منهاج البراعة فی شرح نهج البلاغة المجلد 18

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

1424ه- - 2003م

دار إحياء التراث العربي

للطباعة والنشر والتوزيع

DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI

Publishing & Distributing

850623 ص.ب: 11/7957 - 272655 - 272782 - 272783 فاكس: 850717 بيروت - لبنان - شارع دكاش - هاتف: 273652

Beyrouth - Liban - Rue Dakkache - Tel. 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717 - 850623 P.O.Box; 7957/11

اشاره

مکتبة الروضة الحيدرية

www.haydarya.com

نهج البلاغة

خطَبٌ، رَسَائِلٌ، كلامٌ، وصَايا، عهود، حكم، ومواعظ

الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام

مِنْهَاجَ البَراعَة

شرح

نهج البلاغة

مِنْهَاجَ البَراعَة

شرح

نهج البلاغة

لِمُوْلَفِهِ

العلامة المحقق الحاج میرزا حبیب اللّه هاشمي الخوئي قدس سره

طبعة جديدة

ضبط وتحقيق

علي عاشور

المجلد الثامن عشر

دارالحياة التراث العربي

بيروت - لبنان

المقدمة

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

حمداً لك يا مَن ألهمتنا حقائق الإيمان وهديتنا إلى جنابك بنور العلم والعرفان ودعوتنا إلى مأدُبتك القرآن الفرقان وجعلتنا أهلاً للإطلاع على دُررٍ مكنونةٍ عند خَزَنَة، علمك، وأذنت لنا في الفحص عن أسرار مستترة عند عيبة وحيك وغيبك .

اللّهم صلِّ على نبيّك الخاتم ، المنزل عليه كتابٌ يهدي للّتي هي أقوم ؛ وعلى آله الكرام البررة، وأصحاب العصمة والمعرفة وعلى جميع من اجتبيت من رسلك وأرسلتهم إلى عبادك. وعلى الّذين احتذوا حذوهم واقتفوا ،آثارهم واقتدوا بهديهم.

وبعد : فيقول العبد المحتاج إلى مولاه الغني نجم الدّين الحسن بن عبد الطبري الأملي رحمهما اللّه تعالى وعفى عنهما: إن ما لفظه لسان ميزان القسط وباب مدينة العلم بحر لا تنفد لآلي معانيه الغالية، وما أودعه في لطائف ألفاظه كنوزٌ لا يزيدها الإنفاق إلا كثرة وسعة، فقد تيسر لنا بالكد والجهد التامّين استخراج قبضة من تلك اللآلىء والكنور فهذه بضاعتنا المزجاة نهديها إلى بغاة علم الدين في شرح كلمات علي أمير المؤمنين علیه السلام ، ونطلب من اللّه التوفيق لاتمام الشرح على النهج السّديد ونرجوه لكلِّ خير ونستزيد.

وهذا هو المجلّد الرابع من تكملة« منهاج البراعة »في شرحنا على« نهج البلاغة »فينتهي المنهاج به إلى ثامن عشر، فنقول مستعيناً بواهب المعاني والصور.

[تتمة المختار التاسع من كتبه ورسائلها ]

اشارة

قوله علیه السلام : (وأما ما سألت من دفع قتلة عثمان إليك - إلى قوله : ولا إلى غيرك هذا الفصل جواب عن قول معاوية له علیه السلام : فإن كنت صادقاً فأمكنا من قتلته نقتلهم به .

وقد دريت من مباحثنا السالفة أنَّ معاوية لم يجد شيئاً يستغوي به الناس ويستميل به أهواءهم إلا أن قال لهم : قتل إمامكم مظلوماً فهلموا نطلب بدمه فاستجاب له جفاة طغام، عبيد ،قزام جمعوا من كل أوب، وتلقطوا من كلّ شوب.

وأنَّ عمّار بن ياسر قال في بعض أيام صفين - كما رواه أبو جعفر الطبري في التاريخ ونقلناه في الجزء الخامس عشر : أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم ابن عفان، ويزعمون أنّه قتل مظلوماً، و اللّه ما طلبتم بدمه ولكنَّ القوم ذاقوا الدُّنيا فاستحبُّوها واستمرؤوها ، وعلموا أنَّ الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه من دنياهم، ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم، فخدعوا أتباعهم أن قالوا إمامنا قتل مظلوماً، ليكونوا بذلك جبابرة ملوكاً، وتلك مكيدة بلغوا بها ما ترون ولولا هي ما تبعهم من الناس رجلان؛ إلخ (1)

وأنَّ معاوية لم يكن وليّ دم عثمان حتّی يطلبه، بل كان ولده أولياء دمه وأشار أمير المؤمنين علیه السلام إليه تلويحاً :( فلم أره يسعني دفعهم إليك ولا إلى غيرك)

وأنَّ معاوية لم يكن له ولاية شرعيّة على المسلمين، ثمَّ لم يرافع إليه أحد في دم ابن عفّان شيئاً، وما ترافع إليه الخصمان فيه فأنّى له أن يطلب قتلة عثمان؟

وأنَّ أمير المؤمنين علیه السلام لم يكن شريكاً في دمه، بل كان في عزلة عن قتله ولم يحضر قتل عثمان يوم قتل .

ونصَّ أبو جعفر الطبري في التاريخ أنّه لما حصر عثمان كان علي علیه السلام بخيبر فلو رأى معاوية أنه علیه السلام كان من قاتليه فهو خطأ، وعلمت أن إسناد قتله إليه اختلاق بل في «مروج الذهب »للمسعودي أنه لما بلغ علياعلیه السلام لأنهم يريدون قتله بعث بابنيه الحسن والحسين علیهما السلام ومواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته حتّی أنّ القوم لما اشتبكوا جرح الحسن وشجَّ قنبر .

وكذا قال المسعوديُّ : لما حصر الناس عثمان في داره منعوه الماء فأشرف على الناس


1) تاريخ الطبري : 27/4 ، والغدير : 111/9

وقال : ألا أحد يسقينا ؟ فبلغ علياعلیه السلام طلبه للماء فبعث إليه بثلاث قرب ماء - إلخ، فراجع إلى المجلد السادس عشر.

ولو رآه وليّ المسلمين، وحاكم الشرع المبين طلب عنده حقاً من غيره فقد كان واجباً عليه أن يرافع الدعوى إليه علیه السلام مع الشروط المعتبرة في الترافع وما فعل معاوية ذلك.

على أنه إنّما قتله خلق كثير حتّی شهد قتله ثمانمائة من أصحاب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم یرون أنَّ عثمان كان يستحقُّ القتل بأحداثه .

ففي كتاب صفين لنصر بن مزاحم المنقري ( ص 176 الطبع الناصري) مذكور أنما جرى بين عمّار بن ياسر رضوان اللّه عليه وعمرو بن العاصي كلام طويل في بعض أيام صفين - إلى أن قال عمرو لعمّار : فَعَلامَ تقاتلنا؟ أولسنا نعبد إلها واحداً ونصلّي قبلتكم، وندعو دعوتكم، ونقرأ كتابكم ونؤمن برسولكم؟

قال عمّار : الحمد لله الذي أخرجها من فيك إنّها لي ولأصحابي القبلة والدين وعبادة الرحمن والنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم والكتاب من دونك ودون أصحابك ؛ الحمد لله الذي قرّرك لنا بذلك دونك ودون أصحابك، وجعلك ضالا مضلا لا تعلم هادٍ أنت أم ضال، وجعلك أعمى وساء خبرك على ما قاتلتك عليه أنت وأصحابك، أمرني رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أن أقاتل الناكثين وقد فعلت وأمرني أن أقاتل القاسطين فأنتم هم وأما المارقين فما أدري أدركهم أم لا؟ أيها الأبتر ألست تعلم أنَّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قال لعلي علیه السلام : من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه وأنا مولى اللّه ورسوله وعلي بعده وليس لك مولى.

قال عمرو : لم تشتمني يا أبا اليقظان ولست أشتمك؟

قال عمّار وبم تشتمني أتستطيع أن تقول إنّي عصيت اللّه ورسوله يوماً قط ؟

قال له :عمرو : إنَّ فيك لمسبات سوى ذلك .

فقال عمّار : إنَّ الكريم من أكرمه اللّه : كنت وضيعاً فرفعني اللّه ، ومملوكاً فأعتقني اللّه وضعيفاً فقوّاني اللّه وفقيراً فأغناني اللّه

وقال له :عمرو : فما ترى في قتل عثمان؟ قال: فتح لكم باب كل سوء، قال عمرو: فعلي قتله قال :عمار بل اللّه ربّ عليّ قتله وعليّ معه قال عمرو : كنت فيمن قتله من هنا عند ابن عقبة قال كنت مع من قتله وأنا اليوم أقاتل معهم، قال عمرو : فلم قتلتموه؟ قال عمّار : أراد أن يغيّر ديننا فقتلناه فقال عمرو ألا تسمعون قد اعترف بقتل عثمان؟ قال عمّار وقد قالها فرعون قبلك لقومه : ألا تسمعون (1).


1) کتاب صفين : 176 ، وبحار الأنوار: 30/33

وبالجملة إذا كان قتلة عثمان هذا الجمع العظيم وكان فيهم كبار الصحابة من الأنصار والمهاجرين ومثل عمّار بن ياسر على جلالة شأنه وعلوّ مقامه وثباته في الدين اعترف بالمشاركة في قتله فكيف يسع أمير المؤمنين علیه السلام دفعهم إلى معاويه أو إلى غيره أوّلاً ،ومع فرض تمكنه من ذلك كيف يسوّغه الشرع قتل جمع عظيم من الأنصار والمهاجرين وكبار التابعين برجل أحدث أحداثاً نقمها الناس منه وطعنوا عليه وقتلوه بها ثانياً .

ولعلَّ قوله علیه السلام: وأما ما ذكرت من أمر عثمان فإنّي نظرت في هذا الأمر وضربت أنفه وعينيه فلم أر دفعهم إليك ولا إلى غيرك يشير إلى الوجه الأخير خاصّة

وروي أنَّ أبا هريرة وأبا الدرداء أتيا معاوية فقالا له عَلَامَ تقاتل عليّاً وهو أحقُّ بالأمر منك لفضله وسابقته ؟

فقال: لست أقاتله لأنّي أفضل منه ولكن ليدفع إليَّ قتلة عثمان، فخرجا من عنده وأتيا عليا علیه السلام فقالا له : إنَّ معاوية يزعم أنَّ قتلة عثمان عندك وفي عسرك فادفعهم إليه فإن قاتلك بعدها علمنا أنه ظالم لك.

فقال عليّ علیه السلام: إني لم أحضر قتل عثمان يوم قتل ولكن هل تعرفان من قتله»؟

فقالا : بلغنا أنَّ محمد بن أبي بكر وعماراً والأشتر وعدي بن حاتم وعمرو بن الحمق وفلاناً ممن دخل عليه.

فقال علي علیه السلام : «فامضيا إليهم فخذوهم»، فأقبلا إلى هؤلاء النفر وقالا لهم أنتم من قتل عثمان وقد أمر أمير المؤمنين بأخذكم قال : فوقعت الصيحة في العسكر بهذا الخبر فوتب من عسكر عليّ أكثر من عشرة آلاف رجل في أيديهم السيوف وهم يقولون: كلنا قتله، فبهت أبو هريرة وأبو الدرداء ثم رجعا إلى معاوية وهما يقولان لا يتم هذا الأمر أبداً فأخبراه بالخبر (1)

وقد مرَّ قريب من هذه الرواية عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم في صدر هذا الشرح قول عليّ علیه السلام لأبي مسلم الخولاني : اغد عليَّ غداً فخذ جواب كتابك - إلى قول نصر : فلبست الشيعة أسلحتها ثمَّ غدوا فملأوا المسجد وأخذوا ينادون: كلّنا قتل ابن عفّان .

وفي رواية أخرى : لما سئل علي علیه السلام تسليمهم قال وهو على علیه السلام المنبر : ليقم قتلة عثمان، فقام أكثر من عشرة آلاف رجل من المهاجرين والأنصار وغيرهم.


1) الأخبار الطوال : 163 بتفاوت .

فكيف يمكن تسليم أكثر من عشرة آلاف رجل جلّهم من حماة الدين وقواعده إلى من يطلب بدم رجل واحد قتلوه بأحداثه التي نقموها منه؟

قوله علیه السلام : ولعمري لئن لم تنزع عن غيّك - إلى قوله : وزور لا يسرك لقيانه هذا الفصل جواب عن قول معاوية حيث قال في كتابه مخاطباً له علیه السلام : والذي لا إله إلا هو لنطلبنَّ قتلة عثمان في الجبال والرمال والبرّ والبحر حتّی يقتلهم اللّه أو لتلحقن أرواحنا باللّه».

ولمّا كان معاوية شمخ بأنفه وتجاوز عن حده وجعل اللّه تعالى عرضة في يمينه وهدَّد الأمير وشيعته بقوله الشنيع أجابه الأميرعلیه السلام وأخبره عن عاقبته السؤى بقوله ذلك: أي لعمرني قسمي لئن لم تنته ولم تكفَّ عن ضلالك وخلافك لتعلمنَّ أنَّ هؤلاء المسلمين الذين يجاهدون في سبيل اللّه يطلبونك بعد زمان قليل، ولا يشقون عليك أن تطلبهم في البر والبحر والجبال والرمال، يعني لا حاجة إلى أن تكلّف نفسك في طلبهم، بل أنّهم يطلبونك فلا يخفى لطف كلامه وعذوبته في تهديده لمعاوية قبال كلامه في تهديده أمير المؤمنين علیه السلام .

ثمَّ هدّده بعاقبة هذا الطلب بقوله :( أنَّ هذا الطلب يسوءك وجدانه، وزور لا يسرك

لقيانه)، والظاهر أن قوله علیه السلام : (عن قليل يطلبوك)، إشارة إلى ما سيوقع في وقعة صفين وسيأتي نحو قوله هذا كلامه علیه السلام في آخر الكتاب الثامن والعشرين الذي كتبه إلى معاوية أيضاً جواباً فسيطلبك من تطلب ويقرب منك ما تستبعد - إلخ .

قوله علیه السلام: وقد كان أبوك أتاني حين ولّى النّاس أبا بكر، إلخ» قال اليعقوبي في التاريخ (ص 105 ج 2 طبع النجف) وكان فيمن تخلف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان بن حرب وقال أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم وقال لعلي بن أبي طالب امدد يدك أبايعك وعلي معه قصي قصي فقال :

بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم*** ولاسيما تيم بن مرة أو عديّ

فما الأمر إلا فيكم وإليكم*** وليس لها إلا أبو حسن عليّ

أبا حسن فاشدد بها کف حازم*** فإنك بالأمر الذي يرتجي ملي

وإنَّ امرءاً ير مي قصيا وراءه ***عزيز الحمى والنّاس من غالب قصي

وقال المفيد في «الجمل» (ص 42 طبع النجف) في الفصل المترجم بقوله : انكار جماعة بيعة أبي بكر بعد عد عدة من المنكرين بيعته : وقال أبو سفيان بن حرب بن صخر بأعلى صوته يا بني هاشم أرضيتم أن يلي عليكم بنو تيم بن مرة حاكماً على العرب ومتى طمعت أن تتقدم بني هاشم في الأمر، انهضوا لدفع هؤلاء القوم عمّا تمالوا إليه ظلماً لكم، أما و اللّه لأن شنتم لأملأنّها عليكم خيلاً ورجالاً ثم قال : بني هاشم، الأبيات .

وقال في« الإرشاد» (ص 90 طبع طهران 1377 ):وقد كان جاء أبو سفيان (يعني بعد ما بدر الطلقاء بالعقد للرجل) إلى باب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وعلي والعباس متوفّران على النظر في أمره فنادى بني هاشم لا تطمعوا الأبيات؛ ثم نادى بأعلى صوته يا بني هاشم يا بني عبد مناف أرضيتم أن يلي عليكم أبو فصيل الرّذل ابن الرَّذل أما و اللّه لو شئتم لأملأنّها عليهم خيلاً ورجلاً.

فناداه أمير المؤمنين علیه السلام : ارجع يا أبا سفيان فو اللّه ما تريد بما تقول وما زلت تكيد الإسلام وأهله ونحن مشاغيل برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وعلى كل امرىء ما اكتر وعلى كلِّ امرىء ما اكتسب وهو ولي ما احتقب» (1)

فانصرف أبو سفيان إلى المسجد فوجد بني أمية مجتمعين فحرَّضهم على الأمر ولم ينهضوا له وكانت فتنة عمّت وبليّة شملت وأسباب سوء اتفقت، تمكن بها الشيطان وتعاون فيها أهل الإفك والعدوان، فتخاذل في انكارها أهل الإيمان وكان ذلك تأويل قول اللّه عزّ وجلَّ، (وَاتَّقُوا فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَةُ ﴾ [الأنفال : 25].

خاتمة

يذكر فيها مسألة فقهية وهي أنه قد تقدّم في شرح هذا الكتاب ص 383 ج 17 أنَّ أحد كانوا يدفنون الاثنين والثلاثة من القتلى في قبر واحد.

أصحاب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في يوم وكذلك قد تظافرت الآثار في أن ابن سعد لعنة اللّه عليه لما رحل من كربلاء خرج قوم من بني أسد كانوا نزولاً بالغاضرية إلى سيد الشهداء أبي عبد اللّه الحسين وأصحابه روحي لهم الفداء فصلّوا عليهم ودفنوا الحسين علیه السلام حيث قبره الآن ودفنوا ابنه علي بن الحسين عند رجله وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه الذين صرعوا حوله مما يلي رجلي الحسين وجمعوهم فدفنوهم جميعاً معاً ودفنوا العباس بن علي علیه السلام في موضعه الذي قتل فيه على طريق الغاضرية حيث قبره الآن.

ففيهما دلالة على جواز دفن ميتين أو أكثر في قبر ،واحد أما الأول : فلانه كان في حضرة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بل كان بإذنه حيث قال علیه السلام : انظروا أكثر هؤلاء جمعاً للقرآن فاجعلوه أمام أصحابه في القبر . وقال في الخبر الآخر : المروي عنه علیه السلام كما في« مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام» : أنه قال للأنصار يوم أحد احفروا وأوسعوا وعمقوا واجعلوا الاثنين والثلاثة في القبر الواحد (2).


1) الإرشاد: 1901 ، وبحار الأنوار: 520/22 .

2) الإرشاد: 114/2

وأمّا الثاني : فلان بني أسد كانوا مسلمين بل لعلهم كانوا مؤمنين فلولا علمهم بجواز ذلك من الشرع لما فعلوه في المقام على أنه لم ينكر عليهم أحد والجواز لا خلاف فيه وإنّما الكلام في أنَّ جواز ذلك فيما تقتضيه الضرورة كما هي ظاهر المقامين سيما الثاني، أو أنَّ العمل جائز مطلقاً، ثمَّ لولا الضرورة أكان مكروهاً أو محرَّماً . وهل يفصل في المقام بين ما كان الميتان رجلين أو امرأتين وبين ما كانا رجلاً وامرأة وعلى الثاني بين ما كانا أجنبين وغير أجنبين وعلى التقادير كلها هل يجوز دفن أكثر من واحد في قبر ابتداء أو مطلقاً؟ فالمنقول عن الشيخ قدّس سرّه في المبسوط : الأولى أن يفرد لكلّ واحد منهم قبر لما روي عنهم أنه لا يدفن في قبر واحد اثنان وقال فيه : فإن دعت الضرورة إلى ذلك جاز أن يجمع اثنان وثلاثة في قبر واحد كما فعل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم يوم أحد . قال : فإذا اجتمع هؤلاء جعل الرجل ممّا يلي القبلة والصبيان بعدهم ثمَّ الخناثي ثمّ النساء، انتهى (1)

وفي« التهذيب »: محمد بن الحسن الصفار قال: كتبت إلى أبي محمد علیه السلام أيجوز أن يجعل ( نجعل - معاً) الميتين على جنازة واحدة ويصلى عليهما ؟ فوقع علیه السلام لا يُحمل الرجل مع المرأة على سرير واحد

ورواه في الوسائل هكذا قال : كتبت إلى أبي محمد علیه السلام أيجوز أن يجعل الميتين على جنازة واحدة في موضع الحاجة وقلّة الناس وإن كان الميتان رجلاً وامرأة يحملان على سرير واحد ويصلى عليهما ؟ فوقع : لا يحمل الرجل مع المرأة على سرير واحد (2) .

فيستفاد من الخبر أمران: أحدهما جواز حمل الميتين الرجلين على جنازة وثانيهما عدم جوازه إذا كان أحدهما رجلاً والآخر امرأة حتّی حال الضرورة فيحكم على ذلك في دفنهما أيضاً على طريق الأولوية أعني الجواز في الصورة الأولى وعدمه في الثانية.

وقد ذهب بعض العلماء إلى حرمة دفن رجل أجنبي وامرأة أجنبية في قبر واحد ولعله أفتى به من ظاهر هذا الخبر وإن كان الخبر أعم شمولاً فإنّه نهى عن حمل الرَّجل والمرأة الميتين في سرير مطلقاً.

كما أنَّ الشيخ قدس سره حكم بجعل الرجل ممّا يلي القبلة - إلخ في الدفن من الروايات الواردة في الصلاة على الجنائز المتعدّدة المختلفة الجنس.


1) المبسوط : 155/1 .

2) تهذيب الأحكام 454/10 ح 1480 ، ووسائل الشيعة : 208/3 - 42.

والأصل يقتضي عدم جواز دفن الميتين في قبر حال الإختيار كما هو المنقول عن ابن سعيد في الجامع والمرسل المذكور في« المبسوط» ظاهر في عدم الجواز. اللّهم إلا أن يقال إنَّ ادّعاء الضرورة في واقعة أحد غير ثابت فإذنه صلی اللّه علیه و آله وسلم الدليل على الجواز مطلقاً من غير كراهة . لكن العلماء قد ذهبوا إلى القول بالكراهة في حال عدم الضرورة وبعدمها في الضرورة فمع الضرورة تزول الكراهة قطعاً .

هذا إذا دفنا ابتداءً وأمّا إذا استلزم دفن ميت في قبر ميت آخر بعد دفنه نبشه فحرام لتحريم النبش أوّلاً، ولأنَّ الأوّل قد ملكه بالحيازة لكن قد يناقش على الأوَّل بأنَّ الكلام في إباحة الدفن نفسه لا النبش وأحدهما غير الأخر، وعلى الثاني بعدم ثبوت حق للأوّل وفي المسألة كلام بعد يطلب في الكتب الفقهيّة والذي حري أن يقال في المقام : إنَّ دفن الميتين في قبر واحد ابتداءً مكروه إذا لم تقتض الضرورة ومعها تزول الكراهة. وأما دفن ميت في قبر آخر قبل أن يصير رميماً فحرام. وإذا كان الميتان رجلاً وامرأة أجنبيين فلا يترك الاحتياط في أن يفرد لكل واحد منهما قبر .

الترجمة

این کتاب نهم از باب کتب و رسائل امیر(علیه السلام ) است که به معاویه نوشت

روزی ابومسلم خولانی با گروهی از قاریان شام که از پیروان معاویه بودند بدو :گفتند تو که چون علی صحبت و قرابت با پیغمبر و سابقت در اسلام و هجرت ،نداری از چه روی با وی سرکار زار داری؟

معاویه :گفت من ادعا نمیکنم که در این صفات از وی برتر یا با وی برابرم

ولکن نه این است که عثمان به ستم کشته شد؟ :گفتند آری چنین است :گفت علی کشندگان عثمان را تسلیم ما کند تا کار به کار زار نکشد :گفتند در این باره بدو نامه ای ،نویس معاویه نامه ای به امیر (علیه السلام ) نوشت و خولانی را برای رساندن نامه به سویش گسیل داشت.

خولانی نامه را به امیر (علیه السلام ) رسانید و بدو :گفت اکنون زمام تولیت امور مسلمانان در دست تو است و به خدا سوگند اگر از خود داد حق بدهی دوست ندارم که امر خلافت به دست دیگری جز تو باشد؛ همانا که عثمان مسلمان بود و خونش به ستم ریخته شد تو امیر مایی کشندگانش را به ما ده چه اگر کسی به مخالفت با تو برخیزد دستهای ما به یاریت آماده و زبانهای ما در حقت گواه و موتورا نیز در نزد خدا و مردم عذر و حجّت خواهد بود.

امام علی (علیه السلام ) فرمود: فردا بیا و پاسخ نامه را .بستان چون فردا بیامد دید که مردم از نامه معاویه آگاه شده همگی با سلاح در مسجد گرد آمده، ندا درمی دهند ما همه کشندگان عثمانیم.

خولانی به نزد امیر (علیه السلام ) آمد، امیر بدو گفت : سوگند به خدا من نخواستم كه به يك چشم بهم زدنی آنان را به دست تو دهم چه این امر را نيك نگریستم و آن را زیر و رو کردم سزاو را ندیدم که ایشان را به دست تو یا جز تو دهم.

پس خولانی نامه بستاند و به سوی معاویه بازگشت و داستان را بدو باز نمود

اينك ترجمه نامه معاویه

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

از معاویه پور بوسفیان به علی بن ابیطالب

درود بر تو با تو خدا را ستایش میکنم و نعمتهای او را سپاس می گذارم آن که جز او خدایی نیست؛ امّا بعد همانا که خداوند به دانش خود محمد (صلی اللّه علیه و آله وسلم ) را برگزید و او را امین بر وحیش و رسول به خلقش گردانید و از مسلمانان یارانی برایش برگزید که به دستیاری آنان نیرویش داد و تاییدش فرمود و رتبه آنان در نزد خدا و رسول به اندازه فضلشان در اسلام ،بود پس در میانشان بعد از پیمبر کسی که در اسلام برتر و در راه خدا و رسول مخلص تر است جانشین پیمبر و جانشین جانشین او است سپس جانشین سوّم عثمان که کشته شد.

به ستم و تو ای علی بر همه شان حسد بردی و به همه آنان ستم کردی ما این معنی را از چپ چپ نگریستن و به خشم و تند و تیز نگاه کردن و از گفتار زشت و از آه کشیدن و دم بر آوردن دراز و از درنگ و کندی نمودنت در یاری جانشینان پیمبر پی بردیم.

تو آنی که چون شتر نر مهار کرده چوب در بینی کشیده به سوی هريك از خلفای رسول برای بیعتت برده اند سر باززدی و از آن کاره بودی و بهویژه به عثمان بیشتر از دیگران حسد ورزیده ای با این که از جهت رحامت و خویشاوندی و دامادی او به پیمبر از همه سزاوارتر بود که با وی چنان کاری نکنی، پس قطع رحم کردی و خوبیهای او را زشت گردانیدی و مردم را بر او شورانیدی و زیر و رو کرده ای تا از هر سوی مردم بدو رو آوردند و برعلیه او در حرم رسول خدا حمل سلاح کردند تا او را کشتند و تو حاضر بودی و ناله و فریاد او را میشنیدی و حرفی نزدی و کاری نکردی تا گمان بد درباره تو نبرند و تهمت تو نزنند و بدانند که به قتل او راضی نبودی

به راستی سوگند یاد میکنم که اگر به يك سو میشدی و مردم را از کشتن عثمان بازمی داشتی يك تن ما از تو برنمی گشت علاوه این که این عمل تو آن چه را که درباره تو راجع به عثمان میپنداشتند جبران میکرد و گمان بدشان را درباره

تو محو میکرد.

و دیگر این که در نظر انصار عثمان، متهمی که کشندگانش را جا و پناه دادی که اکنون تو را بازوان و یاران اند و همدستان و دوستان خاص و با این همه شنیدم که خویشتن را از خون عثمان تبرئه مینمایی اگر راست میگویی ما را بر آنان دست ده تا ایشان را به قصاص خون عثمان ،بکشیم آنگاه به سویت شتابیم وگرنه تو و یارانت را طعمه شمشیر گردانیم.

سوگند به آن که جز او خدایی نیست اگر قاتلان عثمان در کوهها و ریگستانها و دشت و دریا پراکنده شوند هر آینه بر آنان دست یابیم تا اینکه خدا آنان را بکشد یا این که آنان جانهای ما را به خدا بپیوندند

ترجمه نامه امیرالمؤمنین علی ( علیه السلام ) در پاسخ نامه معاویه :

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

از بنده خدا علی امیرمؤمنان به معاویه پور بوسفیان

اما بعد همانا که بومسلم خولانی نامه ای از شما آورده که در او رسول خدا و نعمت هدایت و وحی را که خدا به او انعام فرموده ذکر کرده ای پس حمد خدایی را که به وعده اش درباره پیمبرش وفا کرد و نصرتش را بر او تمام گردانید و مر او را در شهرها تمکین داد و بر قوم او که دشمنی و کینه توزی با او داشتند و بر اوحمله ها کردند و بغض او را در دل انباشتند و به دروغ نسبتش دادند و به قتال با او قیام کردند و بر اخراج او و اصحابش از مگه هم پشت شدند و عرب را بر او تحريك كردند و آنان را بر جنگ او گردآوردند و تمام کوشش در کار او نمودند و کارها را بر او دگرگون کردند. پیروز گردانید، تا دین .خدا با این که آنان از آن بیزاری داشتند. آشکار شد و غالب گردید و شدیدترین مردم بر او قوم او به ویژه خویشان نزديك او بودند؛ مگر کسانی که خداوند آنان را حفظ کرد.

ای فرزند هند ! روزگار امر شگفتی از شما شگفتی از شما بر ما پوشیده داشت؛ پیش آمدی بدنمودی و ناروا کردی که ما را از آزمایش خدا به پیمبرش محمد ( صلی اللّه علیه و آله وسلم ) و به ما، خبر می دهی چه در این کار چون آن کسی که خرما به هجر برد یا آن که به گستاخی استادش را که از او تیراندازی بیاموخت به تیراندازی بخواند

درآن کتاب گفتی خداوند از مسلمانان یارانی برای پیمبرش برگزید که به دستیاری آنان نیرویش داد و تأییدش فرمود و رتبه آنان در نزد خدا و رسول به اندازه فضل شان در اسلام ،بود پس در میانشان بعد از پیمبر کسی که در اسلام برتر و در راه خدا و رسول مخلص تر است جانشین پیمبر و جانشین جانشین او است ؛ به جانم( یا به دینم) سوگند که آن دو را در اسلام پایه ای بزرگ است و از تیر مرگی که بدانها رسیده زخمی سخت در پیکر اسلام پدید آمده؛ خداوند رحمتشان کند و نیکوترین پاداش دهاد .

و در آن نامه آورده ای که عثمان در فضل و رتبه سومین آنها بود؛ اگر عثمان نیکوکار بود خداوند او را به نیکوکاریش پاداش میدهد و اگر بدکار بود دیدار می کند پروردگار آمرزنده ای را که گران و بزرگ نیاید او را گناهی که بیامرزدش

به خدای لایزال قسم که همانا امیدوارم و آرزو دارم که چون خداوند مردم را به پایه فضایل آنان در اسلام و نصیحت شان در راه خدا و رسول پاداش عطا کند بهره ما ما در آن از دیگران زیادتر باشد؛ چه محمد ( صلی اللّه علیه و آله وسلم ) چون مبعوث به رسالت شد و به ایمان به خدا و توحید دعوت کرد ما اهل بیت او نخستین کسانی بودیم که به او ایمان آوردیم و به آن چه آورده تصدیق کردیم.

و چند سال تمام بود که در سرزمین عرب هیچ خانواده ای جز ما خدا را پرستش نمی کردند و قوم ما خواستند که پیغمبر ما را بکشند و بیخ و بن ما را ،براندازند درباره ما چیزها اندیشیدند و کارهایی به ما روا داشتند و آب و نان را به روی مابستند و توشه را از ما بریدند و زندگی خوش را از ما باز داشتند و ما را همنشین و همدم ترس و بیم نمودند و جاسوسان و دیده بان ها بانها بر ما گماشتند و به کوهی سخت (شعب ابوطالب) ما را مضطر گردانیدند و برای ما آتش جنگ برافروختند و با هم پیمان بستند و همدست شدند و نوشته به میان آوردند که کار را چنان بر ما تنگ گیرند ما تنگ ،گیرند حتی با ما نخورند و ننوشند و ازدواج نکنند و از ایشان در تمام مدت سال جز در موسم حج ایمن نبودیم تا این که پیغمبر را به دست آنها دهیم که او را بکشند و مثله اش کنند

پس خداوند متعال ما را عزیمت آن داد که دست ستم آنان را از سر رسول بریدیم و شرّشان را از ناحیه حضرتش باز داشتیم و آنان را از حریم حرمتش دور

کردیم و در ساعات خوف، شب و روز با شمشیرها در حضور او ایستادگی نمودیم. مؤمن ما به این حفظ و حراست پیمبر طلب پاداش می کرد و امیدوار ثواب بود؛ و کافر ما حمایت از اصل و نسب و دودمان خود می کرد مراد) این است از بنی هاشم و بنی مطلب آنکه ایمان به رسول آورد مثل ابوطالب پدر امیرمؤمنين على ( علیه السلام ) حمزة بن عبدالمطلب (رحمهم اللّه) در حمایت پیغمبر امیدوار ثواب از خدا بودند و در راه خدا دین و پیغمبر را حفظ می کردند؛ به خصوص ابوطالب ( رحمه اللّه) که خدمت بسیار بزرگ به اسلام کرده و رنج و خدمت او از همه بیشتر بود و دین خود را از کفّار نهان می داشت تا بهتر بتواند خدمت به اسلام کند و پیغمبر او را كافل اليتيم خوانده که فرمود انا وكافل اليتيم كهاتين فى "الجنّة و آن که از بنی هاشم ایمان نیاورده و کافر بود چون عباس عموی پیغمبر و عقیل و طالب فرزندان ابی طالب و حارث و پدرش نوفل و عمویش ابوسفیان فرزندان حارث بن عبدالمطلب که در شعب ابو طالب با پیغمبر و مؤمنین محصور بودند و حمایت از رسول میکردند نه به حساب دین و رسالت بلکه برای حفظ دودمان و اصل نسب و پس از خلاصی از شعب یکی پس از دیگری اسلام آوردند. و از بنی هاشم ابولهب و پسرش همدست با کفار بودند و آنان را كمك می کردند.

و از قریش کسانی که اسلام آورده بودند از خوفی که ما داشتیم و رنجی که در آن بودیم ایمن بودند یا به سبب هم قسمی که با مشرکان داشتند که آنان را از شر مشرکان باز می داشت یا به سبب عشیره ای که پیش رویشان از آنها دفاع میکردند تا کسی بر آنان دست نیابد که از قتل در امان بودند ، تا روزگاری بدین منوال بگذشت .

خداوند پیغمبرش را امر به هجرت فرمود و بعد از آنش به قتال مشرکین اذن داد. و هنگامی که جنگ سخت میشد و مردم از ترس عنان باز پس می کشیدند و رومی گردانیدند و دو طرف کارزار آماده جنگ می شدند ،رسول خدا اهل بیت خود را بر پا میکرد و آنان را پیش میداشت که به ایشان اصحاب خود را از گرمی و سوزش نیزه ها و شمشیرها حفظ شمشیرها حفظ می کرد که عبيدة بن حارث پس- پسر عم آن حضرت در جنگ بدر کشته شد و حمزه در روز احد و جعفر طيّار و زيد بن حارثه

در جنگ موته و کسی که اگر بخواهم اسمش را ببرم مراد از این کس خود( امير المؤمنين ) است و آن جناب خبر از خودش می دهد چندین بار در جنگ ها با پیغمبر ( صلی اللّه علیه و آله وسلم ) شهادتی را که آن شهدا خواستند نیز خواسته و آرزوی آن را داشته است جز این که روزگارشان به سر آمد که به درجه رفیعه شهادت رسیدند ولی عمر وی به سر نیامده که مرگش به تأخیر افتاد خداوند به ایشان در ازای آن کارهای شایسته که پیش فرستاده اند نیکو احسان کننده و نعمت دهنده است. و کسی از حامیان پیمبر را مختص تر به خدا در طاعت رسولش و مطیع تر به رسول در طاعت پروردگارش و شکیباتر در محنتها و سختیها و هنگام ترس و مواطن مکروه با پیغمبر از این چند تن که نام بردهام ندیدم و در مهاجرین خیر بسیار می شناسیم خداوند ایشان را نیکوترین پاداش دهاد

و در آن نامه گفتی که من بر خلفا حسد برده ام و از بیعت به آنان کندی و خودداری نمودم و بر ایشان ستم کردم اما ستم معاذ اللّه که چنین باشد و من به احدی ستم کرده باشم.

و اما در خودداری از بیعت و طاعت و در کراهت به امرشان هیچ عذری پیش کسی نیاورم و پوزش نطلبم زیرا خداوند چون قبض روح پیمبر ،کرد قریش گفتند امیر باید از ما باشد و انصار گفتند از ما ؛ پس قریش گفتند محمد رسول اللّه ( صلی اللّه علیه و آله وسلم) از ما بود در نتیجه ما سزاواریم به امر خلافت و امارت و انصار تسلیم شدند و امارت را به قریش تفویض کردند پس سبب برکنار شدن انصار از امارت و استحقاق قریش آن را این بود که محمد ( صلی اللّه علیه و آله وسلم ) از قریش بود و به همین بیان آن که در میان قریش به پیغمبر اولی و اقرب است به خلافت نیز باید احق و اولی باشد مرادش) از این گفتار خود آن بزرگوار است ،وگرنه انصار در میان عرب از آن بهره ای بزرگ داشتند نمیدانم اصحابم به گرفتن حقم تن در دادند یا انصار به من ظلم کردند؟ همین قدر دانم که حق من گرفته شد؛ واگذاشتم آن را آن را بر ایشان خدا از ایشان در گذرد

اما آن چه درباره عثمان گفتی که قطع رحم کردم و مردم را مردم را بر او شورانیدم ؛ تو خود دیده ای که عثمان در دین چه ها نمود و با مردم چه ها کرد که سرانجام کارهای او سبب قتلش شده و تو خود دانی که من در قتل او شريك

نبودم و از آن کناره گرفتم و عزلت اختیار کردم؛ مگر این که بخواهی افترا به من زنی و به دروغ نسبت به جنایتم دهی، پس هرچه خواهی بکن و هرچه دلت خواست بگو.

ای عجب از روزگار که با من قرین شد کسی یعنی معاویه و خلفای (گذشته که در راه دین به پایه من قدم برنداشت و سابقه اش در اسلام چون سابقه من نبود؛ سابقه ای که کسی نتواند به مثل آن توسّل جوید و دعوی چنان سابقت نماید مگر کسی ادعا کند آنچه را که من نشناسمش و گمان نکنم که خدای آن را بشناسد کنایه از این که جز آن چه گفته ام وجود ندارد و صرف ادعا است اگر کسی ادعا کند دروغ گفته است و حمد خدای را بر هر حال.

و اما آن چه درباره قاتلان عثمان گفتی و از من طلب کردی که ایشان را تسلیم تو کنم؛ من در این امر نظر نمودم و نيك آن را زیر و رو کردم ندیدم که تسلیم شان به تو و به غیر تو برایم گنجایش داشته و مقدور باشد.

به جانم یا به دینم سوگند اگر از گمرهیت باز نایستی و از دعوی خلافت دست برنداری خواهی دید که کشندگان عثمان خودشان به طلب تو آیند و زحمت نمیدهند که در صحرا و دریا و کوه و دشت ایشان را طلب کنی؛ جز این که طلب کردنشان تو را طلبی است که از آن خوشت نیاید و دیدارشان دیداری است که خوشنودت ننماید (کنایه از این که چنان کار را بر تو سخت کنند که دمار از روزگارت در آورند و زندگی در کام تو تلخ گردد)

ای معاویه هنگامی که مردم ابوبکر را والی قرار دادند، پدرت بوسفیان نزد من آمد و به من :گفت تو بعد از محمّد به خلافت و امارت سزاواری؛ برخیز و حق خود بستان و اگر کسی با تو مخالفت کند من کفالت و حمایتت نمایم اکنون دست دراز کن تا با تو بیعت "کنم ولی من نپذیرفتم

و تو دانی که این سخن را پدرت به من گفت و از من خواست؛ ولی من بودم که قبول نکردم از بیم این که مبادا تفرقه میان مسلمانان چون قريب العهد به کفر بودند رخ دهد پس پدرت به حق من از تو آشناتر بود و تو اگر چون پدرت حق مرا شناسی راه راست را یافته ای و گرنه خداوند ما را کفایت کند و از تو بی نیاز گرداند درود بر آن که سزاوار آن است.

ومن كتاب له علیه السلام إليه أيضاً وهو الكتاب العاشر من باب المختار من كتبه ورسائله

اشارة

وَكَيْفَ أَنْتَ صانع إِذا تَكَشَفَتْ عَنْكَ جَلابيبُ ما أَنْتَ فِيهِ مِنْ دُنيا قَدْ تَبَهْجَتْ بِزِينَتِها، وَخَدَعَتْ بِلَذّتِها ، دَعَتْك فَأَجَبْتَها ؛ وقادَتْكَ فَاتَّبَعْتَها، وَأَمَرَتُكَ فَأَطَعْتَها . وَإِنَّهُ يُوشِكُ أن يَقِفَكَ واقِفٌ على ما لا يُنْجِيكَ مِنْهُ مِجَن، فَاقْعَسْ عَن هذا الأمْرِ، وَخُذْ أَهْبَةَ الْحِسَابِ، وَشَمُرْ لِما قَدْ نَزَلَ بِكَ، وَلا تُمَكِّن الغُوا مِنْ سَمْعِكَ وَإِلا تَفْعَلْ أَعْلِمْكَ ما أَغْفَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ مُتْرَفٌ قَدْ أَخذ الشَّيْطانُ مِنْكَ مَأخَذَهُ، وَبَلَغَ فِيكَ أَمَلَهُ، وَجَرى مِنْكَ مَجْرى الرُّوحِ وَالدِّمِ .

وَمَتى كُنتُم يا مُعاوِيَةُ سَاسَةَ الرَّعِيَّةِ وَوَلاةَ أَمْرِ الامةِ بِغَيْرِ قَدَم سابِقٍ وَلا شَرَفٍ بَاسِقِ. وَنَعُوذُ بِاللّهِ مِنْ لُزُوم سَرابِقِ الشَّقاءِ، وَأَخَذْرُكَ أنْ تَكُونَ مُتَمَادِياً في غرة الأمنية مُخْتَلِفَ الْعَلانية والسريرة. وَقَدْ دَعَوْتَ إِلى الحَرْبِ فَدَع النَّاسَ جَائِباً وَأَخْرُجْ إِليَّ وَأَعْفِ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْقِتالِ ليُعْلَمَ أبنا الْمَرِينُ عَلى قَلْبِهِ، وَالْمُغَطَى عَلى بَصَرِهِ فَأَنا أَبو حَسَنٍ قاتِلُ جَدْكَ وَحَالِكَ وأخيكَ شَدْحاً يَوْمَ بَدْرٍ وَذلِكَ السَّيْفُ مَعي وبذلِكَ الْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوّي .

ما اسْتَبْدَلْتُ ديناً، وَلا اسْتَحْدَثْتُ نَبِيًّا وَإِنِّي لَعَلَى الْمِنْهاجِ الذي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعينَ وَدَخَلْتُمْ فِيهِ وَزَعَمْتَ أَنَّكَ جِنَتَ تَائِراً بِعُثمانَ وَلَقَدْ عَلِمْتَ حَيْثُ وَقَعَ دَمُ عُثْمَانَ فَاطْلُبُهُ مِنْ هُناكَ إِن كُنتَ طالباً فكأني قَدْ رأَيْتُكَ تَضِعُ من الحَرْبِ إِذا عَضُكَ صَحِيحَ الْجِمالِ بالأَثْقَالِ وَكَأَنِّي بِجَمَاعَتِكَ تَدْعُونِي جَزَعاً مِنَ الضَّرْبِ الْمُتَتابع، وَالْقَضاءِ الْواقِعِ ، وَمَصارغَ بَعْدَ مَصارع إِلى كِتابِ اللّهِ وَهِيَ كَافِرَةٌ جاحِدَةٌ، أَوْ مُبايِعَةٌ حائِدَةٌ (1).

سند الكتاب ونقل صورته الكاملة

هذا الكتاب نقله نصر بن مزاحم المنقري في كتاب صفين مسنداً ص 59 ، الطبع الناصري 1301 ه- والرجل توفى قبل الرّضي بمأتي سنة تقريباً. وما في النهج بعض ما في کتاب نصر على ما هو عادة عادة الرضي كما أشرنا غير مرَّة إلى أنَّ غرضه الأهم انتخاب كلامه الذي


1) نهج البلاغة (محمد عبده : 12/3، وبحار الأنوار : 102/33 .

له براعة في الفصاحة ،والبلاغة ودونك الكتاب على صورته الكاملة التي نقلها نصر : كتب إلى معاوية : بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان سلام على من اتبع الهدى فإنّي أحمد اللّه الذي لا إله إلاّ هر أما بعد فإنّك قد رأيت من الدُّنيا وتصريفها بأهلها وإلى ما مضى منها وخير ما بقي من الدُّنيا ما أصاب العباد الصادقون فيما مضى ومن نسي الدنيا نسيان الآخرة يجد بينهما بوناً بعيداً . واعلم يا معاوية أنك قد ادعيت أمراً لست من أهله لا في القدم ولا في الولاية ولست تقول فيه بأمر بيّن تعرف لك به أثرة ولا لك عليه شاهد من كتاب اللّه ولا عهد تدعيه من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم .

فكيف أنت صانع إذا انقشعت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد انتهت بزينتها ،وركنت إلى لذتها وخلّى فيها بينك وبين عدو جاهد ملح مع ما عرض في نفسك من دنيا قد دعتك فأجبتها، وقادتك فاتبعتها وأمرتك فأطعتها فأيس من هذا الأمر، وخذ أهبة الحساب، فإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه مجن.

ومتى كنتم يا معاوية ساسة للرعية، أو ولاة لأمر هذه الأمة بغير قدم حسن ولا شرف سابق على قومكم؛ فشمّر لما قد نزل بك ولا تمكّن الشيطان من بغيته فيك مع أني أعرف أنَّ اللّه ورسوله صادقان فنعوذ باللّه من لزوم سابق الشقا وإلا تفعل اعلمك ما أغفلك من نفسك فإنك مترف قد أخد منك الشيطان مأخذه فجرى منك مجرى الدم في العروق.

واعلم أنَّ هذا الأمر لو كان إلى النّاس أو بأيديهم لحسدونا، ولأمتنوا به علينا، ولكنّه قضاء ممن امتن به علينا على لسان نبيه الصادق المصدق لا أفلح من شك بعد العرفان والبينة . اللّهم احكم بيننا وبين عدونا بالحقِّ وأنت خير الحاكمين.

فكتب إليه علیه السلام معاوية :

بسم اللّه الرحمن الرَّحيم، من معاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب، أما بعد فدع الحسد فإنّك طالما لم تنتفع به ولا تفسد سابقة قدمك بشره نخوتك، فإنَّ الأعمال بخواتيمها ولا تمحق سابقتك في حق من لا حق لك في حقه فإنّك إن تفعل لا تضر بذلك إلا نفسك، ولا تمحق إلا عملك ولا تبطل إلا حجتك ولعمري ما مضى لك من السابقات الشبيه أن يكون ممحوقاً لما اجترأت عليه من سفك الدماء، وخلاف أهل الحق فاقرأ سورة الفلق وتعوّذ باللّه من شر نفسك فإنّك الحاسد إذا حسد (1).


1) وقعة صفين: 110.

واعلم أنَّ بين صورة كتاب الأمير علیه السلام على نسخة كتاب صفين التي نقلناه عنها وبين صورته على نسخته التي نقله عنها الفاضل الشارح المعتزلي في شرحه على النهج بوناً بعيداً وتفاوتاً كثيراً ولسنا نعلم أنَّ هذا الإختلاف الفاحش من أين تطرّق إلى كتاب واحد ولم يحضرني نسخة مصححة من كتاب صفين ولا نسخ متعددة منه لنحكم بتاً على صحة نسخة، ولا يبعد أن يقال أنه إذا دار الأمر إلى اختيار نسخة من بين النسخ وترجيحها على غيرها فالمختار هو ما في النهج لمكانة الرضي في معرفة فنون الكلام وأساليبه، كيف لا وقد كان عالماً نبيلاً، وشاعراً ،مفلقاً، وأديباً بارعاً ومترسلاً قوياً ماهراً، وفي تميز فصيح الكلام من غيره إماماً خرّيتاً يشهد على ذلك ديوان أشعاره وخطبته على النهج وسائر آثاره .

وأمّا الكتاب على نسخة الشارح المعتزلي فهذه صورته من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين

إلى معاوية بن أبي سفيان سلام على من اتبع الهدى فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو أمّا بعد فإنّك قد رأيت مرور الدنيا وانقضاءها وتصرّمها بأهلها وخير ما اكتسب من الدُّنيا ما أصابه العباد الصالحون منها من التقوى ومن يقس الدُّنيا بالآخرة يجد بينهما بعيداً (1).

واعلم يا معاوية أنّك قد ادعيت أمراً لست من أهله لا في القديم ولا في الحديث ولست تقول فيه بأمر بين يعرف له أثر ولا عليك منه شاهد ولست متعلقاً بآية من كتاب اللّه ولا عهد من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فكيف أنت صانع إذا تقشعت عنك غيابة ما أنت فيه من دنيا قد فتنت بزينتها، وركنت إلى لذاتها، وخلّى بينك وبين عدوّك فيها، وهو عدو كلب مضل جاهد مليح ملح مع ما قد ثبت في نفسك من حبّها دعتك فأجبتها، وقادتك فاتبعتها، وأمرتك فأطعتها ؛ فاقعس عن هذا الأمر، وخذ أهبة الحساب فإنّه يوشك أن يقفك واقف على ما ينجيك مجن.

ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية، أو ولاة لأمر هذه الأمة بلا قدم حسن، ولا شرف

تليد على قومكم ؛ فاستيقظ من سنتك وارجع إلى خالقك، وشمّر لما سينزل بك؛ ولا تمكّن عدوّك الشيطان من بغية فيك مع أنّي أعرف أنّ اللّه ورسوله صادقان نعوذ باللّه من لزوم سابق الشقاء، وإلا تفعل (2)فإنّي اعلمك ما أغفلت فإنّي اعلمك ما أغفلت من نفسك أنك مترف قد أخذ منك الشيطان مأخذه فجرى منك مجرى الدم في العروق، ولست من أئمّة هذه الأمة ولا من رعاتها.

واعلم أنَّ هذا الأمر لو كان إلى النّاس أو بأيديهم لحسدوناه ولامتنوا علينا به ولكنه قضاء ممّن منحناه واختصنا به على لسان نبيه الصادق المصدق، لا أفلح من شك بعد العرفان


1) في نسخة بوناً بعيداً. شرح النهج : 86/15 ، ونهج السعادة : 4 / 246 ح 91 ، ووقعة صفين: 109.

2) في نسخة :بغيته. بحار الأنوار: 100/33 .

والبينة. ربّ احكم بيننا وبين عدوّنا بالحق وأنت خير الحاكمين (1)

فكتب معاوية إليه الجواب من معاوية بن أبي سفيان . ... لا تفسد سابقة جهادك بشره. .... ولا تمحص سابقتك بقتال من لا حق لك...... فاقرأ السورة التي يذكر فيها الفلق وتعوَّذ من نفسك فإنّك الحاسد إذا حسد .

اللغة

«تكشّفت عنك» أي ارتفعت وزالت عنك وانقشعت) و«تقشعت» بمعنى انكشفت وتكشفت يقال : انقشع السحاب وتقشّع أي زال وانكشف .

«جلابيب »جمع الجلباب بكسر( الجيم) وسكون (اللام) وتخفيف (الباء) وبكسر (اللام) وتشديد (الباء) أيضاً : الملحفة وهي الثوب الواسع فوق جميع الثياب. وتجلبب الرَّجل جلببة أي لبس الجلباب ولم تدغم لأنها ملحقة بدحرج.

«تبهجت)) أي تحسنت «يوشك» بالكسر أي يقرب ويدنو ويسرع ؛ يقال : أوشك يوشك إيشاكاً فهو موشك ، والوشيك السريع .

قال الجوهري في« الصحاح »: وقد أوشك فلان إيشاكاً أي أسرع السير ؛ ومنه قولهم يوشك أن يكون كذا قال جرير يهجو العباس بن يزيد الكندي :

إذا جهل الشقي فلم يقدّر*** ببعض الأمر أوشك أن يصابا

والعلامة تقول : يوشك بفتح (الشين) وهي لغة رديئة، انتهى كلامه .

يقفك واقف على ما لا ينجيك منه أي يطلعك عليه . قال الجوهري في « الصحاح »:

وقفته على ذنبه أي اطلعته عليه .

((مجنّ)) الترس، وبعض النسخ منج) اسم الفاعل من قوله علیه السلام (ينجيك). اقعس عن هذا الأمر أمر من قعس عنه قَعَساً من باب علم أي تأخر عنه كتقاعس واقعنس كما في «صحاح »الجوهري ؛ وعلى نسخة نصر أمر من أيس منه إياساً من باب علم أي قنط وقطع الرجاء منه. الأهبة» في « الصحاح »: تأهب استعد، وأهبة الحرب عدّتها ؛ والجمع أهب، «شمر» فقد مضى تفسيره وتحقيقه في شرح المختار 237 من باب الخطب (ص 190 ج 16) فراجع .


1) بحار الأنوار: 101/33 ، ونهج السعادة: 249/4 .

«الغواة» كالقضاة جمع غاوٍ أي الضال الإغفال : الإهمال والترك. «المترف» مفعول، وفي « الصحاح »: أترفته النعمة أي أطغته. وفي بعض النسخ مشكول على هيئة الفاعل والصواب ما قدمناه قال اللّه تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتَرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم كَفَرُونَ :اسبا : 34]. وقال تعالى: ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أَتْرِفْتُم فِيهِ [الأنبياء : 13] .

(المأخذ) : المنهج والمسلك، ويروى على هيئة الجمع أعني المآخذ أيضاً، وجاءت المآخذ بمعنى المصائد أيضاً .

«ساسة » جمع سائس كبطلة جمع باطل إلا أن حرف العلّة فيها ابدلت ألفاً وأصلها سيسة. «باسق» أي عالٍ رفيع، يقال: بسق فلان على أصحابه أي علاهم وبسق النخل بسوقاً أي طال وارتفعت أغصانه ومنه قوله تعالى : وَالنَّخْلَ بَاسِقَتِ ﴾ [ق: 12] قال هشام أخوذي الرّمة في أبيات يرثي بها أخاه ذا الرّمة وابن عمه أوفى بن دلهم (الحماسة 264).

نعوا باسق الأفعال لا يخلفونه*** تكاد الجبال الصم منه تصدّع

«متمادياً» فاعل من التمادي وأصله المدى أي الغاية يقال : تمادى فلان في غيه أي دام على فعله ولج وبلغ فيه المدى . «الغرَّة»: الغفلة . «الأمنيّة) بضم الهمزة واحدة الأماني : ما يتمناه الإنسان ويؤمل إدراكه وطمع الناس.

«أعف» أمر من الإعفاء وفي بعض النسخ مشكول بضم (الفاء) وهمزة الوصل ولكنه

وهم والصواب الأوّل يقال : أعفاه من الأمر أي براه منه وفي « الصحاح »: يقال : أعفني من الخروج معك أي دعني منه ؛ واستعفاه من الخروج معه أي سأله الاعفاء.

«المرين» اسم مفعول من ران كالمدين من دان وفي «النهایة» الأثيرية : يقال : رين بالرجل ربناً إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه ، وأصل الرين : الطبع والتغطية ومنه قوله تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم [المطففين: 15] أي طبع ،وختم ومنه حديث علي علیه السلام : «التعلم أينا المرين على قلبه والمغطى على بصره»(1)؛ (والمرين) المفعول به الرين؛ ومنه حديث مجاهد في قوله تعالى: وَأَحَطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة: 77] قال : هو الرّان، والرّان والرّين سواء كالذام ،والذيم والعاب والعيب. انتهى كلامه .

ولا يخفى عليك أنَّ ابن الأثير أشار بقوله : ومنه حديث عليّ علیه السلام لتعلم أينا المريد على قلبه والمغطى على بصره إلى هذه الفقرة من ذلك الكتاب الذي نحن بصدد شرحه وابن الأثير هذا هو مبارك بن أبي الكرام أثير الدين محمّد الجزري توفي بموصل سنة 606 من الهجرة.


1) نهج البلاغة : 11/3 ، وبحار الأنوار: 87/33

وفي « الصحاح »للجوهري : الرّين الطبع والدنس ؛ يقال : ران على قلبه ذنبه يرين ريناً وريوناً أي غلب. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ أي غلب وقال الحسن : هو الذَّنب على الذَّنب حتّی يسود القلب. وقال أبو عبيدة : كلُّ ما غلبك فقد ران ورانك وران عليك. وقال أبو زيد : يقال : رين بالرّجل إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه ولا قبل له ،به وران النعاس في العين ورانت الخمر عليه غلبته . وقال القناني الأعرابي : رين به أي انقطع به ورانت نفسه ترين ريناً أي خبثت وغثّت انتهى قول الجوهري.)« شَدْخاً» قال الجوهري في « الصحاح »: الشدخ كسر الشيء الأجوف، تقول: شدخت رأسه - من باب منع - فانشدخ وشدّخت الرّؤوس شدّد للكثرة . انتهى«المنهاج» كالمعراج : الطريق الواضح «ثائراً بعثمان ثأر القتيل وبالقتيل ثَاراً أو ثؤْرَةً من باب منع : طلب دمه وقتل قاتله فهو ثائر، وقال الشاعر كما في «الصحاح»:شفیت به نفسي وأدركت ثؤرتي*** بني مالك هل كنت في ثؤرتي نكساًوقال الجوهري : الثائر : الذي لا يُبقى على شيء حتّی يدرك تأره. وقال المرزوقي في شرح الحماسة (607 عند قول منصور بن مسجاح :)ثارت رُكاب العير منهم بهجمة*** صفايا ولا بُقْيا لِمَن هو ثائروالثائر ليس من حقه أن يبقى والأصل في الثائر القاتل، فوضعه موضع الواترالمنتقم ، يقال : ثأرت فلاناً وثأرت بفلان إذا قتلت قاتله .«عضتك» عضه عضاً وعضيضاً من باب منع أي أمسكه بأسنانه ويقال بالفارسية گازگرفت ،اورا يقال عضه وعض به وعض عليه وهما يتعاضان إذا عضَ كل واحد منهما صاحبه وكذلك المعاضة والعضاض وأعضضته الشيء فعضه وفي الحديث فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا ويقال : أعضضته سيفي أي ضربته به وعضه الزمان أي اشتدّ عليه وعض الشيء أي لزمه واستمسك به.«ضجيج» مصدر من قولك ضجّ يضجّ من باب ضرب أي جلب وصاح وجزع من شيء فالضجيج : الصياح.«حائدة» أجوف يائي من حاد يحيد حيداً من باب باع يقال: حاد عن الطريق إذا مال عنه وعدل .

### الإعراب((من دنيا» كلمة (من بيانية لكلمة (ما)، وضمير تبهجت وأخواتها يرجع إلى الدنيا وضمائر الخطاب إلى من أجاب دعوتها .)«يوشك» من أفعال المقاربة، هو وأخواه كاد وكرب من النوع الأوَّل منها الذي وضع للدلالة على قرب الخبر للمسمّى باسمها . وهي تعمل عمل (كان إلا أن خبرها يجب كونه جملة ليتوجه الحكم إلى مضمونها وشدّ مجيئه) مفرداً (فواقف) اسم ليوشك، (وأن يقفك) في موضع نصب خبر له قدم على الاسم، وعلى صلة يقف.)(والفاء في (فاقعس) فصيحة، وتفعل واعلمك مجزومان (بأن) في (إلا) لأن أصلها لههنا إن لا . وكلمة (من) في (من نفسك) بيانيّة يفسر كلمة (ما) . ومفعول (اغفلت) العائد إلى (ما) محذوف أي ما أغفلته أو يقال من نفسك متعلّق لأغفلت وإن لم نجد في المعاجم الحاضرة لدينا أن يقال أغفل منه ونحوه .)«مأخذه» مفعول لقوله أخذ، وروي المآخذ بالجمع أيضاً. وكذا مجرى الروح والدَّم لقوله جرى.قوله:( متی کنتم - إلخ - استفهام على سبيل الانكار قوله : (بغير قدم سابق) استفهام آخر أيضاً على سبيل التعنيف والعتاب والانكار أي أبغير قدم سابق وشرف باسق .)«مختلف العلانية »خبر بعد خبر لقوله( أن تكون ؛ والخبر الأول متمادياً. (وقد دعوت) المفعول محذوف أي وقد دعوتني أو .دعوتنا .)«جانباً» منصوب على الظرفية لقوله (دع ، واللأم في «اليعلم» جارّة للتعليل والفعل المدخول بها مأوّل (بأن) المصدرية مضمرة إلى المصدر المجرور (باللام) والمعلل الأفعال الثلاثة أعني دع وأخويه التاليين له .)«قاتل جدّك» إمّا خبر بعد خبر للضمير أنا، أو صفة لأبي حسن نحو قوله تعالى: ملك يوم الدين [الفاتحة: 4] في كونه صفة لله رب العالمين. «شدخا»ً تميز يبيّن إبهام النسبة في قوله علیه السلام (أنا قاتل جدك). «ما استبدلت دينا» المبدل منه محذوف أي ما استبدلت ديناً بديني .

«ثائراً »حال لضمير جئت. وجزعاً» تميز للنسبة في تدعو . (من الضرب) متعلق بقوله جزعاً، والقضاء) عطف على الضرب وكذا المصارع الأولى معطوفة على الضرب مجرورة بالفتح لأنها غير منصرفة والثانية مجرورة بالإضافة. وجملة (وهي كافرة حالية والعامل في

الحال تدعو وضمير التأنيث يرجع إلى جماعة معاوية. (وإلى كتاب اللّه) متعلق بتدعو . (وجاحدة) صفة للكافرة ( ومبايعة) معطوفة على الكافرة، وحائدة) صفة للمبايعة .

المعنى

كتب علیه السلام هذا الكتاب إلى معاوية لما أراد المسير إلى أهل الشام بعدما شاور من كان معه في ذلك وأرود كلامه علیه السلام في المشاورة مع قومه وكلام عدَّة من أنصاره وأعوانه في جوابه علیه السلام وكذا كلام بعض من المنافقين له علیه السلام وما دار بينهم وبين أصحابه علیه السلام نصر في كتاب صفين ولا بأس بنقلهما لأنَّ كلمات أنصاره في المقام تزيد القاريء إيماناً .

نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد عن إسماعيل بن يزيد والحارث بن حصيرة عن عبد الرَّحمن بن عبيد أبي الكنود قال: لما أراد على علیه السلام المسير إلى أهل الشام دعا إليه من كان معه من المهاجرين والأنصار فحمد اللّه وأثنى عليه وقال أمّا بعد فإنكم ميامين الرأي مراجيح الحلم مقاويل بالحق مباركو الفعل والأمر وقد أردنا المسير إلى عدوّنا وعدوّكم فأشيروا علينا برأيكم (1)

أقول : كلامه علیه السلام هذا مع وجازته وجودته وفصاحته وبلاغته ليس بمذكور في النهج .

کلام هاشم بن عتبة له علیه السلام

فقام هاشم بن عتبة بن أبي وقاص فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله ثمَّ قال: أما بعد يا أمير المؤمنين فأنا بالقوم جدّ خبير لك ولأشياعك أعداء وهم لمن يطلب حرث الدُّنيا أولياء، وهم مقاتلوك ومجاهدوك لا يبقون جهداً مشاحة على الدُّنيا وضنا بما في أيديهم منها وليس لهم إربة غيرها إلا ما يخدعون به الجهال من الطلب بدم عثمان بن عفّان كذبوا ليسوا بدمه يثارون ولكن الدُّنيا يطلبون فسر بنا إليهم فإن أجابوا إلى الحق فليس بعد الحق إلا الضلال، وإن أبوا إلا الشقاق فذلك الظنّ بهم و اللّه ما أراهم يبايعون وفيهم أحد ممن يطاع إذا نهى ويسمع إذا أمر .

كلام عمار بن ياسر له علیه السلام

نصر عمر بن سعد عن الحارث بن حصيرة، عن عبد الرَّحمٰن بن عبيد أبي الكنود أنَّ عمّار بن ياسر قام فذكر اللّه بما هو أهله وحمده وقال : يا أمير المؤمنين إن استطعت أن لا تقيم يوماً واحداً فاشخص بنا قبل استعار نار الفجرة واجتماع رأيهم على الصدود والفرقة،


1) بحار الأنوار: 397/32 ح 369، والغدير : 77/2

وادعهم إلى رشدهم وحظهم فإن قبلوا ،سعدوا، وإن أبوا إلا حربنا ، فو اللّه إنَّ سفك دمائهم والجدَّ في جهادهم لقربة عند اللّه وهو كرامة منه

كلام قيس بن سعد له علیه السلام

وفي هذا الحديث : ثمَّ قام قيس بن سعد بن عبادة فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين انكمش بنا إلى عدونا ولا تعرّج فو اللّه لجهادهم أحبّ إلي من جهاد الترك والروم لادهانهم في دين اللّه واستذلالهم أولياء اللّه من أصحاب محمد صلی اللّه علیه و آله وسلم من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان إذا غضبوا على رجل حبسوه أو ضربوه أو حرموه أو سيروه وفيئنا لهم في أنفسهم حلال ونحن لهم فيما يزعمون قطين، قال: يعني رقيق.

کلام سهل بن حنيف له علیه السلام

فقال أشياخ الأنصار منهم خزيمة بن ثابت وأبو أيوب الأنصاري وغيرهما : لم تقدَّمت أشياخ ،قومك، وبدأتهم يا قيس بالكلام؟ فقال : أما إنّي عارف بفضلكم معظم لشأنكم ولكني وجدت في نفسي الضغن الذي جاش في صدوركم حين ذكرت الأحزاب. فقال بعضهم لبعض : ليقم رجل منكم فليجب أمير المؤمنين عن جماعتكم فقالوا : قم يا سهل بن حنيف فقام سهل فحمد اللّه وأثنى عليه ثمَّ قال : يا أمير المؤمنين نحن سلم لمن سالمت وحرب لمن حاربت ورأينا رأيك، ونحن كفُّ يمينك. وقد رأينا أن تقوم بهذا الأمر في أهل الكوفة فتأمرهم بالشخوص وتخبرهم بما صنع اللّه لهم في ذلك من الفضل فإنّهم هم أهل البلد وهم الناس؛ فإن استقاموا لك استقام لك الذي تريد وتطلب وأما نحن فليس عليك منا خلاف ؛ متى دعوتنا أجبناك، ومتى أمرتنا أطعناك

كلام اربد الفزاري له علیه السلام وقتله

نصر عمر بن سعد عن أبي مخنف، عن زكريا بن الحارث، عن أبي جيش عن معبد قال : قام على علیه السلام خطيباً على منبره فكنت تحت المنبر حين حرّض الناس وأمرهم بالمسير إلى صفّين لقتال أهل الشام فبدأ فحمد اللّه وأثنى عليه ثمَّ قال : سيروا إلى أعداء السنن والقرآن سيروا إلى بقية الأحزاب وقتلة المهاجرين والأنصار. فقام رجل من بني فزارة يقال له أريد فقال : أتريد أن تسيرنا إلى إخواننا من أهل الشام فنقتلهم لك كما سرت بنا إلى إخواننا

من أهل البصرة فقتلناهم كلّاها اللّه ((1)) إذاً لا نفعل ذلك .


1) نهج السعادة : 96/2 ، ووقعة صفين: 94. كلاها اللّه : مخفف كلا و اللّه

فقام الأشتر فقال: من لهذا أيها النّاس ؟ وهرب الفزاري واشتدَّ الناس على أثره فلحق في مكان من السوق تباع فيه البرازين فوطؤه بأرجلهم وضربوه بأيديهم ونعال سيوفهم حتّی قتل، فأتى علي علیه السلام فقيل : يا أمير المؤمنين قتل الرجل قال : ومن قتله؟ قالوا : قتله همدان وفيهم شوبة من الناس فقال : قتيل عميّة لا يدري من قتله ديته من بيت مال المسلمين (1)

قال علاقة التميمي :

أعوذ بربي أن تكون منیّتی***كمامات في سوق البرازين أربد

تعاوده همدان خفق نعالهم***إذا رُفِعَت عنه يد وضعت يد

كلام الاشتر له علیه السلام

قال : وقام الأشتر فحمد اللّه وأثنى عليه فقال يا أمير المؤمنين لا يهدنك ما رأيت ولا يؤيسنّك من نصرنا ما سمعت من مقالة هذا الشقي الخائن إن جميع من ترى من الناس شيعتك وليسوا يرغبون بأنفسهم عن نفسك ولا يحبّون بقاء بعدك فإن شئت فسر بنا إلى عدوّك و اللّه ما ينجو من الموت من خافه ولا يعطى البقاء من أحبه وما يعيش بآمال إلا شقي، وإنا لَعَلى بينة من ربّنا، إنَّ نفساً لن تموت حتّی يأتي أجلها ؛ فكيف لا نقاتل قوماً هم كما وصف أمير المؤمنين وقد وثبت عصابة منهم على طائفة من المسلمين فأسخطوا اللّه وأظلمت بأعمالهم الأرض وباعوا خلاقهم بعرض من الدنيا يسير .

فقال علي علیه السلام :«الطريق مشترك والناس في الحق سواء ومن اجتهد رأيه في نصيحة العامة فله ما نوى وقد قضى ما عليه » (2)ثم نزل فدخل منزله .

كلام ابن المعتم وحنظلة العبسي المعروف بحنظلة الكاتب له علیه السلام وكانا كاتبين لمعاوية ومخالفين لأمير المؤمنين علي علیه السلام، وما قال لهما قوم علي علیه السلام وأمره بهدم دار حنظلة وما جرى في ذلك

نصر عمر بن سعد قال : حدثني أبو زهير العبسي، عن النضر بن صالح : ضر بن صالح : إن عبد عبد اللّه بن المعتم العبسي وحنظلة بن الربيع التميمي لما أمر علي علیه السلام الناس بالمسير إلى الشام دخلا في رجال كثير من غطفان وبني تميم على أمير المؤمنين علیه السلام فقال له التميمي : يا أمير المؤمنين إنا قد مشينا إليك بنصيحة فاقبلها منّا ورأينا لك رأياً فلا تردّه علينا : فإنّا نظرنا لك


1) الكافي : 394/7 ح 1 ، ووسائل الشيعة : 71/29 ح35/7

2) نهج السعادة : 97/2 ، وميزان الحكمة : 1028/2 ح 1430

ولمن معك أقم وكاتب هذا الرجل ولا تعجل إلى قتال أهل الشام فإنّي و اللّه ما أدري ولا تدري لمن تكون إذا لقيتم الغلبة وعلى من تكون الدبرة؟ وقام ابن المعتم فتكلّم وتكلّم القوم الذين دخلوا معهما بمثل ما تكلّم به .

فحمد علي علیه السلام اللّه وأثنى عليه وقال: أما بعد فإنَّ اللّه وارث العباد والبلاد وربّ السماوات والأرضين السبع وإليه ترجعون يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممّن يشاء ويعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء. أما الدبرة فإنها على الضالين العاصين ظفروا أو ظفر بهم. وأيم اللّه إنّي لأسمع كلام قوم ما أراهم يريدون أن يعرفوا معروفاً ولا ينكروا منكراً .

فقام إليه معقل بن قيس اليربوعي ثمَّ الرياحي فقال : يا أمير المؤمنين إنَّ هؤلاء و اللّه ما أتوك بنصح ولا دخلوا عليك إلا بغش فاحذرهم فإنّهم أدنى العدو.

فقال له مالك بن حبيب يا أمير المؤمنين أنه بلغني أنَّ حنظلة هذا يكاتب معاوية فادفعه إلينا نحبسه حتّى تنقضي غزاتك ثم تنصرف .

وقام إلى علي علیه السلام عياش بن ربيعة وقائد بن بكير العبسيان فقالا : يا أمير المؤمنين إنَّ صاحبنا عبد اللّه بن المعتم قد بلغنا أنه يكاتب معاوية فاحبسه أو أمكنا منه نحبسه حتّی تنقضي غزاتك وتنصرف .

فأخذا (يعني ابن المعتم وحنظلة الكاتب يقولان : هذا جزاء من نصركم وأشار عليكم بالرأي فيما بينكم وبين عدوّكم.

فقال لهما عليّ علیه السلام : اللّه بيني وبينكم وإليه أكلكم وبه أستظهر عليكم اذهبوا حيث شئتم

ثمَّ بعث علي علیه السلام إلى حنظلة بن الربيع المعروف بحنظلة الكاتب وهو من الصحابة فقال : يا حنظلة أعليَّ أم لي؟ قال: لا عليك ولا لك. قال: فما تريد ؟ قال : اشخص إلى الرها فإنّه فرج من الفروج أصمد له حتّی ينقضي هذا الأمر؛ فغضب من ذلك خيار بني عمرو بن تميم وهم رهطه فقال : إنّكم و اللّه لا تغرُّوني من ديني دعوني فأنا أعلم منكم. فقالوا : و اللّه لئن لم تخرج مع هذا الرّجل لا ندع فلان يخرج معك لام ولده ولا ولدها ولئن أردت ذلك لنقتلنّك فأعانه ناس من قومه فاخترطوا سيوفهم فقال : أجلوني حتّی أنظر فدخل منزله وأغلق بابه حتّى إذا أمس هرب إلى معاوية وخرج من بعده إليه من قومه رجال كثير ، ولحق أبن المعتم أيضاً حتّی أتى معاوية وخرج معه أحد عشر رجلاً من قومه وأما حنظلة فخرج بثلاثة وعشرين رجلاً من قومه ولكنّهما لم يقاتلا مع معاوية واعتزلا الفريقين جميعاً فقال حنظلة حين خرج إلى معاوية :

يسلّ عواة عند بابي سيوفها ***ونادى مناد في الهجيم لأقبلا

سأترككم عوداً لأصعب فرقة ***إذا قلتم كلا يقول لكم بلا

قال : فلمّا هرب حنظلة أمر علي علیه السلام الي بداره فهدمت هدمها عرّيفهم بكر بن تميم وشبث ابن ربعي (1).

كلام عدي بن حاتم الطائي له علیه السلام

نصر: عمر بن سعد، عن سعد بن طريف ، عن أبي المجاهد، عن المحلّ بن خليفة قال: قام عديّ بن حاتم الطائي فبدأ فحمد اللّه بما هو أهله وأثنى عليه ثمَّ :قال يا أمير المؤمنين ما قلت إلا بعلم ولا دعوت إلاّ إلى حقّ ولا أمرت إلا برشد فإن رأيت أن تستأني هؤلاء القوم وتستديمهم حتّی يأتيهم كتبك ويقدم عليهم رسلك فعلت فإن يقبلوا يصيبوا ويرشدوا والعافية أوسع لنا ولهم وإن يتمادوا في الشقاق ولا ينزعوا عن الغيّ فسر إليهم وقد قدَّمنا إليهم العذر ودعوناهم إلى ما في أيدينا من الحق فواللّه لهم من اللّه أبعد وعلى اللّه أهون من قوم قاتلناهم بناحية البصرة أمس لما أجهدنا لهم الحقّ فتركوه ناوحناهم براكاء القتال حتّی بلغنا منهم ما نحب وبلغ اللّه منهم رضاه فيما يرى .

كلام زيد بن حصين الطائي له علیه السلام

فقام زيد بن حصين الطائي وكان من أصحاب البرانس المجتهدين فقال : الحمد للّه حتّی يرضى ولا إله إلا اللّه ربنا ومحمد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم نبينا أما بعد، فواللّه لئن كنّا في شكّ من قتال من خالفنا لا يصلح لنا النيّة في قتالهم حتّی نستديمهم ونستأنيهم ما الأعمال إلا في تباب ولا السعي إلا في ضلال واللّه يقول: «وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)» [الضحى: 11] إنّا واللّه ما ارتبنا طرفة عين فيمن يبتغون دمه فكيف بأتباعه القاسية قلوبهم، القليل في الإسلام حظّهم أعوان الظلم، ومسدّدي أساس الجور والعدوان ليسوا من المهاجرين ولا الأنصار ولا التابعين بإحسان.

فقام رجل من طيء فقال : يا زيد بن حصين أكلام سيّدنا عديّ بن حاتم تهجن ؟ قال : فقال: ما أنت بأعرف بحقّ عديّ منّي ولكن لا أدع القول بالحقّ وإن سخط الناس قال : فقال عديّ بن حاتم : الطريق مشترك والنّاس في الحق سواء فمن اجتهد رأيه في نصيحة العامّة فقد قضى الذي عليه .


1) وقعة صفين : 97 ، وشرح نهج البلاغة : 176/3 .

كلام أبي زبيب بن عوف له علیه السلام

نصر عمر بن سعد عن الحراث بن حصيرة (1)قال : دخل أبو زبيب بن عوف على علي علیه السلام فقال : يا أمير المؤمنين لئن كنا على الحق لأنت أهدانا سبيلاً وأعظمنا في الخير نصيباً ولئن كنّا في ضلالة إنك لأثقلنا ظهراً وأعظمنا وزراً أمرتنا بالمسير إلى هذا العدو وقد قطعنا ما بيننا وبينهم من الولاية وأظهرنا لهم العداوة نريد بذلك ما يعلم اللّه وفي أنفسنا ذلك ما فيها أليس الذي نحن عليه الحق المبين ؛ والذي عليه عدوّنا الغي والحوب الكبير؟

فقال عليّ: شهدت أنّك إن مضيت معنا ناصراً لدعوتنا صحيح النية في نصرتنا قد قطعت عنهم الولاية وأظهرت لهم العداوة كما زعمت فإنّك ولي اللّه تسبح في رضوانه وتركض في طاعته فأبشر أبا زبيب (2).

فقال له عمّار بن ياسر: أثبت أبا زبيب :ولا تشكّ في الأحزاب عدوّ اللّه ورسوله قال : فقال أبو زبيب : ما أُحبّ أنَّ لي شاهدين من هذه الأمّة فيشهدا لي على ما سألت عنه من هذا الأمر الذي أهمّني مكانكما قال: وخرج عمّار وهو يقول :

سيروا إلى الأحزاب أعداء النبي ***سيروا فخير الناس أتباع عليّ

هذا أوان طاب سلّ المشرفيّ ***وقودنا الخيل وهزّ السّمهريّ

کلام يزيد بن قيس الأرحبي

عمر بن سعد عن أبي روق قال: دخل يزيد بن قيس الأرحبيّ على عليّ بن أبي طالب علیه السلام فقال : يا أمير المؤمنين نحن على جهاز وعدة وأكثر الناس أهل التّقوى ومن ليس بمضعف وليس به علّة فمُر مُناديك فليناد الناس يخرجوا إلى معسكرهم بالنخيلة فإنَّ أخا الحرب ليس بالسَّوْم ولا النَّوم ولا من إذا أمكنه الفرض أجَّلَها واستشار فيها ولا من يؤخّر الحرب في النوب إلى غد وبعد غد.

کلام زياد بن النضر له علیه السلام

فقال زياد بن النضر : لقد نصح لك يا أمير المؤمنين يزيد بن قيس وقال ما يعرف فتوكل على اللّه وثق به واشخص بنا إلى هذا العدوّ راشداً معاناً فإن یرّد اللّه بهم خيراً لا يدعوك رغبة عنك إلى من ليس مثلك في السابقة مع النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم والقدم في الإسلام والقرابة من محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم


1) في نسخة: حصين، نهج السعادة: 100/2.

2) نهج السعادة : 101/2، ووقعة صفين : 100.

وإلاّ ينيبوا ويقبلوا ويأبوا إلا حربنا نجد حربهم علينا هيّناً ورجونا أن يصرعهم اللّه مصارع إخوانهم بالأمس.

كلام عبد اللّه بن بديل له علیه السلام

ثمَّ قام عبد اللّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي فقال : يا أمير المؤمنين إنَّ القوم لو كانوا اللّه يريدون أو اللّه يعملون ما خالفونا ولكنَّ القوم إنّما يقاتلون فراراً من الأسوة وحبّاً للأثرة وضنّا بسلطانهم وكرهاً لفراق دنياهم التي في أيديهم وعلى إحن في أنفسهم وعداوة يجدونها في صدورهم لوقائع أوقعتها يا أمير المؤمنين بهم قديمة قتلت فيها آباءهم وإخوانهم.

ثمّ التفت إلى الناس فقال : فكيف يبايع معاوية عليّاً وقد قتل أخاه حنظلة وخاله الوليد وجدَّه عتبة في موقف واحد و اللّه ما أظنُّ أن يفعلوا ولا يستقيموا لكم دون أن تقصد فيهم المران وتقطع على هامهم السيوف وتنثر حواجبهم بعمد الحديد وتكون أمور جمة بين

الفريقين.

سب أصحاب علي علیه السلام معاوية وأتباعه وبراءتهم عنهم ومنعه علیه السلام إياهم عن السب

نصر :عمر بن سعد، عن عبد الرَّحمن عن الحارث بن حصيرة، عن عبد اللّه بن شريك قال: خرج حجر بن عديّ وعمرو بن الحمق يظهران البراءة واللّعن من أهل الشام فأرسل إليهما عليّ أن كفّا عما يبلغني عنكما فأتياه فقالا يا أمير المؤمنين ألسنا محقّين؟ :قال بلى قالا فلم منعتنا من شتمهم؟ قال : كرهت لكم أن تكونوا لعّانين شتّامين تشتمون وتتبرّؤن ولكن لو وصفتم مساويء أعمالهم فقلتم من سيرتهم كذا وكذا كان أصوب في القول وأبلغ في العذر وقلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم : اللّهمَّ احقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم حتّى يعرف الحق منهم من جهله ويرعوى عن الغي والعدوان من لهج به كان هذا أحبّ إليَّ وخيراً لكم.

فقالا يا أمير المؤمنين نقبل عظتك ونتأدّب بأدبك .

وقال عمرو بن الحمق إنّي و اللّه يا أمير المؤمنين ما أحببتك ولا بايعتك على قرابة بيني وبينك ولا إرادة مال تؤتينه ولا التماس سلطان برفع ذکری به ولكن أحببتك الخصال خمس: إنك ابن عم رسول اللّه صلی الله و علیه وآله و سلم ، وأول من آمن به، وزوج سيدة نساء الأمة فاطمة محمدصلی الله و علیه وآله و سلم ، وأبو الذرّيّة التي بقيت فينا من رسول اللّه صلی الله و علیه وآله و سلم، وأعظم رجلاً من المهاجرين سهماً في الجهاد، فلو أنّي كلفت نقل الجبال الرواسي، ونزح البحور الطوامي حتّی يأتي عليّ

يومي في أمر أقوى به وليك وأوهن به عدوّك ما رأيت أنّي قد أديت فيه كل الذي يحق عليَّ من حقك .

فقال أمير المؤمنين علي علیه السلام : اللّهم نور قلبه بالتقى واهده إلى صراط مستقيم، ليت أنَّ في جندي مائة مثلك.

فقال حجر : إذا و اللّه يا أمير المؤمنين صح جندك، وقل فيهم من يغشك .

ثمَّ قام حجر فقال : يا أمير المؤمنين نحن بنو الحرب وأهل الذين [نلقحها ] (1)وننتجها قد ضارسنا وضارسناها ولنا أعوان ذو صلاح وعشيرة ذات عدد، ورأي مجرب وبأس ،محمود وأزمتنا منقادة لك بالسمع والطاعة، فإن شرقت شرقنا، وإن غربت غربنا، وما أمرتنا به من أمر فعلناه.

فقال علي علیه السلام : أكل قومك يرى مثل رأيك؟ قال: ما رأيت منهم إلا حسناً وهذه يدي عنهم بالسمع والطاعة وبحسن الإجابة، فقال له على علیه السلام خيرا (2)

قال :نصر وفي حديث عمر بن سعد قال : وكتب علي علیه السلام إلى عماله : فكتب إلى مخنف بن سليم وكان عامله علیه السلام على أصفهان و همدان كتاباً وهو قوله علیه السلام :

كتابه إلى مخنف بن سليم وقد كان عامله علیه السلام على أصفهان وهمدان وهذا الكتاب لم يأت به الرضي رضوان اللّه عليه في النهج

سلام عليك فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو أما بعد، فإنَّ جهاد من صدف عن الحق رغبة عنه وهبّ في نعاس العمى والضلال اختياراً له فريضة على العارفين إنَّ اللّه يرضى عمّن أرضاه ويسخط على من عصاه وإنا قد هممنا بالمسير إلى هؤلاء القوم الذين عملوا في عباد اللّه بغير ما أنزل اللّه واستأثروا بالفيء وعطلوا الحدود وأماتوا الحقَّ وأظهروا في الأرض الفساد واتّخذوا الفاسقين وليجة من دون المؤمنين فإذا ولي اللّه أعظم أحداثهم أبغضوه وأمصوه وحرموه ؛ وإذا ظالم ساعدهم على ظلمهم أحبوه وأدنوه وبروه فقد أصروا على الظلم وأجمعوا على الخلاف وقديماً ما صدّوا عن الحق، وتعاونوا على الإثم وكانوا ظالمين فإذا


1) زيادة عن بحار الأنوار: 399/32 ، وفي الأصل بياض.

2) نهج السعادة : 106/2، ووقعة صفين : 104.

أتيت بكتابي هذا فاستخلف على عملك أوثق أصحابك في نفسك وأقبل إلينا لعلّك تلقى هذا العدوّ المحل فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتجامع الحقَّ وتباين الباطل فإنّه لا غناء بك ولا بك عن أجر الجهاد وحسبنا اللّه ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم (1)، وكتب عبد اللّه بن أبي رافع سنة سبع وثلاثين .

قال نصر : فاستعمل مخنف على أصبهان الحرث بن أبي الحرث بن الربيع، واستعمل علی همدان سعيد بن وهب وكلاهما من قومه وأقبل حتّی شهد مع علي علیه السلام صفين.

كتابه علیه السلام إلى عبد اللّه بن عباس وقد كان عامله على البصرة وهذا الكتاب أيضاً ليس في النهج

قال نصر : وكان علي علیه السلام قد استخلف ابن عبّاس على البصرة فكتب عبد عبد اللّه بن عبّاس إلى عليّ علیه السلام يذكر له اختلاف أهل البصرة فكتب إليه علي علیه السلام : من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى عبد اللّه بن عبّاس أما بعد فالحمد لله ربّ العالمين وصلى اللّه على سيدنامحمد عبده ورسوله أما بعد فقد قدمَ عليّ رسولك وذكرت ما رأيت وبلغك عن أهل البصرة بعد انصرافي وسأخبرك عن القوم هم من بين مقيم لرغبة يرجوها أو عقوبة يخشاها فأرغب راغبهم بالعدل عليه والانصاف له والإحسان إليه وحل عقدة الخوف عن قلوبهم فإنّه ليس اء أهل البصرة في قلوبهم عظم إلا قليل منهم وانته إلى أمري ولا تعده وأحسن إلى هذا الحي من ربيعة وكلّ من قبلك فأحسن إليهم ما استطعت إن شاء اللّه والسلام (2). وكتب عبد اللّه بن أبي رافع في ذي القعدة سنة سبع و وثلاثين.

كتابه علیه السلام إلى الأسود بن قطنة

وكتب إلى الأسود بن قطنة أما بعد فإنّه من لم ينتفع بما وعظ لم يحذر ما هو غابر ومن أعجبته الدُّنيا رضي بها وليست بثقة فاعتبر بما مضى تحذر ما بقي واطبخ للمسلمين قبلك من الطّلاء ما يذهب ثلثاه وأكثر لنا من لَطَّف الجند واجعله مكان ما عليهم من أرزاق الجند فإنَّ للولدان علينا حقاً، وفي الذرية من یخاف دعائه وهو لهم صالح والسلام(3)

أقول: هذا الكتاب ليس بمذكور في النهج أيضاً وقد يأتي كتاب آخر له علیه السلام إلى الأسود بن قطنة، وهو الكتاب 59 .وجاء بعض النسخ قطيبة، والآخر : قطبة.


1) بحار الأنوار: 32/ 400، ووقعة صفين: 104.

2) بحار الأنوار : 32/ 400 ، ونهج السعادة: 130/4

3) بحار الأنوار: 401/32

کتابه علیه السلام إلى عبد اللّه بن عامر وهذا الكتاب أيضاً لا يوجد في النهج

قال نصر : وكتب علیه السلام إلى عبد اللّه بن عامر بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى عبد اللّه بن عامر ؛ أما بعد فإنَّ خير الناس عند اللّه عزَّ وجلَّ أقومهم اللّه بالطاعة فيما له وعليه وأقْوَلُهم بالحقِّ ولو كان مُرا فإنَّ الحق به قامت السماوات والأرض ولتكن سريرتك كعلانيتك ؛ وليكن حكمك واحداً، وطريقك مستقيمة فإنَّ البصرة مهبط الشيطان فلا تفتحنَّ على يد أحد منهم باباً لا نطيق سده نحن ولا أنت والسلام (1)

وكتب إلى عبد اللّه بن عبّاس - إلخ. هذا الكتاب هو الذي أتى به الرَّضِيُّ رضوان اللّه عليه في موضعين الأوّل هو الكتاب 22 أوَّله : أما بعد فإنَّ المرء قد يسره درك ما لم يكن ليفوته، وإنما ذكره مرَّتين لاختلاف الرواية في صورته وسيأتي شرحه في محله بعون اللّه تعالى.

قال نصر : وكتب علیه السلام إلى أمراء الخراج: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى أمراء الخراج: أما بعد فإنّه من لم يحذر ما هو صائر إليه - إلخ . وهو الكتاب 51 من النهج وسيأتي تفصيله وشرحه إنشاء اللّه تعالى .

قال :نصر وكتب إلى معاوية - إلخ . وهو الكتاب العاشر من النهج الذي نحن بصدد شرحه .

وكتب علیه السلام إلى عمرو بن العاص - إلخ. وهو الكتاب 49 من النهج أوَّله : فإنَّ الدُّنيا مشغلة عن غيرها . إلخ . وسيأتي شرحه إنشاء اللّه تعالى فقد أن لنا أن نرجع إلى شرح جمل الكتاب :

قوله علیه السلام : «بسم اللّه - إلى قوله : بأهلها» وعظ علیه السلام معاوية بعد تسمية اللّه وتحميده بأنَّ الدُّنيا منقضية متصرّمة ومتصرفة بأهلها أنحاء التصرّف فقد أشابت الصغير وأفنت الكبير وأبنائها فيها كأنما قد قضوا نحبهم وانصرمت آجالهم فإنَّ الموت قريب، والدنيا دار مقر. وليس الناس للدُّنيا خلقوا ؛ وبالجملة أنّه علیه السلام وعظه وذكره بمرور الدُّنيا وتصرّمها بأهلها لعلَّ العظة والتذكرة تنفعانه ولكن معاوية زيّن له الحياة الدنيا وصار قلبه أشد قسوة من الحجارة فأنّى له أن يذكّر، وينفعه نصحه علیه السلام ؛ قال عزّ من قائل في سورة الأعلى: «فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9)»«سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10)»«وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11)»«الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12)»

«ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (13)»[الأعلى: 9 - 13] .


1) بحار الأنوار: 401/32 ، ونهج السعادة 221/4 ح 79 .

قوله علیه السلام : وخير ما بقي من الدُّنيا ما أصاب العباد الصادقون فيما مضى هذه عظة أخرى له وكلمة (من) الجارة صلة (بقي) لأنها بيانية تبيّن (ما)، (وما) الثانية خبر خير، (والعباد) فاعل أصاب والضمير العائد إلى (ما) الثانية محذوف أي ما أصابه العباد لأنه يجوز حذف العائد المنصوب إذا كان متصلاً منصوباً وناصبه فعل أو وصف غير صلة (الألف) (واللام) نحو يعلم ما يسرون وما يعلنون أي يسرونه ويعلنونه. ولم (يبين) ما الثانية ليذهب نفس السامع إلى كلّ مذهب خير ورأسه التقوى كما أتى بها في نسخة الشارح المعتزلي. (وما) الثالثة يمكن أن تفسّر إمّا بالزمان أي في الزمان الذي مضى من عمرهم، قال تعالى: «فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19)»إلى قوله : كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّاءِ الْخَاليَةِ [الحاقة : 19 - 24] أو بالأمور والأفعال ونحوهما أي في بين الأمور التي مضت منهم وصدرت عنهم فتذكير الفعل على هذا الوجه باعتبار ظاهرها .قوله علیه السلام : ومن نسي الدُّنيا نسيان الآخرة يجد بينهما بوناً بعيداً، كانت نسخة الشارح المعتزلي: من يقس الدُّنيا بالآخرة يجد بينهما بوناً بعيداً ومعناه واضح والغرض أنَّ العاقل لا يبيع الدار الباقية بالفانية ولا يخرب الأولى لأجل الثانية قال عز من قائل :«إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27» [الدهر : 28] .)وأمّا النسخة الأخرى فمعناه أنَّ من زهد في الدُّنيا مثل من زهد في الآخرة يجد بين الدُّنيا والآخرة بوناً بعيداً، أي يجد ذلك الذي ترك الدنيا بينه وبين من ترك الآخرة في الآخرة يوناً بعيداً فإنَّ الأوّل له درجات عند ربه والثاني ينسى في الآخرة ؛ قال تعالى: «الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51» [الأعراف: 51] .)أو يقال : من نسي حظوظ الدُّنيا وترك الشهوات النفسانية لأجل أن لا يُنسى في الآخرةفيجد بينهما بوناً بعيداً، ولعلَّ غيري يفهم معنى آخر أدق وألطف مما تبادر إليه ذهني .ومعلوم أنَّ غرضه علیه السلام الترغيب معاوية في ما ينفعه؛ وتحذيره مما يوجب نكال الآخرة ونقل العبارة الشارح البحراني هكذا : ومن نفس الدُّنيا بشأن الأخرة - إلخ والظاهر أنَّ (نفس) في نسخته تحريف (يقس) ؛ لأنَّ نفس ثلاثياً أو مزيداً لم يجيء لمعنى يناسب المقام، أو أنه تحريف(ينسى) .)قوله علیه السلام : «واعلم يا معاوية - إلى قوله من رسول اللّه »يعني أنَّ معاوية ادّعى مقام الخلافة والإمامة وليس من أهله وذلك لأنَّ هذا المقام هو خلافة اللّه وخلافة الرسول ولا بدَّ لمن يدَّعيه شاهد من كتاب اللّه وعهد من الرَّسول، وقد قدَّمنا طائفة من البحث عن الخلافة

وأوصاف الإمام في شرح المختار 237 من باب الخطب وقد حرّرنا هناك أنَّ الإمام يجب أن يكون منصوباً من عند اللّه تعالى ومعصوماً من الذَّنوب مطلقاً لما دريت أن ذلك المقام عهد اللّه ولا ينال عهده الظالمين فراجع.وقوله علیه السلام : ولا لك عليه شاهد من كتاب اللّه، ولا عهد تدعيه من رسول اللّه ؛ صريح بأنَّ الخلافة ليست زعامة عادية عامية تثبت بالشورى ؛ بل هي رئاسة عامة إليهة في أمور الدين والدُّنيا والفائز بهذا المنصب الإلهي إنَّما يفوز به بنص اللّه تعالى ورسوله .ثمَّ إنَّ معنى العبارة على نسخة الفاضل الشارح أعني قوله علیه السلام : «إنك قد ادعيت أمراً لست من أهله لا في القديم ولا في الحديث» بين لا يحتاج إلى التفسير وأما على النسخة الأخرى أعني قوله علیه السلام : «إنك قد ادعيت أمراً لست من أهله لا في القدم ولا في الولاية» فلعلّ معناها : إنك ادعيت أمر الخلافة لست من أهله لا في القديم على أن يقرأ القدم بكسر القاف وفتح الدال بمعنى مقابل الحدوث، ويحتمل بعيداً أن يقرأ بفتحهما نحو قوله الآتي في هذا الكتاب : بغير قدم سابق، ونحو ما مضى منه علیه السلام في الكتاب السابق: (إذا صرت يقرن بي من لم يسع بقدمي). ولا في الولاية بكسر الواو أي الإمارة لأن الولاية الإلهية تلزم التدبير والعلم بالدين وسائر ما يجب أن يكون صاحب هذه الرتبة واجدها ومنها أن يكون ولي العهد بنص اللّه تعالى ورسوله ولم تكن لمعاوية الولاية ولعلَّ حرف التعريف فيها يشير إلى أن الولاية المعهودة يجب أن تكون لخليفة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ويؤيد ما فسرنا قول عمار بن ياسر في صفين حيث قال: أيّها النّاس اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذي يبغون دم ابن عفّان - إلى قوله : ولم يكن للقوم ( يعني بهم معاوية وأتباعه) سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم فخدعوا أتباعهم إلى آخر ما روينا عن الطبري في ص 286ج15 ورواه نصر أيضاً في كتاب صفين ص 165 من الطبع الناصري .)وأظنّ أنَّ الأصل في الموضعين هو النسخة التي نقلناها عن نصر والتي نقلها الشارح المذكور عنه مصحفة وذلك أنَّ نسختنا لا تخلو من أعضال وغرابة ولما لم يكن الذهن يستأنس بها في جلي النظر حرفت إلى ما ترى كما إلى ما ترى كما هو دأب الناس في دأب الناس في ماله غرابة .قوله علیه السلام : فكيف أنت صانع إذا - إلى قوله : فأطعتها العبارة في نسخ النهج مذكورة (بالواو مكان (الفاء) أي وكيف أنت صانع والصواب (الفاء) دون (الواو) وذلك لأن العبارة متفرعة على ما قبلها (والفاء) هذه فصيحة تنبيء عن محذوف يدل عليه ما قبلها أي إذا لم يكن لك في ادعائك هذا الأمر شاهد من كتاب اللّه، ولا عهد من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ، ولا أمر بين تعرف لك به أثرة فكيف أنت صانع - إلخ.)

أي فماذا تفعل إذا ارتفعت وزالت عنك ما كانت تغطيك وتواريك من جلابيب ما أنت فيه من دنيا فبقيت مكشوفاً غير مستور منها .والغرض أن معاوية لم يكن له هذا الشأن العظيم الإلهي إلا أنَّ الدُّنيا فتنته بزينتها وغرّته وخدعته فتجاوز عن حده فادّعى ما لم يكن له، وكأنّه حده فادعى ما لم يكن له وكأنّه علیه السلام أشار بقوله ( جلابيب حيث أتى بلفظ الجمع إلى كثرة اغتراره من الدنيا وتوغله فيها وإحاطتها به كأنَّ خدعتها إياه في كل مرَّة كانت ملحفة غشيته . وبقوله : فأجبتها فاتبعتها فأطعتها إلى أنّه استغشى ثيابها أيضاً .)ثمَّ إنَّ من تصدّى لخدعة الغير لا بد له من أن يلبس الباطل في ثياب الحق ويزين المنكر ويزخرفه حتّی يزوّر عليه الأمر فيصطاده بتلك الشرك المموّهة ؛ ولذا قال علیه السلام : (قد تبهجت بزينتها وخدعت بلذتها.)قوله علیه السلام : ( وإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه مجن» أجرى علیه السلام المخاطب مجرى الغافل عن شيء ثمَّ أخبره بذلك الشيء كقول الشاعر :جاء شقيق عارض رمحه*** إن بني عمّك فيهم رماحوذلك لأنَّ أعمال معاوية تشبه عمل من لم يقر بالموت ولم يذعن بالحساب والجزاء، فأخبره تذكيراً له بأنَّ مطلعاً يطلعه عن قريب على (ما لا يتقى منه بترس ولا ينجيه منه منج. ولم يبيّن كلمة ما ليعمّ الموت وما يتبعه من أحوال ما بعد الموت وأهواله وما لزم معاوية ممّا اكتسبها من معاصي اللّه والتجاوز عن حدوده فإنها صارت رينا على قلبه فماله من محيص قال عز من قائل: « ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)» [البقرة : 281] وقال تعالى : (کل نفس بما كسبت رهینة) (28)))والظاهر أنَّ المراد من الواقف هو اللّه تعالى، أو ملك الموت أو الموت، أو أنّه علیه السلام أراد به نفسه ويخبره عن عواقبه النازلة عليه في صفين كقوله علیه السلام في ذيل هذا الكتاب : (كأني قد رأيتك نضج من الحرب - إلخ . وإن كان الأخير لا يناسب سياق الكلام.)قوله علیه السلام : فاقعس عن هذا الأمر (الفاء فصيحة وأخذ علیه السلام أن ينفّره ويحذره من سوء أعماله أي إذا كان الموت آتيك عن قريب وأنت رهين ما اكتسبت فتأخر عمّا تدعيه واقطع الرجاء منه وأمسك عن أباطيلك، وتنح عن أضاليلك .)قوله علیه السلام : وخذ أهبة الحساب عطف على قوله (اقعس، أي تأهب واستعد لحسابك يوم يقوم الناس لرب العالمين قال تعالى:( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ) [الأنبياء : 1] وقال عزّ من قائل: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم) [الغاشية: 25، 426 ])

قوله علیه السلام : وشمّر لما قد نزل بك عبر ما يأتي بلفظ الماضي لتحقق وقوعه عن قريب حتّی كأنه وقع. ثم إنه علیه السلام خوفه من سوء ماله ونكال مآبه في الآخرة بقوله (شمر لما قد نزل بك أي تهيّأ لأمر هائل وخطب عظيم لما قد دريت من مباحثنا السالفة أنه يقال : فلا شد عقد إزاره، أو كشف عن ساقيه أو شمّر عن ساقيه، أو شمّر ذيله، أو نحوها إذا تهيأ لأمر هائل وخطب عظيم و فظيع .)ويمكن أن يكون مراده علیه السلام بقوله هذا تهديده وإنذاره من عواقبه وإخباره بما ينزل به ويفضحه في وقعة صفين كقوله علیه السلام له في ذيل كتابه هذا فكأني قد رأيتك تضخ من الحرب - إلخ. ولكن المعنى الأول أوفق بسياق الكلام.)قوله علیه السلام : ولا تمكن الغواة من سمعك يقال مكنه وأمكنه من الشيء إذا جعل له عليه سلطاناً وقدرة أي لا تسلّطهم على سمعك ولا تسمع منهم ما يوحون إليك ولا تشاورهم فإنّهم يغوونك فيردونك لأنَّ اتباع الأراء الباطلة مردية وذلك لأنَّ بعد الحقِّ ليس إلا الضلال. ومن هؤلاء الغواة عبيد اللّه بن عمر علمت في شرح المختار 236 من باب الخطب وشرح المختار الأوَّل من باب الكتب : أنَّ أنَّ عمر لما لما ضرب في غلس الصبح واشتبه الأمر في ضاربه سمع ابنه عبيد اللّه قوماً يقولون قتله العلج فظنّ أنّهم يعنون الهرمزان فبادر عبيد اللّه إليه فقتله قبل أن يموت عمر ؛ فسمع عمر بما فعل ابنه فقال : قد أخطأ عبيد اللّه إنَّ الذي ضربني أبو لؤلؤة وإن عشت لأقيدنه به فإنَّ عليّاً لا يقبل منه الدية وهو موليه فلما مات عمر وتولّى عثمان طالبه علي علیه السلام بقود عبيد اللّه وقال : إنه قتل مولاي - يعني الهرمزان - ظلماً وأنا وليه فقال عثمان : قتل بالأمس عمر واليوم تقتل ابنه حسب آل عمر مصابهم به وامتنع من تسليمه إلى عليّ. وقال علي : لئن أمكنني الدهر منه يوماً لأقتلنه به (1، فلما ولي علي علیه السلام هرب عبيد اللّه إلى الشام والتجأ إلى معاوية وخرج معه إلى حرب صفين فقتله عليّ علیه السلام في حرب صفين.)ومنهم ذو الكلاع، ومنهم مروان بن الحکم طريد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ؛ ومنهم عمرو بن العاصي وكثير ممن أشرنا إليهم في الشروح السالفة قد استحبّوا الدُّنيا وأسروا الكفر وجعلوا قتل عثمان عرضة لأغراضهم النفسانية وأهوائهم الشيطانية فخدعوا أتباعهم بقولهم قتل إمامنا مظلوماً.قوله علیه السلام : وإلا تفعل أعلمك ما أغفلت من نفسك أي إن لا تردع نفسك عن الغي والضلال ولا تتأخر عن هذا الأمر الذي تدَّعيه ولا تتعظ بما وعظتك به ولا تفعل ما أمرتك


1) الخرائج والجرائح: 212/1، وبحار الأنوار: 273/30

فإنّي أعلم نفسك التي أهملتها وتركتها وإهمال النفس إرخاء عنانها وإرسالها فيما تشاء وعدم روضها في طاعة اللّه، ولا يخفى على عاقل أن النفس أبيّة العنان ولا تنقاد لحكم العقل إلا أن تروّض وتمنع ممّا تهويه وتشتهيه فلو اهملت ولم تلجم لسلكت طريقة عمياء فإنّها أمارة بالسوء، فطوبى لامرىء ألجم نفسه وأمسكها عن معاصي اللّه وقادها إلى طاعته تعالى .ولم يبين علیه السلام متعلق الإعلام أعني أنّه لم يقل بماذا يُعلمه ليعم جميع تبعاتها. يعني أنك إن لم تنته عن أباطيلك ولم تمتثل أمري لأذيقتك حرّ السيوف وشرارة الموت حتّی تعلم نفسك ما كانت عليها من الأوزار التي اكتسبتها بإهمالك إياها .ويمكن أن يكون من نفسك متعلّق أغفلت، فعلى متعلّق الأعلام مذكور لكنه مبهم فيندرج في حكم الأول.قوله علیه السلام : «فإنّك مترف - إلى قوله : والدَّم الظاهر من سباق العبارة دال على أنَّ (الفاء تعليلية لقوله علیه السلام : (أعلمك) ؛ لا لقوله : (أغفلت) . أي أعلمك نفسك المهملة لأنك ممّن أطغته النعمة واستكن فيه الشيطان وتسلّط عليه وفعل فيه ما شاء من الآمال والأهواء، وجرى فيه مجرى الروح والدم والمراد أنَّ معاوية تجاوز عن حدود اللّه بترفّه فلا بد للإمام المبسوط اليد من أن أن يسدّه عن التجاوز إمّا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوّلاً، وإما بحر الأسنة والسيوف إن لم ينته عن التجاوز ثانياً ولذا قال علیه السلام : ( وإلا تفعل أعلمك ) - إلخ .)وقوله علیه السلام : وجرى منك مجرى الروح والدم إشارة إلى ما روي عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : إنَّ الشيطان ليجري من بني آدم مجرى الدم (1. وحمل الروح على معنى الروح البخاري أولى من حمله على النفس الناطقة المجرَّدة لمكان مجرى وذلك لأنَّ للنفس الناطقة تعلّق تدبير وتصرف للبدن ولا يقال إنّها جارية فيه بخلاف الروح البخاري فإنّه ليس بمجرَّد بل جسم لطيف .)قوله علیه السلام : ومتى كنتم - إلى قوله : سوابق الشقاء هذا استفهام انكار، وقد قدَّمنا في مباحثنا السالفة أنَّ الفائز برتبة الخلافة يجب أن يكون في جميع الصفات الكمالية أفضل من غيره طول عمره فلو كان لغيره سابقة الشرف والتقدّم في الأمور لم يكن له أهلية ذلك المقام .وقوله علیه السلام : « بغير قدم سابق ولا شرف باسق» استفهام على سبيل التقريع والتعنيف والعتاب والانكار ، أي هل كنتم ساسة الرعية وولاة أمر الأمّة بغير قدم سابق يعني أنى يكون


1) نهج البلاغة : 139/3 4 ومستدرك الوسائل : 220/16 ح 16 .

كذلك أن يلي أحد أمور الأمة بغير قدم سابق ولا شرف سابق؟وقوله علیه السلام : «ونعوذ باللّه - إلخ» كأنّما يشير إلى ما جرى فيه القضاء الإلهي من لزوم سوابق الشقاء فإنّه لا يبدل ولا يغيّر ونعم ما قال الخواجه عبد اللّه الأنصاري بالفارسية: إلهي همه از آخر ترسند و عبد اللّه از أول زیرا آنچه رفته در اول، در آخر نمیشود مبدل.قوله علیه السلام : «وأحذرك أن تكون متمادياً في غرة الأمنية» أي أخوفك من أن تدوم وتستمر في غفلة الأمال الباطلة والأهواء المردية كادّعائه الخلافة أي انته عنه فإنَّ عاقبته وخيمة.قوله علیه السلام : «مختلف العلانية والسريرة» أي أحذرك أن تكون منافقاً، ومعلوم أنَّ المنافق أضرّ بالدِّين من الكافر فإنَّ من كان معلوم الحال يتقى منه ؛ والمنافق يردّ الناس عن صراط اللّه القهقرى يظهر الإيمان ويصير إلى الكفر. وكان لمعاوية في ذلك النصيب الأوفر.وفي الكافي بإسناده عن سعيد بن يسار، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : مثل المنافق مثل جذع النخل أراد صاحبه أن ينتفع به في بعض بنائه فلم يستقم له في الموضع الذي أراد فحوّله في موضع آخر فلم يستقم له وكان آخر ذلك أن أحرقه بالنّار (1.)### رؤية النبي صلی الله علیه وآله وسلم بني أمية في المنام على صور قرود تصعد منبره وترد الناس عن الإسلام القهقرىقال الفيض في تفسير الصافي عند قوله تعالى: «وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (60» [الإسراء: 60] .)العياشي عن الباقر أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ ؟ فقال : إنَّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أري أنَّ رجالاً من بني تيم وعدي على المنابر يردون الناس عن الصراط القهقرى ؛ قيل : والشجرة الملعونة؟ قال: هم بنو أُمية(2).)وعن الصادق علیه السلام مثله إلا أنه قال : رأى أنَّ رجالاً على المنابر يردّون النّاس ضلالاً رزيق وزفرأقول: وهما كنايتان عن الأولين وتيم وعدي جداهما.قال : وفي رواية أخرى عنه علیه السلام : أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قد رأى رجالاً من نار على منابر


1) الكافي : 396/2 - 5 ، وميزان الحكمة : 831/4 ح 4.

2) بحار الأنوار : 527/31 ح 31، وتفسير الصافي : 199/3 199/3 ح 60 .

من نار يردُّون الناس على أعقابهم القهقرى ؛ قال : ولسنا نسمّي أحداً، وفي أخرى : إنا لا نسمّي الرجال ولكن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم رأى قوماً على منبره يضلّون الناس بعده على الصراط القهقرى (1.)وفي رواية أخرى قال: رأيت الليلة صبيان بني أمية يرقون على منبري هذا فقلت: يارب معي؟ فقال: لا ولكن بعدك .وفي الكافي عن أحدهما علیهم السلام : أصبح رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يوماً كثيباً حزيناً؛ فقال له علي علیه السلام : ما لي أراك يا رسول اللّه كئيباً حزيناً ؟ فقال : وكيف لا أكون كذلك وقد رأيت في ليلتي هذه أنَّ أنَّ بني تميم وبني عدي وبني أُمية يصعدون منبري هذا يردّون الناس عن الإسلام القهقرى ،فقلت يا رب في حياتي أو بعد موتي ؟ فقال : بعد موتك(2.)أقول : معنى هذا الخبر مستفيض بين الخاصة والعامة إلا أن العامة رووا تارة أنه رأىقوماً من بني أُمية يرقون منبره وينزون عليه نزو القردة، فقال هو حظهم من الدنيا يعطونه بإسلامهم.وأُخرى أنَّ قروداً تصعد منبره وتنزل فساءه ذلك واغتم به .والقمّي قال : نزلت لما رأى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في نومه في نومه كأنَّ قروداً تصعد منبره فساءه ذلك وغمّه غمّاً شديداً فأنزل اللّه : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة لهم ليعمهوا فيها والشجرة الملعونة كذا نزلت وهم بنو أمية (3)والعياشي عن الباقر علیه السلام : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة لهم ليعمهوا فيها: والشجرة الملعونة في القرآن يعني بني أُميّة (4)ومضمراً أنه سئل عن هذه الآية فقال : إنَّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم نام فرأى أنَّ بني أُمية يصعدون منبره يصدون الناس كلما صعد منهم رجل رأى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الذلّة والمسكنة فاستيقظ جزوعاً عن ذلك فكان الذين رآهم اثني عشر رجلاً من بني أمية فأتاهم، فأتاه جبرئيل علیه السلام بهذه الآية، ثمَّ قال جبرئيل: إنَّ بني أمية لا يملكون شيئاً إلا ملك أهل البيت ضعفيه (5)


1) الكافي : 159/4 10، ومدينة المعاجز : 140/6 .

2) الكافي : 345/8ح543

3) تفسير القمي : 21/2 ، والتفسير الصافي : 200/3 .

4) تفسير العياشي : 297/2 ح 93 ، والتفسير الصافي : 200/3 .

5) بحار الأنوار: 528/31 ، وتفسير العياشي : 2/ 298 ح 101 .

وفي الاحتجاج عن أمير المؤمنين علیه السلام في حديث قال : أما إنَّ معاوية وابنه سيليانها بعد عثمان ثمَّ يليها سبعة من ولد الحكم بن أبي العاص واحداً بعد واحد يكمله اثني عشر إمام ضلالة وهم الذين رأى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم على منبره يردّون الأمة على أدبارهم القهقرى، عشرة منهم من بني أمية ورجلان أسسا ذلك لهم وعليهما أوزار هذه الأمة إلى يوم القيامة (1.)وفي مقدمة الصحيفة السجّاديّة عن الصادق عن أبيه، عن جده: إنَّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أخذته نعسة وهو على منبره فرأى في منامه رجالاً ينزون على منبره نزو القردة يردّون الناس على أعقابهم القهقرى فاستوى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم جالساً والحزن يعرف في وجهه فأتاه جبرئيل بهذه الآية: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ الآية يعني بن أمية قال : يا جبرئيل أعلى عهدي يكونون وفي زمني؟ قال: لا ولكن تدور رحى الإسلام من مهاجرك فتلبث بذلك عشراً ثمَّ تدور رحى الإسلام على رأس خمس وثلاثين من مهاجرك فتلبث بذلك خمساً ثم لا بد من ضلالة في قائمة على قطبها ثمَّ ملك الفراعنة قال وأنزل اللّه في ذلك : «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)»)«وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2»«لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)» [القدر: 1 - 3] - 3] تملكها بنوا أُمية ليس فيها ليلة القدر فاطلع اللّه نبيه أن بني أمية تملك سلطان هذه الأمة وملكها وطول هذه الأمة فلو طاولتهم الجبال لطالوا عليها حتّی يأذن اللّه بزوال ملكهم وهم في ذلك مستشعرون عداوتنا أهل البيت وبغضنا . أخبر اللّه نبيه بما يلقى أهل بيت محمد وأهل مودتهم وشيعتهم منهم في أيامهم وملكهم (2).)أقول : إنما أرى صلی اللّه علیه و آله وسلم ردّ النّاس عن الإسلام القهقرى لأنَّ الناس كانوا يظهرون الإسلام وكانوا يصلون إلى القبلة ومع هذا كانوا يخرجون عن الإسلام شيئاً فشيئاً كالذي يرتد عن الصراط السوي القهقرى ويكون وجهه إلى الحق حتّی إذا بلغ غاية سعيه رأى نفسه في الجحيم.وفي الاحتجاج عن الحسن بن علي علیه السلام في حديث أنه قال لمروان بن الحكم أمّا أنت يا مروان فلست أنا سببتك ولا سببت أباك ولكن اللّه عزّ وجلَّ لعنك ولعن أباك وأهل بيتك وذريتك وما خرج من صلب أبيك إلى يوم القيامة على لسان محمد صلی اللّه علیه و آله وسلم ؛ یا مروان ما تنكر أنت ولا أحد ممن حضر هذه الأمة من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم لك ولأبيك من قبلك وما زادك اللّه يا مروان بما خوّفك إلا طغياناً كبيراً وصدق اللّه وصدق رسوله، يقوله اللّه تعالى:«وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا » وأنت يا مروان وذريتك


1) کتاب سليم بن قيس : 212 ، وبحار الأنوار: 427/31 .

2) التفسير الصافي : 201/3.

الشجرة الملعونة في القرآن (1)عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وعن أمير المؤمنين علیه السلام في حديث : وجعل أهل الكتاب القائمين به والعاملين بظاهره وباطنه من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربّها أي يظهر مثل هذا العلم لمحتمليه في الوقت بعد الوقت وجعل أعدائها أهل الشجرة الملعونة الذين حاولوا إطفاء نور اللّه بأفواههم ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره ولو علم المنافقون لعنهم اللّه ما عليهم من ترك هذه الآيات التي بينت لك تأويلها لأسقطوها مع ما أسقطوا منه (2.)أقول : وفي قوله سبحانه فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً لطافة لا يخفى انتهى ما أتى به الفيض قدّس سرّه في هذا المقام من تفسيره.### جميع ملك أمية كان ألف شهر كاملةلما انجرّ الكلام إلى ذكر الحديث في أنَّ( ليلة القدر خير من ألف شهر تملكها بنو أمية ليس فيها ليلة القدر يعجبني أن أذكر مقدار المدَّة من الزمان وما ملكت فيه بنو الزمان وما ملكت فيه بنو أمية من الأعوام على التفصيل ليزداد القاريء بصيرة في ما أخبره اللّه تعالى ورسوله وآل الرسول وقد ذكر المسعودي المتوفى سنة 346 ه- في مروج الذهب» (ص 198 ج 2 طبع مصر 1346 ه- ) : كان جميع ملك بني أُمية إلى أن بويع أبو العباس السفّاح ألف شهر كاملة لا تزيد ولا تنقص لأنهم ملكوا تسعين سنة واحد عشر شهراً وثلاثة عشر يوماً .)قال المسعودي: والنّاس متباينون في تواريخ أيامهم والمعوّل على ما نورده وهو الصحيح عند أهل البحث ومن عنى بأخبار هذا العالم وهو : أنَّ معاوية بن أبي سفيان ملك عشرين سنة، ويزيد بن معاوية ثلاث سنين وثمانية أشهر وأربعة عشر يوماً ومعاوية بن يزيد شهراً واحد عشر يوماً، ومروان بن الحكم ثمانية أشهر وخمسة أيام، وعبد الملك بن مروان إحدى وعشرين سنة وشهراً وعشرين يوماً، والوليد بن عبد الملك تسع سنين وثمانية أشهر ويومين، وسليمان بن عبد الملك سنتين وستة أشهر وخمسة عشر يوماً ، وعمر بن عبد العزيز سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام ويزيد بن عبد الملك أربع سنين وثلاثة عشر يوماً، وهشام بن عبد الملك تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسعة أيام والوليد بن يزيد بن عبد الملك سنة وثلاثة أشهر، ويزيد بن الوليد بن عبد الملك شهرين وعشرة أيام وأسقطنا أيام


1) الاحتجاج: (416/1 ، وبحار الأنوار: 86/44.

2) تفسير الصافي : 202/3 ، والاحتجاج 376/1 .

إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك كإسقاطنا أيام إبراهيم بن المهدي أن يعد في الخلفاء العباسيين ومروان بن محمد بن مروان خمس سنين وشهرين وعشرة أيام إلى أن بويع السفّاح فتكون الجملة تسعين سنة وأحد عشر شهراً وثلاثة عشر يوماً يضاف إلى ذلك الثمانية أشهر التي كان مروان يقاتل فيها بني العباس إلى أن قتل فيصير ملكهم إحدى وتسعين سنة وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوماً يوضع من ذلك أيّام الحسن بن علي وهي خمسة أشهر وعشرة أيام، وتوضع أيام عبد اللّه بن الزبير إلى الوقت الذي قتل فيه وهي سبع سنين وعشرة أشهر وثلاثة أيام فيصير الباقي بعد ذلك ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر يكون ذلك ألف شهر سواء.قال : وقد ذكر قوم إنَّ تأويل قوله عزّ وجلَّ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3» ما ذكرناه من أيامهم. وقد روي عن ابن عباس أنه قال : و اللّه ليملكن بنو العباس ضعف ما ملكته بنو أُمتة باليوم يومين بالشهر شهرين وبالسنة سنتين وبالخليفة خليفتين، انتهى ما أردنا من نقل كلام المسعودي في المروج .)قوله علیه السلام : « وقد دعوت إلى الحرب - إلى قوله : والمغطى على بصره» أي قد دعوتنا إلى الحرب ؛ وقد قدمنا في شرح المختار» 236 من باب الخطب أنَّ أمير المؤمنين عليا علیه السلام نادى يا معاوية علام يقتل النّاس بيني وبينك؟ هلمّ أحاكمك إلى اللّه فأينا قتل صاحبه استقامت له الأمور (1ور . وقد ذكرنا شعر المتنبي وحكاية سيف الدولة مع الأخشيد المناسبة للمقام فراجع إلى ص 316 ج 15)وأفاد الشارح المعتزلي في «المقام» بقوله : وإنما قال أمير المؤمنين علیه السلام لهذه الكلمة - يعني : أينا المرين على قلبه والمغطى على بصره - لأن معاوية قالها في رسالة كتبها ووقفت عليها من كتاب أبي العبّاس يعقوب بن أبي أحمد الصيمري الذي جمعه في كلام علي علیه السلام وخطبه وأوَّلها : أمّا بعد فإنّك المطبوع على قلبك المغطى على بصرك، الشرّ من شيمتك، والعتق من خليقتك، فشمّر للحرب، وأصبر للضرب فو اللّه ليرجعنَّ الأمر إلى ما علمت والعاقبة للمتقين؛ هيهات هيهات إحظاءك ما تمنى وهوى قلبك فيما هوى؛ فاربع على طلعك وقس شبرك بفترك تعلم أين حالك من حال من تزن الجبال حلمه ويفصل بين أهل الشك علمه والسلام.فكتب إليه أمير المؤمنين علیه السلام : أما بعد يا ابن صخر یا ابن اللعين ؛ يزن الجبال فيما زعمت حلمك ويفصل بين أهل الشك علمك وأنت الجاهل القليل الفقه المتفاوت العقل الدين، وقلت : فشمّر للحرب واصبر فإن كنت صادقاً فيما تزعم ويعينك عليه ابن الشارد عن


1) تاريخ الطبري : 29/4

النابغة، فدع النّاس جانباً واعف الفريقين من القتال وابرز إلي لتعلم أينا المرين على قلبه،فأنا أبو الحسن حقاً قاتل أخيك وخالك وجدك شدخاً يوم بدر وذلك المغطى على بصره. السيف معي وبذلك القلب ألقى عدوّي (1)قوله علیه السلام : «فأنا أبو حسن كان يعرف ويكنى علیه السلام بأبي حسن ومن الأمثال السائرة من صدر الإسلام إلى الآن قولهم : قضيّة لا أبا حسن فيها . ولم يأت (بالألف (واللام) في ابنه رعاية للتواضع وهضم النفس لا استصغاراً لابنه علیه السلام نعوذ باللّه لأنَّ حرف التعريف يدلّ على التعظيم والتجليل فما كان يعجبه علیه السلام ادخاله على اسم ابنه، وإن كان الأعداء يذكرونه بلا حرف التعريف احتقاراً فقد قال الشيخ الأجل أبو الفتح الكراجكي المتوفى سنة 449 ه- في كتابه المترجم بكتاب «التعجب» (ص 44 طبع إيران 1322 ه- ) :)ومن عجيب أمرهم وظاهر بغضهم لأهل البيت أنهم إذا ذكروا الإمام الحسن بن علي الذي هو ولد رسول اللّه وريحانته وقرة عينه والذي نحله الإمامة وشهد له بالجنّة حذف من اسمه الألف واللام ويقال حسن بن عليّ ولأولاده أولاد حسن استصغاراً واحتقاراً لذكره، ثمَّ يقولون مع ذلك الحسن البصري فيثبتون في اسمه (الألف (واللام) إجلالاً له)وإعظاماً وتفخيماً لذكره وإكراماً، وذلك أنَّ هذا البصري كان متجاوزاً عن ولاية أهل البيت علیه السلام وهو القائل في عثمان قتله الكفّار وخذله المنافقون ولم يكن في المدينة يوم قتله إلا قاتل وخاذل فنسب جميع المهاجرين والأنصار إلى الكفر والنفاق، وتخلف عن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب علیه السلام ثم خرج مع قتيبة بن مسلم في جند الحجاج إلى خراسان(2.)قوله علیه السلام : « قاتل جدك وخالك وأخيك شدخاً يوم بدر وذلك السيف معي وبذلك القلب ألقى عدوّي وقد تكرر هذا الكلام منه علیه السلام في عدة كتبه إلى معاوية : فقد يأتي في آخر المختار 28 هذا الباب قوله علیه السلام : (قد صحبتهم ذرية بدرية وسيوف هاشمية قد عرفت من مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك وأهلك وما هي من الظالمين ببعيد؛ وفي« المختار»64 من هذا الباب أيضاً قوله علیه السلام :( وعندي السيف الذي أعضضته بجدك وخالك وأخيك في مقام واحد).)وجده هذا هو جده لأمّه هند عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فإنَّ عتبة كان أبا هند وخاله هو الوليد بن عتبة، وأخوه هو حنظلة بن أبي سفيان وقد مضى كلام بن أبي سفيان وقد مضى كلام عبد اللّه بن بديل رحمه اللّه تعالى في صدر شرح هذا الكتاب فكيف يبايع معاوية عليّاً وقد قتل أخاه حنظلة وخاله


1) نهج البلاغة : 11/3 ، والصحيح من السيرة : 47/5.

2) التعجب : 43.

الوليد وجدّه عتبة في موقف واحد .قوله علیه السلام : ودخلتم فيه «مكرهين قد مضى كلام أبي اليقظان عمّار رحمه اللّه في معاوية وأتباعه أنهم ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر حتّی وجدوا عليه أعواناً، وكذا كلام غير واحد من الصحابة ومن تثنى عليهم الخناصر فيهم في شرح المختار» 236 من باب الخطب فراجع إلى ص 370 ج 15 .أقول : كلام أبي اليقظان مأخوذ من كلام أمير المؤمنين علیه السلام كما يأتي في «المختار» 16 من هذا الباب فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلما وجدوا أعواناً عليه أظهروه .قوله علیه السلام : وزعمت أنك - إلى قوله : إن كنت طالباً قد أشرنا في الشروح الشروح السالفة غير مرَّة إلى أنَّ أمير المؤمنين علي علیه السلام كان في عزلة عن دم عثمان وأبرأ الناس منه وقد دريت في شرح المختار الأول من باب كتبه أن عمرو بن العاص كان شديد التحريض والتأليب على عثمان، وأنَّ عثمان لما أبى أن يخلع نفسه تولّى طلحة والزبير حصاره، وأن عائشة كانت أوَّل من طعن على عثمان وأطمع الناس فيه وكانت تقول : اقتلوا نعثلاً فقد فجر، نقله الدينوري في «الإمامة» و«السياسة وكانت تقول للناس : إنَّ فيكم فرعون هذه الأمة تعنى به عثمان.ومراده علیه السلام من كلامه هذا أنَّ معاوية إن كان صادقاً في قوله أنّه يطلب بدم عثمان ولم يكن غرضه استغواء الناس ولم يجعل دمه عرضة لأهوائه الردية المردية، فليطلبه من حیث وقع دمه يعني من قتله وألّب الناس على قتله أي من طلحة والزبير وعائشة وعمرو بن العاصيوأمثالهم.قوله علیه السلام : « فكأني قد رأيتك - إلخ » إخبار بما يأتي على معاوية وأتباعه في غزوة صفين من الذلّة والمسكنة والهوان أوّلاً بقوله جزعاً من الضرب المتتابع والقضاء الواقع و مصارع بعد مصارع.وبحيلة عمرو بن العاص في رفع مصاحف لما ظهرت هزيمة أهل الشام .ثانياً. وقد أتينا بنبذة ما وقعت في صفين في شرح المختار» 236 من باب الخطب وقال اليعقوبي في التاريخ ص 164ج 2طبع النجف : ثمّ وجّه علي علیه السلام إلى معاوية يدعوه ويسأله الرجوع أن لا يفرِّق الأُمّة بسفك الدماء فأبى إلا الحرب فكانت الحرب في صفّين سنة سبع وثلاثين وأقامت بينهم أربعين صباحاً، وكان مع عليّ يوم صفين من أهل بدر سبعون رجلاً وممن بايع تحت الشجرة سبعمائة رجل ومن سائر المهاجرين والأنصار أربعمائة رجل ولم يكن مع معاوية من الأنصار إلا النعمان بن بشير ومسلمة بن مخلد

قال : وصدقت نیات أصحاب علي علیه السلام في القتال وقام عمّار بن ياسر فصاح في الناس فاجتمع إليه خلق عظيم فقال : و اللّه إنّهم لو هزمونا حتّى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنّا على الحقِّ وأنّهم على الباطل ؛ ثمَّ قال: ألا من رائح إلى الجنّة فتبعه خلق فضرب حول سرادق معاوية فقاتل القوم قتالاً وقتل عمّار بن ياسر واشتدت الحرب في تلك العشية ونادى الناس قتل صاحب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وقد قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : تقتل عماراً الفئة الباغية.قال: وزحف أصحاب علي علیه السلام وظهروا على أصحاب معاوية ظهوراً شديداً حتّی لصقوا به فدعا معاوية بفرسه لينجو عليه فقال له عمرو بن العاص إلى أين؟ قال : قد نزل ما ترى فما عندك؟ قال : لم يبق إلا حيلة واحدة أن ترفع المصاحف فتدعوهم إلى ما فيها فتستكفهم وتكسر من حدّهم وتفت في أعضادهم.قال معاوية : فشأنك، فرفعوا المصاحف ودعوهم إلى التحكيم بما فيها وقالوا ندعوكمإلى كتاب اللّه فقال علي علیه السلام : إنها مكيدة وليسوا بأصحاب قرآن(1.)وإنما قال علیه السلام : (فكأني قد رأيتك - إلخ، لأنَّ الزَّمان والمكان وسائر الأجسام والجسمانيات إنما هي حجب لنا وأمّا الحجج الإلهية فإنّهم يرون الوقائع في متن العالم على ما هي عليه .)ثمَّ لا يخفى لطافة كلامه علیه السلام في ذلك حيث أتى بلفظ الماضي وقال : قد رأيتك وما قال فكأني أرى، لئلا يتوهم متوهم أنه علیه السلام لما رأى ما جرى بينه وبين معاوية وتمهد لهما تَفَرَّسَ فيما سيكون لمعاوية وجنده من هزيمة وذلّة وهوان .على أنَّ غاية ما يمكن أن يقال لمن كان له حزم لو تفرس في نحو هذه الأمور أن يتفرَّس في أمور كليّة مثلاً : أنَّ له ظفراً على خصمه وأمّا أن يتفرّس في جزئيات الوقائع التي لا يعلمها إلا اللّه والراسخون في العلم ولا يتيسر لغيرهم العلم بها عادة فلا ؛ فانظر في قوله علیه السلام : (وكأني بجماعتك تدعوني إلى كتاب اللّه نظر دراية وإنصاف هل يمكن أن يقال إنه علیه السلام لما رأى مقدمات الأمور تفرّس في رفعهم المصاحف فيما يأتي من زمان طويل وأمد مديد؟ وما أرى هذا الظنَّ بمن له خبرة في الأمور ومن جانب المراء والتعصب ونظر بعيني العقل والفهم.)وقد نقل اليعقوبي في «التاريخ» (ص 169 ج 2 طبع النجف خطبة له علیه السلام لما قدمالكوفة بعضها قوله علیه السلام : سلوني قبل أن تفقدوني فإنّي سلوني قبل أن تفقدوني فإنّي عن قليل مقتول فما يحبس أشقاها أن)


1) تاريخ اليعقوبي : 188/2

يخضبها بدم أعلاها فَلَوَ الذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة ولا عن فئة تضل مائة أو تهدي مائة إلا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها إلى يوم القيامة - إلخ . (1)وقد مضى نحو كلامه هذا قوله علیه السلام في الخطبة 99 ( الكأني انظر إلى ضليل قد نعق بالشام وفحص براياته في ضواحي كوفان إلخ . وقوله علیه السلام في الخطبة 187 (أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني فلأنا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض) . إلخ .)قوله علیه السلام : (وهي كافرة جاحدة أو مبائعة حائدة كان أتباع معاوية صنفين، وقوله علیه السلام : (وهي كافرة جاحدة يشير إلى المنافقين من جماعته وقوله علیه السلام : (أو) مبائعة حائدة) إلى الذين بايعوه ثم نكثوا عهده يقال حاد عن الأمر أي مال وعدل عنه. وقد روى الفريقان في جوامعهم أن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم قال لعلي علیه السلام أنه يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، والناكثون أصحاب الجمل، والقاسطون أصحاب معاوية والمارقون خوارج نهروان .)


1) الأمالي : 267 ح 493 ، ونهج البلاغة : 182/1 ح 39

### الترجمةاین نامه ای است که امیر(علیه السلام در جواب نامه معاویه نوشت: معاویه به امیرالمؤمنين على (علیه السلام) نوشت تویی آن که غفلت و زنگ گناه مهر بر دلش زده و پرده هوی و هوس بر چشمش افکنده شد و بدی خوی تو و گردنکشی و تجاوز سرشت ات است و از این روی آماده جنگ باش و برای ضرب و شکنجه دیدن شكيبا. قسم به خدا کار به جایی کشد که خود دانی و عاقبت برای پرهیزکاران است. چه بسا دور است رسیدنت به آرزویت و به خواسته دلت پس از آن که از عهده ات خارج و از طاقت دور است دست بدار و خودداری)چه کن و وجبت را به درنه ات اندازه گیر (3 تا بدانی تفاوت حال تو و آن که بردباریش هم سنگ کوهها و دانش او تمیز مردم گاه شک و شبهه می میباشد تا چه حد است؛ والسلام)نامه امیر (علیه السلام در پاسخ معاویه)امیر (علیه السلام در جواب وی نوشت)بسم اللّه الرّحمن الرّحيماز بنده خدا علی امیرالمؤمنان به معاویه پورسفیانامّا بعد درود بر آن که پیرو راه رشاد ،است ستایش میکنم آن که را جز او خدایی نیست ای ،معاویه میبینی که دنیا با اهلش چگونه به سر می برد بهترین توشه در روزگار آن است که بندگان شایسته گردآوردند؛ آن که دنیا را به آخرت بسنجد و چشم از دنیا بپوشد و کار آخرت نماید تفاوت این سرا و آن سرا را بسیار می یابد.ای معاویه ،ادعای امری (مقام خلافت و امامت میکنی که سزاوار آن ،نیستی نه در سابقگی و نه در ولایت عهدی و امر بیّن و حجّتی نداری که بدان درباره تو مکرمت و برگزیدگی شناخته شود؛ و نه مر تو را برای این مقام از قرآن)

شاهدی است و نه از رسول خدا عهدی؛ پس چه خواهی کرد آنگاه که پرده ها از تو برداشته شود و رسوا گردی ،پرده ای دنیایی که خود را به زینتش آراسته و به لذتش فریفته است و تو را خوانده و اجابتش کرده ای و افسارت را کشیده و پیرویش نموده ای و سر در پی او نهادی و فرمانت داد و فرمان بردیهمانا به زودی کسی آگاهت کند بر آن چه که کسی نتواند از آن برهاندت و یا به هیچ دافعی از خود نتوانی دفع کرد پس از این ادعا دست بدار و دور شو و برای حساب آماده باش و بر آن چه که بر تو فرود آید دامن بر میان زن و به حرف گمراهان گوش مدهو اگر چنین نکنی جانت را که ترکش گفته ای و افسارش را رها کرده ای اعلام کنم بدان چه که خواهم اعلام کرد یا بدان چه که خود را از آن غافل کرده ای اعلام خواهم کرد .که نعمت فراوان تو را سرکش کرده و در طغیان افکنده است و در تو شیطان راه یافته یا این که دامهای خود را در تو نهاده و به آرزوی خود رسیده و در تو چون جان و خون در جریان است.ای معاویه ،کی شما مدیر امور رعیت و والی امر این امّت بوده اید؟ آیا بی سابقه و اثر نيکو و پایه بلند و ارجمند باید صاحب آن مقام باشید؟ به خدا پناه می برم از لزوم رقم بدبختی که از قلم قضای الهی گذشته است. بپرهیز از این که پیوسته در غفلت آرزوها به سر بری و دورو باشی.ما را به جنگ خوانده ای؛ اگر راست گویی مردم را به يك سوى نه و هر دو سپاه را از آن معاف دار و تنها با من در آی تا دانسته شود كدام يك از ما زنگ بر دلش زده و پرده هوس بر چشمش افکنده شد که منم آن ابوحسنی که در جنگ بدر نیا و خالوی و برادرت را سرکوفتم و هريك را طعمه شمشیر کرده ام همان شمشیر با من است و با همان دل به دشمن رو کنم ،نه دینم را به دینی تبدیل کرده ام و نه پیغمبری از نو گرفته ام و من بر همان راه روشنم که شما به اختیار ترکش گفته اید و با اکره بدان در آمدید .گویی که به خونخواهی عثمان ،آمدم تو که خود دانی خونش را که ریخته است، از آن کس بخواه

هان ای معاویه، به دهان اژدهای جنگ بینمت که دندانش را در تو چنان فرو برده که بسان شتران زیر بارگران ناله ات در گرفته است؛ و سپاهت را که یا کفر کیشند و یا پیمان شکن بینمی که از دیدن ضربتهای پی در پی و قضای به وقوع پیوسته یکی پس از دیگری بر خاك هلاك افتاده مرا به کتاب خدا خوانند.بدان اگر مقام امامت و خلافت به دست مردم بودی و این کار بدیشان برگزار می شدی ،هر آینه بر ما رشک میبردند و منت می نهادند لکن این مشیّت الهی و قضای آسمانی است که خداوند از زبان پیمبر راستگویش که خود به راستیش تصدیق کرده است به ما موهبت فرموده و ارزانی داشته است. آن که آن که پس از روشن شدن حق و اقامه بینه و برهان بر حقانیت آن دو دل باشد و شک و شبهه نماید رستگار نخواهد شد ،بارخدایا میان ما و دشمن ما به حق حکم بفرما که تو بهترین حاکمیترجمه نامه امیر(علیه السلام در پاسخ نامه معاویه مطابق نسخه صیمری چنین است ای پسر صخر ،ای فرزند لعین ،پنداری که کوهها هموزن حلم تو و تمیز اهل شك علم تو است و حال این که نادانی کم فهم و پریشان عقل و رمیده از دینی.)به من گفتی که آماده جنگ باش و صابر اگر راستگویی و ابن نابغه( عمرو بن عاص تو را كمك است مردم را به يك سوى نه و هر دو سپاه را از کارزار معاف دار و تنها با من درآی تا دانسته شود كدام يك از ما زنگ بر دلش زده و پرده هوس بر چشمش افکنده شد که منم همان ابوالحسن که در جنگ بدر برادر و خالو و نیایت را سرکوفتم و طعمه شمشیر کرده،ام همان شمشیر با من است و با همان دل به دشمن رو کنم.)پاسخ معاویه به امیرالمؤمنین (علیه السلام )معاویه در جواب امیر (علیه السلام نوشت:)بسم اللّه الرّحمن الرّحيماز معاوية بن ابي سفيان به علی بن ابی طالبامّا بعد؛ دست از حسد بردار که هیچگاه از آن سودی نبری و گامی که در راه دین از پیش برگرفته ای به آز بزرگ منشی و خودخواهی تباه مکن که کارها وابسته

به پایان است و سابقه ات را در حق کسی که بر او حقی نداری نابود مگردان که اگر چنان کنی جز خویشتن را آزار نکنی و جز کارت را نابود نگردانی و جز حجتت را باطل ننماییبه جانم سوگند ، آن همه سابقه خدمت در دین که داشته ای به خون هایی که ریخته ای و خلاف با مردم حق کرده ای شسته ای و فرا آب داده ای پس سوره" قل اعوذ برب الفلق" را بخوان و از شرّ نفس خود به خدا پناه ببر چه تویی آن حاسدی که خدا در فلق :فرمود: "و من شر حاسد اذا حسد"

## ومن وصية له وصى بها جيشاً بعثه إلى العدو وكلامه هذا هو المختار الحادي عشر من باب الكتب والرسائل### اشارةفَإِذا نَزَلْتُمْ بِعَدُو أَوْ نَزَلَ بِكُمْ فَلْيَكُنْ مُعَسْكَرُكُمْ فِي قُبُلِ الأَشْرافِ أَوْ سِفاح الْجِبالِ، أَوْ أَثناء الأَنْهارِ كَيْما يَكُونَ لَكُمْ رِدْاً وَدُونَكُمْ مَرَدًّا. وَلْتَكُنْ مُفاتَلَتْكُمْ مِنْ وَجْهِ واحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ، وَاجْعَلُوا لَكُمْ رُقباءَ في ضياصِي الجِبالِ ، وَمَناكِبِ الْإِضابِ؛ لَثلا يَأْتِيَكُمُ الْعَدُوُّ مِنْ مَكانٍ مَخَافَةٍ أَوْ أَمْنِ.وَاعْلَمُوا أَنَّ مُقَدِّمَةَ الْقَوْمِ عُيُونُهُمْ، وعُيُونُ الْمُقَدِّمَةِ طَلائِعُهُمْ .وإيَّاكُمْ وَالتَّفَرَّقَ فَإِذا نَزَلْتُمْ فَانْزِلُوا جميعاً، وَإِذَا ارْتَحَلْتُمْ فَارْتَحِلُوا جميعاً، وإذا غَشِيَكُمُ اللَّيْلُفَاجْعَلُوا الرّماحُ كِفَةٌ ؛ وَلاَ تَذُوقُوا التَّوْمَ إلا غراً. أَوْ مَضْمَضَةٌ (1.)### سندها ونقلها على صورتها الكاملة على رواية نصرفى صفين والحسن بن علي بن شعبة في تحف العقولقد روى کلامه هذا نصر بن مزاحم المنقري الكوفي في كتابه في «صفين» مسنداً (ص 66 من الطبع الناصري وما أتى به الرضي في النهج فملتقط ممّا أتى به نصر في صفين وأشرنا غير مرةً إلى أن عادة الرضي التقاط الفصيح والبليغ من كلامه علیه السلام وإن كان هذا الكتاب على صورته الكاملة محاسن كتبه علیه السلام . وقد دريت في شروح الكتب السالفة أنَّ نصراً في نفسه ثقة، وفي نقله ثبت ؛ وأنه كان يعيش قبل الرضي بمائتي سنة تقريباً ؛ فدونك الوصية على ما رواها نصر :)عن نصر : عمر بن سعد، حدثني يزيد بن خالد بن قطن أنَّ عليّاً علیه السلام حين أراد المسير إلى النخيلة دعا زياد بن النضر وشريح بن هاني وكانا على مذحج والأشعريين فقال : يا زياد اتق اللّه في كلّ ممسى ومصبح وخفف على نفسك الدُّنيا الغرور ولا تأمنها على حال من البلاء واعلم أنك إن لم ترع نفسك عن كثير ممّا يجب مخافة مكروهه سمت بك الأهواء إلى كثير من الضرّ فكن لنفسك مانعاً وادعاً من البغي والظلم والعدوان فإنّي قد وليتك هذا الجند فلا تستطيلنَّ عليهم وإنَّ خيركم عند اللّه أتقاكم وتعلم من عالمهم [علم] جاهلهم


1) بحار الأنوار: 412/32 ، ومستدرك الوسائل : 741/11.

وأحلم عن سفيههم فإنّك إنما تدرك الخير بالحلم وكف الأذى والجهد (1)أقول : كلامه هذا مذكور في النهج المعنون بقول الرضي ومن وصية له علیه السلام وصى به شريح بن هاني لما جعله على مقدّمته إلى الشام اتق اللّه في كل صباح ومساء وخف على نفسك الدُّنيا - إلخ . وهو «المختار» 56 من باب الكتب والرسائل وبين النسختين أعني بين ما في النهج وكتاب «صفين» لنصر اختلاف في الجملة وسيأتي شرحها وتحقيقها في محلّها إن شاء اللّه تعالى فلنرجع إلى ما أتى به نصر في كتاب «صفين».فقال زياد أوصيت يا أمير المؤمنين حافظاً لوصيتك مؤدّباً بأدبك، يرى الرشد في نفاذ أمرك، والغي في تضييع عهدك .فأمرهما أن يأخذا في طريق واحد ولا يختلفا. وبعثهما في أثنى عشر ألفاً . على مقدمته شریح بن هاني على طائفة من الجند وزياد على جماعة. فأخذ شريح يعتزل بمن معه من أصحابه على حدة ولا يقرب بزياد بن النضر. فكتب زياد مع غلام له أو مولى يقال له شوذب:### كتاب زياد بن النضر إلى أمير المؤمنين علي علیه السلاملعبد اللّه عليّ أمير المؤمنين من زياد بن النضر سلام عليك، فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو ؛ أما بعد فإنّك وليتني أمر النّاس وأن شريحاً لا يرى لي عليه طاعة ولا حقاً وذلك من فعله بي استخفافاً بأمرك وتركاً لعهدك .### کتاب شريح بن هاني إليه علیه السلاموكتب شريح بن هاني - إليه علیه السلام - سلام عليك فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو أما بعد فإنَّ زياد بن النضر حين أشركته في أمرك ووليته جنداً من جنودك تنكر واستكبر ومال به العجب والخيلاء والزهو إلى ما لا يرضاه الرب تبارك وتعالى من القول والفعل، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعزله عنا ويبعث مكانه من يحبّ فليفعل فإنا له كارهون .والسلام


1) تحف العقول : 191 ، وبحار الأنوار : 410/32.

## كتابه إلى زياد بن النضر وشريح بن هاني في جواب كتابهما وهذا الكتاب هو الذي أتى به الرضى في النهج وعنونه بقوله ومن وصية له وصى بها جيشاً بعثه إلى العدو أعني تلك الوصية التي نحن بصدد شرحها الآن على صورتها الكاملة على رواية نصر### اشارةفكتب إليهما علي علیه السلام : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى زياد بن النضر وشريح بن هاني سلام عليكما فإنّي أحمد إليكما اللّه الذي لا إله إلا هو ؛ أمّا بعد، فإنّي قد وليت مقدمتي زياد بن النضر وأمرته عليها وشريح على طائفة منها أمير، فإن أنتما جمعكهما بأس فزياد بن النضر على الناس، وإن افترقتما فكل واحد منكما أمير على الطائفة التي ولّيناه أمرهافاعلما أنَّ مقدِّمة القوم عيونهم، وعيون المقدمة طلائعهم. فإذا أنتما خرجتما من بلادكما فلا تسئما من توجيه الطلائع من نقض (1الشعاب والشجر والحَمَر في كل جانب كيلا يغتركما عدوّ ، أو يكون لهم كمين.)ولا تسيّرنَّ الكتائب إلا من لدن الصباح إلى المساء إلا على تعبية؛ فإن دهمكم دهم أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدّمتم في التعبية .وإذا نزلتم بعدوّ أو نزل بكم فليكن معسكركم في قبل الأشراف أو سفاح الجبال أو أثناء الأنهار كي ما يكون ذلك لكم ردءاً، وتكون مقاتلتكم من وجه أو اثنين. واجعلوا رقباءكم في صياصي الجبال وبأعالي الأشراف ومناكب الأنهار يرون لكم لئلا يأتيكم عدو من مكان مخافة أو أمن.وإياكم والتفرُّق فإذا نزلتم فانزلوا جميعاً، وإذا رحلتم فارحلوا جميعاً وإذا غشيكم ليل فنزلتم فحقوا عسكركم بالرماح والأترسة (والترسة؛ ورماتكم يلون ترستكم ورماحكم وما أقمتم فكذلك فافعلوا كيلا تصاب لكم غفلة، ولا تلفى لكم غرة ؛ فما قوم حفّوا عسكرهم برماحهم وترستهم من ليل أو نهار إلا كانوا كأنهم في حصون .)واحرسا عسكركما ،بأنفسكما، وإياكما أن تذوقا نوماً حتّى تصبحا إلا غراراً أو مضمضة، ثمَّ ليكن ذلك شأنكما ودأبكما حتّی تنتهيا إلى عدوّكما، وليكن عندي كلّ يوم


1) في نسخة نفض مستدرك الوسائل : 40/11 ح 12381

خبركما، ورسول من قبلكما ؛ فإنّي ولا شيء إلا ما شاء اللّه حثيث السير في آثاركما عليكما في حربكما بالتُّؤَدة، وإياكم والعجلة إلا أن تمكنكم فرصة بعد الإعذار والحجة، وإياكما أن تقاتلا حتّى أقدم عليكما إلا أن تبديا أو يأتيكما أمري إن شاء اللّه والسلام (1.)### صورة الكتاب على رواية ابن شعبةقد رواه أيضاً الشيخ العالم الجليل أبو محمد الحسن بن علي بن شعبة الحراني المتوفّى 332 ه- في« تحف العقول» عن آل الرسول (ص 44 طبع إيران 1303 ه- لكنه رحمه اللّه نقل أنَّ هذا الكتاب كتبه إلى زياد بن النضر فقط فإنّه بعدما أتى بالوصية التي وصى بها زياد بن النضر حين أنفذه على مقدمته إلى صفين وهي قوله علیه السلام : ( اتق اللّه في كل ممسى ومصبح) . إلى قوله : (وكف الأذى والجهد) - كما رواها نصر قال : ثم أردفه بكتاب يوصيه فيه ويحذره: اعلم أن مقدمة القوم عيونهم، وعيون المقدمة طلائعهم، فإذا أنت خرجت من بلادك، ودنوت من عدوّك فلا تسأم من توجيه الطلائع في كل ناحية وفي بعض الشعاب والشجر والخمر وفي كل جانب حتّى لا يغيركم عدوّكم ويكون لكم كمين ولا تسير الكتائب والقنابل من لدن الصباح إلى المساء إلا تعبية فإن دهمكم أمر أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدّمتم في التعبية، وإذا نزلتم بعدوّ فليكن معسكركم في إقبال الإشراف، أو في سفاح الجبال، أو أثناء الأنهار كي ما تكون لكم ردعاً ودونكم مرداً. ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد واثنين، واجعلوا رقباءكم في صياصي الجبال وبأعلى الأشراف وبمناكب الأنهار يُريئون لكم ثقلاً يأتيكم عدو من مكان مخافة أو أمن، وإذا نزلتم فانزلوا جمعياً ، وإذا رحلتم فارحلوا جميعاً، وإذا غشيكم الليل فنزلتم فحقوا عسكركم بالرماح والترسة واجعلوا رماتكم يلون ترستكم كي لا تصاب لكم غرّة، ولا تلقى لكم غفلة واحرس عسكرك بنفسك. وإياك أن ترقد أو تصبح إلا غراراً أو مضمضة، ثم ليكن ذلك شأنك ودأبك حتّی تنتهي إلى عدوّك وعليك بالتأني في حربك. وإياك والعجلة إلا أن تمكنك فرصة. وإيّاك أن تقاتل إلا أن يبدؤوك أو يأتيك أمري والسلام عليك ورحمة اللّه (2).)ثمَّ إِنَّ كتابه هذا على رواية «تحف العقول» منقول في أبواب الجهاد من البحار (ص 98ج 21 من الطبع الكمباني وفي ص 627 ج 8 منه أيضاً وعلى رواية صفين لنصر منقول في باب بغي معاوية وامتناع أمير المؤمنين علیه السلام تأميره من البحار (ص 477 ج 8 من ذلك الطبع) .)


1) بحار الأنوار: 412/32 ، ونهج السعادة 238/4

2) تحف العقول: 192 ، وبحار الأنوار: 466/33 .

### اللغة«أحمد إليكما اللّه »قال المرزوقي في« شرح الحماسة » 93: الحمد الثناء على الرجال بما فيه من الخصال المرتضاة، وبهذا المعنى فارق الشكر لأن الشكر لا يكون إلا على صنيعة، انتهى .أقول : الظاهر من قوله علیه السلام : وبهذا المعنى فارق الشكر أنّه أراد أن يبين مورد افتراق معنيي الحمد والشكر وإلا فالحمد أعم من الشكر لأنك تحمد الإنسان على صفاته الذاتية وعلى عطائه ولا تشكره على صفاته .وأمّا معنى قوله علیه السلام : (أحمد إليكما اللّه فقال ابن الأثير في« النهاية»: وفي كتابه علیه السلام (أما بعد فإنّي أحمد إليك اللّه) أي أحمده معك فأقام إلى مقام مع. وقيل : معناه أحمد إليك نعمة اللّه بتحديثك إياها.)«وليت» من التولية يقال : ولى الأمير فلاناً الأمر إذا جعله والياً عليه. وفي «صحاح» الجوهري : ولأه الأمير عمل كذا، وولاه بيع الشيء وتولى العمل أي تقلد.«مقدمتي» في «الصحاح»: مقدمة الجيش بكسر( الدال : أوَّله . وفي «النهاية» الأثيرية وفي كتاب معاوية إلى ملك الروم: (لأكونن مقدمته إليك) أي الجماعة التي تتقدم الجيش من قدم بمعنى تقدّم ؛ وقد استعيرت لكلّ شيء فقيل : مقدّمة الكتاب ومقدمة الكلام بكسر( الدال) وقد يفتح« أمرته عليها »أي جعلته أميراً عليها يقال : أمره إذا ولاء الإمارة وحكمه.)«عيونهم» العيون واحد العين بفتح العين ومعناه ههنا الجاسوس والراصد ويقال بالفارسية ديدبان ففي «الصحاح» العين الديدبان والجاسوس. وفي «النهایة» الأثيرية وفي الحديث أنه بعث بسبسة عيناً يوم بدر أي جاسوساً. واعتان له إذا أتاه بالخبر ؛ ومنه حديث الحديبية كان اللّه قد قطع عيناً من المشركين أي كفى اللّه منهم من كان يرصدنا ويتجسس علينا أخبارنا .«طلائعهم» جمع طليعة وطليعة الجيش هم القوم الذين يبعثون ليطلعوا طِلْعَ العدو كالجواسيس. لا تسئما» أي لا تملا يقال سئم الشيء يسئم سآمة من باب علم أي مله وضجر منه ؛ والسامة : الملل والضجر.«نقض» النقض (بالقاف الهدم، ولكني أرى أن (النقض) مصحف والصواب النقض (بالفاء) ففي (صحاح» الجوهري : وقد نفضت المكان واستنفضته وتنفضته أي نظرت جميع ما فيه قال زهير)

وتنفض عنها غَيْبَ كلّ حَميلة*** وتخشى رماة الغَوث من كلّ مرصدواستنفض القومُ أي بعثوا النفيضة، ويقال: إذا تكلّمت ليلاً فانفض أي التفت هل ترى من تكره؟ والنفض بالتحريك : الجماعة يبعثون في الأرض لينظروا هل فيها عدو أو خوف وكذلك النفيضة نحو الطليعة.وفي «النهایة» الأثيرية وفي حديث أبي بكر والغار أنا أنفض لك ما حولت أي أحرسك وأطوف هل ترى طلباً؟ يقال : نفضت المكان واستنفضته وتنفضته إذا نظرت جميع ما فيه (والنفضة بفتح (الفاء) وسكونها، والنفيضة) قوم يبعثون متحسين هل يرون عدوّاً أو خوفاً.)«الشعاب» بكسر الشين جمع الشعب بكسرها أيضاً أي الطريق في الجبل. وما انفرج بين الجبلين ومسيل الماء في بطن أرض.«الخمر» بالتحريك كلّما سترك وواراك من الشجر والجبال ونحوها ؛ قال ابن الأثير في «النهایة» : ومنه حديث أبي قتادة فابغنا مكاناً خمراً أي ساتراً بتكاثف شجره وفي «الصحاح» : تقول : توارى الصيد منّي في خمر الوادي. وفي «البيان والتبيين» للجاحظ ص 210 ج 3 قالالشاعر :ثم أرميكم بوجه بارز*** لست أمشي لعدوّي بخمر«كمين» الكمين : القوم يكمنون للعدو ويستخفون في مكمن لا يفطن له ثمَّ ينتهزون غرّة العدوّ فينهضون عليه من قولهم كمن كموناً من بابي نصر وعلم إذا اختفى وتوارى ومنه قولهم :هذا أمر فيه كمن ؛ أي دغل لا يفطن له .«الكتائب» جمع الكتيبة من كتبت أي جمعت تقول فلان كتب الكتائب تكتيباً أي عبّى كتيبة كتيبة، وتكتبت الخيلُ أي تجمعت فالكتيبة من الجيش ما جمع فلم ينتشر ؛ أَلْحَقَ (الهاء بها لأنه جعل اسماً. وفي «النهایة» الأثيرية : في حديث السقيفة نحن أنصار اللّه وكتيبة الإسلام، الكتيبة: القطعة العظيمة من الجيش، والجمع الكتائب .)قال الفرّار السلمي (الحماسة 38.)وكتيبة لبستها بكتيبة ***حتّى إذا التبست نفضتُ لهايديفتركتهم تقص الرماح ظهورهم *** من بين منعفر وآخر مسندفي شرح المرزوقي عليها : هذا يتبجح بأنّه مهياج شرّ وأذى، وجماع بين كتائب شتى تتقاتل من دونه، ثمَّ يخرج هو من بينهم غير مبال بما يُجرون إليه، ولا مفكر فيما ينتج من

الشر فيهم، فيقول : رُبّ كتيبة خلطتها بكتيبة . فلما اختلطت نفضت يدي منهم ولهم وخلّيتهم وشأنهم.فإن دهمكم دهم دهمه أمر أي فاجأة وغشيه من بابي منع وعلم وفي «الحماسة» 71.وكم دهمتني من خطوب مُلمّةٍ*** صبرتُ عليها ثم لم أتخشعقال الجوهري في«الصحاح» : اللّهم . العدد الكثير ؛ والجمع الدهوم وقال الشاعر :جئنا بدهم يدهم الدهوما *** مجر كان فوقه النجومامئنابده- وفي «النهایة» الأثيرية في الحديث لما نزل قوله تعالى تسعة عشرة (المدثر : (31 قال)أبو جهل أما تستطيعون يا معشر قريش وأنتم الدهم أن يغلب كلّ عشرة منكم واحداً؟ الدَّهم : العدد الكثير. ومنه الحديث محمد في الدَّهم بهذا القوز (1وحديث بشير بن سعد فأدركه الدهم عند الليل، والحديث الآخر من أراد أهل المدينة بدهم أي بأمر عظيم وغائلة من أمر يدهمهم أي يفجأهم.)معسكر على هيئة المفعول : موضع العسكر أي الجيش ويقال بالفارسية: لشکرگاه .«قبل في«الصحاح» : القبل - بضم القاف وسكون (الباء) - والقبل - بضمهما -: نقيض الدبر والدبر - كذلك ويقال : أنزل بقبل هذا الجبل أي بسفحه انتهى قوله. وفي« النهاية»: القبل ما استقبلك من الشيء، فقبل الأشراف ما استقبلك منها. وجاء في بعض النسخ قبيل مصغراً؛ وفي بعضها الأخر : قبل بكسر القاف) وفتح الباء) ولكن الأول هو الصواب. «الأشراف »جمع الشرف محرَّكة ففي«الصحاح» : الشَّرَف : العلو والمكان العالي. وقال الشاعر :)آتي الندي فلا يقرب مجلسي*** وأقود للشرف الرفيع حمارييقول : إني خرفت فلا ينتفع برأيي وكبرت فلا استطيع أن أركب من الأرض حماري إلا من مكان عال وجبل مشرف عال.« سفاح» بكسر أوَّله جمع السفح بالفتح وفي«الصحاح» : سفح الجبل أسفله حيث يسفح فيه الماء وهو مضطجعه، وقال المرزوقي في شرح «الحماسة» 33:فلما أتينا السفح من بطن حائل*** بحيث تلاقي طلحها وسيالهادعوا لنزار وانتمينا لِطَیيء *** كأسد الشرى إقدامها ونزالها


1) الغارات : 282/18 ح 2 .القوز بالفتح : العالي من الرمل كأنه جبل .

ما هذا لفظه والسفح أسفل الجبل ولاشتهاره بما وضع له أغنى عن إضافته إلى الجبل .«أثناء الأنهار »منعطفاتها جمع الثني بكسر الأوّل وسكون الثاني. وفي«الصحاح» : قال أبو عبيد : الثّني من الوادي والجبال مُنْعَطَفُه . «ردءاً» الرّدء بالكسر فالسكون العون والناصر تقول: ردأت الرجل رداً من باب منع ، وأردأته بمعنى أعنته وأردأته بنفسي : إذا كنت له ردءاً. وفي القرآن الكريم : «وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34)» [القصص: 34] وجمع الردء أرداء.

«رقباء» جمع الرقيب، والرقيب الحافظ والراصد والحارس تقول رقبه رقوباً من باب نصر إذا رصده وحرسه ورقيب الجيش طليعتهم وعينهم أيضاً .«صياصي» جمع الصيصة والصيصية وفي «الصحاح»: الصيصة : شوكة الحائك التي يسوّى بها السداة واللحمة ؛ ومنه صيصة الديك التي في رجله وصياصي البقر قرونها، وربما كانت تركب في الرماح مكان الأسنة والصياصي : الحصون. انتهى.وفي «النهایة» الأثيرية فيه - يعني في الحديث - أنه ذكر فتنة تكون في أقطار الأرض كأنها صياصي بقر أي قرونها واحدها صيصية بالتخفيف وقيل : شبه الرماح التي تشرع في الفتنة وما يشبهها من سائر السلاح بقرون بقر مجتمعة ومنه حديث أبي هريرة أصحاب الدّجال شواربهم كالصياصي يعني أنها أطالوها وقتلوها حتّی صارت كأنها قرون بقر، والصيصة أيضاً الوتد الذي يقلع به التمر والصنارة التي يغزل بها وينسج .أقول : فيما ذكرنا من معاني الصياصي يمكن أن يكون معنى صياصي الجبال رؤوسها لأنَّ أحد معانيها القرون وأحد معاني القرون رؤوس الجبال، كما يمكن أن تكون الإضافة من قبيل لجين الماء أي الجبال التي كالحصون أو أنها حصون لأنه يمتنع بها كما أنَّ ذا القرن يمتنع بقرنه .«مناكب »جمع المنكب بفتح( الميم وكسر (الكاف)، وفي«الصحاح» : المنكب من الأرض : الموضع المرتفع.)«الهضاب» بكسر (الهاء جمع الهضبة بفتحها، وفي «الصحاح» الهضبة الجبل)المنبسط على وجه الأرض والجمع هِضَب وهضاب .«الأترسة» الصواب ،الترسة والأولى مصحفة والترسة جمع الترس وهي صفحة من الفولاد تحمل للوقاية من السيف ونحوه ويقال بالفارسية سير وفي«الصحاح» : التّرس

جمعه تِرْسة وترأس وأتراس وتُروس، قال يعقوب ولا تقل أثرسَة. انتهى.«رماتكم» الرُّماة جمع الرامي كالمشاة جمع الماشي. وأصلها الرمية كالطلبة أبدلت (ياؤها (الفا) .)«لا تلفى» أي لا توجد تقول ألفيت الشيء إذا وجدته. قال تعالى: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170» [البقرة: 170] .)«كفّة بكسر (الكاف) أي مستديرة بحيث تحفّ العسكر وتصير حصناً لهم. وفي «الصحاح»: كُفَّة القميص بالضم: ما استدار حول الذيل وكان الأصمعي يقول: كلّ ما استطال فهوكُفَّة بالضم نحو كفّة الثوب وهي كفّة الثوب وهي حاشيته، وكفّه الرّمل وجمعه كفاف؛ وكلّ ما استدار فهو كفة بالكسر نحو نحو كفّة الميزان وكفة الصائد وهي حبالته، وكفة اللثة وهي ما انحدر منها . قال : ويقال : كَفّة الميزان أيضاً بالفتح والجمع كفف . انتهى .)وقال المرزوقي في شرح «الحماسة» 56 :مَلأت عليه الأرض حتّی كأنها من الضيق في عينيه كفَّة حابل«والكفّة» يجوز أن يريد به الحفيرة التي ينصب الحابل فيها الحبالة، ويجوز أن يريد بها قترته، ويجوز أن يريد بها عين الحبالة لأنها تجعل كالطوق وهذا أقرب لأن الخليل فسّر الكفّة على ذلك .أقول : المراد منها فهنا أن يحفّوا العسكر بالرماح والترسة حتّى تكون حصناً لهم كما بينفي نسخة نصر وسيتضح في المعنى أيضاً. وقد غلط بعض الشراح حيث فسر قوله (ناجعلوا الرماح كفّة بقوله : (ليكون الرماح حولكم ككفة الميزان) أي مجموعة .)«غراراً الغرار بالكسر ، أحد معانيه : النوم القليل، تقول العرب ما نومه إلا غرار.)وقال تأبط شرًا كما في ديوان الحماسة من اختيار أبي تمام (حماسة (165:)وقالوا لها لا تنكحيه فإنّه لأول نصل أن تلاقي مجمعاًقليل غرار النوم أكبر همه دم الثار أو يلقى كميّاً مسفعا« مضمضة» ههنا كناية عن قلة النوم والأصل في المضمضة: تحريك الماء في الفم والمضمضة في النوم أن تنام خفيفاً ثم تستيقظ ثمَّ تنام خفيفاً وهكذا تشبها بمضمضة الماء في الفم وفي«الصحاح» : يقال : ما مضمضت عيني بنوم أي ما نمت وتمضمض النعاس في ،عينه قال الراجز :وصاحب نبهته لينهضا إذا الكرى في عينه تمضمضا

«حثيث» أي مسرع يقال: ولى حثيثاً أي مسرعاً، وفي القرآن الكريم( يُغشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا [الأعراف: 54] «التؤدة» بضم( التاء) وفتح الهمزة) (والدال): الرزانة والتأني والرفق مقابل العجلة، وأصلها من وأد كالتواد على وزن التكرار. وفي« الصحاح»: إيَّاد في مشيه وتوأد في مشيه وهو افتعل وتفعّل من التوءدة وأصل (التاء) في اناد (واو) يقال : اتند أمرك أي تثبت وفي «الحماسة» 74: إنّي امرؤ مكرم نفسي ومتئد*** من أن اقاذعها حتّی أُجازيها

الإعراب

(مقدمتي وزياد) مفعولان لقوله (وليت) فإذا أنتما خرجتما، (الفاء) فصيحة، وفي كلّ جانب متعلق بكل واحد من التوجيه والنفض( فإن دهمكم)؛ (الفاء) تعليلية لقوله (إلا على تعبية) وضمير (يرون) يرجع إلى الرقباء (والفاء) في (فإذا نزلتم )فصيحة، (فحفوا) جواب إذا الثالثة، (والفاء) في ( فنزلتم تفريع على غشيكم فما قوم حفّوا)؛ (الفاء) تعليلية لقوله: (فحفوا عسكركم بالرماح )إلخ . وقوله علیه السلام : (كي لا تصاب )- إلى قوله علیه السلام : (غرة)، يمكن أن يكون تعليلاً لقوله (حفوا) كما يمكن أن يكون تعليلاً لقوله: (وما أقمتم) وإن كان بالأول أوفق، حثيث السير ) خبر (إن) ، وقوله علیه السلام (ولا شيء إلا ما شاء اللّه) جملة معترضة وقعت بين اسم إن وخبرها .

المعنى

كتابه هذا من محاسن كتبه علیه السلام لفظاً ومعنى ويا ليت الشريف الرضي رضوان اللّه عليه أتى بصورته الكاملة في النهج من دون التقاط بعضه ورفض بعضه الآخر .

ثمَّ إِنَّ الكتاب مشتمل على قوانين كلية أصلية لا بدَّ لمن تولى إمارة جيش أن يستعملها في الحرب كي يظفر على الخصم. ولا تختص تلك القوانين بعصر دون عصر بل تعمّ الأعصار والدُّهور؛ فلا مجال لأحد في أن يقول : إنَّ الكتاب يتضمّن على قوانين الحرب في تلك الأعصار السالفة دون هذه الأزمان غاية الأمر أنَّ أدوات الحرب تغيّرت، ولو تأمّل في الكتاب من تدرب في فنون المحاربة يجد قائله بطلاً محامياً ومحارباً خرّيتا في فنون الحرب، وأميراً لمن يكن له في طول دهره إلا تعبية العساكر وتهيئة سلاح الحرب وتعليم فنون القتال، وأعمال الروية في كيفية مقابلة العساكر وتهيئة سلاح الحرب وتعليم فنون القتال، واعمال الروية في كيفية تعبية العساكر وتهيئة سلاح الحرب وتعليم فنون القتال، واعمال الروية في كيفية مقابلة المقاتل في المعارك ؛ مع أنه علیه السلام كان في جميع الصفات الكمالية إماماً وقدوة فدونك بما تضمن الكتاب :

قوله علیه السلام : وإن افترقتما فكل واحد منكما أمير على الطائفة التي ولّيناه أمرها وقد دريت أنّه علیه السلام كتبت إليهما هذا الكتاب بعد اعتزال شريح عن زياد وتنحى زياد عنه، ثمَّ إِنَّ الشركة أمثال هذه الأمور قلّما تتفق على أنَّ الاجتماع على راية واحدة وأمير واحد أقرب إلى الظفر على الخصم من التساند في الحرب وقد أجمعوا على أنَّ الشركة ردّية في ثلاثة أشياء : في المُلك ، والحرب والزوجة .

قوله علیه السلام : «فاعلما أنَّ مقدِّمة القوم عيونهم - إلخ) قد أتى علیه السلام في هذا الكتاب بأحد وعشرين دستوراً ممّا لا بدَّ أن يراعيها أمير الجيش طلباً للظفر على الخصم وهي ما يلي :

الأول : أنَّ القوم لا بدَّ لهم من مقدمة .

الثاني: : أن المقدّمة لا بد من أن يكونوا أكياساً حذاقاً بصراء لأنهم عيون القوم فالمقدمة من القوم بمنزلة العين من الجسد وكما أن العين جاسوس للبدن تحفظه من المهالك وتراقبه عن المهاوي كذلك المقدّمة للقوم، ففي كتاب الحرب من عيون «الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ص 117 ج 1 طبع مصر) : ذكر عبد الملك بن صالح الهاشمي أن خالد بن برمك حين فصل مع قحطبة من خراسان بينا هو على سطح بيت في قرية قد نزلاها وهم يتغدّون نظر إلى الصحراء فرأى أقاطيع ظباء قد أقبلت من جهة الصحاري حتّی كادت تخالط العسكر، فقال لقحطبة : أيها الأمير ناد في النّاس يا خيل اللّه اركبي فإنَّ العدوّ قد نهد إليك وحثّ وغاية أصحابك أن يُسرجوا ويلجموا قبل أن يروا سُرعان الخيل، فقام قحطبة مذعوراً فلم ير شيئاً يروعه ولم يعاين غباراً، فقال لخالد : ما هذا الرأي؟ فقال خالد أيها الأمير لا تتشاغل بي ونادٍ في الناس، أما ترى أقاطيع الوحش قد أقبلت وفارقت مواضعها حتّی خالطت الناس! إنَّ وراءها لجمعاً كثيفاً، :قال فو اللّه ما أسرجوا ولا ألجموا حتّی رأوا ساطع الغبار فسلموا، ولولا ذلك لكان الجيش قد اصطلم. الثالث: أنَّ للمقدمة لا بد من طلائع .

الرابع : أن الطلائع عيون المقدمة فالكلام في المقدّمة كالكلام في الطلائع بل الطلائع يجب أن يكونوا أكيس من المقدّمة لأنهم عيون العيون.

الخامس أن يوجهوا الطلائع في كل جانب يظن فيه كمين مرَّة بعد مرة كما يستفاد من قوله علیه السلام ( فلا تسئما) أي لا تملاً من كثرة توجيه الطلائع .

السادس : أن يبعثوا النفيضة كرة بعد كرة كما يستفاد من قوله علیه السلام (فلا تسئما) أيضاً في كل جانب يظنّ فيه عدوّ في مكمن واغترار لينظروا في الشعاب وفي وراء الشجر والخمر. وعلّل هذين القسمين بقوله كي لا يغتركما عدوّ أو يكون لهم كمين وهذان القسمان في

الحقيقة متفرعان على ما قبلهما ولذا أتى (بفاء )الفصيحة بعد قوله (فاعلما أن مقدمة القوم عيونهم وعيون المقدمة طلائعهم).

السابع: أن لا تسير الكتائب في الليل لما في الليل من خوف الوقوع إلى التهلكة فحصر السير في النهار بقوله إلا من لدن الصباح إلى المساء.

الثامن : أنّ سير الكتائب إذا كان في الليل فلا بد من أن يكونوا على تعبية أي على تهيئة وتجهيز من قبل أن تسير الكتائب وعلل ذلك بقوله : (فإن دهمكم دهم أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدَّمتم في التعبية) .

التاسع : إذا نزلوا بعدوّ أو نزل العدو بهم فليكن المعسكر في قبل الأماكن العالية أو أسافل الجبال أو منعطفات الأنهار وعلل ذلك بقوله (كيما) يكون لكم ردءاً ودونكم مردا).

العاشر: أن تكون المقاتلة من وجه واحد أو اثنين وذلك لأن المقاتلة إذا كانت من وجوه شتّى تشتتت القوى فيتطرّق الوهن والضعف في الجند فيستلزم ظفر الخصم عليهم. والغرض من هذا الكلام أن الجيش ينبغي لهم أن يجعلوا معسكرهم في قبل الأشراف أو سفاح الجبال أو أثناء الأنهار كي لا يحمل عليهم الخصم من كل جانب بل من جانب واحد أو من جانبين والجوانب الأخرى تكون مصونة بالجبال والأنهار. وإن لم توجد الجبال والأنهار فيحفر الخندق حول العسكر كما فعله الإمام سيّد الشهداء أبو عبد اللّه الحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام في كربلاء .

الحادي عشر : لا بدَّ للقوم من رقباء .

الثاني عشر : أن يجعل الرقباء في رؤوس الجبال والتلال ونحوهما من موضع مرتفع بحيث يرون للقوم والسرُّ في ذلك أنهم إذا كانوا في مواضع مرتفعة على مرئى قومهم يرون الخصم عن بعيد فيخبرون قومهم فلا ينزل الخصم عليهم بغتة كما صرح بذلك(لئلا يأتيكم عدو من مكان مخافة أو أمن).

الثالث عشر : أن يحذروا من التفرق لأن الاجتماع يوجب الهيبة والعظمة تجاه الخصم فيستلزم وهنه وانكساره وفي القرآن الكريم( ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار) [الفتح 29] (آخر الفتح) .

وفرّع على التحذير من التفرُّق قوله علیه السلام : (فإذا نزلتم) وأتى (بالفاء) الفصيحة أي إذا كان التفرّق محذوراً منه (فانزلوا جميعاً وارحلوا جميعاً)

الرابع عشر : أن يحف العسكر بالرماح والترسة كي تصير الرماح والترسة حصناً لهم

وعلل ذلك بقوله : (فما قوم حفّوا عسكرهم برماحهم وترستهم من ليل أو نهار إلا كانوا كأنهم في حصون).

الخامس عشر : أنَّ الرماة يلون الترسة والرماح والمراد أنَّ كلَّ من تدرب في فنّ من فنون الحرب يلي أمره ولما أمرهم بأن يحفّوا العسكر بالرماح والترسة أشار إلى أن الرماة يلون الترسة والرماح لأنّ ذلك أربط للجاش وأتقن وآكد في الحراسة .

السادس عشر : إذا أقام الجيش في منزل وإن كانت الإقامة في النهار فكذلك عليهم أن يحفُّوا العسكر بالترسة والرماح يجعلوا شأن الترسة والرماح على الرماة، وأشار إلى هذا الدستور بقوله : (وما أقمتم فكذلك فافعلوا)، وإنّما قيدنا الإقامة بالنهار لأنه علیه السلام بعدما أمر بعمله في الليل بقوله : (وإذا غشيكم ليل) - إلخ أتى بقوله : (هذا) وما أقمتم) . إلخ . ثم إنه علیه السلام بعد ذلك يقول : (فما قوم حقوا عسكرهم برماح وترستهم من ليل أو نهار إلا كانوا كأنهم في حصون فأتى بالليل والنهار على سبيل اللف والنشر ،المرتبين فقوله: (من ليل يشير إلى قوله : (وإذا غشيكم ليل، وقوله علیه السلام : ( أو نهار) يشير إلى قوله : (فما أقمتم فكذلك فافعلوا) غاية الأمر أن يقال فما أقمتم يعم الجديدين. فلا ضير أيضاً، ثم علّله بقوله : (كي لا تصاب لكم غفلة ولا تلفى لكم غرة. وذلك لأنّهم إذا اعتادوا أن يحفّوا العسكر بالرماح والترسة مهما أقاموا لا تفوتهم الكفة في الليل ولذا قال علیه السلام :( كي لا تصاب بكم غفلة ولا تلفى لكم غرّة)، وأن جعل قوله علیه السلام : (كي لا تصاب دليلاً لقوله فحفوا عسكركم فالأمر أوضح.

السابع عشر : أن يحفظ الأمير قومهم بنفسه ولا يحمله على غيره لأنه إذا جانب العسكر لا يراقبهم غيره من أفراد الجند كما ينبغي فربما ينجر إلى فرار بعض أو استيلاء الخصم على غفلة وغيرهما من المفاسد.

وفي نوادر الراوندي بإسناده عن موسى بن ،جعفر عن آبائه علیهم السلام قال : قال الحسن بن علي علیه السلام : كان علي يباشر القتال بنفسه ولا يأخذ السلب( البحار الكمبانيص 100 ج 21) (1)

الثامن عشر : لا يجتنبوا من النوم الطويل بل من القليل أيضاً إلا غراراً أو مضمضة لثلا ید همهم الخصم وهم نيام .

التاسع عشر : أن عليهم التأنّي والرفق في الحرب والتحذر من العجلة. ثم استثنى الحكم بالتأني بقوله : (إلا أن تمكنكم فرصة بعد الاعذار والحجة).


1) مستدرك الوسائل : 127/11 ح 12615 ، وكتاب النوادر : 138

العشرون : أن يقدموا الإعذار والحجّة والنصح قبل الحرب.

الواحد والعشرون: أنَّ لا يقدّموا في الحرب ولا يبتدؤوا فيه، وسيجيء الكلام في هذين الوجهين في المختارين 14 و 15 من هذا الباب إن شاء اللّه تعالى.

ثمَّ إِنَّ في الفصل السابع والثلاثين من الباب الثالث من مقدمة ابن خلدون مطالب مفيدة في الحروب وسياستها وما يتعلق بها ومذاهب الأمم فيها وأقسامها، وقال فيه : وانظر وصيَّة علي علیه السلام وتحريضه لأصحابه يوم صفين تجد كثيراً من علم الحرب ولم يكن أحد أبصر بها منه قال في كلام له (فسوّوا) صفوفكم كالبنيان المرصوص) - إلخ . فمن شاء فليطلبها (ص 270 طبع مصر).

الترجمة

این کتاب یازدهم از باب مختار کتب و رسائل امیر (علیه السلام ) است که در آن

لشکری را که به سوی دشمنی گسیل داشت به دستورهایی وصیت کرده است.

امیر (علیه السلام ) این نامه را به شریح بن هانی و زیاد بن نضر نوشت گاهی که آن دو را بر لشکری امارت داد و در اثنای راه به مخالفت یکدیگر اقدام کردند و هريك نامه ای به امیرالمؤمنین (علیه السلام ) نوشت و از مخالفت دیگری حضرتش را اعلام کرد و زیاد نامه نوشت که شریح از طاعت من سر باز زد و برای من حقی روا نمی دارد و امر امیر را سبك شمرده و پیمانش را ترك گفت و شریح نامه نوشت که زیاد تکبّر نمود و بدخویی کرد و عُجب و خودبینی و فخر او را به گفتار و کرداری که خداوند از آن خرسند نیست کشانید و از امیر (علیه السلام ) عزلش را درخواست کرد

چون نامه آن دو به آن بزرگوار رسید در جوابشان مرقوم فرمود

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

از بنده خدا علی امیرالمؤمنین به زیاد بن نضر و شریح بن هانی

درود بر شما ؛ من با شما حمد میکنم خدایی را که نیست جز او خدایی؛ امّا بعد همانا که تولیت مقدّمه لشگر را به زیاد برگزار کرده ام و او را امیر بر آنان گردانیدم و شریح بر طایفه ای از ایشان امیر است پس اگر کار شما به وفاق کشید زیاد بر مردم امیر است و اگر به خلاف انجامید هر یکی بر طائفه ای که شما را بر آنها والی گردانیدم امیر خواهد بود.

بدانید که مقدّمه لشگر دیدبانشاناند و طلیعه دیدبان مقدّمهاند (مقدمه، گروهی هستند که پیشاپیش لشگرند و جاسوس شان و طلیعه نفری چند که جاسوس مقدمه ،اند از این روی چون از شهر خود به در رفتید از فرستادن طلیعهها به گوشه و کنار و این سوی و آن سوی خودداری نکنید و از تفتیش و تجسس در دره ها و پشت درختها و کوهها و مانند آنها از هر سوی کوتاهی نکنید و از کثرت این کار ملال نگیرید که مبادا دشمن در کمین باشد و ناگهان شما را بفریبد و غفلت گیر کند.

و باید که سپاه از شب روی بر حذر باشند و فقط از بامداد تا شامگاه راه ،بپیمایند مگر این که اگر بخواهند شیروی کنند از پیش آمادگی داشته و خود را مجهز کرده باشند که اگر دشمن نابهنگام روی آورد شما نیز آماده و از پیش برای دفاع در تعبیه بوده و تهیه دیده باشید.

پس هرگاه بر سر دشمن فرود آیید یا دشمن بر شما فرود آید باید لشکرگاه شما در پیش جاهای بلند یا دامنه کوهها یا در خم جویها باشد تا شما را از شرّ دشمنان مددی و در پیش رویتان از آنان سد و مانعی بود و باید که کارزارتان از يك روی یا دو روی باشد( یعنی جهات دیگر باید به کوه یا به نهر محفوظ باشد که دشمن از هر طرف دست نیابد و حمله نکند).

و دیده بانها و پاسبانهای لشگر را بر سر کوهها و بر بلندی پشته ها قرار دهید تا دشمن از رهگذر خوف یا امن بر سر شما ناگهان فرود نیابد.

و باید که از پراکندگی بپرهیزید از این روی هرگاه فرود می آیید همگی یك بار فرود آیید و اگر کوچ میکنید همگي يك بار کوچ کنید و هرگاه شب فرا رسد و فرود آمدید نیزهها و سپرها را در گرداگرد ،لشکر دیوار لشکر کنید و کار نیزه ها و سپرها را به تیراندازان واگذارید و اگر روز هم در جایی فرود آمدید همین کار کنید تا مبادا که در غفلت باشید و ناگهان دشمن بر شما بتازد چه هیچ لشکری خواه در شب جایی فرود آیند و خواه در ،روز گرداگرد خود را به نیزهها و سپرها نگرفتند مگر این که گویی در دیواری قرار گرفتند و باید خودتان لشکر را بپایید و بپرهیزید از خواب تا به بیداری شب به روز آورید مگر این که خواب اندکی مضمضه کنید و باید بدین سان که گفته ام خوی کنید و پایدار باشید تا با دشمن روبروی شوید و باید هر روز از شما خبر داشته باشم و من به خواست خدا به سرعت از پیشما خواهم آمد و باید در جنگ تانی کنید و از شتاب دوری جویید مگر این که گاهی فرصت شما را به شتاب در جنگ از آن که حجت را بر پس خصم به پند و اندرز تمام کرده باشید دست دهد و مبادا تا من نیامدم اقدام به جنگ کنید مگر این که دشمن افتتاح و ابتدای به جنگ کند یا این که دستور من به خواست خدا برسد؛ والسلام.

ومن وصية له المعقل بن قيس الرياحي حين أنفذه إلى الشام في ثلاثة آلاف مقدمة له وكلامه هذا هو المختار الثاني عشر من باب كتبه ورسائله وعهوده ووصاياه علیه السلام

اشارة

إِتَّقِ اللَّهَ الذي لا بُدَّ لَكَ مِنْ لِقائِهِ وَلَا مُنْتَهى لَكَ دُونَهُ وَلا تُقاتِلَنَّ إِلا مَنْ قاتَلَكَ . وَسِرِ الْبَرْدَيْنِ. وَغَوِّرُ بِالنَّاسِ، وَرَفهُ في السَّيْرِ. وَلا تَسِرْ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَإِنَّ اللّهَ جَعَلَهُ سَكَناً، وَقَدَّرَهُ مُقاماً لا ظَعْناً ، فَأَرخ فيهِ بَدَنَكَ ، وَرَوْحُ ظَهْرَكَ ، فَإِذا وَقَفْتَ حِينَ يَنْبَطِحُ السِّحَرُ، أَوْ حِينَ يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ فَسِرْ عَلى بَرَكَةِ اللّهِ . فَإِذا لَقِيتَ الْعَدُوَّ فَقِفْ مِنْ أَصْحَابِكَ وَسَطاً، وَلا تَدْنُ مِنَ الْقَوْمِ دُنُو مَنْ يُريدُ أَنْ يُنشِبَ الْحَرْبَ وَلا تَبَاعَدْ مِنْهُمْ تَباعُدَ مَنْ يَهابُ الْبَأْسَ حَتَّى يَأْتِيكَ أَمْري . وَلَا يَحْمِلَنْكُمْ شَنَآنُهُمْ عَلى قِتالِهِمْ قَبْلَ دُعائِهِمْ وَالإِعْدَارِ إِلَيْهِمْ (1)

ذكر سندها والكلام في تلفيقها

رواها نصر بن مزاحم المنقري التميمي الكوفي الملقب بالعطار من معاصري محمد بن علي بن الحسين علیهم السلام باقر علوم الأولين والآخرين في كتاب «صفين» (ص 78 من الطبع الناصري عن عمر بن سعد، عن أبي مخنف عن نمير بن وعلة عن أبي الوداك أنَّ عليّاً بعث من المدائن معقل بن قيس في ثلاثة آلاف وقال له :

خذ على الموصل ثمَّ نصيبين ثمَّ القنى بالرقة فإنّي موافيها وسكن الناس وآمنهم، ولا تقاتل إلا من قاتلك، وسر البردين، وغورّ بالناس وأقم الليل ورقه في السير، ولا تسر أوّل الليل، فإنَّ اللّه جعله سكناً ، أرح فيه بدنك وجندك وظهرك فإذا كان السحر وحين ينبطح الفجر فسر (2).

فخرج - يعني معقل بن قيس - حتّی أتى الحديثة - وهي إذ ذاك منزل الناس إنما بنى مدينة الموصل بعد ذلك محمّد بن مروان - فإذا هم بكبشين ينتطحان ومع معقل بن قيس رجل من خثعم يقال له شداد بن أبي ربيعة قتل بعد ذلك مع الحرورية فأخذ يقول : إيه إيه فقال معقل : ما تقول؟ قال : فجاء رجلان نحو الكبشين فأخذ كل واحد منهما كبشاً ثم انصرفا، فقال الخثعمي لمعقل : لا تغلبون ولا تُغلبون قاله له من أين علمت ذلك؟ قال: أما أبصرت


1) بحار الأنوار: 396/32، ونهج السعادة : 138/2.

2) بحار الأنوار: 428/32 ، ونهج السعادة : 138/2.

الكبشين أحدهما مشرق والآخر مغرب التقيا فاقتتلا وانتطحا فلم يزل كل واحد منهما من صاحبه منتصفاً حتّى أتى كلّ واحد منهما صاحبه فانطلق به فقال له معقل : أو يكون خيراً مما تقول يا أخا خثعم ؟ ثمَّ مضوا حتّی أتوا عليّاً بالرقة. انتهى كلام نصر .

أقول : وصيّته علیه السلام المعقل على نسخة نصر لا تتجاوز عن قوله ( حين ينبطح الفجر فسر ) كما نقلناها عنه وذيلها كان من وصيته علیه السلام لمالك الأشتر وقد رواها نصر في صفين» أيضاً (ص81) وسيأتي تمام وصيّته لمالك في شرح المختار الثالث عشر من هذا الباب أعني المختار التالي لهذه الوصيّة وقدّمنا صورة وصيّته علیه السلام لمالك المتضمنة لما في ذيل هذه الوصية لمعقل عن أبي جعفر الطبري في شرح المختار» 236 من باب الخطب أيضاً فراجع إلى ص 221 من ج 1من تكملة المنهاج.

فيما روينا عن الطبري وما يأتي عن نصر في «صفين» المتحدين في صورة تلك الوصية لمالك المتضمنة لذيل هذه الوصية علم أنَّ هذه الوصية لمعقل ملفقة من وصيتين صدرها من وصيته علیه السلام لمعقل وذيلها لمالك والشريف الرضي قدس سره مال إلى أنها وصيّة واحدة قالها لمعقل وقد علمت ما فيه على أن إسقاط بعض عباراته علیه السلام وتلفيق بعض آخر إلى خطبة أو كتاب غير عزيز في النهج وقد دريت أنّه من عادة الرضي رحمه اللّه لأنَّ ما كان يهمّه التقاط الفصيح من كلامه علیه السلام اللّهم إلا أن يقال أنّه ظفر برواية أخرى لا توافق ما في تاريخ أبي جعفر الطبري وما في« صفين» لنصر وعدّ فيها جميع هذه الوصية وصية واحدة لمعقل ولم نظفر بها .

والذي يسهل الخطب أن يقال إنَّ الأمير كتب مضموناً واحداً ودستوراً فارداً إلى أكثر من واحد من اء جيشه، فإنّ ما یجب أن يراعيها هذا من قوانين الحرم قوانين الحرب يجب أن يراعيها ذاك أيضاً. غاية الأمر أنَّ نصراً لم ينقل وصيته علیه السلام لمعقل كاملة وذلك لأنَّ ظاهر كلام الشريف الرّضي رحمه اللّه يأبى عن أن يقال إنَّ هذه الوصية ملفقة من وصيتين وهو رحمه اللّه أجلّ شأناً أن يسند وصيته علیه السلام لمالك إلى أنه وصيته لمعقل، والمواضع التي أسقطت بعض كلامه علیه السلام ولفقت بعضه الآخر تغاير المقام، فتأمل.

اللغة

«دونه» قد مضى ذكر معاني دون في شرح المختار السادس من كتبه علیه السلام ورسائله، وههنا بمعنى سوى أي ليس لك سواه منتهى.

«سر» أمر من السير كما أنَّ قوله : (لا تسر) نهى عنه ومشتق منه .

«البردان» الغداة ،والعشي، قال الجوهري في«الصحاح» : البردان: العصران، وكذلك

الأبردان وهما الغداة والعشي، ويقال : ظلاهما وقال - يعني الشاعر- :

إذا الأرطى توسد أبرديه*** خدود جوازیء بالرمل عين

أقول : البيت للشمّاخ بن ضرار نقله الجاحظ في «البيان والتبيين» أيضاً (ص 251 ج 2) والجوازي بقر الوحش والعين جمع العيناء والعصران ثني على التغليب أي الصبح والعصر كقولك صلاة الظهرين وفسرهما ثانياً بقوله : وهما( الغداة والعشي).

قال ابن الأثير في «النهایة» : فيه - يعني في الحديث : من صلى البردين دخل الجنة، البردان والأبردان : الغداة والعشي وقيل ظلاهما ومنه حديث ابن الزبير : كان بنا

يسير الأبردين؛ وحديثه الآخر مع مع فضالة بن أبي شريك وسربها البردين .

أقول وستأتي رواية هشام بن سالم قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام يقول: سيروا البردين (1).

«غوِّر» أمر من التغوير مأخوذ من الغائرة أي الظهيرة وفي« الصحاح»: التغوير: القيلولة، يقال: غوّروا أي انزلوا للقائلة قال أبو عبيد : يقال للقائلة : الغائرة. وفي «النهاية» الأثيرية: وفي حديث السائب لما ورد على عمر بفتح نهاوند قال ويحك ما وراءك؟ فو اللّه ما بت هذه الليلة إلا تغويراً؛ يريد بقدر النومة القليلة التي تكون عند القائلة . يقال غوّر القوم إذا قالوا .

«رفّه» أمر من الترفيه أي الإراحة والتخفيف والتنفيس والتوسيع، أو من رفّه الراعي الإبل إذا أوردها متى شاء ، وفي«الصحاح» : رفهت الإبل بالفتح ترفه رفها ورفوهاً إذا وردت الماء كلّ يوم متى شاءت والاسم الرّفه بالكسر وأرقتها أنا ورقه ترفيهاً ورفاهية على فعالية ورفهنية وهو ملحق بالخماسي (بالألف) في آخره وإنّما صارت ( ياء ) لكسرة ما قبلها، ويقال بيني وبينك ليلة رافهة وثلاث ليال روافه إذا كان يسار فيهن سيراً ليناً، ورفّه عن غريمك أي نفس عنه، والأول أوسع وأعم وبأسلوب الكلام وسياقه أدلّ ،وألصق، وسيأتي تقرير كلّ واحد منهما في المعنى .

«سكناً» السكن بالتحريك : ما سكنت إليه .

«ظعناً »الظعن الارتحال يقال : ظعن ظَعْناً وظَعَناً من من باب منع أي سار ورحل وفي القرآن الكريم : «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ


1) المحاسن: 346/2 ح 9 ، والكافي : 313/8 ح 488.

ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ (80)» [النحل : 80] .

«أرح» على وزن أقم أمر من الأراحة. «روح» أمر من الترويح والظهر هنا بمعنى الركاب، لا بمعنى خلاف البطن. قال الجوهري في «الصحاح»: الظهر الركاب. وبنو فلان مظهرون إذا كان لهم ظهر ينقلون عليه كما يقال مُنجبون إذا كانوا أصحاب نجائب. انتهى كلامه .

والركاب: الإبل التي يسار عليها الواحدة راحلة ولا واحد لها من لفظها والجمع الركب مثال الكتب فيكون معنى الترويح من قولهم روّح فلان إبله ترويحاً إذا ردّها إلى المراح. قال الجوهري : أراح إبله أي ردّها إلى المراح وكذلك الترويح . ولا يكون ذلك إلا بعد الزوال انتهى .

« ينبطح» يقال : انبطح الرجل إذا اسبطر على وجهه ممتداً على وجه الأرض ولههنا كناية عن الانبساط والإتساع فينبطح أي ينبسط ويتسع ومنه البطحاء والأبطح أي مسيل واسع فيه دقاق الحصى. وتبطح السّيل أي اتسع في البطحاء.

«ينشب الحرب» ينشب مضارع من باب الإفعال في«الصحاح» : نشب الشيء في الشيء بالكسر - من باب علم - نشوباً أي علق وأنشبته أنا فيه أي أعلقته فانتشب وأنشب الصائد أعلق، ويقال : نشبت الحرب بينهم

«يهاب» أجوف يائي تقول : ها به يهابه هَيباً وهيبة ومهابة إذا خافه وحذره فهو هائب وهيوب، ورجل مهيب أي يهابه الناس «البأس»: الحرب «الشنآن»: البغض والعدواة.

الإعراب

في بعض النسخ (بالسير) (الباء) بمعنى (في). ومذكور في نسختنا العتيقة في السير مكان بالسير فإن اللّه (الفاء) للتعليل والتي بعدها فصيحة للتفريع والنتيجة . «فسر» (الفاء) جواب (إذا) كالتي بعدها« دنو» مفعول مطلق لقوله (لا تدن). وكذلك تباعد لقوله (ولا تباعد)، وفي نسخة الطبري كما أشرنا إليها آنفاً مذكور : بعد من يهاب، وهو يضم( الباء) مفعول مطلقاً أيضاً إلا أنه ليس من باب عامله أعني لا تباعد على وزان قوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَباتا )«حتّی يأتيك أمري »غاية لكلا النهيين المقدّمين ومتعلق بكلا الفعلين أعني (لا تدن (ولا تباعد). قبل ظرف لقوله : (ولا يحملتكم).)### المعنىقد أتى علیه السلام في هذه الوصية بأمور يدلّ بعضها على كمال رأفته بالناس، والآخر على نهاية بصارته في البأس. وقد جمع علیه السلام فيها بين الأضداد وألّف بين الأشتات، وإذا ضمّت

هذه الوصية إلى التي قبلها واللأتي بعدها تزيد المجاهد بصيرة في فنون الحرب، ومع ذلك تذكّره بتقوى اللّه وتحذره عن اتباع الهوى وتنشطه وتشجعه في الجهاد في سبيل اللّه تعالى . ولو تأمل فيها متأمل وفكر فيها متفكّر علم أنّ عليها مسحة من العلم الإلهي وفيها عبقة من الكلام النبوي. وأنَّ قائلها كان على بينة من ربه وبصيرة في الدين ولم يكن في قلبه زيغ عن سواء الطريق. وما كان همّه إلا إطفاء نار الفتنة وانقاذ الناس ممّا فيه الهلكة وإنفاذهم إلى ما فيه سعادة جمّة. فانظر في فقرات هذه الوصية افتتحها بتقوى اللّه واختتمها بالكف عن القتال قبل الاعذار والدعاء، ووسط فيها قوله :( فسر على بركة اللّه، وصدر فيها بالأوامر، وأردفها بالنواهي ولعمري إنَّ محاسنها فوق أن تحوم حولها العبارة وإنّما هي تدرك ولا توصف وستقف على بعضها في أثناء الشرح فلنتعرّض لشرح فقراتها وجملها على قدر الوسع والاستطاعة .)قوله علیه السلام : «اتق اللّه - إلى قوله دونه» أمره بتقوى اللّه أوَّلاً لأنها خير زاد وكان علیه السلام كثيراً ما يوصي أصحابه بتقوى اللّه ففي الكافي بإسناده عن أبي الحسن موسى علیه السلام قال : كان أمير المؤمنين علیه السلام يوصي أصحابه ويقول: أوصيكم بتقوى اللّه فإنها غبطة الطالب الراجي وثقة الهارب اللاجيء واستشعروا التقوى شعاراً باطناً واذكروا اللّه ذكراً خالصاً تحبوا به أفضل الحياة وتسلكوا به طريق النجاة إلخ (ص 62 ج 14 من «الوافی» (1.)وفي الفقيه عن سليم بن قيس الهلالي قال : شهدت وصيّة أمير المؤمنين علیه السلام حين أوصى إلى ابنه الحسن - يعني حين ضربه ابن ملجم - وأشهد على وصيّته الحسين ومحمّداً وجميع ولده ورؤساء شيعته - إلى أن قال : قال علیه السلام : ثمَّ إنّي أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهل بيتي ومن بلغه كتابي من المؤمنين بتقوى اللّه ربّكم (ص 79 ج 2 من («الوافی»(2))ثم وصف اللّه تعالى بما فيه تخويف وتشجيع وذلك أنه علیه السلام لما أنفذ معقل بن قيس في ثلاثة آلاف مقدّمة له إلى الشام توجّه إلى معقل أمران: الأول إمارة ثلاثة آلاف رجل الثاني الجهاد في سبيل اللّه ، والإمارة سلطان قد توجب البغي والطغيان إلاّمن عصمه اللّه عن اتباع الشيطان والجهاد بذل النفس دونه تعالى والجود بالنفس أقصى غاية الجود. فعلى الأوّل خوّفه بقوله : ( اللّه لا بذلك من لقائه ولا منتهى لك دونه ؛ أي خف اللّه تعالى واثقه فإنّك لو عصيته وظلمت من دونك من الجيش وعدلت عن العدل فيهم فاعلم أنما لا بد لك من لقاء اللّه تعالى وليس منتهى لك غيره فإذاً يجازيك ويعاقبك بما أسلفت من سوء أعمالك فكن على حذر من طوع الهوى .


1) الكافي : 17/8 ح 3 ، ونهج السعادة : 53/7 ح 2 .

2) شرح أصول الكافي : 148/6 ح 1 ، وبحار الأنوار: 213/42.

وعلى الثاني شجّعه بذلك القول أيضاً على الجهاد أي لا تخف من الجهاد فإنك لو تجود بنفسك فقتلت في سبيل اللّه فاعلم أنّما تلقى اللّه تعالى وليس لك سواه منتهى، فإذا كان منتهى أمرك إليه ولا بد لك من لقائه فهو تعالى يجزيك بما قدمت قال عزَّ من قائل: ﴿وَلَا تقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمَوَاتٌ بَلْ أَحْيَاهُ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ [البقرة : 154] وقال تعالى : «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169» فَرِحِينَ بِمَا ءاتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَه يَسْتَبْشِرُونَ بنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 169 - 171] وقال تعالى: ) فَلْيُقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشرُونَ الحَيَوةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَل أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء : 74] . قوله علیه السلام : «ولا تقاتلن إلامن قاتلك» في الكافي وفي حديث عبد اللّه بن جندب عن أبيه أنَّ أمير المؤمنين علیه السلام كان يأمر في كلّ موطن لقينا فيه عدوّنا فيقول : لا تقاتلوا القوم حتّی يبدؤوكم فإنّكم بحمد اللّه على حجّة وترككم إياهم حتّی يبدؤوكم حجّة لكم أُخرى فإذا هز متموهم فلا تقتلوا لهم مدبراً ولا تجيزوا على جريح ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل(1)انتهى

وأقول : سيأتي تمام الكلام في سيرته علیه السلام الحروب في شرح المختار الرابع عشر من هذا الباب .

ثمَّ اعلم أنّ أولياء اللّه شأنهم أجلّ وقدرهم أعظم من أن يقاتلوا الناس لغير رضا اللّه تعالى فإنّهم مأمورون أولا لإحياء النفوس وإنارة العقول والهداية إلى جناب الرب جل وعلا إلاّ أنَّ طائفة من النّاس لمّا استحوذ عليهم الشيطان طغوا ونهضوا إلى هدم بناء الدين، أو صاروا جراثيم مؤذية راسخة في أصول شجرة الفضيلة التي غرسها النبي بإذن اللّه تعالى فكان واجباً على النبي أو الولي أن يجتاحوا أُصول الجراثيم لثلا تطرق المفاسد والفواحش في الاجتماع الإنساني ولذا ترى أنَّ الافتتاح في كلّ غزوة إنّما كان من معاندي الأنبياء والأولياء. وأما الأنبياء والأولياء فكانوا يأمرون جيوشهم قبل الغزوات بدعاء الكفار إلى ما فيه حياتهم الدائمة وسعادتهم الباقية والاعذار إليهم، وإتمام الحجّة عليهم، وبأن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم لأنَّ قتال غير المقاتل ظلم وهم مبرؤون عنه .

وبما ذكرنا يعلم فضيلة المجاهد في سبيل اللّه ودرجة سيف به ينتظم أُمور الناس ويؤمن الخائفون ويعبد اللّه المؤمنون، وسرّ بعض الآيات القائلة بأنّه لو لم يكن السيف لفسدت


1) الكافي : 38/5 ح 3 ، ووسائل الشيعة : 92/15 ح 20053.

الأرض كقوله تعالى: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضُهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ هَدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً )وكذا سرّ بعض الأخبار الذي ينادي بأعلى صوته أنَّ الناس لما أبوا أن يقبلوا أمر اللّه رسوله بالقتال ففي الكافي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : خيول الغزاة في الدُّنيا خيولهم في الجنّة وإن أردية الغزاة السيوفهم(1))وقال النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم : أخبرني جبرئيل بأمر قرّت به عيني وفرح به قلبي قال : يا محمد من غزا من أُمتك في سبيل اللّه فأصابه قطرة من السماء أو صداع كتب اللّه له شهادة (2.)وفيه عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : الخير كله في السيف وتحت ظلّ السيف، ولا يقيم الناس إلا السيف والسيوف مقاليد الجنّة والنار (3.)أقول : يعني أنَّ السيف الذي يشهره المسلم مجاهداً في سبيل اللّه فهو مقلاد الجنّة أي مفتاحها ،له وأن الذي يشهره الكافر مفتاح النار له .وفيه عن معمر عن أبي جعفر علیه السلام قال : الخير كله في السيف وتحت السيف وفي ظلّ السيف.وفيه عن عمر بن أبان عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : إنَّ اللّه تعالى بعث رسوله بالإسلام إلى النّاس عشر سنين فأبوا أن يقبلوا حتّی أمره بالقتال فالخير في السيف وتحت السيف والأمر يعود كما بدا (4)أقول وقوله علیه السلام : ( والأمر يعود كما بدا إشارة إلى دولة القائم علیه السلام والروايات في ذلك كثيرة جدًّا تشير إلى سرّ فارد وحقيقة واحدة.قوله علیه السلام : وسر البردين أمره أن يسير في الغداة والعشيّ لأنّ السير في طرفي النهار يكون أهون وطيّ الطريق فيهما يكون أكثر والتعب يكون أقل لبرد الهواء وطيبها في هاتين الساعتين. وفي الباب التاسع من أبواب آداب السفر من حج الوسائل عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام يقول : سيروا البردين قلت إنا نتخوف الهوام قال: إن أصابكم شيء فهو خير لكم ثم إنكم مضمونون .


1) الكافي 3/5 ح ،3، ووسائل الشيعة : 11/15.

2) الكافي 3/5 ، ، والأمالي : 673 ح 905. ح

3) الكافي: 3/5 ح 1 ، والأمالي : 674 ح 909

4) الكافي : 7/5ح7 ، ووسائل الشيعة: 15/15 ، ح 19914

قوله علیه السلام : وغور «بالناس أي أنزل بهم للقائلة أي منتصف النهار وذلك لأنَّ السير في الغائرة يستلزم شدَّة الحرّ الموجبة للتعب والكلال والقائلة هي وقت القيلولة والإستراحة. قال تعالى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ا« وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ » [النور: 58] .قوله : ورقه بالسّير سياق الكلام يدل على أنّه علیه السلام أمره أن يرفّه جيشه في السيرأي يوسعهم فيه ويرفق بسيرهم ولا يوجفهم لكي يوجفهم لكي لا يتعب الركاب والركبان، ولا يتأخر بعض الجيش عن بعض فلولا التأني والرفق في السير لانجر الأمر إلى التفرقة والكلال وغيرهما من المضارّ في الجند والدواب فكأنّه علیه السلام قال له هون بالسير ولا تتعب نفسك ولا دابتك بالوجيف.وإن أخذناه من قولهم: رفّه الراعي الإبل متى شاء فمتعلق رفه يكون خاصاً أي رفه الركاب بالسير فيكون توصية له في أن يراعي حالها في السير ولا يمنعها من الماء والكلاء ويوسّع في الانفاق عليها، ومن وصيّة لقمان لابنه : وإذا قربت من المنزل فأنزل عن دابتك وابدأ بعلفها فإنّها نفسك - إلخ . رواها الكليني في «الکافی » والصدوق في «الفقيه» وأتى بها الفيض في «الوافی»» (ص 66 ج 8 .)وفي الباب التاسع من أبواب« أحكام الدواب من حج الوسائل» عن السكوني عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : للدّابة على صاحبها ستة حقوق : لا يحملها فوق طاقتها، ولا يتخذ ظهرها مجالس يتحدّث عليها، ويبدأ بعلفها إذا نزل ولا يسمها ولا يضربها في وجهها فإنها تسبّح ويعرض عليها الماء إذا مرّ به (1)قوله علیه السلام :« ولا تسر أول الليل - إلى قوله طعناً »نهى عن السير في أول الليل نهي كراهة لا نهي تحريم وكلامه هذا مما يستدلّ به في الفقه على كراهة السير أول الليل كما استدل به العاملي رحمه اللّه عليها في الباب التاسع من أبواب« آداب السفر من حج الوسائل» . ثم علّل النهي بقوله : (فإنّ اللّه جعله سكناً أي موضعاً تسكنون فيه وقت إقامتكم. وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنا) [الأنعام: 96] . ثمَّ أكّده بقوله: (وقدره مقاماً لا ظعناً). أطلق لفظ الظعن على الليل مجازاً لأنَّ الليل ليس بزمان الظعن لا أنه ليس بظعن إطلاق اسم المظروف الذي هو الظعن على الظرف الذي هو الليل، بخلاف اطلاق المقام عليه لأن المقام بضم( الميم) اسم زمان من الإقامة فأطلق عليه حقيقة . على أنَّ أوَّل الليل يكون حين تنشر الشياطين كما وردت به روايات عن أئمتنا المعصومين علیهم السلام : ففي «الكافي» بإسناده عن جابر عن أبي جعفر علیه السلام قال: إن إبليس عليه


1) الكافي : 537/6ح1، والأمالي : 597

لعائن اللّه إنما يبثّ جنوده من حين تغيب الشمس وحين تطلع فأكثروا ذكر اللّه تعالى في هاتين الساعتين وتعوّذوا باللّه من شرّ إبليس وجنوده وعوّذوا صغاركم هاتين الساعتين فإنهما ساعتا غفلة .

وفي «الفقيه» عن جابر عن أبي جعفر علیه السلام قال : إنَّ إبليس إنّما يبث جنود الليل من حين تغيب الشمس إلى مغيب الشفق ويبثّ جنود النهار من حين يطلع الفجر إلى مطلع الشمس. وذكر أنّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم كان يقول : أكثروا ذكر اللّه تعالى في هاتين الساعتين(1)- إلى آخر الحديث المروي عن الكافي ورواهما الفيض في الوافي (ص 232 ج 5).

إن قلت : هل يدلّ الخبران على كراهة السير أوَّل الليل؟

قلت :لا كلام في كراهة السير أوَّل الليل وقد دلّت عليها أخبار أخرى أيضاً كما دلّت على استحباب اختيار آخر الليل للسّير ففي الباب التاسع من أبواب« آداب السفر من حجّ الوسائل »عن السكوني، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : عليكم بالسفر بالليل فإنَّ الأرض تطوي بالليل. وفيه عن حماد بن عيسى عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال لقمان لابنه : يا بني إيّاك والسير في أوَّل الليل وسر في آخره (2)

وعلى رواية الكليني : إيّاك والسير في أوّل الليل وعليك بالتعريس والذلجة وقد أتى بهما الطباطبائي قدّس سرّه في أوَّل الحجّ من العروة الوثقى وأفتى بهما كذلك، وسيأتي نقل روايات أخرى دالة على كراهة السير أوّل الليل واستحبابه في آخره وفي البردين عن قريب.

وأما دلالة الخبرين على ذلك فغير معلومة لأنهما يأمران بإكثار ذكر اللّه تعالى في هاتين الساعتين والتعوذ باللّه فيهما من شرّ إبليس وجنوده فلا بأس أن يسير السائر فيهما ذاكراً متعوّذاً ، اللّهمَّ إلا أن يقال: إنَّ دلالة تلك الأخبار على تحذير السير في أول الليل وكراهته فيه وعلى أنّه ساعة غفلة إنّما تكون من حيث إنه وقت تنشر الشياطين فإذا كانت هذه الساعة في الحضر ساعة غفلة ففي السفر أولى، لأنَّ اضطراب البال في السفر أكثر وإنما كانت الساعة ساعة غفلة لأنها وقت اختتام الأعمال فالناس يعرضون ساعتئذ عما كانوا فيها من الأشغال وينسلون في الإقبال إلى بيوتهم من كل جانب فيشتغلون بالاكتنان، فترى الناس فيها أشتاتاً فطائفة أسرعت إلى تعليق الدكاكين، وأُخرى إلى التأهب للّيل، وأُخرى كذا وكذا ؛ وبعكسها في الساعة الأخرى أعني حين تطلع الشمس فالناس في هاتين الساعتين في أُمور دنياهم ،متوغلون وإلى كل جانب ينسلون فسمّيتا لما ذكرنا ساعتي غفلة.


1) الكافي 522/2 ح 2 ، ووسائل الشيعة: 1064/4 ح 5 .

2) الكافي: 314/8ح489 ، ووسائل الشيعة : 365/11.

قوله علیه السلام :« فارح فيه بدنك» أي إذا كان اللّه تعالى قدر الليل سكناً ومقاماً فأرح فيه بدنك وليرح الجيش أبدانهم.

قوله علیه السلام : «وروح ظهرك» بين الظهر والبدن إيهام التناسب نحو بيت السقط :

وحرف کنون تحت راء ولم یکن ***بدال يوم الرسم غيّره النقط

ففي الجمع بين الحرف والراء والدال والنقط إيهام أنّ المراد منها معانيها وليس كذلك؛ إلا أنَّ النون في البيت كان على معناه المتبادر من حروف المعجم والمراد من الحرف الناقة المهزولة، (وراء) اسم فاعل من رأيته (ودال) اسم فاعل من دلأ الركائب إذا رفق بسوقها . (والنقط) ما تقاطر على الرسوم من المطر، شبه الناقة في الدقة والإنحناء بنون ومدح حبيبته بأنّها تجلّ عن أن تركب من النوق ما هي في الضمر والإنحناء كالنون يركبها الأعرابي لزيارة الأطلال فيضرب ريتها إذ لا حراك بها من شدة الهزال بل مراكب الحبيبة سمان ذرات أسنمة .

وكذلك في المقام» أنَّ الجمع بين البدن والظهر يوهم أنَّ المراد من الظهر هوخلاف البطن وليس كذلك بل المراد منه الركاب أي روّح ركابك في الليل بمعنى رزها إلى المراح. فأراد بلفظ الظهر معناه البعيد كقول القاضي أبي الفضل بن عياض يصف ربيعاً بارداً :

أو الغزالة من طول المدى خرفت*** فما تفرّق بين الجدي والحمل

يعني كأنَّ الشمس من كبرها وطول مدتها صارت خرفة قليلة العقل فنزلت في برج الجدي في أوان الحلول ببرج الحمل، إذ الجدي من البروج الشتوية، والحمل من الربيعية والمراد من الغزالة معناها البعيد أي الشمس ومعناها القريب: الرَّشَأ وكذلك الكلام في قوله علیه السلام : (ظهرك)؛ إلا أن القاضي قد قرن بها ما يلائم المعنى القريب الذي ليس بمراد كالجدي والحمل ؛ وهو علیه السلام أتى بما يلائم كلا المعنيين القريب والبعيد أعني روّح وإن كان المراد ما يلائم البعيد كما دريت في اللغة وما يلائم القريب إنما كان من قولهم روّح فلان الرجل إذا أراحه ولكنه ليس بمراد.

قوله علیه السلام : (فإذا وقفت - إلى قوله بركة اللّه يمكن أن تفسّر هذه الفقرة على ثلاثة أوجه :

الأوّل : أنَّ الأمير علیه السلام أمر معقل بن قيس بأن يكون وقت انبساط السحر أو انفجار الفجر يقظاً وذلك أنه لما تولّى من قبله علیه السلام إمارة الجيش وصار قائدهم فلا بد له من أن يكون قبل ظعن القوم يقظان ليهيّاً أصحابه للسير ويستعدّهم للإرتحال ويكون ناظر أعمالهم وقائماً عليهم يراقبهم حتّی لا يفوته بعض ما يصلح لهم.

الثاني : أن تكون صلة وقف كلمة (إلى) المحذوفة فمعناه إذا وقفت الليل إلى حين ينبطح السحر فسر على بركة اللّه ؛ فكأنه علیه السلام أمره بأن يريح بدنه ويروح ظهره في الليل ونهاه عن السير فيه إلى أن ينبطح السحر .

الثالث : أن تكون صلة الفعل كلمة (على) أي إذا وقفت على حين ينبطح السحر بمعنى إذا اطلعت على انبطاحه فسر على بركة اللّه لأن وقف مع (على) يفيد معنى الاطلاع يقال : وقفه على ذنبه إذا اطلعه عليه؛ فكأنه علیه السلام أمره أن لا ينام ولا عسكره على حدّ يفوتهم السحر هو نظير قوله علیه السلام في الوصية السابقة: (ولا تذوقوا النوم إلا غراراً أو مضمضة)، فكأنَّ الوجه الأول أنسب بسياق الكلام من الأخيرين.

ثمَّ أعلم أنَّ السحر يكون قبيل الصبح وهو على قسمين: السحر الأعلى وهو ما قبل الصداع الفجر، والسحر الآخر وهو عند انصداعه والظاهر من قوله علیه السلام : (ينبطح السحر) أن المراد منه السحر الثاني فيؤل معنى كلامه إلى أنه علیه السلام أمر ابن قيس بأن يسير إما في السحر الثاني أو حين انشقّ الفجر أي الفجر الصادق، فعلى هذا كأنما السحر خارج عن الليل حقيقة لأنَّ الليل يتم حين انصداع الفجر

وأما على نسخة نصر في« صفين» أعني : فإذا كان السحر أو حين ينبطح الفجر فسر ؛ فالسحر خارج عن الليل حكماً لأن الظاهر من قوله علیه السلام : (ولا تسر أوّل الليل فإنَّ اللّه جعله ساكناً )أنَّ الدَّليل أعني قوله : (فَإِنَّ اللّه جعله ساكناً) راجع إلى قوله (أول الليل) فالكراهة تختص بأول الليل فيستثنى آخر الليل عن حكم الكراهة فكلامه علیه السلام هذا كغيره من روايات أُخرى مخصصة لقوله تعالى: وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنَا الآية المتقدّمة، والأخبار يأمر بعضها بالسير في الليل مطلقاً وينهى الأخرى عن السير فيه كذلك فقد تقرّر فى أصول الفقه صحة تخصيص الكتاب بالسنّة، والسنّة بالسنّة أيضاً، فعليك بطائفة من أخبار وردت في «المقام» رواها العاملي قدّس سرّه في الباب التاسع من أبواب آداب السفر من حج الوسائل :بإسناده عن جميل بن دراج وحمّاد بن عثمان جميعاً، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال: الأرض تطوى في آخر الليل (1)وعن هشام بن سالم قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام يقول : سيروا البردين؛ قلت: إنا نتخوّف الهوام قال: إن أصابكم شيء فهو خير لكم ثمَّ إنّكم مضمونون.


1) الكافي: 421/5 ح 1، ووسائل الشيعة : 270/1 ح 706. 270/1

وعن السكوني، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : عليكم بالسفر بالليل فإِنَّ الأرض تطوى بالليل (1)وعن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام : يقول الناس : تطوى لنا الأرض بالليل كيف تطوى؟ قال : هكذا (2ثمَّ عطف ثوبه .)وعن يعقوب بن سالم رفعه إلى علي علیه السلام قال : قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : إذا نزلتم فسطاطاً أو خباً فلا تخرجوا فإنكم على غرة (3)قال أمير المؤمنين : اتقوا الخروج بعد نومة فإن اللّه دواراً بينها يفعلون ما يؤمرون (4.)وعن أمير المؤمنين علیه السلام قال : بعثني رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم على اليمن فقال لي وهو يوصيني ما حار من استخار ولا ندم من استشار يا علي عليك بالدلجة فإنَّ الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار، يا علي اغد على اسم اللّه فإنَّ اللّه تعالى بارك لأمتي في بكورها (5.)و عن حماد بن عيسى عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : قال لقمان لابنه : يا بني إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك - إلى أن قال : وإياك والسير في أول الليل وسر في آخره. قال : ورواه الكليني - إلا أنه قال : وإيّاك والسير في أول الليل وعليك بالتعريس والدلجة من لدن نصف الليل إلى آخره(6)أقول : قد ذكر طائفة من وصيّة لقمان لابنه ومنها هذه النبذة التي رواها حماد عن الصادق علیه السلام ابن قتيبة الدينوري في كتاب «الحرب من عيون الأخبار» ص 135 ج ا طبع مصر 1383ه- .بيان: قال الجوهري :في«الصحاح» : أدلج القوم إذا ساروا من أول الليل؛ والاسم الدَّلّج بالتحريك والدلجة والدَّلْجَة أيضاً مثل بُرهَة من الدهر ،وبَرْهَة فإن ساروا من آخل الليل فقد الجوا بالتشديد (يعني بتشديد الدال والاسم الدَّلجة والدلجة. انتهى كلامه و التعريس : نزول)


1) شرح أصول الكافي : 438/12ح489.

2) المحاسن : 346/2 ح 13 ، والكافي: 314/8 ح 490 .

3) المحاسن : 347/2 ح 18 ، وبحار الأنوار: 278/73 ح 14 .

4) المحاسن : 347 ح 19 ، ووسائل الشيعة: 319/5.

5) وسائل الشيعة : 406/7 ح 9704 ، وموسوعة الإمام الجواد : 544/2 ح 1015 .

6) المحاسن : 376/2 ، والكافي : 349/8 .

المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة من قولهم عرس القوم إذا نزلوا في السفر في آخر الليل للاستراحة كما في مجمع البحرين وأقرب الموارد وربّما استعمل الإدلاج بالتخفيف لسير آخر الليل كقول الشاعر : اصبر على السير والإدلاج في السحر. كما أن الإذلاج بالتشديد قد يستعمل لسير الليل كله .وأقول : فبما قدمنا دريت وجه الجمع بين تلك الأخبار ثمَّ إنَّ مقتضى الجمع أن تكون الذلجة اسماً من الج القوم بتشديد الدال لأن قول رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم لعليّ : يا علي عليك بالدّلجة فإنَّ الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار، وإن كان لا يفرّق بين أول الليل وآخره إلا أنَّ رواية الصادق علیه السلام حكاية عن لقمان وإياك والسير في أول الليل وعليك بالتعريس والدّلجة لدن نصف الليل إلى آخره، تبيّن بأنَّ المراد من الدلجة في قول الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم هو اسم من الادلاج المشدّد أي السير في آخر الليل .وبما حققنا دريت أنَّ أنَّ ما ذهب إليه الطريحي في مادة دلج من المجمع حيث قال: في الحديث عليكم بالدّلجة وهو سير الليل يقال أدلج بالتخفيف إذا سار من أول الليل وبالتشديد إذا سار من آخره والاسم منهما الدّلجة بالضم والفتح، ومنهم من يجعل الإدلاج لليل كله، وكأنّه المراد هنا لما في آخر الحديث، فإنَّ الأرض تطوى ولم يفرّق بين أوّل الليل وآخره ليس بصواب .)### الكلام في حدوث الفجر وتعاكس الصبح و والشفق والبحث عن مسائل شتى متنوعةواعلم أنَّ الشمس أعظم جرماً من الأرض بكثير وهي على الحساب الذي أورده غياث الدين جمشيد الكاشي في رسالته المفيدة الأنيقة المترجمة بسلّم السماء ثلاثمائة وست وعشرون مثلاً للأرض.وقد بين اسطرخس في الشكل الثاني من كتابه في جرمي النيّرين : أنَّ الكرة إذ أقبلت الضوء من كرة أخرى أعظم منها كان المستضيء منها أعظم من نصفها فلمّا كانت الشمس والأرض كرّيتان والشمس أعظم منها بكثير فالأرض تستضيء أكثر من نصفها من الشمس دائماً. وتحدث بين المستضيء والمظلم من الأرض دائرة صغيرة إذ الجزء المضيء من الأرض أعظم من النصف كما علمت فهي لا تنصف كرة الأرض وقد بيّن في محلّه أنَّ الدائرة العظيمة هي التي تنصف الكرة التي فرضت عليها .ثُمَّ اعلم أنَّ ما يقبل الضوء يجب أن يكون كثيفاً مانعاً من نفوذ الضوء فيه، فلو لم يكن

مانعاً كالهواء والزجاج المشفّين لم يقبلا الضوء فالأرض لكثافتها المانعة من نفوذ الضوء قابلة له وكذا كرة البخار المحيطة بها، وأما ما فوق كرة البخار من الهواء لا يستضيء بضياء الشمس أصلاً لكونها مشفّة فى الغاية وينفذ النور فيها ولا ينعكس فإذا وقع ضوء الشمس على الأرض يستضيء وجهها المواجه لها بها، ولما كانت الأرض كروية الشكل تقريباً والشمس أعظم منها يكون ظلها على شكل مخروط مستدير فإنَّ الكرة المنيرة لو كانت مساوية للمستنيرة يكون الظل على شكل الإستوانة المستديرة لا المخروط المستدير، ثم قاعدة المخروط المستدير من ظل الأرض هي تلك الدائرة الصغيرة تحيط بها هذه القاعدة وسطح مستدير يرتفع منها ويستدقَّ شيئاً فشيئاً إلى أن ينتهي في أفلاك الزهرة، ويكون لا محالة قاعدة مخروطة الظلِّ نحو جرم الشمس وسهمه في مقابلة جرمها أبداً، ففي منتصف الليل يكون السهم على دائرة نصف النهار فوق الأرض إمّا قائماً على سطح الأفق الحسي إن كانت الشمس على سمت القدم، أو مائلاً إلى جهة القطب الظاهر إن كانت عن سمت القدم في جهة القطب الخفي، أو إلى جهة القطب الخفي إن كانت عن سمت القدم في جهة القطب الظاهر ؛ ولكن يتساوى بعده عن الشرق والغرب في جميع الصور.ولا يخفى على ذي دربة في الفنّ أنَّ هذا مخصوص بما إذا لم يتصل الصبح بالشفق إذ حينئذ قبل أن يميل المخروط إلى جانب الغرب يصير الشعاع المحيط به مرئياً كما سنزيدك فيه بياناً .ثمَّ إنَّ كرة البخار هواء متكاثف بسبب مخالطة الأجزاء الأرضيَّة والمائية المتصاعدتين من كرتيهما بحرارة الشمس أو غيرها على شكل كرة محيطة بالأرض على مركزها وسطح مواز لسطحها وهي مختلفة القوام فما أقرب منهما إلى الأرض أكثف ممّا هو أبعد، لأن تصاعد الألطف أكثر بالطبع من الأكثف وقد بين في الأبعاد والأجرام أنَّ بُعد سطحها الأعلى عن سطح الأرض اثنان وخمسون ميلاً تقريباً .و مخروط الظل يثقب كرة البخار ولا يحيط بها وذلك لأنَّ قاعدة المخروط سطح دائرة محيطها هو الفصل المشترك بين المضيء والمظلم من كرة الأرض وتلك الدائرة صغيرة أعني أنَّ القاعدة أصغر من عظيمة مفروضة على كرة الأرض كما دريت فتكون أصغر كثيراً من عظيمة كرة البخار لأنها محيطة بالأرض. فما وقع من كرة البخار داخل هذا المخروط لا يستضيء بضياء الشمس وما سواء من كرة البخار مستنيرة أبداً لكثافتها وإحاطة الشمس بها لكنّها لا ترى في الليل لبعدها عن البصر .فإذا كانت الشمس تحت الأرض قريبة من الأفق فما يُرى الأفق فما يُرى من القطعة المستنيرة من كرة البخار فوق الأفق إن كان في الجانب الشرقي يسمّى صبحاً، وإن كان في الجانب الغربي

يسمّى شفقاً وهما متعاكسان أي متشابهان شكلاً ومتقابلان ،وضعاً، فإنَّ أوّل الصبح بياض مستدق مستطيل منتصب ، ثمّ بياض عريض منبسط في عرضالأُفق مستدير كنصف دائرة يضيء به العالم، ثمَّ حمرة. وأوَّل الشفق حمرة، ثمَّ بياض عريض منبسط مستدير، ثم بياض مستدق مستطيل منتصبوهما مختلفان لوناً أيضاً لاختلاف ما يستضيء من الجو بضياء الشمس بسبب اختلاف لون البخار فإنه يكون في أواخر الليل مائلاً إلى الصَّفاء والبياض لرطوبة المكتسبة من برودة الليل؛ وإلى الصفرة في أوائله لغلبة الحرّ الدخاني المكتسب من حرارة النهار مع أنَّ الكثيف كلّما كان أكثر صفاء وبياضاً كان أضوء والشعاع المنعكس عنه أقوى .واعلم أن النوع الأول من الفجر أعني ذلك البياض المستدق المستطيل المنتصب يعرف بالصبح الأوَّل، والصبح الكاذب، ويلقب بذنب السرحان. أما بالأوَّل فلسبقه لأنّه أول ما يرى فرق الأفق من نور الشمس .وأمّا بالكاذب فلكون ما يقرب من الأفق بعد مظلماً أي لو كان يصدق أنه نور الشمسلكان المنير ما يلي الشمس دون ما يبعد منها .وقيل : سمّي بالكاذب لأنه تعقبه ظلمة تكذبه فإنّه إذا طلع الصبح الثاني انعدم ضوء الصبح الأول.وفيه أنَّ ضوء الصبح الأوّل لا يعدم بطلوع الصبح الثاني بل يخفى عن البصر لضعفه وغلبة الضوء الشديد الطاري أعني ضوء الصبح الثاني عليه كما هو حكم النور الضعيف في قبال القوي منه، ولذا يخفى ضياء الكواكب في ضوء الشمس فلا يصح أن يقال إنَّ ظلمة تعقبه وتكذبه أيضاً لأنّه لا تعقبه ظلمة بل يكون وقتئذ ما قرب من الأفق مظلماً، وإنّما يعقبه ضوء قوى عليه .وأمّا بذنب السرحان فلدقته واستطالته تشبيهاً له به إذا شاله ولاستطالته يسمّى بالفجر المستطيل أيضاً .قال المسعود بن السعد بن السلمان:وليل كان الشمس زلت ممرها*** وليس لها نحو المشارق مرجعنظرت إليه والظلام كأنه*** من الجو غربان على الأرض وقعفقلت لنفسي طال ليلي وليس لي من الهم منجاة في الصبر مفزعأرى ذنب السرحان في الجو طالعاً وهل ممكن قرن الغزالة تطلع؟

ومراده من الغزالة معناها البعيد أعنى الشمس، قال الحافظ :شود غزال خورشید صید لاغر من*** گرآهویی چوتو اندر کنار من باشیوقال الخاقاني الشرواني في قصيدة مدح بها منوجهر شروانشاه (ص 379 طبع طهران1336 ه- ش:)صبحدم آب خضر نوش از لب جام گوهوی*** كز ظلمات بحر جست آینه سکندریشاهد طارم فلك رست زدیو هفت سر*** ریخت بهرد ریچه آغچه ززشش سریغالیه سای آسمان سودبر آتشین صدف*** از پي مغز خاکیان لخلخههای عنبرییوسف روز جلوه کردازدم گرگ و میکند*** یوسف گرگ مست ما دعوی روز پیکریوالنوع الثاني من الفجر أعني ذلك البياض العريض المنبسط في عرض الأفق المستدير كنصف دائرة يضيء به العالم يسمّى بالصبح الثاني، والصبح الصادق، والفجر المستطير والصديع أما بالثاني فلكونه في مقابل الأوَّل ؛ وأمّا بالصادق لأنَّ ضياءه أصدق من الضياء الأوّل، ولأنّه في إزاء الكاذب وأمّا بالمستطير فمن قولهم استطار الفجر إذا انتشر وتبين، وسيأتي قول رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : لا يغرنّكم الفجر المستطيل فكلوا واشربوا حتّی يطلع الفجر المستطير (1)وأما بالصديع لأنّه الصداع ظلمة عن نور والصدع الشق والفرق والفصل كما مضى: تفصيله في شرح« المختار» 229 من باب الخطب ص 9 ج 15 . وقد وردت في التعبير عن الصديع رواية عن الصادق علیه السلام و رواها شيخ الطائفة الطوسي قدّس سرّه في «التهذیب » بإسناده عن الحضرمي قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السلام فقلت : متى أصلي ركعتي الفجر؟ قال: حين يعترض الفجر وهو الذي تسميه العرب الصديع (ص 53 ج 5 من «الوافي»). (2))ولا يتعلق بالنوع الأول شيء من الأحكام الشرعية، ولا من العادات الرسمية غالباً، بل يتعلق بالنوع الثاني منه كما تدلّ عليه بعض الآيات القرآنية وأخبار مستفيضة إن لم تكن متواترة وردت في هذا المعنى وسيجيء نقل طائفة منها إن شاء اللّه تعالى.وإنما قيدنا الحكم بقولنا غالباً لأنَّ نبذة من عبادات نقليّة تتعلق بطلوع الفجر الأول: منها دخول وقت فضيلة الوتر فإنَّ أفضل أوقاتها ما بين الفجرين كما رواه شيخ الطائفة قدّس


1) الدر المنثور: 1/ 200 :وفيه لا يمنعكم من سحوركم.

2) تهذيب الأحكام : 2 / 133 ح 517 ، وسائل الشيعة: 194/3 ح .

سرّه في التهذيب (وفي الوافي ص 53ج5 بإسناده عن إسماعيل بن سعد الأشعري قال: سألت أبا الحسن الرضا علیه السلام عن ساعات الوتر فقال : أحبها إليَّ الفجر الأول(1)- الحديث .)فإن قوله علیه السلام : أحبها إليَّ ، يدل على أنَّ وقت فضيلته الفجر الأول.وفي الكافي والتهذيب بإسنادهما عن ابن وهب قال سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن أفضل ساعات الوتر فقال : الفجر الأول (2(ص 53 ج 5 من الوافي))وفي أوائل مفتاح الفلاح للشيخ الأجل العلامة البهائي قدّس سرّه أنّه روي أنَّ رجلاً سأل أمير المؤمنين علیه السلام عن الوتر أوَّل الليل فلم يُجبه فلمّا كان بين الصبحين خرج أمير المؤمنين علیه السلام إلى المسجد فنادى أين السائل عن الوتر؟ ثلاث مرّات نعم ساعة الوتر هذه (3ثم قام علیه السلام فأوتر .)فإنَّ المراد من قوله : بين الصبحين هو بين الفجرين أي الكاذب والصادق كما لا يخفى ومنها وقت نافلتي الصبح ففي التهذيب بإسناده عن البزنطي قال: قلت لأبي الحسن علیه السلام : ركعتي الفجر أصليهما قبل الفجر، وبعد الفجر؟ فقال: قال أبو جعفر علیه السلام : احش بهما صلاة الليل وصلّهما قبل الفجر(4. ص 53 ج 5 من «الوافی» .)وفي «الکافی » و«التهذيب» بإسنادهما عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام : الركعتان اللتان قبل الغداة أين موضعهما ؟ فقال : قبل طلوع الفجر فإذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة. (ص 53 ج 5 من «الوافی» .)وفي «التهذیب » بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال : سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر ؟ فقال : قبل الفجر إنهما من صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل - الحديث (5. (ص 53 ج 5 من «الوافی») .)وفيه بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : قلت : ركعتا الفجر من صلاة .


1) تهذيب الأحكام : 2/ 339 ح 1401، وسائل الشيعة : 197/3 ح 40 .

2) تهذيب الأحكام : 336/2 ح 1388 ، بحار الأنوار: 22/84 .

3) وسائل الشيعة 272/4 ح1540

4) الاستبصار : 284/1 ، تهذيب الأحكام: 133/2

5) الاستبصار : 283/1 ع 1031 ، تهذيب الأحكام: 133/2 ج 513 .

الليل هي ؟ قال : نعم (1. (ص 53 ج 5 من ««الوافی»») . : (1). 53)وكذا غيرها من الروايات الواردة في ذلك عن أصحاب العصمة علیه السلام . وإنما تدل على ما أشرنا إليه؟ لأنَّ المراد من الفجر إذا أطلق هو الفجر الثاني، على أن قوله علیه السلام : «فإذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة قرينة دالة على ذلك. وأن قوله علیه السلام : أحش بهما صلاة الليل وإنّهما من صلاة الليل وغيرهما ترشدنا إلى أنَّ وقت النافلتين بين الفجرين، وقد علمت أنَّ الوتر الذي هي من صلاة الليل كان أفضل أوقاتها بين الفجرين فنافلتا الصبح وقتهما بعد صلاة الوتر وقبل الفجر الثاني أي بين الفجرين فيتم المطلوب.نعم إن طلع الفجر الثاني ولم يكن قد صلى صلاهما إلى أن يحمّر الأفق فإن احمر ولم يكن قد صلّى أخرهما إلى بعد الفريضة كما ورد بها روايات عنهم علیهم السلاموبما قدَّمنا علمت أن ما جنح إليه العلامة البيروني في« القانون المسعودي» (949 ج 2 من أنه لا يتعلق بالفجر الأول شيء من الأحكام الشرعية ولا من العادات الرسمية ليس باطلاقه صحيحاً.)فالأحكام الشرعيّة أكثرها متعلّقة بالثاني فالمروي عن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم : لا يغرنّكم الفجر المستطيل فكلوا واشربوا حتّی يطلع الفجر المستطير (2، فأوَّل النهار طلوع الفجر الثاني ، ويدلّ عليه القرآن الكريم : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلى اليل [البقرة: 187] فالخيط الأبيض بياض الفجر المعترض الممدود المستطيل أي الفجر الثاني لأنّه أوسع ضياء ويناسب قوله تعالى حتّى يتبيّن، والخيط الأسود سواد الليل، قال أبو داود الأيادي في الخيط الأبيض:)ولما أضاءت لنا غدوة*** ولاح من الصبح خيط أناراوقال آخر في الخيط الأسود:قد كاد يبدو وبدت تباشره ***وسدف الخيط البهيم ساترهففي الآية استعارة عجيبة والمراد حتّی يتبيّن بياض الصبح من سواد الليل وعبرهما بالخيطين مجازاً .والظاهر أنَّ وجه تشبيههما بالخيط لدقتهما كالخيط لأنَّ بياض الصبح في أوّل طلوعه يكون مشرقاً خافياً فيزداد انتشاراً، وسواد الليل وقتئذ يكون منقضياً مولياً فيزداد استناراً فهما


1) تهذيب الأحكام 133/2 وسائل الشيعة : 264/4 ح 5110

2) بحار الأنوار: 12/56

جميعاً ضعيفان دقيقان كالخيط .وتحقيقه أنَّ الفصل المشترك بين ما انفجر أي انشقّ من الضياء وبين ما هو مظلم بعد يشبه خيطين اتصلا عرضاً فالذي انتهى إليه الضياء الخيط الأبيض والذي ابتدأ منه الظلام الخيط الأسود.وكلمة (من بيانية أي الخيط الأبيض من الفجر ؛ واستغنى به عن بيان الخيط الأسود لأنه يعلم بالتبع، وقد مال بعض إلى أنّها للتبعيض وقد علمت بما حققنا أنّه وهم .)وروي أن عدي بن حاتم قال: لما نزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ الآية قلت للنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم : إني وضعت خيطين من شعر أبيض وأسود فكنت أنظر فيهما فلا يتبين فضحك رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم حتّی رؤيت نواجده ثمَّ قال : يا ابن حاتم إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل (1.)وقد نقله المفسرون بألفاظ مختلفة تؤل إلى ما نقلناه فالآية تدلّ على أوَّل النهار طلوع الفجر الثاني.وفي «الکافی » بإسناده عن حماد عن الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر فقال : بياض النهار من سواد الليل (2- إلخ . (ص 34 ج 7 من «الوافي») .)واعلم أنَّ البياض المستدق المستطيل المنتصب الموازي لذنب السرحان آخر الشفق قلما أن يتنبه له الناس ويدركونه، والسرّ في ذلك أنَّ الهواء حينئذ يكون كدراً جدًّا بسبب ما يكون الناس فيه من الأشغال وبغلبة الحرّ الدّخاني المكتسبة من حرارة النهار؛ بخلاف الصبح فإنَّ الهواء فيه يكون مائلاً إلى الصفاء والبياض لرطوبة المكتسبة من برودة الليل ولعدم أشغال معتدة تكدّره، فبتلك العوائق الطارئة أنَّ ذنب السرحان لا يُرى في الشفق، لا كما ذهب إليه العلامة أبو ريحان البيروني في« القانون المسعودي»( ص 949 ج 2 طبع حیدر آباد الدكن 1374 ه- وتبعه المحقق الشريف والفاضل الفخري وغيرهما حيث قال: وإنما لا يتنبه الناس له لأن وقته عند اختتام الأعمال واشتغالهم بالإكتنان وأما وقت الصبح فالعادة فيه جارية باستكمال الرّاحة والتهيؤ للتصرف فهم فيه منتظرون طليعة النهار ليأخذوا في الإنتشار، فلذلك ظهر لهم هذا وخفى ذلك . انتهى كلامه .)


1) الكافي : 98/42 3 ، والوافي : 34/7.

2) تفسير مجمع البيان: 23/2 ، وفقه القرآن : 202/1.

كيف لم يكن هذا الدليل عليلاً؟ ولو ينتظر أحد غروب الشفق لا يدرك ذلك الخيط الشبيه بذنب السرحان غالباً كما يدركه أوّل طلوع الصبح .وجملة الأمر أنَّ هذا الحكم رياضي لا يخصص ولا يعتريه ريب ولا يشوبه عيب إلا أنَّ الطواريء تمنعنا عن إدراكه .فيما حققناه في« المقام» دريت وهن ما ذهب إليه المولى أحمد النراقي رحمه اللّه في (الخزائن حيث قال : إشكال رياضي وهو أن الرياضيين علّلوا الفجر الكاذب ونسبوه إلى الشمس وضوئها ولو كان كذلك ينبغي أن يكون في المغرب أيضاً كذلك يعني إذا غابت الشمس يظهر بعد قليل بياض مستطيل شبيه بذنب السرحان وليس كذلك، انتهى كلامه فراجع إلى (ص 165 من كتاب «الخزائن الذي طبع في طهران عاصمة إيران سنة 1380 ه-) على تصحيحنا وتعليقنا عليه)وإن شئنا ثنينا البيان على تحرير أدق وبرهناه ببرهان هندسي أتمّ فنقول : إنَّ ظلَّ الأرض مخروط مستدير والمخروط المستدير كما عرفه اقليدس في صدر المقالة الحادية عشر من الأصول ما يحوزه مثلت قائم الزاوية أثبت أحد ضلعي الزاوية القائمة محوراً لا يزول وأدير المثلث إلى أن يعود إلى موضعه وسهمه الضلع الثابت وقاعدته دائرة وسهم المخروط مار بمركز القاعدة عمود عليها أبداً، وقد عليها أبداً، وقد بيّن في محله أن مركز الشمس والأرض أبداً على سهم مخروط ضلّ الأرض فليمرَّ سطح بمركزي الشمس والأرض وسهم المخروط وهذا السطح قائم على قاعدة المخروط على زوايا قوائم كما برهن في الشكل الثامن عشر من المقالة الحادية عشر من الأصول. ثمَّ ليحدث من ذلك السطح مثلث حاد الزوايا قاعدته على الأفق وضلعاه على سطح مخروط الظل.أما كون المثلث حاد الزوايا فنقول إنَّ زاويتي قاعدته حادتان لأنَّ سهم المخروط قائم على القاعدة ومارٌّ بمركزها ، وقطر قاعدة المخروط قاعدة المثلث فمنتصف القطر موقع عمود السهم فينقسم المثلث بمثلثين يكون سهم المخروط ضلعهما المشترك، ونصف قطر قاعدة المخروط قاعدة كل واحد منهما والزَّاويتان اللتان بين السهم ونصفي القطر قائمتان، لأنَّ السهم عمود على القطر، فالزوايتان الأخريان أعني زاويتي قاعدة المثلث الأعظم حادتان لأنَّ المثلث على البسيط المستوى تعدل زواياه الثلاث قائمتين فإذا كانت إحدى زواياه قائمة فلا بد من أن تكون كل واحدة من زوايتيه الأخريين أقل من قائمة أعني حادة، والمثلثان متساويان زواياهما كل لنظيره متساوية كما برهن في الرابع، وفي الثاني والثلاثين من أولى (الأصول.)وإنّما قيّدنا المثلث على البسيط المستوى لأنه إذا كان على كرة أمكن أن يبلغ جميع

زواياه الثلاث إلى أعظم من قائمتين كما برهن في الشكل الحادي عشر من أولى أكرمانا لأؤوس.)وإنما كانت زواية رأسه حادَّة لأنّها لو لم تكن حادَّة لكانت إمّا قائمة أو منفرجة فكان وتره أعظم من كلّ من ضلعي المخروط لأنّهما وترا حادتين وقد بيّن في التاسع عشر من أولى الأصول أنَّ الزاوية العظمى من المثلث يوترها الضلع الأطول وكان وترها قطر قاعدة المخروط الذي هو أصغر من قطر الأرض وقد تبين في الأبعاد والأجرام أنَّ رأس المخروط في أفلاك الزهرة وأنَّ بعد مقعر فلك الزهرة، أعظم من قطر الأرض بكثير .وإنّما كان قطر قاعدة المخروط أصغر من قطر الأرض لأنَّ الأرض أصغر من الشمس بكثير فتقبل منها الضوء وقد علمت أنَّ الكرة إذا قبلت الضوء من كرة أُخرى أعظم منها كان المستضيء منها أعظم من نصفها ولذا تحدث بين المستضيء والمظلم من الأرض دائرة صغيرة هي قاعدة مخروط الظل فيكون قطره أصغر من قطر الأرض.وأما كون قاعدة المثلث على الأفق فلأنَّ قطر قاعدة المخروط يكون دائماً موازياً لأفق موضع ما قريباً من الحسي، وفي« المقام» خاصة إذا كان نصف الليل كان قطر قاعدة المخروط موازياً لأفق الناظر قريباً من الأفق الحسّي .فإذا دريت ما قدَّمنا لك فنقول : وليفرض هذا المثلث في سطح ممتدّ فيما بين المشرق والمغرب فوق الأرض إن كان المطلوب تميز الصبح وبينهما تحتها إن كان المقصود تميز الشفق، بحيث إن أحد الضلعين على القاعدة يلي الشمس ولا شكّ أنَّ الأقرب من الضلع الذي يلي الشمس إلى الناظر يكون موقع العمود الخارج من البصر الواقع على ذلك الضلع ثمَّ الأقرب فالأقرب منه، لا موضع اتصال الضلع بالأفق ؛ فإذن أوَّل ما يُرى نور الشمس يرى فوق الأفق كخط مستقيم منطبق على الضلع المذكور، ويكون ما يقرب من الأفق بعد مظلماً ، ولذلك يسمّى ذلك النور المرئي في المشرق بالصبح الأوّل والصبح الكاذب .وإن شئت قلت إنَّ أوَّل ما يرى من الشعاع المحيط بالمخروط أعني أقربه إلى موضع الناظر هو موضع خط يخرج من بصره إليه في سطح دائرة سمتيّة أعني دائرة ارتفاع تمرّ بمركز الشمس حال كون ذلك الخط عموداً على الخط المماس للشمس والأرض جميعاً الذي هو في سطح الفصل المشترك بين الشعاع والظل، فيرى الضوء مرتفعاً عن الأفق مستطيلاً وما بينه وبين الأفق مظلماً وهو الصبح الكاذب ؛ فتبصر .ثمَّ إذا قربت الشمس من الأفق الشرقي جداً ينبسط النور فصار الأفق منيراً يصير الصبح صادقاً ثمَّ يزداد نوره لحظة فلحظة إلى أن تظهر الحمرة وقد علمت أنَّ الشفق يكون بعكس الصبح.

والحمرة التي ترى فوق الأفق في الصبحوالشفق إنّما تتكوّن من اختلاط النور القوى والظلمةوليكن ذلك في ذكرك حين يسير بك قطار في نَفَقالسكة الحديديّة، أو سيّارة في نَفَقِ؛ سيّما إذا كنتمواجهاً للشمس وكان النفق ذا طول فإذا ظهر مخرجالنفق من بعيد ترى حمرة كحمرة الصبح والشفق قدتكونت من اختلاط شعاع الشمس من خارج النفقوالظلمة في داخله.ولنمثل لك مثالاً توضيحاً للمراد فليفرض( ا بح مثلث المخروط و (ا ح) الضلع الذي يلي الشمس)و (ب ح- سطح الأفق المرئي و (د) موضع الناظر و)(ه موقع عمود البصر ونخرج من موضع الناظر عمود)(ده على (اح و) هذا العمود لا يمكن أن يقع على)(ح لأن زاوية (د ح ه) الداخلة في المثلث حادة كما)دریت وزاويتاه قائمتان لأنَّ (ده عمود فيلزم إذن)تساوي الحادة والقائمة (هف .)وكذلك لا يمكن أن يقع خارجاً عن جانب(ح ، مثلاً أن يقع على (ر) لأنه يلزم أن يجتمع في)مثلث( در ح قائمة ومنفرجة وقد بين امتناع)اجتماعهما في مثلث مستو. أما الزاوية القائمة فلان (در عمود بالفرض على ضلع (اح).)وأمّا المنفرجة فلأنَّ زاوية (د ح- (ه كانت حادة)(فد ح- د منفرجة لا محالة لأنه برهن في الثالث عشر)من أولى الأصول إذا قام خط على خط كيف كان حدثت عن جنبتيه زاويتان إما قائمتان أو متساويتان معاً لقائمتين فإذا كانت إحداهما حادة بقيت الأخرى منفرجةوأما امتناع اجتماعهما في مثلث مستو فلأنه إذا كان إحدى زواياه قائمة فلا بدَّ من أن تعادل الأخريان قائمة فلو كانت أحدهما منفرجة تعادل زواياه الثلاث أكثر من قائمتين (هف.)وبمثل هذا البيان نقول : إنَّ هذا العمود لا يمكن أن يقع على (1 أعني رأس المخروط)

ولا خارجاً من جانبه فيقع موقع العمود فيما بين نقطي (اح- ، ثم نقول : إن (د .) وتر حادة و (د ح-) وتر ،قائمة فالأول أقصر من الثاني بالتاسع عشر من أولى الأصول بل أقصر من كلّ خط يخرج من موضع الناظر إلى (( ح-) لكونه وتر قائمة فتكون نقطة (ه) موقع العمود أقرب النقاط إلى البصر فيكون خط (د (ه) من بين الخطوط الخارجة من البصر إلى ضلع (اح-) أقل مسافة منها فيرى أوّلاً موقع العمود أعني نقطة (ه) لقربه من البصر ثم بعض ما كان من الضلع المذكور فوق موقع العمود وتحته القريبين منه دون البعض الآخر لبعده عنه، فلذلك يرى بعض الأجزاء المرئي من الضلع المذكور كخط مستقيم شبيه بذنب السرحان إذا شال ذنبه .)وأما ما يقرب من الأفق فيكون بعد مظلماً ولا يرى نور الشمس الذي وراء الظل لبعده عن البصر لأنَّ لكلِّ مُبصَرٍ غايةٌ من البعد والقرب إذا جاوزهما لم يبصر كما حقق في محلّه وأشرنا إلى شرائط الرؤية في شرحنا على الكتاب الثامن فراجع.على أنَّ الهواء الذي عند الأفق يكون أكثف وأغلظ بخلاف الهواء الذي ارتفع عنه ولا يخفى عليك أنَّ للطافة الهواء وكثافته دخلاً في ظهور الضوء وعدمه.فإن قلت: ما قدمت إنّما يتم لو كان خط (د ه العمود الواقع على (اح) شعاع البصر فتكون نقطة (د) بمنزلة عين الناظر مرتفعة على الأفق على حد قامته والاشكال فيه أن صورة مثلث (د ح ه) إنما تتحقق لو كانت نقطة (د) على سطح الأفق الحسّي لا مرتفعة عنه، ولو اعتبر كونها عليه فأين قامة الناظر؟)قلت : قامة الناظر في أمثال هذه الأمور كنقطة لا تخلّ بالمقصود فلا يضرنا في المقام اعتبار قامته وعدمه.وأما ما وعدنا من زيادة بيان في اتصال الصبح بالشفق في بعض الآفاق فنقول : قد علم بالتجربة أنَّ انحطاط الشمس عند أوّل طلوع الصبح الكاذب وآخر الشفق ثمانية عشر درجة ففي الآفاق التي يكون عروضها ثماني وأربعين درجة وثلاث وثلاثين دقيقة شمالية كانت أو جنوبية يتصل آخر الشفق وهو عند غاية انحطاط الشمس عن الأفق بأوّل الصبح الكاذب إذا كانت الشمس في المنقلب الصيفي أعني أوّل السرطان في الآفاق الشمالية وأوَّل الجدي في الآفاق الجنوبية.وذلك لأنَّ أفقاً كان عرضه 4833 يكون تمام عرضه 4127 فإذا نقص منه الميل الكلّي أعني الميل المنقلب الصيفي وهو في سنتنا هذه وهي سنة 1385 ه- بلع2327 تقريباً بقي 18 درجة؛ وتكون غاية انحطاط المنقلب الصيفي في هذا الأفق 18 درجة لا محالة ولا يخفى عليك أنَّ غاية انحطاطه حينئذ قوس من نصف النهار بين المنقلب عند كونه

تحت الأرض وبين قطب أوّل السموت من الجانب الأقرب، ولمّا كانت الشمس بلا عرض أعني أنّها في سطح دائرة منقطة البروج دائماً فإذا بلغت إلى هذا المنقلب تكون غاية انحطاطها عن ذلك الأفق 18 درجة فيكون آخر الشفق أي غاية انحطاطها مبدأ الصبح الأوّل.وهذا أوّل عرض يتفق فيه اتصال الصبح بالشفق وفي الآفاق التي جاوزت عروضها ذلك المقدار إلى أن بلغ عرضها مثل تمام الميل الأعظم أعني 33 66 يتناقص انحطاط الشمس عن الأفق عند كونها في المنقلب الصيفي عن ذلك المقدار أي يكون انحطاط أقل من 18 درجة فلا محالة تكون عن جنبتي المنقلب نقطتان غاية انحطاطهما تكون 18 درجة فما دامت الشمس في القوس التي بين النقطتين يتصل الشفق بالصبح وطلوع الصبح يكون قبل تمام غروب الشفق فيتداخل الصبح والشفق فيكون زمان ما من ساعاتهما ويكثر هذا الزمان كلما ازداد العرض لأنَّ العرض كلّما كان الأكثر كانت تلك القوس الواقعة بين النقطتين أعظم.وإذا بلغ العرض مثل تمام الميل الكلي فما فوقها فلا يكون للشمس في المنقلب الصيفي انحطاط أصلاً لأنَّ مدار المنقلب على الأوّل يكون أعظم المدارات الأبدية الظهور وعلى الثاني يدور فوق الأفق.وبما حرّرنا دريت أنَّ قول الفاضل البرجندي في شرح التذكرة في «المقام» حيث فسّر نهاية المقدار في كلام الخواجة وفيما جاوزت عروضها ذلك المقدار» بقوله : إلى أن بلغ عرض تسعين ليس بصواب والحق فيه التفصيل .ثمَّ إِنَّ في «المقام» مباحث أنيقة ومطالب دقيقة حرّرناها في رسالتنا المدوّنة في الوقت والقبلة فليرجع الطالب إليها. ولعلنا نشير إلى طائفة منها في شرح كتابه علیه السلام إلى أمراء البلاد في معنى الصلاة إنشاء اللّه تعالى و اللّه تعالى نحمد ونستزيد .تذييل قد ذكرنا أن قوله تعالى : (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ يدلّ على أنَّ المراد من الفجر هو الثاني وقد رويت أخبار عديدة من أئمتنا المعصومين علیهم السلام فيه : ففي الكافي عن علي بن مهزيار قال : كتب أبو الحسن بن الحصين إلى أبي جعفر الثاني علیه السلام معي جعلت فداك قد اختلف موالوك في صلاة الفجر فمنهم من يصلّي إذا طلع الفجر الأوّل المستطيل في السماء، ومنهم من يصلّي إذا اعترض في أسفل الأفق واستبان؛ ولست أعرف أفضل الوقتين فأصلّي فيه فإن رأيت أن تعلمني أفضل الوقتين وتحدّه لي وكيف أصنع مع القمر والفجر لا يتبيّن معه حتّی يحمر ويصبح؟ وكيف أصنع مع الغيم؟ وما حدّ ذلك في السفر والحضر؟ فعلت إن شاء اللّه تعالى .)

فكتب بخطه وقراءته : الفجر يرحمك اللّه هو الخيط الأبيض المعترض ليس هوالأبيض صعداء؛ فلا تصل في سفر ولا حضر حتّی تبينه فإنَّ اللّه تعالى لم يجعل خلقه في شبهة من هذا فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ والخيط الأبيض هو المعترض الذي يحرم به الأكل والشرب في الصوم وكذلك هو الذي يوجب به الصلاة. أتى به الفيض في( «الوافی» في ص 51ج 5) . والعاملي في باب أن أول وقت الصبح طلوع الفجر الثاني المعترض في الأفق دون الفجر الأول المستطيل من صلاة الوسائل، ورواه في «التهذيب» بأدنى تفاوت في الفاظه.)وفي التهذيب عن زرارة، عن أبي جعفرعلیه السلام قال : كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يصلي ركعتي الصبح وهي الفجر إذا اعترض الفجر وأضاء حسناً (1.)وفي «الفقيه» وروي أن وقت الغداة إذا اعترض الفجر فأضاء حسناً. رواه في ذلك الباب من الوسائل أيضاً .وفي «الکافی » و«التهذيب» و «الفقيه»، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : الصبح هو الذي إذا رأيته (2معترضاً كأنّه نباض سورى (3))أقول: النباض بتقديم النون على الباء من نبض الماء إذا سال وربما قريء بالباء فالياء والمراد منه نهری سوری علی وزن بشری موضع بالعراق وقد دلّ عليه ما في «التهذيب» عن هشام بن الهذيل عن أبي الحسن الماضي علیه السلام قال : سألت عن وقت صلاة الفجر فقال : حين يعترض الفجر فتراه مثل نهر سوری(4. رواه في ذلك الباب من الوسائل أيضاً .)وفي التهذيب عن أبي بصير المكفوف قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الصائم متى عليه الطعام، فقال : إذا كانت الفجر كالقبطية البيضاء (5، الخبر. يحرم أقول : القبطية بضم القاف : الثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء منسوب إلى القبط وهم أهل مصر)هذا في الثياب وأمّا في الناس فقبطي بالكسر كما في« النهاية» الأثيرية .وفي الباب التالي من ذلك الباب المقدّم من الوسائل عن زريق، عن أبي عبد اللّه علیه السلام


1) بحار الأنوار (370/79 ، والصحيح من السيرة 180/5 ،

2) في نسخة كان.

3) الكافي : 283/3 ح 2 ، والاستبصار : 275/1 ح 997 ،

4) تهذيب الأحكام 2 / 37 ح 117 ، وسائل الشيعة: 212/40.

5) الاستبصار : 276/1 ح 1002 ، تهذيب الأحكام: 2/ 39 ح 122

أنّه كان يصلّي الغداة بغلس عند طلوع الفجر الصادق أوّل ما يبدو قبل أن يستعرض . أقول والأخبار بهذا المضمون المروية عن أئمتنا علیهم السلام كثيرة رويت أكثرها في الكتب الأربعة وكتابي الصلاة والصوم من الوسائل وغيرها من الجوامع تدلّ على ما قدّمنا من أنَّ قوله تعالى : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ يدلّ على أنَّ المراد من الفجر الفجر الصادق وأنَّ الأحكام الشرعيّة والعادات الرسمية إنّما تتعلّق به لا بالكاذب.قوله علیه السلام: «فإذا لقيت العدوَّ فقف من أصحابك وسطاً أمره علیه السلام أن يقف عند لقاء العدوّ في وسط الجيش وذلك لأن أمير الجيش إذا كان حينئذ في وسط الجيش يكون نسبته إلى كل جوانب على السواء فكان أقدر على إبلاغ أوامره ونواهيه إلى الجميع، وعلى الإحاطة بهم والتسلّط عليهم .على أنَّ أمير الجيش بمنزلة القطب فيهم فينبغي لهم أن يكونوا حوله على نسبة سواء،ويقوه بأنفسهم وينتظروا أمره ولا يبعدوا عنه بعداً ربّما يوجب اختلال نظامهم.وأنّه بمنزلة القلب من جسد العسكر فيجب عليه وعليهم العناية التامة في حفظه حراسته وذلك لأن موت احد من أفراد الجيش لا يوجب اضمحلالهم بخلاف الأمير لأنّه من الأعضاء الرئيسة التي ينتفي الكل بانتفائه فهلاك رئيس القوم يوجب انهدامهم وانهزامهم فنعم ما قاله الشاعر :لك العز إن مولاك عزّ فإن يهن*** فأنت لدى بحبوحة الهون كائنفإذا كان في وسط القوم فكأنه في حصن حصين يمنع الخصم عن الظفر عليه .وقوله علیه السلام: ولا تدن من القوم دنوّ من يريد أن ينشب الحرب - إلخ بعدما أمره علیه السلام بما دريت أخذ أن ينهيه عن عدة أمور فمنها : أن لا يدنو من القوم دنوّ من يريد أن يوقع الفتنة ويقيم الحرب وذلك لما قدّمنا من أنَّ أولياء اللّه ما أمروا بسفك الدماء وقتل النفوس إلا بعد أن أبى النّاس إلا نفوراً وطغياناً ، فعند ذلك كان أمر ربهم حتماً مقضيّاً في اجتياحهم لئلا يختل بهم انتظام الاجتماع البشري وقد قيل: إنَّ ما يزع السلطان أكثر ممّا يزع القرآن وما يلتئم بالسنان لا ينتظم بالبرهان. وقد تقدّم في ص 39ج من« التكلمة»، وقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : الخير كله في السيف وتحت ظل السيف ولا يقيم الناس إلا السيف والسيوف مقاليد الجنّة والنار (1. رواه الكليني في «الکافی » وقد تقدّم وبيانه آنفاً. وفي القرآن الكريم: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى)


1) الكافي : 2/5 الأمالي : 674 ح 909 .

العالمين [البقرة 254]. وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضُهُم بِبَعْضٍ خَدِمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا [الحج : 42] والآيتان مسوقتان إلى الجهاد في سبيل اللّه بالسيف كما يدلّ عليه سياق الآيات التي قبلهما، فراجع. ثم انظر في سيرة قائد الغر المحجلين أمير المؤمنين علي علیه السلام في حروبه، في حروبه، لا يأذن القوم أن يواجهوا الخصم إلى حدّ يشعر بارادة إيقاع الفتنة فتبصر أنَّ الحجج الإلهية والذين تولوا أمور الدين بعدهم بإذنهم شأنهم أجلّ ممّا توهّمه الجاهلون وعزّوهم إلى كثير مما ليس إلا فرية واختلاق .

ومنها : أن يتباعد عنهم تباعد من يؤذن بخوفه من البأس أي الحرب لأنَّ ذلك يشعر بالوهن والضعف والخوف من العدوّ فيوجب أن يطمع العدوّ فيه. ثمَّ ضرب له في هذين النهيين غاية فقال : ( حتّی يأتيك أمري).

ومنها أن لا يحملن معقل بن قيس وأصحابه بغض القوم وعداوتهم إياهم على أن يقاتلوهم قبل أن يعذروا إليهم الدّعاء ويمنحوهم النصح ويتمّوا الحجّة عليهم ويدعوهم إلى الإمام الحق. وفي «الكافي» (الوافي ص 16 ج 9) عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : قال أمير المؤمنين علیه السلام : لما وجهني رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى اليمن فقال : يا علي لا تقاتل أحداً حتّی تدعوه إلى الإسلام وأيم اللّه لئن يهدي اللّه على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت ولك ولاؤه (1).

ويستحب أن تكون الدَّعوة بما في النص كما يأتي تفصيله في شرح «المختار» الخامس عشر من هذا الباب إن شاء اللّه تعالى

فلو كان القتال بمجرد عداوة الخصم يخرج كونه طاعة بل قتال في سبيل هوى النفس وتشفّيها ، فلا أقل من أن يكون مشوباً بغير طاعة اللّه وقد قال تعالى وتقدّس : فَمَن كَانَ يَرْحُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110]و الجهاد عبادة فلا بد فيه من خلوص النية. وتأبى نفسي إلا نقل جملة ما أجاد العارف الرُّومي في المثنوي من أبيات تناسب المقام جدا :

از علی آموز اخلاص عمل*** حق رادان منزه از دغل

در غزا بر پهلوانی دست یافت*** زود شمشيري بر آورد و شتافت

او خدو انداخت بر روی علی*** افتخار هر نبي وهر ولي


1) الكافي : 36/5 ح 2 ، وبحار الأنوار: 167/9 ح 14 .

او خدو انداخت بررویی که ماه*** سجده آرد پیش او در سجده گاه

در زمان انداخت شمشیر آن علي*** كرد او أندر غزایش کاهلی

گشت حیران آن مبارز زین عمل*** از نمودن عفو و رحم بی محل

گفت بر من تبغ تیز افراشتی*** از چه افکندی مرا بگذاشتی

آن چه دیدی از پیکار من*** تاشدی تو سست در اشکار من

آن چه دیدی که چنین خشمت نشست*** تا چنین برقی نمود و باز جست

آن چه دیدی که مرازان عکس دید*** در دل و جان شعله أي آمد پدید

آن چه دیدی بهتر از کون و مکان ***که به از جان بود و بخشیدیم جان

در شجاعت شیر ربانیستی*** در مروّت خود ندانم کیستی

در مروّت ابر موسایی به تیه ***كآمد از وی خوان و نان بی شبیه

أي علي كه جمله عقل وديده أي*** شمه أي واگو از آن چه دیده ای

تیغ علمت جان ما را چاک کرد ***آب علمت خاك ما را پاک کرد

باز گو دانم که این اسرار هوست*** زانکه بی شمشیر کشتن کار اوست

بازگو ای باز عرش خوش شکار ***تاچه دیدی این زمان از کردگار

چشم تو ادراك غيب آموخته ***چشمهای حاضران بر دوخته

راز بگشا ای عليّ مرتضى*** اي پس از سوء القضا حسن القضا

ياتوواگو آنچه عقلت یافته است ***یا بگویم آنچه بر من تافته است

از توبر من تافت چون داری نهان*** میفشانی نور چون مه بی زبان

ليك اگر در گفت آید قرص ماه*** شب روان را زودتر آرد براه

از غلط ایمن شوند و از ذهول*** باگ مه غالب شود بر بانگ غول

ماه به گفتن چو باشد رهنما ***چون بگوید شد ضیا اندرضيا

چون تو بابی آن مدینه علم*** را چون شعاعی آفتاب حلم

باز باش أي باب بر جویای باب*** تارسند ازتو قشور اندر لباب

باز باش ای باب رحمت تا ابد*** بارگاه ماله كفواً أحد

پس بگفت آن نو مسلمان وليّ ***از مستي ولذت با عليّ

که بفرمایا أمير المؤمنين ***تا بجنبد جان بتن همچون جنین

باز گوای باز پر افروخته*** باشه و با ساعدش آموخته

بازگوای باز عنقا گیر شاه*** ای سپاه اشکن بخودنی با سپاه

أمّت وحدى يکی وصد هزار*** بازگو ای بنده بازت را شکار

در محل قهراین رحمت زچیست*** اژدها را دست دادن کار کیست

گفت من تیغ از پی حق میزنم *** بندهء حقم نه مأمور تنم

شیر حقم نیستم شیر هوا ***فعل من بردين من باشد گوا

من چو تیغم و آن زننده آفتاب ***ما رميت إذ رمیت در حراب

رخت خود را من زره برداشتم ***غیر حق را من عدم انگاشتم

گفت أمير المؤمنین با آن جوان*** که بهنگام نبرد ای پهلوان

چون خدو انداختی برروی من***نفس جنبید وتبه شد خوی من

نیم بهر حق شد و نیمی هوا *** شرکت اندر کار حق نبودروا

گفت من تخم جفا می کاشتم ***من ترا نوعی دگر پنداشتم

تو ترازوى أحد خو بوده ای*** بل زبانه هر ترازو بوده ای

من غلام آنچراغ شمع خو ***که چراغت روشنی پذرفت از و

عرضه کن برمن شهادت راکه من ***مر تورا دیدم سرافراز زمن

قرب پنجه کس زخویش وقوم او*** عاشقانه سوی دین کردند رو

او يتيغ حلم چندین خلق را ***وا خرید از تیغ چندین حلق را

تیغ حلم از تیغ آهن تیزتر*** بل زصد لشگر ظفر انگیزتر

الترجمة

این وصیتی است که امیر (علیه السلام ) به معقل بن قيس رياحي . هنگامی که وی را با لشگری سه هزار نفری مقدمه خود کرده بود و به سوی شام گسیل داشت. فرمود بترس از خدایی که ناچار بازگشت بدو است و سرانجامت تنها او است جنگ مکن مگر با کسی که با تو سر جنگ دارد و در دو طرف روز( صبح و عصرکه هوا خنك است) راه میرو و در نیم روز لشگر را فرودآر تا بیاسایند و سبك و آسان راه .میرو و در اول شب سیر مکن که خدا آن را برای آرمیدن قرار داده و برای اقامت تقدیر فرموده نه کوچ کردن پس در آن تنت و ستورانت را آسایش ده تا به پهن شدن آثار سحر و پیدایش سپیده صبح آگاه ،شدی با درخواست برکت از خدای سیر میکن و چون دشمن را دیدی در میان لشگر قرارگیر و به دشمن چندان نزديك مشو چون نزديك شدن کسی که آهنگ در گرفتن آتش جنگ دارد و چندان از آنان دور مشو چون دور شدن کسی که از جنگ هراس دارد تا فرمان من در رسد و مبادا که دشمنی ،آنان شما را پیش از آن که با آنان اتمام حجت کنید و مرایشان را به راه حق بخوانید و عذر خود را بدیشان تمام گردانید به جنگ وادارد.

ومن كتاب له إلى أميرين من أمراء جيشه وهو المختار الثالث عشر من باب كتبه ورسائله علیه السلام

اشارة

وَقدْ أَمَّرْتُ عَلَيْكُما وَعَلى مَنْ في حَيْزِكُما مالِكَ بْنَ الْحارِثِ الأَشْتَرَ فَاسْمَعَا لَهُ وَأطيعاهُ وَاجْعَلاهُ دِرْعاً وَمِجَنَا فَإِنَّهُ مِمَّنْ لا يُخافُ وَهْنهُ( وَهْيُهُ - نسخة) وَلاَ سَقْطَتْهُ، وَلا يُطْؤُهُ عَمَّا الإِسْراعُ إِلَيْهِ أَحْزَمُ، وَلا إِسْراعُهُ إِلى مَا الْبُطْقُ عَنْهُ أَمْثَلُ (1).

مصدر الكتاب وسنده

نقل الكتاب مسنداً أبو جعفر الطبري المتوفّى (310) ه-) في التاريخ بأدنى اختلاف وقد مضى نقله في شرح الخطبة 236 فراجع إلى ص 221 من ج 1 من تكملة المنهاج .

ورواه مسنداً نصر بن مزاحم المنقري في كتاب «صفين» (ص 81 من الطبع الناصري)، وأتى به المجلسي في المجلد الثامن من البحار» (ص 478 من الطبع الكمباني). وما أتى به الرضي في «النهج » فهو بعض هذا الكتاب وقد أسقط منه قريباً من سطر فدونك الكتاب بصورته الكاملة على ما رواه نصر وإن كان يوافق ما نقله الطبري تقريباً وقد نقل قبل.

قال :نصر وقال خالد بن قطن : فلما قطع علي علیه السلام الفرات دعا زياد بن النضر وشريح ابن هاني فسرحهما أمامه نحو معاوية على حالهما الذي كانا عليه حين خرجا من الكوفة في اثنى عشر ألفاً وقد كانا حيث سرحهما من الكوفة أخذا على شاطىء الفرات من قبل البرّ ممّا يلي الكوفة حتّی بلغا عانات فبلغهم أخذ علي علیه السلام على طريق الجزيرة، وبلغهما أنَّ معاوية أقبل في جنود الشام من دمشق لاستقبال علي علیه السلام فقالا : لا و اللّه ما هذا لنا برأى أن نسير وبيننا وبين أمير المؤمنين هذا البحر، وما لنا خير أن نلقى جموع أهل الشام بقلة من عددنا منقطعين من العدد والمدد فذهبوا ليعبروا من عانات، فمنعهم أهل عانات وحبسوا عندهم السفن فأقبلوا راجعين حتّی عبروا من هيت ثمَّ لحقوا عليّاً بقرية دون قرقيسياء وقد أرادوا أهل عانات فتحصنوا منهم فلما لحقت المقدّمة عليّاً قال مقدّمتي تأتي ورائي فتقدّم إليه زياد وشريح فأخبره الذي رأيا ؛ فقال : قد أصبتما رشد كما ، فلما عبر الفرات قدمهما أمامه نحو ،معاوية، فلما انتهوا إلى معاوية لقيهم أبو الأعور في جند أهل الشام فدعوهم إلى الدخول في طاعة أمير المؤمنين فأبوا ؛ فبعثوا إلى عليّ أنا قد لقينا أبا الأعور السلمي بسور


1) نهج البلاغة : 14/3 ح 13 ، وبحار الأنوار : 414/32 ح 374

الروم في جند من أهل الشام فدعوناهم وأصحابه إلى الدخول في طاعتك فأبوا علينا فمرنا بأمرك. فأرسل علي إلى الأشتر فقال :

يا مالِ إنَّ زياداً وشريحاً أرسلا إليَّ يُعلماني أنّهما لقيا أبا الأعور السلمي في جند من أهل الشام بسور الروم فنبأني الرسول أنه تركهم متواقفين فالنجاء إلى أصحابك النجاء، فإذا أتيتهم فأنت عليهم وإيّاك أن تبدأ القوم بقتال إلا أن يبدؤوك حتّی تلقاهم وتسمع منهم ولا يجر منّكم شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم والإعذار إليهم مرَّة بعد مرة واجعل على ميمنتك زياداً، وعلى ميسرتك شريحاً، وقف بين أصحابك وسطاً، ولا تدنُ منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب ولا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس حتّی أقدم إليك فإني حثيث السير إليك إن شاء اللّه .

وكان الرسول الحارث بن جمهان الجعفي وكتب إليهما: أما بعد فإنّي قد أمرت عليكما مالكاً فاسمعا له وأطيعا أمره فإنّه ممّن لا يخاف رهقه ولا سقاطه ولا بطوه عمّا الإسراع إليه أحزم ولا الإسراع إلى ما البطؤ عنه أمثل. وقد أمرته بمثل الذي أمرتكما ألاّ يبدأ القوم بقتال حتّی يلقاهم فيدعوهم ويعذر إليهم (1)

اللغة

(الحيز) : أصله من الواو . وقد يقال : الحيز مخففاً مثل هَيْن وهَيْن ولَيْن ولَيْن. قال الجوهري : الحيّز ما انضم إلى الدار من مرافقها وكل ناحية حيز، قال تعالى:«وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ »الآية [الأنفال: 16] أي صائراً إلى حيّز .

«درعاً» الدرع بكسر الدال وسكون الراء مصنوع من حديد يلبس في الحروب للوقاية من الضرب والطعن يقال بالفارسية: زره مؤنثة وقد يذكر جمعه القليل أدرع وأدراع فإذا كثرت فهي الدروع رجل دارع أي لابس الدرع أي عليه درع كأنه ذو درع مثل تامر، قال السموأل بن عاديا اليهودي:

وأسيافنا في كل شرق ومغرب ***بها من قراع الدّارعين فلول

في أبيات له أتى بها الجاحظ في البيان والنبيين» (ص 185 ج 3 طبع مصر) ودرع المرأة قميصها وهو مذكر والجمع أدراع قاله الجوهري.

«المجنّ» بالكسر : الترس وهو اسم آلة من الجن والجمع مجان بالفتح وكذا المجنّة


1) بحار الأنوار : 432/32 ، ونهج السعادة : 239/4 - 87

والجُنّة. وأصل الجنّ ستر الشيء عن الحاسّة والترس يجنّ صاحبه والجنة: (السترة) يقال: استجن بجُنّة أي استتر بسترة قال عزَّ من قائل : «اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً »، وفي «الكافي» عن الصادق علیه السلام الصوم جنّة (1)، وفي« التهذيب» و«الفقه» عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الصوم جنة من النار (2)، والولد ما دام في بطن أمه جنين جمعه ،أجنّة، قال تعالى: «اوَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ » ، والجنان بالفتح القلب لكونه مستوراً عن الحاسة وكذا سمي الجنّ جنّا لاستتارهم واختفائهم عن الأبصار وعلى هذا القياس ما اشتق من الجنّ فإنّه لا يخلو فيه معنى معنى الاستتار

« الوهن »: الضعف و«السقطة»: الغلطة والخطأ، وفي نسختي الطبري ونصر: فإنّه ممّن لا يخاف رهقه ولا سقاطه الرهق) محرَّكة السفه، والنوك والخفّة وركوب الشرّ والظلم وغشيان ،المحارم، وفي النهاية الأثيرية وفي حديث عليّ علیه السلام أنه وعظ رجلاً في صحبة رجل ،رهق أي فيه خفّة وحدة يقال رجل فيه رهق إذا كان يخف إلى الشرّ ويغشاه والرهق السفه وغشيان المحارم ومنه حديث أبي وائل أنّه صلّى على امرأة كانت ترهق أي تتهم بشر، ومنه الحديث سلك رجلان مفازة أحدهما عابد والآخر به رهق انتهى. وفي القرآن الكريم : فَمَن يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ، فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا [الجن: 13]. وروي ولا وهيه وهو قريب من الوهن معنى.

«السقاط» ككتاب قال الجوهري في«الصحاح» : السَقْطَة العَشْرَة والزلّة.

وكذلك السقاط . قال سويد بن أبي كاهل :

كيف يرجون سقاطي بعدما*** جلل الرأس مشيب وصلع

وقال المرزوقي في شرح «الحماسة» :769 : يقال لمن لم يأت مأتى الكرام : هو ام : هو يساقط قال الشاعر: كيف يرجون البيت.

«أحزم» الحزم ضبط الرجل أمره وأخذه بالثقة والحذر من فواته من قولهم حزمت الشيء أي شددته وهذا الرأي أحزم من هذا أي أدخل في باب الحزم والاحتياط.

«أمثل» قال ابن الأثير في« النهاية»: وفيه - يعني في الحديث - أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل أي الأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى في الرتبة والمنزلة. يقال هذا أمثل من هذا أي أفضل وأدنى إلى الخير وأمائل الناس خيارهم، ومنه حديث التراويح قال عمر : لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أمثل أي أولى وأصوب.


1) الكافي: 62/4 ح 1 .

2) المحاسن: 287/12 ، والكافي : 19/2.

الإعراب

(من في حيزكما ): معطوف على الضمير المجرور المقدم ولذا أعاد الجاز لأن الضمير المتصل بالجاز لشدّة اتصاله به صار كالجزء له ولا يجوز العطف على جزء الكلمة، (مالك) منصوب بأمرت ومفعول ،له( والأشتر) صفة له، (والفاء) الأولى للتسبيب لأنّ المعطوف بها متسبب عن المعطوف عليه ولك أن تجعلها فصيحة والثانية للتعليل وكلمتا (من) موصولتان اسميتان ولا يخاف فعل مجهول، وضمير (وهنه وسقطته )راجعان إليه وأفردا مراعاة للفظ نحو قوله تعالى: وَمِنهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ [الأنعام: 25] ويسمى هذا الضمير في النحو بالعائد (ولا) بطؤه) عطف على وهنه أي لا يخاف بطؤه، (وعمّا) صلة للبطوء (وما) موصولة وضمير إليه عائدها باعتبار اللفظ ( وأحزم) خبر للإسراع وكذا القياس في الجملة التالية ليها .)### المعنىقد علمت بما قدمنا ههنا عن نصر وفي (ص 221 ج 1 من «التكملة »عن الطبري أن الأميرين هما زياد بن نضر وشريح بن هانيء وقد مضى نقل كتابهما إلى الأمير علیه السلام وكتابه علیه السلام إليهما في شرح الكتاب الحادي عشر وسيأتي أيضاً وصية له علیه السلام وصى بها شريح بن هانيء لما جعله على مقدمته إلى الشام وهو الكتاب السادس والخمسون أوله :( اتق اللّه في كلّ صباح ومساء) - إلخ (1).)قال ابن عبد البرّ في« الاستيعاب »: شريح بن هاني بن يزيد بن الحارث الحارثي بن كعب جاهلي إسلامي، يكنى أبا المقدام وأبوه هاني بن يزيد له صحبة قد ذكرناه في بابه.وشريح هذا من أجلّة أصحاب علي رضي اللّه عنه .وقال في باب هانيء في ترجمة أبيه هاني بن يزيد بن نهيك، ويقال هانيء ابن كعب المذحجي، ويقال الحارثي، ويقال : الضبي، وهو هاني بن يزيد بن نهيك بن دريد بن سفيان بن الضباب، وهو سلمة بن الحارث بن ربيعة بن الحارث بن كعب الضبابي المذحجي الحارثي وهو والد شريح بن هانيء. وكان يكنّى في الجاهلية أبا الحكم لأنه كان يحكم بينهم فكنّاه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بأبي شريح، إذ وفد عليه، وهو مشهور بكنيته، شهد المشاهد كلها، روى عنه ابنه شريح بن هانيء عن أبيه، عن جده، وكان ابنه شريح من جلة التابعين ومن كبار أصحاب عليّ رضي اللّه عنه وممن شهد معه مشاهده كلّها. انتهى .قوله :« وقد أمرت عليكما وعلى من في حيّزكما مالك بن الحارث الأشتر» أي


1) شرح النهج : 138/17

جعلت مالكاً أميراً عليكما وعلى من كان في كنفكما وتحت أمارتكما وفي ناحيتكما وقد دريت بما قدمنا أنَّ الأمير سرّح زياداً وشريحاً نحو معاوية في اثنى عشر ألفاً .قوله علیه السلام : «فاسمعا له وأطيعاه» تفريع على تأميره مالكاً عليهما وعلى من في حيّزهما فأمرهما أن يسمعا له ويطيعاه أي أن لا يخالفاه ما أمرهما فإنَّ مخالفة الأمير فيما أمر توجب التفرق الموجب للهزيمة وقلّما غلب قوم اجتمعت كلمتهم. وقد استشار قوم أكثم بن صيفي في حرب قوم أرادوهم وسألوه أن يوصيهم فقال: أقلّوا الخلاف على أُمرائكم. واعلموا أنَّ كثرة الصباح من الفشل والمرء يعجز لا محالة، تثبتوا فإنَّ أحزم الفريقين ،الرّكين، ورُبَّتَ عَجَلة تُعقب رَيئاً، واتزروا للحرب واذرعوا الليل فإنّه أخفى للويل، ولا جماعة لمن اختلف عليه نقله ابن قتيبة الدينوري في كتاب« الحرب من عيون الأخبار».ثمَّ إِنَّ النسخ المطبوعة من النهج وبعض النسخ الخطية أيضاً تخالف ما اخترنا من قوله في كلمة «أطيعاه» فإنّها موافقة في عدم الضمير المنصوب فيها وما أتينا به هو ما اختاره السيد الرضي رحمه اللّه أعني أنها من نسخة قوبلت بنسخته رضوان اللّه عليه .)قوله علیه السلام :« واجعلاه درعاً ومجنّا »عطف على قوله استمعاله، أمرهما بعد الأمر بالسمع والإطاعة أن لا يفارقاه قط فإنّه لحسن تدبيره وطول باعه في فنون الحرب درع ومجنّ أي واق وحافظ عن الخصم فحذرهما بأبلغ وجه وأحسن طور عن التأبي لأمره والمفارقة عنه حتّی أنهما لو اقتحما في الحرب بدونه كأنّهما دخلاها بلا درع ولا مجنّ.ومن كلامه علیه السلام هذا يعلم جلالة قدر الأشتر وعظم أمره كيف لا وقد جعله لذلك الجيش الكثيف درعاً ومجنّاً ولا يليق بهذا الوصف عن مثل أمير المؤمنين له إلا من كان بطلاً محامياً ومجاهداً شديد البأس ورابط الجأش وقال الجاحظ في«البيان والتبيين» (ص 257 ج 3 طبع القاهرة : يعقوب بن داود قال ذمّ رجل الأشتر، فقال له رجلٌ من النخع : اسكت فإنّ حياته هزمت أهل الشام وموته هزم أهل العراق .قوله علیه السلام : «فإنّه ممن لا يخاف - إلخ» الظاهر أنَّ هذا التعليل يتعلق بقوله علیه السلام أمرت عليكما أي إنّما أمرت مالكاً عليكما وعلى من في حيّزكما لأنه ممن لا يخاف وهنه - إلخ .فدل كلامه علیه السلام على أنَّ هذا الأمر لا يصلح إلا لم اجتمعت فيه تلك الأوصاف.ويمكن أن يتعلق بقوله( فاسمعا له وتالييه وكأنَّ الأوّل أولى وأجدريعني أن مالكاً ممن لا يخاف أحد ضعفه وعثرته في المعارك لثبات قدمه في المهالك ثم وصفه بأنه حازم في الأمور وبصير فيها بحيث لا يبطىء فيما الإسراع إليه أقرب إلى الحزم، وكذلك لا يسرع فيما الإبطاء عنه أولى وأنسب بل يبطىء عن ما ينبغي الإبطاء عنه، ويسرع إلى ما يليق الإسراع إليه .)

ثمَّ إنَّ وصفه مالكاً بها يدلّ على تثبته عند الهزائز وشجاعته قبال الأبطال وكثرة حذاقته في الأمور حيث عرفه أولاً بأنّه ممن لا يخاف وهنه ولا سقطته وثانياً بأنّه يبطىء في محلّه ويسرع كذلك ولا ريب أنه إذا كان قوم أميرهم جباناً فمحال أن يرتقوا إلى المدارج العالية وينالوا المراتب السامية فإنَّ الجبن يوجب الوهن الموجب للسقطة في الأمور كلها فأمير الجيش إذا أدركه الجبن أدركته الهزيمة بلا تراخ والخطيب إذا أدركه الجبن كلَّ عن التكلّم بلا كلام بل ربما لم يقدر على التفوّه أو إن تفوه فكثيراً ما يهجر وكذا الحكم في غير الخطيب أيضاً وقد مضى طائفة من كلامنا في ذلك في شرح المختار» 231 من باب الخطب (ص 34 ج 1 من «التكملة» .)قال ابن قتيبة الدينوري في كتاب الحرب من عيون الأخبار في أخبار الجبناء (ص 165 ج ا طبع مصر : كان خالد بن عبد اللّه من الجبناء خرج عليه المغيرة بن سعيد صاحب المغيرية [من الرافضة وهو من بجيلة فقال من الدهش أطعموني ماء فذكره بعضهم فقال :)عاد الظلوم ظليماً حين جُد به*** واستطعم الماء لمّا جدّ في الهربوقال (ص 164 منه : أبو منذر قال : حدثنا زيد بن وهب قال : قال لي علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : عجباً لابن النابغة يزعم أنّي تَلعابة أعافس وأُمارس أما وشرّ القول أكذبه، إنّه يسأل فيلحف ويُسأل فيبخل فإذا كان عند البأس فإنّه امرؤ زاجر ما لم تأخذ السيوف مأخذها من هام القوم، فإذا كان كذلك كان أكبر همه أن يُبرقط ويمنح الناس استه .قبحه اللّه وترحه (1).)أقول: وقد أتى الرضي رحمه اللّه في« النهج» بكلامه علیه السلام هذا لابن النابغة إلا بين أنَّ النسختين تفاوتاً في الجملة كمّاً وكيفاً، والرضي توفّي 406 ه- وابن قتيبة 276 ه- .قال : وقال عبد الملك بن مروان في أُمية بن عبد اللّه بن خالد :إذا صوّت العصفور طار فؤاده*** ولیث حديد الناب عند الثرائدقال : قال ابن المقفع : الجبن ،مقتلة، والحرص محرمة فانظر فيما رأيت وسمعت من قتل في الحرب مُقبلا أكثر أم من قتل مديراً؟ وانظر من يطلب إليك بالإجمال والتكرم أحق أن تسخو نفسك له بالعطية أم من يطلب إليك بالشره والحرص؟قال : المدائني قال : رأى عمرو بن العاص معاوية يوماً يضحك فقال له : ممَّ تضحك يا أمير المؤمنين أضحك اللّه سنّك ؟ قال : أضحك من حضور ذهنك عند إبدائك سوءتك يوم ابن


1) بحار الأنوار: 147/41 ، والغدير : 138/2

أبي طالب أما و اللّه لقد وافقته منّاناً كريماً ، ولو شاء أن يقتلك لقتلك. قال عمرو : يا أمير المؤمنين أما و اللّه إني لعَنْ يمينك حين دعاك إلى البراز فاحولت عيناك وربا سحرك وبدا منك ما أكره ذكره لك فمن نفسك فاضحك أو دع.أقول : وقد مضى كلامنا على التفصيل في دعوة أمير المؤمنين علي علیه السلام معاوية إلى البراز والحيلة الشنيعة التي احتال بها ابن النابغة في شرح المختار 236 من باب الخطب ( ص 316 إلى 319 ج1.)قال الشاعر:يفر الجبان عن أبيه وأُمّه ***ويحمى شجاع القوم من لا يناسبهوالأخبار في الجبناء كثيرة جداً لا يخلو أكثرها عن لطافة وإنما أتينا بشر ذمة منها روماً للتنوع في الكلام الموجب لرفع الكلالقوله علیه السلام : «وقد أمرته بمثل الذي أمرتكما ألا يبدأ القوم - إلخ». قد دريت من الكتاب الذي أرسله إلى الأشتر على ما رواه نصر وأبو جعفر أنه علیه السلام قال له : إياك أن تبدأ القوم بقتال إلا أن يبدؤوك . إلخ . فيكون كلامه علیه السلام بمثل الذي أمرتكما بمعنى مثل الذي آمر كما الآن وسيأتي إن شاء اللّه تعالى تفصيل الكلام في نهيه علیه السلام أمراء جيشه عن أن يبدؤوا القوم بقتال في شرح الكتاب التالي لهذا الكتاب أعني الكتاب الرابع عشر، وترجمة مالك الأشتر رضوان اللّه عليه في شرح الكتاب 38 أوله من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى القوم الذين غضبوا اللّه - إلخ .)ثمَّ ينبغي أن يتأمل الأديب الحاذق في الكتاب كيف نسجه الأمير علیه السلام على أسلوب بلغ من البلاغة ما يعدّ في السحر سيما ذيله : (ولا بطوه عما الإسراع إليه أحزم ولا إسراعه إلى ما البطؤ عنه أمثل.)### الترجمةیکی از کتابهای امیر (علیه السلام است که به دو امیری از امیران سپاهش نوشته است:)همانا که بر شما و بر و بر هر که در کنف شما و در تحت امارت شما است مالك بن حارث اشتر را امیر گردانیدم پس بشنوید امر او را و فرمان برید و وی را زره و سپر خود بگردانید چه او کسی است که بیم سستی و لغزش در او نمی رود و خوف درنگی در کاری که سرعت بدان به احتیاط نزدیکتر و سرعت به کاری که تأنّی در آن بهتر است درباره او راه ندارد.

## ومن وصيته علیه السلام العسكره بصفين وكلامه هذا هو المختار الرابع عشر من باب كتبه ورسائله علیه السلام### اشارةلا تُقاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَرُوكُمْ فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللّهِ على حُجَّةِ، وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتى يَبْدَرُوكُمْ حُجَّةٌ أُخرى لَكُمْ عَلَيْهِمْ. فَإذا كانَتِ الْهَزِيمَةُ بإذن اللّهِ فَلا تَقْتُلُوا مُذيراً ؛ وَلا تُصِيبُوا مُغوراً ؛ وَلَا تُجْهَرُوا على جريح؛ وَلا نَهِيجُوا النساء بأذى وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَيْنَ أَمْرَانَكُمْ فَإِنَّهُنَّ ضعيفاتُ القوى والأَنْفُسِ وَالْعُقُولِ إِنْ كُنَا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفْ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتٌ. وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَناوَلُ الْمَرْأَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْفِهْرِ أَوِ الْهِراوَةِ فَيُعَبِّرُ بِها وَعَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ (1).)### بیان مصادر الوصية وإسنادها بطرق كثيرة من الفريقين ونقل نسخهاقد رواها الفريقان في الجوامع الروائية بأسناد عديدة وصور كثيرة متفاوتة وفي بعضها زيادة لم يذكرها الرضي رحمه اللّه .فقد رواها نصر بن مزاحم المنقري الكوفي المتوفى سنة 212 ه- في كتاب «صفين» (ص 106 من الطبع الناصري حيث قال : نصر عمر بن سعد وحدثني رجل عن عبد اللّه بن جندب، عن أبيه أنَّ عليا علیه السلام كان يأمرنا فى كل موطن لقينا معه عدوه يقول : لا تقاتلوا القوم حتّى يبدؤوكم فإنّكم بحمد اللّه على حجّة وترككم إياهم حتّی يبدؤوكم حجّة أُخرى لكم عليهم، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبراً ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل، فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا ستراً، ولا تدخلوا داراً إلا بإذني، ولا تأخذوا شيئاً من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تهيجوا امرأة إلا بإذني، وإن شتمن أعراضكم وتناولن أمراءكم وصلحاءكم فإنّهنَّ ضعاف القوى والأنفس والعقول ولقد كنا وإنا لنؤمر بالكف عنهنَّ وإنْهنَّ لمشركات وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالهراوة والحديد فيعيّر بها عقبه من بعده.وفي الجامع الكافي لثقة الإسلام الكليني قدّس سرّه المتوفى سنة 329 ه- كتاب «الجهاد» (ص 338 طبع (1315 ه- ) : وفي حديث عبد اللّه بن جندب، عن أبي أن أمير المؤمنين كان يأمر في كلّ موطن لقينا فيه عدوّنا فيقول : لا تقاتلوا القوم حتّی يبدؤوكم فإنّكم بحمد اللّه على حجّة، وترككم إياهم حتّی يبدؤوكم حجّة لكم أخرى فإذا هزمتموهم فلا)


1) نهج البلاغة : 15/3 ، الكافي : 38/5ح3.

تقتلوا مدبراً، ولا تجيزوا على جريح ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل (الوافي ص19 ج 9(1))وفي مروج الذهب للمسعودي المتوفى 346ه- (ص 9 ج 2 طبع مصر 1346 ه- قام علي علیه السلام (يعني في حرب الجمل فقال : أيها الناس إذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح ولا تقتلوا أسيراً، ولا تتبعوا مولياً، ولا تطلبوا مدبراً، ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل ولا تهتكوا ستراً، ولا تقربوا من أموالهم إلا ما تجدونه في عسكرهم من سلاح أو كراع أو عبد أو أمة وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم على كتاب اللّه .)وقد روى أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري المتوفي 310 ه- في تاريخه (ص 6 ج 4 طبع مصر بإسناده عن عبد الرحمن بن جندب الأزدي، عن أبيه أن علياً علیه السلام كان يأمرنا في كلّ موطن لقينا معه عدوّه يقول: لا تقاتلوا القوم - إلى آخر ما نقلنا ما نقلنا عن نصر - فإن الروايتين متحدتان تقريباً، على أنَّ رواية الطبري قد نقلناها في شرح المختاره 236 (ص 222 ج 15) وفي البحار» نقلاً عن «الکافی »: وفي حديث عبد الرَّحمن بن جندب، عن أبيه أن أمير المؤمنين علیه السلام كان يأمر - إلخ ( ص 624 ج 8 من الطبع الكمباني) .)وأقول : يشبه أن يكون عبد اللّه بن جندب حرّف في تاريخ الطبري بعبد الرَّحمن بن جندب،لأن نصراً والكليني رويا هذه الرواية عن عبد اللّه بن جندب، عن أبيه بلا اختلاف ورواها الطبري عن ابن جندب، عن أبيه أيضاً وصورة الرواية في الجميع واحدة ولولا عبد الرَّحمن مكان عبد اللّه في التاريخ لكانت صورة السند أيضاً واحدة .وفي «الجامع الكافي» أيضاً (ص 338 من كتاب الجهاد طبع 1315 ه- : وفي حديث مالك بن أعين :قال حرّض أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه الناس بصفّين فقال : إن اللّه عزّوجلّ قد دلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم وتشفى بكم على الخير : الإيمان باللّه، والجهاد في سبيل اللّه ؛ وجعل ثوابه مغفرة للذنب، ومساكن طيبة في جنات عدن. وقال جل وعز : «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)» [الصف: 4] فِي. فسروا صفوفكم كالبنيان المرصوص فقدموا الدارع، وأخروا الحاسر، وعضوا على النواجد فإنه أنبأ للسيوف عن الهام والتووا أطراف الرماح فإنّه أمور للأسنة. وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب وأمينوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار ولا تميلوا براياتكم ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلا مع شجعانكم فإنّ المانع للذمار والصابر عند نزول الحقائق أهل الحفاظ ولا تمثلوا بقتيل. وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا ستراً . ولا)


1) الكافي: 1/ 38ح3 ووسائل الشيعة : 92/15 ح 1 .

تدخلوا داراً. ولا تأخذوا شيئاً من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم. ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسبين أمراءكم وصلحاءكم فإنّهنّ ضعاف القوى والأنفس والعقول وقد كنا نؤمر بالكف عنهن وهنّ مشركات وإن كان الرجل ليتناول المرأة فيعيّر بها وعقبه من .بعده واعلموا أنّ أهل الحفاظ هم الذين يحفّون براياتهم ويكتنفونها ويصيرون حفافيها ووراءها وأمامها ولا يضيعونها . لا يتأخرون عنها فيسلّموها. ولا يتقدمون عليها فيفردوها . رحم اللّه امرءاً واسى أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه فيكتسب بذلك اللائمة ويأتي بدناءة وكيف لا يكون كذلك وهو يقاتل اثنين وهذا ممسك يده قد خلّى قرنه على أخيه هارباً منه ينظر إليه وهذا فمن يفعله يمقته اللّه فلا تعرَّضوا لمقت اللّه عزّ وجلّ فإنما ممركم إلى اللّه وقد قال اللّه عزّ وجلّ: « لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16» [الأحزاب: 16] وأيم اللّه لئن فررتم من سيوف العاجلة لا تسلمون من سيوف الأجلة فاستعينوا بالصبر والصدق فإنما ينزل النصر بعد الصبر فجاهدوا في اللّه حق جهاده ولا قوة إلا باللّه( «الوافي »ص 19ج 9) (1).)أقول : قد أتى الرضي رحمه اللّه ببعض هذا الحديث المنقول من «الكافي» في المختار» 122 من باب الخطب أوّله : فقدموا الدارع وأخروا الحاسر - إلخ. وسيأتي نقل روايات أخرى في ذلك في المختار» 16 من هذا الباب إنشاء اللّه تعالى .ثمَّ على روايتي الكافي كانت الوصية ملفّقة منهما صدرها من حديث عبد اللّه بن جندب وذيلها من حديث مالك بن أعين.### اللغة«يبدؤوكم» مهموز اللام من البدأ يقال : بدأ الشيء وبه يبدأ بدءاً من باب منع أي افتتحه وقدمه والبدأ والبدىء : الأوَّل . ومنه قولهم افعله بادى بدء على وزن فَعْل وبادي بديء على وزن فعيل أي أوّل شيء.«الحجّة» بالضم: الدليل والبرهان. والجمع حُجّج وحجاج . قال تعالى: («قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ » [الأنعام: 149] تقول : حاجه فحجّه أي غلبه بالحجّة. واحتج على خصمه أي ادعى وأتى بالحجّة واحتج بالشيء جعله حُجّةً وعُذراً له. وقال الراغب في المفردات : الحجة الدلالة المُبيِّنة للحجّة أي المقصد المستقيم، والذي يقتضي صحة أحد النقيضين. «الهزيمة» هزم العدوّ هَزماً من باب ضرب أي كسرهم وفلّهم . وهُزمت الجيش هَزْماً وهزيمة فانهزموا أي وقعت عليهم الهزيمة. قال الراغب في المفردات: أصل الهزم غمز


1) الكافي : 4/5، ورسائل الشيعة: 96/15.

الشيء اليابس حتّی ينحطم كهزم الشَّن ، وهَزم القِنّاء والبطيخ ومنه الهزيمة لأنه كما يعبّر عنه بذلك يعبّرنه بالحطم والكسر ، قال تعالى: فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ [البقرة: 251] - جند ما [ ص: 11] وأصابته هازمة الدهر أي كاسرة كفاقرةٌ وهزم هنَالِكَ مَهْزُوم مِّنَ الْأَحْزَابِ الرعد تكسّر صوته .

«معور» من العورة. قال الجوهري في«الصحاح» : العورة كلُّ خَلَل يتخوّف منه في ثغر أو حرب وعورات الجبال شقوقها. وهذا مكان معور أي يخاف فيه القطع .

وقال ابن الأثير في« النهاية»: كلُّ عيب وخلل في شيء فهو عورة ومنه حديث علي علیه السلام : (ولا تجهزوا على جريح ولا تصيبوا معوراً). أعور الفارس إذا بدا فيه موضع خلل للضرب فيه انتهى .

وقد أعور لك الصيد وأعورك أمكنك. قال تأبط شراً (الحماسة 77).

أقول للخيان وقد صَفِرَتْ لهم*** وطابي ويَوْمي ضيّق الحَجر مُعوِر

وقال المرزوقي في شرحه : ومُعور من أعور لك الشيء إذا بدت لك عورته وهي موضع المخافة. قال اللّه تعالى في الحكاية عن المنافقين لما قعدوا عن نصرة النبي صلی الله علیه وآله وسلم : إنَّ بيوتنا ،عورة أي واهية يجب سترها وتحصينها بالرجال وكما قيل : يوم معور قيل : مكان معور أي مخوف ويقال عور المكان إذا صار كذلك. وقال بعضهم كلّ ما طلبته فأمكنك فقد أعورك وأعور لك .

العورة: سوأة الإنسان، وذلك كناية وأصلها من العار وذلك لما يلحق في ظهوره من العار أي المذمّة ولذلك سمّي النساء عورة ومن ذلك العوراء للكلمة القبيحة قاله الراغب في المفردات في غريب القرآن .

«ولا تجهزوا على جريح »الجريح فعيل بمعنى المفعول أي المجروح وهو المصاب بجرح، جمعه جرحى كقتيل وقتلى يستوي فيه المذكر والمؤنث يقال : رجل جريح وامرأة جريح.

أجهز على الجريح اجهازاً أي شد عليه وأسرع وأتم قتله .

وفي« الصحاح» أجهزت على الجريح إذا أسرعت قتله وقد تمّمت عليه، ولا تقل أجَزْتُ على الجريح. انتهى .

أقول : وترده رواية «الجامع الكافي» المتقدمة« ولا تجيزوا على جريح». وروايته الأخرى بإسناده عن عبد اللّه بن شريك، عن أبيه قال : لما هزم الناس يوم الجمل قال أمير

المؤمنين علیه السلام : لا تتبعوا مولياً ولا تجهزوا على جريح ومن أغلق بابه فهو آمن، فلما كان يوم صفين قتل المقبل والمدبر وأجاز على الجريح، الحديث

(1) وروايته الأخرى عن الصادق علیه السلام : وجريحهم يجاز عليه(2)(ص 18 ج 9) من (الوافي) والإجازة على الجريح كالاجهاز عليه معنى.

قال ابن الأثير في« النهاية» وفيه - يعني في الحديث - هل تنتظرون إلا مرضاً مفسداً أو موتاً مجهزاً أي سريعاً يقال : أجهز على الجريح يجهز إذا أسرع قتله ومنه حديث علي علیه السلام لا يجهز على جريحهم أي من صرع منهم وكفى قتاله لا يقتل لأنهم مسلمون والقصد من قتالهم دفع شرّهم فإذا لم يمكن ذلك إلا بقتلهم قتلوا، ومنه حديث ابن مسعود أنه أتى على أبي جهل وهو صريع فأجهز عليه انتهى .

ثمَّ إنَّ ما عليه أهل اللغة وما ذهب إليه فقهاء الفريقين في الكتب الفقهية وشرّاح الأحاديث أنَّ كلمة (تجهزوا ) ( ويجهز ) وأمثالهما في المقام مشتقة من الإجهاز إلا أن كلمة (تجهزوا) مشكولة في نسخة مخطوطة من النهج قوبلت بنسخة السيد الرضيّ رضي اللّه عنه بفتح (الجيم) وكسر الهاء) المشدّدة أعني أنها مأخوذة من التجهيز ولكن الوجه الأول أنسب وأصوب ولذا اخترناه في المتن .

(لا تهيجوا )في بعض النسخ مشكولة بضم( التاء) وفتح( الهاء) وكسر (الياء) المشدّدة من التهييج، وفي بعضها بضم (التاء) وكسر( الهاء) من الإهاجة، ونسخة الرضي رضوان اللّه عليه مشكولة بفتح (التاء) وكسر (الهاء) يقال : هاج الشيء يهيج هَيْجاً وهياجَةً وهِياجاً وهَيَجاناً أي ثار وانبعث، وهاج الشيء بالشيء أثاره وبعثه يتعدّى ولا يتعدّى . وكذا يقال : هيج الشيء تهييجاً إذا أثاره وبعثه إلا أن كثرة المباني تدلّ على كثرة المعاني فلا بد في التهييج من زيادة الهيجان ومبالغته وتكثيره والظاهر أنه لا حاجة في المقام إلى المبالغة والتكثير وأمّا القراءة الثانية فما وجدت لها معنى يناسب المقام وأظنّها مصحفة فقراءة الرضي متعيّنة .

«أعراضكم» الأعراض جمع العِرْض بكسر (العين) المهملة وسكون (الراء) أحد معانيه النفس يقال : أكرمت عنه عرضي أي صنت عنه نفسي.

قال عتبة بن بُجَير الحارثي (باب الأضياف من الحماسة، الحماسة 674):

فقام أبو ضيف كريم كانه ***وقد جَدّ من فرط الفكاهة مازح

إلى جذام مال قد نَهِکنا سوامه*** وأعراضُنا فيه بواق صحائِعُ


1) الكافي : 33/5 ح 5 وتهذيب الأحكام: 156/6 ح 70 .

2) الكافي 33/5 ح 5، ووسائل الشيعة : 74/15 ح 20013.

قال المرزوقي في الشرح : يعني بأبي الضيف نفسه، وجعله كالمازح المفاكه لما أظهره من التطلق والبشاشة واظهار السرور بما يأتي من توفير الضيافة والاحتفال فيه وإيناس الضيف والبسط منه محتفاً بالضيافة ويريد بالقيام غير الذي هو ضدّ القعود وإنّما يريد به الاشتغال له بما يؤنسه ويرحّب منزله ويطيب قلبه على ذلك قوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلوة ، لأنه لم يرد القيام المضاد للقعود بل أراد التهيّوء والتشمّر ،له والجذم الأصل، ومعنى نهكنا سوامه أثرنا في السائمة من المال بما عوّدناها من النحر والتفريق ويقال : نهكه المرض إذا أضر به وقوله وأعراضنا فيه بواق صحائح أي نفوسنا باقية على حدّها من الظُّلَفِ والصيانة، لم تشنها الأفعال الذميمة، ولا كسرتها التكاليف المبحلة فهي سليمة لا آفة بها ولا عار يكتنفها ، وإن كانت أموالنا مشفوهة مفرّقةً، انتهى ملخصاً.وفي«الصحاح» : يقال فلان تقي العرض أي بريء من أن يشتم أو يعاب وقد قيل عرض الرجل حسبه انتهى .أقول : كثيراً ما يستعمل العرض في الحسب ومنه قول بشامة بن الغدير :دافعت عن أعراضها فمنعتها ولدي في أمثالها أمثالهاذوو العرض من القوم أي أشرافهم، وفلان غرب العرض أي لئيم الأسلاف والعرض ما يفتخر الإنسان به من حسب أو شرف، وما يصونه الإنسان من نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره أو موضع المدح والذم .«الفهر» بالكسر الحجر ملء الكف يذكّر ويؤنث والجمع أفهار وقيل هو الحجر مطلقاً وفي الحديث: لما نزلت تبت يدا أبي لهب ، جاءت امرأته وفي يدها فهر، نقله ابن الأثير في «النهاية»، قال مزرِّد بن ضرار («البيان والتبيين» ج3ص 77)فجاء على بكر تفال يكده عصاه استه وَجْءَ العُجاية بالفهرالبكر الفتى من الإبل والثفال البطىء ، الوجء : الضرب العجاية العصب يضرب حتّی يلين، أي جاء على بكر ثقيل في مشيه ولم يكن له عصا يضربه بها حتّی يسير بل يحرّك ويضرب استه عليه بشدَّة نحو ضرب العجاية بالفهر.«الهراوة» بالكسر : العصاء الضخمة جمعها الهراوي بالفتح كالمطايا : تقول : هروتُه وتهريته إذا ضربته بها ، قال فضالة بن شريك الأسدي (ص 15 ج 3 من( «البيان والتبيين» :)دعا ابن مطيع للبياع فجئته*** إلى بيعة قلبي لها غير آلففناولني خشناء لمّا لمستها بكفّي ليست من أكف الخلائفمن الشئنات الكرم أنكرت مسها وليست من البيض الرقاق اللطائف

معاودة حمل الهراوي لقومها فروراً إذا ما كان يوم التسايفوفي هامشه : وكان من خبر الشعر أنَّ عبد اللّه بن الزبير كان قد ولى عبد اللّه بن مطيع الكوفة فكان ينشر الدعوة ويتقبل البيعة لابن الزبير، حتّی إذا نهض المختار بن أبي عبيد ودعا لنفسه، طرد عن الكوفة فيمن طرد عبد اللّه بن مطيع فقال فضالة الشعر، وقد رواه أبو الفرج في (الأغاني 10 : 164) برواية أبسط .)واعلم أن جمع الهراوة والادارة وأمثالهما كان قياسه هراوي واداوي على وزن فعائل نحو رسالة ورسائل لكنّهم تجنّبوه وفعلوا به ما فعلوا بالمطايا والخطايا وجعلوا فعائل فعالى وأبدلوا هنا (الواو لتدل على أنه قد كانت في الواحدة (واو) ظاهرة. قالوا أداوى وهراوى فهذه (الواو) بَدلُّ من (الألف) الزائدة في أداوة وهراوة (والألف) التي في آخر الأداوى والهراوى بدل من (الواو) التي في أداوة وهراوة والزموا (الواو) هاهنا كما الزموا (الياء) في المطاياء. قاله الجوهري في أدو من« الصحاح».)«عقبه »عقب الرجل ولده وولد ولده وفيها لغتان عَقِب وعَقب بالتسكين وهي مؤنثة عن الأخفش كما في «صحاح» الجوهري جمعها أعقاب .### الإعراب(الفاء في فإنّكم لتعليل النهي عن القتال بدواً، (على حجة) خبر لإن بحمد اللّه معترضة، (حجة) خبر للترك وأخرى صفة للحجة، (لكم وعليكم) متعلقان بها، (الفاء) في (فلا تقتلوا )جواب إذا ،( بأذى) متعلّق( بلا تهيجوا) (الواو) في (وإن شتمن) للوصل (وسببن) عطف على( شتمن)، (والفاء) في (فانّهنَّ) لتعليل النهي عن هيجانهنَّ بأذى (إن) في (إن كنا) مخفّفة عن المثقلة وفيه ضمير الشأن وتلزم (اللام) خبرها فرقاً بينها وبين (إن) النافية (الواو) عن في (وانهن) للحال، (الواو) في (وإن كان عطف على إن كنا، وإن) هذه مخففة من المثقلة أيضاً وقيل للشرط وهو وهم (واللام) في خبرها كالأولى (ويعير) فعل مجهول ضميره يرجع إلى الرجل ، ( وعقبه) مرفوعة بيعيّر بالعطف أعني أنّها معطوفة على الضمير المستكن المرفوع في (فيعيّر).)ولما كان الضمير المرفوع المتصل بارزاً كان أو مستتراً ينزل من عامله منزلة الجزء فالعطف عليه لا يحسن في فصيح الكلام إلا بعد توكيده بتوكيد لفظي مرادف له بأن يكون بضمير منفصل نحو قوله تعالى: ﴿« لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54» ) [الأنبياء : 54] اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) [البقرة: 35] بتوكيد معنوي كقول الشاعر : دعوتم أجمعون ومن يليكمبرؤيتنا وكنّا الظافرينا

(أو) بعد فاصل أيَّ فاصل كان بين المعطوف عليه والمعطوف نحو قوله تعالى: (جَنَّتُ

«جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ » [الرعد: 23] وكقول الأميرعلیه السلام : فيعيّر بها وعقبه من بعده أو بعد فصل (بلا ) النافية بين حرف العطف والمعطوف نحو قوله تعالى : ولَو شَاءَ اللّه مَا أَشْرَكْنَا ولا ءَاباؤُنَا ﴾ [الأنعام: 148] .

المعنى

قد علم بما قدَّمنا من مصادر هذه الوص هذه الوصيّة أن رواية نصر والطبري هي أقرب الروايات إليها متناً من غيرها لكن روايتهما لم تخصها بصفين بل رويا عن جندب أنه قال: أنَّ عليا علیه السلام كان يأمرنا في كلّ موطن لقينا معه عدوّه يقول تلك الوصية وقد نص الرضي بأنه علیه السلام وصى بها عسكره بصفين، نعم إن للكليني قدّس سرّه فيها روايتين ذكر في إحداهما أنه علیه السلام قالها بصفّين كما دريت إلا أنَّ روايته هذه تشمل على ذيل هذه الوصيّة من قوله علیه السلام : (ولا) تهيجوا امرأة بأذى - إلى آخرها .

والذي يسهل الخطب أن كلام الرضي لا يدلّ على الحصر والتخصيص وقد اتفق الرواة وتظافرت الروايات في أنه كان يأمرهم في كلّ موطن لقيهم العدوّ بها .

والعدوّ الخارج على الإمام المعصوم علیه السلام و إن كان من المسلمين يعرف في كتاب الجهاد من الكتب الفقهيّة بالباغي، ومن هذه الوصيّة وممّا نتلوها عليك إن شاء اللّه تعالى يعلم طائفة من أحكام القتال مع البغاة .

ومن البغاة الخارجين على أمير المؤمنين أصحاب الجمل حاربوه في البصرة وأتباع معاوية حاربوه في صفين والخوارج حاربوه في نهروان .

وعن علي علیه السلام أنه قال : أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ففعلت ما أمرت. وقد مرَّ قوله في أواخر الخطبة القاصعة : وقد أمرني اللّه بقتال أهل البغي والنكث والفساد في الأرض فأما الناكثون فقد قاتلت وأمّا القاسطون فقد جاهدت وأمّا المارقة فقد دوّخت - إلخ .

وكذا قوله علیه السلام في الخطبة الشقشقيّة : فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أُخرى، وفسق آخرون كأنّهم لم يسمعوا كلام اللّه سبحانه حيث يقول :(«تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)»﴾ [القصص: 83] بلى و اللّه لقد سمعوها ووعوها ولكنّهم حليت الدُّنيا في أعينهم وراقهم زبرجها (1)_ إلخ .

وفي المجلس الخامس عشر من أمالي الطوسي قدّس سرّه في حديث طويل


1) نهج البلاغة : (36/1 ومناقب آل أبي طالب : 49/2

رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم وقال لأم سلمة يا أُمّ سلمة اسمعي واشهدي هذا علي بن أبي طالب سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين قلت يا رسول اللّه من الناكثون؟ قال صلی الله علیه وآله وسلم: الذين يبايعون بالمدينة وينكثون بالبصرة. قلت : ومن القاسطون؟ قال صلی الله علیه وآله وسلم : معاوية وأصحابه من أهل الشام قلت ومن المارقون؟ قال : أصحاب نهروان (1). الحديث .

فالناكثون أصحاب الجمل لأنّهم نكثوا بيعتهم، والقاسطون أهل الشام أتباع معاوية لأنّهم جاروا في حكمهم وبغوا عليه، والمارقون الخوارج لأنّهم مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

وقد روى نصر بن مزاحم« في صفين» (ص 176 من الطبع الناصري) في حديث طويل دار بين أبي اليقظان عمّار بن ياسر رحمهما اللّه تعالى وبين عمرو بن عاص في وقعة صفين أن أبا اليقظان قال له وسأخبرك على ما قاتلتك عليه أنت وأصحابك أمرني رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أن أُقاتل الناكثين وقد فعلت وأمرني أن أقاتل القاسطين فأنتم ،هم، وأما المارقين فما أدري أدركهم أم لا، أيها الأبتر ألست تعلم أن رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم قال لعلي : من كنت مولاه فعلي ،مولاه ، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه (2)- إلخ .

وقال الشارح المعتزلي في شرح «النهج»: روى إبراهيم بن ديزيل الهمداني في كتاب صفين» عن يحيى بن سليمان عن يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي عَنيَّة عن أبيه، عن إسماعيل بن رجا، عن أبيه، ومحمد بن فضيل عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجا، عن أبي سعيد الخدري رحمه اللّه قال : كنا مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فانقطع شسع نعله فألقاها إلى علي يصلحها ، ثمَّ قال : إنَّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فقال أبو بكر أنا هو يا رسول اللّه ؟ قال : لا ، فقال عمر بن الخطاب : أنا هو يا رسول اللّه؟ قال: لا ولكنّه ذاكم خاصف النعل (3)ويد علي يصلحها، قال أبو سعيد: فأتيت عليا علیه السلام فبشرته بذلك فلم يحفل به كأنه شيء قد كان علمه من قبل (4). نقله عنه المجلسي رحمه رحمه اللّه في ثامن «البحار» ص 457 .

أقول : الخبر المروي عن رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم بأنَّ أمير المؤمنين علياعلیه السلام يقاتل بعده الناكثين والقاسطين والمارقين ممّا اتفقت عليه الأمة وقد روي في جوامع الفريقين بوجوه عديدة وطرق


1) الأمالي : 426

2) الكافي :149/4 ح 3 ومسائل علي بن جعفر : 145 ح 175

3) الكافي : 12/5، والخصال: 276.

4) شرح النهج : 207/30 ، والدرجات الرفيعة : 398

كثيرة وقد أفرد في فتن البحار باباً لذلك( ص 454 ج 8) فهذا الخبر الدال على الأخبار الصريحة بالغيب من معجزاته ودلائل نبوته وهذا ممّا لا تخالجه شكوك ولا تمازجه ظنون.

وإنّما يعرف الخارج على الإمام العادل بالباغي لقوله رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم عمار بن ياسر حمهما اللّه : إنّما تقتلك الفئة الباغية، وهذا الخبر ممّا اتفقت الأمة على نقله وقد مضى الكلام فيه من أنَّ هذا الحديث لا تناله يد الانكار، وقد رواه البخاري والمسلم في صحيحهما وقال الحافظ السيوطى أنّه الأخبار المتواترة ونقله أكثر من عشرة من الصحابي . فراجع إلى شرح« المختار» 236 من الخطب في ترجمة عمّار (ج 15 ص274 -299 ).

ولقوله تعالى:«وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)» [الحجرات : 9] .

إن قلت : فالآية تدلّ على أنَّ الخارجين على الإمام العادل مؤمنون وأنتم قد ذهبتم في المباحث السالفة إلى أنّهم كافرون وادّعيتم على أنه مذهب الجلّ من الإمامية فكيف التوفيق وما جوابك عن الآية؟

قلت: أولاً : الآية لا تدلّ على أنّهما إذا اقتتلا بقيا على الإيمان ويطلق عليهما هذا الاسم ولا يمتنع أن يفسق إحدى الطائفتين أو تفسقا جميعاً - كما في تفسير المجمع - إلاّ أنَّ الأدلة القطعية لما كانت ناطقة بعصمة أمير المؤمنين علي علیه السلام وأنه حجة اللّه على خلقه وخليفة رسوله وأنَّ الفسق لا يتطرّق عليه أبداً علمنا أنه علیه السلام كان باقياً على الإيمان وما كان باغياً على أحد بل الباغي غيره.

وثانياً : أنه تعالى إنّما سمّى البغاة مؤمنين في هر كما قال: « وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5)«فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)»»[الأنفال : 5، اعراف 6 ] وهذه صفة المنافقين بلا خلاف فالآية لا تدلّ على أنَّ البغاة على الإيمان واقعاً .

وثالثاً : أن خبر الأسياف أعني خبر حفص بن غياث المروي في« الكافي» و «التهذيب »وتفسير علي ابن إبراهيم عن أبي عبد اللّه علیه السلام دالّ على أن الخارج على الإمام العادل باغ بالمعنى الذي ذهبنا إليه وقد أشهد الإمام علیه السلام الآية على ذلك المعنى ولا بأس بنقل الخبر وإن كان طويلاً لاشتماله على فوائد كثيرة من أحكام الجهاد ووجوهه وغيرها، روى الكليني في كتاب «الجهاد» من «الكافي» بإسناده عن المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه قال: سأل رجل أبي صلوات اللّه عليه عن حروب أمير المؤمنين علیه السلام وكان السائل من محبّينا فقال له أبو جعفر علیه السلام : بعث اللّه محمداً صلی اللّه علیه و آله وسلم بخمسة أسياف : ثلاثة منها

شاهرة فلا تغمد حتّی تضع الحرب أوزارها ولن تضع الحرب أوزارها حتّی تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت الشمس من مغربها أمن النّاس كلهم في ذلك اليوم فيومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، وسيف منها مكفوف، وسيف منها مغمود سلّه إلى غيرنا وحكمه إلينا (1).

وأمّا السيوف الثلاثة الشاهرة فسيف على مشركي العرب قال اللّه عزّ وجلّ :( فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا) - يعني آمنوا -( وَأَقَامُوا الصَّلوةَ وَوَاتَوُا الزَّكَوةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينُ ) فهؤلاء لا يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الإسلام وأموالهم وذراريهم سبى على ما سنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فإنّه فإنّه سبى وعفى وقبل الغداء.

والسيف الثاني على أهل الذّمّة قال اللّه تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنا نزلت هذه الآية في أهل الذمة ثمَّ نسخها قوله عزّ وجلَّ:«قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)» فمن كان منهم في دار الإسلام فلن يقبل منهم إلا الجزية أو القتل ومالهم فيء وذراريهم سبى وإذا قبلوا الجزية على أنفسهم حرم علينا سبيهم، وحرمت أموالهم، وحلّت لنا مناكحتهم ، ومن كان منهم في دار الحرب حلّ لنا سبيلهم وأموالهم، ولم تحل لنا مناكحتهم ولم يقبل منهم إلا الدخول في دار الإسلام أو الجزية أو القتل.)والسيف الثالث سيف على مشركي العجم يعني الترك والديلم والخزر، قال اللّه عزّ وجلَّ في أول السورة التي يذكر فيها الذين كفروا فقص قصتهم ثمَّ قال: ﴿ فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا فأما قوله : فإما مناً بعد يعني بعد السبي منهم، وإما فداء المفاداة بينهم وبين أهل الإسلام فهؤلاء لن يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الإسلام ولا تحلّ لنا مناكحتهم ما داموا في دار الحرب.)وأما السيف المكفوف فسبف على أهل البغي والتأويل قال اللّه عزّ وجلَّ: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ » فلما نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : إنَّ منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل فسأل النبيُّ من هو ؟ فقال : هو خاصف النعل يعني أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه وقال عمّار بن ياسر : قاتلت بهذا الراية مع رسول اللّه ثلاثاً وهذه الرابعة و اللّه لو ضربونا حتّی يبلغوا بنا السعفات من هجر لعلمنا أنا على الحق وأنّهم على


1) الكافي : 5 / 10 ،ح2 ، والخصال : 274 ح 18 .

الباطل، وكانت السيرة فيهم من أمير المؤمنين ما كان من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم في أهل مكة يوم فتح مكة فإنّه لم يسب لهم ذرية وقال : من أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن؛ وكذلك قال أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه يوم البصرة نادى فيهم : لا تسبوا لهم ذرية ولا تجهزوا على جريح، ولا تتبعوا مدبراً، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن (1.)وأمّا السيف المغمود فالسيف الذي يقوم به القصاص قال اللّه عزّ وجلَّ : «و النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ » فسلّه إلى أولياء المقتول وحكمه إلينا فهذه السيوف التي بعث اللّه محمد فمن جحدها أو جحد واحداً منها أو شيئاً من سيرها وأحكامها فقد كفر بما أنزل اللّه على محمد . انتهى الخبر الشريف وسيأتي بياننا فيه إن شاء اللّه تعالى.ورابعاً بعد الاغماض عن الاستشهاد بالآية على هذا المعنى والتمسك بهذا الخبر في بيانها علمنا أيضاً أنَّ من حارب الإمام العادل كافر بالأدلة التي أشرنا إلى طائفة منها في المجلد الأوّل هذه التكملة ص 367 - (379 وفي المجلد الثالث منها (ص 76) فراجع . وستأتي طائفة من الروايات الأخرى المنقولة عن أئمّة الدِّين الدالة على ذلك في شرح «المختار» 16 من هذا الباب إن شاء اللّه تعالى .)ونزيدك بصيرة بنقل ما أفاده علم الهدى في« الانتصار» (ص 127 طبع طهران (1315 قال قدّس سرّه وممّا انفردت به الإمامية القول بأنَّ من حارب الإمام العادل وبغي عليه وخرج عن التزام طاعته يجري مجرى محارب النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وخالف طاعته في الحكم عليه بالكفر، وإن اختلفت أحكامهما من وجه آخر فى المدافعة (2والموارثة وكيفيه الغنيمة من أموالهم وخالف باقي الفقهاء في ذلك وذهب المحصلون منهم والمحققون إلى أن محاربي الإمام العادل فسّاق تجب البراءة منهم وقطع الولاية لهم من غير انتهاء إلى التكفير وذهب قوم من حشو أصحاب الحديث إلى أن الباغي مجتهد وخطأه يجري مجرى الخطأ. في سائر مسائل الإجتهاد.)والذي يدلّ على صحة ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة .وأيضاً فإنَّ الإمام عندنا يجب معرفته وتلزم طاعته كوجوب طاعته كوجوب (3المعرفة بالنبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ولزوم طاعته كالمعرفة باللّه تعالى وكما أنَّ جحد تلك المعارف والتشكيك فيها كفر كذلك هذه المعرفة .)


1) الكافي : 7/5 ح 7 ، وبحار الأنوار: 27/67 - 34.

2) في نسخة: المدافنة .

3) في نسخة :لوجوب .

وأيضاً فقد دلّ الدَّليل على وجوب عصمة الإمام من كل القبائح وكلّ من ذهب إلى وجوب عصمته ذهب إلى كفر الباغي عليه والخالف لطاعته والتفرقة بين الأمرين خلاف إجماع الأمة.فإن قيل : لو كان ما ذكرتم بالغاً إلى حد الكفر لوجب أن يكون مرتداً أو أن تكون أحكامه أحكام المرتدّين وأجمعت الأمة على أنَّ أحكام الباغي تخالف أحكام المرتد وكيف يكون مرتدا وهو يشهد الشهادتين، ويقوم بالعبادات؟قلنا : ليس يمتنع أن يكون الباغي له حكم المرتد في الإنسلاخ عن الإيمان واستحقاق العقاب (1العظيم وإن كانت الأحكام الشرعية في مدافنه وموارثه وغير ذلك تخالف أحكام المرتد، كما كان الكافر الذمّي مشاركاً للحربي في الكفر والخروج عن الإيمان وإن اختلفت أحكامهما الشرعية.)فأما إظهار الشهادتين فليس بدال على كمال الإيمان ألا ترى أنَّ من أظهرهما وجحد وجوب الفرائض والعبادات لا يكون مؤمناً بل كافراً؟ وكذلك إقامة بعض العبادات من صلاة وغيرها، ومن جحد أكثر العبادات وأوجبها من طاعة إمام زمانه ونصرته لم ينفعه أن يقوم بعبادة أُخرى وغيرها .وأما ما يذهب إليه قوم من غفلة الحشوية من عذر الباغي وإلحاقه بأهل الاجتهاد فمن الأقوال البعيدة من الصواب، ومن المعلوم ضرورة أنَّ الأمة أطبقت في الصدر الأوَّل على ذمّ البغاة على أمير المؤمنين ومحاربته والبراءة منهم ولم يقم لهم أحد في ذلك عذراً، وهذا المعنى قد شرحناه في كتبنا وفرغناه وبلغنا فيه النهاية وهذه الجملة ههنا كافية.فإن اعترض المخالف على ما ذكرناه بالخبر الذي يرويه معمّر بن سليمان عن عبد الرَّحمٰن بن الحكم الغفاري، عن عديسة بنت أهبان بن صيفي قالت: جاء علي إلى أبي فقال : ألا تخرج معنا ؟ قال ابن عمّك وخليلك أمرني إذا اختلف الناس أن أتخذ شيئاً من خشب.أو بالخبر الذي يروي عن أبي ذرّ رحمة اللّه عليه أنّه قال : قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : كيف بك إذا رأيت أحجار الزيت وقد غرقت بالدَّم؟ قال: قلت ما اختار اللّه لي ورسوله، قال: تلحق أو قال :عليك بمن أنت منه قال : قلت : أفلا آخذ بسيفي وأضعه على عاتقي؟ قال: شاركت القوم إذاً ، قلت فما تأمرني يا رسول اللّه؟ قال: ألزم بيتك، قلت: فإن دخل علي


1) في نسخة العذاب.

بيتي ؟ قال : فإن خفت أن يبهرك شعاع السيف فألق رداءك على وجهك يبوء بإثمه وإثمك (1)قلنا : هذان الخبران وأمثالهما لا يرجع بهما عن المعلوم والمقطوع بالأدلة عليه بلا دليل وهي معارضة بما هو أظهر منها وأقوى وأولى من وجوب قتال الفئة الباغية ونصرة الحق ومعونة الإمام العادل، ولو لم يرو في ذلك إلا ما رواه الخاص والعام والولي والعدوّ من قوله صلی الله علیه وآله وسلم : حربك يا علي حربي وسلمك يا علي سلمي، وقد علمنا أنه لم يرد أن نفس هذه الحرب تلك بل أراد تساوي تلك الأحكام فيجب أن تكون أحكام محاربيه هي أحكام محاربي النبي صلی الله علیه وآله وسلم إلا ما خصصه الدليل .وما روي أيضاً من قوله : اللّهم انصر من نصره واخذل من خذله (2)ولأنه علیه السلام لما استنصره في قتال أهل الجمل وصفين ونهروان أجابته الأمة بأسرها ووجوه الصحابة وأعيان التابعين وسارعوا إلى نصرته ومعونته (3ولم يحتج أحد عليه بشيء ممّا تضمّنه هذان الخبران الخبيثان الضعيفان.)على أنَّ الخبر الأوّل قد روي على خلاف هذا الوجه لأنَّ أهدم بن الحارث (كذا قال : قال لي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : يا أهبان (كذا) أما أنك إن بقيت بعدي سترى في أصحابي اختلافاً فإن بقيت إلى ذلك اليوم فاجعل سيفك يا أهبان من عراجين، وقد يجوز أن يريد علیه السلام بالاختلاف الذي يرجع إلى القول والمذاهب دون المقاتلة والمحاربة.)على أنّ هذا الخبر ما يمنع من قتال أهل الردَّة عند بغيهم ومجاهرتهم فهو أيضاً غير مانع من قتال كل باغ وخارج عن طاعة الإمام.فأما الخبر الثاني فممّا يضعفه أن أبا ذر رحمة اللّه عليه لم يبلغ إلى وقعة أحجار الزيت لأنَّ ذلك إنّما كان محمّد بن عبد اللّه بن الحسن في أول أيام (4المنصوب وأبو ذرّمات في أيام عثمان فكيف يقول له رسول اللّه : كيف بك في وقت لا يبقى إليه .)على أنَّ أبا ذر رضي اللّه عنه كان معروفاً بانكار المنكر بلسانه وبلوغه فيه أبعد الغايات والمجاهدات في إنكاره وكيف يسمع من الرسول اللّه ما يقتضي خلاف ذلك. انتهى كلامه قدس سره.


1) أحكام القرآن 504/2 ، وكتاب الفتن : 84 بتفوات .

2) مائة منقبة : 46، وبحار الأنوار: 149/37

3) في نسخة: معاونته

4) في نسخة :يوم.

ثمَّ اعلم أنَّ القوم ذهبوا إلى أنَّ في الآية خمس فوائد إحداها : أنَّ البغاة على الإيمان لأنَّ اللّه سمّاهم مؤمنين .الثانية : وجوب قتالهم فقال: فقاتلوا التي تبغى .الثالثة : القتال إلى غاية وهو أن يفيئوا إلى أمر اللّه بتوبة أو غيرها .الرابعة: أنَّ الصلح إذا وقع بينهم فلا تبعة على أهل البغي في دم ولا مال لأنه ذكر الصلح أخيراً كما ذكره أوّلاً ولم يذكر تبعة فلو كانت واجبة ذكرهاالخامسة : أنَّ فيها دلالة على أنَّ من كان عليه حق فمنعه بعد المطالبة به حلّ قتاله فإنَّ اللّه لما أوجب قتال هؤلاء لمنع حق كان كلّ من منع حقاً بمثابتهم وعلى كلّ أحد قتالهم.أقول : أما الأولى فقد دريت ما فيها، وعلمت أن تسميتهم البغاة ليس بالمعنى الذي مال إليه بعضهم من أنه ليس بذمّ ولا نقصان وهم أهل الاجتهاد اجتهدوا فأخطأوا بمنزلة طائفة خالفوا من الفقهاء أو بالمعنى الآخر الذي مال إليها بعض آخر منهم من أنهم فسّاق تجب البراءة منهم وقطع الولاية لهم من غير انتهاء إلى الكفر، بل الذي بالمعنى ذهبنا إليه من أنَّ تسميتهم بذلك ذمّ وكفر ، وقد استدلّ عليه أيضاً بقوله تعالى: «وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12» [التوبة : 12] .)وبقوله تعالى :«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54»[المائدة: 54] .)وقد مضى وجه الاستدلال بهما في شرح «المختار »236 من الخطب (ص 377 ج 1 من« التكملة»).)وقد روى الفريقان أن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم قال يوم خيبر : لأعطين الراية غداً رجلاً يحبّ اللّه ورسوله ويحبّه اللّه ورسوله كراراً غير فرَّار (1 ، فتبصّر .)وبقوله تعالى:«يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73» [التوبة : 73] .)وذلك لأن المنافق من ظاهره الإسلام وكذلك الباغي لإظهاره الإسلام وخروجه عنه يبغيه على إمامه فهو حقيق باسم النفاق، ولذلك قال النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم لعلي : لا يحبك إلا


1) الكافي ،351/8، وعلل الشرائع : 162/1 ، ومسند أحمد : 99/1 - 185 ، وصحيح البخاري: 20/4

مؤمن تقي ولا يبغضك إلا منافق شقيّ (1رواه النسائي في صحيحه ورويناه أيضاً نحن في أخبارنا، ومن يحاربه لا يحبه قطعاً فيكون منافقاً وهو المطلوب، ولا يلزم من عدم جهاد النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم للمنافقين عدم ذلك بعده .)وأما الثانية فصحيحة، وقد يستدلّ أيضاً على قتال البغاة بقوله تعالى :«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (59» [النساء : 59] بعموم وجوب طاعة أُولي الأمر .)وأمّا الثالثة فكالثانية .وأما الرابعة فليست بصحيحة عندنا الإمامية فإنَّ الباغي إذا أتلف مالاً أو نفساً ضمنه نعم إن كان المتلف من أهل العدل فلا ضمان عليه لأنّ اللّه تعالى أوجب على أهل العدل قتالهم فكيف يوجب عليه القتال ويوجب عليه الضمان إذا أتلف مالاً لهم أو قتل قتل نفسا منه- كما إذا أتلف الحربي مالاً أو نفساً من أموال المسلمين ونفوسهم ثمَّ أسلم فإنّه لا يضمن ولا يقاد لقوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَتُ الأَوَّلِينَ [الأنفال : 38] ولخبر الجبّ.
وتفصيل هذه الأحكام موكول على الفقه والبحث عنها يوجب التطويل والخروج عن موضوع الكتاب على أنّ الجهاد مشروط بحضور الإمام العادل وأمره وهو أعلم بأحكام اللّه من غيره.

وأمّا الخامسة فكالرابعة لأنَّ العلة التي ذكروها لجواز القتال مستنبطة ليست بحجة، ولأنَّ الحقوق متفاوتة فلا يوجب قتال البغاة لمنع حق خاص، قتال كلّ من منع حقاً من الحقوق.

على أنَّ الآية كما أفاد شيخ الطائفة قدس سره في« المبسوط» خطاب للأمة دون آحاد الأمة وليس من حيث قال: فقاتلوا التي تبغى فأتى بلفظ الجمع ينبغي أن يتناول الجميع لأنّ ذلك يجري مجرى قوله : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ولا خلاف أنَّ هذا خطاب للأمة ونحن وإن وجبت علينا طاعة الإمام في قتال هؤلاء، فإنَّ قتالنا تبع قتال هؤلاء، فإنَّ قتالنا تبع لقتال الإمام وليس لنا الانفراد بقتالهم.

وأما ما وعدنا من بيان خبر الأسياف فنقول : قوله علیه السلام : (شاهرة) أي مجرَّدة من الغمد قوله علیه السلام : ( حتّی تضع الحرب أوزارها) أي حتّی تنقضي لأن أهلها يضعون أسلحتهم حينئذ، وسمّي السلاح وزراً لأنه ثقل على لابسه أو لأن أصل الوزر ما يحمله الإنسان فسمي السلاح أوزاراً لأنه يُحمل قال الأعشى:


1) عوالي اللئاني : 85/4، وبحار الأنوار: 61/39 .

وأعددت لحرب أوزارها*** رماحاً طوالاً وخيلاً ذكوراً

ومن نسج داود يحدو بها*** على أثر الحي عيراً فعيراً

قوله علیه السلام : ( حتّی تطلع الشمس من مغربها)، قد جاءت روايات في علامات ظهور الإمام القائم علیه السلام لنقلها المحقق الفيض قدس سره في الوافي) (ص 106 - 114 من ج 2) والمحدّث الجليل المجلسي في البحار» (ج 13) 150 - 172 من الطبع الكمباني) وأتى بطائفة منها الشيخ الأجل المفيد في الإرشاد» (ص 336) طبع طهران 1377 ه-) منها طلوع الشمس من المغرب.

وكذلك قد جاءت روايات أخرى في شروط الساعة وقيام القيامة منها طلوع الشمس من المغرب، ففي الخرائج والجرائح للراوندي (ص 195 طبع إيران 1301ه-) : قال النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم : عشر علامات قبل الساعة لا بدّ منها السفياني والدجال والدخان، وخروج القائم، وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم (1). الحديث.

وفي أوَّل كتاب «الجهاد» من «المبسوط» الشيخ الطائفة قدّس سرّه أنه روي عن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أنّه قال: لا تنقطع الهجرة حتّی تنقطع التوبة ولا تنقطع التّوبة حتّی تطلع الشمس من مغربها (2).

فإن كانت كلمة ( أمن ) في قوله فإذا (طلعت الشمس من مغربها أمن الناس) فعلاً ثلاثياً مجرَّداً فالمراد أن الحرب لن تضع أوزارها حتّی أن يظهر الإمام القائم علیه السلام لأنَّ اللّه يملأ به الأرض عدلاً بعدما ملئت جوراً وظلماً، روى علي بن عقبة، عن أبيه قال: إذا قام القائم علیه السلام حكم بالعدل وارتفع في أيامه الجور وأمنت به السبل وأخرجت الأرض بركاتها وردّ كلّ حق إلى أهله ولم يبق أهل دين حتّی يظهروا الإسلام ويعترفوا بالإيمان - الخ («الإرشاد» ص 343) .

لكنّ الصواب أنَّ الكلمة فعل ماض من الإيمان بقرينة قوله : فيومئذ لا ينفع نفساً إيمانها) . إلخ . وهذا إشارة إلى قوله تعالى : «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)» [الأنعام: 158].

وإنّما لم ينفعها إيمانها حينئذ لأن باب التوبة ينسد بظهور آيات القيامة، وأن التكليف


1) الخرائج والجرائح : 1148/3 ح 85.

2) بحار الأنوار: 359/64 ، ومكاتيب الرسول : 617/3 .

يزول عند ظهورها وقال عزَّ من قائل: «قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29)» [السجدة ،29] وقال تعالى: «فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84»«فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ») [الغافر : 84، 85].

ثم إنه علیه السلام جعل السيوف الشاهرة مقابلة جهاد أهل البغي ومعلوم أن جهاد أهل البغي إنّما يكون بإذن الإمام علیه السلام فهو جار إذا كان الإمام حاضراً باسط اليد، وأما جهاد غيرهم من المشركين فالظاهر من قوله علیه السلام ثلاثة منها شاهرة دالة على جواز قتالهم في زمان الغيبة أيضاً وفي الحديث كما في مجمع البيان في تفسير سورة محمد صلی اللّه علیه و آله وسلم عن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم : والجهاد ماض مذ بعثني اللّه إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال (1)، لكنَّ جهادهم لمّا كان مشروطاً بوجود الإمام أو من نصبه كما حقق في محلّه فالمراد أنّها شاهرة إلى قيام الساعة إذا خيف على بيضة الإسلام إلا أنه لا يكون جهاداً بل كان دفاعاً وقد تجب المحاربة على وجه الدفع من دون حضور الإمام أو من نصبه إذا خيف كذلك.

قوله علیه السلام : (على أهل الذمة) أهل الذمة هم اليهود والنصارى والمجوس وإنما يجب جهادهم إذا أخلوا بشرائط الذمة .

قوله علیه السلام : (وإذا قبلوا الجزية على أنفسهم حرم علينا ،سبيهم، وحرمت أموالهم، وحلت لنا مناكحتهم) واعلم أنّه لا خلاف في عدم جواز نكاح غير الكتابية للمسلم وأما في جواز الكتابية فقد اختلفت الأقوال فيه وأتى بها العلامة قدس سره في «المختلف» قال: قال المفيد رحمة اللّه : نكاح الكافرة محرّم سواء اليهود والنصارى والمجوس واطلق النكاح مع أنه قسمه أولاً إلى نكاح المتعة والدائم وملك اليمين ومقتضى هذا تحريم الجمع .

وقال الصدوق في «المقنع» : ولا يتزوّج اليهوديّة والنصرانية على حرّة متعة وغير متعة.

وروى هذا اللفظ فی کتاب من لا يحضره الفقيه عن أبي بصير عن الصادق ، ثم روى عن الحسن التفليسي ، عن الرضا أنه سأله يتمتع الرجل من اليهودية والنصرانية؟ قال: يتمتع (2).

وسوّغ الشيخ في(النهاية) التمتع باليهودية والنصرانية دون من عداهما من ضروب الكفّار ومقتضاه تحريم المجوسية.

وقال سلار : يجوز نكاح الكتابيات متعة .


1) مباديء الوصول : 66 .

2) مختلف الشيعة 22/07 ، وجواهر الكلام : 37/30

وقال ابن إدريس : لا بأس أن يعقد على اليهودية والنصرانية هذا النكاح في حال الإختيار فأما من عدا هذين الجنسين من سائر أصناف الكفّار سواء كانت مجوسية أو غيرها ، كافرة أصل أو مرتدَّة أو كافرة ملّة فلا يجوز العقد عليها ولا وطيها حتّی تتوب من كفرها .

وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته يكره التمتع بالمجوسية وليس ذلك بمحظور وهذا خبر أورده إيراداً لا اعتقاداً لأنَّ إجماع أصحابنا بخلافه .

وشيخنا المفيد في مقنعته يقول : لا يجوز العقد على المجوسية وقوله تعالى: وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ ، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وهذا عام وخصصنا اليهودية والنصرانية بدليل الإجماع وبقى الباقي على عمومه. انتهى ما أردنا من نقل كلامه من« المختلف» .)أقول: الأصل في المسألة قوله تعالى: ﴿«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10») [الممتحنة: 10] .

وقوله تعالى: «وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221») [البقرة: 221] . وقوله تعالى: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ » [النساء : 25] وكذلك قوله تعالى : لَا يَسْتَوى أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ [الحشر: 20] ونحوها من آيات أُخرى.

فالآية الأولى دلّت أولاً على عدم جواز رجوع الزَّوجة إذا أسلمت إلى زوجها الكافر، وكان رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم يمتحن من جاءه من المؤمنات مهاجرات من دار الكفر إلى دار الإسلام ثمَّ يحبسها ويعطى أزواجهنَّ مهورهنَّ .

وثانياً : على أنَّ المؤمنات لسن بحلّ للكفّار وأنَّ الكفّار لا يحلون لهنَّ دالة على فهي منع النكاح مطلقاً سواء كانا يهوديين أو نصرانيين أو مجوسيين أو غيرها من أقسام الكفّار، وسواء كان النكاح دائماً أو مؤجلاً أو ملك يمين .

وثالثاً : على تحريم نكاح المسلم الكوافر بقوله: وَلَا تُتيكُوا بِعِصَمِ الكَوَازِ وعمومهاشامل على جميع أقسام الكفر وعلى جميع أقسام النكاح.وفي مجمع «البيان»: قال الزهري : ولما نزلت هذه الآية وفيها قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَم

الكوافر طلق عمر بن الخطاب امرأتين كانتا له بمكّة مشركتين قرينة بنت أبي أُمية بن المغيرة فتزوجها بعده معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة،و الأخرى أم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية أُمّ عبد ا اللّه بن عمر فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن غانم رجل من قومه وهما على شركهما .)وكانت عند طلحة بن عبيد اللّه أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ففرَّق بينهما الإسلام حين نهى القرآن التمسك القرآن عن بعصم الكوافر وكان طلحة قد هاجر وهي بمكة عند قومها كافرة، ثم تزوجها في الإسلام بعد طلحة خالد بن سعيد بن العاص بن أمية وكانت ممن فرّت إلى رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم من نساء الكفّار فحبسها وزوجها خالداً .وأميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الدحداحة ففرّت منه وهو يومئذ كافر إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فزوجها رسول اللّه سهل بن حنيف فولدت عبد اللّه بن سهل قال الشعبي وكانت زينب بنت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم امرأة أبي العاص بن الربيع فأسلمت ولحقت بالنبي في المدينة وأقام أبو العاص مشركاً بمكة ثمَّ أتى المدينة فأمنته زينب ثمَّ أسلم فردّها عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلموقال الجبائي : لم يدخل في شرط صلح الحديبية إلا ردّ الرجال دون النساء ولم يجر للنساء ذكر وإنَّ أُمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط جاءت مسلمة مهاجرة من مكة فجاء أخواها إلى المدينة فسألا رسول اللّه و ردّها عليهما فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أن الشرط بيننا في الرجال لا في النساء فلم يردّها عليهما . قال الجبائي : وإنّما لم يجر هذا الشرط في النساء لأنَّ المرأة إذا أسلمت لم تحلّ لزوجها الكافر فكيف تردّ عليه وقد وقعت الفرقة بينهما (1)والآية الثانية دالة صريحة أيضاً على عدم جواز نكاح المشركات أي الكافرات وكذا على عدم جواز نكاح المشركين أي الكافرين واليهود والنصارى من المشركين قال عزَّ من قائل :«وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30»«اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)» [التوبة: 30 31] فسمّاهم مشركين نعم أنَّ الظاهر من قوله خير من مشركة وكذا خير من مشرك يومىء إلى جواز نكاح المشركة للمسلم ونكاح المشرك للمسلمة، فتأمل . ثم أنّه تعالى علق النهي على الغاية التي هي الإيمان والتعليق يدلّ على اشتراط الإيمان)


1) مجمع البيان: 453/9 ، وتفسير نور الثقلين : 5/ 305 ح 20

في النكاح، ثمَّ أكد ذلك بقوله أولئك يدعون إلى النار لأنَّ الغالب يدعو الزوج زوجته إلى النّار بل ربما يدعو أحدهما صاحبه إلى النار ويأخذ أحد الزوجين من دين الآخرقال في« المجمع»: وهي - يعني هذه الآية - عامة عندنا هذه الآية - عامة عندنا في تحريم مناكحة جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم وليست بمنسوخة ولا مخصوصة .والآية الثالثة دلّت على المطلوب أيضاً حيث وصف الفتيات بالمؤمنات أي لا يجوز نكاح الفتيات الكافرات إن لم يستطع الناكح طولاً. كما أنّها دالة على تحريم نكاح الكافرة الحرّة عليه إن لم يستطع طولاً حيث لم يجوّز مع عدم الاستطاعة بالمحصنات أي المؤمنات الحرائر نكاح الحرَّة من الكافرات .والرابعة تدلّ بظاهرها على نفي التساوي في جميع الأحكام التي من جملتها المناكحة.إن قلت : قد دلّت آية أُخرى على جواز نكاح الكتابيات وهي قوله تعالى : («الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5») [المائدة: 5] فكيف التوفيق؟ قلت : قد نهت الآيات المتقدمة عن نكاح الكوافر كما دريت وقد يجوز حمل هذه الآية على من أسلم منهنَّ ومن الجائز أن فرّق الشرع قبل ورود الآية بين المؤمنة التي لم تكن قط كافرة وبين من كانت كافرة ثمَّ آمنت ففي بيان ذلك والجمع بين الأمرين في الإباحة فائدة، كما في« الانتصار»، وقد حكى الطبرسي في «مجمع البيان» عن أبي القاسم البلخي أن قوماً كانوا يتحرَّجون من العقد على من أسلمت عن كفر فبين سبحانه أنه لا حرج في ذلك فلهذا أفردهنّ بالذكر . وإن قيل : إنَّ ظاهر الآية وسياقها في مقام الإمتنان والتسهيل، فتأبى عن ذلك الحمل. قلنا : إنَّ النكاح على ثلاثة أقسام : نكاح المتعة والدائم، وملك اليمين وقد نطق القرآن الكريم بنكاح المتعة في قوله: « فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً » [النساء : 24] وهو المنقول عن غير واحد من الصحابة والتابعين وجماعة معروفة الأقوال منهم أمير المؤمنين وعبد اللّه بن عبّاس وعبد اللّه بن مسعود ومجاهد وعطا وأنّهم يقرأون فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن) [النساء : 24] وقد روي عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري وسلمة بن الأكوع وأبي سعيد الخدري والمغيرة بن شعبة وسعيد بن جبير وابن جريح أنهم كانوا يفتون بها وقد أجاز الأئمة من أهل البيت نكاح الكتابيات متعة لا دائماً وأهل البيت أدرى بما فيه فالآية باقية على الإمتنان والتسهيل غاية الأمر أنّها تبين حكم

نكاح واحد من بين الثلاثة ولا ضير فيه فإنَّ نكاح المتعة نكاح، وعلى هذا المعنى يحمل ما روى أنَّ عمّاراً نكح نصرانية ونكح طلحة نصرانية ونكح حذيفة يهوديّة .

على أنه قد وردت روايات على أنّها منسوخة بقوله تعالى: « وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ» وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ) ففي «الكافي» بإسناده عن ابن رئاب، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عن قول اللّه سبحانه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ ؟ قال : هذه منسوخة بقوله (1): (« وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ» ))وفيه بإسناده عن ابن فضال عن الحسن بن الجهم قال : قال لي أبو الحسن الرضا علیه السلام : یا با محمّد! ما تقول في رجل يتزوّج نصرانية على مسلمة؟ قلت: جعلت فداك وما قولي بين يديك؟ قال : لتقولنّ فإنّ ذلك تعلم به قولي قلت لا يجوز تزويج نصرانية على مسلمة ولا على غير مسلمة قال : ولم؟ قلت: لقول اللّه عزّ وجلَّ: «وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ» ، قال : فما تقول : في هذه الآية (2:«اوَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ » ؟ قلت : فقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ ) نسخت هذه الآية فتبسم ثم سكت.)نعم إنَّ في نسخ الآية بالآيتين كلاماً وهو أنَّ الفريقين رووا عدَّة روايات في أنَّ المائدة آخر سورة نزلت وآية تحليل نكاح الكتابيات منها وتقديم الناسخ على المنسوخ نزولاً ليس بصحيح، ففي «الإتقان »للسيوطي : أخرج الترمذي والحاكم عن عائشة قالت : آخر سورة نزلت المائدة فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه - الحديث .وفي «مجمع البيان»: روى العياشي بإسناده عن عيسى بن عبد اللّه عن أبيه عن جده عن علي علیه السلام قال : كان القرآن ينسخ بعضه بعضاً وإنّما يؤخذ من أمر رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم بأخذه وكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما قبلها ولم ينسخها شيء (3- إلخ .)لكن غير واحدة من الروايات ناطقة بأنَّ آخر السور نزولاً ليس المائدة، ففى الاتقان» : أخرج مسلم عن ابن عباس قال : آخر سورة نزلت إذا جاء نصر اللّه والفتح، وأخرج الترمذي والحاكم عن عبد اللّه بن عمر قال آخر سورة نزلت سورة المائدة والفتح - يعني إذا جاء نصر اللّه، وفي حديث عثمان المشهور براءة من آخر القرآن نزولاً، وفي «مجمع البيان» للطبرسي في تفسير سورة هل أتى أنّ التوبة آخر سورة نزولاً ونزلت المائدة قبلها .


1) الكافي : 358/5 ح8، وبحار الأنوار: 279/2 ح40

2) الكافي : 357/5ح6 ، وبحار الأنوار: 2/ 278 ح 38

3) تفسير القرطبي : 60/1 .

أقول : سلمنا أنَّ المائدة ليست آخر السور نزولاً أما أن نزولها كان بعد البقرة فلا كلام فيه بل في المجمع في تفسير السورة المذكورة أن البقرة أول سورة نزلت بالمدينة فالإشكال في تقديم الناسخ على المنسوخ باق بحاله، اللّهم إلا أن يقال يجوز أن يكون نزول الآيتين الناسختين في البقرة بعد نزول الآية المنسوخة في المائدة إلا أن رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم جعلها بأمر اللّه تعالى في ذلك الموضع من سورة المائدة كما أنَّ آية: «وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ » آخر آية نزلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم فجعلها رأس الثمانين والمائتين من البقرة بأمر الأمين جبرائيل كما في المجمع» و«الكشاف» وأنوار التنزيل وغيرها . فتأمل.وبالجملة لو لم نقل بنسخ الآية لكانت بياناً لنكاح المتعة وتجويزه كما دريت . ولقائل أن يقول : إِنَّ قوله تعالى في البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ الآية غير الكتابية من عبدة الأوثان وغيرهم من الذين ليس لهم كتاب بدليل الافتراق بينهما في قوله تعالی : «مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ » [البقرة : 105] وقوله تعالى:«لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ » [البينة : 1] .)قلت قد دلّت الآية المتقدّمة من التوبة على أنّ اليهود والنصارى من المشركين و افتراقهما في آية لعناية خاصة لا يدلّ على عدم كون أهل الكتاب مشركين .وبالجملة القول بجواز نكاح الكتابية للمسلم بالدوام مشكل جدًا وأمّا نكاحها متعة أعني مؤجّلاً ، أو ملك يمين فلا بأس به .وروايات الباب طائفة منها صريحة في أن نكاح الكافرة سواء كانت عابدة وثن أو مجوسية أو يهوديّة أو نصرانية محرّم منها رواية ابن الجهم المتقدّمة المنقولة عن «الكافي».وفيه أيضاً بإسناده عن ابن رئاب عن زرارة، عن أبي جعفر علیه السلام قال : لا ينبغي نكاح أهل الكتاب قلت: جعلت فداك وأين تحريمه؟ قال: قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَم الكوافر.)وفيه بإسناده عن أبي جعفر علیه السلام قال : لا ينبغي للمسلم أن يتزوج يهودية ولا نصرانية وهو يجد مسلمة حرّة أو أمة (1.)وأُخرى منها تجوز النكاح لكنها يحتمل وجوهاً من التأويل كما أشار إليها شيخ الطائفة في التهذيب منها أن تكون هذه الأخبار خرجت مخرج التقية لأن كل من خالفنا يذهب إلى


1) الكافي : 358/5 ح 9 ، والاستبصار : 183/2 ح 663 .

إباحة ذلك فيجوز أن تكون هذه الأخبار وردت وفقاً لهم.ومنها أن تكون هذه الأخبار تناولت إباحة من لا تكون مستبصرة معتقدة للكفر متدينة به بل تكون مستضعفة فإنَّ نكاح من يجري هذا المجرى جائز .ومنها أن يكون ذلك إباحة في حال الضرورة وعند عدم المسلمة ويجري ذلك المجرى إباحة الميتة والدم عند الخوف على النفس .ومنها أن تكون هذه إباحة في العقد عليهنَّ عقد المتعة وإن شئت تفصيلها فعليك «بالتهذيب» .ثمَّ إِنَّ في خبر الأسياف تفصيلاً آخر في «المقام» وهو أنَّ أهل الذمة إذا قبلوا الجزية حلت للمسلم مناكحتهم وأما إذا كانوا في دار الحرب فلا.ومثله مروي عن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أيضاً ففي تفسير القمي أنه صلی الله علیه وآله وسلم قال : وإنما يحل نكاح أهل الكتاب الذين يؤدون الجزية وغيرهم لم تحل مناكحتهم (1.)أقول: الخبران يدلان على جواز نكاحهم مع انعقاد الذمة وإنما لم يجز بدونه لأنهم حينئذ محاربون فتشملهم الأحكام الواردة على المحاربين.قوله علیه السلام :( فلن يقبل منهم إلا الجزية أو القتل - إلخ .)أقول: أهل الكتاب أي اليهود والنصارى يجوز إقرارهم على دينهم ببذل الجزية وكذا حكم من لهم شبهة كتاب أي المجوس فيقرون على دينهم ببذل الجزية، ومتى امتنع أهل الكتاب من بذل الجزية قوتلوا وسبيت ذراريهم ونساءهم وأموالهم تكون فيئاً، وأما من لا كتاب له ولا شبهة كتاب من عباد الأصنام والأوثان والكواكب وغيرهم فلا يقرون على دينهم ببذل الجزية .قوله علیه السلام : (والسيف الثالث سيف على مشركي العجم - إلخ .)أقول : لما ذكر الإمام في هذا الخبر أحكام أهل الذمة على حدة علم أن المراد من مشركي العرب والعجم سوى أهل الكتاب منهما وهذا واضح وإنّما الكلام في ذكر كلّ من مشركي العرب والعجم منفرداً، وذلك لأن أحكام المشركين الذين ليس لهم كتاب واحد ولا تختلف أحكامها باختلاف البلاد والأقاليم والألسنة ولم نجد في الكتب الفقهية من تعرَّض بالتفصيل والتفريق بين مشركي العرب والعجم وما نعلم سبب انفراد مشركي العجم بالذكر إلا أنَّ العلامة المجلسي قدّس سرّه قال في مرآة العقول وإنّما أفرده ل (يعني السيف


1) الكافي : 435/5ح 4، وتهذيب : 387/6 - 1154.

الثالث بالذكر لعلمه بأن قوله تعالى : (فَضَربَ الرِّقَابِ) نزل فيه والمخاطب بالقتال فيه أُمّة النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ولأنه لم يقاتلهم وإنما قاتلهم اللّه. انتهى فتأمل.)قوله علیه السلام :( فسيف على أهل البغي والتأويل - وقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : إن منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل (1))أقول : في حديث علي علیه السلام : (ما من آية إلا وعلمني تأويلها (2)أي معناها الخفي الذي هو غير المعنى الظاهري لما تقرّر من أن لكل آية ظهراً أو بطناً والمراد أنه أطلعه على تلك الخفيّات المصونة والأسرار المكنونة . قاله الطريحي في« مجمع البحرين».)وقال المجلسي رحمه اللّه في« مرآة العقول»: لعلّ كون قتال التأويل لكون الآية غير نص في خصوص طائفة إذ الباغي أنه على الحق وخصمه باغ أو المراد به أن آيات قتال المشركين والكافرين يشملهم في تأويل القرآن. انتهى.وأقول : هذا البيان يناسب قول رسول اللّه أن منكم من يقاتل بعدي على التأويل.أنَّ وأمّا الظاهر من كلام أبي جعفر علیه السلام سيف على أهل البغي والتأويل فإنّما المراد أنَّ الخارجين على الإمام العادل هم أهل البغي والتأويل ويؤيد ما ذكرنا قول أمير المؤمنين علیه السلام في كتابه الآتي كتاب (55 إلى معاوية خطاباً إليه : فعدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن فطلبتني بما لم تجن يدي ولا لساني إلخ . حيث طلب معاوية القصاص لعثمان وأول قوله تعالى: ﴿يَتأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ في القتلى ) الآية ونحوه من آيات أخرى بما أراد حتّى ألب الناس على أمير المؤمنين علیه السلام وسيأتي كلامنا في تحقيق التأويل في تفسير كتابه علیه السلام إلى ابنه المجتبى علیه السلام عند قوله : (وأن أبتدؤك بتعليم كتاب اللّه وتأويله إلخ .)قوله علیه السلام : وقال عمّار بن ياسر : قاتلت بهذه الراية إلخ .أقول : الراية إشارة إلى راية معاوية في بدر وأحد وحنين. وهذه الرابعة يعني وقعة صفين وقد مرَّ كلامنا في تفسير قوله هذا وقوله : (و اللّه لو ضربونا حتّی يبلغوا بنا السعفات من هجر في شرح« المختار» 236 ج 15 ص 285 -289 ).)فقد آن أن نشرح جمل الوصيّة فنقول قوله علیه السلام : «لا تقاتلوهم حتّی يبدؤوكم» نهى أصحابه عن الإبتداء بالحرب وقد دريت من حديث عبد اللّه بن جندب المنقول من «الکافی » أن أمير المؤمنين عليا علیه السلام كان يأمر أصحابه في كلّ موطن لقيهم عدوّهم بقوله : (لا تقاتلوا القوم حتّی


1) الكافي : 12/5 ، وتهذيب الأحكام: 116/4 .

2) الكافي : 12/5 ، وتحف العقول: 290 .

يبدؤوكم إلخ. وإنّما نهاهم عن الابتداء بها لأنه دعوة إلى المبارزة والداعي إليها باغ وقد حكمه علیه السلام قال لابنه علیه السلام الإمام المجتبى علیه السلام كما يأتي في باب «المختار» من حکمه علیه السلام ( الحكمة 233) :لا تدعون إلى مبارزة وإن دعيت بها فأجب فإن الدّاعي باغ والباغي مصروع. انتهى وفي كتاب الحرب من عيون الأخبار لابن قتيبة (ص 128) ج 1 طبع مصر): العتبي عن أبيه قال: قال علي بن أبي طالب علیه السلام لابنه الحسن: يا بُنيَّ لا تدعون أحداً البراز ولا يدعونك أحد إليه إلا أجبته فإنّه بَغى (1).)وقال عز من قائل : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ (23» [يونس : 23).)ومن الأمثال القديمة قولهم : لا ظفر مع بغي. أتى به ابن القتيبة في كتاب الحرب من عيون الأخبار» (ص 111 ج 1.)وفي باب حكم طلب المبارزة من كتاب «الجهاد» من الوسائل بإسناده عن ابن القداح عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : دعى رجل بعض بني هاشم إلى البراز فأبى أن يبارزه فقال له أمير المؤمنين علیه السلام : ما منعك أن تبارزه؟ فقال: كان فارس العرب وخشيت أن يغلبني ؛ فقال له أمير المؤمنين علیه السلام : فإنه بغى عليك ولو بارزته لغلبته ولو بغى جبل على جبل لهدم الباغي(2.)وفي هذا الباب من الوسائل أيضاً قال أبو عبد اللّه : إنَّ الحسين(3بن علي دعى رجلاً إلى المبارزة فعلم به أمير المؤمنين علیه السلام فقال : لئن عدت إلى مثل هذا لأعاقبنك؛ ولئن دعاك أحد إلى مثلها فلم تجبه لاعاقبنك أما علمت أنّه بغى (4).)وقد مضى في «شرح المختار» 236 أنّ معاوية لما كف أمير المؤمنين وعسكره في صفين عن الماء ثمَّ أخذ أصحاب الأم أخذ أصحاب الأمير علیه السلام الماء عنهم وصار الماء في أيديهم قال بعضهم : لا نسقي معاوية وأتباعة الماء أرسل أمير المؤمنين علیه السلام إليهم أن خذوا من الماء حاجتكم وارجعوا إلى عسكركم وخلّوا عن معاوية وعسكره فإنَّ اللّه عزّ وجلَّ قد نصركم عليهم بظلمهم وبغيهم (ص 227 ج 15.)قوله علیه السلام : «فإنكم بحمد اللّه على حجّة على النهي عن القتال بدواً بأن أتباعه علیه السلام على حجّة وبيّنة ويقين من ربهم وأنّهم على الطريق الواضح من حيث إنّهم شايعوا الإمام الحق فهم على الصراط السوّي والجادّة الوسطى. وأهل الحق لا يقاتلون أحداً بغير حق


1) نهج السعادة ،229/2 ، وترجمة الإمام الحسين : 366 ح 308

2) بحار الأنوار: 446/33 ح 658 ، وتذكرة الفقهاء : 80/9

3) في نسخة : الحسن

4) تهذيب الأحكام: 169/6ح 324، ووسائل الشيعة : 90/15 ح 4.

وحجج اللّه لم يؤمروا بالقتل والقتال بل أُمروا بإحياء النفوس وتزكيتها من الأرجاس والأدناس وتعليمهم الكتاب والحكمة فأنّى لهم أن يبدؤا بالقتال وقد قالوا : إنَّ البادي بالحرب باغ .وإنّما قال: بحمد اللّه، لأنَّ الكون على حجّة من أعظم نعم اللّه تعالى لا تعادله نعمة فيجب على المنعم عليه حمد المنعم .قوله علیه السلام : «وترككم إياهم حتّی يبدؤوكم حجّة أخرى لكم عليهم »قد علمت أن البادي بالحرب باغ والإمام الحق مطلقاً على حجة فإنه ينظر بنور اللّه فإذا بدؤا بالحرب فقد تحقق بغيهم عليه فيجب عليه قتالهم لقوله تعالى: « فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ » .ثمَّ إِنَّ الباديء بالحرب معتد فيجب على الإمام الاعتداء عليه قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: 194] . وإنَّ محارب الإمام العادل محارب اللّه ورسوله فقد دريت من المباحث السالفة أنَّ الفريقين نقلاً عنه صلی الله علیه وآله وسلم أنه قال لأمير المؤمنين علیه السلام : حربك يا علي حربي .

على أن الباغي عليه من الذين يسعون في الأرض فساداً فقد قال اللّه تعالى: إِنَّمَا جزاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِن الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة: 33] .

وبالجملة أن وجود الإمام علیه السلام حجة عليهم فيجب عليهم اتباع أمره واقتفاء أثره والتأسي به فإذا طغوا وأعرضوا عن أمره وحاربوه وجازاهم على فعالهم وطغيانهم تمت الحجة عليهم وانقطع عذرهم وفاءً لحق الإعتداء فهم محاربون والإمام علیه السلام وعسكره حينئذ مدافعون فهذه حجّة أخرى لهم عليهم .

ثمَّ ينبغي للقاريء الكريم الطالب نهج القويم أن يتأمل في سيرة سفراء اللّه في أهل البغي حق التأمل والتدبّر حتّی يرى بعين العدل والإنصاف أنّهم لم يكونوا في سدد قتال النّاس وقتلهم بل شأنهم في القتال والقتل شأن من يجثّ نبات السوء من مزرعة، أو كمن يقلع ويطرد أشواكاً واقعة على طريق مانعة عن العبور عنها، أو كمثل الذي يقتل جراثيم مؤذية تؤذي شجرة مثمرة في حديقته . لأنَّ اللّه تعالى بعثهم رحمة للناس كافة يدعوهم يدعوهم إلى ما إلى ما يحييهم حياة طيبة، ويسلكهم إلى الفوز والنجاح والسعادة الأبدية إلا أنَّ طائفة من أراذل الناس وأوباشهم وأشرارهم لما كان على قلوبهم ما كانوا يكسبون واتخذوا دين اللّه وعباده سخرياً

وأرادوا أن يطفؤا نور اللّه بألسنتهم وأسنّتهم، وسيوفهم ورماحهم، وكانوا يضلّون الناس ويغوونهم حق عليهم العذاب بأيدي أهل الحق دفاعاً عن حوزة الإسلام السامية، قال تعالى :« وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضُهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمينَ » [البقرة: 253] وقال عز من قائل: « وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا »[الحج : 42] .

وقد روى ثقة الإسلام الكليني قدّس سرّه في الباب الثامن من كتاب «الجهاد» من «الکافی » بإسناده عن السكوني، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : قال أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه : بعثني رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى اليمن وقال لي: يا علي لا تقاتلن أحداً حتّی تدعوه وأيم اللّه لأن يهدى اللّه على يديك رجلاً خير لك ممّا طلعت عليه الشمس وغربت ولك ولاؤه يا على(1).

وقد مضى في شرح المختار الثاني من باب الكتب (ص 57 ج 17) أنّه علیه السلام بينا يوصي أصحابه في الجمل بقوله: (لا تبدؤوا القوم بالقتال ولا تقتلوا مدبراً) - إلخ، إذ ظلهم نبل القوم الناكثين فقتل رجل من أصحابه فلما رآه قتيلاً قال : اللّهم أشهد، ثم رمى رجل عبد اللّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي فقتله فأتى به أخوه عبد الرحمن يحمله فقال علي : اللّهم أشهد، وتواتر على عمّار بن ياسر الرمي فقال : ماذا تنتظر يا أمير المؤمنين وليس لك عند القوم إلاّ الحرب، إلخ .

وفي «الکافی » الباب الثامن من كتاب «الجهاد») بإسناده عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : إن النبي صلی الله علیه وآله وسلم كان إذا بعث أميراً له على سرية أمره بتقوى اللّه عزّ وجلَّ في خاصة نفسه ثمَّ في أصحابه عامة ثمَّ يقول : اغز(2)بسم اللّه وفي سبيل اللّه، قاتلوا من كفر باللّه ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً ولا متبتلاً في شاهق ولا تحرقوا النخل، ولا تغرقوه بالماء، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تحرقوا زرعاً لأنكم لا تدرون لعلكم تحتاجون إليه ولا تعقروا من البهائم ممّا يؤكل لحمه إلا ما لا بد لكم من وإذا لقيتم عدوا للمسلمين فادعوهم إلى إحدى ثلاث فإن هم أجابوكم إليها فاقبلوا منهم وكفّوا عنهم، وادعوهم إلى الإسلام فإن دخلوا فيه فاقبلوه منهم وكفّوا عنهم وادعوهم إلى الهجرة بعد الإسلام فإن فعلوا فاقبلوا منهم وكفّوا عنهم، وإن أبوا أن يهاجروا واختاروا أديانهم وأبوا أن يدخلوا إلى دار الهجرة كانوا بمنزلة أعراب المؤمنين يجري عليهم ما يجري على أعراب المؤمنين، ولا يجري لهم في الفيء ولا في القسمة شيء إلا أن يهاجروا في


1) الكافي : 28/5 ح 4 . وتهذيب الأحكام: 141/6 ح 240

2) في نسخة : اغزوا.

سبيل اللّه. فإن أبوا هاتين فادعوهم إلى إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن أعطوا الجزية فأقبل منهم وكفّ عنهم وإن أبوا فاستعن اللّه عزّ وجلَّ عليهم وجاهدهم في اللّه حق جهاده. وإذا حاصرت أهل الحصن فأرادوك على أن ينزلوا على حكم اللّه عزّ وجلَّ فلا تنزل لهم ولكن أنزلهم على حكمهم ، ثمَّ اقض فيهم بعد ما شئتم فإنكم إن تركتموهم على حكم اللّه لم تدروا تصيبوا حكم اللّه بهم أم لا . وإذا حاصرتم أهل حصن فإن أذنوك على أن تنزلهم على ذمّة اللّه وذمة رسوله فلا تنزلهم ولكن أنزلهم على ذممكم وذم آبائكم وإخوانكم فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم آبائكم وإخوانكم كان أيسر عليكم يوم القيامة من أن تخفروا ذمة اللّه وذمّة رسوله (1).

فهذا هو رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم يوصي سراياه وعساكره بتقوى اللّه، ودعوة الكفّار إلى الإسلام فأين هو من أن يخوض في دماء الناس وقد طهره اللّه من الرجس تطهيراً وقال له عزّ من قائل: وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ .)وهو صلی الله علیه وآله وسلم لقد تأدب بآداب اللّه وفي الجامع الصغير نقلاً عن ابن عدي في الكامل عن ابن مسعود أنه صلی الله علیه وآله وسلم قال : أدبني ربي فأحسن تأديبي. ومن أدبه صلی الله علیه وآله وسلم أنه بعد ما لقى في دعوته من قومه ما لقي قال: اللّهم اهد قومي فإنّهم لا يعلمون، وعلى رواية أخرى : اللّهم اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون (2.)وفي كتاب الحرب من عيون الأخبار» لابن قتيبة (ص 123 ج 1 أنَّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتّی مالت الشمسى ثمَّ قام في النّاس فقال : لا تتمنوا لقاء العدوّ، واسألوا اللّه العافية (3)- إلخ .)وقال ابن هشام في «السيرة» : إنَّ رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم لما أشرف على خيبر لما أشرف على خيبر قال لأصحابه : قفوا ثمَّ قال : اللّهم ربّ السماوات وما أظللن - إلى قوله : فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها - إلخ، وقد نقلناه في شرح المختار» الثاني من باب الكتب والرسائل (ص 50 ج 17) .)فإيّاك أن تظنَّ أنَّ مثل حججاللّه تعالى كمثل سلاطين الجور، والذين يريقون الدماء نيلاً إلى أغراض دنيوية وهواجس نفسانية .وهذا هو أمير المؤمنين علي علیه السلام يعظ عسكره أن يدعوا اللّه أين حقن دماءهم ودماء العدوّ ، ويصلح ذات بينهما، ويهدي الأعداء من ضلالتهم.


1) الكافي : 30/5 ، وثلاثيات الكليني : 232.

2) الجامع الصغير : 51/1 ح 310

3) مكاتيب الرسول : 440/1 ح 12 .

وكان علیه السلام ينهى جنوده عن أن يسبّوا ويشتموا الأعداء فأين أن يسبّوا ويشتموا الأعداء فأين هو علیه السلام والخوض في الدماء، فقد روى نصر بن مزاحم المنقري في صفين» (ص 55 من الطبع الناصري عن عمر بن سعد عن عبد الرحمن عن الحارث بن حصيرة عن عبد اللّه بن شريك قال : خرج)حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يظهران البراءة واللعن من أهل الشام، فأرسل إليهما علي علیه السلام أن كفّا عمّا يبلغني عنكما فأتياه فقالا يا أمير المؤمنين ألسنا محقين؟ قال: بلى قالا فلِمَ منعتنا من شتمهم؟ قال : كرهت لكم أن تكونوا ،لعانين ،شتامين، تشتمون، وتتبرؤون. ولكن لو وصفتم مساوىء أعمالهم فقلتم من سيرتهم كذا وكذا، ومن عملهم كذا وكذا كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم : اللّهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم حتّی يعرف الحق منهم مَن جَهِلَه، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به، كان هذا أحبّ إليَّ، وخيراً لكم، فقالا : يا أمير المؤمنين نقبل عظتك ونتأدب بأدبك (1)وقد مضى في شرح« المختار» الثاني من باب الكتب والرسائل أنه علیه السلام لما سار مع عسكره من المدينة إلى البصرة لقتال جند المرأة وأتباع البهيمة بلغ الموضع المعروف بالزاوية فنزلوا وصلى علیه السلام أربع ركعات وعفّر خديه على التربة وقد خالط ذلك دموعه ثمَّ رفع يديه يدعو : اللّهم رب السماوات وما أظلّت - إلى قوله علیه السلام : اللّهم احقن دماء المسلمين. (ص 50 ج 17 .)وهذا هو الإمام الحسن بن علي علیه السلام لم يرض أن يهرق في أمره محجمة دم كما علمنا من وصيته يوم حضرته الوفاة وقد تضافرت بنقلها الروايات .وهذا هو الإمام الحسين بن علي علیه السلام ، لما رام مسلم بن عوسجة أن يرمى شمر بن ذي الجوشن حين سب الحسين علیه السلام بسهم منعه عن ذلك فقال له: لا ترمه فإنّي أكره أن أبدؤوهم(2رواه المفيد في الإرشاد» (ص 217 طبع طهران 1377 ه- ) .)وكذا روي في (ص (210 من (الإرشاد : إنَّ الحرّ بن يزيد الرّياحي لما أخذهم بالنزول في مكان على غير ماء ولا قرية - ساق الكلام إلى أن قال: فقال زهير بن القين إنّي و اللّه ما أراه يكون بعد الذي ترون إلا أشد ممّا ترون يا ابن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم إن قتال هؤلاء القوم الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم فلعمري ليأتينا بعدهم ما لا قِبل لنا به فقال الحسين علیه السلام : ما كنت لأبدأهم بالقتال ثمَّ نزل .)نعم إنَّ الخوض في دماء النّاس إنّما هو من شأن عبيد الدُّنيا وأسرة الهوى الذين اتخذوا


1) نهج البلاغة : 186/2 ، ومستدرك الوسائل : 307/12 ح 2 .

2) الإرشاد 217

دين اللّه دغلاً، وعباد اللّه ،خولاً، ومال اللّه دولاً ، أتباع الشقي الجبار الذي يعالن الناس قائلاً: و اللّه إنّي ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتزكوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني اللّه ذلك وأنتم كارهون .وقد قدَّمنا نبذة من الكلام في ذلك في شرحنا على المختاره 236 من باب الخطب ص 227 و 252 و 300 ج 15 فراجع .)قوله علیه السلام : «فإذا كانت الهزيمة بإذن اللّه الهزيمة وإن كانت بحسب الظاهر على أيديهم ولكنّها ليست متحققة إلا بإذن اللّه تعالى وأمره ولمّا كان و اللّه الأعظم موحداً فانياً في اللّه لا يرى من نفسه أثراً في البين ولا يرى في دار الوجود مؤثراً إلا اللّه، لا حول ولا قوة إلا باللّه، ولا يرى شيئاً إلا من عنده تعالى قال عزّ من قائل في قصة طالوت وما جرى بينه وبين جالوت « قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249»«وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250)»«فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ (251)» [البقرة: 249 - 251] .)وقال تعالى: ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف: 58] . وقال تعالى مخاطباً لعيسى علیه السلام :«إوَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي » [المائدة: 110 ] .

وقال حكاية عن عيسى علیه السلام : « أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ » [آل عمران: 49] . وقال عز من قائل مخاطباً لرسوله الخاتم : (أَنزَلْتَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ [إبراهيم: 1] .

وقال تعالى: «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى » [الأنفال : 17]

والإنسان له وجهة إلهية بها فاعليته ووجهة نفسية بها ينسب الأفعال إلى نفسه والمؤمن الموحد السالك إلى اللّه قد يرتقى بالرياضات والمجاهدات إلى مرتبة لا يرى لنفسه فيها أثراً ، ولا يرى مؤثراً إلا اللّه، وما يشاهد من دونه تعالى على ظاهر الأمر «كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ» [النور: 39]. وقل كل من عِندِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴾ [النساء: 78] .

از سبب سازیش من سودائيم *** وز سبب سوزیش سوفطائیم

درسبب سازیش سر گردان شدم*** در سبب سوزیش هم حیران شدم

این سببها بر نظرها پرده هاست ***که نه هر دیدار صنعش راسزا است

دیده ای باید سبب سوراخ کن ***تاحُجُب را بر کند از بیخ و بن

تا مسبب بيند اندر لا مكان*** هرزه بیند جهد وأسباب دكان

هرچه خواهد آن مسبب ***آورد قدرت مطلق سببها بر درد

قوله علیه السلام : فلا تقتلوا مدبراً نهى علیه السلام أصحابه عن أمور:

نهاهم عن أن يقتلوا المدبر عن القتال كما نهاهم عن أن يتبعوا ،مولياً، وأن يطلبوا مدبراً على ما رواه الكليني في« الجامع الكافي»، والمسعودي في مروج الذهب كما مرَّ ذكرهما آنفاً في بيان المصادر»، وما يستفاد من ظواهر الأخبار وفتاوى العلماء في «المقام» أنَّ هذه الجمل الثلاث تشير إلى معنى فارد وتفيد حكماً واحداً ولذا يوجد واحدة منها في نسخة دون الأخريين إلا أنَّ المسعودي جمع بين نسختي ولا تتبعوا مولياً، ولا تطلبوا مديراً .

وما وجدنا في الجوامع الرواية من «الكافي» و«التهذيب» و«الوسائل» و«البحار» والوافي مع طول الفحص وكثرة الطلب رواية جامعة لها أو لاثنتين منها .

اللّهمَّ إلا أن يفسّر قوله مولياً بمن عاد من البغي إلى طاعة الإمام وترك المباينة فإنّه يحرم قتله وقتاله حينئذ فلا تكرار في نسخة المسعودي على هذا الوجه ولكنّه كما ترى.

قوله علیه السلام :« ولا تصيبوا معوراً »قد تفرّد الرَّضي رضوان اللّه عليه بنقله وما وجدناه مع كثرة التحري في نسخة أُخرى عن غيره، إلا أنَّ ابن الأثير أتى به في «النهاية» كما مر آنفاً في اللغة إن لم يكن النهج مأخذه ولم يتعرض الفقهاء على هذا الحكم في أحكام أهل البغي الخارجين على الإمام .

ويمكن أن يفسّر على وجوه : أحدها: أنه علیه السلام نهى أصحابه عن أن يقتلوا أو يجرحوا من أمكنتهم الفرصة في قتله وجرحه بعد هزيمة العدوّ وانكسارهم كما نصَّ عليه بقوله (فإذا) كانت الهزيمة بإذن اللّه - إلخ وقد بيّن في اللغة أنه يقال أعور لك الصيد وأعورك إذا أمكنك والإصابة كناية عن القتل أو الجرح وكأن المعنى الثاني أعني الجرح أنسب بأسلوب الكلام.

ثانيها : أنه علیه السلام لا نهاهم أن يقتلوا بعد انهزام العدو فارساً منهم أصيب قبل الإنهزام بجراحة من قولهم أعور الفارس إذا بدا فيه موضع خلل للضرب فيه، وهذا الوجه يقرب من قوله علیه السلام : (ولا تجهزوا على جريح )معنى بخلاف الأول ففيه تكرار .

أما لو فسّرت الإصابة بالطعن والجرح فلا تكرار فيه لأنَّ معنى العبارة حينئذ أنّه نهاهم

عن أن يطعنوا ويجرحوا بعد انهزام العدو من كان منهم جريحاً أي لا تصيبوا جريحاً بجراحة أخرى كما فسره خواندمير بهذا الوجه في« روضة الصفا».

ثالثها: أنّه نهاهم عن أن يقتلوا أو يجرحوا بعده العدوّ الذي صار مضطرًا حتّی أفضاه الإضطرار إلى أن يكشف عورته ويبدي سوءته وقاية لنفسه كما فعله عمرو بن العاص في صفين حين اعترضه أمير المؤمنين علي علیه السلام وقد أعرض عن قتله وتقدّمت الحكاية في شرح المختار 236 ص 318 ج 15 ) .

رابعها أن يكون المراد بالمعور المريب أي الذي يشك فيه هل هو محارب أم لا؟ أي لا تقتلوا إلاّ من علمتم أنّه محارب لكم .

لطيفة: في كتاب« الحرب من عيون الأخبار» لابن قتيبة ص 169 ج 1 طبع مصر) قال » المدائني : رأى عمرو بن العاص معاوية يوماً يضحك فقال له : ممّ تضحك يا أمير المؤمنين أضحك اللّه سنّك؟ قال : أضحك من حضور ذهنك عند إبدائك سوءتك يوم ابن أبي طالب أما و اللّه لقد وافقته منّاناً كريماً ولو شاء أن يقتلك لقتلك .

قال عمرو: يا أمير المؤمنين أما و اللّه إنّي لَعَن يمينك حين دعاك إلى البراز فاحولت عيناك ورباك سحرك وبدا منك ما أكره لك فمن نفسك فاضحك أو دَعْ (1)

قوله : ولا تجهزوا على جريح نهى جنوده أن يشدّوا بعد انهزام العدوّ على صريعهم ويسرعون إلى قتله أي نهاهم عن قتل المجروح.

وإنما نهاهم علي عن أن يقتلوا مدبراً، أو يصيبوا معوراً، أو يجهزوا على الجرحى بعد أن هزموهم لأنّهم على ظاهر الأمر مسلمون، وكان القصد من قتالهم دفع شرّهم وتفريق كلمتهم، فإذا ولوا منهزمين فقد حصل القصد.

واعلم أنَّ أهل البغي لا يقتل مدبرهم ولا يصاب ،معورهم، ولا يجهز على جريحهم إذا لم يكن لهم فئة يرجعون إليها فإذا كان لهم فئة يرجعون ويلتجؤن إليها جاز اتباع مديرهم والإجهاز على جريحهم وإصابة معورهم لأنهم ربما عادوا إلى الفئة واجتمعوا ورجعوا إلى قتال الإمام العادل وهو مذهبنا الإمامية وخالفنا فيه بعض العامة.

دليلنا قوله تعالى: « فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ »الآية وهؤلاء الذين لهم فئة يرجعون إليها ما فاؤوا إلى أمر اللّه ولذا أنَّ أمير المؤمنين نادي يوم الجمل أن لا يتبع .


1) الغدير : 163/2

مدبرهم ولا يقتل ولا يجهز على جريحهم لأنَّ أهل الجمل قتل إمامهم ولم تكن لهم فئة يرجعون إليها وإنّما رجع القوم إلى منازلهم غير محاربين ولا مخالفين ولا منابذين وقتل أهل صفّين مقبلين ومدبرين وأجاز على جريحهم لأنَّ إمامهم كان من المنظرين، وكان لهم فئة يرجعون إليها ويلجئون إليها وأخبار الإمامية بذلك عن أئمتهم وردت متظافرة :ففي البابا لعاشر من كتاب «الجهاد» من «الجامع الكافي» بإسناده عن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الطائفتين من المؤمنين إحداهما باغية والأخرى عادلة فهزمت العادلة الباغية ؟ فقال : ليس لأهل العدل أن يتبعوا مدبراً، ولا يقتلوا أسيراً، ولا يجهزوا على جريح وهذا إذا لم يبق من أهل البغي أحد ولم يكن لهم فئة يرجعون إليها فإذا كان لهم فئة يرجعون إليها ، فإنَّ أسيرهم يقتل ومدبرهم يتبع، وجريحهم يجهز .وفي ذلك الباب منه : بإسناده عن عقبة بن بشير، عن عبد اللّه بن شريك، عن أبيه قال:لما هزم الناس يوم الجمل قال أمير المؤمنين: لا تتبعوا مولّياً ولا تجيزوا (1على جريح ومن أغلق بابه فهو آمن (2).)فلمّا كان يوم صفّين قتل المقبل والمدبر وأجاز على جريح فقال أبان بن تغلب لعبد بن شريك : هذه سيرتان مختلفتان فقال : إنَّ أهل الجمل قتل طلحة والزبير، وإنَّ معاوية كان قائماً بعينه وكان قائدهم.رواه المجلسي في المجلد الحادي والعشرون من البحار» (ص 98 من الطبع الكمباني) بسند آخر عن عقبة بن شريك نقلاً عن رجال الكشي .)وروى عليّ بن شعبة في تحف العقول عن الإمام العاشر أبي الحسن الثالث علي بن محمد علیهما السلام في باب أجوبته ليحيى بن أكثم عن مسائله (ص 116 من الطبع الحجري 1303 ه-: أن يحيى بن أكثم قال له علیه السلام : أخبرني عن علي . لم قتل أهل صفين وأمر بذلك مقبلين ومدبرين وأجاز على الجرحى، وكان حكمه يوم الجمل أنه لم يقتل مولّياً، ولا يجز على جريح ؛ ولم يأمر بذلك وقال : من دخل داره فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن، لِمَ فعل ذلك فإن كان الحكم الأوَّل صواباً فالثاني خطأ؟)قال علیه السلام : وأمّا قولك : إنَّ عليّاً قتل أهل صفين مقبلين ومدبرين وأجاز على جريحهم، وإنّه يوم الجمل لم يتبع مولّياً ، ولم يجز على جريح، ومن ألقى سلاحه آمنه، ومن دخل داره


1) في نسخة : لا تجهزوا خ ل .

2) الكافي : 33/5 ح 5 ، وتهذيب الأحكام : 156/6 .

آمنه فإنَّ أهل الجمل قتل إمامهم، ولم تكن لهم فئة يرجعون إليها وإنّما رجع القوم إلى منازلهم غير محاربين ولا مخالفين ولا منابذين رضوا بالكف عنهم فكان الحكم فيهم رفع السيف عنهم والكف عن أذاهم إذ لم يطلبوا عليه أعواناً. وأهل صفين كانوا يرجعون إلى فئة مستعدّة وإمام يجمع لهم السلاح الدروع والرّماحَ والسيوف، ويسنى لهم العطاء، ويهنىء لهم الأنزال، ويعود مريضهم، ويجبر كسيرهم، ويداوي جريحهم، ويحمل راجلهم، ويكسو حاسرَهم، ويردّهم فيرجعون إلى محاربتهم وقتالهم فلم يساو بين الفريقين في الحكم لما عرف من الحكم في قتال أهل التوحيد لكنّه شرح ذلك لهم فمن رغب عُرض على السيف أو يتوب من ذلك (1)قوله علیه السلام : ولا تهيجوا النساء بأذى وإن شتمن أعراضكم وسبين أمراءكم فإنّهن ضعيفات القوى والأنفس والعقول في نسخة الكافي، وإن شتمن أعراضكم وسبين أمراءكم وصلحاءكم، وفي نسخة الطبري ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وتناولن أمراءكم وصلحاءكم، وفي روايتي «الكافي» و «صفين» لنصر فإنّهنَّ ضعاف القوى والأنفس والعقول وفي رواية الطبري : فإنهنَّ ضعاف القوى والأنفس ولم يأت بالعقول. نهى علیه السلام عسكره أن يثيروا غضب نساء البغاة وشرورها ويحرّكوهنَّ ويؤذوهنَّ مطلقاً حتّی إنهن إن شتمن أعراضهم وسببن أمراءهم وجب عليهم الإمساك عن ردّ السبّ إليهنَّ والكف عنهنَّ وعدم الاعتناء بشتمهنَّ وسبهنَّ .وعلّل النهي بقوله فإنّهنَّ ضعيفات القوى والأنفس والعقول يعني لا يجوز إثارة من بلغن في الضعف هذه الغاية .قال الشارح البحراني قوله : (لا تهيجوا النساء المراد بذلك أن لا تثيروا شرورهنَّ بأذى وإن بلغن الغاية المذكورة من شتم الأعراض وسب الأمراء وعلل أولوية الكف عنهم والصواب الكف عنهنَّ بكونهن ضعيفات القوى أي ضعيفات القدر عن مقاومات الرجال وحربهم وسلاح الضعيف والعاجز لسانه ويكونهنَّ ضعيفات الأنفس أي لا صبر لنفوسهنَّ على البلاء فيجتهدون في دفعه بما أمكن من سبّ وغيره وبكونهنَّ ضعيفات العقول أي لا قوة لعقولهنَّ أن ترى عدم الفائدة في السب والشتم وأنّه من رذائل الأخلاق وأنه يسلتزم زيادة الشرور وإثارة الطباع التي يراد تسكينها وكفها انتهى .)أقول : إن أمير المؤمنين علیه السلام أتى في كلامه هذا بحكمين: الأوّل أن لايهيج قومه نساء أهل البغي ابتداء، والثاني أن يكفّوا عنهنَّ إذا شتمنهم لمكان كلمة (إن الوصلية في قوله :)


1) وسائل الشيعة : 15 / 75 ح 20014، وبحار الأنوار : 390/1.

(وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وأسلوب الكلام يدلّ على أن قوله (فإنّهنَّ ضعيفات القوى والأنفس والعقول دليل للنهي أعني أنه متعلق بقوله ولا تهيجوا وما أتى به الشارح المذكور فإنّما هو بيان لسبب شتمهنَّ وسبهنَّ وفحوى الكلام يأبى عن ذلك .قوله علیه السلام : إن كنا لنؤمر بالكفت عنهنَّ وأنّهنَّ لمشركات وفي نسخة الطبري : ولقد كنا وإنا لنؤمر بالكفّ عنهنَّ - إلخ، يعني أنا كنا في عصر رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم المأمورين بالكف عنهنَّ والحال أنهنَّ كنَّ مشركات فالكف عنهنّ وعدم التعرّض بهنَّ والحال أنهنَّ مسلمات على ظاهر الأمر أولى.فانظر أنَّ الشارع كيف أدب الرجال في رعاية حقوق النساء وعدم التعرّض بهنَّ ولو كن مشركات ولعمري ما فرّط الشريعة المحمدية بيان حق اجتماعي أو نوعي غاية الأمر أنَّ الناس لتوغلهم في الشهوات النفسانية ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون حتّی عموا وصموا وأعرضوا عن الصراط السوي واتبعوا الشيطان المردي المغوي واقتفوا آثار الذين سلكوا طريقة عمياء وتعوّدوا قبول كلّ ما سمعوا من أفواه أشباه الرجال وعبيد الدُّنيا من غير بصيرة وفكرة ودليل ونعم ما قاله الشيخ الرئيس ابن سينا من تعوّد أن يصدق من غير دليل فقد انسلخ عن الفطرة الإنسانية .وقد رأينا في عصرنا طائفة من منتحلي الإسلام، المتعصبين غابة التعصب الجاهلين عن أحكام الشريعة الإسلامية حقيقةً قد تعرّضوا للنساء الكاشفات الرؤوس والوجوه وكانوا يحثون الأسيد (Acid عليهنَّ ويتركونهنَّ في الشوارع والأسواق عراة حتّی بلغ عملهم المنكر العلماء ومنعوهم عنه .)وهؤلاء الجهال ما تفقهوا في الدِّين لكي يعلموا أنَّ الشريعة الإسلامية لم تُجوز التعرّض على أعراض النّاس وإن كنَّ مشركات بل حرّم عليهم أن يقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن وتلك الروية النكراء والطوية العوراء منها .لست أقول إنَّ فعلهنَّ هذا صواب وسيرتهنَّ السيّئة المشوهة القبيحة حسنة بل أقول إنَّ المنكر لا يدفع بالمنكر وللإسلام في كل موضوع منطق صواب وحجّة بيضاء، ولا حاجة في دفع الفواحش وقمع المنكرات إلى فعل عادٍ عن حلية العقل، بعيد عن الحق، يستشبعه العقل السليم وتشميزُ منه الطباع .قوله علیه السلام : (وإن كان الرجل - إلخ وفي نسخة الطبري : وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالهراوة أو الحديد بعد الأمر بالكفّ عنهنَّ عقبه بقوله هذا تأكيداً للأمر وتشديداً للكف، وتنبيهاً لهم على أنَّ هذا العمل يورث أثرين قبيحين : أحدهما في حياة مرتكبه حيث)

يعيّر ويلام به والآخر بعد حياته حيث يعير عقبه ،به فمن عرف قدره وأحب نفسه وأهله وعقبه لا يعمل ما يوجب شينه ولومه وتعبير عقبه من بعده وبالجملة جعل حال الرجل الذي كان يضرب المرأة في الجاهلية بالحجر والعصا يورث له ولعقبه تعيير الناس وملامتهم عبرة لهم ، فنفّرهم عن ذلك العمل أشدّ تنفير .على أنه علیه السلام تبههم بهذا الكلام ضمناً على أنَّ المرء إذا ارتكب في الجاهلية هذا العمل يؤل أمره إلى كذا واجتنابكم عنه وأنتم المسلمون كان أولى، يعني أن شناعة هذا الأمر بينة غاية الوضوح حتّى أنَّ الناس في الجاهلية كانوا يلومون فاعله، فكيف أنتم لا تكفون عن أذاهنّ وقد رزقتم الانتحال إلى الشريعة السامية المحمدية؟ .ثمَّ أنَّ في حقوق المرأة في الإسلام ووظائفها الإجتماعية والانفرادية وسائر آدابها التي بيَّنها الشارع تعالى مبحثاً نأتي به إن شاء اللّه تعالى في شرح وصيته علیه السلام الآتية لابنه المجتبى عند قوله علیه السلام :( إياك مشاورة النساء فإنَّ رأيهنَّ إلى أفن إلخ(1).)


1) قد ذكرنا بعض شؤون النساء وحقوقهم وكيفية تعاملهم مع أبائهم وأزواجهم في كتابنا «فاطمة بنت محمد قدوة للنساء .

### الترجمةیکی از وصیتهای علی امیرالمؤمنین (علیه السلام است که به سپاه خود در سرزمین صفین پیش از برخوردن به لشکر دشمن (معاویه و پیروانش) و در گرفتن جنگ بیان فرمود:)با ایشان کارزار نکنید تا آنان آغاز جنگ ،کنند زیرا بحمد اللّه شما برحقيد و حجت با شما است و واگذاشتن شما ایشان را تا آغاز جنگ از آنها بشود حجتی دیگر مرشما را بر ایشان خواهد بود و چون به خواست خدا بر آنان پیروز شدید و شکستشان دادید آنکه را پشت کرده و روبه فرار گذاشته مکشید و آن که را از در اضطرار به کشف عورت خود پناهنده شد( یا بر آن که بعد از شکست دست یافته اید – یا آن کسی که معلوم نیست که دوست است یا دشمن – یا بر آن که جراحت دیده و زخمی شده مکشید و زخم مرسانید و زخم خورده ای که در میان کشتگان میبینید بر کشتن او مشتابید و وی را نکشید و زنان را اگرچه عرض شما و بزرگان و پارسایان شما را دشنام دهند و یاوه گویند بر می انگیزانید و اذیت و آزارشان نکنید و به دشنامشان اعتناء ،نکنید چه نیرو و جان و خردشان ضعیف است همانا که ما در زمان پیمبر از پیمبر امر داشتیم که از آنها با این که مشرك بودند خودداری کنیم و دست بداریم( اکنون که به ظاهر مسلمانند) و اگر در زمان جاهلیت مردی زنی را به سنگ و چوب دستی میزد وی را سرزنش میکردند و پس از مرگش فرزندانش را نکوهش میکردند(زمان جاهلیت که چنین بود ،پس مسلمان باید حتماً از این کار ناروا دست بردارد.)

## وكان يقول إذا لقى العدو محارباً هذا هو المختار الخامس عشر من باب المختار من كتبه### اشارةاللّهم إلَيْكَ أَفْضَتِ الْقُلُوبُ، وَمُدَّتِ الأَعْنانُ، وَشَخَصَتِ الأَبْصَارُ وَنُقِلَتِ الأَقدامُ، وَأُنْضِيَتِ الأبدان .أَللَّهُمْ قَدْ صَرْحَ مَكْنُونُ (1الشَّنَآنِ وَجاشَتْ مَراجِلُ الأَضْغان.)أَللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ نَبِيِّنَا، وَكَثرَةَ عَدُوِّنَا، وَتَشَتُتَ أَهْوَائِنا .رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأنْتَ خَيْرُ الْفاتِحينَ (2.)### مصادره وإسناده بطرق عديدة ومدارك نقله بصور أخرى ممن كانوا قبل الرضيرواه نصر بن مزاحم المنقري في صفين» بإسناده عن عمرو بن شمر عن جابر بن نمير الأنصاري ( ص 256 من الطبع الناصري وفي نقله زيادة لم يأت بها الرضي في« النهج» وقد نقلنا نسخة نصر كاملة في شرح المختار 236 من باب الخطب ( ص 326 ج 15) فلا حاجة إلى نقلها ثانية .)ورواه الشيخ الأجل المفيد عن الواقدي في« الجمل » (ص 165 من طبع النجف وقد نقلنا نسخته في شرح المختار الثاني من باب المختار من كتبه ورسائله (ص55 ج17) .)ورواه نصر بن مزاحم على وجوه أخرى تقرب مما سبق ذكره في كتاب «صفين» أيضاً بطرق عديدة (ص 118 و 119 من الطبع الناصري)وهي كما يلي :)عن نصر، عن قيس بن الربيع عن عبد الواحد بن حسان العجلي عمّن حدَّثه عن علي علیه السلام أنه سُمِع يقول يوم صفين : اللّهم إليك رفعت الأبصار ، وبسطت الأيدي، ودعت الألسن، وأفضت القلوب، وتُحوكم إليك في الأعمال، فاحكم بيننا وبينهم بالحق وأنت خير الفاتحين اللّهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا وقلة عددنا، وكثرة عدوّنا وتشتت أهوائنا، وشدَّة الزَّمان، وظهور الفتن، أعِنَّا عليهم بفتح تعجّله، ونصر تعزّ به سلطان الحق وتظهره.


1) فی نسخة : مكتوم .

2) نهج البلاغة : 15/3 ح 15 ، ومستدرك الوسائل : 108/11 ح 12551

عن نصر، عن عمرو بن شمر، عن عمران عن سويد قال : كان علي إذا أراد أن يسير إلى الحرب قعد على دابته وقال : الحمد لله ربِّ العالمين على نعمه علينا وفضله العظيم سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنّا إلى ربنا منقلبون . ثمَّ يوجه دابته إلى القبلة ثمَّ يرفع يديه إلى السماء ثم يقول : اللّهمَّ إليك نقلت الأقدام، وأفضت القلوب ورفعت الأيدي، وشخصت الأبصار ، نشكو إليك غيبة نبينا وكثرة عدوّنا، وتشتت أهوائنا ، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين سيروا على بركة اللّه ، ثمَّ يُوردُ وَاللَّهِ من اتبعه حياض الموت (1.)عن نصر، عن عمرو بن شمر عن جابر عن تميم :قال كان عليّ إذا سار إلى القتال ذكر اسم اللّه حين يركب ثمَّ يقول : الحمد لله على نعمه علينا وفضله العظيم سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنّا إلى ربنا لمنقلبون ، ثمَّ يستقبل القبلة ويرفع يديه إلى اللّه ثمَّ يقول: اللّهم إليك نقلت الأقدام، واتعبت الأبدان، وأفضت القلوب، ورفعت الأيدي، وشخصت الأبصار، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين، سيروا على بركة اللّه ، ثمَّ يقول : اللّه أكبر اللّه أكبر لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر يا اللّه يا أحد يا صمد يا ربّ محمد بسم اللّه الرّحمن الرحيم لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم إياك نعبد وإياك نستعين اللّهم كف عنّا بأس الظالمين فكان هذا شعاره بصفّين رضي اللّه عنه .أقول : ما نقلنا عن كتاب «صفّين» لنصر منقول في البحار أيضاً (ص 101 ج 21 وص 628 ج 8 من الطبع الكمباني.)وقال السيد علي بن طاووس قدّس سرّه في« مهج الدعوات» (ص 138 طبع إيران 1329ه- نقلاً کتاب «صفين» لعبد العزيز الجلودي الأزدي البصري المتوفى سنة 332 ه- : عن كان علي إذا سار إلى القتال ذكر اسم اللّه حين يركب ولما قعد على دابته قال سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون الحمد لله على نعمه علينا وفضله العظيم عندنا ، ثمَّ استقبل القبلة ورفع يديه وقال : بسم اللّه الرحمن الرَّحيم لا حول ولا قوَّة إلا باللّه العلي العظيم اللّهم إياك نعبد وإياك نستعين يا اللّه يا رحمن يا رحيم يا أحد يا صمد يا إله محمد إليك نقلت الأقدام وأفضت القلوب، وشخصت الأبصار، ومدت الأعناق وطلبت ،الحوائج ورفعت الأيدي ، اللّهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ثم قال : لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر، ثلاثاً (2))


1) نهج :السعادة 2/ 193 ح 2 ، وميزان الحكمة: 564/1 بتفاوت .

2) بحار الأنوار: 241/90 بتفاوت.

### اللغة«أفضت »بسكون (الفاء من الإفضاء أفضى فلان إلى فلان وصل إليه، وحقيقته أنه صار في فضائه أي في ساحته، وفي القرآن الكريم : («وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21)») [النساء: 21] . قال الشيخ الجليل أبو علي في تفسير «المجمع»: الإفضاء إلى الشيء الوصول إليه بالملامسة وأصله من الفضاء وهو السعة. وقال المرزوقي في شرح الحماسة ) 249 لعديل بن الفرخ العجلي :

فأُوصيكما يا ابني نزار فتابعا*** وصيّة مُفضي النصح والصدق والوُدْ

قوله : - مفضى النصح - أي واصل نصحه إليكم وصائر في فضاء وسعة والمعنى انكشافه وخلوصه وفي القرآن( وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ) .

أفضى إلى فلان ،سرَّه، أو بسره : أعلمه به .

وقال في منتهى الأرب»: الإفضاء راز را باکسی در میان آوردن

وكلمة أفضت في نسخة خطية من« النهج»، وكذا في بعض روايات كتاب «صفين» لنصر مشكولة بفتح (الفاء) وهي وهم والصواب ما بيناه.

«شخصت الأبصار» أي ارتفعت أجفانها ناظرة إلى عفوك ورحمتك وفي رواية من كتاب نصر : ( اللّهم إليك رفعت الأبصار) وفي رواية أخرى : (ورفعت الأيدي) (وشخصت الأبصار)، ( كما تقدّمت وقد مرَّ البحث عن معنى كلمة شخص في شرح« المختار الثالث »من باب الكتب والرسائل (ص 111 ح 17) .

«ونقلت الأقدام» بالنّون وفي رواية من كتاب «صفين» (ص 256 من الطبع الناصري وقد ذكرناها في شرح« المختار» 236) من باب الخطب ص 326 ج 15) ثقلت (بالثاء) المثلثة ولكنها محرّفة لأنها لا تناسب أسلوب العبارة في المقام على أنها لا تفيد معنى صحيحاً، إلا أن يتكلف في تأويلها غاية التكلف.

«أُنضيت الأبدان» أي هزلت ناقص واوي، قال عارف الطائي (الحماسة 615).

من مُبلغ عمرو بن هند رسالة ***إذا استحقبتها العيس تُنضى من البُعْد

أي إذا حملتها الأبال العيس تهزل لبعد المسافة .

وقال ابن الأثير في« النهاية»: في الحديث أن المؤمن لينضى شيطانه كما ينضى أحدكم بعيره أي يهزله ويجعله نضواً، والنضو الدابة التي أهزلتها الأسفار وأذهبت لحمها. ومنه حديث

علي علیه السلام ( كلمات لو ركبتم فيهنَّ المطي لأنضيتموه)، وحديث ابن عبد العزيز انضيتم الظهر أي هز لتموه .

قد صرّح مكنون «الشنآن» قوله علیه السلام : ( اللّهم قد صرّح) - إلى قوله : (مراجل الأضغان) ليس بمذكور في النسخ الأربع التي رواها نصر في «صفين»، وكذا في النسخة التي رواها المفيد في «الجمل» عن الواقدي.

ثمَّ إِنَّ كلمة (صرَّح) في بعض النسخ مشكولة بضم (الضاد) وكسر (الزاء)المشدّدة وفي بعضها بفتح (الصاد) وضم (الراء) المخفّفة، وفي نسخة مخطوطة عندنا قوبلت بنسخة الرضي بفتح (الصاد) وفتح (الزاء) المشدّدة وهذا هو الحق، يقال: صَرَّحَ الحقُّ عن محضه أي كشف خالصه ، مثل في ظهور الأمر غب استتاره، وفي «صحاح» الجوهري : وفي المثل صرح عن الحقِّ عن محضه أي انكشف.

وفي« أساس البلاغة» للزمخشري : صَرَّحتِ الخمرةُ : ذهب عنها الزَّبد وصَرَّح النّهار ذهب سحابه وأضاءت شمسه، قال الطرماح في صفة ذئب .

إذا امتل يعدو قلت ظلّ طخاءة ***دَرَى الريحُ في أعقاب يوم مُصَرّح

وفي «الحماسة» : قال شهل بن شيبان الزماني (الحماسة 2) :

فلمّا صرح الشر ***فأمسى وَ هُوَ عريان

ولم یبق سِوَى العُدوا*** نِ دِنَاهُم كما دانُ

وقال المرزوقي في «الشرح» : يقال : صرّح الشيء إذا كشف عنه وأظهره، وصَرَّح هو إذا انكشف، ومثله بَيْنَ الشيءَ وبَيَّنَ هو أي تبيّن وفي المثل قد بَيْنَ الصُّبحُ لذي عَيْنين وفَعل بمعنى تفعل واسع، يقال وجه بمعنى توجّه ، وقَدَّمَ بمعنى تَقَدَّم ، ونَبَّة بمعنى تنبه، ونَكَّب بمعنى تنكب . انتهى ما أوردنا من نقل كلامه .

وقرىء في النسخة التي عورضت على نسخة الرضي مكنون ومكتوم معاً، ومعنى أحدهما قريب من الآخر أي المخفي والمستور والمغطى ونظائرها يقال : كنَّ الشيء من باب نصر إذا ستره في كنّه وأخفاه ،وغطاه والكنّ وقاء كلّ شيء وستره، وكتم الشيء من باب نصر أيضاً أخفاه والشنان العدواة والبغضاء .

«جاشت مراجل الأضغان» جاشت أي غلت والمراجل القدور جمع المرجل بمعنى القدر اسم آلة على وزن ،مفعل والأضعان: الأحقاد جمع الضغن

قال ابن الأثير في« النهاية»: يقال : فتح الحاكم بين الخصمين إذا فصل بينهما، والفاتح الحاكم وفي تفسيري المجمع وغرائب القرآن أن ابن عبّاس قال ما كنت أدري ما الفتح حتّی

سمعت بنت سيف بن ذي يزن وقد جرى بيني وبينها كلام فقالت : انطلق أفاتحك القاضي أي أحاكمك إليه (1)

وفي المفردات للراغب فتح القضيّة فِتاحاً فَصَلَّ الأمر فيها وأزال الأغلاق عنها قال تعالى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا - إلخ ومنه الفتاح العليم، قال الشاعر: وإنّي من فَتاحَتِكم غنيٌّ . وقيل : الفتاحة بالضم والفتح. انتهى .وقد قال في الخطبة التي خطب بها الناس ورواها الكليني في «الکافی » (ص 11 ج 14 من «الوافي» : ( اللّهم فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين). وكذا في خبر« دعائم الإسلام» الآتي ذكره.)### الإعرابإليك ظرف لغو متعلّق بكلّ واحد من الأفعال الخمسة قدّم توسعاً للظرف وجاز أن يكون لقوله ( أفضت مفعول محذوف والتقدير اللّهم إليك أفضت القلوب سرها أو بسرها)، كما علم في بيان اللغة».)(مكنون» أو «مكتوم» مرفوع فاعل لقوله (صرَّح) وقد دريت في بيان اللغة أن فعل بمعنى تفعّل واسع في لغة العرب ومراجل فاعل لقوله (جاشت) . غيبة منصوبة على المفعولية لقوله ( نشكو). وكلّ واحد من كثرة (وتشتت) منصوب معطوف عليها)### المعنىقد تظافرت روايات في أنهم علیه السلام كثيراً ما كانوا يدعون بأدعية إذا لقوا العدوّ محارباً وكذا عند إرادة القتال كانوا يدعون بأدعية، كما كانوا يوصون عساكرهم بكلمات من تقوى اللّه ،وإماتة الباطل، وإحياء معالم الدين والوفاء بالأمان، ودعوة الأعداء إلى الدين قبل الشروع بالقتال وعدم الإبتداء بالقتال وتعاهد الصلاة والحفظ عليها، والخلوص في الجهاد، وعدم التعرض بالنساء، وحفظ أعراض الناس وتعليم آداب الجهاد والترغيب فيه وغيرها ممّا لا بد للمجاهد في سبيل اللّه من مراعاتها والمحافظة عليها .قال ابن قتيبة الدينوري في كتاب الحرب من عيون الأخبار» (ص 123 ج 1 طبع مصر: حدثني محمّد بن عبيد قال : حدثنا معاوية عن أبي إسحاق، عن أبي رجاء قال: كان)


1) مجمع البيان: 5/4

النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم يقول : إذا اشتدّت حلقة البلاء وكانت الضيقة تضيقي تفرّجي ثم يرفع يديه فيقول : بسم اللّه الرَّحمن الرّحمن الرّحيم لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم، اللّهم إياك نعبد وإياك نستعين اللّهم كف عنا بأس الذين كفروا إنّك أشدُّ بأساً وأشدُّ تنكيلاً، فما يخفض يديه المباركتين حتّى ينزل اللّه النصر (1.)قال : وحدثني محمد بن عبيد عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن موسى بن عقبة، عن سالم أبي نصر مولى عمرو بن عبيد اللّه وكان كاتباً له قال : كتب عبد اللّه بن أبي أوفى حين خرج إلى الحرورية أنَّ النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدوّ انتظر حتّی مالت الشمس ثمَّ قام في النّاس فقال : لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا اللّه العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا واصبروا واعلموا أنَّ الجنّة تحت ظلال السيوف ثمَّ قال: اللّهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم(2.)قال : وقال أبو النضر وبلغنا أنه دعا في مثل ذلك فقال : اللّهم أنت ربنا وربّهم وهم عبيدك ونحن عبيدك ونواصينا ونواصيهم بيدك فاهزمهم وانصرنا عليهم .وقال ابن هشام في «السيرة»: إنَّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و لما اشرف على خيبر قال لأصحابه : قفوا ثمَّ قال : اللّهمَّ ربّ السماوات وما أظللن - إلى آخر ما نقلنا عنه في شرح المختار الثاني من باب كتبه ص 50 ج 17 قال ابن هشام وكان صلی اللّه علیه و آله وسلم يقولها لكل قرية دخلها .)وقال المسعودي في« مروج الذهب» (ص 8 ج 2 طبع مصر إِنَّ علياً علیه السلام لما خرج مع عسكره من مدينة الرسول إلى البصرة فساروا حتّی نزلوا الموضع المعروف بالزاوية صلّى أربع ركعات وعفّر خدّيه على التربة وقد خالط ذلك دموعه ثمَّ رفع يديه يدعو اللّهمَّ ربّ السماوات وما أظلت إلى آخر ما نقلنا عنه في (ص 50 ج 17) أيضاً، وقد بينا هناك أنَّ كلامه هذا ليس بمذكور في النهج بما ذكرناه هناك فراجع .)وفي الباب التاسع عشر من كتاب «الجهاد» من الجامع الكافي للكليني قدّس سرّه عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن جعفر بن محمد عن ابن القداح عن أبيه الميمون، عن أبي عبد اللّه علیه السلام أنَّ أمير المؤمنين علیه السلام كان إذا أراد القتال قال هذه الدعوات: اللّهم إنك أعلمت سبيلاً من سبيلك جعلت فيه رضاك، وندبت إليه أولياءك، وجعلته أشرف سبيلك عندك ثواباً، وأكرمها لديك مآباً، وأحبّها إليك مسلكاً ، ثمَّ اشتريت فيه من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون وعداً عليك حقاً ؛ فاجعلني ممن


1) المجتني من دعاء المجتبى : 49 ، والبحار 22/83

2) مكاتيب الرسول : 440/1 ح 12 ، وتفسير ابن كثير : 328/2.

اشترى فيه منك نفسه ثمَّ وفى لك ببيعه الذي بايعك عليه غير ناكث ولا ناقض عهداً ولا مبدلاً تبديلاً بل استيجاباً لمحبتك وتقرباً به إليك فاجعله خاتمة عملي وصيّر فيه فناء عمري وارزقني فيه لك به مشهداً توجب لي به منك الرضا وتحط به عنّي الخطايا، وتجعلني في الأحياء المرزوقين بأيدي العداة والعصاة تحت لواء الحق وراية الهدى ماضياً على نصرتهم قدماً غير مول دبراً، ولا محدث شكّاً، اللّهم وأعوذ بك عند ذلك من الجبن عند موارد الأهوال ومن الضعف عند مساورة الأبطال، ومن الذنب المحبط للأعمال فأحجم من شك أو أمضى بغير يقين فيكون سعيي في تباب وعملي غير مقبول (1.)أقول وكلامه هذا أيضاً ليس بمذكور في النهج» .وفي الباب السادس والأربعين من كتاب «الجهاد» من مستدرك الوسائل : صاحب الدعائم في شرح الأخبار عن جعفر بن محمد أنه قال : لما توافق النّاس يوم الجمل خرج علي علیه السلام حتّی وقف بين الصفّين ثمَّ رفع يده نحو السماء ثم قال: يا خير من أفضت إليه القلوب، ودعي بالألسن، يا حسن البلاء، يا جزيل العطاء أحكم بيننا وبين قومنا بالحقِّ وأنت خير الحاكمين(2.)وفي كتاب «صفين» النصر (ص 118 من الطبع الناصري : الأبيض بن الأغرّ عن سعد بن طريف، عن الأصبغ :قال ما كان عليّ في قتال قط إلا نادى : يا كهيعص ثمَّ قال نصر : فحدَّثني مالك بن أعين عن زيد بن وهب أنَّ عليّاً خرج إليهم فاستقبلوه فقال : ( اللّهم ربّ السقف المحفوظ المكفوف) - إلى آخر ما نقلناه عن أبي جعفر الطبري في شرح المختار) 236 من باب الخطب (ص 255 باب الخطب ص 255 ج 15) وأتى به الرضي في «النهج») وهو المختار 169 من باب الخطب وبين النسخ الثلاث اختلاف في الجملة.)وفي مهج الدعوات لسيد بن طاووس ( ص 136 طبع إيران 1329 ه-) أن أمير المؤمنين دعا في يوم الجمل - ويروى أنه دعا بهذا الدعاء الجمل - ويروى أنه دعا بهذا الدعاء يوم الجمل قبل الواقعة : اللّهمَّ إنّي أحمدك وأنت للحمد أهل على حسن صنعك إليَّ وتعطفك عليَّ وعلى ما وصلتني به من نورك وتداركتني به من رحمتك وأسبغت عليَّ من نعمتك فقد اصطنعت عندي يا مولاي ما يحق لك به جهدي وشكري لحسن عفوك وبلائك القديم عندي وتظاهر نعمائك عليّ، وتتابع أياديك لديَّ، لم أبلغ إحراز حظي ولا صلاح (3)نفسي : ولكنك يا مولاي بدأتني أولاً)


1) الكافي : 146/5 ح1، ونهج السعادة : : 313/6 - 89

2) مستدرك الوسائل : 108/11 ح 12550 ، 12550 ، ونهج السعادة 294/6 ح 73

3) في نسخة : إصلاح خ ل .

بإحسانك فهديتني لدينك، وعرفتني نفسك، ثبَّتَني في أموري كلها بالكفاية، والصنع لي، فصرفت عني جهد البلاء، ومنعت منّي محذور الأشياء (1فلست أذكر منك إلا جميلاً ، ولم أر منك إلا تفضيلاً .)يا إلهي كم من بلاء وجهد صرفته عنّي وأريتنيه في غيري ، فكم (2من نعمة أقررت بها عيني، وكم من صنيعة شريفة لك عندي .)إلهي أنت الذي تجيب عند(3 الإضطرار دعوتي وأنت الذي تنفّس عند الغموم كربتي، وأنت الذي تأخذ لي من الأعداء بظلامتي ، فما وجدتك ولا أجدك بعيداً منّي حين أريدك ولا منقبضاً عني حين ،أسألك ولا مُعرِضاً عنّي حين أدعوك .)فأنت إلهي أجد صنيعك عندي محموداً، وحسن بلائك عندي موجوداً، وجميع أفعالك عندي جميلاً، يحمدك لساني وعقلي وجوارحي وجميع ما أقلت الأرض منّي .يا مولاي أسألك بنورك الذي بنورك الذي اشتققته من عظمتك، وعظمتك التي اشتققتها من مشيئتك ، وأسألك باسمك الذي علا أن تمنَّ عليَّ بواجب شكري نعمتكرب ما أحرصني على ما زهّدتني فيه وحثثتني عليه إن لم تعنّي على دنياي بزهد وعلى آخرتي بتقوای هلکترب دعتني دواعي الدُّنيا من حرث النساء والبنين فأجبتها سريعاً، وركنت إليها طائعاً، ودعتني دواعي الآخرة من الزهد والإجتهاد فكبوت لها ولم أُسارع إليها مسارعتي إلى الحطام ،الهامد والهشيم البائد والسّراب الذاهب عن قليلربّ خوفتني وشوقتني واحتجبت عليَّ فما خفتك حق خوفك وأخاف أن أكون قد تثبطت عن السعي لك وتهاونت بشيء من احتجابك (4)اللّهم فاجعل في هذه الدُّنياسعيي لك وفي طاعتك، واملأ قلبي خوفك، وحوّل تثبيطي وتهاوني وتفريطي، وكلّما أخافه من نفسي فرقاً منك وصبراً على طاعتك، وعملاً به يا ذا الجلال والإكرام، واجعل جُنّتي من الخطايا حصينة، وحسناتي مضاعفة فإنّك تضاعف لمن تشاءاللّهمَّ اجعل درجاتي في الجنان رفيعة وأعوذ بك من رفيع المطعم والمشرب، وأعوذ بك من شرّ ما أعلم ومن شرّ ما لا أعلم وأعوذ بك من الفواحش كلّها ما ظهر منها وما


1) في نسخة : القضاء خ ل

2) في نسخة : وكم .

3) في نسخة في.

4) في نسخة : احتجاجك .

بطن، وأعوذ بك ربّي أن أشتري الجهل بالعلم كما اشترى غيري أو السفه بالحلم، أو الجزع بالصبر، أو الضلالة بالهدى أو الكفر بالإيمان، يا ربّ مُنَّ عليّ بذلك فإنّك تتولّى(1الصاحين ولا تضيع أجر المحسنين والحمد لله ربّ العالمين (2))أقول:وإنّما نقلنا الدعاء بطوله لأنه من الأدعية العالية المضامين كما لا يخفى على المتأمل ولم يأت به الرضي في النهج»، وكم من أدعية له وقد بلغت في الفصاحة والبلاغة درجة رفيعة ومرتبة منيعة غير مذكورة في النهج .وفي الباب 46 من كتاب الجهاد من كتاب« الجهاد من مستدرك الوسائل» نقلاً عن الجعفريات: أخبرنا عبد اللّه بن محمد قال: أخبرنا محمد بن محمد عن أبيه عن عن جده علي بن الحسين عن أبيه، عن علي بن أبي طالب علیه السلام : إن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم إذا لقي العدوّ عبّى الرجال وعبّى الخيل وعبّى الإبل ثمَّ يقول : اللّهم أنت عصمتي وناصري ومانعي اللّهم بك أصول وبك أقاتل(3.)قال وبهذا الإسناد عن علي بن أبي طالب علیه السلام قال : لما كان يوم خيبر بارزت مرحباً ، فقلت ما كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم علمني أن أقوله : اللّهم انصرني ولا تنصر عليَّ ، اللّهم اغلب لي ولا تغلب عليَّ اللّهم تولني ولا تولّ عليَّ ، اللّهم اجعلني لك ذاكراً لك شاكراً لك راهباً لك منيباً مطيعاً أقتل أعداءك فقتلت مرحباً يومئذ وتركت سلبه وكنت أقتل ولا آخذ السلب.قال : وبهذا الإسناد عن علي بن أبي طالب علیه السلام : أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم دعا يوم الأحزاب : اللّهمَّ منزل الكتاب منشر السحاب واضع الميزان أهْزِمِ الأحزاب عنّا ،وذللهم وفي نسخة : وزلزلهم (4.)وقال المفيد رحمه اللّه في الإرشاد» (ص 217 طبع طهران 1377 ه- روي عن علي بن الحسين زين العابدين علیه السلام أنه قال لما أصبحت الخيل تقبل على الحسين علیه السلام رفع يديه وقال : اللّهم أنت ثقتي في كلّ كرب وأنت رجائي في كلّ شدّة وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من هم يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدوّ أنزلته بك وشكوته إليك رغبة مني إليك عمن سواك ففرّجته عني وكشفته فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة(5).)


1) في نسخة : تولّى.

2) مستدرك الوسائل : 111/11 ، وبحار الأنوار: 235/91

3) دعائم الإسلام : 371/18 ، ومستدرك الوسائل : 107/11 ح 12548

4) مستدرك الوسائل : 110/11 .

5) الكافي 579/2 ، وتهذيب الأحكام : 84/3

وقد قال الشيخ قدس سرّه إِنَّ أبا القاسم جعفر بن محمد بن قولويه قال: بن قولويه :قال حدثني الحسين بن محمد بن عامر عن رجل عن ابن أبي عمير، عن حفص البختري عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : كان من دعاء النبي يوم الأحزاب : اللّهم أنت ثقتي في كلّ كرب وأنت رجائي في كلّ شدَّة وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدة كم من كرب يضعف عنه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل عنه القريب ويشمت به العدو وتعنيني فيه الأمور أنزلته بك وشكوته إليك راغباً إليك فيه عمن سواك ففرّجته شكوته فكفيتنيه فأنت وليُّ كلّ نعمة وصاحب كلّ حاجة ومنتهى كلّ رغبة لك الحمد كثيراً ولك المنّ فاضلاً (1، انتهى . فكلام سيد الشهداء في كربلاء مقتبس من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وهو علیه السلام تأسی به صلی اللّه علیه و آله وسلم)كما أنَّ أبا عبد اللّه الصادق كان يدعو بهذا الدُّعاء متأسياً بجده رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم وقد رواه السيد ابن طاووس رحمه اللّه في باب أدعية الصادق من مهج الدعوات (ص (269 ونظائر هذه الأدعية والأوراد والأذكار عن أئمتنا الطاهرين اللّه إذا لقوا العدوّ كثيرة وما أتينا بها ههنا شرذمة وأنموزجة عن ما رويت عنهم علیهم السلام ونقل طائفة منها السيد ابن طاووس في مهج الدعوات وفي الجوامع الروائية ك- «البحار» وغيرها مذكورة بإسنادها وسلسلة رواتها صفحنا عن نقلها بأسرها لئلا يفضي إلى الإسهاب .)كان طالب الأمر السديد وسالك النهج الرشيد يجب له أن يدين اللّه بما أوضحه ومن حماة الدين ويعبده على سيرة حججه الهادين المهديين الذين لا يرى في فعلهم غيّ ولا في منطقهم خطأ فإنّهم الحكماء المؤيّدون من عند اللّه والمؤدبون بتأديبه تعالى لا يرون في جميع أحوالهم سواء في السراء والضراء والشدَّة والرخاء والعافية والبلاء إلا اللّه تعالى، ولا يرى منهم عمل إلا له تعالى، فطوبى لمن اقتفى أثرهم واقتدى بهديهم.قوله علیه السلام : إليك أفضت القلوب - إلخ » قد ذكرنا في أبحاثنا السالفة أنَّ الجهاد عبادة وأنّه من أعظم العبادات بل أنّه أشرف الأعمال بعد الإسلام كما هو نص ما قاله الأمير علیه السلام باب 15 337 من الطبع على الحجر. فلو كان مشوبة كتاب الجهاد» من «الكافي ص من بالرياء لم يتقبل اللّه وقال عزّ من قائل:( فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكَ بِعِبَادَةِ احدا))ثمَّ عند إقبال الجهاد يمتحن الرجال ويميّز الخبيث من الطيب فمن استعد له فقد انقاد المولى وذل له .ولما كان بين النفس والبدن ارتباط تام واتصال كامل بحيث يتأثر كل واحد منهما عن


1) الكافي : 579/22 ، والأمالي : 273 ح 4.

الآخر كما قدَّمنا البحث عنه في شرح« المختار» 232 من باب الخطب (ص 53ج 15) وأن قوى البدن كلّها جنود للنفس فلا جرم ينقاد البدن للنفس ويحكي أحوالها الطارئه لها وإن كان سرّ الحكاية مستوراً عنا فإنا نعلم علماً يقيناً أنَّ الإنسان إذا تحيّر في أمر أو خجل يطرق رأسه، وإذا أدرك حقيقة واطلع على مبهم معضل يحركه علواً وسفلاً، وإذا أدركه كمه يحركه يميناً وشمالاً، وإذا صدّق أمراً يؤميه إلى قدامه وإذا أنكره يؤبيه إلى خلفه، وإذا خاف من شيء ينقبض البدن وتقف القوى عن أعمالها إن كان خوفاً شديداً، أو يدبر ويفرّ إن كان خفيفاً، وإذا غضب على غيره يتسدّل حاجباه وتنقبض ناصيته وتنبسط القوى وتبطش وتقوى على حدّ تخرج الحدقتان محمرتين ويحمر البدن من جهة خروج الدم إلى ظاهر البدن وقتئذ، وإذا تعجب من أمر يخرج شفته السفلى ويرفع حاجبيه ويخرج حدقتيه، وإذا تعشق أمراً عرضت له حالة أخرى وقد يستفاد من حركات اليدين والحاجبين والعينين والشفتين رموز وأمور لا تحصى وحالات البدن الحاكية أحوال طارئة للروح لا تكاد تمكن أن تحرّر وإذا تأملت في الأحوال المختلفة العارضة للمصلي في صلاته تنكشف لك أسرار أخرى فإنّه في تكبيرة الإحرام يرفع يديه إلى حذاء شحمتي أذنه ويستقبل القبلة ببطون يديه وفي قنوته يرفع يديه على وجه آخر مع ذكر خاص وفي ركوعه يمذ عنقه مع ذكر خاص ويفرج بين أصابعه وجه آخر مع ذكر خاص وفي ركوعه يمد عنقه مع ذكر خاص ويفرج بين أصابعه ويملأ بها ركبتيه، وفي سجوده يضمّها ويجعل رأسه بين كفّيه وهكذا حالاته الأخرى في الصلاة لسنا الآن في مقام بيانها ونكتفي بذكر عدة روايات رواها ثقة الإسلام الكلني رحمه اللّه في «الکافی » ونقلها الفيض رحمه اللّه في باب الإشارات في الدُّعاء من «الوافي» (ص 222 ج 5).)روى الكليني قدّس سرّه بإسناده عن أبي إسحاق، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : الرغبة أن تستقبل ببطن كفّيك إلى السماء والرهبة أن تجعل ظهر كفّيك إلى السماء وقوله : وتبتل إليه تبتيلاً قال : الدُّعاء بإصبع واحدة تشير بها والتضرّع تشير باصبعيك وتحركهما، والابتهال رفع اليدين وتمدهما وذلك عند الدَّمعة ثمَّ ادع (1.)وروى عن مروك بياع اللؤلؤ عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : ذكر الرغبة وأبرز باطن راحتيه إلى السماء وهكذا الرهبة وجعل ظهر كفيه إلى السماء وهكذا التضرّع وحرّك أصابعه يميناً وشمالاً وهكذا التبتل ويرفع أصابعه مرَّة ويضعها مرة وهكذا الابتهال ومد يديه ( يده - خ ل تلقاء وجهه إلى القبلة ولا يبتهل حتّی تجري الدمعة(2).)


1) الكافي : 479/2 ح 1 ، وشرح أصول الكافي : 250/10 ح 1.

2) الكافي : 22/ 480 3 ، وشرح أصول الكافي : 251/10 ح 3 .

وروى بإسناده عن العلاء، عن محمد قال : سمعت أبا عبد اللّه يقول : مرَّ بي رجل وأنا أدعو في صلاتي بيساري فقال : يا أبا عبد اللّه بيمينك فقلت : يا عبد اللّه إنَّ اللّه تعالى حقاً على هذه كحقه على هذه وقال : الرغبة تبسط يديك وتظهر باطنهما والرهبة تبسط يديك تظهر ظهرهما، والتضرّع تحرّك السبابة اليمنى يميناً وشمالاً، والتبتل تحرّك السبابة اليسرى ترفعها إلى السماء رسلاً ،وتضعها والابتهال تبسط يدك وذراعك إلى السماء والابتهال حين ترى أسباب البكاء (1.)وروى عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : سألته عن الدعاء ورفع اليدين فقال : على أربعة أوجه أما التعوّذ فتستقبل القبلة بباطن كفّيك، وأمّا الدُّعاء في الرزق فتبسط كفيك وتفضي باطنهما إلى السماء، وأما التبتل فإيماؤك باصبعك السبابة، وأما الابتهال فرفع يديك تجاوز بهما رأسك، ودعاء التضرّع أن تحرّك إصبعك السبابة مما يلي وجهك وهو دعاء الخيفة .وروي عن الخزاز، عن محمّد :قال سألت أبا جعفر عن قول اللّه تعالى: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ قال : الاستكانة هي الخضوع والتضرع رفع اليدين والتضرُّع بهما (2).)وروى عن محمّد وزرارة قالا : قلنا لأبي عبد اللّه علیه السلام : كيف المسألة إلى اللّه تعالى؟ قال : تبسط كفيك قلنا : كيف الإستعاذة ؟ قال : تفضي بكفيك والتبتل الإيماء بالإصبع والتضرع تحريك الإصبع، والإبتهال أن تمد يديك جميعاً (3.)أقول: لما انجرَّ كلامنا إلى هنا أقبلنا شهر رجب المرجب من سنة ست وثمانين وثلاثمائة بعد الألفمن الهجرة على هاجرها ألف تحية وصلاة وسلام، وقد خلت الشهر تسع ليال وهذه ليلة الثلاثاء العاشرة منه، وتذكرت دعاء كل يوم من رجب المرجب المأثور عن الصادق رواه المجلسي رحمه اللّه في المجلد العشرين من البحار» (ص 342 من الطبع الكمباني) قال :)ومن الدَّعوات كل يوم من رجب ما ذكره الطرازي أيضاً فقال : دعاء علمه أبو عبد اللّه علیه السلام محمّد السجاد وهو محمّد بن ذكوان يعرف بالسجاد قالوا : سجد وبكى في سجوده حتّی عمى. روى أبو الحسن علي بن محمد البرسي رضي اللّه عنه قال : أخبرنا الحسين بن


1) الكافي : 480/2ح4 ، وشرح أصول الكافي : 252/10 ح 4.

2) الكافي : 480/2 ، ووسائل الشيعة : 4 / 1100 ح 12 .

3) وسائل الشيعة: 49/7 8687.

أحمد بن شيبان قال: حدثنا حمزة بن القاسم العلوي العباسي قال : حدثنا محمد بن عبد بن عمران ،البرقي عن محمد بن علي الهمداني قال : أخبرني محمد بن سنان عن محمّد السجاد في حديث طويل قال : قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام جعلت فداك هذا رجب علمني فيه دعاء ينفعني اللّه به، قال : فقال أبو عبد اللّه علیه السلام : اكتب: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وقل في كل يوم من رجب صباحاً ومساءً وفي أعقاب صلواتك في يومك وليلتك: «يا من أرجوه لكل خير وآمن سخطه عند كل شر، يا من يُعطي الكثير بالقليل يا من يعطي من سأله با من يعطي من لم يسأله ومن لم يعرفه تحتناً منه ورحمة أعطني بمسألتي إيّاك جميع خير الدُّنيا و جميع خير الآخرة، وأصرف عني بمسألتي إيّاك جميع شرَّ الدُّنيا وشر الآخرة فإنّه غير منقوص ما أعطيت وزدني من فضلك يا كريم :قال ثمَّ مدَّ أبو عبد اللّه يده اليسرى فقبض على لحيته ودعا بهذا الدعاء وهو يلوذ بسبابته اليمنى ثمَّ قال بعد ذلك : «يا ذا الجلال والإكرام يا ذا المن والطول حرم شيبتي على النّار. وفي حديث آخر ثم وضع يده على لحيته ولم يرفعها إلا وقد امتلى ظهر كفّه دموعاً . انتهى (1.)في قوله علیه السلام : وهو يلوذ بسبابته اليمنى إشارة إلى التبتل والتضرع والإلتجاء بتحريكها ففي« النهاية» الأثيرية يقال : لاذ به يلوذ إذا التجأ إليه وانضم واستغاث وقال الطريحي في «المجمع»: وقوله : وتلوذ بسبابتك أي تتضرع بسبابتك بتحريكها .ثمَّ إِنَّ الجهاد يستلزم المتاعب من نصب السفر، وحمل الأثقال وأوزار الحرب، وسهر الليالي لئلا يأتي العدوّ من مكان مخافة أو أمن وغيرها ممّا يقبل للمجاهدين على أنحاء شتی .وهو علیه السلام لم أشار إلى الأول بقوله : (إليك أفضت القلوب أي إن هذه العبادة التي هي أشرف الأعمال خالصة لوجهك الكريم، أو أنها أفضت إليك بسرها وإنما تشكو بنها وحزنها إليك ودخلت بفنائك وساحتك ولا تعبد غيرك ولا تعرف إلا إياك ولا تقرع إلا بابك، وقدم الظرف للحصر .)وإلى الثاني بقوله : (ومدت الأعناق وشخصت الأبصار لما دريت من أن قوى البدن جنود للقلب وأن البدن يحكي الحالات الطارئة عليه فإذا أخلصت القلوب وانقادت له وطارت ووصلت إليه تمد الأعناق تبعاً للقلوب اظهاراً للمذلة والعبودية وترفع الأبصار إليها كذلك لا ترى غيرها ولا ترجو الرحمة والفيض إلا من عنده .)وإلى الثالث بقوله : (ونقلت الأقدام وأنضيت (الأبدان لأنّ متاعب السفر مستلزم للكلال


1) الكافي: 585/2 ، وإقبال الأعمال: 211/3

والهزال ،لایخفی لطائف کلامه علیه السلام حیث جمع بین الافضاء والانضاء وكذا بين عدة جوارح البدنقوله علیه السلام : « اللّهم قد صرّح مكنون الشنآن» بين علیه السلام في كلامه هذا أنَّ مقاتلوه كانوا يعاندونه ويبغضونه إلا أنّهم كانوا لا يظهرون العداوة والبغضاء لعدم استطاعتهم بالإظهار إمّا لوجود النبي وإما لفقدانهم أعواناً ولما ارتحل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم أو وجدوا أعواناً أظهروهما وسيأتي قوله في «المختار» السادس عشر في معانديه : فوالذي فلق الحبة وبريء النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلما وجدوا أعواناً عليه أظهروه.)وقد تظافرت الآثار على أن شبل أسد اللّه أبا عبد اللّه الحسين علیه السلام لمّا احتجّ في الطف على شذاذ الأحزاب ونبذة الكتاب بما احتج إلى أن أنهى كلامه لهم بقوله : فيم تستحلون دمي (1؟ أجابوه بقولهم: بغضاً لأبيك .)وإنما استكنّوا في صدورهم عداوة أمير المؤمنين علیه السلام لما رأوا منه في بدر وأحد وغيرهما من المواطن وقد مضى في الكتاب العاشر قوله علیه السلام لمعاوية: (فأنا أبو حسن قاتل جدك وخالك وأخيك شدخاً يوم بدر - إلخ ، وناهيك في ذلك عمل يزيد برأس ابن بنت رسول اللّه إبرازاً للعداة المستجنّة في صدره حيث دعا بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحسين وجعل يتمثل بأبيات عبد اللّه بن الزبعري وأضاف بعض أشعاره إليها فقال :)ليت أشياخی ببدر شَهِدوا جزع الخزرج من وقع الأسللأهلوا واستهلّوا فَرَحاً ثم قالوا یايزيد لا تشَلْفقتلنا الضعف من أشرافهم وعدلنا ميل بدرٍ فَاعْتَدَللعبت هاشم بالملك فلا خبرجاء ولا وحي نزللستُ من خندف إن لم أنتقم*** من أحمد ما كان فعلوقيل : إنّه قالها بعد وقعة الحرَّة بدليل قوله علیه السلام : جزع الخزرج فإنَّ المراد من الخزرج الأنصار كانوا في المدينة لأنَّ الأنصار كانوا من قبيلتي الأوس والخزرج وقد قتل الأنصار في وقعة الحرة، وأن الأبيات ليزيد نفسه قالها على وزن أبيات ابن الزبعري، ولكنّه ،وهم، وقد قال المبرد في الكامل» (ص 257 1 ج 2 طبع مصر : قال ابن الزبعري في يوم أحد: ليت أشياخي - إلخ . وكذا قال ابن هشام في السيرة النبوية ( ص 136 ج 2 طبع مصر 1375 ه-) إن ابن الزبعري قال في يوم أحد ليت أشياخي - إلخ، وقد أتى بستة عشر بيناً قالها ابن)


1) الأمالي ،223 ، وصحيفة الحسين : 302

الزبعري في ذلك اليوم ثم بعده نقل خمسة عشر بيتاً قالها حسّان بن ثابت الأنصاري ردا على ابن الزبعري وقد استشهد بأحد من الأنصار اثنا عشر رجلاً كما قال ابن هشام في السيرة (ص 122 ج 2 ولذا قال ابن الزبعري: جزع الخزرج .)بیان قوله وعدلنا ميل بدر فاعتدل، يعني أن أشياخهم الكافرين لما قتلوا في بدر بأيدي المسلمين صار قتلهم سبباً لاعوجاج أمرهم وشأنهم وما زال كان معوجاً حتّی أن من بقي منهم قتلوا جماعة من المسلمين في أحد فاستقام أمرهم أي اعتدل الميل والإعوجاج.وقال أبو علي القالي في «الأمالي» (ص 142 ج 1 طبع مصر 1344 ه- : قال يعقوب بن السكيت : العرب تقول : لأقيمنَّ مَيْلَكَ وجَنَفَك ودَرءَك وصغاك وصَدعَك وقَذلك وضَلْعَك كلّه معنى واحد ، يقال : ضَلع فلان مع فلان أي ميله وقال غيره : فأما الضَّلَع فَخِلْقة تكون في الإنسان، وقرأت على أبي بكر بن دريد لأبي كبير الهذلي :)نضع السُّيُوف على طوائف منهم ***فنقيمُ منهم ميل مالم يُعْدَلالطوائف :النَّواحي: الأيدي والأرجل والرُّؤوس، وقوله : (ميل ما لم يعدل، قال : میله فضله وزيادته، وإنّما يريد أن هؤلاء القوم كانوا غَزَوْهم فقتلوهم فكأن ذلك القتل ميل على هؤلاء القوم، ثمّ إنّ هؤلاء القوم المقتولين غَزَوْهم بعد فقتلوهم فكأن قتلهم لهم قيام(1)للميل، وهذا كقول ابن الزّبَعْري:)*وأقمنا ميل بدر فاعْتَدَل *يقولها في يوم أحد يقول : اعتدل ميل بدر إذ قتلنا مثلهم يوم أحد . انتهى .أقول: ما أفاد القالي يرجع بالدقيق من النظر إلى المعنى الذي تبادر إليه ذهننا أولاً، ثمّ إن البيت قد نقل هكذا :قد قتلنا القَرْمَ من ساداتهم ***وقتلناه ببدر فاعتدلولكنَّ المصراع الثاني محرّف، والصواب ما اخترناه وهو الذي أتى به ابن هشام في «السيرة النبوية» والقالي في «الأمالي».قاله علیه السلام : وجاشت مراجل أضغانهم شبه صدورهم بالقدور وبيّن أنّها أكنان الأضغان أي إنَّ مظروفها الأحقان الكامنة الواغرة فيها في حياة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وقبل وجدان الأعوان وقد غلت الآن بما تيسر لهم ممّا هي كالنار الموقدة المغلية لها .قوله علیه السلام : « اللّهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا وكثرة عدوّنا وتشتت أهوائنا لمّا كان القوم


1) في نسخة: إقامة .

لم يقدروا في زمن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم على إظهار الضغائن وإبراز السرائر وتشتت الأهواء وبموته اصطلحوا على الشقاق والنفاق والمعاداة على كلمة اللّه العليا وحجّته على عباده وافتراق الكلمة شكى بلسانه ولسان تابعيه إليه تعالى غيبة نبيه .قوله علیه السلام : «ربنا افتح - إلخ » ثم انقطع إلى اللّه تعالى والتجأ إليه واستغاث منه فسأله عن نفسه وعن أتباعه أن يحكم بينه وتابعيه وبين أعدائهم بالحق وإن كان عالماً بأنَّ اللّه سيفعله إلاّ أنّه استفتح استنصار من اللّه ورغبة منه إليه تعالى وإخباراً عن نفسه بأنّه على الطريقة المثلى وعن أعدائه بأنّهم على العمياء وأنّهم فريق حقَّ عليهم الضلالة .ثمَّ إنّه علیه السلام طلب من اللّه تعالى أن يفرق بينه وبين أعدائه ويبعدهم عنه ويفصل بينهما لما دريت من أنَّ الفتح هو الفصل فإذا حكم بينهما بالفصل يميز الطيب من الخبيث والحق من الباطل وعند ذلك يفتضح الباطل ويحلّ إلى دار البوار فكأنَّ هذا القول دعاء عليهم والمراد أنه علیه السلام دعا عليهم أن ينزل اللّه عليهم عذاباً يدلّ على كونهم مبطلين وعلى أنه علیه السلام وقومه محقين، ولم يصرّح في كلامه هذا أن أيهما على الحق وأي فريق على الباطل بل أبهم فيذلك لأنّه أدلّ على المقصود وأشدّ في تبكيت الخصم وأوفق بأسلوب المحاورة. وهذا الكلام اقتباس من القرآن العظيم حكاه اللّه تعالى عن نبيه شعيب صلوات اللّه عليه مع قومه حيث قال عزّ من قائل: «قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88»«قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)» [الأعراف: 88، 89] .)ويُعجبني في المقام» نقل خطبة من عبد اللّه بن عباس رحمه اللّه فإنه أجاد بما أفاد ونطق بالحق وهدى إلى الرشاد والسداد وأوصى وصية مفضي النصح والصدق والوداد نقلها نصر بن مزاحم في كتاب «صفين» (ص 164 من الطبع الناصري قال نصر : قال عمر : حدثني خالد بن عبد الواحد الجزري قال : حدثني من سمع عمرو بن العاص قبل الوقعة العظمى بصفين وهو يحرض أصحابه بصفّين فقام محنياً على قوس فقال - وبعدما نقل قول عمرو بن العاص قال : ثم قام عبد اللّه بن العباس خطيباً فقال : الحمد لله رب العالمين الذي دحى تحتنا سبعاً وسمك فوقنا سبعاً ثم خلق فيما بينهنَّ خلقاً، وأنزل لهم فيها رزقاً، ثم جعل كل شيء يبلى ويفنى غير وجهه الحي القيوم الذي يحيى ويبقى ثمّ إن اللّه بعث أنبياء ورسلاً فجعلهم حججاً على عباده عذراً ونذراً لا يطاع إلا بعلمه وإذنه يمن بالطاعة على من يشاء من عباده ثم يثيب عليها ويعصى فيعفو ويغفر بحلمه لا يُقدَّر ،قدره، ولا يبلغ شيء مكانه، أحصى كل شيء عدداً وأحاط بكلّ شيء علماً)

ثمَّ إنّي أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله صلّى اللّه عليه إمام الهدى والنبي المصطفى وقد ساقنا قدر اللّه إلى ما قد ترون حتّی كان فيما اضطرب من حبل هذه الأمة وانتشر من أمرها أنَّ ابن آكلة الأكباد قد وجد من طغام أهل الشام أعواناً على علي بن أبي طالب ابن عمّ رسول اللّه وصهره وأول ذكر صلى معه بدري، قد شهد مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم كل مشاهده التي فيها الفضل ومعاوية وأبو سفيان مشركان يعبدان الأصنام.واعلموا و اللّه الذي ملك الملك وحده فبان به وكان أهله لقد قاتل علي بن أبي طالب مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وعلي يقول : صدق اللّه ورسوله ومعاوية وأبو سفيان يقولان : كذب اللّه ورسوله، فما معاوية في هذه بأبرّ ولا أتقى ولا أرشد ولا أصوب منه في تلكم، فعليكم بتقوى اللّه والجد والحزم والصبر و اللّه إنّكم لعلى الحق، وإنَّ القوم لعلى الباطل فلا يكونن أولى بالجد في باطلهم منكم في حقكم .أما و اللّه إنا لنعلم أنَّ اللّه سيعذبهم بأيديكم أو بأيدي غيركم، اللّهم ربنا أعنا ولا تخذلنا وانصرنا علىس عدوّنا ولا تخل عنا وافتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته أقول قولي وأستغفر اللّه لي ولكم (1.)


1) بحار الأنوار: 489/32ح421، وشرح النهج : 252/5 .

### الترجمةامیرالمؤمنین( علیه السلام با دشمن کارزارکننده روبرو می شد، :گفت بارخدایا دلهای ما به سوی تو کوچ کرده و در کوی تو آرمیده است و گردنها در بندگی تو کشیده شده و چشمها به روی تو گشوده گشت و پاها به جانب تو رهسپار شده و بدنها در راه تو نزار گردیده .است بار خدایا دشمنان ما دشمنیهای دیرینه را آشکار کردند و سینههایشان که آکنده از کینه بود چون دیگ به جوش آمد بارخدایا از نبودن پیغمبر خود و بسیاری دشمنان و پراکندگی و اختلاف اندیشه هایشان به تو شکایت آوریم (که قوم از نبودن پیغمبر میدان گرفتند و درپی پی اظهار دشمنی نهفته و ابر از کینه نهانی برآمدند).)مهر درخشنده چو پنهان شود ***شب پره بازی گر میدان شودپروردگار ما ،میان ما و این گروه به حق حکم به فرما (تا محق از مبطل برای همه آشکار شود که تو بهترین حکم کنندگانی)

## كان يقول عليه الصلاة والسلام لاصحابه عند الحرب وهذا هو المختار السادس عشر من باب المختار من كتبه ورسائله علیه السلام### اشارةلا تَشْتَدَّنُ عَلَيْكُمْ فَرَّةٌ بَعْدَها كَرَّةٌ، وَلا جَوْلَةٌ بَعْدَها حَمْلَةٌ. وَأَعْطُوا السَّيُوفَ حُقُوقها . وَوَطْتُوا لِلْجَنُوبِ مَصارِعَها وَاذْمُرُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الطَّعْنَ الدَّعْسِي ، والضَّرْبِ الطَّلَخْفِيِّ. وَأَمِيتُوا الأَصْوات فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ. والذي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ السَمَةَ ما أَسْلَمُوا ولكن اسْتَسْلَمُوا وَأَسَرُوا الكُفْرَ فَلَمّا وَجَدُوا أَعْواناً عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ (1.)### المصدرقوله هذا على النضد المذكور ما وجدناه فيما حضرني من الكتب والرسائل مع طول الفحص وكثرة الطلب إلا أنَّ المجلسي رحمه اللّه قد نقله في المجلد الثامن من «البحار» (ص 626 من الطبع الكمباني وفي المجلد الحادي والعشرين (ص 102) من ذلك الطبع) عن نهج البلاغة أيضاً ولم يذكر مأخذاً آخر.)وكذا نقله المحدّث النوري في كتاب« الجهاد»من المستدرك عن النهج بلا ذكر سند آخر وفيه نقل - از مروا - بالزاي ولكنه تصحيف من التاسخ (ص 259 ج 2 وكذلك في الموضع الثاني من« البحار».)نعم قد وجد متفرقاً في أقواله الأخرى المروية في الجوامع الروائية مما سنتلوها عليك، ولا بعد أن يكون هذا القول ملتقطاً منها لما قد نبهناك عليه غير مرَّة من أنَّ هذه عادة الرضي رضوان اللّه في النهج، فإنَّ غرضه كان التقاط الفصيح والبليغ من كلامه ولعله نقله عن مأخذ لم يحضرنا و اللّه تعالى هو العالم، ولكنَّ المتدرّب في أساليب الكلام يعلم أن قوله علیه السلام : (والذي فلق الحبة - إلخ خارج من أسلوب ما قبله وسيأتي رواية نصر في كتاب صفين» المتضمنة هذا القول ويعلم أنه في رواية على حدة وبالجملة لو لم نقل أن عبارات هذا المختار ملفقة من أحاديث شتّى فيكون ذيلها أعني والذي فلق إلى آخره التقط النقط من رواية آت نقلها ولفّق إلى ما قبله فمما لا ينبغي أن يرتاب فيه، فنقول :)قد رويت عنه علیه السلام في الجوامع الروائية والمجاميع التي دونها القدماء في أمور متنوعة وعلوم ،متفنّنة، وكتب المغازي والملاحم والتواريخ والسير روايات متظافرة ووصايا متكاثرة


1) نهج البلاغة (محمد عبده : 16/3 ، ونهج السعادة: 349/8 ح .50

بطرق عديدة وإسناد كثيرة في آداب الحرب ورسومها وهي سننّ كليّة لن تجد لها بمضي الليالي والأيام وانصرام الشهور والأعوام تبديلاً ولا تحويلاً، اللّهم إلا في آلات السلاح وأوزار الحرب ونذكر في «المقام» ما وجدناها في مظان مآخذها بالفحص والطّلب وفيها توجد ما أتى بها الرضي لههنا على أن مصادر طائفة مما في نهج البلاغة» تعلم بنقلها طائفة من أقوالها التي حرّض بها الناس على الجهاد .ففي الباب الخامس عشر من كتاب «الجهاد» من فروع الكافي لقدوة المحدثين الكليني قدس سره (ص 439 من الرحلي المطبوع على الحجر وفي الوافي) (ص 20 ج 9) وفي كلام له آخر - يعني أمير المؤمنين بقوله له .. وإذا لقيتم هؤلاء القوم غداً فلا تقاتلوهم حتّی يقاتلوكم فإذا بدؤوكم فانهدوا إليهم، وعليكم السكينة والوقار وعضوا على الأضراس فإنّه أنبأ للسيوف عن الهام وغضوا الأبصار، ومدوا جباه الخيول ووجوه الرجال وأقلوا الكلام فإنّه أطرد للفشل وأذهب بالوَهَلِ، ووظنوا أنفسكم على المبارزة والمنازلة والمحاولة، واثبتوا واذكروا اللّه عزّ وجلَّ كثيراً فإنَّ المانع للذُّمار عند نزول الحقائق أهل الحفاظ الذي يحُفُون براياتهم، ويضربون حافتيها وأمامها، وإذا حملتم فافعلوا فعل رجل واحد، وعليكم بالتحامي فإنّ الحرب سجال، لا يَشُدُّون عليكم كرَّةً بعد فرَّةٍ، ولا حملةً بعد جَوْلةٍ، ومن ألقى إليكم السلام قأقبلوا منه فاستعينوا بالبصر، فإنّ بعد الصبر النصر من اللّه عزّ وجلّ، إنَّ الأرض اللّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين (1))أقول : روي قوله علیه السلام في هذه الرواية بلفظ :« أقلّوا الكلام فإنّه أطرد للفشل» وروي في كلامه المقدّم ذكره من النهج بلفظ« أميتوا الأصوات فإنّه أطرد للفشل» .وفي رواية أخرى من «الكافي» أعني حديث مالك بن أعين الذي أتينا به في مصادر الوصيّة الرابعة عشرة من المختار من باب الكتب والرسائل بلفظ «أميتوا الأصوات فإنّه أطرد للفشل.وفي رواية نصر في« صفين» (ص 106 من الطبع الناصري بصورة: «وغضوا الأبصار وأخفضوا الأصوات وأقلوا الكلام »وقد نقلنا روايته كاملة في شرح المختار» 236 من باب الخطب (ج 15 (222) وتوافق رواية نصر رواية أبي جعفر الطبري في التاريخ» (ص 7 ج 4) وقد مضى نقل روايته في شرح المختار» 236 من باب الخطب أيضاً (ج 15 ص 238))ثمَّ إنّه علیه السلام على رواية «الكافي» نبّه أصحابه بقوله : «لا يشدّون عليكم كرَّةً بعد فرَّة، ولا حملة بعد جولة» على أن إدبار الخصم ربّما لا يكون عن هزيمة وذلك لأن الأعداء قد يولّون .


1) وسائل الشيعة : 96/15 ح 20058 ، وبحار الأنوار: 564/32 ح 469 .

الأدبار عن الحرب خدعة لكي يغتر المقاتلون المقابلون لهم بادبارهم عنها فيحسبون أنهم هزموا فيذهبون في آثارهم متفرقين وبعدما سلكوا مسافة كذلك يرجع إليهم الأعداء بغتةً ويحملون عليهم حملة يد واحدة ورجل واحدٍ فيهزمونهم .وعلى رواية النهج وصى علیه السلام أصحابه كذلك بقوله : لا تشتدَّنَّ عليكم فرّة بعدها كرّة ، ولا جولة بعدها حملة أي أنكم إذا رأيتم المصلحة في الفرار لجذب العدوّ إلى حيث تتمكنوا منه فلا يشق عليكم ولا تستصعبوه فإن الحرب خدعة.أو يقال في تفسير هاتين الجملتين أنه علیه السلام نبه أصحابه في الأولى على أن يواظبوا أنفسهم من الأعداء وإن فرّوا عن هزيمة واقعاً، وذلك لأن الأعداء ربّما ينهزمون ثمَّ يكرون على الفئة الغالبة لما رأو أنّهم خرجوا من مكامنهم وانتشروا في معسكرهم واطمأنوا بالغلبة على فرارهم وخرجوا من أوزار الحرب واشتغلوا بأنفسهم وغيرها مما لا يحصى كثرة أحوالها وأطوارها .وفي الثانية حرّضهم بأنّكم إذا اتفقت لكم الهزيمة من العدوّ وفررتم فلا تستحيوا من الكرة عليهم ثانياً ولا تحسبوها عاراً فإن هذه الكرة تتدارك الغرة ويناسب هذا التفسير الثاني قوله المروي في المستدرك عن فرات بن إبراهيم الآتي نقله : عاودوا الكر واستحيوا الفر.وفي «الإرشاد» للمفيد رحمه اللّه (ص 121 طبع طهران 1377 ه- : ومن كلامه علیه السلام حين دخل البصرة وجمع أصحابه فحرّضهم على الجهاد فكان ممّا قال : عباد اللّه انهدوا إلى هؤلاء القوم منشرحة صدوركم بقتالهم فإنّهم نكثوا بيعتي، وأخرجوا ابن حنيف عاملي بعد الضرب المبرح ، والعقوبة الشديدة، وقتلوا السيابجة، ومثلوا حكيم بن جبلة العبدي، وقتلوا رجالاً صالحين، ثمَّ تتبعوا منهم من نجى يأخذونهم في كل حائط وتحت كل رابية، ثم يأتون بهم فيضربون رقابهم صبراً ما لهم قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون؟ انهدوا إليهم وكونوا أشداء عليهم، والقوهم صابرين محتسبين تعلمون أنكم منازلوهم ومقاتلوهم ولقد وظنتم أنفسكم على الطَّعن الدَّعسي، والضرب الطلحفي، ومبارزة الأقران، وأي امرىء منكم أحس من نفسه رباطة جأش عند اللقاء ورأى من أحدٍ من إخوانه فشلاً فليذب عن أخيه الذي فضل عليكم كما يذب عن نفسه فلو شاء اللّه لجعله مثله (1))أقول : إنه علیه السلام قال في كلامه هذا: «ولقد وطنتم أنفسكم على الطعن الدعسي والضرب الطلحفي» وهو يشابه قوله المقدَّم واذمروا أنفسكم على الطعن الدعسي والضرب الطلخفي إلا أنَّ المفيد روى (الطلحفي بالحاء المهملة، وقد روى قوله في «الجمل» (ص 162)


1) نهج البلاغة : 2/2 ح 123 ، وبحار الأنوار: 171/32.

من طبع النجف ونسخة في« الجمل»: «وقد وطنتم أنفسكم على الضرب والطعن» من غير ذكر كلمتي( الدعسي والطلحفي)، وقد مضى نقل نسخة الجمل هذه في شرح« المختار» الثاني من كتبه ورسائله (ص 52 ج 17) (1))وفي كتاب «صفين» لنصر (ص 120 من الطبع الناصري عن عمر بن سعد، عن الرَّحيم بن عبد الرحمن، عن أبيه أنَّ عليّاً أمير المؤمنين علیه السلام حرَّض النّاس فقال : إِنَّ اللّه عزّ وجلّ قد دلّكم على تجارة تنجبكم من العذاب وتشفى بكم على الخير: إيمان باللّه ورسوله، وجهاد في سبيله، وجعل ثوابه مغفرة الذُّنوب ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من اللّه أكبر، فأخبَرَكُم بالذي يُحِبُّ فقال : إنَّ اللّه يُحبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص، وقدموا الدّارعَ ، وأخروا الحاسِرَ ، وعضوا مرصوص على الأضراس فإنّه أطرد للفشل وأولى بالوقار والتووا في أطراف الرماح فإنّه أُمور للأسنّة وراياتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلا في أيدي شجعانكم المانعي الذّمّار والصّبرُ عند نزول الحقائق أهل الحفاظ الذين يحفّون براياتِكم، ويكتنفونها يضربون خلفها وأمامها ولا تُضيّعوها ، أجزاء كل امرىء منكم رحمكم اللّهِ قِرْنَه وواسى أخاه بنفسه، ولم يكل قِرْنَه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه فيكتسب بذلك لائمة ويأتي به دناءة، وأنّى هذا وكيف يكون هكذا؟ هذا يقاتل اثنين، وهذا ممسك يده قد خلّى قرنه إلى أخيه هارباً منه وقائماً ينظر إليه من يفعل هذا يمقته اللّه فلا تعرَّضوا لمقتِ اللّه فإنّما مَرَدُّكم إلى اللّه قال اللّه لقوم : قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً، وأيم اللّه لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلموا من سيف الآخرة، استعينوا بالصدق والصبر فإنّه بعد الصبر ينزل النصر (2.)مالك وفيه أيضاً (ص 130 من ذلك الطبع : عن عمر، عن بن أعين عن زيد بن وهب أن علياًعلیه السلام لما رأى ميمنته قد عادت إلى موقفها ومصافها وكشف من بإزائها حتّی ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم فأقبل حتّی انتهى إليهم فقال : إنّي قد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم، وتحرزكم الجُفاة الطغاة وأعراب أهل الشام وأنتم لها ميم العرب والسّنام الأعظم، وعُمّار الليل بتلاوة القرآن وأهل دعوة الحق إذا ضلَّ الخاطئون فلولا إقبالكم بعد إدباركم، وكركم بعد انحيازكم وجب عليكم ما وجب على المُوَلّي يوم الزحف دُبُره، وكنتم فيما أرى من الهالكين، ولقد هؤن علي بعض وجدي وشفى بعض حاج نفسي أني رأيتكم بآخرة جزتموهم كما حازوكم وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم تحوزونهم بالسيوف ليركب أولهم آخرهم كالإبل المطرودة إليهم فالآن فاصبروا انزلت عليكم السكينة وتبتكم اللّه)


1) مستدرك الوسائل : 86/11 ، والإرشاد: 366/1 .

2) مستدرك الوسائل : 71/11 ح 12455 ، وبحار الأنوار: 28/97 ح 36 .

باليقين، وليعلم المنهزم أنّه مُسخط لِرَبِّه، ومُوبَقٌ نَفْسَه، وفي الفرار مَوْجِدة اللّه عليه، الذل اللازم، وفساد العيش وأن الفار لا يزيد الفرار في عمره، ولا يرضى ربه فموت الرجل مُحقاً قبل إتيان هذه الخصال خيرٌ من الرّضا بالتليس بها والإقرار عليها (1.)أقول : الرّواية الأولى قد ذكر طائفة منها العلامة ابن خلدون في الفصل السابع والثلاثين من الباب الثالث من المقدمة» وقال : انظر وصية علي علیه السلام وتحريضه لأصحابه يوم صفين تجد كثيراً من علم الحرب ولم يكن أحد أبصر بها منه قال في كلام له فسؤوا صفوفكم كالبنيان المرصوص - وفيه : (واخفتوا الأصوات فإنه أطرف للفشل وأولى بالوقار ) (ص 275 طبع مصر) .)وقد رواها أبو جعفري الطبري في تاريخه عن أبي مخنف (ص 11 ج 4) ولكن بين النسختين تفاوتاً في الجملة وأرى أن نسخة نصر أصح وأمتن وقد مضى نقل نسخة الطبري في شرح المختار 236 من باب الخطب ( ص 257 ج 15) وقد رواها المفيد في الإرشاد» (ص 127 طبع طهران (1377 ه- وتخالف الأوليين في الجملة، وهي رواية مالك بن أعين المروية في الباب الخامس عشر من جهاد «الکافی » (ص 338 من الطبع الرحلي المطبوع على الحجر 1315 ه-) وقد أشرنا آنفاً إلى نقله في مصادر المختار» الرابع عشر من باب الكتب إلا أن بين روايتي الكافي ونصر اختلافاً كماً وكيفاً وقد أتى الكليني قدَّس سرّه بزيادة فيها لم يأت بها نصر في صفّين» وهي من قوله : ولا تمثلوا بقتيل - إلى قوله : فيعير بها وعقبه من بعده .)والرواية الثانية مروية في «الكافي» أيضاً بعد الرّواية الأولى وإن كان يوجد بينهما اختلاف أيضاً فعلى نسخة «الکافی » : قال علیه السلام : إني رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم تحوزكم الجفاة الطغاة وأعراب أهل الشام وأنتم لها ميم العرب والسّنام الأعظم وعُمّار الليل بتلاوة القرآن ودعوة أهل الحق إذا ضل الخاطئون فلولا إقبالكم بعد إدباركم، وكركم بعد انحيازكم لوجب عليكم ما يجب على المُولّي يوم الزحف دبره وكنتم فيما أرى من الهالكين ولقد هوّن علي بعض وجدي وشفى بعض حاج صدري إذ رأيتكم حزتموهم كما حازوكم فأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم وأنتم تضربونهم بالسيوف حتّی ركب أوَّلهم آخرهم كالإبل المطرودة إليهم الآن، فاصبروا نزلت عليكم السكينة وثبتكم اللّه ،باليقين وليعلم المنهزم بأنه مسخط ربه، وموبق نفسه، إنَّ في الفرار موجدة اللّه (2والذل اللازم، والعار الباقي، وأن الفار لغير مزيد في عمره ولا محجور بينه وبين يومه ولا يرضى ربه ولموت الرجل محقاً قبل إتيان)


1) نهج البلاغة : 2/ 16 ح 16 ، وبحار الأنوار: 171/32 ح 131.

2) في نسخة :موجدة اللّه عليه .

هذه الخصال خير من الرضا بالتلبيس بها، والإقرار عليها(1)قوله : إليهم الآن: فعلى نسخة صفين» ظرف (والنون مخفّفة، وعلى نسخة «الکافی »من الأنين وهي مثقلة، والفرق بين سائر العبائر ظاهر.)ورواية نصر الثانية مذكورة في الجهاد البحار أيضاً (ص 99 ج 21 من الطبع (الكمباني :قال :وقال نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب أنَّ عليا علیه السلام - إلخ، فأسقط عمر بن سعد في الطبع الناصري .ثم تجد رواية مالك بن أعين في «الكافي» والتي نقلناها عن «الكافي» أولاً مشتركتين في جملة من الألفاظ والجمل والعبارات، كما أن نسختي نصر والكافي منقولتان عن مالك بن أعين إلا أنَّ الأولى منهما ذكرت أن مالك بن أعين روى عن زيد بن وهب، والثانية اكتفت بذكر مالك .وقد مضى كلامنا في شرح المختار 236 من الخطب (ص 257 الخطب ( ص 257ج 15 أن نسخة تاريخ الطبري أعني الرواية الأولى من كتاب «صفين لنصر مذكورة في «النهج» وهو المختار 122 من باب الخطب أوَّله : (فقدموا الدارع وأخروا الحاسر وعضوا على الأضراس فإنّه أنبا : للسيوف عن (الهام) - إلى آخره ونزيدك ههنا بياناً فنقول : ذلك المختار المذكور ملتقط وملفق عدة روايات إحداها هي الرواية الأولى من كتاب صفين) التي رواها ثقة الإسلام الكليني في «الكافي»، وأبو جعفر الطبري في التاريخ، والشيخ الأجل المفيد في «الإرشاد» كما مرَّ آنفاً وهذه الرواية التقطت وذكرت في صدر المختار 122) المذكور من أوله إلى قوله : لا تسلموا من سيف الآخرة .)والثانية هي الرواية الثانية من کتاب «صفين» لنصر التي رواها الكليني في «الكافي» أيضاً وهي قوله علیه السلام :( إني رأيت جولتكم وانحيازكم - إلخ، وقد التقط منها قوله علیه السلام : «وأنتم لهاميم العرب - إلى قوله : لا محجوز بينه وبين يومه المذكور في ذلك «المختار».)الثالثة ما رواها نصر في صفين» أيضاً (ص 207 من الطبع الناصري قال: حدثني رجل عن مالك الجهني، ، عن زيد بن وهب أن علياً علیه السلام مرَّ على جماعة من أهل الشام بصفّين فيهم الوليد بن عقبة وهم يشتمونه ويقصبونه فأخبروه بذلك فوقف في ناس من أصحابه فقال : انهدوا إليهم وعليكم السكينة وسيما الصالحين ووقار الإسلام و اللّه لأقرب قوم من الجهل باللّه عزَّ وجل قوم قائدهم ومؤدبهم ،معاوية وابن النابغة وأبو الأعور السلمي، وابن أبي معيط شارب الخمر والمجلود حدًّا في الإسلام وهم أولى يقومون فيقصبونني ويشتمونني، وقبل)


1) الكافى: 41/5 ، ووقعة صفين : 256 .

اليوم ما قاتلوني وشتموني وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الإسلام وهم يدعونني إلى عبادة الأصنام، فالحمد اللّه ولا إله إلا اللّه، وقديماً ما عاداني الفاسفون إنَّ هذا لهو الخطب الجليل أنَّ فساقاً كانوا عندنا غير مرضيين، وعلى الإسلام وأهله متخوّفين حتّی خدعوا شطر هذه الأمة فأشربوا قلوبهم حُبَّ الفتنة فاستمالوا أهواءهم بالإفك والبهتان، وقد نصبوا لنا الحرب، وجدوا في إطفاء نور اللّه و اللّه متم نوره ولو كره الكافرون، اللّهم فإنهم قد ردّوا الحق فافضض ،جمعهم وشتت كلمتهم أبسلهم بخطاياهم فإنّه لا يذل من واليت ولا يعزّ من عادیت (1.)وقد أتى بذيلها المفيد قدس سره في« الإرشاد» (ص 126 طبع طهران 1377 ه- ويوجد اختلاف يسير بينهما .)الرابعة رواية رواها نصر في صفين أيضاً بعد الرواية الثالثة عن نمير بن وعلة عن عامر الشعبي أن عليّ بن أبي طالب علیه السلام مرَّ بأهل راية فرآهم لا يزولون عن موقفهم فحرَّض الناس أَنَّ على قتالهم وذكر أنّهم غسان فقال : إنَّ هؤلاء القوم لن يزولوا عن موقفهم دون طعن دراك يخرج منه النسيم وضرب يفلق الهام ويطيح العظام، وتسقط منه المعاصم والأكف حتّى تصدع جباههم، وتنثر حواجبهم على الصدور ،والأذقان أين أهل الصبر وطلاب الخير؟ أين من يشري وجهه اللّه عزّ وجلّ، فثابت إليه عصابة من المسلمين فدعا ابنه محمّداً فقال له : امش نحو هذه الرّاية مشياً رويداً على هنيأتك حتّی إذا أشرعت في صدورهم الرماح فامسك يدك حتّی يأتيك أمري ورأيي(2.)وقد أتى بشطر من هذه الرواية الشيخ الأجل المفيد في «الإرشاد» (ص 127 و 128 من الطبع المقدم ذكره .)وقد التقط من هاتين الروايتين قوله علیه السلام : « اللّهم فإن ردّوا الحقِّ - إلى قوله : ويندر السواعد والأقدام المذكور في ذلك المختار .الخامسة رواية رواها نصر في صفين أيضاً (ص 283 من الطبع الناصري) عن عمر بن سعد، عن إسحاق بن يزيد عن الشعبي أن علياً علیه السلام قال يوم صفين حين أقر الناس بالصُّلح: إن هؤلاء القوم لم يكونوا ليفيئوا إلى الحقِّ ولا ليجيبوا إلى كلمة السواء حتّى يُرْمَوا بالمناسر تتبعها العساكر، وحتّى يُرجَموا بالكتائب تقفوها الجلائب و حتّی يُجرَّ ببلادهم الخميس يتلوه الخميس حتّى يدعق الخيول في نواحي أرضهم وبأحناء مساربهم ومسارحهم، وحتّى تُشنَّ)


1) الإرشاد: 264/1 ، وبحار الأنوار: 391/32

2) الإرشاد : 367/1 ، وبحار الأنوار: 494/32 ج 426 .

عليهم الغارات من كل فج ، و حتّی تلقاهم قومٌ صُدُوقٌ صُبُرٌ لا يزيدهم من هلك من قتلاهم وموتاهم في سبيل اللّه إلا جدًّا في طاعة اللّه، وحرصاً على لقاء اللّه، ولقد كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا ما يزيدنا ذلك إلاّ إيماناً وتسليماً ، ومُضيّاً على أمضُ الألم، وجدا على جهاد العدو، والإستقلال بمبارزة الأقران، ولقد كان الرَّجل منّا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين يتخالسان أنفسهما أيهما سقى صاحبه كأس المنون فمَرَّةً لنا عدونا، ومرَّةً لعدونا منّا، ولمّا رآنا اللّه صُبراً صُدُقاً أنزل اللّه بعدونامن الكَبْتَ، وأنزل علينا النَّصر، ولعمري لو كنا نأتي مثل الذي أتيتم ما قام الدِّين ولا عزّ الإسلام ، أيم اللّه لتجلبنَّها دماً فاحفظوا ما أقول لكم (1- يعني الخوارج . انتهى .)ورواها الشيخ الأجل المفيد في الإرشاد (ص 128 طبع طهران 1377 ه-) وبين النسختين اختلاف يسير، وهي مروية في الكتاب المنسوب إلى سليم بن قيس الكوفي (ص118 من طبع النجف) وهي تخالف روايتي نصر والمفيد .)وقد النقط من هذه الرّواية قوله: حتّى يرموا بالمناسر - إلى قوله : مساربهم ومسارحهم المذكور في ذيل ذلك المختار من النهج، وإنما بقي من ذلك المختار قوله علیه السلام : الرائح إلى اللّه كالظمآن - إلى قوله إلى ديارهم فلم نجد مأخذه بعد ولعل اللّه يحدث بعد ذلك أمراً، والعارف بأساليب الكلام المتدرّب فيها يرى تلفيقه وانضمامه من أساليب شتى وإن كانت كلها ممّا أفاضها المرتضى روحي له الفداء، وقد مرَّ منّا الإشارة غير مرَّة إلى أنَّ غرض الرّضي في النهج كان التقاط الفصيح من كلامه وانتخاب بليغه ويا ليت الرضي أتى في النهج بجميع الروايات المتقدّمة لأنها فوق كلام البشر ودون كلام الخالق والكلّ فصيح بليغوفي مستدرك الوسائل (الباب 32 من كتاب الجهاد ص 258 ج 2 للمحدّث النوري رحمه اللّه قال :)فرات بن إبراهيم الكوفي في تفسيره عن إبراهيم بن بنان الخثعمي، عن جعفر بن محمد بن يحيى بن شمس، عن علي بن أحمد بن الباهلي عن ضرار بن الأزور أنَّ رجلاً من الخوارج سأل ابن عبّاس عن عليّ بن أبي طالب علیه السلام فأعرض عنه ثمَّ سأله فقال : لقد كان و اللّه علي أمير المؤمنين علیه السلام يشبه القمر الزاهر، والأسد الخادر - إلى أن قال : وقد رأيته يوم صفين وعليه عمامة بيضاء وكأن عينيه سراجان وهو يتوقف على شرذمة يحضّهم ويحتهم إلى أن انتهى إليَّ وأنا في كنف من المسلمين فقال علیه السلام : معاشر الناس استشعروا الخشية


1) نهج البلاغة : 105/1 ، وبحار الأنوار: 238/2

وأميتوا الأصوات، وتجلببوا بالسكينة واكملوا ،اللأمة وقلقلوا السيوف في الغمد قبل السلّة، والحظوا الشّرز، واطعنوا الخزز، ونافجوا بالظبى، وصِلُّوا السيوف بالحظا، والرماح بالنبال، فإنّكم بعين اللّه مع ابن عم نبيكم، عاودوا الكر، واستحيوا الفَرَّ فإنّه عارٌ باقٍ في الأعقاب، ونار يوم الحساب، فطيبوا عن أنفسكم نفساً، واطووا عن الحياة كشحاً وامشوا إلى الموت مشياً - إلى أن قال: ألا فسروا بين الرّكب، وعضوا على التواجد واضربوا القوابض (1بالصوارم، واشرعوا الرماح بالجوانح شدّوا فإنّي شاد ما هم (ماحم - خ) لا ينصرون (2). الخبر .)وروي هذا الخبر أعني خبر فرات بن إبراهيم في تفسيره المجلسي في الثامن من البحار (ص 518 من الطبع الكمباني بتمامه.)وأتى به الرضي في المختار الرابع والستين من باب الخطب من النهج أوله: (معاشر المسلمين استشعروا الخشية وتجليبوا السكينة - إلخ .)وقد رواه المسعودي في مروج الذهب (ص 20 ج 2 من طبع مصر 1346 ه- وقد نقلنا نسخته في شرح المختار 236 ( ص 254ج 15) وأتى به الخواجه نصير الدين الطوسي قدس سرّه في الباب السابع والثلاثين من أخلاق محتشمی)وقال الجاحظ في« البيان والتبيين» (ص 285 ج 2 طبع مصر 1380 ه- : قال علي بن أبي طالب علیه السلام ( يعني يوم صفين) (عضوا على النواجذ من الأضراس فإنه أنبى للسيوف عن الهام)، انتهى، ولم ينقل من كلامه علیه السلام أكثر من ذلك كما هو دأيه في ذلك الكتاب غالباً من التقاط بعض الجمل وترك الأخرى.)ونقل ما أتى به الجاحظ ابن قتيبة الدينوري في كتاب الحرب من عيون الأخبار» (ص 133 ج ا من طبع مصر وقال أيضاً (ص 110 ج 1 : ذكر ابن عباس علياًعلیه السلام فقال : ما رأيت رئيساً يوزن به لرأيتُه يوم صفّين وكأنَّ عينيه سراجاً سَليط وهو يحمس أصحابه إلى أن انتهى إليَّ وأنا في كَلْفِ فقال : معشر المسلمين استشعروا الخشية، وقلقلوا السُّيوف أغمادها قبل السَّلّة، والحظوا الشَّرز، واطعنوا النَّبر، ونافِحُوا بالظُّبا ، وصلوا السُّيوف بالخُطا والرِّماحَ بالنّبل وامشوا إلى الموت مشياً ،سُجُحاً، وعليكم بهذا السواد الأعظم، والرواق المطنّب فاضربوا ثبجه فإنَّ الشيطان راكد في كسره نافج خُصييه، مفترش ذراعيه، قد قدَّم للوثبة يداً، وأخَرَ للنكوص رجلاً (3))


1) في نسخة: للقوانص .

2) مستدرك الوسائل : 84/11 ، وبحار الأنوار : 606/32 .

3) بحار الأنوار : 606/32 ، ونهج السعادة: 352/8 .

وروى الكليني قدس سره في آخر الباب الخامس عشر من جهاد الكافي (ص 339 من الطبع على الحجر بإسناده عن حريز، عن محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : قال أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه لأصحابه : إذا لقيتم عدوّكم في الحرب فأقلّوا الكلام واذكروا اللّه عزّ وجلَّ ولا تولّوهم الأدبار فتسخطوا اللّه تبارك وتعالى وتستوجبوا غضبه وإذا رأيتم من إخوانكم المجروح ومن قد نكل به أو من قد طمع عدوكم فيه فقوه بأنفسكم (1).)وروى أبو جعفر الطبري في التاريخ» (ص 7 ج 4 ونصر في صفّين» (ص (106) بإسنادها إلى الحضرمي قال : سمعت عليا علیه السلام عرض في الناس في ثلاثة مواطن في يوم الجمل ويوم صفّين ويوم نهروان فقال : (عباد اللّه اتقوا اللّه عزّ وجلّ وغضوا الأبصار واخفضوا الأصوات وأقلوا الكلام - إلى آخر ما مضى في شرح المختار 236 من باب الخطب (ص 222 و 238 ج 15) .)فمن هذه الروايات دريت أنه علیه السلام كان يأمر أصحابه باخفاء الصوت تارةً بقوله : (أميتوا الأصوات، وأُخرى بقوله : (أميتوا الأصوات فإنّه أطرف للفشل) ومرَّةً بأنه أطرد للفشل وأولى بالوقار، وأُخرى بقوله : ( وعنوا الأصوات)، وهو من التعنية أي الحبس والأسر، ودفعةً بقوله : فعموا الأصوات) كما في نسخة أُخرى، ، وهو من التعمية بمعنى الإخفاء، وأُخرى بقوله: وهو من اخفضوا الأصوات)، وفي نسخة (اخفتوا (الأصوات كما علم من نقلها مصادر صدر هذا المختار الذي نحن بصدر الشرح عليه وإنما بقي ذكر مأخذ قوله علیه السلام : والذي فلق الحبة - إلخ فنقول :)رواه نصر بن مزاحم في كتاب صفين» (ص 110 و 111 من الطبع الناصري عن أبي عبد الرحمن المسعودي قال : حدثني يونس بن الأرقم بن عوف، عن شيخ من بكر بن وائل قال : كنا مع علي علیه السلام بصفين فرفع عمرو بن العاص شقة قميصة سوداء في رأس رمح . فقال ناس هذا لواء عقده له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فلم يزالوا كذلك حتّی بلغ عليّاً فقال علي : هل تدرون ما أمر هذا اللواء؟ إنَّ عدو اللّه عمرو بن العاص أخرج له رسول اللّه هذه الشقة فقال :من يأخذها بما فيها ؟ فقال عمرو : وما فيها يا رسول اللّه ؟ قال : فيها أن لا تقاتل به مسلماً، ولا تقربه من كافر فأخذها فقد و اللّه قربه من المشركين وقاتل به اليوم المسلمين والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلما وجدوا أعواناً رجعوا إلى عداوتهم منا إلا أنّهم لم يدعوا الصلاة (2.)


1) الخصال: 617 ، وسائل الشيعة : 97/15 ح 20059.

2) شرح الأخبار : 155/2 ح 475 ، وبحار الأنوار: 186/32

أقول: وقد روي نحو كلامه هذا من أبي اليقظان وعمار بن ياسر رحمة اللّه عليهما والظاهر أنه اقتبس من كلام إمام أمير المؤمنين علي وقد رواه نصر في صفّين، كما روى نحوه من ابنه محمّد ابن الحنفية رضوان اللّه عليه فدونك ما روي عنهما .قال بعد نقل كلامه هذا أخبرني عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال : لمّا كان قتال صفّين قال رجل لعمّار يا أبا اليقظان ألم يقل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : قاتلوا الناس حتّی يسلموا فإذا أسلموا عصموا مني دماءهم وأموالهم ؟ قال : بلى ولكن و اللّه ما أسلموا ولكن استسلموا وأسرُّوا الكفر حتّی وجدوا عليه أعواناً .عن نصر عن قطرب بن خليفة عن منذر الثّوري قال: قال عمّار بن ياسر و اللّه ما أسلم القوم ولكن استسلموا وأسروا الكفر حتّی وجدوا عليه أعواناً .عن نصر، عن عبد العزيز قال حبيب بن أبي ثابت قال : حدثني منذر العلوي قال : قال محمد بن الحنفية لما أتاهم اللّه من أعلى الوادي ومن أسفله وملأ الأودية كتائب استسلموا حتّی وجدوا أعواناً .### اللغة(اشتدّ عليه الأمر أي شقّ عليه واستصعبه ، يقال : اشتدّ عليه المرض أي زاد وعظم وهو تفتعل من الشد.)(الفرَّة: الفرار، فعلة للمرّة ، والكرّة الجوع، والحملة في الحرب.)«الجولة» مصدر، أي الدوران في الحرب يقال : جال القوم جولة إذا انكشفوا ثمَّ كرّوا وقال عبد الشارق بن عبد العزى الجهني (الحماسة 152.)سمعنا دعوة عن ظهر غيب ***فجُلْنا جولة ثم ارعويناوقال الشارح المرزوقي : يقول : قرع أسماعنا في أثناء التهيؤ والتَّطالع دعوة تأدب من مكان غائب عن عيوننا فدرنا دورة ثم رجعنا إلى أماكننا .وفي منتهى الأرب جال في الحرب جولة بالفتح من باب نصر : گرد بر آمد. («السّيوف» جمع السيف ،معروف، وهو مأخوذ من قولهم : ساف إذا هلك لأنه به يقع الهُلْك. قال القلقشندي في صبح الأعشى» (ص 139 ج 2 طبع مصر: السيف إن كان من حديد ذكر - وهو المعبّر عنه بالفولاذ - قيل : سيف فولاذ)وإن كان من حديد أُنثى - وهو المعبر عنه في زماننا بالحديد - قيل : سيف أنيث، فإن

كان متنه من حديد أُنثى وحدّاه من حديد ذكر كما في سيوف الفرنجة قيل: سيف مذكر، ويقال: إنَّ الصاعقة إذا نزلت إلى الأرض وردّت (1صارت حديداً، وربما حفر عليها واخرجت فطبعت سيوفاً فتجيء في غاية الحسن والمضاء.)ثمَّ إن كان عريض الصفيح قيل له : صفيحة، وإن كان محدقاً (2لطيفاً قيل له : قضيب ؛ فإن كان قصيراً قيل : أبتر؛ فإن كان قصره بحيث يحمل تحت الثياب ويشتمل عليه قيل : مِشْمَلٌ - بالكسر -.)فإن كان له حدّ واحد وجانبه الآخر جاف قيل فيه : صمصامه - وبهذا كان يوصف سيف عمرو بن معدي كرب فارس العرب، فإن كان فيه حزوز مستطيلة (3قيل فيه : فقارات - بذلك سمّى سيف رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم : ذا الفقار، يروى أنه كان فيه سبع عشرة فقارة.)ثم تارة ينسب السّيف إلى الموضع الذي طبع فيه فيقال فيما طبع بالهند هندي ومهند، وفيما طبع باليمن يمانٍ، وفيما طبع بالمشارف - وهي قرى من قرى العرب قريبة من ريف العراق - قيل له مشرِفيّ ؛ فإن كان من المعدن المسمّى بقساس وهو معدن موصوف بجودة الحديد قيل له : قساسي.وتارة ينسب السيف إلى صاحبه كالسيف السُّرَيحي - نسبة إلى قين من قيون العرب اسمه سُرَيْح معروف عندهم بحسن الصنعة .ويوصف السيف بالحُسام وهو القاطع أخذاً من الحسم وهو القطع، وبالصارم وهوالذي لا ينبو عن الصريبة.«وطنوا »بالنون كما في النسخة الخطية التي عندنا قوبلت على نسخة الرضي، وفي نسخة الجامع الكافي وغيرها ممّا تلوناها عليك ، يقال : وطن البلد توطينا أي اتخذه محلاً ومسكناً يقيم به ووطن نفسه على الأمر وللأمر أي مهدها لفعله وذلّلها وحملها عليه، قال سيار بن قصير الطائي (الحماسة (30.)لو شهدت أم القدّيد طعاننا بمرعش خيل الأزمني أرنّتِعشيّة أرمي جمعهم بلبانه ونفسي وقد وطنتُها فاطمالتوفي أساس البلاغة» للزمخشري : وطنت نفسي على كذا فتوطنت . قال :


1) في نسخة :بردت .

2) في نسخة : مدققاً .

3) في نسخة : مطمئنة .

ولا خير فيمن لا يُوطّن نَفْسَه ***على نائبات الدهر حين تنوبُوفي غير واحدة من النسخ المطبوعة والخطيّة كتبت وطئوا بالهمزة من التوطئة أي التمهيد يقال وطأ الأمر إذا مهده.(والجنوب جمع الجنب بالفتح فالسكون كفلس وفلوس يقال بالفارسية پهلو وقال الراغب في المفرات : أصل الجنب الخارجة وجمعه جُنوب قال اللّه عزّ وجلَّ فتكوى بها جباههم وجنوبهم وقال تعالى : (نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ) وقال عز وجل: وفيما وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ثُمَّ يستعار في الناحية التي تليها كعادتهم في استعارة سائر الجوارح لذلك نحو اليمين والشمال كقول الشاعر من عن يميني مرَّة وأمامي.)المصارع جمع المصرع ، يقال : صرعه على الأرض صَرْعاً من باب منع أي طرح عليها والمصرع مكان ،الصرع ومصارع القوم حيث قُتلوا .«ذمروا» (بالذال المعجمة أُخت (الدال) المهملة، ذمره على الأمر بالتخفيف من باب نصر، وبالتشديد أيضاً حضه مع لوم ليجد فيه يقال : القائد يَذْمُر أصحابه في الحرب أي يسمعهم المكروه ليشحذهم، ورأيتهم يتذامرون في الحرب، وأقبل يتذمر أي يلوم نفسه على التفريط في فعله وهو ينشطها لئلا تفرط ثانية، وفلان يتذمم ويرفع أذياله ويتشمّر، وهو ذمر من :الأذمار شجاع، قاله في الأساس وذَمَرْتُه أدمُرُه ذَمْراً حَثَتْتُه ، ذمار اسم فعل للخص على الحرب وتذامَرَ القومُ أي حثَّ بعضهم بعضاً وذلك في الحرب.)«الدعسي» الدَّعْس بالفتح فالسكون الدفع في الأصل، ثمَّ يستعمل في الطعن وشدة الوطأ والجماع، قاله المرزوقي في شرحه على الحماسة قال العباس بن مرداس (الحماسة 151 :)إذا ما حملنا حَمْلةً نصبوالنا صدور المذاكي والرماح الدواعساوقال قتادة بن مسلمة الحنفي (الحماسة (258وفي النقع ساهمة الوجوه عوابس ويهن من دعس الرماح كُلُومقال الجوهري في الصحاح الدَّعس بالفتح الأثر ، يقال : رأيت طريقاً دَعْساً أي كثيرالآثار والمدعاس الطريق الذي ليّنته المارّة والدّعس : الطعن وقد يكنى به عن الجماع ودعست الوعاء حشوته والمدعس : الرُّمح يدعس به ويقال المداعس الصم من الرمح، انتهى ما أردنا من نقل كلامه يقال بينهم مداعسة أي مطاعنة بالرماح، وفي القاموس الدَّعس كالمنع: حشو الوعاء.وبما ذكرنا علمت أنَّ الطعن بمعنى الضرب بالرِّماح فإنَّ الدعسي صفة للطعن والدعس

والدواعس والمدعس والمداعس قد استعملت في فصيح الكلام للرماح فقط، وقد قال الأشتر في أبياتٍ آتٍ نقلها :فاصبروا للطعان بالأسل السم*** ر وضرب يجري به الأمثالالأسل بالتحريك في الأصل نبات دقيق الأغصان تتخذ منه الغرابيل ويقال للرّماح الأسل على التشبيه والمُستدق اللسان والذراع الأسلة.«الطلخفي» بكسر (الطاء وفتح (اللام) وسكون (الخاء) المعجمة، قال الجوهري في مادة (ط خ ف) من«الصحاح» : ضَرب طِلَفٌ بزيادة (اللام) مثال حِبَجر أي شديد وقال الصفي پورى في منتهى الأرب: ضرب طلخف کهزبر زدگی سخت، لام زائد است.)وجاءت الطلحفي في غير واحدة من النسخ (بالحاء المهملة ولكن نسختنا التي قوبلت على نسخة الرضي مضبوطة بالمعجمة والمهملة كالمعجمة معنى يقال : ضربته ضرباً طلحيفاً وطِلْحَفّاً وطلحفاً وطلحفى وطلحافاً أي شديداً، وقالوا إنَّ (اللام في المهملة أصلية، وقال في القاموس بعد ضروب اللغات في الطلحفي المهملة (واللام) أصلية لذكرهم الطلحفي في باب فعلی مع خبركى ووهم الجوهري.)أقول: زيادة (اللام أول الكلمة وحشوها قليلة جدا وأما في الآخر فقد ثبت في الأعلام كزيدل وعبدل في زيد وعبد ولكن عدم زيادتها أوّلاً ،وحشواً، فمما لم يثبت بل لها نظير والجوهري ذهب إلى أن (اللام) في الطلخفي المعجمة زائدة ولم يأت بالمهملة في«الصحاح» وذكر الصفي پوري المعجمة في مادة (ط خ ف) وصرّح بأنَّ (اللام) زائدة والمهملة في (ط ل ح ف )وبين بأنّها أصلية فإسناد الوهم إلى الجوهري وهم .)ثمَّ إنَّ المعجمة في المعاجم التي عندنا مضبوطة على الوجه المقدّم ذكره إلا في أقرب الموارد فإنّه قال في طلخف (بالخاء المعجمة: ضرب طلخيف (بالخاء) : (كالحاء) في لغاته .)«إماتة» الصوت : إخفاؤه.الطرد»: الإبعاد، تقول طردته فاطرد أي أبعدته فابتعد .الفشل بالتحريك : ضعف مع جبن مصدر من فشل الرجل من باب علم إذا جبن وضعف وتراخى عند حرب أو شدّة. قال الفيومي في مصباح المنير : فشل فشلاً فهو فشل عن باب تعب وهو الجبان الضعيف القلب .تقول: دعي إلى القتال ففشل أي جبن قوّته فهو فَشِل وفشيل وفشل وقال الطرماح مستهزءاً برجل:

فقد بزمام بظر أمك واحتفر*** بأير أبيك الفشل كرّاث عاسموهو من أبيات الحماسة (628 وقد يروى في البيت الفسل أيضاً.)وعزم على كذا ثمَّ فشل عنه أي نكل عنه ولم يمضه .وفي القرآن الكريم:«وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ» [آل عمران: 152] «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ » وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال 50] . «إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ » [الأنفال: 43]. إِذ هَمَّت طَائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا [آل عمران 123] . «فلق» شق وقال ابن الأثير في «النهایة» : فيه - يعني في الحديث من أعتق نسمة أو فك رقبة النسمة : النفس والروح أي من أعتق ذا روح وكلّ دابة فيها روح فهي نسمة وإنما يريد الناس ومنه حديث عليّ علیه السلام والذي فلق الحبة وبرأ النسمة أي خلق ذات الروح وكثيراً ما كان يقولها إذا اجتهد في يمينه ، في يمينه انتهى

الإعراب

(النون) المثقلة من (تشتدنَّ) نون تأكيد (عليكم) ظرف لغو متعلّق بالفعل، (فرة) فاعل الفعل، بعدها كرّة خبر ومبتدأ قدّم الخبر توسعاً للظروف والجملة صفة (للفرة)، (ولا جوله بعدها حملة عطف على (فرة بعدها (كرة والكلام فيها كالأولى، ومفعول (وطنوا) محذوف إن أخذ التوطين بمعنى التمهيد على وجه ستعرفه أي وطنوا أنفسكم أو أن حرف التعريف في الجنوب بدل من المضاف إليه كما سيعلم وجهه في المعنى على الطعن ظرف لغو متعلّق بقوله : (ادمروا)، (وياء) الدعسي للنسبة. وقال بعض المتأخرين في تعاليقه على النهج : الدَّعسي) اسم من الدَّعس أي الطعن الشديد فإن عني أن كلمة (الدعسي) إحدى اللغات في الدعس غير أنها اسم للدعس لا تساعده المعاجم والكتب الأدبية (والدعسي) على أي نحو كان صفة (للطعن)، وكذلك (الطلخفي) صفة (للضرب) فإن كانت (بالخاء) المعجمة (فالياء) مشدّدة للنسبة ، وإن كانت (بالحاء) المهملة في مقصورة إحدى اللغات الخمس فيها، والضمير في أنه راجع إلى المصدر أعني الإماتة المستفاد من قوله علیه السلام : (أميتوا) كقوله تعالى: اعْدِلُوا هُوَ لِلتَّقوى ، ولا بأس بتذكير الضمير لمكان المصدر، وكلمة (أطرد) للتفضيل والمفضل منه محذوف بقرينة المقام أي أن أماتة الأصوات أطرد للفشل من إعلائها، «والذي» كلمة (الواو) للقسم متعلقه محذوفاً وجوباً فإنّها لا تدخل إلا على مظهر ولا تتعلق إلا بمحذوف. (فلق الحبة) صلة للّذي ( وبرأ النسمة) عظف عليها ما أسلموا جواب للقسم، وكلمة (ما))

نافية. لما علم للظرف وهو لوقوع الشيء لوقوع غيره والشيء الأوّل في المقام اظهارهم الكفر، والثاني وجود الأعوان عليه .### المعنىقوله علیه السلام : لا تشتدَّنَّ عليكم فرَّة بعدها كرَّة ولا جولة بعدها حملة قد علمت آنفاً أنه علیه السلام قد كان ينبه أصحابه على أن لا يغتروا بفرار الأعداء من المعارك فإنَّ الفرار قد يكون عن حيلة وخدعة فيولون الأدبار لكي يفرجوا الذين يقاتلونهم ويغرُّوهم ويُغروهم باتباعهم آثارهم مهرعين ويخرجوهم من مكامنهم ظناً بأنّهم انهزموا وما كان فرارهم عن هزيمة، وبعدما أفرجوهم برهةٌ من الزَّمان يعطفون ويقبلون عليهم ويحملونهم حملة رجل واحد فيهزمونهم، كما كان هذا لتنبيه هو المروي عن «الکافی » حيث أيقظ علیه السلام أصحابه بقوله : «لا يشدّون عليكم كرّةً بعد فرَّة، ولا حملة بعد جولة .و ههنا أرشدهم إلى أنَّ الحرب خدعة، وفر وكرّ فإن علموا أن مقتضى الحال في القتال يوجب أن يولّوهم الأدبار ويخيّلوهم ويروهم بأنّهم منهزمون حتّی إذا أمكنتهم الفرصة من الحملة عليهم كرُّوا عليهم دفعة واحدة فلا يحسبوه عارًا ولا يستحيوا منه، ولا يستصعب عليهم هذا النحو من الفرار الظاهري الموجب للظفر على الخصم وإنما الذي ينبغي أن يستصعب ويشق على المجاهد ويستحيي منه هو أن تكون فرَّة من غير كرَّة ، بل لا يجوز الفرار إذا كان العدو على الضّعف أو أقل.وقد مضى قول ثامن الأئمة علي بن موسى الرضا علیه السلام في شرح المختار 235 من باب الخطب (ص 178 ج 15 في الفرار عن الزحف حيث قال علیه السلام : وحرم اللّه الفرار من الزَّحف لما فيه من الوهن في الدين والاستخفاف بالرُّسل صلوات اللّه وسلامه عليهم والأئمة العادلة علیه السلام ، وترك نصرتهم على الأعداء والعقوبة لهم على انكار ما دعوا إليه من الإقرار بالربوبية واظهار العدل، وترك الجور، وإماتة الفساد لما في ذلك من جر جرأة العدوّ على المسلمين وما يكون في ذلك من السَّبي والقتل وإبطال حق اللّه تعالى وغيره من الفساد (1). وكذا في المقام غيره من النصوص المستفاضة المستفاد منها أنَّ الفرار من الزحف من جملة الكبائر .)وبما قدمنا علم وجه كون عبارة النهج بعكس ما في الكافي ففي «الکافی » كانت الكرَّة مقدّمة على الفرَّة والحملة على الجولة وههنا كانت الكرة متأخرة من الفرَّة، والحملة من


1) من لا يحضره الفقيه : 566/2 ، وبحار الأنوار : 98/6

الجولة، وهناك أيقظهم بقوله : (لا يشدُّون عليكم، وههنا وصاهم بقوله : (لا تشتدنّ عليكم).)واعلم أن قوله علیه السلام : لا تشتدّنّ عليكم فرّة بعدها كرّة قول في تفسير قوله تعالى إلاّ متحرّفاً لقتال في الأنفال حيث قال عز من قائل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ »«وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ » [الأنفال : 15، 16] .والزَّحف الجيش الدَّهم الذي يرى لكثرته كأنّه يزحف أي يدبُّ دبيباً، والزَّحف أيضاً الدنوّ قليلاً قليلاً كما قال الأزهري: أصل الزحف هو أن يزحف الصّبيُّ على إسته قبل أن يقوم، شبّه بزحف الصبي مشي الطائفتين تتمشى كلّ فئة مشياً رويداً إلى الفئة الأخرى تتدانى للضراب، (وزحفاً منصوب في موضع الحال للكفار .)وفي تفسير المجمع :التحرُّف الزّوال عن جهة الاستواء إلى جهة الحرف فالمعنى - و اللّه تعالى أعلم - إذا لقيتم الكفّار للقتال والحال أنهم كثير جم وأنتم قليلا فلا تولّوهم الأدبار أي لا تجعلوا ظهوركم إليهم أي لا تفرّوا منهم فضلاً عن أن تدانوهم في العدد أو تساووهم، ومن يولّهم يومئذ أي وقتئذ سواء كان نهار أو ليلاً فقد استحقَّ واحتمل غضب اللّه ومأواه جهنم وبئس المصير فالآية تدل على أن الفرار من الزَّحف من كبائر المعاصي(1.)وفي الكافي بإسناده عن عقيل الخزاعي : أنَّ أمير المؤمنين علیه السلام قال : إِنَّ الرُّعب والخوف من جهاد المستحق للجهاد والمتوازرين على الضلال، ضلال في الدين وسلب للدنيا مع الذلّ ،والصغار، وفيه استيجاب النار بالفرار من الزَّحف عند حضرة القتال يقول اللّه عزّ وجل (2:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ »)واستثنى جلَّ وعلا من حرمة الفرار حالتين إحداهما : إذا كان المجاهد متحرفاً لقتال فقال في الكشاف : (وهو الكر بعد الفرّ يخيل عدوّه أنّه منهزم ثمَّ يعطف عليه وهو باب من خدع الحرب ومكائدها.)ونحوه النيسابوري في غرائب القرآن والبيضاوي في أنوار التنزيل حيث قال في معناه: يريد الكرَّ بعد الفرّ وتغرير العدوّ فإنّه من مكائد الحريض.وقال الطبرسي في المجمع وقيل معناه إلا منعطفاً مستطرداً كأنه يطلب عورة يمكنه إصابتها فيتحرّف عن وجه ويرى أنه يفر ثمَّ يكر والحرب كر وفر .والقول الآخر في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ هو أن من ولى دبره يبغي)


1) مجمع البيان: 444/4 .

2) الكافي : 38/5، وسائل الشيعة : 94/15 .

موقفاً أصلح للقتال من الموقف الأوّل فهو خارج عن حرمة الفرار من الزحف والحق إنّه شامل على كلا القولين، أي إنَّ الفار عن الزحف قد باء بغضب من اللّه إلا أن يدبر عن القتال وينحرف عن مضيق إلى اتساع لتجول الخيل، أو من معاطش إلى مياه، أو كانت الشمس أو الريح في وجهه فاستدبرها ، أو كان يوهم باستدباره خصمه أنّه منهزم منه ليغريه بإتباعه فينفرد عن أشياعه فيكرَّ عليه فيقتله وما أشبه ذلك .وثانيتهما إذا كان متحيّزاً إلى فئة والتحيّز طلب حيّز يتمكّن فيه والمعنى أو كان منحازاً ومنقلاً إلى جماعة أخرى من المسلمين أي غير الجماعة التي كان فيها وهم الذين يريدون قتال الأعداء والجهاد في سبيل اللّه فهو يريد أن يستعين بهم عليهم .وعن ابن عبّاس أنَّ الفرار من الزَّحف في غير هاتين الصورتين من أكبر الكبائر كما في الكشاف وغرائب القرآن.وقد روى أهل السنّة عن أبي هريرة عن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم قال : اجتنبوا السبع الموبقات :قالوا يا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وما هنَّ ؟ قال : الشِّرك باللّه، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم اللّه إلا بالحقِّ، وأكل الرِّبا ، وأكل مال اليتيم ، والتَّولّي يوم الزَّحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات (1.)وقد مرّت الإشارة إلى أنَّ مثل ذلك قد روي عن أهل بيت النبوَّة علیهم السلام ذلك قد روي عن أهل بيت النبوة بروايات متكاثرة متظافرة وتقدَّم نقل شطرٍ ممّا أفاضه أبو الحسن الرضا علیه السلام في علل تحريم الكبائر ومنها الفرار عن الزَّحف . كما تقدَّم آنفاً قول أمير المؤمنين علي علیه السلام عن «الکافی » و«صفّين» لنصر : وليعلم المنهزم أنه مسخط لربه وموبق نفسه وفي الفرار موجدة اللّه عليه والذل اللازم (2-إلخ .)### الحرب خدعةلا كلام في أنَّ الخدعة في نفسها قبيحة تنفر الطباع عنها. روى الكليني في «الکافی » بإسناده عن هشام بن سالم رفعه قال قال أمير المؤمنين علیه السلام : لولا أنَّ المكر والخديعة في النّار لكنت أمكر الناس(3)(الوافی ص156 ج 3)وقد رفع قبحها في الحرب فإنَّ الغرض الأسنى من الجهاد قمع أصول الفساد، وقطع فروعه وقد جوّز الشارع تعالى التوصل بالخدعة في حضرة القتال إلى ذلك، وتنفذه الأحلام


1) الكافي : 286/2 ح 6 ، وتفسير غريب القرآن : 387

2) الخصال : 364 ج 57 ، وسائل الشيعة : 23/15 ح 34.

3) بحار الأنوار 28/97 ح 36 ، ومستدرك الوسائل : 71/11.

وتقبله الطباع لذلك .قال العلامة قدّس سرّه في آخر المقصد الثاني من جهاد المنتهى (ص 913 من الطبع الرحلي على الحجر 1333 ه- : تجوز المخادعة في الحرب ويجوز للمبارز أن يخدع قرنه ليتوصل بذلك إلى قتله إجماعاً روى الجمهور أن عمرو بن عبدود بارز عليّاً علیه السلام فقال : ما أحب قتلك يا ابن أخي، فقال علي علیه السلام : لكنّي أحب أن أقتلك فغضب عمرو وأقبل عليه، فقال علي علیه السلام : ما برزت لأقاتل اثنين، فالتفت عمرو فوثب علي علیه السلام فضربه، فقال عمرو : خدعتني ، فقال علي علیه السلام : الحرب خدعة (1)، انتهى ما أردنا من نقل كلامه .)وروى الشيخ الطائفة قدس سره في باب أنَّ الحرب خدعة من «جهاد التهذيب» بإسناده عن إسحاق بن عمار، عن جعفر عن أبيه علیه السلام أن علياً علیه السلام كان يقول: لأن يخطفني الطير أحبُّ إليَّ من أن أقول على رسول اللّه أن أقول على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ما لم يقل سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم يقول يوم الخندق : الحرب خدعة، يقول: تكلموا بما أردتم (2، (الوافي ص 21 ج 9) .)وفيه بإسناده عن مصعدة بن صدقة قال: حدثني صدقة قال: حدثني شيخ من ولد عدي بن حاتم عن أبيه ، عن جده عدي بن حاتم وكان مع علي علیه السلام في غزوته أن علياً علیه السلام قال يوم التقى هو ومعاوية بصفين فرفع بهم صوته يسمع أصحابه : و اللّه لأقتلنّ معاوية وأصحابه ثم قال في آخر قوله : إن شاء اللّه خفض بها صوته فكنت منه قريباً فقلت: يا أمير المؤمنين إنك حلفت على ما قلت ثمَّ استثنيت فما أردت بذلك؟ فقال: إنَّ الحرب خدعة وأنا عند المؤمنين غير كذوب فأردت أن أُحرِّض أصحابي عليهم لكي لا يفشلوا ولكي يطمعوا فيهم فافهم فإنّك تنتفع بها بعد اليوم إن شاء اللّهواعلم أنَّ اللّه عزّ وجلَّ قال لموسى حيث أرسله إلى فرعون: «فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى » وقد علم أنه لا يتذكّر ولا يخشى ولكن ليكون ذلك أحرص لموسى على الذهاب (3، (الوافي ص 95 ج 7 وص 22 ج 9) ، ورواه في البحار» عن تفسير العياشي (ص 98 ج 21 من الطبع الكمباني).)وفي الباب السابع والثلاثين من أخلاق محتشمي للخواجة الطوسي قدس سره : كان النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم إذا أراد سفراً وَرّى إلى غيره وقال : الحرب خدعة (4.)


1) الكافي : 2 / 236 ح 4 ، وبحار الأنوار: 454/33 4، ح 670.

2) منتهى المطلب : 913/2 ، وجواهر الكلام: 79/21

3) وسائل الشيعة : 133/15 ح 20150 ، وميزان الحكمة: 566/1 ح 6.

4) غريب الحديث : 759/2.

وفي مروج الذهب للمسعودي( ص 6 ج 2 قال ابن عبّاس لعلي علیه السلام : يا أمير المؤمنين أنت رجل شجاع أما سمعت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يقول : الحرب خدعة؟ فقال علي علیه السلام : بلى وسيأتي تمام كلامهما في شرح الكتاب السابع عشر إن شاء اللّه تعالى.)وفي الجامع الصغير» للسيوطي عن أبي هريرة عن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم: الحرب خدعة.وروى الكليني في «الكافي» بإسناده عن صفوان عن أبي مخلّد (1السراج، عن عيسى بن حسان قال : سمعت أبا عبد اللّه يقول : كلّ كذب مسؤول عنه صاحبه يوماً إلا في ثلاثة : رجل كائد في حربه فهو موضوع عنه، أو رجل أصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا يريد بذلك الاصلاح فيما بينهما، أو رجل وعد أهله شيئاً وهولا يريد أن يتم لهم ) (2)، (الوافي ص158 ج 3))وفي «الكامل) لأبي العباس المبرد (ص 193 العباس المبرَّد (ص 193) ج 2 طبع مصر) ناقلا صر) ناقلاً عن المهلب قال : أنه جاء عن رسول اللّه قوله : كلّ كذب يكتب كذباً إلا ثلاثة: الكذب في الصلح بين الرجلين وكذب الرَّجل لامرأته يعدها، وكذب الرَّجل في الحرب يتوعد ويتهدَّد(3).)وقال : وجاء عنه علیه السلام إنما أنت رجل فخذل عنا فإنّما الحرب خدعة.:قال وقال علیه السلام في حرب الخندق لسعد بن عبادة وسعد بن معاذ وهما سيّد الحيين الخزرج والأوس: «ائتيا بني قريظة فإن كانوا على العهد فأعلنا بذلك ؛ وإن كانوا قد نقضوا ما بيننا فالحنا لي لحناً أعرفه ولا تفتا في أعضاد المسلمين فرجعا بغدر القوم فقالا يا رسول اللّه : عضل والقارة فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم للمسلمين : ابشروا فإنَّ الأمر ما تحبّون (4.)قال الأخفش : سألت المبرَّد عن قولهما عضل والقارة فقال : هذان حيان كانا في نهاية العداوة لرسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم فأرادا أنّهم في الإنحراف عنه والغدر به كهاتين القبيلتين .قال ابن إسحاق : لما خرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى بدر نزل قريباً منه فركب هو ورجل من أصحابه يتعرَّفان أخبار قريش حتّی وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم؛ فقال الشيخ: لا أخبر كما حتّی تخبراني ممن أنتما ؟ فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : إذا أخبرتنا أخبرناك ، قال : أذاك بذاك؟ قال: نعم، قال الشيخ: فإنه بلغني


1) تهذيب الأحكام : 163/6 ح 299 ، ووسائل الشيعة : 134/15.

2) في نسخة: محمد.

3) الكافي : 342/2 ح 18 ، ووسائل الشيعة : 579/8 ح 5.

4) بحار الأنوار 223/20

أنَّ محمّداً وأصحابه خرجوا يوم جوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا - للمكان الذي به رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم - وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا - للمكان الذي فيه قريش - فلما فرغ من خبره قال : ممّن أنتما ؟ فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : نحن ماء (1، ثم انصرف عنه فجعل الشيخ يقول : ماء ! نحن من من ماء العراق أو ماء كذا أو ماء كذا نقله ابن هشام في السيرة النبوية) (ج 1 ص 616 من طبع مصر 1375 ه- ، وابن قتيبة الدينوري في باب الحيل في الحروب من كتاب« الحرب من عيون الأخبار» (ص 194 ج 1 طبع مصر 1383ه- ).)واعلم أنَّ ما قدمناه من جواز الخدعة في الحرب هو غير الغدر بهم أي قتالهم وقتلهم بغتة بعد الأمان والغدر ترك الوفاء ونقض العهد، قال شيخ الطائفة قدس سره في جهاد المبسوط من أذم مشركاً أو غير مشرك ثم خفره ونقض ذمامه كان غادراً آثماً .وإنّما لا يجوز الغدر بهم لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ولقوله : «لا تغلوا ولا تمثلوا ولا تغدروا وغيره من الأخبار الواردة في النهي عن الغدر بهم ففي بهم ففي خبر رواه الكليني قدس سره في جامع الكافي بإسناده عن طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال: سألته عن قريتين من أهل الحرب لكلّ واحدة منهما ملك على حدة اقتتلوا ثمَّ اصطلحوا ثمَّ إِنَّ أحد الملكين غدر بصاحبه فجاء إلى المسلمين فصالحهم على أن يغزوا تلك المدينة، فقال أبو عبد اللّه علیه السلام لا ينبغي للمسلمين أن يغدروا ولا يأمروا بالغدر ولا يقاتلوا مع الذين غدروا ولكنّهم يقاتلون المشركين حيث وجدوهم ولا يجوز عليهم ما عاهد عليه الكفار(2). (جهاد الوسائل الباب (20) والروايات عن الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وعن أئمة الدين في التحذير عن الغدر وكراهيته كثيرة .)وقد نقل ابن قتيبة في كتاب الحرب من عيون الأخبار» (ص 117 ج 1 طبع مصر قضية معجبة في خدعة مستغربة، وسوء عاقبة الغدر والبغي تأبى نفسي إلا الإتيان بها، قال: وقرأت في كتاب سير العجم أن فيروز بن يزدجرد بن بهرام لما ملك سار بجنوده نحو خراسان ليغزو اخشنوار ملك الهياطلة ببلخ، فلما انتهى إلى بلاده اشتدَّ رعب اخشنوار منه وحذره ،له فناظر أصحابه ووزراءه في أمره.)فقال له رجل منهم : أعطني موثقاً وعهداً تطمئن إليه نفسي أن تكفيني أهلي وولدي وتحسن إليهم وتخلفني فيهم، ثمَّ اقطع يديَّ ورجلي والقني على طريق فيروز حتّی يمر بي


1) تاريخ الطبري: 141/2 ، والبداية والنهاية : 323/3.

2) الكافي: 337/2 ح 4 ، ووسائل الشيعة : 69/15 ح 20003

وأصحابه فأكفيك مؤونتهم وشوكتهم وأورّطهم مورّطاً تكون فيه هلكتهم .فقال له له اخشنوار وما الذي تنتفع به من سلامتنا وصلاح حالنا إذا أنت قد هلكت ولم تشركنا في ذلك؟قال : إنّى قد بلغتُ ما كنت أُحبُّ أن أبلغه من الدُّنيا وأنا موقن بأنَّ الموت لا بدَّ منه وإن تأخر أياماً قلائل فأُحبُّ أن أختم عمري بأفضل ما تختم به الأعمار من النصيحة لإخواني والنكاية في عدوّي فيشرف بذلك عقبي وأصيب سعادة وحظوة فيما أمامي.ففعل به ذلك وأمر به فلمّا مر به فيروز سأله عن أمره فأخبره أنَّ اخشنوار فعل ذلك به وأنّه احتال حتّی حمل إلى ذلك الموضع ليدله على عورته وغرَّته، وقال: إنّي أدلك على طريق هو أقرب من هذا الذي تريدون سلوكه وأخفى، فلا يشعر اخشنوار حتّی تهجموا عليه فينتقم اللّه لي منه بكم، وليس في هذا الطريق من المكروه إلا تفويز يومين ثمَّ تفضون إلى كلِّ ما تحبّون .فقبل فيروز قوله بعد أن أشار عليه وزراؤه بالإتهام له والحذر منه وبغير ذلك فخالفهم وسلك الطريق حتّی انتهى بهم إلى موضع من المفازة لا صدر عنه ثمَّ بيّن لهم أمره فتفرَّقوا في المفازة يميناً وشمالاً يلتمسون الماء فقتل العطش أكثرهم ولم يخلص مع فيروز منهم إلا عدَّة يسيرة فإنّهم انطلقوا معه حتّی أشرفوا على أعدائهم وهم مستعدون لهم فواقعهم على تلك الحاله وعلى ما بهم من الضر والجهد فاستمكنوا منهم وأعظموا النكاية فيهم .ثمَّ رغب فيروز إلى اخشنوار وسأله أن يمن عليه وعلى من بقي من أصحابه على أن يجعل لهم عهد اللّه وميثاقه ألا يغزوه أبداً فيما يستقبل من عمره ؛ وعلى أنّه يحدّ فيما بينه وبين مملكته حدًّا لا تجاوزه ،جنوده فرضی اخشنوار بذلك وخلى سبيله وانصرف إلى مملكته.فمكث فيروز بُرهَةً من دهره كئيباً ، ثمَّ حمله الأنف على أن يعود لغزوه ودعا أصحابه إلى ذلك فردّوه عنه وقالوا : إنّك قد عاهدته و نحن نتخوف عليك عاقبة البغي والغدر مع ما في ذلك من العار وسو المقالة.فقال لهم : إنّي شرطت له ألا أجوز الحجر الذي جعلته بيني وبينه فأنا آمر بالحجر ليحمل على عجلة أمامنا .فقالوا له: أيها الملك إنَّ العهود والمواثيق التي يتعاطاها الناس بينهم لا تحمل على ما يسر المعطي لها ولكن على ما يعلن المعطي، وإنّك إنما جعلت له عهد اللّه وميثاقه على الأمر الذي عرفه لا على أمر لم يخطر بباله .

فأبى فيروز ومضى في غزاته حتّی انتهى إلى الهياطلة وتصافَّ الفريقان للقتال فأرسل اخشنوار إلى فيروز يسأله أن يبرز فيما بين صفيهم ليكلمه، فخرج إليه .فقال له اخشنوار: قد ظننت أنّه لم يدعك إلى غزونا إلا الأنف ممّا أصابك ولعمري لئن كنا احتلنا لك بما رأيت لقد كنت التمست منا أعظم منه ما ابتدأناك ببغي ولا ظلم ولا أردنا إلا دفعك عن أنفسنا عن حريمنا، ولقد كنت جديراً أن تكون مكافأتنا بمننا عليك وعلى من معك من نقض العهد والميثاق الذي وكدت على نفسك أعظم أنفاً وأشدَّ امتعاظاً ممّا نالك منا فإنّا أطلقناكم وأنتم أسرى، ومننا عليكم وأنتم مشرفون على الهلكة، وحقنًا دماءكم وبنا قدرةٌ على سفكها، وإنا لم نجبرك على ما شرطت لنا بل كنت أنت الرّاغب إلينا فيه والمريد لنا عليه؛ ففكّر في ذلك، وميل بين هذين الأمرين فانظر أيهما أشدُّ عاراً وأقبح سماعاً : إن طلب رجل أمراً يتح له، وسلك سبيلاً فلم يظفر فيها ببغيته واستمكن منه عدوه على حال جهد وضيعة منه وممّن معه فمنَّ عليهم وأطلقهم على شرط شرطوه وأمر اصطلحوا عليه فاضطرّ لمكروه القضاء، واستحيا من النّكث والغدر ؛ أم يقال امرؤ نكث العهد وختر الميثاق؟مع أني قد ظننت أنّه يزيدك نجاحاً ما تثق به من كثرة جنودك وما ترى من حسن عدَّتهم وطاعتهم لك وما أجدني أشك أنهم أو أكثرهم كارهون لما كان من شخوصك بهم عارفون بأنك قد حملتهم على غير الحقِّ، ودعوتهم إلى ما يسخط اللّه فهم في حربنا غير مستبصرين، ونيّاتهم في مناصحتك اليوم مدخولة، فانظر ما قدر غناء من يقاتل على مثل هذه الحال؛ وما عسى أن تبلغ نكايته في عدوه إذا كان عارفاً بأنّه إن ظفر فمع عار، وإن قتل فإلى النار؟فأنا أذكرك اللّه الذي جعلته على نفسك كفيلاً، ونعمتي عليك وعلى من معك بعد يأسكم من الحياة وإشفائكم على الممات وأدعوك إلى ما فيه حظك ورشدك من الوفاء بالعهد والإقتداء بآبائك الذين مضوا على ذلك في كل ما أحبوه أو كرهوه فأحمدوا عواقبه وحسن عليهم أثره .ومع ذلك إنّك لست على ثقة من الظفر بنا ، والبلوغ لنهمتك فينا وإنما تلتمس منا أمراً نلتمس منك مثله، وتناوى عدوّاً لعله يمنح النصر عليك فقد بالغت في الاحتجاج عليك، وتقدَّمت الإعذار إليك، ونحن نستظهر باللّه الذي اعتززنا به ووثقنا بما جعلته لنا من عهده إذا استظهرت بكثرة جنودك وازدهتك عدة أصحابك فدونك هذه النصيحة فو اللّه ما كان أحد من نصحائك ببالغ لك أكثر منها، ولا زائد لك عليها، ولا يحرمنك منفعتها مخرجها مني فإنه لا يزرى بالمنافع عند ذوي الرأي أن كانت من قبل الأعداء كما لا يحبّب المضار إليهم أن تكون على أيدي الأولياء.

واعلم أنه ليس يدعوني إلى ما تسمع من مقالتي ضعف أحسُّه من نفسي ولا قلّة من جنودي ؛ ولكني أحببت أن أزداد بذلك حجّة واستظهاراً وأزداد به من اللّه النّصر والمعونة استيجاباً، ولا أوثر على العافية والسلامة شيئاً ما وجدت إليهما سبيلاً .فأبى فيروز إلا تعلقاً بحجّته في الحجر الذي جعله حدا بينه وبينه وقال: لستُ ممّن يردعه عن الأمر يهم به وعيد، ولا يقتاده التهدّد والترهيب، ولو كنت أرى ما أطلبك غدراً مني ما كان أحد أنظر ولا أشدّ اتقاء منّي على نفسي فلا يغرنّك منا الحال التي صادفتنا عليها في المرة الأولى من القلة والجهد والضعف.قال :اخشنوار: لا يغرنّك ما تخدع به نفسك من حملك الحج حملك الحجر أمامك فإنَّ النّاس لو كانوا يعطون العهود على ما تصف من إسرار أمر وإعلان آخر إذا ما كان ينبغي لأحدٍ أن يغتر بأمان، ولا يثق بعهد، وإذاً لما قبل النّاس شيئاً ممّا يعطونه من ذلك؛ ولكنّه وضع على العلانية وعلى نية من تعقد العهود والشروط له.فانصرفا يومهما ذلك فقال فيروز لأصحابه : لقد كان اخشنوار حسن المحاورة وما رأيت للفرس الذي كان تحته نظيراً في الدَّواب فإنّه لم يُزل قوائمه ولم يرفع حوافره عن موضعها ولا صهل ولا أحدث شيئاً يقطع به المحاورة في طول ما تواقفنا .وقال اخشنوار لأصحابه : لقد واقفت فيروز كما علمتم وعليه السّلاح كله فلم يحرك رأسه، ولم ينزع رجله من ركابه ولا حنا ظهره، ولا التفت يميناً ولا شمالاً ولقد تورّكت أنا مراراً، وتمطيت على فرسي وتلفّتُ إلى من خلفي، ومددت بصري في أمامي وهو منتصب ساكن على حاله ولولا محاورته إياي لظننت أنه لا يبصرنيوإنّما أراد بما وصفا من ذلك أن ينتشر هذان الحديثان في أهل عسكريهما فيشغلوا بالإفاضة فيهما عن النظر فيما تذاكراه .فلمّا كان في اليوم الثاني أخرج اخشنوار الصحيفة التي كتبها لهم فيروز فرفعها على رمح لينظر إليها أهل عسكر فيروز فيعرفوا غدره وبغيه ويخرجوا من متابعته فانتقض عسكر فيروز واختلفوا وما لبثوا إلا يسيراً حتّی انهزموا وقتل منهم خلق كثير وهلك فيروز، فقال :اخشنوار: لقد صدق الذي قال : لارا لما قُدِّر، ولا أشدَّ إحالة لمنافع الرأي من الهوى واللجاج، ولا أضيع من نصيحة يمنحها من لا يوطن نفسه على قبولها والصبر على مكروهها، ولا أسرع عقوبة ولا أسوأ عاقبة من البغي والغدر، ولا أجلب لعظيم العاروالفضوح من إفراط الفخر والأنفة (1.)


1) شرح النهج : 111/15 .

وقد مضى وجه آخر في تفسير كلامه هذا في ضمن بيان المصادر، ويحتمل الوجهين قوله المنقول من الكافي ونصر والطبري والمفيد آنفاً في ذكرا لمصادر : فلولا إقبالكم بعد إدباركم وكركم بعد انحيازكم وجب عليكم ما وجب على المولّي يوم الزحف ديره وكنتم فيما أرى من الهالكين.والشارح البحراني احتمل في تفسير قوله علیه السلام :« لا تشتدنَّ عليكم فرَّة بعدها كرَّة» وجهاً آخر سوى الوجهين الذين اخترناهما فقال :ويحتمل أن يريد( فلا تشتدن عليكم فرَّة من عدوّكم بعدها كرة منه عليكم فإن تلك الكرة لما كانت عقيب الفرّة لم تكن إلا عن قلوب مدخولة ونيات غير صحيحة وإنما قدم الفرة في هذا الاحتمال لأن مقصوده تحقير تلك الكرّة بذكر الفرّة وكان ذكرها أهم فلذلك قدمت وكذلك قوله : (ولا جولة بعدها حملة). انتهى.)وأقول : قد علمت أن أمير المؤمنين عليّاً تارة يوصي عسكره ويوقظهم بأن لا يغرنكم قرار الخصم فإنّه ربما يكون من مكائد الحرب لأن الخصم ربما يولّيكم الدبر ليخيلكم أنه منهزم ثمَّ يعطف ويشدّ عليكم ؛ كما رواه الكليني في الجامع الكافي عنه علیه السلام حيث قال : (ولا يشدون عليكم كرة بعد فرَّة ولا حملة بعد جولة . انتهی .)وتارة يوصيهم ويحنّهم إذا رأيتم المصلحة في أن تولّوهم الأدبار لكي توهموهم الانهزام حتّی إذا أمكنتهم الفرصة تكرّون عليهم فلا يشتدّ عليكم هذا النحو من الفرار الذي هو من مكائد الحرب أي لا تحسبوه عاراً حتّی يستصعب عليكم هذا الفرار كما هو المروي في النهج قال : لا تشتد عليكم فرّة بعدها كرَّة، ولذا كانت العبارتان متعاكستين، وقد علمت أن قوله في النهج كان ناظراً إلى قوله تعالى : ( إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ ، والروايات كالآيات يفسر بعضها بعضاً، ورواية الكافي هذه والزواية المتقدّمة الحاوية قوله : (فلولا إقبالكم بعد إدباركم وكركم بعد انحيازكم) - إلخ ، وقوله تعالى : ( إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ ) تدلّ على أن معنی ما في النهج هو الذي قدمناه أولاً، وكان للجملتان معنى صحيح آخر ذكرناه في ضمن بيان المصادر وكان معنياهما متعاكسين أيضاً، ولا يجري هذا الإحتمال الثالث في قوله المروي في الكافي، ولو يفسّر ما في النهج به لوجب أن يقال لا تشتدنَّ عليكم كرة بعد فره .)على أنَّ لأساليب الكلام معنى يتبادر إليه الذهن من غير تكلّف وما من كلام إلا أمكن فيه تقدير وجوه من المعاني البعيدة فيخرج حينئذ عن الفصاحة والجودة وبالجملة إذا تأملت فيما قدَّمنا وفي سيرة أهل الحرب يظهر لك أنَّ ما ينبغي أن تفسّر الجملتان هو المعنيان المختاران.

قوله علیه السلام : وأعطوا السيوف حقوقها لا يخفى عليك أنَّ هذا الفصل من مختار كلامه علیه السلام لا يفيد ثلاثة مطالب : الأول : أنَّ الحرب خدعة فالفرار منها إذا كان موجباً لتغرير الخصم وهلاكه لا وهلاكه لا ينبغى أن يستصعب ويحسب عاراً ، الثاني : : أنَّ على المجاهد أن يراعي أُموراً، الثالث: أنَّ هؤلاء المحاربين للإمام كانوا كافرين إلا أنّهم أسرُّوا كفرهم، أما الأوَّل فقد مضى مفضلاً، وأما الثالث فسيأتي بيانه أمّا الثاني فقد ذكر أربعة منها : الأول : أن يعطوا السيوف حقوقها هذا تحريض على الجد في القتال أي إذا ضربتم بها فاحكموا ،الضرب واضربوا ضربة منكرة وإعطاءها حقوقها كناية عن هذا لنحو من الضرب، فجعل للسيف حقاً وهو ما ينبغي أن يستفاد منه ثمَّ أمرهم بإعطاء حقها فإذا لم يضربوا بها على ما كان الحري بها جد فكأنّهم ،خانوها ، كما يقال أيضاً : إنَّ سيف فلانٍ لم يخنه ، أي إنّه لشدَّة حدَّثه وجودته فعل ما أراد منه صاحبه كما قال نهشل بن حري النهشلي في قصيدة يرثى بها أخاه مالكاً رحمة اللّه وقد قتل بصفين بحضرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام قتله الفئة الباغية :أخ ماجد لم يُخزني يوم مشهدكما سيف عمرو لم تخنه مضاربهوهون وجدي عن خليلي إننى إذا شئت لاقيت امر مات صاحبهقوله علیه السلام : ووظنوا للجنوب مصارعها هذا هو الثاني من الأمور أمرهم بها، الظاهر من كلامه علیه السلام أنه حثهم ونشطهم على الإحكام في الضرب، وإن شئت قلت هذا تأكيد وتشديد في الأمر الأوّل أي أدوا حقوق السيوف واضربوا بها ضربة واحكموا الضرب إلى حدّ تطرحوا بها جنوب الأعداء على مصارعهم وتجعلوا مصارعهم أوطاناً لهم أي بحيث لا يقدر الصرعى أن يقوموا من الأرض، فكأنهم أخذوها أوطاناً لهم أو مهدوا مصارعهم لجنوبهم أي اجعلوها ممهدة لسقوطهم عليها بضروبكم المنكرة والمآل واحد وإن كان الأوّل ألصق وأنسب بسياق الكلام إن لم يكن متعيّناً، هذا ما ينادي به أسلوب الكلام.وقال الشارح البحراني : والمعنى أن يوطنوا لجنوبهم مصارعها أي يتخذوا مصارع جنوبهم أوطاناً لها وهو كناية عن الأمر بالعزم الجازم على القتل في سبيل اللّه والإقدام على أهوال الحرب إذا كان اتخاذ المصارع أوطاناً للجنوب مستلزماً لذلك العزم والإقدام.واحتذى على مثاله المجلسي في فتن البحار ص 626 ج 8 من الطبع الكمباني حيث قال : أي اجعلوا مصارع الجنوب ومساقطها وطناً لها أو طيئاً لها أي استعدوا للسقوط على الأرض والقتل كناية على العزم على الحرب وعدم الاحتراز عن مفاسدها. انتهى.)وهذا كما ترى لا يناسب تحريض العسكر على الجهاد وحنّهم على القتال، أرأيت أنَّ

أمر أمير عسكره بالاستعداد للسقوط على الأرض لا يوجب وهنهم؟ ولو سلّم أنَّ فيه تشجيعاً بالعزم الجازم على الإقدام على أهوال الحرب والقتال في سبيل اللّه تعالى فسوق الكلام يأبى عن ذلك الحمل.قوله : واذمروا أنفسكم على الطعن الدَّعسي والضرب الطلخفي هذا ثالث الأمور أمرهم بها، حنّهم أن يحضوا ويوظنوا أنفسهم على الجد في الطعن بالرماح والضرب بالسيوف ويوبّخوها على الفشل والضعف، حتّى يتشمّروا للطعن بالرماح على الأعداء بحيث يظهر أثره ويحشي به أجوافهم ويتهيؤوا لإيقاع الضرب الشديد بالسيوف عليهم .ثمَّ بالتأمّل الصحيح في سياق هذه الأمور الثلاثة يعلم أنَّ مساقها واحد، ومفادها فارد، والحق أن يقال أنّها ملتقطة من روايات شتى كما قد أتينا بها في بيان مصادرها.قوله : (وأميتوا الأصوات فإنّه أطرد للفشل هذا رابع الأمور أمرهم بها، أي اخفضوا الأصوات وعنوها فإنَّ اخفائها أولى بالوقار وأطرد للفشل وأذهب بالوهل وإنَّ شدَّة الضوضاء في الحرب أمارة الخوف والوجل .)وفي كتاب الحرب من عيون الأخبار» لابن قتيبة ( ص 108 ج 1 أنَّ قوماً استشاروا أكثم بن صيفي في حرب قوم أرادوهم وسألوه أن يوصيهم فقال : أقلوا الخلاف على أمرائكم واعلموا أن كثرة الصياح من الفشل، والمرء يعجز لا محالة تثبتوا فإنَّ أحزم الفريقين الركين، وربة عجلة تعقب ريثاً، والزروا للحرب واذرعوا الليل فأنه أخفى للويل، ولا جماعة لمن اختلف عليه .)وقال ابن قتيبة بعد نقل ما قاله أكثم قال بعض الحكماء : قد جمع اللّه لنا أدب الحرب في قوله تعالى:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45»«وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)» [الأنفال : 45، 46])وقال : حدثني محمّد بن عبيد قال : حدثنا معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق عن الأوزاعي قال : قال عتبة بن ربيعة يوم بدر لأصحابه : ألا ترونهم - يعني أصحاب النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم جئيّاً على الرُّكب كأنَّهم خرس يتلمظون تلقظ الحيّات، قال : وسمعتهم عائشة يكبرون يوم الجمل فقالت : لا تكثروا الصياح فإنَّ كثرة التكبير عند اللقاء من الفشل.قوله علیه السلام : والذي فلق الحبة - إلخ هذا هو المطلب الثالث الموعود بيانه وفي بعض النسخ: فالذي (بالفاء وهو من تصرفات النساخ أتوا (بالفاء) ليرتبط الذيل بالصدر وقد غفلوا أنَّ كلامه هذا ليس بمقالة فاردة بل ملتقطة من عدة مقالات مروية عنه علیه السلام .)

وكان علیه السلام كثيراً ما يحلف بقوله والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إذا اجتهد في يمينه وهذا مما لم يسمع من غيره أن يقسموا به وكان علیه السلام المتفرداً بإنشائه والحلف به .وقد دريت أنه قال كلامه هذا في صفّين لمّا رفع عمرو بن العاص شقة قميصة سوداء في رأس رمح فقال ناس : هذا لواء عقده له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم - إلى آخر ما نقلنا في ذكر مصادر هذا الفصل عن كتاب «صفين لنصر بن مزاحم المنقري وأشار بقوله : «فأخذها فقد و اللّه قربه من المشركين وقاتل به اليوم «المسلمين إلى أن القوم كانوا كافرين .ثمَّ إِنَّ سياق الكلام يقتضي إفراد الأفعال والضمائر إلا أنه عدل من الإفراد إلى الجمع تنبيها على أنَّ عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وأشياعهما وأشباههما ما أسلموا واقعاً بقلوبهم ولكن استسلموا أي أظهروا الإسلام بألسنتهم في زمن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وانقادوه خوفاً من السيف وكانوا قد أسرُّوا كفرهم لأنّهم لم يجدوا أعواناً عليه حتّی يظهروه فلما وجدوهم أظهروه وكان كلامه المروي آنفاً عن صفين لنصر حيث قال ؛ وقد نصبوا لنا الحربوجدوا في إطفاء نور اللّه و اللّه متم نوره ولو كره الكافرون مشعراً بكفرهم كما لا يخفى. وقد مرَّ كلام ابن الحنفية المنقول عن كتاب «صفين لنصر في ذكر المصادر أنّه قال : لما أتاهم اللّه من أعلى الوادي ومن أسفله وملأ الأودية كتائب استسلموا حتّی وجدوا أعواناً، وكذا كلام عمار رضوان اللّه عليه وسيأتي كلام الأمير علیه السلام في الكتاب التالي إلى معاوية : ولما أدخل اللّه العرب في دينه أفواجاً وأسلمت له هذه الأمة طوعاً وكرها كنتم ممّن دخل في الدين إما رغبة وإما رهبة - إلخ . وراجع إلى باب ما ورد في كفر معاوية وعمرو بن العاص وأوليائهما من المجلد الثامن من البحار ( ص 560 - 571 من الطبع الكمباني) .)وقال الفاضل الشارح المعتزلي : وهذا يدل على أنه جعل محاربتهم له كفراً . انتهى .أقول : هذا الكلام من أمير المؤمنين الصريح في أنَّ القوم كانوا كافرين ولا يدل على أنَّ من حاربه فهو كافر نعم إنَّ محاربتهم له توجب كفراً ومحاربيه كفرة بالأدلة التي قدَّمناها في شرح المختار 236 من باب الخطب ص 367 - 379 ج 15 وفي شرح المختار الثاني من باب الكتب والرسائل (ص 76 - 80 ج 16 ) .)وأرسل معاوية كتاباً إلى أمير المؤمنين علي علیه السلام وذلك كان لمّا دعي النّاس من حيلة عمرو بن العاص وروغانه إلى كتاب اللّه وكتب فيما كتب فيه : واقطع لهذه الفتن فاتق اللّه فيما دعيت له وارض بحكم القرآن إن كنت من أهله والسلام.فكتب إليه أمير المؤمنين علي ا كتاباً جواباً عن كتابه ومن جملته : (إنك قد دعوتني إلى حكم القرآن ولقد علمت أنك لست من أهل (القرآن - إلخ . وقد نقلهما نصر في كتاب

«صفين »(ص267.)وروى نصر في صفين (ص (167 عن يحيى، عن علي بن حزور عن الأصبغ بن نباتة قال : جاء رجل إلى علي علیه السلام فقال : يا أمير المؤمنين هؤلاء القوم الذين نقاتلهم الدعوة واحدة والرسول واحد والصلاة واحدة والحجّ واحد فيما نسمّيهم؟ قال : نسمّيهم بما سمّاهم اللّه في كتابه :قال ما كلّ ما في الكتاب أعلمه قال أما سمعت اللّه قال :«تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ- إلى قوله - وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ » فلما وقع الإختلاف نحن أولى باللّه وبالكتاب وبالنبي وبالحق فنحن الذين آمنوا وهم الذين كفروا وشاء اللّه قتالهم فقاتلناهم هدى بسنّة اللّه ربّنا وإرادته (1).)أقول: ورواية نصر بن مزاحم في صفين عن الأصبغ ظاهرة في أنَّ الرَّجل سأل عن الأمير علیه السلام القاسطين، وقد روى نحوه الشيخ الأجل المفيد في المجلس الثاني عشر من أماليه (ص 59 طبع النجف أنّ الرّجل سأله علیه السلام عن الناكثين حيث قال : حدثنا أبو الحسن بلال المهلبي رحمه حمه اللّه يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شعبان سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة قال : حدثنا محمد بن الحسين بن حميد بن الربيع اللحمي قال : حدثنا سليمان بن الرَّبيع النهدي قال : حدثنا نصر بن مزاحم المنقري قال: حدثنا يحيى بن يحيى الأسلمي، عن عليّ بن الحزور، عن الأصبغ بن نباتة رحمه اللّه قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام بالبصرة فقال : يا أمير المؤمنين هؤلاء القوم الذين تقاتلهم - إلخ - على حذوا الرّواية الأولى من نصر من نصر في صفين».ومن الممكن أنّ السؤال وقع عن كلّ واحدة من الطائفتين فقد سأله رجل عن الناكثين في البصرة، وذلك الرَّجل أو آخر سأله عن القاسطين، أو السؤال كان عن إحداهما فاشتبه الأمر على الرّاوي وأسند تارة إلى هؤلاء وتارة إلى هؤلاء أو يقال : إنَّ ما في كتاب (صفين مطلق مرسل فإنّه قال يا أمير المؤمنين هؤلاء القوم الذين نقاتلهم، فهو يشمل الطائفتين ولمّا رأى نصر أنَّ السؤال الذي كان من الرجل عن الناكثين جارٍ في القاسطين أيضاً فما سئل الأمير علیه السلام في البصرة أتى به في صفين لاتحاد الحكم فيهما والحقُّ أن جواب الأمير علیه السلام الرّجل جارٍ في محاربي علي علیه السلام سواء كانوا من الطوائف الثلاث الناكثين والقاسطين والمارقين أو غيرهم.)وفي «بشارة المصطفى »الشيعة المرتضى (ص235 من طبع النجف بإسناده عن


1) الكافي : 270/8 ح 398 ، ومستدرك الوسائل : 62/11.

الأصبغ بن نباتة أنه قال أمير المؤمنين عليّ علیه السلام في بعض خطبه :( أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه - إلى أن قال : لقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم أنّ الناكثين والقاسطين والمارقين ملعونون على لسان النبي الأُمّي وقد خاب من افترى) (1).)### الترجمةامیر( علیه السلام در هنگام کارزار به لشگریانش تعلیم داد که گریختن و عقب نشینی که پس از بازگشت و حمله بر دشمن ،باشد بر شما سخت و ناگوار نباشد و از آن ننگ نداشته باشید - یا اگر از دشمن شکست خوردید و رو به گریز گذاشتید از برگشتن و جنگیدن و تدارک گذشته کردن شرم نکنید و آن را دشوار مپندارید حق شمشیرها را بدهید و پهلوی دشمنان را بر خاك هلاك جای دهید و خودتان را بر نیزه زدنی که به درون دشمن رسد و کارگر شود و به شمشیر زدن سخت آنها وادار کنید و آماده سازید و آوازها را بمیرانید و صدا بلند نکنید که ترس را بهتر و بیشتر راننده تر و دورکننده تر است سوگند به آن که دانه را شکافت و آدمی را آفرید این قوم منافق اسلام نیاوردند و از ترس و حفظ جان خود گردن نهادند و به ظاهر دعوی اسلام کردند و کفر را در دل پنهان داشتند تا چون اکنون یاری کنندگان پشتیبانان بر آن یافتند آن یافتند آشکارش کردند و پرچم مخالفت برافراشتند)


1) الأمالي : 703 ، ومستدرك الوسائل : 227/10.

## ومن كتاب له علیه السلام إلى معاوية جواباً عن كتاب منه إليه وهو المختار السابع عشر من باب الكتب والرسائل### اشارةوَأَما طَلَبُكَ إِلَى الشّامَ فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ لأُعْطِيكَ الْيَوْمَ ما مَنَعْتُكَ أَمْسِ .وَأَمَّا قَوْلُكَ إِنَّ الْحَرْبَ قَدْ أَكَلَتِ الْعَرَبَ إِلا حُشاشات أَنْفُسِ بَقِيَتْ أَلَا فَمَنْ أَكَلَهُ الْحَقُّ فَإِلَى النار.وَأَمَّا اسْتِواتُنا في الْحَرْبِ وَالرِّجَالِ فَلَسْتَ بِأَمْضى عَلَى الشَّكُ مُني عَلَى الْيَقِينِ، وَلَيْسَ أهْلُ الشَّامِ بِأَحْرَصَ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى الْآخِرَةِ.وَأَمَّا قَوْلُكَ إِنَّا بَنُوا عَبْدِ مَنافٍ فَكَذلِكَ نَحْنُ وَلكِنْ لَيْسَ أُمَيَّةُ كَهَاشِمٍ، وَلا حَرْبٌ كَعَبْدِ الْمُطَّلِب، ولا أَبو سُفْيانَ كَأَبي طالب، وَلا الْمُهَاجِرُ كَالطِّليقِ، وَلا الصَّرِيحُ كَاللصيقِ، وَلا الْمُحِنُّ كَالْمُبْطِلِ وَلاَ المُؤْمِنُ كَالْمُدْغِلِ، وَلَبِئْسَ الْخَلَفٌ خَلَفٌ يَنْبِعُ سَلَفاً هَوى في نارٍ جَهَنَّمَ .وفي أيدينا بَعْدُ فَضَلُ النُّبُوَّةِ التي أذللنا بها العزيز، ونعشنا بها الدليل.وَلَمّا أَدْخَلَ اللّهُ الْعَرَبَ فِي ِدينِهِ أَزْواجاً ، وَأَسْلَمَتْ لَهُ هذه الأمةُ طَوْعاً وَكَرْهاً كُنتُمْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الدِّينِ إِمَا رَغْبَةً وَإِمّا رَهْبَةً على حينَ فَازَ أَهْلُ السَّبْقِ بِسَبْقِهِمْ، وَذَهَبَ الْمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ بِفَضْلِهِمْ. فَلا تَجْعَلَنَّ للشَّيْطانِ فيكَ نَصِيباً ، وَلا عَلَى نَفْسِكَ سَبيلا (1.)### المآخذروى الكتابين سليم بن قيس الكوفي المتوفّى حدود سنة 90 ه- كما في الكتاب المنسوب إليه (174 من طبع النجف) .)ونصر بن مزاحم المنقري الكوفي المتوفّى 212 ه- في كتاب (صفين» (ص 252 من الطبع الناصري. وابن قتيبة الدينوري المتوفّى 276ه- في كتاب الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء (ص 117 و 118 ج 1 من طبع مصر 1377 ه-). وعلي بن الحسين بن علي المعروف بالمسعودي المتوفى 346 ه- في مروج الذهب»)


1) نهج البلاغة : 17/3 ، وبحار الأنوار: 105/33 .

(ص 60 و 61 ج 2 من طبع مصر 1346 ه- .)والشيخ الجليل أبو الفتح محمّد بن عليّ المعروف بالكراجكي المتوفّى 449 ه- وقد كان عاصر الرّضي في كتاب «كنز الفوائد» (ص 201 من الطبع الحجري في إيران 1322 ه-.)وأتى المجلسي رحمه اللّه برواية سليم بن قيس في ثامن البحار» (ص 520 من الطبع الكمباني، وبرواية نصر في ص545من ذلك المجلد.)ولا بدَّ لنا من الإتيان ببعضها والإشارة إلى اختلاف نسخها لأنَّ معنى الكتاب الصحيح يتوقف عليهما، وبذلك يعرف أيضاً صحة نُسخ، وتحريف أخرى، فدونك ما رواه نصر في صفين عن عمر في إسناده قال: وكان من أهل الشام بصفين رجل يقال له الأصبغ بن ضرار الأزدي، وكان يكون طليعة ومسلحة لمعاوية، فندب عليّ له الأشتر فأخذه أسيراً من غير أن يقاتل، وكان علي ينهى عن قتل الأسير الكافُ ؛ فجاء به ليلاً وشد وثاقه وألقاه أضيافه ينتظر مع به الصباح، وكان الأصبغ شاعراً مفوهاً ونام أصحابه، فرفع صوته فأسمع الأشتر فقال:ألا ليت هذا الليل أطبق سرمداً على الناس لا يأتيهم بنهارٍيكون كذا حتى القيامة إنني احاذِرُ في الإصباح ضرمة نارفياليل طبق إنَّ في الليل راحةً وفي الصبح قتلي أو فكاك إسارىولو كنتُ تحت الأرض ستين وادياً لمارد عنّي ما أخاف حذاريفيا نفسُ مهلاً إن للموت غاية فصبراً على ما ناب یا ابن ضرارماناب أخشى ولي في القوم رحم قريبةً أبى اللّه أن أخشى والأشتر جاريولو أنه كان الأسیر ببلدةأطاع بها شمّرت مرت ذيل إزاريولو كنت جار الأشعث الخير فكني وقل من الأمر المخوف فراريوجار سعيد أو عدي بن حاتم*** وجار شريح الخير قر قراريوجار المرادي العظيم وهانيءوزحر بن قيس ما كرهت نهاريولو أنني كنت الأسير لبعضهم دعوت رئيس القوم عند عشاريأُولئك قومي لا عدمت حياتهم ***وعفوهم عن وستر عُواريفغدا به الأشتر على عليّ فقال : يا أمير المؤمنين هذا رجل من المسلحة لقيته بالأمس فو اللّه لو علمت أنَّ قتله الحقُّ قتلته ؛ وقد بات عندنا الليلة وحركنا فإن كان فيه القتل فاقتله وإن غضبنا فيه وإن كنت فيه بالخيار فهبه لنا قال هو لك يا مالك، فإذا أصبت أسيراً فلا تقتله فإنَّ أسير أهل القبلة لا يفاد أو لا يقتل، فرجع به الأشتر إلى منزله وقال لك ما

أخذنا معك ليس لك عندنا غيرهقال : وذكروا أنَّ عليّاً أظهر أنه مصبح غداً معاوية ومناجزه فبلغ ذلك معاوية وفزع أهل الشّام لذلك وانكسروا لقوله وكان معاوية بن الضحاك بن سفيان صاحب راية بني سليم مع معاوية وكان مبغضاً لمعاوية وكان يكتب بالأخبار إلى عبد اللّه بن الطفيل العامري ويبعث بها إلى علي علیه السلام فبعث إلى عبد اللّه بن الطفيل أنّي قائل شعراً أذعر به أهل الشام واذعر (1به معاوية، وكان معاوية لا يتهمه وكان له فضل ونجدة ولسان فقال ليلاً ليسمع أصحابه :)ألا ليت هذا الليل أطبق سرمداً*** سلينا وأنا لا نرى بعده غداويا ليتَهُ إن جاءنا بصباحه*** وجدنا إلى مجرى الكواكب مصعداًحذار عليّ إنّه غيرُ مُخلف*** مدى الدهر ما لبي المليون موعداًفأما فراري في البلاد فليس لي*** مقام ولو جاوزت جابلق مصعداًكاني به في الناس كاشف رأسه على ظهر خوّار الرحالة أجردايخوض غمار الموت في مرحجنّة يُنادون في نقع العجاج محمداًفوارس بدر والنضير وخيبر ***وأحد يردّون الصفيح المهنداويوم حنين جالدوا عن نبيهم فريقاً من الأحزاب حتّی تبدّداهنالك لا تلوي عجوز على ابنها وإن أكثرت في القول نفسي لك الفدافقل لابن حرب ما الذي أنت صانع أتثبت أم ندعوك في الحرب قعددا؟وظنّي بأن لا يصبر القوم موقفاً نقفه وإن لم نجز في الدهر للمدافلا رأى إلا تركنا الشام جهرة وإن أبرق الفجفاج فيها وأرعداسمع مع أهل الشام شعره أتوا به معاوية فهم بقتله، ثمَّ راقب فيه قومه وطرده عن فلما الشام فلحق بمصر وندم معاوية على تسييره إياه، وقال معاوية : و اللّه لقول السلمي(2أشدّ على أهل الشام من لقاء علي ما له قاتله اللّه لو أصاب خلف جابلق مصعداً نفذه - وجابلق مدينة بالمشرق وجابلص مدينة بالمغرب ليس بعدهما شيء.)وقال الأشتر حين قال علي: إنني مناجز القوم إذا أصبحت :قد دنا الفضل في الصباح وللسلم رجال وللحرب رجال


1) في نسخة: أرغم

2) في نسخة : الشعر السلمي.

فرجال الحروب كل خدبّ مُقحم لا تهده الأهواليضرب الفارس المدحج بالسي ف إذا فل في الوغا الأكفالیا این هند شد الحيازيم للموت *** ولا يذهبن بك الأمالإنَّ في الصبح إن بقيت لأمراً تتفادى من حوله الأبطالعِزا لعِراق أو ظفر الشام بأهل العراق والزلزالفاصبروا للطعان بالأسل السمر وضرب یجري به الأمثالإن تكونوا قتلتم النفر البيض غالت أولئك الآجالفلنا مثلهم وإن عظم الخطب *** -قليل أمثالهم أبدالیخضبون الوشيح طعناً إذا *** جرت للموت بینهم أذيالطلب الفوز في معاد وفي ذا ***تستهانُ النُّفوسُ والأموالفلما انتهى إلى معاوية شعر الأشتر قال : شعر منكر من شاعر منكر رأس أهل العراق وعظيمهم ومسعر حربهم وأوّل الفتنة وآخرها، وقد رأيت أن أكتب إلى عليّ كتاباً أسأله الشام وهو الشيء الأوّل الذي ردَّني عنه وأُلقي في نفسه الشَّكَ والرّقة.فضحك عمرو بن العاص ثم قال : أين أنت يا معاوية من خدعة عليّ؟فقال : ألسنا بني عبد مناف؟أما بعد قال بلى ولكنَّ لهم النبوَّة دونك وإن شئت أن تكتب فاكتب فكتب معاوية إلى علي مع رجل من السكسك يقال له عبد اللّه بن عقبة وكان من ناقلة أهل العراق فكتب: بعد، فإنّي أظنّك أن لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت وعلمنا لم يجنها بعضنا على بعض، وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا منها ما نندم به ما مضى ونصلح ما بقي، وقد كنت سألتك الشّام على أن لا تلزمني لك طاعةٌ ولا بيعة فأبيت ذلك عليَّ فأعطاني اللّه ما منعت؛ وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس فإنّي لا أرجو البقاء إلاّ ما ترجو، ولا أخاف من الموت إلا ما تخافُ، وقد و اللّه رقّت الأجناد وذهبت الرّجال، ونحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل إلا فضل لا يستذلّ به عزیز ولا يسترق بهُ حر والسلام.فلما انتهى كتاب معاوية إلى علي علیه السلام قرأه ثم قال العجب لمعاوية وكتابه ثم دعا علي علیه السلام عبيد اللّه بن أبي رافع كاتبه فقال: اكتب إلى معاوية : أما بعد فقد جائني كتابك تذكر أنك لو علمت وعلمنا أنَّ الحرب تبلغ بنا وبك ما

بلغت لم يجنها بعضنا على بعض فإنّا وإياك منها في غاية لم تبلغها (1، وإنّي لو قتلت في ذات اللّه وحييت ثمَّ قتلت ثمَّ حبّيت سبعين مرة لم أرجع عن الشدَّة في ذات اللّه والجهاد لأعداء اللّه .)وأما قولك : إنّه قد بقي من عقولنا ما تندم به على ما مضى فإنّي ما نقضت عقلي، ولا ندمت على فعلي؛ فأما طلبك الشّام فإنّي لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس.وأما استواؤنا في الخوف والرَّجاء فإنّك لست بأمضى على الشكٍّ منّي على اليقين وليس أهل الشام بأحرص على الدُّنيا من أهل العراق على الآخرة.وأما قولك : إنا بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل فلعمري إنا بنو أبٍ واحدٍ ولكن ليس أميّة كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا المهاجر كالطليق، ولا المحق كالمبطل، وفي أيدينا فضلُ النبوَّة التي أذللنا بها العزيز، وأعززنا بها الذُّليل . والسّلام (2)عن نصر، عن عمر بن سعد، عن نمير بن وعلة قال: فلما أتى معاوية كتاب علي علیه السلام كتمه عن عمرو بن العاص أياماً ثمَّ دعاه بعد ذلك فأقرأه الكتاب قسمت به عمرو ولم يكن أحد من قريش أشدَّ تعظيماً لعلي علیه السلام من عمرو منذ لقيه وصفح عنه فقال عمرو بن العاص فيما كان أشار به على معاوية شعراً .ألا لله درك يا ابنَ يا ابن هند*** ودَرَّ الأمرين لك الشُّهُودأتطمعُ لا أباً لك في علي*** وقد قُرعَ الحديد على الحديدترجو أن و أن تُخَبّره بشک وترجوأن يهابك بالوعیدوقد كشف القناع وجرَّ حرباً يَشيبُ لهولها رأس الوليدله جاواءُ مظلمة طحون*** فوارسها تلهبُ كالأسوديقول لها إذا دلفت إليه*** وقد ملّت طعان القوم عوديفإنوردت فأولُها وروداً *** وإن صدرت فليس بذي صدودٍوما هي من أبي حسن مسائك بالبعيدوقلت له مقالة مستكين *** ضعيف الركن منقطع الوريددعن الشام حسبك یا بن هند *** السوءات والرأي الزهيدولو أعطاكها ما ازددت عزا **** ولا لك لو أجابك من مزیدلم تكسر بذاك الرَّأي عوداً لرکّته لا مادون عودٍ


1) في نسخة : لم نبلغها .

2) نهج السعادة 272/4 ، ووقعة صفين: 471 .

فلما بلغ معاوية قول عمرو دعاه فقال : يا عمرو إنّني قد أعلم ما أردت بهذا قال ما أردت؟ قال : أردت تفييل رأيي وإعظام عليّ وقد فضحك فقال: أما تفييلي رأيك فقد كان وأمّا إعظامي عليّاً فإنّك باعظامه أشدَّ معرفةً مني ولكنك تطويه وأنا أنشره، وأما فضيحتي فلم يفتضح امرؤ لقي أبا حسن وقد كان معاوية شمت بعمرو حيث لقي من علي علیه السلام ما لقي فقال عمرو في شماتة معاوية :معاوي لا تشمت بفارس بهمة لقي فارساً لا تعتريه الفوارسمعاوي إن أبصرت في الخيل مقبلاً أبا حسن يهوي دهتك الوساوسأيقنت أن الموت حق وأنه لنفسك إن لم تمض في الركض حابسفإنّك لو لاقيته كنت يومةً أُتيح لها صقر من الجو آنسوماذا بقاء القوم بعد اختباطه*** وإنَّ امرءاً يلقى عليّاً لايسدعاك فصمت دونه الأذن هارباً*** فنفسك قد ضاقت عليها الأمالسوأيقنت أن الموت أقرب موعد*** وأن التي ناداك فيها الدهارسُوتشمت بي أن نالني حد رمحه وعضعضني نابٌ من الحرب ناهشأبى اللّه إلا أنه ليث غابة أبو أشبُل تُهدى إليه الفرايسواني امرؤ باقٍ فلم يلف شلوه*** بمعترك تسفي عليه الروامسفإن كنت في شك فأدهج عجاجه ***وإلا فتلك التُّرَّهات البسابس (1)وكتاب معاوية في نسخة «الإمامة والسياسة يخالف ما في كتاب «صفين» في الجملة ففيه : لو علمت أن الحرب تبلغ ولم يأت بلفظة وعلمنا كما أتى بها في صفين (2.)وفيه فلنا منها ما نذمّ به - وكان في صفين «ما نندم به» .وفيه : وقد كنت سألتك ألا يلزمني - وكان في صفين وقد كنت سألتك الشّام على أن لا تلزمني .وفيه : وإني أدعوك إلى - وكان في صفين وأنا أدعوك اليوم إلى.وفيه : فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو ولا تخاف من الفناء إلا ما أخاف - وكان في صفين بعكس ذلك، والتأمل الصحيح يقضي بأن نسخة نصر كانت أمتن وأبلغ .


1) الأمالي : 135 ح30، والغدير: 162/2 ، ووقعة صفين : 473 .

2) الامامة والسياسة : 1/ 137 .

### صورة كتاب أمير المؤمنين علي علىه السلام ما في الإمامة والسياسةقال الدينوري: فلما انتهى كتابه - يعني كتاب معاوية المقدّم نقله - إلى علي ، دعا كاتبه عبيد اللّه بن أبي رافع فقال اكتب : أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر أنك لو علمت وعلمنا أنَّ الحرب تبلغ ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، وإنا وإياك في غاية لمن بلغها بعد، وأما طلبك إليَّ الشام فإنّي لم أكن أعطيك اليوم ما منعتك أمس، وأما استواؤنا في الخوف والرَّجاء فإنّك لست أمضى على الشَّكُ مني على اليقين، وليس أهل الشام بأحرص من أهل العراق على الآخرة، وأما قولك: إنا بنو عبد مناف فكذلك ولكن ليس أُمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطليق، ولا المحق كالمبطل، وفي أيدينا فضل النبوّة التي قتلنا بها العزيز، وبعنا بها الحرَّ . والسّلام (1)### نسخة الكتابين على ما في كتاب سليم بن قيسقال سليم : ثمَّ إنَّ عليّاً علیه السلام قام خطيباً فقال: أيها الناس إنّه قد بلغكم ما قد رأيتم وبعدوكم كمثل فلم يبق إلا آخر نفس وإنَّ الأمور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها وقد صبر لكم القوم على غير دين حتّی بلغوا فيكم ما قد بلغوا وأنا غادٍ عليهم بالغداة إن شاء اللّه ومحاكمهم إلى اللّه، فبلغ ذلك معاوية ففزع فزعاً شديداً وانكسر هو وجميع أصحابه وأهل الشام لذلك فدعا عمرو بن العاص فقال : يا عمرو إنما هي الليلة حتّى يغدوا علينا فما ترى؟قال : أرى الرّجال قد ،قلوا وما بقي فلا يقومون لرجاله ولست مثله وإنما يقاتلك على أمر وأنت تقاتله على غيره أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء وليس يخاف أهل الشام عليّاً إن ظفر بهم ما يخاف أهل العراق إن ظفرت بهم، ولكن ألق إليهم أمراً فإن ردّوه اختلفوا وإن قبلوه اختلفوا، ادعهم إلى كتاب اللّه وأرفع المصاحف على رؤوس الرَّماح فإن بالغ حاجتك فإنّي لم أزل أدخرها لك.فعرفها معاوية وقال : صدقت ولكن قد رأيت رأياً أخدع به عليّاً طلبي إليه الشام على الموادعة وهو الشيء الأول الذي ردّني عنه .فضحك عمرو وقال : أين أنت يا معاوية من خديعة عليّ؟ وإن شئت أن تكتب فاكتب .قال : فكتب معاوية إلى علي علیه السلام كتاباً مع رجل من أهل السكاسك يقال له عبد اللّه بن


1) كنز الفوائد : 201 ، وبحار الأنوار : 611/32 .

عقبة : أما بعد فإنَّك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت وعلمناه نحن لم يجنها بعضنا على بعض وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي منها ما نرم به ما مضى ونصلح ما بقي، وقد كنت سألتك الشام على أن لا تلزمني لك طاعة ولا بيعة فأبيت ذلك فأعطاني اللّه ما منعت وأنا أدعوك إلى ما دعوتك إليه أمس فإنَّك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجوه ولا تخاف من الفناء إلا ما أخاف وقد و اللّه رقّت الأكباد وذهب الرّجال ونحن بنو عبد مناف وليس لبعضنا على بعض فضل يستدلّ به عزيز ولا يسترق به ذليل والسلام .قال سليم : فلما قرأ علي علیه السلام كتابه ضحك وقال : العجب من معاوية وخديعته لي فدعا كاتبه عبيد اللّه بن أبي رافع فقال له : اكتب: أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنَّك لو علمت أنَّ الحرب تبلغ بنا وبك إلى ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، وإنا وإياك يا معاوية على غاية منها لم نبلغها بعد، وأما طلبك الشام فإنّي لم أعطك اليوم ما منعتك أمس وأمّا استواؤنا في الخوف والرَّجاء فإنَّك لست بأمضى على الشك مني على اليقين وليس أهل الشام أحرص على الدُّنيا على الدُّنيا من أهل العراق على الآخرة، وأمّا قولك: إنا بنو عبد مناف ليس لبعضنا فضل على بعض فكذلك نحن ولكن ليس أمية ،كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا الطليق كالمهاجر، ولا المنافق كالمؤمن، ولا المبطل كالمحق في أيدينا فضل النبوَّة التي ملكنا بها العرب واستعبدنا بها العجم. والسلام (1)وكتاب معاوية على نسخة المسعودي: وإنا وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا ما نرد به ما مضى على أن لا تلزمني لك طاعة وأنا أدعوك اليوم وذهبت الرِّجال ویسترق به حرّ والسّلام وسائر العبارات تطابق نسخة سليم وكتاب أمير المؤمنين علي على نسخته وأنا وإياك نلتمس منها غاية لم نبلغها بعد»، «وليس أهل الشام على الدنيا بأحرص» وليس أُمية» وفي أيدينا فضل النبوَّة التي قتلنا بها العزيز وبعنا بها الحرّ والسّلام وسائر عباراته توافق نسخة سليم.ونسخة كتاب الأمير علیه السلام من الكراجكي في «الكنز» تطابق نسخة المسعودي في «المروج»، وأما نسخة كتاب معاوية ففي «الكنز»: «فقد بقي لنا ما نرم به ما مضى» كما في نسخة سليم يستذلّ به عزّ ولا يسترق به حد والسلام والبواقي توافق نسخة المسعودي.أقول وبعد اللتيا والتي فلم نجد مع الجد الطلب وكثرة الفحص والتتبع رواية تحوز جميع ما في نسخة الرّضي في «النهج» أو توافق لها متناً، أو تطابق أجوبتها ما أتى به معاوية في كتابه وإن كان الاختلاف قليلاً ولا نشك في أن الرضي نقل كلامه علیه السلام من مآخذ قيمة كانت


1) كنز الفوائد : 201 ، وبحار الأنوار: 130/33

تحضره، غاية الأمر أن يكون مختار واحد ملفّقاً من ملتقطات عباراته الشتّى .نعم على ما نقله الفاضل البحراني في شرحه على النهج تطابق أجوبة كتابه علیه السلام كتاب معاوية، قال: كتب إليه معاوية أما بعد فإنّي أظنّك لو علمت أنَّ الحرب يبلغ بنا وبك ما بلغت وعلمنا لم يجنها بعض على بعض، وإنا وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا منها نندم بها على ما مضى ونصلح به ما بقي وقد كنت سألتك الشام على أن لا يلزمني طاعة ولا بيعة وأبيت ذلك عليَّ فأعطاني اللّه ما منعت وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس فإنّك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو ولا أخاف من القتل إلا ما تخاف وقد و اللّه رقت الأجناس وذهبت الرجال وأكلت الحرب العرب إلا حشاشات نفس بقيت وأنا في الحرب والرِّجال سواء ونحن بنو عبد مناف وليس لبعضنا على بعض فضل إلا فضل لا يستذلّ به عزيز ولا يسترق به حرّ والسّلام فلمّا قرأ علي علیه السلام كتابه تعجب منه ومن كتابه ثم دعا عبيداللّه بن أبي رافع كاتبه وقال له اكتب إليه أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر - الفصل .### اللغة«طلبك إليَّ »قال في أقرب الموارد طلب إليَّ رغب، وقال الفاضل الشارح المعتزلي : يقال : طلبت إلى فلان كذا والتقدير طلبت كذا راغباً إلى فلان كما قال تعالى :«وفِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ» أي مرسلاً، وفي تعليقة نسخة خطية عندنا فسرت العبارة هكذا : أي طلبك الشام قاصداً إليَّ بذلك، وسيأتي وجه آخر في بيان الإعراب».حشاشات جمع حشاشة بالضم الحشاش والحشاشة بقيّة الرّوح في المريض قال في«الأساس»: وما بقي منه إلا حشاشة، قال ذو الرمة :فلمّا رأين الليل والشمس حيّةً حياة التي تقضي حشاشة نازعوفي« الحماسة» (202)فهل أنت إلا مستعير حشاشة لمهجة نفس آذنت بفراقوقال المرزوقي في الشرح : الحشاشة هي روح القلب ورمقُ من حياة النّفس وقد آذنت بالمفارقة والمهجة خالصة النفس.وفي منتهى الأرب»: حشاش بالضم كغراب : بقيه جان دربيمار وجريح، حشاشه (بالهاء كذلك .)«الطليق) قال ابن الأثير في «النهاية» وفي حديث حنين: وخرج إليها ومعه الطلقاء،)هم الذين خلّى عنهم يوم فتح مكة وأطلقهم ولم يسترقهم واحدهم طليق فعيل بمعنى مفعول

وهو الأسير إذ اطلق سبيله، ومنه حديث الطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف كأنّه ميّز قريشاً بهذا الإسم حيث هو أحسن من العتقاءالصريح»: الخالص من كل شيء، قال الفيومي في « المصباح »: صرح الشيء بالضم صراحة صروحة: خلص من تعلقات غيره فهو صريح وعربي صريح خالص النسب والجمع صرحاء، وكل خالص صريح ومنه قول صريح وهو الذي لا يفتقر إلى إضمار أو تأويل.وفي أقرب الموارد يقال : رجلٌ صريح النسب أي خالصهاللصيق أصل اللصيق: الدَّعيُّ في قوم الملصق بهم وليس منهم من قولك لصق الشيء يغيره من باب تعب لصقاً ولصوقاً لزق وقال في «الأساس» ومن المجاز : فلان ملصق ولصيق، دعي .«المدغل اسم فاعل من الإدغال، قال الجوهري في«الصحاح» : الدَّغل بالتحريك :الفساد مثل الأخل ، يقال : قد أدغل فى الأمر إذا أدخل فيه ما يخالفه ويفسده .وفي «النهایة» الأثيرية فيه - يعني في الحديث - اتخذوا دين اللّه دغلاً أي يخدعون النّاس، وأصل الأغل الشجر الملتفّ الذي يكمن أهل الفساد فيه ، وقيل : هو من قولهم: أدغلت في هذا الأمر إذا أدخلت فيه ما يخالفه ويفسده ومنه حديث علي علیه السلام (ليس المؤمن بالمدخل هو اسم فاعل من أدغل .)نعشنا نعشه اللّه ينعشه من باب منع أي ،رفعه قال الجوهري : لا يقال أنعشه اللّه ،وسمى سرير الميت نعشاً لارتفاعه وإذا لم يكن عليه ميت محمول فهو سرير، قاله ابن الأثير في «النهاية»، وقال المرزوقي في شرحه على (الحماسة (368 النعش شبيه بالمحقة كان يحمل عليه الملك إذا مرض ؛ ثم كثر حتّی سمّي النعش الذي فيه الميت نعشاً .)«رغبة» بالفتح فالسكون مصدر من قولك رغب فيه من باب علم إذا أراده بالحرص عليه وأحبه .«ورهبة »كالرغبة أي الخوف مصدر رهب الرّجل منه من باب علم إذا خاف منه .### الإعراب«وأما طلبك إليَّ الشام» الواو عاطفة على ما سبق في الكتاب من قوله : (وأما قولك إنه قد بقي من عقولنا - إلخ - كما دريت في بيان ،المآخذ وفي بعض النسخ: (فأما طلبك) (بالفاء) كما في نسخة نصر المقدم نقلها ، ونسخة الرّضي أصح ، وياء (إلى) مشدّدة مدغمة من (ياء) إلى الجارّة (وياء) ضمير المتكلّم المجرور (والشام) منصوب مفعول للطلب.)

والعبارة في بعض النسخ مشكولة بجرّ الشام وتخفيف إلى أي رغبتك إلى الشام ونحوه، وكأنّها وهم ونسخة الرّضي وأكثر المتون ما اخترناها وهو أوفق بأسلوب الكلام، وأوثق في تأدية المعنى وأوجز وأبلغ في الفحوى والمغزى .وأمكن أن تكون كلمة (إلى بمعنى (من) أي طلبك مني الشام نحو قول عمرو بن أحمر الباهلي في قصيدة قالها بعدما هرب من يزيد بن معاوية لما بلغ عنه شيء إليه .)تقول وقد عاليتُ بالكور فوقها ***أيسقى فلا يروى إلي بن أحمر؟أي تقول الناقة وقد رفعت الرّحل ووضعته على ظهرها أيركبني عمرو بن أحمر فلايمل من ركوبي والبيت في جامع الشواهد.«اكلت »الضمير يرجع إلى الحرب وهي تؤنث وتذكر .«حشاشات» منصوب بالكسر لأنَّ المستثنى متصل، «ألا» حرف تنبيه .«فإلى النار» خبر لقوله من الموصولة في من أكله. (والفاء في (فإلى) لتضمّن (من) معنى الشرط وقال ابن الحاجب في البحث عن المبتدأ والخبر (من) الكافية : وقد يتضمن المبتدأ معنى الشرط فيصح دخول (الفاء) في خبره وذلك إما الاسم الموصول بفعل أو ظرف أو النكرة الموصوفة بهما مثل الذي يأتيني أو الذي في الدار فله درهم ومثل كل رجل يأتيني أو في الدار فله درهم.)«ما منعتك» (ما موصول اسمي مفعول ثان لأعطيك« منّي على اليقين »الظرفان متعلقان بأمضى،( ومن أهل العراق على الآخرة) متعلقان بأحرص «أُمية »غير منصرف للعلمية والتأنيث ، وكذلك سفيان لمكان( الألف والنون )الزائدتين كعثمان .)«البئس» بئس من أفعال الذَّم ، (الخلف فاعله وخلف مخصوص بالذم وجملة (يتبع سلفاً، في محلّ الرفع صفة له لأنه نكرة، وجملة) هوى في نار جهنم) في محلّ الرفع صفة (لسلف لذلك))( في أيد خبر (فضل النبؤة) قدّم توسعاً للظرف (والواو) للحال فالجملة حالية بعد مبني على الضمّ حذف المضاف إليه بقرينة المقام كما سيعلم في المعنى، (نعشنا) عطف على قوله (اذللنا) .) «كنتم» جواب (لمّا)، وأفرد (دخل) لظاهر من على حين كقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا) [القصص: 15] وقال الفاضل أبو البقاء يعيش بن علي بن يعيش في سير التبيان في إعراب القرآن على حين غفلة حال من المدينة ويجوز أن يكون حالاً من

الفاعل أي مختلساً. انتهى. ففي المقام جاز أن يكون على حين حالاً من ضمير (كنتم أو من (الدِّين) وإن كالأوّل أنسب بسياق الكلام.)«طوعاً» و«كرهاً» مصدران في موضع الحال وكذا رغبة ورهبة وذوا لحال في الصورة الأولى (الأمة وفي الثانية (من) .)«وذهب عطف» على (فاز، أي على حين ذهب ، (والباء) في (بفضلهم) للتعدية أعني صار فعل ذهب بها متعدّياً، وفي باء التعدية معنى المصاحبة أيضاً، ولذلك إذا تعدى الفعل اللازم بباب الافعال يفيد معنى، وإذا تعدّى بباء لجر يفيد معنى آخر يغاير الأول؛ مثلاً إذا قلت أذهبت زيداً جعلت زيداً ذاهباً وما ذهبت معه، وإذا قلت ذهبت بزيدٍ جعلته ذاهباً وأنت أيضاً ذاهب معه لمكان الباء)؛ فتبصر من لطافة قوله علیه السلام ( وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم).)(والأولون صفة للمهاجرين، والباء) في (بسبقهم) سببية .)(نصيباً مفعول( لا تجعل)، وللشيطان متعلق به وكذلك فيك قدما عليه) توسعاً للظروف.)(ولا على نفسك سبيلاً معطوف على (الشيطان) فسبيلاً مفعول الفعل وعلى نفسك متعلق به( قدم عليه) للظرفية .)### المعنىهذا الكتاب كتب قبل ليلة الهرير كما هو الظاهر ، قيل بيومين أو ثلاثة جواباً عن كتاب كتبه معاوية إلى أمير المؤمنين علي علیه السلام ، وإنما كتبه معاوية إليه بعد ما بلغه قوله علي علیه السلام : الأناجزنّهم مصبحاً، وتناقل الناس كلمته وفزع أهل الشام لذلك وانكسروا لقوله كما تقدم الكلام فيه من نصر وغيره آنفاً .)ومعاوية قد أظهر في كتابه الندامة والنفرة على إنارته نارا لحرب وإثارته إياها وإقدامه على إقبالها واعترف بأنه أطاع نفسه في ذلك وأدبر عن فتيا العقل، وفيه أشعار بجزعه من الحرب واضطرابه من القتال وعدم نجدته في الحراب.وأساء بأمير المؤمنين علي علیه السلام الظَّنَّ وخرج عن صوب الصواب وطريق الأدب حيث خاطبه علیه السلام بقوله : فإنّي أظنّك - إلى قوله : لم يجنها بعض على بعض وأشركه في اتباعه الهوى وخروجه عن الطريقة المثلى بقوله : وإنّا وإن كنا قد غلبنا على عقولنا .وطلب منه علیه السلام ثانياً أن يترك الشّام، ولا يطلب منه طاعة ولا بيعة كما كان طلبه منه كذلك من قبل .

وشمخ بأنفه وأرعد وأبرق فجعل نفسه خليفة اللّه بقوله : فإنّك لا ترجو من البقاء - واستعطفه ودعاه إلى الشفقة على النّاس والكفّ من البأس بقوله : وقد و اللّه رقت - إلخ .وخوَّفه باستواء الفريقين في الحرب والرِّجال بقوله : وإنا في الحرب - إلخ .ثم تبصيص وأبدى القرابة منه بأنَّ أُمية وهاشم صنوان من أصل واحد.ثمَّ تغطرس بأنَّ بني عبد مناف ليس لبعضهم على بعض فضل، واستثنى من ذلك فقال : إلا فضل لا يستذلُّ به عزيز ولا يسترق به حرّ، فأجاب عنها أمير المؤمنين علي علیه السلام بما تری :أمّا بعد فقد جاءني كتابك تذكر : أنَّك لو علمت وعلمنا أنَّ الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض نقل كلام معاوية أولاً فأجابه بقوله: (فإنا وإياك منها في غابة لم نبلغها، وإنّي لو قتلت في ذات اللّه وحنيت ثمَّ قتلت ثم حنيت سبعين مرة لم أرجع عن الشدّة في ذات اللّه والجهاد لأعداء اللّه.)وضمير (منها يرجع إلى الحرب ، وكلمة لم تبلغها جاءت في نسخة نصر (بتاء) الخطاب وفي نخسة كنز الكراجكي (بياء) الغيبة وفي سائر النسخ (بنون) المتكلم مع الغير، والأخير أنسب بسياق الكلام والمراد أنا نلتمس وننتظر من الحرب غاية لم نبلغها بعد، أي إنّي أعلم أن الحرب ستشب إلى حد يكون ما مضى منها دونه .)و كلامه هذا إذعار معاوية وإرغامه في قبال قوله ذلك، وتهديد وتخويف وإبعاد إياه بأنَّ أمره سيؤل إلى أشد من ذلك وأنَّ عاقبته وخيمة وأنَّ عاقبة الذين أساؤوا السوأى، وإنبائه بنفسه أي إنّي لعلى بصيرة وبيئة من ربّي وإنّي لعلى الطريق الواضح، ثمَّ أكّده بقوله : (وإني لوقتلت في ذات اللّه وحييت ثمَّ قتلت ثمَّ حييت سبعين مرة لم أرجع عن الشدَّة في ذات اللّه والجهاد لأعداء اللّه ، وأعلمه بذلك ثبات قدمه في الدين وكونه على النهج القويم والصراط اللّه، المستقيم، وعدم بأسه من القتال والقتل في سبيل اللّه ولو قتل وحيي سبعين مرة، وعرَّف في أثناء قوله معاوية ومن سلكوا مسلكه واتبعوا مأخذه بأنهم كافرون لأنهم أعداء اللّه.واعلم أن أولياء اللّه لكونهم على بينة من ربهم لا يبالون وقعوا على الموت أو وقع الموت عليهم، ولا يخافون من القتل في سبيل اللّه ولا من القتال في سبيله، ويعلمون أنهم لا يتربصون بالأعداء إلا إحدى السوئين، وأنَّ الأعداء لا يتربصون بهم إلا إحدى الحسنيين إما الفتح وإمّا الشهادة كما قال اللّه تعالى خطاباً لرسوله صلی الله علیه وآله وسلم :«قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ » [التوبة : 52] .

واقتفى أثره علیه السلام في قوله هذا : وإني لو قتلت في ذات اللّه - إلخ، الذين استضاؤوا من مشكاة ،وجوده واقتبسوا من نور علمه وربوا في بيته وحجره واحتذروا حذوه واتبعوا سبيله سلام اللّه عليهم أجمعين : فهذا هو عمّار بن ياسر فاستمع ماذا يقول رضوان اللّه عليه روي نصر في صفين عن عمر قال: حدثني عبد الرحمن بن جندب، عن جندب بن عبد اللّه قال : قام عمار بن ياسر بصفّين فقال : امضوا عباد اللّه إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه ، الحاكم على عباد اللّه بغير ما في كتاب اللّه إنّما قتله الصالحون المنكرون للعدوان الأمرون بالإحسان فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم لو درس هذا الدين لم قتلتموه؟ فقلنا : لأحداثه، فقالوا : إنّه ما أحدث شيئاً وذلك لأنه مكنهم من الدُّنيا فهم يأكلونها ويرعونها ولا يبالون لو انهدت عليهم الجبال و اللّه ما أظنهم يطلبون دمه إنّهم ليعلمون أنّه الظالم ولكن القوم ذاقوا الدُّنيا فاستحبوها واستمرؤوها وعلموا لو أنَّ الحق لزمهم لحال بينهم وبين ما يرعون فيهم منها، ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها الطاعة والولاية فخدعوا أتباعهم بأن قالوا قتل إمامنا مظلوماً ليكونوا بذلك جبابرة وملوكاً، وتلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون ولولا ما بايعهم من الناس رجلان، اللّهم إن تنصرنا فطالما نصرت، وإن تجعل لهم الأمر فاخر لهم بما أحدثوا لعبادك العذاب الأليم، ثم مضى ومضى معه أصحابه فلما دني من عمرو بن العاص فقال : يا عمر وبعت دينك بمصر تباً لك وطالما بغيت الإسلام عوجاً ثم حمل عمّار وهو يقول :صدق اللّه وهو للصدق أهل وتعالى ربّي وكان جليلاًرب عجل شهادة لي بقتل في الذي قد أحب قتلاً جميلاًمقبلاً غير مدبر إن للقتل ***لی کل ميتة تفضيلاًإنّهم عندربهم في جنان ***يشربون الرَّ ق والسلسبيلامن شراب الأبرار خالطه المسك ***وكأساً مزاجها -ا زنجيلاوالأبيات الثلاثة الأخيرة تشير إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتُ بَلْ أَحْيَاةٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ [آل عمران : 154].وقوله تعالى: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169»«فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)»وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ » [آل عمران : 169 - 174] .)وقوله تعالى:«إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22»«عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23)»«تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24)»«يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25)»«خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)» [المطففين : 22 -26])

وقوله تعالى: «وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17»«عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18)» [الإنسان : 18 ،17 ].)قال نصر : ثمَّ نادى عمّار عبيد اللّه بن عمر وذلك قبل مقتله فقال : يا ابن عمر صرعك اللّه بعت دينك بالدُّنيا من عدو اللّه وعدو الإسلام قال : كلاً ولكن أطلب بدم عثمان الشهيد المظلوم قال كلاً أشهد على علمي فيك أنك أصبحت لا تطلب بشيء من فعلك وجه اللّه وأنّك إن لم تقتل اليوم فستموت غداً فانظر إذا أعطى اللّه العباد على نياتهم ما نيتك؟ثمَّ قال عمّار : اللّهمَّ إنّك لتعلم أنّي لو أعلم أنَّ رضاك أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلت، اللّهمَّ إنّك تعلم أنّي لو أعلم أنَّ رضاك أن أضع ظبة سيفي في بطني ثمَّ أنحنى عليها حتّی تخرج من ظهري لفعلت، اللّهم وإنّي أعلم ممّا أعلمتني أنّي لا أعلم اليوم عملاً أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين ولو أعلم اليوم عملاً أرضى لك منه لفعلته (ص165 من الطبع الناصري.)وقد نقل قوله هذا أبو جعفر الطبري في تاريخه كما تقدّم في شرح المختار» 236 من باب الخطب( ص 284 ج 15 .)وتقدمت طائفة من كلمات قيّمه كلمات قيمة من أصحاب علي علیه السلام في شرح الكتاب العاشر فراجع.ولمّا جمع ريحانة رسول اللّه سيّد الشهداء الحسين بن علي علیه السلام أصحابه عند قرب المساء من التّاسوعاء وقال لهم: إنّي قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم منّي ذمام هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً(1، فبعد ما قال أعوانه من إخوته وأبنائه وبني أخيه وبني عقيل وابني عبد اللّه بن جعفر ما قالوا قال إليه مسلم بن عوسجة رضوان اللّه عليه)، فقال : أنحن نخلّي عنك وبما نعتذر إلى اللّه في أداء حقك أما و اللّه حتّی أطعن في صدورهم برمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمة في يدي ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة و اللّه لا نخليك حتّی يعلم اللّه أنا قد حفظنا غيبة رسوله فيك، أما و اللّه لو قد علمت أني أقتل ثمَّ أُحبي ثمَّ أُحرق ثمَّ أُحيي ثمَّ أُذرى يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتّی ألقى حمامي دونك وكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة ثمَّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً .وقام زهير بن القين رحمة اللّه عليه فقال : و اللّه لوددت أني قتلت ثم نشرت ثمّ قتلت


1) الإرشاد (92/2 ، وبحار الأنوار: 393/44

حتّی أقتل هكذا ألف مرَّة وأنَّ اللّه عزّ وجلَّ يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك.تومکن تهدیدم از کشتن که من*** تشنه نه زارم بخون خودعاشقانرا هر زمانی مردنی است مردن عشاق خود يك نوع نیستاو دوصد جان دارد از نور هدی وآندو صد را میکند هردم فداهریکی جان را ستاند ده بها از نبي خوان عشرة أمثالهاآزمودم مرگ من در زندگیست چون رهم زین زندگی پایندگیستإن في موتي حياتي يا فتى كم أفارق موطني حتّی متىفرقتي لو لم تكن في ذا السكون لم يقل إنّا إليه راجعونقال علیه السلام وأما قولك : أنّه قد بقي من عقولنا ما نندم به على ما مضى» نقل كلام معاوية ثمَّ أجابه بقوله : فإنّي ما نقضت عقلي ولا ندمت على فعلي وذلك لأنه علیه السلام كان مأموراً بقتاله من اللّه تعالى كما احتج علیه السلام بذلك على معاوية في الكتاب السابع (ص 223 ج 16 حيث قال معاوية : وإنّي أُحذرك اللّه أن تحبط عملك وسابقتك بشق عصا هذه الأمة وتفريق جماعتها. فأجابه الأمير علیه السلام : فلعمري لو كنت الباغي عليك لكان لك أن تحذِّرني ذلك، ولكنّي وجدت اللّه تعالى يقول: فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فنظرنا إلى الفئتين ما الفئة الباغية؟ فوجدناها الفئة التي أنت فيها - إلخ .)على أنَّ الحجج الإلهية كما أنهم معصومون من الذنوب كذلك معصومون من أن يفعلوا فعلاً أو يتركوا ما يوجب ندامتهم به لأنهم ينظرون بنور اللّه ويحكمون بالعقل الناصح فإذا سكتوا فسكوتهم هو الصواب، وإذا نطقوا فنطقهم هم الصواب وإذا فعلوا ففعلهم هو الصواب وإذا تركوا وكفّوا فتركهم هو الصواب، ثمَّ من لم يكن من لم يكن عالما بعواقب بعواقب الأمور يندم من فعله لأنّه يفعل فعلاً كان الصواب تركه أو يترك فعلاً كان الصواب فعله، فإذا ظهر له خلافه يندم به فأين هذا ممن كان بنهاية قربه من اللّه وكمال الإتصال بجنابه وتمام الحضور إلى حضرته مصوناً ومعصوماً عن جميع عن جميع ما تنفر عنها الطباع، وقد تقدم البحث عن صفاتهم وعصمتهم في شرح المختار 237 من باب الخطب ولذا قال علیه السلام : (فإني ما نقضت عقلي ولا ندمت على فعلي، وفي بعض النسخ: (فإني ما تنقضت عقلي)، أي ما أنسبه إلى النقصان .)قال علیه السلام : وأما طلبك إليَّ الشّام فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس طلب معاوية من الأمير علیه السلام الشام غير مرَّة كما اعترف به في كتابه المتقدم إليه، وكان أتباعه أيضاً .

يطلبون بأمره من الأمير علیه السلام أن يخلّي بينهم وبين الشام ويخلوا بينه وبين العراق وهماً منهم أنَّ خلفاء اللّه تعالى إنّما يقاتلون أعداء اللّه لاقتراف الديار والعقار وحطام الدنيا وقد روى نصر في صفّين (ص255 أن رجلاً من أهل الشام ينادي بين الصفّين : يا أبا حسن يا علي ابرز إليَّ فخرج إليه علي علیه السلام حتّی إذا اختلف أعناق دابتيهما بين الصفّين؛ فقال يا علي إنَّ لك قدماً في الإسلام وهجرة فهل لكل في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء وتأخير هذه الحروب حتّی ترى من رأيك؟)فقال له عليّ علیه السلام : وما ذاك؟قال : ترجع إلى عراقك فنخلي بينك وبين العراق ونرجع إلى شامنا فتخلّي بيننا وبين شامنا .فقال له عليّ علیه السلام : لقد عرفت أنما عرضت هذا نصيحة وشفقة، ولقد أهمّني هذا الأمر وأسهرني وضربت أنفه وعينه فلم أجد إلا القتال أو الكفر بما أنزل على محمد صلی اللّه علیه و آله وسلم إنَّ اللّه تبارك وتعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر فوجدت القتال أهون عليَّ من معالجة الأغلال في جهنّم(1، فرجع الشامي وهو يسترجع .)أقول وقد مضى كلامنا في ذلك في شرح المختار 236 من باب الخطب (ص 322 ج : (15، وهذا من أبناء الدُّنيا يقصر الهمة في الماء والكلاء ويتمرغ في الأهواء والأميال الشهوانية، وذلك رجل إلهي وسفير ربّاني يرشد النّاس من عبارة وجيزة إلى حقيقة أشرقت من صبح الأزل فيها بيان علة قيام أولياء اللّه ونهضتهم في قبال أعدائه قائلاً: إن اللّه تبارك وتعالى لم يرض من أوليائه - إلخ . والحري بباغي الرشد أن ينظر حق النظر في قوله علیه السلام فوجدت القتال أهون عليَّ من معالجة الأغلال في جهنّم .)ولقد سبق معاوية في الطلب المذكور مسيلمة المتنبي إلا أنَّ هذا المفتري الكذاب طلب من النبي وذاك طلب من الوصي سنّةً بسنّة ؛ ففي «السيرة النبوية» لابن هشام (ص 600 ج 2 طبع مصر 1375 ه- : وقد كان مُسيلمة بن حبيب قد كتب إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : من مسيلمة رسول اللّه ، إلى محمد رسول اللّه سلام عليك، أما بعد فإنّي قد أشركت في الأمر معك وإنَّ لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ولكن قريشاً قوم يعتدون .)فقدم عليه رسولان له بهذا الكتاب.


1) الغدير: 47/10، ونهج السعادة : 227/2.

قال ابن هشام قال ابن إسحاق : فحدثني شيخ من أشجع عن سلمة بن نعيم بن مسعود الأشجعي، عن أبيه نعيم قال : سمعت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يقول لهما حين قرأ كتابه فما تقولان أنتما؟ قالا : نقول كما قال، فقال: أما و اللّه لولا أنَّ الرُّسل لا تقتل لضربتُ أعناقكما ، ثمَّ كتب صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى مسيلمة :بسم اللّه الرّحمن الرحيم من محمّد رسول اللّه إلى مسيلمة الكذاب : السّلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإنَّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين (1.)وهذه المشابهة بين مسيلمة وبين معاوية في النبي والوصي شبيهة بما وقع بين النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وسهيل بن عمرو يوم الحديبية وبين الوصي علیه السلام ومعاوية يوم صفين وذلك أن صحيفة الصلح لما كتبت يوم الحديبية هذا ما تصالح عليه محمد رسول اللّه وسهيل بن عمرو قال سهيل : لا أجيبك إلى كتاب تسمّى رسول اللّه ولو علمت أنك رسول اللّه لم أُقاتلك إنّي إذا ظلمتك إن منعتك أن تطوف ببيت اللّه وأنت رسول اللّه ولكن اكتب محمّد بن عبد اللّه اجيبك . ولما كتبت صحيفة الصلح يوم صفين هذا ما تقاضى عليه عليّ أمير المؤمنين ومعاوية بن أبي سفيان قال معاوية : بئس الرَّجل أنا إن أقررت أنّه أمير المؤمنين ثمَّ قاتلته فمحوا كلمة أمير المؤمنين، وقد مرَّ تفصيله في شرح المختار» 236 ص 242 من ج 15 فراجع.والعجب لمعاوية تارة يحرّض النّاس ويألبهم على قتال الحق مدعياً الطلب بدم عثمان ويتخذ عمرو بن العاص العاصي الظالم المضلّ عضده وجعل مصراً طعمة له ؛ ومرَّةً يطلب من أمير المؤمنين علیه السلام الشّام فأين هذا من ذاك؟ ولا يدري أنه كان بأي رأي يعيش؟ بلى من كان ميت القلب وأعماه حبُّ الدُّنيا فهو يهيم في كلّ وادٍ من أودية الأباطيل والأضاليل والأهواء المردية والآراء الرَّدية، قال عز من قائل: «وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19» [الحشر: 19].)ايعجب چون من نبینند این سپاه عالمی پرآفتاب چاشتگاهبستر باز و گوش باز و این ذکا حیرتم از چشم بندی خدادو سر انگشت بر دو چشم نه هیچ بینی از جهان انصاف دهورنه بینی این جهان معدوم نیست عیب جزز انگشت نفس شوم نیستتوز چشم انگشت را بردار هین وانگهانی هرچه میخواهی ببیننوح را گفتند اُمّت کو ثواب؟ گفت او زانسوی واستغشوا ثياب


1) الكافي: 407/1ح1 ، وبحار الأنوار : 335/9 ح 20.

روو سر در جامه ها پیچیده اند*** لا جرم با دیده و بی دیده اندوقوله : (أمس إشارة إلى طلبه من أمير المؤمنين علي علیه السلام حين بويع بالخلافة إقراره على إمرة الشّام، ونقل عن ابن عباس أنه قال له علیه السلام : وله شهراً واعزله دهراً فإنّه بعد أن يبايعك لا يقدر على أن يعدل في إمرته ولا بد أن يجوز فتعزله بذلك ، فقال علیه السلام : كلا وما كنت متخذ المضلين عضداً .)وقال المسعودي في مروج الذهب (ص5 ج 2 أتى المغيرة بن شعبة عليّاً فقال له : إنَّ حقّ الطاعة النصيحة، وإنَّ الرأي اليوم تحوز به ما في غد، وإن التصارع اليوم تضيع به ما في غد اقرر معاوية على عمله واقرر ابن عامر على عمله واقرر العمّال على أعمالهم حتّی إذا أتتك طاعتهم وطاعة الجنود استبدلت أو تركت .)قال علیه السلام : ( حتّی أنظر، فخرج من عنده وعاد إليه من الغد فقال: إني أشرت عليك بالأمس برأي وتعقبته وإنّما الرأي أن تعالجهم بالنزع فتعرف السامع من غيره ويستقل أمرك، ثمَّ خرج فتلقاه ابن عباس خارجاً وهو داخل فلما انتهى إلى علي علیه السلام قال : رأيت المغيرة خارجاً من عندك فقيم جاءك ؟ قال : جاءني أمس بكيت وكيت وجاءني اليوم بذيت وذيت، فقال: أما أمس فقد نصحك وأما اليوم فقد غشك .)قال :فما الرَّأى؟ قال : كان الرَّأى أن تخرج حين قتل عثمان أو قبل ذلك فتأتي مكة فتدخل دارك فتغلق عليك بابك فإن العرب كانت لجائلة مضطرة في إثرك لا تجد غيرك فأما اليوم فإنَّ بني أُمتة سيحسنون الطلب بأن يلزموك شعبة من هذا الأمر ويشبهون فيك على النّاس، وقال المغيرة : نصحته فلم يقبل فغششته وذكر أنه قال وأما أنا فنصحته قبلها ولا أنصحه بعدها .قال المسعودي وجدت في وجه آخر من الروايات أنَّ ابن عباس قال : قدمت من مكة بعد مقتل عثمان بخمس ليال فجئت عليّاً أدخل عليه فقيل لي عنده المغيرة بن شعبة فجلس بالباب ساعة فخرج المغيرة فسلّم عليَّ وقال : متى قدمت؟ قلت: الساعة، ودخلت على عليّ وسلّمت عليه فقال : أين لقيت الزبير وطلحة؟ قلت بالنواصف قال : ومن معهما؟ قلت : أبو سعيد بن الحرث بن هشام بن قتيبة من قريش فقال عليٌّ : أما إنَّهم لم يكن لهم بد أن يخرجوا يقولون نطلب بدم عثمان، و اللّه يعلم أنهم قتلة عثمان .فقلت : أخبرني عن شأن المغيرة ولم خلا بك؟ قال علیه السلام : جاءني بعد مقتل عثمان بيومين فقال : اخلني، ففعلت ؛ فقال : إنّ النّصح رخيص وأنت بقيَّة النّاس وأنا لك ناصح وأنا أشير عليك أن لا تردَّ عمّال عثمان عامك هذا، فاكتب إليهم بإثباتهم على أعمالهم فإذا بايعوا لك واطمأن أمرك عزلت من أحببت وأقررت من أحببت فقلت له : و اللّه لا أداهن في ديني

ولا أعطى الرياء في أمري.قال : فإن كنت قد أبيت فانزع من شئت وأترك معاوية فإنَّ له جرأةً، وهو في أهل الشّام مسموع ولك حجّة في إثباته ؛ فقد كان عمر ولاه الشّام كلّها .فقلت: لا و اللّه لا أستعمل معاوية يومين أبداً، فخرج من عندي على ما أشار به ثمَّ عاد فقال : إنّي أشرت عليك بما أشرت به وأبيت عليَّ فنظرت في الأمر وإذاً أنت مصيب ينبغي أن تأخذ أمرك بخدعة ولا يكون فيه دنسة.قال ابن عبّاس : فقلت له : أمّا أوّل ما أشار عليك فقد نصحك وأمّا الآخر فقد غشك، وأنا أشير عليك أن تثبت معاوية فإن بايع لك فَعَلَيَّ أن أقلعه من منزله .قال : لا و اللّه لا أعطيه إلا السيف ثم تمثل :فما منّة إن منها غير عاجز*** بعار إذا ما غالت النفس غالهافقال : يا أمير المؤمنين أنت رجل شجاع أما سمعت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يقول : الحرب خدعة؟ فقال علي علیه السلام : بلى، قلت: أما و اللّه لأن أطعتني لأصدرنَّ بهم بعد ورود و لأتركنّهم ينظرون في آثارهم الأمر ولا يدرون ما كان وجهها من غير نقص لك ولا إثم عليك .:فقال يا ابن عباس لست من هنيّاتك وهنيّات معاوية في شيء يسير ما لك عندي الطاعة و اللّه ولي التوفيق(1)بیان: (هنيات جمع هنية على التصغير أصلها من (ه ن ه )، أو من( ه ن و)، قال ابن الأثير في «النهایة» : وفي حديث ابن الأكوع قال له : ألا تسمعنا من هناتك؟ أي من كلماتك أو من أراجزك ؛ وفي رواية من هنياتك على التصغير ؛ وفي أخرى من هنيهاتك على قلب (الياء) (هاء) .)ثم أردف معاوية قوله : وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس بقوله : «فإنّي لا أرجو من البقاء إلا ما ترجو، ولا أخاف من الموت إلا ما تخاف إشارةً إلى أنّه مثل علي في الخوف من القتل والرَّجاء من البقاء يعني أنّه لا يبالي من الموت، ولا يطمع في الحياة بل يقاتل لإحياء حق أو إماتة باطل.وغرضه من هذا القول دفع ما يوهم في طلبه الشام وموادعته الحرب من حصول الجبن


1) تاريخ الطبري: 462/3 .

والفزع له أي لا تظنّ من طلبي الشّام إدخال الجبن في فإنّي لا أخاف من الموت والقتل ولا أطمع في الحياة بل أطلب الموادعة لحقن دماء النّاس.أقول: وقد ظهر صدق قوله حينما قام علي بين الصفين في صفّين ثم نادى يا معاوية يكررها ؛ فقال معاوية : اسألوه ما شأنه؟ قال : أُحبُّ أن يظهر لي أن يظهر لى فأُكلّمه كلمة واحدة فبرز معاوية ومعه عمرو بن العاص فلمّا قارباه لم يلتفت إلى عمرو وقال لمعاوية : ويحك على مَ يقتل النّاس بيني وبينك ويضرب بعضهم بعضاً؟ ابرز إليَّ فأينا قتل صاحبه فالأمر له(1)فالتفت معاوية إلى عمرو فقال: ما ترى يا أبا عبد اللّه فيما ههنا أبارزه؟ فقال عمرو لقد أنصفك الرّجل، واعلم أنّه إن نكلت عنه لم تزل سبّة عليك وعلى عقبك ما بقي عربي . فقال معاوية يا عمرو بن العاص ليس مثلي يخدع عن نفسه و اللّه ما بارز ابن أبي طالب رجلاً قط إلا سقى الأرض من دمه، ثمَّ انصرف معاوية راجعاً حتّی انتهى إلى آخر الصفوف وعمرو معه .هذا هي رواية نصر في «صفين» نقلناها بألفاظها (ص 140 من الطبع الناصري وقد أتى بقريب منها المسعودي في مروج الذهب» (ص 25 ج 2 وقد تقدّم نقله في شرح المختار» 236 (صر من باب الخطب ص 316 ج 15 ) .)ونقل ابن قتيبة الدينوري في باب أخبار الجبناء من كتاب الحرب من عيون الأخبار (ص 169 ج 1 طبع مصر عن المدائني قال : رأى عمرو بن العاص معاوية يوماً يضحك، فقال له : ممَّ تضحك يا أمير المؤمنين أضحك اللّه سنّك؟ قال: أضحك من حضور ذهنك عند إبدائك سوءتك يوم ابن أبي طالب أما و اللّه لقد وافقته منّاناً كريماً ولو شاء أن يقتل لقتلك.)قال عمرو يا أمير المؤمنين أما و اللّه إني لعن يمينك حين دعاك إلى البراز فاحولت عيناك، وربا سحرك، وبدا منك ما أكره ذكره لك ؛ فمن نفسك فاضحك أودع ونقله المسعودي في مروج الذهب مفضلاً (ص 65 ج 2.)وحينما قام رجل من أصحاب علي علیه السلام وقال : و اللّه لأحملن معاوية حتّی أقتله فأخذ فرساً فركبه ثمَّ ضربه حتّی إذا قام على سنابكه دفعه فلم ينهنهه شيء عن الوقوف على رأس معاوية ودخل معاوية خباءٌ فنزل الرَّجل عن فرسه ودخل عليه فخرج معاوية من الخباء وطلع


1) بحار الأنوار: 477/32 ح 415 ، والغدير : 164/2 .

الرَّجل في أثره فخرج معاوية حتّی أحاط قومه بالرّجل فقتلوه على التفصيل الذي ذكره نصر في صفّين (ص138.)وحينما حمل أمير المؤمنين علي علیه السلام وأصحابه على القاسطين حملة واحدة فلم يبق لأهل الشام صت إلا أهمد حتّی أفضى الأمر إلى معاوية وعلي علیه السلام يضرب بسيفه ولا يستقبل أحداً إلا ولى عنه فدعا معاوية فرسه لينجو عليه فلما وضع رجله في الركاب ليفر من الحرب أشار عليه عمرو بن العاص برفع المصاحف على الرماح ففعلوا ما فعلوا، نقله الدينوري في الإمامة والسياسة» (ص 127 ج 1.)فإنّه لو لم يكن صادقاً في قوله : «فإنّي لا أخاف من الموت إلا ما تخاف ولا أرجو من البقاء إلا ما ترجو لما أعرض عن المبارزة حين دعاه علي علیه السلام إلى البراز، ولم ينصرف راجعاً حتّی ينتهي إلى آخر الصفوف أوَّلاً، ولما أدبر عن الرَّجل ولم يدخل خباءاً مرَّةٌ ولم يخرج منه أخرى ثانياً، ولما فرّ من الحرب ولم يدعو فرسه لينجو عليه ثالثاً .على أنَّ صاحبه عمرو بن العاص كان عارفاً بحاله وقد أمضى قوله ذلك حيث قال له في صفّين : إنَّ رجالك لا يقومون لرجاله (يعني رجال علي علیه السلام ولست مثله (2) ولست مثله هو يقاتلك على أمر وأنت تقاتله على غيره أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء، رواه نصر في صفين» (ص (256) وسليم بن قيس كما تقدّم نقله في مآخذ هذا الكتاب .)وإنما قال علیه السلام : لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس، لأن معاوية في الأمس لم يكن لائقاً بأخذ زمام الأمور وإعطاء ذلك المقام لكونه على الباطل وهذه العلة كانت باقية في اليوم فلم يصلح لتولية أمور المسلمين بعد .ثمَّ قال أمير المؤمنين علیه السلام أما قولك: «إنَّ الحرب قد أكلت العرب إلا حشاشات أنفس بقيت»« ألا فمن أكله الحق فإلى النّار» نقل كلام معاوية أوَّلاً ثم أجابه بقوله :( ألا فمن _إلخ والنسخ في عبارة الجواب مختلفة : ففي نسخة خطية عتيقة من النهج عندنا( ألا فمن أكله الحق فالنار أولى به )وهي قريبة من نسخة الرّضي التي اخترناها في المتن .)وفي أكثر النسخ المطبوعة :( ألا ومن أكله الحق فإلى الجنة ومن أكله الباطل فإلى النار.)أقول: الصواب ما اخترناها في المتن من النسخة التي عندنا قوبلت على نسخة الرّضي رضوان اللّه عليه وما في تلك النسخة الخطية يؤيدها فإنهما بمعنى فارد تقريباً .وأمّا النسخ المطبوعة فيشبه أن تكون مصحفة عن أصلها ولا يخلو حملها على معنى صحيح من تكلف مثل أن يقل من قتل في سبيل الحقِّ والذب عنه فمصيره إلى الجنّة، ومن هلك في سبيل الباطل والدفاع عنه فإلى النّار .

أو يضمر في الجملتين مضافان، والتقدير : ألا ومن أكله أعداء الحقِّ فإلى الجنّة، ومن أكله أعداء الباطل فإلى النار، ونحوهما.والمعنى على نسخة الرّضي مستقيم لا اعوجاج فيه لأنَّ الأكل في فصيح الكلام العربي كثيراً ما يؤتى به لإفادته معنى الإفناء والإزالة والظهور على أمر أي من أفناه الحق وغلب عليه فمصيره إلى النار، وإنّما قال ذلك لأنَّ أتباع الحق قد قتلوا في صفّين خلقاً كثيراً من أحزاب معاوية فأشار إلى أن مصيرهم إلى النار وإن بلغ عددهم ما بلغ ولم يبق منهم إلا حشاشات أنفس يقال أكلت النار الحطب أي أفنته، وقال أوس بن حجر كما في مادة (اك ل من« الأساس» :)وقد أكلت أظفاره الصخر كلّما تعنّى عليه طول مرقى توصّلاأي أكلت الصخر أي أفنت الحجارة أظفاره .وقال الطريحيُّ في« المجمع»: أكلنا بني فلانٍ أي ظهرنا عليهم، وأصل الأكل للشيء الإفناء له ثمَّ استعير لافتتاح البلاد وسلب الأموال.وقال المرزوقي في« شرح الحماسة» عند قول خلف بن خليفة (الحماسة 794 :)لعمري لنعم الحي يدعو صريخهم إذا الجار والمأكول أرهقه الأكلومعنى أرهقه الأكل ضيّق عليه وغشيه وقد قيل : أكلت فلاناً إذا غلبته وغلبته .وقد جاءت بهذا المضمون من معنى الأكل أعني الإفناء روايات عن أئمتنا الطاهرين علیهم السلام ففي باب الحسد من أصول الجامع الكافي لثقة الإسلام الكليني قدّس سرّه بن مسلم قال : قال أبو جعفر علیه السلام : إنَّ الرَّجل ليأتي بأي بادرة فيكفر فإنَّ (1الحسد ليأكل الإيمان كما يأكل النار الحطب (2))وروى بإسناده عن جراح المدائني عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : إنَّ الحسد يأكل الإيمان - إلخ، وأتى بهما الفيض قدّس سرّه في «الوافی»» (ص 148 ج 3)وقد مضى في المختار » 84 من باب الخطب عن الأمير علیه السلام ( ولا تحاسدوا فإن الحسد يأكل - إلخ .)


1) في نسخة : وإن .

2) الكافي : 306/2 ج 1 ، ومن لا يحضره الفقيه : 108/2 ح 1857.

وفي الجامع الصغير للسيوطي عن النبي : الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب (1.)وسيأتي من كتاب أمير المؤمنين علیه السلام و الابنه الإمام المجتبي قوله له وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدُّنيا إليها وتكالبهم عليها - إلى أن قال : فإنّما أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية يهر بعضها بعضاً، ويأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها (2- إلخ .)قال علیه السلام : (وأما استواؤنا في الحرب والرّجال - إلى قوله : (على الآخرة. قد علمت من نسخ مآخذ الكتاب أنها كانت متفقة في قوله : (وأما استواؤنا في الخوف والرجاء مكان قوله : وأما استواؤنا في الحرب والرجال إلا ما نقلناه أخيراً من نسخة نقلها الشارح البحراني فإنّها كانت موافقة للمتن ونسخة الرّضي هي التي اخترناها في المتن وتوافقها نسختنا المذكورة.)وأظنُّ أنَّ الذين نقلوا عبارة وأمّا استواؤنا في الخوف والرجاء» نظروا بقول معاوية : فإنّي لا أرجو من البقاء إلا ما ترجو، ولا أخاف من الموت إلا ما تخاف وظنّوا أنَّ قول الأمير علیه السلام فلست بأمضى - إلخ ، جواب عنه فحرَّفوا الحرب والرجال بالخوف والرجاء، وقد غفلوا أنَّ هذا الجواب لا يوافقه كما يشهد به التأمل الصحيح، وأن قول معاوية: «فإنّي لا أرجو - إلخ» إنما هو تتمة قوله : (وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك لما قد عرفت آنفاً، وقد أجابه الأمير علیه السلام بقوله : (وأما طلبك إلي الشّام - إلخ .ومعناه أنَّ معاوية خوّف الأمير علیه السلام وهدده باستواء الفريقين في الحرب والرِّجال وأوهم بذلك ثباته في الحرب وبقاءه عليها وعدم تزلزله واضطرابه منها ومن وقوع كثرة القتلى في عسكره فأجابه الأمير علیه السلام : بأنك إنما على علم في عدم كونك على حق، ويقين في أنك لست بمحق وإنّما تقاتل وتحارب لاقتراف حطام الدنيا ولست على يقين في وصولك إلى ما ترجو وتتمنّى بل على شك وترديد فيه، لأنه أمكن أن تظهر علينا فتصل إلى أمانيك الدنية الدنيوية، وأمكن أن نظهر عليكم فتعاق عنها وتحرم، وكذلك الكلام في أحزابك من أهل الشام .وأما أنا فعلى بينة من ربّي، ويقين في أنّي على الصراط المستقيم وليس بعده إلا الضلال والتباب، وأقاتل وأحارب على يقين في ديني وليس إلا إحدى الحسنيين إما الظفر عليكم فهو جهاد في سبيل اللّه، وإمّا القتل في سبيل اللّه فمصيره إلى الجنّة ورضوان اللّه وهكذا الكلام في أصحابي من أهل العراق.


1) الكافي : 45/8 ، وتحف العقول: 493 .

2) نهج السعادة: 307/4 ، وبحار الأنوار: 123/70 .

ثمَّ من المعلوم أنَّ من يعمل فعلاً على شك وترديد فيه ليس بأمضى فيه ممن يعمله على يقين، ومن يفعل عملاً لاقتراف الدُّنيا وحصول الأماني الفانية الزائلة ليس بأحرص فيه ممن يفعله للتقرب إلى اللّه تعالى والوصول إلى النعم الأخروية الدائمة والحياة الباقية والدرجات العالية الأبدية الروحانية، وأين هذا من ذاك ونعم ما قاله الأشتر رضوان اللّه عليه في أبياته السالفة آنفاً :طلب الفوز في المعاد وفي ذا*** تُستهان النفوس والأموالفظهر أنَّ أهل الشك والترديد ليسوا في رتبة أهل اليقين وإن كانوا كثيرين عدداً وقد قال عزّ وجلَّ: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثرَةُ الخَبِيثِ [المائدة: 100] وقال تعالى: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ » [البقرة : 249] فما ادعاه معاوية من استواء الفريقين في الحرب والرّجال اختلاق ،محض، فإنَّ مثلهما كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان؟ وأنَّ تهديده عليّاً أمير المؤمنين علیه السلام بما نسجه من استوائهما في الحرب والرجال أوهن من بيت العنكبوت، بل الخوف به أولى والفزع به أحرى.

قال علیه السلام : وأما قولك: «إنا بنو عبد مناف فكذلك نحن ولكن ليس أُمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب ولا أبو سفيان كأبي طالب، وسيأتي نحو كلامه هذا في الكتاب الثامن والعشرين الذي كتبه الأمير إلى معاوية جواباً منا النبيُّ ومنكم المكذب، ومنّا أسد اللّه ومنكم أسد الأحلاف ومنا سيدا شباب أهل الجنّة ومنكم صبية النار، ومناخير نساء العالمين ومنكم حمّالة الحطب(1)- إلخ

افتخر معاوية بأنّه من بني عبد مناف أو أراد بذلك الاستعطاف من أمير المؤمنين أو قصد الاستواء بقوله هذا تبختراً، حيث قال بعده وليس لبعضنا على بعض فضل، أو عنى بذلك أنّهما من بيت واحد فليس لبعضهم فضل على بعض أي أنّها في الفضيلة والشرافة سواء فإن استحق هذا منصبا كان ذلك للآخر أيضاً، وإن ادعى هذا مقاماً كان ذلك للآخر أيضاً، ومآل الوجهين الأخيرين واحد واستفادة الوجه الثاني من الأوَّلين من العبارة لا تخلو من تكلّف .

ونقول أوّلاً: إنَّ معاوية وإن كان منتسباً إلى عبد مناف بحسب الظاهر لكنَّ دنيّات أُموره ورذيلات صفاته قد أخرجته من بيت الشرف حقيقةً، وكم من فعال خبيثة وأعمال غير صالحة


1) الاحتجاج: 261/1 ، وبحار الأنوار: 58/33 .

أوجبت القطع عن بيت و رحم و في القرآن الكريم قال : « يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ » [هود : 50] ، ولا يخفى عليك أنَّ الورد والشوك من أصل واحد ولكن أين هذا من ذاك؟ .

وثانياً : إنّه لمّا افتخر بانتسابه إلى عبد مناف وادّعى الاستواء بينه وبين الأمير علیه السلام وأنكر فضل بعض على بعض من بيت عبد مناف أجابه الأمير علیه السلام بقوله : إنا بنو أب واحدٍ كما في نسخة نصر فعلى هذه النسخة لم يمض الأمير أن معاوية من بني عبد مناف كما لا يخفى وفيه نكتة لطيفة نشير إليها عن قريب وعلى نسخة الرّض أجابه بقوله : فكذلك نحن أي نسبنا ينتهي إليه أيضاً ولكنَّ بين آبائك تفاوتاً فاحشاً كما أن بين صفاتي وصفاتك فرقاً ظاهراً ومسافة كثيرة، وتفصيله أنَّ أمية ليس كهاشم - إلخ ، بدأ علیه السلام بذكر الأوصاف الخارجة والفضائل الطارية عليه من جهة آبائه والرذائل العارضة على خصمه معاوية من جهة أسلافه، ثم أتى بالأوصاف الداخلة على أربعة أقسام الآتي شرحها إن شاء اللّه تعالى فلا بد في المقام من ذكر سلسلتي نسبهما إلى عبد مناف فنقول : علي علیه السلام كان ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ومعاوية كان ابن صخر أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف .

وآباء أمير المؤمنين علي علیه السلام كانوا أهل بيت شرف في قومهم، وكان كل واحد منهم أشرف وأفضل وأعلى من آباء معاوية بمراحل ، أما أبو طالب علیه السلام فإنّه كان زعيماً حازماً نبيها سياساً، وله في دفع كبد الأعداء عن النبيِّ والذَّبُ عنه علیه السلام على الإسلام والمسلمين حقٌّ عظيم، وجلالة شأنه وحسن إسلامه أشرق من الشارق وأبلج من الصبح وقد ذكرنا طائفة من أشعاره السامية الدالة على إسلامه، وحمايته عن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم والمسلمين، ونبذة من روايات جاءت في فخامة أمره وعلو قدره في الشرح المختار التاسع من باب الكتب والرسائل (ص 351 - 364

وقال اليعقوبي في التاريخ: وكفل رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم بعد وفاة عبد المطلب أبو طالب عمّه فكان خير كافل وكان أبو طالب سيّداً شريفاً مطاعاً مهيباً مع إملاقه، قال علي بن أبي طالب علیه السلام : أبي ساد فقيراً، وما ساد فقير قبله (1)

وأما عبد المطلب: ففي السيرة النبوية لابن هشام (ص 142 ج 1) أنه ولي السقاية والرفادة بعد عنه المطلب فأقامها للنّاس وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم ، وشرف في قومه شرفاً لم يبلغه أحدٌ من آبائه وأحبه قومه وعظم خطره فيهم، ثم ذكر


1) تاريخ اليعقوبي : 14/2 ، وموسوعة التاريخ الإسلامي: 288/1 .

الرؤيا التي أربها عبد المطلب في حفر زمزم ونذره ذبح ولده وما جرى فيهما ، إلى أن قال :

ثم لم يلبث عبد اللّه بن عبد المطلب أبو رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم أن هلك وأُمُّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم حامل ،به فلما وضعته أمه آمنة بنت وهب أرسلت إلى جده عبد المطلب : أنّه قد ولد لك غلام فأته فانظر إليه فأتاه فنظر إليه وحدثته بما رأت حين حملت به وما قيل لها فيه وما أمرت أن تسمّيه .

فيزعمون أنَّ عبد المطلب أخذه فدخل به الكعبة فقام يدعو اللّه ويشكر له ما أعطاه ثمَّ خرج به إلى أمه فدفعه إليها والتمس الرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الرضعاء فاسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر يقال لها حليمة ابنة أبي ذؤيب.

وكان رسول اللّه مع أمه آمنة وجده عبد المطلب بن هاشم في كلاءة اللّه وحفظه، ينبته اللّه نباتاً حسناً، لما يريد به من كرامته فلما بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم سنين توفيت أمه سَتَّ آمنة بالأبواء بين مكة والمدينة فكان رسول اللّه جده عبد المطلب بن هاشم.

وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتّی يخرج إليه لا يجلس عليه أحدٌ من بنيه إجلالاً له، فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم يأتي وهو غلامٌ جفر حتّى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني، فو اللّه إنَّ له لشأناً ثم يجلسه معه على الفراش ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع فلما بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم ثماني سنين هلك عبد المطلب بن هاشم فکان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم بعد عبد المطلب مع عمه أبي طالب وكان عبد المطلب - فيما يزعمون - يوصي به عمه أبا طالب وذلك لأنَّ عبد اللّه أبا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم وأبا طالب أخوان لأب وأم، أمهما : فاطمة بنت عمرو بن عائذ، وكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم بعد جده فكان إليه ومعه .

بيان السقاية اسقاء الحجيج الماء العذب، والرفادة خرج كانت قريش تخرجه في كلّ موسم من أموالها فتدفعه إليه فيصنع به طعاماً للحاج يأكله من لم يكن له سعة ولا زاد.

وقال اليعقوبي في التاريخ» (ص 7 ج 2) وتوفيت أمه صلى اللّه عليه و آله وسلم له بنت وهب بالأبواء وكان عبد المطلب جد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم يكفله وعبد المطلب يومئذ سيد قريش غير مدافع قد أعطاه اللّه من الشَّرف ما لم يعط أحداً، وسقاه زمزم وذا الهرم(1)وحكمته قريش في أموالها وأطعم في المحل حتّی أطعم الطير والوحوش في الجبال قال أبو طالب :


1) ذو الهرم اسم بتر حفرها عبد المطلب بالطائف بعدما حفر زمزم بمكة.

ونطعم حتّى تأكل الطير فضلنا*** إذا جعلت أيدي المفيضين ترعد

ورفض عبادة الأصنام، ووحد اللّه عزَّ وجلَّ، ووفى بالنذر، وسنَّ سنناً نزل القرآن بأكثرها وجاءت السنّة من رسول اللّه بها وهي الوفاء بالنذور، ومائة إبل في الدِّية، وألاً تنكح ذات محرم ولا تؤتى البيوت من ظهورها وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموؤدة، والمباهلة، وتحريم الخمر، وتحريم الزنا والحدَّ عليه، والقرعة، وألا يطوف أحد بالبيت عريان وإضافة الضيف، وألا ينفقوا إذا حجّوا إلا من طيب أموالهم، وتعظيم الأشهر الحرم، ونفي ذوات الرّايات فكانت قريش تقول : عبد المطلب إبراهيم الثاني .

وذكر قريباً مما نقلنا عن اليعقوبي الحلبي في السيرة) ناقلاً عن ابن الجوزي وزيني دحلان بهامشه( ص21) أيضاً، وقال دحلان : كان عبد المطلب يأمر أولاده بترك الظلم والبغي ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيات الأمور وكان يقول : لن يخرج من الدنيا ظلوم حتّی ينتقم اللّه منه وتصيبه عقوبة إلى أن هلك رجل ظلوم من أرض الشام ولم تصبه عقوبة فقيل لعبد المطّلب في ذلك ففكر وقال : و اللّه إن وراء هذه الدار داراً يجزي فيها المحسن بإحسانه ويعاقب المسيء بإساءته.

وأوصى عبد المطلب إلى ابنه الزبير بالحكومة وأمر الكعبة وإلى طالب برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم وسقاية زمزم، وقال له : قد خلفت في أيديكم الشرف العظيم الذي تطاوُون به رقاب الناس وقال لأبي طالب - وكان اسمه عبد مناف أي أنّه كان سمي جده الأعلى عبد مناف - :

أوصيك يا عبد مناف بعدي ***بمفرد بيد أبیه فرد

فارقه وهو ضجيع المهد*** فأنت كالأم في الوجد

تدنيه من أحشائها والكبد ***فأنت من أرجى عندي

لدفع ضیم أو لشدّ عقدُ(1)

وصیف من کنیته بطالب*** عبد مناف وهو ذو تجارب

بابن الحبیب الأكرم الأقارب*** بابن الذي قد غاب أيب

وتوفّي عبد المطلب والرسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم ثماني سنين ولعبد المطلب مائة وعشرون سنة وقيل : مائة وأربعون سنة، وأعظمت قريش ،موته وغسل بالماء والسّدر وكانت قريش أوَّل من غسل الموتى بالسّدر، ولفّ في حلّتين من حلل اليمن قيمتهما ألف مثقال ذهب وطرح عليه المسك حتّى ستره وحمل على أيدي الرّجال عدَّة أيام إعظاماً وإكراماً وإكبار لتغييبه في


1) وأسند إلى عبد المطلب هذان البيتان أيضاً ؛

التراب وروي عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أنه قال : إنَّ اللّه يبعث جدي عبد المطلب أُمّة(1)واحدة في هيئة الأنبياء وزي الملوك.

أقول : قوله رضوان اللّه عليه : فارقه وهو ضجيع المهد ينافي ما نقلنا آنقاً من ابن هشام من أن عبد اللّه أبا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم مات وقد كانت أمّ رسول اللّه حاملاً به ، فقد تنوزع في ذلك فمنهم من قال : أنه مات قبل مولد النبي صلى اللّه عليه و آله وسلم ، ومنهم من قال : إنّه مات بعد مولده بشهر :وقيل بشهرين ومنهم من قال أنه مات بعد مولده بسنة ، وقيل : إنّه مات في السنة الثانية من مولده وقيل بل مات عبد اللّه ورسول اللّه ابن ثمان وعشرين شهراً.

وقال الطبرسي في تفسير سورة والضُّحى من« المجمع»: كان النبي صلى اللّه عليه و آله وسلم مات أبوه وهو ابن سنتين وقال الكليني في باب تاريخ مولد النبي ووفاته علیه السلام : وتوفي أبوه عبداللّه بن عبد المطلب بالمدينة عند أخواله وهو ابن شهرين وظاهر الحديث الذي رواه الصدوق في المجلس الخامس والأربعين من أماليه (ص 158) عن ابن عبّاس أنّه مات قبل مولده حيث قال : فلما مات عبد اللّه وولدت آمنة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم أتيته - إلخ .

أكثر العلماء من الفريقين على أنَّ عبد اللّه مات بعد مولد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم، وقال اليعقوبي في التاريخ: توفّي عبد اللّه بن عبد المطلب أبو رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم - على ما روى جعفر بن محمد - بعد شهرين من ،مولده قال : وقال بعضهم: إنّه توفّي قبل أن يولد وهذا غير صحيح لأنَّ الإجماع على أنّه توفّي بعد مولده انتهى فقول الكليني ومن سلك مسلكه متخذ من الحديث المروي عن الإمام الصادق علیه السلام .

ثمَّ إنَّ ما نقل اليعقوبي عن النبي صلى اللّه عليه و آله وسلم في جده عبد المطلب توافقه عدَّة روايات في «الکافی » وأتى بها الفيض رحمه اللّه في باب ما جاء في عبد المطلب وأبي طالب رضي اللّه عنهما من «الوافي» (ص 158 ج2 ففي الكافي بإسناده إلى زرارة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : يحشر عبد المطلب يوم القيامة أمة واحدة عليه سيماء الأنبياء وهيبة الملوك .

وفيه بإسناده عن مقرن عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : إنَّ عبد المطلب أوّل من قال بالبدء يبعث يوم القيامة أُمّة واحدة عليه بهاء الملوك وسيماء الأنبياء، وغيرهما من روايات أُخرى.

وما نقل ابن هشام في السيرة من أنّه يوضع لعبد المطلب فراش في ظلّ الكعبة - إلخ ، توافقه رواية في الكافي بهذا المضمون نقلها الفيض في ذلك الباب من «الوافی» أيضاً: روى الكليني بإسناده إلى رفاعة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : كان عبد المطلب يفرش له بفناء الكعبة


1) أبو طالب حامي الرسول 73 ، وتاريخ اليعقوبي : 14/2 .

لا يفرش لأحد غيره وكان له ولدٌ يقومون على رأسه فيمنعون من دنى منه فجاء رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وهو طفل يدرج حتّی جلس على فخذيه فأهوى بعضهم إليه لينحيه عنه ، فقال له عبد المطلب : دع ابني فإنّ الملك قد أتاه «الوافی» ص 159 ج2) (1)

وأمّا هاشم: ففي السيرة لابن هشام نقلاً عن ابن إسحاق (ص 135 ج 1) وَلِي الرّفادة والسقاية - يعني بعد أن توفي أبوه عبد مناف - وذلك أن عبد شمس كان رجلاً سفاراً، قلما يقيم بمكة وكان مُقلا ذا ولد كان لعبد مناف بنون خمسة وهم : عبد شمس وهاشم، والمطلب ونوفل، وأبو عمر وعبيد وكان هاشم موسراً ، فكان - فيما يزعمون - إذا حضر الحاج قام في قريش فقال: يا معشر قريش إنكم جيران اللّه وأهل بيته ؛ وإنّه يأتيكم في هذا الموسم زوّار اللّه وحجاج بيته وهم ضيف اللّه ، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه ؛ فاجمعوا لهم ما تصنعون لهم به طعاماً أيامهم هذه التي لا بدَّ لهم من الإقامة بها فإنه و اللّه لو كان مالي يسع لذلك ما كلّفتكموه فيخرجون لذلك خرجاً من أموالهم كل امرىء بقدر ما عنده فيصنع به للحجاج طعاماً حتّی يصدروا منها .

قال : وكان هاشم فيما يزعمون أوّل من سنَّ الرّحلتين لقريش رحلتي الشتاء والصيف وأوّل من أطعم الثريد بمكة، وإنّما كان اسمه عمراً، فما سُمّي هاشماً إلا بهشمه الخبز بمكة القومه، فقال شاعر من قريش أو من بعض العرب قيل هو عبد اللّه بن الزبعري، وقيل هو مطرود بن كعب

عمرو الذي هشم الثريد لقومه***قوم بمكّة مسنتین عجاف

سنت إليه الرّحلتان كلاهما ***سفر الشتاءِ ورحلة الأصياف

المسنتون: الذين أصابتهم السنة، وهي الجوع والقحط والجدب، والعجاف جمع

عَجف من العجف بمعنى الضعف والهزال.

ثم توفّي هاشم بغزّة من أرض الشام تاجراً فولي السقاية والرفادة من بعده المطلب بن عبد مناف وكان أصغر من عبد شمس وهاشم وكان ذا شرف في قومه وفضل وكانت قريش إنّما تسمّيه الفيض لسماحته وفضله .

وذكر أكثر ممّا نقلناه عن ابن هشام اليعقوبي في التاريخ» (ص 202 ج 1 فراجع قال : ويقال : إن هاشماً وعبد شمس كانا توأمين فخرج هاشم وتلاه عبد شمس وعقبه ملتصق يعقبه فقطع بينهما بموسى فقيل : ليخرجن بين ولد هاذين من التقاطع ما لم يكن بين أحد .


1) الوافي : 159/2 ، والكافي : 1/ 448ح 26 .

وأما بنو أمية فالتاريخ أصدق شاهد على أنهم لم يكونوا إلا في صدد إثارة فتنة، وإنارة حرب، وأنَّ شيمتهم كانت الخيلاء والبخل والنفاق، وأنَّ دأبهم كان الإستيلاء على الناس والسلطان عليهم ظلما وجوراً، وأنَّ بينهم وبين بني هاشم في السجايا الإنسانية بوناً بعيداً .

وإنّي كلّما طلبتهم في كتب التواريخ والمغازي والسير فما وجدتهم إلا أفظاظاً غلاظ القلوب وقساتها وما رأيت أمانيهم إلا أن تكونوا جبابرة ملوكاً .

وهذا هو أبو سفيان كان صخراً، وقد حارب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وكان سبباً لإثارة وقعة بدر كما تقدَّم عن اليعقوبي في شرح المختار» التاسع من باب الكتب (ص 369 ج 17 ففي السيرة النبوية لابن هشام ص 671 ج 1 قال ابن إسحاق ثمّ قال اللّه عزّ وجلّ :( إِنَّ الذينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللّه - إلى قوله : إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) يعني النفر الذين مشوا إلى أبي سفيان وإلى من كان له مال من قريش في تلك التجارة فسألوهم أن يقوّوهم بها على حرب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم ففعلوا .

وقال ابن الأثير في «أسد الغابة ناقلاً عن أبي أحمد العسكري : هو الذي قاد قريشاً كلّها يوم أحد ولم يقدمها قبل ذلك رجل واحد إلا يوم ذات فكيف قادها المطلب(1)

وقال اليعقوبي في التاريخ: كانت وقعة أحد في شوّال بعد بدر بسنة، اجتمعت قريش واستعدت لطلب ثارها يوم بدر واستعانت بالمال الذي قدم به أبو سفيان وقالوا : لا تنفقوا منه شيئاً إلا في حرب محمد إلى أن قال :

وخرج المشركون وعدتهم ثلاثة آلاف ورئيسهم أبو سفيان بن حرب، وخرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وخرج المسلمون وعدتهم ألف رجل حتّی صاروا إلى أحد، ووافى المشركون فاقتتلوا قتالاً شديداً فقتل حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه وأسد رسوله رماه وحشي ومثلت به هند بنت عتبة وهند كانت زوجة أبي سفيان) وشقت عن كيده فأخذت منها قطعة فلاكتها وجدعت أنفه فجزع عليه رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم جزعاً شديداً وقال : لن أصاب بمثلك - إلخ .

وكان أبو سفيان يحرّض قريشاً على القتال، وقال ابن إسحاق : وقد قال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بني عبد الدّار يحرّضهم بذلك على القتال يا بني عبد الدار إنّكم قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم وإنّما يؤتى النّاس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه فهموا به وتواعدوه وقالوا نحن


1) أسد الغابة : 216/5

نسلم إليك ،لواءنا، ستعلم غداً إذا التقينا كيف نصنع ! وذلك أراد أبو سفيان .

وكانت زوجه هند والنسوة اللاتي معها يحرِّضن الكفّار على القتال فإنّه لمّا التقى النّاس ودنا بعضهم من بعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرّجال ويحرِّضنهم فقالت هند فيما تقول :

ويهاً بني عبد الدار ***ويهاً حماة الأدبار

ضرباً بكل بتار

وتمثلت بأبيات قالتها هند بنت طارق بن بياضة الإيادية في حرب الفرس لإياد :

إن تقبلوا نعانق ***نفرش النمارق

أو تدبروا روا نفارق ***فراق غیر وامق

وكان أبو سفيان يشمت بالمسلمين بعد أحد، كما قال ابن عبّاس وعكرمة لمّا أُصيب

المسلمين ما أصابهم يوم أحد أحد وصعد الني- وصعد النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم و الجبل جاء أبو سفيان فقال : يا محمد لنا يوم ولكم ،يوم ، فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : أجيبوه فقال المسلمون: لا سواء قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النّار، فقال أبو سفيان: لنا عُزّى ولا عُزّى لكم ؛ فقال النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم : قولوا : اللّه مولانا ولا مولى لكم ، فقال أبو سفيان اعل هبل ؛ فقال النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم : قولوا : اللّه أعلى وأجل (1)، وذكر قريباً منه ابن هشام في السيرة» (ص 93 ج2)

وكان دأب معاوية وشيمته أيضاً كذلك إلى أن أسلم بحسب الظاهر إما رغبة وإما رهبة في يوم فتح مكة وبعد ما أسلم ظاهراً قد سفك دماء المسلمين وأفرط فيه فقد قال المسعودي في مروج الذّهب» (ص 66 ج 2) : وقد كان (2) وقد كان بسر بن أرطاة العامري (كان) بستر منصوباً من قبل معاوية على سفك الدماء) قتل بالمدينة وبين المسجدين خلقاً كثيراً من خزاعة وغيرهم، وكذلك بالجرف قتل بها خلقاً كثيراً من رجال همذان، وقتل بصنعاء خلقاً كثيراً من الأبناء؛ ولم يبلغه عن أحد أنه يمالي عليّاً أو يهواه إلا قتله .

ونقل ما أصيب منه المسلمون يطول به الكتاب وينجر إلى الإسهاب ونكتفي بنقل كتاب كتبه محمد بن أبي بكر إلى معاوية ذكر فيه علياً وأباه ومعاوية وأباه بما تراه قال المسعودي في مروج الذهب» (ص 59 ج 2 ): لمّا صرف عليّ علیه السلام لما صرف علي قيس بن سعد بن عبادة عن مصر وجه مكانه محمد بن أبي بكر فلما وصل إليها كتب إلى معاوية كتاباً فيه :


1) الاحتجاج : 408/1 ، وبحار الأنوار: 23/20.

من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر أمّا بعد فإنَّ اللّه بعظمته وسلطانه خلق خلقه بلا عبث منه ولا ضعف في قوّته ولا حاجة به إلى خلقهم لكنه خلقهم عبيداً وجعل منهم غويا ورشيداً وشقيًّا وسعيداً ثمَّ اختار على علم واصطفى وانتخب منهم محمّداً صلی اللّه علیه و آله وسلم فانتخبه لعلمه واصطفاه لرسالته وائتمنه على وحيه وبعثه رسولاً ومبشراً ونذيراً فكان أوّل من أجاب وأناب وآمن وصدق وأسلم وسلم أخوه وأنب عمه علي بن أبي طالب صدقه بالغيب المكتوم وآثره على كلّ حميم ووقاه بنفسه كل هول وحارب حربه وسالم سلمه فلم يبرح مبتذلاً لنفسه في ساعات الليل والنهار والخوف والجوع والخضوع حتّی برز سابقاً لا نظير له فيمن اتّبعه ولا مقارب له في فعله وقد رأيتك تساميه وأنت أنت وهو هو أصدق الناس نية، وأفضل النّاس ذرّية، وخير النّاس زوجةً وأفضل النّاس ابن عمّ أخوه الشاري بنفسه يوم مؤتة، وعمّه سيّد الشهداء يوم أحد، وأبوه الذاب عن رسول اللّه أحد، وأبوه الذاب عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وعن حوزته ؛ وأنت اللعين ابن اللعين لم تزل أنت وأبوك تبغيان لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم الغوائل، وتجهدان في إطفاء نور اللّه، تجمعان على ذلك الجموع، وتبذلان فيه المال، وتؤلبان عليه القبائل ؛ على ذلك مات أبوك وعليه خلفته والشهيد عليك من تدنى ويلجأ إليك من بقيّة الأحزاب ورؤساء النفاق والشاهد لعليّ مع فضله المبين القديم أنصاره الذين معه الذين ذكرهم اللّه بفضلهم، وأثنى عليهم من المهاجرين والأنصار وهم معه كتائب وعصائب يرون الحقِّ في اتباعه والشّقاء في خلافه ؛ فكيف يالك الويل تعدل نفسك بعلي وهو وارث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ووصيه وأبو ولده، أوّل النّاس له اتباعاً وأقربهم به عهداً، يخبره بسره ويطلعه على أمره، وأنت عدوه وابن عدوه فتمتّع في دنياك ما استطعت بباطلك، وليمددك ابن العاص في غوايتك، فكأنَّ أجلك قد انقضى وكيدك قد وهى ثمَّ يتبيّن لك لمن تكون العاقبة العليا، واعلم أنك أنما تكايد ربّك الذي آمنك كيده ويئست من روحه فهو لك بالمرصاد وأنت منه في غرور والسلام على من اتبع الهدى.

فأجابه معاوية فى كتاب أرسله إليه بما خلاصته : فقد كنا وأبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب وحقه لازماً لنا مبروراً علينا فلما قبض اللّه نبيّه كان أبوه وفاروقه أوّل من ابتزه حقه، وخالفه على أمره على ذكل اتفقا واتّسقا، ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ولسلمنا إليه ولكنا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا فأخذنا بمثله فعيب أباك بما بدا لك أودع والسلام على من أناب (1).

وأتى بتفصيله المسعودي في مروج الذهب فراجع، فأين أبو سفيان الضاري بدماء النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم والمسلمين، وأبو طالب الذي كان كافل الرسول وحاميه وذاباً عنه وعن المسلمين.


1) نهج السعادة : 188/4 .

وأين زوجه هند آكلة الأكباد وامرأة أبي طالب فاطمة بنت أسد بن هاشم ربّت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ، وقال اليعقوبي في التاريخ» (ص 10 ج 2) ويروى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم لما توفيت (يعني فاطمة بنت أسد وكانت مسلمة فاضلة - أنّه قال : اليوم ماتت أُمّي، وكفّنها بقميصه، ونزل على قبرها واضطجع في لحدها ؛ فقيل له يا رسول اللّه لقد اشتد جزعك على فاطمة ؛ قال (1)إنّها كانت أُمّي إذا كانت لتجيع صبيانها وتشبعني، وتشعثهم وتدهنني وكانت أُمّي .

وبنو هاشم هم الذين كان النبي من بيتهم وهو صلی اللّه علیه و آله وسلم ربي في حجرهم وما بعث اللّه نبياً إلا في منعة من قومه ففي المقدمة السادسة مقدمة ابن خلدون (ص 91 طبع مصر) : إِنَّ من اللّه سبحانه اصطفى من البشر أشخاصاً فضّلهم بخطابه وفطرهم على معرفته وجعلهم وسائل بينهم وبين عباده يعرفونهم بمصالحهم ويحرّضونهم على هدايتهم - ثمّ أخذ في بيان علامات هذا الصنف من البشر فقال : ومن علاماتهم أيضاً أن يكونوا ذوي حسب في قومهم، وفي «الصحيح ما بعث اللّه نبياً إلا في منْعَةٍ من قومه وفي رواية أخرى في تروة من قومه استدركه الحاكم على الصحيحين، وفي مسألة هِرَقْل لأبي سفيان كما هو في الصحيح» قال: كيف هو فيكم؟ ؟ فقال أبو سفيان هو فينا ذو حسب؛ فقال هرقل : والرُّسل تبعث في أحساب قومها ومعناه أن تكون له عصبة وشوكة تمنعه عن أذى الكفّار حتّی يبلغ رسالة ربه ويُتمّ مراد اللّه من إكمال دينه وملته .

و کلام ابن خلدون هذا قد عنون في الكتب الكلامية أيضاً، ثمَّ إنَّ المهدي الموعود ظهوره وقيامه من أهل بيت النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم فهو من بني هاشم كما أن آباءه الكرام البررة علیهم السلام من ذلك البيت .

وقد قاتل أبو سفيان بن حرب الأموي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وفعل ما فعل .

وابنه معاوية قاتل خليفة الرَّسول عليّاً المرتضى، وقتل بالسم ريحانة الرسول الحسن المجتبى.

وزوجه هند كانت تحرّض المشركين على قتال المسلمين وقتلهم وقد مثلت أسد اللّه وأسد رسوله حمزة وأكلت أكباد أودّاء اللّه .

وابن معاوية يزيد قتل سيد شباب أهل الجنة ريحانة رسول اللّه الحسين بن فاطمة وأصحابه أنصار اللّه بكربلاء، وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء (ص 307 طبع مصر) وفي قتله قصة فيها طول لا يحتمل القلب ذكرها فإنا لله وإنا إليه راجعون. انتهى.


1) تاريخ اليعقوبي : 14/2 ، وموسوعة تاريخ الإسلامي: 288/1

وبعد قتله فعل بمدينة الرَّسول ما فعل، فقد قال السيوطي في التاريخ» المذكور وفي سنة ثلاث وستين بلغه ( يعني يزيد بن معاوية) أن أهل المدينة خرجوا عليه وخلعوه فأرسل إليهم جيشاً كثيفاً وأمرهم بقتالهم ثمَّ المسير إلى مكة لقتال ابن الزبير فجاؤوا وكانت وقعة الحرة على باب طيبة، وما أدراك ما وقعة الحرة؟ ذكرها الحسن مرَّة فقال : و اللّه ما كاد ينجو منهم أحد قتل فيها خلق من الصحابة رضي اللّه عنهم ومن غيرهم ونهبت المدينة وافتض فيها ألف عذراء فإنّا اللّه وإنا إليه راجعون ؛ قال قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : من أخاف أهل المدينة أخافه اللّه، وعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين )(1)وكان سبب خلع أهل المدينة له أن يزيد أسرف في المعاصي.

وقال عبد اللّه حنظلة الغسيل : و اللّه ما خرجنا على يزيد حتّی خفنا أن نرمي بالحجارة من السماء إنّه رجل ينكح أمهات الأولاد والبنات، والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة (2).

قال : قال الذهبي : ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل مع شرب الخمر وإتيانه المنكر اشتدَّ عليه النّاس وخرج عليه غير واحد ولم يبارك اللّه في عمره وسار جيش الحرة إلى مكة لقتال ابن الزبير وأتوا مكة فحاصروه وقاتلوه ورموه بالمنجنيق واحترقت من شرارة نيرانهم أستار الكعبة وسقفها - إلى آخر ما نقل فراجع إلى الكتاب (3).

والدجال الذي يقاتل المهدي المنتظر له الهاشمي سفياني أيضاً ففي معاني الأخبار للصدوق رحمه اللّه عن الصادق علیه السلام : قال : إنا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في اللّه : قلنا صدق اللّه وقالوا كذب اللّه، قاتل أبو سفيان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم وقاتل معاوية علي بن أبي طالب علیه السلام وقاتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي علیه السلام والسفياني يقاتل القائم(4)، رواه المجلسي في البحار» (ج 8 ص 560 من الطبع الكمباني).

وهذه أنموذجة من شيم بني أمية، وتلك نبذة من خلال بني هاشم وخُلُقهم العظيم. ثمَّ إِنَّ الفاضل الشارح المعتزلي قال : كان الترتيب يقتضي أن يجعل هاشماً بإزاء عبد شمس لأنه أخوه في تُعْدُدٍ وكلاهما ولد عبد مناف لصلبه، وأن يكون أمية بإزاء عبد المطلب، وأن يكون حرب بإزاء أبي طالب وأن يكون أبو سفيان بإزاء أمير المؤمنين علیه السلام لأن كلّ واحد من هؤلاء في تعدد صاحبه إلا أنَّ أمير المؤمنين علیه السلام ، رواه لما كان في صفّين بازاء معاوية اضطر إلى أن جعل هاشم بازاء أُمية بن عبد شمس. انتهى .


1) المحاسن : 1/ 105 ح 86 ، والكافي : 55/7

2) وضوء النبي : 427/2 ، ومعالم المدرستين : 182/3 .

3) تعجيل المنفعة : 453 .

4) معاني الأخبار : 346 ح 1 ، وبحار الأنوار : 165/33 ح 433 .

أقول: أولاً : إنَّ سلسلتي نسب أمير المؤمنين علي علیه السلام ومعاوية إلى عبد مناف ليستا متكافئتين حتّی يجعل كلّ واحد من هذه السلسلة في قعدد صاحبه من السلسلة الأخرى فإنّها في معاوية تجاوز حلقة فعلي علیه السلام ينتهي إلى عبد مناف بثلاثة آباء ومعاوية ينتسب إليه ظاهراً بآباء أربعة .

وثانياً : إنَّ الأمير علیه السلام جعل نفسه بإزاء ،معاوية، وأباه أبا طالب بإزاء أبيه أبي سفيان، وجده عبد المطلب بإزاء جده حرب، وأبا جدّه هاشم بإزاء أبي جده أُميّة فلا يخفى حسن صنيعته علیه السلام

وثالثاً : إنَّ في صنيعته هذه إشارة لطيفة دقيقة إلى عدم انتهاء نسب الخصم إلى عبد مناف أي عدم كونه من صميم قريش، فتبصر .

ورابعاً : إنَّ الأمير علیه السلام كان في بيان فضل أولاد عبد مناف الذين كانوا آباءه شرافةً وكرامةً ومجداً على أولاده الذين كان معاوية ينتسب بهم إليه وليس للتنظير مزيد اهتمام في المقام .

وخامساً : إنَّ في ما فعل الأمير من جعل أُمية بإزاء هاشم، وحرب بإزاء عبد المطلب، وأبي سفيان بإزاء أبي طالب نكتة تاريخية أوجبت تنظير كل واحد من الثلاثة قبال صاحبه وقد غفل الشارح المذكور عنها، وهي أنَّ هاشماً بعد أبيه عبد مناف لما ولى ما كان إليه من السقاية والرفادة وساد قومه حسده أُميّة ابن أخيه عبد شمس بن عبد مناف فتكلَّف أن يصنعكما يصنعهاشم فعجز فعيّرته قريش وقالوا له : أتتشبَّه بهاشم؟ ثمَّ دعا هاشماً للمنافرة فأبى هاشم ذلك لسنه وعلو قدره فلم تدعه قريش ؛ فقال هاشم لأمية : أنا فرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحر بمكة، والجلاء عن مكة عشر سنين فرضي أُمية بذلك وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي وكان بعسفان فخرج كلّ منهما في نفر فنزلوا على الكاهن فقال قبل أن يخبروه خبرهم والقمر الباهر والكوكب ،الزاهر والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر من منجد وغائر، لقد سبق هاشم أُمية إلى المفاخر فنصر هاشم على أُمية فعاد هاشم إلى مكة ونحر الإبل وأطعم الناس وخرج أُميّة إلى الشام فأقام بها عشر سنين فكانت هذه أوّل عداوة وقعت بين هاشم وأُميّة وتوارث ذلك بنوهما .

فقد أشار علي علیه السلام بقوله : ولكن ليس أمية كهاشم» إلى هذا التنظير، وقد نقلنا هذه النكتة التاريخية من إنسان العيون في سيرة الأمين والمأمون المعروف بالسيرة الحلبية (ص 5 ج 1 طبع مصر) وقد نقل قريباً منه أبو جعفر الطبري في التاريخ، وابن الأثير في «الكامل». وأما ما أوجبت التنظير بين عبد المطلب وحرب فهي أنَّ حرباً كان نديم عبد المطلب في الجاهلية وكان في جوار عبد المطلب يهودي فأغلظ ذلك اليهودي القول على حرب في

سوق من أسواق تهامة فأغرى عليه حرب من قتله ؛ فلما علم عبد المطلب بذلك ترك منادمة حرب ولم يفارقه حتّی أخذ منه مائة ناقة دفعها لابن عم اليهودي ثمَّ نادم عبد اللّه بن جدعان التميمي.

هذا ما نقلنا عن السيرة النبوية لأحمد زيني دحلان هامش السيرة الحلبية ص 22 ج

1 )وتفصيل ذلك ما أتى به أبو جعفر الطبري في التاريخ وابن الأثير في «الكامل» من ان عبد المطلب كان له جار يهودي يقال له : أذينة يتجر وله مال كثير فغاظ ذلك حرب بن أُمية ، وكان ندیم عبد المطلب فأغرى به فتياناً من قريش ليقتلوه ويأخذوا ماله فقتله عامر بن عبد مناف بن عبد الدار، وصخر بن عمرو بن كعب التيمي جد أبي بكر ؛ ولم يعرف عبد المطلب قاتله فلم يزل يبحث حتّی عرفهما وإذا هما قد استجارا بحرب بن أمية فأتى حرباً ،ولامه وطلبهما منه فأخفاهما فتغالظا في القول حتّی تنافرا إلى النجاشي ملك الحبشة فأبى أن ينفر بينهما فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح فقال لحرب :

يا أبا عمرو أتنافر رجلاً هو أطول منك قامةً وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامةً، وأقلّ منك ملامة وأكثر منك ولداً، وأجزل صفداً ، وأطول منك مذوداً؟ وإنّي لأقول هذا وإنّك لبعيد الغضب، رفيع الصوت في العرب جلد المريرة جليل العشيرة، ولكنك نافرت منفراً.

فغضب حرب وقال: إنَّ من انتكاس الزَّمان أن جعلت حكماً؛ فترك عبد المطلب منادمة حرب، ونادم عبد اللّه بن جدعان وأخذ من حرب مائة ناقة فدفعها إلى ابن عم اليهودي، وارتجع ماله إلا شيئاً هلك فغرمه من ماله.

ثمَّ قال زيني دحلان ويروى أنَّ حرباً كان لا يلتقي من أحدٍ من رؤساء قريش أو غيرهم في عقبة أو مضيق إلا تأخروا وتقدَّم هو، ولا يستطيع أحد أن يتقدم عليه فالتقى حرب مع رجل من بني تميم في عقبة فتقدَّمه التميمي، فقال حرب أنا حرب بن أمية فلم يلتفت إليه التميمي ومرَّ قبله فقال حرب : موعدك مكة فبقي التميمي دهراً ثمَّ أراد دخول مكة فقال : من يجيرني من حرب بن أُميّة؟ فقيل له : عبد المطلب بن هاشم فأتى التميمي ليلاً دار الزبير بن عبد المطلب فدقّ الباب فقال الزبير لأخيه الغيداق قد جاءنا رجل إما مستجير أو طالب حاجة أو طالب قرى وقد أعطيناه ما أراد فخرج الزبير فأنشد الرَّجل :

لاقيتُ حرباً في باً في الثنية مقبلاً ***والصبح صبح أبلج ضوءه للباري

فدعا به بصوت واكتبنى ليروعني ***ودعا بدعوته يريد فخاري

فتركته كالكلب ينبح وحده*** وأتيت أهل معالم وفخار

ليثاً هزبراً يستجار بقربه*** رحب المنازل مكرماً للجار

ولقد حلفت بمكة وبزمزم ***والبيت ذي الأحجار والأستار

إنَّ الزبير لمانعي من خوفه ***ما كبر الحجاج في الأمصار

فقال الزبير للتميمي : تقدَّم فإنّا لا نتقدَّم على من نجيزه فتقدم التميمي ودخل المسجد فرآه حرب فقام إليه فلطمه فعدا عليه الزبير بالسَّيف فعدا حرب حتّی دخل دار عبد المطلب فقال: أجرني من الزبير فأكفأ عليه جفنة كان أبوه هاشم يطعم النّاس فيها فبقي تحتها ساعة ة ثم قال له عبد المطلب اخرج فقال : كيف أخرج وسبعة من ولدك قد اجتمعوا بسيوفهم على الباب؟ فألقى عليه عبد المطلب رداءه فخرج عليهم فعلموا أنه أجاره فتفرقوا .

وإلى هذه القصَّة أشار ابن عبّاس رضي اللّه عنهما حين دخل على معاوية في أيام خلافته وعنده وفود العرب ذكره كلاماً فيه افتخار وذكر في كلامه حرب بن أُميّة فقال له ابن عبّاس: فمن أكفأ عليه إناء وأجاره بردائه؟ فسكت معاوية (1)

وأما التنظير بين أبي طالب وأبي سفيان فظاهر ممّا قدَّمنا سالفاً من حماية أبي طالب رضوان اللّه عليه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم والمسلمين وذبه عن الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم وحسن تدبيره في دفع كياد القوم عنه ، وآنف- ايذاء أبي سفيان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم والمسلمين وبغيه لهم وتأليبه عليهم

من القبائل وجهده في إطفاء نور اللّه وولعه في سفك الدماء.

ثمَّ بما بيّنا من وجه التنظير علم أيضاً أنَّ بني هاشم كانوا يؤمنون الخائفين ويؤدُّون الحقوق، وكان دارهم مأمن النّاس وأنَّ بني أمية كانوا على خلافهم.

قال علیه السلام : ولا المهاجر كالطليق، ولا الصّريح كاللصيق ولا المحقُّ كالمبطل، ولا المؤمن كالمدخل بعدما بيَّن ما كانت طارئة عليهما من جهة آبائهما أخذ بذكر الصفات النفسانية، فقال: ولا المهاجر كالطليق يعني بالمهاجر نفسه وبالطليق معاوية وقد علمت في شرح المختار الرابع والثلاثين والماءتين من باب الخطب وهو قوله علیه السلام : فجعلت أتبع مأخذ رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم ) - إلخ (ص 126 (15 أنَّ رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم لما فجأه من الكفّار ما أحوجه إلى الخروج من مكة استخلف عليّاً في ردّ الودائع إلى أربابها وقضاء ما كان عليه من دين لمستحقيه وجمع بناته ونساء أهله وأزواجه والهجرة بهم إليه فقام علي به احسن القيام وبات على فراش رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم ووقاه بنفسه ثمَّ ردّ كلَّ وديعة إلى أهلها وأعطى كل ذي حق حقه وحفظ بنات رسول اللّه وحرمه وهاجربهم ماشياً على قدميه يحوطهم من الأعداء ويكلأهم من الخصماء ويرفق بهم في المسير حتّی أوردهم عليه صلی الله علیه وآله وسلم المدينة على أتم صيانة وحراسة ورفق ورأفة وحسن تدبير .

وكان معاوية وأبوه في زمان مهاجرة الرَّسول والوصي علیه السلام مشركين وقد أسلما يوم فتح


1) تاريخ مدينة دمشق : 267/27ی.

مكة إما رغبة وإما رهبة ولما ظهر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم على أهل مكة قال لهم : فاذهبوا وأنتم الطلقاء فمعاوية طليق بن طليق (1)، وسيأتي ذكر فتحها عن قريب.

قوله علیه السلام : «ولا الصريح كاللصيق» يعني بالصريح نفسه وباللصيق معاوية و قد علم في بيان لغة الكتاب أن الصَّريح بمعنى خالص النسب واللصيق بمعنى الدعي في قوم، الملصق بهم وليس منهم.

قال الفاضل الشارح المعتزلي: إن قلت ما معنى قوله : (ولا الصريح كاللصيق) وهل كان في نسب معاوية شبهة ليقول له هذا؟ قلت: كلا إنّه لم يقصد ذلك وإنما أراد الصريح بالإسلام واللصيق في الإسلام فالصريح فيه هو من أسلم اعتقاداً وإخلاصاً، واللصيق فيه من أسلم تحت السيف أو رغبة في الدنيا وقد صرّح بذلك فقال : كنتم ممّن دخل في هذا الدين إما رغبة وإما رهبة). انتهى .

أقول : لو كان شرح عبارة مبنيا على الرأي من دون دلالة سبكها وأسلوبها عليه، أو يكن له شاهد من خارج لجاز أن تفسر على آراء كثيرة فائلة خارجة عن حيطة المراد قطعاً . ثمَّ يقال له : ما اقتضى عدولك عن ظاهر اللفظ وارتكابك على هذا التكلف؟ ولم لا يجوز أن يكون معاوية ملصقاً بقريش ومع ذلك كان ممّن دخل في الدين إما رغبة أو رهبة، حتّی لا تحمل العبارتان على معنى واحد؟

فإن قلت : إذا كان اللصيق بهذا المعنى أي إنّه لم يكن من قريش فلم قال الأمير علیه السلام : وأما قولك إنا بنو عبد مناف فكذلك نحن ولم يردّه في ادعائه هذا بأنّه ليس من بني عبدمناف، بل أمضاه وأثبته بقوله فكذلك نحن؟ .

قلت أولاً : إنّه علیه السلام على نسخة نصر لم يمضه ولم يعترف بأن معاوية من بني عبد مناف بل قال : وأما قولك: إنّا بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فصل «فلعمري إنا بنو أب واحد ولا يخفى عليك أنَّ الكافر والمسلم من أب واحد آدم علیه السلام

وثانياً : هب أنّه قال : فكذلك نحن، ولكن لا ضير في أن يكون كلامه هذا مبنيا على المماشاة وفرض التسليم أي سلّمنا أنَّ نسبك ينتهي إلى عبد مناف ولكن بين آبائي وآبائك إلى عبد مناف في الشرافة والجلالة فرقاً فاحشاً ثم نفى نسبه إليه بقوله: (وليس الصريح كاللصيق)، وهذا الدَّأب في المحاورات ليس بعزيز.

وقال سمينا عماد الدين الحسن بن عليّ بن محمّد بن الحسن الطبري في الفصل الأول من الباب الخامس والعشرين من كتابه كامل اسقيفة المشتهر بالكامل البهائي (ص 161 ج 2 )


1) الإرشاد : 53/1

طبع دار العلم قم وكذا قال صاحب إلزام النواصب : إنَّ بني أمية ليسوا بصحيحي النسب إلى عبد مناف، ونقل قولهما المجلسي في المجلد الثامن من البحار (ص 383 من الطبع الكمباني) قال :

قال صاحب «الكامل البهائي»: إنَّ أُميّة كان غلاماً رومياً لعبد الشمس فلمّا ألقاه كيساً فطناً أعتقه وتبنّاه فقيل أُمية بن عبد الشمس كما كانوا يقولون قبل نزول الآية : زيد بن محمد، ولذا روي عن الصادقين علیهما السلام في قوله تعالى :«الم »«غُلِبَتِ الرُّومُ » أنهم بنو أمية، ومن هنا يظهر نسب عثمان ومعاوية وحسبهما وأنهما لا يصلحان للخلافة لقوله : الأئمة من قريش .

وقال مؤلّف كتاب إلزام النواصب : أُميّة لم يكن من صلب عبد الشمس وإنما هو من

الروم فاستلحقه عبد الشمس فنسب إليه فبنوا أمية ليسوا من صميم ليسوا من صميم قريش وإنما هم يلحقون بهم ويصدق ذلك قول أمير المؤمنين علیه السلام إن بني أمية لصاق وليسوا صحيحي النسب إلى عبد مناف ولم يستطع معاوية انكار ذلك . انتهى (1)

أقول : قوله قبل نزول الآية إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأحزاب :« فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَا-إلى قوله عزّ وجلَّ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ »

ورواية الصادقين قد رواها الشيخ الجليل أبو الفتح الكراجكي معاصر الشريف الرضي في كنز الفوائد»، وقد روى عن غيرهما من أئمتنا علیهم السلام أيضاً أتى بها المجلسي في ثامن البحار ( ص (379) روى الكراجكي قدس سره عن محمد بن العباس، عن ابن عقدة عن (ص الحسن بن القاسم، عن علي بن إبراهيم بن المعلى عن فضيل بن إسحاق، عن يعقوب بن شعيب عن عمران بن ميثم عن عباية عن علي علیه السلام قال : قوله عزّ وجلَّ : المَ غُلِبَتِ الروم هي فينا وفي بني امية (2)

وروى عن محمد بن العباس، عن الحسن بن محمد بن جمهور العمي، عن أبيه، عن

جعفر بن بشير عن ابن مسكان عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال: سألته عن تفسیر واله غُلِبَتِ الرُّومُ ) قال : هم بنو أمية وإنّما أنزلها اللّه الم غلبت الروم بنو أُمية في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين اللّه الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللّه عند قيام القائم (3).


1) بحار الأنوار: 544/31 .

2) بحار الأنوار: 544/31 .

3) الكافي : 269/8 ح397

واعلم أنّ الرّوايتين تشيران إلى بطن من بطون الآية وليس المراد من قوله إنّما أنزلها الم غلبت الرّوم) بنو أمية، وقوله ( يفرح المؤمنون بنصر اللّه) عند قيام القائم، أن الآية نزلت هكذا أولاً ثم حرّفت وصحفت ؛ وذلك لما علمت من شرحنا على المختار الأول من باب الكتب والرسائل أنَّ القرآن الذي في أيدي الناس اليوم هو جميع ما أنزله اللّه تعالى على رسوله وما تطرق إليه زيادة ونقصان فراجع إلى (ص 349 - 295) من المجلد السادس عشر .

قال علیه السلام : ولا المحقُّ كالمبطل» أي ليس ذاك كهذا، ويعني بالمحقِّ نفسه وبالمبطل معاوية، وكذا قوله علیه السلام : ولا المؤمن كالمدخل إنّما يعني بالمؤمن نفسه وبالمدغل معاوية.

فالأمير علیه السلام بدأ بذكر فضائله ورذائل خصمه من آبائهما أوَّلاً وأدرج الخصم في سلك قريش على سبيل المماشاة، ثمَّ أتى بأوصاف أربعة كمالية كانت له علیه السلام ، وذكر مع كل واحدة منها ضدّها الذي كان لخصمه معاوية.

وأفاد الشارح البحراني بأنّه علیه السلام ذكر الفرق بينهما من وجوه خمسة بدأ فيها بالأمور الخارجة أوَّلاً من كمالاته وفضائله ورذائل خصمه متدرّجاً منها إلى الأقرب فالأقرب فالأول شرفه من جهة الآباء المتفرّعين على عبد مناف بعد أن سلّم الإشتراك بينهما في كونهما من بني عبد مناف .

الثاني : شرفه من جهة هجرته مع الرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وخسة خصمه من جهة كونه طليقاً وابن طليق وهذه فضيلة وإن كانت خارجية إلا أنها تستلزم فضيلة نفسانية وهي حسن الإسلام والنية الصادقة الحقة وكذلك ما ذكر من رذيلة خصمه بدنيّة عرضت له إلا أنَّ هذه الفضيلة والرذيلة أقرب من الاعتبارين الأولين لكونهما حقيقيتين بالآباء وهميّتين بالأبناء دون هاتين.

الثالث: شرفه من جهة صراحة النسب وخسة خصمه من جهة كونه دعيّاً وهذان الاعتباران أقرب ممّا قبلهما لكونهما اعتبارين لازمين لهما دون الأولين الرابع : شرفه من جهة كونه محقاً فيما يقوله ويعتقده ورذيلة خصمه من جهة كونه مبطلاً وهذان الإعتباران أقرب لكونهما من الكمالات والرّذائل الذاتية دون ما قبلها .

الخامس : شرفه من جهة كونه مؤمناً، والمؤمن الحق هو المستكمل للكمالات الدينية النفسانية وخسّة خصمه من جهة كونه مدغلاً أي خبيث الباطن مشتملاً على النفاق والرذائل الموبقة وظاهر أنَّ هذين الاعتبارين أقرب الكمالات والرذائل إلى العبد، وإنّما بدأ بذكر الكمالات والرذائل الخارجية لكونهما مشتملة عند الخصم وأظهر له وللخلق من الأمور الداخلية.

قال علیه السلام : ولبئس الخلف خلف يتبع سلفاً هوى في نار جهنم» أسلوب الكلام ينادي

بأعلى صوته أن جملة (يتبع) صفة للخلف، وهوى في نار جهنّم للسلف والإتيان بالفعل المضارع في الأولى، والماضي في الثانية أصدق شاهد لما قلنا ، والماضي في الثانية أصدق شاهد لما قلنا فأخبر علیه السلام بأن سلف معاوية ومنهم أبو سفيان هوى بكفره وشركه في نار جهنم .

على أن السلف إذا كان على سوي الصّراط فنعم الخلف خلف يتبعه فلا يعاب على خلف بهذا الاتباع ولا يذمّ به بل يمدح ففي هذا الكلام ذمّ للخلف والسلف معاً .

فبما حققنا دريت وهن ما جنح إليه الفاضل أحمد زكي صفوت في الجمهرة رسائل «العرب» ص 480 ج 1) من أنه علیه السلام لا يعيب على معاوية بأن سلفه كانوا كفّاراً بل بكونه متبعاً لهم فقد نهج في معاداة علي نهج أجداده في معاداة أجداد علي.

قال علیه السلام : وفي أيدينا بعد فضل النبوة التي أذللنا بها العزيز ونعشنا بها الذليل» هذا ردّ على قول معاوية : ليس لبعضنا على بعض فضل إلا فضل لا يستدل به عزيز ولا يسترق به حر معناه والحال أنَّ لنا فضلاً آخر عليكم بعد الفضائل المتقدّمة وهو فضل النبوة، ولما استثنى معاوية بقوله إلا فضل لا يستذل به - إلخ أجابه الأمير علیه السلام تبكيتاً له وإفحاماً ورداً لادعائه الباطل بقوله : (التي أذللنا بها العزيز) كأبي سفيان وأبي لهب وأضرابهما، ورفعنا بها الدليل) كأثر الصحابة والتابعين كانوا حاملي الذكر ولما آمنوا رفع اللّه لهم ذكرهم.

بل كان لآبائه أعني بني هاشم فضل وشرف ومجد كانوا أعواناً للمظلوم وإن كان خاملاً ذليلاً، وخصماء للظالم وإن كان عزيز نبيهاً، وكانوا يؤدّون كلَّ ذي حق حقه ويذلّون العزيز الظالم وينعشون المظلوم الذليل.

وفي قوله علیه السلام : ( وفي أيدينا بعد فضل النبوَّة) إشارة إلى أنّه ربّي في بيت النبوة واقتبس من مشكاة الرّسالة، وأن نور النبوّة كان في بني هاشم ينتقل عن واحد منهم بعد واحد حتّی انتقل إلى عبد اللّه بن عبد المطلب أبي رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم وأنَّ بني هاشم كانوا ببركة هذا النور يذلون العزيز ويرفعون الذليل، وكان لهم به شرف وفضل لم يكن لغيرهم، وأنَّ من كان من بيت النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وأهله إنما كان شأنه إعانة المظلوم وإغاثته، وقمع الظالم ودفع الظالم و اللّه أعلم حيث يجعل رسالته، ولا يخفى عليك أنَّ هذا الفضل لا يعادله شيء.

قوله علیه السلام : ولما أدخل اللّه العرب - إلخ » بعدما عرف علیه السلام نفسه وآباءه بأنهم من بيت النبوّة ولهم فضل النبوَّة وكانوا حماة النّاس ورعاتهم عقبه بذكر رذيلة للخصم بأنّه وأباه وأتباعهما - كما أتى بلفظة الجمع حيث قال كنتم - ممّن دخلوا في دين اللّه لا عن اخلاص بل كانوا متمرّدين عاصين كارهين إلا أنّهم لما رأوا أنَّ دين اللّه استولى على النّاس وأظهره اللّه تعالى على الدِّين كلّه لم يجدوا مخلصاً ومحيصاً إلا أن يستسلموا إما رغبة إلى زخارف

الدنيا، وإمّا رهبةً من سيوف المسلمين وقد مضى في ذلك كلام عمّار وابن الحنفية في المختار السابق عند قوله علیه السلام : والذي فلق الحبة وبرىء النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلما وجدوا عليه أعواناً أظهروه فراجع.

على أنّهم إنّما أسلموا ظاهراً بعدما فاز أهل السبق بسبقهم وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم، وإنّما الفضل للمتقدّم لأنه إمام في فعله وداع إلى الخير وللسابق إلى الإسلام ودعوة الناس إلى اللّه فضيلة على غيره لا تنكر .

وقوله علیه السلام : (ولما أدخل اللّه العرب في دينه أفواجاً» إشارة إلى سورة النصر. وقوله علیه السلام : على حين فاز أهل السبق بسبقهم وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم إشارة إلى قوله تعالى: «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)»[التوبة: 100] .

قوله علیه السلام : فلا تجعل للشيطان - إلخ معناه كما أفاده الفاضل الشارح المعتزلي : لا تستلزم من أفعالك ما يدوم به كون الشيطان ضارباً فيك بنصيب لأنه ماكتب إليه هذه الرسالة إلا بعد أن صار للشيطان فيه أوفر نصيب وإنّما المراد نهيه عن دوام ذلك و استمراره .

في صفّين لنصر بن مزاحم ص 110) من الطبع الناصري أنَّ عماراً جعل يقول (يعني يوم صفين يا أهل الإسلام أتريدون أن تنظروا إلى من عادى اللّه ورسوله وجاهدهما وبغي على المسلمين وظاهر المشركين فلما أراد اللّه أن يظهر دينه وينصر رسوله أتى النبي لله فأسلم وهو و اللّه فيما يرى راهب غير راغب وقبض اللّه رسول اللّه وإنا لنعرفه بعداوة المسلم ومودة المجرم، ألا وإنّه معاوية فالعنوه لعنه اللّه، وقاتلوه فإنّه ممّن يطفىء نور اللّه ويظاهر أعداء اللّه

حديث فتح مكة وأن أهل مكة الطلقاء

لما صالح رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم قريشاً عام الحديبية كان في أشراطهم أنه من أحبّ أن يدخل في عهد رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم دخل فيه فدخلت خزاعة في عقد رسول اللّه وكنانة في عقد قريش فأعانت قريش كنانة فأرسلوا مواليهم فوثبوا على خزاعة فقتلوا فيهم فجاءت خزاعة إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فشكوا إليه ذلك وكان ذلك مما هاج فتح مكة فأحل اللّه لنبيه قطع المدة التي بينه وبينهم وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم قال للناس كأنّكم بأبي سفيان قد جاء ليشد العقد ويزيد في المدة وسيلقي بديل بن ورقاء، فلقوا أبا سفيان بعسفان وقد بعثته قريش إلى النبي صلى اللّه عليه و آله وسلم ليشدَّ العقد ويزيد في المدَّة فلمّا لقي أبو سفيان بديلاً قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظَنَّ أنه أتى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قال : سرت في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي قال : ما أتيت محمّداً؟

قال :لا ؛ فلما راح بديل إلى مكة فقال أبو سفيان لئن كان جاء من المدينة لقد علف بها النوى فعمد إلى مبرك ناقته وأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى فقال : أحلف باللّه تعالى لقد جاء بديل محمّداً .

ثمَّ خرج أبو سفيان حتّی قدم على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فدخل على ابنته أم حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم طوته عنه ؛ فقال : يا بنيّة ما أدري أرغبت بي عن هذا بي الفراش أم رغبت به عنّي؟

قالت أم حبيبة بل هو فراش رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وأنت رجل مشرك نجس ولم أحب أن تجلس على فراش رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم .

قال: و اللّه لقد أصابك يا بنية بعدي شرّ .

ثمَّ خرج حتّی أتى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فكلمه فقال : يا محمد احقن دم قومك وأجر بين قريش وزدنا في المدة.

فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : أغدرتم يا أبا سفيان؟ قال: لا، قال: فنحن على ما كنا عليه.

فخرج أبا سفيان فلقي أبا بكر فقال: أجر بين قريش .

قال: ويحك وأحد يجير على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ؟ ما أنا بفاعل.

ثمَّ لقى عمر بن الخطاب فقال له مثل ذلك .

فقال عمر: أأنا أشفع لكم إلى رسول اللّه فو اللّه لو لم أجد إلا الذرّ لجاهدتكم به .

ثمَّ خرج فدخل على عليّ بن أبي طالب علیه السلام وعنده فاطمة بنت رسول اللّه سلام اللّه عليها وعندها حسن بن عليّ غلام يدبّ بين يديها فقال يا علي إنك أمس القوم بي رحماً، وإني قد جئت في حاجة فلا أرجعنَّ كما جنت خائباً فاشفع لي إلى رسول اللّه فقال : ويحك يا أبا سفيان و اللّه لقد عزم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه.

فالتفت إلى فاطمة علیها السلام فقال : يا بنت محمد هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين النّاس فيكون سيّد العرب إلى آخر الدَّهر؟

قالت : و اللّه ما بلغ بُنيَّ ذاك أن يجير بين النّاس، وما يجير أحد على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم .

وفي مجمع الطبرسي : دخل أبو سفيان بعد ما خرج من عند ابنته أم حبيبة على

فاطمة علیها السلام فقال : يا بنت سيد العرب تجيرين بين قريش وتزيدين في المدَّة فتكونين أكرم سيّدة في الناس؟

فقالت: جواري جوار رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم .

أتأمرين (1)ابنيك أن يجيرا بين النّاس؟ قالت : و اللّه ما بلغ ابناي أي يجيرا بين الناس وما يجير على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أحد.

فقال : يا أبا الحسن إنّي أرى الأمور قد اشتدت عليَّ فانصحني.

قال : و اللّه ما أعلم شيئاً يغني عنك شيئاً ولكنك سيّد بني كنانة فقم فأجر بين النّاس ثمَّ الحق بأرضك .

قال : أو ترى ذلك مغنياً عني شيئاً؟

قال: لا و اللّه ما أظنّه ولكني لا أجد لك غير ذلك.

فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إنّي قد أجرت بين النّاس، ثمَّ ركب بعيره

فانطلق فلما قدم على قريش قالوا ما وراءك؟

قال : جئت محمّداً فكلّمته فو اللّه ما ردّ عليّ شيئاً ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيراً، ثمَّ جئت ابن الخطاب فوجدته أدنى العدوّ ، ثمَّ جنت عليّاً فوجدته ألين القوم وقد أشار عليَّ بشيء صنعته فو اللّه ما أدري هل يغني ذلك شيئاً أم لا؟

قالوا : وبم أمرك ؟

قال : أمرني أن أجير بين الناس ففعلت .

قالوا : فهل أجار ذلك محمد؟

قال: لا ؛ قالوا : ويلك ! أما و اللّه إن زاد عليّ بن أبي طالب على أن لعب بك فما يغني عنك ما قلت قال : لا و اللّه ما وجدت غير ذلك .

ثمَّ عزم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم على غزو مكة وقال : اللّهم أعم الأخبار عنهم - يعني قريشاً - فكتب حاطب بن أبي بلتعة مع سارة مولاة أبي لهب إلى قريش بخبر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وما اعتزم عليه فنزل جبرئيل فأخبره بما فعل حاطب فوجه بعلي بن أبي طالب والزبير وقال خذ الكتاب منها فلحقاها وقد كانت تنكبت الطريق فوجد الكتاب في مشعرها ، وقيل في فرجها فأتيا به


1) في نسخة : فقال: أتأمرين.

إلى رسول اللّه فأسرَّ إلى كل رئيس منهم بما أراد وأمره أن يلقاه بموضع سمّاه رأن يكتم ما قال له فأسرَّ إلى خزاعي بن عبد نهم أن يلقاه بمزينة بالروحاء، وإلى عبد اللّه بن مالك أن يلقاه بغفار بالسقيا، وإلى قدامة بن ثمامة أن يلقاه ببني سليم بقديد وإلى الصعب بن جثامة بن أن يلقاه ببني - ليث بالكديد .

وخرج رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم يوم الجمعة حين صلى صلاة العصر لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة ثمان وقيل لعشر مضين من ،رمضان واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر ولقيته القبائل في المواضع التي سمّاها لهم وأمر النّاس فأفطروا ، وسمّى الذين لم يفطروا العصاة ودعا بماء فشربه وتلقاه العبّاس بن عبد المطلب في بعض الطريق فلما صار بمر الظهران خرج أبو سفيان بن حرب يتجسّس الأخبار ومعه حكيم بن حزام وبدیل بن ورقاء وهو يقول الحكيم ما هذه النيران؟ فقال خزاعة أحمشتها الحرب، فقال خزاعة: أقل وأذل وسمع صوته العبّاس فناداه يا أبا حنظلة يعني به أبا سفيان فأجابه فقال له يا أبا الفضل ما هذا الجمع ؟ قال : هذا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فأردفه على بغلته ولحقه عمر بن الخطاب وقال: الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد فسبقه العباس إلى رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم فقال : يا رسول اللّه هذا أبو سفيان قد جاء ليسلم طائعاً فقال له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : قل أشهد أن لا إله إلا اللّه وأني محمد رسول اللّه ، فقال : أشهد أن لا إله إلا اللّه، وجعل يمتنع من أن يقول وأنّك رسول اللّه فصاح به العباس، فقال.

وفي نقل آخر أنَّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قال له : يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا اللّه؟ فقال : بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأكرمك وأرحمك وأحلمك و اللّه لقد ظننت أن لو كان معا إله ويوم أغنى يوم بدر ،یوم أحد، فقال : ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنّي رسول اللّه ؟ فقال : بأبي أنت وأمي أما هذه فإنَّ في النفس منها شيئاً، قال العباس : فقلت له ويحك اشهد بشهادة الحق قبل أن يضرب عنقك فتشهد كما في السيرة لابن هشام (ص 403 ج2).

ثمَّ سأل العباس رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أن يجعل له شرفاً وقال : إنّه يحبُّ الشرف فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : من دخل دارك يا أبا سفيان فهو آمن.

فلما ذهب لينصرف قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتّی تمرّ به جنود اللّه ،فيراها قال عبّاس: فخرجت حتّی حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول اللّه هو أن أحبسه ومرت القبائل على راياتها كلّما مرّت قبيلة قال : يا عباس من هذه؟ فأقول : سليم فيقول : ما لي ولسُليم، ثمَّ تمرّ القبيلة فيقول : يا عباس من هؤلاء؟ فأقول :مزينة فيقول : ما لي ولمزينة حتّی نفدت القبائل ما تمرّ به قبيلة إلا يسألني عنها فإذا

أخبرته بهم قال : ما لي ولبني فلان حتّی مرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق فقال: سبحان اللّه من هؤلاء يا أبا الفضل - يعني به العباس -؟ قلت : هذا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم لها في المهاجرين والأنصار ؛ قال : ما لأحد بهؤلاء قِبَل ولا طاقة و اللّه يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً، قال: قلت: ويحك يا أبا سفيان إنه ليس بملك إنّما هي النبوَّة، قال: فنعم إذن (1).

ومضى أبو سفيان مسر عاً حتّی دخل مكة فأخبرهم الخبر وقال هو اصطلام إن لم تسلموا وقد جعل أنَّ من دخل داري فهو آمن فوثبوا عليه وقالوا: ما يسع دارك ؟ فقال : ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن.

وفتح اللّه على نبيه وكفاه القتال ودخل مكة ودخل أصحابه من أربعة مواضع وأحلّها اللّه له ساعة من نهار .

ثمَّ قام رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فخطب فحرمها ، وأجارت أُمُّ هانيء بنت أبي طالب حموين لها : الحارث بن هشام وعبد اللّه بن أبي ربيعة فأراد علي علیه السلام قتلهما ؛ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم : يا علي قد أجرنا من أجارت أم هانيء، وآمنهم جميعاً إلا خمسة نفر أمر بقتالهم ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة، وأربع نسوة.

وهم: عبد عبد اللّه بن عبد العزّي بن خطل من بني تيم الأكرم بن غالب، وكان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وجهه مع رجل من الأنصار فشدّ على الأنصاري فقتله وقال: لا طاعة لك ولا لمحمّد

وعبد اللّه بن سعد بن أبي سرح العامري وكان يكتب لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فصار إلى مكة فقال : أنا أقول كما يقول محمد و اللّه ما محمد نبي ولقد كان يقول لي اكتب عزيز حكيم) فأكتب لطيف خبير ولو كان نبيًّا لعلم فآواه عثمان وكان أخاه من الرضاع وأتى به إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فجعل يكلمه فيه ورسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم و ساكت ثم قال : هلا قتلتموه؟ فقالوا : انتظرنا أن تؤمىء، فقال: إنَّ الأنبياء لا تقتل بالإيماء.

ومقيس بن صبابة أحد بني ليث بن كنانة وكان أخوه قتل فأخذ الدّية من قاتله ثمَّ شدَّ عليه فقتله .

والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد قصى كان ممّن يؤذي رسول اللّه بمكة ويتناوله بالقول القبيح .


1) روى المقريزي في أمتاع الأسماع (376/1 ط . القاهرة 1941م تصحيح محمد شاكر الرواية ولكن فيها :فَنَعَرّ، وفي الهامش: صوت صوتاً من خيشومة .

والنسوة سارة مولاة بني عبد المطلب وكانت تذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم بالقبيح.

وهند بنت عتبة وقريبة وفرتا (كذا) جاريتا ابن خطل كانتا تغنيان في هجاء رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم

وأسلمت قريش طوعاً وكرهاً، وأخذ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم مفتاح البيت من عثمان ابن أبي طلحة وفتح الباب بيده وستره ثمَّ دخل البيت فصلّى فيه ركعتين ثم خرج فأخذ بعضادتي الباب فقال : لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له أنجز وعده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده فلله الحمد والملك لا شريك له .

ثمَّ قال علیه السلام : ما تظنون وما أنتم قائلون؟ قال سهيل : نظنُّ خيراً ونقول خيراً أخ كريم وابن عم كريم وقد ظفرت، قال: فإنّي أقول لكم كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم.

ثمَّ قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : ألا كلُّ دم ومال ومأثرة في الجاهلية فإنّه موضوع تحت قدمي هاتين إلاّ سدانة الكعبة وسقاية الحاج فإنّهما مردودان إلى أهليهما ، ألا وإنَّ مكّة محرَّمة بحرمة اللّه لم تحلّ لأحد من قبلي ولا تحلّ لأحد من بعدي وإنّما حلّت لي ساعة ثم أغلقت فهي محرمة إلى يوم القيامة لا القيامة لا يختلي خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلاّ لمنشد ، ألا إنَّ في القتل شبه العمد الدّية مغلظة، والولد للفراش وللعاهر الحجر.

ثم قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : ألا لبئس جيران النبي كنتم لقد كذبتم وطردتم وأخرجتم وآذيتم ثم ما رضيتم حتّی جئتموني في بلادي تقاتلونني فاذهبوا فأنتم ،الطلقاء، فخرج القوم فكأنّما انشروا من القبور .

ودخل مكة بغير احرام وأمر بلالاً أن يصعد على الكعبة فأذن فعظم ذلك على قريش وقال عكرمة بن أبي جهل وخالد بن أسيد : إنَّ ابن رباح ينهق على الكعبة، وتكلّم قوم معهما فارسل إليهم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فقالوا : قد قلنا فنستغفر اللّه فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : ما أدري ما أقول لكم ولكن تحضر الصلاة فمن صلى فسبيل ذلك وإلا قدّمته فضربت عنقه (1).

وأمر بكل ما في الكعبة من صورة فمحيت وغسلت بالماء ونادى منادي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم من كان في بيته صنم فليكسره فكسروا الأصنام.

ودعا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم بالنساء فبايعنه ونزلت عليه سورة إذا جاء نصر اللّه والفتح فقال : نعيت إلي نفسي.


1) تاريخ اليعقوبي : 60/2 .

واعلم أنّه قد مضى بحثنا الكلامي عن عمل عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح وطرح بعض روايات وردت فيه فراجع إلى شرح المختار» الأوّل من باب الكتب والرسائل (ص 210 - 213 ج 16).

وكذا قد تقدم وجه دلالة سورة النصر على رحلة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم في شرح المختار» 233 من باب الخطب ص 79 ج 15

وقيل لأهل مكة الطلقاء لقوله صلی اللّه علیه و آله وسلم لهم : فاذهبوا وأنتم الطلقاء، ولذا قالت عقيلة بني هاشم الصدّيقة الصغرى زينب بنت فاطمة بنت رسول اللّه في احتجاجها على يزيد بن معاوية : أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم سبايا ؟

وعن ابن مسعود قال: دخل النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستون صنماً فجعل يطعنها بعود في يده ويقول : جاء الحق وما يبدى الباطل وما يعيد جاء الحق وزهق الباطل إنَّ الباطل كان زهوقاً .

وعن ابن عباس قال : لما قدم النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم إلى مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الإلهة فأمر بها فأُخرجت صورة إبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما الأزلام ؛ فقال صلی اللّه علیه و آله وسلم : قاتلهم اللّه أما و اللّه لقد علموا أنّهما لم يستقسما بها قط (1)، وجاء ابن الزبعري إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وأسلم وقال :

يا رسول المليك إن لساني ***راتق ما فتقت إذ أنابور

إذ أبارى الشيطان في سنن الغيّ ***ومن مال میله مثبور

آمن اللحم العظام لربي ***ثم قلبي الشهيد أنت النذير

إنّني عنك زاجر ثم حیا*** من لؤي وكلهم مغرور

وابن الزبعري هذا هو الذي تقدَّم الكلام فيه في شرح المختار الخامس عشر من باب الكتب والرّسائل.

طائفة من احتجاجات ومحاضرات وقعت بين معاوية وغيره يناسب نقلها المقام وتفيد زيادة تبصر في آل أبي سفيان

لما استتمت البيعة لمعاوية من أهل الكوفة صعد المنبر فخطب النّاس، وذكر أمير المؤمنين علياً علیه السلام ، ونال منه ونال من الحسن علیه السلام ما نال ؛ وكان الحسن والحسين حاضرين فقام علیه السلام الحسين ليرد عليه فأخذ بيده الحسن علیه السلام وأجلسه ثم قام فقال علیه السلام : أيها


1) مستدرك سفينة البحار : 396/6، وسبل الهداية والرشاد 238/5 .

الذاكر عليا أنا الحسن وأبي عليّ، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأُمّي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول اللّه وجدك حرب وجدَّني خديجة وجدتك فتيلة فلعن اللّه أخمَلَنا ذكراً وألأمنا حسباً وشرَّنا قِدْماً وأقدمنا كفراً ونفاقاً (1). فقالت طوائف من أهل المسجد : آمين آمين.

وكذلك يقول مؤلّف الكتاب نجم الدين الحسن بن الطبري الأمليُّ : آمين آمين ويرحم اللّه عبداً قال ،آمينا، ونقل القصّة الشيخ الأجل المفيد رحمه اللّه في «الإرشاد» (ص 173) طبع طهران 1377 ه-).

ومن ذلك أنه اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة، وعقبة بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة ؛ فقالوا: يا أمير المؤمنين ابعث لنا إلى الحسن بن علي، فقال لهم : فيم؟ فقالوا : كي نوبخه وتعرفه أنَّ أباه قتل عثمان، فقال لهم: إنكم لا تنصفون منه ولا تقولون شيئاً إلا كذبكم النّاس، ولا يقول لكم شيئاً ببلاغته إلا صدقه الناس، فقالوا : أرسل إليه فإنّا سنكفيك أمره، فأرسل إليه ،معاوية، فلما حضر قال: يا حسن إنّي لم أُرسل إليك ولكن هؤلاء أرسلوا إليك فاسمع مقالتهم وأجب ولا تحرمني فقال الحسن علیه السلام فليتكلموا ونسمع .

فقام عمرو بن العاص فحمد اللّه وأثنى عليه ثمَّ قال: هل تعلم يا حسن أنَّ أباك أوّل من أثار الفتنة وطلب الملك؟ فكيف رأيت صنع اللّه به؟

ثمَّ قام الوليد بن عقبة بن أبي معيط فحمد اللّه وأثنى عليه ثمَّ قال: يا بني هاشم كنتم أصهار عثمان بن عفّان فنعم الصهر كان يفضلكم ويقربكم ؛ ثمَّ بغيتم عليه فقتلتموه ؛ ولقد أردنا يا حسن قتل أبيك فأنقذنا اللّه منه، ولو قتلناه بعثمان ما كان علينا من اللّه ذنب . ثمَّ قام عقبة فقال : تعلم يا حسن أنَّ أباك بغى على عثمان فقتله حسداً على الملك والدُّنيا فسلبها ؟ ولقد أردنا قتل أبيك حتّی قتله اللّه تعالى .

ثمَّ قام المغيرة بن شعبة فكان كلامه كلّه سبا لعلي وتعظيماً لعثمان .

فقام الحسن علیه السلام فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه وقال بك أبدأ يا معاوية لم يشتمني

: هؤلاء ولكن أنت تشتمني بغضاً وعداوة وخلافاً لجدي صلی الله علیه وآله وسلم ثم التفت إلى النّاس وقال : انشدكم اللّه ، أتعلمون أنَّ الرَّجل الذي شتمه هؤلاء كان أوّل من آمن باللّه، وصلّى للقبلتين، وأنت يا معاوية يومئذ كافر تشرك باللّه، وكان معه لواء النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم يوم بدر ومع معاوية وأبيه لواء المشركين؟

ثمّ قال: انشدكم اللّه والإسلام أتعلمون أن معاوية كان يكتب الرسائل الجدي صلی الله علیه وآله وسلم فأرسل إليه يوماً فرجع الرسول وقال : هو يأكل فردّ الرَّسول إليه ثلاث مرات كل ذلك وهو


1) الإرشاد : 15/2 ، وبحار الأنوار: 49/44

يقول هو يأكل فقال النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم : لا أشبع اللّه بطنه ؛ أما تعرف ذلك في بطنك يا معاوية؟ ثمَّ قال: وانشدكم اللّه أتعلمون أن معاوية كان يقود بأبيه على جمل وأخوه هذا يسوقه فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : لعن اللّه الجمل وقائده وراكبه وسائقه؟ هذا كله لك يا معاوية .

وأما أنت يا عمرو فتنازع فيك خمسة من قريش فغلب عليك الأمهم حسباً وشرهم منصباً ، ثمَّ قمت وسط قريش فقلت : إنّي شانيء محمّدٍ فأنزل اللّه على نبيه صلی اللّه علیه و آله وسلم إنَّ شانتك هو الأبتر)) ثمَّ هجوت محمّداً صلی اللّه علیه و آله وسلم بثلاثين بيتاً من الشعر فقال النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم : إنّي لا أحسن الشعر ولكن العن عمرو بن العاص بكل بيت لعنة ثمَّ انطلقت إلى النجاشي بما علمت وعملت فأكذبك اللّه وردّك خائباً فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والإسلام فلم نلمك على بغضك.

وأما أنت يا ابن أبي معيط فكيف ألومك على سبِّك لعلي وقد جلد ظهرك في الخمر ثمانين سوطاً، وقتل أباك صبراً بأمر جدي وقتله جدي بأمر ربي، ولما قدَّمه للقتل قال : مَن للصبية يا محمد؟ فقال : لهم النّار، فلم يكن لكم عن النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم إلا النار ولم يكن لكم عند علي غير السيف والسوط .

وأما أنت يا عقبة فكيف تعد أحداً بالقتل؟ لمَ لا قتلت الذي وجدته في فراشك مضاجعاً لزوجتك ثمَّ أمسكتها بعد أن بغت.

وأما أنت يا أعور ثقيف ففي أي ثلاث تسب عليّاً : أفي بعده من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ؟ أم في حكم جائر؟ أم في رغبة في الدُّنيا؟ فإن قلت شيئاً من ذلك فقد كذبت أكذبك النّاس، وإن زعمت أنَّ عليّاً قتل عثمان فقد كذبت وأكذبك النّاس وأمّا وعيدك فإنّما مثلك كمثل بعوضة وقفت على نخلة فقالت لها : استمسكي فإنّي أريد أن أطير؛ فقالت لها النخلة ما علمت بوقوفك فكيف يشقّ عليَّ طيرانك؟ وأنت فما شعرنا بعداوتك فكيف يشقُ علينا سبّك (1)؟ ثمَّ نفض ثيابه وقام .

فقال لهم معاوية : ألم أقل لكم إنّكم لا تنتصفون منه ؟ فو اللّه لقد أظلم على البيت حتّی قام فليس لكم بعد اليوم خير. وقد نقلها أبو بكر بن عليّ القادري الحنفي في ثمرات «الأوراق في المحاضرات هامش المستطرف ص 55 ج 1 طبع مصر) .

والمراد من الألأم الشانيء الأبتر هو العاص بن وائل السهمي، وكان عمرو ابنه على النحو الذي بينه المجتبى علیه السلام .

ورواية «لا أشبع اللّه بطنه »منقبة جليلة لمعاوية قد اصطلحت نقلة الآثار ينقلها منهم ابن عبد البر في الاستيعاب»، وابن الأثير في «أسد الغابة» عن مسند أبي داود الطيالسي وغيره،


1) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي : 220/2 .

وما أنكروا ثبوتها له.

وقد روى الصدوق رحمه اللّه في باب السبعة من كتابه «الخصال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم : المؤمن يأكل في معاء واحدة والكافر يأكل في سبعة أمعاء، وروى السيوطي في الجامع الصغير عنه صلی اللّه علیه و آله وسلم : المؤمن يشرب في معي واحدٍ والكافر يشرب في سبعة أمعاء (1).

« المعى» يذكر ويؤنث فالعبارة في الروايتين ،صحيحة وسيأتي كلام صعصعة له : اتسع بطن من لا يشبع، ودعا عليه من لا يجمع .

والكلام في حديث اللعن كالرّواية المتقدّمة في المنقبة المذكورة، وقد مضى نقل روايات أخرى في سائر مناقبه أيضاً عن كتاب «صفين لنصر بن مزاحم في شرح المختار 236 ص 370 - 374 ح (15 منها عن البراء بن عازب قال : أقبل أبو سفيان ومعه معاوية، فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : اللّهم العن التابع والمتبوع (2).

وروى الصدوق رحمه اللّه في باب السبع من الخصاب عن أبي الطفيل عامر بن واثلة أنَّ رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم اللّهم العن أبا سفيان في سبعة مواطن .فراجع.

ومن ذلك أن شريك بن الأعور دخل على معاوية وهو يختال في مشيته، فقال له معاوية : و اللّه إنك لشريك وليس اللّه من شريك، وإنّك ابن الأعور والصحيح خيرٌ من الأعور ، وإنّك لدميم والوسيم خيرٌ من الدَّميم ؛ فيم سؤدك [سدت] قومك؟

فقال له شريك : و اللّه إنّك لمعاوية وما معاوية إلا كلبة عَوَتْ فاستعوت فسميت معاوية، وإنك ابن حرب والسلم خير من الحرب، وإنّك ابن صخر والسّهل خيرٌ من الصَّخر، وإنّك ابن أميّة وما أُميّة إلا أمة صغرت فسمّيت أُمية فكيف صرت أميرالمؤمنين؟

فقال له معاوية : أقسمت عليك إلا ما خرجت عنّي .

نقلها في ثمرات الأوراق أيضاً( هامش المستطرف ص 59ج 1) ونقلها الأبشيهي في (المستطرف) (ص 57 ج 1 ) .

وفي« تاريخ الخلفاء» (ص (199) للسيوطي وفي( المستطرف) للأبشيهي (ص 58 ج 1): أخرج عن الفضل بن سويد قال وفد جارية بن قدامة السعدي على معاوية فقال له معاوية : أنت الساعي مع علي بن أبي طالب والموقد النار في شعلك تجُوسُ قرى عربية تسفك دماءهم؟


1) كتاب الأربعين : 632 ، وبحار الأنوار: 325/63 ح 1.

2) معاني الأخبار : 345 ح1وبحار الأنوار: 164/33ح431

قال جارية يا معاوية دع عنك عليّاً فما أبغضنا عليًّا منذ أحببناه، ولا غششناه منذ صحبناه.

قال: ويحك يا جارية ! ما كان أهْوَنَك على أهلك إذ سموك جارية قال: أنت يا معاوية كنت أهون على أهلك إذ سموك معاوية وهي الأنثى من الكلاب، قال: اسكت لا أُمّ لك، قال : أُمّ لي ولدتني ؛ أما و اللّه إنَّ القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، وقوائم السيوف التي لقيناك بها بصفّين في أيدينا قال : إنّك لتهددني ؟ قال : إنك لم تملكنا قسرة ولم تفتحنا عنوة، ولكن أعطيتنا عهوداً ومواثيق فإن وفيت لنا وفينا وإن ترغب إلى غير ذلك فقد تركنا وراءنا رجالاً مِداداً، وأدرعاً شداداً، وأسنةٌ حداداً، فإن بسطت إلينا فتراً من غدر زلفنا إليك بباع من ختر ؛ قال معاوية : لا أكثر اللّه في النّاس أمثالك يا جارية ؛ فقال له : قل معروفاً فإنَّ شرَّ الدُّعاء محيط أهله (1).

وأخرج ابن عساكر عن عبد عبد الملك بن عمیر قال: قدم جارية بن قدامة السعدي على معاوية فقال : من أنت؟ قال : جارية بن قدامة قال وما عسيت أن تكون؟ هل أنت إلا نحلة ؟ قال : لا تقل، فقد شبّهتني بها حامية اللسعة حلوة البصاق ؛ و اللّه ما معاوية إلا كلبة تعاوي الكلاب، وما أُمية إلا تصغير أمة، (تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 199 ).

ودخل عدي بن حاتم الطائي على معاوية فقال له معاوية : ما فعلت الطرفات - يعني أولاده ؟ قال : قتلوا مع علي قال : ما أنصفك على قتل أولادك وبقاء أولاده، فقال علي: ما أنصفك عليّ [ما أنصفت عليا] إذ قتل وبقيت بعده ؛ فقال معاوية : أما إنه قد بقي قطرة من دم عثمان ما يمحوها إلا دم شريف من أشراف اليمن .

فقال عدي : و اللّه إنَّ قلوبنا التي أبغضناك بها لفي صدورنا ، وإن أسيافنا التي قاتلناك بها لعَلى عواتقنا، ولئن أدنيت إلينا من الغدر فتراً لندنين إليك من الشرِّ شبراً وإنَّ حزّ الحلقوم وحشرجة الحيزوم لأهون علينا من أن نسمع المساءة في علي فسلّم السيف لباعث السيف.

فقال معاوية : هذه كلمات حكم فاكتبوها وأقبل على عدي محادثاً له كأنه ما خاطبه بشيءٍ، ذكره المسعودي في مروج الذهب» (ص 54 ج2).

وخطب معاوية يوماً فقال : إنَّ اللّه تعالى يقول:«وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » ( فعلام تلومونني إذا قصرت في عطاياكم؟

فقال له الأحنف: وإنا و اللّه لا نلومك على ما في خزائن اللّه ولكن على ما أنزله اللّه من


1) النصائح الكافية : 41 .

خزائنه فجعلته في خزائنك حلت بيننا وبينه نقله في« المستطرف» (ص 58 ج 1).

ودخل عقيل على معاوية وقد كف بصره فأجلسه معه على سريره ثمَّ قال له : أنتم معشر بني هاشم تصابون في أبصاركم، فقال له عقيل وأنتم معشر بني أمية تصابون في بصائركم. أتى به في المستطرف) (ص 58 ج 1 ) .

وقال معاوية يوماً: أيها الناس إنَّ اللّه حبا قريشاً بثلاث : فقال لنبيه : «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)»ونحن عشيرته الأقربون، وقال تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ونحن قومه ، وقال تعالى : «لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1)»«إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2)» ونحن قريش .

فأجابه رجل من الأنصار فقال على رسلك يا معاوية فإنّ اللّه تعالى يقول: وَكَذَبَ قومُكَ وَهُوَ الْحَقُّ وأنتم قومه، وقال تعالى: ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وأنتم ،قومه، وقال تعالى: «وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)» وأنتم قومه ثلاثة بثلاثة ذكره في المستطرف» (ص 58 ج 1).)ومن ذلك أن معاوية حج سنة 44 ولما صار إلى المدينة أتاه جماعة من بني هاشم وكلّموه في أمورهم فقال: أما ترضون يا بني هاشم أن نقرّ عليكم دماءكم وقد قتلتم عثمان حتّی تقولوا ما تقولون فو اللّه لأنتم أحلُّ دماً من كذا وكذا وأعظم في القول.فقال له ابن عباس : كلّما قلت لنا يا معاوية من شرّ بين دفتيك وأنت و اللّه أولى بذلك منا ، أنت قتلت عثمان ثمَّ قمت تغمص على النّاس أنك تطلب بدمه فانكسر معاوية، فقال ابن عبّاس: و اللّه ما رأيتك صدقت إلا فزعت وانكسرت قال فضحك معاوية، وقال و اللّه ما أحبّ أنكم لم تكونوا كلّمتموني .ثمَّ كلّمه الأنصار فأغلظ لهم في القول وقال لهم : ما فعلت نواضحكم؟ قالوا : أفنيناها يوم بدر لما قتلنا أخاك وجدك وخالك ، ولكنّا نفعل ما أوصانا به رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ؛ قال : ما أوصاكم به؟ قالوا : أوصانا بالصبر ؛ قال : فاصبروا ثمَّ ادلج معاوية إلى الشام ولم يقض لهم حاجة .ذكره اليعقوبي في التاريخ» (ص 198 ج 2 ثم قال اليعقوبي : وأخرج معاوية المنابر (2) إلى المصلى في العيدين وخطب الخطبة قبل الصلاة وذلك أنَّ الناس كانوا إذا صلوا انصرفوا لئلا يسمعون لعن علي علیه السلام فقدم معاوية الخطبة قبل الصلاة ووهب فدكاً لمروان بن الحكم ليغيظ بذلك آل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم)قال السيوطي في تاريخ الخلفاء» (ص 201 وابن عبد البرّ في «الاستيعاب» عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل : قدم معاوية المدينة فلقيه أبو قتادة ،الأنصاري، فقال معاوية : تلقاني النّاس كلهم غيركم يا معشر الأنصار قال : لم يكن لنا دواب فقال: فأين التواضح ؟ قال :)

عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر، قال: نعم يا أبا قتادةثمَّ قال أبو قتادة: إنَّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قال لنا : إنكم سترون بعدي أثرة، فقال معاوية : فما أمركم عند ذلك؟ قال : أمرنا بالصبر، قال: فاصبروا حتّی تلقوه، فبلغ عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت ذلك فقال :ألا أبلغ معاوية بن حرب أمير المؤمنين نبا كلاميفإناصابرون ومنظر وكم لى يوم التغابن والخصاموفي نسخة «الاستيعاب» : نثا كلامي، وفي بعضها عنى كلامي.ومن ذلك أنه لم يكن أحد أحب إلى معاوية أن يلقاه من أبي الطفيل عامر بن واثلة الصحابي الكناني وكان فارس أهل صفّين وشاعرهم، وكان من أخص الناس بعلي علیه السلام ، فقدم أبو الطفيل الشّام يزور ابن أخ له من رجال معاوية فأخبر معاوية بقدومه، فأرسل إليه، فأتاه وهو شيخ كبير، فلما دخل عليه قال له معاوية : أنت أبو الطفيل عامر بن واثلة؟ قال: نعم، قال معاوية: أكنت ممّن قتل عثمان؟ قال : لا ؛ ولكن ممّن شهده فلم ينصره قال : ولم؟ قال : لم ينصره المهاجرون والأنصار ، فقال معاوية : أما و اللّه إن نصرته كانت عليهم وعليك حقا واجباً، وفرضاً لازماً فقال أبو الطفيل : فما منعك إذ تربّصت به ريب المنون أن لا تنصره ومعك أهل الشام؟ فقال معاوية : أما طلبي بدمه نصرة له ؟ فضحك أبو الطفيل وقال : بلى ولكنك وعثمان كما قال عبيد بن الأبرص.لا ألفينّك بعد الموت تندبني*** وفي حياتي ما زودتني زاداًفدخل مروان بن الحكم وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحكم فلما جلسوا نظر إليهم ،معاوية، ثمَّ قال: أتعرفون هذا الشيخ ؟ قالوا : لا ؛ فقال معاوية : هذا خليل علي بن أبي طالب وفارس صفين وشاعر أهل العراق هذا أبو الطفيل قال سعيد بن العاص : قد عرفناه فما يمنعك منه؟ وشتمه القوم فزجرهم معاوية قال : مهلاً فرُبَّ يوم ارتفع عن الأسباب قد ضقتم به ،ذرعاً، ثمَّ قال : أتعرف هؤلاء يا أبا الطفيل؟ قال : ما أنكرهم من سوء، ولا أعرفهم بخير، وأنشد :فإن تكن العداوة قد أكنّت*** فشر عداوة المرء السبابفقال معاوية: يا أبا الطفيل ما أبقى لك الدهر من حب علي ؟ قال : حبّ أُم موسى وأشكو إلى اللّه التقصير.( وفي مروج الذهب : قال معاوية له : كيف وجدك على خليلك أبي الحسن؟ قال: كوجد أم موسى على موسى وأشكو إلى اللّه التقصير فضحك معاوية، قال: ولكن و اللّه هؤلاء الذين حولك لو سألوا عني ما قالوا هذا فقال مروان أجل و اللّه لا نقول الباطل، (الإمامة والسياسة للدينوري ص 193 ج 1 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ،200 مروج)

الذهب للمسعودي ص 62 ج 2 وذكره أبو الفرج في «الأغاني» على التفصيل فراجع (ص 159 ج 13 من طبع ساسي) .)ودخل على معاوية ضرار بن الخطاب فقال له : كيف حزنك على أبي الحسن؟ قال : حزن من ذبح ولدها على صدرها فما ترقاً عبرتها ولا يسكن حزنها نقله المسعودي في مروج الذَّهب» (ص 62 ج 2 .)وأخرج العسكري في كتاب «الأوائل» عن سلیمان بن عبد اللّه بن معمر قال : قدم معاوية مكة أو المدينة فأتى المسجد فقعد في حلقة فيها ابن عمر وابن عبّاس وعبد الرحمن بن أبي بكر فأقبلوا عليه وأعرض عنه ابن عبّاس فقال معاوية : وأنا أحقُّ بهذا الأمر من هذا المعرض وابن عمه، فقال ابن عبّاس : ولم؟ التقدم في الإسلام، أم سابقة مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ، أو قرابة منه؟ قال: لا ولكنّي ابن عم المقتول قال فهذا أحق به - يريد ابن أبي بكر - قال : إنَّ أباه مات موتاً ، قال : فهذا أحق به - يريد ابن عمر - قال : إنَّ أباه قتله كافر قال : فذاك أدحضُ لحجّتك إن كان المسلمون عتبوا على ابن عمّك فقتلوه (تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 201 .)وأخرج ابن عساكر عن الأوزاعي قال : دخل خريم بن فاتك على معاوية ومنزرُه مشمَّر - وكان حسن الساقين - فقال معاوية : لو كانت هاتان الساقان لمرأة فقال خريم: في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين (تاريخ الخلفاء ص 204 )وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عقيلاً دخل على معاوية فقال معاوية وهذا عقيل وعمّه أبو لهب فقال عقيل : هذا معاوية وعمّته حمالة الحطب (تاريخ الخلفاء ص 204.)وأخرج ابن عساكر عن حميد بن هلال أن عقيل بن أبي طالب سأل عليا علیه السلام فقال : إني محتاج وإنّي فقير فأعطني ، فقال : أصبر حتّی يخرج عطائي مع المسلمين فأعطيك معهم فالح عليه فقال الرجل: خذ بيده وانطلق به إلى حوانيت أهل السوق فقل : دق هذه الأقفال، وخذ في هذه الحوانيت قال : تريد أن تتخذني سارقاً ؟ قال وأنت تريد أن تتخذني سارقاً؟ أن آخذ أموال المسلمين فأعطيكها دونهم قال لآتين معاوية قال أنت وذاك ؛ فأتى معاوية فسأله وأعطاه مائة ألف، ثمّ قال : اصعد على المنبر فاذكر ما أولاك به عليّ وما أوليتك فصعد فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال : أيّها النّاس إنّي أخبركم أنّي أردت عليّاً على دينه فاختار دينه وأنّي أردت معاوية على دينه فاختارني على دينه تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 204(1).)


1) الأنوار العلوية : 16 ، وينابيع المودة لذوي القربي : 1492 ح 160 .

و من ذلك أنه وفد على معاوية عقيل بن أبي طالب منتجعاً وزائراً، فرحب به معاوية وسرّ بوروده لاختياره إياه على أخيه - يعني أمير المؤمنين علياعلیه السلام - وأوسعه حلماً واحتمالاً ؛ فقال له يا أبا يزيد - يعني عقيلاً - كيف تركت عليّا ؟ فقال : تركته على ما يحبُّ اللّه ورسوله والفيتك على ما يكره اللّه ورسوله فقال له معاوية : لولا أنك زائر منتجع جنابنا لرددت عليك أبا يزيد جواباً تألم منه .ثمَّ أحبَّ معاوية أن يقطع كلامه مخافة أن يأتي بشيء يخفضه، فوثب عن مجلسه وأمر له أن ينزل وحمل إليه مالاً عظيماً ، فلمّا كان من غدٍ جلس وأرسل إليه فأتاه فقال له: يا أبا يزيد كيف تركت عليا أخاك؟ قال تركته خيراً لنفسه منك وأنت خير لي منه، فقال له معاوية : أنت و اللّه كما قال الشاعر :وإذا عددت فخار آل محرق*** فالمجد منهم في بني عتابفمحل المجد من بني هاشم منوط فيك يا أبا يزيد ما تغيرك الأيام والليالي، فقال عقيل:اصبر لحرب أنت أنت جانبها*** لا بد أن تصلي بحاميهابالحاملين على الموالي عزمهم ***والضاربين الهام يوم القارعولكن أنت يا معاوية إذا افتخرت بنو أُميّة فيمن تفخر ؟ فقال معاوية : عزمت عليك أبا يزيد لما أمسكت فإنّي لم أجلس لهذا وإنّما أردت أن أسألك عن أصحاب علي فإنّك ذو معرفة بهم، فقال عقيل : سل عما بدا لك، فقال: ميّز لي أصحاب علي وابدأ بآل صوحان فإنّهم مخاريق الكلام قال: أما صعصعة فعظيم الشأن، عضب اللسان، قائد فرسان قاتل أقران يرتق ما فتق ويفتق ما رتق قليل النظير.وأما زيد وعبد اللّه فإنّهما نهران جاريان يصب فيهما الخلجان ويغاث بهما البلدان رجلا جدٌ لا لعب معهما، وأما بنو صوحان فكما قال الشاعر :إذا نزل العدوّ فإن عندي ***أسوداً تخلس الأسد النفوسافاتصل كلام عقيل بصعصعة فكتب إليه : بسم اللّه الرَّحمن الرحيم ذكر اللّه أكبر وبه يستفتح المستفتحون، وأنتم مفاتيح الدُّنيا والآخرة. أما بعد فقد بلغ مولاك كلامك لعدو اللّه وعدوه فحمدت اللّه على ذلك وسألته أن يفيء بك إلى الدرجة العليا، والقضيب الأحمر، والعمود الأسود، فإنّه عمود من فارقه فارق الدين الأزهر، ولئن نزعت بك نفسك إلى معاوية طلباً لماله إنّك لذو علم بجميع خصاله فاحذر أن تعلق بك ناره فيضّلك عن الحجّة فإن اللّه قد رفع عنكم أهل البيت ما أوضعه في غيركم، فما كان من فضل أو احسان فبكم وصل إلينا، فأجلَّ اللّه أقداركم وحمى أخطاركم، وكتب آثاركم، فإنَّ أقداركم مرضية، وأخطاركم محميّة

و آثاركم بدرية، وأنتم سُلّم اللّه إلى خلقه، ووسيلته إلى طرقه، أيدٍ علية، ووجوه جلية، وأنتم كما قال الشاعر :فما كان من خير أتوه فإنّما*** توارثه آباء آبائهم قبلوهل ينبت الخطى إلا وشيجه وتغرس إلا في منابتها النخل ؟نقله المسعودي في« مروج الذهب»، ص 75 ج 2.)وحدث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، عن محمد بن حميد الرازي، عن أبي مجاهد عن محمد بن إسحاق بن أبي نجيح قال : لمّا حجّ معاوية طاف بالبيت ومعه سعد فلما فرغ انصرف معاوية إلى دار الندوة فأجلسه معه على سريره ووقع معاوية في علي وشرع في سبّه فزحف سعد ثمّ قال : أجلستني معك على سريرك ثم شرعت في سبّ علي! و اللّه لأن تكون في خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.و اللّه لأن أكون صهر الرسول صلی اللّه علیه و آله وسلم علي من الولد ما لعلي أحبُّ إليَّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس .و اللّه لأن يكون رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم قال لي ما قاله قال لي ما قاله يوم خيبر : لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يحبه اللّه ورسوله ويحبُّ اللّه ورسوله ليس بفرّار يفتح اللّه على يديه» أحبُّ إليَّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس .و اللّه لأن يكون رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم قال لي ما قال له في غزوة تبوك : ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبي بعدي أحبّ إليَّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس وأيم اللّه لا دخلت لك داراً ما بقيت ونهض .نقله المسعودي في مروج الذهب» (ص 61 ج 2 ثم قال المسعودي: ووجدت في وجه آخر من الروايات وذلك في كتاب علي بن محمد بن سليمان النوفلي في الأخبار عن ابن عائشة وغيره أن سعداً لما قال هذه المقالة المعاوية ونهض ليقوم ضرط له معاوية وقال له : اقعد حتّی تسمع جواب ما قلت ما كنت عندي قط ألأم منك الآن فهلا نصرته ولم قعدت عن بيعته؟ فإنّي لو سمعت من النبي مثل الذي سمعت فيه لكنت خادماً لعلي ما عشت فقال سعد: و اللّه إنّي لأحق بموضعك منك ؛ فقال معاوية : يأبى عليك بنو عذرة - وكان سعد فيما يقال لرجل من بني عذرة - قال النوفلي وفي ذلك يقول السيد الحميري :)سائل قريش بها إن كنت ذاعمه من كان أثبتها في الدين أوتاداًمن كان أقدمها سلماً وأكثرها*** علماً وأطهرها أهلاً وأولاداً

من وحد اللّه إذ كانت مكذبة ***تدعومع اللّه أوثاناً وأنداداًمن كان يقدم في الهيجاء أن نكلوا ***عنها وإن بخلوا في أزمة جادامن كان أعدلها حكماً وأقسطها ***حلماً وأصدقها وعداً وإبعاداإن يصدقوك فلم يعدوا أبا حسن إن أنت لم تلق للأبرار حسّاداإن أنت لم تلق من تيم أخا صلف ومن عدي لحق اللّه جاداًأو من بني عامر أو من بني أسد ***رهط العبيد ذوي جهل وأوغاداأو رهط سعد وسعد كان قد علموا عن مستقیم صراط اللّه صداداًقوم تداعوا زنيماً ثم سادهم لولا خمول بني زهر لما ساداوقال معاوية لعقيل : إنَّ فيكم شبقاً يا بني هاشم، فقال له عقيل : منا في الرجال ومنكم فيالنساء، نقله القاضي نور اللّه الشهيد في المجلس الثالث من مجالس المؤمنين(1.)ومن ذلك ما جرى بين معاوية وبين قيس بن سعد بن عبادة حين كان عاملاً على مصر فكتب إليه معاوية: أما بعد فإنّك يهودي ابن يهودي وإن ظفر أحبّ الفريقين إليك عزلك واستبدل بك، وإن ظفر أبغضهما إليك نكل بك وقتلك ؛ وقد كان أبوك أوتر قوسه ورمى غرضه فأكثر الجد وأخطأ القصد فخذله قومه وأدركه يومه ثم مات بحوران طريداً .فكتب إليه قيس بن سعد أما بعد فإنّما أنت وثني ابن وثني دخلت في الإسلام كرهاً وخرجت منه طوعاً لم يقدم إيمانك ولم يحدث نفاقك وقد كان أبي أوتر قوسه ورمى غرضه فشغب به من لم يبلغ عقبه ولا شق غباره، ونحن أنصار الدين الذين منه خرجت وأعداء الدين الذي فيه دخلت، نقله المسعودي في (مروج الذهب» (ص 62 ج 2)ودخل قيس بن سعد بعد وفاة علي ووقوع الصلح في جماعة من الأنصار على معاوية فقال لهم معاوية : يا معشر الأنصار بم تطلبون ما قبلي؟ فو اللّه لقد كنتم قليلاً معي ،كثيراً علي ولفللتم حدّي يوم صفين حتّی رأيت المنايا تلفّى في أستتكم وهجوتموني في أسلافي بأشد من وقع الأسنّة حتّی إذا أقام اللّه ما حاولتم ميله قلتم ارع وصيّة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم هيهات يأبى الحقير الغدرة.فقال قيس نطلب ما قبلك بالإسلام الكافي به اللّه لا بما نمت به إليك الأحزاب وأمّا عداوتنا لك فلو شئت كففتها عنك، وأمّا هجاؤنا إيّاك فقول يزول باطله ويثبت حقه، وأمّا استقامة الأمر فعلى كره كان منّا، وأما فلنا حدَّك يوم صفين فإنّا كنا مع رجل نرى طاعته اللّه


1) الأمالي: 199/1 ، ومواقف الشيعة : 238/1 .

طاعة، وأمّا وصيّة رسول اللّه بنا فمن آمن به رعاها ،بعده وأما قولك يأبى الحقير الغدرة فليس دون اللّه يد تحجزك منا يا معاوية فقال معاوية: دعوه ارفعوا حوائجكم (1)نقله المسعودي في مروج الذهب» (ص 63 ج 2 ثم قال : وقد كان قيس بن سعد من الزهد والديانة والميل إلى عليّ بالموضع العظيم.)لما قدم معاوية الكوفة صعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ذلكم فإنّه لم تختلف أُمة بعد نبيها إلا غلب باطلها حقها إلا ما كان من هذه الأمة فإنَّ حقها غلب باطلها . ثمَّ نزل وأحضر الناس لبيعته وكان الرجل يحضر فيقول : و اللّه يا معاوية إني لأبايعك وإنّي لكاره لك فيقول : بايع فإن اللّه قد جعل في المكروه خيراً كثيراً ؛ ويأتي الآخر فيقول : أعوذ باللّه من نفسك، وأتاه قيس بن سعد بن عبادة فقال: بايع قيس قال: إن كنت لأكره مثل هذا اليوم يا معاوية ؟ فقال له : مه رحمك اللّه ، فقال : لقد حرصت أن أفرق بين روحك وجسدك قبل ذلك فأبى اللّه يا ابن أبي سفيان إلا ما أحب ، قال : فلا يرة أمر اللّه، فأقبل قيس على الناس بوجهه فقال: (يا معشر الناس لقد اعتضتم الشرَّ من الخير واستبدلتم الذل من العزّ، والكفر من الإيمان، فأصبتم بعد ولاية أمير المؤمنين وسيّد المسلمين وابن عم رسول رب العالمين، وقد وليكم الطليق ابن الطليق يسومكم الخسف ويسير فيكم بالعسف فكيف تجهل ذلك أنفسكم أم طبع اللّه على قلوبكم وأنتم لا تعقلون فجئا معاوية على ركبتيه ثم أخذ بيده وقال : أقسمت عليك ثمَّ صفق على كفه ونادى الناس : بايع قيس ؛ فقال : كذبتم و اللّه ما بايعت ولم يبايع لمعاوية أحد إلا أخذ عليه الإيمان فكان أوّل من استخلف على بيعته (2)ودخل إليه سعد بن مالك فقال : السّلام عليك أيها الملك فغضب معاوية فقال : ألاّ قلت السّلام عليك يا أمير المؤمنين؟ قال : ذاك إن كنا أمرناك إنّما أنت منتز، (نقلهما اليعقوبي في التاريخ ص 192 ج 2 .)حدث أبو الهيثم قال : حدثني أبو البشر محمّد بن بشر الفزاري عن إبراهيم بن عقيل البصري قال : قال معاوية يوماً وعنده صعصعة وكان قدم عليه بكتاب علي وعنده وجوه الناس: الأرض اللّه وأنا خليفة اللّه فما آخذ من مال اللّه فهو لي وما تركته منه كان جائزاً لي، فقال صعصعة :لمنيك نفسك مالا يكو*** ن جهلاً معاوي لا تأثمفقال معاوية : ما أحوجك إلى أن أذيقك وبال أمرك قال : ليس ذلك بيدك ذلك بيد


1) مواقف الشيعة : 96/1

2) الغدير : 104/2 ، ومواقف الشيعة: 95/1 .

الذي لا يؤخّر نفساً إذا جاء أجلها، قال معاوية : ومن يحول بيني وبينك؟ قال : الذي يحول بين المرء ،وقلبه، قال معاوية : اتّسع بطنك للكلام كما اتسع بطن البعير للشعير قال اتسع بطن من لا يشبع ودعا عليه من لا يجمع ، ، نقله المسعودي في «مروج الذهب» (ص 79ج 2 .)ودخل صعصعة بن صوحان على معاوية فقال له يا ابن صوحان أنت ذو معرفة بالعرب وبحالها فأخبرني عن أهل البصرة وإياك والحمل على قوم لقوم فأجابه وأخبره عنهم، ثمَّ قال: فأخبرني عن أهل الكوفة ؛ قال : قبة الإسلام وذروة الكلام - إلى أن قال : غير أن لهم ثباتاً فى الدين وتمسكاً بعروة اليقين يتبعون الأئمة الأبرار ويخلعون الفسقة الفجار ؛ فقال معاوية من البررة والفسقة؟ فقال: يا ابن أبي سفيان ترك الخداع من كشف القناع علي وأصحابه الأئمّة من الأبرار وأنت وأصحابك من أولئك، ثمَّ أحبَّ معاوية أن يمضي صعصعة کلامه بعد أن بان فيه الغضب فقال : أخبرني عن القبة الحمراء في ديار مصر فأخبره عنها ثمَّ استخبره عن ديار ربيعة، وعن مضر فأخبره عنهما ثم أمسك معاوية فقال له صعصعة سل يا معاوية وإلا أخبرتك بما تحيد عنه ؛ قال : وما ذاك يا ابن صوحان؟ قال: أهل الشام قال :فأخبرني عنهم قال : أطوع الناس لمخلوق، وأعصاهم للخالق عصاة الجبار، وخلقة الأشرار، فعليهم الدمار، ولهم سوء الدار، فقال معاوية : و اللّه يا ابن صوحان إنّك لحامل مديتك منذ أزمان إلا أنَّ حلم أبي سفيان يردُّ عنك، فقال صعصعة : بل أمر اللّه وقدرته إنَّ أمر اللّه كان قدراً مقدوراً .نقله المسعودي في مروج الذهب مفضلاً وما أتينا به ههنا ملتقط منه .ومن ذلك أن معاوية حبس صعصعة بن صوحان العبدي وعبد اللّه بن الكواء اليشكري ورجالاً من أصحاب علي علیه السلام مع رجال من قريش فدخل عليهم معاوية يوماً فقال: نشدتكم باللّه إلا ما قلتم حقا وصدقاً أيُّ الخلفاء رأيتموني؟ فبعد ما تكلّم ابن الكواء في مساويء معاوية قال صعصعة : تكلّمت يا ابن أبي سفيان فأبلغت ولم تقصر عما أردت وليس الأمر على ما ذكرت أنّى يكون الخليفة من ملك النّاس قهراً، ودانهم كبراً، واستولى بأسباب الباطل كذباً ومكراً؟ أما و اللّه مالك في يوم بدر مضرب ولا مرمى وما كنت فهي إلا كما قال القائل لا حلى ولا سيرى ولقد كنت أنت وأبوك في العير والنفير ممّن أجلب على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وإنّما أنت طليق ابن طليق أطلقكما رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فأتى تصلح الخلافة لطليق؟ فقال معاوية : لولا أني أرجع إلى قول أبي طالب حيث يقول :قابلت جهلهم حلماً ومغفرة ***والعفو عن قدرة ضرب من الكرملقتلتكم. (مروج الذهب ص 78 ج 2.)

دخل صعصعة على معاوية أول ما دخل عليه وقد كان يبلغ معاوية عنه فسأله عن نسبه فبين له نسبه، ثم قال له معاوية : أما و اللّه لقد كان يسوءني أن أراك أسيراً! قال : وأنا و اللّه لقد كان يسوءني أن أراك أميراً نقلهما القالي في الأمالي والقصة طويلة عذبة غير مملة (ص 27ج2 وقريب منها ما نقله المسعودي في مروج الذهب» (ص 76 ج 2) ولصعصعة بن صوحان أخبار حسان وكلام في نهاية البلاغة والفصاحة والإيضاح عن المعاني على إيجاز واختصار وقد جرى بينه وبين معاوية كلام كثير في غير موطن تكلّم فيها بقبائح أعمال معاوية وخبث سريرته وسوء رويته وقد أتى الشيخ الأجل الطبرسي في كتاب الاحتجاج)طائفة من احتجاجات الإمامين سيدي شباب أهل الجنّة وريحانتي الرَّسول الحسن والحسين علیهما السلام ، وغيرهما من كبار الصحابة والتابعين على معاوية بن أبي سفيان وما تكلّم القوم بها معاوية من مساوىء أفعاله أكثر أن تحصى وإنّما نقلنا نبذة منها فإنَّ القليل ينبيء عن الكثير .)وفيما نقلناها مواقع للتدبّر والاستبصار في أمر معاوية وأشياعه وأتباعه كيف لعبوا بالقرآن، ورفعوا راية البغي والطغيان فاتخذوا دين اللّه ،دغلاً، ومال اللّه ،دُوَلاً ، وعباده خولاً والصالحين حرباً، والفاسقين حزباً، وقد قال السيوطي في تاريخ الخلفاء إنّه أخرج السلفي في الطيوريات عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل قال سألت عن علي علیه السلام ومعاوية ، فقال : اعلم أن عليًّا كان كثير الأعداء ففتش له أعداؤه عيباً فلم يجدوا فجاؤوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كياداً منهم له.فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ويذرون طيباً من القول ويأخذون خبيثاً فبعداً للمفترين وسحقاً للممترين ربِّ نعوذ بك من أماني الأنفس وشرورها .إشارة: قد احتج صعصعة على معاوية بأنَّ الطليق لا يصلح للخلافة، وهذا حقّ و صعصعة رضوان اللّه عليه قد استنار من ضياء القرآن واقتبس من مشكاة النبوة والولاية وذلك لأن الطلقاء كانوا مشركين قبل الإسلام وعبدوا الأصنام وقد قال عز من قائل :( إن الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (لقمان: 14] وقال اللّه تعالى:«لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » [البقرة: 119] والخلافة عهد اللّه تعالى فلا يناله الطلقاء، وتقدّم بحثنا عن ذلك في شرح المختار 237 من باب الخطب فراجع (ص 49 - 59 ج 16 ) .)

### الترجمةنصر بن مزاحم منقری کوفی در کتاب صفین و دیگر ارباب تاریخ آورده اند که اميرالمؤمنین علی (علیه السلام روزی در صفین اظهار داشت که فردا به انبوه لشکرم فرمان کارزار دهم و به مقاتلت اقدام نمایم تا کار را یکسره کرده مردم را از جنگ و جوش رهایی داده امر را به خاتمت رسانم .چون این خبر به معاویه رسید و در شامیان که پیروان او بودند پراکنده شد همگی سخت مضطرب شدند و فزعی تمام در آنها در گرفت.)و از آن سوى معاوية بن ضحاك نیز ابیاتی چند بسرود که بر فزوعشان افزود معاویه در این خیال افتاد و در خاطر نهاد که نامه ای به امیر (علیه السلام نویسد و از حضرتش به حیلت و خدیعت و مکر درخواست کند که ایالت شام را - که پیش از این هم از وی خواسته بود بدو واگذار کند و وی را از بیعت معاف بدارد باشد که از این درخواست دودلی در علی روی دهد و رقتی بی اساس بهوی دست دهد که در دام فریب معاویه ،افتاده دست از کارزار بردارد.)سپس مکنون خاطرش را به عمرو عاص مکشوف داشت عمرو از بلاهت وی بر عقلش بخندید و :گفت ای معاویه تو کجا تا توانی علی را فریب دهی؟معاویه :گفت مگر من و او هر دو از دودمان عبدمناف نیستیم؟گفت: آری ولی ایشان را رتبت و فضیلت نبوّت است و تو را نیست - یعنی امیر (علیه السلام از مشكات نبوّت اقتباس معارف حقه الهیه کرده است و هیچگاه اهل نبوّت و وحی گول مردم نخوردند چه در تمام صفات انسانیت از دیگران بهتر و برترند و در هوش و زیرکی سرور و سرآمد و بالاتر از همه هستند - و با این همه اگر خواهی نامه ای بنویسی بنویس( تا صدق گفتارم بر تو روشن آید).)معاویه نامه ای نوشت و عبد اللّه بن عقبه را که از قبیله سکاسك بود با نامه به سوی امیر (علیه السلام گسیل داشت مضمون نامه اش اینکه :)اما بعد اگر ما و شما میدانستیم که جنگ کار را بدین غایت و خونریزی را

بدین نهایت میرساند هیچگاه به آن اقدام نمی کردیم ولكن نفوس هردو ما بر عقول ما غلبه کرد - یعنی به خواهش نفسانی و از روی هوا و هوس آتش جنگ برافروختیم و به فرمان خود ساز جنگ نکردیم - و اکنون وقت آن هست که از گذشته پشیمان شویم و در پی اصلاح آینده برآییم.و پیش از این از شما خواستم که ایالت شام را به من واگذار و از بیعت و طاعت معافم دار ولی شما از خواسته من سرباز زدید و نپذیرفتید و آنچه را که از من بازداشتید خداوند به من عطا فرمود و اکنون نیز همان خواسته پیش را خواهانم که تو از بقا نخواهی مگر آنچه را که من خواهم و از فنا نمی ترسی مگر آن چه که من میترسم سوگند به خدا که لشکریان نابود شدند و مردان جنگی از بین رفتند و عرب طعمه جنگ گردید و نیم جانی بیش نمانده و ما و شما در جنگ و مردان در جنگی برابریم و هر دو از دودمان عبدمناف و یکی از ما بر دیگری برتری ندارد و اگر هم دارد نباید بدان ارجمندی را خوار و آزادی را بنده گرداند والسلامچون عبد اللّه بن عقبه نامه را به امیر ( علیه السلام رسانید و حضرت آن را بگشود و قرائت فرمود بخندید و گفت :شگفتم میآید از معاویه و نامه او و خدیعت و مکری که خواهد با من به کار برد پس کاتبش عبید اللّه بن ابی رافع را پیش خواند و فرمود پاسخ نامهاش بنویس:)اما بعد این که گفته ای:" اگر میدانستیم کار جنگ بدین حد خواهد رسید هیچ يك به آن تن در نمی دادیم "، همانا که این جنگ را نهایت و سرانجامی است که هنوز بدان نرسیده ایم و اگر من در راه ذات حق هفتاد بار کشته و زنده شوم از سخت گیری و کوشش در راه خدا و جهاد با دشمنان خدا برنخواهم گشت.و اما آن که گفته ای :"هوای ما بر خرد ما چیره شد و اينك وقت آن است که از کرده پیش نادم و در راه اصلاح آینده باشیم"، همانا که من از دایره فرمان خرد پای به در ننهادم و از کرده خود پشیمان نیستماما این که" شام را از من طلب کرده ای"، همانا که من کسی نیستم که امروز بدهم به تو آن چه را که دیروز تو را از آن بازداشتم چه در دیروز استحقاق آن نداشت و امروز هم بر آن حال باقی است

اما این که گفته ای: "جنگ عرب را خورده و در چنگش نیم جانی بیش نمانده"، آگاه باش هر که را حق در ربود و خورده و سترده است رخت به دوزخ کشد.اما آن که گفته ای :"در جنگ و سپاه جنگی یکسانیم" درست نیست، چه تو به شك و تردید در کار خود استوارتر و گذرانده تر از من که به علم و یقینم نیستی و مردم شام در اکتساب دنیا حریص تر از مردم عراق در کسب آخرت نیستند. اما این که گفتی :"ما فرزندان عبد منافیم"، آری همه ما فرزندان يك پدريم ولی امیّه پدرجد تو به منزلت هاشم پدر جد من نیست و حرب جد تو به مرتبت عبدالمطلب جد من نیست و ابوسفیان پدر تو به پایه ابوطالب پدر من نیست . چه بنی هاشم خانوادهای نجیب و دلسوز و مهربان و یکتاپرست بودند و در شرافت و اصالت سرآمد عرب و همواره ملجا و مأمن ،مردم علاوه این که حاملین نور نبوت و صدفهای در ولایت بودند اما بنی امیه جز خونخواری و بیدادگری و نخوت و حب شهوت و دنیا پرستی نمی دانستند . .و مهاجر مانند طلیق نیست. مهاجر امیر(علیه السلام که از مکه به مدینه هجرت فرمود چنان که شرح آن به طور اجمال در شرح خطبه 234 گفته شد ص 126 -167 ج 15 و طلیق یعنی آزاد شده و رها شده از قید ،اسارت، چون معاویه و پدرش و از این روی معاویه را طلیق ابن طلیق گویند .)و نه خالص پاکیزه نسب مانند بسته و چسبیده به قومی است . چون بنی امیه از قریش نیستند چون امیه رومی بود و آزاد شده عبد شمس بن عبد مناف و عرب او را به قاعده نسبت و محاورت ابن عبدالشمس ،گفتند این ،ابن یعنی پسرخوانده نه پسر ،حقیقی لذا حضرت امیر (علیه السلام امضاء نکرده که معاویه از عبد مناف است بلکه در جوابش فرمود:" إنّا بنو اب واحد" چنانکه نصر در کتاب صفین روایت کرده بود و نه صاحب حق مانند طرفدار باطل است و نه مؤمن مثل منافق مفسد ناپاك ،است و چه بدفرزندی است فرزندی که گذشتگانش را که اهل جهنمند تقلید و پیروی کند و راه آنان را پیش بگیرد. یعنی معاویه که گذشتگانش از کفر و شرك نفاق در آتش دوزخاند و او راه آنان را پیش گرفت .)و حال آن که بعد از این همه فضایل در دست ما فضل نبوّت است که هیچ

فضیلتی با آن برابری نمیکند که بدان گردنکشان را خوار و بیچارگان را بلند گردانیدیم.و چون خداوند عرب را دسته دسته به دینش درآورد و این امت برخی به رضا و رغبت و برخی به بی میلی و کراهت اسلام آوردند شما از کسانی بودید که یا به جهت طمع به دنیا و یا از ترس شمشیر داخل در دین شدید علاوه آن هم در وقتی که سابقان به سبقتشان در دین رستگار شدند و هجرت کنندگانی که پیش از این بودند فضل و بزرگی را برده بودند پس برای شیطان در خود بهره ای و بر خویشتنراهی قرار مده؛ والسّلام.

## ومن كتاب له علیه السلام إلى عبد الله بن عباس وهو عامله على البصرة وهو المختار الثامن عشر من باب كتبه ورسائله علیه السلام### اشارةإِعْلَمْ أَن الْبَصْرَةَ مَهْبِطُ إِبْلِيسَ ، وَمَغْرِسُ الْفِتَنِ ؛ فَحادِتْ أَهْلَها بالإِحْسانِ إِلَيْهِمْ، وَاحْلُلْ عُقْدَةً الْخَوْفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ؛ وَقَدْ بَلَغَني تَنَمُرُكَ لِبَني تميم، وَغِلْظَتُكَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ بَني تميم لَمْ يَغبُ لَهُمْ نَجْمٌ إِلا طَلَعَ لَهُمْ آخَرُ ، وإِنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا بِوَغْم في جاهِلِيَّةٍ وَلا إِسلام، وَإِنَّ لَهُمْ بِنا رَحِماً ماسةً وَقَرابَةً خاصةً، نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلى صِلَتِهَا، وَمَأْزُورُونَ عَلى قَطيعَتِها ، فَارْبَعْ أَبَا العَبْاسِ - رَحِمَكَ اللّه - فيما جَرى عَلى يَدِكَ وَلِسانِكَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرُ، فَإِنَّا شَريكان في ذلِكَ، وَكُنْ عِنْدَ صَالِحٍ ظَنِّي بِكَ، وَلا يَفيلَن رَأيي فيك، والسلام (1.)### المصدرروي أنَّ ابن عبّاس كان قد أضرَّ ببني تميم حين ولي البصرة من قبل علي علیه السلام لما عرفهم به من العداوة يوم الجمل لأنّهم كانوا من شيعة طلحة والزبير وعائشة فتنكّر عليهم وسمّاهم شيعة الجمل وأنصار عسكر وحزب الشيطان فاشتدَّ ذلك على نفر من شيعة علي علیه السلام من بني تميم منهم جارية بن قدامة فكتب بذلك إلى علي يشكو ابن عباس فكتب علیه السلام إلى ابن عبّاس: «أما بعد فإنّ خير النّاس عند اللّه أعملهم بطاعته فيما له وعليه، وأقولهم بالحقِّ وإن كان مرا ألا وإنّه بالحقِّ قامت السماوات والأرض فيما بين العباد فلتكن سريرتك فعلاً، وليكن حملك واحداً، وطريقتك مستقيمة واعلم أنَّ البصرة مهبط إبليس - إلخ .أقول: هكذا قال العالم الشارح البحراني قدس سره في شرحه على النهج»، ونقل عنه المحدّث الجليل المجلسي رضوان اللّه عليه في ثامن البحار» (ص 634 من الطبع الكمباني وأتى به الفاضل الهادي كاشف الغطا رحمة اللّه عليه في مستدرك نهج البلاغة»، ومداركه، ولكن روى أبو الفضل نصر بن مزاحم المنقري الكوفي المتوفّى (212) ه- ق) في كتاب صفين» (ص 57 من الطبع الناصري أن أمير المؤمنين كتب إلى عبد اللّه بن عامر :)بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى عبد اللّه بن عامرأما بعد، فإن خير الناس عند اللّه عزَّ وجلَّ أقومهم اللّه بالطاعة فيما له ،وعليه، وأقولهم بالحق ولو كان مرَّا، فإنَّ الحقِّ به قامت السماوات والأرض ولتكن سريرتك كعلانيتك، وليكن حكمك


1) بحار الأنوار: 493/33 ح 699 ، ونهج السعادة 171/5 ح 145

واحداً، وطريقتك مستقيمة، فإنَّ البصرة مهبط الشيطان فلا تفتحن على يد أحدٍ منهم باباً لا نطيق سَدَّه نحن ولا أنت والسّلام (1.)### اللغة(مهبط بكسر الباء كمجلس : موضع الهبوط، يقال: هبط لهبوط، يقال: هيط هبوطاً من باب ضرب أي انحدر ونزل ؛ قال عز من قائل: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) [البقرة: 36] ، ومغرس) كمجلس أيضاً موضع الغرس يقال : غرس الشجر غرساً من ذلك الباب أيضاً أي أثبته في الأرض، ويُبنى اسما الزمان والمكان من الثلاثي الصحيح المجرّد على وزن مَفْعِل بكسر (العين) إذا كانت عين مضارعه مكسورة، وعلى مفعل بفتح (العين) إذا كانت عين المضارع مضمومة أو مفتوحة إلا إحدى عشرة لفظة أتت بكسر العين مع أن مضارعها مضموم ؛ فالضابطة قائلة بأن المهبط والمغرس على وزن مفعل بالكسر ، ففتح العين فيهما كما اختاره الشيخ محمد عبده ليس بصحيح ونسختنا التي قوبلت على نسخة الرضي مشكولة بالكسر فيهما . (حادث أهلها بالإحسان إليهم) أي تعاهدهم تعدهم ،به قال ابن الأثير في «النهاية» في حديث الحسن حادثوا هذه القلوب بذكر اللّه [فإنّها سريعة الدثور] أي اجلوها به واغسلوا الدرن عنها وتعاهدوها بذلك كما يحادث السيف بالصقال ففي المقام أمره الأمير علیه السلام أن يجلو قلوب أهلها ويغسل درن الأحقاد والضغائن ورين الوساوس المؤذية المؤدية عنها بصقال الإحسان وماء البر . (تنمرك) النمر سبع معروف أصغر من الأسد وأخبث وأجراً منه وهومنقط الجلد نقطاً سوداً وبيضاً سمّي به للنمر التي فيه ومنه النمرة بفتح (النون) وكسر ( الميم) وهي كساء فيه خطوط بيض وسود تلبسه الأعراب ؛ وفي «البيان والتبيين» (ص 68 ج2) أن عمر بن الخطاب سأل عمرو بن معد يكرب عن سعد قال كيف أميركم؟ قال : خير أمير، نبطي في حبوته عربي في نمرته أسد في تامورته، يعدل في القضية، ويقسم بالسوية، وينفر في السّرية، وينقل إلينا حقنا كما تنقل الذّرَّة؛ فقال عمر: لشد ما تقارضتما الثناء.

والتنمر : التشبه بالنمر إمّا في لبس ثوب من النمرة ونحوها يشبه جلده، وإمّا في التخلّق بأخلاقه، ويفيد كلا الوجهين قول عمرو بن معد يكرب :

قوم إذا لبسوا الحدي ***دتنمّروا حلقاً وقدا

وهذا البيت من أبيات له مذكورة في الحماسة (الحماسة (34) يريد بالحديد حلقاً الدروع التي نسجت حلقتين حلقتين، وبالحديد قدا اليلب وهو شبه درع كان يُتخذ من القد أي إنهم إذا


1) بحار الأنوار: 401/32 ، ووقعة صفين : 106 .

لبسوا الحديد الدروع واليلب تشبهوا بالنمر في أفعالهم في الحرب فيكون حلقاً وقداً كل واحد منهما بدلاً عن الحديد ويجوز أن يريد بتنمروا أنّهم تلوَّنوا بألوان النمر لطول ثباتهم وملازمتهم الحديد، وعلى هذا الوجه يصح أن يكون انتصاب حلقاً وقداً على التميز، ويروى خلقاً وقدا أي أنهم تشبهوا بالنمر في أخلاقهم وخلقهم فيكون انتصابهما على التميز أيضاً، هذا ما ذكره المرزوقي في شرح الحماسة ؛ وقال الجوهري في« الصحاح» في معنى البيت أي تشبهوا بالنمر لاختلاف ألوان القد والحديد ولم يذكر الرواية الثانية .

ونقل الجوهري عن الأصمعي قال : تنمّر له أي تنكّر له وتغيّر وأوعده لأنَّ النمر لا

تلقاه أبداً إلا غضبان.

وفي« كنز اللغة »تنمر - مانند پلنگ خشمناك شدن و لبس فلان لفلان جلد النمر إذا تنكّر له وأظهر الحقد والغضب وقيل : كانت ملوك العرب إذا جلست لقتل إنسان لبست جلود النمور ثم أمرت بقتل من تريد قتله، ونقل الجاحظ في« البيان والتبيين» عن أبي الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي الخراساني صاحب التفسير قال : سمعت يزيد بن المهلب يخطب بواسط فقال: يا أهل العراق يا أهل السبق والسباق ومكارم الأخلاق، إن أهل الشام في أفواههم لقمة دسمة، زيبت لها الأشداق، وقاموا لها على ساق، وهم غير تاركيها لكم بالمراء والجدال ؛ فالبسوا لهم جلود النمور.

(وغم) الوغم بالفتح فالسكون: الحرب والقتال والترة والذحل الثقيل والحقد الثابت في الصدر، قال ابن الأثير المتوفى 606 ه- ق) في وغم من «النهایة» وفي حديث علي علیه السلام : إن : بني تميم لم يسبقوا بوغم في جاهلية ولا إسلام الوغم : الترة وجمعها أوغام ووغم عليه بالكسر أي حقد وتوغم إذا اغتاظ . انتهى .

(رحماً) قال الراغب في المفردات : الرَّحم رحم المرأة منه استعير الرحم للقرابة لكونهم خارجين من رحم واحدة يقال : رَحِمٌ ورُحْمٌ، قال تعالى: وَأَقْرَبَ رُحما انتهى، وفي «الأساس للزمخشري : وقعت النطفة في الرحم هو الذي يصوِّركم في الأرحام وهي منبت الولد ووعاؤه في البطن وبينهما رَحِمٌ ورُحْمٌ قال الهذلي :ولم يك فظا قاطعاً لقرابة*** ولكن وصولاً للقرابة ذا رحموَأَقْرَبَ رُحْمَا [الكهف: 81] وهي علاقة القرابة وسببها .

(مأزورون) من الوزر فأصله موزورون (بالواو) إلا أنه علیه السلام قال : مأزورون،للمطابقة بين طلباً مأجورين ومأزورين، ونحوه قوله علیه السلام لأشعث بن قيس (إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت مأزور) وسيأتي في الحكمة 291 .

(اربع) (بالباء الموحدة قال الجوهري : ربع الرَّجل يربع - من باب منع - إذا وقف وتحبس ومنه قولهم أربع على نفسك وأربع على ظلعك أي ارفق بنفسك وكف، وفي نسخة مخطوطة من النهج جاءت الكلمة (بالتاء المثناة (ارتع) وكأنها مصحفة .

(لا يفيلنَّ) فال رأيه يفيل فيالة وفيولة من باب ضرب أخطأ وضعف، وفيل رأيه تفييلاً قبحه وضعفه وخطأه، ورجل فائل الرأي وفيل الرأى أي ضعيفة قال أبو الفرج محمد بن الحسين الكاتب :

واعلم أنّي فائل الرأي مخطىء*** ولكن قضاء لا أُطيق غلابه

الإعراب

فحادث» (الفاء) فصيحة.

وإنَّ بني تميم» (الواو) هنا واو الحال ولذا يجب أن تكسر ان في المقام لأن وقوع (إنّ) بعد (واو) الحال من المواضع التسعة التي يجب كسرها كما تقرّر في النحو فراجع إلى شرح الدين السيد علي خان الكبير على الصمدية في النحو للشيخ البهائي العاملي قدس صدر سرهما، وهذا نحو قوله تعالى: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ [الأنفال : 6] وقال أبو البقاء يعيش بن عليّ في تفسيره التبيان في إعراب القرآن) (الواو) هنا - يعني في قوله تعالى وإن فريقاً للحال وفي تفسير الجلالين والنيسابوري والبيضاوي قوله تعالى: وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ في موضع الحال أي كما أخرجك في حال كراهتهم .)«وإنّهم وإنَّ لهم »معطوفان على قوله (وإن بني تميم،« لم يسبقوا» على صيغة المجهول «ماسة» صفة لقوله رحماً) لأنها مؤنثة «فاربع» (الفاء) فصيحة والتقدير إذا كان حال البصرة وشأن بني تميم كذا ،فاربع أبا العباس» منصوب بالنداء وهو كنية لابن عبّاس، رحمك ) ( اللّه) جملة معترضة، فيما جرى متعلّق بقوله اربع من خير وشرا بيان لما، فإنا شريكان» تعليل لقوله أربع وكن» عطف على( اربع)،« والسلام» خبره محذوف أي والسلام عليك، أو والسّلام على من اتبع الهدى، ونحوهما)### المعنىكان ابن عباس عامل البصرة وخليفة أمير المؤمنين علي علیه السلام فيها بعد وقعة الجمل فإنه علیه السلام لما أراد الخروج من البصرة بعد أن وضعت الحرب أوزارها استعمله واستخلفه عليها، وقد مضى تفصيل ذلك في شرحنا على المختار الثاني من كتبه علیه السلام (ص 95 ج 17،)

وكان عامله عليها قبله عثمان بن حنيف.والبصرة أحدثها المسلمون ومصروها أيام عمر بن الخطاب تفصيل ذلك مذكور في كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم للمقدسي المعروف بالبشاري (ص 117 طبع ليدن، وأتى بأكثر منه تفصيلاً وشرحاً البلاذري في كتابه «فتوح البلدان» (ص 341 - 370 طبع مصر 1350 ه- ق))وهذا الكتاب بعض ما كتبه علیه السلام إلى ابن عباس وسيأتي نقله على صورته الكاملة.قوله علیه السلام : (اعلم أن البصرة مهبط إبليس ومغرس الفتن قد ذم علیه السلام البصرة وأهلها من قبل هذا الكتاب أيضاً حين أراد الخروج من البصرة بعد الجمل وقد أشرنا إلى الروايات الواردة فيه في شرحنا على المختار الثاني من كتبه (ص 86 - 89 ج 17)، وقوله علیه السلام أنها مهبط إبليس) يحتمل وجوهاً)منها : أن تكون فيه إشارة إلى قوله تعالى لإبليس :« فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13» [الأعراف: 13] وقوله تعالى:«قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24)» [الأعراف: 24] بأن إبليس لما أخرج من الجنّة وهبط إلى ، الأرض كانت أرض البصرة مهبطه ولكنَّ الإنصاف أنَّ الكلام يأبى عنه هذا الوجه وكلمة مهبط لا تدلّ عليه لأنها أعم من ذلك وقد قال تعالى لقوم موسى علیه السلام : وأهبطوا مصرا [البقرة: 60] وفي الأساس» للزمخشري : هبط من بلد إلى بلد فالمهبط يأتي بمعنى موضع الورود والنزول ولا يعتبر فيه الانحدار من عالٍ إلى سافل مطلقاً، ثم إنَّ الهبوط إذا استعمل في الإنسان وإبليس فقيه نوع استخفاف بخلاف الإنزال فإنَّ اللّه تعالى ذكر الإنزال في الأشياء التي نبه على شرفها كإنزال الملائكة والقرآن والمطر وغير ذلك، والهبط ذكر حيث نبه على الغضُ :نحو: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ، فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبّر فيها اهبطوا مصراً ؛ أفاده الراغب في المفردات.)ومنها : أن تكون فيه إشارة إلى أنَّ البصرة قرية بعيدة عن العلماء والقراء ولم تكن مدنية فاضلة وإلا لم تكن مهبطه وذلك لأن العلماء حصون كحصون سور المدينة لها .ومنها: أن تكون فيه إشارة إلى أنَّ البصرة موطن ومحلّ له بأن تكون لها خواص أوجبت له أن يتخذها موطناً له، وقد مضى في شرح المختار الثاني من باب الكتب قول الأميرعلیه السلام فيها : الحمد اللّه الذي أخرجني من أخبث البلاد وأخشنها تراباً، وأسرعها خراباً، وأقربها من الماء، وأبعدها من السماء بها مغيض الماء وبها تسعة أعشار الشرّ، وهي مسكن الجنّ - إلخ » (ص 88 ج 17 وكان إبليس من الجنّ كما مضى البحث عن ذلك في شرح المختار الثامن من باب الكتب (ص 286 - 295 ج 17) ولما كان إبليس وقبيله)

وجنوده اتخذوها موطناً لهم فهي مهبطهم ومغرس الفتن .ومنها : أن تكون فيه إشارة إلى أنها مهبط قوم تعلّق إبليس بهم فغرسوا أصول الفتن في أراضي قلوبهم، ويذروا حبوب آراء رديّة فيها حتّی أثمرت ما أثمرت، ففيه إشارة إلى هبوط جند المرأة وأتباع البهيمة فيها، وإذا تأملت فيما جرى على أمير المؤمنين علي علیه السلام منذ خلافته الظاهرية إلى شهادته كلّها مولّدة من هبوط القوم في البصرة فإنّه أثار فتنة الجمل وهي ولدت وقعة صفّين، وهي ولدت وقعة ،نهروان وهي ولدت أمر شهادته علیه السلام فهم غرسوا بهبوطهم فيها شجرة خبيثة أثمرت هذه الثمار السوء فكانت البصرة لذلك مهبط إبليس ومغرس الفتن.قوله علیه السلام (فحادث أهلها - إلى قوله : عن قلوبهم (الفاء) فصيحة كما مرَّ أي إذا كانت البصرة حالها كذا فحادث أهلها - إلخ ومن (الفاء) هذه، ومن قوله واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم يستفاد أن أهل البصرة لم يكونوا بعد ،آمنين بل كانوا خائفين، وكانوا يتربصون بهم ريب المنون، بل يستفاد من قوله أنها مهبط إبليس ومغرس الفتن ومن تفريع حادث أهلها عليه ذلك أيضاً فأسلوب الكلام يدلّ على اضطراب أوضاعها واحتمال إثارة فتنة فيها، وإقبال وقائع هائلة على أهلها ولذلك أمر الأمير علیه السلام ابن عباس بالإحسان إليهم وإزالة الخوف عنهم لئلا تحدث فتنة .)ثمَّ إنَّ قوله هذا في البصرة ذمّ على أهلها أيضاً فإنّه يدلّ على اتباعهم إبليس بخروجهم عن حكومة سلطان العقل، وعلى أنّهم أهل شقاق ونفاق، وعلى أنّ فيهم أهل التفتين وحزب الشيطان .قوله علیه السلام (وإن بني تميم لم يغب لهم نجم إلا طلع لهم (آخر النجم كثيراً ما يراد به في لغة العرب سيد القوم ومقتداهم والمشهور من الناس من حيث إنهم يقتدون ويهتدون به وقال حسان بن ثابت في قصيدة يذكر فيها عدة أصحاب اللواء يوم أحد:)تسعةً تحمل اللواء وطارت*** في رعاع من القنا مخزومإلى أن قال :لم تُطق حمله العواتق منهم*** إنّما يحمل اللواء النجومأي إنّما يحمله الأشراف المشاهير من النّاس والقصيدة مذكورة في «السيرة النبوية »لابن هشام ( ص 149 ج 2 طبع مصر 1375 ه- ، وأتى الجاحظ في« البيان والتبين »أبياتاً منها (ص 325 ج 2 طبع مصر 1380 ه-، وفي ديوان لحسان ولمّا استعار كلمة النجم لهذا المعنى رشح بمناسبة ظاهر اللفظ بقوله لم يغب وطلع، والمعنى كيف يجوز لنا التنمر لهم)

والغلظة عليهم والحال أن لهم هذه الخصال الثلاث :أحدها: أنه لم يمت منهم سيّد إلا قام لهم آخر منهم مقامه، وكأنما يريد علیه السلام أنَّ لهم سيداً مطاعاً وأميراً خيراً مدبّراً يجمع شمل أمورهم ويلم شعث آرائهم وأهوائهم، وينقذهم من المهالك، ويمنعهم عن الهوى فيما يوجب شينهم وهذا التدبير والاتحاد والاقتداء بقدوة كذا كان لهم في كل دورة فلا ينبغي التنمر على قوم هذا شأنهم.والثَّاني : أنّهم لم يسبقوا بوغم في جاهلية ولا إسلام يعني بهذه الجملة أنّهم كانوا أهل بأس وقوة وشجاعة وحميّة في الجاهلية والإسلام ويناسبه معنى التميم لغة فإنه بمعنى الشديد كما في نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب للقلقشندي فلا ينبغي التنمر والغلظة على طائفة بلغوا في البأس والقوّة هذه المرتبة أما معناها المطابقي فالأولى أن يحمل الوغم على الحقد والغيظ لأنه يناسب المقام وأسلوب الكلام وذلك لأن ابن عبّاس - كما دريت - إنما تنكّر عليهم باتباعهم الناكثين ويسمّيهم حزب الشيطان وشيعة الجمل وأنصار عسكر لذلك أوجب عملهم هذا حقداً في صدر ابن عباس وكأنه كان يسمّيهم بها تشفياً من غيظه ويتنكّر عليهم انتقاماً منهم بفعلهم المنكر فنهاه الأمير عن ذلك وعرف له بني تميم بأنّهم لم يسبقوا بوغم في جاهليّة ولا إسلام أي لم يسبقهم أحد كان له حقد وغيظ عليهم فيتنكر ويغلظ عليهم تشفّياً منهم و نكايةً فيهم لقوتهم وقهرهم، هذا هو الوجه الذي ينبغي أن يختار في هذه الجملة في المقام .وأمكن أن يفسّر بوجوه أخرى منها أن يقال : لم يسبقهم أحد بحقد لهم عليه لأنهم لعلوّ همّتهم وشرافة نفوسهم لا يهتمون بأذى غيرهم وإساءته عليهم ولذلك لم يكن في قلوبهم ضغن وعداوة على أحد.ومنها : أن يفسّر (الوغم بالترة فقال الجوهري في«الصحاح» : الموتور الذي قتل له قتيل فلم يُدرك بدمه تقول منه وتره يتره وتراً وترة وكذلك وتره حقه أي نقصه وقوله تعالى: ﴿وَلَن يترَكُمْ أَعْمَلَكُمْ) أي لن يتنقصكم في أعمالكم كما تقول دخلت البيت وأنت تريد دخلت في البيت انتهى ؛ فالمعنى أنَّ بني تميم لم يهدر لهم ،دم، ولم ينقص أحد حقهم . ومنها : أن يفسّر (الوغم) بالحرب والقتال كقول شقيق بن سليك الأسدي يقول معتذراً

إلى أبي أنس الضحاك بن قيس بن خالد الشيباني الفهري (الحماسة 261) :

أتاني عن أبي أنس وعيد*** فسُلَّ لغيظة الضحاک جسمي

ولم أعص الأم- ولم أربه ***ولم أسبق أبا أنس بوغم

وقول شقيق يشابه قول أبي دلامة زند بن الجون شهد مع روح بن حاتم المهلبي الحرب

فقال له :روح: تقدَّم وقاتل فقال أبو دلامة :

أعوذ بروح أن يقدمني ***إلى البراز (1)فتخزى بي بنو أسد

إن البراز إلى الأقران أعلمه*** مما يفرّق بين الروح والجسد

إلى آخر الأبيات المذكورة في الأغاني ) (ص 119 ج 9 طبع ساسي في أخبار أبي دلامة وفي« عيون الأخبار» (ص 164 ج 1) وفي شرح المرزوقي على الحماسة (ص 778ج2 ).

الثالث: أنَّ لهم بنا - أي ببني هاشم - رحماً ماسة وقرابة خاصة لأنَّ نسب كلّ واحد من بني هاشم وبني تميم ينتهي إلى إلياس بن مضر : لأنَّ هاشماً هو ابن عبد مناف بن قصي بن كِلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خُزيمة بن مدركة بن إلياس بن مُضَر كما في السيرة النبوية لابن هشام ، وتميماً هو ابن مرّ بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، كما في نهاية الأرب في معرفة العرب للقلقشندي .

ويمكن أن تكون فيه إشارة إلى مصاهرة كانت بين الأمير علیه السلام وبين بني تميم وبين بني تميم فإنَّ إحدى زوجاته كانت ليلى بنت مسعود الحنظلية من بني تميم وولّدت له عبيداللّه وأبا بكر كما في تاريخ اليعقوبي ( ص 189 ج 2 ).

ثمَّ إنه علیه السلام أكد مراعاة حق الرّحم بقوله : نحن مأجورون على صلتها ومأزورون على قطيعتها، وقد قال عزّ من قائل: وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 2]، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِعُوا أَرْحَامَكُم [محمد: 25]قوله علیه السلام : (فاريع - إلخ قد تقدم في الإعراب أنَّ (الفاء) فصيحة متفرعة على جميع ما تقدَّم من هذا الكتاب أي إذا كانت البصرة مهبط إبليس ومغرس الفتن وكانت منزلة بني تميم كذا فقف وتثبت وارفق فيما يجري على لسانك ويدك من خير وشرّ ونافع وضار، ولا تعجل به أمره أن يدارى مع الزعية في أقواله وأفعاله فإنّ ما يجري على اللسان واليد كناية عنهما، وسمّى ابن عباس بكنيته أبي العباس تكريماً له والعرب يقصد بها التعظيم وبعض النفوس تأنف أن تخاطب باسمها .)قوله علیه السلام : (فإنا شريكان في ذلك علل التثبت بقوله هذا، أي اربع وتثبت فيما يجري على يدك ولسانك لأنا شريكان في ذلك أي أنا وأنت شريكان في ما جرى على يدك ولسانك، وإنما كان الأمير علیه السلام شريكه فيه لأنه كان سبباً بعيداً فيما جرى على يد ابن عباس ولسانه وهو)


1) في نسخة : القتال .

كان نائباً عنه وسبباً قريباً في أفعاله وأقواله وكلّ ما صنع بالرّعية فإنما هو باتكائه عليه علیه السلام وإلا لما كان له مكنة وقدرة على ذلك.ثمَّ إنَّ قوله هذا يهدينا إلى حقيقة أخرى وهي أن الفرد الإنساني لما كان بمنزلة عضو من هيكل اجتماعه ولم يكن تعيّشه مرتبطاً لشخصه خاصة بل يؤثر أثراً خاصة بل يؤثر أثراً من جنس فعله وقوله في الاجتماع فكلّ ما صدر عن يده ولسانه وله بقاء في الاجتماع ويعمل به غيره ولو بعد مماته فهو شريك العامل في ذلك الأثر الصادر منه قال عز من قائل:«وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39»«وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40)»«ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)» [النجم: 39 - 41] .)وقال تعالى: «سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79»«إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80)» [الصافات: 79 ، 80].)وفي« البحار» (ص 181 من الجزء الثاني من ج 15 نقلاً عن« ثواب الأعمال» للصدوق رحمه اللّه بإسناده عن ميمون القداح عن أبي جعفر علیه السلام قال : أيما عبد من عباد اللّه سنَّ سنّة هدى كان له أجر مثل أجر من عمل بذلك من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وأيما عبد من عباد اللّه سنّ سنّة ضلالة كان عليه مثل وزر من فعل ذلك من غير أن ينقص من أوزارهم شيء (1).)وقد عقد المجلسي باباً في ذلك روى فيه عدة روايات عن أهل بيت رسول اللّه صلوات اللّه عليهم أجمعين قريبة بهذا المضمون كلّها تشير إلى هذه الحقيقة .وقد روى في المجلد السابع عشر (ص (188 عن أبي عبد اللّه الصادق علیه السلام قال : لا يتكلّم أحد بكلمة هدى فيؤخذ بها إلا كان له مثل أجر من أخذ بها، ولا يتكلم بكلمة ضلالة فيؤخذ بها إلا كان عليه مثل وزر من أخذ بها (2).)قوله علیه السلام (ولكن عند صالح ظني بك أي كن مراقباً لنفسك في ما يجري على يدك ولسانك بحيث إنّك ترى نفسك حاضرةً عند صالح ظني بك فانظر فيما تفعل وتقول هل هو مرضي عندي أم لا؟ فإذا رأيت رضاي فيه فافعل .)قوله علیه السلام : ( ولا يفيلن رأيي فيك لما استعمله الأمير علیه السلام على البصرة، واستصلحه لذلك وكان ابن عبّاس ممّن يثق الأمير علیه السلام به وإلا لما كان يستخلفه على البصرة نبهه على أن لا يعمل ما يوجب سلب وثوقه به وضعف رأيه فيه .)


1) ثواب الأعمال 132 ، ووسائل الشيعة : 174/16 .

2) تحف العقول: 375 ، وبحار الأنوار: 260/75ح153 .

### الترجمةاین نامه ای است که ولی اللّه الاعظم اميرالمؤمنين على ( علیه السلام به عبد اللّه بن عبّاس که عامل و حاکم آن حضرت بر اهل بصره بود فرستاد.)در روایت آمده که این عبّاس در بصره بر بنی تمیم درشتی و بدخویی میکرد و آنان را پیروان جمل و یاران عسکر که نام شتر عائشه بود و حزب شیطان می نامید از آن روی که بنی تمیم در جنگ جمل از طرفداران و اتباع طلحه و زبیر و عائشه بودند.این رفتار ابن عباس بر گروهی از بنی تمیم که از شیعیان امیر ( علیه السلام بودند و از جمله آنان جارية بن قدامه بود گران آمد نامه ای به امیر نوشته و از دست ابن عباس شکایت ،کردند امیر ( علیه السلام ) این نامه را به ابن عباس نوشت:)اما بعد بهترین مردم در نزد خدا آن کسی است که به طاعت او خواه در آن چه به سود او است و خواه در آن چه که به زیان او .است عمل کننده تر باشد و به گفتار حق اگرچه برای او ناگوار و تلخ باشد .گویاتر آگاه باش که آسمانها و زمین به حق و عدل برای بندگان برپا است پس مطابق اندیشه ات کردار داشته باش و با همه یکسان باش و راه راست پیش گیر و بدان که بصره فرودگاه شیطان و جای نشانیدن درخت فتنه است پس اهل آن را وعده به احسان و نیکی ده یعنی با آنان احسان و نیکی کن و به بخشش و دستگیری آنان را دلشاد دار . و گره بیم از دلشان بگشابه من خبر رسید که با بنی تمیم پلنگ خویی و درشتی روا می تویی و درشتی روا می،داری با این بنی تمیم کسانی هستند که ستاره ای از ایشان غروب نکرد مگر این که دیگری از ایشان طلوع کرد یعنی آنان همیشه دارای بزرگی پیشوا و از اهل شرف و کرامت بودند و کسی بر ایشان چه در زمان جاهلیت و چه در اسلام سبقت نگرفته که به کینه توزی و خشم گرفتن و دشمنی بر آنان سخت گیرد و درشتی کند (یعنی آنان) مردم شجاعت و حمیت و قوت و نبرد بودند و ایشان را با ما رحامتی پیوسته و)

خویشی خاصی هاشم (جد اعلای بنی و بنی تمیم الیاس بن مضر است . و دیگر این که امیر ( علیه السلام با بنی تمیم رحامت به مصاهرت داشت) که به صله رحم پاداش خوب یا بیم و به قطع آن کیفر بد؛ پس ای ابوالعباس - خدا خدا رح- رحمتت کند. در نيك و بدی که از دست و زبانت جاری میشود آهستگی کن و تأنی و رفق پیشه گیر و هموار باش و با رعیت مدارا کن که من و تو در نيك و بد تو شریکیم زیرا) ابن عبّاس عامل آن حضرت بود و آن چه میکرد به اتکاء و اعتماد و پشت گرمی به او بود و امیر ( علیه السلام ) سبب بعید در کارهای او ،است چنان که ابن عباس سبب قریب و هر دو در آنها (شريك و باش در نزد گمان شایسته من به تو و باید رای من درباره تو سست نگردد؛ والسلام)

## ومن كتاب له علیه السلام إلى بعض عماله وهو المختار التاسع عشر من باب كتبه ورسائله### اشارةأمّا بَعْدُ فَإِنَّ دَها قينَ أهلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ فَسْوَةٌ وغِلْظَةٌ وَاحْتِقاراً وَجَفْوَةً؛ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أرَهُمْ أهْلاً لأَنْ يُدْنَوْا لِشِرْكِهُم، ولا أنْ يُقْصَوْا وَيُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ؛ فَالْبَسْ لَهُمْ جِلباباً مِنَ اللّين تَشُوْبُهُ بِطَرَفٍ مِنَ الشِّدَّةِ، وَداوِلْ لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ والرَّأْفَةِ، وَامْرُجٌ لَهُمْ بَيْنَ التَّقْريبِ والادْناء ، والابعاد والاقصاء إِنْ شاء اللّه (1.)### المصدرقال اليعقوبي في تاريخه (ص 179 ح 2 طبع النجف كتب علي علیه السلام إلى عمر بن أبي سلمة الأرحبي: أمّا بعد فإنّ دهاقين عملك شكوا غلظة، ونظرت في أمرهم فما رأيت خيراً فلتكن منزلتك بين منزلتين جلباب لين بطرف من الشدَّة في غير ظلم ولا نقص فإن هم أجابونا صاغرين فخذ مالك عندهم وهم صاغرون، ولا تتخذ من دون اللّه وليّاً فقد قال اللّه عزّ وجلَّ:( وَلَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) [آل عمران: 118]؛ وقال جل وعزَّ في أهل الكتاب: لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةٌ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا ؛ وقال جل وعزَّ في أهل الكتاب : «لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ »وقال تبارك وتعالى: « وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ »وفرعهم بخراجهم وقاتل من ورائهم، وإياك ودماءهم والسلام. انتهى .)الظاهر أنّهما كتاب واحد نقل الرّضي طائفة منه في النهج على ما على ما هو دابه من التقاط الفصيح من كلامه علیه السلام ورفض ما عداه، ونقل اليعقوبي طائفة أخرى منه في تاريخه إلاّ أنَّ صدره روي بروايتين مختلفتين في الجملة، ويؤيّده ما في شرح الفاضل البحراني من المنقول أنَّ هؤلاء الدهاقين كانوا مجوساً فإنَّ الأمير علیه السلام أمره على فارس وعلى البحرين كما في «الاستيعاب» و«أُسد الغابة» فهذا الكتاب إنما كتبه إليه لما كان عامله على فارس لأنهم كانوا مجوساً يعبدون النار، وهذا القول لا ينافي قول الأميرعلیه السلام : (وقال جل وعزّ في أهل الكتاب - إلخ؛ لأنهم كانوا أهل كتاب لما مرّ في ذلك خبر مروي عنه علیه السلام من كتاب التوحيد للصدوق قدس سره حيث قال الأشعث بن قيس للأمير علیه السلام : يا أمير المؤمنين كيف يؤخذ من المجوس الجزية ولم ينزل عليهم كتاب ولم يبعث إليهم نبي ؟ قال : بلى يا أشعث قد أنزل اللّه عليهم كتاباً وبعث إليهم رسولاً) إلخ؛ فراجع إلى شرحنا على المختار الثامن من باب الكتب والرسائل ( ص 312 ج 17) .)


1) نهج البلاغة : 19/3 ، ونهج السعادة : 29/5.

ثمَّ إنَّ العامل المذكور قد عرف في الكتب الرجالية بأبي حفص عمر بن أبي سلمة عبد اللّه بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي ربيب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم أمه أُمّ سلمة هند المخزومية زوج النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم وشهد مع علي علیه السلام الجمل واستعمله على البحرين وعلى فارس وتوفّي بالمدينة أيّام عبد الملك بن مروان سنة ثلاث وثمانين كما في «الاستيعاب» و«الإصابة» و«أسد الغابة»وقد يأتي كتاب آخر من أمير المؤمنين علي علیه السلام إليه المعنون بقول الرضي ومن كتاب له علیه السلام إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي وكان عامله على البحرين - إلخ، وهو الكتاب الثاني والأربعون، ولا تنافي ظاهراً بين قولهم بكونه مخزومياً وبين قول اليعقوبي بكونه أرحبياً لأنه يمكن أن يكون من المخزومي ثمَّ أحد أرحب بن دعام من ،همدان، ولم يذكر في الكتب الرّجالية عمر بن أبي سلمة غيره إلاّ عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قاضي المدينة ولكن لم يقل أحد بأنَّ الأمير علیه السلام أمره على بلد أو قرية أو طائفة على أنّه قتل بالشام سنة اثنتين وثلاثين مع بني أمية كما في التقريب لابن حجر وقد كانت أمارة أمير المؤمنين علي علیه السلام من سنة خمس وثلاثين.وقد ذكر ابن سعد في الطبقات الكبرى» (ص 171 ج 6 طبع بيروت عمرو بن سلمة عميرة الهمداني الأرحبي وقال : أنه روى عن علي علیه السلام وعبد اللّه وكان شريفاً، ولكن الأمير علیه السلام لم يستعمله، ثمَّ أين هو وعمر بن أبي سلمة فالظنّ القوي المتاخم بالعلم بالفحص والطلب حاصل لنا بأنَّ عمر بن أبي سلمة الأرحبي هو عمر بن أبي سلمة المخزومي والكتابان واحد و اللّه هو العالم.)ثم قد عثرنا في هذه الأيام والأوان على كتابين أحدهما مترجم بمستدرك نهج البلاغة ومداركه لمؤلّفه العالم المتضلّع : أحمد زكي صفوت، أما الأول فقد خصص للنهج خاصة وقد أتي بمدارك كثير من خطب النهج ورسائله وحكمه، وأما الثاني فموضوعه عام إلا أنه ذكر فيه كتباً ورسائل كثيرة لأمير المؤمنين علي علیه السلام مع الإشارة إلى مآخذه ومصادره غالباً من غیر النهج أيضاً؛ ولعمري إنّهما قد بذلا الجهد في تأليفهما وأجادا وأفادا، إنَّ اللّه لا يضيع أجر من أحسن عملاً ولكن مصدر هذا الكتاب لأمير المؤمنين علیه السلام إلى بعض عماله، والذي قبله إلى عبد اللّه بن عباس ليس بمذكور فيهما .وليعلم أنا - اللّه الحمد - قد وفقنا بالعثور على كثير من مصادر ما في النهج، وخطب ورسائل وحكم للأمير علیه السلام بطرق عديدة وأسانيد كثيرة من الجوامع الروائية التي ألفها قبل الرّضي علماؤنا الأقدمون، وهي تزيد على ما في الكتابين المذكورين بأضعاف مضاعفة.

### اللغة(دهاقين بفتح (الدال) دهقان بکسرها، فارسي معرب أصله دهگان مخفّف جمع دیهیگان ففي برهان قاطع دهگان با کاف پارسی بر وزن و معنی دهقان است که زراعت کننده ومزارع باشد و دهقان معرب ،آنست و مردم تاريخي و تاریخ دان را نیز گفته.اند .انتهى وكثيراً ما تستعمل في الفارسية على صورتها المعربة قال الشاعر :)دهقان سالخورده چه خوش گفت با پسر ***کای نور چشم من بحزاز کشته ندرویوفي «البيان والتبيين »للجاحظ ( ص 345 ج 3 قال فتى طيب من ولد يقطين:)ربَّ عُقار باذرنجیة ***اصطدتها من بيت دهقانقال ابن الأثير في «النهاية» : في حديث حذيفة أنه استسقى ماء فأتاه دهقان بماء في إناء من فضة الدهقان بكسر الدال وضمها رئيس القرية، ومقدم النساء، وأصحاب الزراعة ؛ وهو معرَّب (ونونه أصلية كقولهم تدهقن الرجل وله دهقنة موضع كذا؛ وقيل: (النون) زائدة وهو من الدهق الامتلاء ومنه حديث علي علیه السلام أهداها إليَّ دهقان. انتهى .)أقول : قوله الدهقان بكسر (الدال وضمها مبني على أصلهم في التعريب : عجمي فالعب به ما شئت وإلا فأصله بكسر الدال)، وتفسيره برئيس القرية مبني على أصل الكلمة فإنها مركبة من (ده) وكان) وأحد معاني (كان) في الفارسية : الأمير والرئيس والملك وقد تطلق على الملك الظالم .)وقال الفيومي في « المصباح »: الدهقان معرب : يطلق على رئيس القرية وعلى التاجر وعلى من له مال وعقار ، (وداله مكسورة؛ وفي لغة تضم والجمع دهاقين ودهقن الرجل وتدهن كثر ماله . انتهى .)(قسوة قسا قلبه يقسو من باب نصر قَسْوَة صلب وغلظ فهو قاس وقسي فالقسوة : غلظ القلب، قال الراغب في المفردات أصله من حجر ،قاس والمقاساة معالجة ذلك، قال تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ) [البقرة: 74] « فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ » [الزمر: 22] وقال تعالى : وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ [الحج: 53] وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةٌ [المائدة: 13] وقرىء قسيّة أي ليست قلوبهم بخالصة من قولهم درهم قسيّ وهو جنس من الفضة المغشوشة فيه قساوة أي صلابة، قال الشاعر : صاح القسيّات في أيدي الصياريف.)(الغلظة بتثليث الغين: الخشونة وضدّ الرّقة، قال الراغب أصله أن يستعمل في الأجسام لكن قد يستعار للمعاني كالكبير والكثير ، قال تعالى: ﴿وَلَيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةُ ) وقال :)ثمَّ نَضَطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظ وقال: ﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِه .

(جفوة تقول : جفوتُه أجفُوه جَفوةً وجفاء أي فعلت به ما ساءه ويقال على المجاز: أصابته جفوة الزمان وجفاوته كما في الأساس» والجفاء خلاف البر كما في «الصحاح»، والجفوة ضد المواصلة والمؤانسة كما في الأقرب .)( يدنوا من الإدناء، يقال: أدنى الشيء إذا قرَّبه إليه كثيراً، ومنه قولهم: دخلت على الأمير فرحب بي وأدنى مجلسي.)(يقصوا من الإقصاء خلاف الإدناء أي الإبعاد يقال : أقصاه عنه إقصاء أي أبعده عنه كثيراً .)(يجفوا من قولك جفوتُ الرّجل أجفوه جفاءً أي أعرضت عنه أو طردته فهو مجفو .)(جلباباً قال في فتن البحار( ص 633 ج 8) : الجلباب : الإزار، والرداء أو الملحفة، أو المقنعة. انتهى وقال الفيومي في« المصباح» : الجلباب ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء، وقال ابن الأعرابي : الجلباب إزار وقال ابن فارس الجلباب ما يغطى به من ثوب ،وغيره والجمع جلابيب وتجلببت المرأة لبست الجلباب انتهى ما في «المصباح»، قال الجوهري في«الصحاح» : الجلباب الملحفة، قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلاً :)تمشي النسور إليه وهي لاهية*** مشي العذارى عليهن الجلابيبوالمصدر الجَلْبَبَة ولم تدغم لأنّها ملحقة، وفي «منتهى الأرب في لغة العرب»: جلباب كسرداب وسنمار پیراهن و چادر زنان و معجز یا چادری که زنان لباس خود را بدان از بالا بپوشند جلابيب جمع.(تشوبه أي تخلطه يقال شاب الشيء يشوبه شَوْباً وشِياباً من باب نصر أي خلطه)وفي المثل هو يشوب ويروب يضرب لمن يخلط في القول والعمل (طرف بالتحريك طائفة من الشيء وقطعة منه ؛ قال تعالى: «لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127)» [آل عمران : 127] قال في «الكشاف»: ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر وهو ما كان من يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش وصناديدهم.)(داول أمر من المداولة في القرآن الكريم : ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [آل عمران 124] قال البيضاوي أي نصرفها بينهم نديل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى كقوله : فيوماً علينا ويوماًلنا*** ويوماً نساء ويوماً نسر

والمداولة كالمعاورة يقال : داولت الشيء بينهم فتداولوه انتهى، دالت الأيام أي

دارت ، واللّه يداولها بين النّاس أي يديلها والإدالة الإدارة الماشي يداول بين قدميه أي يُرواح بينهما ، وفي «البحار»: المداولة : المناوبة.

(الرأفة): الرحمة، قال تعالى: وَلَا تَأْخُذكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ [النور: 3].

(امزج) أمر من مزج الشيء بالشيء مَزْجاً ومزاجاً إذا خلطه به، والإدناء أشد قرباً من التقريب والإقصاء أكثر بعداً من الإبعاد.

الإعراب

(قلم أرهم) (أر) ، فعل للمتكلم وحده مجزوم بلم أصله أرأى من رأى برأى لكن الهمزة هذه لا تستعمل في غير الماضي ويقال : يرى فالمتكلم وحده أرى وإذا اسقطت لامه بالجازمة صار أر ، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ والأمر منه : رَ، رَيا، رَوْا، رَى، رَيا، رَيْنَ ؛ وقد يستعمل غير الماضي على الأصل، والماضي على غير الأصل للضرورة كقوله : ومن يتملّى العيش يرأى ويسمع وقوله :آخر صاح هل رَيْتَ أو سمعت براع .)( أهلاً مفعول ثان لقوله ( لم أر ) ، (لأن الجار متعلق بالأهل، (الشركهم اللام للتعليل وكذا لعهدهم، والأفعال الثلاثة منصوبة بحذف النون) بأن (فالبس) (الفاء) فصيحة أي إذا كان أمرهم على هذا المنوال من الشرك والعهد فالبس - إلخ جملة (تشوبه ...) صفة لقوله جلباباً، (داول) معطوف على (البس) وكذلك (أمزج).)(إن شاء اللّه متعلق بكلّ واحدٍ من أفعال الأمر الثلاثة .)### المعنىتقدَّم في المصدر أنَّ عمر بن أبي سلمة كان أميراً على فارس من قبل أمير المؤمنين علیه السلام وكان أهل فارس يومئذ مشركين؛ وشكا أكابرهم وأرباب أملاكهم إلى أمير المؤمنين علیه السلام غلظته وخشونته عليهم واحتقاره واستصغاره إياهم فكتب علیه السلام إليه أن يسلك معهم مسلكاً متوسطاً بأن تكون منزلته معهم بين منزلتين جلباب لين بطرف من الشدَّة فلا يدنيهم كل الدنو لأنهم ليسوا لذلك أهلاً لكونهم مشركين ولا يبعدهم كلَّ الإبعاد ولا يجفوهم لكونهم معاهدين، فإن معاملتهم بذلك النهج يمنعهم عن التمرُّد والطغيان عن المعاهدة والذمة، ويحفظ عظمة الدين وصولته وقوته في أعينهم، ويوجب تأليف قلوبهم ومراعاة شرائط المعاهدة في حقهم وعدم خلل في انتظام أمورهم.وجعل علیه السلام الاتصاف بهذا النهج الوسط جلباباً على التجسيم والتشبيه تصويراً له كقوله تعالى : (فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل : 114] .

وكلامه هذا وزان ما قاله لمعقل بن قيس في الكتاب الثاني عشر : (فقف من أصحابك وسطاً ولا تدن من القوم دنؤ من يريد أن ينشب الحرب ولا تباعد منهم من يهاب البأس، ووزان قوله : (الفقيه كلّ الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة اللّه ولم يؤيسهم من روح اللّه ولم يؤمنهم من مكر اللّه).

ثمَّ قيّد أوامره بالمشيّة إما تحريضاً له إلى العمل المطابق لأوامره، كأنه قال أرجو منك أن تفعل بما أشرنا عليك وإمّا تنبيهاً له على أنَّ ما أشرنا عليك من المماشاة معهم ومعاملتهم بذلك النحو إنّما يجب أن تكون على وجه يرضاه اللّه ويشاءه، كأنه علیه السلام يقول : إنّي وإن كنت أمرتك بها ولكنك تعاشرهم وتعيش فيهم وترى أحوالهم وأفعالهم فعليك بعمل معهم يحبه اللّه يحبّه اللّه ويرضاه وإمّا طلباً من اللّه تعالى المدد والتوفيق له بعمل ما أمره بها

الترجمة

این نامه ای است که امیرالمؤمنین علی ( علیه السلام ) به عمر بن ابی سلمه که از جانب آن حضرت حاکم فارس بود نوشته است - و آن کتاب نوزدهم از باب کتب و رسائل نهج البلاغه است :

امّا بعد دهقانان شهر تو از درشتی و سنگ دلی و خوار داشتن و بدی تو شکایت کرده اند،پس درباره شان نگریستم و اندیشه کردم نه آنان را شایسته نزديك گردانیدن ،دیدم زیرا که مشركاند و نه سزاوار دور گردانیدن و ترد کردن از آن روی که با ایشان عهد بستیم و در ذمه ما هستند و چون امرشان بدین منوال پس بپوش بر ایشان جامه نرمی که بود آن پاره ای از درشتی باشد و روزگار را بر ایشان میان سخت دلی و مهربانی بگردان و بیامیز با ایشان میان نزديك گردانیدن و به نهایت نزدیکی رساندن و میان دور ساختن و به غایت دور ساختن اگر خدا بخواهد (یعنی با این همه چون تو نزدیکی و با آنها حشر داری و کارشان را از نزدیک مینگری آن چنان با آنها رفتار کن که خدا بخواهد و مرضی او باشد).

ومن كتاب له إلى زياد بن أبيه وهو خليفة عامله عبد اللّه بن العباس على البصرة (وعبد اللّه عامل أمير المؤمنين يومنذ عليها وعلى كور الاهواز وفارس وكرمان - نسخة) وهو المختار العشرون من باب الكتب والرسائل

اشارة

ومن كتاب (1)له إلى زياد بن أبيه

وهو خليفة عامله عبد اللّه بن العباس على البصرة

(وعبد اللّه عامل أمير المؤمنين يومنذ عليها وعلى

كور الاهواز وفارس وكرمان - نسخة)

وهو المختار العشرون من باب الكتب والرسائل

وإنِّي أُقسم باللّهِ قَسَماً لَئِنْ بلغني الكَ حُنْتَ مِنْ قَنِي الْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صغيراً أَوْ كَبِيراً لأشُدَّنُ عَلَيْكَ شَدَّةَ تَدَعُكَ قَليلَ الْوَفْرِ، ثَقِيلَ الظَّهْرَ ، ضَئيلَ الأَمْرِ ؛ والسَّلامُ (2) .

المصدر

أتى بالكتاب ابن واضح الأخباري الكاتب المعروف باليعقوبي في تاريخه (ص 180 ج 2 طبع النجف 1358 ه- ق) ، قال : كتب - يعني أمير المؤمنين - إلى زياد وكان عامله على فارس أما بعد فإنَّ رسولي أخبرني بعجب زعم أنك قلت له فيما بينك وبينه إنَّ الأكراد هاجت بك فكسرت عليك كثيراً من الخراج وقلت له: لا تُعْلِم بذلك أمير المؤمنين ؛ يا زياد وأقسم باللّه إنّك لكاذب ولئن لم تبعث بخراجك لأشدّنَّ عليك شدَّة تدعك قليل الوفر ثقيل الظهر؛ إلا أن تكون لما كسرت من الخراج محتملاً ، انتهى .

والظاهر أنّهما كتاب واحد روي على نسختين وإن أمكن أن يكون كل واحد منهما كتاب على حياله .

اللغة

(خنت) مشتق من الخيانة بمعنى نقيض الأمانة، يقال: خانه في كذا يخونه خَوْناً وخِيانةً وخانةٌ ومَخانة من باب نصر : إذا أؤتمن فلم ينصح ، قال الراغب في المفردات: الخيانة والنفاق واحد إلا أن الخيانة تقال اعتبارًا بالعهد والأمانة، والنفاق يقال اعتبارًا بالدين ثم يتداخلان فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر، ونقيض الخيانة الأمانة يقال خنتُ فلاناً وخنتُ أمانة فلان وعلى ذلك قوله : لا تخونوا اللّه والرَّسول وتخونوا أماناتكم.

(فييء) وقد تقدم معناه والفرق بينه وبين الغنيمة والأنفال على التفصيل في شرح المختار» 230 من باب الخطب (ج 15


1) في نسخة :كلام.

2) نهج البلاغة : 19/3 ح 20 ، وبحار الأنوار: 490/33.

الأشدَّنَّ عليك شدَّ على العدو شدّاً وشدَّة وشُدُوداً من بابي نصر وضرب أي حمل عليه ؛ يقال : شدّوا عليهم شدّة صادقة تدعك) أي تتركك .

(الوفر) بالفتح فالسكون : المال الكثير الواسع، والغنى واليسار ؛ قال مالك بن الحارث الاشتر النخعي رضوان اللّه عليه (الحماسة (25):

بقيت وفري وانحرفت عن العلا ***ولقيت أضيافي بوجه عبوسٍ

وقال آخر( البيان والتبيين ص 359 ج 2 ):

رأيت الناس لما قل مالي ***وأكثرتُ الغرامة ودعوني

فلمّا أن غنيت وثاب وفري*** إذاهم - لا أبا لك - راجعوني

(الظهر) خلاف البطن، وهو من الحيوان اعلاه ومن الإنسان من لدن مؤخر الكاهل إلى أدنى العجز، ومن الأرض ظاهرها يجمع على أظهر وظهور وظهران .

( ضئيل) في «النهایة» لابن الأثير في حديث إسرافيل وإنه ليتضاءل من خشية اللّه، وفي رواية لعظمة اللّه أي يتصاغر تواضعاً له، ويقال: تضاءل الشيء إذا تقبض وانضم بعضه إلى بعض فهو ضئيل أي نحيف دقيق ،حقير، وقال الطريحي في «مجمع البحرين »ومثله حديث وصفه تعالى : هو إله يتضاءل له المتكبرون وضؤل الشيء الهمز وزان قرب فهو ضئيل كقريب صغير الجسم قليل اللحم انتهى. قال جواس الكلبي (الحماسة (632) :

وكنت إذا أشرفت في رأس رامة ***تضاءلت إنَّ الخائف المتضاءل

يقول : إنّك حينئذ متى أشرفت في رأس هذه الهضبة تخاشعت وتذللت لاستشعارك الخوف الشديد واستظهارك بالإتقاء من أعدائك البليغ ؛ والخائف هذا دأبه وعادته قاله المرزوقي في الشرح .

الإعراب

(لإن) (اللام) للإيذان وتسمّى (اللام) المؤذنة والموطئة أيضاً وهي تؤذن من أوّل الأمر بأنَّ الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط وسواء كان ذلك القسم مذكوراً كما نحن فيه أو مقدراً كقوله تعالى:« وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)» [المائدة: 73] فقوله تعالى : ليس جواب قسم محذوف وسدّ مسدَّ جواب الشرط الذي هو «وإن لم ينتهوا». وكقوله تعالى : «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11)»«لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ

الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (12)» [الحشر: 11 ،12] فاللام في (لئن الأربعة للقسم وفي (ليولن) جواب القسم واستغنى به عن جواب الشرط في المواضع الخمسة

(الأشدّنَ) (اللام) لام جواب القسم نحو قوله تعالى في سورة يوسف : نَ للَّهِ لَقَدْ أَشْرَكَ اللّه علينا ، وفي سورة الأنبياء:«وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ » وكلامه كان وزان قوله :تعالى:«لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18» [يس: 18] وهذا الجواب للقسم سدّ مسد جواب الشرط الذي هو : لئن) بلغني فاستغنى به عن جواب الشرط .)وحرف (إنْ في ( لإن) من أداة الشرط وجملة (بلغني) فعل الشرط أنك خنت) - إلخ)- مأوّل بالمصدر فاعل بلغني، (شيئاً مفعول به لقول (خنت)، (صغيراً وكبيراً) صفتان له، جملة (تدعك) صفة للمصدر ويرجع ضمير الفعل إليه وكل واحد من قليل الوفر وأخويه حال للضمير المنصوب في ( تدعك)، خبر (السّلام) محذوف أي والسلام على من اتبع الهدى، أو السلام لأهله ككتبه الآتية .)### المعنىزياد بن أبيه هو زياد بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية ، ويقال زياد بن أبيه وزياد بن أُمّه وزياد بن سُمَيّة، وأُمّه سميّة ، وأمه سمية هي جارية الحارث بن كلدة وكان يطؤها بملك اليمين كما في «الاستيعاب» لابن عبد البرّ، و«أسد الغابة» لابن الأثير، و«الإصابة» لابن حجر .كان يكنى أبا المغيرة ليست له صحبة ولا رواية وكان رجلاً عاقلاً في دنياه، داهية خطيباً له قدر وجلالة عند أهل الدُّنيا، كما في الاستيعاب وروى بإسناده عن أبي صالح عن ابن عباس قال : بعث عمر بن الخطاب زياداً في اصلاح فساد وقع باليمن فرجع من وجهه، وخطب خطبة لم يسمع الناس مثلها فقال عمرو بن العاصي : أما و اللّه لو كان هذا الغلام قرشيّاً لساق العرب بعصاه ؛ فقال أبو سفيان: و اللّه إنّي لأعرف الذي وضعه في رحم أمه، فقال له علي بن أبي طالب ومن هو يا أبا سفيان؟ قال : أنا - إلخ .وقال : قال الشاعر :زياد لست أدري من أبوه***لكن الحمار أبو زيادوقال ابن النديم في أوَّل الفن الأول من المقالة الثالثة الفهرست (ص 131 طبع من مصر) قال محمد بن إسحاق : قرأت بخط أبي الحسن ابن الكوفي أوّل من ألف في المثالب كتاباً زياد بن أبيه فإنّه لما ظفر عليه وعلى نسبه عمل ذلك ودفعه إلى ولده وقال : استظهروا به على العرب فإنّهم يكفون عنكم انتهى كلامه .)

وقد روي أنَّ أَوَّل من دعاه ابن أبيه عائشة حين سئلت لمن يدعى وسيأتي إن شاء اللّه تعالى تمام الكلام في ذلك في شرح المختار 44 من باب الكتب المعنون بقول الرَّضي ومن كتاب له علیه السلام إلى زياد بن أبيه وقد بلغه أن معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه .ثمَّ إنَّ ما جعلناه بين الهلالين في عنوان الكتاب ليس بمذكور في نسخة الرضي وكأنّههامشة الحقت بالمتن.وقال أبو جعفر الطبري في التاريخ : أمر علي علیه السلام ابن عبّاس على البصرة وولّى زياداً الخراج وبيت المال وأمر ابن عبّاس أن يسمع منه - إلى آخر ما تقدَّم في شرح المختار الثاني من باب الكتب والرسائل ( ص 96 ج 17 .)وقال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة» (ص 85 ج 1 ذكروا أن علياً علیه السلام لما صار من البصرة بعد فراغه من أصحاب الجمل استعمل عليها عبد اللّه بن عباس - وقال له : أوصيك بتقوى اللّه - إلى أن قال : فلم يلبث علي علیه السلام حين قدم الكوفة وأراد المسير إلى الشام أن انضمّ إليه ابن عبّاس واستعمل على البصرة زياد بن أبي سفيان.)وحاصل الفصل أن الأميرعلیه السلام لما اطلع على أن زياداً خان بيت المال وفييء المسلمين كما في تاريخ اليعقوبي هدّده ورغبه بأنّه إن لم يبعث إليه ما خان ليحملن عليه حملة صادقة تدعه قليل المال بطرده عن المناصب، أو بأخذه ماله من يده تقاصاً وتدعه ثقيل الظهر بأعمال شاقة وأمور مزمنة مفضحة لا يقدر بها على القيام والإرتقاء إلى معاليالأمور وكانَّ من هذا القبيل قول سعد بن أبي وقاص في جواب معاوية :فإن الشر أصغره كثیر*** وإنَّ الظهر تثقله الدماءأو يفقره على حدّ يصعب عليه مؤنة عياله فإنَّ كون ثقل الظهر كناية عن نحو هذا المعنى غير عزيز في محاوراتهم، ومنه حديث أمير المؤمنين علیه السلام من أراد البقاء ولا بقاء فليباكر بالغداء، وليجود الحذاء، وليخفّف الرداء، وليقل من مجامعة النساء ؛ قيل : وما خفّة الرداء؟قال : قلّة الدين (1، ولكنّ إرادة هذا الوجه من كلامه هذا لا يخلو من بعد فتأمّل أو تدعه ثقيل الظهر بأوزاره وآثامه أي على أنّه لا مال له ينتفع به، كانت عليه تبعاته وذنوبه فهو فى الدُّنيا والآخرة من الخاسرين .)وتدعه ضئيل الأمر أي حقيراً خامل الذكر ، دنيّ المرتبة، لا منزلة ولا قدر له عند النّاس؛ لأنّه إنّما كان له شأن ونباهة بتوليه معالي الأمور من قبل الأمير علیه السلام فإذا عزله عن


1) من لا يحضره الفقيه : 555/3 ح 4902، ووسائل الشيعة : 61/5 ح 5914 .

منصبه مع كونه قليل المال ومعروفاً بالخيانة فلا قدر له عندهم، بل لا يساوي فردا خامل الذكر لاشتهاره بالخيانة وعزله عن منصبه بخيانته.### الترجمةاین نامه ای است که امیرالمؤمنین علی (علیه السلام به زیاد بن ابیه ،نوشت در حالی که از طرف عبد اللّه بن عبّاس عامل امیرالمؤمنین (علیه السلام) بر بصره حکومت داشت:)و من سوگند راست به خدا یاد میکنم که اگر به من خبر رسد تو از غنیمت مسلمانان چیزی خرد یا بزرگ خیانت کرده ای چنان بر تو سخت بگیرم که کم مال و گران پشت و ناچیز بمانی؛ والسلام

## ومن كتاب له إليه أيضاً وهو المختار الحادي والعشرون من باب الكتب والرسائل### اشارةفَدَع الإسرافَ مُقْتَصِداً ، وَاذْكُرْ فِي الْيَوْم غَداً، وَأَمْسِكْ مِنَ الْمَالِ بِقَدْرِ ضَرُورَتِكَ، وَقَدّم الْفَضْلَ لِيَوْم حاجَتِكَ . أَتَرْجو أن يُعْطِيَكَ اللّهُ أَجْرَ الْمُتَواضِعينَ وأنْتَ عِنْدَهُ مِنَ الْمُتَكَبْرِينَ؟ وَتَطْمَعَ وَأنْتَ مُتَمَرَّع في النَّعِيمِ تَمْنَعُهُ الضَّعِيفَ والأَرْمَلَةَ أنْ يُوجِبْ لَكَ ثَوابَ الْمُتَصَدِّقِينَ؟ وَإِنَّمَا الْمَرْء مَجْزِي بِما أَسْلَفَ، وَقادِمٌ عَلَى مَا قَدَّمَ والسَّلام (1.)### المصدرهذا الكتاب بعض ما كتبه الأميرعلیه السلام إلى زياد بن أبيه ونقله كاملاً الفاضل الشارح المعتزلي في شرح المختار 44 من باب الكتب والرسائل من الجزء السادس عشر من شرحه وهو المختار المعنون بقول الرضي: ومن كتاب له علیه السلام إلى زياد بن أبيه وقد بلغه أن معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه.قال : كان علي أخرج إليه - يعني إلى زياد - سعداً مولاه يحثه على حمل مال البصرة إلى الكوفة، وكان بين سعد وزياد مُلاحاة ومنازعة ؛ وعاد سعد وشكاه إلى علي علیه السلام وعابه فكتب علي علیه السلام إليه :أمّا بعد فإنَّ سعداً ذكر أنّك شتمته ظلماً، وهددته وجبهته تجبراً وتكبّراً، فما دعاك إلى التكبر؟ وقد قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : «الكبر رداء اللّه فمن نازع اللّه رداءه قصمه»، وقد أخبرني أنك تُكثر من الألوان المختلفة في الطعام في اليوم الواحد وتدْهِنُ كلَّ يوم، فما عليك لو صمت اللّه أياماً، وتصدَّقْتَ ببعض ما عندك محتسباً، وأكلت طعامك مراراً قفاراً؟ فإنَّ ذلك شعار الصالحين؛ أفتطمع وأنت متمرّغ في النّعيم تستأثر به على الجار المسكين والضعيف والفقير والأرملة واليتيم أن يُحسب لك أجر المتصدقين؟ وأخبرني أنك تتكلّم بكلام الأبرار وتعمل عمل الخاطئين فإن كنت تفعل ذلك فنفسك ظلمت، وعملك أحبطت فتُب إلى ربّك يصلح لك عملك ؛ واقتصد في أمرك وقدّم إلى ربّك الفضل ليوم حاجتك وادَّهِنُ غباً فإني سمعت رسول سمعت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم يقول : ادهنوا غباً يقول : ادهنوا غباً ولا تَدَّهِنوا رَقْماً » (2)


1) بحار الأنوار: 49/33، ونهج السعادة : 168/5 .

2) نهج السعادة : 170/5

فكتب إليه زياد أما بعد يا أمير المؤمنين فإنَّ سعداً قَدِمَ عليَّ فأساء القول والعمل: فانتهرته وزجرته وكان أهلاً لأكثر من ذلك، وأما ما ذكرت من الإسراف واتخاذ الألوان من الطعام والنعم، فإن كان صادقاً فأثابه اللّه ثواب الصالحين وإن كان كاذباً فوقاه اللّه أشدَّ عقوبة الكاذبين وأما قوله إنّي أصف العدل وأخالفه إلى غيره، فإنّي إذن من الأخسرين؛ فخذ يا أمير المؤمنين بمقال قلته في مقام قمته : الدعوى بلا بينة كالسهم بلا نصل فإن أتاك بشاهدي عدلٍ، وإلا تبين لك كذبه وظلمه .أقول: قد تعرّض الفاضل الشارح بأن ما في« النهج »بعض هذا الكتاب، ولا يخفى عليك أنه لا يتضمن ما في «النهج» على صورته ،وألفاظه، وأن بين النسختين تفاوتاً ظاهراً ونحن لم نظفر به في المآخذ التي حضرتنا، والظاهر أنهما كتاب واحد بل ما في «النهج» بعض ذلك الكتاب إلا أنهما روبا على روايتين كما أنّ الرّضي نقل في غير موضع في« النهج» كلاماً له علیه السلام على روايتين .### اللغة(الإسراف الشرف: ضدَّ القصد، وقال الراغب السرف تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان وإن كان ذلك في الانفاق أشهر، قال تعالى : (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِقُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا [الفرقان: 67] ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إسْرَافًا وَبدَارًا) [النساء: 6]، ويقال : تارة اعتباراً بالقدر، وتارة بالكيفية ؛ ولهذا قال سفيان ما أنفقت في غير طاعة اللّه فهو سَرَف وإن كان قليلاً، قال اللّه تعالى: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين وأن المسرفين هم أصحاب النار) [غافر: 43] أي المتجاوزين الحدّ في أمورهم، وسمّى قوم وسمّى قوم لوط مسرفين من حيث إنّهم تعدوا في وضع البذر الحرث المخصوص له المعني بقوله تعالى : نساؤكم حرث لكم ﴾ [البقرة: 243]، وقوله في القصاص فلا يسرف في القتل [الاسراء : 33] فسرفه أن يقتل غير قاتله إما بالعدول عنه إلى من هو أشرف منه أو بتجاوز قتل القاتل إلى غيره حسبما كانت الجاهلية تفعله . قال السيد نعمة اللّه الجزائري في« فروق اللغات»: الإسراف والتبذير : قيل التبذير إنفاق المال فيما لا ينبغي، والإسراف صرفه زيادة على ما ينبغي، وبعبارة أخرى الإسراف تجاوز الحد في صرف المال والتبذير إتلافه في غير موضعه فهو أعظم من الإسراف ولذا قال تعالى : و إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَنَ الشَّيَطِينِ ) قيل : وليس الإسراف متعلقاً بالمال فقط بل بكلِّ شيء وضع في غير موضعه اللائق به ألا ترى أنَّ اللّه وصف قوم لوط بالإسراف لوضعهم البذر في غير المحرث فقال : إنّكم لتأتون الرّجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون [الاعراف: 81] ووصف فرعون بالإسراف بقوله : إنه كان عالياً من المسرفين) [الدخان: 31] .

أقول : ويفهم من بعض الأخبار أنَّ الإسراف على ضربين حرام ومكروه فالأوّل مثل إتلاف مال ونحوه فيما هو فوق المتعارف والثاني إتلاف شيء ذي نفع بلا غرض ومنه إهراق ما بقي من شرب ماء الفرات ونحوها خارج الماء وقد روي ذلك عن علي علیه السلام. انتهى قوله .

فتحصل أنَّ الإسراف تجاوز الحد في كلِّ ما يفعلها الإنسان من أفعاله سواء كانت متعلّقة مالاً أو غير مال والتبذير إتلافه وتضييعه في غير موضعه وإذا لم يكن على سبيل الإتلاف والإفساد بأن يكون صرفه على الإصلاح لا يسمّى تبذيراً .

(مقتصداً) القصد والاقتصاد واسطة الأمور، قال سالم بن وابطة (الحماسة 244) :

عليك بالقصد فيما أنت فاعله ***إنَّ التخلق يأتي دونه الخلق

قال المرزوقي في« الشرح» : القصد واسطة الأمور، فما تعداه سَرَف وما انحط عنه

قصور، ولذلك قيل لمن ليس بجسيم ولا ضئيل وليس بقصير ولا طويل : هو قصد ومقتصد وقال في «شرح الحماسة » 9 : القصد ما لا سرف فيه ولذلك قيل : اقتصد في كذا وطريق قاصد إذا كان على حد الإستواء ومن كلامهم ضل عن قصد الطريق، كما قيل : ضل عن سواء السبيل قال الراجز الحصين بكير الربعي :

إني إذا حار الجبان الهدره*** ركبت من قصد الطريق منجره

قال ابن الأثير في« النهاية»: في الحديث ما عال مقتصد ولا يعيل أي ما افتقر من لا يسرف في الإنفاق ولا يقتر انتهى وقال الأميرعلیه السلام لهمام في الخطبة 191 من «النهج» في وصف المتقين: (منطقهم الصواب وملبسهم (الإقتصاد).

(متمرغ) في «الصحاح»: مزغته في التراب تمريغاً فتمرّغ أي معكته وتمعك، قال ابن الأثير في «النهاية»: التمرغ: التقلب في التراب، ومنه حديث عمار: «أجنبنا في سفر وليس عندنا ماء فتمرّغنا في التراب ظنّ أنّ الجنب يحتاج أن يوصل التراب إلى جميع جسده كالماء . قال الزمخشري في الأساس»: مرغ دابته فتمرغ وهذا مراغ الدواب ومراغتها ومتمرَّغها، ومرغته تمريغاً إذا أشبعت رأسه وجسده دهناً، وتمرغ بالدهن ومن المجاز فلانٌ يتمرغ في النعيم ؛ يتقلب فيه .

(الأرملة) قال الجوهري في« الصحاح»: الأرمل : الرَّجل الذي لا امرأة له والأرملة

المرأة التي لا زوج لها، وقد أرملت المرأة إذا مات عنها زوجها قال الشاعر - وهو جرير - :

هذي الأرامل قد قضيت حاجتها*** فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر

قال ابن السكيت : الأرامل المساكين من نساء ورجال قال ويقال لهم وإن لم يكن

فيهم نساء، ويقال: قد جاءت أرملة من نساء ورجال محتاجين، قال ويقال للرجال المحتاجين الضعفاء: أرملة وإن لم يكن فيهم نساء، انتهى ما في «الصحاح».

وقال المرزوقي في شرح الحماسة» (577) عند قول زياد بن حمل:

ترى الأرامل والهلاك تتبعه ***يستن منه عليهم وابل رَذِم

الأرامل : جمع الأرمل والأرملة لأنّه يقع على الذكر والأنثى وهم الذين قد انقطع زادهم وضاقت الأحوال بهم .

وقال عند قول كعب بن زهير (الحماسة (348) :

ألا لهف الأرامل واليتامى*** ولَهْفَ الباكيات على أُبَيّ

الأرامل : جمع أرمل، وهذه الصفة يشترك فيها المؤنّث والمذكّر، واشتقاقه من أرمل القوم إذا نفدت نفقاتهم، وحقيقته صاروا من الفقر في الرَّمل، كما يقال اتْرَبَ الرَّجل،

والشهادة في اشتراك الرّجل والمرأة في هذه الصفة قول جرير : هذي الأرامل - البيت.

وقال الزمخشري في« الأساس»: أرمل: افتقر وفنى زاده وهو من الرمل كادقع من الدَّقعاء، ومنه الأرملة والأرامل قال وفي كتاب العين ولا يقال شيخ أرمل إلا أن يشاء شاعرُ في تمليح كلامه كقول :جرير هذي الأرامل - البيت وأرملت المرأة ورملت من زوجها ولا يكون إلا مع الحاجة.

ثمَّ في نسخ خطّية عندنا قد ضبط قوله علیه السلام هكذا :( أترجو أن يؤتيك اللّه) و : (مجزي بما سلف) ولكن ما اخترناه فى المتن مطابق لنسخة الرضي رضوان اللّه عليه .

الإعراب

(مقتصداً) حال لضمير (دع) ، (غداً) مفعول لقوله (اذكر ) ، قوله (أن يعطيك) مأوّل منصوب مفعول لقوله (ترجو) ، (وأنت) الواو حالية والجملة حال لضمير (ترجو)، وتطمع) عطف على قوله (ترجو)، والجملة استفهامية على سبيل الانكار كالمعطوف عليها (وأنت) الواو حالية والجملة حال لضمير (تطمع) ، قوله أن يوجب) مأول منصوب مفعول لقوله (تطمع) آخر عن الحال بعكس الأولى، وضمير الفعل يرجع إلى اللّه .

المعنى

لما أخبر سعد أمير المؤمنين عليّاً علیه السلام بأن زياد بن أبيه يكثر من الألوان المختلفة في الطعام في اليوم الواحد وتدهن كل يوم - إلى آخر ما رواه اليعقوبي كما مرَّ آنفاً - أمره أن يترك رذيلة الإسراف، ويتصف بفضيلة الاقتصاد الذي هو واسطة الأمور .

وأقول: إنَّ لكلّ شيء حدا هو بمنزلة قاعدته فإذا كان على قاعدته فله ثبات وقرار، وإذا جاوز عن حده إما إلى الإفراط وإما إلى التفريط فلا بد له من أن يسقط منكوساً ومنكوباً وقد قال الأميرعلیه السلام :( اليمن والشمال مضلة والوسطى هي الجادة) .

وكما أنَّ اللّه الحكيم خلق كلّ واحدٍ من قاطبة الأشياء على قدر لائق به لو عدل عنه لاختل نظام العالم كذلك جعل لكل ما يتعلق بأفعال بني آدم وأُمور صالح الإنسانية حدًّا لو الاجتماع الإنساني عنه لاختل نظامه وهو من الهالكين وذلك الحدّ المتعلّق بهذا النوع خرج هو ما يحتويه الذكر الحكيم وقد قال عزَّ من قائل: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ * وذلك الحد هو الوسط والقسط والعدل والحق كما قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: 139] وقال: لقد أنزلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : بالعدل قامت السماوات والأرض، وقال أمير المؤمنين علي بالحقِّ قامت السماوات والأرض (1)

ومن تفحص في ما أتى به خاتم الأنبياء درى أنَّ اللّه تعالى كتب على الناس الإقتصاد في مطلق الأمور حتّی في العبادات ففي القرآن الكريم : «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29)» [الإسراء: 29] .

وقد روى الصدوق قدس سره في الفقيه (ص 12 ج 13 من الوافي بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه علیهم السلام قال : قال علي علیه السلام : الحيف في الوصية من الكبائر (2)

وروى عن جعفر بن محمد عن أبيه علیهم السلام : أنَّ رجلاً من الأنصار توفّي وله صبية صغاروله ستّة من الرقيق فأعتقهم عند موته وليس له مال غيرهم فأتى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم فأخبر فقال: ما صنعتم بصاحبكم؟ قالوا دفنّاه، قال: لو علمت ما دفناه مع أهل الإسلام ترك ولده يتكفّفون الناس (3)؟

وفي باب الاقتصاد في العبادة من «الوافي» (ص 69 ج3) نقلاً عن «الکافی » بإسناد عن أبي الجارود، عن أبي جعفرعلیه السلام قال : قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم :إنَّ هذا الدين متين فأوغلوا فيه ،برفق ولا تكرهوا عبادة اللّه إلى عباد اللّه فتكونوا كالراكب المنبتُ الذي لا سفراً قطع ولا


1) ميزان الحكمة : 133/2 ح 1848 .

2) علل الشرائع : 567/2 ، ووسائل الشيعة : 359/13 -ح 2.

3) من لا يحضره الفقيه : 186/4 ح 5427 ، وعلل الشرائع : 567/2 .

ظهراً أبقى (1).

ثمَّ إنّه علیه السلام أتى بالحال أعني مقتصداً إشارة إلى أنَّ زياداً كما يجب عليه الإعراض عن الإسراف الذي هو إفراط كذلك يجب عليه أيضاً الإمساك الذي هو تفريط، بل يجب عليه ترك الإسراف الاقتصاد الذي هو وسط الإفراط والتفريط .

قوله علیه السلام : ( واذكر في اليوم غداً )نبهه بأن لا تلهيه الآمال ولا تشغله المشاغل في الدُّنيا عن التأهب والتزود لغده وكنى بالغد عن بعد حياته في هذه الدار من البرزخ ويوم البعث، كما أراد باليوم هذه الدنيا .

قوله علیه السلام : وامسك - إلى قوله : ليوم حاجتك) روى اليعقوبي في تاريخه (ص 202 ج :2 أن رجلاً قال للحسين بن علي علیه السلام : إني أخاف الموت ؛ قال ذاك أنك أخرت مالك ولو قدَّمته لسَرَّك أن تلحق به(2).

قوله علیه السلام : (أترجو - إلخ) استفهام على سبيل الإنكار أي كيف ترجو أن يعطيك اللّه ذلك الأجر والحال أنت عنده كذلك، وكيف تطمع أن يوجب اللّه لك ذلك الثواب والحال أنت تتقلب وتتمعك في النعيم تمنعه الضعيف والأرملة، وهذا تحريض له على التواضع وشركة الضعيف والأرملة في عيشه وتنعّمه.

قوله علیه السلام : (وإنما المرء - إلخ) بين الإنسان وعمله خيراً كان أو شرًا ارتباط خاص لا يرجع إلا إليه ولا يجزى إلا به ولا يقدم إلا إليه ونعم ما قيل بالفارسية :

نيك وبد هر چه کنی بهر توخوانی سازند*** جزتوبر خوان بد ونيك تو مهمانی نیست قال الشارح المعتزلي في المقام : قلت قبح اللّه زياداً كافاً إنعام علي علیه السلام وإحسانه إليه واصطناعه له بما لا حاجة إلى شرحه من أعماله القبيحة بشيعته ومحبيه والإسراف في لعنه، وتهجين ،أفعاله والمبالغة في ذلك بما قد كان معاوية يرضى باليسير منه ولم يكن يفعل ذلك لطلب رضا معاوية كلا بل يفعله بطبعه ويعاديه بباطنه وظاهره وأبى اللّه إلا أن يرجع إلى أمّه ويصحح نسبه وكلُّ إناء ينضح بما فيه، ثمَّ جاء ابنه بعده فختم تلك الأعمال السيئة بما ختم وإلى اللّه ترجع الأمور. انتهى. وسيأتي كلامنا أيضاً في قاتلي حجج اللّه ومعانديهم في شرح المختار 44 من هذا الباب إن شاء اللّه تعالى (3)


1) الكافي : 22 / 86 ح 1 ، ووسائل الشيعة: 110/1 .

2) تاريخ اليعقوبي : 227/2

3) شرح النهج : 139/15 .

الترجمة

این نیز نامه ای است که امیر(علیه السلام )به زیاد بن ابیه نوشت (1)

پس ترک اسراف گوی و میانه رو باش و در امروز یاد فردا کن و از مال به قدر ضرورت زندگی نگه دار و زیادی را برای روز نیازت پیش فرست آیا امید داری که خدا به تو پاداش فروتنان دهد با این که نزد او از خود بینانی؟ و آیا آزمندی که برایت ثواب صدقه دهندگان واجب گرداند با این که در نعمت قلتیده ای و آن را از ناتوان و بیچارگان و بیوه زنان باز می داری؟ و همانا که مرد با آن چه کرده است پاداش یابد و به سوی آن چه پیش فرستاده است روی آورد؛ والسلام


1) شرح النهج : 139/15 .

ومن كتاب له علیه السلام إلى ابن عباس وكان يقول عبد الله ماانتفعت بكلام بعد كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كانتفاعي بهذا الكلام وهذا هو المختار الثاني والعشرون من باب كتب أمير المؤمنين علیه السلام ورسائله

اشارة

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْمَرْءَ يَسُرُّهُ دَرَكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ، وَيَسُوؤُهُ فوْتُ ما لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ؛ فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِما يَلْتَ مِنَ آخِرَتِكَ، وَليَكُنْ أَسَفُك على ما فاتَكَ مِنْها ومَا يَلْتَ مِنْ دُنْياكَ فَلا تُكْثِرُ بِه فَرَحاً، وَما فاتَكَ مِنْها فَلا تَأْسَ عَلَيْهِ جَزَعاً، وَلْيَكُنْ هَمُكَ فيما بَعْدَ الْمَوْتِ (1).

المصدر

رواه مسنداً أبو الفضل ونصر بن مزاحم المنقري المتوفّى 212 ه- في كتاب «صفين» (ص 58) من الطبع الناصري قال وفي حديث عمر بن سعد قال : وكتب علي علیه السلام إلى عماله : فكتب: بسم اللّه الرّحمن الرحيم من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى عبد اللّه بن عباس أما ،بعد فإنّ الإنسان قد يسره ما لم يكن ليفوته ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه وإن جهد؛ فليكن سرورك فيما قدَّمت من حكم أو منطق أو سيرة، وليكن أسفك على ما فرطت اللّه فيه من ذلك، ودع ما فاتك من الدُّنيا فلا تكثر به حزناً، وما أصابك فيها فلا تبغ به سروراً ؛ وليكن همّك فيما بعد الموت والسّلام .

ونقله اليعقوبي المتوفّي حدود 300 من الهجرة في تاريخه (ص 181 ج 2 ) وقال : كتب أبو الأسود الدئلي - وكان خليفة عبد اللّه بن عبّاس بالبصرة - إلى عامله علي علیه السلام يعلمه أنَّ عبد اللّه أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم فكتب إليه يأمره بردّها فامتنع فكتب يقسم له باللّه لتردنّها فلمّا ردّها عبد اللّه بن عباس أورد أكثرها كتب إليه علي : أما بعد فإن المرة يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه فما أتاك من الدنيا فلا تكثر به فرحاً ، وما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعاً واجعل همك لما بعد الموت، والسلام.

قال اليعقوبي : فكان ابن عبّاس يقول : ما اتعظت بكلام قط اتعاظي بكلام أمير المؤمنين علیه السلام . انتهى .

ورواه ثقة الإسلام الكليني المتوفى 329 ه-في «الروضة من الكافي» (ص 219 الطبع الحجري 1301 ه-) وهو حديث 327 منها ، قال : عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن


1) نهج البلاغة : 3/ 20 ح 22 ، وخصائص الأئمه : 96.

علي بن أسباط رفعه قال : كتب أمير المؤمنين علیه السلام إلى ابن عباس : أما بعد، فقد يسر المرء ما لم يكن ليفوته، ويحزنه ما لم يكن ليصيبه أبداً وإن جهد؛ فليكن سرورك بما قدَّمت من عمل صالح أو حكم أو قول وليكن أسفك فيما فرطت فيه من ذلك ودع ما فاتك الدُّنيا فلا تكثر عليه حزناً وما اصابك منها فلا تنعم به سروراً وليكن همك فيما بعد الموت، والسلام (1).

وأتى الفيض برواية الكليني في( الوافي) (ص 63 ج 14) في باب مواعظ أمير المؤمنين علیه السلام ، (ص والمجلسي في مرآة العقول ) ( ص 354 ج 4 من المطبوع على الحجر).

ورواه عليّ بن شعبة المتوفّى 332 ه- في تحف العقول» (ص 46 الطبع الحجري وص 197ه-1297 من الطبع المترجم بالفارسي في طهران 1384ه-) وما رواه قريب من «النهج» ويخالفه قوله : فليكن سرورك بما نلته من آخرتك وليكن أسفك على ما فات منها، وما نلته من الدُّنيا ولا تكثرنّ به فرحاً وما فاتك منها ولا تأسفن عليه حزناً وليكن همك فيما بعد الموت، انتهى .

ورواه أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي البغدادي المتوفّى 356) ه- في الأمالي (ص94ج 2 طبع مصر) المعنون بقوله : كتاب علي بن أبي طالب إلى ابن عباس رضي اللّه عنهما بموعظة من أحسن المواعظ، وحدثنا أبو بكر بن دريد رحمه اللّه قال حدثنا العكلي عن أبيه قال : بلغني عن ابن عبّاس أنه قال : كتب إليَّ علي بن أبي طالب علیه السلام موعظة ما سررت بموعظة سروري بها ! أما بعد فإنَّ المرء يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسؤوه فوت ما لم يكن ليدركه فما نالك من دنياك فلا تكثر به فرحاً وما فاتك منها فلا تتبعه أسفاً فليكن سرورك بما قدَّمت وأسفك على ما خلفت وهمك فيما بعد الموت .

ونقله القاضي أبو بكر الباقلاني المتوفّى 403 ه- في كتاب إعجاز القرآن» هامش

الاتقان للسيوطي ج 1 195 طبع مصر 1318 ه- قال : كتب علي إلى عبد اللّه وهو بالبصرة : أما بعد فإنَّ المرء يسر بدرك ما لم يكن ليحرمه ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه فليكن سرورك بما قدمت من أجر أو منطق، وليكن أسفك فيما فرطت فيه من ذلك وانظر ما فاتك من الدُّنيا فلا تكثر عليه جزعاً، وما نلته فلا تنعم به فرحاً وليكن همك لما بعد الموت.

ونقله العلامة الشيخ بهاء الدين العاملي في المجلد الثالث من الكشكول ص 284 طبع نجم الدولة، وص 562 من طبع قم قال : قال ابن عبّاس ما اتعظت بعد رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم


1) الكافي : 240/8 ح 327 ، وشرح أصول الكافي : 327/12

بمثل كتاب كتبه إليَّ علي بن أبي طالب علیه السلام : أما بعد فإنَّ الإنسان يسرُّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه فلا تكن بما نلت من دنياك فرحاً، ولا بما فاتك منها ترحاً ؛ ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويرجو التوبة بطول الأمل، فكان وقد والسلام

ورواه سبط ابن الجوزي في التذكرة» (ص 89 من الطبع الرَّحلي الناصري 1285 ه-) قال: «فصل» في ذكر قصة جرت له علیه السلام مع عبد اللّه بن عباس رضی اللّه عنه : أخرنا أبو الحسن بن النجار المقري قال: حدثنا محمد بن أبي منصور قال: حدثنا أحمد بن علي بن سوار قال : حدثنا أبو حامد محمد بن هارون الحضرمي قال : حدَّثنا إبراهيم بن سعد الجوهري قال : حدَّثنا المأمون عبد اللّه بن هارون عن أبيه هارون عن أبيه ،هارون عن أبيه محمد المهدي عن أبيه أبي جعفر المنصور، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه علي بن عبد اللّه، عن أبيه عبد اللّه عبّاس قال: ما انتفعت بكلام أحدٍ بعد رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم كانتفاعي بكلام كتب به أمير المؤمنين علیه السلام كتب إليَّ : سلام عليك أما بعد فإنَّ المرء يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ويسره درك ما لم يكن ليفوته فليكن سرورك بما نلت من أمر آخرتك وليكن أسفك على ما فاتك منها وما فاتك من الدُّنيا فلا تأسفن عليه وليكن همّك فيما بعد الموت، والسلام.

قال السبط : وقد روى السدي هذا عن أشياخه وقال عقيبه كان الشيطان قد نزع بين ابن عباس وبين علي علیه السلام مدَّة ثم عاد إلى موالاته - إلخ . انتهى .

وقد نقله الرضي رضوان اللّه عليه في أواخر هذا الباب برواية أُخرى وهو المختار السادس والستون منه قال ومن كتاب كتبه علیه السلام إلى عبد اللّه بن العباس رحمه اللّه وقد مضى هذا الكتاب فيما تقدَّم بخلاف هذه الرواية : أما بعد فإنَّ العبد يفرح بالشيء الذي لم يكن ليفوته، ويحزن على الشيء الذي لم يكن ليصيبه فلا يكن أفضل ما تلت في نفسك من دنياك بلوغ لذة أو شفاء غيظ ولكن إطفاء باطل أو إحياء حق، وليكن سرورك بما قدمت، وأسفك على ما خلفت وهمك فيما بعد الموت (1)

وقد نقل المجلسي رحمه اللّه روايتي (النهج) في المجلد الثامن من «البحار» (ص 633 و 634 من الطبع الكمباني)، وسيأتي ذكر القصة التي أشار إليها اليعقوبي وسبط ابن الجوزي في شرح المختارين 40 و 41 من هذا الباب الأول منهما معنون بقول الرّضي ومن كتاب له علیه السلام إلى بعض عماله : أما بعد فقد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت ربك) . إلخ، والثاني ومن كتاب له علیه السلام إلى بعض عماله : أما بعد فإني كنت أشركتك) - إلخ، وإنما نقلت


1) نهج البلاغة : 127/3 ح 66 ، وبحار الأنوار: 492/33 ح 698.

النسخ التي وجدتها بحذافيرها لما رأيت من الاختلاف فيها، ومن أنَّ ذكر مواقع الاختلاف كان أطول من نقلها .

اللغة

(درك) بالتحريك ويسكن أيضاً اللحاق والوصول إلى الشيء بعد طلبه، قال الزمخشري في الأساس» و« اللّهم أعني على دَرَك الحاجة أي على إدراكها وقال ابن الأثير في «النهاية» : في الحديث أعوذ بك من دَرَك الشقاء الدَّرَك : اللحاق والوصول إلى الشيء وأدركته إدراكاً ودركا ،ومنه الحديث : لو قال إن شاء اللّه لم يحنث وكان دركاً له في حاجته.

وقال الفيومي في« المصباح» : الدرك (بفتحتين) وسكون (الراء) لغة من أدركت الشيء وأدركته إذا طلته فلحقته.

(نلت) من النيل يقال : نال من عدوّه ينال وينيل من بابي ضرب وعلم نيلاً ونالاً ونالة بلغ منه مقصوده ومنه قيل : نال امرأته ما أراد ونال من مطلوبه المراد ويتعدي بالهمزة إلى اثنين فيقال : أنلته مطلوبه فناله والمطلوب منيل، والرَّجل نائل .

(فلا تأس عليه) أي لا تحزن يقال : أسِيَ عليه أسى من باب علم أي حزن فهو آسِ وأسيان وهي آسية وأسيانة، وأستى لفلان أي حزن له .

(ترحاً) على رواية الشيخ في« الكشكول»، (بفتحتين): ضد الفرح.

الإعراب

الضمير في (لم يكن في الموضعين يرجع إلى (ما) وكذا ضمير الفعلين يفوت ويدرك)، والضمير المنصوب فيهما يرجع إلى (المرء) بقرينة قوله ما فاتك وأمكن أن يرجع ضمير الأفعال إلى (المرء)، والضميران المنصوبان إلى (ما) .

المعنى

قد شرحه العالم الجليل المولى محمد صالح المازندراني في شرحه على روضة) «الکافی » بقوله : يعني أن المرء يكون من هذه الحالة وهي أنه تسرّه إصابة ما ينفعه، ويحزنه فواته، وما ينفع على قسمين: أحدهما ما ينفع في الآخرة، وثانيهما ما ينفع في الدُّنيا ؛ والعاقل اللبيب ينبغي أن يسر بإصابة الأوّل، ويحزن بفواته وإليه أشار بقوله : فليكن سرورك بما قدمت من عمل صالح أو حكم بالعدل أو قول بالحق وليكن أسفك وحزنك فيما فرطت فيه من ذلک فإن هذا السرور أبدي وهذا الحزن مع كونه ندامة وعبادة موجب للزيادة والتدارك، وأن لا

يحزن بفوات الثاني ولا يسر بإصابته وإليه أشار بقوله : ودع ما فاتك من الدنيا فلا تكثر عليه حزناً وما أصابك منها فلا تنعم به سروراً كما يسز وينعم أهل الدنيا يقال : نعم العود كفرح إذا اخضر ،ونضر، ثم أمر بما هو كالسبب بجميع ذلك بقوله : وليكن همك فيما بعد الموت والسلام لأنّ التذكير بهادم اللذات والتخويف بذكره تنفير عن محبة الدنيا والحزن بفواتها وترغيب في محبّة الآخرة والعمل لها والحزن بفواتها . انتهى (1).

وأقول : هذا الكتاب مقتبس من قول اللّه عزّ وجلَّ : مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) [التغابن: 12] وقوله تعالى :«مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ »«لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ » [الحديد: 22 ،23] نعم كلّ ما أفاده رسول اللّه وأهل بيته إنّما هو مقتبس من القرآن الكريم وما روى عنهم اللّه فإنّما هو بيان بطون الآيات وحقائقها المستورة عن غيرهم وأصل الجميع القرآن ولا بد من أن يرجع المروي عنهم إليه، إنَّ اللّه تعالى يقول: « وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ » [النحل : 89] وفي «الكافي» بإسناده عن المعلى بن خنيس قال : قال أبو عبد اللّه ما من أمر يختلف فيه اثنان إلا وله أصل في كتاب اللّه ولكن لا تبلغه عقول الرّجال (2)، (الوافي ص 61 ج 1 ) .

وفيه بإسناده عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر علیه السلام إذا حدثتكم بشيء فاسألوني من كتاب اللّه ، ثمَّ قال في بعض حديثه إنَّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم نهى عن القيل والقال وفساد المال وكثرة السؤال فقيل له : يا ابن رسول اللّه أين هذا من كتاب اللّه ؟ قال : إنَّ اللّه تعالى يقول : طولا خير في كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَنَهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاح بَيْنَ النَّاسِ)، وقال: «وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا »، وقال :«لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ » (3) (الوافي ص 61 ج 1) .

وحاصل الفصل أنَّ أمير المؤمنين علیه السلام أشار فيه إلى حقيقة وفرَّع عليها ،أمرين والحقيقة أنَّ ما يناله الإنسان أو يفوته فإنّما كان بقضاء اللّه المحتوم المقطوع أن يناله أو يحرمه فلا يصح الفرح والجزع بما كان حصوله وفواته كذلك، وقد قال علیه السلام كما يأتي في الحكمة 439 : الزهد كله بين كلمتين من القرآن قال اللّه سبحانه:«لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ » ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه .


1) شرح أصول الكافي : 328/12 ح 328 .

2) المحاسن : 268/1 ، والكافي : 60/1 ح 6.

3) تهذيب الأحكام (2327 ، وتفسير مجمع البيان: 429/3

ونحوه ما رواه ثقة الإسلام الكليني في «الکافی » بإسناده عن زرارة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : قال أمير المؤمنين علیه السلام على المنبر : لا يجد أحدكم (1)طعم الإيمان حتّی يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، الوافي ص 54 ج3) (2)

وبإسناده عن صفوان الجمال عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : كان أمير المؤمنين علیه السلام يقول : لا يجد عبد طعم الإيمان حتّى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأنَّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه وأنَّ الضار النافع هو اللّه تعالى (الوافي ص 54 ج3)(3)

وروى بإسناده عن الثمالي عن سعيد بن قيس الهمداني قال : نظرت يوماً في الحرب إلى رجل عليه ثوبان فحركت فرسي فإذا هو أمير المؤمنين علیه السلام فقلت : يا أمير المؤمنين في مثل هذا الموضع ؟ فقال : نعم يا سعيد بن قيس إنّه ليس من عبد إلا وله من اللّه تعالى واقعة معه ملكان يحفظانه من أن يسقط من رأس جبل أو يقع في بئر فإذا نزل القضاء خلّيا بينه وبين كلّ شيء (الوافي ص ص 54 ج 3)

وروى نصر بن مزاحم المنقري في كتاب صفين» (ص 128) من الطبع الناصري) عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي إسحاق قال: خرج علي يوم صفين وفي يده عنزة فمر على سعيد بن قيس فقال له سعيد أما تخشى يا أمير المؤمنين أن يغتالك أحد وأنت قرب عدوك ؟ فقال له عليّ علیه السلام : إنّه ليس من أحد إلا عليه من اللّه حفظة يحفظونه من أن يتردّى في قليب أو يخرَّ عليه حائط أو تصيبه آفةٌ فإذا جاء القدر خلو بينه وبينه.

وقال ابن قتيبة الدينوري في الإمامة والسياسة( ص 162 ج 1) في مقتل أمير المؤمنين علیه السلام جاء رجل من مراد إلى علي علیه السلام فقال له يا أمير المؤمنين احترس فإنَّ هنا قوماً يريدون قتلك فقال : إنَّ لكلِّ إنسان ملكين يحفظانه فإذا جاء القدر خلياه (4).

وهذه الأخبار في الحفظة مأخوذة من قول اللّه عزّ وجلَّ:«لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ » [الرعد: 11] وقوله تعالى:«وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10)»«كِرَامًا كَاتِبِينَ (11)»«يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)» [الأنفطار : 10 - 12] ، وقوله عزّ من قائل: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةٌ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتَهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) [الأنعام: 62] .

والمروي أيضاً عن الباقر علیه السلام في قوله : له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من


1) في نسخة :أحد .

2) الكافي : 58/2 ح 7 ، ووسائل الشيعة : 201/15 ح 276 .

3) الكافي : 2/ 19 ح 8 ، ووسائل الشيعة : 203/15 ح 7 .

4) نهج السعادة 114/7 .

أمر اللّه : من أمر اللّه يقول بأمر اللّه من أن يقع في ركيّ، أو يقع عليه حائط أو يصيبه شيء حتّی إذا جاء القدر خلوا بينه وبينه إلى المقادير وهما ملكان يحفظانه بالليل وملكان بالنهار يتعاقبانه(1).

والمؤمن العارف بسر القدر لا يفرح بما ناله ولا يحزن على ما فاته لعلمه بأن قضاء اللّه وقدره في نظام العالم أوجبا وقوع الأول وقوت الثاني فلم يكن الأوّل ليفونه ولا الثاني ليدركه وقد قال صلی اللّه علیه و آله وسلم : جف القلم بما هو كائن إلى كائن إلى يوم الدِّين (2)

فالحزن على فوات شيء محتوم عليه أن يفوته والفرح بحصول شيء مقطوع الحصول لماذا؟ وللعارف قلب مطمئنّ لا يرى إلا اللّه ولا يرجو إلا إيّاه ولا يخاف إلا منه، ولا يحسد ولا يعادي أحداً ولا يحزن ولا يبطر، وقد ورد الخبر كما في تفسير النيسابوري في سورة الحديث: من عرف سرّ اللّه في القدر هانت عليه المصائب ونعم ما في تفسير المجمع من أنَّ في قوله تعالى:«لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ » إشارة إلى أربعة أشياء: الأوّل حسن الخلق لأنَّ من استوى عنده وجود الدُّنيا وعدمها لا يحسد ولا يعادي ولا يشاحٌ فإنَّ هذه من أسباب سوء الخلق وهي من نتائج حبّ الدُّنيا، وثانيها استحقار الدُّنيا وأهلها إذا لم يفرح بوجودها ولم يحزن لعدمها، وثالثها تعظيم الآخرة لما ينال فيها من الثواب الدائم الخالص من الشوائب، ورابعها الافتخار باللّه دون أسباب الدُّنيا .

قال : ويروى أنَّ عليّ بن الحسين علیه السلام جاءه رجل فقال :له ما الزّهد؟ قال: الزّهد عشرة أجزاء: فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا وأنَّ الزهد كلّه في آية من كتاب اللّه: «لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ » (3)

قال: وقيل لبزرجمهر : مالك أيها الحكيم لا تأسف على ما فات ولا تفرح بما هو آت؟ فقال : إنَّ الفائت لا يتلافى بالعبرة، والآتي لا يستدام بالحبرة.

وعن عبد اللّه بن مسعود قال: لئن ألحس جمرة أحرقت ما أحرقت وأبقت ما أبقت أحبّ إليَّ من أن أقول لشيء كان ليته لم يكن أو لشيء لم يكن ليته كان. انتهى.

ونعم ما قيل:


1) بحار الأنوار:155/67، التفسير الأصفى:597/1.

2) شرح أصول الكافي للمازندراني : 15/8 .

3) الخصال : 437 ح 26 تفسير البيان : 400/9 .

لا تطل الحزن علی فائت ***فقلما يجدي عليك الحزن

سيان محزون على ما مضى*** ومظهر حزناً لما لم يكن

والمروي عن الإمام الصادق علیه السلام : يا ابن آدم ما لك تأسو على مفقود لا يردّه إليك الفوت، ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت (1)

والتفريع الأوّل أنَّ ما ينبغي أن يسرّ المرء به هو ما ناله من الحقائق التي تفيده في ما بعد موته وينبغي له أن يأسف على فوتها، والثاني أنَّ ما ناله من الدُّنيا وما فاته منها هو ما لا قدر له أن يفرح به أو يجزع عليه، ثمَّ أكّد الأوّل بقوله وليكن همك فيما بعد الموت.

قال الفاضل الشارح المعتزلي في المقام ولقائل أن يقول: هب أنَّ الأُمور كلّها بقضاء وقدر فلم لا ينبغي للإنسان أن يفرح بالنفع وإن وقع بالقدر، ويساء بفوته أو بالضرر وإن وقعا بقدر؟ أليس العريان يساء بقدوم الشتاء وإن كان لا بدَّ من قدومه و المحموم غباً يساء بتجدد نوبة الحمّي وإن كان لا بدَّ من تجددها؟ فليس سبب الإختيار في الأفعال ممّا يوجب أن يسرّ الإنسان ولا يساء بشيء منها .

قال : والجواب ينبغي أن يحمل هذا الكلام على أنَّ الإنسان ينبغي أن لا يعتقد في الرزق أنّه أناء بسعيه وحركته فيفرح معجباً بنفسه معتقداً أنَّ ذلك الرزق ثمرة حركته واجتهاده، وكذلك ينبغي أن لا يساء بفوات ما يفوته من المنافع لائماً نفسه في ذلك ناسباً لها إلى التقصير وفساد الحيلة والاجتهاد لأنَّ الرزق هو من اللّه تعالى لا أثر للحركة فيه وإن وقع عندها وعلى هذا التأويل ينبغي أن يحمل قوله تعالى : (ما أصاب من مصيبه - إلخ، انتهى كلامه(2)

وأقول : الظاهر أنَّ المراد من الأسى والفرح المنهيين ما بلغ حد الجزع والبطر والإختيال المنسية عن ذكر اللّه بقرينة قوله تعالى في ذيل الآية: وَ اللّهُ لَا يُحِبُّ كُلِّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ . لا ما لا يملك ردّه ولا يستطاع دفعه من الأسى والفرح لا يخلو منهما بشر على الغريزة والفطرة تكويناً، نظير ما رواه الكليني في «الکافی » والصدوق في« الفقيه»: لما مات إبراهيم ابن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم هملت عين رسول اللّه بالدموع ثمَّ قال النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم : تدمع العين ويحزن القلب (3))يحزن القلب وتدمع العين - كما في الفقيه ولا نقول ما يسخط الربّ (ص 88 ج 13 من الوافي.)


1) مستدرك سفينة البحار 353/3، وميزان الحكمة : 1167/2

2) شرح النهج : 141/15 .

3) الكافي : 262/3 - 45 ، ووسائل الشيعة : 280/3ح3651

ثمَّ إنَّ الأسى والفرح في كلامه ل وفي قوله عزّ وجلَّ يعمان حصول الرزق وفوته وغيره مما لم يكن برزق فلا وجه لاختصاصهما بالرزق فقط ، اللّهم إلا أن يقال: إنَّ الشارح المذكور أراد من الرزق أعم ممّا تُربّى به الحيوان من الأغذية والأشربة كما هو مذهب الاعتزال والشارح منهم فإنَّ الرزق عند المعتزلة هوكلّما صح انتفاع الحيوان به بالتغذي أو غيره كما أشار إليه العلامة الشيخ البهائي في شرح الحديث الثالث عشر من كتابه الأربعين.وليعلم أنَّ ما مضى من القول بأن قضاء اللّه وقدره أوجبا ما أوجبا وأنَّ ما أصاب المرء لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ونظائرها لا تنافي ما ورد في القرآن والأخبار من الحبُّ على الدُّعاء والطلب إلى اللّه تعالى وإلا لما أمرنا اللّه تعالي ورسوله وأهل البيت بالسؤال والدعاء وقد قال عزَّ من قائل : مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ [آخر الفرقان]، وقال: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: 60] وقال تعالى : «ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55»«وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)»ا [الأعراف: 55 56]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإني قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة: 184]. وقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : ألا أدلكم على سلاح ينجيكم من أعدائكم ویدر أرزاقكم؟

قالوا :بلى يا رسول اللّه قال تدعون ربّكم بالليل والنهار فإنَّ سلاح المؤمن الدُّعاء (1).

وقال أمير المؤمنين علیه السلام : الدُّعاء ترس المؤمن ومتى تكثر قرع الباب يفتح لك . وقال الصادق علیه السلام : الدعاء أنفذ من السنان الحديد(2)

وقال الكاظم علیه السلام : إنَّ الدُّعاء يردّ ما قدر وما لم يقدَّر ، قلت (أي قال الراوي) ما قدر فقد عرفته فما لم يقدر؟ قال حتّی لا يكون (3).

وقال علیه السلام : عليكم بالدعاء فإنَّ الدُّعاء والطلب إلى اللّه تعالى يردّ البلاء وقد قدر وقضى فلم يبق إلا إمضاؤه فإذا دعى اللّه وسُئل صَرْفَه صَرَفه (4)

وروى زرارة عن أبي جعفرعلیه السلام قال : ألا أدلكم على شيء لم يستثن فيه رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم قلت: بلى قال : الدُّعاء يردّ القضاء وقد أبرم إبراماً وضم أصابعه (5).


1) الكافي : 468/22ح3، وثواب الأعمال : 26.

2) الكافي : 469/2ح7 ، ووسائل الشيعة: 38/7.

3) الكافي : 469/2 ح 2 ، ووسائل الشيعة: 37/7.

4) عدة الداعي : 13.

5) الكافي: 470/2 ح 6.

وعن سيّد العابدين علیه السلام : إنَّ الدُّعاء والبلاء ليتوافقان إلى يوم القيامة إنَّ الدُّعاء ليردّ البلاء وقد أبرم إبراماً (1).

وعنه علیه السلام : الدُّعاء يدفع البلاء النازل وما لم ينزل.

وقد أتى بهذه الروايات الفقيه الحبر المحقق أحمد بن فهد الحلّي قدس سره في أوَّل فيه غير كتاب «عدة الداعي ونجاح الساعي والروايات في ذلك كثيرة جدا والكتب المؤلّفة فيه عزيزة، نعم إن القضاء ينقسم إلى قضاء ثابت محتوم لا يتغير وقضاء متغيّر وما نحن فيه من الثاني فإيّاك أن تظنَّ أنَّ الدُّعاء ينافي القول بالقضاء فإنه«يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39)» [الرعد: 39] وفي ضمن هذه الآية روايات دقيقة ومطالب أنيقة لعلنا نبحث عنها في شروحنا الآتية في فصل نعقد في ذلك إن شاء اللّه تعالى. وقد قدمنا نبذة من البحث عن استجابة الدعاء في شرحنا على المختار 236) من باب الخطب ص 359 - 362 ج15) فراجع .

الترجمة

این نامه ای است که امیر (علیه السلام ) به عبد اللّه عبّاس نوشت و او می گفت که من بعد از گفتار رسول خدا به هیچ گفتاری چون این کلام امیر بهره نبرده ام :

اما بعد به راستی مرد را رسیدن چیزی به او که نمی بایستی از او فوت شود شاد می کند فوت چیزی که نمی بایستی آن را به دست آورد اندوهگین می سازد بس باید شادی تو به آن چه باشد که برای آخرتت اندوختی و اندوه تو به فوت چنان چیزی و آن چه که از دنیا عایدت شده بسیار به آن شادمانی نکن و آن چه که از آن از تو فوت شد بی تابی مکن و باید همتت برای بعد از مرگت مصروف باشد.


1) عدة الداعي : 13

ومن كلام له عليه الصلاة والسلام قبيل موته لما ضربه ابن ملجم لعنه اللّه على سبيل الوصية وهو المختار الثالث والعشرون من باب كتب أمير المؤمنين علیه السلام ورسائله

اشارة

وَصِيْتي لَكُمْ أَن لا تُشْرِكُوا بِ اللّهِ شَيْئاً، وَمُحَمَّدٌ فَلا تُضَيْعُوا سُنتَهُ أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ. وَخَلا كُمْ ذَمْ - أَنَا بِالأمْسِ صاحِبُكُمْ، وَالْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ، وَغَداً مُفارِقُكُمْ، إِنْ أَبْقَ فَأَنا ولي ذمي، وإنْ أَفْنَ فَالْفَنَاء ميعادي، وَإِنْ أَعْفُ فَالْعَفْرُ لِي قُرْبَةٌ وَهُوَ لَكُمْ حِسْبَةٌ فَاعْفُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ . وَ اللّهِ ما فَجأَنِي مِنَ الْمَوْتِ واردٌ كَرِهْتُهُ، وَلا طالِعٌ أَنْكَرْتُهُ وَما كُنْتُ إِلا كَفَّارِبٍ وَرْد وَطالِبٍ وَجَدَ، وَما عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ للأَبْرارِ ) (1).

قال الرّضيُّ رضوان اللّه عليه أقول: : وقد مضى بعض هذا الكلام فيما تقدّم من الخطب إلا أنَّ فيه ههنا زيادةً أوجبت تكريره انتهى .

أقول: والعبارة في بعض نسخ« النهج» في المقام هكذا: «أقيموا هذين العمودين »وأوقدوا هذين المصباحين، كما أنها في نسخة« الكافي» كذلك، وفي بعض نسخ «النهج» : «هو لكم حسنة» كما أنها مطابقة لنسخ «الكافي» أيضاً، ولكن ما في المتن في كلام الموضعين مطابق لنسخة الرضي.

المصدر

كلامه هذا قد روي في الجوامع الروائية وغيرها على صور مختلفة ووجوه كثيرة وقد مضى بعضه فيما تقدَّم من الخطبة 147 أوّلها أيها الناس كلّ امرى لاق ما يفر منه في فراره : والأجل مساق النفس والهرب منه موافاته - إلخ، وهي في شرح الخوئي رحمه اللّه أعني منهاج البراعة جعلت الخطبة 149 فراجع إلى ص111 من المجلد التاسع منه ، وهذه الخطبة مروية في الجامع الكافي لثقة الإسلام الكليني قدّس سرّه، ونقلها الفيض رضوان اللّه عليه في باب الإشارة والنصّ على الحسن بن علي (ص 80 ج 2 ، وتجدها في «مرآة العقول»ص 222 في المجلد الأوّل منه وقد أتى بها الشارح الخوئي في شرح الخطبة المتقدمة من «النهج» ص من ص127 ج 9 من المنهاج» فلا حاجة إلى تكريرها .

وقال المسعودي في« مروج الذهب» (ص 48 ج 2) وقد ذكر جماعة من أهل النقل عن


1) بحار الأنوار: 254/42 57 ، ونهج السعادة: 135/7.

أبي عبد اللّه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي بن الحسين بن علي علیه السلام أنَّ عليا علیه السلام قال في صبيحة الليلة التي ضربه فيها عبد الرحمن بن ملجم بعد حمد اللّه والثناء عليه والصلاة على رسوله : كلّ امرى ملاقيه ما يفرّ منه والأجل تساق النفس إليه، والهرب منه موافاته، وكم اطردت الأيام أتحينها عن مكنون هذا الأمر فأبى اللّه عزَّ وجلَّ إلا إخفاءه هيهات علم مكنون، أمّا وصيّتي فلا تشركوا به شيئاً، ومحمد لا تضيعوا سنته، أقيموا هذين العمودين، حمل كل امرىء منكم مجهوده، وخفّف عن الحملة ربّ رحيم ودين قويم وإمام عليم ؛ كنا في أعصار ودى رياح تحت ظل غمامة اضمحل راكدها فحطها من الأرض حياً وبقي من بعدي خيرها واستكنه بعد حركة كاظمة بعد نطق لبعضكم هدوئي وخفوت أطرافي إنّه أوعظ لكم من نطق البليغ، ودعتكم وداع امرىء مرصد لتلاق وغدا ترون ويكشف عن ساق عليكم السلام إلى يوم المرام كنت بالأمس ،صاحبكم، واليوم عظة لكم غداً أفارقكم إن أفق فأنا ولي دمي وإن أمت فالقيامة ميعادي والعفو أقرب للتقوى ألا تحبّون أن يغفر اللّه لكم و اللّه غفور رحيم(1)، انتهى ما في «المروج» .

وسنأتي بطائقة من وصاياه علیه السلام مع بيان مصادرها ومآخذها وبيان ما فيها من غريب الحديث إن شاء اللّه تعالى في شرح المختار السابع والسبعين المعنون بقول الرَّضي ومن وصيته علیه السلام للحسن والحسين علیهما السلام لما ضربه ابن ملجم لعنه اللّه : أوصيكما بتقوى اللّه وأن لا تبغيا الدُّنيا وإن بغتكما - إلخ ، ولم نظفر بعد في جامع روائي على رواية شاملة على قوله علیه السلام : و اللّه ما فجأني من الموت - إلخ ، وإن كان الرَّضِي في نقله ثقة ثبتاً وكفى بالنهج سنداً أن مثل الرّضي أسنده إلى أمير المؤمنين علیه السلام ولا إخال أنَّ من كان عارفاً بمقامه الشامخ وجلالة قدره علماً وعملاً أن يتفوه بنسبة الوضع والاختلاق إليه.

ولا يخفى أنَّ المآخذ التي كانت للرّضي لم يصل إلينا إلا نبذة منها، وبعد نقول إنا لم نظفر عليه وعدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود ولعلَّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً ويوفقنا بالظفر عليه فنذكره في شرح وصيته الآتية لابنيه علیهما السلام

على أنّ ابن الأثير في لغة قرب من «النهایة» قال القارب الذي يطلب الماء ومنه حديث علي علیه السلام وما كنت إلا كقارب ورد، وطالب (وجد)(2)


1) الكافي: 299/1 ح 6 ، 6 ، وبحار الأنوار: 406/42 ح 11

2) لسان العرب : 783/1.

المعنى

قوله علیه السلام : ( وهو لكم حسبة) ومن كلامه ل كما أتى به أبو عثمان الجاحظ في البيان والتبيين ص 74 ج 4 طبع مصر) وسنذكره إن شاء اللّه تعالى بتمامه في شرح المختار» 191 في باب المختار من حكمه علیه السلام: إنّما المرء في الدُّنيا غرض تنتضل فيه المنايا، وهو قوله علیه السلام: (فاستقبل المصيبة بالحسبة تستخلف بها نعمى والحسبة بكسر الحاء) إذا كانت عند المكروهات هي البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر، اسم من الاحتساب قال الجوهري في«الصحاح» : احتسب بكذا أجراً عند اللّه والاسم الحِسْبَة بالكسر وهي الأجر والجمع الحِسَب انتهى .

وقال ابن الأثير في (النهاية) : وفيه يعني في الحديث من صام رمضان إيماناً واحتساباً أي طلباً لوجه اللّه وثوابه والإحتساب من الحسب كالإعتداد من العدّ ؛ وإنّما قيل لمن ينوي بعمله وجه اللّه احتسبه لأنَّ له حينئذ أن يعتد عمله فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به، والحسبة اسم من الاحتساب كالعدة من ،الاعتداد والاحتساب فى الأعمال الصالحات وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر أو باستماع أنواع البرّ والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلباً للثواب المرجو منها، ومنه حديث عمر : أيها الناس احتسبوا أعمالكم فإنَّ من احتسب عمله كتب له أجر عمله وأجر حسبته، ومنه الحديث من مات له ولد فاحتسبه أي احتسب الأجر بصبره على مصيبته يقال : احتسب فلان ابناً له إذا مات كبيراً وافترطه إذا مات صغيراً ومعناه اعتذ مصيبته في جملة بلايا اللّه التي يثاب على الصبر عليها.

ولا يخفى على البصير بأساليب الكلام، والعارف بمواقع اللغة أنَّ لكلمة الحسبة (بالباء) في المقام شأناً ليس للحسنة ( بالنون)، والتشابه بين الكلمتين أوجب تصحيف الأولى بالثانية، ولم يعترض أحد من شراح« النهج» و «الكافي» لهذه الدقيقة وإنما كانت نسخهم حسنة (بالنون).

قوله علیه السلام : إن أبق فأنا ولي دمي) كانت العبارة على نسخة المسعودي في المروج الذهب»: : إن أفق فأنا ولي دمي) وكلمة (أفق) مشتقة من الإفاقة أصله من (ف) و (ق)، قال ابن الأثير في «النهاية»: أفاق إذا رجع إلى ما كان قد شغل عنه وعاد إلى نفسه ومنه إفاقة المريض والمجنون والمغشى عليه والنائم .

قوله علیه السلام: ( وإن أفن فالفناء ميعادي) وذلك لأن كل نفس ذائفة الموت، وكل الموت ضروري أمره والوجه فيه هو كما أفاده المحقق الطوسي قدس سره قال : إن السبب الموجب للموت في جميع الحيوانات هو أن البدل الذي تورده الغاذية وإن كان كافياً في قيامه بدلاً عمّا يتحلّل فاضلاً عن الكفاية بحسب الكمية لكنّه غير كاف بحسب الكيفية، وبيان ذلك أن الرطوبة

الغريزيّة الأصليّة إنّما تخمّرت ونضجت في أوعية الغذاء أوّلاً، ثمّ في أوعية المني ثانياً، ثم في الأرحام ثالثاً؛ والذي تورده الغاذية لم يتخمّر ولم ينضج إلا في الأول دون الأخيرين فلم يكمل امتزاجها، ولم يصل إلى مرتبة المبدل عنها فلم يقم مقامها كما يجب بل صارت قوتها أنقص من قوة الأولى وكان كمن يفقد زيت سراج فأورد بدله ماء فما دامت الكيفية الأولى الأصلية غالبة في الممتزج على الثانية المكتسبة كانت الحرارة الغريزية آخذة في زيادة الاشتعال موردة على الممتزج أكثر ممّا يتحلّل فينموه الممتزج ، ثمَّ إذا صارت مكسورة السورة بظهور الكيفية الثانية وقفت الحرارة الغريزية وما قدرت على أن يورد أكثر مما يتحلّل وإذا غلبت الثانية انحط الممتزج وهرم وضعفت الحرارة إلى أن يبقى له أثر صالح الكيفية الأولى فيقع الموت ضرورة،

وظهر من ذلك أن الرطوبة الغريزية الأصلية من أول تكونها آخذة في النقصان بحسب الكيفية، وذلك هو السبب الموجب لفساد الممتزج لا غير فحصل المرام وذلك ما أردنا بيانه انتهى .

وقيل بالفارسية :

جان قصد رحیل کرد و گفتم که مرو*** گفتاچه کنم خانه فرو میآید

وقال الشيخ العارف السعدي :

چار طبع مخالف سرکش ***چند روزی بوند با هم خوش

چون یکی زین چهار شد غالب ***جان شیرین بر آید از قالب

قوله علیه السلام: و اللّه ما فجأني من الموت - إلخ) وذلك لأن أولياء اللّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وإنما يكره الموت من تعلّق بالدُّنيا ونسي حظه الأوفر في العقبى وأما أولياء اللّه فهم في الدُّنيا كمن ليس منها كما قاله اللّه في بعض الخطب الماضية؛ ولولا الأجل الذي كتب اللّه عليهم لم تستقرَّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثواب وخوفاً عن العقاب كما ألقاه على همام، وقد أخذ من مأدبته الشيخ الرَّئيس في قوله في النمط التاسع من الإشارات في مقامات العارفين فكأنّهم وهم في جلابيب من أبدانهم قد نضوها وتجرَّدوا عنها إلى عالم القدس.

وقال الشيخ العارف السعدي:

از هر چه میرود سخن دوست خوشتر است ***پیغام آشنا آشنا سخن روح پرور است

هرگز وجود حاضر و غائب شنیده ای *** من در میان جمع و دلم جای دیگر است

ابنای روزگار بصحرا روند و باغ ***صحرا و باغ زنده دلان کوی دلبر است

ثمَّ عقب كلامه علیه السلام بقوله : ( وما عند اللّه خير للأبرار) وكأنه بيان العلة في عدم خوفه من الموت وهذا اقتباس من قول اللّه عزّ وجل :«لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا

الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)» [آل عمران 199] فقد أشار علیه السلام إلى أنه من الأبرار وأنَّ الآية شاملة عليه، وقد وصف اللّه الأبرار في عدة مواضع من القرآن الكريم : رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [آل عمران : 193) وَإِنَّ 193 إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأَسِ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا [الإنسان: 6] ، (وَإِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ )الانفطار: 14«كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18)»«وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19)»«كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20)»«يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21)»«إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22)»«عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23)»«تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24)»«يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25)»«خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)»«وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27)»«عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28)»[ المطففين : 18 - 28] .

فمن كان من الأبرار بل قدوتهم وإمامهم وكانت له بعد ارتحاله من سجن الدُّنيا تلك المقامات المنيعة الخالدة والدَّرجات الرفيعة الدائمة فكيف لا يكون مع الموت كقارب ورد وطالب وجد وحق له أن يقول :

مرگ اگر مرداست گونزد من آی*** تادر آغوشش بگیرم تنگ تنگ

من از او ملکی ستانم جاودان ***أوزمن دلقی بگیرد رنگ رنگ

ونعم ما نظمه العارف الرومي في المثنوي :

چون بلال از ضعف شد همچون هلال*** رنگ مرگ افتاد بر روی بلال

جفت او دیدش بگفتا واحرب*** پس بلالش گفت نی نی وا طَرَب

تاکنون اندر حَرَب بودم ز زیست ***توچه دانی مرگ چه عیشست و چیست

این خمی گفت و رخش در عین گفت*** نرگس و گلبرگ ولا له میشکفت

تاب روو چشم پر أنوار او*** می گواهی داد برگفتار او

گفت جفتش الفراق ای خوش خصال*** گفی نی نی الوصا لست الوصال

گفت جفت امشب غریبی می روی*** از تبار و خویش غائب میشوی

گفت نی نی بلکه امشب جان من ***میرسد رسد خوش از غریبی در وطن

گفت نی نی بلکه امشب جان من ***سد خوش از غریبی در وطن

گفت ایجان ودلم وا حسرتا ***گفت نی نی جان من یا دولتا

گفت آن رویت کجا بینیم ما ***گفت اندر حلقه خاص خدا

گفت ویران گشت این خانه دریغ ***گفت اندر مه نگر منگر بمیغ

کرد ویران تا کند معمور تر*** قومانبه بود و خانه مختصر

انبیا را تنگ آمد این جهان ***چون شهان رفتند اندر لا مکان

مرد گانرا این جهان بنمود فر ***ظاهرش زفت و بمعنی تنگتر

روح از ظلم طبیعت باز رست ***مرد زندانی زفکر حبس جست

وقد مضى بيان باقي كلامه هذا في شرح الخطبة المقدَّم ذكرها من الشارح الخوئي رحمه اللّه، وسيأتي في« شرح المختار »77 من هذا الباب مباحث متعلقة بالمقام إن شاء اللّه تعالى

الترجمة

از سخنان امیرالمؤمنین ( علیه السلام) که پیشترک از بدرود زندگانی زمانی که از ضربت پسر ملجم در بستر بیماری افتاده بود بر سبیل وصیت فرموده است:

وصیتم به شما این است که چیزی را همتای خدا ندانید( شرك به خدا نیاورید) و سنت را تباه نکنید و این دو ستون دین را که توحید و حفظ سنت پیمبر است برپا بدارید. از شما نکوهش دور ،باد من دیروز یار شما بودم و امروز مایه پند برای شما و فردا از شما جدا میشوم اگر از بیماری نجات یافتم و در این جهان باقی ماندم من خود ولی خونم میباشم و اگر نماندم مرگ میعاد من است، اگر قاتلم را عفو کنم پس عفو برای من موجب غربت است و برای شما موجب پیشگیری به طلب اجر و تحصیل آن به تسلیم و صبر است (4) عفو ،کنید آیا بس دوست ندارید که خدا شما را بیامرزد؟ به خدا قسم از پیش آمد مرگ واردی که آن را ناخوش داشته باشم به من روی نیاورد و چیزی که آن را بد داشته باشم بر من ظاهر نشد و نیستم من مگر چون جویای آب که به آب برسد و چون طالبی که مطلوبش را یافته است و آن چه که نزد خدا است خدا است بهتر است برای نیکوکاران.

سید رضی گوید :که پاره ای از این گفتار در باب خطب ،گذشت جز این که در این جا کلامی بیشتر بود که در پیش نیاوردیم از این روی تکرار آن واجب شد.

ومن وصية له عليه الصلاة والسلام بما يعمل في ،أمواله كتبها بعد منصرفه من صفين وكلامه هذا هو المختار الرابع والعشرون من باب كتبه علیه السلام ورسائله

اشارة

هذا ما أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللّهُ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالب في مالِهِ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ لِيُولِجَهُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَيُعْطِيَهُ بِهِ الأَمَنةَ .

مِنْها وَإِنَّهُ يَقومُ بِذلِكَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِي يَأْكُلُ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ وَيُنْفِقُ مِنْهُ فِي الْمَعْرُوفِ، فَإِنْ حَدَثَ بِحَسَنِ حَدَتْ وَحُسَيْنُ حَيٍّ قَامَ بِالأَمْرِ بَعْدَهُ وَأَصْدَرَهُ مَصْدَرَهُ .

وَإِنَّ لابْنَي فاطِمَةَ مِنْ صَدَقَةِ عَلِيٍّ مِثْلَ الذي لِبَني عَلِيٍّ .

وإنّي إن جَعَلْتُ الْقِيامَ بِذلِكَ إلَى ابْنَي فَاطِمَةَ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللّهِ وقُرْبَةً إِلى رَسُولِ اللّهِ، وَتَكْرِيماً لِحُرْمَتِهِ، وَتَشْرِيفاً لِوُصْلَتِهِ.

وَيَشْتَرِطُ عَلَى الذي يَجْعَلُهُ إِلَيْهِ أَن يَتْرُكَ الْمَالَ عَلى أُصُولِهِ وَيُنفِقَ مِنْ ثَمَرِهِ حَيْثُ أُمِرَ بِهِ، وَهُدِيَ لَهُ ؛ وَأَنْ لا يَبيعَ مِنْ أَوْلادِ نَخيل هذِهِ الْقُرى وَدِيَّةٌ حَتى تُشكِلَ أَرْضُها غِراساً. وَمَنْ كَانَ مِنْ إمائي اللاتي أَطُوفُ عَلَيْهِنَّ لَها وَلَدٌ أَوْ هِيَ حَامِلٌ فَتَمْسَكُ عَلى وَلَدِها وَهِيَ مِنْ حَظْهِ فَإِنْ ماتَ وَلَدُها وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ عَتِيقَةٌ قَدْ أَفْرَجَ عَنْهَا الرِّقُ، وَحَرَّرَهَا الْعِتْقُ (1)

قال الرَّضِيُّ رضوان اللّه عليه : قوله علیه السلام في هذه الوصية : وألا يبيع من نخلها وديّة فإنَّ الوديّة الفسيلة وجمعها ودى.

وقوله علیه السلام : « حتّی تشكل أرضها غراساً» هو من أفصح الكلام والمراد به أنَّ الأرض يكثر فيها غراس النخل حتّی يراها الناظر على غير تلك الصفة التي عرفها به فيشكل عليه أمرها ويحسبها غيرها . انتهى .

المصدر ونقل الوصية على صورتها الكاملة

رواها ثقة الإسلام الكليني قدَّس سرّه في كتاب الوصايا من الجامع« الكافي» (ص 247 من الطبع الحجري، باب 35 من كتاب الوصايا) عن أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار ومحمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان عن صفوان بن يحيى، عن عبد الرحمن بن


1) بحار الأنوار: 255/42 ، ونهج السعادة : 462/8 .

الحجاج .

وشيخ الطائفة الطوسي قدس سره في كتاب الوقوف من «التهذیب » (ص 319 من الطبع على الحجر) عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن عبد الرَّحمن بن الحجاج وبينهما اختلاف في الجملة ودونك الوصية على نسخة «الكافي »قال عبد الرَّحمن بن الحجاج بعث إلي أبو الحسن علیه السلام بوصية أمير المؤمنين علیه السلام وهي :

بسم اللّه الرحمن الرحيم

هذا ما أوصى به في ماله عبد اللّه عليّ ابتغاء وجه اللّه ليدخلني به الجنّة ويصرفني به عن النّار، ويصرف النّار عنّي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.

أنه ما كان لي من مال بينبع يعرف لي فيها وما حولها صدقة ورقيقها غير أنَّ رباحاً، وأبا نيزر وجبيراً عتقاء ليس لأحد عليهم سبيل فهم موالي يعملون في المال خمس حجج وفيه نفقتهم ورزقهم وأرزاق أهاليهم. ومع ذلك ما كان لي بوادي القرى ذلك ما كان لي بوادي القرى كله من مال لبني فاطمة ورقيقها صدقة، وما كان لي بديمة وأهلها صدقة غير أنَّ زريقاً له مثل ما كتبت لأصحابه، وما كان لي بادنية وأهلها صدقة، والفقيرين كما قد علمتم صدقة في سبيل اللّه .

وإنَّ الذي كتبت من أموالي هذه صدقة واجبة بتلة حيّاً أنا أو ميتاً ينفق في كلّ نفقة يبتغي بها وجه اللّه في سبيل اللّه ووجهه وذوي الرَّحم من بني هاشم وبني المطلب والقريب والبعيد فإنّه يقوم على ذلك الحسن بن علي يأكل منه بالمعروف وينفقه حيث يراه اللّه عزّ وجلّ في حلّ محلل لا حرج عليه فيه فإن أراد أن يبيع نصيباً من المال فيقضي به الدين فليفعل إن شاء ولا حرج عليه فيه، وإن باع فإنّه يقسم ثمنها ثلاثة أثلاث فيجعل ثلثها في سبيل اللّه ، ويجعل ثلثاً في بني هاشم وبني المطلب، ويجعل الثلث في آل أبي طالب وأنّه يضعه فيهم حيث يراه اللّه ، وإن حدث بحسن حدث وحسين حي فإنّه إلى حسين بن علي .

وإِنَّ حسيناً يفعل فيه مثل الذي أمرت به حسناً له مثل الذي كتبت للحسن وعليه مثل الذي على الحسن.

وإنَّ لبني ابني فاطمة من صدقة علي مثل الذي لبني علي وإنّي إنما جعلت الذي جعلت لبني فاطمة ابتغاء وجه اللّه عزّ وجلَّ وتكريم حرمة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وتعظيمها وتشريفها ورضاها، وإن حدث بحسن وحسين حدث فإنَّ الآخر منهما ينظر في بني علي فإن وجد فيهم من يرضى بهداه وإسلامه وأمانته فإنّه يجعله إليه إن شاء، وإن لم ير فيهم بعض الذي يريده فإنّه يجعله إلى رجل من آل أبي طالب يرضى به، فإن وجد آل أبي طالب قد ذهب كبراؤهم وذوو رأيهم فإنّه يجعله إلى رجل يرضاه من بني هاشم.

وأنّه يشترط على الذي يجعله إليه أن يترك المال على أصوله وينفق ثمره حيث أمرته به من سبيل اللّه ووجهه وذوي الرَّحم من بني هاشم وبني المطلب والقريب والبعيد ولا يباع منه شيء ولا ولا يوهب ولا يورث وإنَّ مال محمّد بن عليّ على ناحية وهو إلى بني فاطمة .

وإنَّ رقيقي الذين في صحيفة صغيرة التي كتبت لي عتقاء .

هذا ما قضى به علي بن أبي طالب في أمواله هذه الغد من يوم قدم مسكن ابتغاء وجه اللّه والدار الآخرة و اللّه المستعان على كل حال ولا يحل لامرىء مسلم يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يقول في شيء قضيته من مالي ولا يخالف فيه أمري من قريب ولا بعيد.

أمّا بعد فإنَّ ولائدي اللاتي أطوف عليهنَّ السبعة عشر منهنَّ أُمهات أولاد معهنَّ أولادهنَّ، ومنهنَّ حبالى ومنهنَّ من لا ولد له فقضائي فيهنَّ إن حدث بي حدث أنه كان من منهنَّ ليس لها ولد وليست بحبلى فهي عتيق لوجه اللّه عزَّ وجلَّ ليس لأحد عليهنَّ سبيل، ومن كان منهنَّ لها ولد أو حبلى فتمسك على ولدها وهي من حظه (1)فإن مات ولدها وهي حية فهي عتيق ليس لأحد عليها سبيل هذا ما قضى به عليّ في ماله الغد من يوم قدم مسكن شهد أبو سمر بن أبرهة وصعصعة بن صوحان ويزيد بن قيس وهياج بن أبي هياج وكتب علي بن أبي طالب بيده لعشرة خلون من جمادى الأولى سنة سبع (2)و ثلاثین (3).

اللغة

(ليولجه) أي ليدخله ومنه الولجة بالتحريك موضع أو كهف تستر فيه المارة من مطر وغیره

(الابتغاء): الطلب، قال الجوهري في« الصحاح» : ابتغيت الشيء وتبعيته إذا طلبته وبغيته (حدث) بالتحريك : الحادث.

أصدره (مصدره يصح المصدر بفتح الميم) وضمّه معاً، والفتح أصح واختاره الرَّضِيَ رضوان اللّه عليه كما في النسخة التي قوبلت على نسخته، ففي« الصحاح» : أصدرته فصدر أي رجعته فرجع والموضع مصدر ومنه مصادر الأفعال.


1) نسخة : حصته.

2) في نسخة: تسع .

3) تاريخ المدينة : 228/1 ، وبحار الأنوار: 42/41 .

(الوصلة) بالضم: الصلة والقرابة .

وفيه (الودي) على فعيل صغار الفسيل الواحدة ،وديّةٌ والفسيلة والفسيل على فعيلة وفعيل صغار النخل والجمع الفُسْلان انتهى، وفي العبارة كناية حسنة عن النخيلات التي تنبت من النوى تحت أشجار النخل، أو تنبت من أصولها، وكان حملها على ما تنبت من أصولها أولى وأنسب.

(تشكل) قال ابن الأثير في «النهاية)) : وفي وصية علي علیه السلام : (وأن لا يبيع من أولاد نخل هذه القرى وديه حتّی تشكل أرضها غراساً أي حتّی يكثر غراس النخل فيها فيراها الناظر على غير الصفة التي عرفها به فيشكل عليه أمرها .انتهى وقال الكسائي : أشكل النخل طاب رطبه وأشكل العنب أينع بعضه.

(الغراس) بالكسر : فصيل النخل، ويقال للنخلة أوّل ما ينبت غريسة، ويقال : للجلدة الرقيقة التي تخرج مع الولد إذا خرج من بطن أمه غرس بالكسر.

قد أفرج عنها الرقُ) كلمة أفرج مشكولة في أكثر النسخ المطبوعة وشروحها بضمّ الهمزة) وكسر (الراء) ولكنها في نسخة الرضي بفتحهما ولذا اخترناه في المتن وهذا هو الصحيح ففي«الصحاح» للجوهري : أفْرَجَ الناس عن طريقه أي انكشفوا .

الإعراب

(ابتغاء) منصوب في كلا الموضعين لأنه مفعول له للفعلين أمر وجعلت وكلّ واحد من قربة وتكريماً وتشريفاً منصوب معطوف على الابتغاء الثاني مفعول له .

(ليولجه) منصوب (بأن) الناصبة المقدَّرة، (ويعطيه) منصوب معطوف على (يولج)، وضمير الفعلين يرجع إليه علیه السلام وفي بعض النسخ من المخطوطة وغيرها ليولجني ويعطيني) ففيه التفات من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلّم وما في المتن مطابق لنسخة الرضي ومختاره وضمير به في كلا الموضعين الأخيرين يصح أن يرجع إلى (ما) كالأول أو إلى الابتغاء.

( يأكل منه بالمعروف) حال للحسن علیه السلام فإن الجملة الفعلية إذا كانت مبدوءة بمضارع مثبت بدون (قد) فلا بد من ضمير رابط وحده أو معها فمع (الواو)، والأولى كما نحن فيه، والثانية كقوله تعالى: لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ [الصف : 5] .

( وينفق) معطوف على ( يأكل).

(وحسين حي) جملة اسمية حالية والرابط هو (الواو)، (قام) جواب (إن) ، (أصدر ) عطف على (قام)، والضميران في أصدره ومصدره يرجعان إلى الأمر، (مثل) منصوب اسم لأن

(لابني) ظرف مستقر خبر لها .

الظاهر أن ضمير (يشترط) يرجع إلى الأمير علیه السلام غاية الأمر أن في الكلام ( التفاتاً من التكلّم إلى الغيبة، أو عطف على أمر به فلا يلزم التفات ويؤيده ما في النسخة الآتي نقلها من الآتيان بالفعل الماضي وأنّه شرط وجاز أن يرجع إلى الإمام الحسن بقرينة يقوم ويأكل أو إلى الإمام الحسين علیه السلام فإنّه أقرب المراجع أو أنه راجع إلى من يتفوّض الأمور إليه خلفاً بعد سلف، ولكنّ الصواب هو الأوّل كما يدلّ عليه أسلوب الكلام وصورة الوصيّة.

جملة (أن يترك) مفعول يشترط ، وينفق عطف على يترك، وأن لا يبيع عطف على أن يترك .

(تشكل) منصوب (بأن) الناصبة المقدَّرة ،وجوباً ، (أرضها) مرفوعة على الفاعلية لتشكل، (غراساً) منصوب على التميز (من) موصول اسمي يستوي فيه المذكر والمؤنث (من) جارة بيانية لمن لها ولد حال للإماء وكذلك جملة هي حامل، ولم يقل حاملة لكونها صفة خاصة للأنثى، فتمسك) خبر الموصول الاسمي وقد دريت في المباحث السالفة أنَّ (الفاء) تدخل في خبر الموصول الاسمي في عدة مواضع وهذا منها (وهي من حظه حالية لضمير تمسك، (وهي حية أيضاً حال لها فهي عتيقة) جواب إن وادخل (الفاء) لكون الجملة اسميّة، قد أفرج) صفة للعتيقة لكونها نكرة وكذلك التالية .

المعنى

هذه الوصيّة قد رويت في« الجوامع الروائية» بصور مختلفة في الجملة ولعلنا نأتي بها ونبينها مع ذکر مصادرها وأسانيدها في شرح وصيته الآتية للإمامين الحسن والحسين علیهما السلام لما ضربه ابن ملجم، كما وعدناه في شرح المختار المقدَّم وما أتى بها الرَّضِيُّ رضوان اللّه عليه ملتقط منها كما هو دأبه وعنايته في كلام الأمير علیه السلام

واعلم أن جميع وصاياه علیه السلام لأولاده وبما يعمل في أمواله على ما استقصيناه إنّما هي كانت بعد منصرفه من صفين، وذلك لما كان يعلم من دنو ،شهادته، ولعلك تقول إن كان علم الإمام في زعمك على هذا المنوال فلم قال علیه السلام: فإن حدث بحسن حدث وحسين حتي ولم يجزم بما هو آت وجار في مستقبل الزَّمان؟ قلت : إنه علیه السلام تكلّم بما هو متعارف الناس في محاوراتهم وقد مضى بحثنا عن طور علم الإمام في المجلد الخامس عشر في شرح قوله علیه السلام: فجعلت أتبع مأخذ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فأطأ ذكره حتّی انتهيت إلى العرج على أنه يأتي البحث عن ذلك في شرح الوصية الآتية زيادة إيضاح في ذلك إن شاء اللّه تعالى.

قوله علیه السلام: ( يأكل منه بالمعروف - إلخ) لعل كلامه هذا لدفع ما عسى يتوهم من أن هذه

الصدقة حرام على الحسن بن علي علیه السلام كالزكاة فقال علیه السلام : أنّه يأكل منها بالمعروف وينفق منها بالمعروف فإنّها مال أبيه وقف عليه قوله علیه السلام: فإن حدث بحسن حدث أي إن أدركه الموت بقرينة قوله علیه السلام : وحسين حي .

قوله علیه السلام : (وإن لابني فاطمة صدقة - أه )يعني أنّهم فيها شرع واحد لا تختص ببعض من دون بعض ولا مزيّة لابني فاطمة في منافعها على غيرها ؛ نعم إنما جعلت القيام بذلك أي من يتولّى أمرها ويتصدّي عليها إليهما بتلك الوجوه الأربعة من ابتغاء وجه اللّه - إلخ ، أو المراد منه دفع التوهّم المتقدم.

قال الشارح المعتزلي : ثمَّ بيّن لماذا خصهما بالولاية؟ فقال: إنّما فعلت ذلك بشرفهما برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم فتقربت إلى رسول اللّه بأن جعلت لسبطيه هذه الرياسة وفي هذا رمز وإزراء بمن صرف الأمر عن أهل بيت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم مع وجود من يصلح للأمر أي كان الأليق بالمسلمين والأولى أن يجعلوا الرئاسة بعده لأهله قرابة إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم ، وتكريماً لحرمته وطاعة له وأنفة لقدره صلی اللّه علیه و آله وسلم و أن تكون ورثته سوقة يليهم الأجانب ومن ليس من شجرته وأصله، ألا ترى أنَّ أنَّ هيبة الرسالة والنبوَّة في صدور النّاس أعظم إذا كان السلطان والحاكم في الخلق من بيت النبوة وليس يوجد مثل هذه الهيبة والجلال في نفوس النّاس للنبوَّة إذا كان السلطان الأعظم بعيد النسب من صاحب الدعوة ، انتهى، ونعم من قال .

وكان لأمير المؤمنين علیه السلام فيهما شأن خاص وقصد تام ومزيد اهتمام وزيادة عناية يخصهما بها دون سائر بنيه تشريفاً لوصلة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم وتنبيهاً واعلاماً بمقامهما الشامخ ومنزلتهما السامية حتّی أنه كان يضنّ بهما على الحرب والقتال لئلا ينقطع نسل رسول اللّه هذه الأُمّة فإنَّ نسله من الحسن والحسين وتسعة من أولاد الحسين بعد من أبيهم أبي الأئمة عليهم حجج اللّه تعالى واحداً بعد واحدٍ على عباده ولم تخل الأرض من حجة اللّه على عباده قط ولا يخرج الحجّة من بيت النبوَّة قط، وقد روى نصر بن مزاحم في أواخر صفّين عن عبد الرحمن بن جندب قال : لما أقبل على علیه السلام من صفين أقبلنا معه فأخذ طريقاً غير طريقنا الذي أقبلنا فيه، ثمَّ أخذ بنا طريق البرّ على شاطىء الفرات حتّی انتهينا إلى هيت وأخذنا على صندودا فبات بها ثم غدا وأقبلنا معه حتّی جزنا النخيلة ورأينا بيوت الكوفة - إلى أن قال: ثم مضى غير بعيد فلقيه عبد اللّه بن وديعة الأنصاري فدنى منه وسأله فقال : ما سمعت النّاس يقولون في أمرنا هذا؟ قال: منهم المعجب به، ومنهم الكاره له ؛ والنّاس كما قال اللّه تعالى: وَلَا يَزَالُونَ مُختَلِفِينَ [هود: 118] فقال له : فما يقول ذوو الرأي؟ قال : يقولون : إنَّ عليّاً كان له جمع عظيم ففرقه وحصن حصين فهدمه و حتّی متى يبني مثل ما قد هدم، و حتّی متى يجمع مثل ما قد فرَّق؟ فلو أنه كان مضى بمن أطاعه إذ

عصاه من عصاه فقاتل حتّی يظهره اللّه أو يهلك إذا كان ذلك هو الحزم.

فقال علي علیه السلام: أنا هدمت أم هم هدموا؟ أم أنا فرَّقت أم هم فرَّقوا؟ وأما قولهم لو أنّه مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتّی يظفر أو يهلك إذا كان هو الحزم، فو اللّه ما غفلت عن ذلك الرأي وإن كنت سخيّ النفس بالدُّنيا طيب النفس بالموت ولقد هممت بالإقدام فنظرت إلى هذين قد استقدماني فعلمت أنَّ هذين إن هلكا انقطع نسل محمّد صلی اللّه علیه و آله وسلم من هذه الأمة فكرهت ذلك وأشفقت على هذين أن يهلكا ولو علمت أن هؤلاء مكاني لم يستقدما -يعني بذلك ابنيه الحسن والحسين - وأيم اللّه لئن لقيتهم بعد يومي لقيتهم وليس هما معي في عسكر ولا دار(1)

قوله علیه السلام : شرط (2)علیه السلام على من يفوض الأمر إليه ويتولّي أمور أموال الصدقة شرطين: الأوّل أن لا يبيعها ولا يوهبها ولا يتصرّف فيها تصرفات أخرى تخرجها عن أصلها بل يتركها على أصلها وينفق ثمرها حيث أمره اللّه من سبيل اللّه ووجوهه وذوي الرحم من بني هاشم وبني المطلب والقريب والبعيد فإنَّ الوقف تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة.

والثاني : أن لا يبيع من صغار النخيل ما لم يكثر غراسها وذلك لأنَّ الحاجة ربما تسوق إليها بحدوث آفة في النخيل فتخرس الفسيلة مكانها ، أو لأن قلع الفسلان ما لم تكثر النخيل ولم تكامل بعد يضرها بخلاف ما إذا بلغت إلى حدّ تشكل أرضها غراساً، سيّما إذا قلنا أنَّ المراد من أولاد النخيل وفصيلها وغراسها نخيلات تنبت من أُصولها كما هو الظاهر من العبارة ، لا ما تنبت من النوى، أو لأنَّ النخيل قبل أن تشكل أرضها غراساً مظنة للفساد من حيث قلتها وعدم التفافها، وإذا كثرت وكثفت والتفت لا تسلط عليها آفات من البر والحرّ والجدب ونحوها ولا تضرّها عندئذ قلع الفسلان .

قوله علیه السلام : (ومن كان من إمائي - إلخ) الطواف عليهنَّ كناية عن غشيانهنَّ أي نكاحهن يعني أنَّ الأمة التي لها ولد مني كسائر الإماء من التركة فمن كان من إمائي اللاتي لها ولد منّي، أو هي حامل منّي فهي تتعلق بولدها لا يجوز لسائر الورثة التصرف فيها مطلقاً كما يدلّ عليه قوله علیه السلام ( فتمسك على ولدها)، فإذا صارت من ميراث ولدها من تركتي تقوم وتباع على الولد فتتحرر قهراً لأنَّ الولد لا يملك العمودين ومتى ملكهما عتقا ولا يحتاج في ذلك إلى عنق الولد كما تحكم به الروايات الواردة عنهم علیهم السلام في الباب نقلها والبحث عنها يجرنا إلى الأطناب والخروج عن موضوع الكتاب وكلامه هذا صريح في أنَّ أُمَّ الولد لا تتحرّر بمجرد موت


1) بحار الأنوار: 552/32 ، ونهج السعادة : 295/2.

2) في نسخة : ويشترط

مولاها المستولد بل تنعتق من نصيب ولدها من تركة أبيه وهذا من مذهبنا الإمامية، وللعامة فيها اختلاف

قوله علیه السلام : (فإن مات ولدها - إلخ) واعلم أنّ أم الولد قبل موت مولاها المستولد مملوكة له لا تخرج بمجرد صيرورتها أم الولد عن الرقية ويجوز له التصرف فيها بما شاء من وطئها واستخدامها وعتقها في كفارة وغيرها سوى التصرف الذي يخرجها عن ملكه بغير العتق فلا يجوز له بيعها ولا هبتها ولا نحوهما من الناقلات، ثم إن مات ولدها قبل موت مولاها رجعت طلقاً فتعود د إلى حكمها الأول الذي كان لغير أُمّ ولد فيجوز لمولاها التصرف فيها مطلقاً، وإن مات ولدها بعد موت مولاها ولو كانت حياته برهة قليلة من الزمان كما أنها كانت حاملاً به ووضعته حياً ومات بعد ساعة فحكمها حكم أُمّ الولد التي قد دريت آنفاً أنها تجعل من حظه من تركة أبيه وتعتق عليه لا أنها ترجع بموته حينئذ طلقاً كالصورة المتقدّمة حتّى تعود مملوكة إلى الورثة نعم إن ولدته ميتاً بعد موت مولاها سقطاً كان أو غير سقط فلا يصدق به أنها أم ولد وأن ولدها مات .

فنقول : إنه علیه السلام أراد بقوله فإن مات ولدها وهي حية فهي عتيقة - إلخ دفع ما عسى يتوهم بأن أم الولد إذا مات ولدها بعد موت مولاها سيما إذا كانت حاملاً به ووضعته بعد موت مولاها ثم مات ترجع طِلْقاً كما إذا مات في حياته فقال علیه السلام : ليس حكمها في هذه الحالة كالصورة المتقدمة بل إنّها عتيقة قد أفرج عنها الرّق وحرّرها العتق وذكر الفعلين على هيئة الماضي إشارة لطيفة إلى أنها كانت عتيقة منذ موت ،مولاها، فتأمل، وفي ما أشرنا إليها أحكام أخرى خاصة ومباحث فقهيّة تطلب في الكتب الفقهية.

ثمَّ إنَّ في أصل الوصيّة مواقع للبحث عن مسائل فقهية وغيرها أعرضنا عنها خوفاً للإطالة ولعلنا نأتي بطائفة منها في شروح الوصايا الآتية ونكتفي الآن ببيان بعض اللغات والعبارات :

( ينبع) : قال في القاموس : ينبع كينصر حصن له عيون ونخيل وزرع بطريق حاج مصر وقال ياقوت في «معجم البلدان»: ينبع بالفتح ثمَّ السكون (والباء الموحدة مضمومة (وعين) مهملة بلفظ ينبع الماء قال عَرَّام بن الأصبغ السلمي هي عن يمين رضوى لمن كان منحدراً من المدينة إلى البحر على ليلة من رضوي من المدينة على سبع مراحل وهي لبني حسن بن علي وكان يسكنها الأنصار وجهينه وليث وفيها عيون عذاب غزيرة وواديها يَلْيل وبها منبر وهي قرية غناء وواديها يصب في غيقة، وقال غيره : ( ينبع) حصن به نخيل وماء وزرع وبها وقوف لعلي بن أبي طالب يتولاها ولده، وقال ابن دُرَيْد : ( ينبع) بين مكة والمدينة، وقال غيره : ( ينبع) من أرض تهامة غزاها النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم ما لم يلق كيداً وهي قريبة من طريق الحاج الشامي أخذ

اسمه من الفعل المضارع لكثرة ينابيعها، وقال الشريف بن سلمة بن عياش الينبعي : عددت بها مائة وسب- وسبعين عيناً، وعن جعفر بن محمد علیه السلام قال : أقطع النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم عليا علیه السلام أربع أرضين القفيران وبيرقيس والشجرة وأقطع عمر (ينبع) وأضاف إليها غيرها، انتهى ما في المعجم (1)

(حجج) أي سنوات جمع الحجّة أي السنة، (بديمة) وفي التهذيب : بدعة وهي (بالعين) المهملة عين قريب المدينة (غير أن زريقاً له مثل ما كتبت لأصحابه) وفي «التهذيب» : غير أن رقيقها لهم مثل ما كتبت لأصحابهم، وفي أول كتاب الوقوف من التهذيب ذيب بإسناده عن ربعي بن عبد اللّه ، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : تصدَّق أمير المؤمنين علیه السلام بدار له بالمدينة في بني زريق فكتب: بسم اللّه الرّحمن الرحيم هذا ما تصدَّق به عليّ بن أبي طالب وهو حي سوي تصدَّق بداره التي في بني زريق صدقة لاتباع ولا توهب حتّی يرثها اللّه الذي يرث السماوات والأرض، وأسكن هذه الصدقة خالاته ما عشن وعاش عقبهنَّ فإذا انقرضوا فهي لذوي الحاجة من المسلمين انتهى، وبني زريق بالتصغير بطن من الأنصار (بادنيه) وفي« التهذيب» : بأذينة.

(والفقيرين كما قد علمتم) وفي «التهذيب» والقصيرة كما قد علمتم، وقال المجلسي رحمه اللّه في كتاب الوصايا من« مرآة العقول» (ص 135 ج 4 من الطبع الحجري قوله علیه السلام : العفرتين، وفي بعض النسخ الفقيرتين وفي بعضها الفقرتين قال في تاريخ المدينة : موضعان بالمدينة يقال لهما الفقران عن جعفر الصادق علیه السلام أقطع النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم عليا علیه السلام أربع أرضين الفقرين وبئر قيس والشجرة(2)، وقال : الفقير اسم حديقة بالعالية قرب بني قريظة من صدقة علي بن أبي طالب علیه السلام ، قال ابن شبه في كتاب علي علیه السلام : الفقير لي كما قد علمتم صدقة في سبيل اللّه ؛ وأهل المدينة ينطقون مفرداً مصغراً. انتهى ما في« المرآة».

(واجبة بتلة) بتقديم (الباء)، قال في القاموس : صدقة بتلة منقطعة عن صاحبها (سرى الملك )السريّ ، النفيس والشريف، وفي نسخة «التهذيب» : شراء الملك (ولد علي) جمع الولد كأسد وأسد .

قوله علیه السلام : ( فليبع إن شاء لا حرج عليه) قال في «مرآة العقول»: ظاهره جواز اشتراط بيع الوقف متى شاء الموقوف عليه وهو خلاف ما هو المقطوع به في كلام الأصحاب إلا أن يحمل على أنه علیه السلام إنما وهبها لهما وكتب الوقف لنوع من المصلحة قال: قال في الدروس لو


1) الغارات : 701/28 ، ونهج السعادة : 444/8.

2) نهج السعادة : 436/8 ، ومكاتيب الرسول: 1/ 332 ح 170 .

شرط بيعه متى شاء أو هبته أو نقله بوجه من وجوه التملك بطل.

قوله علیه السلام (وإن حدث بحسن وحسين حدث - إلى قوله يرضى به) وفي «التهذيب» : وإن حدث بحسن وحسين حدث فإنَّ الآخر منهما ينظر في بني عليّ فإن وجد فيهم من يرضى بهديه (1)وإسلامه وأمانته فإنّه يجعله إليه إن شاء وإن لم ير فيهم بعض الذي يريد فإنّه في بني ابني فاطمة فإن وجد فيهم من يرضى بهديه وإسلامه وأمانته فإنه يجعله إليه إن شاء، وإن لم ير فيهم بعض الذي يريد فإنّه يجعله إلى رجل من آل أبي طالب يرضى به .

قوله علیه السلام : (وأن مال محمد بن علي على ناحية قال بعض شراح الحديث : يمكن أن يقرأ أنَّ مشدّدة ويكون المراد أنَّ مال محمد بن الحنفية ليس داخلاً فيما سبق من أن ولد علي وأموالهم إلى الحسن ، ولعله العلم أنّه لم يتابع الحسن كباقي أولاده، أو أنه لا يحتاج إلى معاونة الحسن الرشده وكمال عقله ويمكن أن يقرأ (إن) المخففة ويكون المراد أن الأمر إلى الحسن والحسين علیهما السلام في جميع ما سبق وإن مال محمّد بن الحنفية إلى جانب ولم يرض بذلك. وقوله علیه السلام : وهو إلى ابني فاطمة أي النظر في الأمور المذكورة إليهما وهي تأكيد لما سبق و اللّه أعلم، انتهى كلامه .

قوله علیه السلام : كتبت لي عتقاء ) وفي «التهذیب » : كتبت عتقاء، بدون كلمة لي (مسكن) بكسر الكاف موضع من أرض الكوفة، كما في« الصحاح»، وقوله علیه السلام : هذا ما قضى به علي في ماله الغد من يوم قدم مسكن يعني أن ذلك كان في غد من يوم ورودنا وقدومنا الموضع الذي يقال له مسكن أرّخ الكتابة وذكر الشهور وسائر الخصوصيات لأنها توجب زيادة الوثوق بها.

قوله علیه السلام :( أبو سمر) في نسخة «الكافي »كان بالسين المهملة، وفي «التهذیب » بالمعجمة ، وقال في« مرآة العقول»: قال ابن حجر في« التقريب »في حرف الشين المعجمة: أبو شمر بكسر أوله وسكون الميم الضبعي المصري.

وليعلم أنَّ في العتق فضلاً كثيراً وثواباً جزيلاً، والشارع تعالى جعل لعتق العبيد والإماء أسباباً عديدة لكي يخرج عباد اللّه عن الرقبة ويكونوا أحراراً منها : التدبير، ومنها المكاتبة بقسميها، ومنها العتق في كفّارة ومنها التحرير وهذه الأقسام تعمّهم، ومنها ما يخص الإماء وهو صيرورتهنّ أُمهات أولاد.

وقد قال اللّه تعالى:«فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11)»«وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12)»«فَكُّ رَقَبَةٍ (13)» الآية، وقد روى شيخ الطائفة في أوّل كتاب العتق من التهذيب بإسناده عن حفص بن البختري عن


1) في نسخة : بهداه .

أبي عبد اللّه جعفر بن محمد علیه السلام أنه قال في الرَّجل: يعتق المملوك قال : يعتق اللّه بكل عضو منه عضواً من النار، وقال يستحب للرّجل أن يتقرَّب عشية عرفة ويوم عرفة بالعتق وصدقة .

وبإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر محمد بن علي علیه السلام قال : قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم :من أعتق مسلماً أعتق اللّه العزيز الجبّار بكل عضو منه عضواً من النّار (1).

وبإسناده عن إبراهيم بن أبي البلاد عن أبيه رفعه قال : قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وسلم : من أعتق مؤمناً أعتق اللّه العزيز الجبار بكلّ عضو له (2)عضواً من النار فإن كانت أُنثى أعتق اللّه العزيز الجبّار بكلّ عضوين منها عضواً من النار لأنَّ المرأة نصف الرَّجل(3)، وغيرها من النصوص المروية في الجوامع الروائية من الفريقين .


1) تهذيب الأحكام: 216/8 ح 769 ، ووسائل الشيعة : 9/23 .

2) في نسخة منه

3) من لا يحضره الفقيه : 113/3 الفقيه : 113/3 ح 3433 ، ووسائل الشيعة : 13/23

الترجمة

از جمله وصیت امیرالمؤمنین(علیه السلام ) است به آن چه که در اموال او عمل شود و این وصیت را بعد از برگشتن از جنگ صفین فرموده است :

این است آن چه که بنده خدا علی بن ابی طالب در مال خود برای طلب وجه اللّه فرموده و حکم کرده است تا خداوند وی را بدین کار به بهشت برد و امن و آسایش بخشد .

از جمله آن وصیت اینکه حسن بن علی باید متصدّی آن باشد و به مضمون وقف عمل ،نماید از آن به وجه پسندیده و مطابق دستور شرع بخورد و ببخشد پس اگر برای حسن پدیده مرگ پیش آمد و حسین زنده است باید حسین مانند او به انجام کار آن قیام کند و تولیت را در عهده بگیرد و همانا که برای این دو فرزند فاطمه (حسن و حسین) از مال وقف علی مثل آن چیزی است که برای دیگر فرزندان علی است. یعنی باید همه از آن بهره ببرند نه این که چون صدقه و زکاة بر حسن و حسین حرام باشد و یا آن دو را بر دیگری مزیتی از این حیث باشد و همانا که تولیت و تصدّی وقف را به دو فرزند فاطمه از جهت طلب وجه اللّه تقرّب به رسول خدا و گرامی داشتن حرمت او و بزرگ داشت و تشریف به وصلت او قرار داده ام و آن که تولیت را عهده دار است باید که اصل مال را به هیچوجه منتقل نسازد و آن را به همانطور باقی بگذارد و درآمد و ثمره آن را مطابق دستور مصرف کند و باید که اولاد نخل را (نهال های ریزی که از ریشه درختهای بزرگ یا از خسته خرما می روید) نفروشد تا این که درختها بزرگ و انبوه شوند به حدی که کثرت اشجار سبب اشتباه و عدم معرفت به حال سابق آن زمین شود.

و کنیزکانی که به آنها مباشرت کردم آن که از من فرزنددار یا باردار است باید از مال فرزندش که از ترکه من ارث میبرد محسوب شود و آزاد گردد و اگر فرزندش مرد و خود زنده است آزاد است

ومن وصية له علیه السلام كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات وإنما ذكرنا هنا جملا منها ليعلم بها أنه علیه السلام كان يقيم عماد الحق ويشرع أمثلة العدل في صغير الأمور وكبيرها، ودقيقها وجليلها

اشارة

انْطَلِق عَلى تَقْوَى اللّهِ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَلا تَروعَنَّ مُسْلِماً ، وَلا تَخْتارَنُ عَلَيْهِ كارِها، ولا تَأخُذَنَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ حَقٌّ اللّه في مالِهِ، فَإِذا قَدِمْتَ عَلَى الْحَيِّ فَانْزِلْ بِمَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخَالِطَ أَبْيَاتَهُمْ، ثُمَّ امْضِ إِلَيْهِمْ بِالسِّكِينَةِ وَالْوَقَارِ حَتى تَقُومَ بَيْنَهُمْ فَتُسَلَّمَ عَلَيْهِمْ .

وَلا تُخْدِج بالتَّحِيَّةِ لَهُمْ ثُمَّ تَقُولَ : عِبادَ اللَّهِ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اللَّهِ وَخَليفَتُهُ لأخُذَ مِنْكُمْ حَقٌّ اللّهِ في أَمْوالِكُمْ، فَهَلْ لِلَّهِ في أَمْوالِكُمْ مِنْ حَقٌّ فَتُؤَدُّوهُ إِلى وَلِيْهِ؟ فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : لا . فَلا تُراجِعْهُ، وإِنْ أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِمْ فَانْطَلِقُ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخيفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ أَوْ تَعْسِفَهُ أَوْ تُرْهِفَهُ؛ فَخُذْ مَا أَعْطَاكَ مِنْ ذَهَب أَوْ فِضَّةٍ ؛ فَإِنْ كانَ لَهُ ماشِيَةٌ أَوْ إِيلَ فَلا تَدْخُلُها إلا بِإِذْنِهِ فَإِنَّ أَكْثَرَها لَهُ فَإِذا أَتَيْتَها فَلا تَدْخُلْ عَلَيْها دُخُولَ مُتَسَلَّطٍ عَلَيْهِ وَلا عَنيف بِهِ وَلا تُنَفْرَنْ بَهِيمَةً وَلا تُفْزِعَنَّها وَلا تُفَزِّعَنَّها - معاً) وَلا تَسُوءَنَّ صاحِبَها فيها .

وَاصْدَعِ الْمَالَ صَدْعَيْنِ ثُمَّ خَيْرُهُ ، فَإِذَا اخْتارَ فَلا تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتارَهُ. ثُمَّ اصْدَعِ الْباقِيَ صَدْعَيْنِ ثُمَّ خَيْرُهُ، فَإِذَا اخْتارَ فَلا تَعْرِضَنْ لِمَا اختار، فَلا تَزالُ بِذلِكَ حَتى يَبْقى ما فيهِ وَفَاء لِحَقِّ اللّه في مالِهِ؛ فَاقْبِضْ حَقَّ اللَّهِ مِنْهُ فَإِنِ اسْتَقالَكَ فَأَقِلْهُ ، ثُمَّ اخلطها (اخلطهما - نسخة) ثُمَّ اصْنَعْ مِثْلَ الذي صَنَعْتَ أَوْلاً حَتى تَأْخُذَ حَقٌّ اللَّهِ فِي مَالِهِ.

وَلا تَأْخُذَنَّ عَوْداً، وَلا هَرِمَةٌ، وَلا مَكْسُورَةٌ، وَلا مَهْلُوسَةً ذاتِ عَوارٍ، ولا تَأْمَنَنْ عَلَيْهَا إِلا مَنْ تَشِقُ رافقاً بِمالِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تُوَصْلَهُ بالتاء والياء - معاً) إلى وَلِيْهِمْ فَتَقْسِمَهُ (بالياء نسخة) به بَيْنَهُمْ ، وَلا تُوَكَّلْ بها إلا ناصحاً شفيقاً وَأَميناً حَفِيظاً غَيْرَ مُعْنِفٍ وَلا مُجْحِفٍ وَلَا مُلْغِبٍ وَلَا مُتَعِبٍ.

ثُمَّ احْدُرُ إِلَيْنَا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ نُصَيّرْهُ حَيْثُ أَمْرَ اللّهُ بِهِ ، فَإِذا أَخَذَهَا أَمِينُكَ فَأَوْعِزْ إِلَيْهِ أَلَا يَحُولَ بَيْنَ ناقَةٍ وَبَيْنَ فَصيلها، وَلا يَمْصُرَ لَبَنَها فَيَضُرَّ ذلِكَ بِوَلَدِها وَلا يَجْهَدَنَّها رُكُوباً، وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ صَواحِباتها في ذنِكَ وَبَيْنَهَا، وَلْيُرَفِّهُ عَلى اللاغبِ، وَلْيَسْتَأْنِ بِالنَّقِبِ والظَّالِعِ، وَلْيُورِدُها ما تَمُرُّ بِهِ مِنَ الْغُدُرِ ، ولا يَعْدِلُ بِها عَنْ نَبْتِ الأَرْضِ إِلى جَوادُ الطُّرُقِ، وَلْيُرَوْحُها فِي السَّاعَاتِ، وَلْيُمْهِلْها عِنْدَ النطافِ والأَعْشابِ، حَتَّى يَأْتِيَنَا بِإِذْنِ اللّهِ بُدْنا مُنْقِياتٍ، غَيْرَ مُتْعَباتِ وَلا مَجْهُودَاتٍ لِنَفْسِمَها عَلى

كِتابِ اللّهِ ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلی اللّه علیه و آله وسلم فَإِنْ ذلِكَ أَعْظَمُ لأَجْرِكَ وَأَقْرَبُ لِرُشْدِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (1)

اللغة

(ولا تروعن) من الروع بالفتح بمعنى الفزع والكلمة مشكولة في أكثر النسخ بضم (التاء) وفتح (الراء) وكسر (الواو) المشدّدة من الترويع، وفي نسخة الرّضي بفتح (التاء) وضم الراء ) من الروع كما اخترناها في المتن ومعناها على الوجهين واحد ففي «الصحاح»: رُعْتُ فلاناً ورَوْعتُه فارتاع أي أفزعته ففزع .

(ولا تختارنَّ) ((بالخاء) المعجمة (والراء ) المهملة من الاختيار على نسخة الرّضي رضوان اللّه عليه وفي نسخ (تجتازن) (بالجيم) (والزاي) المعجمة من الاجتياز بمعنى السلوك من قولك جزت الموضع أجُوزه جوازاً أي سلكته وسرت فيه .

(الحي) واحد أحياء العرب أصله من (ح ى و ) .

(تخدج) (بالخاء) المعجمة (والجيم)، قال ابن الأثير في« النهاية»: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوانه وإن كان تام الخلق وأخدجته إذا ولدته ناقص الخلق وإن كان لتمام الحمل ؛ ومنه حديث سعد أنّه أتى النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بمخدج سقيم أي ناقص الخلق، ومنه حديث علي علیه السلام : تسلّم عليهم ولا تخدج التحية لهم أي لا تنقصها انتهى، وقال الجوهري في« الصحاح»: وفي الحديث كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج أي نقصان، وأخدجت الناقة إذا جاءت بولدها ناقص الخلق وإن كانت أيامه تامة فهي مُحْدِج والولد مُخْدَجٌ، ومنه حديث علي علیه السلام في ذي الثديه مُخدّج اليد أي ناقص اليد. انتهى .

(تخيفه) من الإخافة بمعنى التخويف وأصلها الخوف، يقال: وجعٌ مُخيف أي يُحيفُ من راه .

(توعده) من الإيعاد يستعمل في الشر، قال الجوهري في«الصحاح» : الوعد يستعمل في الخير والشر، قال الفراء يقال : وعدته خيراً، ووعدته شراء قال الشاعر :

الا علّلاني كل حي معلل ***ولا تَعِداني الشر والخير مقبل

فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير : الوعد والعدة وفي الشر : الإيعاد والوعيد

قال الشاعر:

وإنّي وإن أوعدته أو وعدته*** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي


1) ميزان الحكمة: 1934/3 ، ووسائل الشيعة : 134/9

(تعسفه) من العسف بمعنى الأخذ على غير الطريق، كما في «الصحاح»، وقال ابن الأثير في «النهایة» العسف الجور، وفي الحديث : لا تبلغ شفاعتي إماماً عسوفاً أي جائراً ظالماً، والعسف في الأصل أن يأخذ المسافر على غير طريق ولا جادة ولا علم، وقيل: هو ركوب الأمر من غير روية فنقل إلى الظلم والجور انتهى .

(ترهقه )من الإرهاق يقال أزهَقَهُ طغياناً أي أغشاه إيَّاه، ويقال : أَرْهَقَني فلان إثماً حتّی رهقته أي حمّلني إثماً حتّی حملته، قال أبو زيد أرهقه عسراً أي كلَّفَه إِيَّاه، يقال: لا تُرْهِقْني لا أرهقك اللّه أي لا تعسرني لا أعسرك اللّه ، قاله في«الصحاح» .

(الماشية) جمعها المواشي وهي اسم يقع على الإبل والبقر والغنم وأكثر ما يستعمل في الغنم، قاله في« النهاية».

(عنيف به) العنف بالضم فالسكون - ضدّ الرفق تقول : منه عَنْفَ عليه بالضم وعَنْفَ به أيضاً والعنيف الذي ليس له رفق بركوب الخيل والجمع عُنُق ، قاله في« الصحاح». وفي «النهایة» : في الحديث إن اللّه يعطي على الرفق ما لا يعطى على العنف هو بالضم:الشدَّة والمشقة وكلّ ما في الرفق من الخير ففي العنق من الشر مثله .

(تنفرن) نفرت الدابة من كذا نفوراً ونفاراً من بابي نصر وضرب: جزعت وتباعدت فهي نافر ونفور ونقره جعله نافراً .

(لا تفزعنّها) أصلها من الفزع بمعنى الذُّر ، ورويت في نسخة الرّضي على وجهين بضمُ (التاء) وكسر (الزاء) من الإفزاع وبضم (التاء) وفتح (الفاء) وكسر (الزاء) المشدّدة شددة من من التفريد التفريع ، والإفزاع بمعنى الإخافة والإغاثة من الأضداد وكذلك التفزيع يقال : فزّعه أي أخافه عنه أي كشف عنه الخوف ومنه قوله تعالى : حَتَّى إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ ) أي كشف عنها الفزع، قاله في« الصحاح» .

(واصدع ) الصدع الشق (استقالك )الإستقالة طلب الإقالة أصلها من( ق ي ل )يقال : أقالَه يُقيله إقالة وتقايلاً إذا فسخا البيع وعاد المبيع إلى مالكه والثمن إلى المشتري إذا كان قد ندم أحدهما أو كلاهما .

(عوداً) بفتح (العين) المهملة وسكون (الواو)، قال في« الصحاح»: العود: المسنّ من الإبل وهو الذي جاوز في السن البازل والمُخلَفَ، وجمعه عِوَدَة، وقد عود البعير، وفي المثل : إن جرجر العود فزده ،وقراً، والناقة عَودةً، ويقال : راحم بعودٍ أودَعْ أي استَعِنْ على حربك بأهل السن والمعرفة فإن رأي الشيخ خير من مشهد الغلام، انتهى .

(هرمة) مؤنثة هَرِم من الهرم بالتسكين بمعنى كبر السن .

(مهلوسة) الهلاس بالضمّ السّل وقد هلسه المرض يهلسه هلساً أي أضعفه ورجل مهلوس العقل أي مسلوبه، ويقال : السلاس في العقل والهلاس في البدن .

(عوار) قال في «النهاية» في حديث الزكاة:« لا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار »العوار بالفتح : العيب وقد يضم .

(ملغب) فاعل من الإلغاب بمعنى الإتعاب والإعياء.

(أوعز إليه) وعز إليه في كذا أن يفعل أو يترك يعز وعزاً - من باب ضرب - تقدم وأشار وأوعز إليه إيعازاً بمعنى وعز إليه .

(الفصيل) ولد الناقة إذا فضل عن أمه والجمع فصلان الأصابع، قال ابن السكيت :المصر حَلَب كل ما في الضرع، والتَّمَصر حلب بقايا اللبن في الضرع .

وقال ابن الأثير في« النهاية»: وفي حديث علي علیه السلام «ولا يمصر لبنها فيضر ذلك بولدها »والمصر الحلب بثلاث أصابع يريد لا يكثر من أخذ لبنها .

(لا يجهدنها )من الجهد بالفتح أي المشقة يقال : جهد دابته وأجهدها إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها .

(اللاغب) فاعل من اللغوب بمعنى التعب والإعياء.

(ويستأن) من الأناة أصلها الوني يقال : استأنيتُ بكم أي انتظرتُ وتربّصتُ.

(النقب) يقال : نقب البعيرُ بالكسر إذا رقَّتْ أخفافه وقال ابن الأثير في «النهاية»: النقب : رقة الأخفاف ومنه حديث علي علیه السلام : ويستأن بالنقب والضالع أي يرفق بهما ويجوز أن يكون من الجرب.

أقول : يعني أن يكون النقب مشتقاً من النقبة بالضم وهي أول ما يبدو من الجرب وقال في مادة ظلع منها : الظلع بالسكون العرج وقد ظلع يظلع ظلعاً فهو ظالع، ومنه حديث الأضاحي ولا العرجاء البين ،ظلعها وفي حديث علي علیه السلام : وليستأن بذات النقب والظالع أي بذات الجرب ،والعرجاء انتهى، وسيأتي البحث لبحث عن ذلك في المعنى .

(الغدر) بضمتين جمع الغدير وفي« الصحاح» الغدير : القطعة من الماء يغادرها السيل وهو فعيل في معنى مُفاعَل من غادره أو مُفعل من أغدره، ويقال : هو فعيل بمعنى فاعل لأنه يغدر بأهله أن ينقطع عند شدة الحجة إليه، قال الكميت :

ومن غدره نبز الأولون ***إذ لقبوه الغدير الغدیر

والجمع غُدْران وغُدُر .

(جواد) بتشديد (الدال) جمع الجادة بتشديدها أيضاً بمعنى معظم الطريق.

(النطاف)جمع النطفة بمعنى الماء الصافي قل أو كثر، وأما النطفة بمعنى ماء الرّجل فجمعها نُطَف.

(أعشاب) جمع العش- العشب بالضم فالسكون وهو الكلاء الرطب .

(بدنا) البدن كطلب جمع بادِن كطالب، يقال: بدن بدناً وبدناً من باب نصر إذا عظم بدنه بكثرة لحمه فهو بادن للمذكر والمؤنث، وقد يقال فى المؤنث بادنة، والبدن: السمن، والبدنة بالفتحات ناقة أو بقرة تنحر بمكة سميت بذلك لأنهم كانوا يُسمّنونها .

الإعراب

على تقوى اللّه متعلق بمقدّر أي اذهب معتمداً على تقوى اللّه، مثلاً، (وحده) حال اللّه أي موحداً ، (امض إليهم) في بعض النسخ : امض عليهم( بالتحية) قرئت بالوجهين (بالباء) وعدمها (صدعين) مفعول مطلق عددي ( بذلك) في أكثر النسخ: كذلك، وما في المتن مطابق النسخة الرَّضي، (ولا يمصر) منصوب (بان) لأنه معطوف على قوله لا يحول أي أوعز إليه أن لا يمصر لبنها وفي سائر النسخ مجزومة وهي وهم ( ركوباً) بضم (الراء) وفتحها تميز (منقيات) وأخواتها صفات للبدن لأنها تذكر وتؤنّث .

محتوى الجزء الثامن عشر من كتاب منهاج البراعة شرح نهج البلاغة

[ تتمة المختار التاسع من كتبه علیه السلام ورسائله] ...7

خاتمة ...11

الترجمة...11

ومن كتاب له علیه السلام إليه أيضاً وهو الكتاب العاشر من باب المختار من كتبه ورسائله ...21

سند الكتاب ونقل صورته الكاملة ...21

اللغة ...24

الإعراب ...27

المعنى ... ...28

کلام هاشم بن عتبة له علیه السلام ...28

کلام عمار بن ياسر له علیه السلام ...28

كلام قيس بن سعد له علیه السلام ...29

کلام سهل بن حنيف له علیه السلام ...29

كلام اربد الفزاري له علیه السلام وقتله ...29

كلام الاشتر له علیه السلام ... ... 30

كلام ابن المعتم وحنظلة العبسي المعروف بحنظلة الكاتب له علیه السلام وكانا كاتبين لمعاوية ومخالفين لأمير المؤمنين علي علیه السلام ، وما قال لهما قوم علي علیه السلام ، وأمره بهدم دار حنظلة وما جرى في ذلك ...30

كلام عدي بن حاتم الطائي له علیه السلام ...32

كلام زيد بن حصين الطائي له علیه السلام ...32

كلام أبي زبيب بن عوف له علیه السلام ...33

كلام يزيد بن قيس الأرحبي ...33

کلام زياد بن النضر له علیه السلام ...33

كلام عبد اللّه بن بديل له علیه السلام ...34

سب أصحاب علي علیه السلام معاوية وأتباعه وبراءتهم عنهم ومنعه إياهم عن السب ...34

كتابه علیه السلام إلى مخنف بن سليم وقد كان عامله علیه السلام على أصفهان و همدان...35

وهذا الكتاب لم يأت به الرضي رضوان اللّه عليه في النهج ...35

كتابه علیه السلام إلى عبد اللّه بن عباس وقد كان عامله على البصرة وهذا الكتاب أيضاً ليس في النهج ...36

كتابه علیه السلام إلى الأسود بن قطنة ...36

كتابه علیه السلام إلى عبد اللّه بن عامر وهذا الكتاب أيضاً لا يوجد في النهج...37

رؤية النبي صلی اللّه علیه و آله وسلم بني أمية في المنام على صور قرود تصعد منبره وترد الناس عن الإسلام القهقرى ...43

جميع ملك بني أمية كان ألف شهر كاملة ...46

االترجمة ...52

ومن وصية له علیه السلام وصى بها جيشاً بعثه إلى العدو وكلامه هذا هو المختار الحادي عشر من باب الكتب والرسائل ...56

سندها ونقلها على صورتها الكاملة على رواية نصر في صفين والحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول ...56

کتاب زياد بن النضر إلى أمير المؤمنين علي علیه السلام ...57

کتاب شريح بن هاني إليه علیه السلام ...57

كتابه علیه السلام إلى زياد بن النضر وشريح بن هاني في جواب كتابهما وهذا الكتاب هو الذي أتى به الرضى في النهج وعنونه بقوله ومن وصية له وصى بها جيشاً بعثه إلى العدو أعني تلك الوصية التي نحن بصدد شرحها الآن على صورتها الكاملة على رواية نصر...58

صورة الكتاب على رواية ابن شعبة... 59

اللغة ...60

الإعراب ...65

المعنى ...65

الترجمة ...70

ومن وصية له علیه السلام لمعقل بن قيس الرياحي حين أنفذه إلى الشام في ثلاثة آلاف مقدمة له وكلامه هذا المختار الثاني عشر من باب كتبه ورسائله وعهوده ووصاياه علیه السلام ...72

ذکر سندها والكلام في تلفيقها ...72

اللغة ...73

الإعراب ...75

المعنى ...75

صورة صفحة ...93

الترجمة ... ...101

ومن كتاب له علیه السلام إلى أميرين من أمراء جيشه وهو المختار الثالث عشر من باب كتبه ورسائله ... ...102

مصدر الكتاب وسنده ... 102

اللغة ...103

الإعراب ...105

المعنى ...105

الترجمة ...108

ومن وصينه علیه السلام لعسكره بصفين وكلامه هذا هو المختار الرابع عشر من باب كتبه ورسائله علیه السلام ...109

بیان مصادر الوصية وإسنادها بطرق كثيرة من الفريقين ونقل نسخها ...109

اللغة ...111

الإعراب ...115

المعنى ...116

الترجمة ...146

وكان يقول علیه السلام إذا لقى العدو محارباً هذا هو المختار الخامس عشر من باب المختار من كتبه علیه السلام ...147

مصادره وإسناده بطرق عديدة ومدارك نقله بصور أخرى ممن كانوا قبل الرضي ...147

اللغة ...149

الترجمة ...164

وكان يقول عليه الصلاة والسلام لاصحابه عند الحرب وهذا هو المختار السادس عشر من باب المختار من كتبه ورسائله علیه السلام ...165

المصدر ...165

اللغة ...175

الإعراب ...179

المعني ...180

الحرب خدعة ...182

الترجمة ...194

ومن كتاب له علیه السلام إلى معاوية جواباً عن كتاب منه إليه وهو المختار السابع عشر من باب الكتب والرسائل...195

المآخذ ... ...195

صورة كتاب أمير المؤمنين علي علیه السلام على ما في الإمامة والسياسة ...201

نسخة الكتابين على ما في كتاب سليم بن قيس ...201

اللغة ...203

الإعراب ...204

المعنى ...206

حديث فتح مكة وأن أهل مكة الطلقاء ...237

طائفة من احتجاجات ومحاضرات وقعت بين معاوية وغيره يناسب نقلها المقام وتفيد زيادة تبصر في آل أبي سفيان ...243

الترجمة ...257

ومن كتاب له علیه السلام إلى عبد اللّه بن عباس وهو عامله على البصرة وهو المختار الثامن عشر من باب كتبه ورسائله علیه السلام...261

المصدر ...261

اللغة ... 262

الإعراب ...264

المعنى ...264

الترجمة ...270

ومن كتاب له علیه السلام إلى بعض عماله وهو المختار التاسع عشر من باب كتبه ورسائله ...272

المصدر ...272

اللغة ...274

الإعراب ...276

المعنى ...276

الترجمة ...278

ومن كتاب له علیه السلام إلى زياد بن أبيه وهو خليفة عامله عبد اللّه بن العباس على البصرة ( وعبد اللّه عامل أمير المؤمنين علیه السلام يومئذ عليها وعلى كور الاهواز وفارس وكرمان - نسخة) وهو المختار العشرون من باب الكتب والرسائل ...279

المصدر ...279

اللغة ...279

الإعراب ...280

المعنى ...281

الترجمة ...283

ومن كتاب له علیه السلام إليه أيضاً وهو المختار الحادي والعشرون من باب الكتب والرسائل ...284

المصدر ...284

اللغة ...285

الإعراب ...287

المعنى ...287

الترجمة ...290

ومن كتاب له علیه السلام إلى ابن عباس وكان يقول عبد اللّه ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول اللّه اللّه كانتفاعي بهذا الكلامو هذا هو المختار الثاني والعشرون من باب كتب أمير المؤمنين علیه السلام ورسائله ...291

المصدر ...291

اللغة ...294

الإعراب ...294

المعنى ...294

الترجمة ...300

ومن كلام له عليه الصلاة والسلام قبيل موته لما ضربه ابن ملجم لعنه اللّه على سبيل الوصية وهو المختار الثالث والعشرون من باب كتب أمير المؤمنين علیه السلام ورسائله ...301

المصدر ...301

المعنى ...303

الترجمة ...306

ومن وصية له عليه الصلاة والسلام بما يعمل في أمواله كتبها بعد منصرفه من صفين وكلامه هذا هو المختار الرابع والعشرون من باب كتبه علیه السلام ورسائله ...307

المصدر ونقل الوصية على صورتها الكاملة ...307

بسم اللّه الرحمن الرحيم ...308

اللغة ...309

الإعراب ...310

المعنى ... 311

الترجمة ...318

ومن وصية له كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات وإنما ذكرنا هنا جملا منها ليعلم بها أنه علیه السلام كان يقيم عماد الحق ويشرع أمثلة العدل في صغير الأمور وكبيرها، ودقيقها وجليلها ...319

اللغة ...320

الإعراب ...323

مكتبة الروضة الحيدرية

الرقم 4511

التاريخ 2005/1/29