ghaemiyeh.com
للوقائع الغريبة والأسرار العجيبة
تأليفْ وتحقِيْق الحجَّةْ العَلَمْ
الحَاجْ الشَيْخ مُحَمَّد مَهْدِيٰ
صَفيْه آية الله العظمى الشيخ زين العابدينْ النجفي قد
الجزء الثالث
دار المحجَّة البيضَاء
دارُ الرّسُول الاَكرم «صلی الله عليه وآله»
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الثانية
200 م - 1424 ه
بیروت - لبنان
بَيَانُ الْأئِمَّةَ
كل نسخة لا يوجد هذا الختم
تكون مزورة
هَذا بَيَانٌ للنَاسِ مِن وَهُدًىٰ وَمَوْعِظَة لِلمُتََّقِينَ
القرآن الكرية تيم
بَيَانُ الْأئِمَّةَ
لِلوقَائِع الغرِبيَة والأسْرَار العَجيْبَة
وهو كتابٌ عِلميّ تاريخىّ، وَسِفرٌ خالِد فنيّ، يتجت عَنْ الكائِناتِ وعَن أخبَار الأئمة بالمغيّبات، وعلائم الظهوُر، والعِلم المسطوُر في الكتب الإلهيّة، والأسرَار الفرقانية، ويتناوَل طرفاً مِن السَياسَةِ العَالمية في المستقبل، والأسرَار الغيبيّة والوقائع المهمّة الواردة في رجعة الأنبيَاء والمؤمنين وَالأئمة ع
الجزء الثالث
تأليفْ وَتحقِيْق الحجَّةْ العَلَمْ
الحَاجْ الشَيْخ مُحَمَّد مَهْدِيٰ
صَفيْه آية الله العظمى الشيخ زين العَابدينْ النجفي قم
دارُ المُحجَّة البيضاء
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الثانية
200 م - 1424 ه
دَار المحَجّة البَيْضاء حارة حريك - شارع الشيخ راغب حرب - قرب نادي السلطان
لطّباعة والنشر والتوزيع
بیروت - لبنان
ص.ب: 5479 / 14 - هاتف: 03/287179 - تلفاكس: 01/552847
E-mail:almahajja@terra.net.lb
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیْمِ
بسم الله الرَّحمٰن الرَّحيم
الحمد الله العالم سريرات الغيوب المطََّلع على ما تخفيه الضمائر والقلوب؛ وأفضل الصلاة والتحية والسلام على محمد سيد الأنام وعلى آله الكرام، واللعنة الدائمة على أعدائهم اللئام من الأولين والآخرين رب العالمين.
وبعد فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربه العلي القدير.
سبحانك لا علم لنا إلَّا ما علمتنا أنك أنت العليم الحكيم، سبحانك اللهم العالم بالوقائع قبل وقوعها، الخبير بالحوادث قبل حدوثها، الذي أخفى ظهور وليِّه كما أخفى الساعة لمصالح واقعية، وأخفى كثيراً من العلوم الإلهية والأسرار الغيبية، وخصّ بها حملة الأسرار الأنبياء الأبرار والأئمة الأطهار، والعلماء الأخيار العاملين بالدِّين والمجتهدين المتوصلين بها إلى المعارف الإلهية، والأسرار الرحمانية وهم ورثة الأنبياء، والحافظون علومهم، والأتقياء والمذيعون لأحاديثهم والصلحاء، وهذه جملة من الأحاديث المجيدة أذعناها للزمرة الحميدة، وهي لإخواننا المؤمنين وأهل الفضل مفيدة، ليكونوا على أهبة الاستعداد ويتهيأوا لإمام الحقِّ والرشاد، ويعزموا معه على الجهاد، وينبهوا من كان غافلًا، من الشباب والأولاد، وهذا الطريق يحتاج إلى رفيق وصديق، وذلك الرفيق هو التوفيق، اللهم اجعل لنا التوفيق خير رفيق وصديق، لنكون من الأنصار والأعوان لسيِّدنا ومولانا صاحب العصر والزمان الحجّة ابن الحسن العسكري عليه وعلى آبائه التحية والسلام ومن القائمين بخدمته والفائزين معه في أوبته، وهب لنا رأفته ورحمته ودعاءه وخيره ماننال به سعة من رحمتك، وفوزاً عندك في الدنيا والآخرة آمين رب العالمين.
العلائم المحتومة هي العلائم التي لا بدّ من تحققها، ووقوعها محتوم، إلَّا ما اقتضت المصلحة الواقعية تغييره، وهي تقع متتابعة الواحدة تلو الأخرى بفاصل قليل، وقد وردت فيها عدة روايات:
الكتاب المبين
عن داود بن أبي القسم قال: كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا عليه السلام، فجرى ذكر السفياني وما جاء في الرواية من أنَّ أمره من المحتوم. فقلت لأبي جعفر هل يبدو الله في المحتوم؟ قال: نعم. قال له: فيجاز أن يبدو الله في المحتوم؟ قال: نعم. قال: فيجاز أن يبدو الله في القائم؟ قال (علیه السلام) القائم من الميعاد.
بيان: دلّ هذا الخبر أنَّ أمر السفياني من المحتوم، والحتم هو الواجب المعزوم عليه، وإحكام الأمر ووقوعه جزماً، وإيجاب القضاء وجوباً لا يمكن إسقاطه، ولكن قد تقتضي المصلحة الواقعية، أو المفسدة الواقعية تغييره، أو تقديمه، أو تأخيره، وأما الميعاد فإن الوعد دين، والدِّين لا بدَّ من الوفاء به وأدائه؛ فهو لا يتغير ولا يتبدل، ولأن الله تعالى لا يخلف الميعاد فظهر الفرق بين المحتوم وبين الميعاد؛ فلذا لمّا كان خروج السفياني من المحتوم، وهو يمكن أن يقع التغيير والتبديل فيه، فلذا قال الإمام في جواب السائل عندما سأله: هل يجاز أن يبدو الله في المحتوم؟ قال: نعم بخلاف ظهور القائم عليه السلام، فإنه ليس من المحتوم، بل هو من الميعاد، لأن الله تعالى وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم الأئمة ليستخلفنهم في الأرض ومن عليها؛ وهذا الوعد الصادر من الله
سبحانه وتعالى الذي دلّ عليه القرآن الكريم، لا بدّ من الوفاء به، لأن الله لا يخلف الميعاد، فلذا لا يمكن نقض هذا الوعد، فظهور القائم لا بدّ منه.
الوسائل
عن فضيل الكاتب قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إلى أن قال: قلت: فما العلامة فيما بينها وبيناك جعلت فداك؟ قال: لا تبرح الأرض يا فضيل حتى يخرج السفياني، فإذا خرج فأجيبوا إلينا، يقولها ثلاثاً وهو من المحتوم.
بیان: دل هذا الخبر بوضوح على أن علامة الخروج للجهاد مع الإمام الحّجة عليه السلام، والسفر إلى مكة خروج السفيانيّ وقيامه بالثورة؛ فما لم يخرج لاوجه للسفر إلى مكة، بل قال لا تبرح أي لا تزل عن بلدك ومكانك حتى يخرج السفيانيّ، كما دل على أنَّ خروج السفيانيِّ من الأمر المحتوم الذي لا بد من حدوثه قبل ظهور المهدي (عج الله تعالی فرجه الشربف)؛ ولذا جعله الإمام (علیه السلام) وقتاً وعلامة للمؤمنين للنَّفر للجهاد مع الإمام القائم (علیه السلام)؛ فلذا قال: فإذا خرج أي السفياني فأجيبوا إلينا أي ارحلوا إلى مكة، وإلى الحجاز النصرة الإمام عجّل الله فرجه.
الكتاب المبين
عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: النداء من المحتوم، والسفياني من المحتوم، وقتل النفس الزكية من المحتوم، قال: وفزعة في شهر رمضان توقظ النائم وتفزع اليقظان، وتخرج الفتاة من خدرها.
بيان: ذكر ثلاث من العلائم المحتومة في هذا الخبر وهي لا بدَّ من وقوعها:
النداء أي الصيحة السماوية وخروج السفياني، وقتل النفس الزكية بمكة بين الركن والمقام.
والفزعة في شهر رمضان: هي التي يفزع ويذعر منها الناس، أو يدهمهم أمر يفزع ويستغيث منه الناس، ومن صفات هذه الفزعة إنها توقظ من كان نائماً من نومه، وتفزع أي تذعر المستيقظ، وتُخرج الفتاة أي البنت الفتية من خدرها أي من سترها وحجابها
للتفحص عن هذه الفزعة التي تقع في شهر رمضان.
وفيه: عن العوالم عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر محمد بن عليّ عليهما السلام في قوله تعالى: (فقضى أجلاً وأجلٌ مسمَّى عنده) [الانعام 2] قال: إنهما أجلان: أجلٌ محتوم، وأجلٌ موقوف. قال له حمران: وما المحتوم؟ قال: الذي لا يكون غيره. قال: وما الموقوف؟ قال: هو الذي لله فيه المشيئة. قال حمران: إني لأرجو أن يكون أجل السفياني من الموقوف. فقال أبو جعفر عليه السلام: لا والله إنه من المحتوم.
وفيه: عن عبد الملك بن أعين قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فجرى ذكر القائم عليه السلام فقلت له: أرجو أن يكون عاجلاً ولا يكون سفيانيّ. فقال: لا والله إنه لمن المحتوم الذي لا بدّ منه.
بيان: ذكر في الآية التي في الخبر الأول أجلان قال: فقضى أجلاً وأجل مسمى فسأل الإمام (علیه السلام) عنهما فقال: هما أجل محتوم، وأجل موقوف أي موقوف على مشيئة جديدة
وهو البداء.
وفي الحديث من الأمور أمور موقوفة يقدم منها ما يشاء ويؤخر ما يشاء والمراد من الموقوفة هي المقدّرة في اللوح المحفوظ أولاً على وجه؛ ثم بعد ذلك على وجه آخر وهذا هو البداء أيضاً؛ فالموقوف هو المعلق على مشيئة من الله تعالى وإرادة، كما صرّح به في الخبر فقال: الموقوف هو الذي الله فيه المشيئة.
وفي الكافي ج 1 ص 149 الحديث عن الصادق عليه السلام: ولا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلّا بخصال سبع: بمشيئة، وإرادة، وقدر، وقضاء، وأذن، وكتاب، وأجل. قال بعض أفاضل العلماء: المشيئة، والإرادة، والقدر، والقضاء، كلها بمعنى النقش في اللوح المحفوظ، وهي من صفات الفعل لا الذات، والتفاوت بينها تفضيل كل لاحق على سابقه؛ ثم قال: توقف أفعال العباد على تلك الأمور السبعة إمَّا بالذات، أو بجعل الله تعالى؟ وتحقيق المقام أن تحرك القوى البدنية بأمر النفس الناطقة المخصوصة المتعلقة به، ليس من مقتضيات الطبيعة، فيكون بجعل جاعل، وهو أن يجعل ات بدناً مخصوصاً مسخّراً لنفس مخصوصة، بأن قال: كن متحركاً بأمرها؛ ثم جعل ذلك وقوفاً على الأمور السبعة، فهذه النفس لا تتحرك إلَّا بتحقيق تلك الأمور من المشيئة والإرادة إلى آخرها.
وعن الرضا عليه السلام: إن الابداع والمشيئة والارادة معناها واحد والاسماء ثلاثة.
وعن الباقر عليه السلام: لا يكون شيء إلّا ما شاء الله وأراد وقدَّر وقضى. سئل ما معنى شاء؟ قال: ابتداء الفعل. سئل ما معنى قدَّر؟ قال: تقدير الشيء من طوله وعرضه. سئل ما معنى قضى؟ قال: إذا قضي أمضى، فذلك الذي لا مردَّ له. وعلى هذا فيكون معنى القضاء هو النقش الحتميّ في اللوح المحفوظ، و هو مثل خروج السفيانيّ.
وفي الحديث: خلق الله المشيئة بنفسها، ثم خلق الأشياء بالمشيئة.
قيل في معناه: إن الأئمة (علیه السلام) تارة يطلقون المشيئة والإرادة على معنى واحد، وتارة على معنيين مختلفين؛ والمراد بهذه العبارة أنََّ الله تعالى خلق اللوح المحفوظ ونقوشها من غير سبب آخر من لوح ونقش آخر، وخلق سائر الأشياء بسببهما، وهذا مناسب لقوله (علیه السلام) أبى الله أن يجري الأشياء إلَّا باسبابها.
وفي الحديث: إن لله إرادتين ومشيئتين: إرادة حتم وإرادة عزم ينهي وهو يشاء، ويأمر وهو لا يشاء؛ نهى آدم (علیه السلام) وزوجته أن يأكلا من الشجرة، وشاء أن يأكلا، ولو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت شهوتهما مشيئة الله تعالى. وأمر إبراهيم أن يذبح إسحاق، ولم يشأ أن يذبحه، ولو شاء لما غلبت مشيئة ابراهيم مشيئته.
فتحصّل من هذه الأحاديث أنَّ المشيئة هي الإرادة، وأن الأجل الموقوف هو المعلّق على الإرادة، فمتى شاء الله تعالى وأراده وقع، ومنه الأجل المحتوم هو الذي لا بدَّ منه ومنه خروج السفيانيّ فإنه محتوم لا بدَّ منه؛ فكلا الخبران يدلان على أن خروجه من العلائم المحتومة، لأن مشيئة الله قد تعلقت به.
وفيه: سمع عليه السلام يقول: من الأمر المحتوم ومنه ما ليس بمحتوم ومن المحتوم خروج السفيانيّ في رجب.
السر المكنون
قال الصادق عليه السلام: إن أمر السفيانيّ من الأمر المحتوم وخروجه في رجب.
بيان: هذان الخبران صريحان في أن خروج السفيانيّ في شهر رجب محتوم لا بدّ منه.
وفيه: قال ابو عبد الله عليه السلام: خمس قبل قيام القائم: اليمانيّ، والسفيانيّ،
والمنادي من السماء، وخسف بالبيداء، وقتل النفس الزكية.
بيان: الظاهر أن هذه الخمس من العلائم المحتومة إلَّا أنه عدّ خروج اليمانيّ منها.
الكتاب المبين
قيل لأبي عبد الله عليه السلام: ما من علامة بين يدي هذا الأمر - أي ظهور الإمام المهدي؟ فقال: بلىٰ. قيل: وما هي؟ قال: هلاك العبَّاسيَّ، وهو الذي يملك في الشام، والذي يملك في العراق، وخروج السفيانيّ - أي من الشام - وقتل النفس الزكية - أي في مكة المكرمة في البيت الحرام بين الركن والمقام - والخسف بالبيداء بجيش السفيانيَّ بين مكة والمدينة، والصوت من السماء - أي النداء السماوي - فقيل: جعلت فداك أخاف أن يطول هذا الأمر! فقال: لا إنَّما هو كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً.
بیان: بيَّن الإمام (علیه السلام) في هذا الخبر أربع من العلائم المحتومة، ما عدا هلاك العبَّاسيّ والظاهر أن هذه العلائم الأربع متقاربة لما صرح به في الخبر من أنها تأتي متتابعة كنظام الخرز المنظومة في الخيط يلحق بعضها بعضاً.
ويُحتمل أن يكون المراد بالعبَّاسيّ الذي يملك في الشام، والذي يملك في العراق رجلًا كافراً، أو ناصبياً، وينطبق هذا على مشرعف لأنه ملك أولاً في الشام، ثم ملك ثانياً في العراق، فاستفدنا من الرواية أنه إذا هلك هذا العبَّاسيّ، ولعله بعد فرار حزبه من العراق و انهدامه يهلك غمّاً على ذهاب المملكة من يده، أو يُقتل لأن القتل نوع من الهلاك، فيكون هلاكه وخروج السفيانيّ من الشام علامة قريبة لظهور الإمام المهدي عليه السلام، وإنما عبّر عنه بالعبَّاسيّ، مع أنه ليس منهم، لأنه يقرِّب العباسيِّين ويجعلهم أمراء في الدولة ويؤيد مذهبهم.
وفيه: قيل لأبي الحسن عليه السلام: جُعلت فداك، إن ثعلبة بن ميمون حدَّثني عن علي بن المغيرة، عن زيد القميّ، عن عليّ بن الحسين عليه السلام قال: يقوم قائمنا (علیه السلام) لموافاة الناس سنة قال: يقوم القائم (علیه السلام) بلا سفيانيَّ إن أمر القائم (علیه السلام) حتم من الله، وأمر السفياني حتم من الله، ولا يكون قائم إلَّا بسفياني. قيل: جعلت فداك،
فيكون في هذه السنة؟ قال: ما شاء الله. قيل: يكون في التي يليها؟ قال: يفعل الله ما يشاء.
بيان: بعد أن ذكر أنّ الإمام القائم (علیه السلام) يقوم لموافاة الناس - أي لإتيان الناس إليه - وإقرارهم بإمامته وطلب القيام منه لإحياء الدِّين، أجاب بان القائم لا يقوم ولا يظهر بدون خروج السفيانيّ، فيكون خروجه من الأمر المحتوم، كما أن ظهور الإمام من المحتوم، ولكن لم يعيِّن الإمام وقتاً للسّائل لقيام القائم (علیه السلام) ولا لخروج السفيانيّ لأنه يعلم أنه أمر بعيد، لا يقع إلّا بعد قرون وعلمه عند الله تعالى.
السر المكنون
عن جوامع الكلم عن الثمالي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن أبا جعفر عليه السلام كان يقول: إنََّ خروج السفيانيّ من الأمر المحتوم؟ قال لي: نعم. والنداء من المحتوم، وطلوع الشمسُ من مغربها من المحتوم، واختلاف ولد العبّاس في الدولة من المحتوم، وقتل النفس الزكية من المحتوم، وخروج القائم من المحتوم. فقلت: فكيف يكون النداء؟ قال: ينادي منادٍ من السماء أول النهار ألا إنََّ الحق في عليّ وشيعته، ثم ينادي إبليس (لعنه الله) في آخر النهار ألا إنَّ الحق في السفيانيّ وشيعته، فيرتاب عند ذلك المبطلون.
بيان: ذكر في هذا الخبر أنَّ خروج السفياني - أي من الشام - واختلاف ولد العبَّاس في الشام، وفي بغداد على الدولة والسلطنة، وقتل النفس الزكية في بيت الله الحرام في مكة؛ هذه من العلائم المحتومة، وبعدها يكون ظهور القائم عليه السلام محتوماً، لأنه كما ذكرنا آنفاً أنه من الميعاد. ثم سأل الإمام (علیه السلام) عن كيفية النداء والصيحة السماوية فذكر له النداء أول النهار ألا إنََّ الحقَّ في عليّ وشيعته، لأنه النداء الأول الصحيح الذي يجب اتِّباعه، بخلاف النداء الثاني وهو نداء إبليس، فهو نداء لأهل الباطل لا للمؤمنين؛ فلذا يجب الاجتناب منه، وعدم الاعتناء به، لأنه يوقع الشكّ والريب في قلوب أهل الباطل، وهم المبطلون ليصدهم عن الحقّ.
جوامع الكلم
روي أن النفس الزكية هو غلام من آل محمد اسمه محمد بن الحسن، يُقتل بلا
جرم، فإذا قُتل فعند ذلك يبعث الله قائم آل محمد.
وقال أبو جعفر عليه السلام: وليس بين قيام القائم وقتل النفس الزكية أكثر من خمس عشرة ليلة.
الكتاب المبين
سُمع أبو عبد الله عليه السلام يقول: ليس بين قيام قائم آل محمد (علیه السلام) وبين قتل النفس الزكية إلَّا خمس عشرة ليلة.
بیان: النفس الزكية سيِّد علويّ يُقتل في مكة في آخر انقراض دولة بني العبَّاس بين الركن والمقام، فهذه العلامة من المحتومات، والمدة وهي خمس عشرة ليلة أيضاً من المحتومات، لأنها قد نصَّت عليها عدة روايات.
وفيه: وعنه (علیه السلام) في حديث: وخروج السفيانيَّ من الشام واليمانيَّ من اليمن. وخسف بالبيداء وقتل غلام من آل محمد (علیه السلام) بين الركن والمقام اسمه محمد بن الحسن النفس الزكية.
العصمة والرجعة
سئل أبو عبد الله عليه السلام عن خسف البيداء قال: أما مصراً على البريد على اثني عشر ميلاً من البريد الذي بذات الجيش.
بيان: ذكر في الحديث الأول أربع علائم: وهي خروج السفيانيّ، وخروج اليمانيّ، وخسف بجيش السفياني بالبيداء ما بين مكة والمدينة، وقتل سيِّد علويّ وهو غلام من السادة اسمه محمد بن الحسن. ثم ذكر في الحديث الثاني أنَّ البيداء التي يقع فيها الخسف ما بين مكة والمدينة قال: أمَّا إذا كان مصراً - أي متبعاً سيِره - على البريد الذي هو أربعة فراسخ على بعد اثنى عشر ميلا من البريد الذي يقع بذات الجيش اي من الاربعة فراسخ التي تتصل بذات الجيش - وهي التي عبَّرنا عنها سابقاً بالقاع الأبيض، وسيأتي إنشاء الله لتلك المنطقة بيان أوضح، ففي هذه المنطقة يقع الخسف بجيش السفيانيّ.
الكتاب المبين السفر الثاني منه
عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في حديث طويل إلى أن قال: يقول القائم (علیه السلام) لأصحابه: يا قوم إنَّ أهل مكة لا يريدونني، ولكني مرسل إليهم لأحتج عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم، فيدعو رجلًا من أصحابه فيقول له: امضِ إلى أهل مكة فقل: يا أهل مكة أنا رسول المهدي إليكم وهو يقول لكم: إنَّا أهل بيت الرحمة، ومعدن الرسالة والخلافة، ونحن ذريَّة محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) وسلالة النبيين، وإنَّا قد ظُلمنا واضطُهدنا - أي جاروا علينا - وأوذينا واضطررنا بسبب المذهب والدِّين، وقُهرنا وابتز منَّا حقنا - أي سُلب حقنا - وأُخذ بجفاء وقهر، وغُلب علينا منذ قُبض نبينا إلى يومنا هذا، فنحن نستنصركم فانصرونا؛ فإذا تكلم هذا الفتى بهذا الكلام وهذا الرجل الذي يبعثه الإمام (علیه السلام) هو السيِّد ذو النفس الزكية، وعندما يتكلم بهذه الكلمات في البيت الحرام أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام، واسم هذا السيِّد ذو النفس الزكية محمد بن الحسن، وقد تقدم أنَّه يُقتل قبل قيام القائم (علیه السلام) بخمس عشرة ليلة، وهو ابن عم النفس الزكية، الذي يُقتل في المدينة المنورة، ولعل هذا هو المعبَّر عنه بالسيِّد الهاشميّ، فإنه يُقتل هو وأخته فاطمة عند أحجار الزيت في وادٍ خارج المدينة، ويُصلب على باب مسجد النبي، وهذا أيضاً غير النفس الزكية الذي يُقتل في ظهر الكوفة - أي في النجف - مع سبعين من الصالحين.
فإذا بلغ ذلك الإمام (علیه السلام) - أي بلغه خبر قتل هذا السيِّد - قال (علیه السلام) لأصحابه: ألا أخبرتكم أن أهل مكة لا يريدوننا. فلا يدعونه حتى يخرج - أي يقوم بالثورة - فيهبط من عقبة طوىٰ - أي ينزل - على أهل مكة من هذه العقبة. في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا عدة أهل بدر، حتى يأتي المسجد الحرام فيصلي فيه عند مقام إبراهيم أربع ركعات، ويسند ظهره إلى الحجر الأسود، ثم يحمد الله ويثني عليه، ويذكر النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) ويصلي عليه، ويتكلم بكلام لم يتكلم به أحد من الناس. فيكون أول من يضرب على يده ويبايعه جبرائيل وميكائيل ويقوم معهما رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (علیه السلام)، فيدفعان إليه كتاباً جديداً هو على العرب شديد مختوم بخاتم رطب فيقولون له: اعمل بما فيه.
وهذا الكتاب فيه أمر من السماء - أي من الله تعالى - بالقيام بالثورة، والإجازة بالظهور للإمام الحجّة محمد بن الحسن العسكري صلوات الله عليه لإحياء العالم وإنقاذه من ظلمة الجهل إلى نور العلم، وإنجائه من الحكام الظلمة والجبابرة الخونة، والمنافقين
والكافرين والفاسقين ولأجل هذا الأمر السماوي العظيم الصادر من الملكوت الأعلى، الموقَّع عليه من قبل النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، والإمام الأكرم أمير المؤمنين عليه أفضل التحية والسلام، جاز للإمام الحجّة عليه السلام القيام والظهور بالثورة المهدوية الإسلامية، وإزالة أولئك الحكَّام الظلمة والجبابرة الخونة والكافرين والفاسقين والمنافقين؛ ويبايعه الثلاثمائة والثلاثة عشر وقليل من أهل مكة، ولعلهم من الشيعة الساكنين في الحجاز، ثم لا يخرج من مكة حتى يكون في مثل الحلقة.
قيل: وما الحلقة؟
قال: عشرة آلاف رجل، جبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، ثم يهزّ الراية الجليَّة، - وفي رواية - ثم يهز الراية المغلّبة مكان الجليّة أي التي تغلب ولا تغلب، وينشرها وهي راية رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) السحّاب، ودرع رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) السابغة، ويتقلد بسيف رسول الله ذي الفقار.
وقال: والله لكأني أنظر إلى القائم (علیه السلام)، وقد أسند ظهره إلى الحجر، ثم ينشد الله حقه وهو حق الإمام على الرعية، الثابت له، المجعول له من قبل الله تعالى على الناس أجمعين من وجوب طاعته ولزوم نصرته واجتناب معصيته ثم يقول:
يا أيها الناس من يحاجني في الله فأنا أولى بالله: أي لأنه مبعوث ومنصوب من قبل الله تعالى.
أيها الناس من يحاجني في آدم فأنا أولى بآدم (علیه السلام): أي لأنه وارث آدم (علیه السلام) وخليفته.
أيها الناس من يحاجني في نوح فأنا أولى بنوح (علیه السلام): أي لأنه وارث نوح (علیه السلام) وخليفته.
أيها الناس من يحاجني في إبراهيم فأنا أولى بابراهيم (علیه السلام): أي لأنه وارث إبراهيم (علیه السلام) وخليفته.
أيها الناس من يحاجني في موسى فأنا أولى بموسى (علیه السلام): أي لأنه وارث موسى (علیه السلام) وخليفته.
أيها الناس من يحاجني في عيسى فأنا أولى بعيسى (علیه السلام): أي لأنه وارث عيسى (علیه السلام) وخليفته.
أيها الناس من يحاجني في محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) فأنا أولى بمحمد (صلی الله علیه وآله وسلم): أي لأنه وارث محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) ومنصوب من قبله.
أيها الناس من يحاجني في كتاب الله فأنا أولى بكتاب الله: لأنه من الراسخين في العلم، العالم بتأويل القرآن ومحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه.
ثم ينتهي إلى المقام فيصلي ركعتين وينشد الله حقه.
ثم قال: ابو جعفر عليه السلام: هو والله المضطر في كتاب الله في قوله: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض) [النمل 62].
فيكون أول من يبايعه جبرائيل (علیه السلام)، ثم الثلاثمائة والثلاثة عشر، فمن كان ابتلي بالمسير وفى - وفي نسخة - وافى أي وصل وأتى مكة في تلك الليلة ووافاها. ومن لم يبتل بالمسير فُقد عن فراشه أي إمَّا أن تحمله الملائكة، وإما أن يُحمل على السحاب، فيوصله إلى مكة فيصل إلى الإمام المهدي عليه السلام. وهو قول أمير المؤمنين هم المفقودون عن فرشهم وذلك قول الله: (فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعاً) [البقرة 148] قال: الخيرات الولاية.
وقال في موضع آخر (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى امّة معدودة) (هود 8) وهم والله أصحاب القائم (علیه السلام) يجتمعون والله إليه في ساعة واحدة، فإذا جاء البيداء يخرج اليه جيش السفيانيّ فيأمر الله الأرض فتأخذ بأقدامهم وهو قوله تعالى:
(ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت واخذوا من مكان قريب وقالوا أي اصحاب السفياني آمنا به يعني بالقائم من آل محمد (علیه السلام) وأنّى لهم التناوش من مكان بعيد، وحيل بينهم وبين ما يشتهون - يعني إلَّا أن يعذََّبوا - كما فعل بأشياعهم من قبل - يعني من كان قبلهم هلكوا - إنهم كانوا في شك مريب) [سبأ 51 - 54].
الكتاب المبين السفر الثاني منه
عن أبي جعفر عليه السلام قال في حديث: فيصبح - أي الإمام القائم عليه السلام - بمكة فيدعو الناس الى كتاب الله وسنة نبيه، فيجيبه نفر يسير ويستعمل أميراً وحاكماً على مكة، ثم يسير أي عن مكة متوجهاً نحو المدينة، فيبلغه أن قد قُتل عامله أي حاكمهِ الذي جعله في مكة، فيرجع إليهم أي إلى أهل مكة - فيقتل المقاتلة لا يزيد على ذلك شيئاً يعني السبي.
ثم ينطلق يدعو الناس إلى كتاب الله وسنّة نبيّه عليه وآله السلام، والولاية لعليّ بن ابي طالب من عدوّه، ولا يسمّي أحداً حتى ينتهي الى البيداء (1)، فيخرج اليه جيش السفيانيّ، فيأمر الله الأرض فتأخذهم من تحت أقدامهم وهو قول الله (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب وقالوا آمنا به - يعني بقائم آل محمد (علیه السلام) - وقد كفروا به يعني بقائم آل محمد - من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شكٍّ مريب) [سبأ 51 - 54] فلا يبقى
1) (1) المراد من البيداء كما تقدم هي القاع الأبيض الواقعة بين مكة والمدينة، وهي أقرب إلى المدينة من مكة، ويعلم من هذه الرواية أنَّ الإمام القائم (علیه السلام) بعد أن يخرج من مكة وبعده في الصحراء يأتيه الخبر عن الخسف بجيش السفياني، فيكون هذا الخبر مقيِّداً للأخبار المتقدمة
منهم إلََّا رجلان يقال لهما: وترو وتيرة من فراد (1)ووجهيهما في أقفيتهما يمشيان القهقري أي إلى الخلف - يخبران الناس بما فعل الله بأصحابهما.
ثم يدخل - أي الإمام - المدينة - أي مدينة الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم) - فيغيب عنهم - أي عن الناس - وعند ذلك تتحرك قريش - أي أهل مكة - وهو قول علي بن أبي طالب عليه السلام - أي وإلى ذلك أشار الإمام أمير المؤمنين عليه السلام فقال: والله لودت قريش أنَّ عندها موقفاً واحداً جزر جزور بكل ما ملكت، وكل ما طلعت عليه الشمس، أو غربت - ثم يحدث حدثاً أي إن أهل مكة وأهل المدينة النواصب يودّون أن يوجد لهم موقف، وتحصل لهم فرصة سانحة يثورون فيها، ويقومون ضد الإمام القائم (علیه السلام) ولو يبذل جميع ما عندهم، حتى لو كان عندهم من الأموال بقدر الدنيا، وما تطلع عليه الشمس وتغرب، أو يقوم أحد ضده ويحدث حدث من الآخرين يدفعه عنهم.
فإذا فعل الإمام ذلك وغاب عن جيشه وأصحابه اغتنموها فرصة ثمينة، قال قريش وهم النواصب من أهل المدينة ومكة: اخرجوا بنا إلى هذا الطاغية، فوالله لو كان محمديّاً ما فعل، ولو كان علويّاً ما فعل، ولو كان فاطمياً ما فعل؛ فيثورون ضد الإمام (علیه السلام) فيخرج اليهم الإمام (علیه السلام) فيقتل الثائرين من أهل المدينة وأهل مكة؛ ولذا قال: فمنحه الله أكتافهم، فيقتل المقاتلة، ويسبي الذّرية أي يسبي نساءهم وذراريهم لكفرهم.
ثم ينطلق حتى ينزل الشقرة: الشقرة او شقراء بلدة بقرب مفرق القصيم في الحجاز، وأهلها من النواصب فينزل الإمام (علیه السلام) فيها فيبلغه أي مرة ثانية، انهم قد قتلوا عامله في مكة، فيرجع اليهم فيقتلهم مقتلة ليس قتل الحرة (2)إليها بشيء.
1) (1) بنو مراد: قبيلة من قبائل الجنوب، بلادهم في الجوف بين نجران ومأرب، وكلا البلدين في اليمن، وهؤلاء القبيلة من عبدة الأصنام، كان معبودهم الصنم يغوث، ثم أسلموا وارتدّوا، ولما يدخل الإيمان في قلوبهم.
2) (2) الحرّة: أرض ذات حجارة سود نخرة، كأنها أحرقت بالنار، وهو موضع في جزيرة العرب بالقرب من المدينة، ويوم الحرّة معروف، وهو اليوم الذي غزى فيه عسكر يزيد بن معاوية المدينة وأباحها ونهبها وقتل فيها خلق كثير من المهاجرين والأنصار، وكان الأمير عليهم مسلم بن عقبة، وإنما سمّي هذا اليوم بهذا الاسم لأن مسلماً حاصر المدينة من جهة الحرّة، وكان ذلك في ذي الحجّة سنة ثلاث وستين من الهجرة، وعقيبها هلك يزيد بن معاوية عليه وعلى أبيه وجده الهاوية، فالمقتلة التي تصدر من الإمام القائم (علیه السلام) للنواصب من أهل مكة أكثر قتلاها من مقتلة الحرّة، بحيث تكون مقتلة الحرّة التي قتل فيها خلق كثير ليس بشيء بالنسبة إلى هذه المقتلة.
ثم ينطلق - أي الإمام القائم عليه السلام - ويدعو الناس إلى كتاب الله وسنَّة نبيّه (صلی الله علیه وآله وسلم) والولاية لعلي بن ابي طالب عليه السلام والبراءة من عدوه حتى إذا بلغ الثعلبية.
بیان: يعلم من ذكر هاتين البلدتين الشقرة والثعلبية، وهما بلدتان في الحجاز أنََّ الامام القائم (علیه السلام) اذا خرج من مكة بعد إخماد حركة النواصب وقتل عامله في المرة الثانية، وقتلهم واعدامهم لا يذهب إلى المدينة، بل يقوم بتصفية البلاد الحجازية كلها، وقتل النواصب والمعارضين له، ويعرض عليهم الولاية لعلي بن أبي طالب عليه السلام، والأئمة الأحد عشر من بعده، والبراءة أعدائهم، ويهديهم إلى طريق الحقَّ والرشاد ثم بعد تصفية القرى كلها يأتي الى المدينة ومنها الى سوريا ومنها الى العراق.
فإذا نزل الثعلبية قام اليه رجل من صلب أبيه - أي من السادة العلويين - وهو من أشد الناس ببدنه، وأشجعهم بقلبه، ما خلا صاحب هذا الأمر، فيعترض على الامام (علیه السلام) مستفهماً فيقول: يا هذا ما تصنع فوالله انك لتجفل الناس إجفال النعم أفبعهد من رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) أم بماذا؟
فيقول: المولى الذي ولي البيعة، والله لتسكتنَّ أو لأخرين الذي فيه عيناك.
فيقول القائم (علیه السلام): اسکت یا فلان: أي والله إن معي عهداً من رسول الله، هات لي فلان العيبة او الن تفيلجة وهما اسم لصندوق تُوضع وتُحفظ فيه الأوراق والأسناد، فيأتيه بها فيقريئه العهد من رسول الله صلى الله عليه وآله.
فيقول: جعلني الله فداك، أعطني رأسك أقبله فيقبله بين عينيه، ثم يقول: جعلني الله فداك جدّد لنا بيعة فيجدد لهم بيعة.
قال أبو جعفر عليه السلام: لكأني أنظر اليهم مصعدين من نجف الكوفة ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، كأن قلوبهم زبر الحديد، جبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، يسير الرعب أمامه شهراً وخلفه شهراً، أمده الله بخمسة الآف من الملائكة مسومين، حتى إذا صعد النجف قال لأصحابه: تعبّدوا ليلتكم هذه، فيبيتون بين راكع وساجد يتضرّعون إلى الله، حتى إذا أصبح قال: خذوا بنا طريق النخيلة وعلى الكوفة خندق مخندق.
قيل: خندق مخندق؟
قال: اي والله حتى ينتهي إلى مسجد إبراهيم بالنخيلة فيصلي فيه ركعتين.
بيان: لعل المراد بمسجد ابراهيم بالنخيلة: هو مقام ابراهيم الواقع في مسجد السهلة، بالقرب من النخيل، فلوجود هذا الخندق المخندق يدخل إلى الكوفة من جهة النخيلة - أي من الجهة التي فيها نخيل - بالقرب من مسجد السهلة، فيعلم ان الخندق كبير واسع، محيط بالنجف والكوفة كلها، فلذا يدور جيش الامام حول الخندق، فيدخل من جهة مسجد السهلة فيصلي الامام (علیه السلام) مع الجيش فيه؛ فيخرج من كان بالكوفة من مرجيئيها.
بيان قد اختلف في المرجئة على أقوال ثلاثة:
الاول: إن المرجئة فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أنه لا يضرّ مع الايمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، سُمُّوا مرجئة لاعتقادهم أنَّ الله تعالى أرجأ وأخر تعذيبهم عن المعاصي.
الثاني: إنهم الذين يقولون الايمان قولاً بلا عمل، كما عن ابن قتيبة.
الثالث: ما عن بعض أهل الخبرة والمعرفة بالملل ان المرجئة هم الفرقة الجبرية الذين يقولون: إن العبد لا فعل له، وإضافة الفعل إليه بمنزلة إضافته الى المجازات كجري النهر ودارت الرجاء وإنما سُمِّيت المجبرة مرجئة لأنهم يؤخرون أمر الله ويرتكبون الكبائر.
وفي المغرب نقلاً عنه: سُمّوا بذلك لارجائهم حكم أهل الكبائر الى يوم القيامة.
وفي الحديث خطاباً للشيعة: أنتم أشد تقليداً أم المرجئة؟ قيل: أراد بهم ما عدا الشيعة من العامة فالمراد من المرجئة إمَّا من يعتقدون بأن مع الايمان لا تضر المعصية، وإما من يقولون: بالايمان قولاً باللسان ولا يعملون به؛ وإما الجبرية القائلين: بأن الأفعال غير مستندة للعبد؛ وإما المراد منهم ما عدا الشيعة من العامة، فهؤلاء الاقسام من المرجئة هم جيش السفياني، فيخرجون لمحاربة الامام القائم (علیه السلام) ومعهم غيرهم من الفسَّاق والمنافقين والكافرين والملحدين. فيقول - أي الامام (علیه السلام): استطردوا لهم - أي اظهروا لهم الانهزام مكيدة فكأنهم منهزمين. ثم يقول: كرّوا عليهم اي ارجعوا واعطفوا عليهم، واحملوا عليهم حملة رجل واحد، فيحملون عليهم.
قال أبو جعفر عليه السلام لا يجوز والله الخندق منهم مخبر: أي يقضون عليهم ويقتلون جميع الجيش الخارج لمحاربتهم من الكوفة، لا يدعونهم ان يعبروا الخندق حتى يأتون على آخرهم ثم يدخل - أي الإمام (علیه السلام) - مع جيشه الكوفة فلا يبقى مؤمن الا كان فيها أو حنّ اليها وهو قول أمير المؤمنين عليه السلام، ثم يقول - أي القائم (علیه السلام) - لأصحابه سيروا الى هذا الطاغية وهو السفياني فيدعوه إلى كتاب الله وسنة نبيه (صلی الله علیه وآله وسلم) فيعطيه السفياني من البيعة سلماً. فيقول له: كلب وهم أخواله، ما هذا ما صنعت، والله ما نبايعك على هذا أبداً.
فيقول: ما أصنع؟ فيقولون: استقبله - أي بالحرب - فيستقبله بالحرب.
ثم يقول له القائم صلى الله عليه: خذ حذرك فإنني أدّيت إليك، وأنا مقاتلك، فيصبح فيقاتلهم، فيمنحه الله أكتافهم - أي ينصر عليهم ويقتلهم - ويُؤخذ السفياني أسيراً، فينطلق به ويذبحه بيده، ثم يرسل جريدة خيل الى الروم ليستحضروا بقية بني أمية. - والجريدة هي الجماعة من الخيل لا رجالة فيها، والمراد بها هنا جماعة من الجيش مع سياراتهم وأسلحتهم ومعداتهم الحربية -.
فاذا انتهوا الى الروم قالوا: اخرج إلينا أهل ملّتنا - أي من كان يعتنق الاسلام من بني أمية - ولجأ عندكم، فيأبون ويقولون: والله لا نفعل.
فتقول الجريدة: والله لو أمرنا لقاتلناكم.
ثم يرجعون - أي الروم - الموظفون في حدود بلاد الكفر الى صاحبهم - أي ملكهم ورئيسهم - فيعرضون ذلك عليه.
فيقول: انطلقوا فاخرجوا إليهم أصحابهم، فإنّ هؤلاء قد اتوا بسلطان عظيم، والى هذه الواقعة أشار الله تعالى في الكتاب المجيد بقوله (فلا أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا الى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون - قال يعني عن الكنوز التي كنتم تكنزون - قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين) [الانبياء 12 - 15] فيقتلون من يأخذونه من بني أمية ويرجعونه أهل الروم لجند الاسلام لا يبقون منهم مخبر، ثم يرجع - أي الامام القائم (علیه السلام) - الى الكوفة فيبعث الثلاثمائة والبضعة عشر رجلًا الى الآفاق كلها - أي يبعثهم الى الدول شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً - ويجعلهم بعد فتحها حكّاماً في تلك الدول، فيمسح بين أكتافهم وعلى صدورهم، فلا
يتعابؤن في قضاء - أي لا يبالون - ولا يعتدّون به، ولا يستثقلون منه، ولا يبقى أرض أي في الدنيا كلها - الا نودي فيها بشهادة أن لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، وأنَّ محمداً رسول الله، وإلى هذا أشار بقوله تعالى: (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون) [آل عمران 83] ولا يقبل صاحب هذا الأمر عليه السلام الجزية - أي من بني أمية - وإن كان يقبلها من اهل الذمة كما قبلها رسول الله صلى الله عليه وآله منهم.
بيان: إنَّ قبول الامام القائم عليه السلام للجزية - يبقى الى أن يرجع الامام الحسين عليه السلام، كما سيأتي إن شاء الله تعالى؛ فإذا رجع الحسين (علیه السلام) فلا جزية، وحينئذ إمَّا الاسلام أو الاعدام، والى هذا أشار بقوله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدِّين كله الله) [البقرة 193].
قال أبو جعفر عليه السلام: يقاتلون والله حتى يوحّد الله ولا يشرك به شيء، وينشر الأمن والأمان في العالم، حتى ان العجوز الضعيفة تخرج من المشرق تريد المغرب لا يهيجّها أحد - أي لا يثيرها - ولا يحرّك ذيلها أحد، ولا ينهاها أحد عن السفر في البلاد والبراري، ولا يسألها احد عن مقصدها، ويُخرج الله من الأرض بذرها - أي ما يزرع من الحب ويُنزل من السماء قطرها، وتخرج الناس خراجهم - أي حقوقهم - على رقابهم الى المهديّ عليه السلام، ويوسِّع الله على شيعتنا، وهذه بشارة للشيعة بالغنى والتوسعة، ولولا ما يدركهم من السعادة لبغوا - أي لولا ما أعطى الله تعالى أهل ذلك الزمان من التوفيق والهداية واسعدهم بظهور امامهم وأبعد عنهم الشقاوة لفسدوا وأفسدوا - (لأن الإنسان ليطغى أن راه استغنى [العلق 6] فبينا صاحب هذا الأمر قد حكم ببعض الأحكام، وتكلم ببعض السنن، إذ خرجت خارجة من المسجد يريدون الخروج عليه فيقول لأصحابه: إن يأتوا بهم فيلحقونهم في التمارين وهو السوق الذي يباع فيه التمر فيأتون بهم أسرى فيأمر بهم فيذبحون، وهي آخر خارجة تخرج على قائم آل محمد عليه السلام.
بيان: إنََّ هؤلاء الخوارج قد مرقوا من الدَّين كما يمرق السهم من الرمية، وارتدوا عن دين الإسلام؛ فلأجل ذلك استحقّوا الاعدام، فذبحوا كما تذبح الأغنام بسيف الامام، واستحقوا العذاب في يوم القيام لجهلهم وعدم معرفتهم بمقام الامام (علیه السلام) والا لو كانوا يعلمون ان الامام (علیه السلام) منصوب من قبل الله الواحد العلَّام، وقد نص عليه النبيّ سيَّد.
الأنام (صلی الله علیه وآله وسلم)، والوصيّ علي عليه السلام كيف يعترضون على الأحكام الصادرة عن الامام عليه السلام، ولا بد ان يعتقدوا ان حكمه حكم الله، وحكم النبيّ، وحكم الوصيّ صلوات الله عليهم، ولا يصدر حكم من عند نفسه لأنه امام الهدى، وامام الحقَّ، والمتَّصف بالصدق، وهو حجة الله، والرَّاد عليه كالراد على الله تعالى، والرَّاد على الله ضالّ وكافر، والله لا يحب الكافرين.
قد ورد طوائف أربع من الأخبار تدل على ظهور القائم عليه السلام، وهي من العلائم العامة، ويُستفاد من كل طائفة منها علامة خاصة:
الطائفة الأولى:
دلت على أنَّ الإمام القائم عليه السلام، لا يقوم إلَّا في وتر من السنين - أي في سنة الفرد لا في سنة الزوج وهي عدة روايات:
الأولى: قال ابو عبد الله عليه السلام لسدير: يقوم القائم (علیه السلام) في وتر من السنين.
تسع وثلاث وخمس وواحد وهذه الأعداد كلها وتر - أي فرد -
الثانية: قال ابو عبد الله عليه السلام: لا يخرج القائم (علیه السلام) إلَّا في وتر من السنين سنة إحدى أو ثلاث، أو خمس، أو سبع، أو تسع.
الثالثة عن جوامع الكلم: قال الصادق عليه السلام: لا يخرج القائم إلَّا وفي وتر من السنين سنة احدى، أو ثلاث، أو خمس، أو سبع، أو تسع.
الرابعة عن العوالم: عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.
الخامسة عن السر المكنون: روى الحسن بن محبوب، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.
بيان: هذه الروايات صرّحت بلسان واحد بأنَّ الإمام القائم (علیه السلام) لا يقوم إلَّا في
سنة وتر - أي في سنة الفرد لا الزوج - ولذا ذكر الامام (علیه السلام) هذه الأعداد المذكورة في
الروايات، ليبرهن ان مراده من الوتر هي هذه السنين، وهي سنة الاحدى، او الثلاث، او الخمس، او السبع، أو التسع؛ ومنطوقها صريح في ذلك، كما انه يُستفاد من الحصر المذكور فيها بقوله (علیه السلام) لا يخرج إلَّا في وتر من السنين أنَّ الإمام (علیه السلام) لا يظهر في سنين الزوج - أي في سنة ثنتى أو أربع، أو ستة، أو ثمانية، أو عشرة؛ بل لا يظهر إلَّا في سنة احدى او ثلاث، أو خمس، أو سبع، أو تسع، وهذه أحد الطوائف الأربع وهي من العلائم العامة.
الطائفة الثانية:
دلت على ان الامام القائم (علیه السلام) لا يقوم الا في يوم السبت، وفي يوم عاشوراء،
وهي عدة روايات:
الأولى عن العوالم: قال أبو جعفر عليه السلام: يخرج القائم (علیه السلام) يوم السبت يوم عاشوراء، اليوم الذي قتل فيه الحسين (علیه السلام). وقال: وكأني بالقائم (علیه السلام) يوم عاشوراء يوم السبت قائماً بين الركن والمقام بين يديه جبرائيل (علیه السلام)، ينادي البيعة الله فيملأها عدلاً كما ملئت ظلما وجوراً.
الثانية عن كتاب العصمة والرجعة: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يوم القائم يوم عاشوراء. وقال الصادق عليه السلام: يخرج القائم يوم السبت يوم عاشوراء، اليوم الذي قُتل فيه الحسين (علیه السلام).
الثالثة: قال ابو عبد الله الصادق عليه السلام: ينادي باسم القائم في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، وهو يقوم يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي قُتل فيه الحسين بن علي (علیه السلام) لكأني به يوم السبت العاشر من المحرم قائماً بين الركن والمقام، جبرائيل بين يديه ينادي بالبيعة له، فتصير اليه الشيعة من أطراف الأرض تطوى لهم طيّاً، حتى يبايعوه فيملأ الله به الأرض عدلا كما ملئت جوراً وظلماً.
الرابعة: قال أبو جعفر عليه السلام: تنزل الرايات السود التي تخرج من خراسان إلى الكوفة، فاذا ظهر المهدي (علیه السلام) بعث إليه بالبيعة وقال: كأني بالقائم (علیه السلام) يوم عاشوراء يوم السبت، قاعد بين الركن والمقام، ويد جبرائيل (علیه السلام) على يده، ينادي البيعة لله فيملأها عدلاً.
الخامسة: عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إنَّ القائم (علیه السلام) ينادى
باسمه في ثلاثة وعشرين، ويقوم يوم عاشوراء، يوم قتل فيه الحسين عليه السلام.
بيان: هذه الروايات دلت على أن من العلائم لظهور صاحب الزمان عليه السلام: تحقق هذا الزمان وهو يوم السبت، وذلك السبت يكون يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي ستشهد فيه ابو الأحرار وسيد الشهداء الامام الحسين بن علي عليهما السلام، وهذه من العلائم العامة للظهور.
الطائفة الثالثة:
دلت على ان الامام القائم يظهر يوم الجمعة وهما روايتان:
الأولى عن كتاب العصمة والرجعة: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يخرج قائمنا أهل البيت يوم الجمعة.
الثانية: قال الصادق عليه السلام: يخرج قائمنا أهل البيت يوم الجمعة.
بيان: وهذه الطائفة بظاهرها معارضة للأخبار الدالَّة على أنَّ القائم (علیه السلام) يخرج يوم السبت؛ فيمكن ان يُقال بحمل هذه الطائفة على التقية. ويمكن ان يُقال في وجه الجمع:
بأنَّ معنى قوله في هذه الطائفة يخرج يوم الجمعة - أي يشرع بنشر الدعوة
یوم الجمعة ويبتدىء بها - ولذا يفسَّر الامام كلامه وقوله: يخرج القائم يوم السبت بقوله بعد ذلك: وكأني بالقائم (علیه السلام) يوم عاشوراء يوم السبت قائماً بين الركن والمقام فيكون خروجه وشروعه بنشر الدعوة یوم الجمعة، ولكن قيامه للبيعة یوم السبت یوم عاشوراء. أو يقال بأن المراد من يوم الخروج يوم الجمعة، هو السير من قرية كرعة من اليمن لا على أو نشر الدعوة بخلاف القيام والخروج يوم السبت في الأخبار الأخر فإنه يُحمل على نشر الدعوة وظهورها، وبذلك يرتفع التنامي بين الروايات.
الطائفة الرابعة:
دلت على أن الامام القائم عليه السلام يظهر في يوم النيروز وهما روايتان:
الأولى: عن العوالم: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يوم النيروز- وفي نسخة
النوروز - هو اليوم الذي يظهر فيه قائمنا أهل البيت وولاة الأمر، ويظفره بالدَّجَّال فيصلبه على كناسة الكوفة.
الثانية: جوامع الكلم: قال الصادق عليه السلام: يوم النوروز هو اليوم الذي يظهر فيه قائمنا أهل البيت وولاة الأمر يظفره بالدَّجَّال فيصلبه على كناسة الكوفة، وما من يوم نوروز إلَّا ونحن نتوقع فيه الفرج، لأنه من أيَّامنا حفظته الفرس وضيعتموه.
بیان: دلَّت هذه الطائفة على أنَّ يوم النيروز هو اليوم الذي يظهر فيه قائمنا - أي يظهرامره وينتشر ذكره بين الناس - ولذا قال في ذيل الخبر: وما من يوم نوروز الَّا ونحن نتوقَّع فيه الفرج - فيُعلم من هذه الجملة أنَّ ظهور الإمام القائم لا يكون في يوم النيروز، بل أنه يوم يتوقع فيه الفرج والظهور، مع أنََّ النوروز قد وقع محلًا للخلاف بين العلماء، وهل هو يوم احد وعشرون من آذار أو في يوم آخر فهذه الطائفة لا تنافي الطوائف المتقدمة، ولكن يمكن اجتماع الطوائف الثلاث منها بأن تكون السنة سنة وتر، ويكون يوم السبت يوم عاشوراء، ويكون يوم النيروز قبلها، أو بعدها. وهذه العلائم قد تجتمع في سنة واحدة، إلّا أنّ هذه من العلائم العامة الغير المحتومة، فلعل الله سبحانه وتعالى عجَّل ظهور الامام الحجّة عليه السلام، وكان في غير هذه الأيام المذكورة لأنه تعالى (يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) [الرعد 39].
قد وردت في المقام اخبار متشابهة ونحن نوردها بتمامها لذكر بعض الجمل في بعضها دون بعض:
الكتاب المبين
روى جابر الجعفي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: الزم الأرض ولا تحركنَّ يدك ولا رجلك ابداً، حتى ترى علامات أذكرها لك في سنة من السنين، ترى منادياً ينادي بدمشق ولعلة في الاذاعة السورية ينادي بهذا النداء:
وخسفاً بقرية من قراها - ولعلها قرية الجابية - ويسقط طائفة من مسجدها - ولعله من جهة قصف القنابل أو الخسف بطرف المسجد - فاذا رايت الترك جازوها - أي تعدوا عنها وتركوها خلفهم - فأقبلت الترك حتى نزلت الجزيرة - أي السورية - وأقبلت الروم حتى نزلت الرملة: وهم الأجانب الغربيون ينزلون الرملة وهي بلدة في فلسطين تقع شمال شرقي القدس.
وهي سنة اختلاف في كل أرض من أرض العرب - أي الحرب قائمة في البلاد
العربية. وان اهل الشام يختلفون عند ذلك فيقع الحرب بينهم وبين الدول الاجنبية.
ثلاث رايات: الأصهب، والأبقع، والسفاني، مع بني ذنب الحمار، وهم قبيلة مضر ومع السفياني أخواله كلب فيظهر السفياني - أي يغلب هو ومن معه من عسكره على بني ذنب الحمار - حتى يقتل قتلاً لم يقتله أحد قط، ويحضر - أي السفياني - رجلًا بدمشق فيقتل هو ومن معه قتلا لم يقتله شيء قط، وهو من بني ذنب الحمار والى هذا أشار بقوله تعالى: (فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم) [مريم 37].
ومشهد اليوم العظيم هو معركة الدول والسفياني في دمشق الشام، الذي يحدث فيه قتل عظيم، ويظهر السفياني ومن معه - أي يغلب السفياني وجيشه - على الأحزاب والدول المعارضة له، حتى لا يكون له همة إلَّا آل محمد وشيعتهم - أي يريد قتلهم والقضاء عليهم وإفناءهم: فيبعث بعثاً الى الكوفة، فيصاب بأناس من شيعة آل محمد (علیه السلام) بالكوفة قتلًا وصلباً: أي يقتل العلماء والصالحين من شيعة أمير المؤمنين فيُصاب بعقاب شديد، وعذاب أليم من رب العالمين. وتقبل راية من خراسان حتى تنزل ساحل الدجلة، وهذه راية السيد الحسني والحسيني والهاشميّ وهم يفتحون العراق، وينتقم جيشهم من السفاني وجيشه.
ويخرج رجل من الموالي - أي من المؤمنين الصلحاء الايرانيين - من النجف معارضاً لجيش السفياني، وذلك قبل أن تأتي راية السيد الحسني والحسيني والهاشميّ، وحيث إنَّه ضعيف لا قوّة له ولا سلاح، فيُصاب - أي يقتل - هو ومن معه بظهر الكوفة - أي في النجف - ويبعث - أي السفياني - بعثاً من الجيش الى المدينة - أي المنورة - فيقتل بها رجلًا ولعله السِّيد النفس الزكية، أو الوالي فيها والحاكم في ذلك الوقت. ويهرب المهدي عليه السلام والمنصور منها على سنة موسی خائفاً يترقب، حتى يقدم مكة، والمنصور لعله اليمانيّ الملقّب بالمنصور، والمهدي إنما يخرج من المدينة هارباً، لا هرب خوف، بل هرب تحفّظ على نفسه، وعلى أصحابه، وكذلك خوفه ليس من جيش السفياني، وانما خوفه على أصحابه من الخسف، فيرجع مسرعاً الى مكة حتى لا ينالهم الخسف الذي يعلم بنزوله بجيش السفياني،، وليستريح من قتالهم ومن الحرب معهم. ويقبل الجيش - أي جيش السفياني - حتى نزلوا في البيداء، وهو جيش الهملات خُسف بهم، فلا يفلت منهم الا مخبر؛ وانما عبَّر عنه بجيش الهملات لأن الهمل بمعنى المهمل فنعم همل - أي مهملة - لا راعي لها، ولا فيها من يصلحها ويهديها، فهي كالضَّالة الذاهبة سدىً بلا راع، فهذا الجيش يذهب في الخسف تحت
لأرض سدىً، لأنهم ضالّون، وليس لهم راع يهديهم، حتى لو كان من يهديهم فهم غير قابلين للهداية فيهلكون بالخسف. فيقوم القائم عليه السلام بين الركن والمقام، فيصلي وينصرف ومعه وزيره، ولعله الخضر عليه السلام، أو عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا وآله السلام. فيقول:
يا أيها الناس: إنَّا نستنصر الله على من ظلمنا وسلبنا حقَّنا، من يحاجنا في الله، فنا أولى بالله، ومن يحاجّنا في آدم فإنّا أولى الناس بآدم، ومن حاجّنا في نوح، فإنّا أولى الناس بنوح، ومن حاجّنا في إبراهيم بإنا اولى الناس بإبراهيم؛ ومن حاجّنا بمحمد (صلی الله علیه وآله وسلم) فإنّا أولى الناس بمحمد (صلی الله علیه وآله وسلم)؛ ومن حاجّنا في النبيين، فإنّا أولى الناس بالنبيين؛ ومن حاجّنا في كتاب الله، فنحن أولى الناس بكتاب الله، إنَّا نشهد وكل مسلم اليوم إنَّا قد ظُلمنا، وطُردنا، وبُغي علينا، وأُخرجنا من ديارنا وأموالنا وأهالينا وقهرنا. ألا إنَّا نستنصر الله اليوم وكل مسلم، ويجيء ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا فيهم خمسون امرأة يجتمعون بمكة على غير ميعاد قزعاً كقزع الخريف - أي كقطع السحاب المتفرقة - يجتمعون الى الامام، يتبع بعضهم بعضاً، وإلى هؤلاء الصلحاء أشار بقوله تعالى (أينما يكونوا يأت بكم الله جميعاً إن الله على كل شيء قدير) [البقرة 148] فيقول رجل من آل محمد اخرج منها وهي القرية نظالم أهلها، وهذا الرجل من السادة العلويّين ثم يخرج من مكة هو ومن معه الثلاثمائة وبضعة عشر الذين بايعوه بين الركن والمقام، ومع الامام (علیه السلام) عهد النبي صلى له عليه وآله، ورايته وسلاحه ووزيره معه. فينادي المنادي بمكة باسمه وأمره من السماء، حتى يسمعه أهل الأرض كلّهم اسمه اسم نبيّ - أي محمد - فما أشكل عليكم فلا يشكل عليكم عهد نبي الله، ورايته، وسلاحه، والنفس الزكية من ولد الحسين (علیه السلام) فإن أشكل عليكم هذا، فلا يشكل عليكم الصوت من السماء باسمه وامره.
وإياك والشذاذ من آل محمد، فإن لآل محمد وعليّ رايةٍ - أي راية واحدة - ولغيرهم رايات، فالزم الأرض ولا تتبع منهم رجلًا ابداً حتى ترى رجلًا من ولد الحسين عليه السلام، ومعه بني الله، ورايته، وسلاحه، فإنََّ عهد نبي الله صار عند علي بن الحسين (علیه السلام) ثم صار عند محمد علي - أي الباقر عليه السلام - ويفعل الله ما يشاء.
فالزم هؤلاء - أي هؤلاء الأئمة - وإياك ومن ذكرت - أي من الأحزاب والرايات - من غير الأئمة، فلا بدّ من الحذر منهم وعدم اتباعهم.
فإذا خرج رجل منهم - أي من آل محمد - معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، ومعه راية رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) عامداً إلى المدينة حتى يمرَّ بالبيداء، حتى يقول: هذا مكان القوم.
الذين يُخسف بهم - أي يخبر بموضع الخسف قبل وقوع الخسف به - وهو من الأخ بالغيب. وإلى هذا أشار بقوله تعالى: (أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين) [النحل 45 - 46] وهؤلاء جيش السفياني، فإنهم مكروا السيئات، وأمنوا من عذاب الله تعالى، فيخسف الله بهم الأرض، ويأتيهم العذاب من تحت أقدامهم، وهو الخسف من حيث لا يشعرون.
فإذا قدم المدينة أخرج محمد بن الشجري على سنة يوسف - أي يعمل على سنة يوسف. ثم يأتي الكوفة، فيطيل بها المكث ما شاء الله أن يمكث حتى يظهر عليها - أي يستولي ويسيطر عليها ثم يسير حتى يأتي العذراء هو ومن معه؛ والعذراء اسم مكان؛ وقد لحق به أناس كثير - أي من شيعته وأنصاره والسفيانيّ - يومئذ بوادي الرملة وهو وادي خارج الرملة التي هي بلدة في فلسطين شمالي شرقي القدس. حتى إذا التقوا وهو يوم الأبدال يخرج أناس كانوا مع السفيانيّ، من شيعة آل محمد، فيلتحقون بجيش الإمام الحجة ابن الحسن عليه السلام، ويخرج أناس كانوا مع آل محمد - أي الإمام الحجّة (علیه السلام) - فيلتحقون بجيش السفيانيّ وهم من شيعته، حتى يلحقوا بهم، ويخرج كل أناس إلى رايتهم وهو يوم الأبدال. قال أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: ويقتل يومئذ السفيانيّ ومن معه، حتى لا يترك منهم إلَّا مخبر، والخائب يومئذ من خاب من غنيمة كلب.
ثم يقبل إلى الكوفة فيكون منزله بها، فلا يترك عبداً مسلماً إلَّا اشتراه - أي من مولاه - وأعتقه، ولا غارماً إلَّا قضى دينه والحق عياله في العطاء حتى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلما وجوراً وعدواناً، ويسكن هو وأهل بيته الرحبة، وهي رحبة الكوفة - أي محلة فيها - والرحبة إنما كانت مسكن نوح - أي النبي (علیه السلام) - وهي أرض طيِّبة، ولا يسكن رجل من آل محمد إلََّا بأرض طيِّبة زاكية، فهم الأوصياء الطيِّبون. ولعل المراد من الرحبة هي المحلة الواقعة في طرف مسجد السهلة على نهر الفرات، كما يُستفاد من أخبار أخرى.
وفي رواية أخرى: عن جابر قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا جابر الزم الأرض، ولا تحرّك يداً ولا رجلًا، حتى ترىٰ علامات أذكرها لك إن أدركتها. وهذا من باب إيَّاك أعني، واسمعي يا جارتي. فالخطاب مع جابر ولكنَّ بالكلام جميع الناس من الأمم القادمة التي توجد في العصور المتأخرة وفي آخر الزمان.
أولها: اختلاف بني العبَّاس: أي القتل والقتال فيما بينهم على السلطنة والملك.
وما تدرك ذلك، ولكن حدث به بعدي عني: أي إنك لا تبقى إلى ذلك الزمان، ولكن حدث به حملة العلم، ليحدثوا، به من كان في زمانهم، حتى يأتي الزمان المطلوب، وإذا لم به يفرك جابر هذه العلامة التي هي أول العلامات فحتماً لا يدرك التي بعدها.
ومنادٍ ينادي من السماء وهي الصيحة السماوية التي مر ذكرها.
ويجيئكم الصوت من ناحية دمشق بالفتح: ولعل المراد من الصوت صوت الحرب تعظيمة التي تقع في دمشق الشام، وفتح الأجانب للشام.
وتُخسف قرية من قرى الشام تسمى الجابية: وهي تقع على بعد أربعة وعشرين كيلو متر عن الشام.
وتسقط طائفة من مسجد دمشق الأيمن: ولعله من جهة الخسف أو القصف.
ومارقة تمرق من ناحية الترك: وهؤلاء الأتراك يأتون لغزو سورية ومصر.
ويتبعها هرج الروم: أي يقع الهرج وهو القتل والقتال والحرب في الدول الغربية.
وسيقبل أخوان الترك: وهم أتراك تركيا وحلفاؤهم حتى ينزلوا الجزيرة ويستقبل مارقة الروم حتى ينزلوا ومارقة الروم من الأجانب الغربيين والرملة بلدة في فلسطين شرقي القدس كما تقدَّم.
فتلك السنة يا جابر فيها اختلاف كثير، أي حروب كثيرة في كل أرض - أي في كل.
دولة - من ناحية المغرب -- أي من دول المغرب -.
فأول أرض المغرب تخرب أرض الشام، لوقوع حرب ثلاث دول فيها؛ يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات: راية الأصهب، وراية الابقع، وراية السفيانيّ. فيلقي السفيانيّ الأبقع فيقتلون فيقتله السفياني ومن معه، ويقتل الأصهب، فتكون الغلبة للسفيانيّ. ثم لا يكون له همة، إلَّا الإقبال نحو العراق، ويمرّ جيشه بقرقيسيا، وقرقيسيا مدينة في سوريا في محافظة الجزيرة - وفي نسخة الأنبار - فيقتلون من الجبَّارين - أي من بني العبَّاس مائة ألف ويبعث السفيانيّ جيشاً إلى الكوفة، وعدََّتهم سبعون ألفاً، فيصيبون من أهل الكوفة قتلاً وصلباً وسبياً؛ فبيناهم كذلك إذ أقبلت رايات من قبل خراسان، تطوي المنازل طيّاً، وهي رايات السيِّد الحسنيّ والحسينيّ والهاشميّ، ومعهم نفر من أصحاب القائم عليه.
السلام، وهؤلاء ينتقمون من جيش السفيانيّ ويقتلونه، ويتوجهون إلى الحجاز للإلتحاق بالإمام القائم (علیه السلام).
ثم يخرج رجل من موالي أهل الكوفة في ضعفاء، وهذا الرجل من الإيرانيين الساكنين في النجف، أو الكوفة، يقوم بثورة في ضعفاء الشيعة، إما من حيث القوة، وإمَّا من حيث المال والمساعدة، فيقتله أمير جيش السفياني بين الحيرة والكوفة - أي في المعسكر الواقع بين هاتين البلدتين - ويبعث السفيانيّ بعثاً إلى المدينة، فينفر المهديّ منها الى مكة، فيبلغ أمير جيش السفيانيّ أنََّ المهدي قد خرج إلى مكة، فيبعث جيشاً على أثره، فلا يدركه حتى يدخل مكة خائفا، يترقب على سنة موسى بن عمران (علیه السلام)
قال: وينزل أمير جيش السفيانيّ البيداء، فينادي منادٍ من السماء: أبيدي القوم. فيُخسف بهم، فلا يفلت منهم الَّا نفرين يحوِّل الله وجهيّهما إلى أفقيتهما، وهما من كلب، وفيهم نزلت هذه الآية: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردّها على أدبارها) [النساء 47].
قال: والقائم (علیه السلام) يومئذ بمكة وقد أسند ظهره إلى البيت الحرام مستجيراً به فينادي أيها الناس: إنَّا نستنصر الله، ومن أجابنا من الناس، وإنا أهل بيت نبيّكم، ونحن أولى الناس بالله، وبمحمد صلى الله عليه وآله. فمن حاجَّني في آدم فأنا أولى الناس بآدم (علیه السلام)، ومن حاجَّني في نوح، فأنا أولى الناس بنوح (علیه السلام)؛ ومن حاجَّني في إبراهيم، فأنا أولى الناس بإبراهيم (علیه السلام)؛ ومن حاجَّني في محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) فأنا أولى الناس بمحمد (صلی الله علیه وآله وسلم)؛ ومن حاجَّني في النبيين، فأنا أولى الناس بالنبيين؛ أليس الله يقول في محكم كتابه: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) [ال عمران 33] فأنا بقية من آدم (علیه السلام)، وذخيرة من نوح (علیه السلام)، ومصطفى من إبراهيم (علیه السلام)، وصفوة من محمد صلى الله عليهم؛ ألا ومن حاجَّني في كتاب الله، فأنا أولى الناس بكتاب الله. ألا ومن حاجَّني في سنَّة رسول الله، فأنا أولى الناس بسنَّة رسول الله. فانشد الله من سمع كلامي اليوم، لما بلغ الشاهد منكم الغائب وأسألكم بحقّ الله ورسوله وبحقي، فإنَّ لي عليكم حقّ القربی من رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم). ألا أعنتمونا ومنعتمونا ممّن يظلمنا، فقد أُخفنا وظُلمنا، وطُردنا من ديارنا وابناؤنا، وبُغي علينا، ودفعنا عن حقنا، وافترى أهل الباطل علينا، فالله الله فينا لا تخذلونا وانصرونا ينصركم الله.
قال (علیه السلام): فيجمع الله عليه أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا ويجمعهم الله على غير ميعاد قزعاً، كقزع الخريف، وهي يا جابر الآية التي ذكرها في كتابه (أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً) [البقرة 148]. فيبايعونه بين الركن والمقام، ومعه عهد من رسول الله صلى الله عليه وآله، قد توارثته الأبناء عن الآباء، والقائم (علیه السلام) رجل من ولد الحسين (علیه السلام) يصلح الله له أمره في ليلة؛ فما أشكل على الناس من ذلك يا جابر، فلا يُشكل عليهم ولادته من رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ووراثته العلماء عالماً بعد عالم، فإن أشكل عليهم هذا كله فإن الصوت من السماء لا يُشكل عليهم، إذا نُودي باسمه واسم أبيه.
بيان: ذكر الإمام (علیه السلام) في هذين الخبرين علائماً قريبة جداً من ظهور الإمام القائم عليه السلام، وقد مرَّ بعضها، بل جلها، وبعد تركيز الائمة عليهم السلام على الامة الإسلامية من المؤمنين، وأمرهم بعدم الحركة والسكون، خوفاً عليهم ان ينجرفوا مع الحكام الظلمة في زمن الغيبة، ولئلا يدخلوا في الاحزاب الباطلة، والمنظمات العاطلة، فيكونوا ضاليِّن ومضلّين، وفي ظلمات الغيّ متردِّدين، وليحفظوا من فتن آخر الزمان، حتى يُدركوا صاحب العصر والزمان، ويكونوا له من الأنصار والأعوان، وحتى تظهر هذه العلامات المذكورة:
منها: اختلاف العباسيين وقتالهم على المملكة في الشام وفي بغداد.
ومنها: أن ينادي المنادي بدمشق: وهو الراديو، أو التلفزيون، يستغيثون بالعالم من شرٍّ قد اقترب إليهم، ولعله من جهة قصف الشام بالقنابل النووية المحرقة ونحوها.
ومنها: أن يقع خسف بقرية من قرى الشام تسمى الجابية، وخسف في ناحية الجامع الكبير، فيسقط حائط المسجد من الطرف الأيمن، ولعل ذلك من جهة القصف بالقنابل والصواريخ، ووقوع الحرب فيها، فيحدث التدمير والخسف في بعض القرى، وفي نفس دمشق، وفي المسجد الجامع.
ومنها: خروج طائفة من الترك، فتمرق كما يمرق السهم من الرمية، فتثب فجأة وتهجم سريعاً على دمشق وتنزل في الجزيرة التي فيها.
ومنها: وقوع الهرج - وهو القتل والقتال والحرب - بين أهل الروم - وهي الدول الغربية - حيث إنهم كانوا كافرين فتؤذهم الشياطين قال تعالى (أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤذهم أذا) [مريم 83] فتقدم الروم حتى تنزل الرملة، وهي بلذة في فلسطين تقع شمال
شرقي القدس. وفي تلك السنين تقع الحروب في كل ناحية من أنحاء العالم وبالأخص ناحية المغرب، فيقع الحرب والقتل والقتال والغارة فيها، كما تقع الحرب في كل أرض من أراضي العرب، وأول أرض تخرب من بلاد المغرب بلاد الشام، حيث إن الذين يحكمون فيها من العبَّاسيِّين، فيقع بينهم وبين سائر القوَّاد الأمويين حرب وقتال عظيم على الملك والدولة؛ فلذا تجتمع في دمشق الشام رايات ثلاث - أي دول ثلاث - كل منهم يريد الرئاسة والمملكة:
راية الأصهب: ولعل هذا من الغربيّين أي أحد قوادهم. وراية الأبقع: ولعله رئيس قبيلة مضر، وهم بنو ذنب الحمار.
وراية السفيانيّ: فيقتل السفيانيّ أولاً مضر وهم بنو ذنب الحمار، ويحضر رئيسهم في دمشق فيقتله هو وسائر جنوده، ثم يقتل الأصهب فتصفوا له الدولة. ثم لا يكون له همة إلَّا فتح الدول العربية، وأهم ما يكون عنده قتل الشيعة والمؤمنين، فلذا أول بعث من جيشه يبعثه إلى الكوفة، ثم يبعث بعثاً من جيشه إلى الحجاز.
أما الجيش الذي يبعثه إلى الكوفة، والمهمّة التي عندهم قتل آل محمد من السادة العلويين، وقتل الشيعة والمؤمنين؛ فيقتل خلقاً كثيراً منهم، كما يصلب كثيراً منهم، ويمثل بقسم منهم ويسبي نساءهم وينهب أموالهم، وحيث إن العتبة مقدسة وهي عتبة النجف الأشرف والمسجد الأعظم في الكوفة، والمسجد الأعظم في السهلة؛ فهذه العتبات التي قال فيها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: كأني بكِ يا كوفة تمدّين مدّ الأديم العكاطيّ إلى قوله: وإني لأعلم والله ما أراد بكِ جبَّار سوءاً إلَّا وشغله بشاغل أو رماه بقاتل. وقد قصدوا هؤلاء السوء، بل عملوا السوء في الكوفة والنجف، فيرميهم الله بقاتل وعدد هذا الجيش ستون ألفاً فينتصر لهم السيِّد الحسنيّ والسيِّد اليمانيّ فيسعون في نصرهم ويقدمون مسرعين إلى الكوفة، ويلحقون الجيش الأموي فيقتلونهم عن آخرهم؛ ثم يتوجه الجيشان إلى الحجاز لاستقبال الإمام القائم عليه السلام·
ويخرج رجل من الموالي الساكنين في الكوفة، وهو أصله إيراني؛ فإنََّ التعبير عن أهل إيران في كلام الأئمة (علیه السلام) غالباً بالموالي لأنهم هم الموالون للأئمة والمحبّون لهم، ونعم هذا الاسم الذي وضعه الأئمة (علیه السلام) لهم، وهو اسم حسن. فهذا الرجل من الموالي يقوم بثورة معه جيش قليل، فيعترك ويقتتل مع جيش السفيانيّ، فيقتله قائد جيش السفيانيّ بين الحيرة
والكوفة - أي في المعسكر الواقع بين هذين البلدين، وهو معسكر النجف الأشرف لمعنون فعلاً بآمرية موقع النجف - ويأخذ آل محمد (علیه السلام) من السادة العلويّين ومحبيهم، فلا يترك منهم أحد إلَّا قُتل أو صلب صغيراً كان أم كبيراً، إلَّا من اختفى منهم، أو هرب، ولا يدعون إلَّا الكافر، أو المنافق.
وأما جيش المدينة فيغزوا الحجاز، ويصل إلى المدينة، فيقتل رجالها ويسبي نساءها، وينهب أموالها، فيهرب المهديّ منها والمنصور، ولعلّه السيِّد اليمانيّ، الملقَّب بالمنصور إلى مكة، وإنما يخرج المهديّ منها خوفاً على أصحابه من الخسف، وحفظاً له ولهم، ولئلا يبتلي بالحرب معهم لعلمه بأنهم سيذهبون ضحية الخسف. فإذا سمع أمير جيش السفيانيّ بخروج المهديّ، وقد ذهب إلى مكة فيبعث جيشه في طلب المهديّ (علیه السلام) وأخذه وقتله، والأهمية هذا الجيش يسمى بجيش الهملات، فإذا توسط البيداء الواقعة بين مكة والمدينة، بعد انتهاء الجبال، وهي أرض بيضاء مسطَّحة قرب بدر الكبرى التي عبَّر عنها الإمام (علیه السلام) ينقاع الأبيض صار الليل فيبيت الجيش فيها، فيأمر الله تعالى جبرائيل (علیه السلام) فيصرخ بهم صرخة الغضب، وينادي: يا بيداء أبيدي القوم الظالمين، فتنخسف الأرض بهم وبقواتهم صلحة، لا يفلت منهم إلَّا مخبروهما رجلان من جهينة، يضربهم الملك على وجهيهما فتحوَّل إلى القفاء، فيذهب أحدهما بشيراً للقائم (علیه السلام) بأمر الملك، حيث يأمره أن يذهب القائم ويتوب على يده ويبشّره بهلاك جيش السفيانيّ بالخسف، فيفرح الإمام بذلك؛ والآخر يبعثه نذيراً للسفيانيّ بالشام لينذره، ويخبره بهلاك جيشه، فيصل إليه، ويخبره بذلك ويموت كما في قول.
وتصبح مكة بعد هذا الخسف منطقة الأمان، لا يجرأ أحد أن يذهب إليها من الملوك والحكَّام الجبابرة، فكل قائد أو ظالم يُطلب منه ويكلَّف بالرواح إلى مكة وغزوها، يستقيل ويتراجع ولا يقبل خوفاً من وقوع الخسف به، فيبقى حرم الله محفوظاً لا يقر به ظالم، أو غاشم، أو حاكم، فيرتِّب الإمام (علیه السلام) جيشه فيها، ويجتمع عليه المؤمنون، وتنزل عليه الملائكة المقرَّبين والجن الصالحين، وأهل جابلقا وجابرسا، وذلك أن يسند ظهره إلى الكعبة ويدعو الناس إلى البيعة، ويخطب عليهم بالخطاب الذي نصت عليه الرواية، ويحتج عليهم بته أولى الناس بالله وبالنبيّين، وبالنبيّ الأمين، وبالأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم جمعين، وأنه الوصيّ المنصوب من قبلهم، والإمام والحجّة على الخلق كلهم، وأول من يبايعه الطائر الأبيض وهو جبرائيل، ثم يبايعه قوّاده الثلاثمائة والثلاثة عشر رجلًا، ثم
المؤمنون، وهذه البيعة تقع بين الركن والمقام.
وبعد أن تكمل العدة من الجند وهم عشرة آلاف جندي، يسير من مكة إلى قتال المشركين والكافرين والمنافقين، فيمرّ الجيش على موضع الخسف، فيريهم الإمام المكان الذي خسف الله بجيش السفيانيّ فيه؛ فإذا وصل المدينة أخرج محمد بن الشجري على سنَّة يوسف، ولعل هذا من السادة الذين كانوا في الحبس، فيخرجه الإمام عند وروده المدينة، كما أخرج ملك مصر يوسف من الحبس؛ أو أنه رجل من المؤمنين قد ولي الحكم في المدينة، وبعد احتلال السفيانيّ لها سجن، فعند قدوم الإمام (علیه السلام) للمدينة يخرجه من السجن. ثم يقصد بعد فتح المدينة إلى الكوفة، وبعد القتل والقتال مع جيش السفيانيّ وحزبه، يفتح الكوفة ويجعلها عاصمة له، ويبقى مدة يرتِّب أمور المملكة فيها وفي العراق. ثم يرجع إلى الحجاز ويسير إلى بلدة العذراء، وهي من بلاد الحجاز، وقد لحق به خلق كثير من الشيعة. وبعد أن يرتِّب حكّام البلاد في الحجاز، يقصد لقتال السفيانيّ عن طريق الأردن، فيلتقي جيش الإمام المهدي (علیه السلام) مع جيش السفيانيّ، وقد سمَّى الإمام هذا اليوم يوم الأبدال، لأنه يقع التبادل بين الجيشين، ففي جيش السفيانيّ أناس من شيعة آل محمد، فيلحقون الشيعة بجيش الإمام (علیه السلام)، كما أنَّ في جيش الإمام (علیه السلام)، أناس من النواصب، فيلحقون بجيش السفيانيّ.
ثم يحمل جيش الإمام (علیه السلام) على جند السفيانيّ، ومعهم الرئيس عثمان بن عنبسة، فيقتلون جميع الجيش، ويأسرون رئيسهم عثمان. ثم يُقتل ويبعث الإمام جيشاً لغزو الشام وفتحه، فيفتحونه ويغزون أخوال السفيانيّ كلب وقبائل الدروز، ويقتلونهم وينهبون ما نهبوه من العالم، وما سرقوه من الدول، ويسبون نساءهم؛ ولذا قال: والخائب من خاب من غنيمة كلب، لكثرة ما عندهم من الأموال والذهب والذخيرة.
السر المكنون
عن عمران بن الحصين، عن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «إذا كان عند خروج القائم (علیه السلام) ينادي منادٍ من السماء أيها الناس قد قطع من قبلكم مدّة الجبارين، وولي الأمر خير أمة محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) فالحقوا بمكة. فيخرج النجباء من مصر، والأبدال من الشام، وعصائب العراق رهبان بالليل ليوث بالنهار، كأن قلوبهم زبر الحديد، فيبايعونه بين الركن والمقام. قال عمران بن الحصين: صف لنا هذا الرجل؟
قال (صلی الله علیه وآله وسلم): هو رجل من ولد الحسين (علیه السلام)، كأنه من رجال شنؤة، عليه عبايتان قطنيتان اسمه اسمي، فعند ذلك تفرح الطيور في أوكارها، والحيتان في بحارها، وتمد الأنهار، وتفيض العيون، وتنبت الأرض ضعف أكلها، ثم يسير مقدمته جبرائيل (علیه السلام)، وساقته اسرافيل، فيملأ الأرض قسطاً وعدلا كما مُلئت ظلما وجوراً. فلا بدَّ للنظام من قطب، وهو محل نظر الله من العالم، وأربعة أركان، وأربعين أبدالاً، وسبعين نجيباً وثلاثمائة وستين صالحاً».
بيان: يذكر هذا الخبر نداء سماوي، وهذا النداء غير الصيحة السماوية، التي تقدمت فيها أخبار كثيرة، وهي الصادرة في شهر رمضان في ليلة القدر، فتلك الصحة نداء باسم صاحب الأمر، فيه تنبيه للمؤمنين بقرب ظهوره، ليستعدوا للجهاد معه. وهذا النداء إخبار لأهل العالم بانقطاع دولة المنافقين والكافرين والفاسقين، وانقضاء مدَّة مملكة الجبَّارين، وانتهاء سلطنتهم في العالم؛ وإخبار بولاية صاحب الأمر، ومملكة الإمام الحجة عليه السلام، وإخبار بأنه خير أمة محمد صلى الله عليه وآله ولو كره الكافرون والمنافقون والفاسقون
كما أنَّ في هذا النداء أمر باللحوق بالإمام القائم (علیه السلام) بمكة المكرمة، والجهاد والجهاد معه، فيجب امتثال هذا الأمر الإلهي والنفر للجهاد ونصره وإعانته.
وقد أخبر عمَّن يجيب هذا النداء من المؤمنين الأبرار، والصلحاء الأخيار من دول متعددة، قال (صلی الله علیه وآله وسلم):
فيخرج النجباء من مصر: وعددهم سبعون رجلًا، فهؤلاء إمَّا يخرج كلّهم، أو جلّهم من من دولة مصر.
والأبدال من الشام: وعددهم أربعون رجلًا، فهؤلاء يخرج قسم منهم من الشام، أو كلهم.
وعصائب العراق: والعصائب جمع عصابة، والعصابة هم الجماعة من الناس من العشرة إلى الأربعين، فهؤلاء العصائب يخرجون من العراق، ولعلهم الشيعة الساكنون في العراق.
وقد ورد في الحديث عن عليّ عليه السلام: الأبدال بالشام، والنجباء بمصر، والعصائب بالعراق - أي التجمّع للحروب يكون بالعراق -.
وأما في الحديث النبوي المذكور قال (صلی الله علیه وآله وسلم): فيخرج عصائب العراق: أي الجماعات من الناس من العشرة فما فوقها إلى الأربعين، وهؤلاء هم الشيعة الباقون في العراق، فيتوجهون إلى مكة لنصرة الإمام القائم عليه السلام، والجهاد معه، وهؤلاء هم الذين يصفهم النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، بأنهم رهبان بالليل - أي يحيون الليل بالعبادة وبصلاة الليل - وليوث بالنهار - أي أبطال الحرب وأسود الوغى في النهار -.
كأن قلوبهم زبر الحديد: أي قطع من الحديد الفولاذية، ومثل سندان الحديد، فهؤلاء كلهم يبايعون الإمام القائم (علیه السلام) في مكة بين الركن والمقام.
ثم سأل الراوي عن صفة الإمام القائم (علیه السلام)، فوصفه له: بأنه من ولد الحسين (علیه السلام) واسمه مثل اسم النبيّ أي اسمه محمد بن الحسن العسكري صلوات الله عليه.
كانه من رجال شنوءة عليه عبايتان قطنيتان: أي رجل معتدل القامة، أو مربوع القامة، يلبس عبايتان من القطن، وبظهوره تظهر البركات، وتفرح الطيور في أوكارها، لما ترى من الخيرات والبركات والرزق، فيعلم أنَّ الفرح والخير يسود الإنسان والحيوان، ولا يختص بالإنسان، فلذا قال: والحيتان في بحارها، وتمد الأنهار - أي زاد ماؤها وامتد - وتفيض العيون لزيادة مائها وكثرته، سواء كانت تلك العيون عيون النفط أو الكبريت أو الماء.
وتنبت الأرض ضعف أكلها: أي تخرج الأرض الزرع ضعف الأعوام الماضية والنخيل والأشجار تحمل ضعف السنوات، التي قبلها أي تؤتى أكلها ضعفين بأمر الله تعالى، زيادة على واردها الأول.
ثم يسير الإمام القائم عليه السلام لإصلاح العالم وإحيائه، وتعديل النظام وترتيبه وإنشائه، فيعلن في جميع الدول بالإسلام والإيمان، وينشر فيها قانون العدل والإحسان، ويبث النظام الإلهي في الأقاليم والبلدان.
وإحياء هذا النظام يحتاج إلى منظّم وإمام، وهو القطب؛ ولذا قال: ولا بدَّ للنظام من قطب - أي لا بدَّ لنظام أمور العالم من قطب - والقطب هو الذي تدور الرحى عليه وهو العمدة في دورانها، فالإمام مثله بالنسبة إلى العالم، مثل القطب بالنسبة إلى الرخى؛ فالإمام هو القطب الذي تدور عليه رحى العالم، فيكون قوله كناية عن لزوم وجود الإمام الحجّة (علیه السلام) في العالم، وهو المصلح له، وبقاء كيان العالم وحفظه بوجود الإمام، ولئلا.
يختلّ النظام. وهذا القطب وهو الإمام عليه السلام له خصوصيّة أخرى، وهي أنه محلّ نظر الله من العالم أي إنه ينظر الله إليه في جميع الأوقات والأزمان بالرحمة، ويمنحه بالحكمة والنعمة، ويدفع عنه النقمة، وبسببه يدفع البلاء عن العاصين، ويُنزل المطر، ويُخرج النبات والخيرات والبركات بوجوده؛ ولا بدَّ للقطب من أربعة أركان، وهؤلاء الأركان لا بدَّ من وجودهم في العالم، لأنهم بمنزلة الوزراء للإمام (علیه السلام).
وأربعين أبدالاً: وهؤلاء الأربعون أيضاً لا بدَّ من وجودهم لأنهم بمنزلة الولاة للإمام (علیه السلام).
وسبعين نجيباً: وهؤلاء السبعون النجباء بمنزلة المدراء للإمام (علیه السلام).
وثلاثمائة وستين صالحاً: وهؤلاء الصلحاء الذي يبلغ عددهم ثلاثمائة وستون بمنزلة العمال والشرطة للإمام (علیه السلام)، جعلنا الله وإياكم من جنود الإمام (علیه السلام) وأنصاره وأعوانه، والمستشهدين بين يديه، وفي خير وعافية وما توفيقي إلَّا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
الدمعة الساكبة
قال: تذييل جميل يذكر فيه مقالة لبعض علمائنا، تحتوي على فوائد جمة من حسن الإيجاز والإختصار وجمع معانٍ كثيرة من الأخبار. قال قدس سره:
ومما ينبغي اعتقاده رجعة محمد وأهل بيته أجمعين صلوات الله عليهم، ومختصره، إنه إذا كانت السنة التي يظهر فيها قائم آل محمد عليه وعليهم السلام وقع قحط شديد، فإذا كان العشرون من جمادي الأولى وقع مطر شديد، لا يوجد مثله منذ هبط آدم عليه السلام إلى الأرض، متصلاً إلى أول رجب، ينبت به لحوم من يريد الله أن يرجع إلى الدنيا من الأموات؛ وفي العشر الأولى منه أيضاً يخرج الدَّجَّال من أصفهان؛ ويخرج السفيانيّ عثمان
بن عنبسة، أبوه من ذريّة أبي سفيان، وأمه من ذريَّة يزيد بن معاوية من الرملة (1)من الوادي اليابس. وفي شهر رجب يظهر في قرص الشمس جسد أمير المؤمنين عليه السلام، يعرفه الخلائق وينادي في السماء منادٍ باسمه. وفي آخر شهر رمضان ينخسف القمر، وفي الليلة الخامسة منه تنكسف الشمس.
وفي أول الفجر من اليوم الثالث والعشرين من شهر رمضان ينادي جبرائيل (علیه السلام) في السماء: إنَّ الحق مع عليّ وشيعته، وفي آخر النهار ينادي إبليس من الأرض ألا إنَّ الحق مع عثمان الشهيد وشيعته، يسمع الخلائق كلا النداءين كل بلغته، فعند ذلك يرتاب المبطلون؛ فإذا كان يوم الخامس والعشرون من ذي الحجة يقتل النفس الزكية محمد بن الحسن بين الركن والمقام ظلماً.
وفي يوم الجمعة العاشر من المحرم يخرج الحجّة عليه السلام، يدخل المسجد الحرام، يسوق أمامه عنيزات ثمان عجاف، ويقتل خطيبهم، فإذا قتل الخطيب غاب عن الناس في الكعبة، فإذا جنَّه الليل ليلة السبت، صعد سطح الكعبة ونادى أصحابه الثلاثمائة والثلاثة عشر فيجتمعون عنده من مشرق الأرض ومغربها، فيصبح يوم السبت. فيدعو الناس إلى بيعته، فأول من يبايعه الطائر الأبيض، جبرائيل (علیه السلام)، ويبقى في مكة حتى يجتمع إليه عشرة الآف.
بيان: هذه العلائم التي ذكرت في هذا الخبر متقاربة جداً، يقع بعضها خلف بعض، وكلها قريبة من ظهور الإمام القائم عليه السلام. فإذا وقعت متتابعة كان ظهور الإمام (علیه السلام) متَّصل بها، فهي تقع قبل محرّم والإمام يظهر في يوم العاشر من محرّم، والظاهر أنَّ جلََّها إن لم يكن كلّها من العلائم المحتومة وقد مرت آنفاً. وأمَّا سوق الامام العنيزات أمامه، فهذه تورية من الإمام (علیه السلام) لئلا يعلم بحاله أحد من الظلمة، ولئلا يطَّلع عليه أحد من الشرطة والحرس الموكلين ببيت الله الحرام، لأنه يعلم أنَّ الدخول إلى بيت الله الحرام ممنوع لكل أحد حتى يُفتش، وأنه هل يحمل السلاح أو لا، وحيث إنَّ الإمام الحجة عليه السلام كان يحمل السلاح ولا يريد أن يعلم به أحد، ويفتشه أحد، فيسوق معه هذه العنيزات يوري بها أنه راعٍ من الرعاة جاء ليبيع أغنامه فإذا رأوه لم يفتشه أحد، فيترك العنيزات ويدخل بيت الله الحرام فيرى الخطيب يخطب في صلاة الجمعة على
1) (1) الرملة: بلدة في فلسطين شمال شرقي القدس كما مرَّ.
المنبر، فيشهر سلاحه عليه فيقتله، ويغيب عن الناس في الكعبة - أي يدخل داخل الكعبة - فيعجب الحاضرون، كيف دخلها وهي مغلقة؟ وكيف غاب عنهم؟ ولكن أولياءه يعرفونه، وأصحابه وأنصاره يعلمون به.
فإذا جنَّه الليل ليلة السبت صعد على سطح الكعبة، ونادى أولياءه وأصحابه وقوَّاده الثلاثمائة والثلاثة عشر رجلًا، فيحضرون ويجتمعون عنده من شرق الأرض وغربها في ليلة واحدة - أي في تلك الليلة - ويعلن بالدَّعوة الإِٰلهية يوم السبت صباحاً في بيت الله الحرام بين الركن والمقام، فأول من يبايعه جبرائيل عليه السلام، ثم أصحابه الكرام، ثم المؤمنون والصالحون العظام الذين أتوا لنصرته، وقصدوا الجهاد معه في أوبته، فيبقى في مكة المكرمة حتى يجتمع عنده عشرة آلاف، وهي المعبَّر عنها في بعض الروايات بالعقد.
ويبعث السفيانيّ عسكرين: عسكراً إلى الكوفة، وعسكراً إلى المدينة. يخربونها ويهدمون القبر الشريف، وتروث بغالهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله؛ ويخرج العسكر إلى مكة ليهدموها، فإذا وصلوا البيداء خُسف بهم، لم ينج منهم إلَّا رجلان بمعنى أحدهما نذيراً للسفياني، والآخر بشيراً للقائم (علیه السلام).
ثم يسير عليه السلام إلى المدينة ويخرج الجبت والطاغوت ويصلبهما على الشجرة، ويسير في أرض الله، ويقتل الدَّجَّال، ويلتقي بالسفيانيّ، ويأتيه السفيانيّ ويبايعه فيقول له أقوامه من أخواله: يا كلب ما صنعت؟ فيقول: أسلمت وبايعت. فيقولون: والله ما نوافقك على هذا، فلا يزالون به، حتى يخرج على القائم عليه السلام فيقاتله فيقتله الحجّة عليه السلام. ولا يزال يبعث أصحابه في أقطار الأرض حتى يستقيم له الأمر، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً.
الإرشاد للشيخ المفيد قدس سره
قال: إن السنة التي يقوم فيها المهديّ عليه السلام تمطر الأرض أربع وعشرون مطرة، ويرى آثارها وبركاتها.
جوامع الكلم
قال: إذا كانت السنة التي يظهر فيها قائم آل محمد (علیه السلام) وقع قحط شديد، فإذا كان العشرون من جمادي الأولى وقع مطر شديد، لم يوجد مثله منذ هبط آدم إلى الأرض، متصلاً إلى أول شهر رجب، فتنبت لحوم من يريد الله أن يرجع إلى الدنيا من الأموات، وفي العشر الأول منه يخرج الدَّجَّال من أصفهان، ويخرج السفيانيّ عثمان بن عنبة أبوه من ذريَّة أبي سفيان، وأمه من ذريَّة يزيد بن معاوية من الرملة من الوادي اليابس بدمشق الحديث.
الكتاب المبين
عن العوالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا آن قيام القائم (علیه السلام) أمطر الناس جمادي الآخرة وعشرة أيَّام من رجب مطراً لم تر الخلائق مثله، فينبت الله به لحوم المؤمنين وأبدانهم في قبورهم وكأني أنظر إليهم مقبلين من قبل جهينّة (1)ينفضون شعورهم من التراب.
السر المكنون
في الحديث عن علي عليه السلام أنه قال: إذا قرب قيام القائم ينزل في جمادي الآخرة وعشرة أيَّام من رجب مطراً ما رأى الخلائق مثله، فينبت عليه لحوم المؤمنين في قبورهم، وكأني أنظر إليهم قد أقبلوا من جانب جهينة، ينفضون التراب من فوق رؤوسهم ووجوههم.
وذكر بعض العلماء نظيره كما روي في الكتاب المبين عن الصادق (علیه السلام) مثله.
بيان: هذه الأخبار ناطقة بلسان واحد في أنّ من العلائم المقاربة لظهور الإمام التي تقع قبل الظهور بزمن قليل، نزول الأمطار الغزيرة، والمياه الكثيرة من السماء،
1) (1) جهينة: اسم قبيلة كانت في الكوفة، وهي بطن من قضاعة، وقع نزاع بينها وبين ربيعة، كانت منازلهم بين يثرب وحدود مصر، فنزحت وتفرقت فسكن قسم منهم الكوفة.
وذلك لأمرين:
الأول: إن في السنين الماضية قد وقع القحط والغلاء، وضاقت الأرض ومنعت السماء، فهذا المطر ينزل لإحياء الأرض، وإحياء أشجارها وزروعها ونباتها.
الثاني: إن الله تعالى قد أوعد بعض المؤمنين الرجعة عند ظهور الإمام القائم عليه السلام، وهو أصدق الصادقين، وهم أموات ويريد إحياءهم ورجوعهم إلى الدنيا، فينزل الله ذلك المطر الغزير والماء الكثير، ولعله ماء مخصوص فيه موادّ مخصوصة لإحياء الأموات، فتنبت لحومهم في قبورهم، ويحييهم بإرجاع أرواحهم في أبدانهم، لأن الأبدان كما ذكرنا قوالب للأرواح، فيحيون ويخرجون أحياء من قبورهم بإذن الله تعالى، ويلتحقون بالإمام الحجّة (علیه السلام) ويكونون من أنصاره وأعوانه، وهذه كرامة لأمة محمد صلى الله عليه وآله، ليسعدهم في دولة الحقّ والعدالة وينعمهم فيها.
الكتاب المبين السفر الثاني منه
عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في حديث قال: يقوم القائم (علیه السلام) بأمر جديد، وسنَّة جديدة، وقضاء جديد، على العرب شديد، ليس شأنه إلَّا القتل، ولا يستتيب أحداً، ولا تأخذه في الله لومة لائم.
بیان: دل هذا الخبر بأن الإمام القائم عليه السلام يقوم ويأتي بقانون جديد، وسنَّة جديدة، وحكم جديد، وذلك القانون والحكم على العرب شديد أي لا يطيقونه ولا يتحملونه وقد خص الشدة بالعرب لأنهم هم الذين يرونه صعباً وشديداً، لأنهم اعتادوا على إهمال الواجبات، والتسامح في المحرَّمات، والتهاون بالسنن والمستحبات؛ فإذا ظهر الإمام وأعاد الإسلام الصحيح، وأعاد قوانينه الأصلية، وأحكامه وشرائعه الإسلامية، رأوه صعباً شديداً، وحينئذ يعاملهم بالقتل، لا يستتيب أحداً منهم، ولا ترده عن اجراء حكم الله وتطبيقه لومة لائم من أحد.
الزام الناصب
عن الصادق عليه السلام: ويل لطغاة العرب من شرّ قد اقترب قلت: كم مع القائم من العرب؟ قال: شيء يسير.
نور الأنوار
عن أحد الصادقين عليهما السلام قال: ويل لطغاة العرب من أمر قد اقترب.
وعن الصادقين عليهما السلام قال: لا بدَّ للناس أن يمحّصوا ويميزوا ويغربلوا ويستخرج في الغربال خلق كثير.
بیان: هذان الخبران أخص من تلك الروايات الأخرى، حيث إنها تخص الطغاة من العرب، من شر قد دنى واقترب إليهم؛ وهي الفتن والحروب، والهرج والمرج وغيرها؛ وستأتي عليهم أنواع من الفتن، فنوع فتن التمحيص، ونوع فتن التميّيز، ونوع فتن الغربلة، فلا يثبت على الإيمان إلَّا القليل منهم، ولا يسلم دين أحد منهم إلَّا اليسير؛ ولذا لما سئل الإمام (علیه السلام) كم مع القائم من العرب؟ قال: شيء يسير - أي قليل منهم - لأن تلك الفتن المتنوعة كفانا الله شرَّها، قد أخرجتهم من الإيمان والإسلام إلى الكفر، ومن النور إلى الظلمات، وبقي اليسير منهم جعلنا الله وإياكم من الشيء والنفاق اليسير.
ويؤيد ذلك ما ورد في الكتاب المبين عن العوالم:
عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: مع القائم من العرب شيء يسير. فقيل له إن من يصف هذا الأمر منهم لكثير. قال: لا بدَّ للناس من أن يمحصّو ويميّزوا ويغربلوا وسيخرج من الغربال (1)خلق كثير.
بيان: أي إن العرب سوف تلحقهم فتن التمحيص، فيكفر قسم منهم، وتعرضهم فتن التميّيز فيكفر قسم أخرون؛ وتأتيهم فتن الغربال فتغربلهم فيكفر أغلبهم، فلا يبقى منهم إلَّا القليل النادر.
1) (1) الغربال: معروف وهو الذي يغربل به الحبوب والطعام.
غيبة النعماني
قال: إنه لا يخرج مع القائم (علیه السلام) من العرب أحد.
انه قال: إتَّق العرب، فإن لهم خبر سوء أما أنه لم يخرج مع القائم منهم واحد.
بيان: هذان الخبران مطلقان لأنهما يشملان جميع العرب، إلَّا أنهما مقيَّدان بالخبرين المتقدمين الدَّالين على أن الشرَّ المقترب أليهم، والأمر المقترب أليهم من الفتن والحروب والهرج والمرج، إنما هو لطغاة العرب وجبابرتهم، والفسَّاق، والظلمة منهم، لا لمطلق العرب، فالمؤمن منهم المتمسك بدينه سالم ومحفوظ، ومن الفتن والحروب والمكاره محروس، لدفاع الله تعالى عنه، وعن الذين آمنوا قال تعالى (ان الله يدافع عن الذين آمنوا) [الحج 38] فمن كان من المؤمنين كان الله تعالى عنه من المدافعين، ومن دافع الله عنه لا يقربه سوء ولا مكروه.
الكتاب المبين عن العوالم:
عن أبي جعفر عليه السلام في حديث: فوالله لكأني أنظر إليه - أي إلى الإمام القائم (علیه السلام) - بين الركن والمقام يبايع الناس بأمر جديد، في كتاب جديد، وسلطان جديد من السماء، أنه لا ترد له راية أبدا حتى يموت.
غيبة الطوسي
قال الصادق عليه السلام: يخرج من نسل عبد المطلب صبيّ، فهو ذو كتاب جديد، وذو قضاء جديد، على العرب شديد، وأنا أقرب إليه من جَلَبِ أُمّة.
بيان: المستفاد من هذين الخبرين أن الإمام القائم (علیه السلام) لا يقوم بالثورة وبالانقلاب الإسلامي الإمامي إلَّا بامر جديد صادر عن السماء - أي عن الله تعالى - وقد أصدره الله تعالى في كتاب جديد، قد خوَّل أمر الخروج والجهاد لإحياء الدين، وإدالة الكافرين والمنافقين، والقيام بثارات سيِّد الشهداء والصدِّيقين، وقد وقَّع هذا الكتاب الإلهي النبي محمد صلى الله عليه وآله، وعلي عليه السلام، وينزلان به على الإمام الحجّة (علیه السلام) في
مكة، وهو موقّع بتوقيع رطب، وممهور بمهر بعده لم يجف، وقد أُعطي فيه الإمام سلطان جديد، وممملكة حديثة من قبل الله تعالى في الأرض، وفي ذلك الكتاب قضاء جديد، وأحكام جديدة، وتلك الأحكام تشقّ على العرب، وذلك لما ذكرنا من أنهم تركوا الواجبات وارتكبوا المحرّمات، وغيّروا السنن، وأحيوا البدع؛ فلذا يصعب عليهم ذلك القانون السماوي، ولكن لا يصعب على غيرهم من سائر الأمم؛ وهذا الإمام المنصوب من قبل السماء منصور لا تُرد له راية.
وعرفّه الإمام (علیه السلام) بأنه الحجّة عليه السلام من نسل عبد المطلب، فهو هاشميّ علويّ مكيّ مدنيّ. ولكن قال: أنا أقرب الناس إليه، وأقرب من جلب أمة عليه - أي من اجتماع أمة وضوضائها حوله لأن الجلب هو من الجلبة وهي الصياح - أي أنا أقرب من صيحة أمة وجماعة حوله - لأن اولئك اصحابه ومن السادة البعيدون عنه في النسب، والإمام الصادق عليه السلام من آبائه الكرام، فلذا قال: أقرب إليه من اجتماع تلك الأمة عليه وضوضائها عنده.
وفيه: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يقوم القائم عليه السلام إلَّا على خوف شديد من الناس، وزلازل وفتنة وبلاء يصيب الناس، وطاعون قبل ذلك، وسيف قاطع بين العرب، واختلاف شديد بين الناس، وتشتّت في دينهم، وتغيّر في حالهم، حتى يتمنى المتمني صباحاً ومساء من عظم ما يرى من كَلَب الناس، وأكل بعضهم بعضاً قيامه صلوات الله عليه، فخروجه إذا خرج يكون عند اليأس والقنوط من أن يروا فرجاً؛ فياطوبي لمن أدركه، وكان من أنصاره، والويل كل الويل لمن ناواه وخالفه وخالف أمره، وكان من أعدائه.
وقال (علیه السلام): يقوم بأمر جديد، وكتاب جديد، وسنَّة جديدة، وقضاء على العرب شديد، وليس شأنه إلَّا القتل، لا يستبقي أحداً - وفي نسخة لا يبقى أحداً - ولا تأخذه في الله لومة لائم.
بيان: ذكر علائماً قبل قيام القائم عليه السلام وفتناً ومصائباً تصيب الناس:
منها: الخوف العام الذي يشمل الناس: وذلك الخوف موصوف بأنه خوف شديد عظیم.
ومنها: الزلازل السماوية والأرضية.
ومنها: الفتنة والبلاء: وهي الحروب والمصائب والمصاعب التي تصيب الناس.
ومنها: الطاعون المهلك أعاذنا الله منه وهو موت جارف قبل البلاء المذكور.
ومنها: السيف القاطع وهي الحرب القاتلة المفتية بين العرب المهلكة لهم.
ومنها: اختلاف شديد - أي حرب عظيمة - بين الناس - أي بين سائر دول العالم -
ومنها: التشتت في دين الناس: أي التفرق والانحلال يحل في سائر الدول وبين
الناس في دينهم.
ومنها: تغيّر حال الناس وأخلاقهم وأوضاعهم وتبدلهم، فكأن أناس ذلك الزمان غير الأناس الآخرين ممّن كان قبلهم لم يرفيهم الَّا المتكبر، والمتجبر، والفاسق، والظالم، والخائن، والملحد، والكافر، والمتكالب على الدنيا، والغاصب لأموال الناس، والأكل لأموال اليتامى ظلماً ونحوهم فلذا يتمنى المتمني قيام القائم عليه السلام لقلع مادة الفساد من العالم، وإصلاح الناس لعظم ما يرى من تكالب الناس على الدنيا، وغصب بعض لبعض والتعدي عليه، ونسيان الآخرة؛ ولكن كما ذكر عليه السلام أنَّ القائم (علیه السلام) لا يقوم إلَّا بعد اليأس والقنوط عن ظهوره وبعد ان ييأسوا عن الفرج.
ثم قال: فيا طوبى لمن أدركه، وكان من أنصاره: أي كان من أهل الجنة من أدرك زمانه، وصار أحد أنصاره وأعوانه، والمستشهدين بين يديه، والويل أي بئر في جهنم لمن عادى الإمام (علیه السلام) وخالفه، وخالف أمره.
ثم قال (علیه السلام): إنََّ الإمام (علیه السلام) إذا قام بأمر جديد، وهو الأمر السماوي الذي صدر باسمه، وهو أمر حادث جديد، وقد كتب ذلك الأمر في كتاب جديد، قد وقع عليه بتوقيع جديد رطب، ويقوم بسنَّة جديدة، وأحكام وقوانين حديثة، وقضاء جديد، على العرب شديد، لأنهم خالفوا السنَّة المحمديَّةَ، والشريعة الإسلامية، وليس شأنه ومعاملته مع المخالفين إلَّا القتل والإعدام، لا يستبقي أحداً، أو لا يبقيه - أي لا يوجد لديه توقيف - أو دائرة يوقفون الناس فيها، ولا يردعه لوم اللائمين عن إجراء أحكام الله وحدوده.
السر المكنون
قال أمير المؤمنين عليه السلام: يوماً على المنبر لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب
مروجاً وأنهاراً ورياضاً وأزهاراً، وقال عليه السلام: ويل للعرب من شر قد اقترب.
بیان: أي لا يظهر القائم (علیه السلام) حتى تعمر أرض العرب بالحدائق والبساتين والأشجار والأنهار والمزارع، لأن المروج جمع المرج، وهي الأرض الواسعة التي فيها نبات كثير، تمرج وتسرح فيها الدواب، والرياض الخضر في الحدائق والبساتين معروفة، وكذلك الأزهار فإنها جمع زهرة، وهي نور النبات؛ ثم هدّد العرب من البلايا والمصائب والشرور، التي تقترب منهم، وتقع عليهم في الأزمنة القادمة.
وفيه: عنه عليه السلام: يظهر القائم (علیه السلام) بأمر جديد، وكتاب جديد، وقضاء جديد، من السماء يقيم الدِّين وينفخ الروح في الإسلام، يعز الله به الإسلام بعد ذلّة ويحييه بعد موته.
البحار مجلد 13
في حديث عن الباقر عليه السلام والله لكأني أنظر إليه - أي إلى القائم (علیه السلام) - بين الركن والمقام، يبايع الناس على كتاب جديد على العرب شديد.
بيان: دل الخبران أنََّ الإمام القائم يظهر ويقوم بأمر جديد، وكتاب جديد؛ في ذلك الكتاب قضاء وأحكام جديدة من السماء، فيقيم الدِّين بتلك الأحكام، وينفخ الروح في الاسلام - أي يحي الإسلام - ويكون به عزيزاً بعد أن يذلّه المنافقون والكافرون، ويحييه بعد أن يموت، وذلك الكتاب على العرب صعب شديد لأنهم خالفوا الإسلام والقرآن والدِّين الصحيح؛ فإذا نشر الإمام (علیه السلام) الدِّين الصحيح رأوه صعباً شديداً، وإلَّا لماذا لم يكن شديداً على غير العرب من سائر الناس؟
دوحة الأنوار
عن محمد بن يعقوب الكليني بإسناده إلى جميل بن دراج قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في قول الله عز وجل (قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون) [السجدة 29] المراد من يوم الفتح، يوم تفتح الدنيا على القائم عليه السلام، لا ينفع أحد تقرّب بالإيمان، ما لم يكن قبل ذلك مؤمناً، وبعد هذا الفتح موقناً، فذلك الذي ينفعه إيمانه، ويعظم الله عنده قدره وشأنه، ويزخرف له يوم القيامة والبعث جنانه، ويحجب عنه نيرانه، وهذا أجر الموالين لأمير المؤمنين ولذريّته الطيِّبين.
بیان: نص هذا الخبر أنَّ يوم الفتح الذي ذكره الله تعالى في كتابه، هو يوم تفتح الدنيا على قائم آل محمد عليه وعليهم السلام وهو يوم ظهوره، ففي ذلك اليوم وعند ظهوره لا ينفع إيمان من كان قبل ذلك كافراً، فتقربه بالإيمان بالله تعالى وبنبيّه صلى الله عليه وآله، وبالأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، إنما ينفع إذا كان في زمن الغيبة وقبل ظهور الإمام (علیه السلام)، وبذلك يكون عند الله تعالى، وعند النبيّ والأئمة عليهم السلام، جليل القدر، عظيم الشأن، وتزخرف - أي توضع له - الزخرفة والزينة في الجنان، وتُحجب عنه النيران، وهذا أجر - أي ثواب خاص - للموالين لسيِّدنا ومولانا الإمام أمير المؤمنين وأبنائه الطيِّبين الطاهرين عليهم صلوات رب العالمين. وأما من لم يكن في زمن الغيبة مؤمناً بالله، وبالنبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم)، بالأئمة (علیه السلام)، ثم بعد أن فتح الله الدنيا على الإمام (علیه السلام) وصارت المملكة والدولة له، وجاء يريد التقرّب بالإيمان فهذا لا يُقبل إيمانه، ولا يُصدّق أقواله، ولا تُقبل أعماله.
وفيه: عن ابن بابويه بإسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام أنه قال في قول الله عز وجل: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن أمنت من قبل) [الانعام 158] أي من قبل قيام القائم (علیه السلام) بالسيف وإن آمنت بمن تقدمه من آياته.
وفي خبر آخر عن أبي بصير قال عليه السلام: يعني بالآيات خروج القائم المنتظر منَّا.
ثم قال: يا أبا بصير: طوبى لشيعة قائمنا، المنتظرين لظهوره في غيبته، والمطيعين له في ظهوره، أولياء الله لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون
بیان: ظاهر هذين الخبرين أنَّ الإيمان بآيات الله - أي بالأنبياء والرسل والأئمة والإمام صاحب العصر والزمان عليهم السلام - تارة يكون في زمن الغيبة وقبل قيام القائم عليه السلام، وأخرى يكون بعد ظهوره أو عند الظهور.
فالإيمان الأول: وهو الثابت قبل قيام القائم (علیه السلام) مقبول.
والإيمان الثاني: مرفوض ومنبوذ، لأن الرواية الأولى بتفسير الرواية الثانية لها، والأخبار تفسر بعضها بعضاً قال: المراد من الآيات في قوله تعالى (يوم يأتي بعض آيات ربك) وبعض آيات الرب هو الإمام القائم المنتظر عليه السلام، فإذا قام لا ينفع إيمان أحد لم يكن مؤمناً قبل قيامه، وإيمانه مرفوض وغير مقبول، وإن كان مؤمناً بآيات الله المتقدمة من الأئمة المعصومين، أو الأنبياء السابقين كموسى وعيسى عليهما وعلى نبينا وآله السلام، وغيرهما من الأنبياء، فاليهود والنصارى والمجوس وغيرهم ممّن يعتقدون بنبي او مرسل أو إمام في زمن الغيبة ولم يعتقدوا بإمامة إمام زمانهم وهو محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام، وجاء يظهر الإعتقاد والإيمان بالحقِّ بعد قيام القائم (علیه السلام)، فهذا مردود لا يُقبل إيمانه، ولذا مدح الإمام الشيعة، وهم طائفة الحقِّ، الفرقة الإمامية الاثني عشرية ولكن بشرطين:
الأول: أن يكونوا من المنتظرين لظهوره في زمان غيبته.
الثاني: أن يكونوا مطيعين لأوامره ونواهيه عند ظهوره، وقيامه بثورته. فإذا توفرَّ لديهم هذان الشرطان كانوا من أولياء الله الذين لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون.
وقد دلت هذه الأخبار على أنَّ باب التوبة مفتوحة قبل قيام القائم (علیه السلام) لكل أحد؛
فكل واحد من العاصين، له أن يتوب إلى الله تعالى عن معاصيه، ويخرج عن الأديان الباطلة، والمبادىء العاطلة، ويدخل في دين الفرقة المحقَّة، وهي الفرقة الإمامية الاثني عشرية، الموالين لآل محمد عليهم السلام المتبرئين من أعدائهم؛ وأما بعد قيام القائم فباب التوبة تغلق، فمن جاء ليتوب لا تقبل توبته، لأن كل مؤمن يؤمن بعد قيام القائم لم يسقه الدِّين والإسلام، وإنما ساقه الخوف، أو الطمع؛ فهذا غير مرغوب فيه عند الله تعالى. وعند الإمام، وعند المؤمنين الكرام.
نور الأنوار في الفصل السابع منه في ثواب انتظار الفرج
السندي عن جده قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول فيمن مات هذا الأمر منتظراً له؟ قال: هو بمنزلة من كان مع على القائم في فسطاطه، ثم سكت هنيهة. ثم قال: هو كمن كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله.
إكمال الدِّين
عن ابن فضال، عن علي بن عقيقة، عن موسى بن النّمري، عن بن سبّابه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من مات منكم على هذا الأمر منتظراً له، كان كمن كان في فسطاط القائم عليه السلام.
بيان: هذان الخبران صريحان في ثواب الإنتظار لفرج الإمام (علیه السلام)، وإنّ من مات منتظراً للفرج ولظهور الإمام عليه السلام، لينصره ويجاهد معه، كان من أخصّائه ومن حاشية؛ مجلسه الجالسين في خيمته، والمقربين عنده، والمجاهدين معه، بل كمن كان مع رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) في خيمته والمجاهدين معه.
وفيه: بحذف الإسناد قال سيد العابدين عليه السلام: من ثبت على ولايتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله أجر ألف شهيد مثل شهداء بدر وأحد.
وقال النبي صلى الله عليه وآله لأصحابه: «سيأتي قوم من بعدكم الواحد منهم له أجر خمسين منكم.
قالوا: يا رسول الله نحن كنا معك ببدر، وأحد، وحنين، ونزل فينا القرآن. قال: إنكم لن تحملوا ما حملوا، ولن تصبروا مثل صبرهم».
الكافي
عن أبي جعفر عليه السلام قال: من أدرك قائمنا فخرج معه، فقتل عدوّنا، كان له مثل أجر عشرين شهيداً، أو من قتل مع قائمنا كان له مثل أجر خمسة وعشرين شهيداً.
العوالم
عن أبي جعفر عليه السلام قال: من أدرك قائمنا فقتل معه، كان له أجر شهيدين، ومن قتل بين يديه عدواً لنا كان له أجر عشرين شهيداً.
كنوز الأبصار. خطيّ
روي مسنداً عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): «طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي، وهو مفتون به قبل قيامه، يتولى وليّه، ويتبرء من عدوّه».
غيبة النعماني
بإسناده إلى الصادق عليه السلام أنه قال: من سرّه أن يكون من أصحاب القائم (علیه السلام) فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإن مات وقام القائم (علیه السلام) بعده، كان له من الأجر مثل أجر من أدركه.
وروى عبد الحميد الواسطي، عن الباقر عليه السلام قال: قلت له: أصلحك الله لقد تركنا أسواقنا انتظاراً لهذا الأمر.
فقال (علیه السلام) یا عبد الحميد، أترى من حبس نفسه على الله تعالى لا يجعل الله له
مخرجاً؟ رحم الله عبداً حبس نفسه علينا، رحم الله عبداً أحيا أمرنا. قال: قلت: فإن مت قبل أن أدرك القائم (علیه السلام)؟
قال (علیه السلام): القائل منكم: إن أدركت قائم آل محمد نصرته، كالمقارع معه بسيفه، لا بل كالشهيد معه.
وقال الصادق عليه السلام لعمَّار: أما والله يا عمّار لا يموت منكم ميّت على الحال التي أنتم عليها إلَّا كان افضل عند الله عز وجل من كثير ممّن شهد بدراً واحداً فابشروا. وكان عليه السلام إذا ذكر أصحاب القائم (علیه السلام) وتمنوا لقاءه يقول: الذي عليكم هو العزم والانتظار وتنالون به ثواب الشهادة وإن متم على فرشكم.
یبان: هذه الأخبار صريحة في مدح المؤمنين من الشيعة الإمامية في زمن الغيبة.
وإنَّ من كان معتقداً بإمامة الأئمة الإثني عشر عليهم السلام في زمن الغيبة، وبقي ثابتاً على عقيدته ومجاهدة عدوّه ينتظره ويتمنى لقاءه فإن مات قبل ظهور الإمام (علیه السلام) يُكتب له ثواب الشهادة، وإن مات على فراشه، ويكون عند الله أفضل من كثير من شهداء بدر وأُحد. ثم قال عليه السلام: فابشروا فهذه بشارة من الإمام (علیه السلام) للفرقة الإمامية الحقَّة، ويُعطى أجر - أي ثواب - مَنْ أدرك القائم عليه السلام، ويكون كالمقارع مع القائم (علیه السلام) بسيفه بل كالشهيد معه.
وأمّا لو صبر وكان ثابتاً في عقيدته متورِّعاً في دينه في زمن الغيبة، ومنتظراً لإمامه الحجّة بن الحسن عليه السلام، وتحمّل الأذى من الظَّلمة والمنافقين والفاسقين، وصبر ولم يكفر يُعطى أجر وثواب ألف شهيد من شهداء بدر وأحد، وأجر خمسين مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وكان من أهل الجنة؛ فإن أدرك القائم عليه السلام وجاهد بين يديه، وقتل أعداءه كان له مثل أجر عشرين شهيداً؛ ومن قُتل واستشهد كان له أجر وثواب خمسة وعشرين شهيداً وفي رواية أجر شهيدين فجدُّوا واجتهدوا وانتظروا هنيئاً لكم أيتها الأمة المرحومة.
مكيال المكارم
قال علي بن محمد عليه السلام: لولا يبقى بعد غيبة قائمكم من العلماء الدَّاعين إليه، والدَّالِّين عليه، والذّابِّين عن دينه بحجج الله، لما بقي أحد إلَّا ارتدّ عن دين الله، ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها، أولئك هم الأفضلون عند الله عز وجلّ.
وفيه: وقال الحسن بن علي عليهما السلام: يأتي علماء شيعتنا القوَّامون بضعفاء محبّينا وأهل ولايتنا يوم القيامة، والأنوار تسطع من تيجانهم، على رأس كل واحد منهم تاج بها قد انبثت تلك الأنوار في عرصات القيامة ودورها، مسيرة ثلاثمائة ألف سنة، فشعاع تيجانهم يبث فيها كلها، فلا يبقى هناك يتيم قد كفلوه، ومن ظلمة الجهل قد علموه، ومن حيرة التِّيه أخرجوه، إلَّا تعلَّق بشعبة من أنوارهم، فرفعتهم إلى العلو، حتى تحاذى فوق الجنان، ثم تنزلهم على منازلهم المعدَّة في جوار أساتيذهم ومعلِّميهم، وبحضرة أئمتهم الذين كانوا يدعون إليهم، ولا يبقى ناصب من النواصب، يصيبه من شعاع تلك التيجان إلَّا عميت عينه، وأُصمَّت أذانه، وأخرس لسانه، ويحوَّل عليه أشد من لهب النيران، فيحملهم حتى تدفعهم إلى الزبانية، فيدفعونهم إلى سواء الجحيم.
وفيه: قال محمد بن علي عليه السلام: إنََّ من تكفََّل بأيتام آل محمد المنقطعين عن إمامهم، المتحيَّرين في جهلهم، الأسرى في أيدي شياطينهم، وفي أيدي النواصب من أعدائنا، فاستنقذهم منهم، وأخرجهم من حيرتهم، وقهر الشَّياطين بسرد وساوسهم، وقهر الناصبين بحجج ربهم، ودليل أئمتهم، ليفضلون عند الله على العباد، بأفضل المواقع، بأكثر من فضل السماء على الأرض، والعرش، والكرسي، والحجب؛ وفضلهم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على أخفى كوكب في السماء.
بيان: المراد من العلماء في هذه الروايات، هم علماء الشيعة والفرقة الإمامية الحقَّة، بقرينة قوله (علیه السلام): لولا يبقى بعد غيبة قائمكم. فنسبة القائم (علیه السلام) الى الشيعة وهم المراد من الضمير. وقد وصف الإمام (علیه السلام) العلماء بأنهم الدَّاعين إلى القائم (علیه السلام)، والعلماء الذين يدعون ألى إمامته، ويخبرون الناس عن ثورته، وقيامه في آخر الزمان، هم علماء الشيعة، لأنهم الدَّالين عليه، والذَّابين عن دينه، بإقامة الحجج والبيِّنات، وهم الذين ينقذون ضعفاء الشيعة من حزب الشيطان، ومن فخاخ النواصب - أي مصائدهم وشباكهم - اللاتي يصيدون بها الضعفاء من الشيعة، وهم الذين يمسكون قلوب الضعفاء من الشيعة، كإمساك صاحب السفينة لسكانها وضبط حركتها، فهؤلاء هم أفضل الناس عند الله تعالى، وهم الذين يهب الله لهم الكرامة يوم القيامة، ويتوَّجهم تيجان من نور تضيء للمؤمنين، وتُعمي أبصار المنافقين والكافرين، وتدفعهم إلى زبانية جهنم، فتلقيهم في الجحيم؛ وهؤلاء الذين يفضلهم الله على العباد بأفضل المراتب، ويهب لهم الدرجات الرفيعة، وفضلهم أكثر من فضل السماء العالية على الأرض والعرش والكرسي والحجب، لأن فضل العالم على العابد كما في الأخبار الأخر، كفضل القمر ليلة أربعة عشر على أخفى كوكب في السماء.
تنبيه جميل
قد وردت عدة روايات في ذمِّ الفقهاء في زمن الغيبة، وقد تقدم بعضها، وقد ذكرها بعض إخواننا المؤلفين في هذا الباب:
منها: إنََّ علماء آخر الزمان على الطمع وقلة الورع ونظير هذه الكلمات المشعرة بالذم.
ومنها: قوله عليه السلام: منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود ونحو ذلك.
وفي كلمات محي الدين بن عرب قال: إنََّ الإمام المهدي (علیه السلام) لولا السيف بيده لأفتى الفقهاء بقتله وأعداؤه مقلدة الفقهاء أهل الفتوى. إلى آخر كلامه. يريد بذلك علماء الشيعة، وقد ذكرنا سابقاً أنََّ جميع ما ورد من تلك الأخبار محمول على علماء الضلالة، وكلها وردت في غير علماء الشيعة الإمامية، والفرقة الاثني عشرية. فإن علماء الشيعة هم رجال الصدق، وطائفة الحقّ، وهم الأولياء المتَّقون الصلحاء والطاهرون، الذين هم أطهر من ماء السماء، وبالخصوص المجتهدون منهم، فهم الطاهرون المطهّرون، وهم المتّقون الصالحون؛ وكذلك أغلب مقلِّديهم إلَّا من شذّ وندر، فأيّ مجتهد مقلد يظهر إمامه القائم بأمر الله تعالى، الذي أخبر عنه وعن قيامه في آخر الزمان النبي صلى الله عليه وآله الصادق الأمين وآبائه الأئمة الطاهرين المعصومين عليهم السلام، فيفتي بقتله، مع أنه كان في زمن الغيبة يدعو إليه، ويدلّ المؤمنين عليه، ويحكم طبق الروايات الواردة عنه وعن آبائه الطيبين.
فإذا ظهر الإمام القائم (علیه السلام) فعلماء الشيعة أول من يصدِّقه وينصره، وأول من يسلّم له الأمر ويطيع أوامره ونواهيه، حتى لو حكم بقتلهم، وإعدام جلّهم بل كلهم، لأنهم يعلمون أنه حجّة الله في أرضه، وسفيره في عباده، وأنه إمامهم الثاني عشر، وهو الإمام المنتظر، وأنَّ حكمه من حكم الله، وأمره من أمر الله، فأيّ فقيه لا يقبل إمامته، أو يقول له ارجع يا بن فاطمة، فهذا القول لا يصدر إلَّا من المخالفين للفرقة الإمامية، ومن علمائهم ومن النواصب وعلمائهم.
وأمّا فقهاء الأمامية فهم يفرحون بظهوره، ويصدّقون به، حتى لو أقام عليهم الحدَّ، ويقبلون منه كل أمر ونهي؛ حتى احتمل بعض العلماء أنََّ الإمام القائم (علیه السلام) يُحتمل أن يغيِّر القبلة، ويغيِّر بعض الأحكام في الإسلام، فلو أمرهم بتغيير القبلة، أو بتغيير القرآن، وتغيير كل شيء، فهم يقبلون منه لأنهم يعلمون أنه لا يعمل برأيه، وأنه الخلف الصالح من آبائه البررة، وهو من المتَّقين المتدينين؛ فإذا أمر بشيء مأمور به من قبل الله تعالى، ومن قبل النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، ومن قبل آبائه الأئمة (علیه السلام)، كيف وقد بشَّر به النبي الأعظم (صلی الله علیه وآله وسلم) في بدو الإسلام وقال: لو لم يبق من الدنيا إلَّا يوم واحد، لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يظهر فيه ولدي المهدي. كما بشّر به الأئمة من آبائه الطاهرين سلام الله عليهم
أجمعين، في أحاديث كثيرة، لا مجال لذكرها، ومنها هذه الأخبار التي أوردناها في مدح علماء الإماميّة في زمن الغيبة. ومع هذه البشارات وهذه الدلالات والإمارات كيف يرد عليه، وهو حجّة الله؟ فيكون الرادّ عليه كالرادّ على الله تعالى.
وقد ورد في تلك الأخبار خبران يتوهم منهما الإنسان الغير المطََّلع أنَّ المراد من الفقهاء مطلق الفقهاء، والحال أنَّ المراد طائفة خاصة؛ وإطلاق الفقهاء عليهم من باب العناية والمجاز؛ أو أن المراد من الفقهاء استعمل بمعناه اللغويّ؛ فإنََّ الفقهاء جمع الفقيه، وهو من كان شديد الفهم عالماً ذكياً، والعالم كما ذكرنا سابقاً في الجزء الأول يشمل العالم بكل علم. وما ورد في تلك الطائفة بسند ضعيف إذا وصل الإمام القائم عليه السلام إلى قرب الكوفة، خرج منها ستة عشر ألفاً من البترية فقهاء، قراء القرآن قالوا له: لا حاجة لنا فيك يا بن فاطمة، ارجع من حيث أتيت وهذا مضمون ما ورد في تلك الطائفة، فيضع الإمام السيف فيهم فيقتلهم عن آخرهم ويُرد على ذلك هذه الطائفة:
اولاً: بأنها ضعيفة السند.
وثانياً: إنََّ هؤلاء الستة عشر ألفاً من البترية، والبترية طائفة من الزََّيدية، وليسوا من الشيعة الإمامية. قال في مجمع البحرين في مادة بتر: البتُرية بضم الموحَّدة فالسكون فِرَقٌ من الزََّيدية قيل نُسبوا إلى المغيرة بن سعد، ولقبه الأبتر. وقيل: البترية هم أصحاب كثير النوا الحسن بن أبي صالح، وسالم ابن أبي حفصة والحكم بن عيينة، وسلمة بن كهيل، وأبو المقدام ثابت الحداد، وهم الذين دعوا إلى ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام، فخلطوها بولاية أبي بكر وعمر، ويثبتون لهم الإمامة، ويبغضون عثمان وطلحة والزبير وعائشة، ويرون الخروج مع ولد علي عليه السلام.
وثالثاً: إنََّ المراد من الفقهاء أي من كان شديد الفهم عالماً ذكياً. فتطبيق هؤلاء
الطائفة الملتزمين بالمبادىء المنحرفة، والأديان المركَّبة، المؤلفة على علماء الشيعة الإمامية، وورثة الدوحة النبوية، وأمناء الشجرة المحمَّديّة، المجتهدين في الأحكام الشرعية، لاوجه له وبلا دليل ولا برهان، ومخالف للعقل والوجدان، لأن الثابت عندنا المصرَّح به في أخبارنا أنَّ في آخر الزمان وقبل ظهور صاحب الأمر تقلّ العلماء، ويموت أكثرهم، ويبقى الجهّال، وقد تحقق ذلك فلم يبق من المجتهدين إلَّا القليل، وعلى هذا فليس لنا عدد كبير
من المجتهدين بحيث يكونون ستة عشر ألفاً.
فإنَّ المجتهدين في العالم ومراجع التقليد إنَّما يوجدون في بلدين في العراق في النجف الأشرف، وفي إيران في بلدة قم المحروسة وغيرها؛ فأما المجتهدون في النجف فقد انتقل أكثرهم إلى رحمة الله ورضوانه، ولم يبق منهم إلَّا فرد نادر؛ وأما المجتهدون في بلدة قم المحفوظة وغيرها فهم أفراد نادرة؛ فأما أهل النجف ففي الأخبار أنَّ السفيانيّ يقصد النجف قبل الظهور ويقتل العلماء فيها؛ وقد ورد أنََّ من أعماله السيئة التي يقوم بها قتل النفس الزكية في سبعين من الصالحين بظهر الكوفة - أي في النجف - فيعلم من ذلك أن عدد العلماء وأهل العلم عند ورود السفيانيّ إلى الكوفة هو أحد وسبعين، ولو كان هناك من العلماء أكثر من هذا العدد لذكره الإمام (علیه السلام)، وهذا ممّا يدل على قلة علماء الإمامية قبل الظهور، وأما أهل إيران فالمجتمعون من العلماء فيها ومن المجتهدين لا يبلغ عددهم ستة عشر ألفاً، فحينئذ هؤلاء ليسوا من علماء الإمامية جزماً، بل من غيرهم، وهم البترية حتماً فتطبيقهم على فقهاء الشيعة الإمامية لا وجه له كما تقدم.
اعلم أن الجنود المجنَّدة، والعساكر المجتمعة، والجيوش المسلحة التي تقوم مع الإمام القائم عليه السلام بالثورة الاسلامية والنهضة الإمامية تتكوّن وتتألف من عدة أصناف من مخلوقين، وهم أقسام سبعة، يتَّضح ذكرها في فروع متعددة
الفرع الأول
وهم القسم الأول:
هم المؤمنون من الإمامية الاثني عشرية، المعتقدون باثني عشر إمام بعد النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، وكل من يعتنق مذهب التشيّع وإن لم يك مؤمناً، فإنه قبل ما يظهر الإمام الحجّة ابن الحسن عليه السلام، يوفّقون للتوبة ويلتحقون به، ويكونون من أنصاره وأعوانه على العدائه، ويجاهدون بين يديه، ومنهم قواده المجتمعون إليه من سائر الأمصار، وهم حكّام الله في أرضه، وهم من سائر البشر، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، ينزل عليهم السلاح فيحملونه معه.
وقد ورد في الخبر أنََّ كلهم من أولاد العجم (1)ليس فيهم عربي.
الكتاب المبين عن العوالم
عن أبي جعفر عليه السلام قال: أصحاب القائم (علیه السلام) ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، أولاد العجم بعضهم. يحمل في السحاب نهاراً يعرف باسمه واسم أبيه، ونسبه، وحلّيته، وبعضهم نائم على فراشه، فيُرى في مكة على غير ميعاد.
منتخب البصائر
قال أبو عبد الله عليه السلام: سيأتي في مسجدكم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا يعني مسجد مكة يعلم أهل مكة أنه لم تلدهم آباؤهم ولا أجدادهم، تنزل عليهم السيوف مكتوب على كل سيف كلمة تفتح ألف كلمة.
وفي رواية: على كل سيف اسم الرجل، واسم أبيه، وحلّيته، ونسبه، فيبعث الله تبارك وتعالى ريحاً فتنادي بكل وادٍ.
وفي نسخة: ثم يأمر مناديا ينادي بكل وادٍ هذا المهديّ، يقضي بقضاء داود وسليمان (علیه السلام)، لا يسأل على ذلك بيّنة ولا يريد عليه بيّنة.
بیان: إِنََّ هؤلاء قوّاد الجبهة الحربية، والمراد من قوله: لم تلدهم آباؤهم ولا
أجدادهم - أي ليسوا من العرب - وكلهم أولاد العجم فلم تلدهم قريش، ولا العرب، ومن الكرامة لهم أن ينزل من السماء لهم السلاح الخاص، والسيوف الخاصة التي لا يوجد مثلها؛ لأنه كما في بعض الأخبار أنها من حديد غير هذا الحديد، فهي من فلز آخر، لو ضرب أحدهم بسيفه جبلاً من الصخر لقدّه، حتى يفصله؛ وهذا أمر خاص بهؤلاء الثلاثمائة والثلاثة عشر كما أنََّ إحدى الكرامات للإمام عليه السلام، أن ينشر اسمه في تمام العالم في مدة قصيرة، بأن يأمر الريح، أو ملكاً ينادي في كل وادٍ من أودية العالم أنََّ الإمام
1) (1) المراد من العجم من خالف لسانه اللسان العربي، فكل شخص ليس بعربي فهو عجميّ، فيشمل الفارسي، وغير الفارسي، ممّن كان من أهل سائر اللغات المخالفة للعربية.
المهديّ عليه السلام، يحكم بحكم آل داود وسليمان، لا يسأل على ذلك بيّنة، - أي لا يريد لإثبات الحكم أو الحدّ بيّنة - كما لا يريد على نفيه بيّنة، فهو يعلم بالوقائع وبالضمائر. وسيأتي إن شاء الله لذلك بيان خاص.
ويجتمع مع هؤلاء الثلاثمائة والثلاثة عشر جمع كثير، وجمّ غفير من الإمامية من العجم والعرب، وغيرهم من الدول البعيدة آلاف النسمات، كما صرّح بذلك في بعض الأخبار المتقدمة أنه تأتي الإمام القائم (علیه السلام) النجباء من مصر والأبدال من الشام، وعصائب العراق، ولا يخرج من مكة حتى تجتمع العقد وهم عشرة آلاف جنديّ مجنَّد.
وقد قال الإمام الصادق عليه السلام: يقبل إلى القائم (علیه السلام) خمسة وأربعين رجلًا من تسعة أحياء: من حيّ رجل، ومن حيّ رجلان، ومن حيّ ثلاثة، ومن حيّ أربعة، ومن حيّ خمسة، ومن حيّ ستة، ومن حيّ سبعة، ومن حيّ ثمانية، ومن حيّ تسعة، ولا يزال كذلك حتى يجتمع له العدد.
وسأله رجل من أهل الكوفة: كم يخرج مع القائم؛ فإنهم يقولون: إنه يخرج معه مثل عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا؟
قال: ما يخرج إلَّا في أولي قوة، وما يكون أولو القوة أقل من عشرة آلاف.
بيان: يعلم أنَّ هؤلاء التسعة المذكورون في الرواية من أكابر أصحاب الإمام، ومن قوّاده، وإنما لم يذكر الإمام (علیه السلام) أسماءهم، فلعل في إخفاء اسمائهم مصلحة لا نعلمها نحن، ولذلك ذكر أشخاصهم، وعبَّر عنهم بالرجال.
وقال عليه السلام: لا يخرج القائم (علیه السلام) من مكة حتى تكمل الحلقة.
قيل: وكم الحلقة؟
قال (علیه السلام): عشرة آلاف، جبرائيل (علیه السلام) عن يمينه، وميكائيل (علیه السلام) عن يساره، ثم يهزّ الراية المغلبة، ويسير بها فلا يبقى أحد في المشرق ولا في المغرب إلَّا لعنها، ثم يجتمعون قزعاً كقزع الخريف من القبائل ما بين الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة والخمسة والستة والسبعة والثمانية والتسعة والعشرة.
وقال: إذا أذن الإمام (علیه السلام) دعا الله بإسمه العبرانيّ، فأُتيحت له أصحابه الثلاثمائة والثلاثة عشر قزع كقزع الخريف، وهم أصحاب الألوية، منهم من يُفقد عن فراشه ليلًا
فيصبح بمكة، ومنهم من يُرى يسير في السحاب نهاراً وهم المفقودون عن فرشهم، وفيهم نزلت هذه الآية (أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا) [البقرة 148].
بيان: دلَّت هذه الرواية على أنََّ الإمام (علیه السلام) القائم (علیه السلام) لا يخرج من مكة حتى تكمل حلقة الجيش، وهي عشرة آلاف، وإذا رحل عن مكة تكاثروا وكلّما سار في الطريق التحق به المؤمنون، وأُتيحت - أي هُيأت وجُمعت - للإمام أصحابه، بأن ترفعهم الملائكة من ديارهم ومواضعهم وتوصلهم إليه فيه ليلة واحدة، وبعض يُركبونه السحاب نهاراً، فتوصله إلى مكة، وهذا من فضل الله تعالى وبركاته عليهم ورحمته، كما أنَّ بعضهم يُرى راكباً في السحاب، والسحاب يسير به في النهار.
في دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري
قال إنََّ الملائكة النازلين من السماء لنصرة الإمام المهدي (علیه السلام) هم ثلاثة عشر ألف وثلاثمائة وثلاثة عشر ملكاً 13313 وسيأتي إن شاء الله ذكر هذا الخبر مفصّلاً في الوقائع التي تقع بعد ظهور الإمام عليه السلام.
منتخب البصائر
قال: إن أنصار الإمام (علیه السلام) من الملائكة أربعون ألفاً. الخبر وسيأتي إن شاء الله الرحمن.
وعن الصدوق قدس سره، وعن جعفر بن قولويه (ره)، ومحمد بن إبراهيم النعماني (ره) بإسانيدهم إلى الصادق عليه السلام قال: يظهر مع القائم (علیه السلام) ثلاثة عشر ألفاً من الملائكة وثلاثمائة وثلاثة عشر ملكاً من الذين كانوا مع نوح (علیه السلام) في السفينة، ومع
ابراهیم (علیه السلام) لمّا القي في النار، ومع موسى (علیه السلام) لما شق له البحر، ومع عيسى (علیه السلام) لمّا رُفع إلى السماء، والأربعة آلاف ملك الذين نزلوا لنصرة الحسين عليه السلام، فلم يرخص لهم، فبقوا عند قبره شُعث غُبر يبكون عليه، وكبيرهم ملك اسمه منصور، يستقبلون كل من يمضي إلى زيارة الحسين عليه السلام، ويشايعون كل من يودِّعه راجعاً، ويعودون كل من يمرض من زوَّاره، ويمشون تحت جنازة موتاهم، ويستغفرون لهم وهم في الأرض ينتظرون خروج المهدي (علیه السلام).
بيان: هؤلاء طوائف ست من الملائكة، يرسلهم الله تعالى أنصاراً، وأعواناً للإمام القائم (علیه السلام) عند قيامه، ويكونون قسماً من قوَّاته المسلحة الجوّية؛ والملك بما أنََّه نورانيّ علويّ وليس بماديّ، وليس له حيز في الهواء، فلذا لا يُرى بالبصر، فهو يضرب أعداء الإمام (علیه السلام)، ويرديهم ويقتلهم من حيث لا يشعرون، وبما أنَّهم أجسام علويّة تطير في الجو، فيقاتلون السلاح الجويّ للأعداء، ويحرقون طائراتهم، ويفجرون صواريخهم من حيث لا يعلمون، وبذلك ينتصر الإمام (علیه السلام) على جيش الكفر والضلال.
قد وردت عدة أخبار صريحة في أنََّ جملة من الجنّ الطيّارة في الجو يلتحقون بالإمام القائم (علیه السلام) ويكونون من أنصاره، وأعوانه، ومن قوّاته المسلحة المهاجمة للقوات الجوية من أعدائه، وستأتى الأخبار الدَّالة على ذلك إن شاء الله تعالى.
قد وردت أخبار دلَّت على أنََّ جملة من قبائل الجن يلتحقون بالإمام القائم (علیه السلام)،
ويكونون في أنصاره، وأعوانه. وقد ذكر في تلك الأخبار أن مجموع الجن الذين ينصرون الإمام (علیه السلام) سبعون ألفاً الطيّارة والمشاة، وبما أنَّ الجن جسم ناريّ سفلي يتشكل بأشكال مختلفة، فهو غير ماديّ ولا يُرى بالبصر، فالجنّ الطيّارة تحارب السلاح الجوي مع الملائكة، والجنّ المشاة تحارب مَنْ في الأرض من أعداء الإمام (علیه السلام)، من حيث لا يرونهم فيضربونهم من ورائهم، ويهلكونهم من حيث لا يشعرون، وبذلك ينتصر على دول العالم وية وستكهم
بيان: الظاهر أنََّ هذه القارة غير مكشوفة لدينا، ولعلها إحدىٰ القارات والأقاليم السبعة التي أشار إليها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: لو أُعطيت الأقاليم السبع على أن أغصب جلب شعيرة من فم نملة ما فعلت. ولكن قد كشف لنا عن هذه القارة أئمتنا بعلومهم الغزيرة، واطلاعاتهم الواسعة الكبيرة، فذكروها في رواياتهم وعرَّفونا بها.
الدمعة الساكبة
عن البصائر لمحمد بن الحسن الصفَّار بإسناده إلى هشام الجواليقي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله مدينة خلف البحر، نسب هذه المدينة الله تعالى فيعلم أنََّ أهلها أهل الله، وهي تقع ما وراء البحار، سعتها مسيرة أربعين يوماً للشمس؛ يعلم أنََّ مساحتها تبلغ ضعف مساحة الدنيا، وضعف الكرة الأرضية أربعين مرة، لأن مسيرة الدنيا مسيرة يوم واحد للشمس.
فيها قوم لم يعصوا الله قطّ: أي معصومون من الخطايا والذنوب، ومنزَّهون عن الزلل والعيوب، لا يعرفون إبليس، ولا يعلمون خلق إبليس، يُعلم أنَّ ابليس لم يصل إليهم، ولذلك لا يعرفونه ولا يعملون به ولا بخلقه؛ فهم عالم آخر من العوالم، وأقليم آخر من الأقاليم وراء البحار.
نلقاهم في كل حين: أي نذهب إليهم في كل زمان، فيُعلم أنََّ أئمتنا هم الأئمة
عليهم، وأنهم من الإمامية وأن أئمتنا أئمة على جميع أهل السموات وأهل الارض، وأنهم أئمة في الدنيا والآخرة.
فيسألونا عمّا يحتاجون إليه: أي من المسائل الشرعية الدينية، ومن المسائل التي يحتاجون إليها في أمور الدِّين والدنيا.
ويسألونا الدعاء فنعلمهم: أي يسألون عن كيفية الدعاء، فيعلمهم الأئمة (علیه السلام)ذلك.
ويسألونا عن قائمنا متى يظهر: أي يسألون عن قيام الإمام القائم عليه السلام، وعن ظهوره متى يكون،
وفيهم عبادة واجتهاد شديد: أي إنهم أهل عبادة، ومجتهدون في العبادة، وأهل تعبّد و تهجد لله تعالى.
ولمدينتهم أبواب ما بين المصراع إلى المصراع مائة فرسخ: يعلم أنَّ مدينتهم وأرضهم واسعة كبيرة، وعلى المدينة سورة، وله أبواب ما بين المصراعين مساحته مائة فرسخ.
من لهم تقديس واجتهاد شديد، لو رأيتموهم لاحتقرتم عملكم، يصلي الرجل منهم شهراً لا يرفع رأسه من سجوده، طعامهم التسبيح ولباسهم الورق: يعلم أن هؤلاء المقدسين المجتهدين شديدون في العبادة، الذين يصلي أحدهم شهراً، طعامهم التسبيح؛ فهم يشبهون الملك من هذه الجهة، ويشبهون الإنس في كونهم بشر ينتشرون، يلبسون الثياب من الورق، ولهم أجسام مثل أجسام البشر، لها ماديّة ويعيشون في الأرض.
ووجوههم مشرقة بالنور: أي لهم وجوه نورانيّة جميلة إذا رأوا واحد منّا الحسوة واجتمعوا إليه، وأخذوا من أثره من الأرض يتبركون به: أي إن الأئمة إذا ذهبوا إليهم اجتمعوا عليهم ولحسوهم، واللحس هو اللعق وأخذ ما يعلق بجوانب القصعة بيده أو بلسانه أو بإصبعه، فيمكن أن يلحسوا الإمام (علیه السلام) بأيديهم وأصابعهم يتبركون به، كما يأخذون من تراب الأرض الذي يحلّ تحت أقدامه للبركة.
لهم دويّ إذا صلَّوا أشد من دويّ الريح القاصف: وهذا الدوي هو من البكاء في حال الصلاة والخضوع والخشوع، فيحدث ذلك الصوت والدويّ الذي هو كدويّ الريح القاصف.
فيهم جماعة لم يضعوا السلاح منذ كانوا ينتظرون قائمنا يدعون أن يريهم إياه: وهؤلاء الجماعة الذين لم يضعوا السلاح أي انهم مسلحين في أغلب أوقاتهم هم المنتظرون لقيام القائم عليه السلام، ليكونوا من أنصاره وأعوانه، وهم يدعون الله تعالى أن يريهم الإمام القائم (علیه السلام). فإذا قام القائم (علیه السلام) فتح الله تعالى لهم طريقاً في البحر وفي البر، وأوصلهم إلى مكة، فيلتحقون بعسكر الإمام (علیه السلام).
وعمر أحدهم ألف سنة: أي يعيش الرجل منهم ألف سنة.
إذا رأيتهم رأيت الخشوع والإستكانة وطلب ما يقّربهم إليه: أي أنهم يمثلون الخشوع والإستكانة والخشوع هو الخضوع - وقيل هو في الصلاة خشية القلب، والتواضع والاستكانة هي الخضوع لله تعالى، والطلب لما يقّربهم إليه هو الطاعات والعبادات وترك المحرّمات.
إذا احتبسنا ظنُُّوا أنََّ ذلك من سخط الله: أي إذا لم يذهب إليهم الإمام (علیه السلام) مدة واحتبس عنهم، ظنُُّوا أَنََّ ذلك من سخط الله عليهم، وإذا رضى الله تعالى عنهم بعث لهم الإمام (علیه السلام).
يتعاهدون الساعة التي نأتيهم فيها لا يسأمون ولا يفترون: أي أنََّ تلك الساعة التي يقدم فيها الإمام (علیه السلام) إليهم يتعاهدونها، ويترقَّبون فيها قدومه، ويقفون ينتظرون قدومه، لا يملون من الوقوف والانتظار، ولا يتفرقون عن مكانهم حتى يأتي الإمام (علیه السلام) فيجتمعون عليه ويتبركون به، ويأخذون التراب من تحت أقدامه للبركة.
يتلون كتاب الله كما علَّمناهم، وإن فيما نعلِّمهم ما لوتُلي على الناس لكفروا به ولأنكروه: أي أنهم يتلون القرآن بالكيفيَّة التي علَّمناهم من التلاوة، وإن تلك التلاوة التي نعلّمهم بها لو تُليت على الناس - أي على المخالفين من الفرق الإسلامية - لكفروا بها أي لم، يقبلوها ولأنكروها أي قالوا: إن هذا ليس من القرآن. ولهم خرجة مع الإمام إذا قام يسبقون أصحاب السلاح منهم، ويدعون الله أن يجعلهم ممن ينتصر بهم لدينه: أي أنََّ هؤلاء المؤمنين لهم ثورة، وخرجة مع ثورة الإمام القائم (علیه السلام) إذا قام، يسبقون أصحاب السلاح أي يتقدمون على الجيش ويقفون في الخط الأول وهو خط النار، ويكونون مقدمة الجند يدعون الله تعالى أن يجعلهم أنصاراً لدينه، وأن ينتصر بهم على أعداء دينه ويحيي بهم الدين. فيهم كهول وشبَّان وإذا رأى شابّ منهم الكهل جلس بين يديه جلسة العبد، لا يقوم حتىٰ يأمره: وهذا دليل على كونهم مؤدبين متواضعين، وأنهم في مرتبة راقية من
الآداب والاخلاق لاحترام الصغير وهو الشاب للكبير وهو الكهل.
لهم طريق هم أعلم به من الخلق إلى حيث يريد الإمام (علیه السلام)، فإذا أمرهم الإمام (علیه السلام) بأمر قاموا عليه أبداً حتى يكون هو الذي يأمرهم بغيره: أي أنَّهم إذا حضروا مع الإمام عليه السلام وكانوا في مقدمة الجيش، وسبقوا أصحاب السلاح، كانت لهم معرفة بما يريده الإمام (علیه السلام)؛ فإذا أمرهم الإمام ووجَّههم إلى جهة من الجهات هجموا عليها ولو كانت ناراً مضرمة، وبراكين مشتعلة، وأطفأوها وأخمدوها، وسمعهم يصغي إلى أوامر الإمام (علیه السلام) ونواهيه؛ فإذا قال لهم اهجموا على هذا العسكر، أو اقتحموا هذا البلد، هجموا عليه لا يفّرون، ولا يردون، ولا يترددون، ولا يجبنون، ولا يقفون، ولا يملّون، إلَّا أن يأمرهم الإمام بأمر غيره فيقول: قفوا، أو ارجعوا، لا يهابون الموت، أسود ضراغمة وليوث قشاعمة.
لو أنهم وردوا على ما بين المشرق والمغرب من الخلق، لأفنوهم في ساعة واحدة: أي أنهم لا يهابون الصفوف، ولا تكثر في عيونهم المئات والألوف، بل الملايين، لأنه (علیه السلام) عرّفهم بأنهم لو وردوا - أي هجموا - على أهل الدنيا بأجمعهم وهم ما بين المشرق والمغرب من الخلق، لأفنوهم في ساعة واحدة أي في أسرع وقت. ثم وصفهم الإمام عليه السلام بصفتين مهمتين غير متوفرتين لكل أحد:
الأولى: لا يختل الحديد في أبدانهم: أي أنهم ضد الحديد والنار كالكركدن، لمن شاهده؛ فإن الطلقات النارية لا تختل في بدنه أي لا ينفذ الحديد، ولا يدخل في أبدانهم، وهذه صفة مهمّة غير متوفرة لكل أحد.
الثانية: لهم سيوف من حديد غير هذا الحديد، لو ضرب أحدهم بسيفه جبلًا لقده حتى يفصله: أي أنَّ السيوف والسلاح الذي يحملونه من فلزاخر، غير هذا الحديد المعروف، ومن صفات ذلك الفلز أنَّه لو ضرب به جبلًا لقدَّه نصفين حتى يفصله، فيكون شقين. وجزماً إنََّ هذه الصفة لا توجد في الحديد العادي الموجود بأيدي الناس، فيُعلم أنََّ هذا السلاح سلاح ذريَّ، أو فلزاخر له هذا الأثر، وإلَّا فالجبل لا يقدّه السيف ولا لقنابل، إلَّا أن تكون ذرّية ونحوها، كما يعلم أنَّ السلاح الذي يقسم الجبل نصفين يقسم الدبابة والمدرعة ونحوها من سائر الآت الحرب الضخمة نصفين، ومع هذا السلاح ينتصر الإمام عليه السلام على الدول، يغزوا بهم الإمام (علیه السلام) الهند، والديلم، والكرك،
والترك، والروم، والبربر، وما بين جابرسا إلى جابلقا وهما مدينتان واحدة بالمشرق، وأخرى بالمغرب، لا يأتون على أهل دين إلَّا دعوهم إلى الإسلام وإلى الإقرار بمحمد صلي الله عليه وآله، ومن لم يقرّ بالإسلام ولم يسلم قتلوه حتى لا يبقى بين المشرق والمغرب احد إلَّا أقرَّ.
أي أنَّ هؤلاء الأبطال حيث إنهم متَّصفون يكون الحديد والنار لا يؤثر في أبدانهم، ولهم سلاح خاص، وفلّز قويّ عظيم من غير هذا الحديد، يقدُّ الجبل نصفين، يغزو الإمام (علیه السلام) بهم دول العالم الكبرى، فيغزوا الهند - وتشمل الهند الصينية والصين وما حولها من الدول - والديلم - وهم الأكراد والتركمان وما حولهم - والكرك - وهي من بلاد الغرب أو من بلاد الشمال ولعلها فرنسا - والترك - ويشمل أتراك روسيا كلها وأتراك تركيا - والروم - وهي الدول الغربية فيشمل الأجانب الغربين كلهم.
وما بين جابرسا وهي بلدة بالمغرب وجابلقا وهي بلدة بالمشرق فما بين هاتين القارتين أي بلد كان يذهبون إليه ويدعون أهله الى دين الإسلام، وإلى الاعتقاد بالله وحده لا شريك له، وهو التوحيد؛ وبالنبوة وأن محمداً عبده ورسوله، وبالإمامة وأنَّ الإمام علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين أئمة الحق وسادة الخلق، فمن أسلم سلم ومن أبي قتل، وعدم حتى لا يبقى أحد في الدنيا من الكفار والمنافقين إلَّا المقّر بالله تعالى وبالنبي (صلی الله علیه وآله وسلم) وبالأئمة المعصومين عليهم صلوات رب العالمين.
بيان: الظاهر أنَّ هاتين القارتين غير مكشوفتين لدينا، وإن كانتا مكشوفتين عند سادتنا وأئمتنا صلوات الله عليهم، كما دلِّت عليه الرواية، وحكت نفس الصفات الثابتة لأهل المدينة التي وراء البحر، فيُعلم أنَّ أهل جابرسا وجابلقا من صنفهم لا أنهم هم.
الكتاب المبين السفر الثاني منه
في باب أنََّ أهل جابلقا وجابرسا يجاهدون بين يدي الإمام المهدي عليه السلام.
عن منتخب البصائر
سئل أبو عبد الله عليه السلام عن ميراث العلم ما مبلغه، أجوامع ما هو من هذا العلم، أم تفسير كل شيء من هذه الأمور التي نتكلم فيها؟
فقال (علیه السلام): إِنََّ الله عز وجلّ مدينتين، مدينة بالمشرق ومدينة بالمغرب، فيهما قوم لا يعرفون إبليس، ولا يعلمون بخلق إبليس: أي أنَّ هاتين القارتين لم يصل إليهما إبليس اللعين؛ وإنهما غير القارات المكشوفة، ولعلهما من الأقاليم السبعة.
نلقاهم في كل حين: أي أنََّ الأئمة يذهبون إليهما وأنهم أئمة على أهل كلا القارتين.
فيسألوننا عمّا يحتاجون إليه: أي من المسائل الشرعية وغيرها.
ويسألوننا عن الدعاء فنعلِّمهم: أي عن كيفيته فيعلِّمونهم كيف يدعون.
ويسألوننا عن قائمنا متی يظهر: أي يسألون عن ظهور الحجّة عليه السلام أي متى يقوم، ومتى يكون، وفيهم عبادة واجتهاد شديد، ولمدينتهم أبواب ما بين المصراع إلى المصراع مائة فرسخ؛ لهم تقديس وتمجيد ودعاء واجتهاد شديد: والتقديس التطهير فالمعنى إمَّا أنهم يطهرون الله تعالى عمّا لا يليق به؛ وإما أنهم مطهرون أنفسهم لله تعالى في عباداتهم، والتمجيد التشريف والتعظيم لله تعالى، أو يمدحونه مدحاً جيداً، ويبجلونه تبجيلاً، وفي دعائهم يجتهدون شديداً. لو رأيتموهم لاحتقرتم عملكم، يصلي الرجل منهم شهراً لا يرفع رأسه من سجدته، طعامهم التسبيح، ولباسهم الورق - أي ورق الاشجار - ووجوههم مشرقة بالنور، وإذا رأوا منَّا واحداً - أي من الأئمة (علیه السلام) - تحشوه واجتمعوا إليه - أي كانوا في كنفه - ورعوه خير رعاية، والتفوا حوله، واجتمعوا إليه، وأخذوا من أثره أي التراب من تحت أقدامه من الأرض، يتبركون به، لهم دويّ إذا صلّوا، كأشد من دويّ الريح القاصف، منهم جماعة لم يضعوا السلاح منذ كانوا ينتظرون قائمنا، يدعون الله عز وجل أن يريهم إياه.
وهؤلاء الجماعة قسم من جنود الإمام الحجّة عليه السلام، وقواته المسلحة المنتظرين لقيامه، فإذا قام أتوا لنصرته، وكانوا من أنصاره وأعوانه، وعمر أحدهم ألف سنة، إذا
رأيتهم رأيت الخشوع والاستكانة، وطلب ما يقرّبهم إلى الله عز وجل. إذا احتبست عنهم ظنُّوا أَنَّ ذلك من سخط الله، يتعاهدون أوقاتنا التي نأتيهم فيها، لا يسأمون ولا يفترون - أي عن الانتظار - يتلون كتاب الله عز وجلّ كما علمناهم، وإنَّ فيما نعلمهم لو تُلي على الناس لكفروا به ولأنكروه، يسألونا عن الشيء إذا ورد عليهم من القرآن لا يعرفونه، فإذا أخبرناهم به انشرحت صدورهم لما يستمعون منَّا، وسألوا لنا طول البقاء وأن لا يفقدونا ويعلمون أنََّ المنَّة من الله عليهم فيما نعلِّمهم عظيمة. ولهم خرجة - أي ثورة - مع الإمام - أي القائم عليه السلام - إذا قام بالثورة ونهض بإحياء الدِّين، يسبقون فيها أصحاب السلاح - أي يكونوا في مقدمة الجيش ودرعاً لجنود الإمام (علیه السلام) - ويدعون الله عز وجل أن يجعلهم ممن ينتصر بهم لدينه، فيهم كهول وشبَّان، إذا رأى شاب منهم الكهل جلس بين يديه جلسة العبد، لا يقوم حتى يأمره، وهذا من آدابهم وأخلاقهم الحسنة.
لهم طریق هم أعلم به من الخلق إلى حيث يريد الإمام: أي لهم طريقة خاصة ينفِّذون بها مراد الإمام (علیه السلام) ومقصده، فإذا أمرهم الإمام (علیه السلام) بأمر قاموا عليه أبداً - أي نفذوه - حتى يكون هو الذي يأمرهم بغيره، لو أنَّهم وردوا على ما بين المشرق والمغرب من الخلق أي لو قاتلوا أهل الدنيا كلهم وحاربوهم لأفنوهم في ساعة واحدة.
لا يحيك فيهم الحديد: أي لا يؤثر ولا يقطع ولا يعمل في أبدانهم، وهذه خصوصية لهم. - وفي نسخة - لا يحتك فيهم الحديد أي لا يرسخ ولا يثبت في أبدانهم وصدورهم. - وفي نسخة كما سبق في الحديث المتقدم - لا يختل الحديد في أبدانهم أي لا يدخل فيها.
لهم سيوف من حديد غير هذا الحديد، لو ضرب أحدهم بسيفه جبلًا لقدّه حتى يفصله في ساعة، وقد مرَّ أنَّ حديد سيوفهم من فلز آخر غير هذا الحديد؛ فلذا يكون له هذا الأثر العظيم؛ والظاهر أنََّ الأثر للسيف لا لهم، لأنهم أقوياء، ويُحتمل أنَّ الأثر للسيف ولهم، لأنهم أقوياء، ولكنََّ ظاهر الخبر أنَّ الأثر أثر السيف، كما يُستفاد من أدلة أخرى، بأنَّ قوَّاد الإمام الثلاثمائة والثلاثة عشر يُزوَّدون بنفس هذا السلاح، ويحملونه وله أيضاً نفس الأثر، لو ضرب أحدهم بسيفه جبلاً لقدَّه حتى يفصله. يغزوا بهم الإمام الهند والديلم والكرد - أي كردستان - والروم - أي الدول الغربية - والبربر - أي أفغانستان وفارُس بضم الراء جزيرة في المتوسط، مقابل الاسكندرية التي في مصر، فيغزوا أهلها بهم، وما بين جابرسا إلى جابلقا، وهما المدينتان المذكورتان، واحدة بالمشرق وواحدة بالمغرب، لا يأتون على أهل دين إلَّا دعوهم إلى الله عز وجل وإلى الإسلام، والإقرار
بمحمد صلى الله عليه وآله، والتوحيد وولايتنا أهل البيت، فمن اجاب منهم ودخل في الإسلام تركوه، وأمّروا عليهم أميراً منهم، ومن لم يجب ولم يقرَّ بمحمد (صلی الله علیه وآله وسلم) ولم يقر بالاسلام قتلوه، حتى لا يبقى بين المشرق والمغرب، وما دون الجبل - أي جبل قاف وهو جبل محيط بالدنيا - إلَّا آمن - أي دخل في الإسلام والايمان -
بیان: دل هذا الخبر على أنََّ هناك قارتان غير مكشوفتين لدينا أحدهما في الجانب الشرقي من الدنيا واسمها جابلقا، والثانية في الجانب الغربي من الدنيا واسمها جابرسا، وقد ذكرنا أنََّ الصفات المذكورة في الرواية لأهل هاتين القارتين، تنطبق على نفس أهل المدينة التي تقع فيما وراء البحار، ولكن الإمام (علیه السلام) لم يذكر اسم تلك البلدة، بل قال (علیه السلام): إن لله مدينة وراء البحر، وفي هذه الرواية ذكر اسم القارتين، والظاهر أنَّ هاتين القارتين غير المدينة التي وراء البحر.
وقد ذكر في هذا الخبر أنَّ الإمام القائم (علیه السلام) إذا فتح دولة يجعل أحد أهل جابرسا أو جابلقا أميراً فيها؛ ولذا قال عليه السلام: فمن دخل في الإسلام تركوه، وأمروا عليه أميراً منهم، ولا بدَّ أنَّ ذلك الأمير الذي يؤمر من أهل جابلقا أو جابرسا بأمر الإمام الحجة عليه السلام، ولعل في ذلك حكمة، فإنَّ هذا لا يمكن لأحد اغتياله، أو قتله، فلذا يجعل الأمراء منهم.
ثم قال (علیه السلام): حتى لا يبقى بين المشرق والمغرب وما دون الجبل أحد إلَّا أمن: والمراد بالجبل جبل قاف، وهو ما وراء سدّ يأجوج ومأجوج، محيط بالدنيا يقال إن ماديته من فيروزج، وهذه الزرقة التي تكون في السماء من إشراق الشمس عليه، وانعكاس شعاعه على قبة السماء، وهو حدٌّ للدنيا، فما دون هذا الجبل من البلاد الغربية إلى الطرف الشرقي الذي فيه سدّ يأجوج ومأجوج الواقع في أطراف روسيا الاتحاد السوفياتي، كلهم يدخلون في دين الإسلام، ويكونون من رعية الامام عليه السلام، فيقسم الأموال بين الناس بالسوية، ويعدل في الرعية، ويقيم حدود الله في البرية.
ومما يؤيد هذا الحديث: وإنََّ هاتين القارتين غير المدينة التي وراء البحر، ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قال: إن لله عز وجل مدينة بالمشرق اسمها جابلقا، لها اثنی عشر ألف باب من ذهب، بين كل باب الى صاحبه مسيرة فرسخ، على كل باب برج فيه اثنا عشر ألف مقاتل، يهلبون الخيل، ويشحذون السيوف والسلاح، ينتظرون قيام
قائمنا (علیه السلام). وإنَّ الله عز وجلّ بالمغرب مدينة يُقال لها جابرسا، لها اثني عشر ألف باب من ذهب، من كل باب إلى صاحبه مسيرة فرسخ؛ على كل باب برج فيه اثنا عشر ألف مقاتل، يهلبون الخيل، ويشحذون السلاح، ينتظرون قائمنا (علیه السلام) وأنا الحجّة.
بیان: دلّ هذا الخبر على أنَّ جابلقا مدينة في شرق الدنيا، وجابرسا مدينة في غرب الدنيا، ولكل واحدة من المدينتين اثنا عشر ألف باب من ذهب، فيعلم أنَّ الذهب مبذول ولا أهمية له في تلكما المدينتين، ولذا تُصنع منه أبواب المدينة. ثم ذكر ان كل باب عليه برج يجتمع فيه اثنا عشر ألفاً من الجنود المقاتلين، وهؤلاء يلهبون الخيل أي ينتفون الهلب من بدنها وذنبها وينظفونها، يستعدون للرحيل عليها، ويشحذون السيوف والسلاح أي يحدّونها يحضّرونها للجهاد مع الامام عليه السلام، وينتظرون قيام القائم (علیه السلام)، وعددهم من كل مدينة مائة واربعة وأربعين ألفاً، وهو حاصل ضرب اثنا عشر في اثنا عشر، فيكون مجموع أنصار الامام (علیه السلام) من المدينتين مائتان وثمانية وثمانين ألفاً.
ثم قال عليه السلام: وأنا الحجة: أي الامام المنصوب من قبل الله عليهم هو الإمام الحجة عليه السلام.
وقد كشف لنا الشيخ الفاضل الشيخ علي المازندراني الحائري (ره)، في رحلته الى تلك الجزائر، أنها ست جزائر فيها ست دول كبار، في كل دولة ملايين من النسمات، ومساحة تلك الجزائر الستة مسيرة سنة كاملة. فهؤلاء كلهم أوجلهم يلتحقون بجيش الامام القائم عليه السلام، ويكونون انصاراً له، وأعواناً على أعدائه، وقد مرَّ ذكر هذه الجزر الست في الجزء الأول من الكتاب في مملكة الامام القائم (علیه السلام) في الغيبة الكبرى.
فهؤلاء الطوائف السبع من أصناف المخلوقين يؤلفون جبهة حربية، ويغزون بلاد الله الواسعة ما بين جابلقا وجابرسا، يجاهدون في سبيل الله حق الجهاد، ويقتلون أهل
العناد والتظليل والإلحاد؛ فيسيرون في الآفاق رفعاً وهدماً لأبنية الشرك والنفاق، وكسراً لألوية الكفر والضلال والشقاق، ودفعاً للمجاهيل، ودحضاً للأباطيل وإحياء لدين الله القويم، وبياناً لصراطه المستقيم؛ فيرفعون الظلم والظلمة، وينشرون النور والعلم والحكمة، وينيرون الطريق للأمة، فيملئون الأرض عدلاً وايماناً، ويرفعون كل ما كان ظلماً وعدواناً. وهؤلاء هم الذين ادخرهم الله لاغراز دينه، ونصر وليَّه وسفيره في أرضه، وحجته علي عباده، واظهار كلمته، ونشر دعوته؛ وهذا أمر قد سبق فيه القلم، وتناقلته الأمم من العرب والعجم من المؤمنين وغيرهم، وقد مضت فيه المشيئة الإلهية، والإرادة الربَّانية، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم. ثم ليعلم الناس كلّهم أنََّ مع هذه القوى العظمى السبع، والقوات المسلحة المؤلفة من الإنس والملائكة والجن، وأهل المدينة وراء البحر وأهل جابلقا وجابرسا، وأولاد الامام (علیه السلام) وأحفاده، والسلاح الذي يخرجه الامام لهم، وهو سلاح حديث اذريّ، والقوة التي يمنحهم الله بها، بأن يعطي للرجل قوة أربعين رجلًا، والعلم الذي يفتحه ويكشفه الامام (علیه السلام) لأصحابه، وغير ذلك لا يمكن أي قوة في العالم وأي دولة المقابلة مع الامام (علیه السلام) وبالأخص الرعب الذي ينصره الله به، يسير امامه شهراً، فكلهم بين خائف وهارب ومقتول، وبين من يتلقى الإسلام بالقبول، لأن قدرة الامام من قدرة الملك العلَّام.
وربما يؤيد ما ذكرناه من وجود أولاد الإمام (علیه السلام) وأحفاده في الجزيرة الخضراء والبحر الأبيض، ما تناقلته بعض الصحف الصادرة في العراق، ونقل في التلفزيون والراديو العراقي في عدة أسابيع في هذه الأيام، فإنه يوجد برنامج في كل أسبوع يعرف بعنوان العلم للجميع، فذكر في هذا البرنامج في أسابيع متعددة، وكذا الصحف نداءً عاماً لأهل العالم، ونشروا ذلك بخط عريض: «يا أهل العالم اخبرونا عما في مثلث برمودا، الواقع في أمريكا الشمالية، فإنَّ من جهة البحر ومن جهة الجو في هذا المثلث منطقة الخطر، فإنه لا تذهب باخرة أو طائرة من تلك الجهة إلَّا انعدم اثرها، ولم ترجع أبداً، وقد تفطنوا لهذا الأمر قبل عشرين سنة وإلى الآن، وهو الزمان الذي أعلن فيه بهذا النداء في الصحف، وفي الراديو والتلفزيون العراقي، قد ذهبت اكثر من مائتي باخرة وانعدمت، ولم يعلم لها أثر، فاخبرونا يا أيها العالم ماذا هناك؟ فهل هناك حيوانات تبتلع تلك البواخر والبوارج؟ او هناك آفات تهلكها؟ أو هناك مغناطيسية فتجذبها وتغرقها؟ أو هناك سباع ضارية فتأكلها؟
أو هناك بئر تقع فيها؟ أو هناك نار تحرقها؟ أو هناك أناس تحجزها؟ كل ذلك لم يُعلم وعلم هذا عند عالم الغيب والشهادة.
وحيث إنََّ علماء الإمامية المجتهدين وغيرهم لا يثبتون شيئاً إلَّا بالدَّليل، ولا يتكلمون عن شيء إلَّا مع الدليل، ولا يقبلون شيئاً ودعوى من أحد إلَّا مع الدليل، وقد تعلَّموا ذلك من أئمتهم عليهم السلام. فأئمتنا صلوات الله عليهم العالمون بكل شيء، وعلمهم من علم الله تعالى، فهم عالمون بما كان، وما يكون، وما هو كائن إلى يوم القيامة، وهم الذين يعلمون الغيب إذا أرادوا، ويعلمون جميع الوقائع والأشياء بدليل قوله تعالى (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) [يس 12].
ونحن إذا علمنا بشيء فعلمنا من علمهم، لا نحدِّث إلَّا بما وصل إلينا من الآثار عن الثفات الأماجد، وتوارثته العلماء واحداً بعد واحد، وكابراً بعد كابر، وتناقله بعضهم عن بعض، حتى ينتهي إلى الإمام، أو النبي صلى الله عليهما، عن الله عز وجل، فإذا عرفت ذلك فاعلم أنَّ السبب الذي أوجب إعلان هذا النداء العام، في الراديو والتلفزيون، ونشره في الصحف، هو أنََّه لا كَثُرَ التََّلف والإنعدام في البواخر وبعض الطائرات، التي ذهبت لاكتشاف تلك الجهة - أي مثلث برمودا - ولم تصل إلى نتيجة وإلى تحقيق أي شيء، اجتمع رأي بعض الدول الغربية، على أن يبعثوا سرباً من الطائرات، مع طيَّارين قدامى، مدربين وعالمين في علم الطيران الحديث، فجمعوا جماعة كثيرة من أهل الخبرة، والمعرفة بعلم الطيران، وماهرين في هذا الفن، من لندن وأمريكا واليابان ودول أخرى، على أن يذهبوا لاكتشاف تلك الجهة، وأركبوهم في ست طائرات كبار ضخمة جداً، وأصحبوا معهم طائرة سابعة تراقبهم من البعد، ونصبوا اللاسلكي العظيم في محطة الطيران، وفي القاعدة الجوية، وفي القاعدة العسكرية، وأوعزوا إليهم وأمروهم بالاتِّصال بالكلام معهم، على نحو الإستمرار، بحيث لا ينقطع كلامهم في تمام اللحظات، وإن كانوا في حالة السير، واجتمع جمع كثير، وجمّ غفير من الناس، لمشاهدة هذه الواقعة؛ فلمَّا طارت الطائرات السبع متَّجهة إلى مثلث برمودا، وفي الحقيقة أنها سارت إلى الموت، وأخذت بالسير إلى تلك الجهة حتى غابت عن أبصار الناس وكان كلامهم متَّصل مع اللاسلكي، وبعد مقدار قليل انقطع الصوت، وانقطع الكلام في اللاسلكي دفعة وفجأة، وانعدم أثر الطائرات، حتى الطائرة المراقبة لها، وقد ضبط صاحب الصحيفة في جريدته آخر الكلمات التي تكلموا بها في اللاسلكي، ونحن نكتفي بذكر كلمتين من
طائرتين من تلك الطائرات:
الأولى: إنَّ آخر كلمة لطائرة قال: «تحتنا ماء أبيض» ثم انعدمت الطائرة.
الثانية: آخر كلمة لها قال: «ثار علينا ضباب في سماء صاحية، والشمس طالعة» ثم انعدمت إلى آخر القصة، وقد اختصرناها.
وبعد هذه الواقعة بمدة نشروا في الصحيفة، أنَّ جماعة غضبوا من هذه الواقعة، وأخذتهم الحماقة والحدَّة، فجاؤوا متبرعين بأنفسهم للموت، بأن يذهبوا لاكتشاف مثلث برمودا، فأحضر لهم باخرة، وأخذوا معهم طعاماً وشراباً، فذهبوا وبعد مدة رجعت الباخرة خالية منهم، وليس فيها أحد، طافية على الماء، والموج يدفعها، وبعد هذه الحادثة بشهر ذهبت سفينة أخرى، فيها بعض البنات وأطفال، وقد حملوا الطعام والخمور معهم، وبعد مدة رجعت السفينة وكلهم موتى على مائدتهم، ثم بعثوا باخرة أخرى ثالثة، وضعوا فيها آلة للتصوير الكترونية، لتصور لهم عند رجوع السفينة، من يقتل هؤلاء الناس، ومن يعدمهم، فرجعت السفينة طافية على الماء، وكل من فيها موتىٰ، وأمَّا آلة التصوير الألكترونية فقد قُلعت عن محلها وغير موجودة. فمن هذه الحوادث يُعلم أنَّ هناك جزيرة وهي الجزيرة الخضراء، وفيها سكان وجنود وعساكر للإمام عليه السلام، يعملون هذه الأعمال كما تدل عليه الكلمة الثانية.
كما يُعلم أنَّ هناك البحر الأبيض، كما تشهد له كلمة الطائرة الأولى: «تحتنا ماء أبيض». فهذا قد وصل إلى البحر الأبيض فأعدم هو وطائرته.
ونحن نجيب السائل عن هذا المثلث المذكور، عن رجل من علمائنا الأعلام، حيث تشرَّف في رحلة له بالوصول إلى هذه الجزائر، وهي الجزائر الخضراء، ولكن بإذن الإمام الحجّة عليه السلام وبإجازته. وقد قرأت رحلته، وهو الشيخ علي المازندراني قدس سره قال في رحلته إلى هذه الجزائر: إني لمَّا وصلت إلى أول جزيرة من هذه الجزائر، رأيت ماءاً أبيضاً حولها، فسألت عنها السيِّد الذي بُعث خلفي دليلًا لي فقال: إنَّ هذه هي الجزيرة الخضراء، وهذا هو البحر الأبيض حولها، فلمَّا وصلنا إليه شربت من مائه، فرأيت ماءه حلواً، كطعم ماء الفرات، ألَّا أنََّ لونه أبيض، ثم نزلنا في الجزيرة الأولى وسكانها كلهم أولاد الإمام (علیه السلام) وأحفاده، قد جعل أحد أولاده من السادة هو حاكم البلد، وهو
عالمهم، يصلي بهم جماعة في أوقات الصلاة. ثم رأيت الجزر الباقية وهي ست جزر كبار، وكلهم أولاد الإمام الحجّة عليه السلام وأحفاده، ولعل هذا الضباب الذي ثار على
الطائرات وأعدمها وأحرقها ومن فيها، هو من الغازات السامة القاتلة، كغاز الذرة، أو الهيدروجين ونحوهما، وقد جعل رقيباً في أول هذه الجزيرة وراداراً، فمن يقدم من تلك الجهة غير مجاز، وبلا إذن من الإمام الحجّة (علیه السلام) أطلق عليه هذا الغاز السام والضباب فيقتل. ولعل هذه السفن التي ذهبت متأخرة أطلقوا هذا الضباب على ركابها فقتلوهم وقلعوا آلة التصوير الالكترونية من السفينة، حتى لا يُعلم من قتلهم، ولا كيفية قتلهم. ويقال: إنَّ هذه الجزائر الست تمتد من مثلث برمودا إلى ما حول اليابان، فمن تلك الجهة - أي جهة اليابان - أي باخرة ذهبت لم ترجع أيضاً.
والعجب أنَّ هؤلاء يسألون هذه المسائل المهمة، ممّن لا خبرة له ولا اطلاع، ولا يعتقدون بعلم أئمة الفرقة الحقَّة، وهم أئمة الشيعة الإمامية الاثني عشرية، ولا بعلم علمائهم الفطاحل رجال الفكر والعلم والادب، وأهل الفضل والحكمة والمعرفة، وهم ورثة الأنبياء الذين مدحهم النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) قال صلى الله عليه وآله: «علماء أمتي افضل من أنبياء بني اسرائيل».
إلَّا أنََّ الناس يستضعفونهم، ولا يرونهم أهلاً لمعرفة هذه الأمور، أنََّ أئمتهم أعلم من في العالم، بل علم العالم كلّه صادر عنهم، ومنبثق منهم، ومأخوذ من كتبهم، وهم أعلم العالم، وأعقل العالم، وأفهم العالم، يستضيئون بنور علمهم، كما يستفاد من كلام امامهم، الفيلسوف الأعظم، والحكيم الأعلم، والإمام الأكرم، الذي تعلم مليارات العلوم من النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، في شتى العلوم من الفقه، والادب، والكيمياء، والفيزياء، والهندسة، والحساب وغيرها، وهو صاحب نهج البلاغة، الذي عجز الكثير عن درسه وفهمه، والوصول الى حقيقته وكنهه، وهو إمام المتقين، وسيِّد العارفين، وأمير المؤمنين، عليه أفضل التحية والسلام.
وقد استفدنا من هذه الحادثة التي تناقلتها الصحف، ونقلها الراديو والتلفزيون، أمراً مهماً عظيماً، وهو عدم قدرة هؤلاء الأجانب من الدول الغربية والشرقية على اقتحام هذه الجهة، التي فيها أولاد الإمام، وأحفاد صاحب العصر والزمان عليه وعليهم صلوات الرحمٰن؛ ولو كانت لهم قدرة وإمكان، لتمكنوا من اكتشاف مثلث برمودا، كما اكتشفنا قدرة صاحب الأمر(علیه السلام) وعظمته، وأنه اذا قام كان قادراً على دفعهم، لأنَّ قدرته من قدرة الله تعالى، وأن الله على نصره لقدير فإذا ظهر على وجه الكرة الأرضية، أمكنة إبادة هؤلاء المنافقين والكفار على ما عندهم من القنابل الذرية، والهيدروجينية والنابالم والغازات السامة،
والمدافع والدبابات، والمدرعات، والأسلحة الحديثة، والصواريخ وغيرها، مما استحدثوه لإهلاك البشر، ولإيقاع الناس في الضرر. وقد دلت أخبارنا على ذلك وأنََّ هؤلاء الدول يحاربون الإمام (علیه السلام) ويقاتلونه بالأسلحة الحديثة الموجودة فعلاً بأيديهم وبأيدي عسكرهم، ومع ذلك ينتصر عليهم ويبيدهم ويملك بلادهم.
وما نقله البعض من أنََّ هذا السلاح ينعدم إذا قام الإمام عليه السلام، فهذا البعض لا خبرة له بالأخبار الواردة عن الأئمة الأطهار، ولا صحة له فإن الامام (علیه السلام) يظهر على هذا السلاح الحديث، ويأتي بسلاح اقوى منه ويقضي عليه، وهو أعلم بعلم الكيمياء من غيره، فيخرج لجيشه نوع من البنادق، فيها نوع من الغاز، لو اطلق على جبل لقدّه نصفين، كما ذكرنا ذلك أنفاً. وقد عبَّر في الخبر عن هذه البندقية بالسيف؛ فإذا كانت هذه البندقية المعبَّر عنها بالسيف تقطع الجبل الصخري، أو الترابي نصفين، فلا يصعب عليها قطع الدبابة، أو المدرعة أو السيارة ومن فيها نصفين، وهذا سيف ذري. فيبعث الامام (علیه السلام) جنديا واحدا الى سرب من الدبابات أو المدرعات، فيهجم بسيفه الذري فيقطعها بأجمعها نصفين ويعدمها، وهذا من قوّات الامام (علیه السلام) وسلاحه، وقوّته من قوة الله تعالى، وإن الله لقوي عزيز.
وقد ورد في بعض الأخبار إذا وصل الرحبة يفتح مخزناً في الصحراء تحت الأرض، يخرج منه للجيش لكل واحد سيفاً خاصاً وبدلة عسكرية قيل إن لونها أخضر. كما ورد أنََّ سيوف القتال تنزل من السماء لكل واحد من أصحابه مكتوب عليه اسم صاحبه، وهذا السيف من صفاته أيضاً لو ضرب أحدهم بسيفه جبلاً لقده حتى يفصله. وقد تقدم ان الامام (علیه السلام) يؤيد ويُنصر بالرعب، يسير أمامه شهراً، فترى أهل كل بلد يقدم عليه القائم (علیه السلام) يرجفون ويرتعدون من شدة الخوف، ولا يطيقون حمل السلاح والقراع معه. كما أنه منصور بالطوائف السبع المتقدمة، ومع هذا التأييد والنصر من قبل الله تعالى، لا يقابله أحد، بل هو ينتصر على جميع دول العالم، ويفتح جميع الكرة الأرضية، ما بين جابلقا وجابرسا، ويرغم أنوف الكفار والمنافقين المتكبرين من الدول الغربية والشرقية، من ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من انصاره وأعوانه، والمستشهدين بين يديه، وفي خير وعافية ويوفقنا لخدمته، وما توفيقي الَّا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
شرح الآيات الباهرة
بحذف الإسناد حدَّث أبو الجارود زياد بن المنذر عمّن سمع علياً عليه السلام يقول: العجب كل العجب بين جمادي ورجب.
فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما هذا العجب الذي لا تزال تعجب منه؟ فقال: ثكلتك أمك، وأيّ عجب اعجب من أموات يضربون كل عدو الله ولرسوله، ولأهل بيته وذلك تأويل هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم قد يئِسوا من الآخرة كما يئس الكفََّار من أصحاب القبور) [الممتحنة 13] فاذا اشتد القتل، قلتم مات، أو هلك في أي وادٍ سلك، وذلك تأويل هذه الآية: (ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين) [الاسراء 6].
بيان: قال بعض الأفاضل من العلماء بعد نقل هذا الخبر: المراد من قوله عليه السلام: وأي عجب أعجب من أموات إلى آخره يشير الى العجب الذي يقع بين جمادي ورجب، وذلك إذا كانت السنة التي يظهر فيها القائم عليه السلام، مطر الناس جمادي الآخرة وعشرة أيام من رجب مطراً لم ير الخلائق مثله. وروي أربعين مطرة، وروي أربعين يوماً آخرها بين جمادي ورجب، حتى إنه لتقع اكثر بيوت أهل الدنيا، فتنبت به
خوم المؤمنين وأبدانهم في قبورهم.
قال الصادق عليه السلام: وكأني أنظر اليهم مقبلين من قبل جهينة ينفضون
شعورهم من التراب؟ وقوله (علیه السلام) وذلك تأويل هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم) [الممتحنة 13] يُراد منه أن أولئك المنكرون للرجعة، انما يتمسكون في شبهتهم بإنكار البعث قبل يوم القيامة؛ فأخبر عليه السلام أنَّ الأموات ممّن محض الايمان محضاً، أو محض الكفر محضاً، يبعثون في الرجعة؛ والدليل عليه أنَّ الله تعالى أخبر بأنََّ الذين غضب الله عليهم من أعداء آل محمد صلى الله عليه وآله، ينكرون البعث في الرجعة، كما ينكر الكفار البعث يوم القيامة، لأن المنكرين للرجعة ولبعث الأموات فيها، لا ينكرون البعث يوم القيامة؛ وسمى عليه السلام الرجعة بالآخرة، لأنها بعد الدنيا فهي الآخرة الصغرى.
ثم إنه عز وجل أكد وقوع البعث وحياة الأموات في الرجعة، بأن نهى المؤمنين عن أن يتولوا منكري البعث في الرجعة، بل يتبرأوا منهم، وما ذكرنا هو التأويل المشار اليه.
والمراد من قوله (علیه السلام) فإذا اشتد القتل إلى آخره: يعني بالقتل الذي يقع قبل قيام.
القائم عليه السلام، فإنه حينئذ يشك كثير ممّن يقول به إلَّا من يثبِّته الله بالقول الثابت، ويقولون مات القائم (علیه السلام) أو هلك في أي وادٍ سلك. وقد تكررت هذه الجملة في الروايات، وهي صريحة في إنكار الناس للإمام القائم عليه السلام؛ فإذا بلغ الأمر بهم الى هذه الحال، أتى الله بالفرج، فأذن لوليِّه بالظهور عجل الله فرجه، وهو تأويل قوله تعالى (ثم رددنا لكم الكرة عليهم) [الاسراء6] وهذا أحد وجوه التأويل فيها وعلى بعضها يُراد كرّة الحسين عليه السلام كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
السر المكنون
عن ابن عساكر وذكر سند الحديث حتى أوصله الى أبي الطفيل، عن علي عليه السلام قال: إذا قام قائم آل محمد (علیه السلام) جمع الله له أهل المشرق وأهل المغرب فيجتمعون كما يجتمع قزع الخريف؛ وأما الرفقاء فمن أهل الكوفة، وأما الأبدال فمن أهل الشام.
بيان: دلّ هذا الخبر أنَّ الامام القائم (علیه السلام) اذا قام يجمع الله له أهل المشرق - أي من الشيعة - وأهل المغرب - أي منهم ايضا - كما تجتمع سحب الخريف، حيث إنَّ قرع الخريف - أي سحائبة - تجتمع مرة واحدة فهؤلاء يجتمعون في ليلة واحدة كما مرَّ.
ثم قال: وأما الرفقاء المراد بهم المرافقين للإمام القائم (علیه السلام)، هؤلاء من أهل الكوفة من المؤمنين، وهذه كرامة وخصوصية لأهل الكوفة، حيث يكونون من المرافقين للامام الحجة عليه السلام.
والمراد من الأبدال: لعله حين يلتقي جيش السفياني مع جيش الامام القائم (علیه السلام) في وادي الأردن قبل القتال، فيخرج أناس من الشيعة والمؤمنين، ولعلهم من شيعة سورية ولبنان، فيلتحقون بجيش الامام الحجة (علیه السلام) ويخرج أناس من النواصب كانوا في جيش الامام (علیه السلام) ولعلهم من نواصب الحجاز ومن السعودية، فيلتحقون بجيش السفياني، وقد مرّ في الخبر أنََّ ذلك اليوم يسمى بيوم الأبدال، ولعل المراد بالأبدال هؤلاء الأبدال ولذا خصوا بالذكر.
الدمعة الساكبة
قال: ويستقر - أي الامام القائم عليه السلام - بعد قيامه وفتحه الكوفة في نفس الكوفة، ويكون مسكن أهله مسجد السهلة، ومحلة قضائه مسجد الكوفة - أي المسجد الأعظم - ومدة ملكه سبع (1)سنين، يطّول الله الأيام والليالي حتى تكون السنة بقدر عشر سنين، لأن الله سبحانه وتعالى يأمر الملك باللبوث، فتكون مدة ملكه سبعين سنة من هذه السنين؛ فإذا مضى منها تسع وخمسون سنة، خرج الحسين عليه السلام في أنصاره الإثنين والسبعين الذين استشهدوا معه في كربلاء، وملائكة النصر الشعث الغبر الذين عند قبره. فإذا تمت السبعون سنة أتى الحجة الموت، فتقتله امرأة من بني تميم اسمها سعيدة، ولها لحية كلحية الرجل، بجاون صخر من فوق سطح وهو متجاوز في الطريق، فإذا مات تولى تجهيزه الحسين (علیه السلام) ثم يقوم بالأمر الحسين عليه السلام أي يكون ملك الملوك في الدنيا، ويحشر له يزيد بن معاوية، وعبيد الله بن زياد، وعمر بن سعد، والشمر ومن معه يوم كربلاء، ومن رضي بأفعالهم من الأولين والآخرين، فيقتلهم الحسين عليه السلام،
1) (1) قد مرَّ أنََّ هذه الرواية معروفة في أخبار العامة، وأما بحسب ما ثبت في أخبارنا كما سيأتي في بيان خاص إن شاء الله تعالى، أنَّ مدة ملك الإمام ثلاثمائة سنة ويزداد تسعاً، كما لبث أهل الكهف في كهفهم؛ وقد نص القرآن بذلك قال تعالى: (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً) [الكهف 25].
ويقتصُ منهم، ويكثر القتل في كل من رضي بفعلهم وأحبهم، حتى يجتمع عليه أشرار الناس من كل ناحية، ويلجئونه الى البيت الحرام، فإذا اشتد به الأمر، خرج السفّاح علي بن أبي طالب امير المؤمنين عليه السلام لنصرته مع الملائكة فيقتلون أعداء الدِّين.
والظاهر أنَّ المراد بمن رضي بأفعال يزيد وأتباعه، هم النواصب فسيأتي إنَّ الامام (علیه السلام) لا يقتل النَّواصب الغير المحاربين، بل يطردهم عن البلاد؛ فإذا رجع يزيد وعبيد الله وعمر بن سعد التحقوا بهم وأيَّدوهم وانضموا اليهم ونصروهم، ولذا يلجئون الامام الحسين الى الاستجارة ببيت الله الحرام، ثم ينصره الله تعالى بالملائكة وبأبيه الامام امير المؤمنين (علیه السلام)، فيقتلون هؤلاء المنافقين، وينتشر الاسلام والدين مرة ثانية من مكة حرم رب العالمين كما انتشر اولاً منها، ويقتل كل ناصبيٍّ ومنافق، ويكون هو الامام الناطق ويمكث علي عليه السلام مع ابنه الحسين (علیه السلام) ثلاثمائة سنة ويزداد تسعاً - أي وتسع سنين - كما لبث أصحاب الكهف في كهفهم.
ثم يضرب علي عليه السلام على قرنه الأيسر ويقتل لعن الله قاتله، ويبقى الحسين عليه السلام قائما بدين الله، ومدة ملكه خمسون ألف سنة، حتى أنه ليربط حاجبيه بعصابة من شدة الكبر، ويبقى أمير المؤمنين عليه السلام في موته أربعة الآف سنة، أو عشرة الآف سنة على اختلاف الروايات.
ثم يكرُّ عليه السلام في جميع شيعته، لأنه عليه السلام يُقتل مرتين ويحي مرتين، حيث قال عليه السلام: أنا الذي أقتل مرتين، وأحي مرتين، ولي الكرّة بعد الكرة، والرَّجعة بعد الرجعة، والائمة عليهم السلام يرجعون حتى القائم عليه السلام، لأنَّ لكل مؤمن موتة وقتلة، فهو في أول خروجه قُتل فلا بدَّ ان يرجع حتى يموت.
ويجتمع إبليس (لع)، مع جميع أشياعه ويقتتلون مع المؤمنين عند الروحاء قريبا من الفرات، فيرجع المؤمنون القهقري، حتى يقع رجال منهم في الفرات؛ وروي ثلاثون رجلًا يقعون في الفرات؛ فعند ذلك تأويل قوله تعالى: (هل ينظرون إلَّا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضى الأمر) [البقرة 210] رسول الله صلى الله عليه وآله ينزل من الغمام وبيده حربة من نار، فإذا رآه ابليس هرب، فيقول أنصاره أين تذهب وقد آن لنا النصر؟ فيقول: إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله رب العالمين، فيلحقه رسول الله صلى الله عليه وآله، فيطعنه في ظهره، فيخرج الحربة من صدره، ويقتلون أصحابه جميعاً. وعند ذلك يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، يعيش المؤمن لا يموت حتى يولد له ألف ولد ذكر؛ وإذا كسا ولده ثوباً
يطوَّل معه، كلَّما طال طال الثوب، ويكون لونه على حسب ما يريد، وتُظهر الأرض بركاتها وتؤكل ثمرة الصيف في الشتاء وبالعكس، واذا اخذ الثمرة من الشجرة تنبت مكانها حتى لا يفقد شيئاً. وعند ذلك تظهر الجنتان المدهمتان عند مسجد الكوفة وما حوله بما شاء الله سبحانه وتعالى، فإذا أراد الله إنفاذ أمره في خراب العالمين، رفع محمداً وآله صلى الله عليه وآله أجمعين، إلى السماء وبقي الناس في هرج ومرج أربعين يوماً، ثم ينفخ اسرافيل عليه السلام في الصور نفخة الصعق، وما ذكرناه ملتقط من الأخبار وروايات الأئمة الاطهار عليهم السلام.
بيان: يُستفاد من هذا الخبر أمران:
الأول: إنَّ أمير المؤمنين عليه السلام في الرجعة الأولى يقتل الطائفة المخالفة للحسين (علیه السلام) من النَّواصب، ويقتل كل من رضي بقتله، وهؤلاء يجتمعون بمكة لقتال الحسين، فيخرج إليهم فيقاتلهم فيقتلهم، ويقتل كل من خالفه.
الثاني: إنه في الرجعة الثانية مع النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) يقتل الشياطين فيجتمعون له بالروحاء قريباً من الفرات، فيخرج النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، هو والنبي صلوات الله عليهما يقتلان جميع الشياطين، فلذا قال عليه السلام: أنا الذي اقتل مرتين وأحي مرتين، ولي الكرَّة بعد الكرَّة والرجعة بعد الرجعة، ففي الكرَّة الأولى هو والامام الحسين (علیه السلام) يقتل النَّواصب والمخالفين من أعداء الدَّين؛ وفي الكرَّة الثانية هو والنبي يقتل الشياطين، فتُطهر الأرض من الرجس والفاسقين، والحمد لله رب العالمين.
روضة الواعظين
بحذف الإسناد عن يحي بن العلاء الرازي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ينتج الله في هذه الأمة رجلًا منِّي وأنا منه، يسوق الله به بركات السماوات والأرض، فتنزل السماء قطرها، وتخرج الأرض بذرها، وتأمن وحوشها وسباعها، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلما وجوراً، ويقتل حتى يقول الجاهل: لو كان هذا من ذريَّة محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) لرحم.
بيان: ينتج الله - أي ينشأ الله - ويخرج ويظهر في هذه الأمة - أي في الأمة الاسلامية
الإمامية - رجلًا وهو الإمام القائم عليه السلام، يُنزل به بركات السماوات والأرض على الناس، ويُنزل به المطر ويُنبت به النبات النافع، وينشر به العدل والأمان، فيأمن الانسان من السِّباع والوحوش، ويقتل الكافرين والمنافقين والفاسقين حتى يقول الجاهل بإمامته: لو كان هذا من ذريَّة محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) - أي كان سيداً علويّاً لرحم الناس، ولم يقتلهم ولكنَّ العارفين يعلمون أنَّ قوله وعمله وفعله كلّه مطابق لشريعة سيِّد الأنام، وأنه لا يصدر منه فعل الحرام وهو معصوم من الخطأ والزلل، منزَّه عن الخلل.
كشف الغمة
قال: قد جاء في الأثر بأنَّ القائم عليه السلام يسير من مكة حتى يأتي الكوفة، فينزل على نجفها، ثم يفرِّق الجنود منها الى الأمصار.
وفيه: في رواية صالح بن أبي الأسود، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر مسجد السهلة فقال: إنه منزل صاحبنا إذا قدم بأهله.
بيان: دلّ الخبر الأول على أنََّ ابتداء ثورة الامام من مكة، واذا استقامت له الأمور يسير منها رأساً الى الكوفة، فينزل فيها لأنها عاصمته، ومنها يفرِّق جنوده الى سائر البلاد والأمصار العراقية وغيرها، وإذا قدم بأهل بيته وأولاده وهم الساكنون فعلًا في الجزيرة الخضراء، ينزل بهم في مسجد السهلة وأطرافه من النخيل والبساتين الى حدِّ نهر الفرات.
فتوحات القدس
قال: إنََّ الله خليفة يخرج من عترة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) من ولد فاطمة - أي هاشميٌّ علويٌّ فاطميٌّ - يواطى اسمه اسم رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) جده الحسين بن علي بن ابي طالب (علیه السلام) يُبايع بين الركن والمقام، يشبه رسول الله في الخُلق - بضم الخاء - وينزل عنه في الخَلق بفتح الخاء - اسعد الناس به أهل الكوفة، يعيش خمساً، أو سبعاً، أو تسعاً يضع الجزية أي على أهل الذمة. ويدعو الى الله بالسيف، ويرفع المذاهب - أي المختلفة - عن الأرض، فلا يبقى إلَّا الدِّين الخالص، أعداؤه مقلدة العلماء أهل الاجتهاد، والمراد من مقلدة العلماء هم العوام التابعين للعلماء من العامة لما يرونه من الحكم بخلاف ما ذهب إليه أئمتهم، والمراد من الأئمة المذاهب الأربعة الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، فيرون العوام من
العامة أنّ حكم الإمام القائم (علیه السلام) مخالف لمذهب أئمتهم، فيدخلون كُرهاً تحت حكمه، خوفاً من سفه، يفرح به عامة المسلمين أكثر من خواصِّهم، يبايعونه العارفون وهم الشيعة الإمامية الاثني عشرية من أهل الحقائق عن شهود وكشف بتعريف إلهيّ، له رجال وهم أنصاره، إلهيون يقيمون دعوته وينصرونه؛ ولولا أنَّ السيف بيده لأفتى الفقهاء - أي من العامة - بقتله؛ ولكن الله يظهره بالسيف والكرم، فيطمعون ويخافون، ويقبلون حكمه من غير إيمان، بل يضمرون خلافه، ويعتقدون فيه، اذا حكم فيهم بغير مذهبهم أنه على ضلالة، لأنه مخالف لحكم المذاهب الأربعة. في ذلك الحكم، لأنهم يعتقدون أنَّ أهل الاجتهاد في زمانه قد انقطعوا، وما بقي مجتهد في العالم، وأنََّ الله لا يُوجد بعد أئمتهم أحداً، له درجة الاجتهاد، وأما من يدَّعي التعريف الإلهي بالأحكام الشرعية، فهو عندهم مجنون فاسد الخيال.
بیان: هذه المقالة يوردها محيي الدَّين بن عربي في الفتوحات المكّيّة، وهو من علماء العامة، وإن أوَّلنا بعض كلماته وصرفناها إلى ما هو الحقيقة، وهذه المقالة ليست برواية واردة عن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) أو عن الامام (علیه السلام) بل كلام أخذه من كلمات علمائهم الماضين، ومن كتبهم، كما في كتاب ينابيع المودة وهو من علماء العامة، قال في فتوى الفقهاء بقتل القائم (علیه السلام) اذا خرج الامام المهدي فليس له عدوّ مبين إلَّا الفقهاء خاصة، ولولا السيف بيده لأفتى الفقهاء بقتله، ولكنََّ الله يظهره بالسيف والكرم، فيطعمون ويخافون، فيقبلون حكمه من غير إيمان بل يظهرون خلافه.
بیان: الظاهر أنَّ هذا الكلام أخذه من كلام محيي الدين بن عربي وكلاهما من العامة، ولم يرد عن نبيّ، أو إمام؛ والمراد من الفقهاء هم علماء العامة، لأنهم هم الذين یرون أنَّ باب الاجتهاد مغلقة وأن الاجتهاد منحصر بالمذاهب الأربعة، وقد ماتوا وانقطعوا وما بقي مجتهد في العالم، وانغلقت باب الاجتهاد ولم يبق أحد له درجة الاجتهاد.
ولقد أرادوا فتح باب الاجتهاد في هذه الأزمنة المتأخرة تبعاً للفرقة الامامية فقالوا بفتحه، ولكنَّه لا ينفتح عليهم أبداً، لأنهم غير مطلعين بعلم أصول الفقه، المعرَّف بأنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية، أو أنه صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن ان تقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية أو التي ينتهي إليها في مقام العمل. فهذا العلم غير موجود عندهم، ومع عدم معرفتهم بهذا العلم لا يتسنى لهم الاجتهاد، لأن الاجتهاد وإن عُرِّف بتعاريف متعددة منها: أنه العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها
التفصيلية بالقوة لا بالفعل. إلّا ان الذي اختاره - شيخنا الاستاذ الحليّ قدس سره بأنََّ الاجتهاد اعمال الأدلة الأربعة في مقام الاستنباط للأحكام الشرعية؛ فمن تمكن من إعمال الأدلة وأعملها واستنبط الحكم الشرعي منها كان مجتهداً. ومن لم يكن عالماً بعلم الأصول ولم يكن مجتهداً وتصدى للفتوى، ارتطم في الشبهات، ثم ارتطم وليتبوأ مقعده من النار. فقد ورد في الحديث عنه (علیه السلام) من افتى بغير علم فليتبوأ مقعده من النار.
وقد احتج علماء الأزهر على علماء النجف بأنكم كيف فتحتم باب الاجتهاد وقد غُلق بعد موت المذاهب الأربعة؟ فذهب وفد من النجف إلى مصر للاحتجاج معهم، فعقدوا لهم مجلساً خاصاً، وأول ما دخلوا وقبل أن يستقرَّ بهم الجلوس، أشكل عليهم بعض علمائهم بأيّ دليل تقولون بفتح باب الاجتهاد؟ وكيف فتحتم باباً غلقه الله تعالى ورسوله والخلفاء الراشدين والخلف الصالح من بعدهم من المذاهب؟ فأجاب رئيس الوفد: ما تقولون في الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام؛ أليس هو من الخلفاء الراشدين، ومن الخلف الصالح؟ قالوا: نعم، هو من الخلفاء الراشدين، ومن الخلف الصالح، فقال: إنه هو الذي فتح لنا باب الاجتهاد. فقالوا: وكيف ذلك، وبأيّ دليل؟ فقال: إنََّ في كتبكم الصحاح وكتبنا ذكروا أنََّه لمَّا توفي عثمان، اجتمع المسلمون على الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام وقالوا: نبايعك على كتاب الله وسنَّة نبيه، وسنة الشيخين. قال: لا تبايعوني على كتاب الله وسنَّة نبيّه واجتهادي. وفي رواية معاذ: وأجتهد رأي. والمراد ردّ القضية الى الكتاب والسنّة، لا الرأي الذي يراه من قبل نفسه من غير حمل على الكتاب والسنة.
فالإمام علي عليه السلام، هو الذي فتح لنا باب الاجتهاد، فأخرس الحاضرون من علماء الأزهر، ولم يكن لهم أي جواب.
فباب الاجتهاد عند الفرقة الامامية مفتوح، ولكن أيَّ مجتهد إمامي يعتقد بإمامة الأئمة الأحد عشر عليهم السلام، ويعتقد بالإمام الحجة (علیه السلام) وبظهوره في آخر الزمان حتى إذا خرج يكون من أعدائه ولا يطيعه ولولا السيف، لأفتى بقتله، لا يفعل ذلك إلَّا المخالف، ومن كان له مذهباً خاصّاً غير مذهب الشيعة.
وقد تبين من الأخبار المتقدمة، أنََّ كل ما ورد في ذمَّ الفقهاء، في الروايات كما في رواية ابن مسعود وغيره من الخطب، كله محمول على علماء الضلالة، وإلَّا فعلماء الهدى المؤمنين العاملين بالدَّين، والأخيار الأبرار الصالحين، وأهل الفضل والعلم
المحصَّلين قد وردت الأخبار بمدحهم، وأنهم بعد النبي والأئمة صلوات الله عليهم افضل المخلوقين.
وهناك روايتان مرَّت الإشارة إليهما، وقد وقعا محلًا للقال والقيل بين العوام، وجرأتهم على الإشكال على أهل الفضل والكمال، وأنا أرويهما كما وجدتهما:
الأولى: عن الكتاب المبين السفر الثاني منه
في المقام الأول فيما يتعلق بالغيبة عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، في حديث طويل قال: اذا قام القائم سار إلى الكوفة، فيخرج منها بضعة عشر ألف نفس، يدعون البترية عليهم السلاح، فيقولون: ارجع من حيث جئت، فلا حاجة لنا في بني فاطمة، فيضع فيهم السيف، حتى يأتي على آخرهم؛ ثم يدخل الكوفة فيقتل بها كل منافق مرتاب، ويهدم قصورها، فيقتل مقاتليها حتى يرضى الله عز وعلا.
الثانية: عن الكتاب المبين:
عن حلية الأبرار عنه عليه السلام في حديث: ويسير إلى الكوفة، فيخرج منها ستة عشر عشر ألفاً من البترية، شاكّين في السلاح، قراء القرآن، فقهاء في الدِّين، قد قرعوا جباههم، وشمَّروا ثيابهم، وعمَّهم النفاق، وكلهم يقول: يا بن فاطمة، ارجع لا حاجة لنا فيك؛ فيضع السيف فيهم على ظهر النجف عشية الأثنين، من العصر إلى العشاء، فيقتلهم أسرع من جزر جزور، فلا يفوت منهم رجل، ولا يُصاب من أصحابه أحد، دماؤهم قربان إلى الله تعالى.
بیان: هاتان الروايتان صريحتان في أنَّ هؤلاء المعارضين للإمام (علیه السلام) الخارجين من الكوفة إليه، الرادِّين عليه من البترية، وقد تقدم أنَّ البترية طائفة من الزيدية، القائلين بإمامة زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام، وهؤلاء يقولون بإمامة كلّ فاطمي عالم صالح ذي رأي يخرج بالسيف، وهؤلاء مخالفون للفرقة الإمامية، وليسوا منهم، فلذلك يعترضون على الإمام الحجَّة ابن الحسن عليه السلام، فهذان واردان في غير الفرقة الإمامية، وفي غير الشيعة، بخلاف الأخبار المتقدمة، فإنها واردة في الشيعة، كما في الروايات المتقدمة المنقولة عن مكيال المكارم.
كما أنََّ في الخبر إشارة إلى أنََّ هؤلاء البترية منافقون، حيث قال: وعمهَّم النفاق. فلذا جاز للإمام (علیه السلام) قتلهم، ومأواهم في الدرك الأسفل من النار. قال تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) [النساء 145]
لا ريب في ظهور الدَّجَّال بعد ظهور الإمام القائم عليه السلام، واختلفت الروايات في محل خروجه.
ففي خبر السر المكنون عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله: «يخرج بالمشرق من سجستان - أي من أطرافها - وفي خبر - أنه يخرج من قرية تعرف باليهودية - وفي خبر - أنه يخرج من قرية وراس. - وفي خبر - أنه يخرج من قلّة بين الشام والعراق.
نور الأنوار
قال: اسم هذا الملعون صايد بن صيد، ولقبه الدَّجَّال - أي الكذاب - من الدَّجل بمعنى التمويه، وخروجه من العلائم الحتمية، فيكون خروجه فتنة وامتحاناً للعباد، وهذا اللعين اولاً يدَّعي النبوة، ثم يترقىٰ فيدّعي الربوبيَّة، ويصل إلى كثير من البلاد إلَّا مكَّة والمدينة، فإنه لا يدخلهما.
العوالم
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الدَّجَّال لا يدخل مكَّة والمدينة، على كل شعب من شعابها ملك شاهر سيفه - أي يمنعه من الدخول فيهما - وهذا الملعون أعور؛ والله سبحانه وتعالى ليس بأعور، وهو ساحر، عجيب غريب، يسحر الناس بسحره، وله
محمل يحمله، يمشي على الماء كما يمشي على الأرض، ولعله من قبيل البر مائيات الحديثة. - وفي خبر - أنه مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله. - وفي خبر - أنه مكتوب بين عينيه هذا كافر حقاً. وأي موضع وطئه من البحار والأنهار جفَّ ماءه، وأصبح غوراً لنحوسدمه وشؤمه، فيدور في الجبال، والبراري، والأوعار، والصحاري، وأطراف البلدان والقرى، وينادي بأعلى صوته: يا أهل المشرق والمغرب، والجن والإنس، ويا أوليائي اسمعوا، أنا الذي خلق فسوّى، أنا الذي قدََّر فهدى، أنا ربَّكم الأعلى وهذا الشقيّ، الجبَّار، الكذَّاب، الأعور، السحَّار كاذب في دعواه، لأن الله تعالى لا يتَّصف بصفات البشر، ولا يدركه بصر.
فيكون يوم خروجه يوم رواج سوق الشياطين، والكافرين، والفاسقين، والمنافقين، والسحرة، والكهنة، فيجمع الشيطان أعوانه، وأولاده، وأتباعه من الجن والإنس، والمتمردين من الشياطين حول الدَّجَّال، وكلهم يعلنون بالرقص والغناء وقراءة الأشعار، والعزف بأنواع الموسيقى، ويظهرون النغمات المطربة المعجبة.
وذكر بعض: أنََّ اسم أب الدَّجَّال صياد، واسم أمه كاهنة، وكلاهما يهوديَّان. وذكر آخر: أَنََّ اسم أب الدَّجَّال داود، واسم أمه ميمونة، وكنيته أبو يوسف. ولكن اليهود تسمي الدَّجَّال قطامة، ويعتقدون بأنه نبي، وعند خروجه إذا ادَّعى الربوبية يعتقدون بربوبيته، ويكون أولاد اليهود أتباعه، وعدة عسكره ألف ألف وستمائة ألف - أي مليون وستمائة ألف - رجل كلهم ما بين كافر وفاسق ويهودي ومنافق. فإذا خرج الدَّجَّال أتاه الخضر (علیه السلام) ووعظه، فيقتله الدَّجَّال فيحي الخضر (علیه السلام) بإذن الله تعالى، يفعل ذلك ثلاث مرات، وفي كل مرة يحي الله الخضر بقدرته.
قد ورد في بعض الأخبار أنَّ القحط والغلاء يقع قبل خروجه بثلاث سنين بهذا المنوال:
ففي السنة الاولى: تمنع السماء ثلث قطرها المتعارف، وتمنع الأرض ثلث حاصلها ونباتها المتعارف.
وفي السنة الثانية: تمنع السماء ثلثي قطرها، والأرض ثلثي حاصلها ونباتها.
وفي السنة الثالثة: تمنع السماء جميع قطرها، والأرض جميع حاصلها ونباتها، فتموت أكثر الحيوانات والهوام جوعاً.
وفي خبر عن أبي أمامه، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «كل مؤمن رأى الدَّجَّال فليبصق عليه، فإنَّ معه السحرة معه السحرة، وأكثر الناس تتبعه إلَّا من عصمه الله تعالى، ومعه جنة ونار، يريهما للناس بسحره، فكل مؤمن ابتلى بناره فليقرأ سورة الحمد، وينفخ على ناره حتى لا يؤثر سحره فيه».
بیان: دل هذا الخبر أنَّ مع هذا اللعين السحرة، وهو ساحر عظيم، يُري الناس بسحره أنَّه له جنة ونار، ومعه جن وعفاريت كثيرة، يتشكلون بصور الآدميين، ويعملون الأسحار وإظهار خرق العادات للناس؛ فمن أراد النجاة من سحره، ولئلا يبتلى بناره الوهميَّة فليقرأ سورة الفاتحة وينفخ على النار، لا تؤثر فيه.
ويدخل الدَّجَّال كثير من البلاد إلَّا مكة والمدينة، فكلَّما أراد الدخول إليهما منعته الملائكة من الدخول فيهما، فإذا قرب من المدينة وقعت زلزلة عظيمة في المدينة، فيخرج كل منافق كان فيها، ويذهب إلى الدَّجَّال ويكون في حزبه، ومن أتباعه، لأن المنافق، حينئذ لا يتمكن من البقاء في المدينة، فتُنقى المدينة من المنافقين وتُنظف منهم.
ولما وصل النبي صلى الله عليه واله هذا المكان قالت أم شريك: يا رسول الله، أين يكون المؤمنون يومئذ؟ قال (صلی الله علیه وآله وسلم): قد اجتمعوا في بيت المقدس، فيأتي الدَّجَّال ويحاصرهم عند صلاة الصبح. - وفي رواية - عند صلاة العصر، فيتقدم الإمام الحجّة عليه السلام للصلاة، ليصلي بالناس جماعة، فينزل في ذلك الوقت عيسى بن مريم (علیه السلام) من السماء، قرب المنارة البيضاء على جبل أفيق، لابساً ثوبين مصريين، وشعره طريّ، وقد وضع يداه على أجنحة ملكين، وجبينه المبارك يقطر عرقاً، كأنه اللؤلؤ، فكل كافر نصيبه أنفاس عيسى مات لوقته، وإذا وقع نظره على كل مشرك هلك لوقته، فيقتدي عيسى بصاحب الأمر في الصلاة.
بیان: هذه الرواية منافية لبعض الروايات الدَّالة على أنََّ عيسى يهبط من السماء في مكة، ويمكن أن تؤول إحدى الروايتين بأنَّ المراد من النزول في المكان لا من السماء ونحو ذلك، أو يُرجح إحداهما وهي رواية مكة، لصحة سندها، أو يُراد من السماء معناه اللغوي وهي جهة العلو.
وفي رواية عن عبد الله بن سليمان وكان قارئاً للكتب قال: قرأت في الإنجيل ذكر أوصاف عيسى عليه وعلى نبينا وآله السلام إلى أن قال: قال الله تعالى مخاطباً لنبيه أرفعك إليّ، ثم أهبطك في آخر الزمان، لترى من أمة ذلك النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) العجائب، ولتعينهم على اللعين الدَّجَّال، أهبطك وقت الصلاة، لتصلي معهم إنهم أمة مرحومة.
الدار المسلوك للشيخ أحمد بن الحر قدس سره مخطوط
قال حذيفة بن اليماني بعد أسئلة سألها من النبي صلى الله عليه وآله عن الدَّجَّال منها: قال حذيفة: قلت: يا رسول الله، أيكون بعد هذا السيف بقية؟ قال: نعم، تكون إمارة على أضداد هدنة على رجف، إلى أن قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم يخرج الدَّجَّال مع نهر ونار، فمن وقع في نارة وجب أجره وحطّ وزره؛ ومن وقع في نهره وجب وزره وحبط أجره. قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: يبيح المهر - وفي نسخة المِمّر فلا يُركب حتى تقوم الساعة - أي حتى يقوم القائم عليه السلام -.
بيان: الإمارة التي تكون على الأضداد هي إمارة الإمام القائم على أضداده من المنافقين والكافرين؛ والهدنة على الرجف هو أن الهدنة عدم الحرب والسكون والجبن
والاسترجاء، والرجف هو الاضطراب وعدم الاستقرار والخوف، ووصول الأخبار المختلفة الكاذبة السيئة، ثم بعدها يخرج الدَّجَّال - أي الكذَّاب - وهو أحد المدَّعين للنبوة، ثم الربوبية، يصوِّر بسحره للناس نهر وجنة لمن تبعه وأطاعه واعترف به، ونارلمن خالفه وعصاه ولم يعترف به؛ فمن خالفه فقتله أو القاه في نار فأحرقه فله عند الله الثواب العظم وحط وزره أي غفر الله له ذنوبه؛ ومن تبعه وأطاعه فقد وقع في نهره، وتحمَّل الوزر والذنب، وحبط عمله وأجره ثم سأل النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) بعد ذلك ما يصنع؟ قال: يبيح المهر: أي يزني بالنساء بلا مهر، فلا يركب، أو يتزوج بمهر حتى تقوم الساعة، أي حتى يقوم الإمام الحجَّة عليه السلام، أو يبيح المِمّر من المرة مؤنث المرّ ضد الحلوة، وهو الشر والأمر العظيم، يقال: لقي المرَّتين أو الأمرين، وهو الشر والأمر العظم من الشر والفساد، فالمعنى أنه يبيح كل شر وكل فساد كبير عظيم.
الكتاب المبين عن المجموع الرائق مخطوط
خطبة للإمام أمير المؤمنين عليه السلام في صفة الدَّجَّال لعنه الله، وبعد أن وصفه قال: على جبينه سطران مكتوبان يقرأهما كل مؤمن ويمجدهما كل كافر:
الأول: مكتوب الشقي من تبعك.
الثاني: السعيد من فارقك.
وعدة عسكرة ألف ألف وستمائة ألف - أي مليون وستمائة ألف - كلهم أولاد اليهود وأولاد النصارى وأولاد الزنا إلى أن قال: ويقول هذه جنَّتي، وهذه ناري، من أطاعني أدخلته جنَّتي، ومن عصاني أدّبته بسيف نقمتي؛ والدليل على ذلك قول أخي محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) يظهر بعدي الكذَّابون والدَّجَّالون وهم أربعة: مسليمة الكذَّاب.
والثاني: صاحب اليمامة: وهو الذي سمَّى نفسه الرحمٰن، وكان اسمه عبد الرحمٰن، فحذف عبد وأبقى الرحمن، وهو المدَّعي أنه يضع قدمه يوم القيامة موضع قدم الله تعالى فيقول: قطي قطّي، تفسيره حسبي حسبي، بهذا وعدني ربّي أن يملأ بي، فتعالى الله عن ساق، أو قدم، أو جارحة، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، لعن الله القدرية (1)والجلولية، ورفضه الحق المبين.
1) (1) القدرية: قيل هم المعتزلة القائلون باستناد أفعالهم إلى قدرتهم وقيل هم المنسوبون إلى القدر، لأنهم يزعمون أنَّ كل عبد خالق فعله، ولا يرون المعاصي والكفر بتقدير الله ومشيئته، فنسبوا إلى القدر، لأنه بدعتهم وضلالتهم، وفي الحديث: لا يدخل الجنَّة قدري، وهو الذي يقول: لا يكون ما شاء الله ويكون ما شاء إبليس.
والثالث: الحجاج الثقفّي.
والرابع: الدَّجَّال اليهوديّ لعنه الله.
فيسير الدَّجَّال إلى الزوراء - وهي بغداد - والناس في أطرافها فلا يسيء إلى أحد منهم، وكل بلد يدخله يقتل منه، ويسير إلى الموصل فينقضها حجراً حجراً، ويقول في كل بلد يدخله: أنا الحقّ، أنا الرزاق، أنا المحيي، أنا المميت، أنا الذي خلق فسوَّى، وأنا الذي قدََّر فهدى، أنا ربُّكم الأعلى لا إله إلَّا أنا، وحدي لا شريك لي، من أطاعني أمن من سطوتي، وأوسعت له جنَّتي؛ ومن عصاني أدَّبته بسيف نقمتي؛ ويكون مسيره من المشرق إلى دمشق أي في أربعين يوماً. ويبنى له قصر على جانبها يدَّعي فيه الربوبيَّة، ويقيم على ذلك خمسين يوماً.
قال جابر: فقلت: يا أمير المؤمنين، ما يكون بعد ذلك؟
قال: يُظهر الله الذي لا إله إلَّا هو، ولا شريك له، ولا ندّ، ولا شبيه، ولا مشير له، المهديَّ (علیه السلام) من ذريتي، إلى أن قال (علیه السلام): فيدخل المهديّ من باب الحرم - أي في مكة - فيلتقي بعيسى بن مريم (علیه السلام) ويقول له: يا نبيّ الله وروحه، تقدم فصلِّ بنا فيقول عيسى (علیه السلام): ولتتقدم أنت فإنك الإمام، وأنت أحقّ بالصلاة. فيتقدم المهديّ (علیه السلام) من ذريتي، فيصلي إلى قبلة جده رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم).
ويسيرون جميعاً إلى أن يأتوا إلى بيت المقدس، فيجلسان فيه على الصخرة التي صعد عليها رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) - أي صعد عليها وعرج منها إلى السماء - ويكتبان كتاباً إلى الدَّجَّال (لع)، فيحذِّرانه وينذرانه، فإذا قراءه عتا والله وكفر، وتمرَّد وعصا وتجبَّر، ثم يكتب إليهما كتاباً يتهدَّدهما فيه، ويسير إليهما بخيله ورجله، فأول ما يلتقي به عيسى (علیه السلام)، فيقتل من عسكره ثلاثين ألفاً، ثم يصيح بهم جبرائيل عليه السلام صيحة واحدة عظيمة، فيموت من عسكر الدَّجَّال اربعين الفاً، ثم ينهزم إلى طبرية، وهي مدينة تقع على بحيرة طبرية، أو جناسر، أو بحر الخليل، وهي بحيرة في فلسطين يجتازها نهر الأردن - فيتبعه المهديّ عليه السلام، فينهزم من بين يديه إلى دمشق، ليحصن بها، فيلحقه المنتظر (علیه السلام)
في موضع يقال له باب الفراديس فيعرض عليه الإسلام فيأبي الخبر.
إكمال الدين
بإسناده إلى النَّزال بن سيرة قال: خطبنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: سلوني أيها الناس قبل أن تفقدوني ثلاثاً. فقام إليه صعصعة بن صوحان فقال: يا أمير المؤمنين، متى يخرج الدَّجَّال؟ فقال: علي عليه السلام: اقعد فقد سمع الله كلامك، وعلم ما أردت، والله ما المسؤول منه بأعلم من السائل، ولذلك علامات وهيئات، إلى أن قال: فقام إليه الأصبغ بن نباتة فقال: يا أمير المؤمنين من الدَّجَّال؟ فقال عليه السلام: ألا أنَّ الدَّجَّال صايد بن صيد، فالشقي من صدَّقه، والسعيد من كذَّبه، يخرج من بلدة يقال لها أصبهان، والظاهر أنه لا يخرج من نفس البلدة، بل من أطرافها من قرية تُعرف باليهودية - وهذه الخطبة منافية لما مرَّ وما سيأتي من أنه يخرج من قرية دراس - عينه اليمنى ممسوحة، واليسرى في جبهته، إلى أن قال: مكتوب بين عينيه كافر، الى ان قال: لا يمر بماء إلَّا غار الى يوم القيامة، ينادي بأعلى صوته، الى قوله: إلىّ أوليائي أنا الذي خلق فسوَّى، وقدَّر فهدى، أنا ربكم الأعلى، وكذب عدو الله، إنه أعور، ويُطعم الطعام، ويمشي في الأسواق، وإنَّ ربكم ليس بأعور، ولا يُطعم، ولا يمسي، ولا يزول، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. الخطبة.
الدمعة الساكبة مخطوط
عن عقد الدرر قال كعب الأخبار: يخرج المهديَّ (علیه السلام) إلى بلد الروم، ويفتح القسطنطينية؛ ثم يأتيه الخبر بخروج الأعور الدَّجَّال، وهو رجل عريض، عينه اليمنى مطموسة، وأمَّا اليسرى فكأنها كوكب، بين عينيه مكتوب كافر بالله وبرسول الله، يخرج ويدَّعي أنه ربّ، ولا يسمعه أحد إلََّا تبعه إلَّا من عصمه الله عز وجلّ، ويكون له جنة ونار، فيقول هذه جنَّتي لمن سجد لي، ومن أبي أدخلته النار.
وقال وهب بن منبه: عند خروج الأعور الدَّجَّال تهبُّ ريح كريح قوْم عاد، وهذه هي الريح العقيم المهلكة؛ وتُسمع صيحة كصيحة قوم صالح، وهي تهلك الناس و تبيدهم، لأنها أهلكت ثمود وهم قوم صالح، وصالح من ولد ثمود؛ ويكون مسخ كمسخ أصحاب الرَّس، يعلم أنَّ بعض أصحاب الرَّس مُسخوا قردة وخنازير وكلاباً، أو أنََّ التعبير بالمسخ كناية عن ذوبان أبدانهم، كما يذوب الراس، وتغيير صورتهم النوعية إلى صورة أخرى، لاستحالة أبدانهم إلى مادة سائلة، فعبَّر عن هذه الاستحالة بالمسخ، لأنَّ حقيقة المسخ كما تقدم هو تغيير الصورة النوعية إلى صورة أخرى؛ وذلك عند ترك الناس الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويسفكون الدِّماء، ويستحلون الزنا، ويعظم البلاء، ويُشرب الخمر، ويكتفي الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، فعند ذلك يخرج الدَّجَّال من ناحية المشرق، من قرية يُقال لها دراس إلى قوله: ويكون أجناده أولاد الزنا وفي خبر - أولاد اليهود معهم. وإذا جاء بلداً قال: أنا ربّكم فيأتيه الخضر عليه وعلى نبينا وآله السلام فيقول له: كذبت يا دجَّال، إنَّ ربنا ربّ العالمين، رب السماوات
والأرضين، فيقتله الدَّجَّال، ويقول له: قل لرب العالمين يحييك فيحيي الله الخضر (علیه السلام)، فيقوم ويقول: ها أنا ذا يا دجَّال، ويقول لأصحاب الدَّجَّال: ويلكم لا تعبدوا هذا الكافر الملعون ويقتله ثلاث مرات فيحييه الله تعالى.
ثم يخرج الدَّجَّال نحو مكَّة، فينظر الملائكة محدِّقين بالبيت الحرام، ثم يسير إلى المدينة فيجدها كذلك، ويطوف البلاد إلَّا أربع مدن مكَّة والمدينة وبيت المقدس وطرطوس.
فأمَّا المؤمنون فإنََّهم يصومون ويصلّون، غير أنهم تركوا المساجد، ولزموا بيوتهم والشمس تطلع عليهم مرة بيضاء، ومرة حمراء، ومرة سوداء، والأرض تزلزل، والمسلمون يصبرون حتى يسمعون بمصير المهديّ (علیه السلام) إلى الدَّجَّال فيفرحون بذلك.
قال: ويُقال إنََّ المهديّ يسير إلى قتال الدَّجَّال، وعلى رأسه عمامة بيضاء، فيلتقون ويقتتلون قتالاً شديداً، فيقتل من أصحاب الدَّجَّال ثلاثين ألفاً، ثم يسير المهديّ (علیه السلام) في طلبه، فيجد من عسكره نحواً من خمسين ألفاً، فيريهم الآيات والمعجزات، ويدعوهم إلى الإيمان فلا يؤمنون، فيمسخهم الله تعالى قردة وخنازير. ثم يأمر الله تعالى بجبرائيل (علیه السلام) أن يهبط بعيسى (علیه السلام) إلى الأرض وهو في السماء الثانية، فيأتيه فيقول: يا روح الله وكلمته، ربك يأمرك بالنِّزول إلى الأرض، فينزل ومعه سبعون ألفاً من الملائكة، وهو لابس عمامة خضراء، متقلد بسيف على فرس بيده حربة، فإذا نزل إلى الأرض نادىٰ منادٍ: يا معاشر المسلمين جاء الحقُّ وزُهق الباطل، فأول من يسمع بذلك المهديُّ (علیه السلام)، فيسير إليه ويذكر الدَّجّال ويسيّره إليه، فإذا نظر الدَّجَّال إليه ارتعد كأنه العصفور في يوم ريح عاصف. فيتقدم إليه عيسى (علیه السلام)، فإذا رآه الدَّجَّال ذاب كما يذوب الرصاص فيقول عيسى (علیه السلام) ألست زعمت أنك إلٰه لا تُقتل؟ فلم لا تنجي نفسك من القتل؟ ثم يطعنه بحربة فيموت.
ثم يضع المهدي (علیه السلام) سيفه وأصحابه في أصحاب الدَّجَّال فيقتلونهم، فيملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً، حتى ترعى الشاة مع الوحوش والسباع، ويلعب الصبيان بالحيَّات والعقارب فلا تضرهم، وتأمن النساء من أنفسهن، حتى لو أنَّ امرأة في العرباء لم تخف على نفسها؛ ويظهر الله كنوز الأرض للمؤمنين، ويستغني كل مؤمن فقير بقدرة الله تعالى.
بيان: دلَّ هذا الخبر على أنََّ الذي يقتل الدَّجَّال (لع)، المدَّعي للربوبيَّة، هو نبي
الله عيسى بن مريم (علیه السلام)؛ والذي يقتل أصحابه الذين هم أولاد اليهود، وأولاد الزنا ونحوهم، هو الإمام القائم عليه السلام، مع أصحابه: وبذلك يتحقق الأمان في العالم من السباع، والوحوش، والحيوانات السامة المؤذية، ومن النساس. فلذا قال: لو كانت المرأة في العرباء - أي في العرب الخلص مثل سكان البوادي والصحاري - لم تخف على نفسها من أحد، ويعطي الله المؤمنين كرامتين:
الأولى: أن يظهر لهم كنوز الأرض فيغنيهم بها.
الثانية: تستغني نفوس المؤمنين بقدرة الله تعالى.
نور الأنوار
قال: ويخرج الدَّجَّال، فيخرج إليه عيسى، ومع الدَّجَّال سبعون ألف رجل من اليهود مسلحين ومتهيئين للحرب؛ فإذا خرج من القلعة التي في بيت المقدس، هرب منه الدَّجَّال إلى جهة المشرق، فيلحقه عيسى عليه وعلى نبينا وآله السلام، ويقتله ثم يقتلْ جميع عسكره في أثره، حتىٰ إن بعضهم يتحصن بالحصون والقلاع، ويخفي نفسه عن عسكر المؤمنين، فيأمر الله تلك الحصون والقلاع بالتكلم وإخبار المؤمنين بمن أخفوا أنفسهم من الكافرين، فيقتلونهم عن آخرهم، لا يبقى منهم أحد.
وقد ورد في خبر: أَنََّ الدَّجَّال يقبض عليه حيّاً في الشام، ثم يُؤتى به إلى عيسى (علیه السلام)، وفي يد عيسى (علیه السلام) حربة أو سيف فيضربه بها فيقتله، ثم يقتل جميع أتباعه من اليهود.
وفي خبر آخر: إنََّ صاحب العصر والزمان (علیه السلام) يبعث إلى الدَّجَّال جيشاً بقيادة أحمد بن عبد الله، وهو أحد قواد الإمام (علیه السلام)، ويقاتله ويقتل من جيشه خلقاً كثيراً، حتى يعجز الدَّجَّال عن قتاله فيفرّ راجعاً إلى بيت المقدس، إلى أن قال: فيأتي الإمام صاحب الأمر عليه السلام مع عيسى (علیه السلام) فإذا رأى الدَّجَّال عيسى (علیه السلام) فرَّ منه، فيلحقه ويطعنه بحربة في ظهره، يخرجها من صدره، فيقتله ويقتل أتباعه.
الدر المسلوك
عن حذيفة بن اليمان في حديث قال في آخره: إِنََّ الدَّجَّال يفرِّ من الإمام القائم عليه
السلام، إلى دمشق ليتحصن بها، فيلحقه الإمام (علیه السلام) في موضع يُقال له باب الفراديس، فيعرض عليه الإسلام فيأبىٰ، فيضربه بالحربة فينحره من أذنه إلى أذنه، ويختلط عساكر الكفار بعساكر المسلمين، حتى لا يُعرف المؤمن من الكافر، ويأذن الله تعالى للجبال والتلال والأشجار وقد انهزموا واختفوا من ورائهم أن يتكلموا فيقول كل واحد منهم: يا مؤمن خلفي كافر، تعالى فاقتله، فيقتلون عسكر الدَّجَّال من أوله إلى آخره.
بيان: هذا الخبر دلََّ على أنَّ الذي يقتل الدَّجَّال هو الإمام القائم عليه السلام في الشام، في موضع يُقال له باب الفراديس، وهذه بظاهرها معارضة للطائفة الدَّالة على أنََّ الذي يقتله عيسى بن مريم (علیه السلام)؛ ولكن قد مرَّت رواية تصلح أن تكون شاهداً للجمع بين الطائفتين، حيث تفصِّل بأنَّ القاتل لنفس الدَّجَّال هو نبي الله عيسى (علیه السلام)، والقاتل لجيشه هو الإمام القائم عليه السلام، وحينئذ ترتفع المنافاة.
من خطبة للإمام أمير المؤمنين عليه السلام قال:
ويخرج المهديَّ (علیه السلام) ومعه مائة الف موكب، وكل موكب يزيد على خمسين مقاتل، فينزل على ساحل فلسطين بين عكا وسور غزة وعسقلان، فيأتيه خبر أعور الدَّجَّال، بأنه قد أهلك الحرث والنسل، وذلك أنَّ قرية أعور الدَّجَّال يُقال لها يهوداء، وهي قرية من قرى أصفهان، وهي بلدة من بلدان الأكاسرة إلى أن قال:
ثم ينادي بصوته يبلغ ما شاء الله وهو يقول: إليّ إليّ يا معاشر أوليائي، فأنا ربُّكم الأعلى، الذي خلق فسوّى، والذي قدَّر فهدى، والذي أخرج المرعى. فيتبعه يومئذ أولاد الزنا، وأسوء الناس من أولاد اليهود والنصارى، فتجتمع معه ألوف كثيرة لا يحصي عددهم إلَّا الله؛ إلى أن قال: ويكون خروجه في زمان قحط شديد؛ إلى قوله فيعطى كل من أقر له بالربوبية.
وقال عليه السلام: معاشر الناس ألا وإنه كذََّاب وملعون، ألا فاعلموا أنَّ ربَّكم ليس بأعور، ولا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.
قال الراوي: فقامت إليه أشراف الكوفة وقالوا: يا مولانا وما بعد ذلك؟
قال (علیه السلام): ثم إنَّ المهديَّ (علیه السلام) يرجع إلى بيت المقدس، فيصلي بالناس أياماً، فإذا كان يوم الجمعة وقد أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم (علیه السلام) في تلك الساعة من
السماء، عليه ثوبان أحمران، كأنما يقطر من رأسه الدهن، وهو رجل صبيح المنظر والوجه، أشبه الخلق بأبيكم إبراهيم، فيأتي إلى المهديَّ (علیه السلام) ويصافحه، ويبشّره بالنصر، فعند ذلك يقول له المهديَّ (علیه السلام): تقدم يا روح الله وصلِّ بالناس. فيقول عيسى (علیه السلام) بل الصلاة لك يا بن رسول الله. فعند ذلك يؤذن عيسى (علیه السلام) ويصلي خلف المهديَّ (علیه السلام). فعند ذلك يجعل عيسى (علیه السلام) خليفة على قتال اعور الدَّجَّال، ثم يخرج أميراً على جيش المهديَّ (علیه السلام). وإنَّ الدَّجَّال قد أهلك الحرث والنسل، وصاح على أغلب أهل الدنيا، ويدعو الناس لنفسه بالربوبيَّة، فمن أطاعه أنعم عليه، ومن أبي قتله؛ وقد وطأ الأرض كلها، إلَّا مكة والمدينة وبيت المقدس؛ وقد أطاعته جميع أولاد الزنا من مشارق الأرض ومغاربها. ثم يتوجه إلى أرض الحجاز، فيلحقه عيسى (علیه السلام) على عقبة هرشا، فيزعق عليه عيسى (علیه السلام) زعقة، ويتبعها بضربة، فيذوب الدَّجَّال كما يذوب الرصاص والنحاس في النار.
ثم إنََّ جيش المهديَّ (علیه السلام) يقتلون جيش أعور الدَّجَّال في مدة أربعين في مدة أربعين يوماً، من طلوع الشمس إلى غروبها، ويطهَّرون الأرض منهم، وبعد ذلك يملك المهديَّ (علیه السلام) مشارق الأرض ومغاربها، ويفتحها من جا بلقا إلى جابرسا. الخطبة أخذنا منها الحاجة.
بیان: هذه الأخبار كلّها صرَّحت بأنََّ الذي يقتل الدَّجَّال هو نبي الله عيسى بن مريم (علیه السلام)، ولكن في هذه الأخبار نكتة وهو أنََّ عیسى (علیه السلام) إذا ضربه بسيفه يذوب كما يذوب الرصاص، فيعلم أنَّ السيف المزوّد به من السماء سيف ذريّ، إذا ضرب به أحد يذوب ذوب الرصاص والنحاس، وأن جيشه لكثرتهم يقتلون في مدة أربعين يوماً ويطهرون الأرض منهم.
ومن خطبة للإمام أمير المؤمنين عليه السلام قال في آخرها:
ألا وإن أكثر أشياعه - أي أشياع الدَّجَّال - يومئذ أولاد الزنا، وأصحاب الطيالسة الخضر؛ والطيالسة جمع الطيلسان، وهو ثوب يحيط بالبدن، وهو من لباس الأعاجم والأجانب الغربيين، ولعل المراد به لباس الشرطة وهو يميل إلى الخضرة يقتله الله عز وجل - أي يقتل الدَّجَّال - بالشام على عقبة، تُعرف بعقبة أفيق، لثلاث ساعات من يوم الجمعة، على يدي من يصلي المسيح عيسى بن مريم (علیه السلام) خلفه.
بيان: المراد بمن يصلي المسيح خلفه هو الإمام القائم عليه السلام، وقتله على يديه.
لا يلزم ان يكون مباشرة، بل بقيادة عيسى بن مريم (علیه السلام) وإن صرَّحت بعض الاخبار بان قتل نفس الدَّجَّال على يد عيسى بن مريم (علیه السلام)، وأنَّ قتل أصحابه إنما هو على يد الإمام المهدي (علیه السلام) ويد أصحابه وجيشه.
الدر المسلوك مخطوط
قال النواس بن سمعان: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في صفة الدَّجَّال: إنه شاب قطط، إحدى عينيه طافية، مَنْ أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف؛ إنه خارج من قلة بين الشام والعراق قلنا يا رسول الله ما لبثه في الارض قال اربعون يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم.
قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟
قال: لا أقدِّر له قدر.
قلنا: يا رسول الله، وما اسراعه في الأرض؟
قال: الغيث إذا استدبرته الريح. فيأتي القوم فيدعوهم له، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، الأرض فتنبت، ويروح عليهم بأرضهم أطول ما كانت ضروعاً، وأمدّ خواص؛ ثم يأتي القوم فيدعوهم، فيردون عليه، وينصرف عنهم، فيصبحون محِلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم؛ ويمرّ بالخربة فيقول لها: أخرجي كنزك؛ فيتبعه كنوزها كيعاسيب النحل. ثم يدعو رجلًا شاباً فيضربه بالسيف فيقطَّعه حين المس فيدعوه بعد ذلك فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم (علیه السلام) ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين واضعاً يداه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر منه العرق، وإذا رفعه تجد بعينه جمان كاللؤلؤ، فلا يجد ريح نفسه كافر إلَّا مات؛ وإن نفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه؛ فيطلب عيسى (علیه السلام) الدَّجَّال حتى يدركه بباب (لد) فيقتله، ثم يأتي عيسى (علیه السلام) مَنْ عصمه الله تعالى من الدَّجال فيمسح على وجوههم ويخبرهم بدرجاتهم في الجنة. الخبر.
بيان: وصف الدَّجَّال في هذا الخبر بأنه شاب قطط - أي قطط الشعر - بمعنى شديد الجعودة، إحدى عينيه طافية - - أي انطمست وانعدمت ودخلت في محلها فليس لها أثر -.
وذكر في الخبر فائدة للحفظ من سحره وشره، بأن يقرأ عليه فواتح سورة الكهف - أي الآيات العشرة الأول منها من أول السورة إلى قوله رشداً - أو يقرأ سورة الفاتحة كما مرَّ في رواية مرت آنفاً. وحدَّد مدة ثورته الباطلة بأربعين يوماً، يوم كسنة أي طويل جداً وهو الذي يظلم، ويقتل فيه الناس، ويوم كشهر يحمل على ما بعد ذلك؛ ويوم كجمعة وهو اليوم الذي تستقر فيه خلافته، وتنتهي بقتله، وقتل أولاد اليهود معه. ولذا جعل إسراعه وشدة سيره في الأرض كالغيث إذا استدبره الأنسان، فهو يمر عليه سريعاً، وهو منطلق، وهذه الأعمال التي يقوم بها من الإتيان بالمطر وإخراج الزرع، وإنبات الشجر والثمر، كله بعمل السحر، وبعلم السيمياء والريمياء والهمياء والليمياء؛ وكذلك إمحال الأقوام الآخرين، فيجعلهم محلين أي في مَحَل وشدة وجدب وانقطاع المطر، ويبس الأرض من الماء والكلاء، كله بواسطة هذه، وكله شعبدة ولا واقع له، ثم ينزل الله تعالى عيسى بن مريم (علیه السلام) عند المنارة البيضاء - أي بقربها - وهذه المنارة تقع شرقي دمشق، فهو ينزل بالقرب منها على جبل أفيق، بين مهرودتين - أي ثوبين أصفرين لأنه تثنية المهرود وهو الثوب المصبوغ بالهرد، وهو الزعفران - فيقتل الدَّجَّال وجنده من أولاد اليهود وغيرهم.
السر المكنون
روى من طرق العامة بحذف الإسناد عن أبي الطفيل عن علي عليه السلام قال: إذا قام قائم آل محمد (علیه السلام) جمع الله له أهل المشرق، واهل المغرب، فيجتمعون كما تجتمع قزع الخريف؛ فأما الرفقاء فمن أهل الكوفة، وأمَّا الأبدال فمن أهل الشام.
وفيه: عن انس، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: «الأبدال أربعون رجلًا اثنان وعشرون في الشام، وثمانية عشر بالعراق، كلَّما مات منهم واحد أبدل الله مكانه آخر، فإذا جاء الأمر قُبضوا كلهم فعند ذلك تقوم الساعة».
بیان: دلّ الخبر الأول أنّ رفقاء الإمام الحجّة عليه السلام كما تقدم من أهل الكوفة، لأن الكوفة علوية، وفيها كثير من المحبِّين لآل علي وفاطمة عليهما السلام. وأمَّا الأبدال الذين هم أربعون رجلًا فأكثرهم في الشام، كما فصّلته الرواية الثانية، وهم اثنان وعشرون والباقي وهم ثمانية عشر فمن العراق، ولم يعيِّن من أي بلد، وهؤلاء يجتمعون من أهل المشرق وأهل المغرب حول الإمام القائم كاجتماع قزع الخريف، وهي السحب التي تجتمع بسرعة في السماء في فصل الخريف، فيقبضهم الله تعالى له عند قيامه، ليكونوا من أنصاره وأعوانه على أعدائه، فإذا قيضوا له بأن جاء الله تعالى بهم، وأتاحهم له، وأحضرهم وقدَّر إحضارهم، قامت الساعة التي يقوم فيها الإمام القائم عليه السلام.
الكتاب المبين السفر الثاني
عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إذا قام القائم (علیه السلام) قال: فقررت منكم لمَّا خفتكم، فوهب لي ربيَّ حكماً وعلماً، وجعلني من المرسلين: أي إني مرسل لإصلاح العالم بعد فساده، وإنه لمَّا خاف من حكام الظلم والجور من العبَّاسيِّين، فرَّ منهم، فوهب الله له العلم والحكمة، ووهب له القضاء والحكم والمملكة، وأرسله لإصلاح ما فسد من العالم.
الكافي
سئل ابو عبد الله عليه السلام في حديث: لأيّ علة وضَع الله الحجر في الركن الذي هو فيه، ولم يوضع في غيره؟
فقال: إنَّ الله تعالى وضع الحجر الأسود وهي جوهرة أخرجت من الجنَّة إلى آدم (علیه السلام)، فوضعت في ذلك الركن لعلة الميثاق، وذلك انه لمّا اخذ من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، حين اخذ الله عليهم الميثاق في ذلك المكان؛ وفي ذلك المكان تراءى لهم؛ ومن ذلك المكان يهبط الطير على القائم (علیه السلام)؛ فأول من يبايعه ذلك الطائر، وهو والله جبرائيل (علیه السلام)، وإلى ذلك المكان يسند القائم (علیه السلام) ظهره وهو الحجّة، والدليل على القائم (علیه السلام)، - وفي خبر العلل - هو الشاهد لمن وافى ذلك المكان.
الملاحم
بحذف الإسناد عن كعب قال: قال قتادة: المهديّ خير الناس، أهل نصرته وبيعته من أهل كوفان واليمن وأبدال الشام، على مقدِّمته جبرائيل (علیه السلام)، وساقته ميكائيل، محبوب في الخلائق، يطفيء الله به الفتنة العمياء، وتأمن الأرض، حتى أن المرأة لتحج في خمس نسوة وما معهن رجل، لا تتقي شيئاً إلَّا الله، تعطي الأرض بركاتها والسماء بركتها.
بیان: هذا الاجتماع حول الإمام القائم عليه السلام من أهل الكوفة من الشيعة الإمامية، ومن أهل اليمن، والأبدال من الشام، في مكة المكرمة عند الحجر الأسود وسيأتي في الأخبار مايدل على بيعة الملائكة للإمام القائم (علیه السلام)، وبيعة الجن وبيعة الناس
أجمعين إنما تكون عند الحجر الأسود في بيت الله الحرام، وأول من يبايعه جبرائيل (علیه السلام) في هذا المكان، لأن الحجر الأسود يكون شاهداً على الملائكة والناس أجمعين يوم القيامة أمام الله تعالى، بأن هؤلاء قد حضروا وشوهدوا في هذا المكان الشريف، وأدّوا البيعة للإمام الحجة ابن الحسن (علیه السلام)، لأن الله تعالى قد أخذ الميثاق في عالم الأظلة، وفي عالم الذر من الناس أجمعين، على العمل بطاعته، واجتناب معصيته في هذا المكان، وفي هذا المكان يهبط الطير أي جبرائيل (علیه السلام) - على القائم (علیه السلام) ويبايعه، ويكون دليلاً للناس على الإمام القائم فيبايعه أصحابه الثلاثمائة والثلاثة عشر رجلًا عند الحجر الأسود، ويكون الحجر شاهداً عليهم أجمعين.
حلية الأبرار
عن عمر بن ابراهيم الأوسيّ في كتابه عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ينزل عيسى بن مريم (علیه السلام) عند انفجار الصبح ما بين مهرودين - وهما ثوبان أصفران من الزعفران - أبيض الجسم، أصهب الرأس، أفرق الشعر، كأن رأسه يقطر دهناً، بيده حربة، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويهلك الدَّجَّال، ويقبض أموال القائم عليه السلام - أي أنه مديراً للمال أو وزيراً للمالية.
ويمشي خلفه أهل الكهف: لأنهم كانوا مصدقين بنبوته في زمان حياتهم فيقدسونه رجعتهم وهو الوزير الايمن القائم (علیه السلام) أي إن عيسى (علیه السلام) هو الوزير الأيمن لصاحب الأمر.
وحاجبه ونائيه: أي إن عيسى (علیه السلام) هو الحاجب والسكرتير للقائم في حضوره، والنائب عنه في غيبته. ويبسط - أي الله سبحانه وتعالى - في المشرق والمغرب الأمن - وهذا كرامة للحجة ابن الحسن صلوات الله عليه - حتى يرتع الأسد مع الغنم، والنمر مع البقر،
والذئب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيَّات، ويتزوج عيسى بامرأة من غسان (1)، حتى يسودَّ وجه من كان يقول: إنه ليس من البشر ويروه كيف يأكل ويشرب وينكح، ويُؤمر في سبعين ألفاً منهم أصحاب الكهف، ويجمع له الكتب من إنطاكية، حتى يحكم بين أهل المشرق والمغرب؛ ويحكم بين أهل التوراة في توراتهم، وأهل الإنجيل في إنجيلهم، وأهل الزبور في زبورهم، وأهل الفرقان بفرقانهم؛ فيكشف الله عن إرم ذات العماد، والقصر الذي بناه سليمان بن داود (علیه السلام) قرب مؤته، فيأخذ ما بها من الأموال ويقسّمها على المسلمين؛ ويخرج الله التابوت الذي أمر به إرميا أن يرميه في بحيرة طبرية، فيه بقية ممّا ترك موسىٰ وآل هارون، ورضاضة اللوح، وعصٰا موسىٰ (علیه السلام) وقباء هارون (علیه السلام) وعشر أصواع من المن وشرائح السلوى، التي ادخروها بنو اسرائيل لمن بعدهم، فيستفتح بالتابوت المدن، كما استفتح به من كان قبله، وينشر الإسلام في المشرق والمغرب والجنوب والقبلة وذلك الوقت سنته كالشهر، وشهره كالجمعة، وجمعته كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة لا بقاء لها؛ ثم تقبل ريح باردة صفراء ألين من الحرير مثل المسك، فيقبض الله بها روح عيسى بن مريم (علیه السلام).
بیان: قوله (علیه السلام) يؤمر في سبعين ألفاً: أي يجعل أميراً وقائداً عليهم، ومن جملتهم أصحاب الكهف؛ ويجمع له الكتب من إنطاكية، وهي مدينة في تركيا، بُنيت قبل المسيح بثلاثمائة سنة، وكانت ثالثة المدن في الامبراطورية الرومانية بعد روما والاسكندرية وكانت عاصمة السلوقيين حتى الفتح الروماني، فتحها المسلمون في سنة 636، وغزاها الصليبيون، ثم أجهزت عليها الزلازل، ثم احتلها العثمانيون، وبدأت بالتقهقر؛ وفي بعض جبال البلد غار، فيه كتب سماوية يجمعها ويأتي بها إلى عيسى (علیه السلام). - وفي رواية - يُؤتى بالتوراة من مغارة في انطاكية.
وعند توفر هذه الكتب لديه، وإمداد الله له بالعلم والعناية، يحكم بين أهل المشرق والمغرب، وبين أهل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. فيكشف الله عن إرم ذات
1) (1) غسان: قبيلة مسيحية الأصل، والغساسنة أو آل جفنة سلالة عربية يمنية الأصل، هجرت بلادها عند انفجار سد مأرب وانكساره، واستوطنت بلاد حوران وشرقي الأردن وفينيقيا اللبنانية، وفلسطين الثانية والثالثة قبل الإسلام، واعتنقوا المسيحية المونوغيزية في نهاية القران الثالث، عملوا في الجيش البزنطي وعُهد إليهم حماية الحدود السورية.
العماد، والقصر الذي بناه سليمان بن داود (علیه السلام) قرب مؤتة.
ومن الأمور التي تعَّرض القرآن الكريم لذكرها في سورة الفجر: إرم ذات العماد، وقد اختلف فيها على أقوال:
الاول: إن إرم اسم قبيلة. قال أبو عبيدة: هما عادان. فالأولى هي إرم وهي التي قال الله تعالى فيها، أو أنه أهلك عاد الأولى وقيل: إن عاد الأولى قوم هود، وعاد الأخرى إرم. وقيل الأولى القدماء لأنهم أول الأمم هلاكاً بعد قوم نوح، والأخرى إرم. وقيل: إن إرم جدّ عاد، لأنه عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح. وقيل: هو سام بن نوح نسب إليه عاد. وقيل: إرم اسم قبيلة من قوم عاد، كان فيهم الملك، وكانوا بمهرة، وكان عاد أباهم؛ ومهرة بلاد في جنوب شبه الجزيرة العربية، بين حضر موت وظفار، كذلك على المنطقة الواقعة بين حضر موت وعمان، كانت قديماً بلاد اللبان، وهي اليوم جزء من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
ويطلق الاسم
الثاني: إن ارم اسم بلد. قيل هو دمشق. وقيل: هي مدينة الاسكندرية. وقيل: هي مدينة بناها عاد بن شداد، فلما أتمها وأراد أن يدخلها، أهلكه الله بصيحة نزلت من السماء. وروي أنه كان لعاد ابنان: شديد وشدّاد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد؛ وخلص الأمر لشدَّاد، فملك الدنيا وسمع بذكر الجنَّة فقال: أبني مثلها، فبنىٰ إرم ذات العماد، التي عُرفت في القرآن الكريم بأنها التي لم يخلق مثلها في البلاد، في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة؛ ولمَّا تمّ بناؤها وسار إليها بأهل مملكته، فلمَّا كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا.
الثالث: إن إرم ليس بقبيلة، ولا بلد، بل هو لقب لعاد كان يعرف به. وروي عن الحسن أنه قرأ: لعاد إرم، على الإضافة، أي عاد الملقب بإرم. وقيل: إنه اسم اخر لشداد، فكان له إسمان إرم وشداد بن عاد.
والمراد من ذات العماد أي البناء الرفيع. نقل أنهم كانوا يسلخون العمد الجبال، فيجعلون طول العمد مثل طول الجبل الذي يسلخون من اسفله إلى أعلاه؛ ثم
ينقلون تلك العمد فينصبونها، ثم يبنون القصور فوقها، فسمِّيت ذات العماد. وقيل: أهل عمد لأنهم كانوا بدويين وأهل خيام.
وأمّا القصر الذي بناه سليمان بن داود عليه وعلى نبينا وآله السلام، قرب مُؤتَهَ ومُؤْتَةَ على وزن فُعلة، قرية في أرض البلقاء، وهي في المملكة الأردنية.
وفي مراصد الاطلاع قيل: إنها من مشارف الشام، على اثنى عشر ميلاً من أذرح، وبها قد وقعت حرب عظيمة في زمان النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) وهي وقعة مؤتة الشهيرة، التي قتل فيها جعفر بن أبي طالب عليه السلام، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواجة، وجماعة كثيرة من الصحابة رحمة الله عليهم ورضي عنهم، فهذا القصر الذي بناه سليمان بن داود (علیه السلام) يقع بالقرب من أرض البلقاء والظاهر انه من الأشياء والأمور المخفيّة عن البشر، وأنه لصاحب الأمر (علیه السلام) مدخر، ولعل الجن بنوا ذلك القعر له من مواد ثمينة غالية، وفلزات راقية من الذهب والفضة والجو؟؟؟ الثمينة، وزيَّنوه بأحسن زينة، وقد أودع من الخزائن الكثيرة والأموال الغزيرة، فيذهب، الإمام القائم (علیه السلام) إلى ارم ذات العماد وإلى هذا القصر فيأخذ ما فيهما من الأموال والذخائر والكنوز والجواهر فيقسِّمها على المسلمين، وبهذ الأموال يستغني أهل الإسلام.
وأمَّا التابوت الذي أمر به إرميا (علیه السلام) أن يرميه في بحيرة طبرية أمَّا إرميا (علیه السلام) فهو نبيٌّ من أنبياء بني اسرائيل، وهو الذي بعثه الله تعالى إلى بيت المقدس فكفروا به؛ فسلَّط الله عليهم بخت النصر فخرج إلى مصر، ثم رجع إلى بيت المقدس، وهو المعنيُّ بقوله تعالى (أو كالذي مرَّ على قرية) [البقرة 259] والقرية قيل هي بيت المقدس، لمَّا خرَّبها بخت النصر فرآها خاوية على عروشها، أي سقطت سقوفها على الأرض، ثم سقطت حيطانها عليها، وهلك أهلها وبادوا. وأمَّا التابوت فهو من الآيات التي بعثها الله تعالى لطالوت، فيه سكينة من ربكم وبقية، مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة، قال تعالى (وإن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة ومن ربكم) [البقرة 248] والتابوت هو الصندوق من خشب. والمراد به في الآية كذلك؛ لأنه قيل إن التابوت هو صندوق التوراة، وهو من خشب الشمشاد ممّوه من الذهب، نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين، وقيل هو صندوق كان فيه ألواح الجواهر التي كانت فيه العشر كلمات وهي:
أولاً: التوحيد.
2 - النهي عن عبادة الأوثان.
3 - السبت.
4 - إكرام الوالدين.
5 - النهي عن اليمين الكاذبة.
6 - السرقة.
8 - شهادة الزور.
9 - الزنا.
10 - لا يتمنى أحد مال غيره ولا زوجته.
ومما يؤيد أن التابوت صندوق التوراة، ما ورد في تفسير قوله تعالى: (فيه سكينة من ربكم) أي يودع فيه ما تسكنون إليه وهو التوراة. وكان موسى عليه وعلى نبينا وآله السلام إذا قاتل قوماً قدمه فكانت تسكن نفوس بني اسرائيل ولا يفرُّون من الحرب. وقيل: إنه كانت فيه صورة من زبرجد، أو ياقوت، فيها صور الأنبياء من آدم عليه إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
فهذا التابوت ورثه نبي الله إرميا من أنبياء بني اسرائيل، وكانت فيه مواريث الأنبياء منهم، وهو بقية ما ترك آل بقية ما ترك آل موسى وآل هارون. وقد صرَّح الإمام عليه السلام بتلك المواريث، وهي رضاضة اللوح، وعصا موسى (علیه السلام)، وقباء هارون، وعشر أصواع من المنَّ وشرائح السلوى، التي ادَّخروها بنواسرائيل لمن بعدهم، وهذه كلها في التابوت؛ فأمر إرميا أن يلقي ذلك التابوت بما فيه في بحيرة طبرية، لأن الله تعالى يريد أن تصل هذه المواريث إلى الإمام الحجّة ابن الحسن عليه السلام، فإذا قام (علیه السلام) أخرج الله تعالى له ذلك التابوت، فيضعه قدَّام الجيش كما كان يقدِّمه نبي الله موسى (علیه السلام)، فيستفتح به المدن كما كانت الأنبياء تستفتح به، وينشر الإسلام في المشرق والمغرب والجنوب والقبلة أي ينشره في تمام العالم، وفي جميع من على البسيطة.
ثم جعل علامة لذلك فقال: وذلك الوقت سنته كالشهر إلى آخر ما ذكره (علیه السلام)،
أي إن نزول عيسى المذكور في هذه الخبر، وقيامه بتلك الأعمال المهمة، والوظائف العظيمة الحجَّة. وإخراج التابوت ومواريث الأنبياء إنما يكون في زمان ووقت تكون فيه السنة كالشهر والشهر كالاسبوع، والاسبوع كاليوم، واليوم كالساعة، فتنطوي الأيام والليالي بسرعة، وتنقضي الأزمان دفعة، فالبركة ترتفع حتى من الوقت، وهذا الزمان يشرع من أواخر غيبة الإمام (علیه السلام)، ويستمر حتى نزول عيسى بن مريم (علیه السلام)؛ وبعد ظهور الإمام (علیه السلام) على تمام البسيطة، ينعكس الأمر فتطول الساعات، وتتوسع الأيام والليالي والجمعات وتبطىء الشهور، وتبعد السنين، لما يطرح الله تعالى فيها من البركات.
الكتاب المبين السفر الثاني
سمع أبو عبد الله عليه السلام يقول: القائم منصور بالرعب، مؤيد بالنصر، تطوى له الأرض، وتظهر له الكنوز، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويظهر الله عز وجل به دينه ولو كره المشركون، فلا يبقى في الأرض خراب إِلََّا عُمِّر، وينزل الله روح عیسی بن مريم (علیه السلام)، فيصلي خلفه إلى أن قال: فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة، واجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، وأول ما ينطق به هذه الآية (بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين) [هود 86] ثم يقول أنا بقية الله في أرضه، فإذا اجتمع اليه العقد وهو عشرة الآف رجل، خرج فلا يبقى في الأرض معبود دون الله عز وجل من صنم وغيره إلَّا وقعت فيه نار فاحترق، وذلك بعد غيبة طويلة، ليعلم الله من يطيعه بالغيب ويؤمن به.
بيان: من عوامل النصر المحقق للإمام الحجّة عليه السلام أن ينصره الله تعالى بالرعب، فيدخله في قلوب أعدائه فهم في رعب ورجفة وخوف منه حتى يأتي، فيملك رقابههم وأموالهم وديارهم، ومنها طيّ الأرض له، وإخراج الكنوز والمعادن له، وانتشار سلطنته على المشرق والمغرب، فيظهر دين الله ولو كره المشركون والكافرون والملحدون، ويعمِّر الأرض الخراب؛ وينزل عيسى (علیه السلام) من السماء، فيصلي خلفه كرامة واحتراماً له، لأنه إمام ذلك العصر والزمان. فإذا اجتمع إليه قوَّاده الثلاثمائة والثلاثة عشر رجلًا وأصحابه العقد وهم عشرة الآف رجل في مكة، خرج منها فاتحاً للعالم، ويمنحه كرامة أن ينزل ناراً على كل صنم ومعبود من دون الله فيحرقه، وهذا بعد أن يمتحن الله الناس بغيبة طويلة له، ليعلم المطيعين له فيها من العاصين في زمن الغيبة.
نور الأنوار
عن يعقوب السراج قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ثلاثة عشر مدينة وطائفة يحارب القائم (علیه السلام) أهلها ويحاربونه أهل مكة، وأهل المدينة، وأهل الشام، وبنو
أمية، وأهل البصرة، وأهل ميسان، والأكراد، والأعراب، وضبه، وغنى، وباهلة، وإزد البصرة، وأهل الرَّيِّ.
بیان: هؤلاء الطوائف التي تحارب الإمام القائم عليه السلام كلهم إمَّا من النواصب الذين ينصبون العداوة لآل محمّد عليهم السلام. وإمَّا من المنافقين، أو الكافرين، أو المشركين.
أما أهل مكة، وأهل المدينة: فأكثرهم نواصب، وكذلك أهل الشام فإنََّ الأكثر منهم نواصب وأمويون، وكذلك بنو أمية فإنهم لا يميلون لعلويّ، والقائم (علیه السلام) علويَّ، ولذا ورد في الحديث أنَّ الشام أموية، والبصرة عثمانية، والكوفة علويَّة.
وأما أهل البصرة: وإزد البصرة فهؤلاء من شيعة عثمان، يبغضون آل محمد عليهم السلام، ولذلك يحاربون الإمام القائم عليه السلام، ولا يقبلون به. وأمَّا أهل ميسمان: - وفي نسخة دميسان والأول أصح - لأن دميسان الكسر قرية قريبة من هرات، وأمَّا ميسان بمناسبة ذكرها بعد البصرة فإنها محافظة ميسان بالقرب من البصرة، وكانت سابقاً محافظة العمارة؛ أو لواء العمارة؛ وحيث إنَّ أهل هذه المحافظة الأغلب منهم غير متمسك بالدِّين على نحو الصحيح، ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم، فلذلك يحاربون القائم (علیه السلام).
وأما الأكراد: فجلّهم من النواصب، واللادينية، والمبغضين لال محمد (علیه السلام)، وللطَّريقة الإسلامية، ولذلك يعارضون ثورة الإمام القائم (علیه السلام).
وأما الأعراب: فهم همج رعاع ضالُّون وغير المتدين منهم بالدِّين كثير، فهؤلاء يحاربون الإمام القائم (علیه السلام) ويحاربهم لاتِّباعهم لأحزاب الضلالة، وطاعتهم لأهل الطمع والجشع ولقلة الورع.
وأما ضبه: فهم بنو ضبة بن أدّ فهم قبيلة من بني معد من العرب العدنانية، سكنت شمالي نجد، ثم انتقلت مع الإسلام إلى العراق، قاتلت الإمام أمير المؤمنين في وقعة الجمل، وكانت مع عائشة ومنهم الشمر الضبابي قاتل الحسين فهؤلاء نواصب، مبغضون لآل محمد (علیه السلام) فيحاربون القائم (علیه السلام).
وأما غنى: فهم بنو غنى بن أعصر، وهم قبيلة من قبائل شمالي جزيرة العرب، من قيس عيلان، إليها يُنسب الشاعر طفيل بن عوف، وهؤلاء من النَّواصب أيضاً، فتحارب القائم (علیه السلام).
وأما باهلة: وهم بنو باهلة من قبائل شمالي جزيرة العرب، كانوا في اليمامة، ثم نزلوا في بادية البصرة، وكان لهم فيها بئر. فهؤلاء كلهم من العشائر التي تقطن ما حول البصرة من طرف البادية؛ ولعل المراد بهم أهل الكويت وإمارات الخليج والسعودية وقطر من الوهابيين، الغير المتمسكين بالدِّين وبالإسلام الصحيح، ولذلك يحاربون القائم (علیه السلام).
وأما أهل الرَّيَّ: فإن فيها أناس مذاهبهم مختلفة كاليهود، والنصارى، والأرمن، والبهائية، والكشفية، والبابية، والصوفية، وغيرهم من الملل المخالفة لمذهب الإسلام الصحيح، فيحاربون الإمام القائم، فيحاربهم فيقتلهم كلهم ويغلبهم والعاقبة للمتقين.
وفيه: عن منتخب البصائر في خطبة لعليّ عليه السلام فيمكث - أي الإمام القائم عليه السلام - ما بين خروجه إلى يوم مؤتة ثلاثمائة سنة ونيف، والمراد بالنيف هنا تسع سنين. وعدة أصحابه - أي قوَّاد جيشه - ثلاثمائة وثلاثة عشر، منهم تسعة من بني اسرائيل، وسبعون من الجن، ومائتان وأربع وثلاثون، منهم سبعون الذين غضبوا للنبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، إذ هجنته مشركوا قريش - أي عابه وقبحوا عليه مشركوا قريش - فطلبوا إلى نبي الله أن يأذن لهم في إجابتهم، فأذن لهم حيث نزلت هذه الآية (إلَّا الذين آمنوا وعملوا
الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون) [الشعراء 227] وعشرون من أهل اليمن، منهم المقداد بن الأسود، ومائتان وأربعة عشر، الذين كانوا بساحل البحر ممَّا يلي عدن، فبعث إليهم نبي الله رسالة، فأتوا مسلمين، ومن أفناء الناس ألفان وثمانمائة وسبعة عشر، ومن الملائكة أربعون الفاً من ذلك الميومين ثلاثة الآف، ومن المردفين خمسة الآف، فجميع أصحابه (علیه السلام) سبعة وأربعون ألفاً ومائة وثلاثون، من ذلك تسعة رؤوس مع كل رأس من الملائكة أربعة الآف، ومن الجن والإنس عدة يوم بدر، وفيهم يقاتل وإياهم ينصر الله، ولهم ينتصر وبهم يقدم النصر؛ ومنهم نصرة الأرض.
بیان: ذكر هذا الخبر جملة من أنصار الإمام القائم عليه السلام، ممَّن يقوم معه لنصرته، ولدفع المعارضين لثورته، والمحاربين مَنْ يحاربه من أعدائه من النَّواصب والمنافقين. فقال: عدة أصحابه أي قوّاد جيشه وهم حكّام الله في أرضه ثلاثمائة وثلاثة عشر ومنهم أي من هؤلاء القواد تسعة من بني اسرائيل، ولعل فيهم أصحاب الكهف السبعة. وسبعون من الجن أي من مؤمني الجن. ومائتان وأربع وثلاثون رجلًا من القدماء، الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وآله، منهم سبعون رجلًا الذين غضبوا للنبي (صلی الله علیه وآله وسلم) عندما عابه، وقبحوا عليه المشركون من قريش، وهؤلاء طلبوا الإذن من النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) في اجابة المشركين، والرّد على تقبيحهم فأذن لهم وأجازهم فردّوا عليهم وانتصروا للنبي بالسنتهم، وأسكتوا المشركين وسلقوهم بالسنة حداد، وأفلجوهم وأبطلوا كلامهم وأخرسوهم فنزلت فيهم الآية، حيث إنهم انتصروا بعد ما ظلموا. وعشرون رجلًا من أهل اليمن من أهل الإيمان منهم المقداد بن الأسود. ومائتان وأربعة عشر من المؤمنين، الذين كانوا يسكنون بساحل البحر ممَّا يلي عدن، فبعث النبي لهم رسالة، فأتوا إليه مسلمين فهؤلاء يرجعون مع الإمام عليه السلام.
ومن أفناء الناس ألفان وثمانمائة وسبعة عشر: الأفناء هو ممَّن لا يعلم من هو ومن أي قبيلة وبلد، وهؤلاء هم الجماعات المؤمنون المؤيدون للإمام الحجة عليه السلام ومن الملائكة أربعون ألفاً، من هؤلاء ثلاثة الآف مسومين اي معلّمين بعلامة يعرفون بها في الحرب ومن هؤلاء المردفين وهم خمسة آلاف: والمرِدَفين بكسر الدال وفتحها، هم متّبعون بعضهم لبعض، أو أنهم متَّبعين للمؤمنين، يحفظونهم فهذه المخلوقات من الإنس والجن والملك كلهم يجتمعون في مكة لنصرة الإمام عليه السلام، فالثلاثمائة والثلاثة عشر كلهم
من أولاد العجم كما مرَّ وسيأتي إن شاء الله.
والتسعة من بني اسرائيل: فلعل هؤلاء سألوا الله من فضله أن يرجعهم في دولة القائم، فلذلك يرجعون والسبعون من الجن إمَّا سألوا الرجعة من الله تعالى مع الإمام (علیه السلام) أو أنهم من مؤمني الجن في ذلك الزمان فيحضرون.
وهكذا الباقون المذكورون في الرواية كلهم إمَّا مؤمنون وحضروا للجهاد مع إمامهم؛
وإمَّا سألوا من الله الرجعة فأرجعهم، وغرض الإمام (علیه السلام) تعداد طوائف في أنصار الحجّة (علیه السلام) وذكرهم لاحصرهم، فقوله: فجميع أصحاب القائم (علیه السلام) سبعة وأربعون ألفاً ومائة وثلاثون، لا يدل على الحصر، بل قصده التعداد، لأنه قد صرَّح في كثير من الأخبار كما مرَّ آنفاً، أنََّ الإمام لا يخرج من مكة حتى يجتمع عنده عشرة آلاف، ثم يسير إلى المدينة فيبلغ جيشه عشرون ألفاً، ثم يسير متجهاً إلى العراق، والشيعة تلتحق به وبعسكره، فيبلغ ثلاثون ألفا، وكلَّما يسير تكثر أنصاره، وهؤلاء من البشر. وأمَّا الملائكة والجن وأهل جابلقا وجابرسا وأولاده وأجناده فلعله يبلغ عددهم الملايين.
وفيه: عن جعفر بن محمد عليه السلام قال له - أي للمهدي - : كنز بالطالقان ما هو بذهب ولا فضّة، وراية لن تنشر منذ طويت، ورجال كأن قلوبهم زبر الحديد، لا يشوبها شك في ذات الله، أشد من الحجر، لو حملوا على الجبال لأزالوها، لا يقصدون براياتهم بلدة إلَّا خرَّبوها، كأن على قلوبهم العقبان، يتمسحون بسرج الإمام (علیه السلام)، يطلبون بذٰلك البركة، ويحفون به، يقونه بأنفسهم في الحروب، ويكفونه ما يريد، فيهم رجال لا ينامون الليل، لهم دويّ في صلاتهم كدويّ النحل، يبيتون قياماً على أطرافهم، ويصبحون على خيولهم، رهبان بالليل، ليوث بالنهار، هم أطوع له من الأمة لسيِّدها، كالمصابيح كأن قلوبهم القناديل، وهم من خشية الله مشفقون، يدعون بالشهادة، ويتمنون أن يُقتلوا في سبيل الله، شعارهم يا لثارات الحسين، إذا ساروا يسير الرعب أمامهم مسيرة شهر، يمشون إلى المولى أرسالاً، بهم ينصر الله إمام الحقِّ.
بیان: قد وردت عدة من الأخبار في مدح الطالقان، وهذا الاسم يشمل ثلاث مدن:
الاولى: طالقان: مدينة في إيران في الديلم بين قزوين وأبهز.
الثانية: طالقان: مدينة قرب أصفهان وهي في إيران أيضاً.
الثالثة: طالقان: مدينة بطنحارستان الاتحاد السوفياتي بين بلخ ومرو والروذ
ولم يعلم المراد من هذه المدن، فلعل المراد جميعها، ويُحتمل أن يُراد بعضها، وهما اللتان في إيران؛ حيث إنه يخرج منها أربعة وعشرون رجلًا من قوَّاد الإمام القائم عليه السلام، وقد مدحهم الإمام (علیه السلام)، وأنهم من أهل الإيمان، وعبَّر عنهم بالكنز الذي ليس من ذهب ولا فضة، بل هم رجال رسخ الايمان في قلوبهم، وثبتت عقيدتهم بالله ورسوله وأوليائه، بحيث لا يشوبهم ولا يخالهم شك ولا شبهة في ذات الله تعالى؛ وهؤلاء قد ذخرهم الله للإمام المهدي (علیه السلام)، وهم أبطال شجعان، كأن قلوبهم زبر الحديد - أي كالسندان الحديد - فهي أشد من الصخر والحجر، لو هجموا وحملوا على الجبال لأزالوها عن محلها لشدة ثباتهم وقوتهم الراسخة، وعقائدهم الثابتة، فهم أهل معرفة ودين، وهم من المتَّقين، والأخيار الصالحين، المصلَّين لصلاة الليل، وفي النهار يركبون الخيل مستعدون للجهاد في سبيل الله، وللإمام مطيعون، وللشهادة طالبون؛ ولذا قال: يتمنى أحدهم أن يُقتل في سبيل الله، ولهم شعار خاص يهتفون به: يا لثارات الحسين (علیه السلام)؛ أي يا أيها المؤمنون قوموا لثارات الحسين عليه السلام، ينصرهم الله بالرعب، فيسير أمامهم شهراً؛ فكل أهل دولة تخافهم، لعلمهم بأنَّ قتال هؤلاء الطائفة وحربهم عن عقيدة وإيمان، فلذا ينصر الله بهم إمام الحق وهو الإمام المهدي عليه السلام.
وفيه: عن البطائني مضمراً قال: قال عليه السلام: إذا قام القائم (علیه السلام) نزلت الملائكة بثلاثمائة وثلاثة عشر من المؤمنين، ثلث على خيول شهب، وثلث على خيول بلق، وثلث على خيول حوّ. قلت: وما الحو؟ قال: الحمر.
بيان: يُحتمل أن يكون هؤلاء المؤمنين الذين تنزل بهم الملائكة كانوا في جنة السماء مع النبي والأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، وبعد ظهور الإمام القائم (علیه السلام) تنزل بهم الملائكة لطلبهم من الله تعالى العودة والرجعة مع الإمام (علیه السلام)، ويُحتمل أن يكونوا من الأنبياء السابقين، فعبَّر عنهم بالمؤمنين، ويُحتمل أن يكونوا من البشر، تأتي بهم الملائكة على تلك الخيول، بطيِّ الأرض وإيصالهم في أسرع وقت إلى الإمام الحجّة عليه السلام ويُحتمل أن تنزل بهم الملائكة من جنة الدنيا التي أخرج آدم أبو البشر (علیه السلام) لأنها في مكان مرتفع من الأرض ولذا كان الخطاب لآدم عليه السلام، قلنا اهبطوا منها، وبعضهم على خيول شهب أي لونها شهب، والشهبة البياض الذي غلب على السواد، أو بياض يتخلله، أو يصدعه سواد؛ وبعضهم على خيول بلق، والبلقة سواد في بياض؛ وبعضهم
على خيول حوّ وفسر الحوّ بالحمر.
وفي الخبر خير الخيل الحوة جمع أحوى، وهو الكميت الذي يعلوه سواد؛ والحوة لو تخالط الكمنة مثل صدأ الحديد؛ وعن الأصمعي حمرة تضرب إلى السواد. فهؤلاء يكونون من أصحاب القائم (علیه السلام) وأنصاره عند ظهوره وقيامه.
وفيه: عن العوالم في باب محن المهدي (علیه السلام) وما يستقبله من جهلة الناس.
سُمع أبو عبد الله عليه السلام يقول: إنَّ قائمنا إذا قام استقبل من جهلة الناس أشدّ ممّااستقبله رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) من جهَّال الجاهلية. فقيل: كيف ذلك؟ قال: ان رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) أتى الناس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدان والخشب المنحوتة؛ وإنَّ قائمنا إذا قام أتى الناس وكلهم يتأول عليه كتاب الله، ويحتج عليه به؛ ثم قال: أما والله ليدخلنّ عليهم عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحرّ والقرّ.
بيان: يُستفاد من هذا الخبر مقارنة بديعة بين ما لاقاه النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) وبين ما يلاقيه القائم عليه السلام، بمناسبة حال أهل زمان عصر النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) معه، وحال أهل زمان القائم (علیه السلام) معه. فإنَّ من كان في زمن بعثة النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) وعصره كانوا يعبدون الأوثان، أي الأصنام المصنوعة والمنحوتة من الحجارة والصخور والمدر والعيدان والخشب والشجر، فهم أناس جهلاء، بسطاء، سذج للغاية، لا علم عندهم، ولا دراسة، ولا دراية وأمَّا من يكون في زمن قيام القائم (علیه السلام) فإنهم أهل دراسة ودراية وعلم، لكنه علم ضلال، وأهل نكراء، وشيطنة، ومكر، وخدع، وحيلة، وملعنة، قلوبهم قذرة، وكلهم قذارة، يروغون كما يروغ الثعلب، فيتأولون كتاب الله تأويلا، فيحتجون على الإمام (علیه السلام)، ويفسرون القرآن بحسب ما يريدون، وما تهواه أنفسهم، وتدركه عقولهم القاصرة، مع أن القرآن لا يفسر بالرأي، ولا يصاب بالعقول. كما ورد النهي في الحديث بذلك قال عليه السلام: من فسّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار. ففي هذه الرواية إشارة واضحة إلى أنَّ الإمام القائم عليه السلام يظهر على أقوام قد درسوا الدراسات الحديثة، في المدارس الحديثة الشرقية والغربية، وقد حصل لهم مرتبة من المعرفة، ومسحة تلك العلوم، إلَّا أنهم جهلاء بعلم الدين وعلم القرآن، ولكن باعتقادهم أنهم علماء فقهاء، فحصل لهم الجهل المركََّب؛ وهؤلاء هم الشباب الذين درسوا في الكليات العالمية، وأقبلوا إلى الدول الإسلامية؛ إذا ظهر الإمام (علیه السلام) احتجوا عليه بالقرآن بتأويل آياته وكلماته، فيردهم الإمام (علیه السلام) ويقيم لهم الحجج والبراهين الواردة عن النبي والأئمة
الطاهرين عليهم السلام ويقنعهم، فمن رجع إلى الحقّ سلم وأمن، ومن أبي قُتل ولُعن. وهذا من أخبار الأئمة بالمغيبات.
الفتن
عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: ثم يظهر المهديّ (علیه السلام) بمكة عند العشاء ومعه راية رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، وقميصه، وسيفه، وعلامات، ونور، وبيان؛ فإذا صلى العشاء، نادى بأعلى صوته، يقول: أذكركم الله أيها الناس، ومقامكم بين يدي ربكم، وقد أكَّد الحجة، وبعث الأنبياء، وأنزل الكتاب، يأمركم أن لا تشركوا به شيئاً، وأن تحافظوا على طاعته وطاعة رسوله، وأن تحيوا ما أحيى القرآن، وتُميتوا ما أماته، وتكونوا أعواناً على الهدى، ووزراً على التقوى، فإنََّ الدنيا قد دنا فناؤها وزوالها، وأذنت بالوداع؛ وإني ادعوكم إلى الله ورسوله، والعمل بكتابه، وإماتة الباطل، وإحياء السنة؛ فيظهر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، عدة أهل بدر، على غير قزعاٍ كقزع الخريف، رهبان بالليل أسد بالنهار. فيفتح الله له أرض الحجاز، ويخرج من كان في السجن، من بني هاشم؛ وتنزل الرايات السود الكوفة، فيبعث بالبيعة إلى المهدي (علیه السلام)، ويبعث المهديّ (علیه السلام) جنوده إلى الآفاق، ويميت الجور وأهله، وتستقيم له البلدان، ويفتح الله على يديه القسطنطينية.
بيان: دلّ هذا الخبر على أنََّ الإمام القائم عليه السلام يصدع بالدعوة بعد صلاة العشاء، فالبدء بالدعوة وأول الشروع بها هو ما بعد الصلاة وقت العشاء؛ وهذه الخطبة المشتملة على المواعظ والإرشاد إلى طريق الحقَِ والرشاد، والأمر بعدم الإشراك بالله تعالى. والمحافظة على طاعته وطاعة رسوله، والالتزام بالقرآن، وبما جاء به إلى آخرها، كل ذلك ليلا؛ ثم يعلن بالدعوة نهاراً؛ ويحضر الله تعالى له ليلاً قوّاده الثلاثمائة والثلاثة عشر رجلًا من أطراف الأرض، وتجتمع باقي أصحابه، فينصره الله على الطغمة الحاكمة في الحجاز، فيسيطر أولاً على مكة، ثم المدينة، ثم على باقي أرض الحجاز؛ ويخرج من كان في سجن الحكومة الظالمة من السادة الهاشميين، ومنهم محمد بن الشحري، فإنَّ هذا من السادة الذين سجنوا في المدينة، فيخرجه من السجن ويخرج المؤمنين من السجن، وفي ذلك الوقت تنزل الرايات السود الكوفة، وهي رايات السيِّد الحسينيّ، والحسنيّ، والهاشميّ وبعد فتحهم الكوفة يبعثون بالبيعة إلى المهدي (علیه السلام) ويقدمون إليه، ويكونون من أنصاره،
وبعدها يبعث الإمام جنوده إلى سائر البلاد فيفتحها، اللهم عجل فرجه، واجعلنا من أنصاره في خير وعافية.
الكتاب المبين السفر الثاني
عن علي بن الحسين عليه السلام، في ذكر القائم (علیه السلام)، في خبر طويل قال: فيجلس - أي القائم (علیه السلام) - تحت شجرة فيجيئه جبرائيل (علیه السلام) في صورة رجل من كلب، فيقول: يا عبد الله ما يجلسك ها هنا؟ فيقول: يا عبد الله إني أنتظر أن يأتيني العشاء. فأخرج في دبره إلى مكة، وأكره أن أخرج في هذا الحر. قال: فيضحك، فإذا ضحك عرفه أنه جبرائيل (علیه السلام). قال: فيأخذ بيده فيصافحه، ويسلم عليه، ويقول له: قم، ويجيئه بفرس يُقال له البرَّاق فيركبه، ثم يأتي به إلى جبل رضوى، ثم يأتي محمد صلى الله عليه وآله وعليّ عليه السلام، فيكتبان له عهداً منشوراً يقرأه على الناس، ثم يخرج إلى مكة والناس يجتمعون فيها؛ قال: فيقوم رجل منه فينادي أيها الناس هذا طلبكم قد جاءكم يدعوكم إلى ما دعاكم إليه نبي الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، فيقومون إليه جماعة ليقتلوه، فيقوم الثلاثمائة والنيف على الثلاثمائة فيمنعونهم منه خمسون من أهل الكوفة، وسائرهم من أفناء الناس، لا يعرف بعضهم بعضاً، اجتمعوا على غير ميعاد.
بيان: هذا الخبر يحكي ابتداء مجيء الإمام القائم إلى مكة، فيجلس خارج مكة تحت شجرة، فياتيه جبرائيل (علیه السلام) في صورة رجل، لأن الملك يتشكل بأشكال مختلفة، وهو جسم نورانيّ. فيسأل الإمام (علیه السلام) عن جلوسه يريد أن يعرفه نفسه، وبعد ضحكه يعرفه الإمام (علیه السلام) أنه جبرائيل (علیه السلام)، فيحضر له البرَّاق، وهو ملك على هيئة فرس له جناحان يطير بهما، كما وُصف في بعض الأخبار، ويذهب به إلى جبل رضوى، لمقابلته ومواجهته النبي وعلي عليهما السلام، وإصدار الأمر له بالثورة، فيحضر عندهما ويكتبان له عهداً وكتاباً يوقعان فيه، وهو أمر بالخروج، والقيام لإحياء الدين، ورفع دول الظالمين المتكبرين، ليقرأ هذا الكتاب على الناس، ويذهب إلى مكة ويجتمع إليه أصحابه؛ وعند قدومه ودخوله الحرم ينبّه الناس أحد السادة عليه، فيسمعونه رجال الحكومة في مكة، فينهضون إليه ليقتلوه، فيمنعهم أصحاب القائم الثلاثمائة والنيف والمراد من النيف من الاثنين إلى التسع فكل ما زاد على العقد فهو نيف - وخمسون من هؤلاء من أهل الكوفة، والباقون من سائر البلاد، لا يعلم من هم، ومن أي بلدهم، فيشرع في الدعوة وينشرها من مكة
العوالم
عن أبي جعفر عليه السلام قال: أما أنَّ قائمنا لو قد قام لأخذ بني شيبة وقطع أيديهم، وطاف بهم وقال هؤلاء سرَّاق بيت الله.
الوافي
عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا قام القائم (علیه السلام) هدم المسجد الحرام، حتى يردّه إلى أساسه، وحوَّل المقام إلى الموضع الذي كان فيه، وقطع أيدي بني شيبة، وعلَّقها بالكعبة، وكتب عليها سرَّاق الكعبة.
وروى الصدوق بإسناده إلى الصادق عليه السلام في حديث طويل قال: أول ما يظهر القائم (علیه السلام) يقطع أيدي بني شيبة، الذين معهم مفاتيح الكعبة في هذه الاعصار، ويعلِّقها على الكعبة، وينادي عليهم هؤلاء بني شيبة سرَّاق الكعبة، إلى أن قال: ويلبس ثوب إبراهيم الذي أتى به جبرائیل (علیه السلام)، لمّا رماه نمرود في النار، فصارت علیه برداً وسلاماً، وهو قميص يوسف (علیه السلام)، الذي ألقوه على وجه يعقوب، فارتدَّ بصيراً، ويخرج وهو لابس خاتم سليمان، ومعه تابوت بني اسرائيل، الذي فيه جميع مواريث الأنبياء وآثارهم، ولم يبق كافراً على وجه الأرض، ولو أنَّ الكافر التجأ إلى صخرة، أو إلى شجرة، لنادت الصخرة أو الشجرة هذا كافر عندي فاقتلوه؛ ومن علاماته أنه ليس له ظل على الأرض؛ فإذا خرج من مكة نادى مناديه بأن لا يحمل أحد من العسكر طعاماً، ولا ماءً؛ ومعه حجر موسى (علیه السلام) فإذا وصل إلى المنزل نصبه، وانفجرت منه اثنتي عشرة عيناً، فيروى ويشبع من شرب منها، فإذا بلغ النجف وسكن فيها انفجر تلك من الصخرة ماء ولبن، فيكون هو الغذاء عوض الطعام والشراب.
وفي رواية أخرى: أنه يخرج من تلك الصخرة ماء وطعام وشراب لهم وعلف لدوابهم.
بيان: من الحدود والعقوبات التي يقوم بها القائم (علیه السلام) في بدو ظهوره، هو قطع أيدي بني شيبة؛ وبنو شيبة بطن من قصيّ من قريش، من العدنانية، هم سدنة الكعبة، عليهم شيخ أوزعيم، وبيده مفتاح الكعبة؛ وهؤلاء في هذه العصور وفي عهد الأئمة عليهم
السلام، هم سدنة الكعبة، ويُعلم من إقامة الإمام عليه السلام الحدّ عليهم، وقطع أيديهم، ومن قوله عليه السلام: هؤلاء سرَّاق بيت الله، أو من الأمر بتعليقها والكتابة عليها سرَّاق الكعبة، أو من الأمر بالنداء عليها، هؤلاء بني شيبة سرَّاق الكعبة، أنََّ هؤلاء في طوال هذه السنين الماضيات، والقرون الغابرات، كانوا يشتغلون بالسرقات، فيسرقون من بيت الله الحرام، ويسرقون الحجَّاج الكرام؛ فإذا قام الإمام عليه السلام انتقم من هؤلاء اللئام، لأن لكل شيء غاية، ولكل عمل نهاية، فنهاية أعمالهم السيئة هو بظهور الإمام (علیه السلام)، فيقطع دابرهم، ويقتل آخرهم. وإذا قام جاء بمواريث الأنبياء معه، ثوب إبراهيم (علیه السلام) الذي حفظه من النار، وهو قميص يوسف (علیه السلام) الذي رُدّ به بصر يعقوب، فيلبسه الإمام ليحفظ من شرِّ الأشرار، وكيد الفجَّار، ويلبس خاتم سليمان الذي كان إذا لبسه سليمان (علیه السلام) أطاعته الإنس والجن والطير، ويحمل تابوت السكينة معه لينصر على أعدائه، وقد مرت الإشارة إليه.
ثم قال: ومن علاماته - أي من علامات الإمام القائم (علیه السلام) - أنه ليس له ظل على الأرض، وهذه صفة الإمام المعصوم، أنه لا ظل له في الشمس، لأنه نور وضياء مبين، ومع الإمام (علیه السلام) حجر موسى (علیه السلام). وسيأتي لذكره بيان خاص إن شاء الله تعالى.
الوافي
عن ابن المغيرة، عن أبي عبد الله عليه السلام: إذا قام القائم (علیه السلام) من آل محمد، أقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم أقام خمسمائة فضرب اعناقهم، ثم خمسمائة أخرى، حتى يفعل ذلك ست مرات. قلت: ويبلغ عدد هؤلاء هذا؟ قال: نعم، منهم ومن مواليهم.
بیان: هؤلاء الطوائف المحكوم عليها بالإعدام من قريش البالغ عددهم ثلاثة آلاف، لعلهم الحكَّام الظلمة، والأمراء الغشمة الحاكمين في الحجاز، وقد استحقوا القتل، بما كسبت أيديهم، من ظلم، وإعدام، ونهب، وسلب، وإجرام؛ وعند الاستفسار عن بلوغ عددهم هذا المقدار، قال عليه السلام: إنهم مع مواليهم وموظفيهم وأربابهم يبلغون هذا العدد، فيطهِّر الأرض منهم تطهيراً.
الوافي
عن المفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا أذن الله عز وجل للقائم (علیه السلام) في الخروج، صعد المنبر فدعا الناس إلى نفسه، وناشدهم الله ودعاهم إلى حقِّه، وأن يسير فيهم بسيرة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، ويعمل فيهم بعمله، فيبعث الله تعالى جبرائيل حتى يأتيه، فينزل على الحطيم يقول له: أيّ شيء تدعو؟ فيخبره القائم (علیه السلام) فيقول جبرائيل: أنا أول من يبايعك، أبسط يدك، فيمسح على يده وقد وافاه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، فيبايعونه ويقيم بمكة حتى يتّم أصحابه عشرة آلاف؛ ثم يسير إلى المدينة.
وسُمع أبو عبد الله عليه السلام يقول: إنَّ القائم (علیه السلام) يلقى في حربه ما لم يلق رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، لأن رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) أتاهم وهم يعبدون الحجارة المنقورة، والخشب المنحوتة، وإنَّ القائم (علیه السلام) يخرجون عليه فيتأولون عليه كتاب الله ويقاتلونه عليه.
بيان: إذا صدع الإمام عليه السلام بالدعوة الإسلامية وبايعه جبرائيل (علیه السلام)، وأصحابه الثلاثمائة والثلاثة عشر، واجتمع عليه باقي أصحابه، فقطع أيدي بني شيبة، وقتل الحكام الظلمة في مكة، فيثور لحربه طلّاب المدارس الحديثة، ويتأولون عليه القرآن تأويلاً، فيجيبهم ويفسّر لهم الآيات، ولكن مع ذلك يحاربونه، فيحاربهم ويقتلهم ويقطع دابر الظالمين، والحمد الله رب العالمين.
الكتاب المبين
عن أبي بصير قال: أبو عبد الله عليه السلام: لا يخرج القائم (علیه السلام) من مكة حتى يكون في مثل الحلقة. قلت: وكم الحلقة؟ قال: عشرة آلاف. جبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، ثم يهز الراية المغلَّبة - أي الراية التي يغلّبها الله تعالى - على من عاداها وعارضها، فهي تغلب كل من قابلها وحاربها، فلا يبقى أحد في المشرق والمغرب إلََّا لعنها، لعلمهم بأنها تنتصر على العالم وتملكه. وهي راية رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) نزل بها جبرائيل (علیه السلام) يوم بدر.
ثم قال: يا أبا محمد، وما هي والله من قطن ولا كتان ولا قزو ولا حرير. قلت: فمن أيّ شيء هي؟ قال: من ورق الجنة، نشرها رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) يوم بدر ثم لفَّها ودفعها إلى علي (علیه السلام)، حتى كان يوم البصرة، فنشرها أمير المؤمنين (علیه السلام)، ففتح الله عليه، ثم لفَّها فهي عندنا لا ينشرها أحد حتى يقوم القائم (علیه السلام)، فإذا هو قام فنشرها لم يبق بين المشرق والمغرب أحد إلَّا لعنها، ويسير الرعب قدَّامها شهراً، وخلفها شهراً، وعن يمينها شهراً، وعن يسارها شهراً.
ثم قال: يا أبا محمد إنه يخرج موتوراً، غضباناً، آسفا لغضب الله، على هذا الخلق؛ عليه قميص رسول الله الذي كان عليه يوم أحد، وعمامته السحاب - أي التي اسمها السحاب - ودرع رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) السابغة، وسيف رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ذو الفقار، يجرِّد السيف على عاتقه ثمانية أشهر هرجاً - أي قتلاً - لمن خالف الله ورسوله، والأئمة عليهم السلام؛ فيبدأ ببني شيبة، فيقطع أيديهم، وقد مرَّ ان هؤلاء سدنة الكعبة وخدّام في البيت الحرام، ويعلِّقها - أي يعلِّق أيديهم - بعد قطعها في الكعبة، وينادي مناديه هؤلاء سرَّاق بيت الله، أي أنهم يسرقون ما يرجع الى بيت الله من الأوقاف، ويسرقون الحجاج فاستحقوا الحدَّ، وهو القطع.
ثم ينادي قريشاً: وهم: الأمراء الظلمة في مكة والحجاز والنواصب والوهابيون. فلا يأخذ منها إلََّا السيف: أي ينزعهم السلاح ويأخذه من أيديهم. ولا يعطيها الا السيف: أي لا يقتلهم إلَّا بالسيف وبالسلاح الأبيض.
ولا يخرج القائم (علیه السلام) حتى يقرأ كتابان: كتاب بالبصرة، وكتاب بالكوفة بالبراءة من علي عليه السلام. هذان الكتابان يُقرآن في إذاعة العراق، فيسمع من في البصرة، ومن في الكوفة، وهما يُقرآن في زمن السفيانيّ الأخير بالبراءة من علي بن أبي طالب عليه السلام، فمن لم يتبرء منه قُتل، فإذا أذيع هذا البيان في إذاعة العراق، وسمعه أهل العراق من الراديو والتلفزيون في البصرة والكوفة، وسائر بلاد العراق، تبرأ منه كل منافق وكافر وأولاد الزنا وأولاد الحيض، لأنه ثبت في الأثر قال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي لا يحبك الَّا مؤمن، ولا يبغضك إلََّا منافق، أو ابن زنا، أو حيضة. ويتقي منهم كل مؤمن ومحب للإمام (علیه السلام)، فيتبرأ منه بلسانه، ولا يتبرأ منه بقلبه، لأن من تبرأ من الإمام بقلبه تبرأ الله منه ورسوله والمؤمنون، ولكن البراءة باللسان. فقد أجازها الإمام عليه السلام بنفسه كما ذكرناه سابقاً في بعض خطبه.
قال: وإن دعوكم الى سبِّنا فسبُّونا؛ وإن دعوكم الى شتمنا فاشتمونا؛ وإن دعوكم إلى لعننا فالعنونا؛ وإن دعوكم الى البراءة منَّا فلا تتبرأوا منَّا، ومدُّوا أعناقكم للسيف، فإنه من تبرأ منَّا بقلبه تبرأ الله منه ورسوله. فيدل مفهوم هذه العبارة على أن البراءة باللسان لا مانع منها، إذا صدرت تقيّة، كما صنع ذلك عمّار بن ياسر، حين أخذه مشركوا قريش، وأرادوا قتله، أو يتبرأ من النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) فتبرأ بلسانه فأطلق؛ وعندما وافى النبي صلى الله عليه وآله، وهو يبكي فقال له: ما وراءك؟ قال: شرّ يا رسول الله؛ ما تُركت حتى نلت مناك، وذكرت آلهتهم بخير، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يمسح عينه ويقول: إن عادوا لك، فعد لهم بما قلت، ونزلت الآية (إلََّا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) [النحل 106] فالبراءة باللسان لا مانع منها.
وفيه: عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام يقول: لو قد خرج قائم آل محمد (علیه السلام) لنصره الله بالملائكة المسومين والمردفين والمنزلين والكروبيين، يكون جبرائيل (علیه السلام) أمامه، وميكائيل عن يمينه، وإسرافيل عن يساره، والرعب مسیر شهر أمامه، وخلفه، وعن يمينه، وعن شماله، والملائكة المقرّبون حذاه.
بيان: هؤلاء أنصار القائم (علیه السلام) من الملائكة وهم أصناف:
الصنف الأول: المسومين: وهم المعلمون بعلائم خاصة، كالضباط والجنود الذي وضع لهم علائم في أكتافهم وسوَّموهم فهم مسومون.
الصنف الثاني: المردفين: وهم المتبعون للمؤمنين يحفظونهم فهم محافظون.
الصنف الثالث: المنزلين: في وقت الحرب مع الأعداء فيهلك بهم أعداء الإمام (علیه السلام).
الصنف الرابع: الكروبيين: وهم سادة الملائكة، والمقربون منهم، وجبرائيل هو: رأس الكروبيين، بتخفيف الرِاء، وهو يسير أو يطير أمامه، وميكائيل مثله يسير او يطير عن يمينه، وإسرافيل يسير او يطير عن يساره، والرعب يسير شهراً من أطرافه الأربع، والملائكة المقربون بحذاه أي متهيئين لخدمته ونصرته.
وأول من يتابعه - أي في الرجعة - ويرجع خلفه محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) وعليّ الثاني، أي يرجع بعده، ومعه أي مع القائم (علیه السلام) سيف مخترط - أي مسلول -
يفتح له الروم: أي يفتح الله له الدول الشرقية والدول الغربية والصين والترك - أي أتراك روسيا وأتراك تركيا وغيرهم - والديلم - وهو القسم الجبلي من بلاد جيلان شمالي بلاد قزوين وكردستان - والسند، والهند، وكابل شاه - وهي أفغانستان - والخزر - وهم سكان البلاد الواقعة في شمال بحر قزوين، وبعض سكان أرمينيا وهي فعلًا تقع في الاتحاد السوفياتي -.
يا أبا حمزة لا يقوم القائم (علیه السلام) إلََّا على خوف شديد: أي يشمل الناس من جهة الفتن والحروب، وزلازل إمَّا سماوية، وإمَّا من جهة قصف القنابل؛ وفتنة، أي حرب عظيمة؛ وبلاء أي مرض وطاعون وقتل يصيب الناس؛ وطاعون أي مرض قبل ذلك، نحانا الله منه؛ وسيف قاطع بين العرب، أي حرب وقتل بين الدول العربية وإختلاف شدید.
وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام: إذا ظهر القائم (علیه السلام) ودخل الكوفة بعث الله من
ظهر الكوفة سبعين ألف صدِّيق، فيكونون في أصحابه وأنصاره.
بيان هؤلاء الصدِّيقون من العلماء الابرار، وأهل العلم الأخيار، الذين سألوا الله تعالى ان يرجعوا مع الامام الحجة عليه السلام، فيرجعهم ويوفقهم، لأن يكونوا من أنصاره وأعوانه.
العوالم
قيل لأبي الحسن الرضا عليه السلام: يا بن رسول الله ما تقول في حديث روي عن الصادق عليه السلام إنه قال: إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين عليه السلام،
بفعال آبائها: فقال (علیه السلام) هو كذلك.
فقيل: وقول الله عز وجل (ولا تزر وازرة وزر أخرى) [فاطر 18] ما معناه؟
قال: صدق الله في جميع اقواله؛ ولكن ذراري قتلة الحسين عليه السلام، يرضون
بفعال آبائهم، ويفتخرون بها، ومن رضي شيئاً كان كمن أتاه؛ ولو أنّ رجلًا قتل بالمشرق، فرضي بقتله رجل بالمغرب، لكان الراضي عند الله عز وجل، شريك القاتل؛ وإنما يقتلهم القائم (علیه السلام)، إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم. قيل: قلت له: بأيّ شيء يبدأ القائم (علیه السلام) منكم إذا قام؟
قال: يبدأ ببني شيبة، فيقطع أيديهم، لأنهم سرَّاق بيت الله عز وجل.
بیان: دلّ هذا الخبر بوضوح أنَّ القائم عليه السلام، يقتل ذراري قتلة الحسين - أي أولادهم وأحفادهم - بفعال آبائهم؛ فأورد السائل على الامام بالآية الكريمة (ولا تزر وازرة وزر اخرى) أي لا تحمل حاملة حمل أخرى، وثقلها، أي لا تؤخذ نفس بذنب اخرى. فأجاب عليه السلام: بأنَّ الله تعالى صادق في قوله، ولكن حيث إنَّ أولاد قتلة الحسين وأحفادهم، يرضون بفعل ابائهم ويفتخرون بها وهناك قاعدة كلية يترتب عليها حكم شرعي كليّ، وهي أن من رضي بشيء كان كمن أتاه؛ فمن رضي بقتل أحد كان شريكاً مع القاتل؛ ولو قتل شخص في المغرب، ورضي بقتله أحد في المشرق، كان الراضي شريك القاتل. فالقائم إنما يقتل الراضين بقتل الحسين (علیه السلام) لرضاهم بفعل آبائهم؛ وانما يقتل بني شيبة، والنواصب، والوهابيين، لرضاهم الفعل ابائهم.
ويؤيد ذلك أخبار كثيرة، وردت في الكافي وغيره من الصحاح؛ وقد ورد في بعض الزيارات ذلك؛ كما في زيارة وارث، الصادرة عن الامام الصادق عليه السلام، حيث لعن قاتل الحسين (علیه السلام) فقال: لعن الله أمة قتلتك، ولعن الله أمة ظلمتك، ولعن الله امة سمعت بذلك فرضيت به. فجعل اللعنة على القاتل للحسين (علیه السلام) والظالم له،
والسامع بقتله، والراضي به، فحكم الراضي بالقتل حكم القاتل والظالم، لأن من رضي بشيء كان كمن أتاه، فهم في الحكم سواء.
وفيه: في باب ما يعامل به قريشاً:
عن العوالم، عن بشر بن غالب الأسدي قال؛ قال الحسين بن علي عليهما السلام؛ يا بشر ما بقاء قريش إذا قدَّم القائم المهدي منهم خمسمائة رجل فضرب أعناقهم؛ ثم قدَّم خمسمائة فضرب أعناقهم؛ ثم خمسمائة فضرب أعناقهم صبراً؟
قال: فقلت: أصلحك الله، أيبلغون ذلك؟
فقال الحسين بن علي عليه السلام: إنََّ مولى القوم منهم.
قال الراوي، فقال بشير بن غالب أخو بشر بن غالب: أشهد أنَّ الحسين بن علي عليهما السلام، عدّ علي ست عدات - أي مرات -.
بيان: إنَّ هؤلاء الذين يقتلهم القائم عليه السلام من قريش، من النواصب، ومن أمراء الحجاز وحكامه، وعد الامام (علیه السلام) ست عدات - أي ست مرات -. خمسمائة فيكون عدد المقتولين منهم ثلاثة آلاف، لأنهم رضوا بفعل آبائهم، ولذلك استوجبوا القتل.
وفيه: سُمع أبو جعفر عليه السلام يقول: لو يعلم الناس ما يصنع القائم (علیه السلام) إذا خرج، لأحبَّ أكثرهم أن لا يروه، ممّا يقتل من الناس أمَّا أَنَّه لا يبدأ إلَّا بقريش، فلا يأخذ منها إلَّا السيف، ولا يعطيها إلَّا السيف، حتى يقول كثير من الناس: ليس هذا من آل محمد، ولو كان من آل محمد الرحم.
وروي الصدوق عن الصادق عليه السلام قال: ويخرج - أي القائم (علیه السلام) أولاد قاتلي الحسين (علیه السلام) فيقتلهم، لأنهم رضوا بصنع آبائهم؛ ومن رضي بفعل قبيح، كان كمن أتاه ويحيي عائشة ويعذبها على ايذائها لفاطمة (علیه السلام) ومارية القبطية.
وعن عبد الرحيم القصير قال: قال لي ابو جعفر عليه السلام: أما لو قد قام قائمنا، لقد ردَّت إليه الحميراء، حتى يجلدها الحدّ، قال: لفريتها على أم ابراهيم.
قلت: فكيف أخَّره الله للقائم (علیه السلام)؟
فقال له: إنََّ الله تبارك وتعالى بعث محمداً (صلی الله علیه وآله وسلم) رحمة، وبعث القائم (علیه السلام) نقمة.
بیان: المراد من الناس في الرواية الأولى: هم النواصب، الذين ينصبون العداوة لآل محمد، والمنافقمون، فهؤلاء لا يعلمون انَّ الامام القائم (علیه السلام) اذا قام يقتل جمعاً كثيراً منهم، وجمّاً غفيراً، لأحبّوا ان لا يروه، لكثرة من يقتل منهم، لأنه يبدأ بقريش، وهم الأمراء في الحجاز، والوهابيون والنواصب، فيأخذ منهم السلاح، وينزعه منهم، ويعطيهم السيف - أي يقتلهم بالسيف - ولكثرة من يقتل القائم (علیه السلام) منهم يقولون: إنّ هذا ليس من آل محمد، ولو كان من أهل بيت محمد لرحم، وكان رؤوفاً بالناس، إلَّا أنه أهل الرأفة والحنان، وإنما يقتل أولاد الزنا، وأولاد الحرام، وأهل العصيان والطغيان: وأمَّا إحيائه لعائشة لمحاسبتها على أعمال قامت بها، من ايذائها لفاطمة الزهراء، ولمارية
القبطية، زوجة النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) وهي أم ابراهيم، فإنها كانت تحمل بعضاً وحنقاً عليهما وتؤذيهما بالكلام وتفتري عليهما.
فلذا صرّح في الخبر الثاني: بأنه القائم (علیه السلام) تردُّ له الحميراء، وهذه صفة لعائشة، ولقب لها لأنها كانت حمراء، فيحاسبها ويقيم عليها الحدّ، فيجلدها لأنها افترت وكذبت على مارية القبطية، أم ابراهيم واتهمتها، وأورد الراوي على الامام، بأنه كيف يجوز تأخير الحد الى زمن الرجعة وهو زمن القائم (علیه السلام)؟ فأجاب (علیه السلام) بأن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) إنما بعث للناس رحمة، ولذلك لم يقم الحدّ، فرأفة بها أخَّر الحدّ إلى زمن من يبعث نقمة على الكافرين، والمنافقين، والنواصب، والفاسقين، وهو الامام القائم عليه السلام.
الكتاب المبين
سئل الامام الباقر عليه السلام عن الصلاة في المساجد المعمورة، قال: أكره ذلك، ولكن لا يضركم اليوم، ولو قد قام العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك.
وسُمع يحدّث: إذا قام القائم (علیه السلام)، عرض الايمان على كل ناصب، فإن دخل فيه بحقيقته، وإلَّا ضرب عنقه، أو يؤدي الجزية، كما يؤديها اليوم أهل الذمة، ويشد على وسطهم الهميان، ويخرجهم من الأمصار الى السواد.
بيان: بعد السؤال عن الصلاة في المساجد المعمورة بالبناء، وأباح الصلاة فيها في زمن الغيبة؛ حدث عن معاملة الامام القائم (علیه السلام) مع النواصب، فإنه يعرض الايمان بإمامة الأئمة الاثني عشر بعد النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، فمن أقرَّ بذلك كان مؤمناً، ومن أبي عن ذلك فإمَّا ان تضرب عنقه، وإمَّا أن يؤدي الجزية، كما كانت اليهود والنصارى الذين كانوا في ذمة الاسلام يؤدون الجزية للنبي صلى الله عليه وآله، في أول الاسلام؛ وهذا حكم.
والحكم الثاني عليهم أن يشد الهميان في أوساطهم، مثل الفلاحين والمكّارين ويخرجهم خارج البلاد، ويسكنهم السواد؛ والمراد من السواد، الموضع الذي يكون فيه النخيل والأشجار، ومنه سواد العراق، وهي المواضع التي تكون فيها البساتين، المحتشدة
بالنخيل والأشجار، وإنما سمي بذلك لشدة خضرة اشجاره وزروعه، وحد طولاً من بلدة حديثة الموصل الى عبادان، وعرضاً من العذيب إلى حلوان، ويمنعون من السكنى في الأمصار وهذا يكشف عن قانون يجعله الامام القائم عليه السلام، وهو أن سكني البلد والولاية لمن اعترف بالولاية لآل محمد عليهم السلام، ومن لم يعترف بالولاية فليس له حق السكن في البلد والولاية، فهذا من القوانين التي يضعها الامام (علیه السلام) ويعلن فيه في كل بلد، وهو مستفاد من الخبر، وهو متفرع عن حديث سلسلة الذهب، الوارد عن الامام الرضا عليه السلام قال: ولاية علي بن أبي طالب حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي؛ وقد مرَّ ذكره وذكر سنده في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
ففي زمن الامام القائم عليه السلام من اعترف بالولاية لآل محمد (علیه السلام) كان له حق السكنى في البلد والولاية وامن من العذاب، ومن أبى وكان ناصبياً ينصب العدواة لآن محمد، فيخرج من البلد وينفي من المصر، ويسكن في البادية، ولا يأمن العذاب في الدنيا والآخرة، ويؤيد هذا بالأخبار الآتية.
وفيه: عن أبي عبد الله عليه السلام في تفسير قوله تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً - الى قوله - حسنت مستقراً ومقاما) وهي اربعة عشر آية: [الفرقان 63 - 76]
الذين يمشون على الأرض هوناً هم الأوصياء، فإذا قام القائم (علیه السلام) عرضوا كل ناصب عليه، فإن أقرَّ بالاسلام، وهي الولاية، وإلا ضُربت عنقه، أو أقرَّ بالجزية فأداها كما يؤدي أهل الذمة.
وفيه: قيل لأبي عبد الله عليه السلام: قول الله تعالى (إن له معيشة ضنكا) قال: هي والله للنصاب. قال: جعلت فداك، قد رأيناهم دهرهم الأطوال في كفاية حتى ماتوا.
قال: ذاك والله في الرجعة، يأكلون العذرة: أي من حاجتهم وجوعهم ونفيهم عن الأمصار والبلدان.
وفيه: عن العوالم عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: يا أبا محمد، كأني أرى نزول القائم (علیه السلام) في مسجد السهلة بأهله وعياله.
قلت: يكون منزله جعلت فداك؟ قال: نعم كان فيه منزل ابراهيم خليل الرحمن،
وما بعث الله نبيّاً، إلَّا وقد صلى فيه: وفيه مسكن الخضر؛ والمقيم فيه كالمقيم في فسطاط رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)؛ وما من مؤمن ومؤمنة إلَّا وقلبه يحنّ إليه. قلت: جعلت فداك لا يزال القائم فيه أبداً؟ قال: نعم. قلت: فمن بعده؟ قال: هكذا من بعده الى انقضاء الخلق. قلت: فما يكون من أهل الذمة عنده؟ قال: يسالمهم كما سالمهم رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ويؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون. قلت: فمن ينصب لكم عدواة؟ فقال: يا أبا محمد، ما لمن خالفنا في دولتنا من نصيب؛ إنَّ الله قد أحلَّ لنا دماءهم عند قيام قائمنا، فاليوم محرّم علينا وعليكم، فلا يغرنّك أحد، فإذا قام قائمنا انتقم لله ولرسوله ولنا أجمعين:
بیان: تعرضت هذه الرواية لحكم أهل الذمة، وحكم النواصب، والمخالفين من الفرق الاسلامية، بعد ان مدح مسجد السهلة، وهي البقعة المباركة الشريفة؛ وقال: إنها تكون منزلاً للقائم عليه السلام، الى انقضاء الخلق، وكان فيها منزل النبي ابراهيم (علیه السلام) ومسكن الخضر (علیه السلام)، وهي مصلى لكل نبي، والمقيم فيه كالمقيم في فسطاط النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) فأما حكم أهل الذمة من اليهود والنصارى وغيرهم، ممن كان في ذمة الإسلام، فإنَّ الإمام القائم عليه السلام، يعامل الأموات منهم بأن يرجعهم الى الدنيا، ويحاسبهم، ويعدمهم، كل أهل عصر في عصرهم، ويعامل الأحياء بأنَّ خالف منهم، أوثار وتحرك قتل واعدم، وإن سكت وسلم المؤمنون منه، سالمه الامام (علیه السلام) كما سالم رسول الله صلى الله عليه وآله اهل الذمة، بأن يأخذ منهم الجزية عن يد وهم صاغرون، وإن لم يؤد الجزية تُضرب عنقه، وهذا الحكم وهو أداء الجزية محدود برجعة الامام الحسين عليه السلام، فإذا رجع الحسين (علیه السلام) ورجعت الامامة بعد الحجة (علیه السلام) اليه، عرض الاسلام والايمان على الكفار والمنافقين، والمخالفين، فمن اعترف بذلك نجى، ومن أبى ولم يقبل بذلك قُتل ولا تُقبل منه الجزية كما سيأتي ما يدل على ذلك في البيانات اللاحقة ان شاء الله تعالى.
وأما حكم النواصب والمخالفين فإنهم ليس لهم حق في دولة الحق، وليس لهم نصيب في مملكة الصدق، لأن الله تعالى قد حرم دماءهم في زمن الغيبة لاعتناقهم دين الإسلام، قال عليه السلام: من قال لا إله إلَّا الله محمد رسول الله حقن ماله ودمه، فدمهم حرام على المسلمين وغيرهم، وعلى الامام أيضاً. وأما بعد انتهاء زمن الغيبة، وقيام دولة الحق والصدق، فيعرض عليهم الايمان فمن أبى يترتب عليه الحكم السابق، أي اما ان يؤدي
الجزية وينفى من البلد، ومن لم يؤد الجزية يعدم، وهذا أيضاً محدود برجعة الحسين (علیه السلام) فإذا رجع (علیه السلام) فلا يقبل الجزية من أحد، من النواصب والمخالفين، بل لا بدَّ إمَّا الإسلام، أو الإعدام.
شرح النهج لابن أبي الحديد
قال علي عليه السلام في حرب صفين، في بني أمية، مخاطباً للعباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب: والله لودّ معاوية أنه ما بقي من بني هاشم نافخ ضرمة إلَّا طعن في بطنه، إطفاء لنور الله يأبى الله إلَّا أن يتمَّ نوره ولو كره المشركون أما والله ليملكنهم منا رجال، ورجال يسومونهم الخسف، حتى يحتفروا الآبار، ويتكففوا الناس ويتوكلوا على المساحي.
بيان: بيَّن الامام عليه السلام حقد معاوية وعداوته للأئمة (علیه السلام) وللسادة الهاشميين، بحيث كان يود ان لا يبقى فرد واحد منهم، ينفخ ضرمة النار، إلَّا طعن في بطنه، أي قتله، يريد بذلك إطفاء نور الله، ونشر الظلمة والظلم والفساد والجور، ويأبى الله أن يطفىء ذلك النور، وهو نور الأئمة وأبنائهم الطاهرين عليهم سلام الله أجمعين، وأحفادهم السادة الغرر الميامين، بل يتم نوره، ولو كره المشركون، والكافرون
والمنافقون.
ثم أخبر عليه السلام بأنه سوف يملك رجال منَّا، وهو الامام القائم عليه السلام، ورجاله الكرام واصحابه العظام، حزب معاوية وهم النواصب والمخالفون للحجة (علیه السلام) فإذا ملكوهم ساموهم الخسف، أي النقيصة، بأن يحملونهم على ما يكرهون، وينقصونهم ويولونهم الذل، والخزي والهوان، حتى يكونوا أذلاء صاغرين، وفي أرذل عيشة، ماكثين فيطردونهم خارج البلدان، وينفونهم عن الأمصار والعمران فيحفرون الآبار في الصحاري والبراري، ويشتغلون بالزراعة والفلاحة، ويتوكلون على المساحي، لا على الله تعالى ويصبحون فقراء محتاجين، ويتكففون الناس، أي يمدون أكفهم للسؤال، وطلب الصدقات، ويكونوا مساكين مستضعفين، ولا يعترفون بالحق، أولئك الأراذل السفلة، حتى من جوعهم يأكلون العذرة، ويبقى آخرهم الى رجعة الحسين بن علي، الشهيد عليه السلام، فيطهر الأرض منهم إلَّا من دخل في الايمان، وهداه الرحمان.
وفيه سمع ابو جعفر عليه السلام يقول في تفسير قوله عز وجلّ: (فلما أحسوا بأسنا إذا هم يركضون لا تركضوا وارجعوا الى ما اترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون) [الأنبياء 13].
قال: إذا قام القائم (علیه السلام) يبعث إلى بني أمية بالشام، ان يأتوا فيهربوا الى الروم، فيقول لهم الروم: لا ندخلكم - أي في دولتنا - حتى تتنتصروا، فيعلقون في أعناقهم الصلبان، فيدخلونهم، فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم (علیه السلام) طلبوا أي أهل الروم الأمان والصلح، فيقولون أصحاب القائم (علیه السلام) لا نفعل حتى تدفعوا إلينا من قدم لكم منا قال: فيدفعونهم اليهم فذلك قوله(لا تركضوا وارجعوا إلى ما اترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون) قال: يسألهم الكنوز، وهم أعلم بها. قال: فيقولون: يا ويلنا إنا كنا ظالمين، فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً، خامدين بالسيف.
وروى الصدوق بإسناده إلى الصادق عليه السلام قال في حديث: فإذا استقر القائم (علیه السلام) في الكوفة، بعث عساكراً إلى الشام ليقتل بني أمية، فينهزمون إلى بلاد الإفرنج، ويمنعونهم من الدخول الى بلادهم ويقولون ما ندخلكم بلدنا إلَّا أن تدخلوا في ديننا، وهو دین النصارى، فينتصرون ويلبسون الزنانير، ويدخلون بلاد الافرنج، فإذا وصل عسكر المهدي الى بلاد الافرنج طلبوا منهم الأمان؛ فيقولون: لا أمان لكم إلَّا أن تدفعوا إلينا بني أمية، فيسلمونهم اليهم، فيقتلونهم كلهم، ويصنع ما صنع النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) من العفو عمَّا وقع في زمن الجاهلية، واجراء أحكام الاسلام عليهم، من حين نبوته فكذا المهدي عليه السلام.
بيان: المراد من بني امية في هذين الخبرين: النواصب الذين يسكنون الشام وما حوله، فهؤلاء هم اصحاب السفياني قد صدر منهم الظلم العظيم، من قتل السادة والمؤمنين، ونهب اموال الناس، وهتك الأعراض؛ فإذا استقر الامام عليه السلام في الكوفة، بعث جيشاً لإِحضار هؤلاء، وقتلهم بعد محاسبتهم فيهربون الى الروم، وفسر الروم في الخبر الثاني ببلاد الإفرنج، فيمنعونهم ويعارضوهم، ولا يجيزون لهم اللجوء الى بلادهم، إلَّا أن يدخلوا في دين النصارى، ولعدم رسوخ دين الاسلام في قلوبهم، حيث إن ايمانهم بالاسلام كان مستودعاً غير مستقر وثابت (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا بل قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم) [الحجرات 14] فيتنصروا ويدخلوا في دين النصارى، ويلبسون الزنانير - جمع زنار وهي كلمة يونانية وهو ما يشده ويعلقه اليهود والنصارى في أوساطهم، ومنه
قولهم فقطع - زناره - ويعلقون الصلبان في أعناقهم، فيدخلونهم بلادهم ويقبلون لجوءهم. فإذا وصل جند الإمام (علیه السلام) إلى بلاد الافرنج طلبوا أي الافرنج الصلح والأمان منهم، فلا يقبل أصحاب القائم (علیه السلام) بذلك فإذا رأوا الإفرنج أن أصحاب القائم مصرون على الحرب معهم أو دفع أولئك النواصب اللاجئين لهم، دفعوا لهم النواصب.
فيحاسبونهم عما نهبوا من الكنوز والخزائن، من اموال المؤمنين وعما قتلوا من السادة والصالحين، فيعترفوا بذلك، وأنهم كانوا ظالمين، فيحكم عليهم بالإعدام ويقتلونهم عن آخرهم. ويصنع الإمام (علیه السلام) أي يعامل أهل الذمة من اليهود والنصارى، كما صنع النبي الأعظم (صلی الله علیه وآله وسلم)، مع أهل الجاهلية، وعاملهم بالعفو عمّا سلف، وصدر منهم، واجرى احكام الاسلام عليهم، لمن دخل منهم في دين الاسلام، فكذلك القائم (علیه السلام)، فمن دخل من اليهود والنصارى في دين الاسلام عفى عمّا صرفه، واجرى عليه احكام الاسلام ومن أبى يُلزم باداء الجزية عن يد وهو صاغر. وقد ذكرنا ان هذا الحكم مؤقت الى رجعة الحسين الشهيد عليه السلام، فإذا حكم في الرجعة لا جزية بعد، ذلك،عن بل إمَّا الاسلام او الاعدام.
دلائل الامامة
بإسناده إلى المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا قام قائمنا ردَّ الله كل مؤذ للمؤمنين في زمانه، في الصور التي كانوا عليها وفيها بين أظهرهم لينتصف منهم المؤمنون.
سرور أهل الايمان للسيد الجليل بهاء الدين علي بن عبد الحميد
بإسناده الى عبد الحميد بن سعيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا وضع المؤمن في قبره، فسَّح الله له في قبره، مسيرة شهر أمامه، وعن يمينه، وعن شماله ويفتح الله له باباً إلى الجنَّة، فيدخل عليه روحها وريحانها، الى ان يبعث الله قائم آل محمد (علیه السلام) وأنه ليزور آل محمد، فيأكل من طعامهم وشرابهم، ويتحدث معهم في مجالسهم، إلى ان يقوم قائمنا أهل البيت؛ فإذا قام قائمنا أقبلوا معه زمراً زمراً، فعند ذلك يرتاب المبطلون، ويضمحل أثر المخلين، وقليل ما يكون. يا عبد الحميد يهلك المخاصمون، وينجو المقربون، وأما الكافر إذا مات فوضع في قبره، فتح الله له باباً من ابواب جهنم، يدخل
عليه من فورها وحرها إلى أن يبعث الله قائمنا فيضرب عنقه والخبر طويل أخذنا منه محل الحاجة.
بيان: هذان الخبران يتعرضان لحال الأموات من المؤمنين والكفار.
أما المؤمنون فهم في قبورهم في نعمة وروح وريحان، وإذا قام القائم عليه السلام، أرجعهم الله تعالى معه، فيقع أهل الباطل في الشك، ويضمحل أثر المخلين، وهم ذوا الآراء المتفرقة والمفسدين والمقصرين، ويهلك المخاصمون، أهل الجدال والعناد، الذين يجادلون بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، وينجو المقربون، وهم الذين يقربون الفرج ويقولون إن الفرج إن شاء الله قريب.
وأما الكفار وكل مؤذ للمؤمنين، فيرجعهم الله إلى الدنيا عند قيام القائم كل أهل عصر ويحاسبهم فينتقم منهم، وينتصف للمؤمنين، ويضرب أعناقهم، وهذا عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة أشدّ، وما الله بظلام للعبيد، وانما استحقوا ذلك لظلمهم، وبغيهم على المؤمنين ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث عنه عليه السلام قال: كل مؤذ في النار وهؤلاء الذين قد صدر منهم الأذى للمؤمنين بسبب أذاهم للمؤمنين، استحقوا النار والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.
قد وردت طائفة من الأخبار، تدل على خشونة عيش الامام القائم عليه السلام، من غلظة اللباس وجشوبة الطعام، وهي تحمل على بدء ثورة الامام (علیه السلام) وأول ظهوره، وهي عدة روايات:
السر المكنون
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما تستعجلون بخروج القائم (علیه السلام) فوالله ما لباسه إلَّا الغليظ، ولا طعامه إلَّا الجشب، وما هو إلَّا السيف والموت تحت ظل السيف.
وقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا خرج القائم (علیه السلام) لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلَّا السيف، ما يأخذ منها إلَّا السيف، وما يستعجلون بخروج القائم والله ما لباسه إلَّا الغليظ، ولا طعامه إلَّا الشعير الجشب، وما هو إلَّا السيف والموت تحت ظل السيف.
کتاب الفضل بن شاذان.
قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا خرج القائم (علیه السلام) لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلَّا السيف، لا يأخذها إلَّا بالسيف، ولا يعطيها إلَّا به.
الكتاب المبين
عن عمر بن خلاد قال: ذكر القائم (علیه السلام) عند الرضا (علیه السلام) قال: أنتم ارخى بالاً منكم
يومئذ. وقال: وكيف؟ قال: لو قد خرج قائمنا لم يكن إلَّا العلق والعرق، القوم على السروج، وما لباس القائم (علیه السلام) إلَّا الغليظ، وما طعامه إلَّا الجشب.
بيان: دلت هذه الأخبار على أنَّ الامام القائم عليه السلام عند ظهوره في مكة وقيامه في بدء الثورة، يعامل قريش وهم أعراب الحجاز والنواصب الذين ينصبون العداوة لآل محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، من أهل مكة بالسيف - أي بالقتل - كما يأخذ منهم السيف - أي السلاح - وفي هذا الوقت حتماً يلاقي صعوبات كثيرة من الحرب، والقتل، والقتال معهم، وجشوبة العيش، وخشونة الطعام واللباس، فتكون هذه الأخبار داَّلة على حال بدء قيامه بالثورة، وأول ظهوره حتى يخمد الثورة، ويقتل المعارضين له، ويمهد الأمور للمؤمنين، فلا تكون هذه الطائفة معارضة للأخبار الكثيرة الواردة في أن الناس تتنعم في زمن الامام القائم عليه السلام نعمة لم يتنعم مثلها قط. أو أن الرواية الأخيرة تكون مخصصة للأخبار الأخر، لأن الظاهر من هذه الرواية والظاهر من هذه الأخبار بقرينة رجوع الضمائر في الأخبار الى الامام القائم (علیه السلام)، هو أنَّ اللباس الغليظ، والطعام الجشب، إنما هو مختص بالقائم لا لأصحابه، كما هو صريح رواية الكتاب المبين، حيث قال: وما لباس القائم (علیه السلام) - أي نفسه - إلَّا الغليظ، وطعامه بنفسه الجشب؛ فتدل على زهد الامام (علیه السلام) وأنه من حيث الطعام، واللباس، وسائر أمور الدنيا، يسير بسيرة جده الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال: ألا وإن أمامكم قد اكتفى من دنياه بطمرية ومن أكله بقرصية.
فالإمام القائم (علیه السلام) كذلك يكون زاهداً في مأكله، ومشربه، ولباسه، والزاهد له، ولآبائه عليهم السلام.
نور الأنوار
قال: إن مع الإمام القائم عليه السلام أعلام ثلاثة:
الأول: مكتوب عليه الآية المباركة: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم
نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) [المائدة /3].
الثاني: مكتوب عليه الآية الشريفة: (يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً) [الإنسان / 7].
الثالث: مكتوب عليه هذه الكلمات الدالة على التوحيد، والنبوة، والولاية لآل محمد عليه وعليهم السلام: لا إله إلَّا الله، محمد رسول الله، عليّ وليُّ الله وخليفته، والحسن والحسين والتسعة من ولد الحسين أوصياؤه.
كتاب الفضل بن شاذان
روی أنه يكون في راية المهدي «اسمعوا واطيعوا» وروى أنه مكتوب في راية المهدي «الرفعة الله عز وجلّ».
الكتاب المبين
عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: كأني أنظر إلى القائم على نجف الكوفة عليه جراجة (1)من استبرق، يلبس درع رسول الله، فإذا لبسها انفتقت به حتى تتدير عليه، ثم يركب فرساً له أدهم، أبلق بين عينيه شمراخ، معه راية رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) قلت مخبوءة أم يؤتى بها؟ قال: بل يأتيه بها جبرائيل (علیه السلام)، عمودها من عمد عرش الله، وسائرها من نصر الله لا يهونى بها إلى شيء إلّا أهلكه، يهبط عليه تسعة الآف ملك وثلاثمائة وثلاثة عشر ملكاً. قال: فقلت: جعلت فداك كل هؤلاء معه؟ قال (علیه السلام) نعم هم الذين كانوا مع نوع في السفينة؛ والذين كانوا مع إبراهيم حيث أُلقي في النار؛ والذين كانوا مع موسى حيث فلق البحر، والذين كانوا مع عيسى، عيسى، وأربعة الآف مسومين، كانوا مع رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، وثلاثمائة وثلاثة عشر ملكاً كانوا معه يوم بدر، ومعهم أربعة آلاف صعدوا الى السماء، يستأذنون في القتال مع الحسين، فهبطوا الى الأرض، وقد قُتل فهم عند قبره شعث، غُير يبكونه الى يوم القيامة، وهم ينتظرون خروج القائم (علیه السلام) وروي انه مكتوب في راية المهدي الرفعة لله عز وجل.
1) (1) جراجة: أو جرجة جمعها جرج خريطة كالخرج يجعا فيها الزاد.
بيان: يحكي هذا الخبر دخول الإمام القائم عليه السلام، وفتحه للنجف لابساً جراجة - وهي خريطة كالخرج يجعل فيها الزاد - إلّا ان قماشها من استبرق، وهو غير موجود في بساتين الدنيا ومزارعها، وإنما هو من غرس الجنَّة، فإذا لبسها انفتقت، واستدادت عليه أي على بدنه.
ثم يركب فرساً له أدهم أبلق، والأدهم الأبلق أي أسود وفيه سواد وبياض، وبين عينيه شمراخ، والشمراخ، جمعه شماريخ، العذق عليه بسرأ وعنب، فهذا الفرس بين عينيه خط أبيض كالشمراخ؛ ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وآله، وذكر يأتيه بها جبرائیل، وهي المكتوب عليها «الرفعة الله عز وجل»؛ ولعل هذه راية خاصة، مكتوب عليها هذه الكلمة العظيمة، وقد ذكرت هذه الجملة في عدة من الروايات، بأنَّ عمود راية المهدي من عمد عرش الله تعالى، وسائرها من نصر الله: يحتمل ان يراد منها بأنَّ عمود راية الامام مادَّته من مادة الأعمدة التي بني منها عرش الله تعالى، وقام عليها العرش، إلَّا انه يقع الكلام والسؤال عن العرش، والسماوات السبع، والأرضين السبع، هل هي بناء ولها أعمدة، أو أنها لا عُمُد لها؟ ربَّما يُستفاد من بعض الأخبار بأنَّ العرش والسماوات السبع، والأرضين السبع، كلّها مبنية من فلز خاص، ولها أعمدة من ذلك الفلز.
فقد روى الطبرسي في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى في سورة الذاريات آية:
(والسماء ذات الحبك) [الذاريات 7] أي انها ذات طرائق، ویروی ذلك عن الامام علي عليه السلام ثم يروي رواية اخرى: يسئل الامام (علیه السلام) عن بناء السماء، وأنها هل تقف وترفع على عمد؟ قال عليه السلام: نعم لها أعمدة، وعليها يقف البناء السماوي، فيشكل السائل على الامام (علیه السلام) ما معنى قوله تعالى (رفع السماوات بلا عمد) [الرعد 2] قال: أكمل الآية، فإنه تعالى قال (بلا عمد ترونها) وإلَّا فهي لها أعمدة تقف عليها.
وقد ذكر المجلسي قدس سره في البحار في مجلد السماء والعالم: أنَّ العرش والسماوات بُنيت بمواد متعددة من الفلزات، فالعرش مبني بأحد الفلزات، فعمد راية الامام القائم (علیه السلام) من الفلزات التي بني منها عرش الله تعالى، ولم نعلم بذلك الفلز، هل هو من الذهب أو الفضة، أو غيرهما؟ ولذا قال: يأتيه بها جبرائيل (علیه السلام) أي من السماء، وإلَّا فمن يصل إلى عرش الله تعالى، فيأتيه بتلك المادة، وبذلك الفلز الخاص، الذي لا وجود له في العالم غير الملك بإذن الله تعالى.
ثم قال: وسائرها من نصر الله: والمراد من سائرها هو نفس الراية، وما كتب عليها
فهو موجب للنصر الإلهي، والانتصار على أعداء الامام، واندحار قوى الشرك والضلال في مقابلها، ووقوع الرعب والخوف في قلوب الكفار، والمنافقين والمشركين؛ ولذا قال: لا يهوي بها الامام (علیه السلام) الى شيء من بلد، وعسكر الَّا أهلكه، وانتصر عليه، وكان لتلك الراية النصر المؤيد، والنجاح المخلد، وما النصر إلَّا من عند الله العزيز الحميد.
السر المكتوم الى الوقت المعلوم لابن بابويه القمي قدس سره.
قال أمير المؤمنين عليه السلام وهو على المنبر: يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان، أبيض اللون، مشرب الحمرة، منبدح (1)البطن، عريض الفخذين، عظيم مشاش (2)المنكبين، بظهره شامتان، شامة على لون جلده، وشامة على شبه شامة النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، له اسمان اسم يخفى واسم يعلن:
فأما الذي يخفى فأحمد، وأما الذي يُعلن فمحمد، فإذا هزّ رايته أضاء لها ما بين المشرق والمغرب، ويضع يده على رؤوس العباد، ولا يبقي مؤمن إلَّا صار قلبه مثل زبر الحديد، وأعطاه الله قوة اربعين رجلًا، ولا يبقى ميت إلَّا دخلت عليه تلك الفرحة في قلبه، وفي قبره؛ يتزاورون في قبورهم ويتباشرون بقيام القائم (علیه السلام).
السر المكنون
قال رسول الله صلى الله عليه وآله «ان المهدي يُبايع بين الركن والمقام، اسمه أحمد، وعبد الله، والمهدي فهذه اسماء ثلاثة».
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: للقائم اسمان: اسم يخفي واسم يعلن فأمَّا الذي يخفى فأحمد، وأمَّا الذي يعلن فمحمد.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله «يخرج من اليمن من قرية يقال لها كرعة - وفي نسخة - كريمة، على رأسه عمامتي، متدرع بدرعي، متقلد بسيفي ذو الفقار، ومنادٍ ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه».
الخرائج والجرائح
عن محمد بن علي الجواد أنه قال لعبد العظيم الحسني: المهدي يجب أن ينتظر في غيبته، ويطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي، وإنّ الله ليصلح أمره في ليلة، كما أصلح أمر کلیمه موسى (علیه السلام) حيث ذهب ليقتبس لأهله ناراً؛ هو سميّ رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) وكنيّه وتطوى له الأرض. قيل: ولم سميّ القائم؟ قال: لأنه يقوم بعد موت ذكره، وارتداد النفر من القائلين بإمامته، وسمّي المنتظر، لأن غيبته يطول أمرها، فينتظر خروجه المخلصون، وينكره المرتابون، ويهلك المستعجلون.
الكتاب المبين عن العوالم
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا قام القائم، دعا الناس إلى الإسلام جديداً، وهداهم إلى أمر قد دُثر، وضل عنه الجمهور، وإنما سميّ القائم مهدياً لأنه يهدي إلى أمر مضلول عنه، وسمّي القائم لقيامه بالحق.
وروي في الوافي مثله، عن محمد بن عجلان عن أبي عبد الله (علیه السلام) وقيل لأبي عبد الله عليه السلام المهدي والقائم واحد؟ فقال: نعم. فقيل: لاي شيء سمّي المهدي؟ قال: لأنه يهدي إلى أمر خفي، وسمي القائم لأنه يقوم بعد ما يموت ذكره، انه يقوم بأمر عظيم.
وقال أبو جعفر عليه السلام: انما سميّ المهدي مهديّاً لأنه يهدي الى أمر خفى حتى أن يبعث الى رجل لا يعلم الناس له ذنباً، فيقتله حتى إنَّ الرجل يتكلم في بيته، فيخاف أن يشهد عليه الجدار.
وفيه: عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال: قلت لمحمد بن عليّ بن موسى عليهما السلام: إني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلما وجوراً؛ فقال: يا أبا القاسم ما منا إلََّا وهو قائم بأمر الله عز وجل، وهاد إلى دينه، ولكن القائم الذي يطهر الله عز وجل به الأرض، من أهل الكفر والجحود، ويملأها عدلاً وقسطاً، هو الذي تخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سميّ رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) وكنّيه، وهو الذي تطوى له الأرض، ويذل له كل صعب، يجتمع اليه أصحابه عدة أهل بدر، ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، من أقاصي الدنيا، وذلك قول الله عز وجل (أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً إِنَّ الله على كل شيء قدير) [البقرة 148] فإذا اجتمعت له العدة من أهل الأخلاص، أظهر أمره؛ فإذا اكمل له العقد وهو عشرة الآف رجل، خرج بإذن الله عز وجل، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله عز وجل.
قال عبد العظيم: فقلت: يا سيدي وكيف يعلم أنَّ الله عز وجل قد رضي؟ قال (علیه السلام) يلقي في قلبه الرحمة، فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فأحرقهما.
بیان: دلت هذه الأخبار على تعدد أسماء الامام القائم عليه السلام وصفاته.
أمَّا صفاته: فوصف بكونه أبيض اللون، شرب الحمرة إلى آخر ما ذكر؛ فلعل هذا ينافي بعض الأخبار الدَّالة على أنّ الامام (علیه السلام) يعلوه سمرة، ويحتمل أن يمنح الامام (علیه السلام) هذه الصفات عند ظهوره، فيرتفع التنافي بين الأخبار. وأما اسمائه فأحمد، ومحمد، والمهدي، وزاد في السر المكنون عبد الله.
وقد ذكر في بعض هذه الروايات أنَّه يخرج من اليمن، من قرية كرعة، او كريمة؛
وهذا محمول على أول ظهوره، وإلَّا فظهوره وقيامه الذي يعلن فيه، ويجهر به، هو في مكة المكرمة، كما دلت عليه عدة من الأخبار، وأنه حين يقوم يلبس عمامة النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) ويتدرع بدرعه، ويتقلد بسيفه ذو الفقار، وينادي عليه منادٍ وهو جبرائيل (علیه السلام) أن هذا هو المهدي خليفة الله فاتبعوه. وأنَّ الله تعالى يصلح امر الامام المهدي (علیه السلام) في ليلة واحدة، كما أصلح أمر موسى الكليم (علیه السلام) في ليلة واحدة، حين ذهب ليقتبس لأهله ناراً فكلمه تعالى وأراه الآيات الكبرى ومنحه بالعصا، واليد البيضاء وغيرها، وأرسله الى فرعون.
وذكر أنّ الامام (علیه السلام) سمّي رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ووكنية اي اسمه محمد، وكنيته أبو
القاسم. وذكر أن القابه: القائم، والمنتظر، والمهدي؛ ولذا عندما سئل عليه السلام أن القائم والمهدي واحد؟ قال: نعم أي أنه شخص واحد لا شخصان.
وقد علل سبب تسميته بالقائم تارة: بأنه يقوم بالثورة، بعد موت ذكره، وبعد أن يرتدّ عن الإسلام والإيمان أكثر القائلين بإمامته. وأخرى علله: بانه لقيامه بالحق والعدالة سميَّ بالقائم.
وعلل تسميته بالمهدي: تارة: لأنه يهدي الى امر مضلول عنه. واخرى: لأنه يهدي الى امر خفي، وهو إخباره بأمور غائبة مخفيّة، وهداية الناس إليها.
وعلل تسميته بالمنتظر: لأنه ينتظر المخلصون ظهوره، حيث إنَّ المخلصين من الشيعة في غيبته ينتظرون قيامه ليلاً ونهاراً، ولكن ينكره المرتابون، وهم أهل الشك فيه، كما يهلك المستعجلون بظهوره، فإذا ظهر يملأها عدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً.
ثم ذكر أنَّ الإمام (علیه السلام) تخفى ولادته، وقد صحَّ ذلك، ويغيب عن الناس شخصه، وقد غاب الغيبة الصغرى وهي خمسة وسبعون سنة، التي كانت فيها النيابة الخاصة للنوّاب الاربع، في بغداد وهم عثمان ابن سعيد العمري، وابنه محمد بن عثمان العمري، وحسين بن روح النوبختي، وعلي بن محمد السمري؛ وبعد ذلك وقعت الغيبة الكبرى التي صرح بها الامام الحجة ابن الحسن عليه السلام، في بعض توقيعاته الشريفة، وجعل النيابة العامة، لكل مجتهد عادل، وأمر بالتقليد، والاتباع لمن اتصف بالصفات الخاصة، الواردة في الحديث، من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام ان يقلدوه وذكر أنَّ الامام يحرم تسميته، وأنَّه الذي تُطوى له الأرض، ويُذل له كل صعب، ويجتمع له أصحابه من أقاصي الدنيا.
أمَّا حرمة تسميته: فهذا محمول على زمن العباسيّين، حيث كانوا يتتبعون الأئمة عليهم السلام، والسادة من أولادهم، ليقطعوا أثرهم، ولئلا يبقى منهم باقية ليزاحموهم على الدولة، ويعارضوهم في سلطتنهم، فكانوا يقتلون الأئمة (علیه السلام) والسادة، لتبقى لهم الدولة والمملكة. وأمَّا بعد أن مضت تلك الأزمنة، وباد أهلها ومرَّت القرون الكثيرة على الغيبة، واشتغل ملوك الدنيا بالدنيا، وجمع الأموال واللذات والشهوات، وانصرفوا عن تتّبع أثر الامام، واعتقدوا أنه مات أو هلك في أيّ وادٍ سلك، وصيره قوم من المستحيلات، وأنه كالعنقاء والغيلان، فلا وجه لحرمة التسمية.
العوالم
عن عبد الله بن عجلان قال: ذكرنا خروج القائم عليه السلام، عند أبي عبد الله عليه السلام، فقلت له، كيف لنا أن نعلم ذلك؟ فقال (علیه السلام): يصبح أحدكم وتحت رأسه صحيفة عليها مكتوب طاعة معروفة.
وفي رواية: وأن يكون في أنصار القائم عليه السلام أي احضر وكن من انصار القائم عليه السلام.
الوافي
باسناده عن عبد الله بن عجلان قال: ذكرنا خروج القائم صلوات الله عليه عند أبي عبد الله عليه السلام، فقلت له: كيف لنا بعلم ذلك؟ فقال لنا: يصبح أحدكم وتحت رأسه صحيفة عليها مكتوب طاعة معروفة.
بیان: هذان الخبران يدلان بوضوح على بعث الامام القائم عليه السلام الصحائف الى من سجل عنده أنه من أنصاره، وكتب اسمه في صحيفة المجاهدين معه، في سبيل الله تعالى؛ وتلك الصحائف التي يبعثها الامام يكتب فيها طاعة معروفة، أي أنَّ الجهاد في سبيل الله مع الإمام القائم (علیه السلام) طاعة معروفة، لأنه من فروع الدين، فكن في
أنصارنا، واحضر للجهاد في سبيل الله معنا، وعندما يقوم المؤمن من نومه، يرى هذه الصحيفة قد أرسلت إليه، ووضعت تحت رأسه بواسطة الملائكة، فيعلم أنَّ إمامه قد ظهر في مكة، وأعلن بثورته المباركة، فيتوجه فوراً اليه، ويكون من أنصاره وأعوانه وجنوده، وهذا لمن كتب الله له التوفيق، وجعله له خير رفيق، وكان عند سيدنا ومولانا الحجَّة ابن الحسن عليه السلام مقبولاً، وسعيه مشكوراً، وأمَّا المنافق الذي يعلم الله ما في قلبه من حقد، وحسد، ونفاق على المؤمنين، فهذا مطرود من الخير، بعيد عن الله تعالى، وعن الامام (علیه السلام) لا تبعث له صحيفة، ولا يوفق للجهاد، ويكون في عداد أهل الضلال والالحاد. أمَّا من كان عاجزاً عن الجهاد، او معذوراً بعذر شرعيّ، فإنَّ الله تعالى والإمام (علیه السلام) يسامحانه لأنهما أهل السماح، ومنبع الخير، والبر، والصلاح.
نور الانوار
عن النهاوندي، عن عبد الله حماد بن، عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال: اذا ظهر القائم (علیه السلام) ظهر براية رسول الله، وخاتم سليمان، وحجر موسى (علیه السلام) وعصاه، ثم يأمر منادياً فينادي - أي في عسكره - ألا لا يحمل رجل منكم طعاماً، ولا شراباً، ولا علفا، فيقول أصحابه أنه يريد أن يقتلنا ودوابنا من الجوع والعطش، فيسير ويسيرون معه، فأول منزل ينزل، يضرب الحجر فينبع منه طعام وشراب وعلف، فيأكلون ويشربون ودوابهم، حتى ينزلوا النجف بظهر الكوفة.
الوافي
بإسناده عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إذا خرج القائم (علیه السلام) من مكة ينادي مناديه: ألا لا يحملن احد طعاماً، ولا شراباً، وحمل معه حجر موسى بن عمران (علیه السلام) وهو وقر بعير ولا ينزل منزلاً إلَّا انفجرت منه عيون، فمن كان جائعاً شبع، ومن كان ظمآناً روي، ورويت دوابهم، حتى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة.
بيان: هذان الخبران دلَّا على أنَّ الإمام القائم عليه السلام، عند خروجه من مكة مع جيشه العقد، وهم عشرة الآف، ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وآله، وخاتم سليمان، ويحمل معه حجر موسى ابن عمران (علیه السلام) وعصاه، وفائدة هذا الحجر هو أن
موسى (علیه السلام) كان يستسقي به لقومه؛ روي أنه حجر حمله معه من الطور وكان مربعا، وكان ينبع من كل وجهة ثلاثة اعين، لكل سبط عين، تسيل في جدول الى سبط، وكان عدد قومه ستمائة ألف، وسعة العسكر اثني عشر ميلًا. قيل: عطش اصحاب موسی في التيه، فاستسقى لهم فأوحى الله تعالى له: (فاضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً قد علم كل أناس مشربهم) [البقرة 60] ربما يقال إنََّ انفجار الحجر بالمواد السائلة وبالطعام، وجريان الماء منه إنما هو أثر للعصا، كما أنَّ العصا هي مع الامام الحجة (علیه السلام) فيضرب الحجر بها، فتنفجر منه العيون بقدرة الله تعالى. وربما يقال: ان الاثر للحجر والمحرك له ضرب العصا، كما يحتمل ان يكون الأثر لكليهما بقدرة الله تعالى.
ففي الحديث المتقدم: انه حجر مربع حمله موسى (علیه السلام) من الطور وفي الرواية، المتقدمة: انه وقر بعير أي بمقدار حمل بعير وهو من الآيات الباهرة، والمعجزات القاهرة، التي منحها الله تعالى لأوليائه، فالمؤثر الوحيد هو الله تعالى، لأنه حجر، والحجر من الجمادات، فانفجاره بالماء والطعام والعلف، امر يعجز عنه البشر، ولا يتمكن منه الا من علا فقهر، وملك فقدر، الذي لا تحويه الفكر، ولا يدركه بصر ولا يخفى عليه أثر، فتخرج المياه، والأطعمة، وعلف الدواب، فيأكل ويشرب جميع الجنود من الحجر الجلمود بقدرة الكريم الودود.
وربما يُستفاد من قوله: إلَّا انفجرت منه عيون، فمن كان جائعاً شبع، ومن كان ظمآناً. روي ورويت دوابهم، فإذا كان الحجر مربعاً تنفجر منه اثنتا عشرة عين فقسم منها للطعام، فيحتمل ان تكون مخابزاً وأفراناً، تخرج الخبز للعسكر.
وقسم منها للشراب يجري منها ماء عذب، ونهر يجري على طول معسكر الامام وأصحابه، اذا كانوا عشرة الآف او عشرون الف أو اكثر فلا يصلون الى مقدار جيش موسى بن عمران (علیه السلام) الذي هو ستمائة الف رجل، وسعة معسكره اثني عشر ميلًا؛ فبعض العيون المنبثقة من هدَّ الحجر تكفي جيش الامام (علیه السلام).
وقسم منها علف للدواب، فلعل هذا كناية عن انفجار عيون النفط منها، لأن دوابهم في هذه الأزمنة هي السيارات، والمحركات الحديثة، من الدراجات النارية، وغيرها، وعلف هذه هو الزيت - أي النفط والبنزين بأنواعه، فيخرج لهم من الحجر زيت مصفّى، صالح للإ-ِستعمال، وهذا غير بعيد والله تعالى هو القادر على ان يمنحهم ذلك، وهو على كل شيء قدير.
في نص الإمام الحسن العسكري عليه السلام على الإمام الحجة عليه السلام.
قال الحسن العسكري عليه السلام: وكأني أنظر إلى الأعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة.
بيان: أي أنَّ الإمام القائم (علیه السلام) إذا فتح النجف والكوفة، كان جيشه يحمل أعلاماً بيضاً، فالإمام الحسن العسكري (علیه السلام) يقول: كأني أنظر إلى تلك الأعلام البيض عند فتح الحجة (علیه السلام) للنجف والكوفة تخفق فوق رأسه.
إكمال الدين
بإسناده إلى أبان بن تغلب، عن الثمالي قال: قال أبو جعفر الباقر عليه السلام: كأني أنظر إلى القائم (علیه السلام) قد ظهر على نجف الكوفة، فإذا ظهر على النجف نشر راية رسول الله، عمودها من عمد عرش الله تبارك وتعالى، وسائرها من نصر الله جل جلاله، لا يهوىٰ بها إلى أحد إلَّا أهلكه الله عز وجلّ. قال: قلت: تكون معه أو يؤتى بها؟ قال: بل يؤتى بها. يأتيه بها جبرائيل (علیه السلام).
بیان: دلت هذه الرواية على أنَّ الإمام القائم عليه السلام إذا ظهر أي فتح النجف والكوفة، نشر راية رسول الله صلى الله عليه وآله، التي عبّر عنها في بعض الروايات بالرايه المغلّبة، لأنها تغلب ولا تُغلب، ولا يهوى أي لا يهجم الإمام (علیه السلام) بها على دولة إلَّا فتحها، أو على عدو إلَّا أهلكه، فالنصر حليفها، والله تعالىٰ ناصرها ومؤيدها.
ويعلم من الخبر أنَّ هذه الراية لم تكن موجودة عند الإمام (علیه السلام)، وإنما يؤتى بها، والذي يأتي بها إلى الإمام (علیه السلام) هو جبرائيل (علیه السلام)، ولكن لم يعلم أنها من مواريث النّبوة المخبوءة في أي مكان، فهل هي مخبوءة في الأرض عند أحد، فيحضرها له جبرائيل (علیه السلام)، أو أنها مخبوءة في السماء، أو في جنة السماء، فيصنع لها جبرائيل (علیه السلام) عموداً من عمد عرش الله تعالى، ويأتي بها إلى الإمام القائم (علیه السلام)، كل ذلك لم يُعلم، والعلم عند الله تعالى.
الكتاب المبين السفر الثاني منه
عن الصادق عليه السلام قال: كأني أنظر إلى القائم (علیه السلام) وأصحابه في نجف الكوفة، كأن على رؤوسهم الطير، قد فنيت أزوادهم، وخُلقت ثيابهم، قد أثَّر السجود بجباههم، ليوث بالنهار، رهبان بالليل، كأن قلوبهم زبر الحديد، يُعطى الرجل منهم قوة أربعين رجلًا، لا يقتل منهم أحداً إلَّا كافر أو منافق، قد وصفهم الله تعالى بالتوَّسم في كتابه العزيز بقوله: (وإن في ذلك لآيات للمتوسمين) [الحجر 75]
بيان: دل هذا الخبر على أنَّ الإمام القائم (علیه السلام) وأصحابه بعد فتحهم للنجف والكوفة، يعلوهم الهدوء والوقار والسكينة، كأن على رؤوسهم الطير. قد فُنيت أزوادهم، وخُلقت ثيابهم، وفني - أي اضمحل وباد، وعدم، ونفذ والأزواد جمع الزاد وهو الطعام المتَّخذ للسفر، وخُلقت أي بُليت وصارت عتيقة جداً؛ فحصول فناء الزاد وخلق الثياب، هو من جهة قطع الجيش للبادية الحجازية، وتأثرهم من طول السفر، وبعد
المسافة، لأنها أرض وعرة ترابية، فلذا أثرت فيهم ذلك، ولكن لم تؤثر هذه الصعوبات وقطع هذه المسافة البعيدة، من مكة والمدينة إلى النجف والكوفة، في أبدانهم، وقواهم؛ فلذا وصفهم كأن قلوبهم زبر الحديد: أي قطعة من الحديد الفولاذي، وكالسندان، لأن قوة كل واحد قوة أربعين رجلًا؛ لا يهمهم بعد المسافة، وطول السفر؛ فهم رجال أبطال؛ تضرب بهم الأمثال
ثم قال (علیه السلام)؛ لأ يقتل أحداً منهم إلَّا كافراً أو منافق: هذه الجملة يمكن أن تقرأ على وجهين:
فإمّا أن يكون المراد: لا يقتل أحد من الناس أصحاب الإمام إلَّا كافراً أو منافق، كما هو الظاهر من العبارة.
وإمَّا أن يكون المراد: لا يقتل أصحاب الإمام أحداً من الناس إلَّا كافراً أو منافقاً. فالقاتل في الأول هم الناس، والمقتول أصحاب الإمام؛ بخلاف القاتل في الوجه الثاني فهم أصحاب الإمام، والمقتول هم الناس من الكفار، والمنافقين؛ وهذا الإحتمال الثاني هو المناسب للرواية، بقرينة قوله بعد ذلك. قد وصفهم الله تعالى بالتَّوسم في كتابه العزيز (ان في ذلك لآيات للمتوسمين) [الحجر 75] والمتوسم هو المتفرس في الغير، المتأمل فيه، المتثبت في نظره، حتى يعرف حقيقة سمت الشيء؛ وهذه الصفة ثابتة للأئمة عليهم السلام، ولأصحابهم الأبرار الأخيار. فقد ورد في الحديث عن الأئمة عليهم السلام: نحن المتوسمون، والسّبيل بنا مقيم. فالمتوسم المتثبت في نظره لمعرفة حقيقة الغير، لا يتسرع، ولا يقتل كل أحد إلَّا بعد التّفرس والتأمل فيه، فإذا عرفوا أنَّ المحارب لهم، والمقابل لهم، كافراً ومنافقا قتلوه، إلَّا أننا نقلنا الرواية كما وجدناها في الكتاب المبين، والعهدة على ناقلها، ولعل ذلك من قلم النسّاخ.
السر المكنون
عن الصادق عليه السلام قال: إذا قام قائم آل محمد (علیه السلام) استخرج وفي نسخة يخرج من ظهر الكوفة سبعة وثلاثين رجلًا، خمسة وعشرون من قوم موسى (علیه السلام)، الذين يهدون بالحق، وبه يعدلون؛ وسبعة من أصحاب الكهف، ويوشع بن نون وصي موسى، ومؤمن آل فرعون، وسلمان الفارسي، وأبو دجانة الأنصاري، والمقداد، ومالك الأشتر، فيكونون بين يديه أنصاراً وحكاماً من جانبه.
بيان: إذا فتح القائم (علیه السلام) النجف والكوفة، أرجع الله تعالى له هؤلاء المؤمنين، وهم سبعة وثلاثون رجلًا، لأنه عليه السلام يطلب من الله تعالى رجعتهم، وعودتهم إلى الدنيا؛ ولعلهم قد سألوا الله الرجعة، فيرجعهم عند قيام الإمام (علیه السلام) ورجعته، وهم خمسة وعشرون رجلًا من قوم موسى بن عمران، وصفهم الامام (علیه السلام) بأنهم يهدون بالحق
الكتاب المبين
قال: روي أنه عند - وفي نسخة قبل - قيام القائم تبنى في كربلا ثمانون ألف قبة من الذهب الأحمر، إجلالاً للحسين بن علي عليهما السلام؛ فإذا خرج القائم (علیه السلام) من كربلاء، وأراد النجف والناس حوله، قتل بين كربلاء والنجف ستة عشر ألف فقيه، فيقول الذين حوله من المنافقين إنه ليس من ولد فاطمة، وإلَّا لرحمهم؛ فإذا دخل النجف، وبات فيه ليلة واحدة، فخرج منه من باب النخيلة محاذي قبر هود، إستقبله سبعون ألف رجل من أهل الكوفة، يريدون قتله، فقتلهم جميعاً فلا ينجو منهم أحد.
بیان: من الأعمال القيّمة التي يقوم بها الإمام القائم عليه السلام، أو يقوم بها أولياؤه من الشيعة قبل قيامه، أو عند قيامه، ودخوله بلدة كربلاء المقدسة، بناء قباب من الذهب الأحمر في كربلاء، عددها ثمانون ألف قبة بأن يبنى حياً من الأحياء كله قباب من الذهب الأحمر، وذلك إجلالاً وإحتراماً للإمام الحسين بن علي (علیه السلام)؛ ولعلها تبنى حول ضريحه، وحول ضريح اخيه ابي الفضل العبّاس بن أمير المؤمنين عليهما السلام، او ما بين الحرمين، وفي المكان الذي وقعت فيه وقعة كربلاء، وموضع خيامهم، ونظير هذه
الأماكن الشريفة التي حدث فيها واقعة من وقائع الطف، أو استشهد فيها احد ابناء الحسين عليه السلام، أو أحد أصحابه، وذلك إجلالاً، وإكباراً، واحتراماً لسيدنا ومولانا أبي عبد الله الحسين الشهيد، عليه وعلى أبيه أفضل التحية والسلام.
وإذا خرج الإمام القائم من كربلاء قاصداً إلى النجف، وأصحابه معه وحوله عارضه ستة عشر ألف فقيه؛ والمراد من الفقيه كما ذكرنا مراراً، هو من كان شديد الفهم، حاذقاً فطناً، ذكياً، فهؤلاء فقهاء الضلالة، وطلاب المدارس الحديثة، يقومون بثورة ضد الإمام عليه السلام، ويعارضونه ما بين كربلاء والنجف، فيحاربونه ويقاتلونه، فيقتلهم عن آخرهم؛ فيحضر هذه الواقعة قسم من المنافقين، فيتكلمون ضد الإمام (علیه السلام) وينولون: إنه ليس من ولد فاطمة (علیه السلام)، وإنه لا رحم له، ولا له، ولا يرحم أحد، وإلا لرجم هؤلاء، وهذا من جهلهم لأنهم لا يعلمون أنَّ الإمام (علیه السلام) حجة الله تعالى، والرّادّ عليه كالرّادّ على الله؛ وهؤلاء قد ردُّوا على الله، وخرجوا على إمام زمانهم، فهم كفار وأشرار، ومن أصحاب النار، فيجب قتلهم ومأواهم جهنم وبئس القرار.
فإذا دخل النجف، وبات فيه ليلة واحدة، يخرج قاصداً إلى البلاد التي تقع حول النجف، من طريق النخيلة - أي الذي تنبت فيه النخيلة - وهو طريق الكوفة، المؤدي إلى (قبر هود - أي ذي الكفل - فتعارضه العشائر التي حول الكوفة، وحول قبر ذي الكفل وحول بابل، وهؤلاء من الأحزاب الباطلة، والمنظمات العاطلة، منافقين فاسقين، لا يعتقدون بالإسلام، ولا بالدين، فهم من الهمج الرعاع، الضَّالِّين، ويقصدون قَتل الإمام القائم عليه السلام، كما فعل آباؤهم من قبل مع الحسين عليه السلام، وحاربوه وقتلوه، فيحاربهم الإمام (علیه السلام) ويقتلهم جميعاً، لا يسلم منهم أحد، ويطهِّر الأرض منهم، ومن المنافقين، والفاسقين، والكافرين، ونحن نقول الحمد لله رب العالمين.
إكمال الدين
بحذف الإسناد عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كأني أنظر
إلى القائم (علیه السلام) على ظهر النجف، ركب فرساً أدهماً، أبلقاً، بين عينيه شمراخ، ثم ينتفض به فرسه، فلا يبقى أهل بلد إلَّا وهم يظنون أنه معهم في بلادهم. الخبر.
بیان: دل هذا الخبر على أنَّ القائم (علیه السلام)، يُظهر هذه المعجزة العجيبة، ويقوم بهذه المنقبة الغريبة، على ظهر النجف، فيركب فرساً أدهماً، أبلقاً، وهو الأسود الذي كان فيه بياض، بين عينيه شمراخ، والشمراخ اسم لعذق البسر والرطب، والمراد به هنا هو خط أبيض في جبهة الفرس، يعبّر عنه بالشمراخ لأنه كالشمراخ.
ثم ينتفض به ذلك الفرس: أي يتحرك ويضطرب في ارتجاف، فلا يبقى أهل بلد في العالم إلَّا ظنوا أنَّ الإمام القائم حضر معهم في بلادهم؛ فهذه الانتفاضة المباركة، توجب رؤية أهل كل بلاد لشخصه الشريف، نظير ظهوره على شاشة التلفزيون، فهو يظهر لأهل كل بلد من دون وجود آلة التلفزيون، وهذه معجزة عظيمة، وآية كريمة للإمام القائم (علیه السلام).
دلائل الامامة
بإسناده إلى أبان بن تغلب الكلبي قال: أبو عبد الله (علیه السلام): كأني بالقائم (علیه السلام) على ظهر النجف، قد لبس درع رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، فتقلص عليه، ثم ينتفض بها، فتستدير عليه، ثم يغشى بثوب استبرق، ثم يركب فرساً له أبلقاً؛ بين عينيه شمراخ، ينتفض به حتى لا يبقى أهل له إلَّا أتاهم بين ذٰلك الشمراخ، حتى تكون له آية.
العُدَد القوية
قال أبو عبد الله (علیه السلام): كأني بالقائم على ظهر النجف، لابس درع رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، فيتقلّص عليه، ثم ينتفض بها، فتستدير عليه، ثم يغشى الدرع بثوب استبرق، ثم يركب فرساً له أبلقاً، بين عينيه شمراخ، ينتفض به، لا يبقى أهل بلاد إلَّا أتاهم نور ذلك الشمراخ، حتى تكون آية له؛ ثم ينشر راية رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، إذا نشرها أضاء لها ما بين المشرق والمغرب.
وقال أمير المؤمنين (علیه السلام): كأني به قد عبر من وادي السلام إلى مسجد السهلة، على فرس محّجل له شمراخ، يزهر يدعو أو يقول في دعائه: لا إله إلَّا الله حقاً حقاً.
الحديث.
بيان: دل الخبران أنَّ الإمام (علیه السلام) يقوم بعمليات مباركة متعددة على ظهر النجف:
فأولاً: يلبس درع رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، فتتفلص عليه بعد لبسه: أي يجتمع وينقبض، وينضم، فينتفض به، أي يتحرك باضطراب فيه، فيستدير عليه - أي على بدنه -.
وثانياً: يغشى نفسه بثوب من استبرق، وقد ذكرنا أنَّ الاستبرق من حلل الجنَّة، لا يوجد منه في الدنيا، فيجعل هذا الثوب الاستبرق غشاء عليه.
وثالثاً: يركب فرساً له أبلقاً وهو الأسود الذي كان فيه بياض؛ بين عيني ذلك الفرس شمراخ، وهو الخط الأبيض في جبهة الفرس.
ورابعاً: ينتفض به - أي بالفرس - ويتحرك مع اضطراب، فلا يبقى أهل له - أي أحد من شيعته ومواليه - إلَّا أتاهم نور كالبرق من ذلك الشمراخ أو ظهر لهم بنفسه اي من مقدم الفرس، ومن جبهتها، حتى تكون له آية باهرة، ومعجزة ظاهرة، ونتيجة لهذه العمليات يكون نظير شخص يظهر على شاشة التلفزيونات في جميع قارات العالم.
وفيه: عن الصدوق، وعن جعفر بن قولويه، ومحمد بن إبراهيم بن النعمان، بإسانيدهم إلى الإمام الصادق (علیه السلام) قال: كأني أنظر إلى القائم (علیه السلام) في النجف لابساً درع رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، راكباً فرساً سوداء، أغرّ الجبهة، فيحركه ويظهر للناس بقدرة الله تعالى، لكل بلد أنَّ المهدي (علیه السلام) يريد بلادهم؛ فينشر علم رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، عموده من العرش واجزاؤه من النصر والظفر، فلا يتوجه بذلك العلم إلى قوم إلَّا أهلكهم الله تعالى، فإذا حرَّك ذٰلك العلم، لم يبق مؤمن إلَّا صار قلبه كقطع الحديد، وأعطاه الله قوة أربعين رجلًا، ويدخل هذا الفرح على المؤمنين، وهم في قبورهم فيتزاورون في القبور، ويبشرون بعضهم بعضاً بخروج المهدي (علیه السلام).
بيان: دل هذا الخبر الصحيح على ما دلت عليه الروايات المتقدمة، أنَّ الإمام القائم (علیه السلام)، يقوم بهذه العمليات في النجف، من لبس درع رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) وركوبه الفرس السوداء، التي هي غراء الجبهة، أي جبهتها بيضاء، فيحرك الفرس، فيظهر شخصه للناس في كل بلد من بلاد العالم، وفي كل قارة، بأنَّ الإمام المهديّ (علیه السلام) جاء قاصداً لبلادهم، ويريد الدخول إليها، فيشاهدونه بأعينهم، كما يشاهدون الصور في
التلفزيونات؛ ويُحتمل أن يكون ذلك من النقل الحيّ بواسطة الأقمار الصناعية، التي يحدثها الإمام عليه السلام، من العلم الذي علَّمه الله تعالى له، ومن العلوم التي لا يصل إليها البشر، ولا يحيط بها العلماء، ممن غاب، أو حضر، لأنه كاشف كل علم، وفاتح كل رسم. وينشر علم النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، الذي عموده من الفلزّات، التي بني منها العرش، وأجزاؤه الآخر من النصر والظفر، والنصر والظفر ليسا من المادَّيات المحسوسة بالبصر، وإن كانتا للأعمال نتائجاً وأثراً.
ولكن الأخبار الأخر، الدَّالة على أن علم الإمام القائم (علیه السلام) من ورق الجنّة، فيحتمل أنَّ اسم ذلك النبات الذي مغروس في الجنّة هو النصر والظفر، ولذا كان من آثار ذلك العلم أنه ما قصد الإمام القائم (علیه السلام) به قوم إلَّا انتصر عليهم، وظفره بهم أو أهلكهم، وإذا حرّكه الإمام فهذه الحركة تكون موجبة لإدخال موجة قوية في قلوب المؤمنين، بحيث تكون قلوبهم كقطع الحديد يعطي كل واحد قوة أربعين رجلًا، ويفرح المؤمنون من الموتی في قبورهم، فيزور بعضهم بعضاً، ويتباشرون بظهور الإمام المهدي
(علیه السلام).
دلائل الإمامة
بإسناده إلى أبان بن تغلب الكلبي قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): كأني بالقائم على
ظهر النجف إلى أن قال: ثم ينشر راية رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، وهي المغلبة، عودها من عمد غرس الله، وسائرها من نصر الله، لا يهوي بها إلى شيء إلّا أهلكه. قال: قلت: مخيبة هي أم يؤتى بها؟ قال: بل يأتي بها جبرائيل (علیه السلام)، وإذا نشرها أضاء لها ما بين المشرق والمغرب، ووضع الله يده على رؤوس العباد، فلا يبقى مؤمن إلَّا صار قلبه أشد من زبر الحديد، وأعطي قوة أربعين رجلًا، فلا يبقى ميِّت يومئذ إلَّا دخلت عليه تلك القرحة في قبره، حتى يتزاورون في قبورهم، ويتباشرون بخروج القائم، فيهبط مع الراية إليه ثلاثة عشر ألف ملك، وثلاثمائة وثلاثة عشر ملكاً. قال: كل هؤلاء ملائكة؟ قال (علیه السلام): نعم - كلهم ينتظرون قيام القائم (علیه السلام)، الذين كانوا مع نوح في السفينة،
والذين كانوا مع موسى حين فلق البحر، والذين كانوا مع عيسى، حيث رفعه الله تعالى وألف مع النبي مسومين، وألف مردفين، وثلاثمائة وثلاثة عشر كانوا مع النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) يوم بدر وأربعة آلاف هبطوا إلى الأرض، ليقاتلوا مع الحسين (علیه السلام)، فلم يأذن لهم، فرجعوا في الاستيمار، فهبطوا وقد قتل الحسين (علیه السلام)، فهم شعث، غبر عند قبره. يبكون إلى يوم قيامه، وما بين قبر الحسين (علیه السلام) إلى السماء مختلف الملائكة.
اکمال الدین
بحذف الإسناد عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): كأني أنظر القائم عليه السلام إلى أن قال: فإذا نشر راية رسول الله انحط عليه ثلاثة عشر ألف ملك وثلاثة عشر ملكاً كلهم ينتظرون القائم (علیه السلام)، وهم الذين كانوا مع نوح في السفينة، والذين كانوا مع إبراهيم الخليل، حيث ألقي في النار، والذين كانوا مع عيسى (علیه السلام) حين رفع؛ وأربعة آلاف مسومين ومردفين، وثلاثمائة ألف وثلاثة عشر ملكاً يوم بدر؛ وأربعة آلاف ملك الذين هبطوا، يريدون القتال مع الحسين ابن علي (علیه السلام)، فلم يؤذن لهم، فصعدوا إلى الاستئذان، وهبطوا وقد قتل الحسين (علیه السلام)، فهم شعث، غبر يبكون عند قبر الحسين (علیه السلام) إلى يوم القيامة، وما بين قبر الحسين إلى السماء مختلف الملائكة.
بيان: هذان الخبران صرّحا بنصر الله تعالى وليّه الإمام الحجّة ابن الحسن العسكري (علیه السلام) بالملائكة، وعددهم في هذا الخبر أكثر من الخبر السابق، وهو ثلاثمائة ألف وأحد وعشرون ألفاً وستة عشر ملكاً، وهؤلاء يهبطون عليه، وينزلون لنصره، والجهاد معه على أعدائه، إذا نشر راية رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، وهي الراية المغلّبة التي تغلب كل من حاربها. وتنصر على من عارضها.
وذَكر أنَّ تلك الراية مخبية؛ أي مخفية، ولكن هل مخفية في نواحي الأرض، أو في أطراف السماء وآفاقها، أو في سهل، أو في جبل، فربما يظهر من هذا الخبر أنها مخفية في السماء، لأنه قال: فيهبط مع الراية إليه الملائكة: وقال: يأتيه بها جبرائيل (علیه السلام)، والهبوط إنما يكون من العالم الأعلى ومن السماء، وبمناسبة جبرائيل (علیه السلام) والملائكة، وهم من العالم العلوي، فالظاهر أنها مخفية في السماء؛ وكرامة للإمام القائم (علیه السلام)، أنه إذا نشر هذه الراية، أضاء لها ما بين المشرق والمغرب، أي أنَّ العالم يضيء ويتنور بنشرها، ويضع الله يده على رؤوس العباد، بنشر عافيته، ورحمته وبركاته، فتكمل أخلاقهم وعقولهم، وأحلامهم، وتقوى قلوبهم، ويُعطى كل مؤمن قوة أربعين رجلًا، ويُفرح
أرواح الأموات في قبورهم، ويتباشرون بظهور القائم عليه السلام وهؤلاء الملائكة أنواع متعددة:
الأول: الملائكة الحافظين لنوح النبي (علیه السلام)، حين ركب السفينة، فهؤلاء يبعثون لنصر الإمام القائم (علیه السلام).
الثاني: الملائكة الحافظين للنبي إبراهيم الخليل (علیه السلام)، لما ألقاه نمرود في النار، فهؤلاء يجاهدون مع الإمام (علیه السلام).
الثالث: الملائكة الحافظين لعيسى بن مريم (علیه السلام)، لما أراد اليهود قتله، فهؤلاء يرسلون لنصر الإمام (علیه السلام)، وهذه المجموعة عددها ثلاثة عشر ألف ملك وثلاثة عشر ملكاً، كلهم في الزمان الحاضر ينتظرون قيام القائم (علیه السلام)، فإذا قام أرسلوا لنصرته.
الرابع: الملائكة المسومين: أي المعلمين بعلامات، كالعلامات التي يحملها الضباط والجند، فهؤلاء ينصر الله تعالى بهم القائم (علیه السلام)، كما نصر بهم النبي في واقعة بدر.
الخامس: الملائكة المردفين: وهؤلاء هم المحافظون على الإمام القائم، وعلى أنصاره من الأعداء، ويدفعون عنه كل عدو، ومعارض له، ويمنعون كل منافق من الوصول إليه.
السادس: الملائكة الغير المعلمين الذين نصر الله تعالى بهم النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)؛ في بدر، وعددهم ثلاثمائة ألف وثلاثة عشر ملكاً، فينصر الله بهم الإمام القائم (علیه السلام).
السابع: الملائكة الذين هبطوا إلى الأرض، يريدون نصرة الحسين (علیه السلام) يوم عاشوراء، فلم يأذن لهم، فصعدوا إلى السماء في طلب الأمر - أي الاستثمار - أو طلب الإذن من الله تعالى - أي الاستئذان - فأذن الله تعالى لهم في نصرة الحسين، والجهاد معه، ولكن مع الأسف لمّا هبطوا رأوا الإمام الحسين (علیه السلام) قد استشهد، ولمّا لم يحظوا بالجهاد معه ونصرته، فبقوا عند قبره يبكونه إلى يوم قيامه، والمراد من يوم القيامة هي الرجعة، لأنها القيامة الأولى، والقيامة الصغرى، يحيى فيها كثيراً من الأنبياء ويحيى الأئمة كلهم، وكثير من المؤمنين، ممّن محض الإيمان محضاً، وفي الرجعة يرجع الإمام الحسين (علیه السلام)، وهؤلاء الملائكة هم الشعث - أي المنتشرين المتفرقين حول قبره - الغبر - أي عليهم الغبار - وهذا الوصف وهو الشعث الغبر يوصف به أصحاب النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، كانوا شعثا غبراً، كناية عن قشفهم - أي يبس جلودهم، وتركهم زينة الدنيا، فهم متقشفون - فهؤلاء الملائكة يبعثون
لنصر الإمام القائم (علیه السلام)، وحيث إنَّ الملك كما ذكرنا جسم نورانيّ، علويّ، ليس له مادة، ولا يُرى بالبصر، فهو يفتك بأعداء الإمام من دون أن يروه، ولذا يكون النصر حليفاً للإمام القائم (علیه السلام).
الكافي
عن أبي الربيع الشامي قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إن قائمنا إذا قام مدّ الله عز وجل لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم، حتى لا يكون بينهم وبين القائم بريد، يكلمهم ويسمعون، وينظرون إليه، وهو في مكانه. وقد روي في الوافي مثله.
وقد روى الصدوق باسناده إلى الصادق (علیه السلام) في حديث قال: وينزع الله بالقائم الخوف والحزن من قلوب المؤمنين، ويلبسه قلوب أعدائهم، وينوّر الله أبصارهم وأسماعهم، حتى إنهم إذا كانوا في بلاد، والمهديّ في بلاد أخرى يكون لهم من السمع والبصر ما يرونه، ويشاهدون أنواره، ويسمعون كلامه، ومخاطباته معهم، ويتكلمون معه. الحديث.
بیان: دل الخبر الأول على أنَّ الإمام القائم (علیه السلام)، إذا قام فمن بركة وجوده وإشراق
نور الإمامة على الكرة الأرضية، ينوّر الله قلوب المؤمنين وعيونهم، ويزيد في أسماعهم بحيث لا يحتاجون إلى البريد، كما نص الخبر الثاني عليه، ودل على أنَّ من كان في البلاد البعيدة، عن البلاد التي فيها الإمام، واحتاج إلى مسألة، أو حاجة وأراد التكلم مع الإمام، فيتوجه إلى البلد الذي يكون فيه الإمام فيكلمه، ويسمع الجواب والخطاب منه، ويشاهده ويشاهد أنواره، وهو في مكانه، فالمؤمنين لا يحتاجون في زمن الإمام إلى بريد، ينقل لهم الرسائل، ولا إلى آلة التلفون؛ فبريدهم وتلفونهم هو التوجه إلى الإمام القائم، والسلام عليه، والسؤال منه، واستماع الجواب عنه، لما منحهم الله تعالى من قوة السمع والبصر، ونزع الخوف والحزن من قلوبهم، وجعله في قلوب أعدائهم، ويستغنون عن رؤيته بآلة نظير التلفزيون.
البحار
بإسناده يرفعه إلى ابن مكان قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إن المؤمن في زمان القائم (علیه السلام)، وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق.
السر المكنون
قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): إنَّ المؤمن في زمان القائم (علیه السلام) هو في المشرق ليرى أخاه في المغرب، وكذا الذي في المغرب ليرى أخاه في المشرق.
بيان: دل الخبران على رؤية المؤمنين إخوانهم من أهل المغرب، وهم في مشرق الدنيا وبالعكس؛ أي رؤية أهل المغرب أهل المشرق، وهم في غرب الدنيا وما ذلك، إلَّا لما منحهم الله تعالى من قوة، قوية في حاسة البصر، فيكلم بعض الناس بعضاً، من دون حاجة إلى البريد، والتلفون ولا لآلة التلفزيون؛ وهذه الموهبة الإلهية يهبها الله تعالى للمؤمنين، لإشراق نور الإمامة على البسيطة؛ لأن الإمام القائم (علیه السلام) نوره مستمد من نور الله، الذي هو نور السموات والأرض، وهو مصباح الهدى، ومشكاة الضياء، وعلم يهتدي به الضَّالّون، وبنور علمه يستضيء الجاهلون وعند ذلك يستغنى عن التلفزيون، وهذا من الأسرار الغيبية التي يكشفها قائم آل محمد عليه وعليهم السلام.
الكتاب المبين
عن المفضل بن عمر قال: ذكرنا القائم (علیه السلام) ومن مات من أصحابنا ينتظره قال لنا أبو عبد الله (علیه السلام): إذا قام - أي القائم - أُتي المؤمن في قبره فيقال له: يا هذا إنه قد ظهر
صاحبك، فإن تشأ أن تلحق به فالحق، وإن تشأ أن تقيم في كرامة ربك فأقم.
الكافي
عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: المؤمن يخيَّر في قبره إذا قام القائم (علیه السلام) فيقال له: قد قام صاحبك، فإن أحببت أن تلحق به فالحق، وإن أحببت أن تقيم في كرامة الله فأقم.
السر المكنون
روىٰ أنه إذا قام القائم (علیه السلام)، بعث الله إلى كل قبر من قبور المؤمنين ملكاً ينادي: هذا إمامك قد ظهر، فإن أردت أن تحى وتلحق به فالحق به، وإن أردت أن تبقى في النعيم إلى يوم القيامة فأقم في مكانك.
بيان: هذه الأحاديث دلت على أنَّ الإمام القائم (علیه السلام) إذا قام جعل الله كرامة للمؤمنين المنتظرين لقيام القائم (علیه السلام)، وقد ماتوا قبل ظهوره، فيبعث الله إلى قبورهم ملائكة يبشِّرونهم بقيام إمامهم، ويخيِّرونهم بين الحياة والرجوع إلى الدنيا، والإلتحاق بالإمام، والقيام بخدمته، ونصره وجهاد أعدائه معه، وبين البقاء في عالم البرزخ في كرامة الله تعالى، وفي النعيم الإلهي؛ وذلك كرامة للإمام القائم (علیه السلام) وأجر الانتظار لقيامه.
الكتاب المبين السفر الثاني منه في باب تسمية إبليس
عن أبي الحسن علي بن محمد الهادي (علیه السلام) قال: معنى الرجيم التي هي من صفات الشيطان، أنه مرجوم باللعن، مطرود من مواضع الخير، لا يذكره مؤمن إلَّا لعنه، وأنَّ في علم الله السابق أنه إذا خرج القائم (علیه السلام)، لا يبقىٰ مؤمن في زمانه إلَّا رجمه بالحجارة، كما كان قبل ذلك مرجوماً باللعنو
نور الأنوار
في المعاني عن الزكي - أبي الحسن الزكي - في معنى الرجيم التي هي من صفات الشيطان لعنه الله، أنَّ معنى الرجيم أنَّه مرجوم باللعن، مطرود من الخير، لا يذكره مؤمن إلَّا لعنه، وأنَّ في علم الله السابق إذا خرج القائم (علیه السلام)، لا يبقى مؤمن في زمانه إلَّا رجمه بالحجارة، كما كان قبل ذلك مرجوماً باللعن.
الكتاب المبين في المقام الثاني فيما يتعلق بالرجعة
عن إسحاق بن عمار قال: سألته - أي لأبي عبد الله (علیه السلام) - عن إنظار الله تعالى لإبليس وقتاً معلوماً ذكره في كتابه فقال: (إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم) [الحجر 38] قال: الوقت المعلوم يوم قيام القائم (علیه السلام)، فإذا بعثه الله كان في مسجد الكوفة، وجاء إبليس حتى يحثوا على ركبتيه، فيقول: يا ويلاه من هذا اليوم، فيأخذ بناصيته، ويضرب عنقه، فذلك اليوم الوقت المعلوم منتهى أجله.
بيان: الخبران المتقدمان صريحان في أنَّ معنى الرجيم التي هي من صفات الشيطان، التي صرح بها في القرآن الكريم في قوله تعالى (فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) [النحل 98] هو أنه مرجوم باللعن، مطرود من الخير، ومن مواضع الخير لا يذكره مؤمن إلَّا لعنه؛ فيعلم من هذا أن الرجم قسمان:
القسم الأول: الرجم بالحجارة وهو أوضح أفراد الرجم، كما ثبت ذلك في الحدود،
بأن يُرمى بالحجارة من ثبت عليه الحدّ حتى يموت.
القسم الثاني: الرجم بالكلام، وباللعن، والشتم، والسبّ، واللعن هو الطرد، والإبعاد من الرحمة؛ وكانت العرب إذا تمرَّد الرجل منهم أبعدوه عنهم وطردوه، لئلا تلحقهم جرائره، فيقال له: لعن بني فلان، ومنه قوله تعالى (والشجرة الملعونة في القرآن) [الاسراء 60] وإنما كانت ملعونة لأنه لعن أهلها، فالعرب تقول لكل كريه ملعون: واللعنة من يلعنه الناس كإبليس اللعين. وقد ورد في الحديث: إن أثر اللعن هو أن يظهر من فم اللاعن مثل السهم، فيقع في قلب الملعون، وهذا إذا كان مستحق اللعن كالشيطان وأمثاله؛ وأمَّا إذا كان مؤمناً وغير مستحق اللعن، فلا يصيبه ذلك السهم، بل
يرجع على اللاعن، وقيل: يرجع إلى اليهود، فيقع في قلوبهم، ولذا لا تصل اللعنة إلى الأنبياء، والأئمة، والمؤمنين.
وحيث إنَّ الشيطان عدوّ لله وللمؤمنين، كان مستحقاً للرجم واللعن، فهو في زمن الغيبة الكبرى، وهو هذا الزمان يرجم باللعن وبالكلام، وبعد ظهور الإمام القائم (علیه السلام) وقيامه يتراءى للناس، لأنه يسلب منه سر الخفاء، وهو الاسم الذي كان يختفي به عن أعين الناس، فيكشف عنه الغطاء، فيراه الناس بأعينهم، بشكله الوحشي، فيرجمونه بالحجارة، فيهرب من رجم الناس، عن البلاد إلى الصحراء، فيسكن مع الوحوش، والكلاب، والسباع؛ فإذا رجع الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) مع النبي الأعظم (صلی الله علیه وآله وسلم)، وبُعث الإمام القائم (علیه السلام) بعد قتله وكان هو الحاكم، وكانت محكمته في مسجد الكوفة، فاحضر إبليس حتى يحثو على ركبتيه أمام محكمة القائم (علیه السلام)، فيحكم بإعدامه، وتُضرب عنقه؛ وهذا اليوم هو اليوم والوقت المعلوم، الذي أشار الله تعالى إليه في كتابه المجيد وهذا سرّ من الأسرار الغيبية التي في القرآن كشفه لنا أئمتنا صلوات الله عليهم.
إلَّا أنه قد ورد في باب الرجعة أنَّ إبليس مع أولاده وجنوده يحاربون القائم والإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) عند رجعتهما، فينتصر لهم النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، وينزل من السماء وبيده حربة، فيطعن إبليس بعد فراره في ظهره ويقتله. ويمكن أن يجمع بين هذا الخبر، وبين تلك الأخبار، بأن يقال: إن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) لما يطغى إبليس يجرحه، ثم يُؤتى به للمحكمة، وهي دكة القضاء التي في مسجد الكوفة فيجثوا على ركبتيه ويحكم بإعدامه وتضرب عنقه.
البحار مجلد السماء والعالم
في تاريخ الأهرام الموجودة في مصر على شاطىء النيل، قال المجلسي: نقل أن هرمس الأول أخنوخ وهو إدريس النبي عليه وعلى نبينا وآله السلام، بنى هذه الأهرام،
وقد بناها في ستة أشهر وكتب فيها: (قل لمن يأتي بعدنا يهدمنا في ستمائة عام، والهدم أيسر من البناء، وكسوناها الديباج فليكسها الحصر، والحصر أيسر من الديباج)
بيان: الديباج كالأسمنت: مادة صلبة قوية، تتصلب وتتكلس كالصخر بعد بنائها، أو فرشها في الأرض؛ وقد تعرض جماعة من الملوك لهدم هذه الأهرام، إلَّا أن كل من تعرض لهدمها قصر عمره وهلك، وزالت مملكته، وانقطعت دولته، وهذا أمر مجرّب، قد مرت عليه التجربة، وثبت بالوجدان، وشاهد العيان، كما حدَّث به التاريخ، فهو نظير بناء وتعمير قبر معاوية في الشام، فكل ملك أراد تعميره وإشادته هلك فوراً، وزالت دولته، وانقطعت مملكته، إلَّا أن ذاك بناء وتعمير، وهذا خراب وتدمير.
وممّن أُغري بالأهرام وهدمها طمعاً في ذخائرها وكنوزها، أبو الحسن حمادوية بن أحمد بن طولون، فتعرض لهدمها عندما ملك مصر، وسيطر عليها، وتمهَّدت له الأمور؛ فجاء بألف من الفعلة، وعملوا سنة كاملة، فكلّوا وعجزوا عن هدمها، وقد توصَّلوا إلى هدم مقدار قليل منها، فوجدوا فيها بلاطة مكتوبة بخط لم يعرفوه، وقد بعثوها إلى أحد العلماء في الحبشة، وبعد أن قرأها وترجمها الى العربية، وجد فيها أبياتاً من الشعر مع تاريخ بانيها، وتاريخ بنائها؛ ويقول: الباني للأهرام وهو النبي إدريس عليه وعلى نبينا وآله السلام في أخر تلك الأبيات:
سيفتح أقفالي وتبدي عجائبي *** وليّ لربي آخر الدهر يحكمُ
بأكناف بيت الله تبدى أموره *** ولا بدَّ أن يعلو ويسمو به السمُ
ثمان وتسع واثنتان وأربع *** وتسعون أخرى من قتيل وملجمُ
ومن بعد هذا كر تسعون تسعة *** وتلك البرابي تستخر وتهدم
فيظهر من هذه الأبيات أنَّ الذي يفتح أهرام مصر ويهدمها، هو الإمام القائم عجل الله فرجه لقوله (وليّ لربي آخر الدهر يحكم).
وقد ثبت بالكتاب والسنة من طرق الخاصة والعامة، بل ثبت عند سائر أهل الملل والنحل، من اليهود، من اليهود، والنصارى، والمجوس، بل وعبدة الأوثان، وعبدة النار، أنَّ الولي الذي يظهر في آخر الدهر، ويحكم جميع العالم، ويوحَّد الأديان، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلماً وجوراً، هو الامام القائم المهدي صلوات الله عليه وعلى آبائه، وهو كما يفتح أهرام مصر ويملك ما فيها من الكنوز، والخزائن، والدخائر، فهو يفتح
له، وتظهر له جميع كنوز العالم، سواء كانت في سهل، أم في جبل، أم في برِّ، أم في بحر، وهو الذي تبدو اموره، ويظهر في بيت الله - أي في مكة المعظمة - ويعلو اسمه في تلك البلدة المكرّمة بالتاريخ المذكور في الأبيات.
ولعل هؤلاء الملوك الظلمة الذين حكموا في مصر في القرون الماضية، وحكموا العالم إنما لم يتعرضوا لهدم الأهرام، لعله من جهة أنهم فهموا هذا المعنى، ورأوا هذا الأثر الضَّار، وخوفاً على زوال ممالكهم كفوا عنها أيديهم، وإلَّا فإنهم يقتلون أنفسهم على جمع
الأموال، ويحارب بعضهم الآخر على الدنيا، ويرمون بحياة الآلاف في الهلاك والدمار، لأجل السيطرة على البلاد، ونهب أموالها وخيراتها، فعدم تعرضهم لهدم الأهرام لا لأجل عفَّتهم أو محافظتهم على الآثار، بل إنما هو لخوفهم على أنفسهم، وعلى ممالكهم من الزوال، والدمار، لأنهم عرفوا أنَّ التنقيب فيها موجب لذهاب دولهم وهلاكهم.
الوافي
عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: كأني بالقائم على منبر عليه قباء، فيخرج من وريان قبائه كتاباً مختوماً بخاتم من ذهب، فيفكه فيقرأه على الناس، فيجفلون عنه إجفال النعم، فلم يبق إلَّا النقباء، فتكلم بكلام فلا يلحقون ملجأ، حتى يرجعوا اليه، وإني لأعرف الكلام الذي يتكلم به.
اكمال الدين
بحذف الاسناد عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لو خرج القائم (علیه السلام) بعدما أنكره كثير من الناس، يرجع إليهم شاباً، فلا يثبت عليه كلّ مؤمن أخذ الله ميثاقه في الذر الأول.
وقال الصادق عليه السلام: كأني انظر الى القائم (علیه السلام) على منبر الكوفة، وحوله
أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا عدة أهل بدر، وهم اصحاب الألوية، وهم حكّام الله في أرضه على خلقه، حتى يستخرج من نقبائه كتاباً مختوماً بخاتم من ذهب، عهد معهود من رسول الله، فيجفلون عنه إجفال الغنم، فلا يبقى منهم إلَّا الوزير وأحد عشر نقيباً، كما بقوا مع موسى بن عمران (علیه السلام)، فيجولون في الأرض، فلن يجدوا عنه مذهباً فيرجعون إليه؛ والله إني أعرف الكلام الذي يقوله لهم، فيكفرون به.
قال الصدوق قدس سره بعد هذا الحديث توضيح: أجفل القوم إجفالاً، هربوا مسرعين. ثم قال: أقول لا تعجب من أن يكون أصحاب القائم (علیه السلام) من المرتدين بالكلام الذي يقوله القائم (علیه السلام) لأصحابه، فقد ارتد أصحاب رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) بالكلام، الذي ذكره يوم الغدير لأصحابه.
قال جعفر بن محمد عليه السلام: ارتد الناس بعد النبي إلَّا أربعة. ثم قال: لعل المراد بالكلام الذي يذكره القائم (علیه السلام) لأصحابه هو جعله كربلاء قبلة للناس.
مكيال المكارم
عن أبي عبد الله عليه السلام في جواب من سأل عن سيرة المهدي (علیه السلام) قال: يصنع ما
صنع رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) يهدم ما كان قبله، كما هدم رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) أمر الجاهلية، ويستأنف الاسلام جديدا.
بیان: دل الخبران المتقدمان على أنّ الامام القائم عليه السلام يشرع بعض الأحكام، مثل هذا الكتاب الذي يخرجه من وراء قبائه، مختوم بخاتم من ذهب، وعندما يستمع أصحابه لذلك الحكم الحديث، يجفلون عنه - أي يهربون مسرعين عنه - ويكفرون به ولا يقبلونه منه، مع أنَّ هذا الكتاب من الكتب والقوانين النازلة عليه من السماء، الموقَّعة من قبل النبي صلى الله عليه وآله، والإمام أمير المؤمنين عليه السلام، والأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. فإن كل حكم يصدره الله تعالى، ويحكمه في اللوح المحفوظ، يعرض على النبي وأمير المؤمنين والأئمة الطاهرين عليهم السلام، فيصادقون عليه، ثم تنزل به الملائكة الى الإمام القائم عليه السلام في الأرض لتنفيذه، لأنه سفير الله في أرضه، وإمام الأرض ومن عليها؛ وحيث إنَّ هذا الحكم الموجود في الكتاب، مخالف لظواهر الكتاب والسنة؛ وحيث ان اصحابه الكرام من اهل الورع والتقوى، فلا
يقبلون به، لأنهم يرونه حكماً مخالفاً للكتاب والسنة، ولكن لا يعلمون أنّ الامام القائم عليه السلام هو الإمام الناطق بالحق والصدق، وكل ما نطق به الإمام الناطق، فهو حكم الله تعالى، وإن كان مخالفاً لظواهر الكتاب والسنة فإنه بعد ما ثبتت إمامته وسفارته في عالم الرجعة، فقد ثبتت تشريعاته كلها، فكل حكم شرّعه فهو حكم الله تعالى، ومن قبل الله تعالى، فلا مجال لأحد ان يتردد في الأحكام الصادرة عنه، والتشريعات والقوانين المعلنة منه، وإن كانت مخالفة لظواهر الكتاب والسنة.
وأما الاحتمال الذي احتمله الشيخ الصدوق في إكمال الدين من جعله كربلاء قبلة للناس، فهو مجرد احتمال، ولعله فهمه من روايات أخرى، أو لعله أراد أن يبيّن حكماً مخالفاً لظواهر الكتاب والسنة، مثل الأمر بتغيير أوقات الصلاة، والأمر بتغيير القبلة ونحو ذلك من الأحكام الشرعية، كما سيأتي نظيره من تشريعات الإمام (علیه السلام)، توريث الأخ في عالم الأظلة؛ فإن الكتاب والسنة قد دلا على توريث الأخ من الأبوين، أو من الأب، اذا لم تكن الطبقة الأولى موجودة من الآباء والأبناء. وأما توريث الأخ من الأبوين، أو من الأب، اذا لم تكن الطبقة الأولى موجودة من الآباء والأبناء وأما توريث الأخ في عالم الأظلة - أي في عالم الأرواح - فهو مخالف لظواهر الكتاب والسنة، فلعل الروح التي كانت متأخية مع، هذا الشخص، صارت عنه بعيدة في النسب في عالم الدنيا، وفي العالم الجسمانيّ ولكن مع ذلك يشرَّع الإمام القائم (علیه السلام) هذا الحكم في الرجعة، فيورّث الأخ اخاه في عالم الأظلة، كما سيأتي بيان ذلك في البيانات اللاحقة ان شاء الله تعالى.
قد ورد في عدة من الروايات أنَّ الامام القائم عليه السلام إذا قام أخرج المصحف الذي كتبه الامام أمير المؤمنين عليه السلام للناس. والظاهر أنَّ المراد من ذلك المصحف، هو نفس هذا القرآن الموجود بنفسه وبعينه، لا قرآن آخر، إلَّا أنه يغاير القرآن الموجود في ترتيب السور، كما تسالم على ذلك العلماء الأعلام، وهذا ممّا لا شك فيه، فلا حاجة للتكليف بإثباته.
كما أنَّ اشتمال قرآن علي عليه السلام على زيادات غير موجودة في هذا القرآن، وإن كان صحيحاً؛ إلَّا أنه لا دليل على أنَّ هذه الزيادات كانت من القرآن، وقد اسقطت منه بالتحريف؛ بل الصحيح ان تلك الزيادات كانت تفسيراً بعنوان التأويل، وما يؤول إليه الكلام، أو بعنوان التنزيل من الله شرحاً للمراد، وبنحو التخصيص، ولا ريب في جواز تخصيص العمومات الواردة في الكتاب بخبر الواحد المعتبر، كما هو الحق وعليه سيرة الأصحاب، وليست مخالفة الخاص للعام بمخالفة عرفاً، حتى يكون مخالفاً للكتاب، بل يُعدّ الخاص بياناً للعام، أو شارحاً لمدلوله، ومفسراً لمعناه، فلا تشمله الأخبار الدَّالة على رد المخالف للكتاب، فإذا كانت المخالفة بنحو العموم والخصوص المطلق، أو من وجه لا مانع منها إذاً أنَّ صدور الأخبار المخالفة للكتاب بهذه المخالفة عنهم عليهم السلام كثيرة جداً فهذه الأخبار التي خصص بها الكتاب، ليست من القرآن، بل هي مفسرة لمعناه،
وشارحة لمدلوله ومغزاه وبياناً للعام.
فما ورد من الأخبار في فصل الخطاب وغيره من الكتب، وما يظهر من بعض الروايات الآتية، كلها محمولة على ما ذكرناه فمن تلك الأخبار ما ورد في بعض التفاسير عن الصادق عليه السلام، عندما سئل عن قوله تعالى في سورة الرحمن (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه انس ولا جان) [الرحمن 39] قيل كيف لا يسأل أحد عن ذنبه إنس ولا جان، أنه قد قال تعالى في سورة الصافات (وقفوهم إنهم مسؤولون) [الصافات 24] فقال (علیه السلام): إنَّ الآية الأولى مختصة بالشيعة، فيومئذ لا يسأل منكم أي ايها الشيعة عن ذنبه لا من كل أحد.
بيان؛ لما فهم السائل التنافي بين الآيتين سأل الامام (علیه السلام) عن ذلك، فأجابه الإمام (علیه السلام) بأن - التنافى هنا بنحو العموم والخصوص المطلق، لأن الآية الأولى خاصة بالشيعة، والثانية عامة، فتخصص بالآية الأولى فيرتفع التنافي بينهما، وهذا في الحقيقة والواقع ليس من التنافي، لأن الآية الخاصة تكون شارحة ومبيّنة للآية العامة، ومفسرة لمدلولها؛ وهذا التفسير الصادر عن الامام الصادق عليه السلام ليس بقرآن قد أنقص وحذف، بل هو بيان للعام، وشرح للمقصود والمرام، فالروايات الواردة التي استدل بها للتحريف جلّها بل كلها من هذا القبيل.
ولقد أجاد فيما أفاد سيّدنا الاستاذ الخوئي مدّ ظله في كتابه البيان، حيث تعرض لصيانة القرآن الكريم من التحريف، والتغيير، والتبديل، وذكر أنَّ التحريف يطلق ويُراد منه عدة معانٍ على سبيل الاشتراك:
الاول: منها واقع في القرآن باتفاق من المسلمين، وهو نقل الشيء عن موضعه، وتحويله إلى معنى آخر، ومنه قوله تعالى (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه) [النساء 46] ولا خلاف بين المسلمين في وقوع مثل هذا التحريف في كتاب الله؛ فإنَّ كل من فسّر القرآن بغير حقيقته، وحمله على غير معناه، فقد حرّفه، وترى كثيراً من أهل البدع، والمذاهب الفاسدة، قد حرّفوا القرآن بتأويلهم آيته على آرائهم وأهوائهم. وقد ورد المنع عن التحريف، بهذا المعنى، وذم فاعله في عدة من الروايات:
منها: رواية الكافي بإسناده عن الباقر عليه السلام أنه كتب في رسالة الى سعد الخير، وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه، وحرّفوا حدوده، فهم يرونه ولا
يرعونه، والجهال يعجبهم حفظهم للرواية، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية (1).
الثاني: النقص أو الزيادة في الحروف، أو الحركات، مع حفظ القرآن وعدم ضياعه، وإن لم يكن متميزاً في الخارج عن غيره: والتحريف بهذا المعنى واقع في القرآن قطعاً، لما ثبت في محله من عدم تواتر القراءات، ومعنى هذا أنَّ القرآن المنزل إنما هو مطابق لاحدى القراءات، وأمَّا غيرها فهو اما زيادة في القرآن أو نقيصة.
الثالث: النقص أو الزيادة، أو كلمتين مع التحفظ على نفس القرآن المنزل: والتحريف بهذا المعنى قد وقع في صدر الاسلام وفي زمان الصحابة قطعاً، ويدلنا على ذلك اجماع المسلمين على أنَّ عثمان أحرق جملة من المصاحف، وأمر ولاته بحرق كل مصحف غير ما جمعه؛ وهذا يدل على أنَّ تلك المصاحف كانت مخالفة لما جمعه، وإلَّا لم يكن هناك سبب موجب لإحراقها.
الرابع: التحريف بالزيادة والنقيصة في الآية والسورة، مع التحفظ على القرآن المنزل، والتسالم على قراءة النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) إياها: والتحريف بهذا المعنى أيضاً واقع في القرآن قطعاً، فالبسملة مثلاً ممّا تسالم المسلمون على أنَّ النبي صلى الله عليه وآله، قرأها قبل كل سورة غير سورة التوبة، وقد وقع الخلاف في كونها من القرآن، بين علماء السنة، فاختار جمع منهم أنها ليست من القرآن، بل ذهبت المالكية، إلى كراهة الإتيان بها قبل قراءة الفاتحة في الصلاة المفروضة، إلَّا إذا نوى به المصلي الخروج من الخلاف؛ وذهبت جماعة أخرى إلى أن البسملة من القرآن. وأما الشيعة فهم متسالمون على جزئية البسملة من كل سورة غير سورة التوبة، واختار هذا القول جماعة من علماء السنة أيضاً، إذن فالقرآن المنزل من السماء، قد وقع فيه التحريف يقيناً بالزيادة أو بالنقيصة.
الخامس: التحريف بالزيادة: بمعنى أنَّ بعض المصحف الذي بأيدينا ليس من
الكلام المنزل، فهذا باطل بإجماع المسلمين، بل هو ممّا عُلم بطلانه بالضرورة.
السادس: التحريف بالنقيصة: بمعنى أن المصحف الذي بأيدينا لا يشتمل على جميع القرآن الذي نزل من السماء، فقد ضاع بعضه على الناس. والتحريف بهذا المعنى هو الذي وقع الخلاف فيه فأثبته قوم، ونفاه آخرون. ورأى المسلمين في التحريف، أن المعروف بين المسلمين عدم وقوع التحريف في القرآن وأن الموجود بأيدينا هو جميع القرآن
1) (1) الوافي آخر كتاب الصلاة ص 274.
المنزل على النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وقد صرّح بذلك كثير من الأعلام: منهم رئيس المحدثين الصدوق محمد بن بابويه، وقد عدّ القول بعدم التحريف من معتقدات الامامية.
ومنهم: شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، وصرّح بذلك في أول تفسيره (التبيان)، ونقل القول بذلك أيضاً عن شيخه علم الهدى السيِّد المرتضى واستدلاله على ذلك بأتم دليل.
ومنهم: المفسر الشهير الطبرسي في مقدمة تفسير (مجمع البيان).
ومنهم: شيخ الفقهاء الشيخ جعفر في بحث القرآن من كتابه (كشف الغطاء) وادّعى الإجماع على ذلك.
ومنهم: العلامة الجليل الشهنشهاني، في بحث القرآن من كتابه (العروة
الوثقى)، ونسب القول بعدم التحريف إلى جمهور المجتهدين.
ومنهم: المحدث الشهير المولى محسن القاساني في كتابيه (الوافي وعلم اليقين).
ومنهم: بطل العلم المجاهد الشيخ محمد جواد البلاغي في مقدمة تفسيره (الآء الرحمٰن).
وقد نسب جماعة القول بعدم التحريف الى كثير من الأعاظم: منهم شيخ المشايخ المفيد والمتبحر الجامع الشيخ البهائي. والمحقق القاضي نور الله واضرابهم. وممّن يظهر منه القول بعدم التحريف كل من كتب في الامامة من علماء الشيعة، وذكر فيه المثالب، ولم يتعرض للتحريف، فلو كان هؤلاء قائلين بالتحريف لكان ذلك أولى بالذكر من إحراق المصحف وغيره. وجملة القول ان المشهور بين علماء الشيعة ومحقيقيهم بل المتسالم عليه بينهم، هو القول بعدم التحريف. نعم ذهب جماعة من المحدثين من الشيعة، وجمع من علماء أهل السنة الى وقوع التحريف.
قال الرافعي: فذهب جماعة من أهل الكلام ممن لا صناعة لهم إلَّا الظَّنّ والتأويل واستخراج الأساليب الجدلّية من كل حكم، وكل قول الى جواز أن يكون قد سقط عنهم من القرآن شيء، حملاً على ما وصفوا من كيفية جمعه، وقد نسب الطبرسي في مجمع البيان هذا القول إلى الحشوية من العامة.
والظاهر أن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف، وعليه فاشتهار القول بوقوع النسخ في التلاوة عند علماء أهل السنة، يستلزم اشهار القول بالتحريف، حيث ذهب أكثر علماء أهل السنة أنَّ بعض القرآن قد نسخت تلاوته، وحيث إنَّ العلماء أجمع قد اتفقوا على عدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد، وصرح جماعة في كتب الأصول وغيرها، بل قطع الشافعي وأكثر اصحابه، واكثر أهل الظاهر بامتناع نسخ الكتاب، بالسنة المتواترة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، كما منع جماعة وقوعه، مع أنَّ نسبة النسخ إلى النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) تنافي جملة من الروايات التي تضمنت على أن الاسقاط قد وقع بعده، فيكون القول ينسخ التلاوة غير صحيح.
والحق ما عرفته أنَّ القول بعدم التحريف هو المشهور بين علماء الشيعة ومحققيهم، بل هو المتسالم عليه بينهم، واستدل لعدم وقوع التحريف بالمعنى الأخير بأدلة متعددة:
منها: قوله تعالى (إنا نحن نزَّلنا الذكر وإنَّا له لحافظون) [الحجر 9] فإن هذه الآية تدل على حفظ القرآن من التحريف، وإن الأيدي الجائرة لن تتمكن من التلاعب فيه؛ ومن قال بالتحريف أول هذه الآية، وذكر سيّدنا الاستاذ ومدّ ظله وجوه التأويل والجواب عنها (1).
ومنها: قوله تعالى (وانه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) [فصلت 42] دلت هذه الآية الكريمة على نفي الباطل بجميع أقسامه عن الكتاب؛ والنفي إذا ورد على الطبيعة أفاد العموم، ولا شبهة في أنَّ التحريف من أفراد الباطل، فيجب أن لا يتطرق إلى الكتاب العزيز، وأورد على هذا الدليل وأجاب عنه.
ومنها: أخبار الثقلين: وهي متظافرة من طرق الفريقين، فاستدل بها على عدم التحريف في الكتاب قال النبي (صلی الله علیه وآله وسلم): «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، أهل بيتي ما إن تمسكتم بها لن تضلوا بعدي أبداً، وإنهما لن يفترقا عني حتى يردا علي الحوض». وقد ذكر الاستدلال بها من ناحيتين، وأشكل عليها بعض، ورد الإشكال عليها. ودعوى وقوع التحريف من الخلفاء دعاوى باطلة لا دليل عليها، وقد ركن
القائلون بالتحريف إلى شبهات عديدة:
1) لمزيد من الإيضاح يراجع كتاب البيان
منها: قد ورد في الروايات المتواترة من طريقي الشيعة والسنة، أنَّ التحريف قد وقع في التوراة والإنجيل، وكل ما وقع في الأمم السابقة لا بدَّ وأن يقع مثله في هذه الأمة، حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، كما في رواية الصدوق في الإكمال، وأجاب عنها بأنها أخبار أحاد، لا تفيد علماً ولا عملاً ودعوى التواتر فيها جزافية لا دليل عليها، ولم تذكر في الكتب الأربعة، ولا ملازمة بين وقوع التحريف في التوراة، ووقوعه في القرآن إلى آخر ما أجاب.
ومنها: أنَّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) كان له مصحف غير المصحف الموجود، وقد أتىٰ به إلى القوم فلم يقبلوا منه، وأنَّ مصحفه (علیه السلام) كان مشتملاً على أبعاض ليست موجودة في القرآن، الذي بأيدينا؛ ويترتب على ذلك نقص القرآن الموجود، عن مصحف أمير المؤمنين علي (علیه السلام)، وهذا هو التحريف الذي وقع الكلام فيه. والروايات الدالة على ذلك كثيرة:
منها ما في الكافي
بإسناده إلى سالم بن أبي سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله (علیه السلام) وأنا أستمع حروفاً من القرآن، ليس على ما يقرأها الناس، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): كفَّ هذه عن القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس، حتى يقوم القائم (علیه السلام)، فإذا قام قرأ كتاب الله عز وجل على حده، وأخرج المصحف الذي كتبه عليّ (علیه السلام).
وقال: أخرجه عليّ (علیه السلام) إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله عز وجلّ كما أنزله على محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، وقد جمعته من اللوحين. فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه. فقال (علیه السلام): أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبداً، إنما كان عليّ أن أخبركم حين جمعته لتقرأوه.
بیان: دل هذا الخبر على النهي عن قراءة القرآن بنحو آخر غير القرآن الموجود بأيدي الناس، عندما قرأ الرجل على الإمام (علیه السلام) قراءة غير معروفة؛ والظاهر أنَّ تلك القراءة كانت تفسيراً وشرحاً للقرآن، كما ورد في الروايات سئل الإمام (علیه السلام) عن قوله تعالى في سورة الكهف، في قصة الخضر لمّا خرق السفينة: (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً) [الكهف 79] لماذا خرق السفينة مع أنََّ الملك الذي كان وراءهم يأخذ كل سفينة غصباً؟ فقال (علیه السلام): كان يأخذ كل سفينة صالحة غصباً. فهذا التفسير بيان وشرح من الإمام (علیه السلام) للآية الكريمة، لا إنه قرآن ناقص أكمله الإمام (علیه السلام). ولذا أمر بالكفِّ عن
القراءة مع التفسير والشرح، كما أمر بالقراءة على النحو الذي يقرأه الناس؛ فإذا قام القائم (علیه السلام) أخرج المصحف الذي كتبه عليّ، وهو القرآن المفسر المبين، لا قرآن آخر غير هذا القرآن.
فالقرآن الذي لم يقبلوه لأن الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) فسّره وشرحه كما أنزله الله تعالى، وإنما أخرجه لهم لإقامة الحجّة عليهم، فلما رفضوه ولم يقبلوه قال لهم: أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبداً، لأن الواجب على الإمام (علیه السلام) عرض ذلك القرآن عليهم، واطلاعهم على ما فيه من شرح وبيان، وتفسير، فعند ردهم له كانت الحجّة قائمة عليهم، ولئلا يقولوا إنا كنا عن هذا غافلين، أو يقولوا ما جئتنا به، كما يشهد لذلك ما رواه الطبرسي في الاحتجاج:
ذكر رواية مفصلة حاصلها أنََّ عمر طلب من أمير المؤمنين عليه السلام القرآن الذي ألَّفه، وأراد هو وزيد بن ثابت أخذ القرآن الذي ألَّفه وتحريفه، فعلم الإمام (علیه السلام) بذلك فقال: هيهات ليس إلى ذلك سبيل، انما جئت به إليكم لتقوم به الحجّة عليكم، ولا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا ما جئتنا به، إنَّ القرآن الذي عندي لا يمسه الَّا المطهرون والأوصياء من ولدي. قال له عمر: فهل وقت لأظهاره معلوم؟ فقال (علیه السلام): نعم إذا قام القائم من ولدي، يظهره ويحمل الناس عليه، وعلى قراءته، فيجري به السنة صلوات الله عليه.
بیان: لا دلالة في هذه الرواية على أنََّ القرآن الذي ألّفه الامام عليه السلام غير القرآن الموجود بأيدينا، بل الظاهر أنه نفسه، إلََّا أن فيه شرح وبيان، وتفسير لما أنزله الله تعالى. وكان قصد عمر وزيد بن ثابت محوما فيه من تفسير وشرح، حيث إنَّ في التفسير ذكر بعض الأشخاص بالمدح، وبعض باللعن والذم، ويشهد لذلك ما رواه في السفر الثاني من الكتاب المبين:
سمع أمير المؤمنين (علیه السلام) يقول: كأني بالعجم قد ضربوا فساطيطهم في مسجد الكوفة، يعلمون الناس القرآن كما أنزل؟ قيل: يا أمير المؤمنين أليس هو كما أنزل؟ فقال: لا محي عنه سبعون من قريش بأسمائهم واسماء آبائهم، وما ترك أبو لهب إلََّا للإزراء على محمد رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) لأنه عمه.
بيان: يرد أولاً على هذا الخبر أنه مرسل وضعيف.
وثانياً: إنََّ المراد من قوله محي عنه أي عن الشرح والتفسير سبعون من قريش، ورد في بعضهم المدح، وفي بعضهم الذم إلَّا أن أسماءهم ليست في القرآن المنزل من السماء، وإنما ترك أبو لهب لأنه ورد فيه الذم في القرآن المنزل من السماء، ولم يتمكنوا من حذفه، وقالوا: إن كان فيه إزراء ونقص، فهو على محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، لأنه عمه. فعدم تمكنهم من حذف اسمه لأنه مذكور في القرآن الأصلي، ولهذه العلة التي ألقاها الله تعالى في أذهانهم؛ وأما اسماء الباقين فهي غير موجودة في القرآن، وإنما كانت في التفسير فحذفت عنه.
وثالثا: إِنَّ سيرة النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) مع المنافقين، يأبىٰ ذلك، فإنَّ دأبه تأليف قلوبهم والأسرار بما يعلمه من نفاقهم، وهذا واضح لمن له أدنى اطِّلاع على سيرة النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، وحسن أخلاقه، فكيف يمكن أن يذكر أسماءهم في القرآن ويأمرهم بلعن أنفسهم، ويأمر سائر المسلمين بذلك، ويحثهم عليه ليلاً ونهاراً، فلا وجه للتَّمسك بإثبات ذلك بالرواية المذكورة، لوجود أسماء جملة من المنافقين، في مصحف علي (علیه السلام)، ولا يقاس ذلك بذكر أبي لهب المعلن بشركه ومعاداته للنبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، مع علم النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) أنه يموت على شركه. نعم لا بعد في ذكر النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) أسماء المنافقين لبعض خواصّه، كأمير المؤمنين (علیه السلام) وغيره في مجالسه الخاصة، فيثبتونه في الشرح والتفسير للآيات؛ فيكون المراد بالمحو، هو المحو عن الشرح والتفسير، لا من نفس القرآن، فيعلم من ذلك جواب كل ما ورد في الأخبار من هذا القبيل.
فمنها ما رواه الصدوق في العوالم.
عن الصادق (علیه السلام) في حديث قال: ويخرج القائم (علیه السلام) القرآن الذي ألّفه أمير المؤمنين (علیه السلام)، ولم يعمل به الأشقياء، ويرتفع هذا القرآن إلى السماء ويعمل بذلك القرآن. وقال أمير المؤمنين (علیه السلام): كأني أنظر إلى الشيعة قد بنوا الخيام في مسجد الكوفة وجلسوا يعملون القرآن الجديد للناس. ومنها ما روي في الكتاب المبين:
قال أمير المؤمنين (علیه السلام): كأني أنظر إلى شيعتنا بمسجد الكوفة، وقد ضربوا الفساطيط يعلمون الناس القرآن كما أنزل، أما أنَّ قائمنا إذا قام كسره وسوى قبلته.
ومنها: ما ورد في عدة من الأخبار أن الإمام القائم (علیه السلام) إذا قام يأتي بكتاب جديد، على العرب شديد، وقد مرَّت تلك الأخبار في بيان سابق، فجميع هذه الأخبار ناظرة إلى القرآن الذي فسره الإمام، وشرحه وبيّنه، وذلك الشرح والتفسير يخرجه القائم
(علیه السلام) للناس، ويعرّفهم به، ويجعل فرقة من الشيعة - أي الإمامية من العجم - في مسجد الكوفة وظيفتهم تعليم القرآن، وشرحه، وتفسيره، وإفهام معانيه الباطنية، وحقائقه الواقعية للناس. وإنَّ هذه السور القرآنية، والآيات الإلهية، فيمن نزلت، ومتى نزلت، وأين نزلت، وما المراد والمقصود منها، وبيان المحكم والمتشابه منه، والناسخ والمنسوخ.
ومنها: ما في رواية احتجاج علي (علیه السلام) على جماعة من المهاجرين والأنصار أنه قال: يا طلحة إنَّ كل آية أنزلها الله تعالى على محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، عندي بإملاء رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، وخط يدي، وتأويل كل آية أنزلها الله تعالى على محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، وكل حلال، أو حرام، أو حد، أو حكم، أو شيء تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة، فهو عندي مكتوب بإملاء رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) وخط يدي حتى أرش الخدش.
بيان: قد ذكرت هذه الروياة في مقدمة تفسير البرهان ص 37، وفي هذه الرواية تصريح بأنَّ ما في القرآن الموجود بأيدينا كله قرآن، فذلك القرآن والآيات التي فيه نفس هذا القرآن لا غيره، إلَّا أنَّ فيه شرح وتفسير وتأويل الآيات - أي بيان العاقبة وما يؤول إليه الأمر - لأن المراد بالتأويل، ما يرجع إليه الكلام، وما هو عاقبته، سواء كان ظاهراً، يفهمه العارف باللغة العربية، أم كان خفياً، لا يعرفه إلَّا الراسخون في العلم.
ومنها: ما في احتجاجه على الزنديق من أنه أتى بالكتاب كملأ مشتملًا على التأويل، والتنزيل، والمحكم، والمتشابه، والناسخ، والمنسوخ، لم يسقط منه حرف ألف ولا لام فلم يقبلوا ذلك.
بيان: قد مرَّ أنَّ معنى التأويل ما يرجع إليه الكلام وما هو عاقبته، ومعنى التنزيل هو ما نزل من القرآن، وليس كل ما نزل وحياً من الله تعالى يلزم أن يكون من القرآن. فالمستفاد من هذه الرواية ونظائرها أنَّ مصحف علي (علیه السلام)، كان مشتملا على زيادات تنزيلاً أو تأويلاً، ولكن لا دلالة في شيء منها، على أنَّ تلك الزيادات هي من القرآن، وعلى ذلك حملنا ما ورد من ذكر أسماء المنافقين في مصحف أمير المؤمنين (علیه السلام)، فإن ذكر أسمائهم لا بدَّ وأن يكون بعنوان الشرح والتفسير.
ومنها ما رواه في الكافي:
بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: ما يستطيع أحد أن يدّعي أنَّ عنده جميع القرآن كله، ظاهره وباطنه غير الأوصياء.
وبإسناده عن جابر قال: سمعت أبا جعفر (علیه السلام) يقول: ما ادّعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله. كما أنزل إلَّا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزّله الله تعالى إلَّا علي بن أبي طالب، والأئمة من بعده عليهم السلام.
بیان: المراد من جميع القرآن مع شرحه وتفسيره؛ فالقرآن المبين المفسّر كما أنزله الله تعالى، لا يمكن لأحد أن يحيط به إلَّا الأوصياء - أي الإمام أمير المؤمنين والأئمة من أولاده عليهم السلام - فالزيادات الموجودة فيه ليست من القرآن، بل أنَّ تلك الزيادات كانت تفسيراً وبياناً وشرحاً للقرآن.
ومنها: الروايات المتواترة عن أهل البيت التي استدل بها على تحريف القرآن، وهي لا دلالة فيها على وقوع التحريف بالمعنى المتنازع فيه؛ فإن جملة منها نقلت من كتاب أحمد ابن محمد السياري، الذي اتَّفق علماء الرجال على فساد مذهبه، وأنه يقول بالتناسخ؛ ومن عليّ بن أحمد الكوفي، الذي ذكر علماء الرجال أنه كذاب، وأنه فاسد المذهب وهي طوائف:
الأولى: دلت على تحريف القرآن بعنوانه: والجواب عنها: أمَّا الرواية الأخيرة منها فظاهرها تفسير التحريف باختلاف القراء السبع، وإعمال اجتهاداتهم في القراءات، ومرجع ذلك إلى الاختلاف في كيفية القراءة، مع التحفظ على جوهر القرآن وأصله؛ ولا ريب في وقوع التحريف بهذا المعنى، سواء قلنا بتواتر القراءات، أو لم نقل. وأمَّا باقي الروايات، فظاهرها أنَّ المراد بالتحريف، حمل الآيات على غير معانيها، الملازم لإنكار فضل أهل البيت، ونصب العداوة لهم وقتالهم، وقد مرَّ أن التحريف بهذا المعنى واقع قطعاً، وهو خارج عن محل النزاع.
الثانية: دلت على أنَّ بعض الآيات المنزلة في القرآن فيها أسماء الأئمة عليهم السلام؛ وقد مرَّ الجواب عنها وأن ذكر أسمائهم من قبيل الشرح والتفسير.
الثالثة: دلت على وقوع التحريف بالزيادة والنقصان، وأنَّ الأمة بعد النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) غيَّرت بعض الكلمات وجعلت مكانها كلمات أخرى. والجواب عنها: اولاً: إنَّ سندها ضعيف. وثانياً: إنها مخالفة للكتاب والسنة، ولإجماع المسلمين على عدم الزيادة في القرآن، ولا حرفاً واحداً وإن مجموع ما بين الدفتين كله قرآن. وممن ادّعى الاجماع الشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، والشيخ البهائي، وغيرهم من الأعاظم قدس الله أسرارهم.
الرابعة: دلت على التحريف بالنقصية فقط. والجواب عنها قد مرَّ وأنَّ المراد من الزيادات هي الزيادات المذكورة في مصحف علي (علیه السلام)، وهي شرح وتفسير، وإن لم يمكن الحمل في بعضها، فلا بدَّ من طرحها لمخالفتها للكتاب والسنة. ومنها أحاديث جمع القرآن، وهي الروايات الواردة في كيفية جمع القرآن، وهي مع أنها أخبار أحاد، لا تفيد العلم، مخدوشة من جهات:
الأولى: إنها متناقضة في أنفسها: فالظاهر من بعضها أنّ جمع القرآن كان في زمن عثمان؛ وظاهر بعضها أنه كان في زمن أبي بكر؛ وظاهر أخرى أن جمعه كان في زمن عمر.
الثانية: دل بعضها أنَّ المتصدي لجمع القرآن زيد بن ثابت؛ وبعضها دل على أن المتصدي لجمعه أبو بكر بنفسه، وإنما طلب من زيد أن ينظر فيها جمعه من الكتب. كما دل بعضها على أن المتصدي لجمعه هو زيد بن ثابت وعمر.
الثالثة: إن ظاهر بعض الروايات أنَّ أبا بكر قد فوَّض زيد بن ثابت جمع القرآن، بل هي صريحة في ذلك حيث قال لزيد: إنك رجل شاب عاقل، لا نتَّهمك وقد كنت تکتب الوحي لرسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) فتتبع القرآن واجمعه.
ولكن ظاهر الروايات الأخرى أنَّ كتابة القرآن إنما كانت بشهادة شاهدين، حتى إنَّ جاء بآية الرجم، فلم تقبل منه لأنه واحد إلى آخر ما ذكر في اختلافها وهي اثنتي عشرة رواية، فهي مختلفة مضطربة، مع أنها معارضة بروايات دلت على أنَّ القرآن قد جُمع وكتب على عهد رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، وهي روايات متعددة:
منها: ما في منتخب کنز العمال: روى جماعة منهم أبن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والضياء المقدسي، عن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطوال ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: إن رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) كان ممّا يأتي عليه الزمان، ينزل عليه السورة ذات العدد، وكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وتنزل عليه الآيات فيقول: ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا؛
وكانت الأنفال من أول ما أنزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولاً، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها؛ وقبض رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ولم يبيِّن لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم؛ ووضعهتهما في السبع الطوال.
ومنها: ايضاً ما ورد في منتخب كنز العمال عن الطبراني وابن عساكر عن الشعبي قال: جمع القرآن على عهد رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ستة من الأنصار أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وسعد بن عبيد، وأبو زيد؛ وكان مجمع بن جارية قد أخذه إلَّا سورتين أو ثلاث.
ومنها: عن صحيح البخاري باب القراء من أصحاب النبي (صلی الله علیه وآله وسلم): روى قتادة قال: سألت أنس بن مالك من جمع القرآن على عهد النبي؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.
وفيه: روی مسروق ذكر عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود فقال: لا أزال أحبه سمعت النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) يقول: خذوا القرآن من أربعة من: عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب.
ومنها ما في الاتقان: أخرج النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر قال: جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة فبلغ النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) فقال: اقرأه في شهر.
بيان: ظاهر هذه الروايات أنَّ كتابة القرآن وجمعه كان في عهد رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، ولعل قائلاً يقول: إن المراد من الجمع في هذه الروايات، هو الجمع في الصدور لا التدوين؛ وهذا القول دعوى لا شاهد عليها، مضافاً إلى ما ثبت في محله، أنَّ حفاظ القرآن على عهد رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) كانوا أكثر من أن تحصى أسماؤهم، فكيف يمكن حصرهم في أربعة، أو ستة، والمتصفح الأحوال الصحابة، وأحوال النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) يحصل له العلم اليقين، بأنَّ القرآن كان مجموعاً على عهد رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) وأن عدد الجامعين له لا يستهان به. فلا يعارض هذه الروايات، ما رواه البخاري بنفسه، لأنَّ إحدى الروايات المتقدمة مروية في صحيحه في باب القراء من أصحاب النبي (صلی الله علیه وآله وسلم).
وما رواه البخاري بإسناده عن أنس قال: مات النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. فهذا امر دور
مطروح من وجهين:
أولاً لمعارضته الروايات المتقدمة.
وثانياً: إنه غير قابل للتصديق به، لأنه لا يمكن أن يحيط الرواي بجميع افراد المسلمين، حين وفاة النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، على كثرتهم وتفرقهم في البلاد، ويحصر الجامعين في أربعة.
والحاصل أنَّه لا يمكن أن يصدق بأنَّ أبا بكر كان أول من جمع القرآن بعد خلافته، وإذا سلمنا ذلك، فلماذا أمر زيداً وعمر بجمعه من اللخاف، والعسب، وصدور الرجال، ولم يأخذه من عبد الله، ومعاذ، وابي وقد كانوا عند الجمع أحياء، وقد أمروا بأخذ القرآن منهم، ومن سالم: نعم إنَّ سالماً قد قتل في حرب اليمامة فلم يمكن الأخذ منه. على أنَّ زيداً نفسه كان أحد الجامعين للقرآن على ما يظهر من هذه الرواية؛ فلا حاجة إلى التفحص والسؤال من غيره، بعد أن كان شابّاً عاقلاً غير متَّهم كما يقول أبو بكر. مضافاً إلى أنَّ أخبار الثقلين المتظافرة تدلنا على أنَّ القرآن كان مجموعاً على عهد رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) وسنشير إليه. مع أنَّ هذه الروايات معارضة بالكتاب، فإنَّ بعض الآيات دالّة على أنَّ القرآن كانت متميزة في الخارج ومنتشرة بين الناس، حتى المشركين وأهل الكتاب، فإن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) قد تحداهم بقوله تعالى (فأتوا بسورة من مثله) [يونس 38] وبقوله (فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) [هود 13] ومعنى هذا أنَّ سور القرآن كانت في متناول أيديهم. وقد اطلق لفظ الكتاب على القرآن في كثير من آياته الكريمة، وفي قول النبي صلى الله عليه وآله: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي».
وفي هذا الحديث دلالة على أنَّ القرآن كان مكتوباً ومجموعاً كما أنها معارضة لحكم العقل، والإجماع إلى آخر ما ذكره سيدنا الاستاذ مدّ ظله إلى أن قال: ومما ذكرناه قد تبين للقارىء أنَّ حديث تحريف القرآن، حديث خرافة وخيال، لا يقول به إلَّا من ضعف عقله، أو من لم يتأمل في أطرافه حق التأمل، أو من الجأه إليه، يجب القول به، والحب يعمي ويصم. وأما العاقل المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانه وخرافته. فتحصل أنه قد ثبت بالآيات المباركة، والروايات الكثيرة، والإجماع، وحكم العقل انَّ القرآن الموجود بأيدينا لم يقع فيه التحريف، والتغيير، والتبديل، وأنَّه كلام الله تعالى، وأنه منزل من قبل الله تعالى على النبي المرسل، وهو المعجزة الإلهية الخالدة، وأنه روح من أمر الله تعالى لما فيه من الاستقامة في البيان، وتعرضه لمختلف الشؤون، لأنه بحث في
الإلهيات، ومباحث النبوات، ووضع الأصول في تعالم الأحكام، والسياسات المدنية والنظم الاجتماعية، وقواعد الأخلاق، وقوانين السلم، والحرب، ووصف ما يتعلق بالموجودات السماوية والأرضية من ملك وكواكب، ورياح وبحار، وبنات، وحيوان، وإنسان، وما يتعلق بالفلكيات والتاريخ، ووصف أهوال القيامة ومشاهدها، ولم يوجد فيه أي مناقضة، ولا أدنى اختلاف، ولا تهافت، ولا تدافع، ولم يتباعد عن أصل مسلم عند العقل والعقلاء، ولو كان من غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.
فهذه الآية تدل الناس على أمر يحسونه بفطرتهم، ويدركونه بغريزتهم، فإنَّ القرآن في كثير من موارد، الاستدلال والاحتجاج، يرشد الناس إلى حكم الفطرة، ويرجعهم إلى الغريزة، وقد أحس العرب بهذه الاستقامة في أساليب القرآن وأيقن بذلك بلغاؤهم، كما دلت عليه كلمه الوليد بن المغيرة في صفة القرآن حين سأله أبو جهل أن يقول في القرآن قولاً قال: فما أقول فيه فو الله ما منكم رجل أعلم في الأشعار مني، ولا أعلم برجزه مني، ولا بقصيدة، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا؛ ووالله إن لقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه.
قال أبو جهل: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه. قال الوليد فدعني حتى أفكر فيه، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثره عن غيره. وفي رواية قال الوليد: والله لقد سمعت منه كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإنَّ له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن اسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه، وما يقول هذا بشر.
بخلاف الكتب المنسوبة إلى الوحي، فإن من نظر فيها وجدها متناقضة المعاني، مضطربة الاسلوب، لا تنهض، ولا تتماسك لما فيها من التضارب والتناقض، لأنها ليست بتنزيل سماوي، كما يشهد لذلك وقوع التناقض والاضطراب في الأناحيل المجعولة.
قال صاحب المنجد: الإنجيل جمعه أناجيل، وهو ما كتبه بإلهام من الله القدَّيسون متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا، وهؤلاء الأربعة ليسوا بأنبياء، ولا بأوصياء، بل أنهم جعلوا أناجيل مخترعة من أنفسهم، مع ما حفظوا من الإنجيل فجعلوا كتاباً مؤلفاً بعضه، القليل منه سماوي، وبعضه الكثير غير سماوي، ونسبوه الى الله تعالى، فهي ليست من
الوحي الإلهي، بل هي من وحي البشر، وإليك بعض ما ورد من التناقض والتضارب فيها:
1 - فقد نقل في الإصحاح الثاني عشر من إنجيل متىٰ، والحادي عشر من إنجيل لوقا: إن المسيح قال: من ليس معي فهو عليّ، ومن لا يجمع معي فهو يفرق.
وقال في التاسع من إنجيل مرقس، والتاسع من لوقا: من ليس علينا فهو معنا.
2 - قال في التاسع عشر من متى، والعاشر من مرقس، والثامن عشر من لوقا: إن بعض الناس قال للمسيح: أيُّها المعلم الصالح. فقال: لماذا تدعوني صالحاً ليس أحد صالحاً إلَّا واحد وهو الله. وقال في العاشر من يوحنا: أنا هو الراعي الصالح، أو قال: أمَّا أنا فإني الراعي الصالح.
3 - أقل في السابع والعشرين من متى: كان اللصان اللذان صلبا مع المسيح يعيرانه. وفي الثالث والعشرين من لوقا: وكان واحد من المذنبين المعلقين يجدف عليه قائلا: إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا. فأجاب الآخر، وانتهره قائلاً: أولاً أنت تخاف الله إذا أنت تحت هذا الحكم بعينه.
4 - قال في الإصحاح الخامس من إنجيل يوحنا: إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقاً. وفي الثامن من هذا الإنجيل نفسه، أنه قال: وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق.
5 - ذكروا في الباب الثاني عشر من إنجيل متى، أخبار المسيح أنه يبقى مدفوناً تحت الأرض ثلاثة أيام، أو ثلاث ليال، مع أنَّ إنجيل متى بنفسه، والأناجيل الثلاثة الأخر قد اتفقت على أنَّ المسيح لم يبق في بطن الأرض إلَّا يسيراً، من آخر يوم الجمعة، وليلة السبت ونهاره، وليلة الأحد إلى ما قبل الفجر.
فانظر أخريات الأناجيل، ثم قل لكل من يعتقد أنه وحيّ إلهي أين يكون ثلاثة أيام وثلاث ليال؟ ومن الغريب أن يؤمن علماء الغرب ومفكروه، بهذه الأناجيل المجعولة، وهي مليئة بالخرافات، والمناقضات؛ وهذا ممَّا يدل على أن هذه الأناجيل، ليست تلك الكتب السماوية المنزلة من السماء على عيسى (علیه السلام)، وموسى (علیه السلام)، بل هي مجعولة من قبل تلاميذهم كما ذكرنا آنفاً.
ويشهد لذلك ما رواه المجلسي في البحار ما حاصله: ذكر أنَّ الأمأمون دعى الإمام الرضا (علیه السلام)، ودعى علماء النصارى لمقابلته، والمناظرة معه؛ فاحتج الإمام (علیه السلام) على علماء النصارى، بأن الإنجيل الموجود بأيديكم ليس بإنجيل عيسى (علیه السلام). قالوا. وكيف؟ قال: إن اليهود لمّا أرادوا قتل عيسى (علیه السلام)، وكان إنجيله معه، فرفع مع إنجيله إلى السماء؛ ولمّا رُفع عيسى مع إنجيله، بقيت النصارى أربعين يوماً بلا إمام، ولا كتاب؛ فرجعوا إلى كبار أصحابه، والفضلاء من تلاميذه، وهم متى، ويوحنا، ولوقا، ومرقس، وقالوا: لا يمكن أن نبقىٰ بلا نبي، ولاكتاب؛ فلا بدَّ أنكم حفظتم من الإنجيل شيئاً، فتذكروا ما تحفظونه واكتبوه، وليحاضر كل منكم ما يحفظه ليكتبه عن المسيح؛ فكانوا يجتمعون في كل إسبوع ويقرأوا على الناس ما حفظوه وما جعلوه من أنفسهم؛ ولذلك كانت الأناجيل أربعة. وإلَّا فالإنجيل المنزل على عيسى (علیه السلام) من السماء إنجيل واحد، فكيف صارت الأناجيل أربعة؛ فهذا ممّا يدل على أن هذه الأناجيل مجعولة، وأنها غير سماوية.
وكذلك التوراة الرائجة فإنه لم يعلم أنها كتاب سماوي كامل، متكفل لنظام الدنيا والآخرة؛ فإنها مع كبر حجمها، لا تجد فيها مورداً تعرضت فيه لوجود القيامة، ولم تخبر عن عالم آخر للجزاء على الأعمال الحسنة والقبيحة، والتوراة الحقيقية أخفاها موسى في غار في أنطاكية؛ فإذا قام القائم (علیه السلام) خرجها كما ثبت ذلك في الحديث. نعم صرحت هذه التوراة بأنَّ أثر الطاعة هو الغنى في الدنيا، والتسلط على الناس باستعبادهم؛ وأنَّ أثر المعصية والسقوط عن عين الرب، هو الموت وسلب الأموال والسلطة. وهذا مخالف لما ورد عندنا في الحديث، ذكر ان التوراة أسفار خمسة:
السفر الأول: يذكر فيه بدء الخلق، والتاريخ من آدم (علیه السلام) إلى يوسف (علیه السلام).
السفر الثاني: استخدام المصريين لبني إسرائيل، وظهور موسى (علیه السلام)، وهلاك فرعون، وإماتة هارون (علیه السلام)، ونزول الكلمات العشرة.
السفر الثالث: يذكر فيه تعليمه القوانين بالإجمال
السفر الرابع: يذكر فيه عدد القوم، وتقسيم الأرض عليهم، وأحوال الرسل التي بعثها موسى (علیه السلام) إلى الشام، وأخبار المنّ والسلوى والغمام.
السفر الخامس: يذكر فيه بعض الأحكام، ووفاة هارون، وخلافة يوشع (علیه السلام). وهذه التوراة الرائجة غير مشتملة على ما ذكرنا، فهي إمَّا مجعولة، أو محرّفة، وليست هي
التوراة السماوية الحقيقية كالأناجيل المجعولة. بخلاف القرآن الكريم، فهو كتاب سماوي حقيقي، لم يغير، ولم يحرّف، ولم يبدّل؛ ولذا فاق جميع الكتب، وكان فوق كلام المخلوقين، لأنه كلام الخالق؛ قد جمع الله فيه نظام الدنيا، ونظام الآخرة. وهو الناموس الأكبر، لما في أنظمته وتعاليمه مسلكاً يتمشى مع البراهين الواضحة، وحكم العقل السليم، وقد أمر الله تعالى فيه بالعدل. قال تعالى (إن الله يأمركم بالعدل والاحسان) [النحل 90]. وقال تعالى (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) [النساء 58] وقال تعالى (اعدلوا هو أقرب للتقوى) [المائدة 8] كما أمر بالعدل، والإحسان، وصلة الرحم، ونهى عن الفحشاء، والمنكر، والبغي، قال تعالى (و إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون و) النحل 90] وقد أمر بسلوك مسلك الاستقامة، وطريق الاعتدال، وهو القانون الأكبر، جاء به النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، ليصلح به البشر، ويفوزوا بسعادة الدنيا والآخرة؛ فشريعة القرآن شريعة كاملة، تنظر إلى صلاح الدنيا، وصلاح الآخرة؛ ويحث الناس في كثير من آياته على تحصيل العلم، وملازمة التقوى، بينما يبيح لهم لذائذ الحياة وجميع الطيبات. قال تعالى (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) [الأعراف 32] كما يأمرهم بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويحثّهم على توحيد كلمة المسلمين، وعدم التفرق، ورصّ الصفوف، والمؤخاة بين طبقات المسلمين، ونبذ الميزات إلَّا من حيث العلم والتقوى قال تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [الحجرات 13] وقد ذكر فيه أسرار عجيبة من أسرار الخليقة؛ فأخبر في غير واحدة من آياته، عمّا يتعلق بسنن الكون، ونواميس الطبيعة، والأفلاك والنجوم وغيرها، ممّا لا سبيل إلى العلم به في بدء الإسلام إلَّا من ناحية الوحي الإلهي. كما أخبر القرآن بالغيب، ولم يذكر ذلك في سائر الكتب. فتحصل ممّا ذكرنا أنَّ المصحف الذي يخرجه الإمام القائم (علیه السلام)، هو نفس القرآن الموجود بأيدينا، إلَّا أنَّ فيه شرح، وبيان، وتفسير للسور والآيات؛ وفي الشرح أسماء الأئمة والمؤمنين، وأسماء بعض المنافقين؟ ولعل ما ورد في رواية الكافي عن سالم بن سلمة، عندما قرأ رجل على أبي عبد الله (علیه السلام) وقال: كفَّ عن هذه القراءة، وأقرأ كما يقرأ الناس، حتى يقوم القائم (علیه السلام). فلعله كانت في تلك القراءة شرح وبيان، لم يكن من القرآن، ولم يكن معروفاً عند الناس؛ فلذا نهاه الإمام عن تلك القراءة حتى يقوم القائم (علیه السلام)، لأن إخراج ذلك الشرح، والتفسير الغير المعروف الذي سمعه هذا الرجل وحفظه، من الأمور التي يبنيها ويخرجها الإمام القائم (علیه السلام) للناس. فلذا قال له: كف عن هذه القراءة حتى يقوم القائم
(علیه السلام). فإذا قام وأخرج ذلك المصحف، جعل المدرسين لذلك الشرح والتفسير قسم أولاد العجم، لأنهم ذو أفهام عالية وقدرات راقية، وتحقيقات سامية، كما اتَّضح من الأدلة السابقة أن تحريف القرآن وتبديله وتغييره لا صحة له، بل هو غير ممكن، وغير مقدور لأحد، كما أنَّ الإتيان بمثله غير مقدور لأحد، كما يدل عليه قوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) [الاسراء 88].
وممّا يؤيد ذلك وإن الإتيان بمثل القرآن، ولا بسورة، ولا بآية مثله، وإنه غير مقدور هي لأحد التجربة، فإنَّ كل من صنع قرآنا من المتنبئين الذين ادّعو النبوّة، وأهل الأديان الباطلة، وجعلوا لهم كتاباً كذباً وزوراً وبهتاناً في الزمان الماضي باء بالخيبة والفشل، وصار قرآنهم اضحوكة للناس، ينقلونه الظرفاء في مجالس الضحك واللطائف، ويستهزئون به نظیر قرآن مسليمة الكذاب، وعبد الرحمن الذي ظهر باليمامة، وغيرهم من المتأخرين، مثل قرآن البابيّة، والبهائيّة، والكشفية وغيرهم من أهل الأديان الباطلة، كلها مملوءة بالتناقض والخرافات، بخلاف القرآن الكريم من قوله: (إنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) [فصلت 42].
العوالم
عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي محمد (علیه السلام) فقال: إذا قام القائم (علیه السلام) أمر بهدم المنار والمقاصير التي في المساجد. فقلت: لأي معنى هذا؟ فاقبل عليّ فقال: معنى هذا أنها محدثة مبتدعة لم يبنها نبي ولا حجة.
وفيه: عن أبي بصير في حديث قال: إذا قام القائم (علیه السلام) دخل الكوفة، وأمر بهدم المساجد الأربعة، حتى يبلغ أساسها، ويصيّرها عريشاً كعريش موسى، وتكون المساجد كلها جمّاء لا شرف لها، كما كان على عهد رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)؛ ويوسّع الطريق الأعظم، فيصير ستين ذراعاً، ويهدم كل مسجد على الطريق، ويسد كل كوّة إلى الطريق، وكل
جناح وكنيف وميزاب إلى الطريق.
وفيه: عنه (علیه السلام) قال: أول ما يظهر القائم (علیه السلام) من الغدّان ينادي مناديه أن يسلم صاحب النافلة لصاحب الفريضة الحجر الأسود وللطواف. وسئل عن المساجد المظللة أتكره الصلاة فيها؟ فقال: نعم. ولكن لا يضركم اليوم، ولو قد كان العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك.
وقال الصادق (علیه السلام): يستقر القائم (علیه السلام) هو وعياله في مسجد السهلة، ويخرب المساجد المبنية، ويجعلها عريشاً كعريش مسجد موسى (علیه السلام)، ويهدم شرف المساجد ومنارها، ويوسّع الجادة حتى يجعلها ستين ذراعاً، ويهدم كل مسجد في الطريق، ويخرّب كل رازونة وجناح إلى الطريق؛ وكذا الميازيب والبيوت التي تشرع إلى الجوار؛ ويأمر الله الفلك بإبطاء الحركة، حتى يكون كل يوم من أيامه، مقابل عشرة من هذه الأيام؛ ويهدم الكعبة ويبنيها على أساس إبراهيم وإسماعيل (علیه السلام)؛ ويهدم المسجد الحرام، ومسجد رسول الله، ويصنعهما على ما كانا عليه في زمن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، ويردّ مقام إبراهيم إلى موضعه الأول من موضعه الآن، الذي وضعه فيه عمر، ويرفع البدع (1)ويقيم السنن (2).
بیان: صرحت هذه الأخبار بأمر الإمام القائم (علیه السلام) بأمور متعددة، وتغييرات مهمة:
منها: الأمر بهدم المنائر التي في المساجد والمقاصير، وهي جمع مقصورة والمراد بها هنا مقصورة الجامع التي يصلي فيها الإمام؛ وإنما يأمر الإمام (علیه السلام) بهدم المنائر والمقاصير، للعلة التي ذكرها الإمام (علیه السلام) في الخبر وإنها مبتدعة محدثة، وقد ثبت في شريعة الإمام رفع البدع والمحدثات. أما المنائر فأول من أحدثها وضرب المنار على طريقه في مغازيه ليهتدي إذا رجع هو ملك من ملوك اليمن، اسمه أبرهة بن الحرث الرائش، ولذا كان يقال له: ذو المنار؛ ثم انتشر هذا الإحداث حتى سرى إلى المساجد والمشاهد؛ ولكن فمن يقدر على رفع هذا الإحداث واما المقاصير التي في المساجد التي لم يبنها نبي أو حجة فإذا قام الإمام الحجة (علیه السلام) فإنه يرفعها ويهدمها. ويمكن أن يقال إن العلة في رفع المنائر من المساجد، هو عدم الأحتياج إليها لما يمنح الله تعالى الناس في زمان القائم (علیه السلام) من قوة سمع، كما سيأتي بيان
ذلك في البيانات الآتية إن شاء الله تعالى.
ومنها: الأمر بهدم المساجد الأربعة في الكوفة: ولعل المراد من المساجد الأربعة هي مسجد الكوفة الأعظم، ومسجد السهلة، ومسجد صعصعة ابن صوحان، ومسجد زيد بن صوحان؛ فإذا هدم هذه المساجد إلى أساسها صيّرها عريشاً، كعريش موسى؛ والعريش ما يستظل به یُبنی من سعف النخل، مثل الكوخ فيقيمون فيه مدة إلى أن يصرم النخل. وقد ورد في الحديث أنَّ مسجد الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم) حين ظلل عريش كعريش موسى، وهو شبه الخيمة، يستظل به. فالمساجد الأربعة يجعلها عريشاً كعريش موسى، ليس لها جدران مرتفعة، ومنائر عالية، كما يجعل المساجد كلها على هذا النحو، لا شرف لها، كما كانت على عهد النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، فإنَّ المساجد كانت جمّاء أي لا تشرف جدرانها كما ورد في الحديث: إن المساجد لا تشرف تُبنى جماء أي لا تشرف جدرانها.
ومنها: أن يوسّع الطريق الأعظم: وهي الشوارع العامّة، فيجعل مساحتها عرضاً ستين ذراعاً بذراع اليد.
ومنها: أن يهدم كل مسجد على الطريق: أي المسجد المعارض لطريق المسلمين فنظير هذه البقعة لا تكون صالحة للمسجدية.
ومنها: أن يسدَّ النوافذ المفتوحة على الشوارع والطرق والكوى والرواشن.
ومنها: أن يهدم كل جناح خارج إلى الطريق، مثل الباركونات المعروفة في هذه الأزمنة.
ومنها: أن يدفن كل كنيف في الطريق، ويقلع كل ميزاب خارج إلى الطريق.
ومنها: وهو أول قانون يبرزه ويظهره أول يوم من قيامه أن ينادي في الحاج منادٍ من قبله أن يسلم صاحب النافلة، وهو من كان حجّه مستحباً، لصاحب الفريضة، وهو من كان حجّه واجباً، وأن لا يزاحم الطائف بالطواف الندبي للطائف وجوباً.
ومنها: ان يبارك الله تعالى في الزمان، فيأمر الفلك بإبطاء الحركة، فيكون كل يوم مقابل عشرة أيام من هذه الأيام.
ومنها: أن يهدم الكعبة، ويعيد بناءها على أساسها الأول، من بناء إبراهيم (علیه السلام) وإسماعيل (علیه السلام) لها، ويهدم المسجد الحرام ويعيد بناءه على أساسه الأول، ويهدم
مسجد النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، ويعيده على بنائه الأول، ويرفع مقام إبراهيم من موضعه فعلا ویرد بناءه في موضعه الأصلي.
ومنها: أن يرفع كل بدعة في الدين: والبدعة هي إدخال ما ليس من الدين في الدين. وقد ورد أن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار؛ أي كل بدعة في الدين، لأن البدعة، بالكسر فالسكون، الحدث في الدين، وما ليس له أصل في كتاب ولا سنة؛ وإنما سميَّت بدعة لأن قائلها ابتدعها من قبل نفسه. وقال بعض الأفاضل: البدعة بدعتان: بدعة هدى، وبدعة ضلالة. فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله فهو في حيّز الذم والإنكار. وما كان تحت عموم ما ندب الله إليه، وحضّ عليه أو رسوله فهو في حيّز المدح. وما لم يكن له مثال موجود، كنوع من الجود والسخاء، وفعل المعروف فهو من الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به، لأن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) قد جعل له في ذلك ثواباً. فقال (صلی الله علیه وآله وسلم): من سن سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها. وقال (صلی الله علیه وآله وسلم) في ضده: من سنّ سنة سيئة، كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها. وذلك إذا كان على خلاف ما أمر الله به ورسوله فيميت الإمام القائم (علیه السلام) كل بدعة.
ومنها: أن يقيم السنن: وهو جمع سنة، وهي الطريقة التي سنَّها الله تعالى ورسوله؛ وهذا هو معناها اللغوي. وأما في الصناعة فهي طريقة النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) قولاً وفعلاً وتقريراً أصالة، أو نيابة. فكل سنة وردت عن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) يقيمها الإمام الحجة (علیه السلام) ويحيیها.
الكتاب المبين السفر الثاني منه
قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): إذا خرج القائم (علیه السلام) لم يبق بين يديه أحد إلَّا عرفه صالح أو طالح.
العوالم
سُمع أبو جعفر (علیه السلام) يقول: لا تذهب الدنيا حتى يخرج رجل مني، يحكم بحكومة
تل داود، لا يسأل عن بيّنة، يعطي كل نفس حكمها.
وروى الصدوق في حديث عن الصادق (علیه السلام) قال: إن الإمام القائم (علیه السلام) يعرف
كل منْ يراه أنه مؤمن، أو كافر، أو صالح، أو فاسق؛ ويحكم بحكم داود وسليمان، بعلمه الذي علّمه الله سبحانه لا يسأل البينة ولا الشهود.
وقال أبو عبد الله (علیه السلام): إذا قام قائم آل بيت محمد (علیه السلام) حكم بحكم داود ولا يسأل عن بينة.
وعن الصدوق قال الصادق (علیه السلام): ولا يقبل من أحد ديناً سوى الإسلام، وقد يكون الرجل قائماً على رأس المهدي ممتثلاً لأوامره ونواهيه، فينظر إليه فيأمر المهدي بضرب عنقه بسبب أنه أضمر في قلبه شيئاً قبيحاً.
بيان: ظاهر هذه الأحاديث أن الإمام القائم (علیه السلام) مزوّد بعلم الغيب، وأنَّ الله تعالى قد أطلعه على الغائبات، وعلى الحقائق والأسرار، وعلى الضمائر والأخبار، وأحاطة معرفة بالصلحاء، والأخيار، والفسّاق والأشرار وأهل الضلال، والكفار، فيعرف كل شخص حضر بين يديه أنه صالح، أو طالح فيخبره باسمه، واسم أبيه، وقبيلته، وعمره وأعماله، ولا يحتاج إلى شاهد، أو بيّنة لأجل ذلك العلم الغيب، الذي منحه الله تعالى إيَّاه، فيحكم بحكم آل داود وسليمان؛ حيث كانوا يعرفون كل من حضر من عندهم من دون حاجة إلى شاهد أو بيّنة. ولذا يعرف من أضمر في قلبه شيئاً قبيحاً للإمام (علیه السلام)، فإذا كان (علیه السلام) مسلحا بهذا العلم لا تضره المؤامرات ولا يصل أحد الى اسرار دولته وكل من اضمر له شيئا فضحه فوراً، فلذا ترى بعض الأشخاص ممن تبع الإمام (علیه السلام) طمعاً ورغبة في المال، وكان من عسكره، وأنصاره ممثلاً لأوامره ونواهيه، ينقلب عليه فيعلم به الإمام، فينظر إليه ويحكم عليه بالإعدام ويريح منه الأنام.
العوالم
عن أبان بن تغلب قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): دمّان في الإسلام حلال من الله، لا يقضي فيهما أحد، حتى يبعث الله قائمنا أهل البيت؛ فإذا بعث الله عز وجل
قائمنا أهل البيت حكم فيها بحكم الله، ولا يريد عليهما بيّنة الزاني المحصن يرجمه، ومانع الزكاة يقتله.
وعن الصدوق قال الصادق (علیه السلام): يقتل الإمام القائم (علیه السلام) مانع الزكاة.
وقال الصادق (علیه السلام): دمّان في الإسلام حلال من الله عز وجل، لا يقضي فيهما أحد بحكم الله، حتى يبعث الله عز وجل القائم من أهل بيتي، فيحكم فيهما بحكم الله، لا يرى على ذلك بيّنة الزاني المحصن يرجمه، ومانع الزكاة يضرب عنقه.
بیان: دلت هذه الروايات على أن من الأحكام التي يجريها الإمام القائم (علیه السلام)، وينفذها فوراً قتل مانع الزكاة، ورجم الزاني المحصن. ودماء هذين الصنفين من الناس أحلّهما الله تعالى لصاحب الأمر، والإمام المبعوث من قبله، لإصلاح العالم. فلذا قال: ليس لأحد أن يقضي فيهما في زمن الغيبة. وأما بعد أن يبعث الله وليّه لإرشاد البشر، وإصلاح العالم، يحلّ الله تعالى دم هذين الصنفين للإمام؛ فيحضر كل من كان مانعاً للزكاة في زمانه، فيضرب عنقه؛ كما يحضر الزاني المحصن، أي من كانت له زوجة، فيترك الحلال ويعمل بالحرام، فهذا يقيم الإمام (علیه السلام) عليه الحد فيرجم، وكيفية الرجم أن يدفن الرجل عند رجمه إلى حقويه، ثم يبدأ الإمام بالرجم، ثم يرميه الناس بأحجار صغار.
وهذا من جهة تطبيق الحدود الشرعية الإسلامية في زمانه، وبإقامة تلك الحدود، يحصل تأديب الآخرين؛ ولعل قتل هؤلاء الأصناف من الناس من جهة أنهم من مادة الفساد، فيجب قلعها والقضاء عليها، نظير العاصين بالمعاصي الأخرى، الموجبة للقتل والإعدام؛ فإنهم من مادة الفساد التي يجب قلعها، والقضاء عليها، لأنه لا ثمرة في بقائهم إلَّا الفساد والإفساد، والضلال والقيام بسيء الأعمال.
ولا يخفى مافي هذين الخبرين من لطافة، حيث عبّر الإمام عليه السلام بقوله: حتى يبعث الله قائمنا أهل البيت، فإذا بعث الله عز وجل قائمنا أهل البيت حكم. فيعلم أنَّ هذا البعث بعث عظيم شريف، حيث إنه مستند إلى الله تعالى، وبه يحيى الدين جديدا، بعد الإنطماس والإسلام غضاً بعد الإندراس، ويكون القرآن السماوي هو القانو الأساسي لجميع الناس.
الكتاب المبين السفر الثاني منه
عن أبي الجارود قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): جعلت فداك أخبرني عن صاحب هذا الأمر. قال: يمسي من أخوف الناس، ويصبح من أمن الناس، يوحى إليه هذا الأمر ليله ونهاره. قال: قلت: يوحىٰ إليه يا أبا جعفر؟ قال: يا أبا الجارود إنه ليس وحي نبوّة، ولكنه يوحى إليه كوحيه إلى مريم بنت عمران، وأم موسى، وإلى النحل. يا أبا الجارود إن قائم آل محمد لأكرم عند الله من مريم بنت عمران، وأم موسى والنحل. وقال: إن العلم بكتاب الله عز وجل، وسنة نبيه لينبت في قلب مهديّنا كما ينبت الزرع على أحسن نباته، فمن بقي منكم حتى يراه فليقل حين يراه السلام عليكم يا أهل بيت الرحمة والنبوّة، ومعدن العلم، وموضع الرسالة، السلام عليك يا بقية الله في أرضه.
بيان: ظاهر هذا الخبر أن الوحي على أقسام:
الأول: وحي النبوّة: وهو أوضح أفراده الذي يتبادر الذهن إليه عند إطلاق لفظ الوحي. والوحي في اللغة هو الإشارة والكتابة، والمكتوب والرسالة، والإلهام والكلام الخفي، وكل ما القيته إلى غيرك، ثم غلب استعمال الوحي فيما يلقيه الله تعالى إلى أنبيائه بواسطة الملك، والظاهر أنَّ الملك المختص بالوحي جبرائيل (علیه السلام)، لأنه نقل أنه نزل على إبراهيم (علیه السلام) خمسين مرة، وعلى موسى (علیه السلام) أربعمائة مرة، وعلى عيسى (علیه السلام) عشر مرات، وعلى محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) أربعة وعشرين ألف مرة، وعند نزوله على النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) وإلقاء الوحي إليه، يأخذ النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) مثل حالة الغيبان والنوم، وبعد أن يفيق وينتبه فيكلم الناس بما أنزل إليه، وألقي في روعه من قرآن، أو خبر، أو علم، كما يُستفاد ذلك من بعض الأخبار.
الثاني: أن يلقي الله تعالى في قلب الإنسان شيئاً فيه مصلحة عامة، أو خاصة، ويعلمه بها، فيعتقد به، ويعمل على طبق ما اعتقد، ويكون ذلك العمل عين المصلحة، كما في الوحي إلى أم موسى فقيل: إنه وحي إعلام لا إلهام فقط؛ كما يدل عليه قوله تعالى
(إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) فأوحي إليها وأعلمت لمّا خافت على موسى من فرعون وقومه، بأن تلقيه في اليم فألقته وكان في إلقائها المصلحة.
الثالث: أن يهتف بالإنسان هاتف إما في اليقظة، وإمَّا في المنام، بتعليمه وأمره بشيء أو بحكم فيه المصلحة، كما ثبت ذلك لبعض الأنبياء السابقين، أو لبعض المؤمنين ممّن امتحن الله قلبه للإيمان.
الرابع : ان ينقر الملك في الاسماع، او ينكث في القلوب، فيسمع الكلام ولا يرى المتكلم، وهو الملك كما ثبت للأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، ولمريم بنت عمران.
الخامس: أن يحسّ بشيء فيه المصلحة، فيتأثر به، والمراد بالحسّ هو الحسّ المشترك، وهو من الحواس الباطنة، لأن الحواس قسمان: ظاهرة وباطنة: أما الحواس الظاهرة: وهي المشاعر الخمس: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس.
وأما الحواس الباطنة: فهي الخيال، والوهم، والحس المشترك، والحافظة، والمتصرفة. فأما الأحساس بالحس المشترك في الإنسان هو أن يعلم بالشيء ويجده. وأما في الحيوان كما في النحل وغيره، فإن الله تعالى يوحي إليها ويلقي في حسِّها أن تلقى العسل في الخلية الخاصة لها.
فالوحي الذي يلقيه الله تعالى إلى الإمام القائم (علیه السلام) من قبيل الوحي بالأقسام الأربعة ما عدا الأول: وهو كالوحي إلى مريم بنت عمران، وأم موسى، وإلى النحل، كما نص الخبر على ذلك. فيتكلم معه الملك، وينقر في سمعه، أو ينكت في قلبه، ولا يراه، ويخبره بما كان وما يكون من الحوادث، والأخبار، والعلوم، وما هو كائن، ويخبره بما ورد عليه من السؤال. ولذا قال في الخبر: إن العلم بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه لينبت في قلب مهديّنا كما ينبت الزرع على أحسن نباته. وذلك العلم من جهة إفاضة الله عليه، وتزويده به في كل يوم وليلة بواسطة الملك، فتنفيذ أوامرها لله تعالى ونواهيه في الخليقة جارية على يده، لأن الله تعالى جعل أزمة الأمور طرّاً بيده، وجعله سفيراً بينه وبين خليقته.
دار السلام
في حديث كميل قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام): يا كميل ما من علم إلَّا وأنا أفتحه، وما من شيء إلّا والقائم يختمه.
البحار
في مواعظه قال أمير المؤمنين (علیه السلام)، لكميل: يا كميل ما من علم إلَّا وأنا فاتحه وما من سر إلَّا والقائم يكشفه.
الكتاب المبين
عن أبي عبد الله (علیه السلام): قال: العلم سبعة وعشرون حرفاً، فجميع ما جاءت به
الرسل حرفان، فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين؛ فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفاً، فبثّها في الناس، وضمّ إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرون حرفاً.
مكيال المكارم. في باب كشف العلوم للمؤمنين في زمن القائم (علیه السلام)
عن أبي جعفر (علیه السلام) أنه قال: كأني بدينكم هذا لا يزال مولياً يفحص بدمه - وفي نسخة - يحصص بذنبه. ثم لا يرده عليكم إلَّا رجل منّا أهل البيت، فيعطيكم في السنة عطاءين، ويرزقكم في الشهر رزقين، وتؤتون الحكمة في زمانه، حتى إنَّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى، وسنَّة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم).
وروى في البصائر
بإسناده إلى سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة قال: كان أمير المؤمنين (علیه السلام) إذا وقف الرجل بين يديه قال: يا فلان استعدّ وأعدّ لنفسك ما تريد، فإنك تمرض في يوم كذا وكذا، في ساعة كذا وكذا، وسبب مرضك كذا وكذا، وتموت في شهر كذا وكذا، في يوم
كذا وكذا، في ساعة كذا وكذا، قال سعد: فقلت هذا الكلام لأبي جعفر (علیه السلام). فقال: كان ذاك. فقلت: جعلت فداك فكيف لا تقول أنت فلا تخبرنا فنستعد له؟ قال: هذا باب أغلق الجواب فيه علي بن الحسين حتى يقوم قائمنا.
بيان: دلت هذه الروايات على أنَّ الإمام القائم (علیه السلام): إذا قام كشف العلوم الخفيّة للمؤمنين في زمانه، كما صرّحت الروايتان المتقدمتان، أنّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، قد فتح كل علم في العالم، لأنه فاتح العلوم، سواء كانت من علوم الدين، أم غيره من العلوم، التي يرونها الناس علوماً حديثة، من الطبيعيات، والرياضيات، وغيرها من الكيمياء، والفيزياء، والميكانيك، ونحوها. كما أنَّ القائم (علیه السلام) يكشف كل علم في العالم لأهل العالم، ويختم العلوم؛ بل يكشف الأسرار لأهل ولايته، ويعلمهم العلوم الغريبة، والأسرار العجيبة؛ كما نصت عليه رواية الكتاب المبين حيث قال: إنَّ العلم مركَّب على سبعة وعشرين حرفاً، والذي عرف وانتشر منه بين الناس، وجميع ما جاءت به الرسل حرفان، فإذا ظهر الإمام أخرج الخمسة والعشرين حرفاً، وضمها إلى الحرفين، ونشر السبعة والعشرين حرفاً، وبثَّها بين الناس، ومن جهة انتشار العلم وصوله إلى المخدرات والنساء في بيوتهن، فتكون المرأة عالمة وهي في بيتها، فتقضي بكتاب الله تعالى وسنَّة نبيه (صلی الله علیه وآله وسلم). ولذا قال في رواية مكيال المكارم: وتؤتون الحكمة في زمانه حتى إنَّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم).
ومن العلوم التي يكشفها الإمام (علیه السلام) للمؤمنين في زمانه، أخبار من حضر عند الإمام بمرضه، وسبب المرض، وبتأريخ موته، وفي أي وقت يكون، كما نصّت عليه رواية سعد، بأن هذا العلم وهو الإخبار بوقت موت من حضر عند الإمام، كان في زمن الإمام أمير المؤمنين، ثم الحسن (علیه السلام)، ثم الحسين (علیه السلام)؛ وقد أغلق الجواب فيه الإمام علي بن الحسين (علیه السلام) وأجَّله، حتى يقوم القائم (علیه السلام)، فيكشف هذا العلم للناس في زمانه، فيخبر من حضر عنده بوقت موته.
ثم أخبر في رواية المكيال عن علامة لظهور الإمام القائم قال: كأني بدينكم - أي بدين الإسلام ودين الشيعة المؤمنين - لايزال موالياً - أي مدبراً ذاهباً - حتى يحصص بذنبه أو يفحص بدمه. ومعنى يحصص بذنبه أو يفحص بدمه هو كناية عمن يفحص في التراب يميناً وشمالاً، ويقال هذا لمن أشرف على الموت ثم نجى. والمعنى أن دين الإسلام سوف يندرس، وتندرس أحكامه وشرائعه، حتى يشرف على الذهاب والإنعدام؛ وبعد ذلك يعود جديداً
بواسطة رجل من آل بيت محمد صلوات الله عليه وعليهم، وهو الإمام القائم (علیه السلام) المتَّصف بهذه الصفات الحميدة، الذي يُعطي الناس في السنة عطاءين - أي مرتين من العطاء - كرماً منه، وسماحاً على الناس، فيخرج عطاءه إليهم في كل ستة أشهر، ليكونوا أغنياء غير محتاجين، ويرزق الناس رزقين أي يعينّ لهم معاشاً في كل خمسة عشر يوماً، فتأتي الأرزاق لكل بيت من الناس في نصف كل شهر، ونشر العلم ويكشف الأسرار، ويخبر بالآجال، والأعراض، والأمراض، فتدل هذه الروايات على أنَّ الإمام الحجة (علیه السلام) يكشف له العلم بما رسمه الله تعالى في اللوح المحفوظ من الآجال، والأرزاق والأعراض، والأمراض. وهذا علم لا يعلمه إلَّا عالم الغيب والشهادة وأولياؤه.
البيان الخامس
في الأخبار عن حكم الأراضي والمساكن في زمن الإمام القائم عليه السلام
العوالم
قال أبو جعفر الباقر (علیه السلام): وجدنا في كتاب علي (علیه السلام)، أنَّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين. قال خالد الكابلي: الأرض فمن أخذ أرضاً من المسلمين فعمرها. قال (علیه السلام) فليؤدي خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها، حتى يظهر القائم (علیه السلام) من أهل بيتي بالسيف، فيجريها، أو يمنعها، أو يخرجهم منها، كما حواها رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) إلَّا ما كان في أيدي شيعتنا، فإنه يقاطعهم على ما في أيديهم، وترك الأرض في أيديهم.
تفسير العياشي
في تفسير قوله تعالى في سورة إبراهيم (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا) [ابراهيم 45] بإسناده إلى سعد بن عمر، عن غير واحد ممن حضر أبا عبد الله (علیه السلام) ورجل يقول: قد بنيت دار صالح، ودار عيسى بن علي، وذكر دور العبَّاسيينَّ فقال رجل: أرانا الله إيَّاها خراباً، أو خربها بأيدينا، فقال له أبو عبد الله (علیه السلام): لا تقل هكذا بل تكون مساكن القائم وأصحابه؛ أما سمعت الله يقول (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول
منه الجبال) [ابراهيم 45 - 46].
بيان: دل الخبر الأول على أن من عمر أرضاً وأحياها كما في الأراضي الزراعية والمشجرة، وهي المعمورة بالنخيل؛ والأشجار في زمن الغيبة، يجب أن يُؤدِّي خراجها إلى الإمام إن كان موجوداً، وله ما أكل منها، حتى يظهر الإمام القائم (علیه السلام)، فيكون الأمر، إليه، فإن شاء أن يملكها لمن بيده فذاك له، وإن شاء أن يمنعه عنها، ويخرج مالكها ويمنحها لقوم آخرين، فذاك له أيضاً. وهذا الحكم والقانون بالنسبة إلى غير الشيعة. وأمَّا بالنسبة إلى المؤمنين من الشيعة، فإنه يمنحها لهم، ولا يأخذها منهم، بل يقاطعهم على شيء، ويترك الأرض في أيديهم، لأن المؤمنين من الشيعة هم المتَّقون والعاقبة للمتقين. وأمَّا بالنسبة إلى المساكن: فأما الكفار والنواصب فيخرجون من دورهم وعقارهم، وتكون مساكناً للمؤمنين من الشيعة، وأمَّا من كان مالكاً لدار من المؤمنين، فلا يأخذها حتى لو كانت في عاصمته في الكوفة، فإنه يخرج الفسّاق، والكفار، والنواصب منها. إلَّا المؤمنين من الشيعة، فإنه لا يخرجهم من دورهم ولذا ردَّ الإمام (علیه السلام) على الرجل الذي قال: أرانا الله إيّاها خراباً، أو خرّبها بأيدينا. قال: بل تكون مساكناً للقائم (علیه السلام) وأصحابه، واستشهد بالآية الكريمة: (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم) وهم الظالمون من الكفار، والنواصب، والفساق، وتبين لكم كيف فعلنا من قتلهم وتشريدهم، وإقامة الحدود الشرعية عليهم، وقد مكروا أي كانوا يستعملون الخداع والحيل، وعند الله مكرهم، فيصف الإمام (علیه السلام) الدول الكافرة والمنافقة التي تحكم في العالم في زمن الغيبة، وهم الذين عرفهم الإمام (علیه السلام) بالذين ظلموا أنفسهم، باستعمال المكر والحيل والخدع مع الناس، فالمكر والخدع والحيل التي يستعملونها كثيرة متنوعة، وهي مكتوبة عليهم عند الله تعالى، ومن شدَّتها وتنوعها وصفحها بأنها لتزول منها الجبال، وهذه كناية لطيفة عن شدة المكر، وشدة الخدع والحيل، إلَّا أنَّ مكرهم يردّ عليهم لقوله تعالى (ولا يحيق المكر السيء إلَّا بأهله [فاطر 43] فيوقعهم في الدمار والهلاك والعاقبة للمتقين.
نور الأنوار الجزء 3
ذكر في تفسير قوله تعالى في سورة الدخان: (حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة
مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم) قال في المجمع عن الباقر والصادق عليهما السلام: أنزلناه أي أنزلنا القرآن والليلة المباركة هي ليلة القدر.
وذكر في المجمع أيضا قيل: نزلت التوراة في ست مضين من شهر رمضان، والإنجيل في اثني عشر منه، والزبور نزل في ثمانية عشر منه، والقرآن نزل في ليلة القدر من شهر رمضان.
وذكر القمي عن الباقر والصادق، وعن الكاظم عليهم السلام مثله وزاد: أنزل الله سبحانه القرآن فيها إلى البيت المعمور جملة واحدة، ثم نزل من البيت المعمور على رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) في طول عشرين سنة. (فيها يفرّق كل أمر حكيم) يعني في ليلة القدر، يقدِّر الله عز وجل لكل شخص كل أمر من الحق والباطل، وما يكون في تلك السنة، وله فيه البداء والمشيئة: يقدِّم ما يشاء، ويؤخر ما يشاء من الأجال، والأرزاق، والبلايا، والأعراض، والأمراض، ويزيد فيه ما يشاء، وينقص ما يشاء، ويلقيه إلى رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ويلقيه رسول الله إلى أمير المؤمنين (علیه السلام)، ويلقيه أمير المؤمنين (علیه السلام) إلى الأئمة (علیه السلام)، حتى ينتهي ذلك إلى صاحب الزمان، ويشترط له فيه البداء والمشيئة، والتقديم والتأخير.
بیان: دلّ هذا الخبر على أنَّ الله سبحانه وتعالى يقدِّر في ليلة القدر، لكل شخص من الناس كل أمر له، من الحق والباطل، ويقدر ما يقع، وما يكون في تلك السنة، وهذه الأحكام راجعة بالنسبة إلى الناس من الآجال - أي الأعمار - والأرزاق، والبلايا والأعراض، والأمراض، وكل ما يقع في العالم من الحوادث، فإذا قدَّر أحكامها اشترط لنفسه فيها البداء والمشيئة (يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) [الرعد 39] فهذه القوانين التي قدرها في تلك السنة، وأثبتت في اللوح المحفوظ لله تعالى أن يغيّر ويبدّل فيها طبقاً للمصالح والمفاسد الواقعية.
وهذا المجلس الذي يقع فيه التقدير يحضره الروح رئيس الملائكة: مع كبار الملائكة؛ فإذا تمّ التقدير في ليلة القدر، فتلقيه الملائكة إلى رسول الله تعالى، وهو في جنّة السماء، فيصادق عليه وليس له فيه البداء والمشيئة، ويلقيه النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) إلى أمير المؤمنين فيصادق عليه، وليس له البداء والمشيئة، ويلقيه النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) إلى أمير المؤمنين فيصادق عليه وليس له البداء والمشيئة، ثم يلقيه الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) إلى الأئمة (علیه السلام) واحداً بعد واحد فيصادقون عليه، وليس لأحد منهم فيه البداء والمشيئة؛ فإذا انتهى
الأمر إلى الإمام عليه السلام، فحيث إنَّ الإمام في الأرض لا في جنَّة السماء مع النبي والأئمة (علیه السلام)، فتنزل الملائكة بتلك القوانين والأمور، والأحكام إلى الأرض، وذلك معنى قوله تعالى (تنزل الملائكة والروح فيها - أي في ليلة القدر - بإذن ربهم من كل أمر) [القدر 4] فينزل الروح وهو رئيس الملائكة مع الملائكة بها إلى الإمام القائم (علیه السلام) ليصادق عليها ويشترط للإمام القائم (علیه السلام) البداء والمشيئة، والتقديم والتأخير في تلك القوانين والأمور.
فهذه الرواية تدل على أنه لا يشترط لا للنبي، ولا لأحد من الأئمة (علیه السلام) البداء والمشيئة إلَّا لله تعالى وللإمام القائم (علیه السلام)، وذلك لأنه الإمام الحيّ الموجود، وهو القائم بأمر الله تعالى، وهو سفير الله في خلقه، وحجّته على عباده، فقد خوَّله الصلاحية الكبرى في قانون المحور والاثبات وجعل له الرئاسة العظمى في التصرف في الأحكام المثبتة في اللوح المحفوظ، يمحو ما يشاء ويثبت ويزيد وينقص في الآجال والأرزاق؛ ويمحو ويثبت ما يشاء في الأعراض والأمراض، والبلايا في جميع السنة، طبقاً للمصالح، والمفاسد الواقعية وحسب أعمال المكلفين الحسنة والسيئة. فمن أحسن في أعماله وأكثر من الباقيات الصالحات، زاد في عمره ورزقه، ووكّل به من يدافع عنه، ويحفظه، ويدفع ويحفظه، ويدفع عنه البلايا، والأعراض والأمراض. ومن أساء العمل، وكثرت سيئاته، أنقص من عمره، ورزقه، ونزلت به البلايا، والأعراض والأمراض. فاختر لنفسك أيها المؤمن خير الطريقين؛ فإنه إن مسك البلاء والضر فلا كاشف له إلَّا الله تعالى لقوله تعالى (وان يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلَّا هو وأن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب برحمته من يشاء وهو العزيز الغفور) [يونس 107].
الكافي
عن الباقر (علیه السلام) قال: قال الله عز وجل في ليلة القدر (فيها يفرق كل أمر حكيم) [الدخان 4]. يقول ينزل فيها كل أمر حكيم، والمحكم ليس بشيئين، وإنما هو شيء واحد، فمن حكم بما ليس فيه اختلاف، فحكمه من حكم الله ومن حكم بأمر فيه اختلاف، فرأى أنه مصيب فقد حكم بحكم الطاغوت، إنه لينزل في ليلة القدر إلى وليّ الأمر،تفسير الأمور سنة، سنة يؤمر فيها في أمر نفسه كذا وكذا، وفي أمر الناس كذا وكذا، وإنه ليحدث لوليّ الأمر سوى ذلك، كل يوم علم الله الخاص، والمكنون العجيب المخزون، مثل ما ينزل في تلك الليلة من الأمر ثم قرأ (ولو أن ما في الأرض من شجرة
أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم) [لقمان 27].
وعنه (علیه السلام) قال: يا معشر الشيعة خاصموا بحمَ، والكتاب المبين، إنَّا أنزلناه في ليلة مباركة، إنَّا كنا منذرين، فإنَّما لولاة الأمر خاصة بعد رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم).
بيان: دل الخبر أنَّ ليلة القدر ينزل فيها كل أمر حكيم، أي كل أمر يحكمه الله تعالى ويثبته في اللوح المحفوظ، فينزل إلى وليّ الأمر، وهو الإمام المعصوم وهو تفسير الأمور لكل سنة سنّة من الأوامر الخاصة، بالنسبة إلى نفسه، والأوامر العامة الراجعة لعامة الناس، بل ينزل على الإمام ما يحدث في كل يوم من الحوادث، والوقائع، والأمور وأحكامها؛ وهذا من علم الله الخاص، والعلم المكنون العجيب المخزون، المختص بالإمام، لا يمنحه أحد، وذلك العلم الذي يزوّد به كل يوم، مثل ما ينزل عليه في ليلة القدر من الأوامر، والنواهي، والحوادث والوقائع، فترى الملائكة كل يوم ينزلون عليه، يخبرونه بأوامر عجيبة، وبعلم مكنون، وأمر مخزون، وهذا العلم العجيب لانفاد له، لأنه مستمد من ساحة القدس، ومن ساحة ذي الجلال والإكرام، وذي الأسماء العظام، حتى لو نفذ البحر الذي يمده، من بعده سبعة أبحر؛ بحيث كان مداداً، وكتب به حتى نفد، فهذا العلم الفياض الذي يفيض من العالم الملكوتي لا ينفد أبداً، وذلك لأن مقام الإمام مقام النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، والذي انتهت إليه الإمامة، هو سيدنا ومولانا الحجّة ابن الحسن صلوات الله عليه وهو القائم بالإمامة، والسفارة، والزعامة في زمن الغيبة، وعليه تنزل الملائكة، والروح في ليلة القدر، وفي كل يوم وليلة، وتخبره عن العلوم المكنونة، والأمور المخزونة، وعن الوقائع والحوادث، ويعلم من هذه الروايات عظمة الإمام المهديّ وسمو مقامه، وعلو منزلته، ورفيع رتبته، ولذلك كان الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) حين يذكره في خطبه وكلامه، يذكره، مع التعظيم والتبجيل، فيقول (علیه السلام): حتى يظهر قائمنا صلوات الله عليه.
وكذلك سائر الأئمة (علیه السلام) فإنهم يعظمونه عندما يذكرونه، فأحد الأئمة (علیه السلام) عندما يذكره يقول: (بأبي وأمي) فيفديه بأبيه وأمه. وقد ورد في الكتاب المبين سئل أبو عبد الله (علیه السلام): هل ولد القائم (علیه السلام)؟ قال: ولو أدركته لخدمته أيام حياتي. كما يظهر ذلك من الصلوات المذكورة في دعاء الإفتتاح على الإمام المهديّ عليه السلام، وعلى سائر الأئمة (علیه السلام)، وفي سائر الأدعية، حيث يبالغ في الدعاء له، والثناء عليه، فيعلم من ذلك
عظمته، وأنه باب الله الذي منه يؤتى في زمن الغيبة.
وقد ورد أنَّ جميع الأعمال تعرض عليه، كما كانت تعرض على الأئمة (علیه السلام) في زمن حياتهم، وقد ورد أنَّ كل من طلب حاجة من أحد الأئمة (علیه السلام) في زمن الغيبة، يكون الإمام الذي طلب منه الحاجة، واسطة عند الإمام الحجة (علیه السلام)، والإمام الحجة (علیه السلام)، هو الذي يتولى قضاءها وتنفيذها لأنه هو الإمام الحيّ الموجود، وأنه خاتم الأوصياء، وأنه السبب المتصل بين الأرض والسماء، وهو صاحب الفتح، وناشر راية الهدى، وهو المؤلف لشمل الصلاح والرضا عجل الله فرجه، وسهل مخرجه، وجعلنا من خدّامه، وأنصاره، وأعوانه والمستشهدين بين يديه في خير وعافية، بحق محمد وآله الطاهرين.
قال الصدوق: وقال الصادق (علیه السلام): إنَّ الله تعالى آخى بين الأرواح في الأظلة قبل أن يخلق الأجساد بألفي عام، فلو قد قام قائمنا أهل البيت، ورث الأخ الذي آخى بينهما في الأظلة ولم يورث الأخ في الولادة. وروى في المجمع عن الصادق (علیه السلام) نظيره.
الكتاب المبين السفر الثاني منه
عن أبي عبد الله وأبي الحسن (علیه السلام) قالا: لو قد قام القائم (علیه السلام) لحكم بثلاث، لم يحكم بها أحد قبله، يقتل الشيخ الزاني، ويقتل مانع الزكاة، ويورث الأخ أخاه في الأظلة.
المحجّة
سُمع أبو الحسن موسى (علیه السلام) يقول: إن الله تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام؛ ثم خلق الأبدان بعد ذلك، فما تعارف منها في السماء تعارف منها في الأرض، وما تناكر منها في السماء تناكر منها في الأرض، فإذا قام القائم (علیه السلام) ورّث الأخ في الدين، ولم يورّث الأخ في الولادة، وذلك قول الله عز وجل وجل في كتابه في سورة المؤمنون (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم ولا يتساءلون).
بیان: صرحت هذه الأدلة بعالم الأظلة، والمراد من عالم الأظلة هو عالم المجرّدات. وعالم خلق الأرواح، وهي الجواهر المجردة المعبَّر عنه بعالم الذر، وهذا لخلق للأرواح المجرَّدة وقع في السماء، قبل خلق الأجساد بألفي عام كما هو صريح الرواية. وهذه الأرواح المجردة أشياء وموجودات، ولكنها ليست بأشياء وموجودات محسوسة ملموسة، بل محسوسة غير ملموسة، كما في الظل، فإنه محسوس غير ملموس، ولذا ذهب بعض إلى أنَّ هذا الخلق لهذه المجردات خلق تقدير لا خلق تكوين.
وتوضيح الكلام في المقام هو أنَّ الله تعالى قدر أبداناً وأجساماً مخصوصة من طينتين - أي من طينة الجنَّة، ومن طينة النار - ثم كلَّف الأرواح، فظهر منها ما ظهر؛ ثم قدّر لكل روح ما يليق بها من تلك الأبدان المقدرة؛ ثم بعثهم في الظلال، أي في عالم الذر وعالم المجردات؛ وإنما عبّر عنه بعالم الذر، وعالم المجردات، لأنه شيء لا كالأشياء، فكأنه لذمامته كالظلال المجرد، فهو شيء وليس بشيء؛ ولذا عندما سئل الإمام (علیه السلام) في الرواية عن الظلال قلت: وما الظلال؟ قال: الم تر إلى ظلك في الشمس شيء وليس بشيء: أي شيء محسوس يرى بالحسِّ ولكنه غير ملموس، ولمّا كانت أذهان أكثر الناس، لا تصل إلى إدراك الجواهر المجردة، عبّر الأئمة عليهم السلام عنها بالظلال، وبعالم الأظلة، ليفهم الناس قصدهم من ذلك، أن موجودات ذلك العالم هي مجردة عن الكثافة الجسمانية، كما أنَّ الظل شيء محسوس، ولكنه مجرد عنها، لأنه شيء لا كالأشياء المحسوسة الكثيفة، وهذا نظير قولهم في المعرفة، والله شيء لا كالأشياء الممكنة. ويؤيده ما ورد عن مفضل بن عمر عن الصادق (علیه السلام): سئل كيف كنتم حيث كنتم في الأظلة؟ قال: يا مفضل كنا عند ربنا في ظلة خضراء نسبحه، أي في نور أخضر، والنور محسوس وغير ملموس.
وما ورد في حديث إثبات الصانع أزلياً صمدياً لا ظل يمسكه، أي لا جسم له يمسكه وهو يمسك الأشياء بأظلتها، أي بأجسامها، فاستعمل الظل هنا في الجسم مجازاً. والمراد أنَّ الله تعالى ليس بجسم، حتى يكون له ظل يمسكه، وإلَّا فالظل والظلال هو الفيء الحاجز بينك وبين الشمس، وبين أي شيء كان، ومنه عالم الأظلة، وهو عالم الأرواح المجردة عن الأجسام، ففي ذلك العالم قد آخى الله تعالى بين الأرواح، وتعارف بعضها مع بعض. وأما الأرواح التي لم يؤاخي الله بينها، فهذه هي الأرواح المتناكرة، فالأرواح المتعارفة التي آخى الله تعالى بينها في عالم الأظلة، ترث الأخ الذي تعارفت روحه مع روحه.
وأما الأرواح المتناكرة التي لا تآخي بينها في عالم الأظلة لا ترث الأخ الذي لم تتعارف روحه معه، ولا ترث ما تناكرت معها من الأرواح؛ وهذه الأخوة أخوة واقعية ثابتة، في ذلك العالم، عند رب البرية، لا يعلم بها، ولا يطَّلع عليها أحد إلَّا الله تعالى، ووليّه، وسفيره في أرضه وسمائه، صاحب العصر والزمان؛ وهذا علم عجيب، وسرّ غريب، وبمقتضى تلك الأخوة الواقعية في عالم الذر يثبتها الإمام القائم (علیه السلام) في زمانه، فيورث الأخ أخاه في عالم الأظلة، وهذا حكم لا يقبله فقهاء الناس، وإن قبله العارفون من العلماء والمؤمنون، ممّن امتحن الله قلوبهم للإيمان، وهذا الحكم حكم جديد، ومن الكتاب الجديد، الذي هو على العرب والفسّاق شديد، وهذا من الأسرار العجيبة والأمور الغريبة.
ومن الأسرار العجيبة اطلاعه على أسرار الناس، فيأتي بالشيخ الزاني فيخبره بزناه، ويقيم عليه الحد؛ ويأتي بمانع الزكاة، فيخبره بمنعه الزكاة من أمواله فيقتله، فيفضح كل خائن وعاصٍ، ويقتل كل معاند ومخالف.
وقد عبّر في رواية المحجة بقوله: ورث الأخ في الدين: والأخ في الدين في عالم الرجعة، وهو زمن الحجّة (علیه السلام)، هو الأخ في عالم الأظلة، لأن الدين هو الطاعة والجزاء، وعرف بأنه وضع إلهي لأولى الألباب، يتناول الأصول والفروع، والطاعة في ذلك الزمان توريث الأخ في عالم الأظلة، فلاتنا في بين هذه الرواية وبين الروايتين
المتقدمتين.
نور الأنوار الجزء 3
بحذف الإسناد عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): لينصرن الله هذا الأمر بمن لا خلاق له، ولو قد جاء أمرنا لقد خرج منه، من اليوم مقيم على عبادة الأوثان.
قال مصنف الكتاب، الشيخ علي المرندي: لعل المراد أنَّ أكثر أعوان الحق وأنصار، التشيع في هذا اليوم، جماعة لا نصيب لهم في الدين، ولو ظهر صاحب الأمر، وخرج
القائم (علیه السلام)، نصروه وأيّدوه، فإنهم وإن لم يكونوا متمسكين بالدين في زمن الغيبة، ولكن لما ظهر إمامهم التحقوا به ونصروه، ويخرج من هذا الدين، من يعلم الناس أنه كان مقيماً على عبادة الأوثان حقيقة، أو مجازاً.
والمراد من عبادة الأوثان حقيقة أنه عند ظهور القائم (علیه السلام) كان يشتغل بعبادة الأوثان حقيقة، والمراد من عبادتها مجازاً، هو أن يتَّبع الملوك، ورؤساء الأحزاب، ويطيعهم إطاعة عمياء فيتَّخذهم أرباباً؛ فهذان الصنفان من الناس إذا قام القائم (علیه السلام)، يخرجون من هذا الدين، ولا يقبلون بالإمام عند قيامه؛ وهذا ممّا يدل على توفيق الفرقة الجعفرية، وحسن عاقبتهم، أن يوفقو الاعتناق دين الحق والهداية، إلى مذهب الصدق؛ ولطاعة الإمام (علیه السلام) كما يدل على سوء عاقبة سائر الناس ممّن اعتنق المذاهب الأخرى، وخروجهم عن الدين. ويؤيده خبر العوالم:
سُمع أبو عبد الله (علیه السلام) يقول: إذا خرج من هذا الأمر من كان يرى أنه أهله، ودخل في سنّة عبدة الشمس والقمر.
بیان: دلت هذه الرواية على خروج جماعة من الدين، عند قيام القائم، لسوء عاقبتهم، ممّن كان يعتقد أنه على دين؛ وفي الواقع أنهم ليسوا على دين، كما في كثير من الفرق المدَّعية للإسلام وغيرهم، فيكفر بالله تعالى وبالإمام (علیه السلام)، ويدخل في سنّة عبدة الأوثان، وعبدة الشمس والقمر، نعوذ بالله من سوء العاقبة، وخبث النتيجة، وعدم التوفيق؛ ويكرهون خروج الإمام (علیه السلام) وقيامه، كما يكرهونه؛ ولكن مصير هؤلاء الدمار والإعدام كما يدل عليه خبر البحار الجزء 13 ص 184:
عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): إذا خرج القائم لم يبق كافر بالله العظيم، ولا مشرك بالله، إلَّا كره خروجه، حتى لو كان كافر، أو مشرك في بطن صخرة لقالت: يا مؤمن في بطني كافر، فاكسرني واقتله.
بیان: دل هذا الخبر أنَّ الكفار والمشركين يكرهون خروج الإمام القائم، ولا يعتنقون مذهبه، فيحكم بقتلهم وإعدامهم، فيهربون إلى البراري والجبال، ويختفون تحت الصخور والأحجار الكبار، فتخبر الصخور عنهم، وتتكلم بإذن الله تعالى، وتفضحهم فيؤخذون، ويقتلون، ويخرج عليه المنافقون من سائر المذاهب فيقتلهم، كما خرج على الأنبياء السابقين أناس فقاتلوهم وقتلوهم، وخرج على الأوصياء الماضين شراذم من الفساق فقاتلوهم وقتلوهم، وانتصروا عليهم؛ كما يدل على ذلك خبر العوالم:
عن أبن أبي يعفور قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام)، وعنده نفر من أصحابه، فقال لي: يا بن أبي يعفور، هل قرأت القرآن؟ قلت: هذه القراءة؟ قال: عنها سألتك، ليس عن غيرها. قال: فقلت: نعم. جعلت فداك ولِمَ؟ قال: لأنَّ موسى (علیه السلام) حدَّث قومه بحديث، لم يحتملوه عنه، فخرجوا عليه بمصر، فقاتلوه فقاتلهم فقتلهم. ولأنَّ عيسى (علیه السلام) حدَّث قومه بحديث، فلم يحتملوه عنه، فخرجوا عليه فقاتلوه فقاتلهم فقتلهم، وهو قول الله عز وجل (فآمنت طائفة من بني إسرائيل، وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين) [الصف 14] وأنه أول قائم يقوم منا أهل البيت، يحدثكم بحديث لا تحتملونه، فتخرجون عليه برميلة الدسكرة، فتقاتلونه فيقاتلكم فيقتلكم وهي آخر خارجة تكون. الخبر.
بيان: دل هذا الخبر على أن اليهود خرجوا على موسى بمصر لأنه حدثهم بحديث لم يقبلوه منه، فقاتلوه فقاتلهم وانتصر عليهم وقتلهم، كما أن النصارى خرجوا على عيسى (علیه السلام) لأنه حدثهم بحديث فلم يقبلوا منه، فقاتلوه فقاتلهم وانتصر عليهم وقتلهم.
كما أنَّ الإمام القائم (علیه السلام) يحدِّث الناس بحديث فلم يقبلوه منه، فيخرجون عليه برميلة الدسكرة، والرميلة اسم لبلدتين بلدة في العراق، وبلدة في لبنان، فلعل هؤلاء الخوارج من هاتين البلدتين يخرجون على الإمام القائم عليه السلام فيقاتلونه، فيقاتلهم فيقتلهم؛ وهؤلاء من المنافقين، والفاسقين، والكافرين، الذين يكرهون الإمام، ويكرهون قيامه؛ فلذا لا يعتنقون مذهبه وطريقته، بخلاف المؤمنين من الجعفرية؛ فإن غير المتدين منهم في زمن الغيبة، الذي يرى ظاهراً أنه غير ملتزم، وغير متمسك بالدين، إذا قام إمامه وظهر التحق به، واعتنق مذهبه، وكان ملتزماً متديناً، وهذا كله من فضل الاعتقاد بالأئمة الأثني عشر (علیه السلام)، فإن الاعتقاد بالإمامة جوهرة ثمينة تجلب صاحبها إلى طريق الحق والعدالة، وتنجّيه من طريق الباطل والضلالة.
الكتاب المبين. في باب ما عنده من ميراث الأنبياء وميراث رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) عن
العوالم:
عن الإمام محمد الباقر (علیه السلام) قال: أما أنَّ ذا القرنين قد خيِّر السحابين، فاختار الذلول وذخَّر لصاحبكم الصعب. قيل: قلت: وما الصعب؟ قال: ما كان فيه رعد، وصاعقة، وبرق، فصاحبكم يركبه، أما أنه سيركب السحاب ويرقى في الأسباب أسباب السموات السبع، والأرضين السبع، خمس عوام واثنتان خرابان.
وروى الصدوق في حديث عن الصادقين (علیه السلام): إن الله خيَّر القرنين بين السحابين الذلول، أي الخالي من الرعد والصوت، وبين السحاب الصعب، وهو ما فيه رعد وبرق، فاختار الأول، وبقي الثاني وهو الصعب للمهديّ، فيركب عليه ويطوف السموات السبع، والأرضين السبع، ويسخِّر الله له الرياح كلها.
بصائر الدرجات الجزء 2.
بحذف الإسناد قال: أبو عبد الله (علیه السلام): إن الله خير ذا القرنين السحابين الذلول والصعب، فاختار الذلول، وهو ما ليس فيه برق، ولا رعد؛ ولو اختار الصعب لم يكن له ذلك، لأن الله أدّخره للقائم (علیه السلام).
الكتاب المبين السفر الثاني منه
عن الصادق (علیه السلام) في حديث الإسراء بالنبي (صلی الله علیه وآله وسلم) إلى السماء، وبعد أن كلّمه الله تعالى، وأراه أنوار الأئمة الاثني عشر، في كل نور سطر أحظر عليه اسم وصيّ من أوصيائه أولهم علي بن أبي طالب، وآخرهم مهدي أمته. فقال النبي (صلی الله علیه وآله وسلم): يا رب هؤلاء أوصيائي بعدي؟ فنوديت: يا محمد هؤلاء أوليائي، وأحبائي، وأصفيائي، وحججي بعدك على بريتي؛ وهم أوصياؤك وخلفاؤك، وخير خلقي بعدك، وعزتي وجلالي لأظهرن بهم ديني، ولأعلين بهم كلمتي، ولأطهرن الأرض بآخرهم من أعدائي، ولأملكنَّه مشارق الأرض ومغاربها، ولأسخرنّ له الرياح، ولأذللنّ له السحاب الصعاب، ولأرقينَّه في الأسباب، ولأنصرنه بجندي، ولأمدنه بملائكتي، حتى يعلن دعوتي، ويجمع الخلق على توحيدي، ثم لأديمنَّ ملكه، ولأداولنَّ الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة.
بیان: دلت هذه الأخبار على ركوب الإمام القائم (علیه السلام) عند ظهوره، على السحاب
بدل الطائرة، لأنّ الله تعالى اختار له ذلك، واختار له السحاب الصعب، وهو الذي فيه رعد، وبرق، وصاعقة، كما اختار ذو القرنين السحاب الذلول، وهو ما ليس فيه رعد وبرق وصاعقة؛ ويعلم أنَّ اختيار ذي القرنين للسحاب الذلول، كان بهداية الله تعالى وإشاءته، لأنه لو أختار السحاب الصعب لم يكن له ذلك، لأن الله تعالى قد ادّخره للقائم (علیه السلام)، عند ظهوره، وحيث إنَّ الله سبحانه يريد أن يظهر بالإمام القائم (علیه السلام) الدين، ويُعلي به كلمته في العالمين، ويطّهر به الأرضين، ويملكه المشارق والمغارب، ويسهِّل عليه المطالب فيسخر له الرياح الصعاب ويذلِّل له السحاب الثقال، وينصره بجنده، ويمده بملائكته، حتى يعلن دعوة لا إله إلَّا الله، ويجمع الخلق على توحيد الله.
وإنما يركب الإمام القائم السحاب، ويرقى في الأسباب، لأنه إمام على جميع أهل السموات والأرض كآبائه الكرام، ولو لم يكن إماماً عليهم، لا معنى لصعوده ورقيّه إلى السماوات السبع، والأرضين السبع، فيعلن بصعوده دعوة الله، وينشر أحكام الله في السموات والأرضِ، لجميع المخلوقات، والوصول إلى السماوات السبع، والأرضين السبع؛ ولهذه المسافات البعيدة والمفازات الطويلة يحتاج إلى واسطة، فالواسطة التي يمنح الله بها الإمام القائم (علیه السلام) هي السحاب الصعب، الذي فيه رعد، وبرق، وصاعقة، وصوت فيركبه ويرقى به إلى السماوات، ليبين لهم أحكام الدين، الذي يرتضيه رب العالمين.
وهذا من الخصائص التي خص ّبها الإمام القائم (علیه السلام)، التي تدل على عظمة الإمام وعلوِّ مرتبته، حيث يسخّر له الغمام ويرفعه عالياً نصب عيون الأنام، ويرغم آناف الأعداء والحسّاد اللئام، ويديم مملكته على جميع البسيطة، ويداول الأيام بين أوليائه، فتكون المملكة للأئمة، والأنبياء، والصلحاء وهذه المملكة تبقى إلى يوم القيامة، ليس للكفار والمنافقين فيها إمارة ولا على حجارة.
العوالم
عن علي بن عتبة، عن أبيه في حديث مضمر قال فيه: وحينئذ - أي إذا قام القائم. (علیه السلام) - تظهر الأرض كنوزها، وتبدي بركاتها، ولا يجد الرجل منكم يومئذ موضعاً لصدقته، ولا لبّره لشمول الغناء جميع المؤمنين.
الوافي
عن أبي سعيد الخدري، عن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) أنه قال: يكون المهدي من أمتي تتنعم أمتي في زمانه نعيماً لم يتنعموا مثله قط، البر والفاجر، البر والفاجر، يرسل السماء عليهم مدراراً، ولا تدخر الأرض شيئاً من نباتها.
وروى الصدوق، بإسناده إلى الصادق (علیه السلام) قال: تستغني الشيعة في زمن القائم (علیه السلام) حتى لو أنَّ الإنسان وضع زكاة ماله على عاتقه، يحمله ليطلب الفقير لم يجده، ولا يقبل من أهل الكتاب جزية، ولا يقبل من أحد ديناً سوى الإسلام، ويبني في ظهر الكوفة مسجداً ويعلق عليه ألف باب.
بيان: عدم قبول الجزية من أهل الكتاب إذا كان مخالفاً، أو ثائراً، أو قام بثورة ضد الإمام، أو قام بحركة منافية للدِّين والإسلام؛ فهذا لا يقبل منه الجزية، كما صرَّحت بذلك بعض الأخبار.
وعن أبي جعفر الباقر (علیه السلام): إذا ظهر القائم ودخل الكوفة، بعث الله تعالى من ظهر
الكوفة سبعين ألف صديق، فيكونون في أصحابه وأنصاره، ويردّ السواد إلى أهله، هم أهله. ويُعطى الناس عطايا مرتين في السنة، ويرزقهم في الشهر رزقين، ويسوي بين لا ترى محتاجاً إلى الزكاة ويجيء أصحاب الزكاة بزكاتهم إلى المحاويج من الناس حتى شيعته، فلا يقبلونها، فيصرونها ويدورون في دورهم، فيخرجون إليهم فيقولون لا حاجة لنا في دراهمكم وساق الحديث إلى أن قال: وتجتمع إليه أموال أهل الدنيا كلها من بطن الأرض وظهرها، فيقال للناس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام، وسفكتم فيه الدم الحرام، وركبتم فيه المحارم فيعطي عطاء لم يعط أحد قبله.
بيان: هذه الأخبار مصّرحة باستغناء الناس في زمن القائم (علیه السلام)، والاستغناء
المستفاد منها على نوعين:
الاول: الاستغناء الحقيقي، الذي يتحقق في الخارج، من تقسيم الإمام الأموال على الناس في كل نصف شهر، وفي كل ستة أشهر، وتمطر السماء عليهم ذهباً، كما تمطر عليهم هبات الإمام (علیه السلام) وعطاياه، فيصبح كل شخص غنياً ثرياً مملوءاً بيته من الأموال.
الثاني: الاستغناء النفسي: فيحصل عند الناس غناء نفسياً، وأغنى الغنى النفس، فكل شخص يرى نفسه غنياً عن الناس، فلا يقبل من أحد شيئاً من المال، لما يرى من ابتذال المال عند الإمام (علیه السلام) وعند الناس، وإذا أراد شيئاً من المال يحصل له بسهولة؛ فلذلك يتحقق هذا الاستغناء النفسي، وتحصل له القناعة النفسية والاطمئنان بعدم الاحتياج، وإن كان فعلاً لا مال عنده، بل محتاج كما يدل على ذلك بعض الأخبار المتقدمة، بأنَّ هناك أناس محاويج، ولا يقبلون من أحد زكاة الأموال مع احتياجهم، فيبقى أصحاب الزكاة متحيرين في دفع زكاتهم إلى أربابها من المحاويج من شيعة الإمام (علیه السلام)، لأن أولئك لا يقبلونها لما عندهم من الغناء النفسي، والقناعة بالميسور، ولا يجمعون الأموال، لأنهم مكتفين وراضين بما قسم الله تعالى لهم من الرزق اليسير، وهؤلاء يريدون أن يؤدوا الواجب، ويدفعوا ما عليهم من الزكاة إلى المستحقين لها.
كما دل هذا الخبر على إحياء الله تعالى سبعين ألف صدّيق، وهؤلاء هم المصدقون بالإمام الحجّة عليه السلام، وكانوا ينتظرون قيامه في زمان حياتهم، وماتوا قبل ظهوره، من العلماء والصلحاء، والمتقين، فإذا فتح الإمام القائم (علیه السلام) النجف والكوفة بعث الله تعالى هؤلاء الصدِّيقين، فيكونون من أصحابه وأنصاره على اعدائه، لأنهم كانوا يدعون الله تعالى أن يكونوا من أنصاره، وقد استجاب لهم ويلبي دعوتهم عند ظهور إمامهم ويحييهم فيلتحقوا بجيشه.
ويرد السواد الى اهله: والسواد هو سواد الكوفة، وهي النخيل والأشجار والبساتين الواقعة حول الكوفة، كلها راجعة للامام (علیه السلام) أرضاً أو بستاناً له فيبقي يده عليها؛ ويعطي الناس عطاء لم يعطه احد قبله، لما تكاثر عنده من الأموال، فيغنى الناس غناء حقيقياً ومعنوياً أي غناء نفسياً كما ذكرنا آنفاً.
نور الأنوار الجزء 3
قال الصادق عليه السلام لمفضل بن عمر: ثم يعود المهدي (علیه السلام) الى الكوفة،
وتمطر السماء بها جراداً من ذهب، كما أمطره الله في بني اسرائيل على ايوب (.) ويقسم على أصحابه كنوز الأرض من تبرها ولجينها وجوهرها.
قال مفضل: يا مولاي من مات من شيعتكم وعليه دين لإخوانه ولأضداده كيف يكون؟ قال الصادق عليه السلام: أول ما يبتدىء المهدي (علیه السلام) ان ينادي في جميع العالم ألا من له عند احد من شيعتنا دين فليذكره، حتى يردَّ الثومة والخردلة، فضلًا عن القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والأملاك فيوفيه إياه. قال مفضل: يا مولاي ثم ماذا يكون؟ قال: يأتي القائم (علیه السلام) بعد أن يطأ شرق الأرض وغربها، الكوفة ومسجدها، ويهدم المسجد الذي بناه يزيد بن معاوية، لمّا قتل الحسين بن علي (علیه السلام) وهو مسجد ليس لله ملعون ملعون من بناه.
بیان: بين هذا الخبر احد أسباب استغناء الناس، وهو أن تمطر السماء بالكوفة جراداً من ذهب كما مطرت في بني إسرائيل على ايوب النبي (علیه السلام) فصار الناس اغنياء في زمانه.
والسبب الثاني لاستغنائهم إخراج الكنوز من الأرض التي هي تبرأ - أي ذهب خالص - ولجين - أي فضة - وجواهر - أي أنواع الجواهر - من الدر، واللؤلؤ، والياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر وغيرها من الجواهر وتقسيم هذه الكنوز على أصحابه.
وهناك عمل قيِّم عظيم يقوم به الامام القائم عليه السلام، وهو اداء ديون الشيعة. فينادي مناديه في جميع قارات العالم: ألا - أي انتبهوا - من كان له دين على أحدٍ من شيعتنا فليذكره، فيفي ديون الشيعة بأجمعها، صغيرة كانت، ام كبيرة، فلا يدع احداً من الشيعة مديناً، وهذا من فضل الله تعالى وفضله ومن بركات الله تعالى وبركاته على الشيعة، والعناية بهم هو وفاء ديونهم في زمن القائم عليه السلام.
ثم يهدم مسجداً في الكوفة بناه يزيد بن معاوية لمّا قتل الحسين بن علي عليهما السلام، وقال: إنَّ هذا المسجد ملعون ملعون من بناه فيعلم انه لم يكن اسس على التقوى، وانما أسس على شفا جرف من النار. الا انَّ هذا المسجد غير معروف فعلاً في بلدة الكوفة بهذا العنوان اي مسجد يزيد، فلعل الحوادث خرّبته، وبالوقائع وحرّ الدهور عليه قد دمّر وانمحى أثره، كما اندحر قصر الامارة ولم تبق الا رسومه، فلعل ذلك المسجد كان جزء من بناية قصر الامارة.
والمساجد المعروفة في الكوفة الباقي اثرها وهي التي اسست على التقوى من اول يوم،
هو مسجد الكوفة الأعظم الذي فيه مقامات الأنبياء والائمة عليهم السلام التي أقاموا الصلاة فيها، ومسجد السهلة الأعظم ويقال هو مسجد سهيل بن صوحان، ومسجد زيد بن صوحان، ومسجد صعصعة بن صوخان، وغير هذه المساجد توجد مساجد صغاراً احدثت جديداً، وأما بعنوان مسجد يزيد فهذا غير موجود ويحتمل ان يكون اساسه باقياً فيقلع الامام القائم عليه السلام ذلك الأساس حجراً حجرا، وبذلك يصدق انه قد هدمه، وخربه ومحى اثره.
العصمة والرجعة عن العوالم
سئل ابو جعفر عليه السلام عن القائم (علیه السلام) اذا قام بأي سيرة يسير في الناس؟ فقال: بسيرة ما سار به رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) حتى يظهر الاسلام قيل: وما كانت سيرة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) قال: أبطل ما كان في الجاهلية، واستقبل الناس بالعدل، وكذلك القائم (علیه السلام) إذا قام يبطل ما كان في الهدنة، ممّا كان في أيدي الناس، ويستقبل بهم العدل.
الكتاب المبين
عن زدارة، عن أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام قال: قلت صالح من الصالحين سمه لي أريد القائم عليه السلام. فقال: اسمه اسمي. قلت: أيسير بسيرة محمد؟ قال: هیهات، هیهات يا زرادة، ما يسير بسيرته. وقال: إن رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) سار في أمته باللين - وفي نسخة - بالمنّ كان يتآلف الناس والقائم (علیه السلام) يسير بالقتل، بذاك امر في الكتاب الذي معه ان يسير بالقتل، ولا يستتيب احدا ويل لمن ناواه، أي عاداه، وتبعد عنه.
وفيه: عن عبد الله بن عطا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن سيرة المهدي كيف سيرته؟ فقال: يصنع كما يصنع رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) يهدم ما كان قبله، كما هدم رسول الله من الجاهلية، ويستأنف الاسلام جديداً. وسأل المعلى بن خنيس أبا عبد
الله عليه السلام ايسير القائم (علیه السلام) اذا قام بخلاف سيرة علي عليه السلام؟ فقال: نعم وذلك ان علياً سار بالمن والكفّ، لأنه علم ان شيعته سيظهر عليهم من بعده، وأن القائم (علیه السلام) اذا قام سار فيهم بالبسط والسبي، وذلك انه يعلم ان شيعته لم يظهر عليهم من بعده.
بيان: هذه الأحاديث بحسب الظاهر متناقضة متعارضة، ووجه الجمع بينها هو أن السؤال وقع في الخبر الأول والثالث عن سيرة القائم في بدء دعوته فاجاب عليه السلام ان سيرة القائم كسيرة النبي، حتى يظهر الاسلام، اي في بدء دعوته، وفي بعض الأزمان والاوقات، فيسير بسيرة النبي صلى الله عليه وآله، بأن يبطل ما كان في عهد الجاهلية، ويهدم ما كان من عبادة الأوثان، ويستقبل الناس بالعدل والاحسان، ويستأنف الاسلام جديداً بعدا؛ ندراسه، والدين حديثاً بعد انطماسه؛ وهذا الأمر كما تحقق ووجد في بدو الاسلام، كذلك يوجد في زمن الامام القائم في بدو دعوته وقيامه، وفي أول ثورته.
واما السؤال في الخبر الثاني والرابع، فقد وقع عن سيرة القائم مطلقاً، من تمام الجهات، وهي سيرته مع العاصين والمخالفين، والمنافقين، والكافرين، وسائر الناس.
فأجاب بأنَّ القائم عليه السلام لا يسير معهم باللين، وبالمن، والكفّ، كما سار النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) والامام امير المؤمنين عليهما السلام، حيث كانا يتآلفان الناس، ويريدون تأليف قلوبهم على الاسلام، وعدم تفرقهم وانشقاقهم، بل يسير مع أهل زمانه بالسيف والقتل، لا يستتبب احداً، لأنه امر بذلك في الكتاب الذي معه، المنزل عليه من قبل الله تعالى، فيسير بالضرب، والقتل، والسبي، حتى يقيم الدعوة الاسلامية الصحيحة، فيكون الخبر الأول والثالث أي هذه الطائفة اخص من الثاني والرابع فهما مقيدان للخبر الثاني والرابع.
الكتاب المبين
قيل لعلي بن موسى الرضا عليه السلام: انت صاحب هذا الامر؟ فقال: أنا صاحب هذا الأمر ولكني لست بالذي املأها قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وكيف اكون ذلك على ما ترى من ضعف بدني! وان القائم (علیه السلام) هو الذي اذا خرج كان في سن الشيوخ، ومنظر الشباب قوياً في بدنه، حتى لو مدّ يده الى اعظم شجرة على وجه الارض لقلعها
ولو صاح بين الجبال لتدكدت صخورها، يكون معه عصا موسى، وخاتم سليمان؛ ذاك الرابع من ولدي، يغيبه الله في سرّه ما شاء الله، ثم يظهره، فيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً.
بيان: وصف الامام القائم عليه السلام، بأنه في سن الشيوخ، ومنظر الشباب؛ أما كونه في سن الشيوخ فلأن غيبته في السرّ كانت، طويلة جداً. وظهوره كان بعد قرون كثيرة، فيكون سنه سن الشيوخ.
وأما كون منظره منظر الشباب، أي مظهره وظاهر شكله يرى كأنه شاب، فمن رأه ونظر اليه خاله ابن ثلاثين سنة، أو أزود بقليل، ومن نظر الى اعماله العجيبة وقوته الرهيبة، من قلعه للشجرة العظيمة بيده، وتحطيم صخور الجبال بصوته، حكم بأنه بطل مناضل مجاهد، وشاب قوي، وقائد، لا انه شيخ عاجز متقاعد.
البحار
عن النعماني عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال بينا الرجل على رأس القائم (علیه السلام) يأمره وينهاه، إذ قال ادبروه فيدبرونه الى قدّامه، فيأمر بضرب عنقه، فلا يبقى شيء في الخافقين إلَّا خافه.
بیان: هذا الخبر يدل على أنَّ في زمن القائم عليه السلام رجال انتهازيون، ينتهز الفرصة بالتحاقه بمن غلب، ويؤمن بمن صارت له المملكة والغلبة، ويتبعه ويؤيده غير مؤمن بمبادئه، ويؤمن به ايماناً غير صادق، ولا يعتقد بأنه امام مفترض الطاعة منصوب من قبل الله تعالى، وأنه وصي النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) ووصى الأوصياء، وتجب طاعته على أهل الأرض والسماء، ولكن لما يرى ان المملكة والغلبة. قد صارت للامام القائم عليه السلام وأغلب الناس يتبع من غلب، فينتهز الفرصة والخلاص، فيسرع فيكون من أنصار الامام وأعوانه، ويدخل في اصحابه وشرطته، فهؤلاء الانتهازيون لا يكون ايمانهم ناشئاً عن واقع وعقيدة، وانما ينشأ عن الطمع في الوظيفة، والرغبة في الامارة، وحب حفظ انفسهم وليس قصدهم رضى الله تعالى، وبما أنَّ الله تعالى يعلم بهم ومطَّلع على ضمائرهم؛ ا وكذلك الامام القائم (علیه السلام) يعلم ان ايمانهم مزيَّف وغير واقعي، ولم يكن اتَّباعهم للامام (علیه السلام) اتباعاً حقيقياً، فلذلك يأمر بضرب أعناقهم، لئلا يبقى مثل هؤلاء في دولة الحق.
الكافي
عن الصادق عليه السلام قال لابن أبي يعفور: وعندي الجفر الأحمر. قال: قلت: وأي شيء في الجفر الأحمر؟ قال: السلاح، وذلك إنما يفتح للدم، ويفتحه صاحب السيف للقتل، وهو القائم عليه السلام.
بيان: الجفر علم معروف، وهو علم جليل عظيم عرّفه الامام الصادق عليه السلام، بأنه وعاء من ادم، اي من جلد، فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين
مضوا من بني اسرائيل، وهو أقسام ستة:
1 - الجفر الأبيض
2 - الجفر الأحمر
3 - الجفر الأكبر
4 - الجفر الأصفر
5 - جفر الشمسية
6 - جفر الخابية
وقد مرّ تفسير هذه الأقسام في الجزء الأول من الكتاب فراجع.
وقد ذكر في هذا الخبر الجفر الأحمر وأن فيه السلاح، وعرف بأنه وعاء فيه سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد ورّثه للإمام أمير المؤمنين عليه السلام من بعده، ثم ورّثه الامام ابناءه الكرام، وهو الآن عند الإمام القائم عليه السلام، يظهره عند الحرب والقتل والقتال الكفار والمخالفين. أما كيفية هذا السلاح ما هي وما هو هذا السلاح؟ فغير مذكور في الأخبار، فلعله سلاح حديث، يقضي على كل سلاح يوجد، او وجد، واستحدث في العالم.
الفتن
بحذف الاسناد سُمع علي عليه السلام يقول: يخرج المهدي (علیه السلام) في اثني عشر الفاً
ان قلّوا، أو خمسة عشر الفاً ان كثروا، ويسير الرعب بين يديه، لا يلقاه عدوا، إلَّا هزمه، بإذن الله، شعارهم امت امت، لا يبالون ولا تأخذهم في الله لومة لائم، فتخرج اليهم سبع رايات من الشام، فيهزمهم ويملك: فيرجع الى الناس بحبهم ونعيمهم وقاصتهم، وبراوتهم، ولا يكون بعدهم إلَّا الأجمال. قلنا: وما القاصة، وما البراوة؟ قال: يقتص الأمر حتى يتكلم الرجل بما شاء، ولا ينسى شيئاً.
بیان: انبأ هذا الخبر عن أول ما يخرج القائم عليه السلام من مكة، فالأخبار مختلفة في عدد الجنود الذين معه، ففي بعض الأخبار حتى يجتمع العقد، وهم عشرة الآف، وفي بعضها اثني عشر الفاً، أو خمسة عشر الفاً، كما في هذا الخبر، وينصره الله تعالى بالرعب، فیسیر امامه شهر، فقبل ان يصل الى اهل البلاد بشهر، تراهم خائفين مرعوبین منه، ومن جنوده البواسل، وأي عدو يلقاه يهزمه، وينتصر عليه؛ ولجنده شعار خاص، يهتفون به وهو امت امت، وهو امر بالموت، والمراد به التفاؤل بالنصر.
وفي حديث الصحابة شعارنا يوم بدر (یا نصر الله اقترب). وشعارنا يوم بني قينقاع (يا ربنا لا يغلبنك). وشعارنا يوم بني قريضة (يا سلام سلم). وشعارنا يوم بني المصطلق (ألا إلى الله الأمر). وشعارنا يوم خيبر (يا علي اتهم من عل). ويوم بني الملوح (امت امت) وهو طلب الموت للأعداء، والأمر من الله تعالى بموتهم، وهذا من التفاؤل بالنصر والانتصار عليهم.
وقد وصف جند الامام (علیه السلام) بأنهم لا يبالون - أي بالموت - ولا تأخذهم في الله لومة من لائم، فإذا قرب الامام (علیه السلام) من الشام فيجهز له اهل الشام سبع رايات، فيقاتلهم ويهزمهم، وتتم المملكة له. فإذا استقامت له الأمور أرجع الى الناس بحبهم، والمراد إمَّا محبتهم واخوتهم أو المراد طعامهم وحبوبهم، ونعمتهم، وقاصتهم، وبرواتهم، وقد سئل في الخبر عن القاصة والبراوة؟ فقال: إنَّ المراد من القاصة هو اقتصاص كل شخص من غريمه، ما كان له عليه من حقوق، حتى لا ينسى شيئاً منها، والمراد من البراوة وهو ما ؛ يبرى من النبل والقلم؛ وهذا كناية عن رد الشيء القليل والكثير والبراوة لغة في البراءة.
وعن الصدوق بإسناده الى الصادق عليه السلام في حديث قال في صفة الامام القائم (علیه السلام) ان له من القوة ما لو قبض بيده الشجرة العظيمة لقلعها من أصلها، ولو صاح بين الجبال صار صخرها رماداً، ولا يبقى مكان في الدنيا إلَّا وصل اليه، ويظهر الله له المعادن كلها، واذا توجه الى جهاد بلد من البلدان، وقع الرعب في قلوبهم من مسيرة شهر.
بیان: وصف الامام القائم عليه السلام في هذا الخبر بصفات عجيبة، ومعجزات عظيمة يعجز عنها البشر.
ومنها: إنه وصف قوة الامام القائم (علیه السلام) بأنه لو قبض بيده الشجرة العظيمة لقلعها من أصلها، وهذا امر تعجز عنه الأبطال.
ومنها: انه لو صاح بين الجبال تكدكت صخورها وصار رماداً، وهذا امر ايضاً لا يمكن تحقيقه من الأبطال، ولا يحصل الا لإمام او ملك.
ومنها: ان يفتح الله تعالى عليه الدنيا، فلا يبقى مكان منها الا وصل اليه.
ومنها: ان يظهر الله له المعادن التي في العالم فيغني العباد بها.
ومنها: ان ينصره الله بالرعب، يسير امامه اهل بلد قصده القائم (علیه السلام) تراهم مرعوبين خائفين قبل ان يصل ومن كان مرعوبا خائفاً لا يمكنه حمل السلاح والقتال مع غيره، فيسلم له رغماً عن انفه.
الاحتجاج
روى الشيخ الطبرسي في الاحتجاج، وابن طاووس في كشف اليقين خطبة عن النبي صلى الله عليه وآله، خطبها يوم الغدير في محضر عظيم، وجمع غفير من الناس، وهي خطبة طويلة بليغة، نقتصر على ذكر قطعة منها، تخص سيرة المهدي عليه السلام وصفاته. قال فيها النبي صلى الله عليه وآله: «معاشر الناس ألا وأني منذر وعلىّ هاد. معاشر الناس اني نبيّ وعليّ وصیي. ألا أنَّ خاتم الأئمة منا، القائم المهدي صلوات الله عليه، ألا أنه الظاهر على الّدين ألا أنه فاتح الحصون وهادمها ألا أنه قاتل كل قبيلة من أهل الشرك. ألا أنه المدرك بكل ثار لأولياء الله عز وجل، الا انه الناصر لدين الله، الا انه الغرَّاف الممتاح من بحر عميق. الا انه خيرة الله ومختاره. الا انه وارث كل علم والمحيط به. ألا أنه المخبر عن ربه عز وجل، والمتيه بأمر ايمانه. الا انه الرشيد السديد. ألا أنه المفوض إليه ألا أنه قد بُشر به من سلف بين يديه. ألا أنه الباقي حجة بعده، ولاحق إلَّا معه، ولا نور إلَّا عنده. ألا أنه لا غالب له ولا منصور عليه. ألا وأنه وليّ الله في أرضه، وحكمه في خلقه، وأمينه في سرّه وعلانيته.
بیان: هذه الخطبة الشريفة العظيمة الواردة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم تبين صفات القائم عليه السلام، وتنبىء عن حقيقته وواقعه، وتظهر فضل الامام المهدي
(علیه السلام)، وعظمته عند الله تعالى، وعند النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، وتوضح سيرته ومقامه
قيامه بالدعوة الإلهية، والثورة الإسلامية؛ فبيَّن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم).
أولاً: إنه المنذر للأمة، وانَّ عليّاً هو الهادي لهم الى الشريعة الإسلامية، وانه نبي هذه الأمة وإن علياً وصيَّه من بعده عليهم.
وثانياً: ذكر سيرة الامام (علیه السلام) وخصائصه، ووصفه بصفات جميلة متعددة:
الأولى: وصفه بخاتم الأئمة، لأنه خاتمة الأئمة الاثني عشر المعصومين، وآخر الأوصياء الهداة المهديين صلوات الله عليهم أجمعين، فلا امام بعده، ومن ادعى الامامة بعده فهو كاذب، كما وصفه بالقائم، لأنه القائم بالسيف، والآخذ بثارات الانبياء، وأولاد الأنبياء؛ والقائم بالثورة الاسلامية لإحياء الدين، والقضاء على المنافقين، والكافرين، والملحدين؛ كما وصفه بالمهديّ، لأنه يعمل على هدى من ربه، وبينة وكتاب منير، ويهدي الناس الى الحق، والى طريق مستقيم، ويهديهم الى امر خفي، قد دثر وضل عنه الجمهور.
ثم صلى النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) على الامام القائم في خطبته فقال صلوات الله عليه: وهذا تعظيم وتبجيل واحترام، وتوقير، وإعظام وافر كثير للإمام القائم (علیه السلام) كما مر ذلك عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وهذا دليل علو مقامه وسمّو رتبته.
الثانية: وصفه بأنه الظاهر على الدَّين: أي العالم بما ظهر من الأمور الدينية، والمطَّلع على علو مقامه وسموّ رتبته ما بطن من الغيوب، أو الظاهر على الدَّين: اي العالم بما ظهر من الأمور الدينية، والمطَّلع على ما بطن من الغيوب، أو الظاهر بآياته الباهرة الدَّالة على الدَّين، والمعين للدَّين، لأنه يحيي دين الاسلام ويمحي جميع الأديان.
الثالثة: انه فاتح الحصون وهادمها: أي أنه سيفتح الحصون التي حصَّن بها أهل الشرك بلادهم، وبعد فتحها يهدم تلك الحصون، وهذا دليل على انتصار الامام القائم على البلاد الشرقية والغربية، وفتحه لبلادهم وهدمه لحصونهم.
الرابعة: انه قاتل كل قبيلة من أهل الشرك: أي انه يقتل المشركين بأجمعهم في تمام قارات العالم؛ فلا يدع دولة من الدول الغربية، أو الشرقية الَّا وقتل ما فيها من المشركين، من الكفار، واليهود، والنصارى، والمجوس وغيرهم، فيطهر الأرض من جميع اهل الشرك.
الخامسة: انه المدرك لكل ثار لأولياء الله عز وجل: أي أنه هو الطالب بدخول الأنبياء وأولاد الأنبياء، والآخذ بثاراتهم من الأعداء، والمنتقم للأولياء الماضين، الذين ظلموا، أو قتلوا ظلماً وعدواناً ممّن ظلمهم؛ وهو الأخذ بثارات الحسين عليه السلام من اعدائه النواصب، والأمويين، لأنه الوتر الموتور، والامام الغيور، المنتقم من قتلة الحسين (علیه السلام) وظالميه، والراضين بفعلهم.
السادسة: انه الناصر لدين الله تعالى، لأنه المعبّر عنه في بعض الروايات بالانصاري، وعلله الامام (علیه السلام) بأنه ناصر الدَّين، لأنه بعد ان يبقى الدَّين بلا عامل به ولا ناصر له، ويشرف على التلف والذهاب، فينصره الامام القائم، ويعيد الدَّين جديداً، ويقيم حدوده وأحكامه، ويحييه بعد اندراسه.
السابعة: انه الغرّاف الممتاح من بحر عميق: أي أنه يستمد علمه، ويغرف علوماً وافرة من بحور علم الله تعالى، وهذه العلوم ممتاحة له، اي ميسرة ومقدرة له، من بحر عميق من بحور علوم الله تعالى؛ التي لا نفاد لها، ولا انتهاء لأمدها، ولا نهاية لعددها.
الثامنة: انه المجازي للناس، وذلك من جهة اطلاعه وعلمه بالغيب، فيخبر بالغيب، ويعطي كل ذي حق حقه، ويعرف كل صاحب فضيلة وعلم بفضله وعلمه، ويعرف صاحب كل رذيلة، وكل فاسق بفسقه، وكل ذي جهل يخبره بجهله، فيجزي المحسن بالاحسان، ويقابل المسيء بالخسران، ويجزي كل شخص بحسب فعله.
التاسعة: انه خيرة الله ومختاره: لأن الله تعالى اختاره من بين خلقه، فهو خيرة الله، كما اختار النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) وآبائه من الأئمة عليهم السلام، من بين خلقه، كما اختاره للقيام بإحياء الدَّين، وقطع شوكة المخالفين، وهو مختاره أي انتخبه واصطفاه لذلك.
العاشرة: إنه وارث كل علم والمحيط به: أي انه اعطاه الله تعالى كل علم من العلوم، حيث ورثها من آبائه العلماء الأماجد، واحاطه بكل علم في العالم؛ فهو المحيط بجميع العلوم، المخزون، والمكنون، والمكتوم.
الحادية عشر: انه المخبر عن ربه عز وجل اي انه يخبر بما تنزل عليه الملائكة من الوحي، في كل يوم وليلة عن الله تعالى، من الأوامر والنواهي، والوقائع، والأسرار، والمتيه بأمر ايمانه اي لم يصلوا الناس الى كنه ايمانه ويتهون في حقيقة ما اعطاه الله تعالى من الايمان والتصديق والمعرفة بالله تعالى الى مرتبة سامية لم يصل الى كنهها احد.
الثانية عشر: انه الرشيد السديد: اي انه الهادي المهتدي، المستقيم في سيره، وأنه السليم، والصواب، والعدل الموافق للشرع والحق، وصاحب الرشد، والعقل الكامل، المسدد من قبل الله تعالى،
الثالثة عشر: انه المفوض اليه الأمور اي سفير له الصلاحية الكبرى، لأنه من علو رتبته، وسمو مقامه، ان الله تعالى في زمن الغيبة وعند ظهوره فوض الأمور اليه، واعطاه الله السفارة العامة، والرئاسة المطلقة في العالم.
الرابعة عشر: إنه قد بشر به من سلف بين يديه: أي بشر به السلف من النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) والأئمة، بل الأنبياء الماضين، وإنه يخرج في آخر الزمان، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً.
الخامسة عشرة: إنه الباقي حجة بعده: أي انه يبقى بعد ظهوره حجّة لمن يأتي بعده من الائمة في الرجعة، والحق معه؛ كما ان النور - اي نور العلم - لا يوجد إلَّا عنده، والنور كما عرف كيفية ظاهرة بنفسها، مظهرة لغيرها؛ ولكن المراد بالنور هو الامام الذي يأتمّ به الناس، ويستضيئون بنور عمله، وهذه الامامة وهذا النور غير متحقق، الَّا في الامام الحجّة عليه السلام.
السادسة عشرة: انه لا غالب له ولا منصور عليه: أي انّ الله تعالى سوف يجعل الامام الحجة (علیه السلام) غالب كل غالب، فلا يغلبه احد من الدول، ولا من الناس، فالنصر والغلبة ملازم له، فلا ينصر احد عليه، بل هو ينتصر على كل احد، لأن الله تعالى يكون له وليّاً، وحافظاً، وناصراً، وما النصر إلَّا من عند الله العزيز الحكيم.
السابعة عشرة: انه وليّ الله في ارضه: اي انه له الولاية العامة، والرئاسة التامة على جميع أهل الأرض، وأنه حكم الله، اي الحاكم من قبل الله تعالى، او المنفذ لحكم الله تعالى على الخلق، وانه امينه في سره وعلانيته، أي انه الأمين العام على أهل مملكة الله، من المخلوقين في السرّ وفي العلانية، فليس هناك احد غيره اميناً في السرّ والإعلان، لأنه قاطع البرهان وشريك القرآن، وإمام على الإنس والجان، وخليفة الرحمان عليه صلوات الرحمان.
العوالم
عن عمران بن الحصين في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله في ذكر القائم (علیه السلام) قال عمران بن الحصين: يا رسول الله صف لنا هذا الرجل! قال (صلی الله علیه وآله وسلم): هو رجل من ولد الحسين، كأنه من رجال شنوة، عليه عبايتان قطوانيتان، اسمه اسمي، فعند ذلك تفرح الطيور في اوكارها، والحيتان في بحارها، وتمدّ الأنهار، وتفيض العيون، وتنبت الأرض ضعف اكلها، ثم يسير مقدمته جبرائيل (علیه السلام) وساقته اسرافيل (علیه السلام) فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما مُلئت ظلما وجوراً.
بيان: وصف هذا الخبر الامام القائم عليه السلام، بأنه من ولد الحسين بن علي عليهما السلام، وانه من رجال شنورة، وشنورة وشانيا ناحية بالكوفة؛ وشنوة لغة فيها، والنسبة اليها شنوي او يقال من رجال شنوة، فكأنه معتدل مربوع القامة، تام الخلقة، لا نقص فيه ولا عيب. عليه عبايتان وهي تثنية عباءة معروفة - قطوانيتان - تثنية القطوانية - والعباءة القطوانية بالتحريك، هي عباءة بيضاء، قصيرة الخمل، نسبة الى قطوان، موضع بالكوفة، ومنه الأكسية القطوانية. فعند ذلك أي اذا قام القائم (علیه السلام) تفرح الطيور في اوكارها، لأنها تحس بالعدل، واعطائها حقوقها وتوفر أرزاقها. والحيتان في بحارها، فإنها تفرح لأنها تحس بالعدل والنعمة، وعدم تعدِّي بعضها على بعض، وتوفر ارزاقها. وتمد الأنهار أي زاد ماؤها وامتدت جارية. وتفيض العيون، وهي تشمل عيون النفط، وعيون الماء، فتمتلأ بالمادة السائلة، حتى تفيض فيضاناً، وتنبت الأرض ضعف اكلها اي يضاعف وأردها وثمرها وزرعها، فيكون ضعفين، ويسير بجيشه وعلى مقدمة الجيش جبرائيل (علیه السلام) وعلى الساقة اي المشاة - اسرافيل عليه السلام.
العوالم
عن زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام قال: إذا قام قائم آل محمد (علیه السلام) يقول: أيها الناس، نحن الذين وعدكم الله في كتابه (الذين ان مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر والله عاقبة الأمور) [الحج 41].
بيان: ينبيء هذا الخبر بنداء عام، من الامام القائم عليه السلام اذا قام ينادي في الناس: ايها الناس نحن المشار اليهم بالآية الكريمة وهم الذين وعد الناس بهم، او الذين
وعدكم الله بنا في كتابه، اذا كانت المملكة لنا سرنا بالحقَّ والعدالة، وعلى الصراط المستقيم الذي يرتضيه رب العالمين، من اقامة الصلاة، وايتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها.
وعنه عليه السلام قال: يقضي القائم (علیه السلام) بقضايا ينكرها اصحابه، ممّن قد ضرب قدامه بالسيف، وهو قضاء آدم (علیه السلام) فيقدمهم ويضرب أعناقهم.
ثم يقضي الثانية، فينكرها قوم آخرون، ممّن قد ضرب قدامه بالسيف، وهو قضاء داود (علیه السلام) فيضرب أعناقهم.
ثم يقضي الثالثة، فينكرها قوم آخرون، ممّن قد ضرب قدامه بالسيف، وهو قضاء ابراهيم فيقدمهم فيضرب اعناقهم:
ثم يقضي الرابعة، وهو قضاء محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) فلا ينكرها احد عليه.
بيان: دل هذا الخبر على أنَّ الامام القائم (علیه السلام) يقضي ويحكم أربع مرات، في اربع قضايا؛ فيردّ عليه ثلاث مرات، كما ردّ على ثلاث انبياء عند قضائهم في بعض القضايا فيقضي ويحكم في القضية الاولى، فيردّ عليه، كما رد على نبي الله آدم أبو البشر. ويقضي في الثانية، فيردّ عليه، كما ردّ على نبي الله داود (علیه السلام) ويقضي في الثالثة، فيردّ عليه كما ردّ على نبي الله إبراهيم (علیه السلام) ويقضي في الرابعة، فلا يردّ عليه احد، كما كان اصحاب النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) لا يردون على قضائه، وفي كل مرة من القضاء، يقتل من يردّ عليه، وينكر على حكمه الشرعي، لأنه حجة الله، والراد عليه كالراد على الله تعالى، يكون كافراً مستحقاً للاعدام، ولو كان قبل ذلك مجاهدا بالسيف قدامه.
وفيه: عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: قال ابو عبد الله عليه السلام: بينا ابي يطوف بالكعبة، اذا رجل معتجر (1)قد قيض له، فقطع عليه أسبوعه، حتى أدخله إلى دار جنب الصفا، فأرسل إلى فكنَّا ثلاثة، فقال: مرحباً يا بن رسول الله، ثم وضع يده على رأسه، وقال: بارك الله فيك يا امين الله بعد آبائه، يا أبا جعفر ان شئت فاخبرني، وان شئت فاخبرتك، وان شئت سلني، وان شئت سألتك وان شئت فأصدقني وان شئت أصدقتك قال كل ذلك اشاء وساق الحديث إلى ان قال: فوددت أن عينيك تنظر الى مهديّ هذه الأمة والملائكة بسيوف آل داود بين السماء والأرض تعذب أرواح الكفرة من
1) (1) اسم فاعل من الاعتجار، ففي حديث الحاج يقال: دخل مكة معتجراً.
الأموات، وتلحق وتلحق بهم أرواح أشباههم من الأحياء، ثم أخرج سيفاً ثم قال: ها ان هذا منها.
قال: فقال ابي: اي والذي اصطفى محمداً على البشر. قال فرد الرجل اعتجاره وقال: انا إلياس الحديث.
بيان: أنبأ هذا الخبر عن أمر معجب حيث التقى الامام محمد الباقر عليه السلام، مع الياس النبي (علیه السلام) في أثناء الطواف بمكة المكرمة، وقطع عليه أسبوعه، أي طوافه قبل ان يكمله سبعة اشواط، وأخبره أنَّ الامام المهدي إذا قام كانت الملائكة انصاره، وهؤلاء الملائكة ملائكة طيارة، تطير فوق الجيش ما بين السماء والأرض، تحمل سلاحاً خاصاً وسيوفاً مخصوصة، تصلح لتعذيب الأرواح والأبدان، فمن قتله عسكر الامام القائم (علیه السلام) عذَّبوا روحه بتلك السيوف، ولعلها سيوف ذرية، فيها غاز الذرة، او غاز خاص يصلح لتعذيب الأرواح كما يعذبون ابدان الكفار فيقتلونهم، ويلحقونهم بأرواح الكفار، فتلك السيوف تصلح لتعذيب الأموات والأحياء، ثم أخرج إلياس (علیه السلام) سيفاً منها ادّخره الى يوم ظهور القائم (علیه السلام) فأراه الامام الباقر (علیه السلام) فصدّقه الامام عليه السلام، قال: فرد الرجل اعتجاره، والاعتجار هو عبارة عن لفّ العمامة على الرأس ويرد طرفها على وجهه، ولا يجعل شيئاً منها تحت ذقنه.
الكتاب المبين
عن رفيد مولى أبي هبيرة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: يار رفيد كيف أنت إذا رأيت أصحاب القائم (علیه السلام) وقد ضربوا فساطيطهم في مسجد الكوفة، ثم اخرج المثال الجديد على العرب شديد؟ قال: قلت جعلت فداك ما هو؟ قال الذبح. قال: قلت: بأي شيء يسير فيهم بما سار علي بن ابي طالب (علیه السلام) في أهل السواد؟ قال: لا يارفيد. ان علياً سار بما في الجفر الأبيض، وهو الكفّ، وهو يعلم انه سيظهر على شيعته من بعده، وان القائم (علیه السلام) يسير بما في الجفر الأحمر وهو الذبح، وهو يعلم انه لا يظهر على شيعته.
بيان: ينبيء هذا الخبر عن سيرة الامام القائم (علیه السلام) حيث ينزل الكوفة، ويجعلها عاصمة له، فيحضر اصحابه في مسجد الكوفة الأعظم، لتطبيق القوانين الجديدة، وتنفيذ الأحكام الحديثة، واخراج الكتاب الجديد، الذي هو على العرب شديد، واظهار
المثال الجديد المعبّر عنه بالذبح، والقتل، حيث يجري ذلك القانون على المخالفين المستوجبين لاقامة الحدود عليهم؛ ويسير فيهم بما في الجفر الأحمر من احكام، فيقتل كل مخالف ولا يعفو عن احد لأنه يعلم أنه إن عفى عن أهل زمانه، لا يؤدون الطاعة، ولا يحضرون الجماعة، ولا يتمثلون اوامر الله تعالى وامره، ولا يسير بما في الجفر الأبيض من أحكام، وهو الكفّ والمسامحة، كما سار فيهم النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) في بدو الاسلام وسار فيهم الامام علي عليه السلام، للعلم بأنهما سيظهران على شيعتهما، ويظهران عليهما بعد ذلك، فلذلك أخذا طريق العفو والمسامحة.
وفيه: عن بشير النبّال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (علیه السلام) قال: هل تدري أول ما يبدأ به القائم (علیه السلام)؟ قلت: لا. قال (علیه السلام): يخرج هذين رطبين غضين فيحرقهما، ويذريهما في الريح، ويكسر المسجد، ثم قال: إن مسجد رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) كان عريشاً كعريش موسى، وذكر أنَّ مقدم مسجد رسول الله كان طيناً، وجانبه جريد النخل.
بیان: من أعمال الإمام القائم (علیه السلام) وسيرته، أن يكسر مسجد النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) في المدينة المنورة، بأن يكشف سقفه، الذي أحدث في هذه الأزمنة، لأن من قوانين المساجد في زمن القائم (علیه السلام)، أن تكون مكشوفة للشمس غير مسقوفة.
وقد يستدل على صحة عمله بأن الإمام (علیه السلام) لم يحدث أمراً جديداً، وإنما يعيد الأشياء إلى أصولها؛ لأن مسجد النبي (صلى الله عليه وآله)، كان في بدو الإسلام عريشاً، كعريش موسى ابن عمران المقدم منه، مبني بطين، وجانباه من جريد النخل أي السعف، غير مسقوف بل مكشوف، فيعيده الإمام صلوات الله عليه مكشوفاً كما من كان.
العوالم
عن علي بن الحسين (علیه السلام) قال: يقتل القائم (علیه السلام) من أهل المدينة حتى ينتهي إلى الأجفر، وتصيبهم مجاعة شديدة؛ قال: فيصبحون وقد نبتت لهم ثمرة، يأكلون منها، ويتزودون منها، وهو قوله تعالى: (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون) [يس 33] ثم يسير حتى ينتهي إلى القادسية، وقد اجتمع الناس بالكوفة وبايعوا السفياني.
بيان: من الأعمال التي يقوم بها القائم (علیه السلام): أن يقتل النواصب، والمخالفين، والمعارضين،لثورته من أهل المدينة ومن أهل الحجاز في كل بلد يدخله، حتى ينتهي إلى
الأجفر، وهو بلد في الحجاز، والأجفر مذكر الجفرة، وهي البئر الواسعة، وجمعها جفار، أو أن الجفرة جمعها جفر، وهي من الشيء وسطه، ومن الأرض سعة مستديرة؛ ولعل المراد من الأجفر وسط المملكة السعودية ويحتمل أن يُراد به الحِفر، ويسمىٰ حِفر الباطن وهو بلد معمور معروف في الحجاز.
فإذا انتهى إلى هذا البلد أصابت أصحابه مجاعة شديدة، لعدم استعدادهم لحمل الطعام والزاد، فيظهر لهم الإمام معجزة، أن تخرج لهم نبتة من الأرض لها ثمرة خاصة، فيأكلون منها، ويحملون لزادهم في الطريق منها، حتى يأتي القادسية، وهي قرية قريبة من الكوفة إذا خرجت منها أشرفت على النجف، مرَّ بها إبراهيم (علیه السلام)، ودعا لها بالقدس، وأن تكون محلة الحاج قال في المغرب: بينها وبين الكوفة خمسة عشر ميلًا.
وفي المصباح القادسية: قرية قريبة من الكوفة من جهة الغرب، على طرف البادية، على نحو خمسة عشر فرسخاً: وهي آخر أرض العرب، وأول حدود سواد العراق؛ وقد وقعت فيها وقعة مشهورة في خلافة الثاني. فإذا انتهى إليها الإمام سمع باجتماع الناس في الكوفة، وقد بايعوا السفياني.
السر المكنون
عن الينابيع في صفة القائم (علیه السلام) قال: إنَّ لله تبارك وتعالى خليفة، يخرج في آخر الزمان، وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً، فيملأها قسطاً وعدلاً، ولو لم يبق من الدنيا إلَّا يوم واحد، لطوَّل الله ذلك اليوم، حتى يلي هذا الخليفة، وهو من ولد فاطمة الزهراء (علیه السلام)؛ وهو أقنى الأنف، أكحل الطرف، على خده الأيمن خال، يعرفه أرباب الحال، اسمه محمد، وهو مربوع القامة، حسن الوجه والشعر، وسيميت الله به كل بدعة، ويحيي به كل سنّة، يسقي خيله من أرض صنعاء وعدن، أسعد الناس به أهل الكوفة، ويقسم المال بالسويَّة، ويعدل في الرعية، ويفصل في القضية، لا تدع السماء في أيامه من قطرها شيئاً إلَّا صبَّته، ولا تدع الأرض من نباتها شيئاً إلَّا أخرجته. وهذا الإمام المهديّ هو القائم بأمر الله، يرفع المذاهب، فلا يبقى إلَّا الدِّين الخالص، يبايعونه العارفون من أهل الحقائق، عن شهود وكشف، وتعريف إلهيّ، فلا يترك بدعة إلَّا ويزيلها، ولا سنَّة
الَّا ويقيمها.
بیان: وصف هذا الخبر الإمام القائم عليه السلام، بأنه خليفة من قبل الله تعالى يخرج في آخر الزمان، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما مُلئت ظلما وجوراً، وخروجه لازم، حتى لو لم يبق من الدنيا إلَّا يوم واحد، لطوَّل الله ذلك اليوم، حتى يخرج فيه القائم (علیه السلام).
ووصف الإمام (علیه السلام) بأنه أقنى الأنف: أي حسن طوله ورقة أرنبته، مع حدب في وسطه، ومنه رجل أقنى الأنف، ومنه الخبر كان (صلی الله علیه وآله وسلم) أقنى العرنين. أكحل الطرف: أي العينين، على خده الأيمن خال، يعرفه أرباب الحال، وهم العلماء وأهل الحديث، الذين قرأوا صفاته في الكتب. واسمه محمد وهو ابن الحسن العسكري صلوات الله عليه وعلى آبائه، مربوع القامة، حسن الوجه والشعر، يميت الله في أيامه وبواسطته جميع البدع، ويحيي به جميع السنن، ويملك اليمن وعدن.
وأسعد الناس - أي أكثر الناس سعادة به - أهل الكوفة، لأن الكوفة تكون عاصمته، فيحضون بخدمته، ويتشرفون برؤيته أكثر الأوقات، فيقسم المال بينهم بالسويّة، ويعدل في الرعية. ويفصل أي يحكم في القضية في موارد الخصومة، وتنزل السماء ماءها وبركاتها، والأرض نباتها. ويرفع جميع المذاهب والأديان، فلا يبقى في العالم إلَّا دين واحد، فهو موحد الأديان، وخليفة الرحمان وإمام الإنس والجان. يبايعه العارفون من أهل الحقائق، وهم الشيعة المؤمنون به وبآبائه الطاهرين، والعلماء العارفون، لما ثبت عندهم في الكتب والأخبار أنه سوف يظهر في آخر الزمان، وتجب طاعته على كل إنسان وهو حجّة الله في أرضه وسمائه، عجل الله فرجه وسهل مخرجه.
السر المكنون
قال أبو بصير: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: في قوله تعالى: (إن نشأ تنزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) [الشعراء 4] قال: سيفعل الله
بهم ذلك. قلت: من هم؟ قال: بنو امية وشيعتهم. قلت: وما الآية؟ قال: ركود الشمس ما بين الزوال إلى وقت العصر، وخروج صدر ووجه في عين الشمس، يعرف بحسبه ونسبه، وذلك في زمان السفياني، وعندها يكون بواره وبوار قومه.
قال أبو جعفر (علیه السلام): ويهزم قوم من بني أمية، حتى يلحقوا بأرض الروم، فيطلبون
إلى ملكها أن يدخلوا إليه، فيقول لهم الملك: لا ندخلكم حتى تدخلوا في ديننا، وتنكحوننا وننكحكم، وتأكلون لحوم الخنازير معنا، وتشربون الخمر، وتعلقون الصلبان في أعناقكم، والزنانير في أوساطكم، فيقبلون ذلك، ويدخلونهم في دينهم. فيبعث إليهم القائم (علیه السلام) أن اخرجوا هؤلاء الذين أدخلتموهم فيقولون: هؤلاء قوم رغبوا في ديننا، وزهدوا في دينكم. فيقول (علیه السلام): إنكم إن لم تخرجوهم وضعنا السيف فيكم، فيقولون: هذا كتاب الله بيننا وبينكم. فيقول: قد رضيت به، فيخرجون إليه فيقرأه عليهم، وإذا في شرطه الذي شرط عليهم، أن يدفعوا إليه ما دخل إليهم ما ارتدّ عن الإسلام، ولا يرد إليهم من يخرج من عندهم راغباً إلى الإسلام؛ فلما يقرأ الكتاب عليهم، ويرون هذا الشرط لازم لهم، أخرجوهم إليه فيقتل الرجال، ويبقر بطون الحبالى، ويرفع الصلبان في الرماح، ويأخذ منهم المال، والله كأني أنظر إليه وإلى أصحابه يقتسمون الدنانير على الحجفة، ثم تسلم الروم على يده، فيبني فيهم مسجداً، ويستخلف عليهم رجلًا من اصحابه.
بیان: فسر الإمام الباقر عليه السلام، هذه الآية المباركة، بظهور آية سماوية، وهي علامة من علائم الامام القائم (علیه السلام)، فإذا تحققت هذه العلامة إن شاء الله تعالى، تكون دالة على بوار وهلاك بني امية، والنواصب، وحزب السفياني في الشام، وأطرافه من الدول الأموية؛ فإذا شاء الله أن ينزل من السماء آية، أي علامة، وهي ركود الشمس ما بين الزوال الى وقت العصر، ووقوفها في مكان واحد، وظهور صدر ووجه في عين الشمس، يعرف بحسبه ونسبه - وفي رواية انه شخص الامام أمير المؤمنين عليه السلام - لأن مع ظهور الصدر والوجه في عين الشمس ينادي منادٍ ان هذا امير المؤمنين، سوف يرجع ويعود في هلاك الظالمين.
فهذه العلامة والآية السماوية، تكون إمارة على هلاك السفياني، والنواصب، والأمويين وحزبهم؛ لأنها تحدث في زمن السفياني الأخير، فينصر الامام القائم (علیه السلام) وحزبه عليهم، ويقتلهم تحت كل حجر ومدر، ويغزو الشام، وبيت المقدس، والاردن، ولبنان ويفتحها، ويملك ما فيها، ويقتل مقاتليها، فيهرب قوم وجماعة كثيرون من بني امية. ويلحقون بالدول الغربية، منهزمين من سيف الامام القائم (علیه السلام) ورجاله، لاجئين الى الكفار والنصارى واليهود، فلا يقبلون لجوئهم، الَّا أن يدخلوا في دين النصارى، وينكحونهم بناتهم، ويأكلون لحم الخنازير معهم، ويشربون الخمر في نواديهم، ويعلقون
الصلبان في أعناقهم والزنانير جمع زنار وهو شيء يشده اليهود والنصارى في أوساطهم، فيقبلون كل هذه الشروط ويدخلوا في دين النصارى واليهود والكفار، ويتفقون معهم؛ وهذا حال النواصب، والمخالفين للاسلام، فإنهم يكفروا ويتنصروا ويتهّودوا، ولا يقبلون مذهب الامام القائم عليه السلام، فإذا لجأوا الى بلاد الكفار والى الدول الغربية، احتج الامام القائم (علیه السلام) على الدول الغربية إن اخرجوا هؤلاء اللاجئين من النواصب، وسلّموهم لنا، وإلا وضعنا السيف فيكم، وقاتلناكم وقتلناكم، فيأبون أولاً اخراجهم وتسليمهم الى الامام؛ ثم من خوفهم من سطوة الامام (علیه السلام) يطالبونه بمعاهدة وكتاب وقعت بينهم وبين الامام (علیه السلام) فيجيبهم الى ذلك، وبعد الرجوع الى تلك المعاهدة، واذا من الشروط التي اشترطها على بلاد الكفر والنصارى، واليهود، انه اذا ارتدّ رجل من الاسلام ولجأ اليهم، ودخل في بلادهم، يجب ان يرجعوه الى بلاد الاسلام؛ وإذا خرج منهم أحد راغباً في دينهم، ولجأ الى بلاد الاسلام، لا يرده اهل الاسلام اليهم، فيرون هذا الشرط واجب، ولازم لهم، فيخرجوا أولئك الأمويين والنواصب، ويسلمونهم مع أموالهم ونسائهم الى الامام القائم عليه السلام، فيحكم بإعدام الرجال، ويبقر بطون الحبالى من نسائهم المتزوجات بالكفار، وباليهود والنصارى اللاتي حملن منهم، ويرفع الصلبان على الرماح، ويصادر أموالهم، فتكون غنيمة للمسلمين، فيقسم عليهم الدنانير بالحجفة أي بالترس، وهي الدرقة من الآت الحرب.
ثم تسلم الروم على يد الامام القائم (علیه السلام) فيبني في بلادهم مسجداً لإقامة الصلاة فيه، ويجعل خليفة عليهم أحد أصحابه والعاقبة للمتقين.
الكتاب المبين عن العوالم ص 133
عن جابر قال: أقبل رجل الى أبي جعفر عليه السلام، وأنا حاضر فقال: رحمك الله أقبض هذه الخمسمائة درهم فضعها في مواضعها فإنها زكاة مالي. فقال أبو جعفر عليه السلام: بل خذها أنت فضعها في جيرانك، والأيتام، والمساكين وفي أخوانك من المسلمين، إنما يكون هذا اذا قام قائمنا أهل البيت، فإنه يقسم بالسويّة، ويعدل في خلق الرحمن، البر منهم والفاجر، فمن أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، فإنما سمّي المهديّ لأنه يهدي لأمر خفيّ؛ يستخرج التوراة، وسائر كتب الله من غار في أنطاكية، فيحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل
الزبور بالزبور، وبين أهل الفرقان بالفرقان، وتجمع إليه أموال الدنيا كلها، ما في بطن الأرض وظهرها. فيقول للناس: تعالوا الى ما قطعتم فيه الأرحام، وسفكتم فيه الدماء الحرام، وركبتم فيه ما حرم الله عز وجلّ، فيعطي شيئاً لم يعط أحد كان قبله، ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً ونوراً، كما ملئت ظلما وجوراً وشراً. قال: وقال رسول الله صلى الله
عليه وآله: هو رجل مني اسمه كاسمي، يحفظني الله فيه، ويعمل بسنَّتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ونوراً، بعدما تمتلىء ظلماً وجوراً وسوءاً.
بيان: حكت هذه الرواية بعض سيرة الامام القائم (علیه السلام) وبعض صفاته، فإنَّ هذا الرجل الذي دفع زكاة ماله إلى الإمام الباقر عليه السلام، وقال له: ضعها في مواضعها؛ أراد منه ان يقسمها بالسوية على المستحقين لها؛ فأجازه الامام (علیه السلام) أولاً أن يقسّمها على المستحقين لها من الجيران، والأيتام، والمساكين، والإخوان من المسلمين كيف شاء، ولا يلزم ان تكون القسمة بالسويّة، فلو زاد في عطاء بعض على الآخر لا مانع؛ ولذا قال له: انما يكون هذا أي انَّ القسمة بالسويّة، والعدل في الرعية، وفي خلق الرحمن، البر منهم والفاجر إذا قام القائم (علیه السلام) من أهل البيت، فإنها من أعماله وسيرته ان يقسم بالسويّة، ويعدل في الرعية، ومن اطاعه في حكمه فقد أطاع الله، ومن عصاه في حكمه فقد عصى الله تعالى.
ثم ذكر أمراً آخراً، وقد مرّ سابقاً أنَّ سبب تسمية الامام القائم (علیه السلام) بالمهدي لأنه يهدي إلى أمر خفيّ، ومن الأمور الخفية التي يهدي إليها، أن يستخرج التوراة، وسائر كتب الله تعالى من كتب الأنبياء من غار في أنطاكية، فيعلم ان موسى (علیه السلام) (علیه السلام) قد أخفى التوراة في ذلك الغار، وهو الكهف، كما ان الأنبياء السابقين قد أخفوا كتبهم في هذا الغار؛ ولعل هذا الكهف هو الذي اختفوا أصحاب الكهف فيه، لأنه يقع في أنطاكية، وهي مدينة تقع على العاصي، وهي في تركيا اليوم، فإذا أخرج الامام (علیه السلام) التوراة حكم بين أهل التوراة، وهم اليهود الكتابيين بالتوراة، وأنزل عيسى بن مريم إنجيله معه من السماء، وأعطاه للامام (علیه السلام) فيحكم بين أهل الانجيل وهم النصارى الكتابيين بالانجيل، وأخرج الزبور فحكم بين أهل الزبور وهم الكتابيون من أمة داود (علیه السلام) بالزبور، وأخرج الفرقان، وهو القرآن الذي فيه تفسير وبيان، الذي يفرّق بين الحقّ والباطل، وهو مصحف علي عليه السلام، فيحكم بين الاسلام بذلك الفرقان.
ويجمع أموال الدنيا، والكنوز التي في بطن الأرض وظهرها، ويقسم عليهم المال،
حتى يغنيهم، ويعطي عطاء لم يعط أحد من الناس قبله، ففي بعض الروايات انه يحثو المال حثواً، ولا يعده عداً، ويقول لهم: خذوا من هذه الأموال التي بسببها قطعتم الأرحام، وسفكتم الدماء الحرام، وارتكبتم المحرّمات لأجلها، فيستغني الناس في زمانه. فلا ترى فقيراً في البلاد يقبل الصدقات، وهذا من فضل الله تعالى، وفضل الامام (علیه السلام)
على الناس أجمعين.
الخرائج والجرائح
قال الحسن بن علي العسكري عليه السلام، لأحمد بن إسحاق، وقد أتاه ليسأله عن الخلف من بعده، فلمّكا رآه قال مبتدئاً: مثله مثل الخضر، ومثله ذي القرنين؛ إنّ الخضر شرب من ماء الحياة، فهو حيّ لا يموت، حتى ينفخ في الصور؛ وإنه يحضر الموسم في كل سنة، ويقف بعرفة، فيؤمن على دعاء المؤمنين، وسيؤنس به وحشة قائمنا في غيبته، ويصل به وحدته، فله البقاء في الدنيا مع الغيبة، وهو من الأنصار في الأمصار.
بیان: دل هذا الخبر على أن مثل الإمام القائم عليه السلام مثل الخضر عليه السلام، فكما أنَّ الخضر قد شرب ماء الحياة، وهو حيٌ لا يموت، فكذلك الامام القائم (علیه السلام) قد شرب ماء الحياة، ووصل الى العين التي شرب منها الخضر (علیه السلام) وشرب منها، فهو حيّ لا يموت، فالخضر (علیه السلام) حي لا يموت، حتى ينفخ في الصور، ولذا يحضر موسم الحج في مكة في كل سنة، فيحج ويقف بعرفة، فيؤمن على دعاء المؤمنين، لا على دعاء غير المؤمنين، فالخضر عليه السلام لا يؤمن على دعاء المنافقين والفاسقين، ولا على دعاء كل من ذهب الى الحج رياء وسمعة، أو للتجارة، وكل من ذهب لغير الله تعالى ولم يكن مخلصاً لله تعالى في عمله.
ثم قال: وسيؤنس به وحشة قائمنا في غيبته: أي أنَّ الله تعالى يجعل الخضر (علیه السلام) مؤنساً للإمام القائم (علیه السلام) في الغيبة الكبرى؛ وقد ذكرنا أنه احد وزرائه هو والياس النبي
(علیه السلام) في زمن الغيبة مع شخصان آخران، فهؤلاء الأربعة هم الأوتاد الملازمون للقطب وهو الامام (علیه السلام).
وقد ذكر الخضر عليه السلام في الحديث، وهو صاحب موسى (علیه السلام) واختلف في اسمه ننقل ان اسمه الخضر ابن ما عيد بن عيص بن إسحاق. وفي بعض الشروح: ان اسمه الياس بن ملکان بن أرفخشد بن سام بن نوح (علیه السلام)؛ وقيل: اسمه ايليا بن عاميل بن شمالخين بن أريا بن علقما بن عيص بن إسحاق بن ابراهيم (علیه السلام)؛ وقيل: اسمه أرميا بن حلشا من سبط هارون (علیه السلام). قيل: والأصح ما نقله أهل السير، وثبت عن النبي صلى الله عليه وآله من ان اسمه يليا بياء مفتوحة، ولام ساكنة، وياء مثناة من تحت وفي الآخر ألف ابن ملكان، بفتح الميم، وإسكان اللام وبالنون بعد الألف. ومن قصته على ما نقله السهيلي: كان أبوه ملكان، وأمه اسمها لها وأنها ولدته في مغارة؟ وأنه وجد هناك شاة ترضعه في كل يوم من غنم رجل من القرية، فلمّا وجده الرجل أخذه وربّاه، فلمّا شبَّ طلب ابوه كاتباً، وجمع أهل المعرفة والنبالة، ليكتب الصحف التي انزلت على ابراهيم (علیه السلام)، وشيث (علیه السلام)، وكان فيمن اقدم عليه من الكتّاب ابنه، وهو لا يعرفه، فلمّا استحسن خطّه ومعرفته، بحث عن جليّة أمره، فعرف أنه ابنه، فضمه لنفسه، وولّاه امر الناس.
ثم إن الخضر فرّ من الملك، لأسباب يطول ذكرها، ولم يزل سائحاً، إلى أن وجد عين الحياة، فشرب منها، فهو حيّ الى ان يخرج الدَّجَّال، وأنه الرجل الذي يقتله الدَّجَّال ويقطَّعه، فيحييه الله تعالى على الفور.
وفي تفسير علي بن ابراهيم نقل أنَّ الخضر كان من افضل اصحاب ذي القرنين، وكان من أبناء الملوك، فآمن بالله، وتخلى في بيت في دار أبيه يعبد الله، ولم يكن لأمه ولد غيره، فأشاروا على أبيه أن يزوجه فزوجه، فلم يلتفت الى النساء، فغضب عليه أبوه وأمر بردم (1)الباب عليه، فلمّا كان اليوم الثالث حرّكته رقَّة الآباء، فأمر بفتح الباب، ففتح فلم يجدوه، فأعطاه الله من القوة، ان يتصور كيف شاء، وكان على مقدمة جيش ذي القرنين، وشرب من عين الحياة. واختلف في وجه تسميته بالخضر فقيل: سمي به لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله. وقيل: لأنه كان في أرض بيضاء، فإذا هي تهتز خضراء من خلفه. وقيل غير ذلك. وفي معاني الأخبار للصدوق، ومعنى الخضر لأنه كان
1) (1) ردم الباب: أي سدّ الباب عليه وأغلقه.
لا يجلس على خشبة يابسة إلَّا اخضرّت.
وقد اختلف العلماء فيه، فقال الأكثرون: هو نبيّ واحتجوا بقوله تعالى (وما فعلته عن امري) [الكهف (82] وبأنه أعلم من موسى عليه السلام. وممّا نقل من وصاياه لموسى عليه السلام، عند الافتراق:
یا موسى اجعل همّك في معادك، ولا تخفى فيما لا يعنيك، ولا تترك الخوف في أمنك، ولا تيأس من الأمن في خوفك.
فقال له موسى: زدني.
فقال الخضر: لا تضحك من غير عجب، ولا تعيّر أحد الخاطئين بعد النأم(1)، وابكِ على خطيئتك يا بن عمران، يا موسى لا تطلب العلم لنحدَّث به، واطلب العلم لتعلم به، وإياك والغضب إلَّا في الله، ولا ترض على احد إلَّا في الله، ولا تحب للدنيا، ولا تبغض للدنيا، فإن ذلك يخرج من الايمان، ويدخل في الكفر.
ولعل الله سبحانه وتعالى إنما أوصل الخضر الى عين الحياة، وشرب منها، وأبقاه حياً الى زمن الغيبة الكبرى للإمام القائم عليه السلام، لأنه يريد أن يجعله من الموظفين عند الإمام القائم (علیه السلام) ومن وزرائه في غيبته وظهوره، ويؤنس به وحشة الامام، ويكون معاوناً ومعاضدا له، ومنفذاً لحوائجه في سائر امصار العالم، كما نصت عليه الروايات، ونص عليه هذا الخبر، حيث قال: وهو من الأنصار في الأمصار، أي انه موظف من قبل الامام القائم (علیه السلام) في زمن الغيبة، في قضاء حوائج المؤمنين وانجاح مقاصدهم في جميع الأمصار، أبي في جميع بلدان العالم.
وكما أن الله سبحانه وتعالى جعل الحياة والبقاء ثابتاً للخضر (علیه السلام)، وأنه حيّ لا يموت، حتى ينفخ في الصور، ويبقى الى نفخة الصعق، فكذلك الامام القائم عليه السلام، فإنه يبقى حياً في زمن الرجعة، كما سيأتي إن شاء الله في البيانات الآتية الى مدة ثلاثمائة سنة وتسع سنين، فيلبث في الرجعة، كما لبث أهل الكهف في كهفهم، ثلاث مائة سنين ويزداد تسعاً، ثم يقتل، ولو لم يقتل لم يمت، لأنه شرب ماء الحياة كالخضر، ولكن له الرجعة بعد ذلك، فيرجع مع آبائه الأئمة الطاهرين الى الدنيا، ويكون آخر من يملك بعد الائمة المعصومين (علیه السلام) ويرفع مع آبائه الى جنَّة السماء، وبعدهم تقوم القيامة.
1) (2) النام: الإماتة والموت.
الوافي
عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة، فيها منادٍ ينادي: هذا المهديّ خليفة الله فاتبعوه.
وفي رواية أخرى. وعلى رأسه ملك ينادي: هذا المهدي (علیه السلام) فاتبعوه.
كشف الغمة
في حديث قال في آخره: يظهر القائم (علیه السلام) في آخر الزمان، على رأسه غمامة تظله من الشمس، تدور معه حيثما دار، وينادي بصوت فصيح: هذا المهدي.
وعن الصدوق بإسناده إلى الصادق عليه السلام: إنَّ القائم (علیه السلام) أينما توجه ظلّله السحاب، وينطق السحاب بلسان فصيح: هذا مهديّ آل محمد، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلئت ظلما وجوراً، وتطوى الأرض له ولأصحابه.
بیان: صرّحت هذه الروايات بفضيلة عظيمة، وكرامة واضحة بيّنة للإمام القائم (علیه السلام)؛ وكانت هذه الكرامة الواضحة ثابتة لجده النبي الأعظم (صلی الله علیه وآله وسلم)، حيث كانت غمامة تسير في السماء فوقه تظلّله عن الشمس، وتدفع عنه حرارتها، لأن شمس الحجاز كانت حارَّة؛ فهذه الغمامة كانت تسير معه حيثما سار، وتدور معه حيثما دار، والناس يرونها، فإذا اراد النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) ان يخرج من البيت لأمر أو الى المسجد، تحركت من موضعها، وسارت على رأسه، وهي بمرأى من الناس ومنظر، فهي تظله حتى يرجع الى بيته، ثم تعود الى موضع خاص في الجو، فتقف فيه، ولعل ذلك المكان الذي تقف فيه الغمامة معروف في المدينة المنورة، وقد بني تحته مسجد معروف بمسجد الغمامة.
وهذه الكرامة، بل المعجزة العظيمة، ثابتة للامام القائم (علیه السلام) بحسب هذه
الروايات، فإنها دلَّت صريحاً بأن المهدي (علیه السلام) اذا ظهر يقيّض الله تعالى له غمامة، تظلله عن الشمس، تدور معه حيثما دار، وتتوجه معه اينها توجه، لأي بلد كان، وتدفع عنه حرارة الشمس، وعلى رأسه ملك ينادي هذا المهدي فاتبعوه؛ أو منادٍ ينادي من الغمامة هذا المهدي، خليفة الله فاتبعوه. أو ينطق السحاب بلسان فصيح، هذا مهديّ آل محمد(علیه السلام)؛ وهذا النداء والإعلان بإمامة الإمام القائم (علیه السلام) وأنه خليفة الله، والأمر باتَّباعه لتنبيه الغافلين من الناس.
والكرامة الأخرى للإمام القائم (علیه السلام) وأصحابه، ان يطوي الله تعالى له ولأصحابه الأرض، فيسيرون من المشرق الى المغرب في لحظات، لا يحتاجون الى سيارة، أو طائرة، وهذا كله ببركات الامام القائم (علیه السلام) وببركة العلوم التي يعلّمها الناس، وهذا من فضل الله تعالى على الناس، وبذلك تقرُّ عيون المؤمنين، ويحجم عن المناقشة في امامة القائم عليه السلام المنافقين والحاسدين، والكافرين، ويرغم أناف الأعداء والنصاب، ويسلم لأوامره كل شاكٍ ومرتاب، وتزداد بذلك عقيدة المؤمنين الأطياب.
الكتاب المبين وغيبة النعماني
عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: اذا قام القائم (علیه السلام) أقام في أقاليم الأرض، في كل اقليم رجلًا، يقول: عهدك كفّك، فاذا ورد عليك ما لا تفهمه، ولا تعرف القضاء فيه، فانظر الى كفّك واعمل بما فيها. قال: ويبعث جنداً الى القسطنطينية، فإذا بلعوا الى الخليج، كتبوا على أقدامهم شيئاً، ومشوا على الماء، فإذا نظر اليهم الروم، يمشون على الماء، قالوا: هؤلاء أصحابه، يمشون على الماء، فكيف هو؟ ذلك يفتحون لهم باب المدينة، فيدخلونها فيحكمون فيها بما يريدون.
بيان: من أعمال الامام القائم عليه السلام القيمة العظيمة نصب الحكام في اقاليم
الأرض يعد فتحها، والأقاليم كما هي ذكرنا القارات السبع فينصَّب في كل اقليم رجلًا من أصحابه ويقول له: عهدك كفّك والمراد من العهد ما اخذ عليه من الميثاق، وما التزمه على نفسه من الضمان، والقيام بالولاية والحكومة الشرعية الإسلامية على ما يريده الله تعالى، ويريده الامام القائم عليه السلام. فهذا العهد، والولاية، والحكومة الشرعية يعلم، احكامها من النظر في كفّه، فيكون كفّه نظير شاشة التلفزيون، يرى فيها جواب الأسئلة، والحكم في القضايا الشرعية، والسياسية، والاقتصادية، فكلما وردت عليه مسألة أو حادثة، لا يعرف الجواب فيها، والمخرج منها، ينظر إلى كفّه، فيرى الجواب قد رُسم أمام عينيه، فيقرأ ما في كفّه ويحكم على طبقه، ولعل الملائكة ترسم له ذلك الجواب، فيراه مكتوباً في كفّه، فيعلم أنه الحكم الإلهي الواقعي فينفّذه. ومن أعماله القيِّمة أن يبعث جنداً إلى القسطنطينية، وهي استنبول، أو الاستانة وقد مرّ ذكرها، وهي مدينة في تركيا على ضفتي البوسفور، كانت عاصمة تركيا، حيث جعلها قسطنطين الملك عاصمة الأمبراطورية الرومانية الشرقية، وأسماها باسمه القسطنطينية، واستمرت قاعدة الأمبراطورية البيزنطية، إلى أن فتحها الأتراك العثمانيون في سنة 1453 م، وفيها استقر السلاطين، حتى نقل الكماليون العاصمة إلى أنقرة في سنة 1923 م، بأمر مصطفى كمال. فإذا وصل عسكر الإمام القائم (علیه السلام) إلى القسطنطينية، وبلغوا الخليج، كتبوا على أقدامهم شيئاً، ولعله دعاء له أثر خاص؛ من كتبه على قدمه، مشى على الماء، كما يمشي على الأرض؛ فيكتبون ذلك الدعاء على أقدامهم، ويمشون على الماء، فإذا رأوهم أهل الروم، أنهم يمشون على الماء بأقدامهم، خافوا منهم، وسلّموا لهم الملكة، فيدخلون المدينة، أي يفتحونها، ويحكمون فيها بحكم الإسلام.
الفصول المهمة:
للشيخ نور الدين علي بن محمد بن أحمد المالكي المكي الشهير بابن الصَّبَّاغ.
قال: وعن أبي جعفر (علیه السلام) في حديث طويل قال: إذا قام القائم (علیه السلام) سار إلى الكوفة، فوسَّع مساجدها، وكسر كل جناح خارج في الطريق، وأبطل الكنيف، والميازيب الخارجة إلى الطرقات، ولا يدرك بدعة إلَّا أزالها، ولا سنَّة إلَّا أقامها؛ ويفتح القسطنطينية، والصين، وجبال الديلم؛ فيمكث على ذلك سبع سنين، مقدار كل سنة عشر سنين من سنينكم هذه.
بيان: دل هذا الخبر أنَّ القائم (علیه السلام) أول ما يسير إلى الكوفة، فيوسِّع مساجدها، ولعل المراد بها المساجد الأربعة: مسجد الكوفة الأعظم، ومسجد السهلة الأعظم. ومسجد صعصعة بن صوحان، ومسجد زيد بن صوحان؛ وهذه هي المساجد القديمة، وهي مساجد عظيمة، كانت في عهد الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) معروفة.
ويكسر كل جناح خارج في الطريق: والمراد بالجناح الباركونات، وما يخرج من الدور مطلًَا على الطريق، فهذا يحذف، ويكسر، ويرفع، وتسد النوافذ التي فيه.
وأبطل الكنيف والميازيب الخارجة إلى الطرقات: أي رفع وذهب بما أحدث من كنيف في طريق المسلمين؛ وكذا الميازيب الخارجة إلى طريق المسلمين، فإنه يرفعها ويذهب بها ويبطلها.
ويزيل البدع ويقيم السنن: أي يرفع البدع ويميتها، ويثبّت السنن ويحييها.
ويفتح القسطنطينية: أي تركيا وما والاها، والصين، وهي معروفة فيفتحها وما حولها من الدول؛ كما يفتح جبال الديلم وقد مرَّ أنها كردستان.
وفيه: عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: أيضاً: القائم منَّا منصور بالرعب، مؤيد بالظفر، تطوى له الأرض، وتظهر له الكنوز، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويظهر الله دينه على الدِّين كله، ولو كره المشركون؛ فلا يبقى خراب في الأرض إلَّا عمَّره، ولا تدع الأرض شيئاً من نباتها إلَّا أخرجته؛ ويتنعم الناس في زمانه نعمة، لم يتنعموا مثلها قط الحديث.
بيان: دل هذا الخبر أنَّ الله تعالى ينصر الإمام القائم (علیه السلام) بالرعب، وقد مرَّ أنه يسير أمامه شهراً؛ والرعب هو الخوف مع الرجفة، فيقع الرعب في القلوب والأبدان، بأن، يلقي الله تعالى في قلوب أعدائه الخوف، فقلوبهم خائفة منه قبل أن يقدم عليهم بشهر، وأبدانهم ترجف، بل قلوبهم من سماع ذكره؛ وإذا ألقي الرعب في قلوبهم، والرجفة في أبدانهم، فأيديهم لا تتمكن من حمل السلاح، ولا تقوى على المقارعة مع أنصار الإمام القائم (علیه السلام)، فتكون الغلبة والظفر للإمام (علیه السلام) على أعدائه، والنصر له ولأوليائه، فهو مؤيد بالنصر الإلهي.
وتطوى له الأرض: بمعنى أن المسافة التي يقطعها الناس بليال وأيام، فالإمام (علیه السلام) وأصحابه يقطعها في يوم واحد.
وتظهر له الكنوز: أي المخفيّة في الأرض من الذهب والفضة والجواهر وغيرها.
ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب: أي يملك العالم بأجمعه، الدول الشرقية والغربية.
ويظهر الله دينه على الدِّين كلّه: أي يوحّد الأديان، وينشر كلمة الرحمن، ويبين الدين الصحيح، والإسلام الصريح، وهو دين الله المفروض على الناس التديّن به، وهو دين الإمامية الاثني عشرية ولو كره المشركون ذلك.
فلا يبقى في الأرض خراب إلَّا عمره: والخراب في المدن هو تعمير الدور، والقصور المهدومة، والبنايات المعدومة، فيعيدها على أحسن طراز وبناء؛ والخراب في الأراضي والبساتين، هو إعادة شجرها، ونخلها، وغرسها، فيعمّر كلّ ذلك، وكلّ خراب في العالم، فترى العالم كلّه معمور؛ وهذا من أعماله القيّمة، إعماره لبلاد العالم كلّها.
ولا تدع الأرض شيئاً من نباتها إلَّا أخرجته: فتعمر الأرض بالزرع، والنبات. والخضر، والبقول، والثمرات، والفواكه، فتتنعم الناس نعمة في زمان القائم (علیه السلام)، لم يتنعموا قبلها مثل تلك النعمة قطّ، لكثرة الخير والبركة في الزروع، والنباتات، والثمرات، فتكون الدنيا جنينة تسر الناظرين.
وعن الصدوق بإسناده إلى الصادق (علیه السلام) في حديث قال: وإذا بعث المهديّ والياً إلى بلاد يقول له: إن كتابك في كفّك، فإذا ورد عليك حكم، لم تعرف حكم الله فيه، انظر إلى كفّك، فإنَّ الله تعالى يكتب لك حكم القضية فيه، حتى تعلمه ويرسل المهدي (علیه السلام) عسكراً إلى اسلامبول، فإذا وصلوا إلى الخليج كتبوا شيئاً على أقدامهم، ومشوا على الماء، فإذا شاهد الروم هذه الحالة منهم، تعجبوا وقالوا: كيف يكون حال المهديّ؟ فيفتحون اثني عشر بلداً، وسلام الناس على المهديّ في ذلك الوقت: السلام عليك يا بقية الله؛ ويظهر في مسجد الكوفة عين من دهن، وعين ماء للطهور، وعين ماء للشرب.
الكتاب المبين:
عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام) في وصف مسجد الكوفة: في وسطه عين من دهن، وعين من لبن، وعين من ماء، شراب للمؤمنين؛ وعين من ماء طهور للمؤمنين.
بيان: دل الخبر الأول على أنَّ الإمام القائم (علیه السلام)، إذا بعث والياً إلى بلد من البلاد
قال له: إن القانون والكتاب الذي تحكم به، وتعتمد عليه، هو في كفّك؛ فإذا ورد حكم، أو مسألة لم تعرف فيها حكم الله تعالى، تنظر إلى كفّك، فيكتب لك حكم القضية؛ ولعل الذي يكتب الحكم له هم الملائكة وقد مرّ ذلك.
ويبعث الإمام (علیه السلام) عسكراً لفتح اسلامبول، أي استنبول، أو الاستانة؛ فإذا وصلوا إلى خليج البحر الموجود في تركيا، وكان في السابق خليجاً متَّصلا بالبحر المتوسط. وقد شق له مضيق البوسفور لإيصاله بالبحر الأسود، فأصبح بحراً، ويسمى بحر مرمرة فعلاً، فمن جهة الجنوب يتصل بواسطة مضيق الدردنيل ببحر إيجة ومن جهة الشمال يتصل بواسطة مضيق البوسفور بالبحر الأسود؛ كتبوا اسماً على أقدامهم، فيمشون على الماء، ويعبرون إلى الجانب الآخر؛ فإذا رآهم أهل تركيا يمشون على الماء، كما يمشون على الأرض، تعجّبوا منهم، وسلّموا البلاد لهم، فيفتحون تركيا، ثم يسيرون إلى الدول الأخرى، التي بعدها، دولة بعد أخرى، فيفتحون اثني عشر دولة من الدول الأوربية، وينشرون فيها دين الإسلام الصحيح.
ومن المشاريع العظيمة القيّمة التي يقوم بها الإمام القائم (علیه السلام)، أن يخرج من مسجد الكوفة عيون ثلاثة:
عين من الدهن: والمراد بالدهن هو النفط، لأن النفط عرف بأنه دهن معدني، سريع الإحتراق، توقد به النار، ويُتداوى به. وقد جاء في الحديث الكبريت والنفط، بفتح النون والكسر أفصح، وهو دهن معروف، له معدن في العراق، وإيران وغيرهما من الدول الأخرى، فالمراد من عين الدهن هو النفط المعبّر عنه بالذهب الأسود في الإصطلاح الحديث.
وعين ماء للطهور: أي يستعمل ماءها للتطهير به من الخبث والحدث، ولغسل الأبدان والثياب.
وعين ماء للشرب: أي يستعمل للطعام والشراب. وقد أخبر عن هذه العيون الثلاثة، بل زاد رابعة، الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) في الخبر الثاني، حيث إنه وصف مسجد الكوفة فقال: إن في وسطه عين من دهن أي من النفط، وعين من لبن يشرب منها المحرورين والعطاشا. وعين من ماء شراب يشرب منها المؤمنين أي في زمن القائم (علیه السلام)، وعين من ماء طهور للمؤمنين، أي يتطهر بها المؤمنون في زمن القائم (علیه السلام)، فيتوضؤون
ويغتسلون، ويطهرون ثيابهم وأبدانهم من الخبث والحدث؛ وإنما قال الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام): شراب للمؤمنين، وطهور للمؤمنين. فهذا يدل على أنَّ هذه العيون تظهر وتخرج في زمن المؤمنين، وفي دولتهم، وهي دولة الإمام القائم (علیه السلام)، وإلَّا لم تكن ظاهرة في زمانه، كما أنَّ الكوفة في زمانه مملوءة بالمنافقين، والفاسقين، والكفار، والزنادقة، مثل أبن الكوّا وغيره. فالمراد بهذه العيون هي العيون التي تظهر وتخرج عند ظهور القائم (علیه السلام)، واستيلائه على النجف والكوفة، وسيطرته عليهما، وهذا من المشاريع العظيمة التي يقوم بها القائم (علیه السلام).
السر المكنون
قال: وروي عن الصادق (علیه السلام) في تفسير قوله تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) [القصص 85] الآية. قال: والله ما تنقضي الدنيا حتى يرجع رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (علیه السلام)، فيلتقيان في النجف، ويبني - أي القائم (علیه السلام) - مسجداً في ظهر الكوفة، يعلّق عليه اثني عشر ألف باب.
بيان: من مشاريع الإمام العظيمة بناؤه المساجد على الطريقة الإسلامية الصحيحة؛ ومنها بناؤه مسجداً قرب النجف الأشرف، بظهر الكوفة، له اثني عشر ألف باب؛ ومعنى التعليق للأبواب هو نصبها، وإنما يبني هذا المسجد الواسع العظيم، لما سيأتي في الأخبار ان شاء الله أنَّ صلاة الجماعة خلف الإمام القائم (علیه السلام)، لا يسعها مسجد الكوفة فيشكوا بعض المؤمنين إليه، فيرتاد لهم هذا المسجد العظيم.
كشف الغمة
في رواية عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا قام
قائم آل محمد (علیه السلام) بني مسجداً له ألف باب، واتصلت بيوت أهل الكوفة بنهري كربلاء.
بيان: يعلم أنَّ هذا المسجد، الذي يقوم ببنائه الامام القائم (علیه السلام)، في ظهر الكوفة، غير المسجد الأول، لأن هذا المسجد له ألف باب، وذاك له اثني عشر ألف باب؛ ويُحتمل أنه نفسه وقد أسقط مني قلم النساخ اثني عشر والله أعلم، ولكن دل الخبر على ان الكوفة تتسع في زمن القائم (علیه السلام) حتى متعددة تتصل بيوت اهلها بنهري كربلاء، لأن الامام القائم يجعلها عاصمة له؛ فيتحمل ان تبنى فيها مساجد متعددة. كما ويستفاد من الخبر أنَّ الامام القائم يشق في كربلاء نهرين، فبيوت الكوفة لاتساعها وكثرتها يصل
حدها الى نهري كربلاء.
الكتاب المبين السفر الثاني منه
في باب ما ورد في الكوفة ومسجدها عن العوالم. عن حبة العربي قال: خرج أمير المؤمنين عليه السلام الى الحيرة فقال: ليتصلن هذه بهذه، وأوما بيده الى الكوفة والحيرة، حتى يباع الذراع فيما بينهما بدنانير وليبنين بالحيرة مسجداً له خمسمائة باب، يصلي فيه خليفة القائم (علیه السلام)، لأن مسجد الكوفة ليضيق عليهم، وليصلين فيه اثنا عشر إماماً عدلاً. قلت: يا أمير المؤمنين ويسع مسجد الكوفة هذا الذي تصف من الناس يومئذ؟ قال: يبني له - اي القائم - أربع مساجد، مسجد الكوفة اصغرها، وهذا ومسجدان في طرفي الكوفة من هذا الجانب وهذا الجانب، وأومأ بيده نحو نهر البصريين والغريبين.
بيان: أنبأ هذا الخبر عن أمر من الأمور الغيبية، وهو اتصال بلدة الكوفة ببلدة الحيرة، وقد اتصلت في هذه الأزمنة بيوت الكوفة ببيوت الحيرة؛ والحيرة هو البلد القديم بظهر الكوفة، كان يسكنه النعمان بن المنذر ملك الحيرة؛ وكانت قاعدة الملوك اللخميين أي عاصمتهم، وكان أهلها من المسيحيين الناطرة، وبعد ان تنصّرت العائلة المالكة لها، اقامت هندام الملك عمرو، بعد خمسمائة وخمسون ديراً لرهبان النصارى فيها، وقد بني بن المنذر الأكبر قصران في قرب الكوفة، احدهما قصر السُدَيْر، ويقع على جهة النخيل والبحر اي بحر الني، والآخر قصر الخورنق، وهو مقابله قريب من الكوفة من جهة نهر الفرات؛ ولم يبق منها في هذه الأزمنة إلَّا رسوم، فهي خراب لأنها كانت دوراً للظلمة.
أما السُدَيْر: فذكر بعض أنه قصر اتخذه النعمان بن المنذر الأكبر، الذي يقال له الاعور، لبعض ملوك العجم، والصحيح انه ليس كذلك، وإنما كانت بالقرب منه ديور ثلاثة للنصارى، وقد هدمت تلك الديور، فبنى هذا القصر وسماه باسمها ستادير بالفارسية، يعني ثلاثة ديور، ولأجل التخفيف ستادير صارت سدير، فقالوا قصر السُدير أي قصر الديور الثلاثة. وهذا النعمان الأعور هو الذي لبس المسوح، واحد المسح، وهو البلاس، وهو كساء معروف وساح في الأرض.
وأمَّا الخورنق: فذكر بعض أنه موضع في العراق قرب النجف، سكنه بنو اياد؛ عمّر
فيه النعمان الأعور قصرا، وشيدّه العباسيّون، وخرب في القرن الرابع عشر، اشاد بذكره شعراء الجاهلية. والصحيح ان نفس القصر اسمه قصر الخورنق، بناه النعمان الأعور داراً للضيافة، وسماه خوان رق، والخوان هي ما يوضع عليه الطعام ليؤكل، ويسمى في العرف العام السفرة، وهي فارسية، وهو بساط يفرش ويوضع عليه الطعام وهو الخوان وفي الحديث ما أكل النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) على خوان قط. وقيل: كان تواضعاً لله تعالى، لئلا يفتقر الى التطاول في الأكل، فهذا القصر قصر الخوان رق، لكثرة الاستعمال والتصحيف في الكلمة، قالوا خورنق، أي قصر الضيافة، والخوان والطعام، وقد عاد البناء والقصور، واتصلت الكوفة والحيرة، كما أخبر بذلك الامام أمير المؤمنين عليه السلام، وهذا من أخباره بالأمور الغيبية، وقد بيع الذراع من تلك الأرض بدنانير كثيرة، كما ذكره عليه السلام. وسيبني الامام القائم (علیه السلام) مسجداً خاصاً لبلدة الحيرة، وهو مسجد عظيم كبير له خمسمائة باب، ويعيّن والياً واميراً وخليفة من قبله، يصلي في ذلك المسجد، ولعل ذلك لصلاة الجمعة، لوجوبها في زمن الحضور، وذكر أنَّ السبب في بناء هذا المسجد، لأن مسجد الكوفة يضيق على المصلين، فيفرد لأهل الحيرة مسجداً آخراً، ليوسع في إقامة الصلاة، وفي مكان الصلاة على المصلين.
ثم ذكر كرامة لمسجد الكوفة، وانها بقعة مشرّفة وستزداد شرفاً، ان يصلي فيه اثني عشر اماما عدلا اي من أي من الأئمة المعصومين عليهم السلام، ثم لمّا فهم السائل من کلام الامام (علیه السلام) عن اخباره باتصال بلدة الكوفة ببلدة الحيرة بكثرة الناس؛ سئل الامام ان مسجد الكوفة هل يسع هذا الخلق الكثير من الناس، فأخبر (علیه السلام) ببناء القائم (علیه السلام) اربعة مساجد أحدها: مسجد الكوفة وهو اصغر منها، ومسجد الحيرة الذي له خمسمائة باب ومسجدان آخران: احدهما الى يمين مسجد الكوفة والآخر الى شماله. احدهما من جهة البصرة والحيرة، والثاني من جهة الغريين أي النجف الأشرف، وهذا من أخبار الامام (علیه السلام) بالمغيبات.
وفيه: عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام)، في حديث له حتى انتهى إلى مسجد الكوفة، وكان مبنيّاً بخزف ودنان وطين فقال: ويل لمن هدمك، وويل لمن سهّل هدمك، وويل لبانيك بالمطبوخ المغيّر قبلة نوح؛ طوبي لمن شهد هدمك مع قائم أهل بيتي، أولئك خيار الأمة مع أبرار العترة.
بيان: أكد هذا الخبر على أنَّ الإمام القائم عليه السلام، يهدم مسجد الكوفة، وقد مرّ سابقاً أنه يهدمه ويعيده إلى أساسه القديم الأول، لأنه قد نقص من أسسه اثني عشر ألف ذراع. ويدل هذا الخبر أنَّ قبلة مسجد الكوفة قد وقع فيها تغيير وانحراف، فاذا ظهر الإمام يهدم المسجد، ويبني قبلته على النحو الصحيح، وقد رأيت بعض الخطباء من المؤمنين، وهو رجل كبير السن معروف من أهل الكوفة، (يصلي في مسجد الكوفة، وهو منحرف إلى جهة اليسار فسألته عن أن القبلة فيها انحراف؟ قال: نعم. قلت له: وما الدليل على ذلك؟ قال: إني رأيت السلف الصالح من المجتهدين الذين صلّوا في هذا المسجد، وعدّ أشخاصاً منهم: آية الله السيد ابو الحسن الأصفهاني وغيره، كانوا كلهم يصلون منحرفين إلى جهة اليسار، وهذا ممّا يؤيد أنَّ القبلة فيها انحراف.) فإذا ظهر القائم عليه السلام، هدم حائطه وسوىٰ قبلته على الوجه الصحيح.
وفيه: عن أبي جعفر (علیه السلام) في حديث طويل قال: ويدخل المهديّ الكوفة، وبها ثلاث رايات قد اضطربت بينها، فتصفوا له، فيدخل حتى يأتي المنبر، ويخطب ولا يدري الناس ما يقول من البكاء، وهو قول رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): كأني بالحسني والحسيني وقد قاداها فيسلماها إلى الحسيني فيبايعونه، فإذا كانت الجمعة الثانية، قال الناس يا بن رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) الصلاة خلفك تضاهي الصلاة خلف رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) والمسجد لا يسعنا. فيقول: أنا مرتاد لكم، فيخرج إلى الغري، فيخطُّ مسجداً له ألف باب، يسع الناس، عليه أصيص، ويبعث فيحفر من خلف قبر الحسين (علیه السلام) لهم نهراً يجري إلى الغريين، حتى ينبذ في النجف؛ - وفي نسخة - حتى ينزل الماء في النجف، ويعمل على فوهته قناطراً وأرحاء في السبيل، وكأني بالعجوز وعلى رأسها مكتل، فيه برّ حتى تطحنه بلا كري - وفي نسخة - بكربلاء.
بیان: دل صدر الخبر على أن الإمام القائم (علیه السلام)، إذا قدم الكوفة وأراد فتحها، وجد فيها دول ثلاث، تحارب كل منها الأخرى وتتقاتل، واختلفت فيما بينها، والظاهر أنَّ تلك الرايات الثلاث، هي أحزاب ثلاث يقاتل بعضها بعضاً، كل منهم يطلب الملك، وذلك بعد إتيان راية السفياني، وراية السيّد اليماني، وراية السيّد الحسيني، والسيّد الحسني والهاشمي إلى الكوفة، ووقوع القتال بين جيوش اليمانيّ؛ وجيوش الحسيني، والحسني، والهاشمي، مع جيش السفياني، فيقتلونهم عن آخرهم، لا يبقى منهم مخبر؛ ويخرج اليماني، والسيّد الحسني والهاشمي بجيوشهم، متوجهين إلى الحجاز، يستقبلون
الإمام القائم (علیه السلام)، وتبقى الكوفة خالية من العسكر، فيقوم هؤلاء الأحزاب ويعود، السفياني بعكسر آخر إلى الكوفة، فيقع القتال بين السفياني وبين الأحزاب المخالفة له، فيقتلهم السفياني: فاذا قدم الامام القائم (علیه السلام) بجيشه اندحر السفياني وجيشه بعد قتلهم والاستيلاء عليهم، فتصفوا الكوفة له، فيدخلها ويرقى المنبر، فيخطب في الناس، ولا يفهم الناس خطابته لبكائه.
ثم ذكر الإمام الباقر (علیه السلام) استقبال السيّد الحسني - أي الخراساني - والسيِّد الحسيني ولعله الخميني حفظه الله وأبقاه ذخراً للإسلام والمسلمين - أو السيِّد الهاشمي الخارج من سيستان، للإمام القائم (علیه السلام)؛ وهؤلاء هم قواد الأمة الإسلامية، فالإمام (علیه السلام) يقول: كأني بهذين السيّدين وقد قادا الأمة الإسلامية، فيسلماها - أي يسلمان الأمة أو يسلمان القيادة - إلى الحسينيّ، وهو الإمام القائم (علیه السلام)، لأنه من أولاد الحسين (علیه السلام).
ففي هذه الرواية بشارة واضحة عظيمة، في أنَّ القيادة والرئاسة ثابتة لأهل العلم والسادة، ولا تذهب من يد أهل العلم، والسادة، والعلماء، حتى يأتي الإمام الحجّة (علیه السلام) فيسلمون الأمر والرئاسة له، فلا يطمع أحد من العالم في أخد الحكم، وسلب الدولة، من يد أهل العلم والسادة، بعدما نصّت الرواية على أن أهل العلم والسادة، هم الذين يسلّمون القيادة للإمام القائم (علیه السلام)؛ وهذا ممّا يقوي عزم الأمة الإسلامية، ويوجب ثباتهم على الدولة، وشجاعتهم وجرأتهم على الكافرين، والمنافقين، والفاسقين، وعدم الأعتناء بما يصدر منهم من تهديد، وتهريج، وتوعيد، وبما يحدث منهم من تخويف، فليضج الضاجون، ويعج العاجون، فهم كسحب برعد من غير مطر، وكسراب بقيعة، يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاء لم يجده شيئاً، ولا يغتر أحد من المسلمين بكثرتهم، فربَّ فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين. ويكثر الله الفئة المسلمة القليلة في أعين الكافرين ويقلل الفئة الكافرة في أعين المسلمين، وينصرهم عليهم، وما النصر إلَّا من عند الله العزيز الحميد.
كما أنَّه لا يغتر أحد من الإسلام بكثرة قواهم، لأن الله تعالى هو القوي العزيز، إن يشأ يذهبكم، ويأت بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز. وبعد مرور أسبوع على أقامة الإمام القائم (علیه السلام) في الكوفة، يشكون عنده في الجمعة الثانية، من ضيق مسجد الكوفة، وعدم سعته لصلاة الجماعة. فيقول: أنا مرتاد لكم، والمرتاد هو من يذهب في طلب الشيء متردداً متفقداً في طلبه، كالرائد الذي يذهب متفقداً ما في الأراضي من المراعي
والمياه، ليرى منزلا يصلح لهم النزول فيه، وبه يضرب المثل؛ والرائد لا يكذب أهله؛ فالإمام (علیه السلام) يكون رائد لهم، فيذهب للتفقد في الأراضي الواقعة بالغري أي بالنجف، فيخط مسجداً له ألف باب يسع الناس، ويختار لهم مسجداً فيها، بأن يختار بقعة شريفة من الأراضي الواقعة فيها، ويأمر ببنائها مسجداً، قال عليه أصيص أي بناء محكم قوي ضخم.
ثم قال: ويبعث فيحفر من خلف قبر الحسين، لهم نهراً يجري إلى الغربين، حتى ينبذ في النجف. وهذا من المشاريع العظيمة القيّمة التي يقوم بها الإمام القائم (علیه السلام)، هو أن يأمر بحفر نهر للمؤمنين، الذين يسكنهم النجف من كربلاء من خلف قبر الحسين (علیه السلام)، والمراد من خلف قبر الحسين (علیه السلام) عليه إمَّا من بحيرة الرزازة، المتصلة بالحبَّانية وبنهر الفرات الأعلى، فإن هذه البحيرة تقع خلف قبر الحسين (علیه السلام). وإمَّا من سدَّة الهندية، فإنها أيضاً تقع خلف قبر الحسين (علیه السلام) ومن الفرات الأسفل، ومن جهة المشرق للروضة المقدسة، فيجري هذا النهر حتى ينبذ - أي يصب - في بحر النجف، وهي البحيرة المعروفة ببحيرة تي، أو بحر ني، ولذلك لمّا جف ويبس ذلك البحر قيل ني جف، ولأجل التخفيف قيل نجف.
وعلى هذا الأساس قال الشاعر مادحاً للإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، عندما بنيت أول قبة على قبره، وكانت بيضاء قال مخاطباً له: يا صاحب القبة البيضاء على النجف من زار قبرك واستشفى لديك شفي.
ثم يعمل الإمام القائم (علیه السلام) على هذا النهر جسوراً كثيرة، وعبّر عنها بالقناطر جمع قنطرة، وأرحاء لطحن الحبوب من الحنطة، والشعير وغيرها، على السبيل - أي على الطريق - وعلى ذلك النهر، ليطحن الناس ما يحتاجون إليه من الحبوب.
ثم قال الإمام (علیه السلام): وكأني بالعجوز - أي المرأة العجوز - وعلى رأسها مكتل - أي زنبيل فيه برّ - أي حنطة - فتأتي إلى الطاحونة، فتطحنه بلا كرى أي بلا أجرة، وهذه النسخة هي الأصح لا بكربلاء. ويؤيد ذلك ما رواه الصدوق بإسناده الى الصادق (علیه السلام) قال: ويبني أي القائم (علیه السلام) في ظهر الكوفة مسجداً، ويعلّق عليه ألف باب، ويجري نهراً من عند قبر الحسين (علیه السلام) إلى النجف، يصب ماؤه في بحر النجف، وتبنى عليه الأرحية.
وقال الباقر (علیه السلام): كأني أنظر الى العجوز وعلى رأسها زنبيل فيه حنطة تمضي لتطحنه بلا كراء. فيعلم أن الأصح هي كون الجملة بلا كراء أي أجرة لا بكربلاء.
دلائل الامامة لمحمد بن جرير الطبري
بإسناده إلى أبي الجارود، عن أبي جعفر الباقر (علیه السلام): سألته متى يقوم قائمكم؟ قال: يا أبا الجارود لا تدركون. فقلت: أهل زمانه؟ فقال: ولن تدرك أهل زمانه، يقوم قائمنا بالحق بعد أياس من الشيعة، يدعو الناس ثلاثاً، فلا يجيبه أحد، فإذا كان اليوم الرابع تعلّق باستار الكعبة. فقال: يا رب انصرني، ودعوته لا تسقط. فيقول تبارك وتعالى للملائكة الذين نصروا رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) يوم بدر، ولم يحطوا سروجهم، ولم يضعوا أسلحتهم، فيبايعونه ثم يبايعه من الناس ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا. يسير إلى المدينة، فيسير الناس حتى يرضى الله عز وجل، فيقتل ألف وخمسمائة قرشياً، ليس فيهم إلَّا فرخ زنية. ثم يدخل المسجد فينقض الحائط حتى يضعه إلى الأرض. ثم يخرج الأزرق وزريق، لعنهما الله، غضّين طريّين، يكلمها فيجيبانه فيرتاب عند ذلك المبطلون، فيقولون: يكلم الموتى، فيقتل منهم خمسمائة مرتاب في جوف المسجد؛ ثم يحرقها بالحطب الذي جمعاه ليحرقا به عليَّاً، وفاطمة، والحسن، والحسين، (علیه السلام)، وذلك الحطب عندنا نتوارثه؛ ويهدم قصر المدينة، ويسير الى الكوفة، فيخرج منها ستة عشر الفاً من البترية، شاكين في السلاح، قرّاء القرآن، فقهاء في الدِّين، قد قرّحوا جباههم وسمّروا رساماتهم وعمّهم النفاق، وكلهم يقولون: يابن فاطمة، ارجع لا حاجة لنا فيك. فيضع السيف فيهم على ظهر النجف، عشية الاثنين من العصر الى العشاء، فيقتلهم أسرع من جزر جزور، فلا يفوت منهم رجل، ولا يصاب من أصحابه أحد، دماؤهم قربان الى الله، ثم يدخل الكوفة، ويقتل مقاتليها حتى يرضى الله.
قال: فلم أعقل المعنى، فمكثت قليلاً، ثم قلت: جعلت فداك، وما يدريه متى يرضى الله عز وجّل؟
قال: يا أبا الجارود، ان الله أوحى الى موسى، وهو خير من أم موسى، وأوحى الله إلى النحل، وهو خير من النحل فعقلت المذهب. فقال لي: أعقلت المذهب؟ قلت: نعم. فقال: إنَّ القائم (علیه السلام) ليملك ثلاثمائة وتسع سنين، كما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملئت ظلما وجوراً، ويفتح الله عليه شرق الأرض
وغربها، يقتل الناس حتى لا يرى الَّا دين محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) يسير بسيرة سليمان بن داود، يدعو الشمس والقمر فيجيبانه، وتطوى له الأرض، فيوحي الله إليه فيعمل بأمره.
بيان: هذا الخبر عظيم جداً، يحكي جملة من مشاريع الامام القائم (علیه السلام) العظيمة، كما يحكي صفاته وحالاته القيَّمة، وأعماله الجسيمة، التي لا تصدر، ولا تكون الَّا لنبي، او وصيّ نبي مثله، فذكر:
اولاً: إنَّ الإمام القائم لا يقوم إلَّا بعد أن تيأس الشيعة من ظهوره.
وثانياً: إنَّ ظهوره وانتصاره لا يتحقق إلَّا بدعائه؛ لأنه قال: انه يدعو الناس الى الثورة، والقيام ضد الطغاة والظلمة، فلا يجيبه احد في ثلاثة ايام، وفي اليوم الرابع تعلق بأستار الكعبة، ودعى الله سبحانه وتعالى، وحيث انه امام مفترض الطاعة فدعاؤه مستجاب، فيقبل الله دعاءه. ولذا قال: ودعوته لا تسقط، أي لا تُرد فيستجاب دعاؤه ويأمر الله ملائكة النصر، الذين نصروا النبي صلى الله عليه وآله في وقعة بدر، فيهبطوا عليه ويبايعونه، ويجمع الله له أصحابه وقوّاد جبهته الحربية، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا ويجتمع المؤمنون من الشيعة حوله، فإذا كمل جيشه العقد، وهو عشرة آلاف، سار إلى المدينة بعد فتح مكة، وتنظيم أمورها، وجعل حاكماً فيها؛ فإذا وصل المدينة قاتله النواصب من أهلها، فيقتل ألف وخمسمائة قرشيّاً من النواصب، قال: ليس فيهم إلَّا فرخ زينة - اي متكون من الزنا - فيعلم أنَّ اغلب النواصب من الوهابية، الذين يقطنون المدينة أولاد الزنا، إمَّا لعدم صحة عقد النكاح عندهم، كما اطّلعت عليه في أسفاري الى مكة، انهم غير عارفين بإجراء عقد النكاح. وإمَّا لعدم إتيانهم بطواف النساء في الحج، فتحرم نساؤهم عليهم، فيكون أولادهم أولاد الزنا. وإمَّا لأن امهاتهم زانيات. فلذلك قال الإمام (علیه السلام) إنَّ الخارج على الامام القائم (علیه السلام) ومن يقتله من اهل المدينة، من النواصب، ليس فيهم إلَّا فرخ زينة - أي ابن زنا - و هم أولاد الحرام، ولا يكون ولد الحرام الَّا نغل، عتل، زينم، همَّاز، مشّاء، بنميم، منَّاع للخير، معتد، اثيم، فهو من مادة الفساد، التي يجب قلعها والقضاء عليها، فلذا يقضي عليهم.
ويهدم المسجد ويعيده كما كان أولاً في عهد رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ويقوم بأعمال عظيمة، فيرتاب عند ذلك المبطلون، وهم أهل الباطل من الوهابيين، والنواصب، فيقتل خمسمائة مرتاب في جوف المسجد؛ وهؤلاء المرتابون والشاكون في الامام وفي اعماله لا يعلمون انَّ افعاله مستندة لأمر الله تعالى، وانه لا يفعل شيئاً، إلَّا بأمر من الله ورسوله، وأنه لا
يخالف أوامر الله ورسوله، والنواهي الصادرة عنهم، ولا يعلمون أنّ الأئمة من آل محمد، أناس متّقون، لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعلمون، ومن شكّ في الامام وأفعاله، وردّ عليه، فهو كالرادّ على الله تعالى، وكان كافراً، وحكمه القتل والإعدام.
ثم قال: ويهدم قصر المدينة: والمراد من هذا القصر هو قصر إمارة الظلمة، ودائرتهم التي يظلمون الناس فيها، وهو من الأمور المستحدثة، فلذا يأمر بهدمه. ويسير الى الكوفة، فيخرج منها ستة عشر ألفاً من البترية، شاكّين في السلاح، قرّاء القرآن. فقهاء في الدَّين، قد قرحوا جباههم، وسمّروا رساماتهم، وعمهم النفاق.
أمَّا البترية فقد تقدم أنهم طائفة من الزيدية، وهؤلاء يقومون بمؤامرة ضد الإمام القائم (علیه السلام)؛ ويقال: انهم من جيش السيَّد الحسني، أو من جيش السيَّد اليماني الذي يخرج من الكوفة، مستقبلاً للامام؛ وهم يعتقدون بإمامة زيد بن علي بن الحسين عليه السلام، وليسوا هؤلاء من الشيعة، ولا من علماء الشيعة، بل لهم مذهب خاص، وعلماء مخصوصون.
وأما وصفهم بأنهم قرّاء القرآن - أي يقرأونه - وفقهاء - أي أذكياء فهماء - في مسائل الدين، لأنهم من علماء الشيعة؛ ولذلك عندما ارتدوا وعدلوا عن الطريق المستقيم، وردّوا على الامام، وخرجوا عليه، لاعتقادهم ان مؤامرتهم سوف تنجح، وأن الإمارة تعود لهم، فلذا عمّهم النفاق، وكلهم يقولون للامام: ارجع يا بن فاطمة، استحقوا القتل فقتلهم. فلو كانوا يعتقدون بإمامة الأئمة الاثني عشر، ويعلمون ان الامام القائم (علیه السلام) هو الوصي الثاني عشر للنبي (صلی الله علیه وآله وسلم)؛ وأنه ابن رسول الله، ومن أهل بيته، وأنه منصوب ومبعوث من قبل الله تعالى لإصلاح العالم، وإحياء الدَّين، كما تعتقده الشيعة الامامية الاثني عشرية، لم يردّوا عليه، ولم يخرجوا عليه، ولم يعارضوه؛ ولكن أساس دينهم خراب، وقد ساروا على أصل غير مستقيم، وغير محكم، بل ساروا على شفا جرف من النار، فأنهار بهم في نار جهنم، فاستحقوا بذلك القتل والإعدام، ويصلون سعيراً يوم القيام.
ثم يدخل الإمام القائم (علیه السلام) الى الكوفة ويقتل مقاتليها: أي يقاتل من قاتله من الأحزاب المخالفة، فيقتلهم حتى يرضى الله تعالى. وقد اورد الراوي على الامام أنه كيف يعلم القائم (علیه السلام) انَّ الله قد رضي بفعله؟
فأجابه عليه السلام بما معناه إن الله تعالى يوحي إليه أني قد رضيت بما صنعت: ولكن الامام لم يجبه هكذا، بل ذكر له نظائر هذا الأمر وقال له: يا أبا الجارود ان الله أوحى الى أم موسى، وهو خير منها؛ وأوحى الى النحل وهو خير من النحل؛ فلما ذكر له ذلك قال: فعقلت المذهب، وانه يتصور الوحي في الموردين المذكورين من القاء هذا الأمر في القلب، أو نقر في الأسماع، أو ملك يحدثه به، لأن الامام محدّث تحدثه الملائكة ونحو ذلك، فارتفع ما في ذهنه وعقل المذهب.
ثم ذكر مدة مملكة الامام (علیه السلام) كما سيأتي ان شاء الله، أنها ثلاثمائة سنة وتسع سنين، كما لبث أهل الكهف في كهفهم؛ وذكر أعمالاً عظيمة يقوم بها القائم (علیه السلام) ومعجزات باهرات تظهر منه، يعجز عنها البشر، بعد ان يفتح شرق الدنيا وغربها، ويملك الدول الشرقية والغربية، ويقتل المخالفين منهم، ويبقي الطائعين الذين يؤمنون بدين الاسلام، ويقرّون بشهادة أن لا اله إلَّا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الأئمة الاثني عشر أولياء الله تعالى.
منها: أنه يسير بسيرة سليمان بن داود عليه السلام، أي يخبر كل شخص باسمه، واسم أبيه وقبيلته وعمره، وأعماله، وما فعله، فلا يحتاج الى معرّف، وشاهد، وبيّنة فيخبر بالغيب.
ومنها: انه يدعو الشمس والقمر فيجيبانه، فيأمرهما بالشروق، والغروب والتقدم، والتأخر فيسرعان في طاعته، وهذا أمر يعجز عنه البشرو
ومنها: أنه تطوى له الأرض إذا سار، فالمسافة التي يقطعها الناس في أيام وليال، يقطعها في ساعة واحدة، بل بأقل من ذلك هو وعسكره.
ومنها: ان الله تعالى يوحى اليه ويأمره بواسطة الملك بأوامر، فينفذ تلك الأوامر. وهذا من فضل الله على المؤمنين في زمانه، ان يريهم هذه المعجزات العجيبة، والأمور الغريبة.
دلائل الامامة
بإسناده الى محمد بن علي السلمي، عن أبي جعفر محمد بن علي (علیه السلام) قال: إنما سمّي المهديّ مهدياً، لأنه يهدي الى امر خفيّ، يهدي الى ما في صدور الناس، فيبعث الى الرجل فيقتله، لا يدري في أيّ شيء قتله، ويبعث ثلاث راكب قال وهي بلغة غطفان
ركبان: أما راكب فيأخذ ما في أيدي اهل الذمة من رقيق المسلمين فيعتقهم. وأما راكب فيظهر البراءة منهما يعوب ويعوق في أرض العرب. وأما راكب يخرج التوراة من مغارة انطاكية ويعطي حكم سليمان.
بيان: دل هذا الخبر على أعمال عجيبة يقوم بها الامام القائم (علیه السلام):
منها: ما يشير اليه لقبه المهديّ، وأن السبب في تسميته المهديّ لأنه يهدي الى امر مخفيّ، لأنه يهدي الى ما يضمره الناس في صدورهم، فهو يعلم علم الضمائر، وما تخفي الصدور، حيث ينوي الرجل في نفسه سوءاً، فيعلم به فيبعث اليه فيقتله، ولا يدري الناس في أي شيء قتله، ولكن الرجل يعلمه الامام بما اضمر من سوء ثم يقتله.
ومنها: انه يبعث ركبان ثلاثة:
الأول: يبعثه ليعتق ما استرقّه أهل الذمة والكفار من المسلمين، ويطلق رقابهم من أهل الكتاب والكفار.
الثاني: يبعثه لينادي في أرض العرب بالبراءة من الأصنام، التي كانوا يعبدونها. الثالث: يبعثه لإخراج التوراة وبعض صحف الأنبياء المودعة في مغارة في أنطاكية، وقد مرّ أنها اليوم تقع في تركيا، ويحكم بحكم سليمان، من الأخبار بالضمائر وما تخفيه الصدور؛ وهذا أمر يعجز عنه سائر البشر، ولا يصدر إلَّا عن نبي، أو وصيّ نبي، او مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان. اللهم اجعلنا منهم.
العوالم
عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذا قدم القائم (علیه السلام) وبث ان يكسر الحائط الذي على القبر، فيبعث الله ريحاً شديداً، أو صواعق، ورعوداً، حتى يقول الناس: إنما ذا لذا؛ فيتفرق اصحابه عنه، حتى لا يبقى معه احد، فيأخذ المعول بيده، فيكون اول من يضرب بالمعول، ثم يرجع اليه اصحابه إذا رأوه يضرب بالمعول بيده، فيكون ذلك اليوم فضل بعضهم على بعض بقدر سبقهم اليه، فيهدمون الحائط، ثم يخرجهما غضّين رطبين، فيلعنهما ويتبرأ منهما، ويصلبهما، وينزلهما، ويحرقهما، ثم يذريهما في الريح.
بيان: هذا الخبر ينقله الصدوق في العوالم، وهو ينقل بعض الأعمال التي يقوم بها الامام القائم (علیه السلام)، وهو عقابه لرجلين مجرمين يصلبهما، ثم يحرقهما، ويذريهما في
الريح، وذلك جزاء لما فعلا نكالاً من الله تعالى، والامام في الدنيا، ويتبعها عذاب الآخرة، ولعذاب الآخرة أشد وأخزى.
مدينة المعاجز
عن دواد الرقي قال: جاء رجل الى أبي عبد الله (علیه السلام) فقال له، ما بلغ من كَلِمِكم؟ قال: ما بلغ من سؤالكم. فقال الرجل: بحر ما هذا تحته شيء؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: نعم رأي عين أحب اليك، ام سمع الأذن؟ فقال الرجل: بل رأي العين، لأن الأذن قد تسمع ما لا تدري، وما لا تعرف، وما ترى العين يشهد به القلب، فأخذ بيد الرجل، ثم انطلق حتى أتى شاطىء البحر، فقال: ايها العبد المطيع لربه، اظهر ما فيك، فانفلق عن آخر ما فيه، وظهر ماء اشد بياضاً من اللبن، واحلى من العسل، واطيب من رائحة المسك، والذ من الزنجبيل. فقال له: يا أبا عبد الله جعلت فداك، لمن هذا؟ قال: للقائم وأصحابه. قال: متى؟ قال: إذا قام القائم واصحابه نفذ الماء الذي على وجه الأرض، حتى لا يوجد ماء، فيضج المؤمنون بالدعاء، حتى يبعث الله لهم هذا الماء فيشربونه، وهو محرّم على من خالفهم. قال: ثم رفع رأسه، فرأى في الهواء خيلاً مسرجة ملجمة ولها أجنحة. فقال: يا أبا عبد الله ما هذه الخيل؟ فقال: هذه خيل القائم (علیه السلام) وأصحابه. قال الرجل: انا اركب شيئاً منها؟ قال (علیه السلام): أن كنت من أنصاره فاشرب من هذا الماء، وإن كنت من شيعته فاركب.
بيان: ذكر هذا الخبر أمراً عجيباً، وشيئاً غريباً، ومعجزة عظيمة من الامام الصادق (علیه السلام)، حيث ذهب بهذا الرجل الذي سأله عمّا تحت البحر، فشق له البحر بالمعجزة وأراه ما تحت البحر من الماء الأبيض، وأراه الخيل المسرجة الملجمة، التي لها أجنحة وهي في الجو.
والأمر العجيب هو نفاد الماء من الأرض، والظاهر انه ليس المراد من نفاده انعدامه وعدم وجدانه، بل لعله من جهة تلوثه ببعض الفتن، والحروب، وبالقنابل الذرية، ودخانها، وبإشعاعها الذريّ، وبالغازات السامة، فتصبح جميع المياه في العالم متلوثة بالميكروبات، والجراثيم القاتلة، والسموم المهلكة، أو الممرضة، فيمتنع الناس من شربها خوفاً من الوقوع في الضرر، فيضج المؤمنون بالدعاء الى الله تعالى من جهة عدم الماء، فيستجيب دعاءهم ويخرج لهم هذا الماء الأبيض من تحت الأرض، الذي أشد بياضاً من هو اللبن، وأحلى من العسل واطيب رائحة من المسك، والذ من الزنجبيل، وهذا ممّا اعدّه الله تعالى، وذخَّره للامام القائم (علیه السلام)، ولأصحابه المؤمنين، وهو محرّم على المخالفين، لأنه ذخيرة وكرامة خصّ الله تعالى بها الامام القائم (علیه السلام) وأصحابه المؤمنين فيشربون منه.
والشيء الغريب هو ان يخرج لهم ما يحملهم من المحامل والطيارات الخاصة، المعبّر عنها بالخيل المسرجة، التي فيها سرج يجلس عليه، وملجمة، أي فيها لجام وهو الزمام، اي سكان تلك المحامل ولها أجنحة، أي تطير عند سيرها، فهي طائرات خاصة، يركبها الامام القائم (علیه السلام) وأصحابه؛ وهذه من الاشياء الغريبة التي يحدثها الامام، ويظهرها لأصحابه وأوليائه عند ظهوره، وهذا ممّا أعده الله تعالى للقائم (علیه السلام)، وللمؤمنين في زمانه وفي دولته.
وعن الصدوق بإسناده إلى الصادق (علیه السلام) قال: إذا قام القائم (علیه السلام) يكون للمؤمن من القوّة ما لو أراد قلع جبل حديد لقلعه، ويطيعهم كل شيء حتى سباع الأرض، وسباع نهواء؛ وتفتخر بقاع الأرض بعضها على بعض، بأن واحداً من أصحاب القائم مشى عليها؛ ويدفع الله عنهم الضعف، والكسل، والبلاء، والأمراض، وتنزل أمطار لسموات بالبركات، التي منعت منذ غصبوا خلافة أمير المؤمنين (علیه السلام)؛ ويرتفع الحقد والبغضاء من بين المخلوقات، حتى يرعى الذئب والشاة، والسبع والبقر، وحتى إنَّ المرأة تخرج وحدها من العراق إلى الشام، ولا تضع رجلها إلَّا على الورد، والأزهار، مع أنها لابسة حليَّكها، ولا يضرها سارق ولا سبع الحديث.
بيان: بين هذا الخبر كرامات متعددة، أعدّها الله تعالى للمؤمنين في زمن القائم (علیه السلام)، وفي دولته:
الأولى: أن يمدّهم بقوة قاهرة، بحيث لو أراد أحد من المؤمنين قلع جبل من حديد
لقلعه، وحينئذ يسهل عليه قلع الدبابة، والسيارة من الأرض، ورميها إلى مكان بعيد.
الثانية: إطاعة كل شيء لهم، فترى جميع المخلوقات والأجسام الجامدة، والنامية، وجميع الحيوانات، من سباع الأرض، وسباع الطيور، كلها طوع إرادتهم، يمتثلون أوامرهم ونواهيهم.
الثالثة: افتخار بقاع الأرض بمشي أحد أصحاب القائم (علیه السلام) عليها وتشرّفها به.
الرابعة: أن يدفع الله تعالى عن المؤمنين في زمان القائم (علیه السلام) الضعف، والكسل والبلاء والأمراض، بل كل عاهة وآفة.
الخامسة: أن تنزل الأمطار من السموات بالبركات، والخيرات، والنعم.
السادسة: وهي أهمها، وهو ارتفاع الحقد، والبغضاء من قلوب المخلوقات، فلا حقد، ولا بغض في قلوب الناس، ولا في قلوب الحيوانات، فالمرأة تسافر وحدها من العراق إلى الشام، لا يضرّها سارق، ولا سبع، مع أنها مزيّنة بالحلى والحلل؛ والشاة والبقر ترعى مع الذئب والسبع، لا تضرها ولا تعتدي عليها.
الوافي
قال: ولصاحب الفتوحات المكيّة في هذا المقام كلام، يعجبني إيراده قال في الباب 366 من الكتاب المذكور:
ألا أنَّ لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً، فيملأها قسطاً وعدلاً، ولو لم يبق من الدنيا إلَّا يوم واحد، طوَّل الله ذلك اليوم، حتى يلي هذا الخليفة، من عترة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، من ولد فاطمة، يواطىء اسمه اسم رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، يبايع بين الركن والمقام يشبه رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) في الخُلق - بضم الخاء - وينزل عنه في الخَلق - بفتح الخاء - وهو أجلى الجبهة، أفتىٰ الأنف، أسعد الناس به أهل الكوفة، يقسم المال بالسَوّية، ويعدل في الرعية، ويفصل في القضية، يأتيه الرجل فيقول له: يا مهدي أعطني وبين يديه المال، فيحثي (1)له في ثوبه ما استطاع أن يحمله، يخرج على فترة (2)من الدين، يزع (3)الله به ما لا يزع بالقرآن يُمسي الرجل في زمانه جاهلا، بخيلا، جباناً،
فيصبح أعلم الناس، أكرم الناس، اشجع الناس، يمشي النصر بين يديه، يعيش خمساً، أو سبعاً، أو تسعاً أي بعد الثلاثمائة. يقفوا (1)أثر رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، لا يخطي إلَّا وله ملك يسدده(2)، من حيث لا يراه يحمل الكل، ويقوّي الضعيف في الحق، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الدهر، يفعل ما يقول، ويقول ما يعلم، ويعلم ما يشهد، يصلحه الله في ليلته، يفتح المدينة الرومية (3)بالتكبير في سبعين ألفاً من المسلمين، من ولد إسحاق؛ يشهد الملحمة العظمى مأدبة لله بمرج (4)عكا؛ يبيد الظلم واهله، يقيم الدين، وينفخ الروح في الاسلام، يعز الإسلام به بعد ذله، ويحيىٰ بعد موته، يضع الجزية، ويدعو إلى الله بالسيف، فمن أبىٰ قتل، ومن نازعه خذل، إلى أن قال: يفرح به عامة المسلمين أكثر من خواصّهم، يبايعه العارفون بالله من أهل الحقائق عن شهور، وكشف، وتعريف إلهي؛ له رجال إلهيون، يقيمون دعوته وينصرونه، هم الوزراء، يحملون أثقال المملكة، ويعينونه على ما قلّده الله تعالى.
العوالم
عن ابي جعفر الباقر (علیه السلام) قال: من أدرك قائم أهل بيتي، من ذي عاهة برىء ومن ذي ضعف قوي.
وفيه: عن علي بن الحسين (علیه السلام) قال: إذا قام قائمنا أذهب الله عز وجل عن شيعتنا العاهة، وجعل قلوبهم كزبد الحديد، وجعل قوة الرجل منهم قوة أربعين رجلًا، ويكونون حكّام الأرض وسنامها.
بیان: هذان الخبران دلّا على أنَّ الله تعالى يعطي كرامة للمؤمنين في زمن القائم
1) (1) يقفو: أي يتبع أثر يتبع أثر رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ويسير على منهاجه.
2) (2) یسدده بأي يرشده إلى الصواب.
3) (3) المدينة الرومية المراد منها تركيا وما بعدها من الدول الغربية والشرق.
4) (4) الملحمة هي المعركة والحرب الكبرى، التي تقع في مرج عكا، مدينة في فلسطين؛ وهذه الجملة تدل على أن ملحمة كبرى ومعركة وحرباً عظمىٰ سوف تقع في فلسطين قبل ظهور الإمام القائم (علیه السلام) وتستمر إلى قرب ظهوره، فإذا ظهر انصلحت تلك الملحمة وخمدت تلك المعركة.
(علیه السلام)، إن كل من أدرك زمانه وكان ذا عاهة برُىء من تلك العاهة، أو كان ذا ضعف أعطاه الله قوة عظيمة، وجعل قلوب المؤمنين كقطعة، وكسندان من حديد؛ ويعطي الرجل قوة أربعين رجلًا، كالماكنة التي تعطى قوة ما تعادل اربعين ماكنة؛ ويجعل الإمام المؤمنين حكّاماً أ في الأرض، وسناماً في الناس، أي يجعلهم أعالي الناس، ويرفع رؤوسهم فوق الناس عالياً، لأن السنام من الشيء هو العالي والمرتفع، ولذلك سمّي سنام البعير سناماً، فيكون المؤمنون أعلى الناس رفعة وأسماهم درجة.
وفيه: عن الخصال عن أبي جعفر، عن أبيه، عن آبائه (علیه السلام) قال أمير المؤمنين (علیه السلام) في حديث: الاربعمائة بنا يفتح الله، وبنا يختم، وبنا يمحو الله ما يشاء، وبنا يثبت، وبنا يدفع الله الزمان الكَلِب، وبنا ينزل الغيث، فلا يغرنكم بالله الغرور، وما أنزلت السماء من قطرة من ماء منذ حبسه الله عز وجل؛ ولو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها، ولأخرجت الأرض نباتها، ولذهبت الشحناء من قلوب العباد، وأصطلحت السباع والبهائم، حتى تمشي المرأة من العراق إلى الشام، لا تضع قدمها إلَّا على النبات، وعلى رأسها زينتها، لا يهيجها سبع ولا تخافه.
بیان: بيّن هذا الخبر فضل الأئمة (علیه السلام)، حيث قال: بنا يفتح الله - أي يفتح كل شيء - فبهم تفتح النبوّة، والرسالة، والإمامة والعلوم، والخيرات، والبركات، والنعم، وكل شيء.
وبهم يختم كل شيء: ولذا كان الإمام القائم (علیه السلام) خاتم الأئمة (علیه السلام).
وبنا يمحو الله ما يشاء، وبنا يثبت: أي بسببهم وبواسطتهم يمحو ما يشاء من الأجال، والأرزاق، والأعراض، والأمراض ونحو ذلك.
وبنا يدفع الله الزمان الكلب: أي بسببهم ولأجلهم يعفو الله عن الناس، ويرحمهم، ويدفع عنهم البلايا، والأخطار وبهم يدفع الزمان الكلب: وهو الشديد الصعب كما مرّ في حديث وصف الأئمة: بكم يباعد الله الزمان الكلب أي الشديد الصعب.
وبنا ينزل الغيث: أي ينزل الأمطار من السماء، فلو لا وجود الإمام على وجد البسيطة، لما نزلت قطرة من ماء من السماء، فلذا عند قيامه تنزل السماء قطرها، أي جميع قطرها، وتخرج جميع نباتها.
ولذا هبت الشحناء - وهي البغضاء - من قلوب الناس، والحيوانات، فلا حقد، ولا بغض لبعضهم على بعض؛ وهذه كرامة يمنحها الله تعالى في زمن القائم (علیه السلام) للمؤمنين؛ فتظهر البركات في جميع الأشياء، في النبات، والأشجار والزروع، والأزهار، وعدم تعرض الحيوانات بعضها لبعض، وعدم تعرضها للمؤمنين؛ فتمشي المرأة من العراق إلى الشام على النبات، والأزهار وعلى رأسها زينتها وحليّها، فلا يتعرض لها بشر، ولا سبع ولا تخاف أحد من بني الإنسان والحيوان؛ وهذا ممّا يدل على استقرار الأمن، والأمان في جميع البلدان، في زمن صاحب الزمان؛ وإلى هذا تشير الآية المباركة في قوله تعالى (سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين) [سبأ 18]
العوالم
عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذا قام القائم (علیه السلام) نزلت سيوف القتال، على كل سيف اسم الرجل، واسم أبيه.
بيان: هذه كرامة من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين، وللقائم (علیه السلام) في زمانه، حيث ينزل لهم من السماء سيوفاً وسلاحاً خاصاً للحرب والقتال، وقد كتب في السماء على كل سیف اسم صاحبه واسم أبيه.
السر المكتوم إلى الوقت المعلوم
عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): إنه إذا تناهت الأمور إلى صاحب هذا الأمر، رفع الله تبارك وتعالى له كل ما ينخفض من الأرض، وخفض له كل مرتفع منها، حتى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته، فأيّكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها.
بيان: يفهم من هذا الخبر أنَّ من نعمة الله على المؤمنين، وكرامته لهم، أن يكون ظاهر الكرة الأرضية مستوياً، لا ترى فيها عوجاً، ولا إمتاً، فلا ارتفاع، ولا هبوط، ولا جبال، ولا تلال، وذلك لأجل أن يستريح المؤمنون بالمشي على الأرض، وذلك مما أعده الله لهم، من الكرامة في زمن القائم (علیه السلام).
الكافي
بحذف الإسناد سُمع أبو عبد الله (علیه السلام) يقول في حديث طويل، في صفة قبض روح المؤمن إلى أن قال: فإذا وضع في قبره، فتح له باب من أبواب الجنة، يدخل عليه من
روحها وريحانها، ثم يفسح له عن أمامه مسيرة شهر، وعن يمينه، وعن يساره، ثم يقال له: تم نومة العروس على فراشها، ابشر بروح وريحان، وجنة، ونعيم، وربّ غير غضبان؛ ثم يزور آل محمد في جنان رضوى، فيأكل معهم من طعامهم، ويشرب من شرابهم، ويتحدث معهم في مجالسهم، حتى يقوم قائمنا أهل البيت؛ فإذا قام قائمنا، بعثهم الله، فأقبلوا معه الحديث.
بيان: هذا الخبر دلّ على كرامة من الله تعالى للمؤمن في قبره، ويبقى محترماً في عالم البرزخ إلى أن يقوم القائم (علیه السلام)، فإذا قام بعثه الله إلى الدنيا، فيكون مع القائم (علیه السلام)، ويتنعم في دولته؛ اللهم اجعلنا في دولته ناعمين، وبحقه قائمين، ومن السوء سالمين،. آمين رب العالمين.
وروي عن الأصبغ بن نباتة قال: خرج أمير المؤمنين (علیه السلام) إلى ظهر النجف، وقد جاز بين حيّ بني كمرة، وقد استقبل الكوفة بوجهه، فلمّا صرنا إليه اتّكىٰ على طرفه، حتى كاد أن يلتقي طرفاه، ثم استتم قاعداً، ثم قال: سلوني قبل أن تفقدوني؛ فقد مْلئت الجوانح مني علماً، كنت إذا سئلت أعطيت، وإذا سكت ابتديت، ثم مسح بيده على بطنه وقال: أعلاه علماً، وأسفله شغلاً، ثم مرّ حتى أتى الغريين، وهوى حتى استلقى على الأرض بجسده، ليس تحته ثوب. فقال له قنبر: يا أمير المؤمنين ألا أبسط تحتك ثوبي؟ فقال (علیه السلام): هل هي إلَّا تربة مؤمن، ومن احميه في مجلسه. فقال الأصبغ بن نباتة تربة المؤمن قد عرفناها كانت وتكون، فما من أحميه في مجلسه؟ فقال: يا بن نباتة، لو كشف لكم لألفيتم أرواح المؤمنين في هذه حلقاً يتزاورون، ويتحدثون، أن في هذا الظهر روح كل مؤمن، وبوادي برهوت اسم كل كافر. ثم ركب بغلته وانتهى الى المسجد، فنظر اليه وكان مبنياً بخزف ودنان وطين فقال: ويل لمن بناك وويل لمن يشهد هدمك، وويل لبانيك بالمطبوخ، المغيّر قبله نوح؛ وطوبىٰ لمن يشهد هدمك مع القائم، قائم أهل بيتي، أولئك خير الأمة مع أبرار العترة.
بيان: المراد من ظهر النجف هو ظهر بحر النجف، وهو وادي السلام المعروف في النجف الأشرف، وهو مدفن العلماء والصالحين من المؤمنين من النجف، ومن سائر أطراف العالم، وفيه قبر نبي الله هود، ونبي الله صالح عليهما السلام، وهم انبياء بني اسرائيل، فهو واد شريف وارضه مقدسة من أول ما خلقها الله تعالى إلى زمن الانبياء إلى زمن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ولذا أختارها مدفناً له فكان يخرج
إليها في بعض الاوقات وقد اخبر إن فيها أرواح المؤمنين من العالم، فكلها يُؤتى بها إلى هذا الظهر، بخلاف أرواح الكفار وأسمائهم، فإنها تحشر في وادي برهوت، وهو واد يقع في حضرموت، ويقال إن في هذا الوادي بئر، يخرج منها نار محرقة في الصيف، ويخرج منها هواء بارد لاذع في الشتاء؛ ولما رجع الإمام (علیه السلام) إلى الكوفة، وانتهى الى المسجد الأعظم، وكان المسجد مبنيّاً في زمانه بخزف ودنان وطين، وهو بناء غير موقر كسائر البيوت العادية، وحيث إن الباني له بهذا البناء العادي استهان به، ولم يوقّره، ولم يحترمه، قال الإمام (علیه السلام): ويل لمن بناك أي بئر في جهنم لمن بناك بهذا البناء الحقير.
وويل لمن يشهد هدمك: والذي يهدمه هو السفياني الأخير مع حزبه الأشرار، الأمويين والمنافقين والكفار؛ وقد مرّ في العلائم أنَّ مسجد الكوفة يهدمه السفياني وحزبه، مما يلي دار عبد الله بن مسعود، والظاهر أنه يهدم الجدار الخلفي منه، فنار جهنم له ولحزبه الأشرار.
وويل لبانيك بالمطبوخ المغيّر قبلة نوح: والظاهر أنَّ الذي بناه بالمطبوخ المغيّر قبلته، وهي قبلة نوح النبي (علیه السلام)، هو الوليد بن عتبة، أبو وهب، أخو عثمان بن عفان لأمه، ولّاه الكوفة وكان أسلم يوم فتح مكة، وكان خمّاراً، ومدمناً لشرب الخمر، حتى جاء يوماً لصلاة الجماعة صباحاً، وهو ثمل سكران، فصلى الصبح ثمان ركعات، والتفت الى المصلين فقال: ألا أزيدكم وعندما كان يقنت في الصلاة وهو سكران يتغزل بمعشوقته ويقول في القنوت شعراً:
عشق القلب الربابا *** بعد ما شابت وشابا
وقد اشتهر بالكوفة بهذا العمل القبيح، وكتبوا الى عثمان بأعماله وأفعاله، فعزله عن ولاية الكوفة، وهذا مذكور في التأريخ لا إشكال فيه، ومع ذلك يقول صاحب المنجد، في الأعلام وقد عزل لاتّهامه بشرب الخمر. وقد هدم المسجد في عهد هذا الرجل الخمّار، فكتب إلى عثمان بن عفان بذلك فقال: ابنه كيف ما كان، وفي بعض التواريخ ان هذا المسجد الأعظم، هو مسجد من يوم خلق الله الأرض؛ فهو نظير مسجد مكة، وممّا يشهد لذلك أنَّ فيه مقام جبرائيل، ومقام آدم (علیه السلام)، ومقام إبراهيم (علیه السلام)، فيعلم أَنَّه مسجد قدیم
عريق، وفضل الصلاة الفريضة فيه تعدل ألف صلاة، والصلاة النافلة تعدل خمسمائة صلاة.
وقد صلى فيه كل نبي، ووصيّ نبي، وقد كان في عهد المسيح معبداً اتخذه النصارى كنيسة، وقد بُني بالرخام الأخضر، وقطع له من نوع هذا الصخر اسطوانات مرتفعة، فلمّا انهدم في عهد الوليد بن عتبة، وكتب لأخيه بذلك، كتب اليه ان يبنيه بناء عادياًّ، بأن يسيّجه بسياج، لا يكلّف بيت المال مبلغا كثيراً، فبناه هذا الخمّار باللين والاجر المطبوخ، وغيّر قبلته، وهي قبلة نوح الأصلية، لأن فيه مقام للنبي نوح (علیه السلام) وهذا امر غيبي، كشف عنه الامام أمير المؤمنين (علیه السلام)، لأن هذا امر وقع في خلافة عثمان، ولم يعلم احد بهذا التغيير للقبلة، فكشفه الامام (علیه السلام) وأوضحه للناس، وأن الذي بنى مسجد الكوفة بالأجر المطبوخ، قد غيّر قبلته، وهي قبلة نوح (علیه السلام) الأصلية، فويل لهذا الشخص اي بئر في جهنم له.
ثم قال: وطوبى لمن يشهد هدمك مع القائم، قائم أهل بيتي، أولئك خير الأمة مع ابرار العترة: طوبى شجرة في الجنة للمؤمنين، من أصحاب القائم (علیه السلام) الذين يحضرون مع القائم (علیه السلام) في زمانه، فيشهدون هدم مسجد الكوفة عند هدم القائم (علیه السلام) له، واعادته على أساسه القديم وتوسعته، وقد ذكرتا أنه قد نقص من اسّسه اثني عشر الف ذراع، فيعيدها ويعدل قبلته الى القبلة الصحيحة وأولئك المؤمنون من خير الأمة الاسلامية، لأنهم يشهدون ابرار العترة من الأئمة الطاهرين في زمن الرجعة.
الكتاب المبين عن العوالم
قال: قد ورد في منزل الامام القائم (علیه السلام) عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: خرجت مع أبي عبد الله (علیه السلام)، فلمَّا نزلنا الروحاء، نظر الى جبلها مطّلاً عليها، فقال لي: ترى هذا الجبل، هذا جبل ليدعى برضوى، من جبال فارس، احبنا فنقله الله إلينا، اما أنَّ فيه كل شجرة مطعم ونعم وامان للخائف مرتين. اما ان لصاحب هذا الأمر فيه غيبتين، واحدة قصيرة، والأخرى طويلة. وسُمع عليه السلام يقول: إن لصاحب هذا الأمر بيتاً، يقال له بيت الحمد، فيه سراج يزهر منذ يوم ولد الى يوم يقوم بالسيف لا يطفأ.
بیان: دل هذا الخبر أن جبل رضوى، وهو جبل بالمدينة كما في المجمع، وفي المنجد رضوة سلسلة جبال في جنوب غربي جزيرة العرب، قرب ينبع (السعودية)، كانوا
يقطعون منها الحجر لسنّ السيوف، فهذا الجبل من جبال بلاد فارس احب النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) والأئمة (علیه السلام) فنقل الى بلدهم، فكان منزلاً للامام القائم (علیه السلام) في الغيبة الصغرى، وفي الغيبة الكبرى، وهو جبل شريف عظيم، فيه الأشجار والثمار، والنعم، وقد اشير إليه في دعاء الندبة المعروف، حيث قال: ابرضوى ام غيرها أم ذي طوى؟
ألا أنَّ الظاهر أنه كان منزلاً للامام القائم (علیه السلام) في بعض الأوقات، لا في تمام الأوقات، لأن الذي ثبت بالوجدان والأثر ان منزل الامام القائم (علیه السلام) في الغيبة الكبرى، هو الجزيرة الخضراء، والبحر الأبيض، وقد ذكرنا ان هناك منزل اهل بيته، وأولاده وأحفاده، وهي جزائر سبعة، مرَّ ذكرها. ولعل أنّ هذا المكان كان منزلاً له في أول غيبته مؤقتاً، ثم انتقل الى الجزيرة الخضراء، المحاطة بماء أبيض، حلو عذب، المملوة بالفواكه، والأشجار والأزهار، والثمار من جهة مثلث (برمودا) في أمريكا الشمالية؛ ولعله اشار الى هذا المكان الحسن، والجزيرة الجميلة المزهرة المشرقة، بأن لصاحب هذا الأمر وهو الامام القائم بيتاً يقال له بيت الحمد؛ فلعل بيت الحمد يقع في الجزيرة الخضراء في البحر الأبيض، وهو البيت الذي فيه سراج، يزهر من حين ولادته الى يوم قيامه بالسيف، وقد ادخره الله تعالى له.
العوالم
وعنه (علیه السلام) قال: حديثنا صعب مستصعب، لا يحتمله إلَّا ملك مقرّب، أو نبي مرسل، أو مؤمن ممتحن، أو مدينة حصينة؛ فإذا وقع أمرنا، وجاء مهدينا، كان الرجل من شيعتنا أجرى من ليث، وأمضى من سنان، يطأ عدوّه برجليه، ويضربه بكفيه، وذلك عند نزول رحمة الله وفرجه على العباد.
بيان: بعد أن بيّن الامام عليه السلام أنَّ حديث آل محمد (علیه السلام)، صعب، اي شاق، مستصعب أي مستصعب الفهم فصار فهمه صعباً، لا يحتمله ملك في جوفه، حتى يخرجه الى ملك غيره، إلَّا أن يكون ذلك الملك مقرباً؛ ولا يحتمله نبي حتى يخرجه الى نبي، غيره، إلَّا ان يكون ذلك النبي نبي مرسل؛ ولا يحتمله مؤمن حتى يخرجه الى مؤمن غيره، الَّا ان يكون ذلك المؤمن، مؤمن امتحن الله قلبه للايمان، او مدينة حصينة اي قلب يحفظ الاسرار كالمدينة الحصينة، التي يتحفظ بها الانسان كما اشار الى ذلك في الحديث قال: لا
يعي حديثنا الَّا صدور امينة، واحلام رزينة، أي تحفظ الأسرار. وقيل المراد بالحديث الصعب، هو فتواهم في الأحكام الالهية، واوصافهم الكريمة، أو أسرار الله المخزونة عندهم. فإذا وقع أمرنا: أي قام القائم (علیه السلام) من آل محمد (علیه السلام)، وجاء المهدي اعطى الله سبحانه وتعالى لشيعة آل محمد (علیه السلام) الشجاعة والقوة، والثبات، والجرأة، بحيث
يكون احدهم اجرأ من الليث - اي من الأسد - وامضى من السنان - اي من سنان الرمح - يأخذ عدوّه فيبطش به في الأرض، ويطأه برجليه، ويضربه بكفيه، وذلك عند نزول رحمة الله، ونصره، وفرجه، بواسطة الامام القائم (علیه السلام) على العباد.
الوافي
عن الصدوق بإسناده الى محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: القائم منّا منصور بالرعب، مؤيّد بالنصر، تطوى له الأرض، وتظهر له الكنوز، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويظهر الله عز وجل به دينه على الدَّين كلّه ولو كره المشركون؛ فلا يبقى في الأرض خراب إلَّا عمّر وينزل روح الله عيسى بن مريم (علیه السلام) فيصلي خلفه.
بیان: مما أعدَّ الله تعالى للقائم (علیه السلام) في زمانه، أن ينصره بالرعب، وقد ذكرنا أنه يسير أمامه شهراً. ويؤيد بالنصر، فينصره على كل عدوٍّ له، وتطوى الأرض له،
ولأصحابه، فالمسافة البعيدة يقطعونها في مدة قصيرة. ويظهر الله له الكنوز من الأرض من الذهب، والفضة، والجواهر، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب، أي يحكم الدول الشرقية والغربية وجميع العالم. ويظهر الله به دينه، وهو دين الاسلام على الدَّين كلّه، ولو كره اهل الشرك، والنفاق، والكفار، ويعمر الأرض الخراب، وينزل نبي الله عليه عيسى بن مريم السلام، فيكون وزيراً له، ويصلي خلفه. وهذه كرامات اعدَّها الله تعالى لسفيره في أرضه الحجّة ابن الحسن (علیه السلام).
العوالم
عن أبي جعفر الباقر (علیه السلام) قال: إذا قام القائم (علیه السلام) أتى رحبة الكوفة فقال برجله هكذا، وأومأ بيده الى موضع، ثم قال: احفروا ها هنا، فيحفرون فيستخرجون اثني عشر ألف درع، واثني عشر ألف سيف، واثني عشر الف بيضة، لكل بيضة وجهان، ثم يدعو اثني عشر الف رجل من الموالي ومن العجم فيلبسهم ذلك، ثم يقول: من لم يكن عليه مثل ما عليكم فاقتلوه
بيان: المراد من الرحبة هي الرحبة المعروفة، وهي التي تبعد عن النجف بسبعين كيلو متراً وأكثر وليس المراد بها رحبة الكوفة، التي هي محلة فيها، كما ليس المراد بها رحبة مالك، وهي آثار مدينة على الفرات الأوسط، التي أسّسها مالك بن طوق التغلبي في خلافة المأمون، بل هذه الرحبة تقع في طريق الحجاج على البادية السعودية، وهي قرية صغيرة، تقع في الصحراء. فيها عين ماء، وحولها مزارع. فإذا وصل الإمام القائم (علیه السلام) إليها أوماً أي أشار بيده الى موضع من الأرض، وأمر بحفره، فيظهر فيه مخزون وفيه عدة وسلاح، اثنا عشر الف درع، يتدرع به للحرب، واثنا عشر الف سيف وبيضة.
والبيضة هي الخوذة من الحديد، وهي من الآت الحرب يلبسها المحارب لوقاية رأسه من الحديد والسيوف؛ وهي قسمان ما له وجه واحد، وما له وجهان. فهذه البيضات لها وجهان، ولعل المراد بالسيف هو السيف الذري. ثم يدعو اثني عشر ألف رجل من الموالي وهم الايرانيون المستعربون، اي في الأصل ايرانيون ولكن استعربوا، أي ولدوا او انشأوا في بلاد العرب والعجم، وهم الايرانيون الأصليون، فيلبسهم هذا السلاح، ثم يقول لهم: سوف تدخلون الكوفة، فيتخلل بين جيشكم جواسيس السفياني، فمن لم يكن لابساً مثل هذا السلاح واللباس، فاقتلوه، فإذا دخلوا الكوفة تخللوا اولئك الجواسيس بين الجيش فقتلوهم عن آخرهم.
الوافي
روى الصدوق في اكمال الدين بإسناده الى النبي صلى الله عليه وآله، في حديث ابي بن كعب، الوارد في فضائل الأئمة عليهم السلام، وصفاتهم واحداً بعد واحد قال في آخره:
وإن الله عز وجل ركّب في صلب الحسن العسكري نطفة مباركة نامية زكية، طيّبة طاهرة، مطهرة، يرضى بها كل مؤمن ممن اخذ الله ميثاقه في الولاية، ويكفر بها كل جاحد فهو امام تقيّ، بار، مرضيّ، هادي، مهدي، اول العدل وآخره، يصدق الله عزل وجل ويصدقه في قوله، يخرج من تهامة، اي مكة، حين تظهر الدلائل والعلامات وله بالطالقان كنوز لا ذهب ولا فضة الا خيول مطهية، أي عالية، ورجال مسومة، يجمعهم الله عز وجل له من اقاصى البلدان على عدد اهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا
معه صحيفة مختومة فيها عدد أصحابه باسمائهم، وأنسابهم، وبلدانهم، وصنائعهم وحلاهم، وكناهم، كرارون مجدون في طاعته. فقال له ابي: وما دلائله وعلاماته يا رسول الله؟ قال له: علم اذا حان وقت خروجه انتشر ذلك العلم من نفسه، وانطقه الله تبارك وتعالى، فناداه العلم: اخرج يا وليّ الله، واقتل اعداء الله، وهما رايتان وعلامتان. وله سیف مغمد، فإذا حان وقت خروجه اقتلع ذلك السيف من غمده، وانطقه الله عز وجل فناداه السيف: اخرج يا وليّ الله، فلا يحل لك ان تقعد عن اعداء الله، فيخرج ويقتل اعداء الله حيث ثقفهم، ويقيم حدود الله، ويحكم بحكم الله، يخرج وجبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره وشعيب بن صالح على مقدمته، وسوف تذكرون ما أقول لكم، وأفوض امري الى الله عز وجل، ولو بعد حين. يا ابي طوبى لمن لقيه، وطوبى لمن قال به، ينجيهم الله من الهلكة بالإقرار به، وبرسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) وبجميع الأئمة (علیه السلام) يفتح الله لهم الجنة، مثلهم في الأرض كمثل المسك، يسطع ريحه فلا يتغيّر أبداً، ومثلهم في السماء كمثل القمر المنير الذي لا يطفأ نوره أبداً. الحديث.
بیان: ذكر النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) في هذا الخبر نقاط مهمة:
الاولى: حيث إن الإمام القائم (علیه السلام)، هو الإمام التقيّ، النقيّ، البارّ، المرضي، الهادي، المهدي أول العدل وآخره، يصدق الله تعالى، ويصدقه في قوله، فكل مؤمن أخذ الله ميثاقه في الولاية، بإنه يرضى بهذا الإمامُ يصدقه ويعتقد به، وكل جاحد، وكافر، وملحد، ومنافق، یکفر به، ولا يرضی به، ولا يعتقد بإمامته؛ وهذا من إحسان الله تعالى، وفضله، ومنّه على المؤمنين، أن يوفّقهم للإعتقاد بإمامة الإمام القائم (علیه السلام) ليفوزوا في الدنيا والآخرة، بخلاف الكفار والمنافقين وأمثالهم فقد سلب منهم هذا التوفيق.
الثانية: جعل الله له أصحاب فدائيون، وهم قواد جبهته الحربية، وهم حكّام الله في أرضه، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، أربعة وعشرون رجلًا منهم من أهل الطالقان، الذين عبّر عنهم بكنوز الطالقان؛ وعنده صحيفة مختومة فيها عدد أصحابه باسمائهم وأنسابهم وصفاتهم.
الثالثة: إن العلائم السريّة الخاصة به، والمخفيّة على سائر الناس، وانتشار علمه ونطقه وأخباره بالظهور، وخروج سيفه من غمده ونطقه، وأخباره بالقيام والثورة
والظهور.
الرابعة: إن في هذا الخبر بشارة واضحة، وهي أنَّ الإمام (علیه السلام) بعدما يقوم بالسيف، ويشهر السلاح ضد الدول المخالفة والكافرة، ينتصر عليهم ويقتل أعداء الله، حيث ثقفهم أي حيث وجدهم، وظفر بهم، وأدركهم، ويقيم الحدود على من وجب عليه الحدّ، ويحكم بحكم الله، أي أنَّ حكمه حكم الله تعالى، ثم قال: طوبي، وهي شجرة في الجنة لمن لقيه، أي وفّقه الله تعالى وأبقاه إلى أن يقوم القائم (علیه السلام)، وطوبي لمن قال به أي اعترف بإمامته.
الوافي
عن أمامة الباهلي قال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): المهدي من ولدي، ابن أربعين سنة، كأن وجهه كوكب دريّ، في خدّه الأيمن خال أسود، عليه عبائتان قطوانيتان، كأنه من رجال بني إسرائيل، يستخرج الكنوز، ويفتح له مدائن الشرك.
بیان: دلّ هذا الخبر على أن الإمام القائم (علیه السلام) عند ظهوره، يُرى كأنه ابن أربعين سنة، ووجهه كأنه كوكب دريّ، وفي خدّه الأيمن شامة سوداء، يلبس عبائتان قطوانيتان نسبة إلى قطوان، وهي محلة في الكوفة يصنع فيها البرود والأكسية.
والمراد من استخراج الكنوز: هو إخراجها من مواضعها، والاستيلاء عليها، سواء كانت تحت الأرض أو في البنوك.
وأما فتح مدائن الشرك: فالمراد بها مدائن الدول الغربية والشرقية كلها، وتكون تحت إمارته وسيطرته، ويجعل فيها الحكّام من قبله.
وفيه: بأسناده عن أبي الصلت الهروي قال: قلت للرضا (علیه السلام): ما علامة القائم صلوات الله عليه منكم إذا خرج؟ فقال: علامته أن يكون شيخ السنّ، شاب المنظر، حتى إنَّ الناظر إليه ليحسبه ابن أربعين سنة، أو دونها، وإنَّ من علاماته أن لا يهرم بمرور الأيام والليالي، حتى يأتيه أجله.
بيان: المراد من قوله شيخ السنّ: أي سنه الشيوخ، ولكن منظره منظر الشباب، لأن الناظر إليه يحسبه ابن أربعين سنة، أو اقل.
وقد جعل علامة للإمام القائم أن لا يهرم بمرور الليالي والأيام، حتى يأتيه أجله،
أي أجل ظهوره، ووقت قيامه بالأمر ويُحتمل أن يراد بأجله عمره، ووقت شهادته، وهو انتهاء مدّته في الرجعة. ثم يحيى بعد قتله مرة أخرى، ويحكم بعد حكومة جميع الأئمة (علیه السلام) كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
أصول الكافي
في باب الأحاديث المرويّة عن موسى بن جعفر (علیه السلام) قال:
سأل الرّاهب موسى بن جعفر (علیه السلام)، اخبرني عن ثمانية أحرف نزلت، بقي منها في الأرض أربعة، وبقي في الهواء منها أربعة، على من تنزل تلك الأربعة، التي في الهواء ومن يفسّرها؟
قال: ذلك قائمنا (علیه السلام)، فينزلها الله عليه فيفسّرها، وينزل عليه ما لم ينزل على
الصدّيقين والرسل والمهتدين.
بيان: هذه الأحرف الثمانية التي نزلت من العلوم العجيبة، والأسرار الغريبة، التي لم يعلم الناس بها، وما هي، وفي أيّ علم من العلوم نزلت، وما فائدتها وأثرها؛ فلعل الحروف الأربعة التي بقيت في الأرض مختصّة بالعلوم التي يحتاجون إليها الناس في الأرض، كعلم طيّ الأرض ونحوه من العلوم الغربية والحروف الأربعة التي بقيت في الهواء مختصّة بالعلوم الجويّة، وما يحتاج إليه في الأجواء، وفي الهواء، كالطيران في الهوا، ونحوه، وهذه الحروف يكشف أسرارها الإمام القائم (علیه السلام)، ويفسرها للناس، ولعله للخواص؛ لأن الله تعالى ينزل تلك الحروف عليه، ويختصه بها، فيفسّرها لمن يريد من أصحابه، بل ينزل الله تعالى عليه من العلوم الغريبة، والأسرار العجيبة ما لم ينزل على الصدّيقين من الأنبياء والرسل، فينشرها بين المؤمنين والمؤمنات، حتى إن المرأة لتكون عالمة، وهي في بيتها، فيعم الناس الفرح، والخيرات، والنعم، بل يعمّ الحيوانات كما يشهد لذلك ما رواه في العوالم:
عن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) في حديث، في ظهور القائم، فعند ذلك تفرح الطيور في أوكارها، والحيتان في بحارها، وتمد الأنهار وتفيض العيون، وتنبت الأرض ضعف أكلها.
بيان: وهذا يدل على نزول البركات وزيادة النعم، والخيرات، عند قيام القائم (علیه السلام)؛ بحيث تفرح الطيور وهي الحيوانات الجويّة، والحيتان وهي الحيوانات البحرية،
لجريان الأنهار وفيضان العيون بالماء، وينبت الشجر، ويكثر الثمر، ويأتي حاصل الأرض مضاعفاً، أي تنتج الأرض مقابل ما كانت تنتجه في السابق مرتين.
العوالم
قال جعفر بن محمد (علیه السلام): بيتا شباب الشيعة على ظهور سطوحهم نيام اذاً توافوا الى صاحبهم في ليلة واحدة على غير ميعاد فيصبحون بمكة وقال: إن صاحب هذا الأمر محفوظ له، لو ذهب الناس جميعاً، أتى الله له بأصحابه وهم الذين قال فيهم الله عز وجل: (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين) [الأنعام 89] وهم الذين قال الله فيهم: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلّة على المؤمنين، أعزّة على الكافرين) [المائدة 54].
بيان: في هذا الخبر بشارة سارّة، موجبة للسرور والفرح، لمن كان مسجّلاً في دفتر الإمام القائم (علیه السلام)، وكان اسمه في الصحيفة المختومة، الموجودة عنده باسماء أصحابه بأسمائهم، وأنسابهم، وبلدانهم، وصنائعهم، وصفاتهم، بأن كان مكتوباً اسمه عند الله تعالى أنه من أنصاره، وأعوانه، إنَّ هؤلاء يحفظهم الله تعالى من جميع فتن آخر الزمان، ويكون الله تعالى حافظاً لهم من التلف والهلاك، ويدفع عنهم البلايا، والأعراض، والأمراض، ويدافع عنهم، ويصحبهم بالملائكة الحافظين، فهم سالمون ومحفوظون على ممرّ الدهور والأعوام، وفي حرز الله تعالى، وحراسته، وكنفه، على ممرّ الليالي والأيام، حتى لو تلف الناس كلهم أجمعون، وهلك العالم،والمخلوقون، فأصحابه إن شاء الله تعالى محفوظون، حتى يظهر الإمام القائم (علیه السلام)، فيظهرون. وإذا قام فمعه يقومون، وينصره الله تعالى على أعدائه، وينصرونه للنص الصريح في ذلك، قال: إنَّ صاحب هذا الأمر محفوظ له، لو ذهب الناس جميعاً، أتى الله له بأصحابه، وأحضرهم له في مكة بأجمعهم، وجعل لهم فرجاً ومخرجاً من الفتن والمصاعب، ولينصرنهم الله تعالى على اعدائهم لأنهم أنصار الله تعالى وأنصار القائم (علیه السلام). ولينصرن الله من ينصره ولأنهم المدافعين عن دين
الله فإن الله يدفع عنهم لقوله إن الله يدافع عن الذين آمنوا.
الوافي عن إكمال الدين:
بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله في حديث أُبي بن كعب، قال في آخره بالنسبة إلى القائم عليه السلام: يا أُبي، طوبى لمن لقيه، وطوبى لمن قال به، ينجيهم الله من الهلكة، بالإقرار به، وبرسول الله وبجميع الأئمة (علیه السلام)، يفتح لهم الجنة، مثلهم في الأرض كمثل المسك، يسطع ريحه، فلا يتغير أبداً؛ ومثلهم في السماء، كمثل القمر المنير، الذي لا يطفأ نوره أبداً. الحديث.
بيان: قال النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) لأُبي بن كعب: يا أُبي: طوبى لمن لقيه؛ وطوبى شجرة في الجنة، وقيل: طوبى أي طيب العيش. وقيل: طوبي الخير. وقيل: طوبى اسم للجنة. لمن لقيه أي أبقاه الله تعالى ووفقه للقائه عند قيامه، وكان من أصحاب القائم (علیه السلام).
وطوبى لمن قال به: أي اعترف بإمامته.
ثم قال: ينجيهم الله من الهلكة بالإقرار به، وبرسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) وبجميع الأئمة (علیه السلام): وهذه بشارة لمن أقرّ واعترف بإمامته، وبنبوّة جدّه رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، وبجميع الأئمة الأحد عشر، وكان من أنصاره؛ فإن الله تعالى ينجيه من المهالك، ومن الفتن المظلمة في آخر الزمان.
ثم مثل هؤلاء في الأرض مثل المسك، الذي يسطع ريحه، ولا يتغير أبداً، ومثلهم في السماء مثل القمر المنير، الذي لا يطفأ نوره أبداً، فهم أعلام السرى، ومنار الهدى.
دلائل الامامة
قال: أخبرني أبو الحسين جعفر بن محمد الحميري، عن محمد بن فضيل، عن أبي
الحسن الرضا (علیه السلام) قال: إذا قام القائم (علیه السلام) يأمر الله الملائكة بالسلام على المؤمنين، والجلوس معهم في مجالسهم، فإذا أراد واحد حاجة، ارسل القائم (علیه السلام) من بعض الملائكة من يحمله، فيحمله الملك حتى يأتي القائم (علیه السلام) فيقضي حاجته ويردّه، ومن المؤمنين من يسير في السحاب، ومنهم من يطير مع الملائكة، ومنهم من يمشي مع الملائكة مشياً ومنهم من يسبق الملائكة، ومنهم من يتحاكم الملائكة اليه، والمؤمن أكرم على الله من الملائكة، ومنهم من يصيّره القائم (علیه السلام) قاضياً بين مائة ألف من الملائكة.
بیان: دل هذا الخبر على ما يمنح الله به المؤمنين من الكرامة في زمن الإمام القائم (علیه السلام)، وما اعدّ لهم من احترام وفضيلة من جهات متعددة:
الأولى: هو أمر الله تعالى الملائكة بالسلام على المؤمنين، وأمر الله تعالى فوق الأوامر. فالأمر الصادر من الملك العلّام بالتحية والسلام، أمر بالاحترام للمؤمنين في ذلك الزمان. وتلك الأيام.
الثانية: أمر الله تعالى الملائكة بالدخول والجلوس مع المؤمنين في مجالسهم، وهذا ممّا يكشف عن أمره تعالى باحترامهم وكرامتهم على الله تعالى.
الثالثة: حملهم إلى قضاء حوائجهم، فمن كانت عنده مهمة عند الإمام القائم (علیه السلام)، وأراد الوصول إليه، والتشرف بحضرته ومواجهته، أرسل الإمام اليه من يحمله من الملائكة، فيحمله الملك الى الامام القائم (علیه السلام)، وبعد قضاء مهمته يرجعه الى أهله.
الرابعة: أن يذلّل الله تعالى لهم السحاب فإذا أرادوا السفر الى مكان بعيد، ركبوا السحاب وساروا الى ذلك المكان.
الخامسة: أن يمنحهم درجة رفيعة، ويهب لهم قوة عظيمة، وقدرة على الطيران في الجو، فيطيرون ومع الملائكة حيثما يشاؤون.
السادسة: أن تكون الملائكة مرافقين لهم، يمشون معهم مشياً أحتراماً لهم واكراماً.
السابعة: أن يسبقوا الملائكة، ويتقدموا عليهم، أو يسيروا بسرعة لا يدركوه، ويسبقوهم في السير.
الثامنة: أن يتحاكم الملائكة عند المؤمنين والظاهر أنَّ هذه الفضيلة والكرامة للعلماء من الشيعة، لأن العالم هو الذي يكون له لباقة، لأن يكون قاضياً أو حاكماً يتحاكم اليه
الملائكة، ويحكم بين مائة الف منهم.
ثم قال: والمؤمن أكرم على الله من الملائكة: وإنما صار المؤمن أكرم من الملائكة، وأفضل منهم عند الله تعالى، لأنه قد غلّب عقله على شهوته، لأنه قد ورد في الحديث ما مضمونه: إن الله تعالى ركّب عقلاً مجرداً في الملائكة بلا شهوة، وركب في الإنسان عقلًا وشهوة، وركّب في الحيوان شهوة بلا عقل، فمن أطاع من بني الإنسان عقله وغلّبه على شهوته بإطاعته الله تعالى، فهو أفضل من الملائكة، ومن أطاع شهوته منهم وغلّبها على عقله فهو أقل من الحيوان. فبترجيح جانب العقل على الشهوة، صار المؤمن أكرم على الله من الملائكة؛ وهذه الكرامة والاحترام، والفضيلة، والاكرام، في زمن الإمام كلها لأجل قيام القائم (علیه السلام)، وظهور عدله، ونوره بين الأنام، عليه وعلى آبائه أفضل التحية والسلام.
الكافي
بإسناده الى ابن أبي يعفور، عن مولى لبني شيبان، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إذا قام قائمنا، وضع الله يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم وكملت به أحلامهم.
الكتاب المبين السفر الثاني منه
عن العوالم عنه (علیه السلام) قال: إذا قائمنا (علیه السلام)، وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم، وكملت بها أحلامهم.
وعنه (علیه السلام) في خبر آخر قال: إذا قام قائمنا، وضع يده على رؤوس العباد فجمع به عقولهم وأكمل به أخلاقهم.
وعن الصدوق بإسناده الى الصادق (علیه السلام)، في حديث قال: ويمسح القائم (علیه السلام) على رؤوس المؤمنين فتتضاعف عقولهم، وأحلامهم تصير كاملة.
بيان: هذه الأخبار تشير إلى ما مرّ سابقاً، من أنَّ بعض الحروب، والفتن التي تقع في آخر الزمان وضرب القنابل الذرية، والهيدروجنية وغيرها، والإشعاع الذريّ، والغازات السامة ودخان هذه القنابل، توجب ضعف الأعصاب، والأمراض العصبية، وتؤثر على عقولهم، وأحلامهم، وأخلاقهم، وتؤثر البلاهة فيهم، حتى لا يكاد يرى رجلًا عاقلاً إلَّا
ما شذّ وندر. كما ذكر ذلك في الأخبار السابقة؛ فتسوء أحلام الناس وأخلاقهم، ويذهب عقول الغالب منهم، فإذا قام القائم (علیه السلام)، وضع يده على رؤوس العباد، ومسح على رؤوس المؤمنين، فتجمع عقولهم، وتتضاعف وتكمل أحلامهم (1)وأخلاقهم.
وقد عبر في رواية الكافي قال: وضع الله يده على رؤوس العباد، وفي الروايات
الأخير قال: وضع القائم (علیه السلام) يده على رؤوس العباد، ولا ريب أنَّ وضع يد ولي الله، هو وضع يد الله تعالى، لأنه حجته على عباده، وسفيره في خلقه ويده الباسطة، فوضع يد الله كناية عن وضع يد القائم (علیه السلام)، كما فسّر في الأخبار الأخر: فإذا مسح بيده المباركة على رؤوس المصابين بنقصان العقل، صارت عقولهم كاملة، بل تضاعفت؛ وإذا مسح بيده الشريفة على رأس ساءت أخلاقه وأحلامه، لما أصابه من المرض، صارت أحلامهم وأخلاقهم كاملة، فتكون يد الإمام للناس المصابين وللمؤمنين شفاء، ودواء من تلك الأمراض العصبية؛ وظهوره رحمة لهم من النواقص النفسية والبدنية، لأنه يبعثه الله رحمة للمؤمنين، ونقمة على الكافرين.
الكتاب المبين عن العوالم (علیه السلام)
عن محمد بن علي (علیه السلام) قال: كانت عصا موسى لآدم (علیه السلام)، فصارت الى شعيب (علیه السلام)، ثم صارت الى موسى بن عمران (علیه السلام)، وإنها لعندنا، وإنَّ عهدي بها آنفاً، وهي خضراء كهيئتها، حين انتزعت من شجرتها، وإنها لتنطق إذا استنطقت، أعدت لقائمنا، يصنع كما كان موسى يصنع، وإنها لتروّع، وتلقف ما يأفكون، وتصنع كما تُؤمر، وإنها
1) (1) الأحلام: جمع الحلم، وهو ضد الطيش، والجهل، والسفه، فيعطي الله أنصار القائم (علیه السلام) الحلم، والصبر، والأناة، والسكينة مع القدرة والقوة والعقل.
حيث أقبلت تلقف ما يأفكون، تفتح لها شفتان - شعبتان في نسخة - احديهما في الأرض، والأخرى في السقف، وبينهما أربعون ذراعاً، وتلقف ما يأفكون بلسانها.
وعن الصدوق بإسناده الى الصادق (علیه السلام) قال: يخرج القائم (علیه السلام) ومعه عصا موسى، إذا ألقاها من يده صارت ثعباناً، ويكون ما بين فكّيها أربعين ذراعاً، وتلقف في حلقها كل ما يأمرها بابتلاعه.
بيان: من المعجزات التي يأتي بها القائم (علیه السلام) عند قيامه، التي هي من مواريث عصا الأنبياء، هي موسى بن عمران، وهي آية من آيات الله تعالى، منح بها الأنبياء والرسل؛ الى أن وصلت الى نبينا محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)؛ ثم الى الأئمة من بعده (علیه السلام)، ثم الى القائم (علیه السلام). قيل: كان طول هذه العصا عشرة أذرع على طول موسى، وكانت من آنس الجنّة لها شعبتان تتقدان في الظلمة. فيعلم أن فيها قوة نارية، تظهر في الظلام، كما يعلم أنها كانت لآدم (علیه السلام) أبو البشر، ولكن كانت مخفية عنده لم يظهرها، ثم انتقلت الى الأنبياء من بعده، يتوارثها واحد بعد واحد، حتى صارت الى نبي الله شعيب (علیه السلام)، فلمّا تزوج موسى إحدى بناته صارت العصا اليه، فأظهرها، وأظهر بها تلك المعجزات العجيبة، وعرفت أنها آية من آيات الله تعالى؛ ولذا لم يعرضها الجفاف، واليبس على طول الدهور والأعوام، وهي باقية خضراء على حالها الأول، حين انتزعت من شجر الآس في الجنة.
ومن العجائب التي يذكرها لها الإمام الباقر (علیه السلام)، أنها تنطق وتتكلم اذا استنطقت فإذا استنطقها الإمام القائم (علیه السلام) نطقت وتكلمت معه، لأنها أعدّت له، ويصنع بها كما كان موسى (علیه السلام) يصنع بها، فإنه كان يأخذها معه، حين يذهب لفرعون، فتكون ثعباناً كبيراً، تمشي حوله لا تدع أحداً يقرب اليه، وتدافع عنه وتقتل من يدنو اليه، ويريده بسوء؛ وإنها لتروّع أي لتفزع وتخيف من يدنو منها، وتلقف ما يأفكون: أي تصير ثعباناً عظيماً ما بين فكيه أربعين ذراعاً، كما في الخبر وتمتثل أوامر القائم (علیه السلام) فتلقف في حلقها ما يأفكون. أي ما يوهمون به من الانقلاب زوراً وبهتاناً، فهي تتناوله بفمها، وتبلعه بسرعة؛ فإذا أمرها الإمام (علیه السلام) أسرعت فيه، فلو أمرها بقتل ظالم، أو كافر، أو فاسق، وابتلاعه أسرعت اليه وقتلته، وابتلعته، فهي سلاح على أعداء الله، حارسة ومحافظة على أولياء الله.
دلائل الإمامة
بإسناده الى فرات بن أخنف قال: كنت مع أبي عبد الله (علیه السلام)، ونحن نريد زيارة أمير المؤمنين (علیه السلام)، فلمّا صرنا الى الثوية نزل فصلى ركعتين. فقلت: يا سيدي ما هذه الصلاة؟ قال: هذا موضع منبر القائم (علیه السلام)، أحببت أن أشكر الله في هذا الموضع الحديث.
بيان: الثوّية معروفة، هي موضع قبر كميل بن زياد عليه الرحمة وبعض أصحاب أمير المؤمنين (علیه السلام)، وهي بقرب مسجد الحنّانة في النجف الأشرف، وقد بني فيها، وما حولها أحياء متعددة مثل حي الحنّانة، وحي السعد، وحي الحسين وغيرها، وقد بني صحن كبير لمرقد كميل بن زياد، ولعل هذا الصحن الكبير، يكون موضع منبر القائم (علیه السلام)، فيرقى المنبر في هذا الصحن لإلقاء الخطب، ونشر الأحكام الإسلامية والعلوم الربّانية، والأسرار الرحمانية، ويكن مجتمع المؤمنين فيه.
الكتاب المبين السفر الثاني منه
عن غيبة النعماني، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال: ألا أريك قميص القائم (علیه السلام) الذي يقوم فيه؟ فقلت: بلىٰ، فدعا بقمطر (1)، ففتحه وأخرج منه قميص كرابيس فنشره، فإذا في كمّه الأيسر دم، فقال: هذا قميص رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) الذي كان عليه يوم ضربت رباعيته، وفيه يقوم القائم (علیه السلام) فقبّلت الدم، ووضعته على وجهي، ثم طواه أبو عبد الله ورفعه.
بيان: دل هذا الخبر على أن القميص الذي يقوم المقائم (علیه السلام) فيه، هو من مواريث
1) (1) قمطر: صندوق تحفظ فيه الأشياء والكتب.
الأنبياء، وقد ورثه من جده رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، لأنه القميص الذي كان لبسه النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) في حرب أحد، لأنه باشر القتال في هذه الوقعة بنفسه، ورمى حتى فنيت نباله، وأصاب شفتيه وأدماها عتبة بن أبي وقّاص، وأشامى رباعيته، ويقال: الذي شجّه في جبهته ابن شهاب، والذي دمىّ وجنتيه، حتى غاب الحلق في وجنته ابن قميئة، فهذا القميص قد احتفظ به النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، والأئمة (علیه السلام) من بعده، وقد وضعه الإمام الصادق (علیه السلام) في قمطر، وهو صندوق تحفظ فيه الأشياء والكتب، كالقاصة التي يحفظ فيها الأموال، حتى وصل الى الامام القائم (علیه السلام)، فهو عندما يقوم بثورته يلبس ذلك القميص، وهو قميص كرابيس، وهو جمع كرباس، وهو ثوب خشن من القطن، فيأخذ ثار النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) وآله لأنه بلبسه لذلك الثوب يتذكر ظلامة جده، فينتقم من أعداء الله ورسوله.
وفيه: وعنه (علیه السلام) في حديث طويل قال في آخره: فإذا قام قائمنا بعثهم الله، أي المؤمنين، فأقبلوا معه يلبون زمراً زمراً، فعند ذلك يرتاب المبطلون، ويضمحل المحلون، وقليل ما يكونون، هلكت المحاضير، ونجا المقرّبون من أجل ذلك؛ قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، لعليّ (علیه السلام)، أنت أخي، وميعاد ما بيني وبينك وادي السلام.
بيان: هؤلاء المؤمنون يبعثهم الله تعالى مع القائم (علیه السلام)، زمراً زمراً، أي جماعات جماعات، فيكونوا من أنصاره، وأعوانه، فيرتاب برؤيتهم - أي لرجعة هؤلاء الأموات الى الدنيا - أهل الباطل، وهم الذين ينكرون الرجعة، وهم الذين يقولون: إذا متنا وكنا ترابا وعظاماً إنا لمبعوثون ويضمحل المحلّون: أي يعني المؤمنون الذين يحلّون حلال الله، ويحرمون حرامه، وهؤلاء قليل ما يكونون، أي أن وجود هؤلاء المؤمنين يكون قليلاً في آخر الزمان.
ثم قال: هلكت المحاضير: وهم المستعجلون بظهور القائم (علیه السلام)، ونجا المقربون لظهوره، وهم الذين يقولون: إن ظهوره قريب إن شاء الله تعالى، يكتب الله النجاة لهم في الدنيا والآخرة، ويحفظهم من المكاره في الدارين، ويمنحهم سلامة الدِّين والدنيا.
ثم قال النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام): أنت أخي، وميعاد ما بيني وبينك في الرجعة، وعند قيام القائم (علیه السلام) وادي السلام - وفي رواية - وميعاد ما بيني وبينك السلام فسئل عن السلام. قيل: وما السلام؟ قال: السلام من النجف.
فيعلم أنَّ المراد منه وادي السلام الواقع في النجف، الذي هو مدفن الأنبياء،
والرسل، والعلماء الأعلام، ورجال الدِّين، والأخيار، والصالحين، وقد مرَّ أنَّ في ه الوادي قبر نبي الله هود، وقبر نبي الله صالح (علیه السلام).
وفي الخبر أنه يحشر من هذا الوادي سبعون ألفاً من المؤمنين، يدخلون الجنة بغير حساب. وعند ظهور الحجة (علیه السلام)، ورجعة النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) فإنه يأتي النجف، ولعله يأتي الى حرم الامام في النجف، لأن هذا الحرم يكون موضعاً خاصاً لخلوات الإمام الحجة (علیه السلام) للعبادة. فيلتقي مع الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، لأنه على موعدان يأتي في الرجعة اليه في هذا المقام الشريف، وفي هذه العتبة المقدسة، والوعد والميعاد من قبيل الدِّين، يجب الوفاء به، وهذا ممّا يدل على أفضلية هذا المقام العالي، لاجتماع النبي والأئمة (علیه السلام).
مجمع البيان
في تفسير قوله تعالى في سورة النساء آية 159: (وإن من أهل الكتاب إلَّا ليؤمنن، به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً) وهو عيسى (علیه السلام)، ينزل في آخر الزمان، فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلَّا يؤمن به، حتى تكون الملّة واحدة، وهي ملّة الإسلام، ويهلك في زمانه المسيح الدَّجَّال الأمنة وتقع حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنموز مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيّات، ويلبث في الأرض أربعين سنة. ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه.
قال في الكشاف
في تفسير هذه الآية وهو قوله تعالى في سورة النساء (وإن من أهل الكتاب) الى آخر الآية.
قال: قيل الضمير في قوله ليؤمن به أي بعيسى بن مريم (علیه السلام)، بمعنى أنه ليس أحد من أهل الكتاب إلَّا ليؤمن بعيسى (علیه السلام) قبل موت عيسى (علیه السلام) والمراد من أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، الذين هم في زمان نزوله من السماء؛ ولا ريب أنَّ زمان
نزوله عند قيام القائم (علیه السلام).
ثم قال: روي أنَّ عيسى (علیه السلام) ينزل من السماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلََّا يؤمن به، حتى تكون الملة واحدة، وهي ملّة الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدَّجَّال، وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيّات، ويلبث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفىٰ ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه.
ويجوز ان يُراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلَّا ليؤمنن به، على أن يحييهم الله في قبورهم، في ذلك الزمان، ويعلمهم نزوله وما أنزل له، ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم.
بيان: وهذا غريب من الزفخشري حيث إنه قول منه بالرجعة، وهم لا يقولون بها. ولذا ينقل إن أبا حنيفة - أي المذهب الحنفي - قال لمؤمن: الطاق الذي هو من تلامذة الإمام جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام)، قال: اقرضني مائة دينار، وأنا أعطيك إياها في الرجعة أراد أن يستهزيء به فقال له مؤمن الطاق: أعطني كفيلاً أنك أنك ترجع إنساناً في الرجعة، فلعلك أرجعك الله كلباً، أو خنزيراً، فمن أين أقبض دراهمي؟ فغضب منه.
في قوله تعالى (وإنّ من أهل الكتاب إلَّا ليؤمنن به قبل موته) الآية قال: حدثني أبي، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن أبي حمزة عن شهر بن حوشب، قال لي الحجاج: يا شهر آية في كتاب الله قد أعيتني. فقلت: أيها الأمير أية
آية هي؟ فقال: قوله تعالى: (وإنَّ من أهل الكتاب إلَّا ليؤمنن به قبل موته) والله إني لآمر باليهودي والنصراني فيضرب عنقه، ثم أرمقه بعيني، فما أراه يحرك شفتيه حتى يخمد.
فقلت: أصلح الله الأمير، ليس على ما أولت. قال: كيف هو؟ قلت: إن عيسى ينزل قبل يوم القيامة الى الدنيا، فلا يبقى أهل ملّة، يهودي ولا غيره إلَّا آمن به قبل موته، ويصلي خلف المهدي، قال: ويحك: اني لك هذا، ومن اين جئت به؟ فقلت: حدّثني به محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (علیه السلام). فقال: والله جئت بها من عين صافية. - وفي الدر المنثور قريب منه -.
بيان: لا ريب في أن المستفاد من الآيات القرآنية، ومن الأخبار الكثيرة:
أولاً: أنَّ عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا وآله السلام، رُفع الى السماء، ولم يقتل، ولم يصلب.
ثانياً: ثبت في الأخبار الكثيرة أنه في السماء، وقيل في الرابعة، وهل هو حيّ أم میت؟ دلت بعض الروايات أنه حيّ في السماء كما في البحار عن الثعلبي رجل من أهل عسقلان لقي نبي الله إلياس عليه وعلى نبينا وآله السلام فسأله عن عدة أسئلة منها: قال له: كم من الأنبياء اليوم أحياء؟ قال: أربعة، اثنان في الأرض، واثنان في السماء، ففي السماء عيسى (علیه السلام) وادريس (علیه السلام)، وفي الأرض إلياس والخضر. فهذه الرواية ممّا تدل على بقائه حيَّاً في السماء بعد رفعه، كما أن إدريس (علیه السلام) حيّ في السماء.
وثالثاً: دلت الأخبار الكثيرة أنه ينزل في آخر الزمان ويصلي خلف المهدي (علیه السلام)، وهذا ممّا يدل على أن نزوله بعد قيام القائم (علیه السلام)، كما يؤكد ذلك الأخبار الدَّالة على أنه يكون الوزير الأيمن للإمام القائم (علیه السلام)، ونائبه، وحاجبه، والخازن على امواله.
ولا ريب في أن أهل الكتاب يؤمنون به عند نزوله، لأنه نبيّهم، فإذا صلى خلف المهدي، ودخل في طاعته، وأظهر أنَّ المبدأ الصحيح السماوي هو الإسلام، وأن الدِّين عند الله هو الإسلام، أطاعه أهل الكتاب، ودخلوا معه في دين الإسلام، فالمراد من أهل الكتاب الذين يؤمنون بعيسى (علیه السلام) عند نزوله، هم أهل الكتاب الموجودين في زمان نزوله، وعند قيام القائم (علیه السلام)، فهؤلاء يؤمنون به، ويؤمنون بالإسلام، فتكون الملّة في العالم هي ملّة واحدة وهي ملّة الإسلام.
ويهلك الله في زمانه الدجال، لأن الامام (علیه السلام) يجهز جيشاً بقيادة عيسى بن مريم (علیه السلام)، فيذهب اليه لقتاله، ويكون هلاك الدَّجَّال وحزبه من أولاد اليهود وأحفادهم على يد عيسى بن مريم (علیه السلام). ويقع الأمان في تمام العالم حتى بين الحيوانات، فلذا يُرى الأسد يرتع مع الإبل والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم. ويلعب الصبيان بالحيّات فلا تضرهم.
ويلبث في الأرض أربعين سنة: فلعل هذه المدة مقرّرة له في الرجعة، وقد مرّ في بعض الروايات المتقدمة نظير ذلك، ثم يتوفى ويلحق بجوار ربه، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه، ولم يعيّن محل دفنه في أيّ مكان من الارض، ولعل ذلك في بعض البلاد المقدسة، ويُحتمل أن يكون في الكوفة، لأنها عاصمة الإمام، أو في وادي السلام في
النجف، لأنه واد شريف فيه قبور الأنبياء والعلماء والصلحاء.
وقد ورد في الروايات الواردة في باب الرجعة، أن عيسى بن مريم (علیه السلام) يبقى حيَّاً الى خروج يأجوج ومأجوج، وهو الذي يدعو على يأجوج ومأجوج، فوق جبل طور سيناء، فيستجيب الله تعالى دعاءه، فيرسل عليهم طيوراً كالنسور فتقتلهم بأجمعهم، وتطهّر الأرض منهم، فتُلقى جثثهم في البحر؛ وهذه الرواية تكون معارضة لما ذكرناه في المقام من موته في زمان الرجعة.
ويمكن أن يجمع بين الروايتين: إن اللبث أربعون سنة هي مدة مقررة له في الرجعة مع الإمام المهدي (علیه السلام) فإذا مات ورجع الامام بعد شهادته الأئمة مع (علیه السلام) مرة ثانية، يرجع عيسى (علیه السلام)، معه مرة ثانية؛ فيبقى الى آخر الدنيا، فيقوم بإهلاك يأجوج ومأجوج بدعائه لإفسادهم في الأرض؛ وترتفع المعارضة والمنافاة بين الروايتين والله العالم.
السر المكتوم
قال أمير المؤمنين (علیه السلام) في بعض خطبه: ثم بعد ذلك، أي أنَّ القائم (علیه السلام) بعد ظهوره يقيم الرايات، ويظهر المعجزات، ويسير نحو الكوفة، وينزل على سرير النبي سليمان (علیه السلام)، ويعلق الطير على رأسه، ويتختم بخاتمه الأعظم فيه وبيمينه عصا موسی، وجليسه الروح الأمين وعيسى بن مريم (علیه السلام)، متَّشحاً ببرد النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، متقلداً بذي الفقار ووجهه كدائرة القمر في ليالي كماله؛ يخرج من بين ثناياه نور كالبرق الساطع، على رأسه تاج من نور، راكب على أسد من نور، إن يقل للشيء كن فيكون بقدرة الله تعالى؛ ويبرء الأكمة؛ والأبرص، ويحيي الموتى، ويميت الأحياء، وتسفر له الأرض عن كنوزها؛ حوىٰ حكمة آدم (علیه السلام)، ووفاء إبراهيم (علیه السلام)، وحسن يوسف (علیه السلام)، وملاحة محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)؛ وجبرائيل (علیه السلام) عن يمينه، وميكائيل (علیه السلام) عن شماله، وإسرافيل (علیه السلام) من
ورائه، والغمام من فوق رأسه، والنصر بين يديه، والعدل تحت أقدامه، ويظهر للناس كتاباً جديداً، وهو على الكافرين صعب شديد؛ يدعو الناس الى أمر من أقربه هدي، ومن أنكره غور، فالويل كل الويل لمن أنكره؛ رؤوف بالمؤمنين شديد الانتقام على الكافرين.
ويستدعي الى بين يديه كبار اليهود، وأحبارهم، ورؤساء دين النصارى، وعلماءهم، ويحضر التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، ويجادلهم على كل كتاب بمفرده، ويطلب منهم تأويله، ويعرفهم تبديله، ويحكم بينهم كما أمر الله ورسوله.
ثم يرجع بعد ذلك الى هذه الأمة، الشديدة الخلاف، القليلة الإئتلاف، وسيدعى اليه من سائر البلاد، الذين ظنوا أنهم من علماء الدين، وفقهاء اليقين، والحكماء، والمنجمين، والحكماء، والمنجمين، والمتفلسفين، والأطباء، الضّالين، والشيعة المذعنين؛ فيحكم بينهم بالحق، فيما كانوا فيه يختلفون، ويتلو عليهم بعد إقامة العدل بين الأنام: (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [النحل 118] يتضح للناس الحق، وينجلي الصدق، وينكشف المستور، ويحصل ما في الصدور، ويعلم الدار والمصير، ويظهّر الحكمة الإلهية بعد إخفائها، وتشرق شريعة المختار بعد ظلمائها، ويظهر تأويل التنزيل كما أراد الأزل القديم، يهدي الى صراط مستقيم، ويكشف الغطاء عن أعين الأثماء، ويشيد القياس، ويخمد نار الخناس، ويقرض الدولة الباطلة، ويعطل العاطل، ويفرق بين المفضول والفاضل، ويعرف للناس المقتول والقاتل، ويترحم عن الذبيح، ويصح الصحيح، ويتكلم عن المسموم، وينبه الندم، ويظهر اليه المصون، ويفتضح الخؤون، وينتقم من أهل الفتوى في الدِّين لما لا يعلمون، فتعساً لهم ولأتباعهم، أكان الدين ناقصاً فتممّوه؟ أم كان به عوج فقوموه؟ أم الناس همّوا بالخلاف فأطاعوه؟ أم أمرهم بالصواب فعصوه؟ الخطبة.
بیان: هذه خطبة عظيمة جليلة، بيّن الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) فيها عظمة الإمام القائم (علیه السلام)، وفضله للأنام، وأنه في الذورة العالية من العلم والكمال، والفضل، والجلال، والحسن، والجمال؛ وأنه يُؤتى في زمانه ما لم يُؤت أحد من الأنبياء والمرسلين ويُعطى ما أعطى جميع الأنبياء والصدِّيقين، ويجمع الله له رئاسة الدِّين والدنيا، ويجعل کلمته هي العليا، وكلمة أعدائه هي السفلىٰ، يقيم الرايات، ويظهر المعجزات: أي ترفع رايته في كل دولة من دول العالم، ولا راية ولا دولة في مقابله، ويظهر المعجزات التي
يعجز عن الإتيان بمثلها البشر.
ويسير نحو الكوفة: أي أنه أول ما يسير من مكة يقصد الكوفة، ويجعل عاصمته فيها؛ وينظم أمورها، وتكون محكمته في الكوفة، وفيها يكون دار المملكة والسلطنة.
فيؤتى له بسرير سليمان بن داود (علیه السلام): وهو عرش سليمان، الذي كان يجلس عليه، وهو عرش السلطنة والمملكة، الذي صنعه واخترعه له الجن، وهو تمثال يحمله أسد؛ فإذا أراد أن يضع سليمان قدمه على العرش، بسط الأسد يده، فيتحرك العرش ويقترب منه حتى يجلس عليه، فيعود إلى مكانه بحركة آلية دقيقة، مدهشة، فهذا العرش يوضع في الكوفة للإمام القائم (علیه السلام)، فيجلس عليه في دار السلطنة.
ويختم بخاتم سليمان (علیه السلام): فتكون جميع المخلوقات تحت طوع إرادته من الإنس، والملك، والجن، والطير، والهواء وغيرها، ممّا خلق الله تعالى.
وبيمينه عصا موسى (علیه السلام): أي يأخذ عصا موسى (علیه السلام) فيصنع بها ما كان يصنع بها موسى، من إلقائها فتكون ثعباناً عظيماً، وتدفع الأعداء عنه وتلقف سحر السحرة، وتكون محافظة عليه وحارسة له.
وجليسه الروح الأمين: والروح الأمين هو جبرائيل (علیه السلام)، كما دلت عليه الرواية، أنه ينزل عليه في مكة، ويكون مرافقاً للقائم (علیه السلام) يمشي عن يمينه، وهو روح القدس، أي الطهر، والمراد الروح المقدّس؛ وهو يدفع عنه الأعداء، ويُحتمل أن يراد بالروح ما رواه الكافي في تفسير قوله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا) [الشورى 52] الآية.
روى ثقة الإسلام عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قوله الله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الأيمان) قال: خلق من خلق الله تعالى أعظم من جبرائيل وميكائيل، كان مع رسول الله يخبره، ويسدده، وهو مع الأئمة (علیه السلام) من بعده.
فهذا الخبر يدل، على أن الروح ملك عظيم من ملائكة الله تعالى، أعظم من جبرائيل وميكائيل، كان يصحب النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، ويخبره بجميع الأمور، ويسدده، كما يصحب الأئمة (علیه السلام)، ويصحب الإمام القائم (علیه السلام)، ويخبره عن جميع المسائل، والوقائع، والأمور؛ فلعل هذا الروح يكون جليساً للإمام القائم (علیه السلام)، فيخبره
بالغائبات، والوقائع، والمسائل.
وعيسى بن مريم (علیه السلام): وقد مرّ أنه الوزير الأيمن للإمام القائم (علیه السلام)، ونائبه، وحاجبه وخازناً على أمواله.
متّشحاً ببرد النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) متقلداً بذي الفقار: المتّشح: من اتّشح الرجل بالثوب والإزار والكساء، وهو أن يدخل الكساء تحت أبطه الأيمن، ويلقيه على منكبه الأيسر، كما يفعله المحرم في الحج بالإزار؛ والبرد كساء من الصوف يلتحف به؛ فالمعنى أنَّ القائم (علیه السلام) حين يجلس على عرش المملكة، يتشح أي يلبس عباءة النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) بالكيفية المذكورة، ويتقلد سيف ذي الفقار.
وذو الفقار عند العامة اسم سيف كان لرسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، ونزل به جبرائیل (صلی الله علیه وآله وسلم) من السماء، وكانت حلقته فضة، كذا في حديث عن الرضا (علیه السلام) قال: وهو عندي قيل: سميّ بذلك لأنه كانت فيه حفر صغار حسان وخروز مطمئنة. والمفقر من السيوف ما فيه خروز مطمئنة. وقيل: كان هذا السيف لمنبت بن الحجاج السهميّ، كان مع ابنه العاصي يوم بدر، فقتله أمير المؤمنين (علیه السلام)، وجاء به إلى رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، فأعطاه رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) عليّاً (علیه السلام)، بعد ذلك، فقاتل به دونه يوم أحد. وقيل: كان من حديدة وجدت عند الكعبة في زمن جُرهم، أو غيرهم.
وروي أن بلقيس أهدت لسليمان (علیه السلام) ستة أسياف، وكان ذو الفقار منها، فهو من مواريث الأنبياء التي وصلت إلى الإمام القائم (علیه السلام).
وروي عن عليّ (علیه السلام) قال: إن جبرائيل (علیه السلام) أتى النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، وقال له: إنَّ صنماً في اليمن مغفر من حديد، ابعث إليه فادفقه وخذ الحديد، قال: فدعاني فبعثني إليه فدفقت الصنم، وأخذت الحديد، فجئت به إلى رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) فاستضرب منه، سيفين، فسمّي أحدهما ذا الفقار، والآخر مخذم. فتقلد رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ذا الفقار، وأعطاني مخذماً، ثم أعطاني بعد ذا الفقار. فهذا السيف العظيم الذي هو من مواريث الأنبياء، يتقلده القائم (علیه السلام).
ووجهه كدائرة القمر في ليالي كماله، يخرج من بين ثناياه نور كالبرق الساطع، على رأسه تاج من نور، راكب على أسد من نور: هذه الجمل تحكي ما للقائم (علیه السلام) من الهيبة، والجمال، والنور، والبهاء، والكمال، بحيث يكون وجهه مثل دائرة القمر في
ليالي تمامه، وكماله؛ وعند تكلمه يخرج من فمه نور ساطع، وبرق لامع يخطف أبصار الناظرين؛ قد توجّه الله تعالى بتاج من نور لامع؛ وهو راكب - أي جالس - على تمثال يحمله أسد، وذلك التمثال هو أسد من نور، يحمله أسد فرؤية عرشه تبهر العقول وتعجب الأنظار، وترهب الأنفس، فمنظره رهيب وتصميمه عجيب غريب، وشكله.
ويبرىء الأكمه، والأبرص، ويحيي الموتى، ويميت الأحياء: وهذه الكرامة الثابتة لعيسى بن مريم (علیه السلام)، التي نص عليها القرآن الكريم، ثابتة للإمام القائم (علیه السلام)، فإنه يُؤتى بالأكمه، وهو الذي يولد أعمى، والأبرص وهو من به داء البرص، نعوذ بالله تعالى منه، فيدعو لهم فيبرئهم، فالأعمى يعود مبصراً، والأبرص يعود صحيحاً معافاً.
ويحيى الموتىٰ: فيصلي عند قبر الميت، أو يدعو لميت بالحياة، فيخرجه من قبره حيّاً بإذن الله تعالى، ويميت الأحياء إمّا بدعائه، لأنه مستجاب الدعوة؛ وإما بإعدامه وقتله هم.
وتسفر الأرض له عن كنوزها: أي يظهر الله له ما في بطن الأرض، ما كان من كنوز مخفيّة من الذهب، والفضة، والجواهر، وسائر المعادن.
حوى حكمة آدم (علیه السلام): أي منحه الله تعالى بالحكمة والعلم، الذي منح به آدم (علیه السلام).
ووفاء ابراهيم (علیه السلام): أي يفي بالعهد والوعد، ولكل من أحسن إليه ودعا له ونصره، وأيّده في زمن الغيبة، وبعد ظهوره، فيجزيه بالإحسان، وينعم عليه بأحسن الجزاء، والإكرام، والامتنان.
وحسن يوسف (علیه السلام): أي يمنحه جمال يوسف ومحاسنه.
وملاحة محمد (صلی الله علیه وآله وسلم): أي يجعله الله تعالى مليحاً، حسناً، بهيج المنظر، كما كان النبي (صلی الله علیه وآله وسلم).
و جبرائيل (علیه السلام) يسير عن يمينه في الحروب وغيرها، وميكائيل يسير عن شماله واسرافيل (علیه السلام) يسير من ورائه، يدفعون عنه كل عدو له من الجن والأنس.
والغمام من فوق رأسه، يظلله: وهذه الكرامة كانت ثابتة للنبي الأكرم (صلی الله علیه وآله وسلم).
والنصر يسير بين يديه: فإلى أيّ بلد سار انتصر، وإلى أي قوم غزاهم انتصر عليهم.
والعدل تحت أقدامه: أي يحكم بالعدل بين الناس، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلما وجوراً.
ويظهر للناس كتاباً جديداً: وهو الكتاب المبين، الذي فيه تبيان كل شيء، وهدى ورحمة للعالمين، فيه تفسير الآيات، والحوادث، وتوضيح الأمور من العبادات والمعاملات؛ وكل ما يحتاجه الناس.
وهذا الكتاب على الكافرين صعب شديد: لأنهم لم يعرفوا أحكام الإسلام، ولم يعملوا بها، ولم يتقيدوا بالقيود الإسلامية، فتطبيق تلك الأحكام عليهم وإلزامهم والتزامهم بها صعب شديد؛ ولكن ذلك الكتاب على المؤمنين سهل خفيف، لأنهم عملوا بأحكامه، وطبقوها في زمن الغيبة؛ ولو كان فيه أحكاماً، وقيوداً أخرى، فهم مستعدون للإلتزام بها، وتطبيقها؛ فإن كانت واجبة، أو مندوبة، أو مباحة، أخذوا بها؛ وإن كانت محرّمة، أو مكروهة، انتهوا عنها.
يدعو الناس إلى أمر من أقرّبه هدي، ومن أنكره غور: وهذا الأمر الذي يدعو إليه الإمام القائم (علیه السلام)، هي الولاية للأئمة من آل محمد (علیه السلام)، والبراءة من أعدائهم، والعمل على طبق ما جاؤوا به من الدِّين، فمن أقرّ بذلك فقد اهتدى إلى الحق، وسار على طريق مستقيم؛ ومن أنكر ذلك فهو في الدرك الأسفل من النار، ومن أسفل الناس، لأن الغور هو قعر كل شيء وأسفله، وغور البحر قعره، وهو مأخوذ من غار غوراً في الأرض، أو في الماء، أي ذهب فيه. ويُحتمل أن تكون الكلمة غدر، أي فهو غادر، وخائن، وناقض للعهد.
ولذا قال: فالويل كل الويل - أي الهلاك كل الهلاك - لمن أنكر إمامة القائم (علیه السلام) ولم يعترف به وبما جاء به، وهو الرؤوف بالمؤمنين، الرحيم بهم، والمتحنن المتفضل بجميع وجوه الإحسان عليهم، والرائد لهم الخير، والطالب لهم العزة في الدنيا والآخرة، فهو معز المؤمنين؛ وهو شديد الانتقام من الكافرين، والمنافقين، والملحدين؛ وهو الذي يريهم السوء، والذل، والإهانة، والمنقصة، ويصليهم نار الآخرة، فيقتلهم ويبيدهم وينتقم منهم، لأنه كما ورد في الخبر أنه يبعث رحمة للمؤمنين، ونقمة على الكافرين، وينصره الله
·
تعالى على أعدائه، ويشف صدور قوم مؤمنين.
ثم قال: ويستدعي كبار اليهود والنصارى: وكبار اليهود رؤساؤهم وعلماؤهم، وأحبارهم، وكبار النصارى رؤساؤهم وعلماؤهم، ورهبانهم، وقساوستهم، من الدول الشرقية والغربية، ممّن يدّعي أنه ذو علم ومعرفة. فيحضر هؤلاء بين يديه، وأمام محكمة العدل، ويحضر التوراة الصحيحة، وهو كتاب النبي موسىٰ (علیه السلام)، ويحضر الإنجيل الصحيح، وهو كتاب النبي عيسىٰ (علیه السلام)، ويحضر الزبور الصحيح، وهو كتاب النبي داود (ع (علیه السلام)، وتحضر الفرقان وهو القرآن المفسّر المبيّن الذي فيه تبيان كل شيء، وهو كتاب النبي محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) وهو قانون دين الإسلام.
وفي الحديث: الفرقان المحكم الواجب العمل به، والقرآن جملة الكتاب، لأن القرآن فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات.
ويحضر أهل الإسلام بجميع مذاهبهم: والمراد من المذاهب إمّا أهل المذاهب الأربعة: أي المذهب الحنفي، والمالكي، والحنبلي، والشافعي. وإمّا أهل الفرق الإسلامية، وقد مرَّ آنفاً أنَّ الفرق الإسلامية تفترق على ثلاث وسبعين فرقة وملّة، لما رواه الصدوق في معاني الأخبار:
بحذف الإسناد عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): سيأتي على أمتي ما أتىٰ على بني إسرائيل، مثل بمثل، فإنهم تفرقوا على اثنين وسبعين ملّة؛ وستفرق أمتي على ثلاث وسبعين ملّة، تزيد عليهم واحدة، كلّها في النار غير واحدة. قال: قيل: يا رسول الله وما تلك الواحدة؟ قال: هو ما نحن عليه اليوم، أنا وأهل بيتي. فلعل الإمام القائم (علیه السلام) يحضر جميع رؤساء هؤلاء الفرق من أهل الإسلام، ومن سائر الملل والنحل فيحتج معهم، ويجادلهم على كل كتاب بمفرده، أي تملًا، فيحتج مع اليهود والنصارىٰ، والمجوس، ومذاهب الإسلام على كتبهم، ويطلب منهم تأويل ما جاء في كتبهم، فلم يهتدوا إليه، ويعرفهم تأويله، وإنهم ما وصلوا إلى كنه حقيقتها، وما فهموا معانيها، وما ورد فيها، ويوضح لهم مطالبها وأحكامها، ويعرفهم تبديلها وتحريفها، أي تحريف تلك الكتب السماوية، لا القرآن الكريم، لما مرّ من أن القرآن الكريم لا يمكن لأحد من المخلوقين تبديله، وتغييره، وتحريفه، لما مرّ من إقامة الأدلة على ذلك ومنها قوله تعالى (و إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر 9] وقوله تعالى (وإنه لكتاب عزیز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه تنزيل من حكيم حميد) [فصلت 42].
وغيرها من الأدلة الدالة على أن القرآن المجيد لا يمكن لأحد تغييره، أو تبديله أو تحريفه، بخلاف سائر الكتب، فإن جلّها مجعولة من قبل علماء تلك الفرق، وأحبارهم ورهبانهم، والقساوسة فهم الذين حرّفوها، وبدّلوها، وابتدعوا، وأحدثوا، وجعلوا فيها ما لم يكن منزلاً من قبل الله تعالى، وتبعهم من جاء بعدهم، وسيّروا الأمم على غير الصحيح من النمط، وأوقعوهم في الخطأ والغلط، وبدّلوا الأحكام السماوية بأحكام جعليّة، لا عن الله تعالى، ولا عن رسول من قبل الله تعالى. ولذا ترى الكثير في دول العالم ساروا على ذلك النمط، واستحسنوا ذلك الباطل والغلط، فهم بين الغلّو والتقصير في الدين.
قال في النهاية: كره علي ّ(علیه السلام) الغلو والتقصير في الدين. والمراد من الكراهة هنا الحرمة. ولذا ورد في حديث أهل البيت (علیه السلام): نحن النمط الأوسط، لا يدركنا الغالي، ولا يسبقنا التالي.
بيان: المراد من النمط الأوسط هي الطريقة الوسطى، من الطرائق في الدين التي لا ترقىٰ إلى مرتبة الغلّو، فيغالي في النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، أو الإمام (علیه السلام) أو من يقوم مقامه، فيجعلهم أرباباً، فيكون مغالياً، وكافراً. ولا ينزل إلى مرتبة دانية؛ فلا يعتقد بأنبياء الله تعالى، وأوليائه على حسب ما أمر الله تعالى به؛ فيكون مقصراً في الدين، والأعتقاد ويكون عدواً قالياً لذا ورد في الحديث مدح للفرقة الأثنى عشرية. فقد ورد في الحديث عن عليّ (علیه السلام): خير هذه الأمة النمط الأوسط. أي أنَّ خير الأمة الإسلامية هي التي اتَّخذت النمط الأوسط أي الطريقة الوسطى في الدين، فلا تكون مغالية في أنبياء الله تعالى، وأوليائه؛ ولا تكون قالية ومعادية، فتكون هالكة لما قد مرّ في الحديث عن عليّ (علیه السلام) قال: هلك فيّ اثنان محب غال وعدوّ قال. فإذا أحضر الإمام القائم (علیه السلام) هؤلاء الرؤساء من أهل الأديان، والمذاهب، فيحكم بين هؤلاء الأمم بحكم الإسلام، وبما أمر الله تعالى ورسوله، بعد إبطال حججهم، وإقامة الحجة عليهم، وإثبات دين الإسلام الصحيح، لما ثبت في القرآن العظيم (إن الدين عند الله الإسلام) [ال عمران 19] وقوله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) [ال عمران 85] ثم قال (علیه السلام): ثم يرجع بعد ذلك إلى هذه الأمة أي إلى الأمة الإسلامية في الدول الإسلامية وغيرها. وقد عبر عنهم بالأمة الشديدة الخلاف، لما مرّ في الحديث من كثرة فرق الإسلام واختلاف مذاهبهم أكثر من غيرهم من الفرق، فقد ذكرنا أنَّ بني اسرائيل تفرق
إلى اثنين وسبعين فرقه؛ وأمة الإسلام تفرق إلى ثلاثة وسبعين فرقة، فالأمة الإسلامية أكثر اختلافاً من غيرهم.
القليلة الإئتلاف: أي الاجتماع. قيل: وهو صحيح إنَّ الأمة الإسلامية لم تجتمع على أمر قط. نعم اجتمعت على قتل الحسين بن علي (علیه السلام)، وقتل ذرية رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم).
ثم قال (علیه السلام) وسيدعي إليه: أي سيحضر عند الإمام القائم (علیه السلام) من سائر البلاد العربية، وغير العربية الأشخاص الذين ظنّوا أنهم من علماء الدين، وفقهاء اليقين. وهؤلاء هم المتشبِّهون برجال الدين، المتشكِّلون بأشكال العلماء العاملين، وقد ترأسوا الأمة الإسلامية بغير حق، فزعموا وظنّوا أنهم على علم ودين، وهم ليسوا على دين، لأن الظنَّ لا يغني من الحق شيئاً؛ كما ظنوا أنهم فقهاء شريعة سيّد المرسلين، وإن ما ظنّوا به حق اليقين، فحصل لهم الجهل المركّب، فهؤلاء علماء الضلالة، والنواصب من أهل الخلاف؛ فيحتج الإمام (علیه السلام) معهم، ويعرفهم أنهم كانوا على ضلال وباطل، وإن ما ظنّوا به، وقطعوا به، كان بدعة وعاطلاً، ويحكم عليهم بقانون العدل، فمن عمل منهم سوء يجز به.
ثم قال (علیه السلام) والحكماء، والمنجمين، والمتفلسفين، والأطباء الضَّالّين، والشيعة المذعنين.
بيان: ويجمع الحكماء جمع حكيم، وهو من درس علم الحكمة وقد قسّموا أهل هذا الفن علم الحكمة.
أولاً إلى الحكمة النظرية، والحكمة العملية.
وثانياً: قسّموا الحكمة العملية إلى ثلاثة أقسام: أحدها: علم الأخلاق وتسمى بالحكمة الخلقية.
فالمراد بالحكيم إمّا من درس علم هذه الحكمة، من علم الكلام، والفلسفة العقلية المعبّر عنهم بالمتفلسفين. وإما من درس علم الحكمة النظرية، أو من درس الحكمة الخلقية، أو من درس الحكمة اليونانية أي الطب اليوناني.
ويجمع المنجمين: جمع منجم، وهو من درس علم النجوم. وهو علم يعرف به
مواقيت النجوم، وسيرها في الأفلاك، ليعلم بها أحوال العالم. ويسمى المنجم بالمتنجم، وهو الذي ينظر في النجوم، ليعلم مواقيتها وسيرها؛ ليعلم بها أحوال العالم، ويخبر عن الحوادث التي تقع في العالم، استناداً إلى الحركات الفلكية، والطوارىء الطارئة على الكواكب. وهذا التنجيم حرام أي الإخبار عن الحوادث مثل الرخص، والغلاء، والحرّ، والبرد، ونحوها، استناداً إلى الحركات الفلكية، والطوارىء الطارئة على الكواكب، من الإتصال بينها، والانفصال، والاقتران، ونحو ذلك، باعتقاد تأثيرها في الحادث، على وجه ينافي الاعتقاد بالدين.
ويجمع الأطباء الضّالّين: جمع طبيب. وهو من درس علم الطب الحديث، ودرس في الكليات الحديثة في العالم، حتى حصل على شهادة ماجستر أو دكتوراه أو برفسور. وإنما وصفهم الإمام (علیه السلام) بالضّالين لأن نوع الأطباء الجدد في الطب الحديث ضالّين عن طريق الحق والعدالة.
ويجمع الشيعة المذعنين، والشيعة في النهاية الفرقة من الناس، وأيضاً يقال للأتباع والأعوان والأنصار شيعة، ثم صارت الشيعة جماعة مخصوصة، وغلب هذا الاسم على كل من يزعم أنه يوالي عليّاً وأهل بيته، حتى صار اسماً خاصّاً لهم، وهم الفرقة الإمامية الاثنى عشرية، المعتقدين بالنبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، وبإمامة الأئمة الأثنى عشر، الذين أولهم الإمام الأعظم علي بن أبي طالب، وآخرهم الإمام القائم صلوات الله عليهم أجمعين. وإنما يجمع الإمام القائم (علیه السلام) الشيعة المذعنين أي المنقادين، والخاضعين له، والمقرّين بإمامته، ليكونوا شهوداً على أولئك الحكماء، والمنجمين، والمتفلسفين، والأطباء الضالين، فيحضروا مجلس الاحتجاج والمخاصمة، ويشهدوا تلك المحاكمة، ويطّلّعوا ويقفوا على عدم حجتهم وإفحامهم وعدم قدرتهم على مقابلة الإمام القائم (علیه السلام)، ويشهدوا فضله، وكثرة فهمه، وغزارة علمه.
فيحكم بينهم بالحق فيما كانوا فيه يختلفون: أي فيحكم الإمام القائم (علیه السلام)، بين أولئك العلماء، والفقهاء، والحكماء، والمتفلسفين، والأطباء الضالين عن طريق الحق والعدالة، المرتكبين للمعاصي والجهالة، السالكين نهج التكبّر، والتجبّر، والضلالة؛ فيقيم لهم الحجج الواضحة، والأدلة الراجحة، والبراهين الساطعة الناجحة، في مسائل الدين القويم، في الأصول والفروع، وفي مسائل العلوم، التي هي مورد أختصاصهم؛
وينبئهم بسلوكهم الطريق الأعوج، ويهديهم إلى طريق الرشاد، والتجنب عن طريق الغيّ والفساد، ويعرّفهم الدِّين الحق، وطريق الصدق، الذي يجب أن يسير عليه عباد الله المؤمنين، وهو طريق الأنبياء، والأوصياء، والصدّيقين، وهو طريق الاعتدال؛ ونبذ طريق الكفر والإلحاد والضلال.
ويتلو عليهم بعد إقامة العدل بين الأنام: أي يقرأ الإمام القائم (علیه السلام)، بعد أن يقيم الأحكام العادلة، بين أولئك الأنام، ويحكم عليهم بقانون الملك العلام، ويرشدهم إلى دين الإسلام، ويعرفهم ظلمهم لأنفسهم، وللخاص والعام، قوله تعالى (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [النحل 118].
يتضح للناس الحق وينجلي الصدق: أي يبين ويظهر للشيعة المذعنين، ولسائر الناس أنَّ الحق مع الإمام القائم (علیه السلام)، ويتضح أن الصدق معه، وأنه الصادق الأمين والدين الصحيح دينه، ودين آبائه الصالحين.
وينكشف المستور ويحصل ما في الصدور: أي يكشف ما كان تحت الستر، من علوم، وقضايا، وأعمال، وأفعال، كانت مخفّية. فالإمام القائم (علیه السلام) يكشفها للناس ويخبرهم الإمام القائم (علیه السلام) بما في ضمائرهم، وما في صدورهم ممّا كانوا يخفونه من الأمور، فينجلي ما كان في الصدور.
ويعلم الدار والمصير: أي يعلمهم أن الدار الآخرة هي الحيوان، وأن الدنيا مزرعة الآخرة، ولا بد من الاستعداد لدار الآخرة، وطلب ما عند الله تعالى في دار الدنيا، لأن دار الآخرة هي المصير؛ فمن عمل للآخرة في دار الدنيا، فمصيره إلى الحور والجنان؛ ومن لم يعمل وأساء فمصيره الى النيران.
ويظهر الحكمة الإلهية بعد إخفائها: يحتمل أن يُراد بالحكمة الإلهية الفلسفة الأولىٰ، والعلم الأعلى، وعلم ما بعد الطبيعة، وهي العلوم الإلهية التي يبحث فيها عن الوجود المطلق، من حيث هو هو، وعمّا يتعلق بأمور غير مادّية كالواجب والممكن، والعلة والمعلول، ويدخل فيها البحث عن الأرواح، وفي الله تعالىٰ. ويُحتمل أن يراد بها الحكمة العملية، التي لها تعلق بالعمل، كالعلم بأصول الموجودات الثمانية، وهي الواجب، والممكن، والعقل، والهيولى، والصورة، والجسم، والعرض، والمادة. ومعنى الحكمة هو التأنق في المسائل العلمية والتفنن فيها، وبيان علم الأشياء بمبادئها وعللها
الأولىٰ، ويحتمل أن يُراد بالحكمة: بيان العلل الخفية في جميع الأشياء من المخلوقات فيذكر لكل شيء علّة خفية، لم يهتد العلماء اليها فضلاً عن الجهّال، ويبين للخاص والعام الأسرار المخفيّة والآيات، والعلامات المطوية في عالم الناسوت، لأن الله تعالى له في كل شيء علّة وآية ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. ويحتمل أن يُراد بها بيان علم اللّاهوت، وهو علم يبحث عن العقائد المتعلقة بالله تعالى، وبيان ما في عالم الملكوت، وهو العالم السماوي، وفي عالم الناسوت أي عالم الناس، وعالم الطبيعة الإنسانية، فهذه الحكمة يظهرها للعلماء وغيرهم، بعد ما كانت مخفية، ويوضحها للناس بعد ما كانت مجهولة منسية، ويبينها لهم فتكون واضحة جلّية.
فتشرق شريعة المختار بعد ظلمائها: أي تكون مبادئها وموضوعاتها ومسائلها؛ وأحكامها واضحة مضيئة ومشرقة بينة، بعد أن كانت معطّلة منبوذة، لا يعمل بها الناس، بل يستوحش منها، فهي كالظلماء التي يستوحش من الدخول فيها، فتكون مأنوساً بها، يأنس بها الناس ويعملون بها.
ويظهر تأويل التنزيل، كما أراد الأزل القديم يهدي الى صراط مستقيم: والمراد بالتنزيل هو القرآن الكريم، فيظهر الإمام القائم (علیه السلام) تأويله؛ والتأويل هو إرجاع الكلام وصرفه عن معناه الظاهري إلى معنى أخفىٰ منه، ممّا يؤول اليه من معنى وعاقبة. ففي حديث علي (علیه السلام): ما من آية إلَّا وعلمني تأويلها. أي معناه الخفي الذي هو غير المعنى الظاهري لأنه قد ثبت في الأثر أن لكل آية في القرآن ظهراً وبطناً. والمراد أن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) أطلع الإمام علياً (علیه السلام) على تلك التأويلات المخفيات المصونة، والأسرار المكنونة. فذلك التأويل للتنزيل، أي للقرآن، يظهره، اي يبينه، الإمام القائم (علیه السلام) للناس، كما أراد الله سبحانه؛ وهو الأزل والأزليّ القديم، وصفات الأزل هي صفات الذات؛ ومن صفاته تعالى: ديموميّ في المستقبل، أزليّ في الماضي؛ وذلك التأويل والتفسير بهدي الأمة الإسلامية الى طريق مستقيم.
ويكشف الغطاء عن أعين الاثماء: المراد بالأثماء جمع الأثم. والأثيم هو الكافر. فالأثماء هم الكفار. والمراد من كشف الغطاء عن أعينهم يحتمل وجوهاً:
الأول: إن المراد بكشف الغطاء عبارة عن إظهار الشيء ورفع الستر عنه، ورفع وإزالة ما يواريه من الأوهام، أو يغطيه عن الأعين وإيضاحه، وإطلاع الغير عليه فيكشف الإمام القائم (علیه السلام) لهم الأسرار المخزونة، والعلوم المكنونة، من علم الفيزياء،
وعلم الكيمياء، وغيرها من العلوم. ويريهم الكرامات، ويظهر لهم المعجزات، ليهتدوا الى الدين الإسلامي الصحيح.
الثاني: إن المراد بالكشف الإكتشافات العجيبة الغريبة في الأمور الطبيعية، والصناعية؛ وكشف العلوم العجيبة، التي لم توجد قبل ذلك، وإظهار الأسرار الغريبة التي لا يعرفها البشر.
الثالث: أن يكشف الغطاء عن أعين قلوب الكفار، كما بيّنا ذلك وحققناه في كتابنا التنبيه الجميل. وحاصله هو أن الكافر عند الله تعالى ممقوت، ومبغوض، والمؤمن محبوب ومخصوص؛ وعلامة كون العبد محبوباً عند المولى تعالى، هو كشف الحجاب عن قلب المحبوب، وتمكينه من الوصول الى الدرجات العالية، والمراتب السامية من الإيمان، فيطأ على بساط قربه، ويوفقه للطاعات، والعبادات، والخيرات والمبرات، وللتجافي عن دار الغرور، وهي الدنيا؛ والتوجه الى عالم النور، وهو دار الآخرة والرقي إليها. فيكون ولياً له، يتولاه، كما دل عليه قوله تعالى(الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) [البقرة 257] وعلامة كون العبد ممقوتاً عند الله تعالى بأن يبقيه وراء الحجاب، ولا يكشف الحجاب عن عين قلبه، ولا يتفضل عليه بتحصيل الخيرات، والطاعات، والعبادات؛ فيتوجه الى عالم الظلمة، والغرور، والتجافي عن عالم النور، فإذا كشف الإمام القائم (علیه السلام) عن أعين قلوب الكفار، فيهتدوا الى طريق الحق، ويعلموا أنهم كانوا على طريق الضلال، فيروا طريق الهدى واضحاً، ويدخلوا في دين الإسلام بواسطة الإمام (علیه السلام).
ويشيد القياس: ويشيد إما أشاد الرجل شيداً، يعني أهلكه؛ فيكون المعنى أن الإمام القائم (علیه السلام) يهلك القياس ويمحو أثره. وإما من شاد على الرجل قبيحاً، أو بقبح، أي شهره بالقبح، أو شاد بصوته عليه، أي رفعه بالسيء شبه التنديد به. فيكون المعنى أن الإمام (علیه السلام) يشيد القياس أي يعرفه، ويشهره بالقبح، ويوضح للناس أنه أمر باطل وسيء، ويندد به، لما مرّ سابقاً أن القياس أمر باطل، وقاعدة لا اساس لها، لأنه أول من قاس إبليس، لعنه الله، فلا قياس في الشريعة الإسلامية، لما ورد في الحديث: إن الشريعة إذا قيست محق الدين.
ويخمد نار الخنّاس: الخناس هو الشيطان لعنه الله، لأنه يخنس إذا ذكر الله تعالى، أي يذهب ويستتر ويخفي نفسه. وفي التفسير: له رأس كرأس الحيّة، يجثم على القلب،
فإذا ذكر الله تعالى خنس، أي تراجع وتأخر، وإذا ترك الإنسان ذكر الله تعالى رجع الى القلب يوسوس فيه. وفي تفسير علي بن إبراهيم (الوسواس الخناس) اسم الشيطان الذي هو في صدور الناس يوسوس فيها، يؤيسهم من الخير، ويعدهم الفقر، ويحملهم على المعاصي والفواحش، وهو قول الله تعالى (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء).
وفيه: وعن الصادق (علیه السلام): ما من قلب إلَّا وله أذنان على أحدهما ملك مرشد، وعلى الأخرى شيطان مفتر، هذا يأمره، وهذا يزجره، وكذلك من الناس شيطان يحمل على المعاصي كما يحمل الشيطان من الجنّ.
وفي حديث آخر أنه قال: الشيطان على قلب ابن آدم، له خرطوم مثل خرطوم الخنزير، ويوسوس لابن آدم أن أقبل على الدنيا، وما لا يحلّ الله، فإذا ذكر الله خنس «البرهان جزء 4 ص 531» فالإمام القائم (علیه السلام) يخمد أي يسكن ما يؤججه الخناس من الوساوس الباطلة، والأضاليل العاطلة، التي يلقيها في قلوب الناس، التي يلقيها في قلوب الناس، فتصبح أعماله عاطلة، لا قيمة لها، ووساوسه باطلة لا أثر لها، وهذا من بركات الله تعالى على عباده المؤمنين في زمن القائم (علیه السلام).
ويقرض الدولة الباطل: لغزوه للدول الغربية والشرقية واحدة تلو الأخرى، ويدعوهم الى دين الإسلام، والى دولة الحق، بإظهار الكرامات، والمعجزات، ونشر العدل، والإحسان، فتنقرض الدول الكافرة الباطلة.
ويعطل العاطل: أي يبطل الحكم الباطل، والحاكم الباطل؛ وكل من عطّل كتاب الله وحدوده، وأحكامه ويقيم أحكام الدِّين الإسلامي وحدوده.
ويفرق بين المفضول والفاضل. أي أن الفاضل وهو صاحب الفضيلة، والعالم له مقام رفيع، وجاه منيع، ودرجة سامية، ومرتبة عالية، فهو عند الله وعند الإمام (علیه السلام) يقرب ويقدم على غيره، وهو المفضول الذي ليس له تلك الفضيلة، وتلك المرتبة، فالإمام القائم (علیه السلام) يفرق بين العالم الفاضل فيقدمه على غيره.
ويعرف للناس المقتول من القاتل: قد مرّ أن الإمام القائم (علیه السلام) يحكم بحكم آل داود لا يسأل عن بيّنة، فإذا وردت عليه دعوى، فيها أحد متهم بقتل لا يحتاج الى شاهد، أو بيّنة، لإثبات القاتل، بل هو مسلح بعلم الغيب، الذي منحه الله تعالى، فيعرف الناس من القاتل، ومن المقتول، من غير حاجة الى شاهد أو بينة.
ويترحم عن الذبيح: أي يرقّ، ويشفق، ويتعطف على من يذبح كما يذبح الكبش؛ ولعل وجه ذلك أنه يذكر شهادة جدّه الحسين بن علي (علیه السلام) في كربلاء، عندما ذبحه الشمر، كما يذبح الكبش؛ فيذكر مصرع جدّه، فيرق ويترحم له، اللهم العن اول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد، وآخر تابع له، اللهم العن العصابة التي جاهدت الحسين (علیه السلام)، وشايعت، وبايعت وتابعت على قتله، اللهم العنهم جميعاً، السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين، وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك، عليك مني سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم، السلام على الحسين، وعلى عليّ بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، جعلنا الله تعالى من الآخذين بثأرهم مع سيّدنا ومولانا صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه.
ويصح الصحيح: والصحيح هو الحق، وما طابق الواقع؛ وهو خلاف الباطل فالإمام القائم (علیه السلام) يثبت كل حكم وكل أمر حق مطابق للواقع.
ويتكلم عن المسموم: والمراد من المسموم إمّا الشيء المسموم، أو الطعام المسموم، وإما الشخص المسموم؛ فيتكلم عن كيفية سمّه ويخبر بمن سمه، وأي وقت كان، وأي مكان كان، وأي زمان.
وينبه الندم: والندم هو النادم، أو الندمان على ما صدر ووقع منه من عمل، أو فعل، أو قول، جهلاً أو نسياناً؛ لأن الندم ضرب من الغم، وهو ان يغّم على ما وقع منه، يتمنىٰ أنه لم يقع. وفي الحديث: إن الندم توبة. وقد ورد في الحديث: أعوذ بك من الذنوب التي تورث الندم وقد وردت بها الرواية، وهي قتل النفس المحترمة التي حرّم الله، وترك صلة الرحم، حين يقدر، وترك الوصية، وردّ المظالم، ومنع الزكاة، حتى يحضر الموت. وحيث إن الندم توبة، فإنّ الإمام القائم (علیه السلام)، ينبه النادم وهو التائب عن عمله، وما وقع منه على تقصيره.
ويظهر اليه المصون ويفتضح الخؤون: والمصون هو الذي حفظ نفسه من المعاصي والذنوب، وكان ورعاً يمتثل أوامر الله تعالى، ويعمل بالواجبات، ويجتنب المحرمات؛ قد صان نفسه من العيوب، واجتنب الكبائر والصغائر من الذنوب. ويفتضح أمام الناس من كان خائناً؛ والخائن والخؤون نقبض الأمين، فالخائن هو من لا يؤمن على شيء؛ وقد ورد في الدعاء: وأعوذ بك من الخيانة. وهي مخالفة الحق بنقض العهد في السّر. فهذا الخائن
والخؤون يفتضح في زمن الإمام القائم (علیه السلام)، لعلم الإمام (علیه السلام) بالخيانة الصادرة من الناس.
وينتقم من أهل الفتوى في الدِّين لما لا يعلمون: وانتقم ينتقم منه، اي عاقبه، والاسم منه النقمة، وهي الأخذ والمكافأة بالعقوبة، فيعاقب الإمام القائم (علیه السلام) أهل الفتوى، وهم العلماء الذين يفتون في الأحكام الدينية بغير علم ولا مستند، ولا هدى، ولا كتاب منير. وقد ورد في الحديث: من افتى بغير علم فليتبوأ مقعده من النار. وهؤلاء العلماء هم علماء الضلالة، التي مرت الإشارة اليهم مراراً في كتابنا؛ وهم الذين لم يتسلحوا بالعلوم التي هي مقدمة لعلم الفقه، ولم يدرسوا قواعده، فلا يعرفون العام من الخاص من الحديث؛ ولا المطلق من المقيد، ولا الناسخ من المنسوخ، ولا يتدبرون القرآن، فلا يعرفون المحكم منه والمتشابه، ولا ناسخه من منسوخه، فإن كما في القرآن ناسخ و منسوخ فكذلك في الحديث ناسخ ومنسوخ؛ فهؤلاء يفتون برأيهم بغير مستند، أو علم من الكتاب والسنة، وباقي الأدلة الأربعة وغيرها. فلذا ذمهم الإمام (علیه السلام) فقال: فتعساً ولأتباعهم، لأن أولئك العلماء ضالّون، ولأتباعهم مضلون؛ فتعساً أي الزمهم هم الله هلاكاً للضالين والمضلين.
أكان الدين ناقصاً فتمّموه، أم كان به عوج فقوّموه: أي أنَّ هؤلاء العلماء الضالّون هل إن غرضهم بهذه الفتاوى الصادرة عنهم بغير علم ولا مستند وكانت صادرة عنهم بحسب ما يرتأيه رأيهم، إتمام الدِّين؛ فإن الدين ليس بناقص، حتى يتموا نقصانه، أو أن غرضهم أقامة الدين، فان دین الله تعالى، وهو الاسلام، وهو الشريعة المتصفة بالسمحة السهلة ديناً قيِّماً، لا اعوجاج فيه؛ وقد نصَّ عليه القرآن الكريم بقوله: (ذلك الدين القيم) [الروم 20] وغيرها من الآيات. (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيماً) [الكهف 1] وقال في مورد آخر (ديناً قيما) [الانعام 161] فلا اعوجاج فيه حتى يقوّموه.
أم الناس همّوا بالخلاف فأطاعوه، أم أمرهم بالصواب فعصوه: أي أن الناس من المسلمين همّوا بالعمل على خلاف الدين؛ فأولئك العلماء أطاعوا الله تعالى بتلك الفتاوى الباطلة التي لا مستند لها، أو أن الله تعالى أمر أولئك العلماء بالصواب، فعصوا الله تعالى وخالفوه، أو يقال إن الله تعالى أمر الناس بالصواب، فأولئك العلماء من علماء الضلالة عصوه. وقد أخذنا مقدار الحاجة من الخطبة.
ففي معاني الأخبار بحذف الإسناد عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): سيأتي على أمتي ما أتى على بني اسرائيل، مثل بمثل؛ فإنهم تفرقوا على اثنين وسبعين ملّة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملّة، تزيد عليهم واحدة، كلها في النار غير واحدة. قال: قيل: يا رسول الله وما تلك الواحده؟ قال: هو ما نحن عليه اليوم أنا وأهل بيتي.
بیان: ولا ريب أن الذي سار عليه النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، وسار عليه أهل بيته من الأئمة المعصومين الأطهار عليهم السلام، هو مذهب الإمامية الأثنى عشرية، وهم الشيعة الجعفرية لا غيرهم؛ فالفرق الأخرى غير هذه الفرقة، كلها ضالّة عن الدين القويم، وزالّة عن الصراط المستقيم؛ ولذا كانت كلها في النار، لأنها مذاهب محدثة مبتدعة، لم يأت بها النبي الأكرم (صلی الله علیه وآله وسلم)، ولا أهل بيته الكرام؛ ولذا تفرقت وتشعبت الى شعب كثيرة، كل فرقة لا تتآلف مع الأخرى. وقد قال ذلك الإمام (علیه السلام)، ووصفها بالقليلة الأئتلاف. ثم قال: وسيدعى اليه من سائر البلاد الى آخر ما ذكر عليه السلام.
وملخص ما ذكره الامام في هذه الخطبة الغراء: هو انه سيحضر اليه من الدول الاسلامية في العالم، بل من غير الدول الاسلامية طوائف من البشر:
الطائفة الأولى: الذين ظنّوا أنهم من علماء الدين، وفقهاء اليقين، إلَّا أن في الحقيقة والواقع لا معرفة لهؤلاء الطوائف بالدِّين، ولا معرفة لهم في الفقه، بل ظنّوا أنهم من العلماء بالدين، ومن فقهاء اليقين، وإن الظَّنّ لا يغني من الحق شيئاً.
الطائفة الثانية: الحكماء جمع الحكيم. وهو اللغة الذي يحكم الأشياء ويتقنها، أو ذو الحكمة، وهي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، وقد يطلق الحكيم على من يحسن دقائق الصناعات ويتقنها. فالحكيم هو المتقن للأمور.
قال جدّنا الشيخ البهائي قدس سره: الحكماء أحد عشر حكيماً، منهم انتشر أكثر العلم، وهم أساطين الحكمة:
الأول: أفلاطون: في الإلهيات، وهي العلوم الإلهية، وقد مرّ بيانها مفصلا آنفاً.
الثاني والثالث: أبو الحسن، وبطليموس: في الرصد والهيئات والمجسطي. أما علم الرصد فهو علم التنجيم، أو علم النجوم: وهو علم مراقبة النجوم، ومعرفة مواقعها من فلك الأبراج، وبه يتكهن المنجمون بخطوط الناس، وما تصير اليه عواقبهم، وما يقع في
مستقبل الأيام من الأحداث. وأما علم الهيئات والمجسطي: وهو علم الفلك ويطلق عليه علم الهيئة أيضاً في اصطلاح القدماء، وهو علم يبحث فيه عن مواقع الأجرام الفلكية وأبعادها، ومادتها، وشكلها، ومدّة دورانها، كما يبحث فيه عن أحوال الأجرام السماوية. وعلم الهيئة معروف أنه علم بلا براهين وادلة. والهيئة المبرهنة يعبر عنها بالمجسطي، وتسمى البراهين الخالية عن الهيئة اقليدس، وقد مثّلوا لذلك بفقه الشافعية وفقه الحنفية، وأصول الفقه:
فالأول: فهو فقه بلا علل.
والثاني: فهو فقه مع علل.
والثالث: فإنه علل بلا فقه.
الرابع والخامس: بقراط وجالينوس: في الطب. وموضوع علم الطب بدن الإنسان. وتعريفه: إن الطب علم يبحث فيه عن علاج الجسم والنفس، لأن الطب قسمان: طب جسماني، وطب نفساني. ولكل منهما أخصاء وهو علم شريف.
فقد ورد في الحديث عنه (علیه السلام): إن العلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان والمراد بعلم الأبدان وعلم الطب.
السادس والسابع والثامن: ارشميدس، وأقليدس، وبلينوس: في الرياضيات بأصنافها. والعلم الرياضي هو التعليمي كعلم الحساب، وعلم المساحة، أي الهندسة، وعلم الموسيقى.
التاسع: أرسطو: في الطبيعي والمنطق. وعلم الطبيعيات: هو علم يبحث فيه عن طبائع الأشياء، وما جعله الباري فيها من الخصائص. وعلم المنطق: علم عمليّ ويسمىٰ أيضاً الميزان. وعرف بأنه آله قانونية، تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر.
العاشر والحادي عشر: سقراط وفيتاغورس: في الأخلاق. وعلم الأخلاق: هي الحكمة الخلقية، وهي أحد أقسام الحكمة العملية.
فالحاملين لهذه العلوم من الحكماء والمنجمين، والمتفلسفين، أي أهل علم التنجيم. وأهل علم الفلسفة، وأهل علم الطب، وهم الاطباء الضّالين عن طريقة رب العالمين، المتكبرين المتجبرين. كل هؤلاء يجمعهم الإمام (علیه السلام) مع الشيعة المذعنين لأوامره، الممتثلين
لأقواله، والمتورعين عن مناهيه، فيحتج معهم، ويقم لهم الحجة والبرهان بأحسن دليل وبيان، ويثبت لهم أنه أعلم منهم في علومهم، وأفضل منهم في اختصاصهم. ويحكم بينهم بالحق، فيما كانوا فيه يختلفون من الدين؛ فيقم الحدّ على من وجب عليه الحدّ؛ ويحكم بالعدل والاستقامة، ويثبت لهم أنهم قد ظلموا أنفسهم، باقتراف الذنوب والمعاصي، وجنوا على أنفسهم، ويتلو الآية المباركة (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [الحجر 9] ويتضح للناس الحق، لإقامة الحج والبراهين والأدلة على دين الحق. وينجلي الصدق وإن دينه ودين آبائه هو الدين الصادق الصحيح، وغيره كان باطلاً. وينكشف المستور. بإخبار الناس بأمور غائبة محفيّة عن الخلق. ويحصل ما في الصدور: أي يخبر بما في ضمائر الناس من نيّات صالحة أو غير صالحة. ويعلم الدار والمصير، وأن الدار الآخرة هي دار القرار، ولا بدّ من الاستعداد لها، وأنّ الدنيا مزرعة الأخرة، فلا بدّ من تحصيل الخيرات والمبرات والعبادات فيها مقدمة للآخرة. وأن المصير هي دار الآخرة، ومن ربح ونجح فيها كان من الفائزين.
ويظهر الحكمة الإلهية بعد إخفائها: حيث إن الله تعالى له في كل شيء له حكمة وآية، تدل على أنه خالق، وتلك الحكم مخفيّة عن سائر البشر، فيظهرها الإمام القائم (علیه السلام) للناس، ويطلعهم عليها، ويرشدهم إليها، لترسخ عقائد أهل الدِّين بالدِّين.
وتشرق شريعة المختار بعد ظلمائها: أي تظهر الشريعة الإسلامية زاهية منيرة مشرقة، وهي شريعة النبي المختار، بعد أن كانت مندرسة وبعد ان ذهب نورها وبهاؤها.
ويظهر تأويل التنزيل: أي أنَّ القائم (علیه السلام) يظهر للناس تأويل القرآن، وما أنزل فيه، من تأويل الآيات، والسور، والكلمات؛ كما أراد الأزل القديم، أي كما أراد الله تعالى، وهو الأزلي القديم، أو كما أراد تعالى بنزول القرآن في الأزل القديم.
يهدي إلى صراط مستقيم: أي أنَّ الإمام القائم (علیه السلام) يهدي الناس إلى الطريق العدل، ويرشدهم إلى منهج الاستقامة والأصل.
ويكشف الغطاء عن أعين الاثماء: الاثماء جمع الآثم وهو المحتمل للإثم، ومن فعل الخطيئة والمحرم، وما لا يحل له فهؤلاء قد طبع على قلوبهم، وضرب على عيونهم أي ختم على أسماعهم وقلوبهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، فيكشف تلك الغشاوة عن أبصارهم، ويرفع ذلك الغطاء عن قلوبهم، ويوضح لهم الحق، ويبيّن لهم نهج الصدق،
ويعرفهم بأضرار المعاصي والأثام.
ويشيد القياس: من شاد الرجل شيداً أي هلك وأشاده إشادة أي أهلكه. فالإمام (علیه السلام) يهلك القياس، ويبيده، ويسقطه، ويرفعه لأنه طريق باطل ودليل عاطل.
ويخمد نار الخناس: أي يطفىء نار الشيطان ووساوسه، التي يلقيها في صدور الناس.
ويقرض الدولة الباطلة، أي يقطعها ويرفعها ويميت آثارها.
ويعطل العاطل: وهو العاجز الكبير الباقي بلا عمل، فالإمام (علیه السلام) يقعد العاطل عن العمل.
ويفرق بين المفضول والفاضل: والفاضل هو من كان ذا مرتبة في العلم والفضل، والكمال، والمفضول من ليس له تلك المرتبة؛ فيقدّم الفاضل ويمنحه لفضله المراتب السامية، والدرجات الرفيعة، دون المفضول.
ويعرف للناس المقتول والقاتل: وهذا من أخبار الإمام القائم (علیه السلام) بالأمور الغيبية، وبالوقائع المخفيّة؛ فإذا وقع قتل، حكم فيه بحكم آل داود، فعرف القاتل للناس، والمقتول، وحكم بالقصاص من القاتل.
ويترحم عن الذبيح: أي يرقّ قلبه ويعطف لكل ما يذبح من الحيوان فضلًا عن الإنسان.
ويصح الصحيح: أي يثبت الأحكام والأخبار المطابقة للواقع، وما يعتمد عليها منها.
ويتكلم عن المسموم: أي يخبر عن كل ما يوضع فيه السم من الطعام والدواء والماء فيخبر بالغيب والسم جمعه سموم وسمام، وهي كل مادة إذا دخلت الجوف، عطلت الأعمال الحيوية أو أوقفتها تماماً.
وينبه الندم: أي يوقظ النادم، ويفطنه عن الخمول، ويوقفه ويعلمه بخطئه.
والنادم هو من أسف وتاب ورجع عن الذنوب، وحزن وتحسّر على ما فعل.
ويظهر إليه المصون ويفتضح الخؤون: أي يبرز إليه بعد الخفاء المصون، وهو من حفظ نفسه وصانها من العيوب، والمعاصى، والذنوب، فالمعنى أنَّ الأخيار المتقين، وأهل
البر والتقوى يتبعونه ويلتحقون به. بخلاف الأشرار، والخونة، والظلمة والفساق، فإنهم يفتضحون في مملكته؛ ومصيرهم إمَّا التوبة والإنابة إلى طريق الحق والعدالة. وإما القتل والهلاك.
وينتقم من أهل الفتوى في الدين لما لا يعلمون: والمراد من أهل الفتوى في الدين هم الحكام والقضاة من العامة، المتصدين للفتوى مع أنهم ليس أهلًا لها. ورفع الخصومات في المحاكم الشرعية، فإنهم يفتون برأيهم من دون استناد إلى الكتاب والسنة وبدون حجة، ودليل، وبرهان. ولذا ذمّهم الإمام (علیه السلام) حيث قال: فتعساً لهم ولأتباعهم، أكان الدین ناقصاً فتمموه أم كان به عوج فقوّموه. وفي هاتين الجملتين إشارة إلى أنَّ المراد من أهل الفتوى في الدين هم القضاة في المحاكم الشرعية، التي شرع فيها قوانين مستحدثة واحكاماً مبتدعة، غير موجودة في الكتاب والسنة، بل هي مخالفة لهما، لأن الدِّين لم يكن ناقصاً حتى يتمموه، ولم يكن به عوج حتى يقوّموه. بل أنهم أرادوا الخلاف للشرع المقدس وعصوا الله تعالى فيما أمرهم بطاعته، فهم في أسفل درك من الجحيم.
الكتاب المبين السفر الثاني
عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذا قام القائم (علیه السلام) استنزل المؤمن الطير من الهواء، فيذبحه، ويشويه، ويأكل لحمه، ولا يكسر عظمه. ثم يقول له: أحي بإذن الله تعالى، فيحيى ويطير. وكذلك الظباء من الصحاري. ويكون ضوء البلاد ونورها، ولا يحتاجون إلى شمس وقمر، ولا يكون على وجه الأرض مؤذ، ولا شرّ، ولا سمّ، ولا فساد أصلاً؛ لأن الدعوة سماوية ليست بأرضية، ولا يكون للشيطان فيها وسوسة، ولا عمل، ولا حسد، ولا شيء من الفساد، ولا تشوك الأرض، ولا الشجر، وتبقى الزروع قائمة كلما أخذ منها شيء نبت من وقته، وعاد كحاله. وإنَّ الرجل ليكسوا ابنه الثوب فيطول معه كلها طال، ويتلون عليه أيّ لون أحب وشاء. ولو أنَّ الرجل الكافر دخل حجر صنبّ أو توارى خلف مدرة، أو حجرة، أو شجرة لأنطق الله ذلك الشيء الذي يتوارى فيه حتى يقول: ي
مؤمن خلفي كافر فخذه، فيؤخذ ويقتل ولا يكون لإبليس هيكل يسكن فيه، والهيكل البدن. ويصافح المؤمنين الملائكة، ويوحى إليهم، ويحيون ويجتمعون الموت بإذن الله تعالى.
وفيه: وسُمع ابو عبد الله (علیه السلام) يقول في تفسير قوله تعالى: (واشرقت الأرض بنور ربها) قال: رب الأرض يعنى إمام الأرض. قيل: فإذا خرج يكون ماذا؟ قال: إذا يستغني الناس عن ضوء الشمس، ونور القمر، ويجتزون بنور الإمام (علیه السلام).
وروى الصدوق وابن قولويه، عن الصادق (علیه السلام) قال: إذا قام القائم (علیه السلام) تنور الأرض بنور القائم، وترتفع الظلمة، ولا يحتاج الناس إلى الشمس والقمر، ويعمّر كل واحد من المؤمنين ألف سنة، يولد له ألف ولد ذكر. الحديث.
الوافي:
عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبدالله (علیه السلام) يقول: إن قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنوره، واستغنى العباد عن ضوء الشمس والقمر، وذهبت الظلمة، ويعمّر الرجل في ملكه حتى يولد له ألف ولد ذكر، لا يولد فيهم أنثى، وتظهر الأرض كنوزها، حتي يراها الناس على وجهها، ويطلب الرجل منكم من يصله ويأخذ منه زكاته، فلا يجد أحداً يقبل ذلك منه؛ واستغنى الناس بما رزقهم الله من فضله.
الكتاب المبين. العصمة والرجعة. ودلائل الامامة:
عن المفضل بن عمر قال: سُمع أبو عبد الله (علیه السلام) يقول: إن قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربها، واستغنى العباد عن ضوء الشمس والقمر، وصار الليل والنهار واحداً. وذهبت الظلمة؛ وعاش الرجل في زمانه ألف سنة، يولد له في كل سنة غلام، لا يولد له جارية، يكسوه الثوب فيطول عليه كل ما طال، ويكون عليه أي لون شاء.
بيان: تنبىء هذه الأخبار عن زمان حسن جميل عند قيام القائم (علیه السلام)، وعن حياة حسنة، جميلة، وعن عيش رغد، وعن مواهب وصفات حسنة جميلة، يمنح بها أهل ذلك الزمان من المؤمنين وهي أمور:
أولاً : يمنح المؤمن استنزال الطير من الهواء، ويأخذه، ويذبحه، ويشويه، ويأكله لحمه، ولا يكسر عظمه، ليكون قابلًا لإعادته وإحيائه.
وثانياً: يكون مستجاب الدعوة: فيحيى الطير الذي ذبحه بدعوته، ويطير فوراً. وأيضاً يصطاد الظباء ونحوها من الحيوانات المحللة الأكل فيذبحها ويشويها ويأكلها، ثم يدعوا الله تعالى فتحىٰ وتعود كما كانت.
وثالثاً: يستغني الناس عن ضوء الشمس والقمر، لأن نور الإمام القائم (علیه السلام) يكون ضوء للبلاد، ونورا لها؛ ولا يحتاجون إلى شمس ولا قمر. وقد استدل الإمام الصادق (علیه السلام) بالآية الكريمة (واشرقت الأرض بنور ربها) وإنَّ المراد من ربّ الأرض إمام الأرض. وإنَّ الإمام القائم (علیه السلام) إذا قام سطع نوره وبهاؤه على تمام العالم، فيستغني الناس عن ضوء الشمس والقمر ويكتفون بنوره.
ورابعاً: ترتفع الظلمة وتذهب، فلا يُرى الظلام في الليل، وصار الليل والنهار واحداً أي متساويان في النور، لإشراق نور الإمام القائم (علیه السلام) على تمام الكرة الأرضية.
وخامساً: لا يكون على وجه الأرض مؤذٍ من البشر، ولا من الحيوان، لأن المؤذي من البشر يقام عليه الحد فيعدم، ولا يكون له وجود أصلاً. والمؤذي من الحيوان يقتل كما دلت عليه الرواية عن الإمام (علیه السلام) أقتل المؤذي قبل أن يؤذي. كما لا يبقى شر على وجه الأرض، لأن الإمام (علیه السلام) بوجوده المبارك يرفعه ويكون كله خير. كما لا يبقى سمّ وكل شيء ضار لأن الإمام يرفعه ويبد له بالنافع المفيد كما لا يبقى فساد أصلاً لأن الإمام (علیه السلام) يقلع مادة الفساد من أصيلها، ويقلع أهلها، فلا مفسد حتى يوجد الفساد، بل الموجود کله صلاح، لأن أهل ذلك الزمان قد شملهم الصلاح والتقوى. وعلل ذلك الإمام (علیه السلام) بأن الدعوة سماوية أي مبدأها من السماء، وليست بأرضية، أي ليس مبدأها من أهل الأرض، وإذا كانت الدعوة سماوية، والمؤسس لها هو الله سبحانه وتعالى كان هو الحافظ لها، قد وكّل بها ملائكة حافظين، ولذلك لا يكون للشيطان فيها وسوسة، ولا عمل ولا حسد، ولا شيء من الفساد. فالملائكة الموكلين بهذه الدعوة، الحافظين لها، يدفعون ويمنعون كل شيء فيه ضرر عليها؛ فلذلك لا يؤثر عمل الشيطان وحزبه، ولا حسده، ولا حسد حزبه من الكفار، والمنافقين عليها؛ ولا يتمكنون من الفساد والإفساد فيها، لأن الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ويمنعونهم عنها.
وسادساً: لا تشوك الأرض، ولا الشجر: أي لا تخرج الأرض الشوك بل تخرج وتنبت الرياحين، والأزهار الجميلة، والحشائش الناعمة، كما تخرج الشجر الشوك، بل
تنبت الثمر الجني.
وسابعاً: تبقى الزروع قائمة في تمام الأوقات، فما أخذ منه شيء عاد مكانه زرع آخر مثله، فترى الأرض مخضرة كأنها جنينة.
وثامناً: يعمّر الرجل في زمان القائم (علیه السلام) ألف سنة، ويولد له ألف ولد في كل سنة ولد ذكر، لا تولد له جارية.
وتاسعا: إذا كسى الرجل ابنه ثوباً طال الثوب معه إذا طال، ويتلون عليه بأيّ لون شاء وأحب.
و عاشراً: تظهر الأرض كنوزها، فيراها الناس على وجه الأرض، فيأخذ الإمام (علیه السلام) ما شاء منها وأحبّ، ويهدي منها لمن شاء وأحب، فيستغني الناس وتملأ عيونهم من المال؛ فلذا يخرج الرجل زكاته، ويريد دفعها للفقير، فلا يجد أحداً يقبل زكاته، لأن الله تعالى قد رزقهم من فضله وأغناهم.
وحادي عشرها: نصر المؤمنين على الكفار، بانتصار سيدهم ومولاهم الإمام الحجة ابن الحسن (علیه السلام) على الكفار، والمنافقين، ولا مجال ولا مقام للكافر والمنافق في دولة الإمام (علیه السلام)، ولا يمكنه ان يختفي في كهف أو مغارة، أو حجر، أو شجر، أو مدر، أو حجر فلو اختفى في مكان لأنطق الله تعالى ذلك المكان الذي اختفى فيه، وأخبر المؤمنين فيؤخذ ويقتل.
وثاني عشرها: أن لا يكون لإبليس هيكل يسكن فيه، والهيكل هو البدن. وحيث إن إبليس لعنه الله كان من الجن ففسق عن أمر ربه، وكان من الفاسقين، فلا مجال له في دولة المؤمنين؟ فيسلبه الله تعالى ذلك الهيكل الذي يختفى فيه، وقد ذكرنا سابقاً في تعريف الجن بأنه جسم ناريّ سفليّ، يتشكل بأشكال مختلفة، حتى الكلب والخنزير، فهذا الجسم الناريّ يختفي في هذا الهيكل، وهو سرّ الخفاء فإذا سلب منه الهيكل، وسر الخفاء تراءى للناس فيرونه كما يرون المعزى والغنم، فيفر من البلاد إلى الصحاري، ويسكن البراري، فإذا جاء إلى بلد رآه الناس ورجمه بالحجارة، فيفر منهم إلى الفلوات، والأماكن الخالية من البشر، ثم بعد ذلك يقتل هو وجنوده وأولاده على يد النبي محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، ويد الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) ولا يبقى لهم أثر.
وثالث عشرها: يمنح الله المؤمنين كرامة أن تصافحهم الملائكة، وتسلم عليهم،
ويوحى إليهم في بعض الأمور.
ورابع عشرها: يحيي الله المؤمنين الموتى في زمن القائم (علیه السلام)، ويجتمعون في الدنيا ويتزاورون، ويتعارفون، ويتزوجون، ويولد لهم، ويتنعمون في زمانه نعمة، لم يتنعموا مثلها قط، وذلك بفضل الله عليهم، وكرامة للإمام القائم (علیه السلام).
نور الأنوار الجزء 3
ذكر في تفسير قوله تعالى: (فاعلموا أن الله عزيز حكيم هل ينظرون إلَّا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور) [البقرة 210].
قال في ذيل الحديث المروي عن ابن عباس في خطاب النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) وآله لسلمان وأخباره بما يقع في أمته في آخر الزمان. قال العياشي: روي عن الباقر (علیه السلام) في تفسير هذه الآية قال: إنَّ القائم (علیه السلام) ينزل في سبع قباب من نور، ولا يُعلم في أيها هو حين ينزل في ظهر الكوفة فهذا حين ينزل. وفي رواية أخرى عنه (علیه السلام) قال: كأني بقائم أهل بيتي قد علا نجفكم، فإذا علا فوق نجفكم نشر راية رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، فإذا نشرها انحطّت عليه ملائكة بدر. وقال: إنه نازل في قباب من نور، حين ينزل بظهر الكوفة على الفاروق، فهذا حين ينزل.
وأما قوله تعالى: (وقضي الأمر) فهو الوسم على الخرطوم، يوم يوسم الكافر، وذلك في الرجعة. والمراد من نزوله على الفاروق أي ينزل على أمر يفرق به بين المؤمن والكافر.
بيان: ينبيء هذا الحديث عن عظمة الإمام القائم (علیه السلام) حين ينزل بظهر الكوفة، أي في النجف، فإنه ينشأ له سبع قباب من نور، ولعل المنشىء لها ليس من البشر، بل إن الملائكة تنشئها له بأمر الله تعالى إكراماً وإعظاماً له؛ فإذا دخلها ونزل فيها أختفى عن أعين الناظرين، وغشيهم نورها، فلذا لا يعلم أنه في أي واحدة منها جالس. وممّا يؤيد أنَّ صنع هذه القباب من النور، ليس من البشر وأنه من صنع الملائكة وإنشائهم.
قال في الرواية الثانية: فإذا علا الإمام القائم (علیه السلام) فوق نجفكم، ونشر راية رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، وملك النجف، انحطت عليه ملائكة بدر؛ فهؤلاء الملائكة هم الذين ينشئون له هذه القباب من النور، فينزل فيها، فيعلو نوره نور تلك القباب، لأنه نور الله المتألق وضياءه المشرق، والعلم النور في طنحياء الديجور، والغائب المستور في الغيبة الكبرى، وفي قباب النور بعد الظهور، والملائكة شهده والله ناصره ومؤيده، فإذا أذن ميعاده فالملائكة تكون أمداده، وعند ذلك ينزل على الفاروق أي على أمر وحكم، وقانون، وكتاب حديث، يفرق به بين الحق والباطل، وبين المؤمن والكافر، فيكرم المؤمنين ويبيد الكافرين والمنافقين؛ لأنه سيف الله الذي لا ينبو، ونوره الذي لا يخبو، وذو الحلم الذي لا يصبو؛ لأنه هو وآباؤه الطاهرون، وأجداده الطيبون مدار الدهر، ونواميس العصر وولاة الأمر، والمنزل عليهم ما يتنزل في ليلة القدر، وأصحاب الحشر والنشر، تراجمة وحيه، وولاة أمره ونهيه، فأنا أقول؛ اللهم صل على خاتمهم، وقائمهم المستور عن عوالمهم، اللهم وادرك بنا أيامه وظهوره، وقيامه، لتتنور أبصارنا بالنظر إلى تلك القباب الساطعة بالنور، واجعلنا من أنصاره، واقرن ثارنا بثاره، واكتبنا في أعوانه وخلصائه، واحينا في دولته ناعمين، وبصحبته غانمين، وبحقه قائمين، ومن السوء سالمين، يا أرحم الراحمين بحق محمد وآله الطاهرين.
قد وردت روايات كثيرة مختلفة عن الخاصّة والعامة في مدّة مملكة الإمام القائم (علیه السلام)، فنحن:
أولاً: نبدأ بما رواه لنا مشايخنا العظام من علماء الإمامية رضوان الله عليهم.
وثانياً: نذكر ما رواه العامّة من الروايات.
أما ما رواه الإماميون:
غيبة الشيخ الطوسي
عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر (علیه السلام): إنَّ القائم (علیه السلام) يملك ثلاثمائة وتسع سنين، كما لبث أهل الكهف في كهفهم.
البحار
عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: يملك القائم ثلاثمائة سنة ويزداد تسعاً، كما لبث أهل الكهف في كهفهم؛ يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملئت ظلما وجوراً. فيفتح الله له شرق الأرض وغربها؛ ويقتل الناس حتى لا يبقى إلَّا دين محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) يسير بسيرة سليمان بن داود (علیه السلام)؛ ويدعو الشمس والقمر فيجيبانه؛ وتطوى له الأرض ويوحى إليه فيعمل بالوحي بأمر الله.
بیان: صرح هذان الخبران بأن مدة دولة الإمام القائم (علیه السلام) ثلاثمائة سنة سنين، ونظّر حكومته ومملكته في الرجعة ولبثه بين أظهر المؤمنين كما لبث أهل الكهف في كهفهم، وهي مدة ثلاثمائة سنة ويزداد تسعاً، كما نص عليها القرآن الكريم حيث قال (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً) [الكهف 25] وقد دلت الرواية الثانية على تملك الإمام القائم (علیه السلام) لشرق الأرض وغربها، وحكومته لتمام العالم، وقتل المخالفين له من الناس، فلا يبقى أحد في العالم من سائر الملل والنحل، بل لا يبقى إلَّا المتدين بدين النبي محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) وهو دين الإسلام.
ويسير بسيرة سليمان بن داود (علیه السلام) من الأخبار بالغائبات، والعلم بالضمائر:
والمخفيّات؛ فلا يحتاج في فصل الخصومة والحكومة إلى شاهد، أو بينة، أو برهان.
ويمنحه الله تعالى باستجابة الدعوة، وبالبراهين الواضحة، وإطاعة جميع المخلوقات له، فلذا يدعو الشمس والقمر فيكونان طائعين له، وكل شيء ممتثل لأوامره ونواهيه.
ويكرمه بطي الأرض: فيسير من المشرق إلى المغرب بزمان قليل، كما يطير في الهواء، ويسير على الأرض والماء في برهة يسيرة من الزمن.
ويوحي إليه فترى الملائكة نازلين من السماء إليه، وصاعدين يوحون إليه أوامر الله تعالى، ونواهيه، فيعمل بالوحي، وبما يأمره الله تعالى به، وهذه كرامة له وتعظيم من قبل الله تعالى، حيث يمنحه بهذا المقام الرفيع، والمحل السامي.
وفيه: في خبر المفضل بن عمر قال: قلت للصادق (علیه السلام): يا مولاي فكم تكون مدة ملكه؟ فقال: قال الله عز وجل: (فمنهم شقّي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق - إلى قوله - وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلَّا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ) [هود 105 - 108].
والمجذوذ المقطوع، أي عطاء غير مقطوع عنهم، بل هو دائم أبداً، وملك لا ينفد، وحكم لا ينقطع، وأمر لا يبطل إلَّا باختيار الله عز وجل ومشيئته وإرادته، التي لا يعلمها إلَّا هو، ثم يوم القيامة وما وصفه الله عز وجل في كتابه والحمد لله رب العالمين.
بيان: وقع السؤال في هذا الخبر عن مدة مملكة الإمام القائم (علیه السلام) وسلطنته فاستشهد الإمام (علیه السلام) بالآية المباركة، حيث قسم الله تعالى الناس إلى فريقين:
الفريق الأول: فريق الشقاوة، وهم أهل الشقاوة، والأشقياء من الناس، وهم أهل النار.
الفريق الثاني: فريق السعادة، وهم أهل السعادة، والسعداء من الناس، وهم أهل الجنة. فهؤلاء خالدون في الجنان مسرورن بنعم الله تعالى، من النعم الحسان، والحور، والولدان، وتلك النعم والجنان دائمة أبداً، وخالدة سرمداً، ما دامت السموات والأرض. وهذا عطاء دائم غير مجذوذ، وغير مقطوع؛ لأنه من منن الله على المؤمنين، وإكرامه لهم، جزاء على ما صدر منهم من الأعمال الصالحة؛ وهذا العطاء الدائم، والمعروف الخالد الذي لا ينقضي أبداً، والنعماء الدائمة يمنحها الله تعالى للإمام القائم وللمؤمنين في الرجعة، فيعطيهم سلطاناً دائماً أبداً وملكاً لا ينقطع، وحكومة خالدة، وإمارة لا تزول، ولا تبطل حتى يأذن الله تعالى، ويجعل الدنيا جنينة، ويجعلها تحت إمارة الإمام (علیه السلام) والمؤمنين. فيدل هذا الخبر على أنَّ مملكة القائم (علیه السلام) لا تزول إلَّا باختيار الله تعالى، وهي غير محدودة بحد، بل هي مستمرة إلى يوم القيامة، ويحتمل أن المراد من كلام الإمام (علیه السلام) أن مملكة القائم (علیه السلام) مع من يأتي من بعده من النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) والأئمة تستمر إلى يوم القيامة، وهذا منصوص في كثير من الروايات.
الإرشاد للشيخ المفيد (ره)
عن عبد الكريم الخثعمي قال: قلت لأبي عبدالله (علیه السلام): كم يملك القائم (علیه السلام)؟
قال: سبع سنين، تطول الأيام حتى تكون السنة من سنيه مقدار عشر سنين من سنينكم فتكون سنو ملكه سبعين سنة من سنينكم هذه.
وفي بعض الروايات: إن مدة ملكه تسع سنين. ولعلها بعد الثلاثمائة. وقيل: تسع عشرة سنة. وقيل غير ذلك.
غيبة الطوسي (ره)
عن الخثعمي قلت لأبي عبدالله (علیه السلام): كم يملك القائم (علیه السلام)؟ قال: سبعين سنة من سنينكم هذه.
غيبة النعماني
عنه (علیه السلام): إن ملك القائم (علیه السلام) تسع عشرة سنة وأشهر.
إلزام الناصب
قال أمير المؤمنين (علیه السلام) في آخر خطبة البيان: يظهر أي القائم (علیه السلام) وله من العمر أربعون عاماً، فيمكث في قومه ثمانين سنة.
الكتاب المبين
عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: إن ولي الله - أي القائم (علیه السلام) - يعمر عمر إبراهيم الخليل عشرين ومائة سنة، ويظهر في صورة فتى موفقاً ابن ثلاثين سنة. وفي رواية أخرى: مثله، وزاد في آخرها: حتى ترجع عنه طائفة من الناس، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً. وهؤلاء الطائفة هم المخالفون والمنافقون.
وعنه (علیه السلام) أنه قال: لو خرج القائم لقد أنكره الناس يرجع شاباً موفقاً، فلا يثبت عليه الأكل مؤمن، أخذا الله ميثاقه في الذر الأول. وفي روايه أخرى: أنه (علیه السلام) قال: ومن أعظم البلية أن يخرج إليهم صاحبهم شاباً، وهم يحسبونه شيخاً كبيراً.
بيان: هذه الروايات تنبىء عن أمر يجب أن ينتبه له المؤمنون، وهو أن الامام عند رجوعه وقيامه يرجع شاب المنظر، ولكن شيخ السن أي سنه سن الشيخ أي الف وفوقه؛ ولكن من نظر إليه يراه شاباً موفقاً. ولذا ترجع عنه طائفة من المنافقين، والمخالفين، والمرتابين، فلا يؤمنون به، ولا يصدقون ببقائه في طيلة هذه المدة. فنحن نلفت أنظار المؤمنين بأن من رأى القائم (علیه السلام) عند ظهوره شاب المنظر، فليؤمن به، وليصدق، ولا يشك فيه بعد وقوع تلك العلامات المحتومة وغير المحتومة.
الجوهر الثمين. خريدة العجائب
في حليّة المهدي (علیه السلام) قال: إنه أسمر اللون، كث اللحية، أكحل العينين، براق الثنايا، في خده خال، يرفع الجور عن الأرض، ويفيض العدل على الخلق، ويسوي بين الضعيف والقوي في الحق، ويبلغ الإسلام مشارق الأرض ومغاربها، ويفتح القسطنطينية، ولم يبق احد حتى دخل في الاسلام، أو أدى الجزية، وعند ذلك يتم وعد الله ليظهره على الدين كله. واختلفوا في مدة عمره بعد الظهور. فقيل: يعيش سبع سنين. وقيل: تسعاً وقيل: عشرين سنة. وقيل: أربعين. وقيل: سبعين.
وفي خطبة البيان قال: ويتزوج بجارية من زبيد بن غسان، ويولد له منها ولدان ذكور، ويحكم أربعين عاماً، ثم يموت ويدفن عند قبر جده رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، وقيل: تقتله امرأة اسمها سعيدة بجاون من حديد من فوق سطحها.
الكتاب المبين السفر الثاني منه
في باب مدة ملك القائم (علیه السلام).
حلية الأبرار
قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): المهدي من ولدي، وجهه كالكوكب الدري واللون لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلاً، كما ملئت جوراً، يرضى بخلافته أهل السماء والطير في الجو يملك عشرين سنة
العوالم
عن الحسن بن علي بن أبي طالب، عن أبيه صلوات الله عليه قال: يبعث الله رجلًا في آخر الزمان، وكلب من الدهر، وجهل من الناس، يؤيده بملائكته، ويعصم أنصاره، وينصره بآياته، ويظهره على الأرض، حتى يدينوا طوعاً أو كرهاً؛ يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، ونوراً، وبرهاناً، يدين له عرض البلاد وطولها، لا يبقى كافر إلَّا آمن، ولا طالح إلَّا صلح، وتصطلح في ملكه السباع، وتخرج الأرض نبتها، وتنزل السماء بركتها وتظهر له الكنوز، يملك ما بين الخافقين أربعين عاماً، فطوبى لمن أدرك أيامه وسمع کلامه.
وفيه: سُمع أبو جعفر (علیه السلام) يقول: (عَسقَ (العين والسين عدد سني القائم (علیه السلام) وقاف جبل محيط بالدنيا من زمره أخضر، فخضرة السماء من ذلك الجبل، وعلم علي (علیه السلام) كله في (عسق).
وفيه: قيل لأبي عبدالله (علیه السلام): كم يملك القائم (علیه السلام)؟ قال: سبع سنين تكون سبعين سنة من سنينكم هذه.
وأما ما رواه العامة وأهل السنة.
الغوالي
روى أبو نعيم قال: قد تواترت الأخبار عن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) في المهدي، وأنه يملك سبع سنين، يملأ الأرض عدلاً، وأنه يخرج مع عيسى (علیه السلام) ويساعده على قتل الدَّجَّال في أرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة وأنه يؤم هذه الأمة وعيسى يصلي خلفه.
وروى العامة أيضاً عن أبي سعيد الخدري أن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) قال: يكون في أمتي المهدي إن قصر فسبع وإلا فتسع.
وفي خبر آخر روى أهل السنة أيضاً: إنَّ القائم يمكث سبع سنين، أو ثمان، أو تسع سنين.
بیان: تحصل من جميع الأخبار السالفة الذكر، الواردة عن الفريقين الخاصة والعامة، الاختلاف في تعيين مدة مملكة الإمام القائم (علیه السلام)، فالأخبار الواردة عن الإمامية الدالة على أن مدة مملكة الإمام القائم (علیه السلام) سبع سنين، أو ثمان، أو تسع الموافقة للعامة فهذه وإن كانت متواترة إلَّا أنها محمولة على ما بعد الثلاثمائة.
وأما الروايات الدالة على تسع عشرة سنة، وعشرين سنة، وأربعين سنة، وسبعين، وثمانين فمع أنها مرسلة فهي أخبار آحاد، لا يمكن الاعتماد عليها مع اختلافها واضطرابها، أو تحمل على ظهور أمر القائم (علیه السلام) وظهور عنوانه وسلطنته في تمام البسيطة وانتشار مملكته في جميع الكرة الأرضية.
فالمعتمد عليه هو ما رواه مشايخنا الإمامية رضوان الله عليهم، من أن مدة مملكة القائم (علیه السلام) هو بمقدار ما لبثه أهل الكهف في كهفهم، وهو ثلاثمائة سنة ويزداد تسعة ويُحتمل أن تكون مدة مملكته غير معيّنة، وغير محدود بحدّ في الأخبار، كما هو صريح خبر المفضل بن عمر. وأن مملكته خالدة لا تنقضي مدتها إلَّا أن يشاء الله تعالى. إلَّا أن هذه الخبر معارض بالأخبار الكثيرة المتواترة، ولعل أن المراد منه: أن مملكة الأئمة (علیه السلام) أجمع خالدة وباقية إلى يوم القيامة، ومتى شاء الله تعالى؛ وبعد انقضاء زمن الرجعة، ولا تقوم الساعة إلَّا بعد أن يرفع الله الأئمة (علیه السلام) إلى السماء، والعلم عنده تعالى ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) [الرعد 39].
الكتاب المبين السفر الثاني منه
عن العوالم
عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: أصحاب المهدي شباب لا كهول فيهم، إلَّا مثل كحل العين، والملح في الزاد، وأقل الزاد الملح.
وفي حديث لعلي بن مهزيار في صفة أصحاب القائم (علیه السلام) قال: هم معشر يطلعون بمخايل (1)الذلة والاستكانة، وهم عند الله بررة أعزاء، يبرزون بأنفس مختلة محتاجة، وهم أصحاب القناعة والاعتصام، استنبطوا الدِّين فوازروه على مجاهدة الأضداد؛ خصهم الله باحتمال الضيم في الدنيا، ليشملهم اتساع العزّ في دار القرار؛ وجبلهم على خلائق الصبر، لتكون لهم العاقبة الحسنى، وكرامة حسن العقبى.
بيان: وصف الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) أصحاب القائم (علیه السلام) بصفات متعددة:
أولاً: بأن جلّهم لا كلهم شباب، والكهول فيهم قليل جداً، وينظر قلتهم بقلة الكحل الذي يوضع في العين، لأنه قليل جداً، وبالملح الذي يوضع في الزاد وفي الطعام، فإنه أقل الطعام، وهذه الصفة أي كونهم شباباً، إنما هي لقواده وهم الثلاثمائة والثلاثة عشر رجلًا؛ فإن هؤلاء حكّام الله في أرضه، وأناس أهل فهم، وذكاء، ومعرفة، ودين، ومن الرجال الصالحين، وإلَّا فباقي أصحابه فيهم الشيوخ والكهول، والشباب، والصبيان.
ثانياً: هم معشر يطلعون أي يظهرون بمخايل الذلة والاستكانة: وهذه من الصفات
1) (1) مخايل: جميع المخيلة وهي ما يوقع في الخيال يعنى به الأمارات.
الجميلة، ان هؤلاء القواد الصالحون، يظهرون للناس وعليهم مخايل جمع المخيلة وهي أمارات الذلة، والذلة بمعنى الأنقياد واللين، والأستكانة بمعنى الخضوع، أي أنَّ هؤلاء القادة عندما يشغلون قيادة الجيش، ويقومونه بها، يظهرون للناس وعليهم أمارات الانقياد واللين، رحماء على المؤمنين، غلاظ شداد على الكافرين. ومنه قوله تعالى (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) [المائدة 54] فهم يمثلون أصحاب النبي محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، حيث وصفهم الله في كتابه قال (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا) [الفتح 29]. وعليهم آثار الخضوع والخشوع.
وثالثاً: هم بررة أعزاء: أي أنهم أبرار أخيار، لأن الأبرار هم الصلحاء، الصادقون، المحسنون للناس، والكثير والبرّ والأعزاء هم الشرفاء المكرمون، لأن الأعزاء جمع العزيز وهو الشريف المكرم المحترم.
ورابعاً: يبرزون بأنفس مختلة محتاجة: أي يظهرون بعد خفاء ويفوقون أصحابه فضلًا وشجاعة بسبب أنَّ لهم أنفس مختلة، أي مخادعة، يختلون اي يخدعون بها الدنيا ويطلبون بعملهم الآخرة. ومنه ما ورد في حديث: العالم يختل الدنيا بالدين أي يطلب ويخدع الدنيا بعمل الآخرة. وأنفس محتاجة أي مفتقرة الى الله تعالى ومتوجهة إليه.
وخامساً : هم أصحاب القناعة والاعتصام: أي أنَّ أصحاب القائم (علیه السلام)، هم الراضون بما قسم الله لهم. وفي الحديث: القناعة كنز لا يفنى. لأن الاتفاق منها لا ينقطع، كلما تعذر عليه شيء من أمور الدنيا، قنع بها دونه ورضى. وفي الحديث: القانع غنيّ وإن جاع وعرى. ومن قنع استراح، من أهل زمانه، واستطال على أقرانه؛ ومن قنع فقد اختار الغنى على الذل، والراحة على التعب. ومنه القانع وهو الذي يقنع بما يصيبه من الدنيا، وإن كان قليلا ويشكر على اليسير. وفي الحديث: عز من قنع، وذل من طمع. وذلك لأن القانع لا يذله الطلب، فلا يزال عزيزاً. فأصحاب القائم (علیه السلام) متصفون بهذه الصفة الحسنة وهي القناعة. وهم أصحاب الاعتصام بحبل الله تعالى، وبعهد الله وطاعته، وأهل التمسك بالله تعالى وبأنبيائه وأوليائه وأهل الامتناع من المحارم، والتحفظ من الأخطار، والمكاره بالقرآن وبالدعاء.
وسادساً: هم الدِّين استنبطوا الدين فوازروه على مجاهدة الأضداد: والاستنباط
الاستخراج للدِّين بالاجتهاد؛ فهؤلاء اجتهدوا في استنباط الدِّين واستخرجوه من منابعه الأصلية، وعلموه من موارده الصحيحة، فوازروه أي كانوا أعواناً وأنصاراً للدِّين وأهل الدِّين، وصاروا قوة للدِّين، يجاهدون أعداء الدِّين، ويدفعون عنه أضداده.
وسابعاً : هم الذين خصهم الله باحتمال الضيم في الدنيا، ليشملهم اتساع العز في دار القرار؛ أي أنَّ أصحاب القائم (علیه السلام)، هم الذين خصهم الله تعالى بتحمل الضيم أي الظلم، والقهر، وانتقاص الحقوق، من حكام الظلم والجور؛ ومنحهم من الصبر ما تحملوا به ظلم الأمراء الفسقة، والولاة الظلمة، والحكّام الخونة، ليتفضل عليهم ويكرمهم بالعز والكرامة في دار القرار أي في الآخرة.
وثامناً: هم الذين جبلهم الله على خلائق الصبر، لتكون لهم العاقبة الحسنىٰ، وكرامة حسن العقبى: أي أنَّ أصحاب القائم (علیه السلام) هم الذين خلقهم وفطرهم على خلائق الصبر؛ يقال جبله الله على الكرم، أي فطره عليه؛ لأن الجبله بمعنى الخلقة والطبيعة، فهؤلاء طبعهم الله تعالى، وفطرهم على خلائق الصبر جمع الخليقة، وهي الطبيعة أي على طبيعة الصبر ومنه. ليس التخلق بالأخلاق كالخلق: أي ليس من تكلف ما ليس له من الخلق، كمن كان الخلق فيه طبعا وسجية، فهؤلاء مطبوعون ومفطورون على الصبر، لتكون لهم العاقبة الحسنى أي الحسنة وكرامة حسن العقبىٰ؛ بأن يكرمهم الله جزاء على ما صبروا بجزاء حسن في الآخرة.
نور الأنوار الجزء 1
عن إكمال الدين: بحذف الإسناد عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: كأني بأصحاب القائم (علیه السلام) وقد أحاطوا بما بين الخافقين، ليس من شيء إلّا وهو مطيع لهم، حتى سباع الأرض، وسباع الطير، يطلب رضاهم كل شيء حتى تفتخر الأرض على الأرض وتقول: مرّ بي اليوم رجل من أصحاب القائم (علیه السلام).
بيان: يصف الإمام (علیه السلام) أصحاب القائم (علیه السلام)، بما منحهم الله من كرامة، فذكر:
أولاً: إن الله تعالى يمنحهم ملك الدنيا، والسلطنة على تمام البسيطة، والإحاطة بما بين الخافقين، من مشرق الشمس إلى مغربها، لأن الخافقين جانباً الجو من المشرق إلى المغرب، أو إنَّ الخافقين السماء والأرض ومنه منكبا إسرافيل يحكان الخافقين فيكون المعنى
أن اصحاب القائم (علیه السلام)، لهم إحاطة بما بين السماء والأرض؛ والأول أظهر، حيث يحكمون البلاد من شرق الأرض وغربها.
وثانياً: إنّ الله تعالى يجعل جميع الأشياء مطيعة لإرادتهم من الملائكة، والإنسان والحيوان، والأجسام النامية، والأجسام المطلقة، والجواهر، فكل ما خلق الله تعالى مطيع لهم، وممتثل لأوامرهم، ونواهيهم. ولذا قال: ليس من شيء إلّا وهو مطيع لهم، حتى سباع الأرض. وسباغ الطير فإنها تطلب رضاهم كل شيء من المخلوقات الأخرى.
ثالثاً: إفتخار قطعات الأرض بعضها على بعض بمرور أحد أصحاب القائم (علیه السلام) عليها، وذلك لما ينالها من البركة، والخير، والنماء، والتشرف، والإنارة، بمرور أحد أصحابه عليها؛ فترى لنفسها الأفضلية على غيرها من الأراضي؛ فلذا تفتخر على القطعات الأخرى وتقول: مرّ بي اليوم أحد أصحاب القائم (علیه السلام). وذلك كله كرامة إلى سيّدهم ومولاهم الحجّة ابن الحسن صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين.
الدمعة الساكبة للدهدشتي (ره) مخطوط
قال في تفسير قوله تعالى في سورة الأعراف: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) قال الطبرسي (ره): اختلف في هذه الأمة من هم على أقوال:
أحدها: إنهم قوم من وراء الصين، وبينهم وبين الصين «واد» حار من الرمل، لم يغيروا ولم يبدلوا، وهو المرويّ عن أبي جعفر (علیه السلام). إلى أن قال: وقيل: إن جبرائيل (علیه السلام) انطلق بالنبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، ليلة المعراج إليهم، فقرأ عليهم من القرآن عشر سور، نزلت بمكة؛ فآمنوا به وصدقوه وأمرهم أن يقيموا مكانهم، ويتركوا السبت وأمرهم بالصلاة والزكاة، ولم تكن نزلت فريضة غيرهما ففعلوه.
ثم قال قدس الله نفسه: وروى أصحابنا أنهم يخرجون مع قائم آل محمد (علیه السلام).
بیان: دل هذا الخبر على أنَّ هذه الأمة من قوم موسى، يقومون مع الإمام القائم
(علیه السلام)، ويكونون من أنصاره وأعوانه.
دلائل الإمامة للطبري (ره).
بإسناده إلى ابي بصير قال: كنت عند أبي عبد الله (علیه السلام)، وعنده رجل من أهل خراسان، وهو يكلمه بلسان لم أفهمه، ثم رجعا إلى شيء فهمته، فسمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: وركض أبو عبد الله برجله الأرض، فإذا بحر تحت الأرض على حافتيه فرسان، قد وضعوا أذقانهم على قرابيس سروجهم، فقال أبو عبد الله (علیه السلام)؛ هؤلاء من أنصار القائم (علیه السلام).
بیان: هذه كرامة من الإمام الصادق (علیه السلام) أراها لأوليائه، حيث ركض الأرض، أي ضربها ودفعها برجله، فخرج بحر تحت الأرض على حافتيه - أي طرفيه وشاطئيه - فرسان على خيولهم، مستعدّين للحرب، قد وضعوا أذقانهم - جمع ذقن - على قرابيس - جمع قربوس - وهو مقدم سرج الفرس؟ فذكر الإمام (علیه السلام) أنَّ هؤلاء يقومون مع القائم (علیه السلام)؛ ولعل هؤلاء من الأنبياء والمرسلين، أو من عباد الله الصالحين؛ فإن كثيراً من الأنبياء، والرسل، والأولياء، والصلحاء، قد سألوا من الله تعالى الخروج مع القائم (علیه السلام)، مثل هؤلاء الفرسان، والأمة من قوم موسى، وأهل جابلقا وجابرسا وغيرهم، وفّقنا الله تعالى للجهاد معه، ولخدمته، ونصرته، وإقامة دولته.
رجال الكشي
عن علي بن محمد قال: حدثني أحمد بن محمد، عن أبي عبدالله البرقي يرفعه. قال: نظر أبو عبدالله (علیه السلام) إلى داود الرقي، وقد ولى من سره أن ينظر إلى رجل من أصحاب القائم (علیه السلام) فلينظر إلى هذا. وقال في موضع آخر إنزلوه فيكم بمنزلة المقداد.
بیان: دل هذا الخبر أنّ داود الرقي الذي هو من تلامذة الإمام الصادق (علیه السلام)، ومن أصحابه ممّن يقوم مع الإمام القائم (علیه السلام)، ويكون من أنصاره وأعوانه، وأنه من الرجال الأفاضل، لأنه قال: إنزلوه بمنزلة المقداد.
وفيه: بإسناده إلى المفضل بن عمر قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): يا مفضل أنت وأربعة وأربعون رجلًا تحشرون مع القائم (علیه السلام)، أنت على يمين القائم، تأمر وتنهي،
والناس إذ ذاك أطوع لك منهم اليوم.
بيان: هذه بشارة لمفضل بن عمر من الإمام الصادق (علیه السلام)، إنه ممن يرجع مع القائم (علیه السلام)، ويكون في معسكره في الميمنة، ويكون من قواده الذين يصدر منهم الأمر والنهي.
البحار مجلد 9
روى عبد الحميد الأزدي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إن جبير الخابور كان صاحب بيت مال معاوية، وكانت له أم عجوز بالكوفة كبيرة. فقال لمعاوية: إنَّ له أماً بالكوفة عجوزاً، اشتقت إليها، فأذن لي حتىٰ أتيها فأقضي من حقها عليّ. فقال معاوية: فما تصنع بالكوفة؟ فإن فيها رجلًا ساخراً كاهناً يقال له علي بن أبي طالب (علیه السلام) وما آمن أن يفتنك. فقال جبير: مالي ولعلّي، وإنما أتى أمي وأزورها، وأقضي من حقها، ما يجب عليّ. فقال معاوية: ما تصنع بالكوفة؟ فأذن له، فقدم جبير الخابور الكوفة، فلمّا رآه الإمام (علیه السلام) قال له: إما أنك كنز من كنوز الله، زعم لك معاوية أني كاهن ساحر. قال: أي والله. قال: ذلك معاوية. ثم قال: ومعك مال قد دفنت بعضه في عين التمر، قال: صدقت يا أمير المؤمنين، لقد كان كذلك، قال عليّ (علیه السلام) يا حسن ضمه إليك،؛ فأنزله وأحسن إليه؛ فلمّا كان من الغدِّ دعاه ثم قال لأصحابه: إن هذا يكون في جبل الأهواز، في أربعة الآف مدججين (1)في السلاح؛ فيكونون معه حتى يقوم قائمنا أهل البيت فيقاتل معه.
بیان: دل هذا الخبر أنَّ ممّن كانت عاقبته حسنة، ويوفق للقيام مع القائم (علیه السلام) في دولته جبير الخابور، فإنه في بادى الأمر كان وزيراً، أو مديراً للمالية في الشام عند معاوية بن أبي سفيان، وكانت له أم عجوز بالكوفة، فاشتاق لزيارتها، فاستأذن معاوية في زيارة أمه؛ وحيث إنَّ معاوية كان شيطاناً، حيّالاً، مكّاراً، يخاف من الإمام علي بن أبي طالب (علیه السلام) عليه، لئلا يراه فيعظه، أو يريه بعض معجزاته وكراماته، فيهديه إلى طريق الحق فلذا قال له: ما تصنع بالكوفة؟ فإنَّ فيها رجلًا، ساحراً، كاهناً، يقال له: علي بن أبي طالب (علیه السلام) وما آمن أن يفتنك، أي يستميلك، ويشوقك، ويولهك إلى دينه
1) (1) مدججين: أي داخلين في السلاح، وفي دجى السلاح.
ومذهبه. او المراد أن يضلك عن رأيك ويصدّك عمّا انت عليه.
فأجابه جبير: إن المقصد من زيارتي الكوفة إنما هو زيارتي أمي، وقضاء مالها عليّ من حق، وما لي في علي ولا في زيارته حاجة؛ فإذن له في الذهاب، وكان الطريق القريب من العراق إلى الشام يومئذ من جهة عين التمر، فجاء منه إلى العراق، وكان معه مال كثير، فأخفى بعضه هناك، وقدم الكوفة، والمسافر في تلك الأزمنة إذا قدم إلى بلد يزور مسجده، فزار المسجد الأعظم في الكوفة، فرآه الإمام علي بن أبي طالب (علیه السلام)، فبشره:
أولاً: بأنه كنز من كنوز الله تعالى أي رجل من الرجال العظام، الذين ادّخرهم الله أنصاراً وأعواناً للإمام القائم (علیه السلام) عند ظهوره وقيامه ولكن لم يصرح له بذلك.
وثانياً: أخبره بالغائبات، فحكي له ما قال له معاوية، من أنَّ عليّ بن ابي طالب رجل ساحر كاهن؛ وأخبره بالأموال التي يحملها، وقد أخفى قسم منها في عين التمر، فصدّقه في أخباره، وتعجب من غزارة علمه، واعتقد به، وعرف جهل معاوية، وعدم لياقته لمنصب الخلافة، وأمر الإمام (علیه السلام) ولده الحسن (علیه السلام) بضيافته، لأنه كانت له دار للضيافة، يطعم فيها الطعام، ويصنع لأضيافه في الطعام الحمص من الذهب، وأمره بالإحسان إليه؛ فأضافه الإمام الحسن (علیه السلام)، وأحسن ضيافته.
وثالثاً: دعاه في الغد - أي في اليوم الثاني - فبشره وصرح له بأنه يقوم مع القائم (علیه السلام) ويجعله قائداً وحاكماً في جبل الأهواز، وتحت رايته أربعة الآف من جنود الإمام (علیه السلام) مدججين في السلاح أي لابسين للسلاح، وداخلين فيه، وقد غطى أجسامهم، فيجاهدوا مع الإمام القائم (علیه السلام).
منتخب البصائر عن كشكول الشيخ الأوحد أعلى الله مقامه
قال: روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه بسنده إلى المفضل بن عمر
قال: سمعت أبا عبدالله (علیه السلام) يقول: يكر مع القائم (علیه السلام) ثلاثة عشر امرأة.
قلت: وما يصنع بهن؟ قال: يداوين الجرحى، ويقمن على المريض، كما كان مع رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم).
قلت: فسمهن لي.
فقال: النفتنق بنت رشيد، وأم أيمن، وحبابة الوالبية، وسمية أم عمار بن ياسر، ووتيرة، وأم خالد، والأحبشية، وأم سعيد الحنفية، وصيانة الماشطة، وأم خالد الجهنية.
قال الشيخ الأوحد قدس سره: هكذا وجدت الحديث في كتاب المعارج للسيّد هاشم البحراني، وفيه سقط إذ لم يذكر في تفصيله إلَّا عشر نساء كما ترى. أقول: يُحتمل أن يكون السقط من الراوي أو من قلم النساخ.
بیان دل هذا الخبر صريحاً على أن هناك نساءاً محترمات يوفقن للقيام مع القائم (علیه السلام)، لغرض مداواة الجرحى، والإقامة على المرضى، وما يحتاج إليه العسكر، فهن يقمن بشؤون الجيش وخدمته وتحضير ما يحتاجون إليه ممّا لهن القدرة عليه. كما كن جمع من النساء يقمن بشؤون الجيش مع رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، فيداوين الجرحى ويقمن على المرضى وبشؤون العسكر.
والظاهر أن هذه الطائفة اللائقة للقيام بهذه الوظائف كلّها، إن لم يكن جلّها، من العجائز، ومن النساء القواعد، التي ليس عليهن جناح، وهن اللائي قعدن عن النكاح. كما في تفسير البرهان ج 3 ص 153. فإن هذه الطائفة لا يطمعن في النكاح لكبر سنهن، وقد استثنى الفقهاء هذه الطائفة من حرمة جواز النظر إلى الأجنبية؛ فلذا جاز لهن كشف وجوههن وأيديهن، ممّا تعارف كشفه بين الناس، فلذا جاز لهن الخدمة في جيش الإمام القائم (علیه السلام)، ومداواة الجرحى، والقيام على المرضىٰ، وفي خدمة دين الإسلام، وخدمة المؤمنين، ولهن الأجر والثواب عند رب العالمين.
الكتاب المبين عن العوالم
في باب أسماء أصحاب القائم (علیه السلام) الثلاثمائة والثلاثة عشر وبلدانهم.
عن أبي بصير قال: إن الصادق (علیه السلام) سمّى لنا أصحاب القائم (علیه السلام) فقال: أمَّا الذي في طازنيد الشرقي: بندار بن أحمد بن سبيكة، يدعى بازان، وهو السياح المرابط.
ومن أهل الشام رجلان: يقال لهما: إبراهيم بن الصباح، ويوسف بن حربا. فيوسف عطار من أهل دمشق، وإبراهيم قصاب من قرية سويقان.
ومن الصانعان - وفي نسخة - الصامغان - وفي نسخة -: الصاغان [رجلان]: أحمد بن عمر الخياط من بسكة بزيع، وعلي بن عبد الصمد التاجر بسكة التاجرين.
ومن أهل السراف [ثلاثة رجال]: سلم الكوسج البزار من بسكة الباع وخالد بن سعيد بن كريم. والكلب الناهد من دانشاه.
ومن مرودود [رجلان] جعفر انشاه الدقاق، وجوز مولى الحصيب.
و من مرو اثنا عشر رجلًا وهم: بندار بن خليل العطار، ومحمد بن عمر الصيدياني، وغريب بن عبد الله بن كامل، ومولى قحطبة، وسعد الرومي، وصالح بن الدَّجَّال ومعاذ بن هاني، وكردس الأزدي، ودهيم بن جابر بن حميد، وطاشف بن علي الفاجاني. وفرعان بن سويد، وجابر بن علي الأحمر، وجوشب بن حرير.
ومن بيروت - وفي نسخة ياورد - تسعة رجال: زياد بن عبد الرحمن بن جحدب والعباس بن الفضل بن قارب، وسحيق بن سليمان الحناط، وعلي بن خالد، وسلم بن سليم بن الفرات البزاز، ومعاوية - وفي نسخة - ومحوية بن عبد الرحمان بن عليّ، وحريز بن وستم بن سعد الكياني، وحرب بن صالح. وعمارة بن معمر.
ومن طوس خمسة رجال: شهرد بن حمران، وموسى بن مهدي، وسليمان بن طليق، وابن الوادي - وكان الوادي موضع قبر الرضا (علیه السلام) - وعلي بن السندي الصيرفي.
ومن الغازيات [رجلان]: شاهوية بن حمزة، وعلي بن كلثوم من سبكة تدعى باب الجبل.
ومن الطالقان أربعة وعشرون رجلًا المعروف بابن الرازي الجبلي، وعبد الله بن عمير، وإبراهيم بن عمر، وسهل بن رزق الله وجبرائيل الحداد، وعلي بن أبي علي الوراق، وعيادة بن جمهور، ومحمد بن جبهار، وزكريا بن حبسة، وبهرام بن سرح، وجميل بن عامر بن خالد، وخالد، وكثير مولى جرير، وعبد الله بن فرط بن سلام،
وفزارة بن بهرام، ومعاذ بن سالم بن خليد الثمار، وحميد بن ابراهيم بن جمعة القزاز، وعفيفة بن وفر بن الربيع، وحمزة بن العباس بن جنادة من دار الرزق، وكاين بن جنيد الصايغ، وعلقمة بن مدرك، ومروان بن جبل بن دوقا، وظهور مولى زارة بن إبراهيم وجمهور بن الحسين الزجاج، ورياش بن سعد بن نعيم.
ومن سجستان ثلاثة رجال: الخليل بن نصر من أهل زيج، ترك بن شبة، وإبراهيم بن عليّ.
ومن الموعود - وفي نسخة عور - تسعة رجال: مجمح وفي نسخة - مجمع بن جربور، وشاهد وشهرا بني نيدار، وداود بن جرير وخالد بن عيسى، وزياد بن صالح، وموسى بن داود، وعرف الطويل، وابن كرد.
ومن نيسابور ثمانية عشر رجلًا: سمعان بن فاخر، وأبو لبابة بن مدرك، وإبراهيم بن يوسف القصير، ومالك بن حرب بن مكين، وزرود بن سوكن، ويحيى بن خالد، ومعاذ بن جبرائيل، وأحمد بن عمر بن زفر، وعيسى بن موسى السرّاق، ويزيد بن دوست، ومحمد بن حمّاد بن شيث، وجعفر بن طرخان، وعلان بن ماهويه، وأبو مريم، وعمر بن مطرف، وبليل بن وها، ويد بن هومر ديار.
ومن هرات اثنا عشر رجلًا سعيد بن عثمان الوراق، وماسنحر بن عبد الله بن تيل، والمعروف بغلام الكندي، وسمعان القصّاب، وهارون بن عمران، وصالح بن جرير، والمارك بن معمر بن خالد، وعبد الأعلى بن إبراهيم بن عبدة، ونزل بن حزم، وصالح بن هثيم، وارم بن عليّ، وخالد القواس.
ومن اهل بوسنج أربعة رجال: طاهر بن عمر بن طاهر المعروف بالأضلع، وطلحة بن طلحة السايح، والحسن بن الحسن الثمّار، وعمرو بن عمرو بن هشام.
ومن الري أي طهران سبعة رجال: اسرائيل القطان، وعلي بن جعفر حوازر، وعثمان بن علي بن درخت، ومكان بن جميل بن مقاتل، وكرد بن شيبان، وحمدان بن كر، وسليمان الديلمي.
ومن طبرستان أربعة رجال: حوشاد بن کردم، وبهرام بن عليّ، والعبّاس بن هدثم، وعبد الله بن يحيىٰ.
ومن قم ثمانية عشر رجلًا: غسّان بن محمد بن غسّان، وعلي بن أحمد بن برة بن نعيم بن يعقوب بن بلال، وعمران بن خالد بن كليب، وسهل بن عليّ بن صاعد، وعبد العظيم بن عبدالله بن الشاة، وحسكة بن هاشم بن الدابة، والأحوص بن محمد بن إسماعيل بن نعيم بن طريف، وبليل، وابن مالك بن سعد بن طلحة بن جعفر بن أحمد بن جرير، وموسى بن عمران بن الأحق، والعباس بن زمر بن سليم والحريد بن بشير بن بشير، ومروان بن علابة بن جرير المعروف بابن راس العرف، والصقر بن إسحاق بن إبراهيم، وكامل بن هشام.
ومن جرجان اثنا عشر رجلًا: أحمد بن هرند بن عبدالله، وزرارة بن جعفر، والحسين بن علي بن مطر، وحميد بن نافع، ومحمد بن خالد بن قرين حوية، وعلان بن حميد بن جعفر بن عبد، وإبراهيم بن إسحاق بن عمرو، وعلي بن علقمة بن محمود، وسلمان بن يعقوب، والعربان بن الحفان الملقب بحال روت، وشعبة بن عليّ، وموسى بن كردوية.
ومن نوقا رجل: وهو عبيد الله بن محمد بن مأجور.
ومن السند رجلان: شباب بن العباس، ومحمد بن نصير بن منصور يعرف بناقشت.
ومن همدان أربعة رجال: هارون بن عمران بن خالد، وطيفور بن محمد بن طيفور، وأبان بن محمد بن الضحاك، وعتاب بن مالك بن جمهور.
ومن جوزجان - وفي نسخة جايزوان - ثلاثة رجال: كرد بن حنيف، وعاصم بن خليل الخياط، وزياد بن وزين.
ومن التنوي رجل: لقيط بن الفرات.
ومن أهل خلاط رجل: وهب بن حرنيد بن سروين.
ومن تفليس سبعة رجال: جحدر بن الريت، وهاني العطاردي، وجواد بن بدر، وسليم بن وصد، والفضل بن عمير، ويونس بن الصقر، وأحمد بن مسلم بن سلم.
ومن باب الأبواب رجل: جعفر بن عبد الرحمن.
ومن سنجار أربعة رجال: عبيد الله بن زريق، وشحم بن مطر، وهبة الله بن
صدقة، وهيل بن كامل، وما قاليق الأكردويين بن جابر.
ومن سمشاط رجل: موسى بن زرقان.
ومن نصيبين رجلان: داود بن المحبو، وحامد صاحب البواري.
ومن الموصل رجل: يقال له سليمان بن صبح من القرية الحديثة.
ومن بلمورق رجلان: يقال لهما: ياوصنا بن سعد بن السجير، وأحمد بن حميد بن سوار.
ومن بله رجل: يقال له: بودين بن زائدة بن ثروان.
ومن الرها رجل: يقال له: كامل بن عفير.
ومن حران رجل: زكرياء السعدي.
ومن الرقة ثلاثة رجال: أحمد بن سليمان بن سليم، ونوفل بن عمر، وأشعث بن مالك.
ومن الرابعة - في نسخة - الرابقة رجلان: عياض بن عاصم بن سمرة بن عيش. ومليح بن أسعد.
ومن حلب خمسة رجال: يونس بن يوسف، وحميد بن قيس، وسميم بن مدرك بن علي بن حرب بن صالح بن ميمون، ومهدي بن هند بن عطارد، ومسلم بن هوارمرد.
ومن دمشق ثلاثة رجال: نوح بن جرير، وشعيب بن موسى، وحجر بن عبيد الله القزاري.
ومن فلسطين رجل: سويد بن يحيى.
ومن بعلبك رجل: المنزل بن عمران.
ومن الطبرية أي الأردن رجل: معاد بن معاد.
ومن يافا رجل: صالح بن هارون.
ومن قومس أربعة رجال: رئاب بن خلدة، والجليل بن السيد ومحمد بن محمد بن أبي الشعب، وعلي بن حمويه بن صدقة بن قرية الخرقان.
ومن دمياط رجل: علي بن زائدة.
ومن أسوار رجل: حماد بن جمهور.
ومن الفسطاط أربعة رجال: نصر بن حراس، وعلي بن موسى الفزاري، وإبراهيم بن صفين، ويحيىٰ بن نعيم.
ومن القيروان رجلان: علي بن موسى بن الشيخ، وعنبرة بن قرطة.
ومن باعة رجل: سرحيل السعدي.
ومن تبليسين رجل: علي بن معاد.
ومن بالس رجل: همّام بن الفرات.
ومن صنعاء رجلان: الفياض بن ضرار بن ثروان، وميسرة بن غندر بن المباركي.
ومن سدّ مازن رجل: كريم بن غندر.
ومن طرابلس رجل: ذو النؤرين عبدة بن علقمة.
ومن الأيلة رجلان: يحيى بن بديل، وحراشة بن الفضل.
و من وادي القرى رجل: الحر بن الزرقان - وفي نسخة - بن عبد الرزاق.
ومن خيبر رجل: يقال له: سلمان بن داود.
ومن ريدار رجل: طلحة بن سعد بن بهرام.
ومن الحارث رجل: الحارث بن ميمون.
ومن المدينة رجلان: حمزة بن طاهر، وشرحيل بن جميل.
ومن الربذة رجل: حماد بن محمد بن أبي نصر.
ومن الكوفة أربعة عشر رجلًا: ربيعة بن عليّ بن صالح، وتميم بن إلياس بن أسد، والعصر - وفي نسخة - والقصر بن عيسى، ومطرف بن عمر الكندي، وهارون بن صالح بن عتيم، ووكابا بن سعد، ومحمد بن دواية، والحر بن عبدالله بن ساسان، وعوده بن الأعلم، وخالد بن عبد القدوس، وإبراهيم بن مسعود بن عبد الحميد وبكير بن سعد بن خالد، وأحمد بن ريحان بن حارث، وغوث الأعواني.
ومن القلزم رجلان: الرحبة بن عمرو، وشعيب بن عبدالله.
ومن الحين رجل: بكير بن عبدالله بن عبد الواحد.
ومن كوريا رجل: حفص بن مروان - وفي نسخة - جروان.
ومن طاهي طاغي رجلان: الحباب بن سعد، وصالح بن طيفور.
ومن الأهواز رجلان: عيسى بن تمام، وجعفر بن سعيد الضرير يعود بصيراً.
ومن السلم رجل: علقمة بن إبراهيم.
ومن أصطخر رجلان: الموكل بن عبيد الله، وهشام بن فاخر.
ومن الموليارن رجل: حيدر بن إبراهيم.
ومن النيل رجل: شاكر بن عبده.
ومن غندايل رجل: عمرو بن فروة.
ومن المدائن ستة رجال: الأخوين الصالحين محمد وأحمد ابني المنذر، وميمون بن الحرث، ومعاد بن علي بن عامر بن عبد الرحمٰن بن معروف بن عبد الله ونصر ومنصور.
ومن عكبرا رجل: زائدة بن هبة.
ومن حلوان رجلان: ماهاز بن كثير، وإبراهيم بن محمد.
ومن البصرة ثلاثة رجال: عبد الرحمٰن بن الأعطف بن سعد، وأحمد بن مليح، وحماد بن جابر.
وأصحاب الكهف سبعة: كمسلمينا وأصحابه، والتاجران الخارجان من أنطاكية، وغلاماهما الرومي موسى بن عون وسليمان بن حرّ.
والمستأمنة الى الروم أحد عشر رجلًا : صهيب بن العباس، وجعفر بن جلال، وضرار بن سعيد، وحميد القدوس الناري، ومالك بن خليد، وبكير بن الحرّ، وحبيب بن حنان، وجابر بن سفيان.
والنازلان بسرنديب لاجلان وهما جعفر بن زكريا ودانيال بن داود.
ومن سندار أربعة رجال: حور بن طرخان، وسعيد بن عليّ، وشاه بن برزخ، وحرّ بن جميل.
والمفقود من مركبة بسلاهط رجل اسمه: المنذر بن زيد.
ومن سيراف وقيل شيراز والشك من مسعدة رجل: الحسين بن علوان.
والهاربان الى سروانية وفي نسخ سردانية رجلان: السري بن الأغلب، وزيادة الله بن رزق الله.
والمتخلي بقلبه رجل: أبو داود الشعشاع.
والطواف لطلب الحق من أهل يخشب رجل: وهو عبد الله بن صاعد بن عقبة.
والهارب من بلخ من عشيرته رجل: تراوس بن محمد.
والمحتج بكتاب الله على الناصب.
ومن البريد رجلان: صخر بن عبد الصمد القبايلي، ويزيد بن فاجر. فذلك ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا بعدد أهل بدر.
بیان: هذه الرواية كما رأيناها في الكتاب المبين، والعدد المذكور لا يبلغ ثلاثمائة
وثلاثة عشر رجلًا، فلعل السقط من الرواة، أو من أقلام النساخ.
وهذه النسخة مخالفة لما ذكره الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) في خطبة البيان، فذكر فيها أسماء أصحاب القائم (علیه السلام)، غير هذه الأسماء، كما ذكر بلداناً؛ ولم تذكر تلك البلدان في هذه الرواية، فلعل هؤلاء يوفقون لأن يكونوا من أصحاب الإمام القائم (علیه السلام) لا من قوّاده فيكونوا هؤلاء من جملة الأنصار والأعوان.
الزام الناصب.
قال الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) أفضل التحية والسلام في خطبة البيان: ألا وإنَّ المهدي أحسن الناس خلقاً وخلقة، ثم إذا قام تجتمع عليه أصحابه على عدة أهل بدر وأصحاب طالوت، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، كأنهم ليوث، قد خرجوا من غاباتهم، قلوبهم مثل زبر الحديد، لو أنهم همّوا بإزالة الجبال الرواسي لأزالوها عن مواضعها؛ فهم الذين وحّدوا الله تعالى حق توحيده لهم بالليل أصوات كأصوات الثواكل، خوفاً من خشية الله تعالى، قوام الليل، صوّام النهار؛ كأنما اباؤهم أب واحد، وأم واحدة، قلوبهم مجتمعة بالمحبة والنصيحة. ألا وإني لأعرف أسماءهم وأمصارهم. فقاموا إليه جماعة من الأصحاب وقالوا: يا أمير المؤمنين نسألك بالله، وبابن عمك رسول الله، أن تسميهم بأسمائهم وأمصارهم، فلقد ذابت قلوبنا من كلامك. فقال (علیه السلام): اسمعوا أبين لكم أسماء أصحاب القائم (علیه السلام) وأمصارهم، إن أولهم من أهل البصرة وآخرهم من الأبدال.
فالذين من أهل البصرة رجلان: اسم احدهما علي، والآخر محارب.
ورجلان من قاشان: عبد الله، وعبيد الله.
وثلاثة رجال من المهجة: محمد، وعمر،، ومالك.
ورجل من السند: عبد الرحمن.
ورجلان من حجر: موسى، وعباس.
ورجل من الكورة: إبراهيم.
ورجل من شيراز: عبد الوهاب.
وثلاثة رجال من سعداوة: أحمد، ويحيى، وفلاح.
وثلاثة رجال من زين: محمد، وحسن، وفهد.
ورجلان من حمير: مالك، وناصر.
وأربعة رجال: من شيران: وهم عبد الله، وصالح، وجعفر، وإبراهيم.
ورجل من عقرا: أحمد.
وأربعة رجال: من سيراف: خالد، ومالك، وحوقل، وإبراهيم.
ورجلان من خونخ: محروز، ونوح.
ورجل من المثقة: هارون.
ورجلان من السنن: مقداد، وهود.
وثلاثة رجال من الهويقين: عبد السلام، وفارس، وكليب.
ورجل من الزناط: جعفر.
وستة رجال من عمان: محمد، وداود، وكرش. وصالح، وهواشب، ويونس.
ورجل من العارة: مالك.
ورجلان من ضنعار: يحيى، وأحمد.
ورجل من كرمان: عبد الله.
وأربعة رجال من صنعاء: جبرائيل، وحمزة، ويحيى، وسميع.
ورجلان من عدن: عون، وموسى.
ورجل من الوبخة: كوثر.
ورجلان من صمد: علي وصالح.
وثلاثة رجال من الطائف: علي، وسبا، وزكريا.
ورجل من هجر: عبد القدوس.
ورجلان من الخط: عزيز، ومبارك.
وخمسة رجال من جزيرة أوال وهي البحرين: عامر، وجعفر، ونصير، وبكير، وليث.
ورجل من الكبش: محمد - وفي نسخة - فهد. وهذه جزيرة في الخليج الفارسي.
ورجل من جدّة: ابراهيم.
وأربعة رجال من مكة: عمر، وإبراهيم، ومحمد، وعبد الله.
وعشرة من المدينة على أسماء أهل البيت: علي، وحمزة، وجعفر، وعباس وطاهر، وحسن، وحسين، وقاسم، وإبراهيم، ومحمد.
وأربعة رجال من الكوفة: محمد، وغياث، وهود، وعتاب.
ورجل من مرو: حذيفة.
ورجلان من نيشابور: علي، ومهاجر.
ورجلان من سمرقند: علي، ومجاهد.
وثلاثة رجال من كازرون: عمر، ومعمر، ويونس.
ورجلان من الأسوس: شيبان، وعبد الوهاب.
ورجلان من دستر: أحمد، وهلال.
ورجلان من الضيف: عالم، وسهيل.
ورجل من طائف اليمن: هلال.
ورجلان من مرقون: بشر، وشعيب.
وثلاثة رجال من بروعة: يوسف، وداود، وعبد الله.
ورجلان من واسط: عقيل.
وثلاثة رجال من الزوداء: عبد المطلب، وأحمد، وعبد الله.
ورجلان من عسكر مكرم: الطيب وميمون.
ورجلان من سرّ من رأى: مرائي، وعامر.
ورجل من السهم: جعفر.
وثلاثة رجال من سيلان: نوح، وحسن، وجعفر.
ورجل من كرخا بغداد: قاسم.
ورجلان من النوبة: واصل، وفاضل.
وثمانية رجال من قزوين: هارون، وعبد الله، وجعفر، وصالح، وعمر، وليث، وعلي، ومحمد.
ورجل من بلخ: حسن.
ورجل من مراغة: صدقة.
ورجل من قم: يعقوب.
وأربعة وعشرون رجلًا من الطالقان، وهم الذين ذكرهم رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)،
فقال: إني أجد بالطالقان كنزاً، ليس من الذهب، ولا من الفضة، فهم هؤلاء كنزهم الله فيها وهم: صالح، وجعفر، ويحيى، وهود، وفالح، وداود، وجميل، وفضيل، وعيسى، وجابر، وخالد، وعلوان، وعبد الله، وأيوب، وملاعب، وعمر، وعبد العزيز، ولقمان، وسعد، وقبضة، ومهاجر، وعبدون، وعبد الرحمن وعلي.
ورجلان من سحار: أبان، وعلي.
ورجلان من سرخس: ناحية، وحفص.
ورجل من الأنبار: علوان.
ورجل من القادسية: حصين.
ورجل من الدروق: عبد الغفور.
وستة رجال من الحبشة: إبراهيم، وعيسى، ومحمد، وحمدان، وأحمد، وسالم.
ورجلان من الموصل: هارون، وفهد.
ورجل من بلقاء: صادق.
ورجلان من نصيبين: أحمد، وعلي.
ورجل من سنجار: محمد.
ورجلان من خرسان: تكية، ومسنون.
ورجلان من أرمنية: أحمد، وحسين.
ورجل من أصفهان: يونس.
ورجل من وهان: حسين.
ورجل من الريّ: مجمع.
ورجل من دنيا: شعيب.
ورجل من هرات: نهروش.
ورجل من سلماس: هارون.
ورجل من بلقيس: محمد.
ورجل من الكرد: عون.
ورجل من الحبش: كثير.
ورجلان من الخلاط: محمد، وجعفر.
ورجل من الشوبا: عمير.
ورجلان من البيضاء: سعد، وسعيد.
وثلاثة رجال من الضيعة: زيد، وعلي، وموسىٰ.
ورجل من الأوس: محمد.
ورجل من أنطاكية: عبد الرحمٰن.
ورجلان من حلب: صبيح، ومحمد.
ورجل من حمص: جعفر.
ورجلان من دمشق: داود، وعبد الرحمٰن.
ورجلان من الرملة: طليق، وموسى.
وثلاثة رجال من بيت المقدس: بشر، وداود، وعمران.
وخمسة رجال من عسقلان: محمد، ويوسف، وعمر، وفهد، وهارون.
ورجل من عينزة: عمير.
ورجلان من عكة: مروان، وسعد.
ورجل من عرفة: فرخ.
ورجل من الطبرية: فليح.
ورجل من البلسان: عبد الوارث.
وأربعة رجال من الفسطاط، من مدينة فرعون لعنه الله: أحمد، وعبد الله، ويونس، وظاهر.
ورجل من بالس: نصير.
وأربعة رجال من الإسكندرية: حسن، ومحسن، وشبيل، وشيبان.
وخمسة رجال من جبل اللكام: عبد الله، وعبيد الله، وقارم، وبحر، وطالوت.
وثلاثة رجال من السادة: صليب، وسعدان، وشبيب.
ورجلان من الإفرنج: علي، وأحمد.
ورجلان من اليمامة: ظافر، وجميل.
وأربعة عشر رجلًا من المعادة: سويد، وأحمد، ومحمد، وحسن، ويعقوب وحسين، وعبد الله، وعبد القديم، ونعيم، وعلي، وحيان، وظاهر، وتغلب، وكثير.
ورجل من الغوطة: معشر.
وعشرة رجال من عبادان: حمزة، وشيبان، وقاسم، وجعفر، وعمر، وعامر، وعبد المهيمن، وعبد الوارث، ومحمد، وأحمد.
وأربعة عشر من اليمن: جبير، وحويش، ومالك، وكعب، وأحمد، وشيبان، وعامر، وعمار، وفهد، وعاصم، وحجرش، وكلثوم، وجابر، ومحمد.
ورجلان من بدو مصر: عجلان، ودراج.
وثلاثة رجال من بدو عقيل: منبه، وضابط، وعريان.
ورجل من بدوا أغير: عمر.
ورجل من بد وشيبان: نهراش.
ورجل من تميم: ريّان.
ورجل من بدو قسين: جابر.
ورجل من بدو كلاب: مطر.
وثلاثة رجال من موالي أهل البيت: عبد الله، ومخنف، وبراك.
وأربعة رجال من موالي الأنبياء: صبّاح، وصيّاح، وميمون، وهود،
ورجلان مملوکان: عبد الله، وناصح.
ورجلان من الحلة: محمد، وعلي.
وثلاثة رجال من كربلاء: حسين، وحسين، وحسن.
ورجلان من النجف: جعفر، ومحمد.
وستة رجال من الأبدال: كلهم أسماؤهم عبد الله.
فقال عليّ (علیه السلام): إن هؤلاء يجتمعون كلهم من مطلع الشمس، ومغربها، وسهلها وجبلها، يجمعهم الله في أقل من نصف ليلة، فيأتون الى مكة، الخطبة أخذنا منها محل الحاجة.
بيان: ألا إنَّ هذه الخطبة قد ذكرت أسماء الثلاثمائة والثلاثة عشر قوّاد الإمام الحجة (علیه السلام)، على نحو التّمام والكمال، لم يزد فيهم واحداً، ولم ينقص منهم واحداً، وقد عبّر عنهم الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) بأصحاب القائم (علیه السلام)، ولكن أصحاب القائم كثيرون، ومن الصفات التي وصفهم الإمام (علیه السلام) في أول الخطبة من أنهم قوّام الليل، صوّام النهار وغير ذلك، يُعلم أنَّ هؤلاء النفر هم قوّاد الجبهة الحربية للإمام القائم (علیه السلام)، وحكّام الله في أرضه، كما جاء وصفهم في الأخبار الأخر، وأن كلهم من أولاد العجم، وقد بيّنا في محله أنَّ المراد من أولاد العجم كل من خالف العرب بالأصل؛ فلعل هؤلاء لأمانتهم،
وعدم خيانتهم، وحسن ديانتهم، وكمال معرفتهم بالسياسة، وخبرتهم بالحروب والمعارك، وعلمهم بالطرق والمسالك، فلذلك يختارهم الإمام القائم (علیه السلام)، ويجعلهم في الحروب دعائم؛ جعلنا الله تعالى منهم، وحشرنا معهم، وهدانا بهداهم. آمين رب العالمين.
بحار الأنوار مجلد 13
روي مرفوعاً عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذا خرج القائم (علیه السلام) لم يكن بينه وبين الأعاجم إلَّا السّيف، ولا يأخذهم إلَّا بالسيف ولا يعطيهم إلَّا به.
بيان: المراد من الأعاجم كما بيّنا سابقاً الدول الشرقية والغربية، وسائر دول العالم، ممّن يكون لغتهم غير اللغة العربية؛ فهؤلاء لا يطيعون الإمام القائم (علیه السلام)، فلذا لا يقابلهم إلَّا بالسيف أي بالحرب، وبالسلاح، وبالقوة، وبالقتل، والإعدام، ولا يأخذهم ويغلبهم ويستولي عليهم إلَّا بالقوة والعنف والسلاح، ولا يعطي الملك للمالك الكافرة، ولا يخوِّفهم السلطنة، ولا يعاملهم إلَّا بالسيف.
تباشير المحرورين
ذكر أنه بعد أن يهلك الله السفياني وأتباعه من الأمويين على يد الإمام القائم (علیه السلام)، يصالح الإمام القائم (علیه السلام)، الروم، والإفرنج، وسائر الدول الشرقية والغربية الى مدة معيّنة، لأجل مصلحة مهمّة، وهو حصول الإستقرار والأمن والأمان في البلاد؛ فيصالحهم
مؤقتاً، ليكونوا في اطمئنان، ودعة، واستراحة، وهذه الهدنة التي يعيّنها الإمام (علیه السلام) لغرض هادف، وهو حتى يفرغ الإمام (علیه السلام) من فتح بلاد المسلمين، والسيطرة عليها، وقتل اعداء الدين، ممّن كان في بلاد الإسلام، ودفع المخالفين، وقتل المعارضين للإسلام، وتطهير البلاد منهم؛ وتنظيم أحكام الدول الإسلامية، وحكّامها وقضاتها، والأمر بتطبيق القوانين الشرعية فيها، وما يرجع الى أمور دينها، ودنياها ومعاشها؛ وما تحتاج اليه البلاد من الناحية الإقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والثقافية، والاجتماعية.
ففي رواية:
إن مدّة الهدنة والمصالحة التي يعيّنها الإمام القائم (علیه السلام) تسع سنوات؛ ولكن الإفرنج والروم يغتنمون الفرصة في مدة الهدنة، وهي التسع سنوات، فيستعدون استعداداً كاملاً لنقض عهد الإمام (علیه السلام)، ويأخذون في جمع الأسلحة والجنود وإحضار المعدّات الحربية، ليغزوا بلاد الإسلام، ومحاربة الإمام، وقتاله ويقصدون البلاد الإسلامية. ويبعثون طائفة من عسكرهم مقدمة للجيش، لفتح بلاد المسلمين وغزوهم واستعمارهم، فيأتون الى (مرج ذي تلول).
والمراد من مرج ذي تلول، إمَّا مرج دابق، وهو موضع في سورية الشمالية، بين منبج وإنطاكية، على نهر قويق؛ وإما مرج راهط، وهو موضع في سورية، شمالي دمشق فیرون رجلًا من المسلمين قد أخذ صليبهم وكسره، فيقتلون ذلك الرجل، فينهض المسلمون الساكنون في تلك البلدة، ويقتتلون مع تلك الطائفة من عسكر الإفرنج، وتقع بينهم حرب عظيمة، فيقتل الإفرنج المسلمون عن آخرهم، ويحتلون البلدة، فيخبرون الإفرنج ملكهم بما صنعوا، وإنهم قتلوا المسلمين في تلك البلدة؛ وقتلوا أكابرهم، وقوّاد عسكر الإمام المقيمين على الحدود الإسلامية، وأبادوا من كان مخالفاً لهم في تلك البلدة. ويقولون لملكهم: بأنّا قد كفيناك شر أعدائك من أهل الإسلام، فاقدم الينا ولا تنتظر لنفتح بلاد الإسلام والعرب، ونستعمرهم حتى لا نكون تحت سلطانهم، ويكونون مستعمرين لنا وتحت سلطاننا كما كانوا سابقاً مستعمرين لنا.
ثم إن ملك الإفرنج يقوم بجمع الجنود والعسكر، ويؤلف جيشاً عظيماً في مدة تسعة
أشهر، ويجمع في هذه المدة من العدة، والسلاح، والآت الحرب، والمعدات الحربية شيئاً كثيراً، ويجمع من الجنود جموعاً عظيمة، وجحافل كثيرة، فيرفع له ثمانون علماً تحت كل علم اثنى عشر ألف جندي مدّرب ومعلم، فيتوجهون لقتال الإسلام، ويقصدون غزو البلاد الإسلامية وفتحها. فيصل الخبر الى الإمام القائم (علیه السلام)، فيخرج مع جمع من خيار أهل المدينة، الذين كانوا من أنصاره، وأعوانه الى حرب الإفرنج والروم.
فإذا التقى العسكران، أي عسكر الإمام القائم (علیه السلام)، وعسكر الافرنج والروم، وهم بنو الأصفر، وشبت الحرب، ووقع القتل فيما بينهم، وقامت المعركة على ساق، وحمي الوطيس، واشتد الأمر، فرّ ثلث من ثلث من عسكر المسلمين، وانهزموا من ساحة الحرب، وهؤلاء الطائفة لا يغفر لهم ولا يرحمون. واستشهد الثلث الثاني من العسكر، وهؤلاء أفضل الشهداء، لأنهم من المستشهدين بين يدي الإمام القائم (علیه السلام). وبقي الثلث صامداً ثابتاً في مواقعه يجاهد العدّو؛ قد وقفوا في قبال جيش الكفار والمشركين صفاً كأنهم بنیان مرصوص، ويستمر قتالهم معهم الى ثلاثة أيام، لا يردون وجوههم عن الكفار والمشركين ولا يولوهم الأدبار.
ففي اليوم الرابع ينتصر المسلمون عليهم، ويغلبون جيش الكفر، والإلحاد والشرك، والعناد، وينكسر عسكر الافرنج والروم، والمسلمون يضربون في أعقابهم وأدبارهم وهم يولّون هاربين، حتى يقتلوا من الافرنج والروم مقتلة عظيمة، وتبقى جثثهم على الأرض مطروحة، وجيفهم تملأ المنطقة، وتنتشر في الجوّ؛ حتى لو مرّ الطائر بجنبهم لخرّ وسقط الى الأرض صعقاً من شدة تلك الجيف؛ فترى حينئذ أهل البيت الذين كانوا مائة نفر، لا يبقى منهم الّا رجل واحد، ولا يفرح أحد منهم بميراث، ولا بغنيمة. وتقع كل مائة امرأة بيد رجل واحد، هذه تقول: يا عبد الله اشتريني. وهذه تقول: خذني ويؤيد ذلك ما رواه:
المجالس
بسنده الى حذيفة اليماني قال: سمعت رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) يقول: يميّز الله أولياءه وأصفياءه حتى يطهر الله الأرض من المنافقين، والظالمين، وأبناء الضالين، وحتى يلتقي بالرجل يومئذ خمسون امرأة، هذه تقول: يا عبد الله اشتريني. وهذه تقول: يا عبد الله أوني.
العوالم
روي مثله عن كتاب العصمة والرجعة قال: سُمع رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) يقول: يميّز الله أولياءه وأصفياءه حتى يطّهر الأرض من المنافقين، والضَّالّين، وأبناء الضالين، وحتى تلتقي بالرجل يومئذ خمسون امرأة هذه تقول: يا عبد الله اشتريني. وهذه تقول: يا عبد الله أوني.
بيان: دلت هذه الروايات على أنّ المسلمين يأسرون نساء كثيرات من جيش الكفار المشركين.
ففي الخبر الأول: أن كل مائة امرأة تقع بيد رجل واحد من المسلمين.
وفي الخبرين المتأخرين أن كل خمسون امرأة تقع بيد رجل من جيش المسلمين.
وفي الروايتين إشارة الى الحرب المذكورة في الرواية الأولى حيث قال النبي (صلی الله علیه وآله وسلم): يميّز الله أولياءه وأصفياءه: أي يجعل لأوليائه وأصفيائه ميّزة، وعنواناً، وفضيلة على غيرهم، ويفرزهم، ويعزلهم، ويفصلهم عن الكفار والمشركين، بأن يطّهر الله الأرض من المنافقين؛ وهم الذين يظهرون الدين والاسلام ويبطلون الكفر والشرك؛ والظالمين وهم الملوك الظلمة، والحكّام الخونة من الكفار والمشركين والضالين هم النصارى عابدي الصليب الخبيث، وأبناء الضالين هم الباقون منهم بعد فناء الثلثين من العالم؛ فإذا طهّر الله الأرض من هؤلاء، وقتلهم بسيوف المسلمين وبسلاحهم الحديث، فتقع نساؤهم أسارى بيد المسلمين حيارى فتلتجىء كل مائة امرأة، أو كل خمسون امرأة الى رجل واحد من جند الإسلام، فتكون غنيمة وملكاً لهم، يتصرفون بها كيف يشاؤون.
نور الانوار
ذكر أن الإمام المهديّ (علیه السلام)، يبعث جيشاً إلى الهند، فيأسرون ملوكهم ورؤساءهم، ويأتون بهم أسارى إلى الإمام المهدي (علیه السلام)، مغلولي الأيدي، ويأتون بخزائن الهند، وما فيها من الأموال، فيصرفونها في زينة بيت المقدس، وذلك بعد فتح بيت المقدس.
بيان: المراد من الهند: الهند وما والاها، وما حولها من الدول؛ فيأسرون ملوك
تلك الدول ورؤساءهم، ويأتون بهم أذلّاء صاغرين، قد غلّوا أيديهم إلى أعناقهم، فمن أمن منهم سلم من القتل والإعدام، أو يؤدي الجزية عن يد وهو صاغر؛ وسيأتي أنَّ الجزية محدودة برجعة الإمام الحسين (علیه السلام)؛ فإذا رجع الحسين (علیه السلام) لا تقبل الجزية من أحد فمن أسلم سلم، وإلَّا قتل وعدم.
تباشير المحرودين
قال: ثم يسير الجيش الإسلامي، وعسكر الإمام القائم عليه السلام، لفتح الدول الشرقية والغربية، وتطهير بلاد الكفر والشرك من الكفار، والمشركين، والمنافقين، والمخالفين، فيستعمل الضرب والقتل معهم، فيضرب على أيدي غير المحاربين منهم، ويقتل المحاربين منهم، فيقتل كل كافر، ومشرك، ومعاند ومنافق، ومخالف محارب؛ ويرفع يد كل معارض للشريعة الإسلامية عن الإمارة. ويسير متّجهاً إلى بلاد الغرب، فيصل الى القسطنطينية الكبرى، وعلى هذه البلدة أسوار سبعة؛ عرض السور - الأول احد وعشرون ذراعاً، وله مائة باب. وعرض السور الأخير المتّصل بالبلدة عشرة اذرع، وحوله خندق يجري فيه الماء ويصب في بحر الروم، المتصل ببلاد الروم والأندلس.
فيأتي الإمام القائم عليه السلام بلوائه، وينزل على شاطىء البحر، والبلدة تقع على الطرف الآخر من البحر؛ فإذا أصبح أتى البحر ليتوضأ منه، لصلاة الصبح، فيبتعد عنه ماء البحر، فيلحقه الإمام (علیه السلام) حتى يغور في الأرض، ويجف ماء البحر، فيعبر الإمام (علیه السلام) البحر. وينادي بالعسكر: أيها الناس اعبروا هذا البحر، فإن الله تبارك وتعالى قد فلق لكم البحر، كما فلق البحر لموسى وبني إسرائيل؛ فيعبر الجيش بأجمعه خلف الإمام (علیه السلام).
فإذا وصلوا إلى قرب تلك البلدة، كبّروا الله تعالى تكبيرة ارتجّ منها تلك الأسوار. ثم يكبرون الله تعالى مرة ثانية وثالثة؛ فإذا كبّروا الثالثة انهدم من السور اثني عشر برجاً، ودخلوا إلى البلدة واحتلوها احتلالاً عسكريّاً، وسيطروا عليها سيطرة كاملة.
ثم إن الإمام القائم (علیه السلام) يبقى فيها سنة كاملة، يبني فيها المساجد، ويجمع الغنائم، ويأخذ الأسارى، فيقسمها على المسلمين. وحينئذ يأتي الخبر، ويسمع نداء، ويصيح صائح، والظاهر أنه الراديو والتلفزيون، أنَّ الدجال قد خرج، ودخل الشام،
وأفسد في الأرض، فيضطرب الإمام (علیه السلام) خوفاً على المسلمين، وعلى، أهله، وعي منه، فيعود إلى البلاد الإسلامية؛ فإذا وصل إلى الشام لم ير له أثراً، ويظهر له أن هذا الخبر لم يك صادقاً، وقد أذيع كذباً.
ثم إن الإمام (علیه السلام) يعزم مرة ثانية على فتح باقي البلاد الشرقية والغربية، فيقصد فتح رومية الكبرى، ورومية أو روما عاصمة إيطاليا، وفيها مقر البابا، وهو أكبر وأعلم علماء المسيح، والمقدم من الرهبان والقساوسة، وهو بمنزلة الخليفة للنبي في الأمة الإسلامية، وأفضلهم في الفرقة العيسوية. فيصنع الإمام (علیه السلام) ألف مركب بالقرب من بلدة رومية، ويركب فيه العسكر فإذا وصلوا إليها رأوا عليها سوراً عظيماً، فيكبِّر الإمام (علیه السلام)، ويكبّر جيش الإسلام عليه أربع تكبيرات، وعند التكبيرة الرابعة ينهدم السور، فيهجمون على البلدة، ويقتلون من أهلها ستة الآف مقاتل، وينهزم الباقون، فيحتلون البلدة، ويسيطرون عليها. ثم يخرجون من الكنيسة الكبيرة فيها الكنوز التي كانت في بيت المقدس وزينته؛ التي كانت فيه، لأنه لمّا خرّب بيت المقدس، حمل النصارى كنوزه وزينته في ألف وسبعمائة مركب في البحر، ونقلوها إلى رومية الكبرى.
وكان من الذخائر التي فيه ومواريث الأنبياء، تابوت السكينة، ومائدة بني اسرائيل، ورضاض ألواح موسى بن عمران (علیه السلام)، وحلّة آدم (علیه السلام)، ومنبر سليمان بن داود (علیه السلام)، وعصا موسى (علیه السلام)، ومقدار قفيزين من المن، الذي أنعم الله تبارك وتعالى به على نبي اسرائيل في التيه ولونه أبيض من الحليب؛ فجميع هذا التراث النبوي ومواريث الأنبياء يأخذها الإمام القائم (علیه السلام)؛ ويرجعه إلى بيت المقدس.
وفي رواية: يكون ملكاً، يتصرف به كيف يشاء؛ ثم يسير من رومية إلى البحر القاطع وعليه بلدة القاطع؛ والمراد بها المانيا وما حولها من البلاد؛ ومساحة هذه البلدة ألف ميل طولاً، وخمسمائة ميل عرضاً، والميل أربعة آلاف ذراع، بناء على أن الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع، لأن كل ثلاثة أميال فرسخ والفرسخ تقريباً ثمانية كيلو مترات، وقيل ستة كيلو مترات، وقيل أقل. وعلى هذه البلدة سور له ستون باباً، وهي واقعة على طرف البحر الأخضر، وهو البحر المحيط بالدنيا، وهو اسم اطلقه الإمام (علیه السلام) على المحيط الأطلسي، أو الأطلانطيكي، الواقع بين أوروبا وأفريقيا في الشرق، وأميركا في الغرب، مساحته خمس مساحة الكرة الأرضية، عمقه 3332 متراً، يسمونه أحياناً بحر الظلمات، خارجي، الأخضر. فإذا وصل عسكر الإمام (علیه السلام)، خرج له من كل باب من أبواب البلد
مائة ألف جندي فيكبّر الإمام (علیه السلام)، ويكبّر العسكر معه أربع تكبيرات، فيسقط سورها ويقتلون ألف ألف رجل، أي مليون، من المقاتلة؛ وينهزم الباقي، فيفتح البلدة، ويسيطر عليها، ويأخذ ما فيها من غنائم وأموال فيقسمها على المسلمين. ويبقى الإمام القائم (علیه السلام) هناك سبع سنوات، لتنظم أمور الدولة، وتنظيم أحكامها الشرعية، والسياسية، والإجتماعية، والثقافية.
ثم إن الإمام (علیه السلام) يرجع إلى الشام وفلسطين، وينقل ما معه من الأموال والغنائم عن طريق البحر، فيها بين عكة، ومعدة، وعسقلان، إلى بيت المقدس؛ ويبقى هناك مدة من الزمن، ويقال إن في هذا الوقت يأتيه خبر الأعور الدَّجَّال، أنه خرج من قرية تدعى اليهودية من قرى أصفهان. الخبر.
الزام الناصب
من خطبة للإمام أمير المؤمنين بعد قتل السفياني، فينزلون على بلد من بلاد الروم، فيقولون لا اله إلَّا الله، محمد رسول الله، فتتساقط حيطانها. ثم إن المهدي (علیه السلام) يسير هو ومن معه، فينزل القسطنطينية في حل ملك الروم وعاصمته؛ فيخرج منها ثلاثة كنوز، كنز من الجواهر، وكنز من الذهب، وكنز من الفضة، ثم يقسم الأموال على عسكره بالقفافيز.
ثم يسير المهدي (علیه السلام) حتى ينزل أرمينيا الكبرى. وأرمينيا اليوم منطقتان:
الأولى: في تركيا ولايات قرص، وأرضروم، وموش، وبتلس، ووان.
الثانية: في روسيا وهي جمهورية أرمينيا التي عاصمتها أريفان، وجمهورية أذربيجان، فإذا رأوه أهل أرمينيا أنزلوا له راهباً من رهبانهم كثير العلم؛ فيقولون: انظر ماذا يريدون هؤلاء. فإذا أشرف الراهب على المهدي فيقول الراهب: أنت المهدي؟
فيقول: نعم، أنا المذكور في إنجيلكم، أني أخرج في آخر الزمان.
فيسأله الراهب عن مسائل كثيرة، فيجيبه عنها؛ فيسلم الراهب، ويمتنع أهل أرمينيا فيهجم أصحاب المهدي (علیه السلام) عليهم، ويقتلون من النصارى خمسمائة مقاتل؛ ثم يدعو الإمام (علیه السلام) فيعلق مدينتهم بين السماء والأرض بقدرة الله تعالى، فينظر الملك ومن معه من
وزرائه وحاشيته إلى مدينتهم، وهي معلقة عليهم، وهو يومئذ خارج عنها بجميع جنوده إلى قتال الإمام المهدي (علیه السلام)؛ فيعجب ويبهت ويعلوه الخوف والرعب والوجز نينهزم ويقول لأصحابه وجنوده: خذوا لكم مهرباً، فيفر هو واصحابه وجنوده على و. ههم خائفين مذعورين، فيخرج عليهم أسد عظيم من حيث لا يعلمون، فير ويزار عليهم، فيلقون ما في أيديهم من السلاح، والمال، والعتاد؛ وما يحملون، فيتبعهم جنود الإمام المهدي فيأسرونهم ويغنموا أموالهم، ويقسمها الإمام على المسلمين، فيكون لكل واحد من جنوده وأصحابه من تلك الألوف، مائة ألف دينار، ومائة جارية، ومائة غلام.
ثم إنَّ الإمام المهدي (علیه السلام) يكرّ راجعاً إلى بيت المقدس، ويستخرج منه تابوت السكينة، وخاتم سليمان بن داود (علیه السلام)، والألواح التي نزلت على موسىٰ (علیه السلام) ثم يسير إلى مدينة الزنج الكبرىٰ، الواقعة على بحر الزنج؛ وبحر الزنج اسم أطلقه العرب على فرع من المحيط الهاديء، مقابل شواطىء تنزانيا التي هي احدى جمهوريات أفريقيا الشرقية وفي هذه المدينة ألف سوق، وفي كل سوق ألف دكان، فيفتحها الإمام (علیه السلام) ويقتل مقاتليها ويسيطر عليها.
ثم يسير المهدي (علیه السلام) إلى مدينة يقال لها: القاطع، الواقعة على البحر الأخضر المحيط بالدنيا؛ وقد مرّ أنه البحر المسمى ببحر الظلمات، والبحر الخارجي، والبحر الأخضر. وطول هذه المدينة ألف ميل، وعرضها ألف ميل؛ فيكبرون عليها ثلاث تكبيرات، فتتساقط حيطانها، وتنقطع، فيقتلون فيها مائة ألف مقاتل، ويغنم أموالهم. ويقيم المهدي (علیه السلام) فيها سبع سنين، فيبلغ سهم الرجل من تلك المدينة مثل ما أخذوه من الروم عشر مرات. ثم يخرج منها ومعه مائة الف موكب، وكل موكب يزيد على خمسين مقاتل، فينزل على ساحل فلسطين بين عكة وسور غزة وعسقلان، فيأتيه خبر أعور الدَّجَّال. الخطبة.
عقد الدرر
عن الإمام علي بن أبي طالب (علیه السلام) في قصة المهدي (علیه السلام)، وفتوحاته، ورجوعه إلى دمشق قال (علیه السلام):
ثم يأمر المهدي (علیه السلام) بإنشاء مراكب، فتبنى أربعمائة سفينة في ساحل عكا(1). ويخرج الروم في مائة صليب، تحت كل صليب عشرة الآف، فيقيمون على طرسوس؛ وطرسوس مدينة تقع في قيليقية، أو كيليكية، وهي منطقة في جنوب غربي تركيا الأسيوية على ساحل المتوسط، من مدنها أدنه، وطرسوس، وسيس، عرفت بأرمينيا الصغرىٰ. فيفتحون طرسوس بأسنة الرماح - أي بالقوة والسلاح - ويوافيهم المهدي (علیه السلام) فيقتل من الروم حتى يتغير ماء البحر بالدم، وينهزم من في الروم فيلحقوا بأنطاكية، وأنطاكية مدينة تقع على نهر العاصي. وينزل المهدي (علیه السلام) على قبة العبّاس (2)، فيبعث ملك الروم يطلب الهدنة من المهدي (علیه السلام)؛ فيطلب المهدي (علیه السلام) منه الجزية، فيجيبه إلى ذلك ويشترط عليه أنه لا يخرج أحد من بلد الروم، أي لا يقوم بفتنة وخلاف وثورة. ولا يُبقي في بلد الروم أسيراً إلَّا أخرجه، فيجيه ويقيم المهدي (علیه السلام) بأنطاكية سنة.
ثم يسير المهدي (علیه السلام) بعد ذلك ومن تبعه من المسلمين، لا يمرون على حصن من بلد الروم إلَّا قالوا عليه: (لا إله إلَّا الله) فتتساقط حيطانها، ويقتل مقاتليه، حتى ينزل على القسطنطينية فيكبّرون عليها تكبيرات، فينشف خليجها ويسقط سورها، فيقتلون فيها ثلاثمائة ألف مقاتل، ويستخرج منها ثلاثة كنوز: كنز ذهب وكنز فضة، وكنز أبكار، فيفتضون ما بدا لهم بدار البلاط سبعون ألف بكر، ويقتسمون الأموال بالغرابيل.
بيان: هذه الكنوز الثلاثة في تركيا، لأن القسطنطينية كانت عاصمة لها في مدة طويلة من الزمن؛ وكنز الذهب معروف؛ وكذلك كنز الفضة؛ أما كنز الأبكار فيعلم أنه يوجد فيها عدد كبير من البنات الأبكار، فيجمعونها في دار البلاط؛ أي في البلاط الملكي، وهي الدائرة والمكان الذي يقوم فيه الملك، ويجلس فيه - فيفتضّ جيش المسلمين منها سبعون ألف بنت باكرة، فيعلم أن عددهن أكثر من سبعين ألف، وأن هذا بعض العدد؛ ويقسمون الأموال التي غنموها من كنوز الذهب والفضة وغيرها، على جند الإسلام بالغرابيل - جمع غربيل وهو ما يغربل به الطعام - ولا يعدون المال عدّاً، وذلك لكثرة الأموال، فبيناهم كذلك إذ سمعوا الصائح ألا أنَّ الدّجّال قد خلفكم في أهليكم، فيكشف الخبر فإذا هو باطل.
قد ذكرنا أنَّ هذا الخبر يذاع في الراديو، أو في التلفزيون، ثم بعد فحص الإمام (علیه السلام) والمسلمين عنه فيرون أنه كان كذباً وباطلاً.
ويسير المهدي (علیه السلام) إلى رومية، ويكون قد عمّر أربعمائة مركباً من عكا. وقد مرَّ أنَّ عكا مدينة في فلسطين تقع على البحر المتوسط؛ ورومية أو روما عاصمة إيطاليا التي فيها مقر البابا، فيقيض الله تعالى لهم الريح، فما يكون إلَّا يومين وليلتين ويحيطون على بابها ويعلقون رجالهم على شجرة على بابها ممّا يلي غربيّها. فإذا رأهم أهل رومية أحد روا إليهم راهباً كبيراً عندهم، وعنده علم من كتبهم، فيقولون: انظر ما يريد؟ فإذا أشرف على المهدي فيقول: إن صفتك التي هي عندي وأنت صاحب رومية. فيسأله الراهب عن أشياء فيجيبه عنها. فيقول له المهدي (علیه السلام): ارجع فيقول: لا أرجع (أنا أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأن محمداً رسول الله) فيكبر المسلمون ثلاثة تكبيرات، فتكون كالرمانة على نشر أي كالرمانة المتفرقة لأن النشر هم القوم المتفرقون، الذين لا يجمعهم رئيس؛ فيتفرق جمعهم وينهزمون، فيدخلونها - أي يدخلون البلدة - فيقتلون بها خمسمائة ألف مقاتل، ويقتسمون الأموال حتى يكون الناس في الفيء أي ما يرجع إليهم من الغنائم والأموال - شيئاً واحداً، لكل واحد منهم مائة ألف دينار، ومائتا راس ما بين غلام وجارية.
العوالم
سُمع رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) يقول: إن ذا القرنين كان عبداً صالحاً، جعله الله حجّة على عباده؛ فدعا قومه إلى الله عز وجل، وأمرهم بتقواه، فضربوه على قرنه، فغاب عنهم زماناً طويلاً، حتى قيل مات، أو هلك بأيّ واد سلك؛ ثم ظهر ورجع إلى قومه، فضربوه على قرنه الآخر ألا وفيكم من هو على سنته، وأن الله عز وجل مكّن له في الأرض، وأتاه من كل شيء سبباً، وبلغ المشرق والمغرب. وأن الله تبارك وتعالى سيجري سنته في القائم (علیه السلام) من ولدي، ويبلغه شرق الأرض وغربها، حتى لا يبقى سهل، ولا موضع من سهل، أو جبل، وطأه ذو القرنين إلَّا وطأه ويظهر الله له كنوز الأرض ومعادنها، وينصره بالرعب، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً.
بيان: يظهر من هذا الخبر أنَّ ذا القرنين كان أولاً عبداً صالحاً، ثم صار نبياً، لأن ظاهر قوله: جعله الله حجة على عباده، فدعا قومه الى الله عز وجل. إنه كلف بدعوة الهية، وجعل حجة من قبل الله تعالى على قومه، الا أن يُراد من الحجة أنه احتج به على
قومه، وهذا خلاف ظاهر الخبر كما ترى.
وقد دل الخبر أن الله تعالى كما مكن ذا القرنين وملّكه شرق الأرض وغربها، فإن الله تعالى سيمكن الإمام القائم (علیه السلام)، فيملّكه مشارق الأرض ومغاربها، ويخرج له الكنوز التي في الأرض من تبرها، ولجينها، ومعادنها؛ وينصره بالرعب. فترى أعداءه خائفين منه مرعوبين، ويملأ به الأرض عدلاً وقسطاً بعد امتلائها ظلما وجوراً.
عقد الدرر
عن ابن مسعود، عن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) قال: يكون بين الروم وبين المسلمين هدنة وصلح، يقاتلون معهم عدواً لهم فيقاسمونهم غنائمهم. ثم إن الروم يغزون مع المسلمين فارس فيقتلون مقاتليهم، ويسبون ذراريهم. فيقول الروم: قاسمونا الغنائم كما قاسمناكم، فيقاسمونهم الأموال وذراري الشرك. فيقولون: قاسمونا ما أصبتم من ذراريكم. فيقولون: لا نقاسمكم ذراري المسلمين أبداً. فيقولون: عذرتم. ثم ترجع الروم الى صاحبهم بالقسطنطينية فيقولون: غدرت العرب بنا، ونحن أكثر عدداً وأشد منهم قوة، فأمرنا نقاتلهم، وقد كان لهم الغلبة في طول الدهر علينا، فيأتون صاحب رومية فيخبرونه بذلك فيتوجهون بثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفاً في البحر؛ فيقولون: اذا أرسيتم بسواحل الشام فأحرقوا المراكب، لتقاتلوا على انفسكم، فيفعلون ذلك ويأخذون أرض الشام، برّها وبحرها، ما خلا مدينة دمشق، والمفتق؛ ويخرّبون بيت المقدس.
قال: فقال ابن مسعود: وكم تسع دمشق من المسلمين؟ فقال النبي (صلی الله علیه وآله وسلم): تتسع على من يأتيها من المسلمين، كما يتسع الرحم على الولد. قال: قلت: وما المفتق يا نبي الله؟ قال: جبل من أرض الشام من حمص على نهر يقال له: الأرنط. فيكون ذراري المسلمين في أعلى المفتق، والمسلمون على نهر الأرنط، والمشركون خلف نهر الأرنط يقاتلونهم مساء وصباحاً، فإذا نظر ذلك صاحب القسطنطينية وجّه في البرّ الى قنسرين ثلاثمائة ألف فيجيء الى المسلمين مادة اليمن، وهم سبعون ألفاً، ألّف الله بين قلوبهم بالإيمان، فيهزمونهم من جند الى جند، حتى يأتو قنسرين، وتجيئهم مادة الموالي - أي جيش الموالي وعسكرهم وقوتهم - والمراد بالموالي هم الإيرانيون المعّبر عنهم بأنهم قوم من فارس أي القوم الموالين لآل بيت محمد، من أهل إيران. فلذا سأل عنهم. قلت: يا رسول الله
(صلی الله علیه وآله وسلم) من هم؟ قال: هم عتقاؤكم، وهم منكم، وهم قوم من فارس.
و عتقاء جمع عتيق. وهو الكريم والخيار من كل شيء. فيكون المعنى هم كرامكم وخياركم، وهم من المسلمين المؤمنين بالنبي وبالأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. فإذا قدم الموالي فيقولون: يا معاشر العرب لا نكون مع أحد من الفريقين أي لا نقاتل مع أحد من الفريقين؟ بل نقاتل وحدنا، فتجتمع كلمتهم فيقاتل نزار يوماً، واليمن يوماً، والموالي يوماً. فيخرجون الروم الى العمق.
والعمق سهل منخفض في سوريا الشمالية، منحصر بين السلسلتين الشرقية والغربية، تخترقه ثلاثة أنهار: نهر عفرين، ونهر الأسود، ونهر العاصي، فيقاتلونهم فيرفع الله نصره عن العسكرين، وينزل حصرة عليهما، حتى يقتل من المسلمين الثلث، ويفر الثلث، ويبقى الثلث. فأما الذين يقتلون من المسلمين، فشهيدهم كعشرة من شهداء بدر، ويشفع الواحد بسبعين من شهداء الملاحم، وشهيد الملاحم يشفع في سبعمائة. وأما الثلث الذين يفّرون فإنهم يتفرقون ثلاثة أثلاث:
ثلث: يلحق الروم، ويقولون لو كان الله بهذا الدِّين حاجة لنصرهم وهم مسلمة العرب.
وثلث يقولون: منازل آبائنا وأجدادنا حيث لا ينالنا الروم أبداً، مرّوا بنا الى البدو وهم الأعراب.
وثلث يقولون: اسم كل شيء كاسم الثوم، فسيروا بنا الى العراق واليمن والحجاز حيث لا نخاف الروم.
وأما الثلث الباقي: فيمشون بعضهم الى بعض، ويقولون: الله الله، دعوا عنكم العصبية، ولتتجمع كلمتكم، وقاتلوا عدّوكم. فإنكم لا تنصرون ما تعصبتم، فيجتمعون جميعاً ويبايعون على أنهم يقاتلون حتى يلحقوا بإخوانهم الذين قتلوا. فإذا بصر الروم الى من تحرك اليهم، ومن قتل، ورأوا قلّة المسلمين بين الصفين يقوم رجل معه جند، في أعلاه صليب فينادي غلب الصليب. فيقوم رجل معه جند فينادي بل غلب أنصار الله وأولياؤه، فيغضب الله على الذين كفروا من قولهم غلب الصليب. فيقول: يا جبرائيل اغث عبادي، فينزل جبرائيل (علیه السلام) في مائة ألف من الملائكة. ويقول: يا ميكائيل اغث عبادي، فينزل ميكائيل (علیه السلام) في مائة ألف من الملائكة. ويقول: يا
اسرافيل اغث عبادي، فينحدر اسرافيل (علیه السلام) في ثلاثمائة ألف من الملائكة. وينزل الله نصره على المؤمنين، وينزل بأسه على الكافرين، فيقتلون وينهزمون، ويسير المسلمون في أرض الروم، حتى يأتوا عمورية؛ وهي مدينة بيزنطية في آسيا الصغرى وعلى سورها خلق كثير، فيقولون: ما رأينا أكثر من الروم، قتلنا وهزمنا، وما أكثرهم في هذه المدينة. فيقولون - أي الروم - أمنونا على أن نؤدي لكم الجزية، فيأخذون الأمان لهم ولجميع الروم على أداء الجزية، ويجتمع إليهم أطرافهم - أي من أهل الروم - فيقولون: يا معاشر العرب إن الدَّجَّال قد خلفكم في دياركم، فدعوا أحداً فينا منكم، وارجعوا لقتال عدّوكم، فإن من بقي فينا قوام لكم. والخبر باطل.
فإذا رجع المسلمون الى الشام، وثب الروم على من بقي في بلادهم من العرب، فيقتلونهم حتى لا يبقى بأرض الروم لا عربي، ولا عربية، ولا ولد عربي إلَّا قتل فيبلغ ذلك الخبر الى المسلمين، فيرجعون غاضبين لله تعالى، فيقتلون مقاتليهم، ويسبون الذراري ويجمعون الأموال، ولا ينزلون على مدينة ولا حصن فوق ثلاثة أيام إلَّا يفتح لهم، وينزلون على الخليج فيصبح أهل القسطنطينية يقولون الصليب مدّ لنا ببحرنا، والمسيح ناصرنا، فيصبحون والخليج يابس فيضرب فيه الأخبية - جمع خباء وهي الخيام - وينحسر البحر عن القسطنطينية، ويحيط المسلمون بمدينة الكفر ليلة الجمعة بالتسبيح والتهليل والتحميد، ولا يرى فيهم نائم ولا جالس؛ فإذا طلع الفجر كبّر المسلمون تكبيرة واحدة، فيسقط ما بين البحرين. فيقول إنما كنا نقاتل العرب، والآن نقاتل ربنا، وقد هدم لهم مدينتنا، فيمكنون المسلمين من أنفسهم، ويسلمون لهم فيفتحونها، ويكيلون الذهب بالأترسة، ويقتسمون الذراري، ويتمتعون بأيديهم ما شاء الله؛ ثم يخرج الدجال، ويفتح الله القسطنطينية على يد أقوام هم أولياء الله، يدفع الله عنهم الموت والمرض والسقم، حتى ينزل عيسى بن مريم (علیه السلام) فيقاتلون معه الدجال. أخرجه أبو عبد الله نعيم بن حماد.
الدمعة الساكبة مخطوط
عن عقد الدرر، عن كعب الأحبار أن أمة تدعي النصرانية في بعض جزائر البحر (1)
1) (1) المراد من هذه الجزائر إما الجزر البريطانية، وإما استراليا، أو غيرهما من الجزائر، والمراد من الأمة التي تدعى النصرانية جميع من يدّعي النصرانية في الجزء المذكورة.
تجهّز ألف مركب في كل عام، فيقولون: اركبوا ان شاء الله، وإن لم يشاء؛ فإذا وقعوا في البحر أرسل الله عليهم ريحاً عاصفة كسرت سفنهم. قال: فيصنعون مراراً، فإذا أراد الله تعالى اتّخذت سفناً لم يوضع على مثلها. قال: فيقولون: اركبوا إن شاء الله، فيركبون ويمرون بالقسطنطينية فيفزعون لهم فيقولون: ما انتم؟ فيقولون: نحن أمة تدعى النصرانية، نريد هذه الأمة التي أخرجتنا من بلادنا، وبلاد آبائنا؛ فيمدونهم سفناً، فينتهون الى عكاء فيخرجون من سفنهم ويحرقونها. ويقولون: بلادنا وبلاد آبائنا، وأمير المسلمين يومئذ ببيت المقدس. فيبعث الى مصر فيستمدهم، فيجيئه رسوله من قبل مصر فيقول: يقولون: نحن بحفرة بحر والبحر حمال فلا يمدونه.
قال: فيمر الرسول بحمص، وقد أغلقها أهلها من الأعاجم على من فيها من المسلمين؛ وتمدهم أهل اليمن على قلصهم أي على اجتماعهم وانضمامهم والتحاقهم بالإمام (علیه السلام) قال: ويكتم الخبر. ويقول - أي بعض جيش الإمام من المنافقين لبعض - أي شيء الآن؟ تغلق كل مدينة على من فيها من المسلمين، فيأخذ ثلث بأذناب الإبل - أي يتركون عسكر
الإمام (علیه السلام) ويلحقون بالبرية - فيهلكون في سهيل من الأرض لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء. قال: ويفتح - اي الامام - البلد، أي بلاد الشامات بأجمعها فيقتلونهم - أي الأعاجم من الكفار - في جبل لبنان، حتى ينزل أمير المؤمنين، أي أمير الناس من المؤمنين، وهو إمّا الإمام المهدي أو قائد عسكره الى الخليج، وهو الواقع قرب القسطنطينية، ويصير الأمر الى ما كان عليه أن يحمل لواءه ثم يركزه ويأتي الماء ليتوضأ منه لصلاة الصبح. قال: فيتباعد منه، فإذا رأى ذلك أخذ لواءه واتبع الماء، حتى يجوز من تلك الناحية، ثم ينادي أيها الناس اعبروا إن الله عز وجل قد فرّق لكم البحر، كما فرقه لموسى بن عمران. قال: فتجوز الناس فيستقبل القسطنطينية فيكبرون فيهتز حائطها، ثم يكبرون فيسقط منها ما بين اثني عشر برجاً، فيدخلونها فيجدون فيها كنوزاً من ذهب وفضة، وكنوزاً من نحاس؛ فيقتسمون غنائمهم بالأترسة(1). أخرجه الإمام ابو عمر والدأبي في سنته.
وفيه: عن عقد الدرر. عن حذيفة بن اليماني عن رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) في قصة المهدي وفتحه لرومية قال: ثم يكبرون عليها أربع تكبيرات، فيسقط حائطها، فيقتلون بها ستمائة ألف، ويستخرجون منها حلية بيت المقدس، والتابوت الذي فيه السكينة،
1) (1) الأترسة جمع أتراس وقد مرّ أنه صفحة من الفولاد، تحمل للوقاية من السيف ونجوه في الحرب.
ومائدة بني اسرائيل، ورضاضة الألواح، وعصا موسى، ومنبر سليمان، وقفيز (1)من المنّ، الذي أنزل على بني اسرائيل أشدّ بياضاً من اللبن. قال حذيفة: قلت: يا رسول الله كيف وصلوا الى هذا؟ فقال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): إن بني اسرائيل لما اعتدوا وقتلوا الأنبياء، بعث الله عليهم بخت النصر فقتل منهم سبعين ألفاً وأخرجهم عن بيت المقدس. ثم إن الله رحمهم فأوحى الى ملك من ملوك فارس أن أسر الى عبادي، واستنقذهم من بخت النصر، وردّهم الى بيت المقدس، فردهم اليه، وكانوا مطيعين له أربعين سنة. ثم يعودون وذلك قوله تعالى في القرآن (وإن عدتم عدنا) [الاسراء 8] أي إن عدتم الى الفساد والمعاصي، عدنا عليكم بشر من العذاب الأول. فعادوا فسلط الله عليهم طيالس ملك رومية فسباهم واستخرج حلي بيت المقدس وذهب به الى رومية.
ثم يسيرون حتى يأتوا مدينة يقال لها القاطع، وهي على البحر الذي لا يحمل جارية وهي السفينة. قيل: يا رسول الله ولِمَ لا يحمل جارية؟ قال: لأنه ليس له قعر، وإن ما ترون من البحار خلجان ذلك البحر جعله الله تعالى منافع لبني آدم لها قعور فهي تحمل السفن. قال حذيفة: فقال عبد الله بن سلام: والذي بعثك بالحق، إن صفة هذه المدينة في التوراة طولها ألف ميل، وعرضها خمسمائة ميل. قال: رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): لها ستون وثلاثمائة باب، يخرج من كل باب ثلاثمائة ألف مقاتل، فيكبرون عليها أربع تكبيرات فيسقط حائطها، فيغتنمون ما فيها، ثم يقيمون فيها سبع سنين، ثم ينقلون الغنائم منها الى بيت المقدس، فيبلغهم أن الدَّجَّال قد خرج في يهودية أصفهان. أخرجه الإمام أبو عمر والمقرىء في سننه.
وفيه: عن امير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) في قصة المهدي قال: ويتوجه الى الآفاق فلا تبقى مدينة وطئها ذو القرنين إلَّا دخلها وأصلحها، ولا يبقى كافر إلَّا هلك على يديه، ويشفي الله قلوب أهل الإسلام، ويحمل حليّ بيت المقدس. ويأتي مدينة فيها ألف سوق، وفي كل مائة دكان فيفتحها. ثم يأتي مدينة يقال لها: القاطع: القاطع: وهي على البحر الأخضر المحيط بالدنيا، ليس خلفه إلَّا أمر الله عز وجل؛ طول المدينة ألف ميل، وعرضها خمسمائة ميل، فيكبّرون الله عز وجل ثلاث تكبيرات، فيسقط حيطانها، فيقتلون بها ألف ألف مقاتل، ويقيمون بها سبع سنين، يبلغ الرجل منهم في تلك الم
1) (1) القفيز: مكيال يكال به الطعام.
مثل ما منح معه من سائر بلاد الروم، ويولد لهم الأولاد إويعبدون الله حق عبادته.
ويبعث المهدي الى أمرأئه لسائر الأمصار بالعدل بين الناس، فيرعى الشاة والذئب بمكان واحد، ويلعب الصبيان بالحيّات والعقارب، لا يضرهم شيء؛ ويذهب الشر ويبقى الخير، ويزرع الإنسان مداً يخرج سبعمائة مد. ويذهب الوبا والزنا، وشرب الخمر، والربا، وتقبل الناس على العبادة، والمشروعات، والديانة، والصلاة في الجماعة، وتطول الأعمار، وتؤدي الأمانة، وتحمل الأشجار، وتتضاعف البركات، ويهلك الأشرار: ويبقى الأخيار، ولا يبقى من يبغض أهل البيت. ثم يتوجه المهدي من مدينة القاطع الى القدس بألف مركب، فينزلون الشام وفلسطين بين صور وعكا وغزة وعسقلان، فيخرجون ما معهم من الأموال، فينزل المهدي بالقدس الشريف، ويقيم بها الى أن يخرج الدَّجَّال..
بيان: دل هذا الخبر على أنَّ الإمام المهدي (علیه السلام) بعد فتحه مدينة القاطع وإقامته فيها سبع سنين يتوجه مع جنوده الى القدس الشريف بألف مركب من الغنائم والأموال، فينزل جنوده في الشام، وهو معروف أي سورية وفلسطين، أي حيفا ويافا وما حولهما، وما بين صور، وهي بلدة في جنوب لبنان مركز قضاء صور ميناء على المتوسط وعكا مرَّ أنها مدينة في فلسطين على المتوسط، وغزة مدينة في جنوبي فلسطين، قاعدة قطاع غزة على ساحل البحر المتوسط، وعسقلان تسمى قديماً اشقلون، وهي مدينة كنعانية تقع على ساحل فلسطين جنوباً، وقد احتلها الفلسطينيون، فأصبحت إحدى مدنهم الخمس الكبرى. فينزل عسكر الإمام في هذه البلاد، وأما نفس الإمام المهدي (علیه السلام) فينزل في القدس الشريف، لأنه بلد مقدس، ولإقامة الصلاة في البيت المقدس الذي صلى فيه جده رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، والأنبياء السابقين (علیه السلام)، ويقيم فيه إلى أن يخرج الدَّجَّال؛ فيتوجه إلى العراق، ويجهّز جيشاً بقيادة عيسى بن مريم (علیه السلام) للقضاء عليه، فيكون عيسى بن مريم (علیه السلام) هو الذي يقضي عليه، وعلى اليهود، وأولاد اليهود، واتباع الدَّجَّال، ويمحو أثرهم من البسيطة، فلا تجد يهوديّاً على وجه الأرض والحمد لله رب العالمين.
قد وردت أعمال جمة ذات فوائد مهمة في زمن الغيبة الكبرى منها ما ذكره الشيخ المرندي قدس الله نفسه في نور الأنوار الجزء 3:
بإسناده عن يونس بن عبد الرحمٰن، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبدالله (علیه السلام) ستصيبكنم شبهة، فتبقون بلا علم يرى، ولا إمام هدى، ولا ينجو منها إلَّا دعاء من دعى الغريق. قلت: كيف دعاء الغريق؟ قال: تقول: (يا الله، يا رحمن، یا رحیم، یا مقلب القلوب، ثبّت قلبي على دينك) فقلت: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا مقلّب القلوب، والأبصار، ثبّت قلبي على دينك. قال (علیه السلام): إن الله مقلب القلوب والأبصار، ولكن قل كما أقول لك يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك.
بیان: دل هذا الإخبار على استحباب قراءة هذا الدعاء في زمن الشبهة، وهو زمن الغيبة الكبرى، الذي وصفه (علیه السلام) بأنه زمان ليس فيه علم يرى، أي ليس فيه إمام معصوم ظاهر، وإن كان فيه إمام غائب حاضر، وهو إمام الهدى، وعلم التقى وحجة الله الكبرى، فمن قرأ هذا الدعاء في زمن الغيبة الكبرى، كان من الناجين من فتن آخر الزمان، وكتب الله له السلامة منها والنجاة؛ ويُستفاد من الخبر معنى آخر، وهو عدم إزادة شيء في الدعاء، وعدم النقصان فيه، لقوله (علیه السلام): ولكن قل كما أقول لك. لأن الظاهر أن جلّ الأدعية، بل كلها مركبة من أسماء خفية مندرجة في الألفاظ المرئية؛ فاللافظ عندما ينطق بها فكأنه نطق بتلك الأسماء بخلاف ما إذا زاد أو نقص فيها؛ فإنه لا يحصل النطق بتلك الأسماء الواقعية الغير المرئية، وحينئذ لا يترتب على ذلك الأثر المطلوب من الدعاء ولذا لم يرض الإمام بزيادة كلمة واحدة، وهي كلمة الأبصار، لأنها تغير الأثر المطلوب من الدعاء؛ ولذا سمعت من بعض علماء الأدعية والأذكار قالوا: إن اسم أمّ موسى بن عمران (علیه السلام) ألفاظه مطابقة لأحد أسماء الله العظمى، فمن دعی به استجيب دعاؤه، لأنه عندما ينطق بحروفه فكأنه دعى الله تعالى باسمه الأعظم، ومن دعى باسم الله الأعظم استجيب له؛ ولذا كان اسمها مخفيّاً قد وقع الاختلاف فيه، ولم يعلم أن الصحيح ما هو نظير الاختلاف في ليلة القدر ونحوها. ومنها: فيه أيضاً.
قال: قد ورد للحفظ من فتن آخر الزمان قراءة عشر آيات من سورة الكهف، وهي من أول السورة أي (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) إلى قوله (وهيء لنا من أمرنا رشداً) فمن قرأها كل يوم حفظه الله من فتن آخر الزمان.
ومنها عن مجمع البيان، عن أبي بن كعب، عن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم): من قرأ الكهف فهو معصوم ثمانية أيام من كل فتنة، فإن خرج الدّجّال في تلك الثمانية الأيام، عصمه الله من فتنة الدَّجَّال.
وفي رواية أخرى: من قرأ الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ستة أيام من كلّ فتنة تكون فإذا خرج الدَّجَّال عصم منه.
ومنها: ما رأيته في مجموعة مخطوطة للشيخ محمد علي القاضي النجفي رحمه الله قال: مما يقرأ للحفظ من فتن آخر الزمان هذا الدعاء:
بسم الله الرحمٰن الرحيم، سبحان القديم الذي لم يزل، سبحان الحكيم الذي لا يعجل سبحان العليم الذي لا يجهل، سبحان الجواد الذي لا ينجل، سبحانه وتعالى لا شريك له، له الحمد، والحمد لله رب العالمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. فمن قرأه كل يوم صباحاً ومساءً، حفظ من فتن آخر الزمان والآيات المتقدمة مع هذا الدعاء مجرّبات.
ومنها: مافي الكتاب المبين، السفر الثاني منه، في المقام الأول فيما يتعلق بالغيبة والظهور؛ عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: إذا تمنى أحدكم القائم فليتمناه في عافية، فإن الله بعث محمداً رحمة، ويبعث القائم نقمة. وفي الكافي مثله.
بيان: دل الخبر على أنَّ من الأعمال التي يقوم بها المؤمن في زمن الغيبة، هو أن يتمنى الجهاد مع الإمام القائم (علیه السلام)، وأن يكون من أنصاره، وأعوانه، والمستشهدين بين يديه، وذلك بالدعاء والتوسل إلى ساحة ذي الجلال والوجه في ذلك أن الدعاء له، والدعوة له، لا يكونان إلَّا بالتوفيق الإلهي؛ لما ورد في بعض الأخبار عن الأئمة الأطهار (علیه السلام)، أنه لا يدعو للقائم إلَّا من وفَّقه الله تعالى للدعاء بتعجيل فرجه.
فيعلم من هذا الخبر أنَّ الدعاء للقائم (علیه السلام)، لا يكون إلَّا بتوفيق من الله تعالى، وهو أن يدعو له بالفرج، وأن يعجل الله تعالى ظهوره، ولعله استجاب الله دعاء بعض المؤمنين فعجل ظهوره؛ ولكن لا يكون ذلك المؤمن من أنصاره وأعوانه، والمجاهدين بين يديه؛ بل كان مخالفاً له، فلذا لا بدَّ أن يدعو بأن يكون من أنصاره، وأعوانه، والمجاهدين بين يديه. ولعل الله تعالى استجاب دعاء ذلك المؤمن، فعجل ظهور الإمام (علیه السلام)، وكان من أنصاره، وأعوانه، والمجاهدين بين يديه؛ ولكن لم يكن ذلك في خير وعافية، بل وقع في بلاء؛ لأنه ورد في الأخبار المتقدمة أنَّ بعض من يلتحق بالإمام، ويكون من أنصاره، وأعوانه، ومجاهداً معه، قد وقف بخدمته ممتثلًا لأوامره ونواهيه؛ إذ قال الإمام (علیه السلام) ادبروه فيقتله الإمام، لأنه حدث في نفسه التمرد، والخلاف للإمام،
ونرى السوء له، لأن الإمام القائم (علیه السلام) يحكم بحكم آل داود، لا يسأل عن بيّنة، يعلم ما في النفوس والضمائر؛ فمن حدثته نفسه بسوء علم به، فيحكم بإعدامه. وحينئذ لا يكون في عافية، ولا يوفق للنعيم الذي يتنعم به المؤمنون في دولة الحق؛ فلذا أمر الإمام الصادق (علیه السلام) طائفة الحق أن تدعو وتتمنى القائم (علیه السلام)، في عافية، فتحصل ممّا ذكرنا أموراً ورد استحبابها في زمن الغيبة:
أولاً: الدعاء للإمام (علیه السلام) بتعجيل فرجه، وذلك لا يكون إلَّا بتوفيق إلهيّ.
وثانياً: الدعاء بأن يكون من أنصاره، وأعوانه، والمجاهدين معه، والمستشهدين بين يديه.
وثالثاً: الدعاء بأن يكون في خير وعافية وممن يرضى عنه الإمام وأن لا يكون في البلاء.
وعلّل الإمام (علیه السلام) الدعاء والتمني في الخير والعافية، بأن الله تعالى بعث النبي محمداً (صلی الله علیه وآله وسلم)، للناس رحمة، لأنه كان ماموراً بالرحمة، والرأفة، والعطف، والحنان، والمغفرة، والرضوان، والعفو عن الناس، وعمّن يدخل في دين الإسلام من المستبصرين، وعن المسيئين، والمخالفين، والعاصين. وقد سار على قانون قننه الله تعالى له، بأن الإسلام يحجب ما قبله، فيعفو عمن دخل في الإسلام، ولو كان كافراً فاسقاً؛ ويستبقي من أبى فيأخذ الجزية من أهل الكتاب، الذين يأبون الدخول في الإسلام، ويعفو عن كثير، بخلاف الإمام القائم (علیه السلام)، فإنه لا يستبقي أحداً، ولا يبقي المخالفين، بل ينتقم منهم فوراً بإعدامهم، ولا تأخذه في أحد من هؤلاء الكفار والمنافقين لومة لائم؛ كما يشهد لذلك موارد كثيرة وردت في الروايات والأدعية والزيارات الواردة له، حيث ورد دخرك الله لنصرة الدين وإعزار المؤمنين، والانتقام من الجاحدين المارقين.
فالإمام (علیه السلام) ينتقم من كل كافر، ومنافق، وعابد وثن، ومخالف، وفاسق محارب، فلا يبقي أحد إلَّا ما ورد من مصالحته لبعض أهل الكتاب الغير المحاربين وأخذ الجزية منهم، وذلك مؤقت إلى رجعة الإمام الحسين (علیه السلام)، وهو مقدار سبعين سنة على ما في بعض الروايات، فإذا رجع الحسين (علیه السلام)، فالقانون حينئذ إمَّا الدخول في دين الإسلام، وإما الحكم بالإعدام.
مهج الدعوات
بحذف الإسناد عن جابر بن يزيد الجعفي قال: قال أبو جعفر (علیه السلام): من دعا بدعاء العهد مرة واحدة في دهره، كتب في رق، ورفع في ديوان القائم؛ فإذا قام قائمنا ناداه باسمه واسم أبيه، ثم يدفع إليه هذا الكتاب ويقال له: خذ هذا الكتاب العهد الذي عاهدتنا في الدنيا، وذلك قوله عز وجل (إلَّا من اتَّخذ عند الرحمٰن عهداً) [مريم 87] وأدع به، وأنت طاهر. ثم ذكر دعاء غير المتقدم الدعاء المعروف وهو: اللهم يا إله الآلهة يا واحدُ يا أحدُ، يا آخر الآخرين، يا قاهر القاهرين، يا عليّ يا عظيم، أنت العليّ الأعلى، علوت فوق كل علوّ، هذا يا سيدي عهدي، وأنت منجز وعدي، فصل يا مولاي عهدي، وأنجز وعدي: آمنت بك أسألك بحجابك العربيّ، وبحجابك العجميّ وبحجابك العبراني، وبحجابك السريانيّ، وبحجابك الروميّ، وبحجابك الهنديّ. واثبت معرفتك بالعناية الأولى، فإنك أنت الله، لا تُرى وأنت بالمنظر الأعلىٰ؛ وأتقرب إليك برسولك المنذر (صلی الله علیه وآله وسلم)، وبعليّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه، الهادي، وبالحسن السيّد، وبالحسين الشهيد، سبطي نبيّك، وبفاطمة البتول، وبعلي بن الحسين زين العابدين ذي الثفنات، ومحمد بن علي الباقر عن علمك، وبجعفر بن محمد الصادق الذي صدق بميثاقك وبميعادك، وموسى بن جعفر الحصور القائم بعهدك، وبعليّ بن موسى الرضا الراضي بحكمك، وبمحمد بن علي الخير الفاضل المرتضىٰ في المؤمنين، وبعلي بن محمد الأمين المؤتمن هادي المسترشدين، وبالحسن بن عليّ الطاهر الزكيّ خزانة الوصيين وأتقرب إليك بالإمام القائم العدل المنتظر المهديّ، إمامنا صلوات الله عليهم أجمعين: يا من جلّ فعظم، وأهل ذلك فعفىٰ ورحم، يا من قدر فلطف، أشكو إليك ضعفي، وما قصر عنه أملي من توحيدك، وكنه معرفتك، وأتوجه إليك بالتسمية البيضاء، وبالوحدانية الكبرى، التي قُصر عنها من أدبر وتولىٰ وآمنت بحجابك الأعظم، وبكلماتك التامات العليا التي خلقت منها دار البلاء واجللت من أحببت جنة المأوى وامنت بالسابقين والصديقين أصحاب اليمين من المؤمنين، الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، الّا توليني غيرهم، ولا تفرّق بيني وبينهم غدا إذا قدّمت الرضا بفضل القضاء آمنت بسرّهم وعلانيتهم وخواتيم أعمالهم فإنك تختم عليها إذا شئت، يا من اتحفنى بالإقرار بالوحدانية، وحباني بمعرفة الربوبية، وخلصن من الشك والعمىٰ، رضيت بك رباً وبالأصفياء حججاً وبالمحجوبين أنبياءً،
وبالرسّل أدلاء، وبالمتقين أمراء، وسامعاً لك مطيعاً. هذا آخر العهد.
ونظير هذا الدعاء، ما ورد في زيارة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) أن من زار الإمام أمير
المؤمنين (علیه السلام)، بزيارة أمين الله، وهي الزيارة المعروفة التي هي أفضل زياراته عند قبره أو زاره بها عند أحد مراقد الأئمة (علیه السلام)، كان لها الأثر المتقدم.
كما سنذكر إن شاء الله في البيان الرابع من بيانات الرجعة.
فقد ورد في فضل زيارة أمين الله، أن ما قالها أحد من شيعتنا عند قبر أمير المؤمنين (علیه السلام) أو أحد مراقد الأئمة (علیه السلام) إلَّا وضع في درج من نور، وطبع عليه بطابع محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، حتى يسلم إلى القائم صلوات الله عليه، فيلقى صاحبه بالبشرى والتحية والكرامة.
بيان: دل هذا الخبر على أنَّ من زار الإمام أمير المؤمنين بهذه الزيارة عند قبره أو عند مراقد الأئمة (علیه السلام)، كتب اسمه الملائكة في درج من نور، وطبع عليه بطابع رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)؛ أي أن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) يوقع على ذلك الدرج، ويسلم إلى الإمام القائم (علیه السلام)، فإذا قام صلوات الله عليه، فيلقى صاحب الدرج بالبشرى، أي يبشر بظهور القائم (علیه السلام) وبالالتحاق به، فيكون الزائر للإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، له حق في الرجعة، ويكون من أنصار القائم (علیه السلام) عند ظهوره.
ومنها: روى الكليني في الكافي، عن الباقر (علیه السلام) قال: من قرأ المسبحات كلها يعني سورة الحديد، والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن، والأعلى، قبل أن ينام لم يمت، حتى يدرك القائم، وإن مات كان في جوار رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم).
بيان: دل هذا الخبر على أن قراءة المسبحات وهي السور المذكورة قبل النوم في كل ليلة، أي لا يترك قراءتها بعض الليالي، ترتب عليه إحدى الحسينيين، وهما: إمَّا أن يدرك القائم (علیه السلام)، بأن يطيل الله تعالى في عمره لم يمت حتى يدرك القائم (علیه السلام)، وإمَّا أن يكون في جوار رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، إذا مات ووافاه القضاء والقدر.
ومنها: قراءة دعاء العهد المعروف أربعين صباحاً، وهو موجود في كتب الأدعية الذي أوله (اللهم رب النور العظيم إلى آخره) فمن قرأه أربعين صباحاً، كان من أنصار الإمام القائم (علیه السلام)، وإن مات ووافاه القدر أحياه الله تعالى عند ظهور الإمام (علیه السلام) وكان من أنصاره واعوانه.
فقد روي عن الصادق (علیه السلام) أنه قال: من دعا إلى الله تعالى اربعين صباحاً بهذا العهد، كان من أنصار قائمنا، فإن مات قبله أخرجه الله تعالى من قبره وأعطاه بك! كلمة ألف حسنة، ومحىٰ عنه ألف سيئة.
بيان: دل هذا الخبر على استحباب قراءة دعاء العهد أربعين صباح ويترتب عليه الأثر المذكور، إذا كانت القراءة متصلة، بحيث لا يكون فاصلًا بالترك، ولو في يوم واحد، فيحصل جائزة عظيمة، وهي أن يكون من أنصار الإمام القائم (علیه السلام)، وإن مات قبل ظهور الإمام (علیه السلام) فإن الله تعالى يخرجه من قبره، ويعطيه ألف حسنة، ويمحي عنه ألف سيئة، ويوفقه فيجعله من أنصار الإمام القائم (علیه السلام)، وذلك جزاء وثواب قراءه الدعاء المذكور.
ومنها: سورة الإسراء أي بني اسرائيل في كل ليلة جمعة، فإنه يبقى حيّاً إلى أن يظهر الإمام القائم (علیه السلام)، ويكون من أنصاره وأعوانه.
فقد روي عن الصادق (علیه السلام) قال: من قرأ سورة بني اسرائيل في كل ليلة جمعة، لم يمت حتى يدرك القائم (علیه السلام) فيكون من أصحابه.
بیان: دل هذا الخبر صريحاً بأن من داوم على قراءة سورة الإسراء في كل ليلة جمعة، بأن يقرأها في كل اسبوع في ليلة الجمعة مرة واحدة، فإنه لم يمت ويطول عمره، حتى يدرك الإمام القائم (علیه السلام)، ويكون من أنصاره.
ومنها:
ما رواه في الإكمال مسنداً عن زرارة عن الصادق (علیه السلام) قال: إن للقائم غيبة قبل أن يقوم. قلت: ولِمَ؟ قال: يخاف، وأومىء بيده الى بطنه يعني القتل. ثم قال: زرارة هو المنتظر ، وهو الذي يشك الناس في ولادته، فمنهم من يقول: إنه مات أبوه بلا خلف؛ ومنهم من يقول: إنه حمل. ومنهم من يقول: هو غائب. ومنهم من يقول: ما ولد. ومنهم من يقول: قد ولد قبل وفات أبيه بسنتين، وهو المنتظر، غير أنَّ الله تبارك وتعالى يحب أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون. ثم قال: يا زرارة فإن أدركت ذلك الزمان فالزم هذا الدعاء: اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيّك؛ اللهم عرفني رسولك فإنك إن لم تعرفني رسولك، لم أعرف حجّتك؛ اللهم عرفني
حجّتك، فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني. ثم قال: يا زرارة لا بدّ من قتل غلام بالمدينة. قلت: جعلت فداك، أليس يقتله جيش السفيانيّ؟ قال: لا، ولكن يقتله جيش آل بني فلان، يعني آل بني الحسن، يخرج حتى يدخل المدينة، فلا يدري الناس في أي شيء دخل، فيأخذ الغلام فيقتله، فإذا قتله بغياً وعدواناً وظلماً لم يمهلهم الله عز وجل، فعند ذلك توقعوا الفرج.
بيان: بيّن الإمام (علیه السلام) في هذا الخبر أموراً:
الأول: ذكر أنَّ للإمام القائم (علیه السلام) غيبة قبل قيامه، وقد ذكر أنَّ علة الغيبة هو الخوف من الظلمة، ولا يخفى أن هذا محمول على أول زمان الغيبة، لأنه كان يحذر الاعتداء عليه من الحكام الظلمة من بني العباس، وأما بعد ذلك فإن في الغيبة مصالح كثيرة:
منها: امتحان الشيعة فيها، ويعرف من كان إيمانه مستقر منهم، ومن كان إيمانه مستودع.
ومنها: امتحان سائر الناس، وإظهار الريب والشك من أهل الباطل، كما سيأتي بیانه.
ومنها: خروج النطف المؤمنة، وتزايلها من أظهر الكفار، وغير ذلك ممّا سبق بيانه، وما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الثاني: اختلاف الناس في القائم (علیه السلام)، والشك في ولادته على أقوال:
قول: بأنَّ الإمام القائم (علیه السلام) غير موجود، ولا مخلوق؛ وأنه أسطورة وحديث لا أصل له، ويقولون كما قال الكفار والمنافقين الهالكين بالنسبة الى الأنبياء السابقين (ان هذا إلَّا أساطير الأولين) أي أباطيلهم وما سطّروه من الأحاديث المزخرفة التي لا صحة لها، بل إنه من قبيل العنقاء والغيلان، ومن القصص الخيالة، التي لا أصل لها، فهو غير موجود، ولا مولود؛ فهؤلاء هم القائلون بأن أباه مات بلا خلف؛ ويقولون ما ولد.
وقول: بأن الإمام القائم (علیه السلام)، حمل ومات أبوه، فهو غير مولود عند وفاة أبيه الإمام الحسن العسكري (علیه السلام).
وقول: بأنه قد ولد قبل وفاة أبيه بسنتين، فهو عند وفاة أبيه كان صغير السّن.
وقول: بأنه قد ولد، وأنه موجود وغائب، وأنه عند وفاة أبيه كان ابن خمس سنين. وهذا هو القول الصحيح؛ ولذا قال الإمام (علیه السلام): وهو المنتظر، أي وهو الإمام الذي تنتظر الشيعة قيامه وظهوره.
ثم بيّن أن السبب في غيبته هو امتحان الشيعة، ليعلم من يطيع الله تعالى بالغيب، ومن هو مؤمن؛ ويعلم الكافر والفاسق، ومن كان إيمانه مستودع؛ ولذا يعلم في زمن الغيب أهل الباطل، وأهل الريب والشك، فترى بعضهم يدّعي النبوّة، والآخر يدّعي الإمامة والمهدوية. وقد ثبت عندنا بحسب الأدلة القاطعة الكتاب والسنة أن كل من من ادّعى المهدوية، والإمامة قبل الصيحة السماوية، وقبل السفياني الأخير لا يصدق في مدعاه. نعم الذي ثبت بالنص والدليل، هو ثبوت النيابة العامة للفقهاء المجتهدين، المتقين، العاملين بما أمر الله تعالى، المنتهين عمّا نهى الله تعالى عنه المخالفين لهواهم، المطيعين لأمر مولاهم، وهم الذين أمر الإمام الحجة (علیه السلام) بالرجوع اليهم في زمن الغيبة، وتقليدهم كما في التوقيع الصادر عنه (من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه).
ثم ذكر استحباب قراءة الدعاء المذكور في زمن الغيبة، ليبقى الإنسان ثابت الجنان، مستقر الإيمان، لا تزعزعه العواصف ولا تزيله القواصف.
ثم ذكر علامة قريبة لظهور الإمام الحجة (علیه السلام)، وهو قتل سيّد في المدينة، عبّر عنه بالغلام، لأنه شاب يذهب مبلّغاً عن الإمام الحجة (علیه السلام) وهو من السادة العلويين، فيبعث آل نبي الحسن من العراق طائفة من الجيش سراً، فيؤخذ السيِّد هو واخته المسماة فاطمة، فيقتل خارج المدينة عند أحجار الزيت، فإذا قتل هذا السيِّد ظلماً وعدواناً في المدينة، وقتل بعده ابن عمه في مكة المكرمة، وهو سيِّد آخر، يذهب مبلّغاً عن الإمام الحجة (علیه السلام)، فبعد خمس عشرة ليلة يظهر الإمام بأمر الله تعالى إن شاء الله؛ فلذا قال: فعند ذلك عند قتل هذا السيِّد بالمدينة فتوقعوا الفرج، أي أنَّ الفرج يقع قريباً إن شاء الله الرحمن أقوال: قد ورد هذا الدعاء المذكور في الرواية بنحو آخر وهو: اللهم عرّفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك، لم أعرفك؛ اللهم عرّفني بنبيّك، فإنك إن لم تعرفني بنبيّك، لم أعرفه قط؟ اللهم عرّفني حجتك، فإنك إن لم تعرفني حجّتك، ضللت عن ديني.
ومنها:
إن من كانت له حاجة مهمة في زمن الغيبة، ولم يكن له طريق الى قضائها، فليقدم عريضة الى الامام الحجة ابن الحسن صلوات الله عليه، وهو يتكلف قضاءها، ولا بد أن تكتب بالشروط المذكورة. وهذه العريضة يرويها السلف الصالح من علمائنا الأعلام كالمجلسي في البحار وغيره، ويشترط أن تكتب على ورق طاهر بحبرها، وتحفظ في طينة طاهرة، أو غلاف طاهر، وترسل بواسطة أحد النواب الأربع، الذين نابوا عنه في الغيبة الصغرى، وهم: عثمان بن سعيد العمري، وابنه محمد بن عثمان بن سعيد العمري المعروف بالخلاني وحسين بن روح النونجتي، ومحمد بن عليّ السمري، وهي: (بسم الله الرحمن الرحيم) كتبت يا مولاي صلوات الله عليك مستغيثاً، وشكوت ما نزل بي مستجيراً بالله عز وجل، ثم بك، من أمر قد دهمني، وأشغل قلبي، وأطال فكري، وسلبني بعض لبّي، وغير خطير نعمة الله عندي أسلمني عند تخيل وروده اليّ الخليل، وتبرأ مني عند إقباله اليّ الحميم، وعجزت عن دفاعه حيلتي، وخانني في تحمله صبري وقوتي، فلجأت فيه اليك، وتوكلت في المسألة لله جلّ ثناؤه عليه وعليك في دفاعه عني، علماً بمكانك من الله رب العالمين وليّ التدبير، ومالك الأمور، واثقاً بك في المسارعة في الشفاعة اليه جل ثناؤه في أمري، متيقناً لإجابته تبارك وتعالى إياك باعطاء سؤلي، وأنت يا مولاي جدير بتحقيق ظني، وتصديق أملي فيك. في امري (وأذكر حاجتك)، وقضاء حاجتي وكشف همي، وغمي، وكربي، فيما لا طاقة لي يحمله، ولا صبر لي عليه، وإن كنت مستحقاً له ولإضعافه بقبيح أفعالي، وتفريطي في الواجبات، التي فرضها الله عز وجل عليّ في أمري؛ فاغثني يا مولاي صلوات الله عليك عند اللهف، وقدم المسألة لله عز وجل في أمري، قبل حلول التلف، وشماتة الأعداء، فبك بسطت النعمة عليّ، وأسأل الله جلّ جلاله، لي عزيزاً، وفتحاً قريباً، فيه بلوغ الآمال، وخير المبادىء، وخواتيم الأعمال، والأمن من المخاوف كلها في كل حال، إنه جل ثناؤه لما يشاء فعّال، وهو حسبي ونعم الوكيل في المبدأ والمال.
ثم يقصد بهذه العريضة النهر، أو الغدير، أو بئر عميقة أو بعض ضرائح الأئمة (علیه السلام)، والأفضل إلقائها في النهر الجاري، أو في الغدير، ويعتمد على أحد النواب الأربع، كما ذكرنا قبل رميها في الماء، فينادي باسم أحدهم وهو قابض للعريضة بيده ويقول: يا حسين بن روح، أو يا عثمان بن سعيد، أو يا محمد بن عثمان، أو يا محمد بن علي السمري سلام عليك أشهد أن وفاتك في سبيل الله، وأنت حيّ عند الله مرزوق،
وقد خاطبتك في حياتك التي لك عند الله عز وجل، وهذه رقعتي، وحاجتي الى سيّدي ومولاي، صاحب الزمان (علیه السلام)، فسلّمها اليه فأنت الثقة الأمين.
ثم يرمي العريضة في النهر، أو في الغدير، ويتخيل له أنه قد سلمها بيد أحد نوابه، فإنها تصل الى الامام (علیه السلام) وتقضي حاجته إن شاء الله تعالى، لأن الامام الحجة ابن الحسن صلوات الله عليه، هو الذي يتولى قضاء حوائج المؤمنين في زمن الغيبة، وهو الذي يدعو للمؤمنين بقضاء حوائجهم وهذه العريضة مجرّبة، قد جرّبتها فرأيت الجواب يأتي في اليوم الثاني أو الثالث، ولا يتم الأسبوع إلَّا وانقضت الحاجة المهمة؛ وقد سمع بها أناس غير ملتزمين أو كانوا مذنبين، فلم تقض حاجتهم، بل وجّه اليهم الابتلاء والمرض، ولكني الجأ في جميع حوائجي الى هذه العريضة، والى الامام الحجة ابن الحسن (علیه السلام)، فيأتي الجواب سريعاً، وتقضي حاجتي والحمد لله رب العالمين، وصلوات الله على سيدي، ومولاي، ومعتمدي، ورجائي، ومن هو ذخري وذخيرتي في آخرتي ودنياي.
قد وردت أعمال كثيرة وأدعية وافرة، لمن أراد رؤية الإمام الحجّة ابن الحسن (علیه السلام)، والتشرف بالنظر إلى وجهه الكريم، وأنواره الساطعة:
منها ما ذكر في مكيال المكارم:
بحذف الاسناد عن الصادق (علیه السلام) أنه قال: من قرأ هذا الدعاء بعد كل فريضة، فإنه يرى الإمام محمد بن الحسن (علیه السلام) في اليقظة أو في المنام. وهو الدعاء المروي عن الصادق (علیه السلام) في كتاب الإختيار للسيد ابن الباقي قال: من قراءه بعد كل فريضة، فإنه يرى الإمام (علیه السلام) في اليقظة أو المنام وهو:
بسم الله الرحمن الرحيم: اللهم بلّغ مولانا صاحب الزمان أينما كان، وحيثما كان من مشارق الأرض ومغاربها، سهلها وجبلها، عني وعن والدي، وعن ولدي وأخواني
التحية والسلام، عدد خلق الله، وزنة عرش الله، وما أحصاه كتابه وأحاط به علمه اللهم إني أجدد له في صبيحة هذا اليوم، وما عشت فيه من أيام حياتي عهداً وعقداً وبيعة له في عنقي، لا أحول عنها، ولا أزول، اللهم اجعلني من أنصاره، ونصّاره الزابين عنه، والممتثلين لأوامره ونواهيه في أيامه، والمستشهدين بين يديه؛ اللهم فإن حال بيني وبينه الموت الذي جعلته على عبادك حتماً مقضيّاً، فاخرجني من قبري مؤتزراً كفني، شاهراً سيفي، مجرداً قناتي، ملبياً دعوة الداعي في الحاضر والبادي، اللهم أرني الطلعة الرشيدة، والعزة الحميدة، واكحل بصري بنظرة مني إليه، وعجل فرجه، وسهّل مخرجه؛ اللهم أشدد أزره، وقوّ ظهره، وطوّل عمره واعمر اللهم به بلادك، واحي به عبادك، فإنك قلت وقولك الحق، ظهر الفساد في البر والبحر، بما كسبت أيدي الناس، فأظهر اللهم لنا وليّك، وابن بنت نبيّك المسمّى باسم رسولك (صلی الله علیه وآله وسلم)، حتى لا يظفر بشيء من الباطل إلَّا مزّقه، ويحق الله الحق بكلماته ويحققه. اللهم اكشف هذه الغمة عن هذه الأمة بظهوره، إنهم يرونه بعيداً، ونراه قريباً وصلى الله على محمد وآله. وفيه أيضاً في المكرمة التاسعة عشر قال: في الفوز بالتشرف بلقاء الإمام (علیه السلام) في اليقظة أو المنام.
جنة الأمان
عن الصادق (علیه السلام) أنه قال: من قال بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة الظهر: (اللهم صلى على محمد وآل محمد، وعجل فرجهم) لم يمت حتى يدرك القائم من آل محمد (علیه السلام).
بيان: دل هذا الخبر على أنّ من التزم مستمراً أي كل يوم، بهذا الذكر ما دام في قيد الحياة بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة الظهر، أطال الله عمره، ولم يمت حتى يدرك القائم من آل محمد صلوات الله عليه وعليهم أجمعين. وهو ذكر سهل جميل.
ومنها: مافي مكارم الاخلاق مرسلًا: من دعى لهذا الدعاء عقيب كل فريضة وواظب على ذلك، عاش حتى يملّ الحياة، ويتشرف بلقاء صاحب الأمر (علیه السلام)، وهو دعاء في فرج مولانا الإمام الحجة صلوات الله عليه، وهو دعاء عظيم مبارك.
ورواه المجلسي في البحار عن الإمام الصادق (علیه السلام) قال: يقرأ بعد كل فريضة وهو:
اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم إن رسولك الصادق المصدق الأمين،
صلواتك عليه وآله قال: إنك قلت تباركت وتعاليت ما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته - وفي نسخة - اساءته؛ اللهم فصل على محمد وآل محمد، وعجل لأوليائك - وفي نسخة - لوليّك الفرج والنصر والعافية ولا تسؤني في نفسي، ولا في فلان وتذكر من شئت من أحبتك.
قد روى العلامة المجلسي هذه الجملة الأخيرة من الدعاء بهذا النحو: وعجّل لوليك الفرج والنصر، والعافية، ولا تسؤنّي في نفسي، ولا في أحد من أحبتي، فإن شئت أن تسميّهم واحداً واحداً اي متفرقين فافعل، وإن شئت أن تذكرهم مجتمعين.
قال الراوي لهذا الحديث: والله لقد عشت حتى سئمت الحياة ببركة هذا الدعاء. وقال أبو محمد هارون بن موسى: إن محمد بن الحسن بن شمون البصري كان يدعو بهذا الدعاء، فعاش مائة وثمان وعشرون سنة في خفض، أي في لين ودعة وسعة من العيش، بأن كان عيشه سهلاً هنيئاً، إلى أن ملّ الحياة، فتركه فمات رحمة الله عليه.
بیان: لا يورد أحد على الأدعية المتقدمة التي وردت بهذا العنوان، بأن من قرأها لم يمت حتى يدرك القائم، أو عاش حتى يملّ الحياة، ويتشرف بلقاء صاحب الأمر (علیه السلام).
فهذه الأدعية إنما تؤثر بالنسبة إلى الأجل المخروم، وهو الاجل المعلق، المقدّر على صدور أمر، أو فعل من الإنسان، فإنها تدفع عنه، وتطيل في عمره، وأما بالنسبة إلى الأجل المحتوم، فلا أثر لها قال تعالى (فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) [الاعراف 34] ولكن يمكن أن يقال: إن ظاهر قوله: ويتشرف بلقاء القائم (علیه السلام)، أن يكتب له الرجعة عند قيام القائم (علیه السلام)، ويتشرف بلقائه، لأن التشرف بلقائه أعم من أن يكون في حياة الإنسان؛ إذا كان ممّن له قابلية الحياة، إلى ظهور القائم (علیه السلام)، أو يكون في الرجعة عند قيام القائم (علیه السلام) إذا كان ممّن لم تكن له تلك القابلية في البقاء إلى ظهوره (علیه السلام). وكذلك ظاهر قوله: لم يمت حتى يدرك القائم (علیه السلام) أي لم يمت بالأجل المخروم لا بالأجل المحتوم، فهذا القيد مستفاد من أدلة أخرى، فلا يؤخذ باطلاق الرواية.
ومنها: ما رأيته في بعض الكتب الخطية قال مرويّ: إن من قرأ هذا الدعاء في كل صباح، شاهد الإمام (علیه السلام) بفضل الله تعالى البتة، ووصل بخدمته بمنّ الله وكرمه وهو: اللهم إني أسألك تأخر أجلي، ولا تقبض روحي، حتى أرىٰ سيّدي ومولاي محمد بن الحسن، صاحب الزمان صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
بیان: قد جربت هذا الدعاء فكنت أقرأه حتى مضى على قراءته مدة سنة كاملة
فتشرفت بخدمة سيّدي ومولاي في اليقظة في حرم أبي الأئمة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، ولكني لم أعرفه، فسلمت عليه، وصافحته، وتكلمت معه، ودعا لي بالتوفيق، وبعد انصرافه وغيبته دفعةً، علمت أني تشرفت بخدمة سيّدي ومولاي حجة الله في أرضه، وسفيره في خلقه، والحمد لله رب العالمين، وما توفيقي إلَّا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
ومنها: ما عن بعض الأفاضل قال: عمل في شهر رجب، وهو أن من قال في شهر رجب، إلى سبعة أيام كل يوم ألف مرة: بسم الله الرحمن الرحيم، لا حول، ولا قوة إلَّا بالله العليّ العظيم. فإنه يرى الامام الحجة (علیه السلام) في اليقظة، أو في المنام.
بيان: قد رأيت هذا الذكر في بعض الكتب المخطوطة، وهو يحتاج الى التجربة.
ومنها: ما رأيته أيضاً في بعض الكتب المخطوطة. وهو تسبيح صاحب الأمر (عج الله تعالی فرجه الشربف)، يقرأ لأجل رؤيته، وكيفيته أن ينوي عند القرأة: أسبّح تسبيح صاحب الزمان (علیه السلام)، قربة الى الله تعالى، وذكر صاحب الكتاب أن هذا التسبيح منقول عن حضرة سيّدنا ومولانا صاحب العصر والزمان عليه صلوات الرحمٰن فكل من قال:
يوم السبت: لا إله إلَّا الله محمد رسول الله، ألف مرة.
ويوم الاحد: يا حيّ يا قيوم ألف مرة.
ويوم الاثنين: اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعلى كل ملك ونبيّ،ألف مرة.
ويوم الثلاثاء: لا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم، ألف مرة.
ويوم الأربعاء: أستغفر الله العظيم، وأتوب إليه، ألف مرة.
ويوم الخميس: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله اكبر الف مرة.
ويوم الجمعة: يا الله المحمود في كل فعاله، ألف مرة. فإنه يصل بخدمته إن شاء الله تعالى وهذا أيضاً يحتاج الى التجربة، ولا ريب أن هذه الأدعية والأذكار، وهذه الأعمال ، مشروطة بالطهارة من الحدث، والخبث في البدن واللباس؛ كما أنها مشروطة بالتقوى والإخلاص، والتوجه الى الله دعائه، وكون العامل مؤمناً ورعاً، عاملاً
بالواجبات، مجتنباً عن المحرمات، راغباً في المستحبات؛ فلو كان العامل غير جامع لهذه الشروط والصفات، لما كان لدعائه وذكره أثر؛ لأن الفاقد لصفات التقوى، وصفات المتقين، لم يكن أهلاً للتشرف بالنظر الى حجة الله في الأرضين، وسفيره الى خلقه أجمعين؛ ولذلك قد تصدر هذه الأعمال من غير أهلها، فلا يرى لها أثر فيكفر بها، وقد تصدر من أهلها، فيصدر أثرها سريعاً؛ وهذا هو السبب والعلة في عدم استجابة الدعاء، من بعض من كان غير جامع لصفات الدعاء وشروطه، وهذا موجود في كثير من الناس؛ فتراهم يدعون دعاء الغريق، ويبكون بكاء الثكلى، فلا يُستجاب لهم، بخلاف من كان واجداً للصفات والشروط فإنه يدعو من دون تكلف، ولا بكاء، بل يقول باللسان العادي المتعارف: يا إلهي وسيّدي ومولاي، اقض لي حاجتي بحق محمد وآله الطاهرين؛ فيُستجاب له فوراً.
فالطائفة الأولى يرون باب الدعاء محجوبة، وأن الله تعالى لا يستجيب الدعاء في آخر الزمان، وهذه الأزمنة؛ فهم لا يعتقدون بالدعاء، وقد حرموا الاجابة لفقدهم لشروط الدعاء.
والطائفة الثانية: يرون باب الدعاء مفتوحة، وأن الله تعالى للداعين بموضع إجابة لقوله تعالى (ادعوني استجب لكم، وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) [البقرة 186] فهم يعتقدون بالدعاء، وباستجابة الدعاء، وقد متعوا بالإجابة لوجدانهم شروط الدعاء، جعلنا الله من الطائفة الثانية، بحق محمد وآله الطاهرين.
قد ذكروا طرقاً ثلاثاً للتوجه التام الى الامام القائم (علیه السلام)، يعين بها المكان الذي فيه الإمام (علیه السلام) فيتوجه إليه ويسأل حاجته منه:
الأول: أن يصلي صلاة الإمام الحجة (علیه السلام)، أو صلاة ركعتين غيرهما، ثم يصلي على محمد وآل محمد كثيراً، ثم يفتح القرآن المجيد. فإن كان المفتوح أوائله فالحجة في
مكة، أو في المدينة، أو في أمثالهما من المدن الشريفة. وإن كان المفتوح أواخره فهو في الشرق. وإن كان المفتوح وسطه فهو في الجنوب.
الثاني: أن يصلي إحدى الصلاتين، ويفتح القرآن الكريم: فإن كان المفتوح أول السورة فهو بالمغرب، وان كان المفتوح وسطها فهو في الجنوب. وإن كان المفتوح آخرها فهو في الشرق.
الثالث: أن يصلي إحدى الصلاتين ويفتح القرآن الكريم: فإن كان حرف (الميم) في أول السطر الأول فهو بالمغرب. وإن كان حرف (الميم) في آخر سطر، وفي آخر الصفحة فهو بالمشرق. وإن كان حرف (الميم) في وسط السطر الأول فهو في الجنوب. وإن كان حرف (الميم) في وسط السطر الأخير فهو بالشمال. فيتوجه الى الامام ويسأل حاجته وفي حكم حرف (الميم) حرف (النون والعين والهاء).
جنة المأوى
حكى المحدث النوري، عن كتاب رياض العلماء، نقلًا عن الشيخ زين الدين تلميذ الشيخ الشهيد قدس الله نفسه أنه قال: قد رأى ابن أبي جواد النعماني مولانا الإمام المهدي (علیه السلام) فقال: يا مولاي لك مقام بالنعمانية، ومقام بالحلّة، ففي أيّ منهما تكون؟ فقال (علیه السلام): أكون بالنعمانية ليلة الثلاثاء ويوم الثلاثاء، وأكون بالحلّة ليلة الجمعة ويوم الجمعة، ولكن أهل الحلة ما يتأدبون في مقامي. وما من رجل دخل مقامي بالأدب يتأدب، ويسلم عليّ وعلى الأئمة عليهم السلام، ويصلي علي وعليهم اثنى عشر مرة، ثم صلى ركعتين بسورتين، وناجي الله بهما المناجاة إلَّا أعطاه الله ما يسأله. فقلت: يا مولاي علِّمني ذلك. فقال (علیه السلام): قل: اللهم قد أخذ التأديب مني حتى مسّني الضر وأنت أرحم الراحمين، وإن كان ما اقترفته من الذنوب أضعاف أضعاف ما ادّبتني به وأنت حليم ذو أناة، تعفو عن كثير، حتى يسبق عفوك ورحمتك عذابك. وكررها عليّ حتى فهمتها.
بيان: يمكن الإتيان بهذا العمل الجليل في كل مقام للإمام الحجة (علیه السلام) في العراق ، أو في البلاد الأخرى، وهو طريق سهل لقضاء الحوائج، ونجاح المقاصد والمهمات فمن كانت له حاجة مهمّة، فليقصد أحد المقامات المعروفة للإمام القائم (علیه السلام)، كمقامه (علیه السلام) في مسجد السهلة، وفي الحلّة، والنعمانية، وكربلاء، وغيرها من الأماكن المنسوبة إليه،
وليأت بالعمل المذكور فيها، يقضي الله له حاجته.
جمال الأسبوع للسيد ابن طاووس قدس سره.
قال: صلاة الحجة القائم صلوات الله عليه لقضاء الحاجة، وهو أن تصلي ركعتين تقرأ في كل ركعة الحمد حتى تصل الى (إياك نعبد وإياك نستعين)، ثم تقول مائة مرة (إياك نعبد وإياك نستعين)، ثم تتم قراءة الفاتحة، وتقرأ بعدها الإخلاص مرة واحدة، ذلك في من الركعتين وتدعو عقيبهما فتقول: اللهم عظم البلاء: وبرح الخفاء وانكشف الغطاء، وضاقت الأرض، ومنعت السماء وإليك يا رب المشتكىٰ، وعليك المعول في الشدة والرخاء؛ اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، الذين أمرتنا بطاعتهم وعجّل اللهم فرجهم بقائمهم، وأظهر إغرازه يا محمد يا عليّ، يا عليّ يا محمد أكفياني، فإنكما كافياي، يا محمد يا عليّ يا عليّ يا محمد انصراني، فإنكما ناصراي يا محمد يا علي يا محمد أحفظاني فإنكما حافظاي، يا مولاي يا صاحب الزمان الغوث، الغوث، الغوث، أدركني أدركني، أدركني، الأمان، الأمان الأمان.
بيان: هذه الصلاة مجرّبة لمن التزم مدة من الزمن بها، والأفضل الإتيان بها في المقامات المنسوبة الى الإمام المهدي (علیه السلام)؛ ومقاماته كما ذركنا آنفاً كثيرة، وأفضل المقامات مقامه في مسجد السهلة، وهو مقام عظيم شريف في مسجد عظيم شريف. ويعلم من السيرة العملية، من السلف الصالح، من العلماء، والمجتهدين المتقين، والصلحاء، والأخيار، والأبرار العاملين بالدِّين، أنَّ الدعاء مستجاب في هذا المقام، وفي هذا المسجد فنقل من أثق به من أصدقائي، حيث علّمته هذه الصلاة لحاجة عنده، فقال: ذهبت أسابيع الى مقام الإمام المهدي في مسجد السهلة، وكنت كل أسبوع أصلي هذه الصلاة، وأدعو الله بقضاء حاجتي، فرأيت في عالم الرؤيا شخص جاءني الى السوق الى باب حانوتي وقال لي: ما حاجتك فقلت: لا حاجة لي عند أحد. فقال: أنت صاحب حاجة، وهذا هو الأسبوع الثالث، أو الرابع، والترديد من الناقل، تأتي الى مقام الإمام المهدي (علیه السلام)، في مسجد السهلة، وتصلي صلاة الحجة (علیه السلام) التي تقول فيها مائة مرة (إياك نعبد وإياك نستعين) وتقول وأنت ساجد: أقض لي حاجتي، فما حاجتك؟ فتعجب منه في الرؤيا وذكر له حاجته، فبشره بقضائها وقال له: يقضي الله حاجتك. ثم بعد ذلك قضى الله حاجته وكانت مهمة.
ويعلم من هذه القضية، ومن قضايا أخرى، تذكر إن شاء الله، أنَّ هذا المسجد
العظيم يأتيه الإمام الحجة صلوات الله عليه في كل أسبوع، ويكتب اسم الزائرين له، وتكتب أسماء أصحاب الحوائج، وتعرض عليه وبالأخص إذا التزم أحد بزيارته أربعين ليلة أربعاء، فإنه يرى الإمام الحجة ابن الحسن (علیه السلام)، ويكلمه، ويقضي حاجته، وهو لا يعرفه وهذا أمر شائع ومعروف، ذائع بين الناس يتناقله بعض عن بعض.
فمن ذلك ما ذكره بعض المؤمنين التزم أربعين ليلة أربعاء بزيارة مسجد السهلة، فرأى الإمام وهو لا يعرفه فسأله الدعاء، فدعى له، وقال له: إني أريد واحداً من هؤلاء الذين يقصدون هذا المسجد، ويقصدون مقامي، أن يقوم من بيته قاصداً قربة إلى الله تعالى والصلاة في المسجد والدعاء لي بالفرج، فلا أجد ذلك، بل كل من يأتي هذا المسجد يأتي لقضاء حاجته ومطلبه، فبعض يريد الرزق، وبعض يطلب داراً، أو زوجة، أو حاجة أخرى، وبعد ذلك أفتقده فوراً، فعرف أنه كان الإمام (علیه السلام).
ومنه ما ذكره أحد الخطباء فقال: إن بعض المؤمنين كان قد دُعي إلى وليمة قيّمة فيها أنواع المأكولات والفواكه، فأكل أكلاً كثيراً مفرطاً، ثم ذهب إلى مسجد السهلة، وكانت الأربعاء الأخيرة من الأربعين، فرأى الإمام وهو لا يعرفه فقال له: اني اريد اسأل أن عن نفسي من الإمام (علیه السلام)، أني مقبول عنده وعند الله تعالى. فقال له: نعم أنت مقبول يا مبطان. ثم أفتقده فوراً. فعرف أنه الإمام (علیه السلام)، وندم على كثرة أكله. وهناك قضايا كثيرة لا نطيل المقام بذكرها.
وممّا جرت عليه السيرة العملية من العلماء العاملين، والصلحاء والمتدينين، وقد جرّبه كثير من الناس في السنين الماضية والحاضرة أنّ من التزم بزيارة سيّد الشهداء أبي عبدالله الحسين (علیه السلام) أربعين ليلة جمعة، فإنه يصل بخدمة الإمام صاحب العصر والزمان (علیه السلام)، لأنه في كل ليلة جمعة يزور جده الحسين (علیه السلام)، ولكن في كلا العملين في زيارة مسجد السهلة وفي زيارة الحسين (علیه السلام) لا بدَّ أن ينوي بذهابه رؤية الإمام الحجة (علیه السلام)، ويقصد بزيارته خصوص هذا الأمر، لا أن يذهب على رسله، بقصد الزيارة، والثواب والتوسل بالإمام الحسين (علیه السلام) للأمور الأخروية أو يذهب لمسجد السهلة يقصد العبادة والثواب، أو حاجة أخرى، أو أكثر من أربعين أربعاء، فإنه مهما ذهب ولو أكثر من أربعين ليلة جمعة، فأنه لا يصل بخدمة الإمام (علیه السلام)، ثم إن الأغلب من الناس إذا وصل بخدمة الإمام الحجة (علیه السلام)، لا يعرفه إلَّا بعد افتقاده؟ ولو عرفه لم يصل إليه، ولا يصافحه إلَّا ما قلَّ وندر، بل أنَّ بعض لا يرى وجهه الكريم، أو يُمنع من النظر إليه،
والوصول بحضرته، لعدم لياقته للتشرف بالمقامات العالية والمراتب السامية.
فمن ذلك ما ذكر في الزام الناصب. قال: إنَّ رجلًا عطّاراً في البصرة، كانت عنده دكة عطارة قرب البحر، فذهب يوماً أول الصباح وفتح دكته، فقدم عليه شخصان زيهما زي الزّهّاد، يرتدي كل منهما جبة من الصوف، قد تحزما عليهما وعمامة بهيّة، ولهما وجين منيرين؛ فطلبا منه السدر والكافور، وقالا: إن لدنيا مؤمناً قد توفي فأسرع في إحضارهما ولما كان معجباً بنورهما وبهائهما فسألهما من أي البلاد أنتما؟ فلم يجيباه، فألح عليهما في السؤال، فامتنعا من إجابته؛ فأقسم عليهما بالله تعالى، وبالنبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، وبالأئمة (علیه السلام). وقال: إني رجل مؤمن جعفري، أحب أن أتعرف عليكما. قالا له: نحن من رجال صاحب الأمر، ومن أصحاب الإمام الحجة (علیه السلام). قال: إذاً فاصحبوني معكم لأرى سيدي ومولاي الإمام الحجة ابن الحسن (علیه السلام). قالا له: نحن لا نصنع شيئاً بدون إجازة صاحب الأمر، ولم يخبرنا، ولم يقل لنا أصحبوا معكم العطّار فلان، فكيف نصحبك معنا؟ فقال: إني رجل مؤمن جعفري، ومن شيعته ومحبيه، وأحب النظر إلى وجهه الكريم. فأقسم عليكم بالله تعالى وبالنبي محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، وبالأئمة الطاهرين (علیه السلام) ألا ما ذهبتم بي، وصحبتموني معكم، حتى أصل بالقرب منه، فإن أجاز أن أصل بخدمته، وإلَّا فارجعوني، فقبلوا منه، فأعطاهم السدر والكافور، وغلق دكته، وذهب معهما يمشي على شاطىء البحر، فخرجوا به حتى بعدوا عن البلد، فاقتضى طريقهما عبور البحر، فأخذا يمشيان على الماء، كما يمشيان على الأرض، فوقف العطّار في الساحل وقال: إني لا أقدر من المشي على الماء كما تمشيان، فقالا له: أنت قصدت حجة الله في أرضه، فأقسم على الله بحقه، فإن الله تعالى يجعل لك الماء صلباً، فتمشي عليه كما تمشي على الأرض التصلبية فقال: إني لم اصل في الإيمان إلى الدرجة التي أنتما فيها، فأقربا مني الأعتمد عليكما، وأمشي معكما، حتى لا أغرق، فقرّبا منه، وأقسم على الله تعالى بالإمام أن يصلب له الماء، فيمشي عليه، واعتمد عليهما فمشى على الماء معهما، حتى إذا وصلوا إلى نصف البحر بحيث لم يرى الساحل من الطرفين فعلا في السماء سحاباً كثيراً، وشرع في المطر، واشتد حتى صار المطر شديداً، وهو يمشي معهما، إذ غاصت قدماه في الماء، وأراد أن يغرق، فناداهما متوسلاً بهما أن ينقذاه، فأقبلا إليه وأخذا بيديه. وقالا له: قد بدّلت قصدك، واختلفت نيتك، فلذلك غصت في الماء، فجدد القسم على الله تعالى، واصلح نيتك، فجدد القسم فرجع على مشيته الأولى حتى عبرو البحر إلى الجانب الآخر، وساروا
في واد كبير، ثم بعده في واد آخر، فرأى أن ذلك الوادي منير يزهر، وفيه خيمة فقالوا: أنظر إنَّ الإمام (علیه السلام) جالس في تلك الخيمة، وذلك الرجل المتوفى من أصحابنا وهو المطروح في جانب الخيمة، ولأجله أخذنا السدر والكافور ألا أننا نوقفك بالقرب من الخيمة، ونذهب لحضرة الإمام (علیه السلام)، لنأخذ لك الإجازة بمواجهته، فإن أجاز وإلا أرجعناك. فأوقفاه بالقرب من الخيمة، بحيث يسمع كلام من يتكلم في الخيمة، وذهب أحدهما فوضع السدر والكافور عند المتوفىٰ، ودخل الآخر الخيمة وسلم، فرد الإمام (علیه السلام) سلامه. فقال له: سيدي إن هذا الرجل العطار من أهل البصرة، طلب منّا أن نأتي به بخدمتك فقبلنا، واشترطنا عليه إن وافقتم وأجزتم له الدخول عليكم فهو وإلَّا أرجعناه. وقد جاء يطلب اذن الدخول عليكم، فإن أجزتم أدخلناه وإلَّا أرجعناه. وكان هذا الرجل يسمع كلام المتكلم في الخيمة.
فقال الإمام (علیه السلام): لا يدخل عليّ إنه رجل صابوني. فخرج عامل الإمام (علیه السلام) من الخيمة متغير الوجه وقال: ارجع فإن الإمام (علیه السلام) لا يجيز لك الدخول عليه، وأخذ بيدي وخطا خطوات قليلة، وإذا نحن عند البحر، فخطا قليلا في البحر فعبره، فخطوات أخرى على الساحل وإذا نحن بقرب البصرة فقال: هذا بلدك فأذهب إليه راشداً.
بیان: هذا الرجل ممّن لم يوفق إلى الوصول بخدمة الإمام الحجة (علیه السلام)، لعدم لياقته لذلك؟ وقول الإمام إنه رجل صابوني، تبين بعد ذلك أنه كان عنده صابون قد صبه في قوالب، ووضعه فوق السطح ليجمد فيبيعه، فلمّا أمطرت أخذ يفكر في الصابون، وأنه سيتلف، وينعدم بواسطة هذا المطر، ونسي التوجه للإمام في تلك الساعة، وهذا أمر كان يفكر فيه في نفسه؛ فأخبره الإمام (علیه السلام) بما كان يفكر فيه في نفسه؛ فلذا قال: إنه شخص صابوني أي يفكر في الصابون، فلا إخلاص عنده بالنسبة إلى الإمام (علیه السلام)، فلذلك كل من يفكر في الدنيا، وفي أمور الدنيا، يكون بعيداً عن الله تعالى وعن الأئمة (علیه السلام)، ولا يكون لائقاً للوصول بخدمة الإمام الحجة (علیه السلام). ومن ذلك أنّ جمعاً من المؤمنين اتفقوا أن يذهبوا إلى مسجد السهلة، وكان معهم رجل يحمل بندقية فوجدوا في الصحراء قرب مسجد السهلة بدوياً راكباً على ناقة، وهو يجدّ السير، فاجتمع رأيهم على أن يسلبوه، ويأخذوا ناقته، وما معه من متاع، فناداه بعضهم يا ولد أرم السلب، أي أعطنا ما معك، والناقة. فلم يعتن بهم فصاحوا عليه، فلم يقف لهم، فرماه صاحب البندقية بطلقة نارية فافتقد فوراً مع ناقته، فلم يعلم انزل في الأرض، أم صعد إلى السماء، فعرفوا أنه كان
الإمام (علیه السلام)، وأخذوا يتلاومون على فعلهم معه، ولاموا صاحب البندقية، والتسرع في رميه فمثل هؤلاء الذين لا يجتنبون المحرم لا يكون لهم لياقة للوصول بخدمة الإمام الحجة (علیه السلام).
ومن ذلك ما حكي عن جماعة من كسبةٍ أهل النجف من كسبةٍ أهل النجف، التزموا في كل أسبوع بالذهاب مشياً على الأقدام لزيارة مسجد السهلة بقصد رؤية الإمام الحجة (علیه السلام)، وطلب حوائجهم منه، فكانوا في كل أسبوع يتركون أعمالهم، ثم يسيرون لزيارة مسجد السهلة ليلة الأربعاء، وفي الأربعاء الأخيرة، وهي الأربعون هيأوا طعام العشاء وقرّروا المبيت في المسجد ليروا الإمام (علیه السلام). ولما قدموا مسجد السهلة وضعوا متاعهم، وفرشوا فرشهم، وتركوا رجلين عند متاعهم، وذهب الباقون للعمل والصلاة في مقامات المسجد، وإذا برجل بدويّ يحمل خرجاً، وقف على الرجلين وسلم عليهم فردّوا عليه السلام. فقال: إني أريد أن أجعل هذا الخرج أمانة عندكم حتى أصلي وأرجع. والخرج بضم الخاء معروف وهو كالشنطة، توضع فيه الملابس والدراهم والمتاع. فقالا له: ضعه عند متاعنا، فوضعه وذهب، فلما مضى الأعرابي، قام أحدهما إلى الخرج فمّسه وحرّكه فرأه ثقيلاً جدّاً فقال لصاحبه: إن هذا الخرج ثقيل جداً، فقام صاحبه وحرّكه، وضرب عليه بيده، فظهر منه صوت الباونات والليرات الذهبية. فقال لصاحبه: هذا كله ذهب، فهل ترىٰ أننا نعطيه لهذا البدويّ، لا نعطيه إياه أبداً. فاتفقا على إنكار الخرج إذا جاء الأعرابي، وعدم إعطائه له، وغصب الذهب منه. وقال أحدهما للآخر: هل نخبر أصحابنا إذا قدموا من الصلاة، والعبادة، والعمل أولا؟ فاتفقا على أن يخبرا أصحابهما بذلك. فبيناهم كذلك إذ جاء أصحابهما فاخبراهما بقصة البدويّ، وجعله الخرج أمانة عندهما، وأنه مملؤ بالذهب. فلما رأوا الخرج وثقله، اعتقدوا أنه مملؤ بالذهب، وقالوا: اخفوه فإذا جاء الأعرابي أنكرناه واقتسمنا الذهب بيننا. هذا رزق قد ساقه الله إلينا. فجلسوا يتعشون، وإذا بالبدويّ واقف عليهم، وهم جلوس على مائدة العشاء، فسلّم عليهم وقال: يا عباد الله، يا مؤمنون إن الله تعالى يقول في القرآن الكريم: (وردوا الأمانات إلى أهلها) وقد جعلت خرجي أمانة عندكم فردّوه إليّ. فقالوا: أيّ خرج؟ ما عندنا خرج، وهرّوا عليه هرير الكلاب، هذا يطرده، وهذا يشتمه. فقال: يا عباد الله اتقوا الله، ولا تأكلوا مال الناس ظلماً وعدواناً. فهجموا عليه ليضربوه، فغاب عنهم فوراً، فلم يعلم أصعد إلى السماء أم هبط إلى الأرض. فلمّا افتقدوه علموا أنه الإمام الحجة (علیه السلام)، فتأسفوا على ما صنعوا
معه، ولا يفيد الأسف، وأخذ بعضهم يلوم الأخر، ولا فائدة في اللوم.
ثم قالوا: انظروا مافي الخرج، فجاؤوا به وفتحوه، وإذا هو مملوء بالخزف لا بالذهب، فندموا أكثر من الأول ولا تفيد الندامة. وانما عمل معهم الإمام (علیه السلام) هذا العمل ليعرفهم أنَّ الشخص الذي لا ورع له، ولا يجتنب عن الحرام، ويتعمد أكل أموال الناس ظلماً وعدواناً، لا يكون لائقاً لأن يصل بخدمة الإمام (علیه السلام)، ولو صلى وتعبّد الله تعالى، والتزم أربعين أربعاء في مسجد السهلة. وإنما كتبنا هذه القصة الواقعة لما فيها من إلفات نظر للمؤمنين، وموعظة، وهدى للمتقين، ولئلا يكون العامل مثل هؤلاء العوام، يأكل مال الحرام، ويريد الوصول بخدمة الإمام (علیه السلام).
الدمعة الساكبة الجزء 5
وهو كتاب ضخم كبير خطي يحتوي على 597 صحيفة كبيرة، قد خط في سنة 1389 هجرية، لمؤلفه الحّجة محمد باقر بن عبد الكريم الدهد شتي البهبهاني قدس سره قال: روى الصدوق في الفقيه، عن الصادق عليه السلام أنه قال: ليس منّا من لم يؤمن بكرتنا ويستحل متعتنا.
ثم استدل على ثبوت الرجعة، ووقوعها بكثير من كلمات الأئمة عليهم السلام، الواردة في الأدعية والزيارات، وتقتصر على بعض منها:
فقد روى الشيخ في المصباح، عن التوقيع الصادر للقاسم بن علاء الهمداني وكيل الإمام الحسن العسكري عليه السلام، أن الإمام الحسين عليه السلام تولد في اليوم الثالث من شهر شعبان فصُم هذا اليوم وادع فيه بهذا الدعاء:
اللهم إني اسألك بحق المولود في هذا اليوم الموعود إلى قوله: قتيل العبرة، وسيِّد الأسرة، الممدود بالنصرة يوم الكرة المعوض عن قتله أن الأئمة من نسله، والشفاء في تربته والفوز معه في أوبته.
بيان صرّح الخبر المتقدم بأن كل شخص لم يؤمن بالكرة - أي بالرجعة - لآل محمد عليهم السلام، فهذا ليس من آل محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، ولا من الشيعة الإمامية. وكذا من لم يستحل المتعة، ويقول بحرمتها، فهذا ليس منهم أيضاً.
ويؤيد الخبر ما ورد في الدعاء المذكور، حيث وصف فيه أبي الشهداء، وسيّدهم الحسين بن علي عليهم السلام، بإنه قتيل العبرة، وسيد الأسرة، أي رئيس الأسرة الهاشمية. ثم وصفه بأنه الممدود بالنصرة يوم الكرة، أي أنَّ الله تعالى يمدّه بانصار من الملائكة يوم الكرة - أي الرجعة - وحين يرجع إلى الدنيا في أنصاره، الذين قتلوا معه في يوم كربلاء؟ ووصفه بأنه المعوض عن قتله، أنَّ الأئمة من نسله، والشفاء في تربته، والفوز معه في أوبته، والتعبير بالمعوض صريح، في أنَّ هناك معاوضة واقعة صادرة، إمَّا بين الله تعالى وبين الحسين عليه السلام، وإمَّا بين الحسين (علیه السلام) وبين النبي صلى الله عليه وآله وبين أبيه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، عن الله تعالى. ومن الواضح أنَّ هذه المعاوضة، وقعت لأجل جهاده في سبيل الله، وفي إحياء الدين؛ وقد كان العوض فيها أشياء ثلاثة:
الأول: إنَّ جعل الأئمة التسعة المعصومين من نسل الحسين عليه السلام لا من نسل الحسن عليه السلام.
الثاني: إن جعل الشفاء في تربته، وهذا أمر مجرّب، لا ريب فيه، فتربته شفاء من كل داء فقد نقل بعض من إثق به، من كسبة النجف، ممّن يبيع الكماليات والملابس في محلّ في سوق النجف الأشرف قال: كان لي صديق من التجار الكبار في بغداد، يرسل لي البضاعة والاجناس، فأرسل له ثمنها، وكان مسيحياً - أي من النصارى - الذين يقطنون في بغداد؟ فذهبت يوماً أول الصبح إلى محلي لأفتحه، وإذا بالبريد يحمل برقية من بغداد، من ذلك التاجر المسيحي، احضر يا فلان، الى بغداد سريعاً وفوراً بدون تأخير، فأغلقت محلي، وذهبت إلى بغداد، فرأيته ينتظرني، فرحب بي كثيراً؛ فقلت: ماذا تريد؟ فقال إني لا أملك من الأولاد إلَّا ولداً واحداً، وقد مرض وعجزت الأطباء عن مداواته في العراق وخارجه) وإني لا أهتم لموته، ولكن له امّ هي عمدة بيتي وعمده، فإذا مات ماتت أمه، لأنها لا تملك غيره، وتحبه كثيراً وإذا ماتت أمه فقد خرب بيتي؛ فقلت له: وماذا أصنع أنا، فأني لست بطبيب؟ قال انكم معشر الشيعة أصحاب عقيدة قوية بأئمتكم، وبالأخص بالحسين عليه السلام، ويقال: أن له تربة فيها الشفاء، فلو قدرت أن تحصل لنا من
تلك التربة، وتسقي ولدي بيدك فلعل الله سبحانه وتعالى أن يجعل فيها الشفاء له. فقلت له: أمهلني لأطلب لك تربة الشفاء، وأرجع إليك إن شاء الله تعالى.
قال: فذهبت إلى جامع الحسين بن روح، وهو أحد نواب الإمام الحجة عليه السلام، ومرقده في سوق الشورجة في بغداد قرب المحلات التجارية، وإلى جنب قبره جامع تصلىٰ فيه الجماعة، فتفحصت عن تربة حسينية جديدة غير مستعملة، أي لم يصل عليها، فحصلت على تربة حسينية جديدة واشتريت استكاناً من استكانات الشاي وكانت تباع في السوق المجاور لقبر الحسين بن روح رضي الله عنه، وغسلته وطهّرته؛ ثم وضعت فيه قليلاً من الماء الطاهر، وتوجهت إلى الإمام الحسين عليه السلام، وسلّمت عليه، وقلت: يا سيدي هذه تربة من تراب قبرك، اذهب بها للإستشفاء إلى انسان مسيحي ومن معه من النصارىٰ. فأرجو منك يا سيد ومولاي أن لا تخجلني، ولا تردني إلَّا بشفاء مريضهم؛ وبريت مقداراً قليلاً من التربة الحسينية، نحته نحتاً، فصار الماء مخلوطاً بها، ومضافاً بطينها، وذهبت إلى ذلك المسيحي وأنا أحمل الاستكان، وفيه التربة الحسينية. فقام مسرعاً، وغلق محله فوراً، ووضعني في سيارته وذهب بي إلى منزله؛ فرايت عشيرته من النصارى قد اجتمعوا، والقساوسة قد حضروا، والاساقفة قد وقفوا في الغرف، وقد أشرف ولده على الموت، وهو ينازع، قد اغرورقت عيناه، فصرخ بهم اخرجوا بأجمعكم من البيت إلَّا أم الولد فلتبقىٰ؛ فخرج القساوسة وأرحامه من نساء ورجال خارج البيت، ودخلت أنا وهو وأنا أحمل ذلك الاستكان الذي فيه التربة الحسينية فصليت على محمد وآل محمد، وتوجهت إلى الحسين عليه السلام؛ وقطرت من تلك التربة قطرة في فمه، فُردت عينيه في مكانها، فقطرت قطرة ثانية وثالثة ففتح عينيه، فرابعة فخامسة، وأنا أصلى على محمد وآل محمد، وأذكر الحسين عليه السلام، وأتوسل به، وأقول: يا أبا عبدالله عافه وشافه. فقال: أجلسوني، فأجلس. فقلت له: اشرب باقي التربة، فشربها وكل أرحامه كانوا ينظرون إليه من النوافذ المطلة على الغرفة، فبعد هنيهة قال: إني جائع، فاتوا له بحليب وبسكويت فأكل، فقام يمشي في الغرفة؛ فلمّا رأى الأب ولده قام صحيحاً سالماً، قال: اسمعوا يا عشيرتي إني من هذا اليوم صرت مسلماً، فمن رضي منكم رضي، ومن غضب فليغضب، وإني أؤمن بهذا الدِّين وبصاحبه، وكذلك أسلمت أمه وعشيرته، ببركة التربة الحسينية، على صاحبها الآف التحية والسلام.
الثالث: إن جعل الفوز معه في أوبته - أي في رجعته - فإنه من رجع معه في
الرجعة، وحضر ذلك الزمان، فقد فاز، ويفوز بالنعمة والنعيم، حيث يجعل الله الدنيا جنينة. وهذا الدعاء ممّا يدل على ثبوت الرجعة صريحاً؛ وهناك أدعية أخرى يصرح بثبوت الرجعة، ونحن نقتصر على ما ذكرنا لعدم الإطالة.
وقد ورد في زيارة الجامعة، المرويَّة في الفقيه عن الإمام علي الهادي عليه السلام جمل ثلاثة:
الاولى: مؤمن بإيابكم، مصدق برجعتكم، منتظر لأمركم، مرتقب لدولتكم.
الثانية: حتى يحي الله تعالى دينه بكم، ويردّكم في، أيامه، ويظهركم لعدله، ويمكنكم في أرضه.
الثالثة: ويكر في رجعتكم، ويملك في دولتكم، ويشرف في عافيتكم، ويمكن في أيامكم.
بيان: هذه الجملة صريحة في أنَّ هناك رجعة للإئمة (علیه السلام) وللمؤمنين؛ فلذا أمر المؤمنين باستحباب الزيارة، بهذه الزيارة العظيمة، والسؤال من الله تعالى أن يجعلهم ممن يؤمن بإياب الأئمة عليهم السلام، وممّن يصدق برجعتهم، وينتظر أمرهم وإمارتهم؛ ويترقب لدولة الأئمة (علیه السلام) ودولتهم، هي في زمان الرجعة العظيمة الشريفة.
وزمان الرجعة هو الزمان الذي يحيي الله تعالى دينه، بواسطة مملكة الأئمة عليهم السلام فيه، وهي أيام الله التي يردّ السلطنة والإمارة فيها للأئمة عليهم السلام، ويظهرهم لنشر العدل في البلاد، لأنهم ساسة العباد، وبهم يرفع الكفر والنفاق، والفساد، ويمكّنهم في الدولة، لأن الله تعالى وعد المؤمنين بهذه الدولة لقوله: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) [النور 55] الآية والله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد. ولذلك يستحب للمؤمن أن يطلب من الله تعالى أن يكر ويرجع في رجعة الأئمة عليهم السلام ويملك - أي يكون ذا ملك وأمرة في دولة الأئمة (علیه السلام) - ويشرف بالعافية في ذلك الزمان، ولا يقع في البلاء، ويمكن أي يكون ذا منزلة وقدرة وسلطان في أيام الأئمة (علیه السلام) وهذه نصوص صريحة في أن الرجعة ثابتة لا ريب فيها.
ويؤيد ذلك ما ورد في زيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام وهي زيارة وارث، المرويّة عن الإمام الصادق عليه السلام قال فيها: واشهد الله وملائكته وأنبياءه ورسله، إني بكم مؤمن، وبإيابكم موقن بشرائع ديني وخواتيم عملي.
وما ورد في زيارة أبي الفضل العباس عليه السلام، المرويّة عن الإمام الصادق عليه السلام قال فيها: إني بكم وبإيابكم من المؤمنين. ولا ريب أن المراد من الإياب هو الرجعة ونحوها، موارد أخرى من الزيارات، فإنها مصرحة بثبوت الرجعة، ونحن نقتصر على هذا.
ويؤيد ما رواه في الكتاب المبين السفر الثاني منه، عن أبي عبدالله عليه السلام سئل عن الرجعة أحق هي؟ قال: نعم. فقيل له: من أول من يخرج؟ قال الحسين (علیه السلام): يخرج على أثر القائم (علیه السلام). فقلت: معه الناس كلهم؟ قال: لا، بل كما ذكره الله تعالى في كتابه: (يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً) [النبأ 18] قوم بعد قوم.
بیان: صرّح هذا الخبر بأن الرجعة ثابتة، وهي حق وصدق، وأنها لاريب فيها، ولذا لما سئل عن أول من يرجع من الأئمة (علیه السلام) قال الحسين بن علي عليه السلام: فإنه يرجع ويخرج على أثر الإمام القائم (علیه السلام) أي بلا فصل.
ثم سئل عن رجعة المؤمنين، وأنهم هل يرجعون مع الحسين عليه السلام؟ قال: لا، أي لا يرجعون معه، بل يرجعون قوم بعد قوم، مستدلاً بالآية الكريمة، أنّ في اليوم أي في الزمان - الذي ينفخ فيه في الصور، والصور جمع الصويرة، ينفخ فيها روحها فتحيىٰ في زمان الرجعة، فكل قوم يحيون في زمان يأتون، فيأتون أفواجاً، قوم بعد قوم جعلنا الله تعالى منهم.
الدمعة الساكبة
روى أبو بصير ومحمد بن مسلم عن الباقر والصادق عليهما السلام، أنهما قالا: كل قرية أهلك الله أهلها بالعذاب، لا يرجعون في الرجعة.
بيان: دل هذا الخبر الصحيح أنَّ من هلك من القرى بالعذاب من الله تعالى بمسخ. أو خسف، أو قذف، ونحوها، فإنه ليس له حق في الرجعة، وفي دولة الأنبياء والأئمة (علیه السلام) والمؤمنين، وليس له حق التنعم، فيها، مع أنه كان فاسقاً في دار الدنيا، فيكون هذا الخبر مخصّص لأدلة الرجعة العامة.
وفيه: وروى الحسين - وفي نسخة - الحسن بن أبي راشد، عن أبي إبراهيم عليه السلام أنه قال: ليرجعن نفوس، وليقتصن يوم يقوم، ومن عذب يقتص بعذابه، ومن أغيظ أغاظ بغيضه، ومن قتل اقتص بقتله، ويردّ لهم أعداءهم معهم، حتى يأخذوا
بثأرهم، ثم يعمّرون ثلاثين شهراً، ثم يموتون في ليلة واحدة.
بيان يُستفاد من هذا الخبر أمور :
الأول: إن زمان الرجعة زمان القصاص، وإن عالم الرجعة عالم يستوفي فيه المؤمنون حقوقهم من المعتدين عليهم، والظالمين لهم، ويشفي الله تعالى فيه صدور قوم مؤمنين.
الثاني: إن الرجعة في عالم الرجعة عامة لجميع الأمم، فيرجع فيه المؤمنون من كل زمان، والظلمة والفساق الذين كانوا ظلموهم، واعتدوا عليهم أو قتلوهم فيقتصون منهم. ولذا قال (علیه السلام): وليرجعن نفوس، علي نحو الإطلاق أي نفوس كل زمان من المؤمنين، مع الكافرين والظلمة والفساق المعتدين عليهم. وليقتصن - أي منهم يوم يقوم أي القائم، وهو عالم الرجعة، وهو يوم الله تعالى ويوم المؤمنين.
الثالث: إن الاقتصاص في عالم الرجعة من الكفار والظلمة في الأمور الكلّية، وفي الأمور الجزئية، فالقاتل يقتص منه بالقتل، والمعذب يقتص منه بالعذاب، والمغيظ للمؤمن يقتص منه بالغيض، فيأخذ المؤمنون بثاراتهم، وبعد الانتقام من الكفار والظلمة يعمّرون ثلاثين شهراً أي سنتين ونصف، ثم يرتحلون إلى دار الآخرة إلى النعيم والرضوان.
وفيه: قد ورد في أخبار الأئمة عليهم السلام، أن الحسين عليه السلام يقبل في
أصحابه الذين قتلوا معه، ومعه سبعون نبياً، كما بعثوا مع موسى بن عمران (علیه السلام).
بیان: دل هذا الخبر على رجعة سبعين من الأنبياء السابقين مع الحسين وأصحابه عليهم السلام، فيعلم ان الرجعة عامة لجميع الأمم المؤمنة في كل زمان.
الواحدة للقمي قدس سره.
بحذف الإسناد عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: قال
أمير المؤمنين عليه السلام في حديث: إن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق الأنبياء بالأيمان والنصرة لنا، وذلك قوله عز وجل (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما أتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه) [آل عمران 81] يعني لتومننّ بمحمد، ولتنصرن وصيّه، وسينصرونه جميعاً، وإن الله أخذ ميثاقي مع ميثاق محمد صلى الله عليه وآله بالنصرة بعضنا لبعض؛ فقد نصرت محمداً، وجاهدت بين يديه، وقتلت عدوه، ورضيت الله بما أخذ عليّ من الميثاق، والعهد، والنصرة، لمحمد صلى الله عليه وآله؛ ولم ينصرني أحد من أنبياء الله ورسله، وذلك لما قبضهم الله إليه، وسوف
ينصرونني، ويكون لي ما بين مشرقها إلى مغربها، وليبعثهم الله أحياء من آدم إلى محمد صلى الله عليه وآله وعليهم كل نبيّ مرسل، يضربون بين يدي بالسّيف هام الأموات والأحياء والثقلين جميعاً، فيا عجباً، وكيف لا أعجب من أموات يبعثهم الله أحياء؛ يلبون زمرة زمرة بالتلبية، لبيك لبيك يا داعي الله قد تخللوا سكك الكوفة، قد شهروا سيوفهم على عوانقهم، ليضربوا بها هام الكفرة وجبابرتهم، وأتباعهم من جبابرة الأولين والآخرين، حتى ينجز الله ما وعدهم في قوله عز وجل (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأوليك هم الفاسقون) [النور 55] والحديث طويل اخذنا منه محل الحاجة.
بیان: دل الخبر على أنَّ هناك مواثيق متحققة، وعهود مستوثقة بين النبي الأعظم (صلی الله علیه وآله وسلم)، وبين الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) بنصرة الإمام علي (علیه السلام) للنبي (صلی الله علیه وآله وسلم) وبين جميع الأنبياء من آدم (علیه السلام) إلى محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) بالنصرة وبالايمان بمحمد (صلی الله علیه وآله وسلم) وبنبوته وبينهم وبين الإمام علي (علیه السلام) بنصرة الأنبياء له، وهذه المواثيق والعهود لم يعلم أنها كانت في عالم الأظلة، وهو عالم الأرواح، أم كانت في العالم العلويّ وفي اللوح المحفوظ.
ثم قال: وسينصرونه وذلك في زمان الرجعة عندما ترجع المملكة والسلطنة للنبي محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، والظاهر أن سلطنته معينة بالآف السنين، كما سيأتي إن شاء الله الرحمن في البيانات الآتية.
كما قال: وسوف ينصرونني وذلك بعد ان قال: إني قد وفيت لرسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، بميثاقي وعهدي، فقد نصرته وجاهدت بين يديه، وقتلت عدوه، ورضيت الله بما أخذ علي من الميثاق والعهد والنصرة. وأما النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) وكذا الأنبياء السابقين، فلم ينصروا الإمام علي (علیه السلام) لأنهم قبضوا، فلذلك سوف يحييهم الله تعالى في زمان الرجعة، ليفوأ بما أخذ عليهم من العهد والميثاق بالنصرة له، وذلك عندما تعود المملكة والسلطنة في الدنيا له، ويحكم دول المشرق والمغرب كلها.
ولذا يعجب الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) من هذا الأمر الذي هو غير مقدور لأحد إلَّا الله تعالى، بأن يحيي الأنبياء السابقين الذين كانوا في القرون الماضية، ويكونوا أنصاراً للإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، يجاهدون بين يديه، ويقاتلون أعداءه من الجبابرة، وأتباعهم من الكفار والمنافقين، وينجز لهم ما وعدهم من السلطنة والمملكة، والاستخلاف في الأرض
لأنهم ساسة العباد، وأركان البلاد والقادة إلى الرشاد واستدل بالآية الكريمة الدّالّه على أن الله تعالى (وعد الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) [النور 55] قال الصادق (علیه السلام): إن المراد منهم هم الأئمة (علیه السلام).
(ليستخلفنهم في الأرض) أي يجعلهم خلفاء وملوكاً في الدنيا كلها.
(كما استخلف الذين من قبلهم) من الملوك المؤمنين مثل سليمان بن داود (علیه السلام) وذي القرنين.
(وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم) أي يعظم رفعة ويقوى قوة عظيمة، ويثبت بهم الدِّين الذي ارتضاه لهم رب العالمين، ويمكنهم في الأرض بقوة الأجسام وطول الأعمار، وكثرة المال، ويبدل خوفهم بالأمن، فلا يخافون أحداً، ويعبدون الله تعالى وحده لا شريك له حق عبادته.
الوافي
قد صنف الحسن بن سليمان الحلّي تلميذٍ شيخنا الشهيد طاب ثراه كتاباً في فضائل أهل البيت (علیه السلام)، أورد فيه أخباراً كثيرة في إثبات الرجعة وتفاصيل أحوالها، وذكر أن الدّابة المذكورة في القرآن، هو أمير المؤمنين (علیه السلام)، وذكر ذلك في أخبار كثيرة متوافقة المعاني، ونقل أكثرها من كتاب سعد بن عبدالله المسمى (بمختصر البصائر) ولنوردها هنا من كتابه حديثاً واحداً، ومن أراد سائر الأحاديث، فليرجع إليه وهو ما رواه عن سعد، عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن الحسن بن محبوب، عن الحسين بن علوان، عن محمد بن داود العبدي، عن الأصبغ بن نباتة، أن عبد الله بن الكوا اليشكري، قام إلى أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين إنّ أناساً من أصحابك يزعمون أنهم يردون بعد الموت. فقال أمير المؤمنين: نعم تكلّم بما سمعت، ولا ترد في الكلام مما قلت لهم. قال: قلت: لا أؤمن بشيء مما قلتم. فقال له أمير المؤمنين (علیه السلام): ويلك إن الله عز وجلّ ابتلى قوماً بما كان من ذنوبهم، فأماتهم قبل آجالهم، التي سمّيت لهم، ثم ردّهم إلى الدنيا ليستوفوا أرزاقهم، ثم أماتهم بعد ذلك. قال: فكبّر على ابن الكوا ولم يهتد له. فقال له أمير المؤمنين (علیه السلام) ويلك تعلم أن الله عز وجل قال في كتابه: (واختار موسى قومه سبعين رجلًا لميقاتنا) [الأعراف 155] فانطلق بهم معه ليشهدوا له، إذا رجعوا عند الملأ من بني اسرائيل، أن ربي قد كلّمني، فلو أنهم سلّموا ذلك له، وصدقوا به لكان خيراً لهم،
ولكنهم قالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. قال الله عز وجل (فاخذتكم الصاعقة يعنى الموت وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون) [البقرة 55 - 56] أفترىٰ يابن الكوا إن هؤلاء قد رجعوا إلى منازلهم بعدما ماتوا. فقال ابن الكوا: وما ذاك، ثم أماتهم مكانهم؟ فقال له أمير المؤمنين (علیه السلام) ويلك أو ليس قد أخبرك في كتابه حيث يقول: (وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى) [البقرة 57] فهذا بعد الموت، إذ بعثهم وأيضاً مثلهم يا بن الكوا الملأ من بني اسرائيل، حيث يقول الله عز وجل: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) [البقرة 243] وقوله عز وجلّ في عزير حيث أخبر الله عز وجل فقال: (أو كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها فقال أنّي يحيى هذه الله بعد موتها) [البقرة 259] فأماته الله، وأخذه بذلك الذنب مائة عام، ثم بعثه ورده إلى الدنيا. فقال: كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً أو بعض يوم. قال: بل لبثت مائة عام. فلا تشكن يابن الكوا في قدرة الله عز وجل.
الدمعة الساكبة
قال: لاريب في أن الرجعة ثابتة للأنبياء والأئمة (علیه السلام). وقد بلغت الأخبار الواردة في ذلك، حدّ التواتر، الَّا أن رجعتهم ليست في زمن ظهور القائم (علیه السلام)، على ما يظهر من الأخبار إلَّا الحسين (علیه السلام)، فإنه يرجع إلى الدنيا في زمن قيام القائم (علیه السلام)، وهو أول من يرجع من الأئمة (علیه السلام).
منتخب البصائر
سُمع أبو عبد الله (علیه السلام) يقول: إن أول من يكرّ في الرجعة الحسين بن علي (علیه السلام) ويمكث في الأرض أربعين ألف سنة، حتى يسقط حاجباه على عينيه.
بیان: هذا الخبر صريح في أنَّ الحسين بن علي (علیه السلام)، أول من يكرّ ويرجع إلى الدنيا في زمان مملكة الإمام القائم (علیه السلام)، مدة أربعين ألف سنة، وهذا أقل
الأخبار، وستأتي أخبار تدل على بقائه، أكثر من ذلك إن شاء الله تعالى في البيانات الملاحقة. ويظهر من الأخبار أن قيام الإمام الحجة (علیه السلام) ليس من الرجعة، لأن لفظة القيام والظهور والخروج، إنما يكون عن الغيبة، بخلاف البعث والرجعة، فإنه إنما يكون عن الموت كما يدل على ذلك قوله الصادق (علیه السلام) في حديث: أنظار الله إبليس قال: إنه تعالى أنظره إلى أن يبعث الله تعالى قائمنا، فيأخذ بناصيته ويضرب عنقه.
بيان: لم يقل (علیه السلام) يوم يخرج قائمنا لأن المراد بالبعث، هو بعث القائم (علیه السلام) بعد أن يقتل. ولما ورد من الأخبار المستفيضة بل المتواترة معنى عن الأئمة (علیه السلام) أن لكل مؤمن لا بدّ من موته، وقتله من مات، بعث حتى يقتل، ومن قتل بعث حتى يموت.
بيان: وهذه أخبار كثيرة ذكرت في محلها، وصلت إلى حدّ الإستفاضة بل التواتر، وهو قانون كلي، وضعه الله تعالى لاوليائه وللمؤمنين، وهو شامل للأنبياء والأئمة (علیه السلام) فالإمام القائم (علیه السلام) يقتل، ثم يبعثه الله عز وجل، حتى يموت، أي يرفع مع آبائه (علیه السلام) من الأرض إلى السماء.
ويؤيد ذلك الأحاديث الدَّالة على تقسيم أيام الله تعالى إلى ثلاثة أيام، حيث قال تعالى في كتابه الكريم (وذكرهم بأيام الله) [إبراهيم 5].
عن أبي جعفر، وأبي عبدالله (علیه السلام) أنهما قالا: أيام الله ثلاثة، يوم يقوم القائم، ويوم الكرة، ويوم القيامة.
وروي عن ابن عباس أنه قال: سألت رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) عن تفسير قوله تعالى (وذكرهم بأيام الله) فقال: إنَّ أيام الله ثلاثة: يوم القائم ويوم الرجعة، ويوم القيامة.
بيان: هذين الخبرين وغيرهما دلت صريحاً على أنَّ يوم الرجعة، وهو اليوم الذي يرجع فيه الأنبياء والأئمة (علیه السلام)، والمؤمنون غير يوم قيام القائم، ولكن يمكن أن يقال: إنه لا مانع من إطلاق أحد اليومين على الآخر، باعتبار ملاحظة رجوع من يرجع مع الإمام القائم (علیه السلام)، من المؤمنين الأموات، ومن اصحاب القبور وقد مرّ ان مدة ظهور القائم (علیه السلام) ودولته عند قيامه سبعون سنة على أرجح الروايات.
فإذا مضىٰ من دولة القائم (علیه السلام)، نحو تسع وخمسين سنة، يرجع الحسين بن علي (علیه السلام) إلى الدنيا، وهو أول من تنشق الأرض عنه، ويرجع من الأئمة (علیه السلام) في أواخر دولة القائم (علیه السلام)، وقد بقي من عمره أحد عشر سنة، فيبقى صامتاً حتى يتحقق عند الخلق أنه
الحسين ابن بنت رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم). فإذا تحقق وعلم ذلك جاء الحجة الموت، فتقتله سعيدة التميمية لعنها الله، ترميه بجاون صخر من فوق سطح، وهو متجاوز في الطريق على ما نقل. وقيل: ان هذه المرأة لها لحية مثل لحية الرجل، فإذا قتلته تولى تغسيله ودفنه الحسين (علیه السلام) لأنه لا يلي الوصي إلَّا الوصي. ويمكث الحسين (علیه السلام) في الأرض أربعين ألف سنة على إحدى الروايات، وتعود المملكة له وفي رواية أخرى: يملك خمسون ألف سنة حتى يسقط حاجباه على عينيه من الكبر، ويربطهما بعصابة حتى يتمكن من النظر.
وأما مولانا الإمام أمير المؤمنين عليه أفضل التحية والسلام، فله رجعات وخرجات، فأول خرجة له تكون بعد رجوع الحسين، وقتل القائم (علیه السلام)، ثمان سنين؛ فيكون بين خروجه وخروج الحسين (علیه السلام) تسعة عشر سنة. ويبقى أمير المؤمنين (علیه السلام) مع ابنه الحسين (علیه السلام) ناصراً له على أعدائه ثلاثمائة وتسع سنين، كما لبث أصحاب الكهف في كهفهم ثم يضرب على قرنه الأيسر، أو على مفرق رأسه الشريف، في موضع ضربة ابن ملجم لعنه الله، ويجهزه الحسين (علیه السلام) أيضاً، ولا يعلم كيفية قتله ومن يقتله. ولكن يمكن أن يستفاد ذلك من تشبيه الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) نفسه بذي القرنين.
في رواية الحسن بن سليمان في كتابه منتخب البصائر عن كتاب الغارات لابراهيم بن محمد بن هلال الثقفي روى حديثاً عن أمير المؤمنين (علیه السلام) حيث قيل له: فما ذو القرنين؟ قال (علیه السلام): رجل بعثه الله تعالى إلى قومه فكذبوه وضربوه على قرنه فمات، ثم أحياه الله، ثم بعثه الله إلى قومه فكذبوه وضربوه على قرنه، فمات ثم أحياه الله فهو ذو القرنين لأنه ضربت قرناه. وفي حديث آخر؛ وفيكم مثله يريد نفسه. وقد صرح (علیه السلام) في جملة من خطبه فقال: أنا ذو قرنيها. وقال (علیه السلام): أنا الذي أقتل مرتين، وأحيٰ مرتين، ولي الكرة بعد الكرة، والرجعة بعد الرجعة.
وقال (علیه السلام): أنا صاحب الرجعات والكرات، وصاحب الصولات والنقمات، والدولات العجيبات.
بيان: دلت الأحاديث المذكورة على أنَّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) ملقّب بهذا اللقب، وهو ذو القرنين لأن العملية التي جرت مع ذي القرنين مرتين، تعمل مع الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) مرتين ويُستفاد أيضاً أنَّ الذي يضربه على قرنيه من قومه من الأعداء، ثم يبعثه الله تعالى مرتين؛ ولذا قال: (وفيكم مثله). يريد أن في الأمة الإسلامية مثل ذي القرنين،
يضرب على قرنيه، ويبعث مرتين لإحياء الدين، ونشر الأحكام الإسلامية.
وأما الحديث الأخير فدل على أن الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) له رجعات وكرات، وأنه صاحب الصولات جمع صولة وهي الهجمة على الأعداء والانتقام منهم، والسطوة عليهم وقهرهم والحملة في الحرب والقدرة عليهم. والنقمات جمع نقمة وهي المكافآت بالعقوبة لأنه هو الذي يكافىء الكفار والمنافقين بالعقوبات جزاء على أعمالهم السيئة القبيحة، وعقائدهم الفاسدة. والدولات العجيبات - الدولات جمع الدولة - وهي ما يتداول مرة لهذا ومرة لذاك، من المال والمملكة والغلبة، فيكون المعنى أنَّ الله تعالى يداول الأيام فيكون المملكة والدولة والمال والغلبة والسلطنة للإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) في الدنيا عدة مرات.
كما يؤيده قوله (علیه السلام): أنا صاحب الرجعات والكرات إلَّا أن يحمل الكرات والرجعات والدولات على الجمع المنطقي، وهو الاثنان فيكون المراد بها الكرتين والرجعات والدولتين المصرحة بهما الأخبار المتقدمة والتي تأتي إن شاء الله تعالى:
منها قال (علیه السلام): من أنكر أن لي في الأرض كرة بعد كرة، وعودة بعد رجعة حديثاً كما كنت قديماً؛ فقد رد علينا ومن رد علينا فقد رد على الله.
ومنها: خبر جابر بن يزيد عن الصادق جعفر بن محمد (علیه السلام) أنه قال: لعلي كرة مع الحسين ابنه، ثم كرة أخرى مع رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم).
بيان: ظاهر هذين الحديثين هو أن الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، يكرّ مرتين: أحدهما: يكرّ مع ابنه الحسين (علیه السلام). والثانية: مع النبي (صلی الله علیه وآله وسلم).
والظاهر أن هذا الأمر وهو الكرة بعد الكرة كرامة، اختص بها الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) دون سائر الأئمة (علیه السلام).
وقد دلت الروايات على أن مدة ما بين قتل الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) في زمن ابنه الحسين (علیه السلام) إلى خروجه ثانياً (أربعة الآف سنة) في رواية. أو ستة الآف سنة في رواية اخرى. أو عشرة الآف سنة على رواية الأربعين ألف سنة. ثم يكر الكرة الثانية الموافقة لكرة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم).
ومدة ملك الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) في رواية: أربعة وأربعون ألف سنة. وفي رواية أخرى: ستة وأربعون ألف سنة. وروي أربعون ألف سنة.
والظاهر أن هذه المدة خروجه الثاني، وأما مدة خروجه الأول فهي التي حملنا عليها روايات الثلاثمائة وتسع سنين، كما لبث أصحاب الكهف.
وأما مدة ملك رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) فقد روي في كتاب سرور أهل الإيمان للسيّد علي بن عبد الحميد: بإسناده إلى أسد بن إسماعيل، عن أبي عبدالله (علیه السلام) أنه قال: حين سئل عن اليوم الذي ذكر الله تعالى مقداره في القرآن الكريم فقال تعالى: (في يوم مقداره كان خمسين ألف سنة) [المعارج 4] هي كرة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم).
بيان: ظاهر هذا الخبر أنَّ مدة ملك النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) في كرّته خمسين ألف سنة؛ ويملك أمير المؤمنين (علیه السلام) في كرّته أربعة وأربعين ألف سنة في رواية. وفي أخرى: ستة وأربعون ألف سنة. وقد مرّ ذكر الروايات المختلفة. والمستفاد من النصوص، والمعروف أن مبدأ نزول الرسول الأعظم (صلی الله علیه وآله وسلم)، بعد الخروج الثاني لعلي (علیه السلام)، وأن هذا النزول أول خروجه (صلی الله علیه وآله وسلم)؛ وفي هذا الوقت يقتل إبليس اللعين، وجنوده، وحزبه، وأولاده لعنهم الله.
وقد تقدم الكلام في مدة ملك الحسين (علیه السلام) وسلطنته، إلَّا أن الحسين (علیه السلام) يبقى حيّاً حتى يرجع الرسول الأعظم والأئمة صلوات الله عليهم إلى انغلاق باب التوبة، ووسم الدابة بخاتم سليمان، بعد ذلك لتمييز المؤمن عن المنافق، كما لا يخفى على العارف الذكي.
وحاصل ما ذكرناه على نحو الإجمال.
أولاً: أنَّ المستفاد من اقتباسات أنوارهم من أخبارهم، ولمعات أسرارهم هو خروج الإمام القائم (علیه السلام).
وثانياً : يرجع الحسين (علیه السلام) وهو أول من يكرّ من الأئمة (علیه السلام)، وأصحابه معه؛ ویكرّ يزيد بن معاوية وأصحابه فيقتلهم حذو القذة بالقذة.
وثالثاً: يكر مولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) الكرة الأولى (1)لنصرة ولده الحسين (علیه السلام) كما
ذكرنا ثم يقتل.
ورابعاً: يكر القائم (علیه السلام) وسائر الأئمة، والزهراء صلوات الله عليهم، والحسين
1) (1) الكرة الأولى: هي رجعته مع الرسول، والقائم (علیه السلام) موجود، والحسين (علیه السلام) موجود.
(علیه السلام) حيّ، ولا أعلم ترتيب كرّات الأئمة (علیه السلام)، وأن أيها المتقدم بالكرة. ويُحتمل أن يكون كرة كل واحد منهم بحسب مرتبته من الإمامة، ويُحمل أن تكون كرّتهم معاً.
وخامساً: يكر الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) الكرة الثانية، وهي الكرة الزهراء الكبرىٰ.
وسادساً: ينزل السيّد الأكبر رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) من السماء. ويمكن الاستدلال على تفرق الأئمة (علیه السلام) واجتماعهم في الرجعة بما ورد في حديث المفضل بن عمر فراجعه.
ثم إنه إذا نزل رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) من السماء قتل إبليس وجنوده، واستقر الحق مقره؟ كما يحب الله ورسوله، ويكون الرسول الأعظم (صلی الله علیه وآله وسلم) هو السلطان والملك والحاكم على جميع الدنيا، والأئمة الاثنى عشر (علیه السلام) وزرائه وولاته في أقطار الأرض، أي من قبل رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)؟ ومنهم الإمام القائم (علیه السلام) فإنه يكون حاكماً ووالياً على قطر من أقطار الأرض من قبل الرسول الأعظم (صلی الله علیه وآله وسلم).
والمستفاد والمعروف من النصوص أيضاً أنَّ النبي والأئمة صلوات الله عليهم، يرفعون من الأرض بعد خروجهم وتمام مملكتهم كملاً دفعة واحدة، وذلك إذا أراد الله تعالى هلاك جميع الخلق وفناءهم.
وأما ترتيب رفعهم وكم بين الأول والثاني، فلم اقف على ما يدل على ذلك والله سبحانه أعلم بذلك. إلَّا أن الروايات دلت على أن الله تعالى إذا رفعهم ورفع القرآن معهم بقي الناس بعد ذلك أربعين يوماً في هرج ومرج، فتضطرب الأرض، وتنسد باب التوبة، ثم ينفخ اسرافيل (علیه السلام) نفخة الصعق فيسقط فيها التكليف.
وما روي من أن الساعة تقوم بعد القائم (علیه السلام) أربعين يوماً. فلا يبعد أن يُراد بذلك بعد صعوده إلى السماء مع الأئمة (علیه السلام) كما وردت بذلك الأخبار.
شرح عقائد الصدوق
قد روي عن أبي عبدالله (علیه السلام) أنه قال: إنما يسأل في قبره من محض الإيمان محضاً،
أو محض الكفر محضاً، فأما ما سوى هذين فإنه يلهى عنه. وقال في الرجعة: إنما يرجع إلى الدنيا عند قيام القائم (علیه السلام) من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً، فأما ما سوى هذين فلا رجوع لهم إلى يوم الماب.
مجمع البيان
روى الطبرسي عن الباقر (علیه السلام) قال: كل قرية أهلكها الله بعذاب، فإنهم لا يرجعون إلَّا إذا كان لهم قصاص، كما إذا قتلوا ظلماً، ولم يكونوا ما حضين للإيمان والكفر فإنهم يرجعون مع قاتليهم، قيقتلون قاتليهم، ويعيشون بعد أن يقتصّوا ثلاثين شهراً؛ ثم يموتون في ليلة واحدة، وهو الحشر الأول الذي أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله: ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممّن يكذب بآياتنا فهم يوزعون) [النمل 83] وقد ورد عنهم (علیه السلام) ليس أحد من المؤمنين قتل إلَّا ويرجع حتى يموت، ولا يرجع إلَّا من محض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً.
الوافي
روى علي بن إبراهيم عن أبيه، عن أبن أبي عمير، عن المفضل، عن أبي عبدالله (علیه السلام) في قوله: (ويوم نحشر من كل أمة فوجا) قال ليس أحد من المؤمنين قتل إلَّا يرجع حتى يموت، ولا يرجع إلَّا من محض الإيمان محضاً، ومحض الكفر محضاً.
بیان: صرحت هذه الأخبار وغيرهما من الأخبار الكثيرة، أن الرجعة ليست عامة لكل أحد، وإنما هي مختصة بصنف من الناس، وهم من محض الإيمان محضاً، أي كان مؤمناً خالصاً لا يخالطه شرك، أو معصية لأن المحض هو الخالص، الذي لم يخالطه غيره، أو الخالص الصريح عموماً، يقال: عربي محض، أو فارسي محض، أي خالص النسب. أو من محض الكفر محضاً: أي أنه كافر خالص، لا يخالطه إيمان؛ فهذان لهما حق في الرجعة، وأما من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً أو وخلط الإيمان مع الكفر فإن هذا الصنف من الناس ليس لهم حق في الرجعة الى يوم الماب أي يوم القيامة الا ان يقوموا بأعمال في زمن الغيبة مرّ ذكرها في الأعمال الواردة في زمن الغيبة، مثل قراءة دعاء العهد أربعين يوماً؛ أو قراءة سورة الإسراء في كل ليلة جمعة وغيرهما من الأعمال.
كما أن الكافر إنما يرجع في عالم الرجعة ليؤخذ منه القصاص، وينتقم منه في دار الدنيا، وله في الآخرة عذاب النار، فلذا يرجع يزيد بن معاوية وأصحابه الذين اشتركوا
معه في قتل الحسين بن علي (علیه السلام)، ومن سمع فرضي بفعلهم من آل أمية وغيره. والظالمين لآل محمد، فيقتص منهم، وينتقم منهم، ومأؤاهم جهنم وبئس المصير.
كما يرجع كل قاتل لأحد ظلماً وعدواناً فيقتص منه المقتول في دار الدنيا، وينتقم منه ومن عدالة الله تبارك وتعالى وإنصافه امكان المظلوم من الظالم وبعد أخذ القصاص منه، أن يعطي المظلوم إقامة في عالم الرجعة، فيبقيه ثلاثين شهراً أي سنتين ونصف بعد الانتقام من عدوه؛ وعبّر عنه بالحشر الأول مستدلاً بالآية المباركة (ويوم نحشر من كل أمة فوجاً) الآية [النمل 83] فيكون الحشر الثاني هو الحشر يوم القيامة؛ ويعلم من الآية المباركة أن عالم الرجعة هو الحشر الأول الذي يحشر الظالمين فيه للمظلومين، فيقتصون منهم ويأخذون حقوقهم منهم؟ والحشر الثاني هو الحشر في يوم القيامة للحساب، ولأخذ الله تعالى حقه منهم فيجزيهم بالعذاب الأليم والعقاب الشديد فالحشر في عالم الرجعة حشر لأخذ الحق الخاص من الظالمين، والحشر في يوم القيامة حشر لأخذ الحق العام منهم فليعلم الظالمون وأتباعهم ما أضمر الله تعالى لهم، وليجتنب الآخرون الظلم، فإن الله لا يحب الظالمين.
منتخب البصائر يحذف الإسناد عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب، عن زرارة قال: كرهت أن أسال أبا جعفر (علیه السلام) فاحتلت مسألة لطيفة لأبلغ بها حاجتي منه فقلت: أخبرني عمّن قتل مات. قال (علیه السلام): إن الموت موت، والقتل قتل فقلت: ما أجد قولك قد فرّق بين الموت والقتل في القرآن. فقال (علیه السلام) (أفان مات أو قتل) [ال عمران 144] وقال (ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون) [ال عمران 158] فليس كما قلت يا زرارة، فالموت موت والقتل قتل وقد قال الله عز وجل (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً) [التوبة 111] قال: قلت إن الله عز وجل يقول (كل نفس ذائقة الموت) [الانبياء 35] أفرأيت من قتل لم يذق الموت؟ فقال (علیه السلام): ليس من قتل بالسّيف كمن مات على فراشه، إن من قتل لا بدّ أن يرجع إلى الدنيا حتى يذوق الموت.
وفيه: عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: ليس من مؤمن إلَّا وله قتلة وموتة، إنه من قتل نشر حتى يموت، ومن مات نشر حتى يقتل؛ ثم تلوت على أبي جعفر (علیه السلام) هذه الآية (كل نفس ذائقة الوت) فقال: هو ومنشورة. قلت: قولك ومنشورة ما هو؟ فقال (علیه السلام) هكذا نزل بها جبرائيل على محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) (كل نفس ذائقة الموت ومنشورة) الخبر.
بیان: بعد أن فرق الإمام (علیه السلام) بين الموت والقتل، وإن حكم من مات على فراشه ليس كمن قتل؛ لأن من قتل شخصاً فقد أماته لأن القتل بمعنى الامانة العمدية، بخلاف الموت فإنه زوال الحياة عمّن كانت فيه، ومفارقة الروح للجسد، وهو الحتف يقال مات حتف أنفه، أي مات من غير قتل، ولا ضرب بل على فراشه. ذكر أنَّ كل من قتل لا بدَّ أن يرجع إلى الدنيا، حتى يذوق الموت، وهذا مطلق يقيّد بالخبر الثاني؛ حيث قيد ذلك بالمؤمن فإنَّ كل مؤمن أعطاه الله تعالى هذه الكرامة، حيث جعل له موتة وقتلة، فإن قتل نشر في عالم الرجعة، وتنعم فيه ومات بأجله المقرّر له في اللوح المحفوظ. وإن مات أحياه الله تعالى ونشر في عالم الرجعة، وتنعم فيه، ووفق للشهادة، فيقتل بأجله المقرّر له في اللوح المحفوظ.
ولذا فسّر الإمام (علیه السلام) الآية المباركة (كل نفس ذائقة الموت بزيادة قوله ومنشورة. وقال إن هذا التفسير وهذه الكلمة نزل بها جبرائيل (علیه السلام) على النبي محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، فلا يورد أحد على هذه الآية بأنها ناقصة، لأن هذا تفسير فسّره تعالى لنبيه (صلی الله علیه وآله وسلم) وإنَّ المراد بالآية هو هذا المعنى؟ فتكون نظير الآيات المتقدمة الذكر التي مرّ ذكرها في البيان السابق، في المصحف الذي يظهره الإمام القائم عجّل الله فرجه للناس فراجعه.
منتخب البصائر
قال: وقفت على كتاب خطب لمولانا أمير المؤمنين (علیه السلام)، وعليه خط السيّد رضي الدَّين علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس قدس سره، ما صورته: هذا الكتاب
ذكر كاتبه رجلين بعد الصادق (علیه السلام)، فيمكن أن يكون تاريخ كتابته بعد المائتين من الهجرة، لأنه (علیه السلام) انتقل بعد سنة مائة وأربعين من الهجرة. وقد روى بعض ما فيه عن أبي روح بن فرج بن فروة عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد صلوات الله عليهما، وبعض ما فيه عن غيرهما.
ذكر في الكتاب المشار إليه خطبة لمولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) تسمىٰ بالمخزون وهي:
الحمد لله المحمود إلى أن قال فيها (علیه السلام):
إن أمرنا صعب مستصعب، لا يحتمله إلَّا ملك مقرّب، أو نبي مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان؛ لا يعي حديثنا إلَّا حصون حصينة، أو صدور مصونة أمينة، أو أحلام رزينة يا عجباً كل العجب بين جمادي ورجب.
فقال رجل من شرطة الخميس: وما هذا العجب يا أمير المؤمنين؟
قال (علیه السلام): ومالي لا أعجب، وقد سبق القضاء فيكم، وما تفقهون الحديث إلَّا صوتات بينهن موتات، حصد نبات، ونشر أموات، يا عجباً يا عجباً كل العجب بين جمادي ورجب.
قال أيضاً رجل: يا أمير المؤمنين ما هذا العجب الذي لا تزال تعجب منه؟
قال (علیه السلام): ثكلت الآخر أمّه، وأي عجب يكون أعجب منه أموات يضربون رقاب وفي نسخة - هامات الأحياء!
قال: أنّى يكون ذلك يا أمير المؤمنين؟
قال (علیه السلام): والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، كأني انظر إليهم قد تخللوا سكك الكوفة، قد شهروا سيوفهم على مناكبهم، يضربون كل عدو لله، ولرسوله، وللمؤمنين؛ وذلك قول الله عز وجل (يا أيها الذين آمنو لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور) [الممتحنة 13] الخطبة.
جوا مع الكلم
قال علي (علیه السلام): العجب كل العجب بين جمادي ورجب.
فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما هذا العجب الذي لا تزال تعجب منه؟
فقال (علیه السلام): ثكلتك أمك، وأيّ عجب أعجب من أموات، يضربون كل عدو لله، ولرسوله، ولأهل بيته؛ وذلك تأويل هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور). فإذا اشتد القتل قلتم مات، أو هلك في أيّ واد سلك: وذلك تأويل هذه الآية: (ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبينن وجعلناكم أكثر نفيراً) [الاسراء 6].
بیان: دلت الخطبة المتقدمة التي سمّيت بالمخزون لما فيها من علم مخزون، وسرّ مكنون المشتملة على عجائب وأسرار؛ فذكر الامام (علیه السلام) في صدرها مشيراً للأسرار التي يحملونها، والعجائب التي يكتمونها، بأنَّ تلك العجائب والأسرار، لا يحتملها الَّا ملك مقرب بغير المقرب يظهرها إلى ملك آخر غيره، أو نبي مرسل؛ فغير النبي المرسل لا يحتمله في جوفه، حتى يخرجه إلى نبي غيره، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان؛ فغير العبد الممتحن قلبه للإيمان لا يحتمله، حتى يخرجه إلى مؤمن غيره، وهذا بناء على وجود حرف الإستثناء وهي كلمة (إلَّا) في الحديث.
وأما بناء على عدم وجود كلمة إلَّا كما في الرواية الأخرى قال (علیه السلام): حديثنا صعب مستصعب، لا يحتمله ملك مقرّب، ولا نبي مرسل، ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان: يكون المعنى أن تلك الأسرار والعجائب الإلهية المخزونة، والعلوم المكنونة، لا يحتملها ملك مقرّب، ولا نبي مرسل، ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان؛ إلَّا أن يظهرها ويخرجها إلى غيره فالمعنى أنه لا يحتمل إلَّا النبي المرسل، ونحن أوصياء فقط. وقيل: لعل المراد بالحديث فتواهم في الأحكام الإلهية، وأسرار الله المخزونة عندهم.
والمراد بالأمر شأنهم وما لهم من الكمال الخارج عن كمال غيرهم، كالقدرة على ما يخرج عن وسع غيرهم؛ والأخبار بالأمور الغائبات، والحوادث، والوقائع، المستقبلة لزمانهم التي تقع مطابقه لأخبارهم؛ وهذه الأمور، والعجائب، والأسرار أمر صعب في نفسه لا يقدر عليه إلَّا الأنبياء والأوصياء؛ ومستصعب الفهم على الخلق، ويعجز عن حمله سائر الناس، لما فيه من الأسرار، والإشارات، والغرائب، والعجائب، والإمارات التي لا يحيط بها إلَّا الأنبياء وأوصيائهم (علیه السلام)؛ فلذلك لا يحتملها إلَّا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان. وذكر الإمام (علیه السلام) في آخر الخطبة من صدور عجائب وحدوث غرائب بين جمادي ورجب، فقال مرة: يا عجباً، يا عجباً كل العجب بين جمادي ورجب، وأخرى: العجب كل العجب بين جمادي ورجب؛ وهذه الكلمات
قد تكررت منه (علیه السلام) مراراً في خطب أخرى، وأحاديث أخرى؛ ولكن في كل مورد يتعجب من صدور أمر عجيب، وحادث غريب.
ففي المقام تعجب من إحياء الأموات من المؤمنين؛ ورجعتهم في زمن قيام القائم (علیه السلام)؛ وجهادهم بين يديه، وقتلهم لأعداء الله ورسوله واعداء أهل البيت من اليهود والنصارى، والكفار وأتباعهم من المنافقين والأشرار، وقد صرح في الخبر بأن هؤلاء الأموات من المؤمنين يقتلون كل عدوّ الله، ولرسوله، ولأهل بيته، واستشهد بالآية المباركة، وهي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا) أي لا تتخذون أولياء وملوكاً، وتجعلون القائمين بأموركم وأمور المملكة قوماً غضب الله عليهم، وهم اليهود، والنصارى، والكفار، والمنافقون، من أتباعهم من الأشرار؛ فإن هؤلاء لا يعتقدون بدين، وبكل مبدأ سماوي، كافرين أو مشركين. فإن هؤلاء قد يئسوا من الآخرة، ومن رحمة الله، كما يئس الكفار من أصحاب القبور أن يحيوا ويبعثوا.
ثم قال (علیه السلام) في آخر الخبر: فإذا اشتد القتل: أي إذا وقعت الحروب في الدنيا، وكانت شديدة وكثيرة، قلتم مات، أو هلك، أي أنكر كثير من الناس وجود صاحب الزمان (علیه السلام)، وأنكروا ظهوره، وقالوا: مات في طوال هذه المدة، وكثرة القرون؛ أو هلك في أي واد من أودية الدنيا سلك؛ فلا أثر له، حتى يظهر فإذا حصل اليأس والقنوط من الناس، من ظهور صاحب الأمر (علیه السلام)، أظهره الله تعالى للمؤمنين، وأحي به الدَّين وأشرقت الأرض بنور ربِّها، وأمد المؤمنين بأموال وبنين، وجعلهم أكثر أنصاراً وأعواناً من غيرهم فتعود السلطنة والمملكة لهم بعد أن كانوا مستضعفين؛ وتُرد الإمارة لهم، بعد أن كانوا ضعفاء محتاجين؛ وأشار الإمام بالآية إلى ذلك.
(ثم رددنا لكم الكرة): أي أرجعنا لكم الدولة، وجعلنا لكم الظفر والغلبة على الأعداء؛ لأن الكرة بمعنى الرجعة. ولذا ورد في حديث علي (علیه السلام): أنه لصاحب الكرات ودولة الدول. أشار إلى الرجعة في زمان ظهور صاحب الأمر (علیه السلام)، والمراد بقوله: ودولة الدول: أي أنا صاحب الدولة؛ فتكون الدولة للأئمة (علیه السلام) وللمؤمنين.
(وأمددناكم بأموال وبنين): أي وأكثرنا لكم الأموال والأولاد، لأن الله يفتح للإمام الحجة (علیه السلام). كنوز الأرض، فيقسمها بين المؤمنين؛ ومن فضل الله تعالى (ع وبركاته، يعيش الرجل ألف سنة، يولد له ألف ولد، ورد الله لهم العدة والقوة.
(وجعلناكم أكثر نفيراً): أي أكثر عدداً وأنصاراً وأعواناً من أعدائكم والعاقبة للمتقين.
فروع الكافي
في خبر بريد بن معاوية، عن الصادق (علیه السلام) قال: يا بريد أما والله لا تذهب الأيام والليالي، حتى يحيي الله الموتى، ويميت الأحياء ويرد الله الحق إلى أهله، ويقيم دينه الذي ارتضاه لنفسه. الخبر.
بيان: دل الخبر على أن الرجعة محقّقة للمؤمنين، وأنها لا بدّ أن تقع، ويحيي الله تعالى الاموات من المؤمنين، ويميت الأحياء المخالفين بسيوف المؤمنين، لأن الأحياء في آخر الزمان قبل الرجعة، واغلبهم من الكفار واليهود والنصارى والمنافقين. والخالفين ويرد الله الحق إلى أهله أي ترجع الدولة في زمن الرجعة لآل محمد (علیه السلام)، الذين هم أهلها، وأهل الحق والعدالة، فيقمون الدِّين على قواعده الأصلية، وينشرون الأحكام الشرعية، ويملأون الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلما وجوراً.
الدمعة الساكبة
عن الإقبال عن كتاب السدّة من كتاب مزار بن أبي قرة
بحذف الإسناد عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي (علیه السلام) قال: كان أبي علي بن الحسين (علیه السلام) اتخذ من بعد مقتل أبيه الحسين ابن علي (علیه السلام) بيتاً من شعر، وأقام بالبادية، فلبث بها عدة سنين، كراهية لمخالطة الناس وملابستهم وكان يسير من البادية بمقامه بها إلى العراق زائراً لأبيه، وجدّه (علیه السلام)، ولا يشعر أحد بذلك من فعله. قال محمد بن علي (علیه السلام): فخرج سلام الله عليه متوجها الى العراق لزيارة أمير المؤمنين (علیه السلام) وأنا معه وليس معنا ذو روح إلَّا الناقتين، فلما انتهى إلى النجف من بلاد الكوفة. وصار إلى مكان منه، فبكى حتى اخّضلت لحيته بدموعه ثم قال: (السلام عليك يا أمير الله في أرضه وحجته على عباده) وذكر الزيارة المعروفة. ثم قال: قال الباقر (علیه السلام): ما قالها أحد من شيعتنا عند قبر أمير المؤمنين (علیه السلام)، أو عند قبر أحد الأئمة (علیه السلام) إلَّا وضع في
درج من نور، وطبع عليه بطابع محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، حتى يسلم إلى القائم صلوات الله عليه، فیلقى صاحبه بالبشرى والتحية والكرامة إن شاء الله. قال في الدمعة الساكبة بعد هذا الحديث: أقول: قوله: حتى يسلم إلى القائم (علیه السلام): أي بعد ظهوره بقرينة طبع النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) للدرج، وهو الكتاب المدرج فيه اسم الزائر بهذه الزيارة، وتسليمه إلى القائم (علیه السلام)، فإنَّ ضمير يلقى عائد إلى القائم صلوات الله عليه، بل لا يحتمل غير ذلك. وهذا وعد بالرجعة، وإخبار بها، لمن زار الأئمة (علیه السلام) بالزيارة المذكورة، على تقدير موته قبل ظهور المهدي (علیه السلام)، مضافاً إلى التصريحات الكثيرة الآتية إن شاء الله تعالى. انتهى کلامه.
بیان: كنت قبل أن أطلع على هذا الكتاب المخطوط إذا وفقت لزيارة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) في النجف الأشرف، فربما أزور هذه الزيارة، وربما زرت بغيرها، كزيارة الجامعة وغيرها؛ ولكن لما اطلعت على هذه الرواية، ورأيت هذه الفائدة المهمة لزيارة أمين الله، وأنه ما قالها أحد عند قبر الإمام أمير المؤمنين، أو عند قبر أحد الأئمة (علیه السلام) إلَّا وضع في درج من نور، أي يكتب للزائر أنه زار بهذه الزيارة المقدسة في كتاب من نور؛ ويرفع ذلك إلى جنة السماء، التي فيها أرواح الأنبياء، والأئمة (علیه السلام)؛ فيوقع الكتاب، ويطبع بطابع النبي محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، ويحفظ حتى يظهر القائم (علیه السلام)، ويلقاه بالبشرى والتحية والكرامة فالتزمت كلما وفقت لزيارة أمير المؤمنين، زرت بهذه وهذه الزيارة هي افضل الزيارات، لاشتمالها على الدعاء بل أن أغلبها الدعاء ومنه الدعاء بأن يجمع الله المؤمن مع أوليائه.
حيث قال في آخر الزيارة: اللهم فاستجب دعائي، واقبل ثنائي، واجمع بيني وبين اوليائي، والمراد بأولياء المؤمن هم النبي والأئمة (علیه السلام)؛ فيجمع الله تعالى المؤمن بأوليائه في عالم الرجعة؛ والقائم (علیه السلام) من أوليائه، وهو أول إمام يحكم في عالم الرجعة فإن وفق الزائر بهذه الزيارة وبقي حيّاً إلى ظهور الإمام (علیه السلام)، يلقى الإمام الحجة (علیه السلام) الزائر بها بالبشرى والتحية والكرامة؛ وإن مات قبل ظهور الحجة (علیه السلام) احياه الله تعالى، فيكون وعداً بالرجعة، وإخباراً من الإمام (علیه السلام) بأن من زار بهذه الزيارة قبر الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، أو قبر أحد الأئمة (علیه السلام)، يرجع عند قيام القائم (علیه السلام)، فيلقاه بالبشرى والتحية والكرامة. وهذه فائدة مهمة لزيارة أمين الله فلا تغفل عنها.
مشارق أنور اليقين
عن كتاب الواحدة للقمي قال: خطب الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) فقال: الحمد لله
مدهِّر الدّهور، وساقها إلى أن قال فيها: أنا باب المقام، وحجة الخصام، ودابة الأرض وصاحب العصا، وفصل القضاء، وسفينة النجاة؛ لم تقم الدعائم بتخوم الأقطار، ولا أعمدة فساطيط السحاق، الّا علىٰ كواهل أمورنا. أنا بحر العلم، ونحن حجة - وفي نسخة - حجبة الحجاب، فإذا استدار الفلك وقيل: مات أو هلك إلَّا أنّ من طرفا حبل المتين إلى قرار الماء المعين، إلى بسيطة التمكين، إلى وراء بيضاء الصين إلى مصارع قبور الطالقان، إلى نجوم ياسين، وأصحاب من أهل العليين العالين؛ وكتم أسرار الطواسين إلى البيداء الغبراء إلى حدّ هذا الثرىٰ؛ أنا ديان الدِّين، لأركبنَّ السحاب، ولأضر بنَّ الرقاب، ولأهدمنَّ إرماً حجراً حجراً، ولأجلسن على حجر لي بدمشق، ولأسومنَّ العرب سوم المنايا. فقيل: متى هذا؟ فقال (علیه السلام): إذا أنا متّ، وصرت إلى التراب، وسويّ علي اللّبن، وضربت عليّ القباب.
بيان: هذه خطبة عظيمة من خطب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام)، فيها كثير من الأسرار والأخبار عن المغيبات، والأخبار عن رجعته في زمان الرجعة.
فقال في صدرها: أنا باب المقام: المقام بالفتح، الموضع والمنزلة؛ وبالضم الإقامة وموضعها وزمانها. فإن قرىء بالفتح فيكون المعنى: أنا باب المنزلة الرفيعة ومدخلها، فمن دخل في ولايته وكان من شيعته نال المنزلة الرفيعة. وإن قرئت بالضم فالمعنى: أي أنا باب الإقامة وموضعها وزمانها، أي باب يقوم الناس عنده للتعليم من علومه، والاستضاءة بنور علمه، لأنه باب مدينة العلم الذي قال فيه رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة والحكمة فليأتها من بابها.
وحجة الخصام: أي هو الحجة والبرهان والدليل عند الخصام.
ودابة الأرض وصاحب العصا: وهذا لقب خاص للإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، لقَّبه به النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، لأنه هو الذي يخرج في آخر زمان الرجعة، بعد انغلاق باب التوبة، وقبل القيامة ومعه عصا موسى (علیه السلام)، والميسيم وهو خاتم سليمان (علیه السلام)، فيسم بالخاتم المؤمن بين عينيه، فيكتب مؤمن؛ ويسم الكافر بين عينيه فيكتب كافر. وينكت وجه المؤمن بالعصا فيجعله أبيضاً، وينكت وجه الكافر بالعصا فيجعله أسوداً.
وفصل القضاء: أي هو الفاصل في الحكومات، والحاكم في الخصومات.
وسفينة النجاة: أي أنَّ من دخل في ولايته فقد نجى، ومن تخلف عنها هلك وهوى.
لم تقم الدعائم، الدعائم جمع دعامة، وهو عماد البيت الذي يقوم عليه، ثم استعير لمعان أخر. والمراد منه دعائم الإسلام، أو دعائم الدِّين. ومنه ما ورد في الزيارة في وصف أهل البيت (علیه السلام)، أشهد أنكم دعائم الدِّين وفي الحديث: دعائم الإسلام خمس يريد الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، والولاية. وأما دعائم السماء وهي أعمدتها القائمة عليها، فإنها إنما قامت بأسمائهم ولأجلهم. بتخوم الأقطار: التخوم حدّ الأرض، ومنتهى الأرض، والفصل بين الأرضين، فالمعنى أنه لم تقم الدعائم في منتهى أقطار الأرض وحدّها، وبالفصل بين الأرضين إلَّا بالأئمة (علیه السلام).
ولا أعمدة فساطيط السحاق إلَّا على كواهل أمورنا: فساطيط جمع الفسطاط، وهو البيت من الشعر فوق الخباء، والمراد به هنا السموات. والسحاق هو البعيد؛ والمعنى أن أعمدة السموات العالية، البعيدة المسافة، لم تقم إلَّا على كواهل أمورنا، والكواهل جمع كاهل، وهو أعلى الظهر مما يلي العنق؛ أي أن تلك السموات العالية، البعيدة المرتفعة بالأعمدة، إنما قامت بنا ولأجلنا وهذا عين ما ورد في حديث الكساء، المرويّ عن فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، عن أبيها (صلی الله علیه وآله وسلم) عن الله تعالى حيث قال: إني ما خلقت سماء مبنية، ولا أرضاً مدحية، إلَّا لأجلكم. الحديث.
ثم قال: أنا بحر العلم. عبَّر الإمام (علیه السلام) عن نفسه ببحر العلم للمناسبة بينه وبين البحر من جهات كثيرة منها:
اولا لا يحاط بشاطئيه وحافيته، وكذلك علم الإمام (علیه السلام) فإنه لا يحاط به.
وثانياً: إن البحر لا يدرك ما في قعره، وما فيه، وبحقيقته، والإمام (علیه السلام) لا يدرك بحقيقته، ولا يعرفه أحد إلَّا الله تعالى ورسوله (صلی الله علیه وآله وسلم).
وثالثاً: إن البحر عظيم واسع، وعلم الإمام (علیه السلام) أيضاً عظيم واسع.
ورابعاً: إن البحر كثير الفوائد والعوائد، وكذلك الإمام (علیه السلام) فإنه كثير الفوائد والعوائد، إلى غير ذلك من الجهات ذكرنا بعضها.
ثم قال: ونحن حجبة الحجاب - وفي نسخة - حجة الحجاب: فلو كانت النسخة حجبة الحجاب فالحجبة جمع حاجب، وهو الحاجز المانع عن رؤية المحجوب عنه، والمراد به هنا أن الإمام (علیه السلام) هو حاجز، وسفير بين الله تعالى وبين خلقه، وترجمان عن الله تعالى، ولسانه الناطق في بريته كما ورد أنَّ محمداً (صلی الله علیه وآله وسلم) حجاب الله، أي ترجمانه، ولسانه الناطق في بريته، فهو من حجبة الحجاب، لمن كان حجابه النور، وهذا من أوصافه تبارك وتعالى، فقد ورد في وصفه تعالى (حجابه النور) يشير بذلك إلى أنَّ حجابه خلاف الحجب المعهودة، فهو تعالى محتجب عن الخلق بانوار عزه وجلاله، وسعة عظمته وكبريائه؛ وذلك هو الحجاب الذي تدهش دونه العقول، وتذهب الأبصار، وتنحسر البصائر؛ ولو كشف ذلك الحجاب فتجلّیٰ بما ورائه من حقائق الصفات، وعظمة الذات، لم يبق مخلوق إلَّا احترق، ولا معظور(1)إلَّا اضمحل.
فأصل الحجاب هو الستر الحائل بين الرائي والمرئي، وهو هناك راجع إلى منع الأبصار من الإبصار بالرؤية له، بما ذكره فقام ذلك المنع مقام الستر الحائل؛ فعبر عنه بالحجاب فالأئمة (علیه السلام) هم حجبة ذلك الحجاب والحاجز، والسفير بين الله تعالى وبين خلقه.
وعلى فرض كون النسخة نحن حجة الحجاب: أي هم الدليل والبرهان على ذلك الحجاب كما ورد بأن الأئمة (علیه السلام) هم الأدلاء على الله تعالى، والدليل إليه والبرهان على وجوده.
ثم قال: فاذا استدار الفلك قلتم مات أو هلك: أي إذا مرّت الدهور، ومضت الأزمان والقرون على غيبة الإمام القائم (علیه السلام)، قال الأعداء والمخالفون للأئمة (علیه السلام) مات
1) (1) المغطور: سيء الخلق.
الإمام الحجة (علیه السلام)، أو هلك في هذه الأعوام الكثيرة، ويستحيل بقاؤه في هذه المدة الطويلة؛ إلَّا أن هلاكه يحتمل وجوهاً عند أعداء الأئمة (علیه السلام):
الأول: قالوا: يمكن أنه شنق بين طرفي حبل متين فهلك. الثاني: يمكن أنه غرق في ماء معين أي جار فمات.
الثالث: يمكن أنه ذهب إلى أرض تسمى بسيطة تمكن فتاه في تلك الأرض فهلك.
الرابع: يمكن أنه ذهب إلى ما وراء الأرض البيضاء في الصين، وهي صحراء خالية، لا ماء فيها، ولا كلاء فهلك فيها.
الخامس: يمكن أنه صرع في الخسف، الذي وقع في الطالقان، فهلك في مصارع قبور الطالقان، أو قصورها - في نسخة - فهلك فصار إلى تخوم أي قعر، أو نجوم، أي منتهى، أو نهاية أرض ذلك الوادي، فهذه أقوال و احتمالات واهية، قالوا بها، واحتملها الكفار والمخالفون وأعداء الأئمة (علیه السلام).
ثم رد على المحتملين لهذه الإحتمالات الواهية، وأهل العقائد الفاسدة، بأنه لو صح ما تقولون فمن لأصحاب السين، وهم أصحاب السفياني الأخير الذي يقوم قبل قيام القائم (علیه السلام)، الذينهم من أهل العليين العالين، وهم الذين ينزلون أعالي البلاد، ومن أهل الثروة، والغنى، والسلطنة، ومن أهل الظلم والجور، ومن يقتل هؤلاء وغير الإمام القائم (علیه السلام)؛ فلو كان قد مات أو هلك، فمن يقوم غيره بهذه الأعمال الجليلة، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلما وجوراً.
ولكن بعد كشف اسرار الطواسين المكتومة، وهي الحروف الواقعة في أوائل السور في القرآن؛ فإذا انكشف ما كان مكتوماً من أسرار الطواسين، وانتهت المدة المقرّرة في اللوح المحفوظ، وبعد أن يقع حادث الخسف بجيش السفياني في البيداء الغبراء، في الحجاز بين مكة والمدينة، وإلى حدّ هذا الثراء يظهر الإمام القائم (علیه السلام)، ويتحقق زمان الرجعة، فيرجع الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام).
فلذا قال: إلى هذا الحد، وإلى هذا الزمان أنا ديَّان الدِّين: أي الحاكم الديني في الدنيا، أو القاضي الدِّيني بين الناس، وقد أعدَّ الله تعالى له في عالم الرجعة أن يركبه السحاب بدل الطائرة، ويرقى في الأسباب، ويضرب رقاب الأعداء للدِّين وللمسلمين.
ويهدم إرماً وهي بلاد الشامات من الأردن، وفلسطين، وسوريا، ولبنان، وما حولها. من بلاد المخالفين.
ولأجلسن على حجر لي بدمشق: أي يجلس في ديار وبيوت تعدُّله في دمشق.
ولأسومنَّ العرب سوم المنايا: أي لألزمهم وأكلفهم ذل الموت، وهذا كناية عن قتلهم والانتقام من فساقهم بالقتل والدمار.
ثم سئل متى تقوم بهذه الأعمال يا أمير المؤمنين؟ فقال: إذا متّ وصرت إلى التراب، وسوّي عليّ اللبّن، وضربت عليّ القباب: أي أني أقوم بهذه الأعمال بعد وفاتي، ودفني في التراب، وتسوية اللبن عليّ، وضربت على مرقدي القباب. والقباب، جمع قبة، وهذا من أخباره بالمغيبات، حيث أخبر عن بناء قباب متعددة على مرقده الشريف في النجف الأشرف، مع أنَّ الظاهر أنها قبة واحدة ذهبية لا غيرها؛ ولكن بعد التحقيق والسؤال من المعمارين المختصين ببناء الحرم الشريف قالوا: إن هذه القبة التي ترونها مكوّنة من قباب ثلاثة:
الأولى: قبة مبنية من الأجر والكاشي الملوّن، وهي من الجهة التحتية البارزة من داخل الحرم.
الثانية: قبة أخرى فوقها من البورق المعجون ببياض البيض بدل الماء والمرايا.
الثالثة: قبة فوقها من الذهب، فهذه قباب ثلاثة أخبر عنها الإمام (علیه السلام) ولو لم نر هذا الخبر لم يكن لنا علم بهذه القباب، لأن الظاهر منها أنها قبة ذهبية واحدة؛ فهذا أخبار عن أمر خفيّ؛ ولذا ذكر القبة بلفظ الجمع فقال: وضربت عليّ القباب، ولم يقل وضربت عليّ القبة. وهذا من علم الغيب الذي أبداه لنا، ومن الأسرار المخفية العجيبة صلوات الله عليه وعلى ابنائه الطاهرين.
وفيه: في فصل آخر في خطبة للإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) قال فيها: أنا الذي أقتل مرتين، وأحيىٰ مرّتين، وأظهر كيف شئت؛ أنا محيي الخلائق وإن كثروا؛ وأنا محاسبهم وإن عظموا؛ أنا الذي عندي ألف كتاب من كتب الأنبياء، أنا الذي جحدوا ولايتي ألف أمة، فمسخو، أنا المذكور في سالف الزمان، والخارج في آخر الزمان.
بیان: هذه قطعة من خطبة للإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، تشتمل على عدة أسرار مخفيّة أبداها، وجملة من المغيبات كشفها لنا فقال:
أنا الذي أُقتل مرتين، وأحي مرتين: قد ذكرنا في بيان سابق، أن كل مؤمن له موته وقتلة؛ فالإمام (علیه السلام) يمتاز بأنه يقْتل مرّتين، ويحيى مرّتين، أي أنه قتل أولاً ويحيى في عالم الرجعة؛ يُقتل في عالم الرجعة في بعض الحروب، ولم يعلم قاتله، ثم يحيى مرّة ثانية، ويبقى حتى يُرفع إلى السماء مع الأئمة (علیه السلام). وسيأتي في بيان خاص إن شاء الله الرحمن، أنَّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) له رجعات وكرّات، لارجعتين؛ ولا منافاة بين هذه الطائفة، وتلك الطائفة من الأخبار، لأنهما دليلين مثبتين. فهذه الطائفة تدل على رجعتين للإمام، وتلك تدل على رجعات.
ثم قال: وأظهر كيف شئت: حيث إنَّ الامام (علیه السلام) مركب من جسم نورانيّ علويّ، وجسم ماديّ؛ ومركب فيه أرواح خمسة كما دلت عليه الروايات، وإن كانت هذه الأرواح غير داخلة في البدن بالجزئية والحلول؛ بل هي منزّهة عن صفات الجسمية. متعلقة بالجسم تعلق التدبير والتعرف فقط، كما هو مختار أعاظم الحكماء الإلهيين؛ وعليه استقرّ رأي أكثر المتكلمين من الإمامية كالشيخ المفيد وغيره. وقد ورد في الحديث: الأرواح خمسة: روح القدس، وروح الإيمان، وروح القوة، وروح الشهوة، وروح البدن؛ فمن الناس من يجتمع فيه الأرواح الخمسة وهم الأنبياء السابقون؛ ومنهم من تجتمع فيه أربعة أرواح، وهم ممّن عداهم من المؤمنين، ومنهم من تجتمع فيه ثلاثة أرواح، وهم اليهود والنصارى ومن يحذوا حذوهم.
بيان: دل هذا الخبر أن الأرواح الخمسة تجتمع في الأنبياء السابقين، وهناك ما يدل على أن هذه الأرواح الخمسة، تجتمع الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين.
فقد روي في الكافي عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن قول الله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) [الشورى 52] قال: خلق من خلق الله تعالى أعظم من جبرائيل ومكائيل كان رسول الله مع (صلی الله علیه وآله وسلم) يخبره، ويسدده، وهو مع الأئمة (علیه السلام) من بعده.
بیان: دل هذا الخبر على أن روح القدس يجتمع بالأئمة وهو أعظم من جبرائيل (علیه السلام) وميكائيل (علیه السلام) وكان مع النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، وبعده كان مع الأئمة (علیه السلام) يسددهم.
وعن أمير المؤمنين (علیه السلام): خلق الله الناس على ثلاث طبقات، وأنزلهم ثلاث منازل، وذلك قول الله تعالى (أصحاب الميمنه - وأصحاب المشئمة - والسابقون)
الواقعة 8 - 10].
فأمّا السابقون: فإنهم أنبياء مرسلون وغير مرسلين جعل الله فيهم خمسة أرواح: روح القدس: وبها بعثوا أنبياء مرسلين، وغير مرسلين، وبها علموا الأشياء. وروح الإيمان: وبها عبدوا الله تعالى، ولم يشركوا به شيئاً. وروح القوة: وبها جاهدوا عدوهم، وعالجوا معاشهم. وروح الشهوة: وبها أصابوا لذيذ الطعام، ونكحوا الحلال من شباب النساء. وروح البدن: وبها دبّوا ودرجوا.
وأما أصحاب الميمنة: وهم المؤمنون حقاً جعل الله فيهم أربعة أرواح: روح الإيمان، وروح القوة، وروح الشهوة، وروح البدن، فلا زال العبد يستكمل هذه الأرواح الأربعة حتى تأتي عليه حالات:
أما الأولى: فكما قال تعالى (ومنكم من يُردّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئاً) [النحل 80] فهذا تنتقص منه جميع الأرواح، وليس بالذي يخرج من دين الله لأن الفاعل به هو الذي رده إلى أرذل العمر.
ومنهم: من ينتقص منه روح القوة، فلا يستطيع جهاد عدوه، ولا يستطيع طلب المعيشة.
ومنهم: من ينتقص منه روح الشهوة، فلو مرّت به أصبح بنات آدم لم يحن إليها؛ وتبقى روح البدن فيه، فهو يدب ويدرج حتى يأتيه الموت، فهذا الحال خير له، لأن الله هو الفاعل به ذلك، وقد تأتي عليه حالات في قوته وشبابه، فيهّم بالخطيئة فتشجعه روح القوة، وتزين له روح الشهوة، وتقوده روح البدن حتى توقعه في الخطيئة، فإذا لامسها نقص منه الإيمان فليس يعود فيه حتى يتوب.
وأما أصحاب المشئمة: فهم اليهود والنصارى، جحدوا ما عرفوا، فسلبهم الله روح الأيمان وأسكن أبدانهم ثلاثة أرواح: روح القوة، وروح الشهوة، وروح البدن. ثم : أُضافهم إلى الأنعام فقال (إن هم إلَّا كالأنعام) [الفرقان 44].
فتحصل ممّا ذكرنا أنّ الإمام (علیه السلام) تجتمع فيه الأرواح الخمسة، وعالم بجميع الأشياء والأمور؛ وعنده هياكل مختلفة، ومزوّد بالأسماء العظمى، ففي كل كيفية أراد أن يظهر للناس، فهو قادر على ذلك. ولذا قال: وأظهر كيف شئت.
ثم قال: أنا حي الخلائق وإن كثروا: أي أنه قادر على إحياء الأموات وإن كانوا
كثيرين، فهو يحيي الموتى بإذن الله تعالى، كما كان عيسى بن مريم (علیه السلام) يحيي الموتى باذن الله تعالى.
وأنا محاسبهم وإن عظموا: أي يحفر عند الحساب، ويحاسب الناس على أعمالهم وإن كبروا.
أنا الذي عندي ألف كتاب من كتب الأنبياء: أي أنه الوارث لكتب الأنبياء
وصحفهم، والجامع للعلوم، والعالم بما كان، وما يكون، وما هو كائن إلى يوم القيامة.
أنا الذي جحد ولايتي ألف أمة فمسخوا: لأن ولايته شرط في قبول الأعمال، ونجاة لمن تمسك بها، ومن تخلّف عنها هوى وهلك، وكان من أهل النار؛ ولما كانت الأمم السابقة يأتيها العقاب بغتة، إمَّا بالخسف، أو بالقذف، أو بالمسخ؛ فأولئك الأمم السابقة عرضت عليهم ولاية الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، فجحدوا بها، فمسخهم الله تعالى قردة وخنازير. فلا يقول أحد: إن الأمم السابقة لم يعرفوا الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) حتى يجحدوه، فنقول: إن الإمام (علیه السلام) قال في بعض خطبه: أنا المذكور في الزبور والتوراة والإنجيل، والقرآن. وفي مورد آخر أنَّ اسمه في التوراة إليا، وفي القرآن عليا.
وفي الخطبة الطنتجية أنا طيبوسا، أنا جالينوشا، أنا البارجلون، أنا عينوثا: وهذه أسماء للإمام علي (علیه السلام) في الأمم السالفة، وفي اللغات القديمة، مثل السريانية والعبرانية، وغيرهما، من الصحف السماوية التي نزلت على الأنبياء والمرسلين. فكل أمة من الأمم السالفة اعترفت بولايته كانت ناجية، وكل أمة جحدت ولايته كانت هالكة، وعلى ذلك يدل قوله (علیه السلام): أنا المذكور في سالف الزمان، أي في صحف الأنبياء والمرسلين وكتبهم، فمن اعترف بولايته نجى، ومن أبى هوى. وهذا أمر ثابت في الدنيا، وقد انبأ عنه في هذه كلامه، وأخبرنا بأمر غيبيّ وسرّ مخفيّ وهو أنه قد مسخ الله تعالى ألف أمة الجملة من جحدوا ولايته.
والمسخ قد مرّ أنه تحويل صورة الشخص إلى صورة أخرى، فيمسخ إمَّا كلباً، أو خنزيراً، أو قرداً، أو دبّاً، وغيرها من الحيوانات؛ وقد مرّ ذلك في الجزء الأول من كتابنا.
ثم قال: وأنا الخارج في آخر الزمان: وقد مرَّ أنه يخرج بالعصا والميسم، وهو خاتم سلیمان (علیه السلام) بعد انغلاق باب التوبة قبل القيامة، للتّمييز بين المؤمن والكافر؛ وسيأتي ذكر ذلك في آخر الكتاب في بيان لاحق إن شاء الله الرحمٰن.
دلائل الإمامة. لمحمد بن جرير بن رستم الطبري ص 338
ذكر حديثاً يسنده عن سلمان قال: قال لي رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): إن الله تعالى لم يبعث نبيّاً، ولا رسولاً إلَّا جعل له اثنا عشر نقيباً. فقلت: يا رسول الله لقد عرفت هذا من أهل الكتابين. فقال: هل علمت من نقبائي الاثنا عشر الذين اختارهم الله للأمة من بعدي؟ فقلت: الله ورسوله أعلم فقال: يا سلمان وأخبره بالأئمة (علیه السلام) من بعده، أوّلهم الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) وذريته الأحد عشر (علیه السلام) إلى أن وصل إلى ذكر محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله.
ثم قال: يا سلمان إنك مدركه، ومن كان مثلك، ومن تولاه هذه المعرفة فشكرت الله وقلت: وإني مؤجل إلى عهده. فقرأ قوله تعالى (فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً) [السراء 6] قال سلمان: فاشتد بكائي، وقلت يا رسول الله أبعهد منك؟ فقال: إي والله الذي أرسلني بالحق مني ومن عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، والتسعة؛ وكل من هو منّا، ومعنا ومضام فينا؛ أي والله، وليحضرن إبليس له وجنوده، وكل من محض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً، حتى يؤخذ له بالقصاص والأوتار، ولا يظلم ربك أحداً، وذلك تأويل هذه الآية: (ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكّن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) [القصص 5] قال: فقمت من بين يديه، وما أبالي لقيت الموت أو لقيني.
بيان: دلّ هذا الخبر على رجعة جمله من المؤمنين، ورجعة سلمان، وأمثاله من الصلحاء والمؤمنين، الذين وصلوا بدرجة الإيمان إلى درجة سلمان. فقد ورد أنَّ سلمان وصل إلى الدرجة العاشرة من الإيمان وهو صاحب رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ومن حواريه ولذا
بشره النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) بالرجعة في زمان الرجعة؛ وبشّر من كان في درجته من الإيمان والمعرفة من العلماء العاملين، والصلحاء، والمجتهدين، والأخيار المتقين بالرجعة أيضاً. كما بشر من كان يتولى الإمام القائم (علیه السلام)، وعارف به، وبإمامته في زمن الغيبة بالرجعة أيضاً. وعند الاستفسار منه عن أنه مؤجل، أي باق الى عهده، أي إلى منا الإمام (علیه السلام)، فاستدل بالآية المباركة على الرجعة، وهي قول تعالى (ثم رددنا لحم الكرة) الآية وهذه من الآيات المفسرة بالرجعة.
ولما طلب سلمان عهداً من النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) بالرجعة، أعطاه عهداً منه، ومن الأئمة (علیه السلام) برجعته ورجعة كل من هو منهم من الأئمة (علیه السلام) وأولادهم، من السادة المؤمنين، أو كان مع الأئمة (علیه السلام)، معتقداً بهم، ومؤازراً لهم في أيامهم، وكل معنام، وهو الذي أصابه الأذىٰ والضيم، أو قتل لأجلهم، ولأجل نشر الدِّين والإسلام الصحيح. بل كل من محض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً، فإنه يرجع كما مرّ - انفاً في بيان خاص.
لأن دولة الرجعة هي دولة الأنبياء والرسل، ودولة الأئمة والمؤمنين، وعدهم الله تعالى بها في كتابه بقوله: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) [النور 55] الآية. والوعد دين فلا بدَّ أن يفي الله تعالى به، لأن الله تعالى لا يخلف الميعاد. والوعد هو أن يجعلهم خلفاء، وملوكا في الأرض، ويجعلهم أئمة، ويجعلهم الوارثين، الذين يرثون الأرض ومن عليها كما نص عليه قوله تعالى: (ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) [القصص 5].
قال بعض المفسرين: المستضعفون في الأرض محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، وأهل بيته، وفرعون، وهامان، الأول والثاني، وهما يتم وعديّ وجنودهما، ومن تابعها من الدول المخالفين، فهؤلاء المستضعفون يجعلهم الله تعالى أئمة في الأرض، أي في الدنيا كلها ويجعلهم الوارثون للملك والسلطنة في الدنيا، فيُحضرون هؤلاء الظلمة في زمن الرجعة، حتى يُؤخذ منهم القصاص والأوتار، كما دلت عليه الآية المباركة: (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر) [السجدة 21] فإن العذاب الأدنى على ما جاء في الرواية عذاب الرجعة؛ والعذاب الأكبر عذاب يوم القيامة.
ويعضد هذه الآيات روايات كثيرة واردة عن أهل البيت في هذا الباب أكثر من أن تحصى لا مجال لذكرها ولعله يأتي بعضها.
دلائل الإمامة
بإسناده إلى معتب مولى جعفر بن محمد (علیه السلام) قال: سمعت مولاي (علیه السلام) يقول: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): إن نبياً من أنبياء الله طرده قومه، فآوى إلى الديلم، فأووه، ونصروه، وسألوه أن يدعو الله لهم، فدعا لهم أن يكثّر عددهم، ويعلّي أيديهم على عدوّهم، ويمنع أرضهم وبلدهم، ويجعل فيهم ومنهم أنصاراً للقائم المهدي من آل محمد (علیه السلام).
بیان: دل هذا الخبر على رجعة قسم من الديلم، الذي دعا لهم هذا النبي، بأن يجعل الله تعالى فيهم، أي في قومهم، ومن بعضهم أنصاراً للإمام القائم المهدي (علیه السلام)، ويوفقهم للإيمان ولخدمة أمين الرحمن.
تظلم الزهراء عن كتاب الرجعة
عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: كأني بحمران بن أعين، وميسر بن عبد العزيز، يخبطان الناس بأسيافهما بين الصفا والمروة.
وفيه: وسمع (علیه السلام) يقول: إني سألت الله في إسماعيل أن يبقيه بعدي، فأبى الله ولكنه قد أعطاني فيه منزلة أخرى، أن يكون أول منشور في عشرة من أصحابه، ومنهم عبد الله بن شريك، وهو صاحب لوائه.
بیان: دل الخبران على رجعة أشخاص معيّنين، قسم من أصحاب الإمام أبي عبدالله الصادق (علیه السلام)، وقسم من أصحاب ولده إسماعيل بن جعفر الصادق (علیه السلام)، مع عشرة من أصحابه.
الكتاب المبين السفر الثاني منه
عن أبي جعفر الباقر (علیه السلام): إذا ظهر القائم ودخل الكوفة، بعث الله تعالى من ظهر الكوفة سبعين ألف صدّيق، فيكونون في أصحابه وأنصاره.
بيان: دل هذا الخبر على رجعة سبعين ألف صدّيق من وادي النجف الأشرف، وهو وادي السلام، عند ظهور الإمام القائم (علیه السلام)؛ وهؤلاء يكونون من أصحابه، وأنصاره، ينصرونه ويدفعون عنه، أعداءه، ولعل جلّهم، بل كلّهم من العلماء الأفاضل، والصلحاء الأماجد، المقبورين في هذا الوادي الشريف.
الكتاب المبين
في المقام الثاني، في باب رجعة الأنبياء، عن العوالم.
عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: ما بعث الله نبيّاً من لدن آدم (علیه السلام) فهلّم جّرا، إلَّا ويرجع إلى الدنيا، وينصر أمير المؤمنين وهو قوله: (لتؤمنن به) يعني برسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ولتنصرن أمير المؤمنين (علیه السلام) تظلم الزهراء للرضي أبن نبي القزويني عن كتاب الرجعة.
وعنه (علیه السلام) في حديث: ما من إمام في قرن إلَّا ويكرّ معه البر والفاجر في دهره، حتى يديل الله المؤمن الكافر.
بیان: دل الخبر الأول على أنَّ الأنبياء من لدن آدم أبو البشر (علیه السلام) إلى نبينا محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، كلّهم يرجعون في عالم الرجعة إلى الدنيا، وهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي وكلّهم يكونون من أعوان الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، وأعوان الأئمة (علیه السلام)، وأنصارهم، يجاهدون عدوهم، فينصرون الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، في حروبه، ويكونون من جنده.
كما دلّ الخبر الثاني على رجعة جميع الأئمة (علیه السلام)، ورجعة أعدائهم ورجعة اصحابهم والظالمين لهم والمعتدين عليهم، الظالمين لهم، والمعارضين بهم في عصورهم كل عصر، فينتقم للمؤمن المظلوم المعتدى عليه من الكافر المعتدي في عصره، وحينئذ يتحقق مصداق هذه الآيات (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدىٰ عليكم) [البقرة 194].
(وما ربك بظلام للعبيد) [فصلت 46] و(العاقبة للمتقين) [الاعراف 128] (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) [الشعراء 227].
وفيه: وعنه (علیه السلام) قال: ويقبل الحسين (علیه السلام) في أصحابه، الذين قتلوا معه، ومعه سبعون نبياً، كما بعثوا مع موسى بن عمران، فيدفع إليه القائم (علیه السلام) الخاتم، فيكون الحسين (علیه السلام) هو الذي يلي غسله، وكفنه وحنوطه، ويواريه في حفرته.
وقيل له: يابن رسول الله، أخبرني عن إسماعيل الذي ذكره الله في كتابه، حيث يقول: (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً) [مريم 54] أكان إسماعيل بن إبراهيم؟ قال (علیه السلام) ما مضمونه: إنه إسماعيل بن حزقيل، وإنه يكرّ مع الحسين بن عليّ (علیه السلام)، لأنه سأل الله تعالى ذلك لينتقم ممّن كذبوه، وقتلوه، وسلخوا فروة وجهه.
بيان: دل الخبر على رجعة الحسين (علیه السلام)، ورجعة سبعين نبيّاً معه، فيكونون من أنصاره وأعوانه؛ وهو يتولى أمر القائم (علیه السلام) بعد انتهاء ولايته، وبعد شهادته. ودل على رجوع إسماعيل بن حزقيل، وحزقيل نبي من أنبياء الله تعالى، وهو من أنبياء بني اسرائيل، وابنه إسماعيل أيضاً نبي من أنبياء بني اسرائيل، وهو غير إسماعيل بن إبراهيم، كما دلّت عليه الراوية، وإنه نبي من أنبياء بني اسرائيل، بعث إلى قومه وكذّبوه، وقتلوه، وسلخوا فروة وجهه، وقد عرّفه تعالى قصته وقصة الحسين (علیه السلام)، ومصيبته، وصبره، فسأل الله تعالى أن يرجعه في عالم الرجعة، ويتحمل ما تعرضه من مصيبة، وهذا ممّا يدل على أنه غير إبراهيم بن إسماعيل، لأن إبراهيم بن إسماعيل لم يقتلوه، ولم يسلخوا فروة وجهه؟ ومدح الله تعالى له بأنه صادق الوعد، لأنه سار مع رجل إلى خارج البلد لحاجة، فلما وصلوا إلى مكان احتاج الرجل لشيء، فرجع إلى البلد وقال للنبي إسماعيل: انتظرني حتى أرجع إليك، فأوعده إسماعيل أن ينتظره في ذلك المكان حتى يرجع إليه، ولما مضى الرجل إلى البلد نسي أن يرجع إليه، فبقي إسماعيل إلى مدّة سنة في ذلك المكان، يصلي وينام هناك منتظراً له، وبعد سنة مرّ ذلك الرجل على ذلك المكان فرأى النبي جالساً فيه، فقال له: أين مضيت وتركتني منتظراً؟ فلم يصدق بانتظاره له سنة، فدعى النبي عليه، فقال: اللهم إن كنت صادقا فاسلبه أعزّ أعضائه. فسقطت جميع أسنان ذلك الرجل في فمه فوراً.
وقد استدل بعض بهذه القصة على أن أعز الأعضاء في بدن الإنسان هي الأسنان
ولأجل هذه القصة مدحه الله تعالى بأنه صادق الوعد. وقد نسبت هذه القصة إلى إسماعيل بن إبراهيم، وأنه انتظر شخصاً في مكان إلى سنة، ولا منافاة في ثبوت كليهما.
منتخب البصائر
عن أبان بن تغلب، عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: إنه بلغ رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) عن بطنين من قريش كلام تكلّموا به. فقالوا: يرى محمد أن لوقد قضىٰ أن هذا الأمر يعود في أهل بيته من بعده، فأعلم رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ذلك فباح في مجمع من قريش بما كان يكتمه. فقال: كيف أنتم معاشر قريش، وقد كفرتم بعدي، ثم رأيتموني في كتيبة من أصحابي أضرب وجوهكم ورقابكم بالسيف؟ قال: فنزل جبرئیل (علیه السلام).
فقال رسول الله: أو يكون علي بن أبي طالب، (علیه السلام) فقال له جبرئيل (علیه السلام) واحدة لك، واثنتان لعلي بن أبي طالب (علیه السلام) وموعدكم السلام. قال أبان: جعلت فداك، وأين السلام؟ فقال: يا أبان السلام من ظهر الكوفة.
وفي خبر آخر قال: موعدكم وادي السلام.
الامالي الجزء 17
باسناده عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال: سمعت رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) في حجة الوداع وركبتي تمس ركبتيه يقول: لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض، أما إن فعلتم لتعرفني في ناحية الصف. قال: فأشار إليه جبرائيل (علیه السلام) فالتفت إليه فقال: قل إن شاء الله أو عليّ. قال (صلی الله علیه وآله وسلم): إن شاء الله أو عليّ.
منتخب البصائر
بإسناده عن ابن عباس، عن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) أنه قال في خطبة خطبها في حجة
الوداع: لأقتلن العمالقة في كتيبة. فقال له جبرائيل (علیه السلام) أو عليّ. قال: أو علي بن أبي طالب.
بیان: دل هذا الحديث والذي قبله على جهاد النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) لطائفة من العرب من قريش في الرجعة، انقلبوا بعد الإسلام كفاراً، ولذلك هدّدهم بقوله: ولتعرفنني في ناحية الصف.
وحيث إن كل أم إذا علق على مشيئة الله وإرادته، وقع وتحقق. فقال جبرائيل (علیه السلام) للنبي: قل إن شاء الله ليتحقق هذا الجهاد منك، أو من علي (علیه السلام) في الرجعة. فسأل النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) من جبرائيل (علیه السلام) أن عليّ يرجع معي في عالم الرجعة في ذلك الوقت؟ فقال له: إن لك رجعة واحدة، ولعلي (علیه السلام) رجعتان، وتلتقيان في الرجعة في السلام وموعدكم فيه.
ولمّا لم يعرف الراوي موضع وادي السلام، وإنه في أي مكان؟ سأل عنه، فأجابه: إن وادي السلام يقع في ظهر الكوفة، والمراد به هو الوادي الشريف في النجف الأشرف، الذي فيه قبور العلماء، والصلحاء، وقبرا النبيين هود وصالح.
وفي حديث: أنه يحشر من هذا الوادي يوم القيامة سبعون ألفاً، يدخلون الجنة بغير حساب، وهو واد عظيم عليه آثار النورانية والجلالة والعظمة. فإذا التقى النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) بالإمام علي (علیه السلام) أعانه الإمام علي (علیه السلام) على جهاد أعداء الدِّين، وقتل الشياطين بأجمعهم، وإعدام الكفار، والمشركين، والمنافقين، وقتل العمالقة. والعمالقة قوم من ولد عملیق بن الأوذ بن أرم بن سام بن نوح، وهم أمم تفرّقوا في البلاد. وفي رواية العمالقة الجبابرة الذين كانوا بالشام من بقية قوم عاد.
وفي الحديث: كان حول مكة يوم قدوم إبراهيم وإسماعيل، وهاجر، ناس من العمالقة؛ والظاهر أنهم كانوا يسكنون في مكة وما حولها وقد تفرقوا كثير منهم في سائر البلاد من الدول العربية، وسيقاتل النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، وعلي (علیه السلام) الباقين من أولادهم في زمن الرجعة، فيقتلونهم ويقطعون اثرهم، فإنه كما يعلم من الرواية أن هؤلاء العمالقة قوم من الكفار، أو المشركين، أو المنافقين. ولذلك استحقوا القتل والإعدام، لأنهم قوم لئام، ومن الظلام الجاحدين لله تعالى ولرسوله وللإمام.
تظلم الزهراء لرضي ابن بني القزويني
عن كتاب الرجعة لبعض أصحابنا الإمامية
عن أحمد بن محمد بن عيسى بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سمعت حمران وأبا الخطاب قبل أن يحدث ما أحدث أنهما سمعا أبا عبدالله (علیه السلام) يقول: أول من تنشق الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن عليّ (علیه السلام) وأن الرجعة ليست بعامة، وهي خاصة لا يرجع إلَّا من محض الإيمان محضاً، أو محض الشرك محضاً.
الكتاب المبين السفر الثاني منه
في حديث عن الباقر (علیه السلام) قال: ما في هذه الأمة أحد برّ، ولا فاجر، إلَّا وينشر فأمَّا المؤمنون فينشرون إلى قرة أعينهم؛ وأمَّا الفجار فينشرون إلى خزي الله تعالى إيَّاهم. ألم تسمع أن الله يقول (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الاكبر) [السجدة 21] وقوله (يا أيها المدثر قم فانذر) [المدثر 2] يعني بذلك محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) وقيامه في الرجعة؛ وينذر فيها وقوله (إنها لأحدى الكبر نذيراً للبشر) [المدثر 36] يعني محمداً (صلی الله علیه وآله وسلم) نذيراً للبشر في الرجعة.
بيان: دل الخبر الأول على أن الرجعة خاصة بالمؤمنين الذين محضوا الإيمان محضاً؛ لأن عالم الرجعة هو عالم تقوم فيه دولة المؤمنين، والصالحين؛ وملوكه. وسلاطينه، هم الأنبياء، والصدّيقون، والأئمة الطاهرون، والأبرار، والأخيار، والصالحون، فلا مجال فيه الحكومة الكفار، والمنافقين، والأشرار، نعم يرجع هؤلاء ليذوقوا العذاب الأدنى المفسّر بعذاب الرجعة؛ وبعده يذوقون العذاب الأكبر المفسّر بعذاب يوم القيامة، كما دل عليه الخبر الثاني حيث قال: وأما الفجّار فينشرون إلى خزي الله تعالى إيّاهم، والخزي هو الهلاك والوقوع في البلية.
وقد دل الخبر الثاني على قيام النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، بالأمر، وبالسلطنة، والمملكة نذيراً
للبشر، واستدل الإمام (علیه السلام) لذلك بآيتين:
الأولى: بقوله تعالى (يا أيها المدثر قم فانذر) فالخطاب في الآية المباركة للنبي محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، وأمره بالقيام، والإنذار في الرجعة. فالمعنى: يا محمد قم وانذر الناس في الرجعة.
الثانية: بقوله تعالى (انها لإحدى الكبر نذيراً للبشر) والكُبَر جمع الكبرى مؤنث الأكبر، أي لإحدى الدواهي الكبرى للبشر أن يبعث الله تعالى نبيه (صلی الله علیه وآله وسلم) في الرجعة، بمعنى أن رجعته أمر عظيم وقضية عظيمة وافرة في العظم، لا نظير لها؛ حيث يرجع إلى الدنيا، وينذر الأمم من جميع البشر، ويحكم في الدنيا هو والأئمة الطاهرون، والأنبياء، والمرسلون، والأبرار، والصالحون؛ فالرجعة خاصة بهم، وليست بعامة لكل أحد، لأن الدنيا تكون جنينة جميلة، النعم فيها متوفرة؛ ولا يريد الله تعالى أن يتنعم الكفار والأشرار في دولة الأبرار والأخيار بعد انتهاء دولتهم، وانقطاع مدتهم، فلذلك لا يبقى في الأرض في عالم الرجعة كفاراً ولا يدر الله تعالى على الأرض منهم ديّاراً.
منتخب البصائر
سُمع أبو عبدالله (علیه السلام) يقول: إن أول من يكرّ في الرجعة الحسين بن عليّ (علیه السلام)، ويمكث في الأرض أربعين ألف سنة حتى يسقط حاجباه على عينيه.
وقال الصادق (علیه السلام) في قوله تعالى: (يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة) [النازعات 6] قال: الراجفة الحسين بن علي (علیه السلام)، والرادفة علي بن أبي طالب (علیه السلام)، فأول من ينفض التراب عن رأسه الحسين بن عليّ (علیه السلام) في خمسة وسبعين ألفاً.
وفي رواية في خمسة وتسعين ألفاً وهو قوله تعالى: (انا لننصر رسلنا والذين آمنوا في
الحياة الدنيا) [غافر 51] الآية.
بيان: دل الخبر الأول على رجعة الحسين بن علي (علیه السلام) في عالم الرجعة، ومدة مملكته
في الدنيا أربعين ألف سنة، وهذا على أقل الروايات. وهناك ما يدل على أنها أكثر حتى يسقط حاجباه على عينيه من الكبر؛ وهو أول من يرجع قبل الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، وبعده يرجع الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، ولدا فسّرت رجعة الحسين (علیه السلام) بالراجفة، وفسرت رجعة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) بالرادفة، لأنها تردفها وتقع بعدها.
العوالم
عن عليّ بن الحسين (علیه السلام) في قوله تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد) [القصص 85] قال: يرجع إليكم نبيكم (صلی الله علیه وآله وسلم).
وعن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: ويقبل الحسين في أصحابه الذين قتلوا معه، ومعه سبعون نبيّاً، كما بعثوا مع موسى بن عمران، فيدفع إليه القائم الخاتم، فيكون الحسين هو الذي يلي غسله، وكفنه، وحنوطه، ويواريه في حفرته.
بیان: دل هذا الخبر على رجعة الحسين مع أصحابه في عالم الرجعة، وبعد شهادة الإمام القائم (علیه السلام)، ورحلته من عالم الرجعة، تنتقل الرئاسة الدينية والدنيوية، إلى الإمام الحسين (علیه السلام). وهو الذي يتولى تجهيزه، لأن الإمام لا يلي أمره إلَّا الإمام.
مدينة المعاجز
عن المفضل بن عمر قال أبو عبدالله (علیه السلام): لما منع الحسين (علیه السلام) وأصحابه الماء، نادى فيهم من كان ظمآناً فليجىء، فأتاه رجل ويجعل إبهامه في راحة واحد، فلم يزل يشرب الرجل بعد الرجل حتى ارتووا. فقال بعضهم لبعض: والله لقد شربت شراباً ما شربه أحد من العالمين في دار الدنيا؛ فلمّا قتلوا مع الحسين (علیه السلام)، وكان في اليوم الثالث عند المغرب، وصارت أرواحهم في عالم البرزخ، جاء الحسين (علیه السلام) أي في عالم البرزخ، وأقعدهم رجلًا رجلًا فيسميهم بأسمائهم وأسماء آبائهم فيجيبه الرجل بعد الرجل، فيقعدون حوله ثم يدعو بالمائدة فيطعمهم ويأكل معهم من طعام الجنة، ويسقيهم من شرابها.
ثم قال أبو عبد الله (علیه السلام): والله لقد رأتهم عدة من الكوفيين، ولقد كرّر عليهم لو عقلوا قال: ثم خرجوا لرسلهم، فعاد روح كل واحد منهم إلى بلادهم. ثم أتى الحسين (علیه السلام) بجبال رضوى، فلا يبقى أحد من المؤمنين إلَّا أتاه وهو على سرير من نور، قد حف به إبراهيم وموسى، وعيسى، وجميع الأنبياء، ومن ورائهم المؤمنون، ومن ورائهم
الملائكة، ينظرون ما يقول الحسين صلوات الله عليه. قال: فهم بهذه الحال إلى أن يقوم القائم (علیه السلام)، وإذا قام القائم (علیه السلام) وافوا فيما بينهم الحسين (علیه السلام) حتى يأتوا كربلاء، فلا يبقى أحد سماويّ ولا أرضي من المؤمنين إلَّا حفورا بالحسين (علیه السلام). إلى أن قال: يا مفضل، هذه والله الرفعة، التي ليس فوقها شيء، ولا ورائها الطالب مطلب.
بیان: دل هذا الخبر على أنَّ الحسين صلوات الله عليه سقى الماء أصحابه قبل مقتلهم بثلاثة أيام؛ وبعد مقتلهم جاء الحسين فأجلس ارواحهم في كربلاء حوله، وهي الأجسام النورانية الشفافة، وهي وإن كانت غير مرئية، إلَّا أنه ربما يكشف الغطاء عن بصر البعض فيراهم؛ فلذا قال: إن الحسين (علیه السلام) لمّا أجلسهم حوله، وأطعمهم من طعام الجنة، وسقاهم من شرابها، ابها، رأتهم عدة من أهل الكوفة حيث كشف عن بصرهم الغطاء، وهذا أمر لا ريب فيه؛ فقد روينا في كتابنا هذا أنَّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) عندما ذهب إلى وادي السلام مع الأصبغ بن نباتة، وجلس على الأرض، ففرش له خادمه قنبر رداءه وقال: ياسيدي أجلس عليه. فقال: لا إنما هي تربة مؤمن ومن أحميه في مجلسه. إلى أن قال: يا أصبغ لو كشف لك الغطاء؛ لرأيت أرواح المؤمنين في هذا الوادي حلقاً حلقاً يتحدثون، الخبر.
ثم يذهب بروح كل واحد من أصحابه لزيارة بلاده، ثم يذهب إلى جنان رضوى مع الحسين (علیه السلام)، ومعهم جميع الأنبياء والملائكة حافين بهم، يصغون إلى ما يأمر به الحسين (علیه السلام)، ويبقون في تلك الجنان حتى يقوم القائم (علیه السلام)؛ وعند قيام القائم (علیه السلام) يحضرون في كربلاء مع الحسين (علیه السلام)، فإذا أرجعه الله تعالى في عالم الرجعة، أحياهم معه؛ فيرجع الحسين (علیه السلام) وأصحابه معه، حافين به، ويحف بهم الشيعة أيضاً، كما تحف الملائكة بهم أجمعين؛ وهذه كرامة ورفعة للحسين (علیه السلام) عظيمة، ليس فوقها شيء ولا وارثها شيء لأحد. وهذا من فضل الله ورحمته ونعمته على المؤمنين، بأن يرجع لهم إمامهم مع أصحابه ليتشرفوا بالنظر إليهم.
الخرائج والجرائح في فضل الرجعة
بحذف الإسناد عن جابر، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال الحسين (علیه السلام) لأصحابه قبل أن يقتل: إن رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) قال لي: يا بني إنك ستساق إلى أرض العراق، وهي أرض قد التقى فيها النبيون وأوصياء النبيين، وبها أرض تدعى عمورا(1)، وإنك لتستشهد بها، ويستشهد معك جماعة من أصحابك لا يجدون ألم مسّ الحديد. ثم تلا قوله تعالىٰ: (قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً) [الأنبياء 69] يكون الحرب عليك وعليهم برداً وسلاماً، فابشروا، فوالله لئن قتلونا، فإنّا نرد على نبينا.
قال: ثم أمكث ما شاء الله، فأكون أول من تنشق الأرض عنه، فأخرج خرجة توافق تلك، خرجة أمير المؤمنين، وقيام قائمنا، وحياة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ثم لينزلن علي وفد من السماء من عند الله، لم ينزلوا إلى الأرض قط. ولينزلن عليّ جبرائيل، وميكائيل ، واسرافيل، وجنود من الملائكة. ولينزلن محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، وعليّ (علیه السلام) وأخي، وجميع من منّ الله عليه في حمولات من حمولات الربّ خيل وجمال بلق (2)من نور، لم يركبها مخلوق؛ ثم ليهزّن محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) لواءه وليدفعنه إلى قائمنا مع سیفه.
ثم إنا نمكث من بعد ذلك ما شاء الله. ثم إن الله تعالى يخرج من مسجد الكوفة عيناً
من دهن، وعيناً من ذهب، وعيناً من ماء، وعيناً من لبن. ثم إن أمير المؤمنين (علیه السلام) يدفع إلىّ سيف رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، ويبعثني إلى المشرق والمغرب، فلا آتي علىٰ عدو لله إلَّا أهرقت دمه، ولا أدع صنماً إلَّا كسرته، حتى أقع إلى الهند فأفتحها. وإن دانيال، ويونس، ويوشع، يخرجان إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) يقولان صدق الله ورسوله، ويبعث
معهما إلى البصرة سبعين ألف رجل فيقتلون مقاتليهم. ويبعث بعثاً إلى الروم فيفتح الله لهم. ثم لأقتلن كل دابة حرّم الله لحمها، حتى لا يكون على وجه الأرض إلَّا الطيّب. وأعرض على اليهود والنصارى وسائر الملل الإسلام، ولأخيّرنّهم بين الإسلام والسّيف، فمن أسلم مننت عليه، ومن كره الإسلام أهرق الله دمه. ولا يبقى رجل من شيعتنا إلَّا أنزل الله عليه ملكاً يمسح عن وجهه التراب، ويعرفه أزواجه ومنزلته في الجنة. ولا يبقى على وجه الأرض أعمى، ولا مقعداً، ولا مبتلىً إلَّا كشف الله عنه بلاءه بنا أهل البيت. ولتنزل البركة من السماء إلى الأرض، حتى إنَّ الشجرة لتقصف بما يريد الله فيها من الثمرة. ولتأكلن ثمرة الشتاء في الصيف، وثمرة الصيف في الشتاء، وذلك قوله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتّقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) [الاعراف 96].
ثم إن الله تعالى ليهب لشيعتنا كرامة لا يخفى شيء من الأرض، وما كان فيها، حتى إنَّ الرجل منهم يريد أن يعلم عمل أهل بيته، فيخبرهم بعلم ما يعملون.
بیان: شرح بعض المحققين من علمائنا رضوان الله عليهم هذا الحديث في كتاب الرجعة بعد نقل هذه الرواية، ونحن نورده بتوضيح وتحقيق منّا فنقول:
إن هذا الحديث الشريف متكفل لجملة من الأسرار الغيبيّة، والخصائص الحسينيّة، والعجائب والغرائب الدنيويّة والأخرويّة، والسياسة العالمية، التي يقوم بها النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، مع الأئمة صلوات الله عليهم، بالنسبة إلى الأمم في العالم وإلى الأمة الإسلامية.
وقد روى الإمام الحسين (علیه السلام)، هذا الحديث الغيبيّ يوم عاشوراء للخواصّ من أصحابه، وأهل بيته، عن جده رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم). فقال: إن رسول الله قال لي: يا بني إنك ستساق إلى أرض العراق إلى قوله: وبها أرض تدعى عمورا، فيعلم من هذه الحملة أمور:
الأول: إن الحسين (علیه السلام) يخرج من مدينة جده، ويساق إلى العراق قهراً لا باختياره.
الثاني: بعد أن أخبر بأن أرض العراق أرض قد التقى فيها الأنبياء والأوصياء، وهي مهبط لكثير من النبيين وأوصيائهم، أخبره عن مكان شهادته، وأن بها أرض تدعى عمورا، فيها يستشهد هو وجماعة من أهل بيته وأصحابه؛ وهذا من الأمور الغيبيّة التي
أخبر به النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) الإمام الحسين (علیه السلام) قبل وقوعها.
الثالث: إن عمورا اسم من أسماء كربلاء؛ ويُحتمل أن يكون هذا اسمها بالسريانية، أو العبرانية الواردة في صحف الأنبياء السابقين.
ثم قال لا يجدون ألم مس الحديد. ثم تلا قوله تعالى (قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً) وهذه بشارة من النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) للحسين (علیه السلام) ولأصحابه، بإنكم إذا قتلتم بالحرب واستشهدتم في كربلاء، قتلتم بالسّيف وبالحديد، ولمّا كان السّيف والحديد إذا خرَّ أو ضرب على بدن الإنسان يؤثر حرارة وحرقة إلَّا أن الله تعالى جعل للحسين (علیه السلام) ولأصحابه كرامة، ليهّون عليهم الخطب، وليسهّل المصاب الجلل، أن يجعل الحديد بارداً عند ملاقاته لأجسامهم الشريفة. بإذن الله تعالى؛ ولذا استشهد بالآية التي وردت في القرآن الكريم، حيث خاطب الله تعالى بها النار التي أوقدها النمرود وحزبه للنبي إبراهيم (علیه السلام): (يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم) حيث كتب اسم من أسمائه العظام على ورق الزيتون، فألقيت في تلك النار المؤججة، فأصبحت برداً وسلاماً، وخضعت النيران لتلك الورقة وقول الله تعالى (يا نار كوني برداً وسلاماً) وهكذا الحسين (علیه السلام) وأصحابه كان ألم مسّ الحديد الحار كالنار بالنسبة لهم برداً وسلاماً في يوم عاشوراء، وهذا من فضل الله تعالى عليهم، ورعايته وعنايته لهم.
ثم قال: فابشروا فوالله لئن قتلونا فإنا نرد على نبينا (صلی الله علیه وآله وسلم): بشر الحسين (علیه السلام) أصحابه يوم عاشوراء بالكرامة والاحترام والنعيم الذي يلاقوه إذا قاموا بهذا الجهاد المقدس معه؛ قال؛ فإنَّا نرد بعد القتل على نبينا (صلی الله علیه وآله وسلم)، يعني بذلك إذا قتلوا ورد جسده الشريف على جده رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، ووردت روحه الطاهرة وأرواح المستشهدين معه، من أهل بيته، وأصحابه على النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، ثم يعود جسده إلى موضع قبره.
ثم قال: ثم أمكث ما شاء الله: وهذا إشارة إلى المدة التي تكون ما بين قتله وكرّته (علیه السلام)، في زمن القائم (علیه السلام)، وفي الرجعة؟ وهذا المدة معيّنة عند عالم الغيب والشهادة، مجهولة عندنا.
ثم قال: فأكون اول من تنشق الأرض عنه أي أول إمام يقوم في عالم الرجعة، هو الإمام الحسين، فهو يرجع والقائم (علیه السلام)، بعده حيّ لم يمت لأنه قد ورد في الرواية أنه إذا ظهر القائم (علیه السلام)، ومضى ٰمن ملكه تسع وخمسون سنة تقريباً، كما مرّت الإشارة إليه؛
خرج الحسين (علیه السلام) مع أصحابه، وهو الذي يتولى المملكة بعد شهادة القائم (علیه السلام).
ثم قال (علیه السلام): فأخرج خرجة توافق تلك خرجة أمير المؤمنين (علیه السلام) وقيام قائمنا وحياة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): يُراد منه والله سبحانه وهم أعلم أنّ كرة الحسين تقع بعد ظهور القائم (علیه السلام)، كما مرّ بتسع وخمسين سنة؛ ثم يطول عمره، ويستمر ملكه على من أحاديثهم خمسين ألف سنة، حتى تسقط حاجباه على عينيه من الكبر، ويربطهما بعصابة، ليتمكن من النظر. وليس بين رفعة مع آبائه وأبنائه الطاهرين، وبين نفخة الصعق إلَّا أربعين يوماً على قول، فيكون خروج الحسين (علیه السلام) موافقاً لظهور القائم (علیه السلام)، لأنه يدرك من مدة ملكه إحدى عشرة سنة، بناء على أن مدة مملكة القائم (علیه السلام) سبعين سنة. وأمّا بناء على الرواية الدّالة على أن مدة مملكته ثلاثمائة ويزداد تسعاً، فإذا نقص منها تسع وخمسون سنة بقي مائتان وخمسون سنة.
ويكون خروج الحسين (علیه السلام) موافقاً لخروج أمير المؤمنين (علیه السلام)، أي الخروج الأول لأنه بعد موت القائم (علیه السلام) بثمان سنين، يخرج أمير المؤمنين (علیه السلام) الخرجة الأولى؛ كما يوافق خروج الحسين (علیه السلام) خروج أمير المؤمنين الثاني، لأن أمير المؤمنين (علیه السلام) يخرج الخرجة الأولى لنصرة ابنه الحسين (علیه السلام) ويعيش معه على ما يظهر ثلاثمائة وتسع سنين.
أقول ما ذكره المحقق الفاضل منافٍ لما ثبت في بعض الروايات من جهات:
أولاً: إن قوله: وليس بين رفع الحسين (علیه السلام) مع آبائه وأبنائه الطاهرين، وبين نفخة الصعق، إلَّا أربعين يوماً. يقتضى أن تكون مدة زمن الرجعة خمسين ألف سنة ومائتان وخمسون سنة. بناء على القول الأكثر؛ أو أقل منها، بناء على القول بالأقل. وقد ثبت في محله في الجزء الأول فيما قيل في عمر الدنيا باتفاق الملل الأربع اليهود، والنصارى والمجوس، والإسلام، كما ورد في صحفهم وكتبهم أن عمر الدنيا مائة ألف سنة، عشرون ألف منها دولة الكافرين والفاسقين؛ وثمانون الفاً دولة المؤمنين من الأنبياء، والأئمة (علیه السلام)، والصالحين؛ فتكون مدة عالم الرجعة ثمانون ألف سنة؛ وهذه أقل مدة ذكرت في الروايات وإلَّا فالرواية الأخرى دلّت على أن عالم الرجعة مائة وخمسون ألف سنة. والرواية الأخرى دلّت على أنه غير محدود بحدّ، لأن هذه الدولة منحها الله تعالى للأنبياء، والأئمة (علیه السلام) والمؤمنين، وأعطاها لهم في الدنيا؛ وعطاء الله ممدود غير محدود؛ فالتحديد المذكور لاوجه.
وثانياً: إن الرواية الدّالة على أن مدة مملكة الإمام القائم (علیه السلام) ثلاثمائة وتسع سنين، هي الرواية المعتبرة المعتضدة بالآية الكريمة، في أن القائم (علیه السلام) يلبث في قيامه، كما لبث أهل الكهف في كهفهم، فيملك ثلاثمائة سنين ويزداد تسعاً وتلك الروايات الدّالة على أن مدة مملكته سبعين سنة، روايات أغلبها واردة عن العامة، ولا شاهد لها، فلا يعتمد عليها، وإن عدّها المحقق أرجح الروايات.
وثالثاً: إن أمير المؤمنين (علیه السلام) له رجعتان في رواية. وفي رواية أنه له رجعات وكرات، كما سيأتي في بيان لاحق إن شاء الله تعالى؛ ولم يذكر ولم يعلم في الروايات أنه كم بين رجعاته من مدة. وإن نص في الروايات على مدة بقائه في الرجعة الأولى ثلاثمائة وتسع سنين؛ ولكن المدة بين الرجعات غير معيّنة، ولا دليل في الروايات عليها؛ ولهذه الإيرادات وغيرها قال في أول شرح هذه الجملة: والله سبحانه وهم أعلم.
ثم قال (علیه السلام): ثم لينزلن عليّ وفد من السماء من عند الله: يُحتمل أن يكون نزول هذا الوفد، وهذه الملائكة، في ظهور القائم (علیه السلام)، وقبل قتله، أو عند ظهوره. ويُحتمل أن يكون في رجعة القائم (علیه السلام) وأن محمداً يبعث كل واحد من الأئمة (علیه السلام) في بعث الجهاد، في أقطار الأرض، أو يكون الباعث عليّ (علیه السلام)، عن أمر محمد (صلی الله علیه وآله وسلم).
ثم قال (علیه السلام): ثم إنّا نمكث من بعد ذلك ما شاء الله: الظاهر لنا من هذا الكلام على ما فهمته من معاني أحاديثهم، أن هذا المكث هو منذ قام بالأمر بعد قتل الحجة (علیه السلام)، الى خروج أمير المؤمنين (علیه السلام) الخروج الثاني، أو إلى خروج أمير المؤمنين (علیه السلام) الأول، أو منذ قتل أمير المؤمنين (علیه السلام)، بعد خروجه الأول، إلى الكرة الثانية، أي الخروج الثاني له، والأول أظهر عندي والله أعلم.
ثم قال (علیه السلام): ثم إنه يخرج من مسجد الكوفة عيناً من دهن وعيناً من ذهب، وعيناً من ماء، وعيناً من لبن:
الظاهر أن هذه العيون النابعة في مسجد الكوفة الأعظم أحدها تنبع بالذهب فتكون معدناً للذهب.
والثانية: تنبع بالدهن أي بالنفط، فتكون عيناً يؤخذ منها النفط.
والثالثة: تنبع بالماء، فتكون مخزناً لماء الشرب.
والرابعة: تنبع باللبن، فيكون شراباً للمؤمنين.
وفي رواية تظهر في مسجد الكوفة عينان من الماء عين للشرب وعين ظهور. أي عين مائها شراب للمؤمنين ولعل هذه هي عين اللبن عبّر عنه بالشراب. وعين مائها ظهور للمؤمنين للوضوء والغسل؛ فيكون هذا المسجد معدناً للخيرات والبركات؛ وربّما أشير إلى ذلك في الروايات أن في يمين مسجد الكوفة الرحمة، وفي شماله البركة. ولعله أشار إلى وجود هذه المعادن والخيرات فيه.
وهذه الوقائع المذكورة في الخبر والأعمال القيّمة التي يقوم بها الحسين (علیه السلام)، من حمله سيف رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) وذهابه إلى المشرق والمغرب، وجهاده مع الكفار والمشركين، وفتحه الهند وما حولها، وبعث الأنبياء (علیه السلام) للجهاد، وبعث الجيش إلى فتح الروم، وقتل الدواب المحرمة، وعرض الإسلام على اليهود والنصارى والكفار، فمن قبل الإسلام منّ عليه بالحياة، ومن أتى قتله وهرق الله دمه، وشفاء كل ذي عاهة ومرض، ونزول البركات والخيرات من السماء وغيرها، وكل ذلك في الكرّة الثانية لأمير المؤمنين (علیه السلام).
وقد استفدنا من هذا الخبر ما ذكرناه أنفاً في البيانات السابقة، أن القائم (علیه السلام) عند ظهوره يضع الجزية على أهل الكتاب والنواصب إلى رجعة الحسين (علیه السلام)، فإذا رجع الحسين (علیه السلام) فلا جزية، فيخيّرهم بين الإسلام، أو الإعدام، فمن أسلم سلم، ومن أبي عدم.
العوالم
قال الصادق (علیه السلام): كأني بسرير من نور قد وضع، وقد ضربت عليه قبة من ياقوته حمراء، مكللة بالجوهر، وكأني بالحسين (علیه السلام) جالساً على ذلك السرير، وحوله تسعون ألف قبة خضراء، وكأني بالمؤمنين يزورونه، ويسلمون عليه، فيقول الله عز وجل لهم، اوليائي سلوني، فطال ما أوذيتم، وذللتم، واضطهدتم؛ فهذا يوم لا تسألوني حاجة من
حوائج الدنيا والآخرة إلَّا قضيتها لكم؛ فيكون أكلهم وشربهم من الجنة؛ فهذه والله الكرامة.
السر المكنون
عن الصادق (علیه السلام) قال: كأني أنظر إلى سرير من نور، وفوقه قبة من الياقوت الأحمر، مزينة بأنواع الجواهر؛ والحسين (علیه السلام) جالس فوق ذلك السرير، ومن حوله تسعون ألف قبة خضراء والمؤمنون يأتون إلى السلام عليه فوجاً، فوجاً؛ فينادي مناد من الله سبحانه وتعالى أيها المؤمنون اسألوني حوائجكم، فلقد ظلمتم وأوذيتم فيّ؟ فلا تسألوني حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلَّا قضيتها لكم. ويؤتىٰ إليهم بطعامهم وشرابهم من الجنة.
بیان: هذان الخبران دلا بوضوح على أن الحسين (علیه السلام) عند رجعته يبنى له قبة من الياقوت الأحمر، مزينة ومكللة، أي مرصعة بالجواهر الغالية من الدّر، واللؤلؤ، والزبرجد: وغيرها وقد أحاط بها وعلاها أنواع الأحجار الثمينة القيّمة، قد زينت بها؛ وحولها تسعون ألف قبة خضراء. أي أن هذه القباب الخضر محيطة بالقبة الحمراء، المخصوصة لسيِّد الشهداء وقد وضع في هذه القبة الحمراء سرير من نور، وهذا النور من النور الإلهي العظيم، وهو يعلو نوره على النور المستفاد من نور البرق والكهرباء؛ وهذا السرير المنير هو المجلس الخاص للإمام سيِّد الشهداء أبي عبدالله الحسين (علیه السلام)؛ وهذه القبة هي مجلسه لزيارته، وحرمه المخصوص به، ودار الضيافة لمن ضافه من المؤمنين، في عالم الرجعة؛ فترى المؤمنين يقصدون أفواجا أفواجا لزيارته، كما كانوا يقصدونه إلى كربلاء المقدسة لزيارة حضرته في زمن الغيبة.
ولما كانت زيارته (علیه السلام)، في زمن الغيبة، يترتب عليها الثواب العظيم، والأجر الجزيل للدنيا والآخرة، فزيارته في عالم الرجعة، في هذه القبة الحمراء، يترتب عليها أجر أعظم، وجزاء أوفر، وثواب أكثر فاكثر. حاضر غير غائب، ونقد معجل، لانسية مؤجل؛ وهو أن يناد منادٍ من قبل الله تعالى مخاطباً للمؤمنين، من زوار الحسين (علیه السلام) وأضيافه، أيها المؤمنون اسألوني حوائجكم، لأنكم قد ظلمتم وأوذيتم في زمن الغيبة، من جهة الظلمة وكان ذلك الظلم والأذى في الله تعالى، فجزاء لما تحملتم من الظلم والأذى، أنكم أي حاجة تسألونها من الله تعالى إلَّا قضاها لكم، فيسألون حوائجهم
الدنيوية والأخروية، فيتقبل دعاؤهم وتقضى حوائجهم، وذلك كرامة للإمام الحسين (علیه السلام)، فيحضون بخير الدنيا والآخرة.
ثم قال (علیه السلام): ويؤتي بطعامهم وشرابهم من الجنة: وهذه الجملة مذكورة، في كلا الروايتين؛ وهي صريحة في أن طعام وشراب اضیافه، وزواره، وأوليائه، ومحبيه، القاصدين لزيارته في عالم الرجعة، يؤتى به إليهم من الجنة. ولا ريب أن الذي يأتي بالطعام والشراب من الجنة هم الملائكة. والمراد من الجنة أيّ جنة:
فيحتمل أن يكون المراد بها جنة السماء، التي تسكنها أرواح الأنبياء والأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين؛ فتنزل به الملائكة إليهم من جنة السماء، فيأكلون منه، ويشربون منه، ليكون في الدنيا عجيباً في جنة، فريداً من نوعه.
ويحتمل ان يكون المراد بها جنة الدنيا، وهي جنات عدن، التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه حيث يقول (جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب أنه كان وعده مأتيا) [مريم 61] الآية. فقد سئل الإمام الصادق (علیه السلام)، عن هذه الجنان، أهي من جنان الدنيا، أم من جنان الآخرة؟ قال (علیه السلام) هي من جنان الدنيا، تطلع عليها الشمس، وتغيب، لأنه قال تعالى: (جنات عدن التي وعد الرحمان عباده بالغيب أنه كان وعده مأتيا لا يسمعون فيها لغواً إلَّا سلاماً ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا) والبكرة والعشي لا يكونان في جنة من جنان الآخرة، وإنما يكونان في جنة من جنان الدنيا، تطلع عليها الشمس وتغيب. والحديث واضح بعد استدلال الإمام (علیه السلام) بالآية الكريمة؛ ان تلك الجنان من جنان الدنيا، التي ينقل إليها أرواح المؤمنين فيؤتى بالطعام والشراب منها للمؤمنين.
ويحتمل قوياً أن يُراد بالجنة، إحدى الجنتين المدهامتين، اللتين تظهران في الرجعة، عند مسجد الكوفة وما حوله وهما مملؤتان بالأثمار والفواكه المتنوعة. ففي كل يوم يؤتي للحسين (علیه السلام) وأوليائه بالطعام والشراب والفواكه من إحدى الجنتين، كرامة وتعظيماً واحتراماً لهم.
الكافي
عن العدة عن سهل بن شمعون، عن الأصم، عن عبد الله بن القسم البطل، عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قوله تعالى (وقضينا إلى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين) [الاسراء 4 - 6] قال قتل عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) وطعن الحسن (علیه السلام) (ولتعلن علوا كبيراً) قال قتل الحسين (علیه السلام) (فإذا جاء وعد أولاهما إذا جاء نصر دم الحسين (علیه السلام) (بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار) قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم (علیه السلام) فلا يدعون وتراً لآل محمد إلَّا قتلوه. (وكان وعداً مفعولاً) خروج القائم (علیه السلام) (ثم رددنا لكم الكرة عليهم) خروج الحسين (علیه السلام) في سبعين من أصحابه عليهم البيض (1)المذهبة، لكل بيضة وجهان؛ المؤدون إلى الناس أن هذا الحسين (علیه السلام) قد خرج حتى لا يشك المؤمنون فيه، وأنه ليس بدجال، ولا شيطان، والحجة القائم بين أظهرهم. فإذا استقرت المعرفة في قلوب المؤمنين أنه الحسين (علیه السلام) جاء الحجة الموت، فيكون الذي يغسله، ويكفنه، ويحنطه، ويلحده في حفرته هو الحسين بن علي (علیه السلام) ولا يلي الوصي إلَّا الوصي.
بیان: صرح (علیه السلام) هذا الخبر بإن الحسين (علیه السلام) يرجع معه سبعون من أصحابه وعليهم البيض المذهّبة، أي المرصّعة بالذهب، أو انها من ذهب والبيض جمع البيضة، وهي الخوذة التي تصنع من الحديد، وتوضع على الرأس في الحروب، للوقاية من السلاح؛ وهؤلاء السبعون من أصحابه، هم الذين يعرفونه للناس أنه الحسين بن علي (علیه السلام)؛ وذلك بعد مرور تسع وخمسين سنة، من مملكة القائم (علیه السلام)؛ وبعد معرفة الناس للحسين (علیه السلام)، وانتهاء دولة القائم (علیه السلام)، وشهادته هو الذي يتولى أمره وقد مرّ ذلك.
1) (1) البيض: جمع البيضة، وهي الخوذة من الحديد، تجعل على الرأس في الحرب للوقاية من السيوف والسهام وغيرها.
وأما تفسير الآية المباركة وهي أول سورة بني اسرائيل، فهذه الآيات قد ورد فيها عدة تفاسير، ولا غرابة في ذلك، بعد أن ثبت بالنص والدليل، أن للقرآن سبعين بطناً، وأن له ظاهر وباطن؛ ولذا ورد في كثير من الآيات تفاسير متعددة. وقد فُسّر الإفساد في الأرض مرتين بقتل الإمام علي بن أبي طالب (علیه السلام)، وطعن ابنه الحسن (علیه السلام)، وقتله بالسم وفُسّر العلو الكبير في الإفساد بقتل الحسين (علیه السلام). ولكل من الإفسادات الثلاثة عقاب:
فالعقاب الأول عنها: يقع على يد قوم مؤمنين، كما هو ظاهر قوله تعالى (بعثنا عليكم عباداً لنا اولي بأس شديد) فأسند البعث إليه والعباد إليه، وهؤلاء القوم قال يبعثهم الله تعالى قبل قيام القائم (علیه السلام)، وهؤلاء يطالبون بوتر آل محمد (علیه السلام)، فيعلم أنهم من شيعة آل محمد، لا من الفرق الأخرى. وفي رواية أنهم من أهل الري وقم. ولعل هؤلاء إمَّا جند السيِّد الحسيني، ومن تابعهم من الشيعة. وإمَّا جند السيِّد الهاشمي وإمَّا جند السيد اليماني وكلهم من الشيعة.
والعقاب الثاني: يقع على يد القائم (علیه السلام)، وهو الطالب بدخول الأنبياء وأبناء
الانبياء، والطالب بدم المقتول بكربلاء، وهو الآخذ بالثار، والمرضي لله الواحد القهار.
والعقاب الثالث: يقع على يد الحسين (علیه السلام) في رجعته، فيقتل قاتليه بعد إحيائهم؛ ويخير النواصب وأهل الذمة بين الإسلام والإعدام؛ فمن اسلم منّ عليه بالبقاء، ومن أبي عاجله بالفناء.
العصمة والرجعة
عن أبي جعفر الباقر (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: إنَّ الله تبارك وتعالى أحد واحد، تفرّد في وحدانيته؛ ثم تكلّم بكلمة فصارت نوراً؛ ثم خلق من ذلك النور محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، وخلقني وذريتي؛ ثم تكلّم بكلمة فصارت روحاً، فأسكنه الله في ذلك النور، وأسكنه في أبداننا، فنحن روح الله، وكلماته؛ فبنا احتج الله على خلقه؛ إلى أن قال: وإن الله قد أخذ ميثاقي مع ميثاق محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، بالنصرة بعضنا لبعض،
فقد نصرت محمداً (صلی الله علیه وآله وسلم) وجاهدت بين يديه، وقتلت عدوّه، ووفيت الله بما أخذ عليّ من العهد والميثاق والنصرة لمحمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، ولم ينصرني أحد من أنبياء الله ورسله، وذلك لما قبضهم الله إليه؛ وسوف ينصرونني، ويكون لي مابين مشرقها إلى مغربها، وليبعثهم الله أحياء من لدن آدم إلى محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) كل نبيّ مرسل؛ يضربون بين يديّ بالسَّيف هام (1)الأموات والأحياء والثقلين جميعاً.
فيا عجباً، وكيف لا أعجب من أموات يبعثهم الله أحياء، يلبّون زمرة زمرة بالتلبية، لبيك لبيك، يا داعي الله؛ قد تخللوا سكك الكوفة، قد شهروا سيوفهم على عوائقهم، ليضربوا بها هام الكفرة، وجبابرتهم، وأتباعهم من جبابرة الأولين والآخرين؛ حتى ينجز الله ما وعدهم في قوله عز وجل: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قَبلهم) [النور 55]. إلى أن قال (علیه السلام).
وإن لي الكرّة بعد الكرّة، والرجعة بعد الرجعة، وأنا صاحب الرجعات والكرّات، وصاحب الصولات، والنقمات، والدولات العجيبات؛ وأنا قرن من حديد، وأنا عبد الله، وأخو رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)؛ إلى أن قال: وأنا الذي علمت علم المنايا، والبلايا، والقضايا، وفصل الخطاب والانساب؛ واستحفظت آيات النبيين المستحفظين. وأنا صاحب العصا والميسم، وأنا الذي سُخّرت لي السحاب، والرعد، والبرق، والظلم، والأنوار، والرياح، والجبال، والنجوم، والشمس، والقمر. وأنا قرن الحديد، وأنا فاروق الأمة، وأنا الذي أحصيت كل شيء عدداً، بعلمه الذي أو دعينه، وبسرّه الذي أسرّه إلى محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) وأسرّه النبى (صلی الله علیه وآله وسلم) اليّ. وانا الذي أنحلني ربي اسمه، وكلمته، وحكمته، وعلمه، وفهمه. يا معشر الناس: اسألوني قبل أن تفقدوني، اللهم إني اشهدك واستعديك عليهم ولا حول، ولا قوة إلَّا بالله العليّ العظيم، والحمد لله رب العالمين.
بيان: هذا الحديث عظيم شريف؛ فيه كثير من الأسرار، والعجائب، والغرائب، ما لا يمكن ابداؤها لكل أحد، وممّا لا تتحمله قلوب بعض إلَّا المؤمنون، الذين امتحن قلوبهم للإيمان. ولكن نذكر بعض ما فيه من أسرار، وحكم، وعجائب، ممّا يتقبل
1) 1) هام: جمع الهامة وهي أعلى الرأس.
الغالب، فنقول: إن هذا الحديث يشبه بعض الخطب الصادرة عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام).
قد اعترف الإمام أمير المؤمنين عليه في صدره، بأن الله تبارك وتعالى أحد واحد؛ وهذا اعتراف منه بوحدانية الله تعالى؛ لأن الأحد بمعنى الواحد، وهو من اسمائه تعالى؛ وهو الفرد الذي لم يزل وحده، ولم يكن معه آخر.
وبمعنى الأول قيل: معنى أحد أحدي النعت كما قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): نور لا ظلام فيه، وعلم لا جهل فيه. وفي رواية ابن عباس في (قل هو الله أحد) يعني غير مبعض، ولا مجزا، ولا يقع عليه اسم العدد، ولا الزيادة، ولا النقصان. ولذا قال (علیه السلام) تفرد في وحدانيته: أي أن الله تعالى تفرّد في هذه الصفة، ولم يشاركه فيها أحد غيره، لأنه الفرد الأحد، والواحد الصمد، أي الذي تقصده الخلائق بحوائجهم وهم محتاجون إليه، وهو لا يحتاج إلى أحد، وهو الله تعالى باريء الخلائق أجمعين.
ثم تكلم بكلمة فصارت نوراً: والكلام في أصل اللغة عبارة عن أصوات متتابعة، لمعنى مفهوم؛ فلا مانع من صدور الكلام منه، لأن الله تعالى يحدث الكلام، ويوجده، ويخلقه، ولذا يقال: إن الله متكلم؛ والمراد بكلامه، ونسبة الكلام إليه، هو أن الكلام هو الحروف المسموعة المنتظمة، ومعنى كونه متكلماً أنه أوجد الكلام وأحدثه في بعض الأجسام، كما أحدثه في الشجرة التي كلّمت موسى (علیه السلام).
وما زعمه الأشعريون من أنه متكلم بلسان وشفتين فبطلانه بديهي، فإنه لو كان كذلك لكان ذا حاسة، ولو كان ذا حاسة لكان جسماً، ولو كان جسماً لكان محدثاً؛ وهو محال. وكذا ما زعمه بعضهم من أن الكلام معنى قائم بالنفس، ليس بأمر ولا نهي، ولا خبر، ولا استخبار؛ فإن ذلك لا دليل عليه وغير معقول؛ وإطلاق الكلام على المعاني النفسانية ليس باطلاق حقيقي بل هو إطلاق مجازيّ.
فإذا عرفت ذلك فلما أوجد الله تعالى هذه الكلمة، وهي الكلمة الأولىٰ، فصارت نوراً؛ نظير ما أوجده تعالى في الشجرة لموسى بن عمران (علیه السلام)، حيث أحدث الكلام في الشجرة، وجعله منبعثاً منها، مسموعاً ومنتشراً من قبلها، ومذاعاً من جهتها.
ثم خلق من ذلك النور محمداً (صلی الله علیه وآله وسلم)، وخلقني وذريتي: فالنبي محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) كلمه الله، ونور منه، كما نص عليه في الحديث. والإمام علي أمير المؤمنين صلوات الله عليه،
كلمة الله ونور منه كما نص عليه في الحديث وقال في بعض خطبه مخاطباً للمسلمين: فاشهدوا شهادة أسألكم عند الحاجة إليها أن علياً نور مخلوق، وعبد مرزوق، وكذلك الذرية للنبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم)، وهم الأئمة المعصومون الأحد عشر، فإنهم كلمات الله، وأنوار منه، وقد نص على ذلك في الحديث.
ثم تكلم بكلمة منه فصارت روحاً: يحتمل أن يُراد بالكلمة الكلمة التامة، وهو الاسم الأعظم، كما فسّرها بعض العلماء بذلك. ويُحتمل أن يُراد بها أمر الله تعالى، كما فسّر قوله تعالى في عيسى (بكلمة من الله) قيل هو عيسى، سمّي بذلك لأنه وجد بأمر الله تعالى من دون أب، فشابه البدعيات، وهي الأمور المبدعة، التي أوجدها الله تعالى بقوله كن فكان. ومثله ما ورد في تفسير قوله تعالى (كلمته ألقاها) قيل: هي كلمة الله، لأنه وجد بقوله كن فكان. فهذه الكلمة وهو الأمر الصادر منه صارت روحاً أي روح مخلوق منه كما ورد في تفسير قوله تعالى (وروح منه) أي روح مخلوق منه.
وعن الباقر (علیه السلام) في قوله (وروح منه) قال: روح مخلوقة، خلقها الله في آدم وعيسىٰ (علیه السلام). فروح كل واحد من التبني والأئمة صلوات الله عليهم، روح مخلوق منه. ثم أسكنه أي هذا الروح المخلوق، في ذلك النور الصادر منه تعالى، ثم أسكنه في أبدن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) والأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، فهم روح الله وكلماته.
فبنا احتج الله على خلقه: أي أنّ الله تعالى أتى بالنبي والأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم حججاً على خلقه، فهم حجج الدهور. إلى أن قال:
وإن الله قد أخذ ميثاقي مع ميثاق محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) بالنصرة، بعضنا لبعض: قد مرّ ذلك وإن الله تعالى قد أخذ العهد والميثاق من كل من النبي محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، ومن علي (علیه السلام)، أن ينصر أحدهما الآخر، وقد نصر أمير المؤمنين (علیه السلام) النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) في كثير من الحروب والمغازي، ولم ينصر النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، الإمام علي (علیه السلام)؛ وسوف ينصره في زمن الرجعة، في الحروب والمغازي، التي تقع بينه وبين الكفار. والمنافقين، ليفي بعهده وميثاقه. كما أن الله تعالى أخذ العهد والميثاق من الأنبياء والمرسلين، أن ينصروا الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، ولم ينصروه لأن الله قد قبضهم إليه، وسوف يحيون في عالم الرجعة، وينصرون الإمام أمير المؤمنين في حروبه ومغازيه مع الكفار والمنافقين ليفوا بعهدهم وميثاقهم.
ومن هذا الأمر العجيب الغريب، يعجب الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، وهو إحياء الله تعالى الأنبياء والمرسلين من لدن آدم (علیه السلام) أبي البشر، حتى محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، وجهادهم ونصرهم للإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، وقتلهم أعداءه من الجن، والانس والكفار والمنافقين. فلذلك يقول: فيا عجباً وكيف لا أعجب من أموات يبعثهم الله أحياء، يلبون زمرة زمرة، أي جماعة جماعة، بالتلبية يقولون: لبيك لبيك يا داعي الله.
قد تخللوا سكك الكوفة: يُعلم أن الله تعالى يحيي هؤلاء الأنبياء والمرسلين في عالم الرجعة، في الكوفة، أن النجف في وادي السلام، الذي فيه قبر النبيين هود وصالح عليهما وعلى نبينا وآله السلام؛ قد شهروا سيوفهم، أي سلاحهم على عواتقهم، أي حملوا سيوفهم، مستعدين للحرب والكفاح. وليضربوا به هام الكفرة، والهام جمع الهامة، وهو أعلى الرأس؛ فهؤلاء عند الحرب يضربون الكفرة بسلاحهم على أعلى رؤوسهم، ويقتلون الملوك الجبابرة وأتباعهم، أي عملاءهم، وجنودهم من جبابرة الأولين، وهم الظلمة والملوك الذين يحييهم الله في عالم الرجعة. والآخرين وهم الجبابرة الأحياء، الموجودون في ذلك الزمان، حتى تصفو الدولة في العالم للنبي (صلی الله علیه وآله وسلم) وللامام امير المؤمنين (علیه السلام)، وللأنبياء، والمرسلين، لأن الله تعالى وعدهم الدولة في الدنيا في عالم الرجعة بقوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات) [النور 55] وهم الأنبياء والمرسلون والأئمة المعصومون (علیه السلام) (ليستخلفنّهم في الأرض) اي يجعلهم خلفاء في العالم. إلى أن قال أمير المؤمنين (علیه السلام):
وإن لي الكرّة بعد الكرّة، والرجعة بعد الرجعة: هذه العبارة تدل على تعدّد الكرّات والرجعات، وأنه (علیه السلام) تتعدد له الكرة والرجعة.
ثم قال (علیه السلام) وأنا صاحب الرجعات والكرّات: دلت هذه الجملة على الرجعات المتعددة له، والكرات المتعددة، بنحو الجمع، وأقل الجمع ثلاثة، وأكثره لا حدّ له؛ فيعلم أن له ثلاث رجعات وكرات فما فوق.
وصاحب الصولات: أي أنَّ له صولات كثيرة وهجمات متعددة على الأعداء في الحروب والمغازي.
وصاحب النقمات: أي صاحب الإنتقام من الجبابرة، والكفار، والمكافىٰء لهم بالعقوبة.
العجيبات: أي أن الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) يملك دول العالم، فهو
المالك في المستقبل، للدول العجيبة في الدنيا، فالسياسة العالمية ترجع له في الأزمنة المستقبلة، فمن كان من أوليائه ومحبّيه كان له حظ في الدولة، في الأزمنة القادمة؛ ومن كان من أعدائهومبغضيه فليس له حظ في الدولة في الدنيا وفي الآخرة يرد إلى أشد العذاب.
ثم قال (علیه السلام) وأنا قرن من حديد: أي أنا في القوة والدوام، مثل قرن الحديد؛ كما كرّرت هذه الجملة في آخر الحديث بقوله: وأنا قرن الحديد، فلا أحد يقدر على كسره، لقوّته ودوامه؛ فهو يكسر ولا يُكسر، أو أنه جاد قاطع كالسَّيف القاطع، فالقرن الحديد هو القرن الحاد القاطع لكل شيء، إلى أن قال:
وأنا الذي علمت علم المنايا: أي العلم بمنايا الناس، ووقت وفاتهم، والبلايا، أي العلم بالبلاء النازل من السماء، ويُقال البلاء على ثلاثة أوجه: نعمة واختبار، ومكروه؛ لأن البلاء قد يكون حسناً، وقد يكون سيئاً، وأصله المحنة. والله يبلو العبد بما يحبه، ليمتحن شكره؛ وبما يكرهه ليمتحن صبره، قال تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) [الأنبياء 35] فالإمام (علیه السلام) عالم بجميع أقسام البلاء، أو أن المراد من البلايا هي المصائب، التي تنزل بالناس؛ فهو أيضاً عالم ومحيط بها؛ والقضايا إما جمع القضية والمراد كل قضية ومرافعة تقع بين المترافعين؛ فإنه يحكم ويفصل فيها، وإمَّا المراد بها الوقائع التي تقع في العالم.
وفصل الخطاب: وهو الفهم في الحكومات، والفصل في الخصومات. والأنساب أي العلم بأنساب الناس.
واستحفظت آيات النبيين المستحفظين: أي أمر أن يحفظ عنده، أو سئل أن يحفظ عنده آيات النبيين، أي أسرارهم، وعلومهم، وما خصّهم الله تعالى به من معجزات، وكرامات، وأحكام الدين والشريعة، التي نزلت عليهم في الصحف السماوية، وفي الكتب، وما فيها من هدى، ونور، وبيان؛ كما يشير إلى ذلك قوله تعالى (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون إلى قوله والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء) [المائدة 44] استحفظوا أي أمروا بحفظه، من أحكام الدِّين، والشريعة، والعلوم والأسرار؛ ولذلك وصفوا بالمستحفظين. وهذه الأحكام والعلوم والأسرار كلّها ورثها النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، ثم ورثها الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين؛ فثبتت لهم هذه الصفة، فوصفوا بالمستحفظين، فالإمام أمير المؤمنين
(علیه السلام) من المستحفظين.
وقد ورد في الدعاء: (اللهم صلّ على المستحفظين من آل محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) قرئت بوجهين بالبناء للفاعل؛ والمعنى استحفظوا الأمانة، أي حفظوها، والبناء للمفعول، والمعنى استحفظهم الله إيَّاها، والمراد بهم الأئمة المعصومون من أهل البيت (علیه السلام)، لأنهم حفظوا الدِّين والشريعة، وحفظوا العلوم والأسرار.
وروي أنهم سمّوا مستحفظين، لأنهم استحفظوا الاسم الأكبر، وهو الكتاب، الذي فيه علم كل شيء، والذي كان مع الأنبياء الذي قال تعالى: (ورسلا من قبلك وأنزلنا معهم الكتاب والميزان) [الحديد 25] فالكتاب الاسم الأكبر، والميزان ربّما يُقال هي الصلاة، لما ورد في الحديث (الصلاة ميزان).
وأنا صاحب العصا والميسم، وقد مرّ بيانه وسيأتى إن شاء الله تعالى.
وأنا الذي سخرت لي السحاب إلى قوله والشمس والقمر: أي إن الله تعالى جعل جميع المخلوقات طوع إرادتهم؛ فالسحاب، والرعد، والبرق، والظلم، والأنوار، ، والرياح، والجبال، والنجوم، والشمس، والقمر وكل شيء مطيع لهم، يمتثل أوامرهم ونواهيهم.
وأنا فاروق الأمة: وقد ورد في حديثه (علیه السلام): أنا الفاروق الأعظم، والفاروق اسم سميّ به الإمام عليّ (علیه السلام)، وربّما انتحله غيره، ولعل المراد به، الذي يفرّق بين الحق والباطل والحلال والحرام.
وأنا الذي احصيت كل شيء عدداً: وذلك لما منحه الله من العلم والأسرار، وما منح الله تعالى من الأسرار للنبي محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، ومنح النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) تلك الأسرار إليه، كان قادراً على إحصاء كل شيء عدداً.
وأنا الذي أنحلني ربي اسمه، وكلمته، وحكمته، وعلمه، وفهمه: وقد منحه اسمه لما ثبت في التاريخ أنه لمّا ولدته أمه فاطمة بنت أسد في الكعبة، وبعد ثلاثة أيام خرجت تحمله، سمعت هاتفاً يقول: يا فاطمة سمّه عليّاً فقد اشتققت له اسما من اسمي، فأنا العليّ الأعلى إلى آخر ما ذكر فيه.
ولا ريب في أن الله تعالى أنحله كلمته فهو كلمة الله، وأبناؤه الطاهرون كلمات الله، وقد اختاره الله تعالى للإمامة؛ ونصّبه علماً للناس بعد النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)؛ وأتاه
الحكمة، والعلوم، والأسرار؛ وفهّمه كل شيء؛ ولذلك قال وكان يقول: سلوني قبل أن تفقدوني. وهذه الكلمة العظيمة مختصة به، فما قالها أحد غيره إلَّا افتضح. ومن ظريف ما نقل أنّ أحد علماء العامة قالها على المنبر سلوني قبل أن تفقدوني، فقامت إليه امرأه فسألته عن مسألة عجز عن جوابها، ولمّا لم يهتد إلى الجواب قال لها: لعلك قد خرجت من بيتك بغير إذن زوجك، ولفق عليها كلمات لا ربط لها بالسؤال، بعد أن افتضح أمام المجتمع في عدم جواب مسألة عادية.
الدمعة الساكية
عن منتخب البصائر بإسناده عن أبي عبدالله (علیه السلام)، في حديث إنظار إبليس إلى يوم الوقت المعلوم، وهلاكه على يد النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم)، وفي ذلك اليوم قال: فعند ذلك يُعبد الله عز وجل ولا يشرك به شيئاً. ويملك أمير المؤمنين (علیه السلام) أربعاً وأربعين ألف سنة، حتى يلد الرجل من شيعة عليّ ألف ولد من صلبه ذكراً، في كل سنة ذكر. وعند ذلك تظهر الجنتان المدهامتان عند مسجد الكوفة وما حوله بما شاء الله.
بيان: قال بعض الفضلاء من علماء الإمامية رضي الله عنهم أجمعين، بعد نقل هذا الحديث: قوله: الجنتان المدهامتان هما من جنان الدنيا، وفيهما مأوىٰ أرواح المؤمنين، ولهذا قال تعالى بعد أن ذكر جنان الخلد في الآخرة (ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأيّ الآءربكما تكذبان - ومن دونهما جنتان فبأيِِّ الآءربكما تكذبان مدهامتان) [الرحمن 47 - 64] قبلهما أي في البرزخ، أقل من جنتي الخلد، اللتين هما في الآخرة، فهذان الجنتان تظهران للشيعة في زمان الرجعة، حول مسجد الكوفة؛ فانظر إلى آثار نعم الله ورحمته على المؤمنين، في ذلك الزمان؛ انهى كلامه قدس الله نفسه.
أقول: قد استفدنا من صدر الحديث، أن الله سبحانه وتعالى لمّا أنظر إبليس إلى يوم الوقت المعلوم، فهذا سر مخفي، كشفه لنا ائمتنا صلوات الله عليهم، وان المراد من ذلك اليوم هو زمان رجعة النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، ويكون هلاك إبليس لعنه الله على يده، فيعبد
الله تعالى ولا يشرك به شيئاً. وهو زمان رجعة أمير المؤمنين (علیه السلام)، الكرة الثانية، التي يملك فيها أربعاً وأربعين ألف سنة، ويمنّ الله تعالى على شيعته بطول الأعمار، وكثرة الأولاد والأموال؛ فيعيش الرجل منهم ألف سنة، يولد له ألف ولد ذكر، من صلبه، لا من أولاده وأحفاده.
ثم قال (علیه السلام): وعند ذلك تظهر الجنتان المدهامتان عند مسجد الكوفة، وما حوله بما شاء الله: أي وفي ذلك الزمان وهي الكرّة الثانية لأمير المؤمنين (علیه السلام)، ورجعة النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، تظهر هاتان الجنتان المدهامتان، عند مسجد الكوفة وما حوله؛ وفيهما من أنواع الأشجار، وكثرة الزروع، والأثمار، وأنواع الفواكه، والأزهار، ما لو مرّ الإنسان وعلى رأسه مكتل لأمتلأ بالفواكه، اصطدامه بتلك الأشجار. والظاهر أنَّ هاتين الجنتين من جنان الدنيا التي تظهر في زمان الرجعة، كما أنَّ هناك جنان تظهر للمؤمنين في الرجعة، ما بين النجف وكربلاء، عندما يجري الإمام القائم (علیه السلام) نهرا وا نهراً واسعاً من لدن كربلاء، ويصب ماؤه في بحر النجف، أي بحيرة ني، وينصب على حافتيه الأرحية لطحن الحبوب، والظاهر أن هذه الجنان غير الجنان التي هي مأوى أرواح المؤمنين؛ والجنان التي تأوي إليها أرواح المؤمنين في عالم البرزخ، هي غير هذه الجنان. رزقكم الله وإيّانا التشرف بها، والتنعم فيها، والنظر إلى آثار رحمة الله، ونعمته، وكرامته للمؤمنين في دولة النبي والأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.
قد وردت في الروايات علامات وأشراط للساعة، وهي العلامات العامة التي تقع قبل قيام الساعة، وهي كثيرة اقتصرنا على موارد ثلاثة منها:
المورد الأول: الروايات الواردة في أن بعثة النبي الأكرم، وخاتم الأنبياء المعظم (صلی الله علیه وآله وسلم)، هي من أشراط الساعة وعلاماتها.
المورد الثاني: الروايات الواردة في أن ثورة الإمام القائم (علیه السلام)، وقيامه الذي هو أول زمان الرجعة، من أشراط الساعة وعلاماتها.
المورد الثالث: الروايات الواردة في العلامات العامة المختلفة المتنوعة، المشابهة لبعض العلائم الواردة لقيام الإمام القائم (علیه السلام).
أما المورد الأول
فقد وردت عدة روايات، دلت على أن بعثة النبي الأكرم (صلی الله علیه وآله وسلم) من علامات الساعة وأشراطها:
منها: ما رواه الصدوق في العوالم: عن موسى بن جعفر، عن آبائه (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): بعثت والساعة كهاتين، وأشار بإصبعه السبابة والوسطى. ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأجد الساعة بين كتفي.
ومنها: ما رواه البحار: قال: كان رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) إذا ذكر الساعة في خطبته، اشتد صوته، وأحمرّت وجنتاه. ثم يقول: صبّحتكم الساعة أو مسّتكم. ثم يقول: بعثت أنا والساعة كهذه من هذه، ويشير بإصبعيه.
ومنها: مافي العوالم: بالإسناد المتقدم قال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): بعثت والساعة كفرسي رهان، يسبق أحدهما صاحبه بأذنه، إن كادت الساعة لتسبقني إليكم.
وفيه: قال (صلی الله علیه وآله وسلم): بعثت في نسيم الساعة.
وفيه: روي عنه (صلی الله علیه وآله وسلم) أنه قال: بعثت في نفس الساعة.
بيان: نظير هذه الأحاديث كثيرة، مرّ بعض منها في الجزء الأول من هذا الكتاب، فيما قيل من عمر الدنيا، وكلها صريحة في الدلالة، على مضمون واحد، وهو أن بعثة أبي القاسم الذي هو للأنبياء خاتم صلى الله عليه وعلى آله أهل المناقب والمكارم، مقاربة للساعة، ومن علاماتها وأشراطها. ولذا تارة يعبّر بقوله: بعثت والساعة كهاتين؛ وأخرى بقوله: إني لأجد الساعة بين كتفي وثالثة بقوله: صبّحتكم الساعة أو مسّتكم. ورابعة بقوله: بعثت في نسيم الساعة. وخامسة: بعثت في نفس الساعة كل ذلك كناية عن أن بعثته قريبة للساعة، ومن علاماتها وأشراطها.
وأما المورد الثاني
فقد وردت بعض الروايات على أن قيام الإمام القائم (علیه السلام) من علامات الساعة، وحينئذ فكل ما تقدم قيام القائم (علیه السلام) من العلائم، أو وقع بعده، فهو من علامات الساعة:
منها: ما رواه الصدوق في العوالم: عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): عشر قبل الساعة لا بدّ منها: السفياني، والدَّجَّال، والدّخان. والدَّابة وخروج القائم، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى (علیه السلام)، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر:
بيان: دل هذا الخبر على حدوث أمور عشرة لا بدّ منها، ولعلها أمور محتومة، قد حتم حدوثها، وأثبتت في اللوح المحفوظ، ولذلك قال (علیه السلام) لا بدَّ منها:
الأول منها السفياني: والظاهر أن المراد به السفياني الأخير، الذي مرّ ذكره، وأن خروجه من العلائم المحتومة، من الوادي اليابس بدمشق الشام، قبل قيام القائم (علیه السلام).
الثاني: خروج الدَّجَّال وهو الكذاب المدّعي للربوبية، بعد قيام القائم (علیه السلام).
الثالث: انتشار الدّخان في السماء في العالم أربعين يوماً قبل قيام القائم (علیه السلام).
الرابع: الدّابة: وهي تظهر قبل الساعة، فهي من علامات الساعة وأشراطها.
الخامس: ظهور الإمام القائم (علیه السلام): فقد دل هذا الخبر أنه من علامات الساعة.
السادس: طلوع الشمس من مغربها: وهذه العلامة ذكرت في علامات قيام القائم (علیه السلام)، كما ذكرت في علامات الساعة.
السابع: نزول عيسى بن مريم (علیه السلام) من السماء؛ وهذا من العلائم التي تقع عند قيام القائم، ومن علامات الساعة.
الثامن: خسف بالمشرق؛ أي في الدول الشرقية من العالم.
التاسع: خسف بجزيرة العرب: أي في إحدى الدول التي تقع في جزيرة العرب.
العاشر: نار تخرج من قعر عدن أبينَ تسوق الناس إلى المحشر، وهذه من العلائم القريبة للساعة.
دلائل الامامة للطبري
بإسناده إلى هارون بن حماد، عن مقاتل، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): يا علي عشر خصال قبل القيامة، إلَّا تسألني عنها؟ قلت: بلىٰ يا رسول الله. قال: اختلاف وقتل أهل الحرمين، والرايات السود، وخروج السفياني، وافتتاح الكوفة، وخسف بالبيداء، ورجل منّا أهل البيت، يبايع له بين زمزم والمقام، يركب إليه عصائب أهل العراق، وأبدال الشام، ونجباء أهل مصر، وتصير إليه أهل ايمن، عدتهم عدة أهل بدر، فيتبعه بنو كلب يوم الأعماق. قلت: يا رسول الله ما بنو كلب؟ قال: هم أنصار السفياني، يريد قتل الرجل الذي يبايع له بين زمزم والمقام، ويسير بهم فيقتلون أي بني كلب، وتباع ذراريهم على باب مسجد دمشق، والخائب من خاب من غنيمة كلب ولو بعقال.
بيان: دل هذا الخبر على عدة علامات، قسم منها مقاربة لظهور القائم (علیه السلام)،
وقسم منها تقع بعد ظهوره، وجعل النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، كل هذه العلائم من علامات الساعة، كما عدّ قيام القائم (علیه السلام) وثورته في مكة من علامات الساعة. أما العلامات
المقاربة لظهور القائم (علیه السلام) منها:
الأولى: اختلاف وقتل أهل الحرمين: يحتمل أن يُراد بالاختلاف، الحروب التي تقع قبل ظهور القائم (علیه السلام) في العالم، فتشمل أهل الحجاز وأهل الحرمين. ويُحتمل أن يراد بالاختلاف، أن الحرب تقع في الحجاز، لأجل اختلاف أمراؤه وحكامه فيقتل أهل الحرمين.
الثانية: ثورة أهل الرايات السود: وهي رايات السيِّد الحسينيّ، والسيِّد الهاشمّي بالشيعة من أهل الشرق، فتقوم مدافعة الجيوش السفياني، وتفتح العراق، وتذهب إلى الكوفة، ويقع حرب بينهم وبين جيش السفيانيّ في الثوبة؛ ويقدم جيش السيِّد اليمانيّ، فيساعدهم على السفيانيّ فيقتلون جيش السفياني عن آخره. لا يفلت منهم أحد، ويذهبون متوجهين إلى الحجاز، لاستقبال القائم (علیه السلام)، كما أنهم يطردون السفياني وحزبه من العراق، ويذهبون إلى القدس، وينصبون أعلامهم في إيلياء، أي في القدس، وقد تقدم ذكر ذلك.
الثالثة: خروج السفياني: من الوادي اليابس بدمشق، قبل الرايات السود، وفتحهم العراق، والهجوم على الكوفة وافتتاحها، وقتل أهل العلم والمتقين والسادة والمؤمنين، وحرق المصاحف، وهدم المساجد، فيقتلون الدِّين وأهل الدِّين، ويمحون العلماء والصالحين، وبعد ذلك ينتقمون منهم أهل الرايات السود فيقتلونهم.
الرابعة: خسف بالبيداء: وهذا الخسف يقع بجيش السفياني، ما بين مكة والمدينة، بعد فتك هذا الجيش بأهل الحجاز، وإباحته للمدينة المنورة، وقتل رجالها، ونهب أموالها، وهدم مسجد الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم) وقبره، فيخسف الله بهم، وهم قد قصدوا عز ومكة المكرمة، وهم ثلاثمائة وثلاثين ألفاً، ولا ينجو منهم إلَّا اثنان، وقد مرّ ذكر ذلك.
وبعد هذه العلائم يقوم الإمام القائم (علیه السلام)، الذي جعل قيامه للقيامة بشرى عليه صلوات الله تترىٰ. ولذا قال النبي (صلی الله علیه وآله وسلم): ورجل منّا أهل البيت، والمراد به هو الإمام القائم (علیه السلام)، لأنه هو الذي يبايع له في البيت الحرام، ما بين زمزم والمقام؛ وأول من يبايعه الطائر الأبيض جبرائيل (علیه السلام)، ثم أصحابه وقواده الثلاثمائة والثلاثة عشر، ثم باقي المؤمنين، ويركب إليه الشيعة، والمؤمنون من أهل العراق، المعبّر عنهم بعصائب العراق،
والعصائب جمع عصابة والعصابة العشرة فما فوق؟ ويُستفاد من قوله يركب أن وسائط النقل موفرة في ذلك الزمان من السيارات وغيرها. وأبدال الشام، فهؤلاء الأبدال يلتحقون به، وهم المؤمنون من بلاد الشامات. ونجباء أهل مصر، فهؤلاء ينصرون الإمام القائم (علیه السلام). ويصير إليه أهل اليمن فيكونون في أنصاره. فيتبعه بنو كلب يوم الأعماق، أي يتبع السفياني بنو كلب، وهم أخواله في وادي الأعماق، وهو وادي في سورية؟ فيكونون أنصار للسفياني، ويقصدون مكة، يريدون قتل الإمام القائم (علیه السلام)؛ فيلتقون مع جيش الإمام فيقتلهم الإمام (علیه السلام)، ويسبي نساءهم وذراريهم؟ فيكونون غنيمة للمسلمين، فيباعون كما تباع العبيد على باب مسجد دمشق؛ وتؤخذ أموالهم، فتقسم بين المسلمين؛ والخائب من خاب من غنيمة بني كلب أخوال السفياني، لأنهم قد نهبوا تلك الأموال من سائر بلاد المسلمين، وقتلوا خيارهم؛ فتعود تلك الأموال للمؤمنين مع الأموال التي كانت عندهم، وما يملكونه من الأشياء، فتعود كلها للمؤمنين، وتعود الدولة للمتقين، لأن العاقبة للمتقين، وعند ذلك يعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.
واما المورد الثالث
فقد وردت روايات كثيرة على علامات عامة متنوعة مختلفة للساعة:
منها: ما رواه الصدوق في العوالم: عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: قال النبي (صلی الله علیه وآله وسلم): من أشراط الساعة أن يفشوا الفالج وموت الفجأة.
بيان: ذكر في هذا الخبر علامتان للساعة:
الأولى: أن ينتشر مرض الفالج بين الناس.
الثانية: انتشار موت الفجاة في الناس، وكثرة هذين المرضين من علامات الساعة نعوذ بالله منهما.
وفيه أيضاً: وسُمع يقول سئل رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) عن الساعة فقال (صلی الله علیه وآله وسلم): عند إيمان بالنجوم وتكذيب بالقدر.
بيان: ذكر في هذا الخبر علامتان للساعة:
الأولى: عند إيمان الناس بعلم النجوم، بأن يعتقد وابإنها هي المؤثرة في العالم، لا
أن الله تعالى هو المؤثر وهذا أمر منهي عنه في الشريعة المقدسة.
الثانية: عند تكذيب القدر: والقدر بالفتح فالسكون ما يقدره الله من القضاء، وبالفتح ما صدر مقدوراً عن فعل القادر. والقدرة عبارة عمّا قضاه الله تعالى وحكم به من الأمور، وهو مصدر قدر يقدر قدرا؛ وقد تسكن داله؛ فإذا كذّب بقضاء الله، وقدره، وما حكم به من الأمور فهذا من علامات الساعة.
العوالم
خطب رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) فقال: أصدق الحديث كتاب الله، وأفضل الهدى هدى الله، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. فقام إليه رجل وقال: يا رسول الله متىٰ الساعة؟ فقال (صلی الله علیه وآله وسلم): ما المسؤول منه بأعلم بها من الساعة، لا تأتيكم إلَّا بغتة. قال: فأعلمنا بأشراطها. فقال: لا تقوم الساعة حتى يفتقد العلم، وتكثر الزلازل، وتكثر الفتن، ويظهر الهرج والمرج، وتكثر فيكم الأموال، ويخرّب العامر، ويعمّر الخراب، ويكون خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وتطلع الشمس من مغربها، وتخرج الدابة، ويظهر الدَّجّال، وينتشر يأجوج ومأجوج، وينزل عيسى بن مريم؛ فهناك تهب ريح من جهة اليمن، ألين من الحرير، فلا تدع أحداً فيه مثقال ذرة من الإيمان إلَّا قبضته، وأنه لا تقوم الساعة إلَّا على الأشرار، ثم تأتي نار من قبل عدن تسوق سائر من على الأرض تحشرهم. قيل: فمتى يكون ذلك يا رسول الله؟ قال (صلی الله علیه وآله وسلم): إذا داهن قراؤكم أمراءكم، وعظمتم أغنيائكم، وأهنتم فقرائكم، وظهر فيكم الغنا وفشا الزنا وعلا البناء، وتغنيتم بالقرآن، وظهر أهل الباطل على أهل الحق، وقل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأضيعت الصلاة، واتبعت الشهوات؛ وميل مع الهوى، وقدم أمراء الجور وكانوا خونة والوزراء فسقة؛ وظهر الحرص في القراء، والنفاق في العلماء، فعند ذلك ينزل بهم البلاء مع أنه لا قُدِّست أمة لا ينتصر لضعيفها من قويّها، فتزخرف المساجد، وتزروق المصاحف، وتُعلى المنائر، وتكثر الصفوف وترتفع الضجات في المساجد، وتجتمع الأجساد والالسن مختلفة، ودين أحدهم للعقة على لسانه، إن أعطى شكر وإن منع كفر، لا يرحمون صغيراً، ولا يوقّرون كبيراً، يستأثرون أنفسهم، توطأ حريمهم، ويجوروا في حكمهم، ويحكم عليهم العبيد، ويملكهم الصبيان، وتدبر أمورهم النساء، يتحلى الذكور بالذهب والفضة، ويلبسون الحرير والديباج، ويسرون الجواري، ويقطعون الأرحام، ويخيفون السبيل، وينصبون العشارين، ويجاهدون
المسلمين، ويسالمون الكافرين، فهناك يكثر المطر، ويقل النبات، وتكثر النهرات، وفي نسخة الهروات، ويقل العلماء، وتكثر الأمراء، وتقل الأمناء، فعند ذلك يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتل الناس عليه، فيقتل من المائة تسع وتسعون ويسلم واحد.
بيان: ذكر في هذه الخطبة علائماً مشتبهة بعلائم الإمام الحجة (علیه السلام)، ويُحتمل أنها من علامات قيام القائم (علیه السلام)، وبالنظر إلى تقدمها تكون من علامات الساعة. وهذه الخطبة من الخطب الجليلة للنبي الأعظم (صلی الله علیه وآله وسلم)، فقال في صدرها:
إن أصدق الحديث كتاب الله: والمراد بكتاب الله هو القرآن الكريم، وهو كلام الخالق العظيم، وهو فوق كلام المخلوقين، وهو ملك الكلام، لأنه كلام ملك يوم الدِّين، وكلام الملوك ملوك الكلام، وحيث إن الله سبحانه وتعالى أصدق الصادقين، فحديثه أصدق الحديث، وكلامه أصدق الكلام.
وأفضل الهدى هدى الله: والهدى الرشاد والدلالة، والبيان والتوفيق، والتأييد، فهو قسمان:
الأول: هدى دلالة: فالخلق به مهدیّون، وهو الذي تقدر عليه الرسل، ومنه قوله تعالى (إنك لتهدي إلى صراط مستقيم) [الشورى 52] فأثبت تعالى لنبيه الهدى الذي معناه الدلالة، والدعوة، والبيّنة، والإرشاد إلى طريق العدالة والصلاح.
الثاني: الهدى الذي تفرد به تعالى الذي هو معناه التوفيق، والتأييد، ومنه قوله تعالى (و إنك لا تهدي من احببت) [القصص 56] وقوله تعالى (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) [الانعام 144] وقوله (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) [العنكبوت 69] وغيرها من الآيات الكريمة المراد بها. التوفيق الربَّاني، والتأييد الإلهي وإلى هذا القسم من الهدى أشار النبي الأعظم (صلی الله علیه وآله وسلم)، بأنه أفضل الهدى لأن من هداه الله تعالى، وشمله التوفيق الإلهي، والتأييد الربّاني، فقد فاز فوزاً عظيماً. ولذلك كان أفضل الهدى.
وشر الأمور محدثاتها: المحدث بفتح الدال وهو نقيض القديم، وهو الذي كان بعد أن لم يكن، ولم يكن معروفاً في كتاب، ولا سنة ولا إجماع.
وفي الخبر إياكم ومحدثات الأمور: أي ما لم يكن معروفاً من كتاب، أو سنة، أو إجماع.
وكل بدعة ضلالة: البدعة بالكسر فالسكون إدخال ما ليس في الدِّين، والحدث في الدِّين وما ليس له أصل في كتاب، ولا سنة، وإنما سمّيت بدعة لأن قائلها قد ابتدعها هو نفسه.
البدعة بدعتان: بدعة هدى، وبدعة ضلال
فالاولى هي السنة الحسنة.
والثانية هي السنة السيئة، فإنّ ما كان على خلاف ما أمر الله به ورسوله، فهو في حيّز الذم والإنكار، وهي السنة السيئة، وهي الضلالة والضلال وهو ضد الرشاد. وما كان تحت عموم ما ندب الله أو رسوله إليه، وحض عليه فهو في حيّز المدح. فقد قال النبي (صلی الله علیه وآله وسلم): من سنّ سنة حسنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها. وقال (صلی الله علیه وآله وسلم) في ضده: من سن سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها. فالسنة وهي الطريقة والسيرة المخالفة لأوامر الله تعالى، ورسوله فهي سنة سيئة، وبدعة، وضلاله، ويتحمل مبتدعها ومخترعها وزرها ووزر من عمل بها. والسنة الحسنة والطريقة المحمودة هي السنة الموافقة لأوامر الله تعالى، ورسوله، وكان لمؤسسها أجرها وأجر من عمل بها.
ثم سئل رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، عن وقت الساعة، فلم يعيّن وقتها، لأن الله تعالى لم يأذن بتعيينها لقوله تعالى (ويسئلونك عن الساعة، إنما علمها عند ربي) [الاعراف 187] ولذا قال: لا تأتيكم إلَّا بغتة. ولذا سأل السائل عن أشراطها أي علائمها. فأجابه بهذه العلائم المماثلة للعلائم التي تقع قبل ظهور القائم (علیه السلام)، فقال: حتى يفتقد العلم: وافتقاد العلم بافتقاد العلماء؛ ولعل المراد من العلماء في ذلك الزمان هم الأئمة الاثنى عشر مع النبي صلوات الله عليهم أجمعين، لأنهم إذا رفعوا من عالم الدنيا إلى جنة السماء، تقع الساعة بعد أربعين يوماً من رفعهم، كما صرّح بذلك في بعض الأخبار.
وتكثر الزلازل: والزلازل جمع زلزلة، وهي أن تتحرك الأرض، وتموج بأهلها؛ وهذه قرينة على أن وقوع هذه الزلازل لعدم وجود الأئمة (علیه السلام) في الأرض ولرفعهم منها كما نص على ذلك في رواية مرت في الجزء الأول، رواها الصدوق في الإكمال بإسناده إلى أبي جعفر الباقر (علیه السلام) قال: لو أن الإمام رفع من الأرض لماجت بأهلها، كما يموج البحر بأهله. وهذه الرواية صريحة في أنَّ رفع الإمام (علیه السلام) من الأرض موجب لوقوع الزلزلة والموجان فيها؛ فتدل بالمفهوم على أنَّ وجود الإمام، وعدم رفعه من الأرض أمان وحفظ للعالم.
وتكثر الفتن: أي الحروب والوقائع لعدم وجود المرشد والإمام.
ويظهر الهرج والمرج: أي القتل والقتال وغارة بعضهم على بعض.
وتكثر فيكم الأموال: أي يشب فيهم الحرص فيجمعون الأموال فتكثر.
ويخرّب العامر ويعمّر الخراب: لعل المراد بتخريب العامر هو ترك المساجد والمعابد التي كانت قبل ذلك معمورة بالعبادة والذكر؛ ويعمّر ما كان خراباً من دور الملاهي والفساد والمعاصي.
ويكون خسف بالمشرق: أي في الطرف الشرقي من الدنيا.
ويكون خسف بالمغرب: أي في الطرف الغربي من الدنيا، وخسف بجزيرة العرب: وهي معروفة فيقع خسف فيها.
وتطلع الشمس من مغربها: وهذه علامة واضحة للساعة، بأن ينعكس مطلع الشمس فتطلع من المغرب.
وتخرج الدابة: والمراد من الدابة هنا المعنى اللغوي، وهو ما يدب على الأرض، فتشمل الإنسان. والمعنى بها هو إمام، وفاروق بين الحق والباطل، فيسم وجه المؤمن بالعصا، فيكتب عليه مؤمن، ويسم أنف الكافر بها، فيكتب على جبهته أنه كافر، فيميّز بين المؤمن والكافر، وعليهم تقوم الساعة.
ويظهر الدَّجَّال، أي الكذَّاب، ولا بدَّ أن يكون هذا الدَّجَّال مدَّعياً للإمامة، أو النبوّة كذباً.
وينتشر يأجوج ومأجوج: بأن ينكسر السد الذي بناه ذي القرنين، المذكور في القرآن الكريم، وينفتح لهم الطريق، فيهجمون على من كان بالقرب من السد، ويهلكون البشر، والحيوان، والنبات، ويسيحون في أطراف الأرض وإلى ذلك أشار تعالى بقوله: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون) [الأنبياء 96] وفي رواية أنهم يخرجون على الناس فيفشون الأرض كلّها، وخروجهم وانتشارهم في الأرض من علامات الساعة. وسيأتي ذكرهم في بيان خاص إن شاء الله تعالى.
وينزل عيسى بن مريم (علیه السلام): ولعل هذه النزلة نزلة أخرى من جنة السماء إلى الأرض، لأنه ينزل من السماء عند قيام القائم (علیه السلام) أول مرة، فيكون وزيره الأيمن،
وحاجبه والأمين على أمواله؛ وهو الذي يقتل الدَّجَّال، ويقتل اليهود، وأولاد اليهود، وبعد ذلك يموت كما في رواية. فقوله في هذه الرواية: وينزل عيسى (علیه السلام) لعل المراد أنه ينزل مرة ثانية من السماء، لقتل يأجوج ومأجوج كما في رواية. وفي رواية أن الله تعالى يهلكهم بعد فسادهم في الأرض. فهناك تهب ريح من جهة اليمن، ألين من الحرير، فلا تدع أحداً فيه مثقال ذرة من الإيمان إلَّا قبضته: وهذه الريح مهبها من اليمن؛ والمراد بها إمَّا الرائحة، فيكون شم تلك الرائحة موجب لسلب الإيمان وقبضه. وأما المراد بالريح داء يعتري الإنسان، ولكن مهب هذا الداء من اليمن؟ فيمرض قلوب الناس وعقائدهم، فيسلبون الإيمان بالله تعالى وبأحكامه. وأمَّا المراد بالريح الهواء المسخرين السماء والأرض؛ فذلك الهواء موجب لسلب الإيمان من قلوب الناس، ويُحتمل أن يراد بالضمير في قوله قبضته أي قبضت أرواح المؤمنين، فيبقى الأشرار. وأنه لا تقوم الساعة إلَّا على الأشرار: وقد مرّ ذلك في رواية عن محاسن البرقي بإسناده إلى سليمان العامري عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: ما زالت الأرض إلَّا ولله فيها حجة، يعرف الحلال والحرام، ويدعو إلى سبيل اللهْ، ولا تنقطع الحجة من الأرض إلَّا أربعين يوماً قبل يوم القيامة؛ فإذا رفعت الحجة أغلقت باب التوبة، ولم تنفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أن ترفع الحجة وأولئك هم شرار من خلق الله وهم الذين تقوم عليهم القيامة.
دلت هذه الرواية بأن القيامة، أي الساعة، لا تقوم إلَّا على الأشرار من خلق الله، أتى بعد قلة الأخيار.
ثم تأتي نار من عدن، تسوق سائر من على الأرض تحشرهم: ومهب هذه النار من جهة عدن، أي من شرق الأرض، ولعلها من جهة وادي برهوت، الذي هو في حضر موت، الواقعة بالقرب من عدن؛ وعدن اسم لمدينة ومرفأ في الجزيرة العربية على خليج عدن قرب باب المندب، عاصمة جمهورية اليمن. وعدن أيضاً اسم لخليج، وبحر ينحصر بين الصومال وشواطىء عدن، ويتصل غرباً بالبحر الأحمر، وبمضيق باب المندب، وشرقاً ببحر عمان؛ وحيث إنَّ عدن يتصل بمضيق باب المندب، التي هي عاصمة جمهورية اليمن، واليمن جبال وسلاسل صخرية على شكل هضاب بركانية شديدة الإنحدار نحو البحر الأحمر، تنتهى عند وادي حضرموت، فلعل هذه الريح تهب من هذه الهضاب، وتلك البراكين المنتهية عند وادي حضرموت فتشتعل نارا تطرد الناس وأهل الدنيا إلى المحشر؛ فتحشرهم في مكان واحد.
ثم سئل رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) عن وقت ذلك، ومتى يقع هذا المحشر؟ فقال: عند تحقق هذه العلائم: إذا داهن قراؤكم أمراءكم: المداهنة المصانعة كالادهان قال تعالى: (ودوا لو تدهن فيدهنون) [القلم 9].
ومنه حديث الحق تعالى لعيسى (علیه السلام): قل لمن تمرد عليّ بالعصيان، وعمل بالإدهان ليتوقع عقوبتي.
ومثله في حديث الباقر (علیه السلام) حيث قال: أوحى الله تعالى إلى شعيب النبي (علیه السلام)، إني معذّب من قومك مائة ألف أربعين ألفاً من شرارهم، وستين ألفاً من خيارهم. فقال: يا ربّ هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فأوحى الله إليه داهنوا أهل المعاصي، ولم يغضبوا لغضبي. والادهان النفاق وترك المناصحة، وترك الصدق، والمسامحة، والمساهلة مع أهل المعاصي. وهذا أمر غير مرضيّ الله تعالى؛ فلذلك استحق الأخيار العذاب؛ وهذه العلامة وهي مداهنة القراء للأمراء من علامات الساعة.
وعظمتم أغنيائكم: والتعظيم للأغنياء هو التبجيل، والتفخيم، والتوقير، والتقدير، والاحترام والتواضع لهم. وقد ورد في الحديث: من تواضع لغني ذهب ثلثا دينه. وهذا إذا كان التواضع لأجل غنائه وثروته، لا لله تعالى؛ ولكونه مؤمناً متديّناً. وأهنتم فقرائكم: وإهانة الفقراء الاستخفاف بهم، واستحقارهم وتحقيرهم.
وظهر فيكم الغنا: أي أن الناس يظهرون الأغاني في ذلك الزمان، بعدما كانت محرّمة.
وفشا الزنا: أي انتشر وشاع بين الناس.
وعلا البناء: بأن يبنون البنايات العالية، ليشرفوا على جوارهم، وينظروا إلى أعراض الناس.
وتغنيتم بالقرآن: والتغني بالقرآن للاستهزاء به وهو محرّم.
وظهر أهل الباطل على أهل الحق: أي كانت الدولة لأهل الباطل، وتسلطوا على أهل الحق.
وقل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وذلك إما لمداهنة أهل الحق مع أهل الباطل، وإمَّا لخوف أهل الحق من أهل الباطل لأن الدولة لهم ولسلطتهم عليهم.
وأضيعت الصلاة: أي تركت وأتُّبعت الشهوات: أي عملوا بما يشتهون. وميل مع الهوى: أي مالوا مع أهوائهم واتبعوا الهوى.
وقدم أمراء الجور: وإنما يقدمون على غيرهم للخوف من ظلمهم وجورهم.
وكانوا خونة والوزراء فسقة: أى أن الأمراء خونة في ذلك الزمان، والوزراء من الفساق.
وظهر الحرص في القرّاء: أي ينشأ الحرص وحب جمع المال في قرّاء ذلك الزمان.
والنفاق في العلماء: أي يظهروا خلاف ما أضمروا؛ مظاهرهم مليح وباطنهم قبيح.
فعند ذلك ينزل عليهم البلاء، من الزلازل والخسف وغيرها.
مع أنه لا قُدّست أمة لا ينتصر لضعيفها من قویّها: والتقديس هو التطهير، فمعنى لا قُدّست أي لا طُهِّرت أمة لا ينتصر للضعيف منها من القويّ، فتلك الأمة التي لا ينتصر فيها للضعيف من القوي، أمة غير طاهرة وغير مقدسة؟ بل هي ظالمة قذرة.
فتزخرف المساجد: أي يوضع فيها الزينة والزخرفة.
وتزروق المصاحف: أي تحلّي وتزيّن.
وتعلّى المنائر: أي تطول. وتكثر الصفوف: أي صفوف أهل المكر والخدع أو تكثر صفوف الجماعة ولكنهم غير متمسكين بالدين.
وترتفع الضجات في المساجد: أي عند اجتماع الناس في المساجد، ترتفع الضجات منهم؛ والضجات جمع الضجة، وهي جلبتهم وصياحهم، ورفع الأصوات بغير ذكر الله تعالى.
وتجتمع الأجساد والألسن مختلفة: أي أنهم يجتمعون في مكان واحد بأجسادهم؛ فأجسادهم مجتمعة، وألسنتهم بل قلوبهم مختلفة.
ودين أحدهم للعقة على لسانه: اللعقة بالفتح آلمرة من لعقت الشيء لعقة أي لحسته؛ واللعقة بالفم اسم لما تأخذه الملعقة؛ استعاره للإقرار بالدِّين باللسان من دون اعتقاد بالجنان؛ وهذا كناية به عن ضعفه وقلّته؛ فأهل ذلك الزمان دين أحدهم باللسان،
مثل اللعقة للشيء ولما يدخل الإيمان في قلوبهم.
إن أعطي شكر، وإن منع كفر: أي إن رزق أو أكرم بشيء شكر، وإن حُرم من شيء ومنع منه كفر بمن يمنعه ويحرمه.
لا يرحمون صغيراً ولا يوقرون كبيراً: أي لا احترامات بينهم، ولا رحم عندهم، فلا يرحم الصغير فضلًا عن الكبير، كما لا احترام لأحد عندهم، فلا يحترم الكبير الذي يجب توقيره واحترامه فضلاً عن الصغير.
يستأثرون أنفسهم: أي يستبدون بالشيء على الغير، ويحضون به أنفسهم، فيختارون لأنفسهم أحسن الأشياء وافضلها، فيقدمون ويفضلون أنفسهم دون غيرهم.
توطأ حريمهم: أي يرضون بأن يوطأ الناس حريمهم ويأخذ ما تأتي به من كدِّ فرجها، ومفسد خدرها، فذلك هو الديّوت الذي لم يقبل الله صرفاً ولا عدلاً، فأكله حرام، ومنكحه حرام، وقتله واجب في شريعة الإسلام.
ويجورون في حكمهم: أي يحكمون بالجور والعدوان.
ويحكم عليهم العبيد: أي أن الحكام عليهم هم العبيد.
ويملكهم الصبيان: أي أن المملكة بيد الصبيان.
وتدبر أمورهم النساء: أي تدبير أمور البيت وغيرها بيد النساء، فهن القائمات عليهم.
ويتحلى الذكور بالذهب والفضة، ويلبسون الحرير والديباج: والتحلى للذكور بالذهب والفضة إنما هو للنساء لا للرجال، وقد مرّ أن الذهب لبسه للرجال في الصلاة وغير الصلاة حرام في الشريعة المقدسة. كما أن التحلي بالحرير والديباج للنساء لا للرجال، ولبسه في الصلاة محرّم، وهذان الأمران من العلائم للساعة.
ويسرون الجواري: أي يخفون نكاح الجواري، فينكحونها سراً.
ويقطعون الأرحام: أي لا يصلون أرحامهم.
ويخيفون السبيل: أي يقطعون الطريق، ويسلبون الناس، فيخيفون السبيل.
وينصبون العشّارين: والعشّار بالشين المشددة، مأخوذ من التعشير، وهو أخذ
العشر من أموال الناس، بأمر الظالم؛ يُقال عشرت القوم عُشراً بالضم، أخذت منهم عشر أموالهم؛ فيشمل أخذ الضرائب المحصولة من قبل الحكّام الظلمة، فربّما يأخذون نصف أموال الناس لا عشر أموالهم، فيأكلونها بالباطل، وهذا من علائم الساعة.
ويجاهدون المسلمين ويسالمون الكافرين: أي يحاربون أهل الإسلام، ويصالحون أهل الكفر، ويتفقون معهم ضد المؤمنين.
فهناك يكثر المطر ويقل النبات: وكثرة ذلك المطر موجبة للضرر، وقلة النبات لقلة البركات.
وتكثر النهرات - وفي نسخة الهراوت - النهرات جمع نهره بمعنى الزجرة أي تكثر الزجرات. الهُراءات جمع الهراء بضم الها، الخطأ والخنا والقبيح والكلام الكثير الفاسد، الذي لا نظام له، فهذا يكثر بين الناس، وهو من علامات الساعة.
وتقل العلماء وتكثر الأمراء: أي أن أهل العلم يقلّون، والأمراء الظلمة يكثرون.
وتقل الأمناء: أي أن الموجود من الناس خونة، والأمين قليل الوجود.
فعند ذلك يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتل الناس عليه، فيقتل من المائة تسع وتسعون ويسلم واحد: فإذا تحققت العلامات المتقدمة، تقع هذه الواقعة قبل الساعة، وهو أن يحسر الفرات، أي ينكشف عن جبل من ذهب فيه؛ فيقع القتل والقتال عليه، فلا يسلم من المائة إلَّا رجل واحد. وهذه الواقعة من علامات الساعة أيضاً.
العوالم
عن موسى بن جعفر عن آبائه (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): لا يزداد المال إلَّا كثرة، ولا يزداد الناس إلَّا شحّاً، ولا تقوم الساعة إلَّا على شرار الخلق.
وعنه عن آبائه صلوات الله عليهم قال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): القرون أربعة أنا في أفضلها قرناً، ثم الثالث، فإذا كان الرابع التقى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء فقبض الله كتابه من صدور بني آدم، فيبعث الله ريحاً سوداء، ثم لا يبقى أحد سوی الله تعالى إلَّا قبضه الله إليه.
بيان: دل الخبر الأول أن من علامات الساعة زيادة المال وكثرته عند الناس؛ وازدياد الناس شحاً، أي بخلاً وحرصاً على المال وإذا كان الناس أشرار، فعليهم تقوم
الساعة، لأن الساعة لا تقوم إلَّا على شرار الخلق، وهذا من علائمها.
ودل الخبر الثاني أن القرون أربعة: والقرون جمع القرن، واختلف في القرن على أقوال: قيل: القرن أهل زمان واحد قال شاعرهم:
إذا ذهب القرن الذي أنت فيهم *** وخلفت في قرن فأنت غريب
وقيل: مائة سنة. وقيل: هو مدة أغلب أعمار الناس، وهو سبعون سنة، وقد ذكرنا في رواية مرت عن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) أغلب أعمار أمتي الستين. وقيل: ثمانون سنة. وقيل: ثلاثون سنة. وقيل: القرن أهل عصر فيه نبيّ، أو فائق في العلم قل أو كثر بمعنى أمة بعد أمة. وقيل: الوقت من الزمان. واشتقاق القرن من قرنت، لاقترانهم مع برهة من الزمان.
وقد جعل النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) القرن الذي هو فيه أول القرون؛ فيعلم أن المراد من القرن في الرواية أهل العصر الذي فيه النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، وخلفائه الراشدين سلام الله عليهم أجمعين.
القرن الثاني: قرن الملوك الأمويين، والعبَّاسيين، والجبابرة، من الملوك الظلمة إلى قيام قائم الحق صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين.
القرن الثالث: قرن الرجعة، هو زمان مملكة الانبياء والمرسلين، ومملكة الأئمة المعصومين عليهم صلوات رب العالمين.
القرن الرابع: قرن الأشرار وهو القرن الذي تلتقي فيه النساء بالنساء، والرجال بالرجال، وأهل هذا القرن هم الذي تقوم عليهم الساعة، وهم الذين يقبض الله تعالى فيه القرآن من صدورهم.
ثم ذكر أن الله تعالى يبعث ريحاً سوداء، يقبض بها أرواح المخلوقات؛ والظاهر أنَّ هي هذا الأمر يتحقق في النفخة الأولى، من نفخة الصور؛ وليس من علامات الساعة. وعلامات الساعة العلامات المتقدمة والظاهر أنَّ العلامة الأخيرة للساعة الواضحة القريبة هي نار يخرج من عدن، تحشر الناس إلى المشرق كما في العوالم: سئل النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) عن آخر أشراط الساعة، فقال: نار تحشر الناس من المغرب إلى المشرق.
دل هذا الخبر أن العلامة الأخيرة القريبة الواضحة، ظهور هذه النار من جهة
عدن، تحشر الناس وتجمعهم من على وجه الأرض، من المغرب إلى المشرق؛ وهناك تكون ساحة المحشر، ولا بدَّ أن يتوجه فيها الإنسان إلى ساحة ذي الجلال والإكرام، وبعد الاجتماع في تلك الساحة، تصدر النفخة، فتصدر منها هذه الريح سوداء، ويقبض بها الأرواح، ولا يبقى ولا يبقى الَّا وجهه سبحانه وتعالى.
العوالم
عن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) أنه قال: بادروا بالأعمال ستاً طلوع الشمس من مغربها، والدابة
والدَّجَّال والدّخان وخويصة أحدكم يعني موته وأمر العامة يعني القيامة .
مشارق الأنوار
عن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها، لم تكن آمنت من قبل.
العوالم
سُمع (صلی الله علیه وآله وسلم) يقول: ليأتين على الناس ليلة تعدل ثلاث ليال من لياليكم هذه فإذا كان ذلك يعرفها المصلون، يقوم أحدكم فيقرأ حزبه، ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ حزبه، ثم ينام، ثم يقوم، فبينما هم كذلك إذ ماج الناس بعضهم؛ فقالوا: ما هذا فيفزعون إلى المساجد، فإذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها، فيضج الناس ضجة واحدة، حتى إذا صارت في وسط السماء، رجعت وطلعت من مطلعها، وحينئذ لا ينفع نفس إيمانها.
بیان: دلت هذه الروايات أنَّ من علائم الساعة طلوع الشمس من مغربها، وجعل دليلاً على ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب، أن تطول الليلة المتصلة بذلك اليوم، بمقدار ثلاث ليال، ويعرف هذه الليلة الطويلة، المصلون وهم الموفقون لصلاة الليل، وهم المؤمنون الذين مدحهم الله في القرآن الكريم، بقوله تعالى: (وبالأسحارهم يستغفرون) [الذاريات 18] وهم (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنودهم) [ال عمران 191] فهؤلاء ينتبهون لهذه الليلة الطويلة، حيث يقومون فيصلون، ينامون ثلاث مرّات، فيعلمون أنها اخر ليلة من عالم الدنيا، وبعدها يقع عالم الآخرة؛ وذاك الحين حين لا ينفع نفسا إيمانها إذا لم تكن مؤمنة قبل ذلك.
وقد صرّح في الخبر الأول المبادرة إلى الأعمال الصالحة، وإلى الخيرات والمبرات، قبل وقوع أمور ستة:
الأول: طلوع الشمس من مغربها: فيلزم المبادرة إلى الأعمال الصالحة، والتوبة عن المعاصي، وعن الأعمال السيئة، قبل حدوث هذه العلامة؛ لأن الأعمال الصالحة الصادرة من المؤمنين، والتوبة عن الأعمال السيئة، والرجوع من الكافرين والمنافقين إلى طريق الحق كله مقبول، ما لم تحدث هذه العلامة، فإذا حدثت لا تقبل الأعمال، ولا التوبة بل تنغلق بابها، ولا يقبل إيمان الكافر ما لم يؤمن قبلها.
الثاني: خروج الدابة: وقد قلنا أنها تسمم جباه الناس، وتفرّق بين المؤمن والكافر، فلو كان كافراً ووسمته الدابة، وكتب على جبهته أنه كافر، فلا يقبل منه الإيمان بعد ذلك، فيلزم المبادرة إلى الإيمان والتوبة قبل خروج الدابة.
الثالث: خروج الدَّجَّال: فإنه يدخل من كان في زمانه في الكفر بسحره، أو يقتله، فتنغلق عليه باب التوبة، فلا بدَّ أن يؤمن قبل خروجه، ويتعوذ منه بقراءة القرآن كما مرّ.
الرابع: الدخان: المنتشر في العالم فإنه مهلك للبشر، إلَّا من تعوذ بالقرآن، فيلزم
التوبة قبل حلول المنية، فتنغلق عليه باب التوبة.
الخامس: خويصة أحدكم وفسّر بالموت، فإنه قد ورد في الحديث عنه (علیه السلام): عجل بالصلاة قبل الفوت وبالتوبة قبل الموت. فإن الإنسان إذا مات انغلقت باب التوبة دونه، فلا يقبل منه عمل.
السادس: قيام الساعة: فإنها إذا قامت انغلقت باب التوبة، فلا يقبل من أحد عمل، ولا ينفع نفس إيمانها ما لم تكن آمنت قبل ذلك. فقبل هذه الأمور الستة يجب على المؤمنين المبادرة إلى الباقيات الصالحات، والتوبة عن المعاصي والسيئات، وعلى المخالفين، والكافرين، والمنافقين، الرجوع إلى طريق الحق، والدين الذي يرتضيه رب العالمين وإلَّا كانوا في جهنم خاسرين.
الدر المسلوك
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لن تقوم الساعة حتى ترد عشر آيات: الدخان، والدَّجَّال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم (علیه السلام) ويأجوج ، ومأجوج، وثلاث خسوفات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة
العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس الى محشرهم.
بيان: دل هذا الخبر على حدوث عشرة آيات، أي علامات للساعة:
الأولى: الدخان: وقد ذكرنا أنَّ هذا الدخان ينتشر في العالم أربعين يوماً، وهو من العلائم لقيام الحجة القائم عليه السلام، فيُحتمل أن يكون نفسه علامة للساعة، ويحتمل قوياً أن يكون هذا دخان آخر ينتشر في العالم قبل الساعة، لأنه لم يقيد بأربعين يوماً.
الثانية: الدَّجَّال: فإن خروج هذا الكذّاب من علائم القائم عليه السلام، المقارنة
لظهوره، ويحتمل ان يخرج دجّال آخر قبل الساعة؛ فيكون خروجه علامة للساعة.
الثالثة: الدابة ولا ريب في انها من علامات الساعة، وسيأتي ذكرها مفصلاً ان شاء الله.
الرابعة: طلوع الشمس من مغربها الى وسط السماء، ثم رجوعها وطلوعها من المشرق.
الخامسة: نزول عيسى بن مريم عليه السلام، وقد ذكرنا أنه ينزل عند ظهور القائم
(علیه السلام)، ويُحتمل ان تكون هذه نزلة اخرى له.
السادسة: خروج يأجوج ومأجوج من السد بعد انهدامه، ولا ريب في انه من علامات الساعة.
السابعة والثامنة والتاسعة: ثلاث خسوفات: وقد ذكرت هذه الخسوفات في علائم القائم عليه السلام: ويحتمل ان تتكرر، فيحدث خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب مرة ثانية: فتكون من علامات الساعة.
العاشرة: خروج نار من اليمن: ولعلها من وادي حضرموت، فتطرد الناس الى المحشر، وهذه آخر العلائم للساعة.
دلائل الامامة الزام الناصب
وسئل الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) في بعض خطبه وقيل له: بيّن لنا، كيف تقوم الساعة، وأخبرنا بدلالاتها وعلاماتها؟
فقال (علیه السلام): من علامات الساعة: يظهر صائح في السماء؛ ونجم في السماء له ذنب في كل ناحية المغرب؛ ويظهر كوكبان في السماء في المشرق؛ ثم يظهر خيط أبيض في وسط
السماء؛ وينزل من السماء عمود من نور؛ ثم ينخسف القمر؛ ثم تطلع الشمس من المغرب؛ فيحرق حرّها شجر البراري والجبال؛ ثم تظهر نار من السماء، فتحرق أعداء آل محمد، حتى تشوي وجوههم وأبدانهم؛ ثم يظهر كف بلا زند، وفيها قلم تكتب في الهواء، والناس يسمعون صرير القلم، وهو يقول: (واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا) [الأنبياء 97] فتخرج يؤمئذ الشمس والقمر وهما منكسفا النور، فتأخذ الناس الصيحة؛ التاجر في بيعه والمسافر في متاعه، وصاحب الثوب في مسداته(1)، والمرأة في غزلها، وإذا كان الرجل بيده شيء فلا يقدر أن يأكله، ويطلعان الشمس والقمر، وهما أسودا اللون وقد وقعا في زوال خوفاً من الله تعالى، وهما يقولان: الهنا وخالقنا وسيّدنا، لا تعذبنا بعذاب عبادك المشركين، وأنت تعلم طاعتنا، والجهد فينا، وسرعتنا المضي أمرك، وأنت علّام الغيوب. فيقول الله: صدقتما، ولكني قضيت في نفسي أني أبداً و أعيد، وإني خلقتكما من نور عزتي، فيرجعان إليه، فيبرق كل واحد منهما برقة، تكاد تخطف الأبصار، ويختلطان بنور العرش، فينفخ في الصور، فصعق من في السمٰوات ومن في الأرض إلَّا ما شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون فإنا لله وإنا إليه راجعون. الخطبة.
بيان بيّن الإمام (علیه السلام) في هذا الخبر علامات للساعة.
الأولى: ظهور صائح في السماء: وهو المصوّت بزجر وشدة، ينبّه العالم إلى أمر عظيم.
الثانية: ظهور نجم في السماء مذنب، له ذَنَب عظيم، قد سدّ وملأ كل ناحية المغرب.
الثالثة: ظهور كوكبان في السماء عظيمان في جهة المشرق.
الرابعة: ظهور خيط أبيض في وسط السماء يراه الناس.
الخامسة: نزول عمود عظيم من نور، من السماء إلى الأرض.
السادسة: خسوف القمر قبل طلوع الشمس من مغربها.
1) (1) المسداة: آلة لتقويم وتمديد سدى الثوب، والسدى من الثوب جمع اسديه، ما مدّ من خيوطه، وهو خلاف اللحمة والعامة تقول مدة.
السابعة: طلوع الشمس من جهة المغرب، فيحترق من حرّها شجر البراري والجبال.
الثامنة: ظهور نار من السماء، موجهة إلى أعداء آل محمد، فتحرقهم حتى تشوي وجوههم وأبدانهم، فيفتضحون في الدنيا أمام الناس، وهذا من عذاب الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب الحريق.
التاسعة: ظهور كف بلازند، وفيها قلم، فتكتب في الهواء، والناس يسمعون صرير القلم، وهو يقول: (واقترب الوعد) الآية المباركة.
العاشرة: ظهور الشمس والقمر منكسفان، ثم يبرق كل واحد منهما برقة، ويلتحقان بنور العرش، وهذه العلائم العشرة كلها قبل نفخه الصعق الأولى، وبعدها ينفخ في الصور؟ فيصعق من في السموات، ومن في الأرض، إلَّا ما شاء الله تعالى أن يبقيهم، فلا يصعقون؟ ثم ينفخ النفخة الثانية؛ فإذا المخلوقات قيام ينظرون، أعانا الله تعالى على ذلك الموقف، ونجّانا في الآخرة من النار بحق محمد وآله الأطهار.
مجمع الزوائد
عن عتبي السعدي أنه سأل ابن مسعود عن أشراط الساعة قال: قلت: أبا عبد الرحمٰن هل للساعة من عَلَم؟ أي علامة تعرف به، وكان متكئاً فاستوى جالساً. فقال: يا سعدي، سألتني عمّا سألت عنه رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم). قلت: يا رسول الله هل للساعة من علم تعرف به؟ قال: نعم يا بن مسعود إن للساعة أعلاماً، وإن للساعة أشراطاً - أي أن لها علائم كثيرة - ألا وإن من أعلام الساعة وأشراطها:
أن يكون الولد غيظاً: أي يغيض أبواه.
والمطر قيظاً: أي في القيظ دون الشتاء حتى لا ينتفع به.
وأن تفيض الأشرار فيضاً: أي تنتشر الأشرار، وتكثر وتفيض ماء النهر إذا كثر. يا بن مسعود من أعلام الساعة وأشراطها:
أن يؤتمن الخائن وأن يخون الأمين: أي يجعل الخائن أميناً بالعكس بحسب الأمين خائناً. يا بن مسعود من أعلام الساعة وأشراطها:
أن تتواصل الأطباق: أي البعداء والأجانب. وأن تقطع الأرحام: أي الأقارب. يا
بن مسعود ان من أعلام الساعة وأشراطها:
أن يسود كل قبيلة منا فقوها: أي أن أسياد القبائل المنافقون منها.
وكل سوق فجّارها: أي أن أسياد كل سوق هم الفجار من أهل ذلك السوق. يا بن مسعود إن من أعلام الساعة وأشراطها: تزخرف المحاريب: أي توضع الزخرفة في محاريب المساجد.
وأن تخرب القلوب: أي تكون قلوب الناس ردية وخراباً، وضمائرهم فاسدة. يا بن مسعود إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن يكون المؤمن في القبيلة أذل من النقد: أي الغنم. يا بن مسعود إن من أعلام الساعة وأشراطها أن يكتفي الرجال بالرجال: أي يستعملون اللواط والنساء بالنساء: أي يستعملن المساحقة. يا بن مسعود إن من أعلام الساعة وأشراطها: ملك الصبيان: أي أن المملكة تكون للصبيان في الدنيا. ومؤامرة النساء: أي مشاورة النساء. يا بن مسعود إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن يعمّر خراب الدنيا: أي تعمر الأماكن الخربة منها، أو يؤتى بالأعمال المنهى عنها، وكانت متروكة محرمة قبل ذلك كإحياء البدع.
ويخرب عمرانها: أي ما كان معموراً منها يخرب، أو تترك الواجبات وتمات السنن. يا بن مسعود إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن تظهر المعازف والكبر وشرب الخمور: المعازف جمع معزف، أو معزفة وهي الات الطرب: كالطنبور والعود والقيثارة. الكبر الطبل، فظهور استعمال الآت الطرب، وضرب الطبل والطنبور وشرب الخمور من علامات الساعة. يا بن مسعود إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن تكثر أولاد الزنا: وذلك لكثرة وقوع الزنا. قلت: أبا عبد الرحمن وهم مسلمون؟ قال: نعم. قلت: أبا عبد الرحمن والقرآن بين ظهرانيهم؟ أي أظهرهم. قال: نعم. قلت: أبا عبد الرحمن وأنى ذلك؟ قال: يأتي على الناس زمان يطلّق الرجل المرأة طلاقها، فتقيم على طلاقها، فهما. زانيان ما أقاما. أي أنهما لا بدّ أن يفترقا بعد الطلاق، وحيث لم يفترقا فهما زانيان.
الكتاب المبين السفر الثاني منه في المقام الثالث
عن العوالم، عن عبدالله بن سليمان، وكان قارئاً للكتب قال: قرأت في بعض كتب الله أن ذا القرنين، وساق الحكاية الطويلة في ذي القرنين، وعمله السّد على يأجوج ومأجوج، إلى أن قال: فإن يأجوج ومأجوج ينتابونه في كل سنة، وذلك أنهم يسيحون في بلادهم، حتى إذا وقعوا إلى الردم حبسهم، فيرجعون فيسيحون في بلادهم، حتى إذا وقعوا إلى ذلك الردم حبسهم، فلا يزالون كذلك حتى تقرب الساعة وتجيء أشراطها؛ فإذا جاء أشراطها؛ وهو قيام القائم (علیه السلام) وتمّت دولة الحق، فتحه الله عز وجل لهم وذلك قوله عز وجل: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون) [الانبياء 96].
بيان: دل هذا الخبر أنَّ ذا القرنين هو الذي عمل السّد على يأجوج ومأجوج والكلام في المقام يقع في موارد ثلاثة:
الأول: إن ذا القرنين لقب الاسكندر واختلف فيه. فذهب بعض إلى أن الاسكندر الكبير الملقّب بذي القرنين، هو المقدوني، لأنه ولد في مقدونية، وتوفي في بابل، وتعلّم على أرسطو؛ خلف أباه فيلبس وهو الذي فتح فلاد فارس، وهذا كان كافراً، طاغياً، وملحداً في دين الله؛ وكانت إمارته قبل المسيح. وهناك اسكندر آخر، وهو اسدر ساويرس الروماني، ولد في عرقة من بلاد عكار، لبنان، ترأس الأمبراطورية الرومانية وهو كالمقدوني في عدم الصلاح. وهناك أشخاص آخرون قد اقتبسوا هذا الاسم، وهو
الاسكندر وهؤلاء اما من باباوات النصارى، وإما من قياصرة روسيا، وإمَّا من يوغوسلافيا، أو الألبان وغيرهما؛ وهؤلاء كلهم ليسوا من أهل الإيمان، فهم بين ملحد، أو يهودي، أو فاجر، وبين مسيحي أو كافر.
وذهب أصحابنا إلى أن الاسكندر ذالقرنين الكبير القديم، الذي ملك الدنيا المذكور في القرآن الكريم بقوله تعالى (ويسئلونك عن ذي القرنين) [الكهف 83]. وهو لقب الاسكندر الرومي؛ ولعل لقب الرومي لأن أصله من الأروام، لا أنه من رومانيا، وهو عبد مؤمن؛ وملك صالح موقن، كان في الفترة بعد عيسى (علیه السلام) واختلف في شأنه. فقيل: كان عبداً، أعطاه الله العلم والحكمة وملكه الأرض. وقيل: كان نبياً، فتح الله على يديه الأرض، كما يظهر من بعض الأخبار. وقيل: كانت أمه آدمية، وكان أبوه من الملائكة. وفي حديث علي (علیه السلام) وقد سئل عنه: أنبي هو أم ملك؟ فقال: عبد صالح أحب الله فأحبه، ونصح الله فنصح له. وإنما لقب بذي القرنين لوجوه:
قيل: لقب بذلك لأنه لما بعثه الله إلى قومه ضرب على قرنه الأيمن، فأماته الله خمسمائة عام، ثم بعثه إليهم بعد ذلك، فضرب على قرنه الأيسر، فأماته الله خمسمائة عام، ثم بعثه إليهم بعد ذلك، فملّكه مشارق الأرض ومغاربها؛ من حيث تطلع الشمس إلى حيث تغيب. وهذه الرواية ظاهرة في أن ذالقرنين نبي مبعوث من قبل الله تعالى، لأن النبي هو الذي ينبيء عن الله تعالى، والمخبّر عنه؛ فإن كانت له شريعة مبتدأة كآدم (علیه السلام)، أو ناسخة كمحمد (صلی الله علیه وآله وسلم) فهو رسول؟ وإن لم تكن له شريعة مبتدأة، أو ناسخة، فهو نبيّ. وفي حديث علي (علیه السلام)، ما يؤيد الوجه المذكور في التسمية حيث قال عند ذكر قصة ذي القرنين، وفيكم مثله؛ يعني نفسه (علیه السلام)، لأنه ضرب على رأسه ضربتين يوم الخندق أو أنه ضرب مرة على رأسه، فاستشهد وسيحي في الرجعة، ويضرب على رأسه مرة ثانية. أو أنه له رجعات وكرات مرّ ذكرها؛ فإنه سوف يضرب مرتين على قرنية ويقتل ويرجع، ثم يموت، ويرجع؛ فتكون له ثلاث رجعات. وقيل: إنما لقب بذي القرنين لأنه كان ذا ضفيرتين. وقيل: لأنه بلغ قطري الأرض. أي قرنيها. وقيل: لأنه كان كريم الطرفين، من أهل بيت شرف، من قبل أبيه وأمه. وقيل: لأنه حيّ وانقرض في وقته قرنان من الناس. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة. وقيل: لأنه أعطى علم الظاهر والباطن. ويقال: ملك الدنيا مؤمنان وكافران. المؤمنان سليمان بن داود وذو القرنين. والكافران هما نمرود و بخت النصر. ومما ينقل أن أبا ذي القرنين كان أعلم أهل
الأرض بعلم النجوم، ولم يراقب أحد الفلك ماراقبه، وكان قد مدّ الله له في الأجل فقال ذات ليلة لزوجته: قد قتلني السهر، فدعيني أرقد ساعة، وانظري في السماء، فإذا رأيت قد طلع في هذا المكان نجم وأشار إلى موضع طلوعه، فانبهينى حتى أطأك، فتعلقين بولد يعيش إلى آخر الدهر؛ وكانت أختها تسمع كلامه، ثم نام أبو الاسكندر، فجعلت أخت زوجته تراقب النجم، فلمّا طلع أعلمت زوجها بالقصة فوطأها فعلقت منه بالخضرا بن خالة الاسكندر. فلما استيقظ أبو الاسكندر رأى النجم قد نزل في غير البرج الذي كان يرقبه، فقال لزوجته هلا انبهتيني. فقالت استحيت والله. فقال لها: أما تعلمين اني أراقب هذا النجم منذ أربعين سنة، والله لقد ضيعت عمري في غير شيء ولكن الساعة يطلع نجم في أثره، فأطأك فتعلقين بولد يملك قرني الشمس. فما لبث أن طلع فوطأها فعلقت بالاسكندر، وولد الاسكندر وابن خالته الخضر في ليلة واحدة.
وعن عقبة بن عامر قال: كنت عند النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) أحدثه فإذا أنا برجال من أهل الكتاب معهم مصاحف وكتب، فقالوا: استأذن لنا على رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، فانصرفت إليه فأخبرته بمكانهم. فقال النبي (صلی الله علیه وآله وسلم): ما لي ولهم يسألوني عما لا أدري، إنما أنا عبد، ولا علم لي إلَّا ما علّمني ربي. ثم قال (صلی الله علیه وآله وسلم): أبغني وضوءاً فتوضأ، ثم قام إلى المسجد في بيته، فركع ركعتين، فلم ينصرف حتى عرفت السرور في وجهه والبشر، ثم انصرف فقال: انصرف وأدخلهم، ومن وجدت بالباب من أصحابي فأدخله معهم، فأدخلتهم، فلما رفعوا حاجتهم إليه. قال (صلی الله علیه وآله وسلم): إن شئتم أخبرتكم عمّا أردتم ان تسألوني قبل أن تتكلموا؛ وإن شئتم تكلموا به. فقالوا: بل أخبرنا قبل أن نتكلم. قال: جئتم تسألوني عن ذي القرنين، وسأحدثكم عمّا تجدونه عندكم مكتوباً. إن أول أمره غلام من الروم، اعطي ملكاً فسار حتى بلغ ساحل أرض مصر، فابتني عنده مدينة يقال لها الاسكندرية، فلمّا فرغ من بنائه إيّاها، أتاه ملك فعرج به فوقفه، ثم قال له: انظر ما تحتك. قال: أرى مدينتي، وأرى مدائن معها. ثم عرج به فقال: انظر ما تحتك. قال: أرى مدينتي قد اختلطت مع المدائن فلا أعرفها. ثم زاد فقال: أنظر. فقال: أرى مدينتي وحدها، لم أر معها غيرها. فقال له الملك: إنما تملك الأرض كلها والذي ترى محيطاً بها هو البحر، وإنما أراد الله تعالى بذلك أن يريك الأرض، وقد جعلك سلطاناً، وسوف يعلم الجاهل ويثبت العالم.
فسار في الأرض حتى بلغ مغرب الشمس، ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس، وهو
مشرقها؛ ثم أتى لسدني وهما جبلا لبنان يزلق عنهما كل شيء وقد نص عليه القرآن الكريم في قوله تعالى (حتى إذا بلغ بين السدين) [الكهف 93] إي الجبلين الليّنين.
الثاني: إن ذا القرنين لما أتى الدين شكى عنده أهل البلاد المقاربة لهما، من أذىٰ يأجوج ومأجوج وافسادهم كما نص عليه قوله تعالى: (قالوا إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً) أي جعلاً (على أن تجعل بيننا وبينهم سداً قال ما مكّني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً) [الكهف 95] فبنى ذو القرنين السد بأن سد ما بين الجبلين بزبر الحديد، حيث قال تعالىٰ [الكهف 96]: (اتوني زبر الحديد) أي قطع الحديد لأن واحدتها زبرة والجمع زبر. (حتى إذا ساوى بين الصدفين) أي بين الناحيتين من الجبلين. (قال اتوني أفرغ عليه قطرا) أي أصبّت عليه نحاساً مذاباً. فتم بناء السد من قطع الحديد المتخلل بينها النحاس، فصار سداً حصيناً وردماً قوياً رصيناً آجره من زبر الحديد، وجصّه من النحاس، وهو القطر المذاب.
وقد ذكر في البحار أن هذا السد يقع في الجهة الشرقية من الدنيا، وهو في أطراف روسيا.
ثم قال (علیه السلام): فهم ينتابونه، أي يقصدونه، مرّة بعد أخرى، ويرجعون إليه مراراً فلا يتمكنون من كسره، ولا ثقبه كما قال تعالى [الكهف 97] (فما استطاعوا ان يظهروه) أي لم يستطيعوا أن يعلوا عليه. (وما استطاعوا له نقباً) أي خرقاً وثقباً. فهم يسيحون في بلادهم، حتى اذا وقعوا الى ذلك الردم حبسهم، فلا يزالون كذلك حتى تقرب الساعة وتجيء أشراطها.
قال: ومن أشراط الساعة: قيام الامام القائم عليه السلام وقد مرّ ذلك.
ثم قال: وتمت دولة الحق: وهي دولة أئمة الحق، وهو زمان الرجعة، الذي يملك فيه النبي والأئمة كلّهم صلوات الله عليهم، وحتى تنتهي دولتهم الطويلة العريضة، وهي اكبر من دولة الكافرين، والفاسقين، والمنافقين، بعدّة مرات؛ وقد حددت في بعض الأخبار بمائة وخمسون ألف سنة. وفي بعض الأخبار أنها لا حدّ لها، وهو غير معيّن لدينا، وانما هو معين عند الله تعالى. وبعد انتهاء هذه الدولة، واجتماع النبي والأئمة (علیه السلام) كلهم في دار الدنيا، ورفعهم الى السماء جملة واحدة، قربت الساعة؛ وبقي الاشراد، يفتح الله السدّ ليأجوج ومأجوج، فيسيحون في الأرض، فيأكلون الانسان والحيوان والنبات الأخضر واليابس.
الثالث: إن خروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة وأشراطها: وقد اختلف فيهم، فذهب بعض من لا خبرة، ولا معرفة، ولا عقيدة له بالقرآن الكريم، أنهما. شخصان رمزيان، ورد ذكرهما في الكتاب المقدس، يمثّلان قوى الشرّ، تحارب ابناء الله. ثم قال أما في القرآن فهم أقوام مخربون، عاثوا في الأرض فساداً، فوقى ذو القرنين الناس الآمنين عدوانهم، ببناء سد يحول دون طغيانهم.
ويرد عليه: أولاً: إن يأجوج ومأجوج ليسا شخصين، بل جيلان، وصنفان من الأمم، ومن المخلوقات.
وثانياً: انهما ليسا رمزين بل هما موجودان، واقعا بعدما ورد ذكرهما في الكتاب المقدس والقرآن الكريم والكتب الأخرى وكتب التاريخ.
وثالثاً: إنهم لا يحاربون أبناء الله، مع ان تصور الابن لله تعالى ممتنع، فضلاً عن الأبناء، ولو قصد بالأبناء عيسى وحواريه، فهم لا يحاربون عيسى عليه السلام، بل يهلكون بدعاء عيسى عليه السلام، كما سيأتي في البيان الثالث إن شاء الله تعالى.
وذهب بعض الى ان يأجوج ومأجوج من اولاد آدم عليه السلام وحواء؛ وهو قول اكثر العلماء. وقيل: انهم من ولد آدم من غير حواء، فيكونون أخواننا من الأب. وقيل: هم من ولد يافث بن نوح. وعن الضحاك هم من الترك. وفي الخبر عنه عليه السلام: يأجوج أمّة لها أربعمائة أمير، وكذلك مأجوج لا يموت احد منهم حتى ينظر الى الف فارس من ولده، صنف منهم طوله مائة وعشرون ذراعاً؛ وصنف يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا خنزير الَّا اكلوه، ويأكلون من مات منهم، مقدمهم بالشام، وسالفهم بخراسان؛ يشربون انهار المشرق، ويمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس.
وعن علي عليه السلام: يأجوج ومأجوج صنف منهم في طول شبر، وصنف منهم مفرط الطول، لهم مخالب الطير، وأنياب السباع، وتداعي الحمام، وتسافد البهائم. وعواء الذئب، وشعور تقيهم الحر والبرد، واذان عظام.
وعن بعض المؤرخين يأجوج وماجوج أمتان عظيمتان. وقيل: يأجوج اسم للذكران، ومأجوج اسم للإناث. وفي بعض الأخبار أن يأجوج ومأجوج اثنان وعشرون قبيلة، الترك واحدة منها، كانت خارج السدّ لما ردمه ذو القرنين، فأمر بتركهم خارج
السد فلذلك سموا تركاً. فقال القوم لذى القرنين: (هل نجعل لك خرجاً على ان تجعل بيننا وبينهم سداً) فقال ذو القرنين (ما مكني فيه ربي خير فاعينوني بقوة) يريد لست طالباً منكم جعلًا على ذلك، ولكن اعينوني بالآلة والعدة من الصخر والحديد والنحاس، (أجعل بينكم وبينهم ردماً) [الكهف 95] لا يقدرون على مجاوزته، حتى يأتي وعد الله، فيجعله دكاً ويخرجون منه.
تفسير علي بن ابراهيم
قال علي بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى (ويسألونك عن ذي القرنين) [الكهف 83] في بيان عمل السدّ. عن أبي عبد الله عليه السلام قال: فحال أي السدّ بين يأجوج ومأجوج، وبين الخروج ثم قال ذو القرنين (وهذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا) [الكهف 98]. قال إذا كان قبل يوم القيامة، انهدم السدّ وخرج يأجوج ومأجوج الى العمران وأكلوا الناس.
بيان: دل هذا الخبر على ان السدّ الذي بناه ذو القرنين صار حائلا عن خروج يأجوج ومأجوج الى العمران، أي الى الأرض المعمورة من البلاد، التي يسكنها الناس. فإذا جاء وعد الله تعالى، وهو يوم القيام، وقرب قيام الساعة، انهدم السدّ بأمره تعالى ولذا قال في الرواية المتقدمة (فتحه الله عز وجل لهم) اي فتح السد لهم فخرجوا. فقد دلت على ان انهدام السدّ وخروج يأجوج ومأجوج، من علامات الساعة؛ وإذا خرجوا أكلوا كل من مرّوا به من الناس، ولا يسلم منهم إلَّا من كتب الله تعالى له السلامة.
ومن خطبته للإمام أمير المؤمنين عليه السلام قال: ثم يخرج يأجوج ومأجوج وهم صنفان:
الصنف الأول: طول أحدهم مائة ذراع، وعرضه سبعون ذراعاً.
الصنف الثاني: طول أحدهم ذراع، وعرضه ذراع، يفترش احدهم احدى اذنيه ويلتحف بالأخرى، وهم اكثر عدداً من النجوم، فيسيحون في الأرض، فلا يمرّون بنهر إلَّا وشربوه، ولا جبل إلَّا لحسوه، ولا وردوا على شط إلَّا نشفوه.
بیان: دلت هذه الخطبة ان يأجوج ومأجوج صنفان من المخلوق لا شخصان؛ فيكون عريض الجسم طويلاً فصنف طوال، وقدر طول احدهم بمائة ذراع من ذراع اليد، وعرضه سبعون ذراعاً وصنف قصار، وقدر طول أحدهم بذراع واحد، وعرضه ذراع
واحد، فيكون مربّع الجسم، فيسيحون في الأرض أي جروا وجالوا في الأرض، فيشربون الأنهار، ويأكلون الحيوانات والأشجار، ويلحسون الجبال والصخور والأحجار، وينشفون كل شط مرّوا به، ويأكلون الإنسان؛ فهم وحوش، يسلّطهم الله تعالى على العاصين من الناس يحفظ المؤمنين منهم، كما سيأتي ذكر ذلك ان شاء الله تعالى.
تفسير علي بن إبراهيم ص ص 433
قال: إذا كان آخر الزمان خرج يأجوج ومأجوج الى الدنيا ويأكلون الناس.
بيان: دلّ هذا الخبر على أن يأجوج ومأجوج من الأمم الوحشية، حيث انهم اذا خرجوا الى الدنيا أكلوا الناس، كما يوجد في أطراف الأرض أمم مثلهم، يأكلون الانسان، والحيوان، فهم وحوش، ولكن بصورة انسان؛ وان هؤلاء لا يخرجون إلَّا في آخر الزمان، وقبل الساعة فخروجهم من علامات الساعة.
مجمع البحرين
عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) يقول: يفتح سدّ يأجوج ومأجوج، فيخرجون على الناس كما قال تعالى (وهم من كل حدب ينسلون)[الانبياء 96] والحَدَب بالتحريك، المرتفع من الأرض، ومعناه يظهرون من غليظ الأرض ومرتفعها. وينسلون أي يسرعون، من النسلان، وهو مقاربة الخطوة مع الإسراع، كمشي الذئب، ينسل ويعسل، فيغشون الأرض كلها، ويجتاز المسلمون الى حصونهم، ويضمون اليهم مواشيهم، فيشربون مياه الأرض، فيمر أوائلهم بالنهر فيشربون ما فيه ويتركونه، فيمرّ به من بعدهم ويقولون لقد كان هنا مرة ماء؛ ولا يبقى أحد من الناس إلَّا من كان في حصن او جبل شامخ، فيقول قائلهم: لقد فرغنا من أهل الأرض، وقد بقي من في السماء، ثم يهزأ احدهم حربته، فيرمي بها نحو السماء، فترجع اليهم مخضوبة بدم، فيقولون قد قتلنا أهل السماء فبيناهم كذلك اذ سلط الله عليهم دوداً مثل النغف، فيدخل في آذانهم وينقب أعناقهم، فيصبحون موتى، لا يسمع لهم حسّ ولا حركة. وروى أن الارض تنتن من جيفهم، فيرسل الله تعالى مطر السيول، فتحمل جيفهم، الى البحار. الدر المسلوك مخطوط للشيخ احمد بن الحر قدس سره.
عن النواس بن سمعان، قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) في حديث ذكر فيه الدَّجَّال: وإن الذي يقتله عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا وآله السلام إلى ان قال: فبينما هو كذلك إذا اوحى الله الى عيسى (علیه السلام) إني أخرجت عباداً الى الدنيا، لا تأذن لأحد بقتالهم، فجرد عبادي الى الطور. فيبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر
أوائلهم ببحيرة طبرية، فيشربون ما فيها من الماء، ويمر اخرهم فيقولون؛ لقد كان فترة ماء.
ثم يسيرون حتى ينتهون إلى جبل الحمر، ولعل المراد منها سلسلة جبال حمراوية اللون، تقع في أواسط شبه جزيرة العرب، أو المراد من الحمر جمع الحمار، أو الحمر الوحشية فهذا الجبل معروف بذلك. فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، فلنقتل من بقي في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله نشابهم مخضوبة دماً. ويُحصر بين أيلة عيسى (علیه السلام) وأصحابه، حتى تكون المطيّة السريعة لأحدهم، خير له من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى (علیه السلام) بالدعاء إلى الله عز وجل، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون موتىٰ كموت نفس واحدة.
ثم يهبط عيسى عليه السلام، واصحابه من الطور، فلا يجدون في الارض موضع شبر إلَّا ملىء بريحهم ونتنهم.
فيرغب نبي الله إلى الله عز وجل - أي بالدعاء - فيرسل الله طيراً كأعناق النجد، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله. ويروى فتطرحهم بالسهيل، ويستوقد المسلمون قسيهم ونشابهم وجفانهم سبع سنين؛ ثم يرسل الله تعالى مطراً لا يكن منه بيت مدر، ولا وبرفيغسل الأرض، حتى يتركها كالزلفة. ويقال للأرض انبتي ثمرتك، ودّري بركتك، فيومئذ يأكل العصابة من الرمانة. ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل؛ حتى إن اللقحة من الغنم لتكفي القباط من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الإبل لتكفي الفورة من الناس. وبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيّبة، فيأخذهم تحت رباطهم، فيقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس، يدارجون فيها تدارج الحمر، وعليهم تقوم الساعة.
بيان: يُستفاد من هذين الخبرين أنَّ العلة والسبب في بناء ذي القرنين للسدّ على يأجوج ومأجوج، لأنهم من الأمم المفسدة في الأرض، كما صرّح القرآن بذلك، قال تعالى: (إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض) [الكهف 94] فإذا جاء وعد الله وقربت الساعة، وحيث إن خروجهم إحدى علامات الساعة، فتح الله لهم السدّ وهدمه، وأخبر نبيه عيسى بن مريم (علیه السلام). بذلك، فيوحي له بأنه قد أخرج إلى الدنيا، هؤلاء الوحوش الكاسرة، والدواهي الغادرة، وهم من كل حدب ينسلون، أي من مرتفع من
الأرض يخرجون، مسرعين كإسراع الذئب، فإنه ينسل ويعسل؟ فيهجمون على أهل الدنيا، وينتشرون في الأرض كلها، ويعثون مفسدين فيها، فلا يمرّون بإنسان أو حيوان إلَّا أكلوه، ولا شجر أو زرع إلَّا أعدموه، ولا نهراً وماء إلَّا شربوه، ولا جبل إلَّا لحسوه، فيدعون الأرض التي يمرون بها أرضاً قاحلة جرداء، لا فيها بشر ولا حيوان، ولا ماء، ولا كلاء ولأجل التحفظ على المؤمنين يوحي الله تعالى إلى نبيه عيسى (علیه السلام) بإن يجرد المؤمنين ويصعد بهم إلى الطور. والطور جبل كلّم الله عليه موسى (علیه السلام) في الأرض المقدسة. وبلدة في سيناء جنوب غربي جبل موسى (علیه السلام) على خليج السويس.
وحيث إن يأجوج ومأجوج يمرّون بهذه الجهات من الدنيا، وفيها المؤمنون؛ فحرصاً عليهم وحفظاً لهم يوحي إلى نبيه (علیه السلام) أن يتجرد بالمؤمنين أي يخرجهم مسرعاً بالسير من غير ليّ على شيء إلى جبل الطور أو الى تلك البلدة لأنها في مكان عالٍ ليكونوا في أمن وأمان من أولئك الأمم الوحشية؛ ويعلم أنهم يصلون إلى جميع أطراف الدنيا وإذا عاثوا في الأرض فساداً، ازدادوا تجبراً، وعتوّاً، واستكباراً، فيسعون في الإفساد في السماء، فيوجهون قسيّهم ونبالهم إلى السماء ليقتلوا من فيها، فيرمون السماء؛ فاستدراجاً لهم يرجع الله تعالى نشابهم وهو مخضوب بالدم. ويمرون ببحيرة طبرية، وهي في الأردن، فيشربون ما فيها من الماء، وينتهون إلى جبل الحمر. وقد مرَّ أنه لعل المراد منها سلسلة جبال حمراوية اللون، تقع في أواسط شبه جزيرة العرب. ويحصر بين ايلة عيسى (علیه السلام) وأصحاب حتى تكون المطيّة السريعة لأحدهم، خير له من مائة دينار لأحدكم اليوم. وأيلة هي قرية بين مدين والطور، أو بلد بين ينبع ومصر. فإذا حاصر هؤلاء الأوباش بين هذه القرية وبين أصحابه المؤمنين في ذلك الزمان، فيرغب نبي الله عيسى (علیه السلام) بالدعاء إلى الله تعالى على الطور أي يدعو عليهم، ودعوة النبي مستجابة كدعوة الإمام المعصوم فإنها مستجابة لا تُرد. فيرسل الله تعالى عليهم النغف في رقابهم، والنغف محركة دود يكون في أنوف الإبل والغنم، فيحدث هذا الدود في أعناقهم، فينقب أعناقهم، فيهلكهم الله، ويصبحون موتى لا يسمع لهم حسّ ولا حركة.
ثم يهبط أي ينزل عيسى (علیه السلام) من الطور مع أصحابه، فيجدونهم أمواتاً، وقد مُلئت
الأرض من ريحهم، ونتن أجسادهم، فيدعو الله تعالى مرّة ثانية، ليرفع ذلك عنهم، فيرسل الله طيوراً كباراً تشبه أعناق النجد، أي مستطيلة، لأن النجود من الإبل والأتن. هي الطويلة العنق، فتحملهم وتطرحهم حيث شاء الله تعالى. وفي الرواية المتقدمة تلقيهم
السيول الناشئة من المطر الشديد إلى البحار، فيكونون طعاماً لحيوانات البحر.
فيعلم من هذه الرواية أن الذي يقتل يأجوج ومأجوج هو عيسى بن مريم (علیه السلام). كما أنَّ الدَّجَّال وجنده من أولاد اليهود، يقتل بعسكر قائده عیسی بن مریم فقاتله (علیه السلام) عيسى بن مريم (علیه السلام).
وتبقى قسيّهم، وهي جمع القوس، ونشابهم، جمع نشابه، وهو النبل وجفانهم جمع جفنة وهي القصعة الكبيرة للطعام.
ويعلم من الخبران هذه الأقواس والنشاب، أي النبال والجفان، كلها من العيدان والخشب، لأنه قال: ويستوقد المسلمون قسيّهم ونشابهم وجفانهم سبع سنين. أي يجعلونه وقوداً للنار.
كما يُستفاد من قوله: سبع سنين: أن خروج يأجوج ومأجوج من العلامات التي تقع قرب الساعة، وهناك علائم أخرى، مرّ ذكرها أقرب منها للساعة، مثل خروج النار من قعر عدن، أبين وغيرها.
ثم يرسل الله تعالى مطراً الخ: أي يرسل الله الأمطار الشديدة القوية، التي لا يكّن منها أي لا يصون الإنسان منها بيت الوبر، أو بيت المدر، أي المبني من المدرة، وهو الطين، أو الحجارة من الطين؛ فتغسل وجه الأرض من جراثيمهم وأوساخهم ونجاستهم؛ فتدعها كالزلفة، أي كالأرض المكنوسة من الأقذار والأوساخ، أو كالصخرة الملساء، أو كالصحفة أي القصعة الكبيرة المنبسطة. وبعد ذلك يطرح الله البركات والخيرات في الأرض، ويُقال للأرض انبتي الثمرات، ودري البركات؛ فيومئذ أي في ذلك الوقت يكبر حجم النبات والثمرات، فالرمانة الواحدة تكفي العصابة، وهم العشرة فما فوق من الناس؛ ويستظلون بقحفها أي قشرها لكبره وسعته. ويبارك في الرسل، أي في القطيع من الإبل والبقر والغنم، حتى إن اللقحة أي الناقة الحلوب الغزيرة اللبن، أو البقرة، أو الشاة الحلوب الغزيرة اللبن فاللقحة من الغنم لتكفي القباط وهم الجماعة من الناس؛ واللقحة من البقرة لتكفي القبيلة وهم العشيرة من الناس؛ واللقحة من الإبل لتكفي الفورة وهو المجتمع الكبير من الناس.
وبينما هم كذلك، أي بينما الناس في أرغد عيش، وأفضل نعمة، ونعيم، بحيث
صارت الدنيا كالجنينة عندهم، إذ بعث الله ريحاً طيبة. وهذه الريح الطيبة التي يبعثها الله تعالى إنما هي لقبض نبي الله عيسى بن مريم (علیه السلام) كما مر في البيان الثاني في نزول عيسى بن مريم (علیه السلام) من السماء، وقيامه بأعمال جليله قال في آخره: ثم تقبل ريح باردة صفراء ألين من الحرير، مثل المسك، فيقبض الله بها روح عيسى بن مريم (علیه السلام).
وفي هذا الخبر قال: إذ بعث ريحاً طيبة فيأخذهم تحت رباطهم: والرباط هو الفؤاد، كان الجسم قد ربط به يُقال قرض رباطه أي مات، فهذه الريح تأخذ المؤمنين من تحت أفئدتهم، ويقبض روح كل مؤمن ومسلم، ولا يبقى إلَّا الأشرار، وعليهم تقوم الساعة وقد مرّ ذلك.
ولا تنافي بين هذين الخبرين. فإن الخبر الأول، أخص من الثاني، مع أن الدليلين كلاهما مثبتان. قال: وهؤلاء الأشرار يدارجون فيها، أي في الدنيا، تدارج الحمر وعليهم تقوم الساعة. والتدارج هو المشي، والمراد به هنا، أنهم يسيرون بسيرة غير مرضية، نظير سيرة الحمر، وهؤلاء لا يمهلهم الله تعالى بل يعجل بقيام الساعة.
الكتاب المبين عن كتاب المجموع الرائق خطيّ
من خطبة للإمام أمير المؤمنين عليه أفضل التحية والسلام بعد ذكر يأجوج ومأجوج قال: ثم تبقى الأرض بعدهم، أي بعد يأجوج ومأجوج عامرة أربع سنين؛ ثم تظهر دابة بين الصفا والمروة، إلى أن قال: فتنادي في كل بلد تدخله بلسان فصيح: من أراد أن يتوب فليتب، ومن لم يتب فلا يتب؛ هذه فلا يتب؛ هذه والله أبواب التوبة قد غلقت، تكلّم كل قوم بما يفهمونه، أي بلغتهم، إلى أن قال: توسم الخلائق في جباههم بأديانهم، هذا مؤمن، وهذا كافر، قال الله تبارك وتعالى: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض، تكلمهم أنَّ الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) [النحل 82].
وفي خطبة أخرى له (علیه السلام) بعد ذكر يأجوج ومأجوج قال: ثم بعد ذلك تخرج دابة من الأرض إلى أن قال: ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان، فتنكت وجه المؤمن بالعصا، فتجعله أبيضاً، وتنكت وجه الكافر بالخاتم، فتجعله أسوداً؛ ويبقى المؤمن مؤمناً، والكافر كافراً؛ ثم ترفع بعد ذلك التوبة، فلا تنفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.
بيان: دل الخيران على أن خروج دابة الأرض، بعد هلاك يأجوج ومأجوج إلَّا أنَّ الخبر الأول صرّح بأنَّ الأرض تبقى عامرة بعد يأجوج ومأجوج أربع سنين وقد مر آنفاً أن الأرض تبقى عامرة، بعدهم سبع سنين أو أكثر. إلَّا أن الظاهر أنه لا تنافي بين الخبرين، فإنّ هذا الخبر صرّح ببقاء الأرض عامرة بعد يأجوج ومأجوج أربع سنين. وأمَّا الخبر السابق فإنه لم يحدّد عمران الأرض، بل قال: إن المسلمين يستوقدون فسيّهم ونشابهم وجفانهم سبع سنين، ثم يطرح الله البركات في الأرض، ولكن لم يذكر حداً
لذلك؛ فلعل هذه الخيرات والنعم والبركات؛ تكون في أربع سنين.
وقد صرّح في الخطبتين بخروج دابة الأرض، وبعد خروجها وانذارها الناس تنغلق باب التوبة، فلا يقبل من أحد توبة، ولا ينفع نفس إيمانها، لم تكن آمنت من قبل أوكسبت في إيمانها خيراً، ولا ريب أنَّ خروجها الأمرين كما صرّح في الخبر:
الأول: إنذار الناس ليرجعوا ويتوبوا عن المعاصي؛ ولذا تكلم كل قوم باللغة التي يفهمونها.
الثاني: هي تكون فاروقاً بين الحق والباطل، أي بين المؤمن والكافر، فتسم وجه المؤمن بالعصا، وتنكته في جبهته، فتجعله أبيضاً ناصعاً ويكتب عليه هذا مؤمن. وتسم وجه الكافر بالخاتم، وتنكته في جبهته، فتجعله أسوداً مظلماً، ويكتب عليه هذا الكافر فيعرف المؤمن من الكافر.
ويؤيد ذلك خبر العوالم، عن الطبري، عن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) قال: دابة الأرض لا يدركها طالب، ولا يفوتها هارب، فتسم المؤمن بين عينيه، وتكتب بين عينيه مؤمن وتسم الكافر بين عينيه، وتكتب بين عينيه كافر. ومعها عصىٰ موسى، وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتختم أنف الكافر بالخاتم، حتى يُقال يا مؤمن يا كافر.
قال الطبرس: وروي عن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم): تكون للدابة ثلاث خرجات في الدهر: فتخرج خروجاً باقصى المدينة، فيفشو ذكرها بالبادية، ولا يدخل ذكرها القرية يعني مكة. ثم تمكث زماناً طويلاً، ثم تخرج خرجة أخرى قريباً من مكة: فيفشو ذكرها في البادية، ويدخل ذكرها القرية يعنى مكة. ثم بينما صار الناس يوماً في أعظم المساجد على الله حرمة، وأكرمها على الله عز وجلّ يعني المسجد الحرام؛ لم ترعهم إلَّا وهي في ناحية المسجد، تدنو وتدنو ما بين الركن الذي فيه الحجر الأسود، إلى باب بني مخزوم، عن يمين الخارج في وسط من ذلك، فينفضّ الناس عنها، وتثبت لها عصابة عرفوا أنهم لن يعجزوا الله، فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب، فمرّت بهم فجلت عن وجوههم حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية، ثم ولّت في الأرض لا يدركها طالب، ولا يعجزها هارب؛ حتى إن الرجل يقو يتعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه، فتقول يا فلان الآن تصلي فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه، فيتجاور الناس في ديارهم، ويصطحبون في أسفارهم، ويشتركون في الأموال يعرف المؤمن من الكافر، فيقال: للمؤمن يا مؤمن
وللكافر يا كافر.
بیان: صرّحت هذه الرواية بخرجات ثلاث في الدهر، أي في زمن الرجعة للدابة، التي الفاروق بين الحق والباطل، وبين المؤمن والكافر.
الأولى: بأقصى المدينة، أي الخارج عن البلدة، فينتشر ذكر خروجها بالبادية التي حول المدينة ولا يصل خبرها إلى مكة.
الثانية: بالقرب من مكة فينتشر ذكر خروجها في مكة.
الثالثة: في مسجد الحرام، فينفضّ عنها وينفر منها غير المؤمنين، ويثبت لها لمؤمنون المعتقدين بالدِّين الصحيح، فتسم وجوههم بالإيمان، كما تتبع غير المؤمنين فتسم وجوههم بالكفر؛ فتفرق بين المؤمن والكافر، ويتضح المؤمن من الكافر بين الناس.
الدمعة الساكبة عن الزمخشري في الكشاف ما هذا لفظه:
دابة الأرض الحباسة، لأنها تحتبس الكفار. جاء في الحديث: لا يدركها طالب، ولا يفوتها هارب.
وعن رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) أنه سئل من أين تخرج الدابة؟ فقال: من أعظم المساجد حرمة على الله يعني المسجد الحرام.
وروي: أنها تخرج ثلاث خرجات: تخرج باقصى اليمن، ثم تكمن. ثم تخرج بالبادية، ثم تكمن دهراً طويلاً. فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة، وأكرمها على الله، فما يهولهم إلَّا خروجها من عند الركن، حذاء دار بني مخزوم، عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون، وقوم يقفون نظارة، وقيل: تخرج من الصفا، فتكلمهم بالعربية بلسان ذلق، فتقول (ان الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) [النحل 82] يعني أن الناس كانوا لا يؤمنون بخروجي، لأن خروجها من الآيات، وتقول: (ألا لعنة الله على الظالمين) [هود 18].
وعن السدي: تكلمهم ببطلان الأديان كلّها، سوى دين الإسلام.
وعن ابن عمر فتستقبل المغرب، فتصرخ صرخة تنفذه، ثم تستقبل المشرق، ثم الشام، ثم اليمن، فتفعل مثل ذلك.
وروي: تخرج من أجياد، وهو اسم واد بمكة.
وروي: بينما عيسى (علیه السلام) يطوف بالبيت ومعه المسلمون، إذا تضطرب الأرض تحرك القنديل، وينشق الصفا ممّا يلي المسعى، فتخرج الدابة من الصفا، ومعها عصا موسىٰ، وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن في مسجده، أو فيما بين عينيه بعصى موسى، فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة (1)في وجهه، حتى يضيء لها وجهه، أو فتترك وجهه كأنه كوكب دريّ، وتكتب بين عينيه مؤمن. وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه، فتفشو النكتة حتى يسون لها وجهه وتكتب بين عينيه كافر.
وروي: أنها تجلو وجه المؤمن بالعصا، وتحطم أنف الكافر بالخاتم، ثم تقول لهم يا فلان أنت من أهل الجنة. ويا فلان أنت من أهل النار. انتهى كلام الزمخشري.
بیان: عبّر عن دابة الأرض في هذا الخبر بالحباسة، وعللّ ذلك بأنها تحتبس الكفار. فهذه العبارة لم ترد في رواية إلَّا أن يكون هو رأى رواية بهذا اللفظ، أو استفاد ذلك من قوله (علیه السلام) في الحديث: لا يدركها طالب، ولا يفوتها هارب. فالكفار وغير أهل الإيمان الذين يفرون منها، فهي تدركهم، ولا يفوتها أحد منهم، فتحبسهم وتنكت وجوههم، أي تضرب وجوههم بالعصا فتسم وجه المؤمن ووجه الكافر. وذكر أن خروجها من المسجد الحرام، من الصفا من جهة المسعى، الذي يتجه إلى المروة، وذكر لها ثلاث خرجات.
الأولى: بأقصى اليمن أي أبعد مكان في اليمن، ثم تكمن أي تختفي.
الثانية: بالبادية حول مكة ثم تختفي.
الثالثة: تخرج في مكة المكرمة من الصفا. وعند خروجها تكلم الناس بلسان عربي فصيح، تخبر الناس بأمرين:
الأول: عدم إيمان سائر المسلمين بخروجها، وعدم الاعتقاد بذلك، ولعل بعضهم يعدّه من الخرافات؛ مع أن خروجها من علائم الساعة ومن الآيات. ولذلك تقول (ان الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) [النحل 82] وخروجها آية.
1) (1) النكتة : هي الأثرو النقطة التي تكون على البدن أو الشيء.
الثاني: تخبرهم باللعنة على الظالمين، وأن لعنة الله وعذابه منصب على الظالمين في الدنيا والآخرة.
وروي عن السدي: بأنها تكلم الناس ببطلان أديانها، أي تخبرهم بأن الأديان الأخر غير دين الإسلام الصحيح، كلّها باطلة، وأن الدِّين الذي هو عند الله مقبول، وهو الإسلام الصحيح، وهو الدِّين الذي سار عليه النبي الأعظم (صلی الله علیه وآله وسلم)، وسار عليه أهل بيته الطاهرين، صلوات الله عليهم أجمعين، هو الدِّين الصحيح الذي يرتضيه رب العالمين.
وروی شيئاً وأثراً غريباً: بأن خروج الدابة إنما تقع بعد زلزلة تحدث في البيت الحرام، فتضطرب الأرض، وتتحرك تحرك القنديل؛ ثم ينشق الصفا من الجهة المتصلة بالمسعى، فتخرج منه الدابة. هذا أولاً.
وثانياً: ذكر أنَّ خروج الدابة في زمان يكون فيه عيسى بن مريم (علیه السلام) موجوداً، لأنه قال: بينما عيسى (علیه السلام) يطوف بالبيت، ومعه المسلمون، إذا تضطرب الأرض، وتنشق، وتخرج الدابة، فيعلم أن خروجها في زمان وجود عيسى (علیه السلام)، ولا ريب أن خروجها من علامات الساعة، لما تقدم في الروايات المتعددة الكثيرة المتقدمة.
الدمعة الساكبة ج 5 مخطوط
عن مشارق أنوار اليقين في حقائق أسرار أمير المؤمنين (علیه السلام) للحافظ الشيخ رجب البرسي
عن سلمان وأبي ذر، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) في كلام طويل يقول فيه: يا سلمان؛ ويا جندب، وكان محمد الناطق، وأنا الصامت: ولا بد في زمان من ناطق وصامت. فمحمد صاحب الجمع، وأنا صاحب أخشر؛ ومحمد المنذر وأنا الهادي؛ ومحمد صاحب الجنة، وأنا صاحب الرجعة إلى أن قال:
أنا ذو القرنين، وأنا رفعت سماءها بإذن الله عز وجل، أنا عذاب يوم دحوت أرضها، أن الظلّة، أنا المنادي من مكان بعيد، أنا دابّة الأرض، أنا كما قال لي رسول (صلی الله علیه وآله وسلم): أنت يا علي ذو قرنيها، وكلا طرفيها، ولك الآخرة والأولى.
يا سلمان إنَّ ميتنا إذا مات لم يمت، ومقتولنا لم يقتل، وغايبنا إذا غاب لم يغب، ولا
يقاس بنا أحد من الناس إلى أن قال:
يا سلمان بنا شرف كل مبعوث، فلا تدعونا أرباباً، وقولوا فينا ما شئتم، ففينا هلك من هلك، وبنا هلك وبنا نجىٰ من نجىٰ.
يا سلمان، من آمن بما قلت وشرحت، فهو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان ورضي عنه؛ ومن شكّ وأرتاب فهو ناصب، وإن ادّعى ولايتي فهو كاذب.
بيان: هذا حديث عظیم، شریف، جليل؛ وخطاب جميل، صدر من الإمام (علیه السلام) في كلام طويل، محدّثاً فيه سلمان المحمّدي، وجندب. وهو أبو ذر الغفاري الصادق اللهجة؛ الذي قال فيه النبي (صلی الله علیه وآله وسلم): ما أطلت السماء، وما أقلت الغبراء ذي لهجة أصدق من أبي ذر. وقال (صلی الله علیه وآله وسلم) في سلمان: سلمان منّا أهل البيت. وقال: لا تقولوا سلمان الفارسي بل قولوا سلمان المحمّدي. فهذان العلمان العالمان، يرويان لنا هذا الحديث العظيم، والخطاب الكريم، وهو بعض كلامه فقال فيه: وكان محمد الناطق وأنا الصامت، ولا بدّ في كل زمان من ناطق وصامت؛ أي أن الزعامة الدينية، والقيادة الشرعية، لا بدّ منها في كل زمان؛ لأنه تعالى لا يهمل البشر، ولا يدعهم بلا نبي، أو إمام؛ فالامامة والزعامة هي محقّقة في كل وقت وزمان؛ فلمّا أرسل الله محمداً نبياً، جعل له عليّاً خليفة ووصيّاً، فهما إمامان للبرية، وعلمان للأمة الإسلامية، والأبوان المربّيان المرشدان لجميع البشرية؛ وبالأخص الفرقة الإمامية الأثنى عشرية؛ لأنهم الناهجون على مناهجهم، والمطبقون لأقوالهم وأفعالهم، فلدا كان النبي محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، هو الإمام الناطق بالحق المتكلم بالصدق، وكان الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، هو الإمام الصامت بما أخذ إليه من العلوم، يلقيه عامل بأوامره ونواهيه، مخالف لهواه، مطيع لأمر مولاه؛ وبذلك استحق أن يكون إمام المتَّقين؛ وقائد الغر المحجَّلين؛ فالنبي (صلی الله علیه وآله وسلم) هو لسان الله الناطق، وعلي (علیه السلام) هو لسانه الصامت. وهذا ثابت في كل وقت وزمان، فالإمام القائم، هو الإمام الناطق، ووصيّه، وخليفته من بعده، أو نائبه، هو الإمام الصامت، وهذا في الأئمة وأوصيائهم (علیه السلام)، وفي نوابهم واضح؛ وهذا أمر ثابت أيضاً في زمن الغيبة، في نوابهم؛ فنائب ناطق عنهم بالحق، ومعلن بالصدق، واخر صامت موافق بالإمامة لأعماله وأقواله.
فمحمد صاحب الجمع وأنا صاحب الحشر: ولعل المراد بالجمع هو يوم الجمع في عالم الأرواح والأظلة، حين جمع خلقه لولاية محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، ووصيه، وأخذ الميثاق منهم،
وكان ذلك يوم الجمعة، كما ورد ذلك في سبب تسمية الجمعة بالجمعة. ففي الحديث عنه (علیه السلام): إنما سمّيت الجمعة جمعة، لأن الله جمع فيها خلقه، لولاية محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) ووصيه في الميثاق، فسماه يوم الجمعة لجمعه فيه خلقه. ويُحتمل أن يُراد به يوم الجمع أي يوم القيامة لاجتماع الناس فيه، فهو صاحب الجمع. ويُحتمل أن يُراد به صاحب الجمع الكثير في غدير خم وهو المعبّر عنه في الدعاء بيوم الجمع المسؤول. وأنا صاحب الحشر، لأنه هو الذي يقف على حساب الناس في المحشر يوم القيامة؛ فهو رئيس ذلك الموقف العظيم نجّانا الله منه.
ومحمد المنذر وأنا الهادي: يعني أن النبي محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، هو المخوف والمخدر للبشر، وعلي (علیه السلام) هو الإمام الهادي إلى طريق الحق وإلى الطريق المستقيم، بعلومه، وإرشاده، ومواعظه؛ وإلى هذا يشير قوله تعالى مخاطباً لنبيه (صلی الله علیه وآله وسلم) (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) [الرعد 7] كما ورد في تفسير البرهان ج 3 ص 38.
عن أبي جعفر (علیه السلام)، قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): أنا المنذر وعلي الهادي؛ أما والله ما ذهبت - يعنى الهدايه - منّا، وما زالت فينا إلى الساعة. دلّت هذه الرواية على أن محمداً (صلی الله علیه وآله وسلم)، هو المنذر للبشر، والمحذّر لهم، عن كل خطر؛ وعلي (علیه السلام) هو الهادي لهم إلى خير أثر، والى أفضل مثوى ومستقر.
ومحمد صاحب الجنة وأنا صاحب الرجعة: أي أن الرئاسة والزعامة الكبرى في الجنة هي لنبي الإسلام محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، لا لسائر الأنبياء؛ وأن الرئاسة والزعامة العظيمة في زمن الرجعة هي للإمام علي (علیه السلام)، كما تقدم آنفاً في بيان سابق، أن الإمام (علیه السلام) له رجعات متعددة، وفي كل مرة يرجع يحكم مدة من الزمن طويلة، مرّ ذكرها؛ فهو صاحب زمن الرجعة. إلى أن قال:
أنا ذو القرنين: قد مرّ عنه (علیه السلام) آنفاً أنه قال: وأنا ذو قرنيها، وذكرنا أنه في زمن الرجعة يضرب على قرنه ورأسه، فيستشهد كما ضرب أولاً، ثم يرجع ولذا قال (علیه السلام): أنا الذي أقتل مرتين، وأحي مرتين، ولي الكرة بعد الكرة، والرجعة بعد الرجعة.
وربّما يُقال أنه بمقتضى ما دل على أنه له رجعات متعددة، فلعل القتل مرتين، يكون في زمن الرجعه، غير القتل في دار الدنيا، ولذا فقد قتل مرة في دار الدنيا، ويحيىٰ في الرجعة؛ ثم يقتل مرتين ويحيى مرتين، فتكون له رجعات، وبعدها يبقى حيَّا، فيرفع مع
الأئمة (علیه السلام) إلى السماء، وهو حيّ كما ترفع الأئمة (علیه السلام) وهم احياء.
وأنا رفعت سماءها بإذن الله عز وجل، أنا دحوت أرضها: أي أنا الذي لأجلى رفعت السماء، بإذن الله تعالى، ولأجلي دحيت الأرض؛ وقد أقمنا الدليل سابقاً على أن الله تعالى خلق السماء ورفعها لأجل النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) والأئمة (علیه السلام)، ودحى الأرض لأجلهم؛ وقد صرّح بذلك في حديث الكساء (إني ما خلقت سماء مبنية، ولا أرضاً مدحيه إلى قوله الظلة الَّا لأجلكم.
أنا عذاب يوم الظلة: يوم معروف، ومذكور في القرآن الكريم، وهو اليوم الذي أنزل الله فيه العذاب على قوم شعيب حين كذّبوه قال تعالى في سورة الشعراء (فكذبوا فأخذهم عذاب يوم الظلة) قيل: لمّا كذبوا شعيباً أصابهم غيم وحرّ شديد فرفعت لهم سحابة، فخرجوا يستظلون بها، فسالت عليهم فأهلكتهم؛ والظاهر أنها قصفتهم بنار محرقة، وبمادة الذرة، فاحترقوا وهلكوا، ولعلّ النبي شعيب (علیه السلام) أقسم على الله تعالى باسم الإمام علي (علیه السلام)، وهو قسم عظیم، فاستجاب الله دعاءه فأهلكهم؛ فإنما أصاب قوم شعيب عذاب يوم الظلمة، وكان عذاباً مهلكاً لهم باسم الإمام (علیه السلام)، فلذا قال: أنا عذاب يوم الظلة، أي أن القسم باسمي صار سبباً، لنزول العذاب يوم الظلة.
أنا المنادي من مكان بعيد: لعل هذا إشارة إلى قوله تعالى في حكاية حال أهل المحشر (يوم ينادون من مكان بعيد) قيل: أي بعيد عن قلوبهم، وحيث إنه كما مرّ أنه صاحب الحشر ورئيس أهل المحشر فهو المنادي لهم من مكان بعيد عن قلوبهم، والواقف على حسابهم. ويُحتمل أن يُراد أنه (علیه السلام) ينادي المؤمنين من شيعته من مكان بعيد، فيشفع لهم ويدخلهم الجنة.
أنا دابة الأرض: سيأتي أن التعبير بالدابة لغة وعرفاً، لكل ما يدب على الأرض، من إنسان، وحيوان فهو الدابة التي تفرق بين الحق والباطل؛ والفاروق بين المؤمن والكافر قبل القيامة، فخروجه من علامات الساعة، ومن المبشرات بقرب يوم القيامة.
أنا كما قال لي رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) أنت يا عليّ ذو قرنيها: قد مرّ تفسير ذلك، وأنه (علیه السلام) يضرب على قرنيه مرتين، فيقتل في زمن الرجعة مرتين ويحي مرتين، فاستحق أن يلقّب بذي القرنين؛ لأنه مرة يضرب على قرنه الأيمن فينول الشهادة، وأخرى يضرب على
قرنه الأيسر فينول الشهادة؛ ويحيى بعد كل مرة؟ فهو الذي يقتل مرتين، ويحيى مرتين، وله الكرة بعد الكرة، والعودة بعد الرجعة.
وكلا طرفيها، ولك الآخرة والأولى: أي أنه الفائز في طرف الدنيا، والفائز في طرف الآخرة، فكلا الطرفين له. وأن الآخرة له لأنه قسيم الجنة والنار، وقد أعجبني قول الشاعر، وقد كتبتا هذان البيتان في حرمه الشريف:
عليّ حبه جُنة *** قسيم النار والجنة
وصي المصطفى حقاً *** إمام الإنس والجنة
وقد فاز في الدنيا، فقد قضى عمره في إحياء دين الإسلام وإعلاء كلمة المسلمين، والجهاد في سبيل الله تعالى، ونشر العلوم، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وأمام الصلاة، وأتى الزكاة، فحياته كلّها مليئة بالخيرات والمبرات، وبالعبادة والزهادة؛ وفي آخرها نال الشهادة، صلوات الله عليه.
ثم قال (علیه السلام): يا سلمان إن ميّتنا إذا مات لم يمت، ومقتولنا لم يقتل، وغائبنا إذا غاب لم يغب، ولا يقاس بنا أحد من الناس: دلت الجملة الأولى على أن الميت من محمد وآله صلوات الله عليهم إذا مات لم يمت، لأنهم سادات الخلق، وأئمة أهل الغرب والشرق؛ وهم المكرمون المعصومون، فلهم فضيلة وميّزة على سائر الناس؛ وذلك لما مرّ أن الموت عبارة عن زوال الحياة، ومفارقة الروح الجسد. فالموت يقع بحسب أنواع الحياة.
فمنها ماهو بإزاء القوة النامية الموجودة في الحيوان والنبات، كقوله تعالى (يحيي
الأرض بعد موتها) [الحديد 17].
ومنها زوال القوة الحسيّة كقوله (يا ليتني مت قبل هذا) [مريم 23].
ومنها: زوال القوة العاملة وهي الجهالة كقوله تعالى (أومن كان ميتاً فاحييناه) [الانعام 122] وقوله (إنك لا تسمع الموتى) [النمل 80].
ومنها: الحزن والخوف المكدّر للحياة، كقوله تعالى (ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت) [ابراهيم 17] وقد يستعار الموت للأحوال الشاقة، كالفقر، والذل والسؤال، والهدم، وغير ذلك.
وحيث إن الأئمة (علیه السلام) كما مرّ في الحديث الوارد عنهم (علیه السلام): إن الأرواح خمسة: روح القدس، وروح الإيمان، وروح القوة، وروح الشهوة، وروح البدن؛ فمن الناس من يجتمع فيه الخمسة أرواح، وهم الأنبياء السابقون؛ فالأنبياء (علیه السلام) فإن فيهم أرواح خمسة، كما ورد ذلك في تفسير قوله تعالى (والسابقون السابقون أولئك المقربون) [الواقعة 11] قال: فأما السابقون فإنهم أنبياء مرسلون، وغير مرسلين، جعل الله فيهم أرواح خمسة:
روح القدس: وبها بُعثوا أنبياء مرسلين، وغير مرسلين، وبها علموا الأشياء.
وروح الإيمان: وبها عبدوا الله تعالى، ولم يشركوا به شيئاً.
وروح القوة: وبها جاهدوا عدوّهم، وعالجوا معاشهم.
وروح الشهوة: وبها أصابوا لذيذ الطعام، ونكحوا الحلال من شباب النساء.
وروح البدن: وبها دبّوا ودرجوا.
وقال المفسّر رحمه الله: إن السابقون إلى اتباع الأنبياء، هم الذين صاروا أئمة، وهم السابقون إلى جزيل الثواب عند الله. فالأئمة (علیه السلام) هم الذين حكم الله لهم بالإمامة بقوله تعالى (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا) [السجدة 24] أي حكمنا لهم بالإمامة.
وعن الصادق (علیه السلام) في تفسير قوله تعالى (واجعلنا للمتقين إماماً) قال: إيّانا عنى. وفي حديث آخر قال: هذه فينا.
وفي معاني الأخبار سمّي الإمام إماماً، لأنه قدوة للناس، منصوب من قبل الله تعالى، مفترض الطاعة على العباد.
فالإمامة هي الرئاسة العامة على جميع الناس، فإذا أخذت لا بشرط شيء، فإنها تجامع النبوة والرساله، وإذا أخذت بشرط لا فلا تجامعهما. والمراد بالأئمة (علیه السلام) هم المعصومون الممتنعون، من جميع محارم الله، كما جاءت به الرواية عن علي بن الحسين (علیه السلام)، قال: الإمام منا لا يكون إلَّا معصوماً، وليست العصمة في ظاهر الخلقة فتعرف. قيل: فما معنى المعصوم؟ قال: المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن، لا يفترقان إلى يوم القيامة؛ والإمام يهدي إلى القرآن، والقرآن يهدي إلى الإمام؛ وذلك قوله تعالى (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) [الاسراء 9] فهؤلاء الأئمة المعصومون (علیه السلام)، فيهم
الأرواح الخمسة المتقدمة الذكر. ومن الناس من يجتمع فيه أربع أرواح، وهم ممّن عداهم من المؤمنين. ومنهم من يجتمع فيه ثلاث أرواح، وهم اليهود والنصارى، ومن يحذوا حذوهم. فالروح التي تزول بالموت، هي روح البدن، وهي النفس المتوفاة بالموت، من سائر الناس؛ وهذه النفس قد تتوفى وفاة الموت، وهي الروح التي يكون فيها الحياة والحركة؛ وقد تتوفى بالنوم، وهي النفس المميزة العاقلة. وكلا الأمرين لم يتحققا في النبي والأئمة صلوات الله عليهم.
أمّا الوفاة بالمعنى الأول فغير محقق فيهما، فقد ورد في الخبر أن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) والإمام عند تغسيلهما غسل الأموات يقلبون أنفسهم بنفسهم، للوصي الذي يقوم من بعدهم ويغسلهم فلا يحتاج إلى أن يقلبه أحد، فلو ذهبت منه روح البدن، وهي الروح التي فيها الحياة والحركة، فكيف يتحرك بنفسه، ويتقلب من دون محرك له، فبعلم أن هذه الروح باقية في النبي (علیه السلام)، والإمام (علیه السلام) ولم تذهب بالموت.
وأمّا الوفاة بالمعنى الثاني فكذلك أيضاً لما ورد في الخبر بأنَّ الإمام إذا نام، فإنه يرى ويسمع كما في اليقظة، وكما يرىٰ أمامه يرى من خلفه، فيكون موتهم نظير الغيبة، بل هو نفس الغيبة في الحقيقة، كما يدل عليه الأخبار الكثيرة.
وقد صرح الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) بذلك في بعض خطبه فقد قال في آخر خطبة اللؤلؤة، وقد مرّ ذكرها في الجزء الأول من هذا الكتاب: ألا وإني ظاعن عن قريب، ومنطلق إلى المغيب. الخطبة.
فعبّر عن شهادته بالرحيل والظعون، والسير، والانطلاق إلى المغيب، ولم يعبّر بالموت والشهادة، وإن عبّر في بعض خطبه التي يتألم فيها من أهل العراق، كما ورد في زيارته يوم الغدير حيث قال: أم متى يبعث أشقاها، يريد به قاتله لعنه الله، فيكون صدور هذا الفعل منه سبباً لغيبة الإمام (علیه السلام) ورحلته. ويؤيد ذلك قوله تعالى (ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) [ال عمران 169] ويؤيده ما ورد في زيارته، وفي زيارة الحسين (علیه السلام): (أشهد أنك تسمع الكلام وترد الجواب).
فلو كان الامام ميّتاً كيف يسمع كلام من يتكلم معه، سلامه، ويرد جوابه، وقد قامت البراهين الكثيرة، ودلت الكرامات الوافرة، على هذا الأمر؛ حتى صرنا نتيقن به،
ونعرفه واضحاً كالشمس؛ ولو أردنا أن ننقل الكرامات والمعجزات التي شاهدناها بأنفسنا في هذه السنين القليلة لصارت كتاباً ضخماً. ومن أجمل ما رأيت أن أحد زملائنا من طلّاب العلوم الدِّينية في النجف، ذهب لسفر، فوقع وانكسرت رجله، فأرجع إلى بيته تحت المعالجة إلى مدة ثلاثة أشهر لا يقدر على القيام لقضاء حاجته؛ صدره، وضاقت أموره، وأخذت زوجته تلومه على سفره، فاستغاث بالإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، ونادى يا علي أدركني، وعافني، يا مولاي. فقالت له زوجته: اسكت وكفّ عن هذا، أنت جالس في غرفتك وتنادي يا عليّ؛ فعلي ليس بقربك، ولا يسمعك، ولو سمعك لا يعتنيك. قال؛ فتألمت من كلامها كثيراً وساءني ذلك، وحزنت منه، فلمّا صار الليل لم أتمكن من النوم، فكنت جالساً متكئاً على الجدار، وأنادي يا علي أدركني؛ وبعد منتصف الليل غلبني النوم، وأنا على جلستي، فرأيت نفسي جالساً في حرم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، في مقابل ضريحه، وأنا انادي يا علي. فسمعت نداء عالياً، صدر من الضريح المقدس، يا فلان باسمي فقلت: نعم سيدي، وخرج الامام عليه السلام من ضريحه، واذا هو بطل من الأبطال العظام، ومن عظمه، وضخامته، وعلو قامته، ملأ الحرم وحده، ففزعت من رؤية هيئته. فقال: ما تشكوا؟ قلت: سيدي هذه رجلي مكسورة، لا اقدر القيام عليها، فمسح بيده المباركة عليها، وقال: هذه مهمتك قم وامش عليها. قال: ومن فرحي قمت من النوم، فمددت رجلي وجمعتها، فرأيتها صحيحة سالمة، فقمت ومشيت عليها، وذهبت لقضاء الحاجة، مع اني كنت طول هذه المدة لا أتمكن من ذلك، وتطهرت وتوضأت للصلاة، فأذن أذان الصبح، فصلّيت مسروراً، أقوم، وأقعد، وأركع، وأسجد على القاعدة، وبعد الفراغ من الصلاة، ناديت زوجتي من النوم فقالت: ما تريد؟ قلت: قومي، يا ضعيفة الايمان بالله، ويا ضعيفة الاعتقاد بالأئمة (علیه السلام) فإن امامي قد مسح بيده على رجلي، وقد عافاني الله تعالى. قال: فلم تصدق، فقالت: إن كنت صادقاً فقم وامش عليها، فقمت أمامها، ومشيت في الغرفة، فزغردت من فرحها، بتلك الزغاريد التي يعتادون عليها في العراق، وكان احد الجيران محبّاً لي، يأتي لعيادتي في بعض الأوقات، فطرق علينا الباب مبكراً قال: سمعت صوت امرأة تزغرد، فهل حصل عندكم عرس، فقالت له زوجتي: بل أفضل من العرس، إن زوجي المكسورة رجله، قام صحيحاً سالماً أول الصبح بكرامة من الامام امير المؤمنين عليه السلام، فزغردت لذلك. فدخل الدار فلما رآه يمشي، وكان قد رآه قبل يوم لا يقدر على القيام، تعجب ولا عجب من ذلك؛ وهو أمر غير مهم لهم، فلو كان الامام ميّتاً
كيف تصدر عنه هذه المعجزات والكرامة.
قال الأزري في الفيته:
هذه من علاه احدى المعالي *** وعلى هذه فقس ما سواها
ولذلك قال الامام عليه السلام: ان ميّتنا لم يمت، مقتولنا لم يقتل وغائبنا لم يغب، لأنه يعلم علم اهل بيته، بل علم البلد الذي يغيب عنه، بل علم العالم عنده، ولذا لا
يقاس احد من الناس بأهل العصمة المسددون من الله تعالى، المحدثون بالملائكة، المؤيدون بروح القدس؛ الى ان قال: يا سلمان بنا شرف كل مبعوث، فلا تدعونا أرباباً، وقولوا فينا ما شئتم. وكلمة شرف إمَّا أن تكون مصدراً مضافاً الى كل، ومعناه العلّو والمجد فالمعنى ان العلو والمجد لكل مبعوث انما يكون بواسطتنا؛ لأنهم يدعون الله تعالى ويتوسلون اليه بمحمد وآل محمد، فيجيب دعوتهم، فيحصل لهم المجد، والعلو، وهو الشرف.
وإمَّا أن تكون فعلاً مجرّداً، مغموم العين، أي شرُف، فالمعنى أن كل مبعوث صار ذا شرف، وعلا في دين، أو دنيا، بواسطة التوسل بهم وبأسمائهم.
وإمَّا ان يكون فعلًا مزيد فيه مجهول اي شرِّف، فالمعنى ان كل مبعوث جعل شريفاً، وذا، وذا مجد وحصل له الشرف بنا، اي بواسطة ولائه وحبّه لمحمد وآل محمد؛ ولا ريب في ذلك، لأن ولاءهم شرط في قبول الأعمال، ونجاح الأفعال، وعدم رد السؤال؛ الا انه قد اشترط عليه السلام في الولاية عدم المغالاة قال: فلا تدعونا ارباباً وقولوا فينا ما شئتم.
والمغالاة والغلو بمعنى واحد، يقال غلى في الدَّين غلواً أي تصلب وتشدد حتى تجاوز المقدار والحدّ. وقد نهى الله تعالى عنه في القرآن الكريم حيث نهى أهل الكتاب عن المغالاة في عيسى بن مريم، قال تعالى (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم) [النساء 171] أي لا تجاوزوا الحدّ بأن ترفعوا عيسى فوق منزلته، وتدعو له الالهية.
ولذا ورد في التعليم للشيعة في مشكاة الأنوار ص 57 كونوا النمرقة الوسطى يرجع اليكم الغالي ويلحق بكم التالي. فالغالي من يقول في أهل البيت (علیه السلام) ما لا يقولون في انفسهم بل قد نهوا عنه، كمن يدّعي فيهم النبوة والالهية والتالي المرتاد يريد الخير ليبلغه ليؤجر عليه.
وفي الحديث: ان فينا أهل البيت في كل خلف عدولاً، ينفون عنا تحريف الغا اي الذين لهم غلو في الدَّين كالنصيرية والمبتدعة وغيرهم.
وقد ورد في الحديث عن الامام امير المؤمنين عليه السلام قال: هلك في اثنان: عد وقال، ومحب غال، فالعدو التالي من القلاء بالفتح والمد البغض، فالعدو المبغض لأهل البيت هالك. والمحب الغالي هو الذي يغالي في الإمام وينزله فوق منزلته، فيجعله ربَّاً، كالغلاة الذين يغالون في عليّ (علیه السلام)، فيجعلونه ربّاً وهم القائلون بالتخميس. وهو أن سلمان الفارسي، والمقداد، وابا ذر، وعمار، وعمر بن أمية الضمري، هم الموكلون بمصالح العالم عن علي (علیه السلام) وهو ربّ. وحيث إنه يعلم أن هؤلاء وأمثالهم من ذوي العقول الغير السليمة، إذا أحبوا شيئاً، أو أحداً أعمى حبه قلبهم، وأعشى أبصارهم، فهم يعون، ويبصرون، ويسمعون بحواس غير سليمة، بل سقيمة. فلذا قال: لا تدعونا ارباباً، وقولوا فينا ما شئتم، من المدح، والثناء والكزمات، والدلائل والمعجزات، والفضائل.
ففينا هلك من هلك، وبنا هلك وبنا نجىٰ من نجى: ولا ريب في أن الهالك هو العدو والقالي المبغض كالنواصب، الذين ينصبون العداوة لآل محمد (علیه السلام)، والمحب المغالي فإنه هالك لتجاوزه الحدّ في الدِّين، ومخالفته لشريعة سيد المرسلين فيهم يهلك من هلك، وبهم ينجو من نجى، وهم النمرقة الوسطى، المحبون للأئمة (علیه السلام)، الموالون لهم الذين لا يغلون فيهم، ولا يجعلونهم ارباباً، بل يجعلونهم أئمة وأوصياء للنبي (صلی الله علیه وآله وسلم)؛ ولا يزيدون ولا ينقصون، بل يقتصرون على ما ورد به النص، والأثر من إمامة الأئمة الأثني عشر صلوات الله عليهم أجمعين؛ بل يجعلون أقوالهم، وافعالهم، وتقاريرهم حجة؛ ويحترمون، ويقدسون، كل من احترموه، وقدسوه؛ ويبغضون كل من نبذوه وبغضوه؛ وهؤلاء هم الفرقة الحقّة، والطائفة المحقة المقبولة أعمالهم عند الله تعالى في الدنيا؛ والمفلحون في الآخرة بالجنة؛ وفيهم المؤمنون الذين امتحن الله قلوبهم للإيمان ورضي عنهم، والمؤمنون بما ذكره الإمام (علیه السلام) وبينه.
فلذا قال (علیه السلام): يا سلمان من آمن بما قلت وشرحت، فهو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان ورضي عنه. ومن شك وارتاب أي بقوله شك وارتاب أي بقوله، فهو ناصب وإن ادّعى ولايتي فهو كاذب. لأن المدّعي للولاية غير المعتقد بها، وجاعلها من فروع دينه، كالمدّعي لأنه إمامه ولم يعتقد بإمامته، ويجعلها من أصول دينه؛ فهذا دعواه كاذبة، فإن المعتقد بإمامته حقاً يلتزم بولايته؛ فالاعتقاد بالإمامة له لا ينفك عن الاعتقاد بولايته، فالمدّعي للولاية مع
أنه لا يؤمن به وبأقواله، فإنه لا يعتقد حجّيتها، ومرجع عدم الاعتقاد بحجّتها عدم الاعتقاد بكونه حجة وإمام؛ فكيف يدّعي الولاية له حينئذ، فلذلك تكون دعواه باطلة، وأقواله كاذبة عاطلة.
الكتاب المبين السفر الثاني منه
عن تفسير البرهان، عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: انتهى رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) إلى أمير المؤمنين (علیه السلام)، وهو نائم في المسجد، وقد جمع رملاً ووضع رأسه عليه، فحركه برجله ثم قال له: قم يا دابة الأرض. فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله أفنسمي بعضنا بعضاً بهذا الاسم؟ فقال: لا والله ما هو إلَّا له خاصة، وهو الدابة التي ذكرها الله تعالى في كتابه: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابّة من الأرض تكلمهم) [النحل 82] الآية. ثم قال: يا عليّ إذا كان آخر الزمان، أخرجك الله في أحسن صورة، ومعك ميسم تسم به أعداءك فقال رجل لأبي عبد الله (علیه السلام): إن العامة يقولون إن هذه الآية إنما تكِلَمُهُم. فقال أبو عبد الله (علیه السلام): كلمهُمُ الله في نار جهنم انما هو تُكلّمهم من الكلام؛ والدليل على أنّ هذا في الرجعة قوله: (ويوم يحشر من كل أمة فوجاً ممّن يكذب بآياتنا فهم يوزعون حتى إذا جاؤا قال أكذبتم بأياتي ولم تحيطوا بها علماً أماذا كنتم تعملون) النحل 8] قال: الآيات أمير المؤمنين والأئمة (علیه السلام). فقال الرجل لأبي عبدالله (علیه السلام): إن العامة تزعم أن قوله (يوم يحشر من كل أمة فوجاً) عنى في القيامة فقال أبو عبد الله (علیه السلام): يحشر الله يوم القيامة من كل أمة فوجاً، ويدع الباقين لا، ولكنه في الرجعة. وأما آية القيامة (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً) [الكهف 47].
بيان: يستفاد من هذا الحديث الشريف أمور:
الأول: إن هذا الاسم الشريف وهو دابّة الأرض، المذكور في القرآن، وفي الأخبار في كلام النبي الأكرم (صلی الله علیه وآله وسلم)، وفي كلمات الأئمة الأطهار (علیه السلام)، سمىٰ النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) به الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام).
الثاني: إنه لا يجوز تسمية أحد به للنهي عنه قال: يقول رجل أفنسمي بعضنا بعضاً
بهذا الاسم؟ قال: لا.
الثالث: إن هذا الاسم الشريف مختص بالإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، لقوله (صلی الله علیه وآله وسلم): ما هو إلَّا له خاصة. ثم ذكر وجه ذلك وأنه يخرج في آخر الزمان أي آخر زمان الرجعة،
ومعه ميسم، وقد ذكرنا أن الميسم هي عصا موسى، ليسم به أعداء الحق والدِّين، فهو يحيى ويبعث ليكون فاروقاً بين المؤمن والكافر، وبين الحق والباطل؛ ولذا يكون معه خاتم سليمان، فيختم به جباه المؤمنين، فيكتب عليها مؤمن، فيعرف المؤمن من الكافر.
الرابع: صرّحت الرواية بأن الله تعالى يخرجه في أحسن صورة، وهذا ردّ على القائلين بأنه يخرج وله ذنب، وشبهوه بالحيوان، فهؤلاء من أعداء الإمام (علیه السلام)، ومن النواصب، الذين ينصبون العداوة لآل محمد (علیه السلام) ويؤيده ما ورد في مجمع البيان: سئل علي (علیه السلام) عن الدابة فقال: أما والله مالها ذنب، وأن لها لحية. فتدل هذه الرواية على أن الدابة رجل، وهو الإمام الفاروق الأعظم (علیه السلام).
الخامس: الردّ على المحرّفين للقرآن الكريم من العامة، حيث قالوا: أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أي تجرحهم من كلم البدن كلماً، أي جرحه، أو كلّم تكليماً بالتشديد أي جرّحه. ولذا قرأ بعض العامة كما في الجمع هذه الآية تكلمهم، قال: أي تجرحهم وتسمهم. والتكليم التجريح. يقال: هذا ممّا يكلم العرض والعين، أي يجرحه. فرد الإمام أبو عبد الله الصادق (علیه السلام) عليهم فقال: كلمهم الله في نار جهنم، أي جرحهم في نار جهنم، لأنهم حرّفوا كتاب الله، ومن حرّف كتاب الله، وفسّره برأيه فليتبوا مقعده من النار، وبدعاء الإمام (علیه السلام) عليهم يجرحهم الله في نار جهنم. ولذا قال (علیه السلام): إنما هو أي المراد من هذه الكلمة في القرآن، والصحيح هو تكلمهم من الكلام؛ لأن تكلمهم مضارع كلّم من باب التفعيل، كقوله تعالى (وكلم الله موسی تكليماً) فهي من كلّم يكلم تكليماً وكلاماً بالتشديد، أي حدثه، أو قال له كالكلام، بمعنى القول. والحديث، لا من كلم بمعنى الكلم أي الجرح.
السادس: إن الإمام (علیه السلام) استدل على أن المراد بالآية هو الكلام والقول، لا الكلم بمعنى الجرح؛ هو أن هذا التكلم أمر يقع في زمان الرجعة، والدليل على أن هذا في الرجعة قوله تعالى (ويوم يحشر من كل أمة فوجا) [النحل 83] أي يحشر في زمان الرجعة، من كل جماعة، أو جيل أو بلد، لأن الأمة كل جماعة يجمعهم أمر أمّا دين واحد، أو دعوة واحدة، أو طريقة واحدة، أو زمان واحد، أو مكان أي وطن واحد.
والفوج هم الطائفة والقطعة من الجيش، فيحشر طائفة من أهل دين واحد، أو دعوة واحدة، أو طريقة واحدة، أو زمان ووطن واحد، كل ذلك في زمن الرجعة من أمم متعددة، مختلفة المذاهب والطرق، ومختلفة في الأزمان والأوطان، ممّن كان يكذّب بآياتنا
والآيات الإمام أمير المؤمنين والأئمة (علیه السلام)، كما فسّر في الخبر. فيجمع الكفار والمنافقين والنواصب، وكل مكذّب بآيات الله، فهم يوزعون أي يحبسون؛ ولعلهم يحبسون ليجعل لهم الإمام (علیه السلام) سمة وعلامة. ولذا قال (حتى إذا جاؤا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أماذا كنتم تعملون) [النحل 83] فيسمهم بالعصا على أنوفهم، ويكتب على جبهة كل واحد منهم أنه كافر.
السابع: إن الإمام (علیه السلام) ردّ على العامة، حيث فسّروا هذه الآية وهي قوله تعالى (ويوم يحشر من كل أمة فوجاً) بالقيامة، أي أن هذا الحشر هو يوم القيامة، لا في زمن الرجعة. فرد عليهم بأن الله تعالى كيف يحشر يوم القيامة من كل أمة فوجاً، أي من كل جماعة طائفة، ويدع الباقين لا يحشرهم، مع أن الحشر هو للجميع، لا لطائفة دون طائفة؛ فلذا قال: لا، ولكنه في الرجعة. أي لا يراد بالحشر في الآية في يوم القيامة وإنما يُراد الحشر في الرجعة والدليل على ذلك هو أن الآية التي تدل على أن الحشر في يوم القيامة للجميع، قوله تعالي (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً) [الكهف 47] أي جمعناهم، فلم نبق منهم أحداً لا الآية الأولى.
العوالم للشيخ الصدوق قدس سره
عن أبي الطفيل في حديث قال: يا أمير المؤمنين قول الله عز وجل (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم) [النمل 82] الآية ما الدابة؟ قال: يا أبا الطفيل إلهُ عن هذا. فقلت: يا أمير المؤمنين أخبرني به جعلت فداك. قال: هي دابة تأكل الطعام، وتمشي في الأسواق وتنكح النساء. فقلت: يا أمير المؤمنين من هو؟ قال: هو ربّ الأرض، الذي تسكن الأرض به. قلت: يا أمير المؤمنين من هو؟ قال: صديق هذه الأمة، وفاروقها، وربيّها، وذو قرنيها. قلت: يا أمير المؤمنين من هو؟ قال: الذي قال الله تعالى فيه (ويتلوه شاهد منه ومن قبل كتاب موسى إماماً ورحمة والذي عنده علم الكتاب) [هود 17] والذي جاء بالصدق، والذي صدق به، والناس كلهم كافرون غيره. قلت: يا أمير المؤمنين فسمه لي. قال: قد سميته لك يا أبا لطفيل، الخبر.
بيان: دلّ هذا الحديث أن المراد من الدابة في الآية هو الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، بعد أن قال الإمام (علیه السلام) لأبي الطفيل: إله عن هذا، أي اعرض عن ذكره وأتركه. ولا ريب في أنه هو، لأن هذه الصفات المذكورة في الحديث، كلها تنطبق عليه، إلَّا أن أبا
الطفيل لم ينتبه لذلك، لأنه هو الدابة التي تأكل الطعام، وتمشي في الأسواق، وتنكح النساء، وهو ربّ الأرض؛ والربّ يطلق على السيِّد، والإمام، والمربي، والمتمم، والمنعم، والصاحب؛ ولا يطلق غير مضاف إلَّا على الله تعالى. فلذا قال الإمام (علیه السلام): هو رب الأرض، فأضاف الرب إلى الأرض، أي سيِّد الأرض، وإمام الأرض، والمربّى لأهل الأرض، والمتمم لنعمهم، والمنعم عليهم، وصاحبهم، وهو الذي تسكن الأرض به وهذا إشارة لما ورد عنهم (علیه السلام)، من أن وجود الإمام في الأرض، حفظ وأمان لأهل الأرض، ولولا وجود الإمام لساخت بأهلها.
وفي خبر آخر لماجت بأهلها كما يموج البحر؛ فبوجود الإمام (علیه السلام) تسكن الأرض، ولا تموج.
وهو صديق هذه الأمة: أي الأمة الإسلامية، لأنه أول من صدق بالله، وبنبيه وصلى الله تعالى، والأرض مشحونة بالكفر والضلال.
وهو فاروق الأمة: والفاروق من الألقاب الخاصّة بالإمام أمير المؤمنين (علیه السلام).
وإن نحله بعض لغيره: ومعناه هو الذي يفرّق بين الحق والباطل، والمفرق بين المؤمن والكافر في آخر زمن الرجعة، المعنون بدابة الأرض أي الإنسان العظيم، الذي يدب على الأرض فيفرّق بين المؤمن والكافر.
وهو ربّي هذه الامة: أي أشرف الأمة وأعلاها وأرفعها.
وهو ذو قرنيها. وقد مرّ أنه يضرب على قرنيه، ويقتل مرتين، ويحيي مرتين.
وهو الذي قال الله تعالى فيه (ويتلوه شاهد منه) الآية. أي الذي نزلت في حقه هذه الآيات المباركة. ولذا لما سأل السؤال الأخير وقال: سمه لي، قال: سمّيته لك أي سماه بالصراحة ولم ينتبه له، فلا يعوزه إلَّا أن يقول له: أنا ذلك الرجل.
مجمع الزوائد للحافظ نور الدين الهيثمي
قال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): سترون قبل أن تقوم الساعة أشياء ستنكرونها عظاماً تقولون هل كنا حدثنا بهذا، فإذا رأيتم ذلك، فاذكروا الله تعالى، واعلموا أنها أوائل الساعة؛ حتى قال: سوف ترون جبالاً تزول قبل حق الصيحة. وكان (صلی الله علیه وآله وسلم) يقول لنا: لا تقوم الساعة حتى يدل الحجر على اليهودي، مختبئاً كان يطرده رجل مسلم فاطلع قدامه فاختبأ فيقول الحجر: يا عبدالله هذا ما تبغي.
بیان: دل هذا الخبر على أنه قبل قيام الساعة ترى أشياء منكرة، وهي منكرات عظيمة، يعجب المؤمن منها، ولم يحدثه أحد بها؛ كما يرى الجبال تزول قبل الصيحة، ولعل من قصفها بالقوى النارية، أو من الصواعق والزلازل السماوية، أو الأرضية؛ فيلزم على المؤمن للتحفظ منها أن يذكر الله تعالى، لأنه الحافظ الحكيم، وهو على كل شيء حفیظ.
كما ان من العلامات للساعة قتل اليهود، وأولاد اليهود، حتى يطردهم المسلمون في البراري والجبال، فيختفون وراء الأحجار الكبار، وفي الكهوف، والأوعار، فتخبر الأحجار وتلك الأماكن عن اختفائهم فيها، فيؤسرون ويقتلون؛ ولعل هذه العلامات من علائم القائم (علیه السلام) والله أعلم.
وفيه: عن الطبراني قال: سمعت رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) يقول: لا تقوم الساعة حتى يكون السلام على المعرفة، وإن هذا عرفني من بينكم فسلّم عليّ، وحتى تتخذ المساجد طرقاً، فلا يسجد لله فيها؛ وحتى يبعث الغلام الشيخ، بريداً بين الأفقين، وحتى يبلغ التاجر بين الأفقين، فلا يجد ربحاً.
بيان: ذكر في هذا الخبر أن من علائم الساعة: أن يكون سلام بعض الناس على بعضهم على المعرفة؛ فلو لم يعرف الطرف، ويخصه لم يسلم عليه، وهذا المعنى أمر يذكر بين الناس؛ فإذا سلم أحد على أحد، قال المسلم عليه أن هذا عرفني فسلم علي من بينكم، فيكون السلام ليس لله تعالى، بل لأجل المعرفة والصداقة. وتتخذ المساجد طرقا فيمر بها المار فلا يصلي فيها ركعتي التحية، بل يمر كما يمر بالطريق العادي؟ فلا يسجد فيها لله تعالى وهذا عد من علائم الساعة.
وحتى يبعث الغلام الشيخ بريداً بين الأفقين: وهذا كناية عن ترئس الغلمان والصبيان. وسلطنتهم، فتربى الغلام يبعث الشيخ بريداً والبريد يطلق على المسافة، الملفقة، وهي أربعة فراسخ أي اثنا عشر ميلاً. وروي فرسخين أي ستة أميال، والمشهور خلافه؛ وهو القول الأول الذي عليه العمل. والبريد يطلق على الرسول أيضاً. وفي الفائق وغيره البريد في الأصل هو البغل، وهي كلمة فارسية وأصلها (بريده دم) أي محذوف الذنب، لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب، فأعربت الكلمة وخفّفت، ثم سمّي الرسول الذي يركبه بريداً، ثم سمّيت المسافة به.
فالمراد من بعث الغلام للشيخ بريداً هو بعثه مسافة بعيدة، يستخدمه ولا يحترمه؛ أو يبعثه رسولاً من قبله، قبله، وممثلاً له، مع أن فيه إهانة أيضاً على أي حال، عدّ هذا من علائم الساعة. وكذلك التاجر يتّجر بين الأفقين، أي من المشرق إلى المغرب، فلا يجد الربح، وهذا أيضاً عدّ من علامات الساعة، ويُحتمل أن تكون هذه من علائم القائم (علیه السلام).
وفيه: عن عبد الله بن مسعود قال: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما يبقى من دينكم الصلاة، وليصلّينّ قوم لا دين لهم، ولينزعنّ القرآن من بين اظهركم. قيل: يا أبا عبد الرحمن، ألسنا نقرأ، وقد اثبتناه في مصاحفنا؟ قال: يسري على القرآن ليلًا فيذهب من أجواف الرجال فلا يبقى في الأرض منه شيء.
بيان: الظاهر أنَّ هذا الخبر نبوي، وإن كان مرسلاً، لأن ابن مسعود لا يروي، ولا يرسل، إلَّا عن رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)؛ فذكر أول علامة تقع للساعة، أن يُفقد من الدِّين الأمانة؛ وهي العمدة في الدِّين للرجل المؤمن، وهي علامةالمؤمن مع صدق حديثه لما ورد سابقاً. في الحديث عن الصادق (علیه السلام)، حيث قال ما مضمونه: لا تنظروا إلى صلاة الرجل، وإلى صيامه؛ ولكن انظروا إلى صدق حديثه، وأمانته؛ فإن حدّث فصدق وأتمن، فلم يخن، فهو المؤمن حقاً، فإذا فقدت الأمانة فالصلاة لا تدل على إيمان الرجل،
ولذا قال، وآخر ما يبقى الصلاة وليصلينّ قوم لا دين لهم أي غير مؤمنين بالدين.
ولينزعن القرآن من بين اظهركم: ونزع الشيء أي قلعه واستخرجه، فينزع القرآن أي يقلعه ويأخذه، وينسيهم إيَّاه، بحيث لا يذكرونه؟ ولذا لما قالوا له رداً عليه: إنَّا قد أثبتنا القرآن، أي كتبناه في مصاحفنا، فكيف ينزع منّا؟ قال: يسري على القرآن ليلا، أي تأتي ليلة، فيذهب من أجواف الرجال، وينزع منهم فينسونه، ولا يذكرونه، كما يرفع من الأرض فلا يبقى منه شيء، ويُحتمل أنه يرفع إلى السماء قبل الساعة، عندما يرفع الله الأئمة (علیه السلام) إلى السماء، وهم أحياء بأجمعهم؛ فيكون رفع القرآن من علائم الساعة.
وفيه: عن القاسم قال: شكي إلى ابن مسعود الفرات، فقالوا: إنَّا نخاف أن ينبثق علينا، فلو أرسلت إليه من يسكره أي يسدّه. قال: لا أسكره، فوالله ليأتينّ على الناس زمان، لو التمستم فيه ملأ طست من ماء ما وجدتموه، وليرجعنّ كل ماء إلى عنصره، ولا يكون فيه الماء، والمسلمون بالشام.
بيان: ذكر في هذا الخبر أن ماء الفرات طغى، وخافوا من انبثاقه، وانفجاره على من بجانبيه، فشكو إلى ابن مسعود وكان في الكوفة، أن يسكره أي يسده، فذكر لهم علامة، تقع فيه، فلذا قال: لا أسكره، أي لا أسده، وتلك العلامة أن يجف ماؤه، حتى لا يوجد فيه طست من ماء، والطست هو بالفارسية طشت.
ثم قال: وليرجعن كل ماء إلى عنصره، ولا يكون فيه أي في الفرات الماء. وقد مرّ آنفاً هذا في الجزء خبر عن الإمام الصادق (علیه السلام) ما مضمونه: إن الإمام القائم (علیه السلام) إذا قام وحكم مع أصحابه، نفذ الماء الذي على وجه الأرض، حتى لا يوجد ماء، فيضج المؤمنون بالدعاء، حتى يبعث الله لهم ماء، من تحت الأرض أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من رائحة المسك، والذ من الزنجبيل، فيشربه المؤمنون، وهو محرّم على من خالفهم.
ولعل هذا الماء هو الموجب لطول الأعمار، ولنشر الصحة والعافية بين الناس، وكثرة النعم والبركات، وكثرة النسل والخيرات؛ وهذه نعمة عظيمة يخصّ الله تعالى به الإمام القائم (علیه السلام)؛ وأهل زمانه من المؤمنين، والصلحاء، والأخيار، والرسل، والأنبياء، ومن يأتي بعده من الأوصياء؛ وذلك الزمان خال من المخالفين، والمنافقين، والكافرين؛ وكانت الدولة للمؤمنين من الأنبياء والأئمة المعصومين (علیه السلام) لأن العقبة للمتقين
والصالحين؛ ولقد صدقهم الله وعده قال تعالى (ولقد كتبنا في الزبور بعد الذكر أن الأرض الله يرثها عبادي الصالحون) [الانبياء 105] والحمد لله رب العالمين.
قد نظم بعض العلماء الأفاضل كثير من علائم الإمام القائم (علیه السلام)، وقد رمزوا وأشاروا إلى بعض العلائم في الشعر العربي، والفارسي، لئلا يطّلع عليه كل أحد إلَّا أهل العلم، ممن له رغبة في هذا الباب، وقد أكثروا في النظم إلَّا أننا اقتصرنا على بعضه. فمن ذلك ما ذكر في كتاب المنتخب النفيس في علوم النبي إدريس (علیه السلام) قال في صحيفه 168:
من بعد تسع وأربعين لهجرة *** في رابع القرن الذي لم يحمدِ
النمسا تحيا حياة بعد ما *** كان طعاما لحمها للمعتدِ
وتنال أرجاعاً إذا ما خمسة *** من السنين مضت بغير تأكد
رومانيا بلغار تحرق نفسها *** یونان ضرب ثم حبل أسودِ
فحياتها تنموا وترجع آخرا *** النار في أطرافها تتوقدِ
في سابع الخمسين خوفي محوها *** ياويل داخلها عدوّ معتد
تركية آن الأوان وقد غدت *** بين العوالم صفر اليدِ
هیهات هیهات ارتباط ملوكها *** من بعد مريخ إلى نجم الجدي
وكذا ارتباط الناس - في نسخة الكاس فيهم لم ينل حتماً لخمسين وخمسة قد بدي
والكون في الإسلام يظهر توره *** شمس مضيئة من أربعين وأزيد
هند وصين قد يقوم مقالها *** ولها فساد داخل متمرد
عجم وأفغان ليكثر بطشهم *** بفسادهم حتى يذوب الجلمد
وتقوم بالعجم الحروب وتنتهي *** ويل تبور وعند ستين أبتدي
سوداء مصر ملكها لم ينظف *** وكذاك سلطتها تدوم لأحد - وفي نسخة - لأحمد
في الكون هذا ثم خمس بعده *** ضيق وشدة بل جميع ننکد
البرتغال فقد توقَّد نارها *** في الدولة العظمى لسبعة شدد
ان اضمحال مع وبال دائم *** بعد العلو إلى مثاوي الفرقد
وكذلك الدنيمارك يلزم أن ترى *** في خامس الخمسين وهي تبدد
بلجيكا تحيا في الشعوب مؤخراً *** بعد اضمحال ملكها يتردد
شام ومكة مع فلسطين لها *** شأن عظيم ياله من مورد
تتخالف الأقوام فيها بضعة *** عدت من الأعوام ليست تهتدي
بغدادنا وكذا العراق وغيره *** يدخل بها البطل الهمام الأوحد
بالشام ملك قد يلوح وينجلي *** بالشام قوم خائنون وحسّد
أقوام موسى قد تروم مناجحاً *** أثر الإباء وطالب لم يردد
وتجول بين معصفر ومدثر *** ومبرج ومرهرج وموّرد
يا قوم أمر قد يحق لعشرة *** وتقوم نار سعيرها تتوقد
شمویل یا حزقیل یا شمعون *** إبشر بما قال الإله كذا اقتدي
بشر ملوك الشام ثم عراقها *** حلب وطرسوس وأم مخلد
تتخالف الأقوام فيها بضعة *** من بعد عشر نارها لم تخمد
من بعدها قوم الكمال توافقوا *** والدولة العظمى تدوم وتهتدي
وتعيش للسبعين أحسن حالة *** من بعدها حرب يفور ويزبد
حتى يتم القرن رابع أرّخوا *** غرر الزمان البائس المتعوّد
ملك يدوم على الملوك مقامه *** حتى يذوب له الحديد الأصلد
ولدولة الإسلام تنمو خامس *** في القرن شب ناسك متولد
ملك الحجاز له مقام شامخ *** أسباطه بالشام ظلماً تطرد
لاتين كاثوليكي رومي بعده *** أرثوذكس مخلفهم بكل توعد
الروح تفنى والطبيعة تنتشي *** تعلو على الأقوام حتى تغتدي
أرض لها زحل وأمر واصب *** بنيانه نحو الفساد مقيّد
هند وروم ثم أمر غالب *** في حادي السبعين قدح المزند
یا قوم سلم للسليم سلامة *** ودماً تسيل وضجة المتجرد
إن الدروز لهم شنیع منازل *** ضرباً وحرباً فعلها لم يحمد
يأتي الشرار كذا اللهيب لها معاً *** أحوال حال بالفنا تتزود
لا تطلب الأديان بل لتجارة *** وقصور عالية وحور أغيد
وكذا البداوة قد تريد حضارة *** وتموّنا طلب الظلام الأسود
يا ويل يمن من جنوب بلادها *** صنعا محاصد بالحروب ستحصد
في سادس الخمسين قرن رابع *** يصفوا الزمان وجمعنا يتوحد
أهل الكليم يرون حالًا باقياً *** ويطبقوا ملكاً جديداً أمجد
وتساعد القوم الكرام مراكزاً *** لمطالب عند العموم مقلد
إن الصليب له السعادة والهنا *** أما الهلال فقد بقي صفر اليد
لابد من نيل الهلال مناله *** وكذا مطالبه لنا تتأكّد
في ثامن الخمسين ثم لتاسع *** وكذا لستين لنا تتأيّد
غش صداها يالها من وقعة *** شاب الغراب من الضلال الأسود
في قرن خامس عشر قد أملتها *** خير وانعام وعيش أرغد
في حادي العشرين موت فجيئة *** نصف الخلائق قد تموت فترتدي
من بعدها عيش رغيداً نور *** سبعون عاماً راحة وتمهد
قد وجدت هذه القطعة الشعرية في العلائم المنظومة في كتاب المنتخب النفيس ص 168 في علوم نبي الله إدريس عليه وعلى نبينا وآله السلام.
الينابيع للشيخ محي الدين بن عرب قال:
إذا دار الزمان على حروف *** ببسم الله فالمهديّ قاما
ويخرج بالحطيم عقيب صوم *** ألا فاقرأه من عندي السلاما
وقال أبو هلال المصري استاذ الشيخ محي الدين بن عرب:
إذا حكم النصارى في الفروج *** وغالوا في البغال وفي السروج
وذلّت دولة الإسلام طرّا وصار الحكم في أيدي العلوج
فقل للأعور الدَّجَّال هذا زمانك إن عزمت على الخروج
وقال الشيخ عبد الرحمن البسطامي:
ويخرج حرف الميم من بعد شينه *** بمكة نحو البيت بالنصر قد علا
فهذا هو المهدي بالحق ظاهر *** سيأتي من الرحمن للحق مرسلا
ويملأ كل الأرض بالعدل رحمة *** ويمحو ظلام الشرك والجور أولا
ولايته بالأم من عند ربه *** خليفة خير الرسل من عالم العلا
عنقاء المغرب للشيخ محي الدين بن عرب قال:
فعند فنا خاء الزمان ودالها *** على فاء مدلول الكرور يقوم
مع السبعة الأعلام والناس غفل *** عليم بتدبير الأمور حكيم
فأشخاص خمس ثم خمس وخمسة *** عليهم ترى أمر الوجود يقوم
ومن قال إن الأربعين نهاية *** لهم فهو قول يرتضيه كليم
وإن شئت أخبر عن ثمان ولا تزد *** طريقهم فرد إليه قويم
فسبعتهم في الأرض لا يجهلونها *** وثامنهم عند النجوم لزيم
وقال أيضاً محي الدين بن عرب:
لابد للروم مما ينزلوا حلبا *** مدججين بأعلام وأبواق
والترك تحشر من نصيبين من حلب *** يأتوا كراديس في جمع وأفراق
كم من قتيل يُرى في الترب منجدلاً *** في رستين بدا كالماء مهراق
ولا تزال جيوش الترك سائرة *** حتى تحل بأرض القدس عن ساق
والترك يستنجد المصري حين يرى *** في جحفل الروم غدراً بعد ميثاق
وتخرج الروم في جيش لهم جلب *** إلى اللقاء بارقال واعناق
وتخرب الشام حتى لا انجبار لها *** من روم روس وإفرنج وبطراق
وتنشر الراية الصفراء في حلب *** من كف قيل يقول الحق مصداق
يا وقعة لملوك الأرض أجمعها *** روم وروس وإفرنج وبطراق
ويل الأعاجم من ويل يحل بهم *** من واد وخل ومن دوس وأعناق
يأخذهم السَّيف من أرض الجبال فلا *** يبقى ببغداد منهم فارس باق
وتملك الكرد بغداداً وساحتها *** إلى خريسان من شرق لا عراق
وتشرب الشاة والسرحان مائهما *** بالأمن من غير أرجاف وأفراق
وتأتي الصيحة العظمىٰ فلا أحد *** ينجو فراراً ولا من حكمه باق
وإنما لم نتعرض لبيان هذه العلائم المنظومة في الأبيات الشعريه، لأنها الغاز، وجلّها رموز، وإشارات، وأسرار، لا يريدون إظهارها لكل أحد. فلذا يصيغونها بهذه الصيغ لتخفى على الناس، ولما ذكرنا أنه ليس من المصلحة إطلاع عامة الناس عليها إلَّا الخاصة، ومن رزقه الله الفهيم، والفقه، والعلم، وأيّده بروح منه، وجعله من المؤمنين الذين امتحن الله قلوبهم للإيمان. فلذلك أوكلناها إلى فهم القارىء. ولقد اعجبتني قطعة شعرية
من كتاب مخطوط للسيّد ناصر بن علي الأحسائي، وقد نظم هذه الأبيات قبل حوالي 600 ستمائة سنة حيث قال:
ستأتيك عام به عوصة *** تهيج إليها عموم العرب
ويأتيك عام به محنة *** يحل العراق البلا والنصب
بإيران يظهر داعي الهدى *** أعزّ البرية أمّاً وأب
فطوبي لمن كان في عهده *** وطوبي لمن هو طفل يرب
فإن كنت في قولتي كاذباً *** ألا لعنة الله على من كذب
وقد اقتصرنا على هذا المقدار القليل من العلائم المنظومة، وفيه الكفاية، والحمد لله حمداً لا انقطاع له، ولا أمدا دائم الأبد، ومع الأبد ممّا لا ينتهى إلى عدد، وهو الحمد لله عدد ما في علم الله تعالى، على أن وفقنا لإتمام الجزء الثالث، ونسأله أن يتقبل منّا هذه الخدمة، التي قدمناها لسيّدنا ومولانا وإمامنا، صاحب العصر والزمان، وخليفة الرحمان؛ ونسأله أن يحفظنا من فتن آخر الزمان، ويجعلنا في أمن وأمان، ويفتح علينا أبواب الخير والرزق، والإحسان؛ ويجعلنا من أنصاره، وأعوانه، والمستشهدين بين يديه مع الإخوان؛ ويدركنا في الشّدة والرخاء، ويأخذ بأيدينا في السرّاء، والضرّاء، ويرزقنا حسن العاقبة والإيمان، ويمنحنا خير الدنيا والآخرة، ويحشرنا في الآخرة مع محمد وآله الطاهرين، والحمد لله رب العالمين.
المؤلف
الحاج شيخ محمد مهدي
زين العابدين النجفي
حرّر في شهر رمضان 1383 هجرية.
قال الأديب الفاضل الشيخ سعيد المنصوري مادحاً لصاحب الكتاب ومقرّضاً له:
لله درّ محمد من عالم *** قرّت بفضل جنابه خصماؤه
الله جللّه وعظم قدره *** جتى انثنت عن قتله أعداؤه
ما قيمة البعث اللعين وعفلق *** عند امریءٍ بهر العباد سيناؤه
يعزىٰ إلى المهدي آية عصرة *** والشبل يزكوا إن زكت آباؤه
وكتابه وبيانه للقائم المه *** دي فيه يقينه وولاؤه
وقال أيضاً حفظه الله:
مولاي زين العابدين بمجدكم *** قسماً وإني صادق إذ أقسم
مازال حسن حديثكم في مسمعي *** أبداً يرنَّ وفي فؤادي يرسم
صوراً من التقوىٰ تقرّبني لكم *** دوماً على بعد المدى فأسلم
وقال أيضاً حفظه الله:
للشيخ زين العابدين كرامة *** شهد الصديق بها وكل معاد
ظهرت بمحكمة الضلال بساعة *** فيها استعد معاون الالحاد
لأهانة الشيخ الجليل بلا تقى *** ونسیٰ بأن الله بالمرصاد
فأتته صفعة فارس في وجهه *** فغدا وبالحسرات وهو ينادي
يا شيخ إني مسلم لا كافر *** ماذا قرأت علي من أوراد
فأجابه أتلو الكتاب تحفّظاً حتى ليحفظني الحفيظ الهادي
تعريف بمصادر الكتاب:
هذه المصادر المذكورة لكتاب بيان الأئمة (علیه السلام) التي بلغ عددها 161 مائة أحد وستون مصدراً، جلّها من كتب أعلام الشيعة وعلمائها الفطاحل، وأهل الجد والاجتهاد الأفاضل، وآيات الله العظام الأماثل، من الصحاخ وغيرها من الكتب الخطّيّة الممتازة، التي رزقنا الله تعالى إيّاها، ووصلت إلينا من ظهر الغيب، ولم نطّلع عليها أحد، وكان ذلك رزقاً ساقه الباري إلينا، وفضلاً عظيماً تفضل به علينا، فأبدينا من تلك الأسرار الغريبة والوقائع العجيبة، ما يتحمله قلوب بعض المؤمنين، وزوينا منها ما لا يتحمله الآخرين، فلذلك أسمينا الكتاب ببعض مطالبه، من باب تسمية الكل باسم الجزء، وهي طريقة الله تعالى في كتابه المجيد. وطائفة منها اقتبسناها من كتب العامة من الصحاح، وغيرها، وقد نقلت بعض الروايات عن والدي المرحوم آية الله الشيخ مهدي نجل آية الله العظمى الشيخ زين العابدين النجفي، أعلى الله مقامهما، وقد سمعت بعضها من الثقاة، والأعلام، والأفاضل العظام، وأهل الإيمان الكرام، ومن لا يرضون بذكر أسماءهم في نظير المقام، فلا يورد علينا أحد بعدم ذكر السند، وعدم المستند، وربّما يذكر واضحاً دليل تلك الروايات المسموعة، في روايات أخرى بعيدة عنها موضوعة، وأوكلنا معرفتها إلى القارىء المحترم، فإن أراد الله تعالى له التوفيق، وجعله له خير رفيق، فإنه تعالى يفتح عين قلبه إليها، ويطلعه عليها، ويبصره فيها، ويطلعه على أسرار تلك الأحاديث وواقعها، ويحيطه علماً بالعلائم والوقائع بأجمعها، والله تعالى هو الموفّق والمعين، وما توفيقي إلَّا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .
العدد ... اسم الكتاب ... المؤلف
1 اصول الكافي ... محمد بن يعقوب الكليني (ره)
2 الاختصاص ... للشيخ المفيد (ره)
3 الارشاد ... الشيخ المفيد (ره)
4 الغيبة ... الشيخ المفيد
5 فروع الكافي ... الكليني
6 الغيبة ... الشيخ الطوسي
7 روضة الكافي ... الكليني
8 وسائل الشيعة ... الشيخ محمد بن الحسن الحرّ العاملي (ره)
9 اثبات الهداة ... الشيخ الحر العاملي (ره)
10 الأكمال ... الشيخ الصدوق (ره)
11 علل الشرايع ... الشيخ الصدوق
12 معاني الأخبار ... الشيخ الصدوق
13 العوالم ... الشيخ الصدوق
14 من لا يحضره الفقيه ... الشيخ الصدوق
15 الوافي ... ملا محسن الفيض
16 ثواب الأعمال ... الشيخ الصدوق
17 جامع الأخبار ... الشيخ الصدوق
18 الخصال ... الشيخ الصدوق
19 شرح عقائد الصدوق ... الشيخ الصدوق
العدد ... اسم الكتاب ... المؤلف
20 عقاب الأعمال ... الشيخ الصدوق
21 تفسير النيسابوري ... النيسابوري
22 مجمع البيان ... الطبرسي
23 تفسير البرهان ... السيد هاشم البحراني
24 تفسير الصافي ... الصافي
25 تفسير العياشي ... العياشي
26 تفسير الكشاف ... الزمخشري
27 البلد الأمين ... الكفعمي
28 كنز الفوائد ... الكراجكي
29 المحاسن ... البرقي
30 منتخب البصائر ... محمد بن الحسن الصفاء
31 كتاب الأولياء ... لابن ابي الدنيا
32 البحار مجلد 13 ... المجلسي
33 البحار السماء والعالم ... المجلسي
34 البحار مجلد 9 ... المجلسي
35 تفسير الطبري ... الطبري
36 تفسير بن كثير ... ابن كثير
37 تفسير الرازي ... فخر الرازي
38 دلائل الامامة ... محمد بن جريد الطبري
39 مناقب العترة ... احمد بن فهد الحلي
40 دلائل النبوة ... احمد بن فهد الحلي
41 الينابيع ... عبد الرحمن البسطامي
42 مسند احمد بن حنبل ... المذهب الحنبلي احمد بن حنبل
43 مجمع الزوائد ... الحافظ نور الدين الهيثمي المتوفي سنة 807 هجرية
44 مشارق انوار اليقين ... الحافظ الشيخ رجب البدسي
45 صحيح البخاري ... البخاري
46 صحیح مسلم ... مسلم
العدد ... اسم الكتاب ... المؤلف
47 الجامع الكبير ... السيوطي
48 الجامع الصغير ... الحاكم
49 مستدرك الحاكم ... الحاكم
50 صحيح الحاكم ... الحاكم
51 سنن ابي داود السجستاني ... أبو داود السجستاني
52الفتوحات المكية ... محي الدين بن عرب
53 احياء العلوم ... ابو حامد محمد الغزالي
54 الغوالي ... ابي نعيم
55 رجال الكشي ... الكشي
56 عقد الدرر ... الشيخ جمال الدين ابي بدر يوسف بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي المقدسي الشافعي السلمي الدمشقي الفه سنة 658 هجرية
58 دار المنتظم في السرّ الأعظم ... محمد بن طلحة الشافعي
59 عنقاء المغرب ... محي الدين بن عرب
60 عقائد الامامية ... السيد ابراهيم الموسوي
61 السر المكنون ... السيد حسون البراقي مخطوط
62 اثبات الرجعة ... محمد بن الحسن الحرّ العاملي رسالة مخطوطة
63 الجامع الصفوي ... الشيخ نقي بن محمد الطغائي مخطوط
64 ضياء العالمين ... المحدث ابي الحسن الشريف العاملي مخطوط خط سنة 1316 هجرية
65 جامع الأسرار ومنبع الأنوار ... السيد حيدر الأملي مخطوط
66 مجموعة خطية ... الشيخ محمد علي القاضي النجفي مخطوطة
67الرمز الخفيّ ... العلامة الحلى (ره) مخطوط
68 مشارق الأنوار ... الحسين بن محمد الصغاني مخطوط
69 مصابيح الأنوار ... السيد عبد الله بن محمد رضا الحسيني مخطوط
70 جواهر القوانين ... محمد باقر اليزدي مخطوط
71 الدمعة الساكبة الجزء 5 ... الشيخ محمد باقر بن عبد الكريم الدهدشتي البهبهاني مخطوط
العدد ... اسم الكتاب ... المؤلف
72 كنوز الأبصار ... شيخ الإسلام الشيخ محمد طاهر القمي مخطوط
73 المجموع الرائق ... السيد هبة الدين الموسوي الحسيني مخطوط
74 كتاب الملكوت ... مخطوط
75 الملاحم والفتن ... العلامة المجلسي (ره) مخطوط
76 الزام الناصب ... الشيخ علي اليزدي الحائري
77 نور العيون ... محمد شريف الحسيني الأصفهاني
78 نور الأنوار ... الشيخ علي بن الشيخ ابو الحسن المرندي
79 سمير الحاضر ومتاع المسافر ... الشيخ علي ال كاشف الغطاء مخطوط
80 اکمال الدين واتمام النعمة ... ابن بابوية القمي
81 تحف العقول
82 شرح نهج البلاغة ... ابن ابي الحديد المعتزلي
83 غيبة النعماني ... النعماني
84 جوامع الكلم
85 الكتاب المبين السفر الأول محمد ... بن محمد كريم
86 الكتاب المبين السفر الثاني ... محمد بن محمد كريم
87 فصل الخطاب
88 الدر المسلوك ... الشيخ أحمد بن الحسن الحرّ مخطوط
89 المستدرك ... النوري
90 نور الأنوار ... الشيخ علي صغر البروجردي طبع في عصر ناصر الدین شاه سنة 1201 هجرية
91 البشارة ... السيد رضي الدين علي بن طاووس (ره)
92 فجايع الدهور ... الشيخ علي بن الشيخ ابو الحسن المرندي
93 الأسرار ... الحاج ملاهادي السبزواري
94 كفاية الموحدين ... السيد اسماعيل النوري
95 تذكرة الشعراني ... الشيخ عبد الواحد الشعراني
96 كتاب الفضل بن شاذان ... الفضل بن شاذان
97 مجمع النورين ... الشيخ علي بن الشيخ ابو الحسن المرندي
98 كشف الأستار ... المحدث النوري
العدد ... اسم الكتاب ... المؤلف
99 مكيال المكارم ... السيد محمد تقي نجل السيد عبد الرزاق الموسوي الأصفهاني
100 الصراط المستقيم الجزء 1
101 الصراط المستقيم الجزء 2
102 كفاية الأثر ... الشيخ سعيد علي بن محمد بن علي الخزاز القمي
103 دوحة الأنوار ... الشيخ محمد اليزدي
104 فلاح السائل ... السيد علي بن طاووس (ره)
105 الأقبال ... السيد علي بن طاووس
106 در التنظيم
107 سرور أهل الايمان ... السيد بهاء الدين علي بن عبد الحميد
108 الاحتجاج ... الطبرسي
109 لوامع الأنوار ... السيد نعمة الله الجزائري مخطوط
110 تاريخ قم
111 محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار محي الدين بن عرب
112 المنتخب النفيس في علم النبي ادريس (علیه السلام)
113 المناقب ... ابن شهر اشوب
114 كفاية المطالب
115 كشف الغمة ... الأربلي
116 الجرائج والخرائج
117 كتاب النقود القديمة والاسلامية الشيخ تقي الدين احمد بن عبد القادر المقريرني الشافعي باب 3 ص 35
118 التحصين ... احمد بن فهد الحلي
119 روضة الواعظين
120 سفينة النجاة في المهلكات والمنجيات ص 17 عن كتاب دلائل البراهين
121 اربعين المير اللوحي
122 كفاية المهتدي في معرفة المهدي محمد بن محمد اللوحي الحسيني الموسوي السبزواري
123 تباشر المحرورين ... الشيخ محمد الواعظ اليزدي الحائري الملقب من جانب الامام الحجة عليه السلام بصدر الواعظين
124 الهداية المهدوية في الرد ... على البابية والبهائية
العدد ... اسم الكتاب ... المؤلف
125 نفس الرحمن ... المحدث النوري (ره)
126 دار السلام ... المحدث النوري
127 ظهور صاحب الزمان لامتحان المؤمنين محمد يزدي
128 زاد المسير ... ابي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي القرشي البغدادي المتوفي سنة 569 هجرية
129 وقائع الدهور ... الشيخ المرندي
130 مبشرات الفؤاد ... السيد محمد التقوي الرضوي الخونساري
131 العمدة ... أبي الحسين مفتي الفريقين يحيى بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد البطريق الأسدي الحلي
132 الوسائل الجزء 6 ... الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي
133 العصمة والرجعة
134 شرح الايات الباهرة
135 فتوحات القدس ... محي الدين بن عربي
136 العدد القوية
137 الشمس الطالعة
138 بشارة المصطفى ... للسيد مصطفى الحيدري
139 حلية الأبرار ... السيد هاشم البحراني
140 بصائر الدرجات ... محمد بن الحسن الصفاد
141 مدينة المعاجز ... السيد هاشم البحراني
142 السر المكتوم الى الوقت المعلوم ... ابن بابوية القمي (ره)
143 الجوهر الثمين
144 خريدة العجائب
145 منهج الدعوات ... السيد بن طاووس
146 کتاب مخطوط في الأدعية
147 مكارم الأخلاق
148 جنة المأوى ... المحدث النوري (ره)
149 جمال الأسبوع ... السيد بن طاووس
العدد ... اسم الكتاب ... المؤلف
150 كتاب الواحدة ... القمّي
151 تظلم الزهراء ... لرضى بن نبّي القزويني
152 الأمالي الجزء 17
153 حديقة الشيعة ... أحمد بن محمد المقدس الأردبيلي المتوفي سنة 993 هجرية
154 المجالس السنية الجزء 2 ... السيد محسن الأمين
155 النجم الثاقب ... میرزا حسين النوري (ره)
156 ناظم الاسلام ... الكرماني
157 طوالع الأنوار ... السيد محمد مهدي الموسوي طبع سنة 1227 هجرية
158 البرهان ... علاء الدين الجوسوري المتوفي سنة 975
159 الملاحم أو علائم الظهور ... الشيخ محمد حسين الهمداني الطاوىء
160 روح البيان
161 جنة الأمان ... السيد علي بن طاووس
الجزء الثالث
من كتاب بيان الأئمة
الموضوع ... الصفحة
الفصل السادس وفيه بيانات متعددة
البيان 1 في العلائم المحتومة وتتابعها وقتل النفس الزكية ... 13
البيان 2 في الوقائع التي تقع بعد قتل النفس الزكية ... 23
البيان 3 من العلائم تحقق الطوائف الاربعة من الاخبار ... 31
البيان 3 وفيه فروع اربعة ... 35
الفرع الأول في الاخبار عن الوقائع والحوادث المقاربة للظهور ... 35
الفرع الثاني في الاخبار عن الوقائع المقارنة للظهور وما بعدها بقليل ... 47
الفرع الثالث في الاخبار عن نزول الامطار واحياء الاموات من المؤمنين قبل ظهور المهدي (علیه السلام) ... 49
الفرع الرابع في اخبار وردت بالنسبة الى العرب ... 51
البيان 5 في الاخبار عن عدم قبول التوبة عند ظهور القائم (علیه السلام) ... 57
الفصل السابع وفيه بيانات متعددة
البيان 1 في الاخبار عن فضل الانتظار للامام القائم (علیه السلام) وثواب الجهاد معه ومدح المؤمنين من الفرقة الامامية في زمن الغيبة ... 63
البيان 2 في الاخبار عن مدح علماء الشيعة وعلماء الفرقة الامامية في زمن الغيبة ... 67
الموضوع ... الصفحة
البيان 3 في الاخبار عن جنود الامام القائم وعساكره وقواته المسلحة وقواد الجبهة الحربية الذين يعتمد عليهم في فتح الدول وهم اقسام سبعة ويتضح هؤلاء الاقسام في فروع سبعة ... 73
الفرع الأول وهم القسم الأول من جنود الامام القائم (علیه السلام) وهم المؤمنون من الامامية وغيرهم ... 73
الفرع الثاني وهم القسم الثاني من جنود الامام القائم (علیه السلام) الملائكة ... 76
الفرع الثالث وهم القسم الثالث من جنود الامام القائم (علیه السلام) وهم الجن الطيارة ... 77
الفرع الرابع وهم القسم الرابع من جنود الامام القائم (علیه السلام) الجن المشاة ... 77
الفرع الخامس وهم القسم الخامس من جنود الامام القائم (علیه السلام) أهل المدينة الواقعة وراء البحر ... 78
الفرع السادس وهم القسم السادس من جنود الامام القائم (علیه السلام) أهل جابر ساوجا بلقا ... 82
الفرع السابع وهم القسم السابع من جنود الامام القائم (علیه السلام) أهل الجزيرة الخضراء والبحر الابيض وفي ذيله نتعرض لذكر مثلث برمودا الواقع في طرف امريكا الشمالية ... 86
البيان 4 في الاخبار عن باقي الحوادث التي تقع عند الظهور وبعده ... 93
البيان 5 في الاخبار عن خروج الدجال المدعى للربوبية بعد ظهور الامام (علیه السلام) ... 103
البيان 6 في الاخبار عن كيفية خروج الدجال وبروزه ... 105
البيان 7 في الاخبار عن بعض وقايع الدجال وقتله وقتل عسكره على يد عيسى بن مريم (علیه السلام) ... 111
الفصل الثامن وفيه فروع
الفرع الأول وفيه بيانات متعددة ... 121
البيان 1 في الاخبار عن اجتماع الابدال والمؤمنين حول الامام القائم (علیه السلام) عند قیامه ... 121
الموضوع ... الصفحة
البيان 2 في نزول عيسى بن مريم (علیه السلام) من السماء وانه الوزير الايمن للقائم (علیه السلام) وحاجبه ونائبه والرئيس للاموال والخزائن والجند ... 123
البيان 3 في الاخبار عمن يحارب القائم (علیه السلام) من النواصب واعداء الاسلام وقرائه كتابان في الاذاعة لأولئك الزمرة بالبراءة من عليّ (علیه السلام) في الكوفة والبصرة والاخبار عن وقايع في بدو الظهور ... 129
البيان 4 في الاخبار عن معاملة القائم (علیه السلام) مع قتلة ... 142
البيان 5 في الاخبار عن معاملة القائم (علیه السلام) مع النواصب واهل الذمة ... 145
البيان 7 في الاخبار عما كتب على رايات الامام القائم (علیه السلام) وأعلامه ... 153
البيان 8 في الاخبار عن اسماء القائم وصفاته ... 156
البيان 9 في الاخبار عن بعث الصحائف من الامام القائم الى انصاره الذين يريد حضورهم في عسكره ... 161
الفرع الثاني وفيه بيانات متعددة ... 165
البيان 1 في الاخبار عن فتح الامام القائم (علیه السلام) للنجف الاشرف والكوفة الغراء ... 165
البيان 2 في الاخبار عن بناء الامام القائم (علیه السلام) لقباب الذهب في كربلاء ... 168
البيان 3 في الاخبار عن ظهور القائم (علیه السلام) لاهل كل بلد في العالم نظير ظهور شخص على شاشة التلفزيون ... 169
البيان 4 في الاخبار عن نصر القائم (علیه السلام) باصناف الملائكة 172
البيان 5 في الاخبار عن بريد الامام القائم (علیه السلام) وتلفونه ورؤية أهل المشرق لأهل المغرب وبالعكس ... 175
البيان 6 في الاخبار عن تخيير المؤمن في قبره بين الرجعة والاقامة 176
البيان 7 في الاخبار عن ترائي الشيطان للناس عند قيام القائم (علیه السلام) ... 177
البيان 8 في الاخبار عن فتح الامام القائم (علیه السلام) إهرام مصر ... 179
البيان 9 في الاخبار عن تشريع الامام القائم بعض الاحكام ... 181
الفرع الثالث وفيه بيانات متعددة ... 185
البيان 1 في الاخبار عن اظهار الامام القائم (علیه السلام) المصحف الذي كتبه علي (علیه السلام) للناس ... 185
الموضوع ... الصفحة
البيان 2 في الاخبار عن هدم الامام القائم (علیه السلام) للمنائر والمقاصير ... 202
البيان 3 في الاخبار عن حكم الامام القائم (علیه السلام) بقتل الزاني المحصن ومانع الزكاة ... 206
البيان 4 في الاخبار عن ان الامام القائم (علیه السلام) يوحى اليه وانه كاشف كل علم ... 208
البيان 5 في الاخبار عن حكم الاراضي والمساكن في زمن القائم (علیه السلام) ... 212
البيان 6 في الاخبار عن ان الامام القائم (علیه السلام) سفير له الصلاحية الكبرى ... 213
البيان 7 في الاخبار عن تشريع الامام (علیه السلام) لقانون حديث وهو توريث الاخوان في عالم الاظلة ... 217
البيان 8 في الاخبار عن اعتناق الجعفرية لمذهب القائم (علیه السلام) حتى الفساق منهم عند ظهوره ... 219
البيان 9 في الاخبار عن ركوب الامام القائم (علیه السلام) السحاب ... 221
البيان 10 في الاخبار عن استغناء الناس في زمن القائم (علیه السلام) ... 223
الفصل التاسع وفيه فرعان
الفرع الأول وفيه بيانات متعددة ... 231
البيان 1 في الاخبار عن سيرة القائم (علیه السلام) في الناس وحسن معاملته وصفاته ... 231
البيان 2 في الاخبار عن أن مثل القائم (علیه السلام) مثل الخضر (علیه السلام). ... 249
البيان 3 في الاخبار عن ان القائم (علیه السلام) تضلله الغمامة وتطوى له الارض ... 252
البيان 4 في الاخبار عن مشاريع الامام القائم (علیه السلام) العظيمة واعماره البلاد واستخراجه من مسجد الكوفة عين من النفط ... 253
البيان 5 في الاخبار عما اعد الله تعالى للمؤمنين وللقائم (علیه السلام) من الكرامة في زمانه ... 269
البيان 6 في الاخبار عن ان اصحاب القائم (علیه السلام) محفوظون له ... 284
البيان 7 في الاخبار عن أمر الله تعالى الملائكة بالسلام على المؤمنين في زمن القائم (علیه السلام) ... 285
الفرع الثاني وفيه بيانات متعددة ... 289
البيان 1 في الاخبار عن جمع العقول واكمال الاخلاق والاحلام عن قيام القائم (علیه السلام) ... 289
الموضوع ... الصفحة
البيان 2 في الاخبار عن اخراج القائم (علیه السلام) عصى موسى (علیه السلام) ... 290
البيان 3 في الاخبار عن ان الثوية موضع منبر القائم (علیه السلام) ... 292
البيان 4 في الاخبار عن ايمان اهل الكتاب بالاسلام عند قيام القائم (علیه السلام) ... 294
البيان 5 في الاخبار عن احتجاج الامام القائم (علیه السلام) مع العلماء ... 297
البيان 6 في الاخبار عن استغناء الناس عن ضوء الشمس والقمر في زمن القائم (علیه السلام) ... 317
البيان 7 في الاخبار عن نزول القائم (علیه السلام) في قباب من نور في ظهر الكوفة ... 321
الفصل العاشر وفيه فرعان
الفرع الأول وفيه بيانات متعددة ... 325
البيان 1 في الاخبار عن مدة مملكة الامام القائم (علیه السلام) بعد ظهوره. ... 325
البيان 2 في الاخبار عن صفة اصحاب القائم (علیه السلام) والثناء عليهم ... 331
البيان 3 في الاخبار عن بعض من يقوم مع القائم (علیه السلام) من الرجال والنساء ... 337
البيان 4 في الاخبار عمن يقوم مع القائم (علیه السلام) من النساء ... 337
البيان 5 في الاخبار عن اسماء قواد الامام القائم (علیه السلام) واصحابه ... 338
الفرع الثاني وفيه بيانات متعددة ... 353
البيان 1 في الاخبار عن فتح الامام القائم (علیه السلام) للدول الشرقية والغربية ... 353
البيان 2 في الاعمال الواردة في زمن الغيبة ... 368
البيان 3 وهو بيان جميل لمن اراد التشرف برؤية القائم (علیه السلام) في اليقظة والمنام ... 378
البيان 4 في طريقة التوجه التام الى الامام القائم (علیه السلام) ... 382
الفصل الحادي عشر وفيه فرعان
الفرع الأول وفيه بيانات متعددة ... 393
البيان 1 في الاخبار عن ثبوت الرجعة للمؤمنين والمشركين ... 393
البيان 2 في الاخبار عن ثبوت الرجعة للانبياء والائمة (علیه السلام). ... 401
البيان 3 في الاخبار عن رجعة من محض الايمان محضا او محض الكفر محضا ... 406
البيان 4 في الاخبار عن ان لكل مؤمن موتة وقتلة ... 408
البيان 5 في الاخبار عن رجعة بعض المؤمنين وجهادهم بين يدي القائم (علیه السلام) ... 409
البيان 6 في الاخبار عن فائدة مهمة لزيارة امين الله المعروفة ... 413
البيان 7 في الاخبار عن بناء القباب على مرقد الامام امير المؤمنين (علیه السلام) ... 415
البيان 8 في الاخبار عن رجعة بعض المؤمنين مع الائمة (علیه السلام) ... 423
الفرع الثاني وفيه بيانات متعددة ... 427
البيان 1 في الاخبار عن رجعة جميع الرسل وجميع الائمة (علیه السلام) ... 427
البيان 2 في الاخبار عن موعد النبى في اللقاء مع عليّ (علیه السلام) في وادي السلام في النجف ... 429
البيان 3 في الاخبار عن ان الرجعة خاصة وليست بعامّة ... 431
البيان 4 في الاخبار عن رجعة الحسين (علیه السلام) ... 432
البيان 5 في اخبار الحسين اصحابه يوم عاشوراء بفضل الرجعة واخبارهم عن مملكته وما اعد الله له في زمن الرجعة ... 435
البيان 6 في الاخبار عن جلوس الحسين في رجعته على سرير من نور وفوقه قبة من الياقوت الاحمر مكللة ومزينة بانواع الجوهر وزيارة المؤمنين له وسلامهم عليه ... 440
البيان 7 في الأخبار عن رجوع الامام الحسين (علیه السلام) مع اصحابه وعليهم البيض
المذهبية ... 443
البيان 8 في الاخبار عن ان الامام امير المؤمنين له كرات ورجعات متعددة ... 444
البيان 9 في الاخبار عن ظهور الجنتين المدهامتين عند مسجد الكوفة في زمن
الرجعة ... 444
الفصل الثاني عشر وفيه بيانات متعددة
البيان 1 في الاخبار عن علامات الساعة واشراطها ... 455
البيان 2 في الاخبار عن خروج يأجوج ومأجوج وانهدام السد وانفتاحه ... 477
البيان 3 في الاخبار عن قتل يأجوج ومأجوج بدعاء عيسى (علیه السلام) ... 485
البيان 4 في الاخبار عن خروج دابة الارض وان خروجها من الآيات والعلامات للساعة ... 491
البيان 5 في الاخبار ... 509
البيان 6 فرع في العلائم المنظومة ... 513
مصادر الكتاب ... 521
والحمد لله الذي وفقنا لاكمال هذا الكتاب الشريف واتمامه وان يوفقنا لنكون من خدام الامام الحجة عليه السلام عند قيامه بحق محمد وآله الطاهرين .
حرر في شهر رمضان سنة 1383 هجرية.
الحاج شیخ محمد
مهدي زين العابدين النجفي