منهاج البراعة فی شرح نهج البلاغة المجلد 15

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

لمؤلفة: العلامة المحقق الحاج میرزا حبیب الله آلهاشمی الخوئی (قُدِّسَ سِرُّهُ)

صنفها: الفاضل البارع المحقق الشیخ حسن ( حسن زاده)الاملی

موسسة التاریخ العربی

الطبعة الأولى

1424هـ 2003 م

محرر الرقمي: اصغر مصطفائي بفراجرد

اشارة

نهج البلاغة

خطب، رَسَائِلٌ، كلام، وصايا، عهود، حكم، ومواعظ

الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)

منهاج البراعة شرح نهج البلاغة نهج البلاغة

لِمِؤَلَفِهِ: العلامة المحقق الحاج میرزا حبیب الله آلهاشمی الخوئی (قُدِّسَ سِرُّهُ)

طبعة جديدة

ضبط وتحقيق: على عاشور

المجلد الخَامِس عَشَر

دار احياء التراث العربي

بيروت - لبنان

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

1424هـ 2003 م

DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI

Publishing & Distributing

دار احياء التراث العربي

للطباعة والنشر والتوزيع

بهروت - لبنان - شارع دكاش - هاتف 272652 - 272655 - 272782 - 272783 فاکس 150717 - 850623 ص.ب: 11/7957

Beyrouth - Liban - Rue Dakkache Tel. 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717 - 850623 P.O. Box; 7957/11

مقدمة وتقريظ

بسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

بعد الحمد والصلوة يقول العبد أقل خدمة أهل العلم أبو الحسن بن محمد المدعو بالشعراني عفى عنه:

قد عنيت العرب خاصة والمسلمون عامة بكلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)(عَلَيهِ السَّلَامُ) سواء في ذلك خطبه وكتبه وكلماته القصار منذ صدر منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى يومنا هذا لما اشتمل عليه من علم غزير ومواعظ حسنة واحتجاجات مقنعة وتعليم محاسن الآداب ومكارم الأخلاق وتحريك الهمم وتشحيذ العزائم ودقائق المعرفة، وغير ذلك ما يقصر عن إدراكه ذهننا ومن إحصائه وسعنا مع عبارة بليغة لا يدانيها غيرها وقد أحسن من قال: هو فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق. ويعني غير كلام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حيث قال: إن أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش واسترضعت في بني سعد وقد اعتنى المؤلفون بجمع خطبه أو كتبه، وذكرنا شيئاً من ذلك مقدمة شرح المولى صالح القزويني على نهج البلاغة بالفارسية وقلنا هناك: إن أول من جمع خطب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ما ذكره الشيخ الطوسي في الفهرست زيد بن وهب الجهني قال: له كتاب خطب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المنابر في الجمع والأعياد وزيد بن وهب ممن أدرك الجاهلية والإسلام وقد أسلم على عهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقصد التشرف بخدمته، لكن لم يوفق واختار الله لرسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) دار كرامته قبل وصوله إليه ولذلك لم يعد في الصحابة بل من التابعين من كبارهم ونزل الكوفة وتوفي سنة - 96 هـ -. وكان من أصحاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان كتابه موجوداً في زمان الشيخ الطوسي (رَحمَةُ اللّه)، إذ رواه بإسناده عن أبي مخنف لوط بن يحيى عن أبي منصور الجهني عن زيد بن وهب قال: خطب أمير المؤمنين إلى آخر الكتاب.

وممن جمع خطب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): إبراهيم بن حكم بن ظهير الفزاري كان في حدود سنة ثمانين ومائة.

ومنهم: أصبغ بن نباتة روى عهد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) للأشتر ووصيته لمحمد بن الحنفية.

وممن جمع خطبه (عَلَيهِ السَّلَامُ): أيضاً إسماعيل بن مهران بن محمد بن زيد السكوني من أصحاب الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ومنهم: صالح بن أبي حماد الرازي كان من رأى الإمام أبا الحسن علي بن محمد العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ومنهم: السيد الشريف الصالح الكريم عبد العظيم بن عبد الله الحسني (عَلَيهِ السَّلَامُ) النزيل بالري والمدفون بها، وقبره هنا ملجأنا ونفتخر بوجوده في جوارنا وهو ممن جمع خطب جده أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ما قاله النجاشي.

ومنهم: إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي جمع خطبه ورسائله وسائر أخباره وتوفي سنة 283هـ.

ومنهم: عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصري من مشاهير المؤرخين وأصحاب الأخبار، ألف كتاباً في خطبه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكتاباً في رسائله وكتاباً في أشعاره وكتاباً في أدعيته وكتاباً في مواعظه وسائر كلامه.

ومنهم هشام بن محمد بن سائب الكلبي وكان قد أدرك الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان أبوه صاحب تفسير، روى أهل السنة أيضاً قوله في تفاسيرهم مع كونه رافضياً في اصطلاحهم.

ومنهم: محمد بن خالد الباقي والد أحمد صاحب المحاسن.

ومنهم: محمد بن عيسى الأشعري والد أحمد بن محمد بن عيسى صاحب النوادر.

ومنهم: محمد بن أحمد بن إبراهيم الجعفي الصابوني الفقيه. ومنهم المدائني أبو الحسن علي بن محمد المتوفى سنة - 225 هـ -، له كتب منها كتاب خطب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ورسائله إلى عماله.

ثم إن كثيراً من المؤرخين والمحدثين نقلوا في سياق ما نقلوا من الحوادث والوقائع كلامه وخطبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كاليعقوبي، والطبري، وأصحاب أخبار الجمل وصفين ونهروان وكتاب الكافي، وغيره ولما وصلت نوبة الأمر إلى السيد الرضي (قُدِّسَ سِرُّهُ)» إختار من جملة ما تقدم وغيره جملاً ضمنها كتاب نهج البلاغة وشرحه العلماء شروحاً كثيرة لا حاجة إلى ذكرها، ومن جملتها هذا الشرح المسمى بمنهاج البراعة فإنه أطول شرح رأيناه، لم يترك شارحه شيئاً يليق أن يذكر من شرح لغة وإعراب وتوضيح معنى وقصة تناسب مورد الكلام ورواية يقوى بها المرام إلا أتى به، لكنه لم يوفق لإتمامه وبقيت كتبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ووصاياه وكلماته القصار بل بعض خطبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) غير مشروحة وتاقت نفوس الطالبين إلى تمامه واستشرفت أنظارهم على

إكماله وتمنت رجال أن لو كان شارحه حياً إلى أن يقضي الوطر من تكملة الشرح، لكن لم يكن قيض له ذلك فتوفاه الله واختار له الآخرة على الدنيا وختم عمله بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): والعمل يرفع وتفألت من ذلك قبول عمله كما ذكرت ذلك في آخر المجلد الرابع عشر، ولما كانت الخطبة التي شرع فيها غير مشروحة بتمامها إلى آخرها أردت أن أضم شيئاً من كلامي إلى،كلامه فأشترك معه في رفع العمل فشرحت تمام الخطبة وترجمتها بالفارسية على منواله وألحقتهابه، حتى يكمل الخطبة التي أخذ في شرحها واطلع عليه بعض الأصدقاء، وكان ذا ظن حسن بي فاستحسن عملي وترجمتي فوق ما أنا لائق به وزعم أن ترجمتي غير قاصرة عن بيان المراد مع حفظ السلاسة وبعده عن السماجة التي تعرض عند نقل لغة إلى أخرى، واقترح علي إتمام الشرح إلى آخر كتاب نهج البلاغة وكان ذلك دون طوقي مع كمال شوقي و بینت له: إن هذا قد قضى وقته وفات أوانه، لأن كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مشتمل على فنون شتى من العلم تقصر عن إدراكه الهمم وتقف دون نيله الفطن كيف وهذا الشرح مع طوله واشتماله على ما يحتاج إليه في حل ظاهر الكتاب عادم أسرار وفاقد نكت وتارك حقائق تستفاد من خطبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في التوحيد والمعارف وأمثالها وقد مضت أكثرها في المجلدات السابقة وفات أوان استدراكها، وقد يلتزم الشارح في الإمامة بأشياء لم يذكرها علماؤنا قدس الله أسرارهم في عقائد الطائفة الحقة أيدهم الله تعالى أو ردوها ونفوا أن يكون الشيعة قائلة به وربما عدل عن الحجج القوية مثل ما أورده السيد المرتضى والشيخ الطوسي، ونصير الدين والعلامة رحمهم الله إلى نقول غير متواترة ولا متفق على نقلها مع أن الغرض من بيان الأصول إما أن يكون إعتقاد الإنسان بها في نفسه فيجب أن يكون دليله موجباً لليقين وليس إلا الخبر المتواتر، وإما أن يكون الغرض تبكيت الخصم في مقام المجادلة، فيجب أن يكون الخبر المحتج به مما يعترف به الخصم وأما الروايات غير المتواترة ولا متفق عليها فتناسب كتب الحاضرة والطرائف واللطائف وأمثال ذلك، ولا يناسب شرح نهج البلاغة إلا ذكر الحقائق وقد فاتت وحل محل الحقائق أمور لترويح الخاطر وإعجاب الناظر لا لبيان معضل وإيضاح مشكل وتأييد حق وإزهاق باطل وما أردت بذكر ذلك الإزراء والتنقيص لأن فوائت الكتاب بالنسبة إلى فوائده قليلة جداً بل لا يعتد بها، بل أردت بيان عذري في الإمساك عن قبول الاقتراح إذ لا بد لمكمل هذا الشرح من تتبع طريقته وإني أرى إبداء الخفي وما لو سكت عنه بقي على إبهامه أولى وأوجب من نقل أمور موجودة في كتاب مشهور إلى موضع آخر ومع ذلك فإني أستصوب عمل من يتصدى لتكميل هذا الشرح نيلاً لفوائده العظيمة ولما اطلعت على اهتمام حضرة الفاضل الأديب البارع العالم الجامع الحائز لقصبات السبق في مضمار إكتناه الحقائق والفائز بالقدح المعلى في استهام العلوم والدقائق، ذو الفكرة النقادة والفطنة الوقادة اللوذعي الألمعي الحبر المؤتمن - الحاج شیخ نجم الدین حسن من الآملي

الطبري - ضاعف الله قدره، إستبشرت به لما كنت أعرف من حذاقته وتتبعه وتبحره في العلم وأناته في مقاساة العمل، وقد جربته سنين وعرفت دخلة أمره فقد قرأ علي فنوناً ما يهتم به غيره من المشتغلين وما لا يهتم به لغموضه ولم يكن يقصر على أصول الفقه كغيره فإن أبناء زماننا قاصروا الهمة يقنعون من العلم بأقل شيء منه كالمقتصر على قدر الضرورة في أكل الميتة، وترى كثيراً منهم لا يقتنون من العلوم التي ينسب إلى الشرع إلا مسائل محدودة في الأصول كالفرق بين المعنى الحرفى والأسمى والصحيح والأعم والترتب واجتماع الأمر والنهي ومقدمة الواجب والفرق بين التعارض والحكومة والأصل المثبت وغيرها، مما لا يجاوز عقد العشرة ومن الفقه مسألة بيع المعاطاة والفضولى والخيارات أما شيخنا المنوه بذكره فلم يضن بوقته ولم يبخل بعمره، بل صرفه في العلوم الدينية وأتقنها فهو أستاذ في الأدب واللغة عارف بالقرآن وقراءاته وتفسيره متقن لعلم الكلام وسائر العلوم العقلية، ناظر في الحديث والرجال وسائر ما يعده غيره فضلاً ولا يعتدون به مع أن احتياج الدين إليه أشد، وأكثر مما يحتاجون إليه في كسب الشهرة وتحصيل عنوان الإجتهاد وزاد على جميع ذلك فقرأ عليّ مع العلوم الشرعية كثيراً من الكتب الرياضية كالمجسطى وإقليدس وشرح التذكرة والأكر وغيرها وأتقن العمل بالزيجات الجديدة واستخراج تقويم الكواكب وسيرها وما يتعلق بها بالبراهين وبالجملة فهو حرى بأن يتصدى معالي الأمور ونرجو منه أن يكمل هذا الشرح بأحسن وجه وأجود طريق، وقد أصلح قبل ذلك بعض الكتب وشرحها فأثبت مهارته وفقه الله لترويج العلم والدين بمحمد وآله الطاهرين.

بِسْمِ الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي عَلَّمَ بالقَلَم عَلَّمَ الإنسان ما لم يعلم، وجعله خليفة له ومظهره الأكمل الأتم، وأنزل القرآن ليكون نبراساً للظلم، وهادياً للأمم وللحق والباطل فرقاناً، وللمعروف والمنكر، ميزاناً، ولذوي العقول والعلوم برهاناً وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قرآناً عربياً غير ذي عوج لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، وكلفنا بما هو مقرون بالخير والشر، فأوجب الأول وحرم الآخر، وأمرنا بالعدل والإحسان، نهانا عن الظلم والعدوان، فتعالى أن يرجح الآخر على الأول، أو يقدم المفضول على الفاضل فضلاً على الأفضل، أعاذنا الله من الخبل والحول والصلاة والسلام على من أرسل شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، محمد المصطفى

خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وخلفائه الحجج الهادين المهديين المنصوبين من عند علام الغيوب والمعصومين من الرجس والذنوب والمنزهين عن الدنس والعيوب الأئمة الإثني عشر، سيما على أبيهم خير البشر، باب مدينة العلم يعسوب الدين أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولي كل مؤمن ومؤمنة، سيد المسلمين إمام المتقين قائد الغر المحجلين وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

وبعد فيقول الراجي إلى رحمة ربه العليّ، المتمسك بولاية مولاه أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) - الحسن بن عبد الله الطبري الآملي - عاملهما الله بلطفه الخفي والجلي: إن كلام مولى الموحدين لمنهج البلاغة ومسلك الفصاحة، كلت ألسن الخطباء عن أن يأتوا بمثل أوامره وخطبه وزلت أقدام أقلام الأمراء دون مبارزة رسائله وكتبه، وحارت عقول العقلاء في بيداء مواعظه وحكمه كيف لا والقائل مقتبس بالأنوار الإلهية، ومستضيء بالمشكاة المحمدية والكلام مستفاض من الصقع الربوبي، ومستفاد من الحضرة النبوية، فهو تالي القرآن وثاني الفرقان صدق ولي الله حيث قال: إنا لأمراء الكلام، وفينا تنشبت عُرُوقه وعلينا تهدلت غصونه» (1).

ثم إن العلماء قد خاضوا قديماً وحديثاً في هذا القاموس العظيم لاقتناء درره، واجتهدوا حق الإجتهاد بما تيسر لهم في بيانه وتفسيره، وسلك كل واحد مسلكاً في شرحه وتقريره، والكل ميسر لما خلق لما خلق له قل كل يعمل على شاكلته وألفوا فيها رسائل وكتباً قيمة منها: - كتاب منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - لمؤلفه العالم الجليل والحبر النبيل الميرزا حبيب الله الخوئي رضوان الله عليه، ويكفي في جودة هذا السفر النفيس إقبال الفضلاء إليه، حتى طبع في أمد قليل غير مرة فلله در مصنفه.

ولكن لما بلغ رحمه الله إلى الخطبة المائتين والتاسعة والعشرين إنقطع مهله وانقضى أجله وقضى نحبه وجف قلمه فبقي هذا الأثر القويم أبتر فعزمت متوكلاً على الله المتعال ومستعيناً به لإتمامه على النهج المذكور لكي يكون تكملة له وتماماً، فكتابنا هذا تكملة منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة وأسأل الله التوفيق في إكماله وإتقانه إنه ولي التوفيق في إكماله وإتقائه إنه ولى التوفيق والهادي إلى خير طريق.

ثم أسأله أن يوفق ناشر الآثار الجعفرية، مروج الأسفار الإمامية، مدير المكتبة الإسلامية، الوجيه المؤيد - الحاج السيد إسماعيل الموسوي الكتابچي وإخوانه - أطال الله بقاءهم إخلاف المغفور المبرور مؤسس المكتبة الإسلامية خادم الشريعة النبوية والآثار


1) بحار الأنوار: 292/68، وميزان الحكمة: 1/ 291.

الجعفرية الحاج السيد أحمد الموسوي الكتابچي رضوان الله عليه وقد أقدموا إلى طبع هذه التكملة على نفقتهم ناوين في ذلك ترويج شعائر الدين ونشر آثار سيد المرسلين، فجزاهم الله وإيانا عن الإسلام والمسلمين خير جزاء آمين رب العالمين ونشرع الآن في شرح الكتاب يعون الله الملك الوهاب.

رب إشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي المائتان والتاسعة والعشرون من المختار في باب الخطب

اشارة:

خطبها بذي قار وهو متوجه إلى البصرة ذكرها الواقدي في كتاب الجمل. «(فَصَدَعَ بِما أُمِرَ وَبَلَّغَ رِسالَة رَبِّهِ فَلَمَّ اللهُ بهِ الصَّدْعَ، ورَتَقَ بِهِ الْفَتْقَ، وَأَلَّفَ بِهِ بَينَ ذَوِي الأَرْحَامِ بَعْدَ الْعَداوَةِ الْواغِرَةِ فِي الصُّدُورِ وَالضَّعَائِنِ الْقادِحَةِ فِي الْقُلُوبِ» (1)

اللغة

(ذوقار) موضع بين الكوفة وواسط وفيه كانت وقعة العرب قبل إسلامهم مع الفرس وسنشير إليه، و (الصدع) الشق في شيء صُلب، وفي المجمع في تفسير قوله تعالى في آخر سورة الحجر (فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (2): الصدع والفرق والفصل نظائر وصدع بالحق إذا تكلم به جهاراً وفي السيرة الهشامية: أصدع أفرق بين الحق والباطل قال أبو ذُؤَيب الهذلي وإسمه خویلد بن وكأنه خالد يصف إتن وحش وفحلها

و کأنهن ربابة وكانه *** يسر يفيض على القداح ويصدعُ (3)

أي يفرق على القداح ويبين أنصباءها وهذا البيت في قصيدة له، وقال رؤبة ابن العجاج:

أنت الحليم والأميرُ المنتقم *** تصدع بالحق وتنفى من ظلم

وفي القاموس قوله تعالى: فاصدع بما تؤمر أي شق جماعاتهم بالتوحيد أو إجهر بالقرآن أو أظهر أو أحكم بالحق وافصل بالأمر أو أقصد بما تؤمر أو أفرق به بين الحق والباطل، و (لم) أي جمع لم الصدع أي جمع المتفرق بعد الشق. و (الفتق) في الثوب نقض خياطته حتى انفصل بعضه من بعض والفتق أيضاً شق عصا الجماعة ووقوع الحرب بينهم. و (الرتق) ضد الفتق والمراد بلم الصدع ورتق الفتق رفع ما كان بين العرب من تشتت الأهواء وتفرق الكلمة بالعداوة والحقد و (الواغرة) ذات الوغرة وهي شدة توقد الحر والوغر، والوغر بالتحريك الحقد والضغن والعداوة والتوقد من الغيظ و (الضغائن) جمع الضغينة وهي الحقد كالضغن.

(قدح) بالزند رام الإيراء به والضغائن القادحة هي التي تثير الفتن والشرور وتوقد نار الغضب في القلوب كما تواري النار بالمقدح.


1) بحار الأنوار: 226/180، وتفسير نور الثقلين: 166/2، ح.149.

2) نهج البلاغة: 279/1، وشرح نهج البلاغة: 9/13.

3) سيرة النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): 1/ 169 ح: 1/ 169 ح 89، والصحاح: 858/2.

الإعراب

كلمة ما في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): فصدع بما أمر يمكن أن تجعل موصولة بمعنى الذي وأن تكون مصدرية فعلى الأول يكون العائد من الصلة إلى الموصول محذوفاً والتقدير فصدع بما أمر بالصدع به ثم حذفت الباء التي في به فصارت الجملة فصدع بما أُمر بالصدعة ولما لم تجز الإضافة مع اللام أعني إضافة الصدع إلى الضمير فحذفت لام المعرفة توصلاً بحذفه إلى الإضافة فصارت الجملة فصدع بما أمر بصدعه ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فبقيت الجملة فصدع بما أمر به ثم حذف حرف الجر على حد قولك أمرتك الخير، أمرتك بالخير فصارت الجملة فصدع بما أُمره ثم حذف العائد المنصوب من وحذف العائد المنصوب في كلام العرب كثير ففي الألفية لابن مالك والحذف عندهم كثير منجلي في عائد منتصب إن انتصب بفعل أو وصف كمن ترجو يهب.

وأما على الثاني فالتقدير فصدع بالأمر كما تقول عجبت مما فعلت والتقدير عجبت من فعلك ولا يحتاج ههنا إلى عائد يعود إلى ما لأنه حرف. ذكره الطبرسي في المجمع في قوله تعالى: (فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ).

والباء في به وأخويه للسبب.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (بعد العداوة ) متعلق بكل واحد من الأفعال الثلاثة أعني: لم ورتق وألف.

(والواغرة) صفة للعداوة. وفي الصدور) متعلقة بالواغرة وكذا الضغائن موصوفة بالقادحة وفي القلوب متعلق بالقادحة.

المعني

أشار في هذه الخطبة إلى شرذمة من أوصاف رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): أنه أظهر وصرح بما أمر به جهاراً غير خائف من أحد وشق بما جاء به الرسالة عصا الكفر وكلمة أهله وحجب الغفلة التي رانت على قلوبهم وأنه بلغ رسالة ربه فيه مدح عظيم لأنه أداء أمانة عظم قدرها وتبليغها. وأنه لم الله به الصدع ورتق به الفتق أي رفع به تشتت الأهواء واختلاف الكلمة العرب. وبأنه ألف بين ذوي الأرحام إلخ أي رفع الله به الأحقاد والضغائن والعداوات التي بها يقتل الرجل إبنه وأباه وذوي رحمه.

قال شيخ الطائفة (رَحمَةُ اللّه) في التهذيب: وصدع (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالرسالة في يوم السابع والعشرين من رجب وله أربعون سنة (1)


1) بحار الأنوار 281/15، وتهذيب الأحكام: 2/6.

لا ريب أنه بعث وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة وأهواء منتشرة وطرائق متشتتة، بين مشبه الله بخلقه أو ملحد في إسمه كما أشار إليه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض خطبه الماضية، لا سيما العرب كانوا أصنافاً شتى فمنهم من أنكر الخالق والبعث والإعادة وقالوا ما قال الله في القرآن الكريم عنهم: (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَغَيًا وَمَا يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ) [الجاثية: 24] ومنهم من اعترف بالخالق سبحانه وأنكر البعث وهم الذين أخبر سبحانه عنهم بقوله: قَالَ مَن يُحْي الْعِظَمَ وَهيَ رَمِيمٌ [يس: 78]، ومنهم من أقر بالخالق ونوع من الإعادة وأنكر الرسل وعبد الأصنام، وطائفة منهم زعموا أن الأصنام شفعاء عند الله في الآخرة وحجوا لها ونحروا لها الهدى وقربوا لها القربان وهم الذين قال الله تعالى عنهم: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ [الفرقان: 8]، إلى غير ذلك من المذاهب المشتتة والطرق المتبددة والأهواء السخيفة والآراء الردية، فكانوا بمعزل عن الحق والصراط المستقيم والنهج القويم، بحيث تشمئز النفوس السليمة عن استماعها وكيف لا وبنو الحنظلة وهم طائفة من العرب كانوا يصنعون بالرطب أصناماً ويعبدونها أياماً ولما انصرم أوان الرطب أخذوا في أكلها حتى لا يبقى من آلهتهم شيء. فبعث الله رسوله الخاتم فهداهم به من الضلالة وأنقذهم بمكانه من الجهالة فدعاهم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ و لا اله إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن وأنار نفوسهم بنور العلم والمعرفة وأثار ما فطروا به فطرة الله التي فطر الناس عليها. وأوقد مصباح عقولهم بإذن الله تعالى وأمره ووحيه وإنزاله الروح المقدس عليه فهداهم للتي أقوم حتى انتبهوا وتيقظوا من رقد الغفلة والجهالة وصدقوا كلمته وأجابوا دعوته بأن الله هو الع- الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، فرزقوا السعادة في الدارين وبلغوا إلى ما بلغوا فلم الله به الصدع، ورتق به الفتق وأجمعهم على كلمة واحدة هی الكلمة الإخلاص أعني الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله، وهي كلمة التوحيد الجامعة لجميع الكمالات والفضائل والخيرات الدنيوية والأخروية قد أفلح القائل بها.)ومما يليق أن نذكر في المقام أنموذجاً من تنبههم كما في السيرة الهشامية والحلبية: أن الأنصار لما قدموا المدينة أظهروا الإسلام وتجاهروا به كان عمرو بن الجموح من سادات سلمة (بكسر اللام وأشرافهم ولم يكن أسلم وكان ممن أسلم ولده معاذ بن عمرو وكان العمرو بن الجموح في داره صنم من خشب يقال له المناة لأن الدماء كانت تمنى أي تصب عنده تقرباً إليه، وكان يعظمه فكان فتيان قومه من أسلم كمعاذ بن جبل وولده عمرو بن معاذ ومعاذ بن عمرو يدلجون بالليل على ذلك الصنم، فيخرجونه من داره ويطرحونه في بعض الحفر التي فيها خرء الناس منكساً، فإذا أصبح عمرو قال ويحكم من عدا على إلهنا هذه الليلة ثم يعود يلتمسه حتى إذا وجده غسله فإذا أمسى عدوا عليه وفعلوا به مثل ذلك إلى أن غسله وطيبه وحماه بسيف علقه في عنقه، ثم قال له ما أعلم من يصنع بك فإن كان فيك)

فامتنع فهذا السيف معك فلما أمسى عدواً عليه وأخذوا السيف من عنقه ثم أخذوا كلباً ميتاً فقرنوه به بحبل ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها خرء الناس، فلما أصبح عمرو غدا إليه فلم يجده ثم تطلبه إلى أن وجده في تلك البئر فلما رآه كذلك رجع إلى عقله، وكلمه من أسلم من قومه فأسلم وحسن إسلامه وأنشد أبياتاً في ما جرى عليه وعلى صنمه:والله لو كنت إلهاً لم تكن *** أنت كلب وسط بئر في قرنأف لملقاك إلهاً مستدن *** الآن فتشناك عن سوء الغبنالحمد لله العلی الله ذي المنن *** الواهب الرزاق دیان الدینهو الذي أنقذني من قبل أن *** أكون في ظلمة قبر مرتهنبأحمد د المهدي النبی المؤتمنثم إن هذا الرجل بلغ في جلالة شأنه مبلغاً إستشهد في غزوة أحد وروي عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ فيه ما فيه:)ففي السيرة الهشامية: قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار عن أشياخ من بني سلمة أن عمرو بن الجموح كان رجلاً أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا له: إن الله عزّ وجلّ قد عذرك فأتى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال: إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك، وقال لبنيه ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة فخرج معه فقتل يوم أحد (1).)وفي مادة (عمر من سفينة البحار نقلاً عن الواقدي كان عمرو بن الجموح رجلاً أعرج فلما كان يوم أحد وكان له بنون أربعة يشهدون مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) المشاهد أمثال الأسد أراد قومه أن يحبسوه، وقالوا أنت رجل أعرج ولا حرج عليك وقد ذهب بنوك مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): قال بخ يذهبون إلى الجنة وأجلس عندكم؟ فقالت هند بنت عمرو بن حزام إمرأته كأني أنظر إليه مولياً قد أخذ درقته وهو يقول: اللهم لا تردني إلى أهلي فخرج ولحقه بعض قومه يكلمونه في القعود فأبى، وجاء إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال: يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إن قومي يريدون أن يحبسوني هذا الوجه والخروج معك والله إني لأرجو أن أطأ هذه في الجنة، الجنة، فقال له: أما أنت فقد عذرك الله ولا جهاد عليك فأبى. فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لقومه وبنيه: لا عليكم أن لا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة فخلوا عنه فقتل يومئذ شهيداً.)


1) البداية والنهاية: 42/4، وسيرة النبي: 607/3.

قال: فحملته هند بعد شهادته وابنها خلاد وأخاها عبد الله على بعير فلما بلغت منقطع الحرة برك البعير فكان كلما توجه إلى المدينة برك وإذا وجهته إلى أحد أسرع فرجعت إلى النبی (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ فأخبرته بذلك. فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): إن الجمل لمأمور هل قال عمرو شيئاً؟ قالت: نعم، إنه لما توجه إلى أحد إستقبل القبلة ثم قال: اللهم لا تردني إلى أهلي وارزقني الشهادة، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): فلذلك الجمل لا يمضي إن منكم يا معشر الأنصار من لو أقسم على الله لأبره منهم عمرو بن الجموح يا هذه ما زالت الملائكة مظلة على أخيك وهو عبد الله بن عمرو بن حزام من لدن قتل إلى الساعة فينظرون أين يدفن.)ثم مكث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ في قبرهم ثم قال: يا هند قد ترافقوا في الجنة جميعاً بعلك وابنك وأخوك. فقالت هند يا رسول الله فادع الله لي عسى أن يجعلني معهم.)قال: وكان جابر يقول: لما استشهد أبي جعلت عمتي تبكي فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏: ما يبكيها ما زالت الملائكة تظل عليه بأجنحتها حتى دفن. وقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوم:حد أدفنوا عبد الله بن عمرو بن حزام وعمرو بن الجموح في قبر واحد (1).)فانظر أيها الطالب نهج الصواب والسداد والسائل سبيل المعرفة والرشاد كيف تصنع الآيات الإلهية والحكم السماوية والمواعظ القرآنية بأهلها ؟ حتى الرجل المتوغل في الأجسام والمتصلب في عبادة الأصنام بلغ إلى مرتبة كأنه يرى الله بعين المعرفة ويعبده ويشتاقه ويقول: بخ بخ يذهبون إلى الجنة وأجلس عندكم؟ثم إن الرجل منهم يقتل أولاده خوفاً من الفقر فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِنْ إمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [الأنعام: 151]. والرجل الآخر ييد بنته وفي المجمع في راته: كانت المرأة إذا حان وقت ولادتها حضرت حفرة وقعدت على رأسها التفسير للطبرسي (رَحمَةُ اللّه): فإن ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة وإن ولدت غلاماً حبسته. وفيه أيضاً قال قتادة: جاء قيس بن عاصم التميمي إلى النبي فقال: إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية، فقال: فأعتق عن كل واحدة رقبة قال: إني صاحب إبل قال: فاهد إليّ من شئت عن كل واحدة بدنة. فأنزل الله تعالى توبيخا وتبكيتاً لوائدها: وَإِذَا الْمَوْمُردَةُ سُلَت بِأَتِي ذَنْبٍ قُبِلَت [التكوير: 8 - 9] وقال تعالى في سورة النحل: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيْكُمُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدْتُهُ فِي التُّرَابِ) [النحل: 58 - 59] الآية وكانوا يفعلون ذلك مخافة الفقر عليهن


1) بحار الأنوار: 131/20، وعيون الأثر: 427/1.

فيطمع غير الأكفاء فيهن (1).

والأخبار والقصص في قتلهم أولادهم كثيرة ولا نطيل الكلام بذكرها فهداهم الله تعالى

بإرسال الرسول لطفاً منه على العباد فأنقذهم من هذه الورطة الهالكة المضلة ولقنهم كلمة الحكمة وأرشدهم إلى رحمته بقوله: ونَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ﴾. ولنعم ما نظمه العارف السعدي:

يکي طفل دندان بر آورده بود *** پدر سر بفکرت فرو برده بود

که من نان و برگ از کجا آرمش *** مروت نباشد که بگذار مش

چوبیچاره گفت اینسخن نزد جفت *** نگر تا زن اوچه مردانه گفت

مخور هول إبليس تا جان دهد *** هم آنکس که دندان دهـد نان دهد

وأيضاً ما كان حيّان من العرب إلا وبينهما المعاداة والقتال، وأشدهما عداوة الأوس والخزرج فببركة نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) صاروا متوادين متحابين وجمع الله بمقدمه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أشتاتهم وألف بين قلوبهم، وقال عزّ من قائل (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَفتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 62] في المجمع قال الزجاج وهذا من الآيات العظام وذلك أن النبي لبث إلى قوم أنفتهم شديدة بحيث لو لطم رجل من قبيلة لطمة قاتل عنه قبيلته فألف الإيمان بين قلوبهم حتى قاتل الرجل أباه وأخاه وابنه فأعلم الله سبحانه أن هذا ما تولاه منهم إلا هو.

ومن تأمل في سيرته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ليجد أن ديدنه وشيمته كان تأليف القلوب وإصلاح ذات البين وإيجاد العلقة والأخوة والمحبة في الناس ورفع تشتت الآراء واختلاف الكلمة قبل بعثه أيضاً، وكفاكم شاهداً ما جاء في السيرة الهشامية والسيرة الحلبية وغيرهما من الكتب المعتبرة المعتمدة عند المسلمين وغيرهم أنه لما بلغ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الخمساً وثلاثين سنة جاء سيل حتى أتى من فوق الردم الذي صنعوه لمنعه السيل فأخربه ودخلها وصدع جدرانها بعد ترهينها من الحريق الذي أصابها واجتمعت القبائل من قريش وأعدوا لبناء البيت نفقة طيبة، ليس فيها مهر بغى ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود إختصموا كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى أعدوا القتال فقربت بتو عبد الدار جفنة مملوؤة دماً ثم تعاقدوا هم وبنو عدى أن تحالفوا على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة ومكث النزاع بينهم أربع أو خمس ليال ثم اجتمعوا في المسجد الحرام وكان أبو أمية بن المغيرة واسمه حذيفة أسن قريش كلها فقال يا معشر


1) تفسير مجمع البيان: 168/6، والتفسير الصافي: 141/3، ح 1.

قريش إجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم أي وهو باب بني شيبة وكان يقال له في الجاهلية باب بني عبد الشمس الذي يقال له الآن باب السلام فكان أول داخل منه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلما رأوه قالوا هذا الأمين رضينا هذا محمد وأنهم كانوا يتحاكمون إليه في الجاهلية لأنه كان لا يداري ولا يماري فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال: هلم إلي ثوباً فأتى به وفي رواية فوضع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إزاره وبسطه في الأرض فأخذ الحجر الأسود فوضعه فيه بيده الشريفة ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعاً ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في مكانه حيث هو الآن. ولا يخفى على ذي دراية حسن تدبيره وشيمته في رفع ذلك الإختلاف والله أعلم حيث يجعل رسالته.

وأما ما وعدنا من الإشارة إلى وقعة العرب مع الفرس في ذي قار، فجملة الأمر فيه أن كسرى أبرويز ملك العجم خطب بنت نعمان بن المنذر ملك العرب وأبي المنذر عن الإجابة فوقع بينها خصومة وانجر إلى الجدال والقتال إلى أن استولى أبرويز عليه وسجنه في الساباط حتى مات المنذر في السجن وفي ذلك يقول الأعشى:

فذاك وما أنجى من الموت ربه *** بساباط حتى مات وهو محرزق

وقتله المنذر صار سبباً لإثارة الحرب بين العجم والعرب في ذي قار، وكانت تلك الواقعة في ذي قار بعد هجرة الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى المدينة وانهزم العجم من العرب باسمه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مع أنهم لم يكونوا بمسلمين بعد، وذلك أن الهاني والحنظلة كانا من رؤساء العسكر من العرب وقالوا لجندهم: سمعنا أن رجلاً منا يسمى محمداً أتى بشريعة ودين مدعياً النبوة من الله ويدعو الناس إليه وسمعنا من نطق باسمه في كل واقعة فقد فاز ومن كان له حوائج فنطق باسمه فقد قضت وإن ضل عن الطريق فقد هدي ففي حربنا غداً نجعل شعارنا:

«محمد معنا والنصر لنا» فلما أصبحوا واستقروا قبال عسكر العجم فأهلوا باسمه: «محمد معنا والنصر لنا» فظفروا عليهم، فهبط جبرائيل إليه واله وسلم عليه وقال: يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد غلبت العرب على العجم في ذي قار باسمك فكبر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثلاث تكبيرات وقال هذا أول يوم إنتصفت العرب منه ومن العجم وباسمي نصروا ثم أخبره جبرائيل القصة فلما أخبروا بها وجدوها كما سمعوا (1).

ثم إن ذا قار هذا كان محل نزول علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما خرج من المدينة متوجهاً إلى البصرة في واقعة الجمل. وجملة القول فيه أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بويع في المدينة يوم الجمعة لخمس بقين من ذي


1) تاريخ اليعقوبي: 215/1، وتاريخ الطبري: 600/1.

الحجة، وهو اليوم الذي قتل فيه عثمان فاجتمع المهاجرون والأنصار فيهم طلحة والزبير فأتوا علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ).

فقالوا: والله ما نختار غيرك ولا نجد اليوم أحداً أحق بهذا الأمر منك، لا أقدم سابقة ولا أقرب من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فبايعه الناس إلا نُفيراً يسيراً كانوا عثمانية وكان طلحة أول من صعد المنبر وبايع علياً(عَلَيهِ السَّلَامُ). ثم اتصلت بيعة علي بالكوفة وغيرها من بالكوفة وغيرها من الأمصار وكان أهل الكوفة أسرع إجابة إلى بيعته وأخذ لها البيعة على أهلها أبو موسى الأشعري حتى تكثر الناس عليه وكان عليها عاملاً لعثمان وانتزع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أملاكاً كان عثمان أقطعها جماعة من أتباعه وأقاربه وقسم علي ما في بيت المال على الناس ولم يفضل أحداً على أحدٍ، ثم إن طلحة والزبير نكثا العهد والبيعة وخرجا إلى مكة بعد أشهر وكانت حينئذ عائشة بمكة وغراها، فأغراها طلباً بدم عثمان وصنعوا ما صنعوا حتى خرجوا فيمن تبعهم إلى البصرة قد خلعوا طاعة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبغوا عليه، ثم سمع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مكرهم وخدعتهم ونكثهم فخرج من المدينة إلى الكوفة وكان أحد منازله ذا قار، وفيه خطب تلك الخطبة مخاطباً لأعوانه من أهل الكوفة وغيرهم. وبعث علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من ذي قار ابنه الحسن المجتبى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعمار بن ياسر رضوان الله عليه ليستنفرا له أهل الكوفة حتى أقبلت وقعة الجمل وانهزم الناكثون.

وكان مسيره (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المدينة إلى البصرة في سنة ست وثلاثين وفيها كانت وقعة الجمل، وذلك في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى منها وكانت وقعة واحدة في يوم واحد وقال الطبري في تاريخه كان قتالهم من إرتفاع النهار إلى قريب من العصر، ويقال: إلى أن زالت الشمس.

وقد تنازع الناس في مقدار ما قتل من الفريقين في وقعة الجمل، فمن مقلل ومكثر فالمقلل يقول قتل منهم سبعة آلاف والمكثر يقول قتل منهم ثلاثة عشر ألفاً، وقال الطبري: كان قتلى الجمل حول الجمل عشرة آلاف نصفهم من أصحاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونصفهم من أصحاب عائشة، وكانت عائشة راكبة على الجمل المسمى عسكراً في هودج وعرقب الجمل في ذلك اليوم ووقع الهودج. وقيل: إنه كان بين خلافة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى وقعة الجمل وبين أول الهجرة خمس وثلاثون سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام وأما تفصيله فيأتي في باب المختار من كتبه ورسائله (عَلَيهِ السَّلَامُ) إن شاء الله تعالى (1).

ثم الظاهر إن هذه الخطبة لجزء خطبة وإن لم نجدها مع الفحص الكثير بعد، ولم يحضرني جمل الواقدي ولا جمل نصر، ومضت خطبة أخرى خطبها (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذي قار وهي


1) تاريخ الطبري: 543/3.

الخطبة الثالثة والثلاثون أولها في النهج ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند خروجه لقتال أهل البصرة: يعني في واقعة الجمل قال عبد الله بن عباس دخلت على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذي قار وهو يخصف نعله فقال لي ما قيمة هذه النعل، إلى آخرها.

أقول: أتى ثقة الإسلام الكليني رضوان الله عليه في الكافي بخطبة عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطبها بذي قار، ونقلها الفيض (قُدِّسَ سِرُّهُ) في الوافي (ص 22 م 14) ولم تذكر في النهج فلا بأس بذكرها لكثرة فوائدها وعظم مطالبها ومناسبتها للمقام.

أحمد عن سعيد بن المنذر بن محمد عن أبيه عن جده عن محمد بن الحسين عن أبيه عن جده عن أبيه قال: خطب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ورواها غيره بغير هذا الإسناد، وذكر أنه خطب بذي قار فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فإن الله تعالى بعث محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالحق ليخرج عباده من عبادة عباده إلى عبادته ومن عهود عباده إلى عهوده ومن طاعة عباده إلى طاعته ومن ولاية عباده إلى ولايته بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً عوداً وبدواً عذراً ونذراً بحكم قد فصله وتفصيل قد أحكمه وفرقان قد فرقه و قرآن قد بينه، ليعلم العباد من ربهم إذ جهلوه وليقروا به إذ جحدوه وليثبتوه بعد أن أنكروه فتجلى لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا رأوه فأراهم حلمه كيف حلم وأراهم عفوه كيف عفا وأراهم قدرته كيف قدر وخوفهم من سطوته وكيف خلق ما خلق من الآيات وكيف محق من محق من العصات بالمثلات، واحتصد من احتصد بالنقمات وكيف رزق وهدى وأعطى وأراهم حكمه ما يسمع ويرى فبعث الله محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بذلك.

كيف حكم وصبر حتى يسمع ثم إنه سيأتي عليك من بعدي زمان ليس في ذلك الزمان شيء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل ولا أكثر من الكذب على الله وعلى رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور الكتاب، من، إذا تلي حق تلاوته ولا سلعة أنفق بيعاً ولا أغلا ثمناً من الكتاب إذا حرف عن مواضعه وليس في العباد ولا في البلاد شيء هو أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر وليس فيها فاحشة أنكر ولا عقوبة أنكا من الهدى عند الضلال في ذلك الزمان فقد نبذ الكتاب حملته وتناساه حفظته حتى تمالت بهم الأهواء وتوارثوا ذلك من الآباء وعملوا بتحريف الكتاب كذباً وتكذيباً فباعوه بالبخس وكانوا فيه من الزاهدين فالكتاب وأهل الكتاب في ذلك الزمان طريدان منفیان و صاحبان مصطحبان في طريق واحد ولا يؤويهما مؤو، فحبذا ذائك الصاحبان وأهالهما ولما يعملان له فالكتاب وأهل الكتاب في ذلك الزمان في الناس وليسوا فيهم ومعهم وليسوا معهم، وذلك لأن الضلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا.

وقد اجتمع القوم على الفرقة وافترقوا عن الجماعة قد ولوا أمرهم وأمر دينهم من يعمل فيهم بالمنكر والمنكر والرشا والقتل لم يعظمهم على تحريف الكتاب تصديقاً لما يفعل وتزكية الفضله، ولم يولوا أمرهم من يعلم الكتاب ويعمل بالكتاب ولكن وليهم من يعمل بعمل أهل

الله تعالى من

النار، كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب أمامهم لم يبق عندهم من الحق إلا إسمه ولم يعرفوا من الكتاب إلا خطه وزبره يدخل الداخل لما يسمع من حكم القرآن فلا يطمئن جالساً حتى يخرج من الدين ينتقل من دين ملك إلى دين ملك ومن ولاية ملك إلى ولاية ملك ومن طاعة ملك إلى طاعة ملك ومن عهود ملك إلى عهود ملك فاستدرجهم حيث لا يعلمون، وإن كيده متين بالأمل والرجاء حتى توالدوا في المعصية ودانوا بالجور، والكتاب لم يضرب عن شيء منه صفحاً ضلالاً تائهين قد دانوا بغير دين الله تعالى وأدانوا لغير الله مساجدهم في ذلك الزمان عامرة من الضلالة خربة من الهدى قد بدل ما فيها من الهدى، فقراؤها وعمارها أخائب خلق الله وخليقته من عندهم جرت الضلالة وإليهم تعود فحضورهم مساجدهم والمشي إليها كفر بالله العظيم إلا من مشى إليها وهو عارف بضلالهم قصارت مساجدهم من فعالهم على ذلك النحو خربة من الهدى عامرة من الضلالة قد بدلت سنة الله وتعدت حدوده لا يدعون إلى الهدى ولا يقسمون الفيء ولا يوفون بذمة، يدعون القتيل منهم على ذلك شهيداً، فدانوا الله بالإفتراء والجحود واستغنوا بالجهل عن العلم، ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثلة وسموا صدقهم على الله فرية وجعلوا في الحسنة العقوبة السيئة.

وقد بعث الله تعالى إليكم رسولاً من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأنزل عليه كتاباً عزيزاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قرآناً غير ذي عوج لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين فلا يلهينكم الأمل ولا يطولن عليكم الأجل فإنما أهلك من كان قبلكم إمتداد أملهم وتغطية الآجال عنهم حتى نزل بهم الموعود الذي ترد عنه المعذرة وترفع عنه التوبة وتحل معه القارعة، والنقمة وقد أبلغ الله تعالى إليكم بالوعيد وفصل لكم القول و القول وعلمكم السنّة، وشرع لكم المناهج ليزيح العلة وحث على الذكر ودل على النجاة، وأنه من انتصح الله واتخذ قوله دليلاً هداة للتي هی أقوم ووفقه للرشاد وسدده ويسره للحسنى، فإن جار الله آمن محفوظ وعدوه خائف، مغرور فاحترسوا من الله بكثرة الذكر واخشوا منه بالتقوى وتقربوا إليه بالطاعة فإنه قريب مجيب قال الله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِي فَإِنِي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: 186].

فاستجيبوا الله وآمنوا به عظموا الله الذي لا ينبغي لمن عرف عظمة الله تعالى أن يتعظم، فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمة الله أن يتواضعوا له وعز الذين يعلمون ما جلال الله أن يذلوا له، وسلامة الذين يعلمون ما قدرة الله أن يستسلموا له، فلا ينكرون أنفسهم بعد حد المعرفة ولا يضلون بعد الهدى فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الأجرب والباري من ذي السقم.

واعلموا علماً يقيناً أنكم لن تعرفوا الذي تركه لن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه ولن تتلوا الكتاب حق تلاوته حتى تعرفوا الذي حرفه ولن تعرفوا الضلالة حتى تعرفوا الهدى ولن تعرفوا التقوى حتى تعرفوا الذي تعدى، فإذا عرفتم ذلك عرفتم البدع والتكلف ورأيتم الفرية على الله وعلى رسوله والتحريف لكتابه، ورأيتم كيف هدى الله من هدى فلا يجهلنكم الذين لا يعلون فإن علم القرآن ليس يعلم ما هو إلا من ذاق طعمه فعلم بالعلم جهله وأبصر عماه وسمع به صممه وأدرك به علم ما فات وحيى به بعد إذ مات وأثبت عند الله تعالى ذكره به الحسنات ومحى به السيئات وأدرك به رضواناً من الله تعالى فاطلبوا ذلك الله تعالى فاطلبوا ذلك من عند أهله خاصة فإنهم خاصة نور يستضاء به وأئمة يهتدى بهم، وهم عيش العلم وموت الجهل هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم وصمتهم عن منطقهم وظاهرهم عن باطنهم لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه فهو بينهم شاهد صادق وصامت ناطق فهو من شأنهم شهداء بالحق ومخبر صادق لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه قد خلت لهم من الله سابقة ومضى فيهم من الله تعالى حكم صادق وفي ذلك ذكرى للذاكرين فاعقلوا الحق إذا سمعتموه عقل رعاية ولا تعقلوه عقل رواية فإن رواة الكتاب كثير ورعاته قليل والله المستهان (1).

الترجمة

از خطبه آن حضرت است که آن را در ذی قار در حالی که از مکه متوجه به سوی بصره بود (که در این سفر جنگ جمل پیش آمده) فرموده است و این خطبه را واقدی در کتاب جمل ذکر کرده است:

پس رسول اکرم بدان چه از جانب حق متعال مأمور بود آشکار کرده است و رسالت پروردگار خود را برسانید پس خدای تعالی به ارسال آن حضرت تفریق و پراکندگی مردمان را به هم آورد و شکاف جمعیتها را التیام و پیوستگی داد و میان خویشان و ارحام - پس از آن که عداوت در سینه ها جا کرده بوده و آتش کینه در دلها شعله میزد – الفت داد.


1) الكافي: 391/8، وشرح أصول الكافي: 556/12.

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو المائتان والثلاثون من المختار في باب الخطب

اشارة:

کلم به عبد الله بن زمعة وهو من شيعته، وذلك أنه قدم عليه في خلافته يطلب منه مالاً فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«إِنْ هذَا الْمالَ لَيْسَ لي ولا لَكَ، وإِنَّما هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَجَلَبُ أَسْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكَتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظْهِمْ، وإِلَّا فَجَناةُ أَيْدِيهِمْ لا تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ» (1).

اللغة

(الجلب) المال المجلوب و (الجناة) ما يقتطف من الثمر عن الشجر، وهي إستعارة لما اكتسبوه بأيديهم من ذلك المال (الفيء) ما كان شمساً فينسخه الظل والغنيمة والخراج والرجوع.

قال المرزوقي في عدة مواضع من شرح الحماسة: الفيء الغنيمة والرجوع وقال في شرحه على الحماسة 567: الظل ما يكون للشجرة وغيرها بالغداة والفيء بالعشي، وتمسك بقول حميد بن ثور:

فلا الظلّ من برد الضحى نستطعيه *** ولا الفيء من من برد العش د العشي نذوق

وكذا الطبرسي في المجمع في قوله تعالى: يَنَفَيَؤُا ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالسَّمَابِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ من سورة النحل. وإليه يفيء ما في القاموس من أن الفيء ما كان شمساً فينسخه الظل. يعني إن كان المحل شمساً فمحاه الظل فذلك الظل فيء ولذا يقال إن الفيء من زوال الشمس إلى غروبها، ولا بعد أن يقال إن الفيء بحسب أصل اللغة الرجوع، ولذا سمى الكتب الفقهية الظل الحادث بعد الزوال فيئاً لأنه رجع وعاد بعد ما كان ضياء الشمس نسخه، ومنه فيء المسلمين لما يعود عليهم وقتاً بعد وقت من الخراج والغنائم، كما في المجمع في تلك السورة المذكورة وقال في سورة الحشر: الفيء رد ما كان للمشركين على المسلمين بتمليك الله إياهم ذلك على ما شرط، وكذا في الصافي (مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ) الآية أي رده عليه فإن جميع ما بين السماء والأرض الله عزّ وجلّ ولرسوله ولأتباعه من المؤمنين، فما كان منه في أيدي المشركين والكفار والظلمة والفجار وهو حقهم أفاء الله عليهم ورده إليهم كذا عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حيث رواه في الكافي (2).


1) بحار الأنوار: 115/41، والغدير: 239/8.

2) مكاتيب الرسول: 530/3، تفسیر مجمع البيان: 161/6.

ويعدي فاء بالتضعيف كما يعدي بزيادة الهمزة كما في قوله تعالى: (وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ) الآية، وقال قيس بن الخطيم الأوسي (حماسة (36):

وساعدني فيها ابنُ عمرو بن عامر *** زُهير فأدى نعمةً وأفاءها

وجمع الفيء أفياء وفيوء كشيخ وأشياخ وشيوخ.

الإعراب

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ليس لي خبر إن) وقوله ( ولا لك عطف عليه)، وجلب أسيافهم عطف على فيء أي هو ( جلب أسيافهم، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (كان لك) جواب أن الشرطية، والفاء في (فإن) فصيحة، ومثل إسم كان آخر على خبره أعني لك توسعة للظرف وقوله: (وإلا فجناة أيديهم)، تقديره وإن لأشركتهم فجناة أيديهم إلخ.

