منهاج البراعة فی شرح نهج البلاغة المجلد 19

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

مِنهَاج البَرَاعَةِ

في شَرح نَهجُ البَلاغَة

لِمِوْلَفِهِ

العلّامة المحقّق الحاج میرزا حبیب اللّه الهاشمي الخوئي (قدّس سرّه)

صنفها

الفاضل البارع المحقق الشیخ حسن(حسن زاده)الاملی

موسسه التاریخ العربي

محرر الرقمي: علي الرضائي

اشارة

نَهجَ البَلاغَةِ

خُطَب ، رَسَائِل ، كلام ، وصايا، عهود، حكم، ومواعظ

الإمام علي بن أبي طالب (علیه السلام)

مِنهَاج البَرَاعَة

شَرح

نَهجُ البَلاغَة

لِمِوْلَفِهِ

العلامة المحقق الحاج میرزا حبیب اللّه الهاشمي الخوئي (قدّس سرّه)

طبعة جديدة

ضبط وتحقيق

علي عاشور

المجلد التّاسع عشر

دارالحياء التراث العربي

بيروت - لبنان

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

1424هـ - 2003م

دار احياء التراث العربي

DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI

للطباعة والنشر والتوزيع

Publishing Distributing


بيروت- لبنان - شارع دكاش - هاتف 272652- 272655- 272782- 27278. فاکس 850717 - 850623

تتمة المختار الخامس والعشرين

اشارة

بِسم اللّه الرَّحمن الرَّحيم

الحمد لوليِّ النعم، ومنزل الكلم على قلوب من كرّم من بني آدم، وله الحمد على ما أولانا من مواهبه السنيّة الوافرة، ورزقنا من أيادي الأولى والآخرة، والصّلاة والسلام على مهبط كلماته ومقسّم هباته، واقف مواقف الشهود محمد المصطفى وآله أُمناء المعبود، ومظاهر أسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وأعلام الهدى، وعلى من تمسّك بذيل ولايتهم واقتفى بهديهم وهدايتهم.

وبعد، فيقول العبد الراجي لقاء ربه الكريم نجم الدين الحسن بن عبد اللّه الطبري الأملي المدعوّ بحسن زاده آملي رزقه اللّه وجميع المؤمنين الفناء في التوحيد، وهداهم إلى أمره الرّشيد السديد، وتغمّدهم بغفرانه ورضوانه: هذا هو السفر الخامس من تكملة منهاج

البراعة في شرح نهج البلاغة، قد منّ اللّه علينا بما أجرى على القلم في شرح طائفة من كلمات وليّه الأعظم باب مدينة العلم وصيّ خير البشر، فينتهي به المنهاج إلى التاسع عشر، رب أنعمت فزد و آتنا من لدنك رحمة وهيّىء لنا من أمرنا رشداً .

اللّهمّ إن كانت بضاعتنا هذه وجيهة عندك، ولها ثمن وقدر وقيمة من جزيل ثوابك وسنيّ عطائك فاجعلها ذخراً لأساتذتي العظام الذين عطفت علينا قلوبهم ورزقتنا من مأدبة علومهم . اللّهمّ اجعل الغابرين عندك في أعلى علّيين، ومتّع الإسلام والمسلمين ببقاء الباقين آمين ربّ العالمين.

ثمَّ قد تأخّر تأليف هذا المجلّد وطبعه ونشره لما أقبل في أثناء التأليف من تقبلنا «أصول الكافي» لجعله معرباً مشكولاً وكان أمراً صعباً مشكلاً، فإنّه قد انجرّ الخلاص منه إلى قرب سنتين ونصف مع أنا قد بذلنا جهدنا فيه وأسهرنا أعيننا ليالي وأتعبنا أنفسنا متوالياً، وذلك الأمر وإن عوّق التكملة عن النشر لكن«أصول الكافي» بمنّ اللّه سبحانه وفضله قد برز اليوم على أحسن وجه يستقبل إليه العالم البصير ويشكره ويستنكف عنه الجاهل الضرير ويكفره، على أنّ الأمور مرهونة بأوقاتها، فلنعد إلى ما كنّا فيه فنقول متسعيناً من اللّه تعالى :

المصدر

روى هذه الوصية ثقة الإسلام الكليني رضوان اللّه عليه في باب أدب المصدّق من كتاب الزكاة من «الجامع الكافي» عن عليِّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى عن حريز، عن

بريد بن معاوية عن أبي عبد اللّه (علیه السلام).

ورواه شيخ الطائفة الطوسي قدس سرّه في باب من الزيادات في الزكاة من «التهذيب» عن الكليني بذلك الإسناد، والكتابان من أصح الجوامع الروائيّة عند الإمامية، ومن الكتب الأربعة المعتبرة عندهم عليها مدار استنباطهم وإليها مراجع اجتهادهم .

ثمَّ إِنَّ قول السّيد (رحمة اللّه) : «وإنما ذكرنا هنا جملاً منها» صريح في أنّه اختار منها فصولاً وحذف منها فصولاً، فالوصيّة طويلة ولكنّا لم نجدها بطولها مع طول الفحص وكثرة البحث في ما حضرنا من الجوامع الروائية وما أتى بها الكليني والشيخ قريب مما في «النهج» .

والعلامة المجلسي(رحمة اللّه)بعد نقلها من النهج في ثامن «البحار» (640 من الطبع الكمباني، في باب كتب أمير المؤمنين(علیه السلام) ووصاياه إلى عمّاله وأُمراء أجناده) وفي المجلد العشرين منه (في باب أدب المصدّق من كتاب الزكاة ص 24) . قال :أقول :أخرجته من «الكافي» في كتاب أحواله(علیه السلام) بتغيير ما رواه في كتاب الغارات عن يحيى بن صالح عن الوليد بن عمرو عن عبد الرّحمن بن سليمان عن جعفر بن محمد قال: بعث علىّ (علیه السلام)مصدقاً من الكوفة إلى باديتها، إلى آخر ما قال ونقل طائفة ما قال ونقل طائفة من الرواية .

ونقل الرواية من كتاب الغارات المحدث النوري(رحمة اللّه) في باب ما يستحب للمصدِّق والعامل استعماله من الآداب من كتاب الزكاة من مستدرك الوسائل .

والرّوايات يخالف بعضها بعضاً فدونكها على نسختي «الكافي» و«التهذيب» ونجعل ما في «التهذيب» بين الهلالين.

قال الكليني بالإسناد المقدم ذكره عن بريد بن معاوية قال: سمعت أبا عبد اللّه(علیه السلام) يقول : بعث أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه مصدِّقاً من الكوفة إلى باديتها فقال له : يا عبد اللّه ( يا أبا عبد اللّه) انطلق وعليك بتقوى اللّه وحده لا شريك له ولا تؤثرنَّ دنياك على آخرتك وكن حافظاً لما ائتمنك عليه، راعياً لحقِّ اللّه فيك حتى تأتي نادي بني فلان فإذا قدمت فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثمَّ امض إليهم بسكينة ووقار حتى تقوم بينهم فتسلّم عليهم، ثم قل لهم : يا عباد اللّه أرسلني إليكم وليُّ اللّه لآخذ منكم حق اللّه في أموالكم فهل للهفي أموالكم من حق فتؤدون إلى وليّه (فهل اللّه في أموالكم حق فتؤدُّوه إلى وليّه) فإن قال لك قائل: لا ، فلا تراجعه وإن أنعم لك منهم منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو تعده إلّا خيراً، فإذا أتيت ماله فلا تدخله إلّا بإذنه فإنّ أكثره له فقل له: يا عبد اللّه أتأذن لي في دخول مالك؟ فإن أذن لك (أذن له) فلا تدخل (فلا تدخله) دخول متسلط عليه فيه ولا عنف به فاصدع المال صدعين ثمَّ خيّره أيّ الصدعين شاء فأيّهما اختار فلا تعرّض له، ثمَّ اصدع

الباقي صدعين ثمَّ خيّره فأيّهما اختار فلا تعرّض له ولا تزل كذلك حتّى يبقى ما فيه وفاء لحقّ اللّه تبارك وتعالى من ماله فإذا بقي ذلك فاقبض حق اللّه منه، وإن استقالك فأقله ثمّ أخلطها واصنع مثل الذي صنعت أوّلاً حتّى تأخذ حقّ اللّه في ماله فإذا قبضته فلا توكل به إلّا ناصحاً شفيقاً أميناً حفيظاً غير معنف بشيء منها ثمَّ احدر كلّ ما اجتمع (ثمَّ احدر ما اجتمع) عندك من كل ناد إلينا نصيره حيث أمر اللّه عزّ وجلّ فإذا انحدر بها رسولك فأوعز إليه أن لا يحول بين ناقة وفصيلها ولا يفرّق بينهما ولا يمصرن (وفي نسخة من «التهذيب» : ولا يمصّ لبنها) فيضرّ ذلك بفصيلها، ولا يجهد بها ركوباً، وليعدل بينهنّ في ذلك، وليوردهنّ كلّ ماء يمر به، ولا يعدل (ولا يبدل) بهنّ عن نبت الأرض إلى جواد الطّريق (الطرق) في الساعة التي تريح وتغبق، وليرفق بهنّ جهده حتّى يأتينا بإذن اللّه سحاحاً سماناً غير متعبات ولا مجهدات فيقسّمهنّ بإذن اللّه على كتاب اللّه وسنّة نبية (صلِّی اللّه علیه وآله وسلّم) على أولياء اللّه فإنّ ذلك أعظم لأجرك وأقرب لرشدك ينظر اللّه إليها وإليك وإلى جهدك ونصيحتك لمن بعثك وبعثت في حاجة فإنّ رسول اللّه (صلِّی اللّه علیه وآله وسلّم) قال: ما ينظر اللّه إلى ولىّ له يجهد نفسه بالطاقة والنصيحة له ولإمامه ( والنصيحة لإمامه) إلّا معنا في الرفيق الأعلى، قال : ثمَّ بكى أبو عبد اللّه (علیه السلام) ثم قال : يابرید لا واللّه (يا بريد واللّه) ما بقيت اللّه حرمة إلّا انتهكت ولا عمل بكتاب اللّه ، ولا سنة نبيّه في هذا العالم، ولا أُقيم في هذا الخلق حدّ منذ قبض اللّه أمير المؤمنين صلوات اللّه وسلامه عليه، ولا عمل بشيء من الحقِّ إلى يوم الناس هذا . ثمَّ قال: أما واللّه لا تذهب الأيّام والليالي حتّى يحيي اللّه الموتى ويميت الأحياء ويردّ اللّه الحقَّ إلى أهله ويقيم دينه الذي ارتضاه لنفسه ونبيّه فابشروا ثمَّ ابشروا فواللّه ما الحقُّ إلا في أيديكم»(1).

والرّواية على نسخة كتاب الغارات على ما في المستدرك تنتهي إلى الرفيق الأعلى ولم ينقل بعده، وهي توافق النسختين المذكورتين تقريباً .

وروی شطراً منها الشيخ قدس سره في المسألة 26 من زكاة «الخلاف» هكذا : أنزل ماءهم من غير أن تخالط أبياتهم ثمَّ قل: هل للّه في أموالكم من حق؟ فإن أجابك مجيب فامض معه، وإن لم يجبك فلا تراجعه .انتهى واحتمال النقل من حيث المعنى بعيد، ثمّ حرفت كلمتا مائهم وأبياتهم في النسخ المطبوعة من «الخلاف» بمالهم وأموالهم.

المعنى

قد أوصى(علیه السلام) من يستعمله على جباية الصدقات بأمور يراعي بعضها في حقّ نفسه، وبعضها في الرّعيّة، وبعضها في الأنعام، ويستفاد منها أحكام عديدة فقهيّة وآداب كثيرة


1) الكافي : 538/3 ، وبحار الأنوار: 127/401 ، وتهذيب الأحكام : 97/4 .

أخلاقية اجتماعية، وقوانين عدليّة حقّة إلهيّة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها .

وهذا هو السلطان العادل الذي كان ظلّ اللّه تعالى في أرضه واللّه درُّ الرَّضي قائلاً : وليعلم بها أنه كان يقيم عماد الحقِّ ويشرع أمثلة العدل في صغير الأمور وكبيرها ودقيقها وجليلها، ولا ريب أنّ السياسة إذا كانت بيده من يقوم مقامه ويجلس مجلسه ويجري أوامره ممّن حاز هذه الرتبة العظمى والدرجة العليا كان الزمان نورانياً، وإذا خلى الزمان عن تدبيرمدبّر إلهى كانت الظلمات غالبة .

قوله(علیه السلام): (انطلق على تقوى اللّه وحده لا شريك له) كان من دأبه (علیه السلام)في أكثر وصاياه أن يصدرها بالأمر بتقوى اللّه، وقد مضى الكلام في ذلك في شرح المختار الثاني عشر فراجع.

قوله : (ولا تروعنَّ مسلماً) لما جعله(علیه السلام) والياً على جباية الصدقات والولاية إمارة توجب البغي والطغيان على النّاس إلا والياً عصمه اللّه تعالى عن اتباع الهوى نهاه عن أن يفزع مسلماً . وقد ذاق المسلمون فزعاً شديداً مرّة بعد مرّة في أمارة الثالث حتى ضاق عليهم العيش فأجمعوا على قتله وقتلوه .

قوله(علیه السلام) : (ولا تختارنّ عليه كارهاً - الخ) أي لا تختارنّ على المسلم أمراً يكرهه بل ارفق به وخيره فيه وكأنَّ هذا الكلام توطئة لما سيأتي في وصيّته له : واصدع المال صدعين ثمَّ خيره الخ ، وإن كان مفهومه أعمّ منه يشمل النهي عن الاختيار عليه كلّ ما يكرهه .

هذا على نسخة الرّضي، وأما على نسخة أخرى - أعني تجتازنّ بالجيم والزاى المعجمة - فمعناه لا تسلك ولا تسر على أرض المسلم أو ماله أو بيته ونحوها يكره مرورك بها، فكلمة كارهاً على الأول منصوب على المفعولية، وعلى الثّاني منصوب على الحال من الضمير المجرور، والمراد من حقّ اللّه الزكاة .

وهذا هو الملك العادل الإلهي ينهى عامله عن أن يمرّ ببيوت أحد يمر ببيوت من المسلمين يكره مروره بها وإن كان المسلم من رعاة الأغنام ومن أهل البادية من طبقة أنزل العوام وما هذا إلا أدب اللّه وأدب رسوله، وأين هذا من ملك ينتحل إلى الإسلام ويأمر عمّاله أن يجتازوا على أحبار الأمة وحملة القرآن ليلاً وينهبوا بيوتهم اغتيالاً، وينفوهم من أوطانهم ويميلوا عليهم ميلاً ، والقرآن الفرقان ينادي بأعلى صوته : (ويَاأَیّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُیُوتكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(27) فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أحداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزَكَى لَكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [النور: 28 ، 29]

وفي تفسير «الدر المنثور» : أخرج ابن شيبة والحكيم الترمذي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي أيوب :قال :قلت يا رسول اللّه أرأيت قول اللّه : (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِمُواْ عَلَى أَهْلِهَا ﴾ [النور: الآية 27] هذا التسليم قد عرفناه فما الاستئناس؟ قال : يتكلّم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح فيؤذن أهل البيت(1).

وفي تفسير «مجمع البيان» روي أنّ رجلاً قال للنبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم): أستاذن على أمي ؟ فقال : نعم، قال: إنّها ليس لها خادم غيري أفاستأذن عليها كلّما دخلت؟ قال: أتحب أن تراها عريانة ؟ قال الرجل : لا ، قال : فاستأذن عليها (2).

قوله (علیه السلام): (فإذا قدمت على الحي فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم الخ). وفي رواية أخرى عنه (علیه السلام)كما في المجلد العشرين من «البحار» «ص 23 من الطبع الكمباني» أنه قال : يؤخذ صدقات أهل البادية على مياههم ولا يساقون. يعني لا يساقون من مواضعهم التي هم فيها إلى غيرها . وهذا أدب آخر غير ما في النهج، وأمّا ما في النهج فمعناه أنه(علیه السلام) أمره أن لا يخالط بيوتهم ابتداءً بل ينزل بمياهم أولاً ثمَّ يمض إليهم بالسكينة والوقار.

أمره بالنزول بمائهم لأنّ من عادة عرب البادية بل من عادة غير العرب من أهل البادية أيضاً أن تكون مياههم بارزة عن بيوتهم، ولا ريب أن الإنسان يكره أن يخالط غيره بيته على حين غفلة من أهله وذلك لتنفر الطباع الإنسانية عن أن يطلع الغير على أسراره وبواطن أحواله .

على أنّ النزول كذلك يوجب خوف النسوان وفزع الأطفال ولذا أردفه أن يقدم عليهم بعد النزول بمائهم بالسكينة والوقار ويسلّم عليهم تحيّة كاملةً قال تعالى: فَإِذَا دَخَلْتُم بُيوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً [النور: 61] وقال : السّلام اسم من أسماء اللّه فافشوه بينكم، الخبر (3).)وبالجملة أنّ تلك الأمور توجب تأليف قلوبهم وعدم نفارهم من أداء حق اللّه في مالهم، وفوائد كثيرة أُخرى لا تخفى على أُولي النهى.قوله (علیه السلام : (ثم تقول : عباد اللّه الخ) أمره أن يرفق بالرعيّة في أخذ حقّ اللّه في أموالهم بأن يقول : أرسلني إليكم وليُّ اللّه وخليفته لأخذ منكم حق اللّه في أموالكم، وفي الكلام ملاطفة لطيفة توجب استيناسهم وذلك لأنّ ولي اللّه وخليفته لا يظلم أحداً ولا يعدل عن الحق)


1) تفسير ابن كثير : 291/3 ، والدر المنثور : 38/5

2) تفسیر مجمع البيان: 237/7 ، والتفسير الصافي : 428/3 .

3) تحف العقول 115 ، وبحار الأنوار : 2/73.

مثقال ذرّة، ولا يسلط ظالماً على أحد من آحاد الرعية.ثمَّ أمره أن يسألهم هل تعلّقت بأموالهم زكاة فيؤدُّوه إلى وليّ اللّه أم لا؟ فإن قال قائل من ربّ المال : لا ، فلا يراجعه بل ينصرف عنه لأنّ القول قول ربّ المال ما لم يعلم كذبه والأصل يعاضده ولأنّها عبادة يقبل قوله فيها فلا يفتقر أداؤها إلى اليمين كغيرها من العبادات، ولأنه أمين، ولأنّ له ولاية الإخراج فيكون قوله مقبولاً كالوكيل، ونحوه رواية غياث بن إبراهيم : كان علىُّ(علیه السلام إذا بعث مصدقه قال : إذا أتيت على ربّ المال فقل له : تصدَّق رحمك اللّه ممّا أعطاك عليٌّ اللّه، فإن ولي عنك فلا تراجعه انتهى. فلو قال ربّ المال : لم يحل علي مالي الحول أو قد أخرجت ما وجب عليّ أو تلف ما ينقص تلفه النصاب أو لا حق عليّ أو أنَّ المال عندي وديعة أو نحو ذلك ، ذلك ، قُبل منه ولم يكن عليه بينة ولا يمين كما أنه(علیه السلام) أمر عامله بقبول قول ربّ المال ولم يأمر باستظهار ولا باليمين وإليه ذهب فقهاؤنا الإمامية فراجع إلى زكاة الشرائع والقواعد وشروحهما وإلى خلاف الشيخ ومنتهى العلّامة.)(وإن أنعم لك منعم أي إن قال نعم في مالي زكاة فانطلق معه من غير أن تخيفه الخ وفي المقام روايات أنيقة في باب أدب المصدّق من «البحار» (ص 22 ج 20) .)قوله(علیه السلام : (فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة) يمكن أن يستفاد من هذا الكلام جواز إخراج الزكاة من قيمة الأنعام ذهباً وورقاً كما يستفاد منه جواز إخراج قيمة الغلات كذلك بل أي شيء كانت القيمة لأنّ ذكر قيمة خاصة لا يخصها بها كما لا يخفى، والمقصود من الزكاة دفع حاجة الفقير وكما يحصل بدفع العين فكذا يحصل بدفع القيمة حتى أن العلامة قال في «المنتهى» : إذا كان البعير بقيمة الشاة فأخرجه أجزاءً عندنا وعند الشافعي، أما نحن فللمساواة في القيمة الخ، وقال في البحث السابع من المقصد الثاني من زكاة «المنتهى» : يجوز إخراج القيمة في الزكاة سواء كان ما وجبت الزكاة فيه ذهباً أو فضة أو أحد الحيوانات وهو اختيار الشيخ رحمه اللّه وأكثر علمائنا ، انتهى. وقال «في القواعد»: يجوز إخراج القيمة في الأصناف التسعة والعين أفضل.)وقد قسم المفيد - رحمه اللّه - كما في «المختلف» للعلامة - قدّس سرّه - الأموال إلى الأنعام وغيرها ومنع من إخراج القيمة في الأوّل إلا أن تعدم الأصناف المخصوصة كما في المعتبر للمحقق قدّس سرّه، وسوَّعه في الثاني فإنّه الظاهر من كلام ابن الجنيد فإنه قال : ولا بأس بأن يخرج عن الواجب من الصدقة والحقِّ في أرض العنوة ذهباً وورقاً بقيمة الواجب يوم أخذه ويردهما (علیه السلامقوله هذا ، وإطلاق روايات أخرى مذكورة في محلّها .)بل يستفاد من إطلاقها جواز إخراج القيمة في الزكوات كلّها وفي الفطرة أي شيء كانت القيمة. وقال الشافعي وأصحابه : إخراج القيمة في الزكاة لا يجوز وإنما يخرج المنصوص

عليه ولفقهاء العامة في المقام وجوه أخرى من الاختلاف فراجع إلى المسألة 58 من زكاة «خلاف» الشّيخ.ثمَّ إِنَّ قوله(علیه السلام(فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة) يفيد جواز الإخراج من القيمة فهل يعتبر قيمة وقت تعلق الزكاة بالمال، أو قيمة يوم أخذها ، أو يقيد ذلك بما إذا لم يقوم المالك الزكاة على نفسه ؟ ولو قومها على نفسه وضمن القيمة فالواجب هو ما ضمنه زاد السوق قبل الإخراج أو انخفض والبحث مشبعاً موكول إلى الفقه .)ولقائل أن يقول : إنّ قوله(علیه السلام : (فإن كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه - الخ)، ظاهر في أنّه جعل زكاة الأنعام مقابل غيرها من الزكوات فجوّز إخراج القيمة في الأولى دون الثانية ولم يشعر كلامه في الثانية إلى جواز إخراج القيمة أصلاً بل يظهر منه خلافه كما ذهب)إليه المفيد(رحمة الله وغيره .)ولكن يجاب عنه بأن إطلاق قوله (علیه السلام(فهل اللّه في أموالكم من حق) يشمل القسمين كليهما وكذلك إطلاق قوله : (فخذ ما أعطاك من ذهب وفضة) وقوله : (فإن كان له ماشية أو إبل - الخ - يفسّر أحد القسمين أعني زكاة الأنعام كما هو الظاهر من كلمة (الفاء) على هذا التقدير أي إن أعطاك زكاة الأنعام من جنسها من المواشي والإبل فحكمها كذلك، ويجب أن تكون سيرتك فيها كذلك فليتأمل جيّداً.)ثمَّ إنّ الماشية والإبل تعمّ أنواعهما من معز وضأن وبقر وجاموس وعراب وبخاتي ولاتشمل الماشية البغال والحمير والرقيق والخيل فلا يجب فيها الزكاة بل ولا يستحب الثلاثة الأولى وإنما يستحب في إناث الخيل السائمة فقط من كلِّ عتيق ديناران وعن كلِّ برذون دينار واحد وكذا لا تشمل بقر الوحش لأنّها تنصرف بإطلاقها إلى الأهلية، وخالف فيه بعض العامة فراجع إلى المسألة 62 من زكاة الخلاف، وإلى زكاة «المنتهى».قوله(علیه السلام : (فإنّ أكثرها له - الخ ) علّل إذنه بأن أكثر الماشية والإبل له. وأفاد الفاضل الشارح المعتزلي بأن قوله : (فإنَّ أكثرها (له كلام لا مزيد عليه في الفصاحة والرئاسة والدين وذلك لأنّ الصدقة المستحقة جزء يسير من النصاب والشريك إذا كان له الأكثر حرم عليه أن يدخل ويتصرّف إلّا بإذن شريكه فكيف إذا كان له الأقل، انتهى .)أقول : كلام الأمير(علیه السلام هذا ظاهر في أنّ الزّكاة تجب في عين المال لا الذّمة، كما أنّ قوله : (وأصدع المال صدعين ثمَّ خبّره) - الخ - ظاهر أيضاً في أنّ الخيار إلى ربِّ المال لا إلى الساعي أعني أنّ ربّ المال مخيّر في أن يعيّن ذلك في أي جزء شاء كما ذهب إليهما شيخ الطائفة قدّس سرّه في زكاة «الخلاف» (مسألة 28) ونصّ بالأوّل العلامة في «القواعد»)

والمحقّق في «الشرائع» والمعتبر بقولهما: الزكاة تجب في العين لا في الذمّة والروايات الأخرى صريحة أيضاً بأنّ الفريضة تتعلق بالأعيان لا بالذمة والأصل براءة الذمّة. وهو المشهور من الإمامية بل لم ينقل الخلاف فيه صريحاً عن أحد منهم بل ادعى غير واحد منهم الإجماع عليه .ثمَّ المراد بوجوبها في العين تعلقها بها أعنى أنّ العين هى مورد هذا الحقِّ لا الذمة، لا وجوب إخراج الزكاة منها لما علمت أنفاً من جواز إخراج القيمة في الزكوات كلّها وفي المقام بحث فقهي أتى به صاحب «الجواهر» (رحمة الله في زكاة الجواهر، والفقيه الهمداني(رحمة الله) في كتاب الزكاة من«مصباح الفقيه». أعرضنا عنه خوفاً للإطناب ولخروجه عن موضوع الكتاب، فليرجع الطالب إليهما)قوله(علیه السلام: (واصدع المال صدعين - الخ ) ثم علّم السّاعي كيفية استخراج الزّكاة من المال وأمره أن يفرّقها فرقتين ويخيّر ربّ المال في اختيار إحدى الفرقتين وأن لا يتعرّض لما اختار وهكذا إلى أن يبقى منها مقدار حق اللّه فيها . ثمَّ أمره بتسهيل الأمر له وعدم تشديده عليه بقوله (فإن استقالك فأقله) ثمَّ أمره أن يستأنف العمل رأساً بعد الإقالة بأن يخلط المال ثمَّ يصدعه صدعين ويخيّره في اختيار أي شقين شاء، ثمَّ يقسّم الشق الباقي قسمين وهكذا إلى أن ينتهي أحد الصدعين إلى مقدار الواجب من حق اللّه فيقبض .)قال الشيخ (رحمة الله في المسألة 21 من من زكاة «الخلاف»: يفرق المال فرقتين ويخيّر ربّ المال ويفرق الآخر كذلك ويخيّر رب المال إلى أن يبقى مقدار ما فيه كمال ما يجب عليه فيؤخذ منه، وقال عمر بن الخطاب : يفرق المال ثلاث فرق يختار ربّ المال واحدة منها ويختار الساعي الفريضة من الأخرى، وقال الشافعي لا يفرق المال، ذكر ذلك في القديم، دليلنا إجماع الفرقة والخبر المروي عن أمير المؤمنين(علیه السلام) فيما قاله لعامله عند توليته إياه ووصاه به وهو معروف. انتهى .)ثمَّ إنّ إطلاق كلامه(علیه السلام في خيار رب المال في إخراج الفريضة من أي صدعين شاء يقتضي عدم الفقر في جواز الإخراج من أحد الصدعين بينما إذا تساوت قيمتهما أو اختلفت وبهذا التعميم جزم غير واحد من الإمامية منهم العلامة في جملة من كتبه كما حكي والمحقق في «المعتبر» و«الشرائع» حيث قال فيه : والمالك بالخيار في إخراج الفريضة من أيّ الصّنفين شاء. وقال صاحب «المدارك»: وهو متّجه لصدق الامتثال بإخراج مسمّى الفريضة وانتفاء ما يدلّ على اعتبار ملاحظة القيمة مطلقاً كما اعترف به الأصحاب في النوع المتّحد . انتهى (1).)


1) شرائع الإسلام :311/1 ومسالك الأفهام : 380/1

ثمَّ يستفاد من كلامه(علیه السلام:(واصدع المال صدعين) الخ. فرع فقهي آخر كما ذكره العلامة في «المنتهى» (ص 481) في زكاة الإبل واستشهد بهذا الكلام حيث قال : لو اجتمع مال ما يمكن إخراج الفريضتين كالمائتين يعني المائتين من الإبل يتخيّر المالك ذهب إليه علماؤنا إن شاء أخرج الحقاق الأربع، وإن شاء أخرج خمس بنات لبون - ثم نقل أقوال العامة فيه إلى أن قال لنا ما رواه الجمهور في قول النبي(علیه السلام) في كتاب الصدقات : فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون أي الصنفين وجدت أخذت. وقوله(علیه السلام) لمعاذ: إياك وكرائم أموالهم. ومن طريق الخاصة ما رواه الشيخ في الحسن عن بريد بن معاوية قال : سمعت أبا عبد اللّه(علیه السلام) يقول : بعث أمير المؤمنين(علیه السلام) مصدقاً من الكوفة إلى باديتها - فنقل الرّواية بكمالها ثمَّ قال بعده: ولأنّ الامتثال يحصل مع إخراج المالك، أيّ النّصفين شاء فيخرج به عن العهدة، ولأنّها زكاة ثبت فيها الخيار فكان ذلك للمالك - الخ .)قوله (علیه السلام: ( ولا تأخذن عوداً - الخ) ثم نهى(علیه السلام) السّاعي عن أن يأخذ في الفريضة تلك المعيبات الخمس. قد علمت في بيان اللّغة أنّ العود المسنّ من الإبل وهو الذي جاوز في السنّ البازل والمخلف. والهرم هو كبر السنّ. وفي «منتهى الأرب»: يقال: جمل بازل وناقة بازل - وأين در سال نهم باشد - وليس بعده سنٌّ يسمّى ويقال بعد ذلك بازل عام وبازل عامين. مخلف كمحسن: شترکه از نه سالگي در گذشته باشد. عود: کلانسال از شتر و کوسپند، هرم ككتف : نيك پیر خرف .)قال العلامة قدّس سرّه في زكاة «المنتهى» (ص 485 ج 1: مسألة: ولا يؤخذ المريضة من الصحاح ولا الهرمة من غيرها ولا الهرمة الكبيرة ولا ذات العوار من السليم وذات العوار هي المعيبة ولا نعلم فيه خلافاً، قال اللّه تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ) [البَقَرَة : 267] . وروى الجمهور عن النبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) أنه قال : لا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلاّ أن يشاء المصدِّق(1). ومن طريق الخاصة ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن قيس عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال : ولا يؤخذ هرمة ولا ذات عوار إلا أن يشاء المصدِّق (2)، ولأنّ في ذلك ضرراً للفقراء. انتهى .

أقول : قوله (علیه السلام) : (ولا الهرمة من غيرها ولا الهرمة الكبيرة ) يشير إلى قوله (علیه السلام): ولا تأخذن عوداً ولا هرمة والمشهور في المصدّق بكسر الدال وذكره الخطائي بفتحها، قال: وكان أبو عبيد يرويه إلّا أن يشاء المصدَّق بفتح الدال يريد صاحب الماشية، أفاده ابن الأثير


1) مكاتيب الرسول ،217/2 ، والسنن الكبرى : 14/2

2) الاستبصار : 23/2 - 62 ، وتهذيب الأحكام : 21/4 .

في النهاية، والطريحي في «المجمع» والنّراقي - قدّس سرّه - في «المستند» ثمَّ قال : واحتمله - يعني فتح الدّال - في الذّخيرة .

أقول : لكن الصّواب هو الأوّل كما عليه المشهور فإنّ المراد من قول النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وصحيحي أبي بصير ومحمد بن قيس: إلا أن يشاء ،المصدّق أنّ تلك المعيبات لا تؤخذ في الفريضة إلا أن يقبلها المصدّق لأن العاملين على الزكاة من الأصناف الثمانية من مست الزكاة قال اللّه تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ والقَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّه وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التّوبَة : 60] فهو يكون مستحقاً للزّكاة فيعطيها الصحيح من الماشية والإبل وليس في ذلك ضرر للفقراء فالرّوايات قائلة بجواز أخذ تلك المعيبات مع مشيئة المصدق بمعنى قبوله إياها له، وكيف يصح حمل الرّواية على معنى إلا أن يشاء صاحب الماشية مع أنّ قوله في ذلك لايسمع والأصحاب صرّحوا من غير ذكر خلاف بل ادعوا الإجماع عليه أنّه لا يكفي في الفريضة المريضة من الصحاح والهرمة من الفتيات وذات العوار من السليمة مضافاً إلى قوله تعالى : (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [البقرة: 267].

على أنّ إطلاق المصدّق بالكسر على السّاعي الذي يأخذ الفريضة ممّا أجمعت عليه أئمّة اللّغة وعامّة الرواة. وقال ابن الأثير في «النهاية»: وخالف أبا عبيد عامّة الرواة فقالوا : بكسر الدّال وهو عامل الزّكاة الذي يستو فيها من أربابها يقال : صدّقهم يصدّقهم فهو مصدّق .

وفي «الكافي» في باب آداب المصدّق بإسناده عن محمد بن خالد أنه سأل أبا عبد اللّه(علیه السلام) عن الصّدقة، فقال: إنَّ ذلك لا يقبل منك، فقال: إني أحمل ذلك في مالي. فقال له أبو عبد اللّه(علیه السلام) : مر مصدّقك أن لا يحشر من ماء إلى ماء. الحديث.

وفي ذلك الباب منه أيضاً بإسناده عن حريز، عن محمد، عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) أنه سئل : أيجمع الناس للمصدّق أم يأتيهم على مناهلهم؟ قال: لا بل يأتيهم على مناهلهم فيصدقهم(1).

وفيه أيضاً بإسناده عن غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه (علیه السلام) قال: كان عليُّ (علیه السلام) إذا بعث مصدقه قال : إذا أتيت على ربِّ المال فقل له : تصدَّق رحمك اللّه مما أعطاك اللّه، فإن ولي عنك فلا تراجعه (2)


1) الكافي : 53/2 ح 2 ، ووسائل الشيعة : 121/9 ج 11679.

2) الكافي : 538/3 ح 4 ، ووسائل الشيعة : 132/9.

وقال الجوهري في «الصحاح» : المصدّق الذي يصدّقك في حديثك والذي يأخذ صدقات الغنم، والمتصدّق الذي يعطي الصدقة. وفي «أساس البلاغة» للزمخشري : أخذ المصدّق الفريضة، قال :

وذ المصدّق من بني عبر*** أنّ القبائل كلّها غَنم

وفي «منتهى الارب» تصدیق: راستگو داشتن کسیرا و صدقات گرفتن مصدق کمحدّث صدقات گیرنده نعتست از آن.

فيما قدَّمنا علم أيضاً أنَّ ضبط المصدّق في الرّواية كما ذهب إليه أبو موسى على ما في (النهاية) الأثيرية على تشديد الصاد والدال معاً وكسر الدال بمعنى صاحب المال وأصله المتصدق فأدغمت التاء في الصاد، ليس بصواب أيضاً.

قال قطب الدّين الراوندي رحمه اللّه تعالى - على ما نقله عنه الشارح البحريني (رحمة اللّه) أنه كان يأمر بإخراج كل واحد من هذه الأصناف المعيبة من المال قبل أن يصدع بصدعين. انتهى .

وقال الشارح المعتزلي: وينبغي أن تكون المعيبات الخمس وهي المهلوسة والمكسورة وأخواتهما يخرجها المصدّق من أصل المال قبل قسمته وإلا فربّما وقعت في المصدق سهم إذا كان يعتمد ما أمره به من صدع المال مرّة بعد مرَّة. انتهى(1).

أقول : إذا كان أخذ تلك المعيبات في الفريضة منهياً عنه فهي خارجة عن الفريضة رأساً سواء أخرجت قبل صدع المال أو بعده نعم إخراجها قبل الصدع تسهيل للأمر وإلا فليس هو أحد الأحكام أو الآداب المعتبرة في الزكاة كما لم يتعرض عليها أحد من الفقهاء في الكتب الفقهية .

ثمَّ إنَّ للإمام أن يستأجر الساعي بأجرة معلومة مدة معلومة وأن يجعل له جعالة على عمله إذا أوفى العمل دفع إليه العوض فلم يكن له في هذا الوجه أخذ شيء من شيء من الصدقات، وأمّا في غير هذا الوجه فربما لم تقع الفريضة في سهمه بل تقع في سهم الفقراء فلو يخلو في كلام الشارح المعتزلي وإلا فربّما وقعت في سهم المصدق من دغدغة، لأن كلامه ينبيء أن النهي عن أخذ المعيبات الخمس في الفريضة يكون من حيث وقوعها في سهم المصدق، وقد علمت تحقيق القول فيه .


1) شرح النهج : 155/15 .

ثمّ إنه هل يجوز للهاشمي أن يكون عاملاً ؟ منع أصحابنا الإماميّة من ذلك لأنّ ما يأخذه زكاة وهي محرّمة عليهم ولمّا سأل الفضل بن العباس والمطلب بن ربيعة النبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) أن يوليهما العمالة قال لهما : الصّدقة أوساخ الناس وإنها لا تحلَّ لمحمّد وآل محمد، كما في «المنتهى»، وفي صحيحة العيس بن القاسم عن أبي عبد اللّه (علیه السلام)قال : إنّ أناساً من بني هاشم أتوا رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي، وقالوا : يكون لنا هذا السهم الذي جعله اللّه عزَّ وجلَّ للعاملين عليها فنحن أولى به، فقال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : يا بني عبد المطلب إنَّ الصدقة لا تحلُّ لي ولا لكم ولكني قد وعدت الشفاعة (1)

وقال الشيخ قدّس سرّه : هذا مع تمكّنهم من الخمس أمّا مع قصورهم فيجوز لهم.

أقول : مرادهم من عدم جواز كون الهاشمي عاملاً إذا لم تكن الزكاة من الهاشميين لأنَّ زكاة غير الهاشميّين محرَّمة على بني هاشم لا مطلق الزكاة، كما في زكاة الفطرة.

قال العلامة في «المنتهى» : قد وقع الخلاف بين الفقهاء في وجه استحقاق العاملين على الزكاة، فعندنا أنه يستحق نصيباً من الزكاة، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة : يعطي عوضاً وأجرة لا زكاة.

لنا قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا [التّوبَة : 60] والعطف بالواو يقتضي التسوية في المعنى والإعراب وما رواه الجمهور عن النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) أن اللّه تعالى لم يرض في قسمتها نبي مرسل ولا ملك مقرَّب حتى قسمها بنفسه فجزاها ثمانية أجزاء(2)

ومن طريق الخاصّة ما رواه زرارة ومحمد بن مسلم في الحسن عن أبي عبد اللّه (علیه السلام):قالا : قلنا له أرأيت قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء [التوبة : 60] الآية أكلّ هؤلاء يعطي؟ فقال : إنَّ الإمام يعطي هؤلاء جميعاً.وعن سماعة قال : سألت أبا عبد اللّه (علیه السلامعن الزكاة لمن يصلح أن يأخذها ؟ قال : هي تحلّ للذين وصف اللّه تعالى في كتابه : للفقراء والمساكين، إلى آخرها (3).)ولأنّه لو استحقّها على سبيل الأجرة لافتقر إلى تقدير العمل أو المدَّة وتعيين الأجرة وذلك منفيٌّ إجماعاً لأن النبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم والأئمة (علیهم السلام) بعد ، لم يعينوا شيئاً من ذلك. ولأنه لو كان أجرة لما منع منها الهاشمي .)


1) الكافي : 58/4 ح 1 وتهذيب الأحكام : 58/4 ح 154 .

2) منتهى المطلب : 175/1 .

3) وسائل الشيعة : 164/6 ح3.

احتجَّ أبو حنيفة بأنّه لا يعطي إلا مع العمل ولو فرّقها المالك أو الإمام لم يكن له نصيب، ولأنه يأخذها مع الغنى والصدقة لا تحل لغني .والجواب: كونهم لا يأخذون إلّا مع العمل لا ينافي استحقاقهم منها ونحن ندفعها إليهم على وجه استحقاقهم لها بشرط العمل لأنها عوض عن عملهم لعدم اعتبار التقدير وإعطاؤه لا ينافي غناه لأنه يأخذها باعتبار عمله لا باعتبار فقره كما يعطي ابن السبيل مع غنائه في بلده، ويدخل في العاملين الكاتب والقسّام والحاسب والحافظ والعريف أما الإمام والقاضي ونائب الإمام فلا . انتهى .ثمَّ إنَّ النهي عن أخذ المعيبات منصرف عمّا إذا كان النصاب كلّه كذلك فلو كان كلّه كذلك لم يكلّف شراء الصحيح، على أنَّ قوله تعالى : (منه في الآية يدلُّ على أنَّ الخبيث بعض المال، وكذا الظاهر من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا) [البَقَرَة : 267] فإنَّ القصد إلى الخبيث ظاهر في وجود غيره أيضاً، كما أنَّ المرجع في صدق الأصناف المعيبة إلى العرف فإنّ صدق المعيب على مثل العرج القليل أو مقطوع الأذن أو القرن ونحوها بحيث يشملها النهي في الآية وفي قوله (علیه السلام) وفي الأخبار الأخرى مشكل بل خلافه ظاهر أو متعين. قوله(علیه السلام) : (ولا تأمننَّ عليها إلّا من تثق به، الخ) ثم أكّده بقوله : ولا توكل بها إلّا ناصحاً شفيقاً وأميناً حفيظاً - الخ . نهى(علیه السلام) عامله عن أن يولي على مال المسلمين من ليس محلاً للأمانة، والأمانة أحد الشروط المعتبرة في العاملين وقد اشترطوا في العامل البلوغ والعقل والإسلام والعدالة والفقه واعتبر بعضهم الحرّية أيضاً وقد علمت أنفاً أنه لا يجوز للهاشمي أن يكون عاملاً، ويقتصر في الفقه فيمن يتولاه على ما يحتاج إليه .

قال في «المدارك»: لا ريب في اعتبار استجماع العامل لهذه الصفات الأربع : التكليف والإيمان والعدالة والفقه لأنَّ العمالة تتضمن الاستثمان على مال الغير ولا أمانة لغير العدل، ولقول أمير المؤمنين في الخبر المتقدم : فإذا قبضته فلا توكل به إلا ناصحاً شفيقاً وأميناً حفيظاً). وإنما يعتبر الفقه فيمن يتولى ما يفتقر إليه والمراد منه معرفته بما يحتاج إليه من قدر الواجب وصفته ومصرفه ويختلف ذلك باختلاف حال العامل بالنسبة إلى مايتولاه من الأعمال. قال : ويظهر من المحقق في المعتبر الميل إلى عدم اعتبار الفقه في العامل والاكتفاء فيه بسؤال العلماء واستحسنه في البيان ولا بأس به.

قال : وشرط كونه غير هاشمي إنما يعتبر في العامل الذي يأخذ النصيب لا في مطلق العمالة فلو كان العامل من ذوي القربى وتبرّع بالعمل أو دفع إليه الإمام شيئاً من بيت المال جاز، لأنّ المقتضى للمنع الأخذ من الزكاة وهو منتف هنا وكذا لو تولى عمالة قبيلة أو مع قصور الخمس، ويدلّ على اعتبار هذا الشرط ما رواه الشيخ في الصحيح عن العيص بن

القاسم عن أبي عبد اللّه (علیه السلام)قال: إنّ أناساً من بني هاشم أتوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم )فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي. الخبر (1).

قال : وحكى الشّيخ في «المبسوط» عن قوم جواز كون العامل هاشمياً لأنه يأخذ على وجه الأجرة، فكان كسائر الإجارات وهو ضعيف جداً، قاله في «المختلف» والظاهر أنَّ القوم الذين نقل الشيخ عنهم من الجمهوري إذ لا أعرف قولاً لعلمائنا في ذلك (2).

قال : واختلف الأصحاب في اعتبار شرط الحريّة فذهب الشّيخ إلى اعتباره واستدل له في المعتبر بأن العامل يستحقُ نصيباً من الزكاة والعبد لا يملك ومولاه لم يعمل . ثمَّ أجاب عنه بأنّ عمل العبد كعمل المولى وقوى العلامة في «المختلف» عدم اعتبار هذا الشرط الحصول الغرض بعمله ولأن العمالة نوع إجارة والعبد صالح لذلك مع إذن سيده، ويظهر من المحقق في «المعتبر» الميل إليه ولا بأس به، أمّا المكاتب فلا ريب في جواز عمالته لأنه صالح للملك ،والتكسب، انتهى كلامه (رحمة اللّه).

قال العلامة (رحمة اللّه) في «المنتهى» في وجه اشتراط الإسلام بأن الكافر ليس أهلاً للأمانة، قال اللّه تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ [آل عِمران 118] ورفع أبوموسى الأشعري إلى عمر حساباً ،فاستحسنه، فقال: من كتب هذا ؟ فقال : كاتبي، قال: فأنى هو؟ قال: على باب المسجد فقال أجنب هو ؟ قال : لا ولكنّه نصراني فقال : لا تأتمنوهم وقد خوّنهم اللّه ولا تقربوهم وقد بعدهم اللّه . ولأنّ ذلك ولاية على المسلمين وقد قال اللّه تعالى: وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء : 141]

قوله (علیه السلام) (حتى توصله إلى وليّهم فيقسمه بينهم) إن بنى الفعل الأوّل على الخطاب فهو راجع إلى العامل، وعلى الغيبة إلى من في قوله : (إلّا من تثق به) وأما الثاني فالصواب فيه أن يقرأ على الغيبة لكي يرجع إلى الوليّ. وأراد بالوليّ نفسه. قال اللّه تبارك وتعالى : (وإِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ [المائدة: 55] والآية من الأدلة الواضحة على أن أمير المؤمنين(علیه السلام) هو وليّ المسلمين بعد اللّه تبارك ورسوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم )فالآية دالّة على إمامته(علیه السلام) بعدالنّبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) بلا ،فصل فراجع إلى كتب التفسير .

وأفاد الفاضل الشارح المعتزلي في المقام حيث قال: قد كرّر(علیه السلام) قوله : (لنقسمها على كتاب اللّه وسنة نبيه ) في ثلاثة مواضع من هذا الفصل الأوّل قوله : (حتّى يوصله


1) منتهى المطلب : 524/1 ، ونهاية الأحكام 400/2

2) مختلف الشيعة : 217/3 ، ومدارك الأحكام: 212/5

إلى وليهم ليقسمه بينهم)، الثاني قوله : (نصيره حيث أمر اللّه به) الثالث قوله : (ليقسمها على کتاب اللّه) والبلاغة لا تقتضي ذلك ولكنّي أظنه أحبّ أن يحتاط وأن يدفع الظنة عن نفسه فإنَّ الزمان كان في عهده قد فسد وساءت ظنون الناس لاسيما مع ما رواه من عثمان واستيثاره بمال الفيء .

قوله(علیه السلام) (ثم احدر إلينا - الخ ) ثمَّ أمر(علیه السلام) المصدّق بأن يسوق إليه سريعاً ما اجتمع عنده من حقّ اللّه يقال : حدر يحدر كينصر ويضرب إذا أسرع، إنما أمره كذلك لأنّ في تأخيره خوف التلف، أو لشدَّة احتياج المستحقّين إليه .

وفي المقام يبحث عن فروع فقهيّة :

أحدها : أنّ الظاهر من كلامه(علیه السلام) : (احدر إلينا جواز نقل مال الزكاة إلى بلد آخر.

وثانيها : حمل الزكاة وجوباً إلى الولي(علیه السلام) أو إلى من قام مقامه .

وثالثها : عدم جواز التصرف في الزكاة للساعي وفي الفروع اختلاف بين الفقهاء ونكتفي بنقل طائفة من أقوالهم دون أدلتهم تفصيلاً .

أمّا الفرع الأوّل: ففي «المختلف» قال الشّيخ في الخلاف : لا يجوز نقل مال الزكاة من بلد إلى بلد مع وجود مستحقه فإن نقله كان ضامناً له إن هلك، وإن لم يجد له مستحقاً جاز له نقله ولا ضمان عليه أصلاً . وفي «المبسوط» : وإذا وجب عليه زكاة فعليه أن يفرقها في فقراء أهل بلده فإن نقلها إلى بلد آخر مع وجود المستحق في بلده ووصل إليهم أجزاء وإن هلك ضمن وإن لم يجد مستحقاً في بلده جاز حملها إلى بلد آخر ولا ضمان على حال ولا فرق بين أن ينقلها إلى قريب أو بعيد فإنّه لا يجوز نقلها عن البلد مع وجود المستحق إلّا بشرط الضمان ومع عدم المستحق يجوز بالإطلاق .

وفي «النهاية» : متى لم يجد من تجب عليه الزكاة مستحقاً عزلها من ماله وانتظر بها مستحقها فإن لم يكن في بلده جاز أن يبعث بها إلى آخر فإن أصيب في الطريق أجزأه، وإن كان قد وجد في بلده مستحقاً فلم يعطه وآثر من يكون في بلد آخر كان ضامناً لها إن هلكت وجب عليه إعادتها .

وقال المفيد : إذا جاء الوقت فعدم المستحق عزلها من ماله إلى أن يجد من يستحقها من أهل الفقر والإيمان وإن قدر على إخراجها إلى بلد يوجد فيه مستحق أخرجها ولم ينتظر بها وجود مستحقها ببلده إلا أن يغلب على ظنه فوت وجوده ويكون أولى بها ممّن يحمل إليه من أهل الزكاة فإن هلكت في الطريق المحمول فيها إلى مستحقها أجزأت عن صاحب المال ولا يجزيه ذلك إذا حملها وهلكت وقد كان واجداً لمستحقها في بلده وإنما أخرجها منه إلى

غيره لاختيار أهل الاستحقاق ووضعها في بعض من يؤثره منهم دون من حضره(1).

وقال صاحب «الوسيلة» فيها : إذا وجد المستحق في بلده كره له نقلها إلى آخر فإن نقل ضمن، وإن لم يوجد لم يضمن .

وقال أبو الصلاح: وأهل المصر أولى من قطّان غيره، فإن لم يكن في المصر من يتكامل فيه صفات مستحقها أخرجت إلى فقدمن يستحقها وإذا أريد حملها إلى مصر آخر مع من يستحقها في المصر فلا ضمان على مخرجها في هلاكها وإن كان السبيل مخوفاً لم يجز حملها إلا بإذن الفقير، فإن نقلت من غير إذنه فهي مضمونة حتى تصل إليه، وإن كان في مصره من يستحقها فحملها إلى غيره فهي مضمونة حتى تصل إلى من حملت إليه إلا أن يكون حملها إليه بإذنه فيسقط الضمان.

وأما الثاني : ففي «المختلف» أيضاً قال المفيد رحمه اللّه تعالى: فرض على الأمة حمل الزكاة إلى النبي(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) والإمام خليفته وقائم مقامه فإذا غاب الخليفة كان الفرض حملها إلى من ينصبه خليفة من خاصته فإذا عدم السفراء بينه وبين رعيته وجب حملها إلى الفقهاء المأمونين من أهل ولايته. وقال أبو الصلاح يجب على كل من تعيّن عليه فرض زكاة أو فطرة أو خمس أو أنفال أن يخرج ما وجب عليه من ذلك إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبله تعالى أو إلى من ينصبه لقبض ذلك من شيعته ليضعه مواضعه، فإن تعذر الأمران فإلى الفقيه المأمون فإن تعذر وآثر المكلف تولّي ذلك بنفسه فمستحق الزكاة والفطرة الفقير المؤمنين، وهذا الكلام منهما يشعر بوجوب حمل الزكاة إلى الإمام أو نائبه أو الفقيه على ما رتّبناه.

وقال ابن البراج: وإذا كان الإمام ظاهراً وجب حمل الزكاة إليه ليفرِّقها في مستحقها ، فإن كان غائباً فإنّه يجوز لمن وجبت عليه أن يفرّقها في خمسة أصناف وهو يدلّ على الوجوب أيضاً .

وقال الشّيخ رحمه اللّه تعالى: الأموال ضربان: ظاهرة وباطنة، فالباطنة الدنانير والدراهم وأموال التجارات، فالمالك بالخيار بين أن يدفعها إلى الإمام أو من ينوب عنه وبين أن يفرّقها بنفسه على مستحقها بلا خلاف في ذلك. وأما زكاة الأموال الظاهرة مثل المواشي والغلات فالأفضل حملها إلى الإمام إذا لم يطلبها، وإن تولّى ففرقها بنفسه فقد أجزأ عنه.

وقال السيّد المرتضى: الأفضل والأولى إخراج الزكاة لاسيما في الأموال الظاهرة كالمواشي والحرث والغرس إلى الإمام وإلى خلفائه النائبين عنه(2)من وجبت عليه بنفسه من


1) المقنعة : 240 ، ومختلف الشيعة : 247/3

2) في نسخة وإن تولّى .

دون الإمام جاز.

ثمَّ قال العلّامة رحمه اللّه تعالى : والحقّ الاستحباب إلّا مع الطلب فيجب كما اختاره الشّيخ وهو قول ابن إدريس إلى أن قال : لو طلبها الإمام فلم يدفعها إليه وفرّقها بنفسه قال الشيخ : لا : لا يجزيه وهو الذي يقتضيه قول كل من أوجب الدفع إليه مع غير الطلب، وقيل: يجزيه .

لنا أنها عبادة لم يأتي بها على وجهها المطلوب شرعاً فيبقى في عهدة التكليف أما أنها عبادة فظاهر وأمّا أنّه فعلها على غير الوجه المطلوب فللإجماع على وجوب الدفع إلى الإمام مع الطلب فإذا فرقها بنفسه لم يأت به على وجهه .

احتج الآخرون بأنّه دفع مالاً إلى مستحقه فيخرج عن العهدة، والجواب إنما يخرج عن العهدة لو دفعه إليه على الوجه المطلوب منه .

وأمّا الفرع الثالث ففي «المنتهى» : إذا قبض الساعي الصدقة وحملها إلى الإمام أو فرّقها إن كان قد أذن له في التفريق فليس له أن ينتفع منها شيئاً إلا مع الحاجة والعذر كما إذا مرضت الشاة فيخاف عليها التلف قبل اتصالها إلى المستحق أو كان التفريق مخوفاً أو احتا في نقله إلى مؤنة يستوعبه فأما لغير عذر فلا يجوز لقوله لمعاذ بن جبل (أعلمهم أنَّ عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترة في فقرائهم) ولما بعث أمير المؤمين المصدق قال له : (ثمَّ أحدر ما اجتمع عندك من كل ناد إلينا نصيره حيث أمر اللّه عزَّ وجلَّ) ولما عدل عن البيع الذي هو الأرفق إلى الأشق دلّ على أن الواجب ذلك، أمّا مع العذر فلا بأس لأجل الضرورة، وقد روى الشيخ رحمه اللّه تعالى عن محمد خالد عن عن أبي عبد اللّه (علیه السلام)بیع الصدقة، وهو محمول على ما قلناه إذا ثبت هذا فإن باع لا للضرورة لم يصح البيع فإن كانت العين باقية استرجعت وإن نقصت ضمن الأرش، وإن كانت تالفة ضمن المشتري المثل فإن تعذر أو لم يكن مثله ضمن القيمة.

قوله(علیه السلام) : (فإذا أخذها أمينك - الخ) فيه زيادة تأكيد لقوله الماضي آنفاً : ولا تأمننَّ عليها إلّا من تثق بدينه، حيث ذكره بالوصف مشعراً بذلك من كونه أميناً ثم أمره أن يوعز إلى أمينه ويوصي إليه بحال الماشية والإبل بأن يراعي فيها عدَّة أمور:

أحدها: أن لا يحول بين ناقة وفصيلها طمعاً في اللّبن.

وثانيها : أن لا يحلب كلّ ما في ضرعها فيضر ذلك بولدها فيبقى جائعاً .

وثالثها: أن لا يتعبنّها ركوباً .

ورابعها: أن يعدل بين صواحباتها وبينها في الركوب أي لا يخص بالركوب واحدة بل تارة يركب عليها وأخرى على غيرها. هذا إذا جعلنا ذلك مشيراً إلى الركوب كما هو الظاهر المنساق من العبارة، ويمكن أن يكون مشيراً إلى كلّ واحد من الركوب وحلب الضرع أي كما يجب عليه العدل بينها في الركوب يجب عليه العدل في الحلب أيضاً بأن لا يخصّ واحدة منها في ذلك بل تارة يحلب هذه وأخرى أخرى .

وخامسها : أن يرفه على اللاعب أي أن يريح المعيي ويدعه ويعفّه عن الركوب ليستريح .

وسادسها : أن يستأني بالنقب، وهو الذي رقّت أخفافه فيشق عليه المشي لأنَّ الأرض تجرحه حينئذ، وكذلك أن يستأني ويرفق بالطالع وهو الذي يظلع أي يغمز في مشيه .

وسابعها: أن يوردها ما تمر به من الغدر أي لا يمنعها من الماء.

وثامنها: أن لا يعدل بها عن نبت الأرض إلى جواد الطريق أي لا يمنعها من الكلاء.

وكانت نسختا «الكافي» و«التهذيب» في هذا القسم هكذا: ولا يعدل - أو ولا يبدل - بهنَّ عن نبت الأرض إلى جواد الطريق في الساعة التي تريح وتغبق .

وصاحب «المدارك» (رحمة اللّه)نقل الخبر بطوله من «الكافي» في زكاة«المدارك» (ص 281 من الطبع على الحجر) وقال بعد نقل الخبر ونقلنا هذا الحديث بطوله لما فيه من الفوائد ثمّ قال : قال ابن إدريس(رحمة اللّه)في سرائره بعد أن أورد هذا الخبر : قوله(علیه السلام) : (ولا تعدل بهنَّ عن نبت الأرض إلى جواد الطرق في الساعة التي تريح فيها وتعنق) قال محمد بن إدريس: سمعت من يقول تريح وتغيق بالغين المعجمة والباء يعتقد أنه من الغبوق وهو الشرب بالعشي، وهذا تصحيف فاحش وخطأ قبيح وإنما هو بالعين غير المعجمة والنون المفتوحة وهو ضرب من سير الإبل ،شديد قال الرّاجز :

يا ناق سيري عنقاً فسيحا *** إلى سليمان فتستريحا

لأنّ معنى الكلام أنّه لا يعدل بهنَّ عن نبت الأرض إلى جوادّ الطرق في الساعات الّتي لها فيها راحة ولا في الساعات التي عليها فيها مشقة ولأجل هذا قال تريح من الراحة ولو كان من الرواح لقال تروح وما كان يقول تريح ولأنّ الرواح عند العشاء يكون قريباً منه والغبوق وهو شرب العشي على ما ذكرناه ولم يبق له معنى وإنما المعنى ما قلناه، وإنما أوردت هذه اللفظة في كتابي لأنّي سمعت جماعة من أصحابنا الفقهاء يصحفونها. انتهى كلامه (رحمة اللّه)انتهى ما أتى به السيّد (رحمة اللّه) في «المدارك» .

وقال الفيض قدّس سرّه في الوافي» (ص 22 ج 6) في بيان الحديث: والغبوق بالغين

المعجمة والباء الموحدة شرب آخر النهار، وضبطه صاحب «كتاب السرائر» تعنق بالعين المهملة والنون من العنق العنق وهو شدّة الإبل وجعل جعله تغبق تصحيفاً فاحشاً وخطاً قبيحاً معللاً بأنَّ يريح من الراحة ليس من الرواح.

ثمَّ قال الفيض (رحمة اللّه) : قال أستاذنا رحمه اللّه : كون ذلك تصحيفاً غير معلوم بل يحتمل الأمرين. انتهى كلام الفيض. ومراده من أستاذه هو أستاذه في العلوم النقلية السيد ماجد بن هاشم الصادقي البحراني طاب ثراه كما نص عليه في ص 14 ج 6 من زكاة «الوافي».

وتاسعها : أن يروّحها في ساعات الرّواح .

وعاشرها : أن يمهلها عند وصولها إلى النطاف والأعشاب والنطاف المياه القليلة الصافية، جمع النطفة، والأعشاب جمع العشب وهو الكلاء الرطب .

ثمَّ إنَّ كلامه(علیه السلام): ( ولا يمصر لبنها فيضر ذلك بولدها ولا يجهدنّها ركوباً) يفيد أنَّ للساعي أن ينتفع من الصدقة على مقدار الحاجة كما تقدّم الكلام آنفاً في الفرع الثالث .

وينبغي التأمل جداً في ما أمره (علیه السلام)ونهاه في حقّ البهائم سيّما فيما أوصى من رعاية العدل في الركوب والحلب فيها ليعلم أن اللّه يحبّ العدل في حقها أيضاً، وأنه سبحانه بين كلّ ما يتعلق بأفعال المكلفين ولم يترك شيئاً إلا وله فيه حكم. وهذا هو خليفته أوصى في أخس خليقته ما أوصى فما ظنك بأشرفها وأكرمها .

فلنذكر في المقام عدَّة روايات منقولة من أئمة الدين(علیهم السلام) في حق الدابة على صاحبها و آداب ركوبها وحملها، ففي «الكافي» و «الفقيه» (الوافي ص 66 ج8) عن أبي عبد اللّه (علیه السلام) قال لقمان لابنه : يا بنيَّ إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك وأمورهم - إلى أن قال : ولا تنامن على دابتك فإنَّ ذلك سريع في دبرها وليس ذلك من فعل الحكماء إلا أن تكون في محمل يمكنك التمدد لاسترخاء المفاصل، وإذا قربت من المنزل فأنزل عن دابتك وابدأ بعلفها قبل نفسك فإنّها نفسك (1)الخ . قال الفيض قدّس سرّه : الدَّبر محركة قرحة الدابة، وإنما جعل الدابة نفسه لأنَّ هلاكها يستلزم هلاكه .

وفي «الخصال»: قال رسول اللّه(علیه السلام) : للدَّابّة على صاحبها خصال ست يبدأ بعلفها إذا نزل ويعرض عليها الماء إذا مر به ولا يضرب وجهها فإنّها تسبح بحمد ربها، ولا يقف على ظهرها إلاّ في سبيل اللّه عزّ وجلَّ، ولا يحملها فوق طاقتها ولا يكلفها من المشي إلا ما تطيق (2).


1) الكافي : 349/8 ، وبحار الأنوار: 271/73

2) من لا يحضره الفقيه : 286/2 ، 2465 ، والخصال: 320 ح 28.

وفي «البحار» - باب حق الدابة على صاحبها وآدابها وحملها ص 701 ج 14 من طبع الكمباني - من المحاسن عن أمير المؤمنين قال : قال رسول اللّه(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : لا تضربوا وجوه الدواب وكلّ شيء فيه الروح فإنه يسبح بحمد اللّه(1).

وفيه من «مجالس الصدوق» عن الصادق(علیه السلام) قال : للدّابة على صاحبها سبعة حقوق :لا يحملها فوق طاقتها، ولا يتخذ ظهرها مجلساً يتحدَّث عليها، ويبدأ بعلفها إذا نزل ولا يسمها في وجهها فإنها تسبّح، ويعرض عليها الماء إذا مرَّ به ولا يضربها على النفار ، ويضربها على العثار لأنها ترى ما لا ترون (2).

وفيه من «المحاسن» و«الفقيه» عن ابن فضّال عن حمّاد اللحام قال : مرَّ قطار لأبي عبد اللّه(علیه السلام) فرأى زاملة قد مالت فقال:يا غلام اعدل على هذا الجمل فإنَّ اللّه : يحب العدل(3).

وفيه من «نوادر الراوندي» عن علي(علیه السلام) قال : للدّابة على صاحبها ستُّ خصال: يبدأ يعلفها إذا نزل، ويعرض عليها الماء إذا مرَّ به، ولا يضربها إلّا على حقّ ولا يحملها إلّا ما تطيق، ولا يكلّفها من السير إلّا طاقتها، ولايقف عليها فواقاً (4).

وقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : لا تتّخذوا ظهور الدواب كراسي فربّ دابة مركوبة خير من راكبها وأطوع اللّه تعالى وأكثر ذكرا (5).

وفيه من «الفقيه»: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): إنَّ اللّه تبارك وتعالى يحبُّ الرفق ويعين عليه فإذا ركبتم الدواب العجاف فأنزلوها منازلها فإن كانت الأرض مجدبة فانجوا عليها، وإن كانت مخصبة فأنزلوها منازلها فقال (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : من سافر منكم بدابة فليبدأ حين ينزل بعلفها وسقيها (6).

وفي «الكافي» بإسناده عن عمرو بن جميع أن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال : قال رسول اللّه(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم):لا تتورّكوا على الدّواب ولا تتّخذوا ظهورها مجالس (7).


1) المحاسن : 633/2 ح 116 ، ووسائل الشيعة: 484/11 ح 15327 .

2) الأمالي : 597 ، والمحاسن : 627/2 ح 96 .

3) المحاسن 361/2 ح .91 . ومن لا يحضره الفقيه : 2492ح292/2

4) مستدرك الوسائل : 259/8 ، وكتاب النوادر : 120 ح 129 .

5) كتاب النوادر : 121 وبحار الأنوار: 61 / 210 ح 16 .

6) المحاسن : 2 / 361 ح 88 ، ومن لا يحضره الفقيه: 290/2 - 2481.

7) الكافي : 539/626 ح 8 ، ومن لا يحضره الفقيه : 287/2 ح 2471

وفي «البحار» عن أبي الدرداء أنَّ النّبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) قال : من قال إذا ركب دابّة : «بسم اللّه الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء سبحانه ليس سمي له سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون والحمد لله رب العالمين وصلى اللّه على محمد وآله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)»إلّا قالت الدابّة : بارك اللّه عليك من مؤمن خففت على ظهري وأطعت ربّك وأحسنت إلى نفسك بارك اللّه لك وأنجح حاجتك(1).

وقد مضى كلام الأمير(علیه السلام) حين يركب في شرح المختار الخامس عشر من باب الكتب «ص 169 ج 18» فراجع. وفي المقام روايات عديدة أتى بها المجلسي لله في «البحار» فراجع «ص 701 ج 14 - إلى ص 708 من طبع الكمباني».

قوله(علیه السلام) : (حتى يأتينا بإذن اللّه - الخ ) ثم ذكر (علیه السلام) غاية ما أمر العامل أن يوصي إلى أمينه بما مرّ في أمر الدواب أي له أن يراعي فيها بتلك الأمور حتى يأتينا - الخ . فقوله ؛ (حتى يأتينا) متعلق بقوله : ( فأوعز إليه)، (والمنقيات) اسم فاعل من أنقت الإبل إذا سمنت يقال ؛ أنقت الإبل أي سمنت وصارت ذات نقي بكسر النون فسكون القاف أي ذات مخ. ثمَّ أتبعه(علیه السلام) تشديداً في حفظ مال المستحقين وتأكيداً لما أوصى مراراً من قسمته على ما أوجب اللّه تعالى بقوله : (لنقسمها على كتاب اللّه وسنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)) ثم وعده بما ثمَّ وعده بما يترتب على عمله هذا من الأجر العظيم والقرب من الرشد والهداية والصواب، وقال(علیه السلام) : (إنَّ ذلك أعظم أجراً) لأنّ فيه كثرة مشقة لا تخفى ولأنّ ذلك أحفظ لمال المستحقين فثواب حافظه وأجره أقرب رشداً لأنَّ فيه اتباع ولي الأمر على نهج رضاه فيه أكثر، ولأنَّ اختيار عمل فيه كثرة مشقة يدلّ غالباً على خلوص العامل وصدق نيته في إطاعة الأمر.

وكفى في عظم الأجر ما وعد(علیه السلام) على ما في روايتي «الكافي» و«التهذيب» المقدمتين في ذكر المصدر حيث قال(علیه السلام) : فإن ذلك أعظم لأجرك وأقرب لرشدك ينظر اللّه إليها وإليك وإلى جهدك ونصيحتك لمن بعثك وبعثت في حاجة فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) قال : ما ينظر اللّه إلى ولي له يجهد نفسه بالطاعة والنصيحة له ولإمامه إلا كان معنا في الرفيق الأعلى(2). قال الفيض قدّس سرّه في «الوافي» (ص 22 ج 6) في بيان الرفيق الأعلى: أي في الرفقة العالية وهم الأنبياء والمرسلون والملائكة المقربون.

فرع فقهي

روى المسلم في آخر كتاب الزكاة من صحيحه بإسناده عن عبد اللّه بن أبي أوفى قال :


1) بحار الأنوار : 219/61 ، وكتاب الدعاء : 247.

2) شرح أصول الكافي : 19/7 ح 3 ، ووسائل الشيعة : 131/9.

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : «اللّهمَّ صلّ عليهم» فأتاه أبي أبو أوفى بصدقته فقال: «اللّهمَّ صلي على آل أبي أوفى»(1). انتهى .

أقول : قوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : اللّهمَّ صلّ عليهم يشير إلى قوله تعالى : «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة : 103] . ثمَّ اللّه إنَّ الأمير(علیه السلام) لم يأمر العامل بالدعاء بعد أخذ الصدقة لصاحبها ولو كان واجباً لذكره، اللّهم إلا أن يقال: إنَّ الرضيَّ أسقطه على دأبه في النهج بل صرّح في المقام بأنه ذكر هنا جملاً منها كما دريت ونسخة «الكافي» كالتهذيب كانت قريبة منه، ومع فرض ذكره في الوصيّة، القول بوجوبه مشكل بل الحق في المقام أنَّ الدُّعاء مستحب وليس الدُّعاء مؤقتاً .

قال العلامة (رحمة اللّه) في «المنتهى» (ص 515)، مسألة : وإذا أخذ الساعي أو الإمام الصّدقة دعا لصاحبها، قال اللّه تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة : 103] وتردَّد الشيخ في الوجوب فقال الوجوب فقال في «الخلاف»به(2)وهو مذهب داود بن عليّ بن خلف الأصبهاني لظاهر الآية .

وقال في «المبسوط» بالاستحباب وهو مذهب أكثر الجمهور وهو أولى لأنَّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له : أعلمهم أنَّ عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ في فقرائهم(3)، ولم يأمره بالدعاء ولو كان واجباً لذكره ولأنّه براءة للذمة، ولأنَّ الفقراء لو أخذوا الصدقة بأنفسهم لم يجب عليهم الدُّعاء فتأتيهم (4)أولى كذا في المنتهى وفي العبارة (تصحيف ولأنَّ هذ أداء عبادة فلا يجب الدُّعاء ء لها كالصلاة والآية محمولة على الاستحباب ولا شيء مؤقت في هذا الدُّعاء وأي دعاء ذكره كان حسناً .

وفي «المستند» للنراقي - قدس سره - يستحق للعامل والفقيه والفقير الدُّعاء للمالك بعد أخذ الزكاة ، أمّا من حيث استحباب الدُّعاء مطلقاً فظاهر وأمّا من جهة خصوص المورد فلفتوى جمع من الأصحاب، ولا يجب قطعاً للأصل وعدم الدليل سوى الآية المخصوص بالنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)خطاباً وتعليلاً بقوله سبحانه: إِنَّ صَلَاتَک سَكَنْ لَهُمْ [التوبة : 103] مضافاً إلى عدم معلوميّة شمول مرجع الضمير لجميع المؤمنين وعدم صراحة الآية فتكون الصلاة المأمور بها لأجل أداء الزَّكاة وبعد مضيها بل عدم ظهورها فيه أيضاً .


1) مستدرك الوسائل : 136/7 3 ، وتفسير مجمع البيان: 118/5

2) ثم مال عنه وقال في كتاب قسمة الصدقات من الخلاف أيضاً بالاستحباب كما في المبسوط

3) عوالي اللتالي : 114/3 ، وعبد اللّه بن سبا : 401/2 .

4) الظاهر فنائبهم، م.

كلام في الرجعة

واعلم أنَّ ظاهر قوله (علیه السلام)في ذيل هذه الوصية على نسختي «الكافي» و«التهذيب» حيث قال(علیه السلام) : أما واللّه لا تذهب الأيّام واللّيالي حتى يحيي اللّه الموتى ويميت الأحياء ويردّ اللّه الحقِّ إلى أهله ويقيم دينه الذي ارتضاه لنفسه ونبيّه فأبشروا ثمّ أبشروا فواللّه ما الحقُّ إلا في أيديكم) يدلّ على الرجعة (1).

وقال الفيض(رحمة اللّه) في «الوافي» (ص 22 ج 6 ) : قوله (يحيي اللّه الموتى ويميت الأحياء) إمّا محمول على الحقيقة بناء على الرجعة، وإما تجوّز شبه الشيعة لقلّتهم وخفائهم وعدم تمكنهم من إظهار دينهم بالموتى، انتهى كلامه (رحمة اللّه).

أقول : حمل العبارة على التجوّز بعيد من صوب الصواب جداً وتكلّفه واضح ولو جاز حمل العبارة على هذا النحو من التجوّز لا يبقى لظاهر الألفاظ معنى، ولا للرجعة محل لا مكان حمل كلّ خبر قائل بالرجعة على نحو هذا المعنى المتكلّف فيه .

ثمَّ إنَّ لعلمائنا الإمامية رسائل عديدة منفردة في إثبات الرجعة وربما أتوا بالبحث عنها في أثناء كتبهم الكلامية تمسكوا في إثباتها بعدة آيات وبروايات كثيرة .

وقال المحدث الخبير الشيخ الحر العاملي طيّب اللّه رمسه في أوّل كتابه في الرجعة المسمّى ب- «الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة»، وهو أطول كتاب عمل في الرجعة ممّا حضرنا من المؤلفات فيها ما هذا لفظه وقد نقل جماعة من علمائنا إجماع الإمامية على اعتقاد صحتها وإطباق الشيعة الاثني عشرية على نقل أحاديثها وروايتها وتأوّلوا معارضها على شذوذ وندور بالحمل على التقيّة إذ لا قائل بها من غير الشيعة الإمامية، وذلك دليل واضح على صحتها، وبرهان ظاهر على ثبوتها ونقل روايتها .

وقال في آخر كتابه هذا: آخر كتابه هذا فهذا ما خطر بالبال واقتضاه الحال من الكلام في إثبات الرجعة ودفع شبهاتها على ضعفها وعدم صراحتها في إبطال الرجعة وقوة أحاديث الرجعة وأدلّتها كما رأيت فإنّها وصلت إلى حد التواتر بل تجاوزت بمراتب فأوجبت القطع واليقين بل كلُّ حديث منها موجب لذلك لكثرة القرائن القطعية من موافقة القرآن والأدلة والسنة النبوية وتعاضدها وكثرتها وصراحتها واشتمالها على ضروب من التأكيدات وموافقتها لإجماع الإمامية وإطباق جميع الرواة والمحدثين على نقلها ووجودها في جميع الكتب المعتمدة والمصنّفات المشهورة المذكورة سابقاً ،وغيرها وعدم وجود معارض صريح لها أصلاً وعدم


1) المقنعة : 257 ، وبحار الأنوار: 127/41 .

احتمالها للتقيه، واستحالة اتفاق رواتها على الكذب. ولعدم قول أحد من العامّة المخالفين للأماميّة بها، ولعدالة أكثر رواتها وجلالتهم، ولصحة طرق كثيرة من أحاديثها، ولكون أكثر رواتها من أصحاب الإجماع الذين اجتمعت الإمامية على تصحيح ما يصح عنهم وتصديقهم وأقروا لهم بالعلم والفقه، وللعلم القطعي بأن كثيراً من هذه الأحاديث كانت مروية في الأصول المجتمع على صحتها التي عرضت على الأئمة(علیهم السلام) فصححوها وأمروا بالعمل بها، ولكثرة تصانيف علماء الإمامية في إثبات الرجعة ولم يبلغنا أنَّ أحداً منهم صرّح بردّها وإنكارها فضلاً عن تأليف شيء في ذلك .

وإنّي مع قلّة تتبعي لو أردت الآن لأضفت إلى أحاديث هذه الرسالة ما يزيد عليها في العدد فتتضاعف الأحاديث لأني لم أنقل من رسائل المتأخرين شيئاً مع أنه حضرني منها ثلاث رسائل وفيما ذكرنا بل في بعضه كفاية إن شاء اللّه تعالى فقد ذكرنا في هذه الرسالة من الأحاديث والآيات والأدلة ما يزيد على ستة مائة وعشرين ولا أظنُّ شيئاً من مسائل الأصول والفروع يوجد فيه من النصوص أكثر من هذه المسألة. انتهى كلامه(رحمة اللّه)(1).

وقال الإحسائي في «شرح الزيارة الجامعة» (ص 268 من الطبع على الحجر 1276ه-) في شرح قول الإمام(علیه السلام)« مصدِّق برجعتكم» بعد نقل طائفة من الكلام في الرجعة مع ما ورد في الرجعة من النصوص الكثيرة منها ما تقدم ذكره عن السيد نعمة اللّه الجزائري أنه قال : وقفت على ستمائة وعشرين حديثاً في هذا الباب والشيخ عبد اللّه بن نور اللّه البحراني الذي تقدم ذكره وبعض كلامه وقلنا يأتي تمامه قال : وكيف يشكّ مؤمن بحقيقة الأئمة الأطهار(علیه السلام) فيما تواتر عنهم في قريب من مائتي حديث صريح رواها نيف وأربعون من الثقات العظام والعلماء الأعلام في أزيد من خمسين من مؤلّفاتهم كثقة الإسلام الكليني، والصدوق محمد بن بابويه والشيخ أبي جعفر الطوسي، والمرتضى والنجاشي والكباشي والعياشي وعلي بن إبراهيم وسليم الهلالي والشيخ المفيد والكراجكي والنعماني والصفار وسعد بن عبد اللّه وابن قولويه وعلي بن عبد الحميد والسيد علي بن الطاووس وولده صاحب كتاب «زوائد الفرائد» ، ومحمد بن علي بن إبراهيم وفرات بن إبراهيم مؤلف كتاب «التنزيل والتحريف» وأبي الفضل الطبرسي وأبي طالب الطبرسي وإبراهيم بن محمد الثقفي ومحمد بن العباس بن مروان والبرقي وابن شهر آشوب والحسن بن سليمان والقطب الراوندي والعلامة الحلي والسيد بهاء الدين وعلي بن عبد الكريم وأحمد بن داود بن سعيد والحسن بن علي بن أبي حمزة والفضل بنشاذان والشيخ الشهيد محمد بن مكي والحسين بن حمدان والحسن بن محمد بن الجمهور العمي مؤلّف كتاب «الواحدة» والحسن بن محبوب وجعفر بن محمد بن مالك


1) الذريعة : 507/2.

الكوفي وطهر بن عبد اللّه وشاذان بن جبرئيل صاحب كتاب «الفضائل» ومؤلف كتاب «العتيق» ومؤلف كتاب «الخطب» وغيرهم من مؤلفي الكتب عندنا ولم نعرف مؤلّفه على التعيين ولذا لم ننسب الأخبار إليهم وإن كان موجوداً فيها - إلي أن قال البحراني المذكور :

ولنذكر لمزيد التشييد والتأكيد أسماء بعض من تعرّض لتأسيس هذا المدّعي وصنفه فيه أو احتج على المنكرين أو خاصم المخالفين سوى ما ظهر مما قدمنا في ضمن الأخبار واللّه الموفق ؛ فمنهم أحمد بن داود بن سعيد الجرجاني، قال الشيخ في «الفهرست»: له كتاب المتعة والرّجعة ومنهم الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائي وعد النجاشي من جملة كتبه كتاب «الرجعة». ومنهم الفضل بن الشاذان النيسابوري ذكره الشيخ في «الفهرست» والنجاشي أن له كتاباً في إثبات الرجعة ومنهم الصدوق محمد بن علي بن بابوبه فإنه عد النجاشي من كتبه كتاب «الرجعة». ومنهم محمد بن مسعود العياشي ذكر النجاشي والشيخ في «الفهرست» كتابه في الرجعة ومنهم الحسن بن سليمان على ما روينا عنه الأخبار وأما سائر الأصحاب فإنهم ذكروها فيما صنفوا في الغيبة ولم يفردوا لها رسالة وأكثر أصحاب الكتب من أصحابنا أفردوا كتاباً في الغيبة وقد عرفت سابقاً من روى الغيبة وقد عرفت سابقاً من روى ذلك من عظماء الأصحاب وأكابر المحدثين الذين ليس في جلالتهم شك ولا ارتياب وقال العلامة(رحمة اللّه)في خلاصة الرجال» في ترجمة ميسر بن عبد العزيز : وقال العقيقي أثنى عليه آل محمد(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وهو ممّن يجاهد في الرجعة، انتهى .

وقال علم المهدي سيّد المرتضى: إنّ الذي تذهب الشيعة الإمامية إليه أنّ اللّه تعالى يعيد عند ظهور إمام الزمان المهدي قوماً ممن كان قد تقدّم موته من شيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ومشاهدة دولته، ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم فيلتذوا بما يشاهدون من ظهور الحق وعلوّ كلمة أهله.

والدلالة على صحة هذا المذهب أنّ الذين ذهبوا إليه مما لا شبهة على عاقل في أنه مقدور اللّه تعالى غير مستحيل في نفسه فإنا نرى كثيراً من مخالفينا ينكرون الرجعة إنكار من يراها مستحيلة غير مقدورة، وإذا ثبت جواز الرجعة ودخولها تحت المقدور فالطريق إلى إثباتها إجماع الإمامية على وقوعها فإنهم لا يختلفون في ذلك وإجماعهم، قد بينا في مواضع من كتبنا أنه حجة لدخول قول الإمام(علیه السلام) فيه إلى آخر ما قال، وقد نقل كلامه تماماً المجلسي له في الثالث عشر من «البحار» الكمباني «ص 235».

وقال المجلسي(رحمة اللّه)(ص 231 ج 13 من «البحار» الكمباني): اعلم يا أخي أنّي لا أظنك ترتاب بعد ما مهدت وأوضحت لك في القول بالرجعة التي أجمعت الشيعة عليها في جميع الأعصار واشتهرت بينهم كالشمس في رابعة النهار حتى نظموها في أشعارهم واحتجّوا

بها على المخالفين في جميع أمصارهم وشنع المخالفون عليهم في ذلك وأثبتوه في كتبهم ،وأسفارهم، منهم الرازي والنيسابوري وغيرهما، وقد مرَّ كلام ابن أبي الحديد حيث أوضح مذهب الإمامية في ذلك ولولا مخافة التطويل من غير طائل لأوردت كثيراً من كلماتهم في ذلك. وكيف يشكّ مؤمن بحقيقة الأئمة الأطهار ا فيما تواتر عنهم في قريب من مائتي حديث صريح - إلى آخر ما تقدَّم من الشيخ البحراني المذكور آنفاً (1).


1) بحار الأنوار 122/53 ح 161 ، ومستدرك سفينة البحار : 87/4

الترجمة

از جمله وصیت آن حضرت (علیه السلام) است که آن را برای کسی که او را بر گرفتن زکات عامل میگردانید می نوشت و ما در این جا پاره ای از آن را آورده ایم تا به آن دانسته شود که آن حضرت ستون حق را به پا می داشت و در کارهای كوچك و بزرگ و پنهان و آشکار احکام عدل را ظاهر می کرد :

برو بر تقوای خدای یکتای بی همتا، مسلمانی را مترسان و آن چه را که ناخوش دارد بر او مگزین و بیش از حقّی که خدا در مال او دارد از او مگیر و چون به قبیله ای رسیدی به کنار آبشان فرود آی بدون این که به خانه هایشان در آیی و بعد از آن برو به سویشان به آرامی تن و جان تا در میانشان بایستی پس بر آنان سلام کن و تحیّت و درود را بر ایشان کم و ناقص مگردان بعد از آن گویی ای بندگان خدا ولى خدا و خليفه او مرا به سوی شما فرستاده تا حق خدا را در اموال شما از شما ،بستانم آیا در اموال شما برای خدا حقی است که آن را به ولی او بدهید؟ اگر کسی گفت نه بازمگرد بر او و دوباره سخن را بر او اعاده مکن و اگر کسی گفت آری ،هست با او برو بدون این که او را بیم دهی و بترسانی بر او سخت گیری یا دشواری را بر او تکلیف ،کنی آن چه که از طلا و نقره به تو داده ،بگیر اگر او را گاو و گوسفند و شتر است بدون اذنش داخل در آنها ،مشو زیرا بیشتر آنها مال او است و هرگاه به اذن او بر سر آنها ،رفتی چون کسی که بر آنها تسلط دارد و درشت کردار است مرو و حیوانی را مرمان و مترسان و صاحبش را در حق آن مرنجان .

و مال را به دو بخش کن و صاحبش را مخیّر کن تا هر کدام بخش را که خواهد اختیار کند و چون اختیار کرد متعرض آن چه را که اختیار کرده است ،مشو دوباره آن باقی را به دو قسم کن باز او را مخیّر کن تا هر کدام قسم را که ،خواهد اختیار کند و چون اختیار ،کرد متعرض آن چه را که اختیار کرده است مشو و همچنین پیوسته این کار را میکنی تا آن قدر بماند که وفا کند به حق خدا در مال او، پس حق خدا را از او میگیری پس اگر خواهش فسخ کرده بپذیر و

دوباره آنها را در هم آمیز، سپس آن چنان کن که در اوّل کردی تا حق خدا را در مال او بگیری .

و نگیر شتر پیر را و نه کهن سال را را و نه کهن سال را و نه شکسته را و نه سل دار یا به مرض از پای در افتاده را و نه نه عيب ناك را .

و امین مگردان بر آن مال ها مگر کسی را که به دین او وثوق داری که به مال مسلمانان رفق و مدارا کند و مهربان باشد تا مال را به ولی مسلمانان برساند که در میانشان قسمت کند و وکیل مگردان بر آن مواشی و ابل مگر کسی را که نیکوخواه و مهربان و امین و نگهبان باشد، درشتی به آنها نکند و زیان نرساند نرنجاند و خسته نکند، پس آن چه که از اموال زکات در نزد تو گرد آمده زود آنها را به سوی

ما بفرست تا در هر جا که خدا بدان امر فرموده است بگردانیم و صرف کنیم.

چون آن ها را امین تو برای آوردن گرفت، به او سفارش کن که به طمع شیر میان شتر و بچه شیر خوارش جدایی نیندازد و همه شیر آن را ندوشد که به بچه اش ضرر برسد و آن را به سوار شدن خسته نگرداند و بین او و دیگر شتران در سوار شدن و دوشیدن به عدل رفتار کند (یعنی گاهی بر او سوار شود و گاهی بر دیگران و گاهی از او بدوشد و گاهی از دیگران نه شیر یکی را تمام بدوشد و در همه راه بر یکی سوار شود) و باید آسان گرداند و رفاهت دهد خسته را و او را آسایش دهد و بر حیوانی که پایش سوده شد و از رفتار وامانده و به تنگ آمده آهستگی کند و درنگ و تأنی نماید و باید آنها را به غدیرها و حوض های آب که گذرند فرود آورد و وارد سازد و آنها را از زمین گیاه دار به راههایی که از گیاه خالی است نگرداند و باید آنها را در هر چند ساعتی در چراگاه ها راحت دهد تا به فراغت اکل و شرب نمایند و باید آنها را در نزد آبها و گیاه ها مهلت دهد تا به اذن خدا فربه و پرمغز، نه رنج دیده و خسته در نزد ما آورد که آن ها را علی کتاب اللّه و سنت پیمبر خدا قسمت کنیم که به این طور که گفتیم عمل شود، ان شاءاللّه برای پاداش تو بزرگتر و به رشد و رستگاریت نزدیکتر است .

ومن عهد له عليه الصلاة والسلام إلى بعض عماله وقد بعثه على الصدقة - وهو المختار السادس والعشرون من باب كتبه ورسائله

اشارة

آمره بِتَقْوَى اللّهِ في سَرائِرِ أَمُورِهِ وَخَفِيَّاتِ أَعْمَالِهِ حَيْثُ لا شَهِيدَ غَيْرُهُ، وَلاَ وَكِيل دُونَهُ.

وآمُرُهُ أَنْ لاَ يَعْمَلَ بِشَيْءٍ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِيمَا ظَهَرَ فَيُخَالِف إِلى غَيْرِهِ فِيْمَا أَسَرَّ ، وَمَنْ لم يَخْتَلِف سِرُّهُ وَعَلانِيَتُهُ وَفِعْلُهُ وَمَقَالَتُهُ فَقَدْ أَدَّى الأمانَةَ، وَأَخْلَصَ الْعِبَادَةَ .

وَآمُرُهُ أَلا يَجْبَهَهُمْ وَلا يَعْضَهَهُم وَلا يُرْغَبَ عَنْهُمْ تَفَضَّلاً بِالْإِمارَةِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمُ الْإخْوَانُ في الدِّيْن ، وَالْأَعْوَانُ عَلَى اسْتِخْرَاج الْحُقُوقِ .

وَإِنَّ لَكَ في هَذِهِ الصَّدَقَةِ نَصيباً مَفْرُوضاً، وَحَقَّاً مَعْلُوماً ، وَشُرَكَاءَ أَهْلَ مَسْكَنَةٍ، وَضُعَفَاءَ ذَوِي فاقَةٍ، وَإِنَّا مُوَفُوكَ حَقَّكَ فَوَفِّهِمْ حُقُوقَهُمْ، وَإِلا فَإِنَّكَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ خُصُوماً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبُؤساً لِمَنْ خَصْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالسَّائِلُونَ وَالْمَدْفُوعُونَ وَالْغَارِمُ وَابْنُ السَّبِيل ، وَمَن اسْتَهَانَ بَالْأَمانَةِ وَرَتَعَ فِي الْخِيَانَةِ وَلَمْ يُنَزِّهُ نَفْسَهُ وَدِيْنَهُ عَنْهَا فَقَدْ أَخَلَّ بِنَفْسِهِ في الدُّنْيَا وَهُوَ في الآخِرَةِ أَذَلُّ وَأَخْرَى ، وَإِنَّ أَعْظَمَ الْخِيَانَةِ خِيَانَةُ الأَمَنَةِ، وَأَفْضَعَ الْغِش غشّ الْأَئِمَّةِ (1).

المصدر

رواه القاضي نعمان المصري رحمه اللّه تعالى المتوفّى 363 هـ . ق - مسنداً في دعائم الإسلام كما في الباب 12 من كتاب الزكاة من «مستدرك الوسائل» للمحدّث المتضلع الحاج الميرزا حسين النوري الطبري(رحمة اللّه) ( ص 516 ج1)، وفي باب أدب المصدِّق من كتاب الزكاة من «البحار» للعلامة المجلسي (رحمة اللّه) ( ص 22 ج 20 من الطبع الكمباني) ونقله من النهج المجلد الثامن من «البحار» (ص 642) والمنقول عن الدعائم أنَّ أمير المؤمنين علياً(علیه السلام) أوصى مخنف بن سليم الأزدي وقد بعثه على الصدقة بوصيّة طويلة أمره فيها بتقوى اللّه ربّه في سرائر أموره وخفيات أعماله وأن يتلقاهم ( بلقاهم - نسخة) ببسط الوجه ولين الجانب، وأمره أن يلزم التواضع ويجتنب التكبر فإنَّ اللّه يرفع المتواضعين ويضع المتكبرين. ثم قال له (2): يا مخنف بن سليم إنّ لك في هذه الصدقة حقاً ونصيباً مفروضاً (3)ولك فيها شركاء


1) مستدرك سفينة البحار : 194/1 ، ونهج السعادة 433/8 . 4/1.

2) في نسخة : وقال له .

3) في نسخة نصيباً وحقاً مفروضاً.

فقراء ومساكين وغارمون ومجاهدون وأبناء سبيل ومملوكون ومتألّفون وإنا موقوك حقك فوقهم حقوقهم وإلا فإنك من أكثر الناس يوم القيامة خصماً وبؤساً لامرىء خصمه مثل هؤلاء. انتهى (1).

أقول : لم نجد الوصيّة بطولها فيما عندنا من الجوامع الروائية وغيرها مع كثرة الفحص والجدّ في الطلب ولم يحضرنا دعائم الإسلام ولعلَّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً .

اللغة

(لا بجبههم) أي لا يزجرهم أصله من الجَبْه بمعنى مقابلة الإنسان بما يكرهه . قال ابن الأثير في «النهاية» : الجَبْه هو الاستقبال، بالمكروه وأصله من إصابة الجبهة يقال : جبهته إذا أصبت جبهته . انتهى قوله وقال الشارح المعتزلي: وأن لا يجبههم: لا يواجههم بما يكرهونه وأصل الجبه لقاء الجبهة أو ضربها فلما كان المواجه غيره بالكلام القبيح كالضارب جبهته سمّي بذلك جبها. انتهى. وفي القاموس : جبهه كمنعه ضرب جبهته وردّه أو لقيه بما يكره. انتهى. وفي «منتهى الأرب» : جَبَهَهُ (من باب فتح): زد برپيشاني أو ورد کرد آن را ، و بمكروه پیش آمد اور او نا بایست آود بروى. انتهى. وقال أُمية بن أبي الصلت في ابن له عقّه :

غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً *** تُعلّ بما أُدني إليك وتنهل

إذا ليلةٌ نابتك بالشكو لم أبت *** لشكوك إلا ساهراً أتململ

كأني أنا المطروق دونك بالذي *** طرقت به دوني وعيني تهمل

فلما بلغت السن والغاية التي *** إليها مدى ما كنت فيك أُؤمّل

جعلت جزائي منك جبهاً وغلظة *** كأنك أنت المنعم المتفضّل

فليتك إذ لم ترع حنَّ أُبوّتي *** فعلت كما الجار المجاور يفعل

تراه معدا للخلاف كأنّه *** بردّ على أهل الصواب موكل

(ولا يعضههم) أي لا يرميهم بالبهتان والكذب، وفي القاموس : عضه كمنع عضهاً ويحرك وعضيهةً وعضهة بالكسر كذب وسحر ونمّ وجاء بالإفك والبهتان كأعضه وفلاناً بهته وقال فيه ما لم يكن انتهى وقال المتوكل الليثي (الحماسة 442 من شرح المرزوقي) .

احذر وصال اللّئیم إنّ له *** عضها إذا حبل وصله انقطعا


1) بحار الأنوار: 85/93 ح 7 ، ونهج السعادة : 71/8 ح 19.

وقال المرزوقي في شرحه: احذر مواصلة اللئيم ومؤاخاته لأنّه إذا انقطع حبل وصله وانصرم ما يجمعك وإيّاه من وده يتكذب عليك ويخلق من الإفك فيك ما لم تكتسبه لا بيدك ولا لسانك، والعضه ذكر القبيح كذباً وزوراً ويقال: عضهته إذا رميته بالزور. وأعضه الرجل أتى بالعضيهة وهي الإفك ومن كلامهم يا للعضيهة ويا للأفيكة.

(بوساً) قال الجوهري في «الصحاح» نقلاً عن أبي زيد في كتاب الهمزة: بئس الرجل يباس بؤساً وبئيساً اشتدَّت حاجته فهو بائس . أنشد أبو عمرو :

بيضاء من أهل المدينة لم تذق *** بئساً ولم تتبع حمولة مجحد

وهو اسم وضع موضع المصدر. وقال الشّارح المعتزلي : قال الراوندي: بؤساً أي عذاباً وشدّة، ثمَّ خطأه بقوله : فظنّه منوّناً وليس كذلك بل هو بؤسي على وزن فعلى كفضلی ونعمى وهي لفظة مؤنثة يقال : بؤسى بفلان، قال الشاعر :

أرى الحلم بؤسى للفتى في حياته *** ولا عيش إلا ما حباك به الجهل

انتهى قوله. وأقول : نسخة الرّضي تطابق ما اختاره الراوندي واللغة أيضاً توافقه وانتصابه على المصدر كما يقال سحقاً لك وبعداً لك. فما صححه الراوندي ليس بخطأ . نعم ما فسره الراوندي بقوله : أي عذاباً وشدّة، مخدوش لأنَّ العذاب والشدّة ليس من معاني البؤس بل هما من معاني البأس.

(الفقراء والمساكين) قال عز من قائل: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة : 60] قد ذهب جماعة إلى أنهما مترادفان ولكن الحقِّ كما هو الظاهر من كلام الحق تعالى أنهما متغايران وذهب إليه أكثر العلماء ولكنّهم اختلفوا في معناهما على أقوال كثيرة بعد ما اتفقوا على استحقاقهما من الزكاة والأصح أنَّ المسكين أسوأ حالاً من الفقير وأنه المحتاج الذي يسأل والفقير المحتاج الذي لا يسأل لما رواه الكليني قدّس سرّه في «الصحيح» عن محمد بن مسلم عن أحدهما(علیمهاالسلام) أنه سأله عن الفقير والمسكين فقال : الفقير الذي لا يسأل والمسكين الذي هو أجهد منه الذي يسأل .

وعن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد اللّه(علیه السلام) : قول اللّه عزّ وجل: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة : 60] ، قال : الفقير الذي لا يسأل النّاس والمسكين أجهد منه والبائس أجهدهم (1)


1) الكافي : 501/3 ح 16 ، ووسائل الشيعة : 210/9 ح11858.

أقول : يعطى معنى المسكين الذي قاله الإمام (علیه السلام)من أنه الذي أجهد منه قوله تعالى : (هو أَوْ مِسْكِينَا ذَا مَترَبَةٍ ﴾ [البلد : 16] وذكر أهل اللّغة والتفسير : المتربة الحاجة الشديدة . ومن أنّه الذي يسأل قوله تعالى: فَانطَلَقوا وَهُمْ يَتَخَافَنُونَ أن لا يَدْخُلَنَّها الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِسْكِين [القلم: 23 - 24] ، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء : 8] وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية [النور: 22] .ويعطى معنى الفقير من الفقير من أنه الذي لا يسأل قوله تعالى : (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ اُحْصِرُوا فِي سبِيلِ اللّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفهُم بسیماهم لا يسئلون الناس الحافاً .. وقوله تعالى : (وإن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [البَقَرَة : الآية ،271] ، وقوله تعالى: (لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ﴾ [الحشر: 8]

ثمَّ إنَّ المسكين بحسب النسبة أعمّ من الفقير لأنَّ الفقير مقابل الغني أي الذي ليس له مال والمسكين من كانت به المسكنة أيضاً .

وبعد في المقام بحث طويل الذيل أعرضنا عنه لخروجه من موضوع الكتاب وخوفاً من الإسهاب والإطناب فراجع إلى تفاسير القرآن الكريم وفي زكاة الكتب الفقهية، وقد أشبع الكلام السيد صاحب المدارك) عند قول المحقق اللّه في زكاة الشرائع : أصناف المستحقين للزكاة سبعة : الفقراء والمساكين - الخ . (ص 277 من الطبع الرحلي على الحجر).

(المدفوعون) جمع المدفوع من دفعه إذا نحاه وأبعده ورده . قيل : المراد منه هنا الفقير لأنَّ كلّ أحد يكرهه ويدفعه عن نفسه، وسيأتي بقية الكلام فيه في المعنى.

وقال المجلسي (رحمة اللّه) في «البحار» (ص 643 ج 8 من الطبع الكمباني) وفي بعض النسخ: المدقعون بالقاف، قال في القاموس : المدقع كمحسن الملصق بالدّقعاء وهو التراب. انتهى.

وأقول : منه قول رسول(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) للنساء : إنكنَّ إذا جعتن دقعتن وإذا شبعتن خجلتنَّ(1)، ولكن الصواب ما اخترناه وهو الذي موافق لنسخة الرضي(رحمة اللّه).

(الغارم) الذي علاه الدين لا يجد القضاء. (رتع) كمنع أي أكل وشرب ما شاء في خصب وسعة (فقد أخلّ بنفسه في الدنيا وهو في الآخرة أذل وأخزى هذا هو المطابق


1) الفائق في غريب الحديث : 373/1 ، وكنز العمال: 377/6 ح15136.

للنسخة التي قوبلت بنسخة الشريف الرضي (رحمة اللّه) وهو أخلّ بالخاء المعجمة من غير ذكر الخزي كما في بعض النسخ ومن غير ذكر الذل والخزي كما في نسخ أخرى. وفي أكثر النسخ المطبوعة فقد أحلّ بنفسه في الدُّنيا الذل والخزي بالحاء المهملة في أحلّ، وفي بعضها الآخر فقد أذلَّ نفسه في الدنيا الخزي. وفي نسخة أخرى مخطوطة، فقد أحلَّ بنفسه في الدُّنيا الخزي وجعل بعضهم الخزي بضم الخاء وفتح الزاي جمع الخزية بفتح الخاء أي البلية ولكن الصواب ما اخترناه موافقا للرضي (رحمة اللّه).

قال في القاموس: أخلّ بالشيء أجحف وبالمكان وغيره غاب عنه وتركه والوالي بالثغور قلّل الجند بها وبالرجل لم يف له والخلة الحاجة والفقر والخصاصة، وفي المثل : تدعوالخلة إلى السلّة أي إلى السرقة. خل وأخلّ بالضم احتاج ورجل مخلّ ومختل وخليل وأخلّ معدم فقير واختل إليه احتاج وما أخلك اللّه إليه ما أحوجك والأخل الأفقر وما يناسب المقام هو المعنى الأوّل أعنى الإجحاف (الأمنة) قال الجوهري في الصحاح : الأمنة الأمن ومنه أمنة نعاساً والأمنة أيضاً الذي يثق بكل أحد وفي «منتهى الأرب»: أمنة محركة بي بيمي وراستي ضدّ خيانت وبمعنى أمنة كهمزة است ثمَّ قال: أمنة كهمزة آنكه بر هر کس ایمن باشد و اعتماد کند و آنکه بروی هر کس اعماد کند در هر کاری، انتهی.

وهذا المعنى الأخير هو المراد إن قلنا أنَّ المصدر مضاف إلى الفاعل، وإن قلنا أنه مضاف إلى المفعول به فمعناها هو الذي يثق بكل أحد كما سيأتي .

وفي عدة نسخ من المخطوطة والمطبوعة (الأُمّة) مكان الأمنة إلا نسخة الرضي رضوان اللّه عليه وهي التي اخترناها .

الإعراب

كلمة (أمره) في المواضع الثلاثة من العهد مشكولة العهد مشكولة في نسخة عندنا قوبلت بنسخة الرَّضي بفتح الهمزة والميم والراء وفي غيرها من النسخ التي عندنا آمره بمد الهمزة وضمٌ الميم والراء، فعلى الأول فعل ماض مغايب وعلى الثاني متكلّم من المضارع، والصواب هو الأوّل وذلك لأنَّ أسلوب كلامه(علیه السلام) في هذا العهد على وزان عهده الذي كتبه إلى محمد بن أبي بكر حين ولا، مصر وهو : بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما عهد عبد اللّه على أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر أمره بتقوى اللّه والطاعة في السر والعلانية - إلى أن قال(علیه السلام): وأمره أن يدعو من قبله إلى الطاعة والجماعة - إلى أن قال(علیه السلام) : وأمره أن يجبي خراج الأرض إلى أن قال(علیه السلام): وأمره أن يحكم بين الناس بالحقِّ (1)- إلى آخر


1) الغارات : 224/1 ، ونهج السعادة 99/4 .

العهد. أتى به في «جمهرة رسائل العرب» (ص 532 ج 1) ناقلاً عن «تاريخ الطبري» (ص 231 ج (5) و «شرح ابن أبي الحديد» (ص 25 ج 2) فضمير (أمر) يرجع إلى الاسم الظاهر وهو عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين(علیه السلام) وكذا الكلام في هذا العهد لأنّه كما دريت طويل ولم يذكره الرضي كاملاً، وكانت الكلمة على نسخة الرضي على هيئة الماضي فالمختار هو المتعين .

(فيخالف) الفعل منصوب لأنه وقع بعد (الفاء) التي وقعت جواباً للنّفي أعني لا يعمل وقد قرّر في النحو أنَّ المضارع ينصب (بان) مضمرة وجوباً بعد (الفاء) التي وقعت جواباً لنفي أو طلب، قال ابن مالك في باب إعراب الفعل من الألفية :

وبعد فا جواب نفي أو طلب *** محضين أن وسترها حتم نصب

(تفضلاً) انتصب على المفعول له. والظاهر أنَّ قوله بالإمارة متعلق بلا يرغب وإن أمكن تعلقه بالأفعال الثلاثة جميعاً (فإنّهم الأخوان) تعليل ما أمره ثالثاً .

قال الشارح الفاضل المعتزلي: انتصب (أهل مسكنة) لأنّه صفة (شركاء) وفي التحقيق أنّ (شركاء) صفة أيضاً موصوفها محذوف فيكون صفة بعد صفة وقال : قال الراوندي: انتصب (أهل مسكنة) لأنه بدل من (شركاء). ثمَّ خطأه بقوله : وهذا غلط لأنّه لا يعطي معناه ليكون بدلاً منه. انتهى .

وأقول : إنّ (ذوي فاقة) بدل لقوله (ضعفاء) ولا ضير في كون (أهل مسكنة) بدلاً لقوله (شركاء) فإنّ أهل مسكنة في المقام هو المقصود بالذات قال ابن مالك :

التابع المقصود بالحكم بلا *** واسطة هو المسمّى بدلاً

وكونه مقصوداً بالذات لا يستلزم أن يكون المتبوع ساقطاً رأساً أو يجعل في حكم الساقط كما يشاهد في بعض كتب النحو إلا في بدل الغلط وذلك لأن في ذكر المتبوع أعني المبدل منه فائدة لا محالة لم تحصل لو لم يذكر صوناً لكلام الفصحاء عن اللغو ولاسيما كلامه تعالى وكلام نبيه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فادعاه كونه غير مقصود بالنسبة مع كونه منسوباً إليه في الظاهر واشتماله على فائدة يصح أن ينسب إليه لأجلها دعوى خلاف الظاهر، كما أفاده العالم الأديب الرضي رحمه اللّه تعالى في شرحه على «الكافية». وتلك الفائدة هي تقوية الحكم وتقريره لأنه بمنزلة إسناد الحكم إلى المحكوم عليه مرتين كما أفاده الفاضل العالم السيد علیخان رحمه اللّه تعالى في شرحه على الصمدية.

ثمّ إن قول الفاضل الشارح: لأنه لا يعطي معناه ليكون بدلاً منه، لا يجري في بدل الغلط، على أنَّ بعض النحاة ذهب إلى أن اثنين في قوله تعالى: وَلَا تَتَّخِذُوا إِلَاهَيْنِ اثْنَيْنِ [النحل: 51] بدل كلّ معللاً بقوله : لعدم اشتراط بدل الكلّ أن يكون متحداً مع المبدل في)

المفهوم بل في المصداق فمن حكم أنه بدل بعض متمسكاً بأن مفهومه بعض من مفهوم إلهين فقد أخطأ أتى به الفاضل الميرزه أبو طالب في تعليقته على باب النعت من شرح السيوطي على الألفية».(فقد أخلّ جواب لقوله : ومن استهان (وأفظع) منصوب بأن معطوف على أعظم. (خيانة الأمنة) مصدر مضاف إلى الفاعل، أو مصدر مضاف إلى المفعول به وإن كان الأوّل أولى، وأما إذا كانت الأمة مكان الأمنة فالثاني ليس إلاّ .)### المعنىقد أوصى أمير المؤمنين(علیه السلاممخنف بن سليم الأزدي بهذه الوصية لما بعثه على الصدقة. قال الاسترابادي في كتاب رجاله الكبير : مخنف بن سليم الأزدي عربي كوفي وفي [د] مخنف بن سليم الأزدي [ى - جخ من خواصه عربي. وفي [ق] في أصحابه من اليمن مخنف بن سليم الأزدي وكذا في [صه] نقلاً عنه، وفي الجامع» مخنف بن سليم الأزدي بن الحارث بن عوف بن ثعلبة بن الدول بن سعد مناة بن بن غامد الغامدي، ولاه علي بن أبي طالب(علیه السلام) أصفهان. روى عنه ابنه أبو رملة واسمه ،عامر عداده في أهل البصرة وقيل في أهل الكعبة مخنف بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح النون وبالفاء. سليم بضم السين وفتح اللام. والدول بضم الدال وباللام وغامد بالغين المعجمة ورملة بفتح الراء وباللام. انتهى كلام الأسترابادي.)وأقول: ما حصل لنا من الجوامع والمجاميع أنَّ أمير المؤمنين(علیه السلام أوصى مخنف بن سليم بهذه الوصيّة لما بعثه على الصدقة، وكتب إليه كتاباً لمّا كان عامله على أصبهان وهمدان وذلك أنّ الأمير(علیه السلام) لمّا أجمع أن لمّا أجمع أن يسير إلى الشام لقتال معاوية كتب إلى عماله يستفزهم فكتب إلى مخنف :)سلام عليك، فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنّ جهاد من صدف عن الحقِّ رغبةً عنه، وهبَّ في نعاس العمى والضلال اختياراً ،به فريضة على العارفين، إن يرضى عمّن أرضاه ويسخط على من عصاه وإنا قد هممنا بالسير إلى هؤلاء القوم الذين عملوا في عباد اللّه بغير ما أنزل اللّه واستأثروا بالفيء وعطلوا الحدود، وأماتوا الحق وأظهروا في الأرض الفساد، واتَّخذوا الفاسقين وليجةً من دون المؤمنين، فإذا ولى اللّه أعظم أحداثهم أبغضوه وأقصوه وحرموه وإذا ظالم ساعدهم على ظلمهم أحبوه وأدنوه وبروه، فقد أصروا على ظلمهم وأجمعوا على الخلاف وقديماً صدوا عن الحقِّ وتعاونوا على الإثم وكانوا ،ظالمين فإذا أتيت بكتابي هذا فاستخلف على عملك أوثق أصحابك في نفسك وأقبل إلينا لعلك تلقى معنا هذا العدوّ المحلّ فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتجامع المحقِّ،

وتباين المبطل فإنّه لا غنى بنا ولا بك عن أجر الجهاد وحسبنا اللّه ونعم الوكيل.وكتبه عبيد اللّه بن أبي رافع في سنة سبع وثلاثين .فاستخلف مخنف على أصبهان الحارث بن أبي الحارث بن الرّبيع، واستعمل على همدان سعيد بن وهب وكلاهما من قومه وأقبل حتى شهد مع علي(علیه السلام صفين .)نقله في «جمهرة رسائل العرب» (ص 458 ج 1 عن شرح ابن أبي الحديد (ص282ج1).)قوله(علیه السلام : (أمره بتقوى اللّه - الخ) أمره(علیه السلام) في هذا الوصية بأوامر بعضها يبين وظيفته مع الخالق تعالى وبعضها يبين وظيفته مع الخلق، وذكر للأوَّل أمرين أحدهما قوله(علیه السلام) : أمره بتقوى اللّه - الخ ، وقد تقدّم منا أنه(علیه السلام) كان يوصي في أكثر كتبه وعهوده ووصاياه أولاً بتقوى اللّه وكان هذا من دأبه(علیه السلام) الامتثالاً لأمر اللّه سبحانه واقتداء بكلامه حيث قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللّه) [النساء : 131] فراجع إلى شرح المختار الثاني عشر من باب الكتب ( ص 84 ج 18) وإلى شرح المختار الخامس والعشرين . وقد أفاد بعض الأماجد أنّ جميع خيرات الدُّنيا والآخرة جمعت في كلمة واحدة هي التقوى . انظر إلى القرآن ما علّق عليها من خير وثواب وأضاف إليها من سعادة وكرامة دنيوية وأخروية :

الأول : الثناء عليها قال اللّه سبحانه: وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عِمران : 186])الثاني : الحفظ والحراسة من الأعداء والماكرين قال اللّه تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران: 120] .

الثالث: التأييد والنصر قال اللّه تعالى: إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ [النحل : 128] .

الرابع: النجاة من النار قال اللّه سبحانه :(ثم ننجى الَّذِينَ اتَّقَوا) [مريم : 72].

الخامس : الخلود في الجنّة قال اللّه تعالى: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران : 133].

السّادس : النجاة من الشدائد والرزق الحلال قال اللّه تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَل لَّهُ مخرجا وَيَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب [الطلاق: 2، 3].)السابع: إصلاح العمل قال عزّ شأنه : (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [الأحزاب: 70 - 71])

الثامن: غفران الذَّنب قال اللّه جل جلاله: ﴿وَيَغفر لَكُمْ ذُنُوبَكُم [آل عِمرَان: 31].)التاسع : محبة اللّه تعالى عزّ اسمه : (هو إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة : 4] .)العاشر: قبول الأعمال قال اللّه عظم شانه : ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: :27].)الحادي عشر : الإكرام والإعزاز قال اللّه تبارك وتعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُمْ [الحجرات : 13])الثاني عشر : البشارة عند الموت قال اللّه عظم شأنه :( الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس : 63 - 64] .)ولأجل اجتماع تلك الخصال قال اللّه سبحانه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللّه [النساء: 131])وأفاد نحوه مع زيادات من روايات وإشارات الشيخ العالم الرباني جمال الدين أحمد بن فهد الحلّي قدّس سرّه في أواخر كتاب «عدّة الداعي ونجاح الساعي» (ص 226 فراجع .)والمروي في «مجمع البيان في تفسير القرآن» عن النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم أنّه قال : جماع التقوى في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبی وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) [النحل : 90] . قال : وقيل: المتّقي الذي اتّقى ما لنا حرم عليه وفعل ما أوجب عليه . وقيل : هو الذي يتقي بصالح أعماله عذاب اللّه وسأل عمر بن الخطاب كعب الأحبار عن التقوى، فقال: هل أخذت طريقاً ذا شوك؟ فقال: نعم، :قال : فما عملت فيه ؟ قال حذرت وتشمّرت فقال كعب ذلك التقوى. ونظمه بعض الناس فقال :)خلّ الذنوب صغیرها *** وکبیرها فهو التقیواصنع کماش فوق أر *** ض الشوک یحذر مایریلاتحقرنّ صغیرة *** إنّ الجبال من الحصیوروي عن النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم أنّه قال : إنما سمّي المتقون لتركهم ما لا بأس به حذراً للوقوع فيما به بأس(1). وقال عمر بن عبد العزيز : التَّقى ملجم كالمحرم في الحرم. وقال بعضهم : التقوى أن لا يراك اللّه حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك . انتهى ما في «المجمع» في المقام وقد أتى به في أوّل سورة البقرة.)


1) تفسیر مجمع البيان: 83/1

وأقول : ما نقله من سؤال عمر عن التقوى أتى به السيوطي في «الدر المنثور» أيضاً لكنّه :قال: أخرج ابن أبي الدُّنيا في كتاب التقوى عن أبي هريرة أن رجلاً قال له: ما التقوى؟ قال : هل أخذت طريقاً ذا شوك؟ قال: نعم قال : فكيف صنعت؟ قال : إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه قال : ذاك التقوى(1. انتهى . فليتأمل .)ثمَّ إنّ قول الشاعر: لا تحقرنّ صغيرة إنَّ الجبال من الحصى، كأنه يشير إلى قول رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم حيث نزل بأرض قرعاء فقال لأصحابه : ايتونا بحطب. فقالوا يا رسول اللّهنحن بأرض قرعاء ما بها من حطب؟ قال فليأت كل إنسان بما قدر عليه فجاؤوا به حتى رموا بين ييه بعضه على بعض. فقال رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : هكذا تجتمع الذُّنوب ثمَّ قال : ثمّ قال : إياكم والمحقرات من الذُّنوب فإنَّ لكلّ شيء طالباً ألا وإنَّ طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكلّ شيء أحصيناه في إمام مبين (2). رواه الكليني قدّس سرّه في «الكافي». وأتى به الفيض في باب استصغار الذنب والإصرار عليه من «الوافي» (ص 168 ج 3))وفي أوّل سورة البقرة من تفسير «الدر المنثور» روايات وحكايات مفيدة في التقوى ولكن رأسها ما وصفه إمام المتقين علي أمير المؤمنين (علیه السلامالهمام بن شريح بن يزيد بن مرّة رضوان اللّه عليه وهو المختار 191 من باب الخطب من النهج أوّله روي أنَّ صاحباً لأمير المؤمنين يقال له همّام كان رجلاً عابداً - الخ . وقد رواه ثقة الإسلام الكليني في باب المؤمن وعلاماته وصفاته من «أصول الكافي» ص 979 ج 2 من الكافي المشكول.)ورواه الصدوق (رحمة اللّه في «المجالس» أيضاً والشيخ الكراجي - (رحمة اللّه) - في «كنز الفوائد». وهو مروي أيضاً في كتاب سليم بن قيس الكوفي ص 190 من طبع النجف وراجع أيضاً إلى باب صفات الشيعة وأصنافهم من المجلد الخامس عشر من «البحار» (ص154 من الطبع الكمباني). وإلى باب صفات المؤمن وعلاماته من «الوافي» (ص 33 ج 3). و «مرآة العقول » (ص 1 20 ج 2) من المطبوع على الحجر .)ثم أوصى (علیه السلام أن يكون تقواه في سرائر أمره وخفيات عمله، وذلك لأن الإنسان يأبى ثمَّ عن إتيان الفواحش في مرئى الناس صوناً عن أن يتطرق إليه ما لا يرضى مما يضره ويمنعه من الوصول إلى ما يهويه ويشتهيه ، ثمَّ علل ذلك تنبيهاً له بقوله : حيث لا شهيد غيره ولا وكيل دونه) فمن عرف أنّه تعالى شهيد ووكيل لا غير وأنه بده اللازم ومعه أينما كان فهو لا يفعل إلا ما أجازه تعالى وأمره به فهذا العرفان والشهود أشدّ بمراحل من الحضور مع الناس، بل أين هذا من ذلك فلا يرتكب المعاصي إلا الغافل الذي لا يدري أنّه من هو وبين يدي من هو ومع)


1) الدر المنثور : 24/1 ، وفتح القدير : 34/1 .

2) الكافي: 283/1 ، ووسائل الشيعة: 311/15

من هو، فهو من الذين قال عز من قائل :( اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ [المجادلة: 19]. وبما قدمناه دريت أنّ ما ذهب إليه الشارح المعتزلي وفسّر كلامه(علیه السلام) حيث لا شهيد ولا وكيل بقوله يعني يوم القيامة، وهم، لأنه تعالى شهيد ووكيل في الدُّنيا والآخرة وتفسير الكلام هو ما بيّناه لا غير، وما فسره الشارح المذكور يشابه كلام الظاهريين من المتكلمين . وروى ثقة الإسلام الكليني (رحمة اللّه) في «الجامع الكافي» عن إسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد اللّه(علیه السلام) : يا إسحاق خف اللّه كأنك تراه وإن كنت لا تراه فإنه يراك، وإن كنت ترى أنه لا يراك فقد كفرت وإن كنت تعلم أنه يراك ثم برزت له بالمعصية فقد جعلته من أهون الناظرين عليك (1).

وما أجاد قول العارف عبد الرحمن الجامي في «سبحة الأبرار» حيث قال:

در مقامی که کنی قصده گناه *** گر کند کودکی از دور نگاه

شرم داری ز گنه در گذری *** پرده عصمت خود را ندری

شرم بادت ز خداوند جهان *** که بود واقف أسرار جهان

بر تو باشد نظرش بیگه وگاه *** توکنی در نظرش قصد گناه

وقد مضى بحثنا عن رؤيته تعالى في المختار الثامن من كتبه(علیه السلام) ورسائله (ص242 ج 17) فراجع. وسيأتي نقل رسالتنا منفردة في لقائه تعالى، فارتقب .

قوله : ( وأمره أن لا يعمل - الخ ) هذا ثاني الأمرين الذين ذكرهما بياناً لوظيفة العبد مع خالقه تعالى وحاصله أنّ العبد يجب له الاجتناب من الرياء والسمعة والنفاق، ثمَّ عرّف الأمين والمخلص ترغيباً للعباد إليهما بقوله : ( ومن لم يختلف سره - الخ) وقد روى ثقة الإسلام الكليني قدّس سرّه في الجامع الكافي بإسناده عن مسع بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه قال : قال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : ما زاد خشوع الجسد على القلب فهو عندنا نفاق(2). رواه في آخر باب صفة النفاق والمنافق من كتاب الإيمان والكفر من «أصول الكافي»(ص 289 ج 2 من الكافي المشكول).

والظاهر أن المراد بالأمانة في المقام هو أمانة العامل على الصدقات بأن يقال: لمّا كان(علیه السلام) بعث مخنف بن سليم على الصّدقة واتخذه أميناً على حفظها في غيابه وبعض الناس يخالف سرهم علانيتهم قال ذلك تحريضاً للأمين إلى أداء الأمانة وإخلاص العبادة. ولكلامه


1) الكافي : 68/2 ، وشرح أصول الكافي : 217/8 ح2.

2) الكافي : 396/2 ح 6 ، ووسائل الشيعة: 66/1 ح 144 .

هذا أثر تامّ لمن يبعث على عمل وحفظ مال ونحوهما حيث لا يعلم ما يعمل إلا اللّه الشهيد الحفيظ .

قوله(علیه السلام) : (وأمره أن لا يجبههم - الخ) أخذ(علیه السلام) في بيان وظيفة العامل مع الخلق أمره أن لا يواجههم بما يكرهونه ولا يقول فيهم ما لم يكن فيهم بأن يقول مثلاً : ما تعلق به الزكاة من أموالكم كان أكثر من ذلك وإنما كتمتموها منّي أو ما تدعون من أنكم أديتم الزكاة لا أتقبل منكم وإنّما تقولون به فراراً من الزكاة ونحوها، وأن لا يعرض عنهم تفضلاً بالإمارة عليهم أي لا يوجب إمارته عليهم هذه الأمور كما هو دأب من غرته الإمارة. ثمَّ علل(علیه السلام) ما أمره به بقوله : (فإنّهم الإخوان في الدين والأعوان على استخراج الحقوق) فالإعراض عنهم ومقابلتهم بما يكرهون والإفك فيهم يوجب تفرقهم وتنفّر طباعهم، وتعطيل الحقوق وتفرقة الإخوان مستلزمة لتخريب البلدان، وتضييع الحقوق يؤدّي إلى مفاسد كثيرة. وقد أكد(علیه السلام) في مواضع كثيرة بتأدية حقوق الإخوان ومراعاة أحوالهم وبين منزلتهم ببيانات شافية وافية، وكلامه(علیه السلام) في ذلك في النهج مشحون .

قوله(علیه السلام) : (وإن لك في هذه الصدقة - الخ) وذلك لأنّ مخنف كان عامله على الصدقة وقد قال عزّ من قائل في سورة التوبة : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّن اللّه واللّه عليمٌ حَكِيمٌ [التوبة: 60]

ثمَّ قال له : إنّ لك ولغيرك في هذه الصدقات نصيباً مفروضاً فوق حقوقهم كما أنا موفّوك حقك فكما تحبّ أخذ حقك كاملاً محفوظاً فاحفظ حقوقهم ولا تخنهم وأدّها إليهم، ووصف الشركاء بأهل مسكنة والضعفاء بذوي فاقة تحريضاً للعامل على الشفقة عليهم وحفظ أموالهم وتأدية حقوقهم وعدم خيانته إيّاهم .

ثمَّ حذّره عن سوء الخاتمة ونكال الآخرة بقوله : ( وإلّا فإنك - الخ) أي وإن لم توفَّ حقوقهم فإنك من أكثر الناس خصوماً يوم القيامة. أي يكون خصومك أكثر الناس وهم مستحقوا الزكاة من الفقراء والمساكين وغيرهم من أصناف المستحقين.

ثمَّ شدّد التحذير بقوله (وبؤساً لمن خصمه - الخ) والخصم هم أصناف المستحقين للزكاة كما هو الظاهر من كلامه(علیه السلام) وهم في القرآن الكريم ثمانية إلا أن المحقق(رحمة اللّه) مال في «الشرائع» وجماعة إلى أنّهم سبعة أصناف ظنّاً منهم أنّ الفقرا أنّ الفقراء والمساكين صنف واحد وأن هذين اللفظين - أعني الفقراء والمساكين - مترادفان وقد دريت في بيان اللغة أنه وهم والحقُّ أنهما متغايران كما اختاره أكثر العلماء.

وذكر أمير المؤمنين(علیه السلام) و أربعة أصناف منهم بلفظ القرآن وهم: الفقراء والمساكين والغارمون وابن السبيل، وأشار إلى العاملين بقوله : (وإنَّ لك في هذه الصدقة نصيباً مفروضاً). فهؤلاء خمسة أصناف وبقيت ثلاثة أصناف منهم، وهم: المؤلفة قلوبهم والرقاب وفي سبيل اللّه، وبقي من كلامه(علیه السلام) أيضاً السائلون والمدفوعون .

فقال الشارح البحريني : أنه(علیه السلام) قد ذكر هاهنا في معرض إيجاب الشفقة والرحمة له : خمسة وهم الفقراء والمساكين ويدخل فيه السائلون، ثمَّ المدفوعون ويشبه أن يريد بهم العاملين عليها وسمّاهم مدفوعين باعتبار أنّهم يدفعون لجباية الصدقات أو لأنهم إذا أتوا إلى من لا زكاة عليه فسألوه هل عليه زكاة أم لا دفعهم عن نفسه وذكرهم هنا بهذا الوصف لكونه وصف ذلّ وانقهار وكونه(علیه السلام) في معرض الأمر بالشفقة عليهم. قال بعض الشارحين : أراد بهم الفقراء السائلين لكونهم يدفعون عند السؤال، ثمَّ الغارم وابن السبيل، وإنما ذكر هؤلاء الخمسة أو الأربعة لكونهم أضعف حالاً من الباقين. انتهى كلامه (1)

ولكنّك علمت بما قدَّمنا أن الأمير(علیه السلام) أشار إلى العاملين عليها بقوله : وإنَّ لك في هذه الصدقة نصيباً مفروضاً ، فلا حاجة إلى التكلف الذي ارتكبه .

وقال الشارح المعتزلي : إنه(علیه السلام) إنما أراد أن يذكر الأصناف المذكورة في الآية فترك ذكر المؤلّفة قلوبهم لأنّ سهمهم سقط بعد موت رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فقد كان يدفع إليهم حين الإسلام ضعيف وقد أعزه اللّه سبحانه فاستغنى عن تأليف قلوب المشركين وبقيت سبعة أصناف وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها والرقاب والغارمون وفي سبيل اللّه وابن السبيل، فأما العاملون عليها فقد ذكره(علیه السلام) في قوله : وإنَّ لك في هذه الصدقة نصيباً مفروضاً ، فبقيت ستة أصناف أتى(علیه السلام) بألفاظ القرآن في أربعة أصناف منها وهي الفقراء والمساكين والغارم وابن السبيل وأبدل لفظتين وهما الرقاب وفي سبيل اللّه بلفظتين وهما السائلون والمدفوعون.

وقال: والسائلون ههنا الرقاب المذكورون في الآية وهم المكاتبون يتعذّر عليهم أداء مال الكتابة فيسألون الناس ليتخلّصوا من ربقة الرقّ وقيل : هم الأسارى يطلبون فكاك .أنفسهم والمدفوعون ههنا هم الذين عناهم اللّه تعالى في الآية بقوله: وَفِي سَبِيلِ اللّه . وهم فقراء الغزاة سمّاهم مدفوعين لفقرهم والمدفوع والمدفع الفقير لأنَّ كلَّ أحد يكرهه ويدفعه عن نفسه ، وقيل : هم الحجيج المنقطع بهم سمّاهم مدفوعين لأنهم دفعوا عن إتمام حجهم أو دفعوا عن العود إلى أهلهم . انتهى كلامه)


1) شرح النهج : 161/15 .

وأقول : إنَّ في اختصاص سهم المؤلفة قلوبهم بزمان النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم كلاماً أوَّلاً، وكذا في اختصاص المؤلفة قلوبهم بالمشركين ثانياً ، وكذا في اختصاص الرقاب بالمكاتبين ثالثاً، وكذا في اختصاص سبيل اللّه بفقراء الغزاة رابعاً، وفي كل واحد منها بحث فقهي يطول بالورود فيها الكتاب وينجرُّ إلى الإسهاب وإنما الغرض الإشارة إليها حتى يراجع إلى محالها من شاء.)ثمَّ إِنَّ أسلوب كلامه (علیه السلام على نسخة النهج يحكي بأنه ليس في مقام بيان أصناف مستحقي الزكاة حتى يوجه كلامه بتلك الوجوه، بل أتى بأربعة أصناف منهم، هم أسوء حالاً من غيرهم ترغيباً للعامل إلى مراعاة أحوالهم والشفقة عليهم. والسائلون والمدفوعون الفقراء والمساكين إلا أنَّ السائل والمدفوع أسوء حالاً من الفقراء والمسكين والمدفوع هو المطرود الذي يدفعه الناس ويطردونه وهو أسوء حالاً من السائل ويؤيّده ما نقلنا من «البحار» آنفاً من أنّ هذه الكلمة في بعض النسخ كانت المدقعين مكان المدفوعين والمدقع الملصق بالتراب فكأنه(علیه السلام) قال : (بؤساً لمن خصمه عند اللّه هؤلاء الذين بلغوا إلى هذا المبلغ من الفقر والضعف والعجز).)نعم على نسخة «الدعائم» كما تقدَّم في المصدر قد أتى بجميع أصناف المستحقين حيث قال : (وإنَّ لك في هذه الصّدقة حقاً - إلى قوله : (ولك فيها شركاء فقراء ومساكين وغارمون ومجاهدون وأبناء سبيل ومملوكون ومتألفون - الخ فعلى نسخة «الدعائم» معنى العبارة بين لا يقبل التأويل والتوجيه وبعد اللتيا والتي فإن أبيت إلا حمل كلامه في النهج على أصناف المستحقين أيضاً فلا بد من شمول السائلين والمدفوعين على الأصناف الثلاثة الباقية - أعني المؤلّفة قلوبهم والرقاب وفي سبيل اللّه - بأحد الوجوه المتقدمة أو نحوها، ولا وجه لإخراج المؤلّفة قلوبهم .)ثمَّ إنّه(علیه السلام قال في الوصية المتقدّمة لعامله : (ثمّ أحدر إلينا ما اجتمع عندك نصيره حيث أمر اللّه به) وقال لعامله في هذه الوصية : (وأنّا موقوك حقّك فوقهم حقوقهم) وظاهر كلامه ههنا يشعر بأنه(علیه السلام) أمر عامله هذا - أعني مخنف - أن ينقل الصدقات إلى مستحقي بلدها أصفهان أو همدان ونواحيهما وقد مرّ بعض المسائل الفقهية المربوطة في الوصيّة المتقدّمة منها جواز نقل مال الزكاة من بلد إلى بلد آخر، فراجع.)قوله(علیه السلام : ( ومن استهان بالأمانة - الخ) لا يخفى لطف كلامه(علیه السلام): (ورتع في الخيانة) فكأنه(علیه السلام) شبّه الخائن بدابّة ترعى في مرعى لا تتدبّر في مأكلها ومشربها وسوء خاتمتها .)قوله(علیه السلام : (فقد أخل بنفسه) أي أجحف بنفسها فالخائن لا يخون إلا نفسه وكلُّ نفس)

بما كسبت رهينة وإذا كشف الغطاء عن هذه النفس الدنية في يوم تبلى السرائر فهي أذل وأخرى لأنّها ليست في الآخرة إلا ما كانت في الأولى، ولا نتعبك بالبحث عن الجزاء في المعاد وإن شئت فراجع إلى كتابنا المسمى ب- «القيامة» ونكتفي ههنا بنقل حديث شريف من الكلمة العلياء خاتم الأنبياء محمد المصطفى(صلّی اللّه علیه وآله وسلّميهدي إلى الرشد لمن كان له قلب رواه حملة الأحاديث في جوامعهم الروائية ونحن نأتي به من كتاب الأمالي» للعالم الجليل قدوة المحدثين الشّيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي قدّس سرّه وهو الحديث الرابع من المجلس الأوّل منه رواه بإسناده عن العلاء بن محمد بن الفضل عن أبيه عن من جده قال : قال قيس بن عاصم : وفدت مع جماعة من بني تميم إلى النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فدخلت وعنده الصلصال بن الدلهمس فقلت يا نبي اللّه عظنا موعظة ننتفع بها فإنا قوم نعبر : : في البرية، فقال رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : يا قيس إن مع العزّ ذلاً، وإن مع الحياة موتاً وإنّ مع الدُّنيا آخرة وإنّ لكلّ شيء حسيباً وعلى كل شيء رقيباً وإنَّ لكل حسنة ثواباً ولكل سيئة عقاباً ، ولكلِّ أجل كتاباً وإنّه لا بدَّ لك يا قيس من قرين يدفن معك وهو حي وتدفن معه وأنت ميت فإن كان كريماً أكرمك وإن كان لئيماً أسلمك ثم لا يحشر إلا معك ولا تبعث إلا منه ولا تسئل إلا عنه فلا تجعله إلا صالحاً فإنه إن صلح أنست به وإن فسد لا تستوحش إلا منه وهو فعلك (1). فقال : يا نبي اللّه أحب أن يكون هذا الكلام في أبيات من الشعر نفخر به على من يلينا من العرب وندخره، فأمر النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) و من يأتيه بحسّان قال فأقبلت أفكر فيما أشبه هذه العظة من الشعر فاستتب لي القول قبل مجيء الحسّان فقلت: يا رسول اللّه قد حضرتني أبيات أحسبها توافق ما تريد فقلت :)تخيّر خليطاً من فعالك إنما *** قرين الفتى في القبر ما كان يفعلولا بدّ بعد الموت من أن تعده *** ليوم ينادي المرء فيه فيقبلفإن كنت مشغولاً بشيء فلا تكن *** بغیر الذي يرضى به اللّه تشغلفلن يصحب الإنسان من بعد موته *** ومن قبله إلا الذي كان يعملألا إنّما الإنسان ضيف لأهله *** يقيم قليلاً بينهم ثم يرحلوهذا الحديث وإن كان كله نوراً وكلّ واحدة من جملها تفتح باباً من الحقيقة وتشير إلى سر لأهله ومع ذلك فينبغي لك التأمل جداً في قوله(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم : وإن مع الدُّنيا آخرة ولم يقل: وإنَّ بعد الدنيا آخرة حتى يجعل الآخرة في طول الدنيا الزماني فافهم وفي قوله من قرين يدفن معك وهو حيّ، وقوله : لا يحشر إلا معك وقوله : لا تستوحش إلا منه، لاسيما في قوله :)


1) الأمالي : 51، ومعاني الأخبار : 233.

وهو فعلك، أي ذلك القرين الحيّ المحشور معك هو. ونعم ما قيل:نهفته معنى نازك بسی است درخط یار *** تو فهم آن نکنى اي أديب من دانموفي آخر الباب الخامس من إرشاد القلوب» للديلمي (رحمة اللّه : قال قيس بن عاصم : وفدت على رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) في جماعة من تميم فقال لي: اغتسل بماء وسدر فاغتسلت ثمَّ رجعت إليه فقلت : يا رسول اللّه عظنا موعظة ننتفع بها فقال : يا قيس إن مع العزّ ذلاً - الخ ، انتهى(1).)وقال ابن الأثير في «أسد الغابة»: إنه أسلم فأمره النبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم أن يغتسل بماء وسدر (2).)ومن الحديث يعلم أن قيس بن عاصم كان رجلاً فهيماً عاقلاً لائقاً بأن يخاطب بهذه الجمل ويلقى إليه تلك الصحيفة المكرّمة والموعظة الحسنة بل الحكمة العالية المتعالية ، وكان وفوده إلى النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم سنة تسع من الهجرة وهو الذي قال فيه رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : هذا سيد أهل الوبر وكان سيّداً شريفاً جواداً عاقلاً مشهوراً بالحلم، وهو الذي رثاه عبدة الطبيب)بقوله :عليك سلام اللّه قيس بن عاصم *** ورحمته ما شاء أن يترحماتحيّة من أوليته منك نعمة *** إذا زار عن شحط بلادك سلمافما كان قيس هلكه هلك واحد *** ولكنه بنيان قوم تهدّماوكان قيس بن عاصم قد حرّم على نفسه الخمر في الجاهلية وكان سبب ذلك أنه غمز عنكة ابنته وهو سكران وسب أبويها ، ورأى القمر فتكلّم، وأعطى الخمّار كثيراً من ماله فلمّا أفاق أخبر بذلك فحرّمها على نفسه وقال فيها أشعاراً منها قوله :رأيت الخمر صالحة وفيها *** خصال تفسد الرجل الحليمافلا واللّه أشربه صحيحاً *** ولا أشفي بها أبداً سقيماولا أعطى بها ثمناً حياتي *** ولا أدعو لها أبداً نديمافإن الخمر تفضح شاربيها *** وتجنيهم بها الأمر العظيماوأراد بالرجل الحليم نفسه فإنه كان بالحلم مشهوراً ، قيل للأحنف بن قيس: ممّن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري رأيته يوماً قاعداً بفناء داره محتبياً بحمائل


1) الأمالي : 51 ح 4 ، ومعاني الأخبار: 233 ح 1 .

2) تهذيب الأحكام : 334/3 672 ، ومعرفة الثقات : 221/2 .

سيفه يحدّث قومه إذ أتي برجل مكتوف وآخر مقتول فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك، قال : : فواللّه ما حلّ حيوته ولا قطع كلامه، فلما أتمه التفت إلى ابن أخيه فقال يا ابن أخي بئس ما فعلت أثمت بربّك وقطعت رحمك وقتلك ابن عمّك ورميت نفسك بسهمك ثمَّ قال لا بن له آخر : قم يا بني فوار أخاك وحلّ كتاف ابن عمّك وسق إلى أُمّك مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة.ولمّا حضرته الوفاة دعا بنيه فقال : يا بني احفظوا عنّي فلا أحد أنصح لكم مني : إذا مت فسوّدوا كباركم ولا تسودوا صغاركم فيسفه الناس كباركم وتهونون عليهم، وعليكم بإصلاح المال فإنّه منبهة للكريم ويُستغنى به عن اللئيم، وإياكم ومسألة الناس فإنها آخر كسب الرجل وأوصى عند موته فقال : إذا أنا مت فلا تنوحوا عليّ فإنّ رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم لم ينح عليه .)وكان قيس هذا أوّل من وأد وجاء إلى رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم فقال : إني وأدت ثماني بنات لي في الجاهلية فقال : اعتق عن كل واحدة منهنّ رقبة قال : إني صاحب إبل . قال(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم): إن شئت عن كل واحدة منهنَّ بدنة، كما في «الإصابة» (1).)وفي «أسد الغابة» : روي عنه أنّه قال للنبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم : إني وأدت اثنتي عشرة بنتاً أو ثلاث عشرة بنتاً . فقال له النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : اعتق عن كلّ واحدة منهنّ "نسمة اعتق عن كلّ واحدة منهنّ نسمة (2). وفي المقام ينبغي يبحث عن الدّية ولكن الكلام يجرّ الكلام.)ويليق أن ينظر في شأن قيس هذا حيث كان أوّل الأمر ممّن ياد بناته، قال عزّ من قائل : ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ اَيُمسكُه عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاَءَ مَا يَحْكُمُونَ [النحل : 60] ثمَّ هدي بالقرآن اللّه الكريم إلى الدين القويم، نعم إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم وكان ممن حرَّم على نفسه الخمر في الجاهلية ومن أمره هذا ومن حلمه وكلامه يعلم فخامة قدره وقدر ذكائه وفطنته. وقد كان غير واحد من أولى الدراية حرّموا على أنفسهم الخمر في الجاهلية منهم عثمان بن مظعون وقال : لا أشرب شراباً يذهب عقلي ويضحك بي من هو أدنى منّي، ويحملني أن أنكح كريمتي.

ومنهم العباس بن مرداس فإنه قيل له: ألا تأخذ من الشراب فإنه يزيد في قوتك وجرأتك قال : لا أصبح سيد قومي وأمسي سفيهها لا واللّه لا يدخل جوفي شيء يحول بيني


1) الإصابة : 368/5 ، والمعجم الكبير : 373/18.

2) المعجم الكبير : 338/18

وبين عقلي أبداً. وقد أتى بعدة منهم ابن الأثير في ترجمة العباس هذا في ترجمة العباس هذا من «أسد الغابة».

قوله(علیه السلام) : (وإنَّ أعظم الخيانة - الخ) وذلك لأنّ الخيانة في نفسها قبيحة وإن كان في حق من لا يثق بك، فهي في حق من اعتمد عليك ووثق بك واستأمنك أقبح وأعظم عقوبة ونكالاً في الأولى والآخرة وكذلك الكلام في الغش وكذلك على نسخة الأمة مكان الأمنة ولكن في الأمنة لطفاً ليس في الأمة كما هو مختارنا الموافق لنسخة الرضي رضوان اللّه عليه . ومعنى العبارة على هذا الوجه يصح إن كان المصدر مضافاً إلى المفعول وقد اختاره الفاضل الشارح المعتزلي حيث قال: وخيانة الأمة مصدر مضاف إلى المفعول به لأنّ الساعي إذا خان فقد خان الأمّة كلّها، وكذلك غش الأئمة مصدر مضاف إلى المفعول أيضاً لأنّ الساعي إذا غش في الصدقة فقد غش الإمام انتهى .

وأقول : قد تقدّم أنّ العبارة إذا كانت (الأمّة) فالجملة الأولى لا تحتمل إلا إضافة المصدر إلى المفعول به، وتجعل الثانية على وزانها أيضاً حتّى يصير الكلام على نسق واحد. ولكنّ حقَّ التدبر في الكلام وسياق العهد وأسلوبه تنادي بأنّ الصواب هو الأمنة وأنَّ الإضافة في الجملتين إلى الفاعل أولى إن لم تكن متعيّنة .

وانظر يا باغي الرشاد وطالب السداد في هذا العهد الشريف حيث صدره(علیه السلام) بتقوى في بواطن الأمور والأعمال مشيراً إلى أنّ اللّه هو الشهيد الوكيل فينبغي لعبد اللّه أن يكون عند اللّه مطلقاً ولا يكون من الغافلين أوّلاً ، ثم أمر بترك الرياء والنفاق المؤدّي إلى الإخلاص ثانياً ، ثم أمر بالشفقة على الرعيّة ونهى عن التكبر والتطاول عليهم بسبب الإمارة عليهم ثالثاً ، ثمَّ أوصى في حفظ حقوقهم وتأديتها إليهم إن أحبّ ألا يكون خصمه عند اللّه يوم القيامةهؤلاء المساكين رابعاً، ثمَّ حذر من استهان بالأمانة بعذاب الآخرة، وخيانته لنفسه خامساً، وكما صدر عهده بتقوى اللّه تعالى كذا عقبه بالزهد في الدُّنيا وتزكية النفس عن الأدران النفسانية والأوساخ الدنيوية حيث قال : ولم ينزّه نفسه ودينه عنها - الخ سادساً ، وختمه بذمٌ خيانة الأمنة وغش الأئمة سابعاً، نعم هكذا واللّه كلام من اجتباه اللّه تعالى ليستنقذ عباده من الضلالة والجهالة . والحمد لله ولي التوفيق وبيده أزمة التحقيق.

ثمَّ إِنَّ لمستحقي الزكاة من الأصناف الثمانية شروطاً مذكورة مشروحة في الكتب الفقهية فلا نتعبك بعنوانها والبحث عنها

الترجمة

از جمله عهد آن حضرت (علیه السلام) است که آن را به یکی از عمّالش هنگامی که او را برای جمع زکات فرستاده مرقوم فرمود:

امر کرد او را که در امور پنهان و اعمال پوشیده اش با تقوی باشد، چه گواهی جز خدا و وکیلی سوای او .نیست

و امر کرد او را که در آشکار طاعتی به جا نیاورد که در پنهان خلاف آن را مرتكب شود و هر که پنهان و آشکارش و کردار و گفتارش دوگونه و خلاف هم ،نیست امانت را ادا کرده و عبادت را به اخلاص گذرانده .

و امر کرد او را که دست رد به پیشانی مردم نزند و نابایست و ناخوش بر آن ها پیش نیاورد و بدانها بهتان نزند و بر آنها دروغ نبندد و از جهت امارت و آنان از ایشان روی برنگرداند چه آنان برادران دینی و یاوران بر گرفتن حکومت بر حقوق هستند.

و همانا که برای تو در این زکات بهره واجب و حقی معلوم است و مرتورا انبازان درویش و ناتوان تهی دست در این مال است و ما حق تو را به تمام می دهیم، پس تو هم حق ایشان را به تمام و کمال بپرداز وگرنه خصم تو در روز رستاخیز مردم بسیار خواهند بود و بدا به کسی که خصم او نزد خدا فقرا و مساکین و سائلان و رانده شدگان و وامداران و رهگذریان باشند و آن که امانت را خوار دارد و در خیانت چراکند و خودش را و دینش را از آن پاک نسازد به خودش در دنیا ستم کرد و در آخرت هم خویشتن را زبون و رسوا ساخت. و هماناکه بزرگترین خیانت خیانت کسی است که دیگران بر وی اعتماد دارند و زشت ترین غش کردن غشّ کردن پیشوایان است.

ومن عهد له عليه الصلاة والسلام إلى محمد بن أبي بكر حين قلده مصر - وهو المختار السابع والعشرون من كتبه(علیه السلام) ووصاياه وعهوده ورسائله

اشارة

فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ، وَأَلِنْ لَهُمْ جانِبَكَ، وَابْسُطُ لَهُمْ وَجْهَكَ وَآس بَيْنَهُمْ في اللَّحْظَة والنظرَةِ حَتَّى لا يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ في حَيْفِكَ، وَلا يَبْأسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَىيُسَائِلُكُمْ مَعْشَرَ عِبَادِهِ عَن الصَّغِيرَةِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَالْكَبِيرَةِ، وَالظَّاهِرَةِ وَالْمَسْئُورَةِ فَإِنْ يُعَذِّبْ فَأَنتُمْ أَظْلَمُ، فَإِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَكْرَمُ .

وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللّهِ أَنَّ الْمُتَّقِينَ ذَهَبُوا بِعَاجِل الدُّنْيَا وَآجِلِ الآخِرَةِ فَشَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا في دُنْيَاهُمْ وَلَمْ يُشَارِكُهُمْ أَهْلُ الدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ. سَكَنُوا الدُّنْيَا بِأَفْضَل ما سُكِنَتْ، وَأَكَلُوها بأفضل ما أُكِلَتْ، فَحَفُوا مِنَ الدُّنْيَا بِمَا حَفِي بِهِ الْمُتْرَفُونَ، وَأَخَذُوا مِنْهَا ما أَخَذَهُ الْجَبَابِرَةُ المُتَكَبِّرُونَ ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ الْمُبَلِّغ وَالْمَتْجَرِ الْمُربح ، أصابُوا لَذَّةَ زُهْدِ الدُّنْيَا في دُنْيَاهُمْ، وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ جيْرانُ اللّهِ غَداً في آخِرَتِهِمْ. لاَ تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ، وَلا يُنْقَصُ لَهُمْ نَصِيبُ مِنْ لَذَّةٍ، فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللّه الْمَوْتَ وَقُرْبَهُ، وَأَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِأَمْرِ عَظِيمٍ وَخَطب جَلِيل بِخَيْرٍ لاَ يَكُونُ مَعَهُ شَرٌّ أَبَداً ، أَوْ شَرِّ لَا يَكُونُ مَعَهُ خَيْرٌ أَبَداً فَمَنْ أَقْرَبُ إِلى الْجَنَّةِ مِنْ عَامِلها ؟ وَمَنْ أَقْرَبُ إِلى النَّارِ مِنْ عامِلِهَا؟ وَأَنتُمْ طُرّداءُ الْمَوْتِ إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ وَإِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ وَهُوَ أَلْزَمُ لَكُمْ مِنْ ظِلّكُمْ، الْمَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَواصِيْكُمْ وَالدُّنْيَا تُطوى مِنْ خَلْفِكُمْ، فَاحْذَرُوا ناراً فَعْرُها بَعيدٌ وَحَرُّها شَدِيدٌ وَعَذَابُهَا جديد.

دَارٌ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ، ولا تُسْمَعُ فِيهَا دَعْوَةٌ، وَلا تُفَرَّجُ فِيهَا كُرْبَةٌ، وَإِن اسْتَطَعْتُمْ أَن يَشْتَدَّ خَوْفُكُمْ مِنَ اللّهِ، وَأَن يَحْسُنَ ظَنُّكُمْ بِهِ فَاجْمَعُوا بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا يَكُونُ حُسْنُ ظَنْهِ بِرَبِّهِ عَلَى قَدْرِ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ، وَإِنْ أَحْسَنَ النَّاسِ ظَنا باللّه أشَدُّهُمْ خَوْفاً للّه .

وَاعْلَمْ يَا مُحَمَّد بْن أَبي بَكْرٍ، قَدْ وَلَّيْتُكَ أَعْظَمَ أجْنَادي فى نَفْسِى أَهْلُ مِصْرَ فَأَنْتَ مَحْقُوق أنْ تُخَالِفَ عَلَى نَفْسِكَ وَأَنْ تُنَافِحَ عَنْ دِيْنِكَ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لَكَ إِلا سَاعَةٌ مِنْ دَهْرِكَ فَلاَ تُسْخِطِ اللَّهَ بِرِضًا أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، فَإِنَّ فِي اللَّهِ خَلَفاً مِنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ مِنَ اللّهِ خَلَفٌ في غَيْرِهِ .

صَلِّ الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا الْمُوَقَت لَهَا ، وَلا تُعَجِّلْ وَقْتَهَا لِفَرَاغ ، وَلا تُؤَخِّرُها عَنْ وَقْتِهَا لاشتغال ، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِكَ تَبَعٌ لِصَلاتِكَ .

ومن هذا العهد :

فَإِنَّهُ لاَ سَوَاءٌ إمامُ الْهُدَى وَإمامُ الرَّدى، وَوَلِيُّ النَّبِيِّ وَعَدُوُّ النَّبِيِّ وَلَقَدْ قالَ لِي رَسُولُ اللَّهَ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ : إِنّي لا أَخافُ عَلَى أُمَّتِي مُؤْمِناً وَلا مُشْرِكاً ، أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَمْنَعُهُ اللّهُ بِإِيْمَانِهِ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَيَقْمَعُهُ اللَّهُ بِشِرْكِهِ، وَلكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُلَّ مُنَافِقِ الْجَنَانِ عالم النِّسَانِ يَقُولُ ما تَعْرِفُونَ وَيَفْعَلُ ما تُنْكِرُونَ (1).

ذكر مآخذ العهد ومصادره

قد روى هذا العهد في كتب الفريقين بأسانيد عديدة وطرق كثيرة على صور متقاربة أو متفاوتة :

منهم أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي الكوفي صاحب مصنفات كثيرة، المتوفَّى سنة ثلاث وثمانين ومائتين في كتاب الغارات.

ومنهم أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة عشر وثلاثمائة في كتابه في «تاريخ الرسل والملوك» (ص 3246 ج6 من طبع ليدن) .

ومنهم الشيخ الجليل أبو محمد الحسن بن علي بن شعبة الحراني المتوفى 332ه- . ق في«تحف العقول» (ص 40 من الطبع على الحجر. وص 171 من الطبع الجديد).

ومنهم الشيخ الأجل أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام البغدادي الملقب بالمفيد المتوفى سنة 413 ه- . ق ، في أوّل المجلس الحادي والثلاثين من أماليه ( ص 151 من طبع النجف).

ومنهم شيخ الطائفة الإمامية أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى 460 ه- . ق في آخر الجزء الأوّل من أماليه ( ص 16 من طبع طهران، وص 24 ج 1 من طبع النجف).

ومنهم أبو جعفر محمد بن أبي القاسم محمد بن علي الطبري الآملي المعروف بعماد الدين الطبري من علماء الإمامية في القرن السادس في كتابه بشارة المصطفى لشيعة المرتضى) ( ص 52 ج 1 من طبع النجف) وفي كتابه في «الزهد والتقوى».


1) تحف العقول ،179 ، والغارات: 248/1ح 2.

وأتى بما في الغارات الفاضل الشارح المعتزلي في أوائل الجزء السادس من شرحه على المختار 66 من خطب النهج ( ص 295 ج 1 من الطبع على الحجر). والعلامة المجلسي جا في المجلد الثامن من« البحار » ( ص 643 من الطبع الكمباني). ونقل بعض صور (ص هذا العهد المنقول من الطبري وأبي إسحاق الثقفي الفاضل أحمد زكي صفوت في «جمهرة رسائل العرب» (ص 532 إلى 542 ج 1 من طبع مصر) .

ونقل طائفة من كتاب الغارات في كيفية شهادت محمد بن أبي بكر ونبذة من مطالب أخرى الفاضل المقدم الميرزه حبيب اللّه الخوئي في «شرح المختار» المذكور آنفاً إلا أنه جعله المختار 67 ولم يأت من صور هذا العهد إلا واحداً منها فراجع إلى (ص112 من ج6 من الطبع الجديد).

وقال بعد نقله : أقول : ولأمير المؤمنين(علیه السلام) كتاب آخر مبسوط إلى محمد وأهل مصر ورواه إبراهيم - يعني أبا إسحاق إبراهيم صاحب كتاب الغارات - نرويه إن شاء اللّه في باب الكتب إن ساعدنا التوفيق والمجال، انتهى .

أقول : ولكنه رضوان اللّه عليه قد قضى نحبه وقد بلغ شرحه إلى أواخر خطب النهج، كما تقدّم كلامنا في ذلك في أوّل «تكملة المنهاج» ، ونحن نرويه ههنا إن شاء اللّه تعالى بصوره جميعاً نيابة عن الخوئي رحمه اللّه ونسأل اللّه تعالى أن يجعل سعيه مشكوراً. ويوفقنا بإتمام شرح الكتاب إنّه المفيض الوهّاب.

صورة العهد على رواية أبي إسحاق في كتاب الغارات

أمّا صورة العهد على رواية أبي إسحاق إبراهيم في كتاب الغارات قال: وكان عهد علي إلى محمد بن أبي بكر رحمه اللّه الذي قُريء بمصر : هذا ما عهد عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر : أمره بتقوى اللّه في السر والعلانية وخوف اللّه تعالى في المغيب والمشهد.

وأمره باللّين على المسلم والغلظ على الفاجر، وبالعدل على أهل الذمة وبالإنصاف للمظلوم، وبالشدَّة على الظالم وبالعفو عن النّاس،وبالإحسان ما استطاع، واللّه يجزي المحسنين.

وأمره أن يدعو من قبلَه إلى الطاعة والجماعة، فإنَّ لهم في ذلك من العاقبة وعظم المثوبة ما لا يُقدر قدره ولا يُعرف كنهه .

وأمره أن يجبي خراج الأرض على ما كانت تُجبى عليه من قبل لا ينتقص ولا يبتدع ثمَّ

يقسمه بين أهله كما كانوا يقسمونه عليه من قبل، وإن تكن لهم حاجة يواسي بينهم في مجلسه ووجهه ليكون القريب والبعيد عنده على سواء .

وأمره أن يحكم بين الناس بالحق، وأن يقوم بالقسطاس، ولا يتبع الهوى ولا يخاف في اللّه لومة لائم فإنَّ اللّه مع من من اتقاه وآثر طاعته على من سواه.

وكتب عبد اللّه بن أبي رافع مولى رسول اللّه لغرة شهر رمضان سنة ست وثلاثين .

قال أبو إسحاق إبراهيم : ثم قام محمد بن أبي بكر خطيباً فحمد اللّه وأثنى عليه وقال : أما بعد، فالحمد فالحمد لله الذي هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحق، وبصرنا وإياكم كثيراً مما عَمِيَ عنه الجاهلون ألا وإنَّ أمير المؤمنين ولاني أموركم وعهد إلي بما سمعتم وأوصاني بكثير منه مشافهة ولن آلوكم جهداً ما استطعت وما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت وإليه أنيب، فإن يكن ما ترون من آثاري وأعمالي طاعة اللّه وتقوى فاحمدوا اللّه على ما كان من ذلك فإنه هو الهادي إليه، وإن رأيتم من ذلك عملاً بغير الحقِّ فارفعوه إليّ وعاتبوني عليه فإني بذلك أسعد وأنتم بذلك جديرون، وفقنا اللّه وإياكم لصالح العمل(1).

صورة ما كتب أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى أهل مصر لما بعث محمد بن أبي بكر إليهم يخاطبهم به ومحمداً أيضاً فيه على رواية أبي إسحاق في كتاب الغارات أيضاً

وقال أبو إسحاق إبراهيم في كتاب الغارات أيضاً وحدّثني يحيى بن صالح عن مالك، عن خالد الأسدي عن الحسن بن إبراهيم عن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن قال : كتب علي(علیه السلام) إلى أهل مصر لما بعث محمد بن أبي بكر إليهم كتاباً يخاطبهم به ويخاطب محمد أيضاً فيه : أما بعد فإنّي أوصيكم بتقوى اللّه في سرّ أمركم ،وعلانيته، وعلى أي حال كنتم عليها . وليعلم المرء منكم أنّ الدنيا دار بلاء وفناء والآخرة دار جزاء وبقاء، فمن استطاع أن يؤثر ما بقي على ما يفنى فليفعل فإنّ الآخرة تبقى والدُّنيا تفنى، رزقنا اللّه وإياكم بصراً لما بصرنا وفهماً لما فهمنا حتى لا نقصر عمّا أمرنا ، ولا نتعدَّى إلى ما نهانا . واعلم يا محمد أنّك وإن كنت محتاجاً إلى نصيبك من الدُّنيا إلا أنّك إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن عرض لك أمران أحدهما للآخرة والآخر للدنيا فابدأ بأمر الآخرة.


1) شرح النهج : 66/6 ، وتاريخ الطبري : 557/3

ولتعظم رغبتك في الخير، ولتحسن فيه نيّتك فإنَّ اللّه عزّ وجلَّ يعطي العبد على قدر نيته، وإذا أحبّ الخير وأهله ولم يعمله كان إن شاء اللّه كمن عمله، فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) قال حين رجع من تبوك : إنَّ بالمدينة لأقواماً ما سرتم من مسير ولا هبطتم من وادٍ إلا كانوا معكم ما حبسهم إلّا المرض (1)يقول : كانت لهم نية.

ثمَّ اعلم يا محمد إنّي وليتك أعظم أجنادي أهل مصر، وولينك ما وليتك من أمر الناس فأنت محقوق أن تخاف فيه على نفسك وتحذر فيه على دينك ولو كان ساعة من نهار، فإن استطعت أن لا تسخط ربّك لرضى أحدٍ من خلقه فافعل فإنَّ فى اللّه خلفاً من غيره وليس في شيء غيره خلف منه ، فاشتدَّ على الظالم، ولن لأهل الخير وقربهم إليك واجعلهم بطانتك وإخوانك والسلام (2).

كتاب أمير المؤمنين علي(علیه السلام) إلى محمد بن أبي بكر وأهل مصر على صورة أخرى منقولة من كتاب الغارات أيضاً

قال أبو إسحاق إبراهيم : حدَّثني يحيى بن صالح عن مالك خالد بن عن الحسن بن إبراهيم، عن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن(علیه السلام) قال : كتب علي(علیه السلام) إلى محمد وأهل :مصر أما بعد: فإنّي أوصيكم بتقوى اللّه والعمل بما أنتم عنه مسؤلون فأنتم به رهن وإليه صائرون، فإنَّ اللّه عزّ وجلّ يقول : (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [المدثر: 38] ، وقال : (وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) ، وقال : فَورَبكَ لَنَسْئلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ فاعلموا عباد اللّه أن اللّه سائلكم عن الصغير من أعمالكم والكبير فإن يعذِّب فنحن الظالّون وإن يغفر ويرحم فهو أرحم الراحمين.)واعلموا أنَّ أقرب ما يكون العبد إلى الرحمة والمغفرة حين ما يعمل بطاعة اللّه ومناصحته في التوبة، فعليكم بتقوى اللّه عزّ وجلّ فإنها تجمع من الخير ما لا يجمع غيرها ويدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها : خير الدُّنيا وخير الآخرة، يقول سبحانه: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ المُتَّقِينَ [النحل: 30]

واعلموا عباد اللّه أنَّ المؤمنين المتقين قد ذهبوا بعاجل الخير وآجله شركوا أهل الدُّنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدُّنيا في آخرتهم، يقول اللّه عزّ وجلَّ: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ


1) الغارات: 230/1 ، وبحار الأنوار : 543/33 .

2) تحف العقول: 179 ، مستدرك سفينة البحار 233/3

التي أخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَمَةُ . سكنوا الدُّنيا بأفضل ما سكنت وأكلوها بأفضل ما أكلت شاركوا أهل الدُّنيا في دنياهم، يأكلون من أفضل ما يأكلون ويشربون من أفضل ما يشربون ويلبسون من أفضل ما يلبسون ويسكنون من أفضل ما يسكنون أصابوا لذة أهل الدُّنيا مع أهل الدُّنيا أنهم غداً من جيران اللّه عزّ وجلَّ يتمنون عليه لا يردّ لهم دعوة ولا ينقص لهم لذة، أما في هذا ما يشتاق إليه من كان له عقل .)واعلموا عباد اللّه أنّكم إن اتقيتم ربكم، وحفظتم نبيكم في أهل بيته فقد عبدتموه بأفضل ما عبد، وذكرتموه بأفضل ما ذكر وشكرتموه بأفضل ما شكر وأخذتم بأفضل الصبر وجاهدتم بأفضل الجهاد، وإن كان غيركم أطول صلاة منكم، وأكثر صياماً إذا كنتم أتقى اللّه وأنصح لأولياء اللّه من آل محمد(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم وأخشع .)واحذروا عباد اللّه الموت ونزوله، وخذوا له فإنه يدخله بأمر عظيم: خير لا يكون معه شرّ أبداً، وشرّ لا يكون معه خير أبداً، ليس أحد من النّاس تفارق روحه جسده حتى يعلم إلى أي المنزلتين يصير إلى الجنّة أم إلى النار؟ أعدوّ هو اللّه أم ولي له؟ فإن كان ولياً فتحت له أبواب الجنة، وشرع له طريقها، ونظر إلى ما أعد اللّه عزّ وجلّ لأوليائه فيها فرغ من كل شغل، ووضع عنه كل ثقل وإن كان عدواً فتحت له أبواب النّار وسهل له طريقها ونظر إلى ما أعدَّ اللّه لأهلها واستقبل كلَّ مكروه، وفارق كل سرور، قال تعالى : (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائكَة ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَالْقَوْا السَّلم مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سوء بَلَى إِنَّ اللّه عَليمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أبواب جهنم خالدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِرِينَ [النحل : 28 - 29].واعلموا عباد اللّه أنّ الموت ليس فيه فوت فاحذروه وأعدوا له عدَّته فإنّكم طرداء للموت إن أقمتم أخذكم وإن هربتم أدرككم ، وهو ألزم لكم من ظلكم معقود بنواصيكم، والدُّنيا تطوى من خلفكم، فأكثروا ذكر الموت عند ما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات فإنّه كفى بالموت واعظاً قال رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم: أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللذات .)واعلموا عباد اللّه أنَّ ما بعد الموت أشدّ من الموت لمن لم يغفر اللّه له ويرحمه واحذروا القبر وضمّته، وضيقه وظلمته فإنّه الذي يتكلّم كلّ يوم: أنا بيت التراب، وأنا بيت الغربة، وأنا بيت الدود والقبر روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النّار، إنّ المسلم إذا مات قالت الأرض : مرحباً وأهلاً قد كنت ممن أحبّ أن تمشي على ظهري، فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك فيتّسع له مدَّ بصره، وإذا دفن الكافر قالت له الأرض: لا مرحباً ولا أهلاً قد كنت ممن أبغض أن تمشي على ظهري فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك، فتنضم عليه حتى تلتقي أضلاعه.

واعلموا أنَّ المعيشة الضنك التي قال سبحانه: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه: 124] عذاب القبر فإنه يسلّط على الكافر في قبره حيات عظام تنهش لحمه حتى يبعث لو أنَّ تنيناً منها نفخ في الأرض ما أنبتت الزرع أبداً . واعلموا عباد اللّه أنَّ أجسادكم الرقيقة الناعمة التي يكفيها اليسير من العقاب ضعيفة عن هذا فإن استطعتم أن ترحموا أنفسكم وأجسادكم مما لا طاقة لكم به ولا صبر عليه فتعملوا بما أحبَّ اللّه سبحانه وتتركوا ما كره فافعلوا ولا حول ولا قوة إلّا باللّه .

واعلموا عباد اللّه أنَّ ما بعد القبر أشدّ من القبر يوم يشيب فيه الصغير، ويسكر فيه الكبير وتذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت ،واحذروا يوماً عبوساً قمطريراً كان شرّه مستطيراً، أما إنَّ شرَّ ذلك اليوم وفزعه استطار حتّى فزعت منه الملائكة الذين ليست لهم ذنوب والسبع الشداد والجبال الأوتاد والأرضون المهاد وانشقت السماء فهي يومئذ واهية وتغيرت فكانت وردة كالدهان، وكانت الجبال سراباً بعد ما كانت صمّاً صلاباً، يقول اللّه سبحانه: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللّهُ [الزمر: 68]، فكيف بمن يعصيه بالسمع والبصر واللسان واليد والفرج والبطن إن لم يغفر اللّه ويرحم؟

واعلموا عباد اللّه أنَّ ما بعد ذلك اليوم أشد وأدهى نار قعرها بعيد، وحرُّها شديد عذابها جديد، ومقامعها حديد، وشرابها صديدٌ، لا يفتر عذابها ،ولا يموت ساكنها ،دار ليست اللّه سبحانه فيها رحمةٌ، ولا تسمع فيها دعوة ومع هذا رحمة اللّه التي وسعت كل شيء لا تعجز عن العباد، وجنّةٌ عرضها كعرض السماوات والأرض ؛ خير لا يكون بعده شرّ أبداً ، وشهوة لا تنفد أبداً، ولذة لا تفنى أبداً، ومجمع لا يتفرّق أبداً، قوم قد جاوروا الرحمن، وقام بين أيديهم الغلمان بصحاف من ذهب فيها الفاكهة والريحان، وأن أهل الجنّة يزورون الجبار سبحانه في كل جمعة فيكون أقربهم منه على منابر من نور، والذين يلونهم على منابر من ياقوت، والذين يلونهم على منابر من مسك فبيناهم كذلك ينظرون اللّه جلَّ جلاله وينظر اللّه في وجوههم إذ أقبلت سحابةٌ تغشاهم فتمطر عليهم من النعمة واللذة والسرور والبهجة ما لا يعلمه إلا اللّه سبحانه، ومع هذا ما هو أفضل منه رضوان اللّه الأكبر، أما إنا لو لم نخوّف إلا ببعض ما خوفنا به لكنا محقوقين أن يشتد خوفنا ممّا لا طاقة لنا به، ولا صبر لقوَّتنا عليه، وأن يشتدَّ شوقنا إلى ما لا غنى لنا عنه وما لا بد لنا منه، فإن استطعتم عباد اللّه أن يشتدَّ خوفكم من ربِّكم فافعلوا فإنَّ العبد إنما تكون طاعته على قدر خوفه، وإن أحسن النّاس اللّه طاعة أشدّهم له خوفاً .

وانظر يا محمد صلاتك كيف تصلّيها فإنّما أنت إمام ينبغي لك أن تتمها، وأن تخفّفها وأن تصليها لوقتها فإنّه ليس من إمام يصلي بقوم فيكون في صلاته وصلاتهم نقص إلا كان إثم

ذلك عليه ولا ينقص من صلاتهم شيئاً .

واعلم أنَّ كلّ شيء من عملك يتبع صلاتك فمن ضيّع الصلاة فهو لغيرها أشدُّ تضييعاً، ووضؤوك من تمام الصلاة فأت به على وجهه فالوضوء نصف الإيمان أسأل اللّه الذي يُرى ولا يُرى وهو بالمنظر الأعلى أن يجعلنا وإياك من المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .

فإن استطعتم يا أهل مصر أن تصدق أقوالكم أفعالكم وأن يتوافق سركم وعلانيتكم، ولا تخالف ألسنتكم قلوبكم فافعلوا عصمنا اللّه وإياكم بالهدى، وسلك بنا وبكم المحجّة الوسطى.

وإياكم ودعوة الكذاب ابن هند وتأملوا، واعلموا أنه لا سوى إمام الهدى وإمام الرَّدى، ووصيُّ النّبي وعدوُّ النّبي، جعلنا اللّه وإياكم ممن يحب ويرضى، ولقد سمعت رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)يقول : إني لا أخاف على أُمّتي مؤمناً ولا مشركاً : أما المؤمن فيمنعه اللّه بإيمانه، وأما المشرك فيحرمنه اللّه بشركه ولكنّي أخاف عليهم كل منافق اللسان يقول ما يعرفون ويفعل ما ينكرون .

واعلم يا محمد أنّ أفضل الفقه الورع في دين اللّه والعمل بطاعته فعليك بتقوى اللّه في سر أمرك وعلانتيك، وأوصيك بسبع من جوامع الإسلام اخش اللّه ولا تخش الناس في اللّه، وخير القول ما صدقه العمل، ولا تقض في أمرٍ واحدٍ بقضائين مختلفين فيتناقض أمرك وتزيغ عن الحقِّ، وأحبّ لعامة رعيَّتك ما تحبّه لنفسك وأكره ما تكره لنفسك، واصلح أحوال رعيّتك، وخض الغمرات إلى الحقِّ ولا تخف لومة لائم، وانصح لمن استشارك واجعل نفسك أسوة لقريب المسلمين وبعيدهم. جعل اللّه خلتنا وديننا خلة المتقين وود المخلصين، وجمع بيننا وبينكم في دار الرّضوان إخواناً على سرر متقابلين إن شاء اللّه (1).

قال أبو إسحاق إبراهيم: فحدثني عبد اللّه بن محمد بن عثمان عن علي بن محمد بن أبي سيف عن أصحابه أن علياً(علیه السلام) لما كتب إلى محمد بن أبي بكر هذا الكتاب كان ينظر فيه ويتأدب به فلمّا ظهر عليه عمرو بن العاص وقتله أخذ كتبه أجمع فبعث بها إلى معاوية فكان معاوية ينظر في هذا الكتاب ويتعجب منه ، فقال الوليد بن عقبة وهو عند معاوية وقد رأي إعجابه به مر بهذه الأحاديث أن تحرق فقال معاوية : مه ! فإنّه لا رأي لك، فقال الوليد أفمن الرأي أن يعلم النّاس أنَّ أحاديث أبي تراب عندك تتعلم منها؟ قال معاوية: ويحك أتأمرني أن أحرق علماً مثل هذا واللّه ما سمعت بعلم هو أجمع منه ولا أحكم، فقال الوليد


1) الغارات : 1/ 250 ، وبحار الأنوار : 550/33

إن كنت تعجب من علمه وقضائه فعلام تقاتله؟ فقال : لولا إنَّ أبا تراب قتل عثمان ثمَّ أفتانا لأخذنا عنه . ثمَّ سكت هنيئةً ثمّ نظر إلى جلسائه فقال : إنا لا نقول إنَّ هذه من كتب عليّ بن أبي طالب ولكن نقول : هذه من كتب أبي بكر الصديق كانت عند ابنه محمد فنحن ننظر فيها ونأخذ منها . قال : فلم تزل تلك الكتب في خزائن بني أمية حتى ولي عمر بن عبد العزيز فهو الذي أظهر أنّها من أحاديث علي بن أبي طالب.

وقال إبراهيم : فلما بلغ علياً(علیه السلام) أن ذلك الكتاب صار إلى معاوية اشتدَّ عليه حزناً.

وقال : حدثني بكر بن بكار عن عقيس بن الربيع عن ميسرة بن حبيب، عن عمرو بن مرة ،عن عبد اللّه بن مسلمة قال : صلى بنا علي(علیه السلام) فلما انصرف قال :

لقدعثرت عثرة لا أعتذر *** سوف أكيس بعدها واستمر

وأجمع الأمر الشتیت المنتشر

فقلنا : ما بالك يا أمير المؤمنين؟ فقال : إني استعملت محمد بن أبي بكر على مصر فكتب إليَّ أنّه لا علم لي بالسنة فكتبت إليه كتاباً فيه أدب وسنّة فقتل وأُخذ الكتاب(1).

قلت : قد نقلت هذا العهد الشريف المحكم المتين الذي هو نسيج وحده في المعارف الحقة لاسيما في المعاد من كتاب الغارات المنقول في شرح الفاضل المعتزلي ولكن من نسخة مخطوطة مصححة مشكولة عتيقة قد أنعمنا اللّه تعالى بها وهي من كتب مكتبتنا نقلناه منها وبين ما طبع من نسخ شرح الفاضل المذكور تفاوة في عدة مواضع يتغير المعنى بها ولعلنا نأتي بها أو ببعض ما يهتم ويعتنى به في شرح العهد إن شاء اللّه تعالى .

صورة العهد على ما في «تاريخ الطبري»

وأما صورة العهد على ما ضبطه أبو جعفر الطبري في التاريخ فإنه قريب مما نقلناه من كتاب الغارات أوّلاً وليس في نقله كثير فائدة قال : قال هشام عن أبي مخنف قال : حدثني الحارث بن كعب الوالبي عن أبيه قال: كنت مع محمد بن أبي بكر حين قدم مصر فلما قدم قرأ عليهم عهده : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذا ما عهد عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر أمره بتقوى اللّه - الخ (2).

ولم ينقل أبو جعفر الطبري وصيته(علیه السلام) المبسوطة لأهل مصر ومحمد وإنما اكتفى بنقل العهد الذي كتبه إلى محمد فقط .


1) بحار الأنوار: 551/33 ، وشرح النهج : 73/6 .

2) تاريخ الطبري : 556/3 ، وتحف العقول: 176 .

صورة العهد على ما في تحف ابن شعبة

وأمّا أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني (رحمة اللّه)تعمله فإنه أتى بالعهد الذي كتبه إلى محمد، وما كتبه إلى أهل مصر ومحمد جميعاً، ولمّا كان الأوّل قريباً أيضاً ممّا في كتاب الغارات وتاريخ الطبري أعرضنا عن نقله أيضاً لقلّة الجدوى في ذلك، وأما ما كتبه(علیه السلام) إلى أهل مصر ومحمد فهذه صورته :

ثم كتب إلى أهل مصر بعد مسيره ما اختصرناه من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر وأهل مصر : سلام عليكم .

أما بعد فقد وصل إليَّ كتابك وفهمت ما سألت عنه وأعجبني اهتمامك بما لا بد لك منه وما لا يصلح المسلمين غيره، وظننت أنَّ الذي أخرج ذلك منك نية صالحة ورأي غير مدخول .

أمّا بعد، فعليك بتقوى اللّه في مقامك ومقعدك وسرك ،وعلانيتك، وإذا أنت قضيت بين النّاس فاخفض لهم جناحك ولين لهم جانبك، وابسط لهم وجهك وآس بينهم في اللحظ والنظر حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم، وأن تسأل المدَّعي البيّنة وعلى المدعى عليه اليمين، ومن صالح أخاه على صلح فأجز صلحه إلا أن يكون صلحاً يحرم حلالاً أو يحلل حراماً. وآثر الفقهاء وأهل الصدق والوفاء والحياء والورع على أهل الفجور والكذب والغدر وليكن الصالحون الأبرار إخوانك، والفاجرون الغادرون أعداءك فإنّ أحبّ إخواني إلي أكثرهم اللّه ذكراً وأشدّهم منه خوفاً وأنا أرجو أن تكون منهم إن شاء اللّه

وإنّي أُوصيكم بتقوى اللّه فيما أنتم عنه مسؤولون وعمّا أنتم إليه صائرون فإنَّ اللّه قال كتابه :(وكُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ )[المدَّتُر : 38] . وقال : [المدَّثر: 38] . وقال: وَيُعَذِرُكُمُ اللّهُ نَفْسَةُ وَإِلَى اللَّه الْمَصِيرُ [آل عمران: 28] . وقال: فَوَرَبِّكَ لَنَسْئلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: 93] ، فعليكم بتقوى اللّه فإنّها تجمع من الخير ما لا غيرها ويدرك بها من يجمع الخير ما لا يدرك بغيرها من خير الدُّنيا وخير الآخرة قال اللّه تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْر وَلَنِعمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ )[النحل : 30])اعلموا عباد اللّه أنَّ المتقين ذهبوا بعاجل الخير وآجله، شاركوا أهل الدُّنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدُّنيا في آخرتهم، قال اللّه عزّ وجلّ: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف: 32] الآية. سكنوا الدُّنيا بأحسن ما سكنت وأكلوها)

بأحسن ما أكلت .واعلموا عباد اللّه أنكم إذا لقيتم اللّه وحفظتم نبيّكم في أهله فقد عبدتموه بأفضل عبادته، وذكرتموه بأفضل ما ذكر، وشكرتموه بأفضل ما ،شكر، وقد أخذتم بأفضل الصبر والشكر، واجتهدتم بأفضل الاجتهاد وإن كان غيركم أطول منكم صلاة وأكثر منكم صياماً وصدقة إذ كنتم أنتم أوفى اللّه وأنصح لأولياء اللّه ومن هو ولي الأمر من آل رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم.)واحذروا عباد اللّه الموت وقربه وكربه وسكراته وأعدّوا له عدَّته فإنّه يأتي بأمر عظيم : بخير لا يكون معه شرّ وبشر لا يكون معه خير أبداً، فمن أقرب إلى الجنّة من عاملها وأقرب إلى النّار من أهلها فأكثروا ذكر الموت عندما تنازعكم إليه أنفسكم فإني سمعت رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم يقول : أكثروا ذكر هادم اللذات، واعلموا أنَّ ما بعد الموت لمن لم يغفر اللّه له ويرحمه أشدّ من الموت.)واعلم يا محمد إنّني ولّيتك أعظم أجنادي في نفسي أهل مصر وأنت محقوق أن تخاف على نفسك وأن تحذر فيه على دينك وإن لم تكن إلا ساعة من النهار، فإن استطعت أن لا تسخط ربّك برضى أحد من خلقه فافعل فإن في اللّه خلفاً من غيره ولا في شيء خلف من اللّه ، اشدد على الظالم وخذ على يديه، ولن لأهل الخير وقربهم منك واجعلهم بطانتك وإخوانك .ثمَّ انظر صلاتك كيف هي، فإنّك إمام وليس من إمام يصلّي بقوم فيكون في صلاتهم تقصير الأ كان عليه أوزارهم ولا ينتقص من صلاتهم شيء ولا يتمّمها إلا كان له مثل أجورهم ولا ينتقص من أجورهم شيء. وانظر الوضوء فإنّه تمام الصلاة ولا صلاة لمن لا وضوء له. واعلم أنَّ كلّ شيء من عملك تابع لصلاتك، واعلم أنّه من ضيّع الصلاة فإنّه لغير الصلاة من شرائع الإسلام أضيع.وإن استطعم يا أهل مصر أن يصدّق قولكم فعلكم وسرَّكم علانيتكم، ولا تخالف ألسنتكم أفعالكم فافعلوا، وقال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم : إني لا أخاف على أُمتي مؤمناً ولا مشركاً أمّا المؤمن فيمنعه اللّه ،بإيمانه، وأما المشرك فيخزيه اللّه ويقمعه بشركه، ولكنّي أخاف عليكم كل منافق حلو اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون ليس به خفاء، وقد قال النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم): من سرته حسناته وساءته سيئاته فذلك المؤمن حقاً، وكان يقول (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : خصلتنا لا يجتمعان في منافق حسن سمت وفقه في سنة (1).)


1) تحف العقول: 179 ، والأمالي : 268

واعلم يا محمد بن أبي بكر أن أفضل الفقه الورع في دين اللّه، والعمل بطاعة اللّه أعاننا اللّه وإياك على شكره وذكره وأداء حقه والعمل بطاعته إنه سميع قريب .واعلم أنّ الدنيا دار بلاء وفناء والآخرة دار بقاء وجزاء فإن استطعت أن تؤثر ما يبقى على ما يفنى فافعل رزقنا اللّه بصر ما بصرنا وفهم ما فهمنا حتى لا نقصر عمّا أمرنا ولا نتعدّى إلى ما نهينا عنه فإنّه لا بدَّ لك من نصيبك من الدُّنيا، وأنت إلى نصيبك في الآخرة أحوج ، فإن عرض لك أمران: أحدهما للآخرة والآخر للدُّنيا، فابدأ بأمر الآخرة، وإن استطعت أن تعظم رغبتك في الخير وتحسن فيه نيّتك فافعل، فإنَّ اللّه يعطي العبد على قدر نيته إذا أحب الخير وأهله وإن لم يفعله كان إن شاء اللّه كمن فعله .ثمَّ إنّي أُوصيك بتقوى اللّه ، ثمَّ بسبع خصال هن جوامع الإسلام: تخشى اللّه ولا تخشى النّاس في اللّه فإنّ خير القول ما صدقه الفعل، ولا تقض في أمر واحد بقضائين فيختلف عليك أمرك وتزل عن الحق، وأحبّ لعامة رعيّتك ما تحب لنفسك وأهل بيتك، وألزم الحجّة عند اللّه واصلح رعيتك، وخض الغمرات إلى الحق ولا تخف في اللّه لومة لائم، وأقم وجهك وانصح للمرء المسلم إذا استشارك ، واجعل نفسك أسوة لقريب المسلمين وبعيدهم، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إنَّ ذلك من عزم الأمور والسّلام عليك ورحمة اللّه وبركاته (1.)### صورة العهد على ما في نسختي الشيخين المفيد والطوسي قدس سرهماأمّا صورة العهد على ما في أمالي الشيخ المفيد، وما في أمالي الشيخ الطوسي رفع اللّه درجتهما فإنّ إحداهما قريبة من الأخرى بل الطوسي (رحمةالله رواه من الشيخ المفيد يسند ينتهي إلى أبي إسحاق الهمداني وبهذا السند رواه المفيد أيضاً في أماليه من غير اختلاف إلا أنا نجعل ما في أمالي الطوسي أصلاً وذلك لأنا ننقله من نسخة مخطوطة مصححة عتيقة محفوظة في مكتبتنا استنسخت من أصل كتب في سنة 618 وقوبلت عليه وقد نقل في آخرها عبارة خاتمة الأصل هكذا تمَّ كتاب «الأمالي» وهو ثمانية عشر جزءاً آخر نهار الجمعة ثاني شوال سنة ثمان عشر وستمائة والحمد لله رب العالمين وصلى اللّه على محمد وآله الطاهرين وسلم تسليماً ، كتبه علي بن أبي محمد بن أحمد بن منصور بن أحمد بن إدريس العجلي الحلّي حامداً اللّه تعالى ومصلّياً على رسوله محمد وآله الطاهرين.)


1) تفسیر مجمع البيان : 85/8

فدونك صورة العهد على رواية الطوسي من ذلك الأصل قال: حدثنا الشيخ المفيد أبو علي الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي رحمه اللّه تعالى بمشهد مولانا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه قال حدثنا الشيخ السعيد الوالد أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي رحمه اللّه في شهر ربيع الأول من سنة خمس وخمسين وأربعمائة، قال: حدثنا أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن النعمان رحمه اللّه قال : أخبرني أبو الحسن علي بن محمد بن حبيش الكاتب قال أخبرني الحسن بن عليّ الزّعفراني، قال: أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي، قال: حدثنا عبد اللّه بن محمد بن عثمان قال حدثنا علي بن محمد بن أبي سعيد عن فضيل بن الجعد عن أبي إسحاق الهمداني (وفي أمالي المفيد: المجلس الحادي والثلاثون مجلس يوم الاثنين السادس عشر من شهر رمضان سنة تسع وأربعمائة ممّا سمعته أنا وأبو الفوارس حدثنا الشيخ الجليل المفيد أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن النعمان أيّد اللّه تمكينه قال : أخبرني أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيش الكاتب - وهكذا بالإسناد المقدَّم حتى ينتهي إلى أبي إسحاق الهمداني قال :)لمّا ولي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب محمد بن أبي بكر مصر وأعمالها كتب له كتاباً وأمره أن يقرأه على أهل على أهل مصر وليعمل بما وصاه به فكان الكتاب :بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من عبد اللّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى أهل مصر ومحمد بن أبي بكر : سلام عليكم فإني أحمد إليكم اللّه الذي لا إله إلا أما هو، بعد، فإنّي أوصيكم بتقوى اللّه فيما أنتم عنه مسؤولون وإليه تصيرون فإنَّ اللّه تعالى يقول : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة [المدَّثِّر : الآية 38] ، [المدَّثِّر : الآية 38] ، ويقول : ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَه وَإِلَى اللَّهِ المَصِيرُ [آل :عمران 28] ويقول : فَوَرَبِّكَ لَنَسْئلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الحجر: 93] . ) واعلموا عباد اللّه أنَّ اللّه عزّ وجلَّ سائلكم عن الصغير من أعمالكم والكبير فإن يعذب فنحن أظلم، وإن يعف فهو أرحم الرّاحمين (وقد سقط في أمالي المفيد المطبوع في النجف شطر من الحديث . يا عباد اللّه إنّ أقرب ما يكون العبد إلى المغفرة والرحمة حين يعمل اللّه بطاعته وبنصحه في التوبة. عليكم بتقوى اللّه فإنها تجمع الخير ولا خير غيرها ويدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها من خير الدُّنيا والآخرة قال اللّه عز وجل: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبِّكُمْ قَالُوا خيراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ [النحل : 30]

اعلموا يا عباد اللّه أن المؤمن يعمل لثلاث من الثواب [لثلاث] أما الخير فإن اللّه يثيب بعمله في دنياه، قال اللّه سبحانه لإبراهيم : وَءَاتِينَهُ أَجْرُهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ

الصَّالِحِينَ [العنكبوت: 27] . فمن عمل اللّه تعالى أعطاه أجره في الدنيا والآخرة وكفاه المهم فيهما، وقد قال اللّه تعالى: وَيَاعِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةُ إِنَّمَا يُوَقَى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10] فما أعطاهم اللّه في الدنيا لم يحاسبهم به في الآخرة، قال اللّه تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحسْنى وَزِيَادَةٌ) [يونس : 26] والحسنى هي الجنة، والزيادة هي الدنيا، وإنّ اللّه تعالى يكفّر بكل حسنة سيئة، قال اللّه عزّ وجل: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود : 114] ، حتى إذا كان يوم القيامة حسبت لهم حسناتهم ثم أعطاهم بكل واحدة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال اللّه عزّ وجلّ : (جَزَاء مِن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا [النبأ: 36] وقال: فَأُوَلَئكَ هَمَّ جَزَاهُ الضَّعَفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ ءامِنُونَ [سبأ : 37] فارغبوا فارعنوا - كما في النسخة المصححة من ، الأمالي] في هذا رحمكم اللّه واعملوا له وتحاضّوا عليه . واعلموا يا عباد اللّه أن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله، شاركوا أهل الدُّنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم أباحهم في الدُّنيا ما كفاهم به وأغناهم، قال اللّه عزّ اسمه : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَمَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 32]، سكنوا الدُّنيا بأفضل ما سكنت وأكلوها بأفضل ما أكلت، شاركوا أهل الدُّنيا في دنياهم فأكلوا معهم من طيبات ما يأكلون وشربوا من طيبات ما يشربون ولبسوا من أفضل ما يلبسون، وسكنوا من أفضل ما يسكنون، وتزوّجوا من أفضل ما يتزوّجون، وركبوا من أفضل ما يركبون أصابوا لذَّة الدُّنيا مع أهل الدُّنيا وهم غداً جيران اللّه يتمنون عليه فيعطيهم ما يتمنّون، لا يردّ لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيب من اللذة فإلى هذا يا عباد اللّه يشتاق إليه من كان له عقل ويعمل له تقوى اللّه [ في المطبوعة بتقوى اللّه ] ولا حول ولا قوة إلا باللّه .

يا عباد اللّه إن اتّقيتم وحفظتم نبيّكم في أهل بيته فقد عبدتموه بأفضل ما عبد وذكرتموه بأفضل ما ذكر وشكرتموه بأفضل ما شكر وأخذتم بأفضل الصبر والشكر، واجتهدتم أفضل الاجتهاد، وإن كان غيركم أطول منكم صلاة وأكثر منكم صياماً فأنتم أتقى اللّه منه وأنصح لأولي الأمر.

احذروا يا عباد اللّه الموت وسكرته فأعدوا له عدّته فإنه يفاجئكم بأمر عظيم : بخير لا يكون معه شرّ أبداً، أو بشر لا يكون معه خيراً أبداً، فمن أقرب إلى الجنّة من ،عاملها، ومن أقرب إلى النّار من عاملها، أنه ليس أحد من النّاس تفارق روحه جسده حتى يعلم إلى أيّ المنزلتين يصير : أإلى الجنّة أم النّار؟ أعدوٌّ هو اللّه أو وليّ؟ فإن كان وليّاً فتحت له أبواب الجنّة، وشرعت له طرقها ورأى ما أعد اللّه له فيها ففرغ من كلّ شغل، ووضع عنه كلّ ثقل، وإن كان عدوا للّه فتحت له أبواب النّار، وشرع له طرقها، ونظر إلى ما أعد اللّه له فيها

فاستقبل كلّ مكروه، وترك كلّ سرور ،كلّ هذا يكون عند الموت وعنده يكون بيقين، قال اللّه تعالى: الَّذِينَ تَنوفَاهُمُ الْمَلَائكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتكَبّرِينَ [النحل:)الآية 28 - 29] .عباد اللّه إنّ الموت ليس منه فوت فاحذروا قبل وقوعه وأعدّوا له عدة(1فإنكم طرداء الموت إن أقمتم له أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، وهو ألزم لكم من ظلكم الموت معقود بنواصيكم، والدنيا تطوى خلفكم، فأكثروا ذكر الموت عندما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات، وكفى بالموت ،واعظاً وكان رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) كثيراً ما كثيراً ما يوصي أصحابه بذكر الموت فيقول : أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللذات حائل بينكم وبين الشهوات(2).)يا عباد اللّه ما بعد الموت لمن لا يغفر له أشدّ من الموت القبر فاحذروا ضيقه وضنكه وظلمته وغربته ، إنَّ القبر يقول كلّ يوم : أنا بيت الغربة، أنا بيت التراب أنا بيت الوحشة، أنا بيت الدود والهوام. والقبر روضة من رياض الجنّة، أو حفرة من حفر النّار، إنَّ العبد المؤمن إذا دفن قالت له الأرض مرحباً وأهلاً قد كنت ممن أحب أن تمشي على ظهري فإذا وليتك فستعلم كيف صنيعي بك فيتّسع له مد البصر، وإنّ الكافر إذا دفن قالت له الأرض: لا مرحباً بك ولا أهلاً لقد كنت من أبغض من يمشي على ظهري فإذا وليتك فستعلم كيف صنيعي بك فتضمّه حتّى تلتقي أضلاعه وأنّ المعيشة الضنك التي حذر اللّه منها عدوّه عذاب القبر أنه يسلّط على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنيناً فينهشن لحمه ويكسرن عظمه ويترددن عليه كذلك إلى يوم البعث، لو أنَّ تنيناً منها نفخ في الأرض لم تنبت زرعاً (3.)يا عباد اللّه إن أنفسكم الضعيفة وأجسادكم الناعمة الرقيقة التي يكفيها اليسير تضعف عن هذا، فإن استطعتم أن تجزعوا لأجسادكم وأنفسكم مما لا طاقة لكم ولا صبر لكم عليه فاعملوا بما أحبّ اللّه واتركوا ما كره اللّه .يا عباد اللّه إنّ بعد البعث ما هو أشدّ من القبر يوم يشيب فيه الصغير ويسكر فيه الكبير ويسقط فيه الجنين وتذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت يوم عبوس قمطرير يوم كان شرّه مستطيراً، إنَّ فزع ذلك اليوم ليرهّب الملائكة الذين لا ذنب لهم وترعد منه السبع الشداد والجبال الأوتاد والأرض المهاد وتنشقُ السماء فهي يومئذ واهية وتتغير فكأنها وردة


1) في نسخة : عدته .

2) وسائل الشيعة 427/2 ، والأمالي : 264 .

3) في نسخة زرعاً أبداً.

كالدّهان، وتكون الجبال سراباً مهيلاً بعد ما كانت صمّاً صلاباً، وينفخ في الصور فيفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللّه، فكيف من عصى بالسمع والبصر واللسان واليد والرجل والفرج والبطن إن لم يغفر اللّه له ويرحمه من ذلك اليوم، لأنه يصير إلى غيره: إلى نار قعرها بعيد وحرّها شديد و شرابها صديد وعذابها جديد ومقامعها حديد لا يفتر عذابها ولا يموت ،ساكنها دار ليس فيها رحمة ولا يسمع لأهلها دعوة .واعلموا يا عباد اللّه أنّ مع هذا رحمة اللّه التي لا تعجز العباد جنّة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للمتقين لا يكون معها شرّ أبداً، لذاتها لا تمل ومجتمعها لا يتفرّق، سكانها قد جاوروا الرّحمن، وقام بين أيديهم الغلمان بصحاف من الذهب فيها الفاكهة والريحان .ثمَّ اعلم يا محمد بن أبي بكر أنّي قد وليتك أعظم أجنادي في نفسي أهل مصر فإذا وليتك ما وليتك من أمر الدُّنيا فأنت حقيق أن تخاف فيه على نفسك، وأن تحذر فيه على دينك، فإن استطعت ألا تسخط ربّك برضى أحدٍ من خلقه فافعل فإنَّ في اللّه عزّ وجلّ خلفاً من غيره وليس في شيء سواه خلف منه . اشتدّ على الظالم وخذ عليه ولن لأهل الخير وقربهم واجعلهم بطائنك وأقرانك .وانظر إلى صلاتك كيف هي فإنك إمام لقومك أن تتمها ولا تخفّفها فليس من إمام يصلّي لقوم يكون في صلاتهم نقصان إلا كان عليه لا ينقص من صلاتهم شيء وتمّمها وتحفظ فيها يكن لك مثل أجورهم ولا ينقص ذلك من أجرهم شيئاً .وانظر إلى الوضوء فإنّه من تمام الصلاة تمضمض ثلاث مرات، واستنشق ثلاثاً، واغسل وجهك ثمَّ يدك اليمنى ثمَّ اليسرى ثمَّ امسح رأسك ورجليك فإنّي رأيت رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم يصنع ذلك، واعلم أنَّ الوضوء نصف الإيمان .)ثم ارتقب وقت الصلاة فصلها لوقتها ولا تعجل بها قبله لفراغ ولا تؤخّرها عنه لشغل فإنّ رجلاً سأل رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم عن أوقات الصلاة، فقال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : أتاني جبرئيل(علیه السلام) فأراني وقت الصلاة حين زالت الشمس فكانت على حاجبه الأيمن، ثمَّ أراني وقت العصر فكان ظلّ كلّ شيء مثله، ثمَّ صلّى المغرب حين غربت الشمس، ثمَّ صلى العشاء الآخرة حين غاب الشفق، ثمَّ صلّى الصبح فأغلس بها والنّجوم مشتبكة فصل لهذه الأوقات، والزم السنّة المعروفة والطريق الواضح (1))


1) الأمالي : 267 ، وبحار الأنوار: 14/80 ح 25 .

ثم انظر ركوعك وسجودك فإنّ رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم وكان أتم الناس صلاة وأخفّهم عملاً فيها .)واعلم أنّ كل شيء من عملك تبع لصلاتك فمن ضيّع الصَّلاة فإنّه لغيرها أضيع .أسأل اللّه الذي يرى ولا يُرى وهو بالمنظر الأعلى أن يجعلنا (في أمالي المفيد على أن يعيننا وإياك على شكره وذكره وحسن عبادته وأداء حقه وعلى كلِّ شيء اختار لنا في دنيانا وديننا وآخرتنا .)وأنتم يا أهل مصر فليصدق قولكم فعلكم وسركم علانيتكم ولا يخالف ألسنتكم قلوبكم. واعلموا أنه لا يستوي إمام الهدى وإمام الرّدى، ووصي النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم وعدوه، إني لا أخاف عليكم مؤمناً ولا مشركاً أما المؤمن فيمنعه اللّه ،بإيمانه وأما المشرك فيحجزه اللّه عنكم بشركه ولكنّي أخاف عليكم المنافق يقول ما تعرفون ويعمل بما تنكرون .)يا محمد بن أبي بكر اعلم أن أفضل الفقه الورع في دين اللّه، والعمل بطاعته، وأني أُوصيك بتقوى اللّه في سرّ أمرك وعلانيتك وعلى أي حال كنت عليه الدُّنيا دار بلاء ودار فناء، والآخرة دار الجزاء و دار البقاء، فاعمل لما يبقى واعدل عمّا يفنى، لا تنس نصيبك من الدنيا .أوصيك بسبع من جوامع الإسلام: تخشى اللّه عزّ وجلّ ولا تخش الناس في اللّه وخير القول ما صدقه العمل، ولا تقض في أمر واحد بقضائين مختلفين فيختلف أمرك وتزيع عن الحق، وأحبّ لعامة رعيتك ما تحب لنفسك وأهل بيتك وأكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك فإنّ ذلك أوجب للحجّة وأصلح للرعيّة وخض الغمرات إلى الحقِّ ولا تخف في اللّه لومة لائم، وانصح المرء إذا استشارك ، واجعل نفسك (1أسوة لقريب المسلمين وبعيدهم جعل اللّه مودّتنا فى الدين، وحلّنا وإياكم حلّة المتقين وأبقى لكم طاعتكم حتى يجعلنا وإياكم بها إخواناً على سرر متقابلين .)أحسنوا أهل مصر موازرة محمد أميركم واثبتوا على طاعتكم تردوا حوض نبیّکم(صلّی اللّه علیه وآله وسلّمأعاننا اللّه وإياكم على ما يرضيه والسّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته (2).)قلت صورة العهد على رواية الشيخين تصدق ما نقلناه آنفاً عن كتاب الغارات أكثر تصديق من أن محمد بن أبي بكر كتب إلى أمير المؤمنين(علیه السلام أنه لا علم لي بالسنّة فكتب(علیه السلام) إليه كتاباً فيه أدب وسنّة، وإلا لم يكن في رواية أبي إسحاق إبراهيم في كتاب الغارات كلام)


1) في نسخة : لنفسك .

2) بحار الأنوار: 391/74، ونهج السعادة: 123/4 .

في السنة إلّا قوله(علیه السلام في جباية الخراج والصلاة والوضوء مجملاً .)وكذلك يصدّقه ما رواه ابن شعبة في التحف حيث قال الأمير(علیه السلام : أما بعد فقد وصل إلي كتابك وفهمت ما سألت عنه وأعجبني بما لا بد لك منه - الخ .)### صورة العهد على رواية أبي جعفر محمد بن أبي القاسم الطبري في كتابه «بشارة المصطفى الشيعة المرتضى»وأمّا صورة العهد على رواية عماد الدين الطبري في كتابه «بشارة المصطفى لشيعة المرتضى» فهي أيضاً توافق صورته على رواية الشيخين قدس أسرارهم قال أخبرنا الشيخ الإمام أبو محمد الحسن بن الحسين بن بابويه قرأته عليه بالرّي سنة عشرة وخمسمائة قال : حدثنا السعيد أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي قال: حدّثنا الشيخ المفيد أبو عبد اللّه محمد بن محمد - إلى آخر السند المذكور آنفاً من «أمالي الطوسي» - ونقل العهد إلى قوله : فأنتم أتقى اللّه عزّ وجلّ منه وأنصح لأولي الأمر، ثمَّ قال : قال محمد بن أبي القاسم : الحديث طويل لكنّي أخذته إلى ها هنا لأنّ غرضي كان في هذه الألفاظ الأخيرة فإنّها بشارة حسنة لمن خاف وانقى وتولّى أهل المصطفى والخبر بكماله أوردته في كتاب الزهد والتقوى. انتهى كلامه(رحمة الله (1))### اللغة(فاخفض أي ألن لهم جانبك. والجناح ها هنا هو الجنب أي كن لين الجانب لرعيتك ولا تغلظ عليهم قال اللّه تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الشُّعَرَاء : الآية 215] . (رهن) بضم الراء والهاء جمع رهن (وابسط لهم وجهك) أي كن طلق الوجه لهم. (آس) أمر من المواساة يقال آساه بماله مواساة أي أناله منه وجعله فيهم أسوة. ولا يقال لغة رديئة كما في القاموس ويقال آسيت بين القوم إذا أصلحت وآسيت بينهم أي جعلت بعضهم أسوة بعض والمراد من المواساة هنا المساواة أي سو بينهم وتقديره اجعل بعضهم أسوة بعض . (المترفون) المنعمون، الترفة بالضم: النعمة، وأترفته النعمة أطغته (الحيف): الجور. (فحظوا) الحظوة بالضم والكسر والحظة كعدة المكانة والحظ من الرزق والفعل من باب علم . قال محمد بن بشير (الحماسة 436 من شرح المرزوقي): أخلق بذي الصّبر أن يحظى بحاجته *** ومد من القرع للأبواب أن يلجا

أي أن يظفر بطلبته .


1) الغارات : 1/ 237 ح 1 ، وبشارة المصطفى: 1383 .

(المشهد): المحضر، خلاف المغيب. أن يجبى) أي أن يجمع من الجباية. (القسطاس) بالضم والكسر الميزان أو أقوم الموازين أو هو ميزان العدل أي ميزان كان كالقصطاس أو رومي معرّب.

(آثر) أي اختار . يتمنون عليه التمني تشهي حصول الأمر المرغوب فيه. شُرع له أي فتح له .

(مثوى) أي مقام ومنزل . (طرداء) جمع طريد أي مطرود والطريدة ما طردت من صيد أو غيره، وطردته نفيته عنّي .

(هادم اللذات) الهدم بالدال المهملة نقض البناء، وقد ضبطه بعضهم بالذال المعجمة من الهدم بمعنى القطع. وفي «أساس البلاغة »للزمخشري : هذمه أسرع قطعه وسيف مِخذَم ومهذم وهذام .

(ضمّته) الضمّ قبض الشيء إلى الشيء وقد ضمّه فانضم إليه ومعنى ضمّة القبر بالفارسية فشارش قبر .

(فإذا وليتك) أي ملكتك من ولى الشيء بكسر العين في الماضي والمضارع ولاية وولاية بكسر الواو وفتحها إذا قام به وملك أمره.

(أجناد) جمع الجند بمعنى العسكر. (محقوق) أي حقيق وجدير .

(تنافح) نافحتُ عنه أي خاصمت عنه، وجاهدتُ وذُبْتُ ودافعتُ، ويقال : نافحه إذا كافحه و دافعه .

(تنهش) نهشه کمنعه نهسه ولسعه عضه وبالفارسية : گزید او را .

(قمطريراً) أي شديداً. (مقامعها) جمع المقمعة أي العمود (الصديد) ما يخرج من جوف أهل النار من القيح والدّم.

(صحاف) جمع صحفة من أعظم القصاع ويقال بالفارسية : کاسه بزرگ .

(والذين يلونهم) أي يكونون بعدهم. (المحجّة) الطريق (أسوة) بحركات الهمزة وسكون السين أي قدوة يقتدي القريب والبعيد بها .

(يقمعه) أي يقهره ويذلّله. (خض الغمرات) أمر من الخوض أي ادخل الشدائد (خلّتنا) الخلّة الصفة. وأما على نسخة «أمالي الطوسي»: وحلّنا وإياكم حلّة المتقين فظاهر.

الإعراب

(عن الصّغيرة) متعلّق بقوله يسائلكم، (معشر عباده) منادى مضاف وقع في البين. (حين ما يعمل بطاعة اللّه) (ما) مصدرية (ومناصحته) معطوف على المصدر. كلمة (ما) في قوله :

(بأفضل ما سكنت) وفي أخواته مصدرية أي استعملوها على الوجه الذي ينبغي. (والباء) في قوله بالزاد المبلغ بمعنى مع (من آل محمد) بيان لأولياء اللّه . (ما كنّا نعمل من سوء) كلمة (ما): نافية أو استفهامية . (رحمة اللّه التي وسعت كل شيء لا تعجز عن العباد) قيل : (رحمة اللّه) مبتدأ (والتي) خبرها (ولا تعجز) خبر بعد خبر ولكن الظاهر من تنسيق الكلام أن (الّتي) صفة لها (ولا تعجز) خبر لها (ولا ينقص من صلاتهم شيئاً) نقص لازم ومتعد. (تصدّق أقوالكم أفعالكم) أقوالكم مفعول به مقدَّم على الفاعل أعني أفعالكم .

المعنى

هذا العهد الشريف يحتوي في أمر المعاد ما لا يحتويها غيره من خطبه ووصاياه وعهوده كما يظهر ذلك لك بالتأمل في سائر كلامه(علیه السلام) ، حتى أنَّ العهد الذي كتبه إلى مالك رضوان اللّه عليه وهو أطول عهوده وأنّ الكتاب الذي كتبه إلى ابنه الحسن المجتبى(علیه السلام) وهو أطول كتبه ووصاياه ومن جلائلها لا يشتملان على معارف وحقائق في المعاد، توجد في هذا العهد القويم، وإن كان نبذة من كتابه إلى الحسن(علیه السلام) في ذلك ولكنها لا تقاس إلى ما في هذا العهد من دقائق ورقائق في المعاد وأمّا العهد الذي كتبه إلى المالك فهو وإن كان من محاسن كتبه (علیه السلام) ولكنه برنامج الوظائف الاجتماعية والمدنية.

وبالجملة كتابه(علیه السلام) هذا إلى محمد بن أبي بكر يفتح أبواباً إلى معرفة ذلك المطلب الأسنى والمقصود الأسنى أعني المعاد وأحوال الناس فيه وشرحه على التفصيل ينجر إلى إطناب، ولذا نعرض عنه ونكتفي بشرحه الإجمالي ونشير إلى طائفة من معاني أقوال(علیه السلام) والأخبار الأخرى في المقام على ما يقتضيه الحال وتفصيله يطلب من كتابنا المسمى بالقيامة فنقول مستعيناً بمن بمن له الآخرة له الآخرة والأولى :

قوله : (فاخفض لهم جناحك - الخ) أمره أن لا يغلظ على الرعية وأن يكون لين الجانب لهم، وخفض الجناح كناية عن التواضع واللين والانقياد والتسليم، كما ترى من دأب الطير إذا تواضع أحدها للآخر يخفض جناحه عنده .

وروى الكليني قدّس سرّه في «الكافي» بإسناده عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) ، عن رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) قال: من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك به طريقاً إلى الجنّة وأنَّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى به (1)- الخبر .

وفي سورة الإسراء من القرآن الكريم : (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ مِنَ الرُّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ


1) الكافي : 34/1 ج 1 ، والأمالي: 116 ح99.

(ارْحَمْهُمَا كما ربّيانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء : 24] ، وقال عز من قائل خطاباً لرسوله (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم):(واخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الشُّعَرَاء : 215] . (

وروى الشيخ الجليل حسن بن زين الدّين الشّهيد الثاني في أوائل كتاب «معالم الدين» في الأصول مسنداً عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين علي(علیه السلام) قال : تعلّموا العلم فإنَّ تعلّمه حسنة - إلى أن قال(علیه السلام) : وترغب الملائكة في خلّتهم يمسحونهم بأجنحتهم في صلاتهم لأنَّالعلم حياة القلب ونور الأبصار من الهدى(1)- الخبر.

ولا يخفى عليك أنَّ الجناح في قوله(علیه السلام) : (فاخفض لهم جناحك) لا يحمل على معناه المطابقي الحقيقي، وكذا في الآيتين المذكورتين وكأنَّ المراد من أجنحة الملائكة أيضاً كناية عن تواضعهم لبغاة العلم في الخبر الأوَّل، وبمعنى لطيف أدق وأشمخ من هذا في الخبر الثاني حيث قال(علیه السلام) : (يمسحونهم بأجنحتهم في صلاتهم) ومعلوم أنَّ مسح الجناح المؤلّف من العظم واللحم والريش وغيرها بالمصلى لا يزيد في كماله وتقربه إلى اللّه فالمسح بالأجنحة في الخبر محمول على ارتباط سرّ المصلى العالم إلى عالم القدس، ولما كانت المعاني تنزلت من مقامها من غير خلوها عن مرتبتها كاسيةً بلباس ألفاظ هذه النشأة، فلا بدَّ للبصير أن يجعل الألفاظ روازن إلى رؤية معانيها الأولية قال ثقة المحدثين الشيخ الصدوق رضوان اللّه عليه في رسالته في الاعتقادات»: اعتقادنا في اللوح والقلم أنّهما ملكان، وقال المعلّم الثاني أبو نصر الفارابي قدس سره في الفصوص»: فليتدبر في قوله تعالى في أوَّل سورة الفاطر : الحَمدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاعَ يَزِيدُ في الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [فَاطِر : 1] .

وأفاد المتألّه السبزواري قدس سره في بيان الآية المباركة في شرحه على الفصل الرابع والثمانين من الدُّعاء المعروف بالجوشن الكبير بقوله : ولا نبالي بأن يكون لرقائقهم المثالية وأشباحهم الصورية أجنحة ولهم طيران وسير كما أنَّ لكلِّ حقيقة من حقائقهم المعنوية حقيقة الجناح من جناح القوة العلامة وجناح القوّة العمالة وحقيقة الطيران والسير من الدرك والفعل كما سمّي بعضهم القوى المدركة من النفس الناطقة بالطيارة والمحرّكة بالسيارة، وقال في هامش الكتاب في بيان قوله بأن يكون لرقائقهم المثالية - الخ - لأنَّ لكلِّ معنى صورة ولكلّ . حقيقة رقيقة كما أن لسني الرخا صورة هي البقرات السمان ولسني القحط صورة هي البقرات العجاف وقس عليه والتعبير كالتأويل.

قوله(علیه السلام) : (وآس بينهم - الخ ) ثم أمره بالمساواة معهم حتى في اللحظة والنظرة لئلا


1) الأمالي : 713 ح 982 ، وبحار الأنوار: 166/1 ح7.

يطمع العظماء في حيفه مع الرعية ولا ييأس الضعفاء من عدله عليهم، وقد مضى كلامنا في العدل والمساواة في شرح الكتاب الثالث أعني كتابه الشريح القاضي لما اشترى داراً بثمانين ديناراً.

ثمَّ علل أمره بالمساواة والعدل حتى في اللحظة والنظرة بقوله : (فإنَّ اللّه يسائلكم - الخ) كي لا يظنَّ أنَّ عدم التسوية في اللحظة والنظرة مما لا يعتني به ولا يحاسب عليه (فإن يعذبهم اللّه فهم أظلم وإن يعفو فهو أكرم) والأفعل ههنا ليس أفعل التفضيل بل هو أفعل الوصف نظير قوله تعالى: وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أي ليس بظالم، وذلك لأن صدور الظلم كثيره وقليله منه تعالى قبيح عقلاً ، فمن ارتكب المعاصي فهو ظالم لنفسه وإن تاب عنها إليه تعالى وزكَّى نفسه من درنها فقد أفلح وعفا اللّه عنه وهذا كرم ناله من اللّه تعالى، فإنَّ اللّه أمر بالخير ونهى عن الشرّ.)قوله (علیه السلام: ( واعلموا عباد اللّه - الخ) وصف المتقين ترغيباً لعباد اللّه إلى التقوى، وإنما قال: (إنّهم سكنوا الدُّنيا بأفضل ما سكنت وأكلوها بأفضل ما أكلت) لأنَّ مكسبهم كان على وجه حلال وطريق صواب فملبسهم ومأكلهم ومشربهم كلها قد تهيأت على ذلك الوجه ولم يكن لهم فيها وزر ولا وبال والمترفون والجبابرة المتكبرون لم يأخذوا من دنياهم إلا على قدر ما يحتاج الإنسان أن يعيش وتركوا ما زاد منها على حسرة هي أشدَّ من نار جهنم ألماً :)این بدر میرود از باغ بصد حسرت و داغ *** و آن چه دارد که بحسرت بگذارد آنراعلى أنه قد لزمهم أوزارها من مظالم العباد ،وغيرها قال تعالى: ﴿وَلَا یَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ فَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا يَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةُ الآية [آل عمران: 181] وفي الخبر عن الباقر : الذي يمنع الزكاة يحوّل اللّه تعالى ماله يوم القيامة شجاعاً من نار له ريمتان فتطوّقه ثمَّ يقال له ألزمه كما لزمك في الدُّنيا (1)وهو قوله اللّه تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا) [آل عِمران الآية 180] الآية (مادة نور من سفينة البحار) ثمَّ تأمّل أيها البصير في قوله (علیه السلام): يحوّل اللّه تعالى ماله القيامة شجاعاً من نار يوم ثمَّ في قوله (علیه السلام): يقال له : ألزمه كما لزمك في الدُّنيا، فإنَّ هذا الخبر يفتح لك باباً من المعرفة في أحوال الناس يوم القيامة.

وبالجملة إنَّ المتقين شاركوهم في دنياهم وانقلبوا عنها مع ما كسبوا وقدّموا لأنفسهم من الزاد المبلغ والمتجر المربح ولم يشاركهم أهل الدنيا في تلك النعمة العظمى والعطية الكبرى.


1) مستدرك الوسائل : 19/7 ح 7528، ومستدرك سفينة البحار : 178/10 .

قال عزّ من قائل: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمُهُ اللّهُ وَتَزَوَدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [ البَقَرَة : 197] . وقال أمير المؤمنين(علیه السلام) و في الخطبة 180 أولها روى عن نوف البكالي الخ: وازمع الترحال عباد اللّه الأخيار وباعوا قليلاً من الدُّنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفني .)ثم ينبغي لك النظر حقه في قوله(علیه السلام (وتيقّنوا أنهم جيران اللّه غداً في آخرتهم لا تردُّ لهم دعوة ولا ينقص لهم نصيب من لذة) حيث أخبر(علیه السلام) عن المتقين بأن صفة اليقين الكريمة بلغتهم إلى تلك الدَّرجة الرفيعة في آخرتهم ومن بلغ إلى تلك الرتبة المنيعة لا تردّ له دعوة وليست لذة ينقص لهم نصيبها وذلك لأنَّ الموقنين داوموا الحضور عنده تعالى في هذه النشأة الدنياوية وليس الشاهد الحقيقي إلا واحداً والبيت واحد ورب البيت واحد بل ليس في الدار غيره ديار بل أينما تولّوا فثم وجه اللّه بل هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن والدنيا مزرعة الآخرة ونعم ما قال كعبة العاشقين سيّد الشهداء أبو عبد اللّه الحسين روحي له الفداء في دعاء العرفة، نعم .)بابه أقتدي عدي في الكرم *** و من یشابه أبه فما ظلمحيث قال(علیه السلام : وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك حتى لم يحبّوا سواك ولم يلجؤوا إلى غيرك أنت المؤنس لهم حيث أوحشتهم العوالم وأنت الذي هديتهم حيث استبانت لهم المعالم، ماذا وجد من فقدك، وما الذي فقد من وجدك (1).)قوله (علیه السلام: فاحذروا عباد اللّه الموت وقربه - الخ املاد من الحذر عن الموت الحذر عن الأهوال التي يراها غير المؤمن عند الموت فكأنه(علیه السلام) أمرهم أن يجعلوا الموت نصب أعينهم فإنّ من جعله نصب عينه زهده في الدُّنيا ورغبه في الآخرة وحته إلى إعداد عدته، ومن كلام سيد الساجدين(علیه السلام) في الدُّعاء الأربعين من الصحيفة وانصب الموت بين أيدينا نصباً ولا تجعل ذكرنا له غبّاً .)ثمَّ عدّل الأمر بالحذر بقوله (فإنّه أي الموت (يأتي بأمر عظيم وخطب جليل) . روى الكليني في «الكافي» بإسناده عن عبد اللّه بن سنان عمّن سمع أبا جعفر(علیه السلام) يقول لمّا حضرت الحسن(علیه السلام) الوفاة بكي فقيل له يا ابن رسول اللّه تبكى ومكانك من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) الذي أنت به وقد قال فيك ما قال وقد حججت عشرين حجّة ماشياً وقد قاسمت مالك ثلاث مرات حتى النعل بالنعل ؟ فقال(علیه السلام) : إنما أبكي لخصلتين لهول المطلع، وفراق الأحبة (2)(الوافي)


1) ميزان الحكمة 502/1 ، وصحيفة الحسين : 218

2) شرح أصول الكافي : 226/7 ، وبحار الأنوار: 150/44 ح19.

في باب ما جاء في الحسن بن علي(علیه السلام ص 174 ج 2).)قوله(علیه السلام : بخير لا يكون معه شرّ أبداً أو شرّ لا يكون معه خير أبداً))( أبداً مع- معنی الأولى ظاهر وإنما الكلام في معنى الجملة الثانية لأن أخبار البرزخ دالة على أن أقواماً معذبون في البرزخ وينقطع منهم العذاب بعد البرزخ فقد روى الكليني قدّس سرّه في «الكافي» بإسناده عن عبد الرحمن بن عباد عن عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبد اللّه (علیه السلام:إنّي سمعت وأنت تقول : كلّ شيعتنا في الجنّة على ما كان منهم قال صدقتك كلّهم واللّه في الجنة قال : قلت : جعلت فداك إنَّ الذنوب كثيرة كبار ! فقال: أما في القيامة فكلّكم في الجنّة بشفاعة النبي المطاع أو وصي النبي ولكنّي واللّه أتخوّف عليكم في البرزخ قلت : وما البرزخ؟ قال: القبر منذ حين موته إلى يوم القیامة(1).)والظاهر أنه(علیه السلام أراد بكلامه هذا عاقبة أمور الناس في الآخرة لأنّ ما يستفاد من ضمّ الآيات القرآنية وتصديق بعضها بعضاً وتفسير بعضها بعضاً أنّ مآل النّاس في الآخرة إلى أمرين أعني أنهم ينقسمون آخر الأمر إلى فريقين فريق في الجنة وفريق في النار . قال عز من قائل : ﴿وَيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ا وامّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [آل عمران: 106 - 107] وقال تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَفِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا - الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقُ . خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ ربُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعالُ لِمَا يُرِيدُ وأمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءٌ غَيْر مجذوذ) [هود : 105 - 108]. وقال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرانَا عَرَبِيًّا لِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْع لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى: 7] . واللّه تعالى أعلم بكلام أوليائه .قوله(علیه السلام : (فمن أقرب إلى الجنّة من عاملها، ومن أقرب إلى النار من عاملها ) تحت هذا الكلام أيضاً سرّ لمن كان له قلب لأنه(علیه السلام) قال : فمن أقرب إلى الجنة من عامل الجنة وكذا من أقرب إلى النار من عامل النار فمن عمل الحسنات فهو عامل الجنّة، ومن ارتكب السيئات فهو عامل النار ، ولم يقل(علیه السلام) فمن أقرب إلى الجنّة ممّن عمل ما يجره إلى الجنّة، أو من أقرب إلى النار ممّن عمل ما يدخله النار ونحوهما من العبارات. فمن عمل الحسنات فهو عامل جنّته، ومن عمل السيئات فهو عامل ناره فتبصّر .)


1) الوافي : 94/13 ، والكافي : 242/3 ح4733 .

وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة: الآية 167].)وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بينها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيداً [آل عِمران: الآية 30] وقال تعالى: وَلَا تُجْزَونَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [يس: الآية 54] لم يقل بما كنتم أو ممّا كنتم ونحوهما فتدبر . قوله(علیه السلام):( فاحذروا ناراً قعرها بعيد وحرّها شديد وعذابها جديد) أمّا كونها بعيد القعر فلأنها من دار الآخرة وقال عز من قائل: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِب وَإِن الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت : 64] فنارها حية بحياتها الذاتية لها فإذا أضفت كلامه هذا إلى قوله(علیه السلام) : ( ومن أقرب إلى النار إلى عاملها) ينتج أنها ليست من عالم الخلق بل هو من عالم الأمر وكلّ ما في عالم الأمر غير متصفة بصفات الخلق الناقصة المحدودة جدّاً المستحيلة المتبدّلة آناً فاناً فظهر معنى كونه بعيد القعر لمن وقف على ما أشرنا إليها موجزة .

وقال بعض الأعاظم ومن أعجب ما روينا عن رسول اللّه(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أنه كان قاعداً مع أصحابه في المسجد فسمعوا هدّة عظيمة فارتاعوا فقال(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : أتعرفون ما هذه الهدة؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال : حجر ألقى من أعلى جهنّم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها . فكان وصوله إلى قعرها وسقوطه فيها هذه الهدة، فما فرغ من (علیه السلام) إلا والصراخ في دار منافق من المنافقين قد مات وكان عمره سبعين سنة ، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): اللّه أكبر(1)، فعلم علماء الصحابة أنَّ هذا الحجر هو ذلك المنافق، وأنه منذ خلقه اللّه يهوي في جهنّم وبلغ عمره سبعين سنة فلما مات حصل في قعرها قال اللّه تعالى: إِنَّ المُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِفكان سمعتهم تلك الهدّة التي أسمعهم اللّه ليعتبروا ، فانظر ما أعجب كلام النبوة وما ألطف تعريفه وما أغرب كلامه، انتهى كلامه.)وأما كونها شديدة الحرّ فلأن النّار ما دامت في كسوة المادة الدُّنياوية لم يظهر سلطان أثرها وتعوقها المادة عن ذلك وكأنّها مغمورة تحت رماد فإذا خلصت منها وخرجت عن غلافها تؤثر أثرها التام.وأمّا أنّ عذابها جديد فكأنَّ أمير المؤمنين روحي له الفداء يشير بقوله هذا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِنَا سَوْفَ نُصلِيهِمْ نَارًا كَلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا


1) تفسير القرآن الكريم : 546/4 .

العذاب إنّ اللّه كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء : 56] والبحث في المقام ينجرّ إلى الأطناب ويطلب في كتابنا «القيامة».)قوله(علیه السلام : (دار ليس فيها رحمة ولا تسمع فيها دعوة ولا تفرّج فيها كربة) قال عزّ من قائل : ﴿يَایّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [البقرة: 254] فتدبّر أيّها العاقل في قول اللّه تعالى وقول خليفته : وانظر إلى ما أنت فيه، وليس المحشور إلّا أنت ولا يمكن سلبك وانتزاعك منك ولا يمكنك الفرار من نفسك فما عملته فهو جزاؤك قال اللّه المتعال : (وإِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الطور: الآية 16] قوله(علیه السلام) (إمام الهدى) يعني به نفسه (وإمام الرّدى) هو معاوية، وكذلك (وليّ النبيّ) هو عليّ (علیه السلام) (وعدوّ النبيّ) هو عدوّ اللّه معاوية، وأمّا قوله (فإنه لا سواء) فذلك لأنَّ بعد الحقِّ ليس إلّا الضلال كما قال عزّ من قائل: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالٌ لا يخفى عليك أنه لا يستوي النور والظلمة ولا العلم والجهل ولا الظل ولا الحرور ولا الحيّ والميّت، ولا الحقّ والباطل، ولا عليّ ومعاوية.)قوله(علیه السلام(كلُّ منافق الجنان) يعني به عدوّ النبيّ وإمام الرّدى فهو شرّ من المشرك الذي يقمعه اللّه بشركه .)

### الترجمةاین فرمانی است که امیرالمؤمنین(علیه السلام به محمّد بن ابی بکر در وقتی که از قبل وی والی مصر بود نوشت:)با مردم، فروتن و نرم و گشاده روی باش و در لحاظ و نظر با همه یکسان تا بزرگان در تو طعم ستم نکنند و ناتوانان از دادت ناامید نشوند چه خدای بزرگ از کار بزرگ و كوچك و پوشیده و آشکار شما میپرسد پس اگر شکنجه دهد به ستم ما است و اگر ببخشد به کرم او است.ای بندگان خدا بدانید که پرهیزکاران هم دنیا را دارند و هم آخرت را، چه انباز اهل دنیا در دنیایشان بودند و اهل دنیا با آنان در آخرتشان انباز نیستند.در دنیا به بهترین وجه زیست کردند و بهترین غذا خوردند و بهره ای که خوش گذرانان داشتند نیز داشتند و آن چه که گردنکشان خودبین از دنیا گرفتند نیز گرفتند پس از آن کوچ کردند با توشهای رسا و بازرگانی ای سودمند مزه ترك دنیا را چشیدند و به مقام یقین هم جواری خدا در آخرت رسیدند خواسته شان رد نمی شود و بهره لذتشان کم نمی،گردد پس ای بندگان خدا از مرگ و زود فرارسیدنش بترسید و زاد و توشه راه گردآورید زیرا مرگ امر بزرگی در پیش دارد که آن تا ابد یا خیر بدون شر است یا شر بدون ،خیر چه کسی به بهشت به سازنده آن نزدیکتر است؟ و چه کسی به آتش به فراهم کننده آن؟ بدانید که شما رانده مرگید، اگربایستید بگیرد و اگر بگریزید ،برسد از سایه شما برسد، از سایه شما به شما وابسته تر است. مرگ به پیشانی تان گره زده است و دنیا طومار عمرتان را در می،نوردد، پس بترسید از آتشی که ته آن دور است و سوزندگیش سخت و شکنجه های آن پی در پی سرایی که در آن رحمت نیست و گوش به گفتار کسی داده نمی شود و اندوهی گشوده نمی شود اگر می توانید هم سخت از خدا بترسید و هم نيك بدو خوش گمان باشید که خوش گمانی بنده به ،خدایش به اندازه ترسش از او است آن کس خوش گمان تر است که ترس او بیشتر است.

بدان اى محمّد بن ابی بکر که تو را بر بزرگترین سپاهیانم در نظرم یعنی مردم مصر ولایت ،دادم لذا برایت سزاوار این است که از خود روگردان باشی و دینت را ،نگهبان اگرچه ساعتی بیش از عمرت نمانده باشد نمانده باشد پس خدا را به خدا را به خرسندداشتن آفریدهاش به خشم ،میار چه عوض از خدا توان یافت و از غیر او نی .نماز را به وقتش بخوان نه در گاه فراغ پیش از وقت و نه در صورت اشتغال پس از آن و بدان هر کارت پیرو نماز تو است.و برخی از این عهد این است:زیرا پیشوای راهنما (علی (علیه السلام) و پیشرو نابودی و گمراهی (معاویه) و دوست پیمبر و دشمن وی یکسان نیستند پیمبر به من گفت که نه از آمت مؤمنم بيمناكم و نه از مشرك، زيرا خدا مؤمن را به ایمانش نگهدارد و مشرك را به شرکش خوار ،کند ولی ترسم بر شما از منافق است که به گفتارش آشنایید و به کردارش بیگانه .)

## ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية وهو من محاسن الكتب - وهو المختار الثامن والعشرون من باب الكتب### اشارةأَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ اصْطِفَاءَ اللَّهِ تَعَالَى مُحَمَّداً صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ لِدِينِهِ، وَتَأْبِيْدَهُ إِيَّاهُ بِمَنْ أَيَّدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَقَدْ خَبَأَ لَنَا الدَّهْرُ مِنْكَ عَجَباً إِذْ طَفِقْتَ تُخْبِرُنَا بِبَلاءِ اللَّهِ عِنْدَنا ، وَنِعْمَتِهِ عَلَيْنَا في نَبِيِّنَا فَكُنْتَ فِي ذلِكَ كَنَاقِل التَّمْرِ إِلَى هَجَرٍ هَجَرَ - معاً]، أَوْ دَاعِيَ مُسَدّدِهِ إِلَى النّضالِ .وَزَعَمْتَ أَنَّ أَفْضَل النَّاسِ فِي الْإِسْلام فُلانٌ وَفُلانٌ فَذَكَرْتَ أَمْراً إِنْ تَمَّ اعْتَزَ لَكَ كُلُّهُ، وَإنْ نَقَصَ لَمْ يَلْحَقَّكَ ثَلْمُهُ، وَمَا أَنْتَ وَالفَاضِلَ وَالمَفْضُولَ والسَّائِسَ والمَسُوسَ وَالْفَاضِلُ وَالمَفْضُول والسَّائِسُ والمَسُوسُ - معا]، وَمَا لِلطَّلَقَاءِ وَأَبْنَاءِ الظُّلَفَاءِ وَالتَّمْيِيرُ [وَالتَّمييز - معاً ] بَيْنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ وَتَرْتِيْبَ [تَرْتِيْبُ - معاً ] دَرَجَاتِهِمْ ، وَتَعْرِيْفَ [تَعْرِيف - معاً ] طَبَقَاتِهِمْ؟ هَيْهَاتَ لَقَدْ حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا وَطَفِقَ يَحْكُمُ فِيهَا مَنْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ لَهَا .اَلا ترْبَعُ أَيُّهَا الإِنْسَانُ عَلَى ظَلْعِكَ وَتَعْرِفُ قُصُورَ ذَرْعِكَ، تَتَأَخَّرُ حَيْثُ أَخْرَكَ الْقَدَرُ؟ فَمَا عَلَيْكَ غَلَبَةُ الْمَعْلُوبِ ، وَلاَ لَكَ ظَفَرُ النَّافِرِ، وَإِنَّكَ (1لَذَهَّابٌ في النِّيْهِ، رَوَّاغٌ مِنَ الْقَصْدِ، أَلاَ تَرى - غَيْرَ مُخَبِّرٍ لَكَ - ولكِنْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ أُحَدِّثُ، أَنَّ قَوْماً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيل - وَلِكُلِّ فَضْلَ - حَتَّى إِذَا اسْتُشْهِدَ شَهِيدٌ [نا] قِيلَ : سَيْدُ الشُّهَدَاءِ وَخَصَّهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بِسَبْعِيْنَ تَكْبِيرَةً عِنْدَ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ؟ أَوَ لا تَرَى أَنَّ قَوْماً قُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ - وَلِكُلِّ فَضْلُ - حَتَّى إِذَا فُعِلَ بِوَاحِدٍ مِنَّا كَمَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ، قِيلَ : الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ وَذُو الْجَنَاحَيْنِ ؟ وَلَوْلاً ما نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةٌ تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ تَمُجهَا آذَانُ السَّامِعِينَ، فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مالَتْ بِهِ الرَّمِيَّةُ فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا ، لَمْ يَمْنَعْنَا قَدِيمُ عِزْنَا وَعَادِيٌّ طَوْلِنَا عَلَى قَوْمِكَ أَنْ خَلَطْنَاكُمْ بِأَنْفُسِنَا فَنَكَحْنَا وَأَنْكَحْنَا فِعْلَ الأَكْفَاءِ، وَلَسْتُمْ هُنَاكَ، وَأَنتَ يَكُونُ ذلِكَ كَذلِكَ وَمِنَّا النَّبِيُّ وَمِنْكُمُ الْمُكَذِّبُ، وَمِنَّا أَسَدُ اللَّهِ وَمِنْكُمْ أَسَدُ الأَحْلافِ ، وَمِنَّا سَيِّدا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمِنْكُمْ صِيْبَةُ النَّارِ، وَمِنَّا خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَمِنْكُمْ حَمَّالَةُ الحَطب ، في كَثِيرٍ مِمَّا لَنَا وعلَيْكُمْ، فَإِسْلامُنَا ما قَدْ سَمِعْتُمْ [سُمِعَ]، وَجاهِلِيَّتُنا لا تُدْفَعُ، وَكِتَابُ اللّهِ يَجْمَعُ لَنَا ما شَذَّ عَنَّا وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بَعْضٍ فِي كِتَبِ اللّهِ) [الأنفال : 75] ؛ وَقَوَلَهُ تَعَالَى :


1) في نسخة : فإنك .

(إنَّ أولَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللّه وليُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 68] ؛فَنَحْنُ مَرَّةً أَوْلَى بِالْقَرَابَةِ وَتَارَةً أَوْلى بِالطَّاعَةِ .

وَلَمَّا احْتَجَّ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَارِ یَومَ السَّقِيقَةِ بِرَسُولِ اللّه(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فَلَجُوا عَلَيْهِمْ فَإن يكن الفُلجُ بهِ فَالْحَقُّ لَنَا دُونَكُمْ، وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِهِ فَالْأَنْصَارُ عَلَى دَعْوَاهُمْ .

وَزَعَمْتَ أَنِّي لِكُلِّ الْخُلَفَاءِ حَسَدْتُ، وَعَلَى كُلّهم بَغَيْتُ، فَإِنْ يَكُن ذَلِكَ كَذلِكَ فَلَيْسَ الْجِنَايَةُ عَلَيْكَ فَيَكُونُ الْعُذرُ إِلَيْكَ وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عارُها .

وَقُلْتَ : إِنِّي كُنتُ أَقَادُ كَمَا يُقَادُ الْجَمَلُ الْمَخْشُوسُ حَتَّى أَبَايَعَ وَلَعَمْرُ اللّهِ لَقَدْ أردت أن تَذُمَّ فَمَدَحْتَ ، وأَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ، وَمَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَةٍ في أن يكُونَ مَظْلُوماً ما لَمْ يَكُنْ شاكًا في دِينِهِ وَلا مُرْتَاباً بِيَقِينِهِ، وَهَذه حُجَّتِي إِلى غَيْرِكَ قَصْدُهَا وَلكِنِّي أطْلَقْتُ لَكَ مِنْهَا بِقَدْرِ ما سَنَحَ مِنْ ذِكْرِها .

ثُمَّ ذَكَرْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي وَأَمْرِ عُثْمَانَ فَلَكَ أَنْ تُجَابَ عَنْ هَذِهِ لِرَحِمِكَ مِنْهُ فَأَيُّنَا كَانَ أَعْدَى لَهُ وَأَهْدَى إِلَى مَقَاتِلِهِ؟ أَمَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ وَاسْتَكَفَّهُ ، أَمْ مَنِ اسْتَنْصَرَ فَتَرَاخَىٰ عَنْهُ، وَبَثَّ الْمَنُونَ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ؟ كَلاً وَاللّهِ لَقَدْ عَلم اللّه المعوقينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنَا وَلَا تَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلّا قَلِيلاً.

وَمَا كُنْتُ لِأَعْتَذِرَ مِنْ أَنّي كُنْتُ أَنْقِمُ عَلَيْهِ أَحْداثاً فَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ إِلَيْهِ إِرْشَادِيَ وَهِدَايَتي لَهُ فَرُبَّ مَلُومٍ لا ذَنْبَ لَهُ، وَقَدْ يَسْتَفِيدُ الظَّنَّةَ الْمُتَنَصْحُ

وَمَا أَرَدْتُ إِلّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ.

وَذَكَرْتَ أَنَّهُ لَيْسَ لي وَلاَ لِأَصْحَابِي عِنْدَكَ إِلّا السَّيْف فَلَقَدْ أَصْحَكْتَ بَعْدَ اسْتِعْبَارٍ؛ مَتَى أُلفِيَتْ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَن الْأَعْدَاءِ نَاكِلِينَ، وَبِالسُّيُوفِ مُخَوَّفِين؟ فَلَبِّث قَليلاً يَلْحَقِ الْهَيْجَاءَ حَمْلٌ ؛ فَسَيَطْلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ، وَيَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبْعَدُ، وَأَنَا مُرْقِلٌ نَحْوَكَ في جَحْفَل مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ ؛ شَديدٍ زِحامُهُمْ، ساطع قَتَامُهُمْ، مُتَسَرْبِلينَ سَرابِيلَ الْمَوْت، أَحَبُّ اللّقاءِ إِلَيْهِمْ لِقاءُ رَبِّهِمْ؛ قَدْ صَحِبْتَهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ، وَسُيُوفٌ هَاشِمِيَّةٌ ؛ قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِها في أخيكَ وَخالِكَ وَجَدِّكَ وَأَهْلِكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (1).


1) عيون الحكم والمواعظ : 166 ، وبحار الأنوار: 60/33

اللغة

قد مضى بيان طائفة من لغات هذا الكتاب في شرح المختار التاسع من هذا الباب، أوّله قوله(علیه السلام) : (فأراد قومنا قتل نبيّه واجتياح أصله وهمّوا بنا الهموم - الخ ) . ( ص 324 ج 17).

(خَبأ) أي أخفى، يقال : خبأ الشيء، من باب منع مهمزاً، وخبّأ مشدّداً أي ستره وأخفاه وفي كثير من النسخ المطبوعة كانت الكلمة مشكولة بتشديد الباء ونسخة الرضيّ بتحفيفها كما اخترناها ( ببلاءاللّه) أي بأنعامه وإحسانه، أو اختباره وامتحانه ولكن المناسب مع ما عندنا هو الإنعام والإحسان .

(هجر) محرّكة اسم بلد مذكر مصروف وغير مصروف والنسبة إليه هاجريٌّ على خلاف القياس ومن ذلك قولهم نبأ هاجري وهو في نسخة الرّضي مشكول مصروفاً وغير مصروف معاً، (مسدّده) أي معلمه، (النضال) المراماة .

(ثلمه) الثلم : الكسر والعيب، وفي عدَّة من النسخ المطبوعة وغيرها : لم ينقصك ثلمه ، ولكن نسخة الرضي رضوان اللّه عليه كانت لم يلحقك ثلمه كما اخترناه (الطلقاء) جمع الطليق وهو من أُطلق بعد الأسرة .

(لقد حنَّ قدحٌ ليس منها) مثل، قال الميداني في فصل الحاء المهملة المفتوحة من «مجمع الأمثال» : حَنَّ قدح ليس منها، القدح أحد قداح الميسر وإذا كان أحد القداح من غير

جوهرة أخواته ثمَّ أجاله المفيض خرج له صوت يخالف أصواتها يعرف به أنّه ليس من جملة القداح، يضرب للرجل يفتخر بقبيلة ليس منها أو يتمدَّح بما لا يوجد فيه، وتمثل به عمر حين قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط : اقتل من بين قريش فقال عمر : حنَّ قدح ليس منها، والهاء في منها راجعة إلى القداح. انتهى. قوله : أجاله المفيض يقال : أفاض أهل الميسر بالقداح أي ضربوا بها .

(الاتربع) ربع كمنع: وقف وانتظر وتحبّس ومنه قولهم: أربع عليك أو على نفسك أو على ظلعك قاله في القاموس.

(والظّلع) بسكون اللام: العيب، وبفتحها: العرج والغمز، وهو مصدر طلع البعير كمنع أي غمز في مشيه، ومن أمثالهم طالع يعود كسيراً، يعود من العيادة، يضرب للضعيف ينصر من هو أضعف منه كما في «مجمع الأمثال» للميداني.

(الذّرع) : الطاقة والوسع وبسط اليد وذرع الإنسان طاقته التي يبلغها، وفي آخر الدُّعاء السابع من الصحيفة السجادية : فقد ضقت لما نزل بي يا ربّ ،ذرعاً، وفي شرحها الموسوم

ب-«رياض السالكين» للعالم المتضلّع السيد عليخان قدّس سرّه في ضيق الذّرع المناسب لقصورها نكات أدبية، فراجع.

(التّيه): الضلال والتحيّر في المفاوز قال اللّه تعالى: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ يَتيهُونَ فِي الْأَرْضِ ، (الرّواغ): كثير الميل، يقال : راغ الرجل والثعلب روغاً وروغاناً إذا مال وحاد عن الشيء، ويقال : فلان بروغ روغان الثعلب ومن الأمثال فلان أروغ من الثعلب.)(القصد: الاعتدال والطّريق المستقيم (غير مخبّر) خبّره الشيء وبالشيء من باب التفعيل أعلمه إياه وأنبأه كأخبره وأخبر به (استشهد) أي قتل في سبيل اللّه، وكذا أشهد، على صيغتي المجهول.)(تمجّها يقال مجّ الماء من فيها إذا ألقاه، (الطّول) بالفتح فالسّكون: الفضل، (عادي) أي قديم، قال الجوهري في «الصحاح» : عاد قبيلة وهم قوم هود(علیه السلام) وشيء عادي أي قديم كأنه منسوب إلى عاد.)وقال الشيخ محمد عبده: العادي الاعتياديّ المعروف، أقول: الصّواب ما قدّمنا وهذا الوجه خطر ببالنا أيضاً إلا أنَّ مقابلته بالقديم منعنا عن ذلك، وفي رواية «صبح الأعشى»: ومديد طولنا .(الرّمية المراد منها ههنا الصيد الّذي يرمى وهو كالمثل يضرب لمن يميل به عن الحقِّ أغراضه الباطلة وأصله أن الرجل يقصد قصداً فيتعرّض له الصيد فيتبعه فيميل به عن قصده الأصلي.)(فلجوا عليهم أي ظفروا عليهم، والفلج: الظفر، والفعل من بابي نصر وضرب، قال محمد بن بشير :)كم من فتى قصرت في الرزق خطوته *** ألفيته بسهام الرزق قد فلجاوالبيت من الحماسة (الحماسة 436 من شرح المرزوقي، وفي الحديث السادس من باب في شأن ﴿إِنَّا أَنزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر: الآية 1] وتفسير من أصول الكافي عن أبي جعفر(علیه السلام) قال : يا معشر الشيعة خاصموا بسورة إنا أنزلناه تفلجوا فواللّه إنها لحجة اللّه تبارك وتعالى على الخلق بعد رسول اللّه(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)وإنها لسيّدة دينكم وإنّها لغاية علمنا (1)الحديث.

(صنائع) جمع صنيعة، قال الزمخشري في «أساس البلاغة»: فلان صنيعتك ومصطنعك،


1) الكافي : 249/1 6 ، وشرح أصول الكافي : 12/6 ح6

واصطنعتك لنفسي، قال الحطيئة :

فإن يصطنعني اللّه لا أصطنعكم *** ولا أُوتكم مالي على العثرات

وقال في «القاموس»: هو صنيعي وصنيعتي أي أصطنعته وربيته وخرجته .

والصنيعة أيضاً هي ما يسدي من معروف أو يد إلى إنسان قال ابن مولی لیزید بن حاتم :

وإذا صنعت صنيعةً أتممته *** بيدين ليس نداهما بمتحدر

والبيت من الحماسة، قال المرزوقي في الشرح : يقول : وإذا اتّخذت عند إنسان يداً وأزللت إليه نعمةٌ فإنّك لا تخدجها ولا تترك تربيتها لكنّك تكمّلها وتقوم بعمارتها مصونة من المنّ والتكدير صافية من الشوائب والتعذير.

(شباب) جمع الشاب .

(شكاة) الشكاة في الأصل: المرض، وتوضع موضع العيب والذم كما في هذا البيت فمعناها العيب والنقيصة .

(ظاهر عنك) أي زائل عنك وينبو، ولا يعلق بك، قال ابن الأثير في «النهاية»: وفي حديث عائشة كان يصلّي العصر ولم يظهر فييء الشمس بعد من حجرتها أي لم يرتفع ولم يخرج إلى ظهرها، ومنه حديث ابن الزبير لما قيل :له يا ابن النطاقين تمثل بقول أبي ذؤيب وتلك شكاة ظاهر عنك ،عارها يقال ظهر عنّى هذا العيب إذا ارتفع عنك ولم ينلك عنه شيء أراد أنَّ نطاقها لا يفضّ منه فيعيّر به ولكنه يرعف منه ويزيده نبلاً ، انتهى .

أقول في بيانه : كانت أم عبد اللّه بن الزبير ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر وأراد ابن الزبير أنَّ تعييره إياه بلقب أمه ليس عاراً يستحيى منه إنّما هو من مفاخره لأنه لقب لقبها به رسول اللّه(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وهو في الغار مع أبي بكر على ما قيل فراجع إلى السيرة النبوية لابن هشام ( ص 486 ج 1 من طبع مصر 1375ه-) وفي الحماسة قال سبرة بن عمرو الفقعسي وعيره شمرة بن النهشلي كثرة إبله :

أعيرتنا ألبانها ولحومها *** وذلك عارياً ابن ريطة ظاهر

قال المرزوقي في الشرح : وذلك عار ظاهر أي زائل قال أبو ذؤيب :

وعيرها الواشون أنّي أُحبّها *** وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

ومن هذا قولك: ظهر فوق السطح، وقولك : جعلته منّي بظهر، وقوله تعالى : (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيَّا ﴾ [هود: 92] انتهى قول المرزوقي.

وأقول : صار هذا المصراع من البيت أعني قول أبي ذؤيب : وتلك شكاة - الخ ، مثلاً يضرب لمن ينكر فعلاً ليس له ربط به ولا تعلّق له، والبيت من قصيدة غراء تنتهي إلى ثمانية وثلاثين بيتاً يرثى بها نشيبة بن محرث أحد بني مؤمل ابن حطيط الهذلي منقولة كاملة في ديوان الهذليين (ص 21) من طبع مصر (1385ه-) مطلعها :

هل الدهر إلأ ليلة ونهارها *** والا طلوع الشمس ثم غيارها

أبى القلب إلا أم عمرو وأصبحت *** تحرق ناري بالشكاة ونارها

البيت.

وأبو ذؤيب هذا هو خويلد بن محرز الهذلي شاعر مجيد مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، قدم المدينة عند وفاة النبي(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فأسلم وحسن إسلامه روي عنه أنه قال : قدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج أهلوا بالإحرام، فقلت: مه ؟ فقالوا : توفّى رسول اللّه(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)كما «في معجم الأدباء» لياقوت (ص 83 ج 11 من طبع مصر) .

(الجمل المخشوش) الذي جعل في أنف البعير ونحوه يشدّ به الزمام ليكون أسرع لانقياده، مشتق من خش في الشيء إذا دخل فيه لأنّه يدخل في أنف البعير .

(الغضاضة): الذلّة والمنقصة، (المعوقين) أي المانعين عن القيام بنصرة الإسلام (فربّ ملوم لا ذنب له) مثل، قال الميداني في فصل الراء المضمومة من« مجمع الأمثال» : هذا من قول أكثم بن صيفي، يقول : قد ظهر للناس منه أمر أنكروه عليه وهم لا يعرفون حجّته فهو يلام عليه، وذكروا أنَّ رجلاً في مجلس الأحنف بن قيس قال : لا شيء أبغض إلي من التمر والزبد. فقال الأحنف ربّ ملوم لا ذنب له - انتهى كلام الميداني.

(الظَّنّة) بالكسر : التهمة (المتنصّح) أي المتكلّف بنصح من لا يقبل النصيحة والمبالغ فيه له .

وقد يستفيد الظنة المتنصّح، مصراع بيت صدره: وكم سقت من آثاركم من نصيحة ، (استعبار) :استعبر جرت عبرته أي بكي .

(لبّث) قليلاً يلحق الهيجا حمل هذا المثل قريب من قولهم: لبّث رويداً يلحق الذاريون، وحمل بالتحريك هو ابن بدر رجل من قشير وفيه يقول قيس ابن زهير العيسي :

ولكن الفتى حمل بن بدر *** بغى والبغي مرتعه وخيم

وهذا البيت للعبسي من أبيات الحماسة (الحماسة 147 من شرح المرزوقي) ومن أبيات «الأمالي» للقالي ص 261 ج 1 ، وفي السيرة النبوية لابن هشام ص 287 ج 1 .

وقول حمل يضرب به مثلاً للتهديد بالحرب.

وروى الميداني في «مجمع الأمثال» في فصل الضاد المفتوحة هكذا : ضحَّ رويداً يدرك الهيجا حمل، وقال : ضحّ رويداً هذا أمر من التضحية أي لا تعجل في ذبحها ثم استعير في النهي عن العجلة في الأمر، ويقال : ضحّ رويداً لم ترع أي لم تفزع ويقال: ضحّ رويداً يدرك الهيجا حمل یعنی حمل بن بدر قال زيد الخيل :

فلو أنّ نصراً أصلحت ذات بينها *** لضحّت رويداً عن مطالبها عمرو

ولكن نصراً ارتعت وتخاذلت *** وكانت قديماً من خلائِقها الغفر

أي المغفرة، نصر وعمرو ابنا قعين وهما حيان من بني أسد، انتهى قول الميداني .

وفي الباب الثالث والعشرين في ما جاء الأمثال من أوله لام من أوله لام من «جمهرة الأمثال» من لأبي هلال العسكري: لبّث رويداً يلحق الهيجا حمل، أي انتظر حتّى يتلاقى الشّبان، والهيجا يقصر ويمدّ، وحمل اسم رجل، انتهى كلام أبي هلال.

وكما اختلف في ضبط هذا المثل على ما قدمنا كذا اختلف في حمل فذهب غير واحد إلى أنه ابن بدر كما دريت وفي «الإصابة» و«أسد الغابة» أنه حمل بن سعدانة قال في الأوّل: حمل بن سعدانة حارثة الكلبي وفد على النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وعقد له لواء وهو القائل : لبّث قليلاً يدرك الهيجا حمل، وشهد مع خالد مشاهده كلها وقد تمثل بقوله سعد بن معاذ يوم الخندق حيث قال :

لبث قيلاً يدرك الهيجا حمل *** ما أحسن الموت إذا حان الأجل

وفي «أسد الغابة» : البث قليلاً - الخ وقال : شهد صفّين مع معاوية، واللّه تعالى أعلم.

ثمَّ إنَّ الهيجاء في نسختنا التي قوبلت على نسخة الرضي ممدودة، ويجب أن تقرأ في البيت مقصورة ليستقيم الوزن .

(مرقل) أي مسرع، والأرقال ضرب من السير السريع، (جحفل) أي جيش عظيم، (قتامهم) أي غبارهم ، ( ساطع) أي منتشر، (نصالها) قال في «القاموس»: النّصل والنصلان حديدة السهم والرمح والسيف ما لم يكن له مقبض جمعه أنصل ونصول ونصال ونصل السهم فيه ثبت وفي بعض النسخ نضالها بالمعجمة يقال ناضل عنه إذا دفع ولكن الصحيح ههنا بالمهملة وفي صدر الكتاب بالمعجمة كما في نسخة الرضى رضوان اللّه عليه قال أبو العيال الهذلي في أبيات لما حصر هو وأصحابه ببلاد الروم في زمن معاوية كتبها إلى معاوية فقرأه معاوية على الناس كما في «ديوان الهذليين» ( ص 255 من طبع مصر)

فترى النّبال تعير في أقطارها *** شمساً كان نصالهن السنبل

وترى الرماح كأنما هي بيننا *** أشطان بئر يوغلون وتوغل

الإعراب

(وما أنت والفاضل والمفضول والسائس والمسوس) الفاضل وأترابه التالية على نسخة الرضى مشكولة بالنصب، كما أنّ في الجملة التي بعدها - أعني وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز الخ - التمييز وترتيب وتعريف منصوبة أيضاً وقد قرأت الجملة الأولى بالنصب والرفع معاً كما في نسخة مخطوطة مشكولة مقرؤة عندنا، واحتمل بعضهم الرفع في الجملة الثانية أيضاً .

أفاد الفاضل الشارح المعتزلي بقوله : (وما أنت والفاضل والمفضول) الرواية المشهورة بالرفع وقد رواها قوم بالنصب فمن رفع احتج بقوله: (وما أنت وبيت أبيك والفخر) وبقوله : (فما القيسي بعدك والفحار) ومن نصب فعلى تأويل مالك والفاضل وفي ذلك معنى الفعل أي تصنع لأنَّ هذا الباب لا بدَّ أن يتضمن الكلام فيه فعلاً أو معنى فعل وأنشدوا : فما أنت والسير في متلف والرفع عند النحويين أولى، (وما للطلقاء وأبناء الطلقاء) والتمييز النصب ههنا لا غير لأجل (اللام) في الطلقاء .

(حنّ قدح ليس منها) الضمير المجرور راجع إلى القداح كما مرّ (فيها من عليه الحكم لها) (الهاء) في الطرفين راجعة إلى الطبقات أو الجماعة أو القضية أو نحوها غير مخبر منصوب على الحالية لضمير أحدث ، ( ومخبّر) على نسخة الرضى كان بتشديد (الباء) من التخبير وفي غير واحد من نسخ أخرى بكسر (الباء) المخففة من لإخبار وكلاهما بمعنى واحد كما مرّ في شرح اللغات (أنَّ قوماً) مفعول ترى (الرميّة) فعلية بمعنى مفعولة وأنثت لأنّها جعلت اسماً لا نعتاً والمراد بها الدُّنيا أي دع مَنْ مَال إلى الدُّنيا ومالت به أي أمالته إليها . (فعل الأكفاء) منصوب على المصدر (ولستم هناك) (الواو) للحال والعامل فيه خلطناكم (على قومك) متعلق بقوله (طولنا ) أي فضلنا عليهم، وجملة (أن خلطناكم) فاعل لقوله : لم ،يمنعنا، وكلمتا (قديم وعادي) منصوبتان على المفعولية، وفي نسخة الرضي(رحمة اللّه) وهي الصواب مرفوعتان على الفاعلية وجملة (خلطناكم) على هذا الوجه منصوبة على المفعولية، أفاد الفاضل الشارح المعتزلي بقوله : فإن قلت: فبماذا يتعلّق في قوله في كثير؟ قلت : بمحذوف تقديره هذا الكلام داخل في جملة كلام كثير يتضمن ما لنا وعليكم.

(الفلج به) الضمير المجرور يرجع إلى الرسول (قصدها) الضمير يرجع إلى الحجّة (وإلى غيرك) خبر قدم على القصد أي هذه حجتي قصدها إلى غيرك.

(يلحق الهيجا حمل) قريء الفعل وحمل على وجهين: على تأنيث الفعل ونصب (حمل) (فالهيجاء) فاعل، وعلى تذكير الفعل، ورفع (حمل) فالهيجاء مفعول (متسربلين) منصوب على الحال .

المصدر

قد مرّ في ذكر مآخذ الكتاب التاسع ( ص 326 ج 17) نقل كتابه(علیه السلام) إلى معاوية جواباً عن كتابه إليه وقد نقلناهما من كتاب صفّين لنصر بن مزاحم وقد نقله ابن عبد ربه في «الفريدالعقد» أيضاً (ص 334 ج 4 من طبع مصر) وأما كتابه هذا فقد نقله أعثم الكوفي في الفتوح (ص 157 من ترجمة الهروي طبع بمبئي) وأبو العبّاس أحمد بن علي القلقشندي في «صبح الأعشى» ( ص 229 ج 1 من طبع مصر) وشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري في «نهاية الأرب» (ص 233 ج 7) ويطلب من باب كتبه (علیه السلام)إلى معاوية واحتجاجاته عليه من ثامن البحار ( ص 534 ج 8 من الطبع الكمباني)، وكتابه هذا أنه قريب من التاسع وأنهما يوهم واحد والاختلاف في النسخ أو الروايات حتى أنَّ الشارح البحراني مال ههنا أنّ هذا الكتاب ملتقط من كتاب ذكر السيد منه فصلاً سابقاً وهو قوله: (فأراد قومنا إهلاك نبيّنا) وقد ذكرنا كتاب معاوية الذي هذا الكتاب جواب له وذكرنا الكتاب له بأسره هناك وإن كان فيه اختلاف ألفاظ يسيرة بين الروايات . انتهى قوله .

أقول : قد وجدنا الكتابين في مآخذ عديدة ونرى بينهما اختلافاً يمنعنا من اعتقادهما واحداً، على أنّ دأب الشريف الرضي - رضوان اللّه عليه - كان إذا نقل كلامه برواية أخرى أن ينبه بتقديمه على صورة أخرى قال في المختار 227 من باب الخطب أوله : بسطتم يدي فكففتها، ومن كلام له (علیه السلام) في وصف بيعته بالخلافة وقد تقدم مثله بألفاظ مختلفة

وقال في المختار 23 من باب الكتب، أوله: وصيتي لكم أن لا تشركوا باللّه شيئاً . أقول: وقد مضى بعض هذا الكلام فيما تقدّم من الخطب إلا أنّ فيه زيادة أوجبت تكريره .

وقال في المختار 66 من هذا الباب أوّله : أما بعد فإنّ المرء ليفرح بالشيء الذي لم يكن ليفوته. وقد تقدّم ذكره بخلاف هذه الرواية .

ونحوها في عدّة مواضع أخرى فلو كان الكتابان واحداً لكان يتعرض عليه كما تعرَّض فيها، وبعد الغمض عن ذلك نقول : إنّ الروايات قائلة بأن معاوية كتب إلى على (علیه السلام)كتاباً أنفذه إليه مع أبي أمامة الباهلي فكتب إليه علي(علیه السلام) هذا الكتاب، وكتب إليه كتاباً أنفذه إليه مع أبي مسلم الخولاني فكتب(علیه السلام) في جوابه ذلك الكتاب المقدّم في المختار التاسع وكان صدره فإنَّ أخا خولان قدم عليّ بكتاب - الخ .

وقد أقبل على الفاضل الشارح المعتزلي هذا السؤال أيضاً وأورده على النقيب أبي جعفر فأجابه بما لا يخلو ذكره من فائدة، قال: سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن زيد فقلت: أرى هذا الجواب منطبقاً على كتاب معاوية الذي بعثه مع أبي مسلم الخولاني إلى علي(علیه السلام) فإن كان هذا هو الجواب فالجواب الذي ذكره أرباب السيرة وأورده نصر بن مزاحم في كتاب صفين إذاً غير صحيح، وإن كان ذلك الجواب فهذا الجواب إذا غير صحيح ولا ثابت؟ .

قال : فقال لي : بل كلاهما ثابت مروي وكلاهما كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) وألفاظه، ثمَّ أمرني أن أكتب ما يمليه عليَّ فكتبته قال كان معاوية يتسقط علياً وينعى عليه ما عساه يذكره من حال أبي بكر وعمر وأنّهما غصباه حقه ولا يزال يكيده بالكتاب يكتبه والرسالة يبعثها يطلب غرته لينفث بما في صدره من حال أبي بكر وعمر إما مكاتبة أو مراسلة فيجعل ذلك حجّة عليه عند أهل الشام ويضيفه إلى ما قرّره في أنفسهم من ذنوبه زعم فقد كان غمصه عندهم بأنه قتل عثمان أو مالأ على قتله وأنّه قتل طلحة والزبير وأسر عائشة، وأراق دماء أهل البصرة وبقيت خصلة واحدة وهو أن يثبت عندهم أنه يتبرأ من أبي بكر وعمر وينسبهما إلى الظلم ومخالفة الرسول في أمر الخلافة وأنهما وثبا عليه غلبة وغصباه إياها فكانت هذه الطامة الكبرى ليست مقصرة على فساد أهل الشام عليه بل وأهل العراق الذين هم جنده وبطانته وأنصاره لأنهم كانوا يعتقدون إمامة الشيخين إلا القليل القليل الشاذ من خواص الشيعة .

فلمّا كتب ذلك الكتب مع أبي مسلم الخولاني قصد أن يغضب علياً ويحرجه ويحوجه إذا قرأ ذكر أبا بكر وأنه أفضل المسلمين إلى أن يرهن خطه في الجواب بكلمة تقتضي طعناً في أبي بكر فكان الجواب مجمحاً غير بين فيه تصريح بالتظليم لهما ولا التصريح ببراءتهما وتارة يترحم عليهما وتارة يقول أخذ حقي وقد تركته لهما ، فأشار عمرو بن العاص على معاوية أن يكتب كتاباً ثانياً مناسباً للكتاب الأول ليستفزا فيه علياً (علیه السلام) ويستخفاه ويحمله الغضب منه أن يكتب كلاماً يتعلّقان به في تقبيح حاله وتهجين مذهبه وقال له عمرو إنّ علياً رجل نزق تياه وما استطمعت منه الكلام بمثل تقريظ أبي بكر وعمر فاكتب فكتب كتاباً أنفذه إليه مع أبي أمامة الباهلي وهو من الصحابة بعد أن عزم على بعثه مع أبي الدرداء ونسخة الكتاب من عبد اللّه معاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب أما بعد فإن اللّه تعالى جده - إلى آخر ما ننقله بعيد هذا في ذكر المعنى.

ثمَّ قال : قال النقيب أبو جعفر : فلما وصل هذا الكتاب إلى علي(علیه السلام) مع أبي أمامة الباهلي كلّم أبا أمامة بنحو ممّا كلّم به أبا مسلم الخولاني وكتب معه هذا الجواب .

قال : قال النقيب وفي كتاب معاوية هذا ذكر لفظ الجمل المخشوش أو الفحل المخشوش لا في الكتاب الواصل مع أبي مسلم وليس في ذلك هذه اللفظة وإنما فيه حسدت

الخلفاء وبغيت عليهم عرفنا ذلك من نظرك الشزر وقولك الهجر وتنفسك الصعداء وإبطاؤك عن الخلفاء

قال : قال : وإنما كثير من الناس لا يعرفون الكتابين والمشهور عندهم كتاب أبي مسلم فيجعلون هذه اللفظة فيه والصحيح أنها في كتاب أبي أمامة ألا تراها عادت في جوابه ولو كانت في كتاب أبي مسلم لعادت في جوابه - انتهى كلام النقيب أبي جعفر في شرح الفاضل الشارح المعتزلي(1).

أقول: وهذا تحقيق خبري دقيق وبحث رواني عميق فإنّ المجاميع في الفنون العديدة والجوامع الروائية يفيد أنهما كتابان كما دريت وقد مال إليه الفاضل المؤرخ الفنان محمد تقي سپهر في «ناسخ التواريخ» (ص 164 ج 2 من الطبع الناصري) فإنّه بعدما نقل كتاب معاوية مع أبي مسلم الخولاني وكتاب أمير المؤمنين(علیه السلام) في جوابه على ما مر نقلهما في ذكر مآخذ الكتاب التاسع قال ما هذا هو لفظه بالفارسية وكأنّه ترجمة ما أفاده النقيب .

معاوية مكتوب را قرائت کرد و عمرو عاص را نیز بنمود عمرو نگریست که علی(علیه السلام) در جواب معاویة آنجا که أبو بكر را بر تمامت مسلمانان تفضیل نهاده کلمه که تصریح بر تقبيح أبو بكر وتشنيع أعمال أو باشد رقم نکرده إلا آنکه نگاشته است حق مرا مأخذو داشته اند و من تفویض کردم با معاوية گفت برقانون كتاب أوّل علي مكتوب کن و همچنان فصلی در فضل أبو بكر وعمر و عثمان رقم کن، چون علی ایشانرا غاصب حق خویش داند و در نزد خدا ورسول عاصي وبزه کار میخواند بعید نباشد که در فضیحت عقیدت ایشان وظلم وطغيان ایشان چیزی رقم کند آنگاه ما مکتوب او را برفساد مذهب أو حجّت کنیم و بر مردم شام وصناديد قبایل عرضه داریم و تمامت عربرا بر او بر شورانیم و بر گردن آرزو سوار شویم معاویه را كلمات او پسنده افتاد و همیخواست تا بصحبت ابو دردا چیزی نکارد هم از این اندیشه باز نشست و این مکتوبرا بدست أبو أمامه باهلی که در شمار اصحاب رسول خدا است انفاذ داشت من عبد اللّه معاوية بن أبي سفيان - إلى آخر كتابه الآتي عن قريب - إلى أن :قال بالجملة أبو أمامه باهلی این نامه بگرفت و راه در نوشت و در کوفه حاضر حضرت أمير المؤمنين(علیه السلام) شده تسلیم داد أمير المؤمنين بعد از قرائت آن مكتوب بدینگونه پاسخ نگاشت : أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه اصطفاء اللّه تعالى - الخ .

وبالجملة أنَّ الظنّ المتاخم بالعلم من التتبع والفحص حاصل بأنّ كلّ واحد منهما كتاب على حياله فلنرجع إلى تفسير الكتاب.


1) شرح النهج : 187/15 ، وبحار الأنوار: 64/33 .

المعنى

لما كان الأمير(علیه السلام) في هذا الكتاب يردّ الأباطيل التي نسجتها عنكبوت أوهام معاوية وأهواء شيطانه عمرو العاصي فلا بد لنا من نقل كتاب معاوية ليتضح الجواب، كتب معاوية إليه بعد كتابه الذي أنفذه إليه مع الخولاني على ما مرّ آنفاً :

من عبد اللّه معاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب: أما بعد، فإنّ اللّه تعالى جدُّه اصطفى محمداً عليه الصلاة والسّلام لرسالته، واختصه بوحيه وتأدية شريعته فأنقذ به من العماية، وهدى به من الغواية، ثمَّ قبضه إليه رشيداً حميداً قد بلغ الشرع، ومحق الشرك، وأخمد نار الإفك فأحسن اللّه جزاءه، وضاعف عليه نعمه وآلاءه.

ثمّ إنّ اللّه سبحانه اختصَّ محمداً عليه الصّلاة والسّلام بأصحاب أيّدوه ونصروه وكانوا كما قال اللّه سبحانه لهم : (أَشِدَّاءُ عَلَى الكَفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الفَتْح : الآية 29] فكان أفضلهم مرتبة، وأعلاهم عند اللّه والمسلمين منزلة الخليفة الأوّل الذي جمع الكلمة ولم الدعوة وقاتل أهل الرّدّة، ثمَّ الخليفة الثاني الذي فتح الفتوح، ومصر الأمصار وأذل رقاب المشركين، ثمَّ الخليفة الثالث المظلوم الذي نشر الملّة وطبّق الآفاق بالكلمة الحنيفية .

فلمّا استوثق الإسلام وضرب بجرانه عدوت عليه، فبغيته الغوائل ونصبت له المكائد وضربت له بطن الأمر وظهره و دست عليه وأغريت به وقعدت حيث استنصرك عن نصره وسألك أن تدركه قبل أن يمزّق فما أدركته، وما يوم المسلمين منك بواحد : لقد حسدت أبا بكر والتويت عليه ورمت إفساد أمره وقعدت في بيتك واستغويت عصابة من الناس حتى تأخروا عن بيعته، ثمَّ كرهت خلافة عمر وحسدته واستطلت مدته وسررت بقلته وأظهرت الشماتة بمصابه حتى أنك حاولت قتل ولده لأنه قتل قاتل أبيه .

ثمَّ لم تكن أشدَّ منك حسداً لابن عمك عثمان نشرت مقابحه، وطويت محاسنه، وطعنت في فقهه، ثمَّ في دينه ثم في سيرته، ثمّ في عقله وأغريت به السفهاء من أصحابك وشيعتك حتى قتلوه بمحضر منك لا تدفع عنه بلسان ولا يد، وما من هؤلاء إلا من بغيت عليه، وتلكأت في بيعته حتى حملت عليه قهراً تساق بحزائم الاقتسار كما يساق الفحل المخشوش، ثمّ نهضت الآن تطلب الخلافة وقتلة عثمان خلصاؤك وسجراؤك والمحدقون بك، وتلك من أماني النفوس وضلالات الهواء.

فدع اللجاج والعبث جانباً، وادفع إلينا قتلة عثمان، وأعد الأمر شورى بين المسلمين ليتفقوا على من هو اللّه رضاً، فلا بيعة لك في أعناقنا ولا طاعة لك علينا ولا عتبي لك عندنا، وليس لك ولأصحابك عندي إلا السيف والذي لا إله الا هو لأطلبنَّ قتلة عثمان أين كانوا وحيث كانوا حتّى أقتلهم أو تلحق روحي باللّه.

فأمّا ما لا تزل تمنّ به من سابقتك وجهادك فإنّي وجدت اللّه سبحانه يقول : (یَمُنّونَ عليكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَى إِسْلَامَكُم بَلِ اللّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) [الحجرات : 17] ولو نظرت في حال نفسك لوجدتها أشدّ الأنفس امتناناً على اللّه بعملها وإذا كان الامتنان على السائل يبطل أجر الصدَّقة فالامتنان على اللّه يبطل أجر الجهاد ويجعله (كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابُ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلداً لايَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البَقَرَة : 264] انتهى كتاب معاوية(1).

ومعنى كلامه : فلمّا استوثق الإسلام وضرب بجرانه، أنّ الإسلام لمّا استقام وقرّ في قراره تشبيهاً بالبعير إذا برك واستراح مد جرانه على الأرض، وجران البعير هو مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره .

وقوله : حتّى أنك حاولت قتل ولده لأنّه قتل قاتل أبيه، يشير إلى عبيد اللّه بن عمر وقتله أبا لؤلؤة فيروز قاتل عمر وقد تقدّم كلامنا في شرح المختار 236 من باب الخطب (ص244 ج 15) وفي شرح المختار الأوّل من باب الكتب (ص 238 ج 16).

قوله: تلكأت في بيعته، تلكاً الأمر أي أبطأ ،وتوقف فالصواب أن يقال تلكأت عن بيعته فكلمة (في) بمعنى (عن) إن لم يتطرق فيها تحريف قوله سجراؤك هو بالسين المهملة جمع سجير ككريم أي الخليل الصفي .

فكتب أمير المؤمنين علي(علیه السلام) في جوابه: أما بعد، فقد أتاني كتابك تذكر اصطفاء اللّه محمداً (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) - الخ ، فحان لنا الآن شرح كتابه(علیه السلام) :

قوله(علیه السلام) : (أما بعد فقد أتاني - إلى قوله : إلى النضال) هذا الكتاب يشتمل على فصول تجيب عن فصول من الأباطيل المموّهة التي توغّل فيها معاوية وهذا القسم من الكتاب جواب عن قوله : فإنَّ اللّه تعالى جدّه - إلى قوله : فكان أفضلهم مرتبة.

وبيان الجواب على الإجمال أنَّ أمير المؤمنين علياً(علیه السلام) كان بما أخبره معاوية أعلم من غيره لأنه لم يكن أحد كمثله في حماية الدين والذب عن حوزته عن ابتداء دعوة رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)إلى زمان ارتحاله من الدُّنيا وإخبار معاوية علياً(علیه السلام)بذلك كسفيه استبضع تمراً إلى هجر، أو كغبي دعى منعلمه الرماية إلى المراماة، وأما بيانه على التفصيل فقد مرّ في شرح المختار التاسع من باب الكتب ( ص 336 - 348 ج 17 ) وفي شرح المختار السابع عشر منه ، فراجع.


1) بحار الأنوار: 63/33 ، ونهج السعادة : 190/4 .

قوله(علیه السلام) : ( وزعمت أنّ أفضل الناس فلان - إلى قوله فالأنصار على دعاويهم) هذا الفصل جواب عن قول معاوية : فكان أفضلهم مرتبة - إلى قوله وطبق الآفاق بالكلمة الحنيفية، كان معاوية ذكر في كتابه الأفضل فالأفضل من الأصحاب على زعمه وفضلهم على أمير المؤمنين(علیه السلام) تعريضاً على حقده حيث قال: وأعلاهم الأول والثاني والثالث فأجابه بأن ما ذكرت فيهم إما أن يتم ويصح أولاً فإن تم اعتزلك كلّه لأنّه كان من تلك الفضائل في معزل، وعلى الثاني لم يلحقك عيبه ونقصه لأنه لم يكن منهم، فعلى كلا الوجهين كان معاوية خائضاً في ما لا يعنيه .

ثمّ بيّن(علیه السلام) عدم لياقة معاوية لتمييز الفاضل والمفضول منهم وترتيب درجاتهم وتعريف طبقاتهم بقوله : (وما أنت والفاضل والمفضول - الخ)، ومن الطلقاء أبوسفيان ومن أبنائهم معاوية كما مضى بيان ذلك تفصيلاً من شرح المختار السابع عشر من باب الكتب عند حديث أهل مكة وأنّ أهل مكة هم الطلقاء (ص 281 ج 18).

وكأن قوله(علیه السلام) (بين المهاجرين الأولين) يشير إلى قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة : 100] وكان معاوية وأبوه في زمان الهجرة مشركين ولمّا رفع اللّه الكلمة العليا وكان الناس يدخلون في دين اللّه أفواجاً استسلما وما أسلما كما قال أمير المؤمنين على(علیه السلام) : فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلمّا وجدوا أعواناً عليه أظهروه (المختار 16 من باب الكتب ص 224 ج 18) وراجع أيضاً إلى (ص 370 ج 15 وإلى ص 53 ج 18).

وقال الطبرسي (رحمة الله) في التفسير : في هذه الآية دلالة على فضل السابقين ومزيتهم على غيرهم لما لحقهم من أنواع المشقة في نصرة الدين فمنها مفارقة العشائر والأقربين ومنها مباينة المألوف من الدين ومنها نصرة الإسلام وقلة العدد وكثرة العدو، ومنها السبق إلى الإيمان والدُّعاء إليه - إلى أن قال : وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناد مرفوعاً إلى عبد الرحمن بن عوف في قوله سبحانه: وَالسابِقُونَ الْأَوَّلُونَ [التوبة : الآية 100] قال: هم عشرة من قريش أولهم إسلاماً علي بن أبي طالب(1).

وبالجملة أن معاوية وأترابه شأنهم وقدرهم دون أن يدخلوا في التمييز بين هؤلاء ونحوه وليسوا بأهل لذلك ونعم ما قيل:


1) مجمع البيان: 113/5 ، وشواهد التنزيل : 334/1

خلق اللّه للحروب رجالاً *** ورجالاً لقصعة وثرید

ثمَّ أتى أمير المؤمنين(علیه السلام) في ذلك بمثلين كما أتى في الأمر المقدم بالمثلين فقال(علیه السلام) : (هيهات لقد حنّ قدح ليس منها) وقد علمت في تفسير اللغة أنه يضرب للرجل يفتخر بقبيلة ليس منها أو يتمدّح بما لا يوجد فيه، وقريب منه ما يقال في الفارسية: من آنم که رستم جوانمرد بود والثاني قوله : (وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها) أي طفق يحكم في هذه الجماعة أو القضيّة أو نحوهما من عليه الحكم لها يعني ليس له أن يحكم فيها وقدره دون ذلك بل يجب عليه قبول الحكم الصادر من أهل أهله فيها .

ثمَّ نبّهه على ضعفه وقصور ذرعه عن البلوغ إلى تلك المراتب السامية وأنى للأعرج العروج إلى قلل شامخة فقال: (ألا تربع - الخ) استفهام على سبيل الاسترحام أو الاستحقار والتقريع، وقد عرفت أنَّ الظلع هو العرج والغمز، وهل للطالع أن يحمل حملاً ثقيلاً؟ أي ألا ترفق بنفسك أيها الطالع حتّى لا تحمل عليها ما لا تطيقه؟ وألا تعرف قصور ذرعك وعدم قدرتك واستطاعتك عن البلوغ إلى درجة السابقين؟ وألا تتأخر حيث أخرك قدر اللّه وتضع نفسك حيث وضعها اللّه ؟

ثم قال(علیه السلام) : (فما عليك غلبة المغلوب ولا لك ظفر الظاهر) أتى بفاء التفريع على هذه الجملة، أي إذا كنت بمعزل عنهم وأجنبيّاً عن هؤلاء المهاجرين الأولين والسابقين في الإسلام، فما عليك غلبة المغلوب أي لا تضرّك، ولا لك ظفر الظافر أي لا ينفعك فدخل معاوية فيما لا يعنيه .

ثمَّ قال(علیه السلام) : (وإنك لذهاب في التّبه روّاغ من القصد) وذلك لأنَّ من خرج عن زيّه ودخل فيما لا يعنيه، وتكلّم فوق قدره يعدّ كلامه فضولاً، وصدق عليه مثل : لقد حنّ قدح ليس منها، فقد ذهب في الضلال ومال عن الاعتدال وماذا بعد الحق إلّا الضّلال .

على أنّ معاوية أنكر الحقّ وعدل عن الصراط المستقيم حيث خرج مبارزاً لمن له الحق ولمن هو على الصراط المستقيم بل لمن هو الحق والصراط المستقيم ألا وهو إمام المتقين وقائد الغر المحجلين وخليفة ربِّ العالمين ومن هو من خاتم النبيين بمنزلة موسى من هارون علي أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين فمن عدل عن ذلك القسطاس المستقيم والميزان القسط، فهو ذهّاب في التّيه روّاغ عن القصد .

نقل سبط ابن الجوزي في «التذكرة» عن أبي حامد الغزالي حيث قال في كتاب سرّ العالمين وكشف ما في الدارين بعد نقل طائفة من كلامه في غصب الغاصبين خلافة أمير المؤمنين(علیه السلام) : ثمَّ العجب من منازعة معاوية العليل الخلافة وقد قطع الرسول(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) طمع من طمع فيها بقوله : «إذا ولى خليفتان فاقتلوا الأخير منهما»، والعجب من حق واحد كيف

ينقسم بين اثنين والخلافة ليست بجسم ولا عرض فيتجزأ قال وقال أبو حازم أوّل خلافة (1)تجري بين العباد في المعاد بين علي(علیه السلام) ومعاوية فيحكم اللّه تعالى لعليّ على معاوية والباقون تحت المشيئة ، وقال(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) لعمّار : تقتلك الفئة الباغية، ولا ينبغي للإمام أن يكون باغياً، ولأنَّ الإمامة تضيق عن شخصين، كما أنَّ الربوبية لا تليق بالهين اثنين - إلى أن قال : ثمَّ استفاض لعن علي(علیه السلام) على المنابر ألف شهر وكان ذلك بأمر معاوية أتراهم أمرهم بذلك كتاب أو سنة أو إجماع ؟ هذا صورة كلام الغزالي. (ص 37 من التذكرة الرَّحلي المطبوع على الحجر والمقابلة الرابعة من سرّ العالمين ص 22 من طبع النجف).

ثم أخذ أمير المؤمنين(علیه السلام) بتذكير معاوية وتنبيهه على أفضليته وأفضلية من هو من بيته ونسبه من بني هاشم حيث قال: (ألا ترى غير مخبر لك - لكن بنعمة اللّه أُحدّث - أنَّ قوماً الخ). يعني بقوله غير مخبر لك أنك لست بأهل أن يخاطبك مثلي كما يستفاد من سياق الكلام، ويحتمل بعيداً أن يفسّر بأن معاوية لما كان واقفاً على ذلك قال الأمير(علیه السلام) : (غير مخبر لك)، وقوله(علیه السلام) : ( لكن بنعمة اللّه أُحدّث) يشير إلى قوله تعالى في سورة الضحى : (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث) [الضحى : الآية 11]

ثم قال(علیه السلام) : (قيل : سيّد الشهداء) يعني بسيّد الشهداء عمّه حمزة بن عبد المطلب رضوان اللّه عليه استشهد في أحد والقائل هو رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)حيث قال : إنه سيّد الشهداء وخصه بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه ومضى الكلام في شهادة حمزة وصلاة الرسول (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وحزنه عليه في المختار التاسع من باب الكتب (ج 17) فراجع .

ثم قال(علیه السلام) : (إنّ قوماً قطعت أيديهم في سبيل اللّه) يعني به أخاه جعفر بن أبي طالب رضوان اللّه عليه استشهد في غزوة مؤتة، وقد تقدَّم الكلام في شهادته وفضله في شرح المختار التاسع المقدّم ذكره أيضاً فلا فائدة في الإعادة .

ثمَّ أخذ(علیه السلام) بنقل فضائله ولكن أعرض عنه لما نهى اللّه عنه من تزكية المرء نفسه فقال: (ولولا ما نهى اللّه - الخ) - وأراد من قوله : (لذكر ذاكر) نفسه الشريفة، ثمّ وصف الفضائل بأنها بلغت في الشهرة والوضوح مبلغاً تعرفها قلوب المؤمنين ولا تمجها آذان السامعين فلا ينكرها إلا عميان القلب وفاقد السمع، وسياق الكلام يفيد أنها لوضوحها لا يمكن لأحد إنكارها وإن كان غير مؤمن يثقل عليه سماعها حيث قال : (ولا نمجها آذان السامعين) بعد قوله : (تعرفها قلوب المؤمنين)

ثمَّ قال(علیه السلام) : (فدع عنك من مالت به الرَّمية) وفي «نهاية الأرب»: الدنية مكان الرمية


1) في نسخة حكومة .

و هي الأمر الخسيس، قيل : إنه مثل وأصله أنَّ رجلاً قصد مكاناً وقد عرض عليه في أثناء طريقه صيد فجعل يتبعه ليصطاده فشغله عمّا قصده. انتهى كلامه بترجمة منّا، ولكنا لم نظفر به والحق ما قاله آخر من أنه كالمثل .

وأمّا معناه: فقال الكيدريّ - كما نقل عنه في البحار : ( ص 536 ج8) أراد(علیه السلام) أنه يعني معاوية - مطعون في نسبه وحسبه وأنّه أزاله عن مقام التفاخر والتنافر مطاعن شهرت فيه انتهى . ثم قال المجلسي له : وكأنّه حمل على الرماية على السهام المرمية. انتهى .

وذكر المولى صالح القزويني (رحمة اللّه) في شرحه على النهج بالفارسية في معناه ثلاثة أوجه : أولها : أنه(علیه السلام) أراد يمن نفسه الشريفة أي دعني يا معاوية وشأني أسكت عنك، ولم يك قصدي أن أفاخرك بمفاخري ولكن تعرّض لي صيد في أثناء الطريق فرميته بسهم .

وثالثها: أنه(علیه السلام) أراد بمَنْ معاوية أي دع ما يشغلك عن الحق واترك ما لا يعنيك ودونك وشأنك ولا تكن كالّذي مالت به الرَّمية، واحتمله العالم الشارح البحريني قدّس سرّه أيضاً حيث قال : ويحتمل أن تكون الإشارة إليه بعينه على طريقة قولهم : إياك أعني واسمعي يا جارة .

قلت: ما ذهب إليه الكيدري(رحمة اللّه) بعيد عن سياق العبارة وكذا الوجهان المذكوران سيما الأوّل منهما، ومعنى العبارة المستفاد من سياقها أن أمير المؤمنين(علیه السلام) يأمره عن عدم الالتفات إلى أقوال أبناء الدُّنيا كعمرو بن العاص وأضرابه أي دع قوماً أمالتهم الدُّنيا الدنيئة عن سويّ ،الصراط، وبعد نفسك عنهم .

ثم قال(علیه السلام) : (فإنا صنائع ربنا والخلق بعد صنائع لنا) إنما أتى بالفاء لأنَّ كلامه هذا في مساق العلة لقوله : فدع عنك من مالت به الرَّمية، أي يجب عليك ترك هؤلاء القوم الذين ضلوا عن الطريق الحق وعليك باتباع سبيلنا لأنا صنائع ربّنا فمن أعرض عنا فقد حاد عن الصراط المستقيم .

ثمَّ إنَّ كلامه هذا فوق كلام البشر، وفوق ما تحوم حوله العبارة، عليه مسحة من العلم الإلهي، ولعمري أنه يجري مجرى التنزيلات السماوية، لما اشتمل عليه من أمر الخلافة الحقة، وشأن الحجج الإلهيّة، وأراه كأنه موج برز من محيط عظيم، أو نور سطع من عالم الأمر الحكيم، لا يتفوّه به إلا من اصطنعه اللّه تعالى لنفسه، ولا يقدر على الإتيان به إلا قائل إنا لأمراء الكلام وفينا تنشبت عروقه وعلينا تهدّلت غصونه ولا يليق هذا الادعاء إلا لنبي أو وصي نبي، ولا يصدر نحو هذه الكلمة العليا إلا من قلب هو عيبة أسرار اللّه جل شأنه، وبالجملة :

آنکس که زکوی آشنائیست *** داند که متاع ما کجائیست

وقد علمت في تفسير اللغات أنّ فلاناً صنيعي وصنيعتي أي اصطنعته وربيته وخرجته وفلان صنيعتك ومصطنعك، قال عز من قائل: فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه: 40 - 41] أي اصطفيتك وأخلصتك واستخلصتك لنفسي كما قال عز من قائل: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخلصا [مريم : 51] وقال تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتي وَبِكَلامِی) [الأعراف : 144]، قال جار اللّه الزمخشري في «الكشاف»: هذا تمثيل لما خوّله من منزلة التقريب والتكريم والتكليم مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصال فيه وخصائص أهلاً لئلا يكون أحد أقرب منزلة منه إليه ولا يأتمن على مكنون سره سواه. انتهى .

وقال النيسابوري في «التفسير» : اصطنعت فلاناً لنفسي إذا اصطفيته وخرجته ومعناه أحسنت إليه حتى أنه يضاف إليه، ونقل نحوه عن القفّال أيضاً، ففيه غاية التشريف والتكريم .

وإذا تأمّلت حق التأمل بما أهدينا إليك في الصنيعة تجدها تجري مجرى الاصطفاء والاجتباء والإخلاص والاستخلاص فتدبر في قوله تعالى:

وَاذْكُرْ عِندَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَیدِى وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْناهُم بِخَالِصَة ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ [

ص: 45 - 47] . وقوله تعالى : (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرُ بَصِيرٌ ثُمَّ أَوْرَثنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا) [فاطر: 31 - 32].

وقوله تعالى : (اللّهُ يَصْطَفِي مِن المَلَائكَةِ رُسُلًا ومن النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج : 75].)وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا وَآتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ - إلى قوله : (وَإِسْمَاعِيلَ وَالْیَسَعَ ويونس ولوطا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ وَمِنْ وَآبَائهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتبیناهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام: 86 - 87] .وفي قوله تعالى : (أُولَئكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَاهيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ وَاَبَنتُ الرَّحْمَنِ خَرُوا سُجَّدًا وَبُكیا [مريم : 58] .)وفي قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّومَ وَالْفَحْشَاةُ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [ يُوسُف : 24] ، وقوله تعالى : ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائتونِي بِهِ أَسْتَخْلِصَهُ لِنَفْسِي) [يوسف: الآية 54])ثم لا يخفى عليك لطف كلامه(علیه السلام : (فإنا صنائع ربنا والناس بعد صنائع لنا) من حيث)

إتيانه الضمير على هيئة الجمع دون المفرد يعني أنَّ جميع حجج اللّه اصطنعهم اللّه تعالى لنفسه واصطفاهم بين سائر عباده فهو(علیه السلام ينادي بأعلى صوته بأن خليفة اللّه لا بدَّ من أن يكون منصوباً عنده تبارك وتعالى، كما أفاد بكلامه هذا أعني فإنا صنائع ربنا . معصومون)من أيضاً، وذلك لأنّ اللّه لا يصطنع لنفسه من لا يكون معصوماً، وقد مر بحثنا عن ذلك مشبعاً في الإمام وصفاته في شرح المختار 237 من باب الخطب (ص33 - إلى - 176 من ج16.)وقد مضى كلام ثامن الأئمة(علیهم السلام في ذلك أيضاً من أن العبد إذا اختاره اللّه عز وجل لأمور عباده شرح صدره لذلك وأودع قلبه ينابيع الحكمة وألهمه العلم إلهاماً فلم يعي بعده بجواب ويحير فيه عن الصواب وهو معصوم مؤيد موفق مسدّد قد أمن الخطايا والزلل والعثار وخصه اللّه بذلك ليكون حجّة على عباده وشاهده على خلقه وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم.)وأفاد(علیه السلام بكلامه : (والناس صنائع لنا) ، أنهم(علیهم السلام) الوسائط فيض اللّه تعالى بين المتعال وبين عباده، وبقوله : (إنا صنائع ربنا ) أنه لا واسطة بينهم وبين اللّه تعالى*)----------*كون آل محمد (عليهم السلام وسائط الفيض وأسباب العطاء)فعن أمير المؤمنين(علیه السلام و في قوله تعالى: (قل كفى باللّه شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) فقال : انا هو الذي عنده علم الكتاب، وقد صدقه اللّه واعطاه الوسيلة في الوصية، ولا تخلى امة من وسيلته اليه والى اللّه فقال (يا ايها الذين آمنوا اتقوا اللّه وابتغوا اليه الوسيلة ) - بصائر الدرجات : 216 باب ما عندهم من الإسم الأعظم ح 21 ..)- وعن رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم في حديث طويل: نحن يمين اللّه ونحن أمناء اللّه ... من آمن بنا آمن باللّه ومن ردّ علينا ردّ على اللّه، ومن شك فينا شك في اللّه، ومن عرفنا عرف اللّه، ومن اطاعنا اطاع اللّه، ونحن الوسيلة الى اللّه والوصلة الى رضوان اللّه ولنا العصمة والخلافة والهداية - بحار الأنوار: 22/25 - 23 باب بدء خلقهم ح 83 .)وجاء في دعاء الندبة:« اين باب اللّه الذي منه ،يؤتي اين السبب المتصل بين الأرض والسماء» - بحار الأنوار: 104/102.وعن الإمام الصادق(علیه السلام : نحن السبب بينكم وبين اللّه تعالى - بشارة المصطفى : 90 . . وعنه في حديث يصف به آل محمد: نحن علة الوجود وحجة المعبود لا يقبل اللّه عمل عامل جهل حقنا - بحار الأنوار: 259/26 ح 36 .)وعن أبي جعفر(علیه السلام : نحن حجة اللّه ونحن باب اللّه، ونحن لسان اللّه ونحن وجه اللّه ونحن عين اللّه في خلقه، ونحن ولاة أمر اللّه في عباده .)ثم قال: يا اسود بن سعيد ان بيننا وبين كل أرض تراً مثل ترّ البناء، فاذا أمرنا فى امرنا جذبنا ذلك التر فأقبلت إلينا الأرض بقلبها واسواقها ودورها حتى ننفذ فيها ما نؤمر فيها من امر اللّه تعالى - بحار الأنوار /384/2/5 باب غرائب افعالهم ح 40 ، وبصائر الدرجات: 61 مختصراً.

ثمَّ إِنَّ في سياق العبارة إيماء إلى أنّ من بلغ هذه المرتبة والمنزلة إكراماً من اللّه تعالى---------قال ابن أبي الحديد :تقبلت افعال الربوبية التي *** عذرت بها من شك انك مربوبويا علة الدنيا ومن بدأ خلقها *** اليه سيتلو البدأ في الحشر تعقيبمشارق انوار اليقين: 44 .وعن أبي عبد اللّه الصادق(علیه السلام: ان اللّه انتجينا لنفسه، فجعلنا صفوته من خلقه ولسانه الناطق باذنه وامناؤه على ما نزل من عذر ونذر وحجة - بصائر الدرجات : 62 باب انهم حجة اللّه ربابه ح ))وعن أمير المؤمنين(علیه السلام قال : انا علم اللّه وانا قلب اللّه الواعي ولسان اللّه الناطق وعين اللّه الناظر، وانا جنب اللّه وانا بد اللّه - بصائر الدرجات: 64 ح :13 ، :والتوحيد 164 ح1 باب 22 ، والمراقبات ح:259.)وفي رواية : انا عین اللّه ولسانه الصادق ويده وانا يد اللّه المبسوطة على عباده بالرحمة والمغفرة - التوحيد للصدوق : 165 باب 22 ح 2.وعن الإمام الصادق(علیه السلام : إن لله عز وجل خلقاً من رحمته خلقهم من نوره ورحمته، من رحمته لرحمته، فهم عين اللّه الناظرة واذنه السامعة ولسانه الناطقة في خلقه باذنه، وامتاؤه على ما انزل من عذر أو نذر أو حجة فيهم يمحو السيئات وبهم يدفع الضيم وبهم ينزل الرحمة وبهم يحيي ميتاً وبهم يميت يميت حياً، وبهم يبتلي خلقه وبهم يقضي في خلقه قضيته.)قلت : جعلت فداك من هؤلاء؟قال الأوصياء عليهم السلام - التوحيد للصدوق: 167 باب 24 أقول: الأحاديث في كونهم وجه اللّه وعيته وبده وجنبه كثيرة - كمال الدين: 1/ 231 باب 22 والتوحيد : 150 - 165 - 117 ح 4 - 21 ، والكافي : 143/12 ح 3 وبحار الأنوار: 159/7 ، ونور الثقلين: 495/4 ، وبصائر الدرجات 26 ، وأمالي الشيخ : 666 المجلس 34 ح 4 ، واثبات الوصية : 151)واحاديث كون آل محمد الواسطة في الفيض من الأحاديث المشهورة، والتي منها ما تقدم في توسل الأنبياء بآل محمد (عليهم السلام ، ومنها كل ادلة التوسل التي تذكر في محلها - في كتاب التوسل . ومنها ما تقدم من روايات ان الأرض تنبت بفضلهم، والسماء تمطر بهم، وما شابه من هذه الأحاديث. ومنها ما تقدم في كونهم واسطة في الرزق ومنها أيضاً ما تقدم من تنزيل الرحمة وصرف العذاب ببركة آل محمد (عليهم السلام) ، وان الهداية منحص- ، وان الهداية منحصرة بهم كل ذلك تقدم في الطوائف السابقة (النحو الأول ) . وأما هذه الروايات المتقدمة هنا، والتي تجعل آل محمد (عليهم السلام) واسطة وسبباً بين اللّه تعالى وبين ،عباده وان من اراد الوفود على اللّه وعبادته والتقرب اليه ، فلابد ان يأتيه من بابه الذي أمرنا به هذه الطائفة تفيد ان عطاءات اللّه وفيوضاته لا تصل إلا بتوسط آل محمد افهم واسطة على سبيل هداة ولا يهتدي هاد لا بفضلهم؛)وهذا معناه انهم مصدر هذه الأمور ليس بعرض ولا بطول مصدرية اللّه انما مظهر لمصدرية وعطاءات اللّه، وهذا ما قدمناه في معنى ولاية آل محمد (عليهم السلام على الامور الكونية.)وما تقدم ويأتي من انهم اسباب العطاءات ،وعلله لا يحمل على اكثر من هذا، ومن المسلم انهم ليسوا العلة التامة، بل ولا الناقصة لهذه الفيوضات، بل هم علة مظهرية وتقدم ما يدل على ذلك.هذا وقال الحكيم السبزواري .... فلابد من للحادثين السائرين الى اللّه الطالبين له من جالس بين الحدين

حتى اصطفيه اللّه واتخذه صنيعته وجعل الناس صنائع له فكيف يجعل غيره عدله فضلاً عن أن----------ذي حظ من الجانبين، ومسافر من الخلق الى الحق ليقودهم اليه ويدلهم عليه - شرح دعاء الصباح : 65 -وقال صاحب كتاب غوالي اللآلي بعد كلام في معنى العقل وانه اول ،الخلق وشرح ادباره واقباله والاثابة به والعقاب فيمكن ان يكون المراد بالعقل نور النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم الذي انشعبت منه انوار الائمة صلوات اللّه عليهم، لان اكثر ما اثبتوه لهذه العقول قد ثبت لارواح النبي والائمة(علیهم السلام) في اخبارنا المتواترة على وجه آخر، فانهم اثبتوا القدم للعقل، وقد ثبت التقدم في الخلق لارواحهم على جميع المخلوقات أو على سائر الروحانيين في اخبار متواترة .)وأيضاً أثبتوا لهم التوسط في الايجاد أو الاشتراط في التأثير، وقد ثبت في الاخبار كونهم (عليهم السلام علة غائية لجميع المخلوقات وانه لولاهم لما خلق اللّه الافلاك وغيرها .)واثبتوا لها كونها وسائط في افاضة العلوم والمعارف على النفوس والأرواح، وقد ثبت في الاخبار ان جميع العلوم والحقائق والمعارف بتوسطهم يفيض على سائر الخلق حتى الملائكة والأنبياء ... فكلما يكون التوسل بهم والاذعان لفضيلتهم أكثر كان فيضان الكمالات من اللّه تعالى اكثر - عوالم العلوم والمعارف : 49 - 50 قسم العقل .ان قيل : كونهم واسطة الفيض كيف يدل على ولايتهم التكوينية؟قلت: كونهم الواسطة معناه ان الفيض كل الفيض لا يصل إلا بتوسطهم فيهم يرزق اللّه العباد ويحيي الموتى ويميت الأحياء وعليه دلت الرواية الأخيرة، وهذا تفويض من اللّه لهم في الاحياء ونحوه لان معنى التفويض اليهم ليس انهم هم الفاعلون بالاستقلال، بل معناه أن فعلهم مظهر لفعل اللّه ومرآة له كما تقدم .هذا ؛ وفي الحديث المستفيض عن رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّمعند الفريقين : لا يزال العبد يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه فاذا احببته كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ،ورجله فبي يسمع وبي يبصر و بي ينطق وبي يبطش وبي يمشي - جامع الاسرار : 204 ح ،393 وراجع المعجم الكبير للطبراني : 206/8 ، والمعجم الاوسط : 163/10 ، وكنز العمال: 770/7 ح 770/7 21327 ، ونور الابصار 75 ، وصفة الصفوة : 9/1 ط مصر، واصول الكافي : 352/22 ، 7 ، علل الشرائع : 1/ 227 باب 162 . 352/2 227/1 وفي الحديث : احبيني اجملك مثلي - جامع الاسرار : 204 ح 393.)وهذا الحديث يدل دلالة صريحة على قدرة العبد المطيع لله تعالى حتى يصبح فعله فعل اللّه تعالى ينسب اليه .قال الشيخ حسن زاده آملي : بل ان هذا الشخص ولان الحق يكون عينه التي يرى واذنه التي بها يسمع وعين جوارحه وقواه الروحية والجسمية ؛ فان تصرفه الفعلي أيضاً يكون كالحدس والجذبة الروحية، حتى يصير قوله وفعله واحداً، ولا يحتاج الى الامتداد الزماني في حركاته وانتقالاته، بل يصير محلاً لمشيئة اللّه ومظهراً (ل انما قولنا لشيء اذا اردناه أن نقول له كن فيكون (حيث يتحد عندها القول والفعل - الانسان الكامل: 173 .)وقال الخواجة نصير الدين الطوسي : العارف إذا انقطع عن نفسه واتصل بالحق رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته المتعلقةبجميع المقدورات، وكل علم مستغرق في علمه الذي لا يعزب عنه شيء من الموجوداته وكل إرادة مستغرقة في إرادته التي يمتنع ان يتأتى عليها شيء من الممكنات . بل كل وجود فهو صادر عنه فائض عن لدنه فصار الحق حينئذ بصره الذي به يبصر وسمعه الذي به يسمع

يجعل أفضل منه وإن كان للغير قرب صوري وظاهري من رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم وأنى هذه المنزلة الاعتبارية ومن هو ممّن اجتبيه اللّه تعالى واصطنعه لنفسه.)ثم قال(علیه السلام : (لم يمنعنا قديم عزّنا - الخ) معناه على نصب كلمتي قديم وعاديّ حتّى تكونا مفعولين وجملة (أن خلطناكم) مرفوعة على الفاعلية أن المخالطة بيننا وبينكم بالنكاح أي تزوّجنا فيكم وتزوّجكم فينا كفعل الأكفاء لا يمنعنا قديم عزّنا ولا عادي طولنا عليكم والحال أنكم لستم في مرتبة المماثلة لنا وكيف يكونون الأكفاء لنا والحال منا النّبي ومنكم المكذّب - الخ .)وأمّا معناه على رفع الكلمتين - كما في نسخة الرضي رضوان اللّه عليه - وهو الصواب فأن يقال : إنّ قديم عزّنا وفضلنا عليكم لم يمنعنا أن خلطناكم بأنفسنا فنكحنا وأنكحنا فعل الأكفاء والحال أنكم لستم في مرتبة الأكفاء لنا، كما أن بيوت العز والشرف يأنفون عن مخالطة من دونهم كذلك .أفاد الفاضل الشارح المعتزلي بقوله : وينبغي أن يحمل قوله(علیه السلام قديم وعادي على مجازه لا على حقيقته لأنّ بني هاشم وبني أمية لم يفترقا في الشرف إلا مذ نشأ هاشم بن عبد منافوعرف بأفعاله ومكارمه ونشأ حينئذ أخوه عبد شمس وعرف بمثل ذلك وصار لهذا بنون ولهذا بنون وادعى كل من الفريقين أنه أشرف بالفعال من الآخر ثمَّ لم يكن المدة بين نشأة هاشم وإظهار محمد (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) الدّعوة إلّا نحو تسعين سنة ومثل هذه المدّة القصيرة لا يقال فيها قديم عزّنا وعادي طولنا فيجب أن يحمل اللفظ على مجازه لأنَّ الأفعال الجميلة كما تكون عادية تكون بكثرة المناقب والمآثر والمفاخر وإن كانت المدة قصيرة، ولفظة قديم ترد ولا يراد بها قدم الزمان بل من قولهم لفلان قدم صدق وقديم أثر أي سابقة حسنة .)أقول : ويؤيده رواية «صبح الأعشى»: لم يمنعنا قديم عزّنا ومديد طولنا، فإن لفظة مديد قرينة على أنَّ القديم ليس بمعناه المطابقي، ويمكن أن يقال : إنَّ للقديم توسّعاً في المحاورات كما يقال من قديم الدهر ومن زمان قديم وإن لم يمض من الزمان إلّا نحو تسعين---------وقدرته التي بها يفعل وعلمه الذي به يعلم ووجوده الذي به ،يوجد، فصار العارف حينئذ متخلفاً بأخلاق اللّه في الحقيقة - شرح الإشارات والتنبيهات : 389/3 عنه السير إلى اللّه : 79أما صحة مضامين هذه الطائفة، فقد رويناها من عدة طرق ومن مجموعها يحصل للانسان استفاضة هذا المضمون واذا لاحظنا الطوائف الاخرى المتقدمة والآتية فانا نصل الى حد القطع بصدق المضامين وعندها يصح القول بتواتر ثبوت الولاية التكوينية لآل محمد (عليهم السلام ، خاصة مع ما تقدم من آيات تدل على هذه الطوائف.)

سنة فلا يكون تجوّز على هذا الوجه .وقال العلامة المجلسي(رحمة اللّه في «البحار» ( ص 536 ج8) : وقد ظهر لك مما سبق أن بني أُميّة لم يكن لهم نسب صحيح ليشاركوا في الحسب آباءه(علیهم السلام) ، مع أنَّ قديم عزّهم لم ينحصر في النسب بل أنوارهم(علیهم السلام) أول المخلوقات ومن بدء خلق أنوارهم إلى خلق أجسادهم وظهور آثارهم كانوا معروفين بالعزّ والشرف والكمالات في الأرضين والسماوات يخبر بفضلهم كلّ سلف خلفاً ورفع اللّه ذكرهم في كل أمة عزّاً وشرفاً ، انتهى كلامه(رحمة اللّه) .)وأقول : قد ذكرنا نبذة من خلال بني هاشم وأنموذجة من شيم بني أمية في شرح المختار السابع عشر من باب الكتب من ص 257 - إلى - ص 270 ج 18، فراجع)ثم أخذ(علیه السلام في بيان عدم كون بني أمية في مرتبة المماثلة لبني هاشم ونفي كونه أهلاً للمخالطة بقوله : (وأنى يكون ذلك كذلك ومنا النبي ومنكم المكذب) والمكذب هو أبو سفیان صخر بن حرب كان عدوّ رسول اللّه والمكذِّب له وما أسلم آخر الأمر بل استسلم كما مضى الكلام في استسلام القوم في شرح كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلما وجدوا أعواناً عليه ظهروه، (المختار 16 من باب الكتب ص 190 ج 18))وكان أبو سفيان أصل الشجرة الملعونة وما من فتنة ظهرت من قريش على رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم والمسلمين إلّا كان له قدم راسخ وسعي بالغ فيها ثمَّ استسلم عام الفتح إمّا رغبة وإما رهبة كما قال أمير المؤمين علي(علیه السلام) في المختار السابع عشر من هذا الباب (ص 228 ج 18): ولمّا أدخل اللّه العرب في دينه أفواجاً وأسلمت له هذه الأمة طوعاً وكرهاً كنتم ممن دخل في الدين إما رغبة وإمّا ،رهبة وراجع في ذلك إلى ص 224 من ج 18 أيضاً، ومات أبو سفيان في سنة 31ه- منافقاً أعمى القلب والعينين وتقدم طائفة من رذائل شيمه في تفسير المختار السابع عشر من باب الكتب ( ص 265 ج 18) فراجع .)قال الواقدي في «المغازي» (ص 90 طبع مصر : ولما رجعت قريش إلى مكة - يعني من غزوة بدر منهزمين - قام فيهم أبو سفيان بن حرب فقال : يا معشر قريش لا تبكوا على قتلاكم ولا تنوح عليهم نائحة ولا يبكيهم شاعر وأظهروا الجلد والعزاء فإنكم إذا نحتم عليهم وبكيتموهم بالشعر أذهب ذلك غيظكم، فأكلكم ذلك عن عداوة محمد وأصحابه، مع أنّه إن بلغ محمداً وأصحابه شمتوا بكم فيكون أعظم المصيبتين شماتتهم ، ولعلكم تدركون ثاركم فالدهن والنساء علي حرام حتى أغزو محمداً ، فمكنت قريش شهراً لا يبكيهم شاعر ولا تنوح عليهم نائحة .)

وقال غير واحد من شرّاح النهج : المكذِّب هو أبو جهل، كان أشد الناس عداوة للنبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم ، قتل يوم بدر كافراً وقال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) في حقه لما قتل: إن هذا أعتى على اللّه من فرعون إنّ فرعون لمّا أيقن بالهلاك وحد اللّه وإنّ هذا لما أيقن بالهلاك دعا بالّلات والعزّى(1).)وقال الشارح البحراني قدس سره : المكذِّب هو أبو جهل بن هشام وإليه الإشارة :بقوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذّبِينَ [المُزمّل : 11] الآية قيل نزلت في المطيبين ببدر وكانوا عشرة وهم : أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس وتبيه ومنبه ابنا الحجّاج وأبو البختري بن هشام والنضر بن الحارث والحارث بن عامر وأبي بن خلف وزمعة بن الأسود فذكر(علیه السلام) النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) بفضيلته وهي النّبوة وذكر أبا جهل برذيلته وهي تكذيبه انتهى كلامه(رحمة اللّه ). قلت : وسيأتي البيان في المطيّبين وحلفهم وحلف الفضول بعيد هذا

قال ابن هشام في «السيرة النبوية» ( ص 362 ج1) في أبي جهل وما أنزل اللّه تعالى فيه : وأبو جهل بن هشام لمّا ذكر اللّه عزّ وجل شجرة الزقوم تخويفاً بها لهم قال : يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد؟ قالوا: لا، قال: عجوة يثرب بالزبد، واللّه لئن استمكنا منها لنتزقمنّها تزقماً فأنزل اللّه تعالى فيه :( إنّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ . طَعَامُ الْأَثیم .كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ .كَغَلیِ الْحَمِيمِ ﴾ [الدخان 46] ، أي ليس كما ،يقول انتهى .

أقول : المراد من التقابل بين منا ومنكم في كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) هو التقابل بين بني هاشم وبني أمية كما لا يخفى وأبو جهل لعنه اللّه تعالى وإن كان أعد عدوّ رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) والد خصامه والمكذبين له لكنّه هو أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي من بني مخزوم بن مرّة من قريش فهو ليس من بني أمية فلا يصح أن يفسّر قول أمير المؤمنين (علیه السلام)ومنكم المكذِّب بأبي جهل لعنه اللّه تعالى، وأي عار يلزم معاوية من هذا التفسير؟

ثمَّ قال(علیه السلام) : (ومنا أسد اللّه ومنكم أسد الأحلاف) عني بأسد اللّه حمزة بن عبد المطلب بن هاشم عم النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) سمّاه رسول اللّه بذلك لشجاعته وذبه عن دين اللّه .

وفي «الإصابة» لابن حجر أسلم حمزة (علیه السلام) في السنة الثانية من البعثة ولازم نصر رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وهاجر ،معه شهد بدراً وأبلى في ذلك وقتل شيبة بن ربيعة وشارك في قتل


1) الأمالي : 310 - 626 ، وبحار الأنوار: 273/19. ح 273/19

عتبة بن ربيعة أو بالعكس، وقتل طعيمة بن عدي وعقد له رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) لواء وأرسله في سرّية فكان ذلك أوّل لواء عقد في الإسلام في قول المدائني واستشهد بأحد وكان ذلك في النصف من شوّال سنة ثلاث من الهجرة فعاش دون ستين، ويقال إنه قتل بأحد قبل أن يقتل أكثر من ثلاثين نفساً، ولقبه رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) أسد اللّه وسمّاه سيّد الشهداء - انتهى ما أردنا نقله منها(1).

وفي«أسد الغابة» : لمّا أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) قد عز وامتنع وأنَّ حمزة سيمنعه فكفّوا عن بعض ما كانوا يتناولون منه ثمَّ هاجر إلى المدينة وشهد بدراً وأبلى فيها بلاء عظيماً مشهوراً - إلى أن قال: وكان حمزة يعلم في الحرب بريشة نعامة، وقاتل يوم بدر بين يدي رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) بسيفين، وقال بعض أسارى الكفّار : من الرجل المعلم بريشة نعامة؟ قالوا : حمزة، قال: ذاك فعل بنا الأفاعيل، وشهد أحداً فقُتل بها يوم السبت النصف من شوّال وكان قتل من المشركين قبل أن يُقتل أحداً وثلاثين نفساً منهم سباع الخزاعي، قال له حمزة : هلم إلي يا ابن مقطعة البظور وكانت أُمّه ختانة فقتله .

قال: قال ابن إسحاق : كان حمزة يقاتل يومئذ بسيفين فقال قائل أي أسد هو حمزة، فبينما هو كذلك إذ عثر وقع منها على ظهره فانكشف الدرع عن بطنه فزرقه وحشى الحبشي مولى جبير بن مطعم بحربة فقتله ومثل به المشركون، إلى أن قال :

وروی جابر قال : لما رأى رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)حمزة قتيلاً بكى فلما رأى ما مثل به شهق وقال : لولا أن تجد صفية لتركته حتى يحشر من بطون الطير والسباع (2)، وصفية هي أُمّ الزبير وهي أخته، انتهى ما أردنا من نقل كلامه(3).

وأمّا أسد الأحلاف، فقال بعض الشراح: هو أبو سفيان، وقيل لأبي سفيان أسد الأحلاف لأنه حالف الأحزاب على قتال رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)حول المدينة وزلزل المؤمنون بمكانهم زلزالاً شديداً إلى أن فرَّق اللّه تعالى جمعهم كما حكاه في قوله : (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ [الأحزاب: 9] .

وتبعه الفاضل الشيخ محمد عبده قال : أسد اللّه حمزة وأسد الأحلاف أبو سفيان لأنه حزب الأحزاب وحالفهم على قتال النبي في غزوة الخندق، انتهى كلامه .

قلت: هذا تفسير وجيه ملائم غير أنَّ أسلوب الكلام يوجب أن يكون أسد الأحلاف


1) الإصابة : 106/2.

2) بحار الأنوار: 33/10 ، وبحار الأنوار: 279/17

3) مستدرك سفينة البحار : 417/2 ، وبحار الأنوار: 279/17

ههنا غيره لما دريت أن أبا سفيان كان المكذب فأسد الأحلاف غيره.

وقال العالم الشارح البحراني : هو أسد بن عبد العزّي والأحلاف هم عبد مناف وزهره وأسد وتيم والحارث بن فهر وسمُّوا الأحلاف لأنّ بني قصي أرادوا أن ينتزعوا بعض ما كان بأيدي بني عبد الدار من اللواء والندوة والحجابة والرفادة وهي كل شيء، كان فرضه قصيّ على قريش لطعام الحاج في كلّ سنة ولم يكن لهم إلا السقاية فتحالفوا على حربهم وأعدوا للقتال ثم رجعوا عن ذلك ناكصين وأقروا ما كان بأيديهم انتهى كلامه .

قلت: أسد بن عبد العزي هو بن عبد العزيّ هو جد خديجة زوجة رسول اللّه جد خديجة زوجة رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) لأنّها خديجة بنت خویلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، كما في «السيرة النبوية» لابن هشام ( ص 189 ج 1 من طبع مصر 1375ه-).

والرفادة على التفصيل مذكورة في «السيرة النبوية» لابن هشام أيضاً (ص 130 ج 1) وقد نقلنا نبذة من الكلام في السقاية والرفادة في شرح المختار السابع عشر من باب الكتب ( ص 264 ج 18) .

ثم ذكر ابن هشام بعد الكلام في الرفادة حلف المطيبين ثمَّ حلف الفضول قال : قال ابن إسحاق : ثمَّ إن قصي بن كلاب هلك فأقام أمره في قومه وفي غيرهم بنوه من بعده فاختطوا مكة رباعاً، بعد الذي كان قطع لقومه بها، فكانوا يقطعونها في قومهم وفي غيرهم من حلفائهم ويبيعونها فأقامت على ذلك قريش معهم ليس اختلاف ولا تنازع .

ثمَّ إنّ بني عبد مناف ابن قصيّ : عبد شمس وهاشماً والمطلب ونوفلاً، أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدي بني عبد الدار بن قصي ممّا كان قصي جعل إلى عبد الدار من الحجابة واللواء والسقاية والرفادة ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم، وفضلهم في قومهم فتفرّقت عند ذلك قريش، فكانت طائفة مع بني عبد مناف على رأيهم يرون أنهم أحق به من بني عبد الدار لمكانهم في قومهم وكانت طائفة مع بني عبد الدار يرون أن لا ينزع منهم ما كان قصي جعل إليهم.

فكان صاحب أمر بني عبد مناف عبد شمس بن عبد مناف وذلك أنه كان أسنّ بني عبد مناف وكان صاحب أمر بني عبد الدار عامر بن هشام بن عبد مناف بن عبد الدار، فكان ينو عبد العزيّ بن قصي، وبنو زهرة بن كلاب وبنو تيم بن مرة بن كعب، وبنو الحارث بن فهر بن النضر، مع بني عبد مناف .

وكان بنو مخزوم بن يقظة بن مرة: وبنو عديّ بن كعب مع بني عبد الدار وخرجت عامر بن لؤي ومحارب بن فهر قلم يكونوا واحد من الفريقين .

فعقد كلّ قوم على أمرهم حلفاً مؤكّداً، على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضاً ما بل بحرصوفة - يريد إلى الأبد، وصوف البحر : شيء على شكل الصوف الحيواني، واحدته: صوفة ، يقال : لا آتيك ما بلّ بحرصوفة، أو ما بلّ البحر صوفة يريد لا آتيك أبداً .

فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيباً فيزعمون أن بعض نساء بني عبد مناف أخرجتها لهم فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة، ثمَّ غمس القوم أيديهم فيها فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثمَّ مسحوا الكعبة بأيديهم توكيداً على أنفسهم فسُمّو المطيبين .

وتعاقد بنو عبد الدار وتعاهدوا هم وحلفاؤهم عند الكعبة حلفاً مؤكّداً على أن لا يتخاذلوا ، ولا يُسلم بعضهم بعضاً فسمّوا الأحلاف .

ثمَّ سُوند بين القبائل ولز بعضها ببعض فعبّيت بنو عبد مناف لبني سهم، وعبيت بنو أسد لبني عبد الدّار وعبيت زهرة لبني جمح وعبيت بنو تميم لبني مخزوم، وعبيت بنو الحارث بن فهر لبني عدي بن كعب. ثمَّ قالوا : لتفن كل قبيلة من أسند إليها .

فبينا النّاس على ذلك قد أجمعوا للحرب إذ تداعوا إلى الصلح على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار كما كانت، ففعلوا ورضي كلّ واحد من الفريقين بذلك وتحاجز الناس عن الحرب، وثبت كل قوم مع من حالفوا فلم يزالوا على ذلك حتى جاء اللّه تعالى بالإسلام، فقال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : ما كان من حلف في الجاهلية فإنَّ الإسلام لم يزده إلّا شدَّة(1).

حلف الفضول وسبب تسميته كذلك

قال ابن هشام: وأمّا حلف الفضول: فحدّثني زياد بن عبد اللّه البكائي، عن محمد بن إسحاق قال تداعت قبائل من قريش إلى حلف فاجتمعوا له في دار عبد اللّه بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي لشرفه ،وسنّه، فكان حلفهم عنده: بنو هاشم وبنوا المطلب، وأسد بن عبد العزيّ وزهرة بن كلاب وتيم بن مُرّة فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلّا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى تردّ عليه مظلمة فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول.

قال : قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمي أنه أنه سمع طلحة بن عبداللّه بن عوف الزهري يقول : قال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم): لقد شهدت في دار عبد اللّه بن


1) الأمالي : 263 ح 481 ، المعجم الكبير : 137/2.

جدعان حلفاً ما أحبّ أنَّ لي به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت(1).

قال : قال ابن إسحاق : وحدّثني يزيد بن عبد اللّه بن أسامة بن الهادي الليثي : أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي حدّثه : أنه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب(علیه السلام)، وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان والوليد يومئذ أمير على المدينة أمره عليها عمه معاوية بن سفيان منازعة في مال كان بينهما بذي المروة فكان الوليد تحامل على الحسين(علیه السلام) في حقه لسلطانه، فقال له الحسين: أحلف باللّه لتنصفنّي من حقي أو لآخذنَّ سيفي، ثمَّ لأقومنَّ في مسجد رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ثمَّ لأدعون بحلف الفضول(2).

قال : فقال عبد اللّه بن الزبير وهو عند الوليد حين قال الحسين(علیه السلام) ما قال: وأنا أحلف باللّه لئن دعا به لآخذَنَّ سيفي ثمَّ لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعاً، :قال : فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري، فقال مثل ذلك وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد اللّه التيمي فقال مثل ذلك، فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين (علیه السلام)من حقه حتى رضي .

قال : قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن عبد اللّه بن أسامة بن الهادي الليثي عن محمدبن إبراهيم بن الحارث التيمي قال قدم محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف - وكان محمد بن جبير أعلم قريش - على عبد الملك بن مروان بن الحكم حين قتل ابن الزبير واجتمع النّاس على عبد الملك، فلما دخل عليه قال له : يا أبا سعيد ألم نكن نحن وأنتم - يعني بني عبد شمس بن عبد مناف، وبني نوفل بن عبد مناف - في حلف الفضول؟ قال : أنت أعلم، قال عبد الملك لتخبرني يا أبا سعيد بالحق من ذلك، فقال: لا واللّه، لقد خرجنا نحن وأنتم منه ! قال: صدقت تمَّ خبر حلف الفضول .

والمنقول عن «الروض الأنف» في سبب تسمية هذا الحلف بهذا الاسم أنَّ جرهماً في الزمن الأوّل، قد سبقت قريشاً إلى مثل هذا الحلف فتحالف ثلاثة منهم هم ومن تبعهم أحدهم الفضل بن فضالة، والثاني : الفضل بن وداعة والثالث فضيل بن الحارث، وقيل: بل هم الفضيل بن شراعة والفضل بن ،وداعة والفضل بن قضاعة فلما أشبه حلف قريش هذا حلف هؤلاء الجرهميين سمّي حلف الفضول.

وقيل : بل سمي كذلك لأنهم تحالفوا أن تردّ الفضول على أهلها، وألا يغزو ظالم مظلوماً .


1) تفسير القرطبي : 33/6، وسيرة النبي : 1/ 87.

2) كلمات الإمام الحسين : 213

وكان حلف الفضول هذا قبل البعث بعشرين سنة، وكان أكرم حلف وأشرفه وأوّل من تكلّم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب، وكان سببه أنَّ رجلاً من زبيد قدم من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاصي بن وائل وكان ذا قدر بمكة وشرف فحبس عنه حقه فاستدعى عليه الزبيدي الأحلاف عبد الدار ومخزوماً، وجمح وسهماً، وعدي بن كعب، فأبوا أن يعينوه على العاصي وزبروه، فلما رأى الزبيدي الشرّ، أوفى على أبي قبيس عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة فصاح بأعلى صوته :

يا آل فهر لمظلوم بضاعته *** ببطن مكة نائي الدار والنفر

ومحرم أشعث لم يقض عمرته *** يا للرجال وبين الحجر والحجر

إنّ الحرام لمن تمت كرامته *** ولا حرام لثوب الفاجر الغدر

فقال فيذلك الزبير بن عبد المطلب وقال : ما لهذا مترك، فاجتمعت هاشم وزهرة، وتيم بن مرة في دار ابن جدعان فصنع لهم طعاماً وتعاقدوا، وكان حلف الفضول، وكان بعدها أن أنصفوا الزبيدي من العاصي انتهى ما عن «الروض الأنف»(1).

والغرض من نقل حلف المطيبين وحلف الفضول من السيرة أن يعلم أن تفسير أسد الأحلاف بأسد بن عبد العزّي ليس بصواب وكأنّ الشارح البحراني تبع في هذا التفسير قطب الدين الراوندي رضوان اللّه عليه وقد نقل كلامه ابن أبي الحديد في شرحه على النهج ثمَّ خطاه والحقِّ مع ابن أبي الحديد في المقام، قال:

قال الراوندي: المكذب من كان يكذب رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)عناداً عناداً من قريش وأسد الأحلاف أسد بن عبد العزى قال: لأنَّ أسد بن عبد العزى كانوا أحد البطون الذين اجتمعوا في حلف المطيبين وهم بنوأسد بن عبد العزى وبنو عبد مناف وبنو تميم بن مرّة وبنو زهرة، وبنو الحارث بن فهر .

ثمَّ قال ابن أبي الحديد هذا كلام طريف جدا لأنّه لم يلحظ أنه يجب أن يجعل بإزاء النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) مكذب من بني عبد شمس، فقال: المكذب من كذب النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) من قريش عناداً وليس كل من كذبه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) من قريش أن يعير معاوية به، ثم قال : أسد الأحلاف أسدبن عبد العزيّ وأيّ عار يلزم معاوية من ذلك؟ ثمَّ إنّ بني عبد مناف، كانوا في هذا الحلف وعلي ومعاوية من بني عبد مناف ولكن الراوندي يظلم نفسه بتعرّضه لما لا يعلمه انتهى كلام ابن أبي الحديد (2)


1) البداية والنهاية : 356/2 ، والسيرة النبوية : 259/1 .

2) شرح النهج:197/15

والصواب أنّ أسد الأحلاف هو عتبة بن ربيعة قال الواقدي في الجزء الثالث من غزوة بدر من كتابه في «مغازي رسول اللّه»(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) (ص 49 من طبع مصر 1367ه-) :

والمشركون ينظرون على صفوفهم وهم يرون أنهم ظاهرون، فدنا الناس بعضهم من بعض فخرج عتبة وشيبة والوليد حتى فصلوا من الصف ثمَّ دعوا إلى المبارزة، خرج إليهم فتيان ثلاثة من الأنصار وهم بنو عفراء معاذ ومعوذ وعوف بنو الحارث ، ويقال ثالثهم عبد اللّه بن رواحة والثبت عندنا أنهم بنو عفراء فاستحيى رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) من ذلك، وكره أن يكون أوّل قتال لقي المسلمون فيه المشركين في الأنصار، وأحبّ أن تكون الشوكة لبني عمه وقومه، فأمرهم فرجعوا إلى مصافهم وقال لهم خيراً .

ثمَّ نادى منادي المشركين: يا محمد أخرج لنا الأكفاء من قومنا فقال لهم رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) :يا بني هاشم قوموا فقاتلوا بحقكم الذي بعث اللّه به نبيكم إذ جاؤوا بباطلهم ليطفئوا نور اللّه (1).

فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيد بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف فمشوا إليهم. فقال عتبة : تكلموا نعرفكم - وكان عليهم البيض فأنكروهم - فإن كنتم أكفاء قاتلناكم .

فقال حمزة بن عبد المطلب: أسد اللّه وأسد رسوله . قال عتبة : كفؤ كريم . ثم قال عتبة وأنا أسد الحلفاء، ومن هذان معك ؟ قال : علي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث قال : كفؤان كريمان .

ثمَّ قال الواقدي: قال ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: لم أسمع لعتبة كلمة قط أوهن من قوله : - أنا أسد الحلفاء - يعني حلفاء الأجمة.

ثم قال عتبة لابنه : قم يا وليد فقام الوليد، وقام إليه علي وكان أصغر النفر فقتله علي(علیه السلام) ، ثمَّ قام عتبة، وقام إليه حمزة فاختلفا ضربتين فقتله حمزة رضي اللّه عنه، ثم قام شيبة وقام إليه عبيدة بن الحارث وهو يومئذ أسنّ أصحاب رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فضرب شيبة رجل عبيدة بذباب السيف فأصاب عضلة ساقه فقطعها وكرَّ حمزة وعلي على شيبة فقتلاه واحتملا عبيدة فحازاه إلى الصف ومخ ساقه يسيل فقال عبيدة : يا رسول اللّه ألست شهيداً؟ قال بلى قال : أما واللّه لو أن أبو طالب حيّاً لعلم أنا أحق بما قال منه حين يقول :

كذبتم وبيت اللّه نخلی محمداً *** ولما نطاعن دونه و تناضل


1) الإرشاد: 74/1 ، وبحار الأنوار : 279/19ح 18 .

نسلمه حتّی نصرع حوله *** ونذهل عن أبنائنا والحلائل

إلى آخر ما ذكره الواقدي في «المغازي»(1).

وعتبة هذا هو جد معاوية من قبل أمه فإنَّ هنداً أم معاوية هي بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، ففي المقابلة في كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) : منا أسد اللّه ومنكم أسد الأحلاف بحمزة من بني هاشم وعتبة من بني أمية جد معاوية مما لا ينبغي أن يرتاب فيه وهذا هو التفسير الصحيح بلا مدافع. والحلفاء في قول عتبة هل هو مفرد أو جمع، فذهب أبو الزناد إلى أنه مفرد فهي بفتح الحاء وسكون اللام ففي«أقرب الموارد»: الحلفاء نبت أطرافه محدّدة كأنها أطراف سعف النخل والخوص ينبت في مغايض الماء والنزوز، الواحدة حلفة مثل قصبة وقصباء، وطرفة و طرفاء وقيل : واحدته حلفاء، قال سيبويه : الحلفاء واحد وجميع وكذلك طرفاء وبهمى وشكاعى واحدة وجميع ومن ذلك : أنا الذي في الحلفاء، أراد أنا الأسد لأنَّ مأوى الأسد الآجام ومنابت الحلفاء. انتهى.

وفي «منتهى الأرب»، حلفاء كحمراء وحلف محرّكة : كياه دوخ، وهذا هو المراد من قوله : يعني حلفاء الأجمة وأمّا على الجمع فهي جمع الحليف أي المحالف قال أبو ذؤيب :

فسوف تقول إن هي لم تجدني *** أخان العهد أم أتم الحليف

قال ابن أبي الحديد بعد نقل ما نقلناه عن الواقدي: قلت: قد روى هذه الكلمة على صيغة أخرى وأنا أسد الحلفاء، وروى أنا أسد الأحلاف.

ثم قال : قالوا في تفسيرهما: أراد: أنا سيد أهل الحلف المطيبين، وكان الذين حضروه بني عبد مناف وبني أسد بن عبد العزى وبني تيم وبني زهرة وبني الحارث بن قهر خمس قبائل .

قال : وردّ قوم هذا التأويل فقالوا : إنَّ المطيّبين لم يكن يقال لهم الحلفاء ولا الأحلاف وإنما ذلك لقب خصومهم وأعدائهم الذين وقع التحالف لأجلهم وهم بنو عبد الدار وبنو مخزوم وبنو سهم وبنو جمح وبنو عدي بن كعب خمس قبائل .

قال : وقال قوم في تفسيرهما : إنما عنى حلف الفضول وكان بعد حلف المطيبين بزمان وشهد حلف الفضول رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وهو صغير في دار ابن جدعان ثمَّ نقل قصة حلف الفضول فقال : وهذا التفسير أيضاً غير صحيح لأنّ بني عبد الشمس لم يكونوا في حلف


1) الأمالي : 304 ، والخرائج والجرائح: 59/1 .

الفضول، فقد بان أنَّ ما ذكره الواقدي أصح وأثبت، انتهى كلامه .

وقد نقلنا كلام ابن أبي الحديد من الجزء الرابع عشر من شرحه على الكتاب التاسع من النهج أوّله: ومن كتاب له(علیه السلام)إلى معاوية : فأراد قومنا قتل نبيّنا واجتياح أصلنا - الخ ( ص 178 ج 2 من الطبع على الحجر).

قلت: ما قال ابن الحديد من أنه روى هذه الكلمة على صيغة أخرى فالأولى منهما أعني (وأنا أسد الحلفاء) على صيغة الجمع ومفرده حليف، والثانية منهما أعني (أنا أسد الأحلاف) مطابق لما في «نهج البلاغة» ولا بعد أن يقال: إذا دار الأمر بين ما اختاره الرّضي وبين ما في النسخ الأخرى فما اختاره الرّضي فهو الأقوى لأنّه - رضوان اللّه عليه - متضلّع في البلاغة وخرّيت هذه الصناعة فينبغي أن يختار صيغة أسد الأحلاف كما اختارها .

ويبقى الكلام حينئذ في تفسير أسد الأحلاف أعني بيان المراد منه في المقام فإن تفسيره بالوجهين السابقين أعني بحلف المطيبين وحلف الفضول كما نقلهما ابن أبي الحديد عن القوم ليس على ما ينبغي وأرى أن الصواب في تفسيره المناسب للمقام هو ما أفاده الفاضل أحمد زكي صفوت في «جمهرة رسائل العرب» (ص 450 ج 1 ) حيث قال بعد نقل كلام ابن أبي الحديد المذكور آنفاً :

غير أنَّ ابن أبي الحديد مع ما ذكره من تفنيد هذين التفسيرين لم يبين المراد بالأحلاف أو الحلفاء في رواية من روى «أنا أسد الأحلاف» و«أنا أسد الحلفاء جمعاً»، وأقول : إنّنا إذا بحثنا عمّن قتلوا من مشركي قريش يوم بدر وجدناهم من بني عبد شمس بن عبد مناف، ومن بني نوفل بن عبد مناف، ومن بني أسد بن عبد العزى بن قصي، ومن بني عبد الدار بن قصي ومن بني تيم بن مرة بن كعب بن لؤي ومن بني مخزوم بن يقظة بن مرّة ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص، ومن بني عامر بن لؤي (راجع كتب السيرة) أي أنّ هذه البطون من قريش كانت قد تآزرت واتفقت كلمتها على حرب محمد(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وإن شئت فقل إنهم قد تحالفوا على قتاله وإن لم ينقل إلينا التاريخ أنّهم قد عقدوا بينهم على ذلك حلفاً بمعناه الأخص ثمَّ ولوا أمرهم عتبة بن ربيعة فكان قائدهم وصاحب حربهم، فهو إذ يقول: «أنا أسد الأحلاف» يبغي أن يقول أنّه أسد هذه البطون القرشية المتناصرة على قتال المسلمين. انتهى كلامه .

قلت : ويؤيده ما نقله الواقدي في المغازي (ص45) بعد نقل واقعة : أنَّ حكيم بن حزام أتى عتبة بن ربيعة فقال : يا أبا الوليد أنت كبير قريش وسيدها والمطاع فيها فهل لك أن لا تزال منها بخير آخر الدّهر مع ما فعلت يوم عكاظ - وعتبة يومئذ رئيس الناس - إلى أن قال : ثم جلس عتبة على جمله فسار في المشركين من قريش يقول يا قوم أطيعوني . - الخ .

وروى البخاري في صحيحه بعدة طرق عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد عن أبي ذرّ رضوان اللّه عليه قال: نزلت هَذَانِ خَصْمَانِ اخَتَصَمُوا فِي يَهِمْ ﴾ [الحَجّ : الآية 19] في ستة من قریش برزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة بن الحارث وشيبة وعتبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة فراجع إلى (ص 95) من الجزء الخامس منه .

ثمَّ قال(علیه السلام): (ومنّا سيّدا شباب أهل الجنّة ومنكم صبية أهل النار) سيّدا شباب أهل الجنّة هما الحسن والحسين(علیهما السلام) كما نص جدّهما رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) بذلك وقد أغنانا شهرته و استفاضته بين الفريقين إن لم نقل ببلوغه إلى حد التواتر عن نقل الروايات الواردة في ذلك وإن أبيت إلا نقلها فنقول : كفى كلام أبيهما أمير المؤمنين علي(علیه السلام) في ذلك حجّة أوّلاً .

وثانياً : قد روى أحمد في المسند قال : حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي نعيم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة (1)، وقد أخرجه الترمذي أيضاً، وقال: هذا حديث حسن صحیح.(نقله سبط ابن الجوزي في «التذكرة» ، ص 133 من الطبع الرحلي).

وفي مطالب السؤل في مناقب آل الرسول لابن طلحة الشافعي : ومنها ما رواه الترمذي بسنده عن أبي سعيد قال : قال رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة . ( ص 65 من الطبع الرحلي) .

وفيه أيضاً (ص71) : ومنه حديث حذيفة بن اليمان (رضی اللّه عنه) أخرجه الترمذي في صحيحه يرويه عنه بسنده، وقد تقدَّم طرف منه في فضائل فاطمة(علیها السلام) أنَّ حذيفة قال لأُمّه : رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فأصلي معه وأسأله أن يستغفر لي ذلك، فأتيته فصليت معه المغرب، ثمَّ قام فصلّى حتى صلى العشاء، ثمَّ انفتل فأتبعته فسمع صوتي فقال : من هذا؟ حذيفة! قلت : نعم، قال: ما حاجتك غفر اللّه لك ولأمك؟ إنَّ هذا ملك لم ينزل إلى الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يسلّم عليَّ ويبشرني أنَّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة، وأنَّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة .

إلى أن قال : ومنه ما نقله الإمام محمد بن إسماعيل البخاري والترمذي رضي اللّه عنهما بسندهما كلّ منهما في صحيحه عن ابن عمر وسأله رجل عن دم البعوض، فقال: ممن أنت؟ فقال : من أهل العراق، فقال: انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابني النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وسمعت النبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) يقول : هما ريحانتاي من الدنيا .


1) دعائم الإسلام : 37/1 ، والأمالي : 187 ح 196.

وروي أنّه سأله عن المحرم يقتل الذباب، فقال يا أهل العراق تسألونا عن قتل الذباب قتلتم ابن رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، وذكر الحديث وفي آخره: وهما سيّدا شباب أهل الجنّة .

وفي «الصواعق المحرقة» لابن حجر الهيتمي : أخرج الترمذي والحاكم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم): الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة (ص 83 من طبع مصر).

قال ابن الأثير في «أسد الغابة» (ص 11 ج 2) في معرفة الإمام المجتبى الحسن بن علي(علیه السلام) أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي بن أحمد الأنماطي أخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص، أخبرنا عبد اللّه بن محمد البغوي أخبرنا داود بن رشيد أخبرنا مروان، أخبرنا الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نعيم البجلي عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة - الخبر .

وقال أبو جعفر الطبري في التاريخ (ص 328 ج 7 من طبع ليدن): قال أبو مخنف : حدَّثني عبد اللّه بن عاصم قال : حدثني الضحاك المشرقي، لما دنا منه - يعني من أبي عبد اللّه أحد سيّدي شباب أهل الجنة الحسين بن علي(علیه السلام) في واقعة الطف - القوم دعا براحلته فركبها ثم نادى بأعلى صوته بصوت عال دُعاء سمع جلّ النّاس :

أيّها النّاس اسمعوا قولي ولا تعجلوني حتى أعظكم بما لحق لكم عليَّ وحتّى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم علي سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر ولم تعطوا النصف من أنفسكم (فَاجْمعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُن أَمْرَكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ أَقْضُوا إِلَى وَلَا تُنظِرُون [يونس: 71] (وإِنَّ وَلِيَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِتَب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّلِمِينَ ﴾ [الأعراف : 196].

قال : فلما سمع أخواته كلامه هذا صِحْنَ وبكين وبكى بناته فارتفعت أصواتهنَّ فأرسل إليهنَّ أخاه العبّاس بن عليّ وعليّاً ابنه وقال لهما : اسكتاهنَّ فلعمري ليكثرن بكاؤهنَّ. :قال : فلما ذهبا ليسكتاهنَّ قال : لا يبعد ابن عبّاس قال فظننا أنه إنما قالها حين سمع بكاؤهنَّ لأنه قد كان نهاه أن يخرج بهنَّ، فلما سكتن حمد اللّه وأثنى عليه وذكر اللّه بما هو أهله وصلّى على محمد(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وعلى ملائكته وأنبيائه وذكر من ذلك ما اللّه أعلم وما لا يحصى ذكره، قال: فواللّه ما سمعت متكلّماً قط قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه، ثمَّ قال :

أما بعد فانسبونى فانظروا من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يحل لكم قتلى وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وابن وصيه وابن عمه وأوَّل المؤمنين

باللّه والمصدّق لرسوله بما جاء به من عند ربّه ؟ أو ليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبي؟ أو ليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمّي؟ أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم أن رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) قال لي ولأخي: هذان سيّدا شباب أهل الجنّة فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق واللّه ما تعمّدت كذباً من علمت أنَّ اللّه يمقت عليه ويضر به من اختلقه ؛ فإن كذبتموني فإنَّ فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد اللّه الأنصاري أو أبا سعيد الخدري، أو سهل بن سعد الساعدي، أو زيد بن أرقم ، أو أنس بن مالك يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) علي ولأخي، أفما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي(1)- الخبر .

قلت: قوله(علیه السلام) : ابن وصيه ينادي بأعلى صوته بأنَّ أباه أمير المؤمنين علياً (علیه السلام) يعرف بالوصي، وقد مضى كلامنا ونقل الأشعار من سنام الصحابة والمسلمين في شرح المختار 236 من باب الخطب (ص19 ج 17) فراجع.

قوله(علیه السلام) : وأول المؤمنين به والمصدّق لرسوله بما جاء به من عند ربّه - وقد مضى كلامنا أنه(علیه السلام) كان أوّل الناس إسلاماً في شرح المختار التاسع من باب الكتب ( ص 345 ج 17).

ثمَّ إنَّه (علیه السلام) قال : إنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة لأنَّ أهل الجنّة كلّهم شبّان وذلك لأنّها من عالم الأمر ولا يتطرق إليها أحكام عالم الخلق من الهرم والوهن ونحوهما والوهن ونحوهما ألا ترى أنَّ اللّه تعالى قال: وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ [يس: 68]، وكأن التعبير اللّه بالشباب من حيث أنّ الدار الآخرة لهي الحيوان وأنّها أقوى وجوداً من الدار الأولى وآثار الوجود فيها أشد وأكثر، نظير ما رواه ثقة الإسلام الكليني قدس سره في «الكافي» عن أبي عبد اللّه الصادق(علیه السلام) قال الرجل : ما الفتي عندكم؟ فقال له : الشاب، فقال: لا، الفتى المؤمن، إنّ أصحاب الكهف كانوا شيوخاً فسماهم اللّه عز وجل فتية بإيمانهم(2)(الوافي ص 39 ج 3) .

وقد روى عن النبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم): أهل الجنّة جرد مرد كحل لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم أتى به السيوطي في الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير» (3)

وجاء في الأثر أنَّ عجوزاً من الأنصار قالت : يا رسول اللّه ادع اللّه بالمغفرة، فقال لها :


1) بحار الأنوار 7/45 ، والعوالم الإمام الحسين (علیه السلام) : 251 .

2) الكافي : 395/8 - 595 ، وميزان الحكمة: 1402/2ح 1948.

3) الجامع الصغير : 423/1 2763 ، وكنز العمال: 471/14 .

أما علمت أنّ الجنّة لا تدخلها العجائز (1)فصرخت فتبسم رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وقال لها : أما قرأت قول اللّه تعالى : (إنّا أَنشَأْنَاهُنَّ إنشاءً. فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكَارًا . عُرُبًا أَتْرَابًا [الواقعة : 35 - 37]. )

ويناسب المقام نقل احتجاج مروي في كتاب «الاحتجاج» للطبرسي (رحمة اللّه) رواه في باب احتجاج أبي جعفر محمد بن علي الثاني قال :

وروي أن المأمون بعد ما زوّج ابنته أمّ الفضل أبا جعفر(علیه السلام) كان في مجلس وعنده أبو جعفر(علیه السلام) ويحيى بن أكثم وجماعة كثيرة فقال له يحيى بن أكثم ما تقول يا ابن رسول اللّه في الخبر الذي روى أنه نزل جبرئيل(علیه السلام) على رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)وقال : يا محمد إن اللّه عزّ وجلَّ يقرئك السلام ويقول لك : سل أبا بكر هل هو عنّي راض، فإنّي عنه راض.

فقال أبو جعفر(علیه السلام) : لست بمنكر فضل أبي بكر ولكن يجب على صاحب هذا الخبر أن يأخذ مثال الخبر الذي قاله رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) في حجّة الوداع : قد كثرت عليّ الكذابة وستكثر، فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار فإذا أتاكم الحديث فاعرضوه على كتاب اللّه عزّ وجلّ و سنّتي فما وافق كتاب اللّه وسنّتي فخذوا به وما خالف كتاب اللّه وسنتي فلا تأخذوا ،به وليس يوافق هذا الخبر كتاب اللّه تعالى قال اللّه تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: الآية 16] فاللّه عزّ وجل خفي عليه رضا أبي بكر من سخطه سأل عن مكنون ،سرّه، هذا مستحيل في العقول .)ثم قال يحيى بن أكثم: وقد روي أن مثل أبي بكر وعمر في الأرض كمثل جبرئيل وميكائيل في السماء.فقال(علیه السلام : وهذا أيضاً يجب أن ينظر فيه لأنَّ جبرئيل وميكائيل ملكان اللّه مقربان لم يعصيا اللّه قط ولم يفارقا طاعته لحظة واحدة، وهما قد أشركا باللّه عزّ وجل وإن أسلما بعد الشرك فكان أكثر أيامهما الشرك باللّه فمحال أن يشبها بهما .)قال يحيى : وقد روي أيضاً أنهما سيّدا كهول أهل الجنّة فما تقول فيه ؟فقال(علیه السلام: وهذا الخبر محال أيضاً لأنّ أهل الجنة كلهم يكونون شباباً ولا يكون فيهم كهل، وهذا الخبر وضعه بنو أمية لمضادَّة الخبر الذي قال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) في الحسن والحسين بأنّهما سيدا شباب أهل الجنّة .)فقال يحيى بن أكثم وروي أكثم: وروي أنَّ عمر بن الخطاب سراج أهل الجنة .


1) ميزان الحكمة: 436/1 563 ، وكشف الخفاء : 261/1 ح 806.

فقال(علیه السلام : وهذا أيضاً محال لأن في الجنّة ملائكة اللّه المقرّبين وآدم ومحمد وجميع الأنبياء والمرسلين لا تضيء بأنوارهم حتى تضيء بنور عمر.)فقال يحيى : وقد روي أنَّ السكينة تنطق على لسان عمر .فقال(علیه السلام : لست بمنكر فضل عمر ولكن أبا بكر أفضل من عمر فقال على رأس المنبر : إنّ لي شيطاناً يعتريني فإذا ملت فسدّدوني.)فقال يحيى : قد روي : قد روي أنَّ النبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم قال : لو لم أبعث لبعث عمر .)فقال(علیه السلام : كتاب اللّه أصدق من هذا الحديث يقول اللّه في كتابه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِیینَ مِيثاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوح) [الأحزاب: الآية7 ] قد أخذ اللّه ميثاق النبيين فكيف يمكن أن يبدل ميثاقه وكل الأنبياء(علیهم السلام)لم يشركوا طرفة عين فكيف يبعث بالنبوة من أشرك وكان أكثر أيامه مع الشرك باللّه، وقال رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : نبّئت وآدم بين الروح والجسد. فقال يحيى بن أكثم : وقد روي أيضاً أنّ النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) قال : ما احتبس عنّي الوحي قط إلّا ظننته قد نزل على آل الخطاب .

فقال(علیه السلام) : وهذا محال أيضاً لأنه لا يجوز أن يشكّ النَّبي في نبوّته قال اللّه تعالى : ( اللّه يصطَفِي مِنَ الْمَلَائكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) [الحَجّ : الآية 75] فكيف يمكن أن تنتقل النبوَّة ممّن اصطفاه اللّه تعالى إلى من أشرك به .

قال يحيى : روي أنَّ النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)قال : لو نزل العذاب لما نجا منه إلا عمر فقال(علیه السلام) : وهذا محال أيضاً لأنّ اللّه تعالى يقول: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال : الآية 33] فأخبر سبحانه أنّه لا يعذب أحداً ما دام فيهم رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، وما داموا يستغفرون اللّه (1)، انتهى .

قلت : وقد وضع بنو أميّة في عمرو بن العاص ما تضحك به الثكلى فإن محمد بن سعد روى في «الطبقات الكبرى» عن عبد اللّه بن عمرو أنه حدثه أنَّ أباه أوصاه قال : يا بنى إذا متُ فاغسلني غسلة بالماء ثمّ جفّفني في ثوب، ثمّ اغسلني الثانية بماء قراح ثمَّ جفّفني في ثوب، ثمّ اغسلني الثالثة بماء فيه شيء من كافور ثمَّ جفّفني في ثوب، ثمَّ إذا البستني الثياب فأزرّ عليّ فإنّي مخاصم، ثمَّ إذا أنت حملتني على السرير فامش بين المشين المشيتين وكن خلف جنازة فإنّ مقدّمها للملائكة خلفها لبني آدم فإذا أنت وضعتني في القبر فسنّ عليَّ التراب سنّاً ، (ص 260 ج4 من طبع بيروت) .


1) الاحتجاج : 249/2 . وبحار الأنوار: 83/50.

وهذا الخبر كما تراه كذب محض وضعه بنو أمية وأتباعهم من أشباه الرجال اقتراف الدنيا وزخارفها وأنّى لعمرو بن العاص العاصي المتوغل في قاذورات الشهوات النفسانية أن ينال تلك المنزلة العظمى والرتبة العليا وهل هذا إلا اختلاق.

وكيف له أن يتفوّه بذلك وقد نقل غير واحد من نقلة الأخبار وحملة الآثار أن عمرو بن العاص لما حضرته الوفاة قال لابنه : لود أبوك أنّه كان في غزاة ذات السلاسل إني قد دخلت في أمور لا أدري ما حجّتي عند اللّه فيها، ثمَّ نظر إلى ماله فرأى كثرته فقال : يا ليته كان بعراً يا ليتني مت قبل هذا اليوم بثلاثين سنة أصلحت لمعاوية دنياه وأفسدت ديني آثرت دنياي وتركت آخرتي، عمى على رشدي حتى حضرني أجلي، كأني بمعاوية قد حوى ما لي وأساء فيكم خلافتي، فراجع إلى «تاريخ اليعقوبي»، و«حياة الحيوان» للدميري.

وأنّى لعمرو أن يدّعي نزول الملائكة عليه وحملهم سريره وقد قال فيه وصي خاتم النبيين(علیه السلام) :

إنّه ليقول فيكذب، يعد فيخلف، ويسأل فيلحف، ويُسأل فيبخل، ويخون العهد، ويقطع الإلَّ، فراجع إلى المختار 82 من باب الخطب من النهج .

نعم، إنّ تلك الفضيلة لمن كانت الملائكة أعوانه في الأمور ألا وهو عليّ أمير المؤمنين(علیه السلام) فقد قال(علیه السلام) : ولقد وليت وغسله(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) والملائكة أعواني، فراجع إلى المختار 195 من باب الخطب من النهج أيضاً .

ولما مات(علیه السلام) قام ابنه ريحانة رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وأحد سيدي شباب أهل الجنّة الإمام الحسن المجتبى(علیه السلام) خطيباً فحمد اللّه وأثنى عليه وصلى على النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : ثم قال : ألا إنه قد مضى في هذه الليلة رجل لم يدركه الأولون ولن يرى مثله الآخرون من كان يقاتل وجبريل عن يمنه وميكائيل عن شماله(1)، فراجع إلى «الكافي» للكليني قدّس سرّه وتاريخ اليعقوبي ( ص 190 ج 2).

وقد جاء في الأثر أنّ أمير المؤمنين عليّاً(علیه السلام) أوصى بذلك ابنه أبا محمد الحسن المجتبى(علیه السلام) حيث قال : فإذا أنا مت يا أبا محمد فغسلني وكفني وحنطني ببقية حنوط جدك رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فإنه من كافور الجنّة جاء به جبرئيل (علیه السلام) إليه ثم ضعني على سريري ولا يتقدّم أحد منكم مقدّم السرير واحملوا مؤخره واتبعوا مقدّمه فأي موضع وضع المقدّم فضعوا


1) تاريخ اليعقوبي : 213/2 .

المؤخّر فحيث قام سريري فهو موضع قبري(1)- الخ ، فراجع إلى باب كيفية شهادته ووصيّته وغسله والصلاة عليه ودفنه من المجلد التاسع من «البحار» (ص 674 من طبع الكمباني).

فانظر إلى تصرُّف بني أُميّة في الأخبار كيف سرقوها من محلّها وأسندوها إلى غير أهلها، وكم لما نقلناها من نظير ولولا خوف الإطناب لأتينا بطائفة منها في الكتاب (2). ثمَّ إنّ بني أُميّة ما تصرّفوا في الأخبار فقط بل تجاوزوا إلى القرآن حرّفوا كلام اللّه عن مواضعه قال الشارح الفاضل المعتزلي في الجزء الرابع من شرحه على النهج (ص 23) من الطبع الرحلي : قال أبو جعفر : وقد روي أنَّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي أنَّ هذه الآية أنزلت في عليّ (علیه السلام): وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدُ فِيهَا وَيُهْلِكَ اَلْحَرْثَ وَالنَّسَلَّ وَاللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البَقَرَة : 204 - 205] وأنَّ الآية الثانية نزلت في ابن ملجم وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاء مرضات اللّه [البقرة: الآية 207] فلم يقبل فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل فبذل له أربع مائة ألف فقبل وروى ذلك . انتهى ما أردنا من نقل كلامه .

[وصبية أهل النار]: هم صبية عقبة بن أبي معيط، لما قد روى الواقدي في غزوة بدر من كتابه في «مغازي رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)» ( ص 84 من طبع مصر) من أن رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) أقبل بالأسرى حتى إذا كان بعرق الظبية أمر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أن يضرب عنق عقبة بن أبي معيط وكان أسره عبد اللّه بن سلمة العجلاني فجعل عقبة يقول : يا ويلي علام أقتل يا معشر قريش من بين من ههنا ؟

فقال رسول رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : لعداوتك اللّه ورسوله .

قال: يا محمد منك أفضل فاجعلني كرجل من قومي إن قتلتهم قتلتني وإن مننت عليهم مننت علي، وإن أخذت منهم الفداء كنت كأحدهم يا محمد من للصبية؟

قال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : النار ، قدمه يا عاصم فاضرب عنقه، فقدمه عاصم فضرب عنقه، فقال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : بئس الرجل كنت واللّه ما علمت كافراً باللّه وبرسوله وبكتابه مؤذياً لنبيه [منك] فأحمد اللّه الذي هو قتلك وأقر عيني منك (3)


1) بحار الأنوار: 12 / 292 ، والأنوار العلوي : 386 .

2) وقد ذكرنا في الأجزاء الماضية نموذجاً من سرقة الفضائل.

3) بحار الأنوار: 347/19

ثم قال(علیه السلام) : (ومنّا خير نساء العالمين ومنكم حمّالة الحطب) يعني بخير نساء العالمين فاطمة بنت رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)المعصومة التي أذهب اللّه عنها الرجس وطهرها تطهيراً، فقد روى أبو الحسين مسلم بن الحجاج في جامعه المعروف ب- صحيح مسلم الباب التاسع من كتاب الفضائل في فضائل أهل بيت النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ( ص 1883 ج 4 من طبع مصر) بإسناده عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد اللّه بن ،نمیر، عن محمد بن بشير عن زكريا عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة قالت قالت عائشة : خرج النبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله ثمَّ جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثمَّ جاء عليّ فأدخله ثمَّ قال : إنما يريد اللّه ليذهب عنك الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً.

وفي الباب الخامس والخمسين من «ينابيع المودة» للفاضل الشيخ سليمان النقشبندي الحنفي ( ص 148 من الطبع الناصري) وفي جمع الفوائد عائشة : كنَّ أزواج النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) عنده لا يغادر منهنَّ واحدة فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطي مشيتها من مشية النبي شيئاً فلمّا رآها رحب بها وقال مرحباً يا بنتي . ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارها فبكت بكاء شديداً، فلمّا رأى جزعها سارّ الثانية فضحكت فلمّا قام سألتها : ما قال لك أبوك؟ قالت ما كنت لأفشي على رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) سره فلما توفي، قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحق حدّثيني ما قال لك أبوك (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ؟ قالت : أما الآن فنعم، أما حين سارّني في المرّة الأولى فأخبرني أن جبرائيل كان يعارضني القرآن في كلّ سنة مرة وعارضه الآن مرَّتين وإنّي لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي اللّه واصبر [ي] فإنّه نعم السلف أنا لك، فبكيت بكائي الذي رأيت فلما رأى جزعي سارّني في الثانية، فقال: يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة فضحكت ضحك الذي رأيت. وفي رواية: ثمَّ سارَّني أني أوّل أهله يتبعه فضحكت وفي أخرى قال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنّة وأنّك أوّل أهلي لحوقاً بي فضحكت(1)، للشيخين والترمذي.

وقال وفي صحيح البخاري: قال النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : فاطمة سيّد نساء أهل الجنّة .

وقال أيضاً: وفي «جمع الفوائد»، أنس رفعه حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون - للترمذي. انتهى.

قلت: رواية البخاري مذكورة في باب مناقب فاطمة ( ص 36 من الجوء الخامس من «صحيح البخاري» المشكول).


1) ينابيع المودة لذوي القربى : 56/2

وفي «الدر المنثور في التفسير بالمأثور» في قوله تعالى: وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلَى نِسَاءِ العَالَمينَ [آل عمران : 42] أخرج الحاكم وصحّحه اللّه عن ابن عبّاس قال : قال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : أفضل نساء العالمين خديجة، وفاطمة ومريم وآسية امرأة فرعون.

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : قال رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)إنَّ اللّه اصطفى نساء العالمين أربعة آسية بنت مزاحم ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) .

وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن حبان والحاكم عن أنس : أنَّ رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) قال : حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران و خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)وآسية امرأة فرعون(1)، وأخرجه ابن أبي شيبة عن الحسن مرسلاً .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن فاطمة(علیها السلام) : قالت : قال لي رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم): أنت سيّدة نساء أهل الجنة لا مريم البتول.

وأخرج ابن عساكر من طريق مقاتل عن الضحاك، عن ابن عبّاس، عن النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)قال : أربع نسوة سادات عالمهنَّ : مریم بنت عمران وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، وأفضلهنَّ عالماً فاطمة (2). انتهى ما أردنا من نقل ما في «الذر المنثور».

أقول : ونزل في آسية امرأة فرعون وفي مريم قوله تعالى: وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءامنوا امرأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْنَا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَحْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ اللّه ربّهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتينَ [التحريم : 11 - 12 ] .

ثمَّ لمّا كانت فاطمة (علیها السلام)بضعة من أبيها خاتم النبيين سيّد ولد آدم كما رواها الفريقان في جوامعهم الروائية فهي(علیها السلام) سيدة نساء العالمين مطلقاً، فقوله تعالى في مريم(علیها السلام) : (واصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران الآية 42] محمول على أنها مصطفاة عليهنَّ لامطلقاً بل على بعض الوجوه، فليتأمل في قول الإمام أبي جعفر في معنى الآية : اصطفاك لذرية الأنبياء وطهرك من السفاح واصطفاك لولادة عيسى من غير فحل.


1) بحار الأنوار: 19514، والمصنف : 527/7

2) تفسير الميزان : 2153 ، والدر المنثور: 23/2

وفي قوله تعالى : (وإِنَّ اللّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرَاهِيمَ وَءالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُريَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران : 33 - 34]

وفي قوله تعالى: وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَءِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِن فِرْعَونَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيا مِنَ الْمُسْرِفِينَ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [الدخان: 30 - 32].)وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءاتینَا بَنِي إسراءيل الكتاب والحكم والنُّبوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْناهُم عَلَى الْعَالَمِينَ [الجَاثیة : 16] .

وفي قوله تعالى: إِذْ قَالَتِ الْمَلائكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [آل عمران: 45] .

وفي قوله تعالى: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَحْنا فيها من روحنا وَجَعَلْتَها وابنها عَايَةُ لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء : 91] اللّه

وفي قوله تعالى : ومهم أبنتَ عِمْرَنَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرَجَهَا فَنَفَعْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بكلماتِ رَبّهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتينَ ﴾ [التحريم : 12].

فإما أن يكون المواد من العالمين في قوله تعالى: وَاصْطَفاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ [آل عِمران الآية 42] نساء عالمي زمانها كما مال إليه غير واحد من المفسرين وأمكن أن : يؤيد هذا المعنى بآيتي الدخان والجاثية، ولكن الإعراض عن إطلاق سياق الآية لا يخلو من دغدغة .

وإمّا أنَّ المراد من اصطفائها على نساء العالمين اصطفائها عليهن من حيث إنها آية عجيبة إلهيّة كما بيّنه أبو جعفر(علیه السلام) في الخبر المذكور بقوله : واصطفيك لولادة عيسى من غير ،فحل ويستفاد هذا المعنى من آيتي الأنبياء والتحريم ويؤيد بهما فلا تختص هذه الجهة من بنساء عالمي ،زمانها، وهذا الوجه الأخير كأنه الصواب أو هو متعيّن .

قال الشارح الفاضل المعتزلي في شرح قوله(علیه السلام) : (ومنا خير نساء العالمين): يعني فاطمة(علیها السلام) نص رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) على ذلك لا خلاف فيه . انتهى*


*مقام فاطمة عليها السلام وأفضليتها على العالمين

قال ياسين الخطيب العمري ذكر في سيرة العراقي، قال الحافظ السيوطي في الخصائص : ذكر الإمام علم الدين العراقي أنّ فاطمة - رضي اللّه تعالى عنها - وأخاها إبراهيم أفضل من الخلفاء الأربعة بإتفاق، ونقل عن مالك أنّه قال : لا أفضل على بضعة رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) - الروضة الفيحاء: 246 ذكر فاطمة (عليها السلام).

حمالة الحطب

هي العوراء أم جميل امرأة عبد العزى المكنى بأبي لهب بنت حرب أُخت أبي سفيان


وقال السهيلي (581هـ) : ( يذكر عن أبي بكر بن داوود أنه سئل أعائشة أفضل أم خديجة؟

فقال : عائشة أقرأها رسول اللّه صل اللّه عليه وسلم السلام من جبريل وخديجة أقرأها جبريل السلام من ربها على لسان محمد ؛ فهي أفضل.

قيل له : فمن أفضل أخديجة أم فاطمة؟

فقال : إن رسول اللّه صل اللّه عليه وسلم قال : «إن فاطمة بضعة مني» فلا أعدل ببضعة من رسول اللّه أحداً . وقال السهيلي : وهذا استقراء حسن ويشهد لصحة هذا الاستقراء أن أبا لبابة حين ارتبط نفسه وحلف الا يحله إلا رسول اللّه صل اللّه عليه وسلم، فجاءت فاطمة لتحلّه، فأبى من أجل قسمه، فقال رسول اللّه صل اللّه عليه وسلم : «إنما فاطمة بضعة مني» فحلّته، وسنذكر الحديث في موضعه ،باسناده، ويدل على تفضيل فاطمة قوله عليه السلام: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة إلا ،مريم، فدخل في هذا الحديث أمها وأخوانها »- الروض الانف في تفسير ما اشتمل عليه حديث السيرة النبوية لابن هشام 1601 كتاب المبعث - فصل في ذكر قوله لخديجة إن جبريل يقرئك السلام - ط . مصر 1332 ه- المطبعة الجمالية . ونقله عنه الجكني في زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم : 399/2 ح 741 ، والمواهب اللدنية : 404/1 الفصل الثالث من المقصد الثاني باختصار والقاري في شرح كتاب الفقه الاكبر : 208 باختصار .

*قال السبكي : الذي اختاره وأدين اللّه به أن فاطمة بنت رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) أفضل ثم أمها خديجة ثم عائشة عليهن رضوان اللّه تعالى. انتهى - المواهب اللدنية : 404/1 الفصل الثالث من المقصد الثاني، وشرح كتاب الفقه الاكبر : 186 ، والكوكب الرفيع ،179 ومشارق الأنوار: 105 ، وشرح كتاب الفقه الأكبر 208 مسألة في أفضلية النساء..

*وقال الزرقاني على المواهب الذي اختاره الإمام المقريزي والقطب الخضيري والإمام السيوطي بأدلة واضحة أن السيدة فاطمة أفضل نساء العالمين حتى مريم - وقال : وقال الإمام السبكي الذي اختاره وأدين اللّه به أن فاطمة بنت رسول اللّه أفضل ثم أمها خديجة ثم عائشة قال والخلاف شهير ولكن الحق أحق أن يتبع . - مشارق الأنوار للحمزاوي : 105

*وقال الامام أبو بكر الاخبار ثابتة صحيحة أن فاطمة سيدة نساء هذه الأمة . - مستدرك الصحيحين: 4/ 44 ذكر بنات رسول اللّه من كتاب المعرفة .

وقال السفاريني : فاطمة أفضل من خديجة للفظ السيادة وأفضل من مريم - لوامع انوار :الكوكب 1 /75 وقال ابن الجكني فاطمة الزهراء التي هي أفضل النساء على القول الأصح وقيل بفضل مريم عليها وأنها هي تلبها في الفضل زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم : 67/4 ح 914

*وقال الشيخ الرفاعي : أما فاطمة فهي أفضل النساء على ما صححه كثير من الأئمة المتقدمين والعلماء العالمين. - ضوء الشمس: 95/1 .

• وأنشد الشيخ أحمد المقري قصيدة جاء منها :

وهل كفاطمة الزهراء أمهما *** بنت النبي المصطفى بشر

فإنها بضعة منه وما أحد **** كبضعة المصطفى إن حقق النظر

عمّة معاوية التي ورد فيها وفي زوجها قوله تعالى : (تَبَّتْ يَدَا أَبي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ


وهن أفضل أصناف النساء سوى *** بنت الرسول فما مثل لها بشر

ذيل فتح المتعال: 383 - 388 ط . الهند .

وقال المناوي : من أطلق نساؤه ورد عليه ،خديجة، وهي أفضل من عائشة على الصواب لتصريحه بأنه لم يرزق خيراً من خديجة لخبر ابن أبي شيبة فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة بعد مريم بنت عمران وآسية وخديجة، فإذا فُضَلت فاطمة فعائشة أولى ومَنْ أوّل بنساء زمنها وردّ عليه فاطمة وفي شأنها قال المصطفى ما سمعت وقد قال جمع من السلف لا يعدل ببضعة رسول اللّه أحد قال البعض: وبه يعلم أنه بقية أولاده كفاطمة.

وممّا يرجّح القول بأنّ خديجة أفضل من عائشة أنّ عائشة أقرأها النبي السلام من جبريل وخديجة أقرأها السلام جبريل من ربها عزّ وجلّ، ويفهم من حديث ابن أبي شيبة أن خديجة أفضل من فاطمة ويعارضه ما أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس مرفوعاً قال: قال رسول اللّه : سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران ثمّ فاطمة ثم خديجة ثم آسية امرأة فرعون ومثل ابن داود إيما أفضل فاطمة أم أمها ؟ فقال : فاطمة بضعة رسول اللّه فلا تعدل بها أحد.

وسُئل السبكي فقال : الذي نختاره وندين اللّه به أنّ فاطمة بنت محمد أفضل ثم أُمّها خديجة ثم عائشة .

وعن ابن العماد أن خديجة إنّما فُضّلت فاطمة باعتبار الإمامة لا السيادة. اهـ. وإنما لم يساو فاطمة غيرها من أخواتها لشدّة شبهها به خلقاً وخُلقا ولأن سائر أخواتها متن في حياته ، وفاطمة إنما ماتت بعده فكان في ميزانها .

كذا كان يقرّره شيخنا العلامة أبو عبد اللّه سيدي محمد بن أحمد المناوي (رحمه اللّه) وفي الحديث: فاطمة خير بناتي، أنها أحییت.

وقد اختلف أيضاً هل الأفضل مريم بنت عمران على القول بأنّها ليست بنبيّة أم فاطمة بنت محمد ؟ وقد تعرّض للكلام في ذلك الشيخ تقي الدين السبكي في فتاويه الحلبيات وشفى الغليل واقتضب الشيخ جلال الدين السيوطي من كلامه ماهو المقصود وكأنّهما مالا إلى تفضيل فاطمة على الكل وخديجة على عائشة شرح الشمائل المحمدية : 225/1 - 226 ، باب ما جاء في صفة إدام الرسول صلى اللّه عليه وسلم .

وجاء في الحلية قال الشيخ (رحمه اللّه) : ومن ناسكات الأصفياء وصفيات الأتقياء فاطمة - رضي اللّه تعالى عنها - السيدة البنول البضعة الشبيهة بالرسول ألوط أولاده بقلبه لصوقاً وأولهم بعد وفاته به لحوقاً، كانت عن الدنيا ومتعتها عازفة وبغوامض عيوب الدنيا وآفاتها عارفة - حلية الأولياء لأبي نعيم : 30/2 ترجمتها رقم 128

وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «فاطمة سيدة نساء أمتي أو سيدة نساء المؤمنين أو الجنة» - صحيح البخاري : 53/5 150 كتاب المناقب باب 26 وصحيح مسلم : 224/16 - 225 6263 - 62648 فضائل الصحابة، ، وفتح الباري بشرح البخاري : 779/6 ح 3624 ، والمصنف لابن أبي شيبة : 393/6 ح 32281 والمصنف لعبد الرزاق : 430/11 ح 20919 ، والمنتخب من مسند عبد بن حميد 205 ح 597 ، وتاريخ البخاري : 1/ 232 - 728 ، والفردوس : 145/3 ح 4388 ، ومسند أبو يعلى: 111/12 6745 و 2 / 395 ، والاعتقاد على مذهب السلف : 165 ، والثغور الباسمة : 28 ح 36 - 38 وبالهامش صحيح ومشكاة المصابيح : 1732/3 والتبيين في أنساب 6129 ، والتبيين في أنساب القرشيين: 71/1 وانساب الاشراف: 405/13 - 552 1122 - 865 ، وزاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم : 399/2 . ح ،400، ومنح المدح: 356 ، والعقائد النسفية : 104 ، وكنز العمال: 13 / 640 ح 37617، ومستدرك الصحيحين: 15130 ، ومسند ابن راهويه : 7/5 2102..

مَالُهُ وَمَا كَسَبَ . سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لهَبِ . وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . في جیدها


وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : «أفضل وخير النساء أربع مريم وخديجة وفاطمة وآسية» - الاحسان بترتيب صحيح ابن 6912 عن أنس، وشرح كتاب الفقه الاكبر : 208 والتبيين : 52 ، ومسند أحمد: 293/1 حبان : 52/9 ح و 322 ط . م و 482 - 529 ح 2663 - 2952 ط . ب، والمواهب اللدنية : 404/1 الفصل الثالث من - المقصد الثاني، والكامل لابن عدي : 217/4 رقم 1024 . ودر السحابة للشوكاني : 315 - 316 مناقب خديجة ح 14 وقال : أخرجه الطبراني وأبو يعلى وأحمد ورجالهم رجال الصحيح الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان : 73/9ح 6971 ، وتاريخ الإسلام للذهبي : 46/3 سنة 11 ، المعجم الكبير : 266/11 ح

11928 ، ومستدرك الصحيحين: 497/2 كتاب التفسير - التحريم و 594 كتاب التاريخ ذكر عيسى والاعتقاد على مذهب السلف : 165 ، وفضائل الصحابة لاحمد : 761/2 1339، و مسند أبو يعلى 15 ح 2722 ابن عباس صحيح والبيان والتعريف : 282/1 ،317 ، والمواهب اللدنية: 404/1 الفصل الثالث من المقصد الثاني .

وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : «حسبك من نساء العالمين أربع فاطمة وخديجة ومريم وآسية» - المعجم الاوسط : 8/ :

7434 ، ومسند شمس الاخبار: 113/1 انس وكتاب المصنف لابن أبي شيبة 393/6 ح32281 ،الحسن وسيرة ابن اسحاق: 244 وفاة خديجة، وقصص الانبياء للثعلبي : 372، ومصابيح السنة: / 485 أنس والاحسان بترتيب صحيح ابن حبان: 9 / 71 ح 6964 ،انس، وفضائل الصحابة 2/760-758-755ح 1332 - 1337 - 1338 - 1325 ، ومسند أبو يعلى: 380/5 3039 انس، ومصنف عبد الرزاق : 11/ 430 ح 20919 أنس، ومشكاة المصابيح : 3/ 1745 ح 6181 وبالهامش قال صحيح، والشغور الباسمة : 28 37 وبالهامش صحيح، ومجمع الزوائد : 223/9 ط . مصر والبغية 357 ح 15269..

وقال رسول اللّه : «يا فاطمة إن اللّه يغضب لغضبك ويرضى لرضاك» - أخرجه الطبراني في المعجم الكبير : 108/1 182 ذيل ترجمة علي وبالهامش: في هامش الأصل: هذا حديث صحيح من طرق عن علي رواه الحارث عن علي وروي مرسلاً، وهذا الحديث أحسن شيء رأيته وأصح استاد قرأته و 401/22 ترجمة فاطمة - مناقبها وجواهر العقدين: 350 الباب الحادي عشر، ومجمع الزوائد: 203/9 15204 كتاب المناقب وقال اسناده 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 328/9 ط. حسن وذيل تاريخ بغداد لابن النجار: 140/17 ترجمة عثمان بن الحسين برقم 426 ، وأخبار الدول للقرماني : 87 ط- . بغداد 1282 ه-، وتهذيب التهذيب : 442/12 ط حیدر آباد الاولى ومقتل الحسين للخوارزمي: 52/1 الفصل الخامس وذخائر العقبى: 39 وقال : أخرجه أبو سعيد في شرف النبوة وابن المثنى في معجمه ومستدرك الصحيحين : 153/3 كتاب معرفة الصحابة - مناقب فاطمة، وأسد الغابة : 5/ 522 ترجمة فاطمة والتدوين في أخبار قزوين: 11/3 باب الذال - ترجمة أبو ذر بن رافع، والمدهش لابن الجوزي : 134 الفصل السادس والعشرون - في تزويج علي بفاطمة عليهما السلام .

قال السمهودي بعد إيراد هذا الحديث : (فمن آذى شخصاً من أولاد فاطمة أو أبغضه فقد جعل نفسه عرضة لهذا الخطر العظيم، ويضده من تعرض لمرضاتها في حبهم وإكرامهم كما يؤخذ مما تقدم ) - جواهر العقدين : 351 الباب 11 .

وقال السهيلي: (هذا الحديث يدل على أن من سبها كفر ومن صلى عليها فقد صلى على أبيها ) . المواهب اللدنية : 533/2 الفصل الثاني من المقصد السابع ..

حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ ﴾ [المسد : 1 - 5] .

وفي تفسير «الدر المنثور» وأخرج ابن جرير عن ابن زيد أن امرأة أبي لهب كانت تلقي في طريق النبي الشوك فنزلت: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ) [المسد : 1 - 4] .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْعَطَبِ) قال : كانت تأتي بأغصان الشوك تطرحها بالليل في طريق رسول اللّه .

وأخرج ابن أبي الدُّنيا في ذمّ الغيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد وامْرَأَتُه حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ) [المَسَد : 4] قال : كانت تمشي بالنميمة (في جيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسد) [المَسَد : 5] من نار .

وأخرج ابن أبي جرير وابن أبي حاتم عن قتادة (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ) [المَسَد : 4] قال: كانت تنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض وفِي جِيدِهَا حَبْلٌ : [المَسَد : 5] قال : عنقها

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن حَمَّالَةَ الحطب ﴾ [المَسَد : 4] قال : كانت تحمل النميمة فتأتي بها بطون قريش .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن عروة بن الزبير في جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدِ ﴾ : [المَسَد : 5] قال سلسلة من حديد من نار ذرعها سبعون ذراعاً.


وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضيني» - المصنف لابن أبي شيبة : 391/6 ح : 32259 كتاب الفضائل - فضائل فاطمة والفردوس بمأثور الخطاب : 1/ 232 ح 887ط . دار الكتب العلمية، و282 886 ط . دار الكتاب العربي. وصحيح البخاري : 83/5 232 كتاب الفضائل - مناقب قرابة الرسول و 73/7 كتاب النكاح باب (110) ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والانصاف ح 159 ، وصحيح مسلم: 221/16 6257 كتاب الفضائل - فضائل الصحابة - فاطمة، والفردوس بمأثور الخطاب 145 - 4389 ط . دار الكتب العلمية و 161ح4282 ط. دار الكتاب العربي والطبقات الكبرى : 206/82 ترجمة جويرية بنت أبي جهل (4205) ، والتبصير في الدين للاسفرايني: 111 الباب الخامس عشر، ومسند أحمد 15/4 - 323 - 332 - 328 ط . م و 5 / 423 - 435 - 430 و 571/4 طب ح 328 18428 - 18451 . وفضائل الصحابة لاحمد : 755/20 - 756 ح - 1317 - 1328 - 1323 - 1324 مناقب علي ومستدرك الصحيحين: 158/3 - 159 ، والبيان والتعريف في أسباب ورود الحديث : 2/ 116 ح ،721 ، والمعجم الكبير : 404/22 - 405 ، ومصابيح السنة: 185/4 ح 4799 مناقب أهل البيت والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: 53/9 ح 6916 ..

وفي التفسير الصّافي نقلاً من قرب الإسناد عن الكاظم(علیه السلام) في حديث آيات النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ذلك أنّ أُمّ جميل امرأة أبي لهب أتته حين نزلت سورة تبت ومع النبي أبو بكر بن أبي قحافة فقال : يا رسول اللّه هذه أم جميل محفظة أم مغضبة تريدك ومعها حجر تريد أن ترميك به، فقال(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : إنها لا تراني فقالت لأبي بكر : أين صاحبك؟ قال : حيث شاء اللّه ، قالت: لقد جئته ولو أراه لرميته فإنّه ،هجاني واللات والعزى إنّي لشاعرة فقال أبو بكر يا رسول اللّه لم ترك؟ قال : لا ، ضرب اللّه بيني وبينها حجاباً(1).

وقال معاوية يوماً وعنده عمرو بن العاص وقد أقبل عقيل : الأضحكتك من عقيل، فلمّا سلم قال معاوية : مرحباً برجل عمّه أبو لهب فقال عقيل وأهلاً برجل عمته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد قال معاوية يا أبا يزيد ما ظنّك بعمك أبي لهب؟ قال : إذا دخلت النار فخذ على يسارك تجده مفترشاً عمّتك حمّالة الحطب أفناكح في النار خير أم منكوح؟ :قال كلّا شرّ واللّه . نقله الشارح المعتزلي في الجزء الرابع من شرحه على النهج (27 من الطبع الرحلي) (2).

ونقل الشيخ الأجل المفيد قدس سرّه في «الإرشاد» (ص 173) طبع طهران (1377ه-)بعد السبب في قبول الإمام الحسن المجتبى(علیه السلام) الهدنة والصلح من معاوية ما هذا لفظه فتوثق(علیه السلام) لنفسه من معاوية بتوكيد الحجة عليه والإعذار فيما بينه وبينه عند اللّه تعالى وعند كافة المسلمين واشترط عليه ترك سب أمير المؤمنين(علیه السلام) والعدول عن القنوت عليه في الصلاة، وأن يؤمن شيعته رضي اللّه عنهم ولا يتعرّض لأحد منهم بسوء ويوصل إلى كل ذي حق منهم حقه .

فأجابه معاوية إلى ذلك كله وعاهده عليه وحلف له بالوفاء به، فلما استتمت الهدنة على ذلك سار معاوية حتى نزل بالنخيلة وكان ذلك يوم الجمعة فصلى بالناس ضحى النهار فخطبهم وقال في خطبته واللّه ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكّوا إنكم لتفعلون ذلك ولكنّي قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني اللّه ذلك وأنتم له كارهون ألا وإنّي كنت منيت الحسن(علیه السلام) الأشياء وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها له.

ثم سار حتى دخل الكوفة فأقام بها أياماً فلما استتمّت البيعة له من أهلها صعد المنبر فخطب الناس وذكر أمير المؤمنين(علیه السلام) ونال منه ونال من الحسن(علیه السلام) ما نال، وكان الحسن


1) قرب الإسناد 329 ، وبحار الأنوار: 235/17

2) شرح النهج : 93/4

والحسين(علیهما السلام) حاضرين، فقام الحسين(علیه السلام) ليرد عليه فأخذ بيده الحسن(علیه السلام) وأجلسه، ثمّ قام فقال : أيها الذاكر عليّاً أنا الحسن وأبي علي وأنت معاوية وأبوك صخر، وأُمّي فاطمة وأُمّك هند، وجدي رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وجدك حرب ، وجدتي خديجة وجدتك فتيلة، فلعن اللّه أخملنا ذكراً وألأمنا حسباً وشرنا قدماً وأقدمنا كفراً ونفاقاً ، فقالت طوائف من أهل المسجد : آمین آمین انتهى قوله قدس سره(1).

وروى قريباً منه المحدّث القمّي رضوان اللّه عليه في مادة حسن من «سفينة البحار» عن الشعبي، وقال الفاضل الشارح المعتزلي: إنّ هذا الحديث نقله الفضل بن الحسن المصري عن يحيى بن معين قال : وقال الفضل قال يحيى : آمين (2)، وقال الفضل أنا أقول آمين وقال علي بن الحسين الأصفهاني آمين وقال الشارح المذكور أنا أقول آمين وكذلك كاتب هذه الأحرف الحسن بن عبد اللّه الطبري الآملي يقول آمين آمين ويرحم اللّه تعالى عبداً قال آمین (3).

ثم قال(علیه السلام) : (في كثير مما لنا وعليكم) أي ما ذكرناه من فضائلنا ورذائلكم قليل من كثير مما لنا من الفضائل وعليكم من الرذائل وقد تقدّم الكلام في رؤية النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) بني أمية في المنام على صور قرود تصعد منبره وتردّ الناس عن الإسلام القهقرى، فراجع إلى شرح المختار العاشر من هذا الباب ( ص 47 ج 18).

وقد سئل علي أمير المؤمنين(علیه السلام) عن بني هاشم وبني أُمية فقال(علیه السلام) : نحن أمجد وأنجد وأجود وهم أغدر وأمكر وأنكر (4)(المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء ص 224 ج 4 ) .

ثم قال(علیه السلام) : (فإسلامنا ما قد سمعتم وجاهليتنا لا تدفع) يريد أن فضائل بني هاشم لا تختص بهم في الإسلام فقط بل لهم تلك الفضائل في زمن الجاهلية أيضاً لا مدافع لهم ذلك، أي أنهم كانوا من بيت شرف ومجد حيث كان الناس في الجاهلية الجهلاء، وقد في مضى نقل طائفة منها في شرح المختار التاسع من باب الكتاب ( ج 17) وفي شرح المختار السابع عشر من ذلك الباب أيضاً (ج18) فراجع .


1) الإرشاد : 15/2 ، والغدير: 160/10 ح 50 .

2) شرح النهج : 47/16 .

3) اللّهم آمين.

4) كشف الغمة : 233/2

وينبغي أن نذكر في هذا الموضع احتجاجات أتى بها نقلة الآثار في أسفارهم :

قال الشيخ إبراهيم بن محمد البيهقي في كتاب «المحاسن والمساوي» قيل : وأتى الحسن بن علي(علیه السلام) معاوية بن أبي سفيان وقد سبقه ابن عباس فأمر معاوية فأنزل فبينا معاوية مع عمرو بن العاص ومروان بن الحكم وزياد بن أبي سفيان يتحاورون في قديمهم وحديثهم ومجدهم، فقال معاوية أكثرتم الفخر فلو حضركم الحسن بن علي وعبد اللّه بن العباس لقصّرا من أعنّتكما ما طال فقال زياد وكيف ذلك يا أمير المؤمنين ما يقومان المروان بن الحكم في غرب منطقه ولا لنا في بواذخنا؟ فابعث إليهما في غد حتى نسمع كلامهما .

فقال معاوية لعمرو : ما تقول؟ قال هذا فابعث إليهما في غد فبعث إليهما معاوية ابنه يزيد فأتياه ودخلا عليه وبدأ معاوية فقال : إني أجلكما وأرفع قدركما عن المسامرة بالليل ولاسيما أنت يا أبا محمد فإنّك ابن رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وسيد شباب أهل الجنّة فشكرا له ، فلمّا استويا في مجلسهما وعلم عمرو أن الحدّة ستقع به قال: واللّه لا بد أن أقول، فإن قهرت فسبيل ذلك وإن قهرت أكون قد ابتدأت .

فقال : يا حسن إنا تفاوضنا فقلنا : إن رجال بني أُمية أصبر عند اللقاء وأمضى في الوغى، وأوفى عهداً، وأكرم خيماً، وأمنع لما وراء ظهورهم من بني عبد المطلب .

ثمَّ تكلّم مروان فقال : وكيف لا تكون كذلك وقد قار عناكم فغلبناكم وحاربناكم فملكناكم، فإن شئنا عفونا وإن شئنا بطشنا

ثمَّ تكلّم زياد فقال: ما ينبغي لهم أن ينكروا الفضل لأهله ويجحدوا الخير في مظانه، نحن أهل الحملة في الحروب ولنا الفضل على سائر الناس قديماً وحديثاً .

فتكلّم الحسن(علیه السلام) فقال : ليس من العجز أن يصمت الرجل عند إيراد الحجّة، ولكن من الإفك أن ينطق الرجل بالخنا ويصوّر الباطل بصورة الحق، يا عمرو افتخاراً بالكذب وجرأة على الإفك ما زلت أعرف مثالبك الخبيثة أبديها مرّة وأمسك عنها أُخرى فتأبى إلا انهماكاً في الضلالة، أتذكر مصابيح الدجى وأعلام الهدى وفرسان الطراد وحتوف الأقران وأبناء الطعام وربيع الضيفان ومعدن النبوّة ومخبط العلم وزعمتم أنكم أحمى لما وراء ظهوركم وقد تبين ذلك يوم بدر حين نكصت الأبطال وتساورت الأقران واقتحمت الليوث و اعتركت المنيّة وقامت رحاؤها على قطبها وفرّت عن نابها وطار شرار الحرب فقتلنا رجالكم ومنَّ النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) على ذراريكم فكنتم لعمري في هذا اليوم غير ما نعين لما وراء ظهوركم من بني عبد المطلب

ثمَّ قال : وأمّا أنت يا مروان فما أنت والإكثار في قريش وأنت طليق وأبوك طريد يتقلب من خزاية إلى سوءة ولقد جيء بك إلى أمير المؤمنين فلما رأيت الضرغام قد دميت براثنه واشتبكت أنيابه كنت كما قال :

ليث إذا سمع الليوث زئير *** بصبصن ثمّ قذفن بالأبعار

ويروى زمين بالأبعار.

فلمّا منّ عليك بالعفو وأرخى خناقك بعد ما ضاق عليك وغصصت بريقك لا تقعد معنا مقعد أهل الشكر ولكن تساوينا وتجارينا ونحن ممن لا يدركنا عار ولا يلحقنا خزاية!

ثم التفت إلى زياد فقال : وما أنت يا زياد وقريشاً لا أعرف لك فيها أديماً صحيحاً ولا فرعاً ثابتاً ولا قديماً ثابتاً ولا منبتاً كريماً بل كانت أُمّك بغيّاً تداولها رجال قريش وفجار العرب فلما ولدت لم تعرف لك العرب والداً فادعاك هذا - يعني معاوية - بعد ممات أبيه ، مالك ،افتخار تكفيك سُميّة ويكفينا رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، وأبي علي بن أبي طالب سيد المؤمنين الذي لم يرتد على عقبيه، وعمّي حمزة سيّد الشهداء وجعفر الطيار وأنا وأخي سيدا شباب أهل الجنّة ثمَّ التفت إلى ابن عبّاس فقال : يا ابن العم إنّما هي بغاث الطير انقض عليها أجدل، فأراد ابن عباس أن يتكلّم فأقسم عليه معاوية أن يكفّ فكفّ ثمّ خرجا .

فقال معاوية : أجاد عمرو الكلام لولا أنَّ حجّته دحضت وتكلّم مروان لولا أنه نكص .

ثمَّ التفت إلى زياد وقال : ما دعاك إلى محاورته؟ ما كنت إلا كالحجل في كف البازي، فقال أفاخر رجلاً رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)جدّه وهو سيّد من مضى ومن بقي وأُمّه فاطمة الزهراء السواء، فقال عمرو : لقد أبقى عليك ولكنه طحن مروان طحن الرّحى بثفالها يأبى إلا الإغراء بيننا وبينهم لاجرم واللّه لا شهدت مجلساً يكونان فيه إلا كنت معهما على من فاخرهما .

فخلا ابن عبّاس بالحسن فقبل بين عينيه وقال : أفديك يا ابن عم واللّه ما زال بحرك يزخر وأنت تصول حتى شفيتني من أولاد البغايا.

ثم إن الحسن(علیه السلام) غاب أياماً ثم رجع حتى دخل على معاوية وعنده عبد اللّه بن الزبير، فقال معاوية : يا أبا محمد إنّي أظنك تبعاً نصباً فأت المنزل فأرح نفسك فيه، فقام الحسن(علیه السلام) فلما خرج قال معاوية لعبد اللّه بن الزبير لو افتخرت على الحسن فإنك ابن حواري رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)وابن عمته ولأبيك في الإسلام نصيب وافر فقال ابن الزبير : أنا له فرجع وهو يطلب ليلته الحجج فلمّا أصبح دخل على معاوية وجاء الحسن(علیه السلام) فحياه معاوية وسأله ،مبيته فقال : خير مبيت وأكرم مستفاض، فلمّا استوى في مجلسه قال ابن الزبير :

لولا أنّك خوّار في الحرب غير مقدام ما سلّمت لمعاوية الأمر وكنت لا تحتاج إلى اختراق السهوب وقطع المفاوز تطلب معروفه وتقوم ببابه وكنت حريا أن لا تفعل ذلك وأنت ابن علي في بأسه ،ونجدته، فما أدري ما الذي حملك على ذلك أضعف رأي أم وهن تحيزة، فما أظنُّ لك مخرجاً من هاتين الخلتين، أما واللّه لو استجمع لي ما استجمع لك لعلمت أنّي ابن الزبير وأنّي لا أنكص عن الأبطال وكيف لا أكون كذلك وجدتي صفية بنت عبد المطلب، وأبي الزبير حواري رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وأشدّ النّاس بأساً وأكرمهم حسباً في الجاهلية وأطوعهم لرسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) .

فالتفت إليه الحسن(علیه السلام) وقال : وأما واللّه لولا أنَّ وقال : وأما واللّه لولا أنَّ بني أمية تنسبني إلى العجز عن المقال لكففت عنك تهاوناً، ولكن سأبين ذلك لك لتعلم أني لست بالعي ولا كليل اللسان إياي تعيّر وعلي تفتخر ولم يكن لجدّك بيت في الجاهلية ولا مكرمة فزوجته جدتي صفية بنت عبد المطلب فبذخ على جميع العرب بها وشرف بمكانها فكيف تفاخر من هو من القلادة واسطتها ومن الأشراف سادتها نحن أكرم أهل الأرض زنداً، لنا الشرف الثاقب والكرم الغالب .

ثمّ تزعم أنّي سلمت الأمر لمعاوية فكيف يكون ذلك ويحك كذلك وأنا ابن أشجع العرب، وقد ولدتني فاطمة سيّدة نساء العالمين وخير الإماء؟ لم أفعل ذلك ويحك جبناً ولا ضعفاً ولكنه بايعني مثلك وهو يطلبني ببره ويداجيني المودّة ولم أثق بنصرته لأنكم أهل بيت غدر، وكيف لا يكون كما أقول وقد بايع أبوك أمير المؤمنين ثمَّ نكث بيعته ونكص على عقبيه واختدع حشيّة من حشايا رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ليضل بها النّاس، فلمّا دلف نحو الأعنّة ورأى بريق الأسنة قتل مضيعة لا ناصر له وأُتي بك أسيراً قد وطنتك الكماة بأظلافها والخيل بسنابكها واعتلاك الأشتر فخصصت بريقك وأقعيت على عقبيك كالكلب إذا احتوشته الليوث فنحن ويحك نور البلاد وأملاكها وبنا تفخر الأمة وإلينا تُلقى مقاليد الأزمة، أنصول وأنت تختدع النّساء ثمَّ تفتخر على بني الأنبياء؟ لم تزل الأقاويل منا مقبولة وعليك وعلى أبيك مردودة دخل الناس في دين جدّي طائعين وكارهين، ثمَّ بايعوا أمير المؤمنين(علیه السلام) فسار إلى أبيك وطلحة حين نكنا البيعة وخدعا عرس رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فقتل أبوك وطلحة وأتي بك أسيراً ، ، فبصبصت بذنبك وناشدته الرحم أن لا يقتلك فعفا عنك، فأنت عتاقة أبي وأنا سيدك وسيّد أبيك، فذق وبال أمرك .

فقال ابن الزبير اعذر يا أبا محمد فإنّما حملني على محاورتك هذا، وأحبّ الإغراء بيننا فهلاً إذا جهلت أمسكت عنّي فإنّكم أهل بيت سجيتكم الحلم والعفو.

فقال الحسن(علیه السلام) : يا معاوية انظر هل أكيعُ عن محاورة أحد؟ ويحك أتدري من أي

شجرة أنا وإلى من أنتمي؟ أنته قبل أن أسمك تتحدّث به الركبان في الآفاق والبلدان.

فقال ابن الزبير: هو لذلك أهل، فقال معاوية : أما إنّه قد شفي بلابل صدري منك ورميمقتلك فصرت كالحجل في كفّ البازي يتلاعب بك كيف أراد فلا أراك تفتخر على أحد بعدها .

وذكروا أنَّ الحسن بن عليا (علیه السلام) دخل على معاوية فقال متمثلاً:

فيم الكلام وقد سبقت مبرزاً *** سبق الجواد من المدى والمقیس

فقال معاوية : إيَّاي تعني؟ أما واللّه لأنبئنّك بما يعرفه قلبك ولا ينكره جلساؤك : أنا ابن بطحاء مكة، أنا ابن أجودها جوداً وأكرمها جدوداً وأوفاها عهوداً، أنا ابن من ساد قريشاًناشئاً وكهلاً .

فقال الحسن(علیه السلام) : أجل إياك أعني، أفعلي تفتخر يا معاوية؟ أنا ابن ماء السماء وعروق القرى وابن من ساد أهل الدُّنيا بالحسب الثابت والشرف الفائق والقديم السابق، أنا ابن من رضاه رضي الرّحمن وسخطه سخط الرّحمن ، فهل لك أب كابي وقديم كقديمي؟ فإن قلت : لا ، تغلب، وإن قلت: نعم، تكذب (1).

فقال معاوية : أقول لا تصديقاً لقولك، فقال الحسن:

الحق أبلج ماتخون سبيله *** والصدق يعرفه ذوو الألباب

وقال معاوية ذات يوم وعنده أشراف الناس من قريش وغيرهم : أخبروني بخير الناس أباً وأُمّاً وعمّاً وخالاً وخالة وجدا وجدَّةٌ، فقام مالك بن العجلان فأوما إلى الحسن فقال : ها هوذا أبوه علي بن أبي طالب رضوان اللّه عليهم وأمه فاطمة بنت رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، وعمه جعفر الطيار في الجنان، وعمّته أم هاني بنت أبي طالب، وخاله القاسم بن رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)، وخالته بنت رسول اللّه زينب وجدّه رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، وجدته خديجة بنت خويلد.

فسكت القوم ونهض الحسن، فأقبل عمرو بن العاص على مالك فقال : أحب بني هاشم حملك على أن تكلّمت بالباطل؟ فقال ابن العجلان ما قلت إلا حقاً وما أحد من الناس يطلب مرضاة مخلوق بمعصية الخالق إلا لم يعط أمنيته في دنياه وختم له بالشقاء في آخرته بنو هاشم أنضرهم عوداً وأوراهم زنداً، كذلك يا معاوية؟ قال: اللّهمَّ نعم .

قيل : واستأذن الحسن بن علي(علیه السلام) على معاوية وعنده عبد اللّه بن جعفر وعمرو بن


1) كلمات الإمام الحسين: 241 ح 210.

العاص، فأذن له، فلما أقبل قال عمرو : قد جاءكم الأفة العييّ الذي كان بين لحييه عبلة فقال عبد اللّه بن جعفر مه فواللّه لقد رمت صخرة ململمة تنحط عنها السيول وتقصر دونها الوعول ولا تبلغها السهام، فإياك والحسن إيّاك، فإنّك لا تزال رائعاً في لحم رجل من قريش ولقد رميت فما برحسهمك وقدحت فما أورى زندك.

فسمع الحسن الكلام فلما أخذ الناس مجالسهم قال : يا معاوية لا يزال عندك عبد رائعاً في لحوم الناس، أما واللّه لو شئت ليكونن بيننا ما تتفاقم فيه الأمور وتحرج منه الصدور

ثم أنشأ يقول:

أتأمر يا معاوي عبد سهم***بشتمي والملا منّا شهود

إذا أخذت مجالسها قریش*** فقد علمت قريش ماترید

قصدت إلي تشتمنی سفاهاً *** لضغن مایزول و مایبید

فمالك من أب کأبی تسامی *** به من قد تسامی أو تکید

ولا جدّ كجدّي يا أبن هند*** رسول اللّه إن ذكرالجدود

ولا أُمّ كأمّي من قریش *** إذا ما يحصل الحسب التليد

فمامثلي تهکّم یا این هند *** ولا مثلي تجاريه العبید

فمهلاً لا تهج منّا أُموراً *** يشيب لها معاوية الوليد

وذكروا أنَّ عمرو بن العاص قال لمعاوية ذات يوم:

ابعث إلى الحسن بن عليّ فمره أن يخطب على المنبر فلعله يحصر فيكون ذلك مما نعيره ،به، فبعث إليه معاوية فأصعده المنبر وقد جمع له الناس فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال :

يا أيها الناس من عرفني فأنا الذي يعرف ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب ابن عمّ النّبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، أنا ابن البشير النذير السراج المنير أنا ابن من بعث رحمة للعالمين وسخطاً للكافرين، أنا ابن من بعث إلى الجن والإنس أنا المستجاب الدعوة، أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن أوّل من ينفض رأسه من التراب أنا ابن أوّل من يقرع باب الجنّة، أنا ابن من قاتلت معه الملائكة ونصر بالرعب من مسيرة شهر فأفتن في هذا الكلام ولم يزل حتى أظلمت الدُّنيا على معاوية فقال : يا حسن قد كنت ترجو أن تكون خليفة ولست هناك.

فقال الحسن : إنما الخليفة من سار بسيرة رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وعمل بطاعة اللّه وليس الخليفة من دان بالجور وعطل السنن واتخذ الدُّنيا أباً وأُمّاً ، ولكنّ ذاك ملك أصاب ملكاً يمتّع به قليلاً وكان قد انقطع عنه واستعجل لذته عنه واستعجل لذته وبقيت عليه تبعته فكان كما قال اللّه عزّ

وجل: وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّه فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعُ إِلَى حِينٍ [الأنبياء : 111] ثم انصرف .

فقال معاوية لعمرو : واللّه ما أردت إلا هتكي ما كان أهل الشام يرون أنّ أحداً مثلي حتّى سمعوا من الحسن ما سمعوا .

قيل وقدم الحسن بن عليّ رضوان اللّه عليه على معاوية فلما دخل عليه وجد عنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة وصناديد قومه ووجوه اليمن وأهل الشام، فلمّا نظر إليه معاوية أقعده على سريره وأقبل عليه بوجهه يريه السرور ،بمقدمه، فلمّا نظر مروان إلى ذلك حسده وكان معاوية قال لهم : لا تحاوروا هذين الرجلين فلقد قلّداكم العار وفضحاكم عن أهل الشام - يعني الحسن بن علي ، وعبد اللّه بن العبّاس .

فقال :مروان يا حسن لولا حلم أمير المؤمنين وما قد بني له آباؤه الكرام من المجدوالعلاء ما أقعدك هذا المقعد ولقتلك وأنت له مستوجب بقودك الجماهير فلما أحست بنا وعلمت أن لا طاقة لك بفرسان أهل الشام وصناديد بني أمية أذعنت بالطاعة واحتجرت بالبيعة وبعثت تطلب الأمان، أما واللّه لولا ذلك لأريق دمك، وعلمت أنا نعطي السيوف حقها عند الوغى فاحمد اللّه إذ ابتلاك بمعاوية فعفا عنك بحلمه ثم صنع بك ما ترى.

فنظر إليه الحسن فقال : ويحك يا مروان لقد تقلّدت مقاليد العار في الحروب عند مشاهدتها والمخاذلة عند مخالطتها، نحن - هبلتك الهوابل - لنا الحجج البوالغ ولنا إن شكرتم عليكم النعم السوابغ، ندعوكم إلى النجاة وتدعوننا إلى النار فشتان ما بين المنزلتين، تفخر ببني أُميّة وتزعم أنّهم صبّر في الحروب أسد عند اللقاء - ثكلتك أُمّك - أولئك البهاليلالسادة والحماة الدادة والكرام القادة بنو عبد المطلب، أما واللّه لقد رأيتم وجميع من في هذا البيت ما هالتهم الأهوال ولم يحيدوا عن الأبطال كالليوث الضارية الباسلة الحنقة، فعندها وليت هارباً وأُخذت أسيراً فقلّدت قومك العار لأنك في الحروب خوار، أيراق أيراق دمي زعمت؟ أفلا أرقت دم من وثب على عثمان في الدار فذبحه كما يذبح الجمل وأنت تثغو ثغاء النعجة وتنادي بالويل والثبور كالأمة اللكعاء، ألا دفعت عنه بيد أو ناضلت عنه بسهم؟ لقد ارتعدت فرائصك وغشي بصرك فاستغثت كما يستغيث العبد ،بربّه فأنجيتك من القتل ومنعتك منه ثم تحت معاوية على قتلي ولو رام ذلك معك لذبح كما ذبح ابن عفّان، أنت معه أقصر يداً وأضيق باعاً أجبن قلباً من أن تجسر على ذلك، ثمَّ تزعم أنّي ابتليت بحلم معاوية أما واللّه لهو أعرف بشأنه وأشكر لما وليناه هذا الأمر فمتى بدا له فلا يغضين جفنه على القذي معك فواللّه لأثخنن أهل الشام بجيش يضيق عنها فضاؤها، ويستأصل فرسانها ثم لا ينفعك عند ذلك الهرب والرّوغان ولا يردّ عنك الطلب تدريجك الكلام فنحن ممن لا يجهل آباؤنا القدماء الأكابر وفروعنا السادة الأخيار، أنطق إن كنت صادقاً (1).


1) صحيفة الإمام الحسن : 312

فقال عمرو : ينطق بالخنى وتنطق بالصدق، ثم أنشأ يقول:

قد يضرط العير والمكواة تأخذه *** لا يضرط العير والمكواة في النار

ذق وبال أمرك يا مروان، وأقبل عليه معاوية فقال : قد نهيتك عن هذا الرجل وأنت تأبى إلا انهماكاً فيما لا يعنيك أربع على نفسك فليس أبوك كأبيه ولا أنت مثله أنت ابن الطريد الشريد وهو ابن رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)الكريم ولكن ربّ باحث عن حتفه وحافر عن مديته فقال مروان: إرم من دون بيضتك وقم بحجّة عشيرتك، ثمَّ قال لعمرو : طعنك أبوه فوقيت نفسك بخصييك فلذلك تحدّره وقام مغضباً فقال معاوية لا تجار البحور فتغمرك، ولا الجبال فتبهرك واسترح من الاعتذار .

قيل : ولقي عمرو بن العاص الحسن بن علي(علیه السلام) في الطواف فقال : يا حسن أزعمت أنَّ الدِّين لا يقوم إلا بك وبأبيك؟ فقد رأيت اللّه جلّ وعزّ أقامه بمعاوية فجعله راسياً بعد ميله وبيّناً بعد خفائه أفرضي اللّه قتل عثمان أم من الحق أن تدور بالبيت كما يدور الجمل بالطحين؟ عليك ثياب كغرقيء البيض وأنت قاتل ،عثمان واللّه إنّه لألم للشعث وأسهل للوعث أن يوردك معاوية حياض أبيك .

فقال الحسن(علیه السلام) : إنَّ لأهل النار علامات يعرفون بها وهي الإلحاد لأولياء اللّه والموالاة لأعداء اللّه واللّه إنّك لتعلم أنَّ عليّاً(علیه السلام) لم يترتب في الأمر ولم يشك في اللّه طرفة عين، وأيم اللّه لتنتهينَّ يا ابن أُمّ عمرو أو لأقرعن جبينك بكلام تبقى سمته عليك ما حييت، فإياك والإبراز عليَّ فإنّي من قد عرفت لستُ بضعيف ،الغمزة، ولا بهش المشاشة ولا بمريء المأكلة وإنّي من قريش كأوسط القلادة، يُعرف حسبي ولا أدعى لغير أبي، وقد تحاكمت فيك رجال قريش فغلب عليك الأمهم نسباً وأظهرهم لعنة، فإياك عنّي فإنك ،رجس وإنما نحن بيت الظهارة أذهب اللّه عنا الرجس وطهرنا تطهيرا(1).

قيل: واجتمع الحسن بن علي(علیه السلام) وعمرو بن العاص، فقال الحسن(علیه السلام) : قد علمت قريش بأسرها أنّي منها في عزّ أرومتها لم أطبع على ضعف ولم أُعكس على خسف، أعرف بشبهي وأُدعى لأبي .

فقال عمرو : قد علمت قريش أنّك من أقلّها عقلاً وأكثرها جهلاً، وأنَّ فيك خصالاً لو لم يكن فيك إلا واحدة منهنَّ لشملك خزيها كما شمل البياض الحالك، لعمر اللّه لتنتهينَّ عمّا أراك تصنع أو لأكبسنّ لك حافة كجلد العائط أرميك من خللها بأحر من وقع الأثافي أعرك


1) شرح نهج البلاغة : 28/16 ، وبحار الأنوار: 103/44 ووفيات الأئمة: 114.

منها أديمك عرك السلعة، فإنّك طالما ركبت صعب المنحدر ونزلت في أعراض الوعر التماساً للفرقة وإرصاداً للفتنة ولن يزيدك اللّه فيها إلا فظاعة .

فقال الحسن(علیه السلام): أما واللّه لو كنت تسمو بحسبك وتعمل برأيك ما سلكت فج قصد ولا حللت رابية مجد، وأيم اللّه لو أطاعني معاوية لجعلك بمنزلة العدوّ الكاشح فإنّه طالما طويت على هذا كشحك وأخفيته في صدرك وطمح بك الرجاء إلى الغاية القصوى التي لا يورق بها غصنك ولا يخضر لها مرعاك، أما واللّه ليوشكنَّ يا ابن العاص أن تقع بين لحيي ضرغام من قريش قوي متمنع فروس ذي لبد يضغطك ضغط الرحى للحب لا ينجيك منه الروغان إذا التقت حلقتا البطان (1). انتهى ما أتى به البيهقي في المحاسن والمساويء» في المقام .

وفي «محاسن البرقي» : قال عمرو بن العاص للحسين(علیه السلام) : ما بال أولادنا أكثر من أولادكم ؟ فقال(علیه السلام) :

بغاث الطير أكثرها فراخاً *** وأُمُّ الصقر مقلاة نزور

فقال : ما بال الشيب إلى شواربنا أسرع منه إلى شواربكم ؟ فقال(علیه السلام) : إنَّ نساءكم نساء بخرة فإذا دنا أحدكم من امرأته نهكته في وجهه فشاب منه شاربه، فقال : ما بال لحاكم أوفر من لحائنا؟ فقال(علیه السلام) : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلّا نَكِدا [الأعراف: 58] ، فقال معاوية بحقي عليك إلا سكت فإنّه ابن علي بن أبي طالب(علیه السلام ،)فقال(علیه السلام :)إن عادت العقرب عدنا له *** وكانت النعل لها حاضرةقد علم العقرب و قرب واستيقنت *** أن لا لها دنيا ولا آخرةوروى ابن شهر آشوب وغيره عن أبان الأحمر أن شريك بن الأعور دخل على معاوية، فقال له معاوية : واللّه إنك لشريك وليس اللّه لشريك وأنك لابن الأعور والبصير خير من الأعور ، وأنك لدميم والجيد خير من الدميم فكيف سدت قومك؟ فقال له شريك : إنك المعاوية وما معاوية إلا كلبة عوت واستعوت الكلاب وإنّك لابن صخر والسهل خير من الصخر، وإنك لابن حرب والسلم خير من الحرب، وإنّك لا بن أُميّة وما أُميّة إلا أمة صغرت فاستصغرت فكيف صرت أمير المؤمنين؟ فغضب معاوية وخرج شريك وهو يقول: أيشتمني معاوية بن صخر *** وسيفي صارم ومعي لسان


1) صحيفة الإمام الحسن : 320.

فلا تبسط علينا يا ابن هند *** لسانك إن بلغت ذرى الأمانيوإن تك للشقاء لنا أميراً *** فإنّا لا نقر علی الهوانوإن تك في أُمية من ذراها *** فأنا في ذري عبدالمدانوروي أنّ معاوية أرسل إليه هدية منها حلواء يريد بذلك استمالته وصرفه عن حبّ علي بن أبي طالب(علیه السلام ، فدخلت ابنة صغيرة له خماسي أو سداسي عليه فأخذت لقمة من تلك الحلواء وجعلتها في فمها، فقال لها أبو الأسود يا بنتي ألقيه فإنه سمّ، هذه حلواء أرسلها إلينا معاوية ليخدعنا عن أمير المؤمنين(علیه السلام) ويردّنا عن محبّة أهل البيت فقالت الصبيّة : قبحه اللّه يخدعنا عن السيد المطهّر بالشّهد المزعفر تبا لمرسله وآكله فعالجت نفسها حتى قاءت ما أكلتها ثم قالت :)أبالشهد المزعفر یا ابن هند *** نبیع علیک أحساباً و دیناًمعاذ اللّه كیف يكون هذا ***ومولانا أميرالمومنیناويشبه هذا ما روي أنه دخل أبو أمامة الباهلي على معاوية فقربه وأدناه ثمّ دعى بالطعام فجعل يطعم أبا أمامة بيده ثمَّ أوسع رأسه ولحيته طيباً بيده وأمر له ببدرة من دنانير فدفعها إليه ، ثمَّ قال : يا أبا أمامة باللّه أنا خير أم عليّ بن أبي طالب؟ فقال أبو أمامة : نعم ولا كذب ولو بغير اللّه سألتني لصدقت عليّ واللّه خير منك وأكرم وأقدم إسلاماً وأقرب إلى رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم قرابة وأشدّ في المشركين نكاية وأعظم عند الأمة عناء، أتدري من علي يا معاوية؟ ابن عمّ رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)، وزوج ابنته سيدة نساء العالمين وأبو الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة، وابن أخي حمزة سيّد الشهداء، وأخو جعفر ذي الجناحين، فأين تقع أنت من هذا يا معاوية؟ أظننت أني سأختارك على علي(علیه السلام) بألطافك وطعامك وعطائك فأدخل إليك مؤمناً ، وأخرج منك كافراً بئسما سوّلت لك نفسك يا معاوية ثم نهض وخرج من عنده فأتبعه بالمال فقال : لا واللّه لا أقبل منك ديناراً واحداً.)قال تقي الدّين أبو بكر بن علي الحموي في «ثمرات الأوراق في المحاضرات» : قلت : وأما الأجوبة الهاشمية وبلاغتها فهي في المحل الأرفع، فمن ذلك أنه اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص والوليد بن عقبة وعتبة بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة فقالوا : يا أمير المؤمنين ابعث لنا إلى الحسن بن علي فقال لهم : فيم؟ فقالوا : كي نوبخه وتعرفه أنَّ أباه قتل عثمان فقال لهم : إنّكم لا تنتصفون منه ولا تقولون شيئاً إلا كذبكم الناس، ولا يقول لكم شيئاً ببلاغته إلا صدقه الناس، فقالوا : أرسل إليه فإنا سنكفيك أمره. فأرسل إليه معاوية فلما حضر قال : يا حسن إني لم أُرسل إليك ولكن هؤلاء أرسلوا إليك فاسمع مقالتهم وأجب ولا تحرمني .فقال الحسن(علیه السلام : فليتكلّموا ونسمع، فقام عمرو بن العاص فحمد اللّه وأثنى عليه)

قال: هل تعلم يا حسن أن أباك أوّل من أثار الفتنة وطلب الملك فكيف رأيت صنع اللّه به؟ .ثمَّ قام الوليد بن عقبة بن أبي معيط فحمد اللّه وأثنى عليه ثمَّ قال : يا بني هاشم كنتم أصهار عثمان بن عفان فتح عفان فنعم الصهر كان يفضلكم ويقربكم ثم بغيتم عليه فقتلتموه، ولقد أردنا يا حسن قتل أبيك فأنقذنا اللّه منه ولو قتلناه بعثمان ما كان علينا من اللّه ذنب .ثمَّ قام عتبة فقال : تعلم يا حسن أنَّ أباك بغى على عثمان فقتله حسداً على الملك والدُّنيا فسلبها، ولقد أردنا قتل أبيك حتى قتله اللّه تعالى .ثمَّ قام المغيرة بن شعبة فكان كلامه كلّه سبا لعلي وتعظيماً لعثمان .فقام الحسن فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه وقال بك أبدأ يا معاوية لم يشتمني هؤلاء، ولكن أنت تشتمني بغضاً وعداوة وخلافاً لجدّي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم ، ثم التفت إلى الناس وقال: أنشدكم اللّه أتعلمون أنَّ الرجل الذي شتمه هؤلاء كان أوَّل من آمن باللّه وصلى القبلتين، وأنت يا معاوية يومئذ كافر تشرك باللّه، وكان معه لواء النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) يوم بدر، ومع معاوية وأبيه لواء المشركين .)ثمَّ قال: أنشدكم اللّه والإسلام، أتعلمون أنَّ معاوية كان يكتب الرسائل الجدّي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم فأرسل إليه يوماً فرجع الرسول وقال : هو يأكل فرد الرسول إليه ثلاث مرات كلّ ذلك وهو :يقول : هو يأكل، فقال النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : لا أشبع اللّه بطنه أما تعرف ذلك في بطنك أما تعرف ذلك في بطنك يا معاوية؟)ثمَّ قال: وأنشدكم اللّه، أتعلمون أن معاوية كان يقود بأبيه على جمل وأخوه هذا يسوقه، فقال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم : لعن اللّه الجمل وقائده وراكبه وسائقه هذا كله لك يا معاوية. وأما أنت يا عمرو فتنازع فيك خمسة من قريش فغلب عليك شبه الأمهم حسباً وشرهم منصباً ثم قمت وسط قريش فقلت أتى شانيء ،محمد فأنزل اللّه على نبيه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : (إنَّ شانئك هُوَ الأَبْتَرُ) [الكوثر : 3] ، ثمَّ هجوت محمداً(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) بثلاثين بيتاً من الشعر، فقال النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : اللّهمَّ إنّي لا أحسن الشعر ولكن العن عمرو بن العاص بكل بيت لعنة ثم انطلقت إلى النجاشي بما عملت وعملت فأكذبك اللّه وردّك خائباً فأنت عدوّ بني هاشم في الجاهلية والإسلام فلم نلمك على بغضك . وأمّا أنت يا ابن معيط، فكيف ألومك على سبّك لعليّ وقد جلد ظهرك في الخمر ثمانين سوطاً، وقتل أباك صبراً بأمر جدي، وقتله جدّي بأمر ربي، ولما قدمه للقتل قال : من للصبية يا محمد فقال لهم النار ، فلم يكن لكم عن النبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) إلا النّار، ولم يكن لكم عند علي غير السيف والسوط .

وأمّا أنت يا عتبة فكيف تعد أحداً بالقتل لم لا قتلت الذي وجدته في فراشك

مضاجعاً لزوجتك ثم أمسكتها بعد أن بغت .

وأمّا أنت يا أعور ثقيف ففي أي ثلاث تسبّ عليّاً؟ أفي بعده من رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ؟ أم في حكم جائر؟ أم في رغبة في الدُّنيا؟ فإن قلت شيئاً من ذلك فقد كذبت أكذبك الناس، وإن زعمت أنَّ عليّاً قتل عثمان فقد كذبت وأكذبك الناس، وأما وعيدك فإنما مثلك كمثل بعوضة وقفت على نخلة فقالت لها : استمسكي فإني أريد أن أطير، فقالت لها النخلة ما علمت بوقوفك فكيف يشقّ عليَّ طيرانك، وأنت فما شعرنا بعداوتك فكيف يشق علينا سبّك؟ ثمَّ نفض ثيابه ،وقام فقال لهم معاوية : ألم أقل لكم إنكم لا تنتصفون منه، فواللّه لقد أظلم عليّ البيت حتى قام فليس فيكم بعد اليوم خير(1). انتهى .

قال سبط ابن الجوزي في «التذكرة» : قال أهل السير: ولمّا سلم الحسن الأمر إلى معاوية أقام يتجهز إلى المدينة فاجتمع إلى معاوية رهط من شيعته منهم عمرو بن العاص والوليد بن عقبة وهو أخو عثمان بن عفان لأمه وكان على(علیه السلام) قد جلده في الخمر، وعتبة وقالوا : نريد أن تحضر الحسن على سبيل الزيارة لنخجّله قبل مسيره إلى المدينة، فنهاهم معاوية وقال : إنّه ألسن بني هاشم فألحوا عليه فأرسل [إلى] الحسن فاستزاره فلما حضر شرعوا فتناولوا علياً(علیه السلام) والحسن ساكت فلما فرغوا حمد الحسن اللّه وأثنى عليه وصلّى على رسوله محمد(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) :قال:

إنّ الذي أشرتم إليه قد صلّى إلى القبلتين وبايع البيعتين وأنتم بالجميع مشركون وبما أنزل اللّه على نبيه كافرون، وأنّه حرّم على نفسه الشهوات وامتنع على اللذات حتى أنزل اللّه :فيه ويَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ ﴾ [المائدة الآية 87] وأنت يا معاوية ممن قال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) في حقه : اللّهم لا تشبعه أو لا أشبع اللّه بطنك، أخرجه مسلم عن ابن عبّاس.

وبات أمير المؤمنين يحرس رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) من المشركين، وفداه بنفسه ليلة الهجرة حتّى أنزل اللّه فيه : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشَرِى نَفْسَهُ أَيْ مَاتِ اللّهِ [البَقَرَة : الآية 207] ووصفه بالإيمان فقال : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ مَامَنُوا [المائدة: الآية 55] والمراد به أمير المؤمنين وقال له رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : أنت مني بمنزلة هارون من موسى وأنت أخي في الدُّنيا والآخرة، وأنت يا معاوية نظر النّبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)إليك يوم الأحزاب فرأى أباك على جمل يحرّض النّاس على قتاله وأخوك يقود الجمل وأنت تسوقه فقال : لعن اللّه الراكب والقائد والسائق وما قابله أبوك في موطن إلا ولعنه وكنت معه، ولآك عمر الشام فخنته ثم ولاك


1) بحار الأنوار: 24/ 108 ح 19 ، وميزان الحكمة : 3412/4.

عثمان فتربصت عليه وأنت الذي كنت تنهى أباك عن الإسلام حتى قلت مخاطباً له :

يا صخر لا تسلمن طوعاً فتفضحنا *** بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا

لا تركننّ إلى أمر تقلدنا *** والراقصات بنعمان به الحرقا

وكنت يوم بدر وأحد والخندق والمشاهد كلها تقاتل رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وقد علمت الفراش الذي ولدت عليه .

ثمَّ التفت إلى عمرو بن العاص وقال: أما أنت يا ابن النابغة فادعاك خمسة من قريش غلب عليك الأمهم وهو العاص وولدت على فراش مشترك وفيك نزل : (وإِن شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ﴾ [الكَوثَر : الآية 3] وكنت عدو اللّه وعدو رسوله وعدو المسلمين وكنت أضر عليهم من كل مشرك، وأنت القائل :

ولا أنثني عن بني هاشم *** بما أسطعت في الغيب والمحضر

وعن عائب اللات لا أنثنی *** ولولا رضى اللات لم تمطر

وأما أنت يا وليد فلا ألومك على بغض أمير المؤمنين فإنّه قتل أباك صبراً وجلدك في الخمر لما صليت بالمسلمين الفجر سكراناً وقلت أزيدكم، وفيك يقول الحطيئة :

شهد الحطيئة حين يلقى ربه *** أنّ الولد أحق بالعذر

نادى وقد تم صلاتهم *** أأزيدكم سكراً وما يدري

لیزیدهم أخرى ولو قبلوا *** لأنت صلاتهم علی عشر

فأتوا أبا وهب ولو قبلوا *** لقرنت بين شفع والوتر

حبسوا عنانك إذ جريت ولو *** تركوا عنانك لم تزل تجري

وسمّاك اللّه في كتابه فاسقاً، وسمّى أمير المؤمنين مؤمناً في قوله : (وأَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقَا لَّا يَسْتوءُن ) [السَّجدة: الآية 18] وفيك يقول حسان بن ثابت وفي أمير المؤمنين(1):

أنزل اللّه ذو الجلال علينا *** في عليّ وفي الوليد قرانا

ليس من كان مؤمناً عمرك اللّه *** کمن کان اسقاً خوانا

سوف يُدعى الولید بعد قليل *** و عليّ. إلى الجزاء عيانا

فعليّ يجزى هناك جنانا ووليد يجزى زی هناك هوانا


1) مناقب الإمام علي : 220/2 .

وأمّا أنت يا عتبة فلا ألومك في أمير المؤمنين فإنّه قتل أباك يوم بدر واشترك في دم ابن عمّك شيبة، وهلا أنكرت على من غلب على فراشك ووجدته نائماً غلب على فراشك ووجدته نائماً مع عرسك حتى قال فيك نصر بن حجاج :

نبّئت عتبة هيأته عرسه *** لصداقة الهذلي من الحيّان

ألقاء معها في الفراش فلم يكن *** فحلاً وأمسك خشية النسوان

لا تعتبن يا عتب نفسك حبّها *** إن النساء حبائل الشيطان (1)

ثم نفض الحسن ثوبه وقام، فقال معاوية :

أمرتكم أمراً فلم تسمعواله *** وقلت لكم لا تبعثن إلى الحسن

فجاء وربّ الراقصات عشيّة *** برکبانها یهوین من سرَّة اليمن

أخاف عليكم منه طول لسانه *** وبعد مداه حين إجراره الرسن

فلما أبيتم كنت فيكم كبعضكم *** وكان خطابي فيه غبناً من الغبن

فحسبكم ما قال مما علمتم *** وحسبي بما ألقاه في القبر والكفن

ثم قال سبط ابن الجوزي: تفسير غريب هذه الواقعة قال الأصمعي وهشام بن محمد الكلبي في كتابه المسمّى ب- «المثالب» : وقد وقفت على معنى قول الحسن لمعاوية : قد علمت الفراش الذي ولدت عليه أن معاوية كان يقال إنه من أربعة من قريش : عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي، ومسافر بن أبي عمرو وأبي سفيان والعباس بن عبد المطلب، وهؤلاء كانوا ندماء أبي سفيان وكان كل منهم يتهم بهند .

فأمّا عمارة بن الوليد كان من أجمل رجالات قريش وهو الذي وشى به عمرو بن العاص إلى النجاشي فدعى الساحر فنفث في أحليله فهام مع الوحش وكانت امرأة النجاشي قد عشقته .

وأمّا مسافر بن أبي عمرو فقال الكلبي : عامة الناس على أنَّ معاوية منه لأنّه كان أشدّ الناس حبّاً لهند فلمّا حملت هند بمعاوية خاف مسافر أن يظهر أنّه منه فهرب إلى ملك الحيرة وهو هند بن عمرو فأقام عنده. ثمَّ إن أبا سفيان قدم الحيرة فلقيه مسافر وهو مريض من عشقه لهند وقد سقى بطنه فسأله عن أهل مكة فأخبره ، وقيل : إِنَّ أبا سفيان تزوّج هنداً بعد انفصال مسافر عن مكة فقال أبو سفيان: إنّي تزوجت هنداً بعدك، فازداد مرضه وجعل يذوب فوصف الكي فأحضروا المكاوي والحجّام فبينا الحجام يكويه إذ حبق الحجام فقال مسافر : قد


1) بحار الأنوار: 82/44

يحبق(1)العير والمكواة في النّار، فسارت مثلاً ثم مات مسافر من عشقه لهند .

وذكر هشام بن محمد الكلبي أيضاً في كتاب «المثالب» وقال : كانت هند من المغيلمات وكانت تميل إلى السودان من الرجال فكانت إذا ولدت ولداً أسود قتلته قال : وجرى بين يزيد بن معاوية وبين إسحاق بن طابة بن عبيد كلام بين يدي معاوية وهو خليفة فقال يزيد لإسحاق: إن خيراً لك أن يدخل بنو حرب كلّهم الجنّة، أشار يزيد إلى أنّ أُمَّ إسحاق كانت تتهم ببعض بني حرب فقال له إسحاق: إن خيراً لك أن يدخل بنو العبّاس كلّهم الجنّة، فلم يفهم يزيد قوله وفهم معاوية فلما قام إسحاق قال معاوية ليزيد كيف تشاتم الرجال قبل أن تعلم ما يقال فيك قال : قصدت شين إسحاق . قال : وهو كذلك أيضاً قال وكيف؟ قال: أما علمت أنَّ بعض قريش في الجاهلية يزعمون أني للعباس، فسقط في يدي يزيد.

وقال الشعبي : وقد أشار رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) إلى هند يوم فتح مكة بشيء من هذا، فإنّها لما جاءت تبايعه وكان قد أهدر دمها فقالت على ما أبايعك؟ فقال: على أن لا تزنين فقالت وهل تزني الحرّة؟ فعرفها رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فنظر إلى عمر فتبّسم .

وأما قول الحسن(علیه السلام) لعمرو بن العاص : ولدت على فراش مشترك فذكر الكلبي أيضاً في المثالب قال : كانت النابغة أم عمرو بن العاص من البغايا أصحاب الرايات بمكة فوقع عليها العاص بن وائل في عدة من قريش منهم أبو لهب وأمية بن خلف وهشام بن المغيرة وأبو سفيان بن حرب في طهر واحد.

قال ابن الكلبي : وكان الزناة الذين اشتهروا بمكّة جماعة منهم هؤلاء المذكورون، وأُمية بن عبد الشمس وعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص أخو مروان بن الحكم وعتبة بن أبي سفيان أخو معاوية، وعقبة بن أبي معيط . فلمّا حملت النابغة بعمرو وتكلّموا فيه فلما وضعته اختصم فيه الخمسة الذين ذكرناهم كل واحد يزعم أنه ولده وألب عليه العاص بن وائل وأبو سفيان بن حرب كل واحد يقول : واللّه إنّه منّي فحكّما النابغة فاختارت العاص فقالت هو منه فقيل لها ما حملك على هذا وأبو سفيان أشرف من العاص؟ فقالت: هو كما قلتم إلا أنه رجل شحيح والعاص جواد ينفق على بناتي، وأبو سفيان لا ينفق عليهنَّ وكان لها بنات .

وأما قول الحسن(علیه السلام) للوليد بن عقبة وجلدك عليّ في الخمر، فذكر أرباب السّير قاطبة : أنَّ عثمان بن عفان ولى الوليد بن عقبة الكوفة سنة ست وعشرين وكان الوليد مدمناً على شرب الخمر وكان يجلس على الشراب وعنده ندماؤه ومغنّوه طوال الليل إلى الفجر فإذا


1) في نسخة : قد يضرط

أذّنه المؤذّن بصلاة الفجر خرج سكراناً فصلّى بهم، فخرج يوماً في غلالة لا يدري أين هو فتقدّم إلى المحراب فصلى بهم الفجر أربعاً وقال : أزيدكم؟ فقال له الفجر أربعاً وقال: أزيدكم؟ فقال له عبد اللّه بن مسعود ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم ولما سجد قال في سجوده إشرب واسقني، فناداه عتاب بن غيلان الثقفي : سقاك اللّه المهل ومن بعثك أميراً علينا، ثمَّ حصبه وحصبه أهل المسجد، فدخل الوليد القصر وهو يترنّح فنام في سريره فهجم عليه جماعة منهم أبو جندب بن زهير الأسدي وابن عوف الأزدي وغيرهما وهو سكران لا يعي فأيقظوه فلم يتنبه ، ثمَّ قاء عليهم الخمر فنزعوا خاتمه من يده وخرجوا من فورهم إلى المدينة فدخلوا على عثمان فشهدوا على الوليد أنه شرب الخمر فقال : وما يدريكم أنه شرب خمراً ؟ قالوا : شرب الخمر الذي كنّا نشربه في الجاهليّة. فزبرهما ونال منهما فخرجا من عنده فدخلا على عليّ (علیه السلام)وأخبراه بالقصّة، فدخل على عثمان فقال له : دفعت الشهود وأبطلت الحدود قال :له فما ترى؟ فقال : تبعث إلى الفاسق فتحضره فإن قامت عليه البينة حددته فأرسل إلى الوليد فأحضره فشهدوا عليه ولم يكن له حجّة فرمى عثمان السوط إلى علي(علیه السلام) وقال له : حدّه، فقال علي لولده الحسن قم فحدّه، فامتنع الحسن(علیه السلام) وقال : يتولى حارّها من تولّى قارّها، والقرّ البرد ومعناه يتولاه والي الأمر، فقال لعبد اللّه بن جعفر : قم فاجلده فامتنع فلمّا رآهم لا يفعلون توقياً لعثمان أخذ السوط ودنى من الوليد فسبّه الوليد فقال له عقيل بن أبي طالب : يا فاسق ما تعلم من أنت ألست علجاً من أهل صفورية -قرية بين عكّا واللجون من أعمال الأردن - كان أبوك يهودياً منها فجعل الوليد يحيد عن عليّ فأخذه فضرب به الأرض فقال له عثمان ليس لك ذلك فقال : بلى وشرّ من ذلك إذ فسق ثمَّ يمتنع أن يؤخذ منه حق اللّه تعالى ثم جلده أربعين.

وقد أخرج أحمد في «المسند» معنى هذا فقال : حدّثنا يزيد بن هارون، ثنا سعيد بن أبي عرونة، عن عبد اللّه بن الداناج عن حصين بن المنذر بن الحرث بن وعلة قال : لما قال على(علیه السلام) للحسن : قم فاجلده قال وفيم أنت وذاك فقال علي(علیه السلام) : بل عجزت ووهنت قم يا عبد اللّه بن جعفر فاجلده، فقام فجلده وعلي(علیه السلام) يعدّ حتى بلغ أربعين قال أمسك ثمَّ قال : جلد رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)في الخمر أربعين، وضرب أبو بكر أربعين، وضربه عمر صدراً من خلافته، ثمَّ أتم ثمانين، وكلّ سنة .

فإن قيل : فقد روى أحمد في «المسند» أيضاً عن علي(علیه السلام) أنه قال : ما من رجل أقمت عليه حدا فمات فأجد في نفسي منه إلا صاحب الخمر فإنّه لو مات لوديته لأنَّ رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) يسنّه، وأخرجاه في الصحيحين فكيف تقول : وكل سنة؟

قلنا : لا خلاف أن النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)ضرب في الخمر فالضرب في الجملة سنّة والعدد ثبت بإجماع الصحابة .

قال السبط: وقيل : هذه القصّة إنّما جرت للحسن(علیه السلام) مع معاوية والوليد ومن سميناهم بالشام لأنَّ الحسن كان يعد على معاوية كل حين ومعه الحسين، قلت: وقد دعى رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) على الوليد بن عقبة لمّا ردّ أمانه، فقال أحمد في المسجد حدثنا عبید اللّه بن عمر،ثنا عبد اللّه بن داود، ثنا نعيم بن حكمي، عن ابن أبي مريم عن علي(علیه السلام) قال : جاءت امرأة الوليد بن عقبة تشكوه إلى رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وقالت : يا رسول اللّه إن الوليد يضربني فقال : اذهبي إليه وقولي له قد أجارني رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فلم تلبث إلا يسيراً، حتى جاءت فقالت : يا رسول اللّه ما زادني إلا ضرباً، فرفع رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) يديه وقال: اللّهم عليك بالوليد (1)وفي رواية : عليك بالفاسق .

واختلفوا في معنى تسميته بالفاسق على قولين: أحدهما أنَّ الوليد قال يوماً لعلي(علیه السلام): ألست أبسط منك لساناً وأحد سناناً ، فنزلت: (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِفَا لَّا يَسْتَوُونَ )[السجدة : 18] ذكره ابن عبّاس.

والثاني أن النّبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) بعثه سنة ثمان من الهجرة إلى بني المصطلق يصدقهم وكانوا قد أسلموا وبنوا المساجد . فلما بلغهم قدوم الوليد خرجوا يتلقونه بالهدايا والسلاح فرحاً به، فلمّا رآهم ولى راجعاً إلى المدينة، فقال: يا رسول اللّه قد منعوا الزكاة وقاموا إليَّ بالسلاح فابعث إليهم البعوث فقدم الحارث بن عباد على رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فقال له يا حارث أردت قتل رسولي ومنعت الزكاة؟! فقال: والذي بعثك بالحق ما وصل إلينا وإنما رجع من الطريق، ولقد كذب، فأنزل اللّه :( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَباءٍ فَتَبیّنوا ﴾ [الحجرات: الآية 6] الآية .

وذكر هشام بن محمد الكلبي عن محمد بن إسحاق قال بعث مروان بن الحكم وكان والياً على المدينة رسولاً إلى الحسن(علیه السلام) فقال له : يقول لك مروان: أبوك الذي فرّق الجماعة وقتل أمير المؤمنين عثمان وأباد العلماء والزهاد - يعني الخوارج - وأنت تفخر بغيرك، فإذا قيل لك من أبوك تقول : خالي الفرس .

فجاء الرسول إلى الحسن فقال له : يا أبا محمد إني أتيتك إنّي أتيتك برسالة ممن يخاف سطوته ويحذر سيفه فإن كرهت لم أبلغك إياها ووقيتك بنفسي، فقال الحسن : لا بل تؤديها ونستعين عليه باللّه فأدّاها فقال له : تقول لمروان : إن كنت صادقاً فاللّه يجزيك بصدقك، وإن كنت كاذباً فاللّه أشدّ ،نقمة فخرج الرسول من عنده فلقيه الحسين فقال: من أين أقبلت؟ فقال: من عند أخيك الحسن، فقال: وما كنت تصنع ؟ قال : أتيت برسالة من عند مروان، فقال: وما


1) بحار الأنوار: 398/17

هي؟ فامتنع الرسول من أدائها ، فقال : لتخبرني أو لأقتلنّك فسمع الحسن فخرج وقال لأخيه : خل عن الرجل ، فقال : لا واللّه حتّى أسمعها فأعادها الرسول عليه فقال له : قل له : يقول لك الحسين بن علي وفاطمة : يا ابن الزرقاء الداعية إلى نفسها بسوق ذي المجاز، صاحبة الراية بسوق عكاظ ويا ابن طريد رسول اللّه له ،ولعينه أعرف من أنت ومَن أُمّك ومَن أبوك (1).

فجاء الرسول إلى مروان فأعاد عليه ما قالا فقال له ارجع إلى الحسن وقل له : أشهد أنك ابن رسول اللّه وقل للحسين : أشهد أنك ابن علي بن أبي طالب فقال للرّسول قل له كلاهما لي ورغماً .

قال : قال الأصمعي أما قول :الحسين : يا ابن الداعية إلى نفسها فذكر ابن إسحاق أنّ أمّ مروان اسمها أُميّة وكانت من البغايا في الجاهلية وكان لها راية مثل راية البيطار تعرف بها وكانت تسمّى أم حنبل الزرقاء وكان مروان لا يعرف له أب وإنما نسب إلى الحكم كما نسب عمرو إلى العاص.

وأما قوله : يا ابن طريد رسول اللّه يشير إلى الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد ،شمس، أسلم الحكم يوم الفتح وسكن المدينة وكان ينقل أخبار رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) إلى الكفار من الأعراب وغيرهم ويتجسّس عليه قال الشعبي وما أسلم إلا لهذا ولم يحسن إسلامه ورآه رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) يوماً وهو يمشي ويتخلّج في مشيته يحاكي رسول اللّه فقال له : كن كذلك فما زال يمشي كأنه يقع على وجهه ونفاه رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) إلى الطائف ولعنه فلما توفي رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) كلم عثمان أبا بكر أن يردّه لأنه كان عمّ عثمان فقال أبو بكر: هيهات شيء فعله رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) واللّه لا أخالفه أبداً ، فلما مات أبو بكر وولّى عمر كلّمه فيه فقال : يا عثمان أما تستحي من رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ومن أبي بكر تردّ عدوّ اللّه وعدوّ رسوله إلى المدينة؟ واللّه لا كان هذا أبداً، فلما مات عمر وولّى عثمان ردّه في اليوم الذي ولّى فيه وقرّ به وأدناه ودفع له مالاً عظيماً ورفع منزلته، فقام المسلمون على عثمان وأنكروا عليه وهو أوَّل ما أنكروا عليه وقالوا : رددت عدوّ اللّه وروسله وخالفت اللّه ورسوله فقال : إنّ رسول اللّه وعدني برده فامتنع جماعة من الصحابة عن الصلاة خلف عثمان لذلك .

ثم توفي الحكم في خلافته فصلّى عليه ومشى خلفه فشقّ ذلك على المسلمين وقالوا : ما كفاك ما فعلت حتى تصلي على منافق ملعون لعنه رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ونفاه . فخلعوه وقتلوه وأعطى ابنه مروان خمس غنائم أفريقية خمسمائة ألف دينار، ولما بلغ عائشة أرسلت إلى


1) بحار الأنوار: 253/49 ، وكلمات الإمام الحسين : 213.

عثمان: أما كفاك أنك رددت المنافق حتى تعطيه أموال المسلمين وتصلّي عليه وتشيعه بهذا السبب؟ قالت : اقتلوا نعثلاً قتله اللّه فقد كفر، ولما بلغ مروان إنكارها جاء إليها يعاتبها فقالت : أخرج يا ابن الزرقاء أنّي أشهد على رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) أنه لعن أباك وأنت في صلبه.

قال الشعبي : إن مروان ولد سنة اثنتين من الهجرة وأبوه إنّما أسلم يوم الفتح ونفاه رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) بعد ذلك ؛ قلت : وقد ذكر ابن سعد في «الطبقات» معنى الحكاية التي حكيناها عن ابن إسحاق ورسالة مروان إلى الحسن انتهى ما أردنا من نقل كلام سبط ابن الجوزي في «التذكرة» .

وأقول : سيأتي توضيح كلام الإمام المجتبى(علیه السلام) في عمرو بن العاص العاصي : فادّعاك خمسة من قريش في تفسير كتاب أمير المؤمنين(علیه السلام) إلى عمرو بن العاص .

وأمّا قول الكلبي والأصمعي أنَّ معاوية كان أنَّ معاوية كان من أربعة من قريش فقد روى الزمخشري في كتاب «ربيع الأبرار» أيضاً أن معاوية كان يعزى إلى أربعة إلى عمرو بن مسافر، وإلى عمارة بن الوليد، وإلى العباس بن عبد المطلب وإلى الصباح مغنّ أسود كان لعمارة، قال: :قالوا : كان أبو سفيان وسيماً قصيراً، وكان الصباح عسيفاً لأبي سفيان شاباً وسيماً فدعته هند إلى نفسها وقالوا : إنَّ عتبة بن أبي سفيان من الصباح أيضاً وأنّها كرهت أن تضعه في منزلها فخرجت إلى أجياد فوضعته هناك، وفي ذلك قال حسان بن ثابت :

لمن الصبي بجانب البطحاء *** في الأرض ملقى غير ذي مهد

بخلت به بيضاء آنسة *** من عبد شمس صلتة الخدّ

وأقول : هذان البيتان من أبيات توجد في آخر ديوان حسّان على ما في نسخة مخطوطة من ديوانه في مكتبتنا، والأبيات معنونة بهذا العنوان وقال حسّان لهند بنت عتبة بن أبي ربيعة، وبعد البيتين :

تسعی الصباح معولة *** يا هند إنك صلبة الحرد

فإذا تشادعت بمقطرة *** تذکی لها بالودة الهند

غلبت على شبه الغلام وقد *** بان السواد لحال جعد

أشرت لكاع وكان عادتها *** دق المشاش بناجد جلد

فحرّى لمعاوية أن يباهي ويفتخر قائلاً : أولئك آبائي فجئني بمثلهم.

وأمّا قوله : إذ حيق الحجّام، فقال مسافر : قد يحبق (1)العير والمكواة في النار فقال


1) في نسخة : يضرط

الميداني في «مجمع الأمثال» : ويقال : إنّ أوّل من قاله مسافر ابن أبي عمرو بن أمية وذلك أنه كان يهوى بنت عتبة وكانت تهواه فقالت : إنَّ أهلي لا يزوجونني منك إنك معسر، فلو قد وفدت إلى بعض الملوك لعلك تصيب مالاً فتتزوّجني، فرحل إلى الحيرة وافداً إلى النعمان فبينما هو مقيم عنده إذ قدم عليه قادم من مكة فسأله عن خبر أهل مكة بعده فأخبره بأشياء وكان منها أن أبا سفيان تزوّج هنداً فطعن مسافر من الغم فأمر النعمان أن يكوى فأتاه الطبيب فلمّا رآه يكوى ضرط فقال مسافر : قد يضرط العير ويقال : إنّ الطبيب ضرط.

وأما ما نقل السبط من قول أمير المؤمنين علي(علیه السلام) الولده الحسن(علیه السلام) : قم فحدّه فامتنع الحسن وما روى أحمد في المسند من أنَّ علياً(علیه السلام) لما قال للحسن(علیه السلام) قم فاجلده قال الحسن(علیه السلام) : وفيم أنت وذاك، ففيهما كلام، لأنَّ امتناع الإمام المجتبى(علیه السلام) عما أمره به أبوه أمير المؤمنين(علیه السلام) فدونه خرط القتاد .

وأمّا ما نقله من حد شارب الخمر ومن أنّ أمير المؤمنين(علیه السلام) الجلد الوليد أربعين فالبحث عنه يوجب الإسهاب فإنّه يؤدّي إلى شعب كثيرة من مسائل فقهية وغيرها ولذلك نكتفي على نقل ما أتى به صاحب «الجواهر» في شرح كتاب الحدود من كتاب الشرائع قال (رحمه اللّه) :

حدّ المسكر ثمانون جلدة بلا خلاف أجده فيه بل الإجماع بقسميه عليه بل المحكى منهما مستفيض أو متواتر كالنصوص، لكن في حسن الحلبى سئل الصادق(علیه السلام) أرأيت النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) كيف يضرب بالخمر ؟ قال : كان يضرب بالنعال ويزيد إذا أتى بالشارب ثم لم يزل الناس يزيدون حتى وقف ذلك على ثمانين، أشار بذلك علي(علیه السلام) على عمر(1).

ونحوه خبر أبي بصير عنه عن أمير المؤمنين(علیه السلام) معللاً بأنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فإذا فعل ذلك فاجلدوه حدي المفتري ثمانين.

بل في «المسالك» روى العامة والخاصة أنَّ النبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)كان يضرب الشارب بالأيدي والنعال ولم يقدّره بعدد فلمّا كان في زمن عمر استشار أمير المؤمنين(علیه السلام) في حده فأشار عليه أن يضربه ثمانين معلّلاً له بأنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذي وإذا هذى افترى، فجلده عمر ثمانين وعمل بمضمونه أكثر العامة.

وذهب بعضهم إلى أربعين مطلقاً لما روي أنَّ صحابة قد رووا ما فعل في زمانه(علیه السلام) بأربعين وكان التقدير المزبور عن أمير المؤمنين(علیه السلام) من التفويض الجائز لهم.


1) الكافي : 214/7 2 ، وتهذيب الأحكام : 91/10 ح 351

ومن الغريب ما في كتاب «الاستغاثة في بدع الثلاثة» من أنّ حدّ الشارب الثمانين من بدع الثاني، وأن الرسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) جعل حده أربعين بالنعال العرين وجرائد النخل بإجماع أهل الرواية. وأن الثاني قال : إذا سكر افترى وأنه افترى حدّ حد المفتري، وفي كشف اللثام ولعله أراد إلزامهم باعترافهم كما في الطرائف من قوله ومن طريق ما شهدوا به أيضاً على خليفتهم عمر من تغييره لشريعة نبيّهم(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وقلّة معرفته بمقام الأنبياء وخلفائهم ما ذكره الحميدي في «الجمع بين الصحيحين» من مسند أنس بن مالك في الحديث الحادي والتسعين من المتفق عليه أنَّ النبي ضرب في الخمر بالجرائد والنعال وجلد أبو بكر أربعين فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن أخت الحدود ثمانون فأمر به عمر.

وذكر الحميدي أيضاً في كتاب «الجمع بين الصحيحين» في مسند السائب بن يزيد في الحديث الرابع من أفراد البخاري قال: كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وإمرة أبي بكر وشطر من خلافة عمر فنتقدَّم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين(1).

ثمَّ إنّ ظاهر النص والفتوى اعتبار الثمانين مترتبة لكن في خبر زرارة سمعت أبا جعفر(علیه السلام) يقول : إنّ الوليد بن عقبة حين شهد عليه بشرب الخمر قال عثمان لعلي(علیه السلام) : اقض بينه وبين هؤلاء الذين زعموا أنه شرب الخمر قال: فأمر على(علیه السلام) فجلد بسوط له شعبتان أربعين جلدة فصارت ثمانين.

وفي خبره الآخر سمعته أيضاً يقول : أقيم عبيد بن عمر وقد شرب الخمر فأمر عمر أن يضرب فلم يتقدَّم عليه أحد يضربه حتى قام علي(علیه السلام) بنسعة مثنية لها طرفان فضربه أربعين، ويمكن حملهما على جواز ذلك لمصلحة واللّه العالم وكيف كان فالمشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً أنه لا فرق فى الثمانين رجلاً كان الشارب أو امرأة حرّاً كان أو عبداً بل عن صريح الغنية وظاهر غيرها الإجماع عليه انتهى ما أردنا من نقل كلامه طيب اللّه رمسه .

ثم قال(علیه السلام) : (وكتاب اللّه يجمع لنا - إلى قوله أولى بالطاعة) احتج(علیه السلام) بآيتين من القرآن الكريم على أولويته من غيره في أمر الخلافة واستنتج من الأولى أولويته بالخلافة بقرابته إلى رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، ومن الثانية أولويته بالخلافة بطاعة الرسول ولا يخفى على أُولي الألباب حسن استنباطه(علیه السلام) هذا المعنى من القرآن الكريم.

كما لا يخفى عليهم أنّه(علیه السلام) كان من أخصّ أولي الأرحام بالرسول(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) . وكان أقرب


1) الكافي : 215/7 ح6 ، وتهذيب الأحكام : 90/10 347.

الخلق إلى اتباعه وناهيك في المقام قوله(علیه السلام) : ولقد قبض رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وإن رأسه لعلى صدري ولقد سالت نفسه في كفّي فأمررتها على وجهي ولقد وليت غسله(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) والملائكة أعواني فضحت الدار والأفنية ملأ يهبط وملأ يعرج وما فارقت سمعي هنيمة منهم منهم يصلون حتى واريناه في ضريحه فمن ذا أحقُّ به منّي حياً وميتاً؟ كما مضى في المختار 195 من باب الخطب، وقد مضت طائفة من كلامنا في الإمام وصفاته في شرح المختار 237 من باب الخطب فراجع ص 35 - 176 ج 16).

ثمّ إنّه(علیه السلام) أتى بعد آية أُولي الأرحام بالآية الثانية لأنّ الأمر الأهم هو الاتباع ولولاه لا تنفع القرابة ألا ترى قوله عزّ وجل خطاباً لنوح في أمر ولده : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إنّه عملٌ غَيْرُ صَالح [هود : 46]

ثم قال(علیه السلام) : (ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة - إلى قوله على دعواهم) ثمَّ احتجَّ(علیه السلام) على معاوية بما ظفر المهاجرون يوم السقيفة على الأنصار وذلك أنه قالت الأنصار يو السقيفة للمهاجرين : منّا أمير ومن قريش أمير. وقال المهاجرون نحن شجرة الرسول وعشيرته ورووا عنه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : الأئمة من قريش فغلبوا بذلك على الأنصار (ص 1838) من تاريخ الطبري») فاحتج أمير المؤمنين علي(علیه السلام) على معاوية بأنّ ظفرهم على الأنصار إن كان لقربهم منه (علیه السلام) فالحق لنا، أي فالحق لأهل بيته، ومن ومن كان من أخص أخص أولي الأرحام بالرسول وأقربهم إليهم أولى بذلك الحق، وإن كان بغيره فالأنصار على دعواهم أي لم تتم حجّة المهاجرين عليهم فلم يتحقق إجماع الصحابة على خلافة من جعل خليفة المسلمين منذ قبض رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم). وسيأتي عن قريب في شرح هذا الكتاب نحو احتجاجه هذا لما أتي به إلى أبي بكر للبيعة المنقول من كتاب الإمامة والسياسة للدينوري .

وبالجملة أنّ أمير المؤمنين(علیه السلام) احتجَّ على معاوية بالكتاب العزيز أولاً بأنّه مرّة أولى بالخلافة بقرابة الرسول (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وتارة أولى بها بالطاعة ثمَّ احتج عليه بما غلب المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة بأنّ ظفر المهاجرين عليهم إن كان لقربهم من الرسول(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فهو(علیه السلام) لي أولى بالخلافة من غيره لقربه من الرسول بما دريت وإن كان لغير القرابة فلم يتم أمر الخلافة الخلفاء الثلاث. فما كتب معاوية في كتابه المنقول آنفاً ليس بصحيح لأنه قال في ذلك الكتاب: فكان أفضلهم مرتبة وأعلاهم عند اللّه والمسلمين منزلة الخليفة الأوّل الذي جمع الكلمة - ثمّ الخليفة الثاني الذي فتح الفتوح - ثمَّ الخليفة الثالث المظلوم الذي نشر الملة -الخ - فإذا كان الأنصار على دعويهم لم يتحقق إجماع على خلافة هؤلاء.

على أنَّ معاوية كان أجنبياً من النبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) والأنصار كليهما بلا كلام فلا يجوز له دعوى الخلافة فليس لمثله حق فيها .

وقد مضى نحو كلامه(علیه السلام) هذا في المختار التاسع ( ص 330 ج 17 )حيث قال : لأن اللّه جل ذكره لما قبض نبيه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) قالت قريش : منا أمير وقالت الأنصار: منا أمير فقالت :قريش منا محمد رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)فنحن أحق بذلك الأمر فعرفت ذلك الأنصار فسلمت لهم الولاية السلطان فإذا استحقوها بمحمد(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) دون الأنصار فإنَّ أولى الناس بمحمد(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) أحق بها منهم وإلا فإنَّ الأنصار أعظم العرب فيها نصيباً فلا أدري أصحابي سلموا من أن يكونوا حقي أخذوا أو الأنصار ظلموا عرفت أنَّ حقّي هو المأخوذ - الخ .

قلت : ومن كلامه هذا يستفاد حمل قوله : (وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم)، على أنّ دعواهم منّا أمير ومنكم أمير، بحالها، فإنّهم أعظم العرب فيها نصيباً فهم منعوا عن حقهم ظلماً، وهذا وجه آخر فهم من كلامه هذا بقرينة كلامه ذلك، وإن كان يستلزم هذا الوجه المعنى الأوّل أيضاً .

قال المسعودي في «مروج الذهب»: بايع النّاس أبا بكر في سقيفة بني ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري في يوم الإثنين الذي توفّى فيه رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ولمّا بويع أبو بكر في يوم السقيفة وجددت البيعة له الثلاثاء، خرج علي(علیه السلام) فقال : أفسدت علينا أمورنا

يوم ولم تستشر ولم ترع لنا حقاً، فقال أبو بكر : بلى، ولكن خشيت الفتنة، وكان للمهاجرين والأنصار يوم السقيفة خطب طويل ومحادثة في الإمامة، وخرج سعد بن عبادة ولم يبايع، ولم يبايع أبا بكر أحد من بني هاشم حتى ماتت فاطمة .

قال : ولما احتضر أبو بكر قال: ما أنا إلا على ثلاث فعلتها وددت أني تركتها، وثلاث تركتها وددت أني فعلتها، وثلاث وددت أني سألت رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ؛ فأما الثلاث التي فعلتها ووددت أني تركتها فوددت أني لم أكن فتشت بيت فاطمة وذكر في ذلك كلاماً كثيراً . ووددت أني أكن حرقت الفجاءة وأطلقته نجيحاً أو قتلته صريحاً، ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة قد رميت الأمر في عنق أحد الرجلين فكان أميراً وكنت وزيراً ، الخ.

قلت: قد ذكر نحو كلام المسعودي في مروج الذهب ابن عبد البر في كتاب «الاستيعاب» حيث قال في ترجمة أبي بكر أنه بويع له بالخلافة اليوم الذي قبض فيه رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) في سقيفة بني ساعدة، ثمَّ بويع البیعة العامة عامة يوم الثلاثاء من عد ذلك اليوم وتخلّف عن بيعته سعد بن عبادة، وطائفة من الخزرج وفرقة من قريش. انتهى. ونقل نحوهما غير واحد من حملة الأخبار غيرهما وفيه دليل بين على اختلاف القوم

في بيعته وعدم توافقهم في خلافته . وقال اليعقوبي في تاريخه اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة يوم توقي

رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وهو بعد لم يغسل - إلى أن قال : وقام المنذر بن الأرقم فقال : إنَّ فيهم رجلاً لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد - قال يعني عليّ بن أبي طالب - وجاء البراء بن عازب فضرب الباب على بني هاشم وقال : يا معشر بني هاشم بويع أبو بكر، فقال بعضهم: ما كان المسلمون يحدّثون حدثاً نغيب عنه ونحن أولى بمحمّد(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، فقال العبّاس: فعلوها وربّ الكعبة.

قال : وكان المهاجرون والأنصار لا يشكون في علي(علیه السلام) فلما خرجوا من الدار قام الفضل بن العباس وكان لسان قريش فقال : يا معشر قريش إنه ما حقت لكم الخلافة بالتمويه ونحن أهلها دونكم وصاحبنا أولى بها منكم وقام عتبة ابن أبي لهب فقال :

ما كنت أحسب أن الأمر منصرف *** عن هاشم ثم منها عن أبي الحسن

عن أول الناس إيماناً وسابقة *** وأعلم الناس بالقرآن والسنن

وآخر النّاس عهداً بالنبي ومن *** جبريل عون له بالغسل والكفن

من فيه مافيهم لا يمترون به *** وليس في القوم ما فيه من الحسن

فبعث إليه علي(علیه السلام) فنهاه، وتخلّف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار ومالوا مع عليّ بن أبي طالب منهم العبّاس بن عبد المطلب والفضل بن العباس، والزبير بن العوام بن العاص، وخالد بن سعيد والمقداد بن عمرو وسلمان الفارسي، وأبو ذرّ الغفاري، وعمّار بن ياسر والبراء بن عازب، وأبي بن كعب انتهى كلامه(1).

قلت : ومن هنا سمّيت الطائفة الحقة الإثنا عشرية بالرافضة كما قال شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي قدّس سرّه : من أنَّ سبعة عشر رجلاً من الصحابة ومع علي أمير المؤمنين(علیه السلام) ثمانية عشر أبوا عن بيعة أبي بكر، فقال غيرهم ممن بايعوا أبا بكر في هؤلاء رفضونا أي تركونا ولم يوافقونا في البيعة .

وكان فيمن تخلّف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان بن حرب، وقال أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم، وقال لعلي(علیه السلام) : امدد يدك أبايعك، ومضى كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) لمعاوية : وقد كان أبوك أتاني حين ولى النّاس أبا بكر فقال: أنت أحق بعد محمد (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)بهذا الأمر وأنا زعيم لك بذلك على من خالف عليك أبسط يدك أبايعك، فلم أفعل ؛ فراجع إلى شرح المختار التاسع ( ص 331 ج 17 وص 7 ج 18).

قوله(علیه السلام) : وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت وعلى كلّهم بغيت - إلى قوله : ظاهر


1) خلاصة عبقات الأنوار: 12/3 ح 3 ، ومعالم المدرستين: 1/ 122 .

عنك عارها) هذا الفصل جواب عن قول معاوية : لقد حسدت أبا بكر والتويت عليه، إلى قوله : ثم كرهت خلافة عمر وحسدته إلى قوله : لم تكن أشدّ منك حسداً لابن عمك عثمان إلى قوله : وما من هؤلاء إلا من بغيت عليه وقال(علیه السلام) فإن يكن ذلك كذلك أي لا نسلّم أوّلاً على أنّي حسدت هؤلاء وأنت كاذب في دعواك هذه.

أقول : قد مرّ تحقيق ذلك في المختار 237 من باب الخطب في البحث عن الأمامة من أنَّ جميع الذُّنوب أربعة أوجه لا خامس لها الحرص والحسد والغضب والشهوة فهذه منفية عن الإمام (فراجع إلى ص 44 ج16) .

وثانياً : على فرض التسليم والمماشاة معكم في تلك الدعوى بأن تكون صادقاً فيها فليس الجناية عليك حتى أعتذر إليك وذلك لما مرّ غير مرّة من أن معاوية لم يكن ولي دم عثمان كي يطلب دمه بل كلامه في ذلك من الفضول وخوض فيما لا يعنيه، على أن أمير المؤمنين عليّاً (علیه السلام)كان يذب عنه حتى قال(علیه السلام) : ما زلت أذب عن عثمان حتّى أنّي لأستحي، وقد دريت أن عثمان قتل نفسه بأحداثه التي أحدثها مما نقمها الناس منه وطعنوا بها عليه فراجع إلى شرحنا على المختار التاسع من باب الكتب ( ص 395 ج 17)، وقد تمثل(علیه السلام) تأكيداً لكلامه ليس الجناية عليك فيكون العذر إليك، بقول أبي ذؤيب الهذلي وقد تقدّم بيانه في شرح اللغات على التفصيل .

ثمَّ قد مضى نحو كلامه هذا في المختار التاسع من باب الكتب حيث قال(علیه السلام) : وذكرت حسدي الخلفاء وإبطائي عنهم وبغيي عليهم فأما البغي فمعاذ اللّه أن يكون وأمّا الإبطاء عنهم والكراهة لأمرهم فلست أعتذر منه إلى الناس - الخ (ص 330 ج (17) (1).

قوله(علیه السلام) : (وقلت : إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع - إلى قوله : بقدر ما سنح من ذكرها) هذا الفصل جواب عن قول معاوية وتلكأت في بيعته حتى حملت عليه قهراً تساق بحزائم الاقتسار كما يساق الفحل المخشوش.

وكان كلام معاوية في كتابه المنقول في شرح المختار التاسع (ص 327 ج 17) إلى أمير المؤمنين(علیه السلام) : فكان أفضلهم في إسلامه وأنصحهم اللّه ولرسوله الخليفة من بعده وخليفة خليفته، والثالث الخليفة المظلوم عثمان فكلهم حسدت وعلى كلّهم بغيت عرفنا ذلك في نظرك الشزر وفي قولك الهجر وفي تنفسك الصعداء وإبطائك عن الخلفاء تقاد إلى كلّ منهم كما يقاد الفحل المخضوض حتى تبايع وأنت كاره .


1) نهج السعادة 45/1 ، والمعيار والموازنة : 46 ح 1160.

وإنّما قال(علیه السلام) : (لقد أردت أن تدم فمدحت وأن تفضح فافتضحت) لأنَّ قول معاوية : تلكأت في بيعته حتى حملت عليه قهراً تساق بحزائم الاقتسار، كما يساق الفحل ،المخشوش، وكذا قوله : وفي إبطائك عن الخلفاء تقاد إلى كلّ منهم كما يقاد الفحل المخشوش حتى تبايع وأنت كاره اعتراف صريح بأن أمير المؤمنين علياً(علیه السلام) بايعهم على إجبارهم إيَّاه، فلم يكن إجماع الأمة على خلافة الثلاث، فلم تتم خلافتهم فاعترف معاوية بظلمهم علياً(علیه السلام) وأنه(علیه السلام) كان مظلوماً، وكان معاوية جعل خلافتهم عرضة لأغراضه الفاسدة سيما الثالث منهم كما لا يخفى فأراد معاوية أن يذمّ أمير المؤمنين(علیه السلام) فمدحه، وأن يفضحه فافتضح هونفسه بكلامه، قال اللّه تبارك وتعالى: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَیئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: 43])ثمَّ إِنَّ نحو هذا الاحتجاج وقع بين الأمير(علیه السلام وبين أبي بكر وقد أتى به الطبرسي في كتاب «الاحتجاج» قال احتجاج أمير المؤمنين على(علیه السلام) أبي بكر لما كان يعتذر إليه من بيعة الناس له ويظهر الانبساط له عن جعفر بن محمد عن له، عن أبيه عن جدّه(علیه السلام) قال :)لمّا كان من أمر أبي بكر وبيعة الناس له وفعلهم بعلي لم يزل أبو بكر يظهر له الانبساط ويرى منه الانقباض فكبر ذلك على أبي بكر وأحب لقاءه واستخرج ما عنده والمعذرة إليه ممّا اجتمع الناس عليه وتقليدهم إياه أمر الأمّة وقلة رغبته في ذلك وزهده فيه، أتاه في وقت غفلة وطلب منه الخلوة فقال : يا أبا الحسن واللّه ما كان هذا الأمر عن مواطأة مني ولا رغبة فيما وقعت عليه ولا حرص عليه ولا ثقة بنفس فيما تحتاج إليه الأمة ولا قوة لي بمال وكثرة العشيرة ولا استيثار به دون غيري فما لك تضمّر على ما لم أستحقه منك، وتظهر لي الكراهة لما صرت فيه وتنظر إلي بعين الشناءة لي؟قال : فقال أمير المؤمنين(علیه السلام : فما حملك عليه إذ لم ترغب فيه ولا حرصت عليه وثقت بنفسك في القيام به؟)قال: فقال أبو بكر: حديث سمعته من رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم: إنَّ اللّه لا يجمع أُمتي على ضلال، ولمّا رأيت إجماعهم اتبعت قول النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وأحلت أن يكون إجماعهم على خلاف الهدى من الضلال فاعطيتهم قود الإجابة ولو علمت أن أحداً يتخلف لا متنعت .)فقال علي(علیه السلام : أما ما ذكرت من قول النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : إنَّ اللّه لا يجمع أُمتي على ضلال أفكنت من الأمة أم لم أكن؟ قال بلى قال : وكذلك العصابة الممتنعة عنك من سلمان وعمّار وأبي ذرّ والمقداد وابن عبادة ومن معه من الأنصار؟ قال: كلّ من الأمة، قال علي(علیه السلام) : فكيف تحتج بحديث النبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)وأمثال هؤلاء قد تخلفوا وليس للأمة فيهم طعن)

ولا في صحبة الرسول و لصحبته منهم تقصير (1- إلى آخر الاحتجاج .)قال القاضي قدّس سرّه في إحقاق الحق : إنَّ إجماع الأمة بأجمعهم على إمامة أبي بكر لم يتحقق في وقت واحد وهذا واضح جدا مع قطع النظر عن عدم حضور أهل البيت(علیهم السلام وسعد بن عبادة سيّد الأنصار وأولاده وأصحابه ولهذا طوى صاحب المواقف دعوى ثبوت خلافة أبي بكر بالإجماع واكتفى في إثباته بالبيعة - إلى أن قال :)فإنَّ بني هاشم لم يبايعوا أوَّلاً ثمَّ قُهروا فبايعوا بعد ستة أشهر وامتنع علي(علیه السلام ولزم بيته ولم يخرج إليهم في جمعة ولا جماعة إلا [إلى أن وقع ما نقله أهل الأحاديث والأخبار واشتهر كالشمس في رابعة النهار حتى أن معاوية بعث إلى علي(علیه السلام) في كتاب كتبه إليه يقول فيه : إنك كنت تقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى تبايع، يعيّره ويؤنبه بأنه لم يبايع طوعاً ولم يرض ببيعة أبي بكر حتى استكره عليها خاضعاً ذليلاً كالجمل إذا لم يعبر على قنطرة وشبهها فإنه يكره ويخش بالرماح وغيرها ليعبر كرهاً .)فكتب إليه بالجواب عنه ما ذكر في نهج البلاغة المتواتر نقله عنه(علیه السلام وهذا لفظه : وقلت : إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع، ولعمر اللّه لقد أردت أن تذمّ فمدحت وأن تفضح فافتضحت وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوماً ما لم يكن شاكاً في دينه أو مرتاباً في يقينه وهذه حجّتي إلى غيرك (2). انتهى ما أردنا من نقل كلامه في المقام .)ثمَّ قال أمير المؤمنين(علیه السلام : (وما على المسلم من غضاضة) أي ذلة ومنقصة (في أن يكون مظلوماً) أي مغصوباً حقه وهو الخلافة والغاصب ظالم ما لم يكن المسلم المظلوم شاكاً في دينه ولا مرتاباً بيقينه فهو(علیه السلام) يشير إلى أنه كان على يقين وبصيرة في دينه ولا يضره ولا يضله عدول الناس عن العدل وميلهم إلى الجور وسيأتي كلامه(علیه السلام) في المختار62 من هذا الباب : إنّي واللّه لو لقيتهم واحداً وهم طلاع الأرض كلها ما باليت ولا استوحشت، وإنّي من ضلالهم الذي فيه والهدى الذي أنا عليه لعلى بصيرة من نفسي ويقين من ربي وإني إلى لقاء اللّه ولحسن ثوابه لمنتظر راج - الخ .)كما مضى نحو كلامه هذا في المختار العاشر من باب الخطب : ألا وإن الشيطان قد جمع حزبه واستجلب خيله ورجله وإن معي لبصيرتي ما لبست على بصيرتي نفسي ولا لبس


1) حياة أمير المؤمنين (علیه السلام) عن لسانه: 185/2ء والخصال: 549.

2) الاحتجاج: 262/1 ، وكتاب الأربعين: 165.

علي - الخ، وكذا في المختار 135 من باب الخطب : وإنَّ لبصيرتي ما لبست ولا لبّس معي عليَّ - الخ .وفي الحديث الثاني عشر من كتاب العقل والجهل من «أصول الكافي» للكليني قدس سره روى بإسناد عن هشام بن الحكم قال : قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر(علیه السلام : يا هشام إن اللّه تبارك وتعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه - إلى أن قال (علیه السلام) : يا هشام ثمَّ ذم اللّه الكثرة فقال: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) وقال: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [لقمان: 25] وقال: ﴿وَلَئن سَأَلْتَهُم مِّن نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) [العنكبوت : 63] .)يا هشام، ثمّ مدح القلّة، فقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سَبَا : 13] وقال: وَقَلِيلٌ مَا هُمْ [ص: 24] وقال: وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنُ مِنْ ءالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللّهُ [غافر : 28] وقال: وَمَنْ ءامَنَّ وَمَا ءَامَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود : 40] وقال : ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الأنعام: 37] وقال: وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [المائدة: 103] وقال : (وأكثرهم لا یشعرون)(1)الحديث . ثمَّ قال أمير المؤمنين(علیه السلام) وهذه حجّتي إلى غيرك قصدها ولكنّي أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها) يعني(علیه السلام) أنّ بيعته(علیه السلام) الخلفاء على إجبارهم إيّاه وإكراههم إيّاه حجّة عليهم لما دريت من احتجاجه(علیه السلام) على أبي بكر المنقول آنفاً من كتاب «الاحتجاج»، ومن إحقاق الحق، ولما لم يكن معاوية في أمر الخلافة في شيء كما دريت آنفاً من عدم كونه في مظنة الاستحقاق بل كان غير لائق له رأساً وكان أجنبياً من النبي والأنصار كليهما ولم يكن له حظ وشأن فيه أصلاً قال(علیه السلام) : وهذه حجّتي إلى غيرك - الخ .

وبما قدمنا وحققنا في معنى قوله(علیه السلام) : (وقلت إنّي كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش - الخ)، تعلم أن ما ذهب إليه الشارح البحراني ليس كما ينبغي تركنا نقل كلامه مخافة التطويل ومن شاء فليراجع إلى شرحه .

ولنذكر نبذة من كلام ابن قتيبة الدينوري في إكراه القوم عليّاً أمير المؤمنين(علیه السلام) للبيعة وإبايته البيعة فقال في كتاب «الإمامة والسياسة» المعروف بتاريخ الخلفاء (ص 11 من طبع مصر)


1) الكافي: 15/1 ، وميزان الحكمة : 3593/4.

ثمَّ إنّ علياً كرّم اللّه وجهه أتي به إلى أبي بكر وهو يقول: أنا عبد اللّه، وأخو رسوله، فقيل له : بايع أبا بكر . فقال : أنا أحق بهذا الأمر منكم لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي أخذتم هذا الأ هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، وتأخوذنه منا أهل البيت غصباً ؟ ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم فأعطوكم المقادة، وسلّموا إليكم الإمارة وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، نحن أولى برسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) حياً وميتاً، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون .

فقال له :عمر إنك لست متروكاً حتّى تبايع فقال له عليّ : إحلب حلياً لك شطره واشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً ، ثمَّ قال : واللّه يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه، فقال له أبو بكر : فإن لم تبايع فلا أكرهك ، فقال أبو عبيدة بن الجرّاح لعلي كرم اللّه وجهه : يا ابن عمّ إنّك حديث السنّ وهؤلاء مشيخة ،قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك وأشدّ احتمالاً واضطلاعاً به، فسلّم فسلّم لأبي بكر هذا الأمر، فإنّك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك .

فقال عليّ كرّم اللّه وجهه اللّه اللّه يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيعته إلى دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه فواللّه يا معشر المهاجرين لنحن أحق النّاس به لأنا أهل البيت ونحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارىء لكتاب اللّه الفقيه في دين اللّه العالم بسنن رسول اللّه المضطلع بأمر الرعيّة، المدافع عنهم الأمور السيئة القاسم بينهم بالسوية واللّه إنّه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل اللّه فتزدادوا من الحقِّ بعداً .

فقال بشير بن سعد الأنصاري : لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبى بكر ما اختلف عليك اثنان .

قال : وخرج علي كرم اللّه وجهه يحمل فاطمة بنت رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) على دابة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة فكانوا يقولون : يا بنت رسول اللّه قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به فيقول علي كرم اللّه وجهه : أفكنت أدع رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) في بيته لم أدفنه وأخرج أنازع الناس سلطانه؟ فقالت فاطمة : ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ولقد صنعوا ما اللّه حسيبهم و وطالبهم .

قال : وإن أبا بكر تفقد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند علي، فبعث إليهم عمر فجاء فنادهم وهم في دار علي فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو

لأحرقنها على من فيها، فقيل :له يا أبا حفص إنَّ فيها فاطمة فقال : وإن . فخرجوا فبايعوا إلّا عليا فإنّه زعم أنه قال حلف أن لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن فوقفت فاطمة على بابها فقالت لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم تركتم رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا ولم تردّوا لنا حقاً .

فأتى عمر أبا بكر فقال له : ألا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة؟ فقال أبو بكر لقنفذ وهو مولى له : إذهب فادع لي عليّاً، فذهب إلى عليّ فقال له : ما حاجتك؟ فقال : يدعوك خليفة رسول اللّه، فقال علي : لسريع ما كذبتم على رسول اللّه فرجع فأبلغ الرسالة فبكى أبو بكر طويلاً فقال عمر الثانية :تمهل هذا المتخلّف عنك بالبيعة فقال أبو بكر لقنفذ عد إليه فقل له : أمير المؤمنين يدعوك لتبايع، فجاءه قنفذ فأدى ما أمر به فرفع علي صوته فقال : سبحان اللّه ! لقد ادعى ما ليس له فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة فيكي أبو بكر طويلاً ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة فرّقوا الباب فلمّا سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها : يا أبت يا رسول اللّه ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة.

فلمّا سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين وكادت قلوبهم تنصدع وأكبادهم تنفطر وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا عليّاً فمضوا به إلى أبي بكر فقالوا له : بايع، فقال : إن أنا لم أفعل فمه؟ قالوا : إذا واللّه الذي لا إله إلا هو تضرب عنقك، قال: إذا تقتلون عبد اللّه وأخ رسوله، قال عمر: أمّا عبد اللّه فنعم وأمّا أخو رسوله ،فلا ، وأبو بكر ساكت لا يتكلّم فقال له عمر : ألا تأمرك فيه بأمرك فقال : لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه، فلحق علي بقبر رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)يصيح ويبكي وينادي : يا ابن أمّ إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني.

قال، فقال عمر لأبي بكر : انطلق بنا إلى فاطمة فإنا قد أغضبناها. فانطلقا جميعاً فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما فأتيا عليّاً فكلماه فأدخلهما عليها فلما قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط فسلّما عليها فلم تردّ عليهما السلام فتكلّم أبو بكر فقال : يا حبيبة رسول اللّه واللّه إنَّ قرابة رسول اللّه أحب إلي من قرابتي، وإنك لأحبّ إليَّ من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات أبوك أني مت ولا أبقى بعده أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول اللّه إلا أني سمعت أباك رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) يقول : لا نورث ما تركنا فهو صدقة . فقالت : أرأيتكما إن حدثتكما حديثاً عن رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) تعرفانه وتفعلان به؟ قالا : نعم فقالت نشدتكما اللّه ألم تسمعا رسول اللّه يقول : رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟ قالا : نعم سمعناه من رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، قالت :

فإنّي أشهد اللّه وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه(1)، إلى أن قال ابن قتيبة : فلم يبايع علي كرم اللّه وجهه حتى ماتت فاطمة ولم تمكث بعد أبيها إلا خمساً وسبعين ليلة، الخ(2).

قلت : إن كلام الأمير(علیه السلام) : يا ابن أمّ إنّ القوم استضعفوني وكادوا يتقلونني، اقتباس من قول اللّه عزّ وجلّ فيما جرى بين موسى كليم اللّه(علیه السلام) وأخيه هارون وبين قومه الظالمين حيث قال عزّ من قائل: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ عَلَيْهِمْ عِجلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ . وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ . وَلَمّا رجع موسی إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَنَ أَسِفًا قَالَ بِئسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِى أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بي الأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخذوا الْعِجْلَ سَينَالهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُفترينَ [الأعراف148-152]

وإنّما تذكر(علیه السلام) في التجائه بقبر النبي بهذه الآية لأنه(علیه السلام) كان من النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) بمنزلة هارون من موسى كما رواه الفريقان في جوامعهم الروائية وحديث المنزلة من الأحاديث المتواترة وقد نقل المحدّث الخبير الرباني السيد هاشم البحراني طيب اللّه رمسه وأعلى مقامه في الباب العشرين من كتابه القيم الموسوم ب-«غاية المرام وحجّة الخصام في تعيين الإمام من طريق الخاص والعام» مائة حديث من طريق العامة في قول النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) لعلي(علیه السلام) : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبي بعدي، وفي الباب الحادي والعشرين منه سبعين حديثاً من طريق الخاصة في ذلك *


*حديث المنزلة ودلالته

صحة المنزلة وتواتره في : شرح الرسالة للشيخ جسوس ما نصه وحديث «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» متواتر (نظم المتناثر من الحديث المتواتر : 207 ح 233 ) .

وقال الحاكم: هذا حديث دخل حد التواتر (كفاية الطالب : 283 الباب 70 ) وقدصرح السيوطي أيضاً وغيره بتواتره الازهار المتناثرة : 76 103 ، ونظم المتناثر : 206ح 233 ، واتحاف ذوي الفضائل : 169 ح 217 )

وأخرجاه في الصحيحين واتفقا عليه مشكاة المصابيح : 1719/3 ع 6078 كتاب المناقب - مناقب علي وصحيح مسلم في : 199/15 ح 6167 كتاب فضائل الصحابة باب فضائل علي عن سعد، وصحيح


1) بحار الأنوار : 357/28، والغدير : 229/7

2) الإمامة والسياسة : 31/1

فإذا كان لأمير المؤمنين علي(علیه السلام) تلك المنزلة السامية ففي استشهاده بالآية يظهر


البخاري : 5 / 81 ح 225 كتاب فضائل أصحاب النبي باب مناقب علي (39 ) .

مكان صدور حديث المنزلة ومواطنه :

1 - قبل غزوة تبوك: رواه جملة من الصحابة منهم سعد بن عبيدة بن أبي بردة بلفظ : فقال(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : «الا ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة وأنت خليفتي» مسند أحمد: 183/1 ط.م و 298 ط.ب، ومروج الذهب: 61 ط-. مصر 1346 و 3 / 14 ط . دار الاندلس بيروت - خلافة معاوية وكنز العمال: 1391 ط. حیدر آباد

2 - حديث المنزلة يوم المؤاخاة في المدينة : روي عن عبد اللّه بن أبي أوفى قال : دخلت على رسول اللّه في مسجده فقال لي : «اين فلان واين فلان فجعل ينظر في وجوه اصحابه ويتفقدهم ويبعث اليهم حتى توافوا عنده فحمد اللّه واثنى عليه وآخى بينهم »فقال له علي بن ابي طالب القد ذهبت روحي يا رسول اللّه حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت غيري فان كان هذا من اللّه فلك العتبى والكرامة. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : والذي بعثني بالحق ما اخرتك لا لنفسي وأنت مني بمنزلة هارون من موسى وأنت أخي ووارثي. فضائل الصحابة لاحمد : 638/2 - 666 1085 - 1137 مناقب علي، والمعجم الاوسط : 435/8ح 7890

3- حديث المنزلة يوم المباهلة : رواه أنس بن مالك قال: لما كان يوم المباهلة وآخى النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) بين اصحابه المهاجرين والانصار وساق الحديث إلى ان قال ( فأخذ بيده وأرقاه المنبر وقال : «اللّهم هذا ألا إنه مني بمنزلة هارون من موسى ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه» (الطرائف : 148/1 - وأنا منه 19 ح 224 ، والعمدة : (46) ،

4 - حديث المنزلة يوم ولادة الحسن بلسان رب العزة قالت اسماء بنت عميس: قال رسول اللّه لعلي يوم ولادة الحسن: أي شيء سميت ابني؟.

قال(علیه السلام) : ما كنت لا سبقك بذلك. فقال(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : ولا أنا سابق ربي به .

فهبط جبرائيل فقال : يا محمد ان ربك يقرؤك السلام ويقول لك : «علي منك بمنزلة هارون من موسى ولكن ،بعدك قسم ابنك هذا باسم ولد هارون» تاريخ الخميس: 418/1 الموطن الثالث وقائع سنة 3 هجري - ذكر تسمية الحسن والحسين ومقتل الحسين للخوارزمي : 87 - 88 الفصل السادس فضائل الحسنين، عيون اخبار الرضا (24/2 باب 431 )

5- حديث المنزلة يوم ولادة الحسين بلسان رب العزة قالت اسماء بنت عميس: قال رسول اللّه لعلي يوم ولادة الحسين : أي شيء سميت ابني وساق الحديث نحو ما تقدم عن الامام الحسن (تاريخ) الخميس 418 الموطن الثالث وقائع سنة 3 هجري - ذكر تسمية الحسن والحسين، والرياض النضرة : 144/2 ط. مصر .

6- حديث المنزلة يوم الدار : يوم نزول قوله تعالى : (وأنذر) عشيرتك الأقربين (الشعراء: 214) اخرجه الثعلبي في تفسيره أن النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) جمع بني عبد المطلب في الشعب وهم يومئذ اربعون رجلا فجعل لهم علي(علیه السلام) فخذا من شاة الى ان (قال) : فقال رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم): إن اللّه أمرني ان انذر عشيرتي الأقربين، ورهطي المخلصين وان اللّه تعالى لم يبعث نبياً إلا جعل له من اهله اخاً وارثاً ووزيراً ووصياً وخليفة في اهله : فأيكم يبايعني على انه أخي ووزيري ووصيي ووارثي دون اهلي ويكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي ؟ .

مطالب لأولي الدراية، فتأمّل فيما تلوناه عليك من الآيات القرآنية.


فسکت القوم، فاعاد الكلام عليهم ثلاث مرات .

فقام علي وهم ينظرون كلهم إليه فبايعه وأجابه إلى ما دعاه» (الغدير :283)

7- حديث المنزلة يوم خيبر : عن جابر الانصاري قال: لما قدم علي على رسول اللّه بفتح خيبر قال له رسول اللّه : لولا تقول فيك طائفة من أمتي ما قالت النصارى في المسيح بن مريم لقلت فيك اليوم مقالا لا تمر بملاً إلا اخذوا التراب من تحت قدميك ومن فضل طهورك فاستشفوا به وليكن حسبك ان تكون مني وأنا منك ترثني وارثك وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا انّه لا نبي بعدي» (كنز الفوئد: 281 ومناقب ابن المغازلي : 157 ط. بيروت وط. طهران: 237 )

8-حديث المنزلة عند كل قتال لعلي عن يمين الرسول : أخرجه الخوارزمي عن أبي ذر قال : احتج علي اليوم الأول من بيعه عثمان فقال : «هل تعلمون أني كنت إذا قاتلت عن يمين رسول اللّه قال : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي؟» قالوا : اللّهم نعم (مناقب الخوارزمي : 301 ح 296 الفصل 19) .

9 - حديث المنزلة قبل وفاة الرسول بعام : ابن عباس قال: رأيت أبا ذر الغفاري متعلقاً بحلقة بيت اللّه الحرام وهو يقول : اني رايت رسول اللّه في العام الماضي وهو آخذ بهذه الحلقة وهو يقول: «يا أيها الناس لو صمتم حتى تكونوا كالحنايا .. الى ان قال علي سيد المسلمين وإمام المتقين يقتل الناكثين والمارقين والجاحدين، وعلي مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي» (كنز الفوائد : (283) .

10-حديث المنزلة في المسجد عند سد الابواب : فعن جابر الانصاري قال: جاءنا رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ونحن مضطجعون في المسجد وفي يده عسيب رطب فضربنا وقال: اتر قدون في المسجد؟ انه لا يرقد فيه أحد». فاجفلنا واجفل معنا علي بن أبي طالب فقال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : تعال يا علي انه يحل لك في المسجد ما يحل لي يا علي ألا ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة) (ترجمة امير المؤمنين من تاريخ دمشق 18 / 290 ح 329 ، وينابيع المودة : 51/1 - 88 ط. اسلامبول 1301 ه- و 57 - 100 ط. النجف الباب 6 - 17 ) .

11 - حديث المنزلة في المسجد عند مرض امير المؤمنين(علیه السلام) : عن أبان عن سليم بعد ما دعى لعلي بالشفاء فعوفي فبشره فقال: اني لم اسأل اللّه شيئاً إلا اعطانيه ولم اسأل لنفسي شيئاً إلا سألت لك مثله - إلى ان قال - وسألته ان يجعلك مني بمنزلة هارون من موسى وان يشد بك ازري ويشركك في امري ففعل إلا انه لا نبي بعدي فرضيت كتاب السقيفة - سليم .: 222 - 221)

12 - المنزلة عند قول عمر : ما مثل محمد في أهل بيته إلا كنخلة نبتت في كناسة : فعند ما بلغ ذلك رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وغضب وخرج فأتى المنبر وفزعت الانصار فجاءت شاكة في السلاح فقال: «ما بال القوم يعيرونني بقرابتي وقد سمعوا مني ما قلت في فضلهم الى ان (قال) وقد سمعتم ما قلت في أفضل أهل بيتي وخيرهم فما خصه اللّه به و اکرامه وفضله على من سبقه في الإسلام وبلاته فيه وقرابته مني، وأنه مني بمنزلة هارون من ،موسى ثم تزعمون أن مثلي في أهل بيتي كمثل نخلة نبتت في كناسة كتاب السقيفة - سليم .: 140 ، ورواه في احقاق الحق عن محمد بن أحمد الحنفي في كتابه در بحر المناقب: 41/5)

13 - حديث المنزلة عند تفاضل علي وعقيل : أخرجه الفرماني عن ابن عقيل عن ابيه قال: نازعت علياً وجعفر بن أبي طالب بين يدي رسول اللّه في شيء فقلت واللّه ما انتما بأحب إلى رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) مني ان قرابتنا ،لواحدة، وإنا أبانا وآمنا لواحد كذلك يا رسول اللّه ؟ فقال رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : ديا عقيل واللّه اني لا حبك لخلتين لقرابتك ولحب أبي طالب أبيك، وكان أحبهم إلى أبي طالب .

ثمَّ إنَّ كلام أبي بكر لفاطمة عليها سلام اللّه المتعال : إنّي سمعت أباك رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)


واما أنت يا جعفر ان خلقك يشبه خلقي.

واما أنت يا علي، فانت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي( اخبار الدول للقرماني : 122 الفصل )

ورواه في تاريخ دمشق مختصراً تاريخ دمشق : 100/36 ترجمة عبيد اللّه بن عبد اللّه بن هشام الداراني، و 14/51 ترجمة محمد الاصغر ابن عقيل)

14 - حديث المنزلة عند تفاضل علي مع جعفر وزيد: أخرجه النسائي وابن عساكر عن هاني بن هاني بن علي لما صدرنا من مكة إذا ابنة حمزة تنادي يا عم يا عم فتناولها علي واخذها فقال لصاحبته : «دونك ابنة عمك محملها»، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر فقال علي : ان اخذتها هي ابنة عمي. وقال جعفر ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد ابنة أخي، فقضى بها رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) لخالتها. وقال: «الخالة بمنزلة الام، وقال لعلي : أنت مني بمنزلة هارون وأنا منك» وقال لجعفر : اشبهت خَلقي وخُلقي وقال لزيد يا زيد أنت اخونا ومولانا (خصائص النسائي : 79 - 80 ح 68 ذكر قول النبي علي مني وأنا من علي.

15 - حديث المنزلة يوم الغدير وذلك ما روي عن جابر الانصاري - رواه الثعلبي في تفسيره - ان رسول اللّه نزل بخم فتنحى الناس ثم قال : أيها الناس اني قد كرهت تخلفكم عني حتى خيل إلي انه ليس بشجرة أبغض اليكم من شجرة تليني ثم قال: لكن علي بن أبي طالب أنزله اللّه مني بمنزلة هارون من موسى وانزلني منه منزلته مني احقاق الحق 89/5 عن مناقب عبد اللّه الشافعي : 108 مخطوط.

16 - حديث المنزلة في بيت رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) أمام فاطمة (عليها السلام) : وذلك ما روته كريمة ابنة عقبة قالت: سمعت فاطمة بنت حمزة تقول : كنت عند رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فسمعته يقول: علي مني بمنزلة هارون من الا انه لا نبي بعدي (ترجمة علي من تاريخ دمشق : 390/1)

17 - حديث المنزلة في بيت أم سلمة: أخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه لام سلمة هذا علي بن أبي طالب لحمه لحمي اسيط لحمه بلحمي أو[دمه دمي هو مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي ]هذا علي سيد مبجل مؤمل المسلمين وامير المؤمنين وموضع سري وعلمي وبابي الذي أوي إليه وهو الوصي على أهل بيتي وعلى الاخيار من امتي هو اخي في الدنيا والآخرة، وهو معي في السناء الأعلى إشهدي يا ام سلمة أن عليا يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ) (المعجم الكبير : 15/12 ترجمة ابن عباس ما روى سعيد بن جبير عنه ح 12341 ، وترجمة علي من تاريخ دمشق: 1/ 90 ح 123.

18 - حديث المنزلة في محضر أبو بكر وعمر وابو عبيدة كالمروي عن عبد اللّه بن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول : كنت أنا وأبو عبيد وابو بكر وجماعة من الصحابة إذ ضرب النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) بيده على منكب علي فقال له : يا علي أنت أول المؤمنين ايماناً، وأول المسلمين ،اسلاماً، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى خرجه ابن السمان ( وذخائر العقبی : 58 ط مصر - مكتبة القدس، وكنز العمال : 395/6 ط. حیدر آباد الركن و 599/11 - 603 - 606 ط. بيروت، وجواهر المطالب: 37/1 باب 4.)

19 - حديث المنزلة عند مدح أبو بكر وعمر الضحاك عن ابن عباس قال: رايت علياً أتى النبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فاحتضنه من خلفه فقال: بلغني إنك سميت أبا بكر وعمر وضربت امثالهما ولم تذكرني . فقال النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» (ترجمة علي من تاريخ دمشق : 367/12 ح408) .

20 - حديث المنزلة عند اجتماع علي والزبير : أخرجه القزويني بسنده إلى معاوية بن أبي سفيان قال: حق لك يا ابن ذات النطاقين اني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: دخلت أنا والزبير بن العوام علي رسول اللّه متصافحين وهو في بيت خديجة بنت خويلد فسلمنا عليه فقال: وعليكما السلام ورحمة

يقول : لا نورث - الخ ، فيظهر ما فيه التأمل في ما أفاده العلامة الحلّي قدس سره في كتابه


اللّه يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى ثم قال يا علي ..» (التدوين في أخبار قزوين : 154/2 ترجمة أحمد بن الحسن بن القاسم ) 21 - حديث المنزلة قبل وفاة رسول اللّه بجمعة: أخرجه الكوفي عن أم سلمة أنها قالت لابن عباس : ... سمعته يقول في علي قبل موته بجمعة فان زاد على جمعة فلن يزيد على عشرة أيام ... الى أن قالت: «اسمعي يا أم سلمة قولي واحفظي وصيتي واشهدي وأبلغي : هذا أخي فى الدنيا والآخرة.. وهو مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» (مناقب الكوفي : 355/1 ح 281 )

22 - حديث المنزلة في مرض رسول اللّه الذي توفى فيه : قال أمير المؤمنين(علیه السلام) : إن رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) أوعز إلي قبل وفاته وقال لي: يا أبا الحسن ان الأمة ستغدر بك من بعدي وتنقض فيك عهدي وانك مني بمنزلة هارون من موسى وان الأمة بعدي كهارون ومن اتبعه والسامري ومن اتبعه» (الاحتجاج : 75/1 ذكر طرف مما جرى بعد وفاة الرسول من اللجاج )

23 - حديث المنزلة بدعاء النبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) :

كالمروي عن اسماء بنت عميس قالت: سمعت رسول اللّه يقول: «اللّهم اني اقول كما قال أخي موسى اجعل لي وزيراً من أهلی أخي عليا اشدد به ازري واشركه في امري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا» أخرجه أحمد في المناقب وابن مردويه والخطيب وابن عساكر (فضائل الصحابة لاحمد 2/678ح1158)

وعن جابر الانصاري قال : قال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) :« الهي وسيدي إنك أرسلت موسى إلى فرعون فسألك أن تجعل معه اخاه هارون وزيراً يُشد به عضده ويصدق به قوله واني اسألك يا سيدي والهي ان تجعل لي من اهلي وزيراً تشد به عضدي فاجعل لي علياً وزيراً واخاً واجعل الشجاعة في قلبه والبسه الهيبة على عدوه واني سألت ذلك ربي عز وجل فأعطانيه» (ينابيع المودة : 62/1 ط. اسلامبول 1301 ه- و 71 ط. النجف الباب الثاني عشر)

24 - حديث المنزلة بين النبي وعلي (عليهما السلام) : قال رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : «يا أبا الحسن ان الأمة ستغدر يك بعدي وتنقض فيك عهدي وانك بمنزلة هارون من موسى وان الأمة بعدي كهارون ومن اتبعه والسامري ومن اتبعه) (الاحتجاج: 75/1 ذكر طرف مما جرى بعد وفاة الرسول )

دلالة حديث المنزلة على الامامة : نقل الكنجي عن شعبة بن الحجاج قوله في الحديث: (وكان هارون أفضل أمة محمد فوجب ان يكون علي أفضل من كل أمة محمد صيانة بهذا النص الصحيح الصريح كما قال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي واصلح ) ( كفاية الطالب : 150 الباب 70 ح 890) . وقال في موضع آخر : بعد ذكر حديث علي كنفسي (قال رسول اللّه : لينتهين بني وليعة أو لأبعثن عليهم رجلا كنفسي...) مجمع الزوائد : 110/7 ط مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 240/7ح 11355 كتاب التفسير - الحجرات، وكنز العمال: 400/6 ط. دكن 1312 ، وخصائص النسائي : 19 ح 1348 ، والرياض النضرة : 164/2 ط . مصر الأولى، وذخائر العقبة 64 ، وكفاية الطالب : 289 ، ط ومنتخب كنز العمال: 47/5 وفيه يسألني عن النفس) - ومن المعلوم أنه يمتنع ان تكون نفس علي هي نفس النبي، ولابد ان يكون المراد هو المساواة بين النفسين وهذا يقتضي أن كل ما حصل لمحمد من الفضائل والمناقب فقد حصل مثله علي، تُرِكَ العمل بهذا النص في فضيلة النبوة، فوجب ان تحصل المساواة بينهما فيما وراء ذلك.

ثم لا شك ان محمد (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)كان أفضل الخلق بسائر الفضائل فلما كان علي مساوياً له في تلك الصفات -

الموسوم ب-«كشف الحقِّ» حيث قال :


يجب أن يكون أفضل، ولم أر الأصوليين أجابوا عن هذا بشيء(كفاية الطالب: 291 الباب الثاني والسبعون حديث ماء الفردوس )

وجزم أبو جعفر الاسكافي بتقدم أمير المؤمنين علي وأفضليته على الخلفاء بحديث المنزلة المعيار والموازنة للاسكافي : 219 - 220 ) .

وسأل معلى بن سليمان محمد بن عبد اللّه عن الحديث فقال : أراد به أن يطاع من بعده كما يطاع النبي في حياته مناقب الكوفي : 510/1 - 429 )

إستدلال المأمون بالمنزلة: وكذا ما شرحه المأمون لاسحاق بن ابراهيم في مناظرته الطويلة جاء فيها :

یا اسحاق اتروي حديث: أنت مني بمنزلة هارون من موسی؟

قلت: نعم يا امير المؤمنين قد سمعته وسمعت من صححه وجحده.

قال : فمن أوثق عندك من سمعت منه فصححه أو من جحده؟

قلت : من صححه قال فهل يمكن أن يكون الرسول(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) خرج بهذا القول؟

قلت : اعوذ باللّه قال : فقال أي الرسول(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) قولا لا معنى له فلا يوقف عليه؟

قلت : اعوذ باللّه قال فما تعلم ان هارون كان اخا موسی لابيه وامه ؟

قلت: بلى قال : فعلى اخو رسول اللّه لابيه وامه ؟ قلت لا قال أوليس هارون ]كان نبياً وعلي غير نبي ؟

قلت: بلى .

قال فهذان الحالان معدومان في علي وقد كانا في هارون؛ فما معنى قوله(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) أنت مني بمنزلة هارون من موسی؟ قلت له : انما اراد ان يطيب بذلك نفس علي لما قال المنافقون انه خلفه استثقالا له. :قال فاراد ان يطيب نفسه بقول لا معنى له؟

قال: فاطرقت قال یا اسحاق له معنى في كتاب اللّه بين.

قلت: ما هو يا امير المؤمنين؟

قال: قوله عز وجل حكاية عن موسى: انه قال لأخيه هارون اخلفني في قومي واصلح ولا تتبع سبيل المفسدين.

قلت : يا امير المؤمنين ان موسى خلف هارون في قومه وهو حي ومضى إلى ربه وان رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)خلف علياً كذلك حين خرج إلى غزاته. قال: كلا ليس كما قلت أخبرني عن موسى حيث خلف هارون هل كان معه حيث ذهب إلى ربه احد من أصحابه أو أحد من بني اسرائيل؟ قلت لا قال أوليس استخلفه على جماعتهم؟

قلت : نعم قال فاخبرني عن رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)حين خرج إلى غزاته هل خلف الا الضعفاء والنساء والصبيان فاني يكون مثل ذلك.

وله عندي تأويل آخر من كتاب اللّه يدل على استخلافه اياه لا يقدر أحد أن يحتج فيه ولا اعلم احداً احتج به وارجو أن يكون توفيقاً من اللّه، قلت: وما هو يا امير المؤمنين؟

قال: قوله عز وجل حيث حكى عن موسى قوله : واجعل لي وزيراً من اهلي هارون اخي اشده به ازري واشركه في امري كي نسبحك كثيراً وتذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيره (طه: 29) فانت مني يا علي

ومن المطاعن التي رواها السنّة في أبي بكر أنه منع فاطمة إرثها فقالت له: يا ابن قحافة أترث أباك و لا أرث أبي واحتج عليها برواية تفرد بها هو عن جميع المسلمين مع قلة رواياته وقلّة علمه وكونه الغريم لأنَّ الصدقة تحل عليه فقال لها : إن النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة والقرآن مخالف لذلك فإنَّ صريحه يقتضي دخول النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فيه بقوله تعالى: يُوصِيكُم اللّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ [النساء : الآية 11] وقد نصّ على أن الأنبياء يورثون فقال اللّه تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُدَ [النَّمل : الآية 16] وقال عن زكريا : وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَاءِى وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي من لدنك ولياً .يرثُني وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ [مريم: 5 - 6]وناقض فعله أيضاً بهذه الرواية لأنَّ أمير المؤمنين والعباس اختلفا في بغلة رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم وسيفه وعمامته وحكم بها ميراثاً لأمير المؤمنين(علیه السلام) ولو كانت صدقة على علي(علیه السلام) كان يجب على أبي بكر انتزاعها منه ولكان أهل البيت الذين حكى اللّه تعالى عنهم بأنه طهرهم تطهيراً مرتكبين ما لا مرتكبين ما لا يجوز، نعوذ باللّه من هذه المقالات الرديئة والاعتقادات الفاسدة.)وأخذ فدك من فاطمة وقد وهبها أباها رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم فلم يصدقها مع أنَّ اللّه تعالى طهرها وزگاها واستعان بها النبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)في الدّعاء على الكفّار على ما حكى اللّه تعالى وأمره بذلك فقال له: ﴿ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ) [آل عمران : 61] فكيف يأمره اللّه تعالى بالاستعانة وهو سيد المرسلين بابنته وهي كاذبة في دعواها غاصبة لمال غيرها نعوذ باللّه من ذلك .

فجاءت بأمير المؤمنين(علیه السلام) وشهد لها فلم يقبل شهادته قال : إنّه يجر إلى نفسه، وهذا من قلّة معرفته بالأحكام، ومع أنَّ اللّه تعالى قد نص في آية المباهلة أنه نفس رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)فكيف يليق بمن هو بهذه المنزلة واستعان به رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)بأمر اللّه تعالى في الدعاءيوم المباهلة أن يشهد بالباطل ويكذب ويغصب المسلمين أموالهم، نعوذ باللّه هذه المقالة .

وشهد لها الحسنان(علیهما السلام) فردّ شهادتهما وقال : هذان ابناك لا أقبل شهادتهما لأنهما يجرَّان نفعاً بشهادتهما، وهذا من قلّة معرفته بالأحكام مع أنَّ اللّه تعالى قد أمر النبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) بالاستعانة بدعائهما يوم المباهلة فقال: «أبناءنا وأبناءكم وحكم رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) بأنهما سيدا


بمنزلة هارون من موسى وزيري من اهلي واخي شدّ اللّه به ازري وأَشْرَكَه في امري كي نسبح اللّه كثيرا ونذكره كثيراً، فهل يقدر أحد ان يدخل في هذا شيئاً غير هذا، أو لم يكن ليبطل قول النبي وأن يكون له ؟ العقد الفريد : 76/5 احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل علي من كتاب التيمية الثانية اخبار معنى

زياد والحجاج والطالبين ط دار الاحياء. و 43/2 الطبعة الأولى 31/3 ط. مطبعة الشرفية سنة 1316 .

شباب أهل الجنّة فكيف يجامع هذا شهادتهما بالزور والكذب وغصب المسلمين حقهم نعوذ باللّه من ذلك .

ثمَّ جاءت بأمّ أيمن فقال : امرأة لا يقبل قولها مع أنَّ النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) قال : أُمّ أيمن امرأة من أهل الجنّة . فعند ذلك غضبت عليه وعلى صاحبه وحلفت أن لا تكلّمه ولا صاحبه حتى تلقى أباها وتشكو له فلما حضرتها الوفاة أوصت أن تدفن ليلاً ولا يدع أحداً منهم يصلّي عليها وقد رووا جميعاً أن النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) قال : يا فاطمة إنَّ اللّه يغضب لغضبك ويرضى لرضاك (1)، انتهى كلامه قدس سرّه في المقام .

قوله(علیه السلام) : (ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان - إلى قوله (علیه السلام): وما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت) هذا الفصل جواب عن قول معاوية : ثمَّ لم تكن أشدّ منك حسداً لابن عمك عثمان - إلى قوله : وتلك من أماني التفوس وضلالات الهواء.

واعلم أن احتجاجه هذا على معاوية في أمر عثمان يتضح لك بعد استحضارك ما قدمنا من الطبري وغيره من قوله(علیه السلام) : ما زلت أذبّ عن عثمان حتّى أنّي لأستحي وقوله(علیه السلام) : (واللّه لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثماً)، وما قدمنا من نصح أمير المؤمنين علي(علیه السلام) عثمان وطلبه قعوده في البيت، فراجع إلى ص 183 وص 203 وص 311 وص 325 من ج 16. ا وص 395 من ج 17، وص 3 من ج 18.

قوله (علیه السلام):(حتى أتى قدره عليه) أي حتى أتى قتله المقدّر له .

وقوله(علیه السلام) : (كلا واللّه لقد علم اللّه المعوقين منكم - الخ) إشارة إلى قوله عزّ وجلّ في أوائل سورة الأحزاب : (قد يَعْلَمُ اللّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا . أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الخَوفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَفُوكُم بِأَلْسِنَةِ حِدَادٍ أَشِحّةٌ عَلَى الْخَيْرِ أُولَئكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ووَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ یَسِيرًا [ الأحزاب : 18 - 19] .

وهي من الآيات التي نزلت في الأحزاب الذين حاربوا رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)في غزوة الخندق وكان من الأحزاب قريش وكان قائدهم أبو سفيان بن حرب كما نص به حملة الأخبار، منهم أبو جعفر الطبري في التاريخ ( ص 1465 ج 3 من طبع ليدن) وابن هشام في 3 السيرة النبوية (ص 215 ج (2)، وكاتب الواقدي محمد بن سعد في «الطبقات الكبرى»


1) روضة الواعظين: 149 ، والأمالي : 427 ح 954 .

( ص 66 ج 3 من طبع مصر) حيث قال : فكان جميع القوم الذين وافوا الخندق ممن ذكر من القبائل عشرة آلاف وهم الأحزاب وكانوا ثلاثة عساكر وعناج الأمر إلى أبي سفيان بن حرب إلى آخر ما قال.

والمعوقون هم الذين يعوّقون أي يمنعون غيرهم عن الجهاد مع رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وغزوة الأحزاب أي غزوة الخندق مذكورة في كتب التفاسير في سورة الأحزاب، وفي كتب المغازي والسير فراجع إلى «مغازي رسول اللّه»(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) للواقدي (ص 290 من طبع مصر) وإلى السيرة النبوية لابن هشام ( ص 214 ج 2 من طبع مصر) وإلى «تاريخ الطبري»، و«الطبقات الكبرى»لابن سعد، حتى يتبين لك ما فعلت الشجرة الملعونة بنو أُمية بالإسلام والمسلمين .

قوله(علیه السلام) : (وذكرت أنه ليس لي ولا لأصحابي إلا السيف - الخ) هذا الفصل جواب عن قول معاوية وليس لك ولأصحابك عندي إلا السيف - الخ .

وقد مضى نحوه في الكتاب التاسع فأجابه بقوله (فلقد أضحكت بعد استعبار) وذلك أنَّ تهديد معاوية لما كان في غير محله لأنّ مثل تخويفه أمير المؤمنين(علیه السلام) بالسيف كصبي يخوّف بطلاً محامياً قال(علیه السلام) : لقد أضحكت أي أضحكت غيرك من المؤمنين بتخويفك، ولمّا كان تصرّفه في أمور الدين ممّا يبكي المؤمنين قال(علیه السلام) : بعد استعبار، أي بعد استعبارك أهل الدين بما يرون منك في دين اللّه .

وقوله(علیه السلام) : (من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان) اقتباس من قول اللّه عزّ وجل: وَالسَاّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة : 100))و (ذريّة بدريّة أي الذين هم من ذراري أهل بدر، وأخو معاوية، هو حنظلة بن أبي سفيان وخاله ولید بن عتبة وجده عتبة بن ربيعة وأهله أتباعه ومضى نحو كلامه هذا في الكتاب العاشر : فأنا أبو حسن قاتل جدّك وخالك وأخيك شدخاً يوم بدر وذلك السيف معي وبذلك القلب ألقى عدوّي وسيأتي نحوه في الكتاب الرابع والستين: وعندي السيف الذي أعضضته بجدّك وخالك وأخيك في مقام واحد .)قوله(علیه السلام : (وما هي من الظالمين ببعيد أراد بالظالمين معاوية وأتباعه، وهو بعض آية من قوله تعالى في قصة قوم لوط : ﴿فَلَمَّا جَاه أمرنا جعلنا عليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة وَأَمْطَرْنَا مِن سِجيلِ مَنضُود. مُسَوَّمَةٌ عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدِ )[هود: 82-83] وهو(علیه السلام) ذكر في هذا الكتاب عدة آيات لا يخفى مناسبة كل واحدة منها لموردها .)

ومعنى سائر الجمل واضح إلّا أنه(علیه السلام أخبر عنه نفسه وعن الجحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين بأنَّ أحبّ اللقاء إليهم لقاء ربّهم وإنّما يليق في المقام أن نبحث عن لقاء اللّه تعالى ولنا بفضله سبحانه رسالة منفردة في لقاء اللّه أرى الإتيان بها ههنا ودرجها في هذا الشرح أولى من أن تطبع وتنشر على حدة فأطلبها بعد الترجمة.)

### الترجمةاین یکی از نامه های بسیار خوب امیر (علیه السلام است که به معاویه نوشت:)اما ،بعد نامه ات به من رسیده در آن گفتی خدای تعالی پیمبر را برای دینش برگزید و یاورانش را یاری کرد روزگار امر شگفتی از تو بر ما پوشیده داشت که آزمون خدا را و نعمت وجود پیمبر را به ما گزارش میدهی در این کار برنده خرما به هجری یا آن که استاد تیر اندازیش را به کارزار بخواند مانی .پنداشتی که برترین مردم در اسلام فلانی و فلانی ،است، اگر راست است به توچه و اگر نه عیب آن دامن گیرت نشود تو را با فراتر و فروتر و باتدبیر و بی تدبیر چه ،کار آزاد شدگان و فرزندانشان را چه رسد به تمیز میان مهاجرین اول و ترتیب درجات و تعریف ،طبقاتشان تیری رها شد که از جنس تیرهای دیگر نبود حرف بی جایی از دهن نااهل درآمد و در آن امور کسی دارد زبان درازی می کند که دستور او فرمان بردن است.آیا بر لنگی خود ایست نمیکنی و آرام نمیگیری و کوتاه دستیت را نمی دانی که در حد خود باشی و تجاوز نکنی شکست و پیروزی این و آن به توچه تو در گمراهی به سر می بری و از راستی به دری .نمی خواهم که به تو خبر دهم و با تو سخن بگویم ولی نعمت خدای تعالی را بازگو میکنم که میگویم مگر نمی بینی که چون از مهاجرین کسی شهید می البته برای هر يك فضلی است. یکی سیدالشهداء بود که پیغمبر(صلّی اللّه علیه وآله وسلّمبر جنازه اش هفتاد تکبیر بگفت و دیگری که دستهایش بریده شد او را طیّار گفتند که با دو بال در بهشت پرواز میکرد و اگر خدای تعالی از خودستایی بازنمی داشت هر آینه فضایل کسی را میشنیدی که دلهای با ایمان بدانها آشنایند و شنونده ای انکار آنها نتواند کرد .)دست بردار از کسانی که گول دنیا خورده اند و از راه راست به در رفتند، ما برگزیدگان خدای خودیم و مردم برگزیدگان ،ما آمیزش در زندگی با شما ما را از

عزّت دیرین باز نداشته و شما را بزرگ نکرده چه پیمبر از ما است و ابوسفیان مكذب از شما حمزه اسداللّه از ما است و اسد الأحلاف - کسانی که هم پیمان شدند برای کشتن پیمبر در جنگ بدر - از شما حسن و حسین بزرگان جوانان اهل بهشت از ما و عقبة بن ابی معیط، پدر فرزندان دوزخی از شما، بهترین زنان روزگار فاطمه از ما است و حمّالة الحطب زن ابولهب از شما و دیگر خوبیها و نکوییها که ما را است و بدیها و زشتیها که شما را .از اسلام ما که شنیدید و آگاهید، در زمان جاهلیت هم روزگار ما را نیالود و مهتر و بهتر همه بودیم و کتاب خدا این پایه را به ما داده که با پیمبرش به کریمه اولوا الأرحام وابسته و به آيت "إنَّ أولى النّاس نزديكيم، پس ما به حکم آیه نخستین، به قرابت به پیمبر سزاواریم و به آیه دوّم به طاعت .چون مهاجرین در روز سقیفه به رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّمبر انصار احتجاج کردند بر آن پیروز شدند پس اگر به پیمبر پیروز شدند حق با ما است نه با شما و اگر نه که انصار بر دعوای خود باقیند.)پنداشتی که من بر خلفا حسد بردم و برآنان ستم کردم، اگر این طور است به تو چه، دخل و ربطی به تو ندارد که از آنان بیگانه ای .و گفتی: مرا چون شتر مهار کرده برای بیعت بردند، خواستی از این گفتارت مرا نکوهش کنی، ستودی و خواستی رسوایم کنی، رسوا شدی؛ خواری برای مسلمانی که مظلوم گردد ولی در دینش و در یقینش دودل نباشد، نیست.این سخنانم حجّت بر دیگران است روی سخنم با تو نیست پاره ای از آنها پیش آمد و گفتم.سپس در کار من و عثمان حرف به میان آوردی، تو باید از جانب او در این باره پاسخ گویی، پس بنگر که کدام يك از من و تو به کشتن او اقدام و راهنمایی کردیم؟ آیا آن کسی که دستش را میگرفت و یاریش میکرد و از بدعت ها و بدی هایش بازش میداشت؟ داشت؟ یا آن که عثمان چون وی را به یاریش خواست سر باز زد و دیگران را بر او بشورانید؟ نه به خدا که خدای متعال از خودداری کنندگان شماو کسانی که به برادرانشان گفتند بیایید به سوی ما و به کارزار نرفتند مگر اندکی ،

دانا است عذرخواهی نمیکنم از این که عثمان را از بدعتهایش باز می داشتم و کارهای ناروایش را تبقیح میکردم حال اگر هدایت و ارشاد گناه است و موجب سرزنش میشود چه بسا سرزنش شده بسا سرزنش شده بیگناه است گناه است و آن که نخواهد نپذیرد از گفتار ناصح گمان بد میبرد و من تا آنجا که در قدرتم بود جز اصلاح نخواستم و توفیق از خدا خواهم و بس و توگلم با او است.دیگر این که از شمشیر بیم داده ای از این سخنت گریان را به خنده آوردی کی فرزندان عبدالمطلب از دشمن روی گردان بودند و از شمشیر ترسان اندکی درنگ کن تا حَمَل شیر نر به کارزار درآید که آن گاه کسی بگیردت که تو او را می خواستی و به تو نزدیک میشود مرگی که از آن دوری می جستی.و من با لشکری بزرگ از مهاجر و انصار و ،تابعین به احسان شتابان به سوی تو رهسپاریم لشکر سخت انبوهی که گرد سوارانش فضا را فرا گرفت و خود لباس مرگ در بر کردهاند بهترین دیدارشان دیدار خدایشان است با آنان فرزندان و دودمان سربازان سلحشور و جنگاور روز ،بدرند در دست آن ،پهلوانان شمشیر بنی هاشم است همان شمشیرهایی که در جنگ بدر بر سر برادر و دایی و جد و دودمانت فرود آمد که آماده اند برسر ستمکاران دیگر فرود آیند.

بسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِحمداً لك يا من شرّف أولياءه بلقائه، وكرّم أحبّاءه بالعكوف على فنائه سبحانك يا من انتجب أسرار أهله لرؤية جماله، واحتجب عن أبصار خليقته بحجاب جلاله، صل اللّهم على مظهرك الأتم، وجامع الكلم والحكم، المنزل عليه ما يهدي للتي هي أقوم وآله خير الورى وأعلام الهدى ومن اتبع هديهم من أُولي النّهى .وبعد، فيقول العبد الراجي لقاء ربه الكريم نجم الدين حسن بن عبد اللّه الطبري المدعوّ بحسن زاده الآملي بلغه اللّه وجميع المؤمنين إلى آمالهم ورزقهم نعمة لقائه : يا أهل الوداد والسداد وطالبي الهداية والرشاد يا إخوان الصفاء وخلان الوفاء، إلى متى وحتى متى جاز لنا الحرمان عن حرم الحبّ والخذلان في غيابة الجب؟ وما لنا ألا نسير إلى نواحي القدس؟ ولا نطير إلى رياض الأنس؟ أو ترون أنا خلقنا عبثاً، أو تركنا سدى؟ نأكل ونتمتع كالأنعام السائمة، غافلين عن لقاء اللّه عزّ وجلّ إلى أن يدركنا الأجل، ويلهينا الأمل؟ كلاً وحاشاكم عن هذا الظنّ وإنَّ بعض الظن إثم( وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغافِلِينَ إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف : 205 - 206] خليليّ نحن نيام في فراش الغفلة، وقد أدبرت العاجلة وأقبلت الآخرة إن هؤلاء يحبّون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً، يوماً عبوساً قمطريراً، يوماً كان شره مستطيراً .

قد أتى يوم تبلى فيه السرائر، وما زرع في الأوّل يحصد في الآخر، فانظروا بما أسلفتم في الأيام الخالية واقرأوا ألواح أنفسكم تخبركم عن غدكم وأمسكم ورمسكم.

واستمع ماذا يقول برهان السالكين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين عليّ أمير المؤمنين: احذروا عباد اللّه الموت ونزله وخذوا له فإنّه يدخل بأمر عظيم خير لا يكون معه شرّ أبداً، وشر لا يكون معه خير أبداً، فمن أقرب إلى الجنّة من عاملها، ومن أقرب إلى النار

من عاملها .

ليس أحد من النّاس تفارق روحه جسده حتى يعلم إلى أيّ المنزلتين يصير إلى الجنّة أم إلى النار؟ أعدوّ هو اللّه أم ولي له؟ فإن كان ولياً فتحت له أبواب الجنّة وشرع له طريقها . ونظر إلى ما أعد اللّه عزّ وجلّ لأوليائه فيها فرغ من كلّ شغل ووضع عنه كلّ ثقل، وإن كان

عدوّاً فتحت له أبواب النّار وسهل له طريقها ونظر إلى ما أعد اللّه لأهلها واستقبل كلّ مكروه.

واعلموا عباد اللّه أنَّ ما بعد اليوم أشد وأدهى نار قعرها بعيد، وحرّها شديد، وعذابها ،جديد ومقامعها حديد وشرابها صديد لا يفتر عذابها ولا يموت ساكنها دار ليس اللّه سبحانه فيها ،رحمة، ولا يسمع فيها دعوة.

فطوبى لمن انتبه عن النوم وتشمّر الذيل لتدارك اليوم، ثمَّ طوبى لمن راقب سرّه عمّاسوى اللّه وما طالب إلا القرب منه ولقاءه ورضاه، فإنّا أمرنا ألا تعبد إلا إياه ولا نطلب إلا إيّاه، فوحد اللّه سبحانه بصدق السريرة حتى ترى بعين البصيرة أن لا هو إلا هو ولا إله إلا هو، فأينما تولّوا فثم وجه اللّه، وهو الأوّل والآخر والظاهر والباطن، وهو معكم أينما كنتم (1).

خليليَّ إنّي لأستحيي من نفسي فضلاً عن غيري بأن أقول: هذه رسالة عملتها يداي في لقاء اللّه تعالى كيف لا وأنّى لهذا المطرود عن صفت النعال بل المردود عن الباب أن يأتي فيه بكتاب؟ وهل هذا إلا الخروج عن الزّي؟ ولا يخرج عنه إلا البذي.

وقال أفلاطن الألهي : إن شاهق المعرفة أشمخ من أن يطير إليه كل طائر وسرادق البصيرة أحجب من أن يحوم حوله كل سائر( الفصل الرابع من شرح رسالة زينون الكبير اليوناني تليمذ أرسطاطاليس للمعلم الثاني أبي نصر الفارابي ص 8 من طبع حيدر آباد الدكن).

وقال الشيخ الرئيس أبو علي سينا في آخر النمط التاسع من «الإشارات» في مقامات العارفين: جلّ جناب الحقِّ عن أن تكون شريعة لكلّ وارد أو يطلع عليه إلا واحد بعد واحد.

وقال أبو الفتح يحيى بن حبش بن أميرك الملقب شهاب الدين السهروردي الحكيم المقتول : الفكر في صورة قدسيّة يتلطف بها طالب الأريحية ونواحي القدس دار لا يطأها القوم الجاهلون وحرام على الأجساد المظلمة أن تلج ملكوت السماوات فوحد اللّه وأنت بتعظيمه ملان، واذكره وأنت من ملابس الأكوان عريان، ولو كان في الوجود شمسان لانطمست الأركان وأبى النظام أن يكون غير ما كان (نقلنا كلامه من تاريخ ابن خلكان وقال العارف السنائي : بار توحید هر کسی نکشد طعم توحید هر سي نچش


1) الغارات: 241/1 ، والأمالي : 266

وقال العارف الرومي :

ياد أو اندر خورهر هوش نیست *** حلقه أو سخره هر گوش نیست

وبالجملة هذا المحروم بقصور باعه مقرّ في إقراره مصر وعلى نفسه بصیر وبأمره خبير، يفوه من شدّة الخجل أخفى من الهمس ويبوه من كثرة الوجل كعليل دان حلوله في الرّمس ويقول :

جز تو ما را هوای دیگر نیست *** جز لقای تو هیچ در سرنیست

این ره است و دگر دوم ره نیست *** این در است و دگر دوم در نیست

دلگشاترز محضر قدست *** محضر هیچ نيك محضر نیست

جانفزا تر زنفحه أُنست *** نفحة مشك وعود و عنبر نیست

خوشتر از گفته تو گفتاری *** بهتر از دفتر تو دفتر نیست

دفتری بیکرانه در ی یائی *** كأندرو هر خسی شناور نیست

نرسدتا بسرّگفتارت *** دست جانی اگر مطهرنیست

بهر وصف صفات نیکویت *** در همه دهر يك سخنورنيست

آنچه را گفته اندو میگویند *** از هزاران یکی مقرر نیست

کرمک شب فروز بي پارا *** قدرت وصف مهر خاور نیست

هرچه و هرکه راکه می بینم *** در حریم تو جزکه مضطر نیست

نبود ذرّه اي كه در کارش*** تحت فرمان تو مسخّر نیست

آنچه از صنع تو پدید آمد *** خیر محض است و خردلی شر نیست

در همه نقش بوالعجب که بود *** وين عجب نقطه ای مکرر نیست

یارو دلدار و شاهد ومعشوق *** هرچه گویند جزتو دلبر نیست

ره نیابدبسویت آنکه درو *** تیر عشقت نشته تا برنیست

بسری شور عشقت از نبود *** بحقیقت دم است و آن سرنیست

دل که از نور تو ندیده فروغ *** تیره جانی بود منور نیست

برضای تو سالك صادق *** هر چه پیش آیدش مکدّر نیست

كانچه آمد مقدّر است همان *** وآنچه کو نامده مقدّر نیست

سالك راه را ره آوردی ***جزخموشی وفکر آخر نیست

عاشق تشنه وصالت را *** خبر از هر چه هست یکسر نیست

بهر رازو نیاز در گاهت *** تن او را نیاز بستر نیست

باتومحشور هم در امروز است *** انتظارش بروز محشر نیست

آتشی کو فتاده در جانش *** عين نار اللّه است و اخگر نیست

عاشقی کار شیر مردانست *** سخره کودکان معبر نسیت

اوفتادن در آتش سوزان ***جز که در عهده سمندر نیست

آنچه عاشق کند تماشایش *** اي برادر به دیده سر نیست

لذة خلوت شبانه او *** درگل قند و شهد وشکر نیست

مزه باده حضورش در*** چشمه سلسبیل وکوثر نیست

آنچه اندر حضور می یابد*** خامه در شرح او توانگر نیست

عوض گریه سحر گاهش*** گر بگوید امید باور نیست

لاجرم آن سعيد فرزانه*** درپی تاج و تخت وافسر نیست

هست إيمان باللّهش سدى *** که چنو صد سد سکندر نیست

بهتر از لا إله إلا اللّه *** هیچ حصنی و برج و سنگر نیست

اندرین کشور بزرگ جهان *** جز خدای بزرگ داور نیست

کشتی ممکنات عالم را *** جزکه نام خدای لنگر نیست

آنچه پنهان و آشکار بود *** جزکه مجلای یا رومظهر نیست

نیست جز او زدارو من في الدار *** ني که همسنگ اور همسر نیست

قائل وقيل وقولي وقالا *** جزکه اطوار قول مصدر نیست

زین مثل آنچه بایدش گفتن *** گفتم و بیش ازین میسر نیست

اي كه دوری زگلشن عشاق *** جانت از بوی خوش معطّر نیست

اي که غافل ز حال خویشتنی ***گویم چون تو کوری و کرنیست

گربدی کردهای زخود میدان *** گنه مهر و ماه وأختر نیست

تو بهشت خودی و دوزخ خود *** جز که نفس توما مارو اژدر نیست

مسلم همدم هوا و هوس**** مشر کست وباسم کافر نیست

آن شکم پرور است ***گرچه نامش حمار وأستر نیست

اي كه خوکرده ای به ناداني *** این ره مردمان بافر نییست

آدمي را درین سرای سپنج ***جز بدانش جمال و زیور نیست

علم آب حیات جان باشد *** بهر تحصیل سیم یا زر نیست

روپی مصطفی شوی بوذر *** فیض حق وقف خاص بوذر نیست

تو درآ از حجاب نفسانی *** تاکه بینی هر آنچه مبصر نیست

آخر ایدوستان بخود رحمی *** کآفرینش به لاف و تسخر نیست

حسن نجم آملی طبعش ***چشمه حکمت است و دیگر نیست

ثمَّ أقول : لا ريب أنّ الاقتحام في ذلك المشهد العظيم فوق شأن هذا المسكين الذي لم يذق حلاوة ذكر اللّه ولم يتنعم بنعمة المراقبة والحضور ولم يخرج من سجن الدُّنيا الدنية ظلمة دار الغرور ، إلى عالم النور والسرور يا حسرتي على ما فرطت في جنب اللّه ،

ومن ولله درّ الشاعر قائلاً :

ورجالاً لقصعة وثريد

خلق اللّه للحروب رجالاً *** و رجالاً لقصعة وثرید

ولكن كما قيل : ألق في الدَّلاء دلوك. نشير إلى عدة آيات ورويات وأدعية وأذكار ومطالب رشيقة أنيقة من كبار تنبيهاً للغافلين وأنا منهم وتذكرة للمستبصرين، فنقول: قد بحثنا عن رؤيته تعالى في شرحنا على المختار الثامن من كتب أمير المؤمنين(علیه السلام) من النهج ( ص 242 - إلى 323 ج 17) لكن ذلك البحث كان طوراً. وهذا البحث طور آخر، وإن كان أحدهما يعاضد الآخر. وقد أشرنا هنالك إلى هذا المطلب الأسنى، أعني البحث عن لقاء اللّه أيضاً إجمالاً ، فإن شئت قلت إنّ هذا البحث مكمّل ذلك :

اعلم أنَّ القرآن الكريم قد نطق في مواضع كثيرة بلقائه تعالى فنأتي بها لأنها شفاء ورحمة للمؤمنين :

1 - (فمَن كَانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110]

2 - (وقد خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزرُونَ ﴾ [الأنعام: 31].

3- (ثمَّ ءاتَّيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُم بلقاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: 154]

4-(وإِنَّ الذين لا يرجون لقاءنا وَرَضُوا بِالْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَاطْمَانُوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءایاتنا غَافِلُونَ أُولَئكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [يونس : 7 - 8] .

5 - ( اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَيرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ [الرعد: 2] .

7-( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَايِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ﴾ [الروم: 8] .

8 - (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلَقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن روحه، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تشكرُونَ وَقَالُوا أءِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَءِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بلقَاء رَبهِمْ كَافَرُونَ ) [السجدة: 7 - 10] .

9 - سَنُرِيهِمْ ءایاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ محيط [فصلت : 53 - 54] [آخر فصلت ،حم السجدة] .)10 و 11 - (هو إنَّ الذين لا يَرجونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَن ءایاتنَا غَافِلُونَ أَولَئك ماواهم النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ إنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِى مِن تَحتهمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دعواهم فيها سبحانك اللّهُم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَوَاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ وَلَوْ يُعَجِلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ اللَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنَا في طغیانهم يَعْمَهُونَ [يونس : 7 ، 1 7 11]

12 - وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتنَا بَیِّنات قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائتِ بِقُرْءَانِ غَيْرِ هَذا أو بدِّلهُ قُلْ مَا يَكونُ لي أن أبَدِّلَه من تلقآي نفسی إنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَیتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [يونس : 15].)13 - (قال الذين لا يرجون لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتوّاً كبيراً [الفرقان: 21])14 - ﴿قُلْ هَلْ نُنبِّئُكُم بِالأَخَسَرِينَ أَعْمَالَا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صنعاً أُولَئكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِایاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائهِ. فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقيم ثم يوم القيمة وزنا [الكهف : 103 - 105] .)15 - ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِایاتِ اللّهِ وَلِقَائه: أَولَئكَ يَئسُوا مِن رَّحْمَتی وَأُوْلَئكَ هُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [العنكبوت: 23] .

16 - ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةُ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة : 45 - 46] . 17 - ( قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِشَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٌ كَثِيرَة بإذن اللّه وَاللّهُ مَعَ الصابرینَ) [البَقَرَة : 249].

18 - وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينُ [هود: الآية 25] - إلى قوله: وَيَاقَوْم لَا أَسْئلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إن أجرى إلَّا عَلَى اللّهِ وَمَا أنا بطارد الَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّهُم ملاقوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ [هود : 29] .

19 - (يَایهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللّهَ ذِكْرًا كَثِيرا اللّه وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةَ وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِى يُصَلّى عليكم وملائكتُهُ لِيُخْرِجكُم مِنَ الظُّلمات إلى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحيَّتُهُم يوم يلقَونه سَلَامُ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ﴾ [41 - 44] .

20 - (يَأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾ [ الانشقاق : 6] .

21 - وَرَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، ليُنذِرَ يَوْمَ التَّلاق . يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخفی عَلَى اللّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الواحدِ الْقَهَّارِ [غافر: 15 - 16])22 - (وُجُوهٌ يَوْمَئذٍ نَاضِرَةُ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [ القيامة : 22 - 23] .23 - ﴿وَلَا تَطرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَرَةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنعام: 52] .

24 - وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ [الكهف: 28] .

25 - (والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ [الرعد: 22] - الآية .

26 و 27 - (وفَئاتِ ذَا الْقُرْبی حَقَّه وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ مُفْلِحُونَ وَمَا ءاتيْتُم مِّن رِبَا لِيَرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللّهِ وَمَا ءاتَيْتُم مِّن زَكَوة تُرِيدُونَ رَجَدَ اللَّهِ فَأَوَلَئكَ هُمُ المُضْعِفُونَ ) [الروم: 38 - 39]

28 - (وفَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظّى لَا يَصْلَاهَا إلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى وَ سَیُجنّبُها الْأَتقَى الَّذِي يُؤْتى مَالَمُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِندَمُ مِن نِعْمَةٍ تُجزى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعلى

وَلَسَوفَ يَرْضَى [اللیل : الآيات 15-21] [آخر سورة الليل] . )

واعلم أنَّ غير واحد من المفسرين ذهبوا في تفسير لقاء اللّه إلى لقاء العبد ثواب أعماله أو عقابها ونحوهما ، وهذا الرأي كأنّما نشأ من توهم القوم اللقاء بمعنى الرؤية بالأبصار ولا تدركه الأبصار ر وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، فلمّا فهموا من اللقاء هذا المعنى احتاجوا إلى تقدير الثواب أو العقاب أو حمل اللقاء على معنى آخر يناسب ما توهموه ولكن ما مالوا إليه ،وهم وليس اللقاء إلا الرؤية القلبية كما قال أمير المؤمنين علي(علیه السلام) في جواب حبر قال :له يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك حين عبدته ؟ فقال(علیه السلام) : ويلك ما كنت أعبد ربّاً لم أره ، قا وكيف رأيته ؟ قال : ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان (1)، وقال علم الهدى في الغرر والدرر (ص 150 ج 1): أتى أعرابي أبا جعفر محمد بن علي(علیه السلام) فقال له : هل رأيت ربّك حين عبدته نحو الخبر المذكور إلى آخره .

وقد فسرنا هذا الحديث في شرحنا على المختار الثامن من باب الكتب من النهج وقد بينا هناك أن ما يتبادر إلى الأذهان من معنى الرؤية ونحوها هو الرؤية بالعين وذلك للألف بالمحسوسات والحشر معها، وأما السير إلى باطن هذه النشأة والسفر إليه وإدراك ما عبّى في كلام اللّه المتعال وسفرائه ووجدانها من الدقائق واللطائف فلا يتيسر إلا لواحد بعد واحد. كما دريت أيضاً أنَّ الرؤية القلبية به تعالى هي الكشف الحضوري وشهوده تعالى للعبد على مقدار تقربه منه تعالى بقدم المعرفة ودرج معارف العقل، فراجع إلى المجلد السابع عشر من ص 308 ، إلى 323 .

قلوب العارفين لها عيون *** ترى ما لا يراه الناظرونا

وقلت في قصيدتي التوحيديّة :

آنچه عاشق کند تماشایش *** اي برادر بدیده سر نیست

ولا نعني من اللقاء الرؤية بكنهه تعالى فإنّ معرفته بالاكتناه لا يتيسر لما سواه وذلكلأنَّ المعلول لا يرى علته إلا بمقدار سعة وجوده والمعلول ظل علّته وعكسها والظل مرتبة ضعيفة من ذيه ولذا قالوا: إن العلم بالعلة من العلم بالمعلوم علم بها من وجه يعني أنه علم ناقص بالعلة بقدر ظرف المعلول سعةً وضيقاً، لا يحيطون به علماً وعنت الوجوه للحي القيوم .


1) الكافي : 9/12 ح5 ، والأمالي : 352

وقد أفاد في ذلك فيلسوف العرب يعقوب بن إسحاق الكندي رحمة اللّه عليه بقوله : إذا كانت العلّة الأولى متصلة بنا لفيضه علينا وكنا غير متصلين به إلا من جهته فقد يمكن فينا ملاحظته على قدر ما يمكن للمفاض عليه أن يلاحظ المفيض فيجب أن لا ينسب قدر إحاطته بنا إلى قدر ملاحظتنا له لأنها أغزر وأوفر وأشدّ استغراقا .

ونعم ما أفاد، للّه دره، ولا يخفى على أولي النهى أنَّ هذا الكلام سام بعيد الغور .

وما أجاد قول المحقق العارف أفضل الدين الكاشي في المقام:

گفتم همه ملك حسن سرمایه تست *** خورشید فلك چو ذره درسایه تست

گفتا غلطی زمانشان نتوان یافت *** از ما تو هر آنچه دیده ای پایه تست

وتبصّر ممّا قدّمنا أنّه ما من موجود إلّا وهو علم الحقّ تعالى لأنّ علمه بما سواه حضوري إشراقي، لم يعزب عن علمه مثقال ذرة.

وأفاد العلامة الشّيخ البهائي في شرح الحديث الثاني من كتابه «الأربعين»: المراد بمعرفة اللّه تعالى الاطلاع على نعوته وصفاته الجلالية والجمالية بقدر الطاقة البشرية، وأما الاطلاع على حقيقة الذات المقدسة فممّا لا مطمع فيه للملائكة المقربين والأنبياء المرسلين فضلاً عن غيرهم وكفى في ذلك قول سيد البشر(علیه السلام) : ما عرفناك حق معرفتك، وفي الحديث : إنَّ اللّه احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار وإنَّ الملاء الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم .

فلا تلتفت إلى من يزعم أنه قد وصل إلى كنه الحقيقة المقدّسة بل أُحث التراب في فيه فقد َضلَّ وغوى وكذب وافترى فإنَّ الأمر أرفع وأطهر من أن يتلوّث بخواطر البشر، وكلّما تصوّره العالم الراسخ فهو عن حرم الكبرياء بفراسخ وأقصى ما وصل إليه الفكر العميق فهو غاية مبلغه من التدقيق وما أحسن ما قال :

آنچه پیش تو غیر از آن ره نیست *** غایت فهم تست اللّه نیست

بل الصفات التي تثبتها له سبحانه إنما هي على حسب أوهامنا وقدر أفهامنا فإنا نعتقد اتصافه سبحانه بأشرف طرفي النقيض بالنظر إلى عقولنا القاصرة وهو تعالى أرفع وأجلّ من جميع ما نصفه به .

وفي كلام الأمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر(علیه السلام) الإشارة إلى هذا المعنى حيث قال : كلّما ميّزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم ولعل النمل الصغار تتوهم أن اللّه تعالى زبانيتين فإنَّ ذلك كمالها، وتتوهم أن عدمهما نقصان لمن لا

يتّصف بهما وهكذا حال العقلاء فيما يصفون اللّه تعالى به (1). انتهى كلامه صلوت اللّه عليه وسلامه.

قال بعض المحققين - يعني به المولى الجلال الدواني -: هذا كلام دقيق رشيق أنيق صدر من مصدر التحقيق ومورد التدقيق والسر في ذلك أن التكليف إنما يتوقف على معرفة اللّه بحسب الوسع والطاقة، وإنّما كلّفوا أن يعرفوه بالصفات التي ألفوها وشاهدوها فيهم مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إليهم.

ولما كان الإنسان واجباً بغيره عالماً قادراً مريداً حيّاً متكلّماً سميعاً بصيراً كلّف بأن يعتقد تلك الصفات في حقه تعالى مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إلى الإنسان بأن يعتقد أنه تعالى واجب لذاته لا بغيره عالم بجميع المعلومات قادر على جميع الممكنات وهكذا في سائر الصفات، ولم يكلف باعتقاد صفة له تعالى لا يوجد فيه مثالها ومناسبها، ولو كلّف به لما أمكنه تعقله بالحقيقة وهذا أحد معاني قوله(علیه السلام) : من عرف نفسه فقد عرف ربه انتهى كلامه .

واعلم أنّ تلك المعرفة التي يمكن أن تصل إليها أفهام البشر لها مراتب متخالفة ودرج متفاوتة، قال المحقق الطوسي طاب ثراه في بعض مصنفاته : إنّ مراتبها مثل مراتب معرفة النار مثلاً فإنّ أدناها من سمع أنَّ في الوجود شيئاً يعدم كلّ شيء يلاقيه، ويظهر أثره في كلّ شيء يحاذيه، وأي شيء أخذ منه لم ينقص منه شيء ويسمّى ذلك الموجود ناراً، ونظير هذه المرتبة في معرفة اللّه تعالى معرفة المقلدين الذين صدقوا بالدين من غير وقوف على الحجّة .

وأعلى منها مرتبة من وصل إليه دخان النار وعلم أنّه لا بدّ له من مؤثر فحكم بذات لها أثر هو الدخان، ونظير هذه المرتبة في معرفة اللّه تعالى معرفة أهل النظر والاستدلال الذين حكموا بالبراهين القاطعة على وجود الصانع.

وأعلى منها مرتبة من أحسّ بحرارة النار بسبب مجاورتها وشاهد الموجودات بنورها وانتفع بذلك الأثر، ونظير هذه المرتبة في معرفة اللّه تعالى سبحانه معرفة المؤمنين الخلص الذين اطمأنت قلوبهم باللّه وتيقنوا أنَّ اللّه نور السماوات والأرض كما وصف به نفسه .

وأعلى منها مرتبة من احترق بالنّار بكليته وتلاشى فيها بجملته. ونظير هذه المرتبة في


1) بحار الأنوار : 293/66 ، ونور البراهين : 93/1

معرفة اللّه تعالى معرفة أهل الشهود والفناء في اللّه وهي الدرجة العليا والمرتبة القصوى رزقنا اللّه الوصول إليها والوقوف عليها بمنه وكرمه انتهى كلامه أعلى اللّه مقامه، هذا آخر ما أردنا من نقل ما أتى به العلامة الشيخ البهائي طاب ثراه في المقام .

ومعنى قوله (رحمه الله) : ( فإنا نعتقد اتصافه سبحانه بأشرف طرفي النقيض بالنظر إلى عقولنا القاصرة) أنَّ العقل ينظر إلى الحياة وعدمها وهما نقيضان فيرى أن الحياة أشرف من الموت فيعتقد باتصافه سبحانه بها فيقول : إنه حيّ، وينظر إلى العلم ونقيضه الجهل فيعتقد باتصافه تعالى بالأشرف منهما فيقول : إنه عالم وهكذا .

ومعنى كلام الدواني : ولم يكلف باعتقاد صفة له تعالى لم يوجد فيه مثالها ومناسبها يعلم من كلامنا الآتي في أسماء اللّه المستأثرة إن شاء اللّه تعالى.

وبالجملة أنَّ ما يفهم الناس في مقام خطابهم اللّه تعالى وندائهم إياه هو ما يجده أهل المعرفة ويسمون ذلك الوجدان بالكشف والشهود .

قال العلامة الشيخ البهائي قدس سره في «الكشكول» (ص 416 من طبع نجم الدولة) : العارف من أشهده اللّه تعالى صفاته وأسماءه وأفعاله فالمعرفة حال تحدث عن شهود والعالم من اطلعه اللّه على ذلك لا عن شهود بل عن يقين.

ومن ذاق هذه الحلاوة والتذَّ بتلك اللذة وتنعم بتلك النعمة فقد فاز فوزاً عظيماً، وهذا الوجدان الشهودي الحضوري الحاصل لأهله يدرك ولا يوصف وهو طور وراء طور العقل يتوصل إليه بالمجاهدات الكشفية دون المناظرات العقلية .

ولا يقدر أهله أن يقرّره لغيره على النحو الذي أدركه، ولا يعدله لذة ولا ابتهاج، وانظر إلى قول ولي اللّه المتعال الإمام أبي عبد اللّه الصادق(علیه السلام) رواه ثقة الإسلام الكليني في «الكافي» بإسناده عن جميل بن دراج عنه(علیه السلام) قال :

لو يعلم الناس ما في فضل معرفة اللّه تعالى ما مدّوا أعينهم إلى ما متّع به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها وكانت دنياهم أقلّ عندهم ممّا يطؤونه بأرجلهم، ولنعموا بمعرفة اللّه تعالى، وتلذذوا بها تلذذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء اللّه، إنَّ معرفة اللّه أنس من كلِّ ،وحشة وصاحب من كل وحدة ونور من كل ظلمة، وقوَّة من كلِّ ،ضعف وشفاء من كل سقم، قال : قد كان قبلكم قوم يقتلون ويحرقون وينشرون بالمناشير، وتضيق عليهم الأرض برحبها فما يردّهم عما عليه شيء مما هم هم فيه من غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى مما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا باللّه العزيز الحميد فسلوا ربكم درجاتهم واصبروا

علی نوائب دهركم (1). (باب ثواب العالم والمتعلم من المجلد الأول من «الوافي»، ص 42) .

ثمَّ إنّ التوغّل في عالم الطبيعة الذي هو عالم الكثرة والشتات صار حجاباً للمتوغلين فيه ولو خلصوا منه وأقبلوا إلى ما هو الحق الأصيل وعرفوا معنى التوحيد والفناء فيه وصاروا موحدين على النهج الذي قال عز من قائل: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد: الآية 3] بلا تنزيه محض وتشبيه باطل، لارتفع الخلاف والنزاع بينهم ولما شاجروا أهل المعرفة في ما يجدونه ويرونه، قائلين : ما كنا نعبد رباً لم نره.

كما أنّ من لم يقدر الجمع بين الجمع والتفرقة إذا سمع من الفائزين به ينكره كل الإنكار.

وإذا تفوّه فانٍ في التوحيد بقوله : ليس في الدار غيره ديار أو ليس الدار ومن في الدار إلا هو، أو أن اللّه كل الأشياء أو نحوها من العبارات تقول عليه من لم يدرك فهم كلامه بعض الأقاويل ولم يعلم أنّ سببه إنما هو تراكم عروق سبل الجهل المركب الناشئة من التقليدات الراسخة المانعة له عن ذلك الإدراك .

بل كثيراً ما نرى أصاغر لا يبالون بما يقولون إذا سمعوا من متأله أن الوجود واحد لا تعدّد فيه والوجود هو اللّه تعالى أسندوه إلى الكفر والإلحاد والزندقة ولم يعلموا أن نفي الوجود الحقيقي عن الأشياء ليس قولاً بأنَّ كلَّ شيء هو اللّه وليس قولاً بالاتحاد وقد نقل طود العلم والتقى العارف المتأله المولى ميرزا جواد آقا الملكي التبريزي أعلى اللّه تعالى درجاته في كتابه القيم المعمول في لقاء اللّه تعالى حكاية بقوله :

حكي أنّ حكيماً كان في إصبهان وكان من دأبه أنه إذا حضر وقت غذائه يرسل خادمه يشتري له ولمن كان عنده كائناً من كان غذاءً يأكل معه واتفق في يوم أن جاءه واحد من طلاب البلد لحاجة وقت الغذاء، فقال الحكيم لخادمه : اشتر لنا غذاء نتغذى. وذهب الخادم واشترى لهما غذاءً ،وأحضره قال الحكيم للفاضل : بسم اللّه تعالى، تتغذى قال الشيخ أنا لا أتغذّى قال : تغذيت؟ قال : لا ، قال : لم لا تتغذى وأنت ما تغذيت بعد؟! قال: أحتاط أن أكل من غذائكم قال ما وجه احتياطك؟ قال: سمعت أنك تقول بوحدة الوجود وهو كفر ولا يجوز لي أن آكل من طعامك معك لأنه ينجس من ملاقاتك، قال ما فرضت أنت معنى وحدة الوجود وحكمت بكفر قائله؟ قال من جهة أن القائل به قائل بأنّ اللّه كلّ الأشياء وجميع الموجودات هو اللّه، قال: أخطأت تعالى تغذ لأنّني قائل بوحدة الوجود ولا


1) الكافي : 248/8 ، وميزان الحكمة: 303/1

أقول بأنَّ جميعِ الأشياء هواللّه لأنّ من جملة الأشياء جنابك وأنا لا أشك في كونك بدرجة الحمار أو أخس منها فأين القول بالهيتك؟ فلا احتياط ولا إشكال تعالى تغذ انتهى .

وقلت : قدر رأى حكيم ناسكاً جاهلاً في يده سبحة يذكر الحكماء واحداً بعد واحد ويلعنهم فقال له : لماذا تلعنهم وما أوجب لعنهم ؟ قال : لأنهم قائلون بوحدة واجب الوجود، فتبسّم الحكيم ضاحكاً من قوله : فقال له : أنا أيضاً قائل بوحدة واجب الوجود، فاشتدّ الناسك غضباً فقال : اللّهم العنه .

واعلم أنَّ البحث عن وحدة الوجود تارة يتوهم أنَّ الوجود شخص واحد منحصر بفرد هو الواجب بالذات وليس لمفهوم الوجود مصداق آخر، وغيره من الموجودات كالسماء والأرض والنبات والحيوان والنفس والعقل خيالات ذلك الفرد أي ليس سوى ذلك الفرد شيء وهذه الموجودات ليست أشياء أخرى غيره كماء البحر وأمواجه حيث إنّ تلك الأمواج المختلفة في الكبر والصغر ليست إلا ماء البحر، إلا أن اختلاف الأمواج وكثرتها يوهم أنها موجودات بحيالها غير الماء فهذا التوهم مخالف لكثير من القواعد العقلية الحكميّة الرصينة المباني، لأنه يوجب نفي عليّة الحق ومعلوليّة الممكنات حقيقةً وعدم افتقار الممكنات رأساً، بل يوجب نفيها أصلاً، وبالجملة أنّ مفاسدها كثيرة عقلاً وشرعاً ولم يتفوّه به أحد من الحكماء المتألهين والعرفاء الشامخين ونسبته إليهم اختلاق كبير وإفك عظيم .

على أنَّ الآثار المختلفة المتنوعة المشهورة من أنواع الموجودات حسّاً وعياناً تردّ هذا الوهم وتبطله وتنادي بأعلى صوتها أنها مولود من فطانة بتراء.

قال صدر المتألهين في مبحث العلّة والمعلول من الأسفار الفصل 27 من المرحلة الرابعة في إثبات التكثر في الحقائق الإمكانية ص 190 ج 1 من الرحلي وص318 ج 2 من الطبع الجديد :

إنّ أكثر الناظرين في كلام العرفاء الإلهيين حيث لم يصلوا إلى مقامهم ولم يحيطوا بكنه مرامهم ظنّوا أنه يلزم من كلامهم في إثبات التوحيد الخاص في حقيقة الوجود والموجود بما هو موجود وحدة شخصية أنَّ هويات الممكنات أمور اعتبارية ومحضة وحقائقها أوهام وخيالات لا تحصل لها إلا بحسب الاعتبار، حتى أن هؤلاء الناظرين في كلامهم من غير تحصیل مرامهم صرّحوا بعدميّة الذوات الكريمة القدسيّة والأشخاص الشريفة الملكوتية كالعقل الأوّل وسائر الملائكة المقرّبين وذوات الأنبياء والأولياء والأجرام العظيمة المتعدّدة المختلفة بحركاتها المتعدّدة المختلفة جهة وقدراً وآثارها المتفنّنة وبالجملة النظام المشاهد في هذا العالم المحسوس والعوالم التي فوق هذا العالم مع تخالف أشخاص كلّ منها نوعاً

وتشخّصاً وهويّة وعدداً والتضاد الواقع بين كثير من الحقائق أيضاً .

ثمَّ إنّ لكل منها آثاراً مخصوصة وأحكاماً خاصة ولا نعني بالحقيقة إلا ما يكون مبدأ أثر خارجي ولا نعني بالكثرة إلا ما يوجب تعدّد الأحكام والآثار فكيف يكون الممكن لا شيئاً في الخارج ولا موجوداً فيه.

وما يترائى من ظواهر كلمات الصوفية أن الممكنات أمور اعتبارية أو انتزاعية عقلية ليس معناه ما يفهم منه الجمهور ممّن ليس له قدم راسخ في فقه المعارف وأراد أن يتفطن بأغراضهم ومقاصدهم بمجرَّد مطالعة كتبهم كمن أراد أن يصير من جملة الشعراء بمجرد تتبع قوانين العروض من غير سليقة يحكم باستقامة الأوزان أو اختلالها عن نهج الوحدة الاعتدالية.

فإنّك إن كنت ممّن له أهلية التفطّن بالحقائق العرفانية لأجل مناسبة ذاتية واستحقاق فطري يمكنك أن تتنبه مما أسلفناه من أن كل ممكن من الممكنات يكون ذا جهتين : جهة يكون بها موجوداً واجباً لغيره من حيث هو موجود وواجب لغيره وهو بهذا الاعتبار يشارك جميع الموجودات في الوجود المطلق من غير تفاوت وجهة أُخرى بها يتعين هويتها الوجودية وهو اعتبار كونه في أي درجة من درجات الوجود قوة وضعفاً كمالاً ونقصاً فإنّ ممكنيّة الممكن إنما تنبعث من نزوله عن مرتبة الكمال الواجبي والقوّة الغير المتناهية والقهر الأتم والجلال الأرفع وباعتبار كل درجة من درجات القصور عن الوجود المطلق الذي لا يشوبه قصور ولا جهة عدميّة ولا حيثية إمكانية تحصل للوجود خصائص عقلية وتعينات ذهنية هي المسمّات بالمهيّات والأعيان الثابتة فكل ممكن زوج تركيبي عند التحليل من جهة مطلق الوجود ومن جهة كونه في مرتبة معيّنة من القصور إلى آخر ما أفاد قدس سره.

وقال الحكيم السبزواري رضوان اللّه عليه في بيانه: المغالطة نشأت من خلط الماهية بالهوية واشتباه الماهية من حيث هي بالحقيقة ولم يعلموا أن الوجود عندهم أصل فكيف تكون الهوية والحقيقة عندهم اعتباريّاً أم كيف تكون الجهة النورانية من كل شيء التي هي وجه اللّه وظهوره وقدرته ومشيئته المبينة للفاعل لا للمفعول اعتبارياً، تعالى ذيل جلاله عن علوق غبار الاعتبار فمتى قال العرفاء الأخيار أولوا الأيدي والأبصار: إنّ الملك والفلك والإنسان والحيوان وغيرها من المخلوقات اعتبارية، أرادوا شيئيات ماهياتها الغير المتأصلة عند أهل البرهان وعند أهل الذوق والوجدان وأهل الاعتبار ذهب أوهامهم إلى ماهياتها الموجودة بما هي موجودة أو إلى وجوداتها حاشاهم عن ذلك بل هذا نظر عامي منزه ساحة عزّ الفضلاء عن ذلك .

نظير ذلك إذا قال: الإنسان مثلاً وجود، وعدمه على السواء أو مسلوب ضرورتي

الوجود والعدم أراد بشيئية ماهية الإنسان ونحوه أنها كذلك وظنّ العامي الجاهل أنه أراد الإنسان الموجود في حال الوجود أو بشرط الوجود، ولم يعلم أنه في حال الوجود وبشرطه محفوف بالضرورتين وليست النسبتان متساويتين ولا جائزتين إذ سلب الشيء عن نفسه محال وثبوت الشيء لنفسه واجب، بل لو قيل بأصالة الماهية فالماهية المنتسبة إلى حضرة الوجود أصليّة عند هذا القائل لا الماهية من حيث هي فإنّها اعتبارية عند الجميع، وقول الشيخ الشبستري تعينها أُمور اعتبارية، ينادي بما ذكرناه .

وبما حقّقناه علمت أنَّ ما توهمه بعض من أن الوجود مع كونه عين الواجب وغير قابل للتجزىء والانقسام قد انبسط على هياكل الموجودات وظهر فيها فلا يخل منه شيء من الأشياء بل هو حقيقتها وعينها وإنما امتازت وتعيّنت بتقيّدات وتعيّنات وتشخصات اعتبارية ويمثل ذلك بالبحر وظهوره في صورة الأمواج المتكثرة مع أنه ليس هناك إلا حقيقة البحر فقط، ليس على ما ينبغي بل وهم اللّهم إلا أن يقال : إن مراده من قوله : ويمثل ذلك بالبحر وظهوره في صورة الأمواج المتكثرة ليس محمولاً على ظاهره بل المراد شدَّة افتقار ما سواه

تعالى به، فإنّ الكلّ قائم به كالأمواج بالبحر مثلاً، أو نحو هذا المعنى .

وتارة يعقل من الوحدة الدائرة في ألسنتهم الوحدة السنخيّة لا الوحدة الشخصية المذكورة بمعنى أنَّ أعلى مرتبة الوجود كالأوّل تعالى متحد مع أدنى مرتبته وأضعف الموجودات كالجسم والهيولى في سنخ أصل حقيقة الوجود والتفاوت والتمايز إنما في الشدّة والضعف والنقص والكمال وعظم درجة الوجود وصغرها وتفاوت شؤون الوجود من الحياة والعلم والقدرة ،ونحوها وبالجملة أنّ ما به الامتياز عين ما به الاتفاق وأهل الحكمة يسمّون هذا المعنى بالوحدة السنخيّة، والاشتراك المعنوي في الوجود، وهذا رأي الفهلويين من الحكماء نظمه المتأله السبزواري قدّس سرّه في غرر الفرائد بقوله :

الفهلويون الوجود عندهم *** حقيقة ذات تشکّك تعم

مراتباً غني وفقراً تختلف ***كالنور حيثما تقوى وضعف

وهذا الرأي لا ينافي أمراً من الأمور العقلية ولا المباني الشرعية، بل ذهب أكثر المحققين إلى أن صدور المعلول من صدور المعلول من العلّة إنّما يصحُ على هذا المبنى العلة إنّما يصحُ على هذا المبنى، لأنَّ الموجودات لو كانت حقائق متبائنة كما أسند إلى طائفة تستلزم مفاسد كثيرة منها عدم كون ما سوى اللّه تعالى آياته وعلاماته لأنَّ السنخية بين العلة والمعلول حكم عقلي لا يشوبه ريب، وذلك لأنَّ الشيء لا يصدر عنه ما يضاده ولا يثمر ما يباينه وإلا يلزم أن لا يكون وجود العلة حدًا تامّاً لوجود معلولها، ولا وجود المعلول حدا ناقصاً لوجود علته كما يلزم أن لا يكون حينئذ العلم بالعلة مستلزماً للعلم بالمعلول، والكل كما ترى.

وأمّا هؤلاء الطائفة فظاهر الكلام الحكيم المتألّه السبزواري قدس سره الشريف في الغرر هم المشاؤون كلهم حيث قال : والوجود عند طائفة مسائية من الحكماء حقائق تباينت والدائر في السنة كثير ممن عاصرناهم كذلك أيضاً ؛ ولكن صريح كلام ابن تركه في كتاب «التمهيد» في شرح رسالة قواعد التوحيد أنَّ مذهب المشائين في هذه المسألة التشكيك : حيث قال في شرح كلام المصنّف تركة : «ثمَّ إنَّ الوجود الحاصل للمهيات المختلفة والطبائع المتخالفة - الخ:

أقول : هذا دليل على بطلان القول بالتشكيك الذي هو مبنى قواعد المشائين في هذهالمسألة وعمدة عقائدهم. انتهى ما أردنا من نقل كلامه ( ص 48 طبع ایران 1351).

ولا يخفى عليك أنَّ كلام ابن تركه يبائن كلام السبزواري، ولا يبعد أن يقال : إنَّ مراده من طائفة مشائية بعضهم واللّه سبحانه أعلم .

وثالثة يعقل من الوحدة الوحدة الشخصيّة غير الوجه الأوّل الباطل بل بمعنى أن الوجود واحد كثير، أي إنه مع كونه واحداً بالشخص كثير وتلك الكثرة والتعدّد واختلاف الأنواع والآثار لا تنافي وحدته لأنَّ الوحدة من غاية سعتها وإحاطتها بما سواها تشمل على جميع الكثرات الواقعية والوجود حقيقة واحدة ولها وحدة لا تقابل الكثرة وهي الوحدة الذاتية وكثرة ظهوراتها وصورها لا تقدح في وحدة ذاتها .

ويعبّرون عن هذا المعنى بالوحدة في عين الكثرة، والكثرة في عين الوحدة، ويمثلونه بالنفس الناطقة الإنسانية لأنَّ كلّ إنسان شخص واحد بالضرورة، قال عز من قائل: (مَا جَعَلَ اللّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ [الأحزاب: الآية 4] والنفس الناطقة أنها واحدة بالشخص هي عين جميع قواها الظاهرة والباطنة وتلك القوى مع كونها كثيرة هي عين النفس الناطقة الواحدة بالشخص .

فالنّفس بالحقيقة العاقلة المتوهمة المتخيلة الحسّاسة المحركة المتحركة وغيرها وهي الأصل المحفوظ في القوى لا قوام لها إلا بها، قال المتأله السبزواري في بعض تعاليقه على كتابه «غرر الفرائد» والحق أن وجود النفس ذا مراتب وأنها الأصل المحفوظ فيها وأن كل فعل لأيّة قوَّة تنسب في الحقيقة فعلها بلا مجاز ،وجداني، وهذا ذوق أرباب العرفان، قال الشيخ العربي في فتوحاته :

النفس الناطقة هي العاقلة والمفكّرة والمتخيّلة والحافظة والمصوّرة والمغذية والمنمية والجاذبة والدافعة والهاضمة والماسكة والسامعة والباصرة والطاعمة والمستنشقة واللامسة والمدركة لهذه الأمور، فاختلاف هذه القوى واختلاف الأسماء ليست بشيء زائد عليها، بل

عشر من

هي عين كل صورة هذا كلامه .

فأنوار المراتب المسمّاة بالقوى كلّها فانية في نور النّفس الناطقة، والتنزيه الذي يراعيه الحكماء إنّما هو لئلا تقف الأذهان في مراتب جسمها وجسمانيتها كأذهان الطباعية والعوام وهو يرجع إلى تنزيه مرتبة منها هي أعلى مراتبها وهي المسماة بذاتها، والبواقي إشراقاتها المتفاضلة، انتهى كلامه - قدس سره .

قال صدر المتألهين قدّس سرّه في «الأسفار»: إنَّ النفس الإنسانية ليس لها مقام معلوم في الهوية ولا لها درجة معيّنة في الوجود كسائر الموجودات الطبيعية والنفسية والعقلية التي كلّ له مقام معلوم، بل النفس الإنسانية ذات مقامات ودرجات متفاوتة ولها نشئات سابقة ولاحقة، ولها في كل مقام عالم وصورة أُخرى.

وبيان هذا القول المنيع الشريف يطلب من كتابه في «المبدأ والمعاد» حيث قال فيه (ص 282) : الوحدة الشخصيّة في كلّ شيء ليست على وتيرة واحدة ودرجة واحدة فإنّ الوحدة الشخصية في الجواهر المجرّدة حكمها غير الوحدة الشخصيّة في الجواهر المادية، فإنّ في الجسم الواحد الشخصي يستحيل أن تجتمع أوصاف متضادّة وأغراض متقابلة من السواد والبياض والسعادة والشقاوة واللذة والألم والعلق والسفل والدُّنيا والآخرة وذلك لضيق حوصلة ذاته وقصر ردائه الوجودي عن الجمع بين الأمور المتخالفة، بخلاف وجود الجوهر النطقي من الإنسان فإنّها مع وحدتها الشخصيّة جامعة للتجسّم والتجرّد وحاصرة للسعادة والشقاوة فإنها قد تكون في وقت واحد في أعلى عليين وذلك عند تصوّر أمر قدسي، وقد يكون في أسفل سافلين وذلك عند تصوّر أمر شهوي وقد يكون ملكاً مقرّباً باعتبار وشيطاناً مريداً باعتبار .

وذلك لأن إدراك كلّ شيء هو بأن ينال حقيقة ذلك الشيء المدرك بما هو مدرك بل بالاتحاد معه كما رآه طائفة من العرفاء وأكثر المشائين والمحققون وصرّح به الشيخ أبو نصر في مواضع من كتبه والشيخ اعترف به في كتابه المسمّى ب-«المبدأ والمعاد» وفي موضع من الشفاء حيث قال في الفصل السادس من المقالة التاسعة من الإلهيات بهذه العبارة :

ثمَّ كذلك حتّى يستوفي في النفس هيئة الوجود كلّه فينقلب عالماً معقولاً مقبولاً موازياً للعالم الموجود كله مشاهداً لما هو الحسن المطلق والخير المطلق والجمال الحق ومتحدة به ومنتقشة بمثاله وهيئاته ومنخرطة في سلكه وسائرة من جوهره .

وممّا يؤيّد ذلك أنّ المدرك بجمع الإدراكات والفاعل بجميع الأفاعيل الواقعة من الإنسان هو نفسه الناطقة النازلة إلى مرتبة الحواس والآلات والأعضاء والصاعدة إلى مرتبة

العقل المستفاد والعقل الفعال في آن واحد وذلك لسعة وجودها وبسط جوهريتها وانتشار نورها في الأكناف والأطرف بل يتطوّر ذاتها بالشؤون والأطوار وتجليها على الأعضاء والأرواح، وتحليها بحلية الأجسام والأشباح مع كونها من سنح الأنوار ومعدن الأسرار.

ومن هذا الأصل تبيّن وتحقّق ما ادعيناه من كون شيء واحد، تارة محتاجاً في وجوده إلى عوارض مادية ولواحق جسمية وذلك لضعف وجوده ونقص ،تجوهره، وتارة ينفرد بذاته ويتخلّص بوجوده وذلك لاستكمال ذاته وتقوى أنيته وما اشتهر بين متقدمي المشائين أن شيئاً واحداً لا يكون له إلا أحد نحوي الوجود الرابطي والاستقلالي غير مبرهن عليه بل الحق خلافه، نعم لو أريد منه أنَّ الوجود الواحد من جهة واحدة لا يكون ناعتيا وغير ناعتي لكان صحيحاً . انتهى كلامه قدس سره .

ويعبّرون عن الوحدة الجمعية التي في الحق سبحانه بالوحدة الحقة الحقيقية والتي في النفس بالوحدة الحقة الظلية، ومن كان عين بصيرته مفتوحة، يعرف من هذا سر قوله : من عرف نفسه فقد عرف ربّه، قال علم الهدى الشريف المرتضى رضوان اللّه عليه في المجلس التاسع عشر من أماليه «غرر الفوائد ودرر القلائد» (274) ج 1): روي أنَّ بعض أزواج النبي سألته متى يعرف الإنسان ربّه ؟ فقال : إذا عرف نفسه، وفي ص 329 ج 2 منه روي عن النبي الا اللّه أنه قال : أعلمكم بنفسه أعلمكم بربه (1)، قال العارف الرومي :

سایه یزدان بود بنده خدا *** مرده این عالم وزنده خدا

كيف مد الظل نقش أوليا است *** کو دلیل نور خورشید خدا است

وتسمّى هذه الكثرة بالكثرة النورية،وهي كلّما كانت أوفر كانت في الوحدة أوغر، وقد اختار الخواجه لسان الغيب هذا المعنى في قوله :

زلف آشفته أو موجب جمعیت ما است *** چون چنین است پس آشفته ترش باید کرد

وفي قوله الآخر :

از خلاف آمد دوران بطلب کام که من *** کسب جمعیت از آن زلف پریشان کردم

وقد اختار صدر المتألهين المولى صدرا قدَّس سره الشريف هذا الوجه، وشنّع على القسم الأوّل وأبطله في مبحث العلة والمعلول من «الأسفار»، كما دريت وهذا وجه وجيه شريف دقيق يوافقه البرهان وذوق العرفان والوجدان ولا ينافي أمراً .

ورابعة يعقل معنى الوحدة على وجه أدق وألطف من الوجوه المتقدّمة وأعلى وأرفع


1) كتاب النوادر: 27 وبحار الأنوار: 47/106 .

منها، والإخلاص في العبادة كما ندب إليه العقل والنقل مقدّمة لحصول هذا المقام المنيع الأسنى، وسلّم للارتقاء إلى هذا المنظر الرفيع الأعلى، ومن راقب الإخلاص والحضور يستعدّ للوصول إلى هذه الرتبة العظمى والجنة العليا وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين فيرى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقد سلك إليه العرفاء الشامخون.

تقريره : أنه لا شبهة بوجود الكثرة والتعدّد واختلاف الأنواع والأصناف والأفراد واللّه جل جلاله في إيجاد الممكنات المختلفة وتكوينها، قد ظهر وتجلى بالحياة والقدرة والعلم والإرادة تجلى المتكلّم الفصيح البليغ في كلامه وظهور عاكس كإنسان مثلاً في مرائي متعددة مختلفة جنساً ولوناً وشكلاً وجهة وعظماً وصغراً وغيرها من عظماً وصغراً وغيرها من الصفاء والكدرة ولا ريب أنَّ ما يرى من عكوسه المختلفة في أنحاء كثيرة في كثيرة في تلك المرائي ظهوره فيها لا وجوده فيها، ولا حلوله فيها، ولا اتحاده معها، وكذا الكلام في تجلّي المتكلم في کلامه.

فإذا نظر شخص آخر في تلك المرائي والمظاهر يرى عكوس الأول المتعدّدة المختلفة فيها، كما يرى تلك المرائي أيضاً، فمن وقع نظره على العكوس المتفاوتة بالمحال والمجالي من غير أن يجعلها عنوانات للعاكس فهو يزعمها أشياء مستقلة بذواتها، وقد غاب عن العاكس كما هومذهب عامة النّاس .

ومن جعل نظره في العاكس فقط بحيث أنَّ كلّه مشغول بكلّه، ومن فرط العشق به لم يلتفت إلى غيره من الصور والمرائي، ولم يشاهد في تلك الكثرات والتعينات إلا إياه، أعني أصل الصور وصاحبها، فهذا وحدة الوجود في النظر وفناء في الصورة.

زهر رنگی که خواهی جامه مي بوش *** که من آن قد رعنا می شناسم

فالموحّد الحقيقي إذا أسقط الإضافات ولم يشاهد أعيان الممكنات والحقائق الوجودية الإمكانية والجهات الكثيرة الخلقية ولم ينظر إليها ولم ير فيها إلا تجليه تعالى وظهور قدرته وصفاته الكمالية حيث لم تشغله تلك الخليقة عن الوجود الواجبي ولم تنسه عن لقاء اللّه عزَّ وجلَّ، ولم تذهله عن وجهه في كلّ شيء فهو فان في اللّه مرزوق عنده ولا يرى إلا إياه ولا يرزق التوحيد بهذا المعنى إلا الأوحدي من أهل اللّه الفائز بنعمة لقائه العظمى.

لقد ظهرت فلا تخفى على أحد *** الأعلى أكمه لا يعرف القمرا

والموحّد في ذلك المشهد يرى ما سواه من الأرض والسماء والغيب والشهادة مرتبطاً بعضها ببعض ولا عض ولا يرى فصلاً بينها كارتباط أجزاء بدن واحد بعضها ببعض، وبهذا المعنى قدجعل وحدة العالم دليلاً على توحيده تبارك وتعالى وإن كان كلّ شيء بحياله يدلّ على

وحدانيته تعالى كما قرر في محله .

في كل شيء له آية *** تدلّ علی انه واحد

هرگیاهی که از زمین روید *** وحده لا شريك له گوید

وروى الصدوق في باب الرّد على الثنوية والزنادقة من التوحيد ص 254 بإسناده عن هشام بن الحكم قال : قلت لأبي عبد اللّه(علیه السلام) : ما الدليل على أنّ اللّه واحد؟ قال: اتصال التدبير وتمام الصنع، كما قال عزّ وجل: (وَلَوْ كَانَ فِيهِمَا الهَهُ إِلَّا اللّهُ لَفَسَدَنَا) [الأنبياء : الآية 22](1)

وإذا نال الموحد هذا المقام العظيم يجد سلطان اللّه تعالى على ما سواه ويري أنّه :(ما مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ ءاخِذُ بِنَاصِیتهَا ﴾ [هود: الآية 56] ، ويقول : (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحدِ الْقَهَّارِ ﴾ [غَافر: الآية 16] ويصل إلى سر قول إمام الموحّدين أمير المؤمنين علي(علیه السلام) : «مع كلّ شيء لا بمقارنة وغير كلّ شيء لا بمزايلة».

قال القصيري في شرح الفص الإدريسي من «فصوص الحكم»: أنظر أيها السالك طريق الحق ماذا ترى من الوحدة والكثرة جمعاً وفرادى؟ فإن كنت ترى الوحدة فقط فأنت مع وحده لارتفاع الإثنينية، وإن كنت ترى الكثرة فقط فأنت مع الخلق وحده، وإن كنت ترى الوحدة في الكثرة محتجبة، والكثرة في الوحدة مستهلكة، فقد جمعت بين الكمالين وفزت بمقام الحسنيين. انتهى كلامه .

وبما قرّرنا علم سرّ قول كاشف الحقائق الإمام جعفر بن محمد الصادق(علیه السلام) : واللّه لقد تجلى اللّه عز وجل لخلقه في كلامه ولكن لا يبصرون) رواه عنه(علیه السلام) العارف الرباني مولانا عبد الرزاق القاساني في تأويلاته كما في آخر «كشكول» العلامة البهائي ص 625 من طبع نجم الدولة، وكذا الشيخ الأكبر محيي الدين في مقدّمة تفسيره (ص4 ج1) ، كذا رواه عنه(علیه السلام) أبو طالب محمد بن علي الحارث المكّي في «قوة القلوب» (ص 100 ، ج1 من طبع مصر (1381ه- وقد روى قريباً منه ثقة الإسلام الكليني في «روضة الكافي» (271 من الطبع الرّحلي) عن مولانا أمير المؤمنين علي(علیه السلام) في خطبة خطب بها في ذي قار حيث قال : فتجلى لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا رأوه، وأتى بها الفيض المقدّس في الوافي ص 22م 14 ، وقد نقلناها في شرح المختار 229 من الخطب، فراجع إلى ص19 من ج 15 (2).


1) التوحيد : 250 ح 2 ، وبحار الأنوار: 229/3 ح 19 .

2) الكافي : 387/8 ح 586 .

وبعد اللتيا والتي نقول : واللّه المثل الأعلى، والتوحيد على الوجه الرابع أدق من التمثيل المذكور أعني مثل صور عاكسة في المرايا ونعم ما قاله الشيخ العارف محيي الدين العربي في الباب الثالث والستين من كتاب «الفتوحات المكية»كما في الأسفار : إذا أدرك الإنسان صورته في المرآة يعلم قطعاً أنه أدرك صورته بوجه وأنه ما أدرك صورته بوجه لما يراه في غاية الصغر لصغر جرم المرآة أو الكبر لعظمه ولا يقدر أن ينكر أنه رأى صورته ويعلم أنه ليس في المرآة صورته ولا هي بينه وبين المرآة فليس بصادق ولا كاذب في قوله : رأى صورته وما رأى صورته، فما تلك الصورة المرئية، وأين محلّها وما شأنها فهي منتفية ثابتة موجودة معدومة معلومة مجهولة أظهر سبحانه هذه الحقيقة لعبده ضرب المثال ليعلم ويتحقق أنه إذا عجز وحار في درك حقيقة هذا وهو من العالم ولم يحصل علماً بحقيقته فهو بخالقها إذاً أعجز وأجهل وأشدّ حيرة. انتهى .

قال الغزالي في «الإحياء» في بيان الوجه الأخير من التوحيد: هو أن لا يرى في الموجود إلا واحداً وهو مشاهدة الصديقين ويسميه الصوفية الفناء في التوحيد لأنه من حيث لا يرى إلا واحداً لا يرى نفسه أيضاً بمعنى أنه أنه فنى عن رؤية نفسه . فإن قلت كيف يتصوّر أن لا يشاهد إلا واحداً وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثيرة؟

فاعلم أنَّ هذا غاية علوم المكاشفات وأنَّ الموجود الحقيقي واحد، وأنَّ الكثرة فيه في حق من يفرق نظره والموحد لا يفرق نظر رؤية السماء والأرض وسائر الموجودات بل يرى الكلّ في حكم الشيء الواحد، وأسرار علوم المكاشفات لا يسطر في كتاب، نعم ذكر ما یکسر سورة استبعادك ممكن وهو أنَّ الشيء قد يكون كثيراً بنوع مشاهدة واعتبار، ويكون بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار واحداً كما أنَّ الإنسان كثير إذا نظر إلى روحه وجسده وسائر أعضائه وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد إذ نقول إنّه إنسان واحد فهو بالإضافة إلى الإنسانية واحد، وكم من شخص يشاهد إنساناً ولا يخطر بباله كثرة أجزائه وأعضائه وتفصيل روحه وجسده والفرق بينهما وهو في حالة الاستغراق والاستهتار مستغرق واحد ليس فيه تفرّق وكأنّه في عين الجمع والملتفت إلى الكثرة في تفرقة .

وكذلك كلّ ما في الوجود له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة وهو باعتبار واحد من الاعتبارات واحد وباعتبار آخر سواه كثير بعضه أشدّ كثرة من بعض.

ومثال الإنسان وإن كان لا يطابق الغرض ولكن ينبه في الجملة على كشف الكثير ويستفيد معاً من هذا الكلام بترك الإنكار والجحود بمقام لم تبلغه وتؤمن به إيمان تصديق فيكون لك من حيث إنك مؤمن بهذا التوحيد نصيب منه ، وإن لم يكن ما آمنت صفتك كما

أنك إذا آمنت بالنبوة كان لك نصيب منه ، وإن لم يكن بيّناً وهذه المشاهدة التي لا يظهر فيها إلا الواحد الحق سبحانه تارة يدوم وتارة يطرأ كالبرق الخاطف وهو أكثر، والدوام نادر عزيز جداً .

وقال في موضع آخر من الكتاب وأما من قويت بصيرته ولم تضعف نيته فإنّه في حال اعتدال أمره لا يرى إلا اللّه ولا يعرف غيره، ويعلم أنّه ليس في الوجود إلا اللّه تعالى وأفعاله أثر من آثار قدرته فهي تابعة له فلا وجود لها بالحقيقة وإنّما الوجود للواحد الحق الذي به وجود الأفعال كلها ومن هذا حاله فلا ينظر في شيء من الأفعال إلا ويرى فيه الفاعل ويذهل عن الفعل من حيث إنّه سماء وأرض وحيوان وشجر بل ينظر فيه من حيث إنه صنع فلا يكون نظره مجاوزاً له إلى غيره كمن نظر في شعر إنسان أو خطه أو تصنيفه، فرأى فيه الشاعر والمصنّف ورأى آثاره من حيث إنها آثاره لا من حيث إنها حبر وعفص وزاج مرقوم على بياض فلا يكون قد نظر إلى غير المصنّف وكل العالم تصنيف اللّه فمن نظر إليها من حيث إنها فعل اللّه وأحبّها من حيث إنها فعل اللّه لم يكن ناظراً إلا في اللّه ولا عارفاً إلا باللّه ولا محبّاً إلا اللّه ، بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه بل من حيث إنه عبد اللّه فهذا الذي يقال إنه فنى في التوحيد وإنه فنى في نفسه وإليه الإشارة بقول من قال: كنا بنا فغبنا عنا فبقينا بلا ،نحن فهذه أمور معلومة عند ذوي البصائر أشكلت لضعف الأفهام عن دركها، وقصور قدر العلماء بها عن إيضاحها وبيانها بعبارة مفهمة موصلة للغرض إلى الأفهام، أو باشتغالهم بأنفسهم واعتقادهم أنّ بيان ذلك لغيرهم مما لا يغنيهم. انتهى كلامه .

قلت : قد رأيت ليلة الإثنين الثالثة والعشرين من ربيع الأول من شهور السنة السابعة والثمانين وثلاثمائة بعد الألف من الهجرة بعض مشايخي متَّع اللّه المسلمين بطول بقائه في منامي قد ناولني رسالة في السير والسلوك إلى اللّه تبارك وتعالى ثمَّ قال لي : «التوحيد أن تنسى غير اللّه» ولما قصصت عليه الرؤيا ، قال مدَّ ظله العالي :

نشانی داده اندت از خرابات *** كه التوحید إسقاط الإضافات

والبيت من گلشن راز للشبستري قدّس سرّه.

وخامسة يعني بالوحدة ما يفوه به من يبوح قائلاً من عرَّف سرّ القدر فقد ألحد .

فيما قدَّمنا علمت أنّ المراد من وحدة الوجود ليس ما توهّمه أوهام من لم يصل إلى مغز مرامهم وسرّ كلامهم، وأن لقاء اللّه تعالى الحاصل لأهله ليس كما يتصوره الجمال الذين

لم يجمعوا بين الجمع والتفرقة، وقد جاء حديث عن معدن الحقائق الإمام أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق صلوات اللّه تعالى عليه : إنَّ الجمع بلا تفرقة زندقة والتفرقة بدون الجمع تعطيل، والجمع بينهما توحيد».

وقال المولى الحكيم العارف المتأله ميرزا محمد رضا القمشي قدس سره في تعاليقه على «تمهيد القواعد» لابن تركه في شرح قواعد التوحيد لتركه في بيان الحديث :

ذهبت طائفة من المتصوّفة إلى أن الوجود حقيقة واحدة لا تكثر فيها ولا تشأن لها وما يرى من الممكنات المكثّرة أمور موهومة باطلة الذوات كثاني ما يراه الأحول، وهذا زندقة وجحود ونفي له تعالى لأنَّ نفي الممكنات يستلزم نفي فاعليته تعالى، ولما كانت فاعليته تعالى نفس ذاته فنفى فاعليته يستلزم نفي ذاته، وإليه أشار (علیه السلام) بقوله : إنَّ الجمع بلا تفرقة زندقة .

وذهبت طائفة أخرى منهم إلى أنّ الممكنات موجودة مكثرة ولا جاعل ولا فاعل لها خارجاً عنها والوجود المطلق متحد بها بل هو عينها وهذا إبطال لها وتعطيل لها في وجودها فإنه حينئذ لا معطى لوجودها لأن المفروض أن لا واجب خارجاً عنها والشيء لا يعطي نفسه ولا يوصف الممكن بالوجوب الذاتي، وإليه أشار(علیه السلام)بقوله : والتفرقة بدون الجمع تعطيل، ويظهر من ذلك البيان أنَّ كلا القولين يشتمل على التناقض لأنَّ الجمع بلا تفرقة تستلزم نفي الجمع والتفرقة بدون الجمع يستلزم نفي التفرقة، انتهى کلامه رفع مقامه .

وإن شئت تقرير ذلك المطلب الأسنى على أسلوب آخر أبين وأوضح مما تقدَّم، فاعلم أنَّ ما يخبر عنه ويصدر عنه أثر هو الوجود لا غير وسواه ليس محض وعدم صرف وباطل بالذات وما ليس بشيء ليس بشيء حتى يكون ذا أثر ، وإذا تأملت في الأشياء الممكنة تجدها أن ظهورها بالوجود، ولولاه لم يكن لها ظهور فضلاً عن أن يكون لها أثر فإذا تحقق الوجود في موطن يتبعه أثر لائق بذلك الموطن .

وتجد أنَّ لها اعتبارين: أحدهما وجودها والآخر حدودها فتصير وجودات مقيدة محدودة فبالقيد والحد تسمى بأسماء لفظية، فيقال : هذه أرض، وتلك شمس وذلك قمر وفلك وملك وهكذا، وتلك الحدود يعبر عنها في الكتب الحكميّة بل في الجوامع الروائيّة بالماهية ، ولما لم يكن للأوّل تعالى حدّ لم تعلم له ،ماهيّة وفي دعاء اليماني لإمام الموحدين عليّ أمير المؤمنين(علیه السلام) رواه السيد الأجل ابن طاووس عليه رحمة الملك القدوس، مسنداً في «مهج الدعوات» ( ص 105) : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم اللّهم أنت الملك الحق الذي لا إله لك إلا أنت - إلى أن قال بعد سطور: لم تُعَن في قدرتك، ولم تشارك في إلهيّتك، ولم تعلم ل- مائية فتكون للأشياء المختلفة مجانساً، الخ.

وفي باب نفي الجسم والصورة والتشبيه من ثاني البحار نقلاً عن «روضة الواعظين»: روي عن أمير المؤمنين(علیه السلام) أنه قال له رجل : أين المعبود ؟ فقال(علیه السلام) : لا يقال له أين لأنه أين الأينيّة، ولا يقال له كيف لأنّه كيف الكيفية، ولا يقال له ماهو لأنه خلق الماهية(1)الحديث.

والماهية والمائية بمعنى واحد وهي مشتقة عن ما هو كما هو صريح رواية أمير المؤمنين(علیه السلام) ، وكما صرح به المحقق الخواجه نصير الدين الطوسي قدس سره في أوَّل الفصل الثاني من المقصد الأوَّل من «التجريد»، والمتألّه السبزواري في أوَّل الفريدة الخامسة من «غرر الفرائد»، وتعبير الماهية بالمائيّة في كتب القدماء بل في الروايات كثيرة جدًّا، وقد كان فيلسوف العرب الكندي يعبرها في رسائله بالمائية، كما ترى في رسائله الفلسفية المطبوعة في مصر، وقد روى الشيخ الجليل الصدوق في باب تفسير قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ [الإخلاص : الآية 1] من كتاب التوحيد بإسناده عن وهب بن وهب القرشي قال : سمعت الصادق(علیه السلام) يقول : قدم وفد من أهل فلسطين على الباقر(علیه السلام) فسألوه عن مسائل فأجابهم، ثمَّ سألوه عن الصمد، فقال: تفسيره فيه الصمد خمسة أحرف فالألف دليل على أنّيته وهو قوله عزَّ وجلَّ : شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ) [آل عمران: الآية 18] وذلك تنبيه وإشارة إلى الغائب عن درك الحواس واللام دليل على إلهيّته بأنه هو اللّه - إلى أن قال: لأنَّ تفسير الإله هو الذي أله الخلق عن درك مائيته وكيفيته بحسّ أو وهم - إلى أن قال: فمتى تفكر العبد في مائيّة الباري وكيفيته أله فيه وتحيّر(2)- الخ .

والإنية مشتقة منالإن، كما قال الإمام(علیه السلام) من حسن صنيعته : وهو قوله عزّ وجلَّ: ( شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ [آل عِمران الآية 18] والتعبير عن تحقق الشيء ووجوده بالإنية وعن حدوده بالماهية أو المائية غير عزيز في ألسنة أهل اللّه .

والماهيات بأسرها ظاهرة بالوجود فهي ليست نوري الذات بل بذاتها ليس محض وظلمة وإنّما أيسها ونورها بغيرها وهو الوجود، ولما لم يكن اللّه جل جلاله حدّ ونهاية فلا يتصوّر فيه ماهيّة تعالى عن أن يكون مجانساً لمخلوقاته، وفي الحديث : ربنا نوري الذات، حي الذات، قادر الذات، عالم الذات،من قال أنه قادر بقدرة عالم بعلم، حي بحياة، فقد اتخذ مع اللّه آلهة أخرى وليس على ولايتنا من شيء.

وفي التوحيد عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر(علیه السلام) قال : سمعته يقول : إِنَّ اللّه نور لا


1) روضة الواعظين: 37 وبحار الأنوار: 297/3 ح24 .

2) بحار الأنوار: 225/3 ، والتوحيد : 92 ح 6.

ظلمة فيه، وعلم لا جهل فيه، وحياة لا موت فيه (1).

وفيه بإسناده عن هشام بن سالم قال: دخلت على أبي عبد اللّه(علیه السلام) فقال لي : أتنعت اللّه؟ قلت : نعم، قال(علیه السلام): هات، فقلت: هو السميع البصير، قال(علیه السلام) : هذه صفة يشترك فيها المخلوقون قلت وكيف ننعته ؟ فقال(علیه السلام) : هو نور لا ظلمة فيه، وحياة لا موت فيه، وعلم لا جهل فيه، وحق لا باطل فيه (2)، فخرجت من عنده وأنا أعلم الناس بالتوحيد.

ولمّا كان النور ظاهراً بذاته ومظهراً لغيره كما ترى الأنوار المحسوسة من نور القمر والكواكب وضياء الشمس ،وغيرها ويطلق عليها النور من هذه الحيثية كما أنَّ النور يطلق على العلم من حيث ظهوره للعالم، كذلك فقد جاء في الخبر عن سيّد المرسيلن(علیه السلام) : العلم نور وضياء يقذفه اللّه في قلوب أوليائه. كما في «جامع الأسرار» للسيد المتأله حيدر الآملي قدس سره (ص513) وفي خبر آخر عنه (علیه السلام) : ليس العلم بكثرة التعلم إنما هو نور يقذفه اللّه في قلب من يريد أن يهديه(3)، كما في «قرَّة العيون» للفيض المقدّس رضوان اللّه عليه (ص 220) وفي الحديث الآتي عن عنوان البصري عن الإمام الصادق(علیه السلام) أطلق على شمس الوجود المضيئة لغيرها من ماهيّات القوالب والهياكل الإمكانية بل مخرجها من الليس إلى الأيس اسم النور أيضاً بل هو النور حقيقة وتستنير سائر الأنوار الحسية به لما دريت من أنّ ظهور كلّ شيء به، فالوجود ظاهر بذاته ومظهر لغيره من أشباح الماهيات وهياكلها، كما يرشدك إليه قوله عزّ وجلَّ : (اللّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [النور: الآية 35] - الآية .

وقد روى الشيخ الجليل الصدوق في أوّل باب تفسير قول اللّه عزّ وجلّ :( اللّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [النور: 35] إلى آخر الآية بإسناده عن العبّاس بن هلال :قال سألت الرضا(علیه السلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ : (اللّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [النور: الآية 35] فقال : هادٍ لأهل السماء وهادٍ لأهل الأرض(4)، قال وفي رواية :البرقي هدى من في السماوات وهدى من في الأرض.

وذلك لأنَّ كلّ من هدى إلى حقيقة فإنّما هدى بنور الوجود ولولاه لكانت الظلمات غالبة فالنور أي الوجود هو الهادي فليس إلا صدق ولي اللّه الأعظم في قوله حيث فسّر النور بالهادي .


1) نور :البراهين: 12 / 348 ح 11 ، وميزان الحكمة : 3/ 1910 ح 2642.

2) نور البراهين: 1/ 368 - 14 ، والتوحيد : 146 ح 14

3) بحار الأنوار: 140/67 ، وشجرة طوبى : 38/1.

4) شرح أصول الكافي : 4 / 8 ح4 ، ومسند الإمام الرضا: 359/1 ح 154 .

فإن قلت : قد جاءت في عدة آيات وكثير من أدعية وروايات أنه تعالى مضلّ أيضاً كقوله تعالى: مَن يَشَا اللّه يُضلِله وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم ﴾ [الأنعام: 39] ، وقوله تعالى: فَإِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ [فَاطِر : 8] ونحوهما فكيف التوفيق؟

قلت: الإضلال : إخراج الغير عن الطريق من دواع نفسانية وأغراض شخصيّة من إعمال حقد وحسد ونحوهما حتى يحصل التشفّي للمضل بإضلاله الغير، ولا يخفى عليك أنَّ إسناد الإضلال إليه تعالى قبيح عقلاً لعدم تجويز العقل إسناده إليه فليس الإضلال بمعناه الحقيقي مسنداً إليه تعالى من غير التوسل بوسط.

فنقول : لا كلام أنّه تعالى مضلُّ، من شاء اللّه يضلله، ولكن تحت هذا سر ويتّضح لك بإيراد مثال وهو أن نقول : لو كان لك أولاد ولم تأمرهم بعمل ودستور لا يصح أن يقال: إنَّ فلاناً أطاع ،أباه، وفلاناً ،عصاه، وأما إذا جعلت لهم دستوراً يأمرهم بالخير قبله بعض وأبي بعض آخر، فحينئذ يقال للأوَّل: المطيع، وللثاني: العاصي، ثمَّ لما كان ذلك الدستور حاوياً لما فيه صلاحهم ورشادهم، فأنت هادٍ للبعض الأوَّل، وحيث إنَّ الثاني ظلم نفسه وأعرض عن الدستور، فحينئذ يقال له هو ضال وأنت مضلَّ له، بمعنى أنه لو لم يكن جعل هذا الدستور لم تتميّز الهداية من الضلالة، ولم يصح قبل تعيين الطريق أن يقال : فلان اهتدى وفلان ،ضل، فبالحقيقة أنَّ الثاني إنّما ضل عن دستورك وطريقك، فأنت مضل له بهذا المعنى الدقيق اللطيف.

فإذا فهمت المثال فهمت جواب السؤال وذلك لأنه لولا إرسال الرسل وإنزال الكتب لم يتميّز الخبيث عن الطيب ولم يصح أن يقال : فلان هدي إلى الصراط المستقيم فأفلح وفلان َضلّ فعصى ،وغوى، وحيث إنّ الدستور هو القرآن وهو الصراط والمعيار والميزان وإنَّ اللّه تعالى أنزله هداية للعباد فمن استكبر وأبى فقد ضلّ وظلم نفسه، وبهذا المعنى يقال: إنَّ اللّه أصله أو هو مضلّ ونحوهما، ألا ترى أنَّ الإضلال يضاف إلى الظالمين والخاسرين والكافرين ونحوها نحو قوله تعالى: وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ [إبراهيم: الآية ،27]، وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلْ فَأُولَئكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [الأعراف: الآية 178] وقوله : (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ﴾ [غافر: الآية 74] وأمثالها، فتبصر وخذه واغتنم.

قال القيصري في مقدّمته على شرح الفصوص والوجود خير محض وكل ما هوخیر فهو منه و به وقوامه بذاته لذاته، إذ لا يحتاج في تحققه إلى أمر خارج عن ذاته فهو القيوم الثابت بذاته والمثبت لغيره .

وليس له ابتداء وإلا لكان محتاجاً إلى علّة موجودة لإمكانه حينئذ، ولا له انتهاء وإلاّ

لكان معروضاً فيوصف بضدّه أو الانقلاب فهو أزلي ،وأبدي فهو الأوّل والآخر والظاهر والباطن لرجوع كلّ ما ظهر في الشهادة أو بطن في الغيب إليه، وهو بكل شيء عليم لإحاطته بالأشياء بذاته وحصول العلم لكلّ عالم إنّما هو بواسطته فهو أولى بذلك بل هو الذي يلزمه جميع الكمالات و به تقوم كل من الصفات كالحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر وغير ذلك فهو الحي العليم المريد القادر السميع البصير بذاته لا بواسطة شيء آخر إذ به تلحق الأشياء كلّها كمالاتها بل هو الذي يظهر بتجليه وتحوّله في صورة مختلفة تلك بصور الكمالات فيصير تابعاً للذوات لأنها أيضاً وجودات خاصة مستهلكة في مرتبة أحديّته ظاهرة في واحديته .

وهو حقيقة واحدة لا تكثر فيها وكثرة ظهوراتها وصورها لا تقدح في وحدة ذاتها وتعيّنها، وامتيازها بذاتها لا بتعين زائد عليها إذ ليس في الوجود ما يغايره ليشترك معه في شيء ويتميز عنه بشيء وذلك لا ينافي ظهورها في مراتبها المتعينة بل هو أصل جميع التعينات الصفاتيّة والأسمائية والمظاهر العلمية والعينية.

ولها وحدة لا يقابل الكثرة هي أصل الوحدة المقابلة لها وهي عين ذاتها الأحدية والوحدة الأسمائيّة المقابلة للكثرة التي هي ظلّ تلك الوحدة الأصلية الذاتية أيضاً عينها من وجه .

وهو نور محض إذ به تدرك الأشياء كلها ولأنه ظاهر بذاته ومظهر لغيره ومنور سماوات الغيوب والأرواح وأرض الأجسام لأنّها به توجد ،وتتحقق ومنبع جميع الأنوار الروحانية والجسمانية، وحقيقته غير معلومة لما سواه، وليست عبارة عن الكون ولا عن الحصول والتحقق والثبوت، إن أُريد بها المصدر لأنَّ كلاً منها عرض حينئذ ضرورة، وإن أريد ما يراد بلفظ الوجود فلا نزاع كما أراد أهل اللّه بالكون وجود العالم، وحينئذ لا يكون شيء منها جوهراً ولا عرضاً ولا معلوماً بحسب حقيقته، وإن كان معلوماً بحسب أنيته والتعريف اللّفظي لا بد أن يكون بالأشهر ليفيد العلم والوجود أشهر من الكون وغيره ضرورة.

والوجود العام المنبسط على الأعيان في العلم ظلّ من أضلاله لتقيّده بعمومه وكذلك الوجود الذهني والوجود الخارجي ظلان لذلك الظل لتضاعف التقييد وإليه الإشارة بقوله :تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظَّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنَا) [الفرقان: الآية 45] فهو الواجب الوجود الحق سبحانه وتعالى الثابت بذاته المثبت لغيره الموصوف بالأسماء الألهية المنعوت بالنعوت الربانية المدعوّ بلسان الأنبياء والأولياء الهادي خلقه إلى ذاته الداعي مظاهره بأنبيائه إلى عين جمعه ومرتبة ألوهيته أخبر بلسانهم أنّه بهويته مع كل شيء، وبحقيقته مع كلّ حيّ ؛ ونبه أيضاً أنّه عين الأشياء، بقوله : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىءٍ

عليم [الحديد: الآية 3] فكونه عين الأشياء بظهوره في ملابس أسمائه وصفاته في يوجب النقص عالمي العلم والعين وكونه غيرها باختفائه في ذاته واستعلائه بصفاته عما والشين وتنزّهه عن الحصر والتعيين وتقدّسه عن سمات الحدوث والتكوين.

وإيجاده للأشياء اختفاؤه فيها مع إظهاره ،إيَّاها وإعدامه لها في القيامة الكبرى ظهوره بوحدته وقهره إياها بإزالة تعيناتها وسماتها وجعلها متلاشية، كما قال: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: الآية 16] (كُلُّ شَيْءٍ هالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: الآية 88] وفي الصغرى تحوّله من عالم الشهادة إلى عالم الغيب أو من صورة إلى صورة في عالم واحد فالمهيات صور كمالاته ومظاهر أسمائه وصفاته ظهرت أوَّلاً في العلم ثمَّ في العين بحسب حبّه إظهار آياته ورفع أعلامه وراياته فتكثر بحسب الصور وهو على وحدته الحقيقية وكمالاته السرمدية وهو يدرك حقائق الأشياء بما يدرك حقيقة ذاته لا بأمر آخر كالعقل الأول وغيره لأنَّ تلك الحقائق أيضاً عين ذاته حقيقة وإن كانت غيرها تعيّناً .

ولا يدركه غيره كما قال: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارُ [الأنعام: الآية 103 ] (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ [طه الآية 110] وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام: الآية 91 ]( وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَئوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عِمران الآية 30] نبه عباده تعطفاً منه ورحمة لئلا يُضيّعوا أعمارهم فيما لا يمكن حصوله .

وإذا علمت أنَّ الوجود هو الحق علمت سر قوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [الحديد: الآية 4] (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبصِرُونَ) [الواقعة: الآية 85] (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبصِرُونَ ﴾ [الذاريات: الآية 21] وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهُ [الزخرف: الآية 84] وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ محِيطًا ) وكنت سمعه وبصره، وسر قوله(علیه السلام) : لو دليتم بحبل لهبط على اللّه . وأمثال ذلك من الأسرار المنبهة للتوحيد بلسان الإشارة. انتهى ما أردنا من نقل كلام القيصري.)ولمّا كان حكم السنخيّة بين العلة والمعلول ممّا لا يتطرّق إليه شك وشبهة فكل واحد مما سواه تعالى آية وعلامة له وآية الشيء تحاكي عنه من وجه ولا تباينه من جميع الوجوه ونسبتها إليه كظل إلى ذيه ولولا حكم السنخية لم يصح كون الموجودات الآفاقية والأنفسية . أعني ما سواه - آيات له وتأمل في ألفاظ الآية وأخواتها المذكورة في القرآن الكريم ترشدك إلى الصواب.قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي البحر بما ينفعُ النَّاسَ وَمَا أنزل اللّه من السَّمَاءِ مِن ماءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُل

دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة :164] وقال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ [آل عمران : الآية 190] إلى آخر الآيات الخمس [آل عمران : ] .قال في «المجمع» : وقد اشتهرت الرواية عن النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم لو أنه لما نزلت هذه الآيات قال : ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمّل ما فيها(1).)وقد روى ثقة الإسلام الكليني قدّس سرّه في كتاب فضل القرآن من «أصول الكافي » ( ص 446 ج 2 من المعرب بإسناده عن حفص بن غياث عن الزهري قال: سمعت عليّ بن الحسين(علیه السلام) يقول : آيات القرآن خزائن فكلّما فتحت خزانة ينبغي لك أن تنظر ما فيها (2).)وهذه اللفظة أعني الآية وأخواتها تنادي بأعلى صوتها أنَّ الوجود أصل وأنَّ ما سواه تعالى علامة ،وفي له تعالى، ولولا الوجود لما كان عن الأشياء عين وأثر، ولمّا كان الوجود نوراً فما صدر عنه تعالى نور أيضاً لحكم السنخية بين العلّة ومعلولها .وفي المجلد الأوّل من «البحار» نقلاً عن كتاب «علل الشرائع» في سؤالات الشامي عن أمير المؤمنين(علیه السلام عن أول ما خلق اللّه تبارك وتعالى؟ فقال(علیه السلام) : النور .)وفي التاسع عشر من «البحار» ص 183 في دعاء عن مولانا أمير المؤمنين(علیه السلام عن رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : اللّهم إنّي أسئلك يا من احتجب بشعاع نوره عن نواظر خلقه (3).)ففيه دلالة على أنّه لا حجاب مضروب بينه وبين خلقه إلا شدَّة ظهوره وقصور بصائرنا فضلاً عن أبصارنا عن اكتناه نوره كما تقدّم آنفاً بیانهجمالك في كل الحقائق سائر *** وليس له إلا جمالك ساترحجاب روی توهم روی تست در همه حال *** نهاني از همه عالم زبس که پیدائیوهذا الدُّعاء معروف بدعاء احتجاب، نقله الشيخ العلامة البهائي قدس سره في «الكشكول» أيضاً (ص303 من طبع نجم الدولة ورواه السيّد الأجل ابن طاووس له عن أمير المؤمنين(علیه السلام) عن رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)في «مهج الدعوات» (ص 75).)وتأمّل في حرز مولانا وإمامنا محمد بن علي الجواد(علیه السلام ، رواه السيد الأجل ابن)


1) بحار الأنوار: 350/66 ، وتفسير مجمع البيان: 470/2 .

2) الكافي : 609/20 ح 2 ، ووسائل الشيعة : 6/ 198 ح 7722.

3) بحار الأنوار: 403/91 ، ومستدرك سفينة البحار : 182/2

طاووس رفع اللّه تعالى درجاته في «مهج الدعوات» (ص 36 وفي ذلك الحرز: وأسألك يا نور النهار و يا نور الليل ويا نور السماء والأرض ونور النور ونوراً يضيىء به كلّ نور - إلى أن قال(علیه السلام)، وملأ كل شيء نورك (1).)وفي قوله(علیه السلام : «ملأ دقيقة وهي أنَّ ذلك النور لم يترك مكاناً لغيره حتى يوجد شيء مؤلّف منه ومن غيره بل كلّ شيء ليس إلا ذلك النور فقط وحدودها أعدام ذهنية اعتبارية.)غیر تش غیر در جهان نگذاشت *** لا جرم عين جمله اشیا شدوفي دعاء إدريس(علیه السلام نقله السيد الجليل المذكور قدس سرّه في المهج أيضاً (ص 305) یا نور كل شيء وهداه أنت الذي فلق الظلمات نوره.)وفي دعاء إبراهيم خليل الرحمن صلوات اللّه عليه (المهج ص 306 : يا اللّه نور النور قد استضاء بنورك أهل سماواتك وأرضك.)وفي دعاء لنبيّنا(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم : فيا نور النور ويا نور كل نور - الخ، رواه السيد قدس سره في «الإقبال» (ص 126).)وفي «المهج» أيضاً (ص88 ومن ذلك دعاء آخر علمه جبرائيل(علیه السلام) النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) أيضاً : بسم اللّه الرَّحمن الرّحيم يا نور السماوات والأرض يا جمال السماوات والأرض - الخ .)وفي دعاء السحر لإمامنا محمد بن علي الباقر(علیه السلام : اللّهم إني أسألك من نورك بأنواره وكلّ نورك نيّر اللّهم إنّي أسئلك بنورك كله (2).)ونحوها من الأذكار والأدعية المأثورة عن حجج اللّه تعالى كثير جدا وإنّما نقلنا طائفة منها ضياءً ونوراً للمستضيئين، وليعلم أن المعارف كلّها عند خزنة علم اللّه جل وعلا .از هگذر خاك سرکوی شما بود *** هر نافه کله در دست نسیم سحر افتادوذلك النور الذي ملأ كلّ شيء هو وجهه تعالى : (كُل مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجُلَالِ وَالإكْرَامِ [الرحمن : 26 - 27] وَلِلَّهِ الْمُشْرِقُ وَالْمَغرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَتَمَ وجه اللّه [ البَقَرَة : 115]قال العارف المتألّه السيد حيدر الآملي قدس سره في «الجامع الأسرار» (ص 210)


1) الأمان أخطار الأسفار : 79 ، وبحار الأنوار: 359/91

2) بحار الأنوار: 94/95 ، ومسند الإمام الرضا : 16/2.

حكي أنَّ جماعة من الرّهبانيّين وردوا المدينة في عهد خلافة أبي بكر ودخلوا عليه وسألوه عن النبي وكتابه فقال لهم أبو بكر : نعم جاء نبينا ومعه ،كتاب فقالوا له وهل في كتابه وجه اللّه؟ قال: نعم، قالوا: وما تفسيره؟ قال أبو بكر : هذا السؤال منهي عنه في ديننا، وما فسره نبينا بشيء، فضحك الرهبانيون كلّهم وقالوا : واللّه ما كان نبيكم إلا كذاباً وما كان كتابكم إلا زوراً وبهتاناً .وخرجوا من عنده فعرف بذلك سلمان فدعاهم إلى أمير المؤمنين(علیه السلام وقال لهم: إنَّ هذا خليفته الحقيق وابن عمه فاسألوه فسألوا عن السؤال بعينه أمير المؤمنين(علیه السلام) فقال لهم : ما نقول جوابكم بالقول بل بالفعل. فأمر بإحضار شيء من الفحم وبإشعاله فلما اشتعل وصار كله ناراً، سأل(علیه السلام) الرهبان :وقال يا رهبان ما وجه النار؟ فقال الرهبان هذا كلّه وجه النار ، فقال(علیه السلام) : فهذا الوجود كلّه وجه اللّه (1)؛و قرأ ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَتَمَ وَجْهُ اللَّهِ) [البَقَرَة :الایه115] (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: الآية 88] فأسلم الرهبانيون كلهم بذلك على يده وصاروا موحدين عارفين . وقال - رضوان اللّه عليه - : وحكي أيضاً أن حيتان البحر اجتمعوا يوماً عند كبيرهم وقالوا له يا فلان نحن عزمنا على التوجّه إلى البحر الذي نحن به موجودون وبدونه معدومون فلا بدَّ من أن تعلّمنا جهته وتعرّفنا طريقه حتى نتوجه إليه ونصل إلى حضرته لأنا بقينا مدة متطاولة نسمع به وما نعرفه ولا نعرف مكانه ولا جهته.

فقال لهم كبيرهم يا أصحابي وإخواني ليس هذا الكلام يليق بكم ولا بأمثالكم لأنَّ البحر أعظم من أن يصل إليه أحد وهذا ليس بشغلكم ولا هو من مقامكم، فاسكتوا عنه ولا تتكلموا بعد ذلك بمثل هذا الكلام بل يكفيكم أنكم تعتقدون أنكم موجودون بوجوده ومعدومون بدونه .

فقالوا له : هذا الكلام ما ينفعنا ولا هذا المنع يدفعنا لا بد لنا من التوجه إليه ولا بدَّ لك من إرشادنا إلى معرفته ودلالتنا إلى وجوده.

فلما عرف الكبير صورة الحال وأنَّ المنع لا يفيد شرع لهم في البيان وقال: يا إخواني ؛ البحر الذي أنتم تطلبونه وتريدون التوجه إليه هو معكم وأنتم معه، وهو محيط بكم وأنتم محاطون به، والمحيط لا ينفك عن المحاط به والبحر عبارة عن الذي أنتم فيه فأينما توجهتم في الجهات فهو البحر وليس غير البحر عندكم شيء فالبحر معكم وأنتم مع البحر، وأنتم في البحر والبحر فيكم، وهو ليس بغائب عنكم ، ولا أنتم بغائبين عنه وهوأقرب


1) مقالات وتفتارها : 280

إليكم من أنفسكم .

فحين سمعوا هذا الكلام منه قاموا كلّهم إليه وقصدوه حتى يقتلوه ، فقال لهم : لِمَ تقتلوني ولأي ذنب أستحق هذا؟ فقالوا له : لأنك قلت البحر الذي نحن نطلبه هو الذي نحن فيه والذي نحن فيه هو الماء فقط، وأين الماء من البحر فما أردت بهذا إلا إضلالنا عن طريقه وَحَيدَانِنَا عنه .

فقال :كبيرهم واللّه ما كان كذلك وما قلت إلا الحق والواقع في نفس الأمر لأنّ البحر والماء شيء واحد في الحقيقة وليس بينهما مغايرة ،أصلاً، فالماء اسم للبحر بحسب الحقيقة والوجود، والبحر اسم له بحسب الكمالات والخصوصيات والانبساط والانتشار على المظاهر كلها.

فعرف ذلك بعضهم وصار عارفاً بالبحر وسكت عنه، وأنكر البعض الآخر وكفر بذلك ورجع عنه مطروداً محجوباً .

والذي حكيت عن لسان الحيتان لو حكيته عن لسان الأمواج لكان أيضاً صحيحاً وكلاهما جائز، وإذا تحقق هذا فكذلك شأن الخلق في طلب الحق فإنّهم إذا اجتمعوا عند نبي أو إمام أو عارف وسألوا عن الحقِّ، فقال هذا النبي أو الإمام أو العارف : إنَّ الحق الذي تسألون عنه وتطلبونه هو معكم وأنتم معه، وهو محيط بكم وأنتم محاطون به والمحيط لا ينفك عن المحاط، وهو معكم وهو معكم أينم كنتم وهو أقرب إليكم من حبل وريدكم( مَا يَكُونُ من نجوى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ﴾ [المجادلة : 7] هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) [الحديد:3]( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص: الآية 88] وهو ليس بغائب عنكم ولا أنتم بغائبين عنه أينما توجهتم فثم ذاته ووجهه وجوده وهو مع كلّ شيء وهو عين كلّ شيء، بل هو كلّ شيء وكلّ شيء به قائم وبدونه زائل، وليس لغيره وجود أصلاً، لا ذهناً ولا خارجاً، وهو الأوّل بذاته، والآخر بكمالاته، الظاهر بصفاته والباطن بوجوده وإنه للكل مكان في كل حين وأوان، ومع كل إنس وجان.

فلمّا سمع : الخلق ذلك قاموا إليه كلهم وقصدوه ليقتلوه، فقال لهم : لِمَ تقتلوني ولأي ذنب أستحق هذا ؟ .

فقالوا له : لأنّك قلت الحق معكم وأنتم معه، وليس في الوجود إلا هو، وليس لغيره وجود لا ذهناً ولا خارجاً، ونحن نعرف بالحقيقة أن هناك موجودات غيره من العقل والنفس

والأفلاك والأجرام والملك والجنّ وغير ذلك، فما أنت إلا كافر ملحد زنديق، وما أردت بذلك إلا إغواءنا وإضلالنا عن الحق وطريقه .

فقال لهم : لا واللّه ما قلتُ لكم غير الحق ولا غير الواقع، وما أردتُ بذلك إضلالكم ،وإغواءكم، بل قلتُ ما قال هو بنفسه، وأخبركم إياه على لسان نبيّه، وإلا فأي شيء معنى :قوله (سَنُرِيهِمْ ءايَتِنَا فِي الْآفَاقِ ﴾ [فصلت: الآية 53] - الآية، ومعنى قوله: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور: الآية 35] - الآية، ومعنى قوله : (هُوَ الْأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِن [الحديد: الآية 3] ولأي شيء قال: مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُم و ءاباؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [يوسف: 40] (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيْمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يعلمون ﴾ [يوسف: الآية 40] ، ولِمَ قال : ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الجُمُعَة : الآية 4] لأنه يعرف أن كل واحد ما يعرف ذلك ولا يقدر عليه، كما قال أيضاً : هو إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتِ لِأُولى النُّهى وأن في ذلك لآيات لأولي الألباب وإنّ في ذلك لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ أَو أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) [ق : 37]

فعرف ذلك بعضهم وقبل منه وصار عارفاً موحداً، وأنكر ذلك بعضهم، ورجع عنه محجوباً مطروداً ملعوناً نعوذ باللّه منه ومن أمثاله، هذا آخر الأمثلة المضروبة في هذا الباب. واللّه أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [الزمر: الآية 27] وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت الآية 43] ، انتهى ما أردنا من نقل كلامه رحمة اللّه عليه في المقام .

ولمّا لم يكن للمهيّات أصالة، ولم يكن لها أثر وظهور إلّا بنور الوجود، ولم يكن الوجود إلا ذاته سبحانه وشؤونه ودربت أنه ملأ كل شيء وفتق ظلمات الماهيات نوره فأول ما يرى ويدرك ويعلم في دار الوجود هو الوجود ليس إلا فهو ظاهر بذاته لا يحتاج إلى معرف ودليل يدلُّ عليه لأنَّ ذلك الدليل إمّا وجود أو غيره والوجود وجود والغير عدم والعدم لا شيء محض وما ليس بشيء رأساً كيف يدلُّ على ما هو شيء وموجود، نعم إن غير الوجود من ماهيات أشباح الموجودات الممكنة بأسرها يعرف به، وقد سئل نبيّنا(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) بماذا عرفت ربك ؟ قال(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : باللّه عرفت الأشياء، وقال مولانا علي أمير المؤمنين(علیه السلام) : اعرفوا اللّه باللّه (1)

وروى ثقة الإسلام الكليني بإسناده عن عبد الأعلى، عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال : اسم


1) الكافي: 85/1 ح 1 ، وبحار الأنوار: 270/3 ح 7 .

اللّه غيره وكل شيء وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق ما خلا اللّه - إلى أن قال(علیه السلام) : من زعم أنّه يعرف اللّه بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك لأنّ حجابه ومثاله وصورته غيره وإنما هو واحد موحد فكيف يوحده من زعم أنه عرفه بغيره، وإنّما عرف اللّه من عرفه باللّه، فمن لم يعرفه به فليس يعرفه إنما يعرف غيره ليس بين الخالق والمخلوق شيء (1)- الحديث (حديث 4 من باب حدوث الأسماء من «أصول الكافي» ج 1 ص 88 من المعرب).

وفي «التوحيد» (ص 494) عن منصور بن حازم قال : قلت لأبي عبد اللّه(علیه السلام) : إني ناظرت قوماً فقلت لهم : إنَّ اللّه أجل وأكرم من أن يعرف بخلقه بل العباد يعرفون باللّه فقال(علیه السلام) : رحمك اللّه (2).

وفي دعاء عرفة لسيّد الشهداء أبي عبد اللّه الحسين(علیه السلام) : كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك ، كما تقدَّم آنفاً، ولا يخفى لطف كلامه(علیه السلام) «في وجوده» فإن لهذا الكلام شأناً من الشأن.

وممّا يرشدك أيضاً إلى أنَّ ما سواه تعالى شأنه ومجالي ذاته ومظاهر أسمائه وصفاته كلمة فاطر وفطر وأخواتهما في القرآن الكريم نحو قوله عزّ من قائل : وأَنِي اللَّهِ شَكٍّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [إبراهيم: 10] وقوله تعالى: إِنِي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ والأرض حَنِيفًا [الأنعام: 79] وكذا في عدة آيات أخرى، لأنَّ أصل الفطر الشق، يقال: تفطر الشجر بالورق والورد إذا أظهرهما، كما في «غرائب القرآن» للنيسابوري.

قال الراغب: أصل الفطر: الشقّ طولاً ، يقال : فطر فلان كذا فطراً وأفطر هو فطوراً وانفطر انفطاراً، وفطرت الشاة حلبتها بإصبعين، وفطرتُ العجين إذا عجنته فخبزته من وقته، ومنه الفطرة، وفطر اللّه الخلق وهو إيجاده الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من مة لفعل من الأفعال فقوله : فطرة اللّه التي فطر الناس عليها فإشارة منه تعالى إلى ما ،فطر أي أبدع وركز في الناس من معرفته تعالى، وفطره اللّه هي ما ركز فيه من قوته على معرفة الإيمان وهو المشار إليه بقوله : 0ولئن سألتهُم مِّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ [الزخرف: الآية 87] وقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [فاطر: الآية 1] وقال (الَّذِي فَطَرَهُنَ ﴾ [الأنبياء: الآية 56] - (وَالَّذِي فَطَرَنَا ) [طه: الآية (72] أي أبدعنا وأوجدنا يصح أن يكون الانفطار في قوله : (السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ) [المُزمّل : الآية 18] إشارة إلى قبول ما أبدعه وأفاضه علينا منه . انتهى (3).


1) الكافي: 114/1 ، والتوحيد : 192 ح6 .

2) الكافي : 1 / 86 3، والتوحيد : 285 ح1.

3) مفردات غريب القرآن : 382 .

وكلمة فطر ومشتقاتها تنبئك أنَّ ما سواه تعالى تفطر منه وكلّ واحد منهم على حياله مشتق منه ومنشقُ عنه وصورة وآية له، وإن دعاء سيد الساجدين(علیه السلام) في الصلاة على آدم(علیه السلام) ، كما في ملحقات الصحيفة : اللّهم صل على آدم وآدم بديع فطرتك(1)- الخ .

ولمّا اتّصف كلّ واحد منهم بالوجود اتصف على قدر قابليّته وسعته وضيقه بالأسماء والصفات اللازمة للوجود ،أيضاً وفي أي موطن ظهر منك الوجود ظهر معه أتباعه من الأسماء والصفات اللائقة به إلا الأسماء المستأثرة كالوجوب الذاتي فإنّها صفايا الملك الواحد القهار، أسماء مخزونة عنده تعالى لا يمكن لغيره أن يتصف به ولايسع غيره أن يطلبها منه ويتعب نفسه لإدراكها .

وفي حرز مولانا محمد بن علي الجواد(علیه السلام) : وبأسمائك المقدسات المكرمات المخزونات في علم الغيب عندك (2)، رواه السيد الأجل ابن طاووس قدس سره في «مهج الدعوات» (ص 36 ) .

وفي أعمال ليلة عيد الفطر: أسألك بكل اسم في مخزون الغيب عندك، رواه السيد المذكور قدّس سرّه في الإقبال) (273).

وفي دعاء مولانا وإمامنا موسى بن جعفر الكاظم(علیه السلام) أتى به الشيخ الكفعمي نور اللّه مضجعه في البلد الأمين (ص521). وبالاسم الذي حجبت عن خلقك فلم يخرج منك إلا إليك .

وفي آخر دعاء مروي عن مولانا الحسين بن علي الدعاء(علیه السلام) المعروف بدعاء الشاب المأخوذ بذنيه، رواه السيد الجليل ابن طاووس قدّس سرّه في «مهج الدعوات» (ص151): أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو أنزلته في شيء من كتبك أو استأثرت به في علم الغيب عندك(3)- الخ .

وفي الدُّعاء الخمسين من «الصحيفة السجادية» : فأسألك اللّهم بالمخزون من أسمائك.

وفي رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين للعالم الرباني صدر الدين علي بن أحمد نظام الدين الحسيني المدعو بالسيد علي خان قدس سره (565): روي عن


1) الصحيفة السجادية : 528 ، والذريعة : 256/13

2) الصحيفة السجادية : 605

3) الكافي : 452/4 ح 1 ، ومن لا يحضره الفقيه: 569/2.

النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) قال : إن اللّه تعالى أربعة آلاف اسم : ألف لا يعلمها إلا اللّه، وألف لا يعلمها إلا اللّه والملائكة، وألف لا يعلمها إلا اللّه والملائكة والنبيون وأمّا الألف الرابع فالمؤمنون يعلمونه فثلاثمائة في التوراة وثلاثمائة في الإنجيل وثلاثمائة في الزبور ومائة في القرآن، تسعة وتسعون ظاهرة وواحد منها مكتوم من أحصاها دخل الجنة (1)

وروى ثقة الإسلام الكليني نور اللّه مضجعه في الحديث الأوّل من باب حدوث الأسماء من«أُصول الكافي» (ص 87 ج1) من (المعرب بإسناده عن إبراهيم بن عمر، عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال : إنَّ اللّه تبارك وتعالى خلق اسماً بالحروف غير متصوّت وباللّفظ غير منطق وبالشخص غير مجسّد وبالتشبيه غير موصوف وباللون غير مصبوغ، منفى عنه الأقطار مبعد عنه الحدود، محجوب عنه حس كلّ متوهم مستتر غير مستور فجعله كلمة تامة على أربعة أجزاء معاً ليس منها واحد قبل الآخر فأظهر منها ثلاثة أسماء لفاقة الخلق إليها وحجب منها واحداً وهو الاسم المكنون المخزون (2)- الحديث .

ورواه رئيس المحدثين الشيخ الصدوق رضوان اللّه عليه أيضاً في باب أسماء اللّه تعالى والفرق بين معانيها وبين معاني أسماء المخلوقين من «كتاب التوحيد» ص183 من طبع إيران 1321ه-.

وروى الكليني في الحديث الأوّل من باب ما أعطى الأئمة (علیهم السلام) من اسم اللّه الأعظم «أصول الكافي» (ص 179 ج 1 من المعرب) بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر(علیه السلام) قال : إنَّ اسم اللّه الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفاً وإنما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلّم فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس حتى تناول السرير بيده ثمَّ عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة العين ونحن عندنا من الاسم الأعظم اثنان وسبعون حرفاً، وحرف واحد عند اللّه تعالى استأثر به في علم الغيب عنده ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم(3).

وفي الحديث الثاني منه : وإنَّ اسم اللّه الأعظم ثلاثة وسبعون حرفاً أُعطى محمد(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) اثنين وسبعين حرفاً وحجب عنه حرف واحدٌ .

وفي الثالث منه : وعندنا منه اثنان وسبعون حرفاً وحرف عند اللّه مستأثر به في علم الغيب


1) عوالي اللئالي : 106/4 ح157.

2) الكافي: 112/1 ج1، والتوحيد: 191.

3) بصائر الدرجات : 228 ، وميزان الحكمة: 2/ 1367.

وفي الحديث السادس عشر من باب الدُّعاء للكرب والهم والحزن والخوف من كتاب الدُّعاء من «الكافي» (ص 408 ج 2) من المعرب عن أبي عبد اللّه : اللّهم إني أسألك بكلّ اسم هو لك أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت في علم الغيب عندك(1)الحديث.

والأخبار والأدعية في ذلك كثيرة جدًّا، وللحكيم المتأله المولى الصالح المازندراني السروي قدس سره في شرح الأبواب المذكورة من «الكافي»، وكذا لأستاذنا العلامة ميرزا أبي الحسن الشعراني متّع اللّه علماء المسلمين بطول بقائه معارف حقة إلهية في بيان تلك الأسرار الصادرة عن خزنة علم اللّه تعالى، فعليك بطلبها في مظانها .

وبالجملة إنَّ الوجود إذا ظهر أينما كان لا ينفك عنه توابعه النورية وصفاته العليا بحكم السنخيّة المستفاد من الفطر أيضاً، وإنّما التفاوت بحسب قرب الأشياء من مبدئها وبعدها طولاً فكلما كان أقرب كان سعة وجوده أكثر وآثاره الوجودية أشدّ وأوفر فتنتهي كلّها إلى

عنها من واجب ،وجوده، ولا ينقطع جوده طرفة عين وليس ما سواه إلا فيضه القائم به وهو قيامه، فإذا جميعالصفات الكمالية تنتهى إليه أيضاً ولا يتصوّر فوقه وجود ولا ،كمال قال عزّ من قائل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ [فصلت: الآية 15] وقال تعالى: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ [الحجر: 21] وقال : جلَّ وعلا: (وَكُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرَّحمن : الآية 29] وقال جلت عظمته : (یأَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغنى) [فاطر: الآية 15] وقال تبارك وتعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ [الإسراء: الآية 84] وقال تعالى: إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولاً [فاطر: الآية 41] وقال تعالى: ﴿واللّه بكل شيء محيط) وقال تعالى: ﴿إن كُلُّ مَن في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا ءاتي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) [مريم: 93] وقال تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيّ اللّه الْقَيُّوم [طه: 111]

وممّا يتفرّع على هذه الدقيقة أنّه ما من موجود إلا وله ملكوت ناطق بالحق بلسان يليق به قال اللّه تعالى: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمدِهِ، وَلكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: 44] وقال تعالى: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ [الرَّحمن: 6] .

وقال تبارك وتعالى : ( قَالُوا أَنطَقَنَا اللّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [فَصَلَت : 21] .

وقال تعالى: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَطِي الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقَعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن


1) الصحيفة السجادية : 64 ، والكافي: 561/2 ح 16 .

(يَامُوسَى إِنّى أَنَا اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص : 30]. وقال تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَى [النمل: 16] .)وقال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا أَتَوا عَلَى وَاد النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا إلخ [النمل : 17 - 19] .)وقال تعالى: ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّير فَقَالَ مَالِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ [النَّمل: الآية 20] - إلى قوله: فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن سَبابِنَبَاٍ يَقِين [النَّمل : الآية 22] - إلى آخر الآيات [النمل: 22].

وقال تعالى في سورة يس : (الْيَوْمَ نَختِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [يس: الآية 65] ، وغيرها من الآيات القرآنية.

وأما الأخبار في تكلّم الحيوانات بل الجمادات لحجج اللّه تعالى وأوليائه فكثيرة جدًّا.

قال العلامة البهائي قدس سره في أوائل المجلد الثاني من «الكشكول»: العالم بأجزائه حي ناطق وإن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ [الإسراء: 44] ، لكن نطق البعض يسمع ويفهم ككلام الإثنين المتفقين في اللغة إذا سمع كلّ منهما كلام الآخر وفهمه، ونطق البعض يسمع ولا يفهم كالإثنين المختلفي اللغة ومنه سماعنا أصوات الحيوانات وسماع الحيوانات أصواتنا ومنه ما لا يسمع ولا يفهم كغير ذلك، وهذا بالنسبة إلى المحجوبين، وأما غيرهم فيسمعون كلام كلّ شيء.

وقال في آخر «الكشكول» (ص 625) من طبع نجم الدولة : روى العارف الرباني المولى عبد الرزاق القاساني في تأويلاته : أنَّ الصادق جعفر بن محمد(علیه السلام) اخر مغشياً عليه في ذلك فقال : ما زلت أردّد الآية حتى سمعتها من المتكلم بها (1)، ثم قال:

الصّلاة فسُئِلَ عن نقل الفاضل الميبدي في شرح الديوان عن الشيخ السهروردي أنه قال بعد نقل هذه الحكاية عن الصادق : أن لسان الإمام في ذلك الوقت كان كشجرة موسى عند قول : (إنّی أنا اللّهُ ﴾ [القصص : الآية 30] وهو مذكور في «الإحياء» في تلاوة القرآن. انتهى : قال الشيخ العارف محي الدين في أوائل الفصّ الهودي وكلّ ما سوى الحق فهو داية


1) تفسير كنز الدقائق : 55/1

لأنّه ذو روح وما ثمّة من يدب بنفسه وإنما يدبّ بغيره فهو يدب بحكم التبعية للذي هو على الصراط المستقيم فإنّه لا يكون صراطاً إلا بالمشي عليه .

إذا دان لك الخلق فقد دان لك الحق *** وإن دان لك الحق فقد لا يتبع الخلف

فحقق قولنا فيه فقولي كله حق *** فما في الكون موجود تراه ماله نطق

وما خلق تراه العين إلا عينه حق *** ولكن مودع فيه لهذا صوره حق

وقال القيصري في بيان :قوله فما في الكون موجود تراه ماله نطق أي ليس في الوجود موجود تراه وتشاهده إلا وله روح مجرد ناطق بلسان يليق به، وقال تعالى: وَان مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمدِهِ وَلَكِن لَّا تفَقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء : الآية 44] وهذا اللّسان ليس لسان الحال كما يزعم المحجوبون قال الشيخ رضي اللّه عنه في آخر الباب الثاني عشر من «الفتوحات» وقد ورد أنَّ المؤذن يشهد له مدى صوته من رطب أو يابس، والشرائع والنبوات من هذا القبيل مشحونة ونحن زدنا مع الإيمان بالأخبار الكشف فقد رأينا الأحجار رؤية عين بلسان نطق تسمعه آذاننا منها وتخاطبنا مخاطبة العارفين بجلال اللّه مما ليس يدرك كل إنسان، وإنّما اختفي نطق بعض الموجودات لعدم الاعتدال الموجب لظهور ذلك الفعل فلا يسمعه كلّ أحد فبقي نطقه باطناً والمحجوب يزعم أنه لا نطق له والكامل لكونه مرفوع الحجاب لشاهد روحانية كلّ شيء، ويدرك نطق كلّ حي باطناً وظاهراً والحمد للّه أوّلاً وآخراً .

وأفاد العارف المولى عبد الرزاق القاساني في المقام بقوله : إذا كان الحق هو المتجلّي في كل موجود فلا موجود إلا هو ناطق بالحق لأنه لا يتجلّى في مظهر إلا في صورة اسم من أسمائه، وكلّ اسم موصوف بجميع الأسماء لأنه لا يتجزأ لكن المظاهر متفاوتة في الاعتدال والتسوية، فإذا كانت التسوية في غاية الاعتدال تجلّى بجميع الأسماء، وإذا لم يكن ولم يخرج عن هذا الاعتدال الإنساني ظهر النطق وبطنت سائر الأسماء والكمالات وإذا انحط طور الاعتدال الإنساني بقي النطق في الباطن في الجميع حتى الجماد، فإنَّ التي لم يظهر عليها من الأسماء الإلهية والصفات كانت باطنة فيه لعدم قابلية المحل لظهوره فلا موجود إلاّ وله نطق ظاهراً أو باطناً، فمن كوشف ببواطن الوجود سمع كلام الكل حتى الحجر والمدر. انتهى .

وقال القيصري في الفصل الرابع من مقدّماته على شرح الفصوص»: ولا تظن أن مبدأ النطق الذي هو النفس الناطقة ليس للحيوان لينضمّ معه فيصير الحيوان به إنساناً مع أنه غير صالح للفصليّة لكونه موجوداً مستقلاً في الخارج بل هذا المبدأ مع كلّ شيء حتى الجماد أيضاً، فإنَّ لكلّ شيء نصيباً من عالم الملكوت والجبروت وقد جاء ما يؤيد ذلك من معدن

الرسالة المشاهد للأشياء بحقائقها صلوت اللّه عليه مثل تكلّم الحيوانات والجمادات معه، وقال تعالى: وَإِن مِن شَىءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمدِهِ، وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء : الآية 44] وظهور النطق لكلّ واحد بحسب العادة والسنّة الإلهية موقوف على اعتدال المزاج الإنساني، وأمّا للكمّل فلا لكونهم مطلعين على بواطن الأشياء مدركين لكلامها، وما قال المتأخّرون بأنَّ المراد بالنطق هو إدراك الكليات لا التكلّم مع كونه مخالفاً لوضع اللغة لا يفيدهم لأنّه موقوف على أنَّ الناطقة المجرَّدة للإنسان فقط، ولا دليل لهم على ذلك، ولا شعور لهم على أنَّ الحيوانات ليس لهم إدراك كلّي والجهل بالشيء لا ينافي وجوده، وإمعان النظر فيما يصدر منها من العجائب يوجب أن يكون لها إدراكات كلية وأيضاً لا يمكن إدراك الجزئي بدون كليه إذ الجزئي هو الكلي مع التشخص، واللّه الهادي.

وقال الحكيم المتألّه المولى صدرا قدَّس سره في شرح الحديث الثالث من باب النسبة من كتاب التوحيد من «أصول الكافي» : عن عاصم بن حميد قال : قال سُئل عليّ بن الحسين(علیه السلام) عن التوحيد فقال : إنّ اللّه عزّ وجلَّ علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون فأنزل اللّه تعالى: قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: الآية 1] والآيات من سورة الحديد - إلى قوله: وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الحديد: الآية 6] فمن رام وراء ذلك فقد هلك (1).

ثمَّ أعلم أنَّ كلّ واحدة من هذه الآيات الستة المشار إليها في هذا الحديث متضمّنة لباب عظيم من علم التوحيد والإلهية محتوية على أمر حكيم من الأحكام الصمدية والربوبية لو أمهل الزمان وساعد الدّهر الخوّان لعارف ربّاني وحكيم إلهي أخذ علمه من مشكاة النبوة المحمّديّة على صادعها وآله أفضل الصلاة والتحيّة واقتبس حكمته عن أحاديث أصحاب العصمة والطهارة والتزكية سلام اللّه عليهم لكان من حقه وحقهما أن يكتب في تفسير كلّ منها ما يثخن به مجلداً كبيراً بل مجلدات كثيرة، ولكن سنذكر في كلّ آية منها ما هو كالشاهد لما ادعيناه وكالأنموذج لما شاهدناه فنقول :

أمّا الآية الأولى ففي الأخبار عن تسبيح كل ما في السماوات وما في الأرض من الموجودات حتى الجماد والنبات والأجساد والمواد والأرض الموات وجثث الأموات اللّه تعالى، ومعرفة هذا التسبيح الفطري والعرفان الكشفي الوجودي من غوامض العلوم ودقائق الأسرار التي عجزت عن إدراكها أذهان جمهور العلماء وأكثر الحكماء فضلاً عن غيرهم وليس عندهم في هذا الباب إلا مجرد التقليد، إيماناً بالغيب أو حمل التسبيح على ما فيها من


1) الكافي: 311/1، والفصول المهمة في أصول الأئمة: 171/1

الأدلّة على وحدانية اللّه وتنزيهه(1)عن صفات النقص من التجسّم والتغيّر والتكثر .

وقال بعضهم : إنَّ كلمة (ما ) ههنا بمعنى من ؛ وقيل : معناه كل ما يتأتى منه التسبيح، هذا تمام كلام الأعلام في هذا المقام ولا يخفى عدم ملائمة كلّ من الوجهين الأخيرين بل كل ما قيل من التأويل والتخصيص لكثير من الآيات القرآنية والأخبار النبوية الدالة على تسبيح المسمّى بالجماد والنبات من الشجر والحجر والصخر والمدر فضلاً عن المسمّى بالحيوان والطير والبشر.

منها قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ والنجوم والجبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَاتُ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ [الحج: 18].)ومنها قوله :( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشّمَابِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ [النحل : 48] وكذا نظائرها من الآيات الدالة على وقوع التسبيح من جميع ال الموجودات حقيقة .

وحكاية تسبيح الحصى في كف النبي وسماعه وإسماعه مشهور، وفي ألسنة الرواة مذكور، وما روي أيضاً عن ابن مسعود أنه قال : كنت مع رسول اللّه عن ابن مسعود أنه قال: كنت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله حجر ولا مدر إلا ويقول السّلام عليك يا رسول اللّه (2)وأمثاله كثيرة في الروايات دالة على أنَّ هذا التسبيح والسجود والتسليم واقع على وجه التحقيق. حتى أن كثيراً من المنتسبين إلى الكشف والعرفان زعموا أنَّ النبات بل الجماد فضلاً عن الحيوان له نفس ناطقة كالإنسان وذلك أمر باطل والبراهين ناهضة على خلافه من لزوم التعطيل والمنع عما فطر اللّه طبيعة الشيء عليه ودوام القصر على أفراد النوع والإبقاء له على القوَّة والإمكان للشيء من غير أن يخرج إلى الفعلية والوجدان إلى غير ذلك من المفاسد الشنيعة المصادمة للبرهان والحكمة.

بل هذا تسبيح فطري وسجود ذاتي وعبادة فطرية نشأت عن تجل إلهي وانبساط نور وجودي على كافة الخلائق على تفاوت درجاتها وتفاضل مقاماتها في نيل الوجود ودرك الشهود، ومع هذا التفاوت والتفاضل في القرب والبعد والشرف والخسة فأفراد العالم كلّه كأجزاء شخص واحد تنال من روح الحياة وروح المعرفة ما ناله الكل دفعة واحدة فأنطقها اللّه الذي أنطق كل شيء فأحبته وخضعته وسجدت له بسجود الكلّ وسبحت له بتسبيحات هي


1) في نسخة: تنزهه

2) ميزان الحكمة : 3205/4 .

تسبيح الكل (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسبیحَه) [النور: الآية 41]

والذي يمنع عن هذه العبادة الفطرية الأفكار الوهمية والتصرفات النفسانية لأكثر الإنس الموجبة للخروج عن الفطرة الأصلية واستحقاقيّة العذاب كما في قوله تعالى: وَكَثِيرُ حَقَّ علَيْهِ الْعَذَابُ [الحج : الآية 18])وبالجملة تحقيق هذا التسبيح الفطري وإثبات هذه العبادة الذاتية مما يختص به الكاملون في الكشف والعرفان الراسخون في العلم والإيقان، وأما سماع اللفظ أو إسماعه كما هو المروي عن النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم وصحبه فكذلك من باب المعجزة الواقعة نفسه القدسية على إنشاء الأصوات والأشكال على موازنة المعاني والأحوال، انتهى كلامه طيب اللّه رمسه في المقام .)وقلت : الظاهر من كلامه: حتى أنَّ كثيراً من المنتسبين - الخ - يوهم التناقض بينه وبين كلام القيصري المذكور آنفاً حيث قال: «لأنه موقوف على أن الناطقة المجردة للإنسان فقط ولا دليل لهم على ذلك ولكن بعد التأمّل الدقيق في كلامهما يظهر عدم التناقض بينهما وكلاهما يشيران إلى معنى واحد وبيان عدم التنافي بينهما يعلم بما قدمنا من كلام المولى عبد الرزاق القاساني فإنك إذا أمعنت النظر فيه تدري أنّ المولى صدرا والقيصري يسلكان ما سلكه القاساني ويفيدان ما أفاده ولا اختلاف ولا تفرقة بينهم، وقد أجاد العارف صاحب المثنوي بقوله نظماً :گر تو را از غیب چشمی باز شد *** باتو ذرّات جهان همراز شدنطق خاك ونطق آب و نطق گل *** هست محسوس حواس أهل دلهر جمادی با تو می گوید سخن *** کوترا آنگوش و چشم أي بو الحسنگر نویدی واقف از حق جان باد *** فرق کی کردی میان قوم عادسنگ احمد را سلامي مي کند *** کوه یحیی را پیامی می کندجمله ذرات در عالم نهان *** باتو میگویند روزان و شبانما سميعيم وبصيرو باهشيم *** باشما نامحرمان ما خامشیماز جمادى سوى جان جان شوید ***غلغل أجزاى عالم بشنویدفاش تسبیح جمادات آیدت *** وسوسه تأويلها بزدایدتچون ندارد جان تو قندیلها *** بهر بینش کردهای تأویلهافإذا دريت أنّ ما سواه آية له ومشتق منه ومنفطر منه، وأنّه إنَّ من شيء إلا أنّه حاك عنه ومثال وصورة له ولله المثل الأعلى وأن الوجود لا ينفك عن آثاره النورية، علمت أنَّ ما

يخاطبنا اللّه جل جلاله بكتابه وكلامه ويدعونا إلى ما فيه خيرنا وسعادتنا كلقائه مثلاً ، فلا بدّ من أن يكون فطرتنا مناسبة ومتشابهة له ولو بوجه وإلا لم يصح الخطاب. ونزيدك في ذلك بياناً.ونقول : قال محي الدين في الفصّ الآدمي من «الفصوص»: ولما كان استناده - أي استناد الحادث - إلى من ظهر عنه لذاته اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كلّ شيء من اسم وصفة ما عدا الوجوب الذاتي فإنَّ ذلك لا يصح للحادث، وإن كان واجب الوجود ولكن وجوده بغيره لا بنفسه .وقال القيصري في شرحه أي اقتضى هذا الاستناد أن يكون الحادث على صورة الواجب، أي يكون متصفاً بصفاته، وجميع ما ينسب إليه من الكمالات ما عدا الوجوب الذاتي وإلا لزم انقلاب الممكن من حيث هو ممكن واجباً، وذلك لأنّه اتصف بالوجود والأسماء والصفات لازمة للوجود، فوجب أيضاً اتصافه بلوازم الوجود وإلا لزم تخلّف اللازم عن الملزوم، ولأنَّ المعلول أثر العلة والآثار بذاتها وصفاتها دلائل على صفات المؤثر وذاته، ولا بد أن يكون في الدليل شيء من المدلول لذلك صار الدليل العقلي أيضاً مشتملاً على النتيجة، فإنَّ إحدى مقدمتيه مشتملة على موضوع النتيجة والأخرى على محمولها، والأوسط جامع بينهما، ولأنَّ العلة الغائية من إيجاد الحادث عرفان الموجد كما قال تعالى : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات : الآية 56] والعبادة تستلزم معرفة المعبود ولو بوجه، مع أن ابن عباس رضي اللّه عنه فسّر هاهنا بالمعرفة ولا يعرف الشيء إلا بما فيه من غيره لذلك قال حين سئل بم عرفت اللّه : عرفت الأشياء باللّه أي عرفته به أوّلاً ثمَّ عرفت به غيره، ولما كان وجوده من غيره صار أيضاً وجوبه بغيره، وغير الإنسان من الموجودات، وإن كان متصفاً بالوجود لكن لا صلاحية له بظهور جميع الكمالات فيه انتهى . وقال العارف الجامي في شرحه على الفصوص : قوله : «فيما ينسب إليه من كل شيء من اسم وصفة» من اسم وصفة بيان لشيء، فحاصله أن يكون على صفته تعالى في كل اسم وصفة تنسب إليه تعالى يعني كما أنه ينسب كل اسم وصفة إليه تعالى كذلك ينسب إلى الحادث فإنّه بأحدية جمعه الأسمائي متجلّ وسار فيه ولذا قيل كل موجود متصف بصفات السبع الكمالية لكن ظهورها فيه بحسب استعداده وقابليته

وقال بعض المحشّين على شرح القيصري : قوله : (لأنه اتصف بالوجود يظهر من هذا أنَّ ذات الواجب بصرافة ذاته لا يكون في الممكن وإلا يلزم أن يكون الممكن متصفاً بالوجوب الذاتي أيضاً بعين هذا الدليل بأن يقال أنَّ الممكن متصف بالوجود الّذي يكون واجباً لذاته والوجوب لازم للواجب فوجب اتصاف الممكن بذلك اللازم أيضاً، انتهى، يعني

أنَّ الممكن غير متصف بالوجود الصرف الواجب الوجود حتى يلزم انقلاب الممكن واجباً .

وأفاد بعض أساتيذنا وهو العالم المحقق التحرير محمد حسين بن المولى عبد العظيم التوني الشهير بالفاضل التوني تغمّده اللّه بغفرانه في تعليقته على قول القيصري المنقول آنفاً «ولا يعرف الشيء إلا بما منه في غيره »:

لأنه لا يعرف الغائب إلا بالشاهد بمعنى أنه لا يمكن أن يعرف شيء إلا أن يكون له مثال في ذات العالم، فإذا قيل لك : كيف يكون الواجب تعالى عالماً بذاته؟ فالجواب: كما أنّك تعلم ذاتك فتفهم علمه تعالى بذاته، وإذا قيل كيف يعلم الواجب تعالى غيره؟ فيقال كما تعلم أنت غيرك، وإذا قيل : كيف يعلم الواجب تعالى بعلم واحد بسيط سائر المعلومات؟ فيقال : كما تعلم جواب مسائل دفعة بدون تفصيل ثم تنتقل بالتفصيل، وإذا قيل: كيف علمه مبدأ لوجود الأشياء؟ فيقال : كما يكون توهمك للسقوط عن الجدار مبدأ للسقوط . وإذا قيل : كيف يعلم الأشياء كلّها؟ فيقال: كما يعلم المنجم الخسوف أو الكسوف من العلم بأسبابها والحاصل أنك لا تقدر والحاصل أنك لا تقدر أن تفهم شيئاً من اللّه تعالى إلا بالمقايسة إلى شيء من نفسك فإذا لم يكن لشيء نظير في نفسك فلا يمكنك العلم به كالوجوب الذاتي والوجود بلا مهيّة، ولما لم يكن لهما نظير في نفسك لم يمكنك العلم بهما فلا تتعب نفسك في العلم بهما ولذا قال تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عِمران الآية 30] انتهى كلامه رفع مقامه وله قدس سره تعليقات أنيقة على شرح الفصوص القيصري من بدو الكتاب إلى ختمه وقد طبع طائفة منها على مقدمات القيصري على شرح الفصوص.)فيما قدَّمنا علمت معنى قول ثامن الأئمة عليّ بن موسى الرضا عليه آلاف التحية والثناء: «قد علم أولوا الألباب أن ما هنالك لا يعلم إلا بما ههنا»(1وهذا الكلام الوجيز بعيد الغور جداً، ككلام جده باب مدينة العلم أمير المؤمنين علي(علیه السلام) في الصورة الإنسانية : «وهي الشاهدة على كل غائب »كما في «شرح الأسماء» للمتأله السبزواري ص 12 من الطبع الناصري، كما علمت أن الإنسان متصف بحسب استعداده وقابليته بأوصاف وجودية تحاكي عن أصلها قال عز من قائل: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَهَا) [البَقَرَة : الآية 31] والتفاوت بينها وبين الأصل كتفاوت مرحلتي الوجودين حيث إن وجود الإنسان كغيره فيض من وجوده تعالى وفيء له وقائم به وواجب به وفقير إليه وكذا صفاته المنطبعة في فطرته (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم: 30]. ومن بحثنا هذا تنتقل إلى أن دين الإسلام هو دين الفطرة ماذا؟ وقد أفاد في ذلك


1) الیقين : 36 وألف حديث في المؤمن: 202 ج 602.

أستاذنا العلامة الطباطبائي البارع في الحكمة الحقة جزاه اللّه تعالى عنا أفضل جزاء المعلمين وأدام أيام إفاضاته في الجزء السابع من تفسيره القيّم: «الميزان»، في قوله تعالى: (إنّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ﴾ [الأنعام: 79] بقوله :

وفي تخصيص فطر السماوات والأرض من بين صفاته تعالى الخاصة وكذا من بين الألفاظ الدالة على الخلقة كالباري والخالق والبديع إشارة إلى ما يؤثره إبراهيم من دين الفطرة وقد كرّر وصف هذا الدين في القرآن الكريم بأنه دين إبراهيم(علیه السلام) الحنيف ودين الفطرة أي الدين الذي بنيت معارفه وشرائعه على خلقة الإنسان ونوع وجوده الذي لا يقبل التبدّل والتغيّر فإنّ الدين هو الطريقة المسلوكة التي يقصد بها الوصول إلى السعادة الحقيقية والسعادة الحقيقية هي الغاية المطلوبة التي يطلبها الشيءحسب تركب وجوده وتجهزه بوسائل الكمال طلباً خارجياً ،واقعيّاً، وحاشا أن يسعد الإنسان أو أي شيء آخر من الخليقة بأمرٍ ولم يتهيأ بحسب خلقته له أو هيّىء لخلافه كأن يسعد بترك التغذي أو النكاح أو ترك المعاشرة والاجتماع وقد جهز بخلافها، أو يسعد بالطيران كالطير أو بالحياة في قعر البحار كالسمك ولم يجهز بما يوافقه .

فالدين الحق هو الذي يوافق بنواميسه الفطرة وحاشا ساحة الربوبية أن تهدي الإنسان أو أي مخلوق آخر مكلف بالدين - إن كان - إلى غاية سعيدة مسعدة ولا يوافق الخلقة أو لم يجهز بما يسلك به إليها فإنّما الدين عند اللّه الإسلام وهو الخضوع اللّه بحسب ما يهدي إليه ويدلّ عليه صنعه وإيجاده انتهى ما أفاد مد ظله العالي في المقام.

فتبصّر بما قدَّمناه أنَّ أصل المعرفة فطري للأشياء وقال اللّه تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اللّهُ [ الزُّمَر : الآية 38] وإنّما ضلّ عنهم المعرفة بالمعرفة والبصرية بالرؤية، وأنَّ المعرفة والرؤية القلبية ترجعان إلى أمر واحد وإنهما تثمران الإيمان على البصيرة، ولا نعني من اللقاء إلا المعرفة والرؤية بهذا المعنى، ففي التوحيد عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال : قلت له : أخبرني عن اللّه عز وجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال : نعم وقد رأوه قبل يوم القيامة . فقلت : متى؟ قال(علیه السلام) : حين قال لهم : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف: 172] ، ثمَّ سكت ساعة ثم قال : وإنّ المؤمنين ليرونه في الدُّنيا قبل يوم القيامة، 172] الست تراه في وقتك هذا؟ قال أبو بصير فقلت له جعلت فداك فأحدّث بهذا عنك؟ فقال : لا فإنك إذا حدثت به فأنكره منكر جاهل بمعنى ما نقوله ثمَّ قدّر أن ذلك تشبيه كفر وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين تعالى عما يصفه بالمشبهون والملحدون (1).)


1) التوحيد : 117 ح 20 ، وبحار الأنوار: 45/4 .

وفي أخر باب نفي المكان والزمان عنه تعالى من كتاب «التوحيد» أيضاً ص 176 بإسناده عن إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور، عن عليّ بن أبي طالب(علیه السلام أنه دخل السوق فإذا هو برجل(1)مولّيه ظهره يقول : لا ، والذي احتجب بالسبع قال : اللّه يا أمير المؤمنين ، قال : أخطأت ثكلتك أُمّك إنّ اللّه عز وجل ليس بينه وبين خلقه حجاب لأنّه معهم أينما كانوا قال ما كفارة ما قلت يا أمير المؤمنين؟ قال: «أن تعلم أن اللّه معك حيث كنت» قال : أطعم المساكين؟ قال : لا ، إنما حلفت بغير ربّك»(2).)ومن سلك هذا المسلك فقد حيي بحياة طيّبة ويدخل في ملك لا يبلى وجنة الخلد الّتي وعد المتقون، ففي التوحيد عن الحارث بن المغيرة النضري قال: سألت أبا عبد اللّه(علیه السلام عن قول اللّه عزّ وجلَّ : (كُل شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص : الآية 88] قال : كل شيء هالك إلا من أخذ طريق الحق (3). واعلم أنّ الوجود مع وحدة حقيقته وكثرة تشأنه كل يوم هو شأن له مراتب طولية تختلف غنى وفقراً وسعة وضيقاً فتنتهي إلى ذات واجب الوجود الذي تلك الكثرات مجاليه ومظاهره ومراياه واللّه تعالى من ورائهم محيط فله تعالى مرتبة متحققة مجرّدة عن المظاهر والمجالي غير متناهية في جميع الصفات النورية أشدّ وأقوى مما سواه وجوداً، قال عزّ من قائل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ [فصلت : 15]، ولا يحيطون به علماً لأن الداني لا يسعه الإحاطة بالعالي المحيط به، كما أنَّ النفس مع كونها في وحدتها كلّ القوى وكلّها مجاليها ومظاهرها ليست هي بمجموع تلك القوى الظاهرة والباطنة تعلّقت بالبدن فحسب بل لها مرتبة فوقها أعلى وأشمخ منها رتبة وآثاراً وهي جهتها المجردة التي تلي ربّها، وإن كانت تلك القوى مراتبها النازلة، والمرتبة النازلة منها كالواهمة مثلاً لا تحيط بالمرتبة العالية كالعاقلة المحيطة بها.

قال صدر المتألهين قدس سرّه في «شرحه للهداية» والصنف الثالث وهم الراسخون في العلم من الحكماء قائلون بأنّ العالم ليس عبارة عن الممكن الصرف ولا عن الوجود الحقيقي الصرف، بل من حيث هو موجود بالوجود الحقيقي له اعتبار، ومن حيث إنه ينقسم إلى العقول والنفوس وغيرها له اعتبار ومن حيث إنّه ينقسم إلى العقول والنفوس وغيرها له اعتبار آخر. فالعالم زوج تركيبي من الممكن والسنخ الباقي الذي هو بذاته موجود ووجود فليس العالم عبارة عن الذوات المتعددة كما حسبه المحجوبون بل ذاته واحد وهو الحق


1) في نسخة : فإذا هر مر برجل.

2) التوحيد : 184 ح 21 ، ومستدرك الوسائل : 16 / 50 ح 1906.

3) المحاسن: 1/ 219 ح 117، والتوحيد : 149 ح2. 219/1

الذي هو الوجود الحقيقي ولا وجود للممكنات إلا بارتباطها به لا بأن يفيض عليها وجودات مغايرة للوجود الحقيقي وبرهان ذلك مذكور في كتابنا المسمّى ب-«الأسفار الأربعة».

وقال في مبحث العلة والمعلول من «الأسفار » : ( ص 196 من الرحلي) تنبيه : إن بعض : الجهلة من المتصوفين المقلدين الذين لم يحصلوا طريق العلماء العرفاء ولم يبلغوا مقام العرفان توهموا لضعف عقولهم ووهن عقيدتهم وغلبة سلطان الوهم على نفوسهم أن لا تحقق بالفعل للذات الأحديّة المنعوتة بألسنة العرفاء بمقام الأحديّة وغيب الهوية وغيب الغيوب مجردة عن المظاهر والمجالي بل المتحقق هو عالم الصورة وقواها الروحانية والحسية واللّه هو الظاهر المجموع لا بدونه وهو حقيقة الإنسان الكبير والكتاب المبين الذي هذا الإنسان الصغير أنموذج ونسخة مختصرة عنه، وذلك القول كفر فضيح وزندقة صرفة لا يتفوه به من له أدنى مرتبة من العلم ونسبة هذا الأمر إلى أكابر الصوفية ورؤسائهم افتراء محض وإفك عظيم يتحاشى عنها أسرارهم وضمائرهم، ولا يبعد أن يكون سبب ظنّ الجهلة بهؤلاء الأكابر إطلاق الوجود تارة على ذات الحق وتارة على المطلق الشامل وتارة على المعنى العام العقلي فإنّهم كثيراً ما يطلقون الوجود على المعنى الظلي الكوني فيحملونه على مراتب التعينات والوجودات الخاصة فيجري عليه أحكامها .

وبما تقدّم من أنّ ما سواه تعالى مظاهر أسمائه وصفاته ومجالي إشراقات نور وجهه ومرايا ظل ذاته علمت معنى الإخلاص في التوحيد أعني التوحيد الذاتي الذي ينطق به الموحدون وإمامهم عليّ أمير المؤمنين (علیه السلام) : أوَّل الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به وكمال التصديق به ،توحیده و کمال توحيده الإخلاص له وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف وشهادة كلّ موصوف أنه غير الصفة فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه ومن قرنه فقد ثناه ومن ثناه فقد جزأه ومن جزأه فقد جهله ومن جهله فقد أشار إليه ومن أشار إليه قد حدّه ومن حدَّه فقد عدّه - الخ (الخطبة الأولى من نهج البلاغة ) (1).

ولا يخفى عليك أن كلامه(علیه السلام) يشير إلى التوحيد الذاتي وإخلاصه تمحيض حقيقة الأحدية عن شائبة الكثرة ، قال العارف السيد حيدر الآملي في رسالة «نقد النقود في معرفة الوجوده ( ص 636) : وإذا تحقق هذا وثبت أنّ الوجود المطلق موجود في الخارج وليس لغيره وجود أصلاً، وثبت أنَّ هذا الوجود المطلق هو الحق تعالى فاعلم أن مرادهم بالوجود من حيث هو الوجود الوجود الصرف والذات البحث الخالص بلا اعتبار شيء معه أصلاً أعني


1) بحار الأنوار: 176/54 ح 136 ، ونهج السعادة : 40/3 .

تصوّره من حيث هو هو لا بشرط الشيء ولا بشرط اللا شيء أي مجرداً عن جميع النسب والإضافات والقيود والاعتبارات .

ومعلوم أنّ كل شيء له اعتباران؛ اعتبار الذات من حيث هي هي، واعتبارها من حيث الصفات أي وصفها بصفة ما أيّة صفة كانت فهذا هو اعتبار الذات فقط أعني اعتبار الذات بقطع النظر عن جميع الاعتبارات والإضافات المخصوصة بالحضرة الأحديّة وأنّ مرادهم بالمطلق هو الذات المطلقة المنزّهة عن جميع هذه الاعتبارات وليس إطلاق لفظ المطلق على الوجود الصرف إلاّمن هذه الحيثية لا من جهة المطلق الذي هو بإزاء المقيد، ولا من جهة الكلي الذي هو بإزاء الجزئي، ولا من جهة العام الذي هو بإزاء الخاص، لأنه - أي الوجود الصرف - من حيث هو غني عن إطلاق شيء عليه اسماً كان أو صفة سلباً كان أو ثبوتاً، إطلاقاً كان أو تقييداً، عاماً كان أو خاصاً، لأنّ كلّ واحد منها - أي من هذه الأمور المتقابلة - يقتضي سلب الآخر، أو يقتضي التقيّد والتعيّن فيه وهو - أعني الوجود المطلق المحض - منزّه عن الكل حتى عن الإطلاق وعدم الإطلاق لأنّ الإطلاق تقييد يقيد الإطلاق، كما أنّ اللا إطلاق قيد بعدم الإطلاق وكذلك التعيّن واللا تعين وغير ذلك من الصفات كالوجود والقدم والعلم والقدرة وأمثالها .

وعن هذا التنزيه النزيه والتقديس الشريف أخبر مولانا وإمامنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(علیه السلام) في قوله : (أول الدين معرفته - الخ) والغرض أنّ كل ذلك إشارة إلى إطلاقه وتجرّده وتنزهه وتقدّسه عن الكثرة الوجودية و الاعتبارية ، لأن قوله(علیه السلام) وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه إشارة إلى الوجود المطلق المحض والذات البحث الخالص الذي لا يمكن وصفه بشيء أصلاً ولا يكون قابلاً للإشارة أبداً كما أشار إليه(علیه السلام) في موضع آخر في قوله : (الحقيقة كشف سبحات الجلال من غير إشارة) .

قلت: قوله (علیه السلام): (الحقيقة كشف سبحات الجلال من غير إشارة)، بعض حديث الحقيقة المخاطب به كميل بن زياد رضوان اللّه عليه سأله(علیه السلام) عن الحقيقة بقوله: ما الحقيقة؟ قال(علیه السلام) : مالك والحقيقة ؟ قال : أولست صاحب سرّك ؟ قال بلى ولكن يرشح عليك ما يطفح مني ، قال : أو مثلك يخيب سائلاً؟! قال : الحقيقة كشف سبحات الجلال من غير إشارة، قال: زدني فيه بياناً، قال محو الموهوم مع صحو المعلوم، قال: زدني فيه بياناً، قال : هتك الستر لغلبة السرّ، قال: زدني فيه بياناً، قال: جذب الأحدية بصفة التوحيد، قال: زدني فيه بياناً قال نور يشرق من صبح الأزل فتلوح على هياكل آثاره، قال : زدني فيه بياناً، قال أطف السراج فقط طلع الصبح (1)


1) شرح الأسماء الحسنى: 133/1.

نقله العارف المذكور في «جامع الأسرار» ص 170 وشرحه في عدة مواضع من ذلك الكتاب والعلامة الشيخ البهائي في الكشكول»، والقاضي نور اللّه الشهيد نور اللّه مرقده في «مجالس المؤمنين» والعارف الشيخ عبد الرزاق اللاهجي في «شرح گلشن راز» والخوانساري في «روضات الجنّات» والمحدّث القمّي في «سفينة البحار» وغيرهم من أساطين الحكمة والعرفان في صحفهم القيّمة، وشرحه العلامة قطب الدين الشيرازي في رسالة معمولة في ذلك فقط، وشرحه أيضاً بعض أساتذتنا بالنظم الفارسي ولقد أحسن وأجاد، ألا الدين مهدي الإلهي القمشئي آدام اللّه أيام إفاضاته .

وهو العارف الرّباني محيي وقال العارف الآملي المذكور في «جامع الأسرار» في تعريف التوحيد : اعلم أنّ حقيقة التوحيد أعظم من أن يعبر عنها بعبارة أو يؤمىء إلى تعريفها بإشارة فالعبارة في طريق معرفتها حجاب والإشارة على وجه إشراقها نقاب لأنّها - يعني حقيقة التوحيد - منزّهة عن أن تصل إلى كنهها العقول والأفهام مقدّسة عن أن تظفر بمعرفتها الأفكار والأوهام، شعر

تجول عقول الخلق حول حمائها *** ولم يدركوا من برقها غير لمعة

وإلى صعوبة إدراكها يعني حقيقة التوحيد وشدّة خفائها أشار مولانا وإمامنا أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين سلطان الأولياء والوصيين وارث علوم الأنبياء والمرسلين علي بن أبي طالب(علیه السلام) في قوله : ما وحده من كيفه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا إياه عنى من شبهه، ولا قصده من أشار إليه وتوهّمه (1).

وفي قوله : هو الأحد لا بتأويل عدد والخالق لا بمعنى حركة ونصب، والسميع بأداة، والبصير لا بتفريق آلة والشاهد لا بمماسة والبائن لا بتراخي مسافة والظاهر لا برؤية والباطن لا بلطافة بان من الأشياء بالقهر لها والقدرة عليها، وبانت الأشياء منه بالخضوع له والرجوع إليه، من وصفه فقد حدّه، صفه فقد حده، ومن حده حده فقد عدّه ، ومن عده فقد أبطل أزله، ومن قال كيف؟ فقد استوصفه، ومن قال أين؟ فقد حيّزه عالم إذ لا معلوم، وربّ إذ لا مربوب وقادر إذ لا مقدور .

وفي قوله : (أوّل الدين معرفته . الخ) .

وكذلك الشيخ العارف الشبلي البغدادي رحمة اللّه عليه في قوله من أجاب عن التوحيد بعبارة فهو ملحد، ومن أشار إليه بإشارة فهو زنديق ومن أومىء إليه فهو عابد وثن، ومن نطق فيه فهو غافل ومن سكت عنه فهو جاهل ومن وهم أنه إليه واصل فليس له


1) الاحتجاج : 299/1

حاصل، ومن ظنّ أنه منه قريب فهو عنه بعيد ومن به تواجد فهو له فاقد وكلّ ما ميّزتموه بأوهامكم وأدركتموه بعقولكم في أتم معانيكم فهو مصروف مردود إليكم، محدث مصنوع مثلكم .

وليس مرادهم من هذه الإشارات الامتناع من حصوله ولا اليأس من وصوله بل المراد منها إعلاء أعلام منزلته، وارتفاع أركان درجته وبيان أنّه ليس بقابل للإشارة ولا بمحلّ للعبارة، لأنّه عبارة عن الوجود المطلق المحض والذات الصرف البحت المسمّى بالحق جل جلاله الذي لا يقبل الإشارة أصلاً ورأساً ولا العبارة قولاً وفعلاً وذلك لا يكون إلا عند فناء الطالب في المطلوب والشاهد في المشهود وحين الاستغراق والاستهلاك في المطلق المحيط ولا شك أنه لا يبقى مع ذلك لا الإشارة ولا المشير ولا من الغير أثر في العقل والضمير .

وإليه أشار الإمام(علیه السلام) بقوله أيضاً : الحقيقة كشف سبحات الجلال من غير إشارة إظهاراً بأنه لا ينكشف الحق حقيقة على أحد إلا عند ارتفاع الكثرة مطلقاً اسماً كان أو صفةً ولهذا قال: سبحات الجلال بدون الجمال لأنّ الجمال مخصوص بالأسماء والصفات التي هي منشأ الكثرة لا الجلال انتهى ما أردنا من نقل كلام العارف السيد حيدر الآملي قدس سرّه الشريف في التوحيد الذاتي.

والشيخ العارف المحقق أبو إسماعيل خواجه عبد اللّه بن إسماعيل الأنصاري الهروي قد ذكر في آخر كتابه الموسوم ب- منازل السائرين باباً مفرداً في التوحيد وقسمه على ثلاثة أوجه، وقد بذل الجهد في ذلك جدّاً، ولكنّه موجز يحتاج إلى البيان وقد شرح ذلك الكتاب المولى العارف المحقق كمال الدين عبد الرزّاق الكاشاني يفضل ذلك الشرح على سائر الشروح كفضله على سائر الشراح، وذلك الباب باب إلى ما كنا في صدده، وقد أشار الشارح المذكور إلى المتن بحرف الميم وإلى الشرح بحرف الشين فنأتي بالباب على هديه وطريقته من غير تغيير وضعه وأسلوبه وهو ما يلي:

(م) كتاب التوحيد قال اللّه تعالى شهد اللّه أنه لا إله إلا هو.

(ش) إنما خص بعض الآية بالذكر لأن هذا محض التوحيد الجمعي وهو أن لا يكون شيء فلو ذكر والملائكة وأولوا العلم لكان نزولاً عن الجميع إلى الفرق فيكون معه غيره فلا يبقى التوحيد المحض فهو الشاهد بنفسه لنفسه فلم يشهد أن لا إله إلا هو غيره فمن تحقق هذا بالذوق فقد شهد التوحيد بالحقيقة .

(م) التوحيد تنزيه اللّه عزّ وجلّ عن الحدث وإنما نطق العلماء بما نطقوا به وأشار المحققون بما أشاروا إليه في هذا الطريق لقصد تصحيح التوحيد وما سواه من حال أو مقام

فكلّه مصحوب العلل .

(ش) قوله : التوحيد تنزيه اللّه عز وجل عن الحدث مجمل يتناول تنزيه العقلاء من الحكماء ،والمسلمين، وتنزيه العرفاء الموحدين، لأنَّ جميع العقلاء وأهل الفكر يدّعون تنزيه اللّه تعالى مع كونهم مقيدين لأن العقل لا يقول إلا بالتقييد ويثبتون الحدث وينفونه عن الحق تعالى وينزهونه عنه، وأما العرفاء المحققون فلا يثبتون الحدث أصلاً ورأساً فإنّ شهود التوحيد تنفيه عن أصله ثم تثبته بعد نفيه بالحق بمعنى تجلّي الحق مع الآيات بوجوهه في الصور فيكون الحدوث عندهم ظهوره في الصور المختلفة بالتجليات المتعاقبة الغير المتكررة.

ومراد الشيخ قدس اللّه هذا التنزيه ولا يهتدي العقل إلى طريق التوحيد الذي لا يكون فيه مع الحق سواه ولا يرى الحق عين الكل بحيث لا يكون في الوجود شيء غيره.

وإنما نطق العلماء بما نطقوا به وأشار المحققون إلى ما أشاروا إليه فى هذا الطريق لقصد تصحيح التوحيد أي ما نطقوا وما أشاروا إلا لقصد تصحيح هذا المقام السني لأنه المقصد الأقصى والموقف الأعلى وما دون ذلك من الأحوال والمقامات فكله مصحوب العلل لا صحة له لبقاء الرسوم فيها ولو في الحضرة الواحدية والتجليات الأسمائية هذا ما ذهب إليه خاطري .

ووجه آخر مبني على أن «ما» في «إنّما نطق» موصولة حقها أن تكتب مفصولة على معنى أنّ كلّ ما نطق به العلماء وأشار إليه المحققون لقصد تصحيح التوحيد وما سواه من الأحوال والمقامات فكله مصحوب العلل لا تخلو منها يعني أنّ التوحيد بالعلم لا يخلص عن العلل وكذا إثبات الأحوال والمقامات بطريق العلم وإشارات المحققين لا يخلو من العلل فإنها مواجيد ذوقية لا تندرج تحت العبارات ولا تحيط به الإشارات ولا تفي ببيانها الكلمات والعلل هي الجهالات

(م) والتوحيد على ثلاثة وجوه : الوجه الأوّل: توحيد العامة الذي يصح بالشواهد، والوجه الثاني : توحيد الخاصة وهو الذي يثبت بالحقائق والوجه الثالث : توحيد قائم بالقدم وهو توحيد خاصة الخاصة .

(ش) الشواهد هي الأكوان والمصنوعات التي يستدلّ بها على المكوّن الصانع وبالجملة الدلائل التي يستدل بها العلماء بالنظر والفكر وبراهين العقل، فتوحيد العامة إنّما يصح بالاستدلال، مثل قوله تعالى:( وَلَوْ كَانَ فِيهِمَا الهَهُ إِلَّا اللّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ [الأنبياء : الآية 22] ولكن ما فسدتا فليس فيهما آلهة غير اللّه وأمثال ذلك .

وأما توحيد الخاصة وهم المتوسطون فهو الذي يثبت بالحقائق المذكورة في القسم التاسع وهي المكاشفة والمشاهدة والمعاينة والحياة والقبض والبسط والسكر والصحو والاتصال والانفصال.

وأما توحيد خاصة الخاصة فهو التوحيد القائم بالقدم يعني توحيد الحق لنفسه أزلاً وأبداً كما قال: شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران: 18]، وقيامه بالقدم أزلية وامتناع قيامه بالحدث وإلا كان مثبتاً للغير فلم يكن توحيداً وأهل هذا المقام هم المذكورون في الدرجة الثالثة من كل باب من أبواب أقسام النهايات.

(م) فأما التوحيد الأوّل فهو شهادة أن لا إلا اللّه وحده لا شريك له الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، هذا هو التوحيد الظاهر الجلي الذي نفى الشرك الأعظم وعليه نصبت القبلة وبه وجبت الذمة، وبه حقنت الدّماء والأموال، وانفصلت دار الإسلام عن دار الكفر، وصحت به الملة العامة وإن لم يقوموا بحق الاستدلال بعد أن سلموا من الشّبهة والحيرة والريبة بصدق شهادة صححها قبول القلب .

(ش) هذا ظاهر غني عن الشرح وهو أصل التوحيد التقليدي الذي صحت به الملة للعامة بصدق شهادة صححها في الشرع قبول قلوبهم لها تقليداً وإن لم يقدروا على الاستدلال بعد أن لم تعتريهم الشبهة والحيرة والشك وسلمت قلوبهم من ذلك .

(م) هذا توحيد العامة الذي يصح بالشواهد، والشواهد هي الرسالة والصنائع .

(ش) أي الأخبار التي وردت بها الرسالة والمصنوعات المتقنة المحكمة الدالة بحسن صنعتها وإتقانها على وجود الصانع وعلمه وحكمته وقدرته .

(م) يجب بالسمع ويوجد بتبصير الحق وينمو على مشاهدة الشواهد.

(ش) أي يجب قبول هذا التوحيد بالأدلة السمعية وهي أخبار الكتاب والسنة التي تسمعها من النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) كقوله : فاعلم أنه لا إله إلا اللّه . وقوله وَإلهكم إلَهُ وَاحِدٌ) [البقرة: 163]، وشهد اللّه ، وسورة الإخلاص وأمثالها، ولا توجد حقيقته وحلاوته وإدراك معناه إلا بتبصير الحق إياه بنوره المقذوف في قلب المؤمن ويزيد وينمو بالمواظبة على مشاهدة الشواهد بنظر الاعتبار والتفكر فيها ومطالعة حكمة صانعها في أحوالها .

(م) وأما التوحيد الثاني الذي يثبت بالحقائق فهو توحيد الخاصة وهو إسقاط الأسباب الظاهرة والصعود عن منازعات العقول وعن التعلق بالشواهد وهو أن لا تشهد في التوحيد دليلاً، ولا في التوكل سبباً، ولا للنّجاة وسيلة.

الجز.

(ش) إسقاط الأسباب الظاهرة هو أن لا يعلق المسببات بالأسباب المعروفة بين الناس ولا يرى لها تأثيراً ولا لغير الحق فعلاً، ويشهد بالحقيقة أن لا مؤثر إلا اللّه، والصعود عن منازعات العقول هو الترقي إلى مقام الكشف والتخلّص عن منازعات العقول أحكام الشرع لعماها عن حكمها واحتجابها بقياساتها وعن منازعات بعض العقول بعضاً، ومجادلاتها في الأحكام لثبوت الأوهام إياها، ومعارضتها في المناظرات باتهامها في الأحكام (1)وتصفية الباطن عن المخالفات والمجادلات مجاوزاً طور العقل إلى نور الكشف وعن التعلّق بالشواهد أي الصعود عن طور الاستدلال والتمسك بالأدلة استغناء عنها بنور التجلّي والعيان.

قوله: «وهو» إشارة إلى الصعود عن التعلق بالشواهد أي وذلك الصعود أن لا تشهد في التوحيد دليلاً فيكون التوحيد عندك أجلى من كل دليل فإنّ نور الحق إنما لا يدرك لشدّته وقوّة نورتيه كما قيل :

شعر خفي لإفراط الظهور تعرضت *** لإدراكه أبصار قوم أخافش

«ولا في التوكل سبباً» أي وأن لا تشهد في التوكل سبباً لقوّة يقينك في أن لا مؤثر إلا اللّه ورؤيتك الأفعال كلّها منه فتتلاشى الأسباب في المسبب في شهودك لشهودك التأثير منه دون السبب ولا للنجاة وسيلة أي وأن لا تشهد للنّجاة من العذاب والعقوبة والطرد وسيلة من الأعمال الصالحة والحسنات.

(م) فتكون مشاهداً سبق الحق بحكمه وعلمه ووضعه الأشياء مواضعها وتعليقه إياها بأحايينها ، وإخفائه إياها في رسومها وتحقق معرفة العلل وتسلك سبيل إسقاط الحدث، هذا توحيد الخاصة الذي يصح بعلم الفناء ويصفو في علم الجمع ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع .

(ش) أي فتكون أنت مشاهداً أنَّ الحق سبق بحكمه على الأشياء بما هي عليه في الأزل فلا تكون إلا كما حكم به، وكذا سبق بعلمه وتقديره الأشياء على ما هي عليه، وحكمه تعالى على الأشياء تابع لعلمه فتكون الأشياء على مقتضى سابق علمه وقضائه، ووضعه الأشياء مواضعها أي وتكون مشاهداً لوضع الحقِّ تعالى كلّ شيء في موضعه بتقديره وحكمته في الأزل، وكذا تشاهد تعليقه إياها بأحايينها فلا تقع إلا في الوقت الذي قدر وقوعها فيه، وإخفائه إياها في رسومها أي وتكون مشاهداً سبق الحق بإخفائه الأشياء في رسومها عن أعين المحجوبين فإنّهم لا يرون أنها بفعل الحق وحكمه وتقديره في القضاء السابق جارية


1) في نسخة : بإتمامها في الأحكام.

على مجراها فينسبونها إلى أسبابها ومقتضيات رسومها الخلقية وطبائعها وأوقاتها فيجعلون لكلّ تغيّر حال من أحوالها سبباً، ويحتجبون بها عن التصرف الإلهي والتقدير الأزلي، وذلك هو إخفاؤها في الرسوم.

قوله «وتحقق» عطف على فتكون أي فتكون مشاهداً وتحقق معرفة العلل وهي الوسائط وإسناد أحوالها إلى ما سوى اللّه تعالى من الأسباب والرسوم الخلقية من الطبائع واختيار الخلق وإرادتهم وقدرتهم وإلى حركات الأفلاك وأوضاع الكواكب وأمثالها وكلُّ ذلك علل تحتجب أهل العادات عن اللّه تعالى وتوحيده.

وأما العرفاء الموحدون فهم يعرفون هذه العلل ويسقطون الحدث ويسلكون سبيل علم القدم بإسقاط الحدث فلا يرون إلا سابقة حكم الأزل فيكونون مع الحق في جريان الأحول ويشهدون تصريفاته للأشياء بفعله على مقتضى حكمه وتقديره وحكمته الأزلية وقدرته وإرادته الأولية فيشاهدون الحقّ وأسماءه وصفاته لا غير.

هذا توحيد الخاصة أي المتوسطين الذي يصح بعلم الفناء لا بنفس الفناء الآتي بعده فإنّ علم الفناء يحصل بالفناء في حضرة الصفات والأسماء أي الحضرة الواحدية قبل الفناء في الذات الأحديّة الّتي هي عين الجمع ويصفو بعلم الجمع لا يعين الجمع واضمحلال الرسوم بل قبله عند فناء علمه في علم الحق ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع الذي يأتي في قوله :

(م) وأما التوحيد الثالث فهو توحيد اختصه اللّه لنفسه واستحقه بقدره وألاح منه لائحاً إلى أسرار طائفة من صفوته، وأخرسهم من نعته وأعجزهم عن بله.

(ش) اختصّه اللّه لنفسه أي استأثره اللّه به ليس لغيره منه نصيب ولا فيه قدم لأنه يتحقق بفناء الحق كلّهم وبقاء الحق وحده فلا يمكن لغيره عنه عبارة ولا إليه إشارة ولا شيء من أحكام الخلق وأوصافهم يصل إليه لحصوله بفنائهم واستحقه بقدره أي لا يستحقه بمقدار كنهه وحقيقته إلا هو ولا يبلغه غيره وما قدروا اللّه حق قدره وألاح منه لائحاً إلى أسرار طائفة من صفوته حال البقاء بعد الفناء في عين الجمع لأنهم حال الفناء قد استغرقوا فيه فانين عن أسرارهم غائبين عنها، وفي حال البقاء ردّوا إلى الخلق باقين به فعرفوا أنّ الحضرة الأحدية لا نعت لها وكلّ ما ينعت به فهو من الحضرة الواحدية فأخرسهم اللّه عن نعته لا بمعنى أنهم يعرفون نعته فمنعهم عن التكلّم به بل لأنّهم عرفوا أنَّ حضرة النعوت تحت مقام الجمع فهو كقوله - شعر - على لاحب لا يهتدى بمناره، وكذا معنى قوله : (وأعجزهم عن بنّه أي عن إظهار ذلك اللائح والإخبار به لأنه لا يقبل الإخبار عنه كما لا يقبل النعت.

(م) والذي يشار به إليه على ألسن المشيرين أنه إسقاط الحدث وإثبات القدم، على أنَّ هذا الرمز في ذلك التوحيد علة لا يصح ذلك التوحيد إلا بإسقاطه.

(ش) «والّذي يشار به إليه» مبتدأ خبره «أنّه إسقاط الحدث» أي وأحسن ما يشار به إلى هذا التوحيد وألطفه هو هذا الكلام المرموز مع أنَّ هذا الرمز في ذلك التوحيد علّة لا يصح ذلك التوحيد إلا بإسقاطه فإنّ الحدث لم يزل ساقطاً، وإنّ القدم لم تزل ثابتة، فما معنى إسقاط ذلك وإثبات هذا، ومن المسقط والمثبت، وما ثمَّ إلا وجه الحق تعالى؟ فهذه علّة وهؤلاء ظنوا أنهم قد حصلوا تعريفه وليسوا في حاصل.

(م) هذا قطب الإشارة إليه على ألسن علماء هذا الطريق وإن زخرفوا له نعوتاً وفصلوه فصولاً فإنّ ذلك التوحيد يزيده العبارة خفاء، والصفة نفوراً والبسط صعوبة .

(ش) «هذا» أي قولهم إسقاط الحدث وإثبات القدم قطب مدار الإشارة إلى هذا الطريق وأعظم الإشارات وأحكمها وهو مع ذلك معلول يجب إسقاطه في تصحيح هذا التوحيد والباقي من المتن ظاهر.

(م) وإلى هذا التوحيد شَخَصَ أهل الرياضة وأرباب الأحوال والمعارف وله قصد أهل التعظيم وإيّاه عنى المتكلمون في عين الجمع، وعليه تصطلم الإشارات ثمَّ لم ينطق عنه لسان ولم يشر إليه عبارة فإنّ التوحيد وراء ما يشير إليه مكوّن أو يتعاطاه حين، أو يقله سبب؟

(ش) وإلى هذا التوحيد «شخص أي ذهب أهل الرياضة السالكون وعليه تصطلم الإشارات أي تنقطع وتستأصل فإنّ التوحيد وراء ما يشير إليه مكوّن أي مخلوق لأنّه لا يصح إلا بفناء الرسوم كلّها وصفاء الأحديّة عن الكثيرة العددية فلا مجال للإشارة فيه، أو يتعاطاه حين أي وراء ما يتداوله زمان لأنّه في عين القدم فوق طور الزمان والحدث، أو يقله سبب أي وراء ما يحمله سبب لأنّه قائم بمسبب الأسباب وحده فكيف يحمله سبب؟

وكلامه ظاهر لا يحتاج إلى الشرح. (م) وقد أجبت في سالف الزمان سائلاً سألني عن توحيد الصوفية بهذه القوافي الثلاث:

ما وحد الواحد من واحد *** إذ كلّ من وحده جاحد

توحید من ينطق عن نعته *** عارية أبطلها الواحد

توحیده إياه توحيده *** ونعت من ینعته لاحد

(ش) يعني ما وحّد الحقّ تعالى حقّ توحيده الذّاتي أحد إذ كلّ من وحده أثبت فعله ورسمه بتوحيده فقد جحده بإثبات الغير إذ لا توحيد إلا بفناء الرسوم والآثار كلها «توحيد من

ينطق من نعته عارية» إذ لا نعت في الحضرة الأحدية ولا نطق ولا رسم لشيء والنطق والنعت يقتضيان الرسم وكلّ ما يشمّ منه رائحة الوجود فهو للحق عارية عند الغير فيجب عليه ردّها إلى مالكها حتّى يصح التوحيد ويبقى الحق واحداً واحداً فلذلك أبطل الواحد الحقيقي تلك العارية الّتي هي ذلك التوحيد مع بقاء رسم الغير فإنّه باطل في نفسه في الحضرة الأحدية «توحيده إيّاه توحيده» أي توحيد الحق ذاته بذاته هو توحيده الحقيقي «ونعت من ينعته لاحد» أي وصف الذي يصفه هو أنّه مشرك جائر عن طريق الحق مائل عنه لأنه أثبت النعت ولا نعت ثمة وأثبت رسمه بإثبات النعت ولا رسم لشيء في الحضرة الأحدية ولا أثر وإلا لم تكن أحدية انتهى .

فإن قلت: إنّ ما أستفيد ممّا تقدّم في معنى التوحيد أنّه تعالى أحد لا بتأويل عدد كما صرح به الأمير(علیه السلام) في كلامه المذكور آنفاً وقد قال سيد الساجدين وزين العابدين علي بن الحسين(علیه السلام) في الدُّعاء الثامن والعشرين من الصحيفة السجادية وهو كان من دعائه (علیه السلام)متفزعاً إلى اللّه عزّ وجلَّ : لك يا إلهي وحدانية العدد، وملكة القدرة الصمد، وفضيلة الحول والقوة، ودرجة العلو والرفعة ومن سواك مرحوم في عمره مغلوب على أمره مقهور على شأنه مختلف الحالات متنقل في الصفات فتعاليت عن الأشباه والأضداد وتكبرت عن الأمثال والأنداد، فسبحانك لا إله إلا أنت (1).

فكيف التوفيق بين قوله(علیه السلام) : لك يا إلهي وحدانية العدد وبين ما مرّ من أنَّ اللّه تعالى منزّه عن الوحدة العددية؟

قلت : قد أفاد العالم المحقق صدر الدين المعروف بالسيد علي خان رضوان اللّه عليه في شرحه ما أتلوه عليك أولاً ثمَّ أذكر ما عندي، قال رحمه اللّه تعالى :

تقديم المسند لإفادة قصر المسند إليه عليه أي لك وحدانية العدد لا تتخطاك إلى غيرك، ووحدانية الشيء كونه واحداً لأنّ ياء النسب ألحقت آخر الاسم وبعدها هاء التأنيث أفادت معنی المصدر كالألوهية والربوبية والألف والنون مزيدتان للمبالغة.

والعدد قيل : هو كثيرة الآحاد وهي صورة تنطبع في نفس العاد من تكرار الآحاد، وعلى هذا فالواحد ليس عدداً، وقيل: هو ما يقع جواباً لكم فيكون الواحد عدداً .

وقد اختلف أقوال الأصحاب في معنى قوله(علیه السلام) : لك يا إلهي وحدانية العدد لمنافاتها ظاهراً وجوب تنزيهه تعالى عن الوحدة العددية نقلاً وعقلاً


1) الصحيفة السجادية الكاملة : 145

أمّا النقل فمستفيض من أخبارهم(علیه السلام) ومنه قول أمير المؤمنين(علیه السلام) في خطبة له : الواحد بلا تأويل عدد، وقوله في خطبة أخرى : واحد ى واحد لا بعدد ودائم لا بأمد .

ومنه ما رواه رئيس المحدّثين في كتاب «التوحيد»: أنَّ أعرابياً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين(علیه السلام) فقال : يا أمير المؤمنين أتقول أن اللّه واحد؟ فحمل الناس عليه وقالوا يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسيم القلب؟ فقال أمير المؤمنين(علیه السلام) : دعوه فإنّ الذي بريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم ثم قال: يا أعرابي إنّ القول بأنّ اللّه تعالى واحد على أربعة أقسام فوجهان منها لا يجوزان على اللّه عزّ وجلّ، ووجهان يثبتان فيه : فأما اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل واحد يقصد به باب الأعداد فهذا ما لا يجوز لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد أما ترى أنّه كفر من قال ثالث ثلاثة؟

وقول القائل هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز عليه لأنه تشبيه وجل ربنا عن ذلك وتعالى .

وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل هو واحد ليس له في الأشياء شبه كذلك ربنا، وقول القائل: إنّه عزّ وجلّ أحدي المعنى يعني به أنه لا ينقسم في وجوده ولا عقل ولا و هم كذلك ربّنا عزّ وجلّ(1).

وأمّا العقل فلأن الوحدة العددية إنما تتقوم بتكرّرها الكثرة العددية ويصح بحسبها أن يقال إنَّ المتصف بها أحد أعداد الوجود أو أحد آحاد الموجودات وعز جنابه سبحانه أن يكون كذلك، بل الوحدة العددية والكثرة العددية التي هي في مقابلتها جميعاً من صنع وحدته المحضة الحقيقية التي هي نفس ذاته القيومة وهي وحدة فة وجوبية قائمة بالذات لا مقابل لها ومن لوازمها نفي الكثرة كما أشار إليه أمير المؤمنين صلوات اللّه وسلامه عليه في الحديث المذكور آنفاً أنه إحدى المعنى لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم .

إذا عرفت ذلك ظهر لك أنَّ قوله (علیه السلام): لك يا إلهي وحدانية العدد ليس مراداً به الوحدة العددية بل لا بد له من معنى آخر يصح تخصيصه به تعالى وقصره عليه كما يقتضيه تقديم المسند على المسند إليه .

فقال بعضهم: المراد به نفي الوحدة العددية عنه تعالى لا إثباتها له، وهو غير ظاهر . وقيل : معناه أنّ لك من جنس العدد صفة لوحدة وهو كونك واحداً لا شريك لك ولا ثاني لك في الربوبية.


1) الخصال: 2 ح 1 ، والتوحيد : 383.

وقيل : معناه إذا عددت الموجودات كنت أنت المتفرد بالوحدانية من بينها .

وقيل : أريد به أنَّ لك وحدانية العدد بالخلق وألا يجادلها فإنّ الوحدة العددية من صنعه وفيض وجوده وجوده ولا يخفى أنه بمعزل عن المقام.

وقال بعضهم: أراد بوحدانية العدد جهة وحدة الكثرات وأحدية جمعها لا إثبات الوحدة العددية له تعالى .

وقيل : معناه أنّه لا كثرة فيك أي لا جزء لك ولا صفة لك يزيدان على ذلك وهو أنسب المعاني المذكورة بالمقام، وتوضيح المراد أنّ قوله(علیه السلام) لك يا إلهي وحدانية العدد يفسّره قوله : (ومن سواك مختلف الحالات متنقل في الصفات) فإنّه(علیه السلام) قابل كل فقرة من الفقرات الأربع المتضمّنة للصفات التي قصرها عليه سبحانه بفقرة متضمنة لخلافها فمن سواه على الطريق اللف والنشر الذي يسميه أرباب البديع معكوس الترتيب وهو أن يذكر متعدد تفصيلاً ثمَّ تذكر أشياء على عدد ذلك كل واحد يرجع إلى واحد من المتقدم من غير تعيين ثقة بأنّ السامع يرد كلّ واحد إلى ما يليق به ويكون الأوّل من النشر للآخر من اللف والثاني لما قبله وهكذا على الترتيب كعبارة الدُّعاء فإنّ قوله(علیه السلام) : مختلف الحالات متنقل في الصفات راجع إلى قوله لك يا إلهي وحدانية العدد، وقوله : مقهور على شأنه راجع إلى قوله : وملكة القدرة الصمد، وقوله : مغلوب على أمره راجع إلى قوله وفضيلة الحول والقوة، قوله: مرحوم في عمره راجع إلى قوله : درجة العلو والرفعة .

إذا علمت ذلك ظهر لك أنَّ المراد بوحدانية العدد له تعالى معنى يخالف معنى اختلاف الحالات والتنقل في الصفات لغيره سبحانه فيكون المقصود إثبات وحدانية ما تعدد من صفاتهوتكثر من جهاته وأنَّ عددها وكثرتها في الاعتبارات والمفهومات لا يقتضي اختلافاً في الجهات والحيثيات ولا تركيباً من الأجزاء بل جميع نعوته وصفاته المتعدّدة موجودة بوجود ذاته، وحيثية ذاته بعينها حيثية علمه وقدرته وسائر صفاته الإيجابية فلا تعدد ولا تكثر فيها أصلاً بل هي وحدانية العدد موجودة بوجود واحد بسيط من كل وجه إذ كل منها عين ذاته فلو تعددت لزم كون الذات الواحدة ذواتاً تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً .

وهذا معنى قولهم واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات فجميع صفاته الإيجابية عين ذاته من غير لزوم تكثر .

فإن قلت كيف تكون صفاته عين ذاته ومفهوم الصفة غير مفهوم الذات؟ وأيضاً فإنّ مفهوم كلّ صفة غير مفهوم صفة أخرى فكيف تتحد بالذات؟ .

قلت : قد تكون المفهومات المتعدّدة موجودة بوجود واحد فالصفات بحسب المفهوم

وإن كانت غير الذات وبعضها يغاير بعضها إلا أنها بحسب الوجود ليست أمراً وراء الذات أعني أنّ ذاته الأحدية تعالى شأنه هي بعينها صفاته الذاتية بمعنى أنّ ذاته بذاته وجود وعلم وقدرة وحياة وسمع وبصر، وهي أيضاً مو موجود عالم قادر حي سميع بصير يترتب عليها آثار جميع الكمالات ويكون هو من حيث ذاته مبدأ لها من غير افتقار إلى معان أخرى قائمة به تسمّى صفاتاً تكون مصدراً للآثار لمنافاته الوحدة والغناء الذاتيين والاختصاص بالقدم فذاته صفاته وصفاته ذاته لا زائدة عليها كصفات غيره من المخلوقين فإنّ العلم مثلاً في غيره سبحانه صفة زائدة على ذاته مغايرة للسمع فيه وفيه نفسه تعالى وهو بعينه سمعه وقس على ذلك سائر الصفات الثبوتية.

فتبيّن أنّ المراد بقصر وحدانية العدد عليه تعالى هذا المعنى المخالف لصفات من سواه وحالاته فإنّها كيفيات نفسانية انفعالية وحالات متغايرة ومعان مختلفة له إذ كان يسمع بغير ما يبصر، ويبصر بغير ما يسمع إلى غير ذلك من صفاته المتعدّدة المتكثّرة التي توجب اختلاف الحالات والتنقل في الصفات وبالجملة فمعنى قصر وحدانية العدد عليه سبحانه نفي التعدّد والتكثر والاختلاف عن الذات والصفات على الإطلاق، وهذا المعنى مقصور عليه تعالى لا يتجاوزه إلى غيره واللّه أعلم بمقاصد أوليائه، وفي المقام كلام طويل طويناه على عزّه . انتهى كلامه رفع مقامه .

أقول : أوَّلاً إنَّ حديث الأعرابي يوم الجمل قد نقله العلامة الشيخ بهاء الدين قدّس سرّه أيضاً في أوائل المجلد الثالث من «الكشكول» (ص 258 من طبع نجم الدولة من كتاب أعلام الدين تأليف أبي محمد الحسن بن أبي الحسن الديلمي، عن مقداد بن شريح البرهاني، عن أبيه قال : قام رجل يوم الجمل إلى علي(علیه السلام) - الخ ، وثانياً الحكم في أصول العقائد والمعيار فيها هو العقل فحسب فما حكم به العقل الناصع فهو المتبع فإذا ورد أمر من أهل بيت الوحي وخزنة أسرار اللّه فإن كان ممّا يدركه العقل وإلا فإن عجز عن إدراكه فإما كان العجز من حيث إنه كلام عال سام لا تبلغه العقول بلا تلطيف سرّ وتدقيق فكر ونور علم فلا بد من الورود فيها من أبوابها، أو من حيث إن ظاهره ينافي حكم صريح العقل فلا بد من التأمل فيه حق التأمّل لأنَّ الكلام حينئذ ليس محمولاً على ظاهره قطعاً وذلك للعلم القطعي بأن ما صدر عن أولياء اللّه تعالى لاسيما عن حججه ووسائط فيضه ليس ما ينافي حكم العقل واقعاً بل منطقهم عقل ليس إلا فما يحرى على الفاحص مغزا كلامهم، والمستفيد من مأدبة مرامهم أن يسأل اللّه تعالى فهم ما أفاضو ونيل ما أفادوه، فقد روي ثقة الإسلام الكليني في باب فيما جاء أنَّ حديثهم صعب مستصعب من كتاب الحجّة من أصول الكافي بإسناده عن جابر قال: قال أبو جعفر(علیه السلام) قال : قال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : إن حديث آل محمد صعب مستصعب يؤمن به إلا ملك مقرّب أو نبي مرسل أو عبد امتحن اللّه قلبه للإيمان، فما ورد عليكم من

حديث آل محمد(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه وما اشمأزت منه قلوبكم وأنكرتموه فردوه إلى اللّه وإلى الرسول وإلى العالم من آل محمد(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) إنما الهالك أن يحدث أحدكم بشيء منه لا يحتمله فيقول : واللّه ما كان هذا واللّه ما كان هذا والإنكار هو الكفر (1)(330 ج 1 من الكافي المشكول) وقريب منه ما قد أتى به السيد الرضي عن أمير المؤمنين علي في الخطب 187 من «النهج » أولها : فمن الإيمان ما يكون ثابتاً مستقراً في القلوب .

فنقول : العقل حاكم على أنّه تعالى ليس بواحد عددي أي شخصيّ لأنَّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد والوحدة العددية معروضها هويات آحاد عالم الإمكان، على أنّه قد تحقق في محلّه أنَّ العدد لا يعرض المفارق العقلي لا بالذات ولا بالعرض وهو عارض للنفوس بواسطة البدن، بل اللّه تعالى واحد بالوحدة الحقة هي حق الوحدة إذ لا مهيّة له سوى الوجود البحث البسيط والوجود هو الوحدة القائمة بذاتها والوحدة هي الوجود.

فاعلم أن الوحدة هي ما يقال به لشيء ما واحد، والعدد هو الكمية المتألّفة من الوحدات، كما في صدر المقالة السابعة من أصول اقليدس، فالوحدة ليست بعدد لأنَّ العدد ما فيه انفصال لأنّه كمّ، والكمّ تقبل الانقسام، والوحدة لا تقبله ومن جعلها عدداً أراد بالعدد ما يدخل تحت العد، كما قال العلامة الخواجه الطوسي في الصدر المذكور : «وقد يقال لكلّ ما يقع في مراتب العدّ عدد فيقع اسم العدد على الواحد أيضاً بهذا الاعتبار» فالنزاع لفظي، وقد يحدّ العدد بأنه نصف مجموع حاشيته كالأربعة مثلاً حاشيتاها ثلاثة وخمسة وهي نصف مجموعها، فيخرج الواحد منه أيضاً .

والوحدة مبدأ العدد المتقوم بها فالحق كما صرح به العلامة الشيخ البهائي في «خلاصة الحساب» أنّ الواحد ليس بعدد وإن تألفت منه الأعداد كما أنّ الجوهر الفرد عند مثبتيه ليس بجسم وإن تألفت منه الأجسام مثلاً أنَّ العشرة متقومة بالواحد عشر مرات وليست متقومة بخمسة وخمسة ولا بسته وأربعة ولا بسبعة وثلاثة ولا بثمانية واثنين لأن تركبها من الخمستين ليس بأولى من تركبها من الستة والأربعة وغيرها من أنواع الأعداد التي تحتها، ولهذا قال الفيلسوف المقدم أرسطاطاليس - كما في الخامس من ثالثة إلهيات الشفاء : لا تحسين أن ستة ثلاثة وثلاثة بل هو ستة مرة واحدة

وقال الشيخ في الفصل المذكور: وحدّ كلّ واحد من الأعداد إن أردت التحقيق هو أن يقال إنّه عدد من اجتماع واحد وواحد وواحد وتذكر الآحاد كلّها وذلك لأنه لا يخلو إما أن يحدّد العدد من غير أن يشار إلى تركيبه ممّا ركب منه بل بخاصية من خواصه فذلك يكون


1) الكافي: 401/1 ح1 ، وبحار الأنوار: 189/2ح 21.

رسم ذلك العدد لا حدّه من جوهره، وإمّا أن يشار إلى تركيبه ممّا ركب منه، فإن أُشير إلى تركيبه من عددين دون الآخر مثلاً أن يجعل العشرة من تركيب خمسة وخمسة لم يكن ذلك أولى من تركيب ستة مع أربعة وليس تعلق هويّتها بأحدهما أولى من الآخر وهو بما هو عشرة مهية واحدة ومحال أن تكون مهية واحدة وما يدلّ على مهية من حيث هي واحدة حدود مختلفة، فإذا كان كذلك فحدّه ليس بهذا ولا بذاك بل بما قلنا ويكون إذا كان ذلك كذلك فقد كان له التراكيب من خمسة وخمسة ومن ستة وأربعة ومن ثلاثة وسبعة لازماً لذلك وتابعاً

فيكون هذه رسوماً له .

فنقول : كما أنَّ الوحدة مبدأ العدد وليست منه وتتألف منه الأعداد بكثرتها ولم تجد في مراتبها المختلفة بعد الفحص والتفتيش غير الوحدة وقد علمت أن مفاهيم الأعداد تتحقق بتكرّر المفهوم الوحدة لا غير كذلك الوحدة الحقة التي هي حق الوحدة مبدأ للحقائق وبتكرّر تجلياته تتحقق الحقائق بلا تكثر في المتجلّى وكأن ما في زبور آل محمد(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) من من أنّ له تعالى وحدانية العدد يشير إلى هذا السرّ المكنون وقد سلك أهل السرّ هذا المسلك الأقوم والطريق الأوسط.

فقال السيّد المحقق الداماد قدس اللّه روحه معناه : أنّ الوحدة العددية ظلّ لوحدة الحقة الصرفة القيّومية، وقال مولانا محسن الفيض قدس سرّه وحدانية العدد أي جهة وحدة الكثرات وأحديّة جمعها لأنَّ العددية منتفية عنه سبحانه تعالى البنّة وإنما الثابت له معنى الوحدة ليس إلا الوحدة الحقيقية كما ثبت في محلّه عقلاً ونقلاً .

وقال صدر المتألهين قدس سره في «الشواهد الربوبية : ومن اللطائف أنّ العدد مع غاية تباينه عن الوحدة وكون كل مرتبة منه حقيقة برأسها موصوفة بخواص ولوازم لا توجدان في غيرها إذا فتشت في حاله وحال مراتبه المختلفة لم تجد فيها غير الوحدة.

وقال الحكيم المتألّه السبزواري رضوان اللّه عليه في الحاشية: فكل عدد من الأعداد التي من النسب الأربع فيه التباين مع الآخر ليس أجزاؤه إلا الواحد فالإثنان واحد وواحد، والثلاثة واحد وواحد وواحد وهكذا فالواحد رسم بتكراره الأعداد المتباينة ولو في غاية التباين وتكرار الشيء ليس إلا ظهوره ثانياً وثالثاً بالغاً ما بلغ وظهورات الشيء ليست مكثرة له فإذا ظهر زيد في البيت مرّة بعد أولى وكرّة غبّ أخرى لم يتعدد تعدّداً شخصياً أو نوعياً، وهذا الواحد لا بشرط صار باللحظات الكثيرة أعداداً متباينة لها أحكام وآثار متخالفة مما هي مشروحة في علم الحساب وعلم الأعداد وغيرهما فمفهوم الواحد في مفاهيم الأعداد كحقيقة الوجود بالنسبة إلى أنحاء الوجودات ولعلّ هذا معنى قول سيد الساجدين علي بن الحسين(علیه السلام) : يا إلهي لك وحدانية العدد أي لك وحدانية آيتها الوحدانية التي هي راسمة

الأعداد وعلّة قوامها وعادها ومفنيها انتهى .

وقد نقلنا بيان هؤلاء العظام من تعليقة الحكيم المتأله البارع الآخوند الهيدجي على الفريدة الثالثة من المقصد الأوّل من غرر «الفرائد للمتألّه السبزواري قدس سرهما .

وأنت تعلم أنّ كلامهم مبني على ذلك السرّ المشار إليه وقد بسط القول فيه غير واحد من أجلة المتألهين منهم محيي الدين في الفصّ الإدريسي من كتاب «فصوص الحكم»، ومنهم المولى صدرا في الفصل الرابع من المرحلة الخامسة من السفر الأوّل من «الأسفار الأربعة»، ومنهم المولى محسن الفيض في «عين اليقين».

ونأتي بكلام الأوّلين تتميماً للفائدة وتكميلاً لها قال أوسطهم : فصل في بعض الأحكام الوحدة والكثرة، إنّ الوحدة ليست بعدد وإن تألف منها لأنَّ العدد كم يقبل الانقسام والوحدة لا يقبله ومن جعل الوحدة من العدد أراد بالعدد ما يدخل في تحت العدّ فلا نزاع معه لأنه راجع إلى اللفظ بل هي مبدأ للعدد لأنّ العدد لا يمكن تقومه إلا بالواحدة لا بما دون ذلك العدد من الأعداد فإنَّ العشرة لو تقويت بغير الوحدات لزم الترجيح من غير مرجّح فإنَّ تقومها بخمسة وخمسة ليس أولى من تقوّمها بستة وأربعة ولا من تقومها بسبعة وثلاثة والتقوم بالجميع غير ممكن وإلا لزم تكرّر أجزاء المهيّة المستلزم لاستغناء الشيء عمّا هو ذاتي له لأنّ كلاً منها كان في تقوّمها فيستغنى به عمّا عداه، وإن أخذ تقويمها باعتبار القدر المشترك بين جميعها لا باعتبار الخصوصيات كان اعترافاً بما هو المقصود إذ القدر المشترك بينها هو الوحدات .

ومن الشواهد أنّه يمكن تصوّر كل عدد بكنهه مع الغفلة عمّا دونه من الأعداد فلا يكون شيء منها داخلاً في حقيقته، فالمقوّم لكلّ مرتبة من العدد ليس إلا الوحدة المتكرّرة فإذا انضم إلى الوحدة مثلها حصلت الاثنينية وهي نوع من العدد وإذا انضم إليها مثلاها حصلت الثلاثة وهكذا تحصل أنواع لا تتناهى بتزايد واحد واحد لا إلى نهاية إذا التزايد لا ينتهي إلى حد لا يزاد عليه، فلا تنتهي الأنواع إلى نوع لا يكون فوقه نوع آخر.

وأمّا كون مراتب العدد متخالفة الحقائق كما هو عند الجمهور فلاختلاقها باللوازم والأوصاف من الصمم والمنطقية والتشارك والتباين والعادية والمعدودية والتجذير والمالية والتكعب وأشباهها واختلاف اللوازم يدلّ على اختلاف الملزومات .

وهذا ممّا يؤيّد ما ذهبنا إليه في باب الوجود من أن الاختلاف بين حقائقها إنّما نشأ من نفس وقوع كل حقيقة في مرتبة من المراتب فكما أن مجرد كون العدد واقعاً في مرتبة بعد الاثنينية هو نفس حقيقة الثلاثة إذ يلزمها خواص لا توجد في غيره من المراتب قبلها أو بعدها

فكذلك مجرّد كون الوجود واقعاً في مرتبة من مراتب الأكوان يلزمه معان لا توجد في غير الوجود الواقع في تلك المرتبة فالوحدة لا بشرط في مثالها بإزاء الوجود المطلق، والوحدة المحضة المتقدّمة على جميع المراتب العددية بإزاء الوجود الواجبي الذي هو مبدأ كل وجود بلا واسطة ومع واسطة أيضاً، والمحمولات الخاصة المنتزعة من نفس كل مرتبة من بإزاء المهيات المتحدة مع كلُّ مرتبة من العدد الوجود، وكما أنَّ الاختلاف بين الأعداد بنفس ما به الاتفاق فكذلك التفاوت بين الوجودات بنفس هوياتها المتوافقة في سنخ الموجوديّة .

وعلى ما قرَّرنا يمكن القول بالتخالف النوعي بين الأعداد نظراً إلى التخالف الواقع بين المعاني المنتزعة عن نفس ذواتها بذواتها وهي التي بإزاء المهيات المتخالفة المنزعة عن نفس الوجودات .

ويمكن القول بعدم تخالفها النوعي نظراً إلى أنَّ التفاوت بين ذواتها ليس إلا بمجرد القلّة والكثرة في الوحدات ومجرَّد التفاوت بحسب قلة الأجزاء وكثرتها في شيء لا يوجب الاختلاف النوعي في أفراد ذلك الشيء، وأما كون اختلاف اللوازم دليلاً على اختلاف الملزومات فالحق دلالته على القدر المشترك بين التخالف النوعي والتخالف بحسب القوَّة والضعف والكمال والنقص. انتهى كلامه رفع مقامه .

وأمّا ما أفاده في المقام أولهم في الفص الإدريسي، فلمّا كان كشف دقائقه على طالبيه مبتنياً على زيادة ،إيضاح، فالحري بنا أن نأتي به مع شرح كاشف معضلات كتابه «فصوص الحكم» داود بن محمود القيصري مشيراً إلى المتن بحرف الميم وإلى الشرح بالشين كما يلي:

(م) فاختلطت الأمور وظهرت الأعداد بالواحد في المراتب المعلومة.

(ش) أي فاختلطت الأمور واشتبهت بالتكثر الواقع فيها على المحجوب الغير المنفتح عين بصيرته وإن كانت ظاهرة راجعة إلى الواحد الحقيقي عند من رفعت الأستار عن عينه وانكشف الحق إليه بعينه والاختلاط بالتجليات المختلفة صار سبباً لوجود الكثرة كما ظهرت الأعداد بظهور الواحد في المراتب المعلومة، ولمّا كان ظهور الواحد في المراتب المتعدّدة مثالاً تاماً لظهور الحق في مظاهره جعل هذا الكلام توطئة وشرع في تقرير العدد وظهور الواحد فيه ليستدلّ المحجوب به على الكثرة الواقعة في الوجود المطلق مع عدم خروجه عن كونه واحداً حقيقياً، وقال:

(م) فأوجد الواحد العدد وفصل العدد الواحد.

(ش) أي أوجد الواحد بتكرّره العدد إذ لو لم يتكرّر الواحد لم يكن حصول العدد

وفصل العدد مراتب الواحد مثل الإثنين والثلاثة والأربعة وغير ذلك إلى ما لا يتناهى لأنَّ كلّ مرتبة من مراتب الآحاد والعشرات والمآت والألوف ليس غير الواحد المتجلّي بها لأنَّ الإثنين مثلاً ليست إلا واحداً وواحداً اجتمعا بالهيئة الوحدانية فحصل منها الإثنان فمادته هوالواحد المتكرّر وصورته أيضاً واحدة فليس فيه شيء سوى الواحد المتكرّر فهو مرتبة من مراتبه وكذلك البواقي، فإيجاد الواحد بتكراره العدد مثال لإيجاد الحق الخلق بظهوره في الصورة الكونية، وتفصيل العدد مراتب الواحد مثال لإظهار الأعيان أحكام الأسماء الإلهية والصفات الربانية والارتباط بين الواحد والعدد مثال للارتباط بين الحق والخلق وكون الواحد صف الإثنين وثلث الثلاثة وربع الأربعة وغير ذلك مثال للنسب اللازمة التي هي الصفات للحق.

(م) وما ظهر حكم العدد إلا بالمعدود فالمعدود منه عدم ومنه وجود، فقد يعدم الشيء من حيث الحس وهو موجود من حيث العقل .

(ش) أي العدد لكونه كمّاً منفصلاً وعرضاً غير قائم بنفسه لا بد أن يقع في معدود ما سواء كان ذلك المعدود موجوداً في الحس أو معدوماً فيه موجوداً في العقل وظهور العدد بالمعدود مثال لظهور الأعيان الثابتة في العلم بالموجودات وهي بعضها حسية وبعضها غيبية كما أنَّ بعض المعدود في الحس وبعضه في العقل .

(م) فلا بدّ من عدد ومعدود ولا بد من واحد ينشيء ذلك فينشأ بسببه .

(ش) أي إذا كان لا يظهر حكم العدد إلا بالمعدود ولا يتبين مراتب الواحد إلا بالعدد فلا بدّ من عدد ،ومعدود ولمّا كان العدد ينشأ بتكرار الواحد فلا بد من واحد ينشيء ذلك العدد فينشأ ، أي يظهر الواحد في مراتبه ومقاماته المختلفة بسبب ظهور العدد فالسبب هنا السبب القابلي، ولا بد من واحد ينشىء العدد فينشأ العدد بسبب ذلك الواحد فالسبب السبب الفاعلي والأوَّل أنسب .

(م) فإن كان كلّ مرتبة من العدد حقيقة واحدة كالتسعة مثلاً والعشرة إلى أدنى وأكثر إلى غير نهاية ما هي مجموع ولا ينفك عنها اسم جمع الآحاد فإن الإثنين حقيقة واحدة والثلاثة حقيقة واحدة بالغاً ما بلغت هذه المراتب .

(ش) وفي بعض النسخ فإنّ لكلّ مرتبة من العدد حقيقة والظاهر أنّه تصرف ممّن لا يعرف معناه ومقصوده (رضي اللّه عنه) أن كان كل مرتبة حقيقة واحدة أي إن عبرنا في كل مرتبة ما به يمتاز العدد المعيّن فيها من غيرها وهو ما به الإثنان إثنان والثلاثة ثلاثة مثلاً فما هي مجموع الآحاد فقط بل ينضم إليها أمر آخر يميزها عن غيرها ولا ينفك عنها اسم جمع سم جمع الأحاد الآحاد لأنه

كالجنس لها فلا بدّ منها فإنّ الإثنين حقيقة واحدة ممتازة من الثلاثة وهي أيضاً كذلك حقيقة واحدة متميزة عن الأخرى إلى ما لا نهاية له فقوله : ما هي مجموع جواب الشرط والجملة الاسمية إذا وقعت جواب الشرط يجوز حذف الفاء منه عند الكوفيين كقول الشاعر : من يفعل الحسنات اللّه يجزيها، وإن لم تعتبر الأمور المتميزة بعضها عن بعضها وتأخذ القدر المشترك بين الكل الذي بين النوعين كالإنسان والفرس فيحكم عليهما بأنهما حيوان فكذلك يحكم في الإثنين والثلاثة والأربعة بأنها مجموع من الآحاد مع قطع النظر عما به يمتاز بعضه عن البعض الآخر وهو المراد بقوله :

(م) وإن كانت واحدة فما عين واحدة منهن عين ما بقي

(ش) وهذا الشق يدلّ على ما ذهبنا إليه من أن الأصحّ فإن كانت كلّ مرتبة من العدد حقيقة أي وإن كانت المراتب كلها واحدة في كونها جمع الآحاد أو مجموعها، فليس عين مرتبة واحدة من تلك المراتب عين ما بقي منها لأنّ كل مرتبة منها حقيقة برأسه موصوفة بخواص لا توجد في غيرها، ويجوز أن تكون (ما) بمعنى (الذي) أي وإن كانت المراتب كلّها واحدة بحسب رجوعها إلى حقيقة واحدة هي جمع الأحاد، فالذي عين واحدة من مراتب الإثنين والثلاثة وغير ذلك عين ما بقي في كونه عبارة عن جمع الآحاد وهذا أنسب بقوله :

(م) فالجمع يأخذها فيقول بها منها ويحكم بها عليها .

(ش) أي إذا كان لا ينفك عنها اسم جمع الآحاد فجمع الآحاد الذي هو كالجنس لتلك المراتب يأخذها ويجمعها ويتناولها ويصدق عليها صدق الجنس على أنواعه فنقول بتلك المراتب من تلك الحقيقة الجامعة إياها ويحكم بها عليها أي الجامع بين المراتب يحكم عليها بما يعطيه من الأحكام كما يحكم الحق على الأعيان بما يعطيه من الأحوال.

(م) وقد ظهر في هذا القول عشرون مرتبة فقد دخلها التركيب .

(ش) أي حصل في هذا القول وهو أن كانت كل مرتبة حقيقة عشرون مرتبة أولها مرتبة الواحد المنشيء للعدد ، ثمَّ مرتبة الإثنين إلى التسعة فصار تسعة ثمَّ مرتبة العشرة والعشرين إلى تسعين وهي تسعة أخرى فصار ثمانية عشر، ثمَّ مرتبة المائة والألف وعلى الباقي يدخل التركيب، وضمير دخلها يرجع إلى المراتب العشرين .

(م) فما تنفك ثبت عين ما هو منفي عندك لذاته .

(ش) أي لا تزال ثبت في كل مرتبة من المراتب عين ما تنفيه في مرتبة أُخرى كما ذكرمن أنَّ الواحد ليس من العدد باتفاق جمهور أهل الحساب مع أنّه عين العدد إذ هو الذي

بتكرّره توجد الأعداد فيلزمه في كلّ مرتبة من مراتب العدد لوازم وخصوصيات متعددة وكذلك نقول لكلّ مرتبة أنها جمع الآحاد ونثبت أنها ليست غير مجموع الآحاد مع أنه منفي عندك بأنها ليست مجموع الآحاد فقط.

(م) ومن عرف ما قرّرناه في الأعداد وأنَّ نفيها عين ثبتها علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبّه وإن كان قد تميّز الخلق من الخالق فالأمر الخالق المخلوق والأمر المخلوق الخالق.

(ش) أي ومن عرف أنَّ العدد هو عبارة عن ظهور الواحد في مراتب متعدّدة وليس في العدد بل هو مقوّمه ومظهره والعدد أيضاً في الحقيقة ليس غيره، وأنَّ نفي العددية من الواحد عين إثباتها له لأنَّ الأعداد ليست إلا عين مجموع الآحاد مادة وصورة علم أنَّ الحق المنزه عن نقائص الإمكان بل عن كمالات الأكوان هو بعينه الخلق المشبه ، وإن كان قد تميّز الخلق بإمكانه من الخالق فالأمر الخالق أي الشيء الذي هو الخالق هو المخلوق بعينه، لكن في مرتبة أخرى غير المرتبة الخالقية والأمر المخلوق هو الخالق بعينه لكن باعتبار ظهور الحق

واعلم أنَّ الإثنين مثلاً ليست عبارة إلا عن ظهور الواحد مرتين مع الجمع بينهما والظاهر فرادى ومجموعاً ليس إلا الواحد فما به الإثنان إثنان وتغاير الواحد ليس إلا أمر متوهم لا حقيقة له كذلك شأن الحقِّ مع الخلق فإنّه هو الذي يظهر بصور البسائط ثمَّ بصور المركبات فيظن المحجوب أنّها مغايرة بحقائقها وما يعلم أنّها أُمور متوهمة ولا موجود إلا هو .

(م) كلّ ذلك من عين واحدة لا بل هو العين الواحدة وهو العيون الكثيرة.

(ش) أي كلّ ذلك الوجود الخلقي صادر من الذات الواحدة الإلهية ثم أضرب عنه لأنه مشعر بالمغايرة فقال : بل ذلك الوجود الخلقي هو عين تلك العين الواحدة الظاهرة في مراتب متعدّدة وتلك العين الواحدة التي هي الوجود المطلق هي هي الوجود المطلق هي العيون الكثيرة باعتبار المظاهر المتكثّرة، كما قال :

سبحان من ن أظهرنا سوته *** سرّسنا لاهوته الثاقب

ثم بدا في خلقه ظاهراً *** في صورة الأكل وا الشارب

(م) فانظر ماذا ترى.

(ش) أي انظر أيها السالك طريق الحق ماذا ترى من الوحدة والكثرة جمعاً وفرادى؟ فإن كنت ترى الوحدة فقط فأنت مع الحق وحده لارتفاع الإثنينيّة وإن كنت ترى الكثرة فقط فأنت مع الخلق وحده، وإن كنت ترى الوحدة في الكثرة محتجبة والكثرة في الوحدة مستهلكة

فقد جمعت بين الكمالين وفزت بمقام الحسنيين، هذا آخر ما أفاد هذا الفحل العارف المتأله في المقام .

فبما قدّمنا ظهر لك سرُّ كلام ولي اللّه الأعظم زين العابدين وسيد الساجدين علي بن الحسين(علیه السلام) : لك يا إلهي وحدانية العدد، وكلام هؤلاء الأكابر سيما الأخير منهم تفصيل ذلك الكلام الموجز المفاض من صقع الملكوت وقد عرفه جده قدوة المتألهين وإمام العارفين وبرهان السالكين علي أمير المؤمنين(علیه السلام) بقوله : «إنا لأمراء الكلام وفينا تنشبت عروقه وعلينا تهدّلت غصونه» (1)(المختار 231) من خطب النهج)، وبقوله : «هم عيش العلم وموت الجهل - الخ» (المختار 237) من خطب النهج فراجع إلى شرحنا عليهما في المجلّدين الأوّل والثاني من تكملة منهاج البراعة .

وحيث انجرّ البحث إلى التوحيد وساقنا لقاء اللّه فلنشر إلى نبذة ممّا أودع في سورة التوحيد أعني سورة الإخلاص كي يستقر التوحيد على ما شاهده أهله في قلوب مستعديه، ويتضح معنى اللقاء المبحوث عنه أتم إيضاح لمبتغيه على أنّ هذه السورة نسبته تبارك وتعالى ووصفه، والحبيب يشتاق ذكر حبيبه ويلت بوصفه كما يحبّ الخلوة معه، والأُنس به، وآثاره من رسوله وكتابه وأوليائه .

ففي آخر الباب الحادي والعشرين من إرشاد القلوب للديلمي قدس سره في الذكر والمحافظة عليه : قال الصادق(علیه السلام) إن النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) صلى على سعد بن معاذ وقال : لقد وافي من الملائكة للصلاة عليه تسعون ألف ملك وفيهم جبرئيل يصلّون عليه فقلت: يا جبرئيل بما استحق صلاتكم؟ قال : يقرأ قل هو اللّه أحد قائماً وقاعداً وراكباً وماشياً وذاهباً وجائياً (2).

وقد انعقد الشّيخ أبو جعفر الصّدوق رضوان اللّه عليه باباً في كتاب التوحيد في تفسير سورة (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص : الآية 1] وأتى أئمة الدين بأحاديث قيمة : من فليراجع الطالب إليه وإلى «شرح المقتبس من مشكاة الولاية» القاضي السعيد القمّي أعلى اللّه درجاته على ذلك الكتاب، ولكنّا إنّما نكتفي بنقل بعضها، وبما أفاده العارف المتألّه الميرزا محمد رضا القمشئي قدّس سرّه في تعليقته على «شرح الفصوص» للقيصري، والحكيم البارع المولى صدرا قدس سره في «شرح أصول الكافي» في تفسير سورة الإخلاص لأن نقل جميع تلك الأحاديث ينجرّ إلى الإطالة لكونها صعباً مستصعباً جداً لا بدّ من تفسيرها وكشف معضلاتها .


1) تحف العقول 7 ، وبحار الأنوار: 245/31

2) الأمالي: 480 ح 645 ، والتوحيد : 95 ح 15 .

فأمّا ما قال القمشئي رضوان اللّه عليه في تعليقته على الفصل الأوّل من مقدمات القيصري على «شرح الفصوص» في الإشارة إلى نبذ ممّا في سورة التوحيد فهو ما يلي:

اعلم أنّ الوجود لمّا كان حيث ذاته حيث التحقق والإنية فهو متحقق بنفس ذاته ولما كان واجباً بذاته والواجب بالذات مهيّته إنيّته فليس فيه سوى حيث الوجود حيث، ولما لم يكن فيه سوى حيث الوجود حيث فلم يكن معه شيء فكان اللّه ولم يكن معه معه شيء فكان اللّه ولم يكن معه شيء والآن كما كان، وهذا هو الذي يوهم أنه وجود بشرط لا والأمر كذلك إلا أنّ كونه بشرط لا من لوازم ذاته ولا دخل في وجوب ذاته .

فإن قلت : فما معنى سريان تلك الحقيقة في الواجب والممكن؟

أقول: معنى السريان الظهور فقد يكون ظاهراً بنفس ذاته لذاته وهذا سريانه في الواجب وقد يكون ظاهراً في ملابس الأسماء والأعيان الثابتة في العلم، وقد يكون ظاهراً في ملابس أعيان الموجودات في الأعيان والأذهان، وهذا السريان في الممكن والكل شؤونه الذاتية، فالوجود المأخوذ لا بشرط عين الوجود بشرط بحسب الهوية والاختلاف في الاعتبار وإليه في قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ [الإخلاص : الآية 1] فإنّ لفظة (هو) ضمير يشير إلى أنّه لا اسم له ، له ولفظة (اللّه) اسم للذت بحسب الظهور الذاتي، ولفظة (أحد) قرينة دالّة على أنَّ اسم اللّه هناك للذات فإنّه مشترك بينها وبين الذات الجامعة لجميع الصفات وفي الظهور الذاتي لا نعت له ولا صفة بل الصفات منفيّة كما قال(علیه السلام) : (وكمال التوحيد نفي الصفات عنه تعالى) أي الغيب المجهول هو الذات الظاهرة بالأحدية، ولما كانت لفظة (أحد) قد تطلق لمعنى سلبي كما في هذا الموضع فإنّه يسلب عنه جمع الأشياء بل الأسماء والصفات أيضاً فيوهم أنّه خال الأشياء فاقد لها بل عن النعوت والكمالات وهو تعالى بوحدته كل الأشياء وجميع النعوت والكمالات فاستدرك بقوله تعالى : (اللّهُ الصَّمَدُ ) [الإخلاص : الآية 2] فإنَّ الصمد هو الواحد الجامع، ثمَّ استدل عليه بأنّه لم يلد ولم يولد أي لم يخرج عنه شيء ولم يخرج عن شيء ليكون ناقصاً بخروج الشيء عنه أو بخروجه عن شيء فأحديّته بسلب تعينات الأشياء عنه، وصمديته تثبت باندماج حقائقها فيه . انتهى كلامه .

قلت : ما أفاده قدس سره شريف متين جدا وتجد في تلك المعاني الدقيقة الفائضة من عرش التحقيق إشارات أنيقة من أئمة الدين صلوات اللّه عليهم أجمعين ومن تأمل في الجوامع الروائية الإمامية رأى بالعيان أن أصل العرفان تنشبت عروقه فيهم، وتهدلت غصونه عليهم إلاأنّ الجهلة من المتصوّفة وأشباه العرفاء ولا عرفاء إنما ردّوا النّاس عن الدين القهقرى وما سمعت من كلام هذا العارف الجليل في «هو» مأخوذ من خزنة العلم وعيب أسرار اللّه، فقد روى أبو جعفر الصدوق رضوان اللّه عليه في باب تفسير (قُلْ هُوَ اللّهُ ﴾ [الإخلاص : الآية 1]

من كتابه «التوحيد» بإسناده عن أبي البختري وهب بن وهب القرشي، عن أبي عبد اللّه الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي الباقر(علیه السلام) في قول اللّه تبارك وتعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص : الآية 1]

قال: (قُلْ) [الإخلاص : 1] أي أظهر ما أوحينا إليك ونبأناك به بتأليف الحروف التي قرأتها لك ليهتدي بها من ألقى السمع وهو شهيد، و«هو» اسم مكنّي مشار إلى غائب فالهاء تنبيه على معنى ثابت، والواو إشارة إلى الغائب عن الحواس، كما أنَّ قولك : هذا إشارة إلى الشاهد عند الحواس، وذلك أنَّ الكفّار نبهوا عن آلهتهم بحرف إشارة الشاهد المدرك، فقالوا: هذه آلهتنا المحسوسة المدركة بالأبصار فأشر أنت يا محمد إلهك الذي تدعو إليه حتى نراه وندركه ولا نأله فيه، فأنزل اللّه تبارك وتعالى: (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ ) فالهاء تثبيت للثابت، والواو إشارة إلى الغائب عن درك الأبصار ولمس الحواس، وأنه تعالى عن ذلك، بل هو مدرك الأبصار ومبدع الحواس، حدثني أبي، عن أبيه، عن أمير المؤمنين(علیه السلام) قال : رأيت الخضر في المنام قبل بدر بليلة فقلت له: علمني شيئاً أنصر به على الأعداء، فقال: قل: يا هو يا من لا هو إلا هو، فلما أصبحت قصصتها على رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم). فقال لي : يا علي علمت الاسم الأعظم، فكان على لساني يوم بدر وأنَّ أمير المؤمنين(علیه السلام) قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ) فلمّا فرغ قال : يا هو يا من لا هو إلا هو اغفر لي وانصرني على القوم الكافرين وكان علي(علیه السلام) يقول ذلك يوم صفين وهو يطارد فقال له عمّار بن :ياسر يا أمير المؤمنين ما هذه الكنايات؟ قال : اسم اللّه الأعظم وعماد التوحيد اللّه لا إله إلا هو(1)، ثمَّ قرأ: شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران الآية 18] وآخر الحشر - ثمَّ نزل فصلّى أربع ركعات قبل الزوال.)بیان: قوله :ولا نأله فيه، أي لا نتحيّر فيه من أله كفرح أي تحيّر، وقوله : حدثني أبي عن أبيه ، من تتمة الحديث، والقائل هو الإمام محمد بن علي الباقر يقول حدثني أبي زين العابدين علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه أمير المؤمنين علي(علیه السلام ، وقوله قبل بدر بليلة يعني قبل غزوة بدر بليلة .)وأمّا ما أفاده الحكيم المتأله مولى صدرا في تفسير السورة، فقال قدس سره في شرح الحديث الثالث من باب النسبة من كتاب التوحيد من «أصول الكافي» المذكور من قبل عن سيد الساجدين(علیه السلام في سورة التوحيد والآيات من الحديد :)أمّا سورة التوحيد، فلا يخفى لمن تدبّر وتعمّق فيها اشتمالها على غوامض علوم


1) التوحيد 89 ح 2 ، وبحار الأنوار: 222/3

التوحيد ولطائف أسرار التقديس، فقد علمت نبذاً من أسرارها العميقة مع أنَّ المذكور يسير من كثير ما علمنا، نزر حقير في جنب ما ستر فيها من العلوم الأحدية والأسرار الصمدية.واعلم أنّ كثرة الأسامي والألقاب يدلّ على مزيد الفضيلة والشرف، كما لا يخفى فأحدها سورة التفريد، والثاني سورة التجريد، وثالثها سورة التوحيد، ورابعها سورة الإخلاص، لأنه لم يذكر في هذه السورة الصفات السلبية التي هي صفات الجلال، ولأنَّ من اعتقدها كان مخلصاً في دين اللّه، ولأنَّ غاية التنزيه والتفريد والتوحيد تستلزم غاية الدنق والقرب المستلزم للمحبة والإخلاص في الدُّنيا .وخامسها سورة النجاة لأنّها تنجيك من التشبيه والكفر في الدُّنيا، وعن النار في الآخرة، وسادسها سورة الولاية لأنَّ من قرأها عارفاً بأسرارها صار من أولياء اللّه، وسابعها سورة النسبة لما أنّه جواباً لسؤال من قال : انسب لنا ربّك، ثامنها سورة المعرفة وروى جابر اللّه : إنَّ هذا عبد عرف ربه فسميت سورة المعرفة لذلك .وتاسعها سورة الجمال لأنَّ الجلال غير منفك عن الجمال كما أشرنا إليه، ولما روي أنّه قال(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم : إنَّ اللّه جميل يحبّ الجمال سألوه عن ذلك فقال أحد صمد لم يلد ولم ،يولد وعاشوها سورة المقشقشة ، يقال : قشقش يقشقش المريض برأ، فمن عرفها تبرأ من الشرك والنفاق لأن النفاق مرض كما في قلوبهم مرض الحادي عشر المعوّذة، روي أنه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) دخل على عثمان بن مظعون يعوذه بها وباللّتين بعدها، ثمَّ قال : تعوّذ بهنَّ فما تعوّذت بخير منها (1)، والثاني عشر سورة الصمد.)والثالث عشر سورة الأساس لما روي أنّه قال أنّه قال : أسست السماوات السبع والأرضون السبع على قل هو اللّه أحد وممّا يدلّ عليه أن القول بالثلاثة سبب الخراب السماوات والأرض بدليل قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنَشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ للْجبَالُ هَدّا [مريم : الآية 90] فوجب أن يكون التوحيد سبباً لعمارة العالم ونظامه.)والرابع عشر سورة المانعة روي أنّها تمنع فتاني القبر ونفخات النيران، والخامس عشر سورة المحضرة لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرأت والسادس عشر سورة المنفرة لأن الشيطان ينفر عند قراءتها السابع عشر البراءة لأنها تبريء من الشرك، ولما روي أنه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّمرأى رجلاً يقرأها فقال أمّا هذا فقد بريء من الشرك، الثامن عشر سورة المذكرة لأنها تذكر)العبد خالص التوحيد.


1) مستدرك سفينة البحار : 476/7 ، وكتاب الدعاء : 340

التاسع عشر سورة النور لأن اللّه نور السماوات والأرض والسورة في بيان معرفته ومعرفته النور ونوره المعرفة ولما روي أنه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم قال : إنّ لكلّ شيء نوراً ونور القرآن (قل هُوَ اللّهُ أَحَدٌ ) ونظيره أن نور الإنسان في أصغر أعضائه وهو الحدقة فصارت السورة للقرآن كالحدقة للإنسان.)العشرون سورة الأمان قال (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم : إذا قال العبد لا إله إلا اللّه دخل في حصني ومن دخل في حصني أمن من عذابي (1)، فهذه عشرون اسماً من أسامي هذه السورة ولها فضائل كثيرة ومعاني ونكات غير محصورة وما روي في فضل قرائتها وثواب الصلاة المشتملة على عدد منها فلا يعدّ ولا يحصى. فمن فضائلها أنها ثلث القرآن وذكروا لذلك وجوهاً أجودها أنّ المقصود الأشرف من جميع الشرائع والعبادات معرفة ذات اللّه ومعرفة صفات اللّه ومعرفة أفعاله وهذه السورة مشتملة على معرفة الذات فكانت معادلة لثلث القرآن .)ومن فضائلها أيضاً أنّ الدلائل والبراهين قائمة على أنّ أعظم درجات العبد وأجل سعاداته أن يكون قلبه مستنيراً بنور جلال اللّه وكبريائه وهو إنما يحصل بعرفان هذه السورة فكانت هذه السورة أفضل السور وأعظمها .فإن قيل : صفات اللّه تعالى مذكورة في سائر السور؟ قلنا : لكن لهذه السورة خصوصية أنها وهي مع وجازتها مشتملة على عظائم أسرار التوحيد فتبقى محفوظة في القلب معقولة للعقل فيكون ذكر جلال اللّه حاضراً بهذا السبب فلا جرم امتازت عن سائر السور.وأما المعاني والنكات فمنها ما سبق، ومنها وجوه أخرى كثيرة لو ذهبنا إلى تفسير هذه السورة مستقصى لخرجنا عما نحن بصدده من شرح الأحاديث ولكن نذكر أنموذجاً ينبه على الكثير لمن هو أهله فنقول :قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثلاثة ألفاظ كل واحدة منها إشارة إلى مقام من مقامات السالكين إليه تعالى : المقام الأول للمقربين وهم أعلى السائرين إلى اللّه تعالى فهؤلاء رأوا أن موجودية المهيات بالوجود وأن أصل حقيقة الوجود بذاته موجود وبنفسه واجد الوجود متعين ،زائد فعلموا أن كل ذي مهيّة معلول محتاج وأنه تعالى نفس حقيقة الوجود والوجوب والتعيّن، فلهذا سمعوا كلمة (هو) علموا أنه الحق تعالى لأنَّ غيره غير موجود بذاته وما هو غير موجود بذاته فلا إشارة إليه بالذات.)


1) التوحيد : 25 ح 22 ، والأمالي : 589

والمقام الثاني مقام أصحاب اليمين وهؤلاء شاهدوا الحق موجوداً والخلق أيضاً موجوداً فحصلت كثرة في الموجودات فلا جرم لم يكن هو كافياً في الإشارة إلى الحق بل لا بد هناك من مميّز يميّز الحق عن الخلق فهؤلاء احتاجوا إلى أن يقرن لفظة (اللّه بلفظة (هو) فقيل لأجله ( هو اللّه لأن اللّه هو الموجود الذي يفتقر إليه ما عداه وهو مستغن عن كلّ ما عداه فيكون أحدي الذات لا محالة إذ لو كان مركباً كان ممكناً محتاجاً إلى غيره فلفظة الجلالة دالة على الأحديّة من غير اقتران إلى لفظ أحد به .)المقام الثالث مقام صحاب الشمال وهو أدون المقامات وأخسّها وهم الذين يجوزون كثرة في واجب الوجود أيضاً كما في أصل الوجود فقورن لفظ (أحد بكلمة (اللّه) ردّاً عليهم وإبطالاً لمقالهم فقيل : (وقُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ) . وههنا بحث آخر أدق وأشرف، وهو أنّا نقول كلّ ماله مهيّة غير أنينه فلا : هو هو لذاته وكلّما تكون مهيته عين هويته وحقيقته نفس تعينه فلا اسم ولا حد له ولا يمكن شرحه إلاّ بلوازمه التي يكون بعضها إضافية وبعضها سلبيّة والأكمل في التعريف ما يجمع النوعين جميعاً وهو كون تلك الهوية إلهاً فإن الإلهيّة تقتضي أن ينسب إليه غيره ولا ينسب هو إلى غيره والمعنى الأوَّل إضافي، والثاني سلبي فلا جرم ذكر (اللّه) عقيب قوله (هو) .

ثمَّ أعلم أنّ الذي لا سبب له وإن لم يكن تعريفه بالحد إلا أنّ البسيط الذي لا سبب له وهو مبدأ الأشياء كلّها على سلسلة الترتيب النازل من عنده طولاً وعرضاً فمن البيّن أنّ ما هو أقرب المجعولات إليه بل اللازم الأقرب المنبعث عن حاق الملزوم إذا وقع التعريف كان أشدّ تعريفاً من غيره، وأقرب اللوازم له تعالى كونه واجب الوجود غنيّاً عما سواه وكونه مبدءاً ومفتقراً إليه الجميع ومجموع هذا الأمرين هو معنى الإلهية فلأجل ذلك وقع قوله (اللّه) عقيب (هو) شرحاً وتعريفاً له ولما ثبت مطلوب الهليّة البسيطة بقوله هو الدال على أنّه ألهو المطلق الذي لا تتوقف هويته على غيره، ولأجل ذلك هو البرهان على وجود ذاته وثبت مطلوب الهليّة البسيطة بقوله فحصلت بمجموع الكلمتين معرفة الإنية المهية أريد أن يذكر عقبهما ما كالصفات الجلالية والجمالية فقوله تعالى : أَحد مبالغة في الوحدة، والوحدة التامة ما لا ينقسم ولا يتكثر بوجه من الوجوه أصلاً لا بحسب العقل كالانقسام بالجنس والفصل ولا بحسب العين كالانقسام من المادة والصورة ولا في الحس ولا في الوهم كالانقسام بالأعضاء والأجزاء وكان الأكمل في الوحدة ما لا كثرة فيه تعالى أصلاً فكان اللّه تعالى غاية في الوحدة، فقوله تعالى (أحد) دل على أنه واحد من جميع الوجوه وإنما قلنا أنه واحد كذلك لأنه لم يكن كذلك لم يكن إلهاً لأن كل ما هو مركّب فهو مفتقر إلى أجزائه وأجزاؤه غيره فيكون مفتقراً

إلى غيره فلم يكن واجب الوجود ولا مبدأ الكل.

ثمَّ إنّ هذه الصفة وهي الأحدية التامة الخالصة عن شوب الكثرة كما توجب التنزه عن الجنس والفصل والمادة والصورة، وعن الجسميّة والمقدارية والأبعاض والأعضاء والألوان وسائر الكيفيات الحسية الانفعالية وكلّما يوجب قوّة أو استعداداً أو إمكاناً لك يقتضي كل صفة كمالية من العلم التام والقدرة الكاملة والحياة السرمدية والإرادة التامة والخير المحض والجود المطلق فإنّ من أمعن النظر وتأمل تأملاً كافياً يظهر له أن الأحدية التامة منبع الصفات الكمالية كلّها، ولولا مخافة الإطناب لبيّنت استلزامها لواحدة واحدة منها لكن اللبيب يدرك صحة ما ادعيناه.

وقوله تعالى : (اللّهُ الصَّمَدُ) قد مرّ أن الصمدية لها تفسيران أحدهما ما لا جوف له، والثاني السيّد، فمعناه على الأوَّل سلبي وهو إشارة إلى نفي المهية فإنّ كل ماله مهية كان له جوف وباطن وكان من جهة اعتبار مهيّة قابلاً للعدم وكلّ ما لا جهة ولا اعتبار له إلا الوجود المحض فهو غير قابل للعدم فواجب الوجود من كلّ جهة هو الصمد الحق، وعلى التفسير الثاني يكون معنى إضافياً وهو كونه سيد الكلّ أي مبدأ الجميع فيكون من الصفات الإضافية.

وههنا وجه آخر وهو أنّ الصمد في اللغة هو المصمت الذي لا جوف له وإذا استحال هذا في حقه تعالى فوجب حمله على الفرد المطلق أعني الواحد المنزّه عن المثل والنظير، إما ابتداءاً أو بعد نقله إلى معنى الأحدية المستلزمة للواحدية كما مرّ فيكون الصمد إشارة إلى نفي الشريك كما الأحد إلى نفي الانقسام.

فانظر كيف عرّف أوّلاً هويته وإنيته، ثمَّ عرف أنه تعالى خالق لهذا العالم، ثمّ عرّف أنَّ الأمور التي لأجلها افتقر هذا العالم إلى الخالق كالتركيب والإمكان والمهيّة والعموم والاشتراك والاحتياج لا بد أن يكون منفيّاً عنه تعالى لئلا يلزم الدور أو التسلسل.

ثمَّ لمّا كان من عادة المحققين أن يذكروا أولاً ما هو الأصل والقاعدة ثم يخرجون عليه المسائل فذكر أوّلاً كونه موجوداً إلهاً ثم توصل به إلى كونه صمداً ثم رتب عليه أحكاماً ثلاثة أحدهما أنه لم يلد لاستيجاب التوليد للتركيب لأنّه عبارة عن انفصال بعض ناقص من أبعاضه ثمَّ يترقى فيصير مساوياً له في الذات والحقيقة ومن البين أنَّ نقصان البعض يسلتزم تركيب الكلّ، وثانيها قوله: وَلَمْ يُولد لاستلزامه للحدوث والنقصان والافتقار إلى العلل من جهات شتى كالإعداد والإحداث والإبقاء والتربية والتكميل، وثالثها قوله: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفوا أَحَدٌ ) وبيانه أنا لو فرضنا مكافياً له في رتبة الوجود فذلك المكافي لو كان ممكن الوجود كان محتاجاً إليه متأخراً عنه في الوجود فكيف يكون مكافياً له؟ وإن كان)

واجب الوجود وقد علمت أن تعدّده ينافي الأحديّة وأنه يستلزم التركيب، فهذا أنموذج من دقائق أسرار التوحيد تحويها هذه السورة انتهى كلامه قدس سره الشريف.### خاتمةنذكر فيها أمرين لمن أراد أن يتذكّر ويسعى إلى لقاء ربه ويتنعم به، أحدهما نقل عدّة أذكار وأدعية عن خزنة علم اللّه عز وجل وعيب وحيه الذين أنعم اللّه عليهم بلقائه وكانوا يناجون بها ربّهم الجليل لأنها جلاء القلوب عن رين علائقها الدنيوية، وإرشاد للطالب إلى لقاء ربه المتعال وثانيهما نبذة ممّا هي آداب مبتغي اللقاء والفائزين به.أمّا الأوَّل: فقد روى السيد الأجلّ جمال العارفين ابن طاووس قدس سره الشريف في أعمال شعبان من كتابه القيم الكريم المسمّى بـ «الإقبال» (ص 685 من الطبع الرحليعن ابن خالويه - إلى أن قال : إنّها مناجاة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(علیه السلام) والأئمة من ولده(علیه السلام) كانوا يدعون بها في شهر شعبان :)اللّهمَّ َصلِّ على محمد وآل محمد واسمع دعائي إذا دعوتك - إلى قوله(علیه السلام : إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك - إلى أن قال(علیه السلام) : إلهي إن أنامتني الغفلة عن الاستداد للقائك فقد نبهتني المعرفة بكرم آلائك - إلى أن قال(علیه السلام): وألحقني بنور عزّك الأبهج فأكون لك عارفاً وعن سواك منحرفاً ومنك خائفاً مراقباً يا ذا الجلال والإكرام(1)، ورواه العلامة المجلسي في البحار أيضاً (ص89 ج19 من طبع الكمياني) .)وقال السيّد المذكور في أعمال شهر رجب من ذلك الكتاب ( ص 646 : ومن الدعوات في كل يوم من رجب ما رويناه أيضاً عن جد أبي جعفر الطوسي (رضي اللّه عنه)فقال : أخبرني جماعة عن ابن عيّاش قال : ممّا خرج على يد الشيخ الكبير أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد(رضي اللّه عنه) من الناحية المقدّسة ما حدثني به خير بن عبد اللّه قال كتبته من التوقيع الخارج إليه :)بسم الرَّحمن الرّحيم، ادع في كلُّ يوم من أيام رجب : اللّهم إني أسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة أمرك المأمونون على سرّك المستبشرون (2بأمرك الواصفون لقدرتك)


1) ميزان الحكمة : 1906/3 ح 2637 ، وتفسير القرآن الكريم : 124/5.

2) في نسخة المستسرون .

المعلنون لعظمتك، وأسألك بما نطق فيهم من مشيئتك ، فجعلتهم معادن لكلماتك وأركاناً لتوحيدك وآياتك ومقاماتك التي لا تعطيل لها في كلّ مكان يعرفك بها من عرفك، لا فرق بينك وبيتها إلا أنهم عبادك وخلقك، فتقها ورتقها بيدك بدؤها منك وعودها إليك (1- الخ .)قلت: هذا التوقيع من أسرار اللّه المكنونة المخزونة والحقائق المودعة فيها تدرك ولا توصف ينالها من كان له قلب ولو تصدّينا لشرحه على قدر باعنا القصيرة وبضاعتنا المزجاة لانجرّ إلى تأليف كتاب على حدة والضمير المجرور في لها وبها وبينها راجعة إلى المقامات وكذلك الضمير المنصوب في إلا أنّهم عبادك وضميرهم لذوي العقول فالمقامات من ذوي العقول، ولا بأس بإتيان الضمير تارة من غير ذوي العقول وتارة من ذوي العقول، وذلك نحو قوله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائكَةِ [البَقَرَة : الآية 31] أورد الضمير ثانياً من ذوي العقول إشارة إلى أنّ الأسماء ليست ألفاظاً دالّة على معانيها لأنَّ معرفة الألفاظ تعدّ من العلوم الأدبية وهي لا توجب شرح الصدر وسعة الذات، بل المراد بها حقائق المخلوقات ومقامات دار الوجود على ما هي عليه . قوله : لا فرق بينك وبينها إلا أنهم (عبادك قال القيصري في آخر الإشارة إلى بعض المراتب الكلية من الفصل الأوَّل من مقدّماته على شرح الفصوص» (ص 11) من الطبع الناصري ومرتبة الإنسان الكامل عبارة عن جمع جميع المراتب الإلهية والكونية من العقول والنفوس الكلّية والجزئية، ومراتب الطبيعة إلى آخر تنزلات الوجود ويسمّى بالمرتبة العمائية أيضاً فهي مضاهية للمرتبة الإلهية ولا فرق بينهما إلا بالربوبية والمربوبية لذلك صار خليفة اللّه - الخ .

إنّما نقلنا كلام القيصري في المقام لكي يعلم أنَّ أصل ما تفوّه به العرفاء الشامخون مقتبس من مشكاة بيت آل النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، نعم إنهم واللّه ينابيع الحكمة والمعرفة والعرفان وخزنة الحقائق كلها .

وفي دعاء عرفة لمولانا الحسين بن علي صلوات اللّه عليهما، كما أتى به السيد المذكور في «الإقبال» أيضاً ( ص 348) : إلهي تردّدي في الآثار يوجب بعد المزار فاجمعني : عليك بخدمة توصلني إليك كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدلُّ عليك؟ ومتى بعدت حتّى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟ عميت عين لا تراك عليها رقيباً ، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيباً


1) إقبال الأعمال: 214/3 ، وبحار الأنوار : 393/95

إلهي أمرت بالرجوع إلى الآثار فارجعني إليك بكسوة الأنوار وهداية الاستبصار حتى أرجع إليك منها، كما دخلت إليك منها مصون السرّ عن النظر إليها، مرفوع الهمّة عن الاعتماد عليها إنّك على كل شيء قدير .

إلهي هذا ذلّي ظاهر بين يديك، وهذا حالي لا يخفى عليك، منك أطلب الوصول إليك، وبك أستدل عليك فاهدني بنورك إليك، وأقمني بصدق العبودية بين يديك .

إلهي علّمني من علمك ،المخزون، وصنّي بسرك (1)المصون.

إلهي حققني بحقائق أهل القرب، واسلك مسلك أهل الجذب (2).

وروى ثقة الإسلام الكليني في باب الدُّعاء في أدبار الصلوات من «الكافي» (ص399 ج 2 من المعرب بإسناده عن محمد بن الفرج قال : كتب إليَّ أبو جعفر بن الرضا - يعني الإمام الجواد (علیه السلام)- بهذا الدُّعاء وعلمنيه - إلى أن قال(علیه السلام) : وأسألك الرضا بالقضاء وبركة الموت بعد العيش وبرد العيش بعد الموت ولذة المنظر إلى وجهك وشوقاً إلى رؤيتك ولقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة (3). الخ.

وفي دعاء يوم الإثنين للإمام موسى بن الكاظم(علیه السلام) : وأسألك خشيتك في السرّ والعلانية والعدل في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر وأن تحبّب إليَّ لقاءك في غير ضرَّاء مضرة ولا فتنة مضلة (4)- الخ . رواه الكفعمي رضوان اللّه عليه في «البلد الأمين» (ص 118) وفي «المصباح» أيضاً (ص115).

وفي الدُّعاء السابع والأربعين من «الصحيفة السجادية» : وأخفني مقامك وشوقني لقاءك .

وفي المناجاة الخمس عشرة لمولانا عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليه - وقال العلامة المجلسي رحمة اللّه عليه في التاسع عشر من «البحار» (ص105 من الطبع الكمباني) وقد وجدتها مروية عنه(علیه السلام) في بعض كتب الأصحاب رضوان اللّه عليهم، انتهى .

وعدها المحدث الخبير والعالم الجليل الشيخ حرّ العاملي صاحب «الوسائل» في الصحيفة الثانية من الأدعية السجادية(علیه السلام) ونسبها إليه من غير ترديد


1) في نسخة : بسترك.

2) بحار الأنوار: 226/95 ، وصحيفة الحسين : 216 .

3) الكافي : 548/2 ، وشرح أصول الكافي: 377/10 ح 6 .

4) المحاسن : 3/1 ح 3 ، ووسائل الشيعة : 1/ 105 ح21.

ففي مناجاة الخائفين: وليتني علمت أمن أهل السعادة جعلتني وبقربك وجوارك خصصتني فتقر بذلك عيني وتطمئنّ له نفسي - إلى أن قال(علیه السلام) : إلهي لا تغلق على موحديك أبواب رحمتك ولا تحجب مشتاقيك عن النظر إلى جميل رؤيتك .

وفي مناجاة الراغبين : إلهي إن كان قلّ زادي في المسير إليك فلقد حسن ظنّي بالتوكل عليك - إلى أن قال (علیه السلام): وإن أنا متني الغفلة عن الاستعداد للقائك فقد نبهتني المعرفة(1)بكرمك وآلائك أن قال(علیه السلام) أسألك بسبحات وجهك وبأنوار قدسك، وأبتهل إليك بعواطف رحمتك ولطائف برك أن تحقق ظنّي بما أؤمله من جزيل إكرامك وجميل إنعامك في القربى منك والزلفى لديك والتمتع بالنظر إليك .

وفي مناجاة المطيعين اللّه : اللّهمَّ احملنا في سفن نجاتك ومتعنا بلذيذ مناجاتك وأوردنا حياض حبّك، وأذقنا ودّك وقربك .

وفي مناجاة المريدين: ولقاؤك قرّة عيني، ووصلك مُني نفسي، وإليك شوقي وفي محبتك ولهي وإلى هواك صبابتي ورضاك بغيتي ورؤيتك حاجتي وجوارك طلبي، وقربك غاية سؤلي، وفي مناجاتك أنسي وراحتي (2).

وفي مناجاة المحبين : إلهي من ذا الذي ذاق حلاوة محبّتك، فرام منك بدلاً ؟! ومن ذا الذي أنس بقربك فابتغى عنك حولاً؟! إلهي فاجعلنا ممن اصطفيته لقربك وولايتك، وأخلصته لودّك ومحبّتك، وشوّقته إلى لقاءك، ورضيّته بقضاءك، ومنحته بالنظر إلى وجهك - إلى أن قال : واجتبيته لمشاهدتك.

وفي مناجاة المتوسلين واجعلني من صفوتك الذين أحللتهم بحبوحة جنّتك وبوّأتهم دار كرامتك، وأقررت أعينهم بالنظر إليك يوم لقائك، وأورثتهم منازل الصدق في جوارك . وفي مناجاة المفتقرين ولوعتي لا يطفيها إلا لقاؤك وشوقي إليك لا يبله إلا النظر إليك .

وفي مناجاة العارفين فهم إلى أوكار الأفكار يأوون وفي رياض القرب والمكاشفة يرتعون - إلى أن قال : وقرّت بالنظر إلى محبوبهم أعينهم، إلى أن قال : ما أطيب طعم حبّك، وما أعذب شرب قربك .

وفي مناجاة الذاكرين فلا تطمئن القلوب إلا بذكراك ولا تسكن النفوس إلا عند


1) في نسخة: المغفرة .

2) في نسخة: روحي.

رؤياك - إلى أن قال : وأستغفرك من كل لذة بغير ذكرك، ومن كل راحة بغير أنسك، ومن كلِّ سرور بغير قربك .

وفي مناجاة الزاهدين واقرر أعيننا يوم لقائك برؤيتك

فعليك بتلك المناجاة الخمس عشر سيما مناجاة العارفين ومناجاة المحبين منها فإنّها جلاء للقلوب

وفي آخر الدُّعاء السابع والأربعين من الصحيفة وكان من دعائه(علیه السلام) في يوم عرفة : وأتحفني بتحفة من تحفاك واجعل تجارتي رابحة، وكرتي غير خاسرة، وأخفني مقامك، وشوقني لقاءك (1)- الخ .

وفي باب في أنه عزّ وجلَّ لا يعرف إلا به من توحيد الصدوق رضوان اللّه عليه بإسناده عن زياد بن المنذر عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، عن أبيه، عن جدّه(علیه السلام) أنه قال : إنّ رجلاً قام إلى أمير المؤمنين (علیه السلام)وقال : بماذا عرفت ربّك؟ قال: بفسخ العزم، ونقض الهمم لما هممت فحيل بيني وبين همّي وعزمت فخالف القضاء عزمي عزم علمت أن المدبّر غيري قال فبماذا شكرت نعماه؟ قال : نظرت إلى بلاء قد صرفه عني وأبلى به غيري فعلمت أنّه قد أنعم علي فشكرته ، قال : فبماذا أحببت لقاه؟ قال : لما رأيته قد اختار لي من دین ملائكته ورسله وأنبيائه علمت أنَّ الّذي أكرمني بهذا ليس ينساني فأحببت لقاه (2).

روى الكليني في باب الاهتمام بأمور المسلمين والنصيحة لهم ونفعهم بإسناده عن سفيان بن عيينة قال : سمعت أبا عبد اللّه(علیه السلام) يقول : عليك بالنصح اللّه في خلقه فلن تلقاه بعمل أفضل منه (3).

واعلم أنّ ما تقدَّم من التوقيع الشريف الصادر من الناحية المقدسة وفيه قول(علیه السلام) : (لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك وخلقك ، وما مرّ في ذيله من كلام القيصري: لا فرق بينهما إلا بالربوبية والمربوبية كأنّما يفيدان وجهاً خامساً في وحدة الوجود أعلى وأشمخ وأدق وأشرف من الأربعة المتقدّمة المبيّنة، ولعلّ كلام العارف الرباني الخواجه صائن الدين علي تركه أصفهاني يشير إلى هذا الوجه المنيع حيث قال : فهو العابد باعتبار تعينه وتقيده بصورة العبد الذي هو شأن من شؤونه الذاتية وهو المعبود باعتبار إطلاقه، اعلم أنَّ الشهود الأتم


1) ميزان الحكمة: 2413/3 ، والصحيفة السجادية : 331.

2) الخصال: 33 ح 1 ، والتوحيد : 288 ح6.

3) الكافي: 164/20 ح 3 ، وبحار الأنوار: 338/71 ح 118 .

الأكمل قضى أن كلّ ما يسمّى مرآة ومجلى ومظهراً وعيناً ونحو ذلك ليس سوى تعينات صور أحوال الحق على بينها من التفاوت في الحكم والحق من حيث هو باطن هويته متجلي في عين كل فرد فرد من أحواله المتميّزة التي تغيب وظهرت له، انتهى كلامه

واللّه تعالى أعلم بمراد أوليائه، اللّهم ارزقنا فهم ما أودعت في كلماتك التامة، قال عزّ من قائل: وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران : 30].

اي برتر از خيال وقیاس و گمان ووهم *** وز آنچه گفتهاند و شنیدیم و خوانده ایم

مجلس تمام گشت و بآخر رسید عمر *** ما همچنان در اوّل وصف تو مانداه ایم

وأما الأمر الثاني فنقول : لا يعرج الإنسان إلى ذي المعارج إلا بجناحى العلم والعمل قال عزّ من قائل: وَأَن لَّيْسَ الْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْیَهُ سَوفَ يُرَى [ النجم : 39 40] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى) [النازعات: الآية 35] [النازعات: 35]

(وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعَيهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء : 19] وقال تعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [آخر الكهف].)ثمَّ تأمل تأمّلاً كاملاً في قوله تعالى:(لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [ النجم : الآية 39] فإن ما هو خارج عن ذاتك ليس لك حقيقة بل له ارتباط ما إليك إلى فاسع هو لك بل هو ما أنت وأنت هو على الحقيقة لما ثبت بالبراهين العقلية المعاضدة بالأدلة النقلية من اتحادالعاقل بمعقوله، ونعم ما أفاده الشيخ أبو علي الرئيس رضوان اللّه عليه في النمط الثامن من كتاب «الإشارات»: كمال الجوهر العاقل أن يتمثل فيه جليّة الحق الأوّل قدر ما يمكنه أن يقال منه ببهائه الذي يخصه ثمَّ يتمثل فيه الوجود كله على ما هو عليه عليه مجرداً عن الشوب مبتدءاً فيه بعد الحق الأوّل بالجواهر العقلية العالية ثمَّ الروحانية السماوية ثمَّ ما بعد ذلك تمثلاً لا يمايز الذات.

فاعلم أنّ الخبر ليس كالمعاينة والعلم بالشيء غير النيل لوصوله ووجدانه وحصوله، ولا يبلغ مرتبة علم اليقين مرتبة عين اليقين فضلاً عن مرتبة حق اليقين بل الأوَّل دون الثاني بمراحل والثاني دون الثالث بمنازل، قال الشيخ الرئيس قدّس سرّه في أواخر النمط التاسع كتاب «الإشارات»: من أحبّ أن يتعرّفها - يعني أن يتعرّف الدرجات التي يجدها السالك فليتدرّج إلى أن يصير من أهل المشاهدة دون المشافهة ومن الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر

وقال الخواجه نصير الدين الطوسي رضوان اللّه عليه في الشرح بعد كلام في

الدرجات: واعلم أنّ العبارة عن هذه الدرجات غير ممكنة لأنّ العبارات موضوعة للمعاني التي يتصوّرها أهل اللغات ثمَّ يحفظونها ثمَّ يتذكرونها ثمَّ يتفاهمونها تعليماً وتعلماً، أما التي لا يصل إليها إلا غائب عن ذاته فضلاً عن قوى بدنه فليس يمكن أن يوضع لها ألفاظ فضلاً عن أي يعبّر عنها بعبارة وكما أنّ المعقولات لا تدرك بالأوهام، والموهومات لا تدرك بالخيالات والمتخيلات لا تدرك بالحواس كذلك ما من شأنه أن يعاين بعين اليقين فلا يمكن أن تدرك بعلم اليقين، فالواجب على من يريد ذلك أن يجتهد في الوصول إليه بالعيان دون أن يطلبه بالبرهان.

قلت: قد مضى في ذلك كلامنا آنفاً وتقدَّم قول الإمام الصادق(علیه السلام) فيه .

ولا يتيسّر الوصول إلى لقائه تعالى إلّا بالعمل الصالح والإخلاص في عبادته كما في آية الكهف الكريمة وإنما يتأتى لمن تخلّص عن العلائق النفسانية والشواغل الدنياوية وإلا لم يحصل معها ذوق اللذائذ العقلية حتى يحصل الشوق إليها فمن لم يعشق العبادة فإنّما لتمكن تلك العوائق فيه ونعم ما قال الشيخ في النمط الثامن من «الإشارات»: الآن إذا كنت في البدن وفي شواغله وعلائقة فلم تشتق إلى كمالك المناسب أو لم تتألم بحصول ضده، فاعلم أن ذلك منك لا منه .

وما قال المعلم الثاني أبو نصر الفارابي رضوان اللّه عليه في «الفصوص»: إن لك منك غطاء فضلاً عن لباسك من البدن فاجهد أن ترفع الحجاب فحينئذ تلحق فلا تسأل عمّا تباشره، فإن ألمت فويل لك وإن سلمت فطوبى لك ونفسك وأنت في بدنك كأنك لست في بدنك وكأنك في صقع الملوك فترى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فاتخذ لك عند الحق عهداً إلى أن تأتيه فرداً.

قلت : قوله : فلا تسأل عما تباشره كلام عميق بعيد الغور يفسره قول الشيخ الرئيس في آخر النمط التاسع في «مقامات العارفين»: والعارف ربما ذهل فيما يصار به إليه فغفل عن كل شيء فهو في حكم من لا يكلّف، وكيف والتكليف لمن يعقل التكليف حال ما يعقله ولمن اجترح بخطيئته إن لم يعقل التكليف.

وقال الخواجه نصير الدين الطوسي في الشرح : والمراد أنّ العارف ربما ذهل في حال اتصاله بعالم القدس عن هذا العالم فغفل عن كل ما في هذا العالم وصدر عنه إخلال بالتكاليف الشرعية فهو لا يصير بذلك متألّماً لأنه في حكم من لا يكلف لأنَّ التكليف لا يتعلّق إلا بمن يعقل التكليف في وقت تعقله ذلك، أو بمن يتألّم بترك التكليف إن لم يكن يعقل التكليف كالنائمين والغافلين والصبيان الذين هم في حكم المكلفين .

وإلى هذا المعنى أشار الخواجه عبد اللّه الأنصار بقوله : صاحب غلبة عشق از خود آگاه نیست آنچه مست می کند او را گناه ،نیست والخواجه شمس الدين الحافظ بقوله :

رشته تسبیحم اربگست معذورم بدار *** دستم اندر ساعد ساقي سيمين ساق بود

وبيانه أوضح من ذلك يطلب من شرح اللاهيجي على گلشن راز للشبستري (ص198 من الطبع الأول)، ومن شرح الأمير إسماعيل الشنب غازاني التبريزي على «فصوص» الفارابي ( ص 71) رحمة اللّه عليهم .

وقوله : وأنت في بدنك كأنك - الخ . ومنه أخذ الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا كلامه في أوّل النمط التاسع في «مقامات العارفين»: فكأنّهم وهم في جلابيب من أبدانهم قد نضوها وتجردوا عنها إلى عالم القدس - الخ ، وكأنّ هذا الكلام مأخوذ من مشكاة الولاية العلوية حيث قال إمام الموحدين علي بن أبي طالب(علیه السلام) في صفة الزهاد : كانوا قوماً من أهل الدُّنيا وليسوا من أهلها فكانوا فيها كمن ليس منها (1)- الخ (نهج البلاغة آخر المختار 328 من باب الخطب) وحيث قال(علیه السلام) لكميل بن زیاد «صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحلّ الأعلى» الخ المختار 147 من باب الحكم والمواعظ من النهج، وإلى هذا المعنى أشار السعدي بقوله :

هر گز وجود حاضر وغائب سنيده اي *** من درمیان جمع ودلم جای دیگر است

وقوله : فترى ما لا عين رأت مأخوذ من حديث عن النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) أنه قال : قال اللّه تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .

وقوله : فاتخذ لك عند الحق فرداً كأنّما إشارة إلى قوله تبارك وتعالى : (لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴾ [مريم : 87] ، وقوله : إلى أن تأتيه فرداً، إشارة إلى قوله تعالى: وَكُلُّهُمْ ءاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم : 95]

ثمَّ أعلم أن معرفة النفس هي مرقاة إلى معرفة الرب، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه كما تقدمت الإشارة إليه إجمالاً ، وفي الخبر المروي تارة عن أمير المؤمنين علي(علیه السلام) كما في «الصافي » للفيض قدس سره، وأُخرى عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق(علیه السلام) كما في «المجلي» لابن جمهور الأحسائي رضوان اللّه عليه : الصورة الإنسانية هي أكبرحجج اللّه على خلقه، وهي الكتاب الذي كتبه بيده وهي الهيكل الذي بناه بحكمته، وهي مجموع صور العالمين وهي المختصر من اللوح المحفوظ، وهي الشاهدة على كلّ غائب، وهي الحجّة


1) بحار الأنوار: 67 / 320 36 ، وميزان الحكمة : 1169/2 ح 1614 .

على كلّ جاحد، وهي الطريق المستقيم إلى كلّ خير، وهي الجسر(1)الممدود بين الجنةوالنار(2)

وهذا الخبر الشريف باب بل أبواب إلى معارف حقّة وأسرار مكنونة ولعمري جدير أن يقال فيه كلّ الصيد في جوف الفراء، شرحه يخرجنا إلى الإسهاب، ويجرّنا إلى تأليف رسالة على حدة أو كتاب، وحيث إن الصورة الإنسانية هي مجموع صور العالمين قالوا في حدّ الفلسفة : هي معرفة الإنسان نفسه كما في رسالة الكندي في «حدود الأشياء ورسومها» (ص 173 من طبع مصر) وقد أتى الكندي فيها في حدّ الفلسفة بستة حدود من القدماء وهذا أحدها، وقال بعد نقله الحدّ المذكور : وهذا قول شريف النهاية بعيد الغور مثلاً أقول: إنّ الأشياء إذا كانت أجساماً ولا أجسام وما لا أجسام إما جواهر وإما أعراض، وكان الإنسان الجسم والنفس والأعراض، وكانت النفس جوهراً لا جسماً فإنه إذا عرف ذاته عرف الجسم بأعراضه والعرض الأول والجوهر الذي هو لا جسم فإذن إذا علم ذلك جميعاً فقد علم الكلّ، ولهذه العلة سمّى الحكماء الإنسان العالم الأصغر.

وقال العارف المتنزّه الميرزا جواد الملكي قدّس سرّه في كتابه المسمى ب-«لقاء اللّه»: إنّ الإنسان له عوالم ثلاثة عالم الحس والشهادة وعالم الخيال والمثال، وعالم العقل والحقيقة، فمن جهة أنّ إنيّته الخاصة إنّما بدأت من عالم الطبيعة كما في الآية الكريمة المباركة (وَبَدَا خَلَقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ﴾ [السجدة : الآية ] صار عالمه هذا له بالفعل وعرف نفسه وحقيقته بعالمه هذا، بل لو سمع من عارف أو عالم عالميه الآخرين أنكره، بل لو أخبره أحد بصفات عالمه العقلي لكفّره، وذلك لأنّ عالمه الطبيعي له بالفعل وعالميه الآخرين بالقوّة، ولم ينكشف له بالكشف التام إلا عالم الطبيعة وآثار من عالم المثال، وشيء قليل من عالمه العقلي.

وإنسانيته إنما بعالمه العقلي وإلا فهو مشترك مع سائر بني جنسه من الحيوان في عالميه الآخرين، وإن كان عالماء الآخران أيضاً من جهة المرتبة أشرف من عالمي سائر الحيوانات.

وبهذه العوالم الثلاثة وترتيبها وقع التلويح بل التصريح في دعاء سجدة ليلة النصف من شعبان عن النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) حیث قال فيها : وسجد لك سوادي وخيالي وبياضي(3)


1) في نسخة : الصراط.

2) الإمام علي (علیه السلام): 467 ح 3 ، والتفسير الصافي: 86/1.

3) وسائل الشيعة: 108/8 ح 10188 ، ووسائل الشيعة : 304/5ح 8.

وبالجملة فعالمه الحسيّ عبارة عن بدنه الذي له مادّة وصورة، وعالمه المثالي عبارة عن عالمه الذي حقائقه صور عارية عن المواد وعالمه العقلي عبارة عن عالمه الذي هو حقيقته و نفسه بلا مادة ولا صورة .

ولكلّ من هذه العوالم لوازم وآثار خاصة لازمة لفعليّتها، فمن انغمر في عالم الطبيعة وتحقق بآثارها وتحرّك بحكمها وضعفت فيه آثار عالمه العقلي فقد أخلد إلى الأرض وصار موجوداً بما هو حيوان بل أضل من الحيوان كما هو الصريح في قوله تعالى : وإِن هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَمِ ا لأَنهم بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: الآية 44] ، ومن ترقى إلى العالم العقلي وغلب آثاره على آثار عالميه الطبيعي والخيالي وكان الحاكم في مملكة وجوده العقل يصير موجوداً روحانياً حتى يتكامل في العقلانية وتنكشف له حقيقته ونفسه وروحه فإذا ترتفع عنه الحجب الظلمانية بل النورانية أو غالبها بينه وبين معرفة اللّه جل جلاله ويتحقق في حقه قوله(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : من عرف نفسه فقد عرف ربه (1).

وإذا تمهّدت لك هذه الإجماليات فراجع إلى تفصيل لوازم كل عالم من العوالم واشتغل بتدبير السفر وتوكل على الرب الرحيم واستعن منه وتوسل بأوليائه في كلّ جزئي وكلي من شؤونك .

واعلم أنَّ هذا العالم الحسي هو عالم الموت والفناء والفقد والظلمة والجهل وهو ذات مادة وصورة سائلتين زائلتين دائم التغير والانقسام ولا شعور له ولا إشعار إلا بتبعية العالمين الآخرين وإنّما ظهوره للحس بتوسط الأعراض من حيث وحدته الاتصالية أما من حيث كثرته المقدارية المتجزئة عند فرض القسمة فكل واحد من الأجزاء معدوم عن الآخر ومفقود عنه فالكل غائب عن الكل ومعدوم عنه وذلك من جهة أن المادة مصحوبة بالعدم بل هو جوهر مظلم وأوّل ما ظهر من الظلام .

ولأنّها في ذاتها بالقوّة وبما لها في أصلها من عالم النور تقبل الصور النورية وتذهب ظلماتها بنور صورها فهذه النشأة اختلط نورها بظلامها وضعف وجودها وظهورها ولضعفها احتاجت إلى مهد المكان وظئر الزمان وأهلها المخصوصون بها أشقياء الجن والإنس والحيوان والنبات والجماد، وفي الحديث القدسي: ما نظرت إلى الأجسام منذ خلقتها، وهم الذين علومهم مختصة بهذا العالم ويعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون ولم يتجاوز علمهم عن المحسوسات ولم يعرفوا من العوالم العالية إلا الأسماء، وكلما سمعوا حكاية منها قدروا له لوازم عالمهم وأنكروا ما يقال لهم من لوازم غير عالمهم .


1) بحار الأنوار : 32/2 ح 22 ، ودرر الأخبار : 36 ج 13.

وبالجملة مرعيهم ومأنسهم ووطنهم هذا العالم المحسوس وملاذهم ومقاصدهم كلها من مألوفات هذا العالم وهم الذين قلنا إنّهم من الذين أخلدوا إلى الأرض وهم يعتقدون أن أنفسهم هو هذا البدن وأرواحهم هي الروح الحيواني، وأنّ الجماد كلها موجودات متأصلة متحققة وجواهر قائمة بذواتها مخلوقة في عالمها وحيّزها، وأن موجودات العوالم الأخرى على القول بها موجودات اعتبارية خياليّة لا حقيقة لها وأنّ اللذة إنّما هي في المأكل والمشرب والمنكح وجاه هذا العالم، وذكرهم وفكرهم وخيالهم وآمالهم وعلومهم كلها متعلقة بالمحسوسات وأنسهم بها يحبّونها ويستأنسون بها ويشتاقون لما لم يصلوا إليه من زخارفها وحلوها وخضرتها بل يعشقونها وشغفهم حبّها كالعاشق المستهتر .

فمن كان منهم مع ذلك مؤمناً باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ولكن بإيمان مستقر غیر زائل عند الموت لضعفه وقلة نوره وشدّة ظلمة المعاصي وخلط مع ذلك عملاً صالحاً وآخر سيئاً أولئك ممّن يرجى له المغفرة ولو بعد حين .

وأما الطائفة الأولى فهم الأشقياء الكافرون ليس لهم في الآخرة إلا النّار لأنهم من أهل السجين ويوم القيامة وإذا ميّزت الحقائق والتحقت الفروع بالأصول التحق ما في هذا العالم من النور إلى عوالمه وبقيت ظلمتها ونارها وتبدلت صور كل واحدمن الأفعال والأخلاق بما يناسب عالم القيامة من الحياة والعقارب وعذب بها فاعلها ومختلقها، ومن كان يريد الدُّنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك ليس لهم في الآخرة إلا النار .

ولو فرض لهم عمل خير يوف إليهم في حياتهم الدنيا أو ينقص بقدره من عذابهم في الآخرة وبالجملة أن الإنسان لما خلق ابتدأ من هذه الأرض فإن بقي فيها بعدما خلق فيه الروح والعقل واستأنس بها وألف لذاتها كان ممن أخلد إلى الأرض فيوم القيامة ملتحق بالسجين .

وإن خلص منها بعد ذلك بمعنى أن تحقق بآثار العقل والروح وصار جسداً عقلانياً وهيكلاً نورانياً فيوم القيامة يرتقي إلى أعلى عليين، وبعبارة أوضح خلق اللّه الإنسان في أوَّل ما خلق من سلالة من طين وبقي مدة في صورة السلالة والنطفة والعلقة والمضغة والعظم واللحم، ثمّ أعطاه الحياة وبقي حيًّا إلى أن وهبه قوَّة الحركة والبطش، وبقي على ذلك حتى وهبه قوّة التميز بين النافع والضار فأراد النافع وكره الضار فإن اتبع إرادته لإرادة اللّه جلّ جلاله في جميع حركاته وسكناته ولم يبق له إرادة مخالفة لإرادته تعالى، فهذا مقام الرضا وهذا الشخص دائماً يكون في الجنّة ولهم فيها ما يشاؤون ولذلك كان اسم خازن الجنّة الرضوان

وفي حديث المعراج أنّ اللّه قال: فمن عمل برضاي ألزمته(1)ثلاث خصال أعرفه شكراً لا يخالطه جهل وذكراً لا يخالطه النسيان ومحبة لا يؤثر على محبّتي محبّة المخلوقين (2).

ثمَّ إن عرف أنّ قدرته منتفية في قدرة اللّه ولم ير قدرة اللّه لغير اللّه لا لنفسه ولا لغيره فهو مقام التوكَّل - ومن يتوكل على اللّه فهو حسبه .

ثمَّ إن وفق مع ذلك أن ينفي علمه أيضاً في علم اللّه لئلا يكون بنفسه شيئاً فهذا مقام الوحدة(3)أولئك الذين أنعم اللّه عليهم.

فإن اتبع إرادة نفسه وعمل في حركاته وسكناته بهواه، والحقّ لا يتبع بهوى غيره فيخالف هواه مع هوى الحق فيكون هوى الحق ولا يكون هواه وحيل بينهم وبين ما يشتهون إلى أن يوصله الهوى إلى الهاوية ويقيده بالأغلال والسلاسل في جميع مراداته وهذا شأن المماليك بالنسبة إلى مراداتهم ولذلك سمي خازن جهنم مالكاً.

وإن تخلّف التوكّل يقع في الخذلان . وإن تخلّف عن جليل مرتبة التوحيد (4)ردّ إلى عن سفلى الدركات وهي دركة اللعنة أولئك يلعنهم اللّه ويلعنهم اللاعنون - إلى أن قال قدس سره:

ولا يذهب عليك أن ما ذكرنا من العوالم إنّما هي داخل هذا العالم وليس خارجاً عنه بمعنى أنّ هذا العالم حالة وكيفية للموجودات في حد ومرتبة من الوجود وعالم المثال حالة وكيفية أُخرى ألطف من هذه الكيفيات في باطن هذا العالم وليس خارجاً منه فمن كان له نور لعينه الحسيّة واجتمع بنور الشمس أو القمر الحسيّين يرى العالم الحسي بكيفيات حسية وصور حسية ومن كان لعينيه المثالية نور مثالي واجتمع نوره بنور الكواكب المثالية يرى مثال هذا العالم بكيفيات مثالية وصور مثالية فإنّ كيفيات العوالم وصورها مختلفة كل بحسبها ومناسبتها، وهكذا.

ويكشف عن هذا الاختلاف الرؤيا وتعبيرها بما يرى واقعة مطابقاً لصورتها المثالية يرى النائم اللبن ويفسره المعبر بالعلم ويقع في الواقع ما يرى على وفق التعبير .

ويكشف عن ذلك أيضاً الأخبار الكثيرة الواردة في أحوال البرزخ والقيامة وتجسيم الأعمال بما يناسبها من الصور، فحصل من جميع ما قلنا أن الموجود الحق الواقعي إنّما هو


1) في نسخة: الزمه .

2) بحار الأنوار: 28/74 ، وميزان الحكمة : 3/ 1882 .

3) في نسخة: التوحيد.

4) في نسخة: الوحدة .

الذات جلّ جلاله في عالمها وسائر العوالم إنما هو شأن من شؤونها وتجلي من تجلياتها مثلاً تجلى بالتجلي الأوّل فوجد منه العالم العقلي ثمَّ تجلّى ثانياً فظهر العالم النفسي، وهكذا إلى أن خلق هذا العالم الحسي ففي الخارج موجود حقيقي حق ثابت وشؤونه فكل شأن من شؤونه عبارة عن عالم من العوالم تام في مرتبته ولكلّ عالم آثار وصفات حتى ينتهي إلى أحسن العوالم وأكثفها وأضيقها وهو هذا العالم المحسوس وهذا العالم كيفية خاصة وصور وحدود شتّى لازم لهذه المرتبة من الوجود ووجوده و آثاره مخصوصة بعالمها، وهكذا.

وعالم الرؤيا إنّما هو من عالم المثال فكلما يرى فيها فهو من هذا العالم أرضها وسماؤها وجمادها ونباتها بل وصور المرايا أيضاً منه والصور الخيالية أيضاً منه وهذا العالم واسع بل عوالم كثيرة بل قيل إنّ في عالم المثال ثمانية عشر ألف عالم .

وحكى عن بعض العرفاء؛ أنّ كلما ورد في الشرع ممّا ظاهره مجاز في عالمنا فقد وجدناه في بعض هذه العوالم حقيقه من غير تجوز - فكما أن كلّما يراه النائم في الرؤيا إنّما هو حال وكيف مثالي يظهر لنفسه في عالم المثال فكذلك ما يراه اليقظان في عالمنا هذا الحسي حال وكيف حسي يظهر لنفسه في عالم الحس - إلى أن قال رضوان اللّه عليه :

والإدراك لا يمكن إلا بنيل المدرك لذات المدرك وذلك إما بخروجه من ذاته إلى أن يصل إليه أو بإدخاله إيّاه في ذاته وكلاهما محال إلا أن يتحد معه ويتصوّر بصورته فالذات العالمة ليست بذاتها بعينها هي الذات الجاهلة، فالعلم بالأجسام لا يتعلق بوجوداتها الخارجية لأنَّ صورها بما هي هي ليست حاصلة بهذا النحو من الحصول الاتحادي إلاّ الموادها وليست حاصلة لأنفسها وحصولها لموادها ليس بنحو العلمي إذ هي أمر عدمي ليست إلا جهة القوة في الوجودات فليس لها في أنفسها ذات يصح أن يدرك شيئاً ويعلمه وإذا لم تكن الصور الخارجية للأجسام ممّا يصح أن يحصل لها شيء الحصول المعتبر في العلم ولا هي حاصلة لما يصح يصح له أن يعلمها فليست هي عالمة بشيء أصلاً ولا لشيء أن يعلمها بعينها كما هي، فهي إذاً معلومة بالقوة بمعنى أن في قوتها أن ينتزع منها عالم صوراً فيعلمها أي يتصور بمثل صورها لاستحالة انتقال المنطبعات في المواد فالمعلوم بالذات من كل شيء ليس الصوراً إدراكية قائمة بالنفس متّحدة معها لا مادة خارجية.

فالمعلوم بالفعل ليس إلا لعالمه فكل عالم معلومه غير معلوم عالم آخر وهو في الحقيقة عالم وعلم ،ومعلوم هذا .

والمقصود من التعرض بهذه التفصيلات التنبيه إليه الفكر في معرفة النفس وكيفية الترقي منها إلى معرفة الربّ، والاستدلال بما يستحكم به تصديق ذلك وأن يتفطن المبتديء لأصول تنفع في فكره وإلّا فليس كيفيّة التفكر إلا أن يشغل المتفكر تارة لتجزئة نفسه، وأُخرى

لتجزئة العالم حتّى يتحقّق له أن ما يعلمه من العالم ليس إلا نفسه وعالمه لا العالم الخارجي، وأنّ هذه العوالم المعلومة له إنّما هي مرتبة من نفسه وحتى يجد نفسه لنفسه ما هي؟! ثم ينقى عن قلبه كل صورة وخيال ويكون فكره في العدم حتّى تنكشف له حقيقة نفسه أي يرتفع العالم من بين يديه ويظهر له حقيقة نفسه بلا صورة ولا مادّة وهذا هو أول معرفة النفس ولعلّ إلى ذلك أشير في تفسير قوله تعالى: أَفَمَن شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ [الزمر: 22] حيث سئل عنه وقال(علیه السلام) : نور يقذفه اللّه في قلبه فيشرح صدره قيل: هل لذلك من علامة ؟ قال(علیه السلام) : علامته التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل حلول الفوت (1).

ولعلّ العامة لا يعتقدون في معنى التجافي إلا الزهد في شهوات الدنيا، ولا يتصوّرون معنى للتجافي الحقيقي الذي هو ارتفاع الغرور الواقع في هذا العالم لأهله وعدم رؤية الأشياء كما هي الذي هو شأن العامة الذين لم يبلغوا بعد معرفة النفس بهذه المعرفة، انتهى ما أردنا من نقل كلامه نور اللّه تعالى رمسه وقد أجاد فيما أفاد وكتابه في لقاء اللّه ممتع جدًا للّه دره مؤلّفاً .

وكلامه (رحمه اللّه ) في النشآت الثلاثة الإنسانية تشير إلى ما برهنه المتألّه المولى صدرا في الرابع من (الأسفار) حيث قال قدّس سرّه :

حكمة عرشية: إنّ للنفس الإنسانية نشآت ثلاثة إدراكية : النشأة الأُولى هي الصورة الحسيّة الطبيعية ومظهرها الحواس الخمس الظاهرة ويقال لها الدنيا لدنوّها وقربها لتقدمها على الأخيرتين وعالم الشهادة لكونها مشهودة بالحواس وشرورها وخيراتها معلومة لكلّ أحد لا يحتاج إلى البيان وفي هذه النشأة لا يخلو موجود عن حركته واستحالته ووجود صورتها لا تنفك عن وجود مادتها .

والنشأة الثانية هي الأشباح والصور الغائبة عن هذه الحواس ومظهرها الحواس الباطنة ويقال لها عالم الغيب والآخرة لمقايستها إلى الأولى لأنَّ الآخرة والأولى من باب المضاف ولهذا لا يعرف إحداهما إلا مع الأخرى كالمتضائفين كما قال تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ [الواقعة: الآية 62] وهي تنقسم إلى الجنّة وهي دار السعداء، والجحيم وهي دار الأشقياء، ومباديء السعادات والشقاوات فيهما هي الملكات والأخلاق الفاضلة والرذيلة .

والنشأة الثالثة العقليّة وهي دار المقرّبين ودار العقل والمعقول ومظهرها القوّة


1) بحار الأنوار : 63/95 ، وإقبال الأعمال : 403/1 .

العاقلة من الإنسان إذا صارت عقلاً بالفعل، وهي لا تكون إلا خيراً محضاً ونوراً صرفاً فالنشأة الأولى دار القوّة والاستعداد والمزرعة لبذور الأرواح ونبات النيات والاعتقادات، والأخريتان كلّ منهما دار التمام والفعلية، وحصول الثمرات وحصاد المزروعات.

وقد أفاد قدس سرّه هذا المطلب الأرفع الأعلى في عدة مواضع من الأسفار فراجع إلى ص17، ص21 ، وص 97، وص131 من ج 9.

وإذا دريت أنَّ الصورة الإنسانية هي مجموع صور عالمي الأمر والخلق فادر أيضاً أنَّ الإنسان إذا كان مراقباً لقلبه وحارساً له عن ولوج الأجانب والأغيار وناظراً إلى ربه ومستشعراً جانب اللّه عزّ وجلَّ ومنصرفاً بفكره إلى قدس الجبروت مستديماً لشروق نور الحق في سرّه يلوح له ملكوت السماوات والأرض ويرتقي إلى أعلى عليين، ويصافحه الملائكة المقربين، قال عز من قائل : (وإِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيَ أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدْعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَّحِيم) [فصلت: 30-32] وقد تقدَّم في صدر الرسالة كلام العارف السهروردي : الفكر في صورة قدسيّة يتلطف بها طالب الأريحية .

وفي باب تنقل أحوال القلب من كتاب الإيمان والكفر من «أصول الكافي» (ص309 ج من المعرب) بإسناده عن سلام بن المستنير عن أبي جعفر(علیه السلام) قال : أما إن أصحاب محمد(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) قالوا يا رسول اللّه نخاف علينا النفاق. قال: فقال ولم تخافون ذلك؟ قالوا : إذا كنا عندك فذكرتنا ورغبتنا وجلنا ونسينا الدنيا وزهدنا حتى كأنا نعاين الآخرة والجنّة والنار ونحن عندك، فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه البيوت وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل يكاد أن نحوّل عن التي كنا عليها عندك وحتى كأنا لم نكن على شيء، أفتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقاً ؟ فقال لهم رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : كلا إنَّ هذه خطوات الشيطان فيرغيكم في الدنيا، واللّه لو تدومون على الحالة التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة ومشيتم على الماء (1)- الخبر .

وروي عن رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : لولا إن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء (2).

قال الكندي في رسالته في «النفس»: إنَّ النفس بسيطة ذات شرف وكمال عظيمة الشأن، جوهرها من جوهر الباري عز وجل كقياس ضياء الشمس من الشمس .


1) الكافي : 424/2 ، وبحار الأنوار: 42/6.

2) بحار الأنوار: 163/56 ، ودرر الأخبار : 442 ح 1.

وقد بيّن أنّ هذه النفس منفردة عن هذا الجسم مباينة له وأن جوهرها جوهر إلهي روحاني بما يرى من شرف طباعها ومضادتها لما يعرض للبدن من الشهوات والغضب.

وذلك أنَّ القوّة الغضبية قد تتحرك على الإنسان في بعض الأوقات فتحمله على ارتكاب الأمر العظيم فتضادّها هذه النفس وتمنع الغضب من أن يفعل فعله أو أن يرتكب الغيظ وترته، وتضبطه كما يضبط الفارس الفرس إذا هم أن يجمح به أو يمده.

وهذا دليل بين على أنَّ القوة التي يغضب بها الإنسان غير هذه النفس التي تمنع الغضب أن يجري إلى ما يهواه لأنَّ المانع لا محالة غير الممنوع لأنه لا يكون شيء واحد يضاد نفسه، فأمّا القوّة الشهوانية فقد تتوق في بعض الأوقات إلى بعض الشهوات ففكّر النفس العقلية في ذلك أنّه أخطأ وأنّه يؤدي إلى حال رديئة فتمنعها عن ذلك ،وتضادها وهذا أيضاً دليل على أنَّ كلّ واحد منهما غير الأخرى.

وهذه النفس التي هي من نور الباري عزّ وجلَّ إذا هي فارقت البدن علمت كلّ ما في العالم ولم تخف عنها خافية، والدليل على ذلك قول أفلاطون حيث يقول : إنَّ كثيراً من الفلاسفة الطاهرين القدماء لم يتجردوا من الدُّنيا وتهاونوا بالأشياء المحسوسة وتفردوا بالنظر والبحث عن حقائق الأشياء انكشف لهم الغيب، وعلموا بما يخفيه الناس في نفوسهم واطلعوا على سرائر الخلق .

فإذا كان هذا هكذا والنفس بعد مرتبطة بهذا البدن في هذا العالم المظلم الذي لولا نور الشمس لكان في غاية الظلمة فكيف إذا تجرّدت هذه النفس وفارقت البدن، وصارت في عالم الحق الذي فيه نور الباري سبحانه ؟!

ولقد صدق أفلاطون في هذا القياس وأصاب به البرهان الصحيح، ثم إنَّ أفلاطون اتبع هذا القول بأن قال: فأمّا من كان غرضه في هذا العالم التلذذ بالمآكل والمشارب المستحيلة إلى الجيف، وكان أيضاً غرضه في لذة الجماع فلا سبيل لنفسه العقلية إلى معرفة هذه الأشياء الشريفة ولا يمكنها الوصول إلى التشبه بالباري سبحانه .

ثمَّ إنّ أفلاطون قاس القوة الشهوانية التي للإنسان بالخنزير والقوة الغضبية بالكلب، والقوة العقلية التي ذكرنا بالملك وقال : من غلبت عليه الشهوانية وكانت هي غرضه وأكثر همته فقياسه قياس الخنزير، ومن غلب عليه الغضبية فقياسه قياس الكلب، ومن كان الأغلب عليه قوة النفس العقلية وكان أكثر أدبه الفكر والتمييز ومعرفة حقائق الأشياء، والبحث عن غوامض العلم كان إنساناً فاضلاً قريب الشبه من الباري سبحانه لأنَّ الأشياء التي نجدها للباري عزّ وجلّ هي الحكمة والقدرة والعدل والخير والجميل والحق

وقد يمكن للإنسان أن يدبّر نفسه بهذه الحيلة حسب ما في طاقة الإنسان فيكون حكيماً عدلاً جواداً خيراً يؤثر الحق ،والجميل، ويكون بذلك كلّه بنوع دخل دون النوع الذي للباري سبحانه من قوته وقدرته لأنّها إنما اقتبست من قربها قدرة مشاكلة لقدرته، فإنّ النفس على رأي أفلاطون وجلّة الفلاسفة باقية بعد الموت جوهرها كجوهر الباري عزّ وعلا في قوتها إذا تجردت أن تعلم سائر الأشياء كما يعلم الباري بها أو دون ذلك برتبة يسيرة، لأنها أودعت من نور الباري جلّ وعزّ .

وإذا تجرّدت وفارقت هذا البدن وصارت في عالم العقل فوق الفلك صارت في نور الباري، ورأت الباري عزّ وجلّ وطابقت نوره وجلت في ملكوته فانكشف لها حينئذ علم كلُّ شيء، وصارت الأشياء كلّها بارزة لها كمثل ما هي بارزة للباري عزَّ وجلَّ، لأنا إذا كنا ونحن في هذا العالم الدنس قد نرى فيه أشياء كثيرة بضوء الشمس فكيف إذا تجردت نفوسنا، وصارت مطابقة لعالم الديمومية وصارت تنظر بنور الباري فهي لا محالة ترى بنور الباري كلّ ظاهر وخفي وتقف على كلِّ سرّ وعلانية .

وكان أفسفورس يقول : إنَّ النفس إذا كانت وهي مرتبطة بالبدن تاركة للشهوات متطهرة من الأدناس، كثيرة البحث والنظر في معرفة حقائق الأشياء انصقلت صقالة ظاهرة واتحدت بها صورة من نور الباري يحدث فيها ويكامل نور الباري بسبب ذلك الصقال الذي اكتسبه من التطهر فحينئذ يظهر فيها صور الأشياء كلها ومعرفتها كما يظهر صور خيالات سائر الأشياء المحسوسة في المرآة إذا كانت صقيلة، فهذا قياس النفس لأنّ المرآة إذا كانت صدشة لم يتبين صورة شيء فيها بنّة، فإذا زال منها الصدأ ظهرت وتبينت فيها جميع الصور، كذلك النفس العقلية إذا كانت صدئة دنسة كانت على غاية الجهل ولم يظهر فيها صور المعلومات وإذا تطهرت وتهذبت وانصقلت وصفاء النفس هو أن النفس تتظهر من الدنس وتكتسب العلم تظهر فيها حينئذ صورة معرفة جميع الأشياء وعلى حسب جودة صقالتها تكون معرفتها بالأشياء، فالنفس كلما ازدادت صقالاً ظهر لها وفيها معرفة الأشياء .

وهذه النفس لا تنام بتّة لأنّها في وقت النوم تترك استعمال الحواس وتبقى محصورة ليست بمجرَّدة على حدتها، وتعلم كلّ ما في العوالم وكلّ ظاهر وخفي ولو كانت هذه النفس تنام لما كان الإنسان إذا رأى في النوم شيئاً يعلم أنه في النوم بل لا يفرق بينه وبين ما كان في اليقظة .

وإذا بلغت هذه النفس مبلغها في الطهارة رأت في النوم عجائب من الأحلام وخاطبتها الأنفس التي قد فارقت الأبدان وأفاض عليها الباري من نوره ورحمته فتلتذ حينئذ لذة دائمة

فوق كل لذّة تكون بالمطعم والمشرب والنكاح والسماع والنظر والشم واللمس، لأنَّ هذه لذات حسيّة دنسة تعقب الأذى، وتلك لذة إلهيّة روحانية ملكوتية تعقب الشرف الأعظم، والشقي المغرور الجاهل من رضى لنفسه بلذات الحس وكانت هي أكثر أغراضه ومنتهى غايته .

وإنما نجيء في هذا العالم في شبه المعبر والجسر الذي يجوز عليه السّيارة ليس لنا مقام يطول، وأما مقامنا ومستقرنا الذي نتوقع فهو العالم الأعلى الشريف الذي تنتقل إليه نفوسنا بعد الموت حيث تقرب من باريها، وتقرب من نوره ،ورحمته ونراه رؤية عقلية لا حسيّة، ويفيض عليها من نوره ورحمته فهذا قول أفسقورس .الحكيم. انتهى ما نقلنا عن الفيلسوف الكندي.

وقد صدر هذه النكات اللطيفة الشريفة عن قلوب نقيّة، وهي كلمات اقتبست من مشكاة الأنبياء غاية الأمر بوسائط والملهم المبتدع القديم حق عليم منه عظيم .

قوله: جوهرها من جوهر الباري يعني أنها من عالم الأمر الحكيم قال عزّ من قائل : و قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ [الإسراء : 85] [الإسراء : 86] وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ [الحجر: 29].

وقوله : كقياس ضياء الشمس من الشمس شريف جداً وقد قال الإمام كشاف الحقائق وارث علوم النبيين أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق(علیه السلام) : إنَّ روح المؤمن لأشد اتصالاً بروح اللّه من اتصال شعاع الشمس بها(1)، رواه ثقة الإسلام الكليني قدس سرّه في باب أخوة المؤمنين بعضهم لبعض من كتاب الإيمان والكفر من «أصول الكافي» (ص 33 ج 2 من المعرب).

قوله : إذا هي فارقت البدن علمت كلّ ما في العالم، قال تبارك وتعالى : لَقَدْ كُنتَ في غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: 22]. وقوله : ثمَّ إِنَّ أفلاطون قاس القوة الشهوانية التي للإنسان بالخنزير - الخ ، كلام شريف أيضاً ومن هنا يعلم أيضاً حشر الناس على صور نياتهم وأن الجزاء في الآخرة بنفس العمل وقد وردت في ذلك روايات كثيرة من بيت الوحي والعصمة والطهارة، ففي الحديث عن رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : يحشر الناس على صور نياتهم، وفي الآخر عن البراء بن عازب قال: كان معاذ بن جبل جالساً قريباً من رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) في منزل أبي أيوب الأنصاري فقال معاذ: يا)


1) الكافي : 166/2 ح 4 ، وكتاب المؤمن : 38ح 86.

رسول اللّه ما رأيت قول اللّه تعالى: ﴿يَومَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفَوَاجًا [النّبا : الآية 18] ، الآيات؟ فقال : يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمر، ثمَّ أرسل عينيه ثمَّ قال: يحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتاً قد ميّزهم اللّه من المسلمين وبدَّل صورهم : فبعضهم على صورة القردة وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون أرجلهم من فوق ووجوهم من تحت ثم يسحبون عليها وبعضهم عمي يتردّدون، وبعضهم صم بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فيسيل القيح من أفواههم لعاباً يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم ، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشدّ نتناً من الجيف وبعضهم يلبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم.)فأمّا الّذين على صورة القردة فالقتّات من الناس، وأما الّذين على صورة الخنازير فأهل السحت وأما المنكسون على رؤوسهم فآكلوا الربا والعمي الجائرون في الحكم ، والصم البكم المعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون بألسنتهم فالعلماء والقضاة الذين خالف أعمالهم أقوالهم، والمقطعة أيديهم وأرجلهم الذين يؤذون ،الجيران والمصلبون على جذوع من نار فالسّعاة بالناس إلى السلطان والذين هم أشد نتنا من الجيف فالذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق اللّه تعالى في أموالهم والذين يلبسون الجباب فأهل التجبر والخيلاء.وهذا الحديث قد رواه الفريقان في الجوامع وكتب التفسير وفي الحديث عنه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم : من خالف الإمام في أفعال الصلاة يحشر ورأسه رأس حمار وقد روى الكليني في باب الكبر من كتاب الإيمان والكفر من «أصول الكافي» (ص 235 ج 2 من المعرب) بإسناده عن داود بن فرقد عن أخيه قال : سمعت أبا عبد اللّه(علیه السلام) يقول : إن المتكبرين يجعلون في صور الذرّ يتوطأهم الناس حتى يفرغ اللّه من الحساب (1).)وفي الحديث عنه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم : كما تعيشون تموتون وكما تنامون تبعثون. وروي عن النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) أنه قال: رأيت ليلة أسري بي قوماً تقرض شفاههم، وكلما قرضت وقت، فقال لي ائیل : هؤلاء خطباء أُمّتك تقرض شفاههم لأنّهم يقولون ما لا يفعلون (2)، رواه علم الهدى سيد المرتضى في المجلس الأوّل من «أماليه غرر الفوائد ودرو القلائد» (ص6 من جا من طبع مصر).)وقال أمير المؤمنين(علیه السلام في صفة بعض علماء السوء فالصورة صورة إنسان والقلب)


1) الكافي: 311/2 ح 11 ، وبحار الأنوار: 219/70 ح 11.

2) الأمالي 51 ، وميزان الحكمة : 2098/3 ح 2896.

قلب حيوان(1.)وفي حديث الريّان بن شبيب عن ثامن الأئمة علي بن موسى الرضي(علیه السلام : يا ابن شبيب إن سرك أن تكون معنا في الدرجات العلى من الجنان فاحزن لحزننا وافرح لفرحنا وعليك بولايتنا، فلو أنّ رجلاً تولى حجراً لحشره اللّه تعالى معه يوم القيامة (2)، رواه المجلسي رحمه اللّه عليه في «عاشر البحار» ( ص 165 من طبع الكمياني) عن عيون أخبار الرضا وأمالي الصدوق .)قلت: كنت ذات ليلة متفكراً في أمري من حشري معادي وناظراً في صحيفة عملي ويوم عرضي للحساب ونحوها إذ رأيت فيما رأيت في صقع نفسي شيئاً لازباً بها جدا، محشوراً عندها غير منفك عنها ، ولما أمعنت النظر فيه عرفته وكان نسخة مخطوطة من کتاب، قد كنت أُحبّها شديداً فعندئذ حضر وخطر بالبال قوله : فلو أنَّ رجلاً تولّى حجراً لحشره اللّه تعالى معه يوم القيامة، فإنَّ الكتاب جماد كالحجر ولا فرق بينهما من هذه الحيثية.ومن تلك البراهين النقلية المعاضدة للعقلية قال أساطين الحكمة: إنَّ حشر الخلائق في الآخرة على أنحاء مختلفة حسب أعمالهم وأخلاقهم فلقوم على سبيل الوفد، ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفَدًا [مريم : 85] ، ولقوم على سبيل التعذيب ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ) [فصلت: 19] ولقوم نحشر المجرمين يومئذ زرقاً ولقوم (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) [طه: 124]، وبالجملة كل أحد إلى غاية سعيه وعمله وإلى ما يحبه ويهواه حتى أنه لو أحبّ حجراً لحشر معه لقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ من دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) [الأنبياء: الآية 98] وقوله تعالى : (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) [الصافات : 22 - 23])والمراد بأزواجهم الملكات وصورها فإن تكرّر الأفاعيل يوجب الملكات وكل ملكة تغلب على نفس الإنسان تتصور في القيامة بصورة تناسبها (قُلْ كُل يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ، ولا شك أن أفاعيل الأشقياء المدبرين إنما هي بحسب هممهم القاصرة النازلة في مراتب البرازخ الحيوانية وتصوراتهم مقصورة على أغراض بهيمية أو سبعية أو شيطانيّة تغلب على نفوسهم فلا جرم يحشرون على صور تلك الحيوانات، وإذا الوحوش حشرت، وفي الحديث عنه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) يحشر بعض الناس على صور يحسن عندها القردة والخنازير وفيه أيضاً يحشر الناس يوم)


1) ميزان الحكمة : 4 / 2974 ح 3741، وبحار الأنوار: 57/2.

2) الأمالي : 193 ، وبحار الأنوار: 286/44.

القيامة ثلاثة أصناف: ركباناً، ومشاة، وعلى وجوههم(1.)والسرّ في ذلك أن لكلّ خُلق من الأخلاق المذمومة والهيئات الرديئة المتمكنة في النفس صورة نوع من أنواع الحيوانات وبدن يختص بذلك كصور أبدان الأسود ونحوها لخلق التكبّر والتهوّر مثلاً ، وأبدان الثعالب وأمثالها للخبث والروغان، وأبدان القرود ونحوها للمحاكاة ،والسخرية والخنازير للحرص والشهوة إلى غير ذلك .وربما كان لشخص واحد من الإنسان عدد كثير من الأخلاق الرديئة على مراتب متفاوتة فبحسب ذلك تختلف الصور الحيوانية في الآخرة قال اللّه عزّ وجل: يوم تشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون .قال المولى صدرا قدس سره في مبحث الحشر من «الأسفار»: إنَّ في داخل بدن كلِّ إنسان ومكمن جوفه حيواناً صورياً بجميع أعضائه وأشكاله وقواه وحواسه هو موجود قائم بالفعل لا يموت بموت هذا البدن وهو المحشور يوم القيامة بصورته المناسبة لمعناه وهو الذي يثاب ويعاقب وليست حياته كحياة هذا البدن المركب عرضيّة واردة عليه من الخارج وإنما حياته كحياة النفس ذاتية وهو حيوان متوسط بين الحيوان العقلي والحيوان الحسي يحشر في القيامة على صورة هيئات وملكات كسبتها النفس بيدها العمالة، وبهذا يرجع ويؤول معنى التناسخ المنقول عن الحكماء الأقدمين كأفلاطون ومن سبقه مثل سقراط وفيثاغورس وغيرهما من الأساطين وكذا ما ورد في لسان النبوات وعليه تحمل الآيات المشيرة إلى التناسخ، وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةٌ مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِايَتِنَا لا يُوقِنُونَ [النمل: 82] ، وقوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن اللّه يُكَذِّبُ بِايَتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل: 83] ، وقوله تعالى: يَوْمَ يَتَفَرَّقُونَ [الرُّوم : الآية اللّه 14] ، كل ذلك إشارة إلى انقلاب النفوس في جوهرها وصيرورتها من أفواج الأمم الصامتة وخروجها يوم النشور إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور على صورة أنواع الحيوانات من السباع والمؤذيات والبهائم والوحوش والشياطين. وقال في «المبدأ والمعاد»: ص(325 قال بعض العرفاء: كلّ من شاهد بنور البصير باطنه في الدُّنيا لرآه مشحوناً بأصناف السباع وأنواع الهوام مثل الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب والرياء وغيرها وهي التي لا تزال تفترسه وتنهشه إن سهى عنه بلحظة إلا أن أكثر الناس لكونه محجوب العين عن مشاهدتها فإذا كشف الغطاء ووضع في قبره عاينها وقد تمثلت له بصورها وأشكالها الموافقة لمعانيها فيرى بعينه العقارب والحيات قد


1) معاني القرآن : 26/5 ، ومسند أبي داود: 334

أحدقت به وإنما هي صفاته الحاضرة الآن قد انكشفت له صورها، فإن أردت يا أخي أن تقتلها وتقهرها وأنت قادر عليها قبل الموت فافعل وإلا فوطن نفسك على لدغها ونهشها بصميم قلبك قلبك فضلا عن ظاهر بشرتك وجسمك .

وقول الكندي: كان أفسقورس يقول إن النفس - الخ، يقصد بأفسفورس فيثاغورس الفيلسوف المشهور من أعاظم الحكماء الأقدمين قد استفاد من مشكاة النبوة وله في نضد العالم وترتيبه على خواص العدد ومراتبه رموز عجيبة وأغراض بعيدة وله في شأن المعاد مذاهب قارب فيها أبيذقلس من أن عالماً فوق عالم الطبيعة روحانياً نورانياً لا يدرك العقل حسنه وبهاءه، وأنَّ الأنفس الزكية تحتاج إليه، وأنّ كلّ إنسان أحسن تقويمه بالتبرُّؤ من العجب والتجبر والرياء والحسد وغيرها من الشهوات الجسدانية فقد صار أهلاً أن يلحق بالعالم الروحاني ويطلع على ما شاع (1)من جواهره من الحكمة الإلهية، وأنَّ الأشياء الملذّة للنفس تأتيه حشداً إرسالاً كالألحان الموسيقية الآتية إلى حاسة السمع فلا يحتاج إلى أن يتكلف لها طلباً، نقلناه من «تاريخ الحكماء» للقفطي .

ومن كلماته السامية : أنّك ستعارض لك في أفعالك وأقوالك وأفكارك وسيظهر لك من كل حركة فكرية أو قولية أو عملية صورة روحانية أو جسمانية فإن كانت الحركة غضبيّة أو شهوية صارت مادة لشيطان يؤذيك في حياتك ويحجبك عن ملاقاة النور بعد وفاتك وإن كانت الحركة عقلية صارت ملكاً تلتذُ بمنادمته في دنياك وتهتدي به في أُخراك إلى جوار اللّه ودار كرامته نقلناه من مبحث نشر الصحائف وإبراز الكتب من «الأسفار».

وما أفاد هؤلاء الأعاظم في إنيّة النفس وتطوّراتها لطيف جداً إلا أني ما رأيت بعد قول اللّه تعالى ورسوله اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) كلاماً في النفس وأطوارها ألطف وأجمع وأتقن من كلام إمام الموحدين وراية السالكين وقدوة المتألهين علي أمير المؤمنين(علیه السلام) حيث قال لحبر من أحبار اليهود وعلمائهم من اعتدل طباعه صفى مزاجه، ومن صفى مزاجه قوي أثر النفس فيه ومن قوي أثر النفس فيه سمي إلى ما يرتقيه، ومن سمي إلى ما يرتقيه فقد تخلق بالأخلاق النفسانية، ومن تخلق بالأخلاق النفسانية فقد صار موجوداً بما هو إنسان دون أن يكون موجوداً بما هو حيوان ودخل في الباب الملكي وليس له عن هذه الحالة مغيّر (2)، فقال اليهودي: اللّه أكبر يا ابن أبي طالب لقد نطقت بالفلسفة جميعها، نقله العلامة الشيخ بهاء الدين العاملي قدس سره في أواخر المجلد الخامس من «الكشكول» (ص 594 من طبع نجم الدولة).


1) في نسخة : يشاء

2) الصراط المستقيم: 214/1 ، والإمام علي : 624 ح 1 .

وقال في المجلد الثاني منه ( ص 246) عن كميل بن زياد قال: سألت مولانا أمير المؤمنين(علیه السلام) فقلت : يا أمير المؤمنين أريد أن تعرفني نفسي، فقال: يا كميل وأي الأنفس تريد أن أعرفك ؟ قلت يا مولاي وهل هي إلا نفس واحدة؟!

قال : يا كميل إنما هي أربعة النامية النباتية، والحسيّة الحيوانية، والناطقة القدسية، والكليّة الإلهيّة، ولكل واحدة من هذه خمس قوى وخاصيتان :

فالنامية النباتية لها خمس :قوى ماسكة وجاذبة وهاضمة ودافعة ،ومربيّة ولها خاصيّتان: الزيادة والنقصان وانبعاثها من الكبد.

والحسية الحيوانية لها خمس قوى سمع وبصر وشم وذوق، ولمس، ولها خاصيّتان: الرضا والغضب وانبعاثها من القلب .

والناطقة القدسيّة لها خمس قوى فكر ،وذكر ،وعلم وحلم ونباهة وليس لها انبعاث وهي أشبه الأشياء بالنفوس الملكيّة، ولها خاصيتان النزاهة والحكمة.

والكلية الإلهيّة لها خمس قوى بقاء في فناء، ونعيم في شقاء، وعزّ في ذل، وفقر في غناء وصبر في بلاء، ولها خاصيتان الرّضا والتسليم وهذه التي مبدؤها من اللّه وإليه ،تعود قال اللّه تعالى: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي [الحجر: الآية 29] وقال اللّه تعالى: يأيتها النَّفْسُ الْمُطْمَئنَةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّة [الفجر: 27 - 28] والعقل وسط الكل(1).)وروي في كتاب «الدرر والغرر» أنَّ أمير المؤمنين(علیه السلامسئل عن العالم العلوي فقال : صور عارية عن المواد عالية من القوة والاستعداد تجلّى لها فأشرقت وطالعها فتلالات وألقى في هويتها مثاله فأظهر عنها أفعاله وخلق الإنسان ذا نفس ناطقة إن زكّيها بالعلم والعقل فقد شابهت جواهر أوائل ،عللها، وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد (نقلناه من الكلمة التاسعة عشر من قرَّة العيون في أعز الفنون للفيض قدس سره)، وقد رواه العالم الجليل ابن شهر آشوب في المناقب أيضاً .)ولنذكر ما حصل لبعض الأعاظم من التخلّص عن دون البدن، والتنزّه عن رين الرذائل النفسانية فكوشف لهم ما وراء الطبيعة، ترغيباً للمشتاقين إلى السير في عالم المجردات، وأنموذجاً من عظم من عظم شأن النفس وشرفها للطالبين :(1 قال الفيلسوف يعقوب بن إسحاق الكندي في رسالته في «النفس» (ص279) من رسائل الكندي وقد وصف أرسطاطاليس أمر الملك اليوناني الذي تحرّج بنفسه فمكث لا)


1) بحار الأنوار : 85/58 ، وتفسير الصافي : 112/3.

يعيش ولا يموت أياماً كثيرة كلما أفاق أعلم الناس بفنون من علم الغيب وحدثهم بما رأى منالأنفس والصور والملائكة، وأعطاهم في ذلك البراهين وأخبر جماعة من أهل بيته بعمر واحد واحد منهم، فلما امتحن كل ما قال لم يتجاوز أحد منهم المقدار الذي حده له من العمر، وأخبر أن خسفاً يكون في بلاد الأوس بعد سنة وسيل يكون في موضع آخر بعد سنتين فكان الأمر كما قال.قال : وذكر أرسطاطاليس أنَّ السبيل في ذلك أنَّ نفسه إنّما علمت ذلك العلم لأنها كادت أن تفارق البدن وانفصلت عنه بعض الانفصال فرأت ذلك فكيف لو فارقت البدن على الحقيقة؟ لكانت قد رأت عجائب من أمر الملكوت الأعلى.فقل للباكين ممن طبعه أن يبكي من الأشياء المخزونة ينبغي أن يبكي ويكثر البكاء على من يهمل نفسه وينهك من ارتكاب الشهوات الحقيرة الخسيسة الدنيئة المموّهة التي تكسبه الشرّة وتميل بطبعه إلى طبع البهائم ويدع أن يتشاغل بالنظر في هذا الأمر الشريف والتخلّص إليه، ويطهر نفسه حسب طاقته، فإنّ الطهر الحق هو طهر النفس لا طهر البدن فإنّ العالم الحكيم المبرّز المتعبد الباريه إذا كان ملطخ البدن بإكماة فهو عند جميع الجهال، فضلاً عن العلماء أفضل وأشرف من الجاهل الملطخ البدن بالمسك والعنبر(1.)ومن فضيلة المتعبد اللّه الذي قد هجر الدُّنيا ولذاتها الدنيئة أنّ الجهال كلّهم إلا من سخر منهم بنفسه يعترض بفضله ويجله ويفرح أن يطلع منه على الخطأ.فيا أيها الإنسان الجاهل ألا تعلم أنّ مقامك في هذا العالم إنما هو كلمحة ثمَّ تصير إلى العالم الحقيقي، فتبقى فيه أبد الآبدين؟ انتهى كلام الكندي تغمده اللّه بغفرانه .(2 وروى الكليني أعلى اللّه مقامه في باب حقيقة الإيمان واليقين من كتاب الإيمان والكفر من جامعه «الكافي» (ص 44 ج 2 من المعرب) بإسناده عن إسحاق بن عمار قال : سمعت أبا عبد اللّه(علیه السلام) يقول : إنَّ رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) صلي بالناس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوى برأسه مصفراً ،لونه قد نحف جسمه، وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : كيف أصبحت يا فلان؟ قال : أصبحت يا رسول اللّه موقناً، فعجب رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) من قوله وقال : إن لكلّ يقين حقيقةً فما حقيقة يقينك؟ فقال: إنَّ يقيني يا رسول اللّه هو الّذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري فعزفت نفسي عن الدُّنيا وما فيها حتى كأني أنظر إلى عرش ربي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم و وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتنعمون في الجنة ويتعارفون وعلى الآرائك متكئون، وكأني أنظر إلى)


1) نهج الإيمان 279 ، وميزان الحكمة : 223/1

أهل النار وهم فيها معذبون مصطرخون، وكأني الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي، فقال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم لأصحابه : هذا عبد نور اللّه قلبه بالإيمان، ثمَّ قال له : الزم ما أنت عليه، فقال الشاب : ادع اللّه لي يا رسول اللّه أن أرزق الشهادة معك، فدعا له رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر(1).)وروى بعده بإسناده عن عبد اللّه بن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه(علیه السلام قال : استقبل رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) حارثة مالك بن النعمان الأنصاري فقال له : كيف أنت يا حارثة بن مالك؟ فقال : يا رسول اللّه مؤمن حقاً ، فقال له رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم): لكل شيء حقيقة فما حقيقة قولك ؟ فقال : يا رسول اللّه عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت هواجري وكأني أنظر إلى عرش ربي وقد وضع للحساب وكأني أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون في الجنّة، وكأنّي أسمع عواء أهل النار في النار ، فقال له رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : عبد نور اللّه قلبه، أبصرت ،فأثبت فقال يا رسول اللّه ادع اللّه لي أن يرزقني الشهادة معك. فقال: اللّهم ارزق حارثة الشهادة، فلم يلبث إلا أياماً حتى بعث رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) سرية فبعثه فيها فقاتل فقتل تسعة أو ثمانية ثمَّ قتل (2).)وقال : وفي رواية القاسم بن بريد عن أبي بصير قال : استشهد مع جعفر بن أبي طالب بعد تسعة نفر وكان هو العاشر .قلت : إنما قال لرسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم: ادع لي أن أرزق الشهادة معك. لما فيها من فضيلة سامية وكفى فيها ما قال عز من قائل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاهٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران الآية 169] وأرى في طلبه الشهادة منه لهذا أنَّ حفظ الحال أصعب من تحصيله كالمال قال شاعر العجم : مال راهر کسی بدست آرد *** رنجش اندر نگاهداشتن است

وتأمّل في كلام رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)حيث قال له : إلزم ما أنت عليه، أو أبصرت فاثبت أمره بلزوم ما وجده من الإيمان الكامل الذي نور اللّه به قلبه وثباته على ذلك، فإن للكمالات الحاصلة آفات كثيرة والمراقبة في حفظها وعدم زوالها لازمة جداً لمن تنعم بها، قال الإمام أبو الحسن موسى بن جعفر(علیه السلام) الهشام بن الحكم:

يا هشام إن اللّه حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا


1) المحاسن: 251/1 ، والكافي : 53/2 ح2.

2) الكافي : 54/2 3 ، وشرح أصول الكافي : 172/8ح 3.

مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [آل عِمران الآية ] حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها (1)(رواه الكليني (رحمه اللّه) في كتاب العقل والجهل من «أصول الكافي» الحديث 12) قال الشيخ العلامة البهائي قدس سره كما في سلافة العصر (ص292): سانحة: قد تهب من عالم القدس نفحة من نفحات الأنس على قلوب أصحاب العلائق الدينية، والعلائق الدنيوية، فتقطر بذلك مشام أرواحهم وتجري روح الحقيقة في رميم أشباحهم، فيدركون قيح الأنفاس الجسمانية، ويذعنون بخساسة الانتكاس في مهاوي القيود الهيولانية، فيميلون إلى سلوك الرشاد وينتبهون من نوم الغفلة عن البداء والمعاد، لكن هذا التنبيه سريع الزوال،ووحي الاضمحلال فيا ليته يبقى إلى حصول جذبة إلهية تميط عنهم أدناس عالم الزور وتطهرهم من أرجاس دار الغرور ، ثم إنهم عند زوال تلك النفحة القدسية، وانقضاء هاتيك النسمة الإنسية يعودون إلى الانعكاس في تلك الأدناس، فيتأسفون على ذلك الحال الرفيع المنال وينادي لسان حالهم بهذا المقال إن كانوا من أصحاب الكمال :

تیری زدی وزخم دل آسوده شد ازان *** هانای طبیب خسته دلان مرهم دگر

وبالجملة كأن الشاب خاف من زيغ القلب وزوال النعمة فرأى أن خروجه من الدُّنيا مع ذلك النور الإلهي أفضل وأحب إليه من البقاء فيها مع خوف زواله فاستحب الأول على الثاني، واللّه تعالى أعلم.

وقد روى ابن الأثير في «أسد الغابة» بإسناده عن أنس هذه الواقعة ونسبها إلى حارثة أيضاً ( ص 335 ج1)، وكذا الغزالي في إحياء العلوم»، لكن نسبها العارف الرومي في المجلد الأوّل من «المثنوي» إلى زيد والظاهر أنه زيد بن حارثة حيث قال :

گفت پیغمبر صباحی زید را *** كيف أصبحت أي رفيق باصفا

إلى آخر الأبيات .

ونسبها أبو نعيم أبو نعيم الأصفر الأصفهاني في «حلية الأولياء» (ص 242 ج 1) إلى معاذ بن جبل ورواها بإسناده عن أنس بن مالك أيضاً، ونسبها الديلمي في الباب السابع والثلاثين من كتابه إرشاد القلوب إلى سعد بن معاذ وألفاظهما واحدة والاختلاف يسير، وفي رواية أبي نعيم أنَّ معاذ بن جبل رضي اللّه تعالى عنه دخل على رسول اللّه تعالى عنه دخل على رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فقال : كيف أصبحت يا معاذ؟ قال : أصبحت مؤمناً باللّه تعالى. قال: إنَّ لكلّ قول مصداقاً ولكل حق حقيقة فما مصداق ما


1) الكافي: 18/1 ، وتحف العقول: 388

تقول؟ قال: يا نبي اللّه ما أصبحت صباحاً قط إلا ظننت أني لا أمسي، وما أمسيت مساءً قط إلا ظننت أني لا أصبح ولا خطوت خطوة إلا ظننت أني لا أتبعها أخرى، وكأني أنظر إلى كلِّ أُمّة جائية تدعى إلى كتابها معها نبيّها وأوثانها التي كانت تعبد من دون اللّه وكأني أنظر إلى عقوبة أهل النار وثواب أهل الجنة ، قال : عرفت فالزم(1).

(3) قال العارف المتنزه المتأله السيد حيدر الآملي قدس سره في أول كتابه «جامع الأسرار ومنبع الأنوار»: واللّه ثم واللّه لو صارت أطباق السماوات أوراقاً، وأشجار الأرضين أقلاماً، والبحور السبعة مع المحيط مداداً، والجن والإنس والملك كتاباً لا يمكنهم شرح عشر من عشير ما شدت من المعارف الإلهية والحقائق الربانية الموصوفة في الحديث القدسي «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر»، المذكورة في القرآن: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة : الآية 17])ولا يتيسّر لهم بيان جزء من أجزاء ما عرفت من الأسرار الجبروتيّة والغوامض الملكوتية المعبّر عنها في القرآن بما لم يعلم لقوله تعالى : (اقرأ ورَبُّكَ الأكرم الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَوْ يعلم[ العلق : 3 - 5 ] المومي إليها أيضاً بتعليم الرحمن، لقوله تعالى : (الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْءانَ خَلَقَ الإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) [الرحمن : 1 ) - 4] المسماة بكلمات اللّه التى لا تبيد ولا تنفد لقوله تعالى: (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ ربِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا ) :[الكهف: 109] ولقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقلَامُ وَالْبَحْرُ يَمُدُّمُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللّه عزيز حكيمٌ [لقمان: 27].

(4) وفي «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» (ص 479) تأليف العلامة السيد علي صدر الدين المدني صاحب «الرياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين»، و«شرح الفوائد الصمدية» في النحو، و «الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة» وغيرها تبلغ إلى ثمانية عشر مؤلفاً في فنون متنوعة : الأمير محمد باقر بن محمد الشهير بالداماد الحسني - إلى أن قال صاحب السلافة في ترجمته قدّس سرّه ومن غريب رسائله رسالته الخليعة وهي مما يدل على تألّه سريرته وتقدّس ،، وتقدّس سيرته وصورتها :

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد كله لله رب العالمين وصلاته على سيدنا محمد وآله


1) حلية الأولياء : 242/1.

الطاهرين، كنت ذات يوم من أيام شهرنا هذا وقد كان يوم الجمعة سادس عشر شهر رسول اللّه شعبان المكرّم لعام ثلاث وعشرين وألف من هجرته المقدّسة في بعض خلواتي أذكر ربي في تضاعيف أذكاري وأورادي باسمه الغني فأكرر يا غني يا مغني مشددها بذلك عن كلُّ شيء شيء إلاّ في التوغل في حريم سرّه والانمحاء في شعاع نوره، وكأنَّ خاطفة قدسية قد ابتدرت إليَّ، فاجتذبتني من الوكر الجثماني ففككت حلق شبكة الحس، وحللت عقد حبالة الطبيعة وأخذت أطير بجناح الروح في وسط ملكوت الحقيقة وكأني قد خلعت بدني ورفضت عدني، ومقوت خلدي ونضوت جسدي، وطويت إقليم الزمان وصرت إلى عالم الدهر فإذا أنا بمصر الوجود بجماجم أمم النظام الجملي من الإبداعيات والتكوينيات والإلهيات الطبيعيات والقدسيات والهيولانيات والدهريات والزمنيات وأقوام الكفر والإيمان، وأرهاط الجاهلية والإسلام من الدارجين والدارجات والغابرين والغابرات والسالفين والسالفات والعاقبين والعاقبات في الآزال ،والآباد وبالجملة آحاد مجامع الإمكان ودارات عوالم الإمكان بقضها وقضيضها وصغيرها وكبيرها بإثباتها وبإبدائها حالياتها وآتياتها وإذا الجميع زفة زفة وزمرة زمرة يجذبهم قاطبة ،معاملون وجوه ماهياتهم شطر با به سبحانه شاخصون، بأبصار نياتهم تلقاء جنابه جلَّ سلطانه من حيث لا يعلمون وهم جميعاً بألسنة فقر ذواتهم الفاخرة، وألسن فاقة هوياتهم الهالكة في صحيح الضراعة وصراخ الابتهال ذاكروه وداعوه ومستصرخوه ومنادوه بيا غني يا مغني من حيث هم لا يشعرون، فطفقت في تلك الضجة العقلية والصرخة الغبية أخرّ مغشياً علي وكدت من شدة الوله والدهش أنسى جوهر ذات العاقلة وأغيب عن بصر نفسي المجردة وأهاجر ساهرة أرض الكون وأخرج من صفع قطر الوجود رأساً إذ قد ودعتني تلك الخلسة الخالسة حيناً حيوناً إليها، وخطفتني تلك الخطفة الخاطفة تائقاً لهوفاً عليها فرجعت إلى أرض التيار، وكورة ،البوار وبقعة الزور، وقرية الغرور تارة أخرى، هذا

منتهى الرسالة المذكورة.

(5) قال صدر المتألهين قدّس سرّه في آخر الثاني من العاشر من رابع «الأسفار»: إنّي أعلم من المشتغلين بهذه الصناعة من كان رسوخه بحيث يعلم من أحوال الوجود أموراً تقصر الأفهام الذكيّة عن إدراكها، ولم يوجد مثلها في زبر المتقدمين والمتأخرين من الحكماء والعلماء لله الحمد وله الشكر .

ولا يخفى على العارف بأساليب الكلمات أنه أراد بقوله هذا نفسه الشريفة، وقال المتأله السبزواري رضوان اللّه عليه والحق معه وتحقيقاته الأنيقة أعدل شاهد على ما ،آفاده، شكر اللّه مساعيه .

(6) قال الشيخ الرئيس في آخر السابعة من ثامن «طبيعيات الشفاء» (ص 417 ج1):

حكى لي رجل بیابان دهستان يخدّر نفسه ونفخه الحيات والأفاعي التي بها وهي قتالة جداً والحيات لا تنكأ فيه باللسع ولا تلسعه اختياراً ما لم يقسرها عليه، فإن لسعته حية ماتت، وحكى أنَّ تنيناً عظيماً لسعته فماتت وعرض له حمّى يوم، ثمَّ إنّي لما حصلت ببيابان دهستان طلبته فلم يعش وخلف ولداً أعظم خاصية في هذا الباب منه، فرأيت منه عجائب نسيت أكثرها وكان من جملتها أن الأفاعي تصد عن عزّه ويحتد عن نفسه ويخدر في يده، انتهى .

وهذه الأحوال التي سمعتها نزر يسير مما رأينا في الكتب المعتبرة من العجائب الصادرة عن النفس الناطقة الإنسانيّة على أن هؤلاء العظام ممن لم يبلغوا رتبة النّبوة والإمامة بل جلّهم لولا الكل اقتبسوا من مشكاة نبي أو وصي نبي فما ظنك بالفائز إلى الخلافة الإلهية من الأنبياء والأوصياء صلوات اللّه عليهم أجمعين .

فلنأت بعدة أمور من مواعظ اللّه سبحانه ومواعظ رسوله وأهل بيته مما لا محيص عنهاللسائر إلى اللّه تعالى فنقول :

1 - القرآن الكريم صورة الإنسان الكامل الكتبية، أعني أنه صورة الحقيقة المحمدية (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقومُ ﴾ [الإسراء : 9] (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [الأحزاب: 21] فبقدر ما قربت منه قربت من الإنسان الكامل، فانظر إلى حظك منه فإنّ

حقائق آياته درجات ذاتك ومدارج عروجك، ومن وصيّة إمام الثقلين أبي الحسنين علي(علیه السلام) لابنه محمد بن الحنفية رضي اللّه عنه كما رواه صدوق الطائفة المحقة في الفقيه (الوافي ص 64 ج 14) :

وعليك بتلاوة (1)القرآن والعمل به ولزوم فرائضه وشرائعه وحلاله وحرامه وأمره ونهيه والتهجد به وتلاوته في ليلك ونهارك فإنّه عهد من اللّه تعالى إلى خلقه فهو واجب على كلِّ مسلم أن ينظر في كل يوم في عهده ولو خمسين آية واعلم أن درجات الجنّة على عدد آيات القرآن فإذا كان يوم القيامة يقال لقارىء القرآن اقرأ ،وارق فلا يكون في الجنة بعد النبيين والصديقين أرفع درجة منه .

وانظر بنور العقل والعلم إلى ما أفاضه وليّ اللّه الأعظم في كلامه هذا فإنَّ محاسنه ولطائفه فوق أن تحوم حولها العبارة (2).

وقد روى علم الهدى الشريف المرتضى في «الغرر والدرر» عن نافع عن أبي إسحاق الهجري عن أبي الأحوص عن عبد اللّه بن مسعود عن سيّد البشر(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) أنه قال : إن هذا القرآن


1) في نسخة : بقراءة .

2) من لا يحضره الفقيه : 628/2 ، ووسائل الشيعة : 171/15

مأدبة اللّه، فتعلّموا مأدبته ما استطعتم، وإن أصفر البيوت لجوف أصفر من كتاب اللّه تعالى(1)(المجلس 26 منه، ص 354 ج 1 من طبع مصر) .

قلت: تعبير القرآن بمأدبة اللّه تدرك حلاوته ولا توصف قال الشريف علم الهدى : المأدبة في كلام العرب هي الطعام يصنعه الرَّجل ويدعو النّاس إليه، فشبه النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ما يكتسبه الإنسان من خير القرآن ونفعه وعائدته عليه إذا قرأه وحفظ، بما يناله المدعوّ من طعام الداعي وانتفاعه ،به يقال : قد أدب الرَّجل يأدب فهو آدب إذا دعا الناس إلى طعامه، ويقال للمأدبة : المدعاة، وذكر الأحمر أنه يقال فيها أيضاً مأدبة بفتح الدال، وقد روى هذا الحديث بفتح الدال (مأدبة) وقال الأحمر: المراد بهذه اللفظة مع الفتح هو المراد بها مع الضم .

وقال غيره : «المأدبة» بفتح الدال مفعلة من الأدب، معناه أن اللّه تعالى أنزل القرآن أدباً للخلق وتقويماً لهم، وإنما دخلت الهاء في مأدبة ومأدبة والقرآن مذكر لمعنى المبالغة كما قالوا هذا شراب مطيبة للنفس . وكما قال عنترة والكفر مخبثة لنفس المنعم انتهى ما أردنا من نقل كلامه قدس سره .

فيا إخوان الصفاء هلموا إلى مأدبة إلهية فيها ما تشتهي الأنفس وتلد الأعين وإلى مأدبة ليس وراءها أدب ومؤدب وماذا بعد الحق إلا الضلال.

وفي «فلاح السائل» للسيّد الأجل ابن طاووس قدّس سرّه: فقد روى أنَّ مولانا الصادق(علیه السلام) كان يتلو القرآن في صلاة فغشى عليه فلما أفاق سئل : ما الذي أوجب ما انتهت حالك إليه ؟ فقال(علیه السلام) ما معناه: ما زلت أكرّر آيات القرآن حتى بلغت إلى حال كأنني سمعتها مشافهة ممّن أنزلها على المكاشفة والعيان، فلم تقم القوة البشرية بمكاشفة الجلالة الإلهية (2).

واعلم أنَّ القرآن محيط لا نفاد له، كيف لا وهو مجلى الفيض الإلهي وقد تقدّم في الرسالة عن الإمامين الأول و السادس(علیهم السلام) أن اللّه عزّ وجلّ تجلّى لخلقه في كلامه ولكن لا يبصرون قال الطريحي رحمة اللّه عليه في مادة جمع من مجمع البحرين وفي الحديث أعطيت جوامع الكلم يريد به القرآن الكريم لأنَّ اللّه جمع بألفاظه البسيرة المعاني الكثيرة حتى روى عنه أنه قال : ما من حرف من حروف القرآن إلا وله سبعون ألف معنى انتهى .

وقلت : إذا كان شكل واحد هندسي يعرف عند أهله بالشكل القطاع يفيد (497664)


1) وسائل الشيعة : 168/6 ح7648 ، وبحار الأنوار : 19/89

2) فلاح السائل : 108 ، وبحار الأنوار: 58/47 ح 100.

أحكام هندسيّة كما برهن في محلّه فلا بعد أن يكون لكل حرف من القرآن سبعون ألف معنى. ويطلب الكلام في القطاع في رسالتنا المعمولة في معرفة الوقت والقبلة. يا عباد الرحمن هذه آيات آخر الفرقان من القرآن الفرقان لا تلكها بين فكيك بل تدبّر فيها حق التدبّر فإنَّ كلَّ آية منها دستور برأسه من عمل به فاز ونجا.

(وعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا وَالَّذِينَ يبستُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيمَا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمُ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا . إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرٌّاً وَمُقَامًا.وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلَاهَا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ومَن تَابَ و ءَامَنَ وعَملَ عَمَلاً صالحًا فَأُولَئكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَیئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا وَمَن تابَ وعَملَ صالحا فَإِنَّه يتوبُ إِلَى اللّهِ مَتابا. وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِمرّوا كِرَامًا وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِايَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُنّا وَعُمْيَانًا . وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّيْنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا أُولَئكَ يُجزون الغُرفة بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّون فيها تَحِيَّةً وَسَلَامًا خَالِدِينَ فِيهَا

حَسُنَتْ مُستقراً و مُقاماً. قُلْ مَا يَعْبَوُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً) [الفرقان: 63 - 77]

2 - روى الديلمي رضوان اللّه عليه في الموضعين من كتابه «إرشاد القلوب» أحدهما في أواخر الباب الثالث عشر، وثانيهما في أواخر الباب العشرين عن النبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) قال : قال اللّه تعالى من أحدث ولم يتوضأ فقد جفاني، ومن أحدث وتوضأ ولم يصلّ ركعتين فقد جفاني، ومن صلى ركعتين ولم يدعني فقد جفاني ومن أحدث وتوضأ وصلى ركعتين ودعاني فلم أجبه فيما يسأل من أمر دينه ودنياه فقد جفوته ولست برب جافي (1)

واعلم يا حبيبي أنَّ الوضوء نور والدوام على الطهارة سبب لارتقائك إلى عالم القدس . وهذا الدستور العظيم النفع مجرّب عند أهله جداً فعليك بالمواظبة عليها ثمَّ عليك بعلو الهمة وكبر النفس فإذا صليت الركعتين فلا تسأله تبارك وتعالى إلا ما لا يبيد ولا ينفد ولا يفنى فلا تطلب منه إلاّ إيّاه وليكن لسان حالك هكذا :

ما از تو نداریم بغیر از تو تمنا ***حلوابکسی ده که محبت نچشیده است


1) وسائل الشيعة : 382/1 ح 1010 ، وبحار الأنوار: 309/77.

فإنّ من ذاق حلاوة محبّته تعالى يجد دونها تفهاً، على أنّ ما يطلب ممّا سواه كلّ واحد منها مظهر اسم من أسمائه فإذا وجد الأصل كانت فروعه حاضرة عنده وقلت في أبيات :

چرا زاهد اندر هوای بهشت است *** چرا بیخبر از بهشت آفرین است؟

وقال العارف المتألّه صدر الدين الدزفولي قدّس سرّه :

خدايا زاهد از تو حور میخواهد قصورش بین *** بجنت میگریزد از درت يارب شعورش بین

فإذا صليت فقل ساجداً : اللّهم ارزقني حلاوة ذكرك ولقائك، والحضور عندك ونحوها .

3 - قال عزّ من قائل : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: 31] واعلم حبيبي أنَّ فضول الطعام يميت القلب بلا كلام ويفضي إلى جموح النفس وطغيانها ، والجوع من أجل خصال المؤمن ونعم ما قال يحيى بن معاذ لو تشفعت بملائكة سبع سماوات، وبمائة ألف وأربعة وعشرين ألف نبي وبكل كتاب وحكمة وولّي على أن تصالحك النفس في ترك الدنيا والدخول تحت الطاعة لم تجبك ولو تشفعت إليها بالجوع لأجابتك وانقادت لك، نقل قوله هذا أبو طالب المكي في «علم القلوب» ص 215 من طبع مصر .

في الكافي عن الإمام الصادق(علیه السلام) : إن البطن ليطغى من أكله أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجلّ إذا خف بطنه، وأبغض ما يكون العبد إلى اللّه عزّ وجلّ إذا امتلأ بطنه (1).

4 - إياك وفضول الكلام فقد روى شيخ الطائفة الناجية في أماليه بإسناده عن عبد اللّه بن دينار عن أبي عمر قال: قال رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم): لا تكثروا الكلام بغير ذكر اللّه فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر اللّه قسو القلب إنَّ أبعد النّاس من اللّه القلب القاسي(2)، وقد جعله الشيخ قدّس سرّه الخبر الأوّل من كتابه «الأمالي» فلا بدَّ في عمله هذا من عناية خاصة في ذلك، وقد رواه الكليني رضوان اللّه عليه في باب الصمت وحفظ اللسان من «أصول الكافي» (ص 94 ج 2 من المعرب) بإسناده عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال : كان المسيح(علیه السلام) يقول : لا تكثروا - إلى آخر الخبر.

5- وعليك بالمحاسبة، ففي باب محاسبة العمل من «أصول الكافي» (ص328 ج2 من المعرب) بإسناده عن أبي الحسن الماضي صلوات اللّه عليه - يعني الإمام الكاظم(علیه السلام)- قال :


1) ميزان الحكمة ،79/1 ، والكافي : 269/6 ح4.

2) وسائل الشيعة : 194/12 ح 16064 ، وأصول الكافي : 94/2 .

ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم، فإن عمل حسناً استزاد اللّه، وإن عمل سيئاً استغفر اللّه منه وتاب إليه (1).

وفي الفصل الخامس من الباب الثاني من «مكارم الأخلاق» في وصيّة رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) لأبي ذر الغفاري رحمة اللّه عليه : يا أبا ذر لا يكون الرّجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه : فيعلم من أين مطعمه ومن أين مشربه ومن أين ملبسه أمن حلّ ذلك أم من حرام (2)؟ .

6 - والمراقبة اللّه تعالى، وهي العمدة في الباب وهي مفتاح كل سعادة ومجلبة كل خير وهي خروج العبد عن حوله وقوته مراقباً لمواهب الحق ومتعرّضاً لنفحات الطافه ومعرضاً عما سواه، ومستغرقاً في بحر هواه ومشتاقاً إلى لقائه، وإليه قلبه يحن ولديه روحه يئن وبه يستعين عليه ومنه يستعين إليه حتّى يفتح اللّه له باب رحمة لا ممسك لها ويغلق عليه باب عذاب لا مفتح له بنور ساطع من رحمة اللّه تعالى على النفس به يزول عنها في لحظة ما لا يزول بثلاثين سنة بالمجاهدات والرياضات، يبدل سيئاتهم حسنات للذين أحسنوا الحسنى وزيادة والزيادة حسنات ألطاف الحق، وذلك فضل اللّه يؤتيه ما يشاء.

گدائی گردد از يك جذبه شاهی*** به يك لحظه هد کوهی بکاهی

فعليك بالمراقبة وعليك بالمراقبة، وعليك بالمراقبة، ففي الباب التاسع والثلاثين من «إرشاد القلوب» للديلمي رضوان اللّه عليه : قال اللّه تعالى: وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا [الأحزاب: الآية 52] ، وقال النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم البعض أصحابه : اعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك (3))وهذا إشارة إلى المراقبة لأنّ المراقبة علم العبد باطلاع الرب عليه في كل حالاته وملاحظة الإنسان لهذا الحال هو المراقبة وأعظم مصالح العبد استحضاره مع عدد أنفاسه أنَّ اللّه تعالى عليه رقيب ومنه ،قريب يعلم أفعاله ويرى حر ويرى حركاته ويسمع سمع أقواله ويطلع على أسراره وأنه ينقلب في قبضته وناصيته وقلبه بيده وأنّه لا طاقة له على الستر عنه ولا على الخروج من سلطانه.قال لقمان لابنه : يا بني إذا أردت أن تعصي اللّه فاطلب مكاناً لا يراك فيه إشارة منه لأنك لا تجد مكاناً لا يراك فيه فلا تعصه وقال تعالى : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [الحديد: 4] .


1) أصول الكافي : 328/2 ، وتحف العقول: 396.

2) مسند الرضا: 128 ، ومكارم الأخلاق : 468

3) التوحيد : 330، والأمالي : 206.

وكان بعض العلماء يرفع شابّاً على تلاميذه كلّهم فلاموه في ذلك فأعطى كل واحد منهم طيراً وقال : اذبحه في مكان لا يراك فيه أحد فجاؤوا كلّهم بطيورهم وقد ذبحوها فجاء الشاب بطيره وهو غير مذبوح، فقال له : لم لم تذبحه ؟ فقال : لقولك لا تذبحه إلا في موضع لا يراك فيه أحد، ولا يكون مكان إلا يرانى الواحد الأحد الفرد الصمد، فقال له : أحسنت ثمَّ قال لهم : لهذا رفعته عليكم وميزته منكم .

ومن علامات المراقبة إيثار ما آثر اللّه وتعظيم ما أعظم اللّه وتصغير ما صغر اللّه فالرجاء يحبّك على الطاعات والخوف يبعد عن المعاصي، والمراقبة تؤدّي إلى طريق الحياء وتحمل على ملازمة الحقائق والمحاسبة على الدقائق وأفضل الطاعات مراقبة الحق سبحانه وتعالى على دوام الأوقات.

ومن سعادة المرء أن يلزم نفسه المحاسبة والمراقبة وسياسية نفسه باطلاع اللّه ومشاهدته لها، وأنّها لا تغيب عن نظره ولا تخرج عن علمه، انتهى كلامه قدّس سرّه.

قلت : ومن آداب المراقب أن يراقب أعمال الأوقات من الشهور والأيام بل الساعات بل يواظب أن لا يهمل الأنات ويكون على الدوام متعرضاً لنفحات انسه ونسائم قدسه كما قال(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : إن لربّكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرّضوا لها ولا تعرضوا عنها (1)، وللعلم الآية المرزا جواد آقا الملكي التبريزي قدّس سرّه الشريف كتاب في مراقبات أعمال السنة وهو من أحسن ما صنع في هذا الأمر، فعليك بالكتاب.

وفي خاتمة «إرشاد القلوب» فيما سأل رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ربّه ليلة المعراج : يا أحمد هل تدري أي عيش أهنى وأي حياة أبقى؟ قال اللّهم لا ، قال أمّا العيش الهنيء فهو الذي لا يفتر صاحبه عن ذكري ولا ينسى نعمتي ولا يجهل حقّي يطلب رضاي ليله ونهاره (2).

وأمّا الحياة الباقية فهي التي يعمل لنفسه حتى تهون عليه الدُّنيا، وتصغر في عينيه، وتعظم الآخرة عنده ويؤثر هواي على هواه ويبتغي ،مرضاتي ويعظم حق عظمتي، ويذكر علمي به ويراقبني بالليل والنهار كل سيئة ومعصية، وينفي قلبه عن كلّ ما أكره ويبغض الشيطان ووساوسه، ولا يجعل لإبليس على قلبه سلطاناً وسبيلاً، فإذا فعل ذلك أسكنت قلبه حباً حتى أجعل قلبه لي وفراغه واشتغاله وهمه وحديثه من النعمة التي أنعمت بها على أهل محبّتي من خلقي، وأفتح عين قلبه وسمعه حتى يسمع بقلبه وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي


1) تفسير الميزان: 176/6 ، وميزان الحكمة : 3/ 1883

2) بحار الأنوار: 28/74 ، ومستدرك سفينة البحار 508/7 .

وأضيق عليه الدنيا وأبغض إليه ما فيها من اللذات، وأحذره من الدُّنيا وما فيها كما يحذر الراعي غنمه من مراتع الهلكة، فإذا كان هكذا يفرّ من النّاس فراراً وينقل من دار الفناء إلى دار البقاء ومن دار الشيطان إلى دار الرحمن يا أحمد لأزينه بالهيبة والعظمة فهذا هو العيش الهني والحياة الباقية، وهذا مقام الراضين.

فمن عمل برضاي ألزمه ثلاث خصال: أعرفه شكراً لا يخالطه الجهل، وذكراً لا يخالطه النسيان، ومحبّة لا يؤثر على محبّتي محبّة المخلوقين فإذا أحبني أحببته وأفتح عين قلبه إلى جلالي فلا أخفي عليه خاصة خلقي، فأناجيه في ظلم الليل ونور النهار حتى ينقطع حديثه من المخلوقين ومجالستهم معهم، وأسمعه كلامه وكلام ملائكتي، وأُعرّفه السرّ الذي سترته عن خلقي وألبسه الحياء حتّى يستحيي منه الخلق كلهم، ويمشي على الأرض مغفوراً ،له واجعل قلبه واعياً وبصيراً ولا يخفى عليه شيء من جنّة ،ولا ،نار، وأعرفه بما يمرّ على الناس في يوم القيامة من الهول والشدّة وما أحاسب به الأغنياء والفقراء والجهال والعلماء وأنور في قبره، وأنزل عليه منكراً ونكيراً حتى يسألاه ولا يرى غمّ الموت وظلمة القبر واللحد وهول المطلع حتى أنصب له ميزانه وانشر له ديوانه ثمّ أضع كتابه في يمينه فيقرأه منشوراً ثمَّ لا أجعل بيني وبينه ترجماناً ، فهذه صفات المحبين(1)، الحديث .

فتأمل يا مريد الطريق إلى اللّه تعالى في قوله عزّ وجلّ لحبيبه خاتم النبيين من الجوائز الكريمة التي أعدها للمراقبين والراضين والمحبين ومن تلك المواهب الجزيلة والعطايا النفيسة العزيزة اليتيمة الثمينة فتح عين القلب وقد ذكرها لعظم شرفها وعلق رتبتها مرّتين.

ونظير تلك المنح السنيّة ما وعد عباده في النوافل والفرائض من القرب حيث قال تعالى : وما يتقرّب إليَّ عبدي بشيء أحبّ ممّا افترضت عليه وإنه ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده الذي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته.

نقله العلامة الشيخ البهائي في كتاب «الأربعين»، وهو الحديث الخامس والثلاثون منه، بإسناده عن أبان بن أبان بن تغلب عن الإمام جعفر بن محمد بن علي الباقر(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) قال : لما أسري بالنبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) قال: يا رب ما حال المؤمن عندك ؟ قال : يا محمد - إلى قوله : وما يتقرب إليّ عبدي - الخ وقال - قدس سره - : وهذا الحديث صحيح السند وهو من الأحاديث المشهورة بین الخاصة والعامة وقد رووه في صحاحهم بأدنى تغيير فراجع إليه (2).


1) بحار الأنوار: 29/74 والذريعة 200/7.

2) الكافي : 352/2 ح 8 وشرح أصول الكافي : 428/9 ح 8.

وقد رواه ثقة الإسلام الكليني قدّس سرّه في باب من أذى المسلمين واحتقرهم من أبواب الإيمان والكفر (ص 263 ج 2 من المعرب) بطريقين، وروى فيه حديثاً ثالثاً يقرب منهما معنى هذا قرب النوافل الذي يدور في ألسنة القوم أي القرب الذي يحصل للعبد من النوافل، وأما قرب الفرائض فقال عزّ وجلّ ما يتقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه وما زال يتقرَّب إليَّ عبدي بالفرائض حتى إذا ما أحبه وإذا أحببته كان سمعي الذي أسمع ،به وبصري الذي أبصر به، ويدي الذي أبطش بها .

فانظر إلى تفاوت القربين ففي الأوَّل كان اللّه سمع العبد وبصره ولسانه ويده، وفي الثاني كان العبد سمع اللّه تعالى وبصره ويده فالواجبات أكثر ثواباً وأعلى مرتبة من المندوبات بتلك النسبة بين القربين .

قال العلّامة المحقق نصير الدين محمد الطوسي قدس اللّه سره : العارف إذا انقطع عن نفسه واتصل بالحق رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته المتعلقة بجميع المقدورات وكلّ علم مستغرقاً في علمه الذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات وكلّ إرادة مستغرقة في إرادته التي لا يتأبى عنها شيء من الممكنات بل كلّ وجود وكلّ كمال وجود فهو صادر عنه، فائض من لدنه فصار الحق حينئذ بصره الذي به يبصر، وسمعه الذي به يسمع، وقدرته التي بها يفعل، وعلمه الذي به يعلم ووجوده الذي به ،يوجد، فصار العارف حينئذ متخلقاً بأخلاق اللّه بالحقيقة.

نقلنا كلامه من الرابعة من الرابعة من قزة «العيون» للفيض رضوان اللّه عليه وفي الثالثة من السابعة من ذلك الكتاب :

قال بعض العارفين : إذا تجلّى اللّه سبحانه بذاته لأحد يرى كل الذوات والصفات والأفعال متلاشية فى أشعة ذاته وصفاته وأفعاله يجد نفسه مع جميع المخلوقات كأنّها مدبّرة لها وهي أعضاؤها لا يلم بواحد منها شيء إلا ويراه ملماً ،به ويرى ذاته الذات الواحدة وصفته صفتها وفعله فعلها لاستهلاكه بالكلية في عين التوحيد ولمّا انجذبت بصيرة الروح إلى مشاهدة جمال الذات استتر نور العقل الفارق بين الأشياء في غلبة نور الذات القديمة وارتفع التمييز بين القدم والحدوث لزهوق الباطل عند مجيء الحق، ويسمّى هذه الحالة جمعاً، ولصاحب الجمع أن يضيف إلى نفسه كلّ أثر ظهر في الوجود وكلّ صفة وفعل واسم لانحصار الكلِّ عنده في ذات واحدة فتارة يحكى عن هذا وتارة عن حال ذاك ولا نعني بقولنا قال فلان بلسان الجمع إلا هذا.

عشق بگرفت مرا از من و بنشست بجای *** سیئآتم ستدند و حسناتم دادند

ثمَّ قال الفيض بعد نقل كلام هذا العارف ولعلّ هذا هو السرّ في صدور بعض

الكلمات الغريبة من مولانا أمير المؤمنين(علیه السلام) في خطبة البيان وغيرها كقوله(علیه السلام) : أنا آدم الأوَّل، أنا نوح الأوّل، أنا آية الجبار أنا حقيقة الأسرار أنا مورق الأشجار، أنا مونع الثمار، أنا مجري - الأنهار - إلى أن قال(علیه السلام) : أنا ذلك النور الذي اقتبس موسى منه الهدى، أنا صاحب الصور، أنا مخرج من في القبور أنا صاحب يوم النشور، أنا صاحب نوح ،ومنجيه أنا صاحب أيوب المبتلى وشافيه أنا أقمت السماوات بأمر ربي (1)- إلى آخر ما قال أمثال ذلك صلوات اللّه وسلامه عليه .

وقد أجاد في المقام العالم العارف الشهير داود بن محمود القيصري في الفصل الثامن من مقدماته على «شرح فصوص الحكم» في أنّ العالم هو صورة الحقيقة الإنسانية بقوله : إنّ الاسم(اللّه) مشتمل على جميع لأسماء ء وهو منجل فيها بحسب مراتبه فلهذا الاسم الإلهي بالنسبة إلى غيره من الأسماء اعتباران اعتبار ظهور ذاته في كل واحد من الأسماء، واعتبار اشتماله عليها كلّها من حيث المرتبة الإلهية.

فبالأوَّل تكون مظاهرها كلّها مظهر هذا الاسم الأعظم لأنّ الظاهر والمظهر في الوجود شيء واحد لا كثرة فيه ولا تعدّد وفي العقل يمتاز كل منهما عن الآخر كما يقول أهل النظر بأنّ الوجود عين المهية في الخارج وغيره في العقل فيكون اشتماله عليها اشتمال الحقيقة الواحدة على أفرادها المتنوّعة .

وبالثاني يكون مشتملاً عليها من حيث المرتبة الإلهية اشتمال الكل المجموعي على الأجزاء التي هي عينه بالاعتبار الأول.

وإذا علمت هذا علمت أنَّ حقائق العالم في العلم والعين كلها مظاهر للحقيقة الإنسانية التي هي مظهر للاسم (اللّه) فأرواحها أيضاً كلّها جزئيات الروح الأعظم الإنساني سواء كان روحاً فلكيّاً أو عنصرياً أو حيوانياً وصورها صور تلك الحقيقة ولوازمها لوازمها لذلك يسمى العالم المفصل بالإنسان الكبير عند أهل اللّه لظهور الحقيقة الإنسانية ولوازمها فيه، ولهذا الاشتمال وظهور الأسرار الإلهيّة كلّها فيها دون غيرها استحقت الخلافة من بين الحقائق كلها واللّه در القائل: سبحان من أظهر ناسوته - إلى آخر البيتين المذكورين آنفاً .

قأول ظهورها في صورة العقل الأول الذي هو صورة إجمالية للمرتبة العمائيّة المشار إليها في الحديث الصحيح عند سؤال الأعرابي : أين كان ربّنا قبل أن يخلق الخلق؟ قال(علیه السلام) : كان في عماء ما فوقه هواء ولا تحته هواء، لذلك قال(علیه السلام) : أول ما خلق اللّه نوري وأراد العقل كما أيّده بقوله : أوّل ما خلق اللّه العقل ثمَّ في صورة باقي العقول والنفوس الناطقة


1) تفسير نور الثقلين: 495/4ح 92.

الفلكية ،وغيرها، وفي صورة الطبيعة والهيو الكلية والصورة الجسميّة البسيطة والمركبة بأجمعها .

ويؤيد ما ذكرنا قول أمير المؤمنين ولي اللّه في الأرضين قطب الموحدين علي بن أبي طالب(علیه السلام) في خطبة كان يخطبها للناس: أنا نقطة باء بسم اللّه، أنا جنب اللّه الذي فرطتم فيه، وأنا القلم، وأنا اللوح المحفوظ، وأنا العرش وأنا الكرسي، وأنا السماوات السبع والأرضون إلى أن صحا في أثناء الخطبة وارتفع عنه حكم تجلّي الوحدة ورجع إلى عالم البشرية، وتجلّى له الحق بحكم الكثرة فشرع معتذراً فأقر بعبوديته وضعفه وانقهاره تحت أحكام الأسماء الإلهية .

ولذلك قيل : الإنسان الكامل لا بدَّ أن يسري في جميع الموجودات كسريان الحق فيها، وذلك في السفر الثالث الذي من الحق أن الخلق بالحق، وعند هذا السفر يتم كماله وبه يحصل له حق اليقين.

ومن ههنا يتبين أنّ الآخرية هي عين الأولية، ويظهر سرُّ هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.

قال الشيخ رضي اللّه عنه في فتوحاته في بيان المقام القطبي : إنّ الكامل الذي أراد اللّه أن يكون قطب العالم وخليفة اللّه فيه إذا وصل إلى العناصر مثلاً متنزلاً في السفر الثالث ينبغي أن يشاهد جميع ما يريد أن يدخل في الوجود من الأفراد الإنسانية إلى يوم القيامة وبذلك الشهود أيضاً لا يستحق المقام حتى يعلم مراتبهم أيضاً فسبحان من دبر كل شيء بحكمته، وأتقن كلّ ما صنع برحمته انتهى كلام القيصري.

7 - الأدب مع اللّه تعالى في كلّ حال ، وقد كان بعض مشايخي وهو العالم المتنزّه المتأله والحكيم العارف الموحد البارع الآية السيّد محمد حسن القاضي الطباطبائي التبريزي الشهير بالإلهي أعلى اللّه تعالى مقاماته ورفع درجاته وجزاه عني خير جزاء المعلمين كثيراً ما يوصيني فيما يوصي بالمراقبة اللّه تعالى والأدب معه، ومحاسبة النفس لاسيما بالأولى منها ، ولا أنسى نفحات أنفاسه الشريفة وبركات فيوضاته المنيفة.

قال عيسى روح اللّه وكلمته(علیه السلام) : لا تقولوا العلم في السماء من يصعد فيأتي به، ولا في تخوم الأرض من ينزل فيأتي به العلم مجهول في قلوبكم تأدبوا بين يدي اللّه بآداب الروحانيين، وتخلّقوا بأخلاق الصديقين، يظهر من قلوبكم حتى يعطيكم ويغمركم(1)


1) فيض القدير : 510/4 ح5711 .

قال الإمام الجواد(علیه السلام) كما في الباب 49 من «إرشاد القلوب» للديلمي في الأدب مع اللّه تعالى : ما اجتمع رجلان إلا كان أفضلهما عند اللّه ،ادبهما، فقيل : يا ابن رسول اللّه قد عرفنا فضله عند الناس فما فضله عند اللّه ؟ فقال : بقراءة القرآن كما أُنزل - ويروى حديثنا كما قلنا - ويدعو اللّه مغرماً (1).

وفي ذلك الباب: قد روي أنَّ اللّه تعالى يقول في بعض كتبه : عبدي أمن الجميل أن تناجيني وتلتفت يميناً وشمالاً ويكلمك عبد مثلك تلتفت إليه وتدعني؟ وترى من أدبك إذا كنت تحدث أخا لك لا تلتفت إلى غيره فتعطيه من الأدب ما لم تعطني فبئس العبد عبد يكون كذلك .

وفيه أيضاً : روي أنَّ النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) خرج إلى غنم له وراعيها عريان يفلي ثيابه فلما رآه مقبلاً لبسها، فقال النبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : امض فلا حاجة لنا في رعايتك، فقال: إنا أهل بيت لا نستخدم من لا يتأدب مع اللّه ولا يستحي منه في خلوته.

والأدب مع اللّه بالاقتداء بآدابه و آداب نبيه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وأهل بيته(علیهم السلام) وهو العمل بطاعته والحمد اللّه على السراء والضراء والصبر على البلاء، ولهذا قال أيوب : رَبَّهُ أَنِي مَسَّنِيَ الضُّرُّ ووَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ [الأنبياء : 83] . فقد تأدب هنا من وجهين أحدهما أنه لم يقل أنك امسستني بالضّر، والآخر لم يقل ارحمني بل عرض تعريضاً فقال: وأنت أرحم الراحمين، وإنما فعل ذلك حفظاً لمرتبة الصبر .

وكذا قال إبراهيم(علیه السلام) : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: 80] ، ولم يقل إذا انه مرضتني حفظاً للأدب.

وقال أيوب(علیه السلام) في موضع آخر :(أَنِي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنَصْرٍ وَعَذَابٍ ) [ص: 41] ،

أشار بذلك إلى الشيطان لأنه كان يغري النّاس فيؤذونه وكل ذلك تأدب منهم مع اللّه تعالى في مخاطبتهم .

قلت: وتأدب آدم وزوجه(علیهما السلام) بقولهما : (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الأعراف: 23] ، وترك إبليس الأدب معه تعالى بقوله: فَمَا أَغوية لَأَقْعُدَنَّ لَمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: 16] .

8 - والعزلة، قال الإمام الصادق(علیه السلام) صاحب العزلة متحصن بحصن اللّه تعالى ومتحرّس بحراسته، فيا طوبى لمن تفرد به سراً وعلانية، وفي العزلة صيانة الجوارح وفراغ القلب وسلامة العيش وكسر سلاح الشيطان والمجانبة من كل سوء وراحة، وما من نبي ولا


1) موسوعة الإمام الجواد : 217/2 ح 1 .

وصىّ إلّا واختار العزلة في زمانه إما في ابتدائه وإما في انتهائه (1)- نقلناه من «مصباح الشريعة».

وفي «كشكول» العلامة البهائي (ص 155 من طبع نجم الدولة) عن سفيان الثوري قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد يقول : عزّت السلامة حتّى لقد خفي مطلبها فإن تكن في شيء فيوشك أن تكون في الخمول، فإن لم توجد في الخمول فيوشك أن تكون في التخلّي وليس كالخمول، وإن لم تكن في التخلّي فيوشك أن تكون في الصمت وليس كالتخلّي، وإن لم توجد في الصمت فيوشك أن تكون في كلام السلف الصالح، والسعيد من وجد في نفسه خلوة (2).

وتأمّل في قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَاب مَرْيَمَ إذ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حجِابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [مريم : 16، 17]، والعزلة هي الخروج عن مخالطة الخلق بالانزواء والانقطاع وأصلها عزل الحواس بالخلوة عن التصرف في المحسوسات فإنّ كل آفة وفتنة وبلاء ابتلى الروح بها دخلت فيه بروازن الحواس، فبالخلوة وعزل الحواس ينقطع مدد النفس عن الدنيا والشيطان وإعانة الهوى والشيطان.)9 - والتهجد، قال اللّه تعالى: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَهُ لَكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا وَقُل رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانَا نَصِيرًا [الإسراء: 79 - 80] وقال تعالى : (وإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ءَاخِذِينَ مَا ءاتاهُمْ رَبُّهُمْ إنّهم كانوا قبل ذلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ و بِالاَسحَارِ هُم يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات : 15 - 18]، وقال تعالى : ویأَيُّهَا الْمُزَمَلُ قم الَّليْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ أنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْءانَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلاً إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطاً وَأَقومُ قِيلًا إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا وَاذكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تبتيلًا) [المُزمّل : 1 -]، وقال تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَمِنَ اليْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا إنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثقِيلًا [الإنسان : 25 - 28] .

وروى الشيخ الصدوق قدّس سرّه في باب معنى التوحيد والعدل من كتاب «التوحيد» (ص 84) عن سلمان الفارسي رحمه اللّه تعالى إنّه أتاه رجل فقال : يا أبا عبد اللّه إني لا أقوى على الصلاة بالليل فقال : لا تعص اللّه بالنهار وفيه أيضاً : جاء رجل إلى أمير المؤمنين(علیه السلام)


1) مستدرك الوسائل : 390/11، ونهج السعادة : 104/8.

2) بحار الأنوار : 203/75 ، ونهج السعادة : 45/8.

فقال : يا أمير المؤمنين إنّي قد حرمت الصلاة بالليل فقال له أمير المؤمنين(علیه السلام) : أنت رجل قد قيّدتك ذنوبك (1)

وروى الكليني - قدس سره - في باب الذنوب من كتاب «الإيمان والكفر» (ص 290 ج 2 من المعرب) بإسناده عن ابن بكير عن أبي عبد أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال : إن الرجل يذنب الذنب فيحرم صلاة الليل وإنّ العمل السيء أسرع في صاحبه من السكين في اللحم(2).

روى الشيخ الصدوق رضوان اللّه عليه في «الأمالي» بإسناده عن المفضل قال : سمعت مولاي الصادق(علیه السلام) يقول : كان فيما ناجى اللّه عزّ وجلّ به موسی بن عمران أن قال له يا ابن عمران كذب من زعم أنه يحبني فإذا جنّه الليل نام عنّي أليس كلّ محبّ يحبّ خلوة حبيبه؟ ها أنا ذا يا ابن عمران مطلع على أحبائي إذا جنّهم الليل حوّلت أبصارهم من قلوبهم، ومثلت عقوبتي بين أعينهم يخاطبوني عن المشاهدة ويكلموني عن الحضور يا ابن عمران هب لي من قلبك الخشوع ومن بدنك الخضوع، ومن عينيك(3)الدموع في ظلم الليل وادعني فإنك تجدني قريباً مجيباً(4)؟

10 - والتفكّر، قال تعالى: رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخَزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [آل عِمران ،192] ، وروى الكليني في «الكافي» (ج 2 ص 45 من المعرب) عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال : أفضل العبادة إدمان التفكر في اللّه وفي قدرته، وروى عن معمر بن خلاد قال : سمعت الرضا(علیه السلام) يقول : ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم، إنما العبادة التفكر في أمر اللّه عزّ وجلّ (5).

وروى عن ربعي : قال أبو عبد اللّه(علیه السلام) : قال أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه : إنّ التفكّر يدعو إلى البرّ والعمل به(6).

وروى العلامة البهائي في الحديث الثاني من كتابه «الأربعين» بإسناده عن أمير المؤمنين(علیه السلام) قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : من عرف اللّه وعظمه منع فاه من الكلام، وبطنه من الطعام، وعنى نفسه بالصيام والقيام، قالوا: بآبائنا وأمهاتنا يا رسول اللّه هؤلاء أولياء اللّه ؟ قال : إنّ أولياء اللّه سكتوا فكان سكوتهم فكراً، وتكلّموا فكان كلامهم ذكراً، ونظروا فكان


1) الكافي : 450/3 ح 34 ، وعلل الشرائع : 362/2.

2) المحاسن: 1/ 115 ح 119 ، والكافي : 272/2 ح16.

3) في نسخة : عينك .

4) الأمالي : 438 ح577 ، وروضة الواعظين : 329.

5) تحف العقول : 488 ، ووسائل الشيعة: 196/15 ح 20260

6) الكافي : 55/22 ح 5 ، روسائل الشيعة : 196/15 - 20262.

نظرهم عبرة، ونطقوا فكان نطقهم حكمة، ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركة لولا الآجال التي قد كتبت عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم خوفاً من العذاب وشوقاً إلى الثواب(1)، ورواه ثقة الإسلام الكليني في «الكافي» بأدنى تفاوت (الحديث 25 من باب ، المؤمن وعلاماته وصفاته من كتاب الإيمان والكفر : ص 186 ج 2).

11 - وذكر اللّه تعالى في كل حال قلباً ولساناً قال تعالى: وَاذْكُر رَّبِّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُو وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغافِلِينَ إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَمْ يَسْجُدُونَ [الأعراف: 206] .وروى عن النبي(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : ارتعوا في رياض الجنّة فقالوا وما رياض الجنّة؟ فقال : الذكر غدوّاً ورواحاً فاذكروا ، ومن كان يحبّ أن يعلم منزلته عند اللّه فلينظر كيف منزلة اللّه عنده فإنَّ اللّه تعالى ينزل العبد حيث أنزل اللّه العبد من نفسه، ألا إنَّ ألا إِنَّ خير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها عند ربّكم في درجاتكم وخير ما طلعت عليه الشمس ذكر اللّه سبحانه وتعالى، أخبر عن نفسه فقال : أنا جليس من ذكرني، وأي منزلة أرفع من منزلة جليس اللّه تعالی(2):( الباب الثالث عشر من إرشاد القلوب للديلمي).)وفي كتاب الدعاء من «الكافي» : فيما ناجی اللّه تعالی به موسی(علیه السلام قال: يا موسى لا تنسني على كل حال فإنَّ نسياني يميت القلب (ص 361 ج 2).)وفيه أيضاً : قال اللّه عزّ وجلَّ لعيسى(علیه السلام : يا عيسى اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي واذكرني في ملاك (3)اذكرك في ملإ خير من ملإ الآدميين يا عيسى ألن لي قلبك وأكثر ذكري في الخلوات واعلم أنَّ سروري أن تبصبص إليَّ وكن في ذلك حيّاً ولا تكن ميتاً ( ص 364ج2).)وفي الباب الأوَّل من توحيد الصدوق رحمة اللّه عليه : قال رسول اللّه(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : ما قلت ولا قال القائلون قبلي مثل لا إله إلا اللّه .)وفيه أيضاً قال رسول اللّه(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : خير العبادة قول لا إله إلا اللّه .)وفيه أيضاً قال أبو عبد اللّه(علیه السلام : قول لا إله إلا اللّه ثمن الجنّة .)


1) الكافي : 277/22 ح 25 ، والأمالي 380

2) وسائل الشيعة : 162/7 ح 9012 ، وعدة الداعي : 238

3) في نسخة: ملتي .

وفيه أيضاً قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: يقول اللّه جل جلاله : لا إله إلا اللّه حصني فمن دخله أمن من عذابي .)وفيه أيضاً عن زيد بن أرقم عن النبي(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وكذا بإسناده عن محمد بن حمران عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) : من قال لا إله إلا اللّه مخلصاً دخل الجنّة وإخلاصه أن يحجزه لا إله إلا اللّه عما حرم اللّه عزّ وجلَّ(1))والذكر هو الخروج عن ذكر ما سوى اللّه بالنسيان عن غيره، وكلمة لا إله إلا اللّه ذكر معجون مركب من النفي والإثبات فبالنفي تزول الموادة الفاسدة التي يتولّد منها مرض القلب وقيود الروح، وبإثبات إلا اللّه تحصل صحة القلب وسلامته عن الرذائل من الأخلاق.12 - والرياضة في طريقي العلم والعمل على النهج الذي قررته الشريعة المحمدية(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فحسب، فدونها لا يوجب إلا بعداً وماذا بعد الحقِّ إلا الضلال لما قد دريت آنفاً أنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، واعلم أنَّ العلم والعمل بمنزلة جناحين للإنسان ولولاهما لم يقدر على الطيران إلى أوج الكمال والعروج إلى المعارج .)والنفس بالاعتبار الأوَّل تسمّى نظرية وبالاعتبار الثاني عملية توضيحه أن لها باعتبار تأثرها عمّا فوقها من المبادىء باستفاضتها عنها ما تتكمل به من التعقلات قوة تسمّى نظرية، ولها أربع مراتب، وأن لها باعتبار تأثيرها في البدن لتفيد جوهره كمالاً تأثيراً اختيارياً قوّة أخرى تسمّى عمليّة ولها أيضاً أربع مراتب على أنَّ هذا الكمال الذي يحصل للبدن بسببها في الحقيقة يعود إليها لأن البدن آلة لها في تحصيل العلم والعمل .أما مراتب القوّة النظرية فلأنّ النفس في مبدأ الفطرة خالية عن العلوم كلّها لكنّها مستعدة لها وإلا لامتنع اتصافها بها وحينئذ تسمّى عقلاً هيولانياً تشبيهاً لها بالهيولي الخالية في نفسها عن جميع الصور القابلة إياها، ثمَّ إذا استعملت آلاتها أعني الحواس الظاهرة والباطنة حصل لها علوم أوّلية واستعدّت لاكتساب النظريات وحينئذ تسمّى عقلاً بالملكة لأنّها حصلت لها بسبب تلك الأوليات ملكة الانتقال إلى النظريات ثم رتبت العلوم الأولية وأدركت النظريات وحصلت لها ملكة الاستحضار بحيث تستحضرها متى شاءت من غير كسب جديد لأجل تكرار الاكتساب لكن لا تشاهدها بالفعل بل صارت مخزونة عندها فهو العقل بالفعل لحصول قدرة الاستحضار للنفس بالفعل وإذا استحضرت العلوم مشاهدة إياها تسمّى عقلاً مستفاداً لأن النفس الإنسانية في آخر المراتب تصير عقلاً لكن لا فعالاً للكمالات بل عقلاً منفعلاً بحسب قبول الكمالات من العقل الفعّال .


1) التوحيد 27 ح26 ، وثواب الأعمال : 5.

وأما مراتب القوّة العملية فأولها : تهذيب الظاهر باستعمال الشرائع النبوية والنواميس الإلهيّة، وهذه المرتبة تسمّى عندهم التجلية - بالجيم، وبعبارة واضحة التجلية أن تورد النفس قواها وأعضائها بالمراقبة الكاملة تحت انقياد الأحكام الشرعية والنواميس الإلهية وإطاعتها فتطيع أوامر الشرع وتجتنب عن المناهي حتّى يظهر آثار الطهارة الظاهرية في الظاهر أعني ،البدن ويحصل للنفس أيضاً على التدريج ملكة التسليم والانقياد للسلوك إلى طريق الحق تعالى والمتكفّل لحصول هذه المرتبة هو علم الفقه على الطريقة الحقة الجعفرية ليس إلا.وثانيها: تهذيب الباطن عن الملكات الرديئة ونفض آثار شواغله عن عالم الغيب وتسمّى هذه المرتبة التخلية بالخاء، وبعبارة أخرى التخلية أن يعرض النفس عن المضار الاجتماعية والانفرادية ومفاسدهما يحذر من عواقبهما الوخيمة دنيوية وأُخروية كالحسد والحرص والكبر والعجب وغيرها من الأخلاق الرذيلة المبينة في الكتب الأخلاقية، ورفض تلك الرذائل عن النفس بمنزلة علاج البدن من الأمراض الجسمانية، وشرب المسهل والدواء لقلعها فكما أنَّ الجسم ما كان مريضاً لم ينفعه غذاء طيب مقوّ وعلى الطبيب أن يداوي الجسم ويعالجه أولاً ثم يقويه بالأغذية المقوية كذلك الأمراض الروحية أعني تلك الرذائل الأخلاقية ما لم يقلع من النفس ولم يسلم النفس منها لم تنفعه الملكات الفاضلة .وثالثها : ما يحصل بعد اتصالها بعالم الغيب وهو تحلّي النفس بالصور القدسية وتسمى هذه المرتبة التحلية بالحاء المهملة وبعبارة أخرى التحلية أن تتحلى النفس بعد حصول التخلية بحلي الأخلاق الحميدة والملكات الفاضلة الجميلة ممّا هي في نظام الاجتماع ورشد الفرد وتكامله مؤثر جداً فالتحلية طهارة معنوية وما لم تتحقق هذه الطهارة للإنسان فهو ليس بطاهر حقيقة وإن كان ظاهره متصفاً بالطهارة واتصاف النفس بها منزلة تقوية المريض بالأغذية المقوية بعد خلاصه من الأمراض.ورابعتها ما يتجلّى له عقيب ملكة الاتصال والانفصال عن نفسه بالكلية وهو ملاحظة جمال اللّه وجلاله وقصر النظر على كماله حتى يرى كل قدرة مضمحلة جنب قدرته الكاملة وكل علم مستغرقاً في علمه الشامل بل كلّ علمه الشامل بل كلّ وجود فائضاً من جنابه وتسمّى هذه المرتبة بالفناء في الحق، رزقنا اللّه وجميع المؤمنين تلك النعمة العظمى وبلغنا إلى تلك الغاية القصوى، وله أيضاً ثلاث مراتب محو وطمس ومحق المحو فناء أفعال العبد في فعل الحق والطمس فناء صفاته في صفات الحق والمحق فناء وجوده في ذات الحق، ففي الأوّل لا: يرى في الوجود فعلاً لشيء إلا للحق وفي الثاني لا يرى لشيء من الوجود صفة إلا للحق، وفي الثالث لا يرى وجوداً لشيء إلا للحق والفناء قسمان: فناء استهلاك كفناء أنوار الكواكب في نور الشمس، وحينئذ تبقى عين الفاني وذاته ويرتفع حكم إنّيته، وفناء الهلاك

كفناء الأمواج عند سكون البحر، وحينئذ يزول الفاني وترتفع عينه ولا يبقى أثره.ونزيدك بياناً ونقول : غبّ ما حصلت المراتب الثلاثة التجلية والتخلية والتحلية للسالك تحصل له ببركة الطهارة والصفاء، جاذبة المحبة والعشق إلى جناب الحق جل جلاله فتصير محبّاً لما هو كمال له حقيقة من الحضور دائماً عنده تعالى وعبادته والخلوة معه والأنس به، وذكره قلباً ولساناً ، فتوجب تلك الأحوال تشديد المحبّة تدريجاً واشتعال نار المحبّة يسيراً يسيراً حتى يذهل عن نفسه ولا يرى إلا هو، ويبلغ بحق اليقين إلى أنه تعالى هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن، وإلى أنه هو الظاهر لا غير، وأنَّ الظاهر هو لا غير، وإلى أنَّ الباطن هو الظاهر، وأنَّ الأوّل هو الآخر والآخر هو الأوّل، والكلّ تحت اسم الظاهر تدويناً وتكويناً لفظاً وعيناً، وهذه الحالة للعارف تسمّى بالفناء في اللّه ، فالفناء ملاحظة جمال اللّه وجلاله وقصر النظر على كماله .وللفناء ثلاث درجات: الأولى، الفناء في الأفعال فيرى العارف في هذه الدرجة المؤثرات والمبادي والأسباب والعلل من المجردات والماديات ومن الطبيعيات والإراديات باطلة بلا أثر ، ألا كلّ شيء ما خلا اللّه ،باطل ولا يرى مؤثراً إلا الحق جل جلاله ولا يرى قدرة عاملة ولا إرادة نافذة في الكائنات إلا قدرته وإرادته فيشهد ذاتاً غير متناهية، وإرادة وقدرة غير متناهيتين حاكمة على الجميع وعنت الوجود للحي القيوم، فيرى بعين الشهود بلا شوب ريب حقيقة الكريمة: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِن اللّه رمى، فيكون لسان حاله مترنّماً بمقال لا حول ولا قوة إلا باللّه بلا شائبة خيال ووهم بل بعين بصيرة وقلب مستيقظ نبيه وفي هذا المقام يحصل له اليأس عما سواه تعالى والرجاء الواثق التام إليه تعالى، ويساوي عنده بل يتحد قدرة أعظم ملوك الأرض وقدرة أخس ذوي النفوس كالبقَ مثلاً، وهذه الدرجة تسمّى بالمحو وإليه أشار صاحب المثنوي بقوله :)أين این سببها بر نظرها پردهها است *** که نه هر دیدار صنعش را سزا استدیده اي بايد سبب سوراخ کن *** تاحجب را برکند از بیخ و بنتا مسبب بیند اندر لا مکان *** هرزه بیند جهدو أسباب دكانوالثانية : الفناء في الصفات، فيرى العارف في هذه الدرجة جميع أسمائه تعالى وصفاته من صفات اللطف كالرحمن والرّحيم والرّازق والمنعم، وصفات القهر كالقهار والمنتقم مستهلكة في غيب الذات الأحديّة، ولا يرى إلا الذات الأحدية ولا يرى تعيناً، وحينئذ يرتفعاختلاف المظاهر كالجبرئيل والعزرائيل وموسى وفرعون من عين صاحب هذا المقام، ويتحد عنده ولا يتفاوت له اللطف والقهر والبسط والغضب والعطاء والمنع والجنة والنار والصحة والمرض والفقر والغنى والعزّة والذلّة، وإلى هذه المرحلة أشار العارف المصقع بقوله :

گر وعده دوزخ است و یا خلدغم مدار *** بیرون نمی برند تورا از دیار دوستوهذه الدرجة تسمّى بالطمس .واعلم أن صفاته تعالى إما إيجابية وإما سلبية، ويقال لنعوته الإيجابية لكونها وجودية جماله تعالى، ولنعوته السلبية صفات الجلال لتجليله بأنّه المترفّع عن التركيب والجوهرية والعرضيّة والجسمية ويقال إنّه ليس بمركب وليس بعرض وليس بجسم وليس له ماهية ونحوها فلزم أن لا يكون مرئياً ومشاهداً بل ولا مدركاً ولذا نسب الاحتجاب إلى صفة الجلال كما قيل :جمالك في كل الحقائق سائر *** ليس له إلّا جلالك ساتوقال المتأله السبزواري قدس سره:پرده ندارد جمال غیر صفت جلال *** نیست بر این رخ نقاب نیست براین مغرپوستوالصفات الجمالية والجلالية تُقال بمعنى آخر أيضاً، قال القيصري في الفصل الثاني من مقدماته على شرح الفصوص»: إنّ ذاته تعالى اقتضت بحسب مراتب الألوهية والربوبية صفات متعددة متقابلة كاللطف والقهر والرحمة والغضب والرضا والسخط وغيرها وتجمعها النعوت الجمالية والجلالية إذ كل ما يتعلق باللطف فهو الجمال وما يتعلق بالقهر فهو الجلال .ولكلّ جمال أيضاً جلال كالهيمان الحاصل من الجمال الإلهي فإنه عبارة عن انقهار العقل منه وتحيّره فيه ولكلّ جلال جمال وهو اللطف المستور في القهر الإلهي كما قال اللّه تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَأُولِي الأَلْبَابِ [البَقَرَة : الآية 179] وقال أمير المؤمنين(علیه السلام) : سبحان من اتسعت رحمته لأوليائه في شدّة نقمته، واشتدت نقمته لأعدائه في سعة رحمته، ومن هنا يعلم سر قوله(علیه السلام) : حقت الجنّة بالمكاره وحقت النار بالشهوات(1)انتهى كلام القيصري. والثالثة : الفناء في الذت والعارف في هذا المقام برى جميع أنواع الكائنات المختلفة متحدة كما أنّ الجاهل يحسبها متكثرة، إذ تعيّن كلّ واحد منها كالملك والفلك والإنسان والحيوان والأشجار والمعادن أو همه إلى الكثرة فظن أنها متبدّدة متعدّدة ولكن العارف في ذلك المشهد العظيم يشاهد من عرض التجرد الأعلى إلى مركز التراب بصورة نجارستان انتقش بقلم التجلّي على جدرانه وسقفه وعلى جميع ما في ذلك النجارستان عكوس علمه


1) الغارات: 18/ 293 ح4 ، ومستدرك سفينة البحار : 94/6.

تعالى وقدرته وحياته ورحمته ونقوش لطفه وقهره وأشعة جماله وجلاله ويشاهد جميع ما في دار الوجود من برها وبحرها وعاليها ودانيها ومجردها ومادّيها متصلاً بعضها ببعض ومرتبطاً أحدهما بآخر ومنضماً هذا بذاك كهيكل إنسان واحد مثلاً ، يخبر الجميع بنغمة موزونة واحدة عن عظمة العالم الربوبي، وفي هذا المقام يتحقق بحقيقة التوحيد وكلمة لا إله إلا اللّه الطيّبة، قائلاً بلسان الحقيقة يا هو يا من ليس إلا هو، فإذن لا يبقى له ولا للممكنات الأخرى هويّة، بل هويّة الكلّ مضمحلة ومتلاشية في تجلّي حقيقة الحق سبحانه، لمن الملك اليوم اللّه الواحد القهار وتسمّى هذه الدرجة بالمحق.

وما حرّرنا في مراتب القوّة العمليّة نبذة من إفاضات مولانا المكرّم ورشحة من فيوضات أستاذنا العليم، الآية العظمى الميرزا أبي الحسن الرفيعي القزويني منع اللّه تعالى المسلمين بطول بقائه وأدام أيام إفاداته - مع بعض إفاضات منا مزيداً للإيضاح، والحمد اللّه باسط الرزق فالق الإصباح.

واعلم أنّ الطهارة الحقيقية للنفس إنما هي حاصلة في الثالثة من الدرجات لأنها تطهير النفس عمّا عداه تعالى ، (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَاهَا) .

وأنَّ لسان الغيب الخواجه شمس الدين الحافظ قدس سره أشار في بيته :

ساقي حديث سرو وگل و لاله میرود *** این بحث باثلاثة غسّاله میرود

إلى هذه الدرجات الثلاث فعبّرها بالثلاثة الغسالة لتغسيلها النفس عن الأنجاس والأدناس فبالفناء في الأفعال تنبت الورد في روضة سرّ القلب، ويستشم العارف من رياض الورد، وبالفناء في الصفات ينبت الشقائق فيها إشارة إلى تكامل الورد وبالثالث

القدس ربح ينبت السّرو فيها فيحيط أثر العمل شراشر وجود السالك فالجزاء مرتب على وفق العمل فكلّما كان العمل أصعب وأشدّ كان جزاؤه أشرف وأسد، جزاء بما كانوا يعملون، نقل هذه اللطيفة المحقق النراقي قدّس سرّه في الخزائن عن الشيخ محمد الدارابي( ص 413 طبع علمية إسلامية 1380ه- ق).

وأنَّ العلامة البهائي قدّس سرّه نقل في أواخر المجلد الأول من «الكشكول» (ص143 من طبع نجم الدولة) عن النبي قال : خير الدعاء دعائي ودعاء الأنبياء من قبلي وهو : «لا إله إلا اللّه وحده وحده وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير»(1)، وروى ثقة الإسلام الكليني في كتاب الدعاء من «الكافي» ( ص 375 ج 2 من المعرب) بإسناده عن علي بن النعمان، عمّن ذكره، عن


1) بحار الأنوار: 256/83 26 ، وسنن النبي(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): 386 ح 38 .

أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال : قال جبرئيل(علیه السلام) لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : طوبى لمن قال من أمتك: «لا إله إلا اللّه وحده وحده وحده، ورواه الشيخ الجليل الصدوق في باب ثواب الموحدين والعارفين من كتاب التوحيد بإسناده عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر(علیه السلام)(ص8) وتثليث قوله وحده فيها باعتبار توحيد الذات والصفات والأفعال أفاده العالم المتأله السعيد القاضي السعيد في «شرح توحيد الصدوق».

فإذا زكيت نفسك فقد أفلحت ولاح فيك ما وعد اللّه تعالى عباده الصالحين ولم يكن حجابك إلا أنت قال عز من قائل: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يوميذ لَمَحْجُوبُونَ [ المطففين: 14 - 15] قال الخواجة صائن الدين علي التركة في آخر ) قواعد التوحيد : إنّ العلوم كلها موجودة فينا لكنّها مختفية بالحجب المانعة عن الظهور، ولا يخفى عليك أن ظهورها تارة يكون بالحركات اللطيفة الفكرية الروحانية بعد تسليط القوّة القدسيّة على قوّتي الوهميّة والمتخيلة وسائر القوى الجسمانية وتهذيب الأخلاق وتزيين النفس بالأخلاق الحسنة، وتارة أخرى بتسكين المتخيلة والمتوهّمة والجامهما ومنعهما عن الحركات المضطربة المشوشة بعد تسخير القوى الجسمانية بالتزكية والتصفية وكلا الطريقين حق عند أكثر المحققين من أهل النظر وأصحاب المجاهدة.)خذا بطن هرشي أو قفاها فإنّه *** كلا جانبي هرشي لهن طريقومن اعتقد أنه لا اعتبار بالتزكية والتصفية في طريق التعلم والنظر ركب متن الهوى والهوس حسب هذه العقيدة الفاسدة، وغلبت على نفسه الشهوة والغضب واستولت عليه الرذائل الطبيعية المهلكة، وحرمت عليها الفضائل الملكية المحيبة واشتغل بقراءة كتب مقلّدي الفلاسفة وزير المتكلمين من أصحاب الجدل والمشاغبة وضيع عمره في ضبط الآراء المتناقضة وحفظ الأحوال والأقوال المتقابلة فأوقع نفسه في لجج الخيالات الفاسدة والأوهام الباطلة عند تلاطم أمواج الشكوك والشبهات المفرقة فاضمحل نور قلبه وعميت بصيرته بتراكم الكدورات المظلمة والعقائد الفاسدة وازداد فيه الجهل والتردد وحصل له البهت والتحيّر ولا يدري أين يذهب فلحق به من الحق الغضب وظنّ أن الكمال ما حصل له ووصل إليه وليس وراءه حالة مرغوبة كمالية ولا سعادة باقية فتيقن خبث هذه العقيدة ووجه ضررها من لطفه واستعذابه من مكره وغضبه .13 - وعليك بما نقص عليك من قصص ثلاث هي من أحاسن القصص دستوراً، أما الأولى فقد روى ثقة الإسلام الكليني في باب المؤمن وعلامته وصفاته من كتاب الإيمان والكفر من «الكافي» (ص 176 ج 2 من المعرب) أنَّ الحسن بن علي صلوات اللّه عليهما خطب الناس فقال: «أيها الناس أنا أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان)

رأس ما عظم به في عيني صغر الدنيا في عينه كان خارجاً من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد كان خارجاً من سلطان فرجه فلا يستخف له عقله ولا رأيه كان خارجاً من سلطان الجهالة فلا يمدّ يده إلا على ثقة ،لمنفعة كان لا يتشهى ولا يتسخط ولا يتبرّم، كان أكثر دهره صمّاتاً فإذا قال بذ القائلين كان لا يدخل في مراء ولا يشارك في دعوى ولا يدلي بحجّة حتى يرى قاضياً، وكان لا يغفل عن إخوانه ولا يخص نفسه بشيء ،دونهم كان ضعيفاً مستضعفاً فإذا جاء الجدّ كان ليثاً عادياً، كان لا يلوم أحداً فيما يقع العذر في مثله حتى يرى اعتذاراً كان يفعل ما يقول ولا يفعل ما لا يقول، كان إذا ابتزه أمران لا يدري أيهما أفضل نظر إلى أقربهما إلى الهوى فخالفه كان لا يشكو وجعاً إلا عند من يرجو عنده البرء، ولا يستشير إلا من يرجو عنده النصيحة، كان لا يتبرم ولا يتسخط ولا يتشكّى ولا يتشهى ولا ينتقم ولا يغفل عن العدو، فعليكم بمثل هذه الأخلاق الكريمة إن أطقتموها، فإن لم تطيقوها كلّها فأخذ القليل خير من ترك الكثير، ولا حول ولا قوة إلا باللّه (1، وهذا الحديث قد نسبه الشريف الرضي رضوان اللّه عليه إلى أمير المؤمنين علي(علیه السلام) وأتى به في القسم الثالث من «النهج» أعني في باب المختار من حكم أمير المؤمنين(علیه السلام) وهو المختار 289 .)ورواه أبو محمد الحسن بن علي بن شعبة الحراني رحمة اللّه عليه عن أبي محمد الإمام الحسن بن علي المجتبى(علیه السلام ،أيضاً كما في «الكافي» وفي هامش نسخة مخطوطة عتيقة من النهج توجد في مكتبتنا : قال السيّد الإمام السعيد أبو الرضا رضي اللّه عنه : وجدت هذا الفصل في «أدب ابن المقفع»، ووجدت في كتاب آخر هذا الكلام منسوباً إلى الحسن بن عليّ صلوات اللّه عليهما، ونقل ذلك الحديث العلامة البهائي أيضاً في أوائل المجلد الثالث من «کشکوله» (ص 249 طبع نجم الدولة) من النهج أيضاً من غير تعرّض فيه .)قلت : إذا دار الأمر بين الجامع الكافي وبين غيره من الجوامع الروائية فضلاً عن غيرها فلا ريب أنّ المتعيّن هو الأوّل، على أنّ رواية ابن شعبة موافقة له ومعاضدة وبين النسخ تفاوت في الجملة ونحن نقلناها من نسخة مخطوطة مصححة من «الكافي» مزدانة بعلائم المقابلة والتصحيح من أوّلها إلى آخرها وبتعليقات أنيقة رشيقة، وبخط صدر الدين السيد علي خان المدني قدّس سرّه الذي تقدَّم ذكره في هذه الرسالة غير مرّة على ظهرها وهذه صورته الحمد اللّه سبحانه على هذه النسخة الشريفة المعتمدة خط السيد نصير الملة والدين وخط ابن أخيه وصهره السيد محمد معصوم وخط ابنه والدي الأمير نظام الدين أحمد، وقد قرأها


1) الكافي : 23/2 ، ومشكاة الأنوار: 422 .

على السيّد العلّامة نور الدين ابن علي بن أبي الحسن العلوي قدّس اللّه سبحانه أسرارهم، كتب علي الصدر المدني عفي عنه».وأما الثاني فقد نقلها العلامة الشيخ البهائي قدّس سرّه في أوَّل المجلد الثالث من كتابه القيم النفيس المسمّى ب- «الكشكول» (ص 245 من طبع نجم الدولة حيث قال :من خط س(1)عن عنوان البصري وكان شيخاً قد أتى عليه أربع وتسعون سنة، قال: كنت أختلف إلى أنس سنين فلما قدم جعفر بن محمد الصادق(علیه السلام) اختلفت إليه وأحببت أن آخذ عنه كما أخذت عن مالك بن أنس سنين مالك، فقال يوماً لي : إني رجل مطلوب ومع ذلك لي أوراد في كل ساعة من آناء الليل والنهار فلا تشغلني عن وردي وخذ عن مالك واختلف إليه كما كنت تختلف. ذلك،)فاعتممت من ذلک، وخرجت من عنده وقلت في نفسي : لو تفرّس لي خيراً لما زجرني عن الاختلاف إليه والأخذ عنه، فدخلت مسجد الرسول(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم وسلمت عليه ثم رجعت من الغد إلى الروضة، وصليت فيها ركعتين وقلت : أسألك يا اللّه يا اللّه أن تعطف علىَّ قلب جعفر وترزقني من علمه ما أهتدي به إلى صراطك المستقيم، ورجعت إلى داري مغتماً ولم أختلف إلى مالك بن أنس لما أشرب في قلبي من حب جعفر(علیه السلام) فما خرجت من داري إلا إلى الصّلاة المكتوبة حتى عيل صبري، فلمّا ضاق صدري تنعلت وتردّيت وقصدت جعفراً(علیه السلام) وكان بعدما صليت العصر، فلما حضرت باب داره استأذنت عليه فخرج خادم له فقال : ما حاجتك؟ فقلت : السلام على الشريف فقال : هو قائم في مصلاه فجلست بحذاء بابه فما لبثت إلا يسيراً إذا خرج خادم فقال : أدخل على بركة اللّه .)فدخلت وسلّمت عليه فردّ عليّ السلام وقال : اجلس غفر اللّه لك فجلست فأطرق مليّاً ، ثمَّ رفع رأسه فقال : أبو من؟ قلت: أبو عبد اللّه، قال: ثبت اللّه كنيتك ووفقك يا أبا عبد اللّه ما مسألتك ؟ فقلت في نفسي : لو لم يكن لي في زيارته والتسليم عليه غير هذا الدُّعاء لكان كثيراً .ثمَّ رفع رأسه فقال : ما مسألتك؟ قلت: سألت اللّه أن يعطف عليَّ قلبك ويرزقني من علمك وأرجو أنّ اللّه تعالى أجابني في الشريف ما سألته.فقال يا أبا عبد اللّه ليس العلم بالتعلّم وإنّما هو نور يقع على قلب من يريد اللّه تبارك وتعالى أن يهديه، فإن أردت العلم فاطلب أوّلاً في نفسك حقيقة العبودية واطلب العلم باستعماله واستفهم اللّه يفهمك .


1) هكذا في ذلك الطبع بالسين المهملة في الأول والآخر. وفي طبع قم بالشين المعجمة وقال الفاضل محمد صادق النصيري في تعاليقه على الكشكول أن كلمة شين المعجمة إشارة إلى مجموعة الشهيد الثاني (رحمه اللّه).

قلت: یا شریف، قال: قل يا أبا عبد اللّه قلت يا أبا عبد اللّه ما حقيقة العبودية؟قال : ثلاثة أشياء : أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوّله اللّه ملكاً لأنَّ العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال اللّه يضعونه حيث أمرهم اللّه به، ولا يدبر العبد لنفسه تدبيراً وجعل اشتغاله فيما أمره اللّه تعالى به ونهاه عنه ، فإذا لم ير العبد لنفسه فيما خوّله اللّه ملكاً هان عليه الإنفاق فيما أمره اللّه تعالى أن ينفق فيه وإذا فوّض العبد تدبير نفسه إلى مديره هان عليه مصائب الدنيا، وإذا اشتغل العبد بما أمره اللّه تعالى ونهاه لا يتفرغ منهما إلى المراء والمباهاة الناس، وإذا أكرم اللّه العبد بهذه الثلاثة هان عليه الدُّنيا وإبليس والخلق، ولا يطلب الدُّنيا تكاثراً أو تفاخراً ولا يطلب ما عند الناس عزا ولا يدع أيامه باطلاً ، فهذا أوّل درجة التقى قال اللّه تعالى : (وتِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص : الآية 83]قلت: يا أبا عبد اللّه، أوصني، فقال: أوصيك بتسعة أشياء فإنّها وصيتي لمريدي الطريق إلى اللّه تعالى واللّه أسأل أن يوفقك لاستعماله :ثلاثة منها في رياضة النفس وثلاثة منها في الحلم، وثلاثة منها في العلم فاحفظها وإياك والتهاون بها قال عنوان : ففرغت قلبي له .قال : أما اللواتي في الرياضة فإيّاك أن تأكل ما لا تشتهيه فإنه يورث الحماقة والبله، ولا تأكل إلا عند الجوع ، وإذا أكلت فكل حلالاً، وسمّ اللّه، وذكر حديث الرسول(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم : ما ملأ آدمي وعاءً شرا من بطنه فإن كان ولا بد فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه .)فأمّا اللواتي في الحلم: فمن قال لك إن قلت واحدة سمعت عشراً فقل له إن قلت عشراً لم تسمع واحدة، ومن شتمك فقل إن كنت صادقاً فيما تقول فاسأل اللّه أن يغفر لي، وإن كنت كاذباً فيما تقول فاسأل اللّه أن يغفر لك، ومن وعدك بالخني فعِدْهُ بالنصيحة والدعاء.وأمّا اللواتي في العلم : فاسأل العلماء ما جهلت، وإياك أن تسألهم تعنتاً وتجربة وإياك أن تعمل برأيك شيئاً، وخذ بالاحتياط في جميع ما تجد إليه سبيلاً، واهرب من الفتيا هربك من الأسد، سد، ولا تجعل رقبتك في النّاس جسراً، قم عنّي يا أبا عبد اللّه فقد نصحت لك ولا تفسد علي وردي فإني امرؤ ضنين بنفسي والسّلام على من اتبع الهدى(1، منقول كله من خطّ س. انتهى ما أتى به الشيخ (رحمه اللّه) في «الكشكول».)


1) مشكاة الأنوار : 564 ومنية المريد : 150 .

قلت: تأمّل يا باغي السداد وطالب الرشاد وسالك الطريق إلى ربّ العباد في هذه الصحيفة المكرّمة التي كتبت بقلم الولاية وانتقشت بما كله نور وهداية.وأُخاطب نفسي الخاطئة فأقول لها : أيتها الهالكة ما غرّك بربك الكريم تعملي عنده الأعمال الفاضحة، قومي وسافري إلى من خلقك فسوّاك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك، ألا ترى أن ما سواه معتكف يبابه ومالك لا تطير إلى جنابه صرفت العمل في قيل وقال وضيعته في الجواب والسؤال قومي فاغتنمي الفرصة واخلصي من الغصّة إيّاك والتسويف فإنه مبير الوضيع والشريف عليك الفرصة واخلصي من الغضة، إيّاك والتسويف فإنّ مبير الوضيع والشريف عليك بالحضور عند ربّك الغفور فإنَّ الحضور يورث النور بل النور على النور واللّه نور السماوات والأرض وجمالها جل جلاله وعم نواله، أما قرأت الكتاب الحكيم القرآن العظيم يقول قائله عزّ اسمه وله الأسماء الحسنى: من جاهد فينا لنهدينهم سبلنا، ألا رأيت كلام إمامك كشاف الحقائق أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق : «ليس العلم بالتعلّم وإنما هو نور يقع على قلب من يريد اللّه تبارك وتعالى أن يهديه»(1.)اگر بودی کمال اندرو نویسائی و خوانائی *** چرا آن قبله کل نانویسا بود و ناخواناإلى متى في فراش الغفلة واتخذي لك الخلوة، وانتبهي من النوم، وتوبي نصوحاً في اليوم، وعليك بالسكوت ،والصوم وقومي عن العشيرة والقوم ويا نفسي الآئمة الجانية وازهدي في الدُّنيا الفانية فإنّ حبّها جبّ كلّ عطيّة ورأس كل خطيئة، أعرضي عن دار الغرور، وتوجهي إلى نور كلّ ،نور لعل اللّه يحدث بعد ذلك أمراً، وعسى أن تأتيه فرداً.ای شده مغرور بدار غرور *** قد خسر الغافل يوم النشورای که فتادی زره عشق دور *** ألا إلی اللّه تصیر الأموراز چه نداری خبر از خویشتن ***یا حضوروتو نداری حضوروما إخالك بناج لما *** يداك قد حصلنا من شرورولا تخافن سوى نفسکا *** ترس توبیجا است زمرك وزگورو اللّه قد أظهر آیاته *** بیخبر است گرچه دل و دیده کورهرچه توانی نوانی بره شق کوش ***کامده از عشق همه در ظهوردست زانیان شکم باز دار *** تاکه دلت نور دهد همچو هورهل كان عبد البطن عبدالا لاء *** ظلمتي از پرتو و نور است دور


1) مشكاة الأنوار: 563 ، وبحار الأنوار : 225/1.

آن بطلب کو بود أصل مراد *** إياك والزهد لو جدان حورباش همی در ره دیدار یار *** إن شئت عيشاً دائماً في السروراین سر بیهوش تواز خیرگی *** لما يفيقن إلى نفخ صوراین دلزنگار تورا راه نیست *** في ساحة القدس من اللّه نورنعم لئن تبت نصوحاً عسى *** أن يغفر اللّه الرحيم الغفورفي ظلمة الليل تناجي الإلاه *** تكلم اللّه كموسی بطوروابك بكاء عالياً قانتاً *** عند صلاة ليلك بالحضورنیست گرت مرده دلی بهرچه *** لست لربك بعبد شکورمرد خدا را حسنا روی دل ***سوى حضور است نه حور و قصورفيا من خلقني من العدم، يا من كرّم بني آدم با نور المستوحشين في الظلم يا شاهد كلّ نجوى يا من إليه الكل يسعى يا من هو بدنا اللازم يا من جرى في الخلق حكمه الجازم، يا من إلى بابه ألوذ يا من به من شر نفسي ،أعوذ يا من تحيّر فيه ما سواه یا من نطق به الألسن والأفواه.اي که زبانها به تو گویاستی *** ایکه دل و دیده بیناستیاي كه صفات توودانت نکواست *** اي كه زهر عیب مبرّاستیای که زنور رخ زیبای تو *** روی همه خرم روز خرم وزیباستیای که سزای دل شوریدگان *** شورشی از عشق تو برپاستیای که زتو مرغ شباهنگ را *** ناله جانسوز سحر هاستیدست حسن گیرو رهائیش ده ***ای که ز راز دلش آگاستیوأمّا الثالثة فهي مكاتبة جرت بين العالمين الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير والشيخ الرئيس أبي علي بن سينا ولما رأينا كثرة فوائدها أتينا بها مزيداً للفائدة وقد نقلها الشيخ البهائي في أواخر «الكشكول» (ص 623 من طبع نجم الدولة وص 595 ج 2 من طبع قم، ولكن صورتها على طبع قم مشوشة بل مشوهة جداً، وهي منقوله أيضاً في نامه دانشوران في ترجمة الشيخ الرئيس أكمل ممّا في الكشكول وقد نقل القاضي نور اللّه الشهيد نبذة من كلام الشيخ الرئيس في «مجالس المؤمنين» وهذه صورتها :)كتب الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير إلى الشيخ الرئيس أبي علي بن سينا أيها العالم وفقك اللّه لما ينبغي، ورزقك من سعادة الأبد ما تبتغي إنّي من الطريق المستقيم على يقين

إلّا أنَّ أودية الظنون على الطريق المستجدّ (1متشعّبة، وإنّي من كلِّ طالب طريقه لعل اللّه يفتح لي من باب حقيقة حاله بوسيلة تحقيقه وصدقة تصديقه، وإنّك بالعلم وفقت الموسوم، بمذاكرة أهل هذا الطريق مرسوم فأسمعني ما رزقت وبين لي ما عليه وقفت، وإليه وفقت، واعلم أنّ التذبذب بداية حال الترهب ومن ترهّب ترأب وهذا سهل جداً، وعسر إن عد عداً، واللّه ولي التوفيق.)فأجابه الشيخ الرئيس: وصل خطاب فلان مبيناً ما صنع اللّه تعالى لديه (2وسبوغ نعمه عليه والاستمساك بعروة الوثقى، والاعتصام بحبله المتين والضرب في سبيله، والتولية شطر التقرب إليه، والتوجه تلقاء وجهه، نافضا عن نفسه غبرة هذه الخربة، رافضاً بهمته الاهتمام بهذه القذرة - أعزّ وارد وأسر واصل وأنفس طالع وأكرم طارق، فقرأته وفهمته وتدبرته وكرّرته وحققته في نفسي وقرّرته فبدأت بشكر اللّه واهب العقل ومفيض العدل، وحمدته على ما أولاه، وسألته أن يوفقه في أخراه وأولاه، وأن يثبت قدمه على ما توظاه، ولا يلقيه إلى ما تخطاه، وتزيده إلى هدايته هداية وإلى درايته التي آتاه دراية إنّه الهادي المبشر والمدبّر المقدّر، عنه يتشعب كلّ أثر ، وإليه تستند الحوادث والعبر(3)وكذلك تقضي الملكوت ويقضي الجبروت وهو من سرّ اللّه الأعظم يعلمه من يعلمه ويذهل عنه من لا يعصمه، طوبى لمن قاده القدر إلى زمرة السعداء وحاد به عن رتبة الأشقياء وأوزعه استرباح البقاء من رأس مال الغنى وما نزهة هذا العاقل في دار يتشابه فيها عقبي مدرك ومفوّت، ويتساويان عند حلول وقت موقت دار أليمها موجع ولذيذها مشبع، وصحتها قسر الأضداد (4)على وزن وإعداد، وسلامتها استمرار فاقة إلى استمراء ،مذاقة ودوام حاجة إلى مج مجاجة.)نعم واللّه ما المشغول بها إلا مثبط، والمتصرف فيها إلا مخبّط موزّع البال بين ألم ويأس، ونقود وأجناس أخيذ حركات شتّى وعسيف أوطار تترى وأين هو من المهاجرة إلى التوحيد واعتماد النظام بالتفريد والخلوص من التشعب إلى التراب، وعن التذبذب إلى التهذب، وعن ناد (5يمارسه إلى أبدي يشارقه، هناك اللّذة حقاً، والحسن صدقاً، سلسال كلما سقيته على الرّي كان أهنى وأشفى، ورزق كلّما أطعمته على الشبع كان أغذى وأمرىء، ري استبقاء لا ري ،إباء وشبع استشباع لا شبع استبشاع.)ونسأل اللّه تعالى أن يجلو عن أبصارنا الغشاوة، وعن قلوبنا القساوة، وأن يهدينا كما


1) في نسخة : الجد.

2) في نسخة : إليه .

3) في نسخة الغير.

4) في نسخة: قران الأضداد

5) في نسخة: باد

هداه، ويؤتينا ممّا أتاه، وأن يحجز بيننا وبين هذه الغارة الغاشية البسور فى هيأة الباقة، المعاشرة في حلية المياسرة، المفاصلة في معرض المواصلة وأن يجعله إمامنا فيما آثر وأثر وقائدنا إلى ما صار إليه وسار إنّه ولي ذلك .فأمّا ما التمسه من تذكرة ترد منّي وتبصرة تأتيه من قبلي وبيان يشفيه من كلامي فكبصير استر شد من مكفوف، وسميع استخبر عن موقور السمع غير خبير فهل لمثلي أن يخاطبه بموعظة حسنة، ومثل صالح، وصواب مرشد وطريق أسنّه له منفذ، وإلى غرضه الذي أمه منفذ ؟ومع ذلك فليكن اللّه تعالى أوَّل فكره وآخره، وباطن اعتباره وظاهره ولتكن عين نفسه مكحولة بالنظر إليه، وقدمها موقوفة على المثول بين يديه مسافراً بعقله في الملكوت الأعلى وما فيه من آيات ربه الكبرى فإذا انحط إلى قراره فيرى اللّه في آثاره فإنه باطن ظاهر تجلّى بكل شيء لكل شيء.ففي كل شيء له آية *** تدل علی أنّه واحدفإذا صارت هذه الحال ملكة، وهذه الخصلة ،وتيرة وانطبع في فضه نقش الملكوت، وتجلّى له آية قدس اللاهوت، فألف الأنس الأعلى، وذاق اللذة القصوى، وأخذ عن نفسه إلى من هو به أولى، وفاضت عليه السكينة وحقت به الطمأنينة، واطلع على الأدنى اطلاع راحم لأهله مستوهن بحبله (1مستخف لثقله، مستحسن لفعله مستطل لطرفه، ويذكر نفسه وهي بهجة فتعجب منهم تعجبهم منه، وقد ودعها وكان معها كمن ليس معها .)وليعلم أن أفضل الحركات الصلاة وأمثل السكنات الصيام، وأرفع (2البر الصدقة (3)وأزكى السير الاحتمال وأبطل السعي الرياء (وأفضل السعي المراياة - على نسخة مجالس المؤمنين)، ولن تخلص النفس عن البدن ما التفتت إلى قيل وقال ومناقشة وجدال وانقلعت بحالة من الأحوال، وخير العمل ما صدر عن مقام نيّة (4)وخير النية ما ينفرج عن جناب علم والحكمة أم الفضائل، ومعرفة اللّه أوّل الأوائل إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، أقول قولي هذا وأستغفر اللّه وأستهديه وأتوب إليه ،وأستكفيه، وأسأله أن يقربني إليه إنه سميع مجيب.)ثمَّ يقبل على هذه النفس المزينة بكمالها الذاتي، ويحرسها عن التلطخ بما يشينها من الهيئات الانقيادية للنقوش المادية التي إذا بقيت في النفس المزينة كانت حالها عند الانفصال


1) في نسخة : بخيله .

2) في نسخة : أنفع .

3) في نسخة : وأفضل البر العطا.

4) في نسخة: عن خالص نية .

كحالها عند الاتصال، إذ جوهرها متثاوب ولا مخالطة وإنّما يدنسها هيئة الانقياد لتلك الصواحب بل تفيدها هيئات الاستيلاء والاستعلاء والرئاسة ولذلك يهجر أكذب قولك ويخلّى حتى تحدث للنفس هيئة صدوقة فيصدّق الأحلام والرؤيا واللذات، فليستعملها على إصلاح الطبيعة وإلقاء الشخص والنوع والسياسة.وأمّا المشروب فأن يهجر شربه ملهياً بل تشفياً تداوياً، ويعاشر كل فرقة بعادته ورسمه، ويسمح بالمقدور من المال ويترك لمساعدة النّاس كثيراً ما هو خلاف طبعه ثم لا يقصر في الأوضاع الشرعية، وتعظيم السنن الإلهية والمواظبات على التعبدات البدنية، ويكون دوام عمره إذا خلا وخلص من المعاشرين نظر بالرويّة والفكرة في الملوك الأول وملكها، واكبس عن عثار الناس من حيث لا تقف على النّاس عاهد اللّه أن تسير بهذه السيرة وتدين بهذه الديانة واللّه ولي الذين آمنوا حسبنا اللّه ونعم الوكيل .هذا آخر المكاتبة، وقد نقل منها الشيخ في «الكشكول» - إلى قوله : إنّه سميع مجيب ونقلنا بعده من نامه ،دانشوران ونقل القاضي نور اللّه الشهيد نور اللّه مرقده في «المجالس» بعد قوله : إنه سميع مجيب، هذا السطر أيضاً والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسّلام على خير خلقه محمد وآله أجمعين.14 - كن عالي الهمة على حد لا تعبد إلا إياه ،تعالى ولا تكن في إعراضك عن متاع الدنيا وطيباتها معاملاً ولا في عباداتك أجيراً، وكن كما نطق به الناطق بالصواب ميزان يوم الحساب، وفصل الخطاب أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي(علیه السلام : ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك.)تو بندگی چو گدیان بشرط مزد مکن *** که خواجه خود صفت بنده پروری داندوفي الباب التاسع عشر من «مصباح الشريعة» : قال النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم : قال اللّه تعالى : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي للسائلين(1).)وروى ثقة الإسلام الكليني في باب العبادة من كتاب الإيمان والكفر من «أصول الكافي» ( ص 68 ج 2 من المعرب) بإسناده عن هارون بن خارجة عن أبي عبد اللّه قال : إنَّ العباد ثلاثة قوم عبدوا اللّه عزّ وجل خوفاً فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا اللّه تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء، وقوم عبدوا اللّه عزّ وجلَّ حُبّاً له فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة (2))


1) إعانة الطالبين : 19/1 ، وكشف القناع: 519/1 .

2) شرح أصول الكافي : 258/1 ح 1 ، ومستدرك سفينة البحار : 54/7 .

ورواه ابن شعبة رحمة اللّه عليه في تحف العقول عن سيّد الشهداء أبي عبد اللّه الحسين(علیه السلام أيضاً، حيث قال(علیه السلام) : إنَّ قوماً عبدوا اللّه رغبة فتلك عبادة التجار وإنَّ قوماً عبدوا اللّه رهبة فتلك عبادة العبيد، وإنَّ قوماً عبدوا اللّه شكراً فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة (1)، وهذا بعينه منقول في النهج عن أمير المؤمنين(علیه السلام) (المختار 237 من باب حكمه(علیه السلام) ) .)فكن من أهل اللّه لا من أهل الدُّنيا ولا من أهل الآخرة، وحقيقة الزهد أن يزهد في الدُّنيا والآخرة، كما قال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم : الدُّنيا حرام على أهل الآخرة، والآخرة حرام على أهل الدُّنيا، وهما حرامان على أهل اللّه (2).)وفي ذلك الباب من الكافي بإسناده عن عمرو بن جميع، عن أبي عبد اللّه(علیه السلام قال : قال رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم): أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها وأحبّها بقلبه وباشرها بجسده وتفرّغ لها، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدُّنيا على عسر أم على يسر(3).)أقول : هذه الرواية قد نطقت بالعشق وفي عشق من سفينة البحار للمحدث القمّي رحمة اللّه عليه : النبوي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم أنَّ الجنّة لأعشق لسلمان من سلمان للجنّة (4). وفي تاسع «البحار» (ص 580) عن الخرائج : روي عن أبي جعفر(علیه السلام) عن أبيه قال : مرَّ علي(علیه السلام) بكربلاء فقال لما مر به أصحابه وقد اغرورقت عيناه يبكي ويقول : هذا مناخ ركابهم وهذا ملقى رحالهم ههنا مراق دمائهم، طوبى لك من تربة عليها تراق دماء الأحبّة (5).)وقال الباقر(علیه السلام : خرج على يسير بالناس حتى إذا كان بكربلاء على ميلين أو ميل تقدّم بين أيديهم حتى طاف بمكان يقال له المقدفان فقال : قتل فيها مائتا نبي ومائنا ،سبط كلّهم شهداء ومناخ ركاب ومصارع عُشاق شهداء لا يسبقهم من كان قبلهم ويلحقهم من بعدهم(6).)وكم نرى من المقدّسين الخشك يطعنون في أهل اللّه بإطلاقهم العشق ومشتقاته قائلين بأنَّ أي خبر نطق به؟ وهذا خبرهم بل هذه أخبارهم على أنه لو لم يأت به أثر في الجوامع الروائية لكانت حجتهم داحضة وكلمتهم سفلى.


1) شرح أصول الكافي: 257/1 ، وعوالي اللتالي: 20/1 .

2) الكافي: 501/2 ح 1 ، وبحار الأنوار: 323/90.

3) الكافي: 84/2 ح 5 ، وتحف العقول: 246.

4) عوالي اللئالي: 4/ 101 ، وبحار الأنوار: 341/22 - 52 .

5) قرب الإسناد : 26 87 ، وكامل الزيارات : 453 ح12 .

6) بحار الأنوار: 41 / 295 ح 18 ، ومستدرك سفينة البحار 245/7 .

وفي الباب الرابع والخمسين من إرشاد القلوب للديلمي وهو آخر أبواب الكتاب فيما سأل رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّمربّه ليلة المعراج : يا أحمد وجوه الزاهدين مصفرة من تعب الليل وصوم قد النهار وألسنتهم كلال من ذكر اللّه تعالى قلوبهم في صدورهم مطعونة من كثرة صمتهم أعطوا المجهود من أنفسهم لا من خوف نار ولا من شوق جنّة ولكن ينظرون في ملكوت السماوات والأرض فيعلمون أن اللّه سبحانه أهل ،للعبادة يا أحمد هذه درجة الأنبياء والصديقين من أمتك وأُمّة غيرك وأقوام من الشهداء(1)- الخ .)وفي باب اتباع الهوى من كتاب الإيمان والكفر من «أصول الكافي» (ص 251 ج 2 من المعرب عن أبي حمزة عن أبي جعفر(علیه السلام) قال : قال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : يقول اللّه عزّ وجلّ : وعزتي وجلالي وعظمتي وكبريائي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواه عى هواي إلا شتت عليه أمره ولبست عليه دنياه وشغلت قلبه به ولم أوته منها إلا ما قدرت له، وعزتي وجلالي وعظمتي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا استحفظته ملائكتي وكفّلت السماوات والأرضين رزقه وكنت له من وراء تجارة كل تاجر وأتته الدُّنيا وهي راغمة (2).)وإذا ذقت حلاوة ذكره تعالى و أنست به ورزقت جنّة اللقاء لا تطلب منه تعالى إلا إياه وتنسى غيره كما في الباب التاسع عشر من «مصباح الشريعة» قال الصادق(علیه السلام : لقد دعوت اللّه مرة فاستجاب لي ونسيت الحاجة لأن استجابته بإقباله على عبده عند دعوته أعظم وأجلّ ممّا يريد منه العبد ولو كانت الجنة ونعيمها الأبدي، وليس يعقل ذلك إلا للعاملون المحبّون العارفون صفوة اللّه وخواصه، انتهى(3).)وكأنما الشيخ العارف السعدي رضوان اللّه عليه يشير إلى قوله(علیه السلام ، حيث زين مطلع گلستانه بورد بیانه یکی از صاحبدلان سر بجيب مراقبت فرو برده و در بحر مکاشفت مستغرق گشته حالی که از آن حالت ،بازآمد یکی از دوستان :گفت در این بوستان که بودی ما را چه تحفه آوردی؟ گفت بخاطر داشتم که چون بدرخت گل رسم دامنی پرکنم هدیه أصحاب ،را چون برسیدم بوی گلم چنان مست کرد که دامن از دست برفت ولقد أجاد طيب اللّه رمسه وقدّس سرّه.)فمن عبد اللّه تعالى طلب الثواب أو خوفاً من العقاب فهو محروم عن اللذة الحقيقية،


1) الجواهر السنية : 196 ، وبحار الأنوار: 26/74

2) الكافي : 2/ 335 ح 2 ، وشرح أصول الكافي : 389/9

3) مصباح الشريعة : 134.

بل إنّك إن فتشته لم تجده إلا عابد هواه إن عبده تعالى رغبة أو محبّاً لنفسه لا لمولاه إن عبده ،رهبة وقد أفاد الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا تغمّده اللّه بغفرانه في «مقامات العارفين» بقوله :المستحل توسيط الحق مرحوم من وجه فإنه لم يطعم لذة البهجة به فيستطعمها إنّما معارفته مع اللذات المخدجة فهو حنون إليها غافل عما ورائها وما مثله بالقياس إلى العارفين إلا مثل الصبيان بالقياس إلى المحنكين، فإنَّهم لما غفلوا عن طيّبات يحرص عليها البالغون، واقتصرت بهم المباشرة على طيبات اللعب صاروا يتعجبون من أهل الجدّ إذا زوروا عنها عائفين لها عاكفين على غيرها كذلك من غض النقص بصره عن مطالعة بهجة الحق أعلق كفيه بما يليه من اللذات لذات الزور، فتركها في دنياه عن كره، وما تركها إلا ليستأجل أضعافها وإنّما يعبد اللّه تعالى ويطيعه ليخوّله في الآخرة شعبه منها فيبعث إلى مطعم شهيّ ومشرب هنيء ومنكح بهي، وإذا بعثر عنه فلا مطمح لبصره في أولاه وأخراه إلا إلى لذات قبقبه وذبديه والمستبصر بهداية القدس في شجون الإيثار قد عرف اللذة الحق وولّى وجهه سمتها مسترحماً على هذا المأخوذ عن رشده إلى ضدّه، وإن كان ما يتوخاه بكده مبذولاً له بحسب وعده .15 - التوبة وهي لا تنفك عمّن استبصر وإلا فليس بمستبصر، ولا أنسى عذوبة كلام سيّدنا الأستاذ محمد حسن الإلهي المقدم ذكره قدّس سرّه، ولطافة بيانه في التوبة حيث قال : التوبة الحقيقية أن تتوب من خيرك وشرك، وبعد تأمل قليل قلت له : أمّا التوبة من الشرّ فلا كلام فيها، وأما التوبة من الخير فما مراد جنابك منها؟ فقال رضوان اللّه عليه : ما نحسبها خيراً من صلاتنا وصيامنا وقراءتنا القرآن ودراستنا وغيرها لو تأملنا فيها لرأيناها مخدجة غير كاملة (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنعا [الكهف: 104] فيجب على المستبصر أن يتوب من هذه الأعمال الناقصة، وأن يقصد الإتيان بها على النحو الكامل الذي يتقبل اللّه وإنما يتقبل اللّه من المتقين فما حسبناه خيراً ليس بخير حقيقةً، فطوبى لمن وفّق بالتوبة ممّا حسبه خيراً وعمل ما هو خير واقعاً . والتوبة تذهب بدرن القلب وتزيل رينه فإذاً يستبصر التائب بدائه ودوائه ويخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، قال الإمام الباقر(علیه السلام) : التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا تخلّصت النفس من الرذائل وتنزهت من أوساخ الذنوب فقد قبلت توبته (1)، وأما البحث الكلامي عن التوبة فقد أشبعنا الكلام فيه في شرحنا على المختار 235 من خطب النهج من


1) الكافي : 435/2 ح 10.

كتابنا تكملة منهاج البراعة (ص 171 - إلى - 201 من ج 15).

وقال السيّد بن طاووس قدّس سرّه الشريف في أعمال شهر ذي القعدة من كتابه «الإقبال»: فصل: فيما نذكره ممّا يعمل في يوم الأحد من الشهر المذكور وما فيه من الفضل المذخور وجدنا ذلك بخط الشيخ علي بن يحيى الخياط رحمه اللّه وغيره في كتب أصحابنا الإمامية وقد روبنا عنه كلما رواه وخطه عندنا بذلك في إجازة تاريخها شهر ربيع الأول سنة تسع وستمائة فقال ما هذا لفظه:

روی أحمد بن عبد اللّه عن منصور بن عبد الحميد، عن أبي أمامة، عن أنس بن مالك قال : خرج رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)يوم الأحد في شهر ذي القعدة فقال: يا أيها الناس من كان منكم يريد التوبة؟ قلنا : كلنا يريد التوبة يا رسول اللّه ، فقال(علیه السلام) : اغتسلوا وتوضأوا وصلوا أربع ركعات واقرؤوا في كل ركعة فاتحة الكتاب مرّة قل هو اللّه أحد ثلاث مرات والمعوذتين مرة ثمَّ استغفروا سبعين مرَّة ثمَّ اختموا بلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ثمَّ قولوا : يا عزيز يا غفار اغفر لي ذنوبي وذنوب جميع المؤمنين والمؤمنات فإنّه لا يغفر الذنوب إلا أنت .

ثمَّ قال(علیه السلام) : ما من عبد من أُمّتي فعل هذا إلا نودي من السماء: يا عبد اللّه استأنف العمل فإنك مقبول التوبة مغفور الذنب .

وينادي ملك من تحت العرش: أيها العبد بورك عليك وعلى أهلك وذريتك .

وينادي مناد آخر: أيها العبد ترضى خصماؤك يوم القيامة . وينادي ملك آخر أيها العبد تموت على الإيمان ولا أسلب منك الدين ويفسح في قبرك وينوّر فيه .

وينادي مناد آخر أيها العبد يرضى أبواك وإن كانا ساخطين وغفر لأبويك ذلك ولذريتك وأنت في سعة من الرزق في الدنيا والآخرة .

وينادي جبرئيل(علیه السلام) : أنا الذي آتيك مع ملك الموت(علیه السلام) أن يرفق بك ولا يخدشك أثر الموت إنما تخرج الروح من جسدك سلّا (1).

قلنا : يا رسول اللّه لو أنّ عبداً يقول في غير الشهر؟ فقال(علیه السلام) : مثل ما وصفت وإنما علمني جبرئيل هذه الكلمات أيام اللّه(2)ربي (3)


1) في نسخة : سلاماً.

2) مستدرك الوسائل : 397/6، وإقبال الأعمال : 20/2.

3) في نسخة: لما أسري بي.

ونذيّل الرسالة بقصيدة الفارسية تفوّه بها هذا الراجي لقاء ربه الرّحيم وقد فرغ منها في أوائل ذي الحجة 1388ه- ق ، وسمّاها بالقصيدة اللقائية .

اي دل بدر کن از سرت كبرو ریارا *** خواهی اگر بینی جمال کبریا را

تا با خودی بیگانه ای از آشنایان *** بیگانه شو از خود شناسی آشنا را

عنقای اوج قاف قرب دلبر من *** در زیر پر بگرفته کلّ ما سوارا

در پایتخت کشور دل پادشاهی *** منگر مگر سلطان يهدي من يشارا

مرآت أسماء وصفات حق بود دل *** مشکن چنین آیینه ایزد نما را

أي همدم كروبيان عالم قدس *** از خود بر کن لشکر دیو دغا را

تا از سوادو از خیال و از بیاضت *** فانی شوی بینی جهان جان فزا را

گر جذبه ای از جانب جانانه یابی *** بازیچه خوانی جذب کاه وكهربارا

گاهی ز اشراق رخ مهر آفرینش *** بر آسمان جان دهدرشك ضیا را

گاهی ززلف مشکسای دلربایش *** آشفته خود می کند احوال ما را

دل درمیان اصبعين او است دائم *** از قبض و بسطش فهم کن این مدعارا

اللّه قد خلقكم أطواراً أي قوم *** کيف فلا ترجون لله وقارا

در آستان لطف آن محبوب یکتا *** دریوزه گر بینم همه شاه و گدارا

تسبیح گوی ذات پابك لا يزاليش *** بنگر ز ذرّات ثریا تاثری را

بنیوش از من باش دائم در حضورش *** تا در حضور او چه ها یابی چه هارا

گر تارو پود بودم از هم بر شکافی *** جز او نخواهی یافت این دولت سرارا

در چشم حق بینم من أو اومن نباشد *** یکتا پرستم من نمیدانم دوتا را

مشق منش از گفته استاد نبود *** نوشیده ام باشیر مادر این غذارا

تنهانه من سرگشته ام زانرو که بینم *** نالان و گردان أو أرض وسمارا

تنهانه من در حیرتم از سر انسان *** بل صار في القوم كلهم حيارى

فکري بکن بنگر که ای و در کجائي *** هم از کجا بودی و میخواهی کجارا

دردا که مارا آگهی از خویش نبود *** ورنه بما كردى عطا کشف غطاراً

دردت اگر باشد پی درمان دردت *** از چه نجوئی از طبیب خود دوا را

یا رب دهد اندر حریم خویش بارت *** مر آزمونرا گوی از اخلاص یا را

بیدار باش و درره زاد أبد كوش ***بگسل ز خود دام هوسها و هوا را

برآب زن أوراق نقش این و آنرا *** دل نشان أحكام قرآن ودعارا

در خلوت شبهای تارت میتوانی *** آری بکف سر چشمه آب بقارا

گوئی خلیل آسا اگر وجهت وجهي *** گردد بتو راز نهانی آشکارا

تسلیم باش و سر بنه اندر رضایش *** بر بندلب از گفتن چون و چرا را

از رحمت بي انتهای خویش دارد *** وابسته دام بلا أهل ولا را

زاهد بود سوداگرو عابد أجيري *** محواست وطمس ومحق أرباب وفارا

آیین مردان خدا تقوی است تقوی *** مرزوق عند اللّه بين أهل تقی را

ره روچنانکه مردم هشیار رفتند *** راهی مبین جز راه و رسم مصطفی را

گر مشکلی پیش آیدت ایسالك ره *** ناد عليّاً آن شه مشکل گشارا

خواهی روی اندر منای عاشقانش *** بار سفر بربند سوی کربلا را

گفتار نیکو باید وکردار نیکو *** تا در جزای این و آن یابی لقارا

أبناء نوعت را زخود خوشنود میدار *** خواهی زخود خوشنود أرداری خدارا

بیچاره ایم ای چاره بیچاره گانت *** جز تو که یارد دست ما گیرد نگارا

عارم بود از این کلیمی أربعینم *** از جود تو دارم من امید عطا را

تسخیرخودکن نجم را آنسان که کردی

تسخیر خود مهرو به و استاره ها را

وقد فرغنا من تأليف هذه الرسالة اللقائية في بلدنا الآمل وقت السحر من ليلة الاثنين السادسة عشر من ربيع المولود من شهور سنة تسع وثمانين وثلاثمائة بعد الألف من الهجرة على هاجرها ألف تحية وسلام رزقنا اللّه تعالى القرب منه ونعمة لقائه .

ومن كتاب له (عليه السلام) إلى أهل البصرة وهو المختار التاسع والعشرون من باب المختار من كتبه ورسائله

اشارة

وَقَدْ كَانَ مِنْ انْتِشَارِ حَبْلِكُمْ وَشِقاقِكُمْ مَا لَمْ تُغِبُّوا عَنْهُ؛ فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِكُمْ ، وَرَفَعْتُ السَّيْف عَنْ مُدْبِرِكُمْ، وَقَبِلْتُ مِنْ مُقْبِلِكُمْ فَإِنْ خَطَتْ بِكُمْ الْأُمُورُ الْمُرْدِيَةُ، وَسَفَهُ الآراء[ الأراء - معاً] الْجائِرَةِ إِلى مُنَابَذَتي وَخِلافي فَها أَنَذَا [أَنَاذا - نسخة ] قَدْ قَرَّبْتُ عِبَادِي وَرَحَلْتُ رِكَابِي .

وَلَئِنْ أَلْجَأْتُمُونِي إِلَى الْمَسِيرِ إِلَيْكُمْ لَأُوقِعَنَّ بِكُمْ وَقعَةً لا يَكُونُ يَوْمَ الْجَمَل إِلَيْهَا إِلا كَلَقْعَةِ لاَعِق ؛ مَعَ إِنِّي عَارِفٌ لِذِي الطَّاعَةِ مِنْكُمْ فَضْلَهُ وَلِذِي النَّصِيحَةِ حَقَّهُ، غَيْرَ مُتَجَاوِزٍ مُتَّهَماً إلى بَرِيء، وَلاَ نَاكثاً إِلَى وَفِيّ (1)

المصدر

رواه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي الكوفي المتوفى 284ه-. ق في كتاب الغارات.

بعث أمير المؤمنين علي(علیه السلام) جارية بن قدامة إلى أهل البصرة على ما يأتي تفصيله في المعنى، وكتب معه هذا الكتاب إليهم، وهذا المختار بعض ذلك الكتاب وهذه صورته الكاملة :

من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى من قريء عليه كتابي هذا من ساكني البصرة من المؤمنين ،والمسلمين سلام عليكم أما بعد فإن اللّه حليم ذو أناة لا يعجل بالعقوبة قبل البيئة. ولا يأخذ المذنب عند أوَّل وهلة ولكنّه يقبل التوبة، ويستديم الأناة، ويرضى بالإنابة، ليكون أعظم للحجة، وأبلغ في المعذرة.

وقد كان من انتشار حبلكم وشقاقكم ما لم تغبوا عنه فعفوت عن مجرمكم، ورفعت السّيف عن مدبركم، وقبلتُ من مقبلكم وأخذت بيعتكم، فإن تفوا ببيعتي، وتقبلوا نصيحتي، وتستقيموا على طاعتي أعمل فيكم بالكتاب والسنّة وقصد الحق وأقيم فيكم سبيل الهدى، فواللّه ما أعلم أن والياً بعد محمد (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) أعلم بذلك مني ولا أعمل بقولي، أقول قولي هذا صادقاً غير ذام لمن مضى، ولا متنقص لأعمالهم.


1) الغارات: 403/2 ، ونهج السعادة : 165/5 .

وإن خطت بكم الأهواء المردية، وسفه الآراء الجائرة إلى منابذتي تريدون خلافي فها أناذا قد قربت جيادي، ورحلت ركابي، وأيم اللّه لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعنَّ بكم وقعة لا يكون يوم الجمل إليها إلا كلعقة لاعق مع أنّي عارف لذي الطاعة منكم فضله ولذي النصيحة حقه غير متجاوز متهماً إلى بريء، ولا ناكثاً إلى وفي .

وإنّي لظان أن لا تجعلوا إن شاء اللّه على أنفسكم سبيلاً، وقد قدَّمت هذا الكتاب إليكم حجّة عليكم ولن أكتب إليكم من بعده كتاباً، إن أنتم استغششتم نصيحتي، ونابذتم رسولي حتى أكون أنا الشاخص نحوكم إن شاء اللّه تعالى والسَّلام(1).

اللغة

(الحبل) كناية عن العهد) و (الانتشار)كناية عن نقضه . قال الراغب في «المفردات» : الحبل معروف، قال عزَّ وجلَّ : (في جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ ﴾ [المَسَد : الآية 5] وشبّه به من حيث الهيئة حبل الوريد وحبل العاتق والحبل المستطيل من الرمل وأستعير للوصل ولكلّ ما يتوصل به إلى شيء، قال عزّ وجلَّ: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا [آل عمران : الآية 103] فحبله هو الذي معه التوصل به إليه من القرآن والعقل وغير ذلك مما إذا اعتصمت به أذاك إلى جواره، ويقال للعهد : حبلٌ. انتهى .

(لم تغبوا عنه) ذهب الشراح والمترجمين إلى أنَّ كلمة تغبوا مشتقة من غبي فهي في الأصل ناقصة اللام، قال الفاضل الشارح المعتزلي: ما لم تغبوا عنه أي لم تسهوا عنه ولم تغفلوا يقال : غبت عن الشيء أغبي غباوة إذا لم يفطن، وغبي الشيء عليَّ كذلك إذا لم تعرفه وفلان غبي علي فعيل أي قليل الفطنة وقد تغابى أي تغافل، يقول لهم : (قد كان من خروجكم يوم الجمل عن الطاعة ونشركم حبل الجماعة وشقاقكم إلى ما لستم أغبياء عنه فعفوت ورفعت السيف وقبلت التوبة) . انتهى كلامه، وهكذا قد حذا حذوه غيره من الشراح

قلت: الكلمة مشتقة من الإغباب فهي في الأصل مضاعف، وهي مختار الشريف الرضي، كما في النسخة التي قوبلت وصححت على نسخته وقد مر ذكرها غير مرة والكلمة المشكولة في تلك النسخة بضم التاء وكسر الغين المعجمة وتشديد الباء الموحدة، قال ابن الأثير في «النهاية» : وفي حديث هشام كتب إليه الجنيد يُغب عن هلاك المسلمين أي لم يخبره بكثرة من هلك منهم مأخوذ من الغبّ الورد فاستعاره لموضع التقصير في الإعلام بكنه الأمر ، وقيل : هو من الغبة وهي البلغة من العيش . انتهى .


1) الغارات : 404/2 ، ونهج السعادة 66/5

(خطت بكم) أي تجاوزت من الخطو، (المردية) المهلكة (الجائرة) المائلة عن الحق (المنابذة) المخالفة والمظاهرة للعداوة (فها أنذا) أو فهأنذا أصلهما فها أنا ذا .

(جياد) جمع ،جواد، أي فرس سريع الجري رائع (الركاب) الإبل، رحل البعير من باب منع أي شدّ على ظهره الرحل والرحل مركب للبعير أصغر من القتب، وفي «منتهی الأرب» رحل البعير رَحْلاً پالان برنهاد برشتر.

(اللعقة) بفتح اللام فعلة للمرّة من اللعق بمعنى اللحس وفي بعض النسخ مشكولة بضمّها كلقمه وهي اسم ما تأخذه في الملعقة أو الأصبع، والقليل ممّا يُلعق ولكنَّ الأولى مطابقة لمختار الرضي وهي كناية عن قلة اللبث (ولا ناكثاً) أي ناقضاً لعهده .

الإعراب

(ما لم تغبوا عنه) كلمة ( ما ) اسم كان أخر عن الخير المقدّم لتوسع الظروف (فهأنذا) جواب إن الشرطية في قوله : فإن خطت (إلى منابذتي) متعلّق بقوله : خطت (اللام) في (لئن ألجأتموني) تسمّى اللام المؤذنة والموظئة أيضاً وهي اللام الداخلة على أداة الشرط وأكثر ما تدخل على إن سميت المؤذنة للإيذان بأنَّ الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط سواء كان ذلك القسم مذكوراً أو مقدراً، وسميّت الموطئة لأنها وطأت أي مهدت الجواب للقسم، واللام في (لأوقعنَّ) لام جواب القسم، وجملة: (لا يكون يوم الجمل)، الخ، صفة للوقعة .

(غير) منصوب حال بضمير إنّي (متّهماً) على صيغة المفعول.

المعنى

قد علمت أنَّ أمير المؤمنين عليّاً (علیه السلام)باعث جارية بن قدامة إلى أهل البصرة وكتب معه هذا الكتاب إليهم قال كاتب الواقدي محمد بن سعد في «الطبقات الكبرى» ( ص 56 ج 7 من طبع مصر): جارية بن قدامة السعدي بن زهير بن الحصين بن رزاح بن أسعد بن بجير بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم .

قال: أخبرنا عبد اللّه بن نمير نمير قال : حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه عن الأحنف بن قيس عن ابن عمّ له يقال له جارية بن قدامة أنّه سأل رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فقال : يا رسول اللّه قل لي قولاً ينفعني وأقلل لي لعلي أعيه فقال رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : لا تغضب، ثمَّ أعاده عليه فقال:لا تغضب، حتّى أعاد عليه مراراً كلّ ذلك يقول له : لا تغضب (1)


1) المعبر الكبير : 2632 ، وتحف العقول: 47 .

قال : وجارية بن قدامة فيمن شهد قتل عمر بن الخطاب قال : وكنا آخر من دخل عليه فسألناه وصيّة ولم يسألها إياه أحد قبلنا

ولجارية بن قدامة أخبار ومشاهد كان علي بن أبي طالب(علیه السلام) بعثه إلى البصرة وبها عبداللّه بن عامر بن الحضرمي خليفة عبد اللّه بن عامر بن كريز فحاصره في دار سنيبل رجل من بني تميم وكان معاوية بعثه إلى البصرة يبايع له انتهى كلام ابن سعد.

قلت: كتب أمير المؤمنين(علیه السلام) إلى أهل البصرة هذا الكتاب مع جارية في الواقعة التي أشار إليها ابن سعد وسيأتي تفصيل ذلك .

قوله(علیه السلام) : ( وقد كان من انتشار حبلكم - إلى قوله وقبلت من مقبلكم) لمّا نقض أهل البصرة عهدهم الذي عاهدوه أمير المؤمنين علياً(علیه السلام) ونكثوا بيعتهم إياه في وقعت الجمل عبّر عن فعلهم هذا بقوله (انتشارحبلكم) فالحبل كناية عن العهد والانتشار عن النكث كقوله تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثا [النحل: الآية 92]) وقوله(علیه السلام) : ما لم تغبّوا عنه أي كنتم عالمين بما فعلتم من نقض عهدكم، ثمَّ نبّههم بما فعل بعد ظفره عليهم من الإكرام والإحسان في إزاء ما أساؤوا به بقوله : (فعفوت عن مجرمكم) وقد مضى ذكر سيرته(علیه السلام) في أهل البصرة في شرحنا على المختار الثاني من باب الكتب (ص 93 ج 17) وسيرته (علیه السلام)في كلّ موطن لقيه عدوّ في شرحنا على المختار الرابع عشر من ذلك الباب (ص 133 ج18).

قوله(علیه السلام) : (فإن خطت بكم الأمور - الخ) لمّا كان معاوية بعث بعد وقعت الجمل عبد اللّه بن عامر الحضرمي إلى البصرة ليبايعهم له وكان سفه آرائهم الجائرة وأُمورهم المهلكة أهلها يجر إلى مخالفة أمير المؤمنين(علیه السلام) و نقض عهده ثانياً أخبرهم موعداً بقوله فإن خطت اه-، أي إن عدتم إلى الفتنة ونقض العهد بتلك الأمور والآراء من أهل الهوى والضلال فها أناذا قد استعدت للقتال والكرة حتى قربت جيادي ورحلت ركابي ولئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعنَّ بكم وقعة أي حرباً لا يكون وقعت الجمل بالنسبة إليها في الحقارة والخفّة إلا كلحسة لاحس وكأنّ في كلامه(علیه السلام) (لئن ألجأتموني) إشارة إلى العفو عما مضى منهم أي إن كنتم إلى الآن اتبعتم تلك الآراء فإن تبتم وعدتم إلى الحق عفوت عنكم وإلا فلا بد لي إلا المسير إليكم فأوقعن بكم كذا وكذا .

قوله(علیه السلام) : ( مع إنّي عارف - الخ) أردف كلامه في الإيعاد والتهديد بالتحبيب والتأليف فقال : (مع إنّي عارف بفضل ذي الطاعة منكم وحق ذي النصيحة منكم لا آخذ متهماً ببريء، ولا ناكثاً بوفي)

نعم إنّ من هو سلطان العالم الأرضي وخليفة اللّه فيه وربّ إنساني فائز بالخواص النبوية فهو يؤتي كل ذي حق حقه ولا يتصور فيه أن يتجاوز متهماً إلى بريء أو ناكثاً إلى وفي وإنما التجاوز من دأب أبناء الدُّنيا وعبيد الهوى، هذا هو زياد بن أبيه خطب بالبصرة الخطبة المشهورة التي تدعى البتراء ذكرها أبو عثمان الجاحظ في «البيان والتبيين» ج 2 ص 61 ، وابن قتيبة في «عيون الأخبار» ج 2 ص 341 وأبو جعفر الطبري في حوادث سنة 45 من تاريخه»، وأبو علي القالي في «ذيل الأمالي» ص 185 من طبع مصر، وأتى بها صاحب «العقد الفريد» أيضاً .

قال الجاحظ: قال أبو الحسن المدائني وغيره ذكر ذلك عن مسلمة بن محارب وعن أبي بكر الهذلي قالا : قدم زياد البصرة والياً لمعاوية بن أبي سفيان وضمّ إليه خراسان وسجستان فخطب خطبة بتراء لم يحمد اللّه فيها ولم يصل علي النبي :

أما بعد، فإنَّ الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والغي الموفى بأهله على النار ما فيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم - إلى أن قال : وإنّي لأقسم باللّه لآخذنَّ الولي بالولي (وفي نسخة العقد لآخذن الولي بالمولى)، والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول : أنج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم - إلى آخر الخطبة .

قال : فقام إليه أبو بلال مرداس بن أديّة وهو يهمس ويقول : أنبأنا اللّه بغير ما قلت فقال: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرَى وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [ النجم : : 37 - 39] وأنت تزعم أنك تأخذ البريء بالسقيم، والمطيع بالعاصي والمقبل بالمدبر فسمعه زياد فقال : إنا لا نبلغ ما نريد فيك وفي أصحابك حتى نخوض إليكم الباطل خوضاً .)وقال الجاحظ في أوّل الجزء الثاني من «البيان والتبيين»: إنّ خطباء السّلف الطيّب، وأهل البيان من التابعين بإحسان ما زالوا يسمون الخطبة التي لم تبتدأ بالتحميد وتستفتح بالتمجيد البتراء، ويسمون التي لم توشح بالقرآن وتزين بالصلاة على النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم الشوهاء. وأما ذكر تفصيل الواقعة فقد أفاد الفاضل الشارح المعتزلي في الجزء الرابع من شرحه)على المختار السادس والخمسين من باب الخطب من النهج أوّله : ولقد كنا مع رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم نقتل آبائنا وأبنائنا وإخواننا وأعمامنا ما يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً - الخ ، بقوله : وهذا الكلام قاله أمير المؤمنين(علیه السلام) في قصة ابن الحضرمي حيث قدم البصرة من قبل معاوية واستنهض أمير المؤمنين أصحابه إلى البصرة فتقاعدوا قال قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي في كتاب الغارات: حدثنا محمد بن يوسف قال: حدثنا)

الحسن بن علي الزعفراني عن محمد بن عبد اللّه بن عثمان عن ابن أبي سيف عن يزيد بن حارثة الأزدي عن عمرو بن محصن ؛ أنَّ معاوية لما أصاب محمد بن أبي بكر بمصر وظهر عليها دعا عبد اللّه بن عامر الحضرمي فقال له : سر إلى البص- سر إلى البصرة فإنّ جلّ أهلها يرون رأينا في عثمان ويعظمون قتله وقد قتلوا في الطلب بدمه فهم متودّدون حنقون لما أصابهم ودوا لو يجدون من يدعوهم ويجمعهم وينهض بهم في الطلب بدم عثمان واحذر ربيعة وانزل في مضر وتودّد الأزد فإنّ الأزد كلّها معك إلا قليلاً منهم، وإنهم إن شاء اللّه غير مخالفيك.فقال عبد اللّه الحضرمي له : أنا سهم في كنانتك وأنا من قد جربت وعدوّ أهل حربك وظهيرك على قتلة عثمان فوجّهني إليهم متى شئت فقال : اخرج غداً إن شاء اللّه، فودّعه وخرج من عندهفلمّا كان الليل جلس معاوية وأصحابه يتحدثون فقال لهم معاوية : في أي منزل ينزل القمر الليلة؟ فقال : يسعد ،الذابح فكره معاوية ذلك وأرسل إليه أن لا تبرح حتى يأتيك أمري ،فأقام ورأى معاوية أن يكتب إلى عمرو بن العاص وهو يومئذ بمصر عامله عليها يستطلع رأيه في ذلك، فكتب إليه وقد كان تسمّى بإمرة المؤمنين بعد يوم صفين وبعد تحكيم الحكمين:من عبد اللّه معاوية أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص سلام عليك أما بعد فإني قد رأيت رأياً هممت بإمضائه ولم يخذلني عنه إلاّ استطلاع رأيك فإن يوافقني أحمد اللّه وأمضيه، وإن يخالفني فإنّي أستخير اللّه وأستهديه، إنّي نظرت في أمر أهل البصرة فوجدت معظم أهلها لنا وليّاً ولعلي وشيعته عدواً وقد أوقع علمه بهم الواقعة التي علمت فأحقاد تلك الدماء ثابتة في صدورهم لا تبرح ولا تريم وقد علمت أن قتلنا ابن أبي بكر ووقعتنا بأهل مصر قد أطفأت نيران أصحاب علي في الآفاق ورفعت رؤوس أشياعنا أين ما كانوا من البلاد، وقد بلغ من كان بالبصرة على مثل رأينا من ذلك ما بلغ الناس وليس أحد ممن يرى رأينا أكثر عدداً ولا أضر خلافاً على عليّ من أولئك فقد رأيت أن أبعث إليهم عبد اللّه بن عامر الحضرمي فينزل من مضر ويتودّد الأزد ويحذر ربيعة ويبتغي دم ابن عفان ويذكرهم وقعة علي بهم التي أهلكت صالحي إخوانهم وآبائهم وأبنائهم فقد رجوت عند ذلك أن يفسد على علي وشيعته ذلك الفرج من الأرض ومتى يؤتى من خلفهم وأمامهم يضلّ سعيهم ويبطل كيدهم فهذا رأيي فما رأيك؟ فلا تحبس رسولي إلا قدر مضي الساعة التي ينتظر فيها جواب كتابي هذا أرشدنا اللّه وإياك والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته .فكتب عمرو بن العاص إلى معاوية أما بعد فقد بلغني رسولك وكتابك فقرأته وفهمت رأيك الذي رأيته فعجبت له وقلت: إنّ الذي ألقاه في روعك وجعله في نفسك هو الثائر بابن عفّان والطالب بدمه وأنه لم يك منك ولا منا منذ نهضنا في هذه الحرب ونادينا

أهلها ولا رأى الناس رأياً أضرّ على عدوّك ولا أسرّ لوليك من هذا الأمر الذي ألهمته فامض رأيك مسدّداً فقد وجهت الصليب الأريب الناصح غير الظنين والسلام.فلمّا جاءه كتاب عمرو دعا ابن الحضرمي، وقد كان ظنّ حين تركه معاوية أياماً لا يأمره بالشخوص أن معاوية قد رجع عن اشخاصه إلى غير ذلك الوجه فقال : يا ابن الحضرمي سر على بركة اللّه إلى أهل البصرة فانزل في مضر واحذر ربيعة وتودّد الأزد وانع ابن عفّان وذكرهم الوقعة التي أهلكتهم ومن لمن سمع وأطاع دينا [دنيا ] لا تفنى وأثرة لا تفقدها حتى يفقدنا أو نفقده.فودّعه ثمَّ خرج من عنده وقد دفع إليه كتاباً وأمره إذا قدم أن يقرأه على الناس، قال عمرو بن محصن فكنت معه حين خرج فلما خرجنا سرنا ما شاء اللّه أن نسير فسنح لنا ظبي أعضب عن شمائلنا فنظرت إليه فواللّه لرأيت الكراهية في وجهه ثمَّ مضينا حتى نزلنا البصرة في بني تميم فسمع بقدومنا أهل البصرة فجاءنا كل من يرى رأي عثمان فاجتمع إلينا رؤوس أهلها.فحمد اللّه ابن الحضرمي وأثنى عليه ثمَّ قال : أما بعد أيها الناس، فإنّ إمامكم إمام الهدى عثمان بن عفان قتله علي بن أبي طالب ظلماً فطلبتم بدمه وقاتلتم من قتله فجزاكم اللّه من أهل أهل مصر خيراً وقد أُصيب منكم الملاء الأخيار وقد جاءكم اللّه بإخوان لكم لهم بأس يتقى وعدد لا يحصى فلقوا عدوكم الذي قتلوكم فبلغوا الغاية التي أرادوا صابرين ورجعوا وقد نالوا ما طلبوا فمالؤهم وساعدوهم وتذكروا آثاركم لتشفوا صدوركم من عدوكم .فقام إليه الضحاك بن عبد اللّه الهلالي فقال : قبح اللّه ما جئتنا به وما دعوتنا إليه جئتنا واللّه بمثل ما جاء به صاحباك طلحة والزبير، آتيانا وقد بايعنا علياً واجتمعنا له فكلمتنا واحدة ونحن على سبيل مستقيم فدعوانا إلى الفرقة وقاما فينا بزخرف القول حتى ضربنا بعضنا ببعض عدواناً وظلماً فاقتتلنا على ذلك، وأيم اللّه ما سلمنا من عظيم وبال ذلك ونحن الآن مجمعون على بيعة هذا العبد الصالح الذي أقال العثرة وعفا عن الشيء [المسيء] وأخذ بيعة غائبنا وشاهدنا أفتأمرنا الآن أن نختلع أسيافنا من أغمادها ثمَّ يضرب بعضنا بعضاً ليكون معاوية أميراً وتكون له وزيراً ونعدل بهذا الأمر عن علي(علیه السلام واللّه ليوم من الأيام علي مع رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) خير من بلاء معاوية وآل معاوية لو بقوا في الدُّنيا، ما الدُّنيا باقية.)فقام عبد اللّه بن حازم السلمي فقال للضحاك : اسكت فلست بأهل أن تتكلّم في أمر العامّة، ثمَّ أقبل على ابن الحضرمي فقال : نحن يدك وأنصارك والقول ما قلت وقد فهمنا عنك فادعنا أنى شئت.

فقال الضحاك لابن :حازم يا ابن السوداء واللّه لا يعزّ من ،نصر، ولا يذل بخذلانك من خذلت فتشاتما قال صاحب كتاب الغارات والضحاك هذا هو الذي يقول :يا أيها ذا لسائلي عن سبی *** بين ثقيف وهلال منصبیأمي أسماء وضحّاک أبیقال : وهو القائل في بني العبّاس:ما ولدت من ناقة لفحل *** في جبل نعلمه وسهلكستّة من بطن أم الفضل *** أكرم بها من كهلة وكهلعم النّبي المصطفي ذي الفضل *** وخاتم الانبياء بعد الرسلقال : فقام عبد الرحمن بن عمير بن عثمان القرشي ثمَّ التيمي فقال : عباد اللّه إنا لم تدعكم إلى الاختلاف والفرقة لا نريد أن تقتلوا ولا تتنابزوا ولكنّا إنما ندعوكم إلى أن تجمعوا كلمتكم وتوازروا إخوانكم الذين هم على رأيكم، وأن تلموا شعئكم وتصلحوا ذات بينكم فمهلاً مهلاً ورحمكم اللّه استمعوا لهذا الكتاب وأطيعوا الذي يقرأ عليكم .ففضوا كتاب معاوية وإذا فيه من عبد اللّه معاوية أمير المؤمنين إلى من قرأ كتابي هذا عليه من المؤمنين والمسلمين من أهل البصرة سلام عليكم أما بعد، فإن سفك الدماء بغير : حلها، وقتل النفوس التي حرَّم اللّه قتلها هلاك موبق وخسران ،مبين، لا يقبل اللّه ممن سفكها صرفاً ولا عدلاً وقد رأيتم رحمكم اللّه آثار ابن عفان وسيرته وحبّه للعافية ومعدلته وسدّه للثغور وإعطاءه في الحقوق وإنصافه للمظلوم وحبّه للضعيف حتى توثب عليه المتوثبون وتظاهر عليه الظالمون فقتلوه مسلماً محرماً ظمآن صائماً لم يسفك فيهم دماً ، ولم يقتل فيهم أحداً، ولا يطلبونه بضربة سيف ولا سوط، وإنا ندعوكم أيها المسلمون إلى الطلب بدمه، وإلى قتال من قتله فإنا وإياكم على أمر هدي واضح وسبيل مستقيم إنكم إن جامعتمونا طفئت النائرة وأجمعت الكلمة واستقام أمر هذه الأمة وأقرَّ الظالمون المتوثبون الذين قتلوا إمامهم بغير حق فأخذوا بجرائرهم وما قدمت أيديهم إنّ لكم أن أعمل فيكم بالكتاب وإن أعطيتم في السنة عطائين ولا أحتمل فضلاً من فيئكم عنكم أبداً فسارعوا إلى ما تدعون رحمكم اللّه، وقد بعث إليكم رجلاً من الصالحين كان من أمناء خليفتكم المظلوم ابن عفّان وعماله وأعوانه على الهدى والحق جعلنا اللّه وإياكم ممّن يجيب إلى الحق ويعرفه وينكر الباطل ،يجحده والسلام عليكم ورحمة اللّه .قال : ولما قريء عليهم الكتاب قال معظمهم : سمعنا وأطعنا .قال: وروى محمد بن عبد اللّه بن عثمان عن علي بن أبي طالب، عن أبي زهير عن

أبي منقر الشيباني قال : قال الأحنف: لمّا قريء عليهم كتاب معاوية : أما أنا فلا ناقة لي في هذا ولا جمل وأعتزل أمرهم ذلك، وقال عمرو بن مرحوم من عبد القيس : أيها الناس ألزموا طاعتكم ولا تنكثوا بيعتكم فتقع بكم واقعة وتصيبكم قارعة ولا يكن بعدها لكم بقية ألا إنّي قد نصحت لكم ولكن لا تحبّون الناصحين .قال إبراهيم بن هلال وروى محمد بن عبد اللّه عن ابن أبي سيف عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عباد إنَّ الذي كان سدّد لمعاوية رأيه في تسريح ابن الحضرمي كتاب كتبه إليه عبّاس بن صحار العبدي، وهو ممن كان يرى رأي عثمان ويخالف قومه في حبّهم عليّاً ونصرتهم إياه وكان الكتاب : أما بعد فقد بلغنا وقعتك بأهل مصر الذين بغوا على إمامهم وقتلوا خليفتهم طمعاً وبغياً فقرت بذلك العيون وشفيت بذلك النفوس وبردت أفئدة أقوام كانوا لقتل عثمان كارهين ولعدوّه مفارقين ولكم موالين وبك راضين، فإن رأيت تبعث إلينا أميراً طيباً زكيّاً ذا عفاف ودين إلى الطلب بدم عثمان فعلت فإنّي لا إخال الناس إلا مجمعين عليك، وإنَّ ابن عبّاس غائب عن المصر والسلام.قال : فلمّا قرأ معاوية كتابه : قال : لا عزمت رأياً سوى ما كتب به إليَّ هذا، وكتب إليه جوابه :أما بعد فقد قرأت كتابك فعرفت نصحيتك، وقبلت مشورتك : رحمك اللّه وسدّدك أثبت هداك اللّه على رأيك الرشيد فكأنك بالرجل الذي سألت قد أتاك وكأنك بالجيش قد أظل عليك فسررت وحبيت والسلام.قال إبراهيم: وحدَّثنا محمد بن عبد اللّه قال : حدثني علي بن أبي سيف عن أبي زهير قال : لما نزل ابن الحضرمي في بني تميم أرسل إلى الرؤوس فأتوه فقال لهم : أجيبوني إلى الحق وانصروني على هذا الأمر قال: وإنَّ الأمير بالبصرة يومئذ زياد بن عبيد قد استخلفه عبد اللّه بن عبّاس وقدم على علي(علیه السلام إلى الكوفة يعزّيه عن محمد بن أبي بكر قال: فقام إليه ابن صحار فقال : إي والذي له أسعى وإيَّاه أخشى لننصرتك بأسيافنا وأيدينا .)وقام المثنى بن مخزمة العبدي فقال : لا والذي لا إله إلا هو لأن لم ترجع إلى مكانك الّذي أقبلت منه لنجاهدتك بأسيافنا وأيدينا ونبالنا وأسنّة رماحنا نحن ندع ابن عم رسول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم وسيّد المسلمين وندخل في طاعة حزب من الأحزاب طاع ؟ واللّه لا يكون ذلك أبداً حتى تسير كتيبة ونفلق السيوف بالهام)فأقبل ابن الحضرمي على صبرة بن شيمان الأزدي فقال: يا صبرة أنت رأس قومك

وعظيم من عظماء العرب وأحد الطلبة بدم عثمان رأينا رأيك ورأيك رأينا وبلاء القوم عندك في نفسك وعشيرتك ما قد ذقت ورأيت فانصرني وكن من دوني.فقال له : إن أنت أتيتني فنزلت في داري نصرتك ومنعتك .فقال : إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أترك في قومه من مصر، فقال: اتبع ما أمرك به وانصرف من عنده وأقبل الناس إلى ابن الحضرمي وكثر تبعه ففزع لذلك زياد وهاله وهو في دار الإمارة فبعث إلى الحصين بن المنذر ومالك بن مسمع فدعاهما فحمد اللّه وأثنى عليه ثمَّ قال: أما بعد فإنّكم أنصار أمير المؤمنين وشيعته وثقته وقد جاءكم هذا الرجل بما قد بلغكم فأجيروني حتى يأتيني أمر أمير المؤمنين ورأيه .فأما مالك بن مسمع فقال : هذا أمر فيه نظر أرجع إلى من وراثي وأنظر وأستشير وألقاك .وأما حصين بن المنذر فقال : نحن فاعلون ولن نخذلك ولن نسلمك فلم ير زياد من القوم ما يطمئن إليه فبعث إلى صبرة بن شيمان الأزدي فقال : يا ابن شيمان أنت سيد قومك وأحد عظماء هذا المصر فإن يكن فيه أحد هو أعظم أهله فأنت ذاك، أفلا تجيرني وتمنعني وتمنع بيت مال المسلمين فإنّما أنا أمين عليه ؟ فقال : بلى إن تحمّلت حتّى تنزل في داري منعتك ، فقال : إنّي فاعل فارتحل ليلاً حتى نزل دار صبرة بن شيمان، وكتب إلى عبد اللّه بن عباس ولم يكن معاوية ادعى زياداً بعد، لأنه إنما ادعاه بعد وفاة علي(علیه السلام .)للأمين عبد اللّه بن عبّاس من زياد بن عبيد سلام عليك زياد بن عبيد سلام عليك أما بعد فإنّ عبد اللّه بن عامر بن الحضرمي قبل من قبل معاوية حتى نزل في بني تميم ونعى ابن عفّان ودعا إلى الحرب قبايعه جلّ أهل البصرة فلمّا رأيت ذلك استجرت بالأزد بصيرة بن شيمان وقومه لنفسي ولبيت مال المسلمين ورحلت من قصر الإمارة فنزلت فيهم وإنّ الأزد معي، وشيعة أمير المؤمنين من فرسان القبائل يختلف إليَّ، وشيعة عثمان يختلف إلى ابن الحضرمي والقصر خال منّا ومنهم فارفع ذلك إلى أمير المؤمنين ليرى فيه رأيه وأعجل إليَّ بالذي ترى أن تكون منه فيه، والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته .قال فرفع ذلك ابن عبّاس إلى علي(علیه السلام وشاع في النّاس بالكوفة ما كان ذلك وكانت بنو تميم وقيس ومن يرى رأي عثمان قد أمروا ابن الحضرمي أن يسير إلى قصر الإمارة حين خلاه زياد فلما تهيّأ لذلك ودعا أصحابه ركبت الأزد وبعثت إليه وإليهم : إنا واللّه لا ندعكم تأتون القصر فتنزلون فيه من لا يرضى ومن نحن له كارهون حتى يأتى رجل لنا ولكم رضا فأبى أصحاب ابن الحضرمي إلا أن يسيروا إلى القصر، وأبت الأزد إلا أن يمنعوهم، فركب الأحنف فقال لأصحاب ابن الحضرمي : إنّكم واللّه ما أنتم بأحق بقصر)

الأمارة من القوم ومالكم أن تؤمروا عليهم من يكرهونه، فانصرفوا عنهم ففعلوا، ثمَّ جاء إلى الأزد فقال : إنّه لم يكن ما تكرهون ولا يؤتى إلا ما تحبّون فانصرفوا رحمكم اللّه، ففعلوا .قال إبراهيم : وحدثنا محمد بن عبد اللّه بن أبي سيف عن الكلبي : أنَّ ابن الحضرمي لما أتى البصرة ودخلها نزل في بني تميم في دار سبيل ودعا بني تميم وأخلاط مضر، فقال زياد لأبي الأسود الدؤلي : أما ترى ما صنعوا أهل البصرة إلى معاوية ما في الأزد لي مطمع ؟ فقال : إن كنت تركتهم لم ينصروك وإن أصبحت فيهم منعوك .فخرج زياد من ليلته فأتى صبرة بن شيمان الحداني الأزدي فأجاره وقال له حين أصبح يا زياد إنه ليس حسناً بنا أن تقيم فينا مختفياً أكثر من يومك هذا فأعدَّ له منبراً وسريراً في مسجد الحدان وجعل له شرطاً وصلى بهم الجمعة في مسجد الحدان، وغلب ابن الحضرمي على ما يليه من البصرة وجباها وأجمعت الأزد على زياد فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال :يا معشر الأزد إنكم كنتم أعدائي فأصبحتم أوليائي، وأولى الناس بي وإني لو كنت في بني تميم وابن الحضرمي فيكم لم أطمع فيه أبداً وأنتم دونه، فلا يطمع ابن الحضرمي في وأنتم ،دوني، وليس ابن آكلة الأكباد في بقية الأحزاب وأولياء الشيطان بأدنى إلى الغلبة من أمير المؤمنين في المهاجرين والأنصار وقد أصبحت فيكم مضموناً وأمانة مرادة وقد رأينا وقعتكم يوم الجمل فاصبروا مع الحق صبركم مع الباطل فإنّكم لا تحمدون إلا على النجدة ولا تعذرون على الجبن .فقام شيمان أبو صبرة ولم يكن شهد يوم الجمل وكان غائباً فقال : يا معشر الأزد ما أبقيت عواقب الجمل عليكم إلا سوء الذكر وقد كنتم أمس على علي فكونوا اليوم له، واعلموا أن إسلامكم ذل، وخذلانكم إيّاه عار، وأنتم حتى مضماركم الصبر، وعاقبتكم الوفاء، فإن سار القوم بصاحبهم فسيروا بصاحبكم وإن استمدوا معاوية فاستمدوا عليّاً، وإن وادعوكم فوادعوهم .ثمَّ قال صبرة ابنه فقال : يا معشر الأزد إنا قلنا يوم الجمل نمنع مصرنا ونطيع أمنا ، فنطلب دم خليفتنا المظلوم فجدّدنا في القتال وأقمنا بعد انهزام الناس حتى قتل منّا من لا خير فينا بعده، زياد جاركم اليوم والجار مضمون ولسنا نخاف من علي ما نخاف من معاوية فهبوا لنا أنفسكم وامنعوا جاركم أو فابلغوه مأمنه .فقالت الأزد إنما نحن لكم تبع فأجيروه، فضحك زياد وقال: يا صبرة أتخشون أن لا تقوموا لبني تميم؟ فقال صبرة : إن جاؤونا بالأحنف جئناهم بأبي ،صبرة، وإن جاؤوا بالحباب

جئت أنا وإن كان فيهم شباب كثير فقال زياد إنما كنت مازحاً .فلمّا رأت بنو تميم أنَّ الأزد قد قامت دون زياد بعثت إليهم : أخرجوا صاحبكم ونحن نخرج صاحبنا فأي الأميرين غلب علي أو معاوية دخلنا في طاعته ولا نهلك عامتنا .فبعث إليهم أبو صبرة إنما كان هذا يرجي عندنا قبل أن نجيره، ولعمري ما قتل زياد وإخراجه إلاّ سوءاً وأنكم لتعلمون أنا لم نجره إلا كرماً، فألهوا عن هذا.قال : وروى أبو الكنود أن شبث بن ربعي قال لعلي(علیه السلام : يا أمير المؤمنين ابعث إلى هذا الحيّ من تميم فادعهم إلى طاعتك ولزوم بيعتك ولا تسلط عليهم أزد عمان البعداء البغضاء فإنَّ واحداً من قومك خير لك من عشرة من غيرهم.)فقال له مخنف بن سليم الأزدي: إنَّ البعيد البغيض من عصى من عصى اللّه وخالف أمير المؤمنين وهم قومك، وإنّ الحبيب القريب من أطاع اللّه ونصر أمير المؤمنين وهم قومي وأحدهم خير لأمير المؤمنين من عشرة قومك .فقال أمير المؤمنين(علیه السلام : مه تناهوا أيها النّاس وليردعكم الإسلام ووقاره عن التباغي والتهاذي، ولتجمع كلمتكم، وألزموا دين اللّه الذي لا يقبل من اللّه الذي لا يقبل من أحد غيره، وكلمة الإخلاص التي هي قوام الدين، وحجّة اللّه على الكافرين واذكروا إذ كنتم قليلاً مشركين متباغضين متفرقين فألف بينكم بالإسلام فكثرتم واجتمعتم وتحاببتم فلا تفرّقوا بعد إذ اجتمعتم، ولا تتباغضوا بعد إذ تحاببتم وإذا رأيتم النّاس وبينهم النائرة وقد تداعوا إلى العشائر والقبائل فاقصدوا لهامهم ووجوهم بالسيف حتى يفزعوا إلى اللّه وإلى كتابه وسنة نبيه فأما تلك الحمية من خطرات الشياطين فانتهوا عنها لا أبا لكم تفلحوا وتنجحوا .)ثم إنه(علیه السلام دعى أعين بن صبيعة المجاشعي وقال يا أعين ألم يبلغك أنَّ قومك وثبوا إلى عاملي مع ابن الحضرمي بالبصرة يدعون إلى فراقي وشقاقي ويساعدون الضلال القاسطين عليَّ.)فقال : لا تساء يا أمير المؤمنين ولا يكن ما تكره ابعثني إليهم فأنا لك زعيم بطاعتهم وتفريق جماعتهم ونفي ابن الحضرمي من البصرة أو قتله.قال(علیه السلام : فاخرج الساعة، فخرج من عنده ومضى حتى قدم البصرة، هذه رواية ابن هلال صاحب كتاب الغارات (1))


1) الغارات : 396/2 ح 3 ، ونهج السعادة : 478/2 .

وروى الواقدي أن علياً(علیه السلام استنفر بني تميم أياماً لينهض منهم إلى البصرة من يكفيه أمر ابن الحضرمي ويردّ غادية بني تميم الذين أجاروه بها فلم يجبه أحد فخاطبهم وقال : أليس من العجب أن ينصرني الأزد وتخذلني مضر؟ وأعجب من ذلك تقاعد تميم الكوفة وخلاف تميم البصرة عليَّ، وأن أستنجد بطائفة منها بشخص إلى إخوانها فيدعوهم إلى الرشاد فإن أجابت وإلا فالمنابذة والحرب فكأني أخاطب صمّاً بكماً لا يفقهون حواراً، ولا يجيبون نداء، كلّ هذا جبناً عن البأس وحبّاً للحياة لقد كنا مع رسول اللّه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) نقتل آباءنا وأبنائنا - الفصل إلى آخره.)قال : فقام إليه أعين بن صبيعة المجاشعي فقال : أنا إن شاء اللّه أكفيك يا أمير المؤمنين هذا الخطب وأتكفل لك بقتل ابن الحضرمي أو إخراجه عن البصرة فأمره بالتهيوء للشخوص، فشخص حتى قدم البصرة.قال إبراهيم بن هلال : فلما قدمها دخل على زياد وهو بالأزد مقيم فرحب به وأجلسه إلى جانبه فأخبره بما قال له علي(علیه السلام وما ردّ عليه وما الذي عليه رأيه فإنه يكلمه إذ جاءه كتاب من علي(علیه السلام) فيه :)من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى زياد بن عبيد سلام عليك أما بعد فإنّي قد بعثت أعين بن صبيعة ليفرق قومه من ابن الحضرمي فارقب ما يكون منه فإن فعل وبلغ من ذلك ما يظن به وكان في ذلك تفريق تلك الأوباش فهو ما تحبّ وإن ترامت الأمور بالقوم إلى الشقاق والعصيان فانبذ من أطاعك إلى من أطاعك إلى من عصاك فجاهدهم فإن ظهرت فهو ما ظننت وإلا فطاولهم وماطلهم فكأن كتائب المسلمين قد أطلت عليك فقتل اللّه المفسدين الظالمين ونصر المؤمنين المحقين والسلام.فلمّا قرأه زياد أقرأه أعين بن صبيعة فقال له : إنّي لأرجو أن يكفي هذا الأمر إن شاء اللّه .ثمَّ خرج من عنده فأتى رحله فجمع إليه رجالاً من قومه فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال :يا قوم على ماذا تقتلون أنفسكم وتهريقون دماءكم على الباطل مع السفهاء الأشرار، وإني واللّه ما جئتكم حتى عبيت إليكم الجنود فإن تنيبوا إلى الحق يقبل منكم ويكف عنكم، وإن أبيتم فهو واللّه استيصالكم ويواركم .فقالوا : بل نسمع ونطيع فقال : أنهضوا الآن على بركة اللّه عزَّ وجلَّ، فنهض بهم إلى جماعة ابن الحضرمي فخرجوا إليه مع ابن الحضرمي فصافوه ووافقهم عامة يومه يناشدهم اللّه

ويقول : يا قوم لا تنكثوا بيعتكم ولا تخلفوا إمامكم ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً، فقد رأيتم وجربتم كيف صنع اللّه بكم عند نكثكم بيعتكم وخلافكم، فكفّوا عنه ولم يكن بينه وبينهم قتال، وهم في ذلك يشتمونه وينالون منه ، فانصرف عنهم وهو منهم منتصف .فلمّا رأى إلى رحله تبعه عشرة نفر يظنّ النّاس أنهم خوارج فضربوه بأسيافهم وهو على فراشه ولا يظنّ أنَّ الذي كان يكون فخرج يشتد عرياناً فلحقوه في الطريق فقتلوه فأراد زياد أن يناهض ابن الحضرمي حين قتل أعين بجماعة من معهم من الأزد وغيرهم من شيعة علي(علیه السلام فأرسل بنو تميم من الأزد ، واللّه ما غرضنا لجاركم إذ أجرتموه ولا لما هو له ولا لأحد ليس على رأينا فما تريدون إلى حربنا وإلى جارنا فكأن الأزد عند ذلك كرهت قتالهم .)فكتب زياد إلى علي(علیه السلام : أما بعد يا أمير المؤمنين فإنّ أعين بن صبيعة قدم علينا من قبلك بجد ومناصحة وصدق ويقين فجمع إليه من أطاعه من من عشيرته فحلّهم على الطاعة والجماعة، وحذرهم الخلاف والفرقة ثم نهض بمن أقبل معه إلى من أدبر عنه فوافقهم عامة النهار فهال أهل الخلال تقدمه وتصدع عن ابن الحضرمي كثير ممن كان يريد نصرته فكان كذلك حتى أمسى فأتى في رحله فبنيه نفر من هذه الخارجة المارقة فأصيب رحمه اللّه فأردت أن أناهض القوم ابن الحضرمي عند ذلك فحدث أمر قد أمرت صاحب كتابي هذا أن يذكره لأمير المؤمنين وقد رأيت - إن رأى أمير المؤمنين ما رأيت - أن يبعث إليهم جارية بن قدامة فإنّه نافذ البصيرة ومطاع في العشيرة شديد على عدوّ أمير المؤمنين فإن يقدم يفرّق بينهم بإذن اللّه والسلام على أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته .)فلمّا جاء الكتاب دعا جارية بن قدامة فقال (علیه السلام : يا ابن قدامة تمنع الأزد عاملي وتبيت مالي وتشاقني مضر وتنا بذني وبنا ابتدأها اللّه تعالى بالكرامة وعرفه الهدى وتداعوا إلى المعشر الذين حادُّوا اللّه ورسوله وأرادوا إطفاء نور اللّه سبحانه حتى علت كلمة اللّه وهلك الكافرون، فقال يا أمير المؤمنين ابعثني إليهم واستعن باللّه عليهم قال : قد بعثتك إليهم واستعنت باللّه عليهم .)قال إبراهيم : فحدثنا محمد بن عبد اللّه قال حدثني ابن أبي السيف عن سليمان بن أبي راشد عن كعب بن قيعن قال: خرجت مع جارية من الكوفة إلى البصرة في خمسين رجلاً من بني تميم ما كان فيهم يماني غيري وكنت شديد التشيع فقلت لجارية: إن شئت كنت معك، وإن شئت ملت إلى قومي فقال : بل معي فواللّه لوددت أن الطير والبهائم تنصرني عليهم فضلاً عن الإنس .قال : وروى كعب بن قعين أن علياً (علیه السلامكتب مع جارية كتاباً وقال: اقرأه على)

أصحابك، قال: فمضينا معه فلما دخلنا البصرة بدأ بزياد فرحب به وأجلسه إلى جانبه وناجاه ساعة وسائله ثم خرج فكان أفضل ما أوصاه به أن قال: احذر على نفسك واتق أن تلقى ما لقى صاحبك القادم قبلك.وخرج جارية من عنده فقام في الأزد فقال: جزاكم اللّه من حي خيراً، ما أعظم عناءكم، وأحسن بلاءكم، وأطوعكم لأميركم ! لقد عرفتم الحق إذ ضيعه من أنكره، ودعوتم إلى الهدى إذ تركه من لم يعرفه، ثم قرأ عليهم وعلى من كان معهم من شيعة علي (علیه السلاموغيرهم كتاب علي(علیه السلام) فإذا فيه :)من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى من قرى عليه كتابي هذا من ساكني البصرة من المؤمنين والمسلمين - إلى قوله(علیه السلام : حتى أكون أنا الشاخص نحوكم إن شاء اللّه تعالى والسلام، كما تقدَّم في المصدر .)قال : فلما قرى الكتاب على الناس قام صبرة بن شيمان فقال: سمعنا وأطعنا ونحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب، ولمن سالم سلم إن كفيت يا جارية قومك بقومك فذاك، وإن أبيت أن ننصرك نصرناك .وقام وجوه الناس فتكلموا بمثل ذلك ونحوه فلم يأذن لأحد أن منهم أن يسير معه ومضى نحو بني تميم فقام زياد في الأزد فقال :يا معشر الأزد إنّ هؤلاء كانوا أمس سلماً فأصبحوا اليوم حرباً وإن كنتم حرباً فأصبحتم سلماً وإنّي واللّه ما اخترتكم إلا على التجربة ولا أقمت فيكم إلا على الأمل فما رضيتم إذ أجرتموني حتى نصبتم لي منبراً وسريراً وجعلتم لي شرطاً وأعواناً ومنادياً وجمعة، فما فقدت بحضرتكم شيئاً إلا هذا الدرهم لا أجبه اليوم فإن لا أجبه اليوم أجبه غداً إن شاء اللّه ، واعلموا أن حربكم اليوم معاوية أيسر عليكم في الدُّنيا والدين من حربكم أمس علياً، وقد قدم عليكم جارية بن قدامة وإنّما أرسله عليّ ليصدع أمر قومه واللّه ما هو بالأمير المطاع ولو أدرك أمله في قومه لرجع إلى أمير المؤمنين ولكان لي تبعاً، وأنتم الهامة العظمى والجمرة الحامية فقدموه إلى قومه فإن اضطر إلى نصركم فسيروا إليه إن رأيتم ذلكفقام أبو صيرة بن شيمان فقال : يا زياد إنّي واللّه لو شهدت قومي يوم الجمل رجوت أن لا يقاتلوا عليّاً وقد مضى الأمر بما فيه وهو يوم بيوم وأمر بأمر واللّه إلى الجزاء بالإحسان أسرع منه إلى الجزاء بالسيء والتوبة مع الحق والعفو مع الندم ولو كانت هذه فتنة لدعونا القوم إلى إبطال الدماء واستئناف الأمور ولكنّها جماعة دماؤها حرام وجروحها قصاص ونحن

معك نحبّ ما أحببت .فعجب زیاد من كلامه :وقال ما أظن في الناس مثل هذا .ثمَّ قام صبرة ابنه فقال : إنّا واللّه ما أصبنا بمصيبة في دين ولا دنيا كما أُصبنا أمس يوم الجمل، وإنا لنرجو اليوم أن يمحص ذلك بطاعة اللّه وطاعة أمير المؤمنين وأما أنت يا زياد فواللّه ما أدركت أملك فينا ولا أدركنا ما أملنا فيك دون ردّك إلى دارك ونحن رادوك إليها غداً إن شاء اللّه تعالى، فإذا فعلنا فلا يكن أحد أولى بك منّا فإنّك إلا تفعل لم تأت ما يشبهك، وإنا واللّه نخاف حرب عليّ في الآخرة ما لا نخاف من حرب معاوية في الدنيا فقدم هواك وأخر هوانا فنحن معك وطوعك .ثمَّ قام خنفر الجمّاني فقال : أيها الأمير إنك لو رضيت منا بما ترضى به من غيرنا لم نرض ذلك لأنفسنا، سر بنا إلى القوم إن شئت، وأيم اللّه ما لقينا يوماً قط إلا اكتفينا بعفونا دون جهدنا إلا ما كان أمس.قال إبراهيم: فأمّا جارية فإنّه كلّم قومه فلم يجيبوه وخرج إليهم منهم أوباش فناوشوه بعد أن شتموه وأسمعوه، فأرسل إلى زياد والأزد يستصرخهم ويأمرهم أن يسيروا إليه فسارت الأزد بزياد وخرج إليهم ابن الحضرمي وعلى خيله عبد اللّه بن حازم السلمي فاقتتلوا ساعة وأقبل شريك بن الأعور الحارثي وكان من شيعة علي(علیه السلام وصديقاً لجارية بن قدامة فقال : ألا أُقاتل معك عدوّك؟ فقال: بلى، فما لبثوا بني تميم أن هزموهم واضطروهم إلى دار سبيل السعدي فحصروا ابن الحضرمي وحدود مأتي رجل من بني تميم ومعهم عبد اللّه بن حازم السلمي فجاء اُمّه وهي سوداء حبشية عجلى فنادته فأشرف عليها فقالت: يا بني أنزل إلي فأبى فكشفت رأسها وأبدت قناعها وسألته النزل فأبى فقالت واللّه لتنزلنَّ أو لأتعرين وأهوت بيدها إلى ساقها فلما رأى ذلك نزل فذهبت به وأحاط جارية وزياد بالدار، وقال جارية : عليّ بالنّار، فقالت الأزد : لسنا من الحريق بالنار في شيء وهم قومك وأنت أعلم .)فحرق جارية الدار عليهم فهلك ابن الحضرمي في سبعين رجلاً أحدهم عبد الرحمن بن عمير بن عثمان القرشي ثمَّ التميمي، وسمّي جارية منذ ذلك اليوم محرقاً، وسارت الأزد بزياد حتى أوطنوه قصر الإمارة ومعه بيت المال وقالت له هل بقي علينا من جوارك شيء؟ قال: لا ، قالوا : فبرءنا منه ؟ فقال : نعم، فانصرفوا عنهوكتب زياد إلى أمير المؤمنين(علیه السلام : أما بعد فإنّ جارية بن قدامة العبد الصالح قدم من عندك فناهض جمع ابن الحضرمي بمن قصره وأعانه من الأزد ففضه واضطره إلى دار من دور)

البصرة في عدد كثير من أصحابه فلم يخرج حتى حكم اللّه تعالى بينهما فقتل ابن الحضرمي وأصحابه منهم من أحرق بالنار ومنهم من هدم عليه البيت من أعلاه، ومنهم من قتل بالسيف، وسلم منهم نفر أنابوا وتابوا فصفح عنهم، وبعداً لمن عصى وغوى، والسّلام على أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته .فلمّا وصل كتاب زياد قرأه علي(علیه السلام النّاس وكان زياد قد أنفذه مع ظبيان بن عمارة، فسرّ علي(علیه السلام) بذلك وسرّ أصحابه وأثنى على جارية وعلى زياد وعلى الأزد البصرة فقال(علیه السلام): «إنها أوّل القرى خراباً إما غرقاً وإما حرقاً حتى يبقى مسجدها كجؤجؤ سفينة، ثمَّ قال لظبيان: أين منزلك منها ؟ فقال : مكان كذا فقال : عليك بضواحيها » (1))


1) الغارات : 191/1 ، وشرح نهج البلاغة : 53/4 .

### الترجمةاین نامه ای است که امیرالمؤمنین(علیه السلامبه اهل بصره نوشت:)از گسیختن رشته پیمان و دشمنی خود آگاهید که من از گناهکارتان درگذشتم و از گریزنده شما شمشیر برداشتم و به پوزش روی آورنده را پذیرفتم پس اگر کارهای تباه کننده و بی خردی اندیشههای بی جا شما را به جنگ و خلاف با من به راه انداخت این منم که اسبان تازی راهوار کارزاری خود را نزديك گردانیده ام و دم دست آورده ام و بر شتران سواری خود پالان نهادم .و اگر مرا به آمدن ناچار کنید با شما کاری و کارزاری کنم که جنگ جمل در پیش آن چون لیسیدن لیسنده انگشت خود را پس از خوراک بیش نباشد با این که به پایه فرمانبردار و به حق نیکخواه شما آشنایم بدون این که از گناهکار در گذرم و به جای آن بی گناه را بگیرم و یا از پیمان شکن بگذرم و به آن که پیمان را به سر برده مؤاخذه کنم .

## ومن كتاب له(علیه السلام إلى معاوية - وهو المختار الثلاثون من باب المختار من كتبه ورسائله)### اشارةفَاتَّقِ اللّهَ فِيما لَدَيْكَ، وَانْظُرْ في حَقِّهِ عَلَيْكَ، وَارْجِعْ إِلى مَعْرِفَةِ ما لا تُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ فَإِنَّ لِلطَّاعَةِ أغلاماً وَاضِحَةَ، وَسُبُلاً نَيِّرَةٌ، وَمَحَجَّةٌ نَهْجَةٌ نَهجَةٌ - معا]، وَغايَةً مُطَلَّبَةٌ يَردُهَا الْأَكْيَاسُ وَيُخَالِفُهَا الْأَنْكَاسُ، مَنْ نَكَّبَ عَنْهَا َجارَ عَن الْحَقِّ، وَخَبَطَ في التّيهِ، وَغَيَّرَ اللّهُ نِعمَتَهُ، وَأَحَلَّ بِهِ نَقمَتَهُ، فَنَفْسَكَ نَفْسَكَ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكَ سَبيلَكَ ، وَحَيْثُ تَنَاهَتْ بكَ أُمُورُكَ فَقَدْ أَجْرَيْتَ إِلى غايَةِ خُسْرٍ، وَمَحَلَّةِ كُفْرٍ، وَإِنَّ نَفْسَكَ قَدْ أَوْحَلَتْكَ شَرّاً ، وَأَقْحَمَتْكَ غَيّاً، وَأَوْرَدَتْكَ المَهَالَكَ، وَأَوْعَرَتْ عَلَيْكَ المَسالِكَ(1.)### المصدرهذا الفصل اختاره الشريف الرضي رضوان اللّه عليه على دأبه من كتاب له(علیه السلام إلى معاوية وهذه صورته الكاملة :)أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر مشاغبتي، وتستقبح مواربتي، وتزعمني متجبراً، وعن حق اللّه مقصراً، فسبحان اللّه كيف تستجيز الغيبة؟ وتستحسن العضيهة؟ وإنّي لم أشاغب إلا في أمر بمعروف أو نهي عن منكر ولم أتجبّر [ولم أضجر - نسخة إلا على باغ مارق، أو ملحد ،منافق، ولم آخذ في ذلك إلا بقول اللّه سبحانه: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ [المجادلة : 22] وأما التقصير في حق اللّه تعالى فمعاذ اللّه ! والمقصّر في حق اللّه جل ثناؤه من عطل الحقوق المؤكّدة، وركن إلى الأهواء المبتدعة، وأخلد إلى الضلال المحيرة.

ومن العجب أن تصف يا معاوية ،الإحسان وتخالف ،البرهان وتنكث الوثائق التي هي للّه عز جل طلبة، وعلى عباده حجّة، مع نبذ الإسلام، وتضييع الأحكام وطمس الأعلام والجري في الهوى، والتهوس في الرَّدى .

فاتق اللّه فيما لديك، وانظر في حقه عليك - إلى آخر الفصل المختار من النهج - وإن للنّاس جماعة يد اللّه عليها، وغضب اللّه على من خالفها، فنفسك نفسك قبل حلول رمسك، فإنّك إلى اللّه راجع، وإلى حشره مهطع، وسيبهظك كربه ويحلّ بك غمّه، يوم لا يغني النّادم


1) بحار الأنوار 83/33 ، والغدير : 151/10 .

ندمه، ولا يقبل من المعتذر عذره، يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون(1).

قلت : إن كلامه(علیه السلام) أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر مشاغبتي، صريح في أن هذا الكتاب جواب عن كتاب كتبه معاوية إليه ولكن لم نظفر عليه مع كثرة الفحص والتتبع وكتاب أمير المؤمنين علي(علیه السلام) هذا نقله الشارح المعتزلي والشارح البحراني في المقام وعلم الهدى ابن المولى المحسن الفيض في «معادن الحكمة» (ص 159 ج1) وأحمد زكي صفوت في جمهرة رسائل العرب» (ص 433 ج 1 ولم ينقلوا كتاب معاوية بل الأخيرين نقلا كتاب أمير المؤمنين(علیه السلام) هذا من الأولين وأتى به المجلسي في «ثامن البحار» «ص540» ناقلا عنالبحراني أيضاً.

اللغة

(مشاغبتي) الشعب تهييج الشرّ كالتشغيب وشاغبه شاره (مواربتي) المواربة: المداهاة والمخاتلة كما في «القاموس»، وفي غير واحد من النسخ موازرتي، (متجبراً) بالجيم والباء الموحدة كما في عدة نسخ وفي نسخ أخرى متحيراً بالحاء المهملة والياء المثناة من تحت والأوّل أنسب بما يأتي من قوله(علیه السلام) : ( ولم أتجبر إلا على باغ مارق)، ومنه يعلم رجحان أتجبّر على أضجر أيضاً .

(العضيهة) بالفتح البهيئة وهي الإفك والبهتان كما قاله الجوهري في «الصحاح» قال المتوكل الليثي :

احذر وصال اللثیم إنَّ له *** عضها إذا حبل وصله انقطعا

والبيت من الحماسة (الحماسة 442 )قال المرزوقي في شرحه عليها : العضه ذكر القبيح كذباً ،وزوراً، ويقال عضهته إذا رميته بالزور، وأعضه الرجل أتى بالعضيهة وهي الإفك، ومن كلامهم يا للعضيهة ويا للأفيكة .

(ركن) إليه من بابي علم ونصر أي مال إليه وسكن ووثق به.

(أخلد إلى الضلالة) قال الجوهري : أخلدت إلى فلان أي ركنت إليه، ومنه قوله تعالى: وَلَكِنَّهُ أَخَلَدَ إِلَى الْأَرْضِ [الأعراف : الآية 176] ، (الطمس) إزالة الأثر بالمحو، قال تعالى: فَإِذَا النُّجُومُ ليسَتْ [المرسلات : 8] (ورَبَّنا أطمِس عَلَى أَمْوَالِهِمْ ﴾ [يونس : الآية 88] أي أزل صورتها (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ ﴾ [يس: الآية 66] أي أزلنا


1) الكافي : 423/12 ح56 ، والتوحيد : 51 .

ضوأها وصورتها كما يطمس الأثر قاله الراغب في «المفردات» .

(التهوّس في الردى) تهوّس : مشى ثقيلاً في أرض ليّنة كما عن نة كما عن اللسان، وقال الجوهري في «الصحاح» : الهَوْس السوق اللين يقال: هستُ الإبل فهاست أي ترعى وتسير .

(المحجّة) الطريق الواضحة، و(النهجة) الطريق الواضحة أيضاً وأنهج الطريق أي استبان وصار نهجاً واضحاً بيناً، أي جادة مستبينة.

(مطلبة) بتشديد اللام المفتوحة، كما في نسخة الرضي أي مطلوبة، وفي غير واحد من النسخ مطلوبة، وقال المجلسي في «البحار» النسخ المصححة متفقة على تشديد الطاء، فالكلمة على هذا من اطلب كافعتل يقال : اطلبه أي طلبه قال الجوهري في «الصحاح»: طلبت الشيء طلباً وكذلك اطلبته على افتعلته، وقال الشارح البحراني : مطلبة بتشديد الطاء وفتح اللام، أي مطلوبة جداً منهم بناءً على أنَّ كثرة المباني تدلُّ على كثرة المعاني، قال الرضي في «شرح الشافية» : اعلم أن المزيد فيه لغير الإلحاق لا بدَّ لزيادته من معنى لأنّها إذا لم يكن لغرض لفظي، كما كانت في الإلحاق ولا لمعنى كانت عبثاً . انتهى .

وقرأها الشارح المعتزلي على سكون الطاء وكسر اللام حيث قال: قوله غاية مطلبة أي مساعفة لطالبها بما يطلبه تقول : طلب فلان منّي كذا فأطلبته أي أسعفته به، ثمَّ خطأ الراوندي بقوله : قال الراوندي: مطلبة بمعنى متطلبة يقال : طلبت كذا وتطلبته وهذا ليس بشيء يخرج الكلام أن يكون له معنى . انتهى .

قلت : التطلب طلب الشيء مرَّة بعد أخرى مع تكلف، ويأبى سياق الكلام عن حمله على هذا المعنى، ولذا قال الشارح المذكور ردًّا على الراوندي: وهذا ليس بشيء يخرج الكلام عن أن يكون له معنى.

ثمَّ إنَّ ما اختاره الشارح المعتزلي ليس بسديد أيضاً لأنَّ قول أمير المؤمنين(علیه السلام) : (يردها الأكياس) وما بعده يبين لنا أنَّ الكلمة بمعنى المطلوبة سواء كانت بتشديد اللام، كما في نسخة الرضي، أو بتشديد الطاء وفتح اللام كما في «البحار».

وعاضد ما اختاره الشارح المذكور الفاضل أحمد زكي صفوت في «جمهرة رسائل العرب» بقوله : ويجوز أن تكون مطلبة بسكون الطاء وكسر اللام من أطلبه إذا أعطاه ما طلبه أي تؤتى أصحابها ما يطلبون من ثواب اللّه ورحمته وهذا أحسن انتهى. ولقد علمت ما فيه .

(الأكياس) جمع كيس كجيّد أي العاقل ويجمع على الكيسى أيضاً إجراء له مجرى ضده أحمق ،وحمقى، قال إبراهيم النخعي لمنصور بن المعتمر سل مسألة الحمقى، واحفظ حفظ الكيسى، كما في «البيان والتبيين» (ج 1 ص299).

(الأنكاس) جمع النكس بكسر النّون فالسكون، قال رجل من بني أسد:

وما أنا بالنكس الدني ولا الذي *** إذا صدعنّي ذو المودة أحرب

والبيت من أبيات الحماسة (الحماسة 91) وقال المرزوقي في شرحه: النكس أصله في السهام ونقل إلى الضعيف من الرِّجال يقال : نكسته نكساً ثمَّ يسمّى المنكوس نكساً، كما يقال : نقضته نقضاً ثمَّ يسمّى المنقوض نقضاً بكسر النون كأنَّ السهم انكسر فوقه فنكس فسمى نكساً، فيقول : ما أنا بالمستضعف اللثيم ولا الذي إذا انحرف عنه من يواده دعا بالويل والحرب فقال واحرباه .

وفي الحماسة 397 ، قالت امرأة من بني الحارث :

فارس ما غادروه ملحماً *** غیر زميل ولا نكس وكل

وقال المرزوقي في شرحه : النكس المقصّر عن غاية النجدة والكرامة وأصله في السّهام وهو الذي انكسر فجعل أسفله أعلاه فلا يزال ضعيفاً .

وفي الحماسة 714، قال عمرو بن الإطنابة.

ليسوا بأنكاس ولا ميل إذا *** ما الحرب شبت أشعلوا بالشاعل

وقال المرزوقي في شرحه الأنكاس جمع النّكس، والنكس أصله في السهام تنكسر فيجعل أسفلها أعلاها فتضعف انتهى قلت ويقال للأحمق أنكس شبيهاً بذلك السهم النكس، وفي «المفردات» للراغب : النكس السهم الذي انكسر فوقه فجعل أعلاه أسفله فيكون رديئاً ولرداءته يشبه به الرجل الدني، نكب عنها من باب نصر وفرح أي عدل عنها، يقال: نكبت الريح إذا مالت عن مهاب الرياح، فالريح نكباء.

والفعل في نسخة الرضي كان بتشديد الكاف وقد اخترناه، يقال: نكب عن الطريق بالتشديد إذا عدل وتنحى، ونكب الشيء نحاه لازم متعدّ، ويقال : نكبه الطريق، ونكب به الطريق، ونكب به عن الطريق أي عدله ونحاه، وفي المقام بمعناه الأول.

جار عن الحقِّ من الجور كما مضى في المختار المقدّم قوله(علیه السلام) : وسفه الآراء الجائرة، قال الجوهري : الجور الميل عن القصد يقال : جار عن الطريق، انتهى كلامه.

(خبط) مشى على غير هدى واستقامة، و(التيه) : الضلال، (نقمته) بفتح النون وكسر القاف كما في نسخة الرضى وفيها وجهان آخران بفتح النون وسكون القاف، وبكسر النون وسكون القاف أيضاً وهي اسم من الانتقام وهي المكافأة بالعقوبة يقال: حلّت به النقمة، تجمع على نقم ونقم ونقمات.

(تناهت) أي بلغت قال الجوهري : الإنهاء الإبلاغ وأنهيت الخبر فانتهى وتناهى أي بلغ .

(أجريت) يقال: أجرى فلان إلى غاية كذا أي قصدها بفعله وأصله من إجراء الخيل للمسابقة، والمحلة : المنزلة .

(أوحلتك) بالواو فالحاء المهملة كما في نسخة الرضي رضوان اللّه عليه، وفي نسخ قد أولجتك، وفي بعضها قد أوجلتك والمختار هو الأوّل، أي أورطتك في الوحل، قال الجوهري : الوحل بالتحريك الطين ووحل الرجل بالكسر ، وقع في الوحل، وأوحله غيره .

(أقحمتك) أي أدخلتك والاقتحام الدخول في الأمر بشدَّة وعنف، ويقال : أقحم فرسه النهر، أي أوقعه وأدخله فيه بعنف .

(الغي): الضلال والانهماك في الباطل، وقال الراغب في المفردات»: الغي جهل من اعتقاد فاسد وذلك أن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد اعتقاداً لا صالحاً ولا فاسداً، وقد يكون من اعتقاد شيء فاسد وهذا النحو الثاني يقال له غي، قال تعالى: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [ النجم : الآية 2] (وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيّ) [الأعراف : الآية 202] وقوله: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّا [مريم : الآية 59] أي عذاباً فسماه الغي لما كان الغي هو سببه وذلك كتسمية الشيء بما هو سببه كقولهم للنبات : ندى .

(أوعرت) من الوعر أي الصعب وزناً ،ومعنى يقال مكان وعر وطريق وعر ومطلب وعر وأوعرت عليك المسالك أي أخشنت وصعبت (رمسك) الرمس القبر، قال الفيومي في المصباح» : رمست الميت رمساً من باب قتل وفي لغة من باب ضرب دفنته والرمس التراب تسمية بالمصدر ثمَّ سمي القبر به والجمع رموس مثل فلس وفلوس قال مسور بن زيادة الحارثي :

أبعد الذي بالتعف نعف کویکب *** رهينة رمس ذي تراب وجندل

والبيت من الحماسة (64) قال المرزوقي في الشرح : الرمس القبر، والأصل في الرمس التغطية يقال : رمسته بالتراب ومنه الرياح الروامس، وقال المتلمس :

ألم تر أن المر أنّ المرء رهن منيّة *** صريع لعافي الطير أو سوف يُرمس

والبيت من الحماسة أيضاً (الحماسة 220) وقال المرزوقي: ومعنى يرمس يدفن والرمس الدفن والرياح الروامس منه، وتوسعوا في الدفن فقيل : أرمس هذا الحديث كما يقال : ادفن .

(مهطع) قال ابن الأثير في «النهاية»: في حديث علي(علیه السلام) سراعاً إلى أمره مهطعين إلى

معادة : الإهطاع الإسراع في العدو، وقال الراغب : هطع الرجل ببصره إذا ،صوبه، وبعير مهطع إذا صوّب عنقه، قال تعالى :( مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرفُهُمْ ﴾ [إبراهيم: الآية 43]( مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ﴾ [القَمَر : الآية 8] انتهى، والإهطاع لا يكون إلا مع خوف وذل وخشوع يقال : أهطع في السير إذا أسرع وأقبل مسرعاً خائفاً كهطع كما يستفاد من قوله تعالى: وَلَا تحسبن اللّه غافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِمِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرفهُمْ [إبراهيم: 42 - 43] وقوله تعالى: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَانَهُمْ جَرَادُ مُنتَشرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر: 7-8]، وقوله تعالى: فَمال الَّذِينَ كَفَرُوا قبلكَ مُهْطِعِينَ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ [المعارج : 36 - 37] .)قال أحمد بن يحيى: المهطع الذي ينظر في ذل وخشوع لا يقلع بصره كما في «مجمع البيان»، وقال: قال الزجاج: المهطع المقبل ببصره على الشيء لا يزايله وذلك من نظر العدو.وفي القاموس هطع كمنع مطعاً وهطوعاً أسرع مقبلاً خائفاً أو أقبل ببصره على الشيء لا يقلع عنه .(سيبهظك قال الجوهري في الصحاح : بهظه الحمل يبهظه بهظاً أي أثقله وعجز عنه فهو مبهوظ وهذا أمر باهظ أي شاق قال زياد بن حمل كما في الحماسة أو زياد بن منقذكما في مادة ق زم من «صحاح اللغة» في أبيات منها :)وكان عهدي بها والمشي يبهضها *** من القريب ومنها النوم والسأمقال المرزوقي : ومعنى يبهضها يثقل عليها ويشق .### الإعراب(معاذ اللّه منصوب مفعول مطلق لفعله المحذوف العامل فيه كسبحان اللّه قال الجوهري في «الصحاح»: قولهم : معاذ اللّه أي أعوذ باللّه معاذاً، تجعله بدلاً من اللفظ بالفعل لأنه مصدر وإن كان غير مستعمل مثل سبحان اللّه ويقال أيضاً معاذة اللّه ومعاذة وجه اللّه ومعاذ وجه اللّه وهو مثل المعنى والمعناة والمأتى والمأتاة، ويقال عوذ باللّه منك أي أعوذ باللّه منك .)(فإن للطاعة (الفاء) في مقام التعليل لقوله : (لا تعذر بجهالته وضمير يردها ويخالفها وعنها راجع إلى السبل والمهجة وأمكن أن يرجع إلى الطاعة والغاية أيضاً على توسّع .)(فنفسك نفسك منصوب من باب الإغراء وهو أن تحمل المخاطب على فعل شيء محبوب نحو قول الشاعر:)

أخاك أخاك إن من لا أخاً له *** كساع إلى الهيجا بغیر سلاحوالفعل يقدّر في كلّ موضع بحسبه ففي الشعر يقتضي الزم مثلاً وفي الغزال الغزال يناسب ،ارم وههنا احفظ وارحم وانقذ ونحوهماقوله(علیه السلام : (وحيث تناهت بك أمورك) أفاد الفاضل الشارح المعتزلي بقوله : الأولى أن لا يكون هذا معطوفاً ولا متصلاً بقوله : فقد بيّن اللّه لك سبيلك، بل يكون كقولهم لمن يأمرونه بالوقوف حيث أنت أي قف حيث أنت فلا يذكرون الفعل ومثله قولهم مكانك أي قف مكانك .)### المعنىقوله(علیه السلام : (فاتق اللّه فيما لديك) ما كان لديه هو تولّي أمور المسلمين غصباً وطغياناً، فإنَّ ما كان في يده هو حق اللّه وحق رسوله وحق أولي الأمر وحقه سبحانه مفوّض إلى نبيه أو وصي نبيه ولا يتولّى ذلك المنصب إلا نبي أو وصيّ أو شقي والشقي من غصب حق الإمام الحق أي حق اللّه ورسوله، ولذا أمره الأمير(علیه السلام)باتقائه اللّه في ذلك، وصرّح باسم اللّه سبحانه لأنه (علیه السلام) كأنما يقول له : اتق اللّه في تصرفك حقه سبحانه عدواناً، كما نقول نحن لمن خان زيداً مثلاً : استح من زيد في خيانتك في عرضه وماله .)قوله(علیه السلام : ( وانظر في حقه عليك) حقه تعالى عليه أن لا يعصيه فيما أمره ومما أمره به هو قوله سبحانه: ﴿أَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولى الأمر منكر) [النساء : 59] اللّهم إلا أن يقال أن الآية مصدّرة بقوله: ﴿يَایهَا الَّذِينَ امَنُوا )[النساء : 59] ومذيلة بقوله سبحانه : (إن كُنتُم تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [النساء : الآية 59] فمعاوية وأترابه خارجة عن الخطاب رأساً . وفي رسالة إمامنا سيد الساجدين وزين العابدين علي بن الحسين صلوات اللّه عليهما المعروفة برسالة الحقوق، قد نقلها كاملة المحدث الخبير ابن شعبة الحراني قدس سره في تحف العقول»: اعلم رحمك اللّه أنَّ اللّه عليك حقوقاً محيطة بك في كل حركة تحركتها، أو سكنة سكنتها، أو منزلة نزلتها أو جارحة قلبتها ، أو آلة تصرّفت فيها بعضها أكبر من بعض، وأكبر حقوق اللّه عليك ما أوجبه لنفسه تبارك وتعالى من حقه الذي هو أصل الحقوق ومنه تفرع (1).

فاليول ثمَّ الويل لمن لم يطع اللّه سبحانه في حقه عليه ، عليه فضلاً عن أن يغا أن يغاصب حقه .


1) تحف العقول: 255 ونهج السعادة : 211/7.

قوله(علیه السلام) : (وارجع إلى معرفة ما لا تعذر بجهالته) أمره أن يرجع إلى معرفة ما لا يقبل عذره بجهالته من وجوب طاعة اللّه سبحانه ورسوله وطاعة الإمام الحق، ولمّا أخرجته هوى النفس عن الطاعة إلى العصيان والطغيان وعن نور المعرفة إلى ظلمة الجهالة وحيرة الضلالة، أمره بالرجوع إلى معرفة ما أي الحق الذي لا يسمع تجاهله فيه.

قوله(علیه السلام) (فإنّ للطاعة أعلاماً واضحة - الخ ) الأعلام جمع العلم بفتحتين وهو شيء منصوب في الطريق يُهتدى به وغاية الطاعة القرب منه تعالى والغاية ما إليه الحركة، ووصف(علیه السلام) الأعلام بالواضحة وتالييها بالنيّرة والنهجة لحسم العذر أصلاً وسدّ طرق العذر من جميع الجوانب، فإنَّ السبل إذا كانت نيرة والمهجة نهجة وأعلامها واضحة وكانت غايتها مطلبة، فمن أين يعتذر المتمرّد عن الطاعة وما مستمسكه في العذر، وبأي باب يدخل لذلك؟ وقد دريت من بحثنا عن الإمامة في المختار 237 من باب الخطب ( ص 35 - إلى ص 175 من ج (16) أن القرآن ورسوله اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) وآله هم الأئمة الحق والأعلام الواضحة والسبل النيرة والمهجة النهجة لا غير فراجع إلى ذلك المبحث الشريف حتى يتبين لك بالعيان أن الآل هم الذين اختارهم اللّه واجتباهم واصطفاهم أعلاماً واضحة للطريقة التي هي أقوم، إن هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم .

قوله(علیه السلام) : (يردها الأكياس ويخالفها الأنكاس) قد دريت في اللغة أنَّ الأكياس بمعني العقلاء، وإنما يردها الأكياس لأنَّ العقل ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان، وأنَّ الأنكاس جمع النكس وهو الرجل الدني المنكوس على ما بيّن في اللغة مشبعاً، وإنما يخالفها الأنكاس لأنهم لدناءة طبعهم، وقصور همّتهم ألفوا بقاذورات الدنيا الدنيئة وأوساخ الآمال النفسانية الشيطانية فهم ناكسوا رؤوسهم إلى اللذائذ الحيوانية الدائرة الفانية أقرب شيء شبهاً بهم الأنعام السائمة، وفي كتاب العقل والجهل من «الكافي» : بإسناده عن محمد بن عبد الجبّار عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال : قلت له : ما العقل؟ قال: ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان قال :قلت : فالذي كان في معاوية؟ فقال: تلك النكراء تلك الشيطنة وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل(1)وقد مضى بحثنا من هذا الحديث وشرحه في المختار السابع باب الكتب والرسائل فراجع إلى ( ص 225 ج 17).

وقد تقدَّم في رسالتنا في لقاء اللّه تعالى أن حشر الخلائق حسب أعمالهم، وأنّ كلّ أحد إلى غاية سعيه وعمله وإلى ما يحبه ويهواه، فحيث إنّ الأنكاس أدبروا ههنا عن أمر اللّه تعالى وطاعته ولقائه وأقبلوا إلى الشهوات النفسانية ولم يرفعوا رؤوسهم عن معلفهم ومرعاهم


1) الكافي: 11/1 ح 3 ، ووسائل الشيعة : 205/15 ح 20288 .

فهم في النشأة الآخرة أيضاً ناكسون لأنّ الدُّنيا مزرعة الآخرة قال عز من قائل: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بینكم الموت وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُم النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [الواقعة: 60 - 62] ، وفي الكافي كما في الصافي عن السجاد(علیه السلام) : العجب كل العجب لمن أنكر النشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى(1).

وقال عزّ من قائل: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ اللّه [السجدة: 12])وروى ثقة الإسلام الكليني في باب ظلمة قلب المنافق وإن أعطى اللسان ونور قلب المؤمن وإن قصر بلسانه من كتاب «الإيمان والكفر» ( ص 309 ج 2 من المعرب بإسناده عن (ص 2 المفضل عن سعد عن أبي جعفر(علیه السلام قال : إن القلوب أربعة : قلب فيه نفاق وإيمان وقلب منكوس، وقلب مطبوع ، وقلب أزهر أجرد فقلت : ما الأزهر؟ قال فيه كهيئة السراج، فأما المطبوع فقلب المنافق، وأما الأزهر فقلب المؤمن إن أعطاه شكر وإن ابتلاء صبر، وأما المنكوس فقلب المشرك ، ثم قرأ هذه الآية : (أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صراط مستقيم) [المُلك : 22] فأما القلب الذي فيه إيمان ونفاق فهم قوم كانوا بالطائف فإن أدرك أحدهم أجله على نفاقه هلك وإن أدركه على إيمانه نجى(2).

وقال العالم الحجّة المولى صالح المازندراني قدس سره في بيانه: (ص 130 ج 10) القلب المنكوس كالكوز المقلوب - إلى أن قال - وقيل : القلب المنكوس القلب الناظر إلى الدنيا والمتوجّه إليها لأنّ الدُّنيا تحت الآخرة والآخرة فوقها فالناظر إليها منكوس رأسه، والآية من باب التمثيل بالأشياء المحسوسة تقريباً للفهم والاستشهاد باعتبار أن المشرك يمشي مكباً على وجهه لكون قلبه مكبوباً، مقلوباً والمؤمن يمشي سوياً لكون قلبه على وجه الفطرة مستقيماً عارفاً بالحق كما رشد إليه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم ).

قوله : (من نكب عنها - الخ) أي من عدل وتنحى عنها مال عن الوسط والعدل والقصد، ومشى على غير هداية واستقامة في الضلال .

قوله(علیه السلام) : (وغير اللّه نعمته وأحل به نقمته فنفسك نفسك) إنّما أمره بحفظ نفسه وكرّره تأكيداً وتشديداً لما قال سبحانه: (إن اللّه لا يُغَيّرُ مَا بِقَوم حَتَّى يُغَيرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ )[الرعد: 11]، وقال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ اللّهُ يَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [التوبة: 70]


1) التفسير الأصفى : 1258/2 ، وكشف الغمة : 288/2.

2) الكافي : 422/2 ح 2 ، ومعاني الأخبار : 395 ح51 .

في باب محاسبة العمل من كتاب الإيمان والكفر من «الكافي» (ص 329 ج 2 من المعرب) قال أبو عبد اللّه(علیه السلام) للرجل : إنك قد جعلت طبيب نفسك، وبين لك الداء، وعُرّفت آية ،الصحة ودللت على الدواء، فانظر كيف قيامك على نفسك(1)

وفي ذلك الباب عنه(علیه السلام) أيضاً : اقصر نفسك عما يضرها من قبل أن تفارقك واسع في فكاكها كما تسعى في طلب معيشتك فإنّ نفسك رهينة بعملك .

وفيه عنه(علیه السلام) أيضاً قال : كتب رجل إلى أبي ذر رضي اللّه عنه يا أبا ذر أطرفني بشيء من العلم فكتب إليه : أنّ العلم كثير ولكن إن قدرت أن لا تسيء إلى من تحبه فافعل، قال: فقال له الرجل: وهل رأيت أحداً يسيء إلى من يحبه؟ فقال له : نعم نفسك أحب الأنفس إليك فإذا أنت عصيت اللّه فقد أسأت إليها (2).

قوله(علیه السلام) : (وحيث تناهت بك أمورك - الخ) قال بعضهم : حيث عطف على سبيلك، أي فقد بين اللّه لك مالك ومنقلبك، قال تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) [الشُّعَرَاء : الآية 227] فهو(علیه السلام) يحذره عن عاقبته الوخيمة ويخوّفه عن جزاء أعماله الفاضحة، ثمَّ كأنّما قيل وإلى ما تناهت به أموره وأي شيء يترتب على أفعاله؟ فأجاب(علیه السلام) : فإنه قد أجري إلى غاية خسر - الخ فما تناهت به أُموره جزاء أعماله السيئة.

هذا غاية ما يمكن أن يقرّر معنى العبارة على قول هذا البعض، ولكن الإنصاف أن الصواب هو ما أفاده الفاضل الشارح المعتزلي كما تقدَّم في بيان الإعراب، أي قف حيث أنت لأنك قد أجريت إلى غاية ،خسر، فالفاء في (فقد) في معرض التعليل للفعل المحذوف أعني ،قف والكلام على هذا الوجه خال عن التكلّف دون الأوّل .

ولا يخفى لطافة قوله(علیه السلام) : (وإن نفسك قد أو حلتك شراً)، وقد علمت أن معنى أو حلتك أورطتك في الوحل، فالويل ثمَّ الويل لمن أطاع نفسه ونسي حظه، فإنّ النفس لأمارة بالسوء ينسي مطيعه ذكر اللّه تعالى كما قال تعالى : (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فأَنسَاهُمْ ذِكْر اللّه ) [المجادلة: الآية 19] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتتَكَ ءايْاتُنَا فَنَسِيتها وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنَسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنُ بِايَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى )[طه : 124 - 127]


1) الكافي : 454/22 ح6 ، روسائل الشيعة : 161/15 ح 20210.

2) شرح أصول الكافي : 214/10 ، وميزان الحكمة : 1782/2

هذا آخر المجلد الخامس من «تكملة منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة» وبه انتهى المنهاج إلى المجلد التاسع عشر، واللّه الحمد على ما أولانا، وله الشكر بما تفضل علينا من إفاضة مننه، وإسبال نعمه علينا، وكيف أشكره تعالى حق شكره وليس من شكر أشكره به إلا وهو نعمة جزيلة أنعم بها عليَّ ، اللّهم ارزقنا قلباً ذاكراً ولساناً شاكراً، اللّهم ثبت قلوبنا على دينك، اللّهم ارزقنا نعمة الحضور عندك، اللّهم يا عاصم قلوب المؤمنين خلصنا من شرور أنفنسا ووفقنا بالتنعم من مأدبتك القرآن الفرقان العظيم، وباتباع سنة نبيك الكريم، وإطاعتك وإطاعة رسولك وأولى الأمر الذين هم وسائط فيضك وأبواب رحمتك يا أرحم الراحمين.

وقد حصل الفراغ من تأليف هذا السفر الكريم بيد العبد الراجي لقاء ربه الرحيم: نجم الدين الحسن بن عبد اللّه الطبري الأملي في الأمل ليلة الأربعاء الثامنة عشر من ربيع المولود من شهور سنة تسع وثمانين وثلاثمائة بعد الألف من هجرة خاتم النبيين صلى اللّه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين والحمد لله ، وآخر دعويهم أن الحمد لله رب العالمين.

الترجمة

این نامهای است که امیرالمؤمنین(علیه السلام)به معاویه نوشت:

در آن چه که در دست داری از خدا بترس و حق خدا را بر خود بنگر و به شناختن آن چه که عذرت در ندانستن آن پذیرفته نمی شود بازگرد، زیرا برای بندگی و طاعت نشانها و پرچمهای روشن و راههای هویدا و جاده آشکار و نتیجه و غایت مطلوب است خردمندان بدان درآیند و سفلگان از آن روی گردانند هر که از آنها بازگشت از حق برگشت و در وادی گمراهی به سر برد و خدای نعمتش را بر وی دگرگون کرد و او را در عذابش ،افکند پس خویشتن را دریاب و خود را باش که خدا راه را برایت روشن کرد و چون کارها به دست تو افتاد نهایت زیان را از دست خویش جاری کردی و در وادی کفر ،درآمدی نفست تو را به شرّ کشانید و از دست وی به گل درماندی و تو را به گمراهی درآورد و به نابودیها رسانید و راهها را بر تو دشوار کرد

إلى هنا انتهى الجزء التاسع عشر من هذه الطبعة النفيسة القيمة وتم تصحيحه وترتيبه بيد العبد - السيد إبراهيم الميانجي - عفى عنه وعن والديه في اليوم السابع من شهر رجب الأصب - 1389- ويليه إن شاء اللّه الجزء العشرون وأوله المختار الحادي والثلاثون

والحمد لله كما أهله .

فهرست

محتوى الجزء التاسع عشر من كتاب منهاج البراعة شرح نهج البلاغة

تتمة المختار الخامس والعشرين

المصدر ...5

المعنى ...7

فرع فقهي ...25

كلام في الرجعة ...27

الترجمة ...31

ومن عهد له عليه الصلاة والسلام إلى بعض عماله وقد بعثه على الصدقة - وهو المختار

السادس والعشرون من باب كتبه(علیه السلام) ورسائله ...33

المصدر ...33

اللغة ...34

الإعراب ...37

المعنى ...39

الترجمة ...51

ومن عهد له عليه الصلاة والسلام إلى محمد بن أبي بكر حين قلده مصر - وهو المختار

السابع والعشرون من كتبه(علیه السلام) ووصاياه وعهوده ورسائله ...52

ومن هذا العهد : ...53

ذكر مآخذ العهد ومصادره ...53

صورة العهد على رواية أبي إسحاق في كتاب الغارات ...54

صورة ما كتب أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى أهل مصر لما بعث محمد بن

أبي بكر إليهم يخاطبهم به ومحمداً أيضاً فيه على رواية أبي إسحاق في كتاب الغارات أيضاً ....56

كتاب أمير المؤمنين علي(علیه السلام) إلى محمد بن أبي بكر وأهل مصر على صورة أخرى

منقولة من كتاب الغارات أيضاً ...56

صورة العهد على ما في تاريخ الطبري ...60

صورة العهد على ما في تحف ابن شعبة ...61

صورة العهد على ما في نسختي الشيخين المفيد والطوسي قدس سرهما ...63

صورة العهد على رواية أبي جعفر محمد بن أبي القاسم الطبري في كتابه بشارة

المصطفى الشيعة المرتضى ...69

اللغة ...69

الإعراب ...70

المعنى ...71

الترجمة ...78

ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية وهو من محاسن الكتب - وهو المختار الثامن

والعشرون من باب الكتب ...80

اللغة ...82

الإعراب ...70

المصدر ...88

المعنى ...91

حلف الفضول وسبب تسميته كذلك ...106

حمالة الحطب ...122

الترجمة ...167

خاتمة ...243

ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل البصرة وهو المختار التاسع والعشرون من باب

المختار من كتبه ورسائله ...305

المصدر ...305

اللغة ...306

الإعراب ...307

المعنى ...307

الترجمة ...322

ومن كتاب له إلى معاوية - وهو المختار الثلاثون من باب المختار من كتبه ورسائله ...323

المصدر ...323

اللغة...324

الإعراب ...328

المعنى ...329

الترجمة ...334