ghaemiyeh.com
منهاج البراعة شرح نهج البلاغة
لِمُوْلَفِهِ العلامه المحقق الحاج میرزا حبیب الله الهاشمی قدس سره
طبعة جديلة
ضَبط وَتحَقيق علي عاشور
المجلد السادس عشر
1424هـ - 2003م
دار إحياء التراث العربي
بيروت - لبنان
نهج البلاغة
خطبٌ ، رَسَائِلٌ، كلام ، وصَايا عهود، حكم، ومواعظ
الإمام علي بن أبي طالب
منهاج البراعة شرح نهج البلاغة
لِمُوْلَفِهِ العلامه المحقق الحاج میرزا حبیب الله الهاشمی قدس سره
طبعة جديلة
ضَبط وَتحَقيق علي عاشور
المجلد السادس عشر
دار الحياة التراث العربى
بيروت - لبنان
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1424هـ - 2003م
دار إحياء التراث العربي
للطباعة والنشر والتوزيع
DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI Publishing & Distributing
850622
بيروت - لبنان - شارع كاش - هاتف: 272652 - 272655 - 272782 - 272782 فاكس: 850717 - 0623 - 11/7957
Beyrouth - Liban - Rue Dakkache Tel. 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717 - 850623 P.O.Box; 7957/11
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ملهم الصواب، والصلاة على حججه الذين أوتوا الحكمة وفصل الخطاب، سيما على سيّد الأنبياء محمّد المصطفى، وأفضل الأوصياء عليّ المرتضى.
وبعد فهذا هو المجلد الثاني من تكملة منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة فهو المجلد السادس عشر من المنهاج، ونسأل الله تعالى التوفيق والسداد والهداية إلى الخير والرشاد.
قوله علیه السلام : (جفاة طغام عبيد اقزام) صدّر كلامه بمذام أهل الشام تنفيراً عنهم أي هم قوم غلاظ الطبع قساة القلب افظاظ، وطغام أي هم اوغاد الناس وأراذلهم والطعام كالطّعام خلاف الهمام، وعبيد إنما لم يذكر متعلّق العبيد ليفيد التعميم ويذهب السامع إلى كلّ مذهب ممكن، أي هم عبيد الدينار وعبيد الدنيا وعبيد النفس والهوى.
وقيل : أو لأن بعضهم لم يكونوا أحراراً وكانوا عبيداً حقيقةً، وحيث إن اللفظ مهمل
يصدق بالبعض .
اقزام أي هم أراذل النّاس وأدانيهم.
قوله علیه السلام : (جمعوا من كلّ أوب وتلقطوا من كل شوب) هاتان الجملتان كأنما تدلان على معنى واحد ومطلب فارد أي هم جمعوا من كلّ ناحية وتلقطوا من فرق مختطلة، يعني أنّهم ليسوا بقوم أصيل بل تلقط بعضهم من ههنا وبعضهم من ههنا، وفي الجملة الأخيرة إشارة لطيفة أيضاً إلى أنّهم أوباش النّاس وأسقاطهم .
قوله علیه السلام : (ممّن ينبغي أن يفقه ويؤدّب ويعلّم ويدرّب) يعني أنّهم قوم جهّال بمعزل عن الكتاب والدين فينبغي أن يفقهوا، وغير متأدبين بآداب الحقّ وغير متعادين بالعادات الجميلة من محاسن الأفعال ومكارم الأخلاق، فينبغي أن يؤدبوا أي يعلّموا الأدب ويدّربوا أي يعوّدوا بتلك العادات الحسنة .
وقرىء يذرّب بالذال المعجمة أيضاً، يقال ذرّب المرأة طفلها تذريباً إذا حملته حتّى يقضي حاجته، وهذه القراءة تناسب الجملة التالية الآتية: أي أنّهم صبيان صغار وأطفال لا يقدرون على شيء، وينبغي أن يربوا في حجر مربّ ويعيشوا في حضانة حاضن. والمراد أن القوم الّذين لم يتفقهوا في الدّين ولا يعلمون شيئاً ينبغي أن يعلّموا ويدرّبوا، بل صبيان ينبغي
أن يذربوا، فأنّى لهم أن يقوموا مقام الصديقين ويجلسوا مجلس النبيين، ويعرّفوا أنفسهم بأنّهم خليفة الله ورسوله ويأخذوا أزمة أمور النّاس ويلوا أمورهم، ««قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» [يونس : 135]؟.
وقد قال عمار في خطبة خطب بها أهل الكوفة يستنفر النّاس إلى أمير المؤمنين علي علیه السلام: أيّها النّاس عليكم بإمام لا يؤدب وفقيه لا يعلم وصاحب بأس لا ينكل وذي سابقة في الإسلام ليست لأحد ، إلخ. وقد برهن في محلّه أن من أوصاف الإمام أنّه يجب أن يكون أفضل من جميع الرعايا في جميع الصفات الكمالية، فهو لا يؤدب ولا يعلم وسيأتي تحقيقه في شرح الخطبة التالية إن شاء الله.
قوله علیه السلام : (ويولى عليه ويؤخذ على يديه) قرىء يولى بالتشديد والتخفيف، وعلى الأوّل يقال : ولاه الأمر تولية إذا جعله والياً عليه، وعلى الثاني يقال : أولى فلاناً على اليتيم إذا أوصاه عليه، وأولاه الأمر ايلاءَ إذا جعله والياً عليه. وهذا كناية عن كونهم سفهاء لا يستحقون أن يلوا أمراً، ويفوض إليهم فإن العقل والنقل معاضدان على قبح تولية الأمور بأيدي السفهاء وولايتهم عليها، قال عزّ من قائل: ﴿«وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا»(1)فكيف الأحكام الإلهيّة والأمور الشرعيّة وما فيها مصالح العامّة وحقوق الرعية، بل ينبغي أن يمنعوا من التصرّف ويحجر عليهم كما يحجر على الصبّي والسفيه لعدم رشدهم، يقال: أخذ على يد فلان إذا منعه عما يريد أن يفعله فمن بلغ في الغباوة والسفاهة إلى هذا الحدّ فكيف يرضى العقل ويمضي أن يقتدى به، وهل هذا إلا ظلم عظيم، ألا وإن الرعيّة الفاجرة تهلك بالإمام الفاجر.
قوله علیه السلام: (ليسوا من المهاجرين والأنصار ولا من الذين تبوأوا الدار) أي سكنوها وهي إشارة إلى قوله تعالى في سورة الحشر «وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ» الآية، ولذا جاء في بعض نسخ الخطبة : ولا من الذين تبوؤا الدار والإيمان وأجمع المفسرون بأن الدار هي المدينة وهي دار الهجرة تبوّأها الأنصار قبل المهاجرين وكانوا من أهل المدينة أسلموا بها قبل هجرة الرسول بسنتين وبنوا بها المساجد، وأثنى عليهم بقوله عزّ من قائل «وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» [الحشر: 9] فالذين تبوّأوا الدار هم من طائفة الأنصار فكررّ ذكرهم تأكيداً.
وقال الفاضل الشارح المعتزلي بقوله : وأيضاً فإن لفظة الأنصار واقعة على كلّ من
کان
1) نهج البلاغة : 231/2، وبحار الأنوار: 323/33 ح 568.
من الأوس والخزرج، الذين أسلموا على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم والذين تبوّأوا الدار والإيمان في الآية قوم مخصوصون منهم، وهم أهل الإخلاص والإيمان التام، فصار ذكر الخاص بعد العام كذكره تعالى جبريل وميكال ثمّ قال : والملائكة بعد ذلك ظهيراً وهما من الملائكة.
وأقول: أمّا المهاجرون فهم الذين هجروا بلادهم أي تركوها وصاروا إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، وأمّا الذين أسلموا من أهل مدينة الرسول قبل هجرته أو بعد هجرته فيسمّون أنصاراً، وقد شبعنا الكلام فيه قبل، والذين تبوّأوا الدار والإيمان قوم مخصوص منهم وهم الذين أسلموا قبل هجرته صلی الله علیه و آله و سلّم، ولذا قيدنا كلامنا بقولنا هم طائفة من الأنصار فصار ذكر الخاص بعد العام بهذا المعنى.
ثمّ على نسخة والإيمان يكون الإيمان متبوءاً على الاستعارة، وفي «الكافي» عن الصادق علیه السلام : الإيمان بعضه من بعض وهو دار(1). وكذلك الإسلام دار والكفر دار، ولما أنّهم ثبتوا على الإيمان واطمأنت قلوبهم به سمّاه متبوءاً ومنزلاً لهم. وقدّر غير واحد من المفسرين في الآية : لازموا ونظائره أي تبوّأوا الدار ولازموا الإيمان مثل قوله :
ورأيت زوجك في الوغى *** متقلداً سيفاً ورمحاً
أي معتقلاً رمحاً لأن الرمح لا يتقلد به بل يعتقل به يقال : فلان تقلّد سيفه واعتقل
رمحه.
وكقول الشاعر :
علّفتها تبناً وماء بارداً *** حتّى شنت همّالة عیناها
أي علقتها تبناً وسقيتها ماءاً بارداً.
وإنّما كان قوله هذا ذمّاً لهم لأن عدم اتصافهم بها نقصان لهم بالقياس إلى المتصفين بها، ومن تتبع آثار السلف يجد أن السابقة في الإسلام والهجرة تعدّ من الفضائل والمفاخر والمدائح، و من كان أسبق إسلاماً وأقدم هجرة من الآخر يفضل عليه.
ومن قوله علیه السلام : (إلا وأن القوم اختاروا لأنفسهم أقرب القوم مما يحبون وأنكم اخترتم لأنفسكم أقرب القوم مما تكرهون).
يعني بالقوم الأوّل أهل الشام وبالأخيرين النّاس وما كانوا يحبّونه الغلبة على أهل العراق والظفر بهم وأقرب النّاس لهم من غرضهم ذلك هو عمرو بن العاص، وإنّما كان
1) مستدرك سفينة البحار : 386/3، والتفسير الصافي : 157/5.
أقرب النّاس إلى وصول غرضهم بمكره وحيله وخدائعه وميله إلى معاوية وأتّباعه أثره، اتباع الكلب للضرغام يلوذ إلى مخالبه وينتظر ما يلقى إليه من فضل فريسته.
والخطاب في أنكم وأخواته إلى أهل العراق وما يكرهه أهل العراق هو بعينه ما يحبّه أهل الشام وهو صيرورة الأمر إلى معاوية، بخذلان أهل العراق وإنكسارهم، وأقرب الناس منه أبو الأشعري إمّا لغباوته وسفاهته وفساد رأيه، لأنّه كان رجلاً كليل الشفرة قريب القعر مدهوش الجنان، وهو كما عرّفه عمرو بن العاص حين تشاجرا : وإنّما مثله مثل الحمار يحمل أسفار، الآية أو لبغضه عليّاً علیه السلام وانحرافه عنه لأنه علیه السلام عزله عن الكوفة لما قتل عثمان، لما دريت من ترجمة الرجل من قبل وما قال حذيفة فيه وغير ذلك مما قدمنا ذكره .
قوله علیه السلام: (وإنّما عهدكم بعبد الله بن قيس بالأمس يقول : إنّها فتنة فقطعوا أوتاركم وشيموا سيوفكم، فإن كان صادقاً فقد أخطأ بمسيره غير مستكره وإن كان كاذباً فقد لزمته التهمة) عبد الله بن قيس هو أبو موسى الأشعري كما دريت من ترجمته، والمراد بالأمس واقعة الجمل فإنّها كانت قبل واقعة صفين والتعبير بالأمس كناية عن عدم مضي زمان طويل منها وعن أنهم قريب العهد بها، فلا يتأتى لهم انكار ما سمعوا من أبي موسى في الأمس وادعاء الغفلة والنسيان عنه، وكان أبو موسى ينهى أهل العراق عن نصرته علیه السلام عند مسيره إلى أهل البصرة ويأمرهم بالاعتزال عن الحرب، وكان يرى أن قتال أهل القبلة فتنة يجب الاعتزال عنها، ويقول : أنها فتنة فقطّعوا أوتاركم يعني أوتار قسيّكم وشيموا سيوفكم أي اغمدوها، كناية عن ترك القتال والاجتناب عنه .
قال أبو مخنف : أن أمير المؤمنين عليّاً علیه السلام لما توجه من المدينة إلى البصرة، خطب الحسن بن عليّ علیه السلام و عمّار بن ياسر أهل الكوفة يستنفران إلى عليّ علیه السلام، وبعدما نقل خطبتهما قال: حدثنا الكلبي عن أبي صالح أن أبا موسى الأشعري لما سمع خطبة الحسن وعمّار، قام فصعد المنبر وقال :
الحمد لله الذي أكرمنا بمحمّد فجمعنا بعد الفرقة وجعلنا إخواناً متحابين بعد العداوة وحرّم علينا دماءنا وأموالنا قال الله سبحانه: «وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِل» [البقرة: 188] وقال تعالى : «وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا» [النساء : 93] فاتقوا الله عباد الله وضعوا أسلحتكم وكفّوا عن قتال إخوانكم، أمّا بعد يا أهل الكوفة إن
تطيعوا الله بادياً وتطيعوني ثانياً تكونوا جرثومة من جراثيم العرب، يأوي إليكم المضطرّ ويأمن فيكم الخائف، إن علياً إنّما يستنفر عليكم لجهاد أمّكم عائشة وطلحة والزّبير حواريّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ومن معهم من المسلمين وأنا أعلم بهذه الفتن، أنّها إذا أقبلت شبهت وإذا أدبرت أسفرت إنّي أخاف عليكم أن يلتقي غاران منكم فيقتتلا ثمّ يتركا كالأحلاس الملقاة بنجوة من الأرض، ثمّ يبقى رجرجة من النّاس لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن منكر، إنها قد جاءتكم فتنة كافرة لا يدري من أين تؤتى تترك حيران كأني أسمع رسول الله الله صلی الله علیه و آله و سلّم بالأمس يذكر الفتن فيقول : أنت فيها نائماً خير منك قاعداً وأنت فيها جالساً خير منك قائماً، وأنت فيها قائماً خير منك ساعياً، فشيموا سيوفكم وقصفوا رماحكم، وانصلوا سهامكم وقطعوا أوتاركم وخلّوا قريشاً ترتق فتقها وترأب صدعها، فإن فعلت فلأنفسها ما فعلت وإن أبت فعلى أنفسها ما جنت، سمها في أديمها استنصحوني ولا تستغثوني وأطيعوني ولا تعصوني، يتبين لكم رشدكم وتصلى هذه الفتنة من جناها .
قال : فقام إليه عمار بن ياسر فقال : أنت سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقول ذلك؟ قال : نعم، هذه یدی بما قلت : فقال : إن كنت صادقاً فإنّما عناك بذلك وحدك واتخذ عليك الحجة فالزم بيتك ولا تدخلن في الفتنة أما أنّي أشهد أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أمر علياً بقتال الناكثين وسمّى لي فيهم من سمّى وأمره بقتال القاسطين وإن شئت لأقيمنّ لك شهوداً يشهدون أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إنّما نهاك وحدك، وحذرك من الدخول في الفتنة ثمّ قال له : أعطني يدك على ما سمعت فمدّ إليه يده فقال له عمّار: غلب الله من غالبه وجاحده ثمّ جذبه فنزل عن المنبر(1).
أقول: وسيأتي تمام الكلام في شرح الكتاب الأوّل من باب المختار من كتبه عليه
الصلاة والسلام.
ثمّ إن كلامه علیه السلام هذا احتجاج عليهم في اختيارهم أبا موسى للحكومة وصورة الإحتجاج : أنكم يا أهل العراق قريبوا العهد بقول أبي موسى يقول لكم عند مسيري إلى أهل البصرة: هذه هی الفتنة التي وعدنا بها وأمرنا بالاعتزال عنها، فقطعوا أوتاركم وشيموا سيوفكم، فإن كان أبو موسى في قوله هذا صادقاً فقد أخطأ بمسيره إلينا وحضوره معنا في صفين، وتكثيره سواد أهل العراق حال كونه غير مستكره في ذلك، أي لم يكرهه ولم يجبره احد فی ذلك حتّى يقال أنّه حضره مستكرهاً، وإن لم يحارب ولم يسلّ السيف، وإن كان كاذباً ومختلقاً فيه فقد لزمته التهمة أي الكذب، والاختلاق فهو فاسق بكذبه، فعلى التقديرين
1) الدرجات الرفيعة: 266، والغارات : 922/2
صدق أم كذب قبح جعله حكماً، ولا ينبغي حكومته في هذا الأمر الخطير الجليل والإعتماد عليه فيه.
وقال الشارح الفاضل المعتزلي: هذا الكلام منه علیه السلام يؤكّد صحّة إحدى الروايتين في أمر أبي موسى، فإنّه قد اختلف الرواية هل حضر حرب صفين مع أهل العراق أم لا؟ فمن قال : حضر قال : حضر ولم يحارب وما طلبه يمانيّون من أصحاب عليّ علیهم السلام ليجعلوه حكماً كالأشعث بن قيس وغيره إلّا وهو حاضر معهم في الصف ولم يكن منهم على مسافة، ولو كان منهم على مسافة لما طلبوه، ولكان لهم فيمن حضر غناء عنه، ولو كان على مسافة لما وافق عليّ علیه السلام على تحكيمه، ولا كان عليّ علیه السلام ممّن يحكم من لم يحضر معه، وقال الأكثرون: إنّه كان معتزلاً للحرب بعيداً عن أهل العراق وأهل الشام .
ثمّ قال : فإن قلت فلم لا يحمل قوله علیه السلام فإن كان صادقاً فقد أخطأ بسیره غیر مستکره، على مسيره إلى أمير المؤمنين علیه السلام وأهل العراق حيث طلبوه ليفوّضوا إليه أمر الحكومة؟
قلت: لو حملنا كلامه علیه السلام على هذا لم يكن لازماً لأبي موسى، وكان الجواب عنه هيّنا، وذلك لأن أبا موسى يقول : إنّما أنكرت الحرب وما سرت لأحارب ولا لأشهد الحرب ولا لأغري بالحرب، وإنّما سرت للاصلاح بين النّاس واطفاء نائرة الفتنة، فليس يناقض ما رويته عن الرسول من خبر الفتنة ولا ما قلته في الكوفة في واقعة الجمل فقطعوا أوتار قسيكم انتهى ما أردنا من نقل كلامه(1).
أقول : إن أبا موسى حضر صفين ولم يحارب ولم يسلّ السيف كما نقلنا من قبل، عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم وتاريخ أبي جعفر الطبري، أن القوم لمّا صفحوا عن رأي أمير المؤمنين علىّ علیه السلام وعصوه وأبوا إلا أبا موسى حكماً لأهل العراق، بعثوا إلى أبي موسى وقد اعتزل بأرض من أرض الشام يقال لها : عرض، واعتزل القتال فأتاه مولى له فقال : إن النّاس قد اصطلحوا، فقال : الحمد لله ربّ العالمين قال : وقد جعلوك حكماً قال : إنا لله وإنا إليه راجعون فجاء أبو موسى حتّى دخل عسكر عليّ علیه السلام.
ثمّ إنّ قول القائل: وما طلبه يمانيّون إلا من كان حاضراً معهم، ولو كان على مسافة لما طلبوه ولكان لهم فيمن حضر غناء عنه، بديهي البطلان ويظهر وهنه بأدنى تأمّل على أن ما سمعت من أهل النقل وحملة الآثار، من أن أهل الشام لما رأوا إنكسارهم وخذلانهم رفعوا المصاحف بالرماح خديعة ودهاء ومكيدة، حتّى أن أجمع الفريقان على أن يحييا ما
1) شرح نهج البلاغة : 312/13
أحيى القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن، ثمّ رجع كلّ فريق إلى أصحابه وقال النّاس : قد رضينا بحكم القرآن فقال أهل الشام: فإنا قد رضينا واخترنا عمرو بن العاص، وقال الأشعث والقراء الذين صاروا خوارج فيما بعد : فإنا قد رضينا واخترنا أبا موسى الأشعري، فقال لهم علي علیه السلام : إنّي لا أرضى بأبي إنّي لا أرضى بأبي موسى ولا أرى أن أوليه، فقال الأشعث ويزيد بن حصين الطائي ومسعر بن فدكي في عصابة من القراء: إنا لا نرضى إلا به فإنّه قد حذرنا ما وقعنا فيه، فعمدة ما استمسكوا بها في اختيارهم أبا موسى سى أنّه حذرهم عن الحرب وغير ذلك مما مرّ ولا فائدة في الإعادة والإطالة، ولا يخفى أن حضوره عندهم وغيابه عنهم سيّان في غرضهم ذلك، فالاحتمالات الّتي ذكرها القائل واهية موهونة جدّاً.
وأوهن منها ما قال: لو كان على مسافة لما وافق علىّ علیه السلام على تحكيمه، ولا كان عليّ ممّن يحكم من لم يحضر معه، لأنّه علیه السلام كان كارها ومستكرهاً وغير موافق في أبي موسى، وحكينا من نصر وأبي جعفر الطبري وغيرهما آنفاً أنّه علیه السلام قال : أبا موسی ليس لي برضا وقد فارقني وخذل النّاس عنّي ثمّ هرب حتّى أمنته بعد أشهر، ولكن هذا ابن عبّاس أوليه ذلك قالوا : والله ما نبالي أنت كنت أو ابن عبّاس لا نريد إلّا رجلاً منك هو ومن معاوية سواء، ليس إلى واحد منكما بأدنى من الآخر قال عليّ : فإني أجعل الأشتر قال الأشعث: وهل سعّر الأرض علينا غير الأشتر، وهل نحن إلا في حكم الأشتر قال له علىّ علیه السلام : وما حكمه؟ قال حكمه أن يضرب بعضنا بعضاً بالسّيوف حتّى يكونن ما أردت وما أراد إلى آخر ما نقلنا. ويقول علیه السلام في هذه الخطبة أيضاً : فادفعوا في صدر عمرو بن العاص بعبد الله بن العبّاس».
ومع الاغماض والصفح عن ذلك كلّه، ولو قيل : إن أبا موسى لم يحضر صفين قطّ وما شهد حرباً، قلنا : فقد أخطأ أيضاً بمسيره إلى القوم ليفوضوا إليه أمر الحكومة ولزمته التهمة، لانّه روى كما نقلنا من قبل عن ابن عبد البر في «الاستيعاب» والمسعودي «في مروج الذهب» ونصر بن مزاحم في كتاب «صفين» وأبي محمّد بن متويه المعتزلي وغيرهم عن سويد بن غفلة حيث قال: كنت مع أبي موسى على شاطي الفرات في خلافة عثمان فروى لي خبراً عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قال : سمعته يقول : إن بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل الاختلاف بينهم حتّى بعثوا حكمين ضالين، ضلاً وأضلاً من اتبعهما ولا ينفك أمر أُمتي حتّى يبعثوا حكمين يضلّان ويُضلآن من تبعهما فقلت له : احذر يا أبا موسى أن تكون أحدهما فخلع قميصه وقال : أبرأ إلى الله ذلك كما أبرأ من قميصي هذا(1).
1) المسترشد: 159 ح 2، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي : 315/13
فنقول : إمّا أن يكون في نقل الخبر صادقاً أو كاذباً فإن كان صادقاً فهو الضالّ المضلّ، وقد أخطأ بمسيره إليهم ودخوله في الحكومة فكيف يجوز أن يقول : إنّما سرت للاصلاح بين النّاس وإطفاء نائرة الفتنة من شهد على نفسه بالضلال والإضلال وكيف لا يناقض بعض قوله بعضاً وهل هذا إلا التهافت.
وإن كان كاذباً فقد لزمته التهمة فهو فاسق فلا ينبغي الإعتماد عليه في هذا الخطب الخطير، وقد كان في القوم من لم يكن فيه تلك التهمة وسوء الظن مع قوة العقل وصحة النظر وظهور النصح، مع جواز أن يكون رضاه لحب الحكومة فإن الملك عقيم أو للانتقام من عليّ علیه السلام لما قد نقلنا من ابن عبد البر وغيره بعد ذكر عزله علیه السلام إيّاه عن الكوفة، فلم يزل واجداً على عليّ علیه السلام حتّى جاء فيه ما قال حذيفة: - إلى آخر ما نقلنا في ترجمة أبي موسى.
وسيأتي تمام الكلام فيه في كتابه علیه السلام الثالثة والستين إليه قوله علیه السلام من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس أمّا بعد فقد بلغني إلخ فارتقب.
في «مروج الذهب» للمسعودي : نقلت الرواية عن سويد بن علقمة وفي غيره عن سويد بن غفلة والأخير صواب، وما في «مروج الذهب» تصحيف من النساخ قال العلامة الحلّي قدس سره في «الخلاصة» : قال البرقي إنه من أولياء أمير المؤمنين علیه السلام وهو سويد بن غفلة الجعفي، وفي «منتهى المقال في أحوال الرجال» لأبي علي نقلاً عن «مختصر تذكرة» الذهبي : ولد عام الفيل أو بعده بعامين وأسلم وقد شاخ فقدم المدينة وقد فرغوا من دفن المصطفى صلی الله علیه و آله و سلّم - إلى أن قال : وكان ثقة نبيلاً عابداً زاهداً قانعاً باليسير كبير الشأن يكنى أبا أمية، وقيل: الجعفي بالغين المعجمة(1).
قوله علیه السلام : (فادفعوا في صدر عمرو بن العاص بعبد الله بن العباس) يعني نحّوه بابن العبّاس واضربوا صدره به، أي اجعلوا عبد الله بن العبّاس حكماً مقابلاً لعمرو بن العاص حتّى يدفعه عما يريد، وقد نقلنا قبل من كتاب «صفين» (ص 270 طبع إيران الناصري) لنصر بن مزاحم، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر محمّد بن علىّ علیه السلام قال : لما أراد الناس عليّاً علیه السلام على أن يضع حكمين قال لهم علي : إن معاوية لم يكن ليضع لهذا الأمر أحداً هو أوثق برأيه ونظره من عمرو بن العاص، وأنّه لا يصلح للقرشي إلا مثله فعليكم بعبد الله بن العباس فارموه به فإن عمراً لا يعقد عقدة إلا حلّها عبد الله ولا يحلّ عقدة إلا عقدها
1) الغارات : 704/2، والمسترشد: 56 ح 28
ولا يبرم أمراً إلا نقضه ولا ينقض أمراً إلا أبرمه، فقال الأشعث: لا والله لا يحكم فينا مضريان حتّى تقوم الساعة ولكن اجعله رجلاً من أهل اليمن إذا جعلوا رجلاً من مضر فقال عليّ علیه السلام : إنّي أخاف أن يخدع يمنيّكم، فإن عمراً ليس من الله في شيء حتى إذا كان له في أمر هواه فقال الأشعث: والله لأن يحكما بعض ما نكره وأحدهما من أهل اليمن أحبّ إلينا من أن يكون ما نحبّ في حكمهما وهما مضربان، قال علي علیه السلام : قد أبيتم إلا أبا موسى قالوا: نعم قال: فاصنعوا ما أردتم، وفي رواية أخرى فاصنعوا ما شئتم اللّهم إنّي أبرأ إليك من صنيعهم(1).
قوله علیه السلام : (وخذوا مهل الأيام) أي لا تهملوا المهلة فاغتنموا سعة الأيام وفسحتها، قبل أن تضيق وتفوت عنكم فاعملوا فيها ما ينبغي لكم.
قوله علیه السلام : (وحوطوا قواصي الإسلام أي احفظوا نواحي بلاد الإسلام وحدودها وأطرافها .
أقول : لمّا بلغ شرحنا إلى هنا كتب إليّ صديق لي كتاباً أظهر فيه شكوى إليّ وأبرز حاجة، وطلب الإفتاء في رؤياء، والرّجل وإن كان ذا فضل لكنه لم يكن عارفاً بالعلوم العربية حتّى النحو، ولغة العرب فذهبت إليه فأشكيته ثمّ انجرّ الكلام إلى مكتوبه فقال : أما الشكوى شكاة مدة شهرين ولم تعدني، فأعذرته بعدم العلم به، فقال: أمّا الحاجة فإلى مجلد من ناسخ التواريخ في ترجمة عيسى روح الله علیه السلام، وأمّا الرؤياء فرأيت في المنام أني أسافر معك حتّى انتهينا إلى ثقب جبل فجاوزناه فآوينا إلى ناحية فأذن أن حيرة في أمري أُقدّم رجلاً وأؤخر أُخرى ولكنك جالس فرحاً مبتهجاً وحولك كتب كثيرة وأمعنت في الكتابة كأنّك شاغل بتأليف كتاب فاسترقت البصر فرأيت أنك كتبت «حوطو».
فلمّا أخبرته بشرحنا هذا وأنّه بلغ إلى قوله علیه السلام : «حوطوا قواصي الإسلام» عجب، وعجبت أيضاً ولعمري أن الرّجل لم يكن مطلعاً على أمري، وكنت غائباً عنه منذ سنة وبذلك تفألت بالخير في إقبالي إلى هذا الشرح المنيف وإقدامي عليه وأرجو من الله أن يوفّقني للاتمام فإنه ولي التوفيق وأن يجعل نفعه أعم وفائدته أتم. اللهم آمين، ويرحم الله عبداً قال آمينا.
قوله علیه السلام : (ألا ترون إلى بلادكم تغزى وإلى صفاتكم ترمى) قد من أنّ الصفاة في الأصل الحجر الصلد الضخم لا ينبت ولا تنفذ فيها السهام، وهذه الكلمة كما يستفاد من مواضع كثيرة من استعمالهم، يكنّى بها عن عرض الرّجل وحيطته وحوزته ونظائرهما مما لها شأن، ويقال:
1) بحار الأنوار: 313/33، والإمامة والسياسة : 105/1.
فلان رمي صفاة فلان إذا دهاه بداهية قال ابن عم لأبي موسى مخاطباً إياه كما في كتاب «صفين» لنصر (ص 300 الطبع الناصري) :
أبا موسی بلیت فكنت شيخاً *** قريب القعر مدهوش الجنان
رمى عمرو صفاتك يا ابن قيس *** بأمر لا تنوء به الیدان
وفلان لا تقرع له صفاة أي لا يناله أحد بسوء ولا يطمع فيه فقوله علیه السلام (ألا ترون إلى) آخره ترغيب لهم في حفظ حوزة الإسلام وصيصيته، وحياطة قواصي بلاده وتهييج لهم في دفع أيدي الأجانب عن بيضة الإسلام وأهله.
فاستثار علیه السلام نفوسهم بأن العدو طمع فيهم وقصد بلادهم ورمي صفاتهم حتّى تفرق كلمتهم ولا تشتت وحدتهم فتذهب ريحهم والعدو هو معاوية الطغام وأتباعه الفجرة اللثام من أهل الشام .
ثمّ قال الشارح الفاضل المعتزلي: قوله علیه السلام ألا ترون إلى آخره، يدلّ على أن هذه الخطبة بعد انقضاء أمر التحكيم، لأن معاوية بعد أن تمّ على أبي موسى من الخديعة ما تمّ استعجل أمره وبعث السرايا إلى أعمال عليّ علیه السلام، يقول : قد بلغت غارات أهل الشام حدود الكوفة التي هي دار الملك الخلافة، وذلك لا يكون إلا بعد الإثخان في غيرها من الأطراف.
أقول : كلامه علیه السلام فادفعوا في صدر عمرو بن العاص بعبد الله بن العبّاس يدلّ على أن هذه الخطبة صدرت منه علیه السلام في أثناء تشاجر القوم في اختيار الحكمين كما نقلنا قولاً آخر نظيره منه علیه السلام : فعليكم بعبد الله بن العبّاس فارموه به فإن عمراً لا يعقد عقدة إلا حلّها عبد الله، إلى آخر ما آنفاً، ولو كان بعد انقضاء التحكيم لما كان لكلامه علیه السلام ذلك مجال.
بل الظاهر من صورة احتجاجه علیه السلام عليهم يدلّ على أن الخطبة قبل انقضاء أمر التحكيم، وإنما قالها علیه السلام توبيخاً لهم بسوء رأيهم وقبح اختيارهم في أبي موسى، وتنبيها وتنبيهاً لهم بأنّ ابن العبّاس ينبغي أن يجعل قبال ابن العاص، ولا ينافي هذا قوله علیه السلام : ألا ترون إلى بلادكم تغزى وإلى صفاتكم ترمى، لأن أهل الشام قبل انقضاء أمر التحكيم أيضاً كانوا يغزون بلادهم ويرمون صفاتهم وطمعوا فيهم حتّى فعلوا ما فعلوا، على أنه يمكن أن يكون على صورة الأخبار حتّا لهم على اغتنام الفرصة وحياطة بيضة الإسلام، وإيقاظاً لهم بأن الأعداء قد أشرفوا عليهم لو ذهبوا إلى رأيهم الفاسد ونظرهم الكاسد.
«نقل مسألتين من تنزيه الانبياء للشريف المرتضى علم الهدي» «في ايراد شبهات وأجوبتها في المقام»
ذكر علم الهدى رضوان الله عليه في قسم تنزيه الأئمة، من کتابه الموسوم بتنزيه الأنبياء عدّة شبهات، ربّما تورد في المقام ثمّ تصدّى للجواب عنها، ونحن نكتفي بمجرد نقلها عنه من غير بسط وزيادة منّا قال رحمه الله :
فإن قيل : فما الوجه في تحكيمه علیه السلام أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص، وما العذر في أن حكّم في الدين الرّجال؟ وهذا يدلّ على شكّه في إمامته وحاجته إلى علم (1)بصحة طريقته.
ثمّ ما الوجه في تحكيمه فاسقين عنده عدوّين له؟ أو ليس قد تعرض بذلك لأن يخلعا إمامته ويشكّكا النّاس فيه، وقد مكنهما من ذلك بأن حكّمهما وكانا غير متمكنين منه، ولا أقوالهما حجة في مثله؟
ثمّ ما ما العذر في تأخيره جهاد المرقة الفسقة، وتأجيله ذلك مع إمكان استظهاره وحضور ناصره؟
ثمّ ما الوجه في محو اسمه من الكتاب بالإمامة وتنظره بمعاوية، في ذكر نفسه بمجرد الاسم المضاف إلى الأب كما فعل ذلك به، وأنتم تعلمون أن بهذه الأمور ضلّت الخوارج مع شدّة تخشنها في الدين وتمسكها بعلائقه ووثائقه؟
«الجواب عن الشبهة الأولى»
قلنا : كلّ أمر ثبت بدليل قاطع غير محتمل فليس يجوز أن نرجع عنه ونتشكك فيه لأجل أمر محتمل، وقد ثبتت إمامة أمير المؤمنين علیه السلام وعصمته وطهارته من الخطأ وبراءته من الذنوب والعيوب بأدلة عقلية وسمعيّة، فليس يجوز أن نرجع عن ذلك أجمع ولا عن شيء منه لما وقع من التحكم المحتمل للصواب بظاهره، وقبل النظر فيه كاحتماله للخطأ ولو كان ظاهره أقرب إلى الخطأ وأدنى إلى مخالفة الصواب، بل الواجب في ذلك القطع على مطابقة
1) في نسخة: علمه.
ما ظهر من المحتمل لما ثبت بالدليل وصرف ماله ظاهر عن ظاهره والعدول به إلى موافقة مدلول الدلالة التي لا يختلف مدلولها، ولا يتطرق عليها التأويل وهذا فعلنا فيما ورد من آي القرآن التي تخالف بظاهرها الأدلة العقليّة مما يتعلق به الملحدون أو المجبرة أو المشبهة، وهذه جملة قد كرّرنا ذكرها في كتابنا هذا الجلالة موقعها من الحجة ولو اقتصرنا في حل هذه الشبهة عليها لكانت مغنية كافية، كما أنها كذلك فيما ذكرناه من الأصول لكنّا نزيد وضوحاً في تفصيلها ولا نقتصر عليها كما لم تفعل ذلك فيما صدّرنا به هذا الكتاب من الكلام في تنزيه الأنبياء علیهم السلام عن المعاصي.
فنقول : إنّ أمير المؤمنين علیه السلام ما حكّم مختاراً بل أحوج إلى التحكيم، وألجىء إليه لأن أصحابه علیهم السلام كانوا من التخاذل والتقاعد والتواكل إلا القليل منهم على ما هو معروف مشهور، ولمّا طالت الحرب وكثر القتل وجلّ الخطب ملّوا ذلك وطلبوا مخرجاً من مقارعة السيوف، واتفق من رفع أهل الشام المصاحف والتماسهم الرجوع إليها واظهارهم الرضا بما فيها ما اتفق بالحيلة التي نصبها عدو الله عمرو بن العاص، والمكيدة التي كاد بها لمّا أحسّ بالبوار وعلوّ كلمة أهل الحق، وأن معاوية وجنده مأخوذون قد علتهم السيوف ودنت منهم الحتوف، فعند ذلك وجد هؤلاء الأغنام طريقاً إلى الفرار وسبيلاً إلى وقوف أمر المناجزة ولعلّ منهم من دخل عليه الشبهة لبعده عن الحق وغلظ فهمه وظن أن الذي دعى إليه أهل
الشام من التحكيم والخديعة، فطالبوه علیه السلام بكفّ الحرب والرّضا بما بذله القوم فامتنع علیه السلام من ذلك امتناع عالم بالمكيدة ظاهر على الحيلة، وصرّح لهم بأن مكرٌ وخداع فأبوا ولجّوا، فأشفق علیه السلام في الامتناع عليهم والخلاف لهم، وهم جمة عسكره وأصحابه من فتنة صمّاء هی أقرب إليه من حرب عدوّه، ولم يأمن أن يتعدّى ما بينه وبينهم إلى أن يسلموه إلى عدوّه أو يسفكوا دمه فأجاب إلى التحكيم على مضض وودّ من كان قد أخذ بخناق معاوية وقارب تناوله وأشرف على التمكن منه حتّى أنّهم قالوا للأشتر رحمه الله تعالى وقد امتنع من ان یکف عن القتال وقد أحسّ بالظفر وأيقن بالنصر : أتحبّ أنّك ظفرت ههنا وأمير
المومنین علیه السلام عند رفعهم المصاحف اتقوا الله وامضوا على حقّكم فإن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن وأنا أعرف بهم منكم قد صحبتهم أطفالاً ورجالاً فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال، أنّهم والله ما رفعوا المصاحف ليعملوا بها وإنّما رفعوها خديعة ودهاء ومكيدة، فأجاب علیه السلام إلى التحكيم دفعاً للشرّ القويّ بالشرّ الضعيف وتلافيا للضرر الأعظم بتحمل الضرر الأيسر.
وأراد أن يحكّم من جهته عبد الله بن العبّاس رحمة الله عليه، فأبوا عليه ولجّوا كما لجّوا في أصل التحكيم وقالوا: لا بدّ من يمانيّ مع مصريّ فقال علیه السلام : فضمّوا الأشتر وهو يماني إلى عمرو، فقال الأشعث بن قيس : الاشتر هو الذي طرحنا فيما نحن فيه، واختاروا
ابا موسى مقترحين له علیه السلام ملزمين له تحكيمه فحكمّهم فحكّمهما بشرط أن يحكما بكتاب الله تعالى ولا يتجاوزاه، وأنهما متى تعدّياه فلا حكم لهما، وهذا غاية التحرز ونهاية التيقظ، لأنا نعلم أنهما لو حكما بما في الكتاب لأصابا الحق وعلما أن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام أولى بالأمر، وأنّه لا حظّ لمعاوية وذويه في شيء منه، ولمّا عدلا إلى طلب الدّنيا ومكر أحدهما بصاحبه ونبذا الكتاب وحكمه وراء ظهورهما خرجا من التحكيم وبطل قولهما وحكمهما، وهذا بعينه موجود في كلام أمير المؤمنين علیه السلام لمّا ناظر الخوارج واحتجّوا عليه في التحكيم وكلّ ما ذكرناه في هذا الفصل من ذكر الأعذار في التحكيم، والوجوه المحسنة له مأخوذ من كلامه علیه السلام وقد روى عنه علیه السلام مفصّلاً مشروحاً.
«الجواب عن الشبهة الثانية»
فأمّا تحكيمهما مع علمه بفسقهما فلا سؤال فيه إذ كنّا قد بينا أن الإكراه وقع على أصل الإختيار وفرعه، وأنه علیه السلام اُلجيء إليه جملة ثمّ إلى تفصيله ولو خلّي علیه السلام واختياره ما أجاب إلى التحكيم أصلا ولا رفع السيف (1)عن أعناق القوم لكنّه أجاب إليه ملجئاً كما أجاب إلى من اختاره وبعينه كذلك وقد صرّح علیه السلام بذلك في كلامه حيث يقول : لقد أمسيت أميراً أصبحت مأموراً وكنت أمس ناهياً وأصحبت اليوم منهيّاً(2)، وكيف يكون التحكيم منه علیه السلام دالاً على الشك و هو علیه السلام ناهٍ عنه وغير راضٍ به ومصرّح بما فيه من الخديعة وإنّما يدلّ ذلك على شكّ من حمله عليه وقاده إليه.
وإنّما يقال : إنّ التحكيم يدلّ على الشك إذا كنّا لا نعرف سببه والحامل عليه، أو كان وجه له إلّا ما يقتضي الشك، فأمّا إذا كنا قد عرفنا ما اقتضاه وأدخل فيه وعلمنا أنّه علیه السلام ما أجاب إليه إلّا لدفع الضرر العظيم، ولأن يزول الشبهة عن قلب من ظنّ به علیه السلام أنه لا يرضى بالكتاب ولا يجيب إلى تحكيمه، فلا وجه لما ذكروه، وقد أجاب علیه السلام عن هذه الشبهة بعينها في مناظرتهم لما قالوا له: أشككت؟ فقال علیه السلام : أنا أولى بأن لا أشك في ديني أم النبي صلی الله علیه و آله و سلّم أو ما قال الله تعالى لرسوله: «قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49)».
وأمّا قول السائل فإنّه علیه السلام تعرض لخلع إمامته ومكّن الفاسقين من أن يحكما عليه بالباطل، فمعاذ الله أن يكون كذلك لأنا قد بيّنا أنّه علیه السلام إنما حكّمهما بشرط لو وفيا به وعملا عليه لأقرّا إمامته وأوجبا طاعته، لكنهما عدلا عنه فبطل حكمهما، فما مكّنهما مع خلع إمامته
ولا تعرض منهما لذلك، ونحن نعلم أن من قلّد حاكماً أو ولى أميراً ليحكم بالحق ويعمل بالواجب فعدل عمّا شرطه وخالفه لا يسوغ القول بأن من ولاّه عرضه للباطل ومكّنه من العدول عن الواجب، ولم يلحقه شيء من اللّوم بذلك بل كان اللّوم عائداً على من خالف ما شرط عليه.
الجواب عن الشبهة الثالثة
فأمّا تأخيره جهاد الظالمين وتأجيل ما يأتي من استيصالهم، فقد بينا العذر فيه وأن
أصحابه علیه السلام لا تخاذلوا وتواكلوا واختلفوا، وأن الحرب بلا أنصار وبغير أعوان لا يمكن، والمتعرض لها مغرر بنفسه وأصحابه.
«الجواب عن الشبهة الرابعة»
فأمّا عدوله عن التسمية بأمير المؤمنين واقتصاره على التسمية المجردة، فضرورة الحال دعت إليها، وقد سبقه إلى مثل ذلك سيّد الأوّلين والآخرين رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في عام الحديبية وقصته مع سهل بن عمرو وأنذره صلی الله علیه و آله و سلّم بأنّه سيدعى إلى مثل ذلك ويجب على مضض فكان كما أنذر وخبّر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم واللّوم بلا إشكال زائل عما اقتدى فيه بالرسول صلی الله علیه و آله و سلّم وهذه جملة تفصيلها بطول يطول وفيها لمن أنصف من نفسه بلاغ وكفاية.
«المسألة الثانية»
فإن قيل : فإذا كان علیه السلام من أمر التحكيم على ثقة ويقين فلم روي عنه علیه السلام أنّه كان يقول بعد التحكيم في مقام بعد آخر : لقد عثرت عثرة لا أنجبر سوف أكيس بعدها واستمرّ، وأجمع الرأي (1)الشتيت المنتشر أو ليس هذا إذعاناً بأن التحكيم جرى على خلاف الصواب؟
«الجواب»
قلنا قد علم كلُّ عاقل قد سمع الأخبار ضرورة أن أمير المؤمنين علیه السلام وأهله وخلصاء شيعته وأصحابه كانوا من أشدّ النّاس إظهاراً لوقوع التحكيم، من الصواب والسداد موقعه وأن الذي دعى إليه حسن والتدبير أوجبه وأنّه علیه السلام ما اعترف قطّ بخطأ فيه ولا أغضي عن الإحتجاج فيمن شك فيه وضعّفه كيف؟ والخوارج إنّما ضلّت عنه وعصته (2)وخرجت عليه
لأجل أنها أرادته على الإعتراف بالزلل في التحكيم فامتنع كلّ امتناع وأبى أشدّ إباءٍ وقد كانوا يقنعون منه ويعاودون طاعته ونصرته بدون هذا الذي أضافوه إليه علیه السلام من الإقرار بالخطأ وإظهار التّندم، وكيف يمتنع من شيء ويعترف بأكثر منه ويغضب من جزء ويجيب إلى كلّ هذا ممّا لا يظنه علیه السلام أحد ممّن يعرفه حقّ معرفته.
وهذا الخبر شاذّ ضعيف فإمّا أن يكون باطلاً موضوعاً أو يكون الغرض فيه غير ما ظنّه القوم من الإعتراف بالخطأ في التحكيم. فقد روى عنه علیه السلام معنى هذا الخبر وتفسير مراده منه، ونقل من طرق معروفة موجودة في كتب أهل السير أنّه علیه السلام لما سئل عن مراده بهذا الكلام قال : كتب إليّ محمّد بن أبي بكر بأن أكتب له كتاباً في القضاء يعمل عليه فكتبت له ذلك وأنفذته إليه فاعترضه معاوية فأخذه فتأسف (1)علیه السلام على ظفر عدوّه بذلك وأشفق من أن يعمل بما فيه من الأحكام، ويوهم ضعفة أصحابه أن ذلك ومن عنده فتقوى الشبهة به عليهم، وهذا وجه صحيح يقتضي التأسف والتّندم، وليس في الخبر المتضمن للشعر ما يقتضى أنّ تندّمه كان على التحكيم دون غيره وإذا جاءت رواية بتفسير ذلك عنه علیه السلام كان الأخذ بها أولى انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
هداية وإرشاد
قد ذكرنا بعضاً من الأشعار القديمة ممّن شهد صفّين مع أمير المؤمنين عليّ علیه السلام، وصفوه علیه السلام بأنّه وصيّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وعرّفوه بذلك وقائلوها سنام المسلمين من الصحابة وغيرهم، وكبارهم في صدر الإسلام وعليهم تثنّى الخناصر، وكذا نرى كثيراً من الأشعار يجلّ عن الأحصاء المقولة في وقعة الجمل وغيرها المتضمنة كونه علیه السلام وصيّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، ومن نظر فيها بعين الدراية والإنصاف رأى أن الحقّ ما ذهبت إليه الطائفة الحقّة المحقّة الإماميّة الاثنا عشرية وقاطبة الشيعة في خلافته وإمامته علیه السلام، لأن هذه الكلمة الصادرة من هؤلاء العظام مع قربهم بزمان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بل أدرك كثير منهم إيّاه، ممّا يعتني بها ويبجّلها من يطلب الحقّ ويبحث عنه ونحن نذكر شرذمة منها ههنا تذكرة وتنبيهاً لأولى الدراية والنهى ونذكر الأشعار وندع ذكر الوقائع التي قيل الشعر فيها، ففي كتاب «صفّين» لنصر بن مزاحم المنقري وهو من قدماء رجال الحديث مدحه الفريقان بالتوثيق (ص 12 الطبع الناصري) قال جریر أبياتاً منها :
اتانا كتاب عليّ فلم ***نردّ الکتاب بارض العجم
رسول الملیک ومن بعده *** خلیفتنا القائم المذ عم
1) في نسخة: فأسف.
عليّاً عنیت وصيّ النّبيّ *** یجالد عنه غوات الامم
له الفضل والسبق والمكرمات *** و بیت النبّوة لا یهتضم
وفيه (ص 15): ومما قيل على لسان الأشعث:
أتانا الرسول رسول علیّ *** فسرّ بمقدمه المسلمونا
رسول الوصي وصيّ النبی *** له الفضل والسبق في المؤمنينا
ثمّ قال : ومما قيل على لسان الأشعث أيضاً :
أتانا الرسول رسول الوصي *** علیّ المهذب من هاشم
رسول الوصیّ وصیّ النبیّ *** و خیر البریّة من قائم
وزیر النّبی و ذی صهره *** و خیر البریة فی العالم
وفيه (ص 28) كتب جرير إلى شرحبيل أبياتاً منها :
وما لعليّ في ابن عفّان سقطة *** بأمر ولا جلب عليه ولا قتل
وصيّ رسول الله من دون أهله *** وفارسه الأولى به يضرب المثل
وفي بعض النسخ: وفارسه الحامي به يضرب المثل.
وفيه (ص73) قال النجاشي:
رضینا بما يرضى عليّ لنا به *** وإن كان فيما يأت جدع المناخر
وصيّ رسول الله من دون أهله *** ووارثه بعد العموم الأكابر
وفيه (ص204) قال المغيرة بن الحارث بن عبد المطّلب :
وأيقنوا أن من أضحى يخالفكم *** أضحى شقيا وأضحى نفسه خسرا
فيكم وصيّ رسول الله قائدكم *** وأهله وكتاب الله قد نشرا
ولا تخافوا ضلالاً لا أبا لكم *** سيحفظ الدين والتقوى لمن صبرا
وفيه (ص 222) قال الفضل بن عباس :
وقلت له لو بايعوك تبعتهم *** فهذا عليّ خير حافٍ وناعلٍ
وصيّ رسول الله من دون أهله *** وفارسه إن قيل هل من مُنازل
وفيه (ص 25) قال أمير المؤمنين عليّ علیه السلام أبياتاً منها :
يا عجبا لقد سمعت منكراً *** كذباً على الله يشيب الشعرا
يسترق السمع ويخشي البصرا *** ما كان يرضى أحمد لو خبرا
إن يقرنوا وصيّه والأبترا *** شاني الرسول واللعين الأخزرا
وفيه (ص 191) قال النضر بن عجلان الأنصاري أبياتاً منها :
كيف التفرق والوصيّ إمامنا *** لا كيف إلا حيرة وتخاذلا
لا تعتبُنْ عقولكم لا خير في *** من لم يكن عند البلابل عاقلا
وذروا معاوية الغويّ وتابعوا *** دين الوصيّ لتحمدوه آجلاً
وفيه (ص202) قال عبد الرحمن بن ذويب الأسلمي أبياتاً منها :
يقودهم الوصيّ إليك حنى *** يرتك عن غواتك وارتياب
و من الأشعار التي تتضمّن هذه اللفظة وقيل في حرب الجمل ما قال غلام من بني ضبّة شاب معلّم من عسكر عائشة، خرج يوم الجمل وهو يقول:
نحن بنو ضبّة أعداء علي *** ذاك الذي يعرف قدماً بالوصيّ
وفارس الخيل على عهد النّبي *** ما أنا عن فضل عليّ بالعمی
لكنني أنعي بن عفّان التقی *** أنّ الولي طالب ثار الولی
وقال حجر بن عديّ الكندي في يوم الجمل :
يا ربّنا سلّم لنا عليّاً *** سلّم لنا المبارک الرضیّا
المؤمن الموحّد النقيّا *** لا خطل الرای ولا غویاً
بل هادياً موفقاً مهدياً *** واحفظه ربّي واحفظ النّبيا
فيه فقد كان له وليّاً *** ثم ارتضاء بعده وصياً
وما قال خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين وكان بدريّاً في يوم الجمل يخاطب عائشة من أبيات بعضها :
أعايشُ خلّي عن عليّ وعيبه *** بما ليس فيه إنما أنت والده
وصيّ رسول الله من دون أهله *** وأنت على ما كان من ذاك شاهده
وما قال خزيمة أيضاً :
ليس بين الأنصار في حجمة الحرب *** و بین العداة إلا الطعان
وقراع الكماة بالقصب البيض *** اذا ما تحطم المران
فادعها تستجب من الخزرج *** والاوس یا علی جبان
يا وصيّ النبيّ قد اجلت الحرب *** الاعادي وسارت الاظعان
واستقامت لك الأمور سوى *** الشام وفي الشام تظهر الأذعان
حسبهم ما رأوا وحسبك منا *** هكذا نحن حيث كنا وكانوا
وما قال عمرو بن أجنحة يوم الجمل خطاباً للحسن بن عليّ علیه السلام :
حسن الخير یا شبیه أبيه *** قمت فينا مقام خير خطيب
إلى أن قال :
وأبى الله أن يقوم بما قام *** به ابن الوصيّ وابن النجیب
أن شخصاً بين النّبيّ لك الخير *** و بین الوصیّ غیر مشوب
وما قال زجر بن قيس الجعفي في يوم الجمل :
أضربكم حتّى تقزوا لعليّ *** خیر قریش کلّها بعد النبيّ
من زانه الله وسمّاه الوصيّ *** أن الوليّ حافظ ظهر الولی
كما الغويّ تابع امر الغویّ
وقال الفضل بن عباس (كما في تاريخ الطبري 449 ج 3 طبع مصر 1357 هـ) في
أبيات له :
ألا إن خير النّاس بعد محمّد *** وصي النّبي المصطفى عند ذي الذكر
وأوّل من صلّى وصنو نبيّه *** وأوّل من أردى الغوات لدى بدر
وقال عمّار بن ياسر في الخطبة التي استنفر أهل الكوفة إلى أمير المؤمنين وصيّ
رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قال في أبيات له كما نقله الشيخ الأجل المفيد في الجمل ص 117 طبع النجف :
رضينا بقسم الله إذ كان قسمنا *** عليّاً وأبناء الرسول محمّد
أتاكم سليل المصطفى ووصيّه *** وأتتم بحمد الله عارضه الندى
وما قال زياد بن لبيد الأنصاري كان من أصحاب عليّ علیه السلام يوم الجمل من أبيات بعضها :
إنا أناس لا نبالي من عطب *** ولا نبالي في الوصيّ من غضب
وما قال عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي يوم الجمل:
یا قوم للخطة العظمى التي حدثت *** حزب الوصيّ وما للحرب من آسى
الفاصل الحكم بالتقوى إذا ضربت *** تلك القبائل أخماساً لأسداس
وما قال عبد الله بن أبي سفيان بن الحرب بن عبد المطلب :
منا عليّ ذاك صاحب خيبر *** وصاحب بدر يوم سالت کتائبه
وصيّ النبيّ المصطفى وابن عمه *** فمن ذا يدانيه ومن ذا يقاربه
وما قال عبد الرحمن بن جعيل :
لعمري لقد بايعتم ذا حفيظة *** على الدين معروف العفاف موفقا
عليّا وصيّ المصطفى وابن عمّه *** وأوّل من صلّى أخا الدين والتقى
وما قال أبو الهيثم التيهان وكان بدرياً من أبيات بعضها :
إن الوصيّ إمامنا وولينا *** برح الخفا وباحث الأسرار
وما قال عمر بن حارثة الأنصاري في محمّد ابن الحنفية يوم الجمل من أبيات بعضها :
سميّ النّبي وشبه الوصيّ *** ورأيته لونها العندم
وما قال رجل من الأزد يوم الجمل:
هذا علیّ وهو الوصیّ *** اخاه یوم النجوة النبی
وقال هذا بعدي الوليّ *** وعاه واع و نسی الشقی
وقال آخر:
إني أدين بما دان الوصيّ به *** يوم الخريبة من قتل المحلّينا
يالذي دان يوم النهر دنت به *** وشارکت کفّه كفّي بصفينا
تلك الدماء معا يا ربّ في عنقي *** ثمّ اسقني مثلها ثلها آمین آمینا
وقال أبو الأسود كما في الأغاني (ص 10 ج 7 طبع ساسي) :
أحبّ محمّداً حبّاً شديداً *** وعبّاساً وحمزة والوصيّا
وأتى بكثير من هذه الأبيات الشارح المعتزلي في ذيل شرح الخطبة الثانية من «النهج» أيضاً ونقلها عنه المجلسي الثاني في المجلد التاسع من (بحار الأنوار» (ص 364 الطبع الكمپاني) والسيّد عبد الحسين شرف الدين الموسوي في كتاب «المراجعات» (المراجعة 108).
وكذا نرى كثيراً من الأخبار والروايات المنقولة من الفريقين أنّه علیه السلام الذي لا يصدر إلا من نبيّ أو وصيّ وكفى في ذلك حديث الراهب، الذي بلغ في الشهرة حدّ الشمس في وسط السماء وأتى به علماء الكلام في كتبهم الكلامية، ومنهم نصير الملة والدّين المحقق
الطوسي في «التجريد»، وذكره في الشرح شراح الفريقين كالعلامة الحلّي وشمس الدين محمود بن أحمد الأصبهاني والفاضل القوشجي وغيرهم وقد أومأنا من قبل فذلكة ذلك الحديث من القوشجي ولا بأس بذكرها تفصيلاً لاشتماله على ضروب من المعجز، ظهرت من وصيّ خاتم الأنبياء فأسلم الراهب فاهتدى، هكذا يصنع الحقّ بأهله وأتى به نصر المتقدّم ذكره في كتاب «صفين» والمجلس في «البحار» والشارح المعتزلي في «شرح النهج» والشيخ السديد الملقب بالمفيد في «الإرشاد» وغيرهم مما يطول الكلام بعدّها وإحصائها فقال الشيخ المفيد :
ومن ذلك ما رواه أهل السير واشتهر الخبر به في العامة والخاصة، حتّى نظمه الشعراء وخطب به البلغاء ورواه الفهماء والعلماء من حديث الراهب بأرض كربلاء والصخرة وشهرته يغني عن تكلف إيراد الإسناد له، وذلك أن الجماعة روت أن أمير المؤمنين علیه السلام لما توجّه إلى صفّين لحق أصحابه عطش شديد ونفد ما كان عندهم من الماء، فأخذوا يمينا وشمالاً يلتمسون الماء فلم يجدوا له أثراً فعدل بهم أمير المؤمنين علیه السلام عن الجادّة وسار قليلاً فلاح لهم دير في وسط البريّة فسار بهم نحوه، حتّى إذا صار في فنائه أمر من نادى ساكنه بالإطلاع إليهم فنادوه فاطلع، فقال له أمير المؤمنين علیه السلام : هل قرب قائمك هذا من ماء يتغوث به هؤلاء القوم؟ فقال : هيهات بينى وبين الماء أكثر من فرسخين، وما بالقرب منّي شيء من الماء ولولا إنني أوتى بماء يكفيني كلّ شهر على التقتير لتلفت عطشاً . فقال أمير المؤمنين علیه السلام أسمعتم ما قال الراهب؟ قالوا: نعم، أفتأمرنا بالمسير إلى حيث أوماً إليه لعلّنا تدرك الماء وبنا قوة؟ فقال أمير المؤمنين علیه السلام: لا حاجة لكم إلى ذلك، ولوّى عنق بغلته نحو القبلة وأشار إلى مكان يقرب من الدير فقال لهم : اكشفوا الأرض في هذا المكان فعدل منهم جماعة إلى الموضع فكشفوه بالمساحى فظهرت لهم صخرة عظيمة تلمع، فقالوا : يا أمير المؤمنين ههنا صخرة لا تعمل فيها المساحى. فقال لهم : إنّ هذه الصخرة على الماء فإن زالت عن موضعها وجدتم الماء، فاجتهدوا في قلعها فاجتمع القوم وراموا تحريكها، فلم يجدوا إلى ذلك سبيلاً واستصعب عليهم فلمّا رآهم علیه السلام قد اجتمعوا وبذلوا الجهد في قلع الصخرة واستصعب عليهم، لوّى رجله عن سرجه حتّى صار على الأرض ثمّ حسر عن ذراعيه ووضع أصابعه تحت جانب الصخرة فحرّكها ثمّ قلعها بيده ودحى بها أذرعاً كثيرة، فلمّا زالت من مكانها ظهر لهم بياض الماء فبادروا إليه فشربوا منه فكان أعذب ماء شربوا منه في سفرهم وأبرده وأصفاه فقال لهم : تزوّدوا وارتووا ففعلوا ذلك .
ثمّ جاء علیه السلام إلى الصخرة فتناولها بيده ووضعها حيث كانت فأمر أن يعفي أثرها بالتراب والراهب ينظر من فوق ديره فلمّا استوفي، علم ما جرى نادى أيّها النّاس أنزلوني أنزلوني فاحتالوا في إنزاله، فوقف بين يدي أمير المؤمنين علیه السلام فقال له : يا هذا أنت نبيّ مرسل؟ قال : لا . قال : فملك مقرب؟ قال : لا قال فمن أنت؟ قال: أنا وصي رسول الله
محمّد بن عبد الله خاتم النبيّين صلی الله علیه و آله و سلّم قال : ابسط يدك أسلم الله تبارك وتعالى على يديك فبسط أمير المؤمنين علیه السلام يده وقال له : اشهد الشهادتين فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمّد عبده ورسوله أشهد أنّك وصيّ رسول الله وأحق النّاس بالأمر من بعده، فأخذ أمير المؤمنين علیه السلام عليه شرائط الإسلام.
ثمّ قال علیه السلام له : ما الذي دعاك الآن إلى الإسلام بعد طول مقامك في هذا الدير على الخلاف؟ قال : أخبرك يا أمير المؤمنين إنّ هذا الدير بنى على طلب قالع هذه الصخرة ومخرج الماء من تحتها وقد مضى عالم قبلي فلم يدركوا ذلك، وقد رزقنيه الله عزّ وجلّ، إنا نجد في كتاب من كتبنا وناثر من علمائنا أن في هذا الصفع عينا عليها صخرة لا يعرف مكانها إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ وأنّه لا بدّ من وليّ الله يدعو إلى الحقّ آيته معرفة مكان هذه الصخرة وقدرته على قلعها وإنّي لمّا رأيتك قد فعلت ذلك تحققت ما كنا ننتظره وبلغت الأمنيّة منه، فأنا اليوم مسلم على يديك ومؤمن بحقّك ومولاك فلمّا سمع ذلك أمير المؤمنين علیه السلام بكى حتّى اخضلّت لحيته من الدموع وقال : الحمد لله الذي لم أكن عنده منسيّاً الحمد لله الذي كنت في كتبه مذكوراً .
ثمّ دعى علیه السلام النّاس فقال لهم : اسمعوا ما يقول أخوكم المسلم، فسمعوا مقاله وكثر حمدهم الله وشكرهم على النعمة التي أنعم بها عليهم في معرفتهم بحقّ أمير المؤمنين علیه السلام. ثمّ ساروا والراهب بين يديه في جملة أصحابه، حتى لقي أهل الشام وكان الراهب في جملة من استشهد معه فتولى علیه السلام الصلاة عليه ودفنه وأكثر من الاستغفار له وكان إذا ذكره يقول : ذاك مولاي(1).
ثمّ قال المفيد رحمه الله تعالى : وفي هذا الخبر ضروب من المعجز أحدها علم الغيب والثاني القوة، التي خرق العادة بها وتميز بخصوصيّتها من الأنام مع ما فيه من ثبوت البشارة به في كتب الله الأولى وذلك مصداق قوله تعالى «ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ» وفي مثل ذلك يقول السيّد إسماعيل بن محمد الحميري رحمه الله في قصيدته البائية المذهبّة :
ولقد سرى فيما يسير بليلة *** بعد العشاء بكربلا في موكب
حتّى أتى متبتّلاً في قائم *** القى قواعده بقاعٍ مُجدب
ياتيه ليس بحيث يلقي عامراً *** غير الوحوش وغير أصلع أشيب
فدنی فصاح به فأشرف مائلاً *** كالنصر فوق شظية من مرقب
1) الإرشاد: 3371، والمستجاد من الإرشاد: 133.
هل قرب قائمك الذي بوئته *** ماء يصاب فقال ما من مشرب
إلا بغاية فرسخين ومن لنا *** بالماء بين نقي وقي سبسب
فشنی الأعنّة نحو عث فاجتلی *** ملساء تلمع كاللجين المذهب
قال اقلبوها أنكم إن تقلبوا *** ترووا ولا تروون إن لم تقلب
فاعصو صبوا في قلعها فتمنّعت *** منهم تمنّع صعبة لم تركب
حتّى إذا اعيتهم أهوى لها *** كفّا متى ترد المغالب تغلب
فكانها كُرة بكفّ خزورٍ *** عبل الذراع دحى بها في ملعب
فسقاهم من تحتها متسلسلاً *** عذباً يزيد على الالذّ الاَعرب
حتّى إذا شربوا جميعا ردّها *** ومضى فخلت مكانها لم يقرب
وزاد فيها ابن ميمونة قوله :
وأیات راهبها سريرة معجز *** فيها وآمن بالوصىّ المنجب
ومضى شهيدا صادقا في نصره *** أكرم به من راهبٍ مترهب
اعنى ابن فاطمة الوصىّ ومن يقل*** في فضله وفعاله لا يكذب
رجلا كلا طرفيه من سام وما*** حامٌ له بابٍ ولا باب أبٍ
من لايفرّ ولا يرى في معرك***الا وصارمه الخضيب المضرب
ثم ّ الظاهر من كتاب «صفين» لنصر أن هذه الرواية التي نقلناها من الشيخ المفيد قدّس سرّه ملفقّة من روايتين، وكذا الظاهر أن إحداهما ما نظمها الحميري والأخرى ما نظمها ابن ميمونة، وذلك لأن نصر بن مزاحم روى أوّلاً رواية الراهب والصّخرة، ولم يذكر إن هذا الراهب استشهد معه علیه السلام بصفين.
ثمّ روى رواية أخرى من راهب آخر في مكان آخر لم يكن فيه ذكر صخرة وماء أصلاً بل الراهب أتى بكتاب فقرأه عنده علیه السلام.
وبعض ما ذكرنا من المفيد في ذيل تلك الرواية أتى به نصر في ذيل هذه الرواية، ولا بُعد في تعدد تلك الواقعة لأنه كانت في نواحي الجزيرة، وبلادها الواقعة في مسيره علیه السلام ديورة كثيرة وفيها رهبان كما صرّحت ونصّت بذلك الكتب الجغرافيّة القديمة، ومنها - كتاب حدود العالم من المشرق إلى المغرب المؤلف في 372 من الهجرة (ص 91 طبع الطهران 1352 هـ) مع أن إحداهما وقعت في ظهر الكوفة من العراق والأخرى في الرقة من بلاد الجزيرة .
ولا بأس بنقل ما في كتاب نصر (ص 77 الطبع الناصري) لأن كتاب الراهب يليق أن يقرأ على ظهر القلب : نصر عبد العزيز بن سباء عن حبيب بن أبي ثابت قال أبو سعيد التميمي المعروف بعقيصا: قال: كنا مع عليّ في مسيره إلى الشام حتّى إذا كنا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد قال: عطش الناس واحتاجوا إلى الماء فانطلق بنا عليّ علیه السلام حتّى أتانا على صخرة ضرس من الأرض كأنّها ربضة عنز ثمّ أمرنا فأكفاناها عليه وسار النّاس حتّى إذا مضينا قليلاً، قال عليّ علیه السلام منكم أحد يعلم مكان هذا الماء الذي شربتم منه؟ قالوا : نعم يا أمير المؤمنين فانطلقوا إليه فانطلق منا رجال ركبانا ومشاة فاقتصصنا الطريق حتّى انتهينا إلى المكان الذي نرى أنّه فيه قال : فطلبناها فلم نقدر على شيء حتى إذا عيل علينا انطلقنا إلى دير قريب منّا فسألناهم أين الماء الذي هو عندكم؟ قالوا: ما قربنا ماء قالوا: بلى إنا شربنا منه، قالوا: أنتم شربتم منه؟ قلنا : نعم. قال : ما بنى هذا الدير إلا لذلك الماء وما استخرجه إلا نبيّ أو وصيّ نبيّ .
قال نصر : ثمّ مضى أمير المؤمنين علیه السلام حتّى نزل بأرض الجزيرة فاستقبله بنو تغلب والنمر بن قاسط بالجزيرة، ثمّ سار أمير المؤمنين علیه السلام حتّى أتى الرقة وجلّ أهلها عثمانية - إلى أن قال : قال عمر بن سعد : حدّثني مسلم الملائي عن حبة عن عليّ علیه السلام قال : لما نزل على الرّقة بمكان يقال له : بليخ على جانب الفرات فنزل راهب من صومعة فقال لعليّ : أن عندنا كتاباً توارثناه عن آبائنا كتبه عيسى ابن مريم أعرضه عليك؟ قال عليّ علیه السلام : نعم فما هو؟ قال الراهب :
بسم الله الرحمن الرحيم الذي قضى فيما قضى وسطر فيما سطر، أنّه باعث في الأمیّين رسولاً منهم يعلّمهم الكتاب والحكمة ويدلّهم على سبيل الله، لا فظّ ولا غليظ ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيّئة السيّئة ولكن يعفو ويصفح أمّته الحمّادون الذين يحمدون الله في كلُ نشز، وفي كلِّ صعود وهبوط، تذل ألسنتهم بالتهليل والتكبير وينصره الله على كلّ من ناواه، فإذا توفاه الله اختلفت أمّته ثمّ اجتمعت فلبثت بذل ما شاء الله ثمّ اختلفت فيمر رجل من أمّته بشاطىء هذا الفرات يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويقضي بالحق، ولا يرتشي في الحكم. الدنيا أهون عليه من الرماد في يوم عصفت الريح والموت أهون عليه من شرب الماء على الظماء، يخاف الله في السرّ وينصح له في العلانية، ولا يخاف في الله لومة لائم، من أدرك ذلك النّبي من أهل هذه البلاد فآمن به كان ثوابه رضواني والجنّة، ومن أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره فإن القتل معه شهادة .
ثم قال الراهب: فأنا مصاحبك غير مفارقك حتّى يصيبني ما أصابك، قال حبّة فبكى عليّ علیه السلام ثمّ قال : الحمد لله الذي لم يجعلني عنده منسيّاً الحمد الله الذي ذكرني في كتب
الأبرار. ومضى الراهب معه وكان فيما ذكروا يتغدّى مع عليّ ويتعشى حتّى أصيب يوم صفّين، فلمّا خرج النّاس يدفنون قتلاهم قال عليّ علیه السلام : اطلبوه فلمّا وجدوه صلّى عليه ودفن وقال هذا منّا أهل البيت واستغفر له مراراً(1).
«خاتمة في كلمة صفين»
(صفّين) بكسر الصاد وتشديد الفاء كسجّين موضع على الفرات من الجانب الغربي بطرف الشام كما في مجمع البحرين للطريحي وفي كتاب حدود العالم السابق ذكره قال : الرقة والرائقة بلدتان عظيمتان مخضرّتان متصلتان على شاطىء الفرات ووقعت حرب صفّين في حدودهما من الجانب الآخر من الفرات وهي اسم غير منصرف للتأنيث والتعريف ولا تقبل حرف التعريف اعني كلمة أل والشواهد في ذلك ما قال عمرو بن الحمق الخزاعي:
یقول عرسی لما أن رأت أرقى *** ماذا يهيجك من أصحاب صفينا
الست في عصبة يهدي الإله بهم *** أهل الكتاب ولا بغيا يريدونا
وما قال النعمان عجلان الأنصاري :
سائل بصفّين عنّا عند وقعتنا *** وكيف كان غداة المحك نبتدر
وما قال آخر كما مرآنفاً :
لا يقال : تأنيثها غير لازم لجواز أن تعبّر بالمكان والموضع ونظائرهما لأنا نقول : إنّهم لما وجدوها غير منصرف، وفحصوا عن العلتين المانعتين عن الصرف ولم يجدوا غير العلمية سبياً آخر عبّروها بالأرض والبقعة ونظائرها حتّى يتمّ السببان كما فعلوا بعمر وزفر. واختلفوا في نونها أهي أصلية أم زائدة فمال الجوهري في «الصحاح» والفيروزآبادي في «القاموس» والأكثر إلى الأوّل حيث ذكروها في باب النون من كتبهم اللغويّة والأدبية فعلى هذا وزنها فعّيل كضلّيل من صفين الفرس صفوناً من باب ضرب إذا قام على ثلاث قوائم وطرف حافر الرابعة، أو من صفن القوم إذا صفوا لأقدامهم لا يخرج بعضها من بعض ومن صفن الرّجل إذا صفّ قدميه والآخرون إلى أنها زائدة فهي فعلين من الصفّ كالغسلين من الغسل حيث ذكروها في باب الفاء. فعلى الأول صيغت للمبالغة كنظائرها من سكّيت وخرّيت وظلّيم
وضلّيل، لكثرة الخيل والرّجال في تلك الوقعة الدالة بالكناية على كثرة الفارس والراجل .
1) المسترشد : 668 338، وبحار الأنوار: 427/32.
وعلى الثاني أيضاً يمكن أن يقال إن الياء والنون زيدتا فيها مبالغة لكثرة الصفوف في تلك الوقعة على ضابطة كثرة المباني تدلّ على كثرة المعاني، فعلى التقديرين التسمية بها تكون بعد وقوع تلك الوقعة العظيمة فيها، وكم لها من نظير وإنّما الكلام في أنّ قبل هذه التّسمية بماذا كانت سمّيت؟ هل كان لها اسم فترك أو لم تسمّ باسم خاص رأساً؟ فحصنا ولم نجد في ذلك شيئاً، وكلما وجدنا في تسمينها بصفّين إنّما كان متأخراً عن تلك الوقعة، على أنّه لا يهمّنا والعلم عند الله تعالى .
وإنّما أطنبنا الكلام في شرح هذه الخطبة لاشتمال تلك الوقعة على مطالب أنيقة مفيدة، من اخلاقية واجتماعيّة وحكميّة وكلاميّة ينتفع الكل بذي الموائد، ولأن كثيراً من كتبه علیه السلام ورسائله الآتية ككثير من خطبه الماضية تتعلق بصفّين، وبذلك سهل الخطب لنا في تفسير ما يأتي إن شاء الله المعين الوهاب، مع أنا فيما قدمنا أتينا بكثير من خطبه وكلماته لم يأت بها الشريف الرضي رضوان الله عليه في «النهج». وكم من خطبة وكتاب وكلمة حكمة منه علیه السلام جمعنا مع الأسانيد والمصادر، وكذا وجدنا مصادر كثير ممّا في «النهج» والسند فيها يكون ببالي أن ألحقها في آخر شرحنا على «النهج»، بعنوان مستدرك النهج ومصادرها. إن أخذ التوفيق بيدي وساعدني الدهر بعون ربّي.
از جمله خطبه بلاغت نظام آن قدوه انام (علیه السلام) در شأن حکمین ابوموسی اشعری و عمرو عاص و در مذمت اهل شام است.
(شامیان از پیروان معاوية بن ابي سفیان بودند و به قتال با امیر مؤمنان علی (علیه السلام) برخاستند و در صفین مدّتی مدید کارزاری شدید کردند و از دو سپاه بسیار کشته شدند و بیست و پنج تن از صحابه پیغمبر (صلی الله علیه و آله و سلّم) که عمار یاسر از آن جمله بود و در رکاب ظفرانتساب امیرالمؤمنین در اعلای کلمه حق و نصرت دین جهاد میکردند به درجه رفیعه شهادت رسیدند و رسول اکرم به اتفاق شیعه و سنّی به عمّار فرمود: "إنّما تقتلك الفئة الباغية"؛ يعنى اى عمّار تو را گروه ستمکار میکشند" که در جنگ صفین لشکر معاویه وی را بکشتند. سرانجام لشکر معاویه شکست خوردند و چون آثار ذلّ و انکسار در خود مشاهده کردند به حیلت و خدعت عمرو عاص عیّار قرآنها نیزهها نیزه ها برافراشتند و فریاد زدند "کتاب الله بيننا وبينكم"، اهل عراق که لشکر علی (علیه السلام) بودند جز تنی چند آن پیشنهاد را پذیرفتند و هر چه امیرالمؤمنین ایشان را نصیحت کرد که این خدعت است و فریب نخورید فایده نکرد. عاقبت در حباله حیلت عمرو در افتادند و اتفاق کردند که هر يك از فریقین حکمی انتخاب کنند و به حکم آن دو تسلیم شوند، اهل شام عمروعاص را برگزیدند و اهل عراق ابوموسی را امیرالمؤمنین (علیه السلام) از این رأی روی در هم کشید و موافق رأی بلندش نیامد و گفت: "فادفعوا في صدر عمرو بن العاص بعبدالله بن عبّاس" ولی سربازان گول از رأی امیر سرباز زدند تا دیدند آن چه که دیدند).
خطبه :
اهل شام ستمکارانی ناکس و بندگانی پست اند گردآمده از هرسوی و برچیده آمیخته اند. گروهی که باید آنان را دین و ادب و دانش آموخت و به کارهای ستوده واداشت و بر آنان ولی گمارد و دستشان را گرفت تا خودسری و خودکامی نکنند (یعنی کودکان و سفیهان،اند کجا آنان را رسد که زمام امور امّت در دست
گیرند و در کار دین و ملت پای پیش نهند) نه از مهاجراند و نه از انصار و نه از
آن نصاری که پیش از هجرت پیغمبر (صلی الله علیه و آله و سلّم) در مدینه بودند و اسلام آوردند.
آگاه باشید که این قوم، یعنی اهل شام، حکم برای خودشان عمروعاص را
برگزیدند که نزديك ترين مردم است بدانچه که دوست دارند و شما ای مردم عراق، حکم برای خودتان ابوموسی را اختیار کردید که نزدیکترین مردم است بدانچه ناخوش دارید (اهل شام دوست داشتند که بر مردم عراق مستولی گردند و عمرو عاص در وصول به این غرض از همه بهتر و نزدیکتر برای آنان بود و مردم عراق از همان که شامیان میخواستند کراهت داشتند و ابو موسی نزديكترين افراد
ابوموسى بود به آنچه که اینان ناخوش می ،داشتند یعنی ابوموسی به پیروزی اهل شام و شکست اهل عراق از همه مایل تر و نزديكتر بود یا از بلاهت غریزی او که بالاخره در دام مکر و حیله عمرو عاص افتاد و یا از عداوتی که با امیرالمؤمنین على (علیه السلام) داشت در کمین انتقام بود، چنانکه در تفسیر خطبه شرح داده ایم).
سپس حضرت در مقام احتجاج برآمده و فرمود:
یادداری که عبدالله قيس (ابوموسی اشعری عبدالله بن قیس است) دیروز (یعنی در جنگ جمل) میگفت: این فتنه ای است، پس زه های کمان را ببرید و شمشیرها را در غلاف کنید کنایه (کنایه از این که از جنگ حذر کنید و دست بدارید، در این باره از پیغمبر روایتی نقل کرده که در شرح تذکر داده ایم) اگر راست گفت، پس اینکه بدون اکراه آمد و در فتنه افتاد و به لشکر عراق پیوست به خطا رفت و
و در اگر دروغ، گفت فاسق است. (در هر حال چنین کسی را در امر دین و ملت حکم قرار دادن و به او اعتماد کردن قبیح است) پس دفع کنید (بزنید و دور سازید) سینه عمرو عاص را به عبدالله عباس (یعنی عبدالله بن عباس را حکم قرار دهید که او میتواند با عمروبن عاص برابری کند و با او برآید و از اغراض شومش جلوگیری کند) و فرصت را از دست مدهید و مرزهای کشورهای اسلامی را حفظ کنید آیا نمیبینید که دشمنان به شهرهای شما روی آوردند و سنگ شما را هدف گرفته اند؟ (یعنی در شما طمع کردهاند که آهنگ جنگ و قصد اضمحلال استقلال شما دارند).
هُمْ عَيْشُ العِلم ومَوْتُ الْجَهْلِ . يُخْبِرُكُمْ عِلْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ وَصَمْتُهُمْ عَنْ حِكْم (أو - حُكْم) مَنْطِقِهِمْ لا يُخالِفُونَ الْحَقِّ وَلاَ يَخْتَلِفُونَ فيهِ هُمْ دَعائِمُ الإِسْلامِ ووَلائِجُ الإِعْتِصامِ. بِهِم عادَ الْحَقَّ في نصابه، وانْزاحَ الْبَاطِلُ عَنْ مَقامِه، وانْقَطَعَ لِسانُهُ عَنْ مَنْبَتِهِ عَقَلُوا الدِّينَ عَقْلَ وعاءٍ ورِعاية، لا عَفْلَ سَماعِ وَروايَةٍ. فَإِنَّ رُواةَ الْعِلْمِ كَثيرٌ، وَرُعاتَهُ قَليلٌ(1).
من باب
(دعائم) جمع الدعامة بكسر الدال وهي عماد البيت، يقال دعم الشيء دعماً، من باب منع إذا أسنده عند ميله أو لئلا يميل، و(الاعتصام) التمسك. قال الله تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا» أي تمسّكوا به. (ولائج) جمع وليجة وهي بطانة الرجل وخاصّته وصاحب سرّه الذي يتّخذه معتمداً عليه من غير أهله يكاشفه بأسراره ثقةً بموذته ويقال بالفارسية: دوست همراز ومنه قوله تعالى: «وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً» (نصاب) الشیء: أصله وحده ومرجعه ومستقره، (انزاح) من الزوح أي زال وذهب. (وعاء) بكسر أوّله
وقد يضم ناقص يائيّ بمعنى الظرف يوعي فيه الشيء سمّي بذلك لأنَّه یجمع ما فيه من المتاع يقال : وعي الشيء يعيه وعياً إذا حواه وجمعه ووعي الحديث إذا حفظه وتدبّره. وقد يبدل واو وعاء بالهمزة فيقال إعاء .
ثمّ إن عبارة المتن في عدّة من نسخ النهج من المطبوعات المصريّة والإيرانيّة وشروحها المتداولة هكذا: عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع ورواية. ولكن الصواب ما ضبطناه في المتن أعني كون كلمة «وعاء» مكان «وعاية» ووعاية تحريف وتصحيف من النساخ، ولما رأوا كلمة رعاية بعدها غيّروا الوعاء بالوعاية ظنّا منهم أنّ الكلام يزيد به حسناً، وأن الأصل كان كما ظنّوا وكم من نظير لمّا ذكرنا من خطأ النسّاخ وتحريفهم، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، وما علموا أن من المحسنات البديعيّة في كلامه علیه السلام مشابهة قوله «وعاءٍ ورعاية» بقوله «سماع ورواية»، فإن الجمع بين وعاء وسماع ممّا يسمى في علم البديع جناس مضارع لتقارب الهمزة والعين في المخرج نحو قوله تعالى: «وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ
1) مشكاة الأنوار : 437، ومنية المريد : 37 .
وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ»[الانعام : 26] وكقوله صلی الله علیه و آله و سلّم : الخيل معقود بنواصيها الخير(1). والجمع بين رعاية ورواية يسمى طباقاً. على أن اللغة لا تساعد ما في النسخ، وكم النسخ، وكم فحصنا في كثير من كتب الأدب والمعاجم المتداولة فما وجدنا من وعي أن يأتي وعاية مصدراً أو غير مصدر.
الضميران في مقامه ومنبته يرجعان إلى الباطل، ويمكن أن يرجعا إلى الحق وسيعلم الوجه فيها عند الشرح إن شاء الله تعالى.
الفاء في قوله علیه السلام : (فإن رواة العلم كثير) فصيحة تنبيء عن محذوف يدلّ عليه ما قبلها، وكأن الجملة جواب عن سؤال مقدّر والتقدير : إنّما وصفهم بأنّهم عقلوا الدين هكذا، فاجيب بقوله علیه السلام : لأن رواة العلم كثير ورعاته قليل.
وجاء في بعض النسخ: كلمة الواو مكان الفاء، أي وإن رواة العلم كثير ولكن الصواب ما اخترناه.
قد ذكر علیه السلام قريباً من هذه الخطبة في ذيل الخطبة الخامسة والأربعين والمائة وهو قوله علیه السلام: واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتّى تعرفوا الذي تركه ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتّى تعرفوا الذي نقضه ولن تمسكوا به حتّى تعرفوا الذي نبذه فالتمسوا ذلك عند أهله فإنهم عيش العلم وموت الجهل هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم وصمتهم عن منطقهم وظاهرهم عن باطنهم لا يخالفون الدّين ولا يختلفون فيه فهو بينهم شاهد صادق وصامت ناطق».
اعلم أنه علیه السلام ذكر أوصاف آل محمد صلی الله علیه و آله و سلّم في عدة مواضع من النهج :
(1) في آخر الخطبة الثانية: هم موضع سرّه ولجاء أمره وعيبة علمه وموئل حكمه، وكهوف كتبه وجبال دينه بهم أقام انحناء ظهره وأذهب ارتعاد فرائضه.
(2) منها في ذيل تلك الخطبة أيضاً : لا يقاس بال محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم من هذه الأمة أحد ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدّين وعماد اليقين إليهم يفيء الغالي
1) من لا يحضره الفقيه : 283/2ح 2459، ووسائل الشيعة : 470/11 ح 15285.
وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصيّة والوراثة الآن إذ رجع الحقّ إلى أهله ونقل إلى منتقله .
(3) الخطبة الرّابعة: بنا اهتديتم في الظلماء وتسنمتم العلياء وبنا انفجرتم عن السرار وقر سمع لم يفقه الواعية - إلى أن قال في آخرها: ما شككت في الحق مذاريته لم يوجس موسى خيفة على نفسه اشفق من غلبة الجهّال ودول الضّلّال، اليوم تواقفنا على سبيل الحقّ والباطل من وثق بماء لم يظمأ.
(4) في ذيل الخطبة الخامسة والتسعين : وإنّي لعلى بيّنة من ربّي ومنهاج من نبیّي وإنّي لعلى الطريق الواضح ألقطه لقطاً، انظروا أهل بيت نبيّكم فالزموا سمتهم واتبعوا أثرهم فلن يخرجوكم من هدى ولن يعيدوكم في ردى، فإن لبدوا فالبدوا وإن نهضوا فانهضوا ولا تسبقوهم فتضلوا ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا . لقد رأيت أصحاب محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم فما أرى أحداً منكم يشبههم لقد كانوا يصبحون شعثا غبراً قد باتوا سجّداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم ويقفون على مثل الجمر، من ذكر معادهم كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتّى تبلّ جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاء للثواب.
(5) في ذيل الخطبة الثامنة والتسعين: ألا إن مثل آل محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم كمثل نجوم السماء إذا خوى نجم طلع نجم، فكأنكم من الله فيكم الصنائع وأراكم ما كنتم تأملون.
(6) في الخطبة الثانية والأربعين والمئة: أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً علينا، أن رفعنا الله ووضعهم وأعطانا وحرمهم وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطي الهدى ويستجلي العمى إنّ الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم.
(7) في ذيل الخطبة الخمسين والمئة : قد طلع طالع ولمع لامع ولاح لائح واعتدل مائل واستبدل الله بقوم قوماً وبيوم يوماً وانتظرنا الغير انتظار المجدب المطر، وإنّما الأئمة قوّام الله على خلقه وعَرفاءه على عباده لا يدخل الجنّة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النّار إلا من أنكرهم وأنكروه، إن الله تعالى خصّكم بالإسلام واستخلصكم له وذلك لأنّه سلامة وجماع كرامة، اصطفى الله تعالى منهجه وبيّن حججه من ظاهر علم وباطن حكم، لا تفني غرائبه ولا تنقضي عجائبه فيه مرابيع النعم ومصابيح الظلم، لا تفتح الخيرات إلّا بمفاتحه ولا تكشف الظلمات إلّا بمصابيحه، قد أحمى حماه وارعى مرعاه فيه شفاء المشتفى وكفاية المكتفي.
(8) في ذيل الخطبة 152: نحن الشعار والأصحاب والخزنة والأبواب، ولا تؤتى البيوت إلا من أبوابها فمن أتاها من غير أبوابها سمّي سارقاً .
(9) في ذيل هذه الخطبة أيضاً في فصل على حدة: فيهم كرائم القرآن وهم كنوز الرّحمن، أن نطقوا صدقوا وإن صمتوا لم يُسبقوا - إلى آخرها .
(10) في الخطبة 92: حتّى أفضت كرامة الله سبحانه إلى محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم فأخرجه من : أفضل المعادن منبتاً، وأعز الارومات مغرساً من الشجر التي صدع منها أنبياءه وانتجب منها امناءه، عترته خير العتر وأسرته خير الأسر وشجرته خير الشجر، نبتت في حرم وبسقت في كرم لها فروع طوال وثمرة لا تنال - إلى آخر الخطبة .
(11) في الخطبة 187 : لا يقع اسم الهجرة على أحد إلا بمعرفة الحجة في الأرض فمن عرفها وأقرّ بها فهو مهاجر، ولا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجة فسمعتها أذنه ووعاها قلبه للإيمان، إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، ولا يعي حديثنا إلا صدور أمينة وأحلام رزينة أيّها النّاس سلوني قبل أن تفقدوني فلأني بطرق السّماء أعلم منّي بطريق الأرض، قبل أن تشعر برجلها فتنة تطأ في خطامها وتذهب بأحلام قومها .
(12) في ذيل الخطبة 188 : فإنّه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق ربّه، وحقّ رسوله وأهل بيته مات شهيداً ووقع أجره على الله . إلى آخرها .
(13) في الحكمة 147 : اللّهم بلى لا تخلو الأرض من قائم الله بحجة إما ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبيناته وكم ذا وأين ،أولئك، أولئك والله الأقلون عدداً ،والأعظمون يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتّى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بابدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله ، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه آه آه شوقاً إلى رؤيتهم.
فنقول : ذكر علیه السلام في هذه الخطبة آل محمّد الله بأوصاف ينبغي القاري العالم البصير الطالب للحق أن ينظر فيها نظر دقة وتأمل وفكرة حتّى يزداده بصيرة وإيماناً ويهديه سبيل الحقّ ويُهديه فرقاناً. والمقام يناسب البحث والتحقيق في الإمامة واختيار القول الصدق والمذهب الحق.
واعلم أن هذه المسألة من أعظم المسائل الخلافية بين المسلمين بل لا يبعد أن يقال:
ان جمیع الاختلافات الدينيّة متفرع عليها، وقال محمّد الشهرستاني الأشعري المتوفي - 548 هـ في أوائل «الملل والنحل»: أوّل شبهة وقعت في الخليقة شبهة إبليس لعنه الله، ومصدرها استبدادها بالرأي في مقابلة النص واختياره الهوى في معارضة الأمر، واستكباره بالمادة التي خلق منها وهي النّار على مادة آدم علیه السلام وهي الطين - إلى أن قال: فأوّل تنازع في مرضه (يعني رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم) فيما رواه محمّد بن إسماعيل البخاري بإسناده عن عبد الله بن عبّاس قال : لمّا اشتدّ بالنّبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم مرضه الذي مات فيه قال : ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدی فقال: عمر ان رسول الله قد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله، وكثر اللغط فقال النّبي صلی الله علیه و آله و سلّم :
قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع قال ابن عبّاس : الرزية كلّ الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله - إلى أن قال الشهرستاني : وأعظم خلاف بين الأُمّة خلاف الإمامة، إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينيّة مثل ما سلّ على الإمامة في كلّ زمان.
لا يخفى أن المسلمين بل سائر الأمم أيضاً متفقون في افتقار النّاس إلى إمام للعلم الضروري، من أن حال النّاس عند وجود الرؤساء المطاعين، وانبساط أيديهم ونفوذ أوامرهم ونواهيهم وتمكنهم من الحلّ والعقد والقبض والبسط والإحسان والإساءة وغيرها، مما ينتظر به أمور معاشهم ومصالح معادهم، لا يجوز أن يكون حالهم إذا لم يكونوا في الصلاح والفساد، وهذا مما جبل عليه النّاس واستقر في عقولهم وقلوبهم، ولا يصل إليه يد انكار ولا یکابر فيه أحد ولذا تر أحد، ولذا تر أن العقلاء من كلّ قوم يلتجئون إلى نصب الرؤساء دفعاً للمفاسد الناشئة على فرض عدمهم وإنّما الكلام في الرؤساء وصفاتهم مما يدلّ عليه العقل الناصع، سواء كان في ذلك سمع أو لم يكن فالمسألة تحتاج إلى تجريد للعقل وتصفية للفكر وتدقيق للنظر، ومجانبة المراء وتقليد الآباء فإن التقليد الداء العيّاء والحذر عن التعصب والخيلاء والانقطاع عن الوساوس والهواجس العاميّة، وحقّ التأمّل في المسألة حتّى يتضح الحق حقّ الوضوح ونعم ما قال الشاعر :
وتعلم قد خسرنا أو ربحنا *** إذا فكرت في أصل الحساب فنقول : إن العقل حاكم بحسن البعثة لاشتمالها على فوايد كثيرة، وسنذكر طائفة منها من ذي قبل إن شاء الله، وبوجوبها على الله تعالى لاشتمالها على اللطف واللطف واجب. وبأن النّبي يجب أن يكون منصوصاً عليه من الله تعالى ومبعوثاً من عنده بالبيّنات ومعصوماً من العصيان والسهو والنسيان ومنزهاً عن كلّ ما ينفر الطبع عنه، وأفضل من سائر النّاس في جمیع الصفات الكماليّة من النفسانية والبدنيّة حتّى تحنّ القلوب إليه ويتمّ الحجة على النّاس.
ثمّ نعلم أن النّبوة ختمت بخاتم النّبيّين محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم وشريعته نسخت سائر الشرائع، ودينه هو الحقّ وحلاله حلال إلى قيام الساعة لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزیل
من حكيم حميد بمعانيه وحقائقه والفاظه، ولئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، وإذا جرّنا العقل إلى هنا فنقول : أولاً لا بد للدين من حافظ في كل عصر، وثانياً على ما علم قبل أنّ المستقر في العقول، إذا كان للنّاس إمام مرشد مطاع في كل عصر يخافون سطوته ينتصف للمظلوم من الظالم ويردع الظالم عن ظلمه، ويحفظ الدين ويمنع الناس عن التهاوش والتحارب، وما تتسارع إليه الطباع من المراء والنزاع، ويحرضهم على التناصف والتعادل والقواعد العقلية والوظائف الدينية، ويدرء المفاسد الموجبة لاختلال النظام في أمورهم عنهم ويحفظ المصالح ويلمّ شعث الاجتماع ويدعوهم إلى وحدة الكلمة ويقوم بحماية الحوزة ورعاية البيضة وانتظام أمور المعاش والمعاد ويكون لهم في كل واقعة دينية ودنيويّة حصن حصين وحافظ أمين ويتوعّدهم على المعاصي ويحملهم على الطاعات ويعدهم عليها ويصدع بالحق إذا تشاجر الناس في حكم من أحكام الله لكانوا إلى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد، حتى قيل : إن ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن، وما يلتثم بالسنان لا ينتظم بالبرهان، وبالجملة في وجوده استجلاب منافع لا تحصى واستدفاع مضار لا تخفى .
وبعد ذلك فنقول : إن العقل يدلّ على أنّ الله تعالى مريد للطاعة وكاره للمعصية، وأنّ الله ليس بظلام للعبيد، وعلمنا مع وجود ذلك الرئيس الإمام المطاع أنه كان النّاس إلى فعل الطاعة أقرب ومن فعل المعصية أبعد، ولنسمّ ما يقرب العبد إلى الطاعة ويبعّده عن المعصية من غير الجاء باللطف، وهل هو واجب عقلاً على الله أم لا؟ إن قلنا لا يجب عليه تعالي مع أن إيقاع الطاعة وارتفاع المعصية يتوقفان على اللطف كما علمت وم أنه تعالى يريد الأولى ويكره الثانية، ويعلم أن المكلف لا يطيعه إلا باللطف فكان ناقضاً لغرضه ونقض الغرض قبيح عقلاً، والعقلاء يذمون من أراد من غيره فعلاً، وهو يعلم أن ذلك الغير لا يفعل مطلوبه إلا مع إعلامه أو إرسال إليه، وأمثال ذلك، ممّا يتوقف حصول المطلوب عليه ولا يعمل ما يعلم بتوقف المطلوب عليه فلا محيص إلا القول بوجوبه عليه تعالى عقلاً، ولذلك إن العقل
، يحكم بأن البعثة لطف، فواجبة على الله تعالى على أن كل ما يعلمه الله تعالى من خير وصلاح في نظام العالم وانتظام أمور بني آدم يجب منه تعالى صدوره، لأن علمه بوجوه الخير والنظام سبب للايجاب فيجب نصب الإمام من الله سبحانه في كل زمان.
فلو قلنا أنّ النّبوة رئاسة إلهيّة في أمور الدّين والدّنيا، وكذلك لمن يقوم مقامه نيابة عنه بعده، رئاسة عامة إلهيّة فيهما، لما قلنا شططاً فكل ما دلّ على وجوب النّبوة ونصب النبي وتعيينه على الله فهو دال كذلك على القائم مقامه بعده إلّا في تلقي الوحي الإلهي، ولنسمّ القائم مقام النبيّ بالإمام، وإن كان النبي إماماً أيضاً بذلك المعنى الذي اشير إليه، وسيأتي البحث في تحقيق معنى الإمامة والنّبوّة في تفسير قوله تعالى: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ
فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا» [البقرة : 124] الآية إن شاء الله تعالى .
وإن شئنا ثنينا عنان البيان إلى التفصيل والتبيين، فإن من تيسّر له الاستبصار في هذا الأمر الخطير فقد فاز فوزاً عظيماً وإلا فقد خسر خسراناً مبيناً فنقول : إن العقل لما دل على أن وجود الإمام لطف للنّاس في ارتفاع القبيح وفعل الواجب وحفظ الدين، وحمل الرعيّة على ما فيه مصالحهم وردعهم عما فيه مفاسدهم، فهل يجوّزه العقل أن يكون عالماً ببعض الأحكام دون بعض، وإن كان في النّاس من هو أعلم وأفضل منه في الصفات الكماليّة، وهل يأمر الله بالطاعة المطلقة لمن يجوز عليه الخطأ ويصدر عنه الذنوب ويسهو وينسي، ويرتكب ما ينفر الطبع عنه، ومن يكون نقص في خلقته وعيوب في بدنه ينزجر وينفر النفس عن مصاحبته ومجالسته ومكالمته ومن يكون غير منصوص عليه منه تعالى أو من نبيّه؟ فهذه أُمور في المقام يليق أن يبحث فيها من حيث اقتضاء العقل ،وحكمه، فإن العقل هو المتبع في أمثال تلك الأمور.
فنقول: بعدما استقرت الشريعة وثبتت العبادة بالأحكام، وأن الإمام إمام في جميع الأمور وهو الحاكم الحاسم لموادّ النزاع، ومتولي الحكم في سائر الدّين، والقائم مقام النّبيّ وفرعه وخليفته، وحجة في الشرع فلا بدّ من أن يكون موصوفاً بصفات النّبيّ وشبيها له في الصفات الكمالية وعالماً بجميع الأحكام، حتّى يصّح كونه خليفةً له ويحسم به النزاع في حكم من الأحكام، وفي سائر الأمور وإلّا فيقبح عند العقلاء خلافة من ليس بصفات المستخلف، لأن غرضه لا يتمّ به، وذلك كما أن ملكاً من الملوك إن استوزر من ليس بعارف بأمر السياسة، التي بها تنتظم أمور مملكته وجيوشه ورعاياه وغيرها ذمّة العقلاء بل عدّوه من السفهاء، بل كما أن أحدنا لو يفوض صنعة إلى رجل لا يعرفها استحق اللوم والازراء من العقلاء، فكذا في المقام مع أنّ المقام أهمّ بمراتب منهما كما لا يخفى على البصير العاقل وهذا ممّا مجرد العقل كاف في إيجابه.
وأيضاً أن أحد ما احتيج فيه إلى الإمام، كونه مبينا للشرع وكاشفاً عن ملتبس الدين وغامضه، فلا بد من أن يكون في ضروب العلم كاملاً غير مفتقر إلى غيره، فولاة أمر الله خزنة علمه وعيبة وحيه، وإلا يتطرّق التغيير والتبديل في دين الله، ولذا صرّح الشيخ الرئيس في آخر «الشفاء» في الفصل في الخليفة والإمام : أنّ الإمام مستقل بالسياسة وأنّه أصيل العقل، حاصل عنده الأخلاق الشريفة من الشجاعة والعفة وحسن التدبير وأنّه عارف بالشريعة حتّى لا أعرف منه.
ثمّ إنّ الإمامة رئاسة عامّة فلو لم يكن الإمام متصفاً الكمالات والفضائل وأكمل وأفضل من كلّ واحد من أهل زمانه، وكان في الرعيّة من هو أفضل منه للزم تقديم المفضول
على الأفضل، وهل يرتضي العقل بذلك؟ أرأيت أنّ العقلاء لا يذّمون من رجّح المفضول على الفاضل؟ وهل تقدّم أنت مبتدءاً في فنّ على من مارسه وتبحّر فيه؟ وهل يجوّز عقلك ويرضي بأن الله الحكيم يقدّم المفضول المحتاج إلى التكميل على الفاضل المكمّل؟ جرّد نفسك عن العصبيّة والمراء وتقليد الأمهات والآباء، فانظر بنور البصيرة والحجى في كلامه تعالى «أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَن لَا يَهْدِى إِلَّا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» [يونس : 35] ولما كان المطلوب من إرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الحجج تعليم النّاس الحكمة، وتزكيتهم من الأرجاس وإقبالهم إلى عالم القدس، فأيّ مصلحة يقتضيها التكليف في تقديم المفضول على الأفضل، أليس هذا العمل نفسه بقبيح، وهل القبيح إلا ما فيه مفسدة؟ أرأيت هل قدّم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وغيره من الأنبياء والكاملين وأولي النهي والملوك والأمراء مفضولاً على فاضل في واقعة قطّ، ولو فعل واحد ذلك أما يلومه العقلاء؟ هل تجد خبراً ورواية أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قدّم على أمير المؤمنين علیه السلام غيره، وهل قدّم على سلمان سلام الله عليه عثمان بن مظعون مثلاً، ونعلم أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لمّا نعيت إليه نفسه أمر أسامة على أبي بكر وعمر وحث على خروج الكلّ من المدينة ولعن المتخلف عن جيش أسامة، فكان أسامة في أمر الحرب وسياسة الجند وتدبير العسكر أفضل منهما وإلا لما قدمه عليهما، ولو كان بالفرض عليّ علیه السلام معهم هل يقدّم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أسامة على عليّ علیه السلام؟ ما أرى مسلماً بصيراً بصيراً في عليّ علیه السلام وأسامة أن يرضى بذلك بل يعده قبيحاً جداً، فإنّه لا يشك ذو بصيرة ودراية في أنّ أمير المؤمنين عليّاً علیه السلام كان الصحابة كالمعقول بين المخسوس، ونسبته إليه كنسبة النور إلى الظلمات ونسبة الحياة إلى الممات، فتشهد الفطرة السليمة على قبح تقديم المفضول على الفاضل.
ثمّ لو كان الإمام عاصياً عن أمر الله تعالى ومذنباً سواء كانت الذنوب صغيرة أو كبيرة فنقول :أوّلاً : أنّه لما كانت العلة المحوجة إلى الإمام هي ردّ الظالم عن ظلمه والانتصاف للمظلوم منه، وحمل الرعيّة على ما فيه مصالحهم وردعهم عما فيه مفاسدهم ونظم الشمل و جمع الكلمة، فلو كان مخطئاً مذنباً لاحتاج إلى آخر يردعه عن ظلمه، فإن الذنب ظلم وننقل الکلام إلى ذلك الآخر فإن كان معصوماً من الذنوب وإلا لزم عدم تناهي الائمة.
وأيضاً إنّ الله تعالى لعن الظالم ونهى عن الظلم، وحذّر عن الركون إلى الظلمة بقوله «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ» [هود : 113] وكذا أمر بالطاعة المطلقة للإمام، فلو كان الإمام مذنباً لكان ظالماً فيلزم التناقض في قوله تعالى عن ذلک.
وأيضاً إنّ الإمام لما كان قدوة في الدّين والدُّنيا مفترض الطاعة من الله، ولو ارتكب المعصية تتضاد التكاليف على الأمة، فإن اتبعته الأمة في المعصية فعصوا الله وإن خالفوه فيها فعاصية أيضاً.
وأيضاً لو صدرت المعصية عنه هل يجب الإنكار عليه أم لا؟ فعلى الأوّل يلزم أن يكون مأموراً ومنهياً عنه مع أنّه إمام آمر وناه، فليزم إذاً سقوط محله من القلوب فلا تتقاده النفوس في أمره ونهيه فتنتفي الفائدة المطلوبة من نصبه، وعلى الثاني يلزم القول بعدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ مع أنّهما واجبان عقلاً وسمعاً وأجمع الكلّ بوجوبهما، ومعلوم بالضرورة أن فعل القبيح وترك الواجب لا يصدر إلا ممن لا يكون معصوماً، فإن العصمة هی القوّة القدسيّة النورية العلمية اللائحة من صبح أزل العناية الموجبة للإعتدال الخلقي والخلقي والمزاجي المتعلقة بمثالب العصيان في الدارين، الحاصلة بشدة الاتصال وكمال الارتباط بمبدء العالم وعالم الأرواح فمن بلغ إلى تلك الغاية ورزق تلك القوّة لا يحوم حول العصيان ولا يتطرق إلى حريم وجوده السهو والنسيان فإن تلك القوّة رادعة إياه عن العصيان وذلك العلم الحضوري والانكشاف التام يمنعه عن السهو والنسيان، فلو لم يكن الإمام ذا عصمة ليصدر منه القبيح قولاً وفعلاً، فإذن لا بد أن يكون معصوماً.
ونعم ما استدلّ المتكلم النحرير هشام بن الحكم على عصمة الإمام، فلنذكره لعظم فائدته في المقام.
روى الشيخ الجليل محمّد بن علي بن بابويه المشتهر بالصدوق في باب الأربعة من كتابه المسمى ب- «الخصال» عن محمّد بن أبي عمير قال : ما سمعت ولا استفدت ولا استفدت من هشام بن الحكم في صحبتي له شيئاً، أحسن من هذا الكلام في عصمة الإمام، فإني سألته يوماً عن الإمام أهو معصوم؟ فقال: نعم، فقلت : فما صفة العصمة فيه وبأي شيء يعرف؟ فقال: إن جميع الذنوب أربعة أوجه لا خامس لها: الحرص والحسد والغضب والشهوة فهذه منفية عنه. ولا يجوز أن يكون حريصاً على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه لأنّه خازن المسلمين فعلى ماذا يحرص؟
ولا يجوز أن يكون حسوداً لأن الإنسان إنّما يحسد من فوقه وليس فوقه أحد فكيف يحسد من هو دونه؟
ولا يجوز أن يغضب لشيء من أُمور الدُّنيا إلا أن يكون غضبه الله عزّ وجلّ، فإن الله عزّ وجلّ قد فرض عليه إقامة الحدود، وأن لا تأخذه في الله لومة لائم ولا رأفة في دينه حتّى يقيم حدود الله عزّ وجلّ.
ولا يجوز أن يحبّ أُمور الدُّنيا لأن الله حبّب إليه الآخرة كما حبّب إلينا الدُّنيا، وهو ينظر إلى الآخرة كما ننظر إلى الدُّنيا ، فهل رأيت أحداً ترك وجهاً حسناً لوجه قبيح، وطعاماً
طيّباً لطعام مرّ، وثوباً ليّناً لثوب حسن ونعمة دائمة باقية لدنيا زائلة فانية؟ انتهى كلامه رفع مقامه ولله درّه(1).
أقول : ولا يخفى أن هذا الدليل جار في عصمة النّبي صلی الله علیه و آله و سلّم أيضاً بل بطريق أولى.
ثمّ إنّ الشيخ الرئيس كأنّما أخذ من هذا ما قال هذا ما قال في النمط التاسع من الإشارات في مقامات العارفين حيث قال في آخره العارف هشّ بشّ بسام يبجّل الصغير من تواضعه، كما يبجّل الكبير وينبسط من الخامل مثل ما ينبسط من النّبيه وكيف لا يهشّ وهو فرحان بالحقّ وبكلّ شيء، فإنّه يرى فيه الحقّ وكيف لا يستوى والجميع عنده سواسية، أهل الرحمة قد شغلوا بالباطل - إلى أن قال : العارف شجاع وكيف لا وهو بمعزل عن تقيّة الموت، وجوَّاد وكيف لا وهو بمعزل عن محبة الباطل، وصفاح وكيف لا ونفسه أكبر من أن تخرجها زلّة بشر، ونسّاء للأحقاد وكيف لا وذكره مشغول بالحقّ - إلى آخر ما قال.
ثمّ إذا ثبت أنّ الإمام حجة في الشرع وبقاء الدين والشريعة موقوف على وجوده وجب عقلاً، لا ينفي عنه ما يقدح في ذلك وينفر عنه منه السهو والنسيان، وإلا فإذا حكم في واقعة وبيّن حكم الله لا تطمئن به القلوب لإمكان السهو والنسيان فيه، فإذا كان حافظاً للشرع ولم يكن معصوماً منهما لما آمن في الشرع من الزيادة والنقصان والتغيير والتبديل. ولم يحصل الوثوق بقوله وفعله وذلك ينافي الغرض من التكليف، وكذلك إذا لم يكن منزهاً من سائر ما تنفر الطباع عنها، لا تميل النفوس إليها ولا تشتاق إلى حضرته لنيل السعادة ودرك الحقائق، فلا يتم حجة الله على خلقه بل الفطرة السليمة والرويّة المستقيمة والنفوس الكريمة تأبى عن طاعة من ارتكب ما تنفر عنه، من أنواع المعاصي والفواحش والكبائر ولو في سالف عمره وتاب بعد ذلك .
وأيضاً لا خلاف بين المسلمين إن الإمام هو المقتدى به في جميع الشريعة، وإنّما الخلاف في كيفيته فإذا كان هو المقتدا به في جميع الشريعة وواجب علينا الإقتداء به فلو لم يكن مأموناً منه فعل القبيح لم نأمن في جميع أفعاله ولا أقل في بعضها ممّا يأمرنا به، ويدعونا إليه في الحدود والديات والقصاص وسائر أحكام العبادات والمعاملات أن يكون قبيحاً، و من هو مأمون منه فعل القبيح هو المعصوم لا غير فيجب أن يكون الإمام معصوماً .
ثمّ إذا علم معنى العصمة فلا بد من أن يكون الإمام منصوباً من عند الله أو من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أو من إمام قبله لأن العصمة أمر خفي باطني، تمييزه خارج عن طوق البشر ولا إطلاع لأحدهم عليها ولا يعلمها إلّا الله تعالى على أنّه لا خلاف ولا نزاع بين الأمة في
1) بحار الأنوار: 19225، ومواقف الشيعة: 108/2.
أن الإمامة دافعة للضرر وأنّها واجبة، وإنّما النزاع في تفويض ذلك إلى الخلق، لما في ذلک من الاختلاف الواقع في تعيين الأئمة، فيؤدّي إلى الضرر المطلوب زواله ولذا قال الشيخ الرئيس في آخر الهيات الشفاء في الفصل الخامس من المقالة العاشرة في الخليفة والإمام: والاستخلاف بالنص أصوب فإن ذلك لا يؤدّي إلى التشعب والتشاغب والاختلاف.
ولما كانت هذه المسألة من أهم المسائل واكتفى بعض الناس فيها بالإقناعيات والخطابيات بل بالوهميات التي لا اعتداد بها في نصب الإمام، واطفأوا نور العقل وعطلوه عن الحكم والقضاء ومالوا عن الجادة الوسطى، وجانبوا الأدلة القطعية العلمية والأصول اليقينية البرهانية، ألهمت أن أسلك طريقة أخرى عقلية في تقريرها وتحريرها عسى أن يذكّر من تيسّر لليسرى فنقول : وبالله التوفيق وبيده أزمة التحقيق: العقول حاكمة بأنّ أحوال العالم كلّها إنما قامت على العدالة، وبأن الأنبياء بعثوا ليقوم النّاس بالقسط، وبالعدل قامت السماوات والأرض، وبه ينتظم جميع أمور النّاس، وبه يصير المدينة مدينة فاضلة وبالعدالة المطلقة يعطى كلّ ذي حق حقّه، وبه تحصل الكمالات العلميّة والعمليّة المستلزمة لنيل السعادة الأبدية، والقرب إلى عالم القدس والإيصال إلى المعبود الحق، وهو سبب الفوز والنجاة في الدُّنيا والآخرة، ولولا العدل لاختل نظام العالم ونظم اجتماع بني آدم، وتعطل الحدود والحقوق واستولى الهرج والمرج وفسد أمر المعاش والمعاد، ولزم غيرها من المفاسد التي لا تعد ولا تحصى فالناس يحتاجون في كل زمان إلى إمام خيّر مطاع، حافظ للدين عن التغيير والتبديل والزيادة والنقصان ويكون هادي الأمة إلى ما فيه الفلاح والنجاح ورادعهم عن العدول عن الصراط المستقيم والإنحراف عن النهج القويم وعن الميل إلى الأهواء المردية والآراء المغوية، وسائقهم إلى طريق الاستقامة التي لا ميل فيها، إلى جانبي الإفراط والتفريط فإن اليمين والشمال مضلّة والوسطى هي الجادّة، ومعطي كلّ ذي حق حقه ومقيم الحدود ومؤدي الحقوق والعدل في كلّ شيء هو وضع ذلك الشيء في موضعه أي إعطاء كل ذي حق حقه بحسب استعداده واستحقاقه، وإعطاء كل ذي حق حقه يحتاج إلى العلم بحقائقهم وقدر استحقاقهم واستعدادهم والإطلاع على الكليات والجزئيات وإحاطتها على ما هي عليه وهي غير متناهية فهي غير معلومة إلا لله تعالى ولخلفائه الذين اصطفاهم فالإمام الذي بيده أزمة العدل والحكم والكتاب يجب أن يكون خليفته في الأرض وخليفته منصوب من عنده ومعصوم من العيوب مطلقاً .
وكذا مستكن في القلوب ومتقرر في الحكمة المتعالية أن النفس بالطبع منجذبة إلى محبة مشاهدة النور الأكمل والعلم الأتمّ، وكلما كان الكمال أعلى والنور أسنى والعلم أتمّ
والنفس أطهر كانت النفوس إليه أطوع وميلها إليه أشدّ وأكثر، ولما كانت العصمة هی العدالة المطلقة الرادعة عن الانحراف والظلم، وكان الغرض الأقصى من الخلافة هو تكميل النفوس بانقيادها للإمام، فيجب أن يكون الإمام معصوماً حتّى يتحقق الغرض المطلوب منه وغير المعصوم ناقص بالضرورة عن كمال الإعتدال في القوى الثلاث أي الحكمة والشجاعة والعفة المستلزمة للعدالة المطلقة، فإذا كان ناقصاً عنه يضلّ عن صراط الله المستقيم ولو في حكم جزئي، والناقص المشتمل على الإنحراف عن الصراط المستقيم لا يليق أن يكون واسطة الخلق إلى الحقّ وقائماً بهدايتهم، وبالجملة إن الإمام منصب إلهي يتوقف على كمال عقله النظري والعملي والسلامة عن العيوب والعصمة عن الذنوب، ليهلك من هلك عن بيّنة و یحیی من حیّ عن بیّنة، وإلى ما حققناه وحرّرناه أشار طائفة من المتألهين من الحكماء في أسفارهم بأن الأرض لا يخلو من حجة إلهيّة قط.
قال الشيخ الرئيس في آخر الفصل الخامس من المقالة العاشرة من إلهيات «الشقاء» في الخليفة والإمام ووجوب طاعتهما بعد البحث عن الفضائل : ورؤوس هذه الفضائل عفة وحكمة وشجاعة، ومجموعها العدالة، و وهي خارجة عن الفضيلة النظرية، ومن اجتمعت له معها الحكمة النظريّة فقد سعد، ومن فاز ذلك بالخواص النبويّة كاد أن يصير ربّاً إنسانياً، وكاد أن يحل عبادته بعد الله تعالى وهو سلطان العالم الأرضي وخليفة الله فيه.
بيان : إنّما عبر الإمام بقوله (ربّا إنسانياً) لأن حجة الله على خلقه لما كان بشراً واسطة بين الله وعباده، لا بد من أن يكون مؤيداً من عند الحكيم العليم بالحكمة العملية والنظريّة، غير مشارك للناس على مشاركته لهم في الخلق بكرامات إلهيّة وأمور قدسيّه وصفات ملكوتية، فعبّر الشيخ عن الجهتين أعني الجهة البشريّة والجهة الألوهيّة بقوله : ربّاً إنسانياً.
قال الشيخ شهاب الدين السهروردي: لا يخلوا العالم من الخليفة الذي سماه أرباب المكاشفة، وأرباب المشاهدة القطب، فله الرياسة وإن كان في غاية الخمول، وإن كانت السياسة بيده كان الزمان نورانيا، وإذا خلي الزمان عن تدبير مدّبر إلهي كانت الظلمات غالبة .
وقال في شرح «النصوص»: لا يزال العالم محفوظاً ما دام فيه هذا الإنسان الكامل أن الخليفة ظاهرة بصورة مستخلفه في خزائنه، والله يحفظ صورة خلقه في العالم فإنّه طلسم الحفظ، من حيث مظهريّته لأسمائه واسطة تدبيره بظهور تأثيرات أسمائه فيها .
وسيأتي من كلام أمير المؤمنين علیه السلام لكميل بن زياد: اللّهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة، إمّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبيّناته، وكم ذا وأين أولئك، أولئك والله الأقلون عدداً والأعظمون قدراً، يحفظ الله حججه وبيّناته حتّى يودعوها نظرائهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا
روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدّنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى أولئك خلفاء الله في أرضه والدّعاة إلى دينه (1)
تنبيه : قد علم مما قدمنا في الحجج الإلهية أن العقل لا يجوز تأثير السحر فيهم، وغاية ما يستفاد من الأخبار المذكورة في جوامع الفريقين، أن بعض الناس كلبيد بن أعصم اليهود مثلاً إنّما سحر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وأمّا أن سحره أثر فيه أثراً فممنوع، فإن الأصل المتبع في تلك الأمور هو العقل، فما وافقه وإلاّ وافقه وإلاّ يعرض عنه. وما ورد من تأثير السحر فيهم كما في نقل : أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم مرض من سحر لبيد بن أعصم، وفي آخر : كان النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم يرى أنّه يجامع وليس يجامع وكان يريد الباب ولا يبصره حتّى يلمسه بيده من زيادات النقلة والرواة، فإن دأب النّاس في أمثال هذه الواقعة على زيادة ما يستغرب ويتعجب منه.
قال الطبرسي في «المجمع» : وهذا (يعني تأثير السحر فيه صلی الله علیه و آله و سلّم) لا يجوز لأن من وصف بأنّه مسحور، فكأنه قد خبل عقله، وقد أبى الله سبحانه ذلك في قوله «وَقَالَ الظَّالِمُونَ إن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا» [الإسراء: 47 - 48] ولكن يمكن أن يكون اليهودي أو بناته على ما روي اجتهدوا في ذلك فلم يقدروا عليه، وأطلع الله نبيّه صلی الله علیه و آله و سلّم على ما فعلوه من التمويه حتّى استخرج (يعني استخرج سحر لبيد من بئر ذروان) وكان ذلك دلالة على صدقه، وكيف يجوز أن يكون المرض من فعلهم ولو قدروا على ذلك لقتلوه، وقتلوا كثيراً من المؤمنين مع شدّة عداوتهم لهم.(2)
ومن تدّبر وتأمل فيما حرّرنا من وجود الإمام وأوصافه عقلاً، درى أنّه يجب أن يكون عالماً بالسياسة وبجميع أحكام الشريعة، وكلّ ما يحتاج إليه الناس في تكميل نفوسهم ونظام أمورهم، وأفضل من كلّ واحد من رعيّة عصره، وأن وجوده لطف فيجب أن يكون منصوصاً عليه ومنصوصاً من عند الله تعالى ومعصوماً عن الذنوب ومنزهاً عن العيوب وعن كلّ ما يتنفر عنه الطبع السليم. فمن أخذت الفطانة بيده سعد وإلا فمن لم يجعل الله له نوراً فماله من نور .
واعلم إنّما حداني على الإتيان بتلك الأخبار والبحث فيها، ما رأيت فيها من
احتجاجات أنيقة، مشتملة على براهين كلية عقلية في إثبات المطلوب، لا من حيث أنّها أخبار أردنا إيرادها في المقام والتمسك بها تعبداً، كما أن الآيتين وافينان للرشاد والسّداد، لوتدبّرنا فيهما بالعقل والاجتهاد والمرجوّ أن ينظر فيها القارى الكريم الطالب للرشاد حق النظر وتدبّر فيها حق التدبر، لعله يوفق بالوصول إلى الدين الحقّ، فإن الدين الحقّ واحد، قال عز من قائل : «وماذا بعد الحق إلا الضلال» [يونس : 32) - «وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتفَرقَ بِكُم عَن سَبِيلِهِ» [الانعام: 153] . ثمّ ليعلم أن الآيات والأخبار في الدلالة على ذلك أكثر منها ولكنّا اكتفينا بها روماً للاختصار.
أمّا الآيتان فأوليهما : قوله عز وجلّ (البقرة الآية 124) «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ».
أقول : الإمام هو المقتدى به كما يقال إمام الصلاة لأنّه يقتدى به، ويأتم به، وكذلك يقال للخشبة التي يعمل عليها الاسكاف إمام، من حيث يحذر عليها، وللشاقول الذي في يد البناء إمام من حيث إنّه يبنى عليه ويقدر به، ولا كلام في أن الإمام الذي نصبه الله تعالى لعباده مقتدى به في جميع الشريعة وبه يهتدون والإمام هادي النّاس بأمر الله تعالى وكفى في ذلك شاهداً قوله تعالى في كتابه الكريم : «وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا» [الأنبياء : 72، 73] وقوله تعالى: «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ» [السجدة: 24] حيث قرن الإمامة بالهداية التي هي بأمر الله تعالى، أي الإمام يهدي الناس إلى سواء السبيل بأمره تعالى وسنوضح ذلك مزيد إيضاح .
ثمّ أنّه ذكر غير واحد من المفسرين كالنيسابوري وصاحب المنار وغيرهما، أن المراد بالإمامة الرسالة والنّبوة، وقال الأول: الأكثرون على أن الإمام ههنا النّبي لأنّه جعله إماماً لكلّ النّاس، فلو لم يكن مستقلاً بشرع كان تابعاً لرسول ويبطل العموم، ولأن إطلاق الإمام يدل على أنّه إمام في كلّ شيء، والذي يكون كذلك لا بدّ أن يكون نبيّاً، ولأن الله تعالى سمّاه بهذا الاسم في معرض الإمتنان فينبغي أن يحمل على أجل مراتب الإمام كقوله تعالى : «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا» [الأنبياء : 73] لا على من هو أدون ممن يستحق الإقتداء به في الدين كالخليفة والقاضي والفقيه وإمام الصلاة ولقد أنجز الله تعالى هذا الوعد فعظّمه فی عيون أهل الأديان كلّها، وقد اقتدى به من بعده من الأنبياء في أصول مللهم، «ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا» [النحل: 123]، وكفى به فضلاً أن جمیع امة محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم يقولون في صلاتهم : اللّهم صل على محمّد وآل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم. (انتهى).
أقول : الصواب أن إبراهيم علیه السلام فاز بالإمامة بعد ما كان نبيّاً، والإمامة في الآية غير النّبوة، وذلك لوجهين: الأوّل : أن جاعل عمل في قوله تعالى (إماماً) أعني أن إماماً مفعول ثان لقوله (جاعلك) واسم الفاعل إنّما يعمل عمل الفعل وينصب مفعوله، ولا يضاف إليه، إذا كان بمعنى الحال أو الحال أو الإستقبال، وأما إذا كان بمعنى الماضي فلا يعمل عمل الفعل كذلك ولا يقال زيد ضارب عمراً أمس، نعم إذا كان صلة لأل فيعمل مطلقاً كما حقق في محلّه .
حكي أنّه اجتمع الكسائي وأبو يوسف القاضي عند الرشيد فقال الكسائي : أبا يوسف لو قتل غلامك فقال رجل أنا قاتل غلامك بالإضافة، وقال آخر : أنا قاتل غلامك بالتنوين، فأيهما كنت تأخذ به؟ فقال القاضي كنت أخذتهما جميعاً. فقال الكسائي : أخطأت إنّما يؤخذ بالقتل الذي جرّ دون النصب، والوجه فيه أن اسم الفاعل المضاف بمعنى الماضي، فيكون إقراراً، وغير المضاف يحتمل الحال والإستقبال أيضاً فلا يكون إقراراً. وما نحن فيه من قبيل الثاني كما لا يخفى .
وبالجملة إذا كان اسم الفاعل يعمل عمل فعله إذا لم يكن بمعنى الماضي، فالآية تدل على أنّه تعالى جعل إبراهيم إماماً إما في الحال أو الاستقبال وعلى أي حال كانت النّبوة حاصلة له قبل الإمامة فلا يكون المراد أو الإستقبال وعلى أي حال كانت النّبوة حاصلة له قبل الإمامة، فلا يكون المراد بالإمامة في الآية النبوة.
وفي «الكافي» عن الصادق علیه السلام وفي (الوافي ص 17 م 2) قال : إنّ الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبيّاً وإن الله اتخذه نبيّاً قبل أن يتخذه رسولاً، وإن الله اتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً، وإن الله اتخذه خليلاً قبل أن يتخذه (1)إماماً، فلما له الأشياء قال إنّي جاعلك للناس إماماً، فمن عظمها في عين إبراهيم قال : ومن ذريتي؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين، قال لا يكون السفيه إمام التقى. انتهى(2).
فرتب هذه الخصال بعضها على بعض لاشتمال كلّ لاحق منها على سابقه مع زيادة، حتى انتهى إلى الإمامة المشتملة على جميعها فهي أشرف المقامات وأفضلها.
وفيه أيضاً قال أبو عبد الله علیه السلام : الأنبياء والمرسلون على أربع طبقات: فنبيّ منبأ في نفسه لا يعد وغيرها، ونبيّ يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاينه في اليقظة، ولم يبعث إلى أحد وعليه إمام مثل ما كان إبراهيم على لوط، ونبيّ يرى في منامه ويسمع الصوت
ويعاين الملك وقد أرسل إلى طائفة قلّوا أو كثروا كيونس قال الله تعالى ليونس: «وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون» [الصافات: 147] وقال: يزيدون ثلاثين ألفاً وعليه إمام، والذي يرى فی منامه و یسمع الصوت ويعاين في اليقظة وهو إمام مثل أولى العزم، وقد كان إبراهيم علیه السلام نبيّاً وليس بإمام، حتّى قال الله : إنّي جاعلك للناس إماماً قال : ومن ذريّتي فقال الله : لا ينال عهدي الظالمين من عبد صنماً أو وثنا لا يكون إماماً(1).
الوجه الثاني أن الآية تدلّ على أن الله تعالى لما ابتلاه واختبره بأنواع البلاء جعله إماماً، ومن أبين البلاء له ذبح ولده إسماعيل كما قال تعالى : «فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) «فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ - الی ان قال - إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106)» [الصافات: 101 - 106] ووهبه الله إسماعيل في كبره كما قال في السورة المسماة باسمه «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ» :[إبراهيم: 39] فكان علیه السلام نبيّاً قبل أن كان إماماً.
وكذلك نقول : إن مما ابتلاه الله تعالى به قضيّة ابتلائه بالأصنام وقال الله تعالى: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) - إلى أن قال : فَلَمَّا أَعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا» [مريم: 41 - 49] فنصّ الله تعالى بأنّه كان حين يخاطب أباه صديقاً نبيّا وقال في الآية الأولى «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا» فلم يكن حين ابتلائه بالأصنام إماماً بل كان نبيّاً، ورزق الإمامة بعد ذلك.
فإذا ساقنا الدليل إلى أن الإمامة في الآية غير النّبوة، فنقول كما في المجمع: أن المستفاد من لفظ الإمام أمران : أحدهما أنّه المقتدى به في أفعاله وأقواله والثاني أنّه الذي يقوم بتبدير امة وسياستها، والقيام بأُمورها وتأديب جناتها وتولية ولاتها وإقامة الحدود على مستحقيها، ومحاربة من يكيدها ويعاديها، فعلى الوجه الأوّل لا يكون نبيّ من الأنبياء إلاّ وهو إمام، وعلى الوجه الثاني لا يجب في كلّ نبيّ أن يكون إماماً، إذ يجوز أن يكون مأموراً بتأديب الجناة، ومحاربة العداة والدفاع عن حوزة الدين ومجاهدة الكافرين.
ثمّ إنّ معنى الإمامة في الآية ليس مجرد مفهوم اللفظ منها، بل هي الموهبة الإلهية يهب لمن يشاء من عباده الصابرين الموقنين كما قال عز من قائل «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ» [السجدة: 24] وإنّما أطلق الصبر ولم يذكر متعلقه بأنّهم صبروا فبماذا؟ ليعم صبرهم في أنواع البلاء. فالإمامة هم في أنواع البلاء. فالإمامة هي الولاية من الله تعالى لهداية النّاس.
1) الكافي: 175/1، والتفسير الصافي: 187/1.
بأمر الله تعالى، التي توجب لصاحبها التصرف في العالم العنصري وتدبيره بإصلاح فساده، وإظهار الكمالات فيه لاختصاص صاحبها بعناية إلهية، توجب له قوة في نفسه لا يمنعها الإشتغال بالبدن عن الإتصال بالعالم العلوي واكتساب العلم الغيبي منه، فبذلك التحقيق وبما بيناه في أبحاثنا الماضية يظهر جواب ما استدلّ النيسابوري وغيره على أن المراد بالإمام هو النّبيّ .
ثمّ إن الآية تدلّ على أن الإمام الهادي للناس بأمره تعالى يجب أن يكون منصوصاً من عند الله تعالى، حيث قال تعالى : إنّي جاعلك للناس إماماً كما لا يخفى على من له أدنى دراية في أساليب الكلام. والعجب من النيسابوري حيث قال في تفسيره: ثم القائلون بأن الإمام لا يصير إماماً إلا بالنصّ، تمسكوا بهذه الآية وأمثالها من نحو : إنّي جاعل في الأرض خليفة - يا داود إنا جعلناك خليفة، ومنع بأن الإمام يراد به ههنا النّبي سلمنا أن المراد به مطلق الإمام، لكن الآية تدلّ على أن النصّ طريق الإمامة وذلك لا نزاع فيه إنّما النزاع في انّه لا طريق للإمام سوى النصّ ولا دلالة في الآية على ذلك انتهى. وبما حققناه وبيّناه في المقام يظهر لك أن كلامه هذا في غاية السقوط. نعم أنّه أنصف في المقام وقال :
وفي الآية دليل على أنّه علیه السلام كان معصوماً عن جميع الذنوب، لأنّه لو صدرت عنه معصية لوجب علينا الاقتداء به، وذلك يؤدّي إلى كون الفعل الواحد ممنوعاً منه مندوباً إليه
وذلك محال.
قوله تعالى: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» . عطف على الكاف عطف على الكاف من جاعلك وإن شئت قلت : ومن ذريتي تتعلق بمحذوف تدل عليه كلمة جاعلك ومن للتبعيض، أي أجل بعض ذريتي إماماً، كما يقال سأكرمك فتقول وزيداً، وإنّما طلب الإمام لبعض ذريته لعلمه بأن كلّهم لا يليق بها، لأن ناساً غير محصورين لا يخلو فيهم من ظالم غالباً قال الله تعالى : سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ «١٠٩» كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ«110» إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ«11» وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ«112» وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ «١١٣» [الصافات: 113 - 109].
وأفاد بعض المفسرين أنّه قد جرى إبراهيم على سنة الفطرة في دعائه هذا، فإن الإنسان لما يعلم من أن بقاء ولده بقاء له، يحبّ أن تكون ذريته على أحسن حال يكون هو عليها، ليكون له حظ من البقاء جسداً وروحاً. ومن دعاء إبرا دعاء إبراهيم الذي حكاه الله عنه في السورة المسماة باسمه «رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِی» [إبراهيم: 40] وقد راعى الأدب في طلبه فلم يطلب الإمام لجميع ذرّيته بل لبعضها لأنه الممكن، وفي هذا مراعاة لسنن الفطرة أيضاً، وذلك من شروط الدعاء وآدابه فمن خالف في دعائه سنن الله في خليقته أو في شريعته فهو
شريعته، فهو غير جدير بالإجابة بل هو سيىء الأدب مع الله تعالى لأنه يدعوه لأن يبطل لأجله سنته التي لا تتبدل ولا تتحوّل أو بنسخ شريعته بعد ختم النّبوة وإتمام الدين.
والعهد في الآية الإمامة التي اعطاها الله تعالى إبراهيم وإنّما سميت تلك الرياسة الإلهية عهد الله لاشتمالها على كلّ عهد به الله تعالى إلى بني آدم كقوله تعالى : «وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءادَمٌ مِن قَبْلُ» - «وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّنَ مِثْاقَهُمْ» [الأحزاب: 7].
ومن عظمها وشرافتها في عين إبراهيم سأل الإمامة لبعض ذريته، فأجابه الله تعالى بأن الإمامة عهده ولا يناله الظالمون يقال نال خيراً ينال نيلاً أي أصاب وبلغ منه. ویبین الله تعالى أنّ عهده ذو مقام منيع ودرجة رفيعة لا يصل إليه يد الظالم القاصرة.
وأيضاً دلّت الآية على أن بعض ذريته الظالم، لا ينال عهد الله، لأن الظالم ليس بأهل لان يقتدى به، فلم ينف الله تعالى الإمامة عن ذريته مطلقاً وإلا لكان يقول: لا ينال عهدي ذرّيتك مثلاً بل ذكر المانع من النيل إلى ذلك المنصب الإلهي مطلقاً وهو الظلم، وذلك كما ترى أن الله جعل الإمامة في بعض أولاده وأحفاده كإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وهارون و داود وسليمان وأيّوب ويونس وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس ثمّ أفضلهم وأشرفهم محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم والله تعالى أثنى عليهم في الكتاب بثناء مستطاب. فالآية تدلّ على أن الإمامة التي جعلها لإبراهيم علیه السلام لا ينالها من كان ظالماً من ذرّيته فعلم من الآية أمران: أحدهما أن الإمامة لا يكون إلا في ذرّيته والثاني أنّه لا ينالها من عند الله من هو موصوف بالظلم منهم. فعلم أن كلّ ظالم من ذرّية إبراهيم لا يصلح أن ينال الإمامة والولاية من قبل الله ولا يكون ممّن رضي الله بإمامته وولايته، وإلا لزم الكذب في خبره هذا خلف فكلّ ظالم تولى أمور المسلمين باستيلائه وقهره وكثرة أعوانه وأنصاره لا يكون إماماً من الله ولا ممن رضي الله بإمامته وإلا لكان قد جعله إماماً، وكذا لا تكون مجعولاً من رسله ولا من خواص أوليائه لنصّ الآية الدالّ على أنّ الله تعالى لا يجعل الإمامة ولا ينالها منه من كان ظالماً.
ثمّ إنّ أصحابنا الإمامية استدلوا بهذه الآية على أن الإمام لا يكون إلّا معصوماً عن القبائح، لأن الله سبحانه نفى أن ينال عهده الذي هو الإمامة ظالم، فمن ليس بمعصوم فهو ظالم إمّا لنفسه وإمّا لغيره، ومن لم يتصف بالعصمة لا يتصف بالاستقامة والإعتدال المتصفين بهما أهل الولاية عن الله فيتحقق الميل عن الوسط والخروج عن الصراط المستقيم، فيكون من أحد الجانبين إمّا من المغضوب عليهم أو الضالين .
فإن قيل : إنّما نفي أن يناله ظالم في حال ظلمه فإذا تاب لا یسمی ظالماً فيصح أن يناله. فالجواب أن الظالم وإن تاب فلا يخرج من أن تكون الآية قد تناولته، في حال كونه
ظالماً فإذا نفي أن يناله فقد حكم عليه بأنه لا ينالها، والآية مطلقة غير مقيّدة بوقت دون وقت، فيجب أن تكون محمولة على الأوقات كلّها فلا ينالها الظالم وإن تاب فيما بعد (قاله في المجمع)(1).
وبالجملة أن عموم ظاهر الآية يقتضي أن الظالم في حال الأحوال لا ينال الإمامة، ومن تاب بعد كفر أو فسق وإن كان بعد التوبة لا يوصف بأنّه ظالم، فقد كان ممن تناوله الاسم ودخل تحت الآية، وإذا حملناها على أن المراد بها من دام على ظلمه واستمر عليه كان هذا تخصيصاً بغير دليل.
أقول : فالآية تدلّ على إبطال إمامة غير عليّ علیه السلام لأنهم كانوا مشركين قبل الإسلام وعبدوا الأصنام بالإتفاق وكلّ مشرك ظالم، وقال الله تعالى: «إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلُمٌ عَظِيمٌ» [لقمان: 13] فكلّ ظالم لا ينال عهد الإمامة. ولذا قال الصادق علیه السلام: من عبد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً(2)، ونعم ما نظم الحسين بن عليّ الكاشفي حيث قال في قصيدة فارسية له : ذريتي سؤال خلیل خدا بخوان *** وز لا ينال عهد جوابش بكن أدا
گرددتر اعیان که امامت نه لائق است *** آنرا که بوده بیشتر عمر در خطا
وقال الزمخشري في «الكشاف» في بيان قوله تعالى: و«لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ» : ای من كان ظالماً ذرّيتك لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالإمامة، وإنّما ينال من كان عادلاً بريئاً من الظلم، وقالوا: في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة، وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته ولا تجب طاعته ولا يقبل خبره، ولا يقدم للصلاة، وكان أبو حنيفة يفتي سرّاً بوجوب نصرة زيد بن عليّ رضوان الله عليهما وحمل المال إليه والخروج معه على اللّص المتغلب المتسمى بالإمام والخليفة كالدوانيقي وأشباهه، وقالت له امرأة : أشرت على ابني بالخروج مع إبراهيم ومحمّد ابني عبد الله بن الحسن حتّى قتل فقال : ليتني مكان ابنك، وكان يقول في المنصور وأشياعه : لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عد آجره لما فعلت(3).
وعن ابن عيينة وعن ابن عباس لا يكون الظالم إماماً قط وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة، والإمام إنّما هو لكف الظلمة، فإذا لكف الظلمة، فإذا نصب من كان ظالماً في نفسه فقد جاء المثل
السائر: من استرعى الذئب ظلم. انتهى(4)
إن قلت: إن يونس صلوات الله عليه نال عهد الله الذي هو الإمامة مع أن الله تعالى حكى عنه أنّه قال : «سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ» [الأنبياء : 87] .
أقول : إن الظلم فيه محمول على ترك الأولى، كما في حق آدم صلوات الله عليه حيث قال: ربّنا ظلمنا أنفسنا، وبالجملة ما ورد في القرآن والأخبار ممّا يوهم صدور الذنب عن الأنبياء، وخلفائهم الحق محمول على ترك الأولى جمعاً، بين ما دلّ العقل عليه وبين صحة النقل لأن المتبع في أصول العقائد هو العقل وهو الأصل فيها، وكلّ ما ثبت بدليل قاطع فلا يجوز الرجوع عنه على أن لتلك الآيات والأخبار ذكرت وجوه ومحامل أتى بها العلماء في مواضعه وعليك في ذلك بكتاب «تنزيه الأنبياء» للسيد المرتضى علم الهدى فإنه شفاء العليل .
ومن أحسن ما قيل في المقام : أن تلك الظواهر دالّة على عظم شأنهم وعلو مرتبتهم، إذ معاتبة الحكيم لهم على تلك الأفعال التي هي في الحقيقة لا توجب العصيان، والمخالفة دليل على أنّهم في محلّ يقتضي تلك المعاتبة تنزيها لهم وتفخيماً لأمرهم وتعظيماً لشأنهم عن ملابسة ما لا يليق بمراتبهم، إذ هم دائماً في مرتبة الحضور الموجبة لعدم التفاتهم إلى غير الحقّ، وكان وقوع ذلك منهم في بعض الحالات أو مع شيء من الإشتغالات البدنية والإنجذاب في بعض الأحيان إلى الأمور الطبيعية والماديّة موجباً لتلك المعاتبة.
وبالجملة أن الحجج الإلهيّة لما كانوا في نهاية القرب من الله تعالى وكمال الإتصال بجنابه وتمام الحضور إلى حضرته، وكانوا أيضاً مع تلك المرتبة الشامخة في العوائق والعلائق البدنيّة اللازمة للبشرية، رين مع الرعية للإرشاد والتبليغ، قد يعرض لهم في تلك الأطوار والشؤونات البشريّة أمور يعدونه سيئات، وإن لم تكن في الحقيقة بقبائح وسيئات فيتضرعون إلى الله تعالى بقولهم ربّنا ظلمنا أنفسنا أو سبحانك إنّي كنت من الظالمين. فإن المخلصين على خطر عظيم.
وبذلك ظهر سرّ الحديث المروي عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : «حسنات الأبرار سيئات المقربين(1).
ثمّ أعلم أن إبراهيم علیه السلام لما طلب الإمامة لبعض ذريته فكان يكفي في جوابه أن يقال : نعم، مثلاً لكنّه لما لم يكن نصاً في أن الظالم لا ينال الإمامة، لأنه كان يشمل حينئذ الظالم وغيره، وكذا لو قال ينال عهدي المؤمنين ،مثلاً ، لما كان أيضاً نصاً في خروج الظالم، غاية ما يقال حينئذ خروجه بالمفهوم فنصّ بالظالم لخروجه عن نيل عهد الله تعالى أعني
1) كشف الخفاء: 357/18 ح 1137، والتفسير الصافي : 446/1.
الإمامة بقوله لا ينال عهدي الظالمين، كما نص أيضاً بأن أمر الظالم ليس برشيد، ومن اتبعه نجزاءه جهنم في قوله: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ«96» إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ («97» يَقدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ«98»وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ«99») [هود: 96 - 99].
ثمّ إنّ الله تعالى ذكر في كتابه العزيز كثيراً من صفات من جعله إماماً للنّاس بقوله :
1 - «ولا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ» . فرتبة الإمامة ودرجة الولاية أعلى وأرفع من أن ينالها لظالم، وبهذه الآية بين أيضاً أن الإمام منصوب من عنده كما دريت.
2 - «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتَا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ «120» شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ «121» وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ «122» [النحل : 120 - 122] فمن صفات الإمام أن يكون ممن اجتباه الله فهو نصّ في أن الإمام يجب أن يكون منصوباً من الله تعالى وأن يكون مهدياً بهدى الله تعالى إلى صراط مستقيم، وأن لا يكون من المشركين فافهم وتدبّر حق التدبر.
3 - «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ» [هود : 75] .
4 - «وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ» [الأنبياء : 51] .
5 - «وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72)» وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ»[الأنبياء : 72 ، 73] فالإمام يهدي بأمره تعالى ويوحى إليه فعل الخيرات.
6 - «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)» [السجدة: 24].
7 - «وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131)» [البقرة: 130، 131].
فمن اتصف بهذه الأوصاف الملكوتية وأيّد بهذه التأييدات السماوية فهو إمام، فطوبى لمن عقل الدين عقل رعاية ودراية.
الآية الثانية قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا» [النساء : 59] .
والآية تدلّ على أمور: الأول أن إطاعة الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم فيما أمر به ونهى عنه واجبة، كما أن إطاعة الله تعالى واجبة، فليس لأحد أن يقول : حسبنا كتاب الله فلا حاجة لنا إلى الأخبار المرويّة عن الرسول والعمل بها، وذلك لأن هذا القول نفسه ردّ الكتاب، ولو كان كتاب الله وحده كافيا لما أفرد بطاعة الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم بقوله عزّ من قائل: (أطيعوا الرسول) بعد قوله : (أطيعوا الله). ونظير الآية قوله تعالى : «مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ َأطَاعَ اللهَ» وقوله تعالى: «مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» وقوله تعالى: «وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى «3» إِن هُوَ إِلَّا وَحىٌ يُوحَى«4» فقد أخطأ من قال: حسبنا كتاب الله، وأعرض عن قول رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم.
الأمر الثاني: أن الله تعالى أوجب على النّاس إطاعة أولي الأمر كما أوجب إطاعته وإطاعة رسوله، فالحري بالطالب نهج القويم أن يرى بعين العلم والمعرفة رأيه في معنى أولي الأمر، ومراده عزّ وجل منهم فنقول : قد فسر بعضهم أولي الأمر بالأمراء، وبعض آخر ومنهم الفخر الرازي في تفسيره بالعلماء، ولا يخفى أن المعنى الثاني عدول عن الصواب جدّاً، فإن أولى الأمر، هم مالكوا الأمر ومالك الأمر من بيده الحلّ والعقد والأمر والنهي والتدبير والسياسة، وما فيه تنظيم أمور الناس، دينيّة كان أو دنيويّة، فكيف يجوز تفسير أولي الأمر بالعلماء، سيّما في كلام الله الذي هو في غاية الفصاحة ونهاية البلاغة ومعجزة النّبوة الباقية وهل هذا إلّا الخروج عن مجرى الفصاحة والورود في مورد السخافة .
أمّا مراده عزّ وجلّ من أولي الأمر فنقول : إنا نعلم بنّاً أن كثيراً من الخلفاء والأمراء، كمعاوية ويزيد والوليد والحجّاج وآل أُميّة وبني مروان والخلفاء العبّاسييّن وأمثالهم قديماً وحديثاً لعبوا بالدّين، واتخذوا كتاب الله سخريا وفعلوا من الفواحش والمنكرات وفتون الظلم والمنهيّات من سفك الدماء وأخذ أموال الرعية ظلماً وشرب الخمر ونحوها. ما يتعذر عدّها وتشمئز النفوس المطمئنة السليمة عن استماعها وتستقبح ذكرها، ولو نذكر معشاراً من ظلمهم وسائر فواحشهم ومقابحهم مما نقل في كتاب القوم ومصنفاتهم لبلغ مبلغاً عظيماً، وهذا هو الوليد بن يزيد نذكر فعلاً من أفعاله يكون انموذجاً لسائر آثاره، وإن بلغ في الفسق والفجور إلى حد لا يناله يد إنكار ولا يرتاب فيه أحد، ولعمري أني أستحي من نقل هذه القضيّة الصادرة منه ولكني أقول: أن من جانب المراء واللداد وتقليد الآباء والأجداد وأعرض عن الأغراض النفسانية والعصبيّة، ونظر بعين العلم والبصيرة وتفكر ساعة في معاني الآيات والأخبار وتأمل في غرض البعثة، وتكليف العباد وأراد أن يسلك مسلك السداد والرشاد هل يرضى بأمارة من يرتكب من المعاصي والفواحش ما يستحيي بذكره الإنسان، وهلا يقضي عقله بأنّه لو كان الوليد وأشياعه مالكي أزمة الأمور، والقائمين مقام الرسول، لما كان إرسال الرسل وإنزال الكتب إلا اللهو والعبث واللعب.
قال أبو الفرج الأصبهاني في «الأغاني» (ص 174 ج 9 طبع ساسي) في ترجمة عمار ذي كناز بإسناد عن العمري أنّه قال : استقدمني الوليد بن يزيد بعد هشام بن عبد الملك ثمّ قال لي : هل عندك شيء من شعر عمار ذي كناز؟ فقلت: نعم، أنا أحفظ قصيدة له ولكن لكثرة عبثي به قد حفظتها فانشدته قصيدته التي يقول فيها :
حبذا انت یا سلا *** مة الفین حبذا
إلى آخر القصيدة.
وأنا أعرضت عن الاتيان بها لشناعتها وقباحتها، وأجلّ صحيفتي المكرّمة عن أن تملأ بتلك القصائد المنسية عن ذكر الله وهي شرح كتاب علوى عجز الدهر أن يأتي بمثله.
وبالجملة قال العمري بعد ذكر القصيدة: فضحك الوليد حتّى سقط على قفاه وصفق بيديه ورجليه وأمر بالشراب فاحضر، وأمرني بالإنشاد فجعلت أنشده هذه الأبيات واكررها عليه، وهو يشرب ويصفق حتّى سكر وأمر لي بحلتين وثلاثين ألف درهم فقيضتها، ثمّ قال : ما فعل عمّار؟ فقلت : حي كميت قد غشي بصره وضعف جسمه لا حراك به، فأمر له بعشرة
آلاف درهم فقلت له : ألا أخبر أمير المؤمنين بشيء يفعله لا ضرر عليه فيه وهو أحبّ إلى عمّار من الدنيا بحذافيرها لو سبقت إليه؟ فقال : وما ذاك؟ قلت إنّه لا يزال ينصرف من الحانات وهو سكران فترفعه الشرط فيضرب الحد، فقد قطع بالسياط ولا يدع الشراب ولا يكف عنه، فتكتب بأن لا يعرض له فكتب إلى عامله بالعراق أن لا يرفع إليه أحد أحد من الحرس عماراً في سكره ولا غيره إلا ضرب الرافع له حدّين وأطلق عمّاراً إلى آخر ما قال:
وفي المجلس التاسع من أمالي الشريف المرتضى: أن وليد بن يزيد بن عبد الملك ابن مروان كان مشهوراً بالإلحاد متظاهراً بالعناد، غير محتشم في اطراح الدين أحداً، ولا مراقب فيه بشراً، وقد عزم على أن يبنى فوق البيت الحرام قبة يشرب عليها الخمور ويشرف على الطواف ونشر يوماً المصحف وكان خطه كأنّه إصبع وجعل يرميه بالسهام وهو يقول:
تذكرنی الحساب ولست أدري *** أحقاً ماتقول من الحساب
فقل لله يمنعني طعامي *** وقل لله يمنعني شرابي
وفتح المصحف يوماً فرأى فيه «وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ(15)» [إبراهيم: 15] فاتخذ المصحف غرضاً ورماه بالنبل حتّى مزّقه وهو يقول :
أتوعد كلّ جبار عنید *** فها انا ذاک جبار عنید
فإن لاقيت ربّك يوم حشر *** فقل یا ربّ مزّقنی ولید(1)
1) الأمالي المرتضى : 90/1، وبحار الأنوار: 193/38.
وهذا هو الحجّاج هدم الكعبة وقتل من المؤمنين والمتّقين وأولياء الله وعباده، ممّا لا يحصى، وفعل في إمارته ما فعل من أنواع الظلم بلغت إلى حدّ التواتر، ويضرب بها المثل السائر فلو كان مراده عزّ وجلّ من أولي الأمر مطلق من تولى أمر المسلمين، للزم التناقض في حكمه تعالى، وذلك لأنّه تعالى جعل مثلا الكعبة البيت الحرام قياماً للنّاس، فلو أمر النّاس بإطاعة الحجاج في أفعاله فأمرهم بهدم الكعبة فيجب عليهم هدم الكعبة، مع أنّ الله حرّم عليهم هتك حرمتها، وهل هذا إلا التناقض وكذا في أفعال الوليد، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
ونعلم قطعاً أنّ الله تعالى عادل في حكمه وفعله وقوله وليس بظلام للعبيد فتعالى عن يوجب إطاعة الأمراء الظلمة وهو تعالى يقول «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113)»- وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ» [الجن: 23] - «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ» [الأعراف: 44] وغيرها من الآيات بهذا المضمون. فالعقل الناصح يحكم بأن مراده تعالى من الآية ليس مطلق أولي الأمر، ولا تشمل الظالمين قضاءً لحق البرهان العقلي، جلّ جناب الرب أن يوجب على النّاس اتّباع هؤلاء الظلمة واتباعهم وما أحل قول الشاعر :
إذا كان الغراب دلیل قوم *** فمأواهم محلّ الهالكينا
وما أجاد قول العنصري بالفارسي :
هر که رار هبری کلاغ کند *** بی گمان دل بدخمه داغ کند ثمّ نقول : أن غير المعصوم ظالم، والظالم لا يصلح لأن يكون من أولى الأمر، فإن الظالم واضع للشيء في غير موضعه، وغير المعصوم كذلك فلا يؤمن في الشرع من الزيادة والنقصان والتغيير والتبديل فلا بد من أن يكون أولوا الأمر معصومين .
ثمّ نقول : العصمة ملكة تمنع عن الفجور مع القدرة عليها وتحصل بالعلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات، وتتأكد بتتابع الوحي بالأوامر والنواهي، فعلى الله تعالى أن يعرّف أولى الأمر، لأنّه خارج عن طوق البشر ووسعهم، فإن العصمة أمر باطني لا يعلمها إلّا الله، على أنا نقول كما أن الملوك مثلاً إذا امروا الناس بإطاعة الأمراء والقضاة، فمعلوم بالضرورة ومستقر في النفوس أن مرادهم بذلك وجوب إطاعة الأمراء والقضاة الذين نصبهم وعيّنهم على النّاس لا غير، وكذا في المقام نقول أن الله لا يأمر بإطاعة كل من صار أو جعل أمير المسلمين ولو ظلماً وزوراً، بل بإطاعة الأمراء الذين عيّنهم الله تعالى ونصبهم لذلك.
الأمر الثالث أن الزّمان لا يخلو من إمام معصوم منصوب من عند الله تبارك وتعالى، لأنّه
عزّ وجل أوجب إطاعة أولي الأمر، ونعلم بالضرورة أن أمره تعالى في ذلك ليس مقصوراً في زمن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم لأن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة وهو خاتم النّبيين، فكما أنّ إطاعة الله ورسوله لا يختص بزمانه صلی الله علیه و آله و سلّم بل هما واجبتان إلى قيام الساعة، فكذا إطاعة أولي الأمر المقرونة بإطاعاتهما، وحيث أن الأمر بإطاعة المعدوم قبيح، ففي كلّ عصر لا بد من صاحب أمر، حتّى يصلح الأمر بإطاعته، وهذا لا يصدق إلّا على الأئمّة من آل محمّد أوجب الله طاعتهم بالإطلاق بالبرهان الذي قدمنا .
وفي المجمع : بعدما نقل القولين في معنى أولي الأمر أحدهما الأمراء والآخر العلماء، قال: وأمّا أصحابنا فإنّهم رووا عن الباقر والصّادق علیهما السلام أن أولي الأمر الأئمة من آل محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أوجب الله طاعتهم بالإطلاق، كما أوجب طاعته وطاعة رسوله، ولا يجوز يوجب الله طاعة أحد على الإطلاق إلا من ثبتت عصمته، وعلم أن باطنه كظاهره وأمن منه الغلط والأمر بالقبيح، وليس ذلك بحاصل في الأمراء ولا العلماء سواهم، جلّ الله أن يأمر بطاعة من يعصيه أو بالانقياد للمختلفين في القول والفعل، لأنّه محال أن يطاع المختلفون، كما أنّه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه. وممّا يدلّ على ذلك أيضاً أنّ الله تعالى لم يقرن طاعة أولي الأمر بطاعة رسوله، كما قرن طاعة رسوله بطاعته، إلا وأولوا الأمر فوق الخلق جميعاً، كما أن الرّسول صلی الله علیه و آله و سلّم فوق و أولي الأمر وفوق سائر الخلق، وهذه صفة أئمة من آل محمّد الذين ثبتت إمامتهم وعصمتهم، واتفقت الأمة على علوّ رتبتهم
وعدالتهم(1).
ثمّ نقول : لما علم أن الأئمة الهدى من آل محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم قائمون مقام الرّسول وحجج في الشرع فكما في زمن الرّسول صلی الله علیه و آله و سلّم أن تنازع النّاس في شيء من أمور الدين يجب عليهم الرد إلى الله والرّسول، وكذلك بعد وفاته يجب عليهم الرّد إلى المعصومين القائمين مقامه والذين هم الخلفاء في أمته، والحافظون لشريعته بأمره، فالرد إليهم مثل الرد إلى الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم، وأکّد سبحانه ذلك وعظمّه بقوله عز من قائل «إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأوِيلاً»[النساء : 59] أي الرّد إلى الله والرّسول والقائمين مقام الرسول خير لكم وأحسن من تأويلكم.
وإن قلت: كما أن الأمراء المنصوبين من الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم في زمنه كمعاذ بن جبل أرسله والياً إلى اليمن، وغيره من الولاة الذين كانت إطاعتهم واجبة على الناس بأمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لم يكونوا معصومين من الذنوب والخطأ والسهو النسيان وغيرها، كذلك الحكم في أولي
الأمر بعده فما أوجب عصمة أولي الأمر الذين بعده صلی الله علیه و آله و سلّم؟
1) تفسير مجمع البيان: 114/3، وبحار الأنوار: 285/23.
أقول : هذا قياس مع الفارق جدّا وبينهما بون بعيد وأمد مديد، وذلك لأن في عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لو تنازع الناس في شيء من أمور الدّين وأقبل أمر مشتبه، للحكام والقضاء والولاة المنصوبين منه صلی الله علیه و آله و سلّم في أحكام الله، لكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يكشف عنه ويزيل الشبهة ويقضي بالفصل ويصدع بالحق، كما أمرهم الله بردّ التنازع إلى الله والرسول في الآية، وأمّا بعد وفاته صلی الله علیه و آله و سلّم لو لم يكن صاحب الأمر القائم مقامه في كل عصر معصوماً ومنصوباً من الله ورسوله، لو أقبل تنازع في الدّين فمن يزيد الشبهة ويبيد الغائلة؟ وكذا الكلام في الأمراء والحكام من قبل الإمام فإنّ الإمام عالم بجميع الأحكام، فبوجوده يرتفع التشاجر ويقلع التنازع .
عن جابر بن عبد الله قال : لما نزل قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» قلت : يا رسول الله عرفنا الله ورسوله فمن أولي الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتكم؟ فقال : «هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين بعدي، أوّلهم علي بن أبي طالب ثمّ الحسن ثمّ الحسين ثمّ عدّ تسعة من ولد الحسين»(1).
روى ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكلينيّ رضوان الله عليه في باب أنّ الأرض لا تخلو من حجّة من «الكافي» بإسناده عن جعفر بن محمّد عن كرام قال : قال أبو عبد الله علیه السلام : لو كان النّاس رجلين لكان أحدهما الإمام، وقال: إنّ آخر من يموت الإمام، لئلا يحتج أحد على الله تعالى أنه تركه بغير حجة الله عليه(2).
أقول: أتى أيضاً بعدّة روايات أخر عنه علیه السلام تقرب من الحديث المذكور مفاداً كقوله علیه السلام : لو لم يبق في الأرض إلا اثنان لكان أحدهما الحجّة(3).
وقوله علیه السلام : لو لم يكن في الأرض إلا اثنان لكان الإمام أحدهما(4)، وغيرهما.
والغرض منها أن العناية الإلهية كما اقتضت وجود هذا العالم، وخلقة بني آدم فهي
يقتضى صلاحه، والصّلاح إنّما يتم ويدوم بوجود إنسان ربّاني مؤيّد بروح القدس ومسدّد بنورالله ومعصوم من كلّ ما يقدح في الغرض من وجوده، يقوم بحجج الله ويؤديها إلى أهلها عند الإحتياج إليها ويعرّفهم الطريق إلى الله ومعالم الدّين، وبه يتصل فيض الباري على الخلق، إذ هو الواسطة بين الله وعباده ولو لم يبق في الأرض إلا رجلان لكان أحدهما ذلك الإمام يجب على الآخر الإقتداء به في استكمال نفسه والإهتداء إلى جناب ربّه حتّى يتمَّ الحجّة عليه ولا يحتج على الله أنه تركه بغير حجة الله عليه إنّ الله تعالى أجل وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل، وقال عز من قائل: «وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى» [طه: 134] وقال تعالى: «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ» [النساء : 165] فتأبى العناية الإلهيّة الأزلية عن أن يترك عباده بلا هاد ومرشد فإن الله ليس بظلام للعبيد.
ثمّ قال علیه السلام : إن آخر من يموت الإمام، وذلك لما علم أن الله تعالى عن أن يظلم أحداً فلو بقي في الأرض رجل واحد بلا حجّة إلهيّة لزم الظلم في حقّه، فالحكمة الكاملة الإلهيّة ورحمته الواسعة تقتضي بقاء وجود الحجّة بعد الخلق حتّى لا يبقى واحد بلا إمام والإمام أخر من يموت، كما اقتضت وجود الحجّة قبل ايجاد الخلق، ولذا خلق الخليفة أوّلاً ثمّ خلق الخليقة كما قال: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» قبل الخلق ومع الخلق وبعد خلق، فارجع البصر كرّتين أيها الطالب للرشاد والباغي للسّداد في هذا الحديث الذي كأنّه عقل تمثل بالألفاظ وأقم واستقم.
في الكافي أيضاً بإسناده عن إسحاق بن عمّار عن أبي عبدالله صلی الله علیه و آله و سلّم قال: سمعته يقول: إنّ الأرض لا تخلو إلّا وفيها إمام كي ما إن زاد المؤمنون شيئاً ردّهم، وأن نقصوا شيئاً أئمّه لهم(1).
أقول : وكذا جاءت روايات أخر فيه أيضاً تقرب منه مضموناً، منها ما روى عبدالله بن سليمان العامري عن أبي عبد الله علیه السلام قال : ما زالت الأرض إلا ولله فيها الحجّة يعرّف الحلال والحرام، ويدعو النّاس إلى سبيل الله(2).
ومنها عن أبي بصير عن أحدهما علیه السلام قال : إنّ الله لم يدع الأرض بغير عالم، ولولا ذلك لم يعرف الحق من الباطل(3).
والغرض أن الإمام يجب أن يكون عالماً بجميع الأحكام الإلهيّة وعارفاً بالحلال والحرام، بحيث لا يشذ عنه حكم جزئي منها، فإنّه لو لم يكن متصفاً بهذه الصفة لما يقدر أن يرد شيئاً أن زاده المؤمنون أو أتمّه إن نقصوه، فيلزم التغيير والتبديل والزيادة والنقصان في دین الله، فلا يكمل نظام النوع الإنساني به بل يلزم الهرج والمرج المهلكان، فالإمام مستجمع للغاية القصوى من الصدق والأمانة وبالغاً في العلوم الربانية والمعارف الإلهية وتمهيد المصالح الدينيّة والدّنيوية مرتبة النهاية، على أن العقل حاكم بقبح استكفاء الأمر وتوليته من لا يعلمه، وتعالى الله عن ذلك، فالإمام لكونه حافظاً للدين ومقتداً الناس في جميع الأحكام الظاهرية والباطنية والكلّية والجزئية والدّنيويّة والأخرويّة والعباديّة وغيرها، يجب أن يكون عالماً بجميعها كما هو الحكم الصريح للعقل السليم، وليس لأحد أن يقول : إنّه إمام فيما يعلم دون ما يعلم لظهور قبح هذا القول وشناعتها والمفاسد التالية عليه، ممّا يدركها من كان له أدنى بصیرة في معنى الإمام وغرض وجوده في الأنام، فإذا علم بحكم العقل أن الإمام يجب أن يكون مقتداً به في جميع الشريعة وجب أن يكون معصوماً، لأنه لو لم يكن معصوماً لم نأمن في بعض أفعاله أن يكون قبيحاً، والفرض أن الإقتداء به واجب علينا والله تعالى الحكيم لا يوجب علينا الإقتداء بما هو قبيح، على أن الإمام إذا كان داعي النّاس إلى سبيل الله والمبين الحلال والحرام وحافظ الدّين عن الزيادة والنقصان يستلزم العلم بإعطاء كلّ ذي حق حقه بحسب استحقاقه وهو كما حققناه قبل يستلزم الإطلاع على الكليات والجزئيات مما يحتاج إليها النّاس وهي غير متناهية فهي غير معلومة إلا لله تعالى ولخلفائه المعصومين من عنده .
قال الشريف المرتضى علم الهدى في المجلس الثاني عشر من أماليه: روى أن هشام بن الحكم قدم البصرة فأتى حلقة عمرو بن عبيد فجلس فيها، وعمرو لا يعرفه فقال لعمرو : أليس قد جعل الله لك عينين؟ قال : بلى . قال : ولم؟ قال : لأنظر بهما في ملكوت السماوات والأرض فاعتبره قال : وجعل لك فماً؟ قال: نعم، قال: ولم؟ قال : لأذوق الطعام وأجيب الداعي. ثمّ عدّد عليه الحواس كلّها، ثمّ قال: وجعل لك قلباً؟ قال: نعم، قال : ولم؟ قال : لتؤدي إليه الحواس ما أدركته فيميّز بينها قال: فأنت لم يرض لك ربّك تعالى إذ خلق لك خمس حواس حتّى جعل لها إماماً ترجع إليه، أترضى لهذا الخلق الذين جشا بهم العالم ألّا يجعل لهم إماماً يرجعون إليه؟ فقال له عمرو : ارتفع حتى ننظر في مسألتك، وعرفه ثمّ دار هشام في حلق البصرة فما أمسى حتّى اختلفوا(1).
1) الأمالي المرتضى: 123/1، وتهذيب المقال : 179/5 ح 352
أقول : ورواه الكليني قدس سرّه مفصلاً في «الكافي» بإسناده عن يونس بن يعقوب قال : كان عند أبي عبد الله علیه السلام جماعة من أصحابه، منهم حمران بن أعين ومحمّد بن النعمان وهشام بن سالم والطيار، وجماعة فيهم هشام بن الحكم وهو شابّ فقال أبو عبد الله علیه السلام : يا هشام ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد وكيف سألته؟ قال هشام: يا ابن رسول الله إني أجلّك وأستحييك ولا يعمل لساني بين يديك. فقال أبو عبد الله علیه السلام : إذا أمرتكم بشيء فافعلوا قال هشام : بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة فعظم ذلك عليّ فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم الجمعة فأتيت مسجد البصرة فإذا أنا بحلقة عظيمة وفيها عمرو بن عبيد وعليه شملة سوداء متزر بها من صوف، وشملة مرتد بها والنّاس يسألونه فاستفرجت النّاس فأفرجوا إلي، ثمّ قعدت في آخر القوم على ركبتي ثمّ قلت: أيّها العالم إنّي رجل غريب تأذن لي في مسألة؟ فقال لي: نعم، فقلت له : ألك عين؟ فقال : يا بُنيّ أي شيء هذا من السؤال وشيء تراه كيف تسأل عنه؟ فقلت : هكذا مسألتي. فقال : يا بنيّ سل وإن كان مسألتك حمقاء. قلت: أجبني فيها؟ قال لي : سل . قلت : ألك عين؟ قال : نعم، قلت: فما تصنع بها؟ قال: أرى بها الألوان والأشخاص . قلت : فلك أنف؟ قال: نعم، قلت : فما تصنع به؟ قال: أشم به الرائحة قلت ألك فم؟ قال: نعم، قلت فما تصنع به؟ قال: أذوق به الطعم. قلت : فلك أذن؟ قال : نعم، قلت فما تصنع بها؟ قال: أسمع بها الصوت. قلت : ألك قلب؟ قال نعم : قلت : فما تصنع به؟ قال: أُميز به كلّ ما ورد على هذه الجوارح والحواس. قلت: أوليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟ فقال : لا، قلت : وكيف ذلك
وهي صحيحة سليمة؟ قال: يا بنيّ إن الجوارح إذا شكت في شيء شمّتة أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردّته إلى القلب فتستيقن اليقين وتبطل الشكّ، قال هشام: فقلت له : فإنّما أقام الله القلب لشكّ الجوارح؟ قال: نعم، قلت: لا بد من القلب وإلا لم تستيقن الجوارح؟ قال: نعم، فقلت له : يا أبا مروان فالله تعالى لم يترك جوارحك حتّى جعل لها إماماً يصحّح لها الصحيح ويتيقن ما شكت فيه، ويترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم وشكّهم واختلافهم لا يقيم لهم إماماً يردّون إليه شكّهم وحيرتهم، ويقيم لك إماماً لجوارحك تردّ إليه حيرتك وشكّك؟ قال : فسكت ولم يقل لي شيئاً ثمّ التفت إليّ فقال : أنت هشام بن الحكم؟ فقلت : لا، فقال : أمن جلسائه؟ قلت: لا قال: فمن أين أنت؟ قال : قلت: من أهل الكوفة . قال : فإذن أنت هو ثمّ ضمني إليه وأقعدني في مجلسه، وزال عن مجلسه وما نطق حتّى قمت . قال : فضحك أبو عبد الله علیه السّلام وقال : يا هشام من علّمك هذا؟ قلت شيء أخذته منك فقال : هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى(1).
1) بحار الأنوار: 8/23، والكليني والكافي: 381.
الغرض من احتجاج هشام بن الحكم على عمرو بن عبيد وجوب اللطف على الله تعالى، فإنّه كما اقتضى لطفه خلق القلب إماماً لقوى الجوارح والأعضاء ترجع إليه وليست في غنى عنه، فكذلك اقتضى جعل إمام النّاس يرجعون إليه في كلّ ما يحتاجون إليه. ووصف المسألة بالحمقاء تجوّز كقولهم نهاره صائم والتصغير للتحقير.
ثمّ إنّ المراد بالقلب في الآيات والأخبار هو اللطيفة الربّانيّة القدسيّة، يعبّر بالقوّة العقليّة وبالعقل وبالروح وبالنفس الناطقة أيضاً، وفي الفارسيّة بروان وقد ذكر الشيخ - كما في الفصل الآخر من الباب الخامس من السفر الرّابع من الأسفار - في بعض رسائله بلغة الفرس بهذه العبارة: روح بخاری راجان گویند ونفس ناطقه را روان، لا الجسم اللحمي الصنوبري الذي في الحيوانات العجم أيضاً. وإنّما قال علیه السلام : (هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى) لأنّ الحكم العقلي لا يتغيّر بمضي الدهور ولا يتبدّل بتبدّل الزمان ولا يختلف باختلاف الامم، فهذا الحكم الكلي العقلي الإلهي مكتوب في الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى ومستكن في عقول الناس والخلق، جبّلوا عليه أزلاً وأبداً.
ثمّ إن ما تدركه هذه القوى صور صرفة وتصوّرات محضة، لا توصل إلى معرفة الغائبات فلا بدّ للتصديق واليقين والإيصال إلى معرفة الغائبات، من أن تكون قوّة أخرى حاكمة عليها، وتلك القوّة الحاكمة هو العقل، وتلك القوى من شؤونه في الحقيقة تنشأ منه، بل هي تفاصيل ذاته وشروح هويته، وهو أصلها ومتنها، ولولاه لفسدت القوى وانهدم البدن، وكذا : لولا الحجة لساخت الأرض بأهله.
وقول هشام: شيء أخذته منك، كان هشام من أصحاب الصادق والكاظم علیهما السلام واقتبس من مشكاة وجودهما علوماً جمة وألف كتباً كثيرة قيمة، وكان ثقة في الروايات حسن التحقيق بهذا الأمر، وكان ممن فتق الكلام في الإمامة وهذب المذهب بالنظر، وكان حاذقاً بصناعة الكلام وكان في مبدأ أمره من الجهميّة ثمّ لقى الصّادق علیه السلام فاستبصر بهديه ولحق به.
وقد أشار إلى هذا الإحتجاج أبو عبد الله علیه السلام في ذيل احتجاجه على أبي شاكر الديصاني في حدوث العالم، ونقله الشيخ المفيد في «الإرشاد» قال: روى أن أبا شاكر الديصاني وقف ذات یوم فی مجلس أبي عبد الله علیه السلام فقال له : إنّك لأحد النجوم الزواهر وكان آباؤك بدوراً بواهر، وأمهاتك عقيلات عباهر وعنصرك من أكرم العناصر، وإذا ذكر العلماء فعليك تثني الخناصر، خبرنا أيّها البحر الزاخر ما الدليل على حدوث العالم - إلى أن قال : فقال أبو شاكر: دلّلت يا أبا عبد الله فأوضحت وقلت فأحسنت وذكرت فأوجزت، وقد علمت أنا لا نقبل إلا ما أدركناه بأبصارنا أو سمعناه بآذاننا أو ذقناه بأفواهنا أو شممناه بأنوفنا
أو لمسناه ببشرتنا، فقال أبو عبد الله علیه السلام : ذكرت الحواس الخمس وهي لا تنفع في الاستنباط إلا بدليل كما لا تقطع الظلمة بغير مصباح(1).
في «الكافي) بإسناد إلى هشام بن الحكم عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال للزنديق، الذي ساله من أين أثبتّ الأنبياء والرسل؟ قال : أنا لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه فيباشرهم ويباشروه ويحاجّهم ويحاجّوه، ثبت أن له سفراء في خلقه يعبّرون عنه إلى خلقه وعباده، ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم فثبت الآمرون والنّاهون عن الحكيم العليم في خلقه، والمعبّرون عنه جلّ وعزّ وهم الأنبياء وصفوته، من خلقه حكماء مؤدبين في الحكمة مبعوثين بها غير مشاركين للنّاس على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب في شيء من أحوالهم (2)مؤيدون عند الحكيم العليم بالحكمة، ثمّ ثبت ذلك في كلّ دهر وزمان ممّا أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين لكيلا تخلو أرض الله من حجّة يكون معه علم، يدلّ على صدق مقالته وجواز عدالته(3).
أقول : الغرض من هذا الحديث العقلي البرهاني المشتمل على مسائل عظيمة وفوائد مهمّة أن الأرض ما دامت باقية لا تخلو من حجّة يهدى النّاس إلى سبيل الرّشاد والسّداد، ويستنقذ عباد الله من الجهالة وحيرة الضلالة، مبتنياً على مقدمات عقلية وليس الغرض من الإتيان بهذه الأحاديث كما أشرنا إليه آنفاً التمسك بها تعبداً، حتى يلزم الدور بل لما رأينا من أنها احتجاجات على أساس عقلي برهاني أردنا ذكره لانجاز المقصود والإيصال إلى المطلوب، وبالفرض لو لم تكن أمثال هذا الحديث صادرة عنهم علیه السلام لكان استدلالات تامّة واحتجاجات وافية في المقصود، وهذه الأحاديث وأمثالها معاضدات للعقل في حکمه وإرشادات له في قضائه، ونحن بعون الله نأتي في بيان الحديث بطائفة من المطالب المختارة الحكيمة العقلية ليزداد الطالب بصيرة إلى الفلاح وهداية إلى النجاة والنجاح.
قوله علیه السلام: إنا لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً. فيه إشارة إلى معرفة الله تعالى بالعقل والنظر والبرهان، لا بتقليد الآباء والأمّهات والعلماء والأساتيذ وغيرهم.
قوله علیه السلام: متعالياً عنّا وعن جميع ما خلق فإنّ ما سواه تعالى مخلوقه ومعلوله ممكن
فی ذاته، ومحتاج في وجوده وبقائه إلى جنابه، فإنّ الممكن في اتصافه بالوجود يحتاج إلى جاعل مرجح يخرجه من العدم ويجعله متصفاً بالوجود، فإن كلّ عرضي معلّل ولما كانت العلة المحوجة إليه تعالى هو الإمكان، وإن الإمكان لا يزول عن الممكن الموجود أيضاً، فمفتقر إلى علته في بقائه وجود العلة فوق وجود المعلول في وجوده وجميع صفاته، ومتعال عن التّجسّم والتعلّق بالمواد والأجسام، المعلول في وجوده وجميع صفاته ومتعال عن التّجسّم والتعلّق بالمواد والأجسام، وعن كلّ حد وصمة يتطرق في معلولاته .
قوله علیه السلام : وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً، فإنّ إتقان صنعه في مخلوقه على قدر لائق لكل شيء، والنظام الأكل الأتمّ المشهور في الكون المحير للعقول، والأمور الغريبة الحاصلة في خلق السماوات والأرض والعجائب المودعة في بنية الإنسان والحيوان والنبات، تدلّ على كمال حكمة بارئه، فإنّ الحكمة هو العدل والحق والصواب والحكيم هو العالم الذي يضع الأشياء مواضعها «أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ» «الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4)» [الملك : 3-4] وبالعدل قامت السماوات والأرض. ثم إن الصانع الحكيم لا يترك النّاس سدى ولا يهملهم فلا بد من أن يكون له سفراء في خلقه.
قوله علیه السلام : لم يجز أن يشاهده خلقه اه: فإن ما تدركه الأبصار ويباشره الإنسان بالحواس الجسم والجسمانيات أو المتجسم والمتجسد، والمتمثل من المجرّدات وما يقرب منها
كالأَجنّة وهو عز وجل متعال ذلك علواً كبيراً.
قوله علیه السلام : ثبت أن له سفراء في خلقه - إلى آخره. دليل على وجوب بعثة الأنبياء، وهذا الطريق هو الذي أتى به الحكماء في أسفارهم، في وجوب إرسال الرسل على الله تعالى بل هو أمتن وأدق وأكمل منه .
واعلم أنه ذهب أرباب الملل وأكثر الفلاسفة إلى حسن بعثة الأنبياء خلافاً للبراهمة من الهند، ومن يحذو حذوهم فإنّهم منعوا من حسنها، وقالوا: إنّ ما يجيء به الرّسول إن خالف
: العقل فهو مردود وإن وافق ففي العقل غنية عنه فلا وجه لحسنها.
وهذا القول باطل، لأنّ العقل لا يدرك جميع ما يصلح له وينفعه ويضره، على البسط والتفصيل بل كثيراً منها على الإجمال والإبهام أيضاً، على أن الفوائد التي ذكرها المتكلّمون والحكماء في حسن بعثة الأنبياء تردّ ما ذهب إليه البراهمة قال المحقق الطوسي في «تجريد الاعتقاد» :
البعثة حسنة لاشتمالها على فوائد كمعاضدة العقل فيما يدلّ عليه، واستفادة الحكم فيما لا يدلّ وازاحة الخوف واستفادة الحسن و القبح والمنافع والمضار، وحفظ النوع الإنساني وتكميل أشخاصه بحسب استعداداتهم المختلفة، وتعليمهم الصنائع الخفيّة والأخلاق والسّياسات والأخبار بالعقاب والثّواب فيحصل اللّطف للمكلف .
ثمّ على تقدير حسنها هل هي واجبة في الحكمة قال العدلية أعني الإماميّة والمعتزلة : نعم، ومنعت الأشاعرة من وجوبها بناء على أصلها الفاسد.
ثمّ تقرير الطريق الذي أتى به الحكماء على الإجمال، هو أن نقول كلما كان صلاح النوع مطلوباً الله تعالى كانت الشريعة واجبة، وكلما كانت الشريعة واجبة، كانت البعثة واجبة فكلما كان صلاح النوع مطلوباً فالبعثة واجبة، وعلى التفصيل ما ذكره زينون الكبير تلميذ ارسطاطاليس في رسالته في المبدأ والمعاد وما ذكره الشيخ في المقالة العاشرة من إلهيات الشفاء من الفصل الثاني إلى الخامس وفي الإشارة الأولى من النمط التاسع من الإرشادات والتنبيهات وغيرهم من الحكماء الشامخين في مؤلفاتهم الحكمية ونأتي بما في الإشارات وشرحه للعلامة الطوسي فإنهما وافيان في المقصود فإنهما وافيان في المقصود مع جزالة اللّفظ ورزانة النظم قال الشّيخ :
لما لم يكن الإنسان بحيث يستقلّ وحده بأمر نفسه إلا بمشاركة آخر من بني جنسه، وبمعاوضة ومعارضة تجريان بينهما يفرغ كلّ واحد منهما لصاحبه عن مهم لو تولاه بنفسه لازدحم على الواحد كثير، وكان ممّا يتعسر إن أمكن، وجب أن يكون بين النّاس معاملة وعدل، يحفظه شرع يفرضه شارع متميز باستحقاق الطاعة، لاختصاصه بآيات تدلّ على أنّها من عند ربّه، ووجب أن يكون للمحسن والمسيء جزاء من عنده القدير الخبير فوجب معرفة المجازي، والشارع ومع المعرفة سبب حافظ للمعرفة ففرضت عليهم العبادة المذكورة للمعبود، وكرّرت عليهم ليستحفظ التذكير بالتكرير حتّى استمرت الدعوة إلى العدل المقيم الحياة النوع، ثمّ لمستعمليها بعد النفع العظيم في الدّنيا الأجر الجزيل في الأخر، ثمّ زيد للعارفين من مستعمليها المنفعة التي خصّوا بها فيما هم مولّون وجوههم شطره، فانظر إلى الحكمة ثمّ إلى الرّحمة والنعمة تلحظ جناباً تبهرك عجائبه ثمّ أقم واستقم.
وقال المحقق الطوسي في شرحه: أثبت النبوّة والشريعة وما يتعلّق بهما على طريقة الحكماء وذلك مبني على قواعد، وتقريرها أن نقول : الإنسان لا يستقل وحده بأمور معاشه، لأنّه يحتاج إلى غذاء ومسكن وسلاح لنفسه ولمن يعوله من أولاده الصغار وغيرهم، وكلّها صناعيّة لا يمكن أن يرتبها صانع واحد، إلا في مدّة لا يمكن أن يعيش تلك المدة فاقداً إياها، أو يتعسر إن أمكن لكنّها تتيسّر لجماعة يتعاونون ويتشاركون في تحصيلها، يفزع كل واحد منهم لصاحبه عن ذلك فيتم بمعارضة وهي أن يعمل كلّ واحد مثل ما يعمله الآخر،
ومعاوضة وهي أن يعطى كلّ واحد صاحبه من عمله بازاء ما يأخذه منه من عمله، فإذن الإنسان بالطبع محتاج في تعيشه إلى الاجتماع مؤد إلى صلاح حاله وهو المراد من قولهم الإنسان مدني بالطبع، والتمدن في اصطلاحهم هو هذا الاجتماع فهذه قاعدة.
ثمّ نقول : واجتماع النّاس على التعاون لا ينتظم إلا إذا كان بينهم معاملة وعدل، لأنّ كلّ واحد يشتهي ما يحتاج إليه ويغضب على من يزاحمه في ذلك، وتدعوه شهوته وغضبه إلى الجور على غيره، فيقع من ذلك الهرج ويختل أمر الاجتماع، أما إذا كان معاملة وعدل متفق عليهما لم يكن كذلك، فإذن لا بد منهما والمعاملة والعدل لا يتناولان الجزئيات الغير المحصورة، إلا إذا كانت لها قوانين كلّية، وهي الشرع فإذن لا بدّ من شريعة، والشريعة في اللّغة مورد الشاربة، وإنّما سمى المعنى المذكور بها لاستواء الجماعة في الإنتفاع منه وهذه قاعدة ثانية.
ثمّ نقول : والشرع لا بدّ له من واضع يقنّن تلك القوانين ويقرّرها على الوجه الذي ينبغي وهو الشّارع ، ثمّ إنّ النّاس لو تنازعوا في وضع الشرع لوقع الهرج المحذور منه، فإذن أن يمتاز الشارع منهم باستحقاق الطاعة ليطيعه الباقون في قبول الشريعة واستحقاق الطاعة إنّما يتقرر بآيات تدلّ على كون تلك الشريعة من عند ربّه، وتلك الآيات هي معجزاته وهي إمّا قولية وإمّا فعلية، والخواصّ للقوليّة أطوع، والعوام للفعلية أطوع ولا يتم الفعلية مجرّدة عن القوليّة لأنّ النبوة والإعجاز لا يحصلان من غير دعوة إلى خير، فإذن لا بدّ من شارع هو نبيّ معجزة وهذه قاعدة ثالثة.
ثمّ إنّ العوام وضعفاء العقول يستحقرون اختلال عدل النّافع، في أمور معاشهم بحسب النّوع عند استيلاء الشوق عليهم إلى ما يحتاجون إليه، بحسب الشخص فيقدمون على مخالفة الشرع، وإذا كان للمطيع والعاصي ثواب وعقاب أخرويان يحملهم الرجاء والخوف على الطاعة وترك المعصية، فالشريعة لا تنتظم بدون ذلك انتظامها به فإذن وجب أن يكون للمحسن وللمسيء جزاء من عند الإله القدير على مجازاتهم، الخبير بما يبدونه أو يخفونه من أفكارهم وأقوالهم وأفعالهم، ووجب أن يكون معرفة المُجازي والشارع واجبة على الممتثلين للشريعة في الشريعة، والمعرفة العامية قلما تكون يقينيّة، فلا تكون ثابتة فوجب أن يكون معها سبب حافظ لها وهو التذكار المقرون بالتكرار، والمشتمل عليهما إنما تكون عبادة مذكرة للمعبود مكررة في أوقات متتالية كالصلوات وما يجري مجراها فإذن يجب أن يكون النبي داعياً إلى التصديق بوجود خالق مدبر خبير وإلى الإيمان بشارع مبعوث من قبله صادق وإلى الإعتراف بوعد ووعيد أخرويين، وإلى القيام بعبادات يذكر فيها الخالق بنعوت جلاله، وإلى الإنقياد لقوانين شرعيّة يحتاج إليها النّاس في معاملاتهم، حتّى يستمرّ بذلك الدّعوة إلى
العدل المقيم لحياة النّوع وهذه قاعدة رابعة.
ثمّ إنّ جميع ذلك مقدر في العناية الأولى لاحتياج الخلق إليه، فهو موجود في جميع الأوقات والأزمنة، وهو المطلوب وهو نفع لا يتصور نفع أعمّ منه. وقد أضيف لممثلي الشرع إلى هذا النفع العظيم الدنياوي الأجر الجزيل الأخروي، حسب ما وعده وأُضيف للعارفين منهم إلى النفع العاجل والأجر الآجل، الكمال الحقيقي المذكور، فانظر إلى الحكمة وهي تبقية النظام على هذا الوجه، ثمّ إلى الرّحمة وهو إيفاء الأجر الجزيل بعد النفع العظيم، وإلى النعمة وهي الإبتهاج الحقيقي المضاف إليهما، تلحظ جناب مفيض هذه الخيرات جناياً تبهرك عجائبه، أي تغلبك وتدهشك . ثمّ أقم أي أقم الشرع، واستقم أي في التوجه إلى ذلك الجناب المقدس.
وإذا علم ذلك فلنرجع إلى بيان سائر فقرات الحديث قوله علیه السلام : يعبّرون عنه إلى خلقه وعباده. قال الجوهري في «الصّحاح» : عبّرت عن فلان إذا تكلمت عنه (1)والمراد أن الأصل الأوّل فيما يسنّه هذا السانّ المعدّل الإلهي هو إيقاظ فطرة النّاس، من نوم الغفلة عن مبدء العالم عزّ وجلّ وإنارة عقولهم من أنوار المعرفة به تعالى، وإثارة نفوسهم إلى الوصول ببابه والحضور إلى جنابه، فإن الإيمان بالله أصل شجرة الدّين، وأساس بنيان السنة والشريعة، وسائر الأصول والفروع متفرع عليه، فمن عرف الله حقّ معرفته عرف أن له صفات علياً وأسماء لائقة بذاته، وأنّه تعالى واجب الوجود لا يشارك شيئاً من الأشياء في ماهيته، وقيوم بريء عن جميع أنحاء التعلق بالغير وأنّه تعالى لم يخلق العالم وآدم عبثاً، فإنّ العبث قبيح لا يتعاطاه المبدأ الحكيم، والمبدأ الحكيم تعالى عن أن يترك النّاس حياري، ولا يهديهم سبيل الخير والهدى وما يوجب لهم عنده الزلفي، فلا بد من وجوب التكليف في الحكمة وإلا فكان مغرياً بالقبيح، تعالى عن ذلك لأنّه خلق في العبد الشهوة والميل إلى القبائح والنفرة والتأبي عن الحسن، فلو لم يقرر عبده عقله ولم يكلّفه بوجوب الواجب وقبح القبيح ويعده ويتوعد، لكان مغرياً له بالقبيح والاغراء بالقبيح قبيح، والتكليف لا يتم إلا بالإعلام، وهو لا يتم إلا بإرسال الرّسل المؤدبين بآدابه المؤيدين من عنده، بأمور قدسيّة وكرامات إلهية ومعجزات وخوارق عادات .
وبالجملة من هدى عقله إلى جناب الرّب، هدي إلى ما يتفرع عليه، فقد أفلح وسعد وفاز، ولذا ترى من سنة الأنبياء أن أوّل ما لقنوا عباد الله كلمة لا إله إلّا الله، والمروي عن خاتمهم صلی الله علیه و آله و سلّم قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا(2):
نعم لا يجب على السانّ تلقين جميع النّاس معرفته تعالى، على الوجه الذي لا يفهمه إلّا الأوحدى من النّاس، الحكيم المتأله المرتاض في الفنون والعلوم، فإن معاشر الأنبياء بعثوا ليكلموا النّاس على قدر عقولهم، ولا ريب أن الادراكات والنيل إلى المعارف والعلوم يتفاوت بحسب مراتب النّاس في صفاء نفوسهم وصقالتها قال الشيخ في إلهيات «الشفاء» :
ويكون الأصل الأوّل فيما يسنه تعريفه إيّاهم أن لهم صانعاً واحداً قادراً وأنّه عالم بالسرّ والعلانية، وأنّه من حقّه أن يطاع أمره فإنّه يجب أن يكون الأمر لمن له الخلق، وأنه قد أعدّ لمن أطاعه المعاد المسعد ولمن عصاه المعاد المشقي، حتّى يتلقى الجمهور رسمه المنزل على لسانه من الإله والملائكة بالسمع والطاعة، ولا ينبغي له أن يشغلهم بشيء من معرفة الله فوق معرفة أنّه واحد حق لا شبيه له، فأمّا أن يعدي بهم إلى أن يكلفهم أن يصدّقوا بوجوده وهو غير مشار إليه في مكان، ولا منقسم بالقول ولا خارج العالم ولا داخله ولا شيء من هذا الجنس، فقد عظم عليهم الشغل وشوش فيما بين أيديهم الدّين وأوقعهم فيما لا تخلص عنه إلا لمن كان المعان الموفق الذي يشذ وجوده ويندر كونه، فإنّه لا يمكنهم أن يتصوروا هذه الأحوال على وجهها إلا بكدّ، وإنّما يمكن القليل منهم أن يتصوروا حقيقة هذا التوحيد والتنزيه، فلا يلبثوا أن يكذبوا بمثل هذا الموجود ويقعوا في تنازع، وينصرفوا إلى المباحثات والمقايسات بمثل التي تصدّهم عن أعمالهم المدنية، وربما أوقعهم في آراء مخالفة لصلاح المدنية ومنافية لواجب الحق، وكثرت فيهم الشكوك والشبه وصعب الأمر على السان في ضبطهم، فما كل بميسّر له في الحكمة الإلهيّة ولا السانّ يصلح له أن يظهر أن عنده حقيقة يكتمها عن العامّة، بل يجب أن لا يرخص في تعرض شيء من ذلك بل يجب أن يعرفهم جلال الله تعالى وعظمته برموز وأمثلة من الأشياء التي هي عندهم جليلة وعظيمة ويلقى إليهم مع هذا هذا القدر أعني أنّه لا نظير له ولا شريك له ولا شبيه.
وكذلك يجب أن يقرر عندهم أمر المعاد على وجه يتصورون كيفيته، ويسكن إليه نفوسهم، ويضرب للسعادة والشقاوة أمثالاً ممّا يفهمونه ويتصورونه. وأمّا الحق في ذلك فلم يلوح لهم منه إلا أمراً مجملاً، وهو أن ذلك شيء لا عين رأت ولا أذن سمعته، وأن هناك من اللّذة ما هو ملك عظيم ومن الألم ما هو عذاب مقيم .
وكذا قال زينون الكبير تلميذ أرسطاطاليس في رسالته في المبدأ والمعاد: النبيّ يضع السنن والشرائع ويأخذ الأمة بالترغيب والترهيب، يعرّفهم أن لهم إلهاً مجازياً لهم على أفعالهم يثيب الخير ويعاقب على الشر، ولا يكلّفهم بعلم ما لا يحتملونه، فإن هذه الرتبة هي رتبة العلم أعلى من أن يصل إليها كلّ أحد . ثمّ قال : قال معلمي ارسطاطاليس حكاية عن معلمه افلاطن: إن شاهق المعرفة أشمخ من أن يطير إليه كلّ طائر، وسرادق البصيرة أحجب
من أن يحوم حوله كلّ سائر.
أقول : وكأن الشيخ الرئيس قد لاحظ عبارة زينون فيما قاله في آخر النمط التاسع من الإشارات: جل جناب الحقّ عن أن يكون شريعة لكل وارد أو يطّلع عليه إلا واحداً بعد واحد.
قوله علیه السلام : ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم ذلك لما مرّ آنفاً من أن الإنسان مدنيٌ بالطبع محتاج في تعيشه وبقائه إلى اجتماع، فلا بد لهم من سانّ معدّل يدبّر أمورهم ويعلّمهم طريق المعيشة في الدّنيا والنجاة من العذاب في العقبى، ولولا هذا السانّ لوقع الهرج واختل أمر الاجتماع ولزم مفاسد كثيرة أُخرى. ذكر بعضها من قبل، ونعم ما قال الشيخ في «الشفاء»: فالحاجة إلى هذا الإنسان في أن يبقي نوع الناس، يتحصّل وجوده أشدّ من الحاجة إلى انبات الشعر على الأشفار على الحاجبين، وتقعير الأخمص من القدمين وأشياء أخرى من المنافع التي لا ضرورة فيها في البقاء، بل أكثر ما لها أنّها ينفع في البقاء، ووجود الإنسان الصالح لأن يسنّ ويعدل ممكن، فلا يجوز أن تكون العناية الأولى تقتضي تلك المنافع، ولا تقتضي هذه التي هي أسّها، ولا أن يكون المبدأ الأوّل والملائكة بعده يعلم ذلك ولا يعلم هذا، ولا أن يكون ما يعلمه في نظام الخير الممكن وجوده الضروري حصوله، لتمهيد نظام الخير ولا يوجد بل كيف يجوز أن يوجد، وما هو متعلق بوجوده مبني على وجوده موجود فواجب إذن أن يوجد نبيّ .
ثمّ إنّ في قوله علیه السلام : يدلونهم على مصالحهم، إشارة إلى ما ذهب إليه العدلية من أنّ الأحكام الإلهية متفرعة على مصالح و مفاسد لا كما مال إليه الأشعري.
قوله علیه السلام : فثبتت الأمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبّرون عنه جلّ وعزّ. هذه نتيجة ما قدّم علیه السلام من المقدمات البرهانية العقلية المستحكمة المباني: الأولى أن لنا صانعاً، والثانية أنّه متعال عن أوصاف مخلوقه . فلم يجز أن يشاهده خلقه ويباشروه فلا بد من وسائط، الثالثة أنّه حكيم عالم بوجوه الخير والمنفعة في النّظام وسبيل المصلحة للخلائق في المعيشة والقوام والبقاء والدوام والحكيم لا يخلّ بالواجب، الرابعة أن الإنسان مدني بالطبع فلا بدّ له من سانّ معدل .
قوله علیه السلام : هم الأنبياء وصفوته من خلقه إلى قوله : ثمّ ثبت بيّن علیه السلام في هذه الفقرات أمرين: الأوّل أنّ النبيّ لا بد أن يكون بشراً حيث قال : على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب. الثّاني أنه مع البشريّة يجب أن يكون متميزاً من سائر النّاس بأوصاف قدسية خلقاً وخلقاً حيث قال : غير مشاركين للنّاس في شيء من أحوالهم.
أمّا الأوّل أعني كونه من جنس البشر فلوجوه: الأوّل أنس النّاس به فإن الجنس إلى الجنس يميل، ولنعم ما نظم العارف الرومي في المقام :
يك زنی آمد به پیش مرتضی *** گفت شد بر نا ودان طفلی مرا
گرش میخوانم نمی آید بدست *** ورهلم ترسم که او افتد به پست
نیست عاقل تاکه دریابد چوما *** گر بگویم کز خطر پیش من آ
هم اشارات را نمیداند بدست *** وربداند نشنود این هم بدا ست
بس نمودم شیر پستان را بدو *** او همی گرداند از من چشم ورو
از برای حق شماييد اي مهان *** دستگیر این جهان و آن جهان
زود درمان کن که میلرزد دلم ***ا که بدرد از میوه دل بگسلم
گفت طفلی را برآور هم بیام *** تابه بیند جنس خودرا آن غلام
سوی جنس آید سبك زان ناودان *** جنس برجنس است عاشق جاودان
زن چنان کردو چودید آنطفل او *** جنس خود خوش خوش بدو آوردرو
سوی بام آمد زمتن ناودان *** جاذب هر جنس را همجنس دان
غژغژان آمد بسوى طفل طفل *** وارهید از او فتادن سوی سفل
زان شد ستند از بشر پیغمبران *** تا بجنسیت رهند از ناودان
پس بشر فرمود خودرا مثلکم *** تا بجنس آیند و کم گردندگم
زانکه جنسیت بغایت جاذبست *** جاذبش جنس است هر جا طالبس
والوجه الثاني : النّاس في حالتهم العادية لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته التي خلق عليها، لأنه روحاني الذات والقوة البشرية لا تقوى على رؤية الملك، بل الجن ما لم يتجسما ويتمثلا بالأجسام الكثيفة والأمثال المرتية وإن كانا برانا، كما قال تعالى في الشيطان : «َاإِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ» [الأعراف: 27] بل أبصارنا لا تقوى على رؤية بعض الأجسام من عالمنا هذا أيضاً كالهواء، والعناصر البسيطة التي يتألف منها الهواء فكيف تقدر على رؤية ما هو ألطف من الهواء كالجنّ، وما هو ألطف من الجن كالملك وما هو ألطف منه.
ثمّ لو فرض أن يتمثل الملك أو يتجسد أو يتجسّم بحيث عاينه النّاس لكان في صورة البشر أيضاً للوجهين المتقدّمين قال عزّ من قائل: «وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ» [الانعام: 9] . ولذلك كان جبرئيل علیه السلام يأتي النّبي صلی الله علیه و آله و سلّم في صورة دحية الكلبي والملائكة الذين دخلوا على إبراهيم في صورة الضيفان حتى قدم إليه عجلاً
جسداً، وكذلك الذين أتوا لوطاً، وكذلك لما تسوّر المحراب على داود الملكان كانا في صورة رجلين يختصمان إليه، وجبرئيل تمثل لمريم بشراً سويّاً، نعم يمكن للأنبياء أن يروا بقوتهم القدسيّة الملائكة وأشباههم على صورتهم الأصلية، كما جاءت عدّة روايات أن خاتمهم صلی الله علیه و آله و سلّم رأى جبرئيل على صورته الأصليّة مرّتين وسيأتي الكلام في ذلك في خواص الأنبياء.
والوجه الثالث: النبي لو كان ملكاً وإن تجسم بشراً لما يتم الحجة على النّاس، ولا يسلمه العقول ولا تنقاده النفوس، لأنه إن ظهرت أية معجزة منه لقالوا : لو كان لنا مثل ما كان لک من القدرة والقوة والعلم، وغيرها من الصفات القاهرة على صفات البشر لفعلنا مثل فعلك، فتقوى الشبهات من هذه الجهة، وبذلك علم ضعف ما تخيّل ضعفاء العقول من النّاس، أنّ الأنبياء إذا كانوا من طائفة الملائكة من حيث إن علومهم أكثر وقدرتهم أشدّ ومهابتهم أعظم، وامتيازهم عن الخلق أكمل والشبهات والشكوك في نبوّتهم ورسالتهم أقل، والحكيم إذا أراد تحصيل مهم فكلّ شيء كان أشدّ إفضاءً إلى تحصيل ذلك المطلوب كان أولى.
وهذه الوجوه الثلاثة ما أجاب بها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم مشركي قريش، لمّا جادلوه واحتجوا عليه بقولهم : لو كنت نبيّاً لكان معك ملك يصدقك ونشاهده ولو أراد الله أن يبعث إلينا نبيّاً لكان إنّما يبعث إلينا ملكاً لا بشراً مثلنا، كما هو المروي في «الإحتجاج» للطبرسي رضوان الله عليه «والبحار» وكثير من كتب الحديث : إن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كان قاعداً ذات يوم بمكّة بفناء الكعبة، إذ اجتمع جماعة من رؤساء قريش منهم الوليد بن المغيرة المخزومي وأبو البختري بن هشام وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل السهمي، وعبد الله بن أبي أميّة المخزومي، وكان معهم جمع ممّن يليهم كثير ورسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب الله ويؤدي إليهم عن الله أمره ونهيه، فقال : المشركون بعضهم لبعض : لقد استفحل أمر محمّد وعظم خطبه فتعالوا نبدأ بتقريعه وتبكيته وتوبيخه والإحتجاج عليه وإبطال ما جاء به، ليهون خطبه على أصحابه ويصغر قدره عندهم، فلعلّه ينزع عمّا هو فيه من غيّه وباطله وتمرّده وطغيانه، فإن انتهى وإلّا عاملنا بالسيف الباتر.
قال أبو جهل: فمن الذي يلي كلامه ومجادلته؟ قال عبد الله بن أبي أميّة المخزومي: أنا إلى ذلك، أفما ترضاني له قرنا حسيباً ومجادلاً كفياً؟ قال أبو جهل : بلى. فأتوه بأجمعهم فابتدأ عبد الله بن أبي أميّة المخزومي فقال :
يا محمد لقد ادعيت دعوى عظيمة وقلت مقالا هائلاً، زعمت أنّك رسول الله ربّ العالمين، وما ينبغي لربّ العالمين وخالق الخلق أجمعين، أن يكون مثلك رسوله بشراً مثلنا،
تأكل ممّا نأكل وتمشي في الأسواق كما نمشي - وساق الحديث إلى أن قال - قال المخزومي: ولو كنت نبيّاً لكان معك ملك يصدقك ونشاهده بل لو أراد الله أن يبعث إلبنا نبيّاً لكان إنّما يبعث إلينا ملكاً، لا بشراً مثلنا ما أنت يا محمّد إلا مسحوراً ولست نبيّاً - وساق الحديث إلى أن قال :
ثمّ قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : وأمّا قولك: «ولو كنت نبيّاً لكان معك ملك يصدقك ونشاهده، بل لو أراد أن يبعث إلينا لكان إنّما يبعث لنا ملكاً لا بشراً مثلنا» والملك لا تشاهده حواسكم، لأنه من جنس هذا الهواء لاعيان منه ولو شاهدتموه، بأن يزاد في قوى أبصاركم لقلتم ليس هذا ملكاً بل هذا بشر، لأنّه إنّما كان يظهر لكم بصورة البشر الذي قد الفتموه، لتفهموا عنه مقالته وتعرفوا خطابه ومراده، فكيف كنتم تعلمون صدق الملك وأنّ ما يقوله حق؟ بل إنّما بعث الله بشراً وأظهر على يده المعجزات، التي ليست في طبائع البشر الذين قد علمتم ضمائر قلوبهم، فتعلمون بعجزكم عما جاء به أنّه معجزة، وأن ذلك شهادة من الله بالصدق له، ولو ظهر لكم ملك وظهر على يده ما تعجز عنه البشر، لم يكن في ذلك ما يدلكم أن ذلك لكم، ليس في طبائع سائر أجناس الملائكة حتّى يصير ذلك معجزاً، ألا ترون أنّ الطيور التي تطير ليس ذلك منها بمعجزة، لأن لها أجناساً تقع منها مثل طيرانها ولو أنّ آدميّاً طار كطيرانها كان ذلك معجزاً، فالله عزّ وجلّ سهّل عليكم الأمر وجعله بحيث يقوم عليكم حجّته وأنتم تقترحون عمل الصعب الذي لا حجّة فيه .
ثم قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : وأمّا قولك: «ما أنت إلا رجل مسحور» فكيف أكون كذلك وقد تعلمون أنّه في صحة التميز والعقل فوقكم، فهل جرّبتم عليّ منذ نشأت إلى أن استكملت أربعين سنة خزية أو زلّة أو كذبة أو خيانة أو خطأ من القول أو سفها من الرأي، أتظنّون أن رجلاً يعتصم طول هذه المدّة بحول نفسه وقوّتها أو بحول الله وقوّته - إلى آخر الحديث بطوله(1).
أمّا الأمر الثاني أعني أنّ النبيّ مع البشريّة، يجب أن يكون متميزاً عن سائر النّاس، بأوصاف قدسيّة، فأشار علیه السلام إليها بقوله : أنّ الأنبياء صفوته من خلقه أوّلاً، وأنّهم حكماء مؤدّبين في الحكمة ثانياً، ومبعوثين بها ثالثاً، وغير مشاركين للنّاس على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب في شيء من أحوالهم رابعاً، مؤيدون عند الحكيم العليم بالحكمة خامساً. وهذه أمور لا بدّ للنّاظر من البحث عنها والنيل إلى حقيقة مغزاها.
واعلم أنّ الأنبياء لكونهم سفراء له تعالى إلى خلقه، وأمناؤه على وحيه وخلفاؤه لا بدّ
1) الاحتجاج : 31/1، وبحار الأنوار: 273/9
من أن يكونوا متصفين بالأوصاف القدسيّة الإلهيّة، ومتخلّقين بالأخلاق الرّبوبيّة، فإنّ الخليفة لا بدّ وأن يكون موصوفاً بصفات المستخلف، حتّى يتحقق له اسم الخلافة، والعناية الأزليّة تأبى بعث من لم يكن كذلك، لبعده عن الإتصاف بصفات الحق والإتصال بحضرة القدس. وقد قال الحكماء ومنهم الشيّخ في «الشفاء»، أنّ النّفس الناطقة كمالها الخاصّ بها أن بصیر عالماً عقلياً مرتسماً فيها صور الكلّ والنظام المعقول، في الكلّ، والخير الفائض في الكل، وأفضل النّاس من استكملت نفسه عقلاً بالفعل محصلاً وللأخلاق التي تكون فضائل عمليّة، وأفضل هؤلاء هو المستعد لمرتبة النبوّة، وهو الذي في قواه النفسانيّة خصائل ثلاث: أن يعلم جميع المعلومات أو أكثرها من عند الله، وأن يطيعه مادة الكائنات بإذن الله، وأن يسمع كلام الله ويرى ملائكة الله.
أمّا العلم بجميع المعلومات والإطلاع على الأمور الغائبة من غير كسب وفكر، فيحصل من صفاء جوهر النفس وشدّة صقالتها ونورانيتها الموصل لها إلى المبادىء العالية وشدة الإتّصال بها.
وأمّا إطاعة مادّة الكائنات فبسبب شدّة انسلاخهم عن النواسيت الإنسانيّة، تدوم عليهم الإشراقات العلويّة بسبب الاستضاءة بضوء القدس والإلف بسنا المجد فتطيعهم المادة العنصريّة القابلة للصور المفارقة فيتأثر المواد عن أنفسهم كما يتأثر أبدانهم عنها، فلهذا يكون دعاؤهم مسموعاً في العالم الأعلى، والقضاء السابق ويتمكن في أنفسهم نور خلّاق به يقدرون على بعض الأشياء التي يعجز عنها غيرهم. قال الله تعالى في عيسى ابن مريم علیه السلام : «وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» [آل عمران: 49].
وأما الخصلة الثالثة فلأنّ الأنبياء لهم نفوس مقدسّة، قلّت شواغلها عن الحواس الظاهرة، فتخلّصت بذلك عن المادة الجسمانيّة، فلم يكن بينها وبين الأنوار حجب ولا شواغل لأنّها من لوازم المادّة، فإذا تخلّصت النّفس عن تعلقاتها كانت مشاهدة للأنوار والمفارقات البريئة عن الشوائب الماديّة واللّواحق الغريبة، ولذا يكونوا مشاهدين للملائكة على صورهم بقوتهم القدسية، سامعين لكلامهم قابلين لكلام الله تعالى بطريق الوحي، ومعلوم أنّ المادّة التي تقبل هذه الخصائل والكمالات تقع في قليل من الأمزجة، ولذا قال علیه السلام : إنّ الأنبياء وصفوته من خلقه، فمزاجهم أعدل الأمزجة الإنسانية، ونفسهم الفائضة من الأوّل تعالى ألطف وأشدّ وأقوى وأوسع وجوداً من غيرها، فهم غير مشاركين للنّاس على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب في شيء من أحوالهم، وقوله علیه السلام : في شيء من
احوالهم، تتعلّق بقوله غیر مشارکین للنّاس.
واعلم أنّ الله جعل المزاج الإنساني أعدل الأمزجة، لتستوكره نفسه الناطقة التي هي أشرف النّفوس، ولا بدّ أن يكون وكرها لائقاً لها، وقال المعلّم الثاني أو نصر الفارابي في المختصر الموسوم بعيون المسائل كما نقله عنه المحقّق الطوسي في آخر النّمط الثاني من شرحه على الإشارات: حكمة الباري تعالى في الغاية، لأنّه خلق الأصول (يعني بها العناصر) وأظهر منها الأمزجة المختلفة، وخص كل مزاج بنوع من الأنواع، وجعل كلّ مزاج كان أبعد عن الإعتدال سبب كلّ نوع، كان أبعد عن الكمال، وجعل النّوع الأقرب من الإعتدال مزاج البشر حتّى يصلح لقبول النفس النّاطقة انتهى .
وكما أنّ النفس الناطقة مميّزة عن سائر النفوس بآثار وأفعال تخصّ بها، ولا بد أن يكون مزاجها المتعلق بها أعدل من غيره كذلك الأنبياء الذين غير مشاركين للنّاس، على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب في شيء من أحوالهم وأفعالهم، لا بدّ من أن يكون مزاجهم أعدل الأمزجة الإنسانيّة اللائق بنفوسهم القدسية.
ولمّا كان الأنبياء علیه السلام بعضهم أفضل من بعض كما قال تعالى: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ» [البقرة: 253] فلا بدّ من أن يكونوا متفاوتين في اعتدال المزاج وصفاء النّفس النّاطقة القدسية وسعتها الوجوديّة، وكذا الكلام في خاتمهم الذي هو أكمل موجود في النّوع الإنساني وأوتي جوامع الكلم التي هي أمهات الحقائق الإلهيّة والكونيّة، ولذا كان الرّوح المحمّدي صلی الله علیه و آله و سلّم أوّل دليل على ربّه، لأنّ الربّ لا يظهر إلاّ بمربوه ومظهره وكمالات الذات بأجمعها إنّما تظهر بوجوده الأكمل. والمروي عنه صلی الله علیه و آله و سلّم : والله لو كان موسى حيّاً بين أظهركم ما حلّ له إلا أن يتبعني(1).
قوله علیهم السلام : حكماء مؤدّبين في الحكمة، أي أدّبهم الله تعالى في الحكمة، يقال: أدبه إذا هذّبه وراض أخلاقه، وأدّبه في أمر إذا علّمه وراضه حتّى تأدّب فيه، وفي «الجامع الصغير» في أحاديث البشير النذير نقلاً عن ابن عدي في «الكامل» عن ابن مسعود أنّه صلی الله علیه و آله و سلّم قال : أديني ربّي فأحسن تأديبي(2).
ومن حيث أنّهم علیه السلام حكماء مؤدّبين في الحكمة والحكمة هو العدل والوسط في كلّ أمر، فهم على الجادة الوسطى، التي ليست النّجاة إلا بالاستقامة فيها، فمن اقتدى بهم
واقتفى آثارهم فقد هدى إلى الصراط المستقيم، فإنّ الحجج الإلهيّة في الحقيقة موازين للنّاس
ونبيّ كلّ أمّة هو ميزان تلك الأمة لأن ميزان كلّ شيء بحسبه هو المعيار الذي يعرف به قدره، وحدّه وصحته وسقمه وزيادته ونقصانه واستواؤه، فقد يكون ذلك الشيء من الأجسام، فميزانه ما وضع من جنسه من الأحجار وغيرها، كالمّد والمنّ والمكاييل والزرع وغيرها لتعيين وزن ذلك الشيء وتقديره، وقد يكون ذلك الشيء من الكلمات فيوزن صحتها واعتلالها بميزانه الذي هو الفاء والعين واللام، كما بيّن في علم الصرف. وعلم المنطق يكون ميزاناً لتمييز النتيجة الصحيحة من السقيمة وعلم العروض ميزاناً للأشعار، وميزان النّاس ما يوزن به قدر كل امرء وقيمته على حسب أعماله، وأخلاقه وعقائده وصفاته، وحيث أنّ الأنبياء بعثوا على الحق ولا يميلون عن العدل مقدار قطمير، ولا يصدر منهم سهو ولا نسيان، فهم معيار الحق وميزان الصّدق وفيصل الأمور، فمن تأسّى بهم وحذا حذوهم فقد فاز فوزاً عظيماً وإلّا فقد خسر خسراناً مبيناً.
وبما ذكرنا علم ما في «الكافي» عن الإمام الصادق علیه السلام من أنّه سئل عن قول الله «وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ» [الأنبياء : 47]؟ قال : الأنبياء والأوصياء.
وكذا في رواية أُخرى عنه علیه السلام : نحن الموازين القسط(1).
قوله علیه السلام: مؤيدون عند الحكيم العليم بالحكمة، أي كما أنّهم مؤدّبون في الحكمة كذلك مؤيّدون بالحكمة من عنده تعالى، تدلّ على صدق مقالته وجواز عدالته، ليميز الخبيث من الطيب والحق من الباطل فلو لم يكونوا مؤيّدين بها من عنده تعالى بالحكمة أعني بالبينات والمعجزات القولية والفعلية لما يفصل بين النبيّ والمتنبّي، قال عزّ من قائل: «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ» [الحديد: 25].
قوله علیه السلام : ثم ثبت ذلك - إلى آخره لما هدينا العقل بتلك المقدمات إلى هذا المطلب الأسنى، فدلّ أن الأرض لا تخلو في كلّ دهر وزمان من لدن خلق البشر إلى قيام القيامة،
من حجّة الهيّة، ودريت أن الخليفة في الأوّل قبل الخليقة، وفي الأخر بعدها لئلا يحتجّ أحد على الله تعالى أنّه تركه بغير حجّة الله عليه.
في «الكافي» بإسناده إلى منصور بن حازم قال : قلت لأبي عبد الله علیه السلام : إن الله أجلّ وأكرم من أن يعرف بخلقه بل الخلق يعرفون بالله قال: صدقت قلت : إنّ من عرف أن له ربّاً
فقد ينبغي له أن يعرف أن لذلك الربّ رضاً وسخطاً، وأنّه لا يعرف رضاه وسخطه إلاّ بوحي
1) بحار الأنوار: 343/7، والتفسير الصافي : 182/2.
أو رسول، فمن لم يأته الوحي فينبغي له أن يطلب الرسل فإذا لقيهم عرف أنّهم الحجّة وأنّ لهم الطاعة المفترضة، فقلت للنّاس : أليس تعلمون أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كان هو الحجة من الله على خلقه؟ قالوا: بلی قلت: فحين مضى علیه السلام من كان الحجة؟ قالوا : القرآن فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجىء والقدري والزنديق الذي لا يؤمن به حتّى يغلب الرّجال بخصومته، فعرفت أن القرآن لا يكون حجّة إلا بقيم، فما قال فيه من شيء كان حقّا فقلت لهم: من قيمّ القرآن؟ فقالوا : ابن مسعود قد كان يعلم وعمر يعلم وحذيفة يعلم، قلت : كلّه؟ قالوا : لا ، فلم أجد أحداً يقال: أنّه يعرف القرآن كلّه إلّا علياً علیه السلام وإذا كان الشيء بين القوم فقال هذا : لا أدري وقال هذا: لا أدري وقال هذا: لا أدري وقال هذا : أنا أدري فأشهد أن عليّاً كان قيّم القرآن، وكانت طاعته مفروضة وكان الحجّة على النّاس بعد رسول الله، وأنّ ما قال في القرآن وكانت طاعته مفروضة وكان الحجّة على النّاس بعد رسول الله، وأنّ ما قال في القرآن فهو حق فقال : رحمك الله - إلى آخر الحديث(1).
هذا الحديث مشتمل على مطالب عقليّة مهّدت للزوم الحجّة على النّاس، ما دامت الأرض باقية، يأمرهم بالخير والصلاح ويهديهم إلى سبيل الرشاد، ولا بد أن يكون معه علم بالله وآياته. وتلك المطالب رتبت على أسلوب بديع وأساس متين : الأوّل أن الله أجل وأكرم من أن يعرف بخلقه بل الخلق يعرفون بالله وما أحسن هذا القول وأحلاه ويعلم منه أن منصور بن حازم كان حازماً حاذقاً في أصول العقائد .
وغرضه من ذلك إما أن معرفة الله تعالى فطري غريزي فطرة الله التي فطر الناس عليها، والعقل وحده كاف في معرفته عزّ وجل وهو القائد إلى جنابه وأُصول صفاته، فلا يحتاج الإنسان فى معرفته تعالى إلى خلقه بما أعطاه من العقل يسلكه إلى الصراط المستقيم، قال عزّ من قائل: ««وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْمَهَا فُجُورَهَا وَتَقَواهَا» فهو تعالى أجل وأكرم من أن يعرف بخلقه، بل يعرف بالعقل الذي أعطاه خلقه.
وإمّا أنّ الله جل جلاله هو الغني القائم بالذات واجب الوجود في ذاته وصفاته وما سواه ممكن مفتقر إليه ومستند به تعالى ظاهر بظهوره وموجود بوجوده : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» [فاطر: 15] وهو تعالى لإرتفاع مكانه وجلال كبريائه وشدة وجوده وبساطته أجل من أن يعرف بخلقه، على أنّه تعالى لا حدّ عليه ولا ضدّ ولا ندّ حتّى يعرف بها، بل هو سبب كلّ شيء وعلته فهو الأوّل عند أولي الأبصار، فإن أوّل ما
1) بحار الأنوار: 17/23 ح 13، والوافية : 143
يعرف من عرفان كلّ شيء هو الله تعالى، قال سيد الموحدين عليّ أمير المؤمنين علیه السلام : ما عرفت شيئاً إلا وقد عرفت الله قبله وقال علیه السلام : اعرفوا الله بالله .
ومن كلام مولانا سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين علیه السلام في دعاء عرفة: كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لک.
وقال أيضاً : تعرفت لكلّ شيء فما جهلك شيء، وقال: تعرفت إليّ في كلّ شيء فرأيتك ظاهراً في كلّ شيء فأنت الظاهر لكلّ شيء(1).
فهو تعالى أجل وأكرم من أن يعرف ذاته من جهة خلقه، بل لا يعرف غيره على الحقيقة الّا به.
وإما أنّه تعالى أجل وأكرم من أن يدرك عامة النّاس لطائف صنعه ودقائق حكمته ومصلحته في فعله وقوله، بل الخلق يعرفونها بالله تعالى أي بإرساله الرسل وإنزاله الكتب، والظاهر أن خير الوجوه أوسطها.
والمطلب الثاني: أن من عرف أن له ربًا عرف أن لذلك الربّ صفات قدوسية متعالية لائقة بجنابه، فلمّا عرف ذلك بنور العقل السليم والعقل السّليم يشتاق التقرب إلى جنابه، ويطلب ما يوصله ببايه، لأنّ الإنسان جبّل على النيل إلى السعادة والميل عن الشقاوة، سيّما السعادة الدائمة الأبديّة التي لا تحصل إلّا بالتخلّق بأخلاق الله والاتّصاف بصفاته العليا، وليس كل طريق وفعل وقول بمقرب النّاس إليه تعالى بالضرورة، فيحتاج إلى هاد يهديه سبل الخير وما فيه رضوانه تعالى وما فيه سخطه، ولا يتأتى ذلك إلّا بالوحي، ولا يوحى إلى كل واحد من آحاد النّاس لعدم قابلية كلّ واحد لذلك، فإنّ للنبوّة صفات خاصّة لا يتحملها إلّا الأوحدي من النّاس، المؤيد من عند الله تبارك وتعالى كما حقق في محلّه، فالعقل السليم يطلب من تعالى إرسال الرسل، فلولا البعثة لكان الله تعالى ظالماً لعباده، فإذا أوحى الله تعالى ما فيه خير البرية وسعادته وما يوجب رضوانه تعالى وسخطه إلى رسول بالبراهين والمعجزات والبيّنات فيأخذ النّاس معالم دينه ومعارف شريعته من الرسول قال عزّ من قال: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ» [آل عمران: 164] وقال تعالى : «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» [النحل : 125].
المطلب الثّالث: أنّ الحجّة على النّاس بعد خاتم النبيّين من هو؟ وهذا المطلب في
1) بحار الأنوار: 142/64، وميزان الحكمة: 1907/3.
المقام هو الأهمّ لأنّ المسلمين اتفقوا في وجود من يكون حافظاً للشرع من الزيادة والنقصان وللأمة من الظلم والطغيان، كما علم على ما بينّاه في المباحث السالفة وإنّما الكلام في ذلك الحجّة بعد النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وهو إما الكتاب أو السنّة المتواترة أو الخبر الواحد أو الإجماع أو القياس أو البراءة الأصليّة أو الاستصحاب أو العالم القائم مقام النّبيّ، والأخير أيضاً على وجهين : إما العالم مطلقاً أو العالم المعصوم من الذنوب، المنزه من العيوب، المنصوب من عند علام الغيوب، المؤيد بتأييدات سماوية، المهدي بهداية إلهيّة، وهذه وجوه محتملة في المقام لا بدّ للبصير الناقد أن ينظر فيها ويبحث عنها.
فنقول: أمّا الكتاب فهو كما قال منصور بن حازم يخاصم به المرجيء والقدري والزنديق الذي لا يؤمن به، حتّى يغلب الرجال بخصومته فالقرآن لا يكون حجّة إلا بقيّم.
ونزيدك بياناً في المقام حتّى يتبيّن الحق فنقول : لا ريب أن الله تعالى في كل واقعة وفي كلّ ما يحتاج إليه النّاس في معاشهم ومعادهم أنّ حكماً، وهي أمور غير متناهية وكذا لا ريب انّ الله تعالى نزل القرآن تبياناً لكلّ شيء كما نص به عزّ من قائل في سورة النحل آية 89 : «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ». وفي الأنعام آية 38: «وما فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ». وفي ذلك روى ثقة الإسلام الكلينيّ قدّس سرّه، في أصول «الكافي» بإسناده عن مرازم عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إنّ الله تعالى أنزل في القرآن تبيان كلّ شيء، حتّى والله ما نزل الله شيئاً يحتاج إليه العباد، حتّى لا يستطيع عبد يقول لو كان هذا أنزل في القرآن إلّا وقد أنزله الله فيه»(1).
وفيه أيضاً بإسناده إلى عمرو بن قيس عن أبي جعفر علیه السلام قال : سمعته يقول: «أنّ الله تعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأمّة إلا أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله صلی الله علیه و آله و سلّم وجعل لكلّ شيء حدّاً، وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حداً(2). وكذا غيرهما من الأخبار الأخرى في ذلك الباب.
وكذا لا ريب أنّ القرآن لم يبيّن تلك الفروع والأحكام الجزئية وكلّ ما يحتاج إليه النّاس في أمورهم الدينية والدّنيوية على التفصيل والبسط، وهذا لا ينافي قوله عزّ وجلّ في الآيتين المذكورتين لأنّ الكتاب مشتمل على أصول كلّية، يستنبط منها الأحكام الجزئيّة والقوانين الإلهية من كان عارفاً بها حقّ المعرفة، فلنقدّم لك مثالاً في ذلك توضيحاً للمراد.
قال المفيد في إرشاده: وروی عن یونس عن الحسن: ان عمر اتی بامراة قد ولدت لستّة أشهر فهمّ برجمها فقال له أمير المؤمنين علیه السلام: إن خاصمتك بكتاب الله خصمتك إنّ الله تعالى يقول: «وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا »[الاحقاف: 15] ويقول جلّ قائلاً: «وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ» [الاحقاف: 233]، فإذا تممت المرأة الرّضاعة سنتين وكان حمله وفصاله ثلاثين ،شهراً، كان الحمل منها ستّة أشهر فخلى عمر سبيل المرأة وثبت الحكم بذلك، فعمل الصحابة والتابعون ومن أخذ عنه إلى يومنا هذا انتهى(1).
وكذا غيره من الوقائع التي قضى فيها أمير المؤمنين عليّ علیه السلام بكتاب الله مما یحیر العقول، فهذا الحكم كان ثابتاً في الكتاب المجيد ولكن لا تبلغه عقول الرّجال إلا الكمّل منهم الذين هداهم الله إليه وعلّمهم معالم دينه، وجاءت الرّواية في ذلك في «الكافي» بإسناده عن المعلّى بن خنيس قال : قال أبو عبد الله علیه السلام : ما من أمر يختلف فيه إثنان إلا وله أصل في كتاب الله، ولكن لا تبلغه عقول الرّجال(2).
ونظير ما نقله المفيد جاء في «الكافي» للكليني بإسناده عن عليّ بن يقطين قال : سأل المهدي أبا الحسن علیه السلام عن الخمر هل هي محرمة فی کتاب الله تعالی، فانّ النّاس انّما يعرفون النهي عنها ولا يعرفون التحريم لها .
فقال له أبو الحسن علیه السلام: بل هي محرمة في كتاب الله تعالى يا أمير المؤمنين فقال له : في أيّ موضع هي محرّمة في كتاب الله يا أبا الحسن؟ فقال : قول الله تعالى: «قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ» فأما قوله: ما ظهر منها، يعني زنا المعلن ونصب الرايات التي كانت ترفعها الفواجر للفواحش في الجاهلية. وأما قوله تعالى: «و مَا بَطَنَ»، يعني ما نكح من الآباء لأنّ النّاس كانوا قبل أن يبعث النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم إذا كان للرجل زوجة ومات عنها، يزوجها ابنه من بعده إذا لم تكن أمه فحرّم الله تعالى ذلك. وأما الإثم، فإنها الخمر بعينها وقد قال الله تعالى في موضع آخر : «يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ» فأمّا الإثم في كتاب الله فهي الخمر والميسر وإثمهما أكبر كما قال تعالى. فقال المهدي : يا عليّ بن يقطين فهذه فتوى هاشمية . قال : قلت له : صدقت والله يا أمير المؤمنين، الحمد لله الذي لم يخرج هذا العلم منكم أهل البيت قال: فوالله ما صبر المهدي أن قال لي : صدقت يا رافضي(3).
واعلم أن نظائرهما المروية عن أئمتنا علیهم السلام المستنبطة من ضم الآيات القرآنية بعضها من بعض غير عزيز واستبصر من هذا أنما يعرف القرآن من خوطب به، وأن القرآن يفسّر بعضه بعضاً. قال عزّ من قائل: «وَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبيانًا لِكُلِّ شَىءٍ» ومعلوم أن من الأشياء القرآن نفسه فهو تبيان لنفسه أيضاً ولكن لا تبلغه عقول الرّجال كما دريت وإنّ للاستنباط من الكتاب رجالاً عينهم الله لنا في كتابه: «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» [النساء : 83] .
على أنا نقول : إن في الكتاب محكماً ومتشابهاً وناسخاً منسوخاً وعامّاً وخاصّاً ومبينا ومجملاً، تمييزها واستنباط الفروع الجزئية والأحكام الإلهيّة منها صعب مستصعب جدّاً، بل خارج عن طوق البشر إلّا من اختاره الله وعلّمه فقه القرآن، وملأ قلبه علماً وفهماً وحكماً ونوراً، ومن المجمل في الكتاب قوله تعالى «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا» [المائدة: 38] فإنّ اليد يطلق على العضو المعروف إلى الأشاجع وإلى الزند وإلى المرفق وإلى المنكب، فيقال أدخلت يدي في الماء إلى الأشاجع وإلى الزند وإلى المرفق وإلى المنكب، وأعطيت بيدي وإنّما اعطاه بأنامله وكتبت بيدي وإنّما كتبه بأصابعه، والاستعمال ظاهر في الحقيقة فيحصل الاشتراك ويأتي الإجمال في حدّ القطع، كما أنها مجملة في أنّ المراد قطع يدي السارق كلتيهما أو إحداهما، وعلى الثاني اليد اليمنى أو اليسرى وكذا في المقدار المسروق الذي تقطع فيه أيديهما، وفي من تكررت منه السرقة بعد القطع أو قبل القطع وغيرها من أحكام السرقة المدوّنة في كتب الحديث والفقه، وكذا غيره من الأحكام والفرائض مثل فرض الصّلاة والزكاة والصوم والحجّ والجهاد وحدّ الزنا ونظائرها، ممّا نزل في الكتاب مجملاً فلا بدّ لها من مفسّر ومبيّن.
ثمّ أنّه لو كان كتاب الله وحده بلا قيّم ومفسّر ومبّين كافياً لما أمر الله تعالى بإطاعة الرّسول، وفي عدّة مواضع من كتابه الكريم، كما حرّرناه من قبيل ودريت أن القائل حسبنا كتاب الله خبط خبط عشواء .
وأمّا السنة فالكلام فيها الكلام في الكتاب، فإن كلام حجج الله تعالى دون كلام خالق وفوق كلام مخلوق، ولكثير من الرّوايات أن لم نقل لجميعها وجوه محتملة، وقد يعارض بعضها، ولبعضها بطون علمية كالآيات القرآنيّة، فقد روى الصّدوق في المجلس الأوّل من أماليه بإسناده عن عمرو بن اليسع عن شعيب الحدّاد قال: سمعت الصّادق جعفر بن
محمّد علیه السلام يقول : أنّ حديثنا صعب مستصعب، لا يحتمله إلّا ملك مقرب أو نبيّ مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان أو مدينة حصينة، قال عمرو: فقلت لشعيب : يا أبا الحسن وأي شيء المدينة الحصينة؟ قال: فقال: سألت الصادق علیه السلام عنها فقال لي : القلب المجتمع. على أن الروايات ليست بوافية في جميع الأحكام، على سبيل التنصيص في الجزئيات بل كلّيات أيضاً، يستنبط منها تلك الفروع الجزئية، مع أن الروايات أكثرها منقولة بالمعنى، ولم يثبت بقاؤها على هيئتها التي صدرت عن المعصوم علیه السلام، أعني أنها لم تتواتر لفظاً وإن تواتر مدلول كثير منها، حتّى ذهب الشهيد الثّاني في الدراية، إلى أن رواية واحدة يمكن ادعاء تواتره لفظاً، حيث قال: والتواتر يتحقق في أصول الشرائع كثيراً، وقليل في الأحاديث الخاصّة وإن تواتر مدلولها حتّى قال أبو الصّلاح من سئل عن إبراز مثال لذلك أعياه طلبه، نعم حديث من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّء مقعده من النّار يمكن ادعاء تواتره، فقد نقل نقله عن النّبي صلی الله علیه و آله و سلّم من الصحابة الجم الغفير. انتهى(1).
قال المجلسي رحمة لله في «مرآة العقول» : من المعلوم أن الصّحابة وأصحاب الأئمّة علیهم السلام لم يكونوا يكتبون الأحاديث عند سماعها، ويبعد بل يستحيل عادة حفظهم جميع الألفاظ على ما هي عليه، وقد سمعوها مرّة واحدة خصوصاً في الأحاديث الطويلة، تطاول الأزمنة، ولهذا كثيراً ما يروى عنهم المعنى الواحد بألفاظ مختلفة، انتهى ما أردنا من نقل كلامه .
أمّا القرآن الكريم فإنّه المنزّل من الله تعالى المحفوظ على هيئته التي نزلت بلا تغيير وتبديل في ألفاظه بلا خلاف، بل اتفق الكلّ من المسلمين وغيرهم على أن القرآن بین الكتب
المنزلة هو الكتاب الذي لم يتطرق إليه تحريف أو تصحيف أو زيادة أو نقصان مطلقاً .
فإذا كان الأحاديث على ذلك المنوال، فيأتي البحث في الأخبار على أطوار كثيرة مضبوطة في كتب الدّراية والرّجال وغيرهما، مثلاً ينظر في الرّاوي هل كان أهلاً للنقل أم لا، كما روى الكلينيّ في الصحيح عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام: أسمع الحديث منك فأزيد وأنقص قال : إن كنت تريد معناه (2)فلا بأس(3).
وبالجملة الكلام في القرآن والحديث، هو ما ذكره مولى الموحدين أمير المؤمنين عليّ علیه السلام نقله الرّضي في «النّهج»، كما مضى في الخطبة الثمانية والمأتين وكذا نقله الكلينيّ في «الكافي» وفي «الوافي» (ص 62 م1).
روى الكلينيّ بإسناده عن أبان بن عيّاش عن سليم بن قيس الهلالي قال : قلت لأمير
المؤمنين علیه السلام: إنّي سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئاً من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله غير ما في أيدي النّاس، ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت في أيدي النّاس أشياء كثيرة من تفسير القرآن، ومن الأحاديث عن نبي الله صلی الله علیه و آله و سلّم أنتم تخالفونهم فيها، وتزعمون أن ذلك كلّه باطل، أفترى النّاس يكذبون على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم متعمّدين ويفسّرون القرآن بآرائهم قال : فأقبل علیه السلام عليّ فقال : قد سألت فافهم الجواب :
«إنّ في أيدي النّاس حقاً وباطلاً وصدقاً وكذباً وناسخاً ومنسوخاً وعامّاً وخاصّاً ومحكماً ومتشابهاً وحفظاً ووهماً، وقد كذب على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم على عهده حتّى قام خطيباً فقال: أيّها النّاس قد كثرت عليّ الكذابة، فمن كذب عليّ متعمّداً فليتبؤء مقعده من النّار، ثمّ
كذب عليه من بعده».
«وإنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس: رجل منافق يظهر الإيمان متصنّع بالإسلام، لا يتاثم ولا يتحرج أن يكذب على رسول الله متعمداً، فلو علم النّاس أنّه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدّقوه، ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله ورآه وسمع منه، فيأخذون عنه وهم لا يعرفون حاله، وقد أخبر الله عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم فقال تعالى: «وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا نَسْمَع لِقَوْلِهِمْ» ثم بقوا بعده فتقربوا إلى أئمّة الضلالة والدعاة إلى النّار بالزور والكذب والبهتان، فولوهم الأعمال وحملوهم على رقاب النّاس، وأكلوا بهم الدّنيا وإنّما النّاس مع الملوك والدّنيا إلا من عصم الله فهذا أحد الأربعة.
ورجل سمع من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم شيئاً لم يحمله على وجهه ووهم فيه، ولم يتعمّد كذباً فهو في يده يقول ويعمل به ويرويه، ويقول أنا سمعته من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فلو علم المسلمون أنّه وهم لم يقبلوه ولو علم هو أنه وهم لرفضه.
ورجل ثالث سمع من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم شيئاً أمر به ثمّ نهى عنه، وهو لا يعلم أو سمعه ينهى عن شيء ثمّ أمر به، وهو لا يعلم فحفظ منسوخه ولم يحفظ النّاسخ، فلو علم أنّه منسوخ لرفضه ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه.
وآخر رابع لم يكذب على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم مبغض للكذب خوفاً من الله وتعظيماً لرسوله، لم ينسه بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به كما سمع لم يزد فيه ولم ينقص منه، وعلم الناسخ والمنسوخ وعمل بالنّاسخ ورفض المنسوخ ، فإن أمر النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم مثل القرآن ناسخ ومنسوخ وخاص وعام ومحكم ومتشابه، قد كان يكون من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : الكلام له وجهان كلام عام وكلام خاصّ مثل القرآن، وقال الله تعالى في كتابه «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى الله به ورسوله صلی الله علیه و آله و سلّم. وليس كلّ أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كان يسأل من الشيء يفهم، وكان منهم من يسأل ولا يستفهمه، حتّى
أن كانوا ليحبّون أن يجيء الأعرابي والطاري فيسأل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم حتّى يسمعوا(1).
أقول: إنّه علیه السلام يذكر بعد قوله حتّى يسمعوا : منزلته عند النّبي صلی الله علیه و آله و سلّم وسنذكر هذا الذيل أيضاً في محلّه، فيما حررناه دريت أنّ الكتاب والسنّة غير وافيين بكل الأحكام، مع أنّ الله تعالى في كلّ واقعة حكماً يجب تحصيله فهما يحتاجان إلى قيّم.
في «الكافي» بإسناده عن أبي البختري عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إنّ العلماء ورثة الأنبياء وذاك أنّ الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنّما ورثوا من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظّا وافراً، فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه، فإن فينا أهل البيت في كلّ خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين(2).
وحيث علم معنى العدل فيما تقدم، وعلم أنّ الإمام المنصوب الإلهي على العدل المحض، ويهدون بأمر الله تعالى إلى طريق الحق، علم أنّ المراد بالعدول هم الأئمة الهادين المهديين لا غير، وجاء خبر آخر في «الكافي» كأنه مفسر له حيث روى بإسناده عن ابن وهب قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : «إنّ عند كلّ بدعة تكون من بعدي يكاد بها الإيمان ولياً من أهل بيتي موكّلا به يذب عنه، ينطق بإلهام من الله ويعلن الحق وينوره ويرد كيد الكائدين، يعبّر عن الضعفاء فاعتبروا يا أولي الأبصار وتوكلوا على الله(3).
ونعم ما قال الفيض في الحديث بياناً : المراد من ورثة الأنبياء ورثتهم من غذاء الرّوح، لأنّهم أولادهم الروحانيون الذين ينتسبون إليهم من جهة أرواحهم المتغذية بالعلم المستفاد منهم علیه السلام كما أنّ من كان من نسلهم ورثتهم من غذاء الجسم، لأنّهم أولادهم الجسمانيّون (الذين ينتسبون إليهم من جهة أجسادهم المتغذية بالغذاء الجسماني) حظاً وافراً كثيراً لأنّ قليل العلم خير ممّا طلعت عليه الشَّمس.
فانظروا يعني لمّا ثبت أنّ العلم ميراث الأنبياء، فلا بدّ أن يكون مأخوذاً عن الأنبياء علیهم السلام وعن أهل بيت النّبوّة الذين هم مستودع اسرارهم، وفيهم أصل شجرة علمهم دون غيرهم، فإن المجاوزين عن الوسط الحقّ يحرّفون الكلم عن مواضعه بحسب أهوائهم. والمبطلون يدعون لأنفسهم العلم ويلبسون الحقّ بالباطل لفساد أغراضهم. والجاهلون
يؤولون المتشابهات على غير معانيها المقصودة منها لزيغ قلوبهم، فيشتبه بسبب ذلك طريق التعلّم على طلبة العلم.
وفي أهل بيت النّبي صلوات الله عليه وعليهم في كلّ خلف بعد سلف أمة وسط، لهم الاستقامة في طريق الحق من غير غلو ولا تقصير ولا زيغ ولا تحريف، يعني الإمام المعصوم وخواصّ شيعته الأمناء على أسراره الحافظين لعلمه الضابطين لأحاديثه، فإنّ الأرض لا تخلو أبداً وهم لا يزالون ينفون عن العلم تحريف الغالين وتلبيس المبطلين وتأويل الجاهلين، فخذوا علمكم عنهم دون غيرهم لتكونوا ورثة الأنبياء.
وهذا الحديث ناظر إلى ما روى عن النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أنّه قال : «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين» وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وتفسير للعدول الوارد فيه»(1).
والخلف بالتحريك والسكون كلّ ما يجيء بعد من مضى إلّا أنّه بالتحريك في الخير وبالتسكين في الشرّ يقال : خلّف صدق وخلّف شر.
وأمّا القياس فقد حققنا في المباحث السالفة أنّ الله تعالى في كلّ واقعة حكماً، وأن الأحكام مبتنية على مصالح و مفاسد في الأشياء لا تبلغها العقول ولا يعلمها إلا علام الغيوب، ولو تأمّلنا حقّ التأمل في الدّين لرأينا أن دين الله لم يبن على القياس، فإن المراد بالقياس في المقام القياس الفقهي، الذي يسمّى في علم الميزان بالتمثيل، ومبني الشرع على اختلاف المتفقات كوجوب الصّوم آخر شهر رمضان وتحريمه أوّل شوّال، واتفاق المختلفات کو جوب الوضوء من البول والغائط واتفاق القتل خطأ والظهار في الكفارة. مع أنّ الشارع قطع يد سارق القليل دون غاصب الكثير، وجلد بقذف الزنا وأوجب فيه أربع شهادات دون الكفر، وذلك كلّه ينافي القياس وقد قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : تعمل هذه الأمّة برهة بالكتاب، وبرهة بالسنة، وبرهة بالقياس، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلّوا وأضلّوا .
وليس القياس إلّا اتباع الهوى وقال الله تعالى: «وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ» [ص: 26].
ولو تطرق في الشريعة العمل بالقياس لمحق الدّين، لأنّ لكلّ أحد أن يرى برأيه ونظره مناسبة بین الحكمين، وغالباً لا يخلو الشيئان عن مناسبة ما، فيلزم عندئذ تحليل الحرام وتحريم الحلال، وآراء كثيرة مردية في موضع واحد، مع أنّ حكم الله واحد لا يتغير، وقد
1) بحار الأنوار: 279/97، ونهج السعادة : 43/7 ح 11.
روى شيخ الطّائفة في «التهذيب» بإسناده عن أبي مريم عن أبي جعفر علیه السلام قال : قال صلوات الله عليه: لو قضيت بين رجلين بقضية ثمّ عادا إليّ من قابل لم أزدهما على القول الأوّل لأنّ الحق لا يتغير(1).
وقد دريت آنفاً أنه ليس شيء ممّا يحتاج إليه النّاس إلا وقد جاء فيه كتاب أو سنة، وأن الله تعالى نص في كتابه العزيز، أنزل في القرآن تبيان كل شيء قال تعالى: «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَناً لِكُلِّ شَىءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ» [النحل: 89] وقال تعالى: «مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ» [الأنعام: 38] وغيرهما من الآيات الأخرى، فإذا بين القرآن كلّ شيء وكذا السنة، وإن كان لا تبلغها عقول الرّجال، فعلينا أن نطلب من عنده علم الكتاب، وليس لنا أن نختار بالقياس والاستحسان وأمثالهما حكماً نفتي به أو نعمل، فإنّ الله حذرنا حذرنا عن ذلك في كتابه بقوله: «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(18)» وقال عزّوجل: «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ»
وقال عزّ وجل: «مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ(37) إِنَّ لَكُمْ فِیهِ لَما تَخَیَّرُونَ(38) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانُ عَلَيْنَا بَلِغَةٌ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَا تَحْكُمُونَ(39) سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمُ (40) أَمْ هُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ» وقال تعالى: «وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللهُ مِن كِتَابٍ». وقال تعالى: «أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيْنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم(15). وقال تعالى : «وإن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى» وغيرها من الآيات القرآنيّة.
فهذه الآيات القرآنية تذمّ من رغب عن اختيار الله واختيار رسوله إلى اختياره، وتنهيه ذلك أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها، أم طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون، أم قالوا سمعنا وهم لا يسمعون، إن شرّ الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون.
قد رويت عن الأئمّة الهداة المهديين روايات في النهي عن العمل بالقياس، واحتجاجات على القوم في ذلك نورد ههنا شطراً منها تبصرة للمستبصرين فإن من كان له قلب استهدى بها :
1 - في «الكافي» بإسناده إلى أبي شيبة الخراساني قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول :
1) تهذيب الأحكام : 296/6 ح 32، والأصول الأصيلة : 111.
إنّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحق إلا بعداً، وأن دین الله لا يصاب بالمقاييس(1).
أقول : إنّ القياس في جميع العلوم النقليّة لا يزاد القائس من الحقّ والواقع إلّا بعداً، فكما أنّ اللّغة والنحو والقراءة والسير وأمثالها لا يستقيم بالقياس والتخمين، فكذلك الأحكام فإنّ الله تعالى في كلّ واقعة حكماً لا يصاب بالظنّ والتخمين والقياس. على أنّ في الشرع يوجد كثيراً جمع الأحكام المختلفة في الصفات الظاهرة وتفريق الأحكام المتشاركة في الآثار الواضحة.
2 - وفيه بإسناده إلى أبان بن تغلب عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إنّ السنة لا تقاس، ألا ترى أنّ المرأة تقضي صومها ولا تقضي صلاتها، يا أبان أنّ السنة إذا قيست محق الدين(2).
أقول : قال الفيض في بيانه: المحق ذهاب الشيء كله حتّى لا يرى منه أثر، وإنّما يمحق الدين بالقياس، لأن لكلّ أحد أن يرى بعقله أو هواه مناسبة بين الشيء وما أراد أن يقيسه عليه، فيحكم عليه بحكمه، وما من شيء إلا وبينه وبين شيء آخر مجانسة أو مشاركة، في كم أو كيف أو نسبة، فإذا قيس بعض الأشياء على بعض في الأحكام، صار الحلال حراماً والحرام حلالاً حتّى لم يبق شيء من الدين .
3 - وفيه بإسناده إلى أبان عن أبي شيبة قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : ضلّ علم ابن شبرمة عند الجامعة إملاء رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وخطّ عليّ علیه السلام بيده أنّ الجامعة لم تدع لأحد كلاماً، فيها علم الحلال والحرام أنّ أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدادوا من الحقّ إلاّ بعداً إن دين الله لا يصاب بالقياس(3).
أقول : سيأتي الكلام في الجامعة عند ترجمة الإمام جعفر بن محمّد الصّادق علیه السلام وابن شبرمة هو عبد الله بن شبرمة القاضي كان يعمل بالقياس.
4 - وفيه عن الحسين بن ميّاح عن أبيه عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إنّ إبليس قاس نفسه بآدم فقال : خلقتني من نار وخلقته من طين، فلو قاس الجوهر الذي خلق الله منه آدم بالنّار كان ذلك أكثر نوراً وضياء(4).
5 - وفيه بإسناده عن عيسى بن عبد الله القرشي قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد
الله علیه السلام فقال له : يا أبا حنيفة بلغني أنّك تقيس قال: نعم، قال: لا تقس فإن أوّل من قاس إبليس حين قال :خلقتني من نار وخلقته من طين، فقاس ما بين النّار والطين، ولو قاس نوريّة آدم بنورية النّار عرف فضل ما بين النّورين وصفاء أحدهما على الآخر(1).
أقول : إنّ هذين الخبرين من الأخبار الأنيقة والعلوم الدقيقة التي صدرت من بيت أهل العصمة، وتجلّت من مشكاة الإمامة وبدت من فروع شجرة النبوّة، لاحتوائهما على لطيفة قدسيّة عرشيّة، لم يعهد صدور مثلها عن غير بيت الآل في ذلك العصر، ولعمري لو لم تكن لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وآله الطاهرين معجزات فعليّة أصلاً، لكفى أمثال هذه الأخبار الصادرة عنهم علیه السلام في صدق مقالتهم بأنّهم سفراء الله لخلقه ووسائط فيضه، وبالجملة قال علیه السلام في الأوّل منهما فلو قاس الجوهر الذي خلق الله منه آدم بالنّار كان ذلك أكثر نوراً وضياءً، وفي الثاني ولو قاس نورية آدم بنورية النار عرف فضل ما بين النورين وصفاء أحدهما على الآخر وذلك الجوهر النّوري هو النفس الناطقة المجردة، والرّوح المقدّسة، التي من عالم الأمر لا سيّما روحه القدسيّة النّبويّة التي بها صار مسجود الملائكة، ومعلوم أن هذا النور المعنوي لا نسبة له إلى الأنوار الحسّية، كنور النّار والسراج والشمس والقمر والنّجوم وأمثالها لأنه لا يكون منغمراً في الزّمان والمكان والأجسام، بل هو فوق الزمان والزمانيّات، ولذا به ما لا يظهر بالأنوار الحسيّة، فإنّ الحسيّة يظهر المحسوسات بخلاف النور العقلي، فإنّه يظهر المعقولات وفوق المحسوسات، فلا يقاس أحدهما بالآخر، فإنّ العقلاني بمراحل عن الجسماني، ولذا قال وليّ الله الأعظم فلو قاس الجوهر الذي خلق الله منه آدم بالنّار كان ذلك أكثر نوراً وضياءً.
وأيضاً أن كلامه علیه السلام يدل على تجرد الروح وتنزهه عن الجسم والجسمانيات كما أنه يدلّ أن شيئية الشيء بصورته لا بمادته، وقياس إبليس وهم، حيث توهم أن الفضل والشرف بمادّة البدن، وأنّ شيئية الأشياء بمادّتها، ولم يعلم أنّ الإنسان إنسان بجوهره المجرد النوري العقلاني، وإنّما الشيئيّة بالصّورة لأنّه لم يكن له نصيب من هذا النور القدسي النبوي، حتّى يرى نسبة سائر الأنوار بالقياس إليه ويعرفه حق المعرفة.
واعلم أنّ الوجود الكامل من مادّة ناقصة، أفضل من موجود ناقص من مادة كاملة، وذلك لما تحقّق في الحكمة العالية : أنّ الصّورة هي الأصل والمادّة فرعها، وشيئية الموجودات بصورها لا بالمادة.
6 - في «الكافي»: أن عليّاً علیه السلام قال : من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس،
1) الكافي : 18 / 58 ح 20، وبحار الأنوار: 288/2 ح 5 والتفسير الصافي : 183/2.
ومن دان الله بالرأي لم يزل دهره في ارتماس(1).
7 - وفيه أيضاً قال أبو جعفر علیه السلام : من أفتى النّاس برأيه فقد دان الله بما لا يعلم ومن دان الله بما لا يعلم فقد ضادّ الله حيث أحلّ وحرّم فيما لا يعلم(2).
8 - وفي كتاب القضاء من الوسائل: إنّ ابن شبرمة قال دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمّد فقال لأبي حنيفة: اتق الله ولا تقس في الدّين برأيك فإن أوّل من قاس إبليس، إلى أن قال : ويحك أيّهما أعظم قتل النّفس أو الزّنا؟ قال: قتل النفس. قال : فإن الله عزّ وجلّ قد قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلا أربعة. ثمّ أيّهما أعظم الصّلاة أم الصّوم؟ قال: الصّلاة : قال: فما بال الحائض تقضي الصّيام ولا تقضي الصلاة، فكيف يقوم لك القياس فاتق الله ولا تقس. قال : فأيّهما أكبر البول أو المني؟ قلت : البول، قال: فلم أمر الله تعالى في البول بالوضوء وفي المني بالغسل. قال: فأيّما أضعف المرأة أو الرّجل؟ قلت المرأة، قال: فلم جعل الله تعالى في الميراث للرجل سهمين وللمرأة سهم أفيقاس لك هذا؟ قلت: لا. قال: فبم حكم الله فيمن سرق عشر دراهم القطع وإذا قطع الرّجل يد رجل فعليه ديتها خمسة آلاف درهم أفيقاس لك هذا؟ قلت : لا. الحديث. وفي «الوافي» (ص ص 59 م1) روي عن أبي حنيفة أنّه قال: جئت إلى حجام ليحلق رأسي فقال لي : أدن ميامنك واستقبل القبلة وسم الله فتعلّمت منه ستّ خصال لم تكن عندي فقلت له: مملوك أنت أم حرّ؟ فقال : مملوك؟ قلت : لمن؟ قال الجعفر بن محمّد الصّادق علیه السلام قلت : أشاهد أم غائب؟ قال : شاهد فصرت إلى بابه واستأذنت عليه فحجبني وجاء قوم من أهل الكوفة فاستأذنوا فأذن فدخلت فلمّا صرت عنده قلت له: يا ابن رسول الله لو أرسلت إلى أهل الكوفة فنهيتهم أن يشتموا أصحاب محمّد فإني تركت بها أكثر من عشرة ألف يشتمونهم، فقال: لا يقبلون مني فقلت : ومن لا يقبل منك وأنت ابن رسول الله فقال: أوّل من لا يقبل مني دخلت داري بغير إذني وجلست بغير أمري وتكلمت بغير رأيي وقد بلغني أنك تقول بالقياس قلت: نعم قال : ويحك يا نعمان أوّل من فاس الله إبليس (3)- ثمّ ذكر قريب ما نقلناه عن الوسائل وكذا هذا الخبر مذكور في مجلس يوم الجمعة التاسع من رجب سنة سبع وخمسين وأربعمائة فراجع.
والأخبار في النّهي عن القياس في الدّين، والسرّ في نهيه كثيرة في كتب الرّواية، فعليك بكتاب القضاء من «الوسائل» والمجلّد الأوّل من «البحار»، و«الكافي» وباب البدع
والرأي والمقاييس من «الوافي» (ص 56 م 1).
المنقول من الزمخشري في «ربيع الأبرار» قال يوسف بن أسباط: ردّ أبو حنيفة على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم للفرس سهمان وللرّجل سهم، قال أبو حنيفة : لا أجعل بهيمة أكثر من سهم المؤمن. وأشعر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وأصحابه البدن وقال أبو حنيفة: الأشعار مثلة. وقال صلی الله علیه و آله و سلّم : البيعان بالخيار ما لم يتفرّقا، وقال أبو حنيفة : إذا وجب البيع فلا خيار. وكان صلی الله علیه و آله و سلّم يقرع بين نسائه إذا أراد سفراً وأقرع أصحابه، وقال أبو حنيفة : القرعة قمار(1).
وأمّا الإجماع فبعد الفراغ عن حجيّته والبحث عن أقسامه، فنقول : إنّ من المعلوم عدم قيام إجماع في كلّ واقعة واقعة.
وأمّا البراءة الأصليّة فلأنه يلزم منها ارتفاع أكثر الأحكام الشرعية، إذ يقال الأصل براءة الذمة من وجوب أو حرمة.
أمّا الاستصحاب فعدم صلاحيّته للمحافظة بديهيّ، فلأنه يستلزم اليقين السابق والشك اللاحق، حتّى يجري وأنّى يكون كلّ حكم من الأحكام في كلّ موضع مع عدم تناهيها كذلك، على أن الاستصحاب والقياس والخبر الواحد لا تفيد إلا ظنّاً، والظن لا يغنى من الحق شيئاً . فإذا اتضح عدم صلاحيّة هذه الأقسام لحفظ الدّين وحجّة على النّاس بحياتها، بلا قيم مبين ومفسر بعد خاتم النبيين، فلم يبق أن يكون الحافظ للشرع إلّا العالم والعالم مطلقاً، فقد دریت أنّه لم يكن حافظاً فبقي العالم المعصوم المنصوب من الله، أعني الإمام بالحق وذلك هو المطلوب، وقد اشار الباري تعالى إليه بقوله: «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» [النساء : 83] .
ثمّ إنّ لأئمتنا صلوات الله عليهم احتجاجات على من ذهب إلى أنّ الكتاب وحده بلا قيّم كاف للعباد كلّ واحد منها حجّة بالغة وبرهان تام أبان الفصل وأفحم الخصم، تركنا الإتيان بها روماً للإختصار، فعليك بكتاب الإحتجاج للطبرسي وأصول «الكافي» للكليني و «الإرشاد» للمفيد والمجلّد الرّابع من «البحار» للمجلسي.
ثمّ مضى في الخطبة الثّالثة والعشرين والمائة قوله علیه السلام : وهذا القرآن إنّما هو مسطور بين الدفتين، لا ينطق بلسان ولا بدّ له من ترجمان - إلى آخر ما قال فراجع فتبصّر.
روى الشيخ الجليل الصّدوق رضوان الله عليه في المجلس السابع والتسعين من أماليه،
1) الجمل : 104، وبحار الأنوار : 162/32.
وكذا الشيخ الجليل الطبرسي في «الإحتجاج» وثقة الإسلام الكليني في «الكافي» (الوافي 115 م2) رواية جامعة كافية في أمر الإمامة عن الرّضا عليّ بن موسى ثامن الأئمة الهداة المهديين تهدي بغاة الرشد للتي هو أقوم جعلناها خاتمة بحثنا ليختم بالخير ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وفي «الأمالي».
حدثنا الشيخ الجليل أبو جعفر محمّد بن عليّ بن المتوكّل قال : حدّثنا محمّد بن يعقوب قال : حدّثنا أبو محمّد القاسم بن العلي عن عبد العزيز بن مسلم قال: كنا في أيّام عليّ بن
موسی الرّضا علیه السلام بمرو فاجتمعنا في مسجد جامعها في يوم جمعة في يدي مقدمنا فأدار النّاس أمر الإمامة، وذكروا كثرة اختلاف النّاس فدخلت على سيّدي ومولاي الرّضا علیه السلام فأعلمته ما خاض النّاس فيه فتبسّم علیه السلام ثمّ قال:
«يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن أديانهم، إن الله عزّ وجلّ لم يقبض نبيّه صلی الله علیه و آله و سلّم حتّى أكمل له الدّين وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كلّ شيء بيّن فيه الحلال والحرام، والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج النّاس إليه، كملاً فقال عزّ وجلّ: «مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ» [الانعام: 38] وأنزل فيه في حجّة الوداع وهي آخر عمره صلی الله علیه و آله و سلّم «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا» [المائدة: 3] وأمر الإمامة من تمام الدّين ولم يمض صلی الله علیه و آله و سلّم حتّى بين لأمته معالم دينهم وأوضح لهم سبيله، وتركهم على قصد الحقّ وأقام لهم علیا علیه السلام علماً، وما ترك شيئاً يحتاج إليه الأمّة إلا بيّنه، فمن زعم أنّ الله عزّ وجلّ لم يكمل دينه فقد ردّ كتاب الله، ومن ردّ كتاب الله فهو كافر، فهل تعرفون قدر الإمامة ومحلّها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم؟
إنّ الإمامة أجلّ قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها النّاس بعقولهم، أو ينالوها برأيهم أو يقيموا إماماً باختيارهم. إنّ الإمامة خصّ الله بها إبراهيم الخليل علیه السلام بعد النّبوة والخلّة مرتبة ثالثة وفضيلة شرّفه الله بها فأشار بها ذكره فقال عزّ وجلّ: «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا» قال الخليل سروراً بها «ومن ذرّيتي» قال الله تبارك وتعالى: «لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّلِمِينَ» فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة.
ثمّ أكرمه الله أن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة فقال عزّ وجلّ: «وَوَهَبْنَا لَهُ إسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحينَ (72) «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73)» [الانبياء: 73] فلم يزل في ذريته يرثها بعض عن بعض، قرناً فقرناً حتّى ورثها النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فقال جلّ جلاله : «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» [آل عمران 68] فكانت
له الخاصة فقلّدها النّبي صلی الله علیه و آله و سلّم عليّاً علیه السلام بأمر ربّه عزّ وجلّ على رسم ما فرض الله، فصارت في ذرّيته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله عزّ وجلّ: «وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ»[الروم: 56] وهي في ولد عليّ علیه السلام خاصّة إلى يوم القيامة إذ لا نبيّ بعد محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم فمن أين يختار هؤلاءِ الجهّال؟
إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء، إنّ الإمامة خلافة الله عزّ وجلّ وخلافة الرّسول، ومقام أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسين. إنّ الإمامة زمام الدّين ونظام
المسلمين وصلاح الدّنيا وعزّ المؤمنين. إنّ الإمامة اسّ الإسلام النامي وفرعه النامي.
بالإمام تمام الصّلاة والزّكاة والصّيام والحجّ والجهاد، وتوفير الفيء والصّدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف.
الإمام يحلّ حلال الله ويحرّم حرام الله ويقيم حدود الله، ويذبّ عن دين الله ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجّة البالغة.
الإمام كالشمس الطالعة للعالم، وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار.
الإمام البدر المنير والسراج الظاهر والنّور السّاطع، والنجم الهادي في غياهب الدّجى والبلد القفار ولجج البحار.
الإمام الماء العذب على الظماء والدّال على الهدى والمنجي من الرّدى.
الإمام النّار على اليفاع الحار لمن اصطلى، والدّليل على الملك من فارقه فهالك .
الإمام السحاب الماطر والغيث الهاطل والشمس المضيئة، والأرض البسيطة والعين الغزيرة والغدير والروضة.
الإمام الأمين الرفيق والوالد الرّقيق، والأخ الشفيق ومفزع العباد في الداهية .
الإمام أمين الله في أرضه وحجّته على عباده، وخليفته في بلاده والدّاعي إلى الله والذابّ عن حرم الله.
الإمام المطهّر من الذنوب المبرّأ من العيوب، مخصوص بالعلم موسوم بالحلم نظام الدّين وعزّ المسلمين وغيظ المنافقين وبوار الكافرين.
الإمام واحد دهره لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم ولا يوجد به بدل، ولا له مثل ولا نظیر، مخصوص بالفضل كلّه، من غير طلب منزلة ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهاب فمن ذا الذي يبلغ بمعرفة الإمام أو يمكنه اختياره؟
هيهات هيهات ضلّت العقول وتاهت الحلوم، وحارت الألباب وحسرت العيون وتصاغرت العظماء وتحيّرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء وحصرت الخطباء، وجهلت الألباب وكلّت الشعراء، وعجزت الأدباء وعيّت البلغاء عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة فضائله فأقرّت بالعجز والتقصير وكيف يوصف أو ينعت بكنهه أو يفهم شيء من أمره أو يوجد من يقوم مقامه ويغنى غناه لا كيف وأين وهو بحيث النجم من أيدي المتناولين ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا وأين العقول عن هذا وأين يوجد مثل هذا؟
أظنوا أن ذلك يوجد في غير آل الرّسول صلی الله علیه و آله و سلّم، كذبتهم والله أنفسهم ومنّتهم الأباطيل، وارتقوا مرتقى صعبا رحضا تزل عنه إلى الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة وآراء مضلّة فلم يزدادوا منه إلا بعد، قاتلهم الله أنّى يؤفكون؟ لقد راموا صعباً وقالوا إنكاً وضلوا ضلالاً بعيداً، ووقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن بصيرة وزين لهم الشيطان أعمالهم وصدّهم عن السبيل وكانوا مستبصرين رغبوا عن اختيار الله واختيار رسوله إلى اختيارهم والقرآن يناديهم «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68)» وقال عزّ وجلّ: «وَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لا تَخيّرُونَ (38) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِیامَةُ إنَّ لَكُمْ لا تَحْكُمُونَ (39) «سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40) «أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (41)» وقال عز وجل: «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا» أم طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون، أم قالوا سمعنا وهم لا يسمعون، إن شرّ الدوابّ عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون، ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون، وقالوا سمعنا وعصينا، بل هو فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
فكيف لهم باختيار الإمام والإمام عالم لا يجهل، راع لا ينكل معدن القدس والطهارة، والنسك والزهادة والعلم العبادة، مخصوص بدعوة الرسول وهو نسل المطهرة البتول لا مغمز فيه في نسب ولا يدانيه ذو حسب، في البيت من قريش والذروة من هاشم، والعترة من الرسول والرضا من الله شرف الأشراف والفرع من عبد مناف نامي العلم كامل اللحم
مضطلع بالإمامة عالم للسياسة مفروض الطاعة قائم بأمر الله ناصح لعباد الله حافظ لدين الله .
إنّ الأنبياء والأئمة يوفقهم الله عزّ وجلّ، ويؤتيهم من مخزون علمه وحلمه ما لا يؤتيه غيرهم، فيكون عليهم «علمهم ظ» فوق كلّ أهل زمانهم في قوله جلّ وعزّ :«أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» وقوله جل وعز : «وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُولَى خَيْرًا كَثِيرًا» وقوله عزّ وجل : «إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَمُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» وقال عزّ وجلّ لنبيّه صلی الله علیه و آله و سلّم :
«وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا». وقال عزّ وجلّ فى الأئمة من أهل بيته وعترته وذرّيته : «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55)» [النساء: 55] .
وأنّ العبد إذا اختاره الله عزّ وجلّ لأمور عباده شرح صدره لذلك، وأودع قلبه ينابيع الحكمة، وألهمه العلم الهاماً فلم يع بعده بجواب ولا يحيّر فيه عن الصّواب، وهو معصوم مؤيد موفق مسدّد، قد أمن الخطايا والزلل والعثار، وخصّه الله بذلك ليكون حجته على عباده وشاهده على خلقه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
فهل يقدرون على مثل هذا فيختاروه أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدّموه، تعدّوا و بیت الله الحقّ ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون وفي كتاب الله الهدى والشفاء فنبذوه، واتبعوا أهوائهم فذمهم الله ومقتهم أنفسهم فقال عزّ وجلّ: «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» [القصص: 50] وقال: «فَتَمْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ» وقال عزّ وجلّ : «كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ» [غافر : 35]. انتهى الحديث الشريف(1).
الإمام بعد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بلا فصل هو عليّ بن أبي طالب، وبعده ابنه الحسن بن عليّ ابن أبي طالب المجتبى، وبعده أخوه الحسين بن عليّ سيّد الشّهداء، ثمّ ابنه عليّ بن الحسين زين العابدين ثمّ ابنه محمّد بن عليّ باقر علوم النبيّين، ثمّ ابنه جعفر بن محمّد الصادق، ثمّ أبنه موسى بن جعفر الكاظم، ثمّ ابنه عليّ بن موسى الرّضا، ثمّ ابنه محمّد بن علي الجواد التقي، ثمّ ابنه عليّ بن محمّد النقي الهادي، ثمّ ابنه الحسن بن عليّ العسكري، ثمّ ابنه الإمام القائم المنتظر الحجّة بن الحسن علیه السلام.
ويدلّ عليه وجوه من الأدلّة العقليّة والنقليّة، أما العقليّة فقد قدَّمنا البحث عنها ولا تنطبق إلّا عليهم سلام الله عليهم، وأمّا النقليّة فكثير من الآيات والأخبار المتواترة عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم، وظهور معجزات كثيرة عنهم علیه السلام عقيب ادعائهم الإمامة، ممّا أتى بها متكلموا الشيعة في كتبهم الكلاميّة، ورواها فرق المسلمين في آثارهم وأسفارهم القيمة، والتعرض بذكر كلّ واحد منها والنقل عن مآخذها وتقرير دلالتها على التفصيل، والبسط يؤدي إلى تأليف مجلّدات عديدة ونحن بعون الله تعالى نحررها موجزةً في ابحاثنا الآتية، وإنّما الأهمّ من
1) الكافي: 203/1، والاحتجاج : 230/2، وبحار الأنوار: 166/5 .
غرضنا في المقام إقامة البراهين العقليّة في وجود الإمام، وقد أتينا بطائفة منها في ضمن هذه الخطبة التي في أوصاف آل محمّد علیهم السلام، ليزداد الطالب للحقّ بصيرة.
ولكن لما كان أمير المؤمنين عليّ علیه السلام وصف آل محمّد علیهم السلام بأنّهم عيش العلم وموت الجهل، وأنّهم دعائم الإسلام وغيرها من الأوصاف المذكورة في الخطب السابقة فلنذكر تبذة من أحوالهم وشرذمة من آثارهم، كي يكون انموذجاً للطالب في أنوار علومهم وعظم مقامهم، وإن كانت عقولنا قاصرة عن اكتناه ما جبل في نفوسهم القدسيّة والإرتقاء إلى مرتبتهم العرشيّة. ونعم ما أشار إليه العارف الرومي بالفارسيّة .
در نیابد حال پخته هیچ خام *** پس سخن کوتاه باید والسّلام
وفي الحقيقة مدحنا إيّاهم علیه السلام راجع إلينا اعني أنا إذا مدحناهم مدحنا أنفسنا لأنا نخبر عن حسن سريرتنا وطيب سجيّتنا وسلامة عين بصيرتنا، كالذي يمدح الشمس يخبر عن شدّة نور بصره وسلامة عينه وقد قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : «لا يحبّنا إلّا مؤمن تقيّ ولا يبغضنا إلّا منافق شقيّ» (1). ونعم ما قال العارف المذكور أيضاً :
مادح خورشید مدّاح خود است *** که دو چشمم روشن ونا مرمد است
ذم خورشید جهان ذم خود است *** که دوچشمم کور وتاريك وبداست
تو بیخشا بر کسی کاندر جهان *** شد حسود آفتاب کامران
تا ندش پوشید هیچ از دیده ها *** وز دراوت دادن پوسیده ها
یاز نور بی حدش تانند کاست *** يا بدفع جاء أو تانند خاست
نور مردان مشرق و مغرب گرفت *** آسمانها سجده کردند از شگفت
هر کسی کو حاسد کیهان بود *** آن حسد خود مرگ جاویدان بود
شمع حق رایف کنی توای عجوز *** هم تو سوزی سرت ای گنده پوز
كي شود دریا ز پوز سگ نجس *** کی شود خورشید از پف منطمس
مه فشاند نور وسگ عوعو کند *** هر کسی بر خلقت خود میتند
ای بریده آب لب وحلق ودهان *** که کند تف سوی ماه آسمان
سوی گردون تف نیابد مسلکی *** تف برویش بازگردد بی شکی
تا قیامت تف براو بارد ز ربّ *** همچو تبّت بر روان بو لهب
1) الصراط المستقيم : 116/2، وفضل آل البيت : 99.
وكذا قال العارف الجامي في الدفتر الأوّل من سلسلة الذهب.
مادح أهل بیت در معنی *** مدحت خويشتن کند یعنی
مومنم موقنم خدای شناس *** وز خدایم بود امید و هراس
از کجیها در اعتقادم پاك *** نیست از طعن کج نهادم باک
دوستدار رسول و آل ویم *** دشمن خصم بد سگان ویم
جوهر من ز کان ایشانست *** رخت من ازد کان ایشانست
الی ان قال :
این نه رفض است محض إيمان است *** رسم معروف اهل عرفا نست
رفض اگر هست حبّ آل نبيّ *** رفض فرض است برذکی و غبی
واعلم أنّ تلك الأوصاف المذكورة في الخطب لا تصدق حقيقة، إلّا على آل محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم والمراد باله ليس مطلق من صحبه أو عاصره أو عاش معه، لأنّ الضرورة قاضية على خلافه، فإنا لو نظرنا في صحابة الرّسول صلی الله علیه و آله و سلّم وسبرناهم لوجدنا بعد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم من کان وجوده حياة العلم وحياته دعامة الإسلام، ومن أزاح الباطل وأبطل المناكير وأعاد الحقّ إلى حدّه ومستقرّه، هو أمير المؤمنين عليّ علیه السلام لا غير فإنّ الكلّ متّفق على أنّه علیه السلام كان أفضل الصّحابة في جميع الكمالات النفسانيّة والبدنيّة، وما طعن أحد في حكمه وفعله وقوله وعلمه، وصدرت من غيره علیه السلام ما لولا عليّ علیه السلام المحق الدّين وهلك النّاس، كما أذعن الجميع بها ونقلها رواة السنة في جوامعهم، وكان المسلمون عند حدوث معضل يضربون به المثل بقولهم : قضيّة لا أبا حسن لها.
قال القاضي العضد الايجي الشافعي في مبحث الإمام من المواقف : عليّ أعلم الصحابة لأنّه كان في غاية الذّكاء والحرص على التعليم، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم اعلم النّاس وأحرصهم على إرشاده، وكان في صغره في حجره وفي كبره ختناً له، يدخل عليه كل وقت، وذلك يقتضي بلوغه في العلم كلّ مبلغ وأمّا أبو بكر فاتّصل بخدمته في كبره وكان يصل إليه في اليوم مرّة أو مرّتين ولقوله صلی الله علیه و آله و سلّم : أقضاكم عليّ، والقضاء يحتاج إلى جميع العلوم ولقوله تعالى: «وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيةٌ» وأكثر المفسرين على أنّه عليّ، ولأنّه نهى عمر عن رجم من ولدت لستة أشهر وعن رجم الحاملة، فقال عمر: لولا عليّ لهلك عمر، ولقول عليّ علیه السلام لو كسرت لي الوسادة ثمّ جلست عليها لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بانجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم، وقوله علیه السلام والله ما من آية نزلت في بر أو بحر أو سهل أو جبل أو سماء أو أرض أو ليل أو نهار إلّا أنا أعلم فيمن نزلت وفي أي
شيء نزلت ولأن عليّاً علیه السلام ذكر في خطبه من أسرار التوحيد والعدل والنبوة والقضاء والقدر، ما لم يقع مثله في كلام الصحابة، ولأنّ جميع الفرق ينتسبون إليه في الأصول والفروع وكذا المتصوفة في علم تصفية الباطن، وابن عبّاس رئيس المفسرين تلميذه وكان في الفقه والفصاحة في الدرجة القصوى، وعلم النحو إنما ظهر منه وهو الذي أمر أبا الأسود الدولي بتدوينه وكذا علم الشجاعة وممارسة الأسلحة وكذا علم الفتوّة والأخلاق . إلى آخر ما قال فراجع.
وفي «الكافي» بإسناده إلى أبان بن أبي عيّاش، عن سليم بن قيس الهلالي في ذيل خطبة، نقل صدرها الرّضي رضوان الله عليه في «نهج البلاغة الخطبة (208) ووعدنا نقل الذيل قبيل هذا عنه علیه السلام : وقد كنت أدخل على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كلّ يوم دخلة وكل ليلة دخلة فيخليني فيها، أدور معه حيث دار وقد علم أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أنّه لم يصنع ذلك بأحد من
النّاس غيري، فربّما كان في بيتي يأتيني رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أكثر ذلك في بيتي، وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني، وأقام عني نساءه فلا يبقى عنده غيري، وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم يقم عني فاطمة ولا أحداً من بني، وكنت إذا سألته أجابني وإذا سكتّ عنه وفنيت مسائلي ابتدأني، فما نزلت على رسول الله آية من القرآن إلّا أقرأنيها أو أملاها عليّ فكتبتها بخطّي، وعلّمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وخاصها و عامّها، ودعی الله أن يعطيني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب الله تعالى ولا علماً أملاه عليّ وكتبته منذ دعا الله لي بما دعا، وما ترك شيئاً علّمه الله من حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي، كان أو يكون ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلّا علّمنيه وحفظته، فلم أنس حرفاً واحداً، ثمّ وضع يده على صدري ودعى الله لي أن يملأ قلبي علماً وفهماً وحكماً ونوراً، فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمّي منذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئاً ولم يفتني شيئاً لم أكتبه. أفتتخوف عليّ النسيان فيما بعد؟ فقال: لا لست أتخوف عليك النسيان والجهل(1).
وأيضاً كتبه ورسائله وخطبه وحكمه من أوضح البراهين على ذلك، وقد تحيرت في بعضها العقول وخضعت له أفكار الفحول لاشتمالها على اللطائف الحكميّة والمباحث العقليّة، والمسائل الإلهيّة في توحيد الله وصفاته عزّ اسمه، ولم ينقل لأحد من كبار الصحابة وفصحائهم، ولا من العرفاء الشامخين والحكماء المتألهين نحو خطبة واحدة منها لا لفظاً ولا معنى، بل كلّهم عيال له وكفى ببطل العلم فخراً أن يتناول من مأدبته ويرتوى من مشرع فصاحته.
1) الكافي : 12 / 64 ح 2، ونهج السعادة: 145/7، وحياة أمير المؤمنين: 211/1.
وهذا هو عبد الحميد الذي قال فيه ابن خلّكان في «وفيات الأعيان»: أبو غالب عبد الحميد بن يحيى بن سعيد الكاتب البليغ المشهور، كان كاتب مروان بن الحكم الأموي آخر ملوک بنی أميّة وبه يضرب المثل في البلاغة، حتّى قيل فتحت الرسائل بعبد الحميد وختمت بابن العميد، وكان في الكتابة وفي كلّ فنّ من العلم والأدب إماماً، وعنه أخذ المترسّلون ولطريقته لزموا ولآثاره اقتفوا، وهو الذي سهل سبيل البلاغة في الترسّل، ومجموع رسائله مقدار ألف ورقة وهو أوّل من أطال الرّسائل، واستعمل التحميدات في فصول الكتاب فاستعمل الناس ذلك بعده - قال : حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت ثمّ فاضت، ويعني بالأصلع أمير المؤمنين عليّاً علیه السلام(1).
وهذا هو ابن نباتة قائل الخطبة المناميّة - الذي قال فيه ابن خلكان: أبو يحيى عبد الرّحيم بن محمّد بن إسماعيل بن نباتة صاحب الخطب المشهورة، كان إماماً في علوم الأدب ورزق السعادة في خطبه، التي وقع الإجماع على أنّه ما عمل مثلها وفيها دلالة على غزارة علمه وجودة قريحته - قال : حفظت من الخطبة كنزاً لا يزيده الإنفاق إلاّ سعة وكثرة، حفظت مائة فصل من مواعظ عليّ بن أبي طالب (2).
وهذا هو الحكيم البارع الإلهي المولى صدراً قدّس سرّه، تمسّك في الفصل الثالث من الموقف الثاني من المجلّد الثالث من الأسفار الأربعة، المعنون بقوله: في تحقيق القول بعينيّة الصفات الكماليّة للذّات الأحديّة - بقوله علیه السلام في نفي المعاني والصفّات الزائدة عن ذاته تعالى، فقال:
وقد وقع في كلام مولانا وإمامنا مولى العارفين وإمام الموحدين، ما يدلّ على نفي زيادة صفات الله تعالى بأبلغ وجه وأكد، حيث قال علیه السلام في خطبة من خطبه المشهورة أوّل الدّين معرفته، وكمال المعرفة التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال التوحيد الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، بشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصفه سبحانه فقد قرنه ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّاه، ومن جزّاه فقد جهله، ومن أشار إليه فقد حدّه (ومن حدّه) فقد عدّه، ومن قال فیم فقد ضمّنه، و من قال علی م فقد أخلى عنه. انتهى كلامه المقدّس على نبيّنا وعليه وآله السّلام والإكرام، وهذا الكلام الشريف مع وجازته متضمن لأكثر المسائل الإلهية ببراهينها، ولنشر إلى نبذ من بيان أسراره وانموذج من كنوز أنواره. ثمّ نشرحه في ذلك الفصل بما تيسّر له من فهم أسرار كلماته عليه السلام.
والله درّ من قال : إنّ كلامه علیه السلام دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين(1)، وكأنّ روح القدس نفث في روع الشريف الرّضي رضي الله عنه، أن سمّى ما جمعه من کلامه علیه السلام بنهج البلاغة.
و هذا خصمه النّاصب وحاربه المعاند الجاحد وعدوّه ومبغضه الذي يجتهد في وصمه ويلعنه على المنابر، وأمر الناس بلعنه أمام الفئة الباغية معاوية بن أبي سفيان، قال لعبد الله بن أبي محجن الثقفي، لما قال له : أنّي أتيتك من عند الغبيّ الجبان البخيل ابن أبي طالب، فقال معاوية : الله أنت ! أتدري ما قلت؟ أمّا قولك: الغبيّ، فوالله لو أن ألسن النّاس جمعت فجعلت لساناً واحداً لكفاها لسان عليّ؛ وأمّا قولك: إنّه جبان، فثكلتك أمّك، هل رأيت أحداً قطّ بارزه إلّا قتله؟ وأما قولك: إنّه بخيل فوالله لو كان له بيتان أحدهما من تبر والآخر من تبن لأنفد تبره قبل تبنه . فقال الثقفي فعلام تقاتله إذاً؟ قال : على دم عثمان، وعلى هذا الخاتم الذي من جعله في يده جازت طينته وأطعم عياله وادّخر لأهله. فضحك الثقفي ثمّ لحق بعليّ فقال : يا أمير المؤمنين هب لي يدي بجرمي لا دنيا أصبت ولا آخرة. فضحك عليّ علیه السلام ثمّ قال : أنت منها على رأس أمرك، وإنّما يأخذ الله العباد بأحد الأمرين «نقله ابن قتيبة الدينوري في «الإمامة والسياسة»(2).
وقال ابن حجر في صواعقه : أخرج أحمد أن رجلاً سأل معاوية عن مسألة فقال : سل عنها علياً فهو أعلم، قال: جوابك فيها أحب إليّ من جواب عليّ قال : بئس ما قلت لقد كرهت رجلاً كان رسول الله يغره بالعلم غرّا، ولقد قال له : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي وكان عمر إذا أشكل عليه شيء أخذ منه - إلى آخر ما قال(3).
ثمّ إن قولنا : وما طعن فيه أحد ممّا شهد له المخالف والموالف، وإن كان الخصم ربما يشتمه ويسبّه كشتم الوطواط الشمس. ومن الشواهد في ذلك ما كتبه المؤرخون والرواة والمحدثون خلفاً عن سلف: أن أناساً لما اجتمعوا وتبادروا إلى ولاية الأمر واتفق لأبي بكر ما اتفق وبدر الطلقاء بالعقد للرجل، خوفاً من إدراك عليّ علیه السلام الأمر لم يجدوا فيه علیه السلام مطعناً ولا مغمزاً إلا عابوه بالدّعابة، فاستمسكوا بها في منعه علیه السلام عن الخلافة، وممّن أتى بما قلنا الفاضل الشّارح ابن أبي الحديد المعتزلي في الموضعين. من مقدمة شرحه على «نهج البلاغة» حيث قال في سجاحة اخلاقه علیه السلام (ص 6 ج 1 طبع الطهران 1304 : وأمّا سجاحة
الأخلاق وبشر الوجه وطلاقة المحيّا والتّبسم فهو المضروب به المثل فيه، حتّى عابه بذلك أعداؤه ، قال عمرو بن العاص لأهل الشام: أنّه ذو دعابة وقال عليّ علیه السلام في ذاك : عجباً لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن فيّ دعابة وأني امرؤ تلعابة أعافس وأمارس، وعمرو بن العاص إنّما أخذها عن عمر بن الخطاب لقوله لما عزم لاستخلافه : الله أبوك لولا دعابة فيك، إلّا أن عمر اقتصر عليها وعمراً زاد فيها وسمجها.
ثمّ قال (ص 11 منه): وأمير المؤمنين علیه السلام كان أشجع النّاس وأعظمهم إراقة للدم وأزهدهم، وأبعد النّاس عن ملاذ الدّنيا وأكثرهم وعظاً وتذكيراً بأيام الله ومثلاته، وأشدّهم اجتهاداً في العبادة، وأدأباً لنفسه في المعاملة، وكان ذلك ألطف العالم أخلاقاً، وأسفرهم وجهاً وأكثرهم بشراً وأوفاهم هشاشة وبشاشة، وأبعدهم عن انقباض موحش أو خلق نافر، أو تجهم مباعد أو غلظة وفظاظة تنفر معهما نفس أو يتكدّر معهما قلب حتّى عيب بالدعابة، ولما لم يجدوا فيه مغمزاً ولا مطعنا تعلقوا بها واعتمدوا في التنفير عليها، مصراع: وتلك شكاة طاهر عنك عارها . انتهى ما أردنا من نقل كلامه(1).
بعد الصفح عن الآثار الباقية عن عليّ علیه السلام الدالة على علوّ رتبته ورفعة منزلته، بحيث لم يسبقه الأوّلون ولا يدركه الآخرون علماً وحكمة وزهداً ومعرفة بالله، نجد روايات متواترة متظافرة عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم منقولة من جوامع الفريقين ما لا تحصى كثرة، وكذا آيات كثيرة قرآنية في أنّه علیه السلام خليفة رسول الله بلا فصل ووصيّه وأخوه، وأنّه أفضل من غيره وأعلم الخلق بعد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، و باب مدينة العلم وأنّه من رسول الله بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعده، وأنّه قاضي دينه صلی الله علیه و آله و سلّم وأنّه وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة من بعده صلی الله علیه و آله و سلّم، وأنّه نفس رسول الله وأن الله أذهب عنه الرجس وطهره تطهيراً وغيرها مما دونت لها ولضبط طرقها وأسانيدها كتب مفصلة على حدة ملأت الآفاق فهو علیه السلام عيش العلم ودعامة الإسلام(2)
أ - أخرج الطبراني وعبد الرزاق بسند في المصنف رجاله ثقات عن أبيه عن ميناء عن عبدالله بن مسعود قال : كنت مع النبي صلی الله علیه و آله و سلّم ليلة وفد الجن قال : فتنفّس فقلت : ما شأنك يا رسول الله؟
قال: «نعيت إليّ نفسي يا ابن مسعود) .
قال : قلت : فاستخلف.
قال: «مَنْ؟ قلت: أبو بكر قال: فسكت، ثم مضى ساعة ثم تنفّس، قال: فقلت : ما شأنك؟
قال : «نعبت إلي نفسي يا ابن مسعود».
قال : قلت : فاستخلف . قال: «مَنْ؟»
قلت: عمر قال فسكت ثم مضى ساعة ثم تنفّس.
قال : فقلت : ما شأنك؟ قال: «نعيت إلي نفسي يا ابن مسعودا».
قال : قلت : فاستخلف . قال: «مَنْ؟»
قلت : علي بن أبي طالب .
قال: «أما والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين اكتعين» المصنف لعبد الرزاق: 317/11 - 318 ح 20646 باب في ذكر علي بن أبي طالب و فرائد السمطين: 267/1 - 209، ومناقب الخوارزمي: 114 ح 124 فصل 9 . والمعجم الكبير : 67/10 ح 9970 ترجمة ابن مسعود - ذكر ليلة الجن، ومجمع الزوائد عن أحمد وقال : رجاله ثقات وميناء وثقه ابن حبان : 22/9 ط . مصر و 590/8 ح 14239 من بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد).
ب - وأخرجه الطبراني بسند آخر قال: «وما أظن أجلي إلا قد اقترب».
قلت: يا رسول الله ألا تستخلف أبا بكر؟
فأعرض عنّي فرأيت انه لم يوافقه .
فقلت: يا رسول الله ألا تستخلف عمر؟
فأعرض عنّي فرأيت أنه لم يوافقه .
فقلت: يا رسول الله ألا تستخلف عليّاً؟
قال : «ذاك والذي لا إله غيره لو بايعتموه وأطعتموه أدخلكم الجنة أجمعين» (المعجم الكبير : 67/1 ح 9969 ترجمة ابن مسعود ليلة الجن، ومجمع الزوائد : 315/8 ط . مصر).
ج - وأخرج أبو جعفر الاسكافي وابن أبي الحديد عن أبي مخنف لوط بن يحيى واللفظ له : جاءت عائشة إلى أمّ سلمة تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان - وساق الحديث إلى أن قال - قالت - أمّ سلمة . واذكرك أيضاً كنت أنا وأنت مع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في سفر له وكان علي يتعاهد نَعلَي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فيخصفها، ويتعاهد أثوابه فيغسلها، فتقبت له نعل فأخذها يومئذ يخصفها وقعد في ظلّ شجرة، وجاء أبوك ومعه عمر، فاستأذنا عليه فقمنا إلى الحجاب ودخلا يحادثانه فيما أراد ثم قالا: يا رسول الله انّا لا ندري قد ما تصحبنا ، فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعاً؟
فقال لهما : «أما إني قد أرى مكانه ولو فعلت لتفرّقتم عنه كما تفرقت بنو إسرائيل من هارون بن عمران» فسكتا ثم خرجا فلما خرجنا إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قلت له - وكنت أجرأ عليه منّا من كنت يا رسول الله مستخلفاً عليهم؟
فقال : «خاصف النعل» . فنظرنا فلم نرّ أحداً إلا عليّاً، فقلت: يا رسول الله ما أرى إلّا عليّاً .
فقال : «هو ذاك».
فقالت عائشة: نعم أذكر ذلك .
فقالت أم سلمة : أي خروج تخرجين بعد هذا؟ (شرح النهج لابن أبي الحديد : 217/6 - 218 شرح المختار 79 قوله : معاشر الناس ان النساء. ط دار احياء الكتب العربية بمصر للحلبي و 77/2ط، مصر القديمة، والمعيار والموازنة للاسكافي: 27 - 28 - 29).
د . وأخرج الخطيب عن وهب بن كعب عن سلمان انّه قال: يا رسول الله انّه ليس من نبي إلّا وله وصيّ وشيطان فمن وصيّك وشيطانك؟
فسكت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، ولم يرجع إليه شيئاً.
فلمّا صلّى رسول الله الظهر قال: «إدن يا سلمان سألتني عن شيء لم يأتني فيه أمر، وقد أتاني : ان الله تعالى بحث أربعة آلاف نبي وكان لهم أربعة آلاف وصي وثمانية آلاف شيطان، فوالذي نفسي بيده لأنا خير النبيين ووصیی خير الوصيين وشيطاني خير الشياطين» (اللالئ المصنوعة : 360/1 مناقب الخلفاء الأربعة، والكامل لابن عدي: 130/1 رقم الترجمة 161).
هـ - وأخرج العقيلي عن أبي هريرة عن سلمان بلفظ قال: سألت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قلت: يا رسول الله ان الله لم يبعث نبيّاً إلّا بيّن له من يلي بعده فهل بيّن لك؟
قال : «لا»
ثم سألته بعد ذلك.
فقال: «نعم علي بن أبي طالب (اللآلئ المصنوعة : 356/1 - 357) .
و - وأخرج ابن اسحاق والخطيب البغدادي في تلخيص المتشابه عن سلمان انّه سأل رسول الله فقال : يا رسول الله انّه ليس من نبي إلّا وله وسبطان فمن وصيّك ومن سبطانك (وسبطاك)؟ فسكت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ولم يرجع شيئاً، فانصرف سلمان يقول : يا ويله كلّما لقيه ناس من المسلمين، قالوا مالكَ سلمان الخير؟
فيقول : سألت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم عن شيء فلم يرد عليّ، فخفت أن يكون من غضب.
فلمّا صلّى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم الظهر، قال: «ادن یا سلمان».
فجعل يدنو ويقول : أعوذ بالله من غضبه وغضب رسول الله.
فقال: «سألتني عن شيء لم يأتني فيه أمر وقد أتاني. ان الله تعالى عزّوجلّ قد بعث أربعة آلاف نبي، وكان لهم أربعة آلاف وصي وثمانية آلاف سبط، فوالذي نفسي بيده لأنا خير النبيين ووصيي خير الوصيين، وسبطي (سبطاي) خير الأسباط (تلخيص المتشابه في الرسم : 544/1 رقم 915 الفصل الثاني باب الخلاف في ثلاثة، أحرف وسيرة ابن إسحاق : 124 - 125 ذيل حديث بنيان الكعبة وما بين المعقودين منه).
ز - وعن ابن عمر قال: مرّ سلمان الفارسي وهو يريد أن يعود رجلاً ونحن جلوس في حلقة وفينا رجل يقول : «لو شئت لأنبأتكم بأفضل هذه الأمّة بعد نبيتها، وأفضل من هذين الرجلين أبي بكر وعمر».
فسئل سلمان فقال: «أما والله لو شئت لأنبأتكم بأفضل هذه الأمّة بعد نبيها، وأفضل من هذين الرجلين أبي بكر وعمر» ثم مضى سلمان.
فقيل له : يا أبا عبد الله ما قلت؟
قال: دخلت على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في غمرات الموت فقلت يا رسول الله هل أوصيت؟
قال: «يا سلمان أتدري من الأوصياء؟».
قلت : الله ورسوله أعلم.
قال: «آدم وكان وصيه شيث وكان أفضل من تركه بعده من ولده وكان وصي نوح سام، وكان أفضل من تركه بعده، وكان وصي موسى يوشع وكان أفضل من تركه بعده، وكان وصي عيسى شمعون وكان أفضل من تركه بعده واني أوصيت إلى علي وهو أفضل من أتركه من بعدي» ينابيع المودة : 253/1 ط. تركيا و 301 ط. النجف ذيل الباب 56).
ح - وأخرج الإمام زيد في مسنده وعلي بن حميد عن مجموع الفقه بسنده إلى علي عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم انّه قال : قال لي ربّي عزّوجلّ ليلة أسري بي : «من خلفت على أمتك يا محمّد؟».
قلت: «أنت يا رب أعلم».
قال : «يا محمّد انتي اجتبيتك برسالتي واصطفيتك بنفسي وأنت نبيبي وخبرتي من خلقي، ثمّ الصديق الأكبر الطاهر المظهر الذي خلقته من طينتك وجعلته وزيرك وأبا سبطيك السيدين الشهيدين الطاهرين سيدي شباب أهل الجنة، وزوجته خير نساء العالمين» مسند شمس الأخبار : 89 باب 5 عن البقال البغدادي في المجموع الفقهي، ومسند الإمام زيد : 362 باب فضل العلماء.
.سبطا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وريحانتاه و سیّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين سلام الله
عليهما. قال ابن الأثير في «أسد الغابة في معرفة الصحابة»، وكذا في كثير من كتب جوامع
الفريقين، والتفاسير العديدة بالأسانيد الكثيرة والطرق المتظافرة: نزلت هذه الآية على النّبي صلی الله علیه و آله و سلّم «إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطهِرَكُم تَطهِيراً» في بيت أمّ سلمة فدعا النبیّ صلی الله علیه و آله و سلّم فاطمة وحسناً وحسيناً فجلّلهم بكساء وعليّ خلف ظهره ثمّ قال: هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً قالت أمّ سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال : أنت على مكانك أنت إلى خير(1).
ثمّ قال ابن الأثير : بإسناده عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : «إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني
فيهما»(2).
وفيه عن البراء قال: رأيت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم واضعاً الحسن بن عليّ على عاتقه وهو يقول: «اللّهم إنّي أحبّه فاحبّه»(3).
وفيه عن يعلى بن مرة قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : «حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً حسين سبط الأسباط»(4).
وفيه أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم سمّى الحسن والحسين والمحسن بأسماء ولد هارون شبر وشبير ومشير.
أقول : هذا الحديث إشارة إلى قوله صلی الله علیه و آله و سلّم فيه علیه السلام : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى. وروى الشيعة عنه صلی الله علیه و آله و سلّم متواتراً : أنه قال للحسين علیه السلام : هذا ابني إمام ابن إمام أخو إمام
أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم(5).
والأحاديث المنقولة عن النبي صلی الله علیه و آله و سلّم من الفريقين مشتركة فيهما، ومنفردة في كلّ واحد منهما الدالّة على إمامتهما وفضلهما على غيرهما، وأنّهما على الحقّ حيث دارا ودار مما لا تحصى كثرة.
هو سيّد الساجدين وزين العابدين وقدوة السالكين والزاهدين، إمام الثقلين ذو الثّفنات أبو الحسن عليّ بن الحسين صلوات الله عليهما، خلف علیه السلام كتاباً جذب عقول الحكماء المتألهين إلى دقائق حقائقه، وشحذ أفكار العلماء الشامخين في درك أسرار لطائفه، فغاصوا في بحار معانيه لاقتناء دوره، وشمّروا عن ساق الهمة لاجتناء ثمره، فنالتهم العائدة من تلک المائدة الإلهية بقدر الوسع والقابليّة، ألا وهو زبور آل محمّد وإنجيل أهل البيت الصحيفة الكاملة السجاديّة. أرأيت هل تيسّر لأحد من العلماء المتبحرين في الفنون العديدة أن يحذو حذوه علیه السلام في أداء تلك المعاني الجزيلة، بتلك العبارات الوجيزة الجميلة وهل تجد لأسلافنا الماضين، من غير بيت الآل من نسج المعاني بالألفاظ على ذلك المنوال؟ ولعمري وما عمري عليّ بهيّن لو أعيد عبد الحميد وعوضد بابن العميد على أن يأتي بمثل دعاء منها، لرأيت أنه لا يلوم إلّا نفسه ولا يروم إلّا رمسه.
والله درّ الحكيم البارع والعالم الجامع المتضلّع في الفنون العلمية، صاحب الكتب القيمة صدر الدين المدني عليّ بن أحمد نظام الدين الحسيني الحسني، حيث قال في مقدمة شرحه على صحيفة سيّد الساجدين الموسوم برياض السالكين: واعلم أن هذه الصحيفة الشريفة عليها مسحة من العلم الإلهي، وفيها عبقة من الكلام النبوي، كيف لا وهي قبس من نور مشكاة الرسالة، ونفحة من شميم رياض الإمامة حتّى قال بعض العارفين : إنّها تجري مجرى التنزيلات السماوية وتسير مسير الصحف اللوحيّة والعرشيّة لما اشتملت عليه من أنوار حقائق المعرفة، وثمار حدائق الحكمة، وكان أخيار العلماء وجهابذ القدماء من السلف الصالح يلقبونها بزبور آل محمّد وإنجيل أهل البيت قال الشيخ محمّد بن علي بن شهر آشوب في معالم العلماء، في ترجمة المتوكل بن عمير : روى عن يحيى بن زيد بن عليّ علیه السلام دعاء الصحيفة وتلقب بزبور آل محمّد. ثمّ قال: وأمّا بلاغة بيانها فعندها تسجد سحرة الكلام، وتذعن بالعجز عنها مدارة الأعلام وتعترف بأن النّبوة غير الكهانة، ولا يستوى الحقّ والباطل في المكانة، من حام حول سمائها بغاسق فكره الواقب، رمي من رجوم الخذلان بشهاب ثاقب، حكى ابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب علیه السلام: أن بعض البلغاء بالبصرة ذكرت عنده الصحيفة الكاملة فقال: خذوا عنّي حتّى أملي عليكم مثلها، فأخذ القلم وأطرق رأسه
فما رفع حتّى مات، ولعمري لقد رام شططاً فنال سخطاً. انتهى ما أردنا من نقل كلامه.
«کلام طنطاوی صاحب التفسیر فی الصحیفه السجادیة»
قال بعض علمائنا المعاصرين في مقدمته على صحيفة سيّد الساجدين (ص كح طبع طهران عاصمة إيران 1361هـ) : وإنّي في سنة 1353 هـ بعثت نسخة من الصحيفة الشريفة إلى العلامة المعاصر الشيخ جوهري طنطاوي صاحب التفسير المعروف، مفتي الاسكندريّة ليطالعها فكتب إليّ من القاهرة وصول الصحيفة وشكر لي على هذه الهدية السنيّة، وأطرى في مدحها والثناء عليها - إلى أن قال: ومن الشقاء أنّا إلى الآن لم نقف على هذا الأثر القيم الخالد من مواريث النّبوة، وأهل البيت، وإنّي كلّما تأملتها رأيتها فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق - إلى آخر ما قال : ثمّ سأل عني هل شرحها أحد من علماء الإسلام فكتبت إليه أسامي من شرحه، ممن كنت أعلم به وقدمت لسماحته، «رياض السالكين» للسيّد علي خان وكتب في جواب وصوله إنّي مصمّم ومشمّر الذيل على أن أكتب شرحاً على هذه الصحيفة العزيزة. انتهى(1).
«كلام محيي الدين الأعرابي (أو المغربي) فيه علیه السلام»
قال في المناقب: صلوات الله وملائكته وحملة عرشه وجميع خلقه من أرضا أرضه وسمائه على آدم أهل البيت، المنزّه عن كيت وما كيت، روح جسد الإمامة، شمس الشهامة، مضمون كتاب الإبداع، حلّ تعمية الاختراع سرّ الله في الوجود إنسان عين الشهود، خازن كنوز الغيب مطل نور الإيمان كاشف مستور العرفان، الحجة القاطعة والدرة اللامعة ثمرة شجرة طوبى القدسيّة، أزل الغيب وأبد الشهادة السرّ الكلّ في سرّ العبادة، وتد الأوتاد وزين العبّاد إمام العالمين، ومجمع البحرين: زين العابدين عليّ بن الحسين علیه السلام.
«كلام محمد بن طلحة الشافعي فيه علیه السلام»
هذا زين العابدين وقدوة الزاهدين، وسيّد المتقين وإمام المؤمنين، شمنه يشهد له أنّه من سلالة رسول الله، وسمته يثبت مقام قربة من الله زلفى، وثفناته يسجل بكثرة صلاته وتهجده وإعراضه عن متاع الدّنيا ينطق بزهده درت له أخلاق التقوى فيعوقها، وأشرقت لربه أنوار التأييد فاهتدى بها، وألقته أوراد العبادة فأنس بصحبتها، وخالفته وظائف الطاعة فتحلى بحليتها، طالما اتخذ الليل مطيّة ركبها لقطع طريق الآخرة، وظماء هواء حرّ دليلاً استرشد به في مفازة المسافرة، وله من الكرامات وخوارق العادات ما شوهد بالأعين الباصرة، وثبت بالآثار المتواترة، وشهد له أنّه من ملوك الآخرة.
1) بحار الأنوار: 210/104
قال احمد بن خلكان في «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» في ترجمته علیه السلام : أبو الحسن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب علیه السلام المعروف بزين العابدين ويقال له : عليّ الأصغر وليس للحسين عقب إلّا من ولد زين العابدين، هذا وهو أحد الأئمة الاثنا عشر ومن سادات التابعين، قال الزهري: ما رأيت قرشياً أفضل منه، وكان يقال لزين العابدين علیه السلام ابن الخيرتين لقوله علیه السلام : لله تعالى من عباده خيرتان فخيرته من العرب قريش ومن العجم فارس(1).
وذكر أبو القاسم الزمخشري في كتاب «ربيع الأبرار» أن الصحابة لمّا أتوا المدينة بسبي فارس في خلافة عمر بن الخطاب، كان فيهم ثلاث بنات ليزدجرد أيضاً فباعوا السبايا وأمر عمر ببيع بنات یزدجرد، فقال له عليّ بن أبي طالب علیه السلام : أن بنات الملوك لا يعاملن معاملة كغيرهنّ من بنات السوقة، فقال : كيف الطريق إلى العمل معهن؟ قال : يقوّمن ومهما بلغ من ثمنهنّ قام به من يختارهنّ، فقوّمن فأخذهنّ عليّ بن أبي طالب علیه السلام، فدفع واحدة لعبد الله بن عمره، والأخرى لولده الحسين، والأخرى لمحمّد بن أبي بكر، فأولد عبد الله أمته ولده سالماً، وأولد الحسين أمته زين العابدين علیه السلام، وأولد محمّد أمته القاسم فهؤلاء الثلاثة بنو خالة وأُمهاتهم بنات يزدجرد.
ثمّ قال: وحكى المبرّد في كتاب «الكامل» ما مثاله، يروى عن رجل من قريش لم يسمّ لنا قال: كنت جالس سعيد بن المسيّب فقال لي يوماً: من أخوالك؟ فقلت : أمي فتاغة، فكأني نقصت في عينه، فأمهلت حتّى دخل سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فلمّا خرج من عنده قلت يا عم من هذا؟ فقال : يا سبحان الله العظيم أتجهل مثل هذا، هذا من قومک هذا سالم بن عبدالله بن عمره قلت : فمن أُمّه؟ فقال : فتاة، قال : ثمّ أتاه القاسم بن محمّد بن بن أبي بكر الصديق، فجلس عنده ثمّ نهض، قلت: يا عمّ من هذا؟ قال : أتجهل من أهلك مثله ما أعجب هذا، هذا القاسم بن محمّد ابن أبي بكر، قلت: فمن أُمّه قال : فتاة فأمهلت شيئاً حتّى جاءه عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب علیه السلام فسلم عليه ثمّ نهض قلت: يا عمّ من هذا فقال: هذا الذي لا يسع مسلماً أن يجهله، هذا عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب علیه السلام فقلت : من أمّه؟ فقال: فتاة فقلت: يا عم رأيتني نقصت من عينك حين قلت لك : أُمّي فتاة أفما بالي بهؤلاء أسوة قال: فجلّلت في عينه جدّاً.
ثمّ قال: وكان زين العابدين كثير البرّ بأمّه، حتى قيل له : إنّك من أبرّ النّاس بأمّك ولسنا نراك تأكل معها في صحفة، فقال : أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فأكون
1) مناقب آل أبي طالب : 304/3، ومناقب أهل البيت للشيرواني : 256، وتاج العروس: 156/9.
قد عققتها. إلى أن قال: وفضائل زين العابدين ومناقبه أكثر من أن تحصر وكانت ولادته يوم الجمعة في بعض شهور سنة 38 للهجرة وتوفي سنة 94 وقيل 99 وقيل 92 للهجرة بالمدينة ودفن في البقيع في قبر عمه الحسن بن عليّ علیه السلام في القبة التي فيها قبر العبّاس رضی الله عنه(1).
ثمّ إنّ لفارس ميدان الشعر سحبان عصره، أبي فراس همام بن غالب بن الصعصعة الملقب بالفرزدق التميمي المجاشعي رحمة الله عليه، في مدحه علیه السلام قصيدة غرّاء بلغت في جودة ألفاظها وعذوبة معانيها غاية تستشهد بأبياتها الأدباء، والحريّ فيها أن يقال: إن من الشعر لحكمة، وأن من الكلام لسحراً، أشار فيها إلى طائفة من علوّ رتبته علیه السلام وسموّ درجته وشرذمة من منزلة شأنه، ومكانة أمره، في واقعة اقتضت ذلك، كما نشير إليها، وأتى ببعض أبياتها أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في كتابه المعروف بالحماسة (الحماسة 708) التي دلّت على غزارة فضله واتقان معرفته بحسن اختياره، معنوناً بقوله : وقال الفرزدق يمدح عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليهم، مبتدئاً بقول الفرزدق : إذا رأته قريش قال قائلها، وبعده: هذا الذي تعرف البطحاء، وبعده: يكاد يمسكه، وبعده أي القبائل ليست، وبعده: بكفه خيزران، وبعده يغضي حياء، وختم به. وكذا أتى بعشرين بيتاً منها أبو الفرج الأصبهاني في «الأغاني» في ترجمة الفرزدق (الجزء التاسع عشر ص 40 طبع ساس) وكذا أتى بعدة أبيات منها الشريف المرتضى علم الهدى في أماليه، المعروف «بغرر الفوائد ودرر القلائد»، وكذا ذكر سبعاً وعشرين منها أحمد بن خلكان في «وفيات الأعيان»، عند ترجمة الفرزدق، وكذا غيرهم من كبار المؤلفين وأعاظم المؤرخين، ولا حاجة إلى ذكرهم لأنّ القضیة بلغت في وضوحها كالشمس في رائعة النّهار ويعدّ من متواترات الأخبار والآثار.
وأمّا تلك الواقعة الموعودة فقال أبو الفرج الأصبهاني في «الأغاني» : أخبرني عبد الله بن عليّ بن الحسن الهاشمي، عن حيّان بن عليّ العنزي عن مجالد عن الشعبي قال : حجّ الفرزدق بعدما كبر وقد أتت له سبعون سنة وكان هشام بن عبد الملك قد حجّ في ذلك العام، فرأى عليّ بن الحسين في غمار النّاس في الطواف فقال : من هذا الشاب الذي تبرق أسرة وجهه کانّه صينّية تتراءى فيها عذارى الحيّ وجوهها؟ فقالوا: هذا عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليهم، فقال الفرزدق : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته : إلى آخر من أتى بها، وقال بعد نقل القصيدة : فغضب هشام فحبسه بين مكّة والمدينة فقال :
اتحبسني بين المدينة والتي *** إليها قلوب النّاس يهوى منيبها
1) بحار الأنوار : 151/46 ح 10، والأنوار البهية: 127.
تقلّب رأساً لم يكن رأس سيد *** وعيناً له حولاء باد عیوبها
فبلغ شعره هشاماً فوجّه فأطلقه. وقال في ينابيع المودّة : وكان هشام أحول(1).
وقال ابن خلّكان في «وفيات الأعيان» في ترجمة الفرزدق : وتنسب إليه مكرمة يرجى له بها الجنّة، وهي انّه حجّ هشام بن عبد الملك في أيّام أبيه فطاف وجهد أن يصل إلى الحجر
ليستلمه فلم يقدر لكثرة الزحام، فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى النّاس، ومعه جماعة أعيان أهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب علیه السلام، وكان من أحسن النّاس وجهاً وأطيبهم أرجاً، فطاف بالبيت فلما انتهى إلى الحجر تنحى له النّاس حتّى استلم، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي ها به النّاس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، فيملكون، وكان الفرزدق حاضراً فقال : أنا أعرفه، فقال الشامي : من هو يا أبا فراس؟ فقال: هذا الذي تعرف البطحاء - إلى آخر ما ذكر من أبيات تلك القصيدة.
ونحن نذكر القصيدة بتمامها تيمّنا بها ونشرح بعض ما يحتاج إليه بالتفسير والسؤال :
يا سائلي أين حلّ الجود والكرم *** عندي بيان إذا طلا به قدموا
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحلّ والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلّهم ***هذا التقي النقي الطاهر العلم هذا الذي أحمد المختار والده *** صلّى عليه إلهي ما جرى القلم
لو يعلم الركن من ذا جاء يلثمه *** لخرّ يلثم منه ما وطى القدم
هذا عليّ رسول الله والده *** أمست بنور هداه تهتدى الأمم
هذا الذي عمّه الطيار جعفر وال*** مقتول حمزة ليث حبّه قسم
هذا ابن سيّدة النسوان فاطمة *** وابن الوصي الذي في سيفه سقم
إذا رأته قريش قال قائلها *** إلى مكارم هذا ينتهی الكرم
ينمى إلى ذروة العزّ التي قصر *** ت عن نيلها عرب الإسلام والعجم
یکاد یمسکه عرفان راحته *** ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
وليس قولك: من هذا؟ بضائره *** العرب تعرف من انكرت والعجم
يغضى حياء ويغضي من مهابته *** فما يكلّم الأحين یبتسم
1) الاختصاص : 194، وأمالي المرتضى 49 وينابيع المودة : 109/3 - 158 .
في كفّه خيزران ريحه عبق *** من كف أروع في عرينه شمم
ينشقَ ثوب الدجى عن نور غرّته *** كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم
ما قال لا قطّ إلّا في تشهده *** لولا التشهد كانت لاؤه نعم
مشتقة من رسول الله نبعته *** طابت مغارسه والخيم والشيم
حمّال أثقال أقوام إذا فدحوا *** حلو الشمائل تحلو عنده نعم
إن قال قال بما تهوى جميعهم *** وإن تكلم يوماً زانه الكلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله *** بجدّه أنبياء الله قد ختموا
الله شرّفه قدماً وعظّمه *** جرى بذاك له في لوحه القلم
من جدّه دان فضل الأنبياء له *** وفضل أُمّته دانت له الأمم
عمّ البريّة بالإحسان وانقشعت *** عنها العماية والإملاق والظلم
کلتا یدیه غیاث عمّ نفعهما *** يستو كفان ولا يعروهما عدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره *** يزينه خصلتان الحلم والكرم
لا يخلف الوعد میمون نقیبته *** رحب الفناء أريب حين يعترم
من معشر حبهم دين وبغضهم *** كفر وقربهم منجى ومعتصم
يستدفع السوء والبلوى بحبّهم *** ویستتزاد به الإحسان والنعم
مقدم بعد ذكر الله ذکرهم *** في كل بده و مختوم به الكلم إن عدّ أهل التقى كانوا أئمتهم *** أو قيل من خير أهل الأرض؟ قيل هم
لا یستطيع جواد بعد جودهم *** ولا يدانيهم قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت *** والأسد أسد الشرى والبأس محتدم
يأبى لهم أن يحلّ الذم ساحتهم *** خيم كريم وأيد بالندى ديم
لا يقبض العسر بسطاً من أكفّهم *** سيّان ذلك إن أثروا وإن عدموا
أيّ القبائل ليست في رقابهم *** لأوّليّته هذا اوله نعم
من یعرف الله یعرف اوّلیّته *** فالدّين من بيت هذا ناله الأمم
بيوتهم في قريش يستضاء بها *** في النائبات وعند الحكم إن حكموا
فجدّه من قريش في أرومتها *** محمّد وعليّ بعده علم
بدر له شاهد والشعب من أحد *** والخندقان ويوم الفتح قد علموا
و خیبر و حنین یشهدان له *** وفي قريظة يوم صيلم قتم
مواطن قد علت في كلّ نائبة *** على الصحابة لم أكتم كما كتموا
وقال ابن خلّكان: لمّا سمع هشام هذه القصيدة غضب، وحبس الفرزدق، وأنفذ له زين العابدين علیه السلام اثنى عشر ألف درهما فردّها وقال : مدحته الله تعالى لا للعطاء فقال : إنا أهل البيت وهبنا شيئاً لا نستعيده فقبلها(1).
وفي «البحار» نقلاً عن «الاختصاص» بإسناده: عليّ بن الحسين بن يوسف عن محمّد جعفر العلوي، عن الحسن بن محمّد بن جمهور، عن أبي عثمان المازني، عن كيسان، عن جويرية بن أسماء عن هشام بن عبد الأعلى، عن فرعان وكان من رواة الفرزدق قال: حججت سنة مع عبدالملک بن مروان فنظر إلى عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب علیه السلام فأراد أن يصغر منه فقال : من هو؟ فقال الفرزدق : فقلت على البديهة القصيدة المعروفة : هذا ابن خير عباد الله كلّهم، هذا التقي النقي الطاهر العلم، حتّى أتمها وكان عبد الملك يصله في كلّ سنة بألف دينار، فحرمه تلك السنة، فشكى ذلك إلى عليّ بن الحسين علیه السلام وسأله أن يكلمه فقال : أنا أصلك من مالي بمثل الذي كان يصلك به عبد الملك، وصنّي عن كلامه، فقال: والله يا ابن رسول الله لارزاتك شيئاً، وثواب الله عزّ وجل في الآجل، أحبّ إليّ من ثواب الدّنيا في العاجل، فاتصل ذلك بمعاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار، وكان أحد سمحاء بني هاشم الفضل عنصره وأحد أدبائها وظرفائها فقال له : يا أبا فراس كم تقدر الذي بقي من عمرك؟ قال: قدر عشرين سنة قال : فهذه عشرون ألف دينار أعطيتكها من مالي واعف أبا محمّد أعزّه الله عن المسألة في أمرك فقال : لقد لقيت أبا محمّد وبذل لي ماله، فأعلمته أني أخرت ثواب ذلك الأجر الآخرة. انتهى(2).
كان عليّ بن الحسين علیه السلام ليكنى بأبي محمّد أيضاً. ثمّ إن البقر تشابه على الراوي حيث أخذ عبد الملك بن مروان مکان هشام بن عبد الملك.
أبو جعفر محمّد بن زين العابدين الملقب بالباقر. قال ابن خلّكان في تاريخه كان الباقر عالماً سيّداً كبيراً، وإنّما قيل له الباقر لأنه تبقر في العلم أي توسع والتبقر التوسع وفيه يقول الشاعر:
يا باقر العلم لأهل التقى *** وخير من لبى من لبى على الأجبل
أقول: ذلك الشاعر القرظي.
وقال ابن حجر في «الصواعق المحرقة»: أبو جعفر محمّد الباقر سمي بذلك من بقر الأرض أي شقها، وأثار مخبئاتها ومكامنها، فلذلك هو أظهر من مخبثات كنوز المعارف وحقائق الأحكام واللّطائف، ما لا يخفى إلّا على منطمس البصيرة، أو فساد الطوية والسريرة، ومن ثم قيل : هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه ورافعه، صفا قلبه وزكى علمه وعمله، وظهرت نفسه وشرفت خلقه، وعمرت أوقاته بطاعة الله، وله من الرسوخ في مقامات العارفين ما يكلّ عنه ألسنة الواصفين، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة.
قال المفيد في «الإرشاد» : ولم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين علیهما السلام من علم الدّين والآثار والسنة وعلم القرآن والسيرة وفنون الآداب، ما ظهر عن أبي جعفر علیه السلام. وروى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء فقهاء المسلمين، وصار بالفضل به علماً لأهله تضرب به الأمثال، وتسير بوصفه الآثار والأشعار، وفيه يقول القرظي : يا باقر العلم، البيت(1).
وقال مالك بن أعين الجهني يمدحه علیه السلام.
إذا طلب الناس علم القرآن *** كانت قریش علیه عیالا
وإن قيل أين ابن بنت النّبیّ *** تلت بذاك فروعاً طوالاً
نجوم تهلّل للمدلجين *** جبال تورث علماً جبالاً
وروى بإسناده عن الشريف أبي محمّد الحسن بن محمّد قال : حدّثني جدّي، قال: حدّثنا محمّد بن القاسم الشيباني قال : حدّثنا عبد الرحمن صالح الأزدي عن أبي مالك الجهني عن عبد الله بن عطاء المكي قال : ما رأيت العلماء عند أحد قطّ أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن عليّ بن الحسين علیهما السلام ولقد رأيت الحكم بن عتيبة مع جلالته في القوم بين يديه، كأنّه صبّي بين يدي معلّمه، وكان جابر بن يزيد الجعفي إذا روى عن محمّد بن عليّ علیه السلام شيئاً قال : حدثني وصيّ الأوصياء ووارث علوم الأنبياء محمّد بن عليّ بن الحسين علیه السلام(2).
قال فيه : وروى مخول بن إبراهيم عن قيس بن الرّبيع قال: سألت أبا إسحاق السبيعي عن المسح على الخفين فقال : أدركت النّاس يمسحون، حتّى لقيت رجلاً من بني هاشم لم
أر مثله قطّ، محمّد بن عليّ بن الحسين علیهم السلام فسألته عن المسح فنهاني عنه، وقال: لم يكن عليّ أمير المؤمنين علیه السلام يمسح وكان يقول: سبق الكتاب المسح على الخفين(1).
قال أبو إسحاق: فما مسحت منذ نهاني عنه، قال قيس بن الربيع : وما مسحت أنا منذ سمعت أبا إسحاق(2).
إلى أن قال : وكان مع ما وصفناه من الفضل في العلم والسودد والرّياسة والإمامة، ظاهر الجود في الخاصة والعامة، مشهور الكرم في الكافة معروفاً بالفضل والإحسان، مع كثرة عياله وتوسط حاله.
وقد روى أبو جعفر علیه السلام أخبار المبتدأ وأخبار الأنبياء وكتب عنه المغازي : وأثروا عنه السنن واعتمدوا عليه في مناسك الحج، التي رواها عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وكتبوا عنه تفسير القرآن، وروت عنه الخاصة والعامّة الأخبار، وناظر من يرد عليه من أهل الآراء وحفظ عنه النّاس كثيراً من علم الكلام، وألّف علیه السلام كتاباً في تفسير القرآن رواه عنه أبو الجارود زياد بن المنذر رئيس الجارودية الزيديّة كذا نقل ابن النديم في «الفهرست».
وبالجملة مناقبه ومعجزاته ومكارم أخلاقه والروايات المنقولة عنه، والروات الآخذون منه من الصحابة والتابعين وتلامذته، ومعالي أموره وغرائب شأنه وأحوال أصحابه ومناظراته، والقصائد في مدحه علیه السلام أكثر وأشهر من أن يخفى على أحد، نقلها الفريقان في تصانيفهم ولو أثبتناها ههنا لكثر الخطب.
كشاف أسرار العلوم وبحر الحقائق أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصّادق صلوات الله عليه. قد تحيرت العقول دونه وأخرست الألسن فيه، كيف لا وهو شمس سماء العلم والمعرفة والتوحيد، قد استنار الكلّ من نور وجوده واستفادوا من رشحات فيضه واستمطروا سحاب علمه، واستدروا سماء جوده واغترفوا من بحر معارفه، واستضاءوا من مشكاة حقائقه، أشرقت أضواء علومه عالم الإنسانية، وأثمرت شجرة عنصره الطيبة ما ملأت الآفاق من الأصول الكليّة الحكميّة، والعلوم الغريبة المكنونة القيمة والقواعد الرصينة الفقهية، والمطالب النورية لتزكية الباطن وتهذيب النّفس، والمسائل الجامعة الاجتماعية لحفظ نظام الحوزة البشرية، حتّى بلغ عدد الآخذين عنه علیه السلام والمتعلمين من حضرته إلى أربعة آلاف رجل من أهل الحجاز والشام والعراق والخراسان والفارس وغيرها، ودوّنت في مجلسه
الشريف أربعمائة مصنف في العلوم، هي المسماة بالأصول الأربعمائة، فراجع «أصول الكافي» وكتاب «التوحيد» للصدوق، و«الاحتجاج» الطبرسي وغيرها من الكتب الحاوية للحقائق الصادرة عنه علیه السلام حتّى يتضح لك أنه علیه السلام كيف أسّس قواعد التوحيد، وشيّد أركانه وقلع الشبهات الناشئة من الآراء السخيفة المعوجّة، وأظهر أسرار الآيات القرآنية وبطونها، مما كلّت عندها الألسن والهت لديها الأحلام فهو علیه السلام عيش العلم وموت الجهل ودعامة
الإسلام.
هر بوی که از مشك وقرنفل شنوی *** از دولت آن زلف چوسنبل شنوی
«كلام المفيد فيه علیه السلام»
قال رحمه الله في «الإرشاد» : وكان الصادق جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين علیهم السلام من بين أخوته، خليفة أبيه محمّد بن عليّ علیه السلام ووصيّه القائم بالإمامة من بعده وبرّز على جماعتهم بالفضل، وكان أنبههم ذكراً وأعظمهم قدراً وأجلهم في العامّة والخاصّة، ونقل النّاس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر ذكره في البلدان، ولم ينقل عن أحد من أهل بيته العلماء ما نقل عنه، ولا لقي أحد منهم من أهل الآثار ونقلة الأخبار ولا نقلوا عنهم کما نقلوا عن أبي عبد الله علیه السلام فإن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل وكان له علیه السلام من الدلائل الواضحة في إمامته ما بهرت القلوب، وأخرست المخالف عن الطعن فيها بالشبهات. إلى أن قال : والأخبار فيما حفظ عنه علیه السلام من العلم والحكمة والبيان، والحجة والزهد والموعظة وفنون العلم كله أكثر من أن تحصى بالخطاب أو تحوى بالكتاب(1).
«كلام كمال الدين محمد بن طلحة لشافعي»
«فيه علیه السلام»
قال في كتابه : جعفر بن محمّد الصادق ابن أبي محمّد عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب هو من عظماء أهل البيت وساداتهم علیهم السلام، ذو علوم جمّة وعبادة موقورة وأوراد مواصلة، وزهادة بيّنة وتلاوة كثيرة تتبع معاني القرآن الكريم، واستخرج من بحر جواهره واستنتج عجائبه، وقسم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليه أنفسه، رؤيته تذكرة الآخرة، واستماع كلامه تزهد في الدنيا، والإقتداء بهديه يورث الجنّة، نور قسماته شاهد أنّه من سلالة النّبوّة وطهارة أفعاله تصدع بأنه من ذرية الرسالة نقل الحديث واستفاد منه العلم
1) الإرشاد : 206/2، وكشف الغمة: 393/2.
جماعة من أعيان الأئمة، وأعلامهم مثل يحيى بن سعيد الأنصار، وابن جريج، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وأبي حنيفة، وشعبة، وأيوب السجستاني وغيرهم وعدوا أخذهم عنه علیه السلام المنقبة شرّفوا بها، وفضيلة اكتسبوها(1).
«كلام القاضي عبد الرحمن بن أحمد العضد الأيجي»
«الشافعي فيه علیه السلام»
قال في مبحث الإمامة من المواقف : الثامن اختصاصه (يعني عليّاً علیه السلام) بصاحبه كفاطمة وولدين كالحسن والحسين وهما سيّدا شباب أهل الجنّة، ثمّ أولاد أولاده ممن اتفق الأنام على فضلهم على العالمين، حتّى كان أبو يزيد سقاء في دار جعفر الصادق علیه السلام ومعروف الكرخي بوّاب دار عليّ بن موسى الرضا(2).
«كلام الشيخ العارف محيي الدين الأعرابي أو المغربي»
«فيه علیه السلام»
قال في المناقب: صلوات الله وملائكته وحملة عرشه، خلقه من أرضه وسمائه
وجميع على أستاذ العالم وسند الوجود، مرتقى المعارج ومنتهى الصعود، البحر الموّاج الأزلي، والسرّاج الوهاج الأبدي ناقد خزائن المعارف والعلوم، محتد العقول نهاية الفهوم، عالم الأسماء دليل طرق السماء الكون الجامع الحقيقي، والعروة الوثقى الوثيقي، برزخ البرازخ، وجامع الأضداد، نور الله بالهداية والإرشاد، المستمع القرآن من قائله، الكاشف لأسراره ومسائله، مطلع شمس الأبد جعفر بن محمّد عليه صلوات الله الملك الأحد.
«كلام أبي يزيد البسطامي فيه علیه السلام»
قال القاضي الشهيد نور الله نورّ الله مرقده في المجلس السادس من مجالس المؤمنين : قال المولى نور الدين جعفر البدخشي رحمه الله في كتاب الأحباب : إنّ السلطان طيفور المعروف بأبي يزيد البسطامي قدس سره قد صحب كثيراً من المشائخ ثم جاء إلى حضرة إمام الصادق وصحبه مستفيضاً الصادق فقال : لو لم أصل إلى الصادق لمتُ كافراً مع أنه كان بين الأولياء كجبرئيل بين الملائكة، وكانت هدايته نهاية السالكين.
«ما قال مؤلف تعقيب التقريب»
قال الأمير عليّ من علماء العامة، صاحب تعقيب التقريب أي «تقريب التهذيب» لابن حجر العسقلاني : روى عن جعفر الصادق الأئمة وخلق لا يحصون.
«ما قال فيه علیه السلام القاضي أحمد بن خلکان»
«الأربلي الشافعي الأشعري»
قال في «وفيات الأعيان» المعروف بتاريخ ابن خلّكان: أبو عبد الله جعفر الصادق ابن محمّد الباقر، أحد الأئمة الاثنى عشر على مذهب الإماميّة، كان من سادات أهل البيت ولقّب بالصّادق لصدقه في مقالته، وفضله أشهر من أن يذكر، وله كلام في صنعة الكيميا والزجر والفال، وكان تلميذه أبو موسى جابر بن حيّان الصوفي الطرطوسي، قد ألف كتاباً يشتمل على ألف ورقة يتضمن رسائل جعفر الصادق وهي خمسمائة رسالة (1).
ثمّ بعد نبذة من ذكر كرامته علیه السلام لما أراد المنصور اشخاصه إلى العراق معه، عند مسيره إلى المدينة قال : وحكى كشاجم في كتاب «المصائد والمطارد» أنه علیه السلام سأل أبا حنيفة فقال علیه السلام : ما تقول في محرم كسر رباعيّة ظبي ؟ فقال : يا ابن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ما أعلم ما فيه . فقال علیه السلام له : أنت تتداهي ولا تعلم أن الظبي لا يكون له رباعيّة وهو ثني أبداً انتهى.
أقول : أنّه علیه السلام وإن كان صادقاً في مقالته، لكن المرويّ عن أئمّتنا والمسلم عندنا الإماميّة أن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم سمّاه الصّادق، ليتميز من المدّعي للإمامة بغير حقّها جعفر الكذاب.
«كلام ابن قتيبة في علمه علیه السلام بالجفر»
قال عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفّى 272 هـ صاحب التصانيف الكثيرة كما في «الفهرست» لابن النديم في كتاب «أدب الكاتب» : وكتاب «الجفر» كتبه الإمام جعفر الصّادق ابن محمّد الباقر فيه كل ما يحتاجون إلى علمه إلى يوم القيامة .
قال الشّيخ العلامة البهائي في شرح الأربعين : قد تظافرت الأخبار بأنّ النّبي صلی الله علیه و آله و سلّم أملى على أمير المؤمنين علیه السلام كتابي الجفر والجامعة، وأن فيهما علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة .
وقد مرّ في البحث عن القياس الخبر المروي من «الكافي» عن أبيه أبي شيبة قال :
1) راجع معجم المطبوعات العربية : 70/1.
سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : ضلّ علم ابن شبرمة عند الجامعة إملاء رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وخط علیّ علیه السلام بيده أن الجامعة لم تدع لأحد كلاماً، فيها علم الحلال والحرام الحديث (ص 58 م 1 من الوافي».
وفي «الكافي» و«الإرشاد» و«ينابيع المودّة» للشيخ سليمان (ص 162 الطبع الناصري) عن عبد الله علیه السلام أنه كان يقول : علمنا غابر ومزبور ونكت في القلوب ونقر في الأسماع، وأن عندنا الجفر الأحمر والجفر الأبيض، ومصحف فاطمة علیها السلام وأن عندنا الجامعة فيها جمیع ما يحتاج(1).
فسأل عن تفسير هذا الكلام فقال: أمّا الغابر فالعلم بما يكون، وأمّا المزبور فالعلم بما كان، وأمّا النكت في القلوب فهو الإلهام، والنقر في الأسماع حديث الملائكة نسمع كلامهم ولا نرى أشخاصهم، وأمّا الجفر الأحمر فوعاء فيه سلاح رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ولن يخرج حتّى يقوم قائمنا أهل البيت، وأمّا الجفر الأبيض فوعاء فيه توراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وكتب الله الأولى، وأمّا مصحف فاطمة علیها السلام ففيه ما يكون من حادث وأسماء كلّ من يملك إلى أن تقوم الساعة، وأما الجامعة فهي كتاب طوله سبعون ذراعاً املاء رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من فلق فيه وخط عليّ بن أبي طالب علیه السلام بيده، فيه والله جميع ما يحتاج النّاس إليه إلى يوم القيامة حتّى أن فيه أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة(2).
وقد عنون جعفر الصّادق علیه السلام الشيخ أحمد عليّ البوني في كتابه الموسوم بشمس المعارف الكبرى من ص 306 إلى ص 316 طبع مصر وسيأتي طائفة من قوله وقول المحقق الشريف في شرح المواقف وشعر أبي العلاء المعري فيه في الإمام الثامن علیه السلام.
«ذكر عدة ممن أخذوا عنه علیه السلام»
قد ذكرنا أن المستضيئين من نبراس وجوده والمغترفين من بحر جوده بلغوا إلى أربعة آلاف رجل، وصنف ابن عقدة كتاب الرّجال لأبي عبد الله علیه السلام عددهم فيه. ونحن نذكر ههنا عدّة من الأعلام الذين أخذوا عنه وندع ترجمتهم خوفاً للإطلالة.
فمنهم : أبو حنيفة النعمان بن ثابت أحد أئمة المذاهب الأربعة عند أهل السنة، وفي المناقب عن مسند أبي حنيفة قال الحسن بن زياد سمعت أبا حنيفة وقد سئل من افقه من رأيت؟ قال: جعفر بن محمّد، لما أقدمه المنصور بعث إليّ فقال : يا أبا حنيفة إنّ النّاس قد
فتنوا بجعفر بن محمّد فهيىء له من مسائلك الشداد، فهيّأت له أربعين مسألة، ثمّ بعث إليّ أبو جعفر (يعني المنصور) وهو بالحيرة، فأتيته فدخلت عليه وجعفر علیه السلام جالس عن يمينه، فلمّا بصرت به دخلني من الهيبة الجعفر علیه السلام ما لم يدخلني لأبي جعفر فسلّمت عليه فأومى إليّ، فجلست ثمّ التفت إليه فقال : يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة قال : نعم أعرفه ثمّ التفت إليّ فقال : يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد الله من مسائلك فجعلت ألقي عليه فيجيبني فيقول : أنتم تقولون كذا وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا، فربّما تابعنا ورّبما تابعهم ورّبما خالفنا جميعاً، حتّى أتيت على الأربعين مسألة فما أخلّ منها بشيء ثمّ قال أبو حنيفة : أليس أن أعلم النّاس أعلمهم باختلاف النّاس(1)؟
قال السيّد الشبلنجي الشافعي في نور الأبصار في أحوال الصّادق علیه السلام : ومناقبهم كثيرة تكاد تفوت عند الحاسب، ويحار في أنواعها فهم اليقظ الكاتب، روى عنه جماعة من أعيان الأئمة، وأعلامهم كيحيى بن سعيد وابن جريح ومالك بن أنس، والثوري وابن عيينة وأبي حنيفة وأبي أيّوب السجستاني وغيرهم.
وفي الخصال للشيخ الصدوق (العدد 190 من الخصال الثلاث) مالك بن أنس فقيه المدينة يقول : كنت أدخل على الصّادق جعفر بن محمّد علیه السلام فيقدم لي مخدة ويعرف لي قدراً ويقول : يا مالك إنّي أحبك فكنت أسرّ بذلك وأحمد الله عليه، وكان علیه السلام لا يخلو من إحدى ثلاث خصال: إمّا صائماً وإمّا قائماً وإمّا ذاكراً، وكان من عظماء العبّاد وأكابر الزهّاد الذين يخشون الله عزّ وجلّ، وكان كثير الحديث طيب المجالسة كثير الفوائد فإذا قال : قال رسول الله اخضرّ مرة واصفرّ أخرى، حتّى ينكره من يعرفه، ولقد حججت معه سنة فلمّا استوت راحلته عند الاحرام، كان كلّما همّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه، وكاد يخرّ من راحلته فقلت : قل يا ابن رسول الله فلا بدّ لك أن تقول فقال : يا ابن أبي عامر كيف أجر أن أقول لبيك اللّهم لبيك، وأخشى أن يقول عزّ وجلّ لا لبّيك ولا سعديك(2).
وقال مالك بن أنس : ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر الصّادق علیه السلام، فضلاً وعلماً وعبادة وورعاً. وكان مالك كثيراً ما يدعي سماعه وربّما قال : حدثني الثقة يعنيه علیه السلام.
ومنهم : شعبة بن الحجّاج، وعبد الله بن عمرو وروح بن القاسم وسليمان بن بلال وإسماعيل بن جعفر وحاتم بن إسماعيل وعبد العزيز بن المختار ووهيب بن خالد وإبراهيم بن
طهمان، والحسن الصالح وعمر بن دينار وأحمد بن حنبل ومحمّد بن الحسن . وكان أبو يزيد البسطامي طيفور السقاء، خدمه وسقاء ثلاث عشرة سنة، وقال أبو جعفر الطوسي: كان إبراهيم بن أدهم ومالك بن دينار من غلمانه.
قال أبو حاتم: جعفر الصّادق ثقة لا يسأل عن مثله، ودخل إليه علیه السلام سفيان الثوري يوماً فسمع منه كلاماً أعجبه فقال: هذا والله يا ابن رسول الله الجوهر، فقال له : بل هذا خير من الجوهر، وهل الجوهر إلّا الحجر(1).
ومنهم أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان ومحمّد بن إسحاق صاحب المغازي والسير وغيرهم، المذكور في كتب الفريقين كـ«فهرست» الشيخ الطوسي و«نور الأبصار» للشبلنجي و«الصواعق» لابن حجر و«ينابيع المودة» للشيخ سليمان و«الخلاصة» للعلامة وغيرها.
ومنهم ممن كان من أصحابه علیه السلام وأخذ عنه، وفاز فوزاً عظيماً وأفاد غيره أيضاً كأبان بن تغلب وإسحاق بن عمار الصيرفي وبريد بن معاوية العجلي وأبي حمزة الثّمالي وحريز بن عبد الله السجستاني، وحمران بن أعين الشيباني وأخيه زرارة وصفوان بن مهران الجمّال وعبد الله بن أبي يعفور، وعمران بن عبد الله القمي وفضيل بن يسار البصري وفيض ابن المختار الكوفي وليث بن البختري ومحمّد بن مسلم ومعاذ بن كثير، ومعلّى بن خنيس وأبي المنذر هشام بن محمّد السائب الكلبي ويونس الظبيان الكوفي ومؤمن الطاق.
في «الفهرست» لابن النديم : أبو جعفر محمّد نعمان الأَحول هو من أصحاب ابی عبد الله جعفر بن محمّد الصّادق علیهما السلام وكان حسن الإعتقاد والهدى حاذقاً في صناعة الكلام، سریع الحاضر والجواب وله مع أبي حنيفة مناظرات.
منها لما مات جعفر الصّادق علیه السلام قال أبو حنيفة لمؤمن الطاق: قد مات إمامك . قال : لكن إمامك لا يموت إلى يوم القيامة.
(وفي بعض النسخ : قال لكن إمامك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم) يعني ابلیس(2).
وقال له أبو حنيفة: ما تقول في المتعة؟ قال حلال، قال أفيسرّك أن تكون أخواتك وبناتك يمتّع بهنّ؟ قال : شيء قد أحلّه الله تعالى أن كرهته مما خبلني، ولكن ما تقول أنت في النبيذ؟ قال: حلال، قال : أفيسرّك أن تكون أخواتك وبناتك نباذات هن؟
وقال له أبو حنيفة يوماً : ألسنا صديقين؟ قال: بلى قال: وأنت تقول بالرجعة؟ قال : إي أيم الله . قال : فإني شديد الحاجة وأنت متمكّن فلو أنّك أقرضتني خمسمائة درهم أتسع بها وأردّها عليك في الرجعة كنت قد قضيت حقي ووصلت إلى غفل، قال: أنا أقول إنّ الناس (1)يرجعون(2).
وفي البحار» عن كتاب «مقتضب الأثر» لابن عيّاش بن عبد الله بن محمّد المسعودي عن الحسین بن محمّد الوهبي، عن عليّ بن قادم عن عيسى بن داب قال : لمّا حمل أبو عبدالله جعفر بن محمّد علیه السلام عن سريره وأخرج إلى البقيع ليدفن قال أبو هريرة الشاعر العجلي:
أقول وقد راحوا به يحملونه *** على كاهل من حامليه وعاتق
أتدرون ماذا تحملون إلى الثرى *** ثبيراً ثوى من رأس علياء شاهق
غداة حثا الحانون فوق ضريحه *** تراباً وأولى كان فوق المفارق
أيا صادق بن الصادقين الية *** بآبائك الأطهار حلفة صادق
لحقاً بكم ذو العرش أقسم في الورى *** فقال تعالى ربّ المشارق
نجوم هی اثنا عشرة كن سبقا *** إلى الله في علم من الله سابق
أبو إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم علیه السلام، كلّت الألسنة دون كلماته القاهرة، وحارت العقول لدى معجزاته الباهرة. أدعيته تذيب الصمّ الصلاب، ومناظراته حجة لأولي الألباب، وجوده اکسیر فلزّات العرفاء ومعيار نقود الأصفياء. قد علم الخافقان أنّه باب الحوائج إلى الله، وأذعن الفرقتان أنّه كاشف أسرار كتابه تعالى.
«ما قال الخطيب في تاريخ بغداد فيه علیه السلام»
في تاريخ ابن خلّكان : قال الخطيب في «تاريخ بغداد»: كان موسى يدعي العبد الصالح من عبادته واجتهاده. روي أنّه دخل مسجد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فسجد سجدة في أوّل الليل، وسمع وهو يقول في سجوده: عظم الذنب عندي فليحسن العفو من عندك، يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة فجعل يردّدها حتّى أصبح، وكان سخياً كريماً وكان يبلغه عن الرجل أنّه يؤذيه فيبعث إليه بصرّة فيها ألف دينار - إلى أن قال: وذكر أيضاً أن هارون الرشيد حجّ فأتى قبر النّبي صلی الله علیه و آله و سلّم
زائراً، وحوله قريش وأفناء القبائل ومعه موسى بن جعفر فقال: السلام عليك يا رسول الله يا ابن عمّ افتخاراً على من حوله، فقال موسى: السلام عليك يا أبت، فتغير وجه هارون الرشيد وقال : هذا هو الفخر يا أبا الحسن حقاً(1). إلى آخر ما قال وذكر بعض معجزاته علیه السلام فراجع.
«ما قال كمال الدين أبو سالم محمد بن طلحه الشافعی»
«فيه علیه السلام»
قال: أبو الحسن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي
طالب علیه السلام هو الإمام الكبير القدر، العظيم الشأن، الكثير التهجد، الجادّ في الإجتهاد، المشهود له بالكرامات، المشهور بالعبادات وظهر خوارق العادات، المواظب على الطاعات، يبيت الليل ساجداً وقائماً، ويقطع النهار متصدقاً وصائماً، ولفرط علمه وتجاوزه عن المعتدّين عليه دعى كاظماً، كان يجازي المسي العبد الصالح، ويعرف في العراق باب الحوائج إلى الله لإنجاح مطالب المتوسلين به إلى الله. وكراماته تحار فيها العقول، وتقضي بأنّ له عند الله قدم صدق لا يزول.
«ما قال علي بن عيسى الأربلي صاحب كشف الغمة»
«فيه علیه السلام»
مناقب الكاظم وفضائله ومعجزاته الظاهرة، ودلائله وصفاته الباهرة ومكارمه، تشهد أنه بلغ قمة الشرف وعلاها، وسمي إلى أوج المزايا فبلغ أعلاها، طالت أصوله قسمت إلى أعلى رتب الجلال، وطابت فروعه فعلت إلى حيث لا تنال، يأتيه المجد من كلّ أطرافه ويكاد الشرف يقطر من أعطافه، السحاب الماطر قطرة من كرمه، والعباب الزاخر نعمة من نعمة، واللّباب الفاخر عبد من عبيده وخدمه، الآباء عظام، والأبناء كرام عنصره من أكرم العناصر، وآباؤه بدور بواهر، وأمهاته عقيلات عباهر، وهو أحد النجوم الزواهر، كم له من فضيلة جليلة ومنقبة بعلو شأنه كفيلة، إليه ينسب العلماء وعنه يأخذ العظماء ومنه يتعلم الكرماء، هم الهداة إلى الله الأمناء على اسرار الغيب، وهم المطهّرون من الرجس والعيب، هم النجوم الزواهر في الظلام وهم الشموس المشرقة في الأيام، هم الذين أوضحوا شعائر الإسلام، وعرفوا الحلال والحرام، فلهم كرام الأبوة والبنوّة، وهم معادن الفتوة والمروة، السماح في طبائعهم غريزة، الأقوال وإن طالت في مدائحهم وجيزة قليلة، بحور علم لا ينزف، وأقمار عزّ لا يخسف، وشموس مجد لا يكسف .
1) تاریخ بغداد 29/13، والبداية والنهاية: 197/10، وحياة الإمام الرضا: 78/1.
يا آل طه إن ودّي لکم *** باق على حبکم اللازم (1)
«كلام المحقق العلامة الخواجه نصير الدين الطوسي»
«فيه علیه السلام»
قيل له رحمه الله في مرض موته في بغداد (كما في مجالس المؤمنين للقاضي وروضات الجنات للخوانسارى): ألا توصي على حمل جسدك إلى مشهد النجف الأشرف الأطهر؟ فقال : لا بل استحيى من وجه سيدي الإمام الهمام موسى بن جعفر علیه السلام أن آمر بنقل جدي من أرضه المقدسة إلى موضع آخر، وقد نقلوا نظير هذه الواقعة للشيخ المفيد أيضاً.
وبالجملة الروايات العلميّة الحكميّة والفقهيّة والأخلاقيّة والإجتماعية، والكرامات العالية الأقدار الخارقة العوائد، من هذا الوليّ الأعظم بلغت إلى حدّ لا يعدّ ولا يحصى، ونعم ما قال ابن طلحة الشافعي المقدم ذكره فيه علیه السلام أيضاً: ولا يؤتوها إلا من أفاضت عليه العناية الربّانية أنوار التأييد، ودرّت له أخلاف التوفيق، وأزلفته من مقام النقديس والتطهير، وما يلقّيها إلا الذين صبروا وما يلقّيها إلّا ذو حظّ عظيم.
أبو الحسن عليّ بن موسى الرّضا علیه السلام قال ابن خلّكان الشافعي الأشعري في تاریخه: وكان المأمون زوّجه ابنته أم حبيب في سنة اثنتين ومأتين، وجعله وليّ عهده، وضرب اسمه على الدينار والدرهم، وكان السبب في ذلك أنّه استحضر أولاد العبّاس الرجال منهم والنساء، وهو بمدينة مرو فكان عددهم ثلاثة وثلاثين ألفاً ما بين الكبار والصغار واستدعى عليّاً المذكور، فأنزله أحسن منزلة وجمع له خواصّ الأولياء وأخبرهم أنّه نظر في أولاد العبّاس وأولاد عليّ بن أبي طالب علیه السلام فلم يجد في وقته أحداً أفضل ولا أحق بالأمر من عليّ الرضا، فبايع له بولاية عهده وأمر بإزالة السواد من اللباس والأعلام ولبس الخضرة إلى أن قال : وفيه يقول أبو نواس :
قيل لي أنت أحسن النّاس طرّاً *** في فنون من المقال النبيه
لك من جيّد القريض مديح *** يثمر الدر في يدي مجتنيه
فعلی ماترکت مدح ابن موسی *** والخصال التي تجمعن فيه
قلت لا أستطيع مدح إمام *** كان جبريل خادماً لأبيه
وكان سبب قوله هذه الأبيات أن بعض أصحابه قال له: ما رأيت أوقح منك ما تركت
1) كشف الغمة : 51/3 .
خمراً ولا طرداً ولا معني إلّا قلت فيه شيئاً، وهذا عليّ بن موسى الرضا في عصرك لم تقل فيه شيئاً ، فقال : والله ما تركت ذلك إلّا إعظاماً له، وليس قدر مثلي أن يقول في مثله، ثمّ أنشد بعد ساعة هذه الأبيات :
ثمّ قال ابن خلّكان: وفيه يقول أبو نواس أيضاً وله ذكر في شذوذ العقود في سنة إحدى ومائتين أو سنة اثنتين ومائتين :
مطهّرون نقيات جيوبهم *** تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا
من لم يكن علوياً حين تنسبه *** فما له في قديم الدهر مفتخر
الله لما برا خلقاً فأتقنهم فأنتم*** صفاكم واصطفاكم أيّها البشر
فانتم الملأ الأعلى وعندكم *** علم الكتاب وما جاءت به السور (1).
وقال الفخر الرازي: إن أبا يزيد البسطامي كان يفتخر بأنّه يستقي الماء لدار جعفر بن محمّد الصادق علیه السلام وكان معروف الكرخي أسلم على يد أبي الحسن الرّضا عليّ بن موسى، وكان بوّاب داره إلى أن مات.
روى المفيد في «الإرشاد» بإسناده إلى معاوية بن حكيم عن نعيم القابوسي عن عن أبي الحسن موسى علیه السلام قال : إنّ ابني عليّ أكبر ولدي وآثرهم عندي وأحبّهم إليّ، وهو ينظر معي في الجفر ولم ينظر فيه إلا نبيّ أو وصيّ نبيّ (2).
وقال المحقق الشريف في «شرح المواقف» في مبحث تعلق العلم الواحد بمعلومين : إنّ الجفر والجامعة كتابان لعليّ كرّم الله وجهه، وقد ذكر فيهما على طريق علم الحروف، الحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم، وكان الأئمة المعروفون من أولاده يعرفونهما ويحكمون بهما.
وفي كتاب «قبول العهد» الذي كتبه عليّ بن موسى الرّضا إلى المأمون : أنّك قد عرفت من حقوقنا ما لم يعرف ،آباؤك، فقبلت منك عهدك إلا أن الجفر والجامعة يدلان على أنّه لا يتمّ. ولمشايخ المغاربة نصيب من علم الحروف ينتسبون فيها إلى أهل البيت، ورأيت بالشام نظماً أشير إليه بالرموز إلى أحوال ملوك مصر وسمعت أنّه مستخرج من ذينك الكتابين، انتهى(3).
وروى ثقة الإسلام الكليني في «الكافي» والمفيد في «الإرشاد» وكثير من أعاظم المحدثين عن الإمام الصادق علیه السلام، أحاديث كثيرة في أن الجفر والجامعة كانا عنده علیه السلام وأنّهما لا يزالان عند الأئمة يتوارثونهما واحداً بعد واحد.
وقال العلامة التفتازاني الشافعي في «شرح المقاصدة» في مبحث الإمامة، بعدما قال في المحقق العلامة الخواجه نصير الدين الطوسي ما قال، قال: والعظماء من عترة النبيّ وأولاد الوصيّ الموسومون بالدراية المعصومون في الرواية، لم يكن معهم هذه الأحقاد والتعصبّات، ولم يذكروا من الصحابة إلا الكمالات، ولم يسلكوا مع رؤساء المذهب من علماء الإسلام الأ طريق الإجلال والإعظام، وها هو الإمام عليّ بن موسى الرّضا مع جلالة قدره ونباهة ذكره وكمال علمه، وهداه وورعه وتقواه قد كتب على ظهر كتاب عهد المأمون له ما ينبيء عن وفور حمده وقبول عهده والتزام ما شرط عليه وأن كتب في آخره: والجامعة والجفر يدّلان على ضدّ ذلك - إلى أن قال : وهذا العهد بخطهما موجود الآن في المشهدي الرضوي بخراسان.
«أشعار أبى العلاء المعري في جفر أهل البيت»
قال ابن خلّكان في تاريخه في ذيل ترجمة عبد المؤمن بن عليّ القيسي :
قال ابن قتيبة : هو جلد جفر ادّعوا أنّه كتب لهم فيه الإمام كلّما يحتاجون إلى علمه، وكلما يكون إلى يوم القيامة، ثمّ قال ابن خلّكان: قلت وقولهم : الإمام يريدون به جعفر الصادق علیه السلام وإلى هذا الجفر أشار أبو العلاء المعري بقوله :
لقد عجبوا لأهل البيت لمّا *** أتاهم علمهم في مسك جفر
ومرآة المنجم وهي صغرى *** أرته كلّ عامرة وقفر
وقوله في مسك جفر، المسك بفتح الميم وسكون السين المهملة الجلد، والجفر بفتح الجيم وسكون الفاء وبعدها راء من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر، وجفر جنباه وفصل عن أمه والأنثى جفرة. وكانت عادتهم أنّهم في ذلك الزمان يكتبون في الجلود والعظام والخزف، وما شاكل ذلك والله سبحانه وتعالى يعلم. انتهى كلام ابن خلّكان.
أقول : المراد من قوله «مرآة المنجم» هو الإسطرلاب، وهو اسم لآلة مشتملة على حجرة وعضادة وصفحة عنكبوت، وصفائح مرسوم فيها خطوط مستقيمة ومستديرة، ثامة وناقصة متوازية وغير متوازية، يعرف بها كثير من أحوال الفلكيات والأرضيات والزمانيات، حتّى أن العلامة الفلكي عبد الرحمن بن عمر الصوفي المتوفي سنة 376 هـ صنف كتاباً في العمل بالإسطرلاب أنهاه إلى 386 أبواب كلّ باب في معرفة شيء من الأحوال المذكورة.
وكلمة إسطرلاب على ما ذهب إليه حمزة الأصبهاني (كما نقل العلامة أبو ريحان البيروني في رسالته الموسومة بافراد المقال وكذا في كتابه الموسوم بالتفهيم) معربة استاره ياب، أي مدرك النجوم.
وقال البيروني: وممكن أن يكون معرباً من اليونانيّة فان اسمه باليونانيّة اسطرلبون واسطر هو النجم بدليل أن علم الهيئة يسمى عندهم اسطرونوميا (افراد المقال ص 69 طبع حیدرآباد الدكن 1367 هـ).
وقال في التفهيم: اسطرلاب چیست؟ اين التي است يونانيان را، نامش اسطرلابون أي آیینه نجوم و حمزة اسپاهانی او را از پارسی بیرون آورده که نامش ستاره یاب است.
والصواب ما ذهب إليه البيروني كما اختاره المعري في البيت حيث قال: مرآة المنجم، ويوافقه ما في اللغة الفرنسية أن كلمة الاسطرلاب باليونانيّة مركبة من Astre أي الكوكب وLambanein أي المرآة أو الميزان، ولذا فسره كوشيار بميزان الشمس كما نقل عنه الفاضل البيرجندي في شرحه على رسالة الاسطرلاب للخواجه نصير الدين الطوسي، وكان الصحيح أن يفسره بميزان الكوكب لأن كلمة Astre لا تفيد معنى الشمس ولم يذكر في المعاجم أن الشمس أحد معانيها .
ثمّ إنّ في أحاديثنا فسر الجفر بأنّه جلد ثور لا أنّه من جلد أولاد المعز كما فسره ابن خلّكان ففي «الكافي» لثقة الإسلام الكليني (الوافي ص 135 م 2) بإسناده إلى ابن رئاب عن الحذاء قال : سأل أبا عبد الله علیه السلام بعض أصحابنا عن الجفر؟ فقال علیه السلام : هو جلد ثور مملوّ علماً. الحديث(1).
أبو جعفر محمّد بن عليّ بن موسى الملقب بالجواد والتقى، صلوات الله وسلامه عليه، قال ابن خلّكان في ترجمته علیه السلام : وكان يروى مسنداً عن آبائه إلى عليّ بن أبي طالب علیه السلام أنّه قال : بعثني رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إلى اليمن، فقال لي وهو يوصيني : يا علي ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار. يا عليّ عليك بالدلجة فإن الأرض تطوى باللّيل ما لا تطوى بالنهار، يا عليّ أغد باسم الله فإن الله بارك لأمتّي في بكورها وكان يقول : من استفاد أخاً الله فقد استفاد بيتاً فى الجنّة. وقال جعفر بن محمّد بن مزيد: كنت ببغداد فقال لي محمّد بن منده بن مهر يزد: هل لك أدخلك على محمّد بن عليّ الرضا؟ فقلت : نعم، قال: فأدخلني عليه
1) بحار الانوار: 41/26 ح 72، ومكاتب الرسول: 14/2
فسلمنا وجلسنا فقال : حديث رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إنّ فاطمة علیها السلام أحصنت فرجها فحرّم الله ذرّيتها على النّار، قال : ذلك خاص بالحسن والحسين علیهما السلام وله حكايات وأخبار كثيرة انتهى ما أردنا من نقل كلام ابن خلّكان(1).
أقول : ومن تلك الأخبار والحكايات الدّالّة على وفور علمه، وتبريزه على كافة أهل الفضل والعلم، مع صغر سنه إحتجاجه على يحيى بن أكثم قاضي زمانه في مجلس المأمون عند جمّ غفير من أهل العلم والفضل، رواه الشيخ المفيد في «الإرشاد» والشيخ الجليل في «الإحتجاج» وأتى به المجلسي في المجلد الرابع من «البحار» وغيرهم من أعاظم العلماء الأخيار في جوامعهم المحتوية من أخبار الأئمة الأطهار، قال في «الإرشاد»: وكان المأمون قد شغف بأبي جعفر علیه السلام لما رأى من فضله مع صغر سنه، وبلوغه في العلم والحكمة والأدب وكمال العقل، ما لم يساره فيه أحد من مشايخ أهل الزمان، فزوّجه ابنته أم الفضل وحملها معه إلى المدينة وكان متوفراً على إكرامه وتعظيمه وإجلال قدره(2).
قال: وروى الحسن بن محمّد بن سليمان عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم عن
أبيه، عن الريّان بن شبيب قال : لمّا أراد المأمون أن يزوّج ابنته أم الفضل أبا جعفر محمّد بن عليّ علیه السلام بلغ ذلك العبّاسيين فغلظ عليهم واستكبروه، وخافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى إليه مع الرّضا علیه السلام، فخاضوا في ذلك واجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه فقالوا : ننشدك الله يا أمير المؤمنين أن تقيم على هذا الأمر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا، فإنا نخاف أن تخرج به عنّا أمراً قد ملّكناه الله، وتنزع منّا عزًّا قد ألبسناه، فقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديماً وحديثاً، وما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم، وقد كنّا في وهلة من عملك مع الرضا ما عملت حتى كفانا الله المهمّ من ذلك، فالله الله أن تردّنا إلى غمّ قد انحسر عنّا، واصرف رأيك عن ابن الرّضا علیه السلام واعدل إلى من تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره .
فقال له المأمون: أمّا ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه، ولو أنصفتم القوم لكانوا أولى بكم، وأمّا ما كان يفعله من قبلي بهم فقد كان به قاطعاً للرحم، وأعوذ بالله من ذلك، ووالله ما ندمت على ما كان منّي من استخلاف الرضا، ولقد سألته أن يقوم بالأمر وأنزعه عن نفسي، فأبى وكان أمر الله قدراً مقدوراً، وأمّا أبو جعفر محمّد بن عليّ قد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم والفضل، مع صغر سنّه والأعجوبة فيه بذلك، وأنا
أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه فيعلمون أن الرأي ما رأيت فيه.
فقالوا : إنّ هذا الفتى وإن راقك منه هديه فإنّه صبيّ لا معرفة له ولا فقه، فأمهله ليتأدّب ويتفقّه في الدين ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك.
فقال لهم: ويحكم إنّي أعرف بهذا الفتى منكم، وأن هذا من أهل بيت علمهم من
لله، وموادّه وإلهامه لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدّين والأدب، عن الرعايا الناقصة، عن حدّ الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبيّن لكم به ما وصفت من حاله.
قالوا له : قد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه، فخلّ بيننا وبينه ننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشريعة، فإن أصاب الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره، وظهر للخاصة والعامّة سديد رأي أمير المؤمنين، وإن عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه .
فقال لهم المأمون: شأنكم وذاك متى أردتم: فخرجوا من عنده واجتمع رأيهم على يحيى بن أكثم، وهو يومئذ قاضي الزمان، على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك، وعادوا إلى المأمون فسألوه أن يختار لهم يوماً للإجتماع، فأجابهم إلى ذلك فاجتمعوا في اليوم الذي اتفقوا عليه، وحضر معهم يحيى بن أكثم ، فأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر علیه السلام دست ويجعل له فيه مسورتان ففعل ذلك، وخرج أبو جعفر علیه السلام وهو يومئذ ابن تسع سنين وأشهر فجلس بين المستورتين وجلس يحيى بن أكثم بين يديه، وقام الناس في مراتبهم والمأمون جالس في دست متصل بدست أبي جعفر علیه السلام.
فقال يحيى بن أكثم للمأمون : أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر؟ فقال له المأمون : استأذنه في ذلك. فأقبل عليه يحيى بن أكثم فقال : أتأذن لي جعلت فداك في مسألة؟ قال له أبو جعفر علیه السلام : سل إن شئت .
قال يحيى: ما تقول جعلني الله فداك في محرم قتل صيداً؟
فقال له أبو جعفر علیه السلام : قتله في حلّ أو حرم، عالماً كان المحرم أم جاهلاً، قتله عمداً أو خطاً، حرًّا كان المحرم أم عبداً، صغيراً كان أو كبيراً، مبتدئاً بالقتل أم معيداً، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها، من صغار الصيد كان أم من كباره، مصرًا على ما فعل أو نادماً، في الليل كان قتله للصيد أم نهاراً، محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحجّ كان محرماً؟
فتحير يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والإنقطاع ولجلج حتّى عرف جماعة أهل
المجلس أمره فقال المأمون : الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي. ثمّ نظر إلى أهل بيته وقال لهم : أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟ ثمّ أقبل على أبي جعفر علیه السلام فقال له : أتخطب يا أبا جعفر؟ قال : نعم، يا أمير المؤمنين. فقال له المأمون: اخطب جعلت فداك لنفسك، فقد رضيتك لنفسي وأنا مزوّجك أُمّ الفضل ابنتي وإن رغم قوم لذلك.
فقال أبو جعفر علیه السلام : الحمد الله إقراراً بنعمته، لا إله إلا الله إخلاصاً لوحدانيّته، وصلى الله على محمّد سيّد بريّته والأصفياء من عترته، أما بعد فقد كان من فضل الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام، فقال سبحانه: «وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (22)» ثمّ إنَّ محمّد بن عليّ بن موسى يخطب أمّ الفضل بنت عبد الله المأمون وقد بذل لها من الصداق مهر جدّته فاطمة بنت محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم وهو خمسمائة درهم جياداً، فهل زوّجته يا أمير المؤمنين بها على هذا الصّداق المذكو؟ قال المأمون: نعم، قد زوّجتك يا أبا جعفر أمّ الفضل ابنتي على الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح؟ فقال أبو جعفر علیه السلام : قد قبلت ذلك ورضيت به.
فأمر المأمون : أن يقعد النّاس على مراتبهم في الخاصّة والعامّة.
قال الريّان: ولم نلبث أن سمعنا أصواتاً تشبه أصوات الملاحين في محاوراتهم، فإذا الخدم يجرّون سفينةً مصنوعة من الفضة، مشدودة بالحبال من الأبريسم على عجل مملؤة من الغالية فأمر المأمون أن يخضب لحاء الخاصة من تلك الغالية، ثمّ مدّت إلى دار العامّة فطيبوا منها ووضعت الموائد فأكل الناس وخرجت الجوائز إلى كلّ قوم على قدرهم.
فلمّا تفرق النّاس وبقي من الخاصّة من بقي، قال المأمون لأبي جعفر علیه السلام: إن رأيت جعلت فداك أن تذكر الفقه فيما فصّلته من وجوه قتل المحرم الصيد لتعلمه ونستفيده؟
فقال أبو جعفر علیه السلام: نعم إنّ المحرم إذا قتل صيداً في الحلّ وكان الصيد من ذوات الطير وكان من كبارها فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً، فإذا قتل فرخاً في الحلّ فعليه حمل قد فطم من اللبن، وإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ، وإن كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنة، وإن كان ظبياً فعليه شاة، فإن قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة، وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدى فيه وكان إحرامه بالحجّ نحره بمنى، وإن كان إحرامه بالعمرة نحره بمكة، وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد له المأثم وهو موضوع عنه في الخطأ، والكفارة على الحرّ في نفسه، وعلى السيّد في عبده، والصغير لا كفارة عليه، وهي على الكبير واجبة، والنادم يسقط بندمه عنه عقاب الآخرة، والمصرّ يجب عليه العقاب في الآخرة.
فقال له المأمون : أحسنت يا أبا جعفر أحسن الله إليك، فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك؟ فقال أبو جعفر علیه السلام ليحيى : أسألك؟ قال : ذلك إليك جعلت فداك، فإن عرفت جواب ما تسألني عنه وإلّا استفدته منك .
فقال أبو جعفر علیه السلام : أخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أوّل النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلمّا ارتفع النهار حلّت له، فلمّا زالت الشمس حرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر حلّت له؛ فلمّا غربت الشمس حرمت عليه، فلمّا دخلت عليه وقت عشاء الآخرة حلّت له، فلمّا كان انتصاف الليل حرمت عليه، فلمّا طلع الفجر حلّت له، ما حال هذه المرأة وبماذا حلّت له، حرمت عليه .
فقال له يحيى بن أكثم: والله ما اهتدى لي جواب هذا السؤال، ولا أعرف الوجه فيه، فإن رأيت أن تفيدناه؟
فقال أبو جعفر علیه السلام : هذه أمة لرجل من النّاس نظر إليها أجنبيّ في أوّل النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلمّا ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلّت له، فلمّا كان عند الظهر أعتقها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر تزوّجها فحلّت له، فلمّا كان وقت المغرب ظاهر منها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العشاء الآخرة كفر عن الظهار فحلّت له، فلمّا كان في نصف الليل طلّقها واحدة فحرمت عليه، فلمّا كان عند الفجر راجعها فحلّت له.
قال: فأقبل المأمون على من حضره من أهل بيته فقال لهم : هل فيكم أحد يجيب عن هذه المسألة بمثل هذا الجواب، أو يطرف القول فيما تقدّم من السؤال؟ قالوا : لا والله إنّ أمير المؤمنين أعلم بما رأى .
فقال لهم : ويحكم إنّ أهل هذا البيت خصّوا من الخلق بما ترون من الفضل، وإنّ صغر السنّ فيهم لا يمنعهم من الكمال، أما علمتم أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام وهو ابن عشر سنين وقبل منه الإسلام، وحكم له به ولم يدع أحداً سنّه غيره، وبايع الحسن والحسين علیهما السلام وهما ابنا دون ست سنين ولم يبايع صبيّاً غيرهما؟ أفلا تعلمون الآن ما اختص الله به هؤلاء القوم، وأنّهم ذريّة بعضها من بعض، يجري لآخرهم ما يجري لأوّلهم؟ قالوا: صدقت يا أمير المؤمنين.
ثمّ نهض القوم فلمّا كان من الغد حضر النّاس، وحضر أبو جعفر علیه السلام وصار القّواد والحجاب والخاصّة والعامّة لتهنئة المأمون وأبي جعفر علیه السلام، فأخرجت ثلاثة أطباق من الفضة فيها بنادق مسك، وزعفران معجون في أجواف تلك البنادق رقاع مكتوبة بأموال جزيلة وعطايا سنيّة، وأقطاعات فأمر المأمون بنثرها على القوم في خاصّته، فكان كلّ من وقع في
يده بندقة أخرج الرقعة التي فيها والتمسه، فاطلق له ووضعت البدر فنثر ما فيها على القّواد وغيرهم، وانصرف النّاس وهم أغنياء بالجوائز والعطايا، وتقدّم المأمون بالصدقة على كافة المساكين، ولم يزل مكرماً لأبي جعفر علیه السلام معظماً لقدره مدة حياته يؤثره على ولده وجماعة أهل بيته(1).
بیان: المراد بابن الرّضا هو أبو جعفر محمّد بن علي الرضا علیه السلام، (راقك منه) أي عجبه وسره (الهدى) بالفتح ثمّ السكون: السيرة والهيئة والطريقة وهو فاعل لقولهم راقك، (على مسألة يحيى بن أكثم)، أي أن يستدعوا منه . و(الدست) بالفتح ثمّ السكون: الوسادة ويقال بالفارسيّة تُشك. (المسورة) كمكنسة المتكأ من أدم (الجلج) أي تردّد (اخطب جعلت فداك لنفسك): جعلت فداك معترضة وقعت في البين ولنفسك متعلق بقوله : اخطب (جياداً) جمع الجيّد، وهو ضدّ الرّديّ. و(الأبريسم) معرّب أبريشم. (المجل) كالأجل : الآلة التي تحمل عليها الأثقال ويقال بالفارسية.گاری (الغالية) الطيب. (ظاهر منها) : أي قال لها: ظهرك عليّ كظهر أمي كما بين في الفقه.
أبو الحسن علي الهادي النقي ابن محمد الجواد بن عليّ الرّضا ويعرف بالعسكري أيضاً، كما أن ابنه الإمام الحادي عشر معروف بهذا اللقب، وسيأتي وجهه. قال ابن خلّكان في تاريخه في ترجمته علیه السلام والمسعودي في «مروج الذهب» في ذكر خلافة المتوكل، بإسناده إلى محمّد بن يزيد المبرد قالا: وقد كان سعى به إلى المتوكل، وقبل إنّ في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته وأوهموه، أنّه يطلب الأمر لنفسه، فوجّه إليه بعدة من الأتراك ليلاً فهجموا عليه في منزله على غفلة، فوجدوه وحده في بيت مغلق وعليه مدرعة من شعر، وعلى رأسه ملحفة من صوف، وهو مستقبل القبلة يترنّم بآيات من القرآن الكريم في الوعد والوعيد، وليس بينه وبين الأرض بساط إلا الرمل والحصا، فأخذ على الصورة التي وجد عليها، وحمل إلى المتوكل في جوف الليل، فمثّل بين يديه والمتوكل يستعمل الشراب وفي يده كأس، فلما رآه أعظمه وأجلسه إلى جانبه، ولم يكن في منزله شيء مما قيل عنه ولا حجة يتعلّل عليه بها، فناوله المتوكل الكأس الذي كان بيده فقال : يا أمير المؤمنين ما خامر لحمي ودمي قط فاعفني منه فأعفاه، وقال : أنشدني شعراً أستحسنه فقال : إنّي لقليل الرواية في الشعر، فقال : لا بد أن تنشدني شيئاً فأنشده:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم *** غلب الرجال فما أغنتهم القلل
1) الإرشاد: 288/2، ومدينة المعاجز : 356/7.
واستنزلوا بعد عز من منازلهم(1)*** فاؤدعوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعدما قبروا (2)*** أين الأسرة والتيجان والحلل؟
أين الوجوه التي كانت منعمة *** من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساء لهم *** تلك الوجوه عليها الدود تنتقل (تقتتل - خ)
قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا *** فأصبحوا بعد طول الأكل قد اكلوا
وطالما عمروا دوراً لتحصنهم *** فقارقوا الدور والأهلين وانتقلوا
وطالما كنزوا الأموال وادّخروا *** فخلفوها على الأعداء وارتحلوا
أضحت منازلهم قفراً معطّلة *** وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا
قال : فأشفق من حضر على عليّ علیه السلام وظنوا أن بادرة تبدر منه إليه قال : والله لقد بكي المتوكل بكاء طويلاً حتّى بلت دموعه لحيته، وبكى من حضره ثمّ أمر برفع الشراب ثمّ قال له: يا أبا الحسن أعليك دين؟ قال : نعم أربعة آلاف دينار فأمر بدفعها إليه، وردّه إلى منزله من ساعته مكرماً(3).
ونقل القصة ثقة الإسلام الكليني في «الكافي» والفيض رحمه الله في الوافي (ص 195م2) والشيخ الجليل المفيد في «الإرشاد»، أعجب ما نقله ابن خلّكان، قال المفيد: أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمّد، عن محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن بن النعيم بن محمد الطاهري قال : مرض المتوكل من خراج خرج به، فأشرف منه على الموت، فلم يجسر احد أن يمسّه بحديدة، فنذرت أمّه إن عوفي أن تحمل إلى أبي الحسن عليّ بن محمّد علیه السلام مالاً جليلاً من مالها وقال له الفتح بن خاقان : لو بعثت إلى هذا الرّجل يعني أبا الحسن علیه السلام فسألته فإنّه ربّما كان عنده صفة شيء يفرج الله به عنك فقال : ابعثوا إليه فمضى الرسول ورجع فقال : خذوا كسب الغنم فديفوه بماء الورد وضعوه على الخراج فإنّه نافع بإذن الله، فجعل من يحضر المتوكل يهزأ من قوله، فقال لهم الفتح: وما يضرّ من تجربة ما قال فوالله إنّي لأرجو الصلاح به، فأحضر الكسب وديف بماء الورد ووضع على الخراج فانفتح وخرج ما كان فيه وبشّرت أُمّ المتوكل، بعافية فحملت إلى أبي الحسن علیه السلام عشرة آلاف دينار تحت ختمها واستقل المتوكل، فلمّا كان بعد أيام سعى البطحائي بأبي الحسن علیه السلام إلى المتوكل وقال: عنده أموال وسلاح، فتقدم المتوكل إلى سعيد الحاجب، أن يهجم عليه ليلاً، ويأخذ ما يجده
عنده من الأموال، والسلاح ويحمل إليه، قال إبراهيم بن محمّد: قال لي سعيد الحاجب : صرت إلى دار أبي الحسن علیه السلام بالليل ومعي سلّم، فصعدت منه إلى السطح ونزلت من الدرجة إلى بعضها في الظلمة، فلم أدر كيف أصل إلى الدار فناداني أبو الحسن علیه السلام من الدار يا سعيد مكانك، حتّى يأتوك بشمعة فلم ألبث أن أتوني بشمعة، فنزلت فوجدت عليه جبّة صوف وقلنسوة منها وسجادته على حصير بين يديه، وهو مقبل على القبلة فقال لي : دونك البيوت فدخلتها وفنّشتها، فلم أجد فيها شيئاً ووجدت البدرة مختومة بخاتم أمّ المتوكل وكيساً مختوماً معها . فقال لي أبو الحسن علیه السلام: دونك المصلّي فرفعته فوجدت سيفاً في جفن ملبوس فأخذت ذلك وصرت إليه، فلمّا نظر إلى خاتم أُمّه على البدرة بعث إليها فخرجت إليه فسألها عن البدرة، فأخبر بعض خدم الخاصّة أنها قالت: كنت نذرت في علّتك إن عوفيت أن أحمل إليه من مالي عشرة آلاف دينار فحملتها إليه وهذا خاتمي على الكيس ما حرّكه فتح الكيس الآخر فإذا فيه أربعمائة دينار فأمر أن يضم إلى البدرة بدرة أخرى وقال لي: احمل ذلك إلى أبي الحسن علیه السلام واردد عليه السيف والكيس بما فيه، فحملت ذلك إليه واستحييت منه فقال له: يا سيدي عزّ عليّ دخولي دارك بغير إذنك، ولكنّي مأمور فقال لي : وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون(1).
الخراج بالضم ما يخرج في البدن من القروح كالدمل وشبهه. وفي «الصحاح» : الكسب بالضم عصارة الدهن وقال بعض أهل اللغة: هو ما تلبّد من أبعار الشاة، ولهذا اضيف الكسب إلى الغنم وجاء في «الكافي» كسب الشاة مكان كسب الغنم دافه بالشيء أي خلطه ضعوه فعل أمر. استقل المتوكل أي رفع علته وبرأ عن عليّ أي اشتدّ وصعب علي دخولي دارك بغير إذنك . وفي «الكافي» : سعى إليه البطحائي العلوي.
أقول : تلك الأبيات مذكورة في الديوان المنسوب إلى جدّه وسميّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام، وتنتهي إلى خمسة وعشرين بيتاً، وفضائله ومناقبه ومعجزاته واحتجاجاته في التوحيد، وسائر العلوم الدينيّة والدنياوية على المخالف والمؤالف حجة قاطعة، على أولي الدراية والنهي في سمّو مقامه وتكامل فضله ووفور علمه وإمامته وخلافته .
في «الإحتجاج» : سئل أبو الحسن علیه السلام عن التوحيد فقيل له : لم يزل الله وحده لا شيء معه ثمّ خلق الأسماء بديعاً واختار لنفسه الأسماء ولم تزل الأسماء والحروف معه قديمة. فكتب علیه السلام: لم يزل الله موجوداً ثمّ كوّن ما أراد لا رادّ لقضائه ولا معقّب لحكمه، تاهت
1) كشف الغمة : 172/3 ، والإرشاد : 304/2
أوهام المتوهمين وقصر طرف الطارفين، وتلاشت أوصاف الواصفين، واضمحلّت أقاويل المبطلين عن الدرك العجيب (1)شأنه، أو الوقوع بالبلوغ على علوّ مكانه، فهو بالموضع الذي لا يتناهى وبالمكان الذي لم تقع عليه فيه عيون بإشارة ولا عبارة هيهات هيهات(2).
وفيه أيضاً: قدم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم الحد عليه فأسلم فقال يحيى بن أكثم: قد هدم إيمانه شركه وفعله، وقال بعضهم يضرب ثلاثة حدود وقال: بعضهم: يفعل به كذا وكذا فأمر المتوكل بالكتاب إلى أبي الحسن العسكري علیه السلام وسواله عن ذلك، فلمّا قرأ الكتاب كتب: يضرب حتّى يموت، فأنكر يحيى وأنكر فقهاء العسكر ذلك، فقالوا : يا أمير المؤمنين سل عن هذا فإنّه شيء لم ينطق به کتاب ولم تجيء به سنة، فكتب إليه: إن فقهاء المسلمين قد أنكروا هذا، وقالوا لم تجيء به سنة ولم ينطق به كتاب، فبيّن لنا لم أوجبت عليه الضرب حتّى يموت؟ فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم «فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84)» «فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا» الآية. فأمر به المتوكل فضرب حتّى مات(3).
وكذا غيرها من الإحتجاجات الأنيقة العلميّة رواها ثقات المحدثين. وبالجملة وقد اجتمعت فيه خصال الإمامة، وتكامل علومه وفضله وجميع خصال الخير فيه، وكانت أخلاقه كلّها خارقة للعادة كاخلاق آبائه علیه السلام ولو ذكرنا جميع محاسنه الكريمة وآثاره العلميّة لطال الكتاب بها.
أبو محمّد الحسن العسكري ابن عليّ الهادي علیه السلام قال ابن خلّكان في تاريخه : هو أحد الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإماميّة، وهو والد المنتظر صاحب السرداب، ويعرف بالعسكري، وأبوه عليّ يعرف بهذه النسبة - إلى أن قال: والعسكري بفتح العين المهملة وسكون السين المهملة وفتح الكاف وبعدها راء هذه النسبة إلى سرّ من رأى، ولمّا بناها المعتصم وانتقل إليها بعسكره، قيل لها العسكر وإنما نسب الحسن المذكور إليها، لأنّ المتوكّل أشخص أباه عليّاً إليها وأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر فنسب هو وولده هذا إليها . انتهى كلامه.
وفي الخرائج والجرائح للراوندي: كانت أخلاقه كأخلاق رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، وكان رجلاً
أسمر حسن القامة جميل الوجه جيد ،البدن حدث السن له جلالة وهيبة وهيئة حسنة تعظمه العامّة والخاصّة، اضطراراً يعظمونه لفضله ويفدونه لعفافه وصيانته وزهده وعبادته وصلاحه وإصلاحه، وكان جليلاً نبيلاً فاضلاً كريماً يحمل الأثقال، ولا يتضعضع للنواكب أخلاقه خارقة للعادة على طريقة واحدة(1).
وفي «الإحتجاج» للطبرسي بإسناده إلى أبي يعقوب يوسف بن محمّد بن زياد وأبي الحسن عليّ بن محمّد بن سيّار أنّهما قالا : قلنا للحسن أبي القائم : إنّ قوماً عندنا يزعمون أن هاروت و ماروت ملکان، اختارتهما الملائكة لما كثر عصيان بني آدم وأنزلهما الله ثالث لهما إلى الدّنيا، وأنهما افتتنا بالزهرة وأرادا الزنا بها وشربا الخمر وقتلا النفس المحرمة، وأنّ الله يعذبهما ببابل وأن السحرة منهما يتعلّمون السحر، وأن الله مسخ تلك المرأة هذا الكوكب الذي هو الزهرة؟
فقال الإمام علیه السلام : معاذ الله من ذلك إن ملائكة الله معصومون محفوظون من الكفر والقبائح بألطاف الله ، فقال عز وجل لهم : «لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ» [التحريم: 6] وقال: «وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ - يعني الملائكة - لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتَرُونَ (20) [الانبياء: 19 - 20] وقال في الملائكة: «بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا یَسبِقُونَهُ بِالقَولِ و هُم بِاَمرِهِ یَعلَمُونَ» - إلى قوله - مُشْفِقُونَ) [الانبياء : 28] كان الله قد جعل هؤلاء الملائكة خلفاءه في الأرض، وكانوا كالأنبياء في الدّنيا وكالأئمة أفيكون من الأئمة قتل النفّس والزنا؟!
ثم قال علیه السلام : أولست تعلم أنّ الله لم يخل الدّنيا من نبيّ أو إمام من البشر؟ أو ليس الله تعالى يقول: «وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ - يعني إلى الخلق - إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسئَلُوا أَهْلَ الذِكْرِ» [النحل: 43] فأخبر أنّه لم يبعث الملائكة إلى الأرض ليكونوا أئمّة وحكاماً، وإنّما أرسلوا إلى أنبياء الله .
قالا : قلنا له علیه السلام : فعلى هذا لم يكن إبليس أيضاً ملكاً. فقال علیه السلام: لا بل كان من الجنّ أما تسمع أن الله تعالى يقول : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنّ» [الكهف: 50] فأخبر أنّه كان من الجن وهو الذي قال الله تعالى: «وَلجَانَ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ(27) »[الحجر: 27].
وقال الإمام علیه السلام : حدّثني أبي عن جدّي عن الرّضا عن أبيه عن آبائه عن عليّ علیه السلام عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : إنّ الله اختارنا معاشر آل محمّد، واختار النبيين واختار الملائكة المقربين
1) الأنوار البهية : 304.
وما اختارهم إلّا على علم منه بهم، أنّهم لا يواقعون ما يخرجون به عن ولايته، وينقطعون به عن عصمته وينضمون به إلى المستحقين لعذابه ونقمته.
قالا : قلنا: فقد روى لنا إنّ عليّاً صلوات الله عليه، لما نصّ عليه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بالإمامة عرض الله ولايته على فئام وفئام من الملائكة فأبوها فمسخهم الله ضفادع، فقال علیه السلام : معاذ الله هؤلاء المتكذبون علينا، الملائكة هم رسل الله كسائر أنبياء الله إلى الخلق، أفيكون منهم الكفر بالله؟ قلنا : لا. قال : فكذلك الملائكة، إنّ شأن الملائكة عظيم وإنّ خطبهم لجليل . انتهى (1).
وبالجملة : إن فضائله ومناقبه ومعجزاته واحتجاجاته، وشيمه وعلومه وزهده وكمال عقله، وعصمته وشجاعته وكرمه وكثرة اعماله المقربة إلى الله تعالى، واجتماع خلال الفضل فيه تنادي بأعلى صوته تقدمه على كافة أهل عصره، وإمامته الرئاسة الإلهيّة على جميع من سواه، وأعرضنا عن تفصيلها روماً للاختصار.
خلقه قال في المناقب: صلوات الله وملائكته وحملة عرشه وجميع من أرضه وسمائه على البحر الزاخر، زين المفاخر، الشاهد لأرباب الشهود، الحجّة على ذوي الجحود، معرّف حدود حقائق الربانية، منّوع أجناس العالم السبحانية، عنقاء قاف القدم، العالي عن مرقاة الهمم، وعاء الأمانة، محيط الإمامة، مطلع الأنوار المطصفوي، الحسن بن عليّ العسكري عليه صلوات الله الملك الأكبر.
المسمّى باسم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم والمكنّى بكنيته الذي بيمنه رزق الورى، وببقائه بقيت الدنيا، خاتم الأوصياء وشرف الأرض والسماء، بقية الله في أرضه والمنتقم من أعدائه الحجّة من آل محمّد، صاحب الزمان وخليفة الرّحمن، إمامنا ومولانا ابن الحسن العسكري عجّل الله تعالى فرجه، كان سنّه عند وفاة أبيه خمس سنين آتاه الله فيها الحكمة وفصل الخطاب، وجعله آية للعالمين، وآتاه الحكمة كما آتاها يحيى صبياً وجعله إماماً وجعله إماماً في حال طفولته، كما جعل عيسى في المهد نبياً، هو المعصوم من الزلات والمقوم للعصاة، سيرته سيرة آبائه عليه وعليه السلام خارقة للعادة، وكان الخبر بغيبته ثابتاً قبل وجوده وبدولته، مستفيضاً قبل غيبته، وهو صاحب السيف من أئمة الهدى علیه السلام، والقائم بالحق المنتظر لدولة الإيمان، الذي يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.
1) الاحتجاج : 266/3، ومسند الإمام الرضا: 322/1
والأخبار من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بأسانيد كثيرة وطرق عديدة من الفريقين، في أن المهدي علیه السلام من ولده صلی الله علیه و آله و سلّم يواطي اسمه اسمه ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب ويملأ الله الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلما وجوراً بلغت إلى حدّ التواتر، حتّى أن الشيخ الحافظ أبا عبد الله محمّد بن يوسف بن محمّد الكنجي الشافعي المتوفى سنة 658 هـ، صاحب كتاب «كفاية الطالب» صنع كتاباً على خمسة وعشرين باباً، كلّه من طرق علماء السنة ورواتهم، عاريا عن أحاديث الشيعة، في أخبار صاحب الزّمان علیه السلام سماه كتاب «البيان في أخبار صاحب الزمان»، وهذا الكتاب طبع بإيران سنة 1324 ه- ، في ذيل كتاب «الغيبة» لشيخ الطائفة الإمامية الشيخ محمّد بن حسن الطوسي. وقال في مقدمة الكتاب :
وسميته بالبيان في أخبار صاحب الزّمان، وعرّيته عن طرق الشيعة تعرية، تركيب الحجّة إذ كل ما تلقته الشيعة بالقبول، وإن كان صحيح النقل فإنّما هو خرّيت منارهم وخدارية زمارهم فكان الإحتجاج بغيره أكد وفيه أبواب :
الباب الأوّل : في ذكر خروجه علیه السلام في آخر الزمان .
الباب الثاني : في قوله صلی الله علیه و آله و سلّم المهدي من عترتي من ولد فاطمة.
الباب الثالث: في ذكر المهدي من سادات أهل الجنّة.
الباب الرّابع: في أمر النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم بمبايعة المهدي علیه السلام
الباب الخامس: في ذكر نصرة أهل المشرق للمهدي علیه السلام
الباب السادس: في مقدار ملكه بعد ظهوره علیه السلام
الباب السابع: في بيان أنه يصلّى بعيسى علیه السلام
الباب الثّامن : في تحلية النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم المهدي علیه السلام.
الباب التاسع : في تصريح النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم بأنّ المهدي من ولد الحسين علیه السلام.
الباب العاشر : في ذكر كرم المهدي علیه السلام.
الباب الحادي عشر : في الرد على من زعم أنّ المهدي علیه السلام هو المسيح ابن مريم.
الباب الثاني عشر : في قوله صلی الله علیه و آله و سلّم لمن تهلك أمة أنا في أوّلها وعيسى في آخرها، والمهدي في وسطها .
الباب الثالث عشر : في ذكر كنيته وأنه يشبه النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم في خلقه.
الباب الرّابع عشر : في ذكر اسم القرية التي يكون فيها خروج المهدي علیه السلام.
الباب الخامس عشر : في ذكر الغمامة التي تظلّ المهدي علیه السلام.
الباب السابع عشر : في ذكر صفة المهدي علیه السلام ولونه وجسمه.
الباب التاسع عشر : في ذكر كيفية أسنان المهدي علیه السلام .
الباب العشرون: في ذكر فتح المهدي علیه السلام القسطنطنية.
الباب الحادي والعشرون: في ذكر خروج المهدي علیه السلام بعد ملك الجبابرة .
الباب الثاني والعشرون: في قوله صلی الله علیه و آله و سلّم المهدي علیه السلام إمام صالح.
الباب الثالث والعشرون: في ذكر تنعّم الأمة زمن المهدي علیه السلام.
الباب الرابع والعشرون: في أخبار رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أنّ المهدي خليفة الله.
الباب الخامس والعشرون: في الدلالة على جواز كون المهدي علیه السلام حياً باقياً مذ غيبته. ثمّ أخذ في نقل الأحاديث المنقولة، من كتب الصحاح الستّة، وغيرها من كتب العامة لكل باب .
وإن ساعدنا التوفيق نأتي بطائفة من المطالب العلمية الأخرى، قمعاً لبعض الشبهات الموهومة الموهونة، في المقام في ضمن كلامه علیه السلام لكميل بن زياد النخعي: (اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم الله بحجة إما ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبيناته - إلخ) ونسأل الله ونرجو من رحمة الله الواسعة أن يوفقنا لذلك فإنه ولي التوفيق.
واعلم أنّ ما حرّرنا ونقلناه في المقام قطرة من بحار علمهم، ورشحة من سماه فيضهم، وكفى لطالب الحق العالم البصير شاهداً، أنّ المستضيئين من أنوار علومهم يعدون ولا يحصون كثرة، وما تفوّه أحد بأنهم علیهم السلام أخذوا تلك المعارف الإلهيّة من غيرهم، واشتغلوا بالدراسة لدى عالم بل اتفق محققو الأمة ومنصفوها بأنّ كل واحد منهم علیه السلام أفضل عصره في جميع الكمالات والفضائل والمحامد والخصائل، فتنبه وتيقن بأن علومهم لدنية
وأنهم حجج الله تعالى المنصوبون من عنده والمعصومون مما لا يليق لهم .
قال المؤلف الشارح الفقير المفتاق إلى رحمة ربّه، والمشتاق إلى حضرة جنابه نجم الدين الحسن بن عبد الله الطبري الآملي : أشهد أن هؤلاء أئمتي وسادتي وقادتي أئمة الهدى ومصابيح الدجى، وينابيع الحسنى من فاضل طينتهم خلقت، وبحبّهم ولدت، وبحبّهم أعيش وبحبّهم أموت وبحبّهم أبعث حيّاً إن شاء الله تعالى، وبهم أتولى ومن أعدائهم أتبرأ . قد أفلح من استمسك بذيل ولايتهم، وفاز من دخل في حصن أمنهم وشرفهم، واغترف من قاموس علمهم وارتوى من بحر جودهم ومن أعرض عنهم فإن له معيشة ضنكاً وهو في الآخرة من الخاسرين. لأنّهم علیه السلام شهداء الله على خلقه وخلفاؤه في أرضه، وأبواب رحمته، وأنّهم نور الله وولاة أمره وخزنة علمه وعيبة وحيه وبهم عرف الصواب وعلم الكتاب، فمن أطاعهم
فقد أطاع الله ومن عصاهم فقد عصاه، هم العروة الوثقى والوسيلة إلى الله جلّ وعلا. صدق ولي الله الأعظم أبو عبد الله الصّادق علیه السلام حيث قال لخيثمة (الكافي. وفي الوافي ص م 2): يا خيثمة نحن شجرة النّبوة وبيت الرحمة ومفاتيح الحكمة، ومعدن العلم وموضع الرسالة ومختلف الملائكة، وموضع سر الله ونحن وديعة الله في عباده، ونحن حرم الله الأكبر، ونحن ذمة الله ونحن عهد الله، فمن وفى بعهدنا فقد وفى بعهد الله، ومن خفرها فقد خفر ذمة الله وعهده(1).
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله . فلنعد إلى شرح جمل
الخطبة الشريفة بعون الله تعالى فنقول :
أنّه علیه السلام ذكر فيها لآل محمّد علیهم السلام أوصافاً، وهذه الأوصاف على الكمال، والتمام لا يليق إلاّ بهم و ولا يصدق إلّا عليهم، فإنّه لا يتصف بمجموعها إلّا كان مؤيداً الله، من الله، ومنصوباً من عنده، وبالجملة على من جعله الله تعالى خليفة له وإماماً للناس.
قوله علیه السلام : (هم عيش العلم) أي هم حياة العلم، ونفسه يدور معهم حيث داروا، ومتى كان الإمام كان العلم، وسائر الصفات الكمالية الإنسانية، وبالجملة أن العلم حيّ بهم، فكأنما العلم ذو جسد روحه آل محمّد علیهم السلام، ومن تتبع الكتب العلميّة يجد أن أنوار علوم الأئمّة أشرقت الأرض، وأنارت القلوب وأضاءت النفوس، فعليك ب«نهج البلاغة» و«الصحيفة الكاملة»، ومجلّدات «الكافي» و «التهذيب» و«الاستبصار»، و«من لا يحضره الفقيه» وروايات مجلدات «البحار» وتفاسير علماء الإماميّة، وغيرها ممّا لا تحصى كثرة بل في تأليف العامة أيضاً، حتى ترى بعين اليقين أن الكل عيالهم علیه السلام في حقائق الأصول ودقائق الفروع.
المنقول عن ابن الجوزي في «خصائص الأئمّة» فإنه قال : لولا أمير المؤمنين علیّ علیه السلام لما كمل توحيد المسلمين وعقائدهم، إذ النّبي صلی الله علیه و آله و سلّم لم تحصل له الفرصة إلا بقدر أداء أمهات العقائد والفروع، وأما دقائقها من كون الصفات مثلاً، قسمين: ذاتية وفعلية، وأن أيها عين ذاته تعالى، وأيها ليست بعينها، وغيرها من دقائق المطالب ورقائقها، فإنّ المسلمين عيال على أمير المؤمنين متعلمون منه. إلى أن قال في حق مولانا سيد الساجدين ما محصله: أن عليّ بن الحسين زين العابدين له حق التعليم في الإملاء والإنشاء، وكيفية المكالمة
1) المحتضر : 129، وبحار الأنوار: 88/24ح 2.
والمخاطبة، وعرض الحوائج إلى الله تعالى، فإنه لولاه لم يعلم المسلمون كيف يتكلمون ويتفوّهون، سبحانه في حوائجهم، فإن هذا الإمام علیه السلام علّمهم بأنّه متى ما استغفرت فقل كذا، ومتى ما استسقيت فقل كذا، ومتى ما خفت من عدوّ فقل كذا - إلخ ..
وقد روى عن الإمام عليّ بن الحسين علیه السلام فقهاء العامة من العلوم ما لا تحصى كثرة، وحفظ عنه من المواعظ والأدعية، وفضائل القرآن والحلال والحرام، والمغازي والأيّام ما هو مشهور بين العلماء(1)
ويدل عليه آيات وروايات :
الآيات الدالة على العلم اللدني
الطريق الثاني : إلقاء الوحي، وهو أن النفس إذا كملت ذاتها يزول عنها دنس الطبيعة ودرن الحرص والأمل الفانية، وتقبل بوجهها على بارئها ومنشئها، وتتمسك بجود مبدعها وتعتمد على إفادته وفيض نوره، والله تعالى بحسن عنايته يُقبل على تلك النفس إقبالاً كلبّاً، وينظر إليها نظراً إلهياً ويتخذ منها لوحاً، ومن النفس الكلي قلماً وينقش فيها جميع علومه، ويصير العقل الكلّي كالمعلّم والنفس القدسية كالمتعلم، فيحصل جميع العلوم لتلك النفس، وينتقش فيها جميع الصور، من غير تعلّم وتفكّر، ومصداق هذا قوله تعالى لنبيّه صلی الله علیه و آله و سلّم: «وعلمك ما لم تكن تعلم» - مجموعة رسائل الغزالي - الرسالة :اللدنية : 69/3 .
إلى آخر كلامه ويأتي بعضه في الفرق بين العلم اللدني والحصولي.
وروي عن قتادة في قوله تعالى : «وعلمك ما لم تكن تعلم» قال : «علمه الله بيان الدنيا والآخرة» - تفسير الدر المنثور : 2/ 220 مورد الآية .
وعن الضحاك قال : «علّمه الخير والشر» - تفسير الدر المنثور : 220/2 مورد الآية .
وقال العلامة الطباطبائي: «وعلّمك ما لم تكن تعلم» ليس هو الذي علّمه يوحي الكتاب والحكمة فقط، فإنّ مورد الآية قضاء النبي صلی الله علیه و آله و سلّم في الحوادث الواقعة والدعاوي التي ترفع إليه، برأيه الخاص، وليس ذلك من الكتاب والحكمة بشيء، وان كان متوقفاً عليهما، بل رأيه ونظره الخاص به.
ومن هنا ان المراد بالإنزال والتعليم في قوله : «وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم»: نوعان اثنان من العلم: احدهما التعليم بالوحي ونزول الروح الأمين على النبي صلی الله علیه و آله و سلّم .
والآخر: التعليم بنوع من الإلقاء في القلب والإلهام الخفي الإلهي، من غير إنزال الملك.
وهذا هو الذي تؤيّده الروايات الواردة في علم النبي صلی الله علیه و آله و سلّم .
وعلى هذا، فالمراد بقوله : (وعلمك ما لم تكن تعلم) اتاك نوعاً من العلم لو لم يؤتك إيّاه من لدنه لم يكفك في إتيانه الأسباب العادية، التي تُعلّم الإنسان ما يكتسبه من العلوم (انتهى - تفسير الميزان: 79/5 - 80 مورد الآية.
*أقول : ظاهر كلامه ان إيتاء الكتاب والحكمة بواسطة الوحي الخاص (جبرائيل ) إيتاء كسبيٌ غير لدني، وان علم النبي صلی الله علیه و آله و سلّم مصدره شيئان :
1 - الوحى بالكتاب والحكمة.
2 - الإلهام أو القذف بالقلب .
وإن كان المراد به نزول القرآن جملة واحدة على قلب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فممنوع لأنه نزول غير كسبي، وكيف يكون كسبياً وهو من الله تعالى بالمباشرة كما يأتي .
إن قيل : نزوله تدريجاً كان بواسطة جبرائيل، ونزوله جملة واحدة كان أيضاً بواسطته، قال تعالى: «نزل به الروح الأمين على تليك» - الشعراء : 193.
قلنا : أولاً : هذا مبنيّ على تفسير هذه الآية بنزوله جملة واحدة، وإلّا فقد يكون المعنى : ان الروح الأمين نزل به تدريجاً على قلبك ولا تفسر الآية أصلاً بالنزول جملة واحدة.
والخلاصة : لا نسلم ان نزول القرآن جملة واحدة على قلب الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم، كان بواسطة جبرائيل ؛ امّا لعدم الدليل عليه، وامّا لعدم الحاجة إليه وامّا لما يأتي من ان زمن علم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بالقرآن وغيره، هو عرش الرحمن وقبل خلق جبرائيل وغيره من الخلق، وأما لما يأتي من الدليل على معرفة النبي صلی الله علیه و آله و سلّم للقرآن قبل خلق جبرائيل .
ثانياً : لو سلمنا أن الآية تشير إلى نزوله جملة واحدة بواسطة جبرائيل كما استدل بها العلامة، فإنّا لا نسلّم أن هذا النزول كسبيٍّ، فصحيح ان جبرائيل يكون الواسطة في انتقال القرآن إلى قلب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ولكن ليس هو المعلم له ولتفاصيله وآياته، أنّما الله هو المعلم الحقيقي وعلم الله لنبيه صلی الله علیه و آله و سلّم غیر کسبی، حيث أن العلوم الكسبية غير ثابة ومتغيرة كما يأتي .
أمّا قوله أن مصدر علم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم هو الكتاب والحكمة، إضافة إلى الإلهام والقذف.
فبعضّ النظر عن ما يأتي في مصدر علم آل محمّد (عليهم السلام)، فانّا نقول: هذا التفصيل حول العلم يتنافى مع حقيقة العلم الذي هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء.
علی انّه يتنافى ایضاً مع حقیقتة علم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وزمان حصوله وكيفية ذلك.
فإن الحكمة والقرآن هي قسم من العلوم الإلهية التي علمها الله لنبيه بقوله : (وعلمك ما لم تكن تعلم)، أو حتى قوله (فأوحى إلى عبده ما أوحى).
فليس المراد أن العلم قسمان: قسم لأحكام القرآن والحكمة الإلهية، وقسم لبقيّة الأمور.
لأنه :
أوّلاً : الآية مطلقة «ما لم تكن تعلم» فكل ما لا يعلمه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قام الله عزّوجلّ بتعليمه إياء مباشرة، وبلا توسط مخلوق فكان لدنياً، وهو شامل لأحكام القرآن من حلال وحرام وقصص ومواعظ وحكم ومعارف الهية وأمور غيبية، وما شابه ذلك.
قال الشيخ الطبرسي في الآية : «ما لم تعلمه من الشرائع وأنباء الرسل الأولين، وغير ذلك من العلوم» مجمع البيان: 168/3 مورد الآية.
ثانياً : هذا ينافي صريح القرآن الكريم وانّه فيه تبيان كل شيء - قال تعالى : «ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكلّ شي» النحل : 89 كما في كثير من الروايات . والخلاصة : علم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم علم واحد لا يتجزأ، وهو علم لدني بكل شيء، الشامل للقرآن والحكمة والأمور الغيبية ونحوهم.
ولا يلزم لغوية نزول القرآن على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، لما قلنا ان المراد بالنزول هو التدريجي، إما لمؤانسة النبي الأعظم صلی الله علیه و آله و سلّم - نظير نزوله على فاطمة (عليها السلام)، واما لتذكيره صلی الله علیه و آله و سلّم بالآيات، لا لتعليم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم المستبع لجهله، وأعلمية جبرائيل عليه، ولو بالواسطة .
ومرادنا بالتذكير ليس ان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قد نسي آيات القرآن والحكمة، انّما كما قدّمنا سابقاً أنه لإبراز حقيقة الوحي التي كانت عند الأنبياء السابقين، والتي اعتاد الناس عليها في الأنبياء وصحة دعوتهم، خاصة في المجتمع الجاهلي الذي لم يصدق بنبوّة الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلّم ، فلم يستطع النبي صلی الله علیه و آله و سلّم إلا أن يبرز لهم الوحي وصفاته وأسمائه وآثاره كما تقدم ويأتي.
وامّا النزول الدفعي للقرآن فهو أيضاً ليس معناه ان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لو كان يجهل أحكامه وابرامه وآياته، وذلك كما قدّمناه من ان علم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم الواحد من الواحد لا يتجزأ، وزمانه قبل زمان جبرائيل كما يأتي. والذي من ضمنه أحكام القرآن الكريم والحكم الإلهية، فلا تغفل.
هذا وروي عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قوله : «في قاب قوسين علمني الله القرآن وعلمني الله علم الأولين» - لوامع أنوار الكوكب الدري: 117/1 - 118.
«الم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت»
وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله
الأمثال للناس لعلّهم يتذكرون» - إبراهيم : 24 .
والشجرة الطيبة كما تواتر في الأحاديث هي آل محمّد والأئمة منهم عليهم صلوات المصلين راجع بحار الانوار 138/24 إلى 143 ح 2 وما بعده باب انّهم الشجرة الطيبة، والفردوس بمأثور الخطاب : 52/1 ح 135، وتلخيص المتشابه : 309/1 رقم الترجمة 485.
وقوله تعالى : «تؤتي أكلها كل حين» فسرت بعلم الإمام وما يفتي به من الحلال والحرام.
قال الإمام الصادق رضی اله عنه : «تؤتي أكلها كل حين» فقال : ما يخرج إلى الناس من علم الإمام في كل حين يسأل عنه - بحار الانوار: 24/ 140 - 139 ح 4 و 6.
وعن الإمام الباقر رضی اله عنه : «هو ما يخرج من الإمام من الحلال والحرام في كل سنة إلى شيعته» - المصدر السابق.
*الآية الثالثة قوله تعالى: «آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً» - الكهف : 65 .
فعن الإمام الصادق رضی اله عنه : «قال علينا عين؟»
فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحداً، فقلنا : ليس علينا عين.
فقال: «وربّ الكعبة وربّ البنية - ثلاث مرات - لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما اني أعلم منهما ولأنبتهما بما ليس في أيديهما» - الكافي : 1/ 261ح 1 باب انهم يعلمون ما كان ويكون، وبصائر الدرجات: 129.
ومن المعلوم ان علم الخضر لدني بقوله تعالى: «آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً» ولا يصحّ كون آل محمد (عليهم السلام) علمهم كسبياً في حال كونهم أعلم من الخضر وأفضل .
و هی الآية من آيات عديدة تصف عروج رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إلى ربّه حتى كان قاب قوسين أو أدنى.
والروايات كثيرة ان النبي هو الذي دنا فتدلّى وكان قاب قوسين أو أدنى رواها الفريقان من طرق - راجع
تفسير الدر المنثور : 123/6 - 124 مورد الآية، وتفسير الميزان : 33/19 - 36 مورد الآية، ونور الثقلين : 145/5 إلى 158 موردها والشفا 34/1 - 37 إلى 39 الفصل الخامس و 203/1 - 204، وارشاد القلوب: 409/28 - 411، ولوامع أنوار الكوكب الدريّ: 1/ 117 - 118، ومناقب آل أبي طالب : 4/ 315 وتاريخ الخميس: 311/1 ذكر المعراج.
منها: ما روي عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: «أنا ابن من علا فاستعلى فجاز سدرة المنتهى فكان من ربّه قاب قوسين أو أدنى» - تفسير الميزان : 33/19 - 35 مورد الآية، ونور الثقلين: 151/5 مورد الآية.
ومنها ما عن الإمام الصادق رضی الله عنه قال : «وذلك انّه يعني النبي صلی الله علیه و آله و سلّم أقرب الخلق إلى الله تعالى، وكان بالمكان الذي قال له جبرائيل لما أسري به إلى السماء : تقدّم يا محمّد فقد وطأت موطئاً لم يطأه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل، ولولا ان روحه ونفسه كان من ذلك المكان لما قدر أن يبلغه، وكان من الله عزوجل كما قال الله عزوجل «دقاب قوسين أو أدنى» أي: بل أدنى» - تفسير الميزان : 33/19 مورد الآية .
وعنه رضی الله عنه قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : «كنت من ربي كقاب قوسين أو أدنى» - تفسير الميزان : 19/ 33 - 35 مورد الآية، ونور الثقلين : 151/5 مورد الآية.
وفي تفسير القمّي في قوله تعالى: (فأوحى إلى عبده ما أوحى) قال: (وحي مشافهة) . تفسير القمي: 2/ 334 مورد الآية، وتفسير الميزان: 19 / 34، ونور الثقلين: 152/5.
عن أبي عبد الله رضی الله عنه : «ان هذه الآية مشافهة الله لنبيه لما أسرى به إلى السماء، قال النبي صلی الله علیه و آله و سلّم : انتهيت إلى سدرة المنتهى» - الدر المنثور : 148/5، 149 مورد الآية .
ومنها الحديث المستفيض : قول جبرائيل للنبي محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم : تقدّم.
فقال النبي صلی الله علیه و آله و سلّم : «في هذا الموضع تفارقني».
فقال جبرائيل: لو دنوت أنملة لاحترقت - راجع تفسير الميزان 35/19، وتفسير نور الثقلين : 155/5، وعيون الأخبار: 205/1 باب 26 ، 22 ، وينابيع المودة : 583/2 ، وكمال الدين: 255/1 وبحار الانوار: 337/26 ، وتاريخ الخميس: 311/1 ذكر المعراج.
وفي رواية: «يا جبرائيل لما تخلفت عني؟
قال : وما منا إلا له مقام معلوم، لو دنوت انملة لاحترقت، وفي هذه الليلة بسبب احترامك وصلت الى هذا المقام، وإلّا فمقامي المعهود عند السدرة - تاريخ الخميس: 311/18 ذكر قصة المعراج .
وفي رواية أخرى قال له : «تقدم أمامك فوالله لقد بلغت مبلغاً لم يبلغه أحد من خلق الله قبلك» - تفسير الميزان 33/19، 35 مورد الآية، ونور الثقلين : 11/5 مورد الآية.
وعن ابن عبّاس في قوله : (ثم دنا) قال : «هو محمد دنا إلى ربه» - الدر المنثور: 123/1 مورد الآية .
ونحوه عن محمد بن كعب والإمام جعفر الصادق رضی الله عنه وأنس - الشفا : 204/1 - 205 فصل في قوله : فاوجی الی عبده.
وعن أبي سعيد قال : «لما اسري بالنبي اقترب من ربه فكان قاب قوسين أو أدنى» - الدر المنثور للسيوطي: 6/123 مورد الآية.
وعن الإمام زين العابدين رضی الله عنه في قوله تعالى «ودنا فتدلّى» قال : «ذاك رسول الله دنى من حجب النور» الدر المنثور : 148/5، 149 مورد الآية.
ومن العجيب ما روى ان القصة في جبرائيل، وانّه هو الذي دنا فتدلى، والعجب فيه ان الله تعالى إذا يريد
أن يدني جبرائيل منه لماذا يحضر النبي الأعظم صلی الله علیه و آله و سلّم؟
وهل يراد بالإسراء والآيات مدح النبي صلی الله علیه و آله و سلّم وتبيين فضله أم مدح جبرائيل وتبيين فضله؟!
مع أن البعض منع ونفى ركوب جبرائيل مع النبي صلی الله علیه و آله و سلّم على البراق لاختصاصه بشرف الاسراء - تاريخ الخميس: 310/1 ذكر قصة المعراج .
هذا إضافة إلى أن الآيات كلّها في سياق واحد: «ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى» إلى آخر الآيات.
امّا قوله تعالى: (علمه شديد القوى) فقيل ان الذي علم النبي صلی الله علیه و آله و سلّم هو جبرائيل، وقيل أن معلمه هو الله تعالى - راجع تفسير الميزان: 27/19 مورد الآية .
ولكن بقرينة قوله تعالى: (فأوحى إلى عبده ما أوحى) والتي فيها أن الله هو الموحي لعبده بالمباشرة والمشافهة ؛ يتعيّن كون المعلّم هو الله تعالى، وعلم الله لا يكون إلّا لدنياً، اذ الكسبي زائل متغيرّ كما يأتي، وهو المطلوب.
ويؤّيده، إضافة لما مرّ من روايات خاصة، وروايات تخلف جبرائيل الدالة على ان جبرائيل لم يكن موجوداً معهما عند تعليم الله ذلك العلم الشديد القوي :
ما روي عن الإمام الصادق رضی الله عنه قال : «ثم دنا فتدلّى ... فأوحى إلى عبده ما أرحى» قال: «فدفع إليه كتاب أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فأخذ كتاب أصحاب اليمين بيمينه وفتحه فنظر إليه فإذا فيه أسماء أهل الجنّة وأسماء اهل الجنّة و اسماء آبائهم، ثم طوى الصحيفة فأمسكها بيمينه وفتح صحيفة أصحاب الشمال فإذا فيها أسماء أهل النار و اسماء آبائهم وقبائلهم، ثم نزل معه الصحیفتان الی علی» : نور الثقلین: 5/ 150 ح 25 مورد الآیة.
وعن أمير المؤمنين رضی الله عنه قال : «حتى انتهى إلى ساق العرش فدنى بالعلم فتدلّى» - تفسير نور الثقلين: 150/5 - 151 مورد الآية.
وعن الحسن قال : «دنا من عبده محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم فتدلّى فقرب منه فأراه ما شاء أن يريه من قدرته وعظمته» - الشفا: 204/1.
فهذا يدل على ان الله تعالى أوحى له وحي مشافهة، كما تقدّم في لسان الرواية السابقة، بغير توسّط جبرائيل ؛ لأنّه لم يتقدّم معه وإلا لاحترق - كما تقدّم أيضاً وان ما أوحي إليه هو من العلوم والمعارف.
قال جعفر بن محمد رضی الله عنه : «انقطعت الكيفية من الدنو، ألا ترى كيف حجب جبريل عن دنوه ودنا محمد إلى ما أودع قلبه من المعرفة والايمان فتدلّى بسكون قلبه إلى ما أدناه، وزال من قلبه الشك والارتياب» - الشفا /205/1 فصل من قوله : فأوحى إلى عبده.
وعنه رضی الله انّه قال: «أوحى الله إليه بلا واسطة» - الشفا : 205/1 فصل من قوله : فأوحى إلى عبده.
ونحوه عن الواسطي - الشفا : 205/1 فصل من قوله: فأرحى إلى عبده وتاريخ الخميس: 312/1 قصة المعراج.
وقال القاضي عياض: اعلم ان ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله أو إلى الله، فليس بدنو مكان ولا قرب مدى، بل كما ذكرنا عن جعفر بن محمّد الصادق ليس بدنو حدً، وانّما دنو النبي صلی الله علیه و آله و سلّم من ربّه وقربه منه، أبانه عظيم منزلته وتشريف رتبته، واشراق أنوار معرفته ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته، ومن تعالى مَبَرَّة وتأنيسٌ وبسطّ وإكرامّ - تاريخ الخميس: 313/1، والشفا: 202/1.
وفي رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم قال: «فسمع النداء يقول : ادن يا محمّد فدنا، فقطرت عليه من العرش قطرة ما
أخطأت فمه، فوقعت على لسانه فكانت أحلى من كل شيء، فأراه الله بها علم الأولين والآخرين» - تاريخ :الخميس: 313/18 قصة المعراج .
ويشير اليه ما روي عن ابن عباس ضمن حديث طويل عن رسول الله قال صلى الله عليه وآله و سلم : .... «ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى» قال: وسألني ربي فلم أستطع أن أجيبه فوضع يده بين كتفي بلا تكييف ولا تحديد فوجدت بردها بين ثديي فأورثني علم الاولين والاخرين وعلمني علوماً شتى ... وعلمني القرآن فكان جبرائيل رضی لله عنه يذكرني به» - المواهب اللدنية : 381/2 - 382 بحث الاسراء والمعراج - الربع الأخير منه، وسوف يأتي الحديث بتمامه ولوامع انوار الكوكب الدري: 118/1.
وتقدم الحديث الشريف «في قاب قوسين علمني الله القرآن وعلمني الله علم الأولين» - لوامع انوار الكوكب الدري: 1/ 117 - 118.
فيتبين أن الوحي الى النبي الاعظم صلی الله علیه و آله و سلّم كان وحياً من قبل الله مباشرة، ووحي الله لا يكون إلا لدنياً .
الآية الخامسة قوله تعالى : «الرحمن علم القرآن علمه البيان» - الرحمن : 1. وهي أصرح في الدلالة من الآية السابقة، في كون النبي الاعظم صلی الله علیه و آله و سلّم قد تعلم القرآن من الله تعالى لا يتوسط أحد، ومما لا شك فيه أن تعليم الله لا يكون إلا لدنياً .
الآية السادسة قوله تعالى: «وجعلناهم أثمّة؛ وأوحينا إليهم فعل الخيرات» - الأنبياء : 73 .
فقد ورد انّهم المرادون بهذه الآية، كما تقدّم في أدلّة الولاية التكوينية من القرآن - راجع بحار الانوار : 24/ 157 - 158 باب انّهم خير أمّة أخرجت للناس ح 16 - 17 - 19 - 20.
منها : ما روي عن أبي جعفر رضی الله عنه قال في قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) قال أبو جعفر رضی الله : «یعنی الائمة من ولد فاطمة يوحى إليهم بالروح في صدورهم» بحار الانوار 158/24 ح 21.
وهي واضحة الدلالة أن الله تعالى هو الذي يوحي اليهم.
*الآية السابعة قوله تعالى : «وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان».
فعن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد الله رضی الله عنه عن العلم أهو علم يتعلّمه العالم من أفواه الرجال أم في الكتاب عندكم تقرؤونه فتعلمون منه؟
قال رضی الله عنه : «الأمر أعظم من ذلك وأوجب، أما سمعت قوله تعالى : «وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ....» بلى قد كان في حالا لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان حتى بعث الله تعالى الروح التي ذكر في الكتاب، فلما أوحاها إليه علم بها العلم والفهم وهي الروح التي يعطيها الله تعالى من شاء فإذا أعطاها عبداً علّمه الفهم». الكافي : 1/ 273 ح 5 باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة. وسوف يأتي عدة روايات حول الروح الامرية.
قال الإمام الباقر رضی الله عنه في تفسيرها : «علم الإمام ووسع علمه الذي هو من عليه كل شيء» - تفسير نور الثقلين : 781/2 ح 288 عن الكافي .
وهذا أيضاً صريح في أن علم الإمام رضی الله عنه من الله تعالى المتعين كونه لدنيّاً.
قال بعض المفسرين : ذلك هو الاسم الاعظم تركب من الحروف الواردة في فواتح السور وكان مكتوباً على خاتم سلیمان بن داود، و به لانّ الحديد لداود، وسخر الجن السليمان، وطوى الأرض للخضر وبه تعلم العلم اللدني، وبه أوتي عرش بلقيس، وبه يحيي عيسى الطير - ينابيع المودة : 402 ط اسلامبول، و 483
ط . النجف وقم .
وعن علي أمير المؤمنين رضی الله عنه في قصته مع وعمار في تحويل الحجر الى ذهب فقال رضی الله عنه : «دع الله بی حتى تلين، فانه اسمي الان الله الحديد لداود» مشارق أنوار اليقين : 173.
الاحاديث الدالة على العلم اللدني.
منها: ما تقدّم فی الطائفة السابعة من القسم الثاني من أدلّة الولاية التكوينية، أعني روايات اعطاؤهم علم الكتاب وتفضيلهم على الذين عندهم علم من الكتاب.
ومنها ما تقدم ضمن تفسير الآيات المتقدمة على العلم اللدني.
وقال الإمام الرضا رضی الله عنه : «علمت كل لسان وكل كتاب وما كان وما سيكون بغير تعلّم، وهذا سرّ الأنبياء أودعه الله فيهم، والأنبياء أودعوه إلى أوصيائهم، ومن لم يعرف ذلك ويتحققه فليس هو على شيء، ولا قوة إلا بالله» - الخرائج والجرائح : 316 الباب التاسع .
ومن الروايات أيضاً: روايات اعطاء الإمام العلم بواسطة النور، كالمروي عن أبي جعفر رضی الله عنه قال: «ان الإمام يسمع الكلام في بطن أمّه ... حتى إذا شبّ رفع الله له عموداً من نور يرى فيه الدنيا وما فيها، لا يستر عنه منها شيء» - بصائر الدرجات 435ح 3 باب انّه يرى بين المشرق والمغرب.
وفي رواية: «إذا أراد عِلْمَ شيء نظر في ذلك النور فعرفه» - بصائر الدرجات : 440 ح2 .
ونحو ذلك من روایات عامود النور الآتية - بصائر الدرجات: 431 إلى 443 عدّة أبواب في عرض الأعمال بواسطة العامود.
وورد عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قوله : «ليس العلم بكثرة التعلّم انّما هو نور يقذفه الله في قلب من يريد الله أن يهديه - المحجة البيضاء : 45/5 كتاب شرح عجائب القلب.
وفي الأثر: «العلم نور وضياء يقذفه الله في قلوب أوليائه وأنطق به على لسانهم» - المصدر السابق.
وفي آخر: «ما من عبد إلا ولقلبه عينان وهما غيب يدرك بهما الغيب». المصدر نفسه.
وفي ثالث: «فإذا أراد الله بعبد خيراً فتح عيني قلبه، فيرى ما هو غائب عن بصره» - المصدر نفسه .
وفي الحديث القدسي في وصف الأولياء : «أقبل عليهم بوجهي؛ أترى من واجهته بوجهي يعلم أحد أي شيء أريد أن أعطيه ثم قال عز وجل: أوّل ما أعطيهم أن أقذف من نوري في قلوبهم، فيخبرون عنّي كما أخبر عنهم» - المحجة البيضاء : 39/5 كتاب شرح عجاب القلب .
ومن روايات العلم اللدني روايات كونهم معدن العلم وورثته - الكافي: 221/1 - 222 باب انّهم معدن العلم وورثته.
ومنها روايات كون عندهم جميع العلوم - الكافي : 255/1 - 256 باب أنّهم يعلمون جميع - العلوم.
ومنها ما يأتي في الجهة السادسة من علمهم بالكتاب والقرآن وهو فيه تبيان كلّ شيء.
وكذلك روايات علمهم بما كان ،ويكون وما شابه من هذه الروايات .
ومنها ما يأتي من علمهم للغيب.
ومنها: ما يأتي في الجهة الرابعة من ان علمهم بإيحاء من الله مباشرة، أو انه قذف ونقر في القلوب أو انّه تحديث .
فانّ هذا كله يدلّ على كون علمهم لدنياً ويأتي توضيح الإستدلال بها في الترجيح بين الإحتمالات.
الدليل العقلي على العلم اللدني.
هذا إضافة إلى الدليل العقلي الدال على علمهم اللدني وذلك بعدة تقاريب : * التقريب الأول :
العلم الحضوري للإمام أكمل في اللطف.
ان ارسال الرسل والأئمة لطف من الله تعالى كما هو مبين في العقائد.
واللطف هو كل ما يبعد العبد عن المعصية، وإن شئت قلت هو ما دعا إلى فعل الطاعة - الذخيرة: 186 باب الكلام في اللطف .
وعليه ؛ فأولاً : أنّه من حسن الظن بالله أن يجعل حججه على أكمل وجه وأصبغ نعمة، وهذا هو الأنسب مع حكمة الله.
ومعلوم ان العلم اللدني أكمل من الكسبي.
ثانياً : علم الناس بأن علم الإمام لدني حاضراً في كل حال ولكل شيء ؛ رادعُ لهم عن ارتكاب المعصية والبعد عنها ومقربٌ لهم الى فعل الطاعة، لخوفهم من تأنيب الإمام لهم على المعصية، وتفرحهم من مدحه لهم على الطاعات.
وفي الروايات ما يؤكد ذلك.
العلم اللدني أنفع للأمّة
فإنّ الإمام كلّما كان علمه محيطاً بكل الأشياء، وعلى أكمل وجه من العلم والإحاطة، وكان يعلم بما مضى وما سوف يأتي، وعلمه بخلفيات وأسرار الكلام ؛ فان كل ذلك يكون أنفع للأمة ولمصالحها الدينية والسياسية والاجتماعية، الفردية والنوعية.
لأنّ الإمام رضی الله عنه بعلمه اللدني لا ينخدع، ولا تحصل عليه المنقصة لاحتياجه إلى السؤال فيما لو فرض أن علمه غير لدني، ولما علم المنافقين والمخادعين وحيلهم.
وفي التاريخ شواهد جمّة أن الإمام أو الخليفة إذا لا يعلم ما في الصدور كيف ينخدع ويصبح سخرية للرعية. بينما لو كان عالماً بخفايا الأمور كيف تجده يبرم الأمور إبراماً .
العلم اللدني أكمل للإمام
والعلم اللدني أكمل وأفضل للامام رضی الله عنه وعدمه منقصة، اذ لو لم يكن علمه لدنيا لوجد من هو أعلم منه، والأعلم أفضل، والإمام يجب أن يكون أعلم الموجودين وأفضلهم.
على أن العرف والعقل يحكمان بأن الإمام والخليفة يجب أن يكونا أكمل المخلوقات، ويحكمان أيضاً أن العلم اللدني أكمل من الكسبي الحصولي التدريجي.
العلم الحصولي علم متغير لا يفيد البقين.
العلم اللدني كما يأتي قريباً علم شريف من الله تعالى يؤدي الى اليقين بالمعلوم، أما العلم الحصولي الكسبي فإنه لا يفيد اليقين الجازم بالقضية.
ومعلوم أن العقل يحكم بوجوب كون الاخبار الصادرة عن الإمام رضی الله عنه أخباراً يقينية، وإلا لما أفاد الاطمئنان عند الناس ولما وجب التصديق به.
الفرق بين العلم اللدني الحضوري والكسبي الحصولي.
للعلم بالأشياء طريقان: أن يتوصل إلى الشيء بواسطة الخواص والعوارض أو الشيح والظل وآثار الأشياء
ولوازمها، وهذا يسمّى بالعلم الحصولي .
هناك طريق آخر وهو أن يتوصل للشيء يتوصل للشيء من خلال معرفة مبادئه وأسبابه وهذا ما يسمّى بالعلم الحضوري أو اللدني، والذي من آثاره هو الاطّلاع على أسرار وغيب العالم، كما حصل مع الخضر وموسى (عليهما السلام).
قال المتأله السبزواري في اللآلي : العلم حصولي وحضوري، والحصولي هو الصورة الحاصلة من الشيء عند العقل .
والحضوري هو العلم الذي هو عين المعلوم لا صورته ونقشه، كعلم المجرّد بذاته، أو بمعلوله كعلم الحق تعالى بمعلولاته عند المحققين، وليس بتصور ولا بتصديق لأن مقسمهما العلم الحصولي) - عيون مسائل النفس : 519.
وقال العلّامة الطباطبائي : «وللرواية من عرف نفسه عرف ربّه» معنى آخر أدق مستخرج من نتائج الأبحاث الحقيقية في علم النفس، وهو ان النظر في الآيات الآفاقية والمعرفة الحاصلة الآيات الآفاقية والمعرفة الحاصلة من ذلك نظر فكري وعلم حصولي، بخلاف النظر في النفس وقواها وأطوار وجودها والمعرفة المتجلية منها فانه نظر شهودي وعلم حضوري.
والتصديق الفكري يحتاج في تحقّقه إلى نظم الأقيسة واستعمال البرهان، وهو باق ما دام الإنسان متوجّهاً إلى مقدّماته غير ذاهل عنها ولا مشتغل بغيرها، ولذلك يزول العلم بزوال الاشراف على دليله وتكثر فيه المشبهات ويثور فيه الاختلاف.
وهذا بخلاف العلم النفساني بالنفس وقواها وأطوار وجودها فانّه من العيان فاذا اشتغل الإنسان بالنظر إلى آیات نفسه وشاهد فقرها إلى ربّها وحاجتها في جميع أطوار وجودها ؛ وجد أمراً عجيباً، وجد نفسه متعلّقة بالعظمة والكبرياء متصلة في وجودها وحياتها وعلمها وقدرتها وسمعها وبصرها وإرادتها وحبها وسائر صفاتها وأفعالها بما لا يناهى بهاء وسناء وجمالاً وجلالاً وكمالاً من الوجود والحياة والعلم والقدرة وغيرها من كل كمال (تفسير الميزان: 171/6 - 172 مورد آية 105 من المائدة - من المائدة البحث الروائي .
وقال صدر المتألهين في شرح أصول الكافي (شرح الحديث العاشر) :
(اعلم ان العلم بالأشياء الجزئية على وجهين :
أحدهما: ان يعلم الأشياء من الأشياء، بحسّ أو تجربة أو سماع خبر أو شهادة أو اجتهاد، ومثل هذا العلم لا يكون إلّا متغيّراً فاسداً محصوراً متناهياً غير محيط، فانّه يلزم ان يعلم في زمان وجودها علماً، وقبل وجودها علماً آخر، ثم بعده علماً آخر.
فإذا سئل العالم بهذا العلم عن حادث ما، كالكسوف مثلاً حين وجوده يجيب بجواب فيقول مثلا : انكسفت الشمس، وإذا سُئل عنه قبل حدوثه يجيب بجواب آخر فيقول : سيكون الكسوف، ثم إذا سئل بعده فيقول : قد كان الكسوف. فعلمه بشيء واحد تارة كان وتارة كائن وتارة سيكون، فيتغير علمه .
ومثل هذا العلم الانفعالي متغيّر فاسد ليس بيقين إذ العلم اليقيني ما لا يتغيّر أصلاً. وثانيهما: ان لا يعلم الأشياء من الأشياء ؛ بل يعلم بمباديها وأسبابها، فيعلم أوائل الوجود وثوانيه- وهكذا إلى أن ينتهي إلى الجزئيات، علماً واحداً وعقلاً بسيطاً محيطاً بكليات الأشياء، وجزئياتها على وجه عقلي غير متغيّر فمن عرف المبدأ الأول بصفاته اللازمة وعرف انه مبدأ كل وجود وفاعل كل فيض وجود عرف أوائل الموجودات عنه، وما يتولد عنها على الترتيب السببي والمسببي، كما يتولد مراتب العدد من الواحد على الترتيب وما من شيء من الأشياء بوجد إلّا وقد صار من جهة ما يكون واجباً بسببه وسبب سببه إلى أن ينتهي إليه تعالى. فيكون هذه الأسباب بمصادماتها تتأدى إلى أن يوجد عنها الأمور الجزئية) - شرح أصول الكافي: 206 ط . الرحلي .
فتحصل : ان العلم الحصولي الكسبي علمٌ بظواهر الأشياء وجزئياتها من طريق نفس الأشياء يتغير ولا يفيد اليقين، وهذا العلم يتنزّه عنه الأولياء فضلاً عن آل محمّد (عليهم السلام).
وآثار هذا العلم إضافة إلى أنّها شهودية لعين الواقع وصفع الأمر، أنّه يؤهل العالم به أن يطّلع على أسرار الكون والملكوت، ويعطيه الأهلية لقدرة التصرّف فيه، منتظراً منح القدرة من الله العزيز المتعال.
قال الإمام الغزالي بعد تعريف الوحي والإلهام والعلم الحاصل منهما : (والعلم الحاصل عن الرحي يسمّى علماً نبوياً، والّذي يحصل عن الإلهام يسمّى علماً لدنياً، والعلم اللدني هو الذي لا واسطة في حصوله بين النفس وبين الباري، وانّما هو كالضوء من سراج الغيب يقع على قلب صاف فارغ لطيف، وذلك ان العلوم كلّها حاصلة معلومة في جوهر النفس الكلية الأولى، الذي هو في الجواهر المفارقة الأوليّة المحضة بالنسبة إلى العقل الأول كنسبة حواء إلى آدم رضی الله عنه.
وقد بيّن ان العقل الكلي أشرف وأكمل وأقوى وأقرب إلى الباري تعالى من النفس الكلية، والنفس الكليّة أعزّ وألطف وأشرف من سائر المخلوقات، فمن افاضة العقل الكلّي يتولّد الإلهام (كذا - والصحيح الوحي) ومن اشراق النفس الكلية يتولّد الإلهام، فالوحي حلية الأنبياء، والإلهام زينة الأولياء - رسائل الإمام الغزالي - الرسالة اللدنية : 70/3 ط دار الكتب العلمية، وراجع جامع الأسرار : 449 ح 905 .
وقال القسطلاني: والعلم اللدني الرحماني هو ثمرة العبودية والمتابعة لهذا النبي الكريم عليه أزكى الصلاة وأتمّ التسليم، وبه يحصل الفهم في الكتاب والسنّة بأمر يختص به صاحبه، كما قال علي بن أبي طالب رضی الله عنه وقد سُئل: هل خصكم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بشيء دون الناس؟
فقال : «لا، إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه» - المواهب اللدنية : 493/2 في وجوب محبنه واتباع سنته - الفصل الأول، والحديث في المحجة البيضاء : 43/5 .
وقال الفيض الكاشاني: وليعلم ان علوم الأئمة (عليهم السلام) ليست اجتهادية ولا سمعية أخذوها من جهة الحواس، بل لدنية أخذوها من الله سبحانه ببركة متابعة النبي صلی الله علیه و آله و سلّم - الأصول الأصيلة : 30 - 31 الأصل الثاني - وصل ..
.1) كون علمهم لدني
وهذا هو الصادق جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين استضاء من استضاء من مشكاة مشكاة وجوده
وارتوى من بحر جوده أربعة آلاف رجل، مما تلوناه عليك وبعض آثارهم وأقوالهم في حقّ
استاذهم الصادق علیه السلام.
قوله علیه السلام: (وموت الجهل) أي هم موت الجهل يعني أنّ الجهل يموت بوجودهم علیهم السلام،
وذلك كما باشراق النور الحسي كنور الشمس مثلاً تزول الظلمة وتموت، ولا يجتمعان كذلك
بنور العلم تموت ظلمة الجهل، فلمّا كان آل محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم شموس سماء العلم والمعرفة،
وأرواح أجساد العلوم والحقائق وعيش العلم فلا محالة تعدم ظلمة الجهل بهم.
قوله علیه السلام : (يخبركم حلمهم عن علمهم) الحلم هو طمأنينة النفس، بحيث لا يحركها
الغضب بسهولة، ولا يزعجه المكروه بسرعة فهو ضد الغضب، والحلم من أشراف الكمالات النفسية بعد العلم، ولذا ترى كلما يسأل عن العلم أو يمدح يقارن بالحلم، قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : اللهم أغنني بالعلم وزيّني بالحلم.
وقال أمير المؤمنين عليّ علیه السلام «كما يأتي في باب المختار من حكمه»: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك(1).
وفي باب صفة العلماء من «الكافي» عن أبي عبد الله علیه السلام : اطلبوا العلم وتزينوا معه بالحلم والوقار - الحديث(2)
وفيه عن حمّاد بن عثمان عن أبي عبد الله علیه السلام قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : نعم وزير الإيمان العلم ونعم وزير العلم الحلم ونعم وزير الحلم الرّفق ونعم وزير الرفق الصبر (1).
وإنما كان حلمهم علیه السلام يخبركم عن علمهم، لأن الحلم يلازم العلم بمواقع الحلم.
وفي «الإرشاد» للمفيد : روى إسحاق بن منصور السلولي قال : سمعت الحسن بن صالح يقول : سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ علیه السلام يقول : ما شيب شيء بشيء أحسن من حلم بعلم(2).
وفي «البحار» وغيره من كتب الأخبار : لمّا مات الحسن بن عليّ علیه السلام وأخرجوا جنازته حمل مروان سريره فقال له الحسين علیه السلام: أتحمل سريره؟ أما والله لقد كنت تجرعه الغيظ فقال مروان : إنّي كنت أفعل ذلك بمن يوازي حلمه الجبال(3).
ثمّ جاء في بعض النسخ كما في شرح المعتزلي وينابيع المودّة بعد قوله هذا قوله : (وظاهرهم عن باطنهم) فإنّ الظاهر عنوان الباطن، فالأفعال الحسنة الصادرة عنهم والأخلاق الكريمة البارزة منهم، تدلّ على حسن سريرتهم وإخلاصهم، لأن بدن الإنسان بمنزلة مدينة مدبّره، وسلطانه هو القلب أعني العقل، وسائر القوى عمّاله وجنوده، فإذا سلم القلب لا يصدر منه إلّا الخير، فإن القوى حينئذ كانت بأسرها تحت إشارة العقل وتدبيرها ووقعت مصالحة ومسالمة بينها والعقل، تستعملها في المواضع اللائقة بها، على ما ينبغي لها قال عزّ من قائل : «قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاها (9) ». كما أن العقل إذا صار مغلوب القوى غلبت على الإنسان الشرور، ولا يبرز منه إلّا الأفعال الحيوانية والآثار الشيطانية، فيسقط في مهاوي المهلكة، كما قال تعالى : «وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا(10)» وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : في الإنسان مضغة إذا هي سلمت وصحّت سلم بها سائر الجسد، فإذا سقمت سقم بها سائر الجسد وفسد، وهي القلب. ونعم ما قال العارف المعروف مجدود بن آدم السنائي في الحديقه :
دل آنکس که گشت برتن شاه *** بود آسوده ملك از او وسپاه
بد بون تن چه دل تباه بود *** ظلم لشگر ز ضعف شاه بود
این چنین پر خلل دلی که ترا است *** دد و دیوند با تو زین دل راست
پاره گوشت نام دل کردی *** دل تحقیق را بحل کردی
اینکه دل نام کرده ای بمجاز *** رو به پیش سگان کوی انداز
از تن ونفس وعقل وجان بگذر *** ده ره او دلی بدست آور
لآنچنان دل که وقت پیچاپیچ *** اندر او جز خدا نیابی هیچ
دل یکی منظری است ربّانی *** خانه دیو راچه دل خونی
از در نفس تا بکعبه دل *** عاشقا نرا هزار ويك منزل
ولقد تكلّمنا في ذلك وأتينا ببعض الأشعار والأمثال في شرح الخطبة 231 عند
قوله علیه السلام : ألا إنّ اللسان بضعة من الإنسان فراجع.
قوله علیه السلام : (وصمتهم عن حكم منطقهم) لا يخفى أنّ الصمت في موقع الكلام قبيح، كالكلام في موقع الصمت، وسيأتي في باب المختار من حكمه علیه السلام، الحكمة 282 قوله علیه السلام: لا خير في الصمت عن الحكم، كما أنه لا خير في القول بالجهل. وما اجاد كلام الشيخ السعدي :
دوچیز طیره عقلست دم فرو بستن *** بوقت گفتن و گفتن بوقت خاموشی والعارف بمواقع السكوت يكون عارفاً بمواقع الكلام أيضاً، فصمته في موقعه يدلّ على أن منطقه يكون على حكمة وصواب، فمن لم يعلم مواقع السكوت يتكلّم بما لا يعنيه، ويسكت عن ما يعنيه ، فصمتهم علیه السلام عن ما لا يعنيهم، يخبركم على أن منطقهم يكون على حكمة، وواقعاً في محلّه .
ثمّ إنّه سئل السّجاد عليّ بن الحسين علیه السلام عن الكلام والسكوت أيهما أفضل فقال : لكل واحد منهماآفات فإذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السكوت قيل : كيف ذلك يا ابن رسول الله؟ قال : لأن الله عزّ وجلّ ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت إنما بعثهم بالكلام، ولا استحقت الجنّة بالسكوت، ولا استوجبت ولاية الله بالسكوت، ولا توقيت النّار بالسكوت، وما كنت لأعدل العمر بالشمس أنك تصف فضل السكوت بالكلام، ولست تصف فضل الكلام بالسكوت(1).
ثم إن في بعض النسخ جاءت العبارة هكذا: (وصمتهم عن منطقهم) وفي بعض النسخ كما اخترناه، وعلى هذا يمكن أن يقرأ الحكم بضم الحاء وسكون الثاني أي صمتهم، يخبركم عن حكم منطقهم، يعني أن حكم منطقهم صواب ،وحقيقة، كما تقول : ذاك الشيء يكون حكمه كذا، ويمكن أن يقرأ بكسر الحاء وفتح الثاني جمع الحكمة كما علم .
قوله علیه السلام : (لا يخالفون الحق) فإن الحق في كلّ شيء هو العدل المحض، الذي وسط
1) بحار الانوار: +274/68 ح 1، ومستدرك سفينة البحار: 178/9.
الأفراط والتفريط، وآل محمّد صلوات الله عليهم هم الأئمة المهديون من الله، يهدون بأمر الله وينظرون بنور الله، وقد دريت مما قدّمنا أن الحجج الإلهيّة لمكان عصمتهم لا يعدلون عن الحقّ طرفة عين أبداً، وهم الموازين القسط والمعايير الحقّ والمناهج الصدق وعلى بيّنة من ربّهم. قال الله تعالى: «وَبِالْحَقِّ أَنزَلْتَه وَبِالْحَقِّ نَزَل» [الإسراء : 105] وقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ لا يفترقان حتى يردا على الحوض. فعليّ علیه السلام يكون مع الحق إلى يوم القيامة، كما نصّ به رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : الحقّ مع عليّ حيث دار، والأخبار في ذلك المعنى من طرق الفريقين لا تحصى كثرة، وكذا الكلام في باقي الأئمة الأحد عشر، الحق معهم حيث داروا لعصمتهم. وفي «الكافي» بإسناده عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله علیهم السلام قال : كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخير ما بعدكم وفصل ما بينكم ونحن نعلمه(1).
قوله علیه السلام : (ولا يختلفون فيه) فإن كثرة الأقوال من واحد في مسألة واحدة، أو اختلاف الاثنين أو أكثر فيها، إنّما يكون بجهلهم عن الحقّ، لأنّ الحقّ لا يكون إلّا واحداً ولا يتكثر ولا يتغيّر.
ففي «التهذيب» لشيخ الطائفة قدس سرّه، بإسناده عن أبي مريم عن أبي جعفر علیه السلام (ص ما من الوافي) قال : قال عليّ صلوات الله عليه : لو قضيت بين رجلين بقضيّة ثمّ عادا إليّ من قابل لم أزدهما على القول الأوّل لأنّ الحقّ لا يتغير(2).
وحيث إن الحقِّ مع آل محمّد حيث دار، فلا يتطرق الإختلاف في أقوالهم وآرائهم، لأن علومهم من معدن واحد وعين واحدة وذواتهم علیه السلام من نور واحد، كما صرّحوا به في كثير من الأخبار وفي بعضها: خلقنا واحد، وعلمنا واحد وفضلنا واحد وكلّنا واحد عند الله(3).
وفي رواية : ونحن شيء واحد.
وفي «الكافي» بإسناده إلى حمّاد بن عيسى وغيره قالوا سمعنا أبا عبد الله علیه السلام يقول : حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث الحسين وحديث الحسين حديث الحسن وحديث الحسن، حديث أمير المؤمنين وحديث أمير المؤمنين، حديث رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وحديث رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، قول الله تعالى(4)
وفيه بإسناده عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام الحديث أسمعه منك، أرويه عن أبيك أو أسمعه من أبيك أرويه عنك؟ قال : سواء إلا أنك ترويه عن أبي أحبّ إليّ، وقال أبو عبد الله علیه السلام الجميل : ما سمعت منّي فاروه عن أبي(1).
وفي «الكافي» أيضاً في حديث طويل (الوافي ص 14م2) عن أبي جعفر علیه السلام، فقد مكن ولاة الأمر بعد محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم بالعلم، ونحن هم فاسألونا فإن صدقناكم فأقرّوا وما أنتم بفاعلين، أمّا علمنا فظاهر، أما أبان أجلنا الذي يظهر فيه الدّين منا حتى لا يكون بين النّاس اختلاف فإن له أجلاً، من ممّر الليالي والأيام إذا أتى ظهر وكان الأمر واحداً، وأيم الله لقد قضى الأمر أن لا يكون بين المؤمنين اختلاف، ولذلك جعلهم شهداء على النّاس ليشهد محمّد علينا ولنشهد على شيعتنا وليشهد شيعتنا على النّاس أبى الله تعالى أن يكون في حكمه اختلاف أو بين أهل علمه تناقض، الحديث(2).
قوله علیه السلام : (هم دعائم الإسلام) شبّه الدين بالبيت أو الفسطاط مثلاً وآل محمد صلی الله علیه و آله و سلّم بدعائمه، وكما أن البيت قائم بالدعائم والأركان كذلك الإسلام بآل محمّد، وذلك لما دريت آنفاً أنّ الله تعالى أنزل القرآن تبياناً لكلّ شيء، وما فرط في الكتاب من شيء، وكذا علمت انه ما من أمر يختلف فيه إثنان إلا وله أصل في كتاب الله، ولكن لا تبلغه عقول الرّجال، فلا بدّ للقرآن من قيمّ مؤيد بتأييدات سماويّة حافظ للدين، ومبيّن للكتاب المبين وذلك القيم المبين في كلّ عصر لا بدّ أن يكون خازن علم الله وعيبة ،وحيه وأن تكون أفعاله معهودة من الله حتّى يحفظ الدين به، وآل محمد صلی الله علیه و آله و سلّم ولاة أمر الله وخزنة علمه .
في «الكافي» بإسناده عن الحسن بن موسى عن عليّ عن عمه قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : نحن ولاة أمر الله وخزنة علم الله وعيبة وحي
الله(3).
وفيه عن سدير عن أبي جعفر علیه السلام قال له : جعلت فداك ما أنتم؟ قال: نحن خزّان علم الله ونحن تراجمة وحي الله، نحن الحجّة البالغة على من دون السّماء ومن فوق الأرض(4).
قوله علیه السلام : (وولائج الإعتصام) أي هم أهل أن يعتمد الورى عليهم، ويتّخذوهم ولائج ويتمسّكوا بهم، فإنّهم منار الهدى واعتصام الورى، قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى ومن
تخلّف عنها هوى.
وفي المجلس السادس والتسعين من أمالي الصّدوق بإسناده إلى الحكم بن الصلت عن أبي جعفر محمّد بن عليّ عن آبائه علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : خذوا بحجرة هذا الأنزع يعني عليّاً علیه السلام فإنه الصديق الأكبر، وهو الفاروق يفرق بين الحقّ والباطل، من أحبّه هداه الله ومن أبغضه أبغضه الله، تخلّف عنه محقه الله، ومنه سبطا أُمتي الحسن والحسين وهما ابناي، ومن الحسين أئمة الهدى أعطاهم الله علمي وفهمي، فتولّوهم ولا تتخذوا وليجة من دونهم، فيحلّ عليكم غضب من ربكم ومن يحلل عليه غضب من ربه فقد هوى، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور(1).
قوله علیه السلام : (بهم عاد الحقّ في نصابه) أي بوجودهم، أو بتصرّفهم وولايتهم، رجع الحق إلى حدّه ومستقره وأصله، وقد علم ممّا قدمنا في هذه الخطبة: أنّ الحجج الإلهية وأنهم يهدون بأمر الله ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وأنّ الرياسة إذا كانت بیدهم کان الزمان نورانياً، لأنّهم يحكمون بالعدل وينطقون بالقسط ويعملون بالحقّ، وبعد الحقّ ليس إلّا الضلال، فلو كانت الرّياسة بيد غيرهم كانت الظلمات غالبة والأباطيل رائجة وأحكام الله معطّلة، ويسدّ الباطل مسدّ الحق، فانظر إلى الذين تولوا أُمور المسلمين ممّن لم يكونوا من بيت آل العصمة، كالأمويّين والعباسيّين وغيرهم كيف شوّهوا الدّين، ولعبوا به وروّجوا الباطل وعنوا به وردّو الأمة على أدبارهم القهقرى، وأخذوا مال المسلمين طعمة لهم، ولولا سبل الهدى آل محمّد صلوات الله عليهم في قبالهم، لانمحت أعلام الهدى، فانظر إلى سيرة أمير المؤمنين عليّ علیه السلام بعد من تقمصوا الخلافة، كيف خلص الدين من المهالك، وبيّن الحق على أوضح المسالك، والله در محمّد بن الحبيب الضبّي قائلاً :
لولا الأئمة واحداً عن واحد *** درس الهدى واستسلم الإسلام
كل يقوم مقام صاحبه إلى *** أن ينتهی بالقائم الأيام
قوله علیه السلام : (وانزاح الباطل عن مقامه) أي بهم زال الباطل وذهب عن مقام الحقّ، فإن زمن ولاية أمراء الجور أقيم الباطل مقام الحق، هذا إن أرجعنا الضمير إلى الحقّ وإن أرجعناه إلى الباطل، فالمعنى أن الباطل لما عمل به صار في قبال الحقّ ذا محلّ ومقام، فبآل محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم زهق الباطل واجتنّت شجرته الخبيثة من أصله.
قوله علیه السلام: (وانقطع لسانه عن منبته) استعار الباطل لساناً، والضمير في منبته كمقامه، يحتمل الوجهين، فالمعنى على الأوّل أنّ الباطل في منبت الحقّ كشوك نبت في ترعة، أو كبقل مرّ نبت في زرع مزرعة، فآل محمّد جنوا نبات الباطل من روضة الحقّ، وانقطاع لسان الباطل
1) شرح الأخبار : 222/2 ح 7، ونهج السعادة: 20/1
كناية عن اضمحلاله، أو عن سكوته لأنّ قطع اللسان كثيراً ما يجعل كناية عن السكوت.
وفي كلمتي لولا ولو ما من باب الحروف من شرح أنموذج الزمخشري قيل : إن سائلاً دخل على النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وأنشد بيتاً فقال النبي صلی الله علیه و آله و سلّم لبعض الصحابة: أقطع لسانه، فأذهبه ذلك البعض ليقطع لسانه، فلقاه عليّ علیه السلام فقال له : ما تريد بهذا الرّجل؟ فقال : أقطع لسانه، فقال عليّ علیه السلام : أحسن إليه فإن الإحسان يقطع اللسان فرجعا إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فقالا له : أي شيء تعني بالقطع يا رسول الله : فقال : الإحسان(1).
وأمّا على الوجه الثاني فظاهر معناه، ولا يبعد أن يجعل كلمة «لسانه» كناية عن
النبات، كما أن لسان الحمل ولسان الثور ولسان الكلب ولسان العصافير وغيرها، مما هی مذكورة في الكتب الطيبّة كالتحفة وغيره أسام لنباتات، كما يحتمل أن يكون المراد من لسان الباطل، لسان من ينطق به وينصره.
قوله علیه السلام : (إعقلوا الدين عقل وعاء ورعاية لا عقل سماع ورواية فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل) يأتي منه علیه السلام في باب المختار من حكمه (كلمة الحكمة 98) قوله : اعقلوا الخير إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواة فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل .
وفي أُصول «الكافي» (ص 145 من 1 الوافي) بإسناده إلى طلحة بن زيد قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : إن رواة الكتاب كثير وإن رعاته قليل، وكم من مستنصح للحديث مستغش للكتاب، فالعلماء يحزنهم ترك الرعاية والجهلاء يحزنهم حفظ الرواية، فراع يرعى حياته وراع يرعى هلكته، فعند ذلك اختلف الراعيان هلكته، فعند ذلك اختلف الراعيان وتغاير الفريقان(2).
وفي الروضة منه (ص 14م24) من قول أبي جعفر علیه السلام في رسالته إلى سعد الخير : بسم الله الرحمن الرّحيم أمّا بعد، فإني أوصيك بتقوى الله - إلى أن قال وكل أمة قد رفع عنهم علم الكتاب حين نبذوه، وولاّهم عدّوهم حين تولوه وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه، وحرّفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه، والجهال يعجبهم حفظهم للرواية، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية الحديث بطوله .
وفي أُصول «الكافي» بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام (في آخر الحديث) : ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدير، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكر(3)
واعلم أن النيل إلى درك حقائق ما في الكتاب والسنّة والفوز إلى فهم أسرارهما، والتعقل والتدبّر في معانيهما، إنّما يتأتي للأوحدى من الناس الذي تنزّه عن الهواجس النفسانيّة، وتخلص عن الوساوس النفسانيّة فرزق القوة العقلية الوقادة، وقدس القلب وتلطيف السرّ، لأن الوصول إلى العلوم اليقينيّة ثمرة التقوى، والتوجه التام إلى الله تعالى وبالتقوى يتقرب العبد إلى عالم النور، ويصير من سنخه، فإذا تحصل له ملكة صالحة واستعداد تامّ وسعة وجودية فيتيسر له استكشاف حقائق ما أوحى إلى سفراء الله، واستعلام ما أريد به واستنباط الأحكام الإلهية منه قال عزّ من قائل: «وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ» [البقرة: 282] وقال تعالى : «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» [العنكبوت : 69] . وقال تعالى: «وَالَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَاءً غَدَنَا» [الجن: 16] وقال في (المجمع) : وفي تفسير أهل البيت عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام قول الله «إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا» [فصلت: 30] قال : هو والله ما أنتم عليه «وَالَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَاءً غَدَقًا (16)».
وعن بريد العجلي عن أبي عبد الله علیه السلام قال : معناه لأفدناهم علماً كثيراً يتعلمونه من الأئمة (1)انتهى . ما في (المجمع) من تفسير الآية.
والمروي عن جعفر بن محمّد الصّادق علیه السلام، كما في (أمالي الصدوق) : قال علیه السلام : أن حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبيّ مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، أو مدينة حصينة (2)والمدينة الحصينة، هي القلب المجتمع، كما مرّ آنفاً.
وفي (نهج البلاغة) (الخطبة 187) قال علیه السلام : إن أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلّا عبد مؤمن، امتحن الله قلبه للإيمان ولا يعي حديثنا إلا صدور أمينة وأحلام رزينة . (ونعم ما قال محمّد بن محمود الآملي صاحب نفائس الفنون بالفارسية :
يهوس راست نیاید بتمني نشود *** اندراین راه بسی خون جگر باید خورد ولا ريب أنّ الفائز بهذه النعمة العظمى والنائل بهذه السعادة الكبرى، لا يكون إلّا قليلاً من المخلصين ونعم ما قال افلاطن الحكيم (ص 8 رسالة زينون الكبير اليوناني طبع حيدرآباد الدكن 1349 هـ) : إن شاهق المعرفة أشمخ من أن يطير إليه كلّ طائر، وسرادق البصيرة أحجب من أن يحوم حوله كل سائر، وكأن الشيخ الرئيس أخذ منه حيث قال في آخر النمط التاسع من الإشارات: جلّ جناب الحقّ عن أن يكون شريعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا واحداً بعد واحد، ولذا يكون رعاة العلم قليل. وأمّا حفظ ألفاظ الكتاب والسنة ونقلهما
وتصحيحهما وتجويد قرائتهما وضبط اصطلاحات العلوم ونحوها، فلا يحتاج إلى كثير تجشّم وتحمل مشقّة وعناء، ولذا يكون رواتها كثير .
ثمّ إنّ أسلوب الكلام يقتضي أن يقال : فإن رواة الدين كثير ورعاته قليل، وإنما عدل من الدّين إلى العلم إشارة إلى أن الدّين هو العلم وما يحتويه الكتاب والسنّة علم ليس إلا، قال الله تعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيُّ الأُمِّىَ - إلى قوله : فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِهِ. وَعَزَرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف: 157] وقال تعالى «كذا» : العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء. وقال تعالى: «هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ» [الحديد: 9] فما أنزل علم ليخرج النّاس من ظلمات الجهل إلى نور العلم .
وفي «الكافي» عن أبي البختري عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إنّ العلماء ورثة الأنبياء، وذاك إن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظاً وافراً - الحديث(1). والحمد لله ربّ العالمين.
1) ميزان الحكمة: 20/67/3 ح 2838
الترجمة
این یکی از خطبههای ولی الله الاعظم است که در آن آل محمد (علیهم السلام) را به اوصافی نام می برد:
آل محمد زندگی دانش و مرگ نادانیاند (به وجودشان دانش زنده است نادانی مرده) بردباری شان از دانششان آگاهی میدهد و خاموشی شان از حکمت (یا از حکم) گفتارشان (بردباری به جا حاکی از پختگی عقل و علم است و خاموشی به جا دلیل بر صواب گفتار که آن گفتار نیز به جا و صواب است) نه
با حق مخالفت کنند و نه در ان اختللف، ایشان ستون خانه اسلام و معتمد و رازدار کسی که چنگ به ذیل عنایتشان در زند، بهوجود ایشان حق به جای خود آمد و باطل از جایش برکنده و زبانش از رستنگاهش بریده شد. دین را در نگاشته و حرمت آن را نگه داشته اند، نه چون کسی که فقط آن را شنیده و روایت کرده (که به حقیقت آن نرسیده و واقع آن را نیافته است) چه راویان علم بسیاراند و پاس داران آن کم.
قاله لعبد الله بن العبّاس وقد جاءه برسالة من عثمان و هو محصور، يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع، ليقلّ هتف النّاس باسمه للخلافة، من بعد أن كان سأله مثل ذلك من قبل فقال له علیه السلام :
يَا ابْنَ عَبّاس ما يُريدُ عُثمانُ أَنْ يَجْعَلَنِي إِلا جَمَلاً ناضِحاً بِالْغَرْبِ أُقْبِلُ وَأدْبِرُ بَعَثَ إِليّ أَنِ أَخْرُجْ ثُمَّ بَعَثَ إِلَي أَنِ اقْدم، ثُمَّ هُوَ الآنَ يَبْعَثُ إِلى أَن أَخْرُجْ وَاللهِ لَقَدْ دَفَعَتْ عَنْهُ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أكُونَ أَثِماً(1).
اللغة
قال ياقوت الحموي في مراصد الإطلاع: (ينبع) بالفتح ثمّ السكون والباء موحدة
مضمومة وعين مهملة «على وزن ينصر» مضارع نبع : حصن وقرية عنّاء على يمين رضوي، لمن كان منحدراً من أهل المدينة إلى البحر على ليلة من رضوى. وهي لبني حسن بن عليّ بن أبي طالب علیه السلام وفيها عيون عذاب وواديها يليل يصب في عنقها قيل : أقطعها عمر علیاً علیه السلام انتهى كلامه. وفي «النهاية» أيضاً أنها قرية كبيرة، بها حصن على سبع مراحل من المدينة من جهة البحر . وقيل على أربع مراحل. وفي أخبارنا أنه من أوقاف عليّ أمير المؤمنين علیه السلام أجرى عينه. وأن صحّ الأول فلا منافاة بينهما كما لا يخفى. والله تعالى يعلم.
قال الجوهري في «الصحاح»: (الهتف) الصوت، يقال: هتفت الحمامة تهتف هتفاً
هتف به هتافاً أي صاح به. وقوس هتافة وهتفى أي ذات صوتِ. والمراد هنا أن النّاس كانوا ينادون باسمه علیه السلام للخلافة.
(الناضح) بالحاء المهملة : البعير الذي يستقى عليه الماء من النضح بمعنى الرش والشرب دون الريّ، كالنضخ بالخاء المعجمة وقيل : النضخ بالمعجمة أبلغ منه، وقيل: دونه، ويؤيد الأوّل قوله تعالى: «فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ» أي فوّارتان غزيرتان، ولكن لا يقال للبعير الذي يستقى عليه الناضخ بالمعجمة. وأنثى الناضح: الناضحة وجمعها نواضح، قال قسام بن
1) الغدير : 69/9 ، وشرح نهج البلاغة : 296/13
رواحة السنبسيّ (الحماسة (330)
لبئس نصيب القوم من أخويهم *** طراد الحواشي واستراق النّواضح
وإنّما سمى الذي يستقى عليه الماء ناضحاً أو التي يستقى عليها الماء ناضحة أو نواضح، لأنّه جعل الفعل لها كأنّها التي تنضح الزراعات والنخيل. وهم يسمّون الأكّار النضّاح، أي الذي ينضح على البعير، أي يسوق الناضحة يستقى نخلا . ويقال لانثى الناضح السانية أيضاً .
قال المرزوقي في «شرح الحماسة» 747 : النضح كالنضخ إلا أن النضح له أثر والعين بالماء. وكذلك الكوز، والنضيح العرق لأن جرم اللّسان ينضح به، وسمّى أبو ذؤيب الهذلي ساقي النخل نضّاحاً، كما سمّى البعير الذي يستقى عليه الماء الناضح . فعلى ذلك قال الهذلي :
هبطن بطن رهاطٍ واعتصبن كما *** يسقى الجذوع خلال الدور نضّاح
(الغرب) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة: الدلو العظيمة. سميت الدلو غرباً
لتصورّ بعدها في البئر.
ثمّ تكلم بهذه الجملة العبّاس بن مرداس، بن أبي عامر السلمي الصحابي قبل أمير
المؤمنين علیه السلام حيث قال في أبيات له :
أراك إذا قد صرت للقوم ناضحاً *** يقال له بالغرب أدبر وأقبل
وأتى بسبعة أبيات منها أبو تمام في الحماسة 149 الآتي نقلها .
الإعراب
كلمة (ما) نافية. وكلمة أن بالفتح والسكون حرف مصدري ناصب ليجعلني، فتكون في موضع نصب على المفعوليّة ليريد، نحو قوله تعالى: «فَارَدتُ أَنْ أَعِيبَهَا» [الكهف: 79] وكذا قوله علیه السلام : حتّى خشيت أن أكون آثماً. وكلمة أن إذا كانت مصدريّة نقع في موضعين أحدهما في الإبتداء فتكون في موضع رفع على الإبتداء في نحو قوله تعالى: «وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ» [القرة : 184] والثاني بعد لفظ دال على معنى غير اليقين، فتكون في موضع رفع على الفاعلية نحو قوله تعالى: «اَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ» [الحديد: 16] الآية. وفي موضع نصب على المفعولية كما علم وفي موضع جر في نحو قوله تعالى: «وَمِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ» [البقرة: 254] الآية . واستثناء مفرغ كقوله تعالى: «وَيَأْبَى الله إلا أن يُتِمَّ نُورَهُ» [التوبة : 32] فقوله علیه السلام جملاً ناضحاً معمول يجعلني وناضحاً صفة للجمل، وبالغرب متعلّق بكلّ واحد
من أقبل وأدبر لا بالناضح، والشاهد بيت العباس بن مرداس المقدم آنفاً، ويمكن أن يقرأ «أقبل» على صيغة الأمر وكذا «أدبر» أي يقول لي عثمان: أقبل وأدبر كما يقول النضّاح للجمل الناضح، والظاهر أن صيغة التكلم فيهما كما اخترناها انسب بأسلوب العبارة بعث إليّ . إلخ بيان لقوله المقدم كان سائلاً سأله عن قوله : كيف جعلك جملاً ناضحاً إلخ؟ فأجاب بعث إليّ إلخ وقوله : والله لقد دفعت، إخبار عن نفسه أنه دفع عنه غير مرّة كما يأتي في الشرح، وكلمة أن في المواضع الثلاثة دون الأولى والآخرة مفسرة بمنزلة أي، والشرط فی المفسرة أن تكون مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه نحو قوله تعالى : «فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَن أَصْنَعِ الْفُلْكَ» [المؤمنون: 27] وقوله تعالى: «وَانْطَلَقَ المَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا» [ص: 6] ويصح أن يقرأن «أخرج» بالموضعين و «أقدم» على هيئتي التكلّم والأمر، واللام في لقد دفعت لام جواب القسم كقوله تعالى : «تَاللَّهِ لَقَدْ أَشْرَكَ اللهُ عَلَيْنَا» [يوسف: 91] وقوله تعالى : «وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَکُم» [الانبياء : 57] .
المعنى
سيأتي ذكر ما فعل عثمان بن عفان في أوان رئاسته وأيام أمارته، وما فعل الناس به عند قول أمير المؤمنين عليّ علیه السلام من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة، وجبهة الأنصار وسنام العرب - إلخ في أوّل باب المختار من كتبه ورسائله.
قول الرضي رضي الله عنه: (وهو محصور بسأله فيها الخروج إلى ماله بینبع اه) أنّ الصحابة بأجمعهم أجمعوا على حربه لما رأوا منه أشياء منكره تقرع سمعك، وكانوا يومئذ بين خاذل وقاتل، حتى حصروه في داره ومنعوه من الماء أيّاماً، وآخر الأمر قتلوه في بيته وبين ولده ونسائه، في المدينة، ودار الهجرة وهو بين ظهراني المسلمين، حتّى قيل إنّ المجمعين على قتل عثمان كانوا أكثر من المجمعين على بيعته لأجل أحداثه التي نقموها منه.
وإنّما سأله الخروج إلى ينبع ليقلّ هتف النّاس باسمه للخلافة، وذلك لما رأى أن ميل النّاس إلى عليّ علیه السلام وكانوا يذكرونه علیه السلام على رؤوس الأشهاد، ويهتفون أي ينادون باسمه للخلافة.
قال الطبري في تاريخه (ص 409 ج 3 طبع مصر 1357هـ) قالوا لعثمان : إنّك قد أحدثت أحداثاً عظاماً، فاستحققت بها الخلع، وما كان لنا أن نرجع حتّى تخلعك، ونستبدل بك من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من لم يحدث مثل ما جربنا منك، ولم يقع عليه من التهمة ما وقع عليك فاردد خلافتنا واعتزل أمرنا فإن ذلك اسلم لنا منك وأسلم لك منا.
أقول : وهم يعنون بذلك الصحابي الذي لم يحدث مثل ما أحدث عثمان، أمير المؤمنين عليّاً علیه السلام لما سنبيّن أن قلوب الجماعة كانت معه علیه السلام ولذا خاف عثمان من ذلك
كل الخوف، حتّى رأى أن لو يخرج عليّ علیه السلام من بينهم كان الأمر عليه أهون.
قال الشّارح كمال الدّين ابن ميثم البحراني : وقد كان قصده بتلك الرسالة من بين سائر الصحابة لأحد أمرين : أحدهما : ما اخترناه والثاني : أنه كان يعتقد أنّ له شركة من النّاس في فعلهم به، وكانت بينهما هناة، فكان بعثه له من بين الجماعة متعيناً، لأنّهم أن رجعوا بواسطته، فهو الغرض وأن لم يرجعوا حصلت بعض المقاصد، وهو تأكد ما نسبه إليه من المشاركة في أمره، وبقاء ذلك حجة عليه لمن بعده ممّن يطلب بدمه، حتّى كان بسبب هذا الغرض الثاني ما كان من الوقائع بالبصرة وصفين وغيرهما . انتهى .
أقول: هذا الأمر الثّاني ينافي ما صرّح به الرضي رضوان الله عليه حيث علل سؤال عثمان خروجه علیه السلام إلى ينبع بقوله : ليقلّ هتف الناس باسمه للخلافة، ولا شك أن الرضي كان أعرف بذلك منه، على أنه ينافي أيضاً قوله علیه السلام : والله لقد دفعت عنه حتّى خشيت أن أكون آثماً . وقوله علیه السلام المنقول من الطبري كما يأتي: والله ما زلت أذبّ عنه حتّى أنّي لأستحي. ومع ذلك ينافي قوله علیه السلام : ثمّ بعث إليّ أن أقدم أيضاً. لأن عثمان لو رأى أنّ له علیه السلام شركة معهم في قتله ما سأله الإقدام من ينبع إليه، وهذا بعيد جدّاً إلا أن يقال إنما غرضه ذلك الغرض بعد قدومه المدينة من ينبع، فسأله الخروج إليه ثانياً ولكنه ينافي الأولين كما دريت فالصواب هو الأمر الأوّل المختار.
قوله علیه السلام : (يا ابن عبّاس ما يريد عثمان أن يجعلني إلا جملاً ناضحاً بالغرب أقبل وأدبر) هذا يقال لمن كان مسخّراً لغيره، وينقاد فعله وقوله، كأنّه لا رأي له ولا اعتبار ولا تدبّر ولا اختيار، متى قال الغير له أدبر عن كذا يدبر وإذ قال له أقبل إلى كذا يقبل. كالبعير الناضح يقال له أدبر وأقبل بالغرب وهو ينقاد ويلتزم. قال العبّاس بن مرداس السلمي الصّحابي كما في الحماسة لأبي تمام الحماسة (149).
أبلغ أبا سلمة رسولاً يروعه *** ولو حلّ ذا سدر وأهلي بعسجل
رسول امرى يهدى إليك نصيحة *** فإن معشر جادوا بعرضك فابخل
وإن بوّأوك مبركاً غير طائلٍ *** غليظاً فلاتنزل به وتحوّل
ولا تطمعن ما يحلفونك إنّهم *** أتوك على قرباء یاهم بالممثّل
أبعد الإزار مجسداً لك شاهداً *** أُتيت به في الدار لم يتزيّل
أراك إذا قد صرت للقوم ناضحاً *** يقال له بالغرب أدبر وأقبل
فخذها فليست للعزيز بحطة *** وفيها مقال لامریءٍ متذلّل
قوله علیه السلام : (بعث إليّ أن أخرج، ثمّ بعث إلي أن أقدم، ثم هو الآن يبعث إليّ أن أخرج) :
هذا شرح وتفسير لقوله المقدم أن عثمان أراد أن يعامل معه معاملة النضّاح للناضح، فقال علیه السلام : بعث إليّ أن أخرج من المدينة إلى ينبع ثمّ بعث إليّ أن أقدم من ينبع، إليها ثمّ هو الآن بعث ابن عبّاس ويطلب خروجه إلى ينبع ثانيا.
قوله علیه السلام (والله لقد دفعت عنه حتّى خشيت أن أكون آثماً).
وكان عثمان قد قسم المال والأرض في بني أميّة فبدأ ببني أبي العاص فأعطى آل الحكم رجالهم عشرة آلاف واعطى بني عثمان مثل ذلك وقسم في بني العاص وفي بني العيص وفي بني حرب ولانت حاشية عثمان لاولئك الطوائف وأبى المسلمون إلا قتلهم وأبى إلا تركهم قال أبو جعفر الطبري في تاريخه : فلما نزل القوم ذا خشب جاء الخبر أن القوم يريدون قتل عثمان إن لم ينزع فلما رأى عثمان ما رأى جاء عليّاً فدخل عليه بيته فقال يا ابن عمّ إنّه ليس لي مترك وإن قرابتي قريبة ولي حقّ عظيم عليك وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم وهم مصبحي وأنا أعلم أن لك عند النّاس قدراً وأنّهم يسمعون منك فأنا أُحبّ أن تركب إليهم فتردّهم عنّي - إلى أن قال: فركب علي وركب معه نفر من المهاجرين وكلّمهم علي ومحمّد بن مسلمة وهما اللّذان قدما فسمعوا مقالتهما ورجعوا.
و قال (ص 433) بإسناد عن عكرمة عن ابن عبّاس لما حصر عثمان الحصر الآخر، قال عكرمة : فقلت لابن عبّاس أو كانا حصرين؟ فقال ابن عبّاس الحصر الأول حصر اثنتي عشرة وقدم المصريون فلقيهم عليّ علیه السلام بذي خشب فردّهم عنه وقد كان والله عليّ له صاحب صدق . إلى آخر ما قال(1).
ثمّ قال الطبري والمسعودي: ولما انصرفوا فصاروا إلى الموضع المعروف بحمّس إذا هم بغلام على بعير وهو مقبل من المدينة فتأملوه فإذا هو ورش غلام عثمان فقرروه فأقرّ وأظهر كتاباً إلى ابن أبي سرح من صاحب مصر : إذا قدم عليك الجيش فاقطع يد فلان واقتل فلاناً وافعل بفلان كذا وأحصى أكثر من في الجيش وأمر فيهم بما أمر فرجعوا إلى المدينة وحصروا عثمان في داره ومنعوه الماء فأشرف على النّاس وقال : ألا أحد يسقينا؟ - إلى أن قالا : فبلغ علياً طلبه الماء فبعث إليه بثلاث قرب ماء. قال المسعودي : فلما بلغ عليّا أنهم يريدون قتله بعث بابنيه الحسن والحسين ومواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته وأمرهم أن يمنعوه
منهم.
قال الطبري : (ص 410) وكان عثمان يسترجع مما يرى على الباب فقال مروان : إن كنت تريد أن تذبّ عنه فعليك بابن أبي طالب فإنه متستر وهو لا يجبه فخرج سعد حتّى أتى
1) تاريخ الطبري : 433/3 .
عليّا وهو بين القبر والمنبر فقال : يا أبا حسن قم فداك أبي وأمي جئتك والله بخير ما جاء به أحد قط إلى أحد تصل رحم ابن عمّك وتأخذ بالفضل عليه وتحقن دمه ويرجع الأمر على ما نحبّ قد أعطى خليفتك من نفسه الرّضى فقال عليّ علیه السلام : تقبل الله منه يا أبا إسحاق والله ما زلت أذب عنه حتّى أني لأستحي - إلى آخر ما قال.
وقال أيضاً: لمّا حصروا عثمان جاء قوم علياً علیه السلام فكلّموه في عثمان فأقبل عليّ عليه فجعل يخبره ما وجدوا في كتابهم - إلى أن قال : ثمّ أقبل عثمان على عليّ علیه السلام فقال : إن لي قرابة ورحماً والله لو كنت في هذه الحلقة لحللتها منك فاخرج إليهم فكلّمهم فإنّهم يسمعون منك إلى آخر ما قال وسيأتي تفصيله(1).
أقول : لولا تصريح الرضي بقوله : يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع، لأمكن أن يفسّر قوله علیه السلام أن اخرج وأن أقدم بما قدمنا من الطبري والمسعودي أي أخرج إلى النّاس فردّهم عني، وكذا أن أقدم أي إلي كما دريت أنّه مرة استغله بالنصرة ومرة استسقاه فقال: ألا أحد يسقينا. ومرّة دخل عليه بيته علیه السلام وسأله أن يردّ النّاس عنه .
ثمّ إنّ قوله علیه السلام: حتّى خشيت أن أكون آثماً. يحتمل وجوها .
الأوّل ما يتبادر إليه الذهن ويلوح له بدواً أنّ أمير المؤمنين عليّا علیه السلام نهى عثمان غير مرّة عن الأحداث التي كان يرتكبها وبالغ في النهي فلم ينته منها - كما سنتلو طائفة منها عن قريب في أوّل باب المختار من كتبه ورسائله علیه السلام إن شاء الله تعالى - وكذا قد دفع عنه غير مرة كما دريت ومع ذلك كلّه يتنبّه ولم ينته فكان عثمان آثماً في أفعاله المخالفة للدين ومصراً عليها ولا كلام أن معاونة الإثم إثم أيضاً فلو تظاهر عليه بالإثم كان علیه السلام آثماً قال تعالى : «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ» [المائدة: 2] وذمّ تعالى قوماً أيضاً في الكتاب بقوله: «وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسْارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَان» الآية [المائدة: 62] .
الثّاني أنّه علیه السلام أراد منه : أنّي والله لقد دفعت عنه كرّة بعد كرّة حتّى خشيت أن ألقى نفسي في الهلكة ويقتلني النّاس وقتل النّفس حرام فمن ارتكبه آثم. الثّالث أن يكون المراد أني خشيت الإثم بما نلت منهم لما جاهدتهم في الدفع عنه من الضرب والشتم وغلظ القول وأمثالها.
1) الغدير : 182/9 ، وتاريخ الطبري : 407/3.
تنبيه
لا شبهة أن الآيات والأخبار التي جاءت في فضيلة الجهاد لا ينالها يد إنكار بل هي من ضروريات الدّين فلو كان عثمان إماماً عدلاً مستحقاً للدفاع عنه لرأى عليّ علیه السلام الجهاد دونه واجباً سواء كان قتل أو قتل وما يتفوه بقوله : ما يريد إلا أن يجعلني جملاً ناضحاً، أو بقوله : لقد خشيت أن أكون آثماً. فتبصّر.
الترجمة
این یکی از کلام امیرالمؤمنین (علیه السلام) است که به عبدالله بن عباس فرمود. ابن عباس از جانب عثمان هنگامی که محصور بود و مردم گرد خانه او را در مدینه محاصره کرده بودند نزد آن حضرت آمد که آن بزرگوار از مدینه بیرون رود و به ینبع که از آن حضرتش بود به سر برد تا مردم نامش را برای خلافت کمتر یاد کنند و بدان شعار ندهند و فریاد نزنند و مثل این خواهش را پیش از این باره نیز از آن جناب کرده بود؛ امیرالمؤمنین (علیه السلام) در جواب ابن عباس فرمود:
ای پسر عباس! عثمان جز این نمی خواهد که مرا چون شتر آبکش ،گرداند بیایم و بروم (مسخّر او باشم)، يك بار به من فرستاد که (از مدینه) بیرون رو (و در ينبع باش) باز فرستاد که (از ینبع بیا) اکنون باز میگوید که از مدینه بیرون رو و در ينبع به سر ببر سوگند به خدا بس که (در حق او دفاع کردم و مرگ و دشمن را) از او دفع کردم، بیم آن دارم که گناهکار باشم.
واللهُ مُسْتَأديكُمْ شُكُرَهُ، وَمُوَرْثُكُمْ (أو - مُورِثُكُمْ) أَمْرَهُ، وَمُمْهِلُكُمْ في مضمارٍ مَمْدُودٍ (1)لِتَتَنَازَعُوا سَبَقَهُ، فَشُدُّوا عُقَدَ الْمَآزِرِ، واطْرُوا فُضُولَ الْخَواصِرِ، لا تَجْتَمِعُ عَزِيمَةٌ وَوَلِيمَةٌ. مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزائِمِ الْيَومَ وأَمْحَى الظُّلم لتذاكيرِ الْهِمَم.
يقال: استأدى فلاناً مالاً إذا صادره وأخذه منه. واستأديت ديني عند فلان أي طلبته وفي «كنز اللغة» استنداء طلب أداى چیزى کردن فقوله علیه السلام (مستأديكم شكره) أي طالب منكم أدائه على نعمه (ممهلكم) أي معطيكم مهلة، يقال أمهله إذا أنظره وأجله، (مضمار) الموضع
، الذي تضمر فيه الخيل للسباق أي تحضر له لتنازعوا وتتنافسوا في سبقه المضمار أيضاً مدة تضمير الخيل، أي اسم للمكان والزمان وجاء بمعنى غاية الفرس في السباق أيضاً. (سبق) في الصحاح : السبق بالتحريك : الخطر الذي يوضع بين أهل السباق. يعني هو الخطر الذي يتراهن عليه المسابقون ويأخذه السابق منهم. وفي «منتهى الأرب»: سبق محرکة : آنچه گروبندند بر براست دوانیدن و تیرانداختن و جزآن، أسباق جمع (العقد) العقدة كالغرف جمع الغرفة أي ما يمسك الشيء ويوثقه . (المآزر) جمع المئزر والمنزرة أي الإزار كاللّحاف والملحف والملحفة جمعها ملاحف. (اطووا) من الطيّ وأصل الطيّ: الثني والقبض وضدّ النشر. قال الشعر:
طوتك خطوب دهرك رك بعد نشر
(الخواصر) جمع الخاصرة أي الشاكلة وفي «منتهى الأرب» خاصرة كصاحبة قال الحسين بن مطير في أبيات له (الحماسة 460).
مخضرة الأوساط زانت عقودها *** بأحسن ممّا زيّنتها عقودها
يريد أنها دقيقة الخصور غير واسعة الجنوب. وقال آخر :
فتى لا يرى قدّ القميص بخصره *** ولكنّما تفرىّ الفرى مناك
1) في نسخة محدود.
(الوليمة) طعام العرس وقيل كلّ طعام صنع لدعوة أو غيرها وقبل كلّ طعام يتخذ لجمعٍ الجمع ولائم لكنها ههنا كناية عن لذّات الدنيا وخفض العيش والدعة.
و(الظلم) كالغرف جمع الظلمة كالغرفة والمراد بها الليل و(التذاكير) جمع تذكار لأن التذكرة جمعها تذاكر
اللام من (لتتنازعوا) جارة للتعليل متعلقة بالممهل والفعل منصوب بأن الناصبة المصدرية المقدرة أي لأن تتنازعوا. والفاء في (فشدّوا) فصيحة تنبىء عن محذوف يدلّ عليه ما قبلها أي إذا أمهلكم الله في مضمار لتتنازعوا سبقه فشدّوا عقد المآزر. و(ما أنقض) (وأمحى) صيغتا تعجب أي وما أمحى الظلم.
كلامه علیه السلام في التحريص على القتال والحثّ على الجهاد وفضل المجاهدين وفي ذم القاعدين عنه ذكر في عدة مواضع من النهج كلّها كاف شاف لفظاً ومعنى على حدّ لا يتأتى لأحد أن ينسج المعاني بالألفاظ بذلك المنوال ومن تأمّلها حق التأمّل درى أنها فوق كلام المخلوق.
على أنّها كما تدلّ على قدرة بيانه كذلك يدلّ على كمال شجاعته وقدرته الروحيّة ومما بلغ إلى حدّ التواتر أنّ صولته وسطوته وشجاعته أعجزت الأبطال وقد أقرّ أعداؤه بذلك ما ولى علیه السلام عن أحد قط مع طول ملاقاته الحروب وكثرة من لاقاه من صناديد الأعداء أعداء ومن تأمل الأخبار في الغزوات علم أن قواعد الإسلام ثبتت بجهاده علیه السلام وأن هذه القوة ما كانت بقوة جسدانية بل بتأييدات إلهيّة كما قال علیه السلام : والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية بل بقوة إلهيّة (1)ونعم ما أشار إليه العارف الرومي :
این چراغ شمس کوروشن بود *** نز فتیله پنبه وروغن بود
سقف گردون کانچنین دائم بود *** نز طناب واستنی قائم بود
قوّت جبریل از بخ نبود *** بود از دیدار خلاق ودود
همچنین این قوّت ابدال حق *** هم زحق دان نز طعام و از طبق
جسمشان راهم زنور اسرشته اند *** تاز روح و از ملک بگذشته اند
1) شرح أصول الكافي : 207/3 ح 1 .
على أنه علیه السلام في بعضها يعلّم فنون الحرب وفي بعضها قانون تعبية العسكر وفي بعضها وظيفة المجاهد قبال الخصم من الأفعال والأقوال لإرشاده وهدايته وفي بعضها وظيفته قباله للحراب والقتال كقوله علیه السلام : أنه تعالى يحبّ الذين يقاتلون في سبيله صفّاً كأنّهم بنيان مرصوص فقدّموا الدارع وأخّروا الحاسر وعضّوا على الأضراس فإنّه أنبا للسيوف على الهام والتووا في أطراف الرماح فإنّه أمور للأسنة وغضوا الأبصار فإنّه أربط للجاش وأسكن للقلوب وأميتوا الأصوات فإنّه أطرد للفشل وأولى بالوقار. ورايتكم فلا تميلوها ولا تخلّوها ولا تجعلوها إلّا في أيدي شجعانكم فإنّ المانعين للذمار والصّابرين على نزول الحقائق أهل الحفاظ الذين يحفّون براياتهم ويكشفونها رحم الله امرءُ منكم آسا أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه فيكتسب بذلك لائمة ويأتي به دناءة ولا تعرضوا لمقت الله ولا تفروا من الموت فإنّ الله سبحانه تعالى يقول: «قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا» [الأحزاب: 16] وأيم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلموا من سيف الآخرة فاستعينوا بالصبر والصّلاة والصدق في النية فإن الله تعالى بعد الصبر ينزل النصر .
ولو تعرضنا لكلماته علیه السلام في الجهاد والمجاهد لكثر بنا الخطب فالأولى بنا الآن أن يثني القلم إلى تفسير جمل كلامه هذا علیه السلام.
قوله علیه السلام : (والله مستأديكم شكره) أي إن الله تعالى طالب منكم أداء شكره على نعمه والقيام به كما أمر به في مواضع كثيرة من كتابه كقوله تعالى: «وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعبُدُونَ» [البقرة : 172] وقوله تعالى : «وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ» [البقرة: 172] وقوله تعالى: «وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ» [النحل: 114] وغيرها من من الآيات.
ثمّ إنّ ههنا كلاماً وهو أن كلامه علیه السلام يكون في حثّ أصحابه على الجهاد وأي ارتباط لقوله علیه السلام «والله مستأديكم شكره بالجهاد؟ الجواب أنّ أداء الشكر بازاء نعمته إنما هو باختلاف النعم وموارده فكما أنّ التوبة عن المعاصي مثلاً ليست التكلّم بالاستغفار أو تبت وأمثالهما بل التوبة على الغصب إنّما ردّ مال الغير إليه والعزم على تركه في الاستقبال والتوبة على ترك الصّلاة قضاؤها كذلك وهكذا في كلّ معصية كانت التوبة بحسبها، كذلك شكر النعمة إنما يكون بحسبها فقد يكفى التكلم بالحمد لله مثلاً في أداء الشكر بإزاء نعمة ولما كان دين الله وكتابه الحاوي لسعادة الدارين والداعي إلى الخير والهدى من أعظم نعمه فمن كفر بهذه النعمة العظمى فقد خسر خسراناً مبيناً وعدم الكفران بها وأداء الشكر لها أن يتنعّم بها ويحفظها ويمنعها من كيد الأجانب وسبيله الجهاد فالله يطالب أداء شكره بإزاء هذه النعمة الكبرى أي الجهاد في سبيله لحفظ الدين ورفع كيد المعاندين والحمد الله ربّ العالمين.
قوله علیه السلام : (ومورثكم أمره) أمره تعالى هو سلطانه ودولته الحقة في الأرض يورثه عباده الصالحين والمحافظين على رعاية أمره ونهيه من إقامة الصّلاة وأداء الزكاة والقيام بالجهاد وغيرها من الفرائض والانتهاء مما نهى وحرّم قال : عزّ من قائل: «وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(139)» [آل عمران: 139) وقوله تعالى: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا» [النور: (55) وقوله تعالى: «وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا» [الأحزاب: 27]. وقوله تعالى: «فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ» [محمد : 35] .
ثمّ إنّ كلامه علیه السلام هذا يشير أيضاً إلى أن أمر الدولة سيرجع إليكم ويزول أمر بني أميّة كما أفاد الفاضل الشارح المعتزلي.
قوله علیه السلام : (وممهلكم في مضمار ممدود لتتنازعوا سبقه) وفي بعض النسخ في مضمار محدود وكلاهما حقّ فإن المضمار الممدود أي العمر محدود لا محالة : «فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ» [النحل : 61].
شبه علیه السلام الآجال المقدّرة التي ضربت للناس أعني مدّة حياتهم بالمضمار للخيل لغاية السبق فإن الدّنيا متجر أولياء الله ومكسب الصلحاء ليس للإنسان إلا أن يسارع إلى مغفرة من ربّه ويسابق غيره في الإتصاف بالأوصاف الإلهيّة والتخلق بالأخلاق الربّانيّة حتّى يتقرب إلى حضرته جلّ وعلا، فإن تلك الغاية القصوى هي سبق السالكين ومنتهى رغبة الراغبين.
ثمّ لما كان كلامه علیه السلام في الحثّ على الجهاد فلا بد أن يكون دالاً على فضل المجاهدين خاصّة فيحرصهم بالمنافسة في سبق مضمار القتال مضمار القتال وهو الجنّة والرضوان والغفران والحياة الطيبة والعيش الرغد، وقال علیه السلام في بعض خطبه الماضية في تحضيضه على القتال : معاشر المسلمين إن الله قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم وتشفى بكم على الخير العظيم: الإيمان بالله وبرسوله والجهاد في سبيله وجعل ثوابه مغفرة الذنب ومساكن طيبة في جنات عدن إلى آخر ما قال .
وكذا قال علیه السلام في (الخطبة 27) : أمّا بعد فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه الله لخاصّة أوليائه إلى آخرها.
وقال عزّ من قائل: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)» «فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)» «يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)» آل عمران: 169 - 171].
قوله علیه السلام : (فشدوا عقد المآزر) عقد الإزار كناية عن الجدّ والتشمير يقال : فلان شدّ عقد إزاره أو كشف عن ساقيه أو شمّر عن ساقيه أو شمّر ذيله إذا تهيأ لأمر هائل وخطب عظيم وفظيع لانّ من عادة النّاس أن يشدّوا عقد إزارهم أو يشمّروا عن سوقهم وذيولهم ويقلصوا أكمامهم عند الأمور الصعبة لأن الشدّو والتشمير عندها أمكن للقراع والدفاع فإنّ من شدّ عقد الإزار أمن من انحلاله ولا يشغله عما هو بصدده فيمضي في عمله غير خائف على أنه كان أسرع للمشي وأبعد عن العثار كما إذا شد وضين الإبل والخيل ونحوهما أمن القتب أو الهودج أو السرج وأمثالها ومن عليها من الإضطراب بخلاف إذا كان قلقاً. وقالت العوراء ابنة سبيع (الحماسة (395) .
طيّان طاوى الكشح لا *** یرخی لمعظلمة ازاره
تريد أنه عقد الإزار شديداً إذا نابته النوائب لا يرخى إزاره، وكذا من شمّر ذيله قال قيس بن زهير بن جذيمة العبسي :
وإذا شمّرت لك عن ساقها *** فویها ربیع فلا تسام
وقال الآخر:
قد شمرت عن ساقها فشدّوا *** وجدّت الحرب بكم فجدّوا
وكذا يقال لأمر هائل اشتدّ أنّه شمّر أو شمّر عن ساقيه. قال الشّاعر (الحماسة 640).
ومستعجل بالحرب والسلم حظه *** فلمّا استثيرت كلّ عنها محافره
وحارب فيها بامری حین شمّرت *** من القوم معجازِ لئيم مكاسره
أي حين شمّرت وكشفت الحرب عن ساقيها. وفي «الإتقان في علوم القرآن» للسيوطي (ص 129 طبع مصر 1318 هـ ) ممّا سأل نافع بن الأرزق ابن عباس أنّه قال له: أخبرني عن قوله تعالى : «يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ» قال : عن شدّة الآخرة أما سمعت قول الشاعر :
قد قامت الحرب بنا عن ساق
قوله علیه السلام : (واطووا فضول الخواصر) الظاهر والأنسب في المقام أن مراده علیه السلام من هذه الجملة كالتي سبقتها إرشاد إلى الجدّ والتهيأ للقتال فإن لثياب العرب سعة فاضلة فإذا طووا فضول الخواصر عليها وقلّصوا الذيول كان القتال والمشي لهم أهون وأمكن فإن الفضول تمنع عن الجلد والإسراع وتعوق عن السبق والحراك.
بربسته میان و در زده ناوك *** بگشاده عنان و در چده دامن
أو أنّ مراده علیه السلام أن ما طال من الثياب التفّوه واطووه على الخاصرة وذلك لأنّ من شرع بجدّ واجتهاد في عمل يطوي ما فضل من إزاره طولاً ويلتف بقدميه على خاصرته
ويجعله محكما فيها لئلا يمنعها عن المشى والجد والسراع، وكأنّما أراد هذا المعنى من قال: قوله علیه السلام واطووا فضول الخواصر أي ما فضل من مآزركم يلتفّ على أقدامكم فاطووه حتّى تخفوا في العمل ولا يعوقكم شيء عن الإسراع في عملكم.
وبالجملة على الوجه الأوّل طيّ ما فضل وزاد من الثياب عرضاً وسعة على الخاصرة وعلى الثاني طيّ ما فضل وزاد طولاً عليها.
ويمكن أن يجعل الأمر بطيّ فضول الخواصر كناية عن النهي عن كثرة الأكل لأنّ الكثير الأكل لا يطوى فضول خواصره لامتلائها بل يملئها والقليل الأكل يأكل في بعضها ويطوى بعضها على أن البطنة تذهب الفطنة وتمنع عن الحملة على الفتنة وكانت العرب عند الحب تمسك عن الأكل والشبع لذلك وكثيراً ما يوجد في أشعارهم وأمثالهم مدح خميص البطن، يابس الجنبين، منضم الضلوع، متقارب الجنبين، أهضم، طاوى الكشح، مطويّ الكشح والجنب، طبّان صغير البطن، مهضوم الجنبين، قليل الطعم، طيّ البطن، ضامر البطن ونظائرها الكثيرة المتقاربة المعنى كما يوجد في أمثال الفرس وأشعارهم مما لا يحصى كثرة
قال السعدي:
اسب لاغر میان بکار آید *** روز میدان نه چاو پرواری
وذهب إلى هذا المعنى الشارح الفاضل المعتزلي وأتى بثلاثة أبيات شاهداً حيث قال : قال الشاعر :
كلوا في بعض بطنكم وعفّوا *** فإن زمانكم زمن خمیص
وقال أعشى باهلة :
طاوى المصير على العزا متصلت *** بالقوم ليلة لا ماء ولا شجر
وقال الشنقري :
واطوى على الخمص الحوايا كما انطوت *** خيوطة ماري تغار وتفتل وذهب الشارح الفاضل البحراني إلى أنّ طيّ فضول الخواصر كناية عن الأمر بترك ما يفضل من متاع الدنيا على قدر الحاجة من ألوان الطعوم والملابس وسائر قينات الدنيا وأصله أن للخواصر والبطون احتمال أن يتسع لما فوق قدر الحاجة من المأكول فذلك القدر المتسع لما فوق الحاجة هو فضول الخواصر وكنّى بطيّها عمّا ذكرناه من لوازم ذلك الطي ترك تلك الفضول. انتهى .
أقول : بيان البحراني رحمه الله : وإن كان له مناسبة مّا بالجهاد فإنّ المجاهد يعرض عن نفسه والدّنيا وما فيها، لكن إرادة هذا المعنى من قوله علیه السلام يخلو من تكلف بل يعيد جدّاً
غاية البعد وإلا فإن من كلام إلّا وله مناسبات بعيدة وملازمات غريبة والصواب أن يفسّر قوله علیه السلام الآتي : «لا تجتمع عزيمة ووليمة» بهذا المعنى أو قريب منه. ولو قيل : فليكن هذه الجملة التالية قرينة على إرادة ذلك المعنى من الأولى ردّ بلزومه التكرار والتأسيس خير منه ولو كان تأكيداً. فتأمّل.
قوله علیه السلام : (لا تجتمع عزيمة ووليمة) أي من أهتمّ بأمر وأراد إرادة جازمة على تحصيله واقتنائه لا بدّ أن يغضى عينه عن اللّذات والدّعة وخفض العيش فكنى بالوليمة عنها كما مضى ولا تقتنى الفضائل النفيسة إلّا بالكفّ عن اللّذائذ النفسيّة ولا تنال درجات الكمال إلا بمقاساة الشدائد وركوب الأهوال ونعم ما قال المتنبيّ :
لولا المشقة ساد النّاس كلّهم *** فالجود يفقر والإقدام قتّال
قال الله تعالى: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(214)» [البقرة : 214] .
قوله علیه السلام : (ما أنقض النوم العزائم اليوم): هذه الجملة والتي تليها بصيغة التعجب وهما تؤكّدان الأولى والمراد واحد أي أن الاشتغال بالمشتبهات الدنيّة البدنيّة يثبط الإنسان على الوصول إلى المقامات العالية. فإن من عزم على أمر في اليوم فنام لم ينجح بالمراد فيكون نوم يومه ناقض روم يومه، أو إذا عزم في اليوم على أمر يفعله في اللّيل أو في الغد باكراً ونام في اللّيل لم يظفر بالحاجة كالمسافر مثلاً إذا أراد في اليوم أن مسافة طويلة تلازم الأقدام بها بكرة حتى ينال المطلوب فنام ولم يباكر لم يفز به وما اجاد قول السعدي بالفارسية :
خواب راب نوشین بامداد رحیل *** باز دارد پیاده را ز سبیل
قوله علیه السلام : (وأمحى الظلم لتذاكير الهمم) لأن من اهتم في اليوم مثلاً بعمل في اللّيل وإذا جاء اللّيل غلبه النوم تمحو الظلمة أي يمحو نوم الليل ذلك التذكار . قال المتنبي :
بقدر الكدّ تكتسب المعالی *** ومن طلب العلى سهر اللّيالي
تروم العزّ ثم تنام لیلا *** يغوص البحر من طلب اللّئالي
الترجمة
از جمله کلمات بلاغت نظام اسدالله الغالب كرّار غير قرار على بن ابي
طالب (علیه السلام) است که یاران خود را بر جهاد برمی انگیزاند:
خداوند ادای شکر را از شما خواهان است و امرش را به شما ارث دهنده (یعنی دولت حق و سلطان و حکومت الهی به دست دوستان خدا و صالحان خواهد آمد؛ "وَعَد الله الذين آمنوا مِنكم وَ عَمِلوا الصالحاتِ لَيَستخلِفَنَّهم في الأرض ؛ نور/ 55) و شما را در میدان محدود عمر مهلت داده است تا با یکدیگر مسابقت کنید و گوی سبقت را بربایید پس بندمیان را استوار کنید و دامن در چینید که آهنگ کار با تن پروری درست نیاید ،خواب عزیمت روز را چه خوب شکننده و بستر شب یاد همّت ها را چه نيك نابود کننده است.
مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْكُوفَةِ جَبْهِةَ الأَنْصَارِ وَسَنامِ الْعَرَبِ أَمّا بَعْدُ فَإِنِّي أُخبرُكُمْ عَنْ أَمْرِ عُثمانَ حَتَّى يَكُونَ سَمْعُهُ كَعِيانِه : إِنَّ النَّاسَ طَعُنُوا عَلَيْهِ فَكُنْتُ رَجُلاً مِن الْمُهاجِرينَ أَكثرُ اسْتِعْتابَهُ وَأَقِلْ عِتابَهُ وكانَ طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ أُهْوَنُ سَيْرِهِما فيه الوجيفُ ، وأَرْفَقُ حِداثِهِمَا العَنيفُ، وكان مِنْ عَائِشَةَ فِيهِ فَلْتَهُ غَضَبٍ فَأُتِيحَ لَهُ قَوْمٌ فَقَتَلُوهُ، وَبَايَعني النَّاسُ غَيرَ مُسْتَكْرِهِينَ وَلَا مُجْبَرِينَ، بَلْ طائِعينَ مُخيَّرينَ. واعْلَمُوا أَنْ دارَ الْهِجْرَةِ قَدْ قَلَعَتْ بِأَهْلِها وَقَلَعُوا بِها، وجاشَتْ جَيْشَ الْمِرْجَلِ وَقَامَتِ الْفِتْنَةُ عَلَى الْقُطْبِ، فَأَسْرِعُوا إلى أميركُمْ وبادِرُوا جهادَ عَدُوِّكُمْ إِنْشَاء الله(1).
قول الرضي رضوان الله عليه: عهوده إلى عمّاله يقال : عهد إلى فلان أوصاه وشرط عليه، قال الجوهري في الصحاح: العهد: الأمان، واليمين، والموثق، والذمة، والحفاظ، والوصيّة وقد عهدت إليه أي أوصيته ومنه اشتق العهد الذي يكتب للولاة. وفي المنجد: العهد ما يكتبه وليّ الأمر للولاة يأمرهم فيه باجراء العدالة وكان يعرف بالفرمان والجمع عهود والوصايا جمع الوصية كغنية بمعنى النصيحة ويقال بالفارسية : أندرز، وهو اسم من الإيصاء: وبمعنى ما يعهده الإنسان بعد وفاته من وصي يصى إذا وصل الشيء بغيره لأن الموصي يوصل تصرفه بعد الموت بما قبله والأخير هو المقرر في كتب الفقه وفي هذا الباب يذكر وصاياه علیه السلام على كلّ واحد من المعنيين.
قوله علیه السلام : (جبهة) الجبهة للنّاس وغيره معروفة وهي ما بين الحاجبين إلى قصاص مقدم الرأس أي موضع السجود من الرأس ولذا سمّي المنزل العاشر من منازل القمر جبهة لأن كواكبها الأربع كالجبهة للكواكب الموسومة بالأسد ويقال: جبهة الأسد لذلك. في الصحاح واللّسان، الجبهة من الناس بالفتح : الجماعة يقال جاءتنا جبهة من الناس أي جماعة منهم.
1) شرح نهج البلاغة : 6/14 ، وبحار الأنوار: 84/32 ح 56 .
وعلى الأول يقال لأعيان النّاس وأشرافهم وسادتهم ورؤسائهم جبهة من حيث إنّ الجبهة أعلا الأعضاء وأسناها وتسميتهم بذلك كتسميتهم بالوجوه. والمراد بالأنصار ههنا الأعوان وليس يريد بهم بني قبيلة والأنصار جمع نصير كشريف وأشراف لا جمع ناصر لأنّه يجمع على النّصر كصاحب وصحب .
(السنام) بفتح أوله كالسحاب: حدبة في ظهر البعير، الجمع: أسمنة. ويقال بالفارسيّة : کوهان شتر. ومن حيث إن السنام أعلا أعضاء البعير يقال لأعلا كلّ شيء سنامه قال حسّان بن ثابت :
وإنّ سنام المجد من جد من آل هاشم *** بنو بنت مخزوم ووالدك العبد وكذا يقال السنام لمعظم كلّ شيء ومنه الحديث : الجهاد سنام الدين ولذا يقال لكبير القوم ورفيعهم سنامهم كما هو المراد من قوله علیه السلام سنام العرم. والصواب أن يكون السنام قرينة على أن المراد بالجبهة هو معناها الأوّل . (العيان) بالكسر كالضراب مصدر عاين يقال عاينه معاينة وعياناً إذا شاهده ورآه بعينه لم يشك في رؤيته إياه . (طعن) فيه وعليه بالقول طعناً وطعناناً من بابي نصر ومنع : قدحه وعابه. وهو في الأصل كما في المفردات للراغب : الضرب بالرمح وبالقرن وما يجرى مجراهما ثمّ استعير للوقيعة قال الله تعالى: «وَطَعْنَا فِي الدِّينِ وَطَعَنُوا في دينكم» [التوبة: 12] .
(الإستعتاب) من الأضداد يقال استعتبه إذا أعطاه العتبي وكذا إذا طلب منه العتبى، العتبى هی الرضا. يقال : استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني قال الله تعالى: «وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ» [فصلت: (24] فالمعنى على الوجه الثاني أني طلبت منه العتبى والرضا بمعنى أن يرجع عمّا أحدث ممّا صار سبب سخط القوم وطعنهم عليه حتّى يرضوا عنه. وهذا هو الأنسب بالمقام أو طلبت القوم العتبى له على ما سيتضح في الشرح إنشاء الله تعالى وفي الكنز :استعتاب خوشنودی خواستن وآشتی خواستن و بازگشتن خواستن از بدی و غیر آن.
في قوله علیه السلام : (أقل عتابه) لطيفة لغوية لم يتعرضه الشراح والمترجمون بل في تفسيره عدلوا عن الصواب وذلك لأن كلمة أقلّ ليس بمعنى أقلّ الشيء إذا جعله قليلاً أو أتى بقليل وبالجملة أن معنى أقل ليس قبال أكثر وإن جعل قباله في اللّفظ كما ذهب إليه القوم على ما هو ظاهر كلام الشارحين المعتزلي والبحراني وصريح ترجمة المولى فتح الله القاساني حيث قال : و کم میگردانیدم سرزنش او را والمولى الصالح القزويني حيث قال: وكتمر وقت عتاب
مینمودم، وكذا غيرهما من المترجمين بل الصواب أنّ المراد من أقل هنا النفي أي ما عاتبت عليه وهذا اللفظ يستعمل كثيراً في نفي أصل الشيء قال الفاضل الأديب ابن الأثير في مادة - ق ل ل - من النهاية: وفي الحديث أنه كان يقلّ اللغو أي لا يلغو أصلاً وهذا اللفظ يستعمل في نفي أصل الشيء كقوله تعالى: «فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ» انتهى قوله.
والشيخ الإمام أبو علي أحمد بن محمّد بن الحسن المرزوقي الأصفهاني في شرحه على الإختيار المنسوب إلى أبي تمام الطائي المعروف بكتاب الحماسة (طبع القاهرة 1371 هـ- 1951 م) في شرح الحماسة 13 لتأبط شراً (ص 95) قوله :
قليل التشكّي للمهمّ يصيبه *** كثير الهوى شتّى النوى والمسالك
قال : واستعمل لفظ القليل، والقصد إلى نفي الكلّ، وهذا كما يقال فلان قليل الإكتراث بوعيد فلان، والمعنى لا يكترت، وعلى ذلك قولهم : قلّ رجلٌ يقول كذا، وأقلّ رجل يقول كذا، والمعنى معنى النفي، وليس يراد به إثبات قليل من كثير.
ثمّ قال : فإن قيل : من أين ساغ أن يستعمل لفظ القليل وهو للإثبات في النفي؟ قلت: إنّ القليل من الشيء في الأكثر يكون في حكم ما لا يعتدّ به ولا يعرّج عليه لدخوله بخفة قدره في ملكة الفناء والدروس والإمّحاء، فلمّا كان كذلك استعمل لفظه في النفي على ما في ظاهره من الإثبات محترزين من الردّ ومجملين في القول، وليكون كالتعريض الذي أثره أبلغ وأنكى من التصريح، وقوله : «كثير الهوى» طابق القليل بقوله كثير من حيث اللفظ لا أنّه أثبت بالأول شيئاً نزراً فقابله بكثير.
وفي شرح الحماسة 105 ص (322) قول الشاعر :
فقلت لها لا تنكريني فقلّ ما *** يسود الفتى حتّى يشيب ويصلعا
قال : وقوله «قلّ ما» يفيد النفي هنا وما تكون كافةً لقلّ عن طلب الفاعل وناقلةً له عن الإسم إلى الفعل، فإذا قلت : قلّ ما يقوم زيد فكأنك قلت ما يقومُ زيد يدلّ على ذلك أنّهم قالوا : قلّ رجل يقول ذاك إلا زيد، وأجرى مجرى ما يقول ذاك إلّا زيد.
وفي شرح الحماسة 165 لتأبط شرا أيضاً (ص 492) قوله:
قليل غرار النوم أكير همّه *** دم الثّار أو يلقى كميّاً مسفّعاً
قال : فإن قيل ما معنى قليل غرار النوم؟ وإذا كان الغرار القليل من النّوم بدلالة قولهم ما نومه إلّا غراراً فكيف جاز أن تقول : قليل غرار النّوم وأنت لا تقول هو قليل قليل النوم؟ قلت : يجوز أن يراد بالقليل النفي لا إثبات شيء منه والمعنى: لا ينام الغرار فكيف ما فوقه؟
وفي شرح الحماسة 271 لدريد بن الصمة (ص 819) قوله :
قليل التشكّى للمصيبات حافظ *** من اليوم أعقاب الأحاديث في غد
قال : يريد بقوله «قليل» نفي أنواع التشكّي كلّها عنه ؛ على هذا قوله تعالى: «فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ» :وقولهم : قلّ رجلٌ يقول كذا وأقلّ رجل يقول ذاك: والمعنى أنّه لا يتألم للنوائب تنزل بساحته والمصائب تتجدد عليه في ذويه وعشيرته وأنه يحفظ من يومه ما يتعقب أفعاله من أحاديث النّاس في غده إلخ .
وفي شرح الحماسة 447 لمحمّد بن أبي شحاذ (ص 1201) قوله :
وقلّ غناء عنك مال جمعته *** إذا كان ميراثاً وواراك لاحد
قال : المراد بذكر القلّة هاهنا النفي لا إثبات شيء قليل فيقول: لا يغني عنك مال تجمعه إذا ذهبت عنه وتركته لورثتك إلخ .
وفي مفردات الراغب: وقليل يعبّر به عن النفي نحو قلّما يفعل كذا إلّا قاعداً أو قائماً وما يجري مجراه وعلى ذلك حمل قوله تعالى: «قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ».
وإنّما فسّروا قوله تعالى: «فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ» بنفي الإيمان عنهم لأن ظاهر الآية تدلّ على ذلك قال تعالى: «أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)» [البقرة : 87 ، 188] وإن كان يمكن أن تجعل الآية المتقدّمة عليها وهي قوله تعالى : «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ
ببَعْضٍ» [البقرة: 85] قرين على إرادة القلّة في قبال الكثرة فيها أو يؤوّل بوجوه أخرى على استفادة ذلك المعنى كما ذكر في التفاسير ولكن إفادة القليل معنى النفي في كلام العرب كثير، ففي مجمع البيان في تفسير هذه الآية قال: والذي يليق بمذهبنا أن يكون المراد به لا إيمان لهم أصلا وإنما وصفهم بالقليل كما يقال قلّ رأيت هذا قطّ أي ما رأيت هذا قطّ.
وإنما اخترنا النفي من قوله علیه السلام : أقل عتابه، وأعرضنا عن حمله على ظاهره لدقيقة نأتي بها في الشرح.
وليعلم أن هذه اللّفظة قد يستعمل في الكثرة على ما صرّح به المرزوقي في شرح الحماسة أيضاً حيث قال : وقالوا أيضاً أقلّ رجلٍ يقول ذاك إلّا زيد وأنّهم أجروا خلافه مجراه فيقول : كثير ما يقول زيد وعلى ذلك هذا البيت.
صددت فأطولت الصدود وقلّما *** وصال على طول الصدود يدوم
انتهى (ص 322 شرح الحماسة 105).
ولا يخفى أن هذا الاستعمال نزر جدّاً بخلاف الأول.
واعلم أنه يمكن أن يكون قوله علیه السلام : «أقل عتابه» من أقل فلان الشيء إذا أطاقه وحمله ورفعه. قال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ» [الأعراف : 57] أي حملت الرماح سحاباً بأثقالا، ومنه قوله صلی الله علیه و آله و سلّم في أبي ذر رحمة لله : «ما أظلت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق من أبي ذر» ووجه التفسير على هذا الوجه يعلم في الشرح إن شاء الله تعالى.
ففي الجمع بين أقل بهذا المعنى بل بالمعنى الأوّل أيضاً تحسين بديع وهو مراعاة النظير من وجوه تحسين الكلام المقرر في فنّ البديع ومراعاة النظير أن يجمع بين معنيين غير متناسبين بلفظين يكون لهما معنيان متناسبان وإن لم يكونا مقصودين ههنا نحو قوله تعالى : «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6» وبالفارسية نحو قول الشاعر:
هرچه آن خسرو کند شیری بن بود
(عتاب) بالكثر مصدر ثان من باب المفاعلة كضراب يقال عاتبه عليه معاتبة وعتاباً إذا لامه وواصفه الموجدة وخاطبه الإدلال. (الوجيف) وجف الشيء بمعنى اضطرب قال تعالى: «قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ رَاجِفَةٌ» والوجيف ضرب من سير الإبل والخيل فيه سرعة واضطراب، أو جفت البعير: أسرعته. وفي أقرب الموارد: وجف الفرس والبعير: عدا وسار العنق، وفي حديث علي : أهون سيرهما في الوجيف (حداء) بكسر أوله وضمّه أيضاً ككتاب وذباب واوي من حدو: سوق الإبل والغناء لها. يقال حدا الإبل يحدو حدواً وحُداءاً وحِداءٌ من باب نصر ساقها وغنّى لها فهو حادٍ. يقال حدت الريح السحاب أي ساقتها. (العنيف) الشديد من القول والسير. والذي ليس له رفق بركوب الخيل. عنف به وعلیه من باب کرم لم يرفق به وعامله بشدة. (الفلتة) بالفتح في الصحاح : يقال : كان ذاك الأمر فلتة أي فجأة إذا لم يكن عن تردّد ولا تدبّر. وفي أقرب الموارد: حدث الأمر فلتة أي فجأة من غير تردّد ولا تدبّر حتّى كأنّك اقتلت سريعاً قال: يقال: كانت بيعة أبي بكر فلتة .
(أُتيح) تاح له الشيء يتوح توحاً من باب نصر وأُتيح له الشيء قدّر له وتهيّىء وأتاح الله له الشيء أي قدّره له، قاله في الصحاح. قال أنيف بن حكيم النّبهاني : وتحت نُحور الخيل حرشف رجلة *** تتاح لغرّات القلوب نبالها
وهو من أبيات الحماسة (الحماسة 33 و 209) وصفهم بأن نبالهم تقدر للقلوب الغارة.
(مستكرهين) قال الفاضل الشارح المعتزلي : وقد ذكر أن خط الرضي رضوان الله عليه مستكرهين بكسر الرّاء والفتح أحسن وأصوب وإن كان قد جاء استكرهت الشيء بمعنى كرهته انتهى .
أقول : الاستكراه قد جاء بمعنى الإكراه كما جاء بمعنى عدّ الشيء ووجدانه كريهاً ومن الأوّل حديث رفع عن أمتي الخطاء وما استكرهوا عليه. أي ما أكرهوا عليه فلو قرىء المستكرهين بفتح الراء لكان بمعنى المكرهين والإكراه والإجبار واحد. وقالوا في المعاجم : أكرهه على الأمر: حمله عليه قهراً، وكذا قالوا أجبره على الأمر أكرهه عليه . فلو قرىء بالفتح للزم التكرار لأنه والمجبرين حينئذ بمعنى واحد فالكسر متعين كما اختاره الرضي. والمستكره بالكسر بمعنى الكاره أي ناخوش و ناپسندداد نده يقال : استكرهت الشيء أي كرهته كما أشار إليه الفاضل الشارح، وفي منتهى الأرب في لغة العرب: استكراه: بنا خواست وستم بر کاری داشتن. و ناخوش شمردن.
والمراد بدار الهجرة مدينة الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم و والمنقول من الراوندي رحمه الله أن المراد بدار الهجرة ههنا الكوفة التي هاجر أمير المؤمنين عليّ علیه السلام إليها.
أقول: وهذا عجيب جدّاً وإنما هو من طغيان قلمه هو من طغيان قلمه رحمه الله لأنَّ أمير المؤمنين علیه السلام حين كتب الكتاب إليهم كان نازلاً في ذي قار بعيداً عن الكوفة ولم يصل إلى الكوفة ولم يقم فيها بعد فكيف يكتب إليهم يخبرهم عن أنفسهم وهذا ظاهر لا عائدة في الإطالة.
وقيل : يحتمل أن يريد بدار الهجرة دار الإسلام وبلادها.
أقول: ولا يخفى ضعف هذا الاحتمال وتكلّفه وسيتضح في الشرح أن المراد من
المدينة مدينة الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم ليست إلا .
(قلعت بأهلها) يقال قلع المنزل بأهله إذا لم يصلح الاستيطانهم ومنه قولهم كما في الصحاح، هذا منزل قلعة بالضمّ أي ليس بمستوطن.
ويمكن أن يقرء الفعلان مجهولين وتكون الباء في الموضعين بمعنى مع فيكون أكد للمراد كما لا يخفى؛ أو يقال : الباء زائدة للتأكيد والفعل معلوم في كلا الموضعين كقوله تعالى: «وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا»[النساء : 79] لأن القلع متعد بنفسه يقال قلعه إذا انتزعه من أصله أو حوّله عن موضعه والمراد أن المدينة فارقت أهلها وأخرجتهم منه وكذا قلعوا بها أي أنهم فارقوها وخرجوا منها ولم يستقروا فيه .
(المرجل): القدر اسم آلة على وزن مفعل (بادروا) أي سارعوا أمر من المبادرة .
يمكن أن يكون جبهة الأنصار وسنام العرب صفتين لأهل الكوفة كما يمكن أن يكونا بدلين بدل البعض من الكل أو الكلّ من الكلّ .
«إنّ النّاس طعنوا» بيان للاخبار. «من المهاجرين» ظرف مستقر منصوب محلاً صفة للرجل، ويمكن أن تكون جملتا أكثر استعتابه وأقلّ عتابه صفتين له أيضاً لأن الجملة نكرة، ولكن الظاهر أن الجملتين حالان لضمير كنت. لا يقال : فلم لم يأتي بالواو الحالية؟ لأنا نقول : المضارع المثبت المجرد من قد لا يقترن بالوان لأنّه يشبه اسم الفاعل في الزنة والمعنى والواو لا تدخل اسم الفاعل وكذلك ما أشبهه ويكون قوله علیه السلام على وزن قوله تعالى : «وَلَا تَمَن تَسْتَكبِرُ(6)» [المدثر : 6] فجملة تستكثر حال من فاعل تمنن المستتر فيه ولا تكون مقترنة بالواو وفي الألفية لابن مالك.
وذات بدء بمضارع ثبت *** حوت ضميراً ومن الواو خلت
قال بعض : أهون سيرهما بدل من طلحة والزبير والوجيف خبر كان وكذا الكلام في أرفق حدائهما العنيف لأنها عطف على الأولى . قلت : الصواب أن ما ذهب إليه ذلك البعض وهم لأنّ الوجيف خبر أهون وجملة أهون سيرهما في الوجيف خبر كان وكذا الحكم في الجملة الثانية وذلك لأنّ الوجيف لو كان خبر كان لصحّ حمله على الزبير وطلحة أن يقال طلحة وجيف مثلاً وليس كذلك لأن السير وجيف لما دريت أن الوجيف نوع من سير الإبل، على أن فيه معائب أخرى لا تخفى على العارف بأحكام البدل وتركيب الجمل.
«من عائشة» يتعلق بفلتة قدم لسعة الظروف، وفلتة اسم كان ولم يقل كانت لأن تأنيث اسمه مجازي، وفيه خبر كان قدم على الاسم لأنه ظرف. «فأُتيح» الفاء للتسبيب لأن من قوله علیه السلام : إنّ النّاس إلى هنا بيان مبدأ سبب قتل القوم عثمان؛ أي أنّ النّاس لما طعنوا عليه و ... فقدر له قوم فقتلوه على وزان قوله تعالى: «فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ» [القصص : 15]. والفاء في «فقتلوه» للترتيب الذكرى لأن أكثر وقوعه في عطف المفصل على المجمل نحو قوله تعالى: «فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً» [النساء : 153] والمقام کذالک أيضاً. ويمكن أن تكون للتعقيب نحو قوله : «أَمَانَهُ فَأَقبَرهُ» [عبس: 21] . والفاء في «فأسرعوام فصيحة والتقدير : إذا كان الأمر انجرّ إلى كذا فأسرعوا . اه .
قد نقل ذلك الكتاب الذي كتبه علیه السلام إلى أهل الكوفة عند مسيره إليهم من المدينة إلى البصرة على صورة أخرى قريبة مما في النهج في بعض الجمل الشّيخ الأجل المفيد قدّس سرّه في كتابه المترجم بالجمل، أو النصرة في حرب حرب البصرة (ص 116 طبع النجف) وهذه صورته .
بسم الله الرّحمن الرّحيم من عليّ بن أبي طالب إلى أهل الكوفة.
أما بعد فإنّي أخبركم من أمر عثمان حتى يكون أمره كالعيان لكم: إنّ الناس طعنوا عليه فكنت رجلاً من المهاجرين أظهر معه عتبه وأكره وأشقى به وكان طلحة والزبير أهون سيرهما الرّجيف وقد كان من أمر عائشة وقتله ما عرفتم فلما قتله النّاس بايعاني غير مستنكيرين طائعين مختارين وكان طلحة والزبير أوّل من بايعني على ما بايعا به من كان قبلي ثم استأذناني في العمرة ولم يكونا يريدان العمرة فنقضا العهد وأذنا في الحرب أخرجا عائشة من بيتها يتخذانها فتنة فسار إلى البصرة واخترت السير إليهم معكم ولعمري إياي تجيبون إنما تجيبون الله ورسوله والله ما قاتلتهم وفي نفسي شك وقد بعثت إليكم ولدي الحسن وعماراً وقيساً مستفزين لكم فكونوا عند ظنّي بكم والسّلام)(1).
أقول : ونقل الكتاب الدينوري في الإمامة والسياسة أيضاً (ص 66 ج 1 طبع مصر 1377 هـ) .
إنّما الحرّي في المقام أن نذكر الأحداث التي أحدثها عثمان مما نقمها النّاس منه
وطعنوا عليه وصارت سبب قتله ثمّ تتبعه علة وقوع فتنة الجمل .
أمّا أحداثه فنذكر طائفة منها ههنا عن الطبري والمسعودي وغيرهما.
قال المسعودي في مروج الذهب:
1 - ذكر عبد الله بن عتبة : أن عثمان يوم قتل كان عند خازنه من المال خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار وخلف خيلاً كثيراً وإبلاً .
2 - إقتنى في أيامه جماعة من أصحابه الضياع والدور منهم : الزبير بن العوام بنى داره بالبصرة وابتنى أيضاً دوراً بمصر والكوفة والاسكندرية وما ذكر من دوره وضياعه فمعلوم غير مجهول إلى هذه الغاية. وبلغ مال الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار وخلف الزبير ألف فرس وألف عبد وألف أمة وخططا بحيث ذكرنا من الأمصار.
3 - وكذلك طلحة بن عبيد الله التيمي ابتنى داره بالكوفة المعروفة بالكناس بدار الطلحتين وكانت غلته من العراق كلّ يوم ألف دينار وقيل أكثر من ذلك وبناحية سراة أكثر مما ذكرنا وشيد داره بالمدينة وبناها بالآجر والجصّ والساج.
1) نهج :السعادة 57/4 والجمل : 132
4 - وكذلك عبد الرّحمن بن عوف الزهري ابتني داره ووسعها وكان على مربطه مائة فرس وله ألف بعير وعشرة آلاف من الغنم وبلغ بعد وفاته ربع ثمن ماله أربعة وثمانين ألفاً.
5 - وابتني سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق فرفع سمكها ووسع فضاءها وجعل أعلاها شرفات.
6 - وقد ذكر سعيد بن المسيّب أن زيد بن ثابت حين مات خلف من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس غير ما خلف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار.
7 - وابتنى المقداد داره بالمدينة في الموضع المعروف بالجرف على أميال من المدينة وجعل أعلاها شرفات وجعلها مجصصة الظاهر والباطن .
8 - ومات يعلى بن أُميّة وخلف خمسمائة ألف دينار وديونا على الناس وعقارات وغير ذالک من التركة ما قيمته مائة ألف دينار.
ثمّ قال المسعودي: وهذا باب يتسع ذكره ويكثر وصفه فيمن تملك من الأموال في أيامه ولم يكن مثل ذلك في عصر عمر بن الخطاب بل كانت جادة واضحة وطريقة بيّنة وحجّ فأنفق في ذهابه ومجيئه إلى المدينة ستة عشر ديناراً وقال لولده عبد الله : لقد أسرفنا في نفقتنا في سفرنا هذا. ولقد شكا النّاس أميرهم سعد بن أبي وقاص وذلك في سنة إحدى وعشرين فبعث عمر محمّد بن مسلمة الأنصاري حليف بني عبد الأشهل فخرق عليه باب قصر الكوفة وجمعهم في مساجد الكوفة يسألهم ساجد الكوفة يسألهم عنه فحمده عنه فحمده بعضهم وساءه بعض فعزله وبعث إلى الكوفة عمار بن ياسر على الثغر وعثمان ابن حنيف على الخراج وعبد الله بن مسعود علی بيت المال وأمره أن يعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين وفرض لهم في كلّ يوم شاة فجعل شطرها وسواقطها لعمار بن ياسر والشطر الآخر بين عبد الله بن مسعود وعثمان بن حنيف فأين عمر ممن ذكرنا وأين هو عمن وصفنا؟
وفي الشافي للشريف المرتضى علم الهدى: ومن ذلك أنّه كان يؤثر أهل بيته بالأموال العظيمة التي هي عدّة للمسلمين نحو ما روى أنّه دفع إلى أربعة أنفس من قريش زوّجهم بناته أربعمائة ألف دينار وأعطى مروان مائة ألف على فتح افريقيّة ويروى خمس افريقية وغير ذلك وهذا بخلاف سيرة من تقدم في القسمة على النّاس بقدر الإستحقاق وايثار الأباعد على الأقارب(1).
1) بحار الأنوار: 218/31 ، وشرح نهج البلاغة : 33/3
قال - كما نقل عنه علم الهدى في الشافي : وأمّا ما ذكروه من إيثاره أهل بيته بالأموال فقد كان عظيم اليسار كثير الأموال فلا يمتنع أن يكون إنّما أعطاهم من ماله وإذا احتمل ذلك وجب حمله على الصحة وحكى عن أبي علي أنّ الذي روي من دفعه إلى ثلاثة نفر من قريش زوّجهم بناته مائة ألف دينار لكلّ واحد إنّما هو من ماله ولا رواية تصحّ في أنّه أعطاهم ذلك من بيت المال ولو صحّ ذلك لكان لا يمتنع أن يكون أعطى من بيت المال ليردّ عوضه من ماله لأنّ للإمام عند الحاجة أن يفعل ذلك كما له أن يقرض غيره.
قال : ثمّ حكى القاضي عن أبي عليّ أن ما روى من دفعه خمس إفريقيّة لما فتحت إلى مروان ليس بمحفوظ ولا منقول على وجه يوجب قبوله وإنّما يرويه من يقصد التشنيع على عثمان. وحكي، عن أبي الحسين الخيّاط: أن ابن أبي سرح لمّا غزا البحر ومعه مروان في الجيش ففتح الله عليه وغنموا غنيمة اشتروى مروان الخمس من أبي سرح بمائة ألف وأعطاه أكثرها ثمّ قدم على عثمان بشيراً بالفتح وقد كانت قلوب المسلمين تعلقت بأمر ذلك الجيش فرأى عثمان أن يهب له ما بقي عليه من المال وللإمام فعل ذلك ترغيباً في مثل ذلك الأمور.
قال : قال وهذا الصنيع منه كان في السنة الأولى من إمامته ولم يتبرأ أحد منه فيها فلا وجه للتعلق به وذكر فيما أعطاء لأقاربه أنّه وصلهم لحاجتهم ولا يمتنع مثله في الإمام إذا رآه صلاحاً. وذكر في إقطاعه بني أميّة القطائع : أن الأئمة قد تحصل في أيديهم الضياع لا مالك لها من جهات ويعلمون أنّه لا بد فيها ممن يقوم بإصلاحها وعمارتها فيؤدي عنها ما يجب من الحقّ وله أن يصرف ذلك إلى من يقوم به وله أيضاً أن يزيد بعضاً على بعض بحسب ما يعلم من الصلاح والتألف وطريق ذلك الاجتهاد(1).
قال في الشافي: فأمّا قوله : فأما قوله في جواب ما يسأل عنه من ايثاره أهل بيته بالأموال : أنّه لا أن يكون إنّما أعطاهم من ماله، فالرواية بخلاف ذلك وقد صرّح الرّجل أنّه كان يعطي من بيت المال صلة لرحمه ولما وقف على ذلك لم يعتذر منه بهذا الضرب من العذر ولا قال إنّ هذا العطايا من مالي ولا اعتراض لاحد فیه.
وقد روى الواقدي بإسناده عن الميسور بن عتبة أنّه قال: سمعت عثمان يقول : إن أبا
1) شرح نهج البلاغة : 34/3
بكر وعمر كانا يتناولان في هذا المال ظلف أنفسهما وذوى أرحامهما وإنّي ناولت فيه صلة رحمی (1).
وروى عنه : أنّه كان بحضرته زياد بن عبيد الله الحارثي مولى الحارث بن كلدة الثقفي وقد بعث أبو موسى بمال عظيم من البصرة فجعل عثمان يقسمه بين أهله وولده بالصحاف ففاضت عينا زياد دموعاً لمّا رأى من صنيعه بالمال فقال : لاتبك فإن عمر كان يمنع أهله وذوي أرحامه ابتغاء وجه الله وأنا أعطي أهلي وقرابني ابتغاء وجه الله. وقد روى هذا المعنى عنه من عدّة طرق بألفاظ مختلفة .
وروى الواقدي بإسناده قال : قدمت إبل من أهل الصدقة على عثمان فوهبها للحرث بن الحكم بن أبي العاص(2).
أقول : كان الحرث هذا ابن عم عثمان فقد قدمنا أن الحكم بن أبي العاص كان عمّه.
قال: وروى أيضاً: أنّه ولي الحكم بن أبي العاص صدقات قضاعة فبلغت ثلاثمائة ألف فوهبها له حين أتاه بها.
وروى أبو مخنف والواقدي جميعاً : أنّ النّاس أنكروا على عثمان إعطائه سعيد ابن أبي العاص مائة ألف فكلّمه عليّ علیه السلام والزبير وطلحة وسعد وعبد الرّحمن في ذلك فقال: إن لي قرابة ورحماً، فقالوا : أما كان لأبي بكر وعمر قرابة وذوو رحم؟ فقال : إنّ أبا بكر وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما وأنا أحتسب في عطاء قرابتي، قالوا: فهديهما والله أحبّ إلينا من هديك.
وقد روى أبو مخنف: أنّه لما قدم على عثمان عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص من مكة وناس معه أمر لعبد الله بثلاثمائة ألف ولكلّ واحد من القوم مائة ألف فصكّ بذلك على عبد الله بن الأرقم، وكان خازن بيت المال فاستكثره وردّ الصكّ به ويقال : إنّه سأل عثمان أن يكتب بذلك كتاب دين فأبى ذلك وامتنع ابن الأرقم أن يدفع المال إلى القوم، فقال له عثمان : إنّما أنت خازن لنا فما حملك على ما فعلت؟ فقال ابن الأرقم: كنت أراني خازناً للمسلمين وإنّما خازنك غلامك والله لا ألي لك بيت المال أبداً فجاء بالمفاتيح فعلّقها على
المنبر ويقال : بل ألقاها إلى عثمان فدفعها عثمان إلى نائل مولاه(3)
وروى الواقدي: أن عثمان أمر زيد بن ثابت أن يحمل من بيت المال إلى عبد الله بن الأرقم في عقيب هذا الفعل ثلاثمائة ألف درهم فلمّا دخل بها عليه قال له : يا با محمّد إنّ أمير المؤمنين أرسل إليك يقول إنا قد شغلناك عن التجارة ولك ذو رحم ذات حاجة ففرّق هذا المال فيهم واستعن به على عيالك، فقال عبد الله بن الأرقم : ما لي إليه حاجة وما عملت لأن يثيبني عثمان والله لئن كان هذا من مال المسلمين، ما بلغ قدر عملي أن أعطى ثلاثمائة ألف درهم، ولئن كان من مال عثمان ما أُحبّ أن أزراه من ماله شيئاً وما في هذه الأمور أوضح من أن يشار إليه وينبّه عليه(1).
وأمّا قوله «لو صحّ أنّه أعطاهم من بيت المال لجاز أن يكون ذلك على طريق القرض» فليس بشيء لأن الروايات أوّلاً يخالف ما ذكروه وقد كان يحبّ «يجب ظ» لما نقم عليه وجوه الصحابة إعطاء أقاربه من بيت المال أن يقول لهم : هذا على سبيل القرض وأنا أردّ عوضه ولا يقول ما تقدم ذكره من أنني أصل به رحمي .
على أنّه ليس للإمام أن يقترض من بيت المال إلّا ما ينصرف في مصلحة للمسلمين مهمة يعود عليهم نفعها أو في سدّ خلّة وفاقة لا يتمكّنون من القيام بالأمر معها فأمّا أن يقترض المال لينتدح ويمرح فيه مترفي بني أميّة وفسّافهم فلا أحد يجيز ذلك .
فأمّا قوله حاكياً عن أبي عليّ «أن دفعه خمس أفريقيّة إلى مروان ليس بمحفوظ ولا منقول» فتعلل منه بالباطل لأنّ العلم بذلك يجري مجرى الضروري ومجري ما تقدّم بسائره، ومن قرأ الأخبار علم ذلك على وجه لا يعترض فيه شكٍّ كما يعلم نظائره.
وقد روى الواقدي: عن أسامة بن زيد عن نافع مولى الزبير عن عبد الله بن الزبير قال : أغزانا عثمان سنة وعشرين افريقية فأصاب عبد الله بن سعد بن أبي سرح غنائم جليلة فأعطى عثمان مروان بن الحكم تلك الغنائم وهذا كما ترى يتضمن الزيادة على الخمس ويتجاوز إلى إعطاء الكل(2).
وروي الواقدي عن عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت الميسور قالت: لمّا بنى مروان داره بالمدينة دعى النّاس إلى طعامه وكان الميسور ممن دعاه فقال مروان وهو يحدّثهم: والله ما انفقت فی داری هذه من مال المسلمين درهماً فما فوقه، فقال الميسور : لو أكلت طعامك وسكتَّ كان خيراً لك لقد غزوت معنا افريقيّة وأنّك لأقلّنا مالاً ورقيقاً وأعواناً وأخفّنا ثقلاً
فأعطاك ابن عمّك خمس افريقيّة وعملت على الصدقات فأخذت أموال المسلمين(1).
وروي الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف أنّ مروان ابتاع خمس افريقيّة بمأتي ألف أو بمائة ألف دينار وكلَّم عثمان فوهبها له فأنكر النّاس ذلك على عثمان، وهذا بعينه هو الذي اعترف به أبو الحسين الخيّاط واعتذر بأن قلوب المسلمين تعلّقت بأمر ذلك الجيش فرأي عثمان أن يهب لمروان ثمن ما ابتاعه من الخمس لمّا جاءه بشيراً بالفتح على سبيل الترغيب، وهذا الاعتذار ليس بشيء لأنَّ الذي رويناه من الأخبار في هذا الباب خال من البشارة وإنّما يقتضي أنّه سأله ترك ذلك عليه فتركه أو ابتدأ هو بصلته ولو أتى بشيراً بالفتح كما ادّعوا لما جاز أن يترك عليه خمس الغنيمة العائدة على المسلمين وتلك البشارة لا يستحق أن يبلغ البشير بها ماتي ألف دينار ولا اجتهاد في مثل هذا ولا فرق بين من جوّز أن يؤدي الإجتهاد إلى مثله ومن جوّز أن يؤدي الإجتهاد إلى دفع أصل الغنيمة إلى البشير بها، ومن ارتكب ذلك الزم جواز أن يؤدي الإجتهاد إلى جواز إعطاء هذا البشير جميع أموال المسلمين في الشرق والغرب(2).
وأما قوله: «أنّه فعل ذلك في السنة الأولى من أيامه ولم يتبرّء أحد منه فقد مضي الكلام فيه مستقصي .
فأمّا قوله : «إنّه وصل بني عمّه لحاجتهم ورأى في ذلك صلاحاً فقد بيّنا أن صلاته لهم كانت أكثر ممّا يقتضيه الحاجة والخلّة وأنّه كان يصل منهم المياسير وذوي الأحوال الواسعة والضيّاع الكثيرة، ثمّ الصلاح الذي زعم أنّه رآه لا يخلو من أن يكون عائداً على المسلمين أو على أقاربه، فإن كان على المسلمين: فمعلوم ضرورة أنّه لا صلاح لأحد من المسلمين في إعطاء مروان مأتى ألف دينار والحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف دينار وابن أسيد ثلاثمائة ألف درهم إلى غير ذلك ممن هو مذكور، بل على المسلمين في ذلك غاية الضرر، وإن أراد الصلاح العائد على الأقارب فليس له أن يصلح أمر أقاربه بفساد أمر المسلمين وينفعهم بما يضرّ به المسلمين.
فأمّا قوله : «إن القطائع التي أقطعها بني أمية إنّما أقطعهم إياها لمصلحة يعود على المسلمين لأنّه كانت خراباً لا عامر لها فسلّمها إلى من يعمرها ويؤدي الحقّ فيها فأوّل ما فيه : أنّه لو كان الأمر على ما ذكره ولم يكن هذه القطائع على سبيل الصلة والمعونة لأقار لما خفي ذلك على الحاضرين ولكانوا لا يعدّون ذلك من مثالبه ولا يواقفونه عليه في جملة
ما واقفوه عليه من أحداثه . ثمّ كان يجب لو فعلوا ذلك أن يكون جوابه لهم بخلاف ما روى من جوابه، لأنه كان يجب أن يقول لهم: وأي منفعة في هذه القطائع عائدة على قرابتي حتّى يعدّوا ذلك من جملة صلاتي لهم وإيصال المنافع إليهم؟ وإنما جعلتهم فيها بمنزلة الأكرة الذين ينتفع بهم أكثر من انتفاعهم وما كان يجب أن يقول ما تقدمت روايته من أنى محتسب في إعطاء قرابتي وأن ذلك على سبيل الصلة الرحمي إلى غير ذلك ممّا هو خال من المعنى الذي ذكروه. انتهى .
أقول: ومن قوادحه ما فعل بعبد الله بن سعد قبل خلافته بعدما هدر رسول الله
صلی الله علیه و آله و سلّم دمه . تفصيله أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكنى أبا يحيى وهو أخو عثمان أخو عثمان بن عفان الرضاعة أرضعت أمه عثمان أسلم قبل الفتح وهاجر إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وكان يكتب الوحي الرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ثمّ ارتدّ مشركاً وصار إلى قريش بمكة فقال لهم : إنّي كنت أُصرف محمّداً حيث أُريد كان يملي عليّ عزيز حكيم فأقول أو عليم حكيم فيقول : نعم كلّ صواب فلما كان يوم الفتح أمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بقتله وقتل عبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة ولو وجدوا تحت أستار الكعبة ففرّ عبد الله بن سعد إلى عثمان بن عفان فغيبه عثمان حتّى أتى به إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بعدما اطمأن أهل مكّة فاستأمنه له فصمت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم طويلاً ثمّ قال : نعم فلمّا انصرف عثمان قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لمن حوله : ما صمتّ إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إليّ يا رسول الله؟ فقال : إنّ النبيّ لا ينبغي أن يكون له خائنة الأعين ؛ قاله في أسد الغابة(1).
وفي الصّافي للفيض في تفسير القرآن في ضمن قوله تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ» [الأنعام: 93] في الكافي والعيّاشي عن أحدهما علیه السلام : نزلت الآية في ابن أبي سرح الذي كان عثمان استعمله على مصر وهو ممّن كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يوم فتح مكّة هدر دمه وكان يكتب الرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فإذا أنزل الله عزّ وجلّ إنّ الله عزيز حكيم كتب إنّ الله عليم حكيم فيقول له رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : دعها فإن الله عليم حكيم وكان ابن أبي سرح يقول للمنافقين : إنّي لأقول من نفسي مثل من يجيء به فما يغيّر عليّ فأنزل الله تبارك وتعالى فيه الذي أنزل (2).
والقمي عن الصّادق علیه السلام قال: إنّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخو عثمان من الرضاعة أسلم وقدم المدينة وكان له خطّ حسن وكان إذا أنزل الوحي على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
دعاه فكتب ما يمليه عليه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فكان إذا قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : سميع بصير يكتب سميع عليم وإذا قال : والله بما يعملون خبير يكتب بصير ويفرق بين التاء والباء وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقول : هو واحد فارتدّ كافراً ورجع إلى مكّة وقال لقريش: والله ما يدري محمّد ما يقول: أنا أقول مثل ما يقول فلا ينكر عليّ ذلك فأنا أُنزل مثل ما ينزل فأنزل الله على نبيّه في ذلك : - ومن أظلم ممن افترى - إلى قوله : مثل ما أنزل الله - فلما فتح رسول الله مكة أمر بقتله فجاء به عثمان قد أخذ بيده ورسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في المسجد فقال يا رسول الله اعف عنه فسكت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ثم أعاد فسكت ثمّ أعاد فقال هو لك فلما مرّ قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لأصحابه : ألم أقل من رآه فليقتله؟ فقال رجل كانت عيني إليك يا رسول الله أن تشير إليّ فأقتله فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : إن الأنبياء لا يقتلون بالإشارة فكان الطلقاء(1).
وقال ابن هشام في السيرة النبوية : قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة، أن لا يقتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنّه قد عهد في نفر سمّاهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن سعد أخو بني عامر بن لؤي .
قال : وإنّما أمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بقتله لأنّه قد كان أسلم وكان يكتب الرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم الوحي فارتدّ مشركاً راجعاً إلى قريش ففرّ إلى عثمان بن عفان وكان أخاه للرضاعة فغيّبه حتّى أتى به رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بعد أن اطمأن النّاس وأهل مكّة فاستأمن له، فزعموا أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم صمت طويلاً، ثمّ قال : نعم فلمّا انصرف عنه عثمان، قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لمن حوله من أصحابه : لقد صمتّ ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه فقال رجل من الأنصار فهلا أومأت إليّ يا رسول الله قال : إنّ النّبي لا يقتل بالإشارة.
قال ابن هشام: ثمّ أسلم بعد فولاه عمر بن الخطاب بعض أعماله ثمّ ولاه عثمان بن عفان بعد عمر(2).
وقال الطبرسي في مجمع البيان في تفسير القرآن ضمن الآية المذكورة: وقيل : المراد به عبد الله بن سعد بن أبي سرح أملى عليه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ذات يوم «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12)» - إلى قوله تعالى - ثُمَّ أَنشَأْناهُ خَلْقًا ءَاخَرَ» فجرى على لسان ابن أبي سرح فتبارك الله أحسن الخالقين فأملأه عليه وقال هكذا أنزل فارتدّ عدو الله وقال : لئن كان محمّد صادقاً فلقد أوحى إلىّ كما أوحى إليه ولئن كان كاذباً فلقد قلت كما قال وارتدّ عن الإسلام
وهدر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم دمه فلما كان يوم الفتح جاء به عثمان وقد أخذ بيده رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فی المسجد فقال: يا رسول الله أعف عنه فسكت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ثمّ اعاد فسكت ثمّ اعاد فسكت فقال هو لك فلما مر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لأصحابه : ألم أقل من رآه فليقتله؟ فقال عباد بن بشر : كانت عيني إليك يا رسول الله أن تشير إليّ فأقتله، فقال صلی الله علیه و آله و سلّم : الأنبياء لا يقتلون بالإشارة(1).
أقول : لا كلام في ارتداد ابن أبي سرح وإنّما الاختلاف في وإنما الاختلاف في سبب ارتداده وجملته أنه نبذ كتاب الله وراء ظهره واتخذه سخريّاً .
ولكن ما أتى به الفيض في الصافي من الرواية: في أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إذا قال : بصير يكتب ابن أبي سرح سميع عليم وإذا قال: والله بما يعملون خبير يكتب بصير ويفرق بين التاء والياء وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقول هو واحد» ليست بصحيحة جداً لأنّ شدّة عناية رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم واهتمامه بحفظ القرآن وحراسته عن التحريف والتغيير يمنعنا عن قبول ذلك وسيأتي التحقيق الأنيق بعيد هذا في أن هذا المصحف المكتوب بين الدّفتين المتداول الآن بين الناس جميع ما نزل عليه صلی الله علیه و آله و سلّم في نيف وعشرين سنة من غير زيادة ونقصان وتصحيف وتحريف وأنّ تركيب السور من الآيات وترتيب السور على ما هو في المصحف توقيفي كان بأمر الله تعالى وأمر أمين الوحي صلی الله علیه و آله و سلّم وأمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم.
على أنّ صدر كل آية يدل على أنه يناسب ويقتضي كلمات خاصّة في ختامها ولا يوافق غيرها كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام وفتون الأدب سيما كتاب الله الذي أعجز العالمين عن أن يتفوّهوا بإتيان مثله وإن كانت سورة منها نحو الكوثر ثلاث آيات.
مثلاً أن قوله تعالى: «وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) «أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)» [الملك: 13، 14] لا يناسب إنّه حكيم بذات الصدور، أو وهو السميع الخبير مثلاً فإن في الجمع بين يعلم وبين اللّطيف لطيفة حكميّة يدركها ذوق التألّه بخلاف الجمع بين يعلم والسميع .
وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)»َ [النور: 4 و 5] يناسب التوبة الغفور الرحيم دون أنّه عزيز ذو انتقام، أو حكيم عليم وأمثالها وكذا في الآيات الآخر فتدبّر فيها بعين العلم والمعرفة.
على أنا نرى الحجج الإلهيّة يمنعون الناس عن التّصرف في الأدعيّة وتحريفها.
1) تفسير مجمع البيان: 112/4 ، وبحوث في تاريخ القرآن: 114.
روی محمّد بن بابويه عليه الرحمة في كتاب الغيبة بإسناده عن عبد الله بن سنان قال : قال ابو عبدالله علیه السلام: سيصيبكم شبهة فتبقون بلا علم ولا إمام هدى ولا ينجو فيها إلا من دعا بدعاء الغريق ؛ قلت : كيف دعاء الغريق؟ قال علیه السلام : تقول : يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك؛ فقلت : يا مقلّب القلوب والأبصار ثبّت قلبي على دينك، فقال علیه السلام: إنّ الله عزّ وجلّ مقلب القلوب والأبصار ولكن قل كما أقول : ثبت قلبي على دينك (1).
فإذا كان الدعاء توقيفياً ويردع الإمام علیه السلام عن التحريف فكيف ظنك بالنبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم مع القرآن .
9 - وقدم على عثمان عمّه الحكم بن أبي العاص وابن عمّه مروان وغيرهما من بني اُمیّة ومروان هو طريد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم الذي غربه عن المدينة ونفاه عن جواره.
أقول : إنّ الحكم وابنه مروان كليهما كانا طريدي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم والصواب أن يقال: أن الحكم هو طريد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فإن ابنه مروان كان طفلاً حين طرده رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم والسبب في ذلك أنّ الحكم بن أبي العاص عمّ عثمان كان يحاكي مشية رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وينقصه وكان يفعل ذلك استهزاء به وسخرية فرآه النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم يوماً وهو يفعل ذلك فقال له النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وقد غضب لذلك : أتحكيني؟ أخرج من المدينة فلا جاورتني فيها حيّا ولا ميّتاً فطرده وابنه مروان ونفاهما إلى بلاد اليمن ونفيا بهما مطرودين مدّة حياة النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فلمّا مات وولي أبو بكر طمع عثمان أن يردّهما فكلم أبا بكر في ذلك فزبره وأغلظ عليه وقال: أتريدني يا عثمان أن آوي طريد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كلا لا يكون ذلك، فسكت عثمان حتّى ولي عمر فكلّمه أيضاً في ردّهما فأبا عليه وقال : لا يكون منّي أن أوي طريد رسول الله وطريد أبي بكر أعزب عن هذا الكلام فسكت عثمان فلمّا ولي واستتمّ له الأمر كتب إليهما : بأن أقدما المدينة فأقدمهما المدينة على رؤوس الأشهاد مكرمين.
وقال ابن الأثير الجزري في أسد الغابة : الحكم بن أبي العاص بن أميّة الأموي أبو مروان بن الحكم يعدّ في أهل الحجاز عمّ عثمان بن عفّان أسلم يوم الفتح، وروي بإسناده إلى نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال : كنا مع النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فمرّ الحكم بن أبي العاص فقال النبیّ صلی الله علیه و آله و سلّم ويل لأمّتي مما في صلب هذا وهو طريد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم نفاه من المدينة إلى الطائف وخرج معه ابنه مروان(2).
وقد اختلف في السبب الموجب لنفي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إياه فقيل : كان يتسمع سرّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ويطلع عليه من باب بيته وأنّه الذي أراد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أن يفقأ عينه بمدري في يده لما اطلع عليه من الباب، وقيل : كان يحكي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في مشيته فالتفت يوماً فرآه وهو يتخلج في مشيته فقال : كن كذلك، فلم يزل يرتعش في مشيته من يومئذ، فذكره عبد الرّحمان بن حسان بن ثابت في هجائه لعبد الرّحمن بن الحكم :
انّ اللمعين أبوك فارم عظامه *** إن ترم ترم مخلجا مجنونا
بمسي خميص البطن من عمل التقى **** ويظل من عمل الخبيث بطينا ومعنى قول عبد الرّحمن إن اللعين أبوك فروي عن عائشة من طرق ذكرها ابن أبي خيثمة أنّها قالت لمروان بن الحكم حين قال لأخيها عبد الرحمن بن أبي بكر لمّا امتنع من البيعة ليزيد بن معاوية بولاية العهد ما قال والقصّة مشهورة: أمّا أنت يا مروان فأشهد أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لعن أباك وأنت في صلبه وقد روي في لعنه ونفيه أحاديث كثيرة لا حاجة إلى ذكرها إلا أن الأمر المقطوع به أن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم مع حلمه وإغضائه على ما يكره ما فعل به ذلك إلّا لأمر عظيم ولم يزل منفيّاً حياة النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فلمّا ولّي أبو بكر الخلافة قيل له في الحكم ليردّه إلى المدينة فقال : ما كنت لأُحلَّ عقدة عقدها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وكذلك وكذلك عمر فلمّا ولّي عثمان الخلافة ردّه وقال : كنت قد شفعت فيه إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فوعدني بردّه وتوفي في خلافة عثمان .
وفيه أيضاً : مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة الأموي ابن عمّ عثمان ابن عفّان بن أبي العاص ولم ير النبي صلی الله علیه و آله و سلّم لأنّه خرج إلى الطائف طفلا لا يعقل لما نفي النبي صلی الله علیه و آله و سلّم أباه الحكم وكان مع أبيه بالطائف حتّى استخلف عثمان فردّهما واسكتب عثمان مروان وضمّه إليه ونظر إليه عليّ يوماً فقال : ويلك وويل أمّة محمّد منك ومن بنيك وكان يقال لمروان : خيط باطل وضرب يوم الدار على قفاه فقطع أحد علياويه فعاش بعد ذلك أوقص والأوقص الذي قصرت عنقه، ولمّا بويع مروان بالخلافة بالشام قال أخوه عبد الرّحمن بن الحكم وكان ماجناً حسن الشعر لا يرى رأي مروان:
فوالله ما أدري وإنّي لسائل *** حليلة مضروب القفا كيف تصنع
لحا الله قوماً أمّروا خيط باطل *** على الناس يعطي ما يشاء ويمنع
أقول : قول عليّ علیه السلام لمروان: ويلك وويل أُمّة محمّد منك ومن بنيك، إشارة إلى ما قاله رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في أبيه الحكم: ويل لأمّتي ممّا في صلب هذا.
نقل الشريف المرتضى علم الهدى في الشافي جوابه عن ذلك عن كتابه المغني : إنّه
قال : فأمّا ردّه الحكم بن أبي العاص فقد روي عنه : إنّه لمّا عوتب في ذلك ذكر أنّه كان استأذن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وإنما لم يقبل أبو بكر وعمر قوله لأنّه شاهد واحد وكذلك روي عنهما فكأنّما جعلا ذلك بمنزلة الحقوق التي تخص فلم يقبلا فيه خبر الواحد وأجرياه مجري الشهادة فلمّا صار الأمر إلى عثمان حكم بعلمه لأنّ للحاكم أن يحكم بعلمه في هذا الباب وفي غيره عند شيخينا ولا يفصلان بين حدّ وحقّ ولا أن يكون العلم قبل الولاية أو حال الولاية ويقولون إنّه أقوى في الحكم من البينة والإقرار(1).
ثمّ ذكر عن أبي علي أنّه يقطع به على كذب روايته في إذن الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم في ردّه، فلا بد من تجويز كونه معذوراً.
ثمّ سأل نفسه في أن الحاكم إنّما يحكم بعلمه مع زوال التهمة وأن التهمة كانت في ردّ الحكم قوية لقرابته، وأجاب بأن الواجب على غيره أن لا يتّهمه إذا كان لفعله وجه يصحّ عليه لأنّه قد نصب منصباً يقتضى زوال التهمة عنه وحمل أفعاله على الصحة ولو جوّزنا امتناعه للتهمة لأدّى إلى بطلان كثير من الأحكام.
وحكى عن أبي الحسن الخيّاط أنّه لو لم يكن في ردّه إذن من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لجاز أن يكون طريقه الإجتهاد لأنّ النفي إذا كان صلاحاً في الحال لا يمتنع أن يتغيّر حكمه باختلاف الأوقات وتغير حال المنفى وإذا جاز لأبي بكر أن يستردّ عمر من جيش أسامة للحاجة إليه وإن كان قد أمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بنفوذه من حيث تغيرت الحال فغير ممتنع مثله في الحكم.
اعترض عليه في الشافي فقال : يقال له : أمّا ما ادعيته وبنيت الأمر في قصّة الحكم من أن عثمان لما عوتب في ردّه ادعى أن الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم أذن له في ذلك. فهو شيء ما سمع إلا منك ولا يدري من أين نقلته وفي أي كتاب وجدته وما رواه النّاس كلّهم بخلاف ذلك.
وقد روي الواقدي من طرق مختلفة وغيره: أن الحكم بن أبي العاص لما قدم المدينة بعد الفتح أخرجه النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم إلى الطائف وقال : لا تساكنني في بلد أبداً فجاء عثمان فكلّمه فأبى، ثمّ كان من بي بكر مثل ذلك، ثمّ كان من عمر مثل ذلك فلمّا قام عثمان أدخله ووصله وأكرمه فمشى في ذلك عليّ علیه السلام والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف وعمار بن ياسر حتّى دخلوا على عثمان فقالوا له : إنّك قد أدخلت هؤلاء القوم يعنون الحكم ومن معه وقد كان النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أخرجه وأبو بكر وعمر، وإنا نذكرك الله والإسلام ومعادك فإن لك معاداً
1) شرح نهج البلاغة : 39/3
ومنقلباً وقد أبت ذلك الولاة من قبلك ولم يطمع أحد أن يكلّمهم فيه وهذا سبب نخاف الله تعالى عليك فيه.
فقال : إن قرابتهم مني حيث تعلمون وقد كان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم حيث كلمته أطمعني في أن يأذن له وإنّما أخرجهم لكلمة بلغته عن الحكم ولن يضرّكم مكانهم شيئاً وفي النّاس من هو شرّ منهم .
فقال عليّ علیه السلام : لا أحد شراً منه ولا منهم. ثمّ قال عليّ علیه السلام : هل تعلم أن عمر قال: والله ليحملن بني أبي معيط على رقاب النّاس والله لئن فعل ليقتلتّه؟ قال : فقال عثمان : ما كان منكم أحد يكون بينه وبينه من القرابة ما بيني وبينه وينال من المقدرة ما أنال إلا أدخله وفي النّاس من هو شرّ منه . قال : فغضب عليّ علیه السلام قال : والله لتأتينا بشرّ من هذا إن سلمت وسترى يا عثمان غبّ ما تفعل ثمّ خرجوا من عنده(1).
وهذا كما ترى خلاف ما ادّعاه صاحب الكتاب لأنّ الرجل لمّا احتفل ادّعى أن الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم كان أطمعه في ردّه، ثمّ صرّح بأن رعايته فيه من القرابة هي الموجبة لردّه ومخالفة الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم.
وقد روى من طرق مختلفة أن عثمان لمّا كلم أبا بكر وعمر في ردّ الحكم أغلظا له وزیراه وقال له عمر : يخرجه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وتأمرني أن أدخله والله لو أدخلته لم آمن أن يقول قائل غيّر عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم والله لئن اشق باثنين كما تنشق الأبلمة أحبّ إليَّ من أن أخالف الرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أمراً، وإياك يا ابن عفّان أن تعاودني فيه بعد اليوم (2)وما رأينا عثمان قال في جواب هذا التعنيف والتوبيخ من أبي بكر وعمر: إن عندي عهداً من الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم فيه لا استحق معه عتاباً ولا تهجيناً وكيف تطيب نفس مسلم موقر لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم معظم له بأن يأتي إلى عدوّ لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم مصرّح بعداوته والوقيعة فيه حتّى بلغ به الأمر إلى أن كان يحكي مشيته فطرده رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وأبعده ولعنه حتّى صار مشهوراً بأنّه طريد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فيؤويه ويكرمه ويردّه إلى حيث أخرج منه ويصله بالمال العظيم ويصله إما من مال المسلمين أو ماله أن هذا العظيم كبير قبل التصفح والتأمل والتعلل بالتأويل الباطل.
فأمّا قول صاحب الكتاب: «إن أبا بكر وعمر لم يقبلا قوله لأنّه شاهد واحد وجعلا ذلك بمنزلة الحقوق التي تخصّ» فأوّل ما فيه أنّه لم يشهد عندهما بشيء في باب الحكم على
ما رواه جميع النّاس . ثمّ ليس هذا من الباب الذي يحتاج فيه إلى الشاهدين بل هو بمنزلة كلّ ما يقبل فيه أخبار الآحاد وكيف يجوز أن يجري أبو بكر وعمر مجرى الحقوق ما ليس فيها.
وقوله : لا بدّ من تجويز كونه صادقاً في روايته لأن القطع على كذب روايته لا سبيل إليه، ليس بشيء لأنا قد بيّنا أنّه لم يرو عن الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم إذناً وإنّما ادّعى أنّه، اطمعه في ذلك وإذا جوزّنا كونه صادقاً في هذه الرواية بل قطعنا على صدقه لم يكن معذوراً .
فأما قوله : (الواجب على غيره أن لا يتّهمه إذا كان لفعله وجه يصحّ عليه لانتصابه منصباً يفضي إلى زوال التهمة) فأوّل ما فيه أن الحاكم لا يجوز أن يحكم بعلمه مع التهمة والتهمة قد يكون لها أمارات وعلامات فما وقع فيها عن أمارات وأسباب تتهم في العادة كان مؤثراً وما لم يكن كذلك وكان مبتدءً فلا تأثير له، والحكم هو عمّ عثمان وقريبه ونسيبه ومن قد تكلم فيه وفي ردّه مرّة بعد أخرى ولوالٍ بعد والٍ وهذه كلّها أسباب التهمة فقد كان يجب أن يتجنّب الحكم بعلمه في هذا الباب خاصّة لتطرق التهمة فيه.
فأمّا ما حكاه عن الخيّاط من «أن الرّسول صلی الله علیه و آله و سلّم لو لم يأذن في ردّه لجاز أن يردّه إذا أراه اجتهاده إلى ذلك لأن الأحوال قد تتغيّر» فظاهر البطلان لأن الرسول إذا حظر شيئاً أو أباحه لم يكن لاحد أن يجتهد في إباحة المحظور أو حظر المباح ومن جوّز الإجتهاد في الشريعة لا يقدم على مثل هذا لأنّه إنّما يجوز عندهم فيما لا نصّ فيه ولو جوّزنا الإجتهاد في مخالفة ما تناوله النصّ لم نأمن أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى تحليل الخمر واسقاط الصلاة بأن تتغير الحال وهذا هدم للشريعة. فأما استشهاده باسترداد عمر من جيش أسامة فالكلام في الأمرين واحد وقد مضي ما فيه.
10 - ثمّ قال المسعودي: وكان عمّا له جماعة منهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط على الكوفة وهو ممن أخبر النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أنّه من أهل النّار . وعبد الله بن أبي سرح على مصر ومعاوية ابن أبي سفيان على الشام وعبد الله بن عامر على البصرة، وصرف عن الكوفة الوليد بن عقبة وولاها سعيد بن العاص وكان السبب في صرف الوليد وولاية سعيد على ما روي أن الوليد ابن عقبة كان يشرب مع ندمائه ومغنّيه من أول الليل إلى الصباح فلمّا أذنه المؤذنون بالصلاة خرج منفصلاً في غلائله فتقدم إلى المحراب في صلاة الصبح فصلّي بهم أربعاً وقال: تريدون أن أزيدكم وقيل : أنّه قال في سجوده وقد أطال : اشرب واسقني، فقال له بعض من کان خلفه في الصف الأوّل ما تريد؟ لا زادك الله مزيد الخير والله لا أعجب إلّا ممن بعثك إلينا والياً وعلينا أميراً وكان هذا القائل: عتاب بن غيلان الثقفي .
قال : وخطب النّاس الوليد فحصبه النّاس بحصباء المسجد فدخل قصره يترنح ويتمثل بأبيات لتأبط شراً :
ولست بعيداً عن مدام وقينة *** ولا بصفا صلد عن الخير معزل
ولكنني أروي من الخمر هامتي *** وأمشي الملا بالساحب المتسلسل
وفي ذلك يقول الحطيئة كما في الشافي والمروج :
شهد الحطيئة يوم يلقى ربّه *** إن الولید أحق بالعذر
نادى وقد تمت صلاتهم *** أ أزيدكم ثملا وما يدرى
ليزيیدهم أخرى ولو قبلوا *** منه لزادهم علی عشر
فابوا ابا وهب ولو فعلوا *** لقرنت بين الشفع والوتر
حبسوا عنانك في الصلاة ولو *** خلّوا عنانك لم تزل تجري
وأشاعوا بالكوفة فعله وظهر فسقه ومداومته شرب الخمر فهجم عليه جماعة من المسجد منهم أبو زينب بن عوف الأزدي وأبو جندب بن زهير الأزدي وغيرهما فوجدوه سكران مضطجعاً على سريره لا يعقل فأيقظوه من رقدته فلم يستيقظ ثمّ تقايا عليهم ما شرب من الخمر فانتزعوا خاتمه من يده وخرجوا من فورهم إلى المدينة فأتوا عثمان عفّان فشهدوا عنده على الوليد أنّه شرب الخمر فقال عثمان : وما يدريكما أنّه شرب الخمراً؟ فقالا : هي الخمر التي كنا نشربها في الجاهلية وأخرجا خاتمه فدفعاه إليه فرزأهما ودفع في صدرهما وقال: تنحّيا عنّي فخرجا وأتيا عليّ بن أبي طالب علیه السلام وأخبراه بالقصة فأتى عثمان وهو يقول : دفعت الشهود وأبطلت الحدود فقال له عثمان: فما تري؟ قال : أرى أن تبعث إلى صاحبك فإن أقاما الشهادة عليه في وجهه ولم يدل بحجّة أقمت عليه الحدّ فلمّا حضر الوليد دعاهما عثمان فاقاما الشهادة عليه ولم يدل بحجّة فألقى عثمان السوط إلى عليّ فقال عليّ لابنه الحسن قم يا بنيّ فأقم عليه ما أوجب الله عليه فقال : يكفيه بعض ما ترى فلمّا نظر إلى امتناع الجماعة عن إقامة الحدّ عليه توقيا لغضب عثمان لقرابته منه أخذ عليّ السوط ودنا منه فلمّا أقبل نحوه سبّه الوليد وقال يا صاحب مكس، فقال عقيل بن أبي طالب وكان ممن حضر: إنّك لتتكلّم يا ابن أبي معيط كأنّك لا تدري من أنت وأنت علج من أهل صفورية - هی قریة بین عكا واللجون من أعمال الأردن من بلاد طبرية كان ذكر أن أباه كان يهوديّاً منها - فأقبل الوليد يزوغ من عليّ فاجتذبه فضرب به الأرض وعلاه بالسوط فقال عثمان : ليس لك أن تفعل به هذا قال بلى وشرّ من هذا إذا فسق ومنع حق الله تعالى أن يؤخذ منه(1).
أقول : أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط كان أخا عثمان لأمه.
1) أحاديث أم المؤمنين عائشة : 128/1، وبحار الأنوار: 157/31.
11 - وولى عثمان الكوفة بعد الوليد بن عقبة سعيد بن العاص فلمّا دخل سعيد الكوفة والياً أبى أن يصعد المنبر حتّى يغسل وأمر بغسله وقال : إنّ الوليد كان نجساً رجساً فلمّا اتّصلت أيام سعيد بالكوفة ظهرت منه أمور منكرة واشتبه بالأموال قال في بعض الأيّام وكتب به إلى عثمان إنما هذا السواد فطير لقريش فقال له الأشتر وهو مالك الحرث النخعي: أتجعل ما أفاء الله علينا بظلال سيوفنا ومراكز رماحنا بستاناً لك ولقومك ثمّ خرج إلى عثمان في سبعين راكباً من أهل الكوفة فذكروا سوء سيرة سعيد بن العاص وسألوا عزله عنهم فمکث الأشتر وأصحابه أياماً لا يخرج لهم من عثمان في سعيد شيء وامتدت أيّامهم بالمدينة وقدم على عثمان أمراؤه من الأمصار، منهم عبد الله بن سعيد بن أبي سرح من مصر ومعاوية من الشام وعبد الله البصرة وسعيد بن العاص من الكوفة فأقاموا بالمدينة أيّاماً لا يردهم إلى أمصارهم كراهة أن يرد سعيداً إلى الكوفة وكره أن يعزله حتّى كتب إليه من بأمصارهم يشكون كثرة الخراج وتعطيل الثغور فجمعهم عثمان وقال ما ترون؟
فقال معاوية : أمّا أنا فراض بي جندي. وقال عبد الله بن عامر بن كريز : ليكفك امرؤ ما قبله أكفك ما قبلي وقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح: ليس بكثير عزل عامل للعامة وتولية غيره. وقال سعيد بن العاص : إنّك إن فعلت هذا كان أهل الكوفة هم الذين يولّون ويعزلون وقد صاروا حلقاً في المسجد ليس لهم غير الأحاديث والخوض فجهزهم في البعوث حتّى يكون همّ أحدهم أن يموت على ظهر دابته فسمع مقالته عمرو بن العاص فخرج إلى المسجد فإذا طلحة والزبير جالسان في ناحية منه فقالا له: إلينا فصار إليهما فقالا: فما وراءك؟ قال ابشر ما ترك شيئاً من المنكر إلا أتى به وأمر به، وجاء الأشتر فقالا له إن عاملكم الذي قمتم فيه خطباء قد ردّ عليكم وأمر بتجهيزكم في البعوث وبكذا وكذا .
فقال الأشتر : والله قد كنا نشكو سوء سيرته وما قمنا به خطباء فكيف وقد قمنا وايم الله على ذلك لولا أني انفذت النفقة وأنضيت الظهر لسبقته إلى الكوفة حتى أمنعه دخولها .
فقالا له : فعندنا حاجتك التي تفوتك في سفرك. قال : فاسلفاني إذاً مائة ألف درهم فأسلفه كلّ واحد منهما خمسين ألف درهم فقسمها بین أصحابه وخرج إلى الكوفة فسبق سعيد وصعد المنبر وسيفه في عنقه ما وضعه بعد ثمّ قال : أمّا بعد فإن عاملكم الذي أنكرتم تعديه وسوء سيرته قد ردّ علكيم وأمر بتجهيزكم في البعوث فبايعوني على أن يدخلها فبايعه عشرة آلاف من من أهل الكوفة وخرج راكباً متخفيّاً راكباً متخفياً يريد المدينة أو مكّة فلقي سعيداً بواقصة فأخبره بالخبر فانصرف إلى المدينة وكتب الأشتر إلى عثمان أنا والله ما منعنا عاملك إلّا ليفسد عليك عملك ولّ من أحببت فكتب إليهم انظروا من كان عاملكم أيّام عمر بن الخطّاب فولّوه فنظروا فإذا هو أبو موسى الأشعري فولّوه.
أقول : هذا ما نقله المسعودي في مروج الذّهب وغيره من المؤرخين بلا خلاف ومن تأمل فيه يجد أن عثمان اضطر حينئذ إلى إجابتهم إلى ولاية أبي موسى ولم يصرف سعيداً مختاراً بل ما صرفه جملة وإنما صرفه أهل الكوفة عنهم .
وكان سعيد هذا أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان بن عفّان ولمّا قتل عثمان لزم بيته فلم يشهد الجمل ولا صفين فلما استقر الأمر لمعاوية أتاه وعاتبه معاوية على تخلفه عنه في حروبه فاعتذر هو فقبل معاوية عذره ثمّ ولاّه المدينة فكان يوليه إذا عزل مروان عن المدينة ويولي مروان إذا عزله. وقتل أبو العاص يوم بدر كافراً قتله عليّ بن أبي طالب علیه السلام.
وفي أسد الغابة: استعمله عثمان على الكوفة بعد الوليد بن عقبة بن أبي معيط وغزا طبرستان فافتتحها وغزا جرجان فافتتحها سنة تسع وعشرين أو سنة ثلاثين وانتقضت آذربيجان فغزاها فافتتحها في قوله(1).
في الشافي للشريف المرتضى علم الهدى: ومن أحداث عثمان أنّه ولى أمور المسلمين من لا يصلح لذلك ولا يؤتمن عليه ومن ظهر منه الفسق والفساد ومن لا علم له مراعاة لحرمة القرابة وعدولاً عن مراعاة حرمة الدّين والنظر للمسلمين حتّى ظهر ذلك منه وتكرّر وقد كان عمر حذّر من ذلک فيه من حيث وصفه بأنه كلّف باقاربه وقال له إذا وليت هذا الأمر لا تسلّط بني أبي معيط على رقاب النّاس فوجد منه ما حذّره وعوتب في ذلك فلم ينفع العتب فيه وذلك نحو استعماله الوليد ابن عقبة وتقليده إياه حتى ظهر منه شرب الخمر واستعماله سعيد بن العاص حتى ظهرت منه الأمور التي عندها أخرجه أهل الكوفة، وتوليته عبد الله بن سعد بن أبي سرح وعبد الله ابن عامر بن كريز حتّى يروى عنه في أمر ابن أبي سرح انّه لما تظلّم منه أهل مصر وصرفه عنهم لمحمّد بن أبي بكر وغيره، ممّن يرد عليه وظفر بذلك الكتاب ولذلك عظم التظلم من بعد وكثر الجمع وكان سبب الحصار والقتل وحتّى كان من أمر مروان وتسلّطه عليه وعلى أموره ما قتل بسببه وذلك ظاهر لا يمكن دفعه .
نقل عنه علم الهدى في الشافي أنّه قال: أمّا ما ذكروه من توليته من لا يجوز أن يستعمل، فقد علمنا أنّه لا يمكن أن يدّعي أنّه حين استعملهم علم من أحوالهم خلاف الستر والصلاح لأنّ الذي ثبت عنهم من الأمور حدث من بعد ولا يمتنع كونهم في الأول مستورين في الحقيقة أو مستورين عنده وإنّما يجب تخطئته لو استعملهم وهم في الحال لا يصلحون
1) أسد الغابة : 310/2 ، وتدوين القرآن: 327
لذلك. فإن قيل لما علم بحالهم كان يجب أن يعزلهم، قيل له: كذلك فعل لأنّه استعمل الوليد بن عقبة قبل ظهور شرب الخمر منه فلما شهدوا بذلك جلده الحدّ وصرفه وقد روى مثله من عمر لأنّه ولى قدامة بن مظعون بعض أعماله فشهدوا عليه بشرب الخمر فأشخصه وجلده الحد فإذا عدّ ذلك في فضائل عمر لم يجز أن يعدّ ما ذكروه في الوليد من معائب عثمان؛ ويقال : إنّه لمّا أشخصه أقيم عليه الحدّ بمشهد أمير المؤمنين علیه السلام واعتذر من عزله سعد بن أبي وقاص بالوليد بأن سعداً شكاه أهل الكوفة فأدّاه اجتهاده إلى عزله بالوليد .
ثمّ قال : فأمّا سعيد بن العاص فإنّه عزله عن الكوفة وولي مكانه أبا موسى الأشعري، وكذلك عبد الله بن سعد بن أبي سرح عزله وولّى مكانه محمّد بن أبي بكر ولم يظهر له في باب مروان ما يوجب أن يصرفه عمّا كان مستعملاً فيه ولو كان ذلك طعنا لوجب مثله في كلّ من ولّي وقد علمنا أنّه علیه السلام ولي الوليد بن عقبة فحدث منه ما حدث وحدث من بعض امراء المؤمنين الخيانة كالقعقاع بن شور فإنّه ولاه على ميسان (1)فأخذ مالها ولحق بمعاوية وكذلك فعل الأشعث ابن قيس بمال آذربايجان. وولى أبا موسى الحكم وكان منه ما كان ولا يجب أن يعاب أحد بفعل غيره .
فأمّا إذا لم يلحقه عيب في ابتداء الولاية فقد زال العيب فيما عداه فقولهم : أنّه قسم الولايات في أقاربه وزال عن طريقة الإحتياط للمسلمين وقد كان عمر حذّر من ذلك فليس بعيب لأنّ تولية الأقارب كتولية الأباعد وأنّه يحسن إذا كانوا على صفات مخصوصة.
ولو قيل: إن تقديمهم أولى لم يمتنع ذلك إذ كان المولى لهم أشد تمكّنا من عزلهم والاستبدال بهم لمكان أقرب ؛ وقد ولّى أمير المؤمنين علیه السلام عبد الله بن عبّاس البصرة وعبيد لله بن عبّاس وقثم بن العباس مكّة حتّى قال الأشتر عند ذلك : على ما ذا قتلنا الشّيخ أمس فيما يروى ولم يكن ذلك بعيب إذا أدّى ما وجب عليه في اجتهاده.
اعترض عليه الشريف المرتضى علم الهدى في الشافي أنّه يقال له: أمّا اعتذاره في ولایة عثمان من ولاه من الفسقة بأنّه لم يكن عالماً بذلك من حالهم قبل الولاية وإنمّا تجدّد منهم ما تجدّد فعزلهم فليس بشيء يعول على مثله لأنه لم يولّ هؤلاء النفر إلا وحالهم مشهورة في الخلاعة والمجانة والتحريم والتهتك ولم يختلف اثنان في أن الوليد بن عقبة لم يستأنف التظاهر بشرب الخمر والاستخفاف بالدين على استقبال ولايته الكوفة بل هذه كانت
1) في نسخة خراسان
سنته والعادة المعروفة منه وكيف يخفى على عثمان وهو قريبه ولصيقه وأخوه لأمّه من حاله ما لا يخفى على الأجانب الأباعد فلهذا قال له سعد بن أبي وقاص في رواية الواقدي وقد دخل الكوفة : يا با وهب أميراً أم زائراً؟ قال : بل أميراً فقال سعد: ما أدري أحمقت بعدك أم کسست بعدي؟ قال : ما حمقت بعدي ولا بعدك، ولكن القوم ملكوا فاستأثروا فقال سعد: ما أراك إلا صادقاً .
وفي رواية أبي مخنف لوط بن يحيى: أنّ الوليد لما دخل الكوفة مرّ على مجلس عمرو بن زرارة النخعي فوقف فقال عمرو : يا معشر بني أسد بئس ما استقبلنا به أخوكم ابن عفان من عدله أن ينزع عنا ابن أبي وقاص الهين اللين السهل القريب ويبعث علينا أخاه الوليد الأحمق الماجن الفاجر قديماً وحديثاً واستعظم النّاس مقدمه وعزل سعد به وقالوا : أراد عثمان كرامة أخيه بهوان أمّة محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم (1).
وهذا تحقيق ما ذكرناه من أن حاله كانت مشهورة قبل الولاية لا ريب فيها على أحد فكيف يقال إنه كان مستوراً حتّى ظهر منه ما ظهر.
وفي الوليد نزل قوله تعالى: «أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ» [السجدة: 18] فالمؤمن ههنا عليّ بن أبي طالب علیه السلام والفاسق الوليد على ما ذكره أهل التأويل .
وفيه نزل قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» [الحجرات : 6] والسبب في ذلك أنه كذب على بني المصطلق عند رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وادّعى أنّهم منعوه الصدقة، ولو قصصنا مخازبه المتقدمة ومساويه لطال
الشرح.
وأمّا شربه الخمر بالكوفة وسكره حتّى دخل عليه من دخل وأخذ خاتمه من إصبعه وهو لا يعلم فظاهر قد سارت به الركبان وكذلك كلامه في الصلاة والتفاته إلى من يقتدى به فيها وهو سكران وقوله أزيدكم فقالوا لا قد قضينا صلاتنا حتّى قال الحطيئة في ذلك شعراً : شهد الخطيئة يوم يلقى ربه - الأبيات المذكورة آنفاً وقال أيضاً فيه :
تكلم في الصلاة وزاد فيها *** علانیة رجاهر بالنفاق
ومج الخمر في سنن المصلّى *** ونادى والجميع إلى افتراق
أزيدكم على أن تحمدوني *** فمالكم ومالي من خلاق
فأما قوله : إنّه جلده وعزله فبعد أي شيء كان ذلك؟ ولم يعزله إلّا بعد أن دافع ومانع
1) كتاب الأربعين: 580 ، وبحار الأنوار: 151/31 .
واحتج عنه وناضل ، فلو لم يكن أمير المؤمنين علیه السلام قهره على رأيه لما عزله ولا مكّن من جلده .
وقد روي الواقدي أن عثمان لما جاءه الشهود يشهدون على الوليد بشرب الخمر أو عدهم وتهدّدهم. قال الراوي: ويقال : إنّه ضرب بعض الشهود أسواطاً فأتوا أمير المؤمنين علیه السلام فشكوا فأتى عثمان فقال : عطلت الحدود وضربت قوماً شهوداً على أخيك فقلبت الحكم وقد قال عمر : لا تحمل بني أمية وآل أبي معيط على رقاب النّاس، قال: فما ترى؟ قال : أرى أن تعزله ولا تولّيه شيئاً من أمور المسلمين، وأن تسأل عن الشهود فإن لم يكونوا أهل ظنّه ولا عداوة أقمت على صاحبك الحدّ. وتكلم في مثل ذلك طلحة والزبير وعائشة وقالوا أقوالاً شديدة وأخذته الألسن من كلّ جانب فحينئذ عزله ومكّن من إقامة الحدّ عليه.
وروي الواقدي : أن الشهود لمّا شهدوا عليه في وجهه وأراد عثمان أين يحدّه ألبسه جبّة خزّ وأدخله بيتاً فجعل إذا بعث إليه رجلاً من قريش ليضربه قاله له الوليد انشدك الله أن تقطع رحمي وتغضب أمير المؤمنين فيكفّ، فلمّا رأى أمير المؤمنين علیه السلام ذلك أخذ السوط ودخل عليه فجلّده به فأيّ عذر له في عزله وجلده بعد هذا الممانعة الطويلة والمدافعة التامّة.
وقصّة الوليد مع الساحر الذي يلعب بين يديه ويغرّ النّاس بمكره وخديعته وأن جندب بن عبد الله الأزدي امتعض من ذلك ودخل عليه فقتله وقال له : أحي نفسك إن كنت صادقاً وأن الوليد أراد أن يقتل جندياً بالسحر حتى أنكر الأزد ذلك عليه فحبسه وطال حبسه حتّى هرب من السجن معروفة مشهورة. أقول : وسيأتي نقل القصة.
قال : فإن قيل : قد ولّى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و الوليد بن عقبة صدقة بني المصطلق وولّى عمر الوليد أيضاً صدقة بني تغلب فكيف يدعون أنّ حاله في أنّه لا يصلح للولاية ظاهرة؟
قلنا : لا جرم أنّه غر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وكذب على القوم حتّى نزلت الآية التي قدمنا ذكرها فعزله وليس خطب ولاية الصدقة خطب ولاية الكوفة. فأمّا عمر لمّا بلغه قوله :
إذا ما شددت الرأس منّي بمشور *** فويلك مني تغلب ابنة وائل
عزله. وأمّا عزل أمير المؤمنين علیه السلام بعض أمرائه لمّا ظهر منه الحدث كالقعقاع ابن شور وغيره وكذلك عزل عمر قدامة بن مظعون لما شهدوا عليه بشرب الخمر وجلده له، فإنّه لا يشبه ما تقدّم لأن كلّ واحدٍ ممن ذكرناه لم يولّ الأمر إلا من هو حسن الظن عند توليته فيه حسن الظاهر عنده وعند النّاس غير معروف باللعب (باللعنة - خ ل) ولا مشهور بالفساد، ثمّ لمّا ظهر منه ما ظهر لم يحام عنه ولا كذّب الشهود عليه وكابقرهم بل عزله مختاراً غير مضطرّ
وكلّ هذا لم يجر في أمراء عثمان، ولأنا قد بيّنا كيف كان عزل الوليد وإقامة الحدّ عليه .
فأمّا أبو موسى فإن أمير المؤمنين علیه السلام لم يولّه الحكم مختاراً لكنّه غلب على رأيه وقهر على أمره ولا رأى لمقهور.
فأمّا قوله إن ولاية الأقارب كولاية الأباعد بل الأباعد أجدر وأولى أن يقدم الأقارب عليهم من حيث كان التمكن من عزلهم أشدّ وذكر تولية أمير المؤمنين علیه السلام عبد الله وعبيد الله وقتما بني العبّاس وغيرهم» فليس بشيء لأن عثمان لم تنقم عليه تولية الأقارب من حيث كانوا أقارب بل من حيث كانوا أهل بيت الظنّة والتهمة ولهذا حذّره عمر منهم وأشعر بأنّه يحملهم على رقاب النّاس، وأمير المؤمنين علیه السلام لم يولّ من أقاربه متهماً ولا ظنيناً وحين أحسّ من ابن عبّاس بعض الريبة لم يمهله ولا احتمله وكاتبه بما هو مشهور سائر ظاهر، ولو لم يجب على عثمان أن يعدل عن ولاية أقاربه إلّا من حيث جعل عمر ذلك سبب عدوله عن النصّ عليه وشرط عليه يوم الشورى أن لا يحمل أقاربه على النّاس ولا يؤثرهم لمكان القرابة بما لا يؤثر به غيرهم لكان صادقاً قويّاً فضلاً عن أن ينضاف إلى ذلك ما انضاف من خصالهم الذميمة وطرائفهم القبيحة.
فأمّا سعيد بن العاص فإنّه قال في الكوفة : إنّما السواد بستان لقريش تأخذ منه ما شاءت وتترك حتّى قالوا له أتجعل ما أفاء الله علينا بستاناً لك ولقومك ونابذوه وأفضى ذلك الأمر إلى تسييره من سير من الكوفة والقصّة مشهورة ثمّ انتهى الأمر إلى منع أهل الكوفة سعيداً من دخولها وتكلموا فيه وفي عثمان كلاماً ظاهراً حتّى كادوا يخلعون عثمان فاضطرّ حينئذ إلى إجابتهم إلى ولاية أبي موسى فلم يصرف سعيداً مختاراً بل ما صرفة جملة وإنّما أهل الكوفة
عنهم .
12 - قال المسعودي : وفي سنة خمس وثلاثين كثر الطعن على عثمان وظهر عليه النكير لأشياء ذكروها من فعله منها ما كان بينه وبين عبد الله بن مسعود وانحراف هذيل عن عثمان من أجله.
و فی أسد الغابة : عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي كان إسلامه قديماً أوّل الإسلام سادس ستة في الإسلام وكان أوّل من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وهاجر الهجرتين جميعاً إلى الحبشة وإلى المدينة وصلّى القبلتين وشهد بدراً وأحداً والخندق وبيعة الرضوان وسائر المشاهد مع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، وأمّ عبد الله بن مسعود أمّ عبد بنت عبدود بن سوداء من هذيل أيضاً(1).
1) شرح نهج البلاغة : 37/20، والدرجات الرفيعة : 256.
وفيه بإسناده إلى عبد الرّحمن بن يزيف قال : أتينا حذيفة فقلنا حدّثنا بأقرب النّاس من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم هديا ودلا فنأخذ عنه ونسمع منه قال : كان أقرب النّاس هديا ودلا وسمتا برسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ابن مسعود ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمّد أن ابن أمّ عبد هو من أقربهم إلى الله زلفى.
وفيه عن عليّ علیه السلام قال : أمر النبي صلی الله علیه و آله و سلّم ابن مسعود فصعد على شجرة يأتيه منها بشيء فنظر أصحابه إلى ساق عبد الله فضحكوا من حموشة ساقيه فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : ما تضحكون لرجلُ عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد.
وفيه عن حبة بن جوين عن عليّ علیه السلام قال : كنا عنده جلوساً فقالوا: ما رأينا رجلاً أحسن خلقاً ولا أرفق تعليماً ولا أحسن مجالسة ولا أشدّ ورعاً من ابن مسعود قال عليّ علیه السلام : انشدكم الله أهو الصدق من قلوبكم؟ قالوا : نعم قال : اللّهم اشهد أني أقول مثل ما قالوا وأفضل(1).
وفيه في سبب إسلامه بإسناده إلى عبد الله بن مسعود قال: كنت غلاماً يافعاً في غنم لعقبة بن أبي معيط أرعاها فأتى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم ومعه أبو بكر فقال : يا غلام هل معك من لبن؟ فقلت: نعم، ولكني مؤتمن فقال : ائتني بشاة لم ينز عليها الفحل فأتيته بعناق أو جذعة فاعتقلها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فجعل يمسح الضرع ويدعو حتّى أنزلت فأتاه أبو بكر بصحوة فاحتلب فيها ثمّ قال لأبي بكر : اشرب فشرب أبو بكر ثمّ شرب النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم بعده ثمّ قال للضرع: اقلص فقلص فعاد كما كان. ثمّ أتيت فقلت: يا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم علّمني من هذا الكلام أو من هذا القرآن فمسح رأسي وقال : إنّك غلام معلم فلقد أخذت منه سبعين سورة ما نازعني فيها بشر.
وفيه: وقال أبو طيبة مرض عبد الله فعاده عثمان بن عفان فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي قال فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي. قال: ألا آمر لك بطبيب؟ قال : الطبيب أمرضني. قال: ألا آمر لك بعطاء؟ قال : لا حاجة لي فيه. قال : يكون لبناتك، قال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت بناتي أن يقرأن كلّ ليلة سورة الواقعة إنّي سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقول : من قرأ الواقعة كلّ ليلة لم تصبه فاقة أبداً. قال: وإنما قال له عثمان ألا آمر لك بعطائك لأنه كان قد حبسه عنه سنتين(2).
توفي ابن مسعود بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة ودفن ليلاً أوصى بذلك ولم
يعلم عثمان بدفنه فعاتب الزبير على ذلك وصلى عليه عمّار وقيل صلى عليه الزبير .
وفي الشافي لعلم الهدى الشريف المرتضى: وقد روى كلّ من روى سيرة من أصحاب الحديث على اختلاف طرقهم أن ابن مسعود كان يقول : لبتني وعثمان برمل عالج يحثى عليّ واحثى عليه حتى يموت الأعجز مني ومنه .
وفيه : ورووا أنه كان يطعن عليه فيقال له ألا خرجت إليه لنخرج معك؟ فيقول : والله لئن از اول جبلاً راسياً أحبّ إليّ من أن ازاول ملكاً مؤجلاً. وكان يقول في كلّ يوم جمعة بالكوفة جاهراً معلناً : إنّ أصدق القول كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ محدث بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النّار، وإنما يقول ذلك معرضاً بعثمان حتّى غضب الوليد من استمرار تعرّضه ونهاه عن خطبته هذه فكتب إلى عثمان فيه فكتب عثمان يستقدمه عليه .
وفيه : وروى أنه لما خرج خرج عبد الله بن مسعود إلى المدينة مزعجاً عن الكوفة خرج النّاس معه يشيّعونه وقالوا : يا أبا عبد الرّحمن أرجع فوالله لا يوصل إليك أبداً فأنا لا نأمنه عليك فقال: أمر سيكون ولا أحب أن أكون أوّل من فتحه(1).
أقول : الظاهر أنه يريد من قوله أمر سيكون قيام النّاس على عثمان وقتلهم إيّاه لمّا رأى الأمور المحدثة المنكرة منه وكلام النّاس وسخطهم في عثمان وأفعاله.
وفي الشّافي : وقد روى عنه من طرق لا تحصى كثرة أنه كان يقول : ما يزن عثمان عند الله جناح ذباب، وتعاطي شرح ما روى عنه في هذا الباب يطول وهو أظهر من أن يحتاج إلى الاستشهاد عليه. وأنه بلغ من إصرار عبد الله على مظاهرته بالعداوة أن قال لما حضره الموت: من يتقبل منّي وصيّة أوصيه بها على ما فيها؟ فسكت القوم وعرفوا الذي يريد فأعادها فقال عمار بن ياسر : فأنا أقبلها فقال ابن مسعود: لا يصلّي عليّ عثمان. فقال : ذلك لك . فيقال : أنه لما دفن جاء عثمان منكراً لذلك فقال له قائل: إن عماراً ولّى هذا الأمر. فقال لعمار: ما حملك على أن لم توذني؟ فقال له : إنه عهد إليّ ألا أوذنك فوقف على قبره وأثنى عليه ثمّ انصرف وهو يقول رفعتم والله بايديكم عن خير من بقي فتمثل الزبير بقول الشاعر :
لأعرفنك بعد الموت تنديني *** وفي حياتي ما زودتني زادي
وفيه : لما مرض ابن مسعود مرضه الذي مات فيه فأتاه عثمان عائداً فقال: ما تشتكي؟
1) أضواء على الصحيحين: 123 ح 5 ، وشرح نهج البلاغة : 42/3 .
قال: ذونبي . قال : فما تشتهي؟ قال: رحمة ربّي قال: ألا أدعو لك طبيباً ؟ قال : الطبيب أمرضني. قال: فلا آمر لك بعطائك؟ قال: منعتنيه وأنا محتاج إليه وتعطينيه وأنا مستغن عنه. قال : يكون لولدك، قال: رزقهم على الله . قال : استغفر لي يا أبا عبد الرحمن، فقال: أسأل الله أن يأخذ لي منك بحقي .
وفيه: أن كل من قرأ الأخبار علم أن عثمان أمر بإخراجه من المسجد على أعنف الوجوه وبأمره جرى ما جرى عليه ولو لم يكن بأمره ورضاه لوجب أن ينكر على مولاه كسره لضلعه ويعتذر إلى من عاتبه على فعله بأن يقول : أنني لم آمر بذلك ولا رضيته من فاعله و قد انكرت على من فعله وفي علمنا بأن ذلك لم يكن دليل على ما قلناه. وقد روى الواقدي بإسناده وغيره أن عثمان لما استقدمه المدينة دخلها ليلة جمعة فلمّا علم عثمان بدخوله قال : أيها النّاس أنّه قد طرقكم الليلة دويبة من تمشى على طعامه يقي ويسلح . فقال ابن مسعود: لست كذلك ولكنني صاحب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يوم بدر وصاحبه يوم بيعة الرضوان وصاحبه يوم الخندق وصاحبه يوم حنين، قال: فصاحت عائشة أيا عثمان أتقول هذا لصاحب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم؟ فقال عثمان : اسكتي(1).
ثمّ قال لعبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزي ابن قصي : أخرجه إخراجاً عنيفاً فأخذه ابن زمعة فاحتمله حتّى جاء به باب المسجد فضرب به الأرض فكسر ضلعاً أضلاعه. فقال ابن مسعود: قتلني ابن زمعة الكافر بأمر عثمان .
من وفي رواية أخرى أن ابن زمعة مولى لعثمان أسود كان مسدماً طوالاً.
وفي رواية أخرى أن فاعل ذلك يحموم مولى عثمان .
وفي رواية أنه لما احتمله ليخرجه من المسجد ناداه عبد الله : أنشدك الله أن تخرجني من مسجد خليلي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وهو الذي يقول فيه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : لساقا ابن أمَّ عبد أثقل في الميزان يوم القيامة من جبل أحد.
13 - قال المسعودي في مروج الذهب وغيره: ومن ذلك ما نال عمار بن ياسر من الفتن والضرب وانحراف بني مخزوم عن عثمان من أجله .
وفي تلخيص الشافي للشيخ الطوسي: ومن ذلك إقدامه على عمّار حتى روى
أنّه صار به فتق وكان أحد من ظاهر المتظلمين على قتله وكان يقول : قتلناه كافراً.
أقول : قد ذكرنا في المجلّد الخامس عشر في شرح الخطبة 36 طائفة من الأقوال
1) الغدير : 4/9 ، وشرح نهج البلاغة : 43/3 .
والأخبار في ترجمة عمّار ومناقبه وفضائله فلا حاجة إلى الإعادة فراجع .
قال ابن جمهور الإحسائي في المجلى: ومن قوادح عثمان ضربه لعمار بن ياسر حتّى أخذه الفتق على ما رواه الثقات من أهل السيرة أن عمّار بن ياسر قام في المسجد يوماً وعثمان يخطب على المنبر فویّخه بأحداثه وأفعاله فنزل عثمان فركضه برجله حتّى ألقاه على قفاه وداس في بطنه برجله وأمر أعوانه من بني أميّة فضربوه حتى غشي عليه وهو مع ذلک يشتم عماراً ويسبه وتركه ومضى إلى منزله فاحتمل عمّار إلى منزله وهو لما فلما أفاق من غشوته دخل عليه النّاس فلامه بعض وقال : وما لك والتعرض لعثمان وقد علمت أفعاله وأحداثه ؟ فقال : إنما حملني على ذلك كلام سمعت من را سمعت من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فإنّه قال : أفضل الأعمال كلمة حق تقولها بين يدي إمام جائر فأردت أن أنال هذه الدرجة وأن لي ولعثمان موقفاً عند الله يوم القيامة.
قال علم الهدى في الشافي: قال صاحب الكتاب «يعني القاضي عبد الجبار صاحب الكتاب المعروف بالمغني من الحجاج في الإمامة: فأما ما طعنوا به من ضربه عمّاراً حتى صار به فتق فقد قال شيخنا أبو علي إن ذلك غير ثابت ولو ثبت أنه ضربه للقول العظيم الذي كان يقوله لم يجب أن يكون طعناً لأن للإمام تأديب من يستحق ذلك وممّا يبعّد صحة ذلك أن عماراً لا يجوز أن يكفره ولما يقع منه ما يستوجف الكفر لأن الذي يكفر به الكافر معلوم ولأنّه لو كان قد وقع ذلك لكان غيره من الصحابة أولى بذلك ولوجب أن يجتمعوا على خلعه ولوجب أن لا يكون قتله لهم مباحاً بل كان يجب أن يقيموا إماماً يقتله على ما قدمنا القول فيه وليس أحد أن يقول إنما كفره من حيث وثب على الخلافة ولم يكن لها أهلاً لأنا قد بيّنا القول في ذلك، لأنه كان مصوباً لأبي بكر وعمر على ما قدمنا من قبل، وقد بيّنا أن صحة إمامتهما يقتضي صحة إمامة عثمان .
وروى إنّ عماراً نازع الحسن علیه السلام في أمره فقال عمّار: قتل عثمان كافراً وقال الحسن علیه السلام : قتل مؤمناً وتعلق بعضها ببعض فصارا إلى أمير المؤمنين علیه السلام فقال: ماذا تريد من ابن أخيك؟ فقال : إنّي قلت كذا وقال الحسن علیه السلام كذا ، فقال أمير المؤمنين علیه السلام: أتكفر برّب كان يؤمن به عثمان؟ فسكت عمّار (1).
وحكى عن الخياط أن عثمان لما نقم عليه ضربه لعمار احتجّ لنفسه فقال : جاءني سعد
1) شرح نهج البلاغة : 48/3 .
وعمّار فارسلا إليّ أن اثتنا فإنا نريد أن نذاكرك أشياء فعلتها فأرسلت إليهما أني مشغول فانصرفا فموعد كما كذا فانصرف سعد وأبي عمار أن ينصرف فأعدت الرّسول إليه فأبى أن ينصرف فتناوله بعض غلماني بغير أمري ووالله ما أمرت به ولا رضيت وها أنا فليقتصّ منّي قال: وهذا من أنصف قول وأعدله (1).
قال علم الهدى في جوابه : أنّه يقال له : قد وجدناك في قصة عثمان وعمّار بين أمرين مختلفين: بين دفع لما روى من ضربه وبين اعتراف بذلك وتأول له واعتذار منه بأن التأديب المستحق لا حرج فيه ونحن نتكلّم على الأمرين :
أمّا الدّفع لضرب عمّار فهو كالإنكار لوجود أحد يسمى عمّاراً أو لطلوع الشمس ظهوراً وانتشاراً وكلّ من قرأ الأخبار وتصفح السير يعلم من هذا الأمر ما لا تثنية عنه مكابرة ولا مدافعة وهذا الفعل يعني ضرب عمّار لم يختلف الرواة فيه وإنّما اختلفوا في سببه :
فروى عبّاس عن هشام الكلبي عن أبي مخنف في إسناده قال : كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حليّ وجوهر فأخذ منه عثمان ما حلي به بعض أهله فأظهر النّاس الطعن عليه في ذلك وكلّموه فيه بكلّ كلام شديد حتّى أغضبوه فخطب فقال : لنأخذنّ حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت أنوف أقوام فقال عليّ علیه السلام إذا تمنع ذلك ويحال بينك وبينه فقال عمّار : اشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك ؛ فقال عثمان أعليّ يا ابن ياسر وسمية تجترىء؟ خذوه فأخذوه فدخل عثمان فدعا به فضربه حتّى غشي عليه ثمّ أخرج فحمل إلى منزل أُمّ سلمة زوج النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم رحمة الله عليها فلم يصلّ الظهر والعصر والمغرب فلمّا أفاق توضّأ وصلّى وقال : الحمد الله ليس هذا أوّل يوم أوذينا فيه في الله فقال هشام بن أوذينا فيه في الله فقال هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي وكان عمّار حليفاً لبني مخزوم، يا عثمان أمّا عليّ فاتقيته وأمّا نحن فاجترأت علينا وضربت أخانا حتّى أشفيت به على التلف أما والله لئن مات لأقتلن به رجلاً من بني أميّة عظيم السيرة وإنّك لها أنا ابن القسرية، قال: فإنهما قسريتان وكانت أمّه وجدّته قسريتين من بجيلة فشتمه عثمان وأمر به فأخرج فأتي به أمّ سلمة فإذا هي قد غضبت بعمّار وبلغ عائشة ما صنع بعمّار فغضبت وأخرجت شعراً من شعر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ونعلاً من نعاله وثوباً من ثيابه وقالت: ما أسرع ما تركتم سنة رسولكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد.
وروى آخرون أن السبب في ذلك أن عثمان مرّ بقبر جديد فسأل عنه فقيل : عبد الله بن
1) شرح نهج البلاغة : 48/3 .
مسعود فغضب على عمّار لكتمانه إياه موته إذ كان المتولى للصلاة عليه والقيام بشأنه فعندها وطيء عثمان عماراً حتّى أصابه الفتق .
وروى آخرون أن المقداد وطلحة والزبير وعماراً وعدة من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كتبوا كتاباً عدّدوا فيه أحداث عثمان وخوّفوه ربّه وأعلموه أنّهم مواثبوه إن لم يقلع . فأخذ عمّار الكتاب فأتاه به فقرأه منه صدراً. فقال عثمان: أعليّ تقدم من بينهم؟ فقال: لأني أنصحهم لك. فقال : كذبت يا ابن سميّة . فقال : أنا والله ابن سميّة وأنا ابن ياسر فأمر غلمانه فمدّوا بيديه ورجليه فضربه عثمان برجليه وهي في الخفين على مذاكيره فأصابه الفتق وكان ضعيفاً كبيراً فغشي عليه .
فضرب عمّار على ما ترى غير مختلف فيه بين الرواة وإنّما اختلفوا في سببه، والخبر الذي رواه صاحب الكتاب وحكاه عن الخيّاط ما نعرفه وكتب السير المعروفة خالية منه ومن نظيره وقد كان يجب أن ن يضيفه إلى الموضع الذي أخذه منه، فإنّ قوله وقول من أسند إليه ليسا بحجة. ولو كان صحيحاً لكان يجب أن يقول بدل قوله ها أنا فليقتصّ منّي وإذا كان ما أمر بذلك ولا رضيه وإنّما ضربه الغلام: هذا الغلام الجاني فليقتصّ منه فإنّه أولى وأعدل وبعد فلا تنافي بين الروايتين لو كان ما رواه معروفاً لأنّه يجوز أن يكون غلامه ضربه في حال أُخرى والروايات إذا لم تتعارض لم يجز إسقاط شيء منها(1).
فأمّا قوله : إن عماراً لا يجوز أن يكفره ولم يقع منه ما يوجب الكفر، فإن تكفير عمّار له معروف قد جاءت به الروايات .
وقد روي من طرق مختلفة وبأسانيد كثيرة أن عماراً كان يقول : ثلاثة يشهدون على عثمان بالكفر وأنا الرابع وأنا الرابع وأنا شرّ الأربعة ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وأنا أشهد أنّه قد حكم بغير ما أنزل الله(2).
وروي عن زيد بن أرقم من طرق مختلفة أنّه قيل: بأي شيء أكفرتم عثمان؟ قال : بثلاث : جعل المال دولة بين الأغنياء، وجعل المهاجرين من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بمنزلة من حارب الله ورسوله، وعمل بغير كتاب الله(3).
وروي عن حذيفة أنّه كان يقول : ما في عثمان بحمد الله أشك لكنّني أشكّ في
قاتله
أكافر قتل كافراً أم مؤمن خاض إليه الفتنة حتّى قتله وهو أفضل المؤمنين إيماناً(1).
فأمّا ما رواه من منازعة الحسن علیه السلام عماراً في ذلك وترافعهما فهو أولا غير رافع لكون عمّار مكفراً له بل هو شاهد من قوله بذلك. وإن كان الخبر صحيحاً فالوجه فيه أن عماراً علم من لحن كلام أمير المؤمنين علیه السلام وعدوله عن أن يقضي بينهما بصريح القول: أنّه متمسك بالتقيّة فأمسك عمّار لما فهم من غرضه.
فأمّا قوله : لا يجوز أن يكفره من حيث وثب على الخلافة لأنّه كان مصوباً لأبي بكر وعمر ولما تقدّم من كلامه في ذلك فلا بد إذاً حملنا تكفير عمّار للرجل على الصحة من هذا الوجه أن يكون عمّار غير مصوب للرجلين على ما ادعى.
فأمّا قوله عن أبي علي أنّه لو ثبت أنّه ضربه للقول العظيم الذي كان يقول فيه لم يكن طعناً لأن للإمام تأديب من يستحق ذلك، فقد كان يجب أن يستوحش صاحب الكتاب أو من حكى كلامه من أبي علي وغيره من أن يعتذر من ضرب عمار وقذه حتّى لحقه من الغشي وترك له الصلاة ووطيه بالأقدام امتهاناً واستخفافاً بشيء من العذر فلا عذر يسمع من إيقاع نهاية المكروه بمن روى أن النبي صلی الله علیه و آله و سلّم قال فيه : عمّار جلدة ما بين العين والأنف ومتى تنك الجلد تدم الأنف.
وروي أنه صلی الله علیه و آله و سلّم قال : مالهم ولعمار يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار(2).
وروى العوام بن حوشب عن سلمة بن كهيل عن علقمة عن خالد بن الوليد: أن
رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قال : من عاد عماراً عاداء الله ومن أبغض عماراً أبغضه الله(3).
وأيّ كلام غليظ سمعه من عمّار يستحق به ذلك المكروه العظيم الذي يتجاوز المقدار الذي فرضه الله تعالى في الحدود وإنّما كان عمّار وغيره ينثوا عليه أحداثه ومعايبه أحياناً على ما يظهر من سيىء أفعاله وقد كان يجب عليه أحد الأمرين إما أن عما يواقف عليه من تلك الأفعال أو أن يبين عذره فيها أو براءته منها ما يظهر وينتشر ويشتهر فإن أقام مقيم بعد ذلك على توبيخه وتفسيقه زجره عن ذلك بوعظ أو غيره ولا يقدم على ما تفعله الجبابرة والأكاسرة من شفاء الغيظ بغير ما أنزل الله تعالى وحكم به .
وفي «الإمامة والسياسة» لابن قتيبة الدينوري : ذكروا أنّه اجتمع ناس من
أصحاب
النبي صلی الله علیه و آله و سلّم فكتبوا كتاباً وذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وسنة صاحبيه - وبعد ما أتى بكثير من أحداثه قال: ثم تعاهد القوم ليدفعنّ الكتاب في يد عثمان وكان ممن حضر الكتاب عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود وكانوا عشرة فلمّا خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان، والكتاب في يد عمّار جعلوا يتسلّلون عن عمّار حتّى بقي وحده فمضي حتّى جاء دار عثمان فاستأذن عليه فأذن له في يوم شات فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني أمية فدفع عليه الكتاب فقرأه فقال له : أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: نعم قال: ومن كان معك؟ قال : كان معي نفر تفرقوا فرقا منك، قال: من هم؟ قال : لا أخبرك بهم، قال: فلم اجترأت عليّ من بينهم؟ فقال مروان: يا أمير المؤمنين إنّ هذا العبد الأسود (يعني عماراً) قد جرّأ عليك النّاس وإنّك إن قتلته نكلت به من وراءه قال عثمان: اضربوه فضربوه وضربه عثمان معهم حتّى فتقوا بطنه فغشي عليه فجزوه حتّى طرحوه على باب الدار - إلى آخر ما قال(1).
14 - قال المسعودي في مروج الذهب: ومن ذلك فعل الوليد بن عقبة في مسجد الكوفة وذلك أنّه بلغه عن رجل من اليهود من ساكني قربة من قرى الكوفة مما يلي جسر بابل يقال له : زرارة يعمل أنواعاً من الشعبذة والسحر يعرف بمطروي فاحضر فأراه في المسجد ضرباً من التخاييل وهو أن أظهر له في الليل فيلاً عظيماً على فرس في صحن المسجد ثمّ صار اليهودي ناقة يمشي على جبل ثمّ أراه صورة حمار دخل من فيه ثمّ خرج من دبره ثمّ ضرب عنق رجل ففرق بين جسده ورأسه ثمّ أمر السيف عليه فقام الرّجل وكان جماعة من أهل الكوفة حضوراً منهم جندب بن كعب الأزدي فجعل يستعيذ بالله من فعل الشيطان ومن عمل يبعد من الرحمن وعلم أن ذلك هو ضرب من التخييل والسحر فاخترط سیفه وضرب به اليهودي ضربة أدار رأسه ناحية من بدنه وقال: جاء الحقّ وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقاً .
وقد قيل أن ذلك كان نهاراً وأن جندبا خرج إلى السوق ودنا من بعض الصياقلة وأخذ سيفاً ودخل فضرب به عنق اليهودي وقال : إن كنت صادقاً فأحي نفسك فأنكر عليه الوليد ذلك وأراد أن يقيده به فمنعه الأزد فحبسه وأراد قتله غيلة ونظر السجّان إلى قيامه ليله إلى الصبح فقال له : انج بنفسك فقال له جندب: تقتل بي. قال: ليس ذلك بكثير في مرضاة والدفع عن وليّ من أولياء الله، فلما أصبح الوليد دعا به وقد استعدّ لقتله فلم يجده فسأل السجّان فأخبره بهر به فضرب عنق السجان وصلبه بالكناس.
1) الإمامة والسياسة : 51/1 ومواقف الشيعة : 370/2 ، والغدير : 18/9، ومواقف الشيعة: 371/2
قال ابن الأثير الجزري في «أسد الغابة» : جندب بن كعب بن عبد الله الأزدي أحد جناب الأزد وهو قاتل الساحر عند الأكثر وممن قاله الكلبي والبخاري روى عنه الحسن(1).
قال : أخبرنا إبراهيم بن محمّد بن مهران الفقيه وغيره قالوا بإسنادهم عن محمد بن عیسی أخبرنا أحمد بن منيع أخبرنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جندب قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : حدّ الساحر ضربة بالسيف. قد اختلف في رفع هذا الحديث فمنهم من رفعه بهذا الإسناد ومنهم من وقفه على جندب
وكان سبب قتله الساحر أن الوليد بن عقبة أبي معيط لما كان أميراً على الكوفة حضر عنده ساحر فكان يلعب بين يدي الوليد يريد أنّه يقتل رجلاً ثم يحييه ويدخل في فم ناقة ثمّ يخرج من حيائها فأخذ سيفاً من صيقل واشتمل عليه وجاء إلى الساحر فضربه ضربة فقتله ثمّ قال له: أحي نفسك ثم قرأ «أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ» [الأنبياء: 3] فرفع إلى الوليد فقال : سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقول : حدّ الساحر ضربة بالسيف فحبسه الوليد فلمّا رأى السجّان صلاته وصومه خلّى سبيله(2).
وفي الشّافي وتلخيصه : أنّ الوليد أراد أن يقتل جندبا بالساحر حتّى أنكر الأزد ذلك فحبسه وأطال حبسه حتّى هرب من السجن.
وقال في «أسد الغابة» : فأخذ الوليد السجّان فقتله، وقيل : بل سجنه فأتاه كتاب عثمان باطلاقه، وقيل: بل حبس الوليد جندباً فأتى ابن أخيه إلى السجّان فقتله وأخرج جندباً فذلك قوله :
أفي مضرب السخار يحبس جندب *** ويقتل أصحاب النبي الأوائل
فإن يك ظني بابن سلمی ورهطه *** هو الحق يطلق جندب ويقاتل
وانطلق إلى أرض الروم فلم يزل يقاتل بها المشركين حتى مات لعشر سنوات مضين من خلافة معاوية.
15 - ومن ذلك قصة قتل الهرمزان وقد قدّمنا الكلام فيه في شرح الخطبة 236 وجملته أن عثمان عطّل الحد الواجب في عبيد الله بن عمر فإنه قتل الهرمزان بعد إسلامه فلم يقده به وقد كان أمير المؤمنين عليّ علیه السلام يطلبه لذلك. وتلك القصّة على الإجمال أنّ الهرمزان كان من عظماء فارس وكان قد أسر في بعض الغزوات وجيء به إلى المدينة فأخذه عليّ علیه السلام فأسلم على يديه فأعتقه عليّ علیه السلام فلما ضرب عمر فلما ضرب عمر في غلس الصبح واشتبه الأمر في ضاربه
سمع ابنه عبيد الله قوم يقولون : قتله العلج فظن أنهم يعنون الهرمزان فبادر عبيد الله إليه فقتله قبل أن يموت عمر فسمع عمر بما فعله ابنه فقال : قد أخطأ عبيد الله أنّ الذي ضربني أبو لؤلؤة وإن عشت لأقيدنّه به فإن عليّاً لا يقبل منه الدية وهو مولاه فلما مات عمر وتولى عثمان طالب عليّ علیه السلام بقود عبيد الله وقال : إنّه قتل مولاه ظلماً وأنا وليّه فقال عثمان : قتل بالأمس عمر واليوم يقتل ابنه حسب آل عمر مصابهم به وامتنع من تسليمه إلى عليّ علیه السلام ومنع عليّاً حقّه ولهذا قال عليّ علیه السلام : لأن أمكنني الدهر منه يوماً لأقتلنّه به فلما ولّي عليّ علیه السلام هرب عبيد الله منه إلى الشّام والتجأ إلى معاوية وخرج معه إلى حرب صفين فقتله عليّ علیه السلام في حرب صفين قال الأحسائي في المجلى: فانظر إلى عثمان كيف عطل حقّ عليّ علیه السلام وخالف الكتاب والسنة برأيه والله تعالى يقول «وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيهِ سُلْطَنَا» [الإسراء: 33].
وقال أبو جعفر الطبري في التاريخ: بعدما بايع النّاس عثمان جلس في جانب المسجد ودعا عبيد الله بن عمر وكان محبوساً في دار سعد بن أبي وقاص وهو الذي نزع السيف من يده بعد قتله جفينة والهرمزان وابنة أبي لؤلؤة وكان يقول : والله لأقتلنّ رجالاً ممّن شرك في دم أبي يعرض بالمهاجرين والأنصار فقام إليه سعد فنزع السيف من يده وجذب شعره حتّى أضجعه إلى الأرض وحبسه في داره حتّى أخرجه عثمان إليه فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والأنصار :أشيروا عليّ في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق فقال عليّ أرى أن تقتله فقال بعض المهاجرين : قتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم؟ فقال عمرو بن العاص : يا أمير المؤمنين إنّ الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان إنّما كان هذا الحدث ولا سلطان لك قال عثمان: أنا وليهم وقد جعلتها دية واحتملتها مالي (1).
قال : وكان رجل من الأنصار يقال له زياد بن لبيد البياضي إذا رأى عبيد الله بن عمر قال :
ألا يا عبيد الله ما لك مهرب *** ولا ملجأ من ابن أروى ولا خفر
أصبت دما والله في غير حلّه *** حراما وقتل الهرمزان له خطر
على غير شيء غير أن قال قائل *** أتتّهمون الهرمزان على عمر
فقال سفيه والحوادث جمة *** نعم انهمه قد أشار وقد أمر
وكان سلاح العبد في جوف بيته *** يقلّبها والأمر بالأمر يعتبر
فشکی عبیدالله بن عمر إلى عثمان زياد بن لبيد وشعره، فدعا عثمان زیاد بن لبيد فنهاه قال: فأنشأ زياد يقول في عثمان :
1) الغدير : 1358 ، وتاريخ الطبري: 302/3
ابا عمرو عبيد الله رهن *** فلا تشكك بقتل الهرمزان
فإنك إن غفرت الجرم عنه *** فأسباب الخطا فرسا رهان
أتعفو إذ عفوت بغیر حق *** فما لك بالذي تحكي يدان
فدعا عثمان زياد بن لبيد فنهاه وشذبه .
نقل علم الهدى في الشافي عن عبد الجبار بقوله : ثمّ ذكر ما نسب إليه من تعطيل الحدّ في الهرمزان وحكى عن أبي علي أنه لم يكن للهرمزان ولي يطلب بدمه والإمام وليّ من لا وليّ له وللوليّ أن يعفو كما له أن يقتل. وقد روى أنه سأل المسلمين أن يعفوا عنه فأجابوا إلى ذلك .
قال القاضي : وإنما أراد عثمان بالعفو عنه ما يعود إلى عزّ الدّين لأنه خاف أن يبلغ العدوّ قتله فيقال : قتلوا إمامهم وقتلوا ولده ولا يعرفون الحال في ذلك فيكون شماتة .
وحكى عن الخياط أن عامة المهاجرين أجمعوا على الإيقاع بالهرمزان وقالوا: هو دم سفك في غير ولايتك فليس له وليّ يطلب به وأمره إلى الإمام فأقبل منه الدّية فذلك صلاح المسلمين.
قال : ولم يثبت أنّ أمير المؤمنين علیه السلام و كان يطلبه ليقتله بالهرمزان لأنّه لا يجوز قتل من عفى عنه وليّ المقتول وإنّما كان يطلبه ليضع من قدره ويصغر من شأنه .
قال: ويجوز أن يكون ما روى عن عليّ علیه السلام أنه قال : لو كان بدل عثمان لقتلته، يعني أنّه كان يرى ذلك أقوى في الإجتهاد وأقرب إلى التشدّد في دين الله .
اعترض عليه الشريف المرتضى علم الهدى في الشافي بقوله : فأمّا الكلام في قتل الهرمزان وفي العدول عن قتل قاتله واعتذاره من ذلك بما اعتذر به من أنه لم يكن له وليّ لأنّ الإمام وليّ من لا وليّ له وله أن يعفو كما له أن يستوفي القود، فليس بشيء لأنّ الهرمزان رجل من أهل فارس ولم يكن له وليّ حاضر يطالب بدمه وقد كان يجب أن يبذل الإنصاف لأوليائه ويؤمنوا متى حضروا حتّى أن كان له وليّ يطالب وحضر وطالب.
ثمّ لو لم يكن له وليّ لم يكن عثمان وليّ دمه لأنه قتل في أيّام عمر فصار عمر وليّ دمه
وقد أوصى عمر على ما جاءت به الروايات الظاهرة بقتل ابنه عبيد الله إن لم يقم البينة العادلة على الهرمزان وجفينة أنهما أمرا أبا لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة بقتله وكانت وصيته بذلك إلى أهل الشورى فقال : أيكم وليّ هذا الأمر فليفعل كذا وكذا ممّا ذكرناه، فلما مات عمر طلب المسلمون إلى عثمان إمضاء الوصيّة في عبيد الله بن عمر فدافع عنها وعلّلهم فلو كان هو وليّ الدّم على ما ذكره لم يكن له أن يعفو وأن يبطل حدّاً من حدود الله تعالى وأيّ شماتة للعدوّ في إقامة حدود الله تعالى؟ وإنّما الشماتة كلّها من أعداء الإسلام في تعطيل الحدود؛ وأيُّ حرج في الجمع بين قتل الأب والابن حتى يقال كره أن ينتشر الخبر بأنّ الإمام وابنه قتلا وإنما قتل أحدهما ظلماً بغير أمر الله والآخر بأمر الله تعالى.
وقد روى زياد بن عبد الله البكائي عن محمّد بن إسحاق عن أبان بن صالح أنّ أمير المؤمنين علیه السلام أتى عثمان بعدما استخلف فكلّمه في عبيد الله ولم يكلّمه أحد غيره فقال : أقتل هذا الفاسق الخبيث الذي قتل امرءاً مسلماً ؛ فقال عثمان: قتلوا أباه بالأمس وأقتله اليوم وإنّما هو رجل من أهل الأرض فلما أبى عليه مرّ عبيد الله على عليّ علیه السلام فقال له : يا فاسق ايه أما والله لئن ظفرت بك يوماً من الدهر لأضربنّ عنقك فلذلك خرج مع معاوية على أمير
المؤمنين علیه السلام(1).
وروی النقاد الحسن بن عيسى بن زيد عن أبيه أنّ المسلمين لما قال عثمان إنّي قد عفوت عن عبيد الله بن عمر قالوا: ليس لك أن تعفو عنه. قال : بلى إنّه ليس لجفينة والهرمزان قرابة من أهل الإسلام وأنا أولى بهما لأني وليّ أمر المسلمين وقد عفوت فقال عليّ علیه السلام إنه ليس كما تقول إنما أنت في أمرهما بمنزلة أقصى المسلمين وإنما قتلهما في إمرة غيرك وقد حكم الوالي الذي قبلك الذي قتلا في إمارته بقتله ولو كان قتلهما في إمارتك لم يكن لك العفو عنه فاتق الله فإن الله سائلك عن هذا. فلمّا رأى عثمان أنّ المسلمين قد أبوا إلّا قتل عبيد الله أمره فارتحل إلى الكوفة وابتنى وأقطعه بها داراً وأرضاً وهي التي يقال لها كويفة ابن عمر فعظم ذلك عند المسلمين واكبروه وكثر كلامهم فيه .
وروى عن عبيد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب علیه السلام أنّه قال : ما أمسى عثمان يوم ولي حتّى نقموا عليه في أمر عبيد الله بن عمر حيث لم يقتله بالهرمزان .
فأمّا قوله : إنّ أمير المؤمنين علیه السلام لم يطلبه ليقتله بل ليضع من قدره فهو بخلاف ما صرّح به علیه السلام من أنّه لم يكن إلّا لضرب عنقه .
وبعد فإنّ وليّ الدّم إذا عفى عنه على ما ادّعوا لم يكن لأحد أن يستخفّ به ويضع من
1) بحار الأنوار: 244/31، ومجمع النورين : 235.
قدره كما ليس له أن يقتله.
وقوله : إنّ أمير المؤمنين علیه السلام و لا يجوز أن يتوعده مع عفو الإمام عنه فإنما يكون صحيحاً لو كان ذلك العفو مؤثراً وقد بينا أنه غير مؤثر.
وقوله : يجوز أن يكون علیه السلام ممّن يرى قتله أقوى في الإجتهاد وأقرب إلى التشدّد في دین الله فلا شك أنه كذلك وهذا بناء منه على أن كلّ مجتهد مصيب وقد بيّنا أن الأمر بخلاف ذلك، وإذا كان اجتهاد أمير المؤمنين علیه السلام يقتضي قتله فهو الذي لا يسوغ خلافه.
16 - في المجلي: ومن قوادحه عمله بالتكبّر واظهاره لاعماله الجبابرة وتزيينه بزيّ الجاهليّة والملوك خلافاً لما كان عليه النبيّ علیه السلام وأصحابه من التواضع والزهد وطريقة الصلحاء فاستعمل الحجاب والغلمان ولبس الحرير والتزين بالمذهب وضرب البوقات على بابه وكلّ هذه أعمال مخالفة للشريعة الأحمديّة وما كان عليه الصحابة والخلفاء المتقدمين عليه ولهذا نقموا عليه وظهر بين المهاجرين والأنصار فسقه وطلبوا منه الإعتزال عن أمرتهم فأبى فقتلوه لعلمهم باستحقاقه لذلك وأن الخلافة لا يجوز لمن هو معلن بالفسق .
17 - وفيه ومن قوادحه عيبهم إياه بأنّه لم يحضر غزاة بدر التي كانت أوّل حرب امتحن به المؤمنون فجلس في بيته وتعلّل بمرض زوجته وكذلك بيعة الرضوان لم يحضرها وتخلف عنها متعلّلاً بموت زوجته مع أنّ الله تعالى يقول في أهلها «لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة» [الفتح: 18] فكان محروماً من ذلك الرضا أحد ويوم حد انهزم وفرّ من الزحف أقبح فرار حتّى أنّه بقي في هزيمته مدّة ثلاثة أيّام لا يلتفت إلى وراه حتّى وصل إلى قرية قريب مكة يقال لها : السوارقية ولما رجع إلى المدينة بعد أن علم بسلامة النبي صلی الله علیه و آله و سلّم قال له النّبي صلی الله علیه و آله و سلّم : لقد ذهبت فيها عريضة يا عثمان ولم يرد جواباً خجلاً مما فعله .
18 - وفيه : ومن قوادحه أن الصّحابة بأجمعهم أجمعوا على حربه لأجل أحداثه التي نقموها عليه وكانوا يومئذ بين خاذل وقاتل حتّى قتلوه في بيته بين ولده ونسائه في المدينة ودار الهجرة ومنعوه من الماء ثلاثة أيام وهو بين ظهراني المسلمين مع أنّه خليفتهم وإمامهم لم عنه منهم محام ولا له منهم قائم وذلك دليل على إجماعهم على قتله واستحلالهم لدمه كما أجمعوا على خلافته حتّى قال بعض العلماء : إن المجمعين على قتل عثمان كانوا أكثر من المجمعين على بيعته وما ذاك إلّا لعظم أحداثه حتّى بقي ثلاثة أيّام مرمياً على الكناسة بعد قتله لم يجسر أحد أن يدفنه حتّى قام ثلاثة نفر من بني أمية فأخذوه بالليل بعد انتصافه سرقة ودفنوه لكيلا يعلم بهم أحد وذلك دليل على عظم أحداثه وكبر معاصيه في الإسلام وأهله فلولا أنّه كان مستحقاً لما فعلوه ،به إلى أخر ما قال وسنذكر تفصيل الكلام في قتله وما ذكروا في المقام .
19 - وفيه: ومن قوادحه قصته المشهورة مع أهل مصر وذلك أنّه لما كثرت أحداثه وظهرت بين المسلمين كثرت الشكايات منه ومن عماله فورد إلى المدينة جماعة من أهل مصر يشكون من عامله عليهم عبد الله بن أبي سرح - إلى أن قال : وعزل عثمان عن أهل مصر عامله وقال: يختارون لأنفسهم من شاؤوا فقالوا : نريد محمّد بن أبي بكر فاستعمله على مصر عامله وقال: تختاروا لأنفسهم من شاؤوا فقالوا : نريد محمّد بن أبي بكر فاستعمله على مصر وكتب له بها عهداً بحضرة الكل. ثمّ إنّ أهل مصر مع عاملهم محمّد بن أبي بكر لمّا خرجوا من المدينة كتب عثمان إلى عبد الله بن أبي سرح كتاباً إنّك متى قدم عليك محمّد بن أبي بكر وأصحابه المصريين فاقتلهم وأصلبهم وابق على عملك - إلى آخر ما قال وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى .
20 - ومنها - كما في «الإمامة والسياسة» لابن قتيبة الدينوري - : تركه المهاجرين والأنصار لا يستعملهم على شيء ولا يستشيرهم واستغنى برأيه عن رأيهم(1).
21 - وفيه أيضاً : إدراره القطائع والأرزاق والأعطيات على أقوام بالمدينة ليست لهم صحبة من النبي صلی الله علیه و آله و سلّم ثمّ لا يغزون ولا يذبون .
22 - وفيه أيضاً: وما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط وأنّه أوّل من ضرب بالسياط ظهور النّاس وإنّما كان ضرب الخليفتين قبله بالدرّة والخيزران وفي الشافي وتلخيصه : أنّه جلّد بالسوط ومن كان قبله يضرب بالدرّة.
23 - في المجلى : ومن قوادحه إحراقه المصاحف التي هي كلام الله العزيز الواجب على أهل الإسلام تعظيمه والقيام بحرمته وأنّهم أجمعوا على أنّ من استخف بحرمته كان مرتداً خارجاً من الإسلام ولا شيء في الاستخفاف أبلغ من الحرق بالنّار، فقد نقل أهل السيرة أنّه لمّا أراد اجتماع النّاس على مصحفه طلب المصاحف التي كانت في أيدي النّاس حتّى جمعها كلّها ثمّ أنّه أحرقها. وفي رواية أخرى أنّه وضعها في قدر وطبخها بالنّار حتّى تمزّقت وتفرّقت ولم يبق منها غير مصحف عبد الله بن مسعود فإنّه طلبه منه فمنعه ولم يسلمه إليه فضربه على ذلك حتّى كسر بعض أضلاعه ومنعه عطاءه وبقي عبد الله مريضاً حتّى مات ودخل عليه عثمان في مرضه وطلب منه أن يحلّه فلم يرض أن يحلّه، وكيف صحّ له التهجم على الكتاب العزيز بهذه الأفعال الشنيعة وكيف صحّ له أن يضرب رجلاً من أكابر الصحابة وفضلائهم وعلمائهم على منعه ملكه لا يسلمه إليه حتّى مات بسبب ذلک الضرب، و من المعلوم للكل أن كلّ ذلك الفعل مخالف للشريعة محرّم بالكتاب والسنة.
1) الإمامة والسياسة : 50/1 ، ومواقف الشيعة : 370/2 .
وفي الشافي: ثمَّ من عظيم ما أقدم عليه جمعه النّاس على قراءة زيد وإحراقه المصاحف وإبطاله ما شك أنّه منزل من القرآن وأنّه مأخوذ عن الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم ولو كان ذلك مما يسوغ لسبق إليه الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم و لفعله أبو بكر وعمر(1).
قال الشريف علم الهدى في الشافي نقلاً عن القاضي أنّه حكى عن أبي عليّ في قصّة ابن مسعود و ضربه أنّه قال : لم يثبت عندنا ضربه إياه ولا صحّ عندنا طعن عبد الله عليه ولا إكفاره له والذي يصحّ في ذلك أنه كره منع جمع النّاس على قراءة زيد وإحراقه المصاحف وثقل ذلك عليه كما يثقل على الواحد منا تقديم غيره عليه وذكر أن الوجه في جميع النّاس على قراءة واحدة تحصين القرآن وضبطه وقطع المنازعة فيه والاختلاف قال القاضي: وليس لأحد أن يقول لو كان واجباً لفعله رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وذلك أن الإمام إذا فعله صار كأنه فعله ولأن الأحوال في ذلك يختلف. وقد روى عن عمرانه كان قد عزم على ذلك فمات دونه، وليس لأحد أن يقول إنّ إحراقه المصاحف إنّما كان استخفافاً بالدين وذلك لأنه إذا جاز من الرّسول صلوات الله عليه أن يخرب المسجد الذي بنى ضراراً وكفراً فغير ممتنع إحراق المصاحف(2).
قال بعدما أثبت ضرب عثمان ابن مسعود وطعنه عثمان - فأمّا قوله : إن ابن مسعود سخط جمعه الناس على قراءة زيد وإحراقه المصاحف واعتذاره من جمع النّاس على قراءة واحدة بأن فيه تحصين القرآن وقطع المنازعة والاختلاف فيه، ليس بصحيح ولا شك فی ان ابن مسعود كره إحراق المصاحف كما كرهه جماعة من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وتكلموا فيه وذكر الرواة كلام كلّ واحد منهم في ذلك مفضلا وما كره عبد الله من تحريم قراءته وقصر النّاس على قراءة غيره إلّا مكروها وهو الذي يقول النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : من سرّه أن يقرأ القرآن غضّا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد(3).
وروى عن ابن عبّاس أنّه قال : قراءة ابن أم عبد هي القراءة الأخيرة إن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كان يعرض عليه القرآن في كلّ سنة في شهر رمضان فلمّا كان العام الذي توفي فيه صلی الله علیه و آله و سلّم عرض
عليه دفعتين وشهد عبد الله ما نسخ منه وما صح فهي القراءة الأخيرة(1).
وروى شريك عن الأعمش قال : قال ابن مسعود: لقد أخذت من في رسول الله
صلی الله علیه و آله و سلّم سبعين سورة وأن زيد بن ثابت لغلام يهودي في الكتاب له ذوابة .
أقول : قال في «أسد الغابة» : قال أبو وائل : لما شق عثمان المصاحف بلغ ذلك عبد الله فقال : لقد علم أصحاب محمّد أني أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم ولو إنّي أعلم أن أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغنيه الإبل لأتيته، فقال أبو وائل: فقمت إلى الخلق أسمع ما يقولون، فما سمعت أحداً من أصحاب محمّد ينكر ذلك عليه. انتهى(2).
قال الشريف علم الهدى : فأمّا اختلاف النّاس في القراءة والأحرف فليس بموجب لما صنعه عثمان لأنّهم يروون أن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم نزل القرآن على سبعة أحرف كلّها شاف كاف فهذا الإختلاف عندهم في القرآن مباح مسند عن الرّسول صلی الله علیه و آله و سلّم فكيف يحظر عليهم عثمان من التوسع في الحروف ما هو مباح فلو كان في القراءة الواحدة تحصين القرآن كما ادعى لما أباح النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم في الأصل إلا القراءة الواحدة لأنّه أعلم بوجوه المصالح من جميع أمته من حيث كان مؤيداً بالوحي موفقاً في كلّ ما يأتي ويذر وليس له أن يقول : حدث من الاختلاف في أيّامه ما لم يكن في أيّام الرّسول صلی الله علیه و آله و سلّم ولا من جملة ما أباحه وذلك أن الأمر لو كان على هذا لوجب أن ينهى عن القراءة الحادثة والأمر المبتدع ولا يحمله ما حدث من القراءة على تحريم المتقدم المباح بلا شبهة(3).
وقول صاحب الكتاب : إن الإمام إذا فعل ذلك فكانّ الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم فعله . فتعلّل بالباطل منه وكيف يكون ما ادّعى وهذا الاختلاف بعينه قد كان موجوداً في أيّام الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم ما نهى عنه فلو كان سبباً لانتشار الزيادة في القرآن وفي قطعه تحصين له لكان علیه السلام بالنهي عن هذا الاختلاف أولى من غيره اللهم إلّا أن يقال : أنّه حدث اختلاف لم يكن فقد قلنا أن الأمر لو كان على هذا - إلخ .
وأما قوله : إن عمر كان قد عزم على ذلك فمات ،دونه فما سمعناه إلا منه فلو فعل ذلك أيّ فاعل كان لكان منكراً .
فأمّا اعتذاره من أن إحراق المصاحف لا يكون استخفافاً بالدين بحمله إياه على
تخريب مسجد الضرار والكفر، فبين الأمرين بون بعيد لأن البنيان إنّما يكون مسجداً وبيتاً لله تعالى بنيّة الباني وقصده ولولا ذلك لم يكن بعض البنيان بأن يكون مسجداً أولى من بعض ولما كان قصده في الموضع الذي ذكره غير القربة والعبادة بل خلافها وضدّها من الفساد والمكيدة لم يكن في الحقيقة مسجداً وإن سمى بذلك مجازاً وعلى ظاهر الأمر، فهدمه لا حرج فيه وليس كذلك ما بين الدفّتين لأنه كلام الله تعالى الموقر المعظم الذي يجب صيانته عن البذلة والاستخفاف فأيّ نسبة بين الأمرين.
ثمّ قال علم الهدى : قال صاحب الكتاب «يعني القاضي عبد الجبار صاحب المغني» فأمّا جمعه النّاس على قراءة واحدة فقد بيّنا أن ذلك من عظيم ما حصّن به القرآن لأنه مع هذا الصنيع قد وقع فيه من الاختلاف ما وقع فكيف لو لم يفعل ذلك ولو لم يكن فيه إلا إطباق الجميع على ما أتاه من أيّام الصحابة إلى وقتنا هذا لكان كافياً .
واعترض عليه علم الهدى حيث قال: أمّا ما اعتذر به من جمع النّاس على قراءة واحدة فقد مضى الكلام عليه مستقصى وبيّنا أن ذلك ليس تحصينا للقرآن ولو كان تحصينا لما كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يبيح القراءات المختلفة. وقوله : لو لم يكن فيه إلّا إطباق الجميع على ما أتاه من أيام الصحابة إلى وقتنا هذا، ليس بشيء لأنا نجد الاختلاف في القراءات الرجوع فيها إلى الحروف مستمراً في جميع الأوقات التي ذكرها إلى وقتنا هذا وليس نجد المسلمين يوجبون على أحد التمسك بحرف واحد؛ فكيف يدّعى إجماع الجميع على ما أتاه عثمان؟
فإن قال : لم أعن بجمعه النّاس على قراءة واحدة إلّا أنّه على مصحف زيد لأن
ما عداه من المصاحف كان يتضمن من الزيادة والنقصان مما عداه ما هو منكر. قيل له: هذا بخلاف ما تضمنه ظاهر كلامك أولا ولا تخلو تلك المصاحف التي تعدّ مصاحف زيد من تتضمن من الخلاف في الألفاظ والكلم ما أقرّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وأباح قراءته فإن كان كذلك فالكلام في الزيادة والنقصان يجري مجرى الكلام في الحروف المختلفة وأن الخلاف إذا كان مباحاً ومروياً عن الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم ومنقولاً فليس لأحد أن يحظره. وإن كانت هذه الزيادة والنقصان بخلاف ما أنزل الله تعالى وما لم الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم تلاوته فهو أسوء ثناء على القوم الذين يقرون بهذه المصاحف كابن مسعود وغيره وقد علمنا أنه لم يكن منهم إلّا من کان علماً في القراءة والثقة والأمانة والنزاهة عن أن يقرأ بخلاف ما أنزله الله وقد كان يجب أن يتقدم هذا الإنكار منه من غيره لأنّ إنكار الزيادة في القرآن والنقصان لا يجوز تأخيره عن ولي الأمر قبله.
أقول : زيد بن ثابت هو أحد كتّاب الوحي كان يكتب لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم الوحي وغيره . قال في «أسد الغابة» وكانت ترد على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كتب بالسريانيّة فأمر زيداً فتعلّمها . قال :
وكان زيد عثمانياً ولم يشهد مع عليّ شيئاً من حروبه وكان يظهر فضل علي وتعظيمه(1). وهو الذي كتب القرآن في عهد أبي بكر وعثمان كما في الفهرست» لابن النديم أيضاً .
وهو الذي ذكر المسعودي في «مروج الذهب» عن سعيد بن المسيّب : أن زيد بن ثابت حین مات خلف من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس غير ما خلف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار اقتناها من عثمان لأنه كان عثمانياً. وفي الشافي لعلم الهدى أنّه: روى الواقدي: أن زيد بن ثابت اجتمع عليه عصابة من الأنصار وهو يدعوهم إلى نصر عثمان فوقف عليه جبلة بن عمرو بن حيّة المازني فقال له جبلة: ما يمنعك يا زيد أن تذب عنه أعطاك عشرة آلاف دينار وأعطاك حدائق من نخل ما لم ترث من أبيك مثل حديقة منها .
انظر أيها القارىء الكريم في أمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم زيداً بتعلّم السريانيّة نظر دقّة أنه صلی الله علیه و آله و سلّم كان في نشر العلوم وتوسعة المعارف على ذلك الحدّ من الاهتمام ولم يكن دأبه العصبيّة والجمود على لسان واحد ولغة واحدة ولا ريب أن لسان كلّ قوم سلّم للوصول إلى معارفهم ونيل علومهم ودرك فنونه. ولم يمنع الناس نبيّ عن الإرتقاء ولم يحرم عليهم ما فيه سعادتهم بل الأنبياء بعثوا لترويج العلوم وتهذيب النفوس وتشحيذ العقول قال عزّ من قائل: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ» [جمعه : 2] إلّا أنّ الأوباش وعبيد الدنيا المأسورين في قيود الوساوس الشيطانية والمحرومين من اللّذات الروحانية والمحجوبين عن جناب الرّب جلّ جلاله والمغفلين عن معنى التمدّن والتكامل لمّا تعوّدوا بما لا يزدادهم من الحق إلا بعداً وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون اشمأزوا عمّا جاء من الشارع الحكيم فيما لم يوافق غرضاً من أغراضهم الدنية.
لما انجرّ البحث إلى إحراق عثمان مصاحف فلا بأس أن نشير إلى عدم تحريف القرآن الكريم في المقام فإنّه كثيراً ما يتوهم بل كثيراً ما يسأل عن تحريفه وزيادته ونقصانه، ويختلج في بعض الأذهان أن ما بين الدفتين الذي بأيدي المسلمين الآن ليس هو جميع ما أنزل على الرّسول الخاتم صلی الله علیه و آله و سلّم.
واعلم أنّ الحق المحقق المبرهن بالبراهين القطعية من العقلية والنقلية أن ما في أيدي النّاس من القرآن الكريم هو جميع ما أنزل الله تعالى على رسوله خاتم النبيين محمّد بن عبدالله صلی الله علیه و آله و سلّم وما تطرّق إليه زيادة ونقصان أصلاً؛ ومبلغ سوره مائة وأربع عشرة سورة من لدن
1) أسد الغابة : 2222 ، والصحيح من السيرة : 326/6
رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إلى الآن بلا ريب وأنّ ترتيب الآيات في السور توقيفي إنّما كان بأمر النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم كما أخبر به الأمين جبرائيل عن أمر ربّه، وأنّ النّاس كانوا في عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قبل رحلته يعرفون السور بأساميها، وأنّ رسم الخط في القرآن المجيد هو الرسم المكتوب من کتّاب الوحي في زمن الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم، وأن آية بسم الله الرّحمن الرحيم لم تكتب في أوّل البراءة لأنّها
لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من السور 113 مرة وأنها جزء من كل سورة كما أنها جزء آية النمل بل أنها آيتان فيه . وأن ما جاء من الأخبار والآثار في جمع جم غفير من الصحابة القرآن في عهد الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم أو بعد رحلته كما ورد أن جمع القرآن وقع على عهد أبي بكر فليس المراد أنهم رتّبوا الآيات في السور وسيأتي الكلام في تحقيق ترتيب السور أيضاً .
وكلّ ما ذكرنا هو مذهب المحققين من علمائنا الإماميّة رضوان الله عليهم وغيرهم من علماء العامّة هداهم الله إلى الصواب ومن ذهب إلى خلاف ذلك فقد خبط خبط عشواء وسلك طريقة عمياء .
ثمّ إنّا لو نأتي بالبراهين في كلّ واحد مما أشرنا إليها ونبين بطلان قول المخالف على التفصيل لطالب بها الكتاب وانتشر الخطاب وكثر بنا الخطب لكنا نورد جملة منها فإن فيها كفاية إن شاء الله تعالى لمن كان له قلب .
واعلم أن ما جاء به النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم من الأخبار المتواترة في فضائل السور بأساميها بل في فضائل بعض آيات القرآن وفي وضع الآيات في كلّ موضع خاص بأمر أمين الوحي، وأن بعض السور افتتح ببعض من الحروف المقطعة دون بعض مثلا أن البقرة افتتحت بالم، ويونس بالر، والرّعد بالمر، والأعراف بالمص، ومريم بكهيعص، والشعراء بطسم، والنمل بطس، والمؤمن بحم، والشورى بحمعسق، وهكذا في السور الأخرى، وأن بعضها لم يفتتح بها وأن سورة البراءة ليست مبدوّة بيسم الله الرحمن الرحيم، وقوله تعالى: «سُورَةُ أَنزَلْتَهَا وفرضناها» [النور: 1] وقوله تعالى: «وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (23)» [البقرة : 23] وقوله : «أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ» [يونس: 38] وقوله تعالى : «وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةُ أَنْ ءَامِنُوا بِاللَّهِ» [التوبة: 86] وقوله : «أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ» [هود 13] أدلة قطعية على أن تركيب السورة من الآيات كان بأمر النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وأنّها كانت مرتّبة موسومة بأساميها في عهده صلی الله علیه و آله و سلّم قبل ارتحاله يعرفها الناس بها.
نقل أمين الإسلام في تفسيره «مجمع البيان» والزمخشري في «الكشاف» والسيوطي في «الانقان» وغيرهم من أجلاء العلماء عن ابن عبّاس والسدي: أنّ قوله تعالى: «وَاتَّقُوا يَوْمًا
تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تَوَفَّی كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (381)» [البقرة: 381] آخر آية نزلت من الفرقان على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وأن جبرئيل علیه السلام قال له صلی الله علیه و آله و سلّم ضعها في رأس الثمانين والمائتين من البقرة، وهذا القول كأنما إجماعي وإنّما الإختلاف في مدّة حياة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بعد نزولها، فعن ابن عبّاس أنه صلی الله علیه و آله و سلّم عاش بعدها أحداً وعشرين يوماً، وقال ابن جريج: تسع ليال وقال سعيد بن جبير ومقاتل : سبع ليال وفي «الكشاف»: قيل ثلاث ساعات.
أقول : وضع جميع الآيات في مواضعها كان بأمر الله تعالى وإن لم يذكر في الجوامع لكلّ واحدة منها رواية على حدة ولا ضير أن تكون الآية المتقدمة على آية في السورة متأخرة عنها نزولاً .
قال الزمخشري : في أوّل التوبة من الكشاف: فإن قلت: هلاً صدرت بآية التسمية كما في سائر السور؟ قال: قلت: سأل عن ذلك ابن عثمان عنهما فقال : إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كان إذا انزلت عليه السورة أو الآية قال : اجعلوها في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا وتوفي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ولم يبين لنا أين نضعها - إلخ(1).
أقول : فالرواية دالة صريحة على أن تركيب السور بآيات كان بأمره صلی الله علیه و آله و سلّم وأن آية البسملة لم ينزل مع البراءة وإلّا لجعلها في أوّلها وأن البسملة نزلت مائة وثلاث عشرة مرة مع كلّ سورة مفتتحة بها وهذه الرواية مروية في «المجمع» و«الإتقان» أيضاً.
روى الطبرسي في «المجمع» وغيره في التفاسير والجوامع والسير عن بريدة قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم تعلموا سورة البقرة وسورة آل عمران فإنهما الزهراوان وأنّهما تظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف(2).
أقول : فالحديث يدلّ صريحاً أن هاتين السورتين كانتا في عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم مرتّبتين متداولتين يعرفهما الناس .
وروى السيوطي في «الإتقان» والمفسرون منهم الطبرسي في أوّل سورة هود: روى الثعلبي بإسناده عن إسحاق عن أبي جحيفة قال : قيل : يا رسول الله قد أسرع إليك الشيب قال صلی الله علیه و آله و سلّم : شيبني هود وأخواتها(3).
وفي رواية أخرى عن أنس بن مالك عن أبي بكر قال : قلت يا رسول الله : عجل إليك
الشب قال صلی الله علیه و آله و سلّم : شيبتني هود وأخواتها الحاقة والواقعة وعم يتساءلون وهل أنيك حديث الغاشية .
قال الطبرسي في الفن الرابع من مقدمة «مجمع البيان» : وقد شاع في الخبر عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أنه قال : أعطيت مكان التوراة السبع الطول ومكان الإنجيل المثاني ومكان الزبور المئين وفضلت بالمفصل . ورواها السيوطي في «الإتقان» وغيره أيضاً في جوامعهم.
كلمة: (الطول) مكتوبة في النسخ المطبوعة وغيرها غالباً بالألف أعني الطوال ولكنّه تصحيف والصواب الطول كصرد جمع الطولى مؤنث الأطول قال ابن الأثير في «النهاية»: وقد تكرر في الحديث: أوتيت السبع الطول والطول بالضم جمع الطولى مثل الكبرى في الكبرى وهذا البناء يلزمه الألف واللام أو الإضافة قال : ومنه حديث أم سلمة كان يقرأ في المغرب بطولي الطوليين ثنيّة الطولى ومذكّرها الأطول أي أنّه كان يقرأ فيها بأطول السورتين الطويلتين يعني الأنعام والأعراف - انتهى وكذا في «القاموس» و «مجمع البحرين».
أقول : إنّ هذه الأحاديث وأمثالها المروية من الفريقين عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ممّا لا تعدّ كثرة تدلّ على أن السور كانت مرتبة قبل رحلة الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم وكان النّاس يعرفونها بأساميها فلا حاجة إلى نقل جميع الأخبار الواردة في فضائل السور.
نعم إن ترتيب سور القرآن ليس على ترتيب النزول بل إن ترتيب آيات السور أيضاً ليس على ترتيب النزول سواء كانت السورة نزلت جملة واحدة كسورة الأنعام كما في «مجمع البيان» وكثير من الفصل أو لم تكن.
ثمّ إن مما ألهمت على أن ترتيب الآيات في السور كان من أمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أن بعض السور كالأنعام مثلا نزلت جملة واحدة، وأن أكثر آيات السّور نزلت نجوماً ولا كلام في أن بعضها مقدم على البعض نزولاً وتركيب السور منها ليس بترتيب نزولها ظاهراً ومع ذلك ركبت على نحو كانت بين الآيات المتّسقة في السور كمال البلاغة والفصاحة على حدّ تحدّى الله تعالى عباده بالإتيان بعشر سور أو بسورة من القرآن وقال: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا» [الإسراء: 88] وأنى للبشر أن يؤلف جملاً شتى نزلت في نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة تبلغ إلى ذلك الإعجاز؟ فهل أحداً أن يقول إن ترتيبها كذلك في السور لم يكن بأمر الله تعالى وأمر رسوله؟ فانتبهوا يا أولي الألباب «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا »[النساء : 82].
على أنّ الآيات لو لم تكن في عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم مرتبة وأن الصحابة رتّبوها بعده صلی الله علیه و آله و سلّم كما توهّم شرذمة قليل من غير تدبّر وتعمّق لم يكن لقوله تعالى : فأتوا بسورة - أو بعشر سور، وأمثالهما معنى. قال السيوطي في الفصل الأول من النوع 18 من «الإتقان»: الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك فنقله غير واحد منهم الزركشي في «البرهان» وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته وعبارته : ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلی الله علیه و آله و سلّم وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين.
ثمّ كثيراً ما يقرع سمعك في التفاسير والشروح أن هذه الآية مرتبطة بتلك الآية وتلك بهاته، مثلا قال الطبرسي في «المجمع» قوله تعالى: «وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامى» [النساء: 3] متصلة بقوله تعالى: «وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ» [النساء: 127] فمرادهم أن تلك الآيات متصل بعضها ببعض معنى وذلك لأن القرآن يفسّر بعضه بعضاً كالمبين للمجمل والمقيد للمطلق والخاص للعام قال أمير المؤمنين عليّ علیه السلام في النهج الخطبة 131: كتاب الله تبصرون به وتنطقون به وتسمعون به وينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض ولا يختلف في الله ولا يخالف بصاحبه عن الله - إلخ . والمراد من قوله علیه السلام : يشهد بعضه على بعض يصدق بعضاً ولا يضاده كما قال الله تعالى: «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)» [النساء : 82] وقال تعالى : «ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176)» [البقرة: 176] وليس مرادهم أن تلك الآيات متصلة بالأُخرى لفظاً لما دريت من أن الآيات رتّبت على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بأمره وعليه جمهور العلماء المحققين.
أقول : ومن جهة ارتباط المعنى عدّت سورتا والضحى والإنشراح واحدة وجوزت قراءتهما في السورتين بل لم تجز قراءة واحدة منهما في الفريضة مع أنه ورد النهي عن القرآن بين السورتين في ركعة فريضة ويجب أن يقرأ بين السورتين الله الرحمن الرحيم لأنها جزء السورة وقول الشيخ الطوسي قدس الله سرّه بترك البسملة بين السورتين عليل لا يوافقه دليل، وكذا الفيل وقريش، قال السيد بحر العلوم قدّس سره في الدرة .
ووالضحی والإنشراح واحدة *** بالإتفاق والمعاني شاهدة
كذلك الفیل مع الإيلاف *** وفصل بسم الله لا ينافي
وإنما قيدنا الركعة بالفريضة لأنه يجوز الجمع بين سور كثيرة في النوافل فإذا جمعها وجب أن يقرأ البسملة مع كلّ سورة وفي النوع 19 من «الإتقان» قال : وفي كامل الهذلي عن بعضهم أنه قال : الضحى والم نشرح سورة واحدة نقله الإمام الرازي في تفسير تفسيره عن طاووس وغيره من المفسرين.
وأعلم : أن بسم الله الرحمن الرحيم جزء آية من سورة النمل بل إنها آيتان فيها وأنها آية من كلّ سورة ولذا من تركها في الصلاة سواء كانت الصلاة فرضاً أو ندباً بطلت صلاته ويجب الجهر بها فيما يجهر فيه بالقراءة ويستحب الجهر بها فيما يخافت بالقراءة وهو مذهب أصحاب الإماميّة وبين فقهاء الأمّة فيها خلاف وإن وافقنا فيه أكثرهم بل مة فيها خلاف وإن وافقنا فيه أكثرهم بل هو مذهب جلّ علماء السلف لولا الكلّ .
قال في «تفسير المنار: اجمع المسلمون على أن البسملة من القرآن وأنها جزء آية من سورة النمل. واختلفوا في مكانها من سائر السور فذهب إلى أنها آية من كلّ سورة علماء السلف من أهل مكّة فقهائهم وقرائهم ومنهم ابن كثير وأهل الكوفة ومنهم عاصم والكسائي من القراء وبعض الصحابة والتابعين من أهل المدينة والشافعي في الجديد وأتباعه والثوري وأحمد أحد قوليه والإمامية، ومن المروي عنهم ذلك من علماء الصحابة عليّ علیه السلام وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة ومن علماء التابعين سعيد بن جبير وعطاء والزهري وابن المبارك. وأقوى حججهم في ذلك إجماع الصحابة ومن بعدهم على إثباتها في المصحف أوّل كلّ سورة سوى سورة براءة مع الأمر بتجريد القرآن عن كلّ ما ليس منه . ولذلك لم يكتبوا آمين فی آخر الفاتحة، وأحاديث منها ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أنس قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : انزلت عليّ اتفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم(1).
وروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كان لا يعرف فصل السورة وفي رواية انقضاء السورة - حتّى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم، وأخرجه الحاكم في «المستدرك»، وقال : صحيح على شرط الشيخين (2)وروى الدارقطني من حديث ابی هريرة قال: قال رسول الله الله صلی الله علیه و آله و سلّم : إذا قرأتم الحمد الله فاقرؤوا بسم الله الرحمنّ الرّحيم فإنّها امّ القرآن والسّبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرّحيم إحدى آياتها(3).
وذهب مالك وغيره من علماء المدينة، والأوزاعي وغيره من علماء الشام وأبو عمرو ويعقوب من قراء البصرة إلى أنها آي مفردة أنزلت لبيان رؤوس السور والفصل بينها، وعليه الحنفية، وقال حمزة من قراء الكوفة وروى عن أحمد أنّها آية من الفاتحة دون غيرها وثمة أقوال أخر شاذة (قاله في سورة الفاتحة).
أقول : لم يكن لهؤلاء الشرذمة القائلين بأن البسملة آية واحدة نزلت مرّة واحدة فقط
حجّة قاطعة يعتدّ بها ولو أتوا بحجّة فهي داحضة بلا مريّة وارتياب، وكيف؟ وأن كثيراً من الآيات كرّرت في القرآن نحو آية فبأي آلاءِ ربكما تكذّبان إحدى وثلاثين مرّة في الرّحمن، وآية ويل يومئذ للمكذبين عشر مرات في المرسلات، وآية إنّا كذلك نجزي المحسنين أربع مرّات في الصّافات، وآية المستّ مرّات: في مفتتح البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة، وآية الرخمس مرّات: في مفتتح يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر، و آیة حم ستّ مرّات: مفتتح المؤمن، فصلت، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف سورة الشورى «حم عسق» تصير سبع مرّات، وآية طسم مرّتين : مفتتح الشعراء والقصص.
قوله تعالى: «وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81)» مرتين :[النمل: 81] [الروم: 53] إلا أن كلمة «هادي» في الثانية مكتوبة بلاياء أعني «بهاد العمي» اتباعاً للمصاحف التي كتبت على عهد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم كما سيأتي تحقيقه. وكذا طائفة من آيات أخر كررت في القرآن فأنى يجوز لهؤلاء أن يقولوا إنّها نزلت مرّة واحدة وما دليلهم على ذلك فلم لم يكن البسملة نازلة كأخواتها غير مرّة؟ على أن مذهبهم يضادّ صريح كثير من الأخبار المصرّحة في أن البسملة نزلت بعددها في القرآن، مع أن اهتمام رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم والمسلمين ودأبهم وسيرتهم تجريد القرآن عن كلّ ما ليس منه ؛ وفي النوع 18 من «الإتقان» عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : لا تكتبوا عنّي شيئاً غير القرآن(1).
وقال في أوّل التوبة من «تفسير المنار» ولم يكتب الصحابة ولا من بعدهم البسملة في أولها لأنها لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من السور قال : هذا هو المعتمد المختار في تعليله وقيل رعاية لمن كان يقول إنّها مع الأنفال سورة واحدة والمشهور أنه لنزولها بالسيف ونبذ العهود وقيل غير ذلك ممّا في جعله سبباً وعلة نظر، وقد يقال : إنه حكمة لا علّة وممّا قاله بعض العلماء في هذه الحكمة أنها تدل على أنّ البسملة آية من كلّ سورة أي لأن الاستثناء بالفعل كالاستثناء بالقول معيار العموم انتهى .
وقال في «الإتقان» (أوّل النوع 19 منه) : أخرج القشيري في الصحيح أنّ التسمية لم تكن في البراءة لأن جبرائيل علیه السلام لم ينزل بها فيها(2).
وفي الشاطبية :
وبسمل بين السورتين [بلسنّة *** [ر] جال [نلموها [د] ربة وتحمّلا
قال ابن القاصح في الشرح : أخبر أن رجالاً بسملوا بين السورتين آخذين في ذلك
بسنّة نموها أي رفعوها ونقلوها وهم قالون والكسائي وعاصم وابن كثير وأشار إليهم بالباء والراء والنون والدال من قوله بسنة رجال نموها دربة، وأراد بالسنة التي نموها كتابة الصّحابة لها في المصحف وقول عائشة علیها السلام لا يعلم انقضاء السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرّحمن الرحيم ففيه دليل على تكرير نزولها مع كلّ سورة.
أقول : وروى عن أئمتنا علیهم السلام نحو الرواية المروية عنها كما في تفسير العياشي عن صفوان الجمّال قال : قال لي أبو عبد الله علیه السلام : ما أنزل الله من السماء كتاباً إلا وفاتحته بسم الله الرّحمن الرحيم وإنّما كان يعرف انقضاء السورة بنزول بسم الله الرّحمن الرحيم إبتداء للأخرى(1).
وكذا في «الكافي» عن يحيى بن عمير الهذلي قال : كتبت إلى أبي جفعر علیه السلام جعلت فداك تقول في رجل ابتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة واحدة في أم الكتاب فلمّا صار إلى غير أم الكتاب من السورة تركها فقال العياشي: ليس بذلك بأس فكتب علیه السلام بخطّه : يعيدها مرّتين على رغم أنفه يعني العياشي(2).
وصحيحة محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن السبع المثاني والقرآن العظيم في الفاتحة قال: نعم قلت : الله الرّحمن الرحيم من السبع قال : نعم هي أفضلهنّ وغيرها من الرّوايات والأخيرة تختصّ بأم الكتاب (3).
ومهما تصلها أو بدأت براءة *** لتنزيلها بالسيف لست مبسملا
قال الشارح: تصلها الضمير فيه لبراءة أضمر قبل الذكر على شريطة التفسير يعني انّ سورة براءة لا بسملة في أولها وصلها القاري بالأنفال أو ابتدأ بها ؛ ثمّ ذكر الحكمة في ترك البسملة في أوّلها فقال لتنزيلها بالسيف يعني أن براءة نزلت على سخط ووعيد وتهديد وفيها السيف. قال ابن عباس سألت عليّاً علیه السلام سألت عليّاً لم لم تكتب في براءة بسم بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال : لأن بسم الله أمان وبراءة ليس فيها أمان نزلت بالسيف.
أقول : لا كلام في أنّ المختار المعتمد في تعليل ترك البسملة أول البراءة هو عدم نزولها معها كما مضى غير مرّة واختاره العالم [محمد] عبده في تفسيره ولو تؤمّل في الأقوال الأخر حيث تصدّوا لتركها في براءة لعلم أن دليلهم عليل ومن قال : القول بأن ترك البسملة في براءة لنزولها بالسيف ونبذ العهود والبسملة آية (رحمة حكمة لا علة، فنعم القول هو لان
البسملة مذكورة في أوّل كثير من السور بدئت بالعذاب نحو : هل أتيك حديث الغاشية وسأل سائل بعذاب واقع ونحوهما وعلى هذا القول يحمل قول أمير المؤمنين عليّ علیه السلام كما أتى به في «المجمع» (أول سورة براءة) وشرح الشاطبية أنه لم ينزل بسم الله الرحمن الرحيم على رأس سورة براءة لأن بسم الله للأمان والرحمة ونزلت براءة لرفع الأمان بالسيف. وبالجملة العمدة فی ذلک هي السماع والتعبد، والأخبار الواردة في ذلك نحو علیه السلام قوله لا تنافيها فإنّه علیه السلام يبين عدم نزولها في براءة بتلك الحكمة فهي ما نزلت معها كما صرح القشيري وغيره أن جبرئيل علیه السلام لم ينزل بها فيها(1).
فإذا علمت أن البسملة جزء من السور آية على حيالها فاعلم أنّه يترتب عليه كثير من المسائل الفقهيّة: مثلاً من ابتدأ بقراءة الفاتحة ولو نوى البسملة جزءاً من الإخلاص مثلاً لم تصح صلاته وكذا لو نوى في الإخلاص بسملة الفاتحة أو السور الأخرى، ومن كان جنباً وقلنا يحرم عليه قراءة سورة العزائم لا قراءة آيات السجدة فقط فلو قرأ البسملة ناوياً على أنها جزء من أحديها فعل حراماً. ومن يصلي الظهرين يجب إخفاتها عليه كما أن من يصلّي العشائين والصبح يجب جهره عليه؛ نظائرها ومن جمع الفيل والقريش والضحى والإنشراح يجب أن ييسمل بين السورتين.
لا شك أن تركيب السور من الآيات توقيفي أعني أن وضع كلّ آية في موضع معين من السور التي لم تنزل جملة واحدة كان بأمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و أخبر به جبرئيل عن أمر ربّه وهو اجماع المسلمين قاطبة كما حققناه وإنّما قلنا في السور التي لم تنزل جملة واحدة لأنّ السّور التي نزلت جملة واحدة أعني دفعة واحدة فالأمر فيها أوضح لأنها نزلت مترتبة الآيات أولاً كسورة الفاتحة والأنعام وكثير من المفصّل .
وإنّما الكلام في أن ترتيب سور القرآن في الدفتين على تلك الهيئة المشهودة لنا الآن أولها الفاتحة وآخرها الناس هل وقع في عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وبأمره أيضاً أم لا؟ وبالجملة أن ترتيب السور أيضاً كترتيب الآيات توقيفي أم لا؟ والحقّ هو الأول كالأوّل وذلك لأنّ القرآن كان على عهد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم مجموعاً مدوّنا جمعه غير واحد من الصحابة وقرأوه على النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وكان ترتيب السور كما هو في المصحف الآن كترتيب الآيات بأمر النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وهو مذهب المحققين من علماء المسلمين قديماً وحديثاً ومن عدل عنه تمسّك ببعض الأخبار الشاذ الواحد أو الموضوع أو لم يصل إلى فهم مراد الخبر ونحن في غنى عن نقل أقوالهم وردّها
1) مجمع البيان: 6/5
إبطالها لأنها لا يزيد إلّا تطويل كلام لا طائل فيه فإن الأمر بيّن.
قال ابن النديم في الفهرست» (ص 41 طبع مصر، الفن الثالث المقالة الأولى): الجماع للقرآن على عهد النبيّ عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، سعد بن عبيد بن النعمان بن عمرو بن زيد رحمة الله، أبو الدرداء عويمر بن زيد رحمة الله، معاذ بن جبل بن أوس رحمة الله، أبو زيد ثابت بن زيد بن النعمان، أبي بن كعب بن قيس بن مالك بن امرىء القيس، عبيد بن معاوية، زيد بن ثابت بن الضحاك.
وأتى السيوطي في النوع العشرين وغيره من «الإتقان» بعدة من جمع القرآن على عهد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم بطرق مختلفة من كبار المؤلفين قال : روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم يقول خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ وأبي بن كعب.
وقال : أخرج النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر قال : جمعت القرآن فقرأت به کلّ ليلة فبلغ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فقال اقرأه في شهر - الحديث(1).
قال : وأخرجه ابن أبي داود بسند حسن عن محمّد بن كعب القرظي قال: جمع القرآن على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم خمسة من الأنصار : معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وابی بن کعب وأبو الدرداء وأبو أيّوب الأنصاري. وغيرها من الأخبار الواردة في أن القرآن جمع على عهد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وكم من روايات دالة على أنّ عدة من الصحابة قرأ القرآن عليه مراراً منهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وغيرهم .
هؤلاء ممّن جمعوا القرآن على عهد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وقرأوه عليه وختموه عليه عدّة ختمات فكيف لم يكن القرآن على عهده مجموعاً مرتباً واحتمال أنّهم قرأوه وختموه عليه صلی الله علیه و آله و سلّم مبثوثاً مبتوراً متبور جدّاً ومن تأمل أدنى تأمل في نظم السور وشدة اهتمام رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في حراسة القرآن وتوقّيه عن اجتهاد أحد وإعمال ذوق و سليقة فيه وعنايته بحفظه وقوله صلی الله علیه و آله و سلّم إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي إلخ المروي من المسلمين بطرق كثيرة وفي الرواية الواردة من فرق المسلمين في معارضة جبرئيل القرآن عليه صلی الله علیه و آله و سلّم في كلّ سنة مرة وفي السنة التي توفي صلی الله علیه و آله و سلّم فيها مرتين وغيرهما من الأخبار في هذا المعنى علم أنه كان مجموعاً مرتّباً آياته وسوره على ما هو في المصحف الآن بلا تغيير وتبديل وزيادة ونقصان.
1) كنز العمال: 2/ 322 ح 4135، وتغير الميزان: 120/12 .
في مادة - ع رض - من النهاية الأثيرية: أن جبرئيل علیه السلام كان يعرضه صلی الله علیه و آله و سلّم القرآن في كلّ سنة مرّة وأنّه عارضه العام مرّتين؛ أي كان يدارسه جمیع ما نزل من القرآن من المعارضة بمعنى المقابلة ومنه عارضت الكتاب بالكتاب أي قابلته به(1).
وفي الفصل الثّامن النوع الثّامن عشر من «الإتقان»: قال أبو بكر بن الأنباري : أنزل الله القرآن كلّه إلى سماء الدّنيا ثمّ فرّقه في بضع وعشرين فكانت السورة تنزل لأمر يحدث والآية جواباً لمستخبر يوقف جبرئيل النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم على موضع الآية والسورة فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف كلّه عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فمن قدّم سورة أو أخّرها فقد أفسد نظم القرآن.
وقال الكرماني في «البرهان»: ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللّوح المحفوظ على هذا الترتيب وعليه كان صلی الله علیه و آله و سلّم يعرض على جبرئيل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه وعرضه عليه في السنة التي توفّي فيها مرتين وكان آخر الآيات نزولاً : «وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ» فأمره جبرائيل أن يضعها بين آيتي الربا والدين.
وقال الطيّبي : انزل القرآن أوّلاً جملة واحدةٍ من اللّوح المحفوظ إلى السماء الدّنيا ثمّ نزل مفرقاً على حسب المصالح ثمّ اثبت في المصاحف على التأليف والنظم المثبت في اللّوح المحفوظ.
وقال البيهقي في المدخل: كان القرآن على عهد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم مرتّباً سوره وآياته على هذا الترتيب - إلخ .
وقال أبو جعفر النحّاس: المختار أنّ تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم الحديث وائلة اعطيت مكان التّوراة السبع الطول، قال : فهذا الحديث يدلّ على أنّ تأليف القرآن مأخوذ عن النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وأنّه من ذلك الوقت - إلخ .
وقال ابن الحصار: ترتيب السور ووضع الآيات موضعها إنّما كان بالوحي .
ثمّ السيوطي بعد نقل أقوال أخر من الأعاظم في أنّ ترتيب السور كترتيب الآيات توقيفي قال: قلت: وممّا يدلّ على أنّ ترتيب السور توقيفي كون الحواميم رتّبت ولاء وكذا الطواسين ولم ترتب المسبحات ولاء بل فصّل بين سورها وفصل بين طسم الشعراء وطسم القصص بطس مع أنّها أقصر منهما ولو كان الترتيب اجتهادياً لذكرت المسبحات ولاء وأخرت طس عن القصص وكذا نقل عدّة أقوال في النوع 62 منه في مناسبة الآيات والسور
1) مجمع البحرين: 155/3.
وترتيب كلّ واحد منهما على هذا النهج بأمره تعالى(1).
أقول : الأمر أبلج من الصبح وأبين من الشمس في رائعة النهار في أنّ تركيب سور هذا السّفر القيم الإلهي وترتيبها على هذا الأسلوب البديع لم يكن إلا بأمره تعالى ومن قال في القرآن غير ما حققنا افترى على الله واختلق على كتابه ورسوله .
وذهب شرذمة إلى أن ترتيب السور لم يكن على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وإنّما رتبت على عهد أبي بكر.
أقول : لو سلمنا بعد الإغماض عن ما تمسّكوا بها استدلّوا عليها واغتروا بظاهرها، أن سور القرآن رتّبت بعد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فإن أوّل من جمع القرآن بعده صلی الله علیه و آله و سلّم هو أمير المؤمنين وهو علیه السلام كان عالماً فيما نزلت الآيات وأين نزلت وعلى من نزلت وكبار الصحابة تعلموا القرآن منه علیه السلام وأخذوه عنه علیه السلام ولا ريب أنّه علیه السلام كان أعرف بالقرآن من غيره وأجمعت الأمّة على أنّه كان حافظاً القرآن على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وقرأه عليه مراراً فلا ريب أن جمعه وترتيبه حجة على أنّه صلی الله علیه و آله و سلّم معصوم كما بينّا في شرح الخطبة 237 وكلّ ما جاء به المعصوم مصون من الخلل وحجة على بني آدم وهذا الترتيب المشهود الآن في المصاحف وقراءته هو ترتيبه وقراءته علیه السلام.
قال الفاضل الشارح المعتزلي في مقدمة شرحه على النهج في فضائله علیه السلام (ص 6 طبع إيران 1304 هـ ) : أما قراءة القرآن والإشتغال به فهو المنظور إليه في هذا الباب اتفق الكل على أنّه علیه السلام كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ولم يكن غيره يحفظه ثمّ هو أوّل من جمعه، نقلوا كلّهم أنّه تأخر عن بيعة أبي بكر فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنّه تأخر مخالفته للبيعة بل يقولون تشاغل بجمع القرآن فهذا يدلّ على أنّه أوّل من جمع القرآن لأنّه لو كان مجموعاً في حياة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لما احتاج إلى أن تشاغل بجمعه بعد وفاته صلی الله علیه و آله و سلّم وإذا رجعت إلى كتب القرآن وجدت أئمة القراء كلّهم يرجعون إليه كأبي عمرو بن العلاء وعاصم بن أبي النجود وغيرهما لأنّهم يرجعون إلى أبي عبد الرّحمن بن السلمي القاري وأبو عبد الرّحمن كان تلميذه وعنه أخذ القرآن فقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه أيضاً مثل كثير مما سبق . انتهى قوله(2).
أقول: قد وردت أخبار كما أتى بها السيوطي في «الإتقان» وغيره في جوامعهم: أن أمير المؤمنين علیه السلام وغيره جمعوا القرآن فذهب قوم إلى أن السور رتبت في الدفتين باجتهاد
الصحابة بعد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم جموداً على ظاهرها وقد غفلوا أن ظاهرها لا تنافي أن يكون ترتيب السور ووضع كلّ واحدة منها في موضع خاص كما في المصحف الآن بأمر النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم کما هو الحقّ فإياك أن تعني من قول الفاضل المذكور وغيره : أن القرآن جمع بعد النبي أن ترتيب السور كان بعده صلی الله علیه و آله و سلّم وسنزيدك بياناً إن شاء الله تعالى.
قال ابن النديم في «الفهرست» (41 طبع مصر من الفن الثالث من المقالة الأولى): قال ابن المنادى حدّثني الحسن العبّاس قال : أخبرت عن عبد الرحمن بن أبي حماد عن الحكم بن ظهير السدوسي عن عبد خير عن عليّ علیه السلام: أنّه رأى من النّاس طيرة عند وفاة النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فأقسم أنه لا يضع عن ظهره ردائه حتّى يجمع القرآن فجلس في بيته ثلاثة أيام حتّى جمع القرآن فهو أوّل مصحف جمع فيه القرآن من قلبه . ثمّ قال : وكان المصحف عند أهل جعفر ورأيت أنا في زماننا عند أبي يعلى حمزة الحسني رحمه الله مصحفاً قد سقط منه أوراق بخط عليّ بن أبي طالب يتوارثه بنو حسن على مرّ الزمان.
وقد روي السيوطي في النوع الثامن عشر من «الإتقان» بسند حسن عن عبد خير قال: قال عليّ علیه السلام : لما مات رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم آليت أن لا آخذ عليّ ردائي إلّا لصلاة جمعة حتّى أجمع القرآن فجمعته(1).
وروي أيضاً بطريق آخر عن محمّد بن سيرين عن عكرمة قال : لما كان بعد بيعة أبي بكر قعد عليّ بن أبي طالب في بيته فقيل لأبي بكر قد كره بيعتك فأرسل إليه - إلى أن قال : قال أبو بكر: ما أقعدك عنّي؟ قال : رأيت كتاب الله يزاد فيه فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي إلا لصلاة حتّى أجمعه، قال له أبو بكر : فإنّك نعم ما رأيت، قال محمّد : فقلت لعكرمة : ألفوه كما أنزل الأوّل فالأول؟ قال : لو اجتمعت الإنس والجن على أن يؤلفوه هذا التأليف ما
استطاعوا .
قال: ابن الحجر في «الصواعق المحرقة» (ص 76 طبع مصر) بإسناده عن سعيد بن مسيب قال: لم يكن أحد من الصحابة يقول سلوني إلّا عليّ علیه السلام وقال واحد من جمع القرآن وعرضه على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم . وقال أيضاً أخرج ابن سعد عن عليّ علیه السلام قال : والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت وأين نزلت وعلى من نزلت إن ربّي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً ناطقاً. وقال : أخرج ابن سعد قال عليّ علیه السلام : سلوني عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلّا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل قال: وأخرج الطبراني في الأوسط عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقول : عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوص(2).
وفي «الإتقان» (طبع مصر 1318 ص 74ج 1) قال ابن حجر : وقد ورد عن علي أنّه جمع القرآن على ترتيب النزول عقب موت النبي صلی الله علیه و آله و سلّم أخرجه ابن أبي داود.
أقول : ابن حجر الحافظ أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني صاحب كتاب
«الإصابة في معرفة الصحابة» و«تقريب التهذيب» وغيرهما توفي سنة 852 هـ وصاحب «الصواعق المحرقة» سميّه أحمد بن محمّد بن عليّ الهيتمي مات سنة 973 هـ وجلال الدين السيوطي مات سنة 910 هـ . ثمّ يستفاد ممّا روى ابن حجر: أن القرآن الذي جمع عليّ علیه السلام غير القرآن المرتبة سوره على ما هو المصحف الآن فهو علیه السلام أراد أن يبين في هذا الجمع ترتيب نزول السور والآيات كما أن عالماً يفسر القرآن ويبين فيه وجوه القراءات وآخر يبين في تفسيره لغات القرآن وآخر غريبه وآخر يجمع الأخبار الواردة المناسبة لكلّ آية في تفسيره وغيرها من التفاسير المختلفة أغراضاً فإن الكلَّ ميسّر لما خلق له ويؤيّد ما ذهبنا إلى قوله علیه السلام نقله ثقة الإسلام الكليني في باب اختلاف الحديث من أصول «الكافي» بإسناده عن سليم بن قيس الهلالي - في حديث طويل إلى أن قال علیه السلام : فما نزلت على رسول الله آية من القرآن إلاّ أقرأنيها وأملأها عليّ فكتبتها بخطّي وعلّمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وخاصّها وعامّها ودعى الله أن يعطيني فهمها وحفظها فما نسيت آية من كتاب الله ولا علماً أملأه عليّ وكتبته منذ دعا الله لي بما دعا وما ترك شيئاً علمه الله من حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي كان أو يكون ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلاّ علّمنيه وحفظته فلم أنس حرفاً واحداً ثمّ وضع يده على صدري ودعى الله لي أن يملأ قلبي علماً وفهماً وحكماً ونوراً فقلت يا نبي الله: بأبي أنت وأميّ منذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئاً ولم يفُتني شيء لم أكتبه أفتتخوّف عليّ النسيان فيما بعد؟ فقال: لا لست أتخوّف عليك النسيان والجهل(1).
وقوله علیه السلام : كما في «البحار» (ج 19 ص 126) : ولقد جئتهم بكتاب كملا مشتملاً على التأويل والتنزيل والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ إلخ - فعلى هذا لا يسع أحداً أن يقول بتاً أنّه علیه السلام جمع السور ورتّبها ولم تكن السور مرتبة على عهد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم، والأخبار الأخر أيضاً الدالة على أن أبا بكر وغيره جمعوه من هذا القبيل لا يدلّ على أن ترتيب سور القرآن لم يكن بأمر النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فمن تمسك بها لذلك الغرض فقد أخطأ.
قال الطبرسي في «المجمع» قوله تعالى: «وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ» [التحريم: 3] قرأ الكسائي وحده عرف بالتخفيف والباقون عرّف بالتشديد واختار التخفيف أبو
1) الكافي : 64/1ح 1، وبحار الأنوار: 257/36.
بكر بن عياش وهو من الحروف العشر التي قال: إنّي أدخلتها في قراءة عاصم من قراءة عليّ بن أبي طالب علیه السلام حتّى استخلصت قراءته يعني قراءة عليّ علیه السلام وهي قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن السلمي وكان أبو عبد الرحمن إذا قرأ إنسان بالتشديد حصبه انتهى(1).
أقول : أبو بكر بن عيّاش وحفص بن سليمان البزاز روايان لعاصم بن أبي النجود بهدلة وعاصم من القراء السبعة الذين تواترت قراءاتهم ولكن إعراب القرآن المتداول الآن إنّما هو بقراءة حفص عن عاصم ويستفاد مما نقل الطبرسي عن ابن عياش أن قراءة عاصم هي قراءة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب روحي له الفداء إلّا في عشر كلمات أدخلها أبو بكر في قراءة عاصم حتّى استخلصت قراءة عليّ علیه السلام فالقراءة المتداولة هي قراءته علیه السلام وكذا قال الطبرسي في الفن الثاني من مقدمة تفسيره في ذكر أسامي القراء: فأمّا عاصم فإنّه قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي وهو قرأ على عليّ بن أبي طالب علیه السلام(2).
فإنّما اختير في المصحف الكريم قراءة عاصم لسهولتها وجودتها ولأنّها أضبط من القراءات الأخرى والسرّ في ذلك إن قراءته قراءة أمير المؤمنين علیه السلام وإن كان قراءة كلّ واحدة من القراءات السبع متواترة وجائزة.
قال العلامة الحليّ قدّس سره في المنتهى ما هذا نصه : أضبط هذه القراءات السبع عند أرباب البصيرة هو قراءة عاصم المذكور برواية أبي بكر بن عياش وقال له في «التذكرة»: إنّ هذا المصحف الموجود الآن هو مصحف عليّ علیه السلام.
قال المحقق الطوسي قدّس سرّه في «التجريد»: وعليّ أفضل الصحابة لكثرة جهاده و ...... و كان أحفظهم لكتاب الله تعالى العزيز. وقال الفاضل القوشجي في شرحه : فإن أكثر أئمة القراءة كأبي عمرو وعاصم وغيرهما يسندون قراءتهم إليه فإنّهم تلامذة أبي عبد الرحمن السلمي وهو تلميذ عليّ رحمة الله .
وبالجملة أنا نقول :أولاً : إن ترتيب السور كالآيات توقيفي وعليه جلّ المحققين من علماء الفريقين والشواهد والبراهين عليه كثيرة وأن بعد النبيّ لم يجمع القرآن مرتباً سوره على اجتهاد الصحابة لما دريت أن الأخبار التي تمسكوا بها غير دالة على ذلك وبعد الإغماض نقول : إن الفريقين اتّفقا في أن أمير المؤمنين علیه السلام كان حافظاً للقرآن على عهده صلی الله علیه و آله و سلّم وقرأ عليه غير مرة وكان أعرف به منه وقال علیه السلام (الخطبة 208 من «النهج» وكذا في «الوافي» ص 62 ج 1 نقلاً من «الكافي») وقد سأله سائل عما في أيدي النّاس: إنّ في أيدي النّاس حقاً
وباطلاً - إلى أن قال : وليس كلّ أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من يسأله ويستفهمه حتّى أن كانوا ليحبّون أن يجيء الأعرابي أو الطاري فيسأله علیه السلام حتّى يسمعوا وكان لا يمرّ بی من ذلك شیء إلّا سألت عنه وحفظته، وقال هؤلاء العظام من العلماء: إن القراءة المتداولة الآن قراءته علیه السلام وأنّه أوّل من جمع القرآن بعد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وهو علیه السلام كان معتمد الصحابة في العلوم وبه يراجعون في القرآن والأحكام سيما عند أصحابنا الإمامية القائلين بعصمته علیه السلام وباتفاق الامّة قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فيه علیه السلام : «أقضاكم عليّ » وعليّ مع القرآن والقرآن معه» والحقّ معه حيث دار» (1)و .... فترتيب سور القرآن وقع على النهج الذي أراده الله تعالى ورسوله .
ثمّ نقول : هب أن ترتيب السور في الدفتين كان بعد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وإنمّا كان على عهد أبي بكر وبأمره كما هو ظاهر طائفة من الأقوال ولا كلام في أن أمير المؤمنين عليّ علیه السلام قرره ورضي به وإلا لبدّله في خلافته لو قيل أنّه علیه السلام لم يتمكن في عهد أبي بكر بذلك وهو علیه السلام معصوم وتقريره وإمضاؤه حجة، على أن تركيب السور من الآيات إجماعي لا خلاف فيه كما دريت فلو لم يكن ترتيب السور بالفرض بأمر المعصوم فما نزل على النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم هو ما بین الدفتين الآن وعلى كلّ حال ما زيد فيه وما نقص منه شيء فبذلك ظهر أن قول الفقيه البحراني فی الحدائق وأضرابه: أن جمع القرآن القرآن في المصحف الآن ليس من جمع المعصوم فلا حجة فيه بعيد عن الصواب غاية البعد.
اعلم أن عناية الصحابة وغيرهم من المسلمين كانت شديدة في حفظ القرآن وحراسته الغاية وتوفرت الدواعي على نقله وحمايته النهاية وتوجه آلاف من النفوس إليه، ودريت أن عدّة من أصحاب الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم كانوا حفّاظ القرآن على ظهر القلب كملاً وأمّا من حفظ بعضه فلا يعدّ ولا يحصى فمن تأمل أدنى تأمل في سيرة الصحابة مع القرآن وشدّة عنايتهم في ضبطه وأخذه علم أن احتمال تطرق الزيادة والنقصان فيه وادٍ جداً ولم يدّع أحد أن عثمان زاد في القرآن شيئاً أو نقص منه شيئاً لعدم تجويز العقل ذلك تلك العناية من المسلمين في حفظه وكان النّاس في أقطار الأرض عارفين بالقرآن وعدد سوره وآياته فأنّى كان لعثمان مجال ذلك بل أنّه النّاس على قراءة واحدة ولفظ بسائر القراءات ظنّا منه أن القرآن يصون بذلك من الزيادة والنقصان وأن كثرة القراءات توجب إدخال ما ليس من القرآن في القرآن، ودونك
1) راجع الغدير 11/1، والمسائل الصاغائية للمفيد : 109 ، والجامع الصغير للسيوطي: 177/2
الأقوال والآراء من جم غفير من المشايخ في ذلك.
قال ابن التين وغيره (النوع الثامن عشر من «الإتقان» طبع مصر 1318 هـ ص 58 إلى 64) : لمّا كثر الإختلاف في وجوه القراءة حتى قرأوه بلغاتهم على اتساع اللغات فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض فخشي عثمان من تفاقم الأمر في ذلك فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لسوره واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجاً بأنّه نزل بلغتهم وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيره رفعاً للحرج والمشقة في ابتداء الأمر فرأي أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت فاقتصر على لغة واحدة .
وفيه أيضاً : قال القاضي أبو بكر في الإنتصار إنّما قصد عثمان جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبيّصلی الله علیه و آله و سلّم وإلغاء ما ليس كذلك وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير ولا تأويل أثبت مع تنزيل ولا منسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه خشية دخول الفساد والشبهة على ما يأتي بعد.
قال : وقال الحارث المحاسبي : المشهور عند النّاس أن جامع القرآن عثمان وليس كذلك إنّما حمل عثمان النّاس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن.
وفيه أيضاً نقلاً عن المحاسبي المذكور : وقد قال عليّ علیه السلام : «لو وليت لعملت بالمصاحف التي عمل بها عثمان».
قال : وأخرج ابن أبي داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة قال : قال عليّ علیه السلام : لا تقولوا في عثمان إلاّ خيراً فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلّا عن ملاء منّا قال: ما تقولون في هذه القراءة فقد بلغني أن بعضهم يقول إن قراءتي خير من قراءتك وهذا يكاد يكون كفراً قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن يجمع النّاس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف قلنا : فنعم ما رأيت(1).
قال : قال القاضي أبو بكر في الإنتصار : الذي نذهب إليه أن القرآن الذي أنزله
الله وأمر بإثبات رسمه ولم ينسخه ولا رفع تلاوته بعد نزوله هو هذا الذي بين الدفتين الذي حواء مصحف عثمان وأنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه
1) تحفة الأحوذي : 411/8، وتاريخ دمشق : 248/39
الله ورتّبه عليه رسوله صلی الله علیه و آله و سلّم من آي السور لم يقدم من ذلك مؤخر ولا أخر منه مقدم وأن الأمة ضبطت عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم ترتيب آي كلّ سورة ومواضعها وعرفت مواقعها كما ضبطت عنه نفس القراءات وذات التلاوة وأنه يمكن أن يكون الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم قد رتّب سوره وأن يكون قد وكّل ذلك إلى الأمة بعده ولم يتولّ ذلك بنفسه قال : وهذا الثاني أقرب.
أقول : بل الأوّل متعيّن ولا نشك في أنّه صلی الله علیه و آله و سلّم تولى ترتيب السور أيضاً بنفسه كما مرّ.
وفيه أيضاً، قال البغوي في شرح السنة: الصحابة جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا منه شيئاً خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته فكتبوه كما سمعوا من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من غير أن قدموا شيئاً أو أخروا أو وضعوا له ترتيباً لم يأخذوه من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يلقّن أصحابه ويعلّمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل إياه على ذلك وإعلامه عند نزول كلّ آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا فثبت أن سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه فإنّ القرآن مكتوب في اللّوح المحفوظ على هذا الترتيب أنزله الله جملة إلى السماء الدّنيا ثمّ كان ينزله مفرقاً عند الحاجة وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة .
قال : وأخرج ابن أبي داود من طريق محمّد بن سيرين عن كثير بن أفلح قال : لمّا أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له أثنى عشر رجلاً من قريش والأنصار فبعثوا إلى الربعة التی في بيت عمر فجيء بها وكان عثمان يتعاهدهم فكانوا إذا تدارؤوا في شيء أخروه(1).
قال : وأخرج عن ابن وهب قال: سمعت مالكاً يقول : إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعون من النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم.
وقال في «مناهل العرفان»: أخرج البخاري عن ابن زبير قال : قلت لعثمان ابن عفان «وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا» نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها والمعنى لماذا تكتبها أو قال لماذا تتركها مكتوبة مع أنها منسوخة؟ قال: يا ابن أخي لا اغيّر شيئاً من مكانه(2).
وغيرها من الأقوال وإنّما نقلناها تأييداً فإنّ الأمر أوضح من ذلك ولا حاجة فيه إلى نقلها وإنما طعنوا عثمان في عمله لوجهين : الأول أن احراقه المصاحف كان استخفافاً بالدين
والثاني أن ذلك ليس تحصيناً للقرآن ولو كان تحصيناً لما كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يبيح القراءات المختلفة فقد مضى الكلام عليه مستقصى وأراد عثمان أن يجمع النّاس على قراءة واحدة ومع ذلك تكثرت حتّى بلغ متواترها إلى السبع .
ومن شدة عناية المسلمين واهتمامهم بضبط القرآن المبين حفظهم كتابة القرآن على الهجاء الذي كتبه كتّاب الوحي على الكتبة الأولى على عهد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وإن كان بعض المواضع من الرسم مخالفاً لأدب الرّسم فلا يجوز لأحد أن يكتب القرآن إلّا على ذلك الرّسم المضبوط من السلف بالتواتر بقاءً للقرآن على ما كان وحذراً من تطرق التحريف فيه وإن كان من الرسم بل نقول مخالفة رسم القرآن حرام بيّن لأنّ رسم القرآن من شعائر الدين و یجب حفظ الشعائر لتبقى مصونة عن الشبهات وتحريف المعاندين إلى القيامة وتكون حجّة على النّاس يحتجوا به مطمئنين إلى آخر الدهر كما يجب حفظ حدود منى ومشعر والبيت والروضة النبوية وغيرها ونأتي بعدة مواضع من القرآن حتّى يتبيّن لك أشدّ تبيين أن القرآن صين من جميع الوجوه عن التغيير والتبديل والتحريف والتصحيف والزيادة والنقصان مثلا أن كلمة «مرضات» مكتوبة بالتاء المدودة في المصاحف: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرَضَاتِ اللهِ» البقرة: 207]، «وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرَضَاتِ اللهِ [البقرة: 265] ، «وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُوتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا» [النساء : 114]، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لمَ تُحَرِّمُ مَا أَمَلَ اللهُ لَكَ تَبتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ» [التحريم: 1].
وكلمة «نعمت» مكتوبة بالتاء المدودة أيضاً في المصاحف : «يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أذكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ» [المائدة: 11) وكذا في عدة مواضع أخرى ولسنا في مقام الحصر.
وكلمة «رحمت» مكتوبة بالتاء المدودة في المصاحف كلها : «فَانظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللهِ» [الروم: 50] وكذا مواضع أخرى.
كلمة «امرأت» مكتوبة بالتاء المدودة في المصاحف كلّها : «وإِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ» «آل عمران: 35] ومواضع أخرى .
كلمة «بيّنت» مكتوبة بالتاء المدودة: «فَهُمْ عَلَى بَيِّنَاتٍ مِنْه» [فاطر: 40] .
كلمة (يدع) في قوله تعالى: «وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِ دُعَاءَمُ بِالخير» [الإسراء: (11) مكتوبة بلا واو مع عدم الجازم.
كلمة «يؤت» مكتوبة في قوله تعالى: «وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا» [النساء:
146] بلا ياء مع عدم الجازم.
كلمة «يعفوا» في قوله تعالى:«يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ» [المائدة: 15] مكتوبة بالألف
مع أنها بصيغة الإفراد.
وفي جميع بسم الله الرّحمن الرحيم في القرآن أسقط ألف الاسم وقوله تعالى : «أقرأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ (1) مكتوب ألفه.
وقوله تعالى: «وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81)» [النمل: 81] مكتوبة كلمة بهادي بالياء مع أن هذه الآية في سورة الروم الآية 54 مكتوبة بلا ياء.
وكذا كم من كلمات في القرآن يخالف رسمه قواعد النحو فكم من فعل ماض مثلا على صيغة الجمع لم يكتب في آخره ألف، وكم من فعل مفرد مكتوب آخره بالألف، وكم من كلمة زيد في وسطه ألف مع عدم الإحتياج إليها وغيرها ممّا هي مذكورة في الشاطبية والاتحاف وغيرهما وكثير من المشايخ ألفوا في رسم
الخط رسائل على حدة ولسنا في ذلک المقام وإنما المراد أن يعلم القارىء الكريم أن هذا القرآن المكتوب بين الدفتين هو الكتاب الذي نزل على خاتم النّبيّين صلی الله علیه و آله و سلّم حتّى أنّ الصحابة لم يعتنوا في رسم خطّه بقواعد النحو ورسوم خط العرب اتباعاً للمصاحف التي كتبت على عهد النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم حتّى لا يتغير خط القرآن وحروفه ولا يتوهم أحد فيه التصحيف.
قال السيوطي في «الإتقان» (النوع 76 منه ص 166 ج 2 طبع مصر 1318هـ) فی مرسوم الخط وآداب كتابته أفرده بالتصنيف خلائق من المتقدمين والمتأخرين - إلى أن قال : القاعدة العربية أنّ اللفظ يكتب بحروف هجائية مع مراعاة الابتداء به والوقف عليه، وقد مهد النحاة له أصولاً وقواعد وقد خالفها في بعض الحروف خط المصحف الإمام. وقال أشهب: سئل مالك هل يكتب المصحف على ما أحدثه النّاس من الهجاء؟ فقال : لا إلا على الكتبة الأولى رواه الداني في المقنع ثمّ قال: ولا مخالف له من علماء الأمة وقال الداني في موضع آخر : سئل مالك عن الحروف في القرآن مثل الواو والألف أترى أن يغير من المصحف إذا وجد فيه كذلك؟ قال : لا، قال أبو عمرو : يعني الواو والألف المزيدتين في الرسم المعدومتين فی اللفظ نحو أولوا، قال: وقال الإمام أحمد: يحرم مخالفة خطّ مصحف عثمان في واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك(1).
1) تاريخ القرآن الكريم : 107.
أقول : ما قال أحمد في حرمة المخالفة حقّ كما بيّناه آنفاً ولا حاجة في حرمته إلى رواية خاصّة لو لم تكن .
وفيه أيضاً قال «البيهقي في «شعب الإيمان»: من يكتب مصحفاً فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف ولا يخالفهم فيه ولا يغير ممّا كتبوه شيئاً فإنهم كانوا أكثر علماً وأصدق قلباً ولساناً وأعظم أمانة منا فلا ينبغي أن نظنّ بأنفسنا إستدراكاً عليهم(1).
علة ذلك هو ما ذكر العلامة ابن خلدون في الفصل الثلاثين من الباب الخامس من «المقدمة» ص 619 طبع مصر، قال: كان الخط العربيّ لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الأحكام والإتقان والإجادة ولا إلى التوسط لمكان العرب من البداوة والتوحش وبعدهم عن الصنائع وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم المصحف حيث رسمه الصحابة بخطوطهم وكانت غير مستحكمة في الإجادة فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عن أهلها ثمّ اقتفى التّابعون من السلف رسمهم فيها تبرّكاً بما رسمه أصحاب الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم وخير الخلق من بعده المتلقون لوحيه من كتاب الله وكلامه كما يقتفي لهذا العهد خطّ ولي أو عالم تبرّكاً ويتبع رسمه خطأ أو صواباً وأين نسبة ذلك من الصحابة فيما كتبوه فاتبع ذلك وأثبت رسماً ونبّه العلماء بالرسوم على مواضعه ولا تلتفتنّ في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنّهم كانوا محكمين لصناعة الخطّ وأنّ ما يتخيّل من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يتخيّل بل لكلّها وجه يقولون في مثل زيادة الألف في «لا أذبحنّه» إنّه تنبيه على أن الذبح لم يقع، وفي زيادة الياء في «بأييد» إنّه تنبيه على كمال القدرة الربّانيّة وأمثال ذلك ممّا لا أصل له إلاّ التحكّم المحض وما حملهم على ذلك إلّا اعتقادهم أن في ذلك تنزيهاً للصحابة عن توهّم النقص في قلة إجادة الخطّ وحسبوا أنّ الخطّ كمال فنزّهوهم عن نقصه ونسبوا إليهم الكمال بإجادته وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه وذلك ليس بصحيح، واعلم انّ الخطّ ليس بكمال في حقّهم إذ الخطّ من جملة الصنائع المدنيّة المعاشية كما رأيته فيما مرّ والكمال في الصنائع إضافي بكمال مطلق إذ لا يعود نقصه على الذات في الدّين ولا في الخلال وإنّما يعود على أسباب المعاش وبحسب العمران والتعاون عليه لأجل دلالته على ما في النفوس وقد كان صلی الله علیه و آله و سلّم أمياً وكان ذلك كمالاً في حقّه وبالنسبة إلى مقامه لشرفه وتنزهه عن الصنائع العمليّة التي هي أسباب المعاش والعمران كلّها وليست الأميّة كمالاً في حقنا نحن إذ هو منقطع إلى ربّه ونحن متعاونون على الحياة الدّنيا شأن الصنائع كلّها حتّى العلوم
1) البرهان (379/1 ، وتاريخ القرآن الكريم: 106.
الاصطلاحيّة فإن الكمال في حقّه هو تنزّهه عنها جملةً بخلافنا - انتهى .
أقول: وممّا ذكرنا: ظهر أن ما ذهب إليه بعض المغفلين لم يكن له خبرة في علوم القرآن من أن أمثال هذه الأ أن أمثال هذه الأمور المخالفة لرسم المخالفة لرسم الخطّ من عدم حذاقة الكاتب فلا يجب اتباعها غلط جداً.
وممّا ينادى بأعلى صوته عناية المسلمين بحفظ القرآن الكريم وحراسته عن كلّ ما يتوهّم فيه التحريف قراءتهم القرآن بالقراءات المتواترة السبع دون الشواذ ولو كان الرواية الشاذة مرويّاً عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم لأنّ اعتمادهم في القراءة ورسم الخطّ وترتيب السور والآيات كلّها كان على السماع دون الإجتهاد بل نقول: إن كلّ ما ينتسب إلى القرّاء السبعة من القراءات السبع ولم يثبت تواتره لا يجوز متابعته وإن كان موافقاً لقياس العربيّة لأنّ المناط في اتباع القراءة هو التواتر فما يروى عن السبعة من الشواذ فحكمه حكم سائر القراءات الشاذة مثلاً أن أمين الإسلام الطبرسي في المجمع قال : قرأ كل القراء - معايش - في قوله تعالى: «وَلَقَدْ مَكَتَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَيشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ» [الأعراف: 10] بغير همز وروى بعضهم عن نافع - معائش- ، ممدوداً مهموزاً انتهى. فهذه الرواية عن النافع غير متواتر وإن كان النافع من السبعة، ولا يجوز القراءة بتلك القراءة الشاذة.
فإن قلت: هل يوجد عكس ذلك في القراءات بأن يكون القاري من غير السبع كيعقوب ابن إسحاق الحضرمي وأبو حاتم سهل بن محمّد السجستاني ويحيى بن وثاب والأعمش وأبان بن تغلب وأضرابهم ويكون بعض قراءتهم متو متواتراً؟
أقول: وكم له من نظير ولكن من حيث أن تلك القراءة متوافقة للقراءات السبع
المتواترة فما وافقتها وإلّا لا يجوز الإتكال عليها وقراءة القرآن بها .
وإنّما اجتمع النّاس على قراءة هؤلاء واقتدوا بهم فيها لسببين: أحدهما أنّهم تجرّدوا القراءة القرآن واشتدّت بذلك عنايتهم مع كثرة علمهم ومن كان قبلهم أو في أزمنتهم ممن نسب إليه القراءة من العلماء وعدّت قراءتهم في الشواذ لم يتجرّد لذلك تجرّدهم وكان الغالب على أولئك الفقه أو الحديث أو غير ذلك من العلوم.
والآخر أن قراءتهم وجدت مسندة لفظاً أو سماعاً حرفاً حرفاً من أوّل القرآن إلى آخره مع ما عرف من فضائلهم وكثرة علمهم بوجوه القرآن (قالهما الطبرسي في مقدمة تفسيره مجمع البيان).
أقول: على أن أئمتنا سلام الله عليهم قرروا تلك القراءات لأنّها كانت متداولة في
عصرهم علیه السلام وكان الناس يأخذونها من القراء ولم يردّوهم ولم يمنعوهم عن أخذها عنهم بل نقول : إن قراءة أهل البيت علیهم السلام يوافق قراءة أحد السبعة وقلّما يتفق أن تروى قراءة منهم عليهم خارجة عن المتواترات كما يظهر بالتتبع للخبير المتضلع في علوم القرآن .
فإن قلت : القرآن نزل على قراءة واحدة فكيف جاز قراءته بأكثر من واحدة فهل القراءات العديدة إلا التحريف؟
قلت : أوّلاً إن اختلاف القراءات لا يوجب تحريف الكتاب وتغييره وباختلافها لا تزاد كلمة في القرآن ولا تنقص منه فإن اختلافها في الإعراب وارجاع الضمير كيفية التلفظ والخطاب والغيبة والإفراد والجمع وأمثالها في كلمات تصلح لذلك وفي الجميع الآيات والكلمات القرآنية بذاتها محفوظة مثلاً في قوله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى» [يوسف: 109] قرأ أبو بكر عن عاصم يوحى بضم الياء وفتح الحاء على صيغة المجهول وقرأ حفص عن عاصم بضم النون وكسر الحاء على صيغة المتكلم والمعنى على كلا الوجهين صحيح واللفظ محفوظ ومصون. وفي قوله تعالى: «وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ» [الإسراء: 83] قرأ أبو بكر عن عاصم بإمالة الهمزة في نئا وحفص عن عاصم يفتحها ومعلوم أنّه لا يوجب التحريف والتغيير، وفي قوله تعالى: «فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ» [ يونس : 3] قرأ أبو بكر عن عاصم بتشديد الذال وحفص بتخفيفها وهو لا يوجب تبديل ذات الكلمة، وفي قوله تعالى : «مِنَ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا» [الفرقان: 74] قرأ أبو بكر ذريتنا بالتوحيد وحفص بالجمع وأمثالها مما مذكورة في كتب الفن والتفاسير ولكلّ وجه متقن وحجّة متّبعة أجمع المسلمون على تلقيها بالقبول مع أنّها تنتهي إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ولا يخفى على البصير المتتبع والمتضلّع في القراءات أنّها لا توجب التحريف بل يبيّن وجوه صحة التلفظ - مثلاً أن قوله صلی الله علیه و آله و سلّم : «[حب] الدُّنيا رأس كلّ خطيئة» (1)بضم الهمزة والجملة بذاتها محفوظة، أو ما أنشده القطب الشيرازي في مجلس كان فيه الشيعة والسني (أتي به الشيخ في «الكشكول» ص 135 طبع نجم الدولة) :
خير الورى بعد النّبي من بنته في بيته *** من في دجى ليل العمى ضوء الهدى في زيته
يمكن أن يكون المراد من كلمة (من) رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم والضمير الأوّل يرجع إليه والثاني إلى أمير المؤمنين علىّ علیه السلام، أو يكون المراد منها أبو بكر والضمير الأوّل يرجع إليه والثانى إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و وهكذا في البيت الثاني ولا يوجب تغييراً في البيت:
وثانياً نقول : إن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم والأئمة الهدى أجازوا ذلك وهذا كما أن أحدنا نجوز
1) بحار الأنوار: 258/51 ، والخصال: 25 ح 87.
أن يقرأ كلامه على وجهين مثلاً أن الحكيم السبزواري قال في اللثالي المنتظمة : فالمنطقي الكلي بحمل أوّلى *** وغيره لشايع الحمل كلى
ثمّ أجاز في الشرح قراءة كلّي على وجهين وقال: كلي إما بضم الكاف مخفف كلّي وإما بكسرها أمر من وكل يكل والياء للإطلاق واللام (لشائع) على الأوّل للتعليل وعلى الثاني للاختصاص. انتهى. وهكذا الكلام في القرآن الكريم .
والعجب من صاحب «الجواهر» رحمة لله مال في صلاة الجواهر إلى عدم تواتر القراءات السبع وقال في ذيل بحث طويل في ذلك : فإن من مارس كلماتهم علم أن ليس قراءتهم إلّا باجتهادهم وما يستحسنونه بأنظارهم كما يؤمي إليه ما في كتب القراءة من عدّهم قراءة النّبي صلی الله علیه و آله و سلّم و عليّ وأهل البيت علیهم السلام في مقابلة قراءتهم ومن سموهم المتبحرين ومن ذاک (كذا - الظاهر: وما ذاك) إلا لأن أحدهم كان إذا برع وتمهر شرع للناس طريقاً في القراءة لا يعرف إلّا من قبله ولم يرد على طريقة مسلوكة ومذهب متواتر محدود وإلّا لم يختصّ به بل کان من الواجب بمقتضى العادة أن يعلم المعاصر له بما تواتر إليه لاتحاد الفن وعدم البعد عن المأخذ ومن المستبعد جدّاً أنا نطلع على التواتر وبعضهم لا يطلع على المتواتر إلى الآخر كما أنّه من المستبعد أيضاً تواتر الحركات والسكنات مثلاً في الفاتحة وغيرها من سور القرآن. انتهى کلامه(1).
أقول : قد بيّنا أن القراءات السبع كان متواتراً من عصر الأئمة إلى الآن بل النّبي صلی الله علیه و آله و سلّم جوز اختلاف القراءة أيضاً إلا أن مالم يوافق السبع المتواترة لا يفيد إلّا الظنّ بخلاف السبع فإنّها إجماع المسلمين قاطبة من صدر الإسلام إلى الآن وإجماع أهل الخبرة في كلّ فن حجة ولو خالف إجماعهم الخارج من فنّهم لا يضرّ الإجماع ومن مارس كتب التفسير والقراءات حق الممارسة علم إجماع المسلمين جيلاً بعد جيل في كلّ عصر حتّى في زمن الأئمة المعصومين في القراءات بالسماع والحقّ في ذلك ما هو المنقول من العلامة قدّس سرّه في النهاية حيث قال : ومخالفة الجاهلين بالقراءة لا يقدح في إجماع المسلمين إذ المعتبر في الاجماع والخلاف قول أهل الخبرة فلو خالف غير النحوى في رفع الفاعل وغير المتكلم في حدوث العالم أو وجوب اللطف على الله لم يقدح في إجماع المسلمين أو الشيعة أو النحاة.
على أن القراءات المتواترة ينتهى إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وبالأخرة كما ذكرنا آنفاً أن القراء كلّهم يرجعون إلى أبي عبد الرحن بن السلمي القاري وهو من أمير المؤمنين علیه السلام وهو اخذ عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم، قال ابن النديم في «الفهرست» (ص 49 من الفن الثالث من المقالة الأولى ط
1) جواهر الكلام: 296/9 .
مصر): قرأ عاصم على أبي عبد الرحمن السلمي وقرأ السلمي على عليّ علیه السلام وقرأ عليّ علیه السلام على النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم، وقال أيضاً ( ص 45) : عليّ بن حمزة الكسائي قرأ على عبد الرحمن بن أبي ليلى وكان ابن أبي ليلى يقرأ بحرف عليّ علیه السلام وكذا سائر القراء فعليك بالإتقان والفن الثاني من مقدمة تفسير الطبرسي «مجمع البيان» وسائر الكتب المؤلفة في القراء وقراءات القرآن فلا مجال للوسوسة بعد ظهور البيان وتمام البرهان. وقد قال العلامة الحليّ قدّس سرّه في «التذكرة» : «مسألة» يجب أن يقرأ بالمتواتر من القراءات وهي سبعة ولا يجوز أن يقرأ بالشواذ ويجب أن يقرأ بالمتواتر من الآيات وهو ما تضمّنه مصحف عليّ علیه السلام لأنّ أكثر الصحابة اتفقوا عليه وحرق عثمان ما عداه .
ومما يعلن بشدّة عناية المسلمين بضبط القرآن وحفظه عن التحريف عدّهم كلماته وآيه وحروفه حتّى فتحاته وكسراته وضماته وتشديداته ومدّاته وأفرد السيوطي في «الإتقان» فصلاً في ذلك. وفي «الوافي» للفيض قدّس سرّه (274 م 5 طبع إيران 1324 هـ ) : قال السيد حيدر بن عليّ بن حيدر العلوي الحسيني طاب ثراه في تفسيره الموسوم بـ «المحيط الأعظم»: إن أكثر القراء ذهبوا إلى أن سور القرآن بأسرها مائة وأربع عشرة سورة وأنّ آياته ستة آلاف وستمائة وست وستون آية وإلى أن كلماته سبعة وسبعون ألفاً وأربعمائة وسبع وثلاثون كلمة وإلى أن حروفه ثلاثمائة آلاف واثنان وعشرون ألفاً وستمائة وسبعون حرفاً وإلى أن فتحاته ثلاثة وتسعون ألفاً ومائتان وثلاثة وأربعون فتحة - إلخ .
روى الطبرسي في تفسير سورة «هَل أَتى» من المجمع رواية مستندة عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أنّه علیه السلام قال: سألت النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم عن ثواب القرآن فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السماء - إلى أن قال علیه السلام : ثمّ قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : جميع سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، وجميع آيات القرآن ستة آلاف آية ومائتا آية وست وثلاثون آية، وجميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف حرف وأحد وعشرون ألف حرف ومائتان وخمسون حرفاً لا يرغب في تعلم القرآن إلّا السعداء ولا يتعهد قراءته إلا أولياء الرحمن انتهى(1). وذكر ابن النديم في «الفهرست» (ص 41 من المقالة الأولى) اختلاف الناس في آي القرآن .
أقول : قد عدّ خلق كثير حروف القرآن وآخرون نقلوا منهم وذكروا في تأليفاتهم ومنهم المولى أحمد النراقي في «الخزائن» (ص 275 طبع طهران (1380هـ) ثمّ اختلف العادّون في مقدارها عدداً ولا ريب أن تحديد أمثال هذه الاُمور لا يخلو من اختلاف والاختلاف ليس إلا
1) زبدة البيان : 423، وبحار الأنوار: 256/35 ح 15.
منهم لا من المصاحف فإنّه واحد نزل من عند واحد وما بدّل منه شيء وما زيد فيه حرف وما نقص منه كما علمت وإنما غرضنا في ذلك التوجه إلى اهتمام المسلمين قاطبة عصراً بعد عصر في ضبط كلام الله تعالى عن تحريف مّا وإن كان الاشتغال باستيعاب ذلك ممّا لا طائل تحته ولنعم ما قال السخاوي (الاتقان ص 72 ج 1) : لا أعلم لعدّ الكلمات والحروف من فائدة لأن ذلك إن أفاد فإنما يفيد في كتاب يمكن فيه الزيادة والنقصان والقرآن لا يمكن فيه ذلك.
وأمّا اختلاف الآي وسببه فهو ما قال السيوطي في «الإتقان» : أجمعوا على أن عدد آيات القرآن سنة آلاف آية ثمّ اختلفوا فيما زاد على ذلك - إلى أن قال اختلاف السبب في عدد الآي أن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم كان يقف على رؤوس الآي للتوقيف فإذا علم محلها وصلها للتمام فيحسب السامع حينئذ أنها ليست فاصلة.
قال الطبرسي في الفنّ الأوّل من مقدمة التفسير في تعداد آي القرآن والفائدة في معرفتها: إعلم أن عدد أهل الكوفة أصح الأعداد وأعلاها إسناداً لأنه مأخوذ عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام إلى أن قال: والفائدة في معرفة آي القرآن أن القارىء إذا عدّها بأصابعه كان أكثر ثواباً لأنه قد شغل يده بالقرآن مع قلبه ولسانه وبالحريّ أن تشهد له يوم القيامة فإنّها مسؤلة ولأنّ ذلك أقرب إلى التحفظ فإن القاري لا يأمن من السهو وقد روى عبدالله بن مسعود عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أنه قال: تعاهدوا القرآن فإنّه وحشي وقال عليه الصلاة والسلام لبعض النساء اعقدن بالأنامل فإنهنّ مسؤولات ومستنطقات، قال حمزة بن حبيب وهو أحد القراء السبعة العدد مسامير القرآن(1).
وبالجملة أن عدّ أمثال تلك الأمور وتحديدها قلما يتفق أن يتحد الاثنان من العادّین ولا يغترّ القاري الكريم بتلك الاختلافات أن المصاحف كانت مختلفة. والعجب من الفيض رحمه الله تعالى قال في «الوافي» (ص 274 م 5): قد اشتهر اليوم بين الناس أن القرآن ستة آلاف وستمائة وستّ وستون آية ثمّ روى رواية الطبرسي المذكورة آنفاً في المجمع عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم ثمّ جعل أحد الاحتمالات في اختلاف الرّواية والشهرة اختلاف المصاحف حيث قال : فلعل البواقي تكون مخزونة عند أهل البيت علیهم السلام وتكون فيما جمعه أمير المؤمنين علیه السلام - إلخ.
لكنه رحمه الله عدل عنه واستبصر وقال في المقدمة السادسة من تفسيره «الصافي» بعد نقل عدّة روايات في تحريف الكتاب : أقول : ويرد على هذا كلّه إشكال وهو أنّه على هذا التقدير لم يبق لنا اعتماد على شيء من القرآن إذ على هذا يحتمل كل آية منه أن يكون محرّفاً ومغيّراً
1) تفسیر مجمع البيان: 36/1
ويكون على خلاف ما أنزل الله فلم يبق لنا في القرآن حجّة أصلاً فتنتفى فائدة الأمر باتّباعه والوصيّة بالتمسك به إلى غير ذلك، وأياً قال الله عزّ وجلّ : «وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا یاتیه الباطل من بین یدیه ولا من خلفه»وقال: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكرَ وَإِنَّا لَمُ لَحْافِظُونَ(9)» فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير - إلخ(1).
وممّا يفحص عن شدة عناية المسلمين بضبط القرآن ويؤيده رسم النحو فيه قال ابن النديم في أوّل المقالة الثانية من «الفهرست» : زعم أكثر العلماء أن النحو أخذ عن أبي الأسود و هو اخذ عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام - إلى أن قال : وقد اختلف النّاس في السبب الذي دعا أبا الأسود إلى ما رسمه من النحو فقال أبو عبيدة أخذ: النحو عن عليّ بن أبي طالب أبو الأسود وكان لا يخرج شيئاً أخذه عن عليّ كرم الله وجهه إلى أحد حتّى بعث إليه زياد أن اعمل اعمل شيئاً يكون للناس إماماً ويعرف به کتاب الله فاستعفاه من ذلك حتّى سمع أبو الأسود قارئاً يقرأ «أنَّ اللهَ بَرِى مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ» بالكسر فقال : ما ظننت أمر الناس آل إلى هذا فرجع إلى زياد فقال : أفعل ما أمر به الأمير فليبغني كاتباً لقناً يفعل ما أقول فأتى بكاتب من عبد القيس فلم يرضه فأتى بآخر قال أبو العبّاس المبرّد أحسبه منهم فقال أبو الأسود: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه وإن ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت الحرف فهذا نقط أبي الأسود. انتهى.
المراد من النقط ههنا هو الإعراب فنقطة الفوق بمعنى الفتحة ونقطة التحت أي الكسرة ونقطة بين يدي الحرف هي الضمّة .
وإن قيل : قد توجد عدة من السور في بعض الكتب وما ذكرت في القرآن كسورة النورين نقلها صاحب كتاب دبستان المذاهب وأتى بها المحدث النوري في «فصل الخطاب» والآشتياني في «بحر الفوائد في شرح الفرائد» (ص 101 طبع طهران) وسورة الحفد، وسورة الخلع، وسورة الحفظ أتى بها المحدث النّوري في «فصل الخطاب» أيضاً ونقل الأوليين السيوطي في أوّل النوع التاسع عشر من «الإتقان»، وسورة الولاية المنقولة في كتاب داورى
1) تفسير الصافي : 51/1.
للكسروي، فلم قلت إن القرآن 114 سورة وما نقص منه شيء؟
قلت : أوّلاً عدم كونها في القرآن دليل على عدم كونها من القرآن.
وثانياً لو كانت أمثال هذه الكلمات تضحك بها الثكلى وتبكي بها العروس مما تحدّى الله تعالى عباده بقوله: «فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ» [البقرة : 23] [ويونس: 38] وقوله «فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ» [هود : 13] وقوله تعالى: «قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنسُ وَالْجِنُّ» الآية لكان أعراب البادية وأصاغر الطلبة جميعاً أنبياء يوحى إليهم فضلاً عن أكابر العلماء، وقياس هذه السورة المجعولة بالمقامات للحريري مثلاً كقياس التين بالتبر فضلاً بالقرآن الكريم أعجز الحريري ومن فوقه عن أن تفوهوا بالإتيان بسورة منه ولو كانت نحو الكوثر ثلاث آيات.
وهذا هو أبو العلاء المعرّي الخرّيت في فنون الأدب وشؤون الكلام والمشار إليه بالبنان في جودة الشعر وعذوبة النثر يضرب به المثل في العلوم العربية وكفى في فضله شاهداً كتابه: «لزوم ما لا يلزم»، و«سقط الزند»، و«شرح الحماسة»، وغيرها تصدّى للمعارضة بالقرآن على ما نقل ياقوت الحموي في «معجم الأدباء» في ترجمته فنأتي بما قال للمعارضة ثمّ انظر فيها بعين العلم والمعرفة حتّى يتبين لك أن نسبته إلى القرآن كيراعة إلى الشمس ؛ قال ياقوت: قرأت بخط عبد الله محمّد بن سعيد بن سنان الخفاجيّ في كتاب له ألّفه في الصرفة زعم فيه أن القرآن لم يخرق العادة بالفصاحة حتّى صار معجزة للنبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وأنّ كلّ فصيح بليغ قادر على الإتيان بمثله إلّا أنّهم صرفوا عن ذلك لا أن يكون القرآن في نفسه معجز الفصاحة وهو مذهب الجماعة من المتكلمين والرافضة منهم بشر المريسي والمرتضى أبو القاسم قال في تضاعيفه: وقد حمل جماعة من الأدباء قول أصحاب هذا الرأي على أنّه لا يمكن أحد من المعارضة بعد زمان التحدّي على أن ينظموا على أسلوب القرآن وأظهر ذلك قوم وأخفاه آخرون: وممّا ظهر منه قول أبي العلاء في بعض كلامه :
أقسم بخالق الخيل، والريح الهابّة بليل ما بين الأشراط ومطالع سهيل، إن الكافر الطويل الذيل، وإن العمر لمكفوف الذيل، اتق مدارج السيل، وطالع التوبة من قبيل، تنج وما أخالك بناج.
وقوله : أذلت العائدة أباها، وأصاب الوحدة وربّاها، والله بكرمه اجتباها أولاها
الشرف بما حباها، أرسل الشمال وصباها، ولا يخاف عقباها.
قوله : (ألفه في الصرفة): زعم قوم أن الله تعالى صرف القوى البشريّة عن المعارضة ولذلك عجزوا عن الاتيان بمثل القرآن ولولا صرفه تعالى لهم لاستطاعوا أن يأتوا بمثله،
وذهب الآخرون إلى أنّه تعالى لم يصرفهم عنها ولكنهم ليسوا بقادرين على الإتيان بمثله، ونتيجة كلا القولين واحدا لاتفاقهما على عجز البشر إلى يوم القيامة عن الإتيان بمثله ولو بسورة سواء كان بصرف القوى أو لم يكن. والمراد من المرتضى أبي القاسم هو الشّريف علم الهدى أخو الشريف الرّضي رضوان الله عليهما .
ولا يخفى على أولي الفضل والدراية أن أمثال هذه الكلمات الملفقة من الرطب واليابس لو تعارض القرآن الكريم لما تحدّي الله عباده به فإنّ الناس يستطيعون أن يأتوا بما هو أفضل منها لفظاً ومعنى.
ثمّ إنّ السور المنقولة من دبستان المذاهب وفصل الخطاب المذكورة آنفاً، كلمات لا يناسب ذيلها صدرها بل ليست جملها على أسلوب النحو ولا تفيد معنى فتتقل شرذمة من سورة النورين حتّى يظهر لك سخافة ألفاظها وركاكة تأليفها فمن أي تلك السورة المشوّهة : إنّ الله الذي نور السموات والأرض بما شاء واصطفى من الملائكة وجعل من المؤمنين أولئك في خلقه يفعل الله ما يشاء لا إله إلاّ هو الرحمن الرحيم؛ ومنها : مثل الذين يوفون بعهدك إني جزيتهم جنات النعيم، ومنها: ولقد أرسلنا موسى وهارون بما استخلف فبغوا هرون فصبر جميل فجعلنا منهم القردة والخنازير ولعناهم إلى يوم يبعثون، ومنها : ولقد أتينا بك الحكم كالذين من قبلك من المرسلين وجعلنا لك منهم وصياً لعلهم يرجعون.
فانظر أنّ ذلك اللّص المعاند الوضاع كيف لفّق بعد الجمل القرآنية بترّهاته تلبيساً على الضعفاء وخلّط الحقّ بالباطل تفتيناً بين المسلمين، ولما رأى ضعفاء العقول كلمات شتى فيها نحو صبر جمیل، نور السموات، إلى يوم يبعثون، لعلّهم يرجعون، المتخذة من القرآن تلقوها بالقبول حتّى رأيت مصحفاً مطبوعاً كتبت هذه السور في هامشه وليس هذا إلا عمل الجهال النسّاك والصبيان من القراء الذين علموا مخارج حروف الحلق وأيقنوا أن ليس وراء ما علموا علم أصلاً، وكأنما العارف شمس الدين محمد الحافظ أخبر عنهم حيث قال:
آه آه از دست صرًا فان گوهر ناشناس *** هر زمان خر مهره را بادر برابر میکنند
في تفسير آلاءِ الرّحمن للبلاغي طاب ثراه: وممّا ألصقوه بالقرآن المجيد ما نقله في «فصل الخطاب» من كتاب دبستان المذاهب أنه نسب إلى الشيعة أنهم يقولون إن إحراق المصاحف سبب إتلاف سور من القرآن نزلت في فضل عليّ وأهل بيته علیهم السلام منها هذه السورة (النورين) وذكر كلاماً يضاهي خمسا وعشرين آية في الفواصل قد لفق من فقرات القرآن الكريم على أسلوب آياته فاسمع ما في ذلك من الغلط فضلاً عن ركاكة أسلوبه الملفق : فمن الغلط (واصطفی من الملائكة وجعل من المؤمنين أولئك في خلقه) ماذا اصطفى من الملائكة وماذا جعل من المؤمنين وما معنى أولئك في خلقه؟ ومنه : (مثل الذين يوفون بعهدك إني جزيته
جنات النعيم) ليت شعري ما هو مثلهم؟ ومنه : (ولقد أرسلنا موسى وهارون، بما استخلف فيغوا هارون فصبر جميل) ما معنى هذه الدمدمة، وما معنى بما استخلف وما معنى فبغوا هارون ولمن يعود الضمير في بغوا ولمن الأمر بالصبر الجميل؟ ومن ذلك (ولقد آتينا بك الحكم كالذي من قبلك من المرسلين وجعلنا لك منهم وصيّاً لعلّهم يرجعون) ما معنى آتينا بك الحكم ولمن يرجع الضمير الذي في منهم ولعلّهم وهل المرجع الضمير هو في قلب الشاعر وما هو وجه المناسبة في لعلّهم يرجعون؟ ومن ذلك - إلى أن قال : هذا بعض الكلام في هذه المهزلة وأن صاحب فصل الخطاب من المحدثين المكثرين المجدين في التتبع للشواذ وأنه ليعدّ أمثال هذا المنقول في دبستان المذاهب ضالة منشودة ومع ذلك قال أنّه لم يجد لهذا المنقول أثر في كتب الشيعة، فيا للعجب من صاحب دبستان المذاهب من أين جاء نسبة هذه الدعوى إلى الشيعة وفي أيّ كتاب لهم وجدها أفهكذا يكون في الكتب ولكن لا عجب شنشنة أعرفها من أخزم فكم نقلوا عن الشيعة مثل هذا النقل الكاذب كما في كتاب «الملل» للشهرستاني ومقدمة ابن خلدون وغير ذلك ممّا كتبه بعض الناس في هذه السنين والله المستعان . انتهى .
(اجتماعه بنفر من قريش ليبيتوا ضد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم، واتفاق قريش أن يصفوا الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم بالساحر وما أنزل الله فيهم).
كيف يحكم عاقل عارف بأنحاء الكلام أن تلك الأباطيل والأضاليل وحي أُوحي إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وتحدى عباد الله بالإتيان بمثله، وقد بهت العرب العرباء في نظم القرآن الكريم وتحيّر فصحاء العرب في بيداء فصاحته وكلت ألسنة بلغائهم دون علوّ بلاغته وعجز العالمون عن أن يتدرجوا أدرج معانيه أو أن يتغوّصوا في بحر حقائقه، وهذا هو الخصم المبين الوليد بن المغيرة مع أنّه نشأ في حجر العرب العرباء تحير فيما يصف به القرآن، قال ابن هشام في السيرة (ص 270 ج 1 طبع مصر 1375 هـ 1955م) :
إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش وكان ذا سنّ فيهم وقد حضر الموسم فقال لهم : يا معشر قريش إنّه قد حضر هذا الموسم وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا - يعني به رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم - فأجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً ويردّ قولكم بعضه بعضاً، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأياً نقول به قال: بل أنتم فقولوا أسمع قالوا: نقول : كاهن، قال: لا والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه، قالوا: فنقول: مجنون، قال: ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالّجه ولا وسوسته قالوا: فنقول شاعر، قال : ما هو بشاعر لقد عرفنا الشعر كلّه : رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو
الشعر، قالوا: فنقول : ساحر، قال: ما هو بساحر لقد رأينا السحّار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم، قالوا فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال : والله إن لقوله الحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنّه باطل وإنّ أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحرٌ جاء بقولٍ هو سحر يفرّق به بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته. فتفرّقوا عنه بذلك فجعلوا يجلسون بسبل النّاس حين قدم الموسم لا يمرّ بهم أحد إلّا حذّروه إياه وذكروا لهم أمره فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة وفي فى ذلك من قوله من قوله: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَدتُّ لَمُ تَمهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُۥ كَانَ لِأيَتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرۡهِقُهُۥ صَعُودًا (17) إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أدبَرَ وَٱستَكبَرَ (23) فَقَالَ إِن هَذَآ إِلَّا سِحر يُؤثَرُ (24) إِن هَذَآ إِلَّا قَولُ لبَشَرِ (25) [المدثر : 11 - 25] وأنزل الله تعالى فی النفر الذين كانوا معه يصنفون القول في رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وفيما جاء به من الله تعالى: كَمَا
أَنزَلنَا عَلَى لمُقتَسِمِينَ (90) لَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلقُرءَانَ عِضِينَ (91) فَوَرَبِّكَ
لَنَسـلَنَّهُم أَجمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُواْ يَعمَلُونَ (93)» [الحجر: 90 - 93].
وإن قيل : قد وردت أخبار دالّة على أن هذا القرآن المكتوب بين الدفتين المتداول الآن أسقط منه آيات وكلمات فكيف ادّعيت أن ما أنزل على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ما نقص منه حرف وما تطرق إليه تحريف؟
أقول : إن بعض تلك الروايات مجعول بلا كلام كرواية نقلها في الإحتجاج وأتى بها الفيض في «تفسير الصافي» أن المنافقين أسقطوا في الآية: «وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُوا فِي اليَتَمَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ» [النساء: 3] بين اليتامى وبين فانكحوا ما الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن .
وبعضها يبين مصداقاً مصاديق الآية كما في قوله تعالى: «وَنُنَزِلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)» [الإسراء: 82] وردت رواية : لا يزيد ظالمي آل محمّد حقّهم إلا خساراً .
وبعضها يشير إلى بعض التأويلات كما في قوله تعالى: «وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ» [النحل: 24] وردت رواية ماذا أنزل ربّكم في عليّ علیه السلام.
وبعضها يفسر الآيات فجعل قوم هذه الأخبار دليلاً على تحريف القرآن وحكموا بظاهرها أن القرآن نقص منه شيء وجمعها المحدث النوري في «فصل الخطاب» وجعلها دليلاً على تحريف الكتاب واتبعه الآخرون ولولا خوف الإطالة لنقلت كلّ واحد من أخبار فصل الخطاب وبيّنت عدم دلالتها على تحريف الكتاب فإن أخباره بعضها مجعول بلا ريب وبعضها
مشوب سنده بالعيب وبعضها الآخر يبين التأويل وبعضها يفسّر التنزيل ويضاد طائفة منها أخرى وبعضها منقول من كتاب «دبستان المذاهب» لم ينقل في كتب الحديث أصلاً كما أن المحدث النوري صرّح به أيضاً. وبالجملة أن تلك الأخبار المنقولة في «فصل الخطاب» وغيره الواردة فی ذلك الباب آحاد لا يعارض القرآن المتواتر المصون من عهد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم إلى الآن فإن وجد لها وجه لا ينافي القرآن وإلا فتضرب على الجدار.
ثمّ إنّ هذا المحدّث الجليل والحبر النبيل صاحب «مستدرك الوسائل» ومؤلف كثير من الرسائل جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير جزاء عدل عن مذهب التحريف السخيف ولا يخفى أن الجواد قد يكبو والسيف قد ينبو وجرى عليه رحمة الله ما جرى على ابن شنبوذ. قال ابن النديم في الفن الثالث المقالة الأولى من «الفهرست» : محمّد أحمد بن أيّوب بن شنبوذ كان يناوىء أبا بكر ولا يفسده وقرأ: إذا نودي للصّلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله، وقرأ: وكان أمامهم ملك يأخذ كلّ سفينة صالحة غصباً، وقرأ: اليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية، وقرأ فلمّا خرّ تبيّنت النّاس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولاً فی العذاب المهين - إلى أن قال بعد نقل عدّة قراءاته : ويقال : إنه اعترف بذلك كلّه ثمّ استتيب وأخذ خطّه بالتوبة فكتب: يقول محمّد بن أحمد بن أيوب: قد كنت أقرأ حرفاً تخالف عثمان المجمع عليه والذي اتفق أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم على قراءته ثمّ بان لي أن ذلك خطأ وأنا منه تائب وعنه مقلع وإلى الله جلّ اسمه منه بريء إذ كان مصحف عثمان هو الحقّ الذي لا يجوز خلافه ولا يقرأ غيره .
وممّا تطمئن به القلوب ويزيدها إيماناً في عدم تحريف القرآن هو أن الله تعالى ضمن حفاظة كتابه وتعهّد إعلاء ذكره ووعد إتمام نوره ومن أصدق من الله حديثاً ووعداً ودونك الآي القرآنية في ذلك .
قال تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» [الحجر: 9] ففي الآية تأكيدات عديدة من الجملة الإسمية والضمائر الأربعة الراجعة إليه تعالى وتكرار إنّ المؤكدة ولام التأكيد في خبر إنّ الثانية واسمية خبرهما وتقديم الجار والمجرور على متعلقه. والمراد بالذكر هو القرآن الكريم لأنّه تعالى قال: «وَقَالُوا يَأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8) ِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» فلا يكون المراد من الذكر إلا القرآن فكيف لم
يحفظ القرآن من التحريف زيادةً ونقصاناً.
وقال عزّ من قائل: «إنّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزيزٌ (41) «لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)» [فصلت: 41 42] .
وقال تعالى: «يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8)» [الصف: 8] وقال تعالى : «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32)» [التوبة: 32] والمراد من النور القرآن الكريم كما قال تعالى : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174)» [النساء : 174] وكما قال: «فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)» [الأعراف: 157]. وقال تعالى: «إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)» [القيامة : 17 - 19].
ثمّ إنّ القرآن هو المعجزة الباقية من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بل في الحقيقة كلّ سورة منه معجزة على حيالها فهو مائة وأربع عشر معجزة وأنزله الله تعالى هداية لكافة العباد إلى يوم فكيف لا يصونه من تحريف أهل العناد قال تعالى: «وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ» [الأنعام: 19]، وقال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)» [الفرقان: 1] وقال تعالى: «وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا» [الأنعام: 92] وغيرها.
«كان أكثر أو أقل مما بين الدفتين فهو كاذب»
ومن تتبع أسفار المحققين من العلماء الإمامية يعلم أن من عزى إليهم القول بتغيير القرآن زيادةً ونقصاً فقد افترى عليهم قال العالم الخبير الإمامي القاضي نور الله التستري نوّر الله مرقده في مصائب النواصب : ما نسب إلى الشيعة الإمامية بوقوع التغيير في القرآن ليس مما قال به جمهور الإمامية إنما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم في ما بينهم .
والشيخ الأجل أبو جعفر ابن بابويه الصدوق رحمة الله المتوفى 381 هـ قال في الاعتقادات: باب الاعتقاد في مبلغ القرآن: اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيّه محمد صلی الله علیه و آله و سلّم هو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي النّاس ليس بأكثر من ذلك ومبلغ سوره عند النّاس مائة وأربع عشر سورة ومن نسب إلينا أنا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب(1).
1) الاعتقادات : 84 ، والتفسير الصافي : 54/1 .
وشيخ الطائفة الإمامية أبو جعفر الطوسي المتوفي 460 هـ قال في أوّل تفسيره التبيان: إعلم أن القرآن معجزة عظيمة على صدق النبي صلی الله علیه و آله و سلّم هو بل هو أكبر المعجزات وأمّا الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به لأنّ الزيادة فيه مجمع على بطلانه والنقصان منه فالظاهر من مذاهب المسلمين خلافه وهو أليق بالصحيح من مذهبنا - إلخ(1).
وأمين الإسلام المفسّر العظيم الشأن أبو عليّ الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي المتوفي 548 هـ قال في الفن الخامس من مقدمة تفسيره «مجمع البيان» : ومن ذلك الكلام في زيادته ونقصانه فإنّه لا يليق بالتفسير فأمّا الزيادة فيه فجمع على بطلانه وأمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييراً ونقصاناً والصحيح من مذهبنا خلافه(2).
والعلامة حسن بن يوسف بن المطهر الحلي المتوفى 726 هـ قال في «النهاية»: إنّ النبيَّ صلی الله علیه و آله و سلّم كان مكلفاً بإشاعة ما نزل عليه من القرآن إلى عدد التواتر ليحصل القطع بنبوّته في أنّه المعجزة له وحينئذ لا يمكن التوافق على نقل ما سمعوه منه - إلى أن قال: فإنّه المعجزة الدالّة على صدقه فلو لم يبلغه إلى حدّ التواتر انقطعت معجزته فلا يبقى هناك حجّة على نبوّته إلخ. والعالم الجليل بهاء الدّين العاملي المتوفي 1031 هـ قال: في الزبدة، القرآن متواتر لتوفر الدواعي على نقله، والمنقول عنه في تفسير آلاء الرّحمن أنّه رحمة الله قال : اختلف الأصحاب في ترتيب سور القرآن العظيم وآياتها على ما هو عليه الآن فزعم جمع منهم أن ذلك وقع من الصحابة بعد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وكانت الآيات غير مرتبة على ما هي عليه الآن في زمانه ولم يكن السورة متحققة في ذلك الوقت وكذا لم يكن ترتيب السور على النهج الذي كانت عليه الآن في ذلك الزمان، وهذا الزعم سخيف والحق ترتيب الآيات وحصول السور كان في زمانه إلى أن قال: واختلفوا في وقوع الزيادة والنقصان فيه والصحيح أن القرآن العظيم عن ذلك الوقوع زيادة كان أو نقصاناً ويدلّ عليه قوله تعالى: «وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» وما اشتهر بين النّاس من إسقاط اسم أمير المؤمنين علیه السلام منه في بعض المواضع مثل قوله تعالى : «بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ» في علي - وغير ذلك فهو غير معتبر عند العلماء .
نقل عنه الطبرسي في الفنّ الخامس من تفسيره «مجمع البيان» قال الطبرسي: فقد روی جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييراً ونقصاناً والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه وهو الذي نصره المرتضى قدس الله روحه واستوفى الكلام فيه غاية الإستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات وذكر في مواضع أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة فإن العناية اشتدّت والدواعي توفّرت على نقله وحراسته وبلغت إلى حدّ لم يبلغه فيما ذكرناه لأنّ القرآن معجزة النّبوة ومأخذ العلوم الشرعيّة والأحكام الدينيّة، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتّى عرفوا كلّ شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته فكيف يجوز أن يكون مغيراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشّديد؛ قال : وقال أيضاً:
إنّ العلم بتفصيل القرآن وأبعاضه في صحة نقله كالعلم بجملته وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنّفة ككتاب سيبويه والمزني فإن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما حتى لو أنّ مدخلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً في النحو ليس من الكتاب لعرف وميّز وعلم أنه ملحق وليس من أصل الكتاب وكذلك القول في كتاب المزني، ومعلوم أنّ العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين
الشعراء ؛ قال : وذكر أيضاً رضی الله عنه:
أنّ القرآن كان على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم مجموعاً مؤلفاً على ما هو عليه الآن واستدلّ على ذلك بأنّ القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتّى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له وأنه كان يعرض على النبي صلی الله علیه و آله و سلّم ويتلى عليه وأن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم عدّة ختمات وكلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمل على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتور ولا مبثوث ؛ قال : وذكر :
أنّ من خالف في ذلك من الإماميّة والحشويّة لا يعتدّ بخلافهم فإنّ الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنوا صحّتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته. انتهى ما أردنا من نقل كلامه أعلى الله مقامه(1).
1) نور البراهين: 525/1 ، وتفسير مجمع البيان: 43/1 .
وكذا صرّح غير واحد من سائر علمائنا الإماميّة كالمحقق الكركي، وكاشف الغطاء، والشّيخ الحرّ الآملي، والشيخ بهاء الدين، والفاضل التوني صاحب الوافية، والسيّد المجاهد والمحقق القمّي قال وجمهور المجتهدين على عدم التحريف، والمحققين من علمائنا المعاصرين متع الله المسلمين بطول بقائهم على عدم التحريف والتغيير زيادة ونقصاناً.
فحصل من جمع ما قدمناه أن تركيب السور من الآيات وترتيب السور أيضاً كان بأمر النبیّ صلی الله علیه و آله و سلّم و ان بسم الله الرحمن الرحيم نزلت مع كلّ سورة ما عدا توبة؛ وأنه جزء كلّ سورة وآية من آيها كما أنها جزء من سورة النّمل : وأنّ القرآن المكتوب بين الدفتين هو الذي نزله الله على رسوله الخاتم صلی الله علیه و آله و سلّم ما زيد فيه حرف ولا نقص منه شيء؛ وأن عثمان ما حرف القرآن ولا أخذ منه ولا زاد فيه شيئاً بل غرضه من ذلک جمع النّاس على قراءة واحدة وإياك أن تظن أنه أحرق المصحف الصحيح وابقى الباطل والمحرف والمغير نعوذ بالله؛ وأن اعتراض علم الهدى وغيره عليه ليس إلّا من جهة منعه القراءات الأخر لا إحراقه المصحف الصحيح وتبديله كلام الله المجيد؛ وأن القراءات السبع متواتر لا يقرأ القرآن بغيرها من الشواذ؛ وأن رسم خط القرآن سماعيّ لا يقاس بالنحو ورسم الخط المتداول فيجب إبقاء رسمه على ما كتبت على الكتبة الأولى. وأن من عزى إلى الإماميّة تحريفه فهو كاذب؛ وأن الله حافظ كتابه ومتمّم نوره .
وما أجاد وأحسن وأحلى نظم العارف الرّومي في المقام قال في المجلّد الثالث من كتابه المثنوى :
مصطفی را وعده کرد الطاف حق *** گر بمیری تو نمیرد این سبق
من كتاب ومعجز ترا خافضم *** بيش وكم كن راز قرآن رافضم
من تورا اندر دو عالم رافعم *** طاغیان را از حدیثت دافعم
کس نتاند بیش و کم کردن دراو *** تو به از من حافظی دیگر مجو
رونقت را روز روز افزون کنم *** نام تو بر زرّ وبر نقره ونم
منبر و محراب سازم بهر تو *** در محبّت قهر من شد قهرتو
نام تو از ترس پنهاس میبرند *** چون نماز آزند پنهان بگذرند
خفیه میگویند نامت راکنون *** خفیه هم بانگ نماز اي ذو فنون
از هراس وترس كفار لعين *** دینت پنهان میشود زیرزمین
من مناره بر کنم آفاق را *** کور گردانم دو چشم عاق را
چا کرانت شهرها گیرند و جاه *** دین تو گیرد ز ماهی تا بماه
تا قیامت باقیش داریم ما *** تو مترس از نسخ دین ای مصطفی
ای رسول ماتو جادو نیستی *** صادقی هم خرقه اژدها
گر جهان فرعون گیرد شرق و غرب *** سرنگون آید خدا را گاه حرب
تو اگر در زیر خاکی خفته ای *** چون عصایش دان تو آنچه گفته ای گرچه باشی خفته تو در زير خاك *** چون عصا اگه بود آن گفت پاک قاصد انرا بر عصایت دست نی *** تو بخسب ای شه مبارك خفتنی
تن بخفته نور جان در آسمان *** بهر پیکار توزه کرده کمان
فلسفی و آنچه پوزش میکند *** قوس نورت تیر دوزش میکند
چونکه چوپانش خدا است *** گرگ را آنجا امیدوره کجا است
وإنّما اتسع نطاق الكلام في هذا البحث لما رأينا شدّة عناية النّاس به وكثرة حاجتهم إلى إيراد البرهان وإيضاح الحقّ في ذلك على أنا نرى كثيراً من الوعاظ على المنابر وفي المجالس يتمسّكون من غير روية وطويّة بطائفة من الأخبار على تحريف الكتاب ويقولون كيت وكيت والنّاس يتلقونه منهم على القبول فأحببت أن أقدم تلك المباحث الشريفة في هذا المقام المناسب لها فلعلّها تنفع من أراد أن يتذكر ويسلك سبيل الهدى ومع ذلك لولا خوف الإطناب لأحببت أن أذكر جميع الأخبار والأقوال الواردة ممّا تمسكوا بها على تحريف الكتاب وإن كان ما ذكرناه كاف لمن أخذت الفطانة بيده ولعلّنا نؤلف في ذلك رسالة على حدة تكون أعمّ فائدة والله تعالى ولي التوفيق فقد آن أن نرجع إلى ما كنّا فيه.
24 - ومن ذلك أنه حمى الحمى عن المسلمين الحمي عن المسلمين مع أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم جعلهم سواء في الماء والكلاء.
قال القاضي عبد الجبار في «المغني» : وأما ما ذكروه من أنّه حمى الحمى عن المسلمين فجوابه أنه لم يحم الكلاء لنفسه ولا استأثر به لكنه حماه لإبل الصدقة التي منفعتها تعود على المسلمين وقد روى عنه هذا الكلام بعينه، وأنه قال : إنما فعلت ذلك لإبل الصدقة وقد أطلقته الآن وأنا أستغفر الله وليس في الإعتذار ما يزيد على ذلك.
اعترض عليه علم الهدى في «الشافي» فقال : فأما اعتذاره في الحمى بأنه حماه لإبل الصدقة التي منفعتها تعود على المسلمين وأنّه استغفر منه واعتذر فالمروي أولاً بخلاف ما
ذكره لأن الواقدي روى بإسناده قال: كان عثمان يحمى الربذة والشرف والنقيع فكان لا يدخل في الحمى بعير له ولا فرس ولا لبني أمية حتّى كان آخر الزمان فكان يحمي الشرف لإبل و کانت الف بعير ولابل الحكم؛ وكان يحمى الربذة لإبل الصدقة ويحمى النقيع لخيل المسلمين وخيله وخيل بني أمية، على أنّه لو كان حماه لإبل الصدقة لم يكن بذلك مصيباً لأن الله تعالى ورسوله صلی الله علیه و آله و سلّم أحلاً الكلاء وأباحاه وجعلاه مشتركاً فليس لأحد أن يغيّر هذه الإباحة، ولو كان في هذا الفعل مصيباً وإنّما حماه لمصلحة تعود على المسلمين لما جاز أن يستغفر منه ويعتذر لأنّ الاعتذار إنما يكون من الخطاء دون الصواب.
25 - ومن ذلك أنّه أعطى من بيت مال الصدقة المقاتلة وغيرها وذلك ممّا لا يحلّ في الدين.
واعتذر القاضي في «المغني» بقوله: فأمّا ما ذكروه من إعطائه من بيت مال الصدقة المقاتلة فلو صحّ فإنّما فعل ذلك لعلمه بحاجة المقاتلة إليه واستغناء أهل الصدقات على طريق الإقتراض، وقد روى عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أنّه كان يفعل مثل ذلك سراً وللإمام في مثل هذه الأمور أن يفعل ما جرى هذا المجرى لأن عند الحاجة ربما يجوز له أن يقترض من النّاس فبأن يجوز أن يتناول من مال في يده ليردّه من المال الآخر أولى.
واعترض عليه علم الهدى في «الشّافي» بقوله : فأمّا اعتذاره من اعطائه المقاتلة من بیت مال الصدقة بأنّ ذلك إنّما جاز لعلمه بحاجة المقاتلة إليه واستغناء أهل الصدقة عنه وأنّ الرّسول صلی الله علیه و آله و سلّم فعل مثله، فليس بشيء لأنّ المال الذي جعل الله له جهة مخصوصة لا يجوز أن يعدل عن جهته بالاجتهاد ولو كانت المصلحة فى ذلك موقوفة على الحاجة لشرطها الله تعالى في هذا الحكم لأنّه تعالى أعلم بالمصالح واختلافها منّا ولكان لا يجعل لأهل الصدقة منها القسط مطلقاً(1).
فأمّا قوله : إنّ الرّسول صلی الله علیه و آله و سلّم فعله فهو دعوى مجرّدة من غير برهان وقد كان يجب أن يروى ما ذكر في ذلك.
فأمّا ما ذكره من الإقتراض فأين كان عثمان عن هذا العذر لما وقف عليه .
26 - ومن ذلك ما فعل بأبي ذر رحمه الله تعالى واعلم أنّ جلالة شأن أبي ذر وفخامة أمره وعلوّ درجته ومكانته في الإسلام فوق أن يحوم حوله العبارة أو أن يحتاج إلى بيان وكلام، فقد روى الفريقان في سموّ رتبته وحسن إسلامه ما لا يسع هذه العجالة.
1) شرح نهج البلاغة : 40/3 .
قال في «أسد الغابة» : اختلف في اسمه اختلافاً كثيراً وقول الأكثر وهو أصح ما قيل فيه: جندب بالجيم المضمومة والنون الساكنة والدال المهملة المفتوحة ابن جنادة بضمّ الجيم أيضاً. كان من كبار الصحابة وفضلائهم قديم الإسلام يقال : أسلم بعد أربعة وكان خامساً وهو أوّل من حیّى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بتحية الإسلام وقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فيه : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر . وفي عبارة أخرى: على ذي لهجة أصدق من أبي ذر وسئل جعفر بن محمّد الصّادق علیه السلام عن هذا الخبر فصدّقه(1).
وفي «أسد الغابة» أنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم قال : أبو ذر في أمّتي على زهد عيسى ابن مريم . و انّ علياً علیه السلام قال : وعى أبو ذر علماً عجز النّاس عنه ثمّ أوكأ عليه فلم يخرج منه شيئاً . وكان آدم طويلاً عظيماً أبيض الرأس واللحية(2).
في «الشافي» للشريف المرتضى علم الهدى: قد روى جميع أهل السيرة على اختلاف طرقهم وأسانيدهم أن عثمان لما أعطى مروان بن الحكم ما أعطاه وأعطى الحرث بن الحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم وأعطى زيد بن ثابت مائة ألف درهم؛ جعل أبو ذر يقول : بشّر الكافرين بعذاب أليم ويتلو قوله تعالى: «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)» فرفع ذلك مروان إلى عثمان فأرسل إلى أبي ذر نائلاً مولاه أن انتهِ عمّا يبلغني عنك فقال : أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله تعالى وعيب من ترك أمر الله فوالله لأن أرضى الله بسخط عثمان أحبّ إليّ وخير من أن أرضى عثمان بسخط الله؛ فاغضب عثمان ذلك واحفظه وتصابر(3).
وفيه وفي «مروج الذهب» أنّ أبا ذر حضر مجلس عثمان ذات يوم فقال عثمان : أرأيتم من زكّى ماله هل فيه حق لغيره؟ فقال كعب الأحبار : لا يا أمير المؤمنين فدفع أبو ذر في صدر كعب وقال له : كذبت يا ابن اليهودي ثمّ «لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِب» الآية. فقال عثمان: أيجوز للإمام أن يأخذ مالاً من بيت مال المسلمين فينفقه فيما ينوبه من أموره فإذا أيسر قضاه؟ فقال كعب الأحبار : لا بأس بذلك فرفع أبو ذر العصا فدفع بها في صدر كعب وقال: يا ابن اليهودي ما أجرأك على القول في ديننا فقال له عثمان: ما أكثر أذاك
لي وتولعك بأصحابي غيّب وجهك عنّي فقد آذيتني؛ الحق بالشام فأخرجه إليها. وكان معاوية يومئذ عامل عثمان بالشام وكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها فبعث إليه معاوية ثلاثمائة دينار، فقال أبو ذر : إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها وإن كانت صلة فلا حاجة لي فيها وردّها عليه.
وبنى معاوية الخضراء بدمشق فقال أبو ذر: يا معاوية إن كانت من عطائي الذي
حرمتمونيه عامي هذا قبلتها وإن كان من فهي الإسراف .
وكان أبو ذر رحمة لله يقول : والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها والله ما هي في كتاب الله ولا سنّة نبيّه والله إنّي لأرى حقّاً يطفأ وباطلاً يحيى وصادقاً مكذباً وأثرة بغير تقى وصالحاً مستأثراً عليه. فقال حبيب بن مسلمة الفهرى لمعاوية : إن أبا ذر لمفسد عليكم الشام فتدارك أهله إن كانت لكم فيه حاجة فكتب معاوية إلى عثمان أنّ أبا ذر تجتمع إليه الجموع ولا آمن أن يفسدهم عليك فإن كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك .
فكتب إليه عثمان : أما بعد فاحمل جندباً إليّ على أغلظ مركب وأوعره.
فوجّه به مع من سار به اللّيل والنهار وحمل على شارف ليس عليها إلا قتب حتّى قدم المدينة وقد سقط لحم فخذيه من الجهد وقال المسعودي : فحمله على بعير عليه قتب يابس معه خمسة من الصقالبة يطيرون به حتّى أتوا به المدينة قد تسلخت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف فقيل له : إنّك تموت من ذلك، فقال : هيهات لن أموت حتّى أنفى وذكر جوامع ما ينزل به بعد ومن يتولى دفنه(1).
وفي «الشافي» : فلمّا قدم أبو ذر المدينة بعث إليه عثمان بأن الحق بأيّ أرض شئت فقال : بمكّة قال : لا؛ قال : فببيت المقدس؛ قال : لا، قال : فبأحد المصرين، قال: لا ولكني مسيرك إلى الرّبذة فسيره إليها: فلم يزل بها حتّى مات مات رحمه الله تعالى .
وفي رواية الواقدي أنّ أبا ذر لما دخل على عثمان فقال له : لا أنعم الله علينا يا جنيدب فقال أبو ذر : أنا جندب وسمّاني رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم عبد الله فاخترت اسم رسول الله الذي سمّاني به على اسمي، فقال له عثمان: أنت الذي تزعم أنا نقول إنّ يد الله مغلولة إنّ الله فقير ونحن أغنياء؟ فقال أبو ذر : ولو كنتم لا تزعمون لأنفقتم مال الله على عباده ولكني أشهد لسمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقول : إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً جعلوا مال الله دولاً وعباد الله خولا ودين الله دخلاً ثمّ يريح الله العباد منهم. فقال عثمان لمن حضره :
1) الغدير : 296/8، ومواقف الشيعة 7/2
أسمعتموها من نبي الله؟ فقالوا : ما سمعناه؛ فقال عثمان: ويلك يا أبا ذر أتكذب على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم؟ فقال أبو ذر لمن حضره: أما تظنون أني صدقت؟ فقال عثمان : ادعوا لي عليّاً علیه السلام؛ فلما جاء قال عثمان لأبي ذر : أقصص عليه حديثك في بني أبي العاص فحدّثه، فقال عثمان لعليّ علیه السلام : هل سمعت هذا من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم؟ فقال عليّ علیه السلام لا، وقد صدق أبو ذر ؛ فقال عثمان : كيف عرفت صدقه؟ قال : لأنی سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقول : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر فقال من حضر من أصحاب النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم جميعاً : صدق أبو ذر. فقال أبو ذر: أحدثكم أني سمعته من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ثمّ تتهموني ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا من أصحاب محمد صلی الله علیه و آله و سلّم (1).
و روى الواقدي في خبر آخر بإسناده عن صهبان مولى الأسلميين قال : رأيت أبا ذر يوم دخل به علی عثمان فقال له : أنت الذي فعلت وفعلت. قال أبو ذر : إنّي نصحتك فاستغششتني ونصحت صاحبك فاستغشني. فقال عثمان : كذبت ولكنك تريد الفتنة وتحبّها قد قلبت الشام علينا. فقال أبو ذر : اتبع سنة صاحبيك لا يكون لأحد عليك كلام فقال له عثمان: مالك ولذلك لا أم لك؟ فقال أبو ذر : والله ما وجدت لي عذرّاً إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فغضب عثمان فقال: أشيروا عليّ في هذا الشيخ الكذاب: إمّا أن أضربه أو أحبسه أو أقتله فإنّه قد فرّق جماعة المسلمين أو أنفيه من الأرض، فتكلم علىّ علیه السلام و کان حاضراً فقال : أشير عليه بما قال مؤمن آل فرعون «وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)» [غافر: 28] فأجابه عثمان بجواب غليظ لم أحبّ أن أذكره وأجابه عليّ علیه السلام بمثله.
ثمّ أمر أن يؤتى به فلما أتى به وقف بين يديه قال: ويحك يا عثمان أما رأيت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ورأيت أبا بكر وعمر هل رأيت هذا هديهم (هل هديك كهديهم؟ خ ل) إنّك تبطش بی بطش جبّار فقال : اخرج عنا من بلادنا فقال أبو ذر : فما أبغض إليّ جوارك قال : فإلى أين أخرج؟ قال : حيث شئت قال : أفأخرج إلى الشام أرض الجهاد؟ فقال : إنما جلبتك من الشام لما قد أفسدتها؛ أفأردك إليها؟ قال : أفأخرج إلى العراق؟ قال: لا. قال: ولم؟ قال: تقدم على قوم أهل شبهة وطعن على الأئمة. قال : أفأخرج إلى مصر؟ قال: لا. قال: أين أخرج؟ قال : حيث شئت. فقال أبو ذر هو أيضاً التعرب بعد الهجرة أخرج إلى نجد؟ فقال عثمان: الشرف الشرف الأبعد أقصى فأقصى. فقال أبو ذر: قد أبيت ذلك عليّ . قال : إمض على وجهك هذا ولا تعدون الربذة فخرج إليها(2).
قال المسعودي - بعد ذكر جلوسه لدى عثمان وذكر الخبر في ولد أبي العاص إذا بلغوا ثلاثين؛ الخبر - قال : وكان في ذلك اليوم قد أتى عثمان بتركة عبد الرحمن عرف الزهري من المال فنضت البدر حتى حالت بین عثمان وبين الرجل القائم فقال عثمان : إني لأرجو لعبد الرّحمن خيراً لأنّه كان يتصدق ويقرى الضيف وترك ما ترون؛ فقال كعب الأخبار : صدقت يا أمير المؤمنين؛ فشال أبو ذر العصا فضرب بها رأس كعب ولم يشغله ما كان فيه من الألم وقال : يا ابن اليهودي تقول لرجل مات وترك هذا المال إنّ الله أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة وتقطع على الله بذلك؟ وأنا سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقول : ما يسرّني أن أموت وأدع ما يزن قيراطاً فقال له عثمان: وار عنّي وجهك؛ فقال : أسير إلى مكة. قال: لا والله. قال: فتمنعني من بيت ربّي أعبده فيه حتّى أموت؟ قال : إي والله قال : فإلى الشام . قال : لا والله، قال: البصرة قال : لا والله؛ فاختر غير هذه البلدان؛ قال : لا والله ما أختار غير ما ذكرت
لك ولو تركتني في دار هجرتي ما أردت شيئاً من البلدان فسيّرني حيث شئت من البلاد . قال : فإنّي مسيّرك إلى الرّبذة. قال : الله أكبر صدق رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قد أخبرني بكلّ ما أنا لاق. قال عثمان: وما قال لك؟ قال : أخبرني بأني أمنع عن مكة والمدينة وأموت بالربذة ويتولّى مواراتي نفر ممّن يردون من العراق نحو الحجاز .
وبعث أبو ذر إلى جمل له فحمل عليه امرأته وقيل ابنته وأمر عثمان أن يتجافاه النّاس حتى يسير إلى الرّبذة .
قد مضى كلامه علیه السلام لأبي ذرّ رحمه الله تعالى لما أخرج إلى الرّبذة الرقم - 130 - من باب المختار من الخطب» وهو : «يا أبا ذر إنّك غضبت الله فارج من غضبت له إنّ القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك». إلى آخره .
قال الشارح المعتزلي في شرح كلامه علیه السلام هذا وقريباً منه المسعودي في «مروج الذهب» واقعة أبي ذر وإخراجه إلى الربذة أحد الأحداث التي نقمت على عثمان .
وقد روى هذا الكلام أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة عن عبد الرزاق عن أبيه عن عكرمة عن ابن عبّاس قال : لمّا أخرج أبو ذر إلى الرّبذة أمر عثمان فنودي في النّاس أن لا يكلم أحداً أبا ذر ولا يشيّعه وأمر مروان بن الحكم أن يخرج به فخرج به وتحاماه النّاس إلّا عليّ بن أبي طالب علیه السلام وعقيلاً أخاه وحسناً وحسيناً وعمّاراً فإنهم خرجوا معه يشيّعونه، فجعل الحسن علیه السلام يكلّم أبا ذر فقال له مروان : إيهاً يا حسن! ألا تعلم أن أمير
المؤمنين قد نهى عن كلام هذا الرّجل فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك، فحمل عليّ علیه السلام علی مروان فضرب بالسوط بين أذني راحلته وقال : تنحّ نحاك الله إلى النّار فرجع مروان مغضباً إلى عثمان فأخبره الخبر فتلظى على عليّ علیه السلام ووقف أبو ذر فودّعه القوم ومع ذكوان مولى أمّ هاني بنت أبي طالب .
قال ذكوان فحفظت كلام القوم وكان حافظاً فقال عليّ علیه السلام.
«يا باذر! إنّك غضبت الله إنّ القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك فامتحنوك بالقلى ونفوك إلى الفلا والله لو كانت السماوات والأرض على عبد رتقا ثمّ اتقى الله لجعل له منها مخرجاً؛ يا أبا ذر! لا يونسنّك إلّا الحقّ ولا يوحشنّك إلّا الباطل.
ثمّ قال علیه السلام لأصحابه : ودّعوا عمّكم ؛ وقال لعقيل : ودّع أخاك فتكلّم عقيل فقال : ما عسی أن نقول يا أبا ذر أنت تعلم أنا نحبّك وأنت تحبّنا فاتق الله فإنّ التقوى نجاة واصبر فإنّ الصبر كرم واعلم أن استثقالك الصبر من الجزع واستبطائك العافية من اليأس فدع اليأس والجذع .
ثمّ تكلّم الحسن علیه السلام فقال : يا عمّاه لولا أنّه لا ينبغي للمودّع أن يسكت وللمشيع أن ينصرف لقصر الكلام وإن طال الأسف وقد أتى القوم إليك ما ترى فضع عنك الدنيا بتذكر فراقها وشدة ما اشتدّ منها برجاء ما بعدها واصبر حتّى تلقى نبيّك صلی الله علیه و آله و سلّم وهو وهو عنك راض.
ثمّ تكلّم الحسين علیه السلام فقال : يا عمّاه إنّ الله تعالى قادر أن يغيّر ما قد ترى والله كلّ هو فی يوم في شأن وقد منعك القوم دنياهم ومنعتهم دينك فما أغناك عمّا منعوك وأحوجهم إلى ما منعتهم فاسأل الله الصبر والنصر واستعذ به من الجشع والجزع فإن الصبر من الدّين والكرم وإن الجشع لا يقدم رزقاً والجزع لا يؤخر أجلاً .
ثم تكّلم عمار رحمة الله مغضباً فقال : لا أنس الله من أوحشك ولا آمن من أخافك أما والله لو أردت دنياهم لأمنوك ولو رضيت أعمالهم لأحبّوك وما منع الناس أن يقولوا بقولك إلا الرضا بالدنيا والجزع من الموت ومالوا إلى ما سلطان جماعتهم عليه والملك لمن غلب، فوهبوا لهم دينهم ومنحهم القوم دنياهم فخسروا الدنيا والآخرة ألا ذلك هو الخسران المبين. فيكي أبوذر رحمة الله وكان شيخاً كبيراً وقال : رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ما لي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم إنّي ثقلت على عثمان بالحجاز كما ثقلت على معاوية بالشام وكره أن أجاور أخاه وابن خاله بالمصرين فافسد الناس عليهما فسيّرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلا الله، والله ما أريد إلّا الله صاحباً وما أخشى مع الله وحشة.
فشكى مروان إلى عثمان ما فعل به عليّ بن أبي طالب فقال عثمان: يا معشر المسلمين من يعذرني من عليّ ردّ رسولي عما وجهته له وفعل كذا والله لنعطينّه حقّه.
فلمّا رجع عليّ علیه السلام استقبله النّاس فقالوا : إنّ أمير المؤمنين عليك غضبان لتشييعك أباذر . فقال عليّ : غضب الخيل على اللجم؛ ثمّ جاء فلما كان بالعشيّ جاء إلى عثمان فقال له: ما حملك على ما صنعت بمروان واجترأت عليّ ورددت رسولي وأمري؟ قال: أما مروان فإنه استقبلني يردّني فرددته عن ردّي وأما أمرك فلم أصغره .
قال: أوما بلغك نهيي عن كلام أبي ذر؟ قال : أو ما كلّما أمرت بأمر معصية أطعناك فيه؟ قال عثمان: أقد مروان من نفسك؛ قال : وما أقيده؟ قال : ضربت بين أذني راحلته؛ قال علي : أما راحلتي فهي تلك فإن أراد أن يضربها كما ضربت راحلته فليفعل، وأمّا شتمه إياي فو الله لا يشتمني شتمة إلا شتمتك مثلها بما لا أكذب فيه ولا أقول إلّا حقاً، فغضب عثمان وقال: ولم لا يشتمك إذا شتمته؟ فوالله ما أنت عندي بأفضل منه. فغضب عليّ بن أبي طالب علیه السلام وقال: ألي تقول هذا القول ويمروان تعدلني؟ فأنا والله أفضل منك وأبي أفضل من أبيك أبيك وأمي أفضل من أمّك وهذه نبلي قد نثلتها وهلم فأقبل بنبلك فغضب عثمان واحمرّ وجهه فقام ودخل داره و انصرف عليّ علیه السلام فاجتمع إليه أهل بيته ورجال من المهاجرين والأنصار.
فلمّا كان الغد أرسل عثمان إلى وجوه المهاجرين والأنصار وإلى بني أمية يشكو إليهم علياً علیه السلام وقال : إنه يعيبني ويظاهر من يعيبني - يريد بذلك أبا ذر وعمار بن ياسر وغيرهما - فقال القوم : أنت الوالي عليه وإصلاحه أجمل ؛ قال : وددت ذاك. فأتوا عليّاً علیه السلام فقالوا : لو اعتذرت إلى مروان وأتيته؛ فقال : كلاً أما مروان فلا آتيه ولا أعتذر منه ولكن إن أحبّ عثمان
آتيته. فرجعوا إلى عثمان فأخبروه فأرسل عثمان إليه فأتاه ومعه بنو هاشم فتكلّم عليّ علیه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا ما وجدت علي فيه من كلام أبي ذر ووداعه فوالله ما أردت مساءتك ولا الخلاف عليك ولكن أردت به قضاء حقّه ؛ وأما مروان فإنّه اعترض يريد ردّي عن قضاء حقّ الله عزّ وجلّ فرددته ردّ مثلي مثله؛ وأما ما كان منّي إليك فإنك أغضبتني فأخرج الغضب منّي ما لم أرده .
فتكلّم عثمان فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا ما كان منك إليّ فقد وهبته لك، وأما ما كان منك إلى مروان فقد عفى الله عنك، وأما ما حلفت عليه فأنت البر الصادق فادن يدك فأخذ يده فضمّها إلى صدره. فلمّا نهض قالت قريش وبنو أمية لمروان أأنت رجل جبهك عليّ وضرب راحلتك وقد تفانت وائل في ضرع ناقة وذبيان وعبس في لطمة فرس والأوس والخزرج فی نسعة؟ أفتحمل لعليّ ما أتاه إليك؟ فقال مروان: والله لو أردت ذلك لما قدرت عليه.
ثمّ قال الشارح المعتزلي: واعلم أن الذي عليه أكثر أرباب السيرة وعلماء الأخبار والنقل أن عثمان نفا أبا ذر أوّلاً إلى الشام ثمّ استقدمه إلى المدينة لما شكى منه معاوية ثمّ نفاه من المدينة إلى الربذة لما عمل بالمدينة نظير ما كان يعمل بالشام وأصل هذه الواقعة أن عثمان لما أعطى مروان بن الحكم وغيره بيوت الأموال واختص زيد بن ثابت بشيء منها جعل أبو ذر يقول بين النّاس والطرقات والشوارع بشّر الكافرين بعذاب أليم ويرفع بذلك صوته - فأتى بما نقلنا من «الشافي» بحذافيرها(1).
وروى الواقدي - كما في «الشافي» - عن مالك بن أبي الرجال عن موسى بن ميسرة أن أبا الأسود الدّؤلي قال : كنت أُحب لقاء أبي ذر لأسأله عن سبب خروجه فنزلت به الرّبذة فقلت له : ألا تخبرني خرجت من المدينة طائعاً أو أُخرجت؟
قال : أمّا إنّي كنت في ثغر من الثغور أغنى عنهم فاخرجت إلى مدينة الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم فقلت دار هجرتي وأصحابي فأخرجت منها إلى ما ترى، ثمّ قال : بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد إذ مرّ بي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فضربني برجليه فقال : لا أراك نائماً؛ فقلت: بأبي أنت وأُمّي غلبتني عيني فنمت فيه؛ فقال : كيف تصنع إذا أخرجوك منه؟ فقلت : إذاً ألحق بالشام فإنها أرض مقدسة وأرض بقيّة الإسلام وأرض الجهاد؛ فقال : كيف بك إذا أخرجوك منها؟ قال: فقلت: أرجع إلى المسجد؛ قال: كيف تصنع إذا أخرجوك منه؟ قلت : آخذ سيفي فاضرب به؛ فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : ألا أدلك على خير من ذلك انسق معهم حيث ساقوك وتسمع وتطيع فسمعت وأطعت وأنا أسمع وأطيع والله ليلقينّ الله عثمان وهو آثم في جنبي. وكان يقول بالرّبذة: ما ترك الحقّ لي صديقاً وكان يقول فيها : ردّني عثمان بعد الهجرة أعرابياً(2).
أقول : في «الصّحاح» للجوهري : تعرّب بعد هجرته أي صار أعرابيّاً. وفي (النهاية) الآثيرية : التعرّب بعد الهجرة هو أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجراً وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدّونه كالمرتدّ.
وفي باب علل تحريم الكبائر من «الوافي» للفيض رحمة الله (م 3 ص 176) نقلاً عن «من يحضره الفقيه» كتب عليّ بن موسى الرّضا علیه السلام إلى محمّد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله - إلى أن قال علیه السلام: وحرّم الله التعرب بعد الهجرة للرجوع عن الدين وترك الموازرة للأنبياء والحجج عليهم أفضل الصلوات وما في ذلك من الفساد وإبطال حقّ كلّ ذي حق لا
لعلّة سكنى البدو ولذلك لو عرف الرجل الدين كاملاً لم يجز له مساكنة أهل الجهل، والخوف عليه لأنه لا يؤمن أن وقع منه ترك العلم والدّخول مع أهل الجهل والتمادي في ذلك(1).
قال الفيض في بيانه: وفي بعض النسخ: لعلة سكنى البدو وبدون لا وهو أوضح وأوثق بما بعده؛ والخوف عليه عطف على الفساد والإبطال انتهى فتأمّل.
قال في «الشافي» : حكى القاضي عن شيخه أبي علي في نفي أبي ذر إلى الربذة أنّ الناس اختلفوا في أمره فروى عنه أنّه قيل لأبي ذر: أعثمان أنزلك الربذة؟ فقال: لا، بل اخترت لنفسي ذلك أن معاوية كتب يشكوه وهو بالشام فكتب إليه عثمان أن صيّره إلى المدينة فلما صار إليه قال : ما أخرجك إلى الشام؟ قال: لأنّي سمعت الرّسول صلی الله علیه و آله و سلّم يقول : إذا بلغت عمارة المدينة موضع كذا فأخرج عنه فلذلك خرجت؛ قال : فأي البلاد أحب إليك بعد الشام؟ فقال : الرّبذة؛ فقال : صر إليها وإذا تكافأت الأخبار لم يكن في ذلك لهم حجّة ولو ثبت ذلك لكان لا يمتنع أن يخرج إلى الربذة لصلاح يرجع إلى الدّين فلا يكون ظلماً لأبي ذر بل ربما يكون إشفاقاً عليه وخوفاً من أن يناله من بعض أهل المدينة مكروه(2).
فقد روى أنه كان يغلظ في القول ويخشن في الكلام ويقول : لم يبق أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم على عهد وينفر بهذا القول فرأى إخراجه أصلح لما يرجع إليهم وإليه من المصلحة وإلى الدين. وقد روى أن عمر أخرج عن المدينة نصر بن حجاج لما خاف ناحيته . قال: وندب الله تعالى إلى خفض الجناح للمؤمنين وإلى القول اللين للكافرين وبين للرسول صلی الله علیه و آله و سلّم أنّه لو استعمل الفظاظة لانفضّوا من حولك فلمّا رأى عثمان من خشونة كلام أبي ذر وما كان يورده مما يخشى منه التنفير فعل ما فعل.
وقد روى عن زيد بن وهب قال : قلت لأبي ذر وهو بالربذة: ما أنزلك هذا المنزل؟ قال : أخبرك أنّي كنت بالشام في أيام معاوية وقد ذكرت هذه الآية «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ» [التوبة : 34] فقال معاوية هذه في أصل الكتاب فيهم وفينا فكتب معاوية إلى عثمان في ذلك فكتب إليّ أن أقدم عليّ فقدمت
عليه فانثال الناس إليّ كأنهم لم يعرفوني فشكوت ذلك إلى عثمان فخيّرني وقال : إن أحببت أنزل حيث شئت فنزلت الرّبذة وحكى عن الخياط قريباً مما تقدم من أنّ خروج أبي ذر إلى الربذة كان باختياره قال : وأقلّ ما في ذلك أن يختلق الأخبار فتطرح ونرجع إلى الأمر الأوّل في صحة إمامة عثمان وسلامة أحواله.
اعترض في «الشافي» عليه وردّ كلامه بقوله : فأمّا قوله «إن الأخبار مكافئة في أمر أبي ذر وإخراجه إلى الرّبذة وهل كان ذلك باختياره أو بغير اختياره» فمعاذ الله أن يتكافيء في ذلك بل المعروف الظاهر أنه نفاه من المدينة إلى الرّبذة، ثمّ أتى بالروايات الثلاث عن الواقدي وقوله : قد روى جميع أهل السيرة على اختلاف الطرق إلى آخر ما نقلناه عنه من «الشافي» المذكورة آنفاً ثمّ قال : والأخبار في هذا الباب أكثر من أن نحصرها وأوسع من أن نذكرها أو ما تحمل نفسه على ادّعا إن أبا ذر خرج مختاراً إلى الربذة.
قال: ولسنا ننكر أن يكون ما أورده صاحب الكتاب من من أنّه خرج مختاراً قد روى إلّا أنّه في الشاذّ النادر وبإزاء هذه الرواية الفذة كلّ الروايات التي تتضمن خلافها ومن تصفّح الأخبار علم أنها غير متكافئة على ما ظن صاحب الكتاب - يعني به القاضي صاحب كتاب «المغني» - وكيف يجوز خروجه عن تخيير وإنما اشخص من الشام على الوجه الذي اشخص عليه من خشونة المركب وقبح السير به للموجدة عليه. ثمّ لما قدم منع الناس من كلامه وأغلظ له في القول وكلّ هذا لا يشبه أن يكون أخرجه إلى الرّبذة باختياره وكيف يظن عاقل أن أبا ذر يحبّ أن يختار الرّبدة منزلاً مع جدبها وقحطها وبعدها عن الخيرات ولم يكن بمنزل مثله .
فأمّا قوله «إنّه اشفق عليه من أن يناله بعض أهل المدينة بمكروه من حيث كان يغلظ له القول» فليس بشيء يعوّل عليه لأنه لم يكن في أهل المدينة إلّا من كان راضياً بقوله عاتباً بمثل عتبه إلا أنهم كانوا بين مجاهر بما في نفسه ومخف ما عنده وما في أهل المدينة إلّا من رئى مما حدث على أبي ذر واستفظعه ومن رجع إلى كتب السير عرف ما ذكرناه .
فأما قوله «إن عمر أخرج من المدينة نصر بن حجاج» فيا بعد ما بين الأمرين وما كنا نظن أن أحداً يسوّى بين أبي ذر وهو وجه الصحابة وعينهم ومن أجمع المسلمون على توفيره وتعظيمه وأن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم مدحه من صدق اللهجة بما لم يمدح به صدق اللهجة بما لم يمدح به أحداً وبين نصر بن الحجاج الحدث الذي كان خاف عمر من افتتان النساء به وبشبابه ولا حظ له في فضل ولا دين. على أن عمر قد ذم بإخراجه نصر بن الحجاج من غير ذنب كان منه وإذا كان من أخرج نصر بن الحجّاج مذموماً فكيف بمن أخرج مثل أبي ذر عنه رحمة الله؟
فأمّا قوله «إنّ الله تعالى والرّسول صلی الله علیه و آله و سلّم ندبا إلى خفض الجناح ولين القول للمؤمن والكافر» فهو كما قال إلا أن هذا أدب كان ينبغي أن يتأدب به عثمان في أبي ذر ولا يقابله بالتكذيب وقد قطع الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم على صدقه ولا يسمعه مكروه الكلام وهو إنما نصح له وأهدى عليه عيوبه وعاتبه على ما لو نوزع عنه لكان خيراً له في الدنيا والآخرة وهذه جملة كافية .
في تاريخ أبي جعفر الطبري: لما حضرت الوفاة أبا ذر في الربذة وذلك في سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة في سنة ثمان في ذي الحجة من إمارة عثمان قال لابنته: استشرفي يا بنيّه فانظري هل ترين أحداً؟ قالت: لا ؛ قال: فما جاءت ساعتي بعد، ثمّ أمرها فذبحت شاة ثمّ طبختها . ثمّ قال : إذا جاءك الذين يدفنوني فقولي لهم : إن أبا ذر يقسم عليكم أن لا تركبوا حتّى تأكلوا فلمّا نضجت قدرها قال لها : انظري هل ترين أحداً؟ قالت: نعم هؤلاء ركب مقبلون قال : استقبلي بي الكعبة؛ ففعلت وقال: بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم . ثمّ خرجت أبنته فتلقتهم وقالت رحمكم الله اشهدوا أبا ذر قالوا : أين هو؟ فأشارت لهم إليه وقد مات فادفنوه قالوا: نعم ونعمة عين لقد أكرمنا الله بذلك وإذا ركب من أهل الكوفة فيهم ابن مسعود فمالوا إليه وابن مسعود يبكي ويقول : صدق رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يموت وحده ويبعث وحده فغسلوه وكفنوه وصلّوا عليه ودفنوه فلما أرادوا يرتحلوا قالت لهم : إنّ أبا ذر يقرأ عليكم السلام وأقسم عليكم أن لا تركبوا حتى تأكلوا ففعلوا.
وفيه في رواية أخرى بإسناده عن الحلحال بن ذرى قال: خرجنا مع ابن مسعود سنة - 31 - ونحن أربعة عشر راكباً حتّى أتينا على الرّبذة فإذا امرأة قد تلقتنا فقالت: اشهدوا أبا ذر وما شعرنا بأمره ولا بلغنا فقال وأين أبو ذر؟ فأشارت إلى خباء فمال ابن مسعود إليه وهو يبكي فغسلناه وكفناه وإذا خباؤه خباء منضوح بمسك فقلنا للمرأة ما هذا؟ فقالت كانت مسكة فلما حضر قال : إنّ الميت يحضره شهود يجدون الريح ولا يأكلون فدوفي تلك المسكة بماء ثمّ رشى بها الخباء فاقريهم ريحها واطبخي هذا اللحم فإنه سيشهدني قوم صالحون يلون دفني فاقريهم فلما دفنّا دعتنا إلى الطعام فأكلنا. والأحاديث في فضائل أبي ذر وإسلامه وترجمته ومقامه في الرّبذة وموته وصلاة عبد الله بن مسعود عليه ومن كان معه في موته كثيرة لا نطول بذكرها(1).
قال أبو جعفر الطبري في تاريخه : ذكر محمّد بن عمر أنّ بن جعفر حدثه عن أمّ
1) تاريخ الطبري: 354/3 ، وأسد الغابة : 188/5، وتاريخ مدينة دمشق : 218/66.
بكر بنت المسور بن مخرمة عن أبيها قال: قدمت إبل من إبل الصدقة على عثمان فوهبها لبعض بني الحكم فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فأرسل إلى المسور بن مخرمة وإلى عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث فأخذاها فقسمها عبد الرحمن في النّاس وعثمان في الدار.
قال: قال محمّد بن عمرو حدثني محمّد بن صالح عن عبيد الله بن رافع بن
نقاحة عن عثمان بن الشريد قال: مرّ عثمان على جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره ومعه جامعة فقال : يا نعثل والله لأقتلنّك ولأحملنك على قلوص جرباء ولأخر جنّك إلى حرة النّار، ثمّ جاءه مرة أخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه .
قال: كان أول من اجترأ على عثمان بالمنطق السيىء جبلة بن عمرو الساعدي مرّ به عثمان وهو جالس في ندى قومه وفي يد جبلة بن عمرو جامعة فلما مرّ عثمان سلّم فردّ القوم فقال جبلة : لم تردّون على رجل فعل كذا وكذ؟ ثمّ أقبل على عثمان فقال : والله لأطرحنّ هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه قال عثمان : أيّ بطانة؟ فوالله إني لأتخيّر النّاس فقال مروان تخيّرته، ومعاوية تخيّرته، وعبد الله بن عامر بن كريز تخيّرته، وعبد الله بن سعد تخيّرته، منهم من نزل القرآن بدمه وأباح رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم دمه. قال فانصرف عثمان فما زال النّاس مجترئين عليه .
قال : وخطب في بعض أيامه فقال عمرو بن العاص : يا أمير المؤمنين إنّك قد ركبت نها بير وركبناها معك فتب نتب - إلى أن قال : ثم لما كان بعد ذلك خطب عثمان الناس فقام إليه جهجاه الغفاري فصاح: يا عثمان ألا إن هذه شارف قد جئنا بها عليها عباءة وجامعة قم يا نعثل فانزل عن هذا المنبر فلندرعك العباءة ولنطرحك في الجامعة ولنحملك على الشارف ثمّ نطرحك في جبل الدخان، فقال عثمان : قبحك الله وقبح ما جئت به، قال : ولم يكن ذلك إلا عن ملإ من النّاس وقام إلى عثمان خيرته وشيعته من بني أمية فحملوه وأدخلوه الدار .
قال : بعدما غزا المسلمون غزوة الصواري ونصرهم الله على الأعداء فقتلوا منهم مقتلة عظيماً وهزم القوم جعل محمّد بن أبي حذيفة يقول : أما والله لقد تركنا خلفنا الجهاد حقّاً، فقيل له: وأيّ جهاد؟ فيقول : عثمان بن عفان فعل كذا وكذا وفعل كذا وكذا حتّى أفسد النّاس فقدموا بلدهم وقد أفسدهم وأظهروا من القول ما لم يكونوا ينطقون به.
قال : بإسناده عن الزهري قال: خرج محمّد بن أبي حذيفة ومحمّد بن أبي بكر عام خرج عبد الله بن سعد بن أبي سرح - يعني عام 31 خرج عبد الله بن سعد بأمر عثمان لغزوة الرّوم التي يقال لها غزوة الصواري - فأظهرا عيب عثمان وما غير وما خالف به أبا بكر وعمر وأنّ دم عثمان حلال، ويقولان: استعمل عبد الله بن سعد رجلاً كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أباح دمه
ونزل القرآن بكفره وأخرج رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قوماً وأدخلهم - يعني حكم بن العاص وابنه مروان الطريدين وغيرهما - ونزع أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم واستعمل سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر فبلغ ذلك عبد الله بن سعد فقال : لا تركبا معنا فركبا في مركب ما فيه أحد من المسلمين - إلى أن قال وعابا عثمان أشدّ العيب.
وروى بإسناده عن عبد الرحمن بن يسار أنّه قال : لما رأى النّاس ما صنع عثمان کتب من بالمدينة من أصحاب النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم إلى من بالآفاق منهم وكانوا قد تفرقوا في الثغور : إنكم إنما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عزّ وجلّ تطلبون دين محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم فإنّ فإن دين محمّد قد افسد من خلفكم وترك فهلموا فأقيموا دين محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم فأقبلوا من كلّ أفق حتى قتلوه(1).
قال : وأما الواقدي فإنّه زعم أن عبد الله بن محمّد حدّثه عن أبيه قال : لمّا كانت سنة - 34 - كتب أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بعضهم إلى بعض أن أقدموا فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد وكثر الناس على عثمان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد وأصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يرون ويسمعون ليس فيهم أحد ينهى ولا يذبّ إلا نفير زيد بن ثابت وأبو أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسان بن ثابت فاجتمع النّاس وكلّموا عليّ بن أبي طالب علیه السلام فدخل على عثمان فقال : النّاس وراثي وقد كلّموني فيك والله ما أدري ما أقول لك وما أعرف شيئاً تجهله ولا أدلك على أمر لا تعرفه إنّك لتعلم ما نعلم ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ولا خلونا بشيء فنبلغكه وما خصصنا بأمر دونك وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ونلت صهره وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحق منك ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك، وأنّك أقرب إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم رحماً ولقد نلت من صهر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ما لم ينالا ولا سبقاك إلى شيء فالله الله في نفسك فإنّك والله ما تبصر من عمى ولا تعلم من جهل وإنّ الطريق لواضح بيّن وإن أعلام الدّين لقائمة تعلم يا عثمان أنّ أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدى وهَدى فأقام سنّة معلومة وأمات بدعة متروكة فوالله إن كلا لبيّن وإن السنن لقائمة لها اعلام وأنّ البدع لقائمة لها اعلام وأنّ شرّ الناس عند الله إمام جائر ضلّ وُضلّ به فأمات سنة معلومة واحيا بدعة متروكة وإنّي سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقول : يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقي في جهنّم فيدور في جهنم كما تدور الرحى ثمّ يرتطم في غمرة جهنم وإنّي أحذرك الله واحذّرك سطواته ونقماته فإن عذابه شديد أليم واحذّرك أن
1) تاريخ الطبري : 401/3 ، والغدير : 161/9، وأحاديث أم المؤمنين عائشة : 141/1، وبحار الأنوار: / : /31 . 163، والغدير : 161/9 ح 8.
تكون إمام هذه الأمّة المقتول فإنّه يقال : يقتل في هذه الأمّة إمام فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة وتلبس أمورها عليها ويتركها شيعاً فلا يبصرون الحقّ لعلو الباطل يموجون فيها موجاً ويمرجون فيها مرجاً .
فقال عثمان : قد والله علمت ليقولن الذي قلت أما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا عبت عليك ولا جئت منكراً أن وصلت رحماً وسددت خلة وآويت ضائعاً ووليت شبيها ا بمن كان عمر يولي؛ انشدك الله يا علي هل تعلم أنّ المغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال : نعم ؛ قال : قال : فتعلم فتعلم أنّ ولاه؟ قال : نعم ؛ قال : فلم تلوموني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته؟
قال عليّ علیه السلام : سأُخبرك أنّ عمر بن الخطّاب كان كل من ولّي فإنما يطأ على صماخه إن بلغه عنه حرف جبله ثمّ بلغ به أقصى الغاية وأنت لا تفعل ضعفت ورفقت على أقربائك .
قال عثمان : هم أقرباؤك أيضاً، فقال عليّ علیه السلام : لعمري إن رحمهم مني لقريبة ولكنّ الفضل في غيرهم .
قال عثمان : هل تعلم أن عمر ولّى معاوية خلافته كلّها فقد وليته؟
فقال عليّ علیه السلام : انشدك الله هل تعلم أنّ معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه؟ قال : نعم، قال علي علیه السلام: فإن معاوية يقتطع الأمور دونك وأنت تعلمها فيقول النّاس هذا أمر عثمان فيبلغك ولا تغير على معاوية . ثمّ خرج عليّ علیه السلام من عنده .
وخرج عثمان على أثره فجلس على المنبر فاستمال قلوب النّاس إليه بما قال واعتذر من أفعاله واشتكى من الناس بما قالوا في مطاعته وقوادحه فلما انتهى من كلامه قام مروان بن الحكم فقال مخاطباً للناس : إن شئتم حكمنا والله بيينا وبينكم السيف نحن والله وأنت كما قال الشاعر :
فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم *** معارسكم تبنون في دمن الثرى
فقال عثمان : اسكت لاسكتّ دعني وأصحابي ما منطقك في هذا ألم أتقدم إليك ألا تنطق؟! فسكت مروان ونزل عثمان(1).
أقول : أتى بما رواه الطبري من نصح أمير المؤمنين عليّ علیه السلام عثمان الشيخ الأجل المفيد قدس سره في كتاب «الجمل» أيضاً - ص 84 طبع النجف - وكذا نقله الشريف الرضي رضوان الله عليه في «النهج» وهو الكلام - 163 - من المختار من باب الخطب معنوناً بقول
1) شرح نهج البلاغة : 265/9، وتاريخ الطبري : 378/3.
الرضي: ومن كلام له علیه السلام لما اجتمع النّاس عليه وشكوه مما نقموه على عثمان وسألوه مخاطبته عنهم واستعتابه لهم فدخل علیه السلام عليه فقال : إنّ النّاس ورائي وقد استسفروني بينك وبينهم ووالله ما أدري ما أقول لك - إلخ وبين النسخ الثلاث اختلاف يسير.
وروى الطبري بإسناده عن عبد الله بن زيد العنبري أنه قال : اجتمع ناس من المسلمين فتذاكروا أعمال عثمان وما صنع فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا إليه رجلاً يكلّمه ويخبره بأحداثه فأرسلوا إليه عامر بن عبد الله التميمي فأتاه فدخل عليه فقال له : إن ناساً المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أموراً عظاماً فاتق الله عزّ وجلّ وتب إليه وانزع عنها.
قال له عثمان : انظر إلى هذا فإن النّاس يزعمون أنّه قارىء ثمّ هو يجيء فيكلّمني في المحقرات فوالله ما يدري أين الله .
قال عامر: إنا لا ندري أين الله، قال: نعم والله ما تدري أين الله، قال عامر : بلى والله إنّي لأدري أنّ الله بالمرصاد لك .
فأرسل عثمان إلى معاوية بن أبي سفيان وإلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح وإلى سعید بن العاص وإلى عمرو بن العاص بن وائل السهمي وإلى عبد الله بن عامر فجمعهم ليشاورهم في أمره وما طلب إليه وما بلغه عنهم فلما اجتمعوا عنده قال لهم : إن لكلّ امرىء وزراء ونصحاء وإنّكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي وقد صنع النّاس ما قد رأيتم وطلبوا إليّ أن أعزل عمّالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبّون فاجتهدوا رأيكم وأشيروا عليّ.
فقال له عبد الله بن عامر: رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمّرهم في المغازي حتّى يذلوا لك فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه وما هو فيه من دبرة دابته وقمل فروه.
ثمّ أقبل عثمان على سعيد بن العاص فقال له : ما رأيك؟ قال: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد رأينا فأحسم عنك الداء واقطع عنك الذي تخاف واعمل برأي نصب، قال: وما هو؟ قال : إن لكلّ قوم قادة متى تهلك يتفرقوا ولا يجتمع لهم أمر، فقال عثمان : إن هذا الرأي لولا ما فيه.
ثمّ أقبل على معاوية فقال : ما رأيك؟ قال: أرى لك يا أمير المؤمنين أن ترد عمالك على الكفاية لما قبلهم وأنا ضامن لك قبلي.
ثمّ أقبل على عبد الله بن سعد فقال : ما رأيك؟ قال : أرى يا أمير المؤمنين أن النّاس
أهل طمع فاعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم .
ثمّ أقبل على عمرو بن العاص، فقال له : ما رأيك؟ قال: أرى أنك قد ركبت النّاس بما يكرهون فاعتزم أن تعتدل فإن أبيت فاعتزم أن تعتزل فإن أبيت فاعتزم عزماً وامض قدماً.
فقال عثمان : ما لك قمل فروك أهذا الجدّ منك فاسكت عنه دهراً حتّى إذا تفرّق القوم قال عمرو : لا والله يا أمير المؤمنين لأنت أعزّ عليّ من ذلك ولكن قد علمت أن سيبلغ النّاس قول كلّ رجل منا فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي فأقود إليك خيراً أو أدفع عنك شرّاً . فردّ عثمان عماله على أعمالهم وأمرهم بالتضييق على من قبلهم وأمرهم بتجمير النّاس في البعوث وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا إليه، وردّ سعيد بن العاص أميراً على الكوفة فخرج أهل الكوفة عليه بالسلاح فتلقوه فردّوه وقالوا : لا والله لا يلي علينا حكماً ما حملنا سيوفنا(1).
قال المسعودي والواقدي والطبري وغيرهما من أصحاب السير: لما كان سنة خمس ثلاثين سار مالك بن الحارث النخعي من الكوفة في مائتي رجل وحكيم بن جبلة العبدي في مائة رجل من أهل البصرة، ومن أهل مصر ستمائة رجل على أربعة ألوية لها رؤوس أربعة مع كلّ رجل منهم لواء وفيهم محمّد بن أبي بكر وكان جماع أمرهم جميعاً إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي وكان من أصحاب النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وإلى عبد الرحمن بن عديس التجيبي فكان فيما كتبوا إليه :
بسم الله الرّحمن الرّحيم أما بعد فاعلم أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فالله الله ثمّ الله الله فإنّك على دنيا فاستتم إليها معها آخرة ولا تنس نصيبك من تنس نصيبك من الآخرة فلا تسوغ لك الدّنيا واعلم أنا والله الله نغضب وفي الله نرضى وأنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتّى تأتينا منك توبة مصرحة أو ضلالة مجلحة مبلجة فهذه مقالتنا لك وقضيتنا إليك والله عذيرنا منك والسلام.
وكتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة ويحتجون ويقسمون له بالله لا يمسكون عنه أبداً حتّى يقتلوه أو يعطيهم ما يلزمه من حق الله.
فلمّا خاف القتل شاور نصحائه وأهل بيته فقال لهم : قد صنع القوم ما قد رأيتم فما المخرج؟ فأشاروا عليه أن يرسل إلى عليّ بن أبي طالب فيطلب إليه أن يردّهم عنه ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتّى يأتيه أمداد.
1) تاريخ الطبري : 374/3، والغدير : 54/9
فقال عثمان : إن القوم لن يقبلوا التعليل وهي محملي عهداً وقد كان منّي في قدمتهم الأولى ما كان فمتى أعطهم ذلك يسألونك الوفاء به.
فقال مروان بن الحكم: يا أمير المؤمنين مقاربتهم حتّى تقوى أمثل من مكاثرتهم على القرب فأعطهم ما سألوك وطاولهم ما طاولوك فإنّما هم بغوا عليك فلا عهد لهم .
فأرسل إلى عليّ علیه السلام فدعاه فلمّا جاءه قال : يا أبا حسن إنّه قد كان من النّاس ما قد رأيت وكان منّي ما قد علمت ولست آمنهم على قتلي فارددهم عنّي فإنّ لهم الله عزّ وجلّ أن أعتبهم من كلّ ما يكرهون وأن أعطيهم الحقّ من نفسي ومن غيري وإن كان في ذلك سفك دمي.
فقال له عليّ علیه السلام : النّاس إلى عدلك أحوج منك إلى قتلك وإنّي لأرى قوماً لا يرضون إلا بالرضي وقد كنت أعطيتهم في قدمتهم الأولى عهداً من الله لترجعن عن جميع ما نقموا فرددتهم عنك ثمّ لم تف لهم بشيء من ذلك فلا تغرّني هذه المرة من شيء فإني معطيهم عليك الحقّ .
قال: نعم فاعطهم فوالله لأفينّ لهم. فخرج عليّ علیه السلام إلى النّاس فقال: أيّها النّاس إنّكم إنّما طلبتم الحقّ فقد أعطيتموه إن عثمان قد زعم أنّه منصفكم من نفسه ومن غيره وراجع عن جميع ما تكرهون فاقبلوا منه ووكدوا عليه.
قال النّاس : قد قبلنا فاستوثق منه لنا فإنا والله ما نرضى بقول دون فعل. فقال لهم عليّ علیه السلام : ذلك لكم. ثمّ دخل عليه فأخبره الخبر فقال عثمان: اضرب بيني وبينهم أجلاً يكون لي فيه مهلة فإني لا أقدر على ردّ ما كرهوا في يوم واحد .
قال له عليّ علیه السلام : ما حضر بالمدينة فلا أجل فيه وما غاب فأجله وصول أمرك . قال : نعم، ولكن أجّلني فيما بالمدينة ثلاثة أيام. قال عليّ علیه السلام : نعم، فخرج إلى النّاس فأخبرهم بذلك وكتب بينهم وبين عثمان كتاباً أجّله فيه ثلاثاً على أن يردّ كلّ مظلمة ويعزل كلّ عامل كرهوه . ثمّ أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه من عهد وميثاق وأشهد عليه ناساً من وجوه المهاجرين والأنصار. فكفّ المسلمون عنه ورجعوا إلى أن يفي لهم بما أعطاهم من نفسه .
فجعل عثمان يتأهب للقتال ويستعد بالسلاح وقد كان اتخذ جنداً عظيماً من رقيق الحمس فمضت الأيّام الثلاثة وهو على حاله ولم يغير شيئاً مما كرهوه ولم يعزل عاملاً(1).
1) الغدير : 177/9، وأحاديث أم المؤمنين عائشة : 154/1.
«كتاباً لابن أبي سرح في قتله»
فلمّا أن أهل مصر جاءوا وشكوا ابن أبي سرح عاملهم فنزلوا المسجد وشكوا إلى أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في مواقيت الصّلاة ما صنع بهم ابن أبي سرح فقام طلحة فتكلم بكلام شديد وأرسلت عائشة إلى عثمان فقالت له : قد تقدّم إليك أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وسألوك عزل هذا الرّجل وكذا دخل عليه عليّ علیه السلام فقال له : إنّما يسألونك رجلاً مكان رجل وقد ادعوا قبله دماً فاعزله عنه واقض بينهم فإن وجب لهم عليه حق فأنصفهم منه.
فقال : اختاروا رجلاً أوليه عليهم. فقالوا : استعمل محمّد بن أبي بكر فكتب عثمان عهده وولاه وخرج معه عدد من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بين ابن أبي سرح وأهل مصر.
خرج محمّد ومن معه حتّى إذا كانوا على مسيرة ثلاث ليال من المدينة في الموضع المعروف بخمس إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط البعير كأنه طالب أو هارب يتعرّض لهم ثمّ يفارقهم ثمّ يرجع إليهم ثمّ يفارقهم ويسيئهم وهو مقبل من المدينة، فتأملوه فإذا هو ورش غلام عثمان على جمل عثمان فقال له أصحاب محمّد بن أبي بكر : ما قصتك وما شأنك إن لك لأمراً؟
فقال : أنا غلام أمير المؤمنين وجهني إلى عامل مصر . فقال له رجل: هذا عامل مصر معنا، قال : ليس هذا أريد، فأخبر محمّد بأمره فبعث في طلبه رجلاً فجاء به إليه فقال له : غلام من أنت؟ فأقبل مرة يقول : أنا غلام مروان، ومرة يقول: أنا غلام عثمان حتّى عرفه رجل أنّه لعثمان فقال له محمّد: إلى من أرسلك؟ قال : إلى عامل مصر، قال : بماذا؟ قال : برسالة . قال : أما معك كتاب؟ قال : لا، ففتشوه فلم يجدوا معه ففتشوه فلم يجدوا معه كتاباً وكانت معه إدارة قد يبست فيها شيء يتقلقل فحركوه ليخرج فلم يخرج فشقوا إداوته فإذا فيها كتاب من عثمان إلى عبد الله بن أبي سرح عامل مصر فجمع محمّد من كان معه من المهاجرين والأنصار ثمّ فکّ الكتاب بمحضر منهم فقرأه فإذا فيه : إذا أتاك محمّد بن أبي بكر وفلان وفلان أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وأبطل كتابهم وقرّ على عملك حتّى يأتيك رأيي.
فلما رأوا الكتاب فزعوا منه ورجعوا إلى المدينة وختم محمّد الكتاب بخواتم النفر الذين كانوا معه ودفعه إلى رجل منهم ثمّ قدموا المدينة فجمعوا عليّاً علیه السلام وطلحة والزبير وسعداً ومن كان من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ثمّ فكوا الكتاب بمحضر منهم وأخبرهم بقصة الغلام وأقرأهم الكتاب فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق على عثمان وقام أصحاب
النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فلحقوا بمنازلهم وحصر الناس عثمان وأحاطوا به ومنعوه الماء والخروج ومن كان معه واجلب عليه محمّد بن أبي بكر(1).
وفي تاريخ أبي جعفر الطبري : لما قدموا المدينة أتوا عليّاً علیه السلام فقالوا : ألم ترد إلى عدوّ الله عثمان إنه كتب فينا بكذا وكذا وإن الله قد أحلّ دمه قم معنا إليه قال : والله لا أقوم معكم إلى أن قالوا : فلم كتبت إلينا؟ فقال : والله ما كتبت إليكم كتاباً قطّ فنظر بعضهم إلى بعض ثمّ قال بعضهم لبعض : ألهذا تقاتلون أو لهذا تغضبون؟ فانطلق علیّ عليه السلام فخرج من المدينة إلى قرية ثمّ إنهم انطلقوا حتّى دخلوا على عثمان فقالوا : كتبت فينا بكذا وكذا .
فقال عثمان : إنما هما اثنتان أن تقيموا على رجلين من المسلمين أو يميني بالله الذي لا إله إلا ما كتبت ولا أمللت ولا علمت وقد تعلمون أن الكتاب يكتب على لسان الرّجل وقد ينقش الخاتم على الخاتم فقالوا: فقد والله أحلّ دمك ونقضت العهد والميثاق فحاصروه .
وفيه أيضاً: لما قدموا المدينة أرسلوا إلى عثمان ألم نفارقك على أنك زعمت أنك تائب من أحداثك وراجع عما كرهنا منك وأعطيتنا على ذلك عهد الله وميثاقه؟ قال : بلى أنا على ذلك قالوا: فما هذا الكتاب الذي وجدنا مع رسولك وكتبت به إلى عاملك؟ قال : ما فعلت ولا لي علم بما تقولون. قالوا : بريدك على جملك وكتاب كاتبك عليه خاتمك قال : أمّا الجمل فمسروق، وقد يشبه الخط الخط، وأما الخاتم فانتقش عليه. قالوا : فإنا لا نعجل عليك وإن كنّا قد اتهمناك أعزل عنّا عمالك الفساق واستعمل علينا من لا يتّهم على دمائنا وأموالنا وأردد علينا مظالمنا قال عثمان : ما أراني إذاً في شيء إن كنت أستعمل من هويتم وأعزل من كرهتم الأمر إذا أمركم قالوا: والله لتفعلنّ أو لتعزلنّ أو لتقتلنّ فانظر لنفسك أودع، فأبى عثمان عليهم وقال : لم أكن لأخلع سربلنيه الله فحصروه أربعين(2).
وفي «الإمامة والسياسة» للدينوري : ذكروا أن أهل مصر أقبلوا إلى عليّ علیه السلام فقالوا : ألم تر عدوّ الله ماذا كتب فينا؟ قم معنا إليه فقد أحلّ الله ،دمه فقال عليّ علیه السلام لا والله لا أقوم معكم قالوا : فلم كتبت إلينا؟ قال علي علیه السلام : لا والله ما كتبت إليكم كتاباً قطّ فنظر بعضهم إلى بعض . ثمّ أقبل الاشتر النخعي من الكوفة في ألف رجل وأقبل ابن أبي حذيفة من مصر
في أربعمائة رجل فأقام أهل الكوفة وأهل مصر بباب عثمان ليلاً ونهاراً وطلحة يحرّض الفريقين جميعاً على عثمان ثمّ إنّ طلحة قال لهم : إن عثمان لا يبالي ما حصرتموه وهو يدخل إليه الطعام والشراب فامنعوه الماء أن يدخل عليه(1).
وفي تاريخ الطبري: لما أنكر عثمان أن يكون كتب الكتاب وقال هذا مفتعل قالوا : فالكتاب كتاب كاتبك، قال: أجل ولكنه كتبه بغير أمري؛ قالوا : فإنّ الرسول الذي وجدنا معه الكتاب غلامك. قال : أجل ولكنه خرج بغير إذني ؛ قالوا فالجمل جملك . قال : أجل ولكنّه أخذ بغير علمي؛ قالوا: ما أنت إلا صادق أو كاذب فإن كنت كاذباً فقد استحققت الخلع لما أمرت به به من سفك دمائنا بغير حقها وإن كنت صادقاً فقد استحققت أن تخلع لضعفك وغفلتك وخبث بطانتك لأنه لا ينبغي لنا أن نترك على رقابنا من يقتطع مثل هذا الأمر
من دونه لضعفه وغفلته.
وقالوا له : إنك ضربت رجالاً من أصحاب النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وغيرهم حين يعظونك ويأمرونك بمراجعة الحقّ عند من يستنكرون من أعمالك فأقد نفسك من ضربته وأنت له ظالم .
فقال : الإمام يخطىء ويصيب فلا أقيد من نفسي لأني لو أقدت كلّ من أصيته بخطأ أتى علی نفسی.
قالوا : إنّك قد أحدثت أحداثا عظاماً فاستحققت بها الخلع فإذا كلمت فيها اعطيت التوبة ثمّ عدت إليها وإلى مثلها ثمّ قدمنا عليك فاعطيتنا التوبة والرجوع إلى الحق ولا منافيك محمّد بن مسلمة وضمن لنا ما حدث من أمر فأخفرته فتبرأ منك وقال : لا أدخل في أمره فرجعنا أوّل مرّة لنقطع حجتك وتبلغ أقصى الأعذار إليك نستظهر بالله عزّ وجلّ عليك فلحقنا كتاب منك إلى عاملك علينا تأمره فينا بالقتل والقطع والصلب وزعمت أنّه كتب بغير علمك و هو مع غلامك وعلى جملك وبخط كاتبك وعليه خاتمك فقد وقعت عليك بذلك التهمة القبیحة مع ما بلونا منك قبل ذلك من الجور في الحكم والأثرة في القسم والعقوبة للأمر بالتبسط من النّاس والإظهار للتوبة ثمّ الرّجوع إلى الخطيئة ولقد رجعنا عنك وما كان لنا أن نرجع حتی نخلعك ونستبدل بك من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من لم يحدث مثل ما جربنا منك ولم يقع عليه من التهمة ما وقع عليك فاردد خلافتنا واعتزل أمرنا فإن ذلك أسلم لنا منك وأسلم لك منّا .
فقال عثمان : فرغتم من جميع ما تريدون؟ قالوا: نعم قال : أما بعد فإنّكم لم تعدلوا في المنطق ولم تنصفوا في القضاء أمّا قولكم تخلع نفسك فلا أنزع قميصاً قمصنيه الله ولكني
1) الغدير : 959 ح 11، والإمامة والسياسة : 57/1.
أتوب وأنزع ولا أعود لشيء عابه المسلمون فإنّي والله الفقير إلى الله الخائف منه.
قالوا : إنّ هذا لو كان أوّل حدث أحدثته ثم تبت منه ولم تقم عليه لكان علينا أن نقبل منك وأن ننصرف عنك، ولكنه قد كان منك من الأحداث قبل هذا ما قد علمت ولقد انصرفنا عنك في المرّة الأولى وما نخشى أن تكتب فينا ولا من اعتللت به بما وجدنا في كتابك مع غلامك وكيف نقبل توبتك وقد بلونا منك أن لا تعطى من نفسك التوبة من ذنب إلّا عدت عليه فلسنا منصرفين حتى نعزلك ونستبدل بك فإن حال معك من قومك وذوي رحمك وأهل الإنقطاع إليك دونك بقتال قاتلناهم حتّى نخلص إليك فنقتلك أو تلحق أرواحنا بالله . إلى أن قال : ثمّ انصرفوا عن عثمان وأذنوه بالحرب؛ وأرسل عثمان إلى محمّد بن مسلمة فكلّمه أن يردّهم فقال : والله لا أكذب الله في سنة مرتين.
قال الطبري : إنّ عليّاً جاء عثمان بعد انصراف المصريين فقال له : تكلم كلاماً یسمعه النّاس منك ويشهدون عليه ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة فإن البلاد قد تمخضت عليك فلا آمن ركباً آخرين يقدمون من الكوفة فتقول يا عليّ اركب إليهم ولا أقدر أن أركب إليهم ولا أسمع عذراً ويقدم ركب آخرون من البصرة فتقول يا عليّ اركب إليهم فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك واستحققت «استخففت ظ» بحقّك .
فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها وأعطى النّاس من نفسه التوبة فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثمّ قال : أمّا بعد أيّها النّاس فوالله ما عاب من عاب منكم شيئاً أجهله وما جئت شيئاً إلا وأنا أعرفه ولكني منّنتني نفسي وكذّبتني وضلّ عن رشدي ولقد سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقول : من زل فليتب ومن أخطأ فليتب ولا يتمادى في الهلكة إن من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق فأنا أوّل من اتعظ أستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه فمثلي نزع وتاب فإذا نزلت فليأتني اشرافكم فليروني رأيهم فوالله لئن ردّني الحق عبداً لأستننّ بسنة العبد ولأذلنّ ذل العبد ولأكوننّ كالمرقوق إن ملك وإن عتق شكر وما على الله مذهب إلّا إليه فلا يعجزن عنكم خياركم أن يدنو إليّ أبت يميني لتتابعني شمالي .
فلما نزل عثمان وجد في منزله مروان وسعيداً ونفراً من بني أميّة ولم يكونوا شهدوا الخطبة فلما جلس قال مروان: يا أمير المؤمنين أتكلّم أم أصمت؟ فقالت نائلة ابنة الفرافصة امرأة عثمان الكلبيّة : لا بل اصمت فإنهم والله قاتلوه ومؤتموه إنّه قد قال مقالة لا له أن ينزع عنها؛ فأقبل عليها مروان فقال: ما أنت وذاك فوالله لقد مات أبوك وما يحسن يتوضّأ؛ فقالت له: مهلا يا مروان عن ذكر الآباء تخبر عن أبي وهو غائب تكذب عليه وإن أباك لا يستطيع أن يدفع عنه أما والله لولا أنّه عمّه وأنّه يناله غمّه أخبرتك عنه ما لن أكذب عليه؛ فأعرض عنها مروان ثمّ قال : يا أمير المؤمنين أتكلّم أم أصمت؟ قال : بل تكلّم.
فقال مروان : بأبي أنت وأمّي والله لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع منيع فكنت أوّل من رضي بها وأعان عليها ولكنك قلت ما قلت حين بلغ الحزام الطّبيين وخلف السبيل الزبى وحين أعطى الخطّة الذليلة الذليل والله لإقامة على خطيئة تستغفر الله منها أجمل من توبة تخوف عليها وإنك إن شئت تقربت بالتوبة ولم تقرب بالخطيئة وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس.
فقال عثمان : فاخرج إليهم فكلّمهم فإنّي استحيي أن أكلمهم.
فخرج مروان إلى الباب والنّاس يركب بعضهم بعضاً فقال: ما شأنكم قد اجتمعتم؟ كأنّكم قد جئتم لنهب شاهت الوجوه كلّ إنسان آخذ بإذن صاحبه إلا من اريد جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا؟ أخرجوا عنا أما والله لئن رمتمونا ليمون عليكم منا أمر لا يسركم ولا تحمدوا غبّ رأيكم ارجعوا إلى منازلكم فإنا والله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا .
فرجع النّاس وخرج بعضهم حتّى أتى عليّاً علیه السلام فأخبره الخبر فجاء عليّ علیه السلام مغضباً حتى دخل على عثمان فقال : أما رضيت من مروان ولا رضى منك إلّا بتحرفك عن دينك و عن عقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه وايم الله إنّي لأراه سيوردك ثمّ لا يصدرك وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك أذهلت شرفك وغلبت على أمرك .
فلما خرج عليّ علیه السلام دخلت عليه نائلة ابنة الفرافصة امرأته فقالت : قد سمعت قول عليّ لك وإنّه ليس يعاودك وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء.
قال عثمان : فما أصنع؟ قالت: تتقي الله وحده لا شريك له وتتبع سنة صاحبيك من قبلك فإنك متى أطعت مروان قتلك ومروان ليس له عند النّاس قدر ولا هيبة ولا محبة وإنما تركك النّاس لمكان مروان فأرسل إلى عليّ علیه السلام فاستصلحه فإنّ له قرابة منك وهو لا یعصی، فأرسل عثمان إلى عليّ علیه السلام فأبى أن يأتيه وقال : قد أعلمته له أني لست بعائد. فبلغ مروان مقالة نائلة فيه فجاء إلى عثمان فجلس بين يديه فقال : أتكلم أو أسكت؟ فقال: تكلّم، فقال: إن بنت الفرافصة، فقال عثمان : لا تذكرنها بحرف فاسوّي لك وجهك فهي والله أنصح لي منك فكفّ مروان.
فلما رأى عثمان ما قد نزل به وما قد انبعث عليه من النّاس كتب إلى معاوية ابن أبي سفيان وهو بالشام : بسم الله الرّحمن الرحيم أمّا بعد فإن أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة فابعث إليّ من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كلّ صعب وذلول، ثمّ كتب إلى يزيد بن أسد بن كرز وإلى أهل الشام : إن كان عندكم غياث فالعجل العجل فإنّ
القوم معاجليّ(1).
في «الإمامة والسياسة»: إنّ عثمان لما منع الماء صعد على القصر واستوى في أعلاه ثمّ نادى أين طلحة؟ فأتاه فقال : يا طلحة أما تعلم أن بئر رومة كانت لفلان اليهودي لا يسقي أحداً من الناس منها قطرة إلا بثمن فاشتريتها بأربعين ألفاً فجعلت رشائي فيها كرشاء رجل من المسلمين، لم أستأثر عليهم؟ قال : نعم ، قال : فهل تعلم أن أحداً يمنع أن يشرب منها اليوم غيري؟ لم ذلك؟
قال : لأنك بدّلت وغيّرت .
قال : فهل تعلم : أنّ رسول الله قال : من اشترى هذا البيت وزاده في المسجد فله به الجنّة، فاشتريته بعشرين ألفاً وأدخلته المسجد قال طلحة: نعم . قال : فهل تعلم اليوم أحداً يمنع فيه من الصّلاة غيري؟ قال : لا . قال : لم؟
قال : لأنّك غيّرت وبدّلت (2).
روى الطبري ص 411 ج 3 طبع مصر 1357 هـ بإسناده عن عبد الله بن عبّاس بن ربيعة قال : دخلت على عثمان فتحدثت عنده ساعة، فقال : يا ابن عباس تعال فأخذ بيدي فأسمعني كلام من على باب عثمان فسمعنا كلاماً منهم من يقول : ما تنتظرون به، ومنهم من
يقول : انظروا عسى أن يراجع فبينا أنا وهو واقفان إذ مر طلحة بن عبيد الله فوقف فقال أين ابن عدیس؟ فقيل : ها هوذا. فجاءه ابن عديس فناجاه بشيء ثم رجع ابن عديس فقال لأصحابه : لا تتركوا أحداً يدخل على هذا الرّجل ولا يخرج من عنده، قال : فقال لي عثمان : هذا ما أمر به طلحة بن عبيد الله؛ ثمّ قال عثمان : اللهم اكفني
: طلحة بن عبيد الله فإنّه حمل على هؤلاء وألبّهم والله إني لأرجو أن يكون منها صفر أو أن يسفك دمه إنّه انتهك منّي ما لا يحلّ له.
في «الجمل» للمفيد : لما أبي عثمان أن يخلع نفسه تولّى طلحة والزبير حصاره والنّاس
معهما على ذلك فحصروه حصراً شديداً ومنعوه الماء وأنفذ إلى عليّ علیه السلام يقول : إنّ طلحة والزبير قد قتلاني من العطش والموت بالسلاح أحسن ؛ فخرج علیه السلام معتمداً على يد المسود بن مخرمة الزهري حتّى دخل على طلحة بن عبيد الله وهو جالس في داره يسوى نبلاً وعليه قميص هندي فلما رآه طلحة رحب به ووسع له على الوسادة؛ فقال له عليّ علیه السلام إنّ عثمان قد أرسل إليّ أنكم قد هلكتموه عطشاً وأن ذلك ليس بالحسن والقتل بالسلاح أحسن وكنت قد آليت على نفسي أن لا أردّ عنه أحداً بعد أهل مصر وأنا أحب أن تدخلوا عليه الماء حتّى تروا رأيكم فيه، فقال طلحة : لا والله لا ننعمنه عيناً ولا نتركه يأكل ولا يشرب؛ فقال عليّ علیه السلام : ما كنت أظن أن أكلم أحداً من قريش فيردّني، دع ما كنت فيه يا طلحة، فقال طلحة: ما كنت أنت يا عليّ في ذلك من شيء فقام عليّ علیه السلام مغضباً وقال : ستعلم يا ابن الحضرمية أكون في ذلك من شيء أم لا، ثمّ انصرف.
قال: وروى أبو حذيفة بن إسحاق بن بشير القرشي أيضاً قال: حدثني يزيد ابن أبي زياد عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى قال : والله إنّي لأنظر إلى طلحة وعثمان محصور وهو على فرس أدهم وبيده الرمح يجول حول الدار وكأنّي انظر إلى بياض ما وراء الدرع .
قال: وروى أبو إسحاق قال : لما اشتدّ الحصار بعثمان عمد بنو أميّة على إخراجه ليلاً إلى مكّة وعرف النّاس فجعلوا عليه حرساً وكان على الحرس طلحة بن عبيد الله وهو أوّل من رمی بسهم في دار عثمان.
قال: قال: واطلع عثمان وقد اشتدّ به الحصار وظماً من العطش فنادى : أيّها النّاس اسقونا شربة من الماء وأطعمونا ممّا رزقكم الله، فناداه الزبير بن العوّام يا نعثل لا والله لا تذوقه.
قال : وروى أبو حذيفة القرشي عن الأعمش عن حبيب بن ثابت عن تغلبة بن يزيد الحماني قال : أتيت الزبير وهو عند أحجار الزيت فقلت له : يا أبا عبد الله قد حيل بين اهل الماء فنظر نحوهم وقال: «وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ(54)» [سبا : 54] فهذه الأحاديث من جملة كثيرة في هذا المعنى(1).
روى أبو جعفر الطبري في التاريخ - ص 395 ج 3 طبع مصر 1357 - أنّ عمرو بن العاص كان ممّن يحرض على عثمان ويغری به ولقد خطب عثمان يوماً في أواخر خلافته
1) الجمل : 75.
فصاح به عمرو بن العاص اتق الله يا عثمان فإنّك قد ركبت نها بير وركبناها معك فتب إلى الله نتب، فناداه عثمان وإنّك ههنا يا ابن النابغة قملت والله جبّتك منذ تركتك من العمل، فنودي من ناحية أخرى تب إلى الله ونودي من أخرى مثل ذلك وأظهر التوبة يكف النّاس عنك، قال: فرفع عثمان يديه واستقبل القبلة فقال : اللهم إني أول تائب إليك ورجع منزله، وخرج عمرو بن العاص حتى نزل منزله بفلسطين فكان يقول: والله إن كنت لألقى الراعي
فاُحرّضه عليه. وكذا نقل تأليبه على عثمان على التفصيل والتطويل في ص 392 فراجع.
و فی ص 392 منه : كان عمرو بن العاص على مصر عاملاً لعثمان فعزله عن الخراج واستعمله على الصّلاة واستعمل عبد الله بن سعد على الخراج ثمّ جمعهما لعبد الله بن سعد فلما قدم عمرو بن العاص المدينة جعل يطعن على عثمان فأرسل إليه يوماً عثمان خالياً به فقال : يا ابن النابغة ما أسرع ما قمل جرّبان جبّتك إنّما عهدك بالعمل عاماً أوّل أتطعن عليّ؟ وتأتيني بوجه وتذهب عني بآخر والله لولا أكلة ما فعلت ذلك.
فقال عمرو : إنّ كثيراً ممّا يقول النّاس وينقلون إلى ولاتهم باطل فاتق الله يا أمير المؤمنين في رعيتك؛ فقال عثمان : والله لقد استعملتك على ظلعك وكثرة القالة فيك؛ فقال عمرو : قد كنت عاملاً لعمر بن الخطّاب ففارقني وهو عني راض فقال عثمان: وأنا والله لو أخذتك بما أخذك به عمر لاستصمت ولكنّي لنت عليك فاجترأت عليّ أما والله لأنا أعز منك نفراً في الجاهلية وقبل أن ألي هذا السلطان فقال عمرو : دع عنك هذا فالحمد لله الذي أكرمنا بمحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم وهدانا به قد رأيت العاص بن وائل ورأيت أباك عفان فوالله للعاص كان أشرف من أبيك، فانكسر عثمان وقال : ما لنا ولذكر الجاهلية ؛ وخرج عمرو ودخل مروان فقال : يا أمير المؤمنين وقد بلغت مبلغاً يذكر عمرو بن العاص أباك؟ فقال عثمان : دع هذا عنك من ذكر آباء الرجال ذكروا أباه.
فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه يأتي عليّاً مرة فيؤلّبه على عثمان ويأتي الزّبير مرة فيؤلبه على عثمان ويأتي طلحة مرة فيؤلّبه على عثمان ويعترض الحاج فيخبرهم بما أحدث عثمان، فلمّا كان حصر عثمان الأوّل خرج من المدينة حتّى انتهى إلى أرض له بفلسطين يقال لها السبع فنزل في قصر له يقال له العجلان وهو يقول العجب ما يأتينا عن ابن عفان فبينا هو جالس في قصره ذلك ومعه ابناه محمد وعبد الله وسلامة بن روح الجذامي إذ مرّ بهم راكب فناداه عمرو من أين قدم الرّجل؟ فقال : من المدينة قال : ما فعل الرّجل؟ يعني عثمان؛ قال: تركته محصوراً شديد الحصار، قال عمرو : أنا أبو عبد الله قد يضرط العير والمكواة في النّار فلم يبرح مجلسه ذلك حتّى مرّ به راكب آخر فناداه عمر وما فعل الرجل؟ يعني عثمان، قال: قتل قال: أنا أبو عبد الله إذا حككت قرحة نكأتها أن كنت لأحرّض عليه
حتّى أني لأحرّض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل.
فقال سلامة بن روح : يا معشر قريش إنّه كان بينكم وبين العرب باب وثيق فكسرتموه فما حملكم على ذلك؟ فقال : أردنا أن نخرج الحق من حافرة الباطل وأن يكون النّاس في الحق شرعاً سواء.
وكانت عند عمرو أخت عثمان لأمّه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ففارقها حين عزله.
جربان : بضم الأوّلين وتشديد الباء وبكسرهما أيضاً : جيب الجبّة والقميص ونحوهما ويقال بالفارسيّة گریبان جامه ويشبه أن يكون معربه. وقوله : قد يضرط العير والمكواة في النار، مثل يضرب للرجل يخوف الأمر فيجزع قبل وقوعه فيه و أوّل من قال ذلك عرقطة بن عرفجة الهزائي ذكر تفصيله أبو هلال العسكري في الباب الحادي والعشرين من «جمهرة الأمثال» والميداني في الباب الحادي والعشرين من «مجمع الأمثال» فراجع .
قال المسعودي في «مروج الذهب» - ص 4 ج 2 طبع مصر 1346 هـ : وقد كان عمرو بن العاص انحرف عن عثمان لانحرافه وتولية مصر غيره فنزل الشام فلما اتصل به أمر عثمان وما كان من بيعة عليّ كتب إلى معاوية يهزّه ويشير عليه بالمطالبة بدم عثمان وكان فيما كتب به إليه : ما كنت صانعاً إذا قشرت من كلّ شيء تملكه فاصنع ما أنت صانع، فبعث إليه معاوية فسارّ إليه فقال له معاوية : بايعني قال : والله لا أعينك من ديني حتّى أنال من دنياك، قال:
سل، قال : مصر طعمة فأجابه إلى ذلك وكتب له به كتاباً وقال عمرو بن العاص في ذلك :
معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل *** به منك دنیا فانظرن كيف تصنع
فإن تعطني مصراً فأربح صفقة *** أخذت بها شيخاً يضرّ وينفع
روى الطبري أيضاً (ص 560 ج 3) أنّه لما أحيط بعثمان خرج عمرو بن العاص من المدينة متوجهاً نحو الشام ومعه ابناه عبد الله ومحمّد - إلى أن قال في كلام طويل - حتّى قدم على معاوية فوجد أهل الشام يحضّون معاوية على الطلب بدم عثمان فقال عمرو بن العاص : أنتم على الحق اطلبوا بدم الخليفة المظلوم ومعاوية لا يلتفت إلى قول عمرو فقال ابنا عمرو لعمروا: ألا ترى إلى معاوية لا يلتفت إلى قولك؟ انصرف إلى غيره، فدخل عمرو على معاوية فقال : والله لعجب لك إني أرفد ممّا أرفدك وأنت معرض عني أما والله إن قاتلنا معك نطلب
بدم الخليفة إن في النفس من ذلك ما فيها حيث نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته ولكنّا إنّما أردنا هذه الدنيا فصالحه معاوية وعطف عليه. انتهى .
أقول : لا يخفى على أولي الدراية والفطانة أن عمرو بن العاص كان بمعزل عن الحقّ والصدق وما كان همّه إلا الدنيا والتقرب إلى أهلها وأنّه كأضرابه ممن سمعت أسامي بعضهم لعبوا بالدين واتخذوا كتاب الله سخريّاً وكانوا أهل الختل والغدر وقاموا إلى حرب وليّ الله الأعظم سيّد الموحّدين عليّ أمير المؤمنين بالعداوة الواغرة في صدورهم والضغائن الكامنة في قلوبهم حبّاً للدنيا الدنيّة وبغضاً لأهل الله وهذا هو عمرو بن العاص قال مرّة لعثمان : فإنّك قد ركبت نهابير وركبناها معك وقال تارة لشيعة عثمان : أنتم على الحق اطلبوا بدم الخليفة المظلوم، وأخرى أظهر خبث سريرته فقال لمعاوية: نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته (يعني عليّاً علیه السلام) ولكنّا إنّما أردنا هذه الدنيا.
في «الإمامة والسياسة» وغيره من كتب السير: أن عائشة كانت أوّل من طعن على عثمان اطمع النّاس فيه وكانت تقول : اقتلوا نعثلاً فقد فجر (1). وتعني من نعثل عثمان. وقال عبيد بن أمّ كلاب مخاطباً إياها في أبيات له :
وأنت أمرت بقتل الإمام *** وقلت لنا إنّه قد فجر
وتجهّزت عائشة خارجة إلى الحج هاربة واستتبعت أخاها .
في «الجمل» للمفيد رحمة لله : وأمّا تأليب عائشة على عثمان فهي أظهر ممّا وردت به الأخبار من تأليب طلحة والزبير عليه فمن ذلك ما رواه محمّد بن إسحاق صاحب السيرة عن مشائخه عن حكيم بن عبد الله قال: دخلت يوماً بالمدينة إلى المسجد فإذا كفّ مرتفعة وصاحب الكفّ يقول : أيّها النّاس العهد قريب هذان نعلا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وقميصه وكأنّي أرى ذلك القميص يلوح وأن فيكم فرعون هذه الأمّة فإذا هي عائشة، وعثمان يقول لها : اسكتي ثمّ يقول للناس : أنها امرأة وعقلها عقل النساء فلا تصغوا إلى قولها.
قال: وروى الحسن بن سعد قال : رفعت عائشة ورقة من المصحف بين عودتين من وراء حجلها وعثمان قائم ثمُّ قالت: يا عثمان قم ما في هذا الكتاب، فقال : لتنتهينّ عمّا أنت عليه أو لأدخلن عليك حمر النّار، فقالت له عائشة : أما والله لأن فعلت ذلك بنساء النبيّ يلعنك الله ورسوله وهذا قميص رسول الله لم يتغيّر وقد غيّرت سنّته.
1) الإمامة والسياسة : 72/1
قال: وروى اللّيث بن أبي سليمان عن ثابت الأنصاري عن ابن أبي عامر مولى الأنصار قال : كنت في المسجد فمرّ عثمان فنادته عائشة يا غدر يا فجر أحقرت أمانتك وضيعت رعيتك ولولا الصلوات الخمس لمشى إليك الرّجال حتى يذبحوك ذبح الشاة، فقال عثمان : «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10)» [التحريم: 10] .
قال : وروى محمّد بن إسحاق المدائني وحذيفة قال : لما عرفت عائشة أنّ الرّجل مقتول تجهّزت إلى مكّة جاءها مروان بن الحكم وسعيد بن العاص فقالا لها : إنّا لنظن أنّ الرّجل مقتول وأنت قادرة على الدفع عنه وإن تقيمي يدفع الله بك عنه؛ قالت : ما أنا بقاعدة وقد قدمت ركابي وغريت غرائري وأوجبت الحج على نفسي، فخرج من عندها مروان يقول : زخرف قيس على البلاد حتّى إذا اضطربت فسمعت عائشة فقالت : أيّها المتمثل هلمّ قد سمعت ما تقول أتراني في شك من صاحبك والله لوددت أنّه في غرارة من غرائري حتّى إذا مررت بالبحر قذفته فيه . فقال مروان: قد والله تبنّيت قد والله تبنّيت .
قال: قال فسارت عائشة فاستقبلها ابن عبّاس بمنزل يقال له الصلعاء وابن عبّاس يريد المدينة فقالت: يا ابن عبّاس إنّك قد أوتيت عقلاً وبياناً وإيّاك أن تردّ النّاس عن قتل الطاغية(1).
وسيأتي طائفة من الأخبار في أقوالها له وما فعلت بعد ذلك .
لما حصر النّاس عثمان في داره منعوه الماء فأشرف على النّاس وقال: ألا أحد يسقينا؟ قال المسعودي: فبلغ عليّاً طلبه للماء فبعث إليه بثلاث قرب ماء فما وصل إليه ذلك حتّى خرج جماعة من موالي بني هاشم وبني أميّة وارتفع الصوت وكثر الضجيج وأحدقوا بداره بالسلاح وطالبوه بمروان فأبى أن يخلي عنه وفي النّاس بنو زهرة لأجل عبد الله بن مسعود لأنّه كان من أحلافها وهذيل لأنّه كان منها وبنو مخزوم وأحلافها لعمار، وغفار وأحلافها لأجل أبي ذر وتيم بن مرّة مع محمّد بن أبي بكر وغير هؤلاء من خلق كثير.
قال الطبري: كان الحصر أربعين ليلة والنزول سبعين فلمّا مضت من الأربعين ثمان عشرة قدم ركبان من الوجوه فأخبروا خبر من تهيأ إليهم من الآفاق: حبيب من الشام ومعاوية من مصر والقعقاع من الكوفة ومجاشع من البصرة فعندها حالوا بين النّاس وبين عثمان
1) الجمل للشيخ المفيد : 77 ط . قم الداوري.
ومنعوه كلّ شيء حتّى الماء وقد كان يدخل عليّ علیه السلام بالشيء ممّا يريد وطلبوا العلل فلم تطلع علیهم علّة فعثروا في داره بالحجارة ليرموا فيقولوا قوتلنا وذلك ليلاً .
فناداهم عثمان: ألا تتقون الله ألا تعلمون أنّ في الدار غيري؟ قالوا : لا والله ما رميناك قال: فمن رمانا؟ قالوا: الله؛ قال كذبتم إنّ الله عزّ وجلّ لو رمانا لم يخطئنا وأنتم تخطئوننا، وأشرف عثمان على آل حزم وهم جيرانه فسرح ابناً لعمرو إلى عليّ بأنّهم قد منعونا الماء فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا شيئاً من الماء فافعلوا وإلى طلحة والزبير وإلى عائشة وأزواج النبي؛ فكان أوّلهم إنجاداً له علي وأمّ حبيبة جاء عليّ علیه السلام في الغلس فقال : يا أيّها النّاس إنّ الذي تصنعون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين لا تقطعوا عن هذا الرّجل المادّة فإن الرّوم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي(1).
قال الدينوري في «الإمامة والسياسة» والمسعودي والطبري: بعث عثمان إلى عليّ علیه السلام يخبره أنّه منع من الماء ويستغيث به فبعث إليه عليّ علیه السلام ثلاث قرب مملوءة ماء فما كادت تصل إليه فقال طلحة: ما أنت وهذا؟ وكان بينهما في ذلك كلام شديد فبينا كذلك إذا أتاهم آت فقال لهم : إنّ معاوية قد بعث من الشام يزيد بن أسيد ممدّاً لعثمان في أربعة آلاف من خيل الشام فاصنعوا ما أنتم صانعون وإلا فانصرفوا.
قال المسعودي : فلمّا بلغ عليّاً أنّهم يريدون قتله بعث بابنيه الحسن والحسين ومواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته وأمرهم أن يمنعوه منهم وبعث الزبير ابنه عبد الله على كره وبعث طلحة ابنه محمّداً كذا وأكثر أبناء الصحابة أرسلهم آباؤهم اقتداءً فصدوهم عن الدار فاشتبك القوم وجرح الحسن وشج قنبر وجرح محمّد بن طلحة فخشى القوم أن يتعصب بنو هاشم وبنو أميّة فتركوا القوم في القتال على الباب ومضى نفر منهم إلى دار قوم من الأنصار فتسوروا عليها وكان ممّن وصل إليه محمّد بن أبي بكر ورجلان آخران وعند عثمان زوجته نائلة وأهله ومواليه مشاغيل بالقتال فصرعه محمّد وقعد على صدره وأخذ بلحيته وقال : يا تعثل ما أغنى عنك معاوية وما أغنى عنك ابن عامر وابن أبي سرح .
فقال له عثمان: يا ابن أخي دع عنك لحيتي فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه فقال محمّد : لو رأك أبي تعمل هذه الأعمال أنكرها عليك وما أريد بك أشد من قبضي على لحيتك وخرج عنه إلى الدار وتركه، فدعا عثمان بوضوء فتوضأ وأخذ مصحفاً فوضعه في حجره ليحترم به ودخل الرجلان فوجداه فقتلاه يقال لأحدهما الموت الأسود خنق عثمان ثمّ خفقه ثمّ خرج فقال والله ما رأيت شيئاً قط ألين من حلقه والله لقد خنقته حتّى رأيت نفسه تتردّد في جسده كنفس الجان.
1) تاريخ الطبري: 417/3
قال الطبري : فدخل عليه كنانة بن بشر التجيبي فأشعره مشقصاً فانتضح الدم على هذه الآية «فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)» [البقرة: 137] .
قال الدّينوري: لمّا أخذ مصحفاً فوضعه في حجره ليحترم به دخل عليه رجل من أهل الكوفة بمشقص في يده فوجاً به منكبه ممّا يلي الترقوة فأدماه ونضح الدّم على ذلك المصحف وجاء آخر فضربه برجله وجاء آخر فوجأه بقائم سيفه فغشي عليه ومحمّد بن أبي بكر وقد أفاق فقال له : أي نعثل غيّرت وبدّلت وفعلت ثم دخل رجل من أهل مصر فأخذ بلحيته فنتف منها خصلة وسلّ سيفه وقال : افرجوا لي فعلاه بالسيف فتلقاه عثمان بيده فقطعها ثمّ دخل رجل آخر وهو كنانة كنانة بن بشر ابن عتاب التجيبي ومعه جرز آخر من حديد فمشى إليه فقال : على أي ملّة أنت يا نعثل؟ فقال : لست بنعثل ولكني عثمان بن عفان وأنا على ملّة إبراهيم حنيفاً وما من المشركين ؛ قال: كذبت وضربه بالجرز على صدغه الأيسر فغسله الدّم وخرّ على وجهه وقد قيل : أن عمرو بن الحمق طعنه بسهام تسع طعنات وكان فيمن مال عليه عمير بن ضابىء البرجمي التميمي وخضخض بسيفه بطنه .
وقال الطبريّ : رفع كنانة مشاقص كانت في يده فوجاً بها في أصل أذن عثمان فمضت حتّى دخلت في حلقه ثمّ علاه بالسيف حتى قتله، وروى رواية أخرى أن كنانة ضرب جبينه ومقدم رأسه بعمود حديد فخرّ لجبينه فضربه سودان بن حمران المرادي بعدما خرّ لجبينه فقتله.
فصرخت امرأته وقالت: قد قتل أمير المؤمنين فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما من بني أمية فوجدوه قد فاضت نفسه؛ قال المسعودي: فبلغ ذلك عليّاً وطلحة والزبير وسعداً وغيرهم من المهاجرين والأنصار فاسترجع القوم ودخل عليّ علیه السلام الدار وهو كالواله الحزين فقال لابنيه : كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ولطم الحسن وضرب الحسين وشتم محمّد بن طلحة ولعن عبد الله بن الزبير.
وقال عليّ علیه السلام لزوجته نائلة بنت الفرافصة: من قتله وأنت كنت معه؟ فقالت دخل إليه رجلان وقصت خبر محمّد بن أبي بكر فلم ينكر ما قالت وقال : والله لقد دخلت عليه وأنا أريد قتله فلما خاطبني بما قال خرجت ولا أعلم بتخلّف الرّجلين عنّي، والله ما كان لي في قتله سبب ولقد قتل وأنا لا أعلم بقتله، وكان مدّة ما حوصر عثمان في داره تسعاً وأربعين يوماً وقيل أكثر من ذلك(1).
1) تاريخ الطبري : 423/3 ، والغدير : 238/9
قال أبو جعفر الطبري في التاريخ: لبث عثمان بعد ما قتل ثلاثة أيام لا يستطيعون دفنه ولم يشهد جنازته إلا مروان وثلاثة من مواليه وابنته الخامسة فناحت ابنته وأخذ النّاس الحجارة وقالوا: نعثل نعثل وكادت ترجم. وقال ابن قتيبة: احتملوه على باب وانطلقوا مسرعين ويسمع وقع رأسه على اللّوح وأن رأسه ليقول : طه طه.
فلما وضع ليصلى عليه جاء نفر من الأنصار يمنعونهم الصلاة عليه ومنعوهم أن يدفن بالبقيع فقال بعض من حمل جنازته : ادفنوه فقد صلى الله عليه وملائكته فقالوا : لا والله لا يدفن في مقابر المسلمين أبداً فدفنوه في حائط يقال له : حش كوكب كانت اليهود تدفن فيه موتاهم فلما ظهر معاوية بن أبي سفيان على النّاس أمر بهدم ذلك الحائط حتّى أفضى به إلى البقيع فأمر النّاس أن يدفنوا موتاهم حول قبره حتّى اتصل بمقابر المسلمين، ولم يغسل عثمان وكفن في ثيابه ودمائه ودفنوه ليلاً لأنهم لا يقدرون أن يخرجوا به نهاراً .
وقال في نقل آخر : إن نائلة تبعتهم بسراج استسرجته بالبقيع وصلّى عليه جبير بن مطعم، وفي نقل آخر صلّى عليه مروان وأرادت نائلة أن تتكلم فزبرها القوم وقالوا : إنا نخاف عليه من هؤلاء الغوغاء أن ينبشوه، فرجعت نائلة إلى منزلها(1).
وقال ابن قتيبة في «الإمامة والسياسة» ثمّ دلوه في حفرته فدفنوه ولم يلحدوه بلبن، وحثوا عليه التراب حثوا(2).
في تاريخ أبي جعفر الطبري أن حكيم بن حزام القرشي وجبير بن مطعم كلّما عليّاً في دفنه وطلبا إليه أن يأذن لأهله في ذلك ففعل وأذن لهم عليّ علیه السلام فلما فلما سمع بذلك قعدوا له في الطريق بالحجارة وخرج به ناس من أهله وهم يريدون به حائطاً بالمدينة يقال له : حش كوكب كانت اليهود تدفن فيه موتاهم فلما خرج على النّاس رجموا سريره وهموا بطرحه فبلغ ذلك عليّاً فأرسل إليهم يعزم عليهم ليكفن عنه ففعلوا فانطلق حتّى دفن في حش كوكب . وفي نقل آخر منه : وجاء ناس من الأنصار ليمنعوا من الصلاة عليه فأرسل عليّ علیه السلام فمنع من رجم سريره وكف الذين راموا منع الصلاة عليه .
وكان الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخا عثمان لأمّه فسمع اللّيلة الثانية من مقتل عثمان يندبه وهو يقول :
بني هاشم إيه فما كان بيننا *** وسيف ابن أروى عندكم وحرائبه
بني هاشم ردّوا سلاح ابن أختكم *** ولا تنهبوه ما تحلّ مناهبه
غدرتم به کیما تكونوا مکانه *** كما غدرت يوماً بکسری مرازبه
وهي أبيات، فأجابه عن هذا الشعر وفيما رمى به بني هاشم ونسب إليهم الفضل بن العباس بن أبي لهب فقال :
فلا تسألونا سيفكم إنّ سيفكم *** أضيع وألقاه لدى الروع صاحبه
سلوا أهل مصر عن سلاح ابن اختنا *** فهم سلبوه سيفه وحراثيه
وكان ولي العهد بعد محمد *** علي وفي كل المواطن صاحبه
عليّ وليّ الله أظهر دينه *** وأنت مع الأشقين فيما تحاربه
وأنت امرؤ من أهل صيفور مارح *** فمالك فينا من حميم تعاتبه
وقد أنزل الرّحمن أنّك فاسق *** فمالك في الإسلام سهم تطالبه
قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط المذكور أيضاً يحرض أخاه عمارة بن عقبة:
ألا إن خير النّاس بعد ثلاثة *** قتيل التجيبي الذي جاء من مصر
فإن يك ظني بابن أمي صادقاً *** عمارة لا يطلب بذحل ولا وتر
يبيت وأوتار ابن عفان عنده *** مخيّمه بين الخورنق والقصر
فأجابه الفضل بن عباس أيضاً :
أتطلب ثاراً لست منه ولا له *** وأين ابن ذكوان الصفوريّ من عمرو
كما اتصلت بنت الحمار بأمها *** وتنسى أباها إذ تسامي أُولى الفخر
ألا إنّ خير النّاس بعد محمّد *** وصيّ النبيّ المصطفى عند ذى الذكر
وأوّل من صلّى وصن نبيّه *** وأوّل من أردى الغواة لدى بدر
فلو رأت الأنصار ظلم ابن عمّكم *** لكانوا له من ظلمه حاضري النصر
كفى ذاك عيبا أن يشيروا بقتله *** وأن يسلموه للأحابيش من مصر
قد مضت طائفة من الأقوال في حصر عثمان وهتف النّاس باسم أمير المؤمنين عليّ علیه السلام للخلافة وقوله علیه السلام : ما زلت أذبّ عن عثمان حتّى أني لأستحي غيرها في المختار 238 من كلامه علیه السلام في باب الخطب فراجع.
أقول : ولو لم يكن كلّما نقلنا من أحداث عثمان أو بعضه ممّا يوجب خلعه والبراءة منه لوجب أن يكون الصّحابة ينكر على من قصدوه من البلاد متظلّماً ممّا فعلوه وقدموا عليه، وقد علمنا أن بالمدينة المهاجرين والأنصار وكبار الصحابة لم ينكروا ذلك وصدقوا عليه ما نسب إليه من الأحداث ولم يقبلوا من جعله عذراً بل أسلموه ولم يدفعوا عنه بل أعانوا قاتليه ولم يمنعوا قتله وحصره ومنع الماء منه مع أنّهم متمكنون من خلاف ذلك وذلك أقوى الدليل على ما قلناه.
وقد تكلف القاضي عبد الجبّار في الجواب عن بعض هذه الأُمور على أن إمامه قتل مظلوماً بما لا يخفى وهنها عن من كان له أدنى بصيرة في سيرة عثمان وأحداثه المخالفة السيرة الرسول وحكم القرآن، ولكنّا نذكر ما قال ثمّ نتبعه باعتراض علم الهدى له زيادةً للبصيرة. قال القاضي : فأمّا قولهم إنّه كتب إلى ابن أبي سرح حيث ولى محمّد بن أبي بكر بأن يقتله ويقتل أصحابه فقد أنكر أشدّ التنكير حتى حلف عليه وبين أن الكتاب الذي ظهر ليس كتابه ولا الغلام غلامه ولا الراحلة راحلته وكان في جملة من خاطبه في ذلك أمير المؤمنين علیه السلام فقبل عذره وذلك بين لأنّ قول كلّ أحد مقبول في مثل ذلك وقد علم أنّ الكتاب قد يجوز فيه التزوير فهو بمنزلة الخبر الذي يجوز فيه الكذب.
ثمّ اعتذر عن قول من يقول قد علم أن مروان هو الذي زوّر الكتاب لأنّه الذي كان يكتب عنه فهلا أقام الواجب فيه؟ بأن قال : ليس يجب بهذا القدر أن يقطع على أنّ مروان هو الذي فعل ذلك لأنّه وإن غلب ذلك في الظن فلا يجوز أن يحكم به وقد كان القوم يسومونه تسليم مروان إليهم وذلك ظلم لأنّ الواجب على الإمام أن يقيم الحدّ على من يستحقه أو التأديب ولا يحلّ له تسليمه من غيره فقد كان الواجب أن يثبتوا عنده ما يوجب في مروان الحدّ ليفعله به وكان إذا لم يفعل والحال هذه يستحق التعنيف .
ثمّ ذكر أنّ الفقهاء ذكروا في كتبهم أن الأمر بالقتل لا يوجب قوداً ولادية ولا حدّاً فلو ثبت في مروان ما ذكروه لم يستحقّ القتل وإن استحقّ التعزير لكنّه عدل على تعزيره لأنّه لم يثبت قال : وقد يجوز أن يكون عثمان ظنّ أن هذا الفعل فعل بعض من يعادي مروان تقبيحاً لأمره لأن ذلك يجوز كما يجوز أن يكون من فعله ولا يعلم كيف كان اجتهاده وظنه وبعد فإن هذا الحديث من أجل ما نقموا عليه فإن كان شيء من ذلك يوجب خلع عثمان وقتله فليس إلّا ذلك وقد علمنا أن هذا الأمر لو ثبت ما كان يوجب القتل لأن الأمر بالقتل لا يوجب القتل لا سيما قبل وقوع القتل المأمور به.
قال : فيقال لهم لو ثبت ذلك على عثمان أكان يجب قتله؟ فلا يمكنهم إدعاء ذلك لأنّه بخلاف الدين ولا بدّ أن يقولوا : إن قتله ظلم فكذلك في حبسه في الدار ومنعه من الماء فقد کان يجب أن يدفع القوم عن كل ذلك وأن يقال إن من لم يدفعهم وينكر عليهم يكون مخطئاً وفي ذلك تخطئة أصحاب الرسول .
ثمّ ذكر أن مستحق القتل والخلع لا يحل أن يمنع الطعام والشراب وأن أمير المؤمنين عليّاً علیه السلام لم يمنع أهل الشام من الماء في صفين وقد تمكن من منعهم وأطنب في ذلك إلى أن قال : وكلّ ذلك يدلّ على كونه مظلوماً وأن ذلك كان من صنيع الجهّال وأعيان الصحابة كارهون لذلك . ثمّ ذكر أن قتله لو وجب لم يجز أن يتولّاه العوام من الناس وأنّ الذين أقدموا على قتله كانوا بهذه الصفة وإذا صحّ أن قتله لم يكن لهم فمنعهم والنكير عليهم واجب.
ثمّ ذكر أنّه لم يكن منه ما يستحق القتل من ردّة أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس وأنه لو كان منعه ما يوجب القتل لكان الواجب أن يتولاه الإمام فقتله على كلّ حال منكر وإنكار المنكر واجب؛ قال: وليس أحد أن يقول إنه أباح قتل نفسه من حيث امتنع من دفع الظلم عنهم لأنه لم يمتنع من ذلك بل أنصفهم ونظر في حالهم ولأنّه لو لم يفعل ذلك لم يحلّ لهم قتله لأنه إنّما يحلّ قتل الظالم إذا كان على وجه الدفع .
قال: والمروي أنّهم أحرقوا بابه وهجموا عليه في منزله وبعجوه بالسيف والمشاقص فضربوا يد زوجته لما وقعت عليه وانتهبوا متاع داره ومثل هذه القتلة لا يحلّ في الكافر والمرتد فكيف يظن أنّ الصحابة لم ينكر ذلك ولم يعدّه ظلماً حتّى يقال أنّه مستحق من حيث لم يدفع القوم عنه ثمّ قص شيئاً من قصته في تجمع القوم عليه وتوسط أمير المؤمنين علیه السلام لأمرهم وأنه بذل لهم ما أرادوه وأعتبهم وأشهد على نفسه بذلك حرفه ولم يأت به على وجهه وذكر قصة الكتاب الذي وجدوه بعد ذلك المتضمن لقتل القوم وذكر أنّ أمير المؤمنين علیه السلام واقفه على الكتاب فحلف أنه ما كتبه ولا أمر به فقال له : فمن تتّهم؟ قال : ما أنّهم أحداً وأن للنّاس لحيلاً وذكر أنّ الرواية ظاهرة بقوله إن كنت أخطأت أو تعمّدت فإني تائب مستغفر قال: فكيف يجوز والحال هذه أن تهتك فيه حرمة الإسلام وحرمة البلد الحرام .
قال : ولا شبهة أنّ القتل على وجه الغيلة حرام لا يحلّ فيمن يستحق القتل فكيف فيمن لا يستحقه ولولا أن كان يمنع من محاربة القوم ظناً منه بأن ذلك يؤدي إلى القتل الذريع لكثرة نصّاره وحكى أنّ الأنصار بذلت معونته ونصرته ؛ وأنّ أمير المؤمنين علیه السلام بعث إليه الحسن علیه السلام فقال له : قل لأبيك فليأتني وأراد أمير المؤمنين علیه السلام المصير إليه فمنعه من ذلك ابنه محمّد واستغاث بالنساء عليه حتى جاء الصريخ بقتل عثمان فمدّ يده إلى القبلة وقال : اللهمّ إنّي أبرأ إليك من دم عثمان.
ثمّ قال : فإن قالوا إنّهم اعتقدوا أنه من المفسدين في الأرض وأنه داخل تحت آية المحاربين، قيل لهم فقد كان يجب أن يتولى الإمام هذا الفعل لأن ذلك يجري مجرى الحدّ؛ قال : وكيف يدعي ذلك والمشهور أنّه كان يمنع من مقاتلتهم حتّى روى أنّه قال العبيده ومواليه وقد همّوا بالقتال: من أغمد سيفه فهو حرّ وقد كان مؤثراً للنكير لذلك الأمر إلا أنّه بما لا يؤدي إلى إراقة الدّماء والفتنة فلذلك لم يستعن بأصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وإن كان لما اشتد الأمر أعانه من أعانه لأن عند ذلك تجب النّصرة والمعونة لا بأمره فحيث وقفت النصرة على أمره امتنعوا وتوقفوا، وحيث اشتدّ الأمر كانت إعانته ممّن أدركه دون من لم يقدر ويغلب في ذلك ظنه(1).
قال علم الهدى في «الشافعي» بعدما نقل قول القاضي من «المغني» : أمّا قوله «إنّه أنكر الكتاب المتضمن لقتل محمّد بن أبي بكر وأصحابه وحلف أنّ الكتاب ليس كتابه ولا الغلام غلامه ولا الراحلة راحلته وأن أمير المؤمنين علیه السلام قبل عذره» فأوّل ما فيه أنّه حكى القصة بخلاف ما جرت عليه لأنّ جميع من روى هذه القصة ذكر أنّه اعترف بالخاتم والغلام والراحلة وإنّما أنكر أن يكون أمر بالكتاب لأنّه روى أنّ القوم لما ظفروا بالكتاب قدموا المدينة فجمعوا أمير المؤمنين علیه السلام وطلحة والزبير وسعداً وجماعة الأصحاب ثمّ فكّوا الكتاب بمحضر منهم وأخبروهم بقصة الغلام فدخلوا على عثمان والكتاب مع أمير المؤمنين علیه السلام فقال له : أهذا الغلام غلامك؟ قال : نعم؛ قال : والبعير بعيرك؟ قال : نعم قال : أفأنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: لا وحلف بالله أنّه ما كتب الكتاب ولا أمر به، فقال له: فالخاتم خاتمك؟ فقال : نعم؛ قال : كيف يخرج غلامك ببعيرك بكتاب عليه خاتمك ولا تعلم به؟
وفي رواية أخرى أنّه لما واقفه قال له عثمان أمّا الخط فخط كاتبي وأما الخاتم فعلى خاتمي، قال : فمن تتّهم؟ قال: أتّهمك وأنّهم كاتبي؛ فخرج أمير المؤمنين علیه السلام مغضباً وهو يقول : بل هو أمرك، ولزم داره وقعد عن توسط أمره حتى جرى ما جرى في أمره واعجب الأمور قوله لأمير المؤمنين علیه السلام إنّي أتهمك وتظاهره بذلك وتلقيه إياه في وجهه بهذا القول مع بعد أمير المؤمنين علیه السلام عن التّهمة والظنّة في كلّ شيء ثمّ في أمره خاصة فإنّ القوم في الدفعة الأولى أرادوا أن يعجلوا له ما أخروه حتى قام أمير المؤمنين علیه السلام بأمره وتوسطه وأصلحه وأشار إليه بأن يقاربهم ويعتبهم حتى انصرفوا عنه، وهذا فعل النصيح المشفق
1) شرح نهج البلاغة : 16/3
الحدب المتحنن ولو كان علیه السلام وحوشى من ذلك متهماً عليه لما كان للتهمة مجال عليه في أمر الكتاب خاصّة لأنّ الكتاب بخطّ عدوّ الله وعدوّ رسوله وعدوّ أمير المؤمنين علیه السلام مروان وفي يد غلام عثمان ومختوم بخاتمه ومحمول على بعيره فأي ظنّ تعلق بأمير المؤمنين علیه السلام فی هذا المكان لولا العداوة وقلة الشكر للنعمة .
ولقد قال له المصريون لما جحد أن يكون الكتاب كتابه شيئاً لا زيادة عليه في باب الحجّة لأنّهم قالوا : إذا كنت ما كتبته ولا أمرت به فأنت ضعيف من حيث تم عليك أن يكتب كاتبك بما يختمه بخاتمك وينفذه بيد غلامك على بعيرك بغير أمرك ومن تمّ عليه مثل ذلك لا يصلح أن يكون والياً على أُمور المسلمين فاختلع عن الخلافة على كلّ حال وقد كان وقد كان يجب على صاحب الكتاب أن يستحيي من قوله : إنّ أمير المؤمنين علیه السلام قبل عذره وكيف يقبل عذر من يتّهمه ويشنعه وهو له ناصح وما قاله أمير المؤمنين بعد سماع هذا القول منه معروف.
وقوله : إنّ الكتاب يجوز فيه التزوير ليس بشيء لأنّه لا يجوز التزوير في الكتاب والغلام والبعير وهذه الأمور إذا انضاف بعضها إلى بعض بعد فيها التزوير وقد كان يجب على كلّ حال أن يبحث عن القصّة وعمّن زوّر الكتاب وأنفذ الرسول ولا ينام على ذلك ولا يقيم حتّى يعرف من أين دهى وكيف تمت الحيلة عليه فيحترز من مثلها ولا يغضى عن ذلک إغضاء خائف له ساتر عليه مشفق من يحثه وكشفه.
فأمّا قوله : «أنّه وإن غلب في الظن أن مروان كتب الكتاب فإنّ الحكم بالظن لا يجوز وتسليمه إلى القوم على ما ساموه إيّاء ظلم لأنّ الحدّ والتأديب إذا وجب عليه فالإمام يقيمه دونهم» فتعلل منه بالباطل لأنّا لا نعمل إلّا على قول في أنّه لم يعلم أنّ مروان هو الذي كتب الكتاب وإنّما غلب في ظنّه أما كان يستحقّ بهذا الظنّ بعض التعنيف والزجر والتهديد أو ما كان يجب مع وقوع التهمة وقوة الأمارات في أنّه جالب للفتنة وسبب الفرقة أن يبعده عنه ويطرده عن داره ويسلبه نعمته وما كان يخصّه به من إكرامه وما في هذه الأمور أظهر من أن
ينبّه عليه .
فأمّا قوله : «إنّ الأمر بالقتل لا يوجب قوداً ولا دية لا سيما قبل وقوع القتل المأمور به» فهب أن ذلك على ما قال أما يوجب على الآمر بالقتل تأديباً ولا تعزيراً ولا طرداً ولا إبعاداً ؛ وقوله : لم يثبت ذلك، فقد مضى ما فيه وبيّنا أنّه لم يستعمل فيه ما يجب استعماله من البحث والكشف وتهديد المتهم وطرده وإبعاده والتبرء من التهمة بما يتبرأ به من مثلها.
فأمّا قوله : «إنّ قتله ظلم وكذلك حبسه في الدار ومنعه من الماء وإن استحقّ القتل أو الخلع لا يحلّ أن يمنع الطعام والشراب واطنابه في ذلك، وقوله إنّ من لم يدفع عن ذلك من الصحابة يجب أن يكون مخطئاً، وقوله إن قتله أيضاً لو وجب لم يجز أن يتولاه العوام من
النّاس» فباطل لأنّ الذين قتلوه لا ينكر أن يكونوا ما تعمدوا قتله وإنّما طالبوه بأن يخلع نفسه لما ظهر من أحداثه ويعتزل الأمر اعتزالاً يتمكنون معه من إقامة غيره فلج وصمم على الامتناع وأقام على أمر واحد فقصد القوم بحصره إلى أن يلجئوه إلى خلع نفسه فاعتصم بداره واجتمع إليه نفر من أوباش بني أميّة يدفعون عنه ثمّ يرمون من دنى من الدار فانتهى الأمر إلى القتال بتدريج ثمّ إلى القتل ولم يكن القتال ولا القتل مقصوداً في الأصل وإنّما أفضى الأمر إليهما بتدريج وترتيب وجرى ذلك مجرى ظالم غلب إنساناً على رحله ومتاعه فالواجب على المغلوب أن يمانعه ويدافعه ليخلص ماله من يده ولا يقصد إلى إتلافه ولا قتله فإن أفضى الأمر إلى ذلك بلا قصد كان معذوراً وإنما خاف القوم في التأني به والصبر عليه إلى أن يخلع نفسه من كتبه التي طارت في الآفاق يستنصر عليهم ويستقدم الجيوش إليه ولم يأمنوا أن يرد بعض من يدفع عنه فيؤدي ذلك إلى الفتنة الكبرى والبلية العظمى.
وأمّا منع الماء والطعام فما فعل ذلك إلّا تضيّقاً عليه ليخرج ويحوج إلى الخلع الواجب عليه وقد يستعمل في الشريعة مثل ذلك فيمن لجأ إلى الحرم من ذوي الجنايات فتعذر إقامة الحدّ عليه لمكان الحرم، على أنّ أمير المؤمنين علیه السلام قد أنكر منع الماء والطعام وأنفذ من مكن من حمل ذلك لأنه قد كان في الدّار من النساء والحرم والصبيان من لا يحلّ منعه الطعام والشراب ولو كان حكم المطالبة بالخلع والتجمع عليه والتظاهر فيه حكم منع الطعام والشراب في القبح والمنكر لأنكره أمير المؤمنين علیه السلام ومنع منه كما منع من غيره فقد روى عنه علیه السلام أنّه لما بلغه أنّ القوم قد منعوا من في الدار من الماء قال علیه السلام لا أرى ذلك في الدّار صبيان وعيال لا أرى أن يقتل هؤلاء عطشاً عثمان فصرّح بالمعنى الذي ذكرناه ومعلوم أنّ أمير المؤمنين علیه السلام ما أنكر المطالبة بالخلع بل كان مساعداً على ذلك مشاوراً فيه.
فأمّا قوله «إنّ قتل الظالم إنّما يحلّ على سبيل الدفع» فقد بيّنا أنّه لا ننكر أن يكون قتله على هذا الوجه لأنّ في تمسكه بالولاية عليهم وهو لا يستحقها في حكم الظالم لهم فمدافعته واجبة.
فأمّا من قصة من قصة الكتاب الموجودة فقد حرّفها لأنا قد ذكرنا شرحها الذي وردت به الرواية وهو بخلاف ما ذكروه.
وأمّا قوله : «إنّه قال: إن كنت أخطأت أو تعمدت فإنّي تائب إلى الله أستغفر فقد أجابه القوم عن هذا فقالوا: هكذا قلت في المرّة الأولى وخطبت على المنبر بالتوبة والإستغفار ثمّ وجدنا كتابك بما يقتضي الإصرار على أقبح ما عتبنا منه فكيف نثق بتوبتك واستغفارك.
فأمّا قوله «إنّ القتل على وجه الغيلة لا تحلّ فيمن يستحق القتل فكيف فيمن لا يستحقه» فقد بيّنا أنّه لم يكن على سبيل الغيلة وأنّه لا يمتنع أن يكون إنّما وقع على سبيل المدافعة.
فأمّا ادّعائه أنّه منع من نصرته واقسم على عبيده في ترك القتال فقد كان ذلك لعمري في ابتداء الأمر طلباً للسّلامة وظنّا منه بأنّ الأمر يصلح والقوم يرجعون عما هم عليه وما همّوا به؛ فلمّا اشتدّ الأمر ووقع اليأس من الرجوع والنزوع لم يمنع أحداً من نصرته والمحاربة عنه وكيف يمنع من ذلك وقد بعث إلى أمير المؤمنين علیه السلام يستنصره ويستصرخه والذي يدلّ على ذلك أنّه لم يمنع في الابتداء من محاربتهم إلا للوجه الذي ذكرناه دون غيره أنّه لا خلاف بين أهل الرواية في أن كتبه تفرّقت في الآفاق يستنفر ويستدعي الجيوش فكيف يرغب عن نصرة الحاضر من يستدعي نصرة الغائب .
فأمّا قوله : «إنّ أمير المؤمنين علیه السلام أراد أن يأتيه حتّى منعه ابنه محمّد» فقول بعيد مما جاءت به الرّواية جداً لأنّه لا اشكال في أمير المؤمنين علیه السلام لما واجهه عثمان بأنّه يتهمه ويستغشه انصرف مغضبا عاملاً على أنّ لا يأتيه أبداً قائلاً فيه ما يستحقه من من الأقوال.
فأمّا قوله في جواب سؤال من قال إنّهم اعتقدوا فيه أنّه من المفسدين في الأرض وآية المحاربين تتناوله «وقد كان يجب أن يتولّى الإمام ذلك الفعل بنفسه لأنّ ذلك يجرى مجرى الحدّ» فطريف لأنّ الإمام يتولى ما يجرى هذا المجرى إذا كان منصوباً ثابتاً ولم يكن على مذهب أكثر القوم هناك إمام يقوم بالدفع عن الدين والذبّ عن الأمة جاز أن يتولّى ذلك بنفوسها، وما رأيت أعجب ما ادعاه مخالفينا أنّ أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كانوا كارهين لما جرى عليه وأنّهم كانوا يعتقدونه منكراً وظلماً وهذا يجرى عند من تأمله مجرى دفع الضرورة قبل النظر في الأخبار وسماع ما ورد من شرح هذه القصة، لأنّه معلوم أن ما يكرهه جميع الصحابة أو أكثرهم في دار عزّهم وبحيث ينفذ أمرهم ونهيهم لا يجوز أن يتم ومعلوم أن نفراً من أهل مصر لا يجوز أن يتمّ، ومعلوم أن نفراً من أهل مصر لا يجوز جوز أن يقدموا المدينة وأن يغلبوا جميع المسلمين على آرائهم ويفعلوا ما يكرهونه بإمامهم بمرأى منهم ومسمع و هذا معلوم بطلانه بالبداهة والضرورات قبل مجيء الآثار وتصفح الأخبار وتأملها.
وقد روى الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبي جعفر القاري مولى بني مخزوم قال : كان المصريون الذين حصروا عثمان ستمائة عليهم عبد الرحمن بن عديس البلوي وكنانة بن بشير الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي؛ والذين قدموا من الكوفة مائتين عليهم مالك بن الحارث الأشتر النخعي والذين قدموا من البصرة مائة رجل رئيسهم حكيم بن جبلة العبدي وكان أصحاب النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم الذين خذلوه لا يرون أن الأمر يبلغ بهم إلى القتل ولعمري لو قام بعضهم فحثا التراب في وجوه أولئك لانصرفوا وهذه الرّواية تضمنت من عدد القوم الوافدين في هذا الباب أكثر ممّا تضمّنه غيرها(1).
1) شرح نهج البلاغة : 37/3 ، والطبقات الكبرى : 71/3
وروى شعبة بن الحجاج عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن قال : قلت له : كيف لم يمنع أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم عن عثمان؟ قال : إنما قتله أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وروى عن أبي سعيد الخدري أنّه سئل عن مقتل عثمان هل شهده واحد من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم؟ قال : نعم شهده ثمانمائة؛ وكيف يقال : إن القوم كانوا كارهين وهؤلاء المصريون كانوا يغدون إلى كلّ واحد منهم ويروحون ويشاورونه فيما يصنعونه؛ وهذا عبد الرحمن بن عوف وهو عاقد الأمر لعثمان وجالبه إليه ومصيره في يده يقول على ما رواه الواقدي وقد ذكر له عثمان في مرضه الذي مات فيه عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه فبلغ عثمان ذلك فبعث إلى بئر كان يسقي منها نعم عبد الرّحمن فمنع منها ووصى عبد الرحمن أن لا يصلّى عليه عثمان فصلّى عليه الزبير أو سعد بن أبي وقاص وقد كان حلف لما تتابعت أحداثه ألا يكلم عثمان أبداً.
وروى الواقدي قال : لما توفي أبو ذر بالرّبذة تذاكر أمير المؤمنين علیه السلام وعبد الرّحمن فعل عثمان فقال له أمير المؤمنين علیه السلام: هذا عملك فقال له عبد الرحمن فإذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي أنه خالف ما أعطاني.
فأمّا محمّد مسلمة فإنه أرسل إليه عثمان يقول له عند قدوم المصريين في الدفعة الثانية : أردد عنّي فقال: لا والله لا أكذب الله في سنة مرّتين ؛ وإنّما عني بذلك أنّه كان أحد من كلّم المصريين في الدّفعة الأولى وضمن لهم عن عثمان الرضا .
وفي رواية الواقدي أن محمّد بن مسلمة كان يؤتى وعثمان محصور، فيقال له: عثمان مقتول فيقول : هو قتل نفسه فأمّا كلام أمير المؤمنين علیه السلام طلحة والزّبير وعائشة وجميع الصحابة واحداً واحداً فلو تعاطينا ذكره لطال به الشرح ومن أراد أن يقف على أقوالهم مفصّلة وما صرحوا به من خلعه والإجلاب عليه فعليه بكتاب الواقدي فقد ذكر هو وغيره من ذلك ما لا زيادة عليه في هذا الباب(1).
«اعتراض القاضي عبد الجبار في المغني على الطاعنين» «على عثمان بأحداثه»
نقل عنه الشريف المرتضى علم الهدى في «الشافي» أنه قال: ونحن نقدم قبل الجواب عن هذه المطاعن مقدمات تبين بطلانها على الجملة ثمّ نتكلم على تفصيلها، حكى عن ابی عليّ أن ذلك لو كان صحيحاً لوجب من الوقت الذي ظهر ذلك من حاله أن يطلبوا رجلاً
1) شرح نهج البلاغة : 29/3
ينصب للإمامة وأن يكون ظهور ذلك كموته لأنه لا خلاف أنه متى ظهر من الإمام ما يوجب خلعه أنّ الواجب على المسلمين إقامة إمام سواه فلمّا علمنا أن طلبهم لإقامة إمام كان إقامة إمام كان بعد قتله ولم يكن من قبل والتمكن قائم فذلك من أدلّ الدلالة على بطلان ما أضافوه إليه الأحداث.
قال : وليس لأحد أن يقول لم يتمكّنوا من ذلك لأن المتعالم من حالهم وقد حصروه ومنعوه التمكن من ذلك خصوصاً وهم يدّعون أن الجميع كانوا على حول واحد في خلعه والبراءة منه . قال : ومعلوم من حال هذه الأحداث أنها لم تحصل أجمع في الأيام التي حوصر فيها وقتل بل كانت تحصل من قبل حالاً بعد حال فلو كان ذلك بعد حال فلو كان ذلك يوجب الخلع والبراءة لما تأخر من المسلمين الإنكار عليه ولكان كبار الصحابة المقيمين بالمدينة أولى بذلك من الواردين من البلاد لأنّ أهل العلم والفضل بالنكير في ذلك أحقّ من غيرهم. قال: فقد كان يجب على طريقتهم أن تحصل البراءة والخلع من أوّل يوم حدث فيه منه ما حدث ولا ينتظر حصول غيره من الأحداث لأنّه لو وجب انتظار ذلك لم ينته إلى حد إلا وينتظر غيره. ثمّ ذكر أن أمساكهم عن ذلك إذا تيقنوا الأحداث منه يوجب نسبة الخطأ إلى جميعهم والضلال فلا يجوز ذلك. وقال : ولا يمكنهم أن يقولوا إن علمهم بذلك حصل في الوقت الذي منع لانّ في جملة الأحداث التي يذكرونها ما تقدّم هذه الحال بل كلّها أو جلّها تقدم هذا الوقت وإنما يمكنهم أن يتعلقوا فيما حدث في الوقت بما يذكرون من حديث الكتاب النافذ إلى ابن أبي سرح بالقتل وما أوجب كون ذلك حدثا يوجب كون غيره حدثاً فكان يجب أن يفعلوا ذلك من قبل واحتمال المتقدّم للتأويل كاحتمال المتأخر وبعد فليس يخلو من أن يدّعوا أن طلب الخلع وقع من كلّ الأمة أو من بعضهم فإن ادّعوا ذلك في بعض الأمّة فقد علمنا أنّ الإمامة إذا ثبتت بالإجماع لم يجز إبطالها بالخلاف لأنّ الخطأ جائز على بعض الأمة وإن ادّعوا في ذلك الإجماع لم يصحّ لأن من جملة الإجماع عثمان ومن كان ينصره ولا يمكن إخراجه من الإجماع بأنه يقال إنّه كان على باطل لأنّ بالإجماع يتوصّل إلى ذلك ولما يثبت. قال: على أنّ الظاهر من حال الصحابة أنّها كانت بين فريقين أمّا من ينصره فقد روى عن زيد بن ثابت أنّه قال لعثمان ومن معه الأنصار ائذن لنا ننصرك. وروى مثل ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة والمغيرة بن شعبة والباقون يمتنعون انتظار الزوال العارض لا لأنّه لو ضيق عليهم الأمر في الدفع ما فعلوا بل المتعالم من حالهم ذلك.
ثمّ ذكر ما روى من انفاذ أمير المؤمنين الحسن والحسين إليه وأنه لما قتل لامهما على وصول القول إليه ظنّاً منه بأنّهما قصرا وذكر أن أصحاب الحديث يروون عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أنه قال : ستكون فتنة واختلاف وأن عثمان وأصحابه يومئذ على الهدى وما روى عن عائشة من قولها : قتل والله مظلوماً . قال : ولا يمتنع أن يتعلق بأخبار آحاد في ذلك لأنه ليس هناك أمر ظاهر يدفعه نحو دعواهم أن جميع الصحابة كانوا عليه لأن ذلك دعوى منهم وإن كان فيه
رواية فمن الآحاد وإذا تعارضت الروايات سقطت ووجب الرجوع إلى أمر ثابت وهو ما ثبت من أحواله السليمة ووجوب تولّيه.
قال : وليس يجوز أن يعدل عن تعظيمه وصحة إمامته بأمور محتملة فلا شيء مما ذكروه إلاّ ويحتمل الوجه الذي هو صحيح.
ثمّ ذكر أن للإمام أن يجتهد رأيه في الأمور المنوطة به ويعمل فيها على غالب ظنّه وقد يكون مصيباً وإن أفضت إلى عاقبة مذمومة وأكّد ذلك وأطنب فيه .
اعترض عليه في «الشافي» بقوله : فأما ما حكاه عن أبي علي من قوله : «لو كان ما ذكروه من الأحداث قادحاً لوجب من الوقت الذي ظهرت فيه أن يطلبوا رجلاً ينصبونه في الإمامة لأن ظهور الحدث كموته قال فلما رأيناهم طلبوا إماماً بعد قتله دلّ على بطلان ما أضافوه إليه من الأحداث» فليس ذلك بشيء معتمد لأن تلك الأحداث وإن كانت مزيلة عندكم لإمامته وفاسخة لها ومقتضية لأن يعقدوا لغيره الإمامة فإنهم لم يقدموا على نصب غيره مع تشبثه خوفاً من الفتنة والتنازع والتجاذب وأرادوا أن يخلع نفسه حتّى تزول الشبهة وينشط من يصلح للإمامة لقبول العقد والتكفل بالأمر وليس يجري ذلك مجرى موته لأن موته يحسم الطمع في استمرار ولايته ولا يبقى شبهة في خلو الزمان من إمام وليس كذلك حدثه الذي يسوغ فيه التأويل على بعده ويبقى معه الشبهة في استمرار أمره وليس نقول : إنّهم لم يتمكّنوا من ذلك كما سأل نفسه بل
الوجه في عدو لهم ما ذكرناه من إرادتهم لحسم المواد وإزالة الشبهة وقطع أسباب الفتنة.
فأمّا قوله «إنه معلوم من هذه الأحداث أنها لم تحصل أجمع في الأيام التي حصر فيها وقتل بل كانت تقع حالاً بعد حال فلو كانت توجب الخلع والبراءة لما تأخّر من المسلمين الإنكار عليه ولكان المقيمون بالمدينة من الصحابة أولى بذلك من الواردين من البلاد» فلا شك أن الأحداث لم تحصل في وقت واحد إلا أنّه غير منكر أن يكون نكيرهم إنما تأخّر لأنهم تأولوا ما ورد عليهم من أفعاله على أجمل الوجوه حتى زاد الأمر وتفاقم وبعد التأويل وتعذر التخريج لم يبق للظن الجميل طريق فحينئذ أنكروا وهذا مستمر على ما قدمنا ذكره من أن العدالة والطريقة الجميلة تتأول في الفعل والأفعال القليلة بحسب ما تقدم من حسن الظنّ به ثمّ ينتهي الأمر بعد ذلك إلى بعد التأويل والعمل على الظاهر القبيح.
على أن الوجه الصحيح في هذا الباب أن أهل الحقّ كانوا معتقدين لخلعه من أوّل حدث بل معتقدين لأن إمامته لم تثبت وقتاً من الأوقات وإنما منعهم من إظهار ما في نفوسهم ما قدمناه من أسباب الخوف والتقيّة ولأنّ الاغترار بالرّجل كان عامّاً فلما تبيّن أمره حالاً بعد
حال وأعرضت الوجوه عنه وقل العاذلة قويت الكلمة في عزله وهذا إنّما كان في آخر الأمر دون أوّله فليس يقتضي الإمساك إلى الوقت الذي وقع الكلام فيه نسبة الخطأ إلى الجميع على ما ظنّه.
فأمّا دفعه أن يكون الأمة أجمعت على خلعه بإخراجه نفسه وخروج من كان في حيّزه عن القوم فليس بشيء لأنّه إذا ثبت أن من عداه وعدا عبيده والرهط من فجّار أهله وفسّاقهم كمروان ومن جرى مجراه كانوا مجمعين على خلعه فلا شبهة أن الحق في غير حيّزه، لأنه لا يجوز أن يكون هو المصيب وجميع الأمّة مبطل وإنما يدعى أنه على الحق من تنازع في إجماع من عداه، فأما مع تسليم ذلك فليس يبقى شبهة وما نجد مخالفينا يعتبرون في باب الإجماع الشذاذ عنه والنفر القليل الخارجين منه ألا ترى أنهم لا يحلفون بخلاف سعد وولده وأهله في بيعة أبي بكر لقلتهم وكثرة ما بإزائهم، وكذلك لا يعتدون بخلاف من امتنع بخلاف من امتنع من بيعة أمير المؤمنين علیه السلام ويجعلونه شاذاً لا تأثير له فكيف فارقوا هذه الطريقة في خلع عثمان وهل هذا إلا تقلّب وتلوّن.
فأمّا قوله «إنّ الصحابة بين فريقين أما من ينصره كزيد بن ثابت وابن عمر وفلان وفلان والباقون ممتنعون انتظار الزوال العارض ولأنه ما ضيق عليهم الأمر في الدفع عنه» فعجيب لأن الظاهر أن أنصاره هم الذين كانوا معه في الدار يقاتلون عنه ويدفعون الهاجمين عليه فقط، فامّا من كان في منزله ما أغنى عنه فتيلاً لا يعدّ ناصراً وكيف يجوز ممن أراد نصرته وكان معتقداً لصوابه وخطاء الطالبين لخلعه أن يتوقف عن النصرة طلباً لزوال العارض وهل يراد النصرة إلا لدفع العارض وبعد زواله لا حاجة إليها وليس يحتاج في نصرته إلى أن يضيق هو عليهم الأمر فيها بل من كان معتقداً لها لا يحتاج حمله إلى إذنه فيها ولا يحفل بنهيه عنها لأنّ المنكر مما قد تقدّم أمر الله تعالى فيه بالنهي عنه فليس يحتاج في إنكاره إلى أمر غيره .
فأمّا زيد بن ثابت فقد روى ميله إلى عثمان فما نعنى ذلك وبإزائه الأنصار
جميع والمهاجرين ولميله إليه سبب معروف قد روته الرواة فإنّ الواقدي قد روى في كتاب الدار أن مروان بن الحكم لما عثمان الحصر الأخير جاء إلى زيد بن ثابت فاستصحبه إلى عائشة ليكلّمها في هذا الأمر فمضيا إليها وهي عازمة إلى الحجّ فكلّماها في أن تقيم وتذبّ عنه فأقبلت على زيد بن ثابت فقالت: وما منعك يا ابن ثابت ولك الأساويف قد قطعها لك عثمان ولك كذا وكذا وأعطاك من بيت المال زها عشرة ألف دينار؟ قال زيد: فلم أرجع عليها حرفاً واحداً .
قال: وأشارت إلى مروان بالقيام فقام مروان وهو يقول متمثلاً حرق قيس على البلاد حتى إذا اضطرمت أجد ما؛ فنادته عائشة وقد خرج من العتبة: يا ابن الحكم أعليّ تمثل
الأشعار؟ قد والله سمعت ما قلت، أتراني في شك من صاحبك؟ والذي نفسي بيده لوددت أنه الآن في غرارة من غرائري مخيطة عليها فألقيها في البحر الأخضر، قال زيد: فخرجنا من عندها على النّاس .
وروى الواقدي: أنّ زيد بن ثابت ا بن ثابت اجتمع عليه من الأنصار وهو يدعوهم إلى نصر عثمان فوقف عليه جبلة بن عمرو بن حية المازني فقال له جبلة: ما يمنعك يا زيد أن تذبّ عنه أعطاك عشرة ألف دينار وأعطاك حدائق من نخل ما لم ترث من أبيك مثل حديقة منها .
فأمّا ابن عمر فإنّ الواقدي أيضاً روى عن ابن عمر أنّه قال : والله ما كان منا إلا خاذل أو قاتل (1)والأمر في هذا أوضح من أن يخفى .
فأمّا ذكره إنفاذ أمير المؤمنين علیه السلام الحسن والحسين فإنما أنفذهما إن كان أنفذهما ليمنعان من انتهاك حريمه وتعمد قتله ومنع حرمه ونسائه من الطعام والشراب ولم ينفذهما ليمنعا من مطالبته بالخلع كيف وهو مصرح بأنه بأحداثه مستحق للخلع والقوم الذين سعوا في ذلك إليه كانوا يغدون ويروحون إليه ومعلوم منه ضرورة أنّه كان مساعداً على خلعه ونقض أمره لا سيّما في المرّة الأخيرة.
فأما ادّعائه أنّه لعن قتلته فهو يعلم ما في هذا من الرّوايات المختلفة التي هي أظهر من هذه الرواية وإن صحّت فيجوز أن يكون محمولة على لعن من قتله متعمداً لقتله قاصداً إليه فإن ذلك لم يكن لهم.
فأمّا ادّعائه أن طلحة رج رجع لما ناشده عثمان يوم الدار فظاهر البطلان وغير معروف في الرواية والظاهر المعروف أنّه لم يكن على عثمان أشدّ طلحة الدار ولا أغلظ ولو حكينا من كلامه فيه ما قد روى لا فنينا قطعة كبيرة من هذا الكتاب.
وقد روى: أنّ عثمان كان يقول يوم الدار : اللهم اكفني طلحة ويكرر ذلك علماً منه بأنه أشدّ القوم عليه .
وروى أن طلحة كان عليه يوم الدار درع وهو يرامي النّاس ولم ينزع عن القتال حتّى قتل الرجل .
فأمّا ادعائه من الرواية «عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أنه ستكون فتنة وأن عثمان وأصحابه يومئذ على الهدى» فهو يعلم أن هذه الرواية الشاذة لا يكون في مقابلة المعلوم ضرورة من إجماع الأمة على خلعه وخذله وكلام وجوه المهاجرين والأنصار فيه وبإزاء هذه الرواية ما يملأ الطروس
1) شرح النهج : 8/3
عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وغيره ممّا يتضمن ضدّ ما تضمنته ولو كانت هذه الرواية معروفة لكان عثمان أولى الناس بالاحتجاج بها يوم الدّار وقد احتجّ عليهم بكلّ غث وسمين؛ وقبل ذلك لما خوصم وطولب بأن يخلع نفسه ؛ ولاحتجّ عنه بعض أصحابه وأنصاره وفي علمنا بأن شيئاً من ذلك لم يكن دلالة على أنّها مصنوعة.
فأما ما رواه عن عائشة من قولها : «قتل والله مظلوماً» فأقوال عائشة فيه معروفة معلومة وإخراجها قميص رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وهي تقول : هذا قميصه لم يبل وقد بليت سنته وغير ذلك ممّا لا يحصى كثرة .
فأما مدحها وثناؤها عليه فإنما كان عقيب علمها بانتقال الأمر إلى أمير المؤمنين
علیه السلام والسبب فيه معروف وقد وقفت عليه وقويل بين كلامها فيه متقدّماً ومتأخراً .
فأمّا قوله: «لا يمتنع أن يتعلّق بأخبار الآحاد في ذلك لأنها في مقابلة ما يدّعونه ممّا طريقه أيضاً الآحاد فواضح البطلان لأنّ إطباق الصحابة وأهل المدينة إلا من كان في الدّار معه على خلافه وأنهم كانوا بين مجاهد ومقاتل مبارز وبين خاذل متقاعد معلوم ضرورة لكل من سمع سمع الأخبار وكيف يدّعى أنها من جملة الآحاد حتّى يعارض بأخبار شاذّة نادرة وهل هذا إلا مكابرة ظاهرة؟
فأما قوله : «إنا لا نعدل عن ولايته بأُمور محتملة فقد مضى الكلام في هذا المعنى وقلنا أن المحتمل هو ما لا ظاهر له والذي يتجاذبه الأُمور المختلفة فأما ماله ظاهر فلا يسمى محتملاً وإن سماه بهذه التسمية فقد بينا أنّه ممّا يعدل من أجله عن الولاية وفصلنا ذلك تفصيلاً بيناً.
فأمّا قوله «إن للإمام أن يجتهد رأيه في الأمور المنوطة به ويكون مصيباً وإن أفضت إلى عاقبة «مذمومة فأوّل ما فيه أنّه ليس للإمام ولا غيره أن يجتهد في الأحكام ولا يجوز العمل فيها إلّا على النصوص. ثمّ إذا سلمنا الاجتهاد فلا شك أن ههنا أموراً لا يسوغ فيها الاجتهاد حتّى يكون من خبرنا عنه بأنّه اجتهد فيها غير مصدق وتفصيل هذه الجملة يبين عند الكلام ما تعاطاه من الأعذار في أحداثه .
أقول : من نظر في فعل كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار بعثمان أنهم حصروه أربعين ليلة ومنعوه من الماء وخذلوه حتّى قتل وقد كان يمكنهم الدفع عنه على أنّهم أعانوا قاتليه بل شهد قتله ثمانمائة من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وتركوه بعد القتل ثلاثة أيام ولم يدفنوه حتّى قام ثلاثة نفر من بني أمية فأخذوه بالليل سرقة ودفنوه لكيلا يعلم بهم أحد ودفنوه في حش كوكب مقبر يهود يدلّ على عظم أحداثه وكبر معاصيه والحق كما قال محمّد بن
مسلمة برواية الواقدي المتقدمة إن عثمان قتل نفسه على أن خاذليه كانوا خيراً من ناصريه لأن الذين نصره كان أكثرهم فساقاً كمروان بن الحكم وأضرابه وخذله المهاجرون والأنصار، وكفى في المقام إعراض أمير المؤمنين عليّ علیه السلام عن نصرته آخر الأمر مع قدرته على ذلك وقوله علیه السلام الله قتله. على أنه علیه السلام نصحه ونصره غير مرة وما أراد عثمان منه علیه السلام نصحاً وإلاّ لتاب من قوادحه حقيقة ولما خدع النّاس مرة بعد مرة، ومن تتبع كتب السير والتواريخ وسمع مقالات كبار الصحابة وعظماء القوم في عثمان وتوبته ظاهراً من أحداثه دفعة ثمّ نقضه التوبة وفعله ما فعل دفعة أخرى درى أنّ عثمان اتخذ الله لعباً وبيت المال طعماً له ولبنى أميّة وأتباعه وذوي رحمه ممّن سمعت شناعة حالهم وبشاعة أمرهم وأن أجوبة القاضي عبد الجبار وأشياعه الواهية ناشئة من التعصب، وأن أمير المؤمنين عليّاً علیه السلام كان معتزلاً للفتنة بقتل عثمان وأنّه بعد عن منزله في المدينة لأن لا تتطرق عليه الظنون برغبته في البيعة بالأمر على النّاس وأنّ الصحابة لما كان من أمر عثمان ما كان التمسوه وبحثوا عن مكانه حتّى وجدوه فصاروا إليه وسألوه القيام بالأمّة.
ونص أبو جعفر الطبري في التاريخ أنه لما حصر عثمان كان عليّ علیه السلام بخيبر وأن معاوية وأهل البصرة اتهموا عليّاً علیه السلام بدم عثمان اتباعاً لتسويلات شيطانية وأن إسناد دم عثمان إليه علیه السلام تهمة وبهتان ليس إلا وهذه التهمة كفران النعمة وقلّة الشكر لأنّ أمير المؤمنين علیه السلام نصر عثمان من بدو الأمر لما استنصره غير مرة ولقد مضى قوله علیه السلام في الكلام 238 من المختار في باب الخطب : والله لقد دفعت عنه (يعني عن عثمان) حتّى خشيت أن أكون آثماً؛ ولعمري أن أمير المؤمنين علیه السلام أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها ولو قبلها لم يحدث عليه ما حدث فلما رأى علیه السلام أفعاله وأقواله كما سمعت خرج من عنده مغضباً تركه مخذولاً حتّى ذاق ما ذاق .
ثمّ ليعلم أن طلحة والزبير وعائشة فيما صنعوه في أيام عثمان من أوكد أسباب ما تمّ عليه من من الخلع والحصر وسفك الدّم والفساد وذلك ظاهر بيّن لذوي العقول السليمة من آفة التعصب والتقليد وسيتضح أشد إيضاح في شرح الكتب الآتية.
واعلم أنّه ليس غرضنا من ذكر أحداث عثمان وما نقم النّاس منه إبطالاً لإمامته بعد ظهورها منه فإن هذا البحث إنما يختص بمن قال بإمامته قبل أحداثه ورجع عنها عند وقوع احداثه وهم الخوارج ومن وافقهم وأما عندنا معاشر الإماميّة لم يثبت إمامة الرّجل وأشباهه وقتاً من الأوقات لما قدمنا في شرح الخطبة 237 أن الإمامة عندنا رئاسة إلهية والله تعالى أعلم حيث يجعلها وأنّ الإمام يجب أن يكون منصوباً ومنصوصاً الله تعالى ومعصوماً من جميع الذنوب ومنزها من العيوب مطلقاً وأنها عهد الله لا ينال الظالمين فالحريّ بنا أن نعود
إلى الشرح:
قول الرّضي رحمة الله : «ومن كتاب علیه السلام إلى أهل الكوفة عند مسيره إليهم من المدينة إلى البصرة أقول: إنّما كان مسيره علیه السلام إلى البصرة لقتال أصحاب الجمل فيليق أن نذكر ما كان سبب ذلك القتال وعلّة وقوعه في البصرة على الإجمال ليكون القاري على بصيرة. واعلم أن النّاس بعد قتل عثمان أتوا أمير المؤمنين عليّاً علیه السلام منزله فقالوا إنّ هذا الرّجل قد قتل ولا بدّ للنّاس من إمام ولا يصلح لإمامة المسلمين سواك ولا نجد اليوم أحداً أحقّ بهذا الأمر منك لا أقدم سابقة ولا أقرب من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقال علیه السلام : لا حاجة لي في أمركم أنا معكم فيم اخترتم فقد رضيت به فإنّي أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً، فاختاروا فقالوا : والله ما نختار غيرك. فلمّا انصرفوا عنه علیه السلام كلّم بعضهم بعضاً فقالوا : يمضي قتل عثمان في البلاد فيسمعون بقتله ولا يسمعون أنه بويع لأحد بعده فيثور كل رجل منهم في ناحية فلا نأمن أن يكون في ذلك الفساد فلنرجع إلى علي علیه السلام فلا نتركه حتّى يبايع فيطمئنّ النّاس ويسكنون.
فاختلفوا إليه علیه السلام مراراً ثمّ أتوه في آخر ذلك فقالوا له : إنّه لا يصلح النّاس إلا بأمرة وقد طال الأمر فوالله ما نحن بفاعلين حتّى نبايعك فقال علیه السلام : ففي المسجد فإن بيعتي لا تكون خفيّة ولا تكون إلا عن رضا المسلمين، قال عبد الله بن عباس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يشعب عليه وأبى هو إلّا المسجد فلمّا دخل دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه. أقول : ولقد مضى في الخطبة الواحدة والتسعين قوله علیه السلام للنّاس - لما أُريد على البيعة بعد قتل عثمان - : «دعوني والتمسوا غيري» فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول وإنّ الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أُصغ إلى قول القائل وعتب العاتب وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً». ورواه أبو جعفر الطبري في التاريخ أيضاً مسنداً (ص 256 ج 3 طبع مصر 1357 هـ).
قال الشيخ المفيد في «الجمل» : روى أبو إسحاق بن إبراهيم بن محمّد الثقفي عن عثمان بن أبي شيبة عن ادریس عن محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم قال: جاء طلحة والزبير إلى عليّ علیه السلام وهو متعوذ بحيطان المدينة فدخلا عليه وقالا : ابسط يدك نبايعك فإنّ النّاس لا يرضون إلّا بك. فقال لهما: لا حاجة لي في ذلك وأن أكون لكما وزيراً خير من ان اکون لكما أميراً فليبسط قرشي منكما يده أبايعه . فقالا إنّ النّاس لا يؤثرون غيرك ولا يعدلون عنك إلى سواك فابسط يدك نبايعك أوّل النّاس فقال : إنّ بيعتي لا تكون سراً فامهلا حتّى أخرج إلى المسجد فقالا : بل نبايعك ههنا ثمّ نبايعك في المسجد فبايعاه أوّل النّاس ثمّ بايعه النّاس على المنبر أوّلهم طلحة بن عبيد الله وكانت يده شلاّء فصعد المنبر إليه فصفق على يده ورجل
من بني أسد يزجر الطير قائم ينظر إليه فلما رأى أوّل يد صفقت على يد أمير المؤمنين علیه السلام يد طلحة وهي شلاّء قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون أوّل يد صفقت على يده شلاّء يوشك أن لا يتمّ هذا الأمر ثمّ نزل طلحة والزبير وبايعه النّاس بعدهما(1).
قال أبو جعفر الطبري في التاريخ : لما قتل عثمان خرج عليّ علیه السلام إلى السوق وذلك یوم السبت لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة فاتبعه النّاس وبهشوا في وجهه فدخل حائط بني عمرو بن مبذول وقال لأبي عمرة بن عمرو بن محصن : أغلق الباب فجاء النّاس فقرعوا الباب فدخلوا فيهم طلحة والزبير فقالا : يا عليّ ابسط يدك فبايعه طلحة والزبير فنظر حبيب ابن ذؤيب إلى طلحة حين بايع فقال: أوّل من بدأ بالبيعة يد شلاء لا يتمّ هذا الأمر، وخرج عليّ إلى المسجد فصعد المنبر وعليه إزار وطاق وعمامة خز ونعلاه في يده متوكثاً على قوس فبايعه النّاس(2).
وقال الطبري في نقل آخر: لما اختلف النّاس إليه علیه السلام مراراً للبيعة فقال علیه السلام لهم : إنكم قد اختلفتم إليّ وأتيتم وإني قائل لكم قولاً إن قبلتموه قبلت أمركم وإلا فلا حاجة لي فيه؟ قالوا : ما قلت من شيء قبلناه إن شاء الله فجاء فصعد المنبر فاجتمع النّاس إليه فقال : إنّي كنت كارهاً لأمركم فأبيتم إلّا أن أكون عليكم ألا وإنّه ليس لي أمر دونكم إلّا أن مفاتيح مالكم معي ألا وإنّه ليس لي أن آخذ منه درهماً دونكم رضيتم؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد عليهم ثمّ بايعهم على ذلك إلا نفيراً يسيراً كانوا عثمانيّة منهم حسان بن ثابت وكعب بن مالک ومسلمة بن مخلد وأبو مخلد وأبو سعيد الخدري ومحمّد بن مسلمة والنّعمان بن بشیر وزید بن ثابت ورافع بن خديج وفضالة بن عبيد وكعب بن عجرة. قال : فقال رجل لعبد الله بن حسن كيف أبي هؤلاء بيعة عليّ علیه السلام وكانوا عثمانية؟ قال: أمّا حسان فكان شاعراً لا يبالي ما يصنع وأمّا زيد بن ثابت فولاه عثمان الديوان وبيت المال فلما حصر عثمان قال: يا معشر الأنصار كونوا أنصار الله مرتين فقال أبو أيّوب : ما تنصره إلّا أنّه أكثر لك من العضدان؛ فأمّا كعب بن فاستعمله على صدقة مزنية وترك ما أخذ منهم له.
وفي نقل آخر فيه : بايع الناس عليّاً علیه السلام بالمدينة وتربص سبعة نفر فلم يبايعوه منهم : سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وصهيب وزيد بن ثابت ومحمّد بن مسلمة وسلمة بن وقش وأسامة بن زيد ولم يتخلف أحد من الأنصار إلّا بايع.
وفي «الإمامة والسياسة» أنّ عمّار بن ياسر استأذن علياً علیه السلام أن يكلم عبد الله بن عمر
ومحمد بن مسلمة وسعد بن أبي وقاص في بيعتهم عليّاً علیه السلام فأبوا - وبعد نقل مكالمة عمّار لكلّ واحد منهم قال : فانصرف عمار إلى عليّ علیه السلام فقال له عليّ علیه السلام : دع هؤلاء الرهط أمّا ابن عمر فضعيف، وأمّا سعد فحسود، وذنبي إلى محمّد بن مسلمة أنّي قتلت أخاه يوم خيبر: مرحب اليهودي(1).
فی «الإرشاد» للمفيد قدّس سره : ومن کلامه علیه السلام حین تخلّف عن بیعته عبدالله بن عمر بن الخطّاب وسعد بن أبي وقاص ومحمّد بن مسلمة وحسان بن ثابت وأسامة بن زيد؛ ما رواه الشعبي قال : لما اعتزل سعد ومن سمّيناه أمير المؤمنين علیه السلام وتوقفوا على بيعته حمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس إنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي وإنّما الخيار للنّاس قبل أن يبايعوا فإذا بايعوا فلا خيار لهم وإنّ على الإمام الاستقامة وعلى الرعية التسليم وهذه بيعة عامّة من رغب عنها رغب عن دين الإسلام واتبع غير سبيل أهله ولم تكن بيعتكم إياي فلتة وليس أمري وأمركم واحد وإني أريدكم الله وأنتم تريدونني لأنفسكم وأيم الله لأنصحن للخصم ولأنصفنّ للمظلوم وقد بلغني عن سعد وابن مسلمة وأسامة وعبد الله وحسان بن ثابت أمور كرهتها الحق بيني وبينهم .
أقول: أتى بكلامه هذا الشريف الرضي في «النهج». ولكن لم يفسر هو ولا أحد من الشرّاح الذين نعرفهم سببه كما فسره المفيد على أن بينهما تفاوتاً في الكيف والكم فإنّه نقل هکذا: و من كلامه علیه السلام : لم تكن بيعتكم إياي فلتة وليس أمري وأمركم واحداً إنّي أريدكم الله وأنتم تريدونني لأنفسكم أيها النّاس أعينوني على أنفسكم وأيم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه ولأقودنّ الظالم بخزامته حتّى أورده منهل الحق وإن كان كارها (الكلام 136 من باب الخطب).
وفي كتاب (الجمل) للشيخ الأجل المفيد قدّس سرّه : أنه روى أبو مخنف لوط بن يحيى عن محمّد بن عبد الله بن سوادة وطلحة بن الأعلم وأبي عثمان اجمع قالوا : بقيت المدينة بعد قتل عثمان خمسة أيّام وأميرها الواقض بن حرب والنّاس يلتمسون من يجيبهم لهذا الأمر فلا يجدون فيأتون المصريون عليّاً علیه السلام فيختبىء عنهم ويلوذ بحيطان المدينة فإذا لقوه يأبى عليهم.
قال : وروى إسحاق بن راشد عن الحميد بن عبد الرحمن عن ابن أثري قال: ألا أحدثك بما رأت عيناي وسمعت أذناي لما التقى النّاس عند بيت المال قال عليّ علیه السلام لطلحة : ابسط يدك أبايعك فقال طلحة : أنت أحق بهذا الأمر مني وقد اجتمع لك من هؤلاء
1) الإمامة والسياسة : 53/1 ، وخلاصة طبقات الأنوار: 27/3
النّاس ما لم يجتمع لي فقال عليّ علیه السلام : ما خشيناك غيرك فقال طلحة : لا تخش فوالله لا تؤتي من قبلي وقام عمّار بن ياسر والهيثم بن التيهان ورفاعة بن أبي رافع ومالك بن عجلان وأبو أيّوب خالد بن زيد فقالوا لعليّ علیه السلام إنّ هذا الأمر قد فسد وقد رأيت ما صنع عثمان وما اتاه من خلاف الكتاب والسنّة فابسط يدك لتبايعك لتصلح من أمر الأمة ما قد فسد؛ فاستقال علي علیه السلام وقال : قد رأيتم ما صنع بي وعرفتم رأي القوم فلا حاجة لي فيهم فاقبلوا على الأنصار وقالوا يا معشر الأنصار أنتم أنصار الله وأنصار رسوله وبرسوله أكرمكم الله وقد علمتم فضل عليّ وسابقته في الإسلام وقرابته ومكانته من النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وإن ولي ينالكم خيراً .
فقال القوم : نحن أرضى النّاس به ما نريد به بدلاً ثمّ اجتمعوا عليه وما يزالوا به حتّى بايعوه.
وبإسناده عن ابن أبي الهيثم بن التيهان قال: يا معشر الأنصار وقد عرفتم رأيي ونصيحتي ومكاني من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم واختياره إيّاي فردّوا هذا الأمر إلى أقدمكم إسلاماً وأولاكم برسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و لعلّ الله أن يجمع به الفتكم ويحقن به دماءكم فأجابه القوم بالسمع
والطاعة.
وروی سیف عن رجاله قال : اجتمع الناس إلى عليّ علیه السلام وسألوه أن ينظر في أمورهم وبذلوا له البيعة فقال لهم : التمسوا غيري؛ فقالوا له : ننشدك الله أما ترى الفتنة ألا تخاف الله في ضياع هذه الأمة فلما ألحوا عليه قال لهم : إنّي لو أجبتكم حملتكم على ما أعلم وإن تركتموني كنت لأحدكم(1).
قالوا : قد رضينا بحلمك بحملك ) وما فينا مخالف لك فاحملنا على ما تراه ثمّ بايعه الجماعة(2).
أقول : إنّ أمير المؤمنين علیه السلام كره إجابة القوم على الفور والبدار لعلمه بعاقبة الأمور وإقدام القوم على الخلاف عليه وللظاهر له والشنآن والقوم ألحّوا فيما دعوه إليه ولم يمنعهم إبائه علیه السلام من الإجابة عن الإلحاح فيما أرادوا واذكروه بالله عزّ وجلّ وقالوا له إنّه لا يصلح الإمامة المسلمين سواك ولا نجد أحداً يقوم بهذا الأمر غيرك يصلح أمور الدّين ويقوم لحياطة الإسلام والمسلمين فبايعوه علیه السلام على السمع والطاعة.
قال أبو جعفر الطبري في التاريخ (ص 457 ج 3 طبع مصر 1357 هـ ) : بويع عليّ علیه السلام یوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجّة فأوّل خطبة خطبها علىّ علیه السلام حين استخلف فيما كتب به إليّ السري عن شعيب عن سيف عن سليمان بن أبي المغيرة عن عليّ بن الحسين: حمد الله وأثنى عليه فقال : إنّ الله عزّ وجلّ أنزل كتاباً هادياً بيّن فيه الخير والشر فخذوا بالخير ودعوا الشرّ، الفرائض أدّوها إلى الله سبحانه يؤدّكم إلى الجنّة، إنّ الله حرم حرماً غير مجهولة وفضل حرمة المسلم على الحرم كلّها وشدّ بالإخلاص والتوحيد المسلمين والمسلم من سلم النّاس من لسانه ويده إلّا بالحقّ لا يحل أذى المسلم إلا بما يجب بادروا أمر العامة وخاصّة أحدكم الموت فإنّ النّاس أمامكم وإن ما من خلفكم الساعة تحدوكم تخففوا تلحقوا فإنّما ينتظر النّاس اخريهم اتقوا الله عباده في عباده وبلاده إنّكم مسؤولون حتّى عن البقاع والبهائم أطيعوا الله عزّ وجل ولا تعصوه وإذا رأيتم الخير فخذوا به وإذا رأيتم الشر فدعوه واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض.
أقول : أتى بهذه الخطبة الرضي رحمة الله في «النهج» وبين النسختين تفاوت في بعض العبارات فارجع إلى الخطبة 166 من النهج أولها : إنّ الله سبحانه أنزل كتاباً هادياً بيّن فيه الخير والشر فخذوا نهج الخير تهتدوا واصدفوا عن سمت الشرّ تقصدوا - إلى آخرها .
ثمّ الظاهر أن الخطبة 21 من «النهج» وهي قوله علیه السلام «فإنّ الغاية أمامكم وإنّ ورائكم الساعة تحدوكم تخففوا تلحقوا فإنما ينتظر بأولكم آخركم» التي جعلها الرضي خطبة بحيالها جزء من تلك الخطبة والاختلاف بين الخطبتين في النهج في كلمة واحدة فقط لأنها في الخطبة 21 تكون «فإن الغاية أمامكم» وفي الخطبة 166 فإن الناس أمامكم» وإنما افرد ذلك الجزء بالذكر لأنه جمع وجازة الالفاظ وجزالة المعنى على حدّ كلّت ألسن النّاس عن أن تأتي بمثله وتتفوّه بشبهه وهو كما قال الرضي: لو وزن بعد كلام الله سبحانه وبعد كلام رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بكل كلام لمال به راجحاً وبرز عليه سابقاً، قال: فأمّا قوله علیه السلام تخففوا تلحقوا فما سمع كلام أقل منه مسموعاً ولا أكثر محصولاً؛ إلى آخر ما قال.
ثمّ إنّ ابن قتيبة الدينوري قال في «الإمامة والسياسة»: وذكروا أن البيعة لما تمت بالمدينة خرج عليّ علیه السلام إلى المسجد الريف فصعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ووعد النّاس من نفسه خيراً وتألفهم جهده ثمّ قال علیه السلام : لا يستغنى الرجل وإن كان ذا مال وولد عن عشيرته ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم هم أعظم النّاس حيطة من وراءه وإليهم سعيه وأعطفهم عليه إن أصابته مصيبة أو نزل به بعض مكاره الأمور ومن يقبض يده عن عشيرته فإنّه يقبض عنهم
يداً واحدة وتقبض عنه أيد كثيرة ومن بسط يده بالمعروف ابتغاء وجه الله تعالى يخلف الله له ما أنفق في دنياه ويضاعف له في آخرته، واعلموا أن لسان صدق يجعله الله للمرء في النّاس المال خیر له من المال فلا يزدادنّ أحدكم كبرياء ولا عظمة في نفسه ولا يغفل أحدكم عن القرابة أن يصلها بالذي لا يزيده إن أمسكه ولا ينقصه إن أهلكه، واعلموا أنّ الدنيا قد أدبرت والآخرة قد أقبلت ألا وإن المضمار اليوم والسبق غداً ألا وإن السبقة الجنّة والغاية النار ألا إنّ الأمل يسهى القلب ويكذب الوعد ويأتي بغفلة ويورث حسرة فهو غرور وصاحبه في عناء فافزعوا إلى قوام دينكم وإتمام صلاتكم وأداء زكاتكم والنّصيحة لإمامكم وتعلموا كتاب الله واصدقوا الحديث عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وأوفوا بالعهد إذا عاهدتم وأدّوا الأمانات إذا انتمنتم وارغبوا في ثواب الله وارهبوا عذابه واعملوا الخير تجزوا خيراً يوم يفوز بالخير من قدم الخير(1).
أقول: هذه الخطبة المنقولة من الدينوري مذكورة في «النهج» الخطبة 28) ونقلها المفيد في «الإرشاد» مبتدأة من قوله علیه السلام واعلموا أنّ الدنيا قد أدبرت ولم يبيّنا بأنّ الخطبة خطبها علیه السلام لما تمت البيعة له علیه السلام كما صرّح به الدينوري مع أنّ بين النسخ اختلافاً سيما بين ما في «الإمامة والسياسة» وبين ما في «النهج» و«الإرشاد». ولا يخفى أنّ ظاهر كلام الدينوري أنّ ما نقله هو أوّل خطبة خطبها بعد تمام البيعة وإن كان يمكن بالدقة أن يستفاد منه عدم كونه أوّل خطبة خطبها في خلافته علیه السلام لكنه خلاف الظاهر من عبارته.
ثمّ إنّ المفيد قدّس سرّه قال في «الجمل» (ص 77 طبع النجف): قوله علیه السلام في أوّل خطبة خطبها بعد قتل عثمان وبيعة النّاس له: قد مضت أمور كنتم فيها غير محمودي الرأي أما لو أشاء لقلت ولكن على الله عما سلف سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب همته بطنه وفرجه يا ويله لو قصّ جناحه وقطع رأسه لكان خيراً له. حتّى انتهى إلى قوله - وقد أهلك الله فرعون وهامان وقارون فما يتصل بهذه الخطبة إلى آخرها .
أقول : ما نقله المفيد رحمة الله مذكور بعضها في الخطبة 177 من «النهج» أولها : لا يشغله شأن ولا يغيّره زمان ولا يحويه مكان ولا يصفه لسان لا يعزب عنه عدد قطر الماء - إلى آخرها - وصرّح الشارح المحقق ابن ميثم البحراني رحمة الله في شرح النهج (ص 354 طبع 1276 المطبوعة بالحجر) بأنّ هذه الخطبة أعني الخطبة 177 من «النهج» خطب بها أمير المؤمنين عليّ علیه السلام بعد مقتل عثمان في أوّل خلافته كما أنّه والشارح الفاضل المعتزلي والشريف الرضي والطبري وغيرهم صرّحوا بأن الخطبة 166 من «النهج» المذكورة آنفاً أوّل خطبة خطبها في أول خلافته.
1) الإمامة والسياسة : 70/1
فبعد الفحص والتتبع والغور في الأخبار والسير والأقوال والتأمّل في فحوى الخطب الموسومة من «النهج» حصل لنا أنّ الخطبة 21 من «النهج» والخطبة 28 والخطبة 166 والخطبة 177 كانت جميعاً خطبة واحدة خطبها علیه السلام في أوّل خلافته وذكر المؤلفون في كلّ موضع جزء منها فتشتت في «النهج» فجعل كل جزء خطبة على حدة فلترجع إلى ما كنّا فيه .
واعلم أنّ ظاهر الفتنة بالبصرة إنما أحدثه طلحة والزبير من نكث البيعة التي بذلاها لأمير المؤمنين علیه السلام طوعاً واختياراً وايثاراً وخروجهما عن المدينة إلى مكة على إظهار منهما ابتغاء العمرة فلما وصلاها اجتمعا مع عائشة وعمّال عثمان الهاربين بأموال المسلمين إلى مكّة طمعاً فيما احتجبوه منها وخوفاً من أمير المؤمنين علیه السلام واتفاق رأيهم على الطلب بدم عثمان والتعلّق عليه في ذلك بانحياز قتلة عثمان وحاصريه وخاذليه من المهاجرين والأنصار وأهل مصر والعراق وكونهم جنداً له وأنصاراً واختصاصهم به في حربهم منه ومظاهرته لهم بالجميل وقوله فيهم الحسن من الكلام وترك إنكار ما منعوه بعثمان والإعراض عنهم في ذلك، وشبهوا بذلك على الضعفاء واغتروا به السفهاء وأوهموهم بذلك لظلم عثمان والبراءة من شيء يستحق به ما صنع به القوم من احصاره وخلعه والمنازعة إلى دمه فأجابهم إلى مرادهم من الفتنة من استغووه بما وصفناه وقصدوا البصرة لعلهم أن جمهور أهلها من شيعة عثمان وأصحاب عامله ابن عمه كان بها وهو عبد الله بن كريز بن عامر وكان ذلك منهم ظاهراً وباطناً بخلافه كما تدلّ عليه الأخبار ويوضح عن صحة الحكم به الاعتبار، ألا ترى أن طلحة والزبير وعائشة باجماع العلماء بالسير والآثار هم الذين كانوا أوكد السبب لخلع عثمان وحصره وقتله وأنّ أمير المؤمنين علیه السلام لم يزل يدفعهم عن ذلك ويلطف في منعهم عنه ويبذل الجهد في إصلاح حاله مع المنكرين عليه العائبين له بأفعاله والمحتجّين عليه بأقواله فلنذکر طائفة طلحة من الأخبار في سبب نکث طلحة والزبير البيعة وإثارتهما فتنة الجمل.
في «الإمامة والسياسة» للدينوري : ذكروا أن الزبير وطلحة أتيا عليّاً علیه السلام بعد فراغ البيعة فقالا : هل تدري على ما بايعناك يا أمير المؤمنين؟ قال عليّ علیه السلام : نعم على السمع والطاعة وعلى ما بايعتم عليه أبا بكر وعمر وعثمان؛ فقالا : لا ولكنّا بايعناك على أنا شريكان في الأمر. قال عليّ علیه السلام : لا، ولكنكما شريكان في القول والاستقامة والعون على العجز والأولاد قال: وكان الزبير لا يشكّ في ولاية العراق وطلحة في اليمن فلما استبان لهما أنّ عليّاً غير مولّيهما شيئاً أظهرا الشكاة فتكلم الزبير في ملاء من قريش، فقال: هذا جزاؤنا من عليّ، قمنا له في أمر عثمان حتّى أثبتنا عليه الذنب وسبينا له القتل وهو جالس في بيته وكفى
الأمر فلما نال بنا ما أراد جعل ،دوننا غيرنا فقال طلحة: ما اللوم إلا أنا كنّا ثلاثة من أهل الشورى كرهه أحدنا وبايعناه وأعطيناه ما في أيدينا ومنعنا ما في يده فأصبحنا قد أخطأنا ما رجونا قال: فانتهى قولهما إلى عليّ علیه السلام فدعا عبد الله بن عبّاس وكان استوزره فقال له : بلغك قول هذين الرجلين؟ قال: نعم، بلغني قولهما . قال : فما ترى؟ قال : أرى أنّهما أحبّا الولاية فولّ البصرة الزبير وولّ طلحة الكوفة فإنهما ليسا بأقرب إليك من الوليد وابن عامر من عثمان؛ فضحك عليّ علیه السلام ثمَّ قال : ويحك إنّ العراقين بهما الرجال والأموال ومتى تملکا رقاب النّاس يستميلا السفيه بالطمع ويضربا الضعيف بالبلاء ويقويا على القوى بالسلطان، ولو كنت مستعملاً أحداً لضرّه ونفعه لاستعملت معاوية على الشام ولولا ما ظهر لي من حرصهما على الولاية لكان لي فيهما رأي. قال: ثمّ أتى طلحة والزبير إلى عليّ علیه السلام فقالا : يا أمير المؤمنين ائذن لنا إلى العمرة فإن تقم إلى انقضائها رجعنا إليك وإن تسر نتبعك؛ فنظر إليهما عليّ علیه السلام وقال : نعم والله ما العمرة تريدان وإنّما تريدان أن تمضيا إلى شأنكما فمضيا(1).
وقال المسعودي في «مروج الذهب»: أنهما استأذنا عليّاً علیه السلام في العمرة فقال علیه السلام : لعلّكما تريدان البصرة والشام فأقسما أنّهما لا يريدان غير مكّة .
أقول : وسيأتي طائفة من الأقوال والأخبار فيهما بعيد هذا. وإنّ ما يستفيد المتتبع الخبير من سبب نكث الرجلين البيعة هو يأسهما ممّا كانا يرجوان به من قتل عثمان بن عفان من البيعة لأحدهما بالإمامة واتّساق الأمر في البيعة لعليّ بن أبي طالب ثمّ أنّه علیه السلام ما وليهما شيئاً لأنّهما لم يكونا أهلاً لذلك لما قد سمعت وتأكد النكث بذلك .
في «الجمل» للمفيد: لما أيس الرجلان من نيل ما طمعا فيه من التأمر على الناس والتملك لأمرهم وبسط اليد عليهم ووجدا الأمة لا تعدل بأمير المؤمنين علیه السلام أحداً وعرفا رأي المهاجرين والأنصار ومن ذلك أراد الحظوة عنده بالبدار إلى بيعته وظنا بذلك شركائه في أمره وتحققا أنهما لا يليان معه أمراً واستقر الأمر على أمير المؤمنين علیه السلام ببيعة المهاجرين والأنصار وبني هاشم وكافة النّاس إلّا من شذّ من بطانة عثمان وكانوا على خفاء لاشخاصهم مخافة على دمائهم من أهل الإيمان، فصارا إلى أمير المؤمنين علیه السلام أهل فطلب منه طلحة ولاية العراق وطلب منه الزبير ولاية الشام فأمسك عليّ علیه السلام عن إجابتهما في شيء من ذلک فانصرفا وهما ساخطان وقد عرفا ما كان غلب في ظنهما قبل من رأيه فتركاه يومين أو ثلاثة أيّام ثمّ صارا إليه واستأذنا عليه فأذن لهما وكان علية داره فصعدا إليه وجلسا عنده بين يديه
1) الإمامة والسياسة : 71/1، والمعيار والموازنة : 98
وقالا يا أمير المؤمنين قد عرفت حال هذه الأزمنة وما نحن فيه من الشدّة وقد جئناك لتدفع إلينا شيئاً نصلح به أحوالنا ونقضي به حقوقاً علينا .
فقال علیه السلام : قد عرفتها ما لي بينبع فإن شئتما كتبت لكما منه ما تيسّر، فقالا : لا حاجة لنا في مالک بينبع فقال علیه السلام لهما: ما أصنع؟ فقالا له : أعطنا من بيت المال شيئاً لنا فيه كفاية. فقال علیه السلام : سبحان الله وأيّ يدلي في بيت المال وذلك للمسلمين وأنا خازنهم وأمين لهم؛ فإن شئتما رقيتما المنبر وسألتما ذلك ما شئتما فإن أذنوا فيه فعلت وأنّى لي بذلك وهو لكافة المسلمين شاهدهم وغائبهم لكني أبدي لكما عذراً فقالا : ما كنّا بالذي نكلفك ذلك ولو كلفناك لما أجابك المسلمون .
فقال لهما : فما أصنع؟ قالا : قد سمعنا ما عندك ثمّ نزلا من العليّة وكان في أرض الدار خادمة لأمير المؤمنين علیه السلام سمعتهما يقولان: والله ما بايعنا بقلوبنا وإن كنّا بايعنا بألسنتنا ؛ فقال أمير المؤمنين علیه السلام : «إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)» [الفتح: 10] فتركاه يومين آخرين وقد جاءهما الخبر بإظهار عائشة بمكّة ما أظهرته من كراهة أمره وكراهة من قتل عثمان والدعاء إلى نصره والطلب بدمه وأنّ عمّال عثمان قد هربوا من الأمصار إلى مكة بما احتجبوه من أموال المسلمين ولخوفهم من أمير المؤمنين علیه السلام ومن معه من المهاجرين والأنصار وأنّ مروان بن الحكم ابن عم عثمان ويعلى بن منبه خليفته وعامله كان باليمن وعبد الله بن عامر بن كريز ابن عمه وعامله كان على البصرة وقد اجتمعوا مع جتمعوا مع عائشة وهم يدبرون الأمر في الفتنة فصار إلى أمير المؤمنين علیه السلام وتيمّما وقت خلوته فلما دخلا عليه قالا يا أمير المؤمنين قد جئناك نستأذنك للخروج في العمرة لأنا بعيد العهد بها ائذن لنا فيها .
فقال علیه السلام : والله ما تريدان العمرة ولكنّكما تريدان الغدرة وإنّما تريدان البصرة. فقالا : اللهم غفراً ما نريد إلا العمرة فقال علیه السلام إحلفا لي بالله العظيم أنكما لا تفسدان عليّ أمر المسلمين ولا تنكثان لي بيعة ولا تسعيان في فتنة فبذلا ألسنتهما بالأيمان المؤكّدة فيما استحلفهما عليه من ذلك .
فلما خرجا من عنده علیه السلام لقيهما ابن عباس فقال لهما : أذن لكما أمير المؤمنين؟ فقالا : نعم. فدخل على أمير المؤمنين فابتدأ علیه السلام فقال : يا ابن عبّاس! أعندك الخبر؟ قال : قد رأيت طلحة والزبير فقال علیه السلام لأنهما استأذناني في العمرة فأذنت لهما بعد أن استوثقت منهما بالأيمان أن لا يغدرا ولا ينكثا ولا يحدثا فساداً والله يا ابن عبّاس وإنّي أعلم أنّهما ما قصدا إلاّ الفتنة فكأني بهما وقد صارا إلى مكة ليسعيا إلى حربي فإنّ يعلى بن منبه الخائن الفاجر قد حمل أموال العراق وفارس لينفق ذلك وسيفسدان هذان الرجلان عليّ أمري ويسفكان دماء شيعتي وأنصاري.
قال عبدالله بن عبّاس : إذا كان ذلك عندك يا أمير المؤمنين معلوم فلم أذنت لهما وهلاً حبستهما وأوثقتهما بالحديد وكفيت المسلمين شرّهما ؟
فقال علیه السلام : يا ابن عباس أتأمرني بالظلم بدءاً وبالسيئة قبل الحسنة وأعاقب على الظنة والتهمة وأؤاخذ بالفعل قبل كونه؟ كلا والله لا عدلت عما أخذ الله عليّ من الحكم والعدل ولا ابتدأ بالفصل يا ابن عبّاس إنني أذنت لهما وأعرف ما يكون منهما ولكني استظهرت بالله عليهما والله لأقتلنهما ولأخيبنّ ظنّهما ولا يلقيان من الأمر مناهما وأنّ الله يأخذهما بظلمهما لي ونكثهما بيعتي وبغيهما عليّ (1).
أقول : قد علمت سابقاً ممّا نقلنا من الفريقين أنّ طلحة كان أوّل من رمى بسهم في دار عثمان وقال : لا ننعمتّه عيناً ولا نتركه يأكل ولا يشرب، ولما حيل بين أهل دار عثمان وبين الماء فنظر الزبير نحوهم وقال وحيل بينهم وبين ما يشتهون - الآية، وغير ذلك ممّا قالوا لعثمان وفعلوا به ممّا لا حاجة إلى إعادته ثمّ دريت أنهما أوّل من بايع عليّاً علیه السلام على ما قد فصّلنا وبيّنا ثمّ نكثا بيعته بالسبب الذي ذكرناه والعجب أنهما مع ما فعلا بعثمان جعلا دم عثمان مستمسكا ونهضا إلى طلب دمه فحاربا أمير المؤمنين علیه السلام وشيعته الموحدين المسلمين ومن تأمّل حقّ التأمل في جميع ما قدمنا علم أنّهما وأضرابهما لم يكونوا فيما صنعوا على جميل طوية في الدّين ولا نصيحة للمسلمين وأنّ الذي أظهروه من الطلب بدم عثمان إنّما كان تشبيهاً وتلبيساً على العامّة والمستضعفين نعوذ بالله من همزات الشياطين ونسأله أن لا يجعل الدنيا أكبر همّنا فإنها رأس كلّ خطيئة واسّها .
قد علمت ممّا سبق أن عائشة كانت أوّل من طعن على عثمان وأطمع النّاس فيه وكانت تقول : اقتلوا نعثلاً وصرّحت بأنه طاغية وأمرت بقتل عثمان ونادته بقولها يا غدر يا فجر وأراءته قميص رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ونعليه وقالت له أنها لم يتغير وأنت غیرت سنته، ونهت ابن عباس عن أن يرد النّاس عن قتل الطاغية تعني بالطاغية عثمان وغيرها ممّا نقلناها من الفريقين . هذا هو طور.
ثمّ لما قتل عثمان بن عفان خرج البغاة إلى الآفاق فلمّا وصل بعضهم إلى مكّة سمعت بذلك عائشة فاستبشرت بقتله وقالت قتلته عماله إنّه أحرق كتاب الله وأمات سنة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
1) الجمل : 89
فقتله الله، فقالت للناعي : ومن بايع النّاس؟ فقال لها الناعي : لم أبرح من المدينة حتّى أخذ طلحة بن عبد الله نعاجاً لعثمان وعمل مفاتيح لأبواب بيت المال ولا شك أنّ النّاس قد بايعوه فقالت أي هذا لأصييع وجدوك لها محسناً وبها كافياً، ثمّ قالت شدّوا رحلي فقد قضيت عمرتي لأتوجّه إلى منزلى.
فلما شدوا رحالها واستوت على مركبها سارت حتّى بلغت شرقاء (موضع معروف بهذا الاسم) لقيها إبراهيم بن عبيد الله بن أمّ كلاب فقالت : ما الخبر؟ فقال : قتل عثمان قالت : قتل نعثل، فقالت: أخبرني عن قصّته وكيف كان أمره؟ فقال لها : لمّا أحاط النّاس بالدار رأيت طلحة بن عبد الله قد غلب على الأمر واتخذ مفاتيح على بيوت الأموال والخزائن وتهيأ ليبايع له فلمّا قتل عثمان مال النّاس إلى عليّ بن أبي طالب ولم يعدلوا به طلحة ولا غيره وخرجوا في طلب عليّ يقدمهم الأشتر ومحمّد بن أبي بكر وعمّار بن ياسر حتّى أتوا عليّاً وهو في بيت سكن فيه فقالوا له بايعنا على الطاعة لك فتفكر ساعة فقال الأشتر : يا عليّ إنّ النّاس لا يعدلون بك غيرك فبايع قبل أن يختلف النّاس، قال وكان في الجماعة طلحة والزبير فظننت أن سيكون بین طلحة والزبير وعليّ كلام قبل ذلك، فقال الأشتر الطلحة: قم يا طلحة فبايع ثمّ قم يا زبير فبايع فما تنتظران فقاما فبايعا وأنا أرى أيديهما على يد عليّ يصفقانهما ببيعته ثمّ صعد عليّ بن أبي طالب المنبر فتكلّم بكلام لا أحفظ إلا أنّ النّاس بايعوه يومئذ على المنبر وبايعوه من الغد فلمّا كان اليوم الثالث خرجت ولا أعلم ما جرى بعدي.
فقالت : يا أخا بني بكر رأيت طلحة بايع عليّا؟ فقلت: أي والله رأيته بايعه وما قلت إلا رأيت طلحة والزبير أوّل من بايعه فقالت : إنّا الله أكره والله الرّجل وغصب عليّ بن أبي طالب أمرهم وقتل خليفة الله مظلوماً، ردّوا بغالي فرجعت إلى مكة قال : وسرت معها فجعلت تسألني في المسير وجعلت أخبرها ما كان فقالت لي هذا بعهدي وما كنت أظن أنّ النّاس یعدلون عن طلحة مع بلائه يوم أحد؛ قلت فإن كان بالبلاء فصاحبه الذي بويع ذو بلاء وعناء، فقالت: يا أخا بني بكر لا نسألك هذا غير حتّى إذا دخلت مكّة فسألك الناس ما ردّ أُمّ المؤمنين فقل : القيام بدم عثمان والطلب به.
وجاءها يعلى بن منبه فقال لها : قد قتل خليفتك الذي تحرضين على قتله فقالت : برأت إلى الله ممّن قتله، قال: الآن ثمّ قال لها : أظهري البراءة ثانياً من
قاتله .
فخرجت عائشة إلى المسجد فابتدأت بالحجر فتسترت فيه ونادى مناديها باجتماع النّاس إليها فلمّا اجتمعوا تكلمت من وراء الستر وجعلت تتبرأ ممّن قتل عثمان وتدعو إلى نصرة عثمان وتنعاه إلى النّاس وتبكيه وتشهد أنه قتل مظلوماً .
وجاءها عبد الله بن الحضرمي عامل عثمان على مكّة فقال : قرت عينك قتل عثمان
وبلغت ما أردت من أمره ؛ فقالت: سبحان الله أنا طلبت قتله إنّما كنت عاتبة عليه من شيء أرضاني فيه قتل والله من خير من عثمان بن عفان وأرضى عند الله وعند المسلمين والله ما زال قاتله (تعني أمير المؤمنين عليّاً علیه السلام) مؤخراً منذ بعث محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم وبعد أن توفي عدل عنه النّاس على خيرة من أصحاب النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم ولا يرونه أهلاً للأمر ولكنه رجل يحب الإمرة والله لا تجتمع عليه ولا على أحد من ولده إلى قيام الساعة ثمّ قالت: معاشر المسلمين أنّ عثمان قتل مظلوماً ولقد قتل عثمان من أصبع عثمان خير منه وجعلت تحرّض النّاس على خلاف أمير المؤمنين وتحتّهم على نقض عهده(1).
قال أبو جعفر الطبري في التاريخ : إنّ عائشة لما انتهت إلى سرف راجعة في طريقها إلى مكة لقيها عبد بن أُمّ كلاب وهو عبد بن أبي سلمة ينسب إلى أمّه فقالت له : مهيم؟ قال : قتلوا عثمان فمكثوا ثمانياً ؛ قالت ثمّ صنعوا ماذا؟ قال : أخذها أهل المدينة بالإجتماع فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز اجتمعوا على عليّ بن أبي طالب فقالت : والله ليت أن هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك ردّوني ردّوني فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوماً والله لأطلبن بدمه، فقال لها ابن أمّ كلاب؟ ولم؟ فوالله إنّ أوّل من أمال حرفه لأنت ولقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر قالت: إنّهم استتابوه ثمّ قتلوه وقد قلت وقالوا وقولي الأخير خير من قولي الأول فقال لها ابن أمّ كلاب :
منک البداء و منک الغِیر *** و منک الریاح و منک المطر
و انت امرت بقتل الامام *** و قلت لنا انّه قد کفر
فهبنا اطعناک فی قتله *** و قاتله عندنا من امر
و لم یسقط السقف من فوقنا *** و لم ینکسف شمسنا والقمر
وقد بایع الناس ذا تدر ا *** یزیل الشبا ویقیم الصعر
و یلبس للحرب اثوابها *** و ما من و فی مثل من قد غدر
فانصرفت إلى مكة فنزلت على باب المسجد فقصدت للحجر فسترت واجتمع إليها النّاس فقالت : يا أيها الناس إنّ عثمان قتل مظلوماً ووالله لأطلبن بدمه (2)
(مهيم) على وزان جعفر كلمة استفهام يستفهم بها معناها ما حالك، وما شأنك وما
حدث، وما الخبر، وأمثالها المناسبة للمقام . قولها: ليت أن هذه انطبقت على هذه. تعني أنّ السماء انطبقت على الأرض.
ثمّ لما تجهز القوم وعبوا العسكر وخرجوا إلى البصرة لاثارة الفتنة وإنارة الحرب وكانت عائشة معهم على الجمل الأدبّ انتهوا في الليل إلى ماء لبني كلاب يعرف بالجواب عليه ناس من بني كلاب فعوت كلابهم على الركب حتّى نفرت صعاب إبلها فقالت: ما اسم هذا الموضع؟ فقال لها السائق لجملها : الحوأب فاسترجعت وذكرت ما قيل لها في ذلك فأمسكت زمام بعيرها فقالت وإنها لكلاب الحوأب ردّوني ردّوني إلى حرم رسول الله لا حاجة لي في المسير فإنّي سمعت رسول الله يقول : ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب التي تنبحها كلاب الحوأب فيقتل عن يمينها ويسارها قتلى كثيرة .
فقال ابن الزبير: بالله ما هذا الحوأب ولقد غلط فيما أخبرك به وكان طلحة في ساقة النّاس فلحقها فأقسم أن ذلك ليس بالحواب فلفقوا لها خمسين أعرابياً جعلوا فحلفوا لهم أن هذا ليس بماء الحوأب فسارت لوجهها . قال المسعودي في «مروج الذهب»؛ شهد مع ابن الزبير وطلحة خمسون رجلاً ممّن كان معهم فكان ذلك أوّل شهادة زور أقيمت في البصرة. انتهى كلامه.
وقال الدّينوري في «الإمامة والسياسة» : فقال لها محمّد بن طلحة : تقدّمي رحمك الله ودعي هذا القول وأتى عبد الله بن الزبير فحلف لها بالله لقد خلفته أوّل الليل وأتاها ببيّنة زور من الأعراب فشهدوا بذلك فزعموا أنّها أوّل شهادة زور شهد بها في الإسلام (1).
وروى أبو جعفر الطبري في التاريخ بإسناده عن الزهري (ص 485 ج 3 طبع مصر 1357 هـ) قال : بلغني أنّه لما بلغ طلحة والزبير منزل عليّ بذي قار انصرفوا إلى البصرة فأخذوا على المنكدر قسمعت عائشة نباح الكلاب فقالت أيّ ماء هذا؟ فقالوا : الحوأب فقالت: انّا لله وإنّا إليه راجعون إنّي لهيه قد سمعت رسول الله يقول وعنده نساؤه ليت شعري أيتكن تنيحها كلاب الحوأب فأرادت الرّجوع فأتاها عبد الله بن الزبير فزعم أنّه قال كذب من قال : إنّ هذا الحوأب ولم يزل حتّى مضت .
أقول: حديث الحوأب ممّا اتفق به الفريقان وروته الخاصّة والعامّة بطرق عديدة
وأسانيد كثيرة(2).
قال ابن الأثير في «النهاية» : وفي الحديث أنّه صلی الله علیه و آله و سلّم قال لنسائه ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تنبحها كلاب الحوأب(1)، أراد الأدبّ فأظهر الإدغام لأجل الحوأب، والأدبب: الكثير وبر الوجه. والمنقول من السيوطي في بعض تصانيفه أنه قد يفك ما استحق الإدغام لاتباع كلمة أخرى كحديث ايتكن صاحبة الجمل - إلخ . قولها : إني لهيه، اللام لام الابتداء تدخل بعد أنّ المكسورة وتسمى اللام المزحلفة بالقاف والفاء وبنو تميم يقولون زحلوقة بالقاف وأهل العالية زحلوقة بالفاء سميت بذلك لأنّ أصل إن زيداً لقائم مثلاً لأنّ زيداً قائم فكرهوا افتتاح الكلام بحرفين مؤكدين فزحلفوا اللام دون أن لئلا يتقدّم معمولها عليها وهي ضمير راجعة إلى المرأة والها في آخره للسكت نحو قوله تعالى: «وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10)» [القارعة : 10] . ونقل الحديث في «الإمامة والسياسة» للدّينوري هكذا : قالت سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقول لنسائه : كأني باحداكنّ قد نبحها كلاب الحوأب وإياك أن تكوني أنت يا حميرائ (2)(ص 63 ج 1 طبع مصر 1377 هـ ).
ثمّ قال أبو جعفر الطبري في التّاريخ: إنّ عائشة في فتنة الجمل ركبت جملها وكان جملها يدعى عسكراً والبسوا هودجها الأدراع وقتل يومئذ سبعون رجلاً كلهم يأخذ بخطام الجمل فلمّا عقر الجمل وهزم النّاس احتمل محمّد بن أبي بكر عائشة فضرب عليها فسطاط فوقف عليّ علیه السلام عليها فقال : استفززت النّاس وقد فزوا فألبت بينهم حتّى قتل بعضهم بعضاً في كلام كثير فقالت عائشة : يا ابن أبي طالب ملكت فأسجع نعم ما أبليت قومك اليوم فسرّحها عليّ علیه السلام وأرسل معها جماعة من رجال ونساء وجهّزها وأمر لها باثني عشر ألفاً - إلى آخر ما قال(3).
ثمّ قال الفاضل الشارح المعتزلي (ص 159 ج 2 طبع طهران 1302 هـ): قد توارت الرّواية عنها بإظهار الندم أنّه كانت تقول : ليته كان لي من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بنون عشرة كلّهم مثل عبد الرحمن بن عبد الحارث بن هشام وثكلتهم ولم يكن يوم الجمل؛ وأنّها كانت تقول: ليتني مت قبل يوم الجمل أنّها كانت إذا ذكرت ذلك اليوم تبكي حتّى تبلّ خمارها .
أقول: وممّا ذكرنا من الفريقين من اختلاف أقوالها وأطوار أحوالها دريت أن المرأة كالرجلين طلحة والزبير ما أظهرت من الطلب بدم عثمان إنّما كان تشبيهاً وتلبيساً على العامّة
والمستضعفين وأنّ القوم لم يكونوا فيما صنعوا على جميل طوية في الدّين ولا نصيحة للمسلمين وعلمت من فعل عائشة أنّها كانت عمدت على التوجّه إلى المدينة قبل أن تعرف ما کان من أمر المسلمين راجية بتمام الأمر بعد عثمان لطلحة والزبير زوج أختها فلمّا صارت ببعض الطرق لقيت الناعي لعثمان فاستبشرت بنعيه له فلمّا أخبرت أنّ البيعة تمت الأمير المؤمنين ساءها ذلك وأحزنها وأظهرت الندم على ما كان منها في التأليب على عثمان فأسرعت راجعة إلى مكة حتى فعلت ما فعلت على أن عائشة كانت تبغض عليّاً علیه السلام وإنّما أثارت الفتنة وحثت القوم عليه علیه السلام بالعداوة والشنان ومن ذلك ما رواه كافة العلماء عنها أنها كانت تقول لم يزل بيني وبين عليّ من التباعد ما يكون بين بنت الأحماء ومنهم أبو جعفر الطبري رواه في التاريخ ج 3 ص 547 طبع مصر هـ .
ومن ذلك أيضاً ما رواه كافة العلماء ومنهم الطبري في التاريخ ص 433 ج 2 روى بإسناده عن عبيد عبد الله عن عائشة : أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لما مرض في مرضه الذي توفي فيه - إلى أن قالت - وهو صلی الله علیه و آله و سلّم في بيت ميمونة فدعا نساءه فاستأذنهنّ أن يمرّض في فأذنّ له فخرج رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر تخطّ قدماه صلی الله علیه و آله و سلّم الأرض عاصباً رأسه حتى دخل بيتي، قال أبو جعفر الطبري : قال عبيد الله : فحدثت هذا الحديث عنها عبد الله بن عبّاس فقال هل تدري من الرّجل؟ قلت لا، قال : عليّ ابن أبي طالب علیه السلام ولكنّها كانت لا تقدر على أن تذكره بخير وهي تستطيع .
ومن ذلك ما رواه الشيخ الأجل المفيد قدّس سرّه في «الجمل» 68 طبع النجف : لما قتل أمير المؤمنين علیه السلام جاء الناعي فنعى أهل المدينة فلما سمعت عائشة بنعيه استبشرت وقالت متمثلة :
فإن يك ناعياً فلقد نعاه *** بناع ليس في فيه التراب
فقالت لها زينب بنت أبي سلمى: ألعلي تقولين؟ فتضاحكت ثم قالت أنسي فإذا نسيت فذكروني ثمّ خرّت ساجدة شكراً على ما بلغها من قتله ورفعت رأسها وهي تقول:
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى *** كما قرّ عيناً بالإياب المسافر
وقال رحمة الله هذا من الأخبار التي لا ريب فيها ولا مرية في صحتها لاتفاق الرواة عليها .
و من ذلك ما في «الجمل» أيضاً وقد روى عن مسروق أنّه قال : ادخلت عليها فاستدعت غلاماً باسم عبد الرحمن قالت : عبدي، قلت لها : فكيف سمّيته عبد الرحمن؟ قالت حباً لعبد الرحمن بن ملجم قاتل عليّ .
و من ذلك الخبر المشهور الذي رواه نقلة الآثار: أنّه لمّا بعث إليها أمير المؤمنين
علیه السلام
بالبصرة أن ارتحلي عن هذه البلدة قالت لا أريتم مكاني هذا فقال لها أمير المؤمنين علیه السلام : أم والله لترتحلين أو لأنفذن إليك نسوة من بكر بن وائل يأخذنك بشقاق حداد فقالت لرسوله : ارتحل فبالله احلف ما كان مكان أبغض إليّ من مكان يكون هو فيه وغيرها من الأخبار الواردة في بغضها أمير المؤمنين علیه السلام .
لمّا تمّ أمر البيعة لأمير المؤمنين علیه السلام وأيس طلحة والزبير ممّا كانا يرجوان به من قتل عثمان من البيعة لأحدهما بالإمامة وتحققت عائشة تمام الأمر لأمير المؤمنين علیه السلام وعرف عمال عثمان أنّ أمير المؤمنين علیه السلام لا يقرّهم على ولاياتهم وأنهم إن ثبتوا في أماكنهم أو صاروا إليه طالبهم الخروج ممّا في أيديهم من أموال الله تعالى وحذروا من عقابه على تورطهم في خيانة المسلمين عمل كلّ فريق منهم على التحرز منه واحتال في الكيد له واجتهد في تفريق النّاس عنه فسار القوم من كلّ مكان إلى مكّة استعاذة بها وسكنوا إلى ذلك المكان وعائشة بها وطمعوا في تمام كيدهم لأمير المؤمنين للتحيز إليها والتمويه على الناس بها وجعلت عائشة تحرّض النّاس على خلاف أمير المؤمنين وتحثهم على نفض عهده ولحق إلى مكّة جماعة من منافقي قريش وصار إليها عمّال عثمان الذين هربوا من أمير المؤمنين علیه السلام ولحق بها عبد الله بن عمر بن الخطّاب وأخوه عبيد الله ومروان بن الحكم وأولاد عثمان وعبيده وخاصته من بني أميّة وانحازوا إليها وجعلوها الملجأ لهم فيما دبّروه من كيد أمير المؤمنين علیه السلام.
ولمّا عرف طلحة والزبير حال القوم عمدا على اللحاق بها والتعاضد على شقاق أمير المؤمنين فاستأذنا أمير المؤمنين في العمرة كما نقلنا آنفاً وسارا إلى مكة خالعين الطاعة وناكثين البيعة وكان ظهورهما إلى مكّة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر فلمّا وردا إليها فيمن تبعهما من أولادهما وخاصتهما طافا بالبيت طواف العمرة وسعيا بين الصفا والمروة وبعثا إلى عائشة عبد الله بن الزبير بالخروج الزبير بالخروج على أمير المؤمنين علیه السلام.
وجعل عبد الله بن أبي ربيعة يحرّض النّاس على الخروج وكان قد صحب مالاً جزيلاً فانفقه في جهاز النّاس إلى البصرة، وكان يعلى بن منبه التميمي عاملاً لعثمان على الجند فوافي الحج ذلك العام فلمّا بلغه قول ابن أبي ربيعة خرج من داره وقال: أيّها الناس من خرج لطلب دم عثمان فعليّ جهازه وحمل معه عشرة آلاف دينار فجعل يعطيها النّاس واشترى أربعمائة بعير وأناخها بالبطحاء وحمل عليها الرّجال.
ولما اتصل أمير المؤمنين علیه السلام خبر ابن أبي ربيعة وابن منبه وما بذلاه من
المال في
شقاقه والإفساد عليه قال : والله إن ظفرت بابن منبه وابن أبي ربيعة لأجعلن أموالهما في سبيل الله، ثمّ قال : بلغني أن ابن منبّه بذل عشرة آلاف دينار في حربي من أين له عشرة آلاف دينار سرقها من اليمن ثمّ جاء بها لئن وجدته لأخذته بما أقرّ به.
ولمّا رأت عائشة اجتماعهم بمكّة من مخالفة أمير المؤمنين علیه السلام تأهبت للخروج ومناديها يقول : من كان يريد المسير فليسر فإنّ أُم المؤمنين سائرة إلى البصرة تطلب بدم عثمان فلمّا تحقق عزم القوم على المسير إلى البصرة اجتمع طلحة والزبير وعائشة وخواصّهم وقالوا: نحب أن نسرع النهضة إلى البصرة فإن بها شيعة عثمان وعامله عبد الله بن عامر، وقد عمل على استمداد الجنود من فارس وبلاد المشرق لمعونته على الطلب بدم عثمان، وقد كاتبنا معاوية بن أبي سفيان أن ينفذ لنا الجنود من الشام فإن أبطينا من الخروج خفنا يدهمنا علي بمكّة أو فى بعض الطريق فيمن يرى رأيه خوفاً من أن يفرّق كلمتنا وإذا أسرعنا المسير إلى البصرة وأخرجنا عامله منها وقتلنا شيعته بها واستعنا بأمواله منها كنّا على الثقة الظفر بابن أبي طالب وإن أقام بالمدينة سيرنا إليه جنوداً حتّى نحصره فيخلع نفسه أو نقتله كما قتل عثمان وإن سار فهو كاليء ونحن حامون وهو على ظاهر البصرة ونحن بها متحصنون فلا بد له إلا أن يريح المسلمين من
فتنته.
قال المفيد في «الجمل» : روى الواقدي عن أفلح بن سعيد عن يزيد بن زياد عن عبد الله بن أبي رافع عن أُمّ سلمة زوجة النّبي صلی الله علیه و آله و سلّم قالت : كنت مقيمة بمكّة تلك السنة حتّى دخل المحرم فلم أر إلّا برسول طلحة والزبير جاءني عنهما يقول : إنّ أمّ المؤمنين عائشة تريد أن تخرج للطلب بدم عثمان فلو خرجت معها رجونا أن يصلح بكما فتق هذه الأمّة فأرسلت إليهما والله ما بهذا أُمرت ولا عائشة لقد أمرنا الله أن نقر في بيوتنا لا نخرج للحرب أو للقتال مع أن أولياء عثمان غيرنا والله لا يجوز لنا عفو ولا صلح ولا قصاص وما ذاك إلّا لولد عثمان، وأخرى نقاتل عليّ ابن أبي طالب أمير المؤمنين ذا البلاء بهذا الأمر والعناء وأولى الناس بهذا الأمر والله ما أنصفتما رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في نساءه حيث تخرجوهنّ إلى العراق وتتركوا نساءكم في بيوتكم .
ثمّ قال فيه : وبلغ أمّ سلمة اجتماع القوم وما خاضوه فيه فبكت حتّى اخضل خمارها ثمّ أدنت ثيابها فلبستها وتخفرت ومشت إلى عائشة لتعظها وتصدّها عن رأيها في مظاهرة أمير المؤمنين علیه السلام بالخلافة وتقعدها عن الخروج مع القوم فلمّا صارت إليها قالت : إنّك عدت
رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وبين أمته وحجابك مضروب على حرمته وقد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه وملك خفرك فلا تضحيها الله الله من وراء هذه الأمة قد علم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم مكانك لو أراد ان يعهد إليك فعل بل نهاك عن الفرط في البلاء وأنّ عمود الدين لا يقام بالنساء إن انثلم ولا يشعب بهنّ إن انصدع فصدع النساء غض الأطراف وحف الأعطاف وقصر الوهادة وضم الذيول وما كنت قائلة لو أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم عارضک ببعض الفلاة ناضه قلوصاً من منهل إلى آخر أن قد هتكت صداقته وتركت عهدته أن يغير الله بك لهواك على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم تردین والله لو سرت سيرك هذا ثمّ قيل لي ادخلي الفردوس لاستحييت أن ألقى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم هاتكة حجاباً قد ستره عليّ إجعلي حصنك بيتك وقاعة البيت قبرك حتّى تلقينه وأنت على ذلك أطوع ما تكوني له ما لزمتيه وانظري نبوع الدّين ما حلّت عنه .
فقالت لها عائشة : ما أعرفني بوعظك واقبلني لنصحك ولنعم المسير مسير فزعت إليه وأنا بين سائرة ومتأخرة فإن أعد فمن غير حرج وإن أسير فإلى ما لا بدّ من الإزياد منه .
فلمّا رأت أُمّ سلمة أن عائشة لا تقنع عن الخروج عادت إلى مكانها وبعثت إلى رهط من المهاجرين والأنصار قالت لهم لقد قتل عثمان بحضرتكم وكانا هذان الرّجلان - أعني طلحة والزبير - يشيعان عليه كما رأيتم فلمّا قضى أمره بايعا عليّاً علیه السلام وقد خرجا الآن عليه زعماً أن يطلبا بدم عثمان ويريدان أن يخرجا حبيسة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم معهم وقد عهد إلى جميع نسائه عهداً واحداً أن يقرن في بيوتهن فإن كان تهنّ فإن كان مع عائشة عهد سوى ذلك تظهره وتخرجه إلينا نعرفه فاتقوا الله عباد الله فإنا نأمركم بتقوى الله والاعتصام بحبله والله ولي لنا ولكم فشق كثير على طلحة والزبير عند سماع هذا القول من أمّ سلمة.
ثمّ أنفذت أم سلمة إلى عائشة فقالت لها : قد وعظتك فلم تتعظي وقد كنت أعرف رأيك في عثمان وأنّه لو طلب منك شربة ماء لمنعتيه ثمّ أنت اليوم تقولين إنّه قتل مظلوماً وتريدين أن تثيري لقتال أولى النّاس بهذا الأمر قديماً وحديثاً فاتقي الله حقّ تقاته ولا تعرّضي لسخطه.
فأرسلت إليها عائشة أمّا ما كنت تعرفيه من رأيي في عثمان فقد كان ولا أجد مخرجاً منه إلّا الطلب بدمه وأما علي فإني آمره بردّ هذا الأمر شورى بين النّاس.
فأنفذت إليها أُمّ سلمة أما أنا فغير واعظة لك من بعد ولا مكلمة جهدي وطاقتي والله إنّي لخائفة عليك البوار ثمّ النار والله ليخيبن ظنك ولينصرن الله ابن أبي طالب على من بغى عليه وستعرفين عاقبة ما أقول والسلام(1).
1) الجمل : 102
أقول : وقد أتى بما ذكرنا من تحذير أُمّ سلمة عائشة ابن قتيبة الدينوري في «الإمامة والسياسة» (ص 56 ج 1 طبع مصر 1377 هـ) والفاضل الشارح المعتزلي ابن أبي الحديد في الجزء الثاني من شرحه على «نهج البلاغة»، وبين النسخ اختلاف في بعض الجمل في الجملة ففي الأوّل : وقد علمت أن عمود الدين لا يثبت بالنساء إن مال ولا يراب بهنّ إن انصدع، حماديات النساء غض الأبصار وضمّ الذيول.
لما تأهب القوم للمسير إلى البصرة جاء عليّاً علیه السلام الخبر عن أمرهم قد توجهوا نحو العراق فدعا ابن عبّاس ومحمّد بن أبي بكر وعمّار بن ياسر وسهل بن حنيف وأخبرهم بذلك فقال أشيروا عليّ بما اسمع منكم القول فيه، فقال عمّار: الرأي أن نسير إلى الكوفة فإن أهلها لنا شيعة وقد انطلق هؤلاء القوم إلى البصرة، وقال ابن عبّاس: الرأي عندي يا أمير المؤمنين أن تقدم رجالاً إلى الكوفة فيبايعوا لك وتكتب إلى الأشعري (يعني أبا موسى الأشعري وكان عاملاً لعثمان على الكوفة) أن يبايع لك ثمّ بعده المسير حتّى نلحق بالكوفة فنعاجل القوم قبل أن يدخلوا البصرة وتكتب إلى أم سلمة فتخرج معك فإنها لك قوة . فقال أمير المؤمنين علیه السلام بل أنهض بنفسي ومن معي في اتباع الطريق وراء القوم فإن أدركتهم بالطريق أخذتهم وإن فاتوني كتبت إلى الكوفة واستمددت الجنود إلى الأمصار وسرت إليهم. وأمّا أُمّ سلمة فإني لا أرى إخراجها من بيتها كما رأى الرجلان إخراج عائشة .
ثمّ نادى أمير المؤمنين علیه السلام في النّاس : تجهزوا للمسير فإن طلحة والزبير قد نكثا البيعة ونقضا العهد وأخرجا عائشة من بيتها يريدان البصرة لاثارة الفتنة وسفك دماء أهل القبلة، ثمّ رفع يديه إلى السماء فقال :
اللهم إن هذين الرجلين قد بغيا عليّ ونكثا عهدي ونقضا عهدي وشقياني بغير حقّ سومها ذلك اللهم خذهما بظلمهما واظفرني بهما وانصرني عليهما ثمّ خرج في سبعمائة رجل من المهاجرين والأنصار واستخلف على المدينة تمام بن عبّاس وبعث قثم بن عباس إلى مكّة ولما رأى علیه السلام التوجه إلى القوم ركب جملاً أحمر وهو يقول :
سیروا مبلين وحثّوا السیرا *** في طلحة التميمي والزبيرا
إذ جلبا شراً وعافا خیراً *** يا رب أدخلهم غداً سعيراً
وسار مجداً في السير حتّى بلغ الربذة بين الكوفة ومكة من طريق الجادّة فوجد القوم قد فاتوا فنزل بها فأقام بها أياماً فكتب إلى أهل الكوفة :
قال أبو جعفر الطبري في التاريخ (ص 493 طبع مصر 1357 هـ) : حدّثني عمر قال : حدثنا أبو الحسن عن بشير بن عاصم، عن محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال: كتب عليّ علیه السلام إلى أهل الكوفة : بسم الله الرحمن الرحيم أمّا بعد فإنّي اخترتكم والنزول بين أظهركم لما أعرف من مودتكم وحبّكم الله عزّ وجلّ ولرسوله صلی الله علیه و آله و سلّم فمن جاءني ونصرني فقد أجاب الحقّ وقضى الذي عليه».
أقول : كتابه هذا ليس بمذكور في النهج ونقله الطبري على وجه آخر أيضاً قال (ص 394ج 3) : كتب إلى الري، عن شعيب، عن سيف، عن محمّد وطلحة قال : لما قدم عليّ علیه السلام الربذة أقام بها وسرح منها إلى الكوفة محمّد بن أبي بكر ومحمّد بن جعفر وكتب إليهم : إنّي اخترتكم على الأمصار وفزعت إليكم لما حدث فكونوا لدين الله أعواناً وأنصاراً وأيدونا وانهضوا إلينا فالإصلاح ما نريد لتعود الأمّة إخوانا ومن أحبّ ذلك وآثره فقد أحبّ الحقّ وآثره ومن أبغض ذلك فقد أبغض الحقّ وغمصه.
قال : فمضى الرجلان وبقي عليّ علیه السلام بالربذة يتهيأ وأرسل إلى المدينة فلحقه ما أراد من دابة وسلاح وأمر أمره وقام في النّاس فخطبهم وقال :
«إن الله عزّ وجلّ أعزّنا بالإسلام ورفعنا به وجعلنا به إخوانا بعد ذلة وقلة وتباغض وتباعد فجرى النّاس على ذلك ما شاء الله الإسلام دينهم والحقّ فيهم والكتاب إمامهم حتّى هذا الرّجل بأيدي هؤلاء القوم الذي نزعهم الشيطان لينزغ بين هذه الأمّة ألا إنّ هذه الأمّة لا بد مفترقة كما افترقت الأمم قبلهم فنعوذ الله من شرّ ما هو كائن ثمّ عاد ثانية فقال : إنّه لا بدّ ممّا كائن أن يكون ألا وإن هذه الأمّة ستفترق على ثلاثة وسبعين فرقة شرّها فرقة تنتحلني ولا تعمل بعملي فقد أدركتم ورأيتم فالزموا دينكم واهدوا بهدي نبيّكم صلی الله علیه و آله و سلّم واتبعوا سنته وأعرضوا ما أشكل عليكم على القرآن فما عرفه القرآن فالزموه وما أنكره فردّوه وارضوا بالله جلّ وعزّ ربّاً وبالإسلام ديناً و بمحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم نبيّاً وبالقرآن حكماً وإماماً .
أقول : ذلك الكتاب وهذه الخطبة أيضاً ليسا بمذكورين في النهج - ثمّ لا يخفى على المتضلّع في الآيات القرآنيّة أن هذه الخطبة يبين لنا بطنا من بطون القرآن بل يظهر لنا سراً من أسرار القدر بأن هذه الأمّة لا بد مفترقة كما افترقت الأمم قبلهم فلعلّ هذا ما يشير إليه بعض الآي القرآني يأتي هذه الأمّة مثل الذين خلوا من قبلها .
ثمّ قال الطبري : إنّه علیه السلام بعث محمّد بن أبي بكر إلى الكوفة ومحمّد بن عون فجاء
النّاس إلى أبي موسى يستشيرونه في الخروج فقال أبو موسى: أمّا سبيل الآخرة فأن تقيموا، وأمّا سبيل الدنيا فأن تخرجوا وأنتم أعلم، وبلغ المحمّدين قول أبي موسى فبايناه وأغلظا له فقال: أما والله إنّ بيعة عثمان في عنقي وعنق صاحبكما الذي أرسلكما إن أردنا أن نقاتل لا نقاتل حتى لا يبقى أحد من قتلة عثمان إلّا قتل حيث كان .
فانطلقا إلى عليّ علیه السلام فوافياه بذي قار وأخبراء الخبر وقد خرج مع الأشتر وقد كان يعجل إلى الكوفة فقال عليّ علیه السلام : يا أشتر أنت صاحبنا في أبي موسى والمعترض في كلّ شيء اذهب أنت وعبد الله بن عبّاس فاصلح ما أفسدت فخرج عبد الله بن عبّاس ومعه الأشتر فقدما الكوفة وكلّما أبا موسى واستعانا عليه بأناس من الكوفة فقال للكوفيين : أنا صاحبكم يوم الجرعة وأنا صاحبكم اليوم فجمع الناس وخطبهم واستنفرهم إلى أمير المؤمنين علیه السلام.
ثمّ سار عليّ علیه السلام بمن معه حتّى نزل بذي قار ثمّ دعا علیه السلام هاشم بن عتبة المر قال وكتب معه كتاباً إلى أبي موسى الأشعري وكان بالكوفة من قبل عثمان أن يوصل الكتاب إليه ليستفز الناس منها إلى الجهاد معه وكان مضمون الكتاب:
«بسم الله الرحمن الرحيم من عليّ أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس أمّا بعد فإني أرسلت إليك هاشم بن عتبة المر قال لتشخص معه من قبلك من المسلمين ليتوجهوا إلى قوم نكثوا بيعتي وقتلوا شيعتي وأحدثوا في هذه الأمّة الحدث العظيم فاشخص النّاس إليّ معه حين يقدم بالكتاب عليك فلا تحبسه فإني لم أقرك في المصر الذي أنت فيه إلا أن تكون من أعواني وأنصاري على هذا الأمر والسلام»
فقدم هاشم بالكتاب على أبي موسى فدعى أبو موسى السائب بن مالك الأشعري فأقرأه الكتاب، وقال له: ما ترى؟ فقال له السائب : اتبع ما كتب به إليك، فأبى أبو موسى ذلك وكسر الكتاب ومحاه وبعث إلى هاشم بن عتبة يخوفه ويتوعده بالسجن فقال السائب بن مالك : فأتيت هاشماً فأخبرته بأمر أبي موسى .
فكتب هاشم إلى أمير المؤمنين علیه السلام أمّا بعد يا أمير المؤمنين فإني قدمت بكتابك على امر شاق عاق بعيد الرحم ظاهر الغل والشقاق وقد بعثت إليك بهذا الكتاب مع المغل بن خليفة أخي ظني وهو من شيعتك وأنصارك وعنده علم ما قبلنا فاسأله عما بدالك واكتب إليّ برأيك أتبعه والسلام.
فلمّا قدم الكتاب إليّ عليّ علیه السلام وقرأه دعا الحسن ابنه وعمّار بن ياسر وقيس بن سعد وبعثهم إلى أبي موسى وكتب معهم.
«من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس أما بعد يا ابن الحائك والله إنّي كنت لا أرى بعدك من هذا الأمر الذي لم يجعلك الله له أهلاً ولا جعل لك فيه نصيباً وقد بعثت لك الحسن وعماراً وقيساً خلّ لهم المصر وأهله واعتزل عملنا منسوباً مدحوراً فإن فعلت وإلا أمرتهم أن ينابذوك على سوى إن الله لا يحبّ الخائنين فإن أظهروا عليك قطعوك إرباً إرباً والسلام على من شكر النعم ورضي البيعة وعمل الله رجاء العاقبة.
فقدم الحسن علیه السلام وعمّار وقيس الكوفة مستنفرين لأهلها وكان أمير المؤمنين علیه السلام كتب إلى أهل الكوفة كتاباً كان معهم وهو الكتاب الأوّل من باب المختار من كتب أمير المؤمنين علیه السلام أي ذلك الكتاب المعنون للشرح وأتينا به في صدر هذا الباب وقد ذكرنا النسختين منه إحداهما ما في «النهج» والأخرى ما في «الجمل» للمفيد .
واعلم أن هذين الكتابين منه علیه السلام إلى أبي موسى الأشعري ليسا بمذكورين في «النهج» وقد نقلناهما من «الجمل» للمفيد (ص 115 طبع النجف) وتاريخ أبي جعفر محمّد بن جرير من الطبري (ص 512 ج 3 طبع مصر 1357 هـ) وبين النسختين اختلاف في بعض العبارات وسيأتي الكتاب الثالث والستين منه علیه السلام إلى أبي موسى الأشعري وقد بلغه عنه تثبيطه النّاس عن الخروج إليه لمّا ندبهم لحرب أصحاب الجمل : من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس أمّا بعد فقد بلغني عنك قول هو لك وعليك - إلخ . فقد حان أن نتصدى جمل الكتاب بعون الله الملك الوهاب ونذكر تتمة واقعة الجمل في شرح الكتاب التالي إن شاء الله تعالى.
قوله علیه السلام : (من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة جبهة الأنصار وسنام العرب) قد قدمنا في تفسير لغات الكتاب أن الجبهة لها معنيان: الجماعة وموضع السجود من الرأس وقد يكنى على الثاني أعيان النّاس وسادتهم وأشرافهم من حيث أن للجبهة حرمة وشرفاً في الوجه ولذا توضع على الأرض في السجدة وهذا هو المراد في المقام بقرينة السنام فصدّر علیه السلام كتابه بمدحهم بقول جبهة الأنصار وسنام العرب لأنهم كانوا بين أعوانه علیه السلام كالجبهة والسنام في العزة والرفعة وصار أهل الكوفة آخر الأمر أنصاره علیه السلام والكوفة دار هجرته كما أنّ أهل المدينة صاروا أنصار رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم والمدينة دار هجرته. ثمّ لا يخفى أنّ مثل هذا المقام يقتضي تصدير الكتاب بالألفاظ الدالّة على التحبيب وتأليف القلوب والترغيب فيما يراد فصدّره بالمدح اجتذاباً لهم إلى ما يريد من نصرته على الناكثين.
قوله علیه السلام : (أمّا بعد فإنّي أخبركم عن أمر عثمان حتّى يكون سمعه كعيانه) قد أثبتنا وحقّقنا أن النّاس لما رأوا أن عثمان أحدث ما أحدث وفعل ما فعل نقموها منه وطعنوا عليه و حصروه أربعين ليلة ومنعوه من الماء أيّاماً للأعراض التي قدمناها وعلل بيّناها وشهد قتله من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم حتّى قيل إنّ المجمعين على قتل عثمان كانوا أكثر من المجمعين على بيعته وأن أمير المؤمنين عليّاً علیه السلام لقد دفع عنه غير مرّة حتّى قال : والله لقد دفعت عنه حتّى خشيت أن أكون آثماً وغير ذلك مما لا حاجة إلى إعادتها وأن طلحة والزبير وعائشة فيما صنعوه في عثمان كانت من أوكد أسباب ما تمّ على عثمان من الخلع والحصر وسفك دمه والفساد، وسمعت أقوال الفريقين في طلحة أنّه كان أوّل من رمى بسهم في دار عثمان وفي الزبير ما قال لعثمان وفي انكار عائشة عليه وأنّها كانت أوّل من طعن على عثمان
وأطمع النّاس فيه.
ودريت أنَّ طلحة والزبير كانا أوّل من بايع أمير المؤمنين علیه السلام إلّا أنّهم لما رأوا خيبتهم من الآمال الدنيويّة ويأسهم من الأغراض الشهوانية والشيطانية نكثوا البيعة واستمسكوا بطلب دم عثمان تشبيهاً وتلبيساً على العامة والمستضعفين واتهموا أمير المؤمنين علیه السلام بقتله وعزوا دمه إليه ومن نظر فيما قدمنا في تفسير هذا الكتاب علم أن الناكثين وأضرابهم وأتباعهم قد لعبوا بالدين وأنّما كان قصدهم التملك للأمر والتأمر على المسلمين. ثمّ لما كانت شبهة قتل عثمان مبدأ كلّ فتنة نشأت في الإسلام من فتنة الجمل وصفين ونهروان حتّى أنّ بني أُميّة تمسكوا بها في منع الماء من ريحانة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم سيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين بن عليّ علیه السلام وقتله فأخبر عليّ علیه السلام أهل الكوفة عن أمر عثمان والأحوال التي جرت عليه مما نقمها النّاس منه وطعنوا فيه على حدّ إيضاح يكون سمعه لمن لم يشهده كعيانه أي كأنه شهد تلك الواقعة ورآها بعينه ليعلم تنزيهه علیه السلام عن إسناد قتل عثمان إليه وأن إسناد دمه إليه علیه السلام تهمة وبهتاناً ليس إلا وأنّه علیه السلام أبرأ النّاس من دم عثمان(1).
قوله علیه السلام : (إن النّاس طعنوا عليه) هذا شروع في الإخبار عن أمر عثمان، وإنّما صرّح علیه السلام بأن النّاس طعنوا عليه ليعلم أهل الكوفة أنّ النّاس نقموا من عثمان بالقوادح التي ارتكبها وطعنوا عليه بالأحداث التي أحدثها مما سمعتها من كتب الفريقين وفيه إشارة إلى مبدأ قتله .
قوله علیه السلام : (فكنت رجلاً من المهاجرين) قال الفاضل الشارح المعتزلي: ومن لطيف الكلام قوله علیه السلام : فكنت رجلاً من المهاجرين فإن في ذلك من التخلص والتبرّي ما لا يخفى
1) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: 129/2.
على المتأمل ألا ترى أنّه لم تبق عليه في ذلك حجة لطاعن من حيث كان قد جعل نفسه كواحد من عرض المهاجرين الذين بنفر يسير منهم انعقدت خلافة أبي بكر وهم أهل الحلّ والعقد وإنّما كان الإجماع حجّة لدخولهم فيه . انتهى قوله .
أقول : إنّ الشارح خلط الحقّ بالباطل وذلك لأنّ من هاجر مع رسول الله ومن هاجر الهجرتين كان له ربتة ورفعة وشرف بين سائر الصحابة وكان المهاجرون يباهون بالمهاجرة كما ترى في كثير من الجوامع التي دونت لمعرفة الصحابة وهذا ممّا لامرية فيه مثلاً أنّ أمير المؤمنين علیه السلام قال : في الكلام 56 من باب الخطب: وأمّا البراءة فلا تتبرّأ وأمنّي فإنّي ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإيمان والهجرة. وأمّا أن جميع ما قاله المهاجر وفعله إلاّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و وصيّه على أمير المؤمنين سواء كان واحداً أو أكثر فلم يثبت صوابه بل تحقق خطؤهم في بعض الموارد لأنّ هؤلاء المهاجرين لم يكونوا معصومين عن الخطأ ولم يثبت عصمتهم ولم يدّع أحد العصمة فيهم سيما في الواقعة التي أشارت إليه من انعقاد خلافة أبي بكر بنفر يسير منهم، وكون الإجماع حجّة لدخولهم فيه ففيه ما فيه وكيف يكون ذلك الإجماع حجّة ولم يكن فيه أفضل المهاجرين وأقدم المسلمين وسيّد الموحدين ومن کان من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بمنزلة هارون من موسى على أنّه قد طعن ذلك الإجماع الحاصل من هؤلاء النفر غير واحد من كبار رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ممن تثني عليهم الخناصر وهذا هو خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين طعن إجماعهم وأنكر عليهم فعلهم وقال :
ما كنت أحسب هذا الأمر منصرفاً *** عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن أليس أوّل من صلّي بقبلتهم *** وأعرف الناس بالآثار والسنن
وآخر النّاس عهداً بالنبيّ ومن *** جبريل عون له في الغسل والكفّن
من فيه مافيهم لا يمترون به *** وليس في القوم ما فيه من الحسن
ما ذا الذي ردّكم عنه فنعلمه *** ها إنّ بيعتكم من أغبن الغين
وفي نسخة : ها إنّ بيعتكم من أوّل الفتن .
وهذا هو العبّاس بن عبد المطّلب عمّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم دعا أمير المؤمنين علیه السلام فقال له : امدد يدك يا ابن أخي أبايعك ليقول النّاس عمّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بايع ابن عمّ رسول الله فلا يختلف عليك اثنان.
وهؤلاء أهل اليمامة لما عرفوا تقلد أبي بكر أنكروا أمره وامتنعوا من حمل الزكاة حتّى أنفذ إليهم الجيوش فقتلهم وحكم عليهم بالردة عن الإسلام.
ولو أطنبنا الكلام في ذلك لكثر بنا الخطب ولخرجنا عن أسلوب الكلام وموضوع الكتاب.
قوله علیه السلام : (أكثر استعتابه وأقل عتابه) لا يخفى دلالة كلامه علیه السلام هذا على حسن طويتّه ولطف رويّته بالنّاس وذلك لأن الناصح الكريم إذا رأى غيره في صوب غير صواب لا يلومه بألفاظ خشنة ولا ينهى عنه بعنف ولا يشمت به ولا يفرح ببليّته ولا يوبّخه بفعله لأنّها من ديدن الجهّال ودأب من لم يطلع بسرّ الله في القدر، بل يعظه بالرفق واللين فإن الرفق يمن والحزق شوم ولذا قال علیه السلام : أكثر استعتابه وأقل عتابه أي أكثر استرضاءه ونصحه ليرجع عمّا صارت سبب سخط القوم عليه ونقموها منه، أو أكثر استرضاء القوم عنه كما دريت أن أمير المؤمنين دفع عنه غير مرة حتّى قال علیه السلام : والله لقد دفعت عنه حتّى خشيت أن أكون آثماً (الخطبة 238 من النهج).
وقال علیه السلام أيضاً : والله ما زلت أذبّ عنه حتّى أنّي لأستحي (تاريخ الطبري ج 3 ص 410 طبع مصر 1357 هـ) ومما حقّقناه في شرح هذا الكتاب وفي شرح الخطبة 238 دريت أن عثمان لو قبل ما أشار أمير المؤمنين عليّ علیه السلام عليه من أُمور كان صلاحه فيها لم يحدث عليه ما حدث وإنّما ذاق ما ذاق بإبائه عن مواعظ أمير المؤمنين علیه السلام وإعراضه عن نصحه. ولقد أتى الرضي رحمة الله بطائفة من نصحه علیه السلام في باب الخطب (الكلام 163) قوله علیه السلام : إِنَّ النّاس ورائي وقد استسفروني بينك وبينهم إلخ - ونقله أبو جعفر الطبري في التاريخ ص ج 376 ج 3 والشيخ المفيد في الجمل ص 84.
قوله علیه السلام : وأقل عتابه، أي ما عاتبت عليه وما كلمته باللوم والتوبيخ لما حققنا في البحث اللغوي أن المراد من أقل هنا النفي وذلك لما سمعت أن من دأب كرام الناس : الرفق واللين واللطف وترك الخشونة والعنف مع النّاس حتّى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونعم ما أشار إليه الشيخ الرئيس في آخر النمط التاسع من الإشارات : العارف لا يعنيه التجسس والتحسّس ولا يستهويه الغضب عند مشاهدة المنكر كما يعتريه الرحمة فإنّه مستبصر لسرّ الله في القدر وأما إذا أمر بالمعروف أمر برفق ناصح لا يعنف معيرّ. وقال المحقق الطوسي في الشرح : إذا أمر العارف بالمعروف أمر برفق ناصح لا بعنف معير أمر الوالد ولده وذلك لشفقته على جميع خلق الله على أنّه لم ينقل أنّه وبخه ولامه على أفعاله بل كان يعظه.
هذا إذا كان المراد من لفظة أقل عتابه نفي العتاب وإذا كان المراد منها حمل العتاب فالمعنى أنّي حملت عتابه ومع ذلك كنت أكثر استعتابه ونصحه وما منعني وما منعني عتابه عن نصحه وذلك لما علمت من الأخبار السالفة أن عثمان قد عدله علیه السلام بمروان بن الحكم وقال له علیه السلام : فوالله ما أنت عندي بأفضل من مروان ولمّا شيّع علیه السلام أبا ذر قال عثمان : من يعذرني من
عليّ ردّ رسولي إلى أن قال : والله لنعطينّه حقّه وغير ذلك ممّا نقلناها من الفريقين وهو علیه السلام مع ذلك كان يكثر استعتابه لكن عثمان أبى منه علیه السلام النصح كما دريت .
قوله علیه السلام : (وكان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه الوجيف وأرفق حدائهما العنف) كنّى علیه السلام بالجملتين عن شدة سعيهما في قتل عثمان حتّى أن السير الوجيف كان أهون ما يسيران في قتله، والحداء العنيف كان أرفق فعلهما فيه. وقد ذهب بعض إلى أن سيرهما عثمان وحداءهما إياه كان أهونه الوجيف وأرفقه العنيف أعني أن ذلك البعض شبّه طلحة والزبير بالسائق والحادي وعثمان بالإيلا مثلاً ولكنه لأن السير وإن جاء لكلّ واحد من اللزوم والتعدي لكن كلامه علیه السلام ينادي بأعلى صوته على خطأ ما ذهب إليه ذلك البعض وصواب ما فسرناه من أنهما سارا أشدّ أنهما سارا أشدّ سرعة من السير الوجيف حتّى أن السير الوجيف كان أهون سيرهما في قتله وكذا الجملة التالية وهذا ظاهر لا غبار عليه .
ثمّ أنك قد علمت مما قدمنا من أخبار الفريقين عمل طلحة والزبير وأقوالهما في عثمان ونذكر نبذة منها ههنا على الإختصار : لمّا حضر عثمان صعد على القصر ونادى طلحة ثمّ ساله عن علّة حصره و منعه من الماء فأجابه مرتين : لأنّك بدّلت وغيرت - «الإمامة والسياسة» للدينوري ص 38 ج 1 طبع مصر
1377 هـ .
وروى أبو جعفر الطبري - ص 411 ج 3 طبع مصر 1357 ه - قال طلحة لأصحابه : لا تتركوا أحداً يدخل على هذا الرّجل ولا يخرج من عنده، فقال عثمان : اللهم اكفني طلحة بن عبيد الله فإنّه حمل على هؤلاء وألتهم إنّي لأرجو أن يكون منها صفراً أو أن يسفك دمه إِنّه انتهك منّي ما لا يحلّ له .
وفي «الجمل» للمفيد - ص طبع النجف - روى أبو إسحاق أنّه لما اشتدّ الحصار بعثمان وظمأ من العطش فنادى : يا أيّها الناس اسقونا شربة من الماء وأطعمونا ممّا رزقكم الله، فناداه الزبير بن العوّام يا نعثل لا والله لا تذوقه.
ثمّ قال : لما اشتد الحصار بعثمان عمد بنو أميّة على إخراجه ليلاً إلى مكة وعرف النّاس فجعلوا عليه حرساً وكان على الحرس طلحة بن عبيد الله وهو أول من رمى بسهم في دار عثمان.
قوله علیه السلام : (وكان من عائشة فيه فلتة غضب) السبب في فلتة غضبها عليه هو ما قدمنا أن عثمان جعل مال المسلمين طعمة له ولبني أمية وأتباعه وذويه وعشيرته وآثر أهل بيته بالأموال العظيمة التي هي عدّة للمسلمين نحو ما نقلنا من الفريقين أنّه دفع إلى أربعة أنفس من قريش زوجهم بناته أربعمائة ألف دينار وأعطى مروان مائة ألف على فتح إفريقية ويروى خمس
إفريقية، ونحو ما رووا أن أبا موسى بعث بمال عظيم من البصرة فجعل عثمان يقسمه بين أهله وولده بالصحاف وغير ذلك ممّا مرّ من قوادحه ومطاعنه وما نقمها النّاس منه .
وقال الدينوري في «الإمامة والسياسة» : إنّ عائشة كانت أوّل من طعن على عثمان وأطمع النّاس فيه، وكانت عائشة تقول اقتلوا نعثلاً فقد فجر، وفي رواية أخرى كانت تقول : اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلا(1).
وروى الشيخ الأجل المفيد في «الجمل» - ص 61 طبع النجف - عن محمّد بن إسحاق صاحب السيرة عن مشائخه عن حكيم بن عبد الله قال : دخلت يوماً بالمدينة إلى المسجد فإذا كفّ مرتفعة وصاحب الكف يقول : أيّها النّاس العهد قريب هذان نعلا رسول الله وقميصه وكأني أرى ذلك القميص يلوح وأن فيكم فرعون هذه الأمة فإذا هي عائشة وعثمان يقول لها: اسكتي ثمّ يقول للنّاس إنها امرأة وعقلها عقل النساء فلا تصغوا إلى قولها، وفي رواية أخرى كما قدمناها أنها قالت له : هذا قميص رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لم يتغير وقد غیرت سنته یا نعثل، وأخرى أنها قالت لابن عباس إياك أن ترد النّاس عن قتل الطاغية وتعني بالطاغية ونعثل عثمان وغير ذلك من الأخبار التي جاءت في إنكار عائشة وتأليبها على عثمان وإغرائها النّاس بقتل عثمان قد قدمنا طائفة منها وكان نعثل اسم يهودي طويل اللحية وشبّهت عائشة عثمان به.
قوله علیه السلام : (فأُتيح له قوم فقتلوه) قد يحذف الفاعل للجهل به أو لغرض لفظي أو معنوي أو للإبهام أو للعلم به أو لغيرها مما قرر في محله ويمكن أن يكون حذفه في المقام للعلم به نحو قوله تعالى: «غيض الماء وقضي الأمر» أي غاض الله الماء وقضى الله الأمر فحذف الفاعل للعلم به وكذا في المقام فالمعنى أن قتله كان بتقدير إلهي أي قدّر الله وهيأ قوماً له فقتلوه ولقائل أن يقول : إن كلامه علیه السلام في طلحة والزّبير وعائشة يدلّ على أن الفاعل المحذوف هؤلاء الثلاثة أي هيا وسبب طلحة والزبير وعائشة له قوماً فقتلوه والأخبار المتقدمة تؤيد هذا الإحتمال لأنهم قد حثوا وحرّضوا وأغروا الناس على قتله كما دريت فحذف الفاعل للعلم به وللايجاز في اللّفظ، ويمكن أن يكون للإبهام كما أفاد القطب الراوندي : أنّه علیه السلام إنّما بنى الفعل للمفعول ولم يقل أتاح الله أو أتاح الشيطان ليرضى بذلك الفريقان وبالجملة لا يخفى لطف كلامه علیه السلام حيث أتى بالفعل المجهول.
قوله : (وبا يعني النّاس غير مستكرهين ولا مجبرين بل طائعين مخيرين) قد حققنا وبرهنا أن المتعين في المستكره بكسر الراء أي غير كارهين وقوله علیه السلام ولا مجبرين أي غير
1) الإمامة والسياسة : 72/1، شرح النهج : 215/6
مكرهين. وقد مضى في الخطبة 238 أن عثمان لما كان محصوراً كان الناس يذكرون أمير المؤمنين علياً علیه السلام على رؤوس الأشهاد وكانوا يهتفون باسمه علیه السلام للخلافة وقالوا لعثمان إنك قد أحدثت أحداثاً عظاماً فاستحققت بها الخلع وما كان لنا أن نرجع حتّى نخلعك ونستبدل بك من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من لم يحدث مثل ما جربنا منك ولم يقع عليه من التهمة ما وقع عليك فاردد خلافتنا واعتزل أمرنا فإن ذلك أسلم لنا منك ويعنون بذلك الصحابي أمير المؤمنين علياً علیه السلام فلمّا رأى عثمان أن قلوب الجماعة مائلة إليه سأله الخروج إلى ينبع ليقلّ هتف النّاس باسمه للخلافة.
وقد بينّا آنفاً أن أمير المؤمنين علیه السلام كان يمتنع من بيعة النّاس له فيختبىء عنه ويلوذ يحيطان المدينة، ولما اجتمع النّاس إليه وسألوه أن ينظر في أمورهم وبذلوا له البيعة قال لهم: التمسوا غيري، ولمّا جاء طلحة والزبير إليه علیه السلام وهو متعوّذ بحيطان المدينة فدخلا عليه وقالا له : ابسط بدك نبايعك فإنّ النّاس لا يرضون إلا بك، قال علیه السلام لهما : لا حاجة لي في ذلك وأن أكون لكما وزيراً خير من أن أكون أميراً فقالا : إن الناس لا يؤثرون غيرك ولا يعدلون عنك إلى سواك فابسط يدك نبايعك أوّل النّاس، ثم ألحّ الناس في ذلك عليه فقالوا : نحن أرضى النّاس به ما نريد به بدلاً وقالوا له : ننشدك الله أما ترى الفتنة ألا تخاف الله في ضياع هذه الأمة وقالوا : إن تجبنا إلى ما دعوناك إليه من تقليد الأمر وقبول البيعة وإلا انفتق في الإسلام ما لا يمكن رتقه وانصدع في الدين ما لا يستطاع شعبه فلما ألحّوا عليه قال لهم إني لو أجبتكم حملتكم على ما أعلم وإن تركتموني كنت لأحدكم، قالوا قد رضينا بحلمك وما فينا مخالف لك فاحملنا على ما تراه ثمّ بايعه الجماعة فتداكّوا عليه تداكّ الإبل على حياضها يوم ورودها حتّى شقوا أعطافه ووطؤوا ابنيه الحسن والحسين لشدّة أزدحامهم عليه وحرصهم على البيعة له. ولقد مضى كلامه علیه السلام في ذلك لما اريد على البيعة بعد قتل عثمان : دعوني والتمسوا غيري - إلى قوله : وأنا لكم وزيراً خير لكم منّي أميراً (الخطبة 91) .
ثمّ المراد من قوله علیه السلام هذا أنّ النّاس بايعوه غير كارهين ولا مكرهين بل طائعين مخيّرين ولم يحدث علیه السلام ما يغاير كتاب الله وسنة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فلا يجوز لهم أن ينكثوا بيعته علیه السلام فضلاً عن عن يحاربوه قال عزّ من قائل «فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ» الآیة وذكر أصحاب السير ومنهم المسعودي في «مروج الذهب» - ص 11 ج 2 طبع مصر 1346 هـ ثمّ نادى عليّ علیه السلام طلحة حين رجع الزبير يا أبا محمّد - أبو محمّد كنية الزبير - ما الذي أخرجك؟ قال: الطلب بدم عثمان قال عليّ علیه السلام قتل الله أولانا بدم عثمان أما سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقول : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه؟ وأنت أول من بايعني ثمّ نكثت وقد قال الله عزّ وجلّ: «فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ» فقال استغفر الله ثمّ رجع .
وفي «الإمامة والسياسة»: قال له عليّ علیه السلام أولم تبايعني يا أبا محمّد طائعاً غير مكره؟ فما كنت لأترك بيعتي : قال طلحة : بايعتك والسيف على عنقي؛ قال : ألم تعلم أني ما أكرهت أحداً على البيعة؟ ولو كنت مكرهاً أحداً لأكرهت سعداً وابن عمر ومحمّد بن مسلمة أبوا البيعة واعتزلوا فتركتهم؛ قال طلحة : كنّا في الشورى ستة فمات اثنان وقد كرهناك ونحن ثلاثة : قال عليّ علیه السلام إنّما كان لكما ألا ترضيا قبل الرضا وقبل البيعة وأمّا الآن فليس لكما غير ما رضيتما به إلا أن تخرجا ممّا بويعت عليه بحدث فإن كنت أحدثت حدثاً فسمّوه لي(1).
أراد طلحة بقوله : والسيف على عنقي أنّه بايعه بالإجبار والإكراه وأن سيف الأشتر على عنقه.
ثمّ إنّا نرى كثيراً من الناكثين اعترفوا بظلمهم علياً علیه السلام بنقضهم ونكثهم عهده وبيعته علیه السلام ففي «الجمل» للمفيد - ص 207 طبع النجف - : روى أبو مخنف عن العدوي عن أبي هاشم عن البريد عن عبد الله بن المخارق عن هاشم بن مساحق القرشي قال : حدثنا أبي أنه لما انهزم النّاس يوم الجمل اجتمع معه طائفة من قريش فيهم مروان بن الحكم فقال بعضهم لبعض : والله لقد ظلمنا هذا الرّجل - يعنون أمير المؤمنين عليّاً علیه السلام - ونكثنا بيعته من غير حدث والله لقد ظهر علينا فما رأينا قط أكرم سيرة منه ولا أحسن عفواً بعد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم تعالوا حتّى ندخل عليه ونعتذر إليه فيما صنعناه، قال فصرنا إلى بابه فاستأذناه فأذن لنا فلما مثلنا بين يديه جعل متكلمنا يتكلّم فقال علیه السلام انصتوا أكفكم إنّما أنا بشر مثلكم فإن قلت حقاً فصدقوني وإن قلت باطلاً فردّوا عليّ أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قبض وأنا أوّل النّاس به وبالنّاس من بعده؟ قلنا اللهم نعم قال فعدلتم عنّي وبايعتم أبا بكر فأمسكت ولم أحبّ أشق عصا المسلمين وأفرق بين جماعتهم، ثمّ إنّ أبا بكر جعلها لعمر من بعده فكففت ولم أُهيج النّاس وقد علمت أني كنت أولى النّاس بالله وبرسوله وبمقامه فصبرت حتّى قتل وجعلني سادس ستة فكففت ولم أحب أن أفرق بين المسلمين، ثمّ بايعتم عثمان فطغيتم عليه وقتلتموه وأنا جالس في بيتي وأتيتموني وبايعتموني كما بايعتم أبا بكر وعمر فما بالكم وفيتم لهما ولم تفوا لي وما الذي منعكم من نكث بيعتهما ودعاكم إلى نكث بيعتي؟
فقلنا له: كن يا أمير المؤمنين كالعبد الصالح يوسف إذا قال «لا تثريب عليكم اليوم
1) الإمامة والسياسة : 951، والجمل: 130
يغفر الله لكم وهو أرحم الرّاحمين» فقال علیه السلام : لا تثريب عليكم اليوم وأنّ فيكم رجلاً لو بايعني بيده لنكث بإسته، يعني مروان بن الحكم.
وقد تكلّم علیه السلام في الموضعين من باب الخطب في وصف بيعته بالخلافة أحدهما الخطبة 53 قوله علیه السلام فتداكّوا عليّ تداكّ الإبل الهيم يوم ورودها - إلخ . وثانيهما القريب من الأوّل في بعض الكلم والجمل، الكلام 227 من باب الخطب قوله علیه السلام : وبسطتم يدي فكففتها ومددتموها فقبضتها ثمّ تداككتم عليّ تداكّ الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها - إلخ . ومال الشارح البحراني إلى أن كلامه الأوّل أعني الخطبة 53 أشار إلى صفة أصحابه بصفين ولكنه وهم والصواب ما أشرنا إليه .
وقال الشارح المعتزلي في شرح تلك الخطبة : اختلف الناس في بيعة أمير المؤمنين علیه السلام فالذي عليه أكثر النّاس وجمهور أرباب السير : أنّ طلحة والزبير بايعاه طائعين غير مكرهين ثمّ تغيّرت عزائمهما وفسدت نياتهما وغدرا به، وقال الزبيريون منهم عبد الله بن مصعب والزبير بن بكار وشيعتهم ومن وافق قولهم من بني تميم بن مرّة أرباب العصبيّة لطلحة: إنّهما بايعا مكرهين، وإنّ الزبير كان يقول : بايعت واللج على قفي، واللج سيف الأشتر وقفي لغة هذليّة إذا أضافوا المنقوص إلى أنفسهم قلبوا الألف ياء وأدغموا إحدى اليائين في الأخرى فيقولون : قد وافق ذلك هوى أي هواي وهذه عصى أي عصاي (1)
1) شرح نهج البلاغة : 7/4
انتهى المجلد السادس عشر من هذه الطبعة الجديدة القيمة في اليوم الثاني عشر من شهر شعبان المعظم سنة - 1383 - بتصحيح وتهذيب من العبد - السيد إبراهيم الميانجي - عفى عنه وعن والديه في المطبعة - المباركة الإسلامية بطهران ويليه -إن شاء الله : المجلد السابع عشر والحمد لله رب العالمين
«كلام أبي موسى الأشعري لأهل الكوفة ونهيه إياهم عن نصرة أمير المؤمنين علي علیه السلام بعدما استنفر الناس إليه علیه السلام الحسن بن علي وعمار بن ياسر عند مسيره علیه السلام إلى أهل البصرة» ... 8
بیان ... 12
«بحث كلامي» «نقل مسألتين من تنزيه الانبياء للشريف المرتضى علم الهدي» «في ايراد شبهات وأجوبتها في المقام» ... 15
«المسألة الأولى»... 15
«الجواب عن الشبهة الأولى» ... 15
«الجواب عن الشبهة الثانية» ... 17
«الجواب عن الشبهة الثالثة» ... 18
«الجواب عن الشبهة الرابعة» ... 18
«المسألة الثانية» ... 18
«الجواب» ... 18
هداية وإرشاد ... 19
«خاتمة في كلمة صفين» ... 28
الترجمة ... 30
خطبه : ... 30
ومن خطبة له علیه السلام وهي الخطبة السابعة والثلاثون والمأتان يذكر فيها آل محمد صلی الله علیه و آله و سلّم ... 32
اللغة ... 33
الإعراب ... 33
المعنى ... 33
«عدة مواضع من النهج في أوصاف آل محمد صلی الله علیه و آله و سلّم» «البحث العقلي والتحقيق العلمي في الإمامة» ... 35
«كلام هشام بن الحكم في عصمة الإمام» ... 40
مسلك عقلي آخر في أمر الإمامة أيضاً ... 42
«عدم تأثير السحر والشعبذة وأمثالهما في الحجج الإلهية» ... 44
«التمسك بآيتين وخمسة أخبار في الإمام وصفاته» ... 44
«رواية جابر بن عبد الله في نزول الآية» ... 57
الحديث الأول ... 57
الحديث الثاني ... 58
الحديث الثالث ... 59
بیان ... 61
الحديث الرابع ... 62
الحديث الخامس ... 74
بیان ... 75
تنبیه ... 79
«الكلام في أن السنة وحدها لا تكون حجة إلا بقيم» ... 79
«الأخبار المروية عن أهل بيت العصمة عليهم السلام» في النهي عن من العمل
بالقياس» ... 84
«احتجاج ثامن الأئمة علیهم السلام على المخالفين في أمر الإمامة» ... 88
«الأئمة بعد الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم هم آله علیهم السلام لا غير» ... 92
«الإمام الأول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام» ... 94
الأحاديث والآيات في علي علیه السلام ... 98
«الإمام الثاني والثالث» ... 99
«الإمام الرابع»
«كلام طنطاوي صاحب التفسير في الصحيفة السجادية» ... 103
«كلام محيي الدين الأعرابي (أو المغربي) فيه علیه السلام» ... 103
«كلام محمد بن طلحة الشافعي فيه علیه السلام ... 103
بیان ... 108
«الإمام الخامس» ... 108
«الإمام السادس» ... 110
«كلام المفيد فيه علیه السلام»
«کلام كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي» «فيه علیه السلام» ... 111
«كلام القاضي عبد الرحمن بن أحمد العضد الأيجي» «الشافعي فيه علیه السلام» ... 112
«كلام الشيخ العارف محيي الدين الأعرابي أو المغربي» «فيه فيه علیه السلام» ... 112
«كلام أبي يزيد البسطامي فيه علیه السلام» ... 112
«ما قال مؤلف تعقيب التقريب» ... 113
«ما قال فيه علیه السلام القاضی أحمد بن خلكان» «الأربلي الشافعي الأشعري» ... 113
«كلام ابن قتيبة في علمه علیه السلام بالجفر» ... 113
«ذكر عدة ممن أخذوا عنه علیه السلام» ... 114
«الإمام السابع» ... 117
«ما قال الخطيب في تاريخ بغداد فيه علیه السلام» ... 117
«ما قال كمال الدين أبو سالم محمد بن طلحة الشافعی» «فیه علیه السلام» ... 118
«ما قال علي بن عيسى الأربلي صاحب كشف الغمة» «فيه علیه السلام» ... 118
«كلام المحقق العلامة الخواجه نصير الدين الطوسی» «فيه علیه السلام» ... 119
«الإمام الثامن» ... 119
«أشعار أبي العلاء المعري في جفر أهل البيت» ... 121
«الإمام التاسع» ... 122
«الإمام» العاشر» ... 127
بیان ... 129
«الإمام الحادي عشر» ... 130
«كلام محيي الدين الأعرابي أو المغربي فيه علیه السلام» ... 132
«الإمام الثاني عشره» ... 132
«كلام ابن الجوزي في علم أمير المؤمنين وعلي» «زين العابدين علیه السلام» ... 135
الترجمة ... 154
ومن كلامه علیه السلام وهو المائتان والثامن والثلاثون من المختار في باب الخطب ... 155
اللغة ... 155
الإعراب ... 156
المعنى ... 157
تنبيه ... 161
الترجمة ... 161
ومن كلام له علیه السلام وهو الماءتان والتاسع والثلاثون من المختار في باب الخطب، يحث فيه أصحابه على الجهاد ... 162
اللغة ... 162
الإعراب ... 163
المعنى ... 163
الترجمة ... 169
باب المختار من كتب مولينا أمير المؤمنين علیه السلام ورسائله إلى أعدائه وأمراء بلاده ويدخل في ذلك ما اختير من عهوده علیه السلام إلى عماله ووصاياه لأهله وأصحابه من کتاب له علیه السلام إلى أهل الكوفة عند مسيره إليهم من المدينة إلى البصرة وهو الكتاب الأول من المختار من كتبه علیه السلام ... 170
اللغة ... 170
«بحث لغوي» ... 171
الإعراب ... 175
«نقل الكتاب على صورة أخرى» ... 176
المعنى ... 177
«جواب القاضي عبد الجبار في المغني عن ذلك واعتذاره منه» ... 179
ناعتراض الشريف علم الهدى على القاضي» ... 179
«جواب القاضي عبد الجبار عن ذلك واعتذاره منه» ... 187
«اعتراض علم الهدى عليه وإبطاله جوابه» ... 188
«اعتذار القاضي عبد الجبار من ذلك وجوابه عنه في المغني» ... 193
«اعتراض علم الهدى عليه وإبطاله جوابه» ... 194
«جواب القاضي عبد الجبار وشيخه أبي علي عن ذلك» ... 201
«اعتراض الشريف المرتضى علم الهدى عليه» ... 202
«اعتذار القاضي عبد الجبار من تعطيل عثمان الحد الواجب» «في عبيد الله بن
عمر» ... 208
«اعتراض علم الهدى على القاضي» ... 208
«اعتذار القاضي عبد الجبار في المغني من ذلك» ... 212
«اعتراض الشريف المرتضى في الشافي على القاضي» ... 212
«التبيان في عدم تحريف القرآن» ... 215
بیان ... 218
«البيان في ترتيب سور القرآن» ... 223
بیان ... 225
«البرهان على أن عثمان ما نقص من القرآن شيئاً وما زاد فيه شيئاً بل إنما
جمع الناس على قراءة واحدة» ... 230
«الكلام في رسم خط القرآن» ... 233
«لماذا يخالف رسم تلك الحروف القرانية أصول رسم الخط»؟ ... 235
«يقرأ القرآن على القراءات السبع المتواترة دون الشواذ» ... 236
«عدد آي القرآن وحروفه» ... 239
«رسم النحو في القرآن» ... 241
بیان ... 241
«رجم الأوهام والأباطيل» ... 241
بیان ... 242
«تحير الوليد بن المغيرة فيما يصف به القرآن» ... 244
«جرى على المحدث النوري ما جرى على ابن شنبوذ» ... 246
«الله حافظ كتابه ومتم نوره» ... 246
«من نسب إلى الإمامية القول بتحريف القرآن أنه كان أكثر أو أقل مما بين
الدفتين فهو كاذب» ... 247
«كلام السيد الأجل ذي المجدين محيى آثار الأئمة علي بن الحسين» «علم الهدى قدس سره المتوفى 336ه- في عدم تغيير القرآن» «من الزيادة والنقصان» .. 249
فذلكة البحث ... 250
«اعتراض الشريف المرتضى عليه» ... 251
«نفي عثمان أبا ذر من المدينة إلى الربذة ووفاته فيها وذكر السبب في ذلك» ... 253
«كلام أمير المؤمنين علي علیه السلام والحسنين وعقيل لأبي ذر رحمه الله» «لما أخرجه عثمان إلى الربذة وكلام أبي ذر رحمة الله ... 256
«اعتذار القاضي عبد الجبار وشيخه أبي علي على نفي أبي ذر» «إلى الربذة» ... 260
«جواب الشريف المرتضى علم الهدى واعتراضه» ... 261
«الكلام في اجتماع الناس وتذاكرهم أعمال عثمان» ... 262
«نصح أمير المؤمنين علي علیه السلام عثمان» ... 264
«تولية عثمان محمد بن أبي بكر على مصر وارساله» «كتاباً لابن أبي سرح في
قتله» ... 269
«حصار أهل مصر والكوفة وغيرهم عثمان» ... 270
«مخاطبة عثمان من أعلى القصر طلحة» ... 274
«کلام عثمان في طلحة» ... 274
«انكار طلحة والزبير على عثمان» ... 274
«كان عمرو بن العاص شديد التحريض والتأليب على عثمان» ... 275
بیان ... 277
«كلام الآخر المخالف للأول الصريح في أنه كان عبيد الدنيا» ... 277
«كلام عائشة في عثمان وانكارها عليه» ... 278
«قتل عثمان» ... 279
«الموضع الذي دفن فيه عثمان» ... 282
«تذكرة» ... 283
«جواب القاضي عبد الجبار عن بعض ما قدمناه واعتذاره منه» ... 284
«اعتراض الشريف المرتضى علم الهدى على» «القاضي وجوابه عما تشبث به» ... 286
«اعتراض القاضي عبد الجبار في المغني على الطاعنين» «على عثمان بأحداثه»... 290
«اعتراض علم الهدى على هذه الكلمات» ... 292
«بيعة طلحة والزبير علياً علیه السلام وأنهما أول من بايعه علیه السلام» ... 297
«كلامه علیه السلام لما تخلف هؤلاء عن بيعته» ... 299
«أول خطبة خطبها أمير المؤمنين علیه السلام بعدما بويع له بالخلافة» «واختلاف الأقوال فيه والتوفيق بينها على التحقيق» ... 301
«التوفيق بين تلك الأقوال ووجه الجمع فيها» ... 303
«الناكثان طلحة والزبير وعلة نكثهما بيعة أمير المؤمنين علیه السلام» ... 303
«خلافة عائشة على علي علیه السلام وأطوار أحوالها وأقوالها فيه علیه السلام وفي عثمان» ... 306
بیان ... 308
بیان ... 310
«خروج عائشة وطلحة والزبير واتباعهم وأشياعهم» «من مكة إلى البصرة» ... 312
«تحذير أم سلمة عائشة من الخروج ونصحها له طوراً بعد» «طور وإباء عائشة
عن القبول» ... 313
«خروج علي علیه السلام إلى الربذة» ... 315
«كتاب علي علیه السلام إلى أهل الكوفة من الربذة» «وخطبته التي خطب بها الناس في الربذة» ... 316
«نزول أمير المؤمنين علیه السلام ذاقار وكتابه إلى» «أبي موسى عبد الله بن قيس لأشعري» ... 317
«كتاب علي علیه السلام إلى أبي موسى الأشعري ثانياً» ... 318
بیان ... 325