ثم اختلف في الفرق بين الفيء والغنيمة في المجمع في قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ [الأنفال: 41] الآية الغنيمة ما أخذ من أموال أهل الحرب من الكفار بقتال وهي هبة من الله تعالى للمسلمين والفيء ما أخذ بغير قتال، وهو قول عطا ومذهب الشافعي وسفيان وهو المروي عن أئمتنا (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)، وقال قوم: الغنيمة والفيء واحد وادعوا أن هذه الآية ناسخة للتي في الحشر من قوله تعالى: ما أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ [الحشر: 7] «إلخ) وكذا قال الشهيد الثاني (رَحمَةُ اللّه) في كتاب الخمس من شرح اللمعة: الغنيمة ما يحوزه المسلمون بإذن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أموال أهل الحرب بغير سرقة ولا غيلة من منقول وغيره ومن مال البغاة إذا حواها العسكر عند الأكثر، ومن الغنيمة فداء المشركين وما صولحوا عليه وقال في كتاب الجهاد الغنيمة أصلها المال المكتسب، والمراد هنا ما أخذته الفئة المجاهدة على سبيل الغلبة لا باختلاس وسرقة فإنه لآخذه، ولا بإنجلاء أهله عنه بغير قتال فإنه للإمام.

المستفاد من قوله: ولا بانجلاء أهله إلخ » أنه يشير إلى الفيء بأن الفيء ما يؤخذ بغير قتال كما هو المستفاد من قول قول الله عزّ وجلّ في سورة الحشر: وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابِ إلى آخر الآيتين حيث نزلت في أموال كفار أهل القرى وهم قريظة وبني النضير وهما بالمدينة وفدك وهي من المدينة على ثلاثة أميال وخيبر وقرى عرينة وينبع جعلها الله لرسوله، يحكم فيه ما أراد وأخبر أنها كلها له، فقال أناس فهلا قسمها فنزلت الآيتان ردًّا عليهم بأن ما أفاء الله على رسوله من اليهود فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب أي لم تسيروا إليها على خيل ولا، أبل وإنما كانت ناحية من نواحي المدينة مشيتم إليها مشياً كما في المجمع وغيره، فيستفاد من الآيتين: إن الفيء ما أخذ بغير قتال كما لا يخفى. وفي المجمع أيضاً في سورة الأنفال وصحت الرواية عن أبي جعفر وأبي)

عبد الله (عَلَيهِم السَّلَامُ أنهما قالا: إن الأنفال كل ما أخذ من دار الحرب بغير قتال وكل أرض إنجلى أهلها عنها بغير قتال ويسميها الفقهاء فيئاً، وفي التهذيب عن عبد الله سنان عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الغنيمة قال: يخرج منه الخمس ويقسم ما بقي بين من قاتل عليه وولي ذلك فأما الفيء والأنفال فهو خالص لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) (1).)وفيه عن محمد بن مسلم عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه سمع يقول: «أن الأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم أو قوم صولحوا وأعطوا بأيديهم فما كان من أرض خربة أو بطون أو دية فهذا كله من الفيء والأنفال الله وللرسول» (2). الخبر.)وفيه أيضاً عن الحلبي عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ الفيء ما كان من أموال لم يكن فيها هراقة دم أو قتل (3). والأنفال مثل ذلك هو بمنزلته، وغير ذلك من الأخبار المروية عن أئمتنا (عَلَيهِم السَّلَامُ) ما أشار إليه في المجمع مما هو مصرح بأن الفيء، ما يؤخذ بغير قتال ولم يكن فيه هراقة دم بخلاف الغنيمة، ولكن لا يخفى أن في هذه الخطبة أطلق (عَلَيهِ السَّلَامُ) الفيء على الغنيمة كما هو الظاهر من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) جلب أسيافهم فجناة أيديهم فتفيد أنهما بمعنى واحد فتأمل.)ثم إن المستفاد من الأخبار الإمامية وعبارات الفقهاء والمفسرين من الإمامية رضوان الله عليهم أن الأنفال أعم شمولاً من الفيء، والأنفال يشمل الفيء وغيره لأن الفيء كل ما أخذ من دار الحرب بغير قتال وكل أرض إنجلى عنها أهلها، والأنفال يشملها والأرضين الموات وتركات منلا وارث له من الأهل والقربات والآجام والمفاوز والمعادن وقطايع الملوك وصفاياهم إذا فتحت دار الحرب وبطون الأودية ورؤوس الجبال وسيف البحار وما يغنمه الغانمون بقتال بغير إذن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ وغيرها مما هي مذكورة في مواضعها مع شرائطها، وإن كان حكم كل واحد من الفيء والأنفال في الحكم مساوياً كما يستفاد من ظاهر بعض الأخبار والتعاريف تساويهما في الشمول أيضاً بل في بعض التعابير أن الأنفال مطلق الغنائم.)ثم إن إستعمال الغنيمة بمعناها اللغوي أعني المال المكتسب في الروايات وعبارات الفقهاء كثير، وفي التهذيب عن حكم مؤذن بني عبس عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال قلت له: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ) الآية قال: «هي والله الإفادة يوماً بيوم«. وقال الشيخ في المقنعة: الخمس واجب في كل مغنم، ثم قال: والغنائم كل ما استفيد


1) شرح أصول الكافي: 3907 وسائل الشيعة: 517/9، ح 12613.

2) شرح أصول الكافي: 3907، ووسائل الشيعة: 367/6، ح 10.

3) تهذيب يب الأحكام 133/4، ح 371، ووسائل الشيعة: 527/9، ح 12635.

بالحرب من الأموال والسلاح والأثواب والرقيق وما استفيد من المعادن والغوص والكنوز والعنبر، وكل ما فضل من أرباح التجارات والزراعات والصناعات من المؤنة والكفاية في طول السنة على الاقتصاد انتهى (1).

ويمكن أن يستدل على ذلك بهذه الآية فإن في عرف اللغة يطلق على جميع ذلك إسمالغنم والغنيمة إلا ما استثنى بالأدلة الخاصة مما لا خمس فيه

عبد الله بن زمعة من هو ؟

عبد الله بن زمعة بفتح الميم كان من أصحاب علي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشيعته، كما صرح به الرضي رضوان الله عليه، وقال ابن الأثير في أسد الغابة في معرفة الصحابة: عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي أمه قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة أم المؤمنين، كان من أشراف قريش وكان يأذن على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وأبو زمعة هو الأسود بن المطلب وقتل زمعة يوم بدر كافراً وكان الأسود من المستهزئين الذين قال الله تعالى فيهم: (وإِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ) [الحجر: 95] وقتل عبد الله عثمان الدار. قاله أبو أحمد العسكري عن أبي حسان الزيادي وكان لعبد الله ابن إسمه يزيد قتل يوم الحرة صبرا قتله مسلم بن عقبة المري. انتهى (2).

وكذا قال ابن الحجر في التقريب أن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد القرشي الأسدي صحابي مشهور إستشهد يوم الدار مع عثان.

ولا يخفى أن ما ذكر من أن عبد الله قتل مع الله قتل مع عثمان يوم الدار لا يوافق ما في هذه الخطبة من أنه قدم عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خلافته.

المعنى

قدم عبد الله بن زمعة على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خلافته واستماحه مالاً فاعتذر إليه، وأجابه بأن ذلك المال ليس له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يجمعه لنفسه بل ولم يجمع مالاً لنفسه يخصه حتى يعطيه منه، وأنى له أن يخون مال الغير ابتغاء مرضاة رجل من شيعته وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) خليفة الله وأمينه والفائز بالخواص النبوية والمتصف بالأوصاف الإلهية وبها صار رباً إنسانياً.

وقد مر في الخطب الماضية من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ): والله لأن أبيت على حسك السعدان


1) تهذيب الأحكام: 4 / 121، ح 35، وتفسير مجمع البيان: 469/4.

2) أسد الغابة: 164/3.

مسهداً أو أجر في الأغلال مصفداً أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد وغصباً لشيء من الحطام، وفي تلك الخطبة يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إن أخاه عقيلاً إفتقر حتى استماحه من بيت المال للمسلمين صاعاً من بر فأحمى له حديدة على ما ذكر فيها بل نعلم أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فعل بأحب الناس إليه وأقربهم منه ولده الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما توجل به القلوب وتقشعر به النفوس، وذلك أن معاوية سأل يوماً عقيلاً عن قصة الحديدة المحماة المذكورة فبكى وقال: أنا أحدثك يا معاوية عنه ثم أحدثك عما سألت نزل بالحسين إبنه ضيف فاستسلف درهماً إشترى به خبزاً واحتاج إلى الأدام فطلب من قنبر خادمهم أن يفتح له زقاق عسل جاءتهم من اليمن فأخذ منه رطلاً، فلما طلبها (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليقسمها قال: يا قنبر أظن أنه أخذت؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأخبره، فغضب وقال علي بحسين الدرة فقال بحق عمي جعفر وكان إذا سئل بحق جعفر سكن فقال له: ما حملك أن أخذت منه قبل القسمة قال: أن لنا فيه حقاً فإذا أعطيناه رددناه قال: فداك أبوك وإن كان لك فيه حق فليس لك أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم، أما لولا إني رأيت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لا يقبل ثنيتك لأوجعتك ضرباً ثم دفع إلى قنبر درهاً كان مصروراً في ردائه وقال: إشتر به خير عسل تقدر عليه، قال عقيل: والله لكأني أنظر إلى يدي علي وهي على فم الزق وقنبر يقلب العسل فيه ثم شده وجعل يبكي ويقول: اللهم إغفر لحسين فإنه لم يعلم فقال: معاوية ذكرت من لا ينكر فضله رحم الله أبا حسن فلقد سبق من كان قبله وأعجز من يأتي بعده هلم حديث الحديدة، فذكر له حديثها وهذا ما ذكره الشارح المعتزلي ابن أبي الحديد في ضمن كلامه في الحديدة المحماة وأمثاله ونظائره من ولي الله الأعظم أرواحنا له الفداء عند المؤالف والمخالف كثير، بحيث لا يرتاب فيه فمن كان هذا ديدنه مع أخيه وبنيه فكيف يصفح عن الحق في شيعته ومواليه.

ثم قال خطاباً لعبد الله: وهذا المال ليس لك أيضاً وإنما هو غنيمة المسلمين إقترفوه بسيوفهم مجاهدين فيالله ومباشري القتال مع أعداء الله وإن شركتهم في حربهم وجهادهم فلك مثل حظهم وإلا فما اكتسبوه بأيديهم من مال الكفار وأتعبوا أنفسهم في الجهاد في سبيل الله فاغتنموا فليس لغيرهم فيه نصيب وعبرة، بأحسن العبارات وأفصح الإستعارات وإلا فجناة أيديهم لا تكون لغير أفواههم.

وذلك لأنه إذا اغتنم المسلمون شيئاً من أهل الكفر بالسيف قسمه الإمام علي خمسة أسهم، فجعل أربعة منها بين من قاتل عليه ومن حضر القتال على الشرط الذي ذكر في الكتب الفقهية في الجهاد، وجعل السهم الخامس ثلاثة منها له خاصة سهمان وراثة وسهم وثلاثة أسهم الأخر لأيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم لا شركهم في ذلك غيرهم، لأن الله سبحانه حرم عليهم الصدقات لكونها أوساخ الناس وعوضهم من ذلك الخمس هذا عند أصحابنا الإمامية المستفاد من قوله تعالى في سورة الأنفال: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ

لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال: 41] لأن الأخبار المروية عن أئمتنا (عَلَيهِم السَّلَامُ) أما السهمان الموروثان فهو سهم الله وسهم رسوله وأما السهم له فهو سهم ذي القربى، والمراد بذي القربى في الكتاب والسنّة هو الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلا خلاف معتد به عندنا. وروى عن الحسن وقتادة أن سهم الله وسهم الرسول وسهم ذي القربي للإمام القائم من بعده، ينفقه على نفسه وعياله ومصالح المسلمين وهو مثل ما ذهب إليه الإمامية، وأما غيرهم فالمروي عن ابن عباس، وإبراهيم، وقتادة، وعطا أن الخمس يقسم على أربعة أسهم سهم ذي القربى لقرابة النبي والأسهم الثلاثة لمن ذكروا بعد ذلك من سائر المسلمين وذهَبَ أبو حنيفة إلى أنه يقسم على ثلاثة أسهم لأن سهم الرسول قد سقط بوفاته عندهم لأن الأنبياء لا يورثون فيما يزعمون وسهم ذي القربي قد سقط لأن أبا بكر وعمر لم يعطيا سهم ذي القربى ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة عليهما (1).

وأما كيفية تقسيم ما عدا الخمس من الأقسام الأربعة الباقية: فعند علمائنا الإمامية أن النبي والإمام القائم مقامه بعده يصطفى من الغنيمة ما يختاره من فرس جواد أو ثوب مرتفع أو جارية حسناً وغير ذلك، ثم يقسم الباقي بين الغانمين مما ينقل ويحول بين الغانمين للراجل سهم واحد وللفارس سهمان ومن كان له فرسان فصاعداً كان له ولأفراسه وإن تعددت سهمان، ولا سهم للإبل والبغال والحمير وذهب ابن الجنيد إلى أن للفارس ثلاثة أسهم إتكالاً على خبر لنا أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يجعل للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهماً، وهو مذهب الشافعي أيضاً وحمل شيخ الطائفة في التهذيب ذلك الخبر على أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يجعل للفرس ثلاثة أسهم إذا كان معه فرسان فصاعداً فلا ينافي الأخبر الأخر وأما ما لا ينقل ولا يحول من الأرضين والعقارات فهي للمسلمين قاطبة وذهب أبو حنيفة أيضاً أن للراجل سهماً وللفارس سهمين كالإمامية.

فتقول: إن الظاهر من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إن هذا المال ليس لي ولا لك إنما هو فيء المسلمين، أن الخمس كان قد قسم وأن عبد الله بن زمعة طلب من الأقسام الأربعة الباقية من مال المقاتلة أعني الغانمين فمنعه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنه لأنه لم يكن منهم، وقال: »فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظهم» ومع الفرض على عدم القسمة أنه لم يك ممن يستحقه لأنه إن كان من الطوائف الثلاثة أعني اليتامى والمساكين، وابن السبيل فيعتبر إنتسابهم إلى عبد المطلب بالأبوة ويعتبر إنتسابهم إلى هاشم أبي عبد المطلب بالأبوة وهذا أيضاً صحیح،


1) تفسیر مجمع البيان: 468/4.

والخلاف لفظي لأن ذرية هاشم محصورة في ولده عبد المطلب.

و عبدالله ليس منتسباً إليه نعم هو من بني المطلب أخي هاشم ولكن في استحقاق بني المطلب الخمس خلاف وتردد ومع المماشاة أنه لم يكن من المساكين وهم أهل الفاقة والفقر ولا ابن السبيل وهو المنقطع في سفره وظاهر أنه ليس من اليتامى وأولى القربى، فما بقي إلا سهم الله ورسوله وذي القربى أعني سهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) والظاهر بل المصرح من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن هذا المال في المسلمين وليس منه مع بقائه أنه لم يك مستحقه وبالجملة إن هذا الرجل مع أنه كان من شيعته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يبلغ بعد إلى مقامات العارفين به (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلما رأى أنه توسدت له الوسادة وحاز منصب الخلافة وأخذ أزمة الأمور جاء طالباً لشيء من الحطام، كما الحطام، كما هو دأب عبيد الدنيا فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما فيه تعليم وعبرة لمن كان له قلب ودراية.

الترجمة

از کلام آن حضرت است که بدان با عبدالله بن زمعه سخن گفت و این مرد بیوقوف اگرچه از پیروان آن حضرت بود ولی به مقام شامخ آن ولى الله أعظم و قبله نمای طالبان کعبه حق و مجسمه عدل و مظهر اتم اله کمال معرفت حاصل نکرده بود در ایام خلافتش از حضرتش بی جهت استحقاق مالی طلب کرد، پس آن كلام الله ناطق و فیصل حق و باطل در جوابش فرمود که:

این مال نه از آن من است و نه از آن تو، این غنیمت مسلمانان مسلمانان و اندوخته شمشیر ایشان، أست پس اگر در کارزار با ایشان انباز بوده ای در بهره از آن نیز انبازی و گرنه حاصل دست رنج آنان طعمه دیگران نخواهد شد.

هر کو عمل نکرد و عنایت امید داشت *** دانه نکشت ابله و دخل انتظار کرد

نابرده رنج گنج میسر نمی شود *** مزد آن گرفت جان برادر که کار کرد

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو المائتان والواحد والثلاثون من المختار في باب الخطب

اشارة:

«ألا إِنَّ اللَّسانَ بَضْعَةٌ مِنَ الإِنْسانِ فَلا يُسْعِدُهُ الْقَوْلُ إِذَا امْتَنَعَ، وَلا يُمْهِلُهُ النُّعْلقُ إِذَا اتَّسَعَ وإنا لأمراء الكلام، وفينا تَنَشَّبَتْ عُرُوتُهُ، وعَلَيْنا تَهَدَّلَتْ غُصُونُهُ، وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ أَنَّكُمْ في زَمانِ الْقائِلُ فِيهِ بِالْحَقِّ قَلِيلٌ، وَاللّسانُ عَنِ الصِّدْقِ كَلِيلٌ، وَاللَّازِمُ لِلْحَقِّ ذَلِيلٌ، أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى الْعِصْيان، مُصْطَلِحُونَ عَلَى الإِدْهان، فَتاهُمْ عادِمٌ، وشائِبُهُمْ آيْمٌ، وعالِمُهُمْ مُنافِقٌ، وقارِتُهُمْ مما ذق، لا يُعظُم صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُم، ولا يَقُولُ غَنِيُّهُمْ فَقِيرَهُمْ»(1).

اللغة

(البضعة) بالفتح وقد يكسر: القطعة من اللحم (فلا يسعده) أي لا يعينه (تنشبت): تعلقت وفي نسخة إنتشبت أي اعتلقت والأولى أولى لمكان تهدلت كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام (تهدلت غصونه): أي تدلت فروعه (عكفت) بالمكان أي أقمت به ملازماً له واعتكف أي احتبس وتوقف ولبث والمعتكف على العصيان أي الملازم المداوم عليه والإعتكاف في الشرع اللبث في مكان مخصوص للعبادة على ما بين في محله من الشروط يقال: (إصطلحوا) على ذلك أي اتفقوا عليه.

(الأدهان) الغش، والنفاق، والمداراة، والكفر، والركون، وإظهار خلاف ما تضمر كالمداهنة والمصانعة قال الله تعالى في القلم: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: 9] ومعنى الأخير هنا أشبه وأنسب. (والفتى) الشاب الحدث.

و (العارم) الشرس الأشر سيء الأخلاق المؤذي البطر وجمعه عرمة كطالب وطلبة والفعل من كرم والأصول الثلاثة و (الشائب) من الشيب وهو بياض الشعر مقابل الفتى.

(القاري): الناسك المتعبد وقارىء القرآن الكريم وغيره من الصحف ولكن المراد ههنا هو الأول أعني الزاهد المتعبد لأنه في قبال العالم في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «عالمهم منافق».

(مذق) الود لم يخلصه وهو مذاق، وماذقه مذاقاً وماذقة في الود لم يخلص له فهو مماذق أي غير مخلص، والضمير في يسعده ويمهله يعود إلى اللسان وفي امتنع واتسع يؤل إلى الإنسان.


1) بحار الأنوار: 123/70 ح،112، وميزان الحكمة: 923/2.

الإعراب

كلمة (من) للتبعيض والفاء رابطة للجواب بالشرط المقدر والتقدير إذا كان اللسان بضعة من الإنسان فلا يسعده القول إذا امتنع.

جواب إذا امتنع قدم عليه وهو لا يسعده القول أي إذا كان اللسان بضعة من الإنسان فإذا امتنع اللسان لا يسعد الإنسان القول، وكذا الجملة التالية.

واللام في (لأمراء) لام ابتداء تصحب خبر (إن) المكسورة للتأكيد في الجملة المثبتة دون المنفية إلا نادراً وإنما أخرت إلى الخبر لأن القصد بها التأكيد، وأن للتأكيد أيضاً فكرهوا الجمع بينهما وفي ألفية ابن مالك:

وبعد ذات الكسر تصحب الخير *** لام ابن تداء نحو أني لوزر

(وفينا) متعلق بقوله (تنشبت) قدم توسعة للظرف وكذا القياس في ( علينا تهدلت غصونه).

جملة ( رحمكم الله) معترضة وقع في البين وجملة (انكم) (اه) في محل النصب مفعول اعلموا وجملة (القائل فيه بالحق قليل في محل الجر تكون صفة لزمان والظرفان أعني فيه وبالحق متعلقان بالقائل والجملات العشر الآتية معطوفة على مصطلحون خبر بعد الخبر لأهله.

المعنى

هذا الكلام قاله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وقعة اقتضت ذلك وهي وقعة اقتضت ذلك وهي أنه أمر ابن أخته جعدة بن هبيرة المخزومي أن يخطب الناس يوماً، فصعد المنبر فحصر ولم يستطع الكلام فقام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فتنسم ذروة المنبر وخطب خطبة ذكر الرضى رضوان الله عليه منها هذه الكلمات.

وفي أسد الغابة جعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي ولي خراسان لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو ابن أخته أمه أم هاني بنت أبي طلب، ولدت أم هاني بنت أبي طالب من هبيرة ثلاث بنين جعدة وهاني ويوسف وقيل أربعة، وقيل إن جعدة هو القائل:

أبي من بني مخزوم إن كنت سائلاً *** ومن هـاشم أُمي لخير قبیيل

فمن ذا الذي يأتي علي بخاله *** كخالي على ذي الندى وعقيل(1)

وفي مجالس المؤمنين للقاضي نور الله نور الله مرقده قال عبيدة بن أبي سفيان ذات


1) الدرجات الرفيعة 412، وشرح الأخبار: 244/3.

يوم من أيام حرب صفين لعدة بن هبيرة: إن هذه الشجاعة والجرأة التي تبرز منك في الحرب إنما كانت من جانب خالك، فأجابه لو كان خالك كخالي لنسيت أباك.

فنقول: لا يخفى أن المدرك بجميع الإدراكات المنسوبة إلى القوى الإنسانية هو القلب أعنى النفس الناطقة وهي أيضاً المحركة لجميع التحريكات الصادرة عن القوى المحركة الحيوانية والنباتية والطبيعية وأن الحواس الظاهرة والباطنة كلها آلات وعمال وجنود لها بعضها يرى بالإبصار وهي الأعضاء والجوارح، وبعضها لا يرى إلا بالبصائر وهي القوى والحواس وجميع تلك القوى مجبولة على طاعة القلب ومسخرة له وهو المتصرف فيها لا تستطيع له خلافاً وعليه تمرداً، فإذا أمر العين للإنفتاح إنفتحت وإذا أمر الرجل للحركة تحركت وإذا أمر اللسان بالكلام وجزم الحكم به تكلم وكذا سائر الأعضاء.

وقال بعض أهل العرفان كما في أسفار صدر المتألهين وتسخير الأعضاء والحواس للقلب يشبه من وجه تسخير الملائكة الله تعالى فأنهم جبلوا على الطاعة لا يستطيعون له خلافاً ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

وقال صاحب إخوان الصفا في هذا المعنى: أي أن نسبة القوى إلى النفس كنسبة الملائكة إلى الرب قال الملك الحكيم من الجن كيف طاعة الملائكة لرب العالمين؟ قال: كطاعة الحواس الخمس للنفس الناطقة قال: زدني بياناً قال: ألا ترى أيها الملك إن الحواس الخمس في إدراك محسوساتها وإيرادها أخبار مدركاتها إلى النفس الناطقة لا يحتاج إلى أمر ونهي ولا وعد ولا وعيد بل كلما همت به النفس الناطقة بأمر محسوس إمتثلت الحاسة لما همت به وأدركتها وأوردتها إليها بلا زمان ولا تأخر ولا إبطاء، وهكذا طاعة الملائكة لرب العالمين الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون لأنه أحكم الحاكمين.

وقال ذلك العارف: وإنما افتقر القلب إلى هذه الجنود من حيث افتقاره إلى المركب والزاد لسفره الذي لأجله خلق وهذا السفر إلى الله وقطع المنازل إلى لقائه فلاجله جبلت القلوب. قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ َوالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] وإنما مركبه الله البدن وزاده العلم وإنما الأسباب الموصلة التي توصله إلى الزاد وتمكنه من التردد العمل الصالح فافتقر أولاً إلى تعهد البدن وحفظه من الآفات بأن يجلب إليه ما يوافقه من الغذاء وغيره وبأن يدفع عنه ما ينافيه ويهلكه من أسباب الهلاك، فافتقر لأجل طلب الغذاء إلى جندين باطن هو قوة الشهوة وظاهر هو البدن والأعضاء الجالبة للغذاء فخلق في القلب جنود كثيرة من باب الشهوات كلها تحت قوة الشهوة وخلقت الأعضاء التي هي آلات الشهوة، وافتقر لأجل دفع الموذيات والمهلكات إلى جندين باطن وهو قوة الغضب الذي به

يدفع المهلكات وينتقم من الأعداء وظاهر وهو اليد والرجل الذي يعمل به بمقتضى الغضب وكل ذلك بأمور خارجة من البدن كالأسلحة وغيرها.

ثم المحتاج إلى الغذاء إذا لم يعرف الغذاء الموافق لا ينفعه شهوة الغذاء وآلته، فافتقر في المعرفة إلى جندين باطن وهو إدراك البصر والسمع والذوق والشم واللمس وظاهر وهو العين والأذن والأنف وغيرها وتفصيل وجه الحاجة إليها ووجه الحكمة فيها مما يطول شرحه.

فجملة جنود القلب يحصر القلب يحصرها ثلاثة أصناف:

أحدها: باعث مستحث إما إلى جلب المنافع النافع كالشهوة، وإما إلى دفع المضار المنافي كالغضب وقد يعبر عن هذا الباعث بالإرادة.

والثاني: هو المحرك للأعضاء إلى تحصيل هذه المقاصد ويعبر عن هذا الثاني بالقدرة وهي جنود مبثوثة في ساير الأعضاء لا سيما بالعضلات منها والأوتار.

والثالث: وهو المدرك المتصرف لأشياء كالجواسيس وهي مبثوثة في أعضاء معينة فمع كل واحد من هذه الجنود الباطنة جنود ظاهرة هي الأعضاء التي أعدت آلات لهذه الجنود فإن قوة البطش إنما يبطش بالأصابع وقوة البصر إنما تدرك بالعين وكذا سائر القوى إنتهى.

وبالجملة أن قوى البدن كلها جنود للنفس وأن نسبة النفس إلى البدن كنسبة الربان إلى السفينة والملك إلى المدينة بل ألطف وأدق وأجل وأشمخ من ذلك بمراحل لا يعلمه إلا الراسخون في العلم أعرضنا عن بيانه خوفاً للإطالة وهو محقق ومبرهن في الحكمة العالية، فإذا كانت حال النفس مع البدن كذلك فمتى عرض النفس شاغل من جبن وخوف وخشية ونحوها، لا يقدر الإنسان على التكلم والمشي والحركة ولا لا يعقل، وكثيراً ما يعرض الإنسان أن عينه وأذنه سليمة مفتوحة ويمر عنده رجل أو يتكلم معه لكنه لا يسمع ولا يرى لصارف عارض نفسه وعرض جعدة على المنبر جبن من ازدحام الناس أو أمر آخر فحصر ومنع فلم يستطع الكلام كما عرض لغير واحد من الخطباء فقام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وارتقى المنبر فقال: ألا وإن اللسان «إلخ» أي إن اللسان آلة للإنسان يتصرف بتصريفه إياه فإذا امتنع الإنسان عن الكلام لعروض عارض وطار لا يسعد ولا يعين القول إياه كما أن الإنسان إذا اتسع عقله بالمعارف الحقة الإلهية والعلوم الربانية والكمالات الإنسانية، وصار أمير الكلام لا يمهل النطق اللسان بل يسارع إليه ويحدر عنه إنحدار السيل عن قلة جبل شامخ.

ثم أن اللسان لما كان بضعة من الإنسان فيكون ما يصدر عنه بضعة وأنموذجاً لما هو مستجن في ضميره فإذا تكلم فيكون كلامه حاكياً عن سريرته لأنه فاض منه والظاهر عنوان

الباطن والمعلول يحكى عن العلة بوجه ما على حد، وجوده وقال بعض الأدباء كما أن الأواني تختير بضرب الأصابع عليها وتصويتها كذا يعرف مقدار الرجال بكلامه والمرء مخبوء تحت لسانه ولا يخفى أن لسان الإنسان وكتابه ورسوله وسائر عمله كل واحد منها كأنه جزوه نشأ منه وانفصل عنه كالثمر عن الشجر والولد عن الوالد والولد سر أبيه، فإن كان أصله طيباً فالبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، وإن كان خبيثاً فالذي خبث لا يخرج إلا نكداً، ونعم ما قال الشاعر:

وكل إناء بالذي فيه يرشح *** ويُنبى الفتى عما عليه انطواؤه

وفي الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ):

من لم يكن عنصره طيبا *** لم يخرج الطیب من فیه

أصل الفتى يخفى ولكنه *** من فعله یعرف ما فیه

ونعم ما قال ابن الرومي «أو القاضي التنوخي»:

تخير إذا ما كنت في الأمر مُرسلاً *** فمبلغ آراء الرجال رسولُها

ونعم ما قاله العارف الرومي في المثنوي أيضاً:

گفت انسان پاره ز انسان بود *** پاره از نان یقین که نان بود

وهذه الدقيقة الأنيقة الفائضة من عالم القدس باب ينفتح منه أبواب أخر يعقلها من كان له قلب، ولولا خوف الأطناب لفصلنا تلك الأبواب.

ثم إن ههنا دقيقة عرشية أخرى لا بأس أن نشير إليها وهي المستفادة من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (إذا اتسع) ولا يخفى أن هذا الإتساع ليس بجسماني كإتساع المكان والزمان، والدار، والفضاء، وأشباهها بل هو السعة الكلية المجر. السعة الكلية المجردة النورية الوجودية الحاصلة للنفس الناطقة بالعلوم القدسية السماوية والحقائق العرشية والفضائل المكتسبة من عالم المفارقات وحضرة المجردات وهذا التعبير من مدينة العلم يفيد أن الروح مجرد عن أوصاف الجسم وأحوال المادة ولا تنال إليه يدأين؟ ومتى ولا أي وكيف وأخواتها وليس له جزء خارجي ولا حملي ولا يحوم حوله مطلب هل المركبة وأمثاله، وأن العلم ليس بعرض لذات النفس كعروض اللون على الجدار كما ذهب إليه المشاؤون وعدوا العلم من الكيفيات النفسانية وذلك لأن الكيف عارض على المحل والعرض لا يكون مؤثراً في حقيقة شيء وجوهره وذاته، كيف أنه كيف مع أنه يخرج النفس من الضعف إلى القوة، ومن الظلمة إلى النور، والعلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء فيكون العلم كما لا للنفس في جوهرها وقوامها وذاتها وأنى للعرض هذه الشأنية العظمى؟

بل العلم كما ذهب إليه المحققون من الحكماء المتألهين وأتباعهم وجل العرفاء الشامخين وأشياعهم خارج عن المقولات لأن العلم وجود وليس الوجود جوهراً ولا عرضاً

ووجود العلم يجعل النفس قوياً ويخرجها من الضيق إلى السعة بحيث يتحد العاقل مع المعقول.

نیست انسان جز خبر در آزمون *** هر که او علمش فزون جانش فزون

نعم مفهوم العلم كيف نفساني بلا كلام ويعد من الأعراض من هذه الجهة وليس كما لا للنفس ولا يخرجها من القوة إلى الفعل.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وإنا لأمراء الكلام وفينا تنشبت عروقه وعلينا تهدلت غصونه) أي نحن أهل البيت والحجج الإلهية تتصرف الكلام كيف نشاء تصرف الأمراء في ممالكهم لا يعرضنا عي وحصر، كيف وأصول الكلام فينا تعلقت وفروعه علينا تدلت أي نحن منبت الكلام ومَنْشَؤُه، وغيرنا يتناول غصونه التي علينا تدلت ويستفيد منها ويجتني ثمارها.

ونعم ما قال صدر المتألهين في شرح أصول الكافي من أن الفصحاء جميعهم بمنزلة عياله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الفصاحة من حيث يملؤون أوعية أذهانهم من ألفاظهم ويضمنونها خطبهم ورسائلهم فيكون بمنزلة درر العقود ولا يخفى أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفينا تنشبت عروقه وعلينا تهدلت غصونه في الجودة والفصاحة واللطافة فوق ما يحوم حوله العبارة وكلامهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق، وهو في ذاته حجة قاطعة وشاهد صادق على أنهم أمراء الكلام وفيهم تنشبت عروقه وعليهم تدلت غصونه فلا يخفى لطفه.

ثم إنا نرى أن من ربيت في حجره ونشأت في بيته واستضاءت من مصباح وجوده واستروت من عين جوده بلغت في تنضيد العاني والحكم وتنسيق العارف والكلم إلى مرتبة يعترف الخصم الألد بجودة لفظها وعذوبة، مغزاها مع أنها كانت محفوفة بداهية دهياء ما سمعت أذن شبهها وما رأت عين مثلها وهي عقيلة بني هاشم زينب بنت علي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فانظر بعين العلم والعرفان إلى خطبتها التي خطبت في الكوفان وما أجابت به عبيد الله بن زياد ويزيد بما فوق أن يحوم حوله البيان ففي تاريخ الطبري وإرشاد المفيد وكثير من الكتب المعتمدة:

لما أدخل عيال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ابن زياد في الكوفة دخلت زينب أخت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جملتهم متنكرة وعليها أرذل ثيابها فمضت حتى جلست ناحية من القصر وحفت بها إماؤها فقال ابن زياد من هذه التي انحازت فجلست ناحية ومعها نساؤها ؟ فلم تجبه زينب فأعاد ثانية يسأل عنها فقال بعض إمائها هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأقبل عليها ابن زياد فقال لها: الحمد الله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم، فقالت زينب (عَلَيهِم السَّلَامُ): «الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وطهرنا من الرجس تطهيراً إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا والحمد الله

فقال ابن زياد كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟ قالت: كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه وتختصمون عنده، فغضب ابن زیاد واستشاط فقال عمرو بن حريث أيها الأمير أنها إمرأة والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها ولا تدم على خطائها، فقال لها ابن زياد قد شفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك، فرقت زينب (عَلَيهِم السَّلَامُ) وبكت وقالت: لعمري لقد قتلت كهلي وأبرت أهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي فإن يشفك هذا فقد شفيت فقال لها ابن زياد هذه سجاعة ولعمري لقد كان أبوها سجاعاً شاعراً فقالت: ما للمرأة والسجاعة إن لي عن السجاعة لشغلاً ولكن صدري نفث لما قلت (1).

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (واعلموا - رحمكم الله - أنكم في زمان القائل فيه بالحق قليل) الشيطان إذا استحوذ على أهل زمان يكون القائل فيه بالحق قليل قال عزّ من قائل -: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرى [الأنعام: 152] وقال تعالى -: وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ النُّورِ [الحج: 03] ولا يخفى أنه إذا اتصف أهل زمان بالصفات الإلهية وتأدبوا بالآداب الملكوتية لا يعد واحد عن مسيره الأوسط، ولا يميل إلى اليمين والشمال لأن اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطى هي الجادة ومن كان قائده العقل يكون قوله صواباً ومنطقه حقاً ولا يبيع الحق بالباطل، فإذا استحوذ الشيطان على أهل زمان لا بد أن يكون القائل فيه بالحق إلا قليل من عباد الله المخلصين لا تلهيهم الدنيا عن الله قليلاً لأنهم عبدة الشيطان والدنيا وخدمة النفس والهوى فإذا أقبلت الدنيا بأي نحو من الأنحاء يصرفون عن الحق ويعرضون عن الصواب.)قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (واللسان عن الصدق كليل) يمكن أن يفسر بوجهين:)الأول: على ما بينا من أن الأعمال والأقوال حاكيات عن الضمائر والسرائر فإذا صار الإنسان تابع النفس والهوى، فلا جرم إنارة العقل مكسوف بطوع الهوى فما يصدر عن الإنسان حينئذ يكون من جنس ما هو مستكن فيه والعقل يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ما عبد به الرحمن واكتسب به، ألجنان فمتى صارت شمس العقل مكسوفة بظل الهوى؟ وهو فماذا بعد الحق إلا الضلال فما يصدر عن ذلك الإنسان إلا الضلال.الوجه الثاني: أن يقال إذا كان الأكثر من الناس في زمان بمعزل من الحق، لا سيما عند استيلاء الجهل والظلم على المترفين والزعماء والأكابر فحينئذ لا يقدر الرجل العابد الورع العاقل أن يكون صادقاً في أموره وشؤونه خوفاً من شرار الناس لكثرتهم وإيذائهم أهل الحق، والرشاد فلسان أهل الحق في زمان كذا عن الصدق كليل.قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: ( واللازم للحق ذليل) لقلتهم وضعفهم بالنسبة إلى الباقين.)


1) الإرشاد: 116/2، وبحار الأنوار: 116/45.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (أهله معتكفون على العصيان) أي لا زال أنهم ملازمون عليه لبعدهم عن الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال.)قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (مصطلحون على الإدمان) أي متفقون على الغش والنفاق والمصانعة والمداهنة لا يصدق قولهم فعلهم وظاهرهم باطنهم.) قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (فتام عارم) لأن أهل الزمان إذا كانوا بغير قسط و عدل وكانت ظلمات الجهل غالبة والفواحش والمناكر شائعة فالحياء يخفق من أرض اجتماعهم فحينئذ يصير فتيانهم الأخلاق عارين عن الحياء، لأن رسوخ الفواحش فيهم أمكن وأسرع لأن القوى الحيوانية الشهوانية فيهم أشد وأقوى فإذا ذهب الحياء عن الناس لا يبالون أي ما فعلوا لأن الحياء ملكة للنفس توجب انقباضها عن القبيح وانزجارها عن خلاف الآداب خوفاً من اللوم، وروى عن الرضا عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ): أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: «لم يبق من أمثال الأنبياء إلا قول الناس: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت»(1)

ص: 333 ح 3.

.

قوله: ( وشائبهم آثم لكونه متوغلاً في الجهل والغفلة بحيث لا يرى أن أجله إنصر مهله انقطع حتى يتنبه من نوم الغفلة ويتدارك ما فات منه نعوذ بالله من سبات العقل، قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): «أبناء الأربعين زرع قد دنا حصاده أبناء الخمسين ماذا قدمتم وماذا أخرتم، أبناء الستين هلموا إلى الحساب لا عذر لكم أبناء السبعين عدوا أنفسكم من الموتى» (2).)وروي: إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يتب مسح إبليس وجهه وقال: بأبي وجه لا يفلح (3.)وفي «شيب» من سفينة البحار: عن إبراهيم بن محمد الحسني قال: بعث المأمون إلى أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ جارية فلما أدخلت إليه إشمأزت من الشيب فلما رأى كراهتها ردها إلى المأمون وكتب إليه بهذه الأبيات:)نعى نفسي إلى نفسي المشيب *** وعند الشيب يتعظ اللبیبفقد وليّ الشباب إلى مداه *** فلست أرى مواضعه تؤبسابكيه وأند به طويلاً *** وأدعوه إليّ عسی یجیبو هیهات الذي قد فات منه *** تمنیّنی به النفس الکذوبأرى البيض الحسان يحدن عني *** و فی هجرانهن لنا نصیب


1) الأمالي: الشيخ الصدوق. ص 600، وبحار الأنوار: 68

2) مستدرك الوسائل: 12 ص 157 وبحار الأنوار: 136/6.

3) مشكاة الأنوار: 295 بتفاوت ومستدرك سفينة البحار: 64/4 ح6.

فإن يكن الشباب مضى حبيباً *** فإن الشیب أيضاً لي حبیبساصحيه بتقوى الله حتی *** يفرق بيننا الأجل القریب (1)وقال الشيخ العارف السعدي بالفارسية:چو دوران عمر از چهل در گذشت *** مزن دست و پا کآبت از سر گذشتچو شیبت در آمد بروی شباب *** شبت روز شد دیده برکن زخوابچو باد صبا بر گلستان وزد *** چمیدن درخت جوان را سزدنزیبد تو را با جوانان چمید *** که پر عارضت صبح پیری دمیددریغا که فصل جوانی گذشت *** بلهو ولعب زندگانی گذشتدریغا چنان رح پرور زمان *** که بگذشت برما چو برق یماندریغا که مشغول باطل شدیم *** حق دور ماندیم وعاطل شدیمچه خوش گفت باكودك آموزگار *** که کاری نکردی و شد روزگارقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (وعالمهم منافق) أي يتخذ علمه وسيلة لدنياء وفطنته ذريعة لهواه، لا لإرجاع الناس من الطرق المعوجة إلى الحدة الوسطى والصراط المستقيم وإرشادهم من النقوش الباطلة إلى كتاب الله، وصفه دواء وقوله شفاء وفعله الداء العياء ويقول ما لا يفعل وما يظهر يضاد ما يضمر ونعم ما قاله الشاعر:)يا أيها الرجل المعلم علم غيره *** إلا لنفسك كان ذا التعلیمتصف الدواء لذي السقام والطَّني *** كيما يصح وأنت به سقیمقال الله عزّ من قائل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ.)قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (وقارئهم مماذق) أي عبادهم الناسك المتعبد غير مخلص في عبادته لوجه الله بل هو مشوب بالرياء وهو بظاهره وجهه إلى الله ولكن قلبه إلى الناس:)آنکه چون پسته دبدیش همه مغز *** پوست برپوست بود همچوپیبازپارسین روی بر مخلوق ***پشت بر قبله میکنند نمازقال الله عز وجل: ف(َمن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَليَعمَل عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّة أَحَدًا [الكهف: 110].)وقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏: إن المرائي ينادى عليه يوم القيامة يا فاجر يا غادر يا مرائي ضل)


1) بحار الأنوار: 164/49، ح 4، ومستدرك سفينة البحار: 107/6.

عملك وحبط أجرك إذهب فخذ أجرك ممن كنت تعمل له» (1)وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏: «سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم وتحسن فيه علانيتهم طمعاً في الدنيا لا يريدون به ما عند ربهم يكون دينهم رياء لا يخالطهم خوف يعمهم الله بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم» (2).)وفي ذم الرياء آيات وروايات كثيرة يستفاد منها مطالب دقيقة أنيقة لعلنا نبحث فيها في مباحثنا الآتية.قوله(عَلَيهِ السَّلَامُ: (لا يعظم صغيرهم كبيرهم) لقلة اعتداد صغيرهم بالآداب الشرعية وعدم التفاتهم إليها ولو كانوا متأدبين بها ليعظمونهم ويوقرونهم ويخفضون لهم جناح الذل لقد مضى منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطب السالفة: ليتأس صغيركم بكبيركم وليرؤوف كبيركم بصغيركم ولا تكونوا كجفاة الجاهلية لا في الدين يتفقهون ولا عن الله يعقلون كقيض بيض في أداح يكون كسرها وزراً ويخرج حضانها شراً.)قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (ولا يعول غنيهم فقيرهم) لبخلهم بمعروفهم وسيأتي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إن قوام الدنيا بأربعة: عالم مستعمل علمه وجاهل لا يستنكف أن يتعلم وغني لا يبخل بمعروفه وفقير يبيع آخرته بدنياه» إلى أن قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وإذا بخل الغني بمعروفه يبيع الفقير آخرته بدنياه» (3)،)وسيأتي بياناً في سر سر الأخبار والآيات في ذلك وما يستفاد منها من النكات الأخلاقية والمصالح الاجتماعية في تشريع الحقوق المالية في الأموال وليعلم الغني البخيل القسيّ أن ماله يكون وبالاً عليه لو لم يؤد حق الفقير من ماله كما يأتي بيانه وأن المال إذا أدى حقوقه ينمو ويكثر، قال عزّ من قائل: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سبع سنابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة، 265] وفي الكافي عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)- وهو الكاظم -: «إن الله تعالى وضع الزكاة قوتاً للفقراء وتوفيراً لأموالكم» (4)، وقال العارف السعدي بالفارسية: زكاة مال بدر کن که فضله رز را *** چو باغبان ببرد بیشتر دهد انگور

ثم إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كأنما ينظر بنا ويحكي عن زماننا حيث أصبحنا الحق مهتضم والدين مخترم، وكاد معالم الدين يؤذن بالمحو والطمس ولا يتكلم فيه إلا بالرمز والهمس.


1) بحار الأنوار: 303/69، ح 50، وميزان الحكمة: 1017/2.

2) الكافي: 296/2، ح 14، ووسائل الشيعة: 65/1، ح 141.

3) بحار الأنوار 17/71، ح،39 و ميزان الحكمة: 2420/3.

4) مختلف الشيعة: 262/3 بتفاوت.

وأحاطت الظلمات بعضها فوق بعض وما يرى سبيل الخروج، كيف لا وأزمة الأمور بأيدي ذوات الفروج، وحماة الدين بعضهم معتكف في قعر السجون وبعضهم يفيض منه ماء الشجون، وأشباح الرجال في زي الرجال ولنفوس الكرم في صف النعال والناس عن الطريق القويم والصراط المستقيم لناكبون وفي إعلاء راية العدل لناكسون كأنما على رؤوسهم الطير، وفي إحياء كلة الحق لناكثون كأنما جبلوا على إماتة الخير ولعمري لولا أنهم قلقوا الوضين لما جعل كتاب الله عضين، ولو كانوا يقاتلون في سبيل الله صفاً كأنهم بنيان، مرصوص، لما تسلط عليهم اللصوص، ولو قتلوا في سبيل الله فالفوز بالشهادة ولو سجنوا فالشغل بالعبادة، ولو نفوا فالنيل بالسياحة.

ونعم ما قال المتنبي:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى *** حتى يراق على جوانبه الدم

ويا سوء ما فعلوا فجعلوا القرآن عدل ما نسجت بالبطلان وحسبوا وحي الرحمن عكم ما اختلقه الشيطان. وارتكبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن فأين الفلاح وهو أبعد من بيض الأنوق، ورجعوا إلى الجاهلية الأولى بالجد والعلن فأين النجاح وهو أبعد من مناط العيوق وكم غدرة واضحة في الدين، وكم وفظت الأخلاق والرسوم والشيم كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون فاتخذوا كتاب الله وراء ظهورهم سخرياً وبدين الله يلعبون ويستهزؤن الله يستهزي بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون، فإذا رأيت أن الزمان دار بنا والحال كما ترى تذكرت ما أجاد أبو العلاء وتمنى:

إذا عيّر الطائي بالبخل مادر *** وقرع قسّاً بالفهامة باقل

وقال السّها للشمس أنت خفيّة *** وقال الدّجى يا صبح لونك خامل

وفاخرت الأرضُ السّماء سفاهة *** وكاثرت الشهب الحصا والجنادل

فياموتُ زُر إن الحياة ذميمة *** ويا نفس جدّي إن دهرك مازل

ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وقال عز من قائل تبشيراً للمؤمنين وتبكيتاً للمعاندين إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ (9) [الحجر: 9] ولا أدري ألا سمع الخصم الألد قول قاصم الجبارين: يُرِيدُونَ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الكَفِرُونَ [الصف: 8] وقوله قهر وعلا: كتب الله لأغلبن أنا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) [المجادلة: 21].

الترجمة

بدان که زبان پاره ای است از آدمی هرگاه آدمی از گفتار سر باز زند زبان او را در گفتار یاری نمی کند - یعنی زبان مانند سایر اعضاء فرمان بردار روح می باشد تا از وی فرمان صادر نشود زبان سخن نگوید چنان که سایر اعضاء - و گاه انسان مایه گفتار داشته باشد که جان او به فرا گرفتن علوم وسعت و بزرگی هرگاه یافت و به نور معارف حقه منور شد، گفتار زبان را مهلت نمی دهد و انسان به سخن زبان گشاید.

به درستی که ما امیران کلامیم - یعنی عنان سخن در دست ما است و بر آن مسلّطيم هرگونه بخواهیم تصرف میکنیم چون تصرف امراء در ممالك خودشان که در هنگام سخن گفتن شاغلی مانند ترس و بیم ما را از آن باز نمیدار - و درخت کلام در ما ریشه دوانیده است و شاخههای آن شاخههای آن بر ما آویخته است ما آویخته است بدانید خدا شما را رحمت کناد - که در زمانی به سر میبرید که گوینده حق در آن کم است و زبان از راستی کند است و ملازم حق، خوار است اهل آن زمان بر معصیت مقیمند و بر مداهنت و مصانعت متفق جوان ایشان بدخو و بی شرم و پیر ایشان گناهکار عالم ایشان منافق و عابد ایشان در دوستی به حق مرائی و غیر خالص، كوچك ایشان بزرگ را تعظیم نمیکند و توانگر تهی دست را نفقه نمی دهد.

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو المانتان والإثنان والثلاثون من المختار في باب الخطب

اشارة:

روى اليماني عن أحمد بن قتيبة عن عبد الله بن يزيد عن مالك بن دحية قال: كنا عند أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد ذكر عنده اختلاف الناس فقال:

«إِنَّما فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبادي طينِهِمْ، وذلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِلْقَةٌ مِنْ سَبَحْ أَرْضِ وَعَذْبِها، وحَزْن تُرْبَةٍ وسَهْلِهَا، فَهُمْ عَلى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ يَتَقَارَبُونَ، وعَلى قَدْرِ اخْتِلَافِها يَتَفاوَتُونَ، فَتامُ الرُّواءِ نقِصُ الْعَقْل، ومادُ الْقامَةِ قَصِيرُ الْهِمَّةِ، وَزاكي الْعَمَلِ قَبِيحُ الْمَنْظَرِ، وقَرِيبُ الْقَعْرِ بَعِيد السَّبْرِ، ومَعْرُوفُ الصَّرِيبَةِ مُنْكَرُ الْجَلِيبَةِ، وَتَائِهُ الْقَلْبِ مُتَفَرِّقُ اللُّبِّ، وطَلِيقُ اللّسانِ حَدِيدُ الْجَنانِ» (1).

اللغة

(الطين): التراب والطينة: القطعة منه في لسان العرب الطين معروف الوحل واحدته طينة، والطينة أيضاً الخلقة والجبلة وفي بعض النسخ طينتهم، (الفلقة): القطعة والشق من الشيء ومعه فلق كعنب و (السبخة) محركة ومسكنة: أرض ذات ملح لا تستعد للنبات والزرع، قابل العذب و (العذب) ما طاب منها واستعد للنبات (الحزن) على وزن فلس: ما غلظ من الأرض كالحزنة و (السهل) من الأرض ضد الحزن (الرواء) بالضم والهمز كغلام مشتق من روى حُسنُ المنظر. قال المتنبي:

فارم بي ما أردت مني فإني *** أسد القلب آدمي الرواء

(الهمة) بالكسر وبالفتح ما هم به من أمر ليفعل وهممت بالشيء أهم هما إذا أردته.

(الزاكي): الطيب الخالص الحسن والزكاة صفوة الشيء، (السبر): إمتحان غور الجرح وغيره كالإستبار يقل سبرت الرجل أسبره أي اختبرت باطنه وغوره والسير في الأصل إدخال الميل في الجراحة لمعرفة غورها ويطلق على مطلق الإختبار قال:الحريري: فولجت غابة الجمع سبر مجلبة الدمع، وقال المرزوقي في شرح الحماسة (873) وتوسع في استعماله: (يعني سبرت حتى وضع موضع جربت ولذا سمي الملمول الذي يقدر به الجرح وغوره مسباراً، والمسبار مفعال من أبنية الآلات كالفتاح ومن أبيات تلك الحماسة:

فلقد سمتني بوجهـك والوصـ *** ـل قُرُوحاً أعيت على المسيار

(الضريبة): الطبيعة والخليقة ومعها الضرائب، قال القتال الكلابي «حماسة 217»:


1) بحار الأنوار: 94/64، وميزان الحكمة: 1762/2، ح 2438.

جلید کریم خیمه وطباعه *** على خير ما تبنى عليه الضرائب

(الجليبة): ما يجلبه الإنسان ويتكلفه المجلوبة وجمعها كالضريبة والمراد بها الخلق الذي يتكلفه الإنسان ويستجلبه مثل أن يكون جباناً بالطبع فيتكلف الشجاعة، أو شحيحاً بالطبع فيتكلف الجود (التائه) فاعل من التيه بمعنى الحيرة والضلالة لسان طلق و (طليق) فصيح ذو حدة (الجنان) بفتح أوله: القلب.

اليماني هو أبو محمد ذعلب وهو من شيعته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الكافي للكليني (قُدِّسَ سِرُّهُ) في باب جوامع التوحيد وفي الوافي للفيض ص 95 ج 1: بينا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخطب على منبر الكوفة إذ قام إليه رجل يقال له ذعلب ذو لسان بليغ في الخطب شجاع القلب فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك فقال: «ويلك يا ذعلب ما كنت أعبد رباً لم أرَ، فقال يا أمير المؤمنين كيف رأيته قال: ويلك يا ذعلب لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، ويلك يا ذعلب إن ربي لطيف اللطافة لا يوصف باللطف» الحديث.

وذعلب بالذال المعجمة والعين المهملة كزبرج معناه في الأصل الناقة السريعة ثم صار علماً للإنسان كما أن بكراً في الأصل فتى الإبل ثم صار علماً لبكر بن وائل.

الإعراب

إضافة المبادي إلى الطين بيانية ويمكن أن تكون بعنى اللام أي المبادي لطينهم.

كملة من بيانية للقلقة ويمكن أن تكون للتبعيض وإن كان الأول أظهر.

جملة هم يتقاربون مبتدأ وخبر وعلي تتعلق بالخبر قدمت عليه للتوسع في الظروف وكذا الجملة التالية المعطوفة عليها.

الفاءان سببيتان فتفيدان التفريع.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فتام الرواء) إلى آخره من الجملات السبع تفسير وتفصيل لقوله: يتفاوتون.

المعنى

تقدم عدة مباحث تبييناً للمراد وتبليغاً إلى الرشاد مستعيناً من الله الواهب الفياض:

الأول

إن الإنسان كسائر المركبات مركب من العناصر إلا أن بعض المركبات ذو صورة لا

نفس له كالمعدنيات، وبعضها ذو صورة له نفس غاذية ونامية ومولدة للمثل لا حس ولا حركة إرادية له كالنبات، وبعضها ذو صورة له نفس غاذية ونامية ومولدة للمثل وحساسة ومتحركة بالإرادة كالإنسان وسائر الحيوانات المتكونة في حيز الأرض.

وإن العناصر لكل واحد منها صورة مضادة للآخر منها ينبعث كيفياته المحسوسة وتلك الكيفيات هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة الناشئة من أسطقس النار والماء والهواء، والأرض، فإن النار حارة يابسة والهواء حار رطب والأرض باردة يابسة والماء بارد رطب وتلك الأسطقسات تسمى الأركان والعناصر أيضاً - وهذا القول لا ينافي ما ذهب إليه علماء هذه الأعصار من أن هذه الأركان ليست ببسيطة بل كل واحد منها مركب من أجزاء آخر - وهذه الأركان إذا تصغرت أجزاؤها وتماست وفعل بعضها في بعض بقواها المتضادة وكسر كل واحد منها سورة كيفية الآخر فإذا انتهى الفعل والإنفعال بيننا إلى حد ما حدثت لذلك المركب الممتزج كيفية متشابهة في أجزائه وهي المزاج.

وبعبارة أخرى إن العناصر إذا اختلطت وامتزجت تفعل كل واحدة منها بصورته في الأخرى وينفعل في كيفيتها عنها وتحصل من تفاعل كيفيات متضادة موجودة في عناصر وانكسارها كيفية متوسطة وحدانية توسطاً ما في حد ما تشابه في أجزائها، وهي تسمى مزاجاً فالأرض تفيد الكائن تماسكاً وحفظاً لما يفاده من التشكيل والتخليق، والماء يفيد الكائن سهولة قبول التخليق والتشكيل ويستمسك جوهر الماء بعد سيلانه بمخالطة الأرض ويستمسك جوهر الأرض عن تشتته بمخالطة الماء والهواء والنار ينكسر أن عنصرية هذين ويفيد أنهما اعتدال المزاج، والهواء يخلخل ويفيد وجود المنافذ والمسام، والنار تنضج وتطبخ.

الثاني

المزاج الذي يحصل باختلاط الأركان لا يجوز أن يكون معتدلاً حقيقياً سواء كان معدنياً أو نباتياً أو حيوانياً، لأن الإعتدال الحقيقي هو أن يكون المقادير من الكيفيات المتضادة في الممتزج متساوية وهو مما لا يمكن أن يوجد أصلاً لأنه إذا حصل شيء من الأركان متساوي المقادير لا بد أن يكون في الخارج مكان وذلك المكان إن كان لأحد من الأركان فيلزم الترجيح بلا مرجح فنقول أي سبب اقتضى أن يكون ذلك المركب في هذا المكان دون ذلك، وأما أن يكون خارجاً من أمكنتها مع إنا نرى بالعيان والبرهان أيضاً أنه ليس كذلك، فلا بد أن يكون في ذلك المركب واحد من الأركان غالب على غيره، حتى يميل المركب إلى المكان اللائق للغالب فإن كان التراب مثلاً غالباً فهو يميل إلى مكانه الحري به وهكذا.

قال الشيخ في النمط الثاني من الإشارات وأنت إذا تعقبت جميع الأجسام التي عندنا وجدتها منتسبة بحسب الغلبة إلى واحد من هذه التي عددناها يعني بها الأركان وقال المحقق الطوسي في شرحه وفيه تعريض بأن المركب من الأجزاء المتساوية من الأركان غير موجود.

فإن قلت: أليس يمكن أن يكون مزاج إنسان معتدلاً بحيث لا يعتريه أحوال وأسباب منافية له ممرضة له من جهة الأخلاط ويجري أفعال البدن دائماً على أفعاله الطبيعي لا يخرج عنه، بأن يكون إنسان عالماً بما يصلح للبدن وما يفسده من الأغذية والأشربة، والأمكنة، والأهوية غيرها فيجتنب عن كل ما ينافيه ويمرضه ويؤذيه ويؤدي بدل ما يتحلل غذاء للبدن على وفق المزاج المتوسط عن حدي التفريط والإفراط؟

قلت: هذا ممكن بل ثابت محقق و به یبین سر قول المجتبي والصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما منا إلا مقتول أو مسموم (1)وبه يجاب الخصم الألد في بقاء حجة الله في العالمين بقية الله فی الأرضين حجة بن الحسن العسكري روحي لروحه الفداء ونفسي لنفسه الوقاء وهو أحد البراهين العقلية على ذلك وإن كانت البراهين العقلية والنقلية فيه كثيرة، وبالجملة موت إنسان يحتاج إلى دليل ويسأل عن السبب الذي مات به لإبقائه ولكن هذا الإعتدال طور آخر من الإعتدال غير ما ذكرناه آنفاً والفرق بينها أن الأول يبحث في الطبيعيات من الكتب الحكمية والإعتدال بذلك المعنى مما لا يجوز أن يوجد أصلاً كما دريت والإعتدال الممكن المحقق هو الذي يبحث الطبيب عنه وهو بمعنى آخر.

ولا بأس أن ننقل كلام الشيخ في القانون حتى يتضح المراد أتم إيضاح:.

قال في أول القانون: يجب أن يتسلم الطبيب من الطبيعي أن المعتدل على هذا المعنى أي ما قلنا من حصول الشيء وتركيبه من الأركان متساوي المقادير مما لا يجوز أن يوجد أصلاً فضلاً عن أن يكون مزاج إنسان أو عضو إنسان وإن تعلم أن المعتدل الذي يستعمله الأطباء في مبحثهم ليس هو مشتقاً من التعادل الذي هو التوازن بالسوية بل من العدل في القسمة، وهو أن يكون قد توفر فيه على الممتزج بدناً كان بتمامه أو عضواً من العناصر بكمياتها وكيفياتها القسط الذي ينبغي له في المزاج الإنساني على أعدل قسمة ونسبة، لكنه قد يعرض أن يكون هذه القسمة التي تتوفر على الإنسان قريبة جداً من المعتدل الحقيقي الأول.


1) بحار الأنوار: 217/27، ح 18، ومستدرك سفينة البحار: 1/ 200.

الثالث

إن كل نوع من أنواع المركبات يشتمل على أصناف، وكل صنف على أشخاص لا حصر لها، بحيث نرى لا يتشابه إثنان من الأنواع بل من الأنواع بل من الأشخاص لوناً، وخلقاً وخلقاً، ومنطقاً وقال عزّ من قائل في سورة الروم (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ﴾ [الروم: 22]، وهذا الإختلاف لا بد أن يكون من سبب وذلك السبب لا محالة مادي لأن المادة هي منشأ الإختلاف ومثار الكثرة ولذا صار المجرد نوعه منحصراً في فرده لعدم وجود المادة هناك.

وذلك السبب ماذا ؟ قال العلّامة الطوسي في شرحه على الإشارات وليس هذا الإختلاف بسبب الهيولي الأولى ولا بسبب الجسمية فأنهما مشتركان يعني أنهما مشتركان في جميع الأشخاص، فلو كان الهيولي أو الجسمية سبباً للزم أن يكون كل شخص من أي نوع من الأنواع يتشابه الآخر لاتحاد السبب، ولا بسبب المبدأ المفارق فإنه موجود أحدي الذات متساوي النسبة إلى جميع الماديات فهو إذن بسبب أمور مختلفة والأمور المختلفة في الهيولي بعد الصورة الجسمية هي هذه الصور الأربع النوعية التي أجسامها مواد المركبات والإختلاف ليس بسبب هذه الصور أنفسها، لأن الإختلاف الذي يكون بسببها لا يزيد على أربعة فهو إذن بحسب أحوالها في التركيب وفيما يعرض بعد التركيب والتركيب يختلف باختلاف مقادير الأسطقسات في القلة والكثرة بقياس بعضها إلى بعض إختلافاً لا نهاية له، ويختلف ما يعرض بعد التركيب باختلاف ذلك لا محالة فتلك الإختلاف الغير المتناهية هي أسباب إختلاف المركبات.

أقول: ومن تلك الأحوال المؤثرة في اختلاف الأشخاص إختلاف البقاع والأقاليم والأمكنة، لأن مقادير الأسطقسات في المركبات يختلف باختلاف عروض البلاد أي قربها من خط الإستواء وبعدها عنه، فهو يصير سبباً لاختلاف مدار الشمس بحسب الآفاق كما أن في الآفاق الإستوائية تتحرك الشمس دولابياً وفي القطبين رحوياً وما بينهما جمالياً، والآفاق التي عرضها أكثر من الميل الكلي شمالياً كان أو جنوبياً لاتسامت الشمس رؤوس أهلها قط، والآفاق التي عرضها بقدر الميل الكلي تسامتها في الدورة مرة والتي عرضها أقل والتي عديم العرض تسامتها في الدورة مرتين حين كون ميل الشمس أعني بعده من معدل النهار مساوياً لعرض تلك الآفاق، وفي عديم العرض حين كونها على نقطتي الإعتدال وقرب الشمس وبعدها مؤثر في أحوال أشخاص تلك الآفاق كما في ترابها هوائها، ونباتها وعامة ما يوجد فيها وهذا مما لا يليق أن يرتاب فيه فلذلك يكون عامة أهل الإقليم الأول: السود، وعامة أهل الإقليم الثاني: بين السواد والسمرة وعامة أهل الثالث: السمر، وعامة أهل الرابع:

بين السمرة والبيض وعامة أهل الخامس البيض وفي الإقليم السادس: الغالب على أهله الشقرة وأهل السابع لونهم مبين الشقرة والبياض.

وكما يكون صفاتهم الظاهرية وألوانهم مختلفة كذلك أمزجتهم متفاوتة متغيرة فلا محالة إختلاف اللون والمزاج حاك عن إختلاف من جهة تركيب الأخلاط فإن غلبة الدم سبب الحمرة لون البدن وغلبة البلغم سبب لبياضه وغلبة الصفراء لصفرته وغلبة السوداء لسواده وما بينها متوسطات مسميات بأسامي الألوان الأخر كل ذلك مبرهنة بالبراهين القاطعة في الكتب المفصلة الطبية لا سيما في قانون الشيخ الرئيس أبي علي بن سينا وشروحها.

ثم اختلفوا في أن أهل أي الإقليم أعدل مزاجاً، والصواب أن أهل الإقليم الرابع أعدل من غيرهم، فأنهم لا محترقون بدوام مسامتة الشمس رؤوسهم حيناً بعد تباعدها عنهم کسکان أكثر الثاني، والثالث ولا هم فجون نيّون بدوام بعد الشمس عن رؤوسهم عن رؤوسهم کسکان آخر الخامس وما هو أبعد منه عرضاً.

وصرح كثير من علماء الهيئة والجغرافيا بأن سكان عرض 66 درجة وما هو أبعد منه شبيهة بالوحوش وصرح غير واحد منهم أيضاً بأن سكان الآفاق الإستوائية بسبب قرب الشمس منهم مسامتتها إياهم سود مجعد الشعر خارج عن الإعتدال خلقاً وخلقاً ولكن الشيخ الرئيس ذهب في القانون إلى خلافه وقال:

فقد صح عندنا أنه إذا كان في الموضع الموازي لمعدل النهار عمارة ولم يعرض من الأسباب الأرضية أمر مضاد أعين من الجبال والبحار فيجب أن يكون سكانها أقرب الأصناف من الإعتدال الحقيقي وإن الظن الذي يقع أن هناك خروجاً عن الإعتدال بسبب قرب الشمس ظن فاسد فإن مسامتة الشمس هناك أقل نكاية وتغيير الهواء من مقاربتها ها هنا أو الأكثر عرضاً مما ها هنا وإن لم تسامت ثم سائر أحوالهم فاصلة متشابهة ولا يتضاد عليهم الهواء تضاداً محسوساً بل يشابه مزاجهم دائماً ثم من بعد هؤلاء فأعدل الأصناف سكان الإقليم الرابع إلى آخر ما قال فتأمل.

الرابع

كما أن إختلاف مقادير الأسطقسات في القلة والكثرة وشدتها وضعفها واختلاف البقاع، والأقاليم وغيرها من الأحوالات المشار إليها يكون سبباً لاختلاف الأمزجة والألوان والصور من الأحوالات الجسمانية والمادية كذلك يكون سبباً لاختلاف الصفات الباطنية المعنوية وذلك لارتباط واتصال كامل بين النفس والبدن بحيث يتأثر كل واحد منهم عن الآخر كما نرى أن النفس يكل بكلال القوى البدنية وبالعكس يظهر أحوال النفس في

الأعضاء الظاهرية، وفي النمط الثالث من الإشارات والتنبيهات ما هو كافٍ في أداء مقصودنا.

قال الشيخ وله «أي لجوهر النفس» فروع من قوى منبثة في أعضائك فإذا أحست بشيء من أعضائك شيئاً أو تخيلت أو اشتهيت أو غضبت ألقت العلاقة التي بينها وبين الفروع هيئة فيك حتى تفعل بالتكرار إذعاناً ما بل عادة وخلقاً يمكنان من هذا الجوهر المدير تمكن الملكات كما يقع بالعكس فإنه كثيراً ما يبتدىء فيعرض فيه هيئة ما عقلية فتنقل العلاقة تلك الهيئة أثراً إلى الفروع ثم إلى الأعضاء، أنظر إذا استشعرت جانب الله عزّ وجلّ وفكرت في جبروته كيف يقشعر جلدك ويقف شعرك، وهذه الإنفعالات والملكات قد تكون أقوى وقد تكون أضعف ولولا هذه الهيئات لما كان نفس بعض الناس بحسب العادة أسرع إلى التهتك والإستشاطة غضباً من نفس بعض.

وقوله: «فإذا أحست إلى تمكن الملكات» بيان كيفية تأثر النفس عن البدن وقوله: «كما يقع بالعكس إلى شعرك» بيان كيفية أثر البدن عن النفس وقوله: «وهذه الإنفعالات» إلى آخره إشارة كما في شرحه للعلامة الطوسي إلى أن هذه الكيفيات المذكورة في الجانبين قابلة للشدة والضعف ويختلف الناس بحسبها في هذه الإنفعالات والملكات وذلك إختلاف أحوال نفوسهم وأمزجتهم وبحسب تلك الشدة والضعف يتفاوتون في أخلاقهم الفاضلة والرذلة فيكون بعضهم أشد وأضعف إستعداداً للغضب وبعضهم للشهوة وكذلك في سائرها.

ثم نقول: ومن هنا يمكن أن يستنبط أن السر في تفاوت الخلايق في الخيرات والشرور واختلافهم في السعادة والشقاوة هو اختلاف استعداداتهم وتنوع حقائقهم، لتبائن المواد السفلية في اللطافة والكثافة واختلاف أمزجتهم في القرب والبعد من الاعتدال الحقيقي إختلاف الأرواح التي بإزائها في الصفاء والكدورة، والقوة والضعف وترتب درجاتهم في القرب من الله سبحانه والبعد عنه كما أشير إليه في الحديث الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام كما نبه إليه بعض الأعلام.

فنقول بعدما أخذت الفطانة بيدك واستحضرت معاني المباحث الأربعة المذكورة في ذهنك يظهر معاني كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنه كيف صار مبادي طينهم سبباً لاختلاف أمزجتهم وصورهم وأخلاقهم وفرق بعضهم عن بعض.

وإن قلت: إنه علم في المباحث المذكورة إن السبب في تفرق الناس في أخلاقهم وخلقهم إنما هو اختلاف مبادي خلقتهم من التراب والماء والهواء، والنار ويرها مما مر ولكن الظاهر في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) و هو الأرض فقط فكيف التوفيق؟

قلت:أولاً: إنها أكثر ما يوجد في المركبات ولذلك تكون في حيز الأرض.

وثانياً: إن للتراب أثراً عظيماً في اختلاف أخلاقهم وخلقهم والأركان الآخر في الطيب والخبث تابعة لها ولذا خصها بالذكر دونها وذلك لأنه ما يري بالعيان أن الأرض العذبة التي طيبة ترابها ماؤها عذب طيب وأيضاً وكذا هواؤها والأرض السبخة ماؤها مالح وهواؤها تابع لها لا محالة وكذا في أوصافها الأخر مما هو أكثر من أن من أن يحصى فلذلك من نشأ وتولد في الأرض العذبة تكون في الخلق والخلق أحسن وأعدل من غيره، والذي تولد في الأرض السبخة يكون ذا مزاج حار يابس وتكون صفاته تابعة لمزاجه وخلقه كما دريت في المبحث الرابع وكفاك في ذلك قول الله جل جلاله في الأعراف (وَالْبَلَدُ الطَّيْبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُ إِلَّا نَكِداً) الآية.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (فهم على حسب قرب أرضهم يتقاربون وعلى قدر اختلافها يتفاوتون) نحن نرى الأشخاص بالحس والعيان إن أهل الآفاق الإستوائية وأهل الآفاق كثيرة العرض مثلاً أهل عرض ستين درجة وما بعدها بينهما في الخلق والخلق بون بعيد بحيث لو رأى هذا ذلك ليستوحش منه ويتنفر عنه، ولم يكن بين أهل الإقليم الثالث والرابع ذلك البعد فيهما، وكذلك نرى أن بين أهل مبدأ الإقليم الرابع مثلا وبين من كان في آخره تشابه وتناسب وتقارب فيهما وهكذا الأقرب فالأقرب والأبعد فالأبعد وذلك لما حققناه في المبحث الثالث فهم حسب قرب أرضهم يتقاربون وعلى قدر إختلافها يتفاوتون.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (فتام الرواء ناقص العقل) من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا إلى آخره بيان لقوله يتفاوتون فذكر تفاوت سبع طوائف من الناس خلقاً وخُلقاً فهذه الأقسام السبعة بعضها يضاد خلقها لأخلاقها وبعضها يلائم ويناسب، فبدأ بالتي تضاد وهي خمسة:

الأولى: إن منهم من يكون تام الرواء أي حسن المنظر ولكنه ناقص في عقله.

كما ثبت في فن القيافة أن من يكون لمقدم رأسه نتواً وكذا لمؤخر رأسه فهو داء حازم وله زيادة عقل وخبرة وفهم وجودة فكر لأن هيئة الدماغ شبيهة بمثلث قاعدته من جانب مقدم الرأس وزاويته التي يحيط بها الساقان من جانب المؤخر وهو مبدأ القوة النفسانية، وبه يكون الحس والحركة أما الحس فبواسطة العصب اللين وأما الحركة فبواسطة العصب الصلب، وعند القائفين إذا كان في الرأس نتو كما ذكر يكون البطن المقدم من الدماغ على وجه الكمال والأعصاب المنشعبة الناشئة منه على أحسن الحال فإذاً يستلزم ذكاء صاحبه والرأس إذا كان بتلك الصفة تصير العين غائرة لا محالة، فليس له منظر جميل فهو ليس بنام الرواء مع أنه كامل العقل.

فتام الرواء ناقص العقل وهذا القسم قليل جداً، لأن حسن الجمال واعتدال الخلقة دال على استواء التركيب واعتدال المزاج ومن اعتدل مزاجه فتصرف الروح وتعلقه فيه أشد وأتم

وتدبير النفس الناطقة وعملها فيه أكمل وأقوم وذكاؤه ورويته أكثر وأسلم.

وكفاك شاهداً في ذلك خلق الأنبياء والسفراء الإلهية وخلفائهم المنصوبين من عند الله، حيث خلقوا على أعدل الأمزجة والخلقة فكانوا في كمال العقل والذكاء وقوة الرأي والفطنة، وبالجملة في كمال الإتصاف بالصفات الإلهية ومكارم الأخلاق ومحسن الأفعال والتنزه عن الأمور النفرة للطباع عنهم خلقاً وخُلقاً.

وجاء في شمائل رسولنا خاتم النبيين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه كان فخماً مُفَخماً، يتلألأ وجهه كالقمر ليلة البدر، أعلى الهامة رجل الشعر واسع الجبهة أزج الحواجب أقنى الأنف، كث اللحية، سهل الخدَّين ضليع الفم، مُفلَّج الأسنان، كان في وجهه تدوير، أسمر اللون، أبيض مشرب، أهدب الأشفار، أدعج العينين سواء البطن والصدر، طويل اليدين، أسود العينين، أقصر من المشذَّب رحب الراحة، أطول القامة عريض الصدر، ليس شعر في بدنه إلّا كالخط من الصَّدر إلى السرَّة (1).

ونظمها ابن الحاج في رسالته المنظومة الموسومة بنظم المحاسن الغرر، ومنها:

و بعد فاعــــلــــم أن مــــن تــــام *** إيـــمـــانــــنــــا مـــعــاشــر الإسلام

إیقاننــا بــانّ أبـــهـــى بــــدن *** جثمان أحمد النبي المدني

ففيه حسن مدهش الأبصار *** تشبيهه يحتاج لاستغفار

كان كما صح عــن الــبـــراء *** أكمل خلق الله فــي الــبــهــاء

وعن علي لم يكن مطهماً *** منتفخ الوجه ولا مـكـلـثـمـا

وعــــن أبــــي هــــريـــــرة ذي الـــجـــــد *** كـان نـبـيـنـا أســيــل الــخــد

ماذا يقالُ مطنباً أو مُختصر *** في عينه من بعد ما زاغ البصر

عن ابن عباس يرى في الداج *** كما يرى في الضوء والسراج

وسـمـعـه أســـمـــع كـــل ســامـــع *** يسمع غيــبـاً مــن ســواه لــم يــع

حسبك فيه ما رواه الترمذي *** ومثله أبو نعيم يحتذي

إني أرى ما لم تروا ولـــم تــعــوا *** وإن ما لا تـــســــمــعــون أسمع

أفصح خـلــق الله إذ تــلــفــظــا *** أو ضــحــهــم أحـلاهـم إذ وعظــا

أتاه ربــه جــــومعالكلم *** كأنها في عقدها در نظم

وصح كان واضح الجبيـن *** مزججاً أقرن حاجبین


1) الشمائل المحمدية: 36.

وفي حديث البيهقي العلامة *** صحَّحه كان عظیم الهامة

ضخم الكراديس عنوا رؤوسا *** من العظام أحفظ حمیت البؤسا

تلك العظمُ مثل ركبتيه *** و المرفقين ثم منکبیة

وقد رووا أن كان أقنى الأنف *** رقيق عرنين هما کالردف

إذ القنا في الأنف رقة القصب *** طوله وكان في الوسط حدب

مع ضيق منخرين والعرنين *** بالكسر أنف خذه ياقمين

وعنقة إبريق فضة روى *** ذاك مُقاتل حديثه حوى.

وصف علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)

قال ابن هشام في السيرة النبوية: وكانت صفة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) - فيما ذكر عمر مولى غفرة، عن إبراهيم بن محمد بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: كان علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا نعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: «لم يكن بالطويل الممغط، ولا القصير المتردد. وكان ربعة من القوم ولم يكن بالجعد القصط لا السبط، كان جدعاً رجلاً، ولم يكن بالمطهم ولا المكلثم، وكان أبيض مشرباً أدعج العينين أهدب الأشفار جليل المشاش والكتد، دقيق المسربة، أجرد شثن الكفين والقدمين إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت معاً بين كتفيه خاتم النبوة وهو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) خاتم النبيين، أجود الناس كفاً، وأجرأ الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمة، وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة من رآه بديهة هابه، من خالطه، أحبه يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)» (1).

بیان: الممغط والممعط بالعين المعمة والمهملة: الممتد. القصط: الشديد جعودة الشعر. رجلاً مسرح الشعر المطهم العظيم الجسم. المكلثم المستدير الوجه في صغر. الأدعج: الأسود العينين. أهدب الأشفار: طويلها. الشاش عظام رؤوس المفاصل. الكتد: ما بين الكتفين. المسربة: الشعر الذي يمتد من الصدر إلى السرة. الأجرد: القليل شعر الجسم. الشثن: الغليظ. تقلع: لم يثبت قدميه. الصبب: ما انحدر من الأرض. أصل اللهجة: طرف اللسان، ويكنى بصدق اللهجة عن الصدق. الذمة: العهد. العريكة «في الأصل»: لحم ظهر البعير، فإذا لانت سهل ركوبه، يريد أنه أحسنهم معاشرة.

وفي الكافي لثقة الإسلام الكليني في باب ما جاء في رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): عن جابر قال: قلت لأبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) صف لي نبي الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: «كان نبي الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أبيض مشرب بالحمرة


1) الغارات: 168/1، ح 2، والأمالي: 341.

أدعج العينين مقرون الحاجبين شئن الأطراف كان الذهب أفرغ على براثنه عظيم مشاشة المنكبين إذا التفت يلتفت جميعاً من شدة استرساله سربة سابلة من لبته إلى سرته كأنها وسط الفضة المصفاة وكان عنقه إلى كاهله إبريق فضة يكاد أنفه إذا شرب أن يرد الماء وإذا مشى تكفاً كأنه ينزل في صبب لم ير مثل نبي الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قبله لا بعده» (1)، كذا عدة أخبار آخر فيه فراجع.

فإن قلت: ما نفقه كثيراً ما تقول مع أنه وردت روايات على أن بعض الأنبياء إبتلاهم الله بقبح الصورة والخلقة كما في أيوب (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحيث تنتن له رائحة وتدود جسده بل في رواية أصابه الجذام حتى تساقطت أعضاؤه فكيف التوفيق؟

قلت: قضاء العقل في هذه الأمور أولى وأقدم ولا ريب إن الله تعالى بعث الأنبياء لطفاً منه على العباد ليقوم الناس بالقسط وليهلك من هلك عن بيئة ويحيي من حي عن بينة ولأمور أخر ذكرها التكلمون في الكتب الكلامية مفصلة فلو كان في لأنبياء ما يو يوجب النفرة عنهم لا يرغب الناس إليهم فيكون منافياً للغرض من البعثة فالله ليس بمتم نوره ولطفه وحجته في هذه الصورة على عباده والحكم في أصول الدين ما يتبعها هو العقل وحده وصريح العقل يقضي بذلك ومن لم يكن أحول وأعور لا يرتاب فيه.

قال أفضل المتأخرين العلّامة الطوسي قدس الله نفسه القدسي في التجريد ويجب في النبي العصمة ليحصل الوثوق فيحصل الغرض ولوجوب متابعته وضدها والإنكار عليه وكمال العقل والذكاء والفطنة وقوة الرأي وعدم السهو، وكلما ينفر عنه من دناءة الآباء وعهر الأمهات والفظاظة والإبنة وشبهها والأكل على الطريق وشبهه إنتهى فإن كان فيما يقضي به صريح العقل رواية يعاضدها وإلا فإن كانت الرواية قابلة لأن يحمل على ذلك المقضى به وإلا فلا نعبأ بها ونعرض عنها.

مع أنا نعلم أن هذه الروايات القائلة في الأنبياء بهذه الصفات التي تنفر عنها الطباع إسرائيليات وذلك كما نبه عليه ابن خلدون في مقدمة تاريخه: إن كعب الأحبار وهب بن منبه لما أسلموا وذكروا تلك الروايات للمسلمين قبلها عوام المسلمين منهم حسن الظن فيهم بأنهم مسلمون وأن هذه الروايات مما جاء بها الوحي على خاتم الأنبياء والحق الصريح ذلك والكلام المبين فيه ما قاله عزّ من قائل في سورة آل عمران: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: 159] الآية وهذا إمضاء في حكم العقل ومعاضدة له وهو إحدى فوائد البعثة وقال الطبرسي (رَحمَةُ اللّه) عمله في المجمع وفيها «أي في)


1) تفسير الميزان: 335/10، والكافي: 443/1، ح 15.

هذه الآية» أيضاً دلالة على ما نقوله في اللطف لأنه سبحانه نبه على أنه لولا رحمته لم يقع اللين والتواضع ولو لم يكن كذلك لما أجابوه فبين أن الأمور المنفرة منفية عنه وعن سائر الأنبياء ومن يجري مجراهم في أنه حجة على الخلق إلى آخر ما قال (1.)وأيضاً جاءت رواية رواها الصدوق رضوان الله عليه في الخصال ونقلها المجلسي رحمة الله عليه في كتاب النبوة من البحار «ص 204 طبع»كمباني خلاف ما جاءت في تلك الروايات في أيوب (عَلَيهِ السَّلَامُ ولا بأس بذكرها لأنها رواية الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)ة الموافقة للعقل والآية قال الصدوق (رَحمَةُ اللّه): القطان عن السكري عن الجوهري عن ابن عمارة عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال: إن أيوب (عَلَيهِ السَّلَامُ) إبتلى سبع سنين من غير ذنب وأن الأنبياء لا يذنبون لأنهم معصومون مطهرون لا يذنبون ولا يزيغون ولا يرتكبون ذنباً صغيراً ولا كبيراً، وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن أيوب من جميع ما ابتلى به لم تنتن له رائحة ولا قبحت له صور ولا خرجت منه مدة من دم ولا قيح ولا استقذره أحد راه ولا استوحش منه أحد شاهده لا تدود شيء من جسده، وهكذا يصنع الله عزّ وجلّ بجميع من يبتليه من أنبيائه وأوليائه المكرمين عليه وإنما اجتنبه الناس لفقره وضعفه في ظاهر أمره لجهلهم بماله عند و به تعالى ذكره من التأييد والفرج (2).)وقال علم الهدى سيد المرتضى (قُدِّسَ سِرُّهُ في كتاب تنزيه الأنبياء في أيوب (عَلَيهِ السَّلَامُ):)فإن قيل: أفتصححون ما روى من أن الجذام أصابه «يعني أيوب (عَلَيهِ السَّلَامُ حتى تساقطت أعضاؤه؟)قلنا أما العلل المستقذرة التي تنفر من رآها وتوحشه كالبرص والجذام فلا يجوز شيء منها على الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ، لأن النفور ليس بواقف على الأمور القبيحة بل قد يكون من الحسن والقبيح معاً، وليس ينكر أن يكون أمراض أيوب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأوجاعه ومحنته في جسمه ثم في أهله وماله بلغت مبلغاً عظيماً تزيد في الغم والألم على ما ينال المجذوم وليس ننكر تزايد الألم فيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإنما ننكر ما اقتضى التنفير.)إن قلت: فلم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: فتام الرواء ناقص العقل مع أن على ما حققته يقتضي أن يكون تام الرواء كامل العقل.)قلت: إن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ ليس بقضية كلية حاكمة بأن كل من كان تام الرواء فهو ناقص العقل البتة، بل هي قضية مهملة في قوة الجزئية يعني أن بعض تام الرواء ناقص العقل كما لا يخفى)


1) تفسیر مجمع البيان: 429/2، وبحار الأنوار: 4/3، ح 7.

2) الخصال: 400، وبحار الأنوار: 348/12.

على الأديب العارف بأساليب العبارات وكذلك الستة الباقية ومن يكن له منظر جميل وعقل ناقص إعترته آفة لا محالة وإن خفيت علينا وكما أشرنا إليه أنه قليل والأكثر بخلافه (1.)قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (وماد القامة قصير (الهمة الطائفة الثانية من يكون طويل القامة لكنه ناقص في همته وهذا القسم يشترك الأول في مخالفة ظاهره لباطنه ويتفاوت عنه في الإستعداد الباطن وسببه بعد الدماغ عن القلب لأن القلب مبدأ الحرارة الغريزية والأعراض النفسانية من الفطنة والذكاء وعلو الهمة وقلة الإنفعال عن الأشياء وجودة الرأي وحسن الظن والنشاط والرجاء وغيرها دالة على فرط الحرارة الغريزية وضد هذه الأوصاف تدل على برودتها فقرب الدماغ من القلب يوجب وصول كثرة الحرارة إليه فيكون الإنسان متصفاً بتلك الفضائل كالقصار من الناس فبعد الدماغ عنه يوجب قلة الحرارة الغريزية في الدماغ فيتصف بخلافها من الرذائل، فماد القامة يكون في الأغلب نقص العقل وهو يستلزم قصور الهمة وفتور العزم حتى قيل: كل طويل أحمق وفي باب الأسد والثور من الكليلة الأحمق من طال وطالت عنقه، وسيجيء في الطائفة الرابعة الكلام في القصار.)قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (وزاكي العمل قبيح المنظر) وهي الطائفة الثالثة أي بعض الناس من يكون مزاج ذهنه معتدلاً فيصدر عنه الأعمال الزاكية الحسنة الطيبة ولكن صورته الظاهرة قبيحة لأن مزاجه اقتضى ذلك واستعد له وهذا أيضاً قليل لما بيناه في الطائفة الأولى من أن ذا المزاج المستعد لحسن الصورة وجمالها يكون فطناً غالباً ويصدر عنه الأفعال الزاكية، والمستعد لقبح الصورة على خلاف ذلك ومن زكى عمله وإن قبح منظره فهو فائز، لأن العمل هو الملاك للفلاح والبدن كالغمد والنفس كالسيف والله تعالى لا ينظر إلى الأبدان بل إلى الأعمال والقلوب ونعم ما قاله أبو العلاء في سقط الزند:)ولو كان في لبس الفتى شرف له *** فما السيف إلا عمده والحمائلوقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (وقريب القعر بعيد السبر) وهذه الطائفة الرابعة من الطوائف السبع المذكورة وهذا القسم أيضاً يضاد خلقه لخلقه وقريب القعر كناية عن قصير القامة، والمراد من القعر هو البطن وقريب القعر من لم يكن من رأسه إلى بطنه وكذا من قدميه إليه مسافة كثيرة، فهو كناية عن قصير القامة وبعيد السبر كناية عن دهائه وفطانته يعني أن قصير القامة لبيب داهية فطن حازم بحيث يصعب للغير الوقوف على أسراره واختيار باطنه وذلك كما هو المشاهد لنا في القصار ونجدهم غالباً ذوي لب وحزم لا يطلع الغير على ضمائرهم على مرور الأيام بل الشهور والأعوام.)


1) بحار الأنوار: 94/64، وميزان الحكمة: 1762/2.

وحكي أن رجلاً قصيراً أتى كسرى أنوشروان العادل وتظلم عنده من رجل فقال الملك: إن القصير لا يظلمه أحد، فقال الرجل: أيها الملك من ظلمني كان أقصر مني فضحك الملك فأنصفه والسبب في ذلك هو كما قال بعض الحكماء حين سئل: ما بال القصار من الناس أدهى وأحذق ؟ قال: لقرب قلوبهم من أدمغتهم ومراده كما أشرنا إليه أن القلب مبدأ الحرارة الغريزية والأعراض النفسانية كلها دالة على الحرارة وتوفرها وأضداد تلك الأعراض على برودتها فالقصير لقرب قلبه من دماغه يوجب توفر الحرارة في الدماغ ويؤدي إلى تلك الفضائل النفسانية، وفي الطوال من الناس على عكس ذلك.قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (ومعروف الضريبة منكر (الجليبة هذه الطائفة الخامسة منها وهي أيضاً يضاد ظاهرها باطنها وينافي خلقها أخلاقها والمعنى الصحيح لهذه الجملة أن بعضاً من الناس يكون ذا خلقة حسنة وطبيعة طيبة يحب مكارم الخصال ومحاسن الأفعال بحسب ضريبته المعروفة ويتنفر عن الفحشاء والصفات الرذيلة ومع ذلك يستجلب إليه رذائل الأخلاق ومقابح الأعمال لدواع نفسانية وتسويلات شيطانية وعوارض وحوادث بها يعرض عن مقتضى طبيعته السليمة وفطرته الكريمة فيرتكب الفواحش والمعاصي والرذائل وإليه يرجع ما روي عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): أن الله يحب العبد ويبغض عمله وذلك كما ترى رجلاً يحب السخاء والجود ويكون جواداً سخياً بالطبع ولكن قد يعرضه إملاق فيسلك مسلك البخلاء، وآخر يتنفر بطبعه عن المعاصي ولكن قرينه السوء مثلاً يجره إليها وهكذا ولا يخفى أن معروف الضريبة يلتذ الأعمال الحسنة والصفات الحميدة وإن عرضته أحياناً أضدادها زالت عنه بسرعة لأن إتصافه بها واقتحامه فيها يكون قسراً بعائق ومتى زال العائق يعود إلى أصله المعروف والقسري لا يدوم بل هو سريع الزوال فالمؤمن الموحد الذي ليس من أهل المعاصي والفجور ويستبشعها طبعاً ويستقبحها إذا ابتلى بها وارتكبها آثماً خائفاً من الله جل جلاله في إتيانها فلا جرم يندم على ارتكابها إذا رجع إلى عقله وأناب إلى ربه وهو الذي يقبل عن التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات وبذلك التحقيق فسر قوله تعالى: (يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا).)وورد فيه حديث تأبى نفسي إلا إيراده في هذا المقام لتضمنه هذه الدقيقة:روى الصدوق (رَحمَةُ اللّه في التوحيد بإسناده عن زيد بن وهب عن أبي ذر قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يمشي وحده ليس معه إنسان فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد قال (رَحمَةُ اللّه) فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني فقال: من هذا؟ فقلت: أبو ذر جعلني الله فداك، فقال: يا أبا ذر تعال فمشيت معه ساعة فقال: إن المكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيراً فنفخ منه بيمينه وشماله وبين يديه وورائه وعمل فيه خيراً. قال: فمشيت ساعة فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): أجلس ههنا وأجلسني في قاع حوله حجارة فقال لي: إجلس أرجع)

إليك، قال: وانطلق في الحرة حتى لم أره وتوارى عني وأطال اللبث ثم إني سمعته وهو مقبل يقول: وإن زنى وإن سرق قال: فلما جاء لم أصبر حتى قلت له: يا نبي الله جعلني الله فداك من تكلمه في جانب الحرة فإني ما سمعت أحداً يرد عليك شيئاً فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ذاك جبرائيل عرض لي في جانب الحرة فقال: أبشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله عزّ وجلّ شيئاً دخل الجنة قال: قلت يا جبرائيل وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر قال: نعم، وإن شرب الخمر إنتهى (1).

ومن ذلك الحديث يستفاد ما ذكرنا من أن ارتكاب المعاصي للمؤمن قسري ويعرض عنها لا محالة فيتوب إلى الله والله هو التواب الرحيم، فالعاصي لما تاب دخل الجنة كما قال الصدوق له أيضاً بعد ذكر هذا الخبر: يعني بذلك أنه يوفق للتوبة حتى يدخل الجنة.ثم أن ابن ميثم (رَحمَةُ اللّه لم يسلك في تمثيل هذه الحملة وتشبيهه وتعليله طريق الصواب لأنه قال قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «معروف الضريبة منكر الجليبة» أي يكون له خلق معروف يتكلف ضده فيستنكر منه ويظهر عليه تكليفه كأن يكون مستعداً للجبن فيتكلف الشجاعة أو بخيلاً فيتكلف السخاوة، فيستنكر منه ما لم يكن معروفاً منه وهو أكثري وذلك لمحبة النفوس للكمالات فترى البخيل يحب أن يعد كريماً فيتكلف الكرم والجبان يحب أن يعد شجاعاً فيتكلف الشجاعة إنتهى وكذا المترجم القاساني (رَحمَةُ اللّه) تعلله مشى حذوه ولا يخفى أن ما ذهب إليه اختاره وعلله يقتضي أن تكون الجملة هكذا: ومنكر الضريبة معروف الجليبة» كما يظهر بأدنى تأمل والصواب أن يقول كان يكون مستعداً للشجاعة فيتكلف الجبن أو سخياً فيتكلف البخل، وكذلك تعليله بقوله وذلك لمحبة النفوس آه ليس بصحيح وظني أن عبارة الشارح المعتزلي أوقعتهما فيه حيث قال قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ومعروف الضريبة منكر الجليبة» الجليبة هي الخلق الذي يتكلفه الإنسان ويستجلبه مثل أن يكون جباناً بالطبع فيتكلف الشجاعة أو شحيحاً بالطبع فيتكلف الجود، وحسباً أن قوله مثل أن يكون آه بيان لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): معروف الضريبة منكر الجليبة وغفلاً عن أنه يكون بياناً للجليبة.)قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: ( وتائه القلب متفرق، أللب وطليق اللسان حديد الجنان) هذان القسمان يتشاركان في مناسبة ظاهرهما لباطنهما فهما يخالفان الأقسام الخمسة السالفة كما يفارق القسم الأول منهما تأليه بأنه ذم وذلك مدح لأن الطائفة الأولى منهما همج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم لم يلجئوا إلى ركن وثيق، ولو رقوا نور العلم واستمسكوا بالعروة الوثقى لم يكونوا تائهي القلب متفرقي اللب في كل سائحة وعارضة أقبلت أو أدبرت، وكانوا كالجبل الرسخ لا تحركه العواصف ولا يخفي حسن صنيعته (عَلَيهِ السَّلَامُ))


1) التوحيد ص: 26، ومشكاة الأنوار: 38 ح7.

مع بين التام والناقص، والماد والقصير، والزاكي، والقبيح، والقريب، والبعيد، والمعروف، والمنكر وما روعي من السجع المتوازي بين قرينتي الأخيرين.ثم أعلم أن في هذا المقام أخباراً مروية عن أهل بيت العصمة والطهارة منقولة شرذمة منها في كتاب الإيمان والكفر من الكافي لرئيس المحدثين ثقة الإسلام الكليني (رَحمَةُ اللّه وما ذكر فيه من أبواب الطينات وبدء الخلائق وبيانها ينجر إلى بحث طويل الذيل لأنها صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو مؤمن إمتحن الله قلبه للإيمان، وكذا في المقام لعرفائنا الشامخين كلاماً كأنه سر ما في تلك الأخبار وهو على سبيل الإجمال، إن سر اختلاف الإستعدادات وتنوع الحقائق فهو تقابل صفات الله تعالى وأسمائه الحسنى التي من أوصاف الكمال ونعوت الجلال وضرورة تباين مظاهرها التي بها يظهر أثر تلك الأسماء، يوجب تعلق إرادته سبحانه وقدرته إلى إيجاد مخلوق يدل عليه من حيث فكل من الأسماء يوج إتصافه بتلك الصفة فلا بد من إيجاد المخلوقات كلها إختلافها وتباين أنواعها لتكون مظاهر لأسمائه الحسنى جميعاً، ومجالي لصفاته العليا قاطبة فلكل إسم من أسمائه الحسنى وصفة من صفاته العليا مظهر في الوجود العلمي، والعيني.)قال القيصري في شرح الفصوص: وكل واحد من الأقسام الأسمائية يستدعي مظهراً به يظهر أحكامها وهو الأعيان فإن كانت قابلة لظهور الأحكام الأسمائية كلها كالأعيان الإنسانية كانت في كل آن مظهراً لشأن من شؤونها، وإن لم يكن قابلة لظهور أحكامها كلها كانت مختصة ببعض الأسماء دون البعض كالأعيان الملائكة ودوام الأعيان في الخارج وعدم دوامها فيها دنيا وآخرة يراجع إلى دوام الأسماء وعدم دوامها.ولنعم ما قال العارف الرومي في المثنوي:آدم اسطرلاب گردون علوست *** وصف آدم مظ آیات اوستهرچه دروی مینمایدعکس اوست *** همچو عکس ماه اندر آب جوستخلق راچون آب دان صاف وزلال *** اندر او تابان صفات ذو الجلالعلمشن عدلشان ولطفشان *** چون ستاره چرخ بر آب روانپادشاهان مظهر شاهی حق *** عارفان مرآت آگاهی حقخوبرویان آینه خوبی او *** عشق ایشان عکس مطلوبی اوجمله تصویرات عکس آب جوست *** چون بمالی چشم خود خود جمله اوست

### الترجمةاز کلام آن حضرت (عَلَيهِ السَّلَامُ است که یمانی از احمد بن قتیبه، از عبدالله بن یزید، از مالك دحيه كه او:گفت در نزد امیرالمؤمنين على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بودیم که درحضرت او سخن از اختلاف مردمان در خلق و خُلق به میان آمد، فرمود:)به درستی که جدایی انداخته است و فرق نهاده است میان مردم از مبادی طینت و سرشت ایشان یعنی از جهت صفات و حالات عناصر که از آن خلق شده اند بدین احوال گوناگون در خلق و خلق متصف شده، أند چه ایشان پاره ای از زمین شوره و شیرین و خاك درشت و نرم بودند پس به حسب نزدیکی خاکشان به یکدیگر قرب پیدا میکنند و به قدر اختلاف آن متفاوت می گردند پس یکی نیکومنظر نيكو منظر كم عقل است و یکی کشیده قامت کوتاه همت و یکی پاکیزه کردار زشت روى و يكى نزديك تك دوراندیش است (قریب القعر کنایه از این که قامت او کوتاه است و بعیدالسبر کنایه از این که دوراندیش و زیرک است که به آسانی کسی نمی تواند از نهاد او و اسرار وی آگاه شود و یکی نیکوخوی و بد به سوی خود کشنده است (یعنی اصل طبیعت و سرشت او خوب است و دوستدار اخلاق و اعمال نیکو است ولكن جهت غرضی و پیش آمدی خصال بد را به تکلف به سوی خود کشاند، مثل این که اصلا شخص صادق است و به غرضی دروغ میگوید و یا طبیعت مردی بخشنده است و از جهتی در جایی رفتی می کند و هکذا) و یکی سرگشته دل پراکنده عقل است و یکی گشاده زبان تیز دل.)

## في باب الخطب### اشارة:قاله (عَلَيهِ السَّلَامُ وهو يلي غسل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وتجهيزه:)بِأَبي وأُمِّي لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ ما لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْإِنْبَاءِ وأَخْبارِ السَّماءِ، خَصَصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِواكَ، وعَمَمْتَ حَتَّى صارَ النَّاسُ فِيكَ سَواءٌ، وَلَوْلا أَنَّكَ أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ، ونَهَيْتَ عَنِ الْجَزَع لَأَنْفَدْنا عَلَيْكَ ماءَ الشُّؤُون، ولكان الدّاءُ مُماطِلاً، وَالْكَمَدُ مُحالِفاً، وفَلا لَكَ، وَلكِنَّهُ ما لا يُمْلَكُ رَدُّهُ، ولا يُسْتَطاعُ دَفْعُهُ بِأَبي أَنْتَ وأُمِّي أُذْكُرْنا عِنْدَ رَبِّكَ، وَاجْعَلْنا مِنْ بالِكَ (1.)### اللغة(النبوة أصله النبوءة فأبدلت الهمزة واواً فأدغمت لثقل التلفظ بها عندهم ولذا يبدلون الهمزة تارةً واواً متى كان ما قبله مضموماً وتارة ألفاً إن كان مفتوحاً كقوله تعالى: (ءَ اللهُ خَيْرُ أَمَّا يُشْرِكُونَ ) وتارة تقلبونه ياء إن كان ما قبله مكسوراً كنبي لأن أصله النبي على مذهب من يهمز والإيمان وغيرهما قال ابن زيابة التميمي «حماسة 22»:)نبیت عمراً غارزاً رأسه *** في سنةٍ یوعد أخوالهوقالوا: لولا نزل القرآن بالهمز لما تكلموا به لأن التلفظ به يشبه التهوع عندهم كما قيل وتصغيرها نبية تقول العرب كانت نبية مسيلمة نبية سوءٍ، وأصلها النبأ وهو الخبر، وقال الطبرسي في المجمع في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ [إبراهيم: 9] في سورة إبراهيم: النبأ الخبر عما يعظم شأنه يقال لهذا الأمر نبأ عظيم أي شأن وكذا في سورة النبأ.)(الأنباء أفعال من النبأ يقال أنبأه أي أخبره وفي بعض النسخ (الأنباء) بالفتح وهو جمع النبأ، وفي نسخة أخرى (الأنبياء) وهو جمع نبي ولكنه لا يناسب أسلوب الكلام كما لا يخفى، وهذا وَهُمُ من النساخ لأنه إن كان الأنباء لزم أن تكون كلمة الجار أعني من بياناً لما في قوله ما لم ينقطع كما في أخويه أعني النبوة وأخبار السماء، ويكون الكلام على أسلوب واحد، ولو كان الأنبياء لزم أن يكون من في النبوة وأخبار السماء بياناً لما، وفي الأنبياء بياناً لكلمة الغير في قوله غيرك، فيخرج الكلام عن النظم والإتساق.)


1) نهج السعادة 34/1، وميزان الحكمة: 3206/4.

(السماء مأخوذ من السمو وهو العلو والارتفاع قال الجوهري: السماء كل ما علاك فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت سماء، ولفظ السماء هنا مستعار لعالم الغيب ومقامات الملأ الأعلى لعلوه وارتفاعه معنى من عالم الشهادة.)(المسلّى من التسلية يقال: سلاني من همي تسلية أي كشفه عني.)(والجزع بالتحريك: إنزعاج النفس بورود ما يغم فهو نقيض الصبر، قوله تعالى في سورة إبراهيم: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) [إبراهيم: 21].)(نقد الشيء من باب ضرب نفاداً إذا فني، قال الله تعالى في آخر الكهف: (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَتُ رَبّي) [الكهف: 18] والإنفاد: الإفناء يقال: أنفدت الشيء أي أفنيته وقريء بالوجهين قول الشاعر «حماسة 842»: فجاءوا بشيخ كدّح الشر وجهه *** جهول متى ما ينفد السب يلطم

(ماء الشؤون): الدمع، والشؤون، والأشؤون جمع الشأن كفلس وأفلس وفلوس وقال الجوهري في الصحاح: الشؤون هي مواصل قبائل الرأس وملتقاها ومنها تجيء الدموع، قال ابن السكيت الشانان عرقان ينحدران من الرأس إلى الحاجبين ثم إلى العينين فالشؤون هي منابع الدمع ومجاريها كما فسرها بها المرزوقي في قول ابن هرمة «حماسة 470»:

إستبق دمعك لا يود البكاء به *** واكفف مدامع من عينيك تستبق

ليس الشؤون وإن جادت بباقية *** ولا الجفون على هذا ولا الحدق

(الداء): المرض والعلة والمراد به هنا ألم الحزن وأصله دواء، لأن جمعه أدواء والجمع كالتصغير والنسبة يرد الشيء إلى أصله كدار وأدوار ودويرة ودورى.

(مماطلاً) قال الجوهري: مطلت الحديدة أمطلها مطلاً إذا ضربتها ومددتها لتطول وكل ممدود ممطول ومنه إشتقاق المطل بالدين وهو الليان به:يقال مطله وماطله بحقه فالمراد إن الداء لازمني ولا يزول عني فكني به أنه يماطل ويسوف بالزوال والذهاب والبرء.

(الكمد) بفتحتين الحزن المكتوم وقال المرزوقي في شرح الحماسة «حماسة 267» في قول الشاعر:

لو كان يشكى إلى الأموات ما لقي الـ *** ـأحياء من شدة الكمد

الكمد: حزن وهم لا يستطاع إمضاؤه وقال الدريدي هو مرض القلب من الحزن، يقال كمد يكمد كمداً من باب علم، ورأيته كامد الوجه وكمد الوجه إذا بان به أثر الكمد وأكمده الحزن إكماداً.

(محالفاً) المحالف الحليف الملازم، يقال حالفه أي عاهده ولازمه.

(لا يستطاع) الإستطاعة: الإطاقة، لا يستطاع دفعه أي لا يطاق ولا يقدر عليه وفي الصحاح وربما قالوا: أسطاع يسطيع يحذفون التاء إستثقالاً لها الطاء ويكرهون إدغام التاء فيها وربما يتحرك السين وهي لا تحرك أبداً، وقرأ حمزة: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ [الكهف: 97 ] بالإدغام فجمع بين الساكنين «وهما السين الساكنة والتاء المدغمة»، وذكر الأخفش أن بعض العرب يقول إتساع يستيع فيحذف التاء إستثقالاً وهو يريد إستطاع يستطيع قال: وبعض يقول أسطاع يسطيع بقطع الألف، وهو يريد أن يقول أطاع يطيع ويجعل السين عوضاً من ذهاب حركة عين الفعل.

(البال): القلب وأصله أجوف واوي والبال والخلد يستعملان على طريقة واحدة يقولون وقع في خلدي كذا وسقط على بالي وخطر ببالي يقال هذا من بال فلان أي مما يباليه ويهتم به.

الإعراب

(بأبي أنت وأُمّي) أُمّي معطوف على أبي أي وبأمي والباء للتفدية والطرفان كلاهما يتعلقان بمحذوف والتقدير أنت مفدي بأبي وأمي، وهذا التقدير أولى من أفديك بأبي وأُمّي لبقاء الجملة على هيئتها وعدم التصرف فيها يقال فداه من باب ضرب وفاداه إذا أعطى فداءه فأنقذهمن الأسر ونحوه وفداه بنفسه وفداه تفدية إذا قال له جعلت فداك فقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): بأبي أنت وأُمّى أي جعل أبواي فداءك والفداء والفدى والفدى والفدية ما يعطى من مال ونحوه عوض المفدي (بموتك) الباء في كليها للسببية (من النبوة) كلمة من للتبيين يبين ما في ما لم ينقطع (والأنباء وأخبار السماء) معطوفان على النبوة.

(خصصت) أي خصصت الناس بمصيبتك أو خصصت في مصيبتك أو خصت مصيبتك.

(عمن سواك) أي مصيبة عمن سواك، وكذا قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عممت أي عممت الناس بمصيبتك أو عمت مصيبتك الناس حتى صار الناس في مصيبتك سواء، وأضاف الخصوص والعموم إليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مع أنهما للمصيبة لكونها بسببه وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

(لولا أنك) لولا هذه لامتناع الشيء لوجود غيره أعني إمتناع جوابها بوجود شرطها وتختص بالإسم وأن مع ما بعدها في تأويل مصدر والتقدير لولا أمرك بالصبر ونهيك عن لجزع لأنفدنا واللام في لأنفدنا جواب شرط وكذا ولكان الداء معطوفاً على أنفدنا.

(وقلّا لك) الضمير في قلا يعود إلى الداء المماطل والكمد المحلف لأنَّ الضمير يرجع

إلى أقرب المراجع مع عدم القرينة، ويحتمل أن يرجع إلى إنفاد ماء الشؤون المستفاد من أنفدنا وإلى الداء المماطل والكمد المحالف بجعلهما واحداً من حيث قربها معنى.

(ولكنه) الضمير فيه وفي رده ودفعه يرجع إلى الموت في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقد انقطع بموتك ويمكن أن يرجع إلى البكاء والحزن المستفاد من الجمل السالفة على ما يأتي بيانه في المعنى.

المعنى

قوله: (بأبي أنت وأمي) أي جعل أبواي فداك والتفدية هي كلمة معتادة للعرب تقال لمن يعز عليهم حتى أنه أعز وأرجح أنه أعز وأرجح عنده من أبويه بحيث يجعلهما فداءً له ولو تخييلاً، فلا يشترط فيها إمكان التفدية إذ ليس الغرض من إطلاقها تحقيق الفدية وثبوتها فلا يرد ههنا أن يقال أن التفدية بعد موت من يفدي له غير ممكنة فكيف قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأبي أنت وأمي.

ثم أن ههنا كلاماً يناسب المقام وهو:

أن المستفاد من بعض من بعض أخبارنا المروية عدم جواز قول إنسان أن يقول لغيره بأبي أنت وأمي إذا كانا مؤمنين حيين كما روى في الوسال والخصال على طريقين عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث سئل عن الرجل يقول لابنه أو لابنته بأبي أنت وأمي أو بأبوي أنت أترى بذلك بأساً؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): (إن كان أبواه مؤمنين حيين فأرى ذلك عقوقاً وإن كانا قد ماتا فلا بأس) (1).

وظاهر الخبر يدل على عدم جواز القول بالتقدية بالأبوين إذا كانا مؤمنين حيين في قبال الولد، لأن المفدى يكون أحب من الفدية حيث يجعلها فداءه فيلزم أن يكون الأولاد أحب وأعز من الوالدين وهذا عقوق لهما وخروج عن الأوامر بالبر بالوالدين والنواهي عن العقوق لهما مع شدة تأكيد برهما بحيث جعل في القرآن الكريم الإحسان بالوالدين قرين عبادة الله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَناً [الإسراء: 23] وغير ذلك من الآيات والأخبار وأما إذا كانا قد ماتا فلا بأس بذلك لعدم تحقق التفدية، كما إذا كانا حيين غير مؤمنين أيضاً لا بأس به لعدم حرمة لهما حينئذ فمتى كان في الولد لا يجوز ذلك وفي غيره عدم جواز القول بها أولى، والنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أولى بالمؤمنين من أولى بالمؤمنين من أنفسهم فضلاً عن آبائهم وأولادهم وأموالهم.)قوله: (لقد إنقطع أي: إنقطع بسبب موتك النبوة والأخبار والوحي ولم ينقطع بموت غيرك من الأنبياء، وذلك لأنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) خاتم النبيين وآخرهم، ختمت النبوة به فشريعته باقية)


1) الخصال: 26ح 94، ووسائل الشيعة: 440/2، ح 2588.

إلى يوم القيامة، فبموته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ إنقطع الوحي والنبوة نص بذلك عزّ من قائل في الأحزاب: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الأحزاب: 40] قرأ عاصم بفتح التاء والباقون من القراء بكسر تاء وعلى كلا القراءتين يحصل المقصود لأن من كسر التا من خاتم فإنه ختمهم فهو خاتمهم، ومن فتح التاء فمعناه آخر النبيين لا نبي بعده وفي الصحاح الخاتم - بفتح التاء - والخاتم بكسر التاء والخيتام والخاتام كله بمعنى.)وفي المجمع وصح الحديث عن جابر بن عبد الله عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ قال: إنما مثلي في الأنبياء مثل رجل بنى داراً فأكملها وحسنها إلا موضع لبنة، فكان من دخل فيها فنظر إليها قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأنا موضع اللبنة ختم بي الأنبياء، وأورده البخاري، مسلم في صحيحهما.)أقول: أتى بهذه الرواية العارف المتأله ابن أبي جمهور الإحسائي في المجلي ص 369، والبراهين القاطعة والمعجزات القاهرة عقلاً ونقلاً في أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ خاتم النيين كثيرة لا يعتريه ريب لا يشوبه عيب ولا يرتاب فيه إلا من كان في عقله خبل وفي عينه حول، ولا يدعى النبوة بعده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلا الكذاب الأشر المفتري الذي غرته الدنيا وباع حظه بالأرذل الأدنى وتغطرس تردى في هواه، ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحى إلي ولم يوح إليه شيء وأولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.)وفي السيرة الحلبية: إن جبرائيل جاء رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ في وجعه الذي توفي فيه «إلى أن قال»: وجاء أن جبرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: هذا آخر وطني بالأرض، وفي لفظ آخر: عهدي بالأرض بعدك ولن أهبط إلى الأرض لأحد بعدك.)قال الحافظ السيوطي: وهو حديث ضعيف جداً ولو صح لم يكن فيه عارضة أي لما ورد أنه ينزل ليلة القدر مع الملائكة يصلون على كل قائم وقاعد يذكر الله لأنه يحمل على أنه آخر نزوله بالوحي.ثم اعترض على السيوطي بأن حديث يوحي الله إلى عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ أي بعد قتله الدجال صريح: في أنه يوحي إليه بعد النزول والظاهر أن الجائي بالوحي هو جبرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنه السفير بين الله ورسوله إنتهى (1).)أقول: معلوم عند العقلاء بأن الوحي بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ لا يكون وحي نبوة قطعاً، والقطع بأن الجائي بالوحي إلى عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو جبرائيل غير معلوم.)


1) البداية والنهاية: 215/6، وفتح الباري: 357/12 بتفاوت.

وفي الكافي لثقة الإسلام الكليني (قُدِّسَ سِرُّهُ عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إن فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) مكثت بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) خمسة وسبعين يوماً وكان دخلها حزن شديد على أبيها، كان يأتيها جبرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيحسن عزاءها على أبيها ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها وكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يكتب ذلك فهذا مصحف فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) (1).)وكذا في الكافي باب مشتمل على الأخبار الحاكية على أن الملائكة تدخل بيوتهم، وتطأ بسطهم وتأتيهم بالأخبار وهم (عَلَيهِم السَّلَامُ مختلف الملائكة «ص146 م 2» من الوافي.)ثم أن الأنباء وأخبار السماء وإن كانا متقاربي المعنى لكنه لا يبعد أن يقال: أن المراد من أخبار السماء هو الوحي الذي أوحى إليه الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ من الله تعالى والمراد من الأنباء ما أخبر هو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الناس وأنبأهم به.)قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (خصصت حتى صرت مسلياً عمن سواك) أي خصصت في مصيبة من حيث أنها مصيبة خاصة عظيمة وداهية دهياء لا يصاب الناس بمثلها، فلذلك صارت مسلية عن غيرها من المصائب وكل مصيبة دونها وإن كانت كبيرة لصغيرة، بل لا يعبأ بها وكيف لا وهو خاتم النبيين وأشرف المخلوقين وكان نبي الرحمة وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمُ ) فأي مصيبة أعظم من تلك المصيبة للعالمين.)فأشار (عَلَيهِ السَّلَامُ: بأنه ليس لنا مصيبة غيرها لأنها مسلية عن غيرها كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة المائتين عند دفن فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، كالمناجي به رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عند قبره: «إلا أن في التأسي لي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعز» (2).)في الكافي عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: «إن أصبت بمصيبة في نفسك أو في مالك أو في ولدك فاذكر مصابك برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فإن الخلائق لم يصابوا بمثله قط» (3).)وفيه أيضاً سليمان عمرو النخعي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: «من أصيب بمصيبة فليذكر مصابه بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأنها أعظم المصائب».)وفيه أيضاً عبد الله بن الوليد الجعفي عن رجل عن أبيه قال: لما أصيب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ نعى الحسن إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو بالمدائن فلما قرأ الكتاب:قال يا لها من مصيبة ما أعظمها مع أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: من أصيب منكم بمصيبة فيذكر مصابه بي فإنه)


1) بصائر الدرجات: 174، والكافي: 241/1، ح 5.

2) بحار الأنوار: 542/32، ح 54، والأنوار البهية: 64.

3) قرب الإسناد 94، ح 419، والكافي: 220/3، ح 1.

لم يصاب بمصيبة أعظم منها وصدق رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏» (1).)وفي الوسائل الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد عن أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) «من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته في فإنه أعظم المصائب» (2).)وروى الشيخ زين الدين في كتاب مسكن الفؤاد عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏: «إذا أصاب أحدكم بصيبة فليذكر مصيبته بي فأنها ستهون عليه» (3).)و عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ أنه قال في مرض موته: «أيها الناس أيما عبد من أُمتي أصيب بمصيبة من بعدي فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بعدي فإن أحداً من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي» وغير ذلك من الأخبار المروية في الباب من كتب علمائنا الأقدمين رضون الله عليهم أجمعين (4).)وفسر الشارح المعتزلي كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ بوجه آخر حيث قال: قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) خصصت، أي خصت مصيبتك أهل بيتك حتى أنهم لا يكترثون بما يصيبهم بعدك من المصائب ولا بما أصابهم من قبل إنتهى (5).)ومختارنا أن تلك المصيبة لها خصوصية ومرتبة بحيث صارت مسلية عن غيرها من المصائب الواردة على المسلمين سواء كان من أهل بيته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ أو لا ولا يخفى رجحانه إن لم نقل بتعيينه وعدم صحة غيره، والأخبار المذكورة آنفاً أصدق شاهد في ذلك والعلّامة المجلسي (رَحمَةُ اللّه) في البحار وابن ميثم وغيره في شرح النهج إختاروا ما اخترناه.)قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «وعممت حتى صار الناس فيك سواء» أي عممت الناس بمصيبتك يعني أن مصيبتك شملت جمع المسلمين بحيث لا يكون أحد فارغاً عنها.)قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (ولولا أنك أمرت) أي: لولا أمرك بالصبر في قبال المصائب وحدثان الدهر ونهيك عن الجزع في إزاء نوائب الأيام لبكينا، حتى لا يبقى من الدموع في مجاريها ومنابعها شيء، وهذا كناية عن كثرة البكاء، ولكان الألم والحزن، في مصيبتك وفراقك ملازماً غير مفارق، على أن إنفاد الدمع ومماطلة الداء وملازمة الحزن قلالك بل ينبغي أن)


1) الكافي: 220/30، ووسائل الشيعة: 267/3، ح 3607.

2) الكافي: 3/221، ووسائل الشيعة: 267/3، ح 3609.

3) قرب الإسناد 94، ح 319، وبحار الأنوار: 73/79، ح3، الفؤاد: 10.

4) وسائل الشيعة ؛ 268/3 3613، والبداية والنهاية: 297/5.

5) وسائل الشيعة ؛ 268/3، 3614، والبداية والنهاية 297/5.

يكون البكاء والحزن في مصيبتك أشد وأكثر من ذلك.ثم إنه(عَلَيهِ السَّلَامُ أشار من قوله هذا: ( ولولا أنك) إلى العذر في ترك البكاء والحزن، بأن أمره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالصبر ونهيه عن الجزع الزمني على ذلك ومنعني على البكاء والألم.)الأمر والنهي في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ ليسا محمولين على الوجوب والحرمة، لأن النوح في المصيبة إذا لم يكن بالباطل ولم يكن ما يسخط الرب تعالى ليس بمحرم، بل يستحب البكاء لموت المؤمن لا سيما لموت المؤمن الفقيه.)وفي الفقيه أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ حين جاءته وفاة جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة كان إذا دخل بيته كثر بكاؤه عليهما جداً ويقول كانا يحدثاني ويؤنساني فذهبا جميعاً.)وفيه أيضاً لما انصرف رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ من وقعة أحد إلى المدينة، سمع من كل دار قتل من أهلها قتيل نوحاً وبكاءً ولم يسمع من دار حمزة عمه، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): لكن حمزة لا يواكي.عليه. فالى أهل المدينة أن لا ينوحوا على ميت ولا يبكوه حتى يبدأوا بحمزة فينوحوا عليه ويبكوه فهم إلى اليوم على ذلك (1).)وفي الكافي: لما مات إبراهيم ابن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): «حزناً عليك يا إبراهيم وإنا لصابرون يحزن القلب وتدمع العين ولا نقول ما يسخط الرب» (2).)وغيرها من الأخبار في كتبنا القيمة الدالة على بكاء فاطمة على أبيها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ وبكاء علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليهما وبكاء سيد الساجدين على سيد الشهداء(عَلَيهِ السَّلَامُ).)بل يستفاد من جملة تلك الأخبار جواز شق الثوب على الأب والأخ والقرابة كما روی أنه لما قبض علي بن محمد العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ رؤى الحسن بن علي(عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد خرج من الدار وقد شق قميصه من خلف وقدام.)نعم مضمون بعض تلك الأخبار النهي عن الصراخ بالويل والعويل، ولطم الوجه، والصدر وجز الشعر من النواصي وثبوت الكفارة في بعض الصور.ثم إن الروايات كثيرة في التعزي والتسلي، واستحباب احتساب البلاء، والصبر في المصائب، وترك الجزع مما لا يعد ولا يحصى على أن الله جلّ جلاله قال: وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا (إنا لله وإنا إليه راجعون.)


1) من لا يحضره الفقيه: 183/1، 553، ووسائل الشيعة: 384/3، ح 3662.

2) من لا يحضره الفقيه: 177/18، ح،526، ووسائل الشيعة: 921/2، ح 3650.

وفي الفقيه قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏: أربع من كن فيه كان في نور الله عزّ وجلّ الأعظم: من كان عصمة أمره شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ومن إذا أصابته مصيبة قال: (وإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة: 156]، ومن إذا أصاب خيراً قال الحمد لله رب العالمين ومن إذا أصاب خطيئة قال: أستغفر الله وأتوب إليه» (1) وفي الكافي: قال فضيل بن ميسر كنا عند أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فجاءه رجل فشكى إليه مصيبة أصيب بها فقال له أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أما أنك أن تصبر توجر وإن لم تصبر مضى عليك قدر الله الذي قدر عليك وأنت مأزور» (2)، وغيرهما من الأخبار الواردة في المقام.

ولا يخفى أن الصبر في المصائب حسن جميل جداً لأن الغم والحزن والاضطراب تورث أمراضاً كثيرة: من خلل في الدماغ والصداع والسهر والفالج، واللقوة، والرعشة والهزال في الجسم، وكلال في البصر. وبالخلل في الدماغ تحدث الآفة في الأفعال الدماغية من الفكر والتخيل والتذكر والحركات الإرادية وغيرها لأن مقدم البطن المقدم من الدماغ موضع الحس المشترك وهو المدرك للصور الجزئية المحسوسة بإدراك الحواس الظاهرة ومؤخر البطن المقدم لخزانة الحس المشترك المسماة بالخيال وفي الخيال تحفظ الصور المرتسمة إذا غابت عن الحواس الظاهرة والبطن الأوسط من الدماغ موضع الوهم وهو القوة المدركة للمعاني الجزئية القائمة بتلك الصور وخزانتها الحافظة وهي قوة تحفظ ما يدركه الوهم من المعاني الجزئية، وموضعها البطن المؤخر من الدماغ. ومن المدركات المتصرفة وهي قوة تارة تركب بعض الصور مع بعض كتخيل إنسان ذي جناحين أو بعض الصور كتخيل صداقة جزئية لزيد، وتارة تفصل بعض الصور عن بعض كتخيل إنسان بلا رأس، وهكذا، وهذه القوة موضعها الدماغ كلها لعموم تصرفها إن سلطنتها في الوسط على ما برهن وبين مفصلاً ومشروحاً في محله وكذلك الأفعال الصادرة عن القوى كلها تكون بالأعصاب وهي تتصل بالدماغ ومتى صار مأوفاً تحدث الآفة في أفعالها

وفي مادة «جذم» من سفينة البحار أن كثرة الهموم تولد المواد السوداوية المولدة للجذام.

وفي شرح النفيس: الغم كيفية نفسانية تتبعها حركة الروح والحرارة الغريزية إلى داخل البدن خوفاً من الموذي الواقع وهي لتكاثف الروح بالبرد الحادث عند انتفاء الحرارة الغريزية لشدة الإنقباض والإختناق يتبعها ضعف القوى الطبيعية ويلزمه قلة توليد، بدل ما يتحلل من


1) المحاسن: 8/18، ومن لا يحضره الفقيه: 1751، ح 514.

2) الكافي: 225/3، ح 10، وتحف العقول: 209. 225/3.

الدم والروح البخاري وكثرة التحلل منهما لعجز القوة عن حفظها عن التحلل فيحدث الجفاف فيتبعها الهزال والصداع وأمراض أخر وكذا السهر فإنه يجفف لكثرة تحلل الرطوبات بالحرارة الحادثة عن حركة الأرواح إلى جهة الظاهر، وعن حركة الحواس في إدراكاتها عن الحركات الإرادية لكن تأثيرها في الدماغ يكون أكثر وأقوى لأنه مبدأ الحواس الحركات فيتولد منها علل ردية.

وبالجملة الأمراض التابعة للحزن والغم أكثر أن تحصى، فبالحري أن يصبر الإنسان في نوائب الدهر ولا يلقي بيده إلى التهلكة، مع أن الجزع لا فائدة فيه يكون مورثاً لتلك الأمراض المزمنة ولذلك كله أمر في الشرع بالصبر ونهى عن الجزع.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ( ولكنه ما لا يملك رده ولا يستطاع دفعه) إستدرك (عَلَيهِ السَّلَامُ) تسلية لنفسه ولغيره بقوله: ولكن الموت الذي لأجله البكاء والحزن مما لا يملك ولا يقدر رده ولا يطاق دفعه فلا فائدة في الجزع والبكاء والحزن فصبر جميل والإحتساب حسن وما أحسن السعدي بقوله:

خبر داری ای استخوان قفس *** که جان تو مر غی است نامش نفس

چو مرغ از قفس رفت و بگسست قید *** ذگرره نگردد بدام تو صيد

ويمكن أن يعود الضیر في لكنه ورده و دفعه إلى الأمر الذي هو البكاء والحزن ويكون تمهيداً للعذر على البكاء، والحزن مع أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أمر بالصبر ونهى عن الجزع فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن البكاء والحزن بهذا المقدار الذي صدر منا مما لا نملك على رده ولسنا بقادر على دفعه كما قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لما مات ابنه إبراهيم وهملت عينه بالدموع: «يحزن القلب وتدمع العين ولا نقول ما يسخط الرب».

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (بأبي أنت وأمي أذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك) أعاد التفدية إعزازاً وتعظيماً له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وإبرازاً لما في الضمير كرة بعد كرة، توكيداً الضمير كرة بعد كرة توكيداً من أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أحب الناس إليه بحيث يجعل أبويه فداءه، ثم سأله والتمس منه أن يذكره عند ربه وأن يجعله من باله، يعني أن يكون في قلبه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و بمنزلة ومكانة بحيث يهتم به لا ينساه عند ربه.

ويؤيده ما في الرواية المنقولة في البحار واجعلنا من همك، كان من بالك وفي أخرى من بالك وهمك بجمع كليهما وسنذكرهما بأسرهما، وغاية مأموله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يذكر بلسان خاتم الأنبياء (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عند الله تبارك وتعالى ومن رزق نور المعرفة يدرك علو شأنه وجلالة قدره من أمله هذا نعم، إن العبد يلتذ أن يذكر عند الله ولا يرجو سواه، والحبيب يحب أن يذكر إسمه عند الحبيب ويذكر الحبيب عنده ويلهج لسانه بذكره ويقول يا رب أذقني حلاوة ذكرك.

وفاة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) والأقوال في يوم وفاته مبلغ سنه حينئذ ومن يلي غسله وتجهيزه

قال الطبرسي في المجمع والزمخشري في الكشاف: قال مقاتل: لما نزلت سورة الفتح قرأها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على أصحابه ففرحوا واستبشروا وسمعها العباس فيكي فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): ما يبكيك يا عم؟ فقال: أظن أنه قد نعيت إليك نفسك يا رسول الله، فقال: إنه لكما تقول فعاش بعدها سنتين ما رؤى فيهما ضاحكاً مستبشراً قال: وهذه السورة تسمى سورة التوديع (1).

وفي المجمع قال ابن عباس: لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح قال: نعيت إلى نفسي بأنها مقبوضة في هذه السنة. إختلف في أنهم من أي وجه علموا ذلك وليس في ظاهره نعي؟ فقيل: لأن التقدير فسبح بحمد ربك فإنك حينئذ لاحق بالله وذائق الموت كما ذاق من قبلك من الرسل وعند الكمال يرقب الزوال كما قيل:

إذا تم أمر بدا نقصه *** توقع زوالاً إذا قيل تم

و قيل: لأنه سبحانه أمره بتجديد التوحيد وإستدراك الفائت بالإستغفار وذلك مما يلزم عند الإنتقال من هذه الدار إلى دار الأبرار، وعن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت السورة كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول كثيراً: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم أغفر لي إنك أنت التواب الرحيم، وعن أم سلمة قالت كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالآخرة لا يقوم ولا يقعد ولا يجيء ولا يذهب إلا قال: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه، فسألناه عن ذلك فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): إني أمرت بها ثم قرأ: إذا جاء نصر الله والفتح وفي رواية عائشة أنه كان يقول سبحانك اللهم وبحمدك إستغفرت وأتوب إليك.

وفي الكشاف في هذه السورة: وعن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه دعا فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) فقال: يا بنتاه إنه نعيت إلى نفسي فبكت فقال: لا تبكي فإنك أول أهلي لحوقاً بي (2).

وقال أبو جعفر الطبري في تاريخه بإسناده عن أبي مويهبة مولی رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: بعثني رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من جوف الليل فقال لي: يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي ؛ فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم قال: السلام عليكم أهل المقابر ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها الآخرة شر من الأولى، ثم أقبل عليّ فقال: يا أبا مويهبة إني قد أوتيت مفاتيح خزائن


1) بحار الأنوار: 21 /100، ومستدرك سفينة البحار: 68/10.

2) حياة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): 219/1، ومستدرك سفينة البحار: 233/8.

الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة خيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة فاخترت لقاء ربي والجنة قال: قلت بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة. فقال: لا الله يا أبا موبهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة ثم أستغفر لأهل البقيع، ثم انصرف فبدأ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بوجعه الذي قبض فيه (1).

وفيه عن عائشة زوج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قالت: رجع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعاً في رأسي وأنا أقول وارأساء قال: بل أنا والله يا عائشة، وارأساه ثم قال ما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك، فقلت: والله لكأني بك لو فعلت ذلك رجعت إلى بيتي فأعرست ببعض نسائك. قالت: فتبسم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وتنام به وجعه وهو يدور على نسائه حتى استعر به وهو في بيت ميمونة فدعا نساءه فاستأذنهن أن يُمرَّض في بيتي فأذن له فخرج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر تخط قدماه الأرض عاصباً رأسه حتى دخل بيتي (2).

ثم قال الطبري بعد نقل هذا الخبر عن عائشة: قال عبيد الله فحدثت هذا الحديث عنها عبد الله بن عباس فقال: هل تدري مَنِ الرجل - يعني به الرجل الآخر الذي كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بينها في حديث عائشة - قلت: لا. قال علي بن أبي طالب: ولكنها - أي عائشة - كانت لا تقدر على أن تذكره - أي علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ)- بخير وهي تستطيع، إنتهى (3).

وقال أبو جعفر الطبري بإسناده إلى الفضل بن عباس قال: جاءني رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فخرجت إليه فوجدته موعوكاً قد عصب رأسه فقال: خذ بيدي يا فضل فأخذت بيده حتى جلس على المنبر ثم قال: ناد في الناس، فاجتمعوا إليه فقال:

أما بعد أيها الناس فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وأنه قد دنى مني خفوق من بين أظهركم فمن كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقدمنه ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقدمنه وأن الشحناء ليست من طبعي لا من شأني، ألا وأن أحبكم إلي من أخذ مني حقاً إن كان له أو حللني فلقيتُ الله وأنا أطيب النفس وقد أرى أن هذا غير مغنٍ غني حتى أقوم فيكم مراراً.

قال الفضل: ثم نزل فصلى الظهر ثم رجع فجلس على المنبر فعاد لمقالته الأولى في


1) تاريخ الطبري: 432/2، وبحار الأنوار: 410/21.

2) المسترشد 127، ومناقب أهل البيت: 472.

3) المسترشد: 127.

الشحناء، وغيرها فقام رجل فقال: يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إن لي عندك ثلاثة دراهم قال: أعطه يا فضل، فأمرته فجلس.

ثم قال: يا أيها الناس من كان عنده شيء فليؤده ولا يقل فضوح الدنيا، ألا وأن فضوح الدنيا أيسر من فضح الآخرة، فقام رجل فقال: يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عندي ثلاثة دراهـ ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله. قال: ولم غللتها ؟ قال: كنت إليها محتاجاً. قال: خذها منه يا فضل.

ثم قال: يا أيها الناس من خشي من نفسه شيئاً فليقم أدع له فقام رجل فقال: يا رسول الله إني لكذاب إني لفاحش وإني لنؤوم. فقال: اللهم أرزقه صدقاً، وإيماناً، وأذهب عنه النوم إذا أراد، النوم إذا أراد ثم قام رجل فقال: والله يا رسول الله إني لكذاب، وإني لمنافق وما شيء أو أن شيء إلا قد جنيته، فقام عمر بن الخطاب فقال: فضحت نفسك أيها الرجل. فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يا ابن الخطاب فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، اللهم أرزقه صدقاً وإيماناً، الحديث (1).

وقال أبو جعفر الطبري في تاريخه أيضاً: بإسناده إلى عبد الله بن مسعود أنه قال: نعى إلينا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته، شهر، فلما دنى الفراق معنا في بيت أمنا عائشة فنظر إلينا وشدد فدمعت عينه وقال مرحباً بكم رحمكم الله رحمكم الله، آواكم الله، حفظكم الله، رفعكم الله، نفعكم الله، وفقكم الله نصركم الله، سلمكم الله رحمكم الله قبلكم الله أوصيكم بتقوى الله وأوصي الله بكم وأستخلفه عليكم وأؤديكم إليه إني لكم نذير وبشير لا تعلوا على الله في عباده وبلاده فإنه قال لي ولكم: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ علُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83]. وقال: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوَى المُتَكَبِرِينَ﴾ » [العنكبوت: 68].

فقلنا: متى أجلك؟ قال: دنا الفراق والمنقلب إلى الله وإلى سدرة المنتهى قلنا فمن يغسلك يا نبي الله ؟ قال: أهلي الأدنى فالأدنى، قلنا: فقيم نكفنك يا نبي الله؟ قال: في ثيابي هذه إن شئتم أو في بياض مصر أو حلة،يمانية قلنا فمن يصلي عليك يا نبي الله ؟ قال: مهلاً غفر الله لكم وجزاكم عن نبيكم خيراً فبكينا وبكى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقال: إذا غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سريري في بيتي هذا على شفير قبري ثم أخرجوا عني ساعة فإن أول من يصلى علي جليسي وخليلي جبرائيل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت مع جنود كثيرة من الملائكة بأجمعها ثم أدخلوا عليّ فوجاً فوجاً فصلوا عليّ وسلموا تسليماً، ولا تؤذوني بتزكية ولا برنة ولا صيحة وليبدأ بالصلاة علي رجال أهل بيتي ثم نساؤهم ثم أنتم بعد


1) تاريخ الطبري: 434/2، والبداية والنهاية: 252/5.

إقرؤا أنفسكم مني السلام فإني أشهدكم أني قد سلمت على من بايعني على ديني من اليوم إلى يوم القيامة قلنا: فمن يُدخلك في قبرك يا نبي الله ؟ قال: أهلي مع ملائكة كثيرين پرونكم حيث لا ترونهم (1).

أقول: نقل المجلسي في البحار من كتاب إسحاق الثعلبي خبراً قريباً مما نقله الطبري إلا أن فيه كان أبو بكر سائلاً النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عمن يغسله ويكفنه وغير ذلك.

قال الشارح المعتزلي بعد نقل هذا الخبر من الطبري:قلت العجب لهم كيف لم يقولوا له في تلك الساعة فمن يلي أمورنا بعدك؟ لأن ولاية الأمر أهم من السؤال عن الدفن وعن كيفية الصلاة عليه وما أعلم ما أقول في هذا المقام، إنتهى (2).

أقول: وأني أعمل ما أقول بحق في هذا المقام عائذاً من الله تعالى عن الوساوس النفسانية والتسويلات الشيطانية وتنزهاً عن التعصب الذي التعصب الذي هو ديدن العوام، ودأب من يكون في طريق الحق ألد الخصام والسلام على من اتبع الهدى ونهى النفس عن الهوى.

فنقول:أولاً: من أين ثبت أنهم لم يقولوا ذلك ولم يسقطه الآخرون.

وثانياً: كان في الخبر أنهم سألوا عمن يغسله ويصليه وكأنهم سألوا عمن يليق بهذا الأمر العظيم فأجاب (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أهلي الأدنى فالأدنى وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) رجال أهل بيتي فأين لم يصرح بعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأبدلوه بالأهل وبالرجل من أهل البيت كما دريت في الخبر المروي آنفاً عن عائشة إنها لم تذكر علياً ولا تقدر أن تذكره بخير وهي تستطيع.

فإن أبيت عن قولنا هذا وقلت إنه أشبه بالخطابي ولم يكن برهانياً فنقول:

لا شبهة أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بين أموراً مما هو ليس بأهم من أمر الولاية جداً، مثل آداب الأكل والمشي والجلوس، والدخول في الحمام والمبرز وأدب النورة والحلق ولبس الثياب وقص الأظفار وآداب المعاشرة وفوائد بعض الفواكه والأغذية وغيرها مما هی أكثر من أن تحصى ومذكورة في كتب الفريقين، ومن هذه حاله وسيرته ويبين هذه الأمور التي بين شأنها ومنزلتها كيف يهمل أمته بلا ولي معصوم منصوب من قبل الله تعالى؟

ونعم ما قاله العلّامة الحلى (قُدِّسَ سِرُّهُ) في كشف المراد إن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)كان أشفق على الناس من الوالد على ولده حتى أنه عليه وآله السلام أرشدهم إلى أشياء لا نسبة لها إلى الخليفة بعده، كما أرشدهم في قضاء الحاجة إلى أمور كثيرة مندوبة وغيرها من الوقائع وكان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إذا سافر عن المدينة يوماً أو يومين إستخلف فيها من يقوم بأمر المسلمين، ومن


1) أحاديث أم المؤمنين عائشة: 201/22، والطرائف: 290.

2) شرح نهج البلاغة: 30/13.

هذه حاله كيف ينسب إليه إهمال أمته وعدم إرشادهم في أجل الأشياء وأسناها وأعظمها قدراً وأكثرها فائدة وأشد حاجة إليها وهو المتولى لأمورهم بعده ؟ فوجب من سيرته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) نصب إمام بعده والنص عليه وتعريفهم إياه وهذا برهان لمي، إنتهى.

وبالجملة من لم يكن عينه أحول ولم يعدل عن الحق ولم يضل يرى أن نصب الإمام واجب على الله تعالى باللطف لم يترك الله عباده سدى وأن الله ليس بظلام للعبيد.

ثم نقول للشارح المعتزلي: إن الأخبار المتواترة من الفريقين في حق علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أحاديث غدير خم واستخلافه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المدينة، وحديث المنزلة المتواتر عند الفريقين، وما قاله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في حقه لما نزل وأنذر عشيرتك الأقربين سلموا عليه بإمرة المؤمنين وأنت الخليفة بعدي وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في حقه أنت أخي، ووصيي وخليفتي من بعدي وقاضي ديني - بكسر الدال - وغيرها مما هي متواترة معنى ونص في إمامته وولايته على الناس وخلافته بلا فصل عن خاتم الأنبياء (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) والمطاعن المقبولة المسلمة المتواترة عند الفريقين في أبي بكر وعمر وعثمان ومثالبهم وتسليم جميع المسلمين أفضليته (عَلَيهِ السَّلَامُ) من كل جهة من العلم، والتقوى والشجاعة وغيرها من الفضائل بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على كافة الأنام، على كافة الأنام حتى أنه لم يكن بينه وبين النبي فرق إلا رتبة النبوة كما شهد بها المؤلف والمخالف، لم تبق لهؤلاء شكاً وريباً في الإمامة حتى يسألوا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عمن يلي أمورهم بعده.

على أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ذلك كله أراد أن يكتب ويصرح بذلك أيضاً حين وفاته ومنع ومنع عمر عن ذلك كما هو متواتر بالمعنى (1).

الكلام في أن عمر آذى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) والمسلمين بقوله أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يهجر

قال أبو جعفر الطبري في تاريخه: بإسناده إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: يوم الخميس وما يوم الخميس؟ قال: ثم نظرت إلى دموعه تسيل على خديه كأنها نظام اللؤلؤ قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): إينوني باللوح والدواة أو بالكتف والدواة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده قال: فقالوا: إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يهجر (2).

وفيه أيضاً: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: یوم الخميس وما يوم الخميس قال: إشتد برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وجعه فقال: إيتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي أبداً فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي أن يتنازع فقالوا: ما شأنه أهجر أهجر إستفهموه فذهبوا يعيدون عليه. فقال: دعوني فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه وأوصي بثلاث قال: أخرجوا المشركين من


1) عيون أخبار الرضا: 9/1 ح 14 وخصائص الأئمة: 49.

2) النص والإجتهاد: 152، والمراجعات: 355.

جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجيزهم وسكت عن الثالثة عمداً أو قال فنسيتها (1).

أقول: القائل بهجر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عمر لا غير وحرفوا هذين الحديثين وهما حديث واحد في الحقيقة عن أصلهما وعدلوا عن لفظ المفرد إلى الجمع لبعض شأنهم، ونقل هذا الحديث نقلتهم في كتبهم المعتبرة عندهم، وصرحوا بأن ذلك القائل كان عمر، ومن تفحص كتب الأخبار ما ذكره نقلة الآثار منا ومنهم دري أن خبر طلب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الدواة والكتف، ومنع عمر ذلك وإن كان ألفاظه مختلفة متواتر بالمعنى.

قال الشهرستاني في المقدمة الرابعة من الملل والنحل: أول تنازع وقع في مرضه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيما رواه محمد بن إسماعيل البخاري بإسناده عن عبد الله بن عباس قال: لما اشتد بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مرضه الذي مات فيه قال: إيتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي. فقال عمر أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله وكثر اللفظ: «اللغط ظ» فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع قال ابن عباس: الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، إنتهى (2).

في البحار: البخاري، ومسلم في خبر: أنه قال عمر: النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فاختلف أهل ذلك البيت واختصموا منهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله كتاباً لن تضلوا بعده، ومنه من يقول القول ما قال العمر. فلما كثر اللغط والإختلاف عند النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: قوموا فكان ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وبین أن يكتبهم ذلك الكتاب من إختلافهم ولغطهم (3).

وفي صحيح البخاري وإذا اشتد مرض النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: ائتوني بقرطاس أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي. فقال الرجل أي عمر بن الخطاب: تهجر يكفينا وفي الملل والنحل كتاب الله عندنا قال أحدهم: إنتوا حتى جال التنازع ولا ينبغي عند النبي التنازع فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): قوموا عني (4).

أقول: الله در ابن عباس نعم ما فهم وتفطن حدوث الرزية كل الرزية نمنع الرجل عن


1) نيل النجاة في تتمة المراجعات: 265 وتاريخ الطبري: 436/2.

2) نهج السعادة: 270/5، ودراسات في الحديث والمحدثين: 236.

3) الإيضاح: 172، والمسترشد: 132.

4) راجع صحيح البخاري: 37/1، و 4/ 31 - 66- 137 و 9/7، و 161/8 ط دار الفکر، بیروت، وصحيح مسلم: 5/75-76 ط دار الفكر، بيروت.

إتيان الدواة والكتف ولولا منعه وهجره لما قام التشاجر والتنازع بين الناس بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وما كان لهم في ذلك سبيل ولصانت الملة البيضاء المحمدية عن هذا التفرق والتشتت والشقاق والإختلاف في المذاهب واستنبط ابن عباس قوله هذا الرزية كل الرزية من كلامه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لن تضلوا بعدي.

الكلام في لدود رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وما فيه

ثم أن أبا جعفر الطبري وغيره أتوا بأخبار أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لدَّ في مرضه الذي توفي، لا يخلو بعضها عن دغدغة واضطراب وبعضها عن فائدة في ما ذهب إليه المتكلمون في أنبياء الله وحججه، ولا بأس بذكرها وذكر بعض التنبيهات والإشارات فيها.

قال: بإسناده عن عبد الله بن عتبة عن عائشة قالت: لددنا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في مرضه، فقال: لا تلدوني فقلنا: كراهية المريض الدواء فلما أفاق قال: لا يبقى منكم أحد إلا لد غير العباس فإنه لم يشهدكم (1).

عن عبيد الله بن عبد الله عنها أيضاً قالت: ثم نزل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) - تعني من المنبر - فدخل بيته وتنام به وجعه حتى غُمر واجتمع عنده نساء نسائه أم سلمة، وميمونة، ونساء من نساء المؤمنين منهن أسماء بنت عميس وعنده عمه العباس بن عبد المطلب وأجمعوا على أن يلدوه فقال العباس لألدنه قال: فلد فلما أفاق رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: من صنع بي هذا ؟:قالوا: يا رسول الله عمك العباس قال: هذا دواء أتى به نساء من نحو هذه الأرض، وأشار نحو أرض الحبشة قال: ولم فعلتم ذلك؟ فقال العباس: خشينا يا رسول الله أن يكون بك وجع ذات الجنب فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): إن ذلك لداء ما كان الله ليعذبني به، لا يبقى في البيت أحد إلا لد إلا عمي. قال: فلقد لدت ميمونة وأنها لصائمة لقسم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عقوبة لهم بما صنعوا، وكذا في السيرة الهشامية.

وقال أبو جعفر الطبري بإسناده عن عروة: أن عائشة حدثته أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حين قالوا: خشينا أن يكون بك ذات الجنب قال: إنها من الشيطان ولم يكن الله ليسلطها عليّ (2).

وفيه أيضاً بإسناده عن الصَّقعب بن زهير عن فقهاء أهل الحجاز أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثقل في وجعه الذي توفي فيه حتى أغمي عليه، فاجتمع إليه نساؤه وإبنته وأهل بيته والعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وجميعهم وأن أسماء بنت عميس:قالت: ما وجعه هذا إلا


1) السنن الكبرى،255/4، ح،7085، وتاريخ الطبري: 437/2.

2) تاريخ الطبري: 438/3، والشفا بتعريف حقوق المصطفى: 120/2.

ذات الجنب فلدوه، فَلَدَدناه، فلما أفاق قال: من فعل بي هذا؟ قالوا: لدتك أسماء بنت عميس ظنت أن بك ذات الجنب قال: أعوذ بالله أن يبليني بذات الجنب أنا أكرم على الله من ذلك (1).

وفي السيرة الحلبية وفي رواية أنه لما اشتد عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) المرض دخل عليه عمه العباس وقد أغمي عليه فقال: الأزواج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لو لددتنه، قلن: إنا نجترىء «إنا لا نجترىء، أو أني نجترىء» على ذلك فأخذ العباس يلدده فأفاق رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال: من لدني؟ فقد أقسمت ليلددن إلا أن يكون العباس فأنكم لددتموني فأنا صائم.

فهذه شرذمة من الأخبار الواردة في اللدود نقلها الطبري وغيره وكانت العرب تداوي باللدود من به ذات الجنب، قال ابن أثير في النهاية: وفيه يعني في الحديث خير ما تداويتم به اللدود وهو بالفتح من الأدوية ما يسقاه المريض في أحد شقي الفم ولديد الفم جانباه ومنه الحديث أنه لد في مرضه فلما أفاق قال: لا يبقى في البيت أحد إلا لد، فعل ذلك عقوبة لهم لأنهم لدوه بغير إذنه، إنتهى.

وفي السيرة الحلبية: وجاء أنهم لددوه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في هذا المرض أي سقوه لدوداً من أحد جانبي فمه جعل (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يشير إليهم وهو مغمى عليه أن لا يفعلوا به، وهم يظنون إن الحامل له على ذلك كراهة المريض للدواء فلما أفاق... الحديث.

أقول: وأما الدغدغة فيها فلانة لا يخفى تناقضها، ففي الأولى تصريح بأن العباس عم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لم يشهده، وفي الثانية: أنه كان شاهداً وهو لد النبي ظاهراً ومع ذلك في ذيل الحديث أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: لا يبقى في البيت أحد إلا لد إلا عمي وفي الثالثة: أن أسماء بنت عمیس لدته، وفي الرابعة: صريح بأن أزواجه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قلن: إنا لا نجترىء فأخذ العباس يلدده.

ولولا الرواية الرابعة يمكن أن يقال في رفع التناقض فيها: الصواب في الرواية الثانية أن العباس قال: لا ألده أو لا ألدنه قال: فلدوه. فلما أفاق الخ. كما نقله الشارح المعتزلي هكذا «فقال العباس لا ألده فلدوه فلما أفاق» فحرف «لا ألده فلدوه، أو لا ألدنه فلدوه» إلى «لألدَّنَّهُ فلد» كما نقلناها عن الطبري.

فإن قلت: فعلى هذا كيف قالوا في جواب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): عمك العباس؟

قلت: إنما قالوا ذلك كما في السيرة الحلبية تعللاً وخوفاً منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وردهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بقوله غير العباس: فإنه لم يشهدكم وأن لا يناسب هذا الجمع ظاهر صدر الحديث وعنده


1) تاريخ الطبري: 438/2.

عمه العباس كذا ذيله فقال العباس: خشينا يا رسول الله أن يكون بك وجع ذات الجنب على أنه لا يدل على أن العباس لد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) والله أعلم.

وكيف كان قال الشارح المعتزلي: سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد البصري عن حديث اللدود فقلت: ألد علي بن أبي طالب ذلك اليوم، فقال معاذ الله: لو كان لد لذكرت عائشة ذلك فيما تذكره وتنعاه عليه وقال: وقد كانت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) حاضرة في الدار وإبناها معها أفتراها لدت أيضاً ولد الحسن والحسين كلا هذا أمر لم تكن، وإنما هو حديث ولده من ولده تقرباً إلى بعض الناس والذي كان أن أسماء بنت عميس أشارت بأن تلد وقالت: هذا دواء جاءنا من أرض الحبشة جاء به جعفر بن أبي طالب وكان بعلها وساعدتها على تصويب ذلك والإشارة به ميمونة بنت الحارث فلد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلما أفاق أنكره وسأل عنه فذكر له كلام أسماء وموافقة ميمونة لها فأمر أن تلد الأمرأتان لا غير فلدتا ولم يجر غير ذلك (1).

وأما الفائدة الكلامية فيها فإنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لما قيل له: إنما فعلنا ذلك ظننا أن بك يا رسول الله ذات الجنب، فقال لها: إن ذلك لداء ما كان الله ليعذبني به وفي رواية أنا أكرم على الله من أن يعذبني بها، وفي أخرى أنها من الشيطان وما كان الله ليسلطها عليّ، وفي السيرة الحلبية قال بعضهم: وهذا يدل على أنها من سيء الأسقام التي استعاذ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) منها بقوله: اللهم إني أعوذ بك من الجنون والجذام وسيء الأسقام.

أقول: وهذا كله يدل على ما بيناه في المختار المائتين والإثنين والثلاثين من أن الأنبياء منزهون عن كل ما ينفر عنه، فيكون منافيا للغرض من البعثة، وذات الجنب داء يوجب نفرة الناس وتبريهم عمن ابتلي به وذلك لأن ذات الجنب كما قال علي بن أبي الحزم القرشي المتطبب نفيس بن عوض المتطبب في شرحه الورم في الغشاء المستبطن للأضلاع أي أضلاع الصدر الملبس عليها من داخل فإن الصدر مركب من أربعة عشر ضلعاً من كل جانب سبعة وبين كل إثنين منها عضل به يكون إنبساط الصدر وانقباضه ويحيط بهذه الأضلاع والعضلات كما يدور وينحني من داخل غشاء واحد فإذا عرض في هذا الغشاء ورم سماه قوم ذات الجنب الخالص والصحيح وسماه بعض شوصة صحيحة.

أو هو - أي ذات الجنب - الورم في الحجاب الحاز أي الفاصل بين آلات الغذاء وآلات النَّفس المسمى ديافر غما عند الجمهور فمتى عرض هذا الداء أياً منهما كان يوجب للعليل أموراً منها ضيق النفس لضغط الورم مجاري النفس ولأن الحجاب من جملة آلات النفس فإذا ورم عجز


1) شرح نهج البلاغة: 32/13 وأضواء على الصحيحين: 265.

عن الإنبساط التام وكذلك الغشاء المستبطن فإنه أيضاً يعين على التنفس.

ومنها السعال لتأذي الربة بالمجاورة وترشح مادة المرض إليها فإن كانت غليظة كان مع السعال نفث وإن كانت رقيقة هيجت السعال من غير نفث.

وقال الشيخ الرئيس في القانون: وذات الجنب قد يعرض معه أعراض السرسام المنكرة مثل إختلاط الذهن والهذيان وتواتر النفس والخفقان والغشى وغيرها.

ومن كان ذا عقل سليم وروية غير ردية ولم ينفث الشيطان في روعه، يحكم بأن صريح العقل يأبي عن اكتساء الأنبياء بتلك الأمور المنفرة للطباع ولا يسند إختلاط الذهن والهذيان وأشباههما إليهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) على كل حال.

قال أبو جعفر الطبري في تاريخه بإسناده عن الأرقم بن شرحبيل قال: سألتُ ابن عباس أوصى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ؟ قال: لا. قلت: فكيف كان ذلك قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إبعثوا إلى علي (عَلَيهِم السَّلَامُ) فأدعوه فقالت عائشة: لو بعثت إلى أبي بكر وقالت: حفصة: لو بعثت إلى عمر، فاجتمعوا عنده جميعاً. فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): إنصرفوا فإن تك لي حاجة أبعث إليكم فانصرفوا وقيل لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الصلاة فقال: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق فمر عمر فقال: مروا عمر فقال عمر: ما كنت لأتقدم وأبو بكر شاهد فتقدم أبو بكر فوجد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) خفة فخرج فلما سمع أبو بكر حركته تأخر فجذب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثوبه فأقاه مكانه وقعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقرأ من حيث انتهى أبو بكر (1).

أقول: أرادت بقولها: إن أبا بكر رجل رقيق، أنه لا يطيق أن يقوم مقام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لرقةقلبه قال الشارح المعتزلي بعد نقل هذا الخبر:

فإن قلت: لم قلت في صدر كلامك هذا أنه أراد أن يبعث إلى علي ليوصي إليه ولم لا يجوز أن يكون بعث إليه لحاجة؟

قلت: لأن مخرج كلام ابن عباس هذا المخرج ألا ترى أن الأرقم بن شرحبيل الراوي لهذا الخبر قال: سألت ابن عباس هل أوصى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ؟ فقال: لا، فقلت: فكيف كان؟ فقال: إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال في مرضه إبعثوا لي علي فأدعوه فسألته المرأة أن يبعث إلى أبيها وسألته الأخرى أن يبعث إلى أبيها فلولا أن ابن عباس فهم من قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): إبعثوا إلى علي فأدعوه أنه يريد الوصية إليه لما كان لإخبار الأرقم بذلك متصلاً سؤاله عن الوصية معنى، إنتهى.

أقول: لقد أنصف الشارح المعتزلي هناك، ونقلنا هذه الأخبار والأقوال منهم حتى


1) بحار الأنوار 161/28، ومناقب أهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ): 398.

يزداد اللبيب بصيرة من عمل القائل بالهجر وهاتين المرأتين، لا سيما الأولى منهما ولقائل أن يقول فإذا صرح الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وسمى عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالإسم وقال: إبعثوا إلى علي فادعوه، فلم أعرضت المرأتان عن أمره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فبعثنا إلى أبيهما وضجر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من ذلك وغضب حيث قال: إنصرفوا فإن تكن لي حاجة أبعث إليكم فانصرفوا ولو كان راضياً بذلك لم أمرهم بالإنصراف؟ ويقول أيضاً لو كان صلاة أبي بكر عن أمره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ورضاه لما قطع (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) صلاته ولم يقرأها من أولها ولم يبن على ما مضى من فعال أبي بكر ولم يبال بها كما جاء في عدة من أخبار أخر، أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ابتدأ الصلاة التي كان ابتدأها أبو بكر لا أنه قرأ من حيث انتهى أبو بكر.

وأنصف الشارح المعتزلي في ذلك وقال بعد نقل هذا الخبر:

قلت عندي في هذه الواقعة كلام ويعترضني فيها شكوك واشتباه، إذا كان قد أراد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن يبعث إلى علي ليوصي إليه فنفست عائشة، فسألت أن يحضر أبوها، ونفست حفصة عليه فسألت أن يحضر أبوها، ثم حضرا ولم يطلبا فلا شبهة أن إبنتيهما طلبتاهما هذا الظاهر، وقول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقد اجتمعوا كلهم عنده إنصرفوا فإن تكن لي حاجة بعثت إليكم قول عنده ضجر وغضب باطن لحضورهما، تهمة للنساء في استدعائها فكيف يطابق هذا الفعل وهذا القول ما روي من أن عائشة قالت لما عين عليها في الصلاة إن أبى رجل رقيق فمر عمر وأين ذلك الحرص من هذا الإستعفاء والإستقالة وهذا يوهم صحة ما تقوله الشيعة من أن صلاة أبي بكر كانت عن أمر عائشة (1).

ثم أرضى نفسه بقوله فعل الخبر غير صحيح مع أن المتدرب في كتب الأخبار لا يشك في أن طلب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) علياً ودعوته إياه وما فعلت المرأتان لأبيهما وأمر الرسول بإنصرافهم وذهابه إلى المسجد ورده أبي بكر من صلاته مما هو مسلم عند الكل ومتواتر، وليس في ذلك خبر واحد وكتاب منفرد.

في البحار وغيره من كتب الأخبار وكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يفارقه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في مرضه إلا لضرورة، فقام في بعض شؤونه فأفاق رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إفاقة فافتقد علياً فقال: وأزواجه حوله أدعوا لي أخي وصاحبي، وعاوده الضعف فأصمت فقالت عائشة: أدعوا له أبا بكر فدعي ودخل عليه وقعد عند رأسه فلما فتح عينه نظر إليه فأعرض عنه بوجهه، فقام أبو بكر فقال: لو كان له إليّ حاجة لأفضى بها إليّ، فلما خرج أعاد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) القول ثانية وقال أدعو لي أخي وصاحبي. فقالت حفصة: أدعوا له عمر فدعي فلما حضر ورآه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)


1) بحار الأنوار: 161/28.

أعرض عنه، ثم قال: أدعو لي أخي وصاحبي. فقالت أم سلمة رضي الله عنها أدعو له عليا فإنه لا يريد غيره، فدعي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلما دنا منه أوماً إليه فأكب عليه فناجاه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) طويلاً ثم قام فجلس ناحية حتى أغفى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلما أغفى خرج فقال له الناس: ما الذي أوعز إليك يا أبا الحسن؟ فقال: علمني ألف باب من العلم فتح لي كل باب ألف باب وأوصاني بما أنا قائم به إن شاء الله تعالى (1).

في الكافي: في باب الإشارة والنص على علي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحيى الحلبي عن بشير الكناسي عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في مرضه الذي توفي فيه أدعوا لي خليلي فأرسلنا إلى أبويهما فلما نظر إليها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لا أعرض عنهما ثم قال: أدعوا لي خليلي فأرسل إلى علي فلما نظر إليه أكب عليه يحدثه فلما خرج لقياه فقالا له: ما حدثك خليلك فقال: حدثني ألف باب يفتح كل باب ألف باب (2).

بيان: أبويهما يعني أبوي عائشة وحفصة، أبا بكر، وعمر، أكب بمعنى أقبل وفيه عن الحضرمي عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: علم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ألف حرف كل حرف يفتح ألف حرف.

وفيه: عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في آخر حديث طويل: فأوصى إليه بالإسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة، وأوصى إليه بألف كلمة وألف باب يفتح كل كلمة وكل باب ألف كلمة وألف باب (3).

بيان: قال الفيض (قُدِّسَ سِرُّهُ) في الوافي: قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) بألف كلمة وألف باب يفتح كل كلمة وكل باب ألف كلمة وألف باب يعني بقواعد كلية أصولية وقوانين مضبوطة جميلة أمكنه أن يستنبط منها أحكاماً جزئية ومسائل فرعية تفصيلية.

مثال ذلك ما رواه الصفار رحمه الله في بصائر الدرجات، بإسناده عن موسى بن بكر قال: قلت لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرجل يغمى عليه اليوم واليومين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك كم يقضي من صلاته فقال: ألا أخبرك بما ينتظم به هذا وأشباهه فقال: كلما غلب الله عليه من أمر فالله أعذر لعبده وزاد فيه غيره وهذا من الأبواب التي يفتح كل باب منها ألف باب (4).


1) مناقب آل طالب: 204/1، وبحار الأنوار: 470/22.

2) الفصول المهمة في أصول الأئمة: 556/18، ح 829، وتهذيب المقال: 362/4.

3) الفصول المهمة في أصول الأئمة: 556/1، وينابيع المودة لذوي القربي: 232/1.

4) الفصول المهمة في أصول الأئمة: 563/1، وبحار الأنوار: 300/5، ح 3.

وفي الكافي: عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: كان في ذؤابة سيف رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) صحيفة صغيرة فقلت لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): أي شيء كان في تلك الصحيفة قال: هي الأحرف التي يفتح كل حرف ألف حرف قال أبو بصير: قال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخرج منها حرفان حتى الساعة (1).

وفيه عن يونس بن رباط قال دخلت أنا وكامل التمار على أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له کامل: جعلت فداك حديث رواه فلان فقال: أذكره؟ فقال: حدثني أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حدث علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) بألف باب يوم توفي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، لكل باب يفتح ألف باب فذلك ألف ألف باب.

فقال: لقد كان ذلك قلت: جعلت فداك فظهر ذلك لشيعتكم ومواليكم فقال: يا كامل باب أو.بابان فقلت له جعلت فداك فما يروى من فضلكم من ألف ألف باب إلا باب أو بابان؟ قال: فقال: وما عسيتم أن ترووا من فضلنا ما تروون من فضلنا إلا ألفاً غير معطوفة (2).

بيان: قال الفيض (رَحمَةُ اللّه) في الوافي: من فضلك، أي من علمكم ألفاً غير معطوفة يعني إلا حرفاً واحداً ناقصاً أي: أقل من حرف واحد وإنما اختار الألف لأنه أقل الحروف وأبسطها وأخفها مؤونة وعدم عطفها كناية عن نقصانها فإنها تكتب في رسم الخط الكوفي كذا «ا» فإذا كان طرفها غير مائل كان ناقصاً.

وفي السيرة الحلبية: أعتق رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في مرضه هذا أربعين نفساً، وكانت عنده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) سبعة دنانير أو ستة فأمر عائشة أن تتصدق بها بعد أن وضعها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في كفه وقال: ما ظن محمد بربه أن لو لقي الله وهذه عنده فتصدقت بها، وقال: وفي رواية أمرها بإرسالها إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليتصدق بها فبعث إليه فتصدق بها بعد وضعها في كفه.

ثم قال: وقد كان العباس (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) قبل ذلك بيسير رأى أن القمر قد رفع من الأرض إلى السماء فقصها على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال له: هو ابن أخيك، ونعم ما قاله الحافظ:

ستاره ای بدرخشید و ماه مجلس شد *** دل رميده ما را انیس و مونس شد

قال المجلسي (رَحمَةُ اللّه) في البحار وغيره من نقلة الآثار: أنه ما أكد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأمیر المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الفضل وتخصيصه منه بجليل رتبته، ما تلا حجة الوداع من الأمور المجددة لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) والأحدث التي اتفقت بقضاء الله وقدره.

وذلك أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) تحقق من دنو أجله، ما كان قدم الذكر به لأمته، فجعل (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقوم له مقاماً


1) ينابيع المعاجز: 143، وبحار الأنوار: 56/26.

2) الفصول المهمة في أصول الأئمة: 558/1، ح 833 وينابيع المعاجز: 146.

بعد مقام في المسلمين يحذرهم الفتنة بعده والخلاف عليه، ويؤكد وصايتهم بالتمسك بسته والإجماع عليها، والوفاق، ويحثهم على الإقتداء بعترته والطاعة لهم والنصرة والحراسة والإعتصام بهم في الدين، ويزجرهم عن الإختلاف والإرتداد.

وكان فيما ذكره من ذلك ما جاءت به الرواية على إتفاق واجتماع: قوله: «يا أيها الناس إني فرطكم وأنتم واردون على الحوض ألا وإني سائلكم عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يلقياني، وسألت ربي ذلك فأعطانيه ألا وإني قد تركتهما فيكم كتاب الله وعترتي أهل بيتي فلا تسبقوهم فتفرقوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فأنهم أعلم منكم أيها الناس لا ألفينكم بعدي ترجعون كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض فتلقوني في كتيبة كبحر السيل الجرار، ألا وإن علي بن أبي طالب أخي ووصيي يقاتل بعدي على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله.

وقال أبو جعفر الطبري في تاريخه ثم ضرب (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في المحرم من سنة إحدى عشرة على الناس بعثا إلى الشام وأمر عليهم مولاه وابن مولاه أسامة بن زيد بن حارثة وأمره أن يوطىء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين فتهجز الناس وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون، فبينا الناس على ذلك ابتدىء (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) شكواه التي قبضه الله عزّ وجلّ فيها إلى ما أراد به من رحمته كرامته في ليال بقين من صفر أو في أول شهر ربيع الأول.

وقال الطبري بإسناده عن أبي مويهية مولى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: رجع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى المدينة بعد ما قضى حجة التمام فتحلل به السير، وضرب على الناس بعثاً وأمر عليهم أسامة بن زيد وأمره أن يوطىء من آبل الزيت من مشرف الشام الأرض بالأردن، فقال المنافقون في ذلك، ورد عليهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه لخليق لها أي حقيق بالإمارة وإن قلتم فيه لقد قلتم في أبيه من قبل، وإن كان لخليقاً لها، فطار الأخبار بتحلل السير بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد اشتكى، فوثب الأسود باليمن ومسيلمة باليمامة وجاء الخبر عنهما للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ثم وثب طليحة في بلاد أسد بعد ما أفاق النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ثم اشتكى في المحرم وجعه الذي قبضه الله تعالى فيه.

وقال: بإسناده عن ابن عباس قال: كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد ضرب بعث أسامة، فلم يستتب لوجع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) والخلع مسيلمة والأسود «وهو ذو الخمار عبهلة بن كعب» وقد أكثر المنافقون في تأمير أسامة حتى بلغه فخرج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على الناس عاصباً رأسه من الصداع، لذلك من الشأن وانتشاره لرؤيا رآها في بيت عائشة فقال: إني رأيت البارحة فيما يرى النائم أن في عضدي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا فأولتهما هذين الكذابين صاحب اليمامة وصاحب اليمن، وقد بلغني أن أقواماً يقولون في إمارة أسامة، ولعمري لأن قالوا في

أمارته لقد قالوا في أمارة أبيه من قبله وإن كان أبوه لخليقاً للإمارة وأنه لخليق لها، فأنفذوا بعث أسامة وقال: لعن الله الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، فخرج أسامة فضرب بالجرف وأنشأ الناس في العسكر ونجم طليحة وتمهل الناس وثقل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلم يستتم الأمر ينظرون أولهم آخرهم حتى توفى الله عزّ وجلّ نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) (1).

وقال المجلسي في البحار: ثم أنه عقد لأسامة بن زيد بن حارثة الإمرة، وأمره وندبه أن يخرج بجمهور الأمة إلى حيث أصيب أبوه من بلاد الروم، واجتمع رأيه على إخراج جماعة من مقدمي المهاجرين والأنصار في معسكره حتى لا يبقى في المدينة عند وفاته من يختلف في الرياسة ويطمع في التقدم على الناس بالإمارة ويستتب الأمر لمن استخلفه من بعده ولا ينازعه في حقه منازع، فعقد له الإمرة على ما ذكرناه وجد في إخراجهم وأمر أسامة بالبروز عن المدينة المدينة بمعسكره إلى الجرف وحث الناس على الخروج معه والمسير إليه وحذرهم من التلوم والإبطاء عنه.

فبینا هو في ذلك إذ عرضت له الشكاة التي توفي فيها، فلما أحس بالمرض الذي عراه أخذ بيد علي بن أبي طالب وأتبعه جماعة من الناس وتوجه إلى البقيع فقال للذي اتبعه: إنني قد أمرت بالإستغفار لأهل البقيع، فانطلقوا معه حتى وقف بين أظهرهم وقال: السلام عليكم أهل القبور ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما فيه الناس أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، ثم إستغفر لأهل البقيع طويلاً، وأقبل على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: إن جبرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يعرض علي القرآن كل سنة مرة وقد عرضه علي العام مرتين ولا أراه إلا لحضور أجلي ثم قال: يا علي إني خيرت بين خزائن الدنيا والخلود فيها والجنة فاخترت لقاء ربي والجنة، وإذا أنا مت فاغسلني فاستر عورتي فإنه لا يراها أحد إلا أكمه، ثم عاد إلى منزله فمكث ثلاثة أيام موعوكاً

ثم خرج إلى المسجد معصوب الرأس، معتمداً على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيمنى يديه وعلى الفضل بن عباس باليد الأخرى حتى صعد المنبر فجلس عليه ثم قال: يا معشر الناس وقد حان مني خفوق من بين أظهركم من كان له عندي عدة فليأتني أعطه إياها ومن كان له علي دين فليخبرني به، معاشر الناس ليس بين الله وبين أحد شيء يعطيه به خيراً أو يصرف عنه به شراً إلا العمل أيها الناس لا يدعى مدع لا يتمنى متمن والذي بعثني بالحق نبياً لا ينجي إلا عمل مع رحمة، ولو عصيت لهويت، اللهم هل بلغت ثم نزل فصلى بالناس صلاة خفيفة ثم دخل بيته


1) تاريخ الطبري: 431/2.

وكان إذ ذاك في بيت أم سلمة رضي الله عنها، فأقام به يوماً أو يومين فجاءت عائشة إليها تسألها أن تنقله إلى بيتها لتتولى تعليله وسألت أزواج النبي في ذلك فأذن لها فانتقل إلى البيت الذي أسكنه عائشة واستمر به المرض فيه أيام وثقل، فجاء بلال عند صلاة الصبح ورسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مغمور بالمرض فنادى الصلاة يرحمكم الله، فأذن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بندائه فقال: يصلي بالناس بعضهم فإني مشغول بنفسي فقالت عائشة: مروا أبا بكر وقالت حفصة: مروا عمر. فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حين سمع كلامهما ورأى حرص كل واحد منهما على التنويه بأبيهما وافتتانهما بذلك ورسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حيّ: أكففن فأنكن صويحبات يوسف، ثم قام مبادراً خوفاً من تقدم أحد الرجلين وقد كان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أمرهما بالخروج مع أسامة ولم يك عنده أنهما قد تخلفا، فلما سمع من عائشة وحفصة ما سمع علم أنهما متأخران عن أمره فبدر لكف الفتنة وإزالة الشبهة فقام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأنه لا يستقل على الأرض من الضعف، فأخذ بیده علي بن أبي طالب والفضل بن العباس فاعتمد عليهما ورجلاه يخطان الأرض من الضعف فلما خرج إلى المسجد وجد أبا بكر قد سبق إلى المحراب فأومأ إليه بيده إن تأخر عنه، فتأخر أبو بكر و قام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، مقامه فكبر وابتدأ الصلاة التي كان ابتدأها أبو بكر ولم يبن على ما مضى من فعاله فلما سلم إنصرف إلى منزله واستدعى أبا بكر وعمر وجماعة من حضر المسجد من المسلمين ثم قال: ألم آمر أن تنفذوا جيش أسامة؟ فقالوا: بلى يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: فلم تأخرتم عن أمري؟ قال أبو بكر: إني خرجت ثم رجعت لأجدد بك عهداً، وقال: يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إني لم أخرج لأنني لم أحب أسأل عنك الركب فقال النبي نفذوا جيش أسامة نفذوا جيش أسامة يكررها ثلاث مرات إلى آخره (1).

قال الشارح المعتزلي: بعد ما خطب الناس دخل بيت أم سلمة، ثم انتقل إلى بيت عائشة يعلله النساء والرجال أما النساء فأزواجه وبنته وأما الرجال فعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والعباس، والحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) وكانا غلامين يومئذٍ وكان الفضل بن العباس يدخل أحياناً إليهم، ثم حدث الإختلاف بين المسلمين أيام مرضه فأول ذلك التنازع الواقع يوم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إيتوني بدواة وقرطاس وتلا ذلك حديث التخلف عن جيش أسامة.

أقول: لا خلاف بين المسلمين أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولى أسامة على جماعة منهم أبو بكر،، وعمر وعثمان وخالفوا الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في تنفيذ جيش أسامة، وكان قصد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعدهم عن المدينة لثلا يدعوا الإمامة بعد موته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ولذلك لم يجعل أمير المؤمنين علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جيش أسامة وهم تخلفوا تخلفوا عن أمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على أن إمارة أسامة عليهم تدل على أنه أفضل منهم،


1) بحار الأنوار: 468/22، والإرشاد: 1/ 184.

ولم يرو ولم يقل أحد أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أمر أحداً على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فعلي أفضل من غيرهم فمن كان أسامة أفضل عليه لا يليق بالإمارة مع أن فيهم من يكون أفضل من أسامة وغيره مع أنهم عصوا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وتخلفوا عن أمره، وقبح تقديم المفضول على الأفضل معلوم وإمامة، المفضول قبيحة عقلاً ولا يرتاب فيه إلا الطغام قال عز من قائل: (أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَن لَّا يَهدِى إِلَّا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ [يونس: 35].

وبذلك تعلم أن قول الشارح المعتزلي في خطبة شرحه - وقدم المفضول على الأفضل لمصلحة إقتضاها التكليف - إختلاق محض وافتراء صرف، ولا يعلم أية مصلحة اقتضت ذلك أو لا يكون هذا الفعل نفسه قبيحاً وظلماً وزوراً؟ تعالى الله عن ذلك.

قال أبو جعفر الطبري في تاريخه بإسناده عن عبد الله بن كعب بن ملك: أن ابن عباس أخبره أن علي بن أبي طالب خرج من عند رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في وجعه الذي توفى فيه، فقال الناس يا أبا حسن كيف أصبح رسول الله قال: أصبح بحمد الله بارئاً فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال: ألا ترى أنك بعد ثلث عبد العصا وإني أرى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) سيتوفى في وجعه هذا وإني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت فاذهب إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فسله فيمن يكون هذا الأمر فإن كان فينا علمنا ذلك وإن كان في غيرنا أمر به فأوصى بنا، قال علي(عَلَيهِ السَّلَامُ): والله لئن سألناها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فمنعناها لا يعطيناها الناس أبداً الله لا أسألها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أبداً (1).

أقول: لما انجر كلامنا إلى هذا صادفنا عبد الله الأكبر يوم غدير خُم يوم الأحد الثامن عشر من ذي الحجة من السنة 1382 من الهجرة النبوية، على هاجرها السلام، فتذكرنا أن واقعة غدير خم حيث أمر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من عند الله تبارك وتعالى أن ينصب عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) للناس ويخبرهم بولايته فنزلت آية: يناتها الرَّسُولُ بَلَغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ [المائدة: 67] في ذلك فأعلم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كل أبيض وأسود بقوله من كنت مولاه فهذا علي مولاه على التفصيل الذي جاء في أخبار الفريقين، ومسلم عند المسلمين وأشعار حسان في ذلك المسطورة في ديوانه وكتب الأخبار ونقلة الآثار مما لا ينكره أحد ولا يأبى عنه إلا الخصم الألد جاء حسان بن ثابت إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال: يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أتأذن لي أن أقول في هذا المقام ما يرضاه الله ؟ فقال له: قل يا حسان على إسم فوقف على نشر من الأرض وتطاول المسلمون السماع كلامه فأنشأ يقول:

يناديهـم يوم الغدير نبيهم *** بخم واسمع بالنبی منادیا


1) الغدير: 343/5، وتاريخ الطبري: 437/2.

وقال فمن مولاكم ووليكم *** فقالوا: ولم يبدوا هناك التعاديا

إلهك مولانا وأنت و ولینا *** ولن تجدن منا لك اليوم عاصيا

فقال له: قم يا علي فإنني *** رضيتك من بعدي إماماً وهادياً

فخص بها دون البرية كلها *** علياً وسماه الوزير المواخيا

فمن کنت مولاه فهذا وليه *** فكونا له أتباع صدق مواليا

هناك دعى اللهم وال وليه *** وكن للذي عادي علياً معاديا

فقال له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): لا تزال يا حسان مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك وإنما اشترط رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الدعاء له لعلمه بعاقبة أمره في الخلاف، ولو علم سلامته في مستقبل الأحوال لدعا له على الإطلاق كما في الإرشاد للمفيد (رَحمَةُ اللّه) (1).

وتلك الواقعة كانت في السنة التي توفي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيها أعني في حجة الوداع ولم يمض من تلك الواقعة إلى رحلة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلا شهران وبضعة أيام فكيف ذهل عباس بن عبد المطلب عن ذلك حتى سأل علياً عن أن يسأل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن ذلك مع أن حديث المنزلة وغيرهما في حق علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) متواتر عند الفريقين، ولذلك إن في قلبي في صحة هذا الخبر شيئاً على أني أرى على تقدير الصحة حرف قوله «فمنعناها» عن أصله وكان الأصل «فمنحناها» بقرينة لا يعطيناها فليتأمل.

وفي السيرة الحلبية: جاء رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) جبرائيل صحبة ملك الموت. وقال له يا أحمد إن الله قد إشتاق إليك قال: فإقبض يا ملك الموت كما أمرت فتوفى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) (2).

وفي لفظ أتاه جبرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: يا محمد إن الله أرسلني إليك تكريماً لك وتشريفاً يسألك عما هو أعلم به منك يقول لك: كيف تجدك؟ قال: أجدني يا جبرائيل مغموماً وأجدني يا جبرائيل مكروباً ثم جاءه اليوم الثاني والثالث فقال له: ذلك فرد عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بمثل ذلك وجاء معه في اليوم الثالث ملك الموت. فقال له جبرائيل: هذا ملك الموت يستأذن عليك ما أستأذن على أحد قبلك ولا يستأذن على آدمي بعدك أتأذن له فدخل فسلم عليه ثم قال: يا محمد إن الله أرسلني إليك فإن أمرتني أن أقبض روحك قبضت وإن أمرتني أن أترك تركت. قال: أو تفعل قال: نعم. وبذلك أمرت فنظر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال: يا محمد إن الله يقرؤك السلام ويقول لك: إن شئت شفيتك وكفيتك وإن شئت توفيتك وغفرت لك قال


1) الإرشاد: 177/18، وبحار الأنوار: 388/21.

2) يتفاوت في كنز العمال: 251/7، ح 18785، وروضة الواعظين: 72.

ذلك إلى ربي يصنع بي ما يشاء(1).

وفي رواية: الخلد في الدنيا ثم في الجنة أحب إليك أم لقاء ربك ثم الجنة فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): لقاء ربي ثم الجنة.

وفي الوافي (م 14 ص:46) عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: لما حضرت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الوفاة نزل جبرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) هل لك في الرجوع إلى الدنيا فقال: لا قد بلغت رسالات ربي فأعادها عليه فقال: لا، بل الرفيق الأعلى. ثم قال النبي: والمسلمون حوله مجتمعون أيها الناس أنه لا نبي بعدي ولا سنّة بعد سنتي فمن ادعى ذلك فدعواه ومدعيه في النار فاقتلوه ومن اتبعه فإنه في النار أيها الناس أحيوا القصاص وأحيوا الحق لصاحب الحق ولا تفرقوا أسلموا وسلموا تسلموا كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَن أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِیٌّ عَزِیزٌ(21)

في البحار: ثم ثقل (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وحضره الموت وأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حاضر عنده فلما قرب خروج نفسه قال له ضع يا علي رأسي في حجرك فقد جاء أمر الله تعالى، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وامسح بها وجهك ثم وجهني إلى القبلة وتول أمري وصل عليّ أول الناس ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي واستعن بالله تعالى فأخذ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) رأسه فوضعه في حجره فأغمي عليه فأكبت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) تنظر في وجهه وتند به وتبكي وتقول:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل

ففتح رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عينه وقال بصوت ضئيل: يا بنية هذا قول عمك أبي طالب لا تقوليه ولكن قولي: «وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم» فبكت طويلاً وأوما إليها بالدنو منه فدنت منه فأسر إلينا شيئاً تهلل وجهها، له ثم قبض (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ويد أمير المؤمنين اليمنى تحت حنکه، ففاضت نفسه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيها فرفعها إلى وجهه فمسحه بها ثم وجهه وغمضه ومد عليه إزاره واشتغل بالنظر في أمره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) (2).

وجاءت الرواية أنه قيل لفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ): ما الذي أسره إليك رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فسرى عليك به ما كنت عليه من الحزن والقلق بوفاته؟ قالت إنه أخبرني أنني أول أهل بيته لحوقاً به وأنه لن يطول المدة بی بعده حتى أدركه فسرى ذلك عني (3).


1) سبل الهدى والرشاد: 264/12.

2) الإرشاد: /187/1، وإعلام الورى بأعلام الهدى: 268/1.

3) بحار الأنوار: 470/22، والأنوار البهية: 40.

وفي البحار أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) دعا الحسن، والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) فقبلهما وشممهما وجعل يترشفهما وعيناه تهملان.

وجاءت الرواية المنقولة عن الفريقين أنه كان عنده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قدح فيه ماء وفي لفظ بدل قدح علباء وفي آخر ركوة فيها ماء فلما اشتد عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الأمر صار يدخل يده الشريفة في القدح ثم يمسح وجهه الشريف بالماء ويقول: اللهم أعني على سكرات الموت وكذا في تاريخ الطبري، وبشارة المصطفى لشيعة المرتضى وفي غيرها من كتب الأخبار.

لما توفي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قالت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) واأبتاه أجاب داع دعاه يا أبتاه الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبرائيل ننعاه وفي السيرة الحلبية قال ابن كثير: هذا لا يعد نياحة بل هو من ذكر فضائل الحق عليه عليه أفضل الصلاة والسلام قال وإنما قلنا ذلك لأن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) نهى عن النياحة إنتهى، أقول: ومضى الكلام منا آنفاً في ذلك (1).

فى البحار ناقلاً عن المناقب لابن شهر آشوب والطبرسي في المجمع في ضمن قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ [البقرة: 281] عن ابن عباس والسدي لما نزل قوله: إِنَّكَ ميتُ وَإِنَّهُم مَّتُونَ [الزمر: 30] قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لا ليتني أعلم متى يكون ذلك فنزل سورة النصر فكان يسكت بين التكبير والقراءة بعد نزل هذه السورة فيقول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه فقيل له أنك لم تكن تقوله قبل هذا فقال: أما نفسي نعيت إليّ ثم بكى بكاء شديداً، فقيل: يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أو تبكي من الموت وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك ما تأخر؟ قال: فأين هو المطلع وأين ضيقة القبر وظلمة اللحد وأين القيامة والأهوال، فعاش بعد نزول هذه السورة عاماً. إنتهى (2).

آخر آية نزلت على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)

أقول: آخر آية نزلت من السماء على خاتم النبيين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بلا خلاف عند قاطبة المسلمين قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(28) (3)، ولا خلاف أيضاً في أن جبرائيل قال له ضعها في رأس الثمانين والمائتين من البقرة كما في المجمع، والبيضاوي الكشاف وغيرها عن ابن عباس، والسدي.


1) السيرة النبوية لابن كثير: 543/4.

2) مناقب آل أبي طالب: 2011، وبحار الأنوار: 471/22، ح 20.

3) المجموع للنووي: 308/5، والبداية والنهاية: 294/5.

وإنما الخلاف في أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كم عاش من الأيام بعد نزولها، والأكثر على أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عاش بعدها أحداً وعشرين يوماً وقال ابن جريح تسع ليال وقال سعيد بن جبير ومقاتل: سبع ليال، وفي الكشاف والبيضاوي وقيل أحداً وثمانين يوماً، وفي الكشاف وقيل ثلاث ساعات.

أقول: قول جبرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ضع هذه الآية في رأس الثمانين والمائتين من البقرة يدل على أن تركيب السور وترتيب الآيات القرآنية كما هو الآن بين أيدينا كان بأمر الله تعالى وبأمر رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وما نقص منه شيء ولا زيد فيه شيء، ومن تفحص في كتب الأخبار للمسلمين يجد أن السور كانت عند ارتحال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مرتبة منظمة بإذن الله تعالى وبأمر رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) موسومة بأساميها، ولنا في ذلك من الأخبار والآيات وأقوال أهل الخبرة شواهد وبراهين لعلنا نبحث في ذلك مفصلاً إن شاء الله تعالى فى محله.

ثم نقول إن هذا القول أعني آخر آية نزلت على الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) تلك الآية المذكورة لا ينافي ما في العدة الفهدية وغيرها أول ما نزل وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق: 1] وآخره إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ [النصر: 1] لأن كلامنا في آخر آية نزلت وهذا القول من ابن الفهد وغيره في آخر سورة نزلت.

قال المسعودي في مروج الذهب: وقد قيل: أنه أنزل عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالمدينة من القرآن إثنان وثلاثون سورة.

أقول: وسيأتي إن شاء الله تعالى بحثنا في ذلك على التفصيل والتحقيق.

الأقوال في مدة شكواه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)

كانت مدة شكواه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثلاث عشرة ليلة وقيل أربع عشرة ليلة وقيل إثنتي عشرة ليلة وقيل عشراً وقيل ثمانية.

الأخبار في مبلغ سنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوم وفاته

الأكثر من الفريقين ذهبوا إلى أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان حين قبض ابن ثلاث كان حين قبض ابن ثلاث وستين سنة وهو الحق في ذلك، قال أبو جعفر الطبري في تاريخه بإسناده عن ابن عباس قال: أقام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه وبالمدينة عشراً ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة.

وفيه عنه أيضاً: بعث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) والأربعين سنة وأقام بمكة ثلاث عشرة يوحى إليه وبالمدينة عشراً ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكذا نقل عدة أخبار أخر فى أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان

يومئذ ابن ثلاث وستين سنة (1).

وفي البحار للمجلسي (قُدِّسَ سِرُّهُ) عن أبي جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهو ابن ثلاث ثلاث وستين سنة في سنة عشر من الهجرة فكان مقامه بمكة أربعين سنة، ثم نزل عليه الوحي في تمام الأربعين وكان بمكة ثلاث عشرة سنة ثم هاجر إلى المدينة وهو أبن ثلاث وخمسين سنة، فأقام بالمدينة عشر سنين الحديث (2)، وكذا غيره من الأخبار المروية من أصحابنا رضوان الله عليهم وكبار علماء العامة.

ونقل الطبري عن بعض أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان حينئذ ابن خمس وستين سنة، وعن بعض آخر هو ابن ستين، ولكن الصواب ما ذهب إليه الأكثر ولا يعبأ بهذه الأقوال الشاذة النادرة.

ذكر الأقوال عن اليوم والشهر الذين توفي فيهما (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)

قال أبو جعفر الطبري في حديث عن ابن عباس أنه قال: ولد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوم الإثنين، واستنبىء يوم الإثنين، ورفع الحجر يوم الإثنين، وخرج مهاجراً من مكة إلى المدينة يوم الإثنين، وقدم المدينة يوم الإثنين الإثنين، وقبض يوم قبض يوم الإثنين (3).

وفي المصباح للكفعمي قال الشيخ المفيد (رَحمَةُ اللّه) في مزاره اتق السفر يوم الإثنين فإنه يوم الذي قبض فيه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وانقطع الوحي فيه وابتز أهل بيته الأمر، وقتل فيه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو يوم نحس وكذا المنقول عن أبي جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) من كشف الغمة كما في البحار أنه قبض (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)في شهر ربيع الأول يوم الإثنين لليلتين خلتا منه (4).

وقال شيخ الطائفة (قُدِّسَ سِرُّهُ) في التهذيب: قبض (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالمدينة مسموماً يوم الإثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر من الهجرة وولد بمكة يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الأول في عام الفيل (5).

أقول: وإنما قال (رَحمَةُ اللّه): قبض (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مسموماً لأنه روى في البحار نقلاً عن بصائر الدرجات عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سمت اليهودية النبي في ذراع قال: وكان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يحب الذراع والكتف ويكره الورك لقربها من المبال قال لما أتى بالشواء أكل من الذراع


1) تاريخ الطبري: 4531182.

2) بحار الأنوار: 503/22.

3) تاريخ الطبري: 114/2، والبداية والنهاية: 319/2.

4) تاريخ الأئمة: 4، وبحار الأنوار: 503/22، ح 1.

5) نقد الرجال 318/5، وإعلام الورى بأعلام الهدى: 42/1.

وكان يحبها فأكل ما شاء الله وما زال ينتفض به سمه حتى مات. الخبر.

وقال ثقة الإسلام الكليني رضوان الله عليه: أنه قبض (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لإثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول يوم الإثنين وهو ابن ثلاث وستين سنة.

وقال المسعودي في مروج الذهب: قبضه الله يوم الإثنين لإثنتي عشرة ليلة مضت من الأول سنة عشر في الساعة التي دخل فيها المدينة «يعني مهاجراً من مكة إلى المدينة زاد ربيع الله لهما شرفاً» في منزل عائشة وكان علته إثني عشرة يوماً.

وفي تفسير الثعلبي: يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول حين زاغت الشمس.

وقال أبو جعفر الطبري: أما اليوم الذي مات فيه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار فيه أنه كان يوم الإثنين من شهر ربيع الأول غير أنه إختلف في أي الإثنين كان موته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ففقهاء أهل الحجاز قالوا قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و نصف النهار يوم الإثنين لليلتين مضتا من شهر ربيع الأول.

وقال الواقدي: توفي يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ودفن من الغد نصف النهار حين زاغت الشمس وذلك يوم الثلاثاء.

وقال أبو جعفر الطبري في تاريخه: ثم ضرب (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهو في المحرم من سنة - 11- على الناس بعثاً إلى الشام وأمر عليهم مولاه وابن مولاه أسامة بن زيد بن حارثة وأمره أن يوطىء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فتجهز الناس وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون فبينا الناس على ذلك إبتدى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) شكواه التي قبضه الله عزّ وجلّ فيها إلى ما أراد به من رحمته وكرامته في ليال بقين من صفر أو في أول شهر ربيع الأول (1).

وفيه في الخبر الآخر عن أبي مويهبة مولى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) - إلى أن قال-: ثم اشتكى في المحرم وجعه الذي قبضه الله تعالى فيه.

وفيه بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أشتكى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وجعه الذي توفاه الله به في عقب المحرم.

وقال الواقدي: بدأ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وجعه لليلتين بقيتاً من صفر.

وقال الطبرسي في المجمع في قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهُ [البقرة: 281] ثم مات (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول حين بزغت الشمس قال وروى


1) تاريخ الطبري: 429/2.

أصحابنا لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة، ولسنة واحدة من ملك أردشير بن شيرويه بن أبرويز بن هرمز بن أنوشيرون (1)

وقال المفيد (رَحمَةُ اللّه) في الإرشاد وكان ذلك في يوم الإثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر من هجرته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهو ابن ثلاث وستين سنة وقال الخوارزمي توفي أول شهر ربيع الأول (2).

وفي السيرة الحلبية: قال السهيلي: لا يصح أن يكون وفاته يوم الإثنين إلا في ثالث عشرة أو رابع عشرة لإجماع المسلمين على أن وقفة عرفة كانت يوم الجمعة وهو تاسع ذي الحجة، وكان المحرم أما بالجمعة وإما بالسبت فإن كان السبت فيكون أول صفر إما الأحد أو الإثنين فعلى هذا لا يكون الثاني عشر من شهر ربيع الأول بوجه (3).

هذه طائفة من الأقوال في يوم وفاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وشهره، وجملة القول فيهما: أنه مما لا ينبغي أن يشك أن وفاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان يوم الإثنين وهذا إتفاقي والمخالف فيه مكابر نفسه، والمشهور عند الجمهور أنه كان في شهر ربيع الأول لإثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وعند أصحابنا الإمامية لليلتين بقيتا من صفر إلا الكليني، والمسعودي فأنها وافقا العامة في ذلك.

قال العلّامة المجلسي في البحار: لعل قول سنة عشر مبني على اعتبار سنة الهجرة من أول ربيع الأول حيث وقعت الهجرة فيه والذين قالوا سنة إحدى عشرة بنوه على المحرم وهو أشهر (4).

أقول: وبذلك يرتفع الإختلاف كما هو واضح ويأتي في المباحث الآتية التحقيق في مبدأ تاريخ الهجرة.

وخلاصة القول فيه: أن ما بنى عليه المسلمون هو من أول المحرم وقول الآخر أعني أول ربيع الأول شاذ لم يعمل به وإن ذهب إليه شرذمة من الناس ومنهم محمد بن إسحاق المطلبي كما في السيرة النبوية لابن هشام التي أصلها لابن إسحاق وانتخبها ابن هشام قال: قدم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) المدينة يوم الإثنين حين اشتد الضحى وكادت الشمس تعتدل لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول وهو التاريخ.


1) تفسیر مجمع البيان: 0214/2.

2) بحار الأنوار: 519/22، والإرشاد: 189/1.

3) سبل الهدى والرشاد 306/12.

4) بحار الأنوار: 530/22، ح 35، وقصص الأنبياء: 357، ح 2.

ولكن هذا القول غير مقبول عند الجمهور والمبدأ المعمول به عند المسلمين هو المحرم.

قال أبو جعفر الطبري في تاريخه قام رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: أرخوا فقال عمر: ما أرخوا ؟ قال: شيء تفعله الأعاجم يكتبون في شهر كذا من سنة كذا فقال عمر: حسن فأرخوا فقال من أي السنين نبدأ قالوا: من مبعثه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏). وقالوا: من وفاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثم أجمعوا على الهجرة ثم قالوا فأي الشهور نبدأ؟ فقالوا رمضان ثم قالوا: المحرم فهو منصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام فأجمعوا على المحرم (1).

ثم أقول: ولا غرابة أن يقال أنه اشتبه الأمر على القائل بوفاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في شهر ربيع الأول وكذا على راوي هذا الخبر لأن ولادته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان في ذلك الشهر فأخذ الوفاة مكان الولادة.

«الكلام في أن عمر أنكر موت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و لم يكن عارفاً بالقرآن»

قال أبو جعفر الطبري في تاريخه عن أبي هريرة لما توفي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان أبو بكر بالسنح وعمر حاضراً فقام عمر بن الخطاب فقال: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) توفي وأن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع بعد أن قيل قدمات والله ليرجعن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مات.

قال: وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلم الناس فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في بيت عائشة ورسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مسجى في ناحية البيت عليه برد حبرة فأقبل حتى كشف عن وجهه ثم أقبل عليه فقبله ثم قال بأبي أنت وأمي أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها ثم لن يصيبك بعدها موتة أبداً ثم رد الثوب على وجهه ثم خرج وعمر يكلم الناس فقال: على رسلك يا عمر فأنصت فأبى إلا أن يتكلم فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس أنه كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حی لايموت ثم تلا هذه الآية: وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اللهُ الشَاكِرِينَ [آل عمران: 144].

قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حتى تلاها


1) تاريخ الطبري: 111/2، والبداية والنهاية: 252/3.

أبو بكر يومئذ قال: وأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي أفواههم. قال أبو هريرة قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها فعقرتُ حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد مات (1).

وكذا روي أبو جعفر الطبري عن أبي أيوب عن إبراهيم خبراً آخر قريباً من الأول.

وكذا في آخر عن عبد الرحمن الحميري قال: توفي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأبو بكر في المدينة فجاء فكشف الثوب عن وجهه فقبله وقال: فداك أبي وأمي ما أطيبك حياً وميتاً مات محمد ورب الكعبة قال: ثم انطلق إلى المنبر فوجد عمر بن الخطاب قائماً يُوعدُ الناس ويقول: أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حي لم يمت وأنه خارج إلى من أرجف به وقاطع أيديهم وضارب أعناقهم وصالبهم قال: فتكلم أبو بكر وقال: إن الله قال النبيه: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّیتُونَ(30 ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيِّمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31)) [الزمر: 30 - 31] وقال: وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ الآية حتى ختم الآية فمن كان يعبد الله لا شريك له فإن الله حي لا يموت الخبر.

قال الشهرستاني في المقدمة الرابعة من الملل والنحل الخلاف الثالث في موته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال عمر: من قال أن محمداً قد مات قتلته بسيفي هذا وإنما رفع إلى السماء كما رفع عيسى بن مريم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال أبو بكر: من وقال أبو بكر من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد إله محمد فإنه حي لا يموت وقرأ هذه الآية: وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ إلخ.

أقول: والأخبار في ذلك المضمون أعني إنكار عمر موته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في كتبهم المعتبرة عندهم بلغت إلى مبلغ التواتر معنى ولا سبيل إلى إنكاره وإن كانت عباراتهم مختلفة، ولنا في هذا المقام كلام وهو:

إن من لم يكن عارفاً للآيات القرآنية ومتدبراً له وحافظاً للكتاب العزيز كما اعترف به نفسه كيف يليق للإمامة على الأمة والخلافة عن الله ورسوله؟ وهل هذا إلا تهافت واختلاق؟ جل جناب الرب عن أن ينال عهده الجاهلين.

الكلام في أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الذي ولى غسل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهو الأصل في ذلك

وقال أبو جعفر الطبري عن عبد الله بن عباس: أن علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب والفضل بن عباس وقثم بن العباس وأسامة بن زيد وشقران مولى


1) سبل الهدى والرشاد: 301/12، وعبد الله سبأ: 105/1.

رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) هم الذين ولوا غسله وأن أوس بن خولى أحد بني عوف بن الخزرج قال لعلي بن أبي طالب أنشدك الله يا علي وحظنا من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وكان أوس من أصحاب بدر وقال أدخل فدخل فحضر غسل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فأسنده علي بن بي طالب إلى صدره وكان العباس والفضل وقتم هم الذين يقلبونه معه وكان أسامة بن زيد وشقران مولیاه هما اللذان يصبان الماء، وعلي،يغسله قد أسنده إلى صدره وعليه قميصه يدلك من ورائه لا يفضي بيده إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعلي يقول: بأبي أنت وأمي ما أطيبك حياً وميتاً ولم ير من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) شيء مما يرى من الميت (1).

وقال الشارح المعتزلي وروي محمد بن حبيب في أماليه قال: تولى غسل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والعباس(رَضِیَ اللهُ عَنهُ) وكان على (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «بعد ذلك ما شممت أطيب من ريحه ولا رأيت أضواً من وجهه حينئذ لم أره يعتاد فاه ما يعتاد أفواه الموتى» (2).

أقول: وقد مضى الخبر الآخر من أبي جعفر الطبري عن عبد الله بن مسعود حيث سأل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من يغسله فقال(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): أهلي الأدنى فالأدنى الخبر.

فحيث ضم ذلك الخبر إلى هذا الذي نقله الطبري عن عبد الله بن عباس، ومحمد بن حبیب فیأماليه وغيرهما ينتج أن علي بن أبي طالب كان أقرب الناس منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

ثم أنه يعلم من خطاب أوس علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنشدك الله يا علي وحظنا من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان هو الذي تولى غسله وهو الأصل في ذلك، والعباس والفضل، وقثم، وأسامة وشقران كانوا أعوانه في ذلك كما يدل عليه أيضاً قوله: وكان العباس والفضل وقتم هم الذين يقلبونه معه وكان أسامة وشقران مولياه هما اللذان يصبان الماء وقوله وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يغسله صريح في ذلك.

في الكافي الكليني (قُدِّسَ سِرُّهُ) عن عبد الله بن مسعود قال قلت للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): يا رسول الله من يغسلك إذا مت؟ فقال: يغسل كل نبي وصيه قلت فمن وصيك يا رسول الله؟ قال: علي بن أبي طالب فقلت كم يعيش بعدك يا رسول الله؟ قال ثلاثين سنة، فإن يوشع بن نون وصي موسى عاش من بعده ثلاثين سنة وخرجت عليه صفراء بنت شعيب زوج موسى فقالت: أنا أحق بالأمر منك فقاتلها فقتل مقاتليها وأسرها فأحسن أسرها، وأن إبنة أبي بكر ستخرج على علي في كذا وكذا ألفاً من أمتي فيقتل مقاتليها ويأسرها فيحسن أسرها وفيها أنزل


1) تاريخ الطبري: 451/2.

2) شرح نهج البلاغة: 42/13.

الله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّحْنَ تَبَرُّعَ الْجَهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب: 33] يعني صفراء بنت شعیب (1).)في التهذيب بإسناده عن يعلى بن مرة عن أبيه عن جده قال: قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ فستر بثوب ورسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) خلف الثوب وعلي(عَلَيهِ السَّلَامُ) عند طرف ثوبه وقد وضع خده على راحتيه يضرب طرف الثوب على وجه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: والناس على الباب وفي المسجد ينتحبون ويبكون وإذا سمعنا صوتاً في البيت أن نبيكم طاهر مطهر فادفنوه ولا تغسلوه قال فرأيت علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين رفع رأسه فزعاً فقال: إخسأ عدو الله فإنه أمرني بغسله وكفنه وذاك سنّة قال: ثم نادى منادٍ آخر غير تلك النغمة يا علي بن أبي طالب إستر عورة نبيك ولا تنزع القميص (2).)وروايات أخر قريبة منها أتى بها في كتب العامة أيضاً.قال في البحار: في الإحن، والمحن بإسناده عن إسماعيل بن عبد الله عن أبيه عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: أوصاني رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إذا أن مت فاغسلني بسبع قرب من بئري بئر غرس (3).)وفي السيرة الحلبية: وعند ابن ماجه أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏قال لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا أنا مت فاغسلني بسبع قرب من بئري بئر غرس.)في الكافي والتهذيب عن فضيل سكرة قال: قلت لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ: جعلت فداك هل للماء الذي يغسل به الميت حد محدود؟ قال: أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ): إذا أن مت فاستق ست قرب من ماء بئر غرس «غرس بئر بالمدينة» فغسلني كفني وحنطني فإذا فرغت من غسلي وكفني فخذ بجوامع كفني وأجلسني ثم سلني عما شئت فوالله لا تسألني عن شيء إلا أجبتك فيه (4).)وفي البحار: أبان بن بطة قال يزيد بن بلال: قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ: أوصى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ألا يغسله أحد غيري فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه قال: فما تناولت عضواً إلا كأنما كان يقله معى ثلاثون رجلاً حتى فرغت من غسله وكذا في خبر قريب منه في السيرة المحلبية (5).)


1) بحار الأنوار: 368/13، وكمال الدين وتمام النعمة: 27.

2) مناقب آل أبي طالب 88/2، وبحار الأنوار: 542/22.

3) بحار الأنوار: 524/22، وكنز العمال: 249/7، ح 18781.

4) مناقب آل أبي طالب (316/1، وبحار الأنوار: 152/4.

5) المسترشد 337 ح، مناقب آل أبي طالب: 205/1.

أقول: والمراد من هذا الخبر أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ لو رأى عورته لا تطمس عينه كان على فرض الوقوع لا أن يجوز له ذلك.)وفيه أيضاً وروى أنه لما أراد على (عَلَيهِ السَّلَامُ غسله إستدعى الفضل بن عباس ليعينه كان مشدود العينين وقد أمره علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك إشفاقاً عليه من العمى.)وفيه نقلاً عن تفسير العياشي عن تفسير العياشي عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: لما قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) سمعوا صوتاً من جانب البيت ولم يروا شخصاً يقول: «كل نفس ذائقة الموت» إلى قوله: «فقد فاز» ثم قال في الله خلف وعزاء من كل مصيبة ودرك لما فات فبالله فثقوا وإياه فأرجوا إنما المحروم من حرم الثواب واستروا عورة نبيكم فلما وضعه على السرير نودي يا علي لا تخلع القميص:قال فغسله علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قميصه (1).)وروى أبو جعفر الطبري في تاريخه بإسناده عن عائشة قالت: لما أرادوا أن يغسلوا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ إختلفوا فيه فقالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من ثيابه كما نجرد موتانا أو نغسله وعليه ثيابه فلما اختلفوا ألقى عليهم السنة حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره ثم كلمهم متكلم من ناحية البيت لا يدري من هو أن أغسلوا النبي وعليه ثيابه قالت فقاموا إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): فغسلوه وعليه قميصه يصبون عليه الماء فوق القميص ويدلكونه والقميص دون أيديهم، وكذا مر منه آنفاً نقلاً عن عبد الله بن عباس أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) يغسله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعليه قميصه يدلك من ورائه لا يفضي بيده إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الخبر (2).)وقال المفيد (رَحمَةُ اللّه تكلله في الإرشاد لما أراد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) غسل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إستدعى الفضل بن العباس فأمره أن يناوله الماء لغسله بعد أن عصب عينيه، ثم شق قميصه من قبل جيبه حتى بلغ إلى سرته وتولى غسله وتحنيطه وتكفينه والفضل يعاطيه الماء ويعينه عليه (3).)وفي التهذيب لشيخ الطائفة الإمامية (قُدِّسَ سِرُّهُ عن يعلى بن مرة عن أبيه عن جده قال: قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فستر بثوب ورسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) خلف الثوب وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند طرف ثوبه قد وضع خديه على راحته قال والريح يضرب طرف الثوب على وجه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: والناس على الباب وفي المسجد ينتحبون ويبكون وإذا سمعنا صوتاً في البيت أن نبيكم طاهر مطهر فادفنوه ولا تغسلوه قال فرأيت عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين رفع رأسه فزعاً فقال: إخسأ عدو الله فإنه)


1) الأمالي: 660. 1365، وبحار الأنوار: 526/22، ح 31.

2) تاريخ الطبري: 451/2، وسيرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): 1076/4.

3) الإرشاد: 187/1، وبحار الأنوار: 518/22، ح 27.

أمرني بغسله وكفنه ودفنه وذاك سنة قال: ثم نادى مناد آخر غير تلك النغمة يا علي بن أبي طالب إستر عورة نبيك ولا تنزع القميص (1.)أقول: ما يستفاد من جملة تلك الأخبار أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ تولى غسله بيده بلا كلام فيه وأنه غسله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في قميصه ولا تنافي لها مع ما في الإرشاد، وأما المروية عن عائشة من إختلافهم وأخذهم السنّة ويدلك من ورائه لا يفضي بيده فلا يخلو عن إختلاق وإفتعال والبصير الناقد في الأحاديث المروية عنها في ذلك الباب من الطبري وغيره يرى ما لا يخفى عليه وكانت تقولها لبعض شأنها ولا جرم أنهم جردوه عاقبة الأمر وكفنوه.)فالحق فيها ما أنصف الشارح المعتزلي في المقام حيث بعد نقل شرذمة من تلك الأحاديث المروية عنها ونقله فكانت عائشة تقول لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه كما رواها الطبري وغيره أيضاً قال:قلت حضرت عند محمد بن معد العلوي في داره ببغداد وعنده حسن بن معالي الحلي المعروف بابن الباقلاوي وهما يقرآن هذا الخبر يعني خبر عائشة عن إختلافهم وأخذهم السنّة وقولها لو استقبلت من أمري إلخ وهذه الأحاديث من تاريخ الطبري فقال محمد بن معد لحسن بن معالي: ما تراها قصدت بهذا القول قال: حسدت أباك على ما كان يفتخر به من غسل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ فضحك محمد وقال: هبها إستطاعت أن تزاحمه في الغسل هل تستطيع أن تزاحمه في غيره من خصائصه إنتهى.)ثم قال أبو جعفر الطبري: قال ابن إسحاق وحدثني الزهري عن علي بن الحسين قال: فلما فرغ من غسل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ كفن في ثلاثة أثواب ثوبين صُحاريين وبُرد حبرة أدرج فيها إدراجاً (2).)وكذا في الكافي للكليني (قُدِّسَ سِرُّهُ عن زيد الشحام قال سئل أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بم كفن ؟ قال: في ثلاثة أثواب ثوبين صحاريين وبرد حبرة.)وفي السيرة الحلبية ذكر أقوالاً أخر تنتهي إلى سبعة.«بيان» قال ابن أثير في النهاية: في الحديث كفن رسول الله في ثوبين صحاريين صحار قرية باليمن نسب الثوب إليها وقيل هو من الصحرة وهي حمرة خفية كالغبرة يقال: ثوب أصحر وصحارى.)


1) مناقب آل أبي طلب: 88/2، وبحار الأنوار: 542/22.

2) بحار الأنوار: 138/22، ح 40، والمنتقى من السنن المسندة: 137.

في البحار: نقلاً عن مجالس الصدوق بإسناده إلى عبد الله بن عباس (رَضِیَ اللهُ عَنهُ قال: لما توفي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) تولى غسله علي بن أبي طالب والعباس معه فلما فرغ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من غسله كشف الإزار عن وجهه ثم قال: «بأبي أنت وأمي طبت حياً وطبت ميتاً إنقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد ممن سواك من النبوة والأنباء خصصت حتى صرت مسلياً عمن سواك وعممت حتى صار الناس فيك سواء ولولا أنك أمرت بالصبر ونهيت عن الجزع لأنفدنا عليك الشؤون ولكن ما لا يدفع كمد وغصص مخالفان وهما داء الأجل وقلالك بأبي أنت وأمي أذكرنا عند ربك واجعلنا من همك» ثم أكب عليه فقبل وجهه ومد الإزار عليه (1).)ونقل هذه الخطبة الشارح المعتزلي على صورة أخرى قال:قال محمد بن حبيب: فلما كشف الإزار عن وجهه بعد غسله إنحنى عليه فقبله مراراً وبكى طويلاً. وقال: «بأبي أنت وأمي طبت حياً وطبت ميتاً إنقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد سواك من النبوة والأنبياء (والأنباء - وأخبار السماء خصصت حتى صرت مسلياً عمن سواك وعممت حتى صارت المصيبة فيك سواء ولولا أنك أمرت بالصبر ونهيت عن الجزع لأنفدنا عليك ماء الشؤون ولكن أتى ما لا يدفع أشكو إليك كمداً وإدباراً مخالفين وداء الفتنة فإنها قد استعرت نارها وداءها الداء الأعظم بأبي أنت وأمي أذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك وهمك» (2).)ثم نظر إلى قذاة في عينه فلفظها بلسانه ثم رد الإزار على وجهه.أقول: لا يخفى أن هذه الرواية تخالف ما في النهج في بعض ألفاظه ولا بعد أن يقال متى دار الأمر بين ما في النهج وبين ما في النهج وبين ما في غيره يكون ما في النهج أضبط وأصح.### الكلام في من صلى عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)ولما فرغ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ من غسله وتجهيزه تقدم فصلى عليه وحده ولم يشركه معه في الصلاة عليه، وكان المسلمون في المسجد يخوضون فيمن يؤمهم في الصلاة عليه وأين يدفن فخرج إليهم أمير المؤمنين وقال لهم: أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أمامنا حياً وميتاً فيدخل عليه فوج بعد فوج منكم فيصلون عليه بغير إمام وينصرفون وأن الله تعالى لم يقبض نبياً في مكان إلا وقد ارتضاه لرمسه فيه وإني لدافنه في حجرته التي قبض فيها فسلم القوم لذلك ورضوا به كما في الإرشاد للمفيد وفي غيره.)


1) بحار الأنوار: 527/22، ح 33، ونهج السعادة: 35/1.

2) نهج السعادة: 34/1، والأمالي /103.

وروى ثقة الإسلام الكليني في الكافي بإسناده عن الحلبي عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: أتى العباس أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: يا علي إن الناس قد اجتمعوا أن يدفنوا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في بقيع المصلى وأن يؤمهم رجل منهم، فخرج أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الناس فقال: يا أيها الناس أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أمامنا حياً وميتاً وقال: إني أدفن في البقعة التي أقبض فيها ثم قام على الباب فصلى عليه ثم أمر الناس عشرة عشرة يصلون عليه ثم يخرجون (1).)وفي الكافي أيضاً بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: لما قبض النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) صلت عليه الملائكة والمهاجرون والأنصار فوجاً فوجاً وقال: قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول في صحته وسلامته إنما أنزلت هذه الآية عليّ في الصلاة بعد قبض الله لي﴿وَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَيْكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيُّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلَّمُوا تَسْلِيمًا) (2). في رواية الأمالي أن أول من يصلي عليه هو الله سبحانه ثم الملائكة ثم المسلمون.

قال الطبري: ودخل الناس على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يصلون عليه أرسالاً حتى إذا فرغ الرجال أدخل النساء حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان ثم أدخل العبيد ولم يؤم الناس على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أحد.

وفي البحار: ولما أراد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) غسله، إستدعى الفضل بن العباس فأمره أن يناوله الماء بعد أن عص- عصب عينيه فشق قميصه من قبل جيبه حتى بلغ به إلى سرته، وتولى غسله وتحنيطه وتكفينه والفضل يناوله الماء فلما فرغ من غسله وتجهيزه تقدم فصلى عليه.

في البحار: سئل الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) كيف كانت الصلاة على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال: لما غسله أمير المؤمنين وكفنه سجاه وأدخل عليه عشرة فداروا حوله ثم وقف أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وسطهم فقال: «إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً» فيقول القوم مثل ما يقول حتى صلى عليه أهل المدينة وأهل العوالي (3)

إن قلت: نقل في البحار رواية عن سليم بن قيس نقلاً عن سلمان الفارسي (رَحمَةُ اللّه) أنه قال أتيت علياً وهو يغسل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقد كان أوصى أن لا يغسله غير علي: «إلى أن قال»: فلما غسله وكفنه أدخلني وأدخل أبا ذر، والمقداد، فاطمة، وحسناً، وحسيناً (عَلَيهِم السَّلَامُ)


1) بحار الأنوار: 517/22، وبحار الأنوار: 302/78.

2) التفسير الصافي: 202/4، وبحار الأنوار: 540/22، ح 48.

3) کتاب سليم بن قيس / 144، وبحار الأنوار: 525/22.

فتقدم وصففنا خلفه وصلى عليه وعائشة في الحجرة لا تعلم قد أخذ جبرائيل ببصرها ثم أدخل عشرة عشرة من المهاجرين والأنصار فيصلون ويخرجون حتى لم يبق أحد من المهاجين والأنصار إلا صلى عليه الخبر فكيف يوافق هذا الخبر ما ذكر من قبل أن علياً صلى عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وحده ولم يشركه معه أحد في الصلاة؟

قلت: يمكن الجمع بينها أنه لم يشركه أحد في أن يؤم الناس فلم يؤم الناس على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أحد إلا علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أن في سليم بن قيس كلاماً.

وبالجملة لا يخفى على المتدرب البصير في الأخبار المروية عن الفريقين أن الصلاة الحقيقية هي التي صلاها علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أولاً وإن صلى عليه بعده غيره من الرجال والنساء فوجا بعد فوج.

الكلام في دفنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)

واختلف الأقوال في موضع دفنه فذهب قوم إلى أن يدفنوه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بمكة لأنها مسقط رأسه وقال الآخرون في المدينة فمنهم من رأى أن يدفن في البقيع عند شهداء أحد ومنهم من قال أن يدفنوه في صحن المسجد، وقال أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن الله لم يقبض نبياً إلا في أطهر البقاع فينبغي أن يدفن في البقعة التي قبض فيها فأخذوا بقوله.

قال الطبري نقلاً عن عبد الله بن عباس: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرحُ كحفر أهل مكة وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذي يحفر الأهل المدينة وكان يلحد فدعا العباس رجلين فقال لأحدهما: إذهب إلى أبي عبيدة وللآخر إذهب إلى أبي طلحة اللهم خر لرسولك.

وقال الطبري: قال ابن إسحاق: وكان الذي نزل قبر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) علي بن أبي طالب والفضل بن العباس، وقثم بن العباس، وشقران مولى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقد قال أوس بن خولى أنشدك الله يا علي وحظنا من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال له: إنزل فنزل مع القوم وقد كان شقران مولی رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حين وضع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في حفرته وبنى عليه قد أخذ قطيفة كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لا يلبسها ويفترشها فقذفها في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك أبداً قال: فدفنت مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) (1).

في التهذيب لشيخ الطائفة الإمامية في رواية عن أبي جعفر «إلى أن قال»: ثم دخل علي القبر فوضعه على يديه وأدخل معه الفضل بن العباس فقال رجل من الأنصار


1) تاريخ الطبري: 452/2 سيرة النبي: 1078/4.

من بني الخيلاء يقال له أوس بن الخولي: أنشدكم الله أن تقطعوا حقنا فقال له علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أدخل فدخل معهم الخبر (1).

وفيه عن جعفر عن أبيه (عَلَيهِم السَّلَامُ) إن قبر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) رفع شبراً من الأرض.

وفي الكافي للكليني رضوان الله عليه عن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)يقول: جعل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على قبر النبي لبناً.

وفيه عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): يا علي إدفني في هذا المكان وارفع قبري من الأرض أربع أصابع ورش عليه من الماء (2).

أقول: جاءت الروايات من الفريقين في تعيين رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مدفنه كما في الرواية المروية عن أبي جعفر الطبري المذكورة آنفاً، ومن كتب الإمامية أيضاً ومع ذلك إختلافهم في مدفنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) غريب جداً.

وفيه أيضاً عن يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: ألقى شقران مولى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في قبره القطيفة.

وفي الإرشاد للمفيد (رَحمَةُ اللّه) بعد ما قال صلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحده على النبي ولم يشركه معه أحد ثم صلى المسلمون قال:

ولما صلى المسلمون عليه أنفذ العباس بن عبد المطلب برجل إلى أبي عبيدة بن الجراح وكان يحفر لأهل مكة، ويضرح وكان ذلك عادة أهل مكة وأنفذ إلى زيد بن سهل وكان يحفر لأهل المدينة ويلحد فاستدعاهما وقال: اللهم خر لنبيك فوجد أبو طلحة زيد بن سهل وقيل له: أحفر لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فحفر له لحداً، ودخل أمير المؤمنين والعباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس وأسامة بن زيد ليتولوا دفن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فنادت الأنصار من وراء البيت: يا علي إنا نذكرك الله وحقنا اليوم من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن يذهب أدخل منا رجلاً يكون لنا به حظ من مواراة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فقال ليدخل أوس بن خولى وكان بدرياً فاضلاً من بني عوف من الخزرج فلما دخل قال له علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنزل القبر فنزل ووضع أمير المؤمنين رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على يديه وولاه في حفرته فلما حصل في الأرض قال له أخرج، فخرج ونزل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) القبر فكشف عن وجه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ووضع خده على الأرض موجهاً إلى القبلة على يمينه ثم وضع عليه اللبن وأهال عليه التراب وكان ذلك في


1) منتقى الجمعان: 209/1، وبحار الأنوار: 54122، ح 51.

2) بحار الأنوار: 539/22، ح 46، الأنوار البهية: 49.

یوم الإثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر من هجرته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهو ابن ثلاث وستين سنة ولم يحضر دفن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) هو أكثر الناس لما جرى بين المهاجرين والأنصار من التشاجر في أمر الخلافة، وفات أكثرهم الصلاة عليه لذلك، وأصبحت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) تنادي: واسوء صباحاه فسمعها أبو بكر فقال لها: إن صباحك لصباح سوء واغتنم القوم الفرصة لشغل علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وانقطاع بني هاشم عنهم بمصابهم برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فتبادروا إلى ولاية الأمر، واتفق لأبي بكر ما اتفق لإختلاف الأنصار فيما بينهم وكراهية الطلقاء والمؤلفة قلوبهم من تأخر الأمر حتى يفرغ بنو هاشم فيستقر الأمر مقره. فبايعوا أبا بكر لحضوره المكان وكانت أسباب معروفة تيسر للقوم منها (1).

ثم قال المفيد (رَحمَةُ اللّه): وقد جاءت الرواية أنه لما تم لأبي بكر ما تم وبايعه من بايع، جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو يسوي قبر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بمسحاة في يده فقال له: إن القوم قد بايعوا أبا بكر وقعت الخذلة للأنصار لاختلافهم وبدر الطلقاء بالعقد للرجل، خوفاً من إدراككم الأمر فوضع طرف المسحاة على الأرض ويده عليها ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم ﴿1 أَ حَسِبَ النَّاسُ أَن يُترَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ 2 وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ 3أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ 4﴾ [العنكبوت: 1 - 4].

ولقد مضى الكلام منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة المائتين عند دفن سيدة نساء العالمين مخاطباً لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعند قبره: ولقد وسدتك في ملحودة قبرك وفاضت بين نحري وصدري نفسك.

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة السادسة والتسعين والمائة: ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إني لم أرد على الله ولا على رسوله ساعة قط ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال تتأخر الأقدام نجدة أكرمني الله بها ولقد قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأن رأسه على صدري ولقد سالت نفسه في كفي فأمررته على وجهي، ولقد وليت غسله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) والملائكة أعواني فضحت الدار والأفنية ملأ يهبط وملأ يعرج، وما فارقت سمعي هينمة منهم يصلون عليه حتى واريناه في ضريحه فمن ذا أحق به مني حياً وميتاً.

قال الشارح المعتزلي بعد نقل شرذمة من تلك الأخبار عن أبي جعفر الطبري: من تأمل هذه الأخبار علم أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) لو كان الأصل والجملة والتفصيل في أمر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وجهازه، ألا ترى أن أوس بن خولى لا يخاطب أحداً من الجماعة غيره في حضور الغسل أو


1) بحار الأنوار: 519/22، وبيت الأحزان: 61.

النزول في القبر. ثم أنظر إلى كرم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسجاحة أخلاقه وطهارة شيمته، كيف لم يضن بمثل هذه المقامات الشريفة عن أوس هو رجل غريب من الأنصار فعرف له حقه واطلبه بما طلبه فكم بين هذه السجية الشريفة وبين قول من قال: «يعني بها عائشة كما مضى الخبر في ذلك» لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلا نساؤه، ولو كان في ذلك المقام غيره من أولى الطباع الخشنة وأرباب الفظاظة والغلظة، وقد سأل أوس لزجر وانتهر ورجع خائباً إنتهى(1).

الكلام في تجهيزه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في أنه أي يوم كان والحق في ذلك

مضى الكلام في يوم وفاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه عند أنه عند الأكثر الأشهر بل مما اتفقوا عليه كان يوم الإثنين.

ثم قال أبو جعفر الطبري في تاريخه: فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وبويع بو بكر يوم الإثنين في اليوم الذي الإثنين في اليوم الذي قبض فيه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وقال بعضهم: كان ذلك من فعلهم يوم الثلاثاء وذلك الغد من وفاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

أقول: وذلك البعض هو الواقدي حيث قال: ودفن (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من الغد نصف النهار حين زاغت الشمس وذلك يوم الثلاثاء.

قال بعضهم: إنما دفن بعد وفاته بثلاثة أيام ثم دفن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من وسط الليل ليلة الأربعاء، وروى في دفنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ليلة الأربعاء عدة روايات من عائشة وغيرها، وقال بعضهم دفن يوم الأربعاء.

وروى الطبري عن زياد بن كليب عن إبراهيم النخعي: أنه لما قبض النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان أبو بكر غائباً فجاء بعد ثلاث إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولم يجترىء أحد أن يكشف عن وجهه وقد أربد بطنه فكشف عن وجهه وقبل عينيه وقال: بأبي أنت وأمي طبت حياً وطبت ميتاً ثم خرج إلى الناس. فقال: من يعبد محمداً فإن محمداً قد مات الحديث (2).

وكذا أقوال الإمامية وأخباره مختلفة في ذلك ففي بعضها أن الناس دخلوا عليه عشرة عشرة فصلوا عليه يوم الإثنين وليلة الثلاثاء وفي آخر أنهم صلوا عليه يوم الإثنين وليلة الثلاثاء حتى الصباح ويوم الثلاثاء.


1) شرح نهج البلاغة: 41/13.

2) كنز العمال: 639/5، ح 14127، تاريخ الطبري: 443/2.

والصواب أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ودفن في اليوم الذي قبض، وهو رأى المحققين من علمائنا الإمامية كما صرح به عماد الدين الطبري في كامل البهائي، وتولى تجهيزه في ذلك اليوم أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ما مضى الكلام فيه مفصلاً والقوم قد اشتغلوا عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بأمر البيعة.

وإذا انضم قول أبي جعفر الطبري وبويع أبو بكر يوم الإثنين في اليوم الذي قبض فيه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى قول المفيد في الإرشاد وقد جاءت الرواية أنه لما تم لأبي بكر ما تمَّ وبايعه من بايع جاء رجل إلى أمير المؤمنين وهو يسوي قبر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بمسحاة في يده الحديث (1)، ينتج أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) دفن في اليوم الذي قبض.

على أنه نهى أن يترك الميت وأمر بتعجيل الدفن إلا لضرورة اقتضت خلافه، حتى يحصل العلم الذي تطمئن به النفس ولا أقل أن يكون الأمر بالتعجيل للإستحباب إن لم نقل بوجوبه والنهي للكراهة لا للحرمة، ففي الوافي للفيض نقلاً عن الكافي والتهذيب والفقيه عن جابر عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): يا معشر الناس لا ألفين رجلاً مات له ميت ليلاً فانتظر به الصبح لا رجلاً مات له ميت نهاراً فانتظر به الليل لا تنتظروا بموتكم طلوع الشمس ولا غروبها عجلوا بهم إلى مضاجعهم رحمكم الله. قال الناس وأنت يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يرحمك الله.

وفيه نقلاً عن الأولين عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): إذا مات الميت أول النهار فلا يقيل إلا في قبره (2).

وفيه نقلاً عن الثالث قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): كرامة الميت تعجيله (3).

ولم يكن موته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مشتبهاً حتى يتربص في تجهيزه ثلاثة أيام لحصول العلم به ولا يقبل العقل السليم أن يبقى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ميتاً يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء وأمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حاضر لا يقوم بتجهيزه ويتركه حتى أربد بطنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، والعجب من تلك الرواية المنقولة عن الطبري أنه لا يجترى أحد أن يكشف عن وجهه هل يقبله عاقل ويتسلم لبيب: أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يجترىء في ذلك، وأنصف الشارح المعتزلي في المقام وقال:

وكيف يبقى طريحاً بين أهله ثلاثة أيام لا يجترىء أحد منهم أن كشف عن وجهه وفيهم علي بن أبي طالب وهو روحه بين جنبيه والعباس عمه القائم مقام أبيه وابنا فاطمة وهما القائم مقام كولديه وفيهم فاطمة بضعة منه أفما كان في هؤلاء من يكشف عن وجهه ولا من يفكر في


1) الإرشاد: 189/1، وبحار الأنوار 519/22.

2) الكافي: 3/ 138، 2، ووسائل الشيعة: 473/2 ح5.

3) وسائل الشيعة: 474/2 ح2683، ومن لا يحضره الفقيه: 140/1 385.

جهازه. ولا من يأنف له من إنتفاخ بطنه واخضرارها وينتظر بذلك حضور أبي بكر ليكشف عن وجهه أنا لا أصدق ذلك ولا يسكن قلبي إليه (1).

ثم قال ذلك الشارح: وبقي الإشكال في قعود علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن تجهيزه وإذا كان أولئك

: مشتغلين بالبيعة فما الذي شغله هو، فأقول يغلب على ظني إن صح ذلك أن يكون قد فعله شناعة على أبي بكر وأصحابه حيث فاته الأمر واستوثر عليه به فأراد أن يتركه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بحاله لا يحدث في جهازه أمراً ليثبت عند الناس أن الدنيا شغلتهم عن نبيهم ثلاثة أيام حتى آل أمره إلى ما ترون وقد كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتطلب الحيلة في تهجين أمر أبي بكر حيث وقع في السقيفة ما وقع بكل طريق ويتعلق بأدنى سبب من أمور كان يعتمدها وأقوال كان يقولها، فلعل هذا من جملة ذلك، أو لعله إن صح ذلك فإنما تركه ذلك فإنما تركه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بوصيته منه إليه إليه وسر كانا يعلمانه كانا يعلمانه في ذلك.

فإن قلت: فلم لا يجوز أن يقال إن صح ذلك أنه أخر جهازه ليجتمع رأيه ورأى المهاجرين على كيفية غسله وكفته ونحو ذلك من أموره؟

قلت: لأن الرواية الأولى يبطل هذا الإحتمال وهي قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لهم قبل موته: يغسلني أهلي الأدنى منهم فالأدنى واكفن في ثيابي أو في بياض مصر أو في حلة يمنية إنتهى.

أقول: كيف اجترى هذا الرجل أن يتفوه بذلك وكان له شيطان يعتريه: وإلا فكيف نطق بأن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) تركه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثلاثة أيام لذلك الغرض الذي بمراحل عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو شارح أقواله وعارف بأحواله في الجملة ولا يخالف أحد في أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أزهد الناس وأعلمهم وأفضلهم وأتقاهم، وأنه طلّق الدنيا ثلاثاً ولا يعد مكارم أعماله ومحاسن أخلاقه وفضائل أوصافه ومناقب آدابه كلت ألسن الفصحاء عن توصيف مقامه الشاهق، وحارت أفهام العقلاء فيه وكيف لا وهو كتاب الله الناطق، وبالجملة لما كانت سخافة قول الرجل وخرافته أظهر من الشمس في رائعة النهار، فلا يهمنا إطالة الكلام في الرد والإنكار، ونستجير بالله من الهواجس النفسانية والوساوس الشيطانية.

قال ابن قتيبة الدينوري - وهو من أكابر علماء العامة المتعصب جداً في مذهبه كما هو الظاهر لأهل التتبع والتفحص في حال الرجال - في كتابه الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء «المتوفى سنة 276» في إباية علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيعة أبي بكر:

ثم إن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أُتي به إلى أبي بكر وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، فقيل له: بايع أبا بكر، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أن أحق بهذا الأمر منكم لا أُبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي: 37/13.

هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليه بالقرابة من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وتأخذونه منا أهل البيت غصباً ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) منكم فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الإمارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار. نحن أولى الله برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حياً وميتاً فأنصفونا إن كنتم تؤمنون، وإلا فبوؤوا بالظلم وأنتم تعلمون «إلى أن قال»:

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الله الله يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت ونحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارىء لكتاب الله الفقيه في دين الله العالم بسنن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) المضطلع بأمر الرعية المدافع عنهم الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعداً.

فقال بشير بن سعد الأنصاري: لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر، ما اختلف عليك إثنان (1).

قال: وخرج (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحمل فاطمة بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على دابة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به، فيقول علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): أفكنت أدع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في بيته لم أدفنه، وأخرج أنازع الناس سلطانه ؟ فقالت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ): ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ولقد صنعوا ما لله حسيبهم و وطالبهم (2).

وفي الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مرثية سيد المرسلين:

نفسي على زفراتها محبوسة *** یالیتها خرجت مع الزف م الزفرات

لا خير بعدك في الحياة وإنما *** أبكي مخافة أن تطول حياتي

وأسند إلى فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) في مرثية أبيها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏):

إذا اشتد شوقي زرت قبرك باكياً *** أنوح وأشكو لا أراك مجاوبي

فيا ساكن الصحراء علمتني البكا *** وذكرك أنساني جميع المصائب

فإن كنت عني في التراب مغيبا *** فما كنت عن قلب الحزين بغائب


1) السقيفة وفدك: 63، وكتاب الأربعين: 154.

2) الإمامة والسياسة: 29/1.

وقالت (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رثاه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وندبته بقولها يوم موته وبعده بألفاظ منها: «يا أبتاه جنة الخلد، مثواه يا أبتاه عند ذي العرش مأواه يا أبتاه كان جبريل يغشاه يا أبتاه لست بعد اليوم أراه » (1).

في الكافي للكليني (رَحمَةُ اللّه) عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: لما قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) جاءهم جبرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) والنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مسجى وفي البيت علي وفاطمة والحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) فقال: السلام عليكم يا أهل بيت الرحمة كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور * إن في الله تعالى عزاء من كل مصيبة وخلفاً من كل هالك ودركاً مما فات فبالله فتقوا وإياه فأرجوا فإن المصاب من حرم الثواب هذا آخر وطيء من الدنيا قالوا سمعنا الصوت ولم نر الشخص (2).


1) بحار الأنوار: 413/43، وشرح النهج للمعتزلي: 43/13.

2) تفسیر نور الثقلين: 418/1، ح 467، وتفسير كنز الدقائق: 308/2.

الترجمة

از کلام آن بزرگوار است، در حالی که مباشر غسل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و تكفين و تدفین او بود، فرموده است:

پدر و مادرم فدای تو باد، هر آینه به موت تو، نبوّت و خبر دادن به حقایق و وحی آسمانی قطع شد که به موت دیگر پیغمبران قطع نشده بود (زیرا آن حضرت خاتم انبیاء است تا قیام قیامت شریعت او منسوخ نمیشود و دیگر برکسی کتاب آسمانی وحی نمی شود)، مصیبت تو مصیبت مخصوص و ممتازی است که دیگر مصیبتها را تسلّی دهنده است و عام است که همه آدمیان را فراگرفت و هیچ کس از آن فارغ نیست و اگر امر به شکیبایی و نهی از بی تابی نمی فرمودی هر آینه آب چشم را (که از درزهای کاسه سر فرود میآید و از مجرای عین خارج می شود) در مصیبت تو تمام میکردیم و هر آینه درد و غم پیوسته همدم بود (و در برطرف شدن، مماطله و امروز و فردا می کرد) و اندوه و الم هم قسم و ملازم بود و این درد پیوسته و اندوه همیشه برای تو اندك است (یا آن گونه گریستن و همدم اندوه و ماتم بودن برای تو اندک است) و برای بیش از این سزاوار و در خوری.

ولکن مرگ تو چیزی است که رد آن مقدور کسی نیست و دفع آن در استطاعت احدی نه، (و یا این که: آن مقدار که گریستیم و با غم و اندوه همدم بودیم دفع آن میسور نبود، به بیانی که در شرح گفته ایم).

ومن كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) اقتص فيه ذكر ما كان منه بعد هجرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثم لحاقه به:

اشارة:

فَجَعَلْتُ أَتْبَعُ مَأخَذ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَأَطَأَ ذِكْرَهُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْعَرْج «في كلام طويله» (1).

«قال الرضى (رَحمَةُ اللّه)»: «قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فأطأ ذكره) من الكلام الذي رمى به إلى غايتي الإيجاز والفصاحة، وأراد أنني كنت أعطي خبره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من بدء خروجي إلى أن انتهيت إلى هذا الموضع فكنى عن ذلك بهذه الكناية العجيبة.

اللغة

(جعلت) أي أخذت وشرعت (مأخذ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أي الصوب الذي سلكه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في هجرته من مكة إلى المدينة.

(أطأ) من وطئت الشيء برجلي وطأ، سقطت الواو فيه وفي أخواته، قال الجوهري في الصحاح سقطت الواو من يطأ كما سقطت مع يسع لتعديهما لأن فعل يفعل مما اعتل فاؤه لا يكون إلا لازماً فلما جاءه من بين أخواتهما متعديين خولف بهما نظائرهما.

وفي بعض النسخ «قاطاً» مكان «فأطأ» وكأنه تصحيف لأن القط كما قال الخليل: فصل الشيء عرضا يقل: قططت الشيء أقطه إذا قطعته عرضاً ومنه قط القلم، كما قيل في علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يقط الهام قط الأقلام، لكنه لا يناسب المقام وإن تكلف وتعسف بعض في تفسيره.

(العرج) بفتح أوله وسكون ثانيه وهو كما قال الجوهري في الصحاح وغيره منزل بطريق مكة وإليه ينسب العرجى الشاعر وهو عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان وهو أحد الأمكنة التي وقع في طريقه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في هجرته، وهو قريب من المدينة كما يأتي ذكر طريقه في هجرته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولذا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): حتى انتهيت إلى العرج وفي النسخ المطبوعة من النهج أعرب العرج بفتح الراء والصواب سكونها كما ذكرنا قال زراح بن ربيعة في قصيدة له:

وجاوزن بالركن من ورقان *** وجوزن بالعرج حياً حلولا

الإعراب

الظاهر أن كلمة ( حتى) متعلقة بكل واحد من اتبع وأطأ ولا تختص بالأخیر.


1) بحار الأنوار: 89/19،42، وشرح نهج البلاغة: 303/13.

المعنى

يقنص ويروى في هذا الفصل حاله في خرجه من مكة إلى المدينة بعد هجرة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وكان قد تخلف عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بمكة لقضاء دينه ورد ودائعه وما أمرهبه، ثم لحق به في قباء راجلاً وقد تورمت قدماه وقد نزل على كلثوم بن هدم حيث نزل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عليه ثم جاء معه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) المدينة ونزلوا على أبي أيوب الأنصاري كما يأتي شرحه.

(فجعلت أتبع مأخذ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يعني به خرجت من مكة زادها الله شرفاً مهاجراً إلى المدينة فأخذت أتبع الطريقة والجهة التي سلكها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ويأتي في طريقه أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أتى العرج وقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): حتى انتهيت إلى العرج فسلك تلك الجهة وخرج على ذلك الطريق وايتسي به في ذلك أيضاً.

(فاطأ ذكره) أغنانا بشرحه كلام الرضى (رَحمَةُ اللّه) في بيانه ولا حاجة إلى التطويل.

(حتى انتهيت إلى العرج) أي إنني كنت أعطي خبره من بدء خروجي من مكة ثم أ أطأ الطريق على النحو الذي أخبرت في سيره وجهته يعني أني لازمت ذلك الطريق الذي سلكه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)على حذوه غير مفارق إياه حتى انتهيت على ذلك المسير إلى العرج، والظاهر أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما وصل إليه اطمأن قلبه على أنه ورد المدينة سالماً لأن ذلك المكان كان قريباً منه ولذا:قال حتى انتهيت إلى العرج.

الكلام في هجرة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى المدينة وما جرى في ذلك على الإيجاز «بدء إسلام الأنصار»

في السيرة الهشامية وفي تاريخ الطبري: لما أراد الله عزّ وجلّ إظهار دينه وإعزاز نبيه وإنجاز موعده له، خرج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً.

لما لقيهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج ؛ قال أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم ؛ قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن.

وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم وكانوا هم أهل الشرك وأصحاب أوثان وكانوا قد غزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم إن نبينا مبعوث الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.

فلما كلم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض يا قوم تعلموا والله أنه للنبي الذي وعدكم به يهود فلا تسبقنكم إليه فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم فعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فتدعوهم إلى أمرك وتعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك.

ثم انصرفوا عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا وهم ستة نفر من الخزرج.

فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) (1).

«أمر العقبة الأولى»

حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار إثني عشر رجلاً فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب.

قال عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ليلة العقبة الأولى على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا تزني ولا نقتل أولادنا ولا تأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وإن سُترتُم عليه يوم القيامة فأمركم إلى الله عزّ وجلّ إن شاء عذب وإن شاء غفر.

فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف وأمره أن يقرأهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين فكان يسمى المقرىء بالمدينة مصعب.

«أمر العقبة الثانية»

ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة قواعدوا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) العقبة من أوسط أيام التشريق حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته والنصر لنبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وإعزاز الإسلام وأهله وإذلال الشرك وأهله.


1) سيرة النبي: 311/2، وأسد الغابة: 157/2.

واجتمع في الشعب عند العقبة ثلاثة وسبعون رجلاً في الليلة التي كانوا واعدوا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيها فبعد ما توثق العباس بن عبد المطلب وهو يومئذٍ على دين قومه للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعنك مما تمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابراً عن كابر.

فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ فتبسم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثم قال: بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم.

فبايعهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في العقبة الأخيرة على حرب الأحمر والأسود أخذ لنفسه واشترط على القوم لربه وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة (1).

«بیان» قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): بعثت إلى الأسود، والأحمر وهي من الألفاظ التي جاءت عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من باب الكنايات يريد بعثت إلى العرب والعجم فكنى عن العرب بالسود وعن العجم بالحمر، والعرب تسمى العجمى أحمر لأن الشقرة تغلب عليه وقال جرير حيث يذكر العجم:

يسموننا الأعراب العرب إسمنا *** وأسماهم فینا رقاب المزاود

إنما يسمونهم رقاب المزاود لأنها حمرة.

نزول الأمر لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في القتال

وكان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم من بلادهم فهم بين مفتون في دينه ومن بين معذب في أيديهم وبين هارب في البلاد فراراً منهم منهم من بأرض الحبشة، ومنهم من بالمدينة وفي كل وجه.

فلما عتت قريش على الله عزّ وجلّ وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة وكذبوا نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعذبوا ونفوا من عبده وحده وصدق نبيه واعتصم بدينه أذن الله عزّ وجلّ لرسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فی القتال والإنتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم، فكانت أول آية أنزلت في إذنه له في الحرب


1) بحار الأنوار: 23/19، والبداية والنهاية: 183/3.

وإحلاله له الدماء والقتال لمن بغى عليهم قول الله تعالى: أذِنَ لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ [الحج: 39] إلى قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: 41].

فلما أذن الله تعالى له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الحرب وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن اتبعه وآوى إليهم من المسلمين، أمر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها واللحوق من الأنصار، وقال: إن الله عزّ وجلّ قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون بها، فخرجوا إرسالاً وأقام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة.

ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين إلا من حُبس أو فتن إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبو بكر بن أبي قحافة وكان أبو بكر كثيراً ما يستأذن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الهجرة فيقول له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً فيطمع أبو بكر أن يكونه.

ولما رأت قريش أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا داراً وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعرفوا أنهم قد أجمع لحربهم فاجتمعوا له في دار الندوة - وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمراً إلا فيها - يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حين خافوه (1).

وعن عبد الله بن عباس: لما أجمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) غدوا في اليوم الذي اتعدوا له وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل عليه بتلة فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفاً على بأبها قالوا من الشيخ ؟ قال شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعد مكم منه رأياً ونُصحاً، قالوا: أجل فادخل، فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش وغيرهم ممن لا يعد من قريش.

فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأياً قال: فتشاوروا.

ثم قال قائل منه: أحبسوه في الحديد وأغلقوا عليه باباً ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهيراً والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم، فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي والله لئن حبستموه كما تقولون


1) تاريخ الطبري: 98/2، وسيرة النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 331/2.

ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فلأ وشكوا أن يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره فتشاوروا.

قال قائل منهم - وهو أبو الأسود ربيعة بن عامر: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من ثم بلادنا فإذا أخرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وأخلفتنا كما كانت فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم فيأخذكم أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد دبروا فيه رأياً غير هذا.

قال: فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأياً ما أراكم وقعتم عليه بعد، قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شاباً جليداً نسيباً وسيطاً فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفاً صارماً ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحدٍ فيقتلوه فنستريح فأنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعاً فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم، قال: فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل هذا الرأي الذي لا رأي غيره فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له (1).

«خروج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) واستخلافه عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) على فراشه»

فأتى جبرائيل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه قال: فلما كانت عتمة من الليل إجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مكانهم قال لعلي بن أبي طالب نم على فراشي وتسج ببردى هذا الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم، وكان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ينام الحضرمي في بُرده ذلك إذا نام.

ولما اجتمعوا له وفيهم أبو جهل بن هشام أبو جهل بن هشام فقال وهم على بابه: إن محمد محمداً يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح ثم بعثتم من بعد موتكم ثم جعلت لكم نار

تحرقون فيها.

وخرج عليهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: أنا أقول ذلك أنت


1) شرح الأخبار 259/1، وتاريخ الطبري: 99/2.

أحدهم وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات من يس: يسَ وَالْفُرْمَانِ الْحَكِيمِ إلى قوله: فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لا يبصرونَ [يس: 1- 9] حتى فرغ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من هؤلاء الآيات ولم يبق منهم رجل إلا 1 وقد وضع على رأسه تراباً ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب فأتاهم آتٍ ممن لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون ها هنا ؟ قالوا: محمداً قال: خيبكم الله قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وقد وضع على رأسه تراباً وانطلق لحاجته أفما ترون ما بكم؟ فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب ثم جعلوا يتطلعون فيرون علياً على الفراش مستجياً ببرد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائماً عليه برده فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الفراش فقالوا: الله لقد كان صدقنا الذي حدثنا (1).

أقول: فإن قلت: إذا أعلم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لن يصيبه المكروه في منامه على الفراش حيث قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) له (عَلَيهِ السَّلَامُ): فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه وكان علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) على يقين من صدق قول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فهل لعلي في ذلك فضيلة ومنقبة وكيف يكون كذلك مع أنهما كانا عالمين بعدم إصابة مكروه لها وكيف يصح أن يقال أن علياً بذل نفسه دون النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ووقاه بنفسه ؟

على أنه ورد في أخبار الإمامية أن الأئمة الإثني عشر يعلمون علم ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم شيء كما جاء في ذلك باب في الكافي لثقة الإسلام الكليني وباب آخر: إن الله تعالى لم يعلم نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) علماً إلا أمره أن يعلمه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأنه كان شريكه في العلم ثم انتهى إليهم صلوات الله عليهم.

وفي هذا الباب عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن جبرائيل أتى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) برمانتين فأكل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إحداهما وكسر الأخرى بنصفين فأكل نصفاً وأطعم علياً نصفاً ثم قال له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): يا أخي هل تدري ما هاتان الرمانتان؟ قال لا قال أما الأولى فالنبوة ليس لك فيها نصيب وأما الأخرى فالعلم أنت شريكي فيه فقلت: أصلحك الله كيف كان يكون شريكه فيه قال: لم يعلم الله محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) علماً إلا وأمره أن يعلمه علياً وغير ذلك من الأبواب المشتملة على الأخبار التي جيئت في علمهم بما كان وما يكون (2).

قلت: إن الأخبار الواردة في تلك الأبواب لا يدل على أن الأئمة الإثني عشر كانوا عالمين بجميع بما يعلمه الإمام الحي الذي كان قبله ما دام ذلك الإمام حياً، فلا يستفاد منها


1) الجوهرة في نسب الإمام علي وآله: 12، وتاريخ الطبري: 100/2.

2) تفسیر نور الثقلين: 443/5، ح 6 56، وبحار الأنوار: 210/40 ح 6.

أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان عالماً بجميع ما علمه الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما دام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حياً كما ورد في ذلك بابان آخران في الكافي أولهما: باب وقت ما يعلم الإمام جميع علم الإمام الذي قبله وثانيهما: باب أن الإمام متى يعلم أن الأمر قد صار إليه، والأخبار في هذين البابين مبينة ومخصصة لتلك الأخبار في البابين الأولين كما روى عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) متى يعرف الأخير ما عند الأول قال في آخر دقيقة تبقى من روحه.

عن صفوان قال: قلت للرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخبرني عن الإمام متى يعلم أنه إمام حين يبلغه أن صاحبه قد مضى أو حين يمضي مثل أبي الحسن قبض ببغداد وأنت ههنا قال: يعلم ذلك حين يمضي صاحبه قلت بأي شيء؟ قال: يلهمه الله (1).

ومن الأخبار الدالة على ذلك رواية أخرى في الكافي في باب الإشارة والنص على علي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): يحيى الحلبي عن بشير الكناسي عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في مرضه الذي توفي فيه: أدعوا لي خليلي، فأرسلنا إلى أبويهما «يعني أبوي عائشة وحفصة أبا بكر وعمر» فلما نظر إليهما رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أعرض عنها قال قال: أدعو لي خليلي فأرسل إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلما نظر إليه أكب عليه يحدثه فلما خرج لقياه فقالا له: ما حدثك خليلك ؟ فقال: حدثني ألف باب يفتح كل باب ألف باب.

فيما ذكرنا دريت أن ليس بمعلوم قطعاً أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان في ليلة المبيت عالماً بتاً على أن المشركين لا يقتلونه حيث نام على فراشه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

على أن أنبياء الله وأولياءه لا يعلمون من عندهم شيئاً ولا يقدرون بذاتهم على شيء، ولا يطلعون على الغيب بل الله تعالى يظهرهم على غيبه عند المصلحة كظهور المعجزات في أيديهم كما نرى في كثير من الأخبار أن أناساً لما أتوا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وسألوه عن أشياء وأمور استمهلهم وانتظر الوحي في ذلك ولا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي.

وفي المجمع للطبرسي: قيل إن أهل مكة:قالوا يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فنشتريه فنربح فيه والأرض التي تريد أن تجدب فترتحل منها إلى أرض قد أخصبت فأنزل الله هذه الآية:

قل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوء إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 188]. وفي سورة الجن قُلْ إِنْ أَدْرِى أَقَرِيبُ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّ أَمَدًا ﴿25عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا 26 إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾) [الجن: 25 - 27] الآية.


1) مدينة المعاجز: 33/7، ج 29، وبحار الأنوار: 291/27، ج: 1.

وقال الله تعالى: تِلكَ مِنْ أَنْباء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ [هود: 49] الآية.

وفي الكافي في باب أنهم لا يعلون الغيب إلا أنهم متى شاؤوا أن يعلموا أعلموا، وفي الوافي ص 137م 2، عن أبي عبيدة المدائني عن عبيدة المدائني عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً أعلمه الله عزّ وجلّ ذلك»(1)

وعن معمر بن خلاد قال سأل أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) رجل من أهل فارس فقال له: أتعلمون الغيب؟ فقال أبو جعفر: «يبسط لنا العلم فنعلم ويقبض عنا فلا نعلم« وقال: «سر الله أسره إلى جبرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأسره جبرائيل إلى محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأسره محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى من شاء الله (2)، (3).

وَنِعْمَ ما نظمه العارف السعدي في هذا المعنى:

یکی پر سیداز آن گم گشته فرزند *** کهای روشن روان پیر خردمند

زمصرش بوی پیراهن شنیدی *** چرا در چاه کنعانش ندیدی

بگفت أحوال ما برق جهان است *** دمی پیدا و دیگر دم نهان است

گی بر طارم أعل أعلى نشینیم *** گهی تا پشت پای خود نبینیم

وأما ما نقلناه عن السيرة الهشامية من أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه» فنقول فيه أولاً أنه ذكر ابن أبي الحديد المعتزلي في ضمن بعض الخطب الماضية عن شيخه أبي جعفر النقيب: هذا هو الكذب الصراح والتحريف والإدخال في الرواية ما ليس منها والمعروف المنقول أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال له إذهب فاضطجع وتغش ببردي الحضرمي فإن القوم سيفقدونني ولا يشهدون مضجعي فلعلهم إذا رأوك يسكنهم ذلك حتى يصبحوا فإذا أصبحت فاغد في أداء أمانتي وما قيل إنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال له: نم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه كلام مولد لا أصل له.

ولو كان هذا صحيحاً لم يصل إليه منهم مكروه وقد وقع الإتفاق على أنه ضرب ورمى بالحجارة قبل أن يعلموا من هو حتى تضور وأنهم قالوا له رأينا تضورك فإنا كنا نرمي محمداً ولا يتضور.

ولأن لفظة المكروه إن كان قالها إنما يراد بها القتل فهب أنه أمن القتل كيف يأمن من


1) ينابيع المعاجز: 43.

2) مدينة المعاجز: 45/5 ح 1461، وبحار الأنوار: 2/ 80، ح 77.

3) قد فضلنا علم آل محمد وكيفيته وسعته في كتابنا آل محمد بين قوسي النزول والصعود.

الضرب والهوان ومن أن ينقطع ببعض أعضائه وبأن سلمت نفسه أليس الله تعالى قال لنبيه:

بلغ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغَتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ و مع ذلك فقد كسرت رباعيته وشج وجهه وأدميت ساقه وذلك لأنها عصمة من القتل خاصة وكذلك المكروه الذي أؤمن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) منه إن كان صح ذلك في الحديث. وقال ابن أبي الحديد: سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد الحسني فقلت: إذا كانت قريش قد محضت رأيها وألقى إليها إبليس كما روى ذلك الرأي وهو أن يضربه بأسياف من أيدي جمعة من بطون مختلفة ليضيع دمه في بطون قريش فلا تطلبه بنو عبد مناف فلماذا انتظروا به تلك الليلة الصبح فإن الرواية جاءت بأنهم تسوروا الدار فعاينوا فيها شخصاً مسجی بالبرد الحضرمي الأخضر فلم يشكوا أنه هو فرصدوه إلى أن أصبحوا فوجدوه علياً وهذا طريف لأنهم كانوا قد أجمعوا على قتله تلك الليلة فما بالهم لم يقتلوا ذلك الشخص المسجى وانتظارهم به النهار دليل على أنهم لم يكونوا أرادوا قتله تلك الليلة.

فقال في الجواب: لقد كانوا هموا من النهار بقتله تلك الليلة وكان إجماعهم على ذلك وعزمهم في حقنه من بني عبد مناف لأن الذين محضوا هذا الرأي واتفقوا عليه النضر بن الحارث من بني عبد الدار وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام وزمعة بن الأسود بن المطلب هؤلاء الثلاثة من بني سهم، وأمية بن خلف وأخوه أبي بن خلف هذان من بني جمح فنما هذا الخبر من الليل إلى عتبة بن ربيعة بن عبد شمس فلقي منهم قوماً فنهاهم عنه وقال إن بني عبد مناف لا تمسك عن دمه ولكن صفدوه في الحديد واحبسوه في دار من دوركم وتربصوا به أن يصيبه من الموت ما أصاب أمثاله من الشعراء وكان عتبة بن ربيعة سيد بني عبد شمس ورئيسهم وهم من بني عبد مناف وبنو عم الرجل ورهطه فأحجم أبو جهل وأصحابه تلك الليلة عن قتله إحجاماً ثم تسوروا عليه وهم يظنونه في الدار فلما رأوا إنساناً سجى بالبرد الحضرمي الأخضر لم يشكوا أنه هو والتمروا في قتله فكان أبو جهل يذمرهم عليه فيهمون ثم يحجمون ثم قال بعضهم لبعض: أرموه بالحجارة فرموه فجعل علي يتضور منها ويتقلب ويتأوه تأوهاً خفيفاً فلم يزالوا كذلك في إقدام عليه وإحجام عنه لما يريده الله تعالى من سلامته ونجاته حتى أصبح وهو وقيذ من رمى الحجارة ولو لم يخرج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى المدينة وأقام بينهم بمكة ولم يقتلوه تلك الليلة لقتلوه في الليلة التي تليها وإن شبت الحرب بينهم وبين عبد مناف فإن أبا جهل لم يكن بالذي ليمسك عن قتله وكان فاقد البصيرة شديد العزم على الولوع في دمه.

ثم قال: قلت للنقيب أفعلم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما كان من نهى عتبة لهم؟

قال: لا إنهما لم يعلما ذلك تلك الليلة وإنما عرفاه من بعد ولقد قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)

يوم بدر لما رأى عتبة ودعا له ما كان منه أن يكن في القوم خير ففي صاحب الجمل الأحمر ولو قدرنا أن علياً علم ما قال لهم عتبة لم يسقط ذلك فضيلة في المبيت لأنه لم يكن على ثقة من أنهم يقبلون قول عتبة بل كان ظن الهلاك والقتل أغلب (1).

وكان مما أنزل الله عزّ وجلّ من القرآن في ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُو أَوْ يَقْتُلُوكَ [الأنفال: 30] وقول الله عزّ وجلّ: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قل تربصُوا فَإِني مَعَكُم مِن المُتَرَيصِينَ [الطور: 30، 31].

وأذن الله تعالى لنبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عند ذلك في الهجرة وكان أبو بكر رجلاً ذا مال ولما قال له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد أذن لي في الخروج والهجرة وصحبته إياه أعد راحلتين كان احتبسها في داره ثم استأجرا عبد الله بن أرقط يدلهما على الطريق فدفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما.

فلما أجمع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الا الله والخروج أتى أبا بكر بن أبي قحافة فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته ثم عمد إلى غار بثور - جبل بأسفل مكة والغار هو الذي سماه الله فی القرآن - فدخلاه وأمر أبو بكر إبنه عبد الله بن أبي بكر أن يتسمع لها ما يقول الناس فيهما نهاره ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يُريحها عليها يأتيهما إذا أمسى في الغار، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما.

فأقام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الغار ثلاثاً ومعه أبو بكر وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن يرده عليهم وكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره معهم يسمع ما يأتمرون به وما يقولون في شأن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأبي بكر ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرى في رعيان أهل مكة فإذا أمسى أراح عليها غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا فإذا عبد الله بن أبي بكر غدا من عندهما إلى مكة أتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفي عليه حتى إذا مضت الثلاث وسكن عنهما الناس وهدأت عنهما الأصوات أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيريها وبعير له.

فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقدم له أفضلهما ثم قال: إركب فداك أبي وأمي، فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): إني لا أركب بعيراً ليس لي قال: فهي لك يا رسول الله، قال: لا، ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به قال كذا وكذا قال: قد أخذتها به قال: هي لك


1) شرح نهج البلاغة: 305/13.

يا رسول الله فركبا وانطلقا وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه ليخدمها في الطريق، فكانوا أربعة: رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة مولا أبي بكر، وعبد الله بن أرقط دليلهما، واحتمل أبو بكر معه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف كل ذلك نقلناه عن السيرة لابن هشام وتاريخ الطبري (1).

وفي المجمع في قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُنْبِتُوكَ [الأنفال: 30] قال المفسرون: إنها نزلت في قصة دار الندوة «إلى أن قال»: وجاء جبرائيل فأخبر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فخرج إلى الغار وأمر عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبات على فراشه، فلما أصبحوا وفتشوا عن الفراش وجدوا عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد رد الله مكرهم فقالوا: أين محمد؟ فقال: لا أدري فاقتصوا أثره وأرسلوا في طلبه فلما بلغوا الجبل ومروا بالغار رأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا: لو كان ها هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه فمكث فيه ثلاثاً ثم قدم المدينة (2).

وقال في قوله تعالى: إِلَّا تَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تحزن إن الله معنا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَسَدَمُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعَلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ﴿40﴾ [التوبة: 40] قال الزهري لما دخل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وأبو بكر الغار أرسل الله زوجاً من حمام حتى بأضافي أسفل الثقب والعنكبوت حتى تنسج بيتاً فلما جاء سراقة بن مالك في طلبهما فرأى بيض الحمام وبيت العنكبوت قال: لو دخله أحد لانكسر البيض وتفسخ بيت العنكبوت فانصرف، وقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) اللهم أعم أبصارهم، فعميت أبصارهم عن دخوله وجعلوا يضربون يميناً وشمالاً حول الغار، وقال أبو بكر: لو نظروا إلى أقدامهم لرأونا.

وروى علي بن إبراهيم بن هاشم:قال كان رجل من خزاعة فيهم يقال له أبو كرز فما زال يقفو أثر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حتى وقف بهم على باب الغار فقال لهم هذا قدم محمد هي والله أخت القدم التي في المقام، وقال هذه قدم أبي قحافة أو ابنه قال ما جازوا هذا المكان أما أن يكونوا قد صعدوا في السماء أو دخلوا في الأرض وجاء فرس من الملائكة في صورة الإنس فوقف على باب الغار وهو يقول لهم: أطلبوه في هذه الشعاب وليس ها هنا وكانت العنكبوت نسجت على باب الغار ونزل رجل من قريش فبال على باب الغار فقال أبو بكر: قد أبصرونا يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فقال له لو أبصرونا ما استقبلونا بعوراتهم.


1) سيرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): 337/2، والسيرة النبوية: 254/2.

2) بحار الأنوار: 31/19، وتفسير مجمع البيان: 458/4.

ثم قال وقال بعضهم ؛ يجوز أن تكن الهاء التي في «عليه» راجعة إلى أبي بكر وهذا بعيد، لأن الضمائر قبل هذا أو بعده تعود إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و بلا خلاف وذلك في قوله: «إلا تنصروه فقد نصره الله» وفي قوله: «إذ أخرجه» وقوله: «الصاحبه» وقوله فيما بعده «وايده» فكيف يتخللها ضمير عائد إلى غيره هذا وقد قال سبحانه في هذه السورة ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وقال في سورة الفتح: فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَ الْمُؤْمِنِين وقد ذكرت الشيعة في تخصيص النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في هذه الآية بالسكينة كلاماً رأينا الإضراب عن ذكره أحرى لئلا ينسبنا ناسب إلى شيء. إنتهى (1).

أقول: وسيأتي طائفة من ذلك الكلام بعد ذا.

وقال في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بالعباد [البقرة: 207].

روى السدي عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب حين هرب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن المشركين إلى الغار ونام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على فراش النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ونزلت هذه الآية بين مكة والمدينة، وروي أنه لما نام على فراشه قام أنه لما نام على فراشه قام جبرائيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبرائيل ينادي بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة (2).

قال المفيد (رَحمَةُ اللّه) في الإرشاد في اختصاص أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ه بمناقب كثيرة:

ومن ذلك أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لما أمر بالهجرة عند اجتماع الملاء من قريش على قتله فلم يتمكن (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من مظاهرتهم بالخروج عن مكة وأراد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الاستسرار بذلك وتعمية خبره عنهم ليتم الخروج على السلامة منهم ألقى خبره إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) واستكتمه إياه وكلفه الدفاع عنه بالمبيت على فراشه من حيث لا يعلمون أنه هو البائت على الفراش ويظنون أنه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بائتاً على حالته التي كان يكون عليها فيما سلف من الليل فوهب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه الله تعالى وشراها من الله تعالى في طاعته وبذلها دون نبيه صلوات الله وسلامه عليه وآله لينجو به من كيد الأعداء ويتم له بذلك السلامة والبقاء وينتظم له به الغرض في الدعاء إلى الملة وإقامة الدين وإظهار الشريعة.

فبات على فراش رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) متستراً بإزاره، وجاءه القوم الذين تمالؤوا على قتل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأحدقوا به وعليهم السلاح يرصدون طلوع الفجر ليقتلوه ظاهراً فيذهب دمه


1) بحار الأنوار (34/19، وتفسير مجمع البيان: 058/5.

2) تفسير مجمع البيان: 57/2 وتفسير كنز الدقائق: 501/1.

فرغاً بمشاهدة بني هاشم قاتليه من جميع القبائل ولا يتم لهم الأخذ بثأره منهم لاشتراك الجماعة في دمه وقعود كل قبيل عن قتال رهطه ومباينة، أهله فكان ذلك سبب نجاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وحفظ دمه وبقائه حتى صدع بأمر ربه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

ولولا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وما فعله من ذلك لما تم لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) التبليغ والأداء ولا استدام له العمر والبقاء، ولظفر به الحسدة والأعداء، فلما أصبح القوم وأرادوا الفتك به (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثار إليهم وتفرقوا حين عرفوه وانصرفوا وقد ضلت حيلهم في النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وانتقض ما بنوه من التدبير في قتله وخابت ظنونهم وبطلت آمالهم.

وكان بذلك إنتظام الإيمان، وإرغام الشيطان، وخذلان أهل الكفر والعدوان ولم يشرك أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه المنقبة أحد من أهل الإسلام، ولا أحيط بنظير لها على حال ولا مقارب لها في الفضل بصحيح الإعتبار، وفي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومبيته على الفرش أنزل الله سبحانه ومِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ [البقرة: 207] الآية (1).

قال المفيد في الإرشاد أيضاً في الفصل الآخر: ومن ذلك أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان أمين ثم قريش على ودائعهم فلما فجأه من الكفار ما أحوجه إلى الهرب من مكة بغتة لم يجد في قومه وأهله من يأتمنه على ما كان مؤتمناً عليه سوى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاستخلفه في رد الودائع إلى أربابها وقضاء ما كان عليه من دين لمستحقيه وجمع بناته ونساء أهله وأزواجه والهجرة بهم إليه ولم ير أن أحداً يقوم مقامه في ذلك من كافة الناس، فوثق بأمانته وعول على نجدته وشجاعته واعتمد في الدفاع عن أهله وحامته على بأسه وقدرته واطمأن إلى ثقته على أهله وحرمه وعرف من ورعه وعصمته ما تسكن النفس معه إلى أمانته على ذلك، فقام علي(عَلَيهِ السَّلَامُ) به أحسن القيام ورد كل وديعة إلى أهلها وأعطى كل ذي حق حقه وحفظ بنات نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وحرمه وهاجر بهم ماشياً على قدميه يحوطهم من الأعداء ويكلؤهم من الخصماء ويرفق بهم في المسير حتى أوردهم عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) المدينة على أتم صيانة وحراسة ورفق ورأفة وحسن تدبير فأنزله النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عند وروده المدينة داره وأحله قراره وخلطه بحرمه وأولاده ولم يميزه من خاصة نفسه ولا أحتشمه في باطن أمره وسره وهذه منقبة توحد بها من كافة أهل بيته وأصحابه ولم يشركه فيها أحد من أتباعه وأشياعه ولم يحصل لغيره من الخلق فضل سواها يعادلها عند السير ولا يقاربها على الامتحان (2)

وروى الثعلبي في تفسيره والغزالي في الإحياء في بيان الإيثار وفضله وغيرهما من


1) كنز الفوائد: 207، والأمالي: 253.

2) الإرشاد 54/1، والمستجاد من الإرشاد: 54.

أعاظم الفريقين: أنه لما بات علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على فراش رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أوحى الله سبحانه إلى جبرائيل وميكائيل أني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيكما يؤثر أحدكما بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله إليهما ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) آخيت بينه وبين محمد نبيي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة أهبطا إلى الأرض فاحفظاء من عدوه فهبطا إليه فجلس جبرائيل عند رأسه ومكيائيل عند رجليه فقال جبرائيل بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة فأنزل الله تعالى: وَمِن النَّاسِ مَن يُشْرِى نَفْسَهُ الآية (1).

والعجب ما في إنسان العيون في سيرة الأمين والمأمون المعروف بالسيرة الحلبية تأليف علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي نقلاً من ابن تيمية من أن هذا الحديث أعني ما أوحى الله إلى الملكين كذب باتفاق أهل العلم بالحديث.

أقول: ولعل وجه تكذيبه الحديث أنه ينافي نص الكتاب العزيز حيث قال عز من قائل في سورة التحريم: لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6] وفي عبس: و بِأَيْدِى سَفَرَةٍ ﴿ 15كِرَام بَرَرَةٍ16﴾ [عبس: 15 - 16] وكذا ينفي الأخبار الآخر القائلة بأنهم لا يعصون الله طرفة عين ولا يغشاهم سهو العقول ونحوها. فتأمل والله أعلم.

وفي الكافي للكليني (قُدِّسَ سِرُّهُ) عن سعيد بن المسيب سأل علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أن قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وخلف علياً في أمور لم يكن يقوم بها أحد غيره وكان خروج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من مكة فى أول يوم من يوم من شهر ربيع الأول وذلك يوم الخميس من سنة ثلاث عشرة من المبعث وقدم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) المدينة لإثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول مع زوال الشمس، فنزل بقيا فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين ثم لم يزل مقيماً ينتظر علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصلي الخمس صلوات ركعتين ركعتين وكان نازلاً على عمرو بن عوف فأقام عندهم بضعة عشر يوماً يقولون له أتقيم عندنا فنتخذ لك منزلاً ومسجداً فيقول لا إني أنتظر علي بن أبي طالب وقد أمرته أن يلحقني ولست مستوطناً منزلاً حتى يقدم علي.

إلى أن قال: قال سعيد بن المسيب لعلي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جعلت فداك كان أبو بكر مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حين أقبل المدينة فأين فارقه؟ فقال: إن أبا بكر لما قدم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى قبا فنزل بهم أنتظر قدوم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له أبو بكر أنهض بنا إلى المدينة فإن القوم قد فرحوا بقدومك وهم يستريئون إقبالك إليهم فانطلق بنا ولا تقم ههنا تنتظر علياً فما أظنه يقدم عليك إلى شهر، فقال له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): كلا ما أسرعه ولست أريم حتى يقدم ابن عمي وأخي في


1) المسترشد: 361، ح 54، والإحتجاج: 160/1.

الله تعالى وأحب أهل بيتي إليّ فقد وقاني بنفسه من المشركين قال: فغضب عند ذلك أبو بكر واشماز وداخله من ذلك حسد العلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان ذلك أول عداوة بدت منه الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فی علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأول خلاف على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فانطلق حتى دخل المدينة وتخلف رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بقبا حتى ينتظر عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحديث (1).

وفي الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ):

وقيت بنفسي خير من وطأ الحصى *** ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر

رسول إله الخلق إذ مكروا به *** فنجاه ذو الطول الكريم من المكر

وبت أراعيهم متى ينشرونني *** وقد وطنت نفسي على القتل والأسر

وبات رسول الله في الغار آمنا *** موقى وفي حفظ الإله وفي ستر

أقام ثلاثاً ثم زمت قلائص *** قلائص يفرين الحصى أينما يفرى

أردت به نصرالاله تبتلاً *** وأضمرته حتى أُوسد في قبري

«طريقة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في هجرته من مكة إلى المدينة»

في السيرة النبوية لابن هشام وفي التاريخ للطبري: فلما خرج بهما دليلهما عبد الله بن أرقط سلك بهما أسفل مكة.

ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عسفان، ثم سلك بهما على أسفل أمج، ثم استجاز بهما حتى عارض بهما الطريق بعد أن أجاز قديداً ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخراز، ثم سلك بهما ثنية المرة ثم سلك بها لقفا، ثم أجاز بهما مدلجة لقف، ثم استبطن بهما مدلجة محاج، ثم سلك بهما مرجح محاج، ثم تبطن بهما مرجح من ذي الغضوين، ثم بطن ذي كشر، ثم أخذ بهما على الجداجد، ثم على الأجرد، ثم سلك بهما ذا سلم ثم على العبابيد ثم أجاز بها الفاجة ثم هبط بهما العرج ثم خرج بهما دليلهما من العرج فسلك بهما ثنية العائر حتى هبط بهما بطن رئم ثم قدم بها قباء لإثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الإثنين حين اشتد، ألضحاء وكادت الشمس تعتدل ونزل على كلثوم بن هدم فأقام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الإثنين ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، الأربعاء، ويوم الخميس وأسس مسجده ثم خرج من قبا إلى المدينة ونزل على أبي أيوب الأنصاري ولا يسع المقام ذكره على التفصيل وأقام علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمكة ثلاث ليالي وأيامها حتى أدى عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الودائع التي كانت عنده للناس حتى إذا فرغ


1) بحار الأنوار: 116/19.

منها لحق برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فنزل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلثوم بن هدم في قباء (1).

قال المسعودي في مروج الذهب: فخرج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من مكة ومعه أبو بكر، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر وعبد الله بن أرقط الدئلي دليل بهم على الطريق ولم يكن مسلماً، وكان مقام علي بن أبي طالب بعده بمكة ثلاثة أيام إلى أن أدى ما أمر بأدائه ثم لحق بالرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وكان دخوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى المدينة يوم الإثنين لإثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، فأقام بها عشر سنين كوامل وكان نزوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حال موافاته المدينة بقيا على سعد بن خيثمة وكان مقامه بقباء يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وسار يوم الجمعة إرتفاع النهار وأتته الأنصار حياً حياً يسأله كل فريق النزول عليه ويتعلقون بزمام راحلته وهي تجذبه فيقول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) خلوا عنها فإنها مأمورة حتى أدركته الصلاة في بني سالم فصلى بهم يوم الجمعة وكانت تلك أول جمعة صليت في الإسلام وهذا موضع تنازع الفقهاء في العدد الذي بهم تتم صلاة الجمعة فذهب الشافعي في آخرين معه إلى أن الجمعة لا تجب إقامتها حتى يكون عدد المصلين أربعين فصاعداً وأقل من ذلك لا يجزي وخالفه غيره من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم وكان في بطن الوادي المعروف بوادي راثوناء إلى هذه الغاية.

أقول في كتاب إنسان العيون في سيرة الأمين والمأمون المعروف بالسيرة الحلبية تأليف علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي: وعند مسيره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى المدينة أدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي بمن معه من المسلمين وهم مائة وصلاها بعد ذلك في المدينة وكانوا به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أربعين فعن ابن مسعود أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلاً أي: ولم يحفظ أنه صلاها النقض عن هذا العدد ومن حينئذ صلى الجمعة في ذلك المسجد سمي هذا المسجد بمسجد الجمعة وهو على يمين السالك نحو قباء فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة «إلى أن قال» وكان هو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالمدينة يخطب الجمعة بعد أن يصلي مثل العيدين فبينما أن يصلي مثل العيدين فبينما هو يخطب يوم الجمعة قائماً إذ قدمت عير دحية الكلبي وكان إذا قدم يخرج أهله للقائه بالطبل واللهو ويخرج الناس للشراء من طعام تلك العير فانقض الناس ولم يبق معه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلا نحو إثني عشرة رجلاً.

و وفي كنز العرفان للفاضل المقداد: فخرج الناس فلم يبق في المسجد إلا إثني عشر رجلا، وعن ابن عباس لم يبق إلا ثمانية، وعن ابن كيسان أحد عشر.

وفي السيرة الهشامية لم يذكر عددهم.

وقال الجصاص الحنفي في أحكام القرآن: واختلفوا في عدد من تصح به الجمعة من


1) مناقب آل أبي طالب: 1/ 160، والغدير: 267/7.

المأمومين: أبو حنيفة، وزفر، ومحمد، والليث ثلاثة سوى الإمام، وروى عن أبي يوسف إثنان سوى الإمام وبه قال الثوري، وقال الحسن بن صالح إن لم يحضر الإمام إلا رجل واحد فخطب عليه وصلى به، أجزأهما وأما مالك فلم يجد فيه شيئاً واعتبر الشافعي أربعين رجلاً (1).

ثم قال: روی جابر أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان يخطب يوم الجمعة فقدم عير فنفر الناس وبقي معه إثنا عشر رجلاً فأنزل الله تعالى: وَإِذَا رَأَوْا بِجَرَةً أَوْ لَهَوا انفَضُّوا إِلَيْهَا [الجمعة: 11] ومعلوم أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لم يترك الجمعة منذ قدم المدينة ولم يذكر رجع القوم فوجب أن يكون قد صلى بإثني عشر رجلاً.

ونقل أهل السير إن أول جمعة كانت بالمدينة صلاها مصعب بن عمير بأمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)بإثني عشر رجلاً وذلك قبل الهجرة فبطل بذلك إعتبار الأربعين، وأيضاً الثلاثة جمع صحيح فهي كالأربعين لاتفاقهما في كونهما جمعاً صحيحاً وما دون الثلاثة مختلف في كونه جمعاً صحيحاً فوجب الإقتصار على الثلاثة وإسقاط إعتبار ما زاد، انتهى.

وفي كتاب الفقه على المذاهب الأربعة: المالكية قالوا أقل الجماعة التي تنعقد بها الجمعة إثنا عشرة رجلاً غير الإمام.

والحنفية قالوا: يشترط في الجماعة التي تصح بها الجمعة أن تكون بثلاثة غير الإمام.

الشافعية قالوا: أن يكونوا أربعين ولو بالإمام فلا تنعقد الجمعة بأقل من ذلك.

والحنابلة قالوا: أن لا يقل عددهم عن أربعين ولو بالإمام انتهى. وقوله المالكية قالوا: تنعقد الجمعة بإثني عشرة رجلاً لا ينافي ما ذهب عن الجصاص وما قاله الشيخ الطوسي (رَحمَةُ اللّه) في الخلاف ولم يقدر مالك في هذا شيئا كما لا يخفى.

وهذه مذهب العامة في عدد من تصح به الجمعة وعند أصحابنا الإمامية لا تنعقد الجمعة بأقل من خمسة والإمام أحدهم، وتجب عليهم بسبعة والإمام أحدهم قطعاً وإنما الكلام في بلوغ العدد مع الإمام خمسة هل تجب تخييراً وجوازاً أو تجب عيناً، وذلك لأن من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) في العدد روايتين:

ففي التهذيب بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: تجب الجمعة على


1) راجع المجموع للنووي: 256/4، وأحكام القرآن الجصاص: 599/3.

سبعة نفر من المسلمين ولا تجب على أقل منهم الإمام وقاضيه والمدعى حقاً والمدعى عليه والشاهدان والذي يضرب الحدود بين يدي الإمام (1).

وفيه عن البقباق عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: أدنى ما يجزي في الجمعة سبعة أو خمسة أدناه.

وفي الكافي والتهذيب عن زرارة كان أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: لا تكون الخطبة والجمعة وصلاة ركعتين على أقل من خمسة رهط الإمام وأربعة (2).

وفي الفقيه على زرارة: قلت له (عَلَيهِ السَّلَامُ): على من تجب الجمعة؟ قال: تجب على سبعة نفر من المسلمين ولا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين أحدهم الإمام فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمهم بعضهم وخطبهم (3).

وفي التهذيب عن منصور بن حازم عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زاد فإن كانوا أقل من خمسة فلا جمعة لهم الحديث (4).

وكذا أخبار أخر بعضها يفيد أن الجمعة لا تنعقد بأقل من خمسة، وبعضها يفيد أنها تنعقد من سبعة لا تنافي بينها لأن الخبر الذي يتضمن إعتبار سبعة أنفس فهو على طريق الفرض والوجوب، والخبر لأخير على طريق الندب والإستحباب وعلى جهة الأولى والأفضل كما في التهذيبين، والخلاف وغيرها من أسفار الإمامية من غير واحد من علمائنا، وبالجملة هؤلاء قالوا بأن السبعة شرط للوجوب العيني والخمسة للتخييري، وهذا لا يخلو عندي من قوة.

وقال آخرون: إذا كانوا خمسة تجب عيناً لا تخييراً وفي الرياض أنه قول الأكثر، واعلم أن هذا الشرط يختص بالإبتداء دون الإستدامة بلا خلاف فيه بيننا الإمامية.

ثم إن الإمامية إختلفوا في إقامة الجمعة في زمن الغيبة فبعضهم أسقطوها لأن صلاة الجمعة عند حصول شرائطها لا تجب إلا عند حضور السلطان العادل أو من نصبه السلطان للصلاة ويعنون بالسلطان العادل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبعضهم أوجبوها عند الغيبة أيضاً وهذا لا يخلو عندي من قوة ويكون مجزياً عن الظهر والإختلاف بين الفقهاء في مسائل الجمعة كثير


1) عوالي اللثالي: 97/3، وبحار الأنوار: 86، 176 ح 16.

2) الفصول المهمة: 104/2، ح1388.

3) بحار الأنوار: 86 / 260، ح 72، ومنتقى الجمان: 108/2.

4) تهذيب الأحكام /، وعوالي اللتالي: 97/3،115، وبحار الأنوار: 255/86.

وليطلب في الكتب الفقهية.

«المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار»

ثم آخى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فقال: تأخوا في الله أخوين أخوين، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فقال: هذا أخي فكان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) سيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين الذي ليس له خطير ولا نظير من العباد وعلي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخوين وكان حمزة بن عبد الطلب عم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وزيد بن حارثة مولى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أخوين، وجعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أخوين، كذا غير واحد من المهاجرين والأنصار أخوين على التفصيل المذكور فيهما (1)

«كلام بن أبي جمهور الإحسائي في المجلي»

قال السالك الموحد الفقيه المتكلم المتأله المرتاض الراوي للأحاديث المروية عن الأئمة الهداة المعروف بابن أبي جمهور الإحسائي في كتابه الجامع للأصول اليقينية والمنازل العرفانية بالبراهين العقلية والنقلية المعروف بالمجلي في أدلة إثبات الخلافة لعلي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ):

ويوم المؤاخاة يوم مشهور وموقف معلوم مبناه على تمييز الأشباه والنظائر والإطلاع على الخصائص والضمائر ولم تكن المؤاخاة يومئذ عن الهوى بل إنما هو وحي يوحي، فواخى بين أصحابه فقرن كل شبه إلى شبهه، وجعل كل نظير مع نظيره ولم يقرن بين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبين أحد الصحابة، بل عدل به عن جميعهم ثم اختاره لنفسه وقرن بينه وبينه وميزه من بينهم بإخوته، وشرفه عليهم بقربه، إظهاراً لشأنه واحتجاجاً عليهم ببيان حاله وكان ذلك بوحي من الله ونصه فكان ذلك موجباً له إستحقاق الولاية والقيام فيهم مقامه، إذ كل أخ قائم مقام أخيه فيما له من المزايا فإن الأخوة مشاكلة ومشابهة في الصفات، فيقال للشيء أخو الشيء إذ كان بينه وبينه مشابهة كلية في جميع صفاته ولما كانت الولاية من أجل الصفات التي كان المتصفاً بها وجب أن يكون أخوه مماثله ومشاكله موصوفاً بها، وإلا لما تحققت الأخوة ولا ثبت معناها ولم يكن للمماثلة والمشاكلة حينئذ معنى، فتضيع الفائدة من ذلك الفعل الصادر عن الحكيم بنص أحكم الحاكمين.

فإن قلت: يلزم على ما قررتموه إدخال النبوة لأنها من جملة الصفات وهو خلاف الإجماع.


1) بحار الأنوار: 132/19، والغدير: 116/3.

قلت: النبوة معلومة الإستثناء بالأصل لما ثبت عند الكل من عدم جواز المشاركة فيها لتحقق معنى الختم به فانحجب ما سواه عن بلوغ مرتبتها فلا تصح المشاركة والمماثلة فيها ويبقى ما عداها داخلاً في عموم الأخوة هذا هذا.

مع أن الولاية المطلقة الثابتة له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كما عرفت أعلى وأجل وأعظم من مرتبة النبوة ما عرفت أن مقام الأولى مقام الوحدة وأن مقام الثانية مقام الكثرة والوحدة أجل وأعلى من الكثرة، فإذا ثبت أن الولاية له فقد ثبت له مقام الوحدة الذي هو مبدأ الكثرة.

ثم إن الولاية التي هي مقام الوحدة الثابت له باعتبار الأخوة يستلزم ثبت مقام الكثرة بواسطة الرد إلى الخلق بعد المرور على مقام الوحدة الثابت له يقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا علي إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي.

فمقام النبوة الخاص بعد الولاية المطلقة إستثنى ولم يستثن مقتضاه أعني الرد إليّ الخلق لأنه إذا كان له مقام الولاية الخاصة كانت السياسة بيده وهي مقتضى الكثرة بواسطة إهداء الخلق والقيام عليهم بما يكلمهم ويصلح معاشهم ومعادهم فلا يكون مقتضى مقام الكثرة مسلوباً عنه، وذلك عنه، وذلك هو مقتضي مقام النبوة ولازمه لا هو فالواجب للولي هو مقتضى مقام النبوة ولازمه هو فما فاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) شيء من معاني الأخوة ولا خصائص كمال الأخ سواء الإسم المحجوب عنه وعن كل ما سواه للمصلحة المقتضية لسلبه، إنتهى ما أردنا نقله من المجلي.

قال العلّامة الحلي (قُدِّسَ سِرُّهُ) في شرح تجريد الإعتقاد لنصير الحق والملة والدين الخواجة الطوسي قدس الله روحه القدسي عند قوله: وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أفضل:

إختلف الناس ها هنا فقال عمر وعثمان وابن عمر وأبو هريرة من الصحابة إن أبا بكر أفضل من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبه قال من التابعين الحسن البصري وعمرو بن عبيد وهو اختيار النظام وأبي عثمان الجاحظ، وقال الزبير والمقداد وسلمان وجابر بن عبد الله، وعمار، وأبو ذر، وحذيفة من الصحابة إن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ)أفضل، وبه قال من التابعين عطاء، ومجاهد، وسلمة بن كهيل وهو اختيار البغداديين كافة والشيعة بأجمعهم وأبي عبد الله البصري وتوقف الجبائيان وقاضي القضاة قال أبو علي الجبائي إن صح خبر الطائر فعلي أفضل.

ونحن نقول: إن الفضائل إما نفسانية أو بدنية، وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان أكمل وأفضل من باقي الصحابة فيها والدليل على ذلك وجوه ذكرها المصنف رحمه الله «إلى أن قال في وجه الثامن عشر».

أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لما واخى بين الصحابة وقرن كل شخص إلى مماثله في الشرف والفضيلة

رأى علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) متكدراً (1)فسأله عن سبب ذلك فقال: إنك آخيت بين الصحابة وجعلتني متفرداً، فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): ألا ترضى أن تكون أخي ووصيي وخليفتي من بعدي؟ فقال: بلى يا رسول الله فواخاه من دون الصحابة فيكون أفضل منهم.

وقال الشاعر العارف الحكيم مجدود بن آدم النسائي في الحديقة بالفارسية:

مرتضائی که کرد یزدانش *** همره جان مصطفی جانش

هر دو یکقبله و خردشان دو *** هر دو یکروح وكالبدشان دو

دو رونده چو أختر گردون *** دو برادر چوم موسى وهارون

هر دويكدر زيك صدف بودند *** هر دو پیرایه شرف بودند

تا نه بگشاد علم حیدر در *** ندهد سنت پیمبر بر

وقال في ديوانه:

آنکه اورا برسر حیدر همی خواني أمير *** کافرم گر میتواند کفش قنبر داشتن

تا سلیمان و ار باشد حیدر اندر صدر ملك *** زشت باشد دیو را بر تارك أفسر داشتن

چون همیدانی که شهر علم را حیدر در است *** خوب نبود جز که حیدر میر و مهتر داشتن

کی روا باشد بناموس وحیل درراه دین *** دیر را بر مسند قاضي أكبر داشتن

روی عمرو بن القناد عن محمد بن فضيل عن محمد بن فضيل عن أشعث بن سوار قال سب عدي بن أرطأة علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المنبر فبكى الحسن البصري وقال: لقد سب هذا اليوم رجل أنه لأخو رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الدنيا والآخرة (2).

وروى عبد السلم بن صالح عن إسحاق الأزرق عن جعفر بن محمد عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لما زوج فاطمة دخل النساء عليها فقلن يا بنت رسول الله خطبك فلان، وفلان فردهم عنك وزوجك فقيراً لا مال له فلما دخل عليها أبوها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) رأى ذلك في وجهها فسألها فذكرت له ذلك فقال: يا فاطمة إن الله أمرني فأنكحتك أقدمهم سلماً وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً، وما زوجتك إلا بأمر من السماء أما علمت أنه أخي في الدنيا والآخرة (3)؟


1) في نسخة: متفكراً.

2) مناقب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) 261، 247، وشرح نهج البلاغة: 221/13.

3) الصحيح من السيرة: 281/5.

«الكلام في أن مبيت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على فراش رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) منقبة لم يحصل لغيره من الخلق فضل يعاد لها»

لا يخفى على ذي دراية أن مبيته (عَلَيهِ السَّلَامُ) على فراش رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حيث وهب نفسه لله

تعالى ولرسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) والفضيلة لا يقاس إليها بذل المال ونعم ما قيل:

جادوا بأنفسهم فی حب سیدهم *** والجود بالنفس أقصى غاية الجود

والله در قائله:

مبیت علي بالفراش فضيلة *** كبدر له كل الكواكب تخضع

ومن أعرض عن ذلك واعترض فيه فهو مكابر نفسه، وليلة المبيت متواتر لا يريبه عاقل وبذل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه دون نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الليلة مسلم عند الكل وبلغ مبلغ الضرورة.

وللمغفلين في بذل أبي بكر طائفة من ماله ومصاحبته رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) تعسفات استدلوا على ذلك من آية الغار واستنبطوا منها صوراً مشوهات واستمسكوا بتلك العرى الواهية على تفضيل من قال: أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم على من كلت فيه ألسن العالمين.

وآية الغار عندهم من أشهر الدلائل على فضل أبي بكر بستة أوجه:

الأول: أن الله تعالى جعله ثاني رسوله بقوله: «ثاني إثنين».

الثاني: وصف إجتماعهما في مكان واحد بقوله: «إذ هما في الغار».

الثالث: جعله مصاحباً له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بقوله: «لصاحبه».

الرابع قول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) له رحمة ومحبة بقوله: لا تحزن.

الخامس: إن الله كان لهما في التصرف والإعانة على نسبة واحدة بقوله: «إن الله معنا».

السادس: نزول السكينة عليه بإرجاع الضمير إليه دون الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وللإمامية رضوان الله عليهم في رد هذه الوجوه الستة عليهم بل إستدلالهم على نقيض ما ذهبوا إليه مباحث رأينا الإعراض عنها ها هنا أجدر ولكن نكتفي بذكر بعض ما أورده الشارح المعتزلي في المقام في ضمن بعض الخطب الماضي ناقلاً عن الجاحظ ما تشمئز منها النفوس ويأبى عنها الفطرة السليمة وعن شيخه أبي جعفر في جوابها ما لا يخلو عن الإنصاف والإعتدال ونذكر بعض ما خطر ببالي في المقام والله ولي التوفيق والهادي إلى خير السبيل.

قال الشارح المعتزلي: قال الجاحظ: فإن احتج محتج لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالمبيت على الفراش فبين الغار والفراش فرق واضح لأن الغار وصحبة أبي بكر للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد نطق به القرآن فصار كالصلاة والزكاة وغيرهما مما نطق به الكتاب وأمر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونومه على الفراش وإن كان ثابتاً صحيحاً إلا أنه لم يذكر في القرآن وإنما جاء مجيء الروايات والسير وهذا لا يوازن هذا ولا يكائله.

ثم قال: قال شيخنا أبو جعفر: هذا فرق غير مؤثر لأنه قد ثبت بالتواتر حديث الفراش فلا فرق بينه وبين ما ذكر في نص الكتاب ولا يجحده إلا مجنون أو غير مخالط لأهل الملة، أرأيت كون الصلوات خمساً وكون زكاة الذهب ربع العشر وكون خرو الريح ناقضاً للطهارة وأمثال ذلك مما هو معلوم بالتواتر حكمه هل هو مخالف لما نص في الكتاب عليه من الأحكام؟ هذا مما لا يقوله رشيد ولا عاقل.

علي أن الله تعالى لم يذكر إسم أبي بكر في الكتاب وإنما قال: إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ [التوبة: 40] وإنما علمنا أنه أبو بكر بالخبر وما ورد في السيرة وقد قال أهل التفسير إن قوله تعالى: وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ [الأنفال: 30] كناية عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنه مكر بهم وأول الآية: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله وَالله خيرُ الْمَكِرِينَ [الأنفال: 30] أنزلت في ليلة الهجرة ومكرهم كان توزيع السيوف على بطون قريش ومكر الله تعالى هو منام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الفراش فلا فرق بين الموضعين في أنهما مذكوران كناية لا تصريحاً، وقد روى المفسرون كلهم إن قول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الله أنزلت في علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليلة المبيت على الفراش فهذه مثل قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصَحِيهِ لا فرق بينهما)وقال: وقال الجاحظ وفرق آخر وهو أنه لو كان مبيت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ على الفراش جاء مجيء كون أبي بكر في الغار لم يكن له في ذلك كبير طاعة الناقلين نقلوا أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال له: نم فلن يخلص إليك شيء تكرهه. ولم ينقل ناقل أنه قال لأبي بكر في صحبته إياه وكونه معه في الغار مثل ذلك ولا قال له أنفق وأعتق فإنك لن تفتقر ولن يصل إليك مكروه.)ثم قال: وقال شيخنا أبو جعفر هذا هو الكذب الصراح والتحريف والإدخال في الرواية ما ليس منها والمعروف المنقول أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ قال له: إذهب فاضطجع في مضجعي وتغش ببردى الحضرمي فإن القوم سيفقدونني ولا يشهدون مضجعي فلعلهم إذا رأوك يسكنهم ذلك حتى يصبحوا فإذا أصبحت فاغد في أداء أمانتي. ولم ينقل ما ذكره الجاحظ وإنما ولده أبو بكر الأصم وأخذه الجاحظ ولا أصل له.)لو كان هذا صحيحاً لم يصل إليه منهم مكروه وقد وقع الإتفاق على أنه ضرب ورمي

بالحجارة قبل أن يعلموا من هو حتى تضور وأنهم قالوا له: رأينا تضورك فإنا كنا نرمي محمداً ولا يتضور، ولأن لفظة المكروه إن كان قالها إنما يراد بها القتل فهب أنه أمن القتل كيف يأمن من الضرب والهوان ومن أن ينقطع بعض أعضائه وبأن سلمت نفسه أليس الله تعالى قال لنبيه: ﴿ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَةُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: 67] ومع ذلك فقد كسرت رباعيته وشج وجهه وأدميت ساقه وذلك لأنها عصمة من القتل خاصة، وكذلك المكروه الذي أومن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) منه إن كان صح ذلك في الحديث إنما هو مكروه القتل. ثم يقال له: وأبو بكر لا فضيلة له أيضاً في كونه في الغار لأن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال له: «لا تحزن إن الله معنا» ومن يكن الله معه فهو آمن لا محالة من كل سوء فكيف قلت: ولم ينقل ناقل أنه قال لأبي بكر في الغار مثل ذلك، فكل ما يجب به عن هذا فهو جوابنا عما أورده فنقول له هذا ينقلب عليك في النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأن الله تعالى وعده بظهور دينه وعاقبة أمره فيجب على قولك أن لا يكون مثاباً عند الله تعالى على ما يحتمله من المكروه ولا ما يصيبه من الأذى إذ كان قد أيقن بالسلامة والفتح في عدته.

وقال: قال الحاحظ: ومن جحد كون أبي بكر صاحب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقد كفر، لأنه جحد نص الكتاب ثم أنظر إلى قوله تعالى: وإن اللهَ مَعَنا من الفضيلة لأبي بكر لأنه شريك رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في كون الله تعالى معه، وأنزل السكينة قال كثير من الناس أنه في الآية مخصوص بأبي بكر لأنه كان محتاجاً إلى السكينة لما تداخله من رقة الطبع البشري والنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان غير محتاج إليها لأنه يعلم أنه محروس من الله تعالى فلا معنى لنزول السكينة عليه وهذه فضيلة ثالثة لأبي بكر.

ثم قال: قال شيخنا أبو جعفر إن أبا عثمان يجر على نفسه ما لا طاقة له به من مطاعن الشيعة ولقد كان في غنية عن التعلق بما تعلق به لأن الشيعة تزعم أن هذه الآية بأن تكون طعناً وعيباً على أبي بكر أولى من أن تكون فضيلة ومنقبة له لأنه لما قال له: «لا تحزن دل على أنه قد كان حزن وقنط وأشفق على نفسه وليس هذا من صفات المؤمنين الصابرين ولا يجوز أن يكون حزنه طاعة، لأن الله تعالى لا ينهي عن الطاعة فلو لم يكن ذنباً لم ينه عنه (1).

وقوله: «إن الله معنا» أي إن الله عالم بحالنا وما نضمره من اليقين أو الشبك كما يقول الرجل لصاحبه لا تضمرن سوءاً ولا تنوين قبيحاً فإن الله يعلم ما نسره وما تعلنه، وهذا مثل


1) شرح نهج البلاغة: 264/13.

قوله تعالى: وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة: 7] أي هو عالم بهم.

وأما السكينة فكيف يقول إنها ليست راجعة إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وبعدها قوله: «وأيده بجنود لم تروها» أترى المؤيد بالجنود كان أبا بكر أم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ؟

وقوله: إنه مستغن عنها ليس بصحيح ولا يستغنى أحد عن ألطاف الله وتوفيقه وتأييده وتثبيت قلبه وقد قال الله تعالى في قصة حنين: وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحْبَتْ ثُمَّ وَلَيَتُم مُدْبِرِينَ ﴿25 ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ ﴾ [التوبة: 26].

وأما الصحبة فلا تدل إلا على المرافقة والإصطحاب لا غير، وقد يكون حيث لا إيمان كما قال تعالى: قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ [الكهف: 37].

أقول: وقد مضى من قبل أن القول بجوز رجوع الضمير في عليه «فأنزل الله سكينته عليه» إلى أبي بكر بعيد جداً، بل ليس بصحيح قطعاً، لأن الضمائر قبله وبعده كلها راجعة إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بلا خلاف فيه فكيف يتخلل تلك الضمائر ضمير عائد إلى غيره في البين وهل هذا إلا الخروج عن أسلوب الفصاحة والبلاغة؟ فذلك القول تهافت بتاً ولا يجنح إليه إلا من ليس بعارف في أساليب الكلام أو يحرفه لتحصيل المرام وإن أفضى إلى الطعن في النبوة والإسلام وقد تقدم فيه الكلام، ونسأل الله نور الإيمان، والعرفان ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نوره.

«مبدأ تاريخ السسملمين والفرق بين الهجري القمري والهجري الشمسي»

كلمة التاريخ - كما قال الفاضل البرجندي رضوان الله عليه في شرحيه على زيج الغ بيك وعلى التذكرة في الهيئة لبطليموس الثاني المحقق الطوسي (قُدِّسَ سِرُّهُ): في اللغة تعريف الوقت، وقيل هو قلب التأخير وقيل التاريخ مشتق من أرخ وهو في اللغة ولد البقر الوحش والتفعيل قد يأتي للإزالة والتاريخ بمعنى إزالة الجهالة في مبدأ شيء ووقت صدوره.

ونقل المطرزي عن بعض أهل اللغة: التاريخ بمعنى الغاية يقال: فلان تاريخ قومه أي ينتهي إليه شرفهم فمعنى قولهم فعلت في تاريخ كذا فعلت في وقت الشيء الذي ينتهي إليه.

وقيل: هو ليس بعربي فإنه مصدر المؤرخ وهو معرب ماه روز وذلك أنه كتب أبو موسى الأشعري وكان من قبل عمر في اليمن أنه تأتينا منك صكوك حاكماً محلها في شعبان وما ندري أي الشعبانين هو الماضي أو الآتي؟ فجمع عمر الناس للمشورة وكان فيهم ملك أهواز إسمه الهرمزان وقد أسلم على يده حين أسر فقال: إن لنا حساباً نسميه ماه روز أي حساب الشهور والأعوام وشرح لهم كيفية استعماله فصوبوه وعربوا ماه روز بقولهم مؤرخ.

وأما في الإصطلاح فهو تعيين يوم ظهر فيه أمر شائع من ملة أو دولة أو حدث فيه هائل كزلزلة وطوفان لينسب إليه ما يراد تعيين وقته في مستأنف الزمان أو في مستقدمه.

ولما كان أشهر الأجرام السماوية النيرين أعتبر الأمم في وضع الشهور والسنين دورهما، وأكثرهم اعتبروا في وضع الشهور دور القمر وفي وضع السنين دور الشمس المقتضي لعود حال السنة بحسب بحسب الفصول لكنهم لم يعتبروا عودة القمر في نفسه بل عودته إلى الشمس القريبة من عودته في نفسه ليكون إستنارة القمر في أوائل الشهور الشهور وأواسطه وأواخره بل في جميع أجزائها على نسق واحد ثم لما كان عودة الشمس في إثني عشر شهراً قمرياً تقريباً قسموا السنة إثني عشر قسماً وسموا كلاً منها شهراً مجازاً وركبوا إثني عشر شهر قمرياً وسموها سنة على التشبيه.

ولم يكن للمسلمين بعد وفاة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) تاريخ في حوادثهم وأمورهم وكان قبل الإسلام بين الأعراب عدة تواريخ كتاريخ بناء الكعبة وتاريخ رئاسة عمرو بن ربيعة وهو الذي وضع عبادة الأصنام في العرب وكان هذا التاريخ متداولاً به إلى عام الفيل ثم صار عام الفيل مبدءاً، فلما حدث التباس بعض الأمور في زمان عمر كما دريت أمر بوضع التاريخ.

فأشار بعض اليهود إلى تاريخ الروم فلم يقبله لما فيه من الطول، وبعضهم إلى تاريخ الفرس فرده لعدم استناده إلى مبدأ معين فأنهم كانوا يجددونه كلما قام ملك وطرحوا ما قبله.

فاستقر رأيهم على تعيين يوم من أيامه عليه الصلاة والسلام لذلك ولم يصلح وقت للمبعث لكونه غير معلوم ولا وقت الولادة لاختلاف فيه فقيل: إنه ولد ليلة الثاني أو الثامن، أو الثالث عشر من شهر الربيع الأول سنة أربعين أو اثنتين وأربعين أو ثلاث وأربعين من ملك أنوشروان إلى غير ذلك من الأقوال ولا وقت الوفاة لتنفر الطبع.

فجعل مبدأه الهجرة من مكة إلى المدينة بإشارة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ذلك كما سيأتي نقل الأخبار فيه إذ بها ظهرت دولة الإسلام فأجمعوا عليه.

ثم قالوا: فأي الشهور نبدأ؟ فقالوا: رمضان ثم قالوا: المحرم فهو منصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام فأجمعوا على المحرم.

واعلم أن أول تلك السنة أعني أول المحرم كان يوم الخميس بحسب الأمر الأوسط بالاتفاق لأنه مما لا يعتريه خلاف ولو بسطنا الكلام فيه لانجر إلى بحث طويل الذيل.

وأما بحسب الرؤية ففي بعض الأحاديث أنه كان يوم الخميس وهذا ممكن لأنه قد يتفق أول الشهر بحسب الأمر الأوسط والرؤية معاً، وفي بعض الروايات أنه كان الجمعة وهذا يوم أيضاً ممكن لأنه قد يختلف بين يوم الأمر الأوسط ويوم الرؤية في يوم بأن يكون أول الشهر

الوسطى خميساً والحقيقي المبني على الرؤية جمعة مثلاً أو يومين بأن يكون أول الحقيقي سبتاً.

وفي بعض الروايات أنه كان أول المحرم من تلك السنة يوم الإثنين وهذا مجال لأنه لا يمكن إختلافهما في أكثر من يومين على ما برهن وحقق في محله.

ولم يتفق لي طول ست سنوات إستخراجي إلى الآن أن يقدم أول الشهر الحقيقي على الوسطى ولو بيوم بل قد يتفقان في أول الشهر أو يقدم الوسطى على الحقيقي أما يوماً أو يومين.

«الفرق بين الشهر القمري الحقيقي والوسطي»

واعلم أن الشهر القمري مأخوذ من تشكلات القمر النورية بحسب أوضاعه من الشمس، ودريت أنه لما كان أشهر الأجرام السماوية النيرين اعتبر الناس في وضع الشهور والأعوام دورهما.

فمستعملوا الشهر القمري بعضهم وهم الترك أخذوا مبدأه من اجتماع حقيقي فالشهر عندهم من اجتماع حقيقي بين النيرين إلى اجتماع حقيقي بعده، فإن وقع الاجتماع قبل نصف النهار فذلك اليوم هو أول الشهر، وإن كان بعده فاليوم الذي بعده، ولكن فيه تعذراً لتوقفه على استخراج التقويمين في رأس كل شهر وأعمال كثيرة آخر حتى يعلم أن الاجتماع في أي يوم وأي ساعة هذا لا يتيسر إلا للأوحدي من الناس ممن رزقهم الله التفكر في خلق السموات والأرض.

والمسلمون وأهل البادية من الأعراب أخذوه من ليلة رؤية الهلال إلى ليلتها لأن أقرب أوضاع القمر من الشمس إلى الإدراك هو الهلال، فالأوضاع الأخرى من المقابلة والتربيع وغير ذلك لا يدرك إلا بحسب التخمين فإن القمر يبقى على النور التام قبل المقابلة وبعدها زماناً كثيرة وكذلك غيره من الأوضاع وأما وضعه منها عند وصوله في تحت الشعاع وإن كان يشبه وضع الهلال في ذلك لكنه في وضع الهلال يشبه الموجود بعد العدم والمولود الخارج من الظلم فجعله مبدأ أولى.

قال الله تعالى: يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ [البقرة: 189] الآية، وكان إتفاق المسلمين إن أول شهر الصيام ليلة رؤية الهلال إلى ليلة رؤيتها ويكون الصوم للرؤية والفطر للرؤية وهذا الشهر لا يزيد عن ثلاثين يوماً ولا ينقص على تسعة وعشرين يوماً.

وليعلم أنه على هذا الوجه أعني أخذ الشهر القمري من ليلة رؤية الهلال إلى ليلتها كما

ذهب إليه المسلمون يمكن أن تكون أربعة أشهر متواليات ثلاثين يوماً، ولا يزيد على ذلك قط كما يمكن أن تكون ثلاثة أشهر متواليات تسعة وعشرين يوماً ولا يزيد على هذا المقدار أيضاً قط على ما حقق في محله وذكر الدليل ينجر إلى بحث طويل وهذا هو الشهر القمري الحقيقي المبتني على وضع القمر مع الشمس.

وأما الوسطي فهو مصطلح أهل الحساب فيأخذون مبدأ الشهر من الإجتماع الوسطي ويجعلون المحرم ثلاثين يوماً والصفر زوج تسعة وعشرين يوماً، وهكذا كل فرد ثلاثين يوماً وكل تسعة وعشرين يوماً، وفي طول ثلاثين سنة يأخذون ذا الحجة إحدى عشر مرة ثلاثين يوماً ويسمونها كبائس، وبرهانه مذكور في الكتب المبرهنة في الفن وهذا الشهر الوسطي هو مبني الجداول في كتب الأعمال أعني الزيجات.

ومقدار الشهر الوسطي ما حوسب واستخرج في الزيج البهادري وهو أدق الزيجات: يكون تسعة وعشرين يوماً وإحدى وثلاثين دقيقة وخمسين ثانية وثماني ثوالث على أن كل يوم ستون دقيقة وكل دقيقة ستون ثانية.

«فائدتان»

الأولى: إنك دريت أن وضع الجداول في الزيجات على الأمر الأوسط ولا مساس له في الرؤية أعني أن المنجمين يرتبون حركات الكواكب في الجداول على ذلك النهج الأوسط، فإذا أرادوا أن يعلموا رؤية هلال أو تقويم كوكب أو خسوف وكسوف أو مقدار الأيام والليالي وغير ذلك من الأمور احتاجوا إلى محاسبة ثانية الأمور، احتاجوا إلى محاسبة ثانية من تلك الجداول بأعمال التعديلات على الطرق المعلومة عند العالمين بها فليس مبني الجداول أولاً على السير الحقيقي والتقويم الواقعي للكواكب.

ويعبر الزيج في تعابير الفقهاء بالجدول وما في كتب الفقهية - كاللمعة للشهيد الأول (رَحمَةُ اللّه) في كتاب الصوم في رؤية الهلال - لا عبرة بالجدول حق لأن مبني الجداول أعني الزيجات على عد شهر تاماً وشهر ناقصاً حتى يمكن ضبطها ووضعها في الجداول فالجدول في تعابير الفقهاء كان بهذا المعنى ولا اعتبار به قبل المحاسبة ثانية لكل أمر لا أنه ليس على مبني صحيح ومعتبر وذلك كما ترى أن محاسباً يخبر أن في يوم كذا وساعة كذا ينكسف الشمس مثلاً في مقدار كذا ومدة كذا فترى ما أخبر مطابقاً للواقع وإن ظهر خلافه فغلط هو في عمله.

الفائدة الثانية: إن شهر رمضان كسائر الشهور تارة يكون ثلاثين يوماً وتارة تسعة وعشرين يوماً لأن الشهر القمري كما دريت يكون من ليلة رؤية الهلال إلى ليلة رؤية الهلال

والقمر قد يخرج تحت شعاع الشمس في اليوم التاسع والعشرين فيرى الهلال عند مغيب الشمس وقد لا يخرج في ذلك اليوم فيصير الشهر ثلاثين يوماً وليس للنيرين في شهر رمضان وضع خاص حتى يكون دائماً ثلاثين يوماً وليس لشهر رمضان تأثير خاص في ذلك.

وفي التهذيب عن محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن اليوم الذي يشك فيه لا يدري أهو من شهر رمضان أو من شعبان، فقال: شهر رمضان شهر يصيبه ما يصيب الشهور من الزيادة والنقصان فصوموا للرؤية وافطروا للرؤية الحديث (1).

وذهب رئيس المحدثين الصدوق رضوان الله عليه إلى أن شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوماً أبداً، وروى في الخصال بإسناده عن إسماعيل بن مهران قال: سمعت جعفر بن محمد(عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: والله ما كلف الله العباد إلا دون ما يطيقون إنما كلفهم في اليوم والليلة خمس صلوات، وكلفهم في كل ألف درهم خمسة وعشرين درهماً، وكلفهم في السنة صيام ثلاثين يوماً وكلفهم حجة واحدة وهم يطيقون أكثر من ذلك (2).

ثم قال (رَحمَةُ اللّه): مذهب خواص الشيعة وأهل الإستبصار منهم في شهر رمضان أنه لا ينقص عن ثلاثين يوماً أبداً والأخبار في ذلك موافقة للكتاب ومخالفة العامة، فمن ذهب من ضعفة الشيعة إلى الأخبار التي وردت للتقية في أنه ينقص ويصيبه ما يصيب الشهور من النقصان والتمام أتقي كما يتقي العامة ولم يكلم إلا بما يكلم به العامة. وقريب من قوله هذا ما في الفقيه.

أقول: وهذا الكلام منه (قُدِّسَ سِرُّهُ) مع جلالة شأنه غريب جداً والأخبار الناطقة في ذلك إما يشير إلى صوم يوم الشك حيث تغيمت السماء أو إلى أمور أخر ذكرها شراح الأحاديث على أن شيخ الطائفة (قُدِّسَ سِرُّهُ) رد تلك الأخبار في التهذيب بوجوه فمن شاء فليرجع إليه أو إلى الوافي وغيره من الكتب المبسوطة.

ثم إن شراح الأحاديث وفقهاء الإمامية لا سيما الشيخ الطوسي في التهذيبين وإن ذكروا في رد تلك الأخبار القائلة بأن شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين أبداً وتوجيهها وجوهاً كثيرة ولكنها هنا دقيقة تبصر بها وذكرها في حاشية الوافي شيخنا الأجل وأستاذنا الأعظم الجامع للعلوم النقلية والعقلية والمتبحر في الفنون الغريبة الحاج الميرزا أبو الحسن الشعراني متعنا الله بطول بقائه يعجبني أن أذكرها تيمناً بما قال وتمثلاً له في البال، قال مد ظله:


1) مسند الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 188/2، ح 8.

2) الفصول المهمة في أصول الأئمة: 173/2 ح 9 1559، وبحار الأنوار: 41/5، ح 66.

أقول: عادة المنجمين أن يحاسبوا الشهور الهلالية أولاً على الأمر الأوسط ويرتبون الأيام ويستخرجون مواضع الكواكب في تلك الأيام ثم يرجعون ويستخرجون رؤية الأهلة ويرتبون الشهور ويعينون غرة كل شهر على حسب الرؤية فإذا بنوا على الأمر الأوسط حاسبوا شهر محرم تاماً وصفر ناقصاً فهكذا فيكون شعبان ناقصاً ورمضان تاماً وهذا بحسب الأمر الأوسط وهو عادتهم من قديم الدهر إلا أن هذا عمل يبتدون به في الحساب قبل أن يستخرج الأهلة فإذا استخرج الهلال بنوا على الرؤية وكان بعض الرواة سمع ذلك من عمل المنجمين فاستحسنه لأن نسبة النقصان إلى شهر رمضان وهو شهر رمضان وهو شهر الله الأعظم يوجب التنفير وإساءة الأدب فنسبه إلى بعض الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) سهواً وزادوا فيه والعجب أن الصدوق رحمه الله روى الأحاديث في الصوم للرؤية والإفطار لها وروى أحاديث الشهادة على الهلال وروى أحكام يوم الشك ولو كان شعبان ناقصاً أبداً وشهر رمضان تاماً أبداً لا تنفي جميع هذه الأحكام وبطلت جميع تلك الروايات ولا يبقى يوم الشك ولم يحتج إلى الرؤية.

وأما الفرق بين السنة الهجرية القمرية والهجرية الشمسية فنقول: مبدأهما الأول واحد وهو مهاجرة نبينا خاتم الأنبياء (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من مكة إلى المدينة كما مر بيانه مفصلاً إلا أنهم في صدر الإسلام جعلوا مبدأ القمرية من المحرم وجعل في قرب عصرنا مبدأ الشمسية من تحويل الشمس إلى الحمل وما كان الأصل في ذلك هو السنة الهجرية القمرية لما دريت أن العرب أعتبروا الشهور والأعوام من دور القمر فالشهر من ليلة رؤية الهلال إلى ليلتها ثم ركبوا إثني عشرة شهراً قمرياً وسموها سنة ومضى من هجرة نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى هذا اليوم الذي نحرر ذلك المطلب وهو يوم الإثنين ثامن ربيع الأول يوم وفاة إمامنا أبي الأول يوم وفاة إمامنا أبي محمد الحسن بن علي العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و إثنان وثمانون وثلاثمائة وألف سنة وشهران وثمانية أيام.

وأما الهجرية الشمسية وإن كان مبدأهما الأول هجرة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلا أنه تاريخ حديث وضعهن في طهران عاصمة إيرن وكان مبدأه السنة 1304 الشمسية وهو مبني على إثني عشرة شهراً شمسياً كتاريخ الجلالي وأسامي الشهور بعينها أسامي اليزدجردي وهي: فروردين، اردیبهشت خوردا، تیر، مرداد، شهریور، مهر، آبان، آذر، دي، بهمن، اسفند، وجعلوا الشهور الست الأول إحدى وثلاثين يوماً والست الآخر ثلاثين يوماً إلا أن شهر إسفند يكون في الكبيسة ثلاثين يوماً وفي غيره تسعة وعشرين يوماً وبهذه الحيلة نشروا الخمس المسترقة في الشهور تسهيلاً للأمر ومبدأ السنة يكون من يوم تحويل الشمس إلى أول الحمل إن كان تحويلها قبل نصف النهار وإلا فاليوم الذي بعده ومضى من تلك السنة إلى اليوم إحدى وأربعون وثلاثمائة وألف سنة.

والتفاوت بينهما شيء من حيث إن الأول مبتن على حركة القمر وتكون السنة مركبة من

إثني عشر شهراً قمرياً والثاني على حركة الشمس فالسنة مركبة من أثني عشر شهراً شمسياً.

والشهر القمري الحقيقي على الزيج البهادري هو تسعة وعشرون يوماً واثنتي عشر ساعة وأربع وأربعون دقيقة وثلاث ثواني وثلاث ثوالث وتسع روابع وست وثلاثون خامسة.

فلا جرم أن السنة القمرية الحقيقية أربع وخمسون وثلاثمائة يوم وثماني ساعات وثماني وأربعون دقيقة وست وثلاثون ثانية وسبع وثلاثون ثالثة وخمس وخمسون رابعة وإثنتا عشر خامسة الحاصلة من ضرب عدد الشهر القمري في إثني عشرة.

والسنة الشمسية الحقيقية على ما رصد في الزيج البهادري وصرح به في الصفحة الثامنة والثلاثين منه:

خمسة وستون وثلاثمائة يوماً وخمس ساعات وثماني وأربعون دقيقة وست وأربعون ثانية وست ثوالث وعشر روابع.

فالتفاوت بين السنة الشمسية الحقيقية والقمرية الحقيقية هو عشرة أيام وإحدى وعشرون ساعة وتسع ثواني وثماني وعشرون ثالثة وأربع عشرة رابعة وثماني وأربعون خامسة. وهذا هو التحقيق في ذلك المقام بما لا مرية فيه ولا كلام وبالجملة مبدأ تاريخ المسلمين المعمول به عند جمهورهم هو أول شهر المحرم من سنة هجرة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من مكة زادها الله شرفاً إلى المدينة الطيبة.

وذهب محمد بن إسحاق المطلبي كما في السيرة النبوية لابن هشام التي هي منتخبة مما ألفه ابن إسحاق وغيره إلى أن مبدأه يكون شهر ربيع الأول حيث قال: قدم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) المدينة يوم الإثنين حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل لثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول وهو التاريخ وهذا متروك عند المسلمين. ويمكن أن يكون الضمير أعني (هو) في قوله (وهو التاريخ) راجعاً إلى قدومه وهجرته من مكة إلى المدينة فلا تنافي.

«ذكر الأخبار في ذلك»

قال أبو جعفر الطبري في تاريخه المعروف: قال عبيد الله بن أبي رافع قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: جمع عمر بن الخطاب الناس فسألهم فقال: من أي يوم نكتب؟ فقال علي من يوم هاجر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وترك أرض الشرك ففعله عمر (1).

وفيه بإسناده عن الشعبي، قال: كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر أنه تأتينا منك كتب


1) ميزان الحكمة: 1/ 70، ج 84، وكنز العمال: 310/10، ح 29553.

ليس لها تاريخ. قال: فجمع عمر الناس للمشورة فقال بعضهم: أرخ لمبعث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقال بعضهم لمهاجر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال عمر: لا بل نؤرخ لمهاجر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فإن مهاجره فرق بين الحق والباطل.

وفيه عن ميمون بن مهران قال رفع إلى عمر صك محله في شعبان فقال عمر: أي شعبان الذي هو آت أو الذي نحن فهي؟ قال: ثم قال لأصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)ضعوا للناس شيئاً يعرفونه فقال بعضهم: أكتبوا على تاريخ الروم. فقيل إن الفرس كلما قام ملك طرح من كان قبله فاجتمع رأيهم على أن ينظروا كم أقام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالمدينة فوجدوه عشر سنين فكتب التاريخ من هجرة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)

وفيه قام رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: أرخوا. فقال عمر: ما أرخوا؟ قال: شيء تفعله الأعاجم يكتبون في شهر كذا من سنة كذا فقال عمر حسن فأرخوا فقالوا: من أي السنين نبدأ ؟ قالوا من مبعثه وقالوا من وفاته ثم أجمعوا على الهجرة، ثم قالوا: فأي الشهور نبدأ؟ فقالوا: رمضان ثم قالوا: المحرم فهو منصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام فأجمعوا على المحرم (1).


1) تاريخ الطبري: 111/2.

الترجمة

از کلام آن حضرت است که رفتن خود را در پی پیغمبر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و رسیدن به آن جناب بعد از مهاجرت حضرتش از مکه به سوی مدینه حکایت می کند:

پس شروع کردم پیروی میکردم آن راهی را که پیمبر خدا رفته بود پس به یاد او گام می نهادم تا به عرج رسیدم (کنایه از این که از ابتدای خروج از مکه تا این موضع، پیوسته از آن جناب خبر میگرفتم و بر اثر نشان او قدم میزدم عرج بر وزن خرج موضعی است بین مکه و مدینه و به مدینه نزديك تر است).

سید رضی (رَحمَةُ اللّه) در مدح کلام مولی میگوید این جمله گفتار آن حضرت «فاطأ ذكره»، کلامی است که در نهایت اعجاز و غایت فصاحت از آن جناب صادر شد اراده کرده است از آن که من از ابتدای بیرون آمدن از مکه تا رسیدن بدین، موضع همواره از آن حضرت خبر میگرفتم این مطلب را به این کنایه عجیب اداء فرموده است.

هجرت پیغمبر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) از مکه به مدینه و جانشین شدن علی (عَلَيهِ السَّلَامُ)

آن بزرگوار را و در فراش او خفتن به اختصار

کفار مکه از هر قبیله ای تنی چند بر گزیدند که پیغمبر اکرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) را شبانه در بستر خوابش به قتل رسانند و چون بنو عبد مناف قوه مقابله و مقاتله با جميع قبایل ندارند به دیت راضی شوند جبرئیل رسول خدا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) را از سوءنیت آن گروه اعلام فرمود و حضرتش را به مهاجرت اشارت کرد.

پیغمبر اکرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) علی (عَلَيهِ السَّلَامُ) را از آن اخبار فرمود و وی را جانشین خود قرار داد و زن و فرزندان و ودائعی را که مردم از جهت اطمینان و اعتمادی که به پیغمبر داشتند در نزد وی به امانت نهاده بودند به دست علی(عَلَيهِ السَّلَامُ) سپرد، اميرالمؤمنین امر آن جناب را بی دریغ امتثال کرد و در جای رسول خدا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بخفت و در حقیقت جانش را وقایه و فدای پیغمبر اکرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) گردانید که رسول الله شبانه با ابوبکر به غار ثور رفته و سه شب در غار به سر برد تا جان به سلامت به

در برد و سپس به سوی مدینه مهاجرت فرمود و آیه کریمه «و من الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله و الله رؤوف بالعباد» در شأن علی (عَلَيهِ السَّلَامُ) در این موضوع نازل شد.

کفار چون گرد خانه پیغمبر(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) را گرفتند و علی (عَلَيهِ السَّلَامُ) را به جای پیغبر دیدند، ناامید شدند. امیرالمؤمنین (عَلَيهِ السَّلَامُ) سه روز در مکه بود و ودائع را به صاحبانش برگردانید و سپس با زن و فرزندان پیغمبر به سوی مدینه بدان راهی که رسول خدا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) گام نهاد رهسپار شد و مبدأ تاریخ هجری، چه قمری چه، شمسی از این جا آغاز میگردد.

بر مسلمان خردمند پوشیده نیست که این عمل امیر المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) موجب انتظام دین و ایمان و سبب خذلان اهل کفر و عدوان شد. علی (عَلَيهِ السَّلَامُ) جان خویش را در طاعت خدا و حفظ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بخشیده و در فراش رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بخفت تا حضرتش را از کید اعداء برهانید و امر ملت و دین و سلامت و بقاء رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و کتاب الله بدان انتظام یافت و حافظ و حامی شریعت سيد المرسلين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، گردید چه خداوند فرمود: إنّا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون و بر خردمند هوشیار معلوم است که بذل مال و کالا در ازاء بذل نفس بی مقدار است؛. والجود بالنفس اقصى غاية الجود.

المختار المئتان و الخامس و الثلاثون

اشارة:

ومن خطبة له(عَلَيهِ السَّلَامُ): فَاعْمَلُوا وأَنتُمْ في نَفَسِ الْبَقاءِ وَالصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ، وَالتَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ، وَالْمُدْبِرُ يُدْعَى وَالْمُسيءُ يُرْجَى قَبْلَ أَنْ يَحْمَدَ الْعَمَلُ ويَنْقَطِعَ الْمَهَلُ، ويَنْقَضِيَ الْأَجَلُ، ويُسَدَّ باب التَّوْبَةِ، وتَصْعَدَ الْمَلائِكَةُ فَأَخَذَ امْرُؤأَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وأَخَذَ مِنْ حَيٍّ لِمَيِّتِ، ومِنْ فان لباقي، ومِنْ ذاهب لدائمِ امْرُؤٌ خافَ اللَّهَ وَهُوَ مُعَمَّرٌ إِلى أَجَلِهِ، ومَنْظُورٌ إِلى عَمَلِهِ امْرُؤٌ أَلْجَمَ نَفْسَهُ بِلِجامِها، وزَمَّهَا بِزِمامِها، فَأَمْسَكَها بِلِجامِها عَنْ مَعاصِي الله، وقادَها بِزِمامِها إِلى طَاعَةِ اللهِ(1)

اللغة

(في نفس البقاء) أي في سعته والنفس بالتحريك كالسبب السعة والفرج والمهلة والفسحة في الصحاح للجوهري: والنفس بالتحريك، يقال أنت في نفس من أمرك أي في سعة.

(الصحف) جمع الصحيفة أي: الكتاب وتجمع على الصحائف أيضاً والمراد به هنا صحائف أعمال الإنسان (التوبة) أصلها الرجع عما سلف ولذا فسر الزمخشري قوله تعالى: فَتَلَقَّى وَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَةٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة: 37] أي: فرجع عليه بالرحمة والقبول وفي الإصطلاح الندم على الذنب لقبحه عند العدلية ولذا عرفوها على التفصيل بقولهم: هي الندم على المعصية لكونها معصية مع العزم على ترك المعاودة في المستقبل، وبعبارة أخرى الندم على القبيح مع العزم أن لا يعود إلى مثله في القبح كما يأتي شرحها وتفسيرها والتوبة إذا أسند إلى الله تعالى تكون صلته على كقوله تعالى: فَنَابَ عَلَيْهِ وقوله تعالى: وَاَرِنَا مَنَاسِكَنَا وتب عَلَيْنَا [البقرة: 128] وإذا أسند إلى العبد تكون صلته إلى كقوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم: 8] في صحاح الجوهري وتاب إلى الله توبة ومتاباً وقد تاب الله عليه وفقه لها.

وقال الطبرسي في المجمع (التوبة) والإقلاع والإنابة في اللغة نظائر وضد التوبة الإصرار والله تعالى يوصف بالتواب ومعناه أنه يقبل التوبة عن عباده وأصل التوبة الرجوع عما سلف والندم على ما فرط فالله تعالى تائب على العبد بقبول توبته والعبد تائب إلى الله تعالى بندمه على معصيته (يدعى ويرجى) كل واحد منهم ناقص واوي من دعو ورجو. ويحتمل أن يكون يرجى من الأرجاء أي التأخير والإمهال وقلب الهمزة ياء لغة فيه فقلب الهمزة ياء ثم


1) بحار الأنوار: 191/28، وشرح نهج البلاغة: 307/13.

أبدل ألفاً ومنه قوله تعالى في الأعراف والشعراء: قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ [الأعراف: 111] قال الجوهري في صحاح اللغة أرجأت الأمر أخرته بالهمز وبعض العرب يقول أرجيت ولا يهمز.

(يخمد) في الصحاح: خمدت النار تخمد خموداً إذا سكن لهبها ولم يطفأ جمرها خمدت الحمى سكن فورانها وجاء من بأبي نصر وعلم قال يزيد بن حمان السكوني في الحماسة الثالثة والتسعين:

إني حمدتُ بني شيبان إذ خمدت *** نيران قومي وفيهم شُبَت النارُ

وروى يحمد (العمل) بالهاء المهملة والأول أولى وأنسب بقرينة ينقطع.

(المهل) بالتحريك كالأجل: التؤدة وقال المرزوقي في شرحه على الحماسة المهل والمهل والمهلة تتقارب في إداء معنى الرفق والسكون والمراد بهها هنا العمر لذي أمهل الناس فيه.

(الأجل) بالتحريك: مدة الشيء، وقت الموت، غاية الوقت.

(فأخذ) أمر في صورة الخبر:أي: فليأخذ.

(ميت) فعل من الوت وأصله ميوت كسيد سيود من السؤدد قال نظام الدين النيشابوري في شرحه على الشافية لابن الحاجب نحو سيد ليس مكرر العين إذ لم يوجد فعل بكسر العين في الأسماء الصحيحة ولا فعل بفتحها وفيعل بالكسر وإن لم يوجد في الصحيح إلا أنهم وجدوا فيعلاً بالفتح نحو صيرف وضيغ فكأنهم خصوا الأجوف بالكسر لمناسبة الياء (اللجام) معرب لكام كما في الصحاح اللجام فارسي معرب.

(قادها) قدت الفرس وغيره أقود قوداً إذا مشيت أمامه آخذاً بمقوده عكس ساق يقال:

ساق الدابة سوقاً من باب قال كقاد إذا حثها على السير من خلف الإعراب

الإعراب

كلمة الفاء في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (فاعملوا) لمجرد الترتيب والتقدير أنتم في نفس البقاء وفاعملوا قبل أن يخمد العمل.

الواو في (وأنتم في نفس البقاء) للحال والجملة مبتدأ وخبر والجمل الأربع بعدها معطوفة عليها أي والحال أنتم في نفس البقاء والحال الصحف منشورة وهكذا.

(قبل أن يخمد العمل) الظرف متعلق بقوله فاعملوا والجمل الأربع بعدها معطوفة عليها أي فاعملوا قبل أن ينقطع المهل فاعملوا قبل أن ينقضي الأجل وهكذا.

(فأخذ أمرؤ من نفسه لنفسه) أخذ فعل ماض أقيم مقام الأمر أعني أنه أمر في صورة الخبر:أي فليأخذ وكلمة (قا) رابطة للجواب بالشرط والتقدير إذا كان كذلك فليأخذ، وكلمتا من واللام الجارتين متعلقان بأخذ واللام للتعليل وكذا الجمل الثلاث التالية.

(أمرؤ خاف) بدل لامرؤ في قوله فأخذ أمرؤ وكذا قوله أمرؤ ألجم نفسه.

(والواو) في وهو معمر للحال ومنظور عطف على معمر.

وقوله: (فأمسكها بلجامها) إلى قوله: (طاعة الله) مفصلة مبينة لقوله ألجم نفسه بلجامها وزمها بزمامها فالفاء فيها للترتيب لأن تلك الفاء تكون في عطف مفصل على مجمل كما في مغني اللبيب وهذا المقام كذلك كقوله تعالى: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء: 153] ونحو قوله تعالى: وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [التحريم: 10] الآية.

والباءات الأربع للإستعانة نحو كتبت بالقلم نجرت بالقدوم والأولى متعلقة بالجم.

والثانية بزم والثالثة والجارة تاليها بأمسك. والرابعة: وتاليها بقاد.

المعنى

في هذه الخطبة يحرض (عَلَيهِ السَّلَامُ) الناس ويحثهم على طاعة الله والمتاب إليه تعالى ونهي النفس عن الهوى وسوقها إلى الكمالات الإنسانية، ويحذرهم عن القنوط من رحمة الله وسوء الظن به تعالى واليأس من روح الله بأن باب التوبة مفتوح ووقت العمل باقي فقال(عَلَيهِ السَّلَامُ):

(فاعملوا وأنتم في نفس البقاء) أي: فاعملوا لآخرتكم وخذوا من ممركم لمقركم والحال أنتم في سعة من البقاء والحياة فلم يتصرم وقت العمل فاغتنموا الفرص وكونوا أبناء الوقت.

قوله(عَلَيهِ السَّلَامُ): (والصحف منشورة) أي الصحائف التي كتب فيها أعمال الخلائق منشورة لم يطو بعد وإنما يطوى بانقضاء لأجل أي: فاعملوا وأنتم أحياء بعد لما علمت أن صحيفة أعمال الإنسان لا يطوى إلا إذا مات فالإنسان متى لم يجيء أجله فهو في سعة أن يعمل الصالحات.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (والتوبة مبسوطة) أي: أن التوبة ليست مردودة عليكم ولا مقبوضة عنكم إن فعلتموها فهي مبسوطة وبابها مفتوح للإنسان إلى قبيل موته.

قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في آخر خطبة خطبها كما في من لا يحضره الفقيه للصدوق (قُدِّسَ سِرُّهُ) من تاب قبل موته بسنّة تاب الله عليه ثم قال: وأن السنّة لكثيرة من تاب قبل موته بشهر

تاب الله عليه ثم قال: وأن الشهر لكثير من تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه ثم قال: وأن اليوم لكثير من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه ثم قال: الساعة لكثيرة من تاب وقد بلغت نفسه هذه وأهوى بيده إلى حلقه تاب الله عليه» (1).

وفي مجمع البيان بعد نقل هذه الرواية عن الفقيه قال: وروى الثعلبي بإسناده عن عبادة بن الصامت عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) هذا الخبر بعينه إلا أنه قال في آخره والساعة لكثيرة من تاب قبل أن يغرغر بها تاب الله عليه (2)

وفي الكافي لثقة الإسلام الكليني (قُدِّسَ سِرُّهُ) في باب وقت التوبة: عن بكير عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال إن آدم قال يا رب سلطت علي الشيطان وأجريته مجرى الدم مني فاجعل لي شيئاً فقال: يا آدم جعلت لك أن من هم من ذريتك بسيئة، لم يكتب عليه شيء فإن عملها كتبت عليه سيئة ومن هم منهم بحسنة فإن لم يعملها كتبت له حسنة فإن هو عملها كتبت له عشراً قال يا رب زدني. قال: جعلت لك أن من عمل منهم سيئة ثم استغفر غفرت له:قال يا رب زدني قال جعلت لهم التوبة وبسطت له التوبة حتى يبلغ النفس هذه قال يا رب حسبي (3).

وفيه أيضاً في ذلك الباب عن ابن وهب قال خرجنا إلى مكة ومعنا شيخ متعبد متأله لا يعرف هذا الأمر يتم الصلاة في الطريق ومعه ابن أخ له مسلم فمرض الشيخ فقلت لابن أخيه لو عرضت هذا الأمر على عمك لعل الله تعالى أن يخلصه فقال: كلهم دعوا الشيخ حتى يموت على حاله فإنه حسن الهيئة فلم يصبر ابن أخيه حتى قال له: يا عم إن الناس ارتدوا بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلا نفراً يسيراً وكان لعلي بن أبي طالب أبي طالب من الطاعة ما كانت الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وكان بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الحق والطاعة له قال: فتنفس الشيخ وشهق وقال: أنا على هذا وخرجت نفسه فدخلنا على أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فعرض علي بن السري هذا الكلام على أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: هو رجل من أهل الجنة فقال له علي بن السري: إنه لم يعرف شيئاً من ذلك غير ساعته تلك قال: فتريدون منه ماذا قد دخل والله الجنة (4).

وفي الكافي عن زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إذا بلغت النفس هذه - وأومى بيده إلى حلقه - لم يكن للعالم توبة وكانت للجاهل توبة (5).


1) الفقيه من لا يحضره الفقيه: 133/1: 351، ووسائل الشيعة: 456/ ح 2 2536.

2) بحار الأنوار: 16/6، وتفسير مجمع البيان: 43/3.

3) كتاب الزهد: 75، ح 201، والجواهر السنية: 12.

4) الشيعة في أحاديث الفريقين: 498، وبحار الأنوار: 282/28.

5) الكافي: 440/2 ح 3، وشرح أصول الكافي: 167/2: 167/2 ح 3، ووسائل الشيعة: 87/16 ح 21056.

وفي رياض السالكين في شرح الصحيفة السيد الساجدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الدعاء الحادي والثلاثين قال بعض المفسرين: ومن لطف الله تعالى بالعباد إن أمر قابض الأرواح بالإبتداء في نزعها من أصابع الرجلين ثم تصعد شيئاً فشيئاً إلى أن تصل إلى الصدر ثم تنتهي إلى الحلق ليتمكن في هذه المهلة من الإقبال على الله تعالى والوصية والتوبة ما لم يعاين والإستحلال وذكر الله سبحانه فتخرج روحه وذكر الله على لسانه فيرجى بذلك حسن خاتمته (1).

وها هنا مباحث:

الأول: كما في المجلى وغيره أن التعلق بالجسمانيات موجب لبعد النفس عن المعقولات واشتغالها بالمجردات لشدة تعلقها وعظم إنغماسها في عالم الطبيعة فيحصل البعد الموجب للحرمان عن الوصول إلى الكمال.

وفي الكافي للكليني (رَحمَةُ اللّه) في غوائل الذنوب وتبعاتها عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: كان أبي يقول ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة، إن القلب ليواقع الخطيئة فما تزال به حتى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله (2).

وقال الفيض (رَحمَةُ اللّه) في الوافي في بيانه: يعني فما تزال تفعل تلك الخطيئة بالقلب وتؤثر فيه بحلاوتها حتى يجعل وجهه الذي إلى جانب الحق والآخرة إلى جانب الباطل والدنيا فحقيقة التوبة الإقلاع عن ذلك التعلق ونفي العلاقة وجذب النفس عن عالم الأجسام حتى ذلك ملكة لها ليتعلق بعلم التطهير والحصول مع القديسين وبذلك ينجو عن ورطة يصير الحجاب والبعد بسبب الإلتفات إلى المعقولات والتعلق بالمجردات، فإن البعد عن الجانبين مقرب إلى الآخر ومن هذا قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): «الدنيا، والآخرة ككفتي ميزان أيهما رجحت نقصت الأخرى» وقال بعض أهل الحكة أنهما كالضرتين الأنس بأحدها يوجب الوحشة من الأخرى.

وبالجملة الأمور الدنيوية والتعلق بها توجب الحرمان ومنع التعلق بالأمور الأخروية وبقدر ما يبعد عن أحدهما يقرب من الأخرى وعبر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن هذه الجملة بقوله: الدنيا رأس كل خطيئة فلا يتحقق التوبة المعتبرة عند أهل الله إلا بالإعراض عن الأحوال الدنيوية بالكلية بحيث لا يلتفت إليها ويبعدها عن مطمح نظره كما جاء في الحديث: الدنيا محرمة على أهل الآخرة والآخرة محرمة على أهل الدنيا وهما معاً محرمتان على أهل الله ولهذا قيل: إن التوبة


1) بحار الأنوار: 17/6، وتفسير العياشي: 228/1.

2) الأمالي: 438، ح 979، ومشكاة الأنوار: 446.

على ثلاثة أنواع عام للعبيد كلهم وهي التوبة عن ترك الطاعة وفعل القبيح. وخاص بأهل الورع وهي التوبة عن فعل المكروه وترك المندوب، وأخص من الخاص وهي التوبة عن الإلتفات إلى غير الله وهي لأهل الولاية الذين هم في مرتبة الحضور في أغلب الأوقات، وتوبة نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأوليائه من هذا القبيل ومنه قوله(عَلَيهِم السَّلَامُ): إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة وأهل هذه الطبقة هم أهل المراقبة.

الثاني: إن التوبة عن المعاصي واجبة على العباد وهو مبتن على مقدمة وهي: إن الحسن والقبح أمران عقليان وهذا حكم متفق عليه بين العدلية من الإمامية والمعتزلة وذهبت الأشاعرة إلى أن الحسن والقبيح إنما يستفادان من الشرع فكلما أمر الشرع، به فهو حسن وكلما نهى عنه فهو قبيح ولولا الشرع لم يكن حسن ولا قبيح ولو أمر الله تعالى بما نهى عنه لانقلب القبيح إلى الحسن والقول بثبوت الحسن والقبح عقلاً ما يدعى فيه أهل التحقيق والضرورة ومع ذلك نقول كما في المجلي:

لا ريب إن الحُسن والقبيح قد استعملا لما يلائم الطبع ولما ينافيه فيقال للأول: حسن وللثاني: قبيح ويقالان باعتبار النقص والكمال فما هو كمال يقال له الحسن وما هو نقص يقال له قبيح، فمن الأول قولهم هذا طعم حسن وطعم قبيح وصورة حسنة وصورة قبيحة، باعتبار ملائمة الطبع ومنافرته ومن الثاني قولهم العلم حسن والجهل قبيح، ومدرك هذا الحسن والقبيح في الموضعين هو العقل عند الكل بلا مرية وريب.

وأما باعتبار استحقاق المدح والذم بأن يقال: الحسن ما يستحق فاعله المدح والقبيح ما استحق فاعله الذم فهل هو مدرك بالعقل، ذلك موضع نزاع وأكثر العقلاء على ثبوتهما به بذلك المعنى وخالف الأشاعرة فيه وقالوا: لا حكم للعقل في ثبوتهما به بذلك المعنى بل إنما الحاكم بذلك الشرع فما مدح فاعله الشرع فحسن وما ذمه فقبيح وهذا الأصل هو مبني قواعد العدلية ومخالفوهم إذ مع تحقق ثبوت الحسن والقبح عقلاً يمكن للعقل المجال في البحث عن إثباتها ونفيهما باعتبار حسن المدح والذم عنده على تقدير وقوعهما من الفاعل المختار ولذا أسندوا القبائح إلى مباشرها القريب ونفوا جميع القبائح عن الحكيم تعالى نظراً إلى حكمته باعتبار أن وقوع القبيح مستلزم للذم عند العقل المنزه جناب الحق تعالى عنه المقدس عن النقائص وأثبتوا بذلك جميع الواجبات العقلية على الله تعالى وعلى غيره، نظراً إلى أن العقل يقسم الحسن عنده إلى ما ينتهي إلى الرجحان في جانب العقل إلى أن ينتهي إلى الترك، فقالوا: بوجوب التكليف وجميع فروعه على الله تعالى وأوجبوا على العاقل المنع شكر المنعم والنظر في الأمور العقلية وقالوا: إنه مكلف بهما وإن لم يرد الشرع بذلك ولهذا سموهم العدلية.

وأما الأشعري فلما لم يقل بثبوتها عقلاً لم يثبت شيئاً من ذلك عنده، بل قالوا: إن الله تعالى أخبر في الشرع بجميع ذلك فكل قبيح حسن إنما يعلم بإعلامه ولولاه لما كان للعقل علم بشيء منهما، فلا يقبح من الله شيء ولا يجب عليه شيء وكل ما سواه صادر عنه بناء على ما أصلوه وهذا تحقيق أصل مذهب الفريقين في باب الأفعال ولكل من الفريقين دلائل مذكورة في مواضعها.

وقال العلّامة الحلي (قُدِّسَ سِرُّهُ) في شرحه على تجريد الإعتقاد: وقد شنع أبو الحسين على الأشاعرة بأشياء ردية وما شنع به فهو حق إذ لا تتمشى قواعد الإسلام بارتكاب ما ذهب إليه الأشعرية من تجويز القبائح عليه تعالى، وتجويز إخلاله بالواجب وما أدري كيف يمكنهم الجمع بين المذهبين وأعلم أنه لا يشك عاقل إن الصدق المشتمل على النفع حسن في نفسه والكذب المشتمل على الضرر قبيح في نفسه سواء لاحظ الشرع أولاً فإن العاقل متى عرض ذلك على نفسه وفرض نفسه خالياً عن الشرع جزم به من غير أن يخالجه شك فيه ولا يعبأ بمن أنكر الضرورة إذ هو مكابر بمقتضى عقله فلا يلتفت إليه ولهذا إن العاقل متى خير بين الصدق والكذب عند اختيار ما استوت منفعته ومضرته باعتبار وقوع أيهما منه يميل إلى الصدق ويختاره وما ذلك إلا لعلمه با فيه من الحسن الذاتي وبما في الكذب من القبح الذاتي، وإنما يتغيران بعوارض تعوق العقل عن أتباعهما لاعن العلم بهما فقد يختار الكذب ويترك الصدق إما لاشتمال الأول على مصلحة أو منفعة عاجلة، واشتمال الثاني علي مضرة عاجلة أو حصول منفعة، فيميل بحسب الطبيعة إلى مخالفة العقل طلباً لتلك الفائدة وترجيحاً لها لا لتغير في الصدق والكذب عن الحسن والقبح الذاتيين لها، وذلك بين تشهد به العقول السليمة عن آفة الإلفة والمحبة والتقليد.

وبوجه آخر: لو كان مدرك الحسن والقبح هو الشرع وحده لزم أن لا يتحققا بدونه لكن اللازم بطل فالملزوم مثله بيان الملازمة إنه على ذلك التقدير يكون الشرع علة في ثبوتهما أو شرطاً في تحققهما ويستحيل وجود المعلول بدون وجود العلة وثبوت المشروط بدون الشرط فعلى تقدير أنهما شرعيان يجب أن لا يحصلا إلا به وبيان بطلان اللازم أن أن من لا يعتقد الشرع من أصناف الكفر كأهل الهند والبراهمة والملاحدة يجزمون بحسن الصدق وقبح الكذب ووجوب شكر المنعم ويذمون فاعل الكذب وتارك الشكر ويمدحون فاعله وفاعل الحسن من غير أن يتوقفون في ذلك على الشرع لأنهم لا يعتقدون به.

فإن قلت: جاز أن يكون المدرك لذلك طباعهم.

قلت: الطباع مختلفة فلو كان المدرك لذلك طباعهم لما تحقق إتفاقهم فيه لكن الأمر ليس كذلك فلا يكون إلا عقلياً.

إن قلت: جاز أن يكون ذلك ثابتاً عندهم بشريعة سابقة نسختها هذه الشريعة.

قلت: إنما تجد هذا الحكم عند من يتقي الشرائع البتة بل ويقبح النبوات فلا يكون ذلك الوهم حاصلاً بالنسبة إليه مع أن هذا المعتقد في هذا الوقت لا يعرف تلك الشريعة ولا النبي الذي جاءها حتى يكون حكمه باعتبار الشرع.

فإن قلت: إن الله تعالى أجرى عادته بخلق هذه العلوم عند تصوراتهم.

قلت: لا يجدي ذلك نفعاً إذ لا يسمى ذلك شرعاً إتفاقاً فلا يكون إلا حكماً عقلياً.

ثم نقول: إنّ كل ما حكم به العقل حكم به الشرع ويعاضد العقل فيما حكم به كوحدة الصانع، وحسن الإحسان، وشكر النعم، ووفاء العهد، وأداء الأمانة، وقبح الكذب، والظلم ونقض العهد والخيانة وكفر النعمة وغيرها من الأمور المدركة عند العقل وأما كل ما حكم به الشرع من الأحكام الخمسة المتعلقة على أفعال العباد فيحكم به العقل إن وصل إليه وأدركه. مثلاً إن الشارع تعالى أحل أكل الغنم بشرط أن يذبح على شرائط الذبح وإن مات هذا الغنم حتف أنفه أو لم يراع بعض تلك الشروط للذبح فهو ميتة فحرمها لمفسدة كامنة فيها، فإن أدرك العقل ما في الميتة من المفسدة يقضي على وجوب اجتنابها ويذم آكلها ويقبح عمله، وكذا إن الشارع تعالى أوجب صوم شهر رمضان ولا ريب أنه حسن في نفس الأمر وحرم صيام يوم الفطر وهو قبيح في نفس الأمر فلو أدركها العقل حق الإدراك لحكم بحسن الأول ووجوبه وقبح الثاني وحرمته

ولذا قال المتكلمون إن البعثة حسنة لاشتمالها على فوائد وعدوا من تلك الفوائد هذين معاضدة العقل فيما يدل عليه واستفادة الحكم فيما لا يدل. والأحكام الخمسة مبتنية على مصالح ومفاسد كامنة في الأفعال والأشياء، خلافاً للأشاعرة قائلين بأن الحسن والقبح يستفادان من الشرع فكلما أمر الشرع به فهو حسن وكلما نهى عنه فهو قبيح ولولا الشرع لم يكن حسن ولا قبيح كما دريت.

وبالجملة العدلية أعني الإمامية والمعتزلة وجمهور الحكماء ذهبوا إلى أن الأحكام معللة بالمصالح والمفاسد الذاتية الكامنة في الأشياء، وأن أفعال العباد متصفة في نفس الأمر بالحسن والقبح أدركهما العقل أم لا، لأنه لو كان جميع الأفعال في الحسن والقبح، والنفع والضر على السواء ومع ذلك كان بعضها مأموراً به وفعله مطلوباً وبعضها الآخر منهياً عنه وتركه مطلوباً، للزم الترجيح بلا مرجح والتخصيص بلا مخصص وهو في نفسه محال وصدوره من الحكيم العليم القدير قبيح وممتنع وللحكماء المتكلمين من العدلية في إبرام هذا المعنى ورد أدلة الأشاعرة أدلة آخر أعرضنا عنها خوفاً للإطالة.

وقد حضرت على سبيل الإجمال في الضروريات الخمس الكلية التي عللت بها الأحكام الشرعية الكلية، فإن كل واحد منها حرم لحفظ شيء من تلك الكليات التي هي الضروريات التي لا يستقيم النوع إلا بحفظها، ففي من لا يحضره الفقيه لرئيس المحدثين الصدوق رضوان الله عليه وفي باب علل تحريم الكبائر من الوافي للفيض (قُدِّسَ سِرُّهُ) نقلاً عنه:

كتب علي بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى محمد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله: الله قتل النفس لعلة فساد الخلق في تحليله لو أحل وفنائهم وفساد التدبير» (1).

وحرم الله تعالى عقوق الوالدين لما فيه من الخروج من التوقير الله تعالى والتوقير للوالدين وكفر النعمة وإبطال الشكر وما يدعو من ذلك إلى قلة النسل وانقطاعه لما العقوق من قلة توقير الوالدين والعرفان بحقهما وقطع الأرحام والزهد من الوالدين في الولد وترك التربية لعلة ترك الولد برهما.

و حرم الله الزنا لما فيه من الفساد من قتل الأنفس وذهاب الأنساب وترك التربية للأطفال وفساد المواريث وما أشبه ذلك من وجوه الفساد.

وحرم الله عزّ وجلّ قذف المحصنات لما فيه من فساد الأنساب ونفي الولد وإبطال المواريث وترك التربية وذهاب المعارف وما فيه من الكبائر والعلل التي تؤدي إلى فساد الخلق.

و حرم الله أكل مال اليتيم ظلماً لعلل كثيرة من وجوه الفساد: أول ذلك إذا أكل الإنسان مال اليتيم ظلماً فقد أعان على قتله إذ اليتيم غير مستغن ولا متحمل لنفسه ولا قائم بشأنه ولا له من يقوم عليه ويكفيه كقيام والديه فإذا أكل ماله فكأنه قد قتله وصيره إلى الفقر والفاقة مع الله عليه، وجعل له من العقوبة في قوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ حرم ذُرِّيَّةً ضِعَفًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلَيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [النساء: 9] ولقول أبي جعفر(عَلَيهِ السَّلَامُ): إن الله تعالى أوعد في أكل مال اليتيم عقوبتين عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة ففي تحريم مال اليتيم إستبقاء اليتيم واستقلاله لنفسه والسلامة للعقب أن يصيبهم ما أصابه لما أوعد الله عزّ وجلّ فيه من العقوبة مع ما في ذلك من طلب اليتيم بثأره إذا أدرك وقوع الشحناء والعداوة والبغضاء حتى يتفانوا.

وحرم الله الفرار من الزحف لما فيه من الوهن في الدين والاستخفاف بالرسل صلوات الله وسلامه عليهم والأئمة العادلة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وترك نصرتهم على الأعداء والعقوبة لهم على إنكار ما دعوا إليه من الإقرار بالربوبية وإظهار العدل وترك الجور وإماتته والفساد ولما في ذلك من


1) بحار الأنوار: 97/6، ومسند الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 2/ 385، ح 04

جرأة العدو على المسلمين وما يكون في ذلك من السبي، والقتل وإبطال حق الله تعالى وغيره من الفساد.

وحرم الله تعالى التعرب بعد الهجرة للرجوع عن الدين وترك الموازرة للأنبياء والحجج عليهم أفضل الصلوات وما في ذلك من الفساد وإبطال حق كل ذي حق حقه لا لعلة سكنى البدو ولذلك لو عرف الرجل الدين كاملاً لم يجز له مساكنة أهل الجهل والخوف عليه لأنه لا يؤمن إن وقع منه ترك العلم والدخول مع أهل الجهل والتمادي في ذلك.

وعلة تحريم الربا لما نهى الله تعالى ولما فيه من فساد الأموال لأن الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهماً وثمن الآخر باطلاً فبيع الربا وشراؤه وكس على كل حال على المشتري وعلى البائع فحظر الله تعالى على العباد الربا لعله فساد الأموال كما حظر على السفيه أن يدفع إليه ماله لما يتخوف عليه من إفساده حتى يونس منه رشده فلهذه العلة حرم الله تعالى الربا وبيع الربا بيع الدرهم بالدرهمين.

وعلة تحريم الربا بعد البينة لما فيه من الإستخفاف بالحرام المحرم وهي كبيرة بعد البيان وتحريم الله تعالى لها لم يكن ذلك منه إلا إستخفافاً بالمحرم الحرام والإستخفاف بذلك دخول في الكفر.

وعلة تحريم الربا بالنسبة لعلة ذهاب المعروف وتلف الأموال ورغبة الناس في الربح تركهم للقرض والقرض صنائع المعروف ولما في ذلك من الفساد والظلم وفناء الأموال (1).

وفي الفقيه أيضاً عن جابر عن زينب بنت علي (عَلَيهَا السَّلَامُ) قالت: قالت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) في خطبتها في معنى فدك: الله بينكم عهد قدمه إليكم وبقية إستخلفها عليكم كتاب الله بينة بصائره وآي منكشفة سرائره وبرهان منجلية ظواهره مديم للبرية إستماعه، وقائد إلى الرضوان إتباعه مؤدياً إلى النجاة أشياعه، فيه تبيان حجج الله المنورة، ومحارمه المحذورة، وفضائله المندوبة، وجمله الكافية ورخصه الموهوبة وشرائعه المكتوبة وبيناته الجلية، ففرض الله الإيمان تطهيراً من الشرك، والصلاة تنزيهاً عن الكبر والزكاة زيادة في الرزق والصيام تبييناً للإلخلاص والحج تسنية للدين والعدل تسكيناً للقلوب، والطاعة نظاماً للملة والإمامة لماً منالفرقة، والجهاد عزّ الإسلام والصبر معونة على الإستيجاب، والأمر بالمعروف مصلحة للعوام وبر الوالدين وقاية عن السخط وصلة الأحارم منماة للعدد والقصص حقناً للدماء والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تعبيراً للحنيفية تعييراً


1) شرح اللمعة: 301/3، وعيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 101/1.

للبخسة« وقذف المحصنات حجباً عن اللعنة والسرقة إيجاباً للعفة وأكل أموال اليتامى إجارة من الظلم والعدل في الأحكام إيناساً للرعية، وحرم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبية فاتقوا الله حق تقاته فيما أمركم الله به وانتهوا عما نهاكم (1).

وفيه عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنما حرم الربا كيلاً يمتنعوا من صنائع المعروف.

وفيه عن أبي جعفر(عَلَيهِ السَّلَامُ): إنما حرم الله عزّ وجلّ الربا لئلا يذهب المعروف.

وفيه أيضاً: سأل هشام بن الحكم أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن علة تحريم الربا فقال: إنه لو كان الربا حلالاً لترك الناس التجارات وما يحتاجون إليه فحرم الله الربا ليفر الناس من الحرام إلى الحلال والتجارات وإلى البيع والشرى فيبقى ذلك بينهم في القرض (2).

وقال الفيض (قُدِّسَ سِرُّهُ) في الوافي: ولتحريم الربا علة أخرى ذكرها بعض أهل المعرفة حيث قال: آكل الربا أسوأ حالاً من جميع مرتكبي الكبائر، فإن كل مكتسب له توكل ما في كسبه قليلاً كان أو كثير كالتاجر والزارع والمحترف لم يعينوا أرزاقهم بعقولهم ولم يتعين لهم قبل الإكتساب فهم على غير علوم في الحقيقة كما قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): أبى الله أن يرزق المؤمن إلا من حيث لا يعلم وأما آكل الربا فقد عين مكسبه ورزقه وهو محجوب عن ربه بنفسه وعن رزقه بتعيينه لا توكل له أصلاً فوكله الله تعالى إلى نفسه وعقله وأخرجه من حفظه وكلاءته فاختطفته الجن وخبلته فيقوم يوم القيامة ولا رابطة بينه وبين الله عزّ وجلّ كسائر الناس المرتبطين به بالتوكل، فيكون كالمصروع الذي مسه الشيطان فيخبطه لا يهتدي إلى مقصد.

فإذا دريت إن أفعال العباد متصفة في نفس الأمر بالحسن والقبح العقليين فنقول: إن الأحكام المتعلقة بها تكون على خمسة أقسام، لأن الحسن ينقسم إلى الأحكام الأربعة الواجب والمندوب والمباح والمكروه والقبيح حرام فتصير أحكام الحسنة مع القبيح خمسة ووجه الحصر كما في المجلي وشرح التجريد للعلامة.

إن العقل عند حدوث الفعل إما أن يصفه بوصف زائد على حدوثه أو لا يصفه بغير الحدوث والثاني حركات غير القاصد كالساهي والنائم والأول لا يخلو ذلك الوصف إما جزم العقل بالنفرة منه وهو القبح وإلا فهو الحسن ثم الحسن إن رجح جانب الفعل إلى حد يمنع العقل من تركه، فهو الواجب وإلا فندب وإن كان راجح الترك رجحاناً لا يصل إلى المنع من فعله حتى ينفر العقل منه فمكروه، وإن تساوى طرفي الفعل والترك فمباح فالقبيح


1) بحار الأنوار: 108/6، والتبيان: 417/3.

2) ميزان الحكمة: 1032/2، ح 1434، وبحار الأنوار: 119/100، ح 24.

ما كان على حد ينفر العقل منه بحيث يذم فاعله والحسن ما ليس كذلك.

فالواجب منه ما يحكم العقل بوجوب المدح لفاعله والذم لتاركه والمكروه ما لا يستحق الذم بفعله ويستحق المدح بتركه، والندب ما يستحق المدح بفعله ولا ذم في تركه والمباح ما لا يستحق بفعله ولا بتركه مدحاً ولا ذماً.

ليعلم أن هذا التقسيم منطبق على تقسيم القضايا الثلاث العقلية أعني الوجوب والإمكان والإمتناع فإن الواجب لما كان راجح الفعل ممنوع من تركه كان نظير الواجب لذاته الذي هو راجح الوجود غير جائز العدم.

والحرام لما كان راجح الترك غير جائز فعله كان كالممتنع الذي هو راجح العدم ولا يصح وجوده.

والمندوب لما كان راجح الفعل مع جواز الترك كان كالممكن الواجب بعلته مع جواز العدم عليه باعتبار ذاته.

والمكروه لما كان راجح الترك مع جوز الفعل كان كالممتنع بغيره فإنه راجح العدم مع جواز الوجود باعتبار ذاته

والمباح لما كان متساوي طرفي الفعل والترك من غير ترجيح لأحدهما كان كالممكن الصرف الذي لم يلاحظ معه علة الوجود ولا علة العدم.

فإذا علمت في هذه المقدمة أن الأحكام الخمسة مبتنية على المصالح والمفاسد الكائنة في الأشياء وأفعال العباد، وحرم هذه لمفسدة وضرر وأحل ذلك لمصلحة ونفع، وما حرم فهو قبيح في نفس الأمر وأن ارتكاب القبائح والمعاصي يبعد الإنسان عن الله تعالى ويوجب الحرمان وعن كماله اللائق له وكذا الإخلال بالواجب ولا ريب إن إزالة المضار واجبة في العقول لأن الذنوب سموم مهلكة فيجب عليه عقلاً وشرعاً أن يتوب إلى الله أي يندم على ترك الواجب وفي القبيح في الماضي لقبحه وأن يعزم على ترك المعاودة إليه فالتوبة واجبة لدفعها الضرر ولوجوب الندم على كل قبيح لقبحه أو إخلال بالواجب وعلى هذا التحقيق يستفاد فورية وجوب التوبة أيضاً كما لا يخفى.

وإنما قلنا: ولوجوب الندم على كل قبيح ليشمل الدليل الصغائر لو اعترض معترض أن قولنا لدفعها الضرر لا يشمل الصغائر.

كما وقال العلّامة الشيخ البهائي (قُدِّسَ سِرُّهُ) رياض السالكين: لا ريب في وجوب التوبة على الفور فإن الذنوب بمنزلة السموم المضرة بالبدن، وكما يجب على شارب السم المبادرة إلى الاستفراغ تلافياً لبدنه المشرف على الهلاك كذلك يجب على صاحب الذنوب

المبادرة إلى تركها والتوبة منها تلافياً لدينه المشرف على الإضمحلال، قال: ولا خلاف في أصل وجوبها سمعاً للأمر الصريح بها في القرآن والوعيد والحتم على تركها فيه قال تعالى: يتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوَبَةً نَصُوعًا [التحريم: 8] وقال: وَمَن لَم يَتُبْ فَأُوْلَيْكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: 11] وإنما الخلاف في وجوبها عقلاً فأثبته المعتزلة لدفعها ضرر العقاب (1).

وهذا كما لا يخفى لا يدل على وجوب التوبة عن الصغائر من يجتنب الكبائر، لأنها تكفره حينئذ ولذا ذهب البهشمية إلى وجوبها عن الصغائر سمعاً لا عقلاً نعم الإستدلال بأن الندم على القبيح من مقتضيات العقل الصحيح يعم القسمين.

وأما فورية الوجوب فقد صرح به المعتزلة وقالوا: يلزم بتأخيرها ساعة إثم آخر، تجب التوبة منه أيضاً حتى أن من أخر التوبة عن الكبيرة ساعة واحدة فقد فعل كبيرتين وساعتين أربع كبائر الأوليان وترك التوبة عن كل منهما وثلاث ساعات ثمان كبائر وهكذا وأصحابنا يوافقونهم على وجوب الفورية لكنهم لم يذكروا هذا التفصيل فيما رأيته من كتبهم الكلامية.

ثم إن التوبة عن الذنوب تكون على صور تختلف بحسب إختلاف المعاصي، وذلك كما في شرح التجريد للعلّامة والمجلي لابن أبي جمهور الإحسائي وإحياء العلوم للغزالي وغيرها من الكتب الكلامية وغيرها أن التوبة أما أن تكون من ذنب يتعلق به حقه تعالى خاصة أو يتعلق به حق الآدمي والأول إما أن تكون من فعل قبيح كشرب الخمر والزنا أو إخلال بواجب كترك الزكاة والصلاة فالأول يكفي في التوبة منه الندم عليه والعزم على ترك العود إليه.

وأما الثاني: فيختلف أحكامه بحسب القوانين الشرعية فإن الذنب إذا لم يكن مستتبعاً لأمر آخر يلزم الإتيان به شرعاً كلبس الحرير وشرب الخمر وسماع الغناء كفى الندم عليه والعزم على عدم العود إليه، ولا يجب سوى ذلك وإن كان مستتبعاً لأمر آخر من حقوق الله أو من حقوق الناس مالياً أو غير مالي وجمع التوبة الإتيان به فمنه ما لا بد مع التوبة منه أداءه كالزكاة ومنه ما يجب معه القضاء كالصلاة ومنه ما يسقطان عنه كالعيدين وهذا الأخير يكفي فيه الندم والعزم على ترك المعاودة، كما في فعل القبيح وإما يتعلق به حق الآدمي فيجب فيه الخروج إليهم منه فإن كان أخذ مال وجب رده على مالكه أو على ورثته إن مات، ولو لم يتمكن من ذلك وجب العزم عليه وكذا إن كان حد قذف وإن كان قصاصاً وجب الخروج إليهم منه بأن يسلم نفسه إلى أولياء المقتول فإما أن يقتلوه أو يعفوا عنه بالدية


1) بحار الأنوار: 48/6.

أو بدونها وإن كان في بعض الأعضاء وجب تسليم نفسه ليقتص منه في ذلك العضو إلى المستحق من الجني عليه أو الورثة.

بل في حقوق الناس غير المالية إن كانت غير حد كقضاء الفوات وصوم الكفارة ونحوهما يجب الإتيان بها مع القدرة الكمالية وإن كان حداً فالمكلف مخير بين الإتيان بذلك الأمر وبين الإكتفاء بالتوبة من الذنب المستتبع له فالمكلف مخير في الحدود إن شاء أقر بالذنوب عند الحاكم ليقام عليه وإن شاء ستره واكتفي بالتوبة فلا حد حينئذ عليه إن تاب قبل قيام البيئة به عند الحاكم.

وإن جني عليه في دينه بأن يكون قد أضله بشبهة إستنزله بها وجب إرشاده من الضلال وإرجاعه عما اعتقده بسببه من الباطل إن أمكن ذلك فإن مات قبل التمكن أو تمكن منه واجتهد في حل الشبهة فلم تنحل من نفس ذلك الضال فلا عقاب عليه لأنه قد استفرغ جهده.

وإن اغتاب أحداً فإن بلغ المغتاب إغتيابه يلزم عليه الإعتذار عنه إليه والإستحلال منه، لأنه أوصل إليه مضرة الغم فوجب عليه إزالة ذلك بالإعتذار منه والندم عليه وإن لم يبلغه لا يلزم عليه الإعتذار ولا الإستحلال منه لأنه لم يفعل به ألماً وفي كلا القسمين يجب الندم الله تعالى لمخالفته النهي والعزم على ترك المعاودة وكذلك الكلام أن يسمع غيبته، كذا قال غير واحد من الإمامية وغيرهم في الغيبة.

وقال ابن أبي جمهور الإحسائي في المجلى: وروى وجوب الإستغفار له، يعني يجب على المغتاب «على الفاعل» الإستغفار للمغتاب «على المفعول».

وفي الكافي، والفقيه عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال سئل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما كفارة الإغتياب ؛ قال: تستغفر الله لمن اغتبته كلما ذكرته (1).

وفي مجمع البيان في سورة الحجرات في قوله تعالى: وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا [الحجرات: 12] وعن جابر قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): »إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا» ثم قال: «إن الرجل يزني ثم يتوب فيتوب الله عليه وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه» وسيأتي الكلام في الغيبة في محله إن شاء الله تعالى على التفصيل والبسط ونقل الأقوال والأخبار وجمعها (2).

وليعلم أن الإتيان بما يستتبعه الذنوب من قضاء الفوائت وأداء حقوق الله والناس


1) بحار الأنوار: 241/72، ح4، ومستدرك سفينة البحار: 91/8.

2) عولي اللئالي: 374/1، ح 100، ومنية المريد: 327.

وغيرها ليