أُولي فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدين، ما أردنا به إلا رضا ربّنا
1) لما سمع عليّ بن أبي طالب هذا الاحتجاج من المهاجرين قال: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة. النهج وشرحه لابن أبي الحديد، ط. الأولى، ج 2، ص 2.
2) جذيلها، تصغير الجذل أصل الشجرة والمحك: عود ينصب في مبارك الإبل لتتمرس به الإبل الجربي. أي قد جربتني الأمور ولي رأي وعلم يُشتفى بهما كما تشتفي هذه الإبل الجربي بالجذل وصغره على جهة المدح.
3) عذيق: تصغير العذق، وهي النخلة والمرجب ماجعل له ،رجبة وهي دعامة تبتنى من الحجارة حول النخلة الكريمة إذا طالت وتخوفوا عليها أن تنقعر في الرياح العواصف.
4) أعدت الأمر جذعاً أي جديداً كما بدأ، وإذا أطفئت حرب بين قوم فقال بعضهم: إنّ شئتم أعدناها
وطاعة نبيّنا والكدح لأنفسنا؛ فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك، ولا نبتغي به من الدنيا عرضاً، فإنّ اللّه وليّ النعمة علينا بذلك، إلا أن محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم من قريش، وقومه أحقٌّ به وأولى، وأيم اللّه لايراني اللّه أنازعهم هذا الأمر أبداً. فاتّقوا اللّه ولا تخالفوهم، ولاتنازعوهم.
فقال أبو بكر: هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، فأيهما شئتم فبايعوا. فقالا: والله لانتولّى هذا الأمر عليك(1).
وقام عبد الرَّحمن بن عوف، وتكلّم فقال: يا معشر الأنصار إنكم و إنّ كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعلي. وقام المنذر بن الأرقم فقال: ماندفع فضل من ذكرت، و إنّ فيهم لرجلاً لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد - يعني عليَّ بن أبي طالب - (2).
فقالت الأنصار أو بعض الأنصار: لانبايع إلا عليّاً (3).
قال عمر: فكثر اللّغط وارتفعت الأصوات حتّى تَخَوّفت الاختلاف فقلت: ابسط يدك لأبايعك(4). فلما ذهبا ليبايعاه، سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه، فناداه الحُباب بن المنذر: يابشير بن سعد عَقَقْتَ عَقاقٍ(5)أنفست على ابن عمِّك الإمارة؟ فقال: لا والله، ولكنّي كرهت أن أنازع قوماً حقاً جعله اللّه لهم. ولمّا رأت الأوس ماصنع بشير بن سعد وماتدعو إليه قريش وماتطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض - وفيهم أُسَيْد ابن حضير وكان أحد النُقباء : والله لئن وليَتها الخزرج عليكم
1) لم نسجّل هنا بقيّة الحوار وتعليقنا عليه طلباً للاختصار.
2) رواه اليعقوبي بعد ذكر ما تقدم في تأريخه، ج 2، ص 103 والموفقيات للزبير بن بكار، ص 579.
3) في رواية الطبري، ج 3، ص 208 (وط. أوربا، ج 1، ص 1818) عن إبراهيم، وابن الأثير، ج 2، ص 123: «أنّ الأنصار قالت ذلك بعد أن بايع عمر أبابكر».
4) عن سيرة ابن هشام، ج 4، ص 336 وجميع من روى حديث الفلتة. راجع بعده حديث الفلتة في ذكر رأي عمر في بيعة أبي بكر.
5) الطبري، ط. أوربا، ج 1، ص 1842 و في رواية ابن أبي الحديد: عقّكَ عقاق.
مرَّة، لازالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً، فقوموا فبايعوا أبا بكر(1).
فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ماكانوا أجمعوا له من أمرهم... فأقبل الناس من كلّ جانب يبايعون أبا بكر ، وكادوا يطأون سعد بن عبادة.
فقال أناس من أصحاب سعد: اتّقوا سعداً لا تطؤوه.
فقال عمر: اقتلوه قتله اللّه .
ثمّ قام على رأسه فقال: لقد هَمَمْتُ أن أطأك حتّى تَنْدُرَ عُضوك. فأخذ قيس بن
سعد بلحية عمر فقال: والله لو حصصت منه شعرة مارجعت وفي فيك واضحة.
فقال أبوبكر: مهلاً ياعمر! الرفق هاهنا أبلغ.
فأعرض عنه عمر(2).
وقال سعد: أما والله لو أنّ بي قوّة ما أقوى على النهوض لسمعت منّي في أقطارها وسككها زئيراً يُجْحِرُك وأصحابك. أما والله إذاً لألحقنَّك بقوم كنتَ فيهم تابعاً غير متبوع. احملوني من هذا المكان. فحملوه فأدخلوه في داره (3).
وروى أبوبكر الجوهري: أنّ عمر كان يومئذ - يعني يوم بويع كان يومئذ - يعني يوم بويع أبوبكر - محتجراً
يهرول بين يدي أبي بكر ويقول: ألا إنّ الناس قد بايعوا أبابكر ...(4).
نعم بايع الناس أبابكر وأتوا به المسجد يبايعونه فسمع العبّاس وعليّ التكبير في
1) وفي رواية أبي بكر في سقيفته لما رأت الأوس أنّ رئيساً من رؤساء الخزرج قد بايع، قام أسيد بن حضير - وهو رئيس الأوس - فبايع حسداً لسعد ومنافسة له أن يلي الأمر. راجع شرح النهج، ج 2، ص 2 في شرحه (و من كلام له في معنى الأنصار).
2) إنّ هذا الموقف يوضح بجلاء جماع سياسة الخليفتين من شدّة ولين.
3) الطبري، ج 3، ص 455 - 459 وط. أوربا، ج 1، ص 1843. و تندر عضوك) كذا ورد ويعني تسقط أعضاؤك.
4) في كتابه السقيفة راجع ابن أبي الحديد، ج 1، ص 133 وفي ص 74 منه بلفظ آخر.
المسجد ولم يفرغوا من غسل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم.
فقال عليّ: ما هذا؟
قال العبّاس: ما رئيَ مثل هذا قطّ !! أما قلت لك (1)؟!
. وجاء البراء بن عازب فضرب الباب على بني هاشم وقال:
يا معشر بني هاشم! بويع أبوبكر.
فقال بعضهم لبعض: ماكان المسلمون يحدثون حدثاً نغيب عنه و نحن أولى بمحمّد . فقال العباس: فعلوها وربِّ الكعبة
وكان عامة المهاجرين وجلّ الأنصار لا يشكّون أنّ عليّاً هو صاحب الأمر بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم(2)
وروى الطبري: أنّ (قبيلة) (أسلم) أقبلت بجماعتها حتّی تضايقت بهم السِّكك فبايعوا أبابكر فكان عمر يقول:
ما هو إلا أن رأيتُ أسلم فأيقنت بالنصر(3).
فلما بويع أبوبكر أقبلت الجماعة الّتی بايعته تزفُّه زفّاً إلى مسجد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فصعد على المنبر - منبر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فبايعه الناس حتّی أمسى، وشُغِلُوا عن دفن
1) ابن عبد ربه في العقد الفريد، ج 4، ص 258 و أبوبكر الجوهري في كتابه السقيفة برواية ابن أبي الحديد عنه في ج 1، ص 132 و يروي تفصيله في ص 74 منه والزبير بن بكار في الموفقيات، ص 577 - 580 و 583 و 592. كما يروي عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج، ج 2، ص 2 - 16، في شرحه: (و من كلام له في معنى الأنصار)
2) الموفقيات للزبير بن بكار، ص 580.
3) الطبري، ج 2، ص 458 وط. أوربا، ج 1، ص 1843 وفي رواية ابن الأثير، ج 2، ص 224: (وجاءت أسلم فبايعت). وقال الزبير بن بكار في الموفقيات برواية النهج، ج 6 ، ص 287. «فقوي بهم أبوبكر» ولم يعينا متى جاءت أسلم، ويقوى الظنّ أن يكون ذلك ويقوى الظنّ أن يكون ذلك يوم الثلاثاء. وقال المفيد في كتابه «العمل»: إنّ القبيلة كانت قد جاءت لتمتار من المدينة (الجمل، ص 43).
رسول اللّه حتّی كانت ليلة الثلاثاء(1).
الخلاصه
إنّ ماحدث بين وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ومؤتمر السقيفة من مواقف مريبة و غير طبيعية يكشف عن تمهيد الشيخين لتهيئة الظرف المطلوب لتنفيذ المؤامرة الّتی كانوا قد خططوا لها قبل وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وأشار اليها الوحي وظهرت بعض بوادرها حين أمر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بإنفاذ جيش اُسامة وحين اشتدّ وجعه وأراد أن يوصي وحيل بينه وبين الوصيّة.
وجاءت مناورات السقيفة بين المهاجرين والأنصار لتلقي الأضواء الكاشفة على خطوط المؤامرة المبيّتة و الّتی تأكّدت بحضور قبيلة أسلم في الوقت المقرّر لها؛ مما أدى إلى اطمئنان عمر بالنصر.
1) الموفّقيات، ص 578 والرياض النضرة، ج 1، ص 164 و تأريخ الخميس، ج 1، ص 188. راجع معالم المدرستين، ج 1، ص 151 - 158.
الأسئلة
1 . ما هو موقف عمر حين اطّلع على خبر وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ؟
2 . لماذا كان موقف عمر مُريباً؟
. أين كان أبوبكر حين توفّي الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ؟
4 . ماذا كان موقف أبي بكر من وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم و من موقف عمر؟
5 . لماذا لم يقتنع عمر بالآيات الّتی تليت على مسامعه قبل قراءة أبي بكر لها؟
6 . لماذا اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة؟
8 . ما هي نقطة ضعف الأنصار أمام المهاجرين في اجتماع السقيفة؟
9 . لماذا أسرع بعض الأنصار لمبايعة أبي بكر؟
10 . لماذا أيقن عمر بالنصر حين رأى قبيلة أسلم؟
لاحظ الشهيد الصدر قدس سره في كتابه (فدك في التأريخ) - بعد استعراضه لأحداث السقيفة الّتی دوّنها لنا التأريخ - مجموعة من النقاط والإثارات على مواقف الشيخين بنحوٍ يستطيع الباحث أن يستكشف من خلالها أنَّ اتفاقاً سابقاً على خطّة معيّنة قد كان بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة فيما يخصّ موضوع الخلافة بالذات.
قال قدس سره : « ونلاحظ في هذه القصة أنّ عمر هو الّذی سمع بقصّة السقيفة واجتماع الأنصار فيها وأخبر أبابكر بذلك، ومادمنا نعلم أنّ الوحي لم ينزل عليه بذلك النبأ فلابدّ أنه ترك البيت النبويّ بعد أن جاء أبوبكر وأقنعه بوفاة النبيّ.
فلماذا ترك البيت؟ ولماذا اختص أبابكر بنبأ السقيفة؟ إلى كثير من هذه النقاط الّتی لانجد لها تفسيراً معقولاً أولى من أن يكون في الأمر اتّفاق سابق بين أبي بكر وعمر و أبي عبيدة على خطّة معيّنة في موضوع الخلافة.
وهذا التقدير التأريخي قد نجد له شواهد عديدة تجيز لنا افتراضه:
(الأول) تخصيص عمر لأبي بكر بنبأ السقيفة كما سبق، وإصراره على استدعائه بعد اعتذاره بأنه مشغول حتّی أشار إلى الغرض ولمّح إليه، خرج مسرعاً وذهبا على
عجل إلى السقيفة(1)، وكان من الممكن أن يطلب غيره من أعلام المهاجرين بعد اعتذاره عن المجيء، فهذا الحرص لا يمكن أن نفسّره بالصداقة الّتی كانت بينهما، لأنّ المسألة صديقاً لم تكن مسألة صداقة، ولم يكن أمر منازعة الأنصار يتوقّف على أن يجد عمر له بل على أن يستعين بمن يوافقه في أحقيّة المهاجرين أيّاً كان.
ولا ننسى أن نلاحظ أنه أرسل رسولاً إلى أبي بكر، ولم يذهب بنفسه ليخبره بالخبر خوفاً من انتشاره في البيت وتسامع الهاشمييّن أو غير الهاشميّين به، وقد طلب من الرسول في المرة الثانية أن يخبره بحدوث أمر لابدّ أن يحضره. ونحن لانرى حضور أبي بكر لازماً في ذلك الموضوع إلا إذا كانت المسألة مسألة خاصّة وكان الهدف تنفيذ خطّة متّفق عليها سابقاً (2).
(الثاني) موقف عمر من مسألة وفاة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم و ادعاؤه أنه لم يمت ولا يستقيم في تفسيره، أن نقول إنّ عمر ارتبك في ساعة الفاجعة، وفقد صوابه وادعى ما ادعى: لأنّ حياة عمر كلّها تدلّ على أنه ليس من هذا الطراز، وخصوصاً موقفه الّذی وقفه في السقيفة بعد تلك القصة مباشرة.
فالّذی تؤثر المصيبة عليه إلى حدٍّ تفقده صوابه لا يقف بعدها بساعة يحاجج ويجادل ويقاوم ويناضل(3).
1) تأريخ الطبري، ج 2، ص 242.
2) راجع تاريخ الطبري، ج 2، ص 234 وفيه: عن الحميري ... قال: «فحلف رجال أدركناهم من أصحاب محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم : ما علمنا أنّ الآيتين نزلتا حتّی قرأهما أبوبكر يومئذ؛ إذ جاء رجل يسعى فقال: هاتيك الأنصار قد أجتمعت في ظلة بني ساعدة، يبايعون رجلاً منهم يقولون منا أمير ومن قريش أمير، قال: فانطلق أبوبكر وعمر يتقاودان حتّی أتياهم، فأراد عمر أن يتكلّم، فنهاه أبوبكر، فقال: عمر لا أعصي خليفة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في يوم مرّتين... يعني في المرّة الأُولی إعلانه موت النبي، وهذه المرّة الثانية، ولاحظ تعبيره «خليفة النبيّ» قبل حصول البيعة «الفلتة» على ماقاله لاحقاً، كما في ج 2، ص 235.
3) راجع تأريخ الطبري، ج 2، ص 235.
ونحن نعلم أيضاً أنّ عمر لم يكن يرى ذلك الرأي الّذی أعلنه في تلك الساعة الحرجة قبل ذلك بأيّام أو بساعات حينما اشتد برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلمالمرض وأراد أن يكتب كتاباً لا يضل الناس بعده، فعارضه عمر وقال: إنّ كتاب اللّه يكفينا وأنّ النبيّ يهجر(1)، أو قد غلب عليه الوجع كما في صحاح السُنّة. فكان يؤمن بأنّ رسول اللّه يموت و أن مرضه قد يؤدّي إلى موته وإلّا لما اعترض عليه.
وقد جاء في تأريخ ابن كثير أنّ عمر بن زائدة قرأ الآية الّتی قرأها أبوبكر على عمر قبل أن يتلوها أبوبكر فلم يقتنع عمر وإنّما قبل كلام أبي بكر خاصّة واقتنع به (2). فما يكون تفسير هذا كلّه إذا لم يكن تفسيره إنّ عمر شاء أن يشيع الاضطراب بمقالته بين الناس لينصرفوا إليها وتتّجه الأفكار نحوها تفنيداً أو تأييداً مادام أبوبكر غائباً؛ لئلّا يتمّ في أمر الخلافة شيء ويحدث أمر لابُدّ أن يحضره أبوبكر - على حدّ تعبيره - وبعد أن أقبل أبوبكر اطمأنّ باله، وأمن من تمام البيعة للبيت الهاشمي مادام للمعارضة صوت في الميدان، وانصرف إلى تلقّط الأخبار حادساً بما سيقع، فظفر بخبر ماكان يتوقّعه.
(الثالث) شكّل الحكومة الّتی تمخّضت عنها السقيفة، فقد تولّى أبوبكر الخلافة، و أبو عبيدة المال، وعمر القضاء(3). وفي مصطلحنا اليوم أنّ الأوّل تولّى السياسة العليا، والثاني تولّى السياسة الاقتصاديّة، والثالث تولّى السلطات القضائيّة؛ وهي الوظائف الرئيسية في مناهج الحكم الإسلامي و تقسيم المراكز الحيويّة في الحكومة الإسلامیّة
1) راجع الرواية في صحيح البخاري، ج 1، ص 37 كتاب العلم - باب كتابة العلم وج 8، ص 161، كتاب الاعتصام - طبعة دار العامرة - استانبول، دارالفکر - بيروت.
2) البداية والنهاية ابن كثير، ج 5 ص 213 - نشر دار الكتب العلمية - بيروت.
3) الكامل في التأريخ، ابن الأثير، ج 2، ص 176، الطبعة الأُولی - مصر، الأزهرية، 1301ه- [الشهيد]. لما ولي أبوبكر قال له أبو عبيدة: أنا أكفلك المال، وقال له عمر: أنا أكفيك القضاء ... وكان على مکّة عتاب بن أسيد.
يومئذ بهذا الاُسلوب على الثلاثة الّذین قاموا بدورهم المعروف في سقيفة بني ساعدة لا يأتي بالصدفة على الأكثر ولا يكون مرتجلاً.
(الرابع) قول عمر حين حضرته الوفاة: «لوكان أبو عبيدة حيّاً لولّيته»(1).
وليست كفاءة أبي عبيدة هي الّتی أوحت إلى عمر بهذا التمنّي؛ لأنه كان يعتقد أهليّة ذلك لم يشأ أن يتحمّل أمر الأمّة حياً وميّتاً(2).
عليّ للخلافة ومع وليست أمانة أبي عبيدة الّتی شهد له النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بها - بزعم الفاروق - هي السبب في ذلك، لأنّ النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم لم يخصّه بالإطراء، بل كان في رجالات المسلمين يومئذٍ من ظفر بأكثر من ذلك من ألوان الثناء النبوي(3)كما تقرّر ذلك صحاح السنّة والشيعة.
(الخامس) اتّهام الزهراء للحاكمين بالحزبيّة السياسيّة، هو واضح من خطبتها المعروفة بعد أخذ فدك منها.
السادس) قول أمير المؤمنين - صلوات اللّه عليه - للفاروق : احلب ياعمر حلباً لك شطره اشدد له اليوم أمره ليرد عليك غداً (4)
المصرية - مطبعة مصطفى البابي الحلبي [الشهيد].
.و من الواضح أنه يلمّح إلى تفاهم بين الشخصين على المعونة المتبادلة واتّفاق سابق على خطّة معيّنة؛ وإلّا فلم يكن يوم السقيفة نفسه ليتّسع لتلك المحاسبات السیاسیّة الّتی تجعل لعمر شطراً من الحلب.
1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 1، ص 64 ، طبعة مصطفى البابي - مصر [الشهيد]، وراجع تأريخ الطبري، ج 2، ص 580 أخرج روايةً عن الأودي قال: «إنّ عمر بن الخطاب لما طعن قيل له: يا أمير المؤمنين، لو استخلفت، قال: من أستخلف؟ لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيّاً استخلفته.....
2) راجع تأريخ الطبري، ج 2، ص 580؛ الأنساب، البلاذري، ج 5، ص 16 [الشهيد].
3) راجع مثلاً: مختصر تأريخ ابن عساكر، ج 17، ص 356 وما بعدها، ففيه مناقب علي اللّه والثناء عليه. الخصائص، النسائي، ج 72، ص 113؛ مروج الذهب المسعودي، ج 2، ص 437، مطبعة السعادة، ط 2، مصر، 1948م.
4) راجع شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد، ج 1، ص 11 - الطبعة المحققة و ج 2، ص 5، من الطبعة
(السابع) ماجاء في كتاب معاوية بن أبي سفيان إلى محمّد بن أبي بكر (رضوان اللّه عليه) في اتّهام أبيه وعمر بالاتفاق على غصب الحق العلوي والتنظيم السري لخطوط الحملة على الإمام، إذ قال له فيما قال: فقد كنّا و أبوك نعرف فضل ابن أبي طالب وحقّه لازماً لنا مبروراً علينا، فلمّا اختار اللّه لنبيه ( عليه الصلاة والسلام) ماعنده وأتمّ وعده وأظهر دعوته فأبلج حجّته و قبضه إليه (صلوات اللّه عليه) كان أبوك والفاروق أوّل من ابتزّه حقّه وخالفه على أمره، على ذلك اتّفقا واتّسقا، ثمّ إنّهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما وتلكّاً عليهما فهمّا به الهموم و أرادا به العظيم(1)
بن أبي بكر: إنّ أباك أوّل من ابتزه حقه.
.ونحن نلاحظ بوضوح عطفه طلب أبي بكر وعمر للبيعة من الإمام ب-(ثم) على كلمتي اتّفقا واتّسقا، وهو قد يشعر بأن الحركة كانت منظّمة بتنظيم سابق، وأن الاتّفاق على الظفر بالخلافة كان سابقاً على الايجابيات السیاسیّة الّتی قاما بها في ذلك اليوم. ولا أريد أن أتوسّع في دراسة هذه الناحية التأريخيّة أكثر من هذا، و لکنّ هل لي أن ألاحظ في ضوء ذلك التقدير التأريخي، أنّ الخليفة لم يكن زاهداً في الحكم كما صوّره كثيرٌ من الباحثين؟ بل قد نجد في نفس المداورة الّتی قام بها الخليفة في السقيفة دليلاً على تطلّعه للأمر، فإنّه بعد أن أعلن الشروط الأساسية للخليفة شاء أن يحصر المسألة فيه فتوصّل إلى ذلك بأن ردّد الأمر بين صاحبيه (2)الّذین لن يتقدما عليه، وكانت النتيجة الطبيعيّة لهذا الترديد أن يتعيّن وحده للأمر.
فهذا الإسراع الملحوظ من الخليفة إلى تطبيق تلك الصورة الّتی قدّمها للخليفة الشرعي في رأيه على صاحبيه خاصّة الّذی لم يكن يؤدّي إلّا إليه، كان معناه أنه أراد أن يسلب الخلافة من الأنصار، ويقرّها في شخصه في آن واحد، ولذا لم يُبدِ تردّداً أو
ما يشبه التردّد لما عرض الأمر عليه صاحباه. وعمر نفسه يشهد لأبي بكر بأنّه كان مداوراً سياسيّاً بارعاً في يوم السقيفة في حديث طويل له يصفه فيه بأنّه أحسد قريش (1).
و نجد فيما يروى عن الخليفتين في أیّام رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ما يدل على هویً سياسي في نفسيّتهما، وأنهما كانا يفكّران في شيء على أقلّ تقدير. فقد ورد في طرق العامّة أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قال: « إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فقال أبوبكر : أنا هو يارسول اللّه قال: لا، قال عمر: أنا هو يارسول اللّه ، قال: لا و لکنّ خاصف النعل - يعني عليّاً (2)».
والمقاتلة على التأويل إنّما تكون بعد وفاة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم، والمقاتل لابدّ أن يكون أمير الناس، فتلهّف كلّ من أبي بكر وعمر على أن يكون هو المقاتل على التأويل مع أنّ القتال على التنزيل كان متيسّراً لهما في أیّام رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ولم يشاركا فيه بنصيب قد يدّل على ذلك الجانب الّذی نحاول أن نستكشفه في شخصيّتهما.
بل اُريد أن أذهب إلى أكثر من هذا فاُلاحظ أنّ أناساً متعدّدين كانوا يعملون في صالح أبي بكر وعمر (3)وفي مقدّمتهم عائشة وحفصة اللتان أسرعتا باستدعاء والديهما
1) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد، ج 1، ص 125، طبعة مصطفى البابي مصر. [الشهيد] قال عمر: فأردت أن أتكلم فقال أبو بكر: على رسلك فتكلم هو، والله ماترك من كلمه أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أقض. راجع صحيح البخاري، كتاب الحدود باب رجم الحبلى من الزنا.
2) الصواعق المحرقة، ابن حجر، ص 123، ط 2 مكتبة القاهرة، 1965م؛ مسند الإمام أحمد، ج 3، ص 33؛ کنز العمال، ج 15، ص 94، ط 2، حیدرآباد - الدكن - الهند، 1968 م: خصائص أمير المؤمنين. النسائي الشافعي (ت 303 ها، ص 131، طبعة طهران. راجع التاج الجامع للأصول، ج 3، ص 336.
3) قال الشهيد الصدر ( معلقاً) وقد سُئل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم عندما هدّد طائفة من قريش برجل من قريش امتحن اللّه قلبه للإيمان يضرب رقابهم على الدين إنّ ذلك الرجل هل هو أبو بكر؟ فقال: لا، فقيل: عمر؟ قال: لا... إلخ. مسند الإمام أحمد، ج 3، ص 33 والرواية تهمل اسم السائل الّذی توهم أن الشخص الّذی وصفه النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم هو أبو بكر أو عمر، وإذا لم يكن أبوبكر وعمر معروفين بشجاعة وبسالة في المشاهد الحربية على عهد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فلابدّ أن أمراً آخر دعا السائل إلى أن يسأل ذينك السؤالين والبقية أتركها لك.
عندما طلب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم حبيبه في لحظاته الأخيرة (1)الّتی كانت تجمع دلائل الظروف على أنّها الظرف الطبيعي للوصيّة و لابدّ أنهما هما اللتان عنتهما الرواية الّتی تقول: إنّ بعض نساء النبيّ أرسلن رسولاً إلى اُسامة لتأخيره عن السفر(2). فإذا علمنا هذا، وعلمنا أنّ هذا لم يكن بإذن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وإلا لما أمره بالإسراع بالرحيل لمّا قدم عليه بعد ذلك(3)
راجع الكامل في التأريخ :2 218 الطبقات الكبرى / ابن سعد 2: 248 - 250.
، وأنّ سفره مع من معه كان يعيق عن تحقّق النتائج الّتی أنتجها يوم السقيفة خرجت لدينا قضية مرتبة الحلقات على أسلوب طبيعي يعزّز ما ذهبنا إليه من رأي.و مذهب الشيعة في تفسير ماقام به رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم من تجنيد جيش اُسامة معروف، وهو أنه أحسّ بأنّ اتفاقاً ما بين جملة من أصحابه على أمر معيّن، وقد يجعل هذا الاتفاق منهم جبهة معارضة لعليّ .
ونحن إنّ شككنا في هذا لا نشكّ في أن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم قد جعل أبا بكر وعلياً فی كفّتَي الميزان مراراً أمام المسلمين جميعاً ليروا بأعينهم أنهما لا يستويان في الميزان العادل. و إلا فهل ترى إعفاء(4)أبي بكر من قراءة التوبة على الكافرين بعد أن كُلّف بذلك، أمراً طبيعياً ؟
1) راجع الرواية في سنن الكبرى، النسائي، ج 5، ص 145 ، باب 54 وأيضاً في مختصر تأريخ ابن عساكر، ج 18، ص 21.
2) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 1، ص 53 [الشهيد] الطبعة القديمة - المصرية - مصطفى البابي الحلبي.
3) في مسألة بعث اُسامة وطلب الإسراع بتنفيذ الحملة الّتی أمر فيها النبي اُسامة بن زيد على شيوخ المهاجرين والأنصار.
4) في قصة إعفاء الخليفة الأوّل أبي بكر عن مهمة تبليغ سورة براءة وإرسال علي بن أبي طالب لتنفيذ المهمة، راجع مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج 1، ص 3؛ الكشاف، الزمخشري، ج 2، ص 243؛ الصواعق المحرقة ابن حجر، ص 32، طبعة القاهرة.
ولماذا انتظر الوحي وصول الصدّيق إلى منتصف الطريق لينزل على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ويأمره باسترجاعه وإرسال عليّ للقيام بالمهمّة؟ أفكان عبثاً أو غفلة أو أمراً ثالثاً؟
و هو أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أحس بأن المنافس المتحفّز لمعارضة ابن عمّه و وصيّه هو أبوبكر، فشاء وشاء له ربِّه تعالى أن يرسل أبابكر ثمّ يرجعه بعد أن يتسامع الناس جميعاً بإرساله ليرسل عليّاً الّذی هو كنفسه(1)ليوضّح للمسلمين مدى الفرق بين الشخصين وقيمة هذا المنافس الّذی لم يأتمنه اللّه على تبليغ سورة إلى جماعة، فكيف بالخلافة والسلطنة المطلقة؟!
إذن فنخرج من هذا العرض الّذی فرض علينا الموضوع أن نختصره بنتيجتين: (الأولى) أنّ الخليفة [الأوّل] كان يفكّر في الخلافة ويهواها وقد أقبل عليها بشغف ولهفة.
(الثانية) أنّ الصدّيق والفاروق وأبا عبيدة كانوا يشكّلون حزباً سياسيّاً مهمّاً لانستطيع أن نضع له صورة واضحة الخطوط، ولكنّا نستطيع أن نؤكّد وجوده بدلائل متعدّدة، ولا أرى في ذلك ما ينقص من شأنهم أو يحط من مقامهم، ولا بأس عليهم أن يفكّروا في أمور الخلافة ويتّفقوا فيها على سياسة موحّدة إذا لم يكن لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم نصّ في الموضوع، ولا يبرّئهم - إذا كان النصّ ثابتاً - بعدهم عن الهوى السياسي وارتجال فكرة الخلافة في ساعة السقيفة(2)من المسؤولية أمام اللّه وفي حكم الضمير .
الخلاصه
ان الشواهد العديدة الّتی اجتمعت من خلال نوعية تعامل الشيخين مع حادث وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم والخلافة الّتی أسرعوا إليها وحرصوا على إحكام دعائمها في غير الخطّ الّذی عيّنه لهم الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم والمواقف الّتی تلت بيعة السقيفة من رموز هذا الخطّ وأعوانه والسائرين في دربه... كلها تدلّ بوضوح - لكلّ من له أدنى بصيرة - على التخطيط المسبق والاستعداد
التام لاستلام زمام السلطة بعد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وإبعاد الإمام علي علیه السلام عن هذا الموقع القيادي بکلّ وسيلة تمكنة.
الأسئلة
1 . ما هو التفسير المعقول لاختصاص أبي بكر بنبأ اجتماع الأنصار في السقيفة؟
2 . هل يحتمل ارتباك عمر حين وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ؟ ولماذا؟
3 . ما هي دلالة تقسيم المراكز الحيويّة في الحكم بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة؟
4 . ما معنى قول عمر : لوكان أبو عبيدة حيّاً لوليّته؟
5 . ما هي دلالة قول الإمام علي لعمر: احلب حلباً لك شطره؟
6 . ما هو النصّ الدال على أنّ الزهراء قد أعلنت عن مؤامرة الحاكمين ضدّ علي علیه السلام ؟
7 . ما هي النصوص الّتی تضمّنها كتاب معاوية لمحمّد بن أبي بكر حول وجود التخطيط المسبق من الحاكمين لسلب الخلافة من علي علیه السلام ؟
لمّا بويع أبوبكر في السَّقيفة وكان في الغد، جلس أبوبكر على المنبر فقام عم- فتكلّم قبل أبي بكر فحمد اللّه وأثنى عليه.... وذكر أنَّ قوله بالأمس لم يكن من كتاب اللّه ولا عهداً من رسوله ولكنَّه كان يرى أنّ الرسول سيدبّر أمرهم ويكون آخرهم. ثمّ قال: وإنّ اللّه قد أبقى فيكم كتابه الّذی به هدى رسوله. فإنّ اعتصمتم به هداكم اللّه لما كان هداه له. وإنّ اللّه قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ثاني اثنين إذ هما في الغار؛ فقوموا فبايعوه.
فبايع الناس أبابكر بيعته العامّة بعد بيعة السَّقيفة.
و في البخاري: قال أنس بن مالك: سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذ: إصعد المنبر.
فلم يزل به حتّی صعد المنبر فبايعه الناس عامّة.
ثمّ تكلّم أبوبكر، فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد، أيها الناس، فإنّي قد ولبت عليكم، ولست بخيركم، فإنّ أحسنت فأعينوني، و إنّ أسأت فقوموني - إلى قوله : أطيعوني ما أطعت اللّه ورسوله، فإذا عصيت اللّه ورسوله، فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم، يرحمكم اللّه (1).
1) ابن هشام، ج 4، ص 340: الطبري، ج 3، ص 203 و ط. أوربا، ج 1، ص 1829).
فلمّا بويع أبوبكر أقبل الناس على جهاز رسول اللّه يوم الثلاثاء(1). ثمّ دخل الناس يصلّون عليه(2). وصُلّي على رسول اللّه بغير إمام. يدخل عليه المسلمون زُمَراً زُمَراً يصلّون عليه (3).
و دخل القبر عليّ، والفضل وق ثمّ ابنّا العبّاس وشقران مولاه - ويقال: اُسامة ابن زيد - و هم تولّوا غسله وتكفينه وأمره كلّه(4). و إنّ أبابكر و عمراً لم يشهدا دفن النبيّ (5). وقالت عائشة: ما علمنا بدفن الرسول حتّی سمعنا صوت المساحي من جوف
الليل، ليلة الأربعاء(6)
و في هذا النصّ دلالة واضحة علي أنّ عائشة لم تكن حين دفن الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في (حجرتها و) بيتها الّذی لا يبعد عن قبر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم سوى عدّة أمتار فقط. فأين كانت آنيذ؟!
.عقبات في طريق استقرار الحزب الحاكم
اندحر سعد و مرشِّحوه، وبقي علي وجماعته - بعد أن أصبحوا أقلّيّة - يتناحرون و حزب أبي بكر الظافر وكلّ يجتهد في جلب الأنصار لحوزته. قال الزبير بن بكار في الموفّقيات: لما بويع أبوبكر واستقر أمره، ندم قوم كثير من الأنصار على بيعته ولامَ بعضهم بعضاً، وذكروا عليّ بن أبي طالب وهتفوا باسمه(7).
قال اليعقوبي(8): وتخلّف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار ومالوا مع
1) سيرة ابن هشام، ج 4، ص 343؛ الطبري، ج 2، ص 450 و ط. أوربا، ج 1، ص 1830).
2) ابن هشام، ج 4، ص 343.
3) طبقات ابن سعد، ج 2، ق ،2، ص 70؛ الكامل لابن الأثير، ج 2 في ذكر حوادث سنة 11
4) العقد الفريد، ج 3، ص 61 وقريب منه نص الذهبي في تأريخه، ج 1، ص 321 و 324 و 326.
5) كنز العمال، ج 3، ص 140.
6) ابن هشام، ج 4، ص 344 والطبري، ج 2، ص 452 و 455 و ط. أوربا، ج 1، ص 1833 و 1837.
7) الموفقيات، ص 583
8) في تأريخه، ج 2، ص 124 - 125 والسقيفة لأبي بكر الجوهري حسب رواية ابن أبي الحديد، ج 2، ص 13 والتفصيل في ج 1، ص 74 منه وبلفظ قريب منه في الإمامة والسياسة، ج 1، ص 14.
عليّ بن أبي طالب، منهم العباس بن عبدالمطّلب والفضل بن العبّاس، والزبير بن العوام، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسيّ، وأبوذر الغفاري، وعمّار بن ياسر، والبراء بن عازب و عازب، وأُبيّ بن كعب، فأرسل أبوبكر إلى عمر بن الخطاب
و أبي عبيدة بن الجراح، والمغيرة بن شعبة. فقال: ما الرأي؟
قالوا (1): الرأي أن تلقى العبّاس بن عبد المطّلب فتجعل له في هذا الأمر نصيباً يكون له ولعقبه من بعده فتقطعون به ناحية عليّ بن أبي طالب وتكون لكما حجّة (2)على عليّ إذا مال معكم.
فانطلق أبوبكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح، والمغيرة، حتّی دخلوا على العبّاس ليلاً(3)،فحمد اللّه أبوبكر وأثنى عليه ثمّ قال:
إنّ اللّه بعث محمَّداً نبيّاً وللمؤمنين وليّاً. فمنّ عليهم بكونه بين أظهرهم حتّی اختار له ماعنده فخلّى على الناس أمورهم(4)ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم مشفقين(5). فاختاروني عليهم والياً ولأمورهم راعياً. فوليت ذلك وما أخاف بعون اللّه وتسديده وهناً، ولا حيرةً، ولا جُبناً، وما توفيقي إلا بالله عليه توكّلت وإليه أنيب. وما انفكَّ يبلغني عن طاعن بقولِ الخلاف على عامة المسلمين يتَّخذكم لجأَ، فتكونوا حصنه المنيع، وخطبه البديع، فإما دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه، وإما صرفتموهم عمّا مالوا إليه. ولقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيباً يكون لك ويكون لمن
1) في نص الجوهري أنّ قائل هذا الرأي هو المغيرة بن شعبة، وهذا هو الأقرب إلى الصواب.
2) هذه الزيادة في نسخة الإمامة والسياسة، ج 1، ص 14.
3) في رواية ابن أبي الحديد أنّ ذلك كان في الليلة الثانية بعد وفاة النبيّ.
4) إنّ ضمير (هم) موجود في رواية ابن أبي الحديد.
5) في نسخة الإمامة والسياسة وابن أبي الحديد، ج 1، ص 74: (متفقين) وهو الأشبه بالصواب.
بعدك من عقِبك، إذ كنتَ عمَّ رسول اللّه ، و إنّ كان الناس قد رأوا مكانك ومكان صاحبك (فعدَلوا الأمر عنكم)(1)على رسلكم بني هاشم فإنّ رسول اللّه منّا ومنكم
فقال عمر بن الخطاب وأخرى إنّا لم تأتكم لحاجة إليكم، و لکنّ كرهاً أن يكون الطعن في ما اجتمع عليه المسلمون منكم فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لأنفسكم! فحمد العبّاس اللّه وأثنى عليه وقال: إنّ اللّه بعث محمّداً كما وصفت نبياً، وللمؤمنين وليّاً، فمنّ على أمّته به حتّی قبضه اللّه إليه واختار له ماعنده، فخلّى على المسلمين أمورهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين الحق لامائلين بزيغ الهوى. فإنّ كنتَ برسول اللّه طلبت، فحقنا أخذت، و إنّ كنتَ بالمؤمنين أخذت فنحن منهم. فما تقدّمنا في أمرك فَرَطاً، ولا حَلَلْنا وسطاً، ولا بَرحنا سخطاً، و إنّ كان هذا الأمر وجب لك بالمؤمنين، فما وجب إذ كنا كارهين ما أبعد قولك من أنهم طعنوا عليك من قولك أَنهم اختاروك ومالوا إليك؛ وما أبعد تسميتك خليفة رسول اللّه من قولك خلّى على الناس أمورهم ليختاروا فاختارك. فأمّا ماقلت: إنك تجعله لي، فإنّ كان حقاً للمؤمنين فليس لك أن تحكم(2)فيه، و إنّ كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض وعلى رسلك، فإنّ رسول اللّه من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها. فخرجوا من عنده.
قال عمر بن الخطّاب وإنه كان من خبرنا حين توفّى اللّه نبيَّه أنّ عليّاً والزبير ومن معهما تخلّفوا عنّا في بيت فاطمة(3).
1) الزيادة في نسخة ابن أبي الحديد والإمامة والسياسة.
2) في نسخة الجوهري والإمامة والسياسة: فإنّ يكن حقّاً لك فلا حاجة لنا فيه.
3) مسند أحمد، ج 1، ص 55 الطبري، ج 2، ص 466 (ط. أوربا، ج 1، ص 1822)؛ ابن الأثير، ج 2، ص 124؛ ابن كثير، ج 5، ص 246؛ صفوة الصفوة، ج 1، ص 97؛ ابن أبي الحديد، ج 1، ص 123؛ تأريخ السيوطي في مبايعة أبي بكر ، ص 45: ابن هشام، ج 4، ص 338 و تيسير الوصول، ج 2، ص 41.
وقد تواتر حديث تخلّف علي و من معه عن بيعة أبي بكر و تحصّنهم بدار فاطمة في كتب السير، والتواريخ، والصِّحاح والمسانيد، والأدب، والكلام، والتراجم، غير أنهم لمّا كرهوا ماجرى بين المتحصِّنين والحزب الظافر لم يفصحوا ببيان حوادثها إلا ماورد ذكره عفواً(1). و من ذلك مارواه البلاذري وقال: بعث أبوبكر عمر بن الخطّاب إلى عليّ رضي اللّه عنهم - حين قعد عن بيعته وقال: ائتني به بأعنف العنف. فلمّا أتاه جرى بينهما كلام فقال: احْلِبْ حَلَباً لك شطره؛ والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤثرك غداً - الحديث (2).
قال أبوبكر في مرض موته أما إنّي لا آسي على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن، وددت أني تركتهنّ - إلى قوله : فأمّا الثلاث الّتی فعلتها فوددتُ أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء، و إنّ كانوا قد أغلقوه على الحرب(3).
و في تأريخ اليعقوبي: وليتني لم أفتّش بيت فاطمة بنت رسول اللّه وأدخِله الرجال ولو كان أغلق على حرب (4).
وقد عدّ المؤرّخون في الرجال الّذین دخلوا بيت فاطمة بنت رسول اللّه كلاً من:
عمر بن الخطاب. 2 . خالد بن الوليد.
عبد الرحمن بن عوف. 4 . ثابت بن قيس بن شماس.
1) صَّرحت المصادر الآتية بالإضافة إلى المصادر المذكورة آنفاً أنّ هؤلاء كانوا قد تخلّفوا عن بيعة أبي بكر واجتمعوا بدار فاطمة. ومن هذه المصادر ماذكرت اسم بعضهم وأنهم اجتمعوا ليبايعوا عليّاً. الرياض النضرة، ج 1، ص 167: تأريخ الخميس، ج 1، ص 188؛ ابن عبد ربه، ج 3، ص 64؛ تأريخ أبي الفداء. ج 1، ص 156؛ ابن شحنة بهامش الكامل، ص 112؛ الجوهري حسب رواية ابن أبي الحديد، ج 1، ص 13 - 134 و الحلبية، ج 3، ص 394 و 397.
2) أنساب الأشراف، ج 1، ص 587.
3) الطبري، ج 2، ص 619 ( و ط. أوربا، ج 1، ص (2140 عند ذكره وفاة أبي بكر: مروّج الذَّهب، ج 1، ص 414؛ ابن عبد ربّه، ج 3، ص 69 عند ذكره استخلاف أبي بكر لعمر والكنز، ج 3، ص 135.
4) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 115.
5 . زياد بن لبيد. 6 . محمّد بن مسلمة.
و ذكروا كيفيّة كشف بيت فاطمة وما جرى للمتحصّنين وهؤلاء الرجال فقالوا: إنّه غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر منهم عليّ بن أبي طالب والزبير، فدخلا بيت فاطمة ومعهما السِّلاح (3)، فبلغ أبابكر وعمر أن جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتعوا مع عليّ بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول اللّه (4)، وأنهم اجتمعوا على أن يبايعوا عليّاً(5).
فبعث إليهم أبوبكر عمر بن الخطّاب ليخرجهم من بيت فاطمة، وقال له: إنّ أبوا فقاتلهم.
فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيتهم فاطمة فقالت: يا ابن الخطّاب أجئت لتحرق دارنا!؟ قال: نعم، أو تدخلوا في مادخلت فيه الأمّة!(6).
وفي أنساب الأشراف: فتلقّته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الخطّاب
1) راجع أنساب الأشراف، ج 1، ص 585.
2) الطبري، ج 2، ص 443 و 444 وأبوبكر الجوهري حسب رواية ابن أبي الحديد، ج 1، ص 130 - 134 وج 2 ص 819.
3) الرياض النضرة، ج 1، ص 218، ط. مصر الثانية سنة 1372، و أبوبكر الجوهري برواية ابن أبي الحديد، ج 1، ص 132 وج 6، ص 293 و تأريخ الخميس، ج 2، ص 169، ط. مؤسسة شعبان - بيروت (ب.ت).
4) اليعقوبي، ج 2، ص 126.
5) ابن أبي الحديد، ج 1، ص 134 وابن شحنة بهامش الكامل، ج 11، ص 113 بلفظ: «و مالوا مع علي بن أبي طالب».
6) ابن عبد ربّه، ج 3، ص 64 وأبوالفداء، ج 1، ص 156.
أتراك محرقاً عليّ بابي!؟ قال: نعم...(1).
وقال اليعقوبي: فأتوا في جماعة حتّی هجموا على الدار - إلى قوله : وكسر سيفه أي سيف عليّ - ودخلوا الدار(2).
وقال الطبري: أتى عمر بن الخطاب منزل عليّ وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه (3)و (4)و (5)
وقال أبوبكر الجوهري و عليّ يقول: «أنا عبدالله و أخو رسول اللّه حتّی انتهوا به إلى أبي بكر، فقيل له: بايع، فقال: أنا أحقَّ بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم، وأنتم أولى بالبيعة لي. أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول اللّه ، فأعطوكم المقادة وسلّموا إليكم الإِمارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، فأنصفونا إنّ كنتم تخافون اللّه من أنفسكم واعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم، وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون. فقال عمر: إنَّك لست متروكاً
1) أنساب الأشراف، ج 1، ص 586 و راجع كنز العمال، ج 3، ص 140 والرياض النضرة، ج 1، ص 167 و أبوبكر الجوهري برواية ابن أبي الحديد، ج 1، ص 132، وج 6 في الصفحة الثانية منه، والخميس، ج 1، ص 178 و أبوبكر الجوهري برواية ابن أبي الحديد، ج 1، ص 134 و تأريخ ابن شحنة، ص 113 بهامش الكامل، ج 11، ص 113.
2) اليعقوبي 2 / 126.
3) الطبري، ج 2، ص 443 و 444 و 446 (وط. أوربا، ج 1، ص 1818 و 1820 و 1822) وقد أورده العقّاد في عبقريّة عمر، ص 173 وذكر كسر سيف الزبير المحبّ الطبري في الرياض النضرة، ج 1، ص 167 و الخميس، ج 1، ص 188 و ابن أبي الحديد، ج 1، ص 58، 122، 132، 134 و ج 2، ص 2 - 5 وكنز العمال، ج 3، ص 128
4) مروج الذهب، ج 2، ص 100 وأورده ابن أبي الحديد، ج 20، ص 481، ط. ایران، عند شرحه قول علي علیه السلام : «الزبير منّا حتّی نشأ ابنه».
5) ديوان حافظ إبراهيم، ط. المصرية.
حتّی تبايع. فقال له علي: إِحْلِب ياعمر حَلَباً لك شطره؛ اشدد له اليوم أمره ليردَّ عليك غداً. لا والله، لا أقبل قولك و لا أتابعه فقال له أبو بكر: فإنّ لم تبايعني لم أكرهك. . فقال له أبو عبيدة: يا أبا الحسن إنّك حدث السن وهؤلاء مشيخة قريش قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبابكر إلا أقوى على هذا الأمر منك وأشدّ احتمالاً له واضطلاعاً به، فسلّم له هذا الأمر وارض به؛ فإنّك إنّ تعش ويطُل عمرك فأنت لهذا الأمر لخليق وعليه حقيق في فضلك و قرابتك وسابقتك و جهادك.
فقال عليّ: يا معشر المهاجرين اللّه اللّه لا تُخرجوا سلطان محمّد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقِّه. فوالله يا معشر المهاجرين، لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم أمّا كان منّا القاريء لكتاب اللّه الفقيه لدين اللّه ، العالم بالسنّة، المضطلع بأمر الرعيّة؟ والله إنه لفينا، فلا تتَّبعوا الهوى فتزدادوا من الحقّ بعداً.
فقال بشير بن سعد: لوكان هذا الكلام سمعته منك الأنصار ياعليّ قبل بيعتهم لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان ولكنّهم قد بايعوا وانصرف عليّ إلى منزله ولم يبايع. رواه أبوبكر الجوهري كما في شرح النهج، ج 2، ص 2 - 5 وروى أبوبكر الجوهري أيضاً وقال:
ورأت فاطمة ماصُنع بهما - أي بعليّ والزبير - فقامت على باب الحجرة وقالت: يا أبابكر، ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول اللّه والله لا أكلِّم عمر حتّی ألقى اللّه (1).
و في رواية أخرى وخرجت فاطمة تبكي وتصيح فَنَهنَهَت من الناس(2).
وقال اليعقوبي: فخرجت فاطمة، فقالت: والله لتخرجن أو لأكشفنَّ شعري
ولأعجَّنَّ إلى اللّه . فخرجوا وخرج من كان في الدار(1).
وقال المسعودي: لمّا بويع أبوبكر في السَّقيفة وجدِّدت له البيعة يوم الثلاثاء، خرج عليّ فقال: أفسدت علينا أمورنا ولم تستشر ولم ترع لنا حقاً!
فقال أبوبكر: بلى ولكنّي خشيت الفتنة(2).
قال اليعقوبي: واجتمع جماعة إلى عليّ بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة، فقال لهم: اغدوا عليَّ محلّقين الرؤوس. فلم يغد إلا ثلاثة نفر(3).
ثمّ إنّ عليّاً حمل فاطمة على حمار، وسار بها ليلاً إلى بيوت الأنصار يسألهم
النصرة، وتسألهم فاطمة الانتصار له؛ فكانوا يقولون:
يا بنت رسول اللّه قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو كان ابن عمّك سبق إلينا أبابكر ما عدلنا به.
فقال عليّ: أفكنت أترك رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ميّتاً في بيته لم أجهّزه وأخرج إلى الناس أنا زعهم في سلطانه!؟
فقالت فاطمة:
ما صنع أبو الحسن إلا ماكان ينبغي له، ولقد صنعوا ما اللّه حسيبهم عليه (4)و(5).
وروى مُعَمَّر عن الزُّهري عن عائشة في حديثها عما جرى بين فاطمة وأبي بكر حول ميراث النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم قالت:
1) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 126.
2) مروج الذهب، ج 1، ص 414 والإمامة والسياسة، ج 1، ص 12 - 14 مع اختلاف.
3) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 126 و في شرح النهج، ج 2، ص 4.
4) أبوبكر الجوهري في كتابه السقيفة برواية ابن أبي الحديد، ج 1، ص 5 - 28، ط. المصريّة وابن قتيبة، ج 1، ص 12.
5) ابن أبي الحديد، ج 2، ص 67 و صفّین لنصر بن مزاحم، ص 182.
فهجرته فاطمة، فلم تُكَلّمه حتّی تُوفُّيت وعاشت بعد النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ستّة أشهر. فلمّا تُوفيت دفنها زوجها، ولم يؤذِن بها أبابكر وصلّى عليها. وكان لعليّ من الناس وجهٌ حياةَ فاطمة، فلمّا تُوفّيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن عليّ. ومكثت فاطمة ستّة أشهر بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ثمّ توفّيت. قال معمّر:
فقال رجل للزهري: أفلم يبايعه على ستّة أشهر؟
قال: لا(1)، ولا أحد من بني هاشم حتّى بايعه عليّ. فلما رأى علي انصراف وجوه
الناس عنه ضَرَع إلى مصالحة أبي بكر - الحديث (2).
وقال البلاذُري: لمّا ارتدَّت العرب، مشى عُثمان إلى عليّ فقال: يا ابن عمّ، إنه لا يخرج أحد إلى قتال هذا العدوّ، وأنت لم تبايع فلم يزل به حتّی مشى إلى أبي بكر فبايعه. فسُرّ المسلمون وجدّ الناس في القتال وقطعت البعوث(3).
1) في تيسير الوصول، ج 2، ص 46: (قال: لا والله ولا أحد من بني هاشم).
2) قد أوردت هذا الحديث مختصراً من كلّ من الطبري، ج 2، ص 448 و ط. أوربا، ج 1، ص 1825) و صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ج 3، ص 38 و صحيح مسلم، ج 1، ص 72 وج 5، ص 153، باب قول رسول اللّه : «نحن لا نورث ما تركناه صدقة وابن كثير، ج 5، ص 285 - 286 و ابن عبد ربه، ج 3، ص 64 وقد أورده ابن الأثير، ج 2، ص 126 مختصراً والكنجي في كفاية الطالب، ص 225 - 226 و ابن أبي الحديد، ج 1، ص 122 والمسعودي، ج 2، ص 414 من مروج الذهب وفي التنبيه والإشراف له، ص 250: (ولم يبايع علي حتّی توفّيت فاطمة) والصواعق، ج 1، ص 12 و تأريخ الخميس، ج 1، ص 193 و في الإمامة والسياسة، ج 1، ص 14: أن بيعة علي كانت بعد وفاة فاطمة و أنّها قد بقيت بعد أبيها 75 يوماً وفي الاستيعاب، ج 2، ص 244: أن علياً لم يبايعه إلا بعد موت فاطمة. وأبوالفداء، ج 1، ص 156 والبدء والتأريخ، ج 5، ص 66 و أنساب الأشراف، ج 1، ص 586 وفي أسد الغابة، ج 3، ص 222 بترجمة أبي بكر: (كانت بيعتهم بعد ستة أشهر على الأصح). وقال اليعقوبي، ج 2، ص 126 (لم يبايع علي إلا بعد ستّة أشهر) وفي الغدير، ج 3، ص 102 عن الفصل لابن حزم، ص 96-97 وجدنا عليا رضی الله عنه تأخر عن البيعة ستة أشهر».
3) انساب الاشراف، ج 1، ص 587.
ضرع عليّ إلى مصالحة أبي بكر بعد وفاة فاطمة وانصراف وجوه الناس عنه، غير أنه بقي يشكو ممّا جرى عليه بعد وفاة النبيّ حتّی في أيّام خلافته. وذكر شكواه في خطبته المشهورة بالشّقشقيّة.
1 . فروة بن عمرو 2. خالد بن سعيد الأموي .. أبان بن سعيد الأموي ولم يبايعا حتّی بايع علي وبنو هاشم. 4 . سعد بن عبادة الخزرجي(1).
1) الموفقيات، ص 590 وأسد الغابة، ج 2، ص 82 و ابن الاثير، ج 2، ص 126 والرياض النضرة، ج 1، ص 168 راجع تفاصيل هذا البحث في معالم المدرستين، ج 1، ص 158 - 177.
الخلاصه
بالرغم من محاولات الحزب المتآمر على خط الإمامة لكسب أصوات المسلمين بقيت ثلّة من المهاجرين والأنصار إلى جانب الإمام علي علیه السلام ولم يخضعُوا لإرعاب الحزب المسيطر.
ولم يستطع المتآمرون كسب صوت العبّاس عم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى جانبهم.
و تحصّن الإمام علیه السلام مع جمع من أصحابه في دار فاطمة بنت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم .
وقد لجأ الحاكمون لكسر هذا التحصن بالقوّة وإضرام النار عليهم لإخراجهم وأخذ البيعة منهم بالقوّة.
واستطاعت الزهراء علیها السلام أن تمنع المتآمرين من فرض بيعتّهم بالقوة، و لکنّ الظروف العصيبة الّتی ألمت بالكيان الإسلامي دعت الإمام علیّاً علیه السلام وأصحابه إلى البيعة وذلك بعد وفاة الزهراء علیها السلام
الأسئلة
1 . ما هي محاولات الحزب المتآمر لكسب أصوات المسلمين؟
2 . من هم المهاجرون والأنصار الّذین امتنعوا من البيعة؟ ولماذا؟
3 . ما هي محاولة أبي بكر وعمر لكسب صوت العباس إلى جانبهم؟
4 . ماذا كان موقف العبّاس عمّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم من عروض أبي بكر وعمر وتهديدهما له؟
5 . لماذا تحصن أصحاب الإمام علیه السلام في بيت فاطمة؟
6 . ماذا كان مصير هذا التحصّن؟
كيف استطاعت الزهراء علیها السلام أن تحول بين المتآمرين وبين فرض البيعة على الإمام علیه السلام ؟
متى بايع الإمام علي علیه السلام ؟ ولماذا؟
إنّ الحزب الثلاثي الّذی قدّر له أن يلي الأمور يومئذٍ كان له معارضون على ثلاثة أقسام:
الأوّل: الأنصار الّذین نازعوا الخليفة وصاحبيه في سقيفة بني ساعدة و وقعت بينهم المحاورة السابقة الّتی انتهت بفوز قريش بسبب تركّز فكرة الوراثة الدينيّة في الذهنيّة العربیّة ، وانشقاق الأنصار(1)على أنفسهم؛ لِتمَكُّن النزعة القبليّة من نفوسهم.
الثاني: الأمويّون الّذین كانوا يريدون أن يأخذوا من الحكم بنصيب ويسترجعوا
شيئاً من مجدهم السياسي (2)في الجاهلیّة وعلى رأسهم أبوسفيان.
الثالث: الهاشميون وأخصّاؤهم كعمار وسلمان وأبي ذرّ والمقداد - رضوان اللّه عليهم - وجماعات من الناس (3)الّذین كانوا يرون البيت الهاشمي هو الوارث الطبيعي
1) راجع تأريخ الطبري، ج 2، ص 243.
2) المصدر السابق، ج 2، ص 237، قال: حدّثني محمّد بن عثمان بن صفوان الثقفي قال: حدّثنا أبوقتيبة، قال: حدّثنا مالك - يعني ابن مغول - عن ابن الحرّ قال: قال أبوسفيان لعليّ: ما بال هذا الأمر في أقلّ حيّ من قريش! والله لوشئت لأملأنّها عليه خيلاً و رجالاً! قال: فقال عليّ: يا أبا سفيان، طالما عاديتَ الإسلام وأهله...».
3) تأريخ الطبري، ج 2، ص 233.
لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بحكم الفطرة ومناهج السياسة الّتی كانوا يألفونها.
واشتبك أبوبكر وصاحباه في النزاع مع القسم الأوّل في سقيفة بني ساعدة، وركّزوا في ذلك الموقف دفاعهم عمّا زعموا من حقوق على نقطة كانت ذات وجاهة في نظر كثير من الناس؛ فإنّ قريشاً مادامت عشيرة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وخاصّته(1)فهي أولى به من سائر المسلمين وأحقّ بخلافته وسلطانه.
وقد انتفع أبوبكر وحزبه باجتماع الأنصار في السقيفة من ناحيتين:
الأولى: أن الأنصار سجّلوا على أنفسهم بذلك مذهباً لا يسمح لهم بأن يقفوا بعد ذلك
إلى صف عليّ ويخدموا قضيّته بالمعنى الصحيح كما سنوضّحه.
الثانية: أنّ أبابكر الّذی خدمته الظروف فأقامت منه المدافع الوحيد عن حقوق المهاجرين في مجتمع الأنصار لم يكن ليتهيأ له ظرف أوفق بمصالحه من ظرف السقيفة؛ إذ خلا الموقف من أقطاب المهاجرين الّذین لم يكن لتنتهي المسألة في محضرهم إلى نتيجتها الّتی سجّلتها السقيفة في ذلك اليوم.
وخرج أبوبكر من السقيفة خليفة وقد بايعه جمع من المسلمين الّذین أخذوا بوجهة نظره في مسألة الخلافة أو عزّ عليهم أن يتولّاها سعد بن عبادة.
ولم يعبأ الحاكمون بمعارضة الأمويين وتهديد أبي سفيان وما أعلنه من كلمات الثورة بعد رجوعه من سفره الّذی بعثه فيه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلمالجباية الأموال؛ لعلمهم بطبيعة النفس الأمويّة وشهواتها السیاسیّة والماديّة فكان من السهل كسب الأمويّين إلى جانب الحكم القائم كما صنع أبوبكر فأباح لنفسه أو أباح له عمر بتعبير أصحّ كما تدلّ الروايّة(2)، أن يدفع لأبي سفيان جميع ما في يده من أموال المسلمين وزكواتهم (3)ثمّ
1) المصدر نفسه، ج 2، ص 243؛ قولة الخليفة الأوّل: «من ذا ينازعنا سلطان محمّد وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدلٍّ بباطلٍ أو متجانفٍ لإثمٍ...».
2) راجع شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 1، ص 130، طبعة القاهرة - مصطفى البابي. [الشهيد.]
3) قد نستطيع أن نجيب في ضوء هذه القصة عمّا عرض لنا من سؤال في بداية هذا الفصل عن موقف الخليفتين لو قدر لهما أن يقفا موقف عليّ الّذی كان يفرض عليه أن يغري كثيراً من أمثال أبي سفيان بالمال و الجاه الشهيد].
جعل للأمويّين(1)بعد ذلك حظّاً من العمل الحكومي في عدّة من المرافق الهامّة.
وهكذا نجح الحزب الحاكم في نقطتين، ولكنّ هذا النجاح جرّه إلى تناقض سياسي واضح؛ لأنّ ظروف السقيفة كانت تدعو الحاكمين إلى أن يجعلوا للقرابة من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم حساباً في مسألة الخلافة ويقرّوا مذهب الوراثة للزعامة الدينيّة.
غير أنّ الحال تبدّلت بعد موقف السقيفة والمعارضة اتّخذت لها لوناً جديداً و واضحاً كلّ الوضوح يتلخّص في أن قريشاً إذا كانت أولى برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم من سائر العرب لأنه منها، فبنو هاشم أحقّ بالأمر من بقية قريش.
وهذا ما أعلنه عليّ حين قال: إذا احتج عليهم المهاجرون بالقرب من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم كانت الحجّة لنا على المهاجرين بذلك قائمة، فإنّ فلجت حجّتهم كانت لنا دونهم وإلا فالأنصار على دعوتهم (2)، وأوضحه العبّاس لأبي بكر في حديث له معه إذ قال له: و أمّا قولك نحن شجرة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فإنكم جيرانها ونحن أغصانها(3).
وقد كان عليّ الّذی تزعّم معارضة الهاشميين مصدر رعب شديد في نفوس الحاكمين؛ لأنّ ظروفه الخاصة كانت تمدّه بقوّة على لونين من العمل الإيجابي ضدّ الحكومة القائمة:
أحدهما ضمّ الأحزاب الماديّة إلى جانبه كالأمويّين والمغيرة بن شعبة وأمثالهم
ممّن كانوا قد بدأوا يعرضون أصواتهم للبيع ويفاوضون الجهات المختلفة في اشترائها بأضخم الأثمان، كما نعرف ذلك من كلمات أبي سفيان الّتی واجه بها خلافة السقيفة يوم وصوله إلى المدينة وحديثه مع عليّ وتحريضه له على الثورة، وميله إلى جانب الخليفة، وسكوته عن المعارضة حينما تنازل له الخليفة عن أموال المسلمين (1)الّتی كان قد جباها في سفره، و موقف عتاب بن اُسيد الّذی سنشير إلى سرّه.
وإذن فقد كان الهوى المادّي مستولياً على جماعة من الناس يومئذ.
ومن الواضح أنّ عليّاً كان يتمكّن من إشباع رغبتهم بما خلّفه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم من الخمس و غلّات أراضيه في المدينة وفدك الّتی كانت ذات نتاج عظيم.
والطور الآخر من المقاومة الّتی كان عليّ مزوّداً بإمكانياتها مالمّح إليه بقوله: احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة»، وأعني بذلك أنّ الفكرة العامّة الّتی اجتمعت يومئذ(2)على تقديس أهل البيت والاعتراف لهم بالامتياز العظيم بقربهم من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم كانت سنداً قويّاً للمعارضة.
وقد رأى الحزب الحاكم أنّ موقفه الماديّ حرج جداً؛ لأن أطراف المملكة الّتی تجبى منها الأموال لا تخضع للحكم الجديد إلا إذا استقرّت دعائمه في العاصمة، والمدينة بعد لم تخضع له خضوعاً إجماعيّاً.
ولئن كان أبوسفيان أو غير أبي سفيان قد باع صوته للحكومة، فمن الممكن أن يفسخ المعاملة إذا عرض عليه شخص آخر اتّفاقاً أكثر منها ربحاً، وهذا ماكان يستطيع عليّ أن يقوم به في كل حين. فيجب والحالة هذه أن تنتزع من عليّ - الّذی لم يكن مستعدّاً للمقابلة في تلك الساعة - الأموال الّتی صارت مصدراً من مصادر الخطر على
1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 1، ص 130، طبعة مصطفى البابي الحلبي -القاهرة.
2) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 1، ص 21؛ روي الزبير بن بكار، قال: روى محمّد بن إسحاق أن أبا بكر لما بويع افتخرت تيم بن مرة، قال: وكان عامة المهاجرين وجلّ الأنصار لا يشكون أن علياً هو صاحب الأمر بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم .
مصالح الحزب الحاكم ليضمن بقاء الأنصار على نصرتهم، وعدم قدرة المعارضين على إنشاء حزب من أصحاب المطامع والأهواء يومذاك.
ولا يجوز أن نستبعد هذا التقدير لسياسة الفئة المسيطرة مادام منطبقاً على طبيعة السياسة الّتی لابدّ من انتهاجها. وما دمنا نعلم أنّ الصدّيق اشترى صوت الحزب الأموي بالمال؛ فتنازل لأبي سفيان عن جميع ماكان عنده من أموال المسلمين، وبالجاه أيضاً إذ ولّى ابن أبي سفيان؛ فقد جاء أنّ أبابكر لما استُخلف قال أبوسفيان: مالنا ولأبي فصيل إنّما هي بنو عبد مناف، فقيل له أنه قد ولى ابنك قال: وَصَلَتْهُ رَحِمٌ (1). فلا غرابة في أن ينتزع أبوبكر من أهل البيت أموالهم المهمّة ليركّز بذلك حكومته، أو أن يخشى من عليّ علیه السلام أن يصرف حاصلات فدك وغير فدك على الدعوة إلى نفسه.
ولا ننسى أن نلاحظ أنّ الظروف الاقتصادیّة العامّة كانت تدعو إلى الارتفاع بماليّة الدولة والاهتمام بإكثارها استعداداً للطواريء المترقّبة؛ فلعل هذا قد حدى بالحاكمين إلى انتزاع فدك، كما يتبيّن ذلك بوضوح من حديث لعمر مع أبي بكر يمنعه (2)فيه عن تسليم فدك إلى الزهراء علیها السلام . ويعلّل ذلك بأنّ الدولة في حاجة إلى المال لإنفاقه توطيد الحكم، وتأديب العصاة، والقضاء على الحركات الانفصاليّة الّتی قد يقوم بها المرتدون.
وقد تردّد الحزب الحاكم في معالجة الأُسلوب الثاني من المعارضة بين اثنتين:
إحداهما: أن لا يقرّ للقرابة بشأن في الموضوع ومعنى هذا أنه ينزع عن خلافة أبي بكر ثوبها الشرعي الّذی ألبسها إيّاه.
والأخرى: أن يناقض نفسه فيظلّ ثابتاً على مبادئه الّتی أعلنها في السقيفة، ولا يرى حقّاً للهاشميين و لا امتيازاً لهم في مقاييس الرجال، أو يراه لهم و لکنّ في غير ذلك الظرف الّذی يكون معنى المعارضة فيه مقابلة حكم قائم ووضع تعاقد عليه الناس.
واختارت الفئة المسيطرة أن تثبت على آرائها الّتی روّجتها في مؤتمر الأنصار و تعترض على المعارضين بأنّ مخالفتهم بعد بيعة الناس للخليفة ليست إلا إحداثاً للفتنة (1)المحرمة في عرف الإسلام.
وهذا هو الأُسلوب الوقتي الّذی اتخذه الحاكمون للقضاء على هذا الجانب من المعارضة الهاشميّة، وقد ساعدتهم الظروف الإسلامیّة الخاصة يومئذٍ على نجاحه.
غير أنّنا نحسّ - و نحن ندرس سياسة الحاكمين - بأنهم انتهجوا منذ اللحظة الأُولی سياسة معيّنة تجاه آل محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم للقضاء على الفكرة الّتی أمدت الهاشميّين بقوّة على المعارضة كما خنقوا المعارضة نفسها. ونستطيع أن نصف هذه السياسة بأنها تهدف إلى إلغاء امتياز البيت الهاشمي، وإبعاد أنصاره والمخلصين له عن المرافق الهامة في جهاز الحكومة الإسلامیّة يومئذٍ وتجريده عمّا له من الشأن والمقام الرفيع في الذهنية الإسلامیّة .
وقد يعزّز هذا الرأي عدّة ظواهر تأريخيّة:
الأولى: سيرة الخليفة وأصحابه مع علي علیه السلام الّتی بلغت من الشدّة أنّ الشدّة أن عمر هدّد بحرق بيته و إنّ كانت فاطمة فيه(2)، ومعنى هذا إعلان أنّ فاطمة وغير فاطمة من آلها ليس لهم حرمة تمنعهم عن أن يتّخذ معهم نفس الطريقة الّتی سار عليها مع سعد بن
عبادة حين أمرَ الناسَ بقتله(1).
و من صور ذلك العنف وصف الخليفة لعليّ بأنه مربّ لكلّ فتنة وتشبيهه له بأمّ طحال أحبُّ إلى أهلها إليها البغي(2)، وقد قال عمر لعليّ بکلّ وضوح: إنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم منّا ومنكم.
الثانية: أنّ الخليفة الأوّل لم يشرك شخصاً من الهاشميّين في شأن من شؤون الحكم المهمّة، ولا جعل فيهم والياً على شبر من المملكة الإسلامیّة الواسعة مع أن نصيب الأمويّين في ذلك كان عظيماً(3).
و أنت تفهم بوضوح أنّ هذا وليد سياسة متعمّدة من محاورة وقعت بين عمر وابن عبّاس أظهر فيها تخوّفه من تولية الثاني حمصاً؛ لأنه يخشى إذا صار الهاشميّون ولاة على أقطار المملكة الإسلامیّة أن يموت وهم كذلك فيحدث في أمر الخلافة مالا يريد(4).
و نحن إذا عرفنا من رأي عمر أنّ ظفر بيت من البيوت الطامحة إلى السلطان بالولاية في الأقطار الإسلامیّة يهيّئُهُم لنَيل الخلافة والمركز الأعلى، ولاحظنا أنّ الأمويّين ذوي الألوان السیاسیّة الواضحة كان فيهم ولاة احتلّوا الصدارة في المجالات الإداريّة أيّام أبي بكر وعمر، وأضفنا إلى ذلك أنه كان يعلم على أقل تقدير بأنّ الشورى الّتی ابتكرها سوف تجعل من شيخ الأموييّن (عثمان) خليفة، خرجنا بنتيجة مهمّة
1) راجع تأريخ الطبري، ج 2، ص 244 في قصة السقيفة... فقال ناسٌ من أصحاب سعد: «اتّقوا سعداً لا تطؤوه، فقال عمر: اقتلوه قتله اللّه ، ثمّ قام على رأسه فقال: لقد هممتُ أن أطأك حتّی تُنْدَر عضدك .....
2) شرح نهج البلاغة، ج 16، ص 215 .
3) تأريخ الطبري، ج 2، ص 337؛ ثمّ تولية الخليفة الأوّل معاوية بن أبي سفيان وأقرّت الولاية من قِبل الخليفة الثاني.
4) راجع مروج الذهب على هامش الجزء الخامس من تأريخ ابن الأثير، ص 135. [الشهيد] تأريخ الطبري، ج 2، ص 578، طبعة دار الكتب العلمية.
وتقدير تأريخي تدلّ على صحته عدّة من الظواهر، وهو أن الخليفتين كانا يهيّئان للسلطان الأموي أسبابه ومعدّاته، وهما يعلمان حق العلم أنّ إنشاء كيان سياسي من جديد للأمويين - و هم خصوم بني هاشم القدامي - معناه تقديم المنافس للهاشمييّن في زعيم أمويّ، وتطوّر المعارضة الفرديّة للبيت الهاشمي إلى معارضة بيت مستعد للنزاع والمنافسة أكمل استعداد.
و من شأن هذه المعارضة أنّها تطول وتتّسع لأنّها ليست متمثلة في شخص بل في بيت كبير، ونستطيع أن نفهم من هذا أنّ سياسة أبي بكر وعمر هي الّتی وضعت الحجر الأساسي لملك بني أميّة حتَّى يَضْمَنا بذلك المنافس لعليّ وآل عليّ على طول الخطّ (1).
الثالثة: عزل الخليفة لخالد بن سعيد بن العاص عن قيادة الجيش الّذی وجّهه لفتح الشام بعد أن أسندها إليه لا لشيء إلا لأنّ عمر نبّهه إلى نزعته الهاشميّة وميله إلى آل محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم ، وذكّره بموقفه تجاههم بعد وفاة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم (2).
ولو كنّا نريد التوسّع في دراسة هذه الناحية لعطفنا على هذه الشواهد قصّة الشورى العمريّة (3)الّتی نزل فيها عمر بعليّ علیه السلام إلى صف أشخاص خمسة لا يكافئون عليّاً في شيء من معانيه المحمّديّة، وقد كان الزبير - وهو أحد الخمسة - يرى يوم توفّي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أن الخلافة حق شرعي لعلي، فلاحظ كيف انتزع فلاحظ كيف انتزع عمر هذا الرأي من عقله وأعدّه للمنافسة بعد حين؛ إذ جعله أحد الستّة الّذین فيهم عليّ.
وإذن فقد كانت الفئة الحاكمة تحاول أن تساوي بين بني هاشم وسائر الناس وترتفع برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم عن الاختصاص بهم لتنتزع بذلك الفكرة الّتی كانت تزوّد
1) وهذا هو السرّ الّذی غفل عنه الباحثون في قصة الشورى. وقد جاء عن عمر أنه هدّد الستّة الّذین أوكل إليهم الأمر بمعاوية، وتنبأ لهم بأنّه سيملك الأمر... راجع شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 1: 62، وهذا إنّ دلّ على فراسته فهو على لون سياسته أدلّ. [الشهيد].
2) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد، ج 1، ص 135. [الشهيد].
3) راجع في قصة السنة الشورى، تأريخ الطبري، ج 2، ص 580 - 581.
الهاشمّيين بطاقة على المعارضة. ولئن اطمأنّ الحاكمون إلى أن عليّاً لا يثور عليهم في تلك الساعة الحرجة على الإسلام، فهم لا يأمنون من انتفاضه بعد ذلك في كلّ حين، ومن الطبيعي حينئذٍ أن يسارعوا إلى الإجهاز على كلتا قوّتيه المادّيّة والمعنويّة مادامت الهدنة قائمة قبل أن يسبقهم إلى حرب أكول (1).
و من هنا قيل: «من المعقول بعد هذا أن يقف الخليفة موقفه التأريخي المعروف من الزهراء في قضية فدك، فهو موقف تلاقى فيه الغرضان و تركز على الخطّين الأساسيّين السياسته؛ لأنّ الدواعي الّتی بعثته إلى انتزاع فدك كانت تدعوه إلى الاستمرار على تلك الخطّة ليسلب بذلك من خصمه الثروة الّتی كانت سلاحاً قويّاً في عرف الحاكمين يومذاك، ويعزّز بها سلطانه، وإلا فما الّذی كان يمنعه عن تسليم فدك للزهراء بعد أن أعطته الوعد القاطع بأن تصرف منتوجاتها في سبيل الخير و وجوه المصلحة العامّة ؟!(2)
إلا أنه خاف منها أن تفسّر وعدها بما يتّفق مع صرفها لغلّات فدكاً في المجالات السياسيّة. وما الّذی صدّه عن إرضاء فاطمة بالتنازل لها عن حصّته ونصيب الصحابة إذا صّح أن فدك ملك للمسلمين سوى أنه أراد أن يقوّي بها خلافته؟
وأيضاً فإنّنا إذا عرفنا أنّ الزهراء كانت سنداً قويّاً لقرينها - الإمام علي علیه السلام - في دعوته إلى نفسه، ودليلاً يحتجّ به أنصار الإمام على أحقيّته بالأمر، نستوضح أنّ الخليفة كان موفّقاً كلّ التوفيق في موقفه تجاه دعوى الزهراء للنِحلة، وجارياً على المنهج السياسي الّذی كان يفرضه عليه الظرف الدقيق؛ إذ اغتنم الفرصة المناسبة لإفهام المسلمين بصورة لبقة، وعلى أُسلوب غير مباشر بأنّ فاطمة امرأة من النساء ولا يصحّ أن تؤخذ آراؤها ودعاواها دليلاً في مسألة بسيطة كفدك فضلاً عن موضوع كالخلافة،
و أنّها إذا كانت تطلب أرضاً ليست لها بحقّ فمن الممكن أن تطلب (1)لقرينها المملكة الإسلامیّة كلّها وليس له فيها حقّ»(2).
الخلاصة
انتصر المهاجرون المتآمرون على الأنصار في السقيفة، ولم يعبأوا بمعارضة أبي سفيان ولكنّهم سجّلوا على أنفسهم دليلاً يحكمهم ويضعف موقفهم تجاه الهاشميين الّذین هم أقرب إلى الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم من سائر المهاجرين.
ولكنّهم سرعان ما تذرّعوا بذريعة الفتنة وشق عصا المسلمين لإدانة تخلّف الهاشميين من بيعة أبي بكر.
وقرّر المتآمرون عزل بني هاشم و من يسير على خطّهم عن الساحة السیاسیّة بشكل كامل، لئلا يستغل الهاشميون بعض المواقع للنفوذ من خلالها إلى السلطة من جديد.
.
.
الأسئلة
1 . كيف تصنّف جبهة المعارضة؟
2 . ما هو موقف الحاكمين من كلّ صنف؟
3 . لماذا لم يخش الحزب الحاكم من معارضة أبي سفيان؟
4 . ما هو التناقض الّذی وقع فيه الحزب الحاكم تجاه الهاشميين؟
5 . كيف استطاع الحزب الحاكم أن يعالج معارضة الهاشميين؟
6 . لماذا قرّر الحزب الحاكم حرمان الهاشميين من السلطة؟
7 . كيف قضى الحزب الحاكم على القوة الماديّة للإمام علي علیه السلام ؟
إننا إذا تتبعنا المرحلة الأُولی من حياة الأمّة الإسلامیّة ، في عصر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم نجدُ أنّ اتجاهين رئيسيين متخالِفَين قد رافقا نشوء الأمّة منذ بداية التجربة الإسلامیّة وكانا يتعايشان معاً داخل إطار الأمّة الوليدة الّتی أنشأها الرسول القائد اللّه . وقد أدّى هذا الاختلاف بين الاتجاهين إلى انقسام عقائدي عقيب وفاة الرسول مباشرةً، شَطَرَ الأمّةَ الإسلامیّة إلى شطرين، قُدّر لأحدهما أن يحكم فاستطاع أن يمتد ويستوعب أكثريّة المسلمين، بينما أقصي الشطر الآخر عن الحكم، وقدّر له أن يمارس وجوده كأقلية معارضة، ضمن الإطار الإسلامي العام، وكانت هذه الأقليّة هي (الشيعة).
إنَّ الاتجاهين الرئيسين اللذين رافقا نشوء الأمّة الإسلاميّة في حياة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم منذ البدء هما:
أولاً: الاتجاه الّذي يؤمن بالتعبد بالدين وتحكيمه والتسليم المطلق للنص الديني في كل جوانب الحياة(1).
وثانياً: الاتّجاه الّذی لا يرى أنّ إيمانه بالدين يتطلّب منه التعبّد إلا في نطاق خاصٍ
1) هذا هو اتّجاه مدرسة أهل البيت علیهم السلام واتّجاه التشيع.
من العبادات والغيبيات، ويؤمن بإمكانية الاجتهاد وجواز التصرف على أساسه بالتغيير والتعديل في النصّ الديني وفقاً للمصالح في غير ذلك النطاق من مجالات الحياة(1).
وبالرغم من أنّ الصحابة، بوصفهم الطليعة المؤمنة والمستنيرة، كانوا أفضل وأصلح بذرة لنشوء أمّة رساليّة، حتّی أنّ تأريخ الإنسان لم يشهد جيلاً عقائديّاً أروع وأنبل وأطهر من الجيل الّذی أنشأه الرسول القائد صلی اللّه علیه و آله وسلم . وبالرغم من ذلك نجد من الضروري التسليم بوجود اتّجاه واسع منذ كان النبي حيّاً، يميل إلى تقديم الاجتهاد - في تقدير المصلحة، واستنتاجها من الظروف - على التعبّد بحرفية النصّ الديني.
وقد تحمّل الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم المرارة في كثير من الحالات بسبب هذا الاتّجاه حتّی و هو على فراش الموت في ساعاته الأخيرة على مايأتي(2)
راجع كتب التواريخ والرواية فيما ذكرنا والمناقشة والتفصيل المراجعات / السيد العلامة عبدالحسين شرف الدين. مؤسسة دار الكتاب الإسلامي تحقيق و تعليق حسين الراضي - تقديم الدكتور حامد حفني. والشيخ محمّد فكري أبو النصر.
، كما كان هناك اتّجاه آخر يؤمن بتحكيم الدين والتسليم له والتعبد بكلّ نصوصه في جميع جوانب الحياة.وقد يكون من عوامل انتشار الاتّجاه الاجتهادي في صفوف المسلمين أنّه [اتّجاه]
يتّفق مع ميل الإنسان بطبيعته إلى التصرف وفقاً لمصلحة يدركها ويقدّرها، بدلاً عن التصرف وفقاً لقرار لا يفهم مغزاه.
و قد قُدِّر لهذا الاتجاه ممثّلون جريئون من كبار الصحابة من قبيل عمر بن الخطاب،
1) هذا هو اتّجاه المدرسة الأخرى من المذاهب السنيّة. راجع للتفصيل: معالم المدرستين، العلامة السيد مرتضى العسكري وراجع أيضاً: مناهج الاجتهاد، الدكتور محمّد سلام مدكور، مطبوعات جامعة الكويت.
2) راجع صحيح البخاري، ج 8، ص 161، كتاب الاعتصام.لاحظ المواقف الّتی لم يتعبدوا فيها بالنصّ: ماحدث في عدم إنفاذ سريّة اُسامة، واعتراضهم، وماحدث عند إرادة كتب الكتاب عندما قال النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم «هلموا اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي...» ولاحظ الموقف من صلح الحدیبیّة.
الّذی ناقش الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ، واجتهد في مواضع عديدة، خلافاً للنصّ؛ إيماناً منه بجواز ذلك، مادام يرى أنّه لم يخطيء المصلحة في اجتهاده. وبهذا الصدد يمكننا أن نلاحظ، موقفه من صلح الحدیبیّة واحتجاجه على هذا الصلح(1)
و راجع أيضاً: تأريخ الطبري، ج 2، ص 122.
، وموقفه من الأذان وتصرّفه فيه باسقاط «حيّ على خير العمل» (2)وموقفه من النبي حين شرّع متعة الحج(3)، إلى غير ذلك من مواقفه الاجتهاديّة (4).و قد انعكس كلا الاتجاهين في مجلس الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في آخر يوم من أيّام حياته فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: لما حضرَ رسول اللّه الوفاة، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم هلم اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده.
1) راجع السيرة النبویّة لابن هشام القسم الثاني ص 316 - 317؛ تحقيق مصطفى السقا و آخرين دار الكنوز الأدبية بيروت.
2) راجع شرح التجريد القوشجي آخر مبحت الإمامة قال كانت همم اولي الأمر منصرفة إلى نشر الدعوة الإسلامیّة ، وفتح المشارق والمغارب وفتح الممالك لا يكون إلا بتشويق الجند إلى التورط في سبيله بالمهالك، بحيث يشربون في قلوبهم الجهاد، حتّی يعتقدوا أنه خير عمل يرجونه يوم المعاد. ولذا ترجح في نظرهم إسقاط هذا الفصل يعني حي على خير العمل - في الأذان - تقديماً لتلك المصلحة على التعبد بما جاء به الشرع الأقدس، فقال الخليفة الثاني على المنبر ثلاث كنَّ على عهد رسول اللّه ، وأنا أنهى عنهن، وأحرمهن وأعاقب عليهنّ، متعة النساء، ومتعة الحج، وحيّ على خير العمل.
3) التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول، الشيخ منصور علي ناصف من علماء الأزهر الشريف، ج 2، ص 124، كتاب الحج عن أبي جمره الضبعي قال تمتعت فنهاني ناس عن ذلك فسألت ابن عباس، فأمرني بها ثمّ انطلقت إلى البيت فنمت فأتاني آت في منامي فقال: عُمَرة متقبلة وحج مبرور قال: فأتيتُ ابن عباس فأخبرته بما رأيت فقال: اللّه أكبر اللّه أكبر سُنة أبي القاسم صلی اللّه علیه و آله وسلم ، ورواه مسلم و البخاري....و عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه ففعلناها مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و لم يحرمها ،قرآن ولم ينه عنها حتّی مات. ورواه الشيخان قال الشيخ ناصف في الهامش: «اشتهر النهي عن المتعة عن عمر و عثمان و معاوية».
4) راجع تفاصيل أوفى النصّ والاجتهاد العلامة عبد الحسين شرف الدين، ص 169 - 243.
فقال عمر: إنَّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّه . فاختلف أهل البيت فاختصموا منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ماقال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عن النبي قال لهم: «قوموا»(1).
وهذه الواقعة وحدها كافية للتدليل على عمق الاتجاهين، ومدى التناقض والصراع بينهما.
ويمكن أن نضيف إليها - لتصوير عمق الاتّجاه الاجتهادي ورسوخه - ماحصل من نزاع وخلاف بين الصحابة حول تأمير اُسامة بن زيد على الجيش، بالرغم من النصّ النبوي الصريح على ذلك، حتّی خرج الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم و هو مريض - فخطب الناس وقال: «يا أيها الناس، ما مقالةٌ بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة، ولئن طعنتم في تأميري اُسامة لقد طعنتم في تأمير أبيه من قبل، وأيم اللّه إنّ كان لخليقاً بالإمارة وإنَّ ابنه من بعده لخليق بها»(2).
وهذان الاتجاهان اللذان بدأ الصراع بينهما في حياة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ، قد انعكسا على
، موقف المسلمين من أطروحة زعامة الإمام[ علي علیه السلام ]بعد النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم
فالممثلون للاتّجاه التعبدي وجدوا في النصّ النبوي على هذه الإطروحة سبباً بقبولها، دون توقف أو تعديل.
و أمّا الاتجاه الاجتهادي فقد رأى أنه بإمكانه أن يتحرّر من الصيغة المطروحة من قبل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم، إذا أدّى اجتهاده إلى صيغة أخرى أكثر انسجاماً - فی تصوره مع الظروف.
و هكذا نرى أنّ الشيعة وُلدوا منذ وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم مباشرةً، متمثِّلين في المسلمين
الّذین خضعوا عمليّاً لأُطروحة زعامة الإمام علیه السلام لان وقيادته الّتی فرض النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم الابتداء بتنفيذها من حين وفاته مباشرة.
وقد تجسّد الاتّجاه الشيعي منذ اللحظة الاولى في إنكار ما اتّجهت إليه السقيفة من تجميد لأُطروحة زعامة الإمام عليّ ، وإسناد السلطة إلى غيره.
فقد ذكر الطبرسي في الاحتجاج عن أبان بن تغلب أنه قال: «قلتُ لجعفر بن محمّد الصادق علیه السلام : جعلت فداك، هل كان أحد في أصحاب رسول اللّه أنكر على أبي فعله؟ قال: نعم كان الّذی أنكر عليه اثناعشر رجلاً؛ فمن المهاجرين: خالد بن سعید، ابن أبي العاص، وسلمان الفارسي، و أبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود، وعمّار بن ياسر، وبريدة الأسلمي، و من الأنصار: أبو الهيثم بن التیهان، وعثمان بن حنيف، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأبيُّ بن كعب، و أبو أيوب الأنصاري»(1).
و نحن حينما نتحدّث عن قيام اتجاهين منذ صدر الإسلام: أحدهما: اتجاه التعبّد بالنصّ، والآخر: اتّجاه الاجتهاد الاجتهاد في رفض النصّ أو قبوله)، نلاحظ أن قيام هذين الاتجاهين شيء طبيعي في ظل كلّ رسالة تغييريّة شاملة تحاول تغيير الواقع الفاسد من الجذور، فإنّها تتّخذ درجات مختلفة من التأثير حسب حجم الرواسب المسبقة ومدى انصهار الفرد بقيم الرسالة الجديدة ودرجة ولائه لها.
وهكذا نعرف أنّ الاتّجاه الّذی يمثّل التعبّد بالنصّ يمثّل الدرجة العليا من الانصهار بالرسالة والتسليم الكامل لها، وهو لا يرفض الاجتهاد ضمن إطار النصّ، وبذل الجهد في استخراج الحكم الشرعى منه (2).
1) الاحتجاج، الطبرسي، ج 1، ص 75، نشر مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1983 م و راجع: تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 103.
2) راجع الأصول العامّة للغة المقارن محمّد تقي الحكيم، ص 563 و من المهم أن نشير - في هذا الصدد أيضاً - إلى أنَّ التعبّد بالنصّ لا يعني الجمود والتصلّب الّذی يتعارض مع متطلّبات التطور وعوامل التجديد المختلفة في حياة الإنسان فإنَّ التعبد بالنصّ معناه كما عرفنا - التعبد بالدين، والأخذ به كاملاً. دون تبعيض، وهذا الدين نفسه يحمل في أحشائه كلَّ عناصر المرونة والقدرة على مسايرة الزمن واستيعابه بكلّ ما يحمل من ألوان التجديد والتطور، فالتعبد به وبنصّه تعبد بکلّ تلك العناصر، و بکلّ مافيها من قدرة على الخلق والإبداع والتجديد هذه خطوط عامة في تفسير التشيّع، بوصفه ظاهرة طبيعيّة في إطار الدعوة الإسلامیّة ، وتفسير ظهور الشيعة كاستجابة لتلك الظاهرة الطبيعيّة.
إنَّ إمامة أهل البيت علیهم السلام بدءً بالإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام الّذی نصبّه الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في حياته إماماً للمسلمين تُعبِّر عن مرجعيتين: إحداهما المرجعيّة الفكريّة، والأخرى المرجعية في العمل القيادي والاجتماعي.
وكلتا المرجعيتين كانتا تتمثّلان في شخص النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ، وكان لابدّ أن يصمم الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله وسلم الامتداد الصالح له لتحمل كلتا المرجعيتين، لكي تقوم المرجعيّة الفكريّة بملء الفراغات الّتی قد تواجهها ذهنيّة المسلمين، وتقديم المفهوم المناسب، ووجهة النظر الإسلامیّة فيما يستجدّ من قضايا الفكر والحياة، وتفسير ما يشكّل ويغمض من معطيات الكتاب الكريم(1)، الّذی يشكّل المصدر الأوّل للمرجعيّة الفكريّة في الإسلام، ولكي تقوم المرجعية القياديّة الاجتماعیّة بمواصلة المسيرة، وقيادة المسيرة الإسلامیّة في خطّها الاجتماعي.
وقد جمعت كلتا المرجعيتين لأهل البيت علیهم السلام ، بحكم الظروف الّتی أشرنا اليها. وجاءت النصوص النبویّة الشريفة تؤكّد ذلك باستمرار. والمثال الرئيسي للنصّ النبوي على المرجعيّة الفكريّة حديث الثقلين إذ قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم :
1) راجع الملحق في آخر النسخة المحققة الأُولی لكتاب نشأة التشيخ لعبد الجبار شرارة حول هذه المسألة: مدى قدرة الإمام علي علیه السلام واستيعابه لكتاب اللّه تعالى وإحاطته بخاصه وعامه، وبناسخه ومنسوخه وبأحكامه وشرائعه، وبظاهره وباطنه وراجع مثلاً: الإتقان، السيوطي، ج 4، ص 234.
«إنّي أوشك أن ادعى فاجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه ، حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وأنَّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّی يردا عَلَيَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما...» (1).
والمثال الرئيسي للنصّ النبوي على المرجعية في العمل القيادي الاجتماعي حديث الغدير حيث أخرج الطبراني بسند مجمع على صحّته عن زيد بن أرقم قال: خطب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بغدير خم تحت شجرات فقال:
«أيها الناس يوشك أن ادعى فأجيب، وإنّي مسؤول، وأنكم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنّك قد بلغت و جاهدت و نصحت فجزاك اللّه خيراً، فقال: أليس تشهدون أن لا إله إلا اللّه وأن محمّد اً عبده ورسوله، وأنَّ جنّته حقٌّ، وأنَّ ناره حقٌّ، وأنّ الموت حقٍّ، وأنّ البعث حقٌّ بعد الموت وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّ اللّه يبعث من في القبور ؟ فقالوا: بلى نشهد بذلك قال:
اللّهم اشهد ثمّ قال: يا أيها الناس، إنَّ اللّه مولاي، وأنا مولي المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا مولاه - يعني عليّاً - اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه» (2).
1) المستدرك على الصحيحين الحاكم النيسابوري، ج 3، ص 119. قال: صحح على شرط الشيخين وقد أخرجه مسلم في صحيحه، ج 4، ص 1874 و راجع: صحيح الترمذي، ج 1، ص 130. السنن الكبرى، النسائي، ج 5، ص 622. مسند الإمام أحمد بن جنبل، ج 4، ص 217؛ ج 3، ص 14 و 17 و راجع أيضاً: سنن الدارمي، ج 2، ص 432، باب فضائل القرآن طبعة دار إحياء السنّة النبويّة.
2) وحديث الغدير مستفيض في كتب الحديث عند الشيعة والسنة معاً، وقد أحصى بعض المحققين عدد رواة الحديث من الصحابة فكانوا أكثر من مائة وعددهم من التابعين فكانوا أكثر من ثمانين تابعياً. وعددهم من الحفاظ في القرن الثاني الهجري فكانوا قرابة ستين شخصاً من حفاظ الحديث ورجالاته. لاحظ كتاب الغدير للعلامة الأميني. (الشهيد) أورد العلامة الأميني في كتابه الغدير عدّة أحاديث عن زيد بن أرقم وبألفاظ مختلفة، ويبدو أنّ السيد الشهيد قد جمع بين تلك المرويات وأخرجها بهذا الشكل راجع الغدير، ج 1، ص 31 - 36، و راجع سنن ابن ماجة، ج 1، المقدمة الباب 11 ومسند الإمام أحمد بن جنبل، ج 4، ص 281 و 368، طبعة دار صادر.
وهكذا جسّد هذان النصان النبويّان الشريفان، وفي عدد كبير من أمثالهما، كلتا المرجعيّتين في أهل البيت علیهم السلام .
وقد أخذ الاتّجاه الإسلامي القائم على التعبّد بنصوص النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بكلا النصيّن، و آمن بكلتا المرجعيتين، و هو اتجاه المسلمين الموالين لأهل البيت علیهم السلام.
ولئن كانت المرجعيّة القياديّة الاجتماعیّة لكلّ إمام تعني ممارسته للسلطة خلال حياته، فإنَّ المرجعيّة الفكريّة حقيقة ثابتة مطلقة لا تتقيّد بزمان حياة الإمام. ومن هنا كان لها مدلولها العملي الحيّ في كلّ وقت، فما دام المسلمون بحاجة إلى فهم محدّد للإسلام، وتعرّف على أحكامه وحلاله و حرامه و مفاهيمه وقيمه، فهم بحاجة إلى المرجعيّة الفكريّة المحدّدة ربّانيّاً المتمثّلة :أولاً: في كتاب اللّه تعالى، وثانياً: في سنّة رسوله صلی اللّه علیه و آله وسلم والعترة المعصومة من أهل البيت علیهم السلام الّتی لا تفترق ولن تفترق عن الكتاب كما نصَّ الرسول(1)الأعظم صلی اللّه علیه و آله وسلم على ذلك.
و أمّا الاتّجاه الآخر في المسلمين الّذی قام على الاجتهاد بدلاً عن التعبّد بالنصّ فقد قرّرَ في البدء عند وفاة الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله وسلم تسليم المرجعيّة القياديّة الّتی تمارس السلطة إلى رجالات من المهاجرين وفقاً لاعتبارات متغيرة ومتحركة ومرنة.
وعلى هذا الأساس تسلّم أبو بكر السلطة، بعد وفاة النبي مباشرةً على أساس ماتمَّ من تشاور محدود في مجلس السقيفة(2)، ثمّ تولّى الخلافة عمر بنص محدّد من
أبي بكر(1)وخلفهما عثمان بنص غير محدّد من عمر(2).
وأدّت المرونة بعد ثُلث قرنٍ من وفاة الرسول القائد إلى تسلُّل أبناء الطلقاء(3)الّذین حاربوا الإسلام بالأمس إلى مراكز السلطة. هذا فيما يتصل بالمرجعيّة القياديّة الّتی تمارس السلطة.
و أمّا بالنسبة إلى المرجعيّة الفكريّة فقد كان من الصعب إقرارها في أهل البيت علیهم السلام ، بعد أن أدّى الاجتهاد إلى انتزاع المرجعيّة القياديّة منهم، لأنَّ إقرارها كان يعني خلق الظروف الموضوعيّة الّتی تمكنّهم من تسلّم السلطة والجمع بين المرجعيتين. كما أنه كان من الصعب أيضاً من الناحية الأخرى الاعتراف بالمرجعية لشخص الخليفة الّذي يمارس السلطة لأنّ متطلّبات المرجعية الفكرية تختلف عن متطلبات ممارسة السلطة.
فالإحساس بجدارة الشخص لممارسة السلطة و التطبيق، لا يعني بحالٍ الشعور بإمكانيّة نصبه إماماً فكريّاً ، و مرجعاً أعلى بعد القرآن والسنّة النبویّة لفهم النظريّة؛ لأنَّ هذه الإمامة الفكريّة تتطلّب درجةً عاليةً من الثقافة والإحاطة واستيعاب النظرية، وكان من الواضح أنَّ هذا لم يكن متوفّراً في أيّ صحابي بمفرده(4)إذا قطع النظر عن أهل البيت علیهم السلام .
1) راجع قصة استخلاف عمر، المصدر السابق.
2) راجع قصة السنة الشورى في استخلاف عثمان، تأريخ الطبري، ج 2، ص 580 و راجع الخطبة الشقشقية للإمام عليّ - الخطبة رقم ،3 نهج البلاغة، ضبط الدكتور صبحي الصالح، ص 48 وراجع شرحها لابن أبي الحديد، ج 1، ص 151 و ما بعدها تحقيق أبو الفضل إبراهيم و راجع السقيفة والخلافة، عبدالفتاح عبدالمقصود، ص 264.
3) الطلقاء: وصف يطلق على من أسلم زمن الفتح في مکّة ومنهم أبوسفيان وابنه معاوية، راجع: تأريخ الطبري، ج 2، ص 161. علماً بأنهما كانا من المؤلفة قلوبهم راجع تأريخ الطبري، ج 2، ص 175.
4) لاحظ احتياجهم إلى مرجعية الإمام علي علیه السلام في موارد كثيرة وما صدر عنهم من عبارات تصرّح بذلك. راجع تأريخ الخلفاء، السيوطي، ص 171، هذا مع عدم رجوع الإمام علي علیه السلام إلى أي واحد منهم في أمور الشريعة وأحكامها.
ولهذا ظلَّ ميزان المرجعيّة الفكريّة يتأرجح فترةً من الزمن، وظل الخلفاء، في كثيرمن الحالات، يتعاملون مع الإمام علي علیه السلام على أساس إمامته الفكريّة، أو على أساس قريب من ذلك، حتّی قال الخليفة الثاني مرّات عديدة: «لولا عليٌّ لهلك عمر، ولا أبقاني اللّه لمعضلة ليس لها أبو حسن» (1)و لکنّ بمرور الزمن، بعد وفاة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم، وتعوّد المسلمين تدريجيّاً على النظر إلى أهل البيت علیهم السلام ، والإمام علي علیه السلام، بوصفهم أشخاصاً اعتياديّين ومحكومين، أمكن الاستغناء عن مرجعيّتهم الفكرية أساساً، وإسنادها إلى بديل معقول، وهذا البديل ليس هو شخص الخليفة، بل الصحابة.
وهكذا وُضِعَ بالتدريج مبدأ مرجعيّة ،الصحابة ككل، بدلاً عن مرجعيّة أهل البيت علیهم السلام وهو بديل يستسيغه النظر بعد تجاوز المرجعيّة المنصوصة؛ لأنَّ هؤلاء هم الجيل الّذی رافق النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم و عاش حياته وتجربته، ووعى حديثه وسنّته (2)
و ثالثاً: إنه و إنّ أصبحت سيرة الصحابة، أو قول الصحابي أمراً واقعاً، إلا أنه لم يتم التسليم بحجية أقوالهم. و حسبك أن سيرة الشيخين عرضت على الإمام علي علیه السلام يوم الشورى، فلم يقبل بها، وراجع المناقشة العلمية الشافية في الأصول العامّة للفقة المقارن، العلامة محمّد تقي الحكيم، ص 133 - 142.
.وبهذا فقد أهل البيت علیهم السلام عمليّاً امتيازهم الرباني، وأصبحوا يشكّلون جزءاً من المرجعيّة الفكريّة بوصفهم صحابة. وبحكم ماقدّر أن عاشه الصحابة أنفسهم من اختلافات حادّة، وتناقضات شديدة بلغت في كثير من الأحيان إلى مستوى القتال،
1) الطبقات الكبرى / ج 2 / ص 339. 12 339
2) لاحظ أولاً تقييم الشهيد الصدر للجيل الأوّل من الصحابة، وهو تقييم ينم عن مدى الموضوعية الّتی تمسك بها الشهيد الصدر (رضوان اللّه عليه) في تناوله لتأريخ المسلمين، ولدور الرعيل الأول. و ثانياً : إنّ جعل الصحابة بديلاً عن أهل البيت، لم يحظ بالقبول من كثير من أجلاء الصحابة كسلمان وعمار وأبي ذر والمقداد وغيرهم، بل بقي هؤلاء على ولاتهم لأهل البيت.
وهَدر كل فريقٍ دمَ الفريق الآخر وكرامته واتهامه بالانحراف والخيانة(1). وبحكم هذه الاختلافات والاتهامات بين صفوف الإمامة الفكريّة والمرجعيّة العقائديّة نفسها، نشأت ألوانٌ من التناقض العقائدي والفكري(2)في جسم الأمّة الإسلامیّة ، كانعكاسات لأوجه التناقض في داخل تلك الإمامة الفكريّة الّتی قررّها الاجتهاد(3).
1) راجع اتهام الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد بأنه قتل رجلاً مسلماً ونزا على امرأته تأريخ الطبري، ج 2، ص 274، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت.
2) راجع مناهج الاجتهاد، د. محمّد سلام مدكور حول نشوء الفرق و المذاهب الإسلامیّة الكلاميّة والفقهيّة، والنزاعات الحاصلة بينهم. و راجع أيضاً: الملل والنحل الشهرستاني، ج 1، ص 15 وما بعدها.
3) راجع الشهيد السيد محمّد باقر الصدر، نشأة التشيع والشيعة، ص 73 - 89، الطبعة المحققة الاولى للدكتور عبدالجبار شرارة.
الخلاصه
تتلخّص جذور الانحراف السياسي في وجود تيّار منذ عصر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم لم يكن مؤمناً بضروره التعبّد الكامل بالنصوص الصادره من النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بل يرى لنفسه حقّ الاجتهاد والعمل علي أساس المصالح الّتی يراها لنفسه.
وهناك أكثر من شاهد على وجود هذا التیّار قبل رحيل الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم
وهذا التیّار هو الّذی تجاوز النصوص الصادرة عن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم فيما يخص تنصيب القيادة السیاسیّة للدولة الإسلامیّة بعد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم.
وأنتج هذا التجاوز إقصاء أهل البيت ع الاعلام عن مجال المرجعيّة السیاسیّة ثمّ تعطيل مرجعيتّهم الفكريّة بالتدريج واستبدالها بمرجعيّة الصحابة بشكل عام.
وأنتج هذا الإقصاء تخلخلاً ثقافياً ودينياً وسياسيّاً عامّاً في المجتمع الإسلامي وانتهى إلى تفرّق المسلمين إلى مذاهب شتّى وتناحرهم إبان هذه المذاهب فيما بينهم مما أدى إلى تمزّق الأمّة الإسلامیّة وضعفها، وضمور حضارتها بالرغم من أنّها تمتلك أغنى المصادر الثقافيّة والتربويّة.
الأسئلة
1 . لماذا نبحث عن عوامل وجذور الانحراف السياسي الّذی حصل عند وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في مرحلة ماقبل الوفاة؟
2 . ما هي العوامل الأساسيّة لهذا الانحراف؟
4 . ما هي النتائج البعيدة الّتی أشارت إليها الزهراءعلیها السلام في خطبتها المشهورة؟
5 . ما هي آثار الإقصاء السياسي لأهل البيت علیهم السلام ؟
6 . ما هي نتائج إلغاء المرجعيّة الفكريّة لأهل البيت علا السلام ؟
7 . ما هو الفارق بين مرجعيّة أهل البيت علیهم السلام ومرجعيّة الصحابة ؟
قال الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام مبيّناً السرّ في موقفه الّذی وقفه من الحزب الحاكم بعد مؤامرة السقيفة ومبايعة أبي بكر على الخلافة من قبل بعض المهاجرين والأنصار:
فما راعني إلا انثيال الناس على أبي بكر يبايعونَه، فأمسكتُ يَدي حتّی رأيتُ راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محقِ دين محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم فخشيت إنّ لم أنصر الإسلام وأهله أرى فيه ثلماً أو هَدْماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوتِ ولا يتكم الّتی إنّما هي مَتاعُ أیّام قلائل... فنهضت في تلك الأحداث حتّی زاح الباطلُ
1) لقد مرّ علينا موقف قريش من الإمام علي علیه السلام وعلمه بما كانت تكنّه قريش ضدّه علیه السلام وهنا يتكلّم عن العرب لاعن قريش. فلا تهافت بين النصيّن.
و قد لاحظنا استسلام جمع من الأنصار لقريش باعتبارهم عشيرة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم فهم أولى بالاستسلام لأهل بيته لو تنازعوا الأمر في السقيفة مع سائر المهاجرين والأنصار.
و زهق واطمأنَّ الدينُ وتَنَهْنَه (1).
2 . وقال في خطبته المعروفة بالشقشقية: فصبرت و في العين قذى و في الحلقِ شجى أرى تراثي نهباً حتّی مضى الأوّل لسبيله فأدلى بها إلى ابن الخطّاب بعده... فصبرتُ على طول المدّة وشدّة المحنة»(2).
3 . وقال أيضاً: «لقد علمتم أنيّ أحقّ الناس بها من غيري، ووالله لأسلّمنّ ماسَلِمتْ أمور المسلمين ولم يكن فيها جورٌ إلا عليَّ خاصةً التماساً لأجر ذلك وفضلِه وزهداً فيما تنافستموه من زخرفِه و زبرجه»(3).
لعلّ أعظم رقم قياسي ضربه أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام للتضحية في سبيل الإسلام والإخلاص للمبدأ إخلاصاً جرّده عن جميع الاعتبارات الشخصيّة وأقام منه حقيقة سامية سموّ المبدأ ما بقي للمبدأ حياة هو الرقم الّذی سجّله بموقفه (4)من خلافة الشورى وقدّم بذلك في نفسه مثلاً أعلى للتفاني في المبدأ الّذی صار شيئاً من طبيعته. إنّ كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قد تمكّن من محو ضلال الوثنيّة، فقد استطاع أن يجعل من عليّ بما أفاض عليه من حقائق نفسه عيناً ساهرة على القضية الإلهيّة، فنامت فيه
1) اكتتاب رقم 62.
2) الخطبة رقم 3.
3) الخطبة 74 أو 73.
4) لاحظ موقفه من محاولة أبي سفيان، ودعوته إلى مجابهة مسلحة تسيل فيها الدماء، مع الخلافة، الّتی انبثقت عن السقيفة، فقد ذكر الطبري في تأريخه، ج 2، ص 237. حدثت عن هشام، قال: حدّثني عوانه، قال: لما اجتمع الناس على بيعة أبي بكر، أقبل أبو سفيان، وهو يقول: والله إنّي لأرى عجاجة لا يطفتها إلا دم؟ یا آل عبد مناف فيم أبوبكر من أموركم !... وقال: أبا حسن ابسط يديك أبا يعك فأبى علي، فجعل يتمثّل بأبيات... قال الراوي: فزجره عليٌ وقال: إنّك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة وإنك والله طالما بغيت الإسلام شرّا!
الحياة الإنسانيّة بأهوائها ومشاعرها وصار يحيا بحياة المبدأ والعقيدة(1)
و في حديث آخر: رحم اللّه عليّاً: اللّهم أدر الحق معه حيثما دار». راجع التاج الجامع للأصول الشيخ منصور علي ناصف ج 3، ص 337؛ قال: أخرجه الترمذي، مستدرك الحاكم، ج 3، ص 125 الشهيد ]: كنز العمال، ج 6 ص 175 جامع الترمذي، ج 2، ص 213. [الشهيد].
.و إنّ كان للتضحية الإنسانية الفاضلة كتاب فأعمال عليّ عنوان ذلك الكتاب المشع بأضواء الخلود(2)
راجع المستدرك الحاكم، ج 3، ص 32 الشهيد] نشر دارالمعرفة بيروت.
.وان كان لمباديء السماء الّتی جاء بها محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم تعبير عمليّ على وجه الأرض فعلّيٌ هو تعبيرها الحيّ على مدى الدهور والأجيال.
و إنّ كان النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم قد خلّف في أمته عليّاً والقرآن(3)
راجع صحیح مسلم ، ج 4 ص 1874؛ صحيح الترمذي، ج 1، ص 130؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 432؛ مسند الإمام أحمد، ج 4، ص 217؛ المستدرك، ج 3، ص 119.
فإنّما جمع بينهما ليكون القرآن تفسيراً لمعاني عليّ العظيم، ولتكون معاني عليّ أنموذجاً لمُثَل القرآن الكريم.و إنّ كان اللّه تعالى قد جعل عليّاً نفس رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في آية المباهلة(4)، فلأجل أن يفهم المسلمون أنه امتداد طبيعي لمحمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم وشعاع متألّق من روحه العظيمة.
1) قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : «علي مع الحق والحق مع علي، ولن يفترقا حتّی يردا علي الحوض يوم القيامة»، راجع في إخراج هذا الحديث: تأريخ بغداد الخطيب البغدادي، ج 14، ص 321؛ تفسير الفخر الرازي، ج 1، ص 111؛ المناقب الخوارزمي ص 77 المعجم الصغير، الطبراني، ج 1، ص 255. [الشهيد].
2) قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : «الضربة عليّ يوم الخندق خيرٌ من عبادة الثقلين، أو قال: لَمبارزة عليّ لعمرو أفضل من أعمال أمّتي إلى يوم القيامة».
3) قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : «إني تارك فيكم الثقلين أو الخليفتين ما إنّ تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، كتاب اللّه و عترتي، وإنهما لن يفترقا حتّی يردا علي الحوض».
4) آية المباهلة، راجع تفسير الفخري الرازي، سورة آل عمران / 261؛ الصواعق المحرقة، ص 143؛ أسباب النزول الواحدي ص 67، دار الكتب العلمية، بيروت.
و إنّ كان النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم قد خرج من مکّة مهاجراً خائفاً على نفسه وخلّف عليّاً على فراشه(1)ليموت بدلاً عنه، فمعنى ذلك أنّ المبدأ المقدّس هو الّذی كان يرسم للعظيمين خطوط حياتهما، وإذا كان لابدّ للقضيّة الإلهيّة من شخص تظهر به و آخر يموت في سبيلها، فيلزم أن يبقى رجُلها الأوّل لتحيى به، ويقدّم رجُلها الثاني نفسه قرباناً لتحيى به أيضاً.
و إنّ كان عليّ هو الّذی أباحت له السماء خاصّة النوم في المسجد والدخول فيه جُنُباً (2)فمفهوم هذا الاختصاص أنّ في معانيه معنى المسجد لأنّ المسجدرمز السماء الصامت في دنيا المادّة وعليّ هو الرمز الإلهي الحيّ في دنيا الروح والعقيدة.
و إنّ كانت السماء قد امتدحت فتوّة عليّ وأعلنت عن رضاها عليه إذ قال المنادي:
لاسيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي (3)، فإنّها عنت بذلك أن فتوّة علي وحدها هي الرجولة الكاملة الّتی لا يرتفع إلى مداها إنسان ولا ترقى إلى أفقها بطولة الأبطال وإخلاص المخلصين.
ومن مهزلة الأقدار أنّ هذه الفتوّة الّتی قدّسها الهاتف الإلهي كانت عيباً في رأي مشايخ السقيفة (4)ونقصاً في عليّ يؤاخَذ عليه وينزل به عن الصدّيق الّذی لم يكن
1) راجع تفسير الرازي، ج 5 ص 204 نشر دار الكتب العلمية، طهران، سيرة ابن هشام، ج 2، ص 95 مطبعة الحجازي، ط 10؛ تذكرة سبط ابن الجوزي، ص 34.
2) راجع مسند الإمام أحمد بن جنبل، ج 4، ص 369؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 2، ص 451؛ تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي، ص 41؛ الصواعق المحرقة، ابن حجر، ص 123؛ تأريخ الخلفاء، السيوطي، ص 172. قال: أخرجه البزار عن سعد. [الشهيد].
3) راجع: تأريخ الطبري، ج 2، ص 65 ، دارالكتب العلمية، بيروت الشهيد]. وابن هشام في سيرته. و ابن أبي الحديد في شرح النهج. [الشهيد].
4) راجع شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 6، ص 45 وفيها محاورة بين الخليفة الثاني عمر وابن عباس، قال الخليفة عمر: «يا ابن عبّاس ما أظنّ القوم منعهم من صاحبك إلا أنهم استصغر وه... قال ابن عباس: فقلت: والله ما استصغره اللّه حين أمره أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر..... وفي ص 12 من شرح النهج : قول أبي عبيدة: «يا أبا الحسن إنّك حديث السن وهؤلاء مشيخة قريش قومك».
يمتاز عليه إلّا بسنين قضاها كافراً مشركاً و أنا لا أدري كيف صار الازدواج بين الجاهلیّة والإسلام في حياة شخص واحدٍ مجداً يمتاز به عمّن خلصت حياته كلها لله (1)؟!
ولئن ظهرت للناس في البحوث الجديدة القوّة الطبيعيّة الّتی تجعل الأجسام الدائرة حول المحور تسير على خطّ معيّن فلقد ظهرت في عليّ قبل مئات السنين قوّة مثلها ولكنّها ليست من حقائق الفيزياء، بل من قوى السماء وهي الّتی جعلت من عليّ مناعة طبيعيّة للإسلام حفظت له مقامه الأعلى مادام الإمام حيّاً، ومحوراً تدور عليه الحياة الإسلامیّة لتستمدّ منه روحانيتهاو ثقافتها و روحها وجوهرها سواء أكان على رأس الحكم أولا.
وقد عملت هذه القوّة عملها السحري في عمر نفسه، فجذبته إلى خطوطها المستقيمة مراراً حتّی قال: لولا علي لهلك عمر(2)، وظهر تأثيرها الجبّار في التفاف المسلمين حوله في اليوم الّذی أُسندت فيه مقدّرات الخلافة إلى عامّة المسلمين، ذلك الالتفاف الفذّ(3)الّذی يقلّ مثيله في تأريخ الشعوب.
ونعرف من هذا أنّ عليّاً - بما جهزته السماء به من تلك القوّة ، كان ضرورة من ضرورات الإسلام (4)الّتی لابدّ منها وشمساً يدور عليها الفلك الإسلامي بعد النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم
1) راجع الصواعق المحرقة، ص 120.
2) راجع الطبقات الكبرى، ابن سعد، ج 2، ص 339؛ الصواعق المحرقة، ص 127.
3) تأريخ الطبري، ج 2، ص 696 و ما بعدها .
4) وعلى ضوء مابيناه نفهم قول رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم لعليٌّ: لا ينبغي أن أذهب إلا و أنت خليفتي. وقوله له عندما تهيّأ للخروج إلى غزوة تبوك: لابدّ أن أقيم أو تقيم. راجع مسند الإمام أحمد، ج 1، ص 331؛ ذخائر العقبى، ص 87؛ الخصائص، النسائي، ص 80 - 81. [الشهيد]؛ صحيح الترمذي، ج 5، ص 596، مطبعة دار الفكر.
بحسب طبيعته الّتی لا يمكن أن تقاوم حتّی التجأ الفاروق إلى مسيرتها كما عرفت. ويتجلّى لدينا أيضاً أنّ الانقلاب الفجائي في السياسة الحاكمة لم يكن ممكناً يومئذٍ لانّه - مع كونه طفرة - يناقض تلك القوّة الطبيعية المركّزة في شخصيّة الإمام علیه السلام، فكان من الطبيعي أن تسير السياسة الحاكمة في خطّ منحنٍ حتّی تبلغ النقطة الّتی وصل إليها الحكم الأموي؛ تفادياً من تأثير تلك القوة الساهرة على الاعتدال والانتظام كما ينحني السائق بسيارته عندما ينحرف بها إلى نقطة معاكسة تحذّراً من القوّة الطبيعية الّتی تفرض الاعتدال في السير.
وهذا الفصل الرائع من عظمة الإمام يستحق دراسة وافية مستقلّة لكشف شخصية علي المعارض للحكم والساهر على قضيّة الإسلام والموفّق بين حماية القوّة الحاكمة من الانحراف وبين معارضتها في نفس الوقت.
و إنّ كانت مواقف الإمام كلّها رائعة، فموقفه من الخلافة بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من أكثرها روعة(1).
و إنّ كانت العقيدة الإلهيّة تريد في كلّ زمان بطلا يفتديها بنفسه، فهي تريد أيضاً بطلاً يتقبّل القربان ويعزّز به المبدأ، وهذا هو الّذی بعث بعليّ إلى فراش الموت (2)وبالنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى مدينة النجاة يوم الهجرة الأغرّ. ولم يكن ليتهيّأ للإمام في محنته بعد وفاة أخيه أن يقدّم لها كلا البطلين؛ لأنه لو ضحّى بنفسه في سبيل توجيه الخلافة إلى
1) سيأتي بيان هذه النقطة في الفصل الأخير.
2) راجع الرازي في التفسير الكبير / 204:5 في افتداء الإمام علي علیه السلام النبي الأعظم صلی اللّه علیه و آله وسلم في يوم هجرته المباركة وانجاء الرسول من الموت، وفيه نزلت الآية المباركة: (وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللّه ِ ) البقرة / 207.
مجراها الشرعي في رأيه لما بقي بعده من يمسك الخيط من طرفيه، وولدا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم سبطاه طفلان لا يتهيّأ لهما من الأمر ما يريد.
وقف عليّ عند مفترق طريقين كلّ منهما حرج وكلّ منهما شديد على نفسه: - (أحدهما) أن يعلن الثورة المسلّحة على خلافة أبي بكر.
(والآخر) أن يسكت و في العين قذى، وفي الحلق شجا.
ولكنّ ماذا كان يترقّب للثورة من نتائج ؟ هذا مانريد أن نتبيّنه على ضوء الظروف التأريخيّة لتلك الساعة العصيبة.
إنّ الحاكمين لم يكونوا ينزلون عن مراكزهم بأدنى معارضة وهم من عرفناهم حماسة وشدّة في أمر الخلافة. ومعنى هذا أنّهم سيقابلون ويدافعون عن سلطانهم الجديد، و من المعقول جداً حينئذٍ أن يغتنم سعد بن عبادة الفرصة ليعلنها حرباً أخرى في سبيل أهوائه السياسيّة، لأننا نعلم أنه هدّد الحزب المنتصر بالثورة عندما طلب منه البيعة وقال: «لا والله حتّی أرميكم بما في كنانتي وأُخضّب سنان رمحي وأضرب بسيفي وأُقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني ولو اجتمع معكم الإنس والجنّ ما بايعتكم»(1). وأكبر الظنّ أنه تهيّب الإقدام على الثورة ولم يجرأ على أن يكون أوّل شاهر للسيف ضدّ الخلافة القائمة، وإنّما اكتفى بالتهديد الشديد الّذی كان بمثابة إعلان الحرب، وأخذ يترقب تضعضع الأوضاع ليشهر سيفه بين السيوف، فكان حريّاً به أن تثور حماسته ويزول تهيّبه ويضعف الحزب القائم في نظره إذا رأى صوتاً قويّاً يجهر بالثورة فيعيدها جذعة ويحاول إجلاء المهاجرين من المدينة بالسيف (2)كما أعلن ذلك المتكلّم عن لسانه في مجلس السقيفة.
ولا ننسى بعد ذلك الأمويّين و تكتّلهم السياسي في سبيل الجاه والسلطان، وما كان لهم من نفوذ في مکّة في سنواتها الجاهلیّة الأخيرة، فقد كان أبوسفيان زعيمها فی مقاومة الإسلام والحكومة النبویّة ، وكان عتاب بن أُسيد بن أبي العاص بن أميّة أميرها المطاع في تلك الساعة.
وإذا تأمّلنا ماجاء في تأريخ تلك الأيّام (1)من أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم لما توفّي ووصل خبره إلى مکّة وعامله عليها عتاب بن أُسيد بن أبي العاص بن أُمية استخفى عتاب و ارتجّت المدينة وكاد أهلها يرتدّون، فقد لا نقتنع بما يعلل به رجوعهم عن الارتداد من العقيدة والإيمان.
وليس مردّ ذلك التراجع إلى أنّهم رأوا في فوز أبي بكر فوزهم وانتصارهم على أهل المدينة كما ذهب إليه بعض الباحثين؛ لأنّ خلافة أبي بكر كانت في اليوم الّذی توفّي فيه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و أكبر الظنّ أنّ خبر الخلافة جاءهم مع خبر الوفاة.
بل تعليل القضيّة أنّ الأمير الأموي عتاب بن أُسيد شاء أن يعرف اللون السياسي الّذی اتّخذته أسرته في تلك الساعة، فاستخفى و أشاع بذلك الاضطراب حتّی إذا عرف أنّ أبا سفيان قد رضي بعد سخط وانتهى مع الحاكمين إلى نتائج في صالح البيت الأُموي (2)ظهر مرّة أخرى للناس وأعاد الأمور إلى مجاريها.
و عليه فالصلة السیاسیّة بين رجالات الأموييّن كانت قائمة في ذلك الحين.
وهذا التقدير يفسّر لنا القوّة الّتی تكمن وراء أقوال أبي سفيان حينما كان ساخطاً على أبي بكر وأصحابه، إذ قال: إنّي لأرى عجاجة لا يطفيها إلا الدم، وقال عن عليّ
والعبّاس: أما و الّذی نفسي بيده لأرفعنّ لهما من أعضادهما (1).
فالأمويّون قد كانوا متأهّبين للثورة والانقلاب، وقد عرف عليّ منهم ذلك بوضوح حينما عرضوا عليه أن يتزعّم المعارضة ولكنّه عرف أنّهم ليسوا من الناس الّذین يعتمد على تأييدهم، و إنّما يريدون الوصول إلى أغراضهم عن طريقه، فرفض طلبهم، وكان من المنتظر حينئذٍ أن يشقّوا عصا الطاعة إذا رأوا الأحزاب المسلّحة تتناحر، ولم يطمئنّوا إلى قدرة الحاكمين على ضمان ،مصالحهم و معنی انشقاقهم حينئذ إظهارهم للخروج عن الدين وفصل مکّة عن المدينة.
وإذن فقد كانت الثورة العلوية في تلك الظروف إعلاناً لمعارضة دمويّة تتبعها معارضات دمويّة ذات أهواء شتّى، وكان فيها تهيئة لظرف قد يغتنمه المشاغبون ثمّ المنافقون، ولم تكن ظروف المحنة تسمح لعليّ بأن يرفع صوته وحده في وجه الحكم القائم، بل لو فعل ذلك لأنتج ما يلي:
1 . التناحرت ثورات شتّى، وتقاتلت مذاهب متعدّدة الأهداف والأغراض، ويضيع بذلك الكيان الإسلامي في اللحظة الحرجة الّتی يجب أن يلتفّ فيها المسلمون حول قيادة موحّدة، ويركّزوا قواهم لصدّ ماكان يترقّب أن تتمخّض عنه الظروف الدقيقة من فتن و ثورات.
إنّ عليّاً الّذی كان على أتمّ استعداد لتقديم نفسه قرباناً للمبدأ في جميع أدوار حياته (2)منذ أن وُلد في البيت الإلهي وإلى أن قُتِل فيه، قد ضحّى بمقامه الطبيعي ومنصبه الإلهي في سبيل المصالح العليا الّتی جعله رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وصيّاً عليها و حارساً لها.
2 . ولفقدت بذلك الرسالة المحمّديّة الكبرى بعض معناها؛ فإنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم لمّا أمره ربّه بتبليغ دعوته والإنذار برسالته جمع بني عبدالمطّلب وأعلن عن نبوّته بقوله: (إني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به). وعن إمامة أخيه بقوله: (إنّ هذا أخي و وصيّي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا) (1)ومعنى ذلك أن إمامة علي تكملة طبيعيّة لنبوّة محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم وأن الرسالة السماويّة قد أعلنت عن نبوّة محمّد الكبير صلی اللّه علیه و آله وسلم وإمامة محمّد الصغير في وقت واحد.
إنّ عليّاً الّذی ربّاه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وربّى الإسلام معه - فكانا ولديه العزيزين كان يشعر بأخوّته لهذا الإسلام. وقد دفعه هذا الشعور إلى افتداء أخيه بکلّ شيء حتّی أنه اشترك في حروب الردّة الّتی أعلنها المسلمون يومذاك (2)، ولم يمنعه تزعّم غيره لها عن القيام بالواجب المقدّس؛ لأنّ أبا بكر إنّ كان قد ابتزّه حقّه ونهب تراثه، فالإسلام قد رفعه إلى القمة وعرف له أخوّته الصادقة وسجّلها بأحرف من نور على صفحات الكتاب الكريم.
وصمد الإمام على ترك الثورة و لکنّ ماذا يفعل؟ و أي أسلوب يتّخذه لموقفه؟ هل يحتجّ على الفئة الحاكمة بنصوص النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وكلماته الّتی أعلنت أنّ عليّاً هو القطب المعدّ لأن يدور عليه الفلك الإسلامي والزعيم الّذی قدّمته السماء إلى أهل الأرض (3)؟؟
تردّد هذا السوال في نفسه كثيراً ثمّ وضع له الجواب الّذی تعيّنه ظروف محنته
و تلزمه به طبيعة الأوضاع القائمة، فسكت عن النصّ إلى حين (4).
1) تأريخ الطبري، ج 3، ص 219، المطبعة الحسينية بمصر، الطبعة الأولى، 1903م تفسيرالخازن، ج 3، ص 371 و شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد - الطبعة القديمة. [الشهيد].
2) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد، ج 4، ص 165. [الشهيد].
3) كما هو نصّ حديث الغدير المتواتر ونصوص أخرى تؤكّد أنّ عليّاً هو وليّ المؤمنين بعد النبيّ. راجع: التاج الجامع للأصول 3 335، وأخرجه ابن ماجة في سننه - المقدّمة 1: 11، مسند الإمام أحمد 4: 281، الصواعق المحرقة : 122 مكتبة القاهرة، ط 2 / 1965.
4) فدك في التأريخ، ص 97 - 106.
الخلاصه
لقد كان موقف الإمام علي علیه السلام من بيعة السقيفة بعد رفضها وعدم الاقتناع بها هو السعي أوّلاً لإرجاع الأمّة إلى الطريق الصحيح ورفع اليد عن البيعة اللامشروعة الّتی فرضها منطق السقيفة على المهاجرين والأنصار ثمّ كان موقفه رساليّاً بتمام معنى الكلمة بعد بعد أن لاحظ أن الظروف السیاسیّة لا تسمح بتمزّق الكيان الإسلامي. ومن هنا فصبر وفي العين قذى وفي الحلق شجا، وترك الثورة المسلّحة منتهجاً الحلول السلميّة البعيدة المدى.
وبهذا أعلن للمسلمين مرة بعد أخرى أنه لازال بطل العقيدة وقربان الرسالة كما كان في عصر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم
الأسئلة
1 . ما هي النصوص الّتی تفصح عن موقف الإمام علیه السلام من انحراف السقيفة؟
2 . ما هي نظرة الإمام علي علیه السلام إلى الحكم والسلطة بشكل عام؟
4 . ما هي المحاولات الّتی قام بها الإمام علیه السلام لإرجاع الأمّة إلى رشدها؟
5 . لماذا لم ينتهج الإمام علیه السلام طريق الثورة المسلحة ضدّ الحزب المتآمر ؟ 6
. ما هو الدليل على رسالية موقف الإمام علیه السلام من بيعة السقيفة؟
7 . لماذا لم يستغل الإمام قدرة أبي سفيان الّتی عرضها عليه؟
يتبين من الصورة الّتی عرفناها عن تلك الظروف والأوضاع أنّ الاعتراض بتلك النصوص المقدسة والاحتجاج بها في ساعة ارتفع فيها المقياس الزئبقي للأفكار المحمومة والأهواء الملتهبة الّتی سيطرت على الحزب الحاكم إلى الدرجة العالية، كان من التقدير المعقول افتراض النتائج السيّئة له؛ لما يلي:
1 . لأنّ أكثر النصوص (1)الّتی صدرت من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في شأن الخلافة لم يكن قد سمعها إلا مواطنوه في المدينة من مهاجرين وأنصار، فكانت تلك النصوص إذن الأمانة الغالية عند هذه الطائفة الّتی لابدّ أن تصل عن طريقهم إلى سائر الناس في دنيا الإسلام يومئذٍ وإلى الأجيال المتعاقبة والعصور المتتالية. ولو احتجّ الإمام على جماعة أهل المدينة بالكلمات الّتی سمعوها من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في شأنه وأقام منها دليلاً على إمامته وخلافته لكان الصدى الطبيعي لذلك أن يكذّب الحزب الحاكم صدِّيق
1) النصوص الّتی صدرت عن الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله وسلم بحقّ الإمام علي عليه السلام في الخلافة والإمامة والولاية لا تحصى كثرةً: راجع على سبيل المثال كتاب الغدير العلّامة الأميني: مختصر تاریخ ابن عساکر، ج 17، ص 356 و ما بعدها؛ التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ، ج 3، ص 333 وما بعدها؛ الصواعق المحرفة، ص 122 قال: روى حديث الغدير ثلاثون صحابيّاً.
الأمّة (1)في دعواه و ينكر تلك النصوص الّتی تمحو من خلافة الشورى [شورى السقيفة] لونها الشرعي وتعطّل منها معنى الدين.
وقد لا يجد الحقّ صوتاً قويّاً يرتفع به في قبال ذلك الإنكار؛ لأن كثيراً من قريش - و في مقدّمتهم الأمويّون - كانوا طامحين إلى مجد السلطان ونعيم الملك، وهم يرون في تقديم الخليفة على أساس من النصّ النبوي تسجيلاً لمذهب الإمامة الإلهيّة. ومتى تقرّرت هذه النظريّة في عرف الحكم الإسلامي كان معناها حصر الخلافة فی بني هاشم آل محمّد الأكرمين وخروج غيرهم من المعركة خاسراً.
وقد نلمح هذا اللون من التفكير في قول عمر لابن عبّاس معلّلاً إقصاء عليّ عن الأمر: «إنّ قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوّة» (2)فقد يدّلنا هذا على أنّ إسناد الأمر إلى عليّ في بداية الأمر كان معناه في الذهنيّة العامّة حصر الخلافة في الهاشمييّن، وليس لذلك تفسير أولى من أنّ المفهوم لجمهرة من الناس يومئذ من الخلافة العلويّة تقرير شكل ثابت للخلافة يستمد شرعيّته من نصوص السماء لامن انتخاب المنتخبين. فعليُّ إِنْ وَجدَ نصيراً من عليّةِ قريش يشجعه على مقاومة الحاكمين، فإنّه لا يجد منهم عَضُداً في مسألة النصّ إذا تقدم إلى الناس يحدّثهم أنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قد سجّل الخلافة لأهل بيته حين قال: إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب اللّه ، وعترتي أهل بيتي(3).
و أمّا الأنصار فقد سبقوا جميع المسلمين إلى الاستخفاف بتلك النصوص والاستهانة بها، إذ حدت بهم الشراهة إلى الحكم إلى عقد مؤتمر في سقيفة بني ساعدة
ليصفقوا على يد واحد(1)منهم فلن يجد عليّ فيهم - إذا استدلّ بالنصوص النبویّة - جنوداً للقضيّة العادلة وشهوداً عليها، لأنهم إذا شهدوا على ذلك يسجّلون على أنفسهم تناقضاً فاضحاً في يوم واحد وهذا ما يأبونه على أنفسهم بطبيعة الحال.
وليس في مبايعة الأوس لأبي بكر أو قول من قال: لانبايع إلا عليّاً (2)مناقضة كتلك المناقضة؛ لأنّ المفهوم البديهي من تشكيل مؤتمر السقيفة أنّ مسألة الخلافة مسألة انتخاب لانصّ، فليس إلى التراجع عن هذا الرأي في يوم إعلانه من سبيل.
و أمّا اعتراف المهاجرين بالأمر فلا حرج فيه لأنّ الأنصار لم يجتمعوا على رأي واحد في السقيفة وإنّما كانوا يتذاكرون ويتشاورون، ولذا نرى الحُباب بن المنذر (3)يحاول بثّ الحماسة في نفوسهم والاستمالة بهم إلى رأيه بما جلجل به فی ذلك الاجتماع من كلام وهو يوضّح أنهم جُمعوا لتأييد فكرة لم يكن يؤمن بها إلا بعضهم. وإذن فقد كان الإمام يقدّر أنه سوف يدفع الحزب الحاكم إلى إنكار النصوص والاستبسال في هذا الإنكار إذا جاهر بها ولا يقف إلى جانبه حينئذ صفٌّ ينتصر له في دعواه؛ لأنّ الناس بين من قادهم الهوى السياسي إلى إنكار عملي للنصّ يسدُّ عليهم مجال التراجع بعد ساعات، وبين من يرى أنّ فكرة النصّ تجعل من الخلافة وقفاً على بني هاشم لا ينازعهم فيها منازع. وإذا سجّلت الجماعة الحاكمة وأنصارها إنكاراً للنص و اكتفى الباقون بالسكوت في الأقلّ فمعنى هذا أنّ النصّ يفقد قيمته الواقعيّة وتضيع بذلك مستمسكات الإمامة العلويّة كلّها ويؤمن العالم الإسلامي - الّذی كان بعيداً عن مدينة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم - على إنكار المنكرين لأنه منطق القوة الغالب في ذلك الزمان.
2 . إنّ عليّاً لو ظفر بجماعة توافقه على دعواه، وتشهد له بالنصوص النبویّة
المقدّسة، وتعارض إنكار الفئة الحاكمة، كان معنى ذلك أن ترفض هذه الجماعة خلافة أبي بكر وتتعرّض لهجوم شديد من الحاكمين ينتهي بها إلى الاشتراك في حرب مع الحزب الحاكم المتحمّس لكيانه السياسي إلى حدّ بعيد؛ فإنّه لا يسكت عن هذا اللون من المعارضة الخطرة. فمجاهرة عليّ بالنصّ كانت تجرّه إلى المقابلة العمليّة، وقد عرفنا سابقاً أنه لم يكن مستعدّاً لإعلان الثورة على الوضع القائم والاشتراك مع السلطات المهيمنة في قتال.
إنّ عمر لو التفت إلى ما تنبه إليه الأمويّون - بعد أن احتجّ الإمام بالنصوص في أيّام خلافته(1)، واشتهرت بين شيعته ، من خطرها لاستطاع أن يقطعها من أُصولها، ويقوم بما لم يقدر الأمويّون عليه من إطفاء نورها. وكان اعتراض الإمام بالنصّ في تلك الساعة ينبهه إلى ما يجب أن ينتهجه من أُسلوب فأشفق على النصوص المقدّسة أن تلعب بها السياسة وسكت عنها على مضض، واستغلّ بذلك خصومه حتّى إنّ عمر نفسه صرّح بأنّ عليّاً هو وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة بنصّ النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم (2).
1) أشهد الإمام علي علیه السلام جماعة المسلمين على نصّ حديث الغدير في زمن خلافته، راجع البداية والنهاية، ابن كثير، ج 7، ص 360؛ وقد أشهد عليٌّ جمعاً من الناس فشهد له ثلاثون أنهم سمعوا هذا الحديث من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ، الصواعق المحرقة، ص 122؛ قال: رواه عن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ثلاثون صحابيّاً. و أن كثيراً من طرقه صحيح أوحسن......
2) ذخائر العقبى، ص 67، والحديث يدلنا على أن الفاروق كان يميل أحياناً إلى تغيير الطريقة الّتی سار عليها الحزب في بداية الأمر مع الهاشمیّين، غير أنّ الطابع السياسي الأوّل غلب عليه أخيراً. [الشهيد]. مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج 4، ص 281.
4 . ثمّ ألم يكن من المعقول أن يخشى الإمام على كرامة حبيبه وأخيه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أن تنتقض وهي أغلى عنده من كلّ نفيس إذا جاهر بنصوص النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم - يا وهو لم ينسَ موقف الفاروق من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم حين طلب دواة ليكتب كتاباً لا يضلّ الناس بعده أبداً، فقال عمر: «إنّ النبي ليهجر أو قد غلب عليه الوجع»(1). وقد اعترف فيما بعد لابن عبّاس أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم كان يريد أن يعيّن عليّاً للخلافة وقد صدّه عن ذلك خوفاً من الفتنة (2)؟
وسواء أكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يريد أن يحرّر حقّ عليّ في الخلافة أو لا، فإنّ المهمّ أن نتأمّل موقف عمر من طلبه، فهو إذا كان مستعدّاً لاتّهام النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم وجهاً لوجه بما ينزّهه عنه نصّ القرآن(3)، وضرورة الإسلام، خوفاً من الفتنة، فما الّذی يمنعه عن اتّهام آخر له بعد وفاته مهما تلطّفنا في تقديره؟ فلا يقل عن دعوى أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم لم يصدر عن أمر اللّه في موضوع الخلافة، و إنّما استخلف عليّاً بوحي من عاطفته، بل كان هذا أولى من تلك المعارضة لأنّ الفتنة الّتی تقوم بدعوى على النصّ أشد مما كان يترقبه عمر من اضطراب فيما إذا كان النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم قد خلف نصّاً تحريريّاً بإمامة عليّ يعلمه الجميع.
وإذا كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قد ترك التصريح بخلافة عليّ في ساعته الأخيرة لقول قاله عمر، فإنّ المفهوم منه أن يترك الوصي الاحتجاج بالنصوص خوفاً من قولٍ قد يقوله.
ونتيجة هذا البحث أن سكوت أمير المؤمنين عن النصّ إلى حين كان يفرضه عليه:
1 . أنّه لم يكن يجد في رجالات تلك الساعة من يطمئنّ إلى شهادته بذلك. .
2 . أن الاعتراض بالنصوص كان من الحريّ به أن يلفت أنظار الحاكمين إلى قيمتها المادّيّة، فيستعملوا شتّى الأساليب لخنقها.
3 . أن معنى الاعتراض بها التهيّؤ للثورة بأوسع معانيها، وهذا مالم يكن يريده الإمام علیه السلام.
4 . أن اتّهام عمر للنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في آخر ساعاته عرّف علياً بمقدار تفاني الحاكمين في سبيل مراكزهم ومدى استعدادهم لتأييدها والدفاع عنها وجعله يخاف من تكرّر شيء من ذلك فيما إذا أعلن عن نصوص إمامته(1).
إذن انتهى الإمام إلى قرار حاسم، وهو ترك الثورة وعدم التسلّح بالنصوص في وجه الحاكمين جهاراً وعلانية إلا إذا اطمأنّ إلى قدرته على تجنيد الرأي العامّ ضدّ أبي بكر وصاحبيه، وهذا ما أخذ يحاوله عليّ في مِحنَته آنذاك.
فبدأ اللّه يطوف (2)سِرّاً على زعماء المسلمين ورجالات المدينة، يعظهم ويذكّرهم ببراهين الحقّ وآياته وإلى جانبه قرينته تعزّز موقفه و تشاركه في جهاده السرّي، ولم يكن يقصد بذلك التطواف إنشاء حزب يتهيّأ له القتال به لأننا نعرف أن عليّاً كان له حزب من الأنصار هتف باسمه، وحاول الالتفاف حوله وإنّما أراد أن يمهّد بتلك المقابلات لإجماع الناس عليه.
وهنا تجيء مسألة فدك لتحتلّ الصدارة في السياسة العلويّة الجديدة، فإنّ الدور الفاطمي الّذی رسم هارون النبوّة خطوطه بإتقان، كان متّفقاً ذلك التطواف الليلي في فلسفته، وجديراً بأن يقلب الموقف على الخليفة وينهي خلافة الصدِّيق كما تنتهي القصة التمثيلية لاكما يقوّض حكم مركز على القوة والعدّة.
وكان الدور الفاطمي يتلخص في أن تطالب الصدِّيقة أبابكر بما انتزعه منها من أموال، وتجعل هذه المطالبة وسيلة للمناقشة في المسألة الأساسية وأعني بها مسألة الخلافة وإفهام الناس بأنّ اللحظة الّتی عدلوا فيها عن علي علیه السلام إلى أبي بكر كانت لحظة هوس وشذوذ(1)، وأنهم بذلك أخطأوا وخالفوا كتاب ربّهم ووردوا غير شربهم(2).
إنّ للإمام المعصوم علیه السلام و واجبات أساسية تتلخص في الحرص على سلامة الرسالة الإسلامیّة وديمومتها في الحياة ومقاومتها التیّارات المضادّة بعد غياب النبيّ القائد صلی اللّه علیه و آله وسلم وقد دلتّ الشريعة على أنّ الإمام علياً علیه السلام ومن بعده أبناءه الأحد عشر هم المعنيّون بذلك.
و ممارسة دور الراعي القيم لشؤون الرسالة تقتضي أن يتولّى الإمام المعصوم أعلى السلطات في الدولة، و لکنّ بعد وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم كما لاحظنا قد استبدّت بالسلطة عناصر غير مؤهّلة لفهم وصيانة الرسالة وفي ظرف حرج جداً، ولم يكن ذلك ليمنع الإمام علیه السلام عن ممارسة دوره الرسالي، ولكنّ طبيعة الصراع كانت تقتضي أن يعمل الإمام عليّ علیه السلام على محورين في محاولة منه لإصلاح الانحراف الطاريء في الأمّة والمحافظة على أسس بنائها وكيانها، وهما:
المحور الأوّل: السعي لاستلام مقاليد الحكم وزمام التجربة، الإسلامیّة الراشدة والنهوض بالأمّة باتجاه الأهداف الإلهية المرسومة لها، وقد عمل الإمام علیه السلام على هذا المحور بعد وفاة النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم مباشرة، كما عبّر عن مسؤوليته تجاه هذا الأمر بقوله علیه السلام :
«لولا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر وما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقاروا على كظّة ظالم ولا سعب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها»(1).
وكثّف الإمام علیه السلام جهوده لتعبئة الأمّة ، باتجاه استقرار القيادة المشروعة في محلّها اللائق بها عبر التوعية اللازمة. ومن هنا تطلّب الأمر إرجاء المطالبة العاجلة باستلام زمام الحكم حتّی يتمّ توفّر الظروف الموضوعيّة الكافية لذلك.
إنّ عدم إمكان استلام الإمام لزمام الحكم في تلك الفترة الحرجة كان يعود إلى
أسباب شتّى منها:
1 . عدم وعي الأمّة لرزيّة يوم السقيفة وما جرى فيها من مؤامرات سياسيّة وتوجّهات خاطئة كانت خافيةً على شريحة كبيرة منها.
2 . عدم فهم دور ومسؤوليّة الإمام وموقع الإمامة الراشدة، فقد تصوّروه مطلباً شخصيّاً وهدفاً فرديّاً، حينما كان يكاشفهم الإمام بأحقيّته بمنصب الحكم ومباشرة السلطة.
و لکنّ الحقيقة أنّ دخول الإمام في مواجهة الحاكمين كان بوعي رسالي وإرادة صادقة لاستمرار حركة الرسالة الإسلامیّة نقيّةً كما شرّعها اللّه بعيدة عن الزيغ والانحراف، ومضحيّاً بكلّ شيء من أجل ذلك الهدف الالهي الكبير حتّی لو كان ذلك مستلزماً لغض الطرف عن حقّه الشخصيّ، فالمقياس عند علي عليه السلام هو سلامة الرسالة وديمومة حركتها على أسس الحق والعدل الإلهي وهو القائل: «إعرفّ الحقّ تعرف أهله» وقد قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : «علي مع الحقّ والحقّ مع عليّ».
كما أن الامام عليّاعليه السلام لعمل بشموليّة وعلى جميع المستويات ساعياً للتوفيق بين النظريّة والتطبيق، فربّى أصحابه على أنهم أصحاب الأهداف الرسالية لا أصحاب الأشخاص والمطامع الّذین يميلون مع هذا الطرف أو ذاك، كما تلاحظ أيضاً أن الإمام
1) نهج البلاغة الخطبة الشقشقية.
قد رفض أن يستلم الحكم بشرط أن يسير بسيرة من قبله، إذ كانت سيرتهم تتقاطع مع سلامة الرسالة والمجتمع الرسالي.
3 . إنّ الرواسب الجاهلیّة المتأصّلة في فكر الأمّة، كانت تعيق الأمّة من فهم عمق الرسالة وعظمة الرسول ودور الإمام من بعده من هنا فإنّهم كانوا يتصورّون أنّ عهد النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بالوصاية للإمام علي علیه السلام إنّما هو مجرّد ترشيح لأحد أعضاء أسرته، وأنه قد يهدف إلى إحياء أمجاد أسرة متطلّعة للمجد والسلطان كما هو دأب عامّة الحكام.
4 . ولا نغفل عن دور المنافقين في زعزعة الاستقرار الأمني والتقدمّ الاجتماعي، والسعي لإثارة النوازع والأحقاد بين المسلمين، وتغلغلهم في صفوف الجهاز الحاكم بعد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم.
5 . ان المتصدّين للزعامة كانوا يعانون من الشعور بالنقص تجاه الإمام عليّ علیه السلام حيث كان الإمام علیه السلام يمثّل تحدّياً صارخاً لهم بوجوده، وبصدقه، وجهاده، بصراحته، وباستبساله و بشبابه. كما ورد في كتاب معاوية لمحمّد بن أبي بكر(1).
المحور الثاني: تحصين الأمّة ضدّ الانهيار التامّ وإعطاؤها القدر الكافي من المقوّمات كي تتمكّن من البقاء صامدةً في مواجهة المحنة بعد استيلاء فئة غير كفوءة على السلطة والوقوع في الخطّ التنازلي بسبب الابتعاد عن جادّة الحقّ والصواب.
فاجتهد الإمام علیه السلام في تعميق الرسالة فكرياً وروحياً وسياسياً في صفوف أبناء الأمّة ، وحاول تقديم الوجه المشرق للرسالة الإسلامیّة عبر أساليب عديدة منها:
1 . التدخّل الايجابي لتوجيه الزعامة المنحرفة بعد أن كانت لا تحسن معالجة كثير من القضايا البسيطة فضلاً عن المعقّدة. وايضاح المسار الصحيح، فكان دور الإمام علیه السلام دور الرقيب الرسالي الّذی يتدخّل كلّما لزم ذلك.
2 . كما أن الإمام علیه السلام كان يتصدى للردّ على شبهات المنحرفين بعد اتضّاح عجز
1) وقعة صفّین، ص 119.
المتصدين للزعامة (1).
4 . تربية ثلّة صالحة من المسلمين تُعين الإمام علیه السلام في حركته الإصلاحيّة والتغييريّة، وذلك عبر تحرّكها في وسط الأمّة لإنضاج أفكارها وتوسيع قاعدة الفئة الواعية والصالحة، لِتستمرّ الأمّة في مسيرها التكاملي عبر الأجيال(2).
5 . إحياء سنّة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بالحث على تداولها وتدوينها والاهتمام بالقرآن تلاوةً وحفظاً و تفسيراً وتدويناً، إذ أنّهما عماد الشريعة، فلابدّ أن تتفّهم الأمّة حقائق القرآن الكريم ومفاهيم السنّة الشريفة.
الخلاصه
لم يحتجّ الإمام علي علیه السلام بالنصوص - بعد أن ترك خيار الثورة المسلّحة - لأن الاحتجاج بها كان يؤدّي إلى ضياعها وضياع سنّة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم و عدم تأثيرها في الطامعين في السلطة الحريصين عليها.
و من هنا آثر الإمام علیه السلام أن يوظّف قضيّة مصادرة فدك ويعتمد على ابنة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم للاحتجاج وتهيئة الأرضيّة المناسبة للدخول في حوار و احتجاج جديد عسى أن يوقظ المسلمين ويردع الحزب المتآمر عن التمادي في طريق الضلال.
و أمّا تخطيط الإمام علیه السلام لمواجهة صدمة الانحراف فكان يتلخّص في:
1 . التخطيط لاستلام زمام الحكم ولو بعد فترة يقضي فيها على جملة من عوامل الانحراف من خلال التوعية والتثقيف ومواجهة الآثار السلبيّة لهذا الانحراف بشكل محسوس.
2 . والعمل على تخطيط بعيد المدى يحصّن الأمّة ضدّ التنازل عن شخصيتها وهويّتها ويعطيها القدرة على مواجهة التحديّات الطارئة.
الأسئلة
2 . ما هي الأضرار السلبيّة الّتی كان يتركها الاحتجاج بنصوص الإمامة لمستقبل خط الإمامة ؟
3 . كيف وظّف الإمام علیه السلام قضية فدك للاحتجاج على المتآمرين عليه؟
4 . ما هي النتائج الّتی تركتها مواقف الزهراء علیها السلام من أبي بكر وعمر والأنصار؟
5 . ما هو التخطيط الّذی قام به الإمام علیه السلام لمواجهة صدمة الانحراف؟
6 . ما هو الطريق الّذی سلكه الإمام علیه السلام لايقاظ الأمّة المسلمة بالنسبة لفداحة الانحراف السياسي الّذی حصل بعد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ؟
واصل الإمام أمير المؤمنين علیه السلام رسالته في القيمومة على الرسالة و الأمّة والدولة الإسلامیّة . ولم تكن حصيلة التآمر الّذی تمّ في سقيفة بني ساعدة لتعفيه عن التزاماته الرسالية التالية:
2 . صيانة الكيان الإسلامي و الأمّة الإسلامیّة من عوامل الضعف والوهن.
3 . خلق رأي عام حول الخلافة بطريقة سلميّة لرفع ما التبس على المسلمين بعد السقيفة والسعي لإقامة حكم إسلامي نموذجي.
كان الإمام علیه السلام يرى نفسه المسؤول الأوّل عن الرسالة بعد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم . فكان أوّل عمل قام به هو جمعه للقرآن الكريم، إذ كانت الآيات تنزل حسب الحاجة إلى ذلك، وكان بعض الصحابة يكتبون ماينزل من الآيات من تلقاء أنفسهم أو بأمر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ، و مع انقطاع الوحي بوفاة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم و بعد وفاة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم لم يبق سوى
القرآن والعترة. فصيانة القرآن مِن الضياع يعني صيانة الإسلام من عوامل التحريف والتخريب.
ومن هنا كان على رأس ماقام به الإمام علي بعد ارتحال النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم هو جمعه للقرآن فقد عكف ستة أشهر(1)في داره مشغولاً بهذه المهمّة، وكان يقول لمن يطالبه بالخروج من البيت ومبايعة أبي بكر: «آليتُ ألّا أرتدي علي ردائي إلّا لصلاة جمعة حتّی أجمع القرآن فجمعه»(2)
وهناك قرآن بخطّ الإمام علي علیه السلام موجود حاليا في الخزانة الملحقة بالروضة العلويّة المباركة وهو غير القرآن الّذی جمعه في عهد الخليفة الأوّل لأنّ الإمام كتبه في عام 40 للهجرة.
.و نَقَلَ السيوطي عن ابن حجر أنه قال: وقد ورد عن علي عليه السلام أنه جمع القرآن على ترتيب نزوله بعد وفاة الرسول، وذكر أيضاً أنّ محمّد بن سيرين كان يقول: لو أصبت ذلك الكتاب كان فيه العلم.
والظاهر أنّ الإمام لم يكتف بجمع الآيات القرآنية بل أشار إلى عامّه وخاصّه ومطلقه و مقيّده ومحكمه و متشابهه و ناسخه و منسوخه و عزائمه و رخصه وسننه وآدابه كما أشار أيضاً إلى أسباب النزول وأملى ستين نوعاً من أنواع علوم القرآن وذكر لكل نوعٍ مثالاً يخصّه (3).
وبعد أن أكمل جمع القرآن أتى به يحمله على جمل فقال: هذا القرآن قد جمعته (4). ثمّ توجّه الا إلى عمل آخر لا يقلُّ خطورة عن الأوّل وهو جمع مادونّه مِن أحكام في كتاب واحد سميّ بالجامعة أو كتاب عليّ.
والجامعة كما عرّفتها نصوص أهل البيت عليهم السلام كتاب طوله سبعون ذراعاً من إملاء
رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وخط علي مكتوبٌ على الجلد المسمّى بالرق (1)ويبدو أنّ إضافة الجلود بعضها إلى البعض الآخر كَوَّنت منه جلداً واحداً طوله سبعون ذراعاً وقد احتوت هذه الجامعة على جميع الأحكام حتّی أرش الخدش (2).
وإذا عرفنا أنّ أنّمة أهل البيت كانوا يتوارثون هذا الكتاب ويعتمدونه كمصدر أساسي في الأحكام الشرعيّة؛ أدركنا أهمّيّة العمل الّذی قام به أميرُ المؤمنين علي ابن أبي طالب علیه السلام في تدوين وجمع الأحكام الشرعية بإملاء من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الّذی لم ينطق عن الهوى، ولولا هذا العمل الجبّار لاندرست الأحكام الشرعيّة الّتی تعتبر تفسيراً لما أشار إليه القرآن الكريم.
بعد غياب النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أحدقت الأخطار شيئاً فشيئاً بالكيان الإسلامي مما دفعت بالإمام إلى العمل باتجاه صيانة الأمّة والكيان الإسلامي حتّی أصبح منافسوه بالأمس يستشيرونه في أمور البلاد.
ولاسيما عمر بن الخطاب حين أعلن قائلاً: لولا علي لهلك عمر، ولا جعلني اللّه لمعضلة ليس لها أبو الحسن فهذه العبارة تدل على مدى ما بلغه الإمام من الإيجابيّة في علاقته مع الخليفة على رغم مالديه من تحفظات كلّ ذلك من أجل المصلحة العامّة مع وانطلاقاً من هذا المبدأ اتخذ الإمام علي سياسة لتحقيق الأهداف التالية:
1 . صيانة وحدة الصفّ الإسلامي.
2 . إسداء النصيحة و تقديم المشورة للخلفاء.
4 . المراقبة المستمرة والمحاسبة البنّاءة.
توقّف الإمام علي علیه السلام عن المطالبة بحقوقه حتّی حقّ زوجته في قطعة الأرض الّتی ورثتها عن أبيها وذلك من أجل المحافظة على وحدة الصفّ، وتغافل عن عروض أبي سفيان عندما جاءه قائلاً: يا أبا الحسن أبسط يدك حتّی أبايعك فأبى عليّ عليه ذلك.
ولن يُقيم على خسف يُراد به*** إلا الأذّلان غير الحيِّ والوتَدُ
وهذا على الخسف معكوس برُمِّتِهِ ***وذا يُشجُّ فلايبكي له أحَدُ
و زجره قائلاً له: إنّك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة (1).
و واصل أبوسفيان استثارته لبني هاشم فكان يمرُّ على البيت الّذی فيه علي وجمع من بني هاشم و من صحابته فكان يُردِّد هذه الأبيات:
بني هاشم لا تُطمعوا الناس فيكمُ*** ولاسيما تيم بن مرة أو عدي
فما الأمر الا فيكمُ واليكمُ ***وليس لها إلا أبوحسن علي
أبا حسن فأشدد بها كف حازم*** فإنك بالأمر الّذی يُرتجى معي
وأي امرىء يرمي قصيّاً ورأيها*** منيع الحمى والناس من غالب قصيّ
فقال له الإمام علي علیه السلام : إنك تريد أمراً لسناً من أصحابه، وقد عهد إليّ رسول اللّه عهداً فأنا عليه (2).
و عند ما يئس أبوسفيان من علي أدار بوجهه نحو العبّاس بن عبدالمطّلب فقال له: يا أبا الفضل أنت أحقّ بميراث ابن أخيك أمدد يدك لأّبايعك فلا يختلف عليك الناس
بعد بيعتي إياك فضحك العبّاس وقال: يا أبا سفيان يدفعها عليّ ويطلبها العبّاس فرجع أبوسفيان خائباً (1).
وقد وقعت حوادث كثيرة في تلك الفترة كشفت بوضوح عن عظمة الموقف الّذی وقفه الإمام علي علیه السلام حيث آثر المصلحة العامّة وجعلها فوق كلّ شيء، فقد هبّ عتبة بن أبي لهب ليشارك بقصائده في المعركة السیاسیّة إلى جانب الإمام علي علیه السلام .
وأخذ يستثير العواطف مُحَرِّضاً المسلمين للدفاع عن حقّ الإمام علي.
ما كنتُ أحسبُ أنّ الأمر منصرف*** عن هاشم ثمّ منها عن أبي حَسَنِ
أليس أوّل من صلّى لقبلتكم*** وأعلم الناس بالقرآن والسنن
وأقرب الناس عهداً بالنبي ومن ***جبريل عون له في الغسل والكفَنِ
مافيهم فيهم ولايمترون به ***وليس في القوم مافيه من الحسن
ماذا الّذی ردّهم عنه فنعلمه*** ها إنّ ذا غُبننا من أعظم الغبنِ
فبعث الإمام علیه السلام إلى عتبة بن أبي لهب فنهاه وأمره ألّا يعود وقال: سلامة الدين أحب إلينا من غيره (2).
و عند ما انفجرت المعركة الإعلاميّة بين الأنصار والمهاجرين وكادت أن تنتهي إلى حرب أهليه لا يعرف عواقبها إلا أصحاب الوعي هنا يسارع الإمام ويُبادر لإطفاء نار الفتنة وليدافع عن الأنصار الّذین هم القوة الضاربة في الدولة الإسلامیّة فجاء إلى المسجد واجتمع حوله جمع كثير من قُريش فقال مخاطباً الجمع:
يا معشر قريش إنّ حبّ الأنصار إيمانٌ وبغضهم نفاقٌ وقد قضوا ما عليهم وبقي ما عليكم واذكروا أنّ اللّه رغب لنبيكُم عن مکّة فنقله إلى المدينة وكره له قريشاً فنقله إلى الأنصار ثمّ قَدِمنا عليهم دارهم فقاسمونا الأموال وكفونا العمل فصرنا منهم بين
بذل الغنى وإيثار الفقير ثمّ حاربنا الناس فوقونا بأنفسهم وقد أنزل اللّه تعالى فيهم آية من القرآن جمع لهم فيها بين خمس نِعَم فقال ( الّذین تبوأوا الدار والايمان من قبلهم يُحبون من هاجَرَ اليهم ولا يجدون في صدورهم حاجةً مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومَن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)(1)ألا وإنّ عمرو بن العاص قد قام مقاماً آذى فيه الميت والحي، ساء به الواتر وسرّ به الموتور فاستحق من المستمع الجواب ومن الغائب المقت وإنّه من أحبّ اللّه ورسوله أحبّ الأنصار فليكفُف عنّا نفسه (2).
واعتبر الإمام الهجوم على الأنصار بمثابة الهجوم على الرسالة وبالتالي فهو أمرُ يعنيه وكأنّه هو المقصود بهذا الهجوم.
وكان لكلمة الإمام هذه أثرٌ كبير في الأوساط حيث انتشر صداها بين المسلمين وسارع البعض إلى عمرو بن العاص ليقول له:
أيها الرجل أمّا إذا غضب عليّ فاكفف، فاضطرّ عمرو بن العاص على أثر ردّ الإمام على محاولته اليائسة في تفجير الصراع بين المهاجرين والأنصار، إلى ترك المدينة وخرج عنها حتّی رضي عنه علي والمهاجرون(3).
وهكذا، كان علي بن أبي طالب العين الحارسة والحريصة على وحدة المسلمين... فعلي لا يدرك أهمّیّة الوحدة وأنها كانت رمز قوة المسلمين وانتصارهم. فاذا انفرط هذا الصفّ الّذی كان متماسكاً على عهد النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم انكسر المسلمون سیّما وأن الأعداء قد ازدادوا واتسعت دائرة المواجهة هذه المرة لتشمل المرتدين والمنحرفين عن الدين وكلهم عيون مفتوحة بحثاً عن أيّة ثغرة تنفعهم فيستغلّونها.
ومرة أخرى يأتي الإمام ليدافع عن الأنصار المستهدفين في المؤامرة....وقف في المسجد وخطب قائلاً:
يا معشر قريش! إنّ اللّه جعل الأنصار أنصاراً فأثنى عليهم في الكتاب فلاخيرَ فيكم بعدهم إنّه لا يزال سفيه من سفهاء قُريش وَتَرَهُ الإسلام دفعهُ عن الحق وأطفأ شرفه وفضل غيره عليه يقوم مقاماً فاحشاً فيذكر الأنصار فاتقوا اللّه وارعوا حقّهم فوالله لو زالوا لزلتُ معهم لأنّ رسول اللّه قال لهم: أزول معكم حيثما زُلتم فقال المسلمون جميعاً رحمك اللّه يا أبا الحسن قلت قولاً صادقاً (1).
وظل الإمام يذود عن الأنصار في كلّ موقع و موقف فقد اعتبر أيّ هجوم يُشنُّ على الأنصار كأنه هجوم موجّه إلى الإسلام لأنّهم يشكّلون القوة البشریّة و الاقتصادیّة والقدرة العسكريّة في الكيان الإسلامي.
لقد تمكّن الإمام علیه السلام أن يحقق من خلال مواجهته لهذه الفتنة مايلي:
1 . أوجد رأياً عامّاً معادياً للتمزّق والفرقة.
2 . أعاد الاعتبار للأنصار بشكل يحقّق التوازن السياسي في المجتمع الإسلامي بينهم وبين المهاجرين.
وكان باستطاعة الإمام أن يستغلّ هذه الأجواء ويُثيرها حرباً شعواء ضدّ الخليفة ومن يقف إلى جانبه من أصحاب الزعامات القرشيّة لكنّه علیه السلام لم يفعل ذلك حفاظاً على وحدة المسلمين وكيان الإسلام فلم يكن يُريد أن يتصيد في الماء العكر لوكان المطالبة بحق ثابت ومشروع وهذه منقبة أخرى من مناقب الإمام في عمله السياسي في عهد الخليفة الأوّل.
1) المصدر نفسه، ج 6، ص 38.
وقف الإمام علي بروح مغمورة بالايجابيّة إزاء الخلفاء بالرغم من ابتزازهم لحقّه. وقد أوصلت هذه الروح العظيمة الإمام علي علیه السلام إلى قلوب الخلفاء حتّی كان عمر بن الخطاب يقول: يا أبا الحسن لا أبقاني اللّه لشدة لست لها، ولا لبليّة لست فيها.
أمّا الموارد الّتی شاور فيها الخلفاء عليا فهي كثيرة منها:
1 . في خلافة أبي بكر حين أراد المسلمون غزو الروم فشاور أبوبكر جماعة من أصحاب الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم فرفض بعضهم الفكرة ثمّ إنّه شاور علي بن أبي طالب فأشار اليه بأن يفعل وأخبره بنتيجة المعركة قائلاً: إنّ فعلت ظفرت فقال أبوبكر : بشّرت بخير... فاطمأنّ الخليفة من تحقّق النصر للمسلمين من كلام أمير المؤمنين فقام في الناس خطيباً وأمرهم أن يتجهّزوا إلى
الروم(1).
2 . عندما أراد عمر بن الخطاب غزو الفُرس جمع قادة الجيش مع كبار الصحابة الّذین كانوا يمثلون مجلسا عسكريا مهمته إسداء المشورة في الأمور الحربيّة وكان من رأي عمر أن يتجهّز ويذهب بجيش من المسلمين ويستقر بين الكوفة والشام ومن هناك تبدأ عملياته الحربيّة ضدّ الفُرس.
فقام كلّ واحدٍ من القادة العسكريين وأعطى رأيه وجلس ثمّ قام عثمان وطلب من أن يكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شامهم وإلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم ثمّ يسير عمر بجيش من أهل الحرمين إلى الكوفة والبصرة.
وجاء الدور إلى الإمام علي فلم يُحبّذ خروج أهل الشام لأنّهم محاطون بالأعداء وهم الروم وليس من السليم أيضاً خروج أهل اليمن لأنهم محاطون بأعداء كامنين لهم في بلاد الحبشة. ولم يحبذ أيضاً خروج أهل الحرمين إلى الحرب لأنّ العرب القابعين
1) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 133.
في الأطراف يستغلون غياب القوة العسكرية فيفعلون ما يريدون.
وكان مقترح الإمام أن يستقر أهل الأمصار في أماكن سكناهم ويُكتب إلى أهل البصرة فينقسموا إلى ثلاث فوق، فرقة في حرمهم وذراريهم، وفرقة في أهل عهدهم حتّی لا ينتفضوا ثمّ تسير فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مَدَداً لهم فقال عمر هذا هو الرأي(1).
3 . أراد الخليفة عمر أن يضع تأريخاً للمسلمين، فكان من رأيه أن يُكتب من ولادة رسول اللّه ثمّ قال من المبعث (2)فشاور الإمام علياًعلیه السلام ، فكان رأيه أن تكون بداية السنة من هجرة النبي محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم وقد أورد ابن الأثير أنّ كتابة التأريخ جاءت بمشورة من علي بن أبي طالب(3).
4 . شاور الخليفة عمر بن الخطاب أصحاب رسول اللّه في سواد الكوفة، فقال له بعضهم: نقسمها بيننا فشاور عليّاً فقال:
إنّ قَسَمْتَها اليوم لم يكن لمن يجيء بعدنا شيء و لکنّ تقرها في أيديهم يعملونها.
فتكون لنا ولمن بعدنا، فقال: وفقك اللّه هذا الرأي (4).
وبهذا الرأي وضع الإمام للخليفة عمر معالم السياسة الاقتصادیّة للدولة الإسلامیّة . فهذه السياسة تقوم على ثلاثة مبادىء.
الأوّل: إلغاء ملكية الأرض الصالحة للزراعة الّتی تمّ الاستيلاء عليها.
فأرض السواد كانت أرضاً زراعيّة تُضيف للثروة الاقتصادیّة موارد جديدة بشرط أن لا تستملك.
الثاني: تعزيز السياسة الانتاجية بوضع هذه الأراضي الصالحة للزراعة في أيدي من يستطيع استثمارها. فهي في حوزته بشرط الاستثمار.
الثالث: وضع خطة انتاجيّة بعيدة المدى تستطيع أن توفّر السعادة والرخاء للأجيال القادمة خلافاً لاقتراح بعض الصحابة بتقسيم أرض السواد.
5 . بعد أن تمّ توزيع الغنائم الّتی غنمها المسلمون من معركة القادسيّة بقي بساط كبير طوله ستون ذراعاً وعرضهُ ستون ذراعاً كانت أكاسرة الفُرس تستخدمه في الشتاء حيث يتخيلون أنهم في إحدى الرياض، إذ أُقيم فوق البساط تماثيل للحيوانات والنباتات وشق فوقهُ الأنهار من فصوص كالدرر، وكانت العرب تُسميه القطيف، فطلب عُمر رأي الصحابة بهذا القطيف فمنهم من رأى تفويض الأمر إلى الخليفة ليرى رأيه، ومنهم من كان رأيه أن يكون ملكاً للخليفة...
أمّا علي علیه السلام فقال : لم يجعل صلی اللّه علیه و آله وسلم علمك جهلاً ويقينَك شكاً، إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت أو لبست فأبليت أو أقلت فأفنيت وإنك إنّ تُبقه على هذا اليوم لم تعدم في غدٍ من يستحق به ماليس له.
فقال الخليفة عمر: صدقتني ونصحتني فقطّعهُ بينهم(1).
6 . واشتهر أنّ امرأة قد زنت و شهد عليها أربعة شهداء عدول فأجمعوا على رجمها فلما ذهبوا ليرجموها، مرّ بهم الإمام علي عليه السلام فقال:
ماشأن هذه؟! قالوا: مجنونة بني(فلان) زنت فأمر بها أن تُرجَم.
فانتزعها علي علیه السلام من أيديهم وردّها إلى مأمنها فجاؤوا إلى عمر فاستغرب من عودتهم فقال ماردّكم قالوا: ردّنا علي.
فقال عمر: ما فعل أبو الحسن هذا إلا لشيء قد علمه فجاء الإمام علي فسأله الخليفة ما بالك قد رددت هؤلاء فقال علیه السلام :
أما سمعت قول رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ، رفع القلم عن ثلاث: عن المجنون حتّی يبرأ وعن النائم حتّی يستيقظ وعن الصبي حتّى يعقل فما بال هذه تُرجم؟
1) الكامل في التأريخ، ج 2، ص 518.
حينذاك جعل عُمر يُكبّر ويقول: لولا علي لهلك عُمر.
فالله اللّه في نفسك فإنّك والله ما تبصَّرُ من عمى ولا تُعلَّم من جهالة وأن الطريق لواضح بينٌ و أن أعلام الدين لقائمة فاعلم أنّ أفضل عباد اللّه عند اللّه إمامٌ عادل هُدى، فأقام سنة ،معلومة، وأمات بدعة متروكة، فوالله إنّ كلا لبيّن وإنّ السنن كثيرةٌ لها أعلامٌ، و إنّ البدع لقائمة لها أعلام، وإنّ شرّ الناس عند اللّه إمام جائر ضلّ وأضلَّ، فأمات سنة وأحيا بدعة متروكة، وإنّي أحذرك اللّه سطواته ونقماته فإنّ عذابه شديد أليم وأحذّرك أنّ تكون إمام هذه الأمّة ، الّذی يُقتل فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة ويلبّس أمورها عليها ويتركها شيعاً لأُيبصرون الحق لعلو الباطل يموجون فيها موجاً ويمرجون فيها مرجاً.
فقال الخليفة عثمان: قد علمت والله ليقولنّ الّذي قُلت(1).
ولو عمل الخليفة عثمان بنصيحة الإمام لما جرى عليه الّذی جرى، ولمّا تألبت عليه الأمصار ولمّا لقي ذلك المصير الدامي الّذی حذّره الإمام من وقوعه.
كان الإمام لايُفتي بشيء إلا عن اطلاع عميق وبعد في النظر، وكان الخلفاء ينظرون إليه كأفضل مشاور لهم.
لم يجد الخلفاء أفضل من علي في المشورة فهو الّذی جرب الناس وعرف مداخل الأمور ومخارجها فوجوده إلى جوار رسول اللّه خلال ثلاثة وعشرين عاماً من تبليغ الرسالة منحته الخبرة والاطلاع الواسع في إدارة الدولة والمجتمع، وكان وجوده بالقرب من مركز القرار واستعداده الدائم لإسداء النصح ثروة لا تعوض بأي ثمن، كما و أنّ الإمام - و من فرط حِرصِه على سلامة الكيان الإسلامي - لم يدخر رأياً أو فكرة
1) علي أنصاريان الدليل على موضوعات نهج البلاغة، ص 538 وأيضاً الكامل في التأريخ لابن الاثير. ج 3، ص 151.
إلا وقدمها للخلفاء عندما وجد عندهم الاستعداد الكافي لسماع آرائه والعمل بها (1).
إنّ عشر مراجعات للخليفة الأوّل إلى الإمام علي علیه السلام وتسعين مراجعة للخليفة الثاني وعشر مراجعات للخليفة الثالث إليه (2)بالرغم من أن الإمام علیه السلام لم يتولّ منصب القضاء رسميّاً في عهد الخلفاء تفيدنا الحقائق التالية:
1 . إنّ الإمام علیه السلام كان يساهم في حفظ عناصر قوّة الكيان الإسلامي.
2 . كما أنه كان لا يأنف من تقديم الخدمات الممكنة للدولة الإسلامیّة بالرغم من إبعاده عن منصب القيادة والخلافة.
3 . وتشير هذه الحوادث وسواها إلى شدّة مراقبة الإمام علیه السلام للأوضاع القائمة والحوادث الجارية في الدولة الإسلامیّة حتّی أنه كان يؤكّد لهم أنه الأمين على الرسالة والكيان و الأمّة الإسلامیّة .
ومن هنا فإنّنا بالرغم من الاعتراف بوجود دور للخلفاء في صياغة مجموعة من أحداث التأريخ، ولكنّ الموجّه غير المباشر لمجريات الأمور باتجاه صيانة الأمّة والرسالة والكيان الإسلامي من تزايد الانحراف واشتداده كان هو الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام بالرغم من أن كثيراً من منافسي الإمام علیه السلام كانوا لا يريدون أن يكون له أي دور في الحياة الإسلامیّة .
وسوف نلاحظ أنّ الإمام علیه السلام كيف استطاع أن يؤجل المطالبة بالحكم إلى ظرف ملائم بعد أن خلق رأياً عامّاً حول جدارته للحكم مما أدّى إلى انثيال الناس عليه بعد مقتل عثمان والإصرار على المبايعة معه على استلام زمام الخلافة وإعادة الأمور إلى نصابها من جديد (3)و(4)و(5)و(6)و(7)
الخلاصه
إنّ أهمّ إنجازات الإمام علیه السلام بعد الانحراف السياسي الحاصل عقيب وفاة الرسول علي عليه السلام وإبعاده عن مركز القيادة تتلخّص في مايلي:
2 . صيانة الكيان الإسلامي من التصدع والانهيار.
3 . صيانة الأمّة الإسلامیّة بتحصينها ضدّ التحديات المقبلة.
4 . السعي لإقامة حكم إسلامي مشروع وسليم من التناقضات والانحرافات.
وكانت للإمام علیه السلام مراقبة مستمرة للجهاز الحاكم وتدخّلات إيجابيّة للحدّ من الانحراف.
ولم يترك الإمام المال إسداء النصح للخلفاء إذا تطلّبت المصلحة الإسلامیّة ذلك.
1 . ما هي إنجازات الإمام علیه السلام لصيانة الشريعة ومصادرها خلال عهد الخلفاء؟
2 . ما هي الخطوات الّتی قام بها الإمام علیه السلام لصيانة الأمّة الإسلامیّة من الضياع؟
3 . ما هي أهمّ إنجازات الإمام علیه السلام في مجال صيانة الكيان الإسلامي من التفكك؟
4 . ما هي أهمّ موارد إسداء النصح للخلفاء؟
5 . ما هو دور الإمام علیه السلام للمحافظة على وحدة الصفّ بين المهاجرين والأنصار؟
6 . ما هي الأعمال الإيجابيّة الّتی قام بها الإمام علیه السلام خلال عهد الخلفاء؟
7 . لماذا كان الإمام يراقب الأوضاع السیاسیّة و الاجتماعیّة والدينيّة باستمرار؟
ان الشورى السداسيّة الّتی اقترحها عمر وفرضها على المسلمين فتحت باباً جديداً من الشر على الأمّة الإسلامیّة حيث كانت تستبطن إبعاد الإمام وإقصائه عن الخلافة بالرغم من توفّر الظروف الموضوعية لقبول خلافته عند عامّة المسلمين.
ولكلّ لبيب أن يكتشف ماكانت تستبطنه تركيبة أعضاء الشورى السداسيّة الّتی صرّح عمر عنها بأنه لو كان أبو عبيدة حيّاً لما كان ينتهي به الأمر إلى المسرحيّة التیّي سُمّيت بهذه الشورى.
لقد أيقن الإمام علیه السلام بأنّ هذه الشورى مكيدة دبّرت لإقصائه عن الخلافة من جديد
وما إنّ خرج الإمام علیه السلام من عند عمر حتّی تلقّاه عمّه العبّاس مستفسراً فبادره قائلاً:
ياعم، لقد عُدِلَتْ عنّا، فقال العبّاس: من أعلمك بذلك، فقال علي : قُرن بي عثمان، وقال عمر: كونوا مع الأكثر ، فإنّ رضي رجلان رجلاً ورجلان رجلاً فكونوا مع الّذین فيهم عبدالرحمن بن عوف، فسعد لايخالف ابن عمه عبدالرحمن وعبدالرحمن صهر عثمان لا يختلفون فيوليها عبد الرحمن عثمان أو يوليها عثمان عبدالرحمن، فلو
كان الآخران معي لم ينفعاني(1).
وتحقق ما تنبأ به الإمام علیه السلام فقد آلت الخلافة إلى عثمان بتواطؤ عبدالرحمن، فقد روي أن سعداً وهب حقّه في الشورى لابن عمه عبد الرحمن، ومال طلحة لعثمان فوهب له حقّه، ولم يبق إلّا الزبير فتنازل عن حقّه لصالح الإمام علیه السلام ، وهنا عرض عبدالرحمن أن يختار الإمام أو عثمان فقال عمّار إنّ أردت ألّا يختلف المسلمون فبايع عليّاً، فردّ عليه ابن أبي سرح: إنّ أردت ألّا تختلف قريش فبايع عثمان، فتأكّد التوجّه غير السليم للخلافة وبدت أعراض الانحراف واضحةً جليةً تؤجّجها نار العصبيّة.
فعرض عبدالرحمن بيعته بشرط السير على كتاب اللّه وسنّة نبيّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وسيرة الشيخين، فرفض الإمام سيرة الشيخين وقبلها عثمان فتمّت له البيعة، فقال عليّ علیه السلام لعبدالرحمن: «حبوته حبو دهره، ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون» (2). «والله ما فعلتَها إلا لأنك رجوت منه مارجا صاحبكما من صاحبه دقّق اللّه بينكما عطر منشم».
ثمّ التفت إلى الناس ليوضّح لهم خط أهمّ المتكرّر في الاستخلاف ورأيه في مصير قيادة الأمّة ، فقال:
«أيها الناس، لقد علمتم أني أحقّ بهذا الأمر من غيري، أما وقد انتهى الأمر إلى ماترون، فوالله لأسالمنّ ما سَلِمَتْ أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة، التماساً لأجر ذلك وفضلهِ، وزهداً فيما تنافَسْتُموه من زُخرفه وزِبرجه».
إنّ الامام علا دخل مع الباقين في الشورى و هو يعلم بما ستؤول إليه، محاولةً منه لإظهار تناقض عمر ومن سار على نهجه عند وفاة النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم حين كان يرى أنّه
لا تجتمع الخلافة و النبوّة في بني هاشم، أما الآن فقد رشّح عمر بنفسه الإمام علیه السلام للخلافة فناقض نفسه من حيث لا يشعر.
وقد روي عن أمير المؤمنين أنه قال: «ولكنّي أدخل معهم في الشورى لأن عمر قد أهَّلني الآن للخلافة، وكان قبل ذلك يقول: إنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قال: إِنَّ النبوّة والإمامة لا يجتمعان في بيت، فأنا أدخل في ذلك لأظهر للناس مناقضة فعله لروايته»(1).
وبايع الإمام علیه السلام عثمان بن عفّان سعياً منه أن يصلح أمر الأمّة ويوجّهها، وأن يحافظ على كيانها من التصدّع بترك الخلاف، ولم يبخل على الأمّة بالنصيحة والهداية والتربية، فإنّ أبعدت الخلافة عنه علیه السلام فإنّه لم يدّخر وسعاً في ايضاح الحق والإرشاد إليه على مستوى الحاكمين والمحكومين جميعاً.
اشتد الانحراف في عهد عثمان بن عفّان وقد استمر حكمه إثني عشر عاماً. ويعود أسباب تزايد الانحراف في عهده إلى العوامل التالية:
1 . استلم عثمان بن عفّان الخلافة وعمره يومذاك سبعون عاماً وكانت شخصيته تميل إلى الدعة واللين فهو غنيٌّ من الأغنياء قبل الإسلام وظلَّ على غناه في الإسلام أيضاً، والأغنياء لا يقدرون أن يشعروا بما يشعره المحروم. فكانت دائرة المحرومين تتسع مع اتّساع رقعة الدولة الإسلامیّة ، وإذا أضيف للحرمان الاقتصادي ظُلم الولاة فقد تكامل عاملان مهمّان من عوامل التمردوالثورة.
وبسبب كبرِ سنّه و وداعته فقد ترك أُمور البلاد إلى أقربائه الّذین كان يثق بولائهم له.
وقدِم على عثمان عمّه الحكم بن أبي العاص وابنه مروان وغيرهما من بني أميّة.
والحكم هو طريد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الّذی غرّبه عن المدينة ونفاه عن جواره.
1) شرح النهج لابن أبي الحديد، ج 1، ص 186.
وكان عماله جماعة منهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط على الكوفة ، وهو ممّن
أخبر عنه النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بأنه من أهل النار - وعبدالله بن أبي سرح على مصر و - ومعاوية بن أبي سفيان على الشام وعبدالله بن عامر على البصرة. وصَرَفَ عن الكوفة الوليد بن عُقبة و ولاها سعيد بن العاص (1).
وكان عثمان ضعيفاً أمام مروان بن الحكم يفعل ما يأمره به وقد وصف الطبري كيف استطاع الإمام علي عليه السلام أن يُهدِّي، الأوضاع وأن يُرجع الثائرين إلى بلدانهم بعد أنأخذ من عثمان شرطاً أن لا يطيع مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وابن عامر ومعاوية فأجابه إلى ذلك(2).
لکنّ بمجرد أن هدأت الأوضاع عاد مروان بن الحكم واقترح على الخليفة أن يخرج ويتكلّم بما ينال به من الثوار ففعل الخليفة فانتهره عمرو بن العاص فرجع علي عليه السلام إلى عثمان مغضباً حتّی دخل عليه فقال: ما رضيت من مروان ولارضي منك إلا بتحرفك عن دينك و عن عقلك مثل جمل الظعينة يُقاد حيث يسار به والله مامروان بذي رأي في دينه ولا نفسه...
فلما خرج علي دخلت عليه نائلة زوجته فقالت أتكلّم أو أسكت؟ فقال تكلمي فقالت: قد سمعت قول عليّ لك وإنه ليس يعاودك وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء. قال: فما أصنع؟ قالت: تتّقي اللّه وحده لا شريك له و تتبع سنة صاحبك من قبلك فإنّك متى أطعت مروان قتلك.
وفي كلّ مرة كان يحاول الصحابة أن يصلحوا الأمر فيأتي مروان إلى عثمان فيغريه أن يفعل مايثير الوضع ضدّه من جديد.
ولو قدِّر للخليفة أن يقف الموقف الصارم من أقربائه (بني أُميّة) ويحاسبهم على كلّ
معصية لما كان يحدُث ماحدث.
2 . ان سياسة عثمان المالية كانت بعيدة عن التوازن في التوزيع وكانت النتيجة الحتميّة لهذه السياسة هي ظهور الفقر في الرقعة الكبيرة من المجتمع الإسلامي وتسابق الأقليّة الأمويّة على اقتناء الأموال.
ذكر المسعودي أنّ في أیّام عثمان اقتنى جماعة من الصحابة الضياع والدور منهم الزبير بن العوام بنى داره بالبصرة وابتنى أيضاً دوراً بمصر والكوفة والإسكندريّة، وبلغ مال الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار وخَلَّفَ الزبير ألف فرس وألف عبد وأمة. وكذلك طلحة بن عبدالله التميمي ابتنى داره بالكوفة المشهورة المعروفة بالكُناسة بدار الطلحيين وكانت غلته من العراق كلّ يومٍ ألف دينار، وكذلك عبدالرحمن بن عوف الزُهري ابتنى داره و وسّعها وكان على مربطه مائة فرس وله ألف بعير وعشرة آلاف شاة من الغنم وبلغ بعد وفاته رُبُع ثمن ماله أربعةً وثمانين ألفاً، وابتنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق فرفع سمكها و وسّع فضاءها وجعل أعلاها شُرُفات.
وقد ذكر سعيد بن المسيب أنّ زيد بن ثابت حين مات خلّف من الذهب والفضّة ماكان يُكسر بالفؤوس غير ماخلّف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار(1).
ويحاول المسعودي أن يبرز مفارقة بين البذخ في عهد عثمان والزهد في عهد الخليفة عمر فيقول: وحجّ عمر فأنفق في ذهابه ومجيئه إلى المدينة ستة عشر ديناراً وقال لولده عبدالله: لقد أسرفنا في نفقتنا في سفرنا هذا(2).
وكان بنو أميه يتعاملون مع بيت المال وكأنّه من مالهم الخاص بل أكثر ذلك
من كانوا ينظرون إلى ممتلكات الدولة الإسلامیّة على أنّها جزء من ممتلكاتهم الشخصيّة. فقد ذكر الطبري أنّ سعيد بن العاص كان والي عثمان في الكوفة يسمر مع وجوه
الناس فقال مخاطباً الجمع من حوله: إنّما هذا السواد بُستان لقُريش(1)وهو يقصد العراق.
فواجهه مالك الأشتر قائلاً: أتزعم أنّ السواد الّذی أفاءه اللّه علينا بأسيافنا بُستان لك ولقومك، والله ما يزيد أو فاكم فيه نصيباً إلا أن يكون كأحدنا.
وكان الخليفة يشجعهم على اتبّاع هذه السياسة فقد كتب لمروان بخُمس مصر (2)فتجبّروا وطغوا فأشاعوا الفساد والإرهاب بين الناس.
وقد أوجد هذا الغنى طبقة واسعة من الفقراء من العرب والموالين الّذین كانوا يعملون على الأرض في الزراعة. ولعل أقوى دليل على وجود هذهِ الطبقة الوسيعة من الفقراء حركة أبي ذر الغفاري و الّتی كان على رأس أهدافها الدفاع عن حقوق المحرومين والفقراء، فكان يقول: ويلٌ للأغنياء من الفقراء.
وبشِّر الأغنياء بمكاوٍ من نار تكوى بها جباهُهُم وجنوبهم وظهورهم. ولولا هذه الحركة الّتی قام بها أبوذر للدفاع عن الفقراء والمحرومين لما عرفنا بوجود الفقر في زمن عثمان، إذ لم يتحدّث المؤرّخون إلّا عن الأغنياء وعمّا يمتلكون من أموال وأراض، أمّا الفقراء فلانجد ذكراً لهم في صفحات التأريخ.
لقد أدى تزايد الثروة لدى قطاع من المهاجرين والأنصار إلى انتشار روح البذخ والإسراف وإلى اقتناء العبيد والجواري.
وكان هؤلاء العبيد يؤدون الأعمال بالنيابة عن ساداتهم الأمر الّذی أوجد الفراغ في حياة أصحاب الأموال الطائلة فكانوا يضطرون لملئه باللهو والغناء.
يقول الدكتور طه حسين عن هذه الظاهرة ونشأ عن ذلك أنّ الّذین اشتروا الأرض
في بلاد العرب عامّة و في الحجاز خاصّة قد أرادوا أن يستغلّوا أرضهم فاجتلبوا الرقيق و أكثروا من اجتلابه ولم يمض وقت طويل حتّی استحال الحجاز إلى جنّة من أجمل جنّات الأرض، وأحسنها ثَمَراً، وأعودها على أهلها بالغنى وما يستتبع الغنى من الترف والفراغ، وماهي إلا أن تنشأ في الحجاز نفسه في مکّة والمدينة والطائف طبقة من هذه الارستقراطيّة الفارغة الّتی لا تعمل شيئاً و إنّما يعمل لها ماجلبت من الرقيق، و الّتی تنفق وقتها في فنون اللّه و والعبث والمجون.
ونشأ عن هذا بعد ذلك أن جُلبت الحضارة جلباً إلى الحجاز وغيره من بلاد العرب فكان الترف والتبطّل وكانت الفنون الّتی تنشأ عن هذا الترف والتبطّل فكان الغناء والإيقاع والرقص والشعر الّذی لا يصدر وجداً ولا نشاطاً و إنّما يصدر بطالة وفراغاً وتهالكاً من أجل ذلك في اللذة أو عكوفاً من أجل ذلك على النفس وتعمُقاً لما ينتابها من الهم(1).
وكان ممن جلب الإماء والجواري والي الدولة الإسلامیّة على البصرة عبدالله ابن عامر فيذكر ان عبدالله بن عامر اشترى إماء نائحات وأتى بهنّ إلى المدينة فكان لهن يومٍ في الجمعة يلعبن فيه وسمع الناس منهن (2).
ويُستنتج مما تقدم أنّ الغناء بدأ أوّل مابدأ من بيوت الولاة الّذین هم قدوة المسلمين وأنهم ولاة لبلادٍ دخلت في الإسلام لتوِّها.
أمّا الخمرة فكانت رفيقة الغناء وهي أيضاً بدأت تنتشر في الأمصار وفي عاصمة الدولة الإسلامیّة حتّی ذكر المؤرّخون أنّ محمّد بن أبي حُذيفة قد وجد في حالة سكر وهو ربيب عثمان بن عفّان، فأجرى عليه الحد. وكان ممن يُشيع شرب الخمر بعض ولاة الخليفة على الأمصار والأقطار.
وقد بدا كلّ شيء معكوساً، فإذا الّذی يتولى مسؤوليّة مُراقبة المجتمع ومواجهة مظاهر الانحراف ويعمل على إقامة الحدود على العاصين أصبح أوّل من يُمارس الانحراف ولا يتورع عن شيوع أنباء انحرافه في المجتمع، فكيف سيكون وضع الناس العاديين؟! وعلى هذا فقس ماسواه.
4 . ظلم الولاة واستئثارهم بالأموال وتجاهرهم بالفسوق.
اتبع الخليفة عثمان سياسة خاصة في نصب و عزل الولاة فلم يعر أيّة أهمّیّة للمعايير الإسلامیّة في اختيار الولاة، فقد آثر مصالح العشيرة على المصالح الإسلامیّة العليا.
فقد ولّى الوليد بن عقبة مكان سعد بن أبي وقاص مع علمه التامّ بأنّ اللّه أنزل فيه قرآناً وكان والده ممن يُباشر عملية إيذاء النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ، وكان آخر شيء يُفكر فيه سعد هو عزله وتعيين الوليد مكانه ( وهو أخو الخليفة من أمِّه). وكان الوليد يمتلك الشجاعة الكافية لكي يقول الحقيقة لسعد: إنّما ولي القوم الأمر فاستأثروا ويقصد بالقوم بني أميّة.
وإسلام الوليد هو إسلامٌ ظاهري، فقد ظلّ على عاداته الّتی اعتاد عليها في الجاهلیّة ومنها شربه الخمر، وبلغ به الاستهتار حداً أنه تقدَّم إلى صلاة الصُبح وهو سكران، فصلى بهم أربعاً وقال: أتريدون أن أزيدكم، وقيل أنه قال في سجوده وقد أطال:
اشرب واسقني فقال له بعض من كان خلفه في الصفّ الأول: ماتزيد لا زادك اللّه من الخير والله لا أعجب إلّا ممن بعثك إلينا والياً وعلينا أميراً وكان هذا القائل عتاب بن غيلان الثقفي.
و خطب الناس الوليد فحصبه الناس بحصباء المسجد فدخل قصره يترنّح ويتمثل بأبيات لتأبط شرَّاً:
ولست بعيداً عن مدام وقينة ***و لا بصفا صلد عن الخير معزل
ولكنّني أروي من الخمر هامتي*** وأمشي المَلا بالساحب المتسلسل
و أشاعوا بالكوفة فعله وظهر فسقه و مُداومته على شرب الخمر فهجم عليه جماعة من المسجد منهم أبوزينب بن عوف الأزدي وجُندب بن زهير الأزدي وغيرهما فوجدوه سكران مضطجعاً على سريره لا يعقل فأيقظوه من رقدته فلم يستيقظ ثمّ تقيّاً عليهم ماشرب من الخمر فانتزعوا خاتمه من يده وخرجوا من فورهم إلى المدينة فأتوا عثمان بن عفّان فشهدوا عنده على الوليد أنّه شرب الخمر.
فقال عثمان: ومايدريكما أنه شرب خمراً؟ فقالا: هي الخمر الخمر الّتی كنا نشربها في الجاهلیّة وأخرجا خاتمه فدفعاه إليه فزجرهما ودفع في صدورهما. وقال تنحيا عني فخرجا من عنده وأتيا علي بن أبي طالب علیه السلام عنه فأخبراه بالقصة فأتى عثمان وهو يقول: دفعت الشهود وأبطلت الحدود(1)ثمّ أمر الإمام علیه السلام عثمان باستدعاء الوليد و محاكمته وإقامة الحدّ عليه.
واضطر الخليفة أمام ضغط الرأي العامّ أن يذعن للأمر الواقع حين ثبت عليه الحد أقام الإمام عليه الحدّ. فغضب عثمان وقال للإمام علیه السلام : ليس لك أن تفعل هذابه فأجابه الإمام علیه السلام قائلاً: بل وشرّ من هذا إذا فسق ومنع حقّ اللّه أن يؤخذ منه (2).
و أرسل مكانه سعيد بن العاص، وكان الأحرى به أن يُعيّن شخصاً آخر مقبولاً عند المسلمين لا يمتُّ له بقرابة ليخفف من حجم المعارضة الساخنة.
فقد فجّر سعيد بن العاص بسياسته الهوجاء حالة التمرد. بمقولته المشهورة: إنّما هذا السواد بستانٌ لقريش - فهبّ بوجهه جمعٌ من الصحابة وكانت حركتهم بداية انتفاضة تواصلت حتّی مقتل الخليفة.
ومن الّذین تمّ تنصيبهم والياً عبدالله بن عامر وكان فتىً لا يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره تمّ تنصيبه مكان أبي موسى الأشعري، ليس لشيء إلا لقرابته فهو
ابن أخت الخليفة وقد سبق ما ذكرنا في أحواله أنه كان مولعاً بشراء الإماء.
ومن ولاته عبدالله بن أبي سرح الّذی نزلت في حقّه آية من آيات القرآن الكريم
وقد أهدر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم دمه يوم الفتح على رؤوس الأشهاد، والمسلمون كانوا يعرفون ذلك ولم ينسوا مواقفه من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و لکنّ بالرغم من ذلك كله فقد أرسله الخليفة والياً على مصر وإذا ما أضفنا إلى هؤلاء معاوية بن أبي سفيان واليه على الشام لاكتملت الصورة ولأدرك أبسط إنسان يعيش في ذلك اليوم، أن الكيان الإسلامي كان في خطر ماحق وأن الظُلم والتعسف هو الظاهرة العامّة للولاة.
كان عثمان وأعوانه يتصرّفون في سياسة الدولة من خلال تصوّرٍ تفرزه عقيدة ثابتة ترسَّخت لديهم وهي:
وهذه العبارة تعكس ما يصطلح عليه اليوم (بنظريّة الحقّ الإلهي). وعلى أساس هذا الاعتقاد كان الخليفة يتصرف وكأنّه موكّل من قبل اللّه في تصريفاُمور الناس وما على الناس سوى الطاعة ولاحقّ لهم في إرغامه على شيء.
وخطورة هذه النظرة تكمن في السياسة الماليّة الّتی اتّبعها الخليفة إذ أعطى لنفسه الحق في التصرف ببيت المال، كيف شاء فأخذ يوزّع العطاء حسب مايراه، وقد سار عماله في الأموال بسيرته فأخذوا يتصرّفون بالأموال كما كان يحلو لهم دون ضابط.
2 . المشهور أن بني أميّة لم يدخلوا الإسلام عن قناعة ولم يفهموا الإسلام كما هو
1) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 3، ص 66.
مُنَزِّل من قبل اللّه تبارك وتعالى. فكل ما يستطيع أن يدركه شيخ الأمويين أبوسفيان أنّ الدين الجديد الّذی جاء به محمّد بن عبد اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم من عند اللّه ليس أكثر من صراع للحصول على السلطة. وقد أفصح أبوسفيان عن عقيدته هذه يوم وقف هو والعبّاس ينظران إلى كتائب المهاجرين والأنصار، قبل فتح مکّة فقال للعبّاس: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً، فردّ عليه العباس قائلاً: ويحك إنّها النبوّة (1).
فأبو سفيان لم يفهم الإسلام على أنه دين جديد نازل من عند اللّه . بل كلّ ما فهمه أبوسفيان وغيره أنّ الدين الجديد ماهو إلا اسلوب ذكي من محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم للسيطرة على السلطة وظلّ على هذه العقيدة حتّی آخر أيّام عمره.
و عند ما بويع عثمان بالخلافة دخل دار عثمان و مَعَهُ بنو أميّة، فقال أبوسفيان أفيكم أحد من غيركم؟ (وقد كان أعمى) قالوا: لا، قال: يابني أمية، تلقّفوها تلقّف الكرة فو الّذی يحلفُ به أبوسفيان مامن جنّة ولا نار ولاحساب ولاعقاب...
ولقد كنت أرجوها لكم ولتصير إلى صبيانكم وراثة (2). ثمّ سار إلى قبر سيّد الشهداء حمزة بن عبد المطّلب فوقف على القبر و ركله برجله وقال: يا أبا عمارة إنّ الأمر الّذی اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد غلماننا يتلعبّون به(3). ونلاحظ في هذا النصّ أمرين هامّين:
الأوّل: استمرار حالة الشرك عند زعيم بني أميّة أبي سفيان فهو لازال يشك بالله الواحد القهار ويُقسم بالّذی اعتاد أن يُقسم عليه أهل الجاهلیّة .
الثاني: أنّ كلّ الّذی حدث وجرى في جزيرة العرب على يدي النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ماهو إلا التنافس على السلطة والآن قد جاء الوقت المناسب لكي يستلم بنو أمية السلطة من
بني هاشم ولا يدعوها تخرج من أيديهم.
وأخَذَ ولاة بني أُمية يتصرفون بعد استلام السلطة وكأنّ كلّ شيء هو ملك يمينهم وقد أفصح سعيد بن العاص عن هذه النظرة، عندما اعتبر العراق بستاناً لهم يتقاسمونه بينهم، وما توزيع القطائع في الأمصار على بني أميّة إلا تطبيق لتلك السياسة الّتی تعتبر البلاد و من عليها ملكاً للسلاطين.
أبلغ مقالة تكشف عن هذه النزعة هي مقالة زياد بن أبيه وهو أحد ولاة بني أميّة الّذی أصبح يعتبر نفسه سليل البيت الأموي بعد أن استلحقَهُ معاوية بأبيه. لقد خطب زياد قائلاً: أيها الناس إنا قد أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة نسوسُكم بسلطان اللّه الّذی أعطانا، ونذودُ عنكم بفيء اللّه الّذی خوّلنا (1).
فكل شيء لبني أميّة طالما كانت السلطة بأيديهم.
ولعلّ أخطر أثر تركته خلافة عثمان هو زرع هذه الرؤية الّتی مهّدت الطريق لحكم معاوية بن أبي سفيان ومن بعده لملوك بني أميّة الّذین حولّوا الخلافة إلى ملوكيّة (كسرويّة و قيصيريّة)(2).
الخلاصه
اتّسم عهد عثمان بشيوع الفساد الاداري والاقتصادي والسياسي وكان يتبعه التردّي الثقافي والديني؛ وذلك لاستهتار عمّاله بالمقدسات الإسلامیّة . كما بدأ الفساد الأخلاقي يدب بين الولاة المتميّعين والمسيطرين على مصادر الثروة في البلاد على أن الخليفة نفسه كان يرى أنّ الخلافة لباس قد ألبسه اللّه إياه وليس هو الّذی تقمصّ هذا القميص و هذه النظرة أدتّ إلى أن يشعر عمّا له بأنّ البلاد الإسلامیّة بستان لقريش (وهي الفئة الحاكمة باعتبار انتسابها إلى قريش).
وهنا وقف المسلمون على فداحة المصاب الّذی ألمّ بهم نتيجة إقصاء أهل بيت نبيّهم عن القيادة.
الأسئلة
1 . ما هي ملامح شخصية عثمان بن عفّان حين استولى على كرسي الحكم؟
2 . ما هي ملامح السياسة المالية لعثمان؟ وما الفرق بينها وبين سياسة الشيخين؟
3 . ما هي النتائج الّتی ترتّبت على سياسة عثمان المالية؟
4 . لماذا بدأ الفساد الأخلاقي بالشيوع في عهد عثمان؟
5 . ما هي السمات الّتی كان يتّصف بها ولاة عثمان؟
6 . ما هي نظرة عثمان إلى الخلافة؟
بدأت المعارضة منذ اليوم الأوّل من اعتلاء عثمان بن عفّان منصب الخلافة فقد كانت أوّل مواجهة للمسلمين مع الخليفة الجديد، هي تلك المواجهة الّتی حدثت نتيجة تساهل الخليفة مع جريمة القتل الّتی ارتكبها عبيد اللّه بن عمر بسفكه ثلاثة دماء لم يثبت جُرمها، فقد قتل الهرمزان وجفينة وبنت أبي لؤلؤة لمجرد شبهة اشتراك الهرمزان وجُفينة مع أبي لؤلؤة في قتل أبيه. وكان المفترض إقامة حدّ القصاص عليه دون غيره، بينما تجاوز عثمان على اُناس لم يثبت للحاكم تواطؤهم في جريمة قتل عمر، وعلى فرض ثبوت الإدانة بحقهم فالحد لا يُجرى إلا بأمر الحاكم وطالما لم يأمر الحاكم بذلك فليس من حق أحد إجراء القصاص.
كيف تصرّف الخليفة حيال هذه الجريمة؟
انقسم المسلمون إلى قسمين: الأكثريّة وفي مقدمتهم علي بن أبي طالب علیه السلام كان يطالب بإجراء حد القصاص على عُبيد اللّه .
وقسمٌ آخر وهم المقربون إلى الخليفة الثاني وممن مهدوا السبيل لخلافة عثمان كانوا يرون التغاضي عمّا ارتكبه عُبيدالله معتذرين عن ذلك بأنه كيف يُقتل عمر أمس ويُقتل ابنه اليوم؟
وكان أوّل ضعف كشفه الخليفة عن نفسه عندما مال إلى الطرف الثاني، ووجد في كلام الداهية عمرو بن العاص ما يُبرّر له ذلك فقد قال له: قد أعفاك اللّه من هذه القضيّة فقد حدث ماحدث وليس لك على المسلمين سلطان.
فقال عثمان أنا وليه وقد جعلتها دية واحتمالها في مالي(1).
وبذلك فَلَتَ عُبيدالله من القصاص العادل، وفَلَتَ أيضاً من الدية الواجب تقديمها
لأهل المقتول فلم يدفع منها قرشاً واحداً.
و قد شكّل هذا الموقف بداية ظهور لمعارضة علنيّة ضدّ الخليفة.
ولم يمضِ وقتٌ طويل على هذه الحادثة - وبعد عام تقريباً - حتّی عينَّ عثمان أخاه من أمِّه وهو الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط والياً على الكوفة بدلاً من سعد بن أبي وقاص.
وكان الوليد يتجاهر بشرب الخمر حتّی اضطر الخليفة لإجراء الحد عليه وعَزِله. ومن بعده اُنيطت الولاية إلى أحد أبناء العشيرة و هو سعيد بن العاص و حتّی سنّة 30 للهجرة استطاع بنو أمية أن يُطبّقوا سيطرتهم على الدولة الإسلامیّة .
ومع ازدياد استبداد الولاة كانت المعارضة للحكم العثماني تزداد اتساعاً وقوةً.
وأول عمل قامت به المعارضة هو إزاحة سعيد بن العاص عن ولاية الكوفة وذلك في سنة 34 للهجرة.
وذكر المسعودي في أحداث هذه السنة أنّ طلحة والزُبير كانا جالسين أثناء خروج عمرو بن العاص وقد سَمِع ماقيل في اجتماع الخليفة مع ولاته فقالا له: تعال إلينا فصار إليهما، فقالا: ما وراءك ؟ قال: الشر. ماترك شيئاً من المنكر إلا أتى به وأمَرَهُ.
وجاء الأشتر، فقالا له: إنّ عاملكم الّذی قمتم فيه خطباءَ قد رُدَّ عليكم وأمرَ
بتجهيزكم في البعوث وبكذا وبكذا.
1) ابن الاثير، الكامل في التأريخ، ج 3، ص 75.
فقال الأشتر: والله لقد كنا نشكو سوء سيرته وماقمنا فيه خطباء، فكيف وقد قمنا وأيم اللّه على ذلك لولا أني أنفذت النفقة و أنضيت الظهر لسبقته إلى الكوفة حتّى أمنَعه دخولها؟
فقالا له: فعندنا حاجتك الّتی تقوم بك في سفرك. قال: فأسلفاني إذن مائة ألف درهم قال فأسلفه كل واحد منهما خمسين ألف درهم فقَسَّمها بين أصحابه وخرج إلى الكوفة فسبق سعيداً وصعد المنبر وسيفه في عنقه ما وضعه بعد، ثمّ قال:
أمّا بعد فإنّ عاملكم الّذی أنكرتُم تعدّيه وسوء سيرته رُدَّ عليكُم وأمَرَ بتجهيزكم في البعوث، فبايعوني على أن لايدخلها. فبايعه عشرة آلاف من أهل الكوفة، وخرج راكباً متخفّياً يُريد المدينة أو مكّة، فلقي سعيداً ب-(واقصة) فأخبره بالخبر فانصرف إلى المدينة.
وكَتَبَ الأشتر إلى عثمان إنا والله ما منعنا عاملك الدخول لنُفِسدَ عليك عملك و لکنّ لسوء سيرته فينا وشدّة عذابه، فابعث إلى عملك من أحببت.
فكتب إليهم: انظروا من كان عاملكم أیّام عمر بن الخطاب فولُّوه فنظروا فإذا هو أبو موسى الأشعري فولوّه.
وهذه الحركة كانت بداية الثورة على الحكم العثماني القائم. واتسّمت بمايلي:
1 . شموليّة المعارضة، فهي لم تكن مقتصرة على جماعة الإمام علي وخطِّه بل كانت تشمل آخرين كطلحة والزُبير وعمرو بن العاص بغضّ النظر عن نواياهم المبيتّةَ.
2 . كانت المعارضة في بداية أمرها ملتزمة فهي لا تتجاوز حدود معارضة الولاة الظالمين والمطالبة بتطبيق العدالة و لم تَمسّ شخصيّة الخليفة.
3 . حالة الفقر كانت قائمة على رغم ذلك الغنى الّذی كان قد استشرى في الحجاز، فالأشتر و هو أحد كبار القادة لا يملك المال لكي يعود إلى العراق فيضطر للاستقراض من طلحة والزُبير.
4 . سُرعة التحاق الناس بالمعارضة بسبب الجور الّذی لحِق بهم والظُلم الّذی نالهم من ولاة عثمان.
ومع دخول سنة 35 للهجرة دخلت المعارضة مرحلة أكثر صرامة في المواجهة بسبب إهمال مطاليبهم و الّتی كان على رأسها اعتزال الخليفة للعصابة الأمويّة الّتی كانت تحيط به وعَزل الولاة الأُمويين الّذین كانوا يحكمون بأهوائهم لا بأحكام اللّه . ومع تجاهل الخليفة لتلك المطالب توجهت المعارضة باتّجاه تعديل مواقف الخليفة، إلّا إنها لم تفلح في تغيير الوضع الفاسد.
المحاولة الأولى: كان عبد اللّه بن مسعود - و هو المعروف بأمانته وإخلاصه - خازناً لبيت المال في الكوفة وحدث أن اقترض الوليد بن عقبة مقداراً من المال من بيت المال فطالبه ابن مسعود عند الأَجَل فتجاهل ذلك.
وبعد إلحاحهِ أرسل الوليد برسالة إلى عثمان يطلب منه تعنيفه، فكتب إليه عثمان:
إنّما أنت خازن لنا فلا تعرض للوليد فيما أخذ من بيت المال.
فاغتاظ ابن مسعود و ترك وظيفته، وأقام في داره مكتفياً بالوعظ والإرشاد وتحوّل داره إلى معقل للمعارضة ولكلّ غاضب على السلطة.
واشتد ابن مسعود في تحركه ضدّ عثمان فأرسل عليه، وعندما دخل عليه المسجد قابله بكلمات لاتليق بالخليفة وأُخرج ابن مسعود من المسجد بالقوة وضُرِب بالأرض فكسِرَت إحدى أضلعه وقَطَعَ عنه الخليفة العطاء وحظر عليه الخروج من المدينة ليصبح تحت رقابتهم وساءت أحواله الصحيّة، فمرض فعاده الخليفة بغية كسب رضاه فلم يبالِ بوجوده، فأراد عثمان أن يعيد إليه العطاء.
فقال له ابن مسعود: حبستم عنّي حين احتجت إليه وتردّه اليّ حين لاحاجة لي به فقال عثمان يكون لأهلك، قال ابن مسعود: رِزقهُم على اللّه .
ثمّ توفّي ابن مسعود و صلّى على جنازته عمّار بن ياسر، ولم يخبروا عثمان بوفاته،
فغضب عثمان وهو يقول: سبقتموني به!
قال عمار: فإنه أوصى ألّا تصلي عليه.
فأسرّها عثمان في نفسه وكانت من أسباب غضبه على عمار(1).
المحاولة الثانية: ظلّ أبوذر حتّی أخر لحظة من عمره كما هو في أوّل إسلامه، يوم نظر إليه النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم فقال : ما أقلّت الغبراء ولا أظلَّت الخضراء رجلاً أصدق لهجة من أبي ذر .
وكان أبوذر يأتي إلى المدينة من الشام فيجاور قبر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم أیّام مكنه في المدينة. وفي إحدى المرّات اكتشف أمراً هاماً لم يخطُر على باله، فقد أعطى عثمان لمروان بن الحكم مالا كثيراً وأعطى الحارث بن الحكم ثلاثمائة ألف درهم وأعطى زيد بن ثابت مائة ألف درهم فتأثر أبو ذر فوقف بوجه مروان يقرأ عليه الآية:
(و الّذین يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل اللّه فبشِّرهم بعذابٍ أليم).
فشكاه مروان على هذا التصرف فأرسل الخليفة إليه مولى له ينهاه، فقال أبوذر:
أينهاني عثمان عن قراءة كتاب اللّه ؟!
وكانت هذه بداية معارضته لسياسة عثمان في العطاء حيث كان يعطي البعض ويقطع عن البعض الآخر و الّذین يعطون أيضاً كانوا يتفاضلون في العطاء.
وأراد عثمان أن يتخلّص منه فأرسله إلى الشام.
وفي الشام لم يهدأ أبوذر لحظة واحدة فقد وجد معاوية يُسرف في صرف أموال المسلمين، فيبني بها القصور، ويتصرف في بيت المال وكأنه من ماله الخاص.
فكان صوت أبي ذر في وجه معاوية كأنّه السيف البتّار، فخاف معاوية على نفسه وعلى أهل الشام فأرسله إلى المدينة، وفي المدينة أخذ يواصل رسالته في مقاومة
1) تأريخ اليعقوبي، ج 2، ص 153؛ الطبقات، ج 5، ص 388.
الاستئثار والإسراف في مال المسلمين.
وكان يقول: بَشِّرِ الأغنياء بمكاوٍ من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. فاجتمع حوله كلّ مؤمن وكلّ فقير وأصبح يُشكّل خطراً يهدِّد السلطة.
ورُوي أن أباذر دَخَلَ على عثمان وكان عليلاً متوكّئاً على عصاه وبين يدي عثمان مائة ألف درهم قد حملت إليه من بعض النواحي وأصحابه حوله ينظرون إليه ويطمعون أن يُقسمها فيهم فقال أبوذر: لعثمان، ماهذا المال؟
فقال عثمان: مائة ألف درهم حملت إليّ من بعض النواحي أُريد أن أضمّ إليها مثلها ثمّ أرى فيها رأيي.
فقال أبو ذررضی اللّه عنه العثمان: يا عثمان أيّما أكثر مائة ألف درهم أم أربعة دنانير فقال: بل مائة ألف درهم فقال أما تذكر إنّي أنا و أنت دخلنا على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم عشاء فرأيناه كثيباً حزيناً فسلّمنا عليه فلم يردّ علينا السلام، فلما أصبحنا أتيناه فرأيناه ضاحكاً مستبشراً، فقلنا له: بآبائنا وأمهاتنا نفديك، دخلنا عليك البارحة فرأيناك كئيباً حزيناً، وعُدنا إليك اليوم فرأيناك ضاحكاً مستبشراً؟! فقال: نعم كان بقي عندي من فيء المسلمين أربعة دنانير لم أكن قسمتها وخفت أن يدركني الموت، وهي عندي وقد قسمتها اليوم فاسترحتُ.
فنظر عثمان إلى كعب الأحبار، فقال: يا أبا بحر ماتقول في رجل أدّى زكاة ماله المفروضة هل يجب عليه فيما بعد ذلك شيء؟
فقال: لا، لو اتّخذ لبنة من ذهب ولبنة من فضة ما وجب عليه شيء، فرفع أبوذر عصاه فضرب بها رأس كعب ثمّ قال له: يابن اليهوديّة الكافرة ما أنت والنظر في أحكام المسلمين؟! قول اللّه أصدق من قولك حيث قال الّذین يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل اللّه ...
فقال عثمان يا أبا ذر إنك شيخ خرِفتَ و ذهب عقلك ولولا صحبتك للرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم لقتلتك.
فقال: يا عثمان أخَبَرني حبيبي رسول اللّه فقال لا يفتنونك ولا يقتلونك، وأما عقلي فقد بقي منه ما أحفظ حديثاً ما أحفظ حديثاً سمعته سمعته من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فيك وفي قومك.
فقال وماسمعت من رسول اللّه ؟ قال سمعته يقول: إذا بلغ آل أبي العاص ثلاثين رجلاً صيّروا مال اللّه دولاً وكتاب اللّه دخلاً وعباده خولاً والفاسقين حزباً والصالحين حرباً.
فقال عثمان: يا معشر أصحاب رسول اللّه هل سمع أحد منكم هذا من رسول اللّه ؟! فقالوا: لا، فقال عثمان: أدعوا عليّاً.
فجاء أمير المؤمنين علیه السلام فقال عثمان يا أبا الحسن، انظر ما يقول هذا الشيخ الكذاب!
فقال أمير المؤمنين علیه السلام : لا تقل كذّاب فإنّي سمعت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يقول: ما أظلّت الخضراء وما أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر.
فقال أصحاب رسول اللّه ، صَدَقَ أبوذر فقد سمعنا هذا من رسول صلی اللّه علیه و آله وسلم فبكى أبو ذر عند ذلك.
فقال عثمان: يا أبا ذر أسألك بحق رسول اللّه الا ما أخبرتني عن شيء أسألك عنه.
فقال أبوذر: والله لو لم تسألني بحق رسول اللّه لأخبرتك.
فقال: أيّ البلاد أحبُّ اليك أن تكون فيها؟ فقال: مکّة حرم اللّه وحرم رسوله أعبدُ اللّه حتّی يأتيني الموت، فقال: لا، ولا كرامة لك.
فقال: المدينة، فقال: لا ولا كرامة لك، قال: فسكت أبوذر.
فقال عثمان: أيّ البلاد أبغض إليك تكون فيها ؟ فقال : الربذة الّتی كنتُ فيها على غير دين الإسلام.
فقال عثمان سِر إليها فقال أبوذر: صدق اللّه ورسوله صلی اللّه علیه و آله وسلم (1).
1) علي خان الشيرازي طبقات الشيعة، ص 246 - 248.
ثمّ إنّ عثمان منع من توديعه ولكنّ الإمام عليّاً علیه السلام خفّ لتوديعه ومعه الحسنان وعقيل وعبدالله ابن جعفر، فاعترضهم مروان بن الحكم ليردّهم، فثار الإمام عليّ عليه السلام فحمل على مروان، و ضرب أذني دابته وصاح به تنحَّ نحّاك اللّه إلى النار(1).
و وقف الإمام عليّ علیه السلام مودّعاً أبا ذر فقال له: «يا أبا ذر، إنك غضبت اللّه فَارْجُ من غضبتَ له، إنّ القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ماخافوك عليه، واهرب بما خفتهم عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عمّا منعوك، وستعلم مَن الرابح غداً والأكثر حسداً؟»(2).
وهكذا انطوت صفحات حياة هذا الصحابي الجليل في قعر الصحراء، لكنّها لم تنطو من حياة الأمّة الّتی ظلت على الخط الّذی رَسَمَه ابوذر، فقد تدافع من بعده الدعاة والثوار ليؤدّوا مسؤولياتهم الدينيّة من بعده.
المحاولة الثالثة: كان عمّار بن ياسر من أوائل مَن آمن برسول صلی اللّه علیه و آله وسلم و حتّی قبل عثمان بن عفّان، وكان الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ينظُر إليه نظرة تقدير وإعجاب لإيمانه وإخلاصه وصدقه وشجاعته ووفائه وصبر أمّه وأبيه في سبيل اللّه وفي أحلك الظروف الّتی مرت بها الرسالة الإسلامیّة ، إنه ابن العائلة الّتی قال لها الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم : صبراً يا آل ياسر إنّ موعدكم الجنة.
وكذلك كان جميع الصحابة... يتعاملون مع عمّار وينظرون إليه نظرة إكبار تأسيّاً بالنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وبتأريخه الجهادي الناصع.
كان لعمّار دورٌ مؤثّر في معركة اليمامة أيّام أبي بكر واستعمله عمر والياً له على الكوفة، أمّا عثمان بن عفّان فقد كان له رأي آخر في عمار، معاكسٍ لكلّ ما تلقاه عمّار
من احترام و تقدير من الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم والصحابة.
وتعود العلاقة المتوتّرة بين عمّار وعثمان إلى مواقف سابقة قبل خلافته.
فقد ذكر المؤرخون... أنه كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و علي وعمار يعملون مسجداً فمرّ عثمان في بزّة له يخطر فأخذ عمّار ينشد:
لايستوي من يعمر المساجدا ***يظل فيه راكعاً وساجدا
ومن تراه عائداً معانداً ***عن الغبار لايزال حائدا (1)
فغضب عثمان وأبقى في نفسه ذلك.
وكان عمّار قد سمع ماقال أبوسفيان لبني أميّة (2)فسارع، وعلى عجل دخل المسجد و أفشى ذلك السِر ولامَ المسلمين على اختيارهم السيّىء وانصرافهم عن علي بن أبي طالب .
و هناك نقطة ثالثة زادت في الهوّة بين عمّار والخليفة وهي موقف عمّار من القضيّة الّتی وقعت بين الخليفة وعبدالله بن مسعود حيث وقف عمار إلى جانب ابن مسعود وصلى على جنازته بعد موته وكان المعهود أن يصلّي الخليفة على جنائز الأصحاب. ورُوي أنّ المقداد وعمّاراً وطلحة والزبير وعدّة من أصحاب رسول اللّه اجتمعوا وهم خمسون رجلاً من المهاجرين والأنصار فكتبوا كتاباً عدّدوا أحداث عثمان ومانقموا عليه وخوّفوهُ به وأعلموه أنهم مواثبوه إنّ لم يقلع، وقالوا لعمّار: أوصل هذا الكتاب لعثمان.
فلما قرأ عثمان الكتاب طَرَحَهُ ثمّ قال: أعليَّ تقدم من بينهم؟ فقال: لأني أنصحهم لك قال: كذبت يا ابن سميّة، فقال عمار: أنا ابن ياسر، فأمر عثمان غلمانه فمدّوا يديه ورجليه و ضربوه حتّی أُغمي عليه وكان ضعيفاً كبيراً.
وقام إليه عثمان بنفسه ووطأ بطنه ومذاكيره برجليه وهي في الخفين حتّی أصابه الفتق فأغمي عليه أربع صلوات فقضاها بعد الإفاقة.
ثمّ إنه اُلزم بيته إلى أن كان ماكان من قتل عثمان (1).
و قيل أُخرج محمولاً حتّی أتي به منزل اُمّ سلمة زوج النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم. ويُقال: إنّ اُمّ سلمة أو عائشة أخرجت شيئاً من شعر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم و ثوباً من ثيابه ونعلاً من نعاله و قالت: هذا شعر النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم و ثوبه ونعله لم يبلَ وأنتم تعطلون سنته، وضج الناس و خرج عثمان عن طوره حتّی لا يدري ما يقول (2).
أمّا معارضة علي وأصحابه لعثمان فكانت تتحكّم بها المصلحة الإسلامیّة العليا فهي لم تتجاوز الحدود الإسلامیّة ولم تخضع لرغبات ذاتية أو لمصالح مؤقته.
وعند استعراض مواقف الإمام علي وصحبه نستطيع أن نرسم خطوطاً عامّة لحركة المعارضة ضدّ عثمان بمايلي:
1 . المطالبة بالإصلاح الاجتماعي... فقد تفشت المفاسد الاجتماعیّة نتيجة انتشار الخمرة والغناء وكان من واجب الإمام علیه السلام و صحبه العمل على مواجهة هذه المفاسد، فنشر أفراد حركته في الأقاليم الإسلامیّة المختلفة، أباذر في الشام، و محمّد بن أبي حذيفة و محمّد بن أبي بكر في مصر وعبدالله بن مسعود ومالك الأشتر وصعصعة بن صوحان في العراق وكان على رأس المهام الّتی كان يقوم بها هؤلاء الدعاة إيقاظ المشاعر الدينية في الناس ومواجهة الفساد وعوامل الميوعة بالموعظة الحسنة وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2 . مراقبة تصرّفات الولاة ومحاسبتهم على سلوكياتهم المناقضة للشريعة والأخلاق الإسلامیّة . فقد قام محمّد بن أبي حذيفة بدورٍ هام في محاسبة والي مصر
عبدالله بن أبي سرح حتّی تزعزع وجوده في مصر ففضّل تركها على البقاء فيها.
وفي الكوفة كان لمالك الأشتر وبقية رفاقه الدور المهم في إزاحة الوليد بن عقبة ومن ثمّ الثورة على سعيد بن العاص نتيجة لتصرّفاتهم المشينة والمخالِفة لروح الإسلام.
وكذلك كان لأبي ذر_ كما هو معروف - الدور الهام في إيقاظ أهل الشام ومحاسبة معاوية بن أبي سفيان على سياسته في الرعيّة.
3 . الدعوة إلى تطبيق قاعدة الزكاة والإنفاق. فقد ظهرت في عهد الخليفة عثمان طبقة من الأثرياء موغلة في الثراء، بينما كانت الأكثريّة من عامة المسلمين يعيشون الفقر المدقع، فكان لابدّ من إزالة هذه الفجوة باستخراج أموال الفقراء من أموال الأغنياء وذلك بالتأكيد على الإنفاق وحُرمة الاكتناز.
4 . تقديم النُصح للخليفة: فقد التزم علي وصحبه سياسة ثابتة وهي مساعدة الخليفة على اجتيازه للأزمة الّتی كان يمرُّ بها مع الثوار و أقرب الناس إلى عثمان وهي زوجته نائلة قد أقرّت بسلامة مواقف الإمام علي علیه السلام و صحبه و أنهم يُريدون له الخير، فكلما اشتدت الأزمة عليه كانت تطلب منه أن يرسل إلى علي ليستعين به على الأعداء(1).
و على العكس كان مروان وصحبه يصوّرون للخليفة أن ما يحدث كلهُ بسبب مواقف علي بن أبي طالب(2).
ولم يكن في بيت الخليفة من يؤثر مصلحته ويأخذ الأمور بجدّيّة وحكمة إلا امرأة واحدة وهي نائلة فقد ظلّت وحدها في البيت عندما هرب بنواميّة وكان عددهم ثمانية عشر نفراً، وقفت نائلة تؤازر زوجها وتُدافع عنه عند الهجوم على الدار بينما فرّ
مروان بن الحكم وكلُّ الّذین كانوا يوحون للخليفة بتلك السياسة الّتی أودت بحياته. لقد كان الإمام علي علیه السلام ينطلق في معارضته للسلطة من موقف إسلامي أصيل فكان يُشكّل خطّاً في المعارضة الإيجابية الّتی تُساهم في الأعمال الخيرة الّتی كان يقوم بها الخليفة بينما كان موقفها من الأعمال المنافية هو تقديم النصح والتخفيف من موجة الاضطرابات وكان رائد هذه الحركة في جميع المواقف هو الحرص على المصلحة الإسلامیّة فقط(1).
1) راجع محسن الموسوي دولة الإمام علي علیه السلام . ص 154 - 164 .
الخلاصة
توالت الضربات من الخليفة عثمان وبطانته وعمّاله على الأمّة الإسلامیّة و تصدّى فيها لصحابة أجلاء مثل ابن مسعود وأبي ذر وعمّار بن ياسر وكانت معاملته مع أبي ذر ونفيه إلى الربذة عاملاً مهمّاً في اكتشاف الوجهة المنحرفة لحكومته.
وانتهت هذه الفضائح بأن قام جمع من الصحابة بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معه، وحيث لم تتغيّر مواقف عثمان وبطانة السوء من حوله أخذ أهل الأمصار يشِددّون المطالبة بالنزول عند مطالبهم الّتی كانت تتلخّص في المطالبة بالإصلاح الإداري والاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
الأسئلة
1 . كيف ومتى بدأت المعارضة لحكومة عثمان؟
2 . من هم المعترضون على حكم عثمان؟
3 . من هم الّذین اكتووا بنار عثمان وعمّاله؟
4 . ما هو موقع الإمام علي علیه السلام من المعارضة لحكم عثمان؟
5 . ما هي الاصلاحات الّتی كان الثوار يطالبون بها عثمان؟
لم تتحرّج عائشة بنت أبي بكر من الدخول في الصراعات السیاسیّة والدعوة إلى إحداث التغيير في شكل السلطة القائمة، إذ كانت تحاول أن يصل طلحة إلى رئاسة السلطة، وشجّعها على ذلك ضعف و فساد سلطة عثمان فشنّت عليه حرباً إعلاميّة محرّضة الناس على خلعه بل قتله أيضاً.
فقد كانت ترى أنه بدّل سنّة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ومن ثُمَّ كفر واستحق القتل لانقاذ الأمّة منه، فكتبت إلى البلاد تحرّض المسلمين على الخروج عليه (1)... وأخرجت قميص رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وعثمان يخطب ونادت يا معشر المسلمين، هذا جلباب رسول اللّه لم يبل وقد أبلى عثمان سنته، فقال عثمان: ربّ اصرف عنّي كيدهنّ إنّ كيدهن عظيم (2).
ولمّا رأت منه استئثاره ببيت المال هو وبنو أميّة هدّدته بالقتل(3)وكانت تقول في مواطن عديدة: اقتلوا نعثلاً فقد كفر(4).
ولمّا التقى عبدالله بن عباس بعائشة في طريق مکّة قالت: يا ابن عباس، إيّاك أن تردّ عن هذا الطاغية و أن تشكّك فيه الناس، فقد بانت لهم بصائرهم، وأنهجت ورفعت لهم المنار، وتحلّبوا من البلدان الأمر قد جمّ، وقد رأيت طلحة بن عبيدالله قد اتّخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح فإنّ يلِ يَسر بسيرة ابن عمّه أبي بكر(1).
و أمّا موقف معاوية من عثمان فإنه قد خطّط بذكاء لمقتل عثمان بعد خذلانه فإنّه كان يعلم بتفاصيل ماكان يجري لعثمان في المدينة وعندما استنجد به عثمان أرسل جيشاً بقيادة يزيد القسري وأوصاه بأن يقيم خارج المدينة ولا يتجاوزها ولا يقول إنّ الشاهد يرى مالايراه الغائب؛ لأنّ معاوية هو الشاهد ويزيد القسري هو الغائب.
وقد فهم غير واحد من معاصريه أنه قد خطط لخذلانه ثمّ المطالبة بدمه (2).
تأزّم الوضع العامّ في البلاد الإسلامیّة ، وتحرّكت قطاعات كبيرة من داخل المدينة وبقية الأمصار معترضة على سيرة عثمان وعماله طالبةً منه العدل والسويّة والعمل وفق التعاليم الإسلامیّة (3)، و لکنّ لم تنل إلّا الخيبة والفشل في مساعيها.
وتدخّل الإمام علي علیه السلام في مسعى لأن يصل إلى حلّ يغني الأمّة عن فتنة لا تحمد عواقبها، و لکنّ بطانة السوء وضعف الخليفة جعلت مساعي الإمام علیه السلام تثمر نجاحاً.
و قدمت وفود عديدة نحو المدينة لتضغط على الخليفة بالقوّة كي يصلح الفساد الإداري أو يعتزل أو القتل.
وأيقن عثمان أنّ الوضع خطير جدّاً ولا يوجد محاور يمكن له أن يتدخّل في
الوساطة بينه وبين الثوّار سوى الإمام علي علیه السلام ، فأسرع يستغيث به، وتمكّن الإمام علیه السلام باُسلوبه الحكيم ومكانته في قلوب الجماهير أن يقنع الثائرين على عثمان بالهدوء والتفاهم مع الخليفة، عسى أن يصلوا معه إلى حلّ يرضي الأطراف، فأدخل الإمام علیه السلام عدداً من وجوه الثائرين على عثمان فعاتبوه ولاموه على سوء أعماله ومافرّط به من مصلحة الأمّة ، وطالبوه أن يغير سياسته وسلوكه... فاستجاب لهم وكتب كتاباً يتعهّد بتنفيذ الإصلاح والسير فيهم بكتاب اللّه وسيرة النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم وكان الإمام علي علیه السلام هو الضامن للمؤمنين على عثمان بالوفاء، وشهد على ذلك عدد من الصحابة(1)، وقفل الثائرون عائدين إلى بلادهم اطمئناناً منهم بمستقبل أفضل.
و لکنّ ضعف عثمان أمام خبث ومكر مروان جعله ينكث، فخرج عثمان وصعد المنبر وخطب فقال: أمّا بعد، إنّ هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر، فلما تيقّنوا أنه باطل ما بلغهم رجعوا إلى بلادهم.... فصاح به عدد من المسلمين من أطراف المسجد وطالبوه بالتقوى والعمل الصالح(2). ويبدو أنّ عثمان كتب لأهل مصر بتولية محمّد بن أبي بكر عليهم بدلاً من عبدالله بن سعد بن أبي سرح، وأعطاهم الكتاب وسير محمّداً معهم، فما أن ذهبوا حتّی كتب كتاباً آخر إلى ابن أبي سرح يأمره بقتل محمّد و من معه، ويثبت على ولايته، وأرسله مع رسول خاص، وكان سوء حظ الخليفة أن وقع الكتاب بيد محمّد والوفد الذاهب معه.
وخطب عثمان بنصيحة من الإمام عليّ علیه السلام ليهّديء الوضع العام، فأعلن فيها توبته خطئه وعزمه على الإصلاح المالي والإداري ورعاية شؤون الأمّة ، وبكى على عن المنبر ندماً من أفعاله السابقة... و لکنّ يد السوء تتلاعب بأهواء الساسة والحاكمين فعاد
مروان يحرّض عثمان على مواجهة الجماهير والتصلّب في المواقف، ولم تنفع اعتراضات نائلة - زوجة عثمان - عليه.
فقال له عثمان - وقد اجتمع الناس على باب عثمان : فاخرج إليهم فكلّمهم فإنّي أستحي أن أكلّمهم، فخرج مروان إلى الناس فقال: ما شأنكم قد اجتمعتم كانكم قد جئتم للنهب ؟ شاهت الوجوه، كلّ إنسان آخذ باذُنُ صاحبه إلا من أريد، جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا؟ أخرجوا عنّا، أما والله لئن رمتمونا ليمرّن عليكم منا أمر لا يسركم ولا تحمدوا غِبَّ رأيكم.
فرجع الناس و أتوا الإمام عليّاً فأخبروه الخبر، فجاء مغضباً حتّی دخل على عثمان فقال: أما رضيت من مروان ولارضي منك إلّا بتحريفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يُسار به والله مامروان بذي رأي في دينه ولافي نفسه، وأيم اللّه إنّي لأراه سيوردك ثمّ لايصدرك، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبتَ شرفك وغلبت على أمرك.
لقد أساء عثمان إلى الأمّة كثيراً فلم يُبق له صديقاً حميماً إلا النفعيين من بني أميّة الّذین غشّوا صحبته وخذلوا ،نصرته، فتكاثرت الفئات المسلّحة تحوم من أطراف البلاد الإسلامیّة حول المدينة تريد رفع الظلم، وما بقيت للحكومة المركزيّة سلطة ولا للخلافة هيبة.
ولم يجد الإمام علیه السلام في كلّ مابذل من أجل تهدئة الأمور إلا تعنّتاً من طرفي النزاع، فآثر أن يعتزل الفتنة فقد روي أنّه خرج إلى ينبع في مال له هناك، ويبدو أنّ الإمام علیه السلام كان يستجيب لطلب عثمان فيما يخصّ تهدئة الوضع المتوتر، و لکنّ تصرفات عثمان جعلت الإمام يردّ على ابن عباس حين جاءه بطلب من عثمان - وهو محصور - أن يخرج من المدينة لأنّ الناس ترى فيه الخليفة الأصلح، فقال علیه السلام : «يا ابن عباس، مايريد عثمان إلا أن يجعلني جَملاً ناضحاً بالغَرب أقبِلْ وأدبِرْ، بعث إلي أن أخرج ثمّ بعث إليَّ أن أَقدم، ثمّ هو الآن يبعث إلىَّ أن أخرُجَ، واللهِ لقد دفعتُ عنه حتّی
خَشِيتُ أن أكونَ آثماً»(1).
إنّ استعمال العنف والقسوة في التعامل مع المعترضين وإهانتهم ولّد ردّة فعلٍ معاكسة للثورة على النظام القائم عسكريّاً، وكان مقتل عثمان نقطة تحوّل في الصراعات الدائرة بين وجهات نظر المسلمين، فعمل السيف عمله في أفراد الأمّة وأجّجه وزاد فيه تعنّت بني أُميّة ومن والاهم على تحدّي الحقّ ورغبة الأمّة في الإصلاح.
وهذا مافسح المجال أمام النفعييّن في الوصول إلى الحكم بقوّة السيف بعد أن افترقت الأمّة الإسلامیّة في توجّهاتها السياسيّة كلّ فرقة تريد الحكم لنفسها.
لقد خلّف مقتل عثمان فتنةً يتأجّج أوارها كلّ حين، وشعاراً يرفعه النفعيّون والخارجون على الطاعة والبيعة لإثارة المشاكل والحروب تجاه حكومة شرعيّة جماهيريّة بزعامة الإمام علي ، وتكامل دور الفتنة والشقاق على يد معاوية فيما بعد، فحارب الإمام علیه السلام و سالت دماء المسلمين كثيراً، ثمّ حرّفوا التوجّه الديني الصحيح إلى ثقافة مشبوهة يحركون بها المجتمع لغرض إدامة سلطانهم الّذی تحوّل إلى ملك متوارث، يساعدهم على ذلك سعة الدولة الإسلامیّة الجديدة ووجود فئات واسعة من المجتمع الإسلامي لم تفهم العقيدة الإلهيّة بوعي وبصيرة.
سادت الفوضى أرجاء المدينة بعد مقتل عثمان، فاتّجهت الأنظار والآراء إلى الإمام علي علیه السلام لينقذ الأمّة من محنتها وتخبّطها، ولم يتجرّأ أحد أن يدّعي أحقيّته بالخلافة الّتی يكتنف طريقها المشاكل المستعصية، كما أنّ الظرف السياسي لم يمهل عثمان أن يتّخذ قراراً بشأن الخلافة كما اتّخذ صاحباه من قبل، ولم يكن المتبقّي من أصحاب
1) نهج البلاغة، صبحي الصالح الكلمة 240.
الشورى يملك مؤهّلات الخلافة أصلاً، فكيف وقد تعقّدت الأمور وتدهور وضع الدولة وكيانها، و لابدّ أن يتزعّم الأمّة قائدٌ يملك القدرة للنهوض بالأمّة بعد انحطاطها وقيادتها لاجتياز الأزمة وصيانتها عن الضياع، ولم يكن من شخص إلّا الإمام عليّ عليه السلام راعيها وسيّدها.
تحرّكت جماهير المسلمين بإصرار نحو الإمام عليّ عليه السلام لتضغط عليه كي يقبل قيادتها، ولكنّ الإمام عليه السلام استقبل الجماهير المندفعة بوجوم وتردّد، فقد حُرِم منها و هو صاحبها وجاءته بعد أن امتلأت الساحة انحرافاً و الأمّة ازدادت تردّياً ومعاناة لمشاكل تستعصي دون النجاح في المسيرة فقال لهم: لا حاجة لي في أمركم فمن اخترتم رضيت به ... وقال لا إني لكم وزير خير من أن أكون أميراً(1).
وأوضح لهم الإمام علیه السلام عما سيجري فقال: « أیّها الناس أنتم مستقبلون أمراً له وجوه، وله ألوان لاتقوم به القلوب ولا تثبت له العقول ...» وأمام إصرار الجماهير على توليته الأمر قال لهم: إنّي إنّ أجبتكم ركبت بكم ما أعلم و إنّ تركتموني فإنّما أنا كأحدكم، ألا وإنّي من أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه».
وتكاثرت جموع الناس نحو الإمام علیه السلام وقد وصف علیه السلام توجّههم نحوه مطالبين قبوله بالخلافة بقوله: فما راعني إلا والناس كعرف الضبع ينثالون عليَّ من كل جانب حتّی لقد وطيء الحسنان و شقّ عطفاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم».
لقد كانت خطورة الموقف من نفوذ بني أميّة في مراكز الدولة وطمعهم الشديد للسلطان في حالةٍ من غياب الوعي الرسالي في المجتمع.
وما أن أقبل الصباح حتّی حفّت الجماهير بالإمام علیه السلام تسير نحو المسجد، فاعتلى المنبر وخاطب الجماهير: «يا أيها الناس إنّ هذا أمركم ليس لأحدٍ فيه حق إلا من أمَّرْتُم، وقد افترقنا بالأمس وكنت كارهاً لأمركم، فأبيتم إلا أن أكون عليكم، ألا وأنّه
1) تأريخ الطبري، ج 5، ص 448.
ليس لي أن آخذ درهماً ،دونكم، فإنّ شئتم قعدت لكم، وإلا فلا آخذ على أحد...».
فهتفت الجماهير بصوت واحد: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس... وقالوا: نبايعك على كتاب اللّه ، فقال علیه السلام : اللّهمّ اشهد عليهم (1).
وتدافع الناس كالموج المتلاطم إلى البيعة، فكان أوّل من بايع طلحة بيده الشلّاء و الّذی سرعان مانكث بها عهد اللّه وميثاقه، وجاء بعده الزبير فبايع، ثمّ بايعه أهالي الأمصار وعامة الناس من أهل بدر والمهاجرون والأنصار عامّة.
كانت بيعة الإمام عليّ عليه السلام أوّل حركة انتخاب جماهيريّة، ولم يحضَ أحد من الخلفاء بمثل هذه البيعة، وبلغ سرور الناس ببيعتهم أقصاه، فقد أطلّت عليهم حكومة الحق والعدل، وتقلّد الخلافة صاحبها الشرعي ناصر المستضعفين والمظلومين، وفرحت الأمّة بقبول الإمام للخلافة كما وصف الإمام علیه السلام ذلك بقوله: «وبلغ سرور الناس بيعتهم إيّاي أن ابتهج بها الصغير، وهَدَجَ إليها الكبير، وتحامل نحوها العَليل، وحَسَرَت إليها الكِعاب»(2).
الخلاصة
لعبت عائشة دوراً مهماً في التحريض على قتل عثمان.
وقام معاوية بدور التخذيل عنه للإسراع في قتله وانتهاز الفرصة للتسلّق إلى قمّة السلطة في الدولة الإسلامیّة الّتی حاربها بکلّ جهده هو وأبوه من قبل.
واتّخذ معاوية شعار الدفاع عن عثمان وهو يخذله بينما كان يتهم الإمام عليّاً علیه السلام بقتل عثمان بالرغم من علمه بأنّ الإمام علیه السلام لم يكن له أي دور في قتله و إنّ كان من الناقمين على سياساته.
واستطاع معاوية أن يقوم بإعلام تضليلى لكسب آراء الناس الّذین كانوا جاهلين بحقيقة معاوية وعلي علیه السلام
وأستقر مقتل عثمان عن نتائج سيّئة ظهرت آثارها في الأمّة الإسلامیّة من بعده وامتدت لِتشكّل خطراً جديداً يحيق بدولة الإمام علي علیه السلام .
وكانت بيعة المسلمين للإمام علي عليه السلام نموذجاً للبيعة الجماهيريّة الفريدة الّتی لم تتحقّق لأي واحد من الخلفاء السابقين.
ولئن كانت في التأريخ شورى حقيقيّة من أهل الحل والعقد و من عامّة المسلمين فهي الشورى الّتی انتخبت الإمام عليّاً علیه السلام للخلافة وضغطت عليه ليتولّى شؤون المسلمين.
الأسئلة
1 . ما هو دور عائشة في مقتل عثمان؟
2 . ماذا كان دور معاوية في قتل عثمان؟
3 . لماذا رفع معاوية شعار المطالبة بدم عثمان؟
4 . ما هو دور الإمام علي علیه السلام في الحيلولة بين الثوار وبين قتل عثمان؟
5 . ما هو دور مروان على الحكم في قتل عثمان؟
6 . هل كان مروان متعمداً في تشديد المعارضة أم كان يجهل عواقب مواقفه؟
ولماذا؟
. ما هي أهمّ خصائص بيعة المسلمين مع الإمام علي عليه السلام على الخلافة؟
1 . إنّه لأمر طبيعي أن يقف ضدّ الحقّ أو يحايد من ساءت سريرته وضعف يقينه وأضمرت نفسه الحقد والحسد، فرغم أنّ الإمام عليّاً علیه السلام هو الخليفة الشرعي بنصوص الأحاديث النبویّة الشريفة بل كلّ مراحل الدعوة الإسلامیّة أكّدت وأيّدت أنّ من يصلح لصيانة الأمّة والرسالة بعد غياب النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم هو الإمام علي عليه السلام لما له من قابليات ومؤهّلات لاتتوفّر لغيره من المسلمين، كما وأنّ الأمّة هي الّتی فزعت إلى الإمام بکلّ شرائحها وفئاتها ترتجي منه قبول الخلافة، لكنّنا نجد أنّ فئة قليلة تمرّدت على الحق و راحت ترتدّ عن بيعتها له.
لقد كان تخلّفهم خرقاً لإجماع الأمّة وتحدّياً لبيعتها، وبذلك فتحوا أبواباً جديدة لِتأجيج الفتنة واستمرار الصراع الداخلي وهؤلاء المتخلّفون هم: سعد بن أبي وقّاص، وعبدالله بن عمر، وكعب بن مالك و مسلمة بن مخلد و أبوسعيد الخدري، و محمّد بن مسلمة، والنعمان بن البشير، ورافع بن خديج، وعبدالله بن سلام، وقدامة ابن مسلمة، والنعمان بن البشير وقدامة بن مظعون واُسامة بن زيد، والمغيرة بن شعبة، وصهيب بن سنان، ومعاوية بن أبي سفيان.
وقد بعضهم ندم على تفريطه في أمر بيعة الإمام علیه السلام .
و أمّا موقف الإمام علیه السلام من هؤلاء فقد كان هادئاً للغاية فإنّه لم يتعرّض لأحد منهم بأيّ سوء وتركهم وحالهم في الأمّة لهم ماللناس وعليهم ماعلى الناس.
2 . وصل الإمام علي علیه السلام إلى الحكم بعد ربع قرن من عزله عن ممارسة القيادة الفعلية للدولة، الإسلامیّة فكان هذا عاملاً مؤثراً في إضعاف الإمام علیه السلام من الأحداث، إذ أَلِفَ الناس أن يروا الإمام علیه السلام محكوماً لا حاكماً، طوال هذه الفترة محكوماً لأناس أقلّ كفاءةً وشأناً منه.
كما أنّ عدداً من الشخصيات كان قد تنامى لديها الشعور بالمنافسة لِبلوغ قمة السلطة تحقيقاً لأغراضهم الشخصية، فالزبير في السقيفة كان يدافع عن حق الإمام علیه السلام مقابل الفئات المندفعة نحو السلطة، ثمّ نجده اليوم ينازع الإمام علیه السلام على السلطة، ومعاوية الطليق الّذی لم يفتأ عن محاربة الإسلام أصبح بعد هذه المدّة مناوئاً قويّاً للإمام علیه السلام يهدّد كيان الدولة الإسلامیّة بکلّ جرأة وصلافة.
4 . إنّ الامام علیه السلام استلم دولة مترامية الأطراف، ففي زمن أبي بكر لم تكن تتجاوز الدولة الإسلامیّة حدود الجزيرة والعراق، أمّا في عهد الإمام علي عليه السلام فإنها كانت تمتد إلى شمال أفريقيا وأواسط آسيا إضافةً إلى تمام الجزيرة والعراق والشام، وقد دخل في الإسلام أقوام من غير العرب، وهؤلاء المسلمون الجدد فتحوا عهدهم الجديد مع الإسلام في ظل حكومة غير معصومة، بل منحرفة عن الخط الرسالي السليم.
كان على الإمام علیه السلام أن يقوم بعملية الإصلاح الشامل في أقصر وقت رغم وجود الصراعات الداخلیّة وكان لابدّ لهذا الاصلاح أن يتحقّق في المجالات التالية:
لقد أنشأ كلٌ من عمر وعثمان كياناً اجتماعياً طبقياً ضخماً متناقضاً مما سبّب هذا التناقض الطبقي تفكّكاً واضحاً في المجتمع الّذی بناه الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وكان على الإمام علیه السلام أن يقوم بهدم هذا الكيان الطبقي. وذلك عبر مايلي:
أ - المساواة في العطاء بين المسلمين جميعاً، متّبعاً في ذلك سنّة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الّتی أهملها من كان قبله من الخلفاء، وقد أوضح في خطبته سياسة التوزيع النابعة من حكم اللّه فقال:
«ألا وأيما رجلٍ استجاب اللّه وللرسول فصدّق ملّتنا ودخل في ديننا واستقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده، فأنتم عباد اللّه ، والمال مال اللّه ، يُقسّم بينكم بالسويّة لافضل لأحد على أحد، وللمتّقين غداً أحسن الجزاء وفضل الثواب».
ب - استرجاع الأموال المنهوبة من بيت المال في عهد عثمان: فقد أعلن الإمام أنّ الأموال المأخوذة بغير حقّ - وما أكثرها في عهد عثمان - لابدّ أن ترجع إلى بيت المال، حيث كانت الأموال الطائلة عند طبقة محيطة بالخليفة أو أن عثمان كان يعطيها ليستميلها إليه. فقال علیه السلام : «ألا إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان وكلّ مال أعطاه من مال اللّه فهو مردود في بيت المال، فإنّ الحقّ لا يبطله شيء، ولو وجدته قد تُزوج به النساء ومُلك به الإماء وفرّق في البلدان لرددته، فإنّ في العدل سعةً، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق»(1).
هذه السياسة الماليّة لم ترق لقريش، فقد كان العديد من أقطابها تنالهم قرارات الإمام وهم في أنفة الطغيان والتكبر والاستعلاء، مثل: مروان بن الحكم وطلحة والزبير، فما أن استوثقوا الجدّ في عمل الإمام حتّی بدأوا بإثارة الفتن والإحَن أمام حكومة الإمام، حتّی أنّ طلحة والزبير جاءا إلى الإمام علیه السلام يعترضان على ذلك فقالا:
1) نهج البلاغة الخطبة 15
إنّ لنا قرابةً من نبّي اللّه وسابقةً وجهاداً، وإنك أعطيتنا بالسوية ولم يكن عمر ولا عثمان يعطوننا بالسويّة، وكانوا يفضّلونا على غيرنا.
فقال علیه السلام : فهذا كتاب اللّه فانظروا مالكم من حقٍّ فخذوه، قالوا: فسابقتنا؟!
قال علیه السلام : أنتما أسبق منّي ؟! قالا: لا، فقرابتنا من النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ؟!
قال علیه السلام : أقرب من قرابتي؟! قالا: لا، فجهادنا؟! قال علیه السلام : أعظم من جهادي؟!
قالا : لا ، قال علیه السلام : فوالله ما أنا في هذا المال وأجيري إلّا بمنزلة سواء(1).
ج - المساواة أمام القانون:
لم يكن الإمام علیه السلام غافلاً عن تطبيق أحكام الشريعة في عهد من سبقه الخلفاء
من فكان يحكم ويفصل بالحقّ والعدل، إذ يعجز غيره، وما أن استلم زمام أمور الدولة حتّی ضرب أروع صنوف العدل وسلك أوضح سبل الحق مظهراً عدل الشريعة الإلهيّة وقدرة الإسلام على إقامة دولةٍ تنعّم بالحرّيّة والأمان والعدل ... ومواقف الإمام علیه السلام كثيرة و ما كان يتحرّج أن يجري القانون على نفسه وأهل بيته وأصحابه، فقد ترافع مع يهودي إلى شريح القاضي ليفصل بينهما في درع افتقده علیه السلام (2).
وقد كانت أحكام الإمام في فصل القضاء نابعة من عمق الشريعة وسعة علم الإمام بأمور الدين والدنيا، وهي تدلّ على العصمة في الفكر والعمل.
إنّ تجديد التنظيم الإداري وإعادة السيطرة المركزيّة للدولة كانت ضرورة عاجلة لاستقرار الحكم الجديد.
وقد قام الإمام علیه السلام بإعفاء الولاة الّذین كان قد عيّنهم عثمان من مناصبهم، ونصب ولاة كانوا جديرين بهذه المهمّة وهم محلّ ثقة المسلمين فأرسل عثمان بن حنيف الأنصاري بدلاً عن عبد اللّه بن عامر إلى البصرة، وعلى الكوفة أرسل عمارة ابن شهاب بدلاً عن أبي موسى الأشعري، وعلى اليمن عبيد اللّه بن عباس بدلاً عن يعلى بن منبه، وعلى مصر قيس بن سعد بن عبادة بدلاً عن عبدالله بن سعد، وعلى الشام سهل بن حنيف بدلاً من معاوية بن أبي سفيان، كان كلّ هذا لسوء سيرة الولاة السابقين وفسادهم الإداري حتّی آخر لحظة، فقد استولى يعلى بن منبه على بيت مال اليمن وهرب به، وحرّك معاوية قوّةً عسكريةً لصدّ سهل بن حنيف عن ممارسة مهامّه الجديدة(1).
وفي عمليّة اختيار الولاة الجدد كان الإمام علیه السلام دقيقاً وموضوعيّاً وحريصاً على تطبيق الشريعة الإسلامیّة بجهازه الإداري الجديد، وقد أعاد الثقة للأنصار بأنفسهم ورفع معنويّاتهم، إذ أشركهم في الحكم، كما أنّ الإمام لم يكن مستعداً لقبول الحلول المنحرفة أو أنصاف الحلول، فقد كان حازماً في اجتثاث جذور الفساد، فقد رفض الا اقتراح إبقاء معاوية على الشام حتّی يستقر حكم الإمام ثمّ تنحيته فيما بعد(2).
لقد حاول الإمام علیه السلام فرض سيطرة الخلافة المركزيّة على ولاية الشام بعد أن امتنع معاوية عن البيعة، فدفع الراية إلى ولده محمّد بن الحنفيّة، وولّى عبدالله بن عباس على ميمنته وعمر بن أبي سلمة على الميسرة، ودعا أبا ليلى بن عمر بن الجرّاح فجعله على مقدمةالجيش، وخطب في أهل المدينة وحتّهم على القتال، و لکنّ حال دون التحرك وصول خبر خروج طلحة والزبير على حكم الإمام إلى البصرة بعد أن كانا قد استأذناه في الخروج للعمرة وكان قد أذن لهما مع تحذيرهم من نكث البيعة(3).
لقد كشف الإمام عليّ عليه السلام عن أسباب وجذور الانحراف الديني والثقافي في كلمته الرائعة:
«إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب اللّه ، ويتولّى عليها رجال رجالاً على غير دين اللّه ، فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحقّ لم يخف على المرتادين، ولو أنّ الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين، ولكنّ يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضعت فيمزجان فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الّذین سبقت لهم من اللّه الحسنى»(1).
و كان الإمام علي علیه السلام يرى أنّ من أوّليّات مهامّه بعد غياب الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم صيانة الشريعة المقدسة من الزيغ والانحراف بها عن مسارها الصحيح ورعاية شؤون الدعوة الإسلامیّة لتستمرّ من دون تلكؤ أو توقّف، وقد بذل جهده في ذلك أثناء حكم الخلفاء متغاضياً عن حقّه المشروع في مباشرة القيادة للأمّة والدولة الإسلامیّة .
وما أن مسك بزمام الحكم حتّی خطا خطوات عظيمة في إحياء سنّة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و في الدعوة إلى الحياة في ظلّها، واهتمّ اهتماماً بليغاً بالقرآن الكريم و تفسيره و تربية الأمّة على أساسه وإصلاح الفساد أينما وجد، ويمكننا أن نلحظ الخطوات الّتی قام بها الإمام عليّ علیه السلام كما يلي:
و كانت كلّ إجاباته دقيقة وصائبة ونابعة من عمق الشريعة الإسلامیّة ، بعد أن كان الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم قد خصّه باستيعاب علومه الربّانيّه كما تجلى ذلك في كلمته المعروفة:
1) نهج البلاغة الخطبة 50.
«سلوني قبل أن تفقدوني، فو الّذی خلق الحبّة وبرأ النسمة لو سألتموني عن آيةٍ آيةٍ لأخبرتكم بوقت نزولها وفيم نزلت أنبأتكم بناسخها من منسوخها، وخاصّها من عامّها، ومحكمها من متشابهها، ومكتها من مدنيّها والله ما من فئة تضلّ أو تهدي إلّا وأنا أعرف قائدها وسائقها وناعقها إلى يوم القيامة»(1).
2 . الاهتمام بالقرّاء مراعياً لشؤونهم ومتّبعاً فيهم سنّة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في التعليم والإقراء، فكان إقراء القرآن مقروناً بتعلم ومعرفة مافيه من العلم والعمل والتفقّه في أحكام الدين.
بمعنى ربط القرآن بالسنّة النبویّة الشريفة بعد أن جرّد الخلفاء السابقون (2)القرآن عن السنة النبویّة وعن روح التحقيق والفهم والسؤال.
3 . الاهتمام بقراءة المسلمين من غير العرب، أو من الّذین لا يحسنون اللغة العربیّة بصورة صحيحة، فوضع علم النحو لتقويم اللسان عن اللحن في الكلام، وأمر أبا الأسود الدؤلي أن ينشر هذا العلم ويعلمه(3)، كما اهتم الإمام علیه السلام بالكتابة والخطّ و تحسينه (4).
1) تأريخ دمشق، ج 3، ص 22؛ الاستيعاب (ترجمة الإمام علي)، ج 2، ص 463؛ شواهد التنزيل، ج 1، ص 31؛ الإصابة، ج 4 ص 269 فرائد السمطين، ج 1، ص 34 والغدير، ج 6، ص 192.
2) شرح النهج، ج 4، ص 109 (تحقيق: محمّد أبو الفضل وكنز العمال، ج 2، ص 288 و 329 ط. بيروت.
3) الأغاني، ج 12، ص 13؛ الفهرست لابن النديم، ص 59؛ وفيات الأعيان، ج 2، ص 216 والبداية والنهاية، ج 8، ص 312.
4) الإتقان للسيوطي ، ج 2، ص 17 وكنز العمال، ج 1، حديث 29563.
5) الطبقات الكبرى، ج 6، ص 186 وتدوين السنّة الشريفة للسيد الجلالي، ص 137.
الحديث ولا تتركوه يُدْرَس»(1).
كما أن الإمام علیه السلام كان يحتفظ بنسخةٍ من كتاب مدوّن فيه ما أملاه عليه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم من العلم، وبقي هذا الكتاب لدى الأئمّة من ولده مع كتبً أخرى كانوا يتوارثونها واحداً بعد آخر(2).
5 . ركّز الإمام علیه السلام على مصدريّة القرآن والسنّة في التشريع والأحكام، وشَجَبَ المصادر الأخرى كالاستحسان والقياس وغيرهما ممّا لا يكون طريقاً مشروعاً لتحصيل الأحكام الإلهيّة، وكان علیه السلام يقول:
قال اللّه سبحانه: ﴿ فإنّ تنازعتم في شيء فردّوه إلى اللّه والرسول فردّه إلى اللّه أن نحكم بكتابه، وردّه إلى الرسول أن نأخذ بسنّته» (3)، وقال أيضاً:
«الله اللّه أيّها الناس فيما استحفظكم من كتابه واستودعكم من حقوقه، فإنّ اللّه سبحانه لم يخلقكم عبثاً ولم يترككم سدىً... ثمّ قال: وأنزل عليكم الكتاب تبياناً لكلّ شيء، وعمّر فيكم نبّيه أزماناً حتّی أكمل له ولكم فيما أنزل من كتابه - دينه الّذی رضي لنفسه - فاستدركوا بقيّة أيّامكم، ولا ترخِّصوا لأنفسكم فتذهب بكم الرخص مذاهب الظلمة، ولا تداهنوا فيهجم بكم الإدمان على المعصية»(4).
كما أن الإمام علیه السلام قد أحيى سنّة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في سيرته العباديّة والأخلاقيّة،
وحاربَ البدع الّتی طرأت على الشريعة نتيجة اجتهاد من سبقه من الخلفاء(5).
6 . واستطاع الإمام أن يبني ثلّةً صالحةً من المؤمنين تتحرّك في المجتمع
الإسلامي للمساهمة في قيادة التجربة الإسلامیّة والمحافظة على المجتمع الإسلامي، وذلك عبر الدفاع العسكري عن الكيان الإسلامي مستهدية بتوجيهات الإمام علیه السلام ومنقادة لأوامره ملتزمة بالقيم الإلهيّة صامدة في طريق الحقّ رغم كلّ الصعوبات والظروف الحرجة.
ومن تنامي الثلّة الصالحة في المجتمع يَسود الانسجام والوئام بين طبقاته وأفراده وتنطفيء بذلك نيران العنصريّة والطائفيّة والإقليميّة بين المسلمين، وكل هذا يساهم المحافظة على تطبيق الشريعة الإسلامیّة وسلامة الخطّ الموالي للقيادة المشروعة حيث تتواصل الثلّة المؤمنة في طاعتها للأئمة علیهم السلام الّذین يتعاهدون بأمر اللّه تعالى أمر الأمّة وقيادتها كما أراد اللّه ورسوله.
ويبدو أنّ الإمام عليّاً علیه السلام بدأ عمليّاً في هذا المسار منذ حياة الرسول الأكرم صلی اللّه علیه و آله وسلم وبأمر منه، إذ نجد أنّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم كان يوكل إلى عليّ مهمّة رعاية من كان يجد فيه الرغبة والوعي في سلوك طريق الحقّ وكان يحثّ على التمسّك بخطّ علي علیه السلام الّذی جسّد القيم الرساليّة في سلوكه حتّی تكوّنت جماعة عرفت بشيعة عليّ في حياة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم مثل: عمّار بن ياسر سلمان الفارسي، وأبي ذر، وجابر بن عبدالله الأنصاري، المقداد بن الأسود، عبدالله بن عباس وسواهم ممّن ثبتوا على هذا الخطّ رغم كلّ الظروف الصعبة الّتی مرّت بها التجربة الإسلامیّة بعد وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم.
وحين استلم الإمام علي الخلافة احتفّت به الجماعة الصالحة من المؤمنين الأوفياء والأشدّاء في دين اللّه ، فازداد الإمام علیه السلام اعتناءً بهم وأعدّهم إعداداً رسالياً خاصاً، وأودعهم علوماً شتّى في مختلف نواحي الحياة، وقام هؤلاء الصحابة الأجلّاء بدورهم الجبّار في دعم الدولة الإسلامیّة ومساندة خطّ الإمامة والمحافظة على الشريعة من الزيغ والانحراف و الاندثار، فكانت مواقفهم رائعة وبطوليّة تجاه طواغيت زمانهم و من هؤلاء: مالك الأشتر، وكميل بن زياد النخعي محمّد بن أبي بكر، حجر بن عدي، عمرو بن الحمق الخزاعي، صعصعة بن صوحان العبدي، رشيد الهجري، هاشم المرقال، قنبر، سهل بن حُنيف.
الخلاصه
أنتجت الشورى السداسية روح الطموح إلى الخلافة وتشديد التنافس بين الصحابة للوصول إلى السلطة وجعلت كلّ واحد منهم يتمنّاها لنفسه في وقت كان الزبير مثلاً قد وقف إلى جانب علي عليه السلام يوم السقيفة.
إنّ ربع قرن من العزلة السیاسیّة تمخّض عن انقلاب جملة المقاييس من عند عامّة المسلمين تجاه الإمام علیه السلام بالإضافة إلى تجذّر جملة من الانحرافات بين أبناء المجتمع الإسلامي واستدعت ظروف الإمام إصلاحاً شاملاً في المجال الإداري والاقتصادي والديني واستطاع الإمام علیه السلام أن يشقّ طريقه باتّجاه المجتمع الإسلامي الأمثل بالرغم من وجود عقبات كبيرة في طريق الإصلاح الشامل.
الأسئلة
1 . ما هي النتائج الّتی تمخضت عن الشورى السداسيّة وسبّبت صعوبة ظرف الإمام علیه السلام ؟
2 . ما هي العقبات الّتی حصلت بعد ربع قرن من عزلة الإمام السياسيّة؟
3 . ما هي أهمّ الإصلاحات الاجتماعیّة الّتی كان يتطلّبها عهد الإمام علي علیه السلام ؟
4 . ما هي أهمّ الإصلاحات الاقتصادیّة الّتی كان يستدعيها ظرف الإمام علیه السلام ؟
5 . اذكر أهمّ الإصلاحات الإداريّة الّتی كان يستهدفها الإمام علیه السلام ؟
6 . ما هي أهمّ ملامح السياسة الّتی أعلنها الإمام علیه السلام حين تصديه للحكم؟
أسباب فتنة الجمل(1)
كانت بيعة الناس لأمير المؤمنين علیه السلام بمنزلة صاعقة حلّت بقريش وكلّ من يكنّ العداء للإسلام، فحكومة الإمام هي إمتداد لحكومة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الّتی أدانت الظلم والعدوان والبغي، وجاءت بالعدل والمساواة والحق والفضيلة، ضربت المصالح الاقتصادیّة القائمة على الربا والاحتكار والاستغلال، ومن هنا فقد عزّ على كثير من أثرياء قريش أن يكونوا على قدم المساواة مع أيّ مواطن آخر من أيّ فئة كانت في حكومة الإمام علي علیه السلام الّذی طالت إصلاحاته عزل ولاة عثمان الأثرياء.
وقد كان كلّ من طلحة والزبير يرى نفسه قريناً لأمير المؤمنين الا بعد أن رشّحهما عمر للخلافة إذ أصبح كلّ منهما يتوقّع أن يلي حكومة جزءٍ كبيرٍ من البلاد الإسلامیّة إنّ لم يحض بالخلافة.
وكان لعائشة المقام المرموق لدى الخلفاء السابقين حيث كانت تتحدّث كما تشاء، وهي
الآن تعلم أن لا مجال لها في حكومة تعتمد القرآن والسنّة مصدراً و دستوراً للحياة.
وكان معاوية يتصرّف في الشام تصرّف الحاكم المطلق المتفرّد والطامع في السيادة
1) وقعت معركة الجمل في جمادى الآخرة سنة (36) ه-
الإسلامیّة جادّاً في تولّي أمور الأمّة بصورة تامّة، فكانت قرارات الإمام وتخطيطه للإصلاح الشامل ضربةً قاصمة لكلّ هؤلاء، إضافةً إلى تضرّر مجموعات كانت تستغل مناصبها للحصول على الثروة الطائلة في عهد عثمان وهي الآن قد فقدت مصدر ثرواتها، فإنّ وجود الإمام في قمة السلطة كان يُعدّ تهديداً صارخاً للخطّ القبلي المنحرف الّذی سارت عليه قريش وقد عرف الإمام علي علیه السلام بأنه الفرد القادر على رفع راية الإسلام الحقيقي من دون أن تأخذه في اللّه لومة لائم، ولهذا فهو سيقضي على كلّ خط منحرف دون ترديد.
من هنا اجتمعت آراؤهم وأهواؤهم على إثارة الفتن للحيلولة دون استقرار الحكم الجديد، ولم يكن تقلّب الوضع السياسي ووجود العناصر المعادية للاتّجاه الصحيح لمسيرة الرسالة الإسلاميّة غريباً على الإمام علي علیه السلام ، فقد أخبره النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بتمرّد بعض الفئات على حكمه، وعهد إليه بقتالهم كما أنه قد سمّاهم له بالناكثين والقاسطين والمارقين (1).
كان موقف عائشة من عثمان غريباً ومتناقضاً ولا يليق بمقام امرأة تعدّ نفسها من جملة نساء النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ، لقد كانت تردّد: «اقتلوا نعثلاً»، وتحرّض الناس على التمرّد عليه وقتله (2).
و قد خرجت من المدينة إلى مکّة أثناء محاصرة عثمان من قبل الثوّار وهي تتوقّع النهاية السريعة لعثمان، ومن ثمّ فوز قريبها طلحة بالخلافة والاستيلاء على زمام الحكم.
وحين فوجئت بأنّ الناس قد بايعوا الإمام عليا علیه السلام كرّت راجعةً نحو مکّة بعد أن كانت قد عزمت على الرجوع إلى المدينة(1)، و أعلنت حزنها و تظلّمها على عثمان، فقيل لها: أنتِ الّتی حرّضت على قتله، فاختلقت عذراً واهياً، وقالت: إنّهم استتابوه ثمّ قتلوه(2)وكأنها كانت حاضرةً تشهد مقتله.
وأظهرت السيدة عائشة مقدرةً سياسيةً بارعةً على المناورة والتلاعب بالألفاظ واستغلال مكانتها، فاستغفلت السنّج واستمالت الحاقدين وتحوّلت من داعية لقتل عثمان إلى مطالبة بدمه، فأشعلت فتنةً وقادت جيشاً وحاربت إمام زمانها الّذی عقد له أهل الحلّ والعقد بيعتهم علانية.
وأعلنت عائشة الحرب ضدّ الإمام علي علیه السلام في خطابها الّذی ألقته في مکّة محرّضة أتباعها على الحرب(3).
و طمعت عائشة في توسيع جبهتها ضدّ الإمام علي علیه السلام فحاولت مخادعة أزواج النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم للخروج معها ضد الإمام علیه السلام ، فامتنعن من ذلك.
وحاولت اُمّ سلمة أن تصرفها من مسعاها عسى أن ترجع عن غيها، وتجنّب الأمّة البلاء والدماء، فقالت لها : إنّك كنت بالأمس تحرّضين على عثمان وتقولين فيه أخبث القول وماكان اسمه عندك إلا نعثلاً، وإنّك لتعرفين منزلة عليّ بن أبي طالب عند رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم، أفأذكّرك ؟
ثمّ قالت لها اُمّ سلمة: أتذكرين يوم أقبل صلی اللّه علیه و آله وسلم ونحن معه حتّی إذا هبط من قديد ذات الشمال خلا بعلي يناجيه، فأطال فأردتِ أن تهجمي عليهما فنهيتك فعصيتيني فهجمتِ عليهما، فما لبثتِ أن رجعت باكية، فقلتُ: ما شأنك؟ فقلتِ: إنّي هجمت عليهما
وهما يتناجيان، فقلتُ لعليّ: ليس لي من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم إلا يوم من تسعة أيّام أفما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي:
فأقبل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم على و هو غضبان محمّر الوجه، فقال: «ارجعي وراءك والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلّا وهو خارج من الايمان»، فرجعتِ نادمة ساخطة.
قالت عائشة: نعم أذكر ذلك.
قالت أم سلمة: أيّ خروج تخرجين بعد هذا؟!
فقال عائشة: إنّما أخرج للإصلاح بين الناس، وأرجو فيه الأجر إن شاء اللّه . فقالت أمّ سلمة: أنتِ ورأيكِ، فانصرفت عائشة عنها(1).
كان معاوية يتمتّع بسيطرة إداريّة تامّة على شؤون الشام، وكانت لديه أجهزة يستطيع أن يحرّكها وفق رغباته وأهوائه، وما كانت لديه مشكلة مع جماهير الشام؛ لأنّ بلاد الشام منذ عرفت الإسلام عرفت آل أبي سفيان ولاة عليها من قبل الخليفة، فقبله كان أخوه يزيد، والياً عليها كما أنّ بلاد الشام كانت بعيدة عن عاصمة الخلافة مما أعطاها قدراً كافياً من الاستقرار والقوة.
وبدأ معاوية تحرّكه السياسي لتأجيج الفتنة المشتعلة بسبب مقتل عثمان، ليستثمرها لصالحه، فخاطب الزبير وطلحة بصيغةٍ تحرّك فيهما الأطماع والرغبات للدخول في الصراع الجديّ ضدّ الإمام علیه السلام فتزداد الفتنة في العاصمة المركزيّة. فكتب رسالة إلى الزبير جاء فيها:
لعبدالله الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان... سلام عليك، أمّا بعد، فإنّي
1) راجع شرح النهج لابن الحديد، ج 1، ص 217 و راجع أيضاً بحار الأنوار، ج 32، ص 149.
قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا واستوسقوا كما يستوسق الجلب، فدونك الكوفة والبصرة لا يسبقك إليها ابن أبي طالب، فإنّه لاشيء بعد هذين المصرين، وقد بايعت لطلحة بن عبيد اللّه من بعدك فأظهرا الطلب بدم عثمان وادعوا الناس إلى ذلك، وليكن منكما الجدّ والتشمير، أظفر كما اللّه وخذل مناوئكما(1).
ولمّا وصلت رسالة معاوية إلى الزبير خفٌ لها طرباً واطمأنّ إلى صدق نيّة معاوية، واتّفق هو وطلحة على نكث بيعة الإمام علیه السلام والخروج عليه، فأظهرا الحسرة والتأسف على بيعتهما للإمام مردّدَيْن: بايعنا مكرَهَيْن.
وما أن وصلت إلى أسماعهما صيحة عائشة محرّضة على الإمام علیه السلام حتّی اجتهدا في إيجاد الحيلة للخروج إليها.
وروي أنهما جاءا يطلبان من الإمام علیه السلام الي المشاركة في الحكم فلم يتوصّلا إلى شيء، فقررّا الالتحاق بعائشة ثمّ عادا ثانيةً إلى الإمام علیه السلام ليستأذناه لخروج إلى العمرة. فقال لهما الإمام علیه السلام : نعم والله ما العمرة تريدان وإنّما تريدان أن تمضيا لشأنكما (2).
وروي أنه لا قال لهما: بل تريدان الغدرة (3).
لقد جمع في بيت عائشة مکّة الخارجين على بيعة الإمام علیه السلام بعد أن كانوا متنافرین متحاربين في عهد عثمان، فضمّ الاجتماع الزبير وطلحة ومروان بن الحكم وتعاهدوا على أن يتّخذوا من دم عثمان شعاراً لتعبئة الناس لمحاربة الإمام عليّ عليه السلام ، فرفعوا قميص عثمان كشعار للتمرّد والعصيان وأشاعوا أن الإمام علياً عليه السلام هو المسؤول عن إراقة دم عثمان، لأنه أوى قتلته ولم يقتصّ منهم، وقرّروا أن يكون زحفهم نحو البصرة لاحتلالها واتخاذها مركزاً للتحرّك ومنطلقاً للحرب، حيث أن
معاوية يسيطر على الشام والمدينة لازالت تعيش حالة الاضطراب(1).
مضت عائشة في خطّتها لإثارة الفتنة والدخول في المواجهة المسلّحة مع الإمام علي عليه السلام الّذی لا يشكّ أحد في أنّه الخليفة الشرعي، فحشدت أعداداً من الناس يدفعهم الحقد والكراهيّة للإمام عليّ عليه السلام ويحدوهم الطمع بالدنيا والأمل لِنيل السلطان والقدرة.
وجهّزهم يعلى بن منبة بمستلزمان الحرب من السيوف والإبل الّتی كان قد سرقها من اليمن عندما عزله الإمام عنها.
وقدم عليهم عبدالله بن عامر بمال كثير من البصرة سرقه أيضاً(2). وجهّزوا لعائشة جملها المسمّى (عسكر) وقد احتفّ بها بنو أميّة وهي تتقدّم أمام الحشد الزاخر متوجّهين نحو البصرة، تسبقهم كتبهم الّتی أرسلوها إلى عددٍ من وجوه البصرة، يدعونهم فيها للخروج على بيعة الإمام علیه السلام زاعمين المطالبة بدم عثمان(3).
وبدرت سمة المكر والخداع الّتی تكاد تكون ملازمة لكلّ من ناوأ الإمام عليا علیه السلام من زعماء الفتنة، فلما خرجوا من مکّة أذّن مروان بن الحكم للصلاة، ثمّ جاء حتّی وقف على طلحة والزبير محاولاً إثارة الوقيعة بين الرجلين وغرس فتنة ليستغلّها إنّ تمكّن من الأمر.
فقال مروان: على أيكما أسلم بالإمرة وأؤذّن بالصلاة؟
فتنافس أتباع الرجلين كلٌّ يريد تقديم صاحبه، فأحسّت عائشة بوقوع التفرقة
فأرسلت أن يصلّي بالناس ابن أختها عبدالله بن الزبير.
وروي: أنّ نساء النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم خرجن مع عائشة إلى منطقة «ذات عرق» ويبدو أنهنّ حاولن إرجاع عائشة إلى المدينة والحيلولة دون وقوع الفتنة، فلم يتوصّلن إلى حلّ فبكين على الإسلام وبكى الناس معهنّ، وسمّي ذلك اليوم ب-«يوم النحيب»(1).
وحين وصل جيش عائشة إلى منطقة «أوطاس» لقيهم سعيد بن العاص والمغيرة بن شعبة، وحين علم سعيد بدعوى عائشة الطلب بدم عثمان» استهزاً ضاحكاً وقال: فهؤلاء قتلة عثمان معك يا اُمّ المؤمنين(2).
و روي: أنّ سعيداً قال: أين تذهبون وتتركون ثأركم وراءكم على أعجاز الإبل(3)؟! يقصد بذلك طلحة والزبير وعائشة.
و وصل الجيش إلى مكان يقال له: «الحوأب» فتلقّتهم كلاب الحيّ بنباحٍ وعواءٍ. فذعرت عائشة وسألت محمّد بن طلحة عن المكان فقالت: أيّ ماء هذا؟ فأجابها: ماء الحوأب يا أم المؤمنين... فهلعت وصرخت ما أراني إلا راجعة، قال: لِمَ، قالت: سمعت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يقول لنسائه: كأني بإحداكن قد نبحها كلام الحوأب وإيّاك أن تكوني ياحميراء (4).
ثمّ ضربت عضد بعيرها فأناخته وقالت: ردّوني، أنا والله صاحبة ماء الحوأب، فأناخوا حولها يوماً وليلة وجاءها عبدالله بن الزبير فحلف لها بالله أنه ليس ماء الحوأب، وأتاها ببيّنة زور من الأعراب فشهدوا بذلك(5). فكانت أوّل شهادة زور في الإسلام.
حين شارف جيش عائشة مدينة البصرة قام عثمان بن حنيف والي الإمام علیه السلام على البصرة موضّحاً أمر الجيش المتقدم إليهم، ومحذّراً الناس من الفتنة وبطلان وضلالة موقف زعماء الجيش، وأعلن المخلصون للإسلام وللإمام علیه السلام استعدادهم للدفاع عن الحقّ والشريعة المقدّسة وصدّ الناكثين عن الاستيلاء على البصرة(1).
وفي محاولةٍ من عثمان بن حنيف الّذی يتأسّى بأخلاق الإسلام ويطيع إمامه علیه السلام - سعى أن يُثني عائشة ومَن معها من غيّهم لتجنّب وقوع القتال، فأرسل إليهم عمران بن حصين وأبا الأسود الدؤلي ليحاججوا عائشة ومن معها ببطلان موقفهم، و لکنّ محاولات الرجلين باءت بالفشل، فقد كانت عائشة ومعها طلحة و الزبير مصرّين على نيّتهم في إثارة الفتنة وإعلان الحرب(2). و أقبلت عائشة ومن معها حتّی انتهوا إلى «المربد» فدخلوا من أعلاه وخرج إليهم عثمان بن حنيف ومن معه من أهل البصرة، فتكلّم طلحة والزبير وعائشة يحرّضون الناس على الخروج على بيعة الإمام علیه السلام بدعوى الثأر لعثمان، فاختلف الناس بين معارض و مؤيّد.
و أقبل جارية بن قدامة السعدي لينصح عائشة عسى أن يردّها عن تأجيج الفتنة، فقال: يااُمّ المؤمنين، والله لقتل عثمان بن عفّان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون، عرضة للسلاح، إنّه قد كان لك من اللّه ستر وحرمة فهتكتِ سترك وأبحت حرمتك، إنّه من رأى قتالك فإنّه يرى قتلك، لئن كنت أتيتنا طائعةً فارجعي إلى منزلك، و إنّ كنت أتيتنا مستكرهةً فاستعيني بالناس(3).
افتتن الناس بقدوم عائشة على البصرة، فبين منكر ومؤيّد ومصدّق ومكذّب فافترقت جماهير البصرة، وتأزّم الموقف، فاصطدم الناس واقتتلوا على فم السكة، ولم يحجز بينهم إلّا الليل.
و كان عثمان بن حنيف لا يريد إراقة الدماء بل يريد أن يجنح للسلم وينتظر قدوم الإمام علي علیه السلام إلى البصرة، فلمّا عضّت الحرب الطرفين تنادوا للصلح، فكتبوا كتاباً لعقد هدنة مؤقّتة على أن يبعثوا رسولاً إلى المدينة يسأل أهلها، فإنّ كان طلحة والزبير أكرها على البيعة خرج ابن حنيف عن البصرة وإلا خرج عنها طلحة والزبير(1).
و عاد كعب بن مسور رسول الطرفين إلى المدينة بادّعاء اُسامة بن زيد أنّ طلحة والزبير بايعا مكرَهَيْن ومخالفة أهل المدينة لرأي اُسامة فاستغلّها زعماء جيش عائشة، فهجموا في ليلة ذات رياح ومطر على قصر الإمارة حيث يتواجد عثمان بن حنيف فقتلوا أصحابه وأسروه ونتفوا لحيته ورأسه وحاجبيه، ولكنّهم خافوا من قتله لأنّ أخاه سهل بن جنيف كان والي الإمام على المدينة (2).
الخلاصة
كانت هناك عدّة أسباب تدعو مرضى القلوب للتمرّد على الإمام علیه السلام منها ترشيح طلحة والزبير من قبل عمر للخلافة ومنها تحريض معاوية الزبير لتسلّق من خلاله إلى الخلافة.
وكانت أحقاد عائشة بالنسبة للإمام علیه السلام محّركاً لها لتحريض مرضى القلوب وجهّال الأمّة ضدّ إمام المسلمين. إنّ صحبة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم أيضاً كانت غطاء جيداً لإغفال مجموعة من البسطاء وتحريضهم ضدّ الإمام علیه السلام حتّی أن بعض أفراد معسكر الإمام علي سأل الإمام عن هذه النقطة مستفسراً عن مدى إمكانيّة ضلال أصحاب الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ، فأجابه الإمام صلی اللّه علیه و آله وسلم : (اعرف الحقّ تعرف أهله).
ونساء النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم لم يفلحن لارجاع عائشة عن الطريق الّذی قررته لنفسها فسارت نحو البصرة وكان مروان يريد أن يستغل الظرف ليصطاد في الماء العكر بما يقربّه من كرسي الخلافة فيما بعد.
الأسئلة
1 . ما هي أسباب تمرد طلحة والزبير على الإمام علي عليه السلام ؟
2 . لماذا خرجت عائشة على إمام زمانها؟
4 . ما هو دور مروان في حرب الجمل واضرام نار الفرقة بين طلحة والزبير؟
5 . ما هي محاولات نساء النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم لصدّ عائشة عن المسير إلى حرب الإمام؟
6 . ماذا حدث على مشارف البصرة قبيل حرب الجمل؟
حين استلم الإمام علي الليل زمام الحكم كانت هناك عقبة أمام استقرار الأمن وسيطرة الحكومة الشرعيّة المركزيّة، وهي إعلان معاوية بن أبي سفيان تمرده على خلافة الإمام، فشرع علیه السلام بالاستعداد العسكري والسياسي لايقاف التمزّق في كيان الأمّة ومنع سفك الدماء.
وما أن اُحيط الإمام علیه السلام علماً بحركة عائشة وطلحة والزبير نحو البصرة وإعلانهم العصيان عليه حتّی عدل عمّا كان يخطّطه لمعالجة موقف معاوية فاتّجه نحو البصرة بجيش يضمّ وجوه المهاجرين والأنصار ممن اشتركوا مع النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في بدر وأحد والأحزاب.
واستخلف الإمام علیه السلام على المدينة سهل بن جنيف وأمره أن يشخص إليه من أحبّ الشخوص ولا يحمل أحداً على ما يكره، وأسرع الإمام علیه السلام في مسيره عسى أن يدرك جموع الناكثين ويردّهم عن غيّهم.
لم يتمكّن الإمام من اللحاق بالناكثين فقد سبقوه إلى البصرة، والتحقت بالإمام أعداد كبيرة من المؤمنين، وممّن التحق به قبيلة «طي» بجموعها وجماعة من بني أسد وجماعة من أهل المدينة.
وصل الإمام علیه السلام إلى منطقة «الربذة» فكتب إلى الأمصار يستمدّ العون ويوضّح الأمر، كي يتوصل إلى إخماد نار الفتنة وحصرها في أضيق نطاق، فأرسل الى الكوفة محمّد بن أبي بكر و محمّد بن جعفر، فأبى أبو موسى الأشعري الاستجابة للإمام علیه السلام ومارس دور المثبّط عن مناصرة الإمام علیه السلام في موقفه، ثمّ أرسل عبدالله ابن عباس ولم يتمكّن من إقناع أبي موسى بالانصياع لأوامر الإمام والكفّ عن تثبيط الناس عن نصرة الإمام، فأرسل علیه السلام ولده الحسن وعمار بن ياسر ثمّ تبعهم مالك الأشتر فعزلوا أبا موسى، وتحرّكت الكوفة بکلّ ثقلها تنصر أمير المؤمنين علیه السلام ، فلحقت به في «ذي قار».
ولم يتوقف الإمام علیه السلام في مراسلة طلحة والزبير وإيفاد الرسل إليهما، عسى أن يعودا لرشدهما ويدركا خطورة فتنتهما فيتجنّب الأمّة المصائب والبلايا وسفك الدماء، فأ وفد إلى عائشة زيد بن صوحان وعبدالله بن عباس وغيرهما، فحاوروها بالحجّة والدليل حتّى أنّ عائشة قالت لابن عباس: لاطاقة لي بحجج عليّ، فقال ابن عباس: لا طاقة لك بحجج المخلوق فكيف طاقتك بحجج الخالق(1).
لم يداخل الشكّ قوات الإمام علیه السلام فهي على بيّنة من أمرها، جليّة حجّتها، الحقّ هدفها، وقد أطنب الإمام علیه السلام في توضيح كلّ ملابسات الأمر، فلم يبق للناكثين من حجة إلا التمادي والإصرار على الباطل، وتوالت الأخبار على أميرالمؤمنين بعبث الناكثين في البصرة وسفكهم لدماء المسلمين، والتحق بالإمام علیه السلام عثمان بن حنيف واليه على البصرة وعلامات التعدّي والإهانة ظاهرة عليه، فتألّم علیه السلام لما يؤول إليه الأمر، وكظم غيظه واستمرّ في مسيره نحو البصرة.
أكثر الإمام علیه السلام من مراسلة طلحة والزبير بعد أن شارفت قواته على أبواب البصرة، فخشيت عائشة ومن معها من اقتناع قادتها وجموع الناس معها بحجج
1) بحار الانوار، ج 32، ص 122 والإمامة والسياسة، ص 90.
الإمام علیه السلام ، فخرجوا لملاقاته، فلمّا توقّفوا للقتال أمر الإمام علیه السلام منادياً ينادي في أصحابه: لا يرمينّ أحد سهماً ولا حجراً ولا يطعن برمح حتّی أعذر القوم فأتّخذ عليهم الحجّة البالغة (1).
فلم يجد الإمام علیه السلام منهم إلا الإصرار على الحرب، ثمّ خرج إلى الزبير وطلحة فوقفا مابين الصفين، فقال الإمام علیه السلام لهما لعمري لقد أعددتها سلاحاً وخيلاً ورجالاً، إنّ كنتما أعددتما عند اللّه عذراً فاتّقيا اللّه ولا تكونا ك الّتی نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، ألم أكن أخاكما في دينكما؟ تحرماني دمي وأحرّم دمكما فهل من حدثٍ أحلّ لكما دمّي؟
ثمّ قال علیه السلام الطلحة: أجنت بعرس رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم تقاتل بها وخبّأت عرسك في البيت! أما بايعتني؟!
ثمّ قال علیه السلام للزبير: قد كنا نعدّك من بني عبدالمطّلب حتّی بلغ ابنك ابن السوء عبدالله ففرّق بيننا.
ثمّ قال علیه السلام : أتذكر يازبير يوم مررت مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في بني غنم، فنظر إليّ فضحك وضحكت إليه فقلتَ له: لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال لك رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم :
ليس بِمُزهٍ_أي: ليس به زهو - لَتقاتله و أنت له ظالم؛ قال الزبير: اللّهم نعم.
وروي: أنّ الزبير اعتزل الحرب وقتل بعيداً عن ساحة الحرب بعد أن استعرت الفتنة (2). كما أنّ طلحة قتله مروان بن الحكم في ساحة المعركة (3).
وكان الإمامزطامعاً حتّی آخر لحظة قبل نشوب القتال أن يرتدع الناكثون عن غيّهم، فلم يأذن بالقتل رغم ماشاهد من إصرار زعماء الفتنة على المضي في الحرب،
فقال علیه السلام لأصحابه: «لا يرمينّ رجل منكم بسهم، ولا يطعن أحدكم فيهم برمح حتّی أحدث إليكم، و حتّی يبدؤكم بالقتال والقتل»(1).
وشرع أصحاب الجمل بالرمي فقُتل رجل من أصحاب الإمام، ثمّ قتل ثانٍ وثالث، عندها أذِنَ علیه السلام (2)بالردّ عليهم والدفاع عن الحق والعدل.
التحم الجيشان يقتتلان قتالاً رهيباً، فتساقطت الرؤوس وتقطعت الأيدي وأثخنت الجرحات في الفريقين، ووقف أمير المؤمنين علیه السلام مُشرِفاً على ساحة المعركة فرأى أصحاب الجمل يستبسلون في الدفاع عن جملهم فنادئ بأعلى صوته: «ويلكم اعقروا الجمل فإنّه شيطان...».
فهجم الإمام علیه السلام وأصحابه حتّی وصلوا الجمل فعقروه، ففرّ من بقي من أصحاب الجمل من ساحة المعركة فأمر علیه السلام بعد ذلك بحرق الجمل و تذرية رماده في الهواء لئلّا تبقى منه بقيّة يفتتن بها السذّج والبسطاء، ثمّ قال الإمام علیه السلام : لعنه اللّه من دابّة فما أشبهه بعجل بني إسرائيل!
ومدّ بص نحو الرماد الّذی تناثر في الهواء فتلا قوله تعالى: وانظر إلى إلهك الّذی ظلتَ عليه عاكفاً لنحرّقنّه ثمّ لننسفنّه في اليمّ نسفاً(3).
وانتهت بذلك فصول المعركة المؤلمة ، ومرّ الإمام علیه السلام على القتلى والأشلاء وهو يتوجّع على دماء المسلمين أن تضيع هدراً في سبيل الأحقاد الدفينة والأطماع الدنيويّة المغروسة في نفوس أصحاب الفتن الّذین فرّطوا بمصلحة الرسالة الإسلامیّة و الأمّة المسلمة.
كتب اللّه النصر لأمير المؤمنين علیه السلام على مخالفيه، ووضعت الحرب أوزارها، و انقشع غبار المعركة، فنادى منادي الإمام علیه السلام يعلن العفو العام:
ألا لايجهز على جريح ولا يتبع مول ولا يطعن في وجه مدبر، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، وأن لا يؤخذ شيء من أموال أصحاب الجمل إلّا ما وجد في عسكرهم من سلاح أو غيره ممّا استخدم في القتال، وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم(1).
و أمر الإمام عليّ علیه السلام محمّد بن أبي بكر وعمار بن ياسر أن يحملوا هودج عائشة من بين القتلى وسط ساحة المعركة وينحّوه جانباً، وأن يتعهّد محمّد أمراُخته عائشة، فلما كان من آخر الليل أدخلها محمّد البصرة فأنزلها في دار عبدالله بن خلف الخزاعي.
و طاف الإمام علیه السلام في القتلى من أصحاب الجمل، وكان يخاطبهم ويكرّر القول: «لقد وجدتُ ما وعدني ربّي حقّاً فهل وجدتم ماوعدكم ربّكم حقّاً»؟
و قال علیه السلام أيضاً:
ما ألوم اليوم من كفَّ عنّا وعن غيرنا و لکنّ المليم الّذی يقاتلنا»(2).
و أقام الإمام علیه السلام في ظاهر البصرة ولم يدخلها، وأذن للناس في دفن موتاهم فخرجوا إليهم فدفنوهم(3)، ثمّ دخل علیه السلام مدينة البصرة معقل الناكثين، فانتهى إلى المسجد فصلّى فيه ثمّ خطب في الناس وذكّرهم بمواقفهم ومواقف الناكثين لبيعته، فناشدوه الصفح والفعو عنهم ، فقال علیه السلام : «قد عفوت عنكم، فإيّاكم والفتنة، فإنّكم أوّل
الرعيّة نكث البيعة، وشقّ عصا هذه الأمّة ». ثمّ أقبلت الجماهير ووجوه الناس لمبايعة الإمام علیه السلام(1).
و بعد ذلك دخل أمير المؤمنين علیه السلام بيت المال في البصرة، فلمّا رأى كثرة المال قال: «غُرّي غيري...» وكرّرها مراراً، وأمر أن يقسّم المال بين الناس بالسويّة، فنال كل فرد منهم خمسمائة درهم، وأخذ هو كأحدهم، ولم يبقَ شيء من المال فجاءه رجل لم يحضر الوقعة يطالب بحصته، فدفع إليه الإمام ما أخذه لنفسه ولم يصب شيئاً (2).
ثمّ أمر أمير المؤمنين بتجهيز عائشة وتسريحها الى المدينة، وأرسل معها أخاها وعدداً من النساء ألبسهنّ العمائم وقلّدهن السيوف لرعاية شؤونها وأوصلنّها الى المدينة، ولكنّ عائشة لم تحسن الظنّ بأمير المؤمنين وتصوّرت أنّ الإمام لم يرعَ حرمتها، وما أن علمت أنّ الإمام علیه السلام بعث معها النساء حتّی أعلنت ندمها على خروجها وفشلها وإثارتها للفتنة فكانت تكثر من البكاء(3).
خلّفت معركة الجمل نتائج سلبيّة على المجتمع الإسلامي بلاريب. وعلينا أن نشير إلى بعضها:
1 . توسّعت قضيّة قتل عثمان بن عفّان حتّی أصبحت قضيةً سياسيةً كبيرةً جرّت من ورائها ظهور تيارات مناوئة فعلاً و قولاً لمسيرة الدعوة الإسلامیّة ، فأطلّ معاوية بن أبي سفيان ليكمل مسيرة الانحراف الدموي في معركة الجمل بصفّين.
2 . أشاعت الأحقاد بين المسلمين وفتحت باب الحرب والاقتتال فيما بينهم
فكانت الفرقة بين أهل البصرة أنفسهم وبين باقي الأمصار الإسلامیّة ، وكانت العداوة المطالبة بعضهم البعض الآخر بدماء أبنائهم في حين كان المسلمون يتحرّجون من إراقة دمائهم.
4 . إنّ عاملي الأحقاد والانحراف فتحا الطريق على المخالفين في المعتقد السياسي للجوء فوراً إلى حمل السلاح وإشعال نار الحرب.
بعد أن هدأت الأمور تماماً تحرّك الإمام علي علیه السلام نحو الكوفة ليتّخذها مقرّاً له بعد أن بعث إليهم برسالة أوضح فيها بايجاز تفاصيل الأحداث(1)، كما أنّ الإمام أمرّ عبد اللّه بن عباس على البصرة وشرح له كيفيّة التعامل مع سكّانها بعد الّذی وقع بينهم(2).
و كان لاختيار الإمام علیه السلام الكوفة عاصمةً جديدة للدولة الإسلامیّة أسباب عديدة منها:
1 . توسّع رقعة العالم الإسلامي، و لابدّ أن تكون العاصمة الإداريّة و السیاسیّة للدولة في موقع يُعين الحكومة في التحرّك نحو جميع نقاط الدولة، كما أن الكوفة تقع تقريباً في تماس مع ولاية الشام الّتی يتحصّن فيها معاوية بن أبي سفيان معلناً التمرّد دون باقي أقطار العالم الإسلامي.
2 . إنّ الثقل الأكبر الّذی وقف مع الإمام علیه السلام في القضاء على فتنة أصحاب الجمل هم كبار شخصيّات العراق ووجهاء الكوفة وجماهيرها، فكان لا يرى فيهم مادةً صالحةً لمجتمع إسلامي سليم وقويّ بإمكانه أن يربّيهم لينطلق بهم إلى العالم أجمع.
3 . الظروف السیاسیّة المتوترة والناجمة عن مقتل عثمان وحرب أصحاب الجمل جعلت الإمام علیه السلام يستقر في الكوفة، ليعيد الأمن والاستقرار للمنطقة الّتی يحكمها ويمنع حدوث انشقاقات محتملة في المجتمع الإسلامي بشكل عام والشعب العراقي بشكل خاصّ.
لم يكن أميرالمؤمنين علیه السلام داعياً إلى حربٍ أبداً، وماكانت مواقفه الصارمة مع مخالفيه إلا بعد النصح والوعظ وإتمام الحجّة والتحذير من سوء العواقب، وهكذا تعامل الا مع معاوية الّذی رفض أن يبايعه، وأعلن العداء مستغلّاً قضيّة قتل عثمان ابن عفّان ومضّللاً الرأي العامّ في الشام و مهيّجاً الناس لشن الحرب على الخلافة الشرعيّة، فأرسل إليه الإمام علیه السلام جرير بن عبدالله البجلي يدعوه إلى الطاعة والدخول فيما دخل فيه المسلمون من مبايعته علیه السلام وحمله كتاباً جاء فيه:
«فإنّ بيعتي لزمتك بالمدينة وأنت بالشام، لأنه بايعني القوم الّذین بايعوا أبابكر وعمراً وعثمان على ما بويعوا عليه، فلم يك للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يردّ».
ثمّ حذّره الإمام علیه السلام من التمادي في تأجيج الفتن، وأنّ طريق القصاص من قتلة عثمان يكون عبر الخلافة الشرعية والحكومة المركزيّة فقال:
وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس، ثمّ حاكم القوم إليّ أحملك وإيَّاهم على كتاب اللّه ، فأمّا تلك الّتی تريدها فخدعة الصبي عن اللبن... ولعمري، لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان».
ولم يجد معاوية أمام رسالة الإمام علیه السلام الّاالتسويف والمماطلة وتضليل أهل الشام
في محاولة لايجاد مخرج يواجه به الإمام علیه السلام (1)و(2)
الخلاصه
كان خطوات الإمام علیه السلام للقضاء على فتنة عائشة وطلحة والزبير متقنة وحكيمة إذ استطاع الإمام أن يثبّط عزيمة الزبير وجعله يعتزل القتال.
و لکنّ لم تؤثر نصائح الإمام علیه السلام في طلحة ولا في عائشة.
وبعد أن خسر أصحاب الفتنة المعركة عاملهم الإمام علیه السلام معاملة حسنة وجهّز عائشة وسرّحها بما يحفظ كرامتها بالرغم من أنّها لم تحفظ كرامة الإمام علیه السلام .
وأدّت معركة الجمل إلى نتائج سلبيّة شتّى وفتحت طريق الاقتتال والتناحر بين المسلمين واتّخذ الإمام بعد معركة الجمل الكوفة عاصمة له لأسباب شتّى، وبدأ بالاحتجاج على معاوية ليتمّ عليه الحجة ويدخله فيما دخل فيه المسلمون.
الأسئلة
1 . ما هي الخطوات الّتی خطاها الإمام علیه السلام للقضاء على فتنة الجمل؟
هل اعتزل الزبير ساحة المعركة؟ ولماذا؟
ما هو دور ابن الزبير في تحريض أبيه ضدّ الإمام علیه السلام ؟
كيف تعامل الإمام مع المشتركين في معركة الجمل؟
5 . كيف تعامل الإمام علیه السلام مع عائشة بشكل خاصّ؟
6 . ما هي نتائج معركة الجمل وآثارها السلبيّة في المجتمع الإسلامي؟
ساورت المخاوف معاوية بعد استقرار الإمام في الكوفة ومضيّه في خطّته لتوحيد الدولة وبناء الحضارة الإسلامیّة على منهج القرآن والسنّة النبویّة ، فسارع معاوية إلى الاستعانة بعمرو بن العاص لما كان يتمتّع به من القدرة الفائقة على المكر والغدر وفقه مع معاوية في العداء للإسلام وللإمام علیه السلام ، ولم يتردّد عمرو طويلاً أمام رسالة معاوية، ولم يكن ليختار على طمعه في الدنيا شيئاً حتّی لوكان دينه الّذی يُدخله الجنّة (1).
وما أن وصل عمر و إلى الشام حتّی جعل يبكي ويولول كالنساء (2)مبتدئاً خطّته في التضليل وخداع الجماهير، وبعد مراوغة ومكايدةٍ بين معاوية وعمرو تمّت المساومة على أن تكون حصّة عمرو ولاية مصر مقابل مواجهة الإمام علیه السلام ومحاربته، وكتب معاوية كتاباً بذلك(3).
و شرعا يخطّطان لمواجهة الإمام والوضع القائم، فكان الاتّفاق على المضيّ في هذا
المسار العدائي المشوب بالظلم والغدر والبغي إذ لاسبيل للوصول إلى أهدافهم وغاياتهم إلامواجهة الإمام علیه السلام و هو الوريث الشرعيّ للنبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم وحامل راية الحقّ والعدل، وكانت الخطّة تتطلب التشبث بقميص عثمان كشعار لتحريك مشاعر وعقول الجماهير غير الواعية فرفعاه على المنبر بعد أن قَدِم به عليهما النعمان بن بشير، فكان الناس يضجّون بالبكاء حتّی سرت فيهم روح الحقد والكراهيّة والعمى عن هدى الحقّ(1).
و لتحريك جماهير الشام لمؤازرة معاوية وتعبئتهم للحرب اقترح عمرو أن يكون شرحبيل بن السمط الكندي المحرّك الأوّل، لما عرف عنه من عبادة ووجاهة في قبائل الشام وكراهية لجرير (مبعوث الامام علیه السلام إلى معاوية) كما أن شرحبيل كان ممّن لا يتقصّى الحقائق من مصادرها، وتمت مخادعة شرحبيل الّذی انطلق مطالباً معاوية بالأخذ بثأر عثمان بن عفّان، وكان يتحرّك بنفسه لحشد الناس للحرب(2).
و بعد تعبئة أهل الشام للحرب أخذ معاوية منهم البيعة وكتب بالحرب كتاباً أرسله مع جرير(3)و الّذی أبطاً كثيراً على الإمام علیه السلام ، ثمّ سارع معاوية بتحريك قواّته نحو أعالي الفرات في وادي صفين لاحتلالها ومنع تقدم قواته نحو أعالي الفرات في وادي صفّين لاحتلالها ومنع تقدم قوات الإمام علیه السلام و حبس الماء عنهم، وتصوّر معاوية أنّ هذا أوّل نصر يحقّقه على الإمام علیه السلام . و طلب الإمام علیه السلام من معاوية أن يسمح لجيشه بالاستقاء بعد أن وصلوا متأخّرين إلى صفّين وأبى معاوية وجيشه ذلك، وأضرّ الظمأ كثيراً بأهل العراق وازداد الضغط على الإمام علیه السلام لكسر الحصار، فأذن لهم بالهجوم على شاطيء الفرات، وتمّ إزاحة قوات معاوية عن ضفّة النهر.
و لکنّ الإمام علیه السلام لم يقابل أهل الشام بالمثل، ففسح لهم المجال لأخذ الماء دون معارضة(1).
و رغم أن الإمام علیه السلام أكثر من مراسلة معاوية وفتح عدّة قنوات للحوار محاولاً كسبه وإدخاله في بيعته لكنّ ردّ معاوية كان هو الحرب والسعي للقضاء على الإمام علیه السلام وجيشه بکلّ وسيلة.
بيد أنّ الإمام علیه السلام كان يأمل في محاولة سلميّة أخرى بعد أن استقرّ وجيشه على ضفّة الفرات، فسادت هدنة مؤقّتة بعث خلالها الإمام علیه السلام مندوبين عنه إلى معاوية وهم بشير بن محصن الأنصاري وسعيد بن قيس الهمداني وشبث بن ربعي التميمي، فقال علیه السلام لهم: «ائتوا هذا الرجل - أي معاوية - وادعوه إلى اللّه وإلى الطاعة والجماعة».
و ما كان جواب معاوية إلا السيف والحرب، فقال للمندوبين: أنصرفوا من عندي فليس بيني وبينكم إلا السيف(2).
جرت مناوشات بين الجيشين ولم تستعر الحرب بعدُ، فكانت تخرج فرقة من كلا الطرفين فيقتتلان، وما أن حلّ شهر محرم من عام (37) ه- حتّی حصلت موادعة بين الطرفين، حاول من خلالها الإمام علیه السلام التوصل إلى الصلح، وكانت خطّته علیه السلام هي الدعوة إلى السلم وجمع الكلمة و حقن الدماء، ودعوات معاوية وأهل الشام كانت رفض بيعة الإمام علیه السلام والطلب بدم عثمان بن عفّان(3).
و استمرت الهدنة مدّة شهر واحد، ولمّا طالت فترة المناوشات سئم الفريقان من ذلك فعبأ الإمام علیه السلام جيشه تعبئة عامةً، وكذلك فعل معاوية، والتحم الجيشان في معركة رهيبة، وكان الإمام يوصي جنوده دائماً فيقول: «لا تقاتلوا القوم حتّی يبدؤوكم فأنتم بحمد اللّه عزّ وجلّ على حجّة ثمّ قال: «فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مديراً و لا تجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورةً ولا تمثّلوا بقتيل»(1).
و استمرت الحرب بين كرٍّ وفرّ حتّی سقط خلالها عدد كبير من المسلمين مابين صرعی و جرحى.
و روي: أنّ عمّار بن ياسر خرج بين الصفّين فقال: إنّي لأرى وجوه قوم لا يزالون يقاتلون حتّی يرتاب المبطلون، والله لو هزمونا حتّی يبلغوا بنا سعفات هجر لكنّا على الحقّ وكانوا على الباطل.
ثمّ تقدم نحو جيش معاوية وهو يرتجز:
نحن ضربناكم على تنزيله ***واليوم نضربكم على تأويله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله ***ويذهل الخليل عن خليله
أو يرجع الحقّ إلى سبيله
فتوسّط فيهم ببسالته الّتی قاتل بها مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم صادقاً مخلصاً،فاشتبكت عليه الرماح فطعنه أبو الغاوية وابن جون السكسكي، وروي أنّهما اختصما في رأس عمّار إلى معاوية وعبدالله بن عمرو بن العاص جالس فقال لهم: ليطب به أحدكما نفساً لصاحبه، فإنّي سمعت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يقول له: «ياعمار تقتلك الفئة الباغية»(2).
و كان الإمام علیه السلام قلقاً لا يقر له قرار حين برز عمّار للقتال في ذلك اليوم، وأكثرَ من السؤال عليه حتّی جاءه خبر استشهاده، فأسرع إلى مصرعه كثيباً حزيناً تفيض عيناه دمعاً، فقد غاب عنه الناصر الناصح والأخ الأمين، ثمّ صلّى عليه ودفنه.
وسری خبر استشهاد عمّار بين الجيشين فوقعت الفتنة بين صفوف جيش معاوية،لما يعلمون من مكانة عمّار وحديث الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم عنه ... و لکنّ المكر والحيلة كانا بالمرصاد لكلّ ساذج جاهل، فأشاع معاوية أنّ الّذی قتل عماراً هو من جاء به و أذعن بسطاء أهل الشام لهذه الضلالة (1).
و روي: أنّ ذلك بلغ الإمام عليا علیه السلام فقال مجيباً على هذا الزعم الماكر: ونحن قتلنا حمزة لأنا أخرجناه إلى أحد (2)!
استمرّ القتال أيّاماً أظهر خلالها أصحاب الإمام صبرهم وتفانيهم من أجل انتصار الحقّ، ثمّ إنّ الإمام علیه السلام قام خطيباً يحثّ على الجهاد فقال: «أيها الناس قد بلغ بكم الأمر وبعدوّكم ماقد رأيتم، ولم يبق منهم إلا آخر نفس، و إنّ الأمور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأوّلها... وقد صبر لكم القوم على غير دين حتّی بلغنا لكم القوم على غير دين حتّی بلغنا منهم ما بلغنا، وأنا غادٍ عليهم بالغداة أحاكمهم إلى اللّه عزّ وجلّ»(3).
فبلغ ذلك معاوية وقد بدت الهزيمة على أهل الشام فاستدعى عمرو بن العاص يستشيره، وقال له: إنّما هي الليلة حتّی يغدو عليٌّ علينا بالفيصل فما ترى؟
قال عمرو: أرى أنّ رجالك لا يقومون لرجاله ولست مثله، وهو يقاتلك على أمر
وأنت تقاتله على غيره أنت تريد البقاء و هو يريد الفناء، وأهل العراق يخافون منك إنّ ظفرت بهم وأهل الشام لا يخافون عليّاً إنّ ظفر بهم، و لکنّ ألقِ إليهم أمراً إنّ قبلوه اختلفوا و إنّ ردّوه اختلفوا، أدعهم إلى كتاب اللّه حكماً فيما بينك وبينهم(1).
فأمر معاوية في الحال أن ترفع المصاحف على الرماح، ونادى أهل الشام ياأهل العراق، هذا كتاب اللّه بيننا وبينكم من فاتحته إلى خاتمته من لثغور أهل الشام من بعد أهل الشام و من لثغور أهل العراق بعد أهل العراق؟
وكانت هذه الدعوى المضلّلة كالصاعقة على رؤوس جيش الإمام، فهاج الناس وكثر اللغط بينهم وقالوا: نجيب إلى كتاب اللّه وننيب إليه... وكان أشدّ الناس في ذلك أحد كبار قادة جيش الإمام علي وهو الأشعث بن قيس.
فقال لهم الإمام علیه السلام : «عباد اللّه ، امضوا على حقّكم وصدقكم وقتال عدوّكم، فإنّ معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وحبيب بن أبي مسلمة وابن أبي سرح والضحاك ليسوا بأصحاب دين ولا ،قرآن أنا أعرف بهم منكم، قد صحبتهم أطفالاً ثمّ رجالاً فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال، ويحكم والله مارفعوها إلا خديعةً ووهناً ومكيدةً، إنّها كلمة حق يراد بها باطل».
فخاطبوا أميرالمؤمنين باسمه الصريح قائلين: ياعليّ، أجب إلى كتاب اللّه عزّ وجل إذ دعيت إليه وإلّا ندفعك برمّتك إلى القوم أو نفعل كما فعلنا بابن عفّان.
ولم يجد الإمام علیه السلام مع المخدوعين سبيلاً فقال: فإنّ تطيعوني فقاتلوا و إنّ تعصوني فاصنعوا ما شئتم(2).
وكان في ساحة المعركة مالك الأشتر يقاتل ببسالة ويقين حتّی كاد أن يصل إلى معاوية فقالوا لأمير المؤمنين: ابعث إلى الأشتر ليأتينّك... و لکنّ الأشتر لم ينثنِ عن
عزمه في القتال، لأنه يعلم أنّ الأمر خدعة فهدّدوه بقتل الإمام علیه السلام ، فعاد الأشتر يؤنّبهم فقال لهم: خدعتم والله فانخدعتم ودعوتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب الجباء السود كنا نظن أنّ صلاتكم زهادة إلى الدنيا وشوق إلى لقاء اللّه ، فلا أرى قراركم إلا إلى الدنيا من الموت.
وأقبل الناس يقولون قد رضي أمير المؤمنين ، والإمام علیه السلام ساكت لا يفيض بكلمة مطرق الرأس حزيناً، فقد انطلت الخديعة على جيشه فتمرّد عليه ولم يعد باستطاعته أن يفعل شيئاً، وقد أدلى علیه السلام بما مني به بقوله: «لقد كنت أمس أميراً فأصبحت اليوم مأموراً، وكنت بالأمس ناهياً فأصبحت اليوم منهياً»(1).
لم تتوقّف محنة الإمام علیه السلام بتخاذل الجيش، وكان بالإمكان أن يحقّق مكسباً سياسيّاً عن طريق المفاوضات الّتی دُعي إليها لو أطاعه المتمرّدون في اختيار الممثّلين عنه إلى التحكيم، فأراد الإمام الترشيح عبدالله بن عباس أو مالك الأشتر لما يعلم منهما من إخلاص ووعي، وأصرّ المخدوعون على ترشيح أبي موسى الأشعري، فقال الإمام عا: «إنكم قد عصيتموني في أوّل الأمر فلا تعصوني الآن، إنّي لا أرى أن أولّي أبا موسى فإنّه ليس بثقة، قد فارقني وخذّل الناس عنّي - بالكوفة عند الذهاب لحرب الجمل - ثمّ هرب منّي حتّی أمّنته بعد أشهر»(2).
وتمكن معاوية وابن العاص من مأربهم في تفتيت جيش الإمام علیه السلام ، يساعدهم في ذلك الأشعث بن قيس من داخل قوّات الإمام.
حضر عمرو بن العاص ممثّلاً عن أهل الشام بدون معارضة من أحد لتسطير بنود
الاتّفاق مع أبي موسى الأشعري، ولم يقبل عمرو كتابة اسم «أمير المؤمنين »في الصحيفة، فقال الإمام علیه السلام : إنّ هذا اليوم كيوم الحدیبیّة إذ قال سهل بن عمر للنبي: لستَ رسول اللّه ، ثمّ قال علیه السلام : فقال لي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : أما إنّ لك مثلها ستعطيها و أنت مضطهد(1).
و أهمّ ماجاء في الصحيفة هو إعلان الهدنة ووقف القتال، وأن يلجأ الطرفان إلى كتاب اللّه وسنّة نبيه لحل قضاياهم، وأُجّل البتّ في قرار الحكمين إلى رمضان عام (37) ه- حيث كتبت الصحيفة في صفر من نفس العام.
والغريب أن مسألة الأخذ بثأر عثمان لم ترد ولو بإشارة بسيطة في كتاب الموادعة مع أنّها أسّ الفتنة الّتی تحرّك فيها معاوية وحزبه من أبناء الطلقاء(2)، واتّفقوا على أن يكون موضع اجتماع الحكمين في «دومة الجندل».
و روي: أنه طلب من الأشتر أن يشهد في الصحيفة، فقال: لاصبّحتني يميني ولا نفعتني بعدها شمالي إنّ خُط لي في هذه الصحيفة اسم أو لست على بيّنة من ربّي من خلال عدوّي؟ أو لستم قد رأيتم الظفر (3).
و قيل لأمير المؤمنين: إنّ الأشتر لا يقرّ بما في الصحيفة ولا يرى إلا قتال القوم. فقا ل علیه السلام : «وأنا والله مارضيت ولا أحببت أن ترضوا».
ثمّ قال علیه السلام : «ياليت فيكم مثله اثنين ياليت فيكم مثله واحداً يرى في عدوّي ما أرى، إذاً لخفّت عليّ مؤونتكم، ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم وقد نهيتكم فعصيتموني، والله لقد فعلتم فعلة ضعضعت بعد قوّة وأسقطت منّة وأورثت وهناً و ذلّة»(4).
الخلاصه
لقد تخوّف معاوية من نقل الإمام علیه السلام عاصمته إلى الكوفة واستعان بعمرو بن العاص لايجاد الخلخلة والتفرقة بين قوات الإمام علیه السلام لما كان يعلم من إيمان وبسالة جند الإمام علیه السلام و خطا الإمام كلّ الخطوات السلميّة لتثبيت الأمن والاستقرار ويرجع معاوية عن غيّه. و لکنّ معاوية أصرّ على القتال.
ورغم ذلك استطاعت قوّات الإمام أن تعصف بقوات معاوية حتّی بان الوهن فيهم وهنا أشار عمرو بحيلة رفع المصاحف لخديعة البسطاء من جيش الإمام علیه السلام .
وعملت هذه الحيلة عملها فحصل الانشقاق في قوات الإمام علیه السلام وانتهى الأمر إلى إقرار صحيفة الموادعة المؤقتة بالرغم من عدم رضا الإمام علیه السلام بذلك.
الأسئلة
1 . ماذا كانت ردود فعل نقل الإمام عاصمته إلى الكوفة؟
2 . لماذا استعان معاوية بعمرو لمحاربة الإمام؟
3 . ما هي الخصائص المشتركة بين معاوية وعمرو بن العاص حتّی جعلتهما يخطّطان في خندق واحد؟
4 . ما هي الخطوات الّتی خطاها الإمام علیه السلام لردع معاوية عن إشعال نار الحرب؟
5 . لماذا انتصرت قوات الإمام علي عليه السلام على قوات معاوية؟
6 . ما هي فتنة رفع المصاحف؟ وماهو سببها؟
رجع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إلى الكوفة مثقلاً بالهموم والآلام وهو يرى أنّ باطل معاوية قد استحكم وأمره أوشك أن يتمّ، وينظر إلى جيشه وقد فتّنه التمرّد لا يستجيب لأمره.
ودخل الإمام علیه السلام الكوفة فرأى لوعة وبكاءاً، قد سادت أرجائها حزناً على جميع من قتل في صفّین ، واعتزلت فرقة تناهز اثني عشر ألف مقاتل عن جيش الإمام، ولم يدخلوا الكوفة فلحقوا بحروراء، وجعلوا أميرهم على القتال شبث بن ربعي، وعلى الصلاة عبدالله بن الكواء اليشكري، وخلعوا بيعة الإمام علیه السلام يدعون إلى جعل الأمر شورى بين المسلمين... وكان أمر هؤلاء قد بدأ منذ كتابة صحيفة الموادعة، إذ لم يعجبهم الأمر فاعترضوا وقالوا: لا نرضى، لا حكم إلا لله ، واتخذوه شعاراً لهم رغم أنهم هم الّذین أصرّوا على الإمام علیه السلام لقبول التحكيم.
و سعى أمير المؤمنين لمعالجة موقفهم بالحكمة والنصيحة، فأرسل إليهم عبدالله بن عباس وأمره أن لا يعجل في الخوض معهم في جدال وخصومة، ولحقه الإمام علیه السلام فكلّمهم وحاججهم و فنّد کلّ ،دعاواهم، فاستجابوا له ودخلوا معه إلى الكوفة(1).
1) الكامل في التأريخ، ج 3، ص 426 و تأريخ الطبري، ج 5، ص 668.
حان الأجل الّذی ضرب لاجتماع الحكمين فأرسل الإمام علیه السلام أربعمائة رجل عليهم شريح بن هاني، وبعث معهم عبدالله بن عباس ليصلي بهم ويلي أمورهم و أبو موسى الأشعري معهم، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة رجل من أهل الشام حتّى توافوا في دومة الجندل.
وقد سارع عدد في أهل الرأي والحكمة ممّن أخلصوا للإمام علیه السلام بتقديم النصح والتحذير لأبي موسى باذلين جهدهم في حمله على التبصرة والرويّة في اتّخاذ القرار، وخشيةً منهم من مكر عمرو وخداعه(1).
اجتمع الحكمان أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص، والأوّل يحمل الغباء السياسي وضعف الانتماء العقائدي وقلّة الولاء لإمامه عليّ المال عليه السلام والثاني هو الماكر المخادع ذو السجيّة الغادرُ والطامع إلى إقصاء خطّ أهل البيت علیهم السلام تماماً عن الميدان
السياسي، يدفعه لذلك طمعه للملك و شركته مع الطليق ابن الطليق معاوية.
ولم يطل الاجتماع طويلاً حتّی تمكن ابن العاص من معرفة نقاط الضعف في شخصيّة الأشعري والسيطرة عليه وتوجيهه نحو ما يريد، واتّفق الاثنان في اجتماع مغلق على خلع الإمام علي عليه السلام ومعاوية عن ولاية أمر المسلمين، واختيار عبدالله ابن عمر بن الخطاب ليكون الخليفة المقترح.
وبادر ابن عباس محذّراً الأشعري من أن ينساق في لعبة ابن العاص، فقال له: ويحك، والله إنّي لأظنّه قد خدعك إنّ إتفقتما على أمر، فقدمه فليتكلّم بذلك الأمر قبلك ثمّ تكلّم أنت بعده، فإنّ عَمْراً رجل غادر لا آمن من أن يكون قد أعطاك الرضا
1) شرح نهج البلاغة، ج 2، ص 246، ط. دار إحياء التراث العربي؛ وقعة صفّین ، ص 534
فيما بينك وبينه، فإذا قمت في الناس خالفك.
فقام الأشعري فخطب وخلع الإمام عليّاً علیه السلام ، ثمّ انبرى عمرو فخطب وأكّد خلع الإمام وثبت معاوية لولاية الأمر(1).
و بتلك الغدرة ظفر معاوية بالنصر، وعاد إليه أهل الشام يسلّمون عليه بإمرة المؤمنين، وأمّا أهل العراق فغرقوا في الفتنة وأيقنوا بضلال ما أقدموا عليه، وهرب أبو موسى إلى مكّة، ورجع ابن عباس و شريح إلى الإمام علي عليه السلام .
يمكن أن نقول: إنّ ظهور الخوارج إفراز طبيعي للصراع الدموي في الجمل وصفّين، كما أنّنا لا يمكننا أن نعزل انحرافهم بمعزل عن انحراف الخلافة عن خطّ أهل البيت علیهم السلام ، لقد كان من أهمّ صفات الخوارج هو التحجّر والتمسّك بالظواهر والتعصّب والخشونة وعدم التميير بين الحقّ والباطل، وأنهم سريعو التأثر بالشائعات، فيتردّدون عند أدنى شكّ.
ونجد أنّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أخبر عن صفتهم، إذ روي عنه علي صلی اللّه علیه و آله وسلم : «يخرج في هذه الأمّة - ولم يقل منها - قوم تحقّرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرأون القرآن ولا يجاوز حلوقهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية»(2).
و لم يتمكن الإمام علیه السلام من معالجة أمراضهم وانحرافاتهم، فقد عاجلته الحروب والتمرّدات في الجمل وصفّين في فترة قصيرةٍ جدّاً، ويمكن أن نعزو ظهور الخوارج إلى:
1 . الإحباط النفسي والفشل في تحقيق النصر، وخصوصاً أنّ معارك الإمام علیه السلام
ضد متمرّدين هم مسلمون في الظاهر، فلم يتمكّن الخوارج من فهم معالجة الإمام للمتمردين، ولم يتمكّنوا من تحمّل نتيجة التحكيم، في حين هم الّذین أجبروه على قبول التحكيم، ولم يواجهوا أنفسهم بمواقفهم المنحرفة، فسعوا إلى تعليق أخطائهم و تحميل أوزارها إلى طرف آخر غيرهم ولم يكن إلا الإمام علي (1).
2 . استغلالهم الحريّة الفكريّة الّتی فتحها الإمام علیه السلام لكي تمارس الأمّة وعيها الرسالي، فقد روي أنهم كانوا يعترضون على الإمام حتّی أثناء خطبته بدعوى لاحكم إلا لله ، وماكان الإمام يجيبهم إلا ب-«كلمة حق يراد بها باطل». وقال الإمام علیه السلام لهم: لكم عندنا ثلاث خصال: لا نمنعكم مساجد اللّه أن تصلّوا فيها، ولا نمنعكم الفيء ماكانت أيديكم في أيدينا، ولا نبدؤكم للحرب حتّی تبدؤونا»(2)فتحوّلت حركتهم من حالةٍ فرديةٍ إلى حالةٍ جماعية.
و لمّا بلغ خبر التحكيم إلى الإمام علیه السلام تألّم كثيراً، وخطب في الناس يحثّهم ويدلّهم على إصلاح الخطأ الّذی تورّطوا فيه وذكرهم بنصحه لهم، فقال : « إنّ مخالفة الناصح الشفيق المجرّب تورث الحسرة وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، ونخلت لكم مخزون رأيي لو كان يطاع لقصير أمر فأبيتم عليَّ إباء المخالفين الجفاة المنابذين العصاة حتّی ارتاب الناصح بنصحه وضَنَّ الزند بقدحه فكنت وإيّاكم كما قال أخو هوازن:
أمرتكم أمري بمنعرج اللوى*** فلم تستبينوا النصح إلّا ضحى الغد
ألا إنّ هذين الرجلين - أبا موسى الأشعري وابن العاص - اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، واتّبع كلّ واحد منهما هواه بغير هدىً من اللّه ، فحكما بغير حجّة بيّنة ولاسنّة ماضية، واختلفا في حكمهما وكلاهما لم يرشد فبري اللّه منهما ورسوله و صالح المؤمنين، استعدّوا وتأهّبوا للمسير إلى الشام، وأصبحوا في معسكركم إنّ شاء اللّه (1).
وكتب الإمام إلى عبدالله بن عباس أن يعبّئ أهل البصرة للالتحاق بالإمام القتال معاوية، فالتحقت جموع البصرة بالكوفة، و لکنّ عبث الخوارج الّذین تجمّعوا من البصرة والكوفة متّجهين نحو النهروان وفسادهم في الأرض أقلق أصحاب الإمام علیه السلام من تركهم خلفهم لو توجّهوا إلى الشام فطلبوا من الإمام أن يقضي على الخوارج أولاً(2).
وكان من عبث الخوارج أنهم قبضوا على عبدالله بن خباب وزوجته فقتلوه، وبقروا بطن امرأته وألقوا مافيها من دون مبرّر، وكذلك قتلوا الحارث بن مرّة العبدي رسول الإمام علیه السلام إليهم(3).
تجمّعت قوّات المارقين عن الدين قرب النهروان بعد أن التحقت بهم مجاميع من البصرة وغيرها، وحاول الإمام علیه السلام مراراً ردعهم عن فكرتهم وسعيهم للحرب، فلم يجد فيهم إلا الفساد والجهل والإصرار، بل تمرّدوا وتمادوا في غيهم فعبّاً جيشه ونصحهم كما هو شأنه في كلّ معركة ولمّا انتهى الإمام علیه السلام إليهم بعث لهم رسولاً يطلب منهم قتلة عبدالله بن خبّاب وقتلة رسوله الحارث بن مرّة، فردّوا عليه مجمعين:
كلّنا قتلناهم وكلّنا مستحلّ لدمائكم ودمائهم.
وبعث الإمام علیه السلام قيس بن سعد وأبا أيوب الأنصاري لينصحا القوم عساهم أن يفهموا واقع الأحداث، ويجنّبوا الأمة مزيداً من الدماء، ثمّ أتاهم الإمام علیه السلام فقال لهم:
«أيّتها العصابة الّتی أخرجها عداوة المراء واللجاجة، وصدّها عن الحقّ الهوى وطمع بها النزق، وأصبحت في الخطب العظيم، إنّي نذير لكم إنّ تصبحوا تلعنكم الأمّة غداً صرعى بأثناء هذاالوادي، وبأهضام هذا الغائط بغير بيّنة من ربّكم ولا برهان مبين» ثمّ بيّن لهم الا أنه كره التحكيم و عارضه، و شرح سبب معارضته بوضوح لهم، ولكنّهم أنفسهم أجبروا الإمام على قبول التحكيم، وأنّ الحكمين لم يحكما بالقرآن والسنّة، وهاهو الإمام يعدّ العدّة لملاقاة معاوية ثانيةً، فلا معنى لخروج المارقين، ولم معه
يرعوي المارقون لقول الإمام وطالبوه بتكفير نفسه وإعلان توبته، فقال علیه السلام : أصابكم حاصب ولا بقي منكم وابر أبعد إيماني برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و هجرتي وجهادي في سبيل اللّه أشهد على نفسي بالكفر ؟! لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين» ثمّ انصرف عنهم، وتقدّم الخوارج فاصطفّوا للقتال... وعبّا الإمام علیه السلام جيشه لملاقاتهم، وفي محاولة أخيرة أمر الإمام أبا أيوب الأنصاري أن يرفع راية أمان للخوارج، ويقول لهم: «من جاء إلى هذه الراية فهو آمن و من انصرف إلى الكوفة والمدائن فهو آمن... إنه لا حاجة لنا فيكم إلا فيمن قتل إخواننا».
فانصرفت منهم مجاميع كثيرة، وقال الإمام علیه السلام لأصحابه: كفّوا عنهم حتّی يبدؤوكم بقتال.
وهجم الخوارج وهم يتصايحون: لا حكم إلّا للّه... الرواح الرواح إلى الجنة، ولم تمض إلا ساعة حتّی أبيدوا عن أجمعهم، ولم ينجُ منهم إلا أقلّ من عشرة، ولم يُقتل من أصحاب الإمام إلا أقلّ من عشرة أشخاص(1).
1) تأريخ الطبري، ج 5، ص 699 البداية والنهاية، ج 8، ص 288 و مروج الذهب، ج 2، ص 385.
و بعد أن سكنت اُوار المعركة أمر الإمام علیه السلام في طلب «ذو الثدية» أحد قادة الخوارج وألحَّ في ذلك لأنّ في ذلك مصداقاً لوصايا الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بمقاتلة المارقين عن الدين الّذین فيهم ذوالثدية (1)ولمّا وجدوه أخبروا الإمام علیه السلام فقال: «الله أكبر ما كذبت ولا كذّبت، لولا أن تنكلوا عن العمل لأخبرتكم بما قصّ اللّه على لسان نبيّه صلی اللّه علیه و آله وسلم لمن قاتلهم مستبصراً في قتلهم، عارفاً للحقّ الّذی نحن عليه» وسجد علیه السلام شكراً للّه(2).
بعد مقتل عثمان بن عفّان ولّى أمير المؤمنين قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ولاية مصر، ثمّ كلّف محمّد بن أبي بكر ليقوم مقام قيس بن سعد لرأي رآه ، وبقيت مصر الجناح الآخر الّذی يقلق معاوية، فما أن ساد الاضطراب والتخاذل في المجتمع الإسلامي بعد المعارك ونتائجها تحرّك معاوية وعمرو بن العاص لاحتلال مصر الّتی كانت ثمناً لجهود عمرو بن العاص لتخريب حكومة الإمام و تهديم الدين، وحاول علیه السلام أن يمد محمّد بن أبي بكر بالعّدّة والعُدّة عند سماعه بزحف معاوية نحو مصر، فلم يلبث إلا قليلاً حتّی أتت الأخبار باحتلال مصر واستشهاد محمّد بن أبي بكر، وحزن الإمام علیه السلام على محمّد(3). ثمّ كلّف مالك الأشتر بالذهاب إلى ولاية مصر وكتب إليه العهد المشهور و هو يتضمّن نظاماً إدارياً وسياسياً جامعاً.
لکنّ معاوية بمكره ودهائه تمكّن من دس السم إلى مالك والقضاء عليه قبل أن يباشر الإدارة في مصر (4).
الخلاصه
كان الإمام علي علیه السلام لا يدخل في معركةً إلا اذا اضطر إليها، ولم يأل جهداً في بذل النصح والتذكير بأيّام اللّه آملاً أن يستجيب المخالفون لطلب الإمام فيكف عن الحرب، ولكنّ الّذین أعمى اللّه قلوبهم وأصم عن الحقّ أسماعهم لم ينصاعوا لأي نداء ولم يستجيبوا لأيّ طلب شاهدين على أنفسهم بالكفر، بل كانوا يدخلون ساحة الحرب ضدّ الإمام تحدوهم الأطماع والأهواء، معلنين عن كفرهم ونفاقهم وأحقادهم الّتی ورثوها عن أسلافهم، ساخطين على اللّه ورسوله ووصيّه من بعده.
وقد لعبت سياسة المكر والخداع الّتی مارس، عمرو بن العاص أدوارها الشائنة في تحريض معاوية على الوقوف بوجه الإمام فتمخصت عن صرف الامة عن مسار الرسالة الإسلامیّة الّذی كان يمثّله الإمام علیه السلام .
وكانت هذه السياسة متحكمة في نفوس العابثين بمقررّات الشريعة وقد سيّئها، فهم قد تربوا على الكفر والعدوان من جانب جبهة الشرك ليقفوا بوجه الحقّ شاهرين سيف الباطل لمحاربته و لکنّ لا يحيق المكر السيء إلا بأهله، فقد علت راية الحقّ في كلّ ،معركة، فانتصرت إرادة السماء في الأرض، وانكسرت شوكة الشرك، وخسر هنالك المبطلون.
الأسئلة
1 . ماذا أثرت سياسة المكر والخداع الّتی مارسها عمرو بن العاص في تحريض معاوية ضدّ الإمام علي عليه السلام ؟
2 . اذكر الخطب والمواقع الّتی خطب فيها الإمام محذّراً الأمّة من مغبّة أنباع الأهواء والأطماع.
كيف استطاع معاوية أن يستميل أغلب الناس للوقوف إلى جانبه؟
اذكر دور الحكمين في قلب موازين التحكيم، وما هو دور ابن العاص في ذلك؟
ما هي نتائج التحكيم، وهل خدمت طرفي الحرب معاً؟
6 . وضحّ معالم شخصيّة أبي موسى الأشعري.
7 . ما هي إفرازات معركة الجمل و صفّین ؟
8 . ما هو موقف كلّ من الإمام والخوارج اتّجاه الطرف الآخر؟
9 . كيف تمّ احتلال مصر، ولماذا كلّف الإمام مالك الاشتر لولايتها؟
بدأت بوضوح ملامح و آثار الانحراف الّذی حصل يوم السقيفة في نهاية أیّام حكم الإمام علیه السلام حيث بدأ معاوية ومن اقتفى أثره في محاربة الإسلام من داخل الإسلام بتفكيك مابقي من أواصر تماسك المجتمع الإسلامي و تخريبه وبناء مجتمع ينسجم وفق رغباتهم وأهوائهم، ويمكننا أن نلحظ حال الأمّة بعد خوض الإمام علیه السلام ثلاث معارك فيصليّة لاجتثاث الفساد فيما يلي:
1 . مُني الإمام علیه السلام و الأمّة بفقد خيار الصحابة الواعين والفاعلين في المجتمع وحركة الدعوة الإسلامیّة الّذین كان يمكن من خلالهم بناء الأمّة الصالحة وفق نهج القرآن والسنة بإشراف الإمام علیه السلام ، وقد بلغ الحزن في نفس الإمام مبلغاً عظيماً نجده في نعيه لهم بقوله:
«ماضرّ إخواننا الّذین سفكت دماؤهم بصفّين أن لا يكونوا اليوم أحياءً يسيغون الغصص ويشربون الرنق، قد والله لقوا اللّه فوفّاهم أجورهم وأحلّهم دار الأمن بعد خوفهم... أين إخواني الّذین ركبوا الطريق ومضوا على الحقّ؟ أين عمار؟ وأين ابن التیهان؟ وأين ذو الشهادتين؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الّذین تعاقدوا على النيّة وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة؟».
ثمّ وضع يده على كريمته فأطال البكاء ثمّ قال: «أَوَّهِ على إخواني الّذین قرأوا القرآن فأحكموه وتدابروا الفرض فأقاموه، أحيوا السنّة وأماتوا البدعة، دعوا للجهاد فأجابوا، ووثقوا بالقائد فاتّبعوه»(1).
2 . تمرّد الجيش و تفكّكه وظهور الضعف والسأم من الحرب لكثرة ماقتل من أهل العراق الّذین يشكّلون العمود الفقري لفرق جيش الإمام علیه السلام ، ولم يتمكن علیه السلام بما يملك من قدرة خطابيّة رائعة وحجّة بالغة أن يبعث الإندفاع والحزم في قاعدته الشعبيّة لمواصلة الحرب، وممّا زاد من تفتيت الجيش عدم توقّف معاوية من مخاطبة زعماء القبائل والعناصر الّتی يبدو منها حبّ الدنيا، فمنّاهم بالأموال والهبات والمناصب إذا قاموا بکلّ ما يؤدّي إلى إضعاف قوة الإمام علیه السلام وجماهيره المؤيدة، حتّی أنّ الإمام علیه السلام لم يستطع أن يعبّىء في معسكر النخيلة بعد معركة النهروان استعداداً لقتال معاوية، فقد تسلّل أغلب أفراد الجيش إلى داخل الكوفة ممّا أدى بالإمام علیه السلام أن يلغي المعسكر ويؤجل الحرب(2).
وبعث معاوية بسر بن أرطاة للغارة على الحجاز واليمن، فعاث في الأرض فساداً وقتلاً للأبرياء(1)وبلغ الأسى والأسف في نفس الإمام علیه السلام مبلغاً عظيماً ممّا يفعل المجرمون و من تخاذل الناس عنه، حتّی كان يصرّح بالانزجار من تخاذلهم وتقاعسهم فيقول: «اللّهمّ إنّي قد مللتهم وملّوني وسئمتهم وسئموني فأبدلني بهم خيراً منهم وأبدلهم بي شراً منّي»(2).
و قد أنذر الإمام علیه السلام الأمّة الإسلامیّة بمستقبل مظلم وآلام كثيرة تحلّ بها نتيجة لما آلت إليها من تقاعس وتخاذل عن نصرة الحقّ، فقال علیه السلام : «أما إنكم ستلقون بعدي ذلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وأثرةً يتّخذها الظالمون فيكم سنّة، فيفرّق جماعتكم، ويبكي عيونكم، ويدخل الفقر بيوتكم، وتتمنّون عن قليل أنكم رأيتموني فنصرتموني، فستعلمون حقّ ما أقول لكم»(3).
بعد الاضطرابات المتعدّدة وتمكّن معاوية من نشر الرعب في أطراف الدولة الإسلامیّة عزم الإمام علیه السلام أن يقوم بحملةٍ واسعةٍ يستنهض فيها الأمّة ، فخاطب الجماهير وهدّدهم فقال:
«أما إنّي قد سئمت من عتابكم وخطابكم، فبيّنوا لي ما أنتم فاعلون، فإنّ كنتم شاخصين معي إلى عدوّي فهو ما أطلب وما أحب، و إنّ كنتم غير فاعلين فاكشفوه لي عن أمركم، فوالله لئن لم تخرجوا معي بأجمعكم إلى عدوكم فتقاتلوه حتّی يحكم اللّه بيننا وبينه و هو خير الحاكمين لأدعوّن اللّه عليكم ثمّ لأسيرنّ إلى عدوّكم ولو لم يكن معي إلا عشرة».
وأيقظ هذا التهديد الحازم نفوس الناس، وأيقنوا أنّ الإمام علیه السلام سيخرج بنفسه وأهله وخاصّته إلى معاوية و إنّ لم ينصروه، فسيلحق العار والذلّ بهم إلى يوم القيامة، فتحرّك وجهاء الناس للاستعداد لملاقاة معاوية والقضاء على الفساد، وخرج الناس إلى معسكراتهم في منطقة «النخيلة» خارج الكوفة، وتحركّت بعض قطعات الجيش تسبق البقيّة مع الإمام علیه السلام الّذی بقي ينتظر انقضاء شهر رمضان.
علي علیه السلام شهيد المحراب (1)
لقد تواطأت زمر الشرّ على أن لاتبقي للحقّ رايةً تخفق أو يداً تصول فتصلح أو صوتاً يدوي فيكشف زيغ و فساد الظالمين والمنحرفين، فبالأمس كان أبوسفيان يمكر ويغدر ويفجر ويخطّط لقتل النبيّ الأكرم صلی اللّه علیه و آله وسلم وأد الرسالة الإلهيّة في مهدها، ولكنّ اللّه أبى إلا أن يتمّ نوره.
وهاهو معاوية بن أبي سفيان يقبض على نتائج انحراف السقيفة، ويتمّم مابدأه أبوه سعياً للقضاء على الرسالة الإسلامیّة ، تعينه في ذلك قوى الشر والعمى، فخطّطوا لقتل ضمير الأمّة الحيّ وصوت الحقّ الهادر وحامل لواء العدل و محيي الشريعة المحمّديّة السمحاء.
واجتمعت ضلالتهم على أن يطفئوا نور الهدى ليبقى الظلام يلفّ انحرافهم
وفسادهم، فامتدّت يد الشيطان لتصافح ابن ملجم في عتمة الليل و وفي ختلة وغدرة هوت بالسيف على هامة طالما استدبرت الدنيا واستقبلت بيت اللّه وهي ساجدة، وغادرتها منها في تلك الحال.
لقد اغتالوا الحقّ يوم اغتالوا عليّاً، ولكنّه فاز إذ وفّى لربّه ودينه ونبيّه فدوى صوته الأبدي في الآفاق: فزت وربّ الكعبة». فاز إذ أقام الدين وهدى للرشاد وسار على
1) استشهد أمير المؤمنين في شهر رمضان عام (40) ه-
الحقّ في أمور العباد والبلاد متّبعاً نبيه مستقيماً على سنّته راعياً ذمّته في أمّته ماحقاً الباطل والبدعة.
لقد روّى علي ابن أبي طالب شجرة الإسلام المحمّدي الباسقة و الّتی تعهّد إرواءها بدمه الطاهر الزكّي، وأوقف الانحراف عند حدّه بإيقاف حياته، لتواصل الأمّة مسيرتها مع عَلَمٍ آخر من أعلام آل محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم لتبدأ صفحة جديدة من البناء.
نعم روي عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قوله: «يا علي، أتدري من أشقى الأولين فقال علي علیه السلام : «الله ورسوله أعلم» قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : «عاقر الناقة (ناقة صالح) » ثمّ قال صلی اللّه علیه و آله وسلم. «أتدري من أشقى الآخرين» فقال علیه السلام : «الله ورسوله أعلم» قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : «قاتلك»(1).
لقد إجتمعت عصابة ضالّة على قتل أمير المؤمنين علیه السلام ولا يبعد أن تكون اليد المحركة لهذه العصابة نفس ،معاوية، واتّفقوا أن يداهموا الإمام عند ذهابه لصلاة الفجر، إذما كان أحد يجرأ على مواجهة الإمام علیه السلام .
ولمّا كانت ليلة تسع عشرة من شهر رمضان كان الإمام علیه السلام يكّثر التأمل في السماء وهو يردّد «ماكذبت ولا كذّبت إنّها الليلة الّتی وعدت بها»(2)و أمضى علیه السلام ليلته بالدعاء والمناجاة، ثمّ خرج إلى بيت اللّه لصلاة الصبح فجعل يوقظ الناس على عادته إلى عبادة اللّه فينادي: الصلاة... الصلاة.
ثمّ شرع علیه السلام في صلاته، وبينما هو منشغل يناجي ربّه إذ هوى المجرم اللعين عبدالرحمن بن ملجم وهو يصرخ بشعار الخوارج «الحكم للّه لا لك» ووقع السيف على جبهته الشريفة فقدتها فهتف الإمام علیه السلام : «فزت ورب الكعبة»(3).
و لما علت الضجة في المسجد أقبل الناس مسرعين فوجدوا الإمام علیه السلام طريحاً في
محرابه. وحمل الإمام علیه السلام إلى داره و هو معصب الرأس والناس يضجّون بالبكاء والعويل. وألقي القبض على المجرم ابن ملجم وأوصى الإمام علیه السلام ولده الحسن علیه السلام وبنيه وأهل بيته أن يحسنوا بأسيرهم وقال:
النفس بالنفس فإنّ أنا مُتّ فاقتلوه كما قتلني و إنّ أنا عشت رأيت فيه رأيي(1).
و مضى سم السيف بأثره في جسد الإمام علیه السلام فأيقن برحيله إلى الرفيق الأعلى عهد عهده إلى أهل بيته وأمته وكان أوّل ماعهد بالإمامة إلى ولده الإمام الحسن علیه السلام المواصلة المسيرة ورعاية شؤون الرسالة الإسلامیّة و الأمّة وأشهد على ذلك. الحسين و محمّداً وعدداً من الصحابة المخلصين ثمّ دفع إليه الكتب الّتی فيها العلم الّذی توارثه عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وسلاح رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وقال له: يابني، أمرني رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلمأن أوصي إليك و أن أدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إليّ رسول اللّه .. ثمّ قال: يابني أنت ولي الدم فإنّ عفوت فلك و إنّ قتلت فضربة مكان ضربة (2).
كما أوصى الإمام علیه السلام ولديه الحسن والحسين علیهما السلام وجميع أهل البيت بوصايا عامّة فقال:
أوصيكما بتقوى اللّه وأن لا تبغيا الدنيا و إنّ بغتكما ولا تأسفا على شيء مما زوي عنكما وقولا للحق واعملا للأجر وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً واعملا بمافي الكتاب ولا تأخذ كما في اللّه لومة لائم (3).
و لم يطل الألم بأمير المؤمنين علیه السلام طويلاً مع شدته وعظيم وقعته. فقد دنا الأجل المحتوم، وكان آخر مانطق به قوله تعالى: لمثل هذا فليعمل العاملون».
ثمّ فاضت روحه الطاهرة إلى جنة المأوى.
ولمّا اُلحد أمير المؤمنين علیه السلام وقف صعصعة بن صوحان العبديّ رضی اللّه عنه على القبر ووضع إحدى يديه على فؤاده والأخرى قد أخذ بها التراب و يضرب به رأسه ثمّ قال: بأبي أنت وأمّي يا أمير المؤمنين ، ثمّ قال: هنيئاً لك يا أبا الحسن فلقد طاب مولدك و قوي صبرك وعظم جهادك وظفرت برأيك و ربحت تجارتك وقدمت على خالقك فتلقّاك اللّه ببشارته، وحفتّك ملائكته واستقررت في جوار المصطفى فأكرمك اللّه بجواره ولحقتَ بدرجة أخيك المصطفى وشربت بكأسه الأوفى، فأسأل اللّه أن يمنّ علينا باقتنائنا أثرك والعمل بسيرتك والمولاة لأوليائك والمعاداة لأعدائك، وأن يحشرنا في زمرة أوليائك فقد نلتَ مالم يتله أحد، وأدركت مالم يدركه أحد، و جاهدت في سبيل ربّك بين يدي أخيك المصطفى حق جهاده، وقمت بدين اللّه حق القيام، حتّی أقمتَ السنن وأبرت الفتن واستقام الإسلام وانتظم الإيمان، فعليك منّي أفضل الصلاة والسلام.
ثمّ قال: لقد شرّف اللّه مقامك، وكنت أقرب الناس إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم نسباً، وأولهم إسلاماً، وأوفاهم يقيناً، وأشدّهم قلباً، وأبذلهم لنفسه مجاهداً، وأعظمهم في الخير نصيباً، فلا حرمنا أجرك، ولا أذلّنا بعدك، فوالله لقد كانت حياتك مفاتح الخير و مغالق الشر، وإنّ يومك هذا مفتاح كلّ شر و مغلاق كلّ خير، ولو أنّ الناس قبلوا منك لأكلوا من فوقهم و من تحت أرجلهم، ولكنّهم آثروا الدنيا على الآخرة (1).
1) بحار الأنوار، ج 42، ص 295.
الخلاصة
إنّ سياسة المكر والخداع الّتی مارس أدوارها الشائنة عمرو بن العاص في تحريض معاويد على الوقوف بوجه الإمام علیه السلام تمخضت عن حرف الأمّة عن مسار الرسالة الإسلامیّة الّتی حملها الإمام ليؤديها بکلّ حزم واخلاص وتغاني من أجلها.
وقد فشلت كلّ محاولات الإمام رغم كثرتها وصراحتها في صدّ هؤلاء المنحرفين والمتصدين للرسالة الإسلامیّة فبدلاً من أن يضيف الناس من سباتهم ركنوا إلى العناد واللجاج والتلويح في إشعال نار الحرب و إنّ أكلت كلّ شيء وحولته إلى خراب.
ونجحت سياسة معاوية وبمعاونة من يدورون في فلكه في إبعاد الناس عن الإمام علي علیه السلام وتركه لوحده خلا جماعة لا يعدون بالأصابع وقفوا إلى جانبه يذبوّن عن قيمه ويزودون عن حياض الإسلام وشريعة محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم و مباديء اهل البيت علیهم السلام .
وانتهى الصراع بين الحقّ والباطل إلى قتل الإمام علیه السلام ، واستقلال الأموييّن بالسلطة الّتی ركضوا إليها وتركوا قول انته وراءهم، وباعوا آخرتهم بدنياهم.
الأسئلة
1 . بعد ثلاث معارك فيصليّة خاضها الإمام علیه السلام جتثان الفساد ما هي النتائج الّتی خلفتها تلك المعارك على واقع الأمّة ؟
2 . لقد بلغ الحزن القميق في نفس الإمام علیه السلام مبلغاً عظيماً فعبر عنه بقول، اذكر ذلك القول، وعدد مقاطعه.
3 . بم هدّد الإمام الجماهير الّتی تقاعست عن الوقوف إلى جانبه، وهل نجحت محاولته تلك وكيف؟
4 . كيف اغتيل الإمام، وأين وما هي الأطراف الّتی اشتركت في عمليّة الاغتيال هذه ؟
5 . ما معنى قول الإمام علیه السلام : فزت وربّ الكعبة» ومتى قالها؟
6 . كيف أوصى الإمام علیه السلام أولاده بحق الجاني؟
7 . تابع حركة الجاني في عمليّة اغتياله للإمام مكاناً و زماناً وكيفيّة، وماذا قال عند ضربته له؟
9 . من هم الخوارج؟ اذكر دورهم في قضيّة التحكيم وأين تمت عمليّة إبادتهم؟
انحدرت خديجة علیها السلام من اُسرة عريقة النسب، متمسّكة بدين إبراهيم علیه السلام ، حريصة على الحفاظ على مفاهيمه وتعاليمه وقيمه مناقضة للمجتمع الجاهلي في التفكير والعوطف والسلوك، فأبوها خويلد نازع تبّعاً - ملك اليمن - حين أراد أخذ الحجر الأسود إلى اليمن علیها السلام (1)وحرص على بقائه تمسّكاً منه بالمناسك الدينيّة.
وكان جدّها أسد بن عبد العُزّى أحد المبرّزين في حلف الفضول، حيث تعاقد وتعاهد مع بني هاشم و بني عبد المطّلب وبني زهرة على أن: لا يجدوا بمکّة مظلوماً من أهلها وغيرهم ممّن دخلها من سائر الناس إلّا أقاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتّی تردّ عليه مظلمته (2).
فقد ساهم مساهمة فعّالة في نصرة المظلومين ومواجهة الظالمين إيماناً منه بالقيم الإنسانيّة الّتی أكّدتها شريعة إبراهيم علیه السلام
وكان ابن عمّها ورقة بن نوفل قد تتبع الكتب السماويّة وتعلّم الكثير من علومها، وقيل: إنه كان نصرانيّاً، وكان يدعو أهل مکّة للتخلّي عن عبادة الأصنام، ومن علمه بالمستقبل أفصح عن بعثة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ، و قد صرّح بانتظاره لنبيّ هذا زمانه، وكان ينتظر ظهوره بشوق ويقول : متى متى؟ وقال في ذلك شعراً جاء فيه:
لججت وكنت في الذكرى لَجُوجاً*** لِهَمِّ طالما بعث النَّشيجا
ووصفٍ من خديجة بعد وصفٍ ***فقد طال انتظاري يا خديجا ............................. .......................
بأن محمّد اً سيسودُ يوماً ***ويخصمُ من يكون له حجيجا
ويظهر في البلاد ضياءُ نورٍ*** يقيم به البريّة أن تموجا (1)
فقد نشأت خديجة في أجواء دينيّة متعالية على مفاهيم الجاهلیّة وقيمها، فاجتمع لها النسب الرفيع والخُلق الكريم، وكانت كما يقول المحدّثون - : أوسط نساء قريش نسباً وأعظمها شرفاً(2).
وكانت امرأة حازمة شريفة لبيبة مع ما أراد اللّه بها من كرامتها(3).
ولاجتماع خصائص الشرف والعفّة والكمال والعقل فيها؛ كانت تسمّى قبل البعثة بالطاهرة(4).
وكانت المتفاعلة علیها السلام مع الأخبار الّتی تبشِّر بظهور نبيّ في ذلك الوقت، فقد روي: إنّ نساء أهل مکّة اجتمعن في عيد لهنَّ في الجاهلیّة ، فتمثّل لهنّ رجل، فلمّا قرب نادي بأعلى صوته يا نساء مکّة إنه سيكون في بلدكنّ نبيّ يقال له: أحمد، فمن استطاع منكنّ أن تكون
زوجاً له فلتفعل، فحصبنه إلّا خديجة، فإنّها أعطت على قوله، ولم تعرض له(1).
و من خصائصها أنّها لم تستثمر أموالها في الربا الّذی كان رائجاً أیّام الجاهلیّة ، بل كانت تتاجر به عن طريق رجال ،صالحين رافضة للأساليب غير المشروعة في نماءالأموال تمسّكاً منها بالتعاليم الدينيّة المتبقيّة من شريعة إبراهيم عليه السلام
كانت الرغبة في الإقتران متبادلة بين خديجة علیها السلام و رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فهما من أوسط القبائل نسباً، و من الموحّدين للّه تعالى و من الرافضين لمفاهيم وقيم الجاهلیّة ، ومن المختصين بالخصائص الحميدة، والمزايا الصالحة، فهي تسمّى بالطاهرة،
وهو صلی اللّه علیه و آله وسلم يُسمّى بالصادق الأمين، فلم يجد كلاهما كفؤاً له إلا في الآخر.
وتحوّلت هذه الرغبة المتبادلة إلى واقع فكلّم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم عمّه أبا طالب بالأمر، فخطبها من أبيها أو من عمها ، وَقَرَنَ زواجه بخطبةٍ قال فيها: الحمد لله الّذی جعلنا من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل، وجعل لنا بيتاً محجوباً، وحرماً آمناً، يُجبى إليه ثمرات كلِّ شيءٍ و جعلنا الحكام على الناس في بلدنا الّذی نحن فيه، ثمّ أنَّ ابن أخي محمّد بن عبدالله بن عبد المطّلب لا يوزن برجل من قريش إلا رجح، ولا يقاس بأحدٍ منهم إلا عظم عنه، و إنّ كان في المال قلّ فإنّ المال رزق حائل، وظلّ زائل، وله في خديجة رغية، ولها فيه رغبة، و الصداق ما سألتم عاجله وآجله من مالي، وله خطر عظيم، وشأن رفيع، ولسان شافع جسيم. و تمّ الزواج ودخلت في بيته في اليوم التالي (2).
وفي رواية أنّها عليها السلام جعلت المهر من مالها(3).
فلم تقترن به لماله لأنه لم يملك شيئاً، وإنّما وجدت فيه الكمال في الخصائص والصفات لتكتمل هي في خصائصها وصفاتها اقتداءً به وبسيرته الصالحة.
وكان زواجهما قبل البعثة بخمسة عشر عاماً كما هو المشهور في كتب المؤرّخين والمحدّثين.
عاشت خديجة علیها السلام في أجواء تبشِّر بظهور نبيّ في مكة، فقد كان أحبار اليهود، ورهبان النصارى، والكهّان من العرب، يتحدّثون عن بعثة نبيّ تقارب زمانه(1).
وكان يهود خيبر أكثر من غيرهم تصريحاً باسم النبي المبعوث فحينما كانوا يقاتلون قبيلة غطفان يدعون بهذا الدعاء: اللّهم نسألك بحق محمّد النبي الأمّي الّذی وعدتنا أن تخرجه في آخر الزمان إلّا نصرتنا عليهم(2).
وكان ابن عمّها ورقة بن نوفل قد سمع هاتفاً يهتف:
ولد النبيّ فذلّت الأملاك ***ونأى الضلال وأدبر الإشراك (3)
وفي رحلة غلامها ميسرة مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أخبرها بقول الراهب فيه صلی اللّه علیه و آله وسلم وما ظهر من كرامات له في الطريق(4).
وكانت ترى في زوجها خصائص فريدة، فقد كان صلی اللّه علیه و آله وسلم متميّزاً عن غيره من حيث نظرتُه للكون والحياة، ومن حيث سلوكُه وسيرتّه، فقد كان يحبّ الخلوة، وكان ينفرد لوحده في غار حِراء شهراً من كلّ سنة، وكان لا يمرّ بحجر ولا شجر إلّا قال: السلام
عليك يارسول اللّه (1).
وكانت هذه الأحداث والإرهاصات مألوفة عند خديجة علیها السلام الّتی تمتلك عقلاً واعياً، وكانت تتفاعل معها، وتنظر إلى زوجها بأنّ له شأناً في الحياة وبأنه النبيّ المبعوث حسبما سمعته ورأته.
وكانت تقول له صلی اللّه علیه و آله وسلم : يا محمّد إني لَأرجو أن يكون ذلك - إشارة إلى الأخبار المبشّرة بالنبيّ الخاتم ، وكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يكتم ذلك(2).
وهذه الأجواء جعلتها متطّلعة إلى السماء، إلى خالق الناس وباعث الأنبياء والرسل، وكان لهذا التطلّع أثر في بناء شخصيتها روحيّاً ونفسيّاً لتكون في كنف السموّ والإرتقاء والتكامل.
بُعث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد أن أصبح عمره أربعين سنة، وأوّل من آمن به وصدّقه خديجة بنت خويلد وعليّ بن أبي طالب علیهما السلام (3).
وكانت تقيم الصلاة خلفه، وتؤدّي عبادتها كما علّمها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم، فی تلك الظروف وقفت معه في دعوته، و آزرته على أمره(4).
وكان بيتها منطلقاً للدّعوة يجتمع فيه المسلمون وقتها، وقد بذلت أقصى جهودها من أجل إدامة حركة الدّعوة بمالها وراحتها وجميع إمكانياتها حتّی قيل عنها: إنّها كانت له وزير صدق على الإسلام(5).
وعاشت مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم شريكة له في السرّاء والضرّاء، وحملت معه الآلام والآمال، من تكذيب واستهزاء (وغمز) القول.
وكانت تخفّف عنه الآلام والهموم جراء تبعات الدعوة، فيجد الأنس والراحة والسرور في بيته، ويجد من يعينه ويؤازره و يسانده.
كانت العلاقة بينها و بين رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم علاقة ودّ و رحمة، وهذه العلاقة أوجدت أجواء الإرتياح والسرور في البيت النبوي، فهي سكن للروح، وهدوء للأعصاب، وراحة للجسد، والمودّة والرحمة من مقدّمات الإحترام المتبادل، والتعاون الواقعي في النهوض أمام مصاعب الحياة.
ومن مزاياها علیها السلام أنّها كانت تعظم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و تصدّق حديثه قبل البعثة وبعدها، ومن طاعتها له قبل البعثة أنّها رأت ميله إلى زيد بن حارثة فوهبته لهم صلی اللّه علیه و آله وسلم(1).
ومن مزاياها أنّها كانت تحترمه أشدّ الإحترام ، فلم ترفع صوتها عليه، ولم تتعبه
يوماً خلال مسيرة العمر، ولم تصخب عليه يوماً ولا آذته أبداً(2).
وفي المقابل أحسن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم صحبتها، وكان صلی اللّه علیه و آله وسلم يحسن الثناء عليها حتّی بعد وفاتها (3)تكريماً لها ولمواقفها السامية من الإسلام و من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم .
الإحترام المتبادل بين الزوجين وما يرافقه من ودّ وحبّ يؤدّي إلى إشاعة الأمن والإستقرار في داخل الأسرة، ويؤثّر إيجابيّاً على التوازن العقلي والعاطفي لجميع أفراد الأسرة، وينعكس أثره على الجنين فيما بعد كما أثبتت الدراسات العلميّة والطبيّة،
و في مثل هذه الأجواء ولدت فاطمة الزهراء علیها السلام فكانت متكاملة في ثباتها العقلي والعاطفي وصحّتها النفسيّة والروحيّة.
كانت خديجة موضع رعاية اللّه تعالى، فقد روي أن جبرائيل علیها السلام أتى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فقال: أقرئ خديجة السلام من ربّها(1).
وفي رواية: أتى جبريل علیه السلام النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم فقال: يارسول اللّه هذه خديجة قد أتت ومعها إناء فيه إدام وطعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربّها ومنّي، وبشّرها ببيت في الجنّة... لا صخب فيه ولا نصب (2).
وقال عنها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : أفضل نساء أهل الجنّة خديجة...(3). وكان يعبّر عنها: بخير نساء العالمين(4).
وهذا الثناء يجعلها في أتمّ الهناء والسرور، يتحوّل عندها الألم إلى راحة، والعناء إلى سرور، لشعورها بأنها موضع ثناء اللّه تعالى ورعايته، فكانت علیها السلام في أتمّ السعادة والصحّة النفسيّة، وكلّ ذلك له انعكاسه الإيجابي على اطمئنانها النفسي والروحي واستقرارها العاطفي، وانتقاله إلى الجنين الّذی يتأثّر بالأمّ ومواصفاتها النفسيّة.
تهيّأت للصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء علیها السلام أفضل بيئة صالحة، فالأب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم والأمّ خديجة علیها السلام ، فقد انحدر كلاهما من أسرٍ طاهرة ذات شرف
وعفّة، إضافة إلى الرعاية الإلهيّة في تكوينها وخلقها، وقد تظافرت الروايات عن هذه الرعاية والعناية الإلهيّة وقد كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يشير إلى ذلك في مواطن عديدة.
فقد روي: أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم كان جالساً بالأبطح إذ هبط عليه جبرئيل علیه السلام فناداه:
يا محمّد العليّ الأعلى يقرؤك السلام، وهو يأمرك أن تعتزل خديجة أربعين صباحاً.
فلمّا كان تمام الأربعين هبط ثانية فقال: يا محمّد العليّ الأعلى يقرؤك السلام، وهو يأمرك أن تتأهّب لتحيّته وتحفته.
فبينما النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم كذلك هبط ميكائيل علیه السلام ومعه طبق مغطّى بمنديل سندس، فوضعه بين يدي النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ، وأقبل جبرئيل علیها السلام وقال: يا محمّد ! يأمرك ربّك أن تجعل الليلة إفطارك على هذا الطعام.
فأكل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم شبعاً وشرب من الماء ريّاً، ثمّ قام ليصلّي فأقبل عليه جبرئيل وقال:
الصلاة محرّمة عليك في وقتك حتّی تأتي منزل خديجة.. فإنَّ اللّه - عزّوجلّ - آلى على نفسه أن يخلق من صلبك في هذه الليلة ذريّة طيّبة.
فوثب صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى منزل خديجة علیها السلام ، ودخل فيه.
قالت خديجة علیها السلام .... ما تباعد عنّي النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم حتّی أحسست بحمل فاطمة في بطني(1).
وفي رواية: قال له : أتاني جبرئيل علیها السلام بتفّاحة من الجنّة فأكلتها وواقعت خديجة فحملت بفاطمة (2).
وعن عائشة قالت: قلت يارسول اللّه : مالكَ إذا جاءت فاطمة قبلتها... قال: نعم يا عائشة إنِّي لما اُسري بي إلى السماء أدخلني جبريل الجنّة، فناولني منها تفّاحة فأكلتها،
فصارت نطفة في صلبي، فلمّا نزلتُ واقعت خديجة، ففاطمة من تلك النطفة، وهي حوراء أنسيّة، كلما اشتقت إلى الجنّة قبلتها(1).
ولا غرابة في هذه العناية الإلهيّة، ففاطمة علیها السلام هي مستودع الإمامة إلى يوم القيامة، فمنها سيّد شباب أهل الجنّة، ومنها زين العابدين، ومنها باقر علم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ومنها المهدي المنتظر الّذی يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ويقيم الحكومة الإسلامیّة العالميّة.
لما اقترنت خديجة برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم هجرها نسوة مكّة، وكنَّ لا يكلمنها، ولا يدخلن عليها، فلمّا حملت بالزهراء فاطمة علیها السلام كانت إذا خرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم من منزلها تكلّمها وهي في ظلمة أحشائها، وتحدّثها وتؤانسها، فدخل عليها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يوماً، وسمعها تحدّث فاطمة، فقال لها : يا خديجة مَنْ تُكلّمين؟
قالت: يارسول اللّه إنّ الجنين الّذی في بطني إذا خلوت في منزلي كلّمني، وحدثني من ظلمة الأحشاء... فتبسّم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ثمّ قال:
يا خديجة هذا أخي جبرئيل لا يخبرني أنّها ابنتي و أنّها النسمة الطاهرة المطهّرة، و أن اللّه تعالى أمرني أن أسمّيها «فاطمة»، وسيجعل اللّه تعالى من ذريتها أئمّة يهتدي بهم المؤمنون(2).
وروي أنه لما سأل الكفّار رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يريهم انشقاق القمر، قالت خديجة: واخيبة من كَذَّبَ محمّداً، وهو خير رسول و نبي! فنادت فاطمة علیها السلام من بطنها: يا أماه لا تحزني و لا ترهبي فإنّ اللّه مع أبي(3).
ولا غرابة أن يعوض اللّه تعالى تلك المرأة الطاهرة الّتی آزرت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في دعوته، وبذلت مالها وراحتها من أجل إنجاح الدعوة الإسلامیّة ، فيهيّأ لها بنتها لتؤنسها في وحدتها، ولا غرابة في أن تتكلّم في بطن اُمّها وهي الّتی سيكون لها شأن عظيم في تأريخ الرسالة، حيث أنّها زوجة أوّل إمام وأمّ للأئمة الأطهار الّذین بهم سيختم اللّه تعالى رسالته، ويكون الدين كلّه لله عند قيام ولدها الإمام المنتظر (عج).
لمّا حضرت خديجة الولادة؛ أرسلت إلى نساء قريش أن يجئن إليها ليلينّ منها ما تلي النساء من النساء في مثل هذا الظرف الصعب . فأرسلنّ إليها: عصيتنا ولم تقبلي قولنا، وتزوجت محمّداً يتيم أبي طالب فقيراً لا مال له، فلا نأتي ولا نلي منك ما تلي النساء من النساء.
فاغتمّت خديجة لذلك غمّاً شديداً، فبينما هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة طوال كأنهنّ من نساء بني هاشم، ففزعت منهنَّ، فقالت إحداهنّ:
لا تحزني يا خديجة، فإنّا رُسُلُ ربّك إليك، ونحن أخواتك، أنا سارة، وهذه آسية بنت مزاحم و هي رفيقتك في الجنّة، وهذه مريم بنت عمران، وهذه كل ثمّ أخت موسى بن عمران بعثنا اللّه تعالى إليك لنلي من أمرك ما تلي النساء من النساء، فجلست واحدة عن يمينها، والأخرى عن يسارها والثالثة من بين يديها، والرابعة من خلفها، فوضعت فاطمة علیها السلام طاهرة مطهّرة.
فلمّا سقطت إلى الأرض أشرق منها نور، حتّی دخل بيوتات مكّة، فتناولتها المرأة الّتی بين يديها، فغسلتها بماء الكوثر، وأخرجت خرقتين بيضاوين، فلفّتها بواحدة، وقنّعتها بالثانية، ثمّ استنطقتها، فنطقت فاطمة علیها السلام بالشهادتين، ثمّ سلّمت عليهن وسمّت كلّ واحدة منهنّ باسمها، وأقبلنَّ يتضاحكن إليها.
وقالت النسوة: خذيها يا خديجة طاهرة مطهّرةً زكيّةً ميمونةً، بورك فيها وفي نسلها،
فتناولتها فرحة مستبشرة وألقمتها ثدييها فدرا عليها.
وكانت خديجة إذا ولدت ولداً دفعته لمن يرضعه، فلمّا ولدت فاطمة علیها السلام ترضعها امرأة غير خديجة (1).
اختلف المؤرّخون في تأريخ ولادة فاطمة الزهراء علیها السلام، إلا أنّ المشهور بين مؤرّخي الإماميّة أنّها ولدت في يوم الجمعة في العشرين من جمادى الآخرة في السنة الخامسة من البعثة.
وقال غيرهم: إنّها وُلدت قبل البعثة بخمس سنين(2).
وروى الحاكم النيسابوري إنّها وُلدت بعد البعثة بسنة واحدة(3).
و من الروايات الدالّة على ولادتها بعد البعثة ما رواه أبو بصير عن جعفر بن محمّد الصادق علیه السلام قال:
ولدت فاطمة في جمادى الآخرة يوم العشرين سنة خمس وأربعين من مولد النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ، فأقامت بمکّة ثمان سنين وبالمدينة عشر سنين...(4).
من خصائص فاطمة علیها السلام أنّها سمّيت بهذا الاسم من قبل اللّه تعالى قبل أن تلد _كما تقدم - ، وعلّل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم هذه التسمية بالقول: إنّ اللّه عزّوجلّ قد فطمها
وذريّتها من النار يوم القيامة(1).
والمقصود من ذريتها هم الأئمّة الأطهار كما هو ظاهر كثير من الروايات.
وفي رواية ثانية عن ابن عباس عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أنه قال: ابنتي فاطمة حوراء آدميّة، لم تحض ولم تطمث، و إنّما سمّاها ،فاطمة، لأنّ اللّه فطمها ومحبيّها من النار(2). وهذه الخصائص الّتی اختصت بها فاطمة علیها السلام من انتسابها إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وخديجة علیها السلام ، وظروف تكوينها، وظروف الولادة وتسميتها من اللّه تعالى، جعلتها ذات شأن في الحياة الإسلامیّة ، فكانت حلقة الوصل بين النبوّة والإمامة، فأبوها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وزوجها وصيّه، وأبناؤها أئمة المسلمين وقادة الإنسانيّة منذ بداية المسيرة الإسلامیّة ، إلى أن تختم بحفيدها الإمام المهدي المنتظر علیه السلام
الخلاصه
اُمّ فاطمة الزهراء علیها السلام خديجة بنت خويلد الأسدي، وخويلد هو الّذی نازع تبعّاً ملك اليمن حين أراد أخذ الحجر الأسود إلى اليمن وحرص على بقائه في مكّة.
أمّا جدّ فاطمة لاُمّها فهو أسد بن عبد العزّى أحد المبرّزين في حلف الفضول الّذی يقضي بأن لا يبقى في مکّة مظلوم إلا ردّت إليه مظلمته تمسّكاً بشريعة إبراهيم.
أمّا خديجة فكانت في ذلك الوقت تستطلع الأخبار الّتی كانت تبشِّر بظهور نبي.
ومن خُلقها وشرفها أنّها لم تتاجر بالربا كباقي الناس إيماناً منها بحرمته حسب التعاليم المتبقّيّة من شريعة إبراهيم عليه السلام .
وبعد أن وجد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في خديجة تلك الصفات؛ قرّر الزواج منها فكلّم عمّه أبا طالب فخطبها من أبيها.
وبعد أن تمّ الزواج منها تجسّدت العلاقة بينهما في أرقى صورها من حيث التعاون والمحبة والإحترام والطاعة فكانت تهيء له الأجواء الطيّبة لتخفّف عنه الآلام والهموم.
وكانت شريكته في السرّاء والضرّاء حتّى قيل عنها: إنها وزير صدق للإسلام.
وقد أثنى اللّه سبحانه وتعالى عليها، وورد «أن جبرئيل أتى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فقال اقرأ خديجة من ربّها السلام».
فكان الرسول يعتز بها أشدّ الإعتزاز لِما رأى فيها من النبل والتضحية من أجل الرسالة فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم عنها: (أفضل نساء أهل الجنّة خديجة).
وشاء اللّه أن تحمل خديجة بفاطمة بأمر منه سبحانه، حيث قالت
خديجة علیها السلام : ما تباعد عنّي النبيّ حتّی أحسست بحمل فاطمة.
و من المعاناة الّتی تحمّلتها خديجة جرّاء الدعوة حيث هجرتها نسوة مکّة فكنّ لا يكلّمنها ولا يدخلن عليها، وكانت تأنس بفاطمة وهي في أحشائها، حتّی جاء يوم الجمعة العشرون من جمادى الآخرة السنة الخامسة من البعثة فولدت فاطمة علیها السلام .
وقد سمّاها اللّه سبحانه قبل أن تلد حيث قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : « إنّ
الله عزّوجلّ قد فطمها وذريتها من النار يوم القيامة».
الأسئلة
1 . ما هي خصائص خديجة أمّ فاطمة علیها السلام ؟
2 . ما هي أهمّ الألقاب الّتی لُقّب بها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم خديجة علیها السلام قبل البعثة، و الّتی تعبّر عن مكانتهما الإجتماعيّة؟
3 . ما هي العوامل والأسباب الّتی جعلت خديجة علیها السلام تنظر إلى زوجها بأنّ له شأناً عظيماً في حياة الإنسانيّة؟
4 . ما هي التوجّهات الدينية لأسرة خديجة قبل اقترانها برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم؟ اذكر الأدلة على ذلك.
5 . ما هو الدور الأساسي لخديجة علیها السلام في بداية البعثة النبویّة ؟
6 . ما هي السمة البارزة في علاقة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم مع زوجته خديجة علیها السلام ؟
اختصت خديجة علیها السلام بعناية إلهيّة، اذكر مظاهر هذه العناية.
اذكر الأدلّة على الدور الإلهي المباشر في خلق فاطمة علیها السلام .
9 . اختصت فاطمة علیها السلام قبل ولادتها بتكريم إلهي، اذكر موارد هذا التكريم.
10 . ما هي الأسباب وراء اختصاص فاطمة علیها السلام بالتكريم الإلهي؟ وما هو وجه تسميتها بهذا الاسم؟
الأبوان هما نقطة البدء الّتی تزاول إنشاء وتنشئة العنصر الإنساني، ونقطة البدء المؤثرة في جميع مراحل الحياة.
وفي اُسرة الوالدين تجتمع الوراثة والمحيط التربوي لبناء شخصيّة الوليد المستقبلة. فالوليد المنحدر من أبوين يحملان صفاتٍ فاضلة ومزايا كريمة، يكون مستعدّاً للإتّصاف بها، فالنمو العقلي والعاطفي يتأثّر تأثّراً كبيراً بالعامل الوراثي، و حتّی العقائد والقيم والمواقف تتأثر بالعوامل الوراثيّة، فهي تخلق في نفسه الواقعيّة أو السطحيّة في الإيمان بعقيدة معيّنة. ودرجة التبنّي للأفكار والقيم تتأثر بالإستعدادات الروحية والنفسية للأبوين، وكذلك الإرادة تتناسب مع إرادة الأبوين في الإقدام أو التردّد في تبنّي عقيدة معيّنة، أو اتّخاذ المواقف العملية.
وتلعب التربة الأسريّة والإجتماعيّة متظافرة مع العامل الوراثي دوراً مهمّاً في بناء الشخصيّة.
والطفولة هي أهمّ المراحل الّتی يسرع فيها النمو العقلي والعاطفي والسلوكي، والعادات الّتی تتكوّن أثناء هذه المرحلة يصعب تغييرها في فترات النمو التالية، والأطفال غالباً ما يسيرون في النهاية على الطريق الّذی يحدّده الوالدان.
والأهمّ من جميع ذلك هو الرعاية الإلهيّة الّتی يخصّ اللّه تعالى بها بعض عباده الصالحين،و خصوصاً من يكون لهم شأن في تأريخ الإنسانية.
وقد وردت آيات عديدة تنصّ على رعاية اللّه تعالى لبعض العباد، وأنه تعالى يعصمهم من السوء، ويرتقي بهم إلى قمة السموّ والتكامل إنّ كانوا أهلاً لذلك.
قال تعالى: ( إنّ النفس الأمّارة بالسوء إلا ما رحم ربّي)(1). وقال: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (2). وقال تعالى: (و الّذین جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا(3). وقال تعالى: (ومن يعتصم بالله فقد هُدِي إلى صراط مستقيم) (4).
واجتمعت في فاطمة علیها السلام هذه العوامل الثلاثة، فالأب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم المعصوم الّذی امتاز بقمّة السمو والتكامل، والأمّ خديجة الطاهرة علیها السلام إحدى سيّدات نساء العالمين، وقد ترعرعت علیها السلام في تلك الأسرة الّتی ذابت في ذات اللّه تعالى، وأخلصت له تمام الإخلاص، وهبط الوحي في أجوائها، فكانت تفكّرللّه وتعمل اللّه ، و تراقب اللّه في كل صغيرة وكبيرة، والله تعالى يسدّدها ويرسم لها منهجها في الحياة.
والأهمّ من ذلك كانت الرعاية الإلهية واضحة المعالم في إعداد شخصيّة فاطمة علیها السلام منذ أوّل تكوينها ، مروراً بمراحل النشأة الأولى، وكانت الآيات القرآنية تتلاحق في فضائلها وكراماتها ورعاية اللّه تعالى لها، فكانت علیها السلام ممن عصمهم اللّه تعالى، فهي بنت معصوم، وزوجة معصوم، وأُمّ لمعصومين.
ولدت فاطمة علیها السلام بعد سنتين من إعلان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم لدعوته، في أجواء بدء
الصراع والمواجهة بين رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و مشركي قريش، واكتفت قريش في حينها بدعوته صلی اللّه علیه و آله وسلم للكّف عن الطعن بعقائدها الفاسدة، ثمّ تطوّر الموقف وطلبت قريش من أبي طالب أن يكفّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم عن معتقداتها وتسفيه أحلامها، أو يتخلّى عنه، لتتولّى قريش أمره، فكان جواب أبي طالب علیه السلام جواباً رفيعاً، مصحوباً بالردّ الجميل.
ولمّا مضى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في دعوته لتوحيد اللّه تعالى وترك عبادة الأصنام؛ اشتد الأمر بينه وبين قريش، ووصل إلى حدّ التباعد والعداء، وأكثرت قريش ذكره صلی اللّه علیه و آله وسلم حضّ بعضهم بعضاً لمواجهة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ، و تطوّر الأمر إلى التهديد بالقتل. وقال زعماء قريش لأبي طالب يا أبا طالب إنّ لك سنّاً وشرفاً ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تَنْهه عنّا، وإنّا والله لن نصبر على شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا فأمّا أن تكفّه عنّا أو ننازله وإيّاك في ذلك حتّی يهلك أحد الفريقين (1).
وكان جواب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم لعمّه : يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتّی يظهره اللّه أو أهلك فيه، ما تركته.
فقال أبوطالب اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أُسلّمك لشيء أبداً.
وجاء زعماء قريش بعمارة بن الوليد لأبي طالب ليتّخذه ولداً، ويسلّم لهم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ليقتلوه، فردّهم أبو طالب ردّاً شديد الوطأة عليهم، واشتدّ الأمر بينهم، و تنابذ القوم.
وابتدأ الصراع الميداني في إعلان المواجهة بأشدّ صورها من تعذيب وأذى واضطهاد، ووثبت كلّ قبيلة تعذّب من أسلم منها وتفتنه عن دينه، ومنع اللّه رسوله بعمّه أبي طالب، بعد استجابة بني هاشم و بني المطّلب له في حماية رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم.
وحينما لم يستطيعوا النيل من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم: أغروا به صلی اللّه علیه و آله وسلم سفهاءهم فكذبوه
1) السيرة النبویّة لابن هشام، ج 1، ص 283، 284.
ورموه بالسحر والكهانة والجنون، وناله بعض الأذى منهم كالشتم و أشباهه(1).
وجاء أحد رؤساء قريش إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و طرح عليه بعض المغريات ليتخلّى عن دعوته، فقرأ عليه آيات من القرآن الكريم، فرجع إلى قريش قائلاً: خلّوا بين الرجل وبين هذا ما هو فيه فاعتزلوه... فإنّ تُصِبه العرب، فقد كفيتموه بغيركم، و إنّ يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزّه عزّكم، وكنتم أسعد الناس به (2).
وأخذ الصراع يسلك مسلكاً متوازناً بين الترغيب والترهيب، فحينما ساوموه على ترك الدعوة، ووجدوه رافضاً للمساومة هدّدوه صلی اللّه علیه و آله وسلم بالقول: وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتّی نُهلكك أو تُهلكنا.
وقرّر أبوجهل بإسنادٍ من بعض القرشيين، قتل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بالقاء حجر كبير عليه أثناء سجوده، فلمّا أراد تنفيذ ما قرره رجع مرعوباً، حينما رأى المعجزة الإلهيّة، حيث رأى فحلاً من الإبل شديد الجسم والأنياب قد همّ بأكله.
وحفظ اللّه تعالى رسوله من كل سوءٍ بحماية أبي طالب وحمزة وعليّ وجعفر وبقيّة بني هاشم وبني المطّلب هو ودعوته.
وفي مثل هذه الأجواء ولدت فاطمة علیها السلام وترعرعت، وعانت كما عانت أسرتها من الأذى والتكذيب والإستهزاء، فإنّ لكلّ ذلك انعكاساً على جميع أفراد الأسرة النبویّة ، حيث قضت أشهرها الأُولی في أجواء المواجهة.
لما رأت قريش أن أصحاب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قد نزلوا عند النجاشيّ آمنين، وانتشار الإسلام في مکّة اجتمع رؤساؤها وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتاباً تعاقدوا فيه على
مقاطعة بني هاشم، وبني المطّلب ، على أن لا يُنكحوا إليهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً، ولا يبتاعوا منهم.
فلمّا اجتمعوا كتبوا ذلك الكتاب في صحيفة، ثمّ تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثمّ علّقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم.
فلمّا تمّ ذلك، انحاز بنو هاشم وبنو المطّلب إلى أبي طالب، فدخلوا معه في شِعبِه حماية منهم لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم
كان ذلك في السنة السابعة من البعثة، وكان عمر فاطمة علیها السلام آنذاك أقلّ من سنتين، وهذا العمر - و خصوصاً بالنسبة للوليد المنحدر من أبوين عريقين في النسب والخصائص العقليّة كرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و خديجة هو عمر البناء العقلي والعاطفي والأطفال الأذكياء يستشعرون ما يكتنفهم، ويتفاعلون عاطفيّاً مع الحوادث والصدمات، ويتحسّسون للهموم والآلام والآمال، ويتابعون ما يحيط بهم من أجواء عاطفيّة، من حيث الفرح والحزن واللين والشدّة، والسرّاء والضرّاء.
فكانت علیها السلام تعاني من الجوع كما يعاني والدها علیها السلام وسائر المحاصرين في شعب أبي طالب، وكانت ترى و تسمع صراخ الصبيان من الجوع والعطش.
وإضافة إلى ذلك كانت ترى المواقف العصيبة ، حيث كان أبوطالب وأبناؤه يحرسون رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بالليل والنهار، فإذا جاء الليل يغير أبوطالب موضع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ويقيمه في موضع آخر، فلا يزال يغير موضعه إلى أن يأتي النهار(1). فقد كانت تفتقد أباها صلی اللّه علیه و آله وسلم في أغلب الأوقات، لتغيِّر موضعه.
واستمر الحصار ثلاث سنين حتّی ترك آثاره الوخيمة على المحاصرين في الشِعب، وعاشت فاطمة علیها السلام لتلك السنين الثلاث من أذى ومرارة وقساوة حيث الجوع والعطش والحصار التامّ المطبق على الجميع صغارٍ وكبارٍ، فقد عاشت المحنة بجميع
1) بحار الأنوار، ج 19، ص 1؛ السيرة النبویّة لابن كثير، ج 2، ص 44.
أبعادها، وهي لا تزال دون الخامسة من العمر.
ولم تنعكس هذه المحنة على حياتها سلباً، بل عاشت حياة الأمل بانتصار الإسلام وانتكاس الشرك، وكانت تتطلّع إلى غدٍ مشرق بإتمام الرسالة ورسوخها في واقع الحياة.
قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم لعمه أبي طالب : يا عم إنّ اللّه قد سلّط الأَرضَة على صحيفة قريش، فلم تدع فيها اسماً هو للّه إلا تركته فيها، وأكلت منها كلمات الظلم والقطيعة والبهتان.
فقال أبو طالب: أربّك أخبرك بهذا ؟ قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : نعم.
قال: فواللّه لا يدخل عليك أحد.
ثمّ خرج إلى قريش فقال: يا معشر قريش إنّ ابن أخي قد أخبرني بكذا وكذا، فانظروا صحيفتكم، فإنّ كانت كما قال؛ فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عنها، و إنّ كان كاذباً دفعته إليكم.
فقالوا: قد رضينا، فتعاقدوا على ذلك.
ثمّ نظروا فاذا هي كما قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم (1).
وقد شاهدت فاطمة علیها السلام هذه المعجزة الحسيّة، وأحست بالرعاية الإلهيّة لأبيها، وكان عمرها يوم ذاك خمسَ سنين، وهو سنّ التمييز والإدراك وفهم الأحداث والأوضاع من لدنها، فقد كانت هذه المعجزة مفتاحاً للسرور والرحمة ونسياناً لآلام الماضي، وهي ترى أبويها في قمة الصبر والتحمّل، فلا ضجر ولا سأم ولا شكوى من الحصار، وترى استسلامهما للإرادة الإلهيّة، وتعاليهما على الأذى والحرمان، لأنّ ذلك
1) السيرة النبویّة لابن كثير، ج 2، ص 69.
واقع في طريق الدعوة إلى اللّه .
فقد خرجت فاطمة علیها السلام من الحصار صابرة محتسبة لأنّ عناية اللّه ترعاها، وكانت ترى أباها - في فترة الحصار - مستمرّاً في دعوته ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً، صادحاً بأمر اللّه لا يتّقي فيه أحداً من الناس(1).
بعد معجزة أكل الإرضة لصحيفة المقاطعة ؛ خفّف المشركون من أساليب المواج- واكتفوا بالمواجهة السیاسیّة الّتی لا تتعدّى القول من تكذيب و تحذير واستهزاء.
واستمرّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بدعوته، يبذل النصيحة لقومه، ويدعوهم إلى النجاة ممّا هم فيه، وجعلت قريش، حين منعه اللّه منهم، تحذِّر الناس منه صلی اللّه علیه و آله وسلم و من قدم عليها من العرب.
فحينما قدم الطفيل بن عمرو الدوسي مكّة؛ مشى إليه رجال من قريش وحذّروه من اللّقاء برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وقالوا له : ... إنّما قوله سحر يفرِّق بين الرجل وأبيه، وبين الرجل وبين أخيه وبين الرجل وزوجته وإنّنا نخشى عليك وعلى قومك ممّا قد لحقنا، فلا تكلّمه، ولا تسمع منه شيئاً(2).
وحينما أسلم وفد النصارى؛ اعترضهم أبوجهل في نفر من قريش، وقالوا لهم: خيّبكم اللّه مَن ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتّی فارقتم دينكم، وصدقتموه بما قال! ما نعلم ركباً أحمق منكم (3).
وكان صلی اللّه علیه و آله وسلم يجلس في المسجد ومعه المستضعفون من أصحابه، فكان القرشيون يتهكمون عليهم ويقولن أهؤلاء من اللّه عليهم من بيننا بالهدى و الحقّ ! لولا كان ما جاء به محمّد خيراً ما سبقنا هؤلاء إليه، وما خصّهم اللّه به دوننا.
وكانوا يقولون: والله ما يعلم محمّداً كثيراً ممّا يأتي به إلا جبر النصراني. وكانت الآيات القرآنية تتوالى في النزول للردّ على شبهات المشركين وأساليبهم الواهية.
وحينما قال العاص بن وائل: إنّ محمّد اً أبتر لا عقب له؛ أنزل اللّه تعالى سورة الكوثر(1).
واستهزأ به نفر من قريش فنزلت الآيات القرآنية تبشّره بالعاقبة السيّئة لهم، وكفاية اللّه تعالى له أمرهم.
وفي مثل هذه الأوضاع كانت فاطمة علیها السلام تشاهد ما يلقاه والدها من قريش ، من تكذيب واستهزاء و افتراء، وكانت تتابع مسيرة الدعوة - وهي صغيرة - فيدخل الأمل في قلبها، وهي تشاهد دخول الناس في الإسلام أفراداً وجماعات، وكانت تتابع الآيات القرآنيّة وهي تتوالى في النزول على أبيها، فتتفاعل معها بشوق متطلّعة إلى الغد المشرق الّذی سينتصر فيه الإسلام بقيادة أبيها على جميع ألوان الكفر والشرك، فقد عاصرت ظروف المواجهة السیاسیّة وأساليبها، وشخّصت قادة المواجهة من الكفّار والمشركين؛ لتكون لها صورة واضحة عن معطيات الصراع والمواجهة والنتائج المترتّبة عليها في المستقبل.
لمّا مرض أبو طالب، قال رؤساء قريش بعضهم لبعض: قد فشا أمر محمّد في قبائل
1) نفس المصدر، ج 2، ص 33، 34.
قريش كلّها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب، فليأخذ لنا على ابن أخيه، وليعطِه منّا، والله ما نأمن أن يبتزُّونا أمرنا.
فمشوا إليه وقالوا له: يا أبا طالب، إنّك منّا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى، وتخوّفنا عليك، وقد علمت الّذی بيننا وبين ابن أخيك، فادعه، فخذ له منّا، وخذ لنا منه، ليكفّ عنا، ونكفّ عنه، وليدعنا وديننا، وندعه ودينه؛ فبعث إليه أبوطالب، فجاء صلی اللّه علیه و آله وسلم ، فقال: يا ابن أخي هؤلاء أشراف قومك، قد اجتمعوا إليك، ليعطوك، وليأخذوا منك.
فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : نعم، كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم... تقولون: لا إله إلا اللّه ، وتخلصون ما تعبدون من دونه.
فصفقوا بأيديهم، ثمّ قالوا: أتريد يا محمّد أن تجعل الآلهة إلهاً واحداً، إنّ أمرك لعجب.
ثمّ قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئاً ممّا تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتّی يحكم اللّه بينكم وبينه، ثمّ تفرّقوا (1).
وكانت فاطمة علیها السلام تتابع هذه الأحداث وهي في الخامسة من عمرها، وتدرك حقيقة المواجهة وأساليبها، وتدرك خواء ووهن أساليب المشركين، وسفاهة عقولهم، والضعف الّذی انتابهم بالطلب من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يكفّ عنهم وينفرد بالدعوة إلى الإسلام دون المساس بعقائدهم الفاسدة.
وكانت تتابع موقف رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الّذی ينظر إلى مستقبل الرسالة وانتصارها باستسلام العرب والعجم لمن يحملها.
وهذه الأحداث جعلت فاطمة علیها السلام امرأة ذات شأن لمعايشتها لجميع الظروف، فكانت تدرك ماضي الرسالة وحاضرها ومستقبلها، وقد هيّأتها لتكون عالمة المستقبل
1) نفس المصدر، ج 2، ص 58 ،59.
في عهد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و بعد رحيله، ولتقود المواجهة مع من يتصدّى للخلافة وهو غير أهل لها بالأسلوب الّذی تعلّمته في نش أیّها من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و من عمّ أبيها أبي طالب، الّذی استطاع بإسلوبه الناجح أن يحفظ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم من أعدائه.
في السنة العاشرة من البعثة توفّيت خديجة علیها السلام وأبو طالب علیها السلام في مدّة متقاربة فتوالت على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الأحزان بفقده لركنين أساسيين من أركان الرسالة، ومن المساهمين في حركة الدعوة وإنجاحها، فقد بذلت خديجة جميع أموالها في نشر الإسلام، وكانت سند رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في محنته، حيث آزرته وشاركته في المعاناة مخفّفة لوط أیّها على الأسرة جمعاء، وكان أبو طالب رضی الله عنه الحامي والمدافع عن شخص رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الي يمثل الرسالة والدعوة بکلّ أركانها، فكان حفظُهُ من القتل هو حفظاً للرسالة بأكملها، وهو القائل:
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّد اً ***رسولاً كموسى خُطّ في أوّل الكتب
فلسنا وبيت اللّه نُسلِم أحمداً*** لعزّاء من عضِّ الزمانِ ولا كرب
ولسنا نملّ الحرب حتَّى تَمَلَّنا ***ولا نشتكي ممّا ينوب به النُّكب(1)
ولمّا توفّيا توجّع رسول اللّه واشتدّ حزنه حيث فقد الناصر والمعين على الدعوة. في داخل الأُسرة وخارجها، وقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : اجتمعت على هذه الأمّة في هذه الأيّام مصيبتان لا أدري بأيّهما أنا أشدّ جزعاً (2)
وعظم ذلك على فاطمة علیها السلام لفقدانها أُمَّها وعمَّ أبيها، إضافةً إلى انعكاس حزن أبيها عليها، وجعلت علیه السلام تتعلق برسول اللّه وهي تبكي وتقول: أين أمّي؟ أين أمّي؟ فنزل
جبرئيل، فقال: قل لفاطمة: إنّ اللّه تعالى بنى لأُمّك بيتاً في الجنّة من قصب لا نصب فيه ولا صخب(1).
فتيتّمت فاطمة علیها السلام وهي صغيرة، وبذلك فقدت الحنان والدفء العاطفي إلا أنّها احتسبت و صبرت صبراً ينسجم مع مستوى فهمها للرسالة والدعوة الإسلامیّة ، الممتدّة في أبعاد الزمان والمكان.
وبعد ذلك لزم رسول اللّه بيته، وقلَّلَ الخروج(2).
وكان هذا الموقف هو احترازاً من القتل، وتطييباً لخواطر فاطمة علیها السلام الّتی هي بحاجة إلى من يسلّيها ويخفّف عنها المعاناة، فيقابلها بالودّ ويحنو عليها، وكانت هي أيضاً خَلَفَ خديجة المؤازرة و المسلّية لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ، فقد قامت مقامها في عاطفتها الجيّاشة وودّها وحبّها لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم حتّی قيل عنها كانت كُنيتها أمّ أبيها(3).
ووصفها الذهبي قائلاً : كان النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم يحبّها ويكرمها ويسرُّ إليها، ومناقبها غزيرة، وكانت صابرة ديّنة خيّرة مصونة قانعة شاكرة اللّه (4).
ومن مراعاته صلی اللّه علیه و آله وسلم لها علیها السلام أنه لم يتزوّج بعد خديجة إلا بعد ثلاث سنين من وفاتها.
الخلاصة
للأسرة دور مؤثر في مستقبل حياة الإنسان، لأنها تمثّل المحيط الإجتماعي الأوّل الّذی يترعرع فيه الطفل ويتلقّى منه معارفه وقيمه نحو الحياة.
ثمّ إنّ للأسرة تأثيراً آخر من الناحية التكوينيّة في حياة الوليد بسبب ما ينتقل إليه عن طريق الوراثة من الاستعدادات النفسيّة والعقليّة مما هو مخزون في أعماق أسرته.
كما يدخل العامل الغيبي والرعاية الإلهية لهداية بعض الأفراد ممّن وجدالله فيهم أهليّة لحمل الرسالة كعامل ثالث يتّجه بالإنسان نحو الكمال.
كل هذه العوامل قد ساهمت في بناء شخصيّة فاطمة علیها السلام فالأب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و الأمّ خديجة علیها السلام ، والمسدِّد لها اللّه سبحانه، حيث كانت أحد أفراد بيت العصمة والطهارة.
أمّا الظروف الإجتماعيّة الّتی نشأت في وسطها فاطمة علیها السلام فكانت الرسالة الإسلامیّة مرّت بأوج الصراع مع الجاهلیّة ،وقد شاهدت علیها السلام كلّ أساليب قريش الجاهلیّة . ولكنّها رغم شراستها لم تثنِ أباها ولم توهن عزمه عن المضي في تبليغ رسالة ربّه. وقد مارست الجاهلیّة كل ألوان الترغيب والترهيب، حتّی انتهت إلى حصار المسلمين في شعب أبي طالب علیه السلام . وقد ترك هذا الحدث مع غيره من الأحداث الّتی ساهمت في إعداد المسلمين آثاراً إيجابيّة على الزهراء فاطمة علیها السلام فكان الألم الّذی يمسّها باعثاً لروح الأمل والإيثار والثقة بالنصر.
ولم تنسَ علیها السلام صبر أبيها وهو يتجاوز تلك المحن الحافلة بالإشاعات والتهم والسخريّة من قِبَل أبي جهل وغيره على أنه مجنون وساحر وكاهن ... كما لم تنس الإمداد الغيبي والرعاية الإلهيّة الّتی رافقت أباها
حيث القرآن قائده و مرشده في كلّ موطن وفترة.
و شاركت علیها السلام أباها علیها السلام تلك المصائب المؤلمة في عام الحزن الّذی توفي فيه عمّ أبيها أبو طالب الحامي الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وناصره وفي نفس السنة توفّيت أمّها خديجة تلك الأمّ الوفيّة للرسالة، الّتی ضحّت بکلّ ما لديها من أجل نصرة الحقّ والرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم
كل هذه الأحداث قابلتها فاطمة علیها السلام بقلب صبور وتفاعلت معها بروح متطلّعة لتعاليم الإسلام ومستقبله الزاهر اُسوة بأبيها صلی اللّه علیه و آله وسلم.
الأسئلة
1 . ما هي العوامل المؤثّرة في نشأة فاطمة علیها السلام وإعداد شخصيتها، وما هو أهمّ عامل في ذلك؟
2 . ما هي مظاهر الصراع بين رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و المشركين في الحقبة الّتی ولدت فيها فاطمة علیها السلام ؟
3 . ما هي الأحداث الّتی كانت أشدّ وطأة على فاطمةعلیها السلام وهي في السنة الثانية من عمرها؟
4 . ما هي العوامل الّتی جعلت فاطمة علیها السلام تتحسّس المعاناة وهي صغيرة؟
5 . هل انعكست آثار الحصار الاقتصادي على حياة فاطمة علیها السلام انعكاساً سلبياً، ولماذا؟
6 . ما هي المعاجز الّتی شاهدتها فاطمة علیها السلام وهي صغيرة؟
ماذا تعلّمت فاطمة علیها السلام من أبويها أثناء فترة الحصار؟
ما هو الدليل على أن فاطمة علیها السلام كانت تتابع القرآن وتتأثر به؟
9 . كانت فاطمة علیها السلام تعيش الأمل في انتصار الإسلام. من أين تولد هذا الأمل لديها؟
10 . ما هي العوامل الّتی ساعدت فاطمة علیها السلام على تحمّل فاجعة فقد أمّها وهي في أولى مراحل حياتها؟
عاشت فاطمة علیها السلام مع أبيها صلی اللّه علیه و آله وسلم تتجاذبها عواطف شتّى، ففي أجواء عام الأحزان، حزنت على أمّها وعلى عمّ أبيها وناصره، وفي أجواء الحزن كان السرور والأمل المشرقان باديين عليها بعد أن سمعت وصيّة أبي طالب حينما دعا بني عبد المطّلب وقال لهم: إنّكم لن تزالوا بخير ما سمعتم قول محمّد ، واتّبعتم أمره، فاتّبعوه وصدّقوه تُرشدوا) (1).
وتبقى في أمل حينما ترى أنّ اللّه تعالى يرعى أباها في المحنة، ويوجّه سيرته في الحفاظ على نفسه وعلى دعوته، ففي ليلة موت أبي طالب نزل عليه جبرئيل وقال له: (اخرج منها فقد مات ناصرك) (2).
وكانت تستمّد الصبر من أبيها الّذی يوجه نظرها إلى المستقبل المشرق، مستقبل الإنتصار، فتتعالى على الألم والحزن والمعاناة، وكانت سلوتها برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الّذی
أضفى عليها حنان الأب والاُمّ معاً، وعوّضها عن حرمانها بشدّة الإهتمام بها، وأدخل الإطمئنان في مشاعرها بأنّ ما فقدته قد التحق بالرفيق الأعلى ودخل جنّة الخلد ذات السرور الدائم فرضوان اللّه على أُمّها .
لما مات ناصر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و حامي دعوته؛ نالت قريش من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتّی اعترضه سفيه من قريش فنثر على رأسه تراباً، فدخل صلی اللّه علیه و آله وسلم بيته، فاستقبلته فاطمة علیها السلام وأخذت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يقول لها: (لا تبكي يا بنيّة، فإنّ اللّه مانع أباك).
وكان يقول بين ذلك:( ما نالت منّي قريش شيئاً أكرهه حتّی مات أبو طالب) (1).
فقد زرع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في قلبها الأمل، وربطه بالحصن الحصين والركن الركين، بأن اللّه تعالى هو الحامي والحافظ له صلی اللّه علیه و آله وسلم ، وبهذا الأمل استطاع صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يخفّف وطأة المحنة على نفس فاطمة علیها السلام الّتی لا زالت صغيرةً في عمرها، كبيرة في عقلها وروحها.
ولم تتوقّف أساليب قريش الدنيئة، فبينما رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ساجد في المسجد؛ ألقى بعضهم سلا جزور على رأسه وهم يتضاحكون، ولم يزل على ظهره حتّی جاءت فاطمة علیها السلام فطرحته عن ظهره، ثمّ أقبلت عليهم تخاطبهم بما يستحقّونه، ولمّا أتمّ صلی اللّه علیه و آله وسلم صلاته دعا عليهم فاستجاب اللّه تعالى دعاءه (2).
فكانت علیها السلام مع أبيها تشاركه في المحنة وتواجه السفهاء مواجهة شجاعة لا تهابهم وهي في مقتبل عمرها، لتكون جزءاً من الدعوة والرسالة كما أرادها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم.
كانت فاطمة علیها السلام تشعر بالمسؤوليّة العظيمة تجاه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وهي إدامة الدعوة وتقريرها في العقول والقلوب فلم تتعلّق بأبيها، وهي لا زالت قريبة العهد باليُتم، فقد تركها صلی اللّه علیه و آله وسلم في البيت وخرج من مکّة إلى الطائف يدعو ثقيفاً إلى الإسلام، ويلتمس النصرة منهم، فلم يستجيبوا له، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبّونه ويصيحون به، فعادز إلى مکّة ثانية(1).
واستمرّ صلی اللّه علیه و آله وسلم في دعوته فكان يعرض نفسه على قبائل العرب، ويخبرهم أنه نبيّ مرسل ويسألهم أن يصدّقوه ويمنعوه حتّی يبيّن لهم ما بعثه اللّه به، فدعا كندة في منازلهم، ودعا أحد بطون كلب وبني حنيفة، فلم يستجيبوا له (2).
وكانت فاطمة علیها السلام تتابع أباها في دعوته، وتستلهم منه روح الإقدام والمثابرة على العمل دون توقّف أو تردّد أو تلكّؤ، فتجده مستمرّاً في دعوته رغم الصعاب الّتی تواجهه من تكذيب واستهزاء، فيزرع الأمل في قلبها بنجاحه في دعوته لأنّ النجاح حليف المثابرة دون كلل أو ملل أو يأس، وكانت تصبر على غيابه عنها طويلاً، و تصبر معه على ما يعانيه من القبائل، فكانت تحمل معه همّ الدعوة متعالية على الهموم الذاتيّة الشخصيّة، منطلقة من الأفق الأرحب في نجاح الدعوة وانتصار قيمها ورجالها في المستقبل.
وكانت هذه المرحلة مرحلة إعدادٍ لفاطمة علیها السلام لتقف في مواجهة الإنحراف المستقبلي دون تردّد أو تراجع مقتدية بأبيها ومستلهمة دروس الثبات والمثابرة منه صلی اللّه علیه و آله وسلم
أدركت فاطمة علیها السلام من خلال سيرة أبيها صلی اللّه علیه و آله وسلم أن الإمامة من بعده هي نصّ وتعيين من اللّه تعالى، وليس لرسوله صلی اللّه علیه و آله وسلم أو للأمّة أي دور في تعيينها، فرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في معترك الصراع القائم بينه وبين المشركين، وفي خضمّ الأحداث الصاخبة بتكالب جميع القرشيين لاستئصال الرسالة والرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ، وحاجته إلى المعونة والنصرة لا يساوم على هذا المبدأ، فحينما يطلب منه بيحرة بن فراس أحد وجوه بني عامر بن صعصعة أن يكون أمر الخلافة والإمامة له من بعده في مقابل الدعم والإسناد؛ صلی اللّه علیه و آله وسلم یجیبه قائلاً: (الأمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء).
فيردّ عليه أفتهدف نحورنا للعرب دونك؛ فإذا أظهرك اللّه كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك (1).
وقال له بنو كندة: إنّ ظفرت تجعل لنا الملك من بعدك؟
فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : (إنّ الملك اللّه يجعله حيث يشاء).
فقالوا: لا حاجة لنا فيما جئتنا به (2).
وفي زحمة هذه المواقف المبدئيّة أدركت فاطمة علیها السلام أن الإمامة والخلافة والولاية أمر إلهي، ليس للناس دخل فيها، حتّى أنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم لم يُمَنّ - من كان بحاجة إلى نصرتهم بها، وأكّد لهم أنّ الأمر إلى اللّه تعالى، فلو كان الأمر إليه لأجابهم بما يؤلّف قلوبهم لمؤازرته ونصرته، في ظروف المواجهة مع قريش والقبائل مع قلّة الناصر وضعف المعين من الناس وقد تفاعلت هذه الحقيقة مع كيانها علیها السلام ، فلم تتنازل عن تأكيدها بعد رحيل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و أثبتت لمن تصدّى للخلافة، بأنّ اللّه تعالى قد نصّب من نصّبه الإمامة وخلافة المسلمين.
استمرّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في دعوته، ففرض نفسه على قبائل العرب كالسابق، فبينما هو عند العقبة لقيَ رهطاً من الخزرج، فجلس معهم، ودعاهم إلى اللّه تعالى، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن فقال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلّموا، والله إنه للنبيّ الّذی توعّدكم به اليهود، فلا تسبقنّكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه، وقالوا: إنّا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم فعسى أن يجمعهم اللّه بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الّذی أجبناك إليه من هذا الدين، فإنّ يجمعهم اللّه عليه، فلا رجل أعزّ منك.
فلمّا قدموا المدينة ذكروا إلى قومهم ما دعاهم إليه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتّی فشا فيهم، فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم.
وفي العامّ (1)المقبل بايعوه صلی اللّه علیه و آله وسلم على عدم الشرك بالله، وعلى الإلتزام بأوامره ونواهيه، وأرسل معهم مصعب بن عمير لتعليمهم القرآن والأحكام.
وبعد عام من بيعة العقبة الأُولی بايعه ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان ، على السمع والطاعة، وعلى أن لا ينازعوا الأمر أهله وأن يقولوا الحقّ أينما كانوا، ولا يخافوا لومة لائم، وبايعوه على حرب الأحمر والأسود)، وحمايته صلی اللّه علیه و آله وسلم(2).
وكانت مواقف الأنصار أملاً لفاطمة علیها السلام في دنّو الفرج والخلاص من الأذى والإضطهاد والمعاناة، وهي مقدّمة لانتصار الدعوة بكثرة أنصارها وأتباعها، والحصول على قاعدة واسعة في بلد آخر، وبقيت فاطمة علیها السلام تعيش الأمل وتتطلّع إلى الغد القريب الّذی يهيّئ لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الأجواء لتبليغ رسالته بحريّة واطمئنان.
أيقنت فاطمة علیها السلام بقرب الإنتصار، بعد نزول أوّل آية تأذن الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بالحرب وقتال من اضطهد الدعوة عقيدةً وقيادةً ،وأتباعاً، وبدأت الدعوة تدنو من الإنفراج العملي، فقد أمر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم المسلمين بالهجرة إلى المدينة، فهاجر المسلمون أفراداً وجماعاتٍ، وبقي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم والأسرة النبویّة في مکّة ليستعدّوا للهجرة في وقتها المناسب.
واجتمع المشركون في دار الندوة، وبعد تشاور طويل اتّفقوا على أن يأخذوا من كلّ قبيلة فتىً شابّاً ليقتلوا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في آن واحد، ليضيع دمه في القبائل جميعاً. فأخبره الوحي بذلك فخرج من منزله تاركاً عليا علیه السلام في فراشه للتّمويه على المشركين.
وبقيت فاطمة علیها السلام بين الآمال والآلام ، وبين السرور والحزن، تأمل في الفرج وتتألم خوفاً على أبيها صلی اللّه علیه و آله وسلم من أن يصاب بأذى أو مكروه قبل وصوله إلى المدينة.
وتجمَّع القوم في الدار الّتی فيها فاطمة ، فلم تقلق من تجمّعهم و إنّما كانت عواطفها منشدّة إلى أبيها.
واطمأنّت فاطمة علیها السلام على أبيها صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد أن وصلتها أخبار المعاجز الّتی أنقذته من ملاحقة قريش له، حيث وصل بعضهم إلى الغار ثمّ رجعوا دون أن يدخلوه، لأنّ اللّه تعالى أوحى إلى حمامتين أن تبنيا وكراً لهما في بابه، وإلى العنكبوت أن تنسج بيتاً لها، واطمأنت فاطمة علیها السلام وهدأت عواطفها بعد سماعها بوصوله لا إلى المدينة.
لمّا وصل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قباء - وهي على أميال من المدينة - استقرّ فيها لينتظر علياً علیه السلام وفاطمة وبقيّة نساء بني هاشم، وبعث صلی اللّه علیه و آله وسلم مع أبي واقد اللّيثي كتاباً إلى علي علیه السلام يأمره بالقدوم عليه بعد ردّ الأمانات إلى أهلها، فلمّا وصل الكتاب
تحرّك علیه السلام من ساعته وخرج بالنساء في وضح النهار ، ولمّا رأى أبا واقد يسوق الرواحل بعنف قال له:
إرفق بالنسوة يا أبا واقد، إنهنَّ ضعاف.
قال أبو واقد: إني أخاف أن يدركنا الطلب، فطمأنه عليّ عليه السلام بأنهم لن ينالهم مكروه من المشركين.
ووصل الطلب يتقدمهم سبعة من فرسان قريش وشجعانها فأنزل عليّ عليه السلام النساء، و استقبل القوم بسيفه، فردّهم مهزومين مخذولين.
واطمأنّت فاطمة علیها السلام على سلامة النساء والقافلة وهي تتوجّه إلى دار الهجرة، ولمّا وصلوا إلى (ضجنان) لبثوا فيها بقيّة ذلك اليوم وليلته، ولحق بهم نفر من المستضعفين منالمؤمنين، وكانوا يصلّون ليلتهم إلى أن طلع الفجر.
وقد نزل الوحي بشأنهم: ( الّذین يذكرون اللّه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم... فاستجاب لهم ربّهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى)(1).
وقد فُسِّرَ الذكرُ بعليّ عليه السلام والأنثى بفاطمة علیها السلام(2).
ووصلت القافلة، وكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم باستقبالها، وفي حينها قال صلی اللّه علیه و آله وسلم لعليّ عليه السلام : (يا علي أنت أوّل هذه الأمّة إيماناً بالله ورسوله، وأولهم هجرةً إلى اللّه ورسوله، و آخرهم عهداً برسوله، لا يحبّك - و الّذی نفسي بيده - إلا مؤمن قد امتحن اللّه قلبه للإيمان، ولا يبغضك إلا منافق أو كافر)(3).
وقد أعطى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ميزاناً ومعياراً لتشخيص الناس من حيث الإيمان والنفاق والكفر، وبقي هذا الميزان أساساً ثابتاً تشخّص فاطمة علیها السلام من خلاله الناس
في درجة قربهم وبعدهم من الإيمان والإخلاص للرسالة، بحبّهم لعليّ عليه السلام أو بغضهم له في حياة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أو بعد موته، وأدركت علیها السلام من هو مؤهّل لخلافة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم من خلال هذا الحديث الشريف.
دخلت البهجةُ قلب فاطمة علیها السلام وهي ترى سادات الأنصار يستقبلون أباها صلی اللّه علیه و آله وسلم والقافلة الّتی معه، وترى الأشراف يتقدمون للأخذ بزمام الناقة رجاء أن ينزل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في حیّهم، فكان صلی اللّه علیه و آله وسلم يدعو لهم بالخير ويقول: دعوا الناقة تسير فإنّها مأمورة.
وبركت الناقة بجوار دار أبي أيّوب الأنصاري، فنزل علي علیه السلام ونزلت معه فاطمة علیها السلام ضيفاً على أم خالد، واستقرّت مع أبيها صلی اللّه علیه و آله وسلم في داره الّتی بنيت بالأحجار و من جريد النخل، حيث عاشت حياة الزهد والبساطة كما يصف الإمام الحسن علیه السلام الدار ويقول: (كنت أدخل بيوت النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم و أنا غلام مراهق فأنال السقف بيدي).
فلم تهتم البساطة العيش وبساطة المسكن لأنّ همّها الوحيد هو انتصار الإسلام وامتداده في العقول والقلوب والنفوس، وانتهاء مظاهر الشرك والكفر، وقد نذرت نفسها للإسلام وللرسالة.
وكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قد فوّض أمر فاطمة علیها السلام إلى أم سلمة فوجدتها كاملةً في فهمها وأدبها وسيرتها، وكانت تقول: (... وفوّض صلی اللّه علیه و آله وسلم أمر ابنته فاطمة علیها السلام إليّ، فكنت أؤدبها وأدلّها، وكانت والله أدب منّي وأعرف بالأشياء كلّها)(1).
كانت فاطمة علیها السلام تتابع الأحداث والمواقف، ومن هذه المواقف الّتی اتّخذها
1) دلائل الإمامة، ص 11
رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في الأيّام الأُولی للهجرة أن آخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، وقال لهم: تآخوا في اللّه أخوين أخوين.
ثمّ أخذ بيد عليّ بن أبي طالب، فقال: (هذا أخي)(1).
و قال له في هذه الواقعة وفي وقائع لاحقة (أنت أخي في الدنيا والآخرة) (2)
وكان صلی اللّه علیه و آله وسلم يختصّ بعليّ علیه السلام دون غيره، ويعلّمه مختلف العلوم ويناجيه كثيراً.
و كان لهذه المواقف دور كبير في إدراك فاطمة علیها السلام العمق العلاقة الرساليّة بين رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و عليّ ابن أبي طالب عليه السلام ، وأنها ليست علاقة نسب و قرابة، بل هي علاقة رسالية تمتدّ بامتداد السيرة لتتّصل الإمامة بالنبّوة.
وقد أدركت مقام علي عليه السلام ودوره في الرسالة الإسلامیّة ، لذا تراها لا تتردّد حينما يخبرها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بخطبة عليّ عليه السلام.
الخلاصه
تلقّت فاطمة علیها السلام من أبيها صلی اللّه علیه و آله وسلم كل عزم وثبات، حيث وجد الأمل فيها رمزاً. فإنّ تجدها تشارك أباها محنته بموت أبي طالب علیه السلام، بعد أن استغلّت قريش ،موته، فصبّت غضبها وأذاها على الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ، فقد نُثِر التراب على رأسه في تلك الحقبة، ولمّا دخل صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى بيته قامت إليه فاطمة فغسلت رأسه وهي تبكي.
وعاشت فاطمة مع الرسالة تراقب الوحي وتتلقّى تعاليم أبيها فأدركت أنّ الإمامة نصّ إلهي لمّا شاهدته من ردّه صلی اللّه علیه و آله وسلم البحيرة بن قراس حين طلب منه أن يكون الخليفة والإمام من بعده قبال الدعم والإسناد فأجابه صلی اللّه علیه و آله وسلم (الأمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء).
ولم يحصر الرسول دعوته في مكة، وإنّما أخذ يعرض نفسه على القبائل الوافدة من المدينة، فآمنوا به وصدّقوه وكثر أنصاره هناك.
وبعد أن قرر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم الهجرة إلى المدينة وأمر أصحابه بها وتأخّر هو وأهل بيته علیهم السلام : اجتمعت قريش لغرض قتل الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم لکنّ هذه المرّة بمشاركة ممثّل عن كلّ قبيلة ليضيع دمه بين القبائل.
ولمّا أخبره الوحي بذلك خرج من منزله وترك عليّاً في فراشه للتمويه على المشركين.
وبعد ذلك هاجرت فاطمة مع عليّ بأمر من الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم هي وباقي الفاطميات والتحقوا بالرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم قبل دخوله المدينة، ثمّ استقرّت فاطمة علیها السلام في بيت أبيها علیها السلام
واستمرّ الرسول بتنفيذ خطواته الإلهيّة، وتابعت فاطمة الأحداث فكان منها حدث المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار الّذی انتهى بأخذ الرسول بيد عليّ علیه السلام حيث أعلن بذلك عن أخوّته له.
من هذه الأحداث وغيرها أدركت فاطمة مقام عليّ علیه السلام من الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم والرسالة، لذا لم تتردّد في الموافقة بالزواج حين أخبرها الرسول بخطبة عليّ عليه السلام.
الأسئلة
1 . ما هي العوامل الّتی ساعدت فاطمة علیها السلام على الصبر بعد فقد أمّها؟
2 . ما هي مظاهر مشاركة فاطمة علیها السلام الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم في محنته؟
3 . كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يترك فاطمة علیها السلام في داره ويتوجه لدعوة القبائل إلى الإسلام، وهي بحاجة إلى رعايته، فما هو العامل المشجّع لها في البقاء وحيدة؟
4 . ما هو الموقف الّذی جعل فاطمة علیها السلام تدرك أنّ الإمامة هي نصّ من اللّه تعالى،
وليس للاُمّة دخل في تعيينها؟
5 . ما هي العوامل الّتی زرعت الأمل بالنّصر في قلب فاطمة علیها السلام ؟
6 . ما هي انعكاسات الأمر بالهجرة على شخصيّة فاطمة علیها السلام ؟
7 . ما هي الآيات النازلة في مدح علي عليه السلام وفاطمة علیها السلام أثناء هجرتهم إلى المدينة؟
8 . قالت اُمّ سلمة (رض) بحقّ فاطمةعلیها السلام : كانت والله أءدبُ منّي وأعرف بالأشياءكلها، كيف تسنّى لفاطمة علیها السلام أن تكون كذلك مع الفارق في العمر بينها وبين اُمّ سلمة؟
10.ما هي الظواهر الّتی ر أیّها وسمعتها فاطمة علیها السلام و أدركت من خلالها دور عليّ عليه السلام ومقامه الرسالي؟
جعل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم منزل فاطمة علیها السلام بجنب منزله، وهذا يستلزم قربها من مصدر التلقي والتوجيه؛ بالإطّلاع على نزول الآيات القرآنيّة ومعرفة وقت وأسباب النزول، ومعرفة تفسير القرآن وتأويلاته الصحيحة عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم، والإطلاع على السنّة النبویّة ، ومعرفة العقائد والأحكام الإسلامیّة الصحيحة مباشرة، والإطلاع على ما أخبر اللّه تعالى رسوله صلی اللّه علیه و آله وسلم من أمور غيبيّة مستقبليّة، فقد استطاعت - سلام اللّه عليها - بالتلقّي عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أن تشخّص الأحداث المستقبلية، وأن تتّخذ ما يناسبها من مواقف تبعاً لوصايا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم، و أن تكون على اطّلاع واسع بأحوال الرجال والنساء من حيث قربهم وبعدهم عن الإيمان والولاء لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ، وأن تطّلع على كثير من خصوصيات رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في تعامله مع أزواجه ومع سائر الناس من مسلمين وغير مسلمين، وأن تطّلع على ما يخطّطه صلی اللّه علیه و آله وسلم من خطط عسكريّة وسياسيّة واجتماعيّة.
فكانت مستودع علم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و أسراره، في جميع ما يتعلّق بحركة الرسالة وإدامتها، وقد ساهمت مساهمة فعّالة في نشرها.
وقد رافقت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في جميع أحواله ومواقفه ما عدا بعض الغزوات الّتی لا
ص: 549
تستوجب حمل النساء معه.
تابعت فاطمة علیها السلام أحداث الغزوة منذ بدايتها حتّی نهايتها لأنّها إحدى المشاركات فيها.
ففي بداية الأمر استشار صلی اللّه علیه و آله وسلم أصحابه فاختلفوا، وخالفت الأكثريّة رأيه - في البقاء في المدينة - فاستجاب لرأيهم (1)، وخرج خلافاً لرغبته، لتطييب خواطرهم.
وقبل بدء المعركة أمر صلی اللّه علیه و آله وسلم خمسين من الرماة أن يتّخذوا موضعاً عسكرياً، وأمرهم بعدم الإنسحاب مها كانت نتيجة المعركة. وأعطى صلی اللّه علیه و آله وسلم لواء المهاجرين إلى عليّ عليه السلام ، فكان له ولحمزة الدور الأكبر في القضاء على جموع المشركين، حيث قتل عليّ علیه السلام قائد كتيبة المشركين فانهزموا (2).
ثمّ أعاد المشركون الكرة بعد انسحاب الرماة من مواضعهم عصياناً لأمر رسول اللّه وانتهت الكرة بهزيمة المسلمين.
وكانت فاطمة علیها السلام تتابع أحداث المعركة، حيث كانت مع أربع عشرة امرأة يحملن الطعام والشراب على ظهورهنّ، ويسقين الجرحى ويداوينهم(3).
وقد أدركت صلی اللّه علیه و آله وسلم أسباب الهزيمة؛ لمخالفة المسلمين أوامر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم، فكان ذلك درساً لها في حياتها المستقبليّة، أن لا تسكت عن مخالفة أوامره صلی اللّه علیه و آله وسلم و إنّ كانت بعد وفاته لإدراكها جسامة الخسران الّذی سيلحق بالمسلمين وبالإسلام جرّاء هذه المخالفة.
ص: 550
وأطّلعت علیها السلام علينا في هذه المعركة على مقام زوجها الشامخ، وإعداده من قبل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ليكون خليفته من بعده، فقد كان حامل لوائه، وكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم إذا أبصر جماعة من المشركين قال لعليّ عليه السلام : احمل عليهم، وكان عليه السلام يحمل على من
تقدّم ،ويفرّقهم، حتّی هبط جبرائيل وقال:
يا رسول اللّه هذه المواساة الّتی يحبها اللّه تعالى.
فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم: إنه منّي وأنا منه.
فقال جبرائيل: وأنا منكما.
وسمعت فاطمة علیها السلام كما سمع الآخرون صوت جبرائيل يقول:
(لا سيف إلا ذو الفِقار، ولا فتى إلّا عليّ)(1).
وبعد انسحاب المشركين بعث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم علياً في أثرهم (2).
ومن خلال متابعة الأحداث، أدركت فاطمة علیها السلام مسؤوليتها المستقبليّة، فوقفت علي عليه السلام بعد عزله عن مقامه و تنصيب أبي بكر في مقام الخلافة.
وكانت معركة أحد في السنة الثالثة من الهجرة .
اشتركت فاطمة علیها السلام في غزوة الخندق سنة خمس ه- مع بعض النساء، وكانت ترسل الطعام إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ، وتستلهم الدروس والعبر من سيرته الزاهدة، فقد جاءته علیها السلام بكسرة من خبز فقال يا بنيّة أما أنّها لأوّل طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث(3). وقد اطّلعت علیها السلام على أساسيات العلاقة القائد و جنوده،فقد واساهم صلی اللّه علیه و آله وسلم في
ص: 551
الطعام والشراب و في العمل معهم في حفر الخندق، وفي مشاركة أهله مع سائر النساء في هذه الغزوة.
واستطاعت علیها السلام من خلال متابعة أحداث المعركة أن تشخّص مقدرات الصحابة
وولاء هم اللّه ولرسوله و درجات إيمانهم واستعداداتهم من حيث التضحية وعدمها، فقد برز عمرو بن عبد ودّ العامري وجعل يؤنّب المسلمين: أين جنّتكم الّتی تزعمون أنه من قُتل منكم دخلها؟ فلم يبرز له إلّا عليّ بن أبي طالب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم لا يجيز له البراز، إلا في نداء عمرو الثالث، فأذن له، وانحسمت المعركة بقتل عمرو بسيف عليّ علیه السلام
وقد أدركت فاطمة علیها السلام دور زوجها الريادي في عهد أبيها صلی اللّه علیه و آله وسلم وإعداده له لإمامة المستقبل، فقد برّز صلی اللّه علیه و آله وسلم الجوانب القياديّة في شخصيته ليوّجه أنظار المسلمين إلى إمامته من بعده، فقد جعل صلی اللّه علیه و آله وسلم الإيمان كلّه متجسّداً فيه، فحينما برز إلى عمرو قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : (برز الإيمان كلُّه إلى الشركِ كلِّه)(1).
وبعد هزيمة المشركين قال صلی اللّه علیه و آله وسلم لعليّ علیه السلام : (لو وزن اليوم عملك بعمل جميع أمّة محمّد لرجح عملك على عملهم...)(2).
وقال أيضاً: (لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة)(3).
وإذا كانت الشجاعة إحدى خصائص الإمام أو الخليفة، فقد لمست فاطمة علیها السلام هذه الخاصّيّة في زوجها دون غيره.
ص: 552
يُفهم من بعض القرائن الّتی أوردها ابن هشام في سيرته أنّ فاطمة علیها السلام رافقت أباها وزوجها في غزوة خيبر(1).
وقد تابعت علیها السلام الوقائع الغزوة وأحداثها، فقد بعث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم إثنين من كبّار الصحابة أحدهما بعد الآخر، فرجعا مهزومَيْنِ ، فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : (الأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّه اللّه ورسولُه، ويحبُّ اللّه ورسوله، يفتح اللّه على يديه وليس بفرار)(2).
فأعطى الراية عليا علیه السلام فدنا من الحصن، وتناول بابه فتترّس بها عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتّی كان فتح اللّه ، ولم يستطع ثمانية رجال أن يحملوا الباب ولم يحمله إلا أربعون منهم(3).
فكان الفتح على يد زوجها عليّ علیه السلام الّذی عبّر عنه صلی اللّه علیه و آله وسلم بحبيب اللّه ورسوله، فلا غرابة أن تقف فاطمة علیها السلام في جانب زوجها تدافع حقّه بالخلافة، وقد شخّصت عن مواصفاته الّتی تجسّدت فيها صفات الإمام والخليفة المرتقب.
ولمّا انصرف رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم من خيبر صالحه أهل فدك على نصف الأرض، فقبل منهم ذلك، فكان نصفها خالصاً لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم لانه لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب(4).
ولمّا نزلت الآية وآت ذا القربى حقّه، أعطى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فدكاً لفاطمة علیها السلام (5).
ص: 553
قبل فتح مکّة جاء أبوسفيان لتجديد عقد صلح الحدیبیّة ، فلم يجد اهتماماً من قبل الشخصيات المقرّبة لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم، فتوّجه إلى فاطمة علیها السلام وقال: يا بنت محمّد ، هل لك أن تأمري ابنك هذا - يعني الحسن - أن يجير بين الناس فيكون سيد العرب؟ فقالت علیها السلام : (ما بلغ ابني أن يجير بين الناس، وما يجير يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم )(1).
فقد علمت علیها السلام أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم لا يرغب في تجديد العقد، ويروم فتح مكّة، بعد أن نقضت قريش عقد الصلح بتظاهرها على حلفاء رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم من خزاعة.
وفي متابعة أحداث الفتح لمست فاطمة علیها السلام دور عليّ علیه السلام في تجاوز الأزمات، فحينما حمل سعد بن عبادة الراية قال:
اليوم يوم الملحمة*** اليوم تُستحلّ الحُرمَة
فلمّا وصل الخبر إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قال لعليّ علیه السلام : (أدركه فخذ الراية منه، وكنت أنت الّذی تدخل بها)(2).
وبعد فتح مکّة أرسل صلی اللّه علیه و آله وسلم خالد بن الوليد داعياً لا محارباً إلى بني جذيمة، ولكنّه خالف أوامر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وقاتلهم، فأرسل صلی اللّه علیه و آله وسلم عليّاً علیه السلام لتدارك الموقف، فودّى لهم الدماء والأموال(3).
فقد أدركت علیها السلام دور عليّ علیه السلام في المهمّات الصعبة، وكان صلی اللّه علیه و آله وسلم يبعثه لينوب عنه.
وفي معركة هوازن هرب المسلمون ولم يبقَ مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم إلا أهل بيته. وكان النصر حليف المسلمين بعد أن قتل علي فارس هوازن(4).
وكانت علیها السلام شاهدة على دور عليّ علیه السلام في انتصارات المسلمين في أغلب الوقائع
ص: 554
والغزوات والمعارك.
من خلال متابعة فاطمة علیها السلام للسيرة النبویّة ؛ وجدت أنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم كان لا يترك المدينة دون أن يستخلف عليها أحداً من الصحابة، سواء طال أمد خروجه من المدينة أو قصر، فأدركت علیها السلام أن الاستخلاف ضروري للحفاظ على الرسالة من عبده، فإذا كان صلی اللّه علیه و آله وسلم يستخلف غيره ولا يترك المدينة سدى؛ فكيف يتركها بعد وفاته صلی اللّه علیه و آله وسلم دون أن يستخلف أحداً؟
وتجلّى لها الأمر أكثر فأكثر حينما استخلف عليّاً عليه السلام على المدينة في غزوة تبوك، و قال له:
(أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبيّ بعدي)(1).
وقد وردت هذه المنزلة بصيغ مختلفة في مصادر عديدة(2).
فكانت علیها السلام شاهدة على ولايته وإمامته، من خلال هذا الإستخلاف، وغيره من الوقائع والشواهد، والأقوال الّتی قيلت بحقّه.
ولهذا وقفت معه علیه السلام في جميع المواقف الّتی طالب فيها بحقّه في الخلافة والإمامة من بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم
بعث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أبا بكر ليتلو سورة براءة على المشركين، ولمّا سار أردفه
ص: 555
بعليّ عليه السلام فأخذ منه الكتاب بالجحفة، وحينما سأل أبوبكر عن السبب، أجابه صلی اللّه علیه و آله وسلم بالقول الّذی نزل به الوحي: (لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك)(1).
وفي رواية: (لا يبلّغ هذا إلّا أنت أو رجل من أهلك)(2).
وفي رواية: (لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو عليّ)(3).
وكانت فاطمة علیها السلام شاهدة على هذا المقام الّذی وصل إليه عليّ علیه السلام ليترسّخ في أذهان المسلمين و تصوّراتهم؛ ليدركوا أنّه المؤهّل الوحيد لاستخلاف رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم والقيام مقامه في حركة الرسالة وواقعها العملي.
أرسل نصارى نجران رؤساءهم إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم، و بعد حوار طويل، نزل القرآن عليه صلی اللّه علیه و آله وسلم بالآية الكريمة: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالُوا نَدْعُ أَبْناءَنَا وأبْناءَكُمْ وَنِساءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّه ِ عَلَى الكَاذِبِينَ )(4).
فخرج صلی اللّه علیه و آله وسلم للمباهلة، ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين، فلمّا رأوهم قالوا: هذه وجوه لو أقسمت على اللّه أن يزيل الجبال لأزالها، ولم يباهلوه وصالحوه على ألفي حلّة(5)
فكانت فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها هم المباهلين الّذین نزلت فيهم الآية الكريمة،
ص: 556
تأكيداً لشأنهم في الحياة الإسلامیّة ، وتوجيه الأنظار إلى استجابة اللّه تعالى لهم، فقد أدرك النصارى هذه الحقيقة ولم يدخلوا في المباهلة.
رافقت فاطمة علیها السلام أباها في حجّة الوداع، وبعد إتمام شعائر الحجّ، وحين الوصول إلى غدير خمّ، نزل عليه الأمر الإلهي: (يا أيّها الرسولُ بلِّغ ما أُنزِلَ إِليكَ مِنْ رَبِّكَ و إنّ لَّمْ تَفعلْ فَمَا بلّغتَ رِسالتَهُ واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الناسِ) (1).
وكان الأمر هو إبلاغ المسلمين بولاية عليّ بن أبي طالب علیه السلام(2).
وبعد هذا الأمر الإلهي أمر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بالصلّاة، فصلاها بحرّ الظهيرة، وظُلِّلَ عليه من الشمس، فخطب صلی اللّه علیه و آله وسلم وقال:
(... ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أني أولى بکلّ مؤمن من نفسه؟ قالوا : بلى.
فأخذ بيد عليّ، فقال:( اللّهم من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم والِ مَن والاه وعادِ من عاداه...)(3).
ثمّ أمر صلی اللّه علیه و آله وسلم عليّاً علیه السلام أن يجلس بخيمة بإزاء خيمته؛ ثمّ أمر المسلمين أن يدخلوا عليه يسلّمون عليه بإمرة المؤمنين (4).
ص: 557
1) المائدة / 67.
2) أسباب نزول القرآن، ص 204؛ التفسير الكبير للفخر الرازي، ج 6 ، ص 53؛ تفسير غرائب القرآن، ج 2، ص 616: الدر المنثور، ج 2، ص 117؛ عمدة القارئ، ج 18، ص 206؛ روح المعاني، ج 6، ص 197.
3) مسند أحمد، ج 5، ص 355 الكتاب المصنف، ج 12، ص 79 وبنحوه في: السيرة النبویّة لابن كثير، ج 4، ص 417؛ مجمع الزوائد، ج 9، ص 104 مختصر تاریخ دمشق، ج 17، ص 332.
4) اعلام الوری ص 139
وكان من المهنّئين له أبو بكر، حيث قال له:( أمسيت يا ابن أبي طالب مولى كلّ مؤمن ومؤمنة) (1).
وهنّأه عمر بن الخطاب قائلاً: «بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم... »(2).
وبعد أن تمّ البلاغ بولاية عليّ علیه السلام ، نزلت الآية الكريمة:( ... اليوم يئس الّذین كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشونِ، اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً )(3).
وبعد نزول هذه الآية قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : (الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الربّ برسالتی والولاية لعليّ) (4).
وكانت فاطمة علیها السلام على طول الواقعة تتابع الأحداث والمواقف، لتكون شاهدة على الولاية ومساندة لمن بايعه المسلمون بالولاية في حياة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم.
كانت فاطمة علیها السلام تتابع السيرة النبویّة وما يخطّط لها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم، فحينما أراد صلی اللّه علیه و آله وسلم أن تبقى المدينة بمنأى عن الطامعين في الإمامة أمر اللّه المهاجرين والأنصار في التوجّه مع الجيش الّذی كان بإمرة أسامة، كما يقول عليّ علیه السلام : (... لتصفوّ قلوب من يبقى معي بحضرته ولئلا يقول قائلٌ شيئاً ممّا أكرهه، ولا يدفعني دافع من
ص: 558
الولاية والقيام بأمر رعيّته من بعده)(1).
فقد خالف الكثير هذا الأمر، وطعنوا بإمرة أُسامة(2)، ثمّ تخلّفوا عن الإلتحاق بجيشه حتّی غضب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وقال: (جهّزوا جيش اُسامة؛ لعن اللّه من تخلّف عنه)(3).
وفي مرضه صلی اللّه علیه و آله وسلم وحينما اشتدّ به الوجع قال: (إنتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً).
فتنازعوا، وقالوا : (هجر رسول اللّه )(4).
وفي رواية قال عمر: إنّ النبيّ غلب عليه الوجع وعندنا كتاب اللّه حسبنا)، فاختلفوا وكثر اللّغط(5)، فمن قائل يقول : القول ما قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم، ومن قائل يقول: القول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللّغط واللّغو والإختلاف؛ غضب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فقال: (قوموا إنّه لا ينبغي لنبي أن يُختلف عنده هكذا)(6).
وفي خضّم هذه الأحداث أدركت فاطمة علیها السلام عمق المؤامرة على إقصاء عليّ علیه السلام عن منصبه الّذی نصّبه فيه اللّه و رسوله صلی اللّه علیه و آله وسلم ، فقد عصى كثير من الصحابة أوامره صلی اللّه علیه و آله وسلم حتّی اتّهموه بالهجر، وأدركت علیها السلام أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قرن بين كتابة الكتاب وبين عدم الضلال، ليتّبعوا من ينصّبه لمقام الإمامة، وفهمت مغزى تخلّي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم عن الكتابة لئلّا تؤدي تهمة الهجر إلى التشكيك في قضايا أساسيّة تمسّ العقيدة والشريعة فيما بعد.
ص: 559
1) الخصال، ج 2، ص 371، 372
2) صحيح البخاري، ج 5، ص 179؛ الكامل في التأريخ، ج 2، ص 317.
3) الملل والنحل للشهرستاني، ج 1، ص 29؛ شرح نهج البلاغة، ج 6، ص 52.
4) صحيح البخاري، ج 4، ص 85؛ صحیح مسلم، ج 3، ص 1258؛ تأريخ الطبري، ج 3، ص193؛ الكامل في التأريخ، ج 2، ص 320 تأريخ ابن الوردي، ج 1، ص 129.
5) صحيح البخاري، ج 1، ص 39 صحيح مسلم، ج 3، ص 1259 الملل والنحل، ج 1، ص 29.
6) شرح نهج البلاغة، ج 6، ص 51
بدأ الحزن ينتاب فاطمة علیها السلام علم بعد أن أحسّت بدنوّ أجل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم، فقد قال لها صلی اللّه علیه و آله وسلم : ( إنّ جبريل علیها السلام كان يعارضني بالقرآن في كلّ عام مرّة، وأنه عارضني به العامّ مرّتين، ولا أراه إلا قد حضر أجلي و أنكِ أوّل أهل بيتي لحوقاً بي، ونعم السلفُ أنا لك، ... ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء هذه الأمّة )؟ أو سيّدة نساء المؤمنين؟ (1)
وكثرت الأحزان بعد مرضه صلی اللّه علیه و آله وسلم و بعد مشاهدتها للأحداث الصاخبة الّتی خالف بها كثير من الصحابة أوامره.
وبقيت في رفقة أبيها صلی اللّه علیه و آله وسلم طوال هذه الفترة، لتتزود من رؤيته المباركة، ومن وصاياه وإرشاداته.
وقال لها صلی اللّه علیه و آله وسلم يابنيّة، أمني عليَّ، فأمَنَّتْ عليه فناجاها ساعة ثمّ انكشفت وهي تبكي، ثمّ قال لها: أمنّي عليّ، فأمّنتْ عليه فناجاها ساعة ثمّ انكشفت عنه فضحكت(2).
فقد قال لها صلی اللّه علیه و آله وسلم إني مقبوض في مرضي هذا فبكت وأخبرها أنّها أوّل أهله لحوقاً به فضحكت وكتمت ذلك، فلمّا توفّي صلی اللّه علیه و آله وسلم سألتها عائشة ، فحدّثتها بما أسرّ إليها(3).
وبرحيل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فقدت فاطمة علیها السلام سندها الحقيقي، وانتابتها الأحزان، فما رُئيت ضاحكةً بعده (4).
ص: 560
الخلاصه
لقد كانت فاطمة علیها السلام المستودع علم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ، وكان بيت فاطمة علیها السلام بجنب بيت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ، وهذا القرب كان يجعل فاطمة علیها السلام قريبة من معرفة الأحداث ومن تلقّي الأحكام من فم صاحب الرسالة، كما منحها هذا القرب دوراً بارزاً ومؤثراً في رفد الرسالة، فنجدها تشارك في أكثر الغزوات الّتی خاضها الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بنقل الطعام والشراب و تضميد الجرحى، مثل غزوة أحد والخندق وخيبر، ولم يكن حضورها في المواطن الحرجة و المهمّة حضوراً رمزيّاً و إنّما كان حضوراً فاعلاً و واعياً لمّا تفرزه الأحداث، فهي لاحظت بدقّة لمّا يدور آنذاك وما تخلّل معارك الرسول وغزواته، وما ضربه علي علیه السلام من مواقف البطولة الإلهيّة في الشجاعة والإيثار وتفانيه وثباته كما في غزوة أحد.
لقد شاهدت علیها السلام الي العناية الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بالإمام عليّ في عامّة المشاهد والمواطن ومن قيمتها وموقعها الإلهي نجدها أحد المباهلين الّذین اختارهم اللّه أمام نصارى نجران حسبما أكّده النصّ القرآني فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم... ورافقت فاطمة علیها السلام أباها في حجة الوداع وعاصرت الحدث العظيم في غدير خمّ و ما نزل فیه من القرآن الكريم بحقّ زوجها علیها السلام .
وأخيراً شاهدت العصيان من قبل بعض الصحابة لأمر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وامتناعهم عن الذهاب مع جيش اُسامة، وسمعت لعن الرسول لمن تخلف عن هذا الجيش، في الوقت الّذی كان فيه مريضاً وهو يُمهِّد لتسليم الإمام عليّ علیه السلام الخلافة من بعده.
ص: 561
الأسئلة
1 . ما هو الدور الّذی قامت به فاطمة علیها السلام في غزوة أحد؟
2 . ما هي الدروس الّتی استنبطتها فاطمة علیها السلام من غزوة أحد؟
. ما هي الدروس الّتی تلقّتها فاطمة علیها السلام من غزوة الخندق؟
4 . ما هي المناسبة الّتی أعطى فيها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فدكاً إلى فاطمة علیها السلام ؟
5 . ما هي الدوافع وراء رفض فاطمة علیها السلام لطلب أبي سفيان الإستجارة؟
6 . ما هي الدروس الّتی وعتها فاطمة علیها السلام من استخلاف عليّ على المدينة في غزوة تبوك؟
ماذا قال النصارى بحقّ فاطمة علیها السلام حيث أخرجها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم للمباهلة؟
ما هي أهمّ الدلائل على ولاية وإمامة عليّ علیه السلام كما شاهدتها فاطمة علیها السلام ؟
9 . ما هي أهمّ شواهد فاطمة علیها السلام على عصيان كثير من المسلمين لأوامر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ؟
10 . أخبر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فاطمة علیها السلام أنّها أوّل أهله لحوقاً به، فما كان موقفها من ذلك، ولماذا؟
ص: 562
انشغل عليّ وفاطمة علیهما السلام وبنو هاشم ومعهم بعض الصحابة الأجلّاء بفاجعة رحيل الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم و تجهیزه و دفن جسده الطاهر.
بينما تسارع أبوبكر وعمر وأبو عبيدة إلى سقيفة بني ساعدة وتنافسوا وتصارعوا مع الأنصار على الخلافة رافعين شعار القرابة ووراثة السلطة، ومهددّين كلّ معارض بالموت كما يتجلّى ذلك بوضوح في النصّ الّذی اشتهر عن لسان منظِّر الحزب الفائز: من ذا ينازعنا سلطان محمّد و ميراثه؟ ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدلٍ بباطلٍ أو متجانف لإ ثمٍّ أو متورّط في هلكة»(1).
وبهذا التهديد خرج الحزب القرشي ظافراً على منافسيه من الأنصار للغاية، لم تشهد الأمّة الإسلامیّة تنافساً وتكالباً على هذا الحطام أحزّ في النفس منه، حتّی قال عمر بن الخطاب فيما بعد معبّراً عن شدّة التنافس و مرارته: «كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه المسلمين شرّها .. ألا و من عاد إلى مثلها فاقتلوه(2).
لقد هدّد سعد بن عبادة بالقتل وقتل فيما بعد، كما هُدّد عليّ وذووه بالقتل أيضاً
ص: 563
حينما تخلّفوا عن بيعة أبي بكر.
لقد انتهت مناورات السقيفة الصاخبة بظهور أبي بكر على مسرح الخلافة وفرض على الأمّة أن تبايعه حتّی كان الحزب الظافر لا يمرّون بأحد إلا خبطوه وقدّموه فمدّوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبابعه شاء ذلك أو أبى(1).
وبهذا تحقّقت أوّل مؤامرة على السلطة بعد وفاة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم - بعد أن فشل المنافقون في أكثر من موقف للتخلّص من سلطة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بالتآمر على قتله_ وتحققت نبوءة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بتظافر القوم ضدّ عليّ لإبعاده عن مسرح القيادة الّتی نالها بالتنصيب الإلهي كما لاحظنا ذلك في يوم غدير خمّ.
وقد أحكم الحزب الظافر قبضته على زمام الحكم مستغلّاً حراجة الظرف الّذی كانت تمرّ به الدولة و الأمّة الإسلامیّة بعد وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم بالرغم من أن عامّة المهاجرين والأنصار لم يكونوا يشكّون أنّ عليّاً هو صاحب الأمر بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم على حدّ تعبير ابن إسحاق(2).
وكان من الطبيعي أن يرفض عليّ بن أبي طالب علیه السلام بيعة أبي بكر، كما كان من الطبيعي أن يرفضها كل من سمع بتنصيب الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم لعلي علیه السلام و آمن بهذا التنصيب الإلهي.
ومن هنا انطلقت الإحتجاجات الصارخة من قبل علي وفاطمة والصحابة المؤمنين بإمامته.
لقد وقفت فاطمة علیها السلام إلى جانب علي علیه السلام بدافع العاطفة الزوجيّة؛ و إنّما الواجب الشرعي هو الّذی كان يملي عليها هذا الموقف بعد اطّلاعها على وصيّة رسول
ص: 564
الله صلی اللّه علیه و آله وسلم في إمامة عليّ علیه السلام ، وكانت علیها السلام تخرج مع عليّ علیه السلام إلى مجالس الأنصار وتسألهم النصرة، فكانوا يقولون : يا بنت رسول اللّه قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أنّ زوجك وابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر، ما عدلنا به، فيقول عليّ علیه السلام : (أفكنت أدع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في بيته لم أدفنه، وأخرج أنازع الناس سلطانه؟).
وكانت فاطمة تقول: (ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما اللّه
حسيبهم وطالبهم)(1).
واستمرّت فاطمة علیها السلام برفقة عليّ علیه السلام تدعو الأنصار إلى نصرة زوجها، و لکنّ لم تجد معيناً على ذلك.
وكان خالد بن سعيد غائباً فقدم فأتى عليّاً علیه السلام فقال: «هلم أُبايِعْك، فوالله ما الناس أحد أولى بمقام محمّد منك»، واجتمع جماعة إلى عليّ علیه السلام يدعونه إلى بيعته.
فقال لهم: اغدوا عليّ هذا محلّقين الرؤوس، فلم يغد عليه إلا ثلاثة نفر(2).
وبقي بيت فاطمة علیها السلام مقرّاً للموالين إلى علي علیه السلام يخطّطون لإعادة الخلافة إليه، لكنّ الحزب الحاكم كان مصمّماً على ضرب المعارضة أنى كانت ومهما كلّف الأمر، ومن هنا تجرأوا على اقتحام بيت الزهراء علیها السلام و عليّ علیه السلام مهدّدين بالحرق ومتحدّين ابنة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بکلّ قوّة وأكرهوا عليّاً ومن معه على البيعة وهدّدوهم بالقتل إنّ لم يبايعوا.
قرّر الحزب الحاكم أن يصادر فدكاً ليشلّ كلّ مصادر القوة الماديّة الّتی قد يستفيد منها علي علیه السلام ضدّ السلطة لإحباط المؤامرة، ولهذا سارع لإصدار قرار بتأميم فدك
ص: 565
وسلبها من فاطمة علیها السلام ، فلمّا بلغها ذلك أرسلت من يطالب بحقّها من أبي بكر ثمّ قرّرت أن تواجهه بنفسها، ولهذا قدمت ومعها بعض النساء فدخلت على أبي بكر، فأنت أنَّةً أجهش لها القوم بالبكاء، فلمّا سكتوا خطبت فيهم خطبة طويلة قالت في آخرها: (فاتّقوا اللّه حقّ تقاته وأطيعوه فيما أمركم به.... ونحن وسيلته في خلقه، ونحن خاصته، ومحلّ قدسه، ونحن حجّته في غيبه، ونحن ورثة أنبيائه...
ثمّ أنتم تزعمون أن لا إرثَ لأبي... أبى اللّه أن ترث يا ابن أبي قحافة أباك، ولا أرث أبي؟! لقد جئت شيئاً فريّاً! فدونكها مخطوطة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنِعمَ الحَكَمُ اللّه ، والزعيم محمّد ، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولكلّ نباءٍ مستقرّ، وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ عليه عذابٌ مقيم!).
ثمّ التفتت إلى قبر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فتمثّلت بقول هند بنت أثاثة:
قد كان بعدك أنباء وهنبثة*** لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
أبدت رجال لنا نجوى صدورهم ***لما قضيت وحالت دونك الكتب
تجهمتنا رجال واستُخفّ بنا*** إذا غبت عنّا فنحن اليوم نُغتَصَبُ
ثمّ عدلت إلى جمع الأنصار فقالت:
يا معشر البقيّة، وأعضاد الملّة، وحضنة الإسلام، ما هذه الفترة عن نصرتي، والونية عن معونتي، والغمزة في حقّي، والسِّنة عن ظُلامتي...)(1)؟
وحينما احتجَ أبوبكر بحديث نسبه إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم: ( إنّ الأنبياء لا يورّثون).
قالت علیها السلام : إنّ فدكاً وهبها لي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ، وشهد عليّ علیه السلام و اُم أيمن بذلك، وشهد عمر وعبدالرحمن بن عوف بأن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم كان يقسمها (2)، فأخذ بقول عمر.
وقد طلبتها علیها السلام بالميراث تارة وبالنِّحلة أُخرى فدُفعت عنها(3).
ص: 566
وفي رواية: جاءت تطلب ميراثها من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فلم يجبها أبو بكر لمّا طلبت، فهجرته ولم تكلّمه في ذلك حتّی ماتت(1). وبقيت فدك حقّاً مغتصباً تُعاد إلى ولد فاطمة ثمّ تؤخذ منهم تبعاً لطبيعة الحاكم وعلاقته مع أهل البيت(2).
ولم تكن فاطمة علیها السلام تطالب بفدك لكونها أرضاً بل تعبيراً عن الحقّ المغتصب، وقد وضّح الإمام موسى الكاظم علیه السلام هذه الحقيقة لهارون الرشيد العبّاسي، حينما أراد إرجاعها له فقال علیه السلام : (لا أخذها إلّا بحدودها)، وقد جعل حدودها جميع أراضي الدولة الإسلامیّة (3).
قال عمر لأبي بكر: انطلق بنا إلى فاطمة فإنّا قد أغضبناها، فلم تأذن لهما، فأتيا عليّاً
فكلّماه، فأدخلهما عليها، فلمّا قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط ... وقالت:
نشد تكما اللّه ألم تسمعا رسول اللّه يقول: (رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي؟)...
قال أبوبكر: نعم.
قالت: فإنّي أشهدُ اللّهَ وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم لأشكونّكما إليه.
فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطكِ يا فاطمة، ثمّ انتحب يبكي...
وهي تقول: (والله لأدعونَّ اللّه عليك في كل صلاة أُصلّيها) (4).
ص: 567
وهجرته فاطمة علیها السلام ولم تكلّمه حتّی ماتت(1).
لقد كانت الزهراءعلیها السلام تلك الشجرة اليانعة في بيت النبوّة ومهبط الوحي وكانت تعيش المحنة مع الإمام علي علیه السلام فكان يقلقها مصير الدعوة، ويؤلمها انحراف الأمّة ، وما كان يؤخّرها شيء عن الدفاع عن شجرة الإسلام الباسقة، وحقّ عليّ علیه السلام في الخلافة، فتحرّكت مع الإمام يحدوها الأمل في إيقاظ ضمير الأمّة ويدفعها الحرص أن ترى رسالة الإسلام تمتدّ في آفاق الأرض متمثّلة لأوامره مطيعة له في أهل بيته.
وكان دور الزهراء علیها السلام الدوراً مهماً وكبيراً حيث تمثّل في مطالبتها أبابكر بما انتزعه منها من أموال. حيث جعلت المطالبة وسيلة للمناقشة في مسألة الخلافة وإفهام الناس بأن اللحظة الّتی عدلوا فيها عن علي علیه السلام إلى أبي بكر كانت لحظة غير واعية وبعيدة عن خط الرسالة الإسلامیّة ومخالفة لكتاب اللّه وسنّة رسوله صلی اللّه علیه و آله وسلم.
كانت حركة الزهراء عليها السلام مخططة ومدروسة قد أعدّها الإمام عليّ علیه السلام منسجمة مع الظروف السیاسیّة المعقّدة؛ إذ رأى في حركة الزهراء علیها السلام الفعالية أكبر، و تأثيراً أشد. فقد كان علیه السلام يريد أن يُسمع المسلمين صوته من دون أن يدخل ميدان المعترك السياسي مباشرة، منتظراً بذلك اللحظة المناسبة والفرصة السانحة ليتّخذ فيها القرار المناسب، وهو في الوقت ذاته يُظهر للأمة بطلان الخلافة القائمة وعدم شرعيتها، وينذر الأمّة بخطورة الموقف. فعبّرت الزهراء علیها السلام عن فكرة الإمام خير تعبير وأدّت دورها خير أداء.
لقد توفّرت للزهراء ناحيتان لم تتوفّرا للإمام علیه السلام فيما لو كان قد تحرّك بصورة مباشرة:
ص: 568
1) تأريخ الطبري، ج 3، ص 208؛ البداية والنهاية، ج 5، ص 249.
الأولى: أنّ الزهراء علیها السلام كانت تستطيع أن تثير عواطف الجماهير و تذكّرهم بأبيها صلی اللّه علیه و آله وسلم ومواقفهم معه صلی اللّه علیه و آله وسلم و وصاياه لهم لمّا لها من مكانة عند رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم من جهة و من جهة أخرى أنّها كانت صاحبة الحقّ المغتصب (فدك) و هذه أوّل خطوة غير مشروعة في مسيرة الخلافة الجديدة.
الثانية: أنّ منازعة الزهراء علیها السلام للسلطة الحاكمة مهما بلغت من الشدّة فلن تكتسب طابع الحرب المسلّحة ما دامت المطالبة إمرأة، وما دام الإمام عليّ علیه السلام ملتزماً بالهدنة - الّتی أعلنها - مع السلطة الحاكمة حتّى تتحرك الجماهير وتجتمع عليه.
وبقي الإمام مراقباً للموقف ليتدخل متى شاء، متزعّماً للثورة إذا بلغت حدّها الأعلى، أو مهدّئاً للفتنة إذا لم يتهيّأ له الظرف الّذی يريده.
فالزهراء علیها السلام بحركتها هذه إمّا أن تحقق انتقاضاً جماعيّاً على خلافة السقيفة وإمّا أن لا تخرج عن دائرة الجدال والنزاع ولا تجرّ إلى فتنة وانشقاق.
فنهضت الزهراء علیها السلام للمعارضة ضمن خطوات متدرّجة كما يلي:
أولاً: قامت بإرسال رسول يطالب أبابكر في مسألة الميراث ويطالب بحقوقها.
ثانياً: قرّرت مواجهتها بنفسها لأبي بكر في اجتماع خاص كان يضمّ عدداً من الصحابة وشدّدت في طلبها بحقوقها من الخمس وفدك وغيرهما.
والخطوة الثالثة: خطابها في المسجد النبويّ وقد خرجت ومعها نساء المهاجرين والأنصار يُحطن بها، وأوضحت في خطابها الّذی سمعه جمهور المهاجرين والأنصار العديد من مظاهر عظمة الإمام عليّ عليه السلام ومؤهّلاته الشخصيّة ودوره في إقامة الدين الحكومة الإسلامیّة . وقالت من جملة ما قالت: «فأنقذكم اللّه تبارك وإشادة صرح وتعالى بمحمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم بعد اللتيا و الّتی ، وبعد أن مُني ببُهم الرجال وذوبان العرب ومردة أهل الكتاب كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها اللّه أو نجم قرن للشيطان، و فغرت فاغرة
ص: 569
من المشركين، قذف أخاه (1)في لهواتها. فلا ينكفئ حتّی يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه مكدوداً في ذات اللّه مجتهداً في سبيل اللّه ، قريباً من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم سيّد أولياء اللّه ، مشمّراً ناصحاً مجداً كادحاً، وأنتم في رفاهيّة من العيش وادعون فاكهون آمنون»(2).
ثمّ اتهمت السلطة الحاكمة بالتآمر والإنحراف عن الدعوة الإسلامیّة وقدحهم نار الفتنة وأنذرتهم بسوء عاقبة هذا الإنحراف.
تتربّصون بنا الدوائر وتتوكّفون الأخبار... ثمّ قالت:
فوسمتم غير إبلكم، وأوردتم غير شربكم هذا والعهد قريب، والكلم رحيب والجرح لمّا يندمل والرسول لمّا يقبر أبِداراً زعمتم خوف الفتنة؟ ألا في الفتنة سقطوا و إنّ جهنّم لمحيطةٌ بالكافرين.
أما لعمر اللّه لقد لقحت فنظرةٌ ريثما تُحلب ثمّ احتلبوها طلاع القعب دماً عبيطاً هنالك یحسر المبطلون ويعرف التالون غبّ ما أسّس الأوّلون ثمّ طيبوا عن أنفسكم نفساً وابشروا بسيف صارم و هرج شامل واستبداد من الظالمين يدع فيأكم زهيداً وجمعكم حصيداً فيا حسرة عليكم»(3).
الخطوة الرابعة : حديثها مع أبي بكر وعمر حينما زاراها بقصد الإعتذار منها وإعلانها عن غضبها عليهما وتسجيل غضب اللّه ورسوله عليهما.
الخطوة الخامسة خطابها الّذی ألقته على نساء المهاجرين والأنصار في أواخر أیّام حياتها.
الخطوة السادسة وصيّتها أن لا يحضر تجهيزها ودفنها أحد ممّن آذاها من
ص: 570
خصومها، وإبهام موضع قبرها كاحتجاج مستمر يمثِّل نقمتها الأبديّة على الخلافة القائمة.
لم تتمكّن الزهراء علیها السلام في حركتها أن تطيح بالحكومة القائمة؛ لأنّ الخليفة كان يملك حنكة سياسيّة ولباقة واضحة وقدرة على استيعاب الظروف، و إنّ تطلّب الموقف لا مبالاةً أو تضييعاً لحقّ.
ومن جانب آخر نجحت الزهراء في خطواتها لاسترداد حقّها، فقد أعطت لمسيرة تصحيح الإنحراف قوّة قاهرة وطاقة على الإستمرار في النضال وذلك في محاورتها مع أبي بكر و عمر عند زيارتهما لها. حيث ثبتت عليهما الموقف السلبي لهما من اللّه ورسوله. وهكذا سجّلت النجاح في حركتها كلّها، نجاحاً مؤكّداً في حساب العقيدة والدين.
تكالبت عوامل الحزن على فاطمة علیها السلام فلم تفارقها، وأصبح الألم والأسى وذرف الدموع مرافقاً لها من حين وفاة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى حين ارتحالها إلى الرفيق الأعلى. فقد حزنت على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وانقطاع الوحي، وعلى ما طرأ على الرسالة من تشویه و تزییف و تحريف، وإلى اتّفاق الأكثريّة على إقصاء عليّ علیه السلام من منصبه، حقداً وحسداً وخوفاً من عدالته وشدّته في ذات اللّه ، ونفاقاً من بعضهم، والتظافر على هضمها واغتصاب حقوقها مع قلة الناصر وضعف المعين.
وقد عبّرت علیها السلام عن عظم المأساة الّتی عاشتها بالقول:
(اللهم ألحقْ روحي بروحه، واشفعني بالنظر إلى وجهه، ولا تحرمني أمره وشفاعته يوم القيامة)، وأخذت تربةً من تراب قبر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فشمّتها ثمّ أنشأت تقول:
ماذا على مَنْ شمَّ تُربةَ أحمدٍ*** أن لا يَشمَّ مدى الزمانِ غواليا
ص: 571
صُبَّت عليَّ مصائب لو أنّها ***صُبَّت على الأيّامِ صِرْن لَياليا (1)
وقد تقدّمت الرواية من أنّها لم تُرَ ضاحكة بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم .
وفي ذات مرّة طلبت من بلال أن يؤذِّن - وقد امتنع من الأذان بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فاستجاب لها، فلمّا بلغ قوله : أشهد أن محمّد اً رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم شهقت فاطمة علیها السلام سقطت على وجهها وغشي عليها(2).
وكانت تبكي أباها ليلاً ونهاراً، فقال لها عليّ علیه السلام : إنّ شيوخ المدينة يسألونني أن أسألك إما أن تبكي أباك ليلاً أو تبكيه نهاراً.
فقالت: يا أبا الحسن، ما أقلّ مكثي بينهم، وما أقرب مغيبي من بين أظهرهم!
فبنى لها علیها السلام بيتاً خلف البقيع وسمّاه( بيت الأحزان)، فإذا أصبحت قَدَّمت الحسن والحسين علیهما السلام أمامها و خرجت إليه، وهي تمرّ على البقيع باكيةً(3)، فإذا جاء الليل أقبل عليّ علیه السلام ورافقها إلى منزلها.
وكان لبكائها دور كبير في كشف الواقع المنحرف الّذی عاشته علیها السلام .
لم يراع المتصدّون للحكم حقّ عليّ وحقّ فاطمة علیهما السلام ، وخالفوا النصّ على الإمامة، واغتصبوا فاطمة حقّها، وبدأ الإنحراف عن النهج السليم واضحاً، وانتهى بالإعتداء عليها في دارها، واجتمعت عليها المصائب والآلام الجسديّة والنفسيّة، فبدأت حياتها تقترب من الموت.
وفي أواخر حياتها أوصت عليّاً علیه السلام ببعض الوصايا ومنها: أن لا يحضر جنازتها
ص: 572
أبو بكر وعمر وأن لا يصلّيا عليها (1).
وفي يوم وفاتها اغتسلت ثمّ لبست ثياباً جدداً، ثمّ قالت لأُمّ رافع: اجعلي فراشي وسط البيت، فاضطجعت عليه واستقبلت القبلة وقالت: يا أمها إنّي مقبوضة الساعة، فماتت وحملها عليّ ودفنها بغسلها (2)ليلاً ولم يشعر بذلك أبوبكر(3)ولا من اغتصبها حقّها.
واختلف المؤرّخون في مدّة بقائها بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ، فقيل: أربعون يوماً، وقيل: خمسة وسبعون يوماً، وقيل: ثلاثة أشهر، وقيل خمسة أو ستّة أشهر، والثابت أو المشهور أنّها توفّيت بعده صلی اللّه علیه و آله وسلم بثلاثة أشهر في جمادي الآخرة سنة إحدى عشرة من الهجرة(4).
وتركت لنا ثروة علميّة، فقد روى عنها علي والحسنان علیهما السلام ، وأم رافع، وعائشة
واُمّ سلمة، و أنس بن مالك(5)وعدد من التابعين، وأحفادها علیهم السلام .
وتركت لنا مقياساً في تشخيص الرجال و تشخيص الأحداث والمواقف بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم حتّی يومنا هذا.
ومما جاء في تأبين عليّ لها قوله (... وستنبؤك ابنتك بتظافر أمّتك على هضمها، فأحفِها السؤال واستخبرها الحال، هذا ولم يطل العهد، ولم يخل منك الذكر )(6).
ص: 573
الخلاصه
لقد انشغلت فاطمة علیها السلام مع عليّ وبني هاشم و بعض الصحابة بفاجعة موت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم، وما تخلّل هذا الظرف بالذات من اجتماع بعض الأنصار في سقيفة بني ساعدة لتداول أمر الخلافة، وما حدث في داخل هذا الإجتماع من نزاع وسجال وتنافس قبلي حولها، حيث احتج عمر بالقرابة من رسول اللّه ، وقول الحبّاب لنعيدنها جدعة، وبرز المنطق الجاهلي في هذا الإجتماع. وأخيراً انتهى بترشيح أبي بكر بسعي متحمّس من قبل عمر، في الوقت الّذی تخلّفا هو وأبوبكر عن اللّحاق بجيش اسامة الّذی أمر الرسول بالذهاب معه، وتركا رسول اللّه جنازة وذهبا لاجتماع السقيفة طمعاً بالرّئاسة.
ولم يترك رسول اللّه موقع الخلافة من بعده هدراً؛ و إنّما كان المرتكز في أذهان الأمّة أن الخليفة هو الإمام عليّ من بعد رسول اللّه ، جاء ذلك لكثرة الأحداث وسيرة الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم الّتی عمّقت هذا الأمر في أذهان الأُمّة.
حتّی أنه لمّا بويع أبو بكر ندم كثير من الأنصار على بيعته ولام بعضهم بعضاً وكان موقف الإمام عليّ وفاطمة علیهما السلام من بيعة أبي بكر هو الرفض تمسّكاً بالإختبار الإلهي بالنّصوص الثابتة عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم، ولم تكن السقيفة هي الاسلوب الشرعي حيث لم يشارك فيها أهل الرأي كعليّ وبني هاشم وسائر المهاجرين والأنصار.
من هنا نجد فاطمة قد احتجّت حينما هجموا على دارها بالقول «لا عهد لي بقوم أسوأ محضر منكم.... وهكذا وقفت فاطمة إلى جنب عليّ علیهما السلام توضح مظلوميّته قائلة «ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له» وبقي بيت فاطمة مقرّاً للموالين للإمام عليّ علیه السلام لانها ممّا اضطرّ أبابكر وعمراً أن يداهما بيت الإمام الخليفة الشرعي بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم، وأخيراً أقدما على
ص: 574
غصب حقّ فاطمة وإرثها من أبيها (فدك) خوفاً من أن يكون دعماً للمعارضة واتّخذت فاطمة موقفاً سلبياً من الخليفة أبي بكر جرّاء هذه الممارسات، وكشفت الواقع المنحرف و تبنّت مقام الإمام عليّ، وبقيت حزينة مهضومة مظلومة حتّی توفّيت علیها السلام .
الأسئلة
1 . ما الدليل على أن موقف فاطمة علیها السلام من عليّ علیه السلام كان موقفاً مبدئيّاً وليس عاطفيّاً؟
2 . ما هو نصّ احتجاج فاطمة علیها السلام على إثبات إمامة عليّ علیه السلام ؟ وما هو الدليل الصريح على إمامته علیه السلام ؟
4 . أذكر دليلين على هجوم القوم على دار فاطمة.
5 . ما هو الدليل النقلي والعقلي على ملكيّة فاطمة علیها السلام لفدك ؟
6 . ما هي الأسباب وراء عدم رضا فاطمة علیها السلام عن أبي بكر وعمر ؟
7 . ما هي مظاهر الإنحراف الّتی شخّصتها فاطمة علیها السلام في أقوالها؟
8 . كيف عبّرت فاطمة علیها السلام عن مظلوميّتها؟
9 . لماذا لم يحضر أبوبكر وعمر في تشييع فاطمة علیها السلام ودفنها؟
10 . ارتحلت فاطمة علیها السلام إلى الرفيق الأعلى وهي في سنّ الثامنة عشرة، ما هي الأسباب والعوامل الّتی أدّت إلى قصر عمرها؟
ص: 575
لم تنقطع يد الغيب عن رعاية فاطمة علیها السلام في جميع مراحل حياتها منذ النشأة والتكوين إلى زواجها علیها السلام ، فقد رافقتها الرعاية والعناية الإلهيّة لتعدّها إعداداً رساليّاً، وتكون وحدها الوعاء الطاهر للسلالة الطاهرة والمنبت الطيّب لسادات وأئمّة المسلمين، وهي وحدها علیها السلام الحلقة الوصل بين النبوّة والإمامة.
وقد أكّد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أن أمر زواجها بيد اللّه تعالى، فقد خطبها أبوبكر،
فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : ( أنتظر بها القضاء)، وخطبها عمر فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : ( أنتظر بها القضاء)(1).
وخطبها عليّ بن أبي طالب علیه السلام ، فقال لها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : إنّ عليّاً يذكرك ،فسكتت فزوّجها)(2).
وأكّد صلی اللّه علیه و آله وسلم أنّ زواجها من علي عليه السلام كان بأمر من اللّه تعالى فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : ( إنّ اللّه أمرني أن اُزوّج فاطمة من عليّ)(3).
وحول خصوصيّة فاطمة علیها السلام قال صلی اللّه علیه و آله وسلم: ( إنّما أنا بشر مثلكم، أتزوّج فيكم
ص: 535
وأزوجكم إلّا فاطمة، فإنّ تزويجها نزل من السماء)(1).
وجمع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم المهاجرين والأنصار، وقال:( ... إنّ اللّه أمرني أن أزوّج فاطمة بعليّ، فأشهدكم أني قد زوّجته على أربعمائة مثقال من فضّة إنّ رضي بذلك).
ولمّا حضر عليّ قال له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : (يا عليّ إنّ اللّه أمرني أن أزوّجك فاطمة، فقد زوجتكها على أربعمائة مثقال فضّة، إنّ رضيت).
فقال علي عليه السلام : قد رضيت يارسول اللّه ، ثمّ مال عليه السلام فخر ساجداً شكراً لله تعالى
وقال: (الحمد لله الّذی حبّبني إلى خير البريّة محمّد رسول اللّه ).
فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : (بارك اللّه عليكما، وبارك فيكما، وأسعدكما، وأخرج منكما الكثير الطيّب) (2).
وبشّره صلی اللّه علیه و آله وسلم بالعناية الإلهيّة له، وبولادة الحسنين علیهما السلام وقال: (أبشّرك يا علي فإنَّ اللّه - عّزوجلّ - قد زوّجكها في السماء من قبل أن أزوّجكها في الأرض، ولقد هبط عَليَّ في موضعي - من قبل أن تأتيني - ملك من السماء، فقال: يا محمّد ! إنّ اللّه عزّ وجلّ اطّلع إلى الأرض اطّلاعة، فاختارك من خلقه فبعثك برسالته، ثمّ اطّلع إلى الأرض ثانية، فاختار لك منها أخاً و وزيراً وصاحباً وختناً، فزوّجه ابنتك فاطمة، وقد احتفلت بذلك ملائكة السماء.
يا محمّد ! إنّ اللّه عزّوجلّ أمرني أن أمرك أن تزوّج عليّاً في الأرض من فاطمة، وتبشّرهما بغلامين زكیّين نجيبين طاهرين خيّرين فاضلين في الدنيا والآخرة)(3).
بعد إتمام الوليمة، دعا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم عليّاً علیه السلام ، ثمّ دعا فاطمة علیها السلام، فأخذ بيدها
ص: 536
ووضعها في يد عليّ وقال: (بارك اللّه في إبنة رسول اللّه ، يا علي! نِعمَ الزوج فاطمة، و یا فاطمة نِعمَ البعل علي).
ثمّ قال: (يا عليّ هذه فاطمة وديعة اللّه ووديعة رسوله عندك فاحفظ اللّه ، واحفظني في وديعتي)(1).
و دعا صلی اللّه علیه و آله وسلم بإناء فيه ماء فتوضّأ فيه، ثمّ أفرغه على عليّ ثمّ قال: (اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نسلهما)(2).
و في رواية: (اللهم اجمع شملهما، وألف بين قلبيهما ، واجعلهما وذريتهما من ورثة جنّة النعيم، وارزقهما ذرّيّة طاهرة طيبة مباركة واجعل في ذريتهما البركة، واجعلهم أئمّة يهدون بأمرك إلى طاعتك ويأمرون بما رضيت)(3).
و لأهمیّة هذا الزواج المبارك ودور الاُسرة المباركة في حركة الدعوة الإسلامیّة ؛ اتّصلت السماء بالأرض ليشارك الملائكة بهذا الزفاف المبارك، فعن ابن عبّاس قال: (كانت الليلة الّتی زفّت فيها فاطمة إلى عليّ عليه السلام كان النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسلم أمامها، وجبريل عن يمينها وميكائيل عن يسارها، وسبعون ألف ملك من خلفها يسبّحون اللّه ويقدّسونه حتّی طلع الفجر )(4).
وفي صبيحة اليوم الثاني، دخل عليهما رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و أتحفهما بقدح فيه لبن، فشر باه، ثمّ سأل عليّاً عليه السلام : كيف وجدت أهلك ؟ قال علیه السلام : (نِعمَ العونُ على طاعة اللّه . وسأل فاطمة، فقالت: خير بعلٍ)(5).
ودخل صلی اللّه علیه و آله وسلم على فاطمة في اليوم الرابع، وتحدّث معها إلى أن قال: (يابنيّة! إنّ اللّه
ص: 537
عزّوجلّ اطّلع إلى الأرض، فاختار من أهلها رجلين فجعل أحدهما أباك، والآخر بعلك).
وهذه الرعايّة من قبل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم لم تكن رعاية عواطف أبوية، بل هي رعاية رسالية لتوجيه الأنظار إلى هذه الأسرة المباركة الّتی ستمتدّ فيها الإمامة، وليقتدي بها المسلمون، بعد رحيله صلی اللّه علیه و آله وسلم.
وقد تمّ الزواج في ذي الحجّة من السنة الثانية من الهجرة، وقيل في شوال، بعد الرجوع من معركة بدر(1).
وكان بيت علي متأخّراً عن بيت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قليلاً، فحوّاله اللّه إلى جنب بیته (2).
ز هدت الأسرة في ملذّات الحياة الدنيا إيماناً منها بتقرير القيم المعنويّة في الواقع، ولتقتدي بها سائر الاُسر، ومساهمة منها في التكافل الإجتماعي.
عن عليّ عليه السلام قال: «لقد تزوجت فاطمة وليس لنا فراش غیر جلد كبش ننام عليه بالليل ونعلف عليه الناضح بالنهار، ومالي ولها خادم غيرها»(3).
وقال عليه السلام : «كانت ابنة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و أكرم أهله عليه، وكانت زوجتي فجرّت بالرحا، حتّی أثرت الرحا بيدها، واستقت بالقربة حتّی أثرت القربة بنحرها، وقمّت البيت حتّی اغبرّت ثيابها وأوقدت تحت القدر حتّی تلوّثت ثيابها، وأصابها من ذلك ضرر»(4).
ودخل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم عليها وهي تطحن مع علي علیه السلام ، فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : لأيّكما أعقِب،
ص: 538
فقال عليّ عليه السلام : لفاطمة فإنها قد أعيت، فطحن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم مع عليّ لفاطمة(1).
وظاهر ذلك أنهاعلیها السلام تطحن وتوقد القدر لها ولغيرها من الأسر المحرومة، فلو أنّها اكتفت بما تحتاجه لم تكل يداها ولم يصبها أيّ تعب كما يصفه عليّ ، فقد كانت تتصدّق به على غيرها من الاُسر.
فقال لها عليّ عليه السلام : يا فاطمة هل عندك شيء؟ قالت: و الّذی عظّم حقّك ما كان عندي منذ ثلاثة أیّام شيء أُقريك به.
قال لا : أفلا أخبرتِني ؟
قالت: كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم نهاني عن أن أسألك شيئاً، فقال: «لا تسألي ابن عمّك شيئاً، إنّ جاء بشيء [عفو] وإلا فلا تسأليه»(2).
وتعجّب سلمان من شملتها وقد خيطت في إثني عشر مكاناً، وبكى قائلاً: واحزناه! إنّ بناتِ قيصر وكسرى لفي السندس والحرير وابنة محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم عليها شملة صوف خلقة... فقال له صلی اللّه علیه و آله وسلم : «يا سلمان إنّ ابنتي لفي الخيل السوابق»(3).
وعوّضها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم عمّن يخدمها بأن علّمها التسبيحة الخالدة المسمّاة باسمها وقال: «أو لا أدلّكِ على خير من ذلك؟ تسبّحين اللّه تعالى ثلاثاً وثلاثين، وتحمدينه ثلاثاً وثلاثين، وتكبرينه أربعاً وثلاثين»(4).
بعد عام من الزواج المبارك، ولد الإمام الحسن علیه السلام في الخامس عشر من رمضان سنة ثلاث للهجرة، فسمّاه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الحسن، وكنّاه أبا محمّد ، ولم يكن يعرف
ص: 539
هذا الاسم في الجاهلیّة (1).
و ولد الإمام الحسين علیه السلام في شعبان سنة أربع للهجرة، فسمّاه رسول اللّه بهذا الاسم. وعن عمران بن سليمان قال الحسن والحسين من أسماء أهل الجنّة لم يكونا في الجاهلیّة .
وعن ابن الأعرابي عن المفضّل : إنّ اللّه حجب اسم الحسن والحسين حتّی سمّى بهما النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ابنيه الحسن والحسين .
وعن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قال: (سمّيتهم الحسن والحسين ومحسن بأسماء ولد هارون: شبّر و شبير و مشبّر) (2).
ووجّه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الأنظار إلى هذين الوليدين لتكون الأمّة على علمٍ بمقامهما ودورهما في حركة الرسالة.
فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : (لكلّ بني أنثى عصبة ينتمون إليه، إلّا ولد فاطمة فأنا وليّهم وأنا عصبتهم)(3).
وجاءته فاطمة وقالت: يارسول اللّه هذان ابناك فورّثهما شيئاً، فقال له : ( أمّا الحسن فله هيبتي وسؤدي، وأمّا حسين فله جرأتي وجودي) (4).
فاطمة علیها السلام هي المحور والسلسلة الّتی توصل النبوّة بالإمامة، فمن ذرّيّتها كان الأئمّة الأطهارعلیهم السلام ، لذا تجد أنّ هذه الأسرة ليست كسائر الأسر، فقد أعدّها اللّه تعالى لتكون الإمتداد الطبيعي للنبوّة تبعاً لقاعدة الإصطفاء الإلهي المتّبعة في سنن
ص: 540
الأنبياء السابقين، حيث كانت قائمة على اصطفاء بعض الاُسر، كآل إبراهيم و آل عمران، و ختمت بآل محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم وآخرهم المهدي المنتظر (عج).
ومن الإعداد الإلهي لهذه الاُسرة المباركة أن أنزل اللّه تعالى آياتٍ عديدةً في كتابه، لتقرأ على مسامع الناس إلى يوم القيامة، ويتشخّص من خلالها الدور الموكل إلى هذه الاُسرة لإدامة حركة الرسالة في واقع الحياة بعد انقطاع الوحي.
ومن هذه الآيات النازلة في حق هذه الأسرة - لتكون مناراً وقدوةً وحجّةً على المسلمين - :
قوله تعالى: ( إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا) (1).
قال ابن حجر الهيثمي: أكثر المفسّرين على أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين، لتذكير ضمير عنكم و ما بعد (2).
وقال تعالى: (إنّ اللّه وملائكته يصلّون على النبي يا أيها الّذین آمنوا صلُّوا عليه وسلّموا تسليما) (3).
وصحّح عن كعب بن عجزة قال: لمّا نزلت هذه الآية، قلنا: يارسول اللّه قد علمنا كيف نسلّم عليك، فكيف نصلّي عليك؟ فقال: قولوا اللّهم صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد (4).
وقال تعالى:( وقفوهم إنهم مسؤولون) (5).
قال ابن حجر: أخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري أنّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم قال: وقفوهم إنّهم مسؤولون عن ولاية عليّ علیه السلام .
ص: 541
وقال: وكأنّ هذا هو مراد الواقدي: أي عن ولاية عليّ وأهل البيت... والمعنى: أنهم يسألون، هل والوهم حق المولاة كما أوصاهم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أم أضاعوها وأهملوها(1).
وذكر ابن حجر بعض هذه الآيات الدالة على فضائل أهل البيت علیهم السلام بعد ذكره لتفاسيره (2).
قال تعالى: (ولسوف يعطيك ربّكَ فترضى)(3).
وقال تعالى: (إنّ الّذین آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البريّة) (4).
وقال تعالى: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلّاً بسيماهم)(5).
وقال تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلّا المودّة في القربى...)(6).
وقال تعالى: (إنّ الّذین آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّا)(7).
قام رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بتهيئة الأذهان والعقول والقلوب للإرتباط بمنهج لاُسرة المتكوّنة من علي وفاطمة وابنيهما صلوات اللّه عليهم أجمعين، من خلال التركيز على مناقبها وفضائلها وخصائصها الذاتيّة، وما اختصّت به من دون سائر الأسر في جميع مقوماتها ومؤهّلاتها، والقيام بخطوات عمليّة لتتوجّه الأنظار من خلالها إلى دور الأسرة الريادي في حركة الرسالة، لتكون أقوال أفرادها ومواقفهم حجّةً على
ص: 542
المسلمين في حياة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و بعدها، و على امتداد الحركة التأريخيّة للمسلمين. فقد دعا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم عليّاً وفاطمة والحسن والحسين وجلّلهم بكساء وقال:
( اللّهم هؤلاء أهل بيتي اللّهمّ اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا)(1).
ومن وصاياه المتكرّرة قوله صلی اللّه علیه و آله وسلم : إني تارك فيكم ما إنّ تمسكّتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّی يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما)(2).
و مثّلهم بسفينة نوح وقال: (ألا إنَّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح... من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق)(3).
فقد دعا صلی اللّه علیه و آله وسلم للإقتداء بهذه الاُسرة ومتابعتها في منهجها، للحيلولة دون الوقوع في الضلالة والغرق في مزالق الإنحراف .
و وجّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الأنظار إلى المقام الشامخ لهذه الاُسرة في يوم القيامة، فقال: (إنّ فاطمة و عليّاً والحسن والحسين في حظيرة ،القدس في قبّة بيضاء سقفها عرش الرحمن)(4).
وقال صلی اللّه علیه و آله وسلم لفاطمة: ( إنّما هما - أي الحسن والحسين - عندي بمنزلة واحدة، وإنّي وإيّاك وهما وهذا النائم لفي مكان واحد يوم القيامة)(5).
وأخذ صلی اللّه علیه و آله وسلم بيد الحسن والحسين فقال: (من أحبني وأحبّ هذين وأباهما وأُمّهما
ص: 543
1) جامع البيان في تفسير القرآن للطبري، ج 22، ص 6: الدر المنثور، ج 6، ص 603؛ مسند أحمد، ج 7، ص 416.
2) مسند أحمد، ج 3، ص 394؛ سنن الترمذي، ج 5، ص 663.
3) المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 151؛ مجمع الزوائد، ج 9، ص 168: الجامع الصغير، ج 2، ص 53.
4) مختصر تأريخ دمشق، ج 7، ص 15.
5) المعجم الكبير، ج 22، ص 406.
كان معي في درجتي يوم القيامة)(1).
و وجّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الأنظار إلى موقع الاُسرة ودورها في الفرز والتمييز عند قيام الفتن واشتباه الأمر على الناس، فجعلها مقياساً لمعرفة الأشخاص والوجودات من حيث درجة القرب والبعد عن الإيمان والولاء.
فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم في حق أفرادها: (أنا) حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم)(2).
وفي رواية: (أنا حزب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم، عدوّ لمن عاداكم)(3).
كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يوجّه الأنظار والعقول والقلوب إلى مقام فاطمة ودورها الشامخ في حركة الرسالة، لتكون آراؤها ومواقفها مقياساً للحكم على آراء ومواقف الآخرين، في حالة التباس المفاهيم واختلاط العناوين، وتأرجح المواقف.
ولم يكن هذا التوجيه عاطفة أبويّة، لأنّه صلی اللّه علیه و آله وسلم لا يقول قولاً ولا يتّخذ موقفاً إلّا بأمرمن اللّه تعالى، أو موافقاً لمّا يريد، بل أنه قول الرسالة وموقفها ليكون حجّة على المسلمين.
فقد وجه الأنظار إلى مقامها السامي فقال: (خير نساء العالمين أربع: مريم وآسية وخديجة وفاطمة)(4).
و قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : إذا كان يوم القيامة قيل: يا أهل الجمع غضّوا أبصاركم حتّی تمرّ فاطمة بنت محمّد )(5).
544
وجعل أذاها أذىً له صلی اللّه علیه و آله وسلم فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : (فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها، ويغضبني ما أغضبها)(1).
و قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : (فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها، ويريبني ما رابها)(2).
و جعل رضاها وغضبها تجسيداً ومصداقاً لرضا اللّه تعالى وغضبه فقال: ( إنّ اللّه يرضى لرضاك ويغضب لغضبكِ)(3).
و كان صلی اللّه علیه و آله وسلم يؤكّد على ذلك في كثير من أقوال وممارساته العمليّة ليتركّز أكثر فأكثر في الأذهان والقلوب، ففي رواية: تأخر بلال عن الأذان، فلمّا جاء سأله صلی اللّه علیه و آله وسلم عن سبب تأخيره، فقال: مررت بفاطمة وهي تطحن فقلت لها: أيهما أحبّ إليك، إنّ شئت كفيتك ابنك، و إنّ شئت كفيتك الرحى، فقالت أنا أرفق بابني، فأخذت الرحى فطحنت فذاك الّذی حبسني. فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم: (رحمتها رحمك اللّه )(4).
وكان صلی اللّه علیه و آله وسلم إذا قدم من غزو أو سفر بدأ بالمسجد، فصلّى به ركعتين، ثمّ يأتي فاطمة، ثمّ يأتي أزواجه(5).
و قال ابن عمر: إنّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم كان إذا سافر كان آخر الناس عهداً به فاطمة، وإذا قدم من سفر كان أوّل الناس به عهداً فاطمة رضى اللّه عنها(6).
و كان صلی اللّه علیه و آله وسلم يمرّ ببيت فاطمة طيلة ستّة أشهر، إذا خرج إلى صلاة الفجر فيقول: الصلاة يا أهل البيت، ثمّ يقرأ آية التطهير)(7).
ص: 545
فقد أراد صلی اللّه علیه و آله وسلم من هذا الإعداد أن يشخّص المسلمون الرجال والمواقف ليحكموا عليها تعديلاً وتجريحاً، وليتّخذوا المواقف الّتی ترضي اللّه تعالى من خلال الإقتداء
بفاطمة واُسرتها في مواقفهم من الأحداث الّتی ستجري في المستقبل القريب.
ص: 546
الخلاصه
لقد كانت يد الغيب تحتضن فاطمة علیها السلام في جميع مراحل حياتها، فقد أكّد ذلك رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم حين خطبها أبوبكر ومن بعده عمر فكان جوابه صلی اللّه علیه و آله وسلم لهما «أنتظر بها القضاء».
ولمّا خطبها الإمام عليّ علیه السلام وأخبرها الرسول بذلك سكتت.
وأعلن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أمر زواج فاطمة علیها السلام أمام المهاجرين والأنصار وقال لهم: إنّ اللّه أمرني أن أزوّج فاطمة بعليّ.
ودعا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بهذه المناسبة لهما فقال: (اللّهمّ اجمع شملهما وألّف بين قلبيهما واجعلهما وذرّيّتهما من ورثة جنّة النعيم).
وتم الزواج بينهما في ذي الحجة من السنة الثانية للهجرة، واتّسمت اُسرة عليّ بالزهد والتواضع.
وبعد عام من الزواج المبارك ولدت علیها السلام ابنها الحسن في الخامس عشر من شهر رمضان سنة ثلاث للهجرة فسماه رسول اللّه بهذا الاسم وكنّاه بأبي محمّد ، وفي السنة التالية من غرّة شعبان ولدت ابنها الثاني الإمام الحسين فسمّاه الرسول بهذا الاسم ولم يعرف اسم الحسن والحسين في الجاهلیّة .
ووجّه الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم أنظار الأمّة إلى هذه الأسرة، حتّی أنّ فاطمة حينما جاءت بولديها الحسن والحسين رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وقالت له: هذان ابناك فورّثهما فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : أمّا الحسن فله هيبتي وسؤددي و أمّا حسين فله جرأتي وجودي.
ولم تفارق يد الغيب رعايتها لهذه الأسرة، فقد جاء في القرآن الكريم بحقها
( إنّما يريد اللّه ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً).
كما أكّد الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم ورعايته لهذه الأسرة مراراً وتكراراً، فقد جاء في
ص: 547
وصيّته: إني تارك فيكم ما إنّ تمسكتم به لن تضلّوا .
و من جانب آخر وجه الرسول الأنظار إلى فاطمة وقيمتها الرسالية وجعل رضاها وغضبها تجسيداً لرضا اللّه وغضبه لتكون سيرة فاطمة قدوة للأمّة الإسلامیّة من بعده.
الأسئلة
1 . ما هي الحكمة من وراء اختصاص زواج فاطمة علیها السلام بأمر من اللّه تعالى؟
2 . ما هي مظاهر العناية النبویّة بزواج فاطمة علیها السلام وما هي الحكمةمن ذلك؟
3 . ما هي مصاديق زهد فاطمة علیها السلام في بيتها المتواضع؟
4 . ما هي أبرز آية تدعو للإقتداء بفاطمة علیها السلام وأهل البيت علیهم السلام ؟
5 . ما هي الحكمة من وراء تركيز رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم على مناقب فاطمة علیها السلام و أهل البيت علیهم السلام ؟
6 . اذكر حديثين شريفين تثبت من خلال دلالتهما عصمة فاطمة علیها السلام .
هل أنّ العاطفة الأبويّة هي الدافع في ذكر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم مناقب فاطمة عالم ولماذا؟
عدّد بعض المواقف والممارسات العمليّة الّتی وجّه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الأنظار من خلالها إلى مقام فاطمة ودورها؟
9 . ما هو المستفاد من حديث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : «فاطمة بضعة منّي ...» و من حديث: «إنّ اللّه يرضى لرضاكِ ويغضب لغضبك»؟
10 . قال ابن حجر الهيثمي بحق من حارب عليّا علیه السلام : «وأنهم مع ذلك مأجورون غير مأزورين» كيف تثبت عدم صحّة ذلك، من خلال الأحاديث الّتی قيلت في حقّ فاطمة علیها السلام وزوجها وبنيها؟
ص: 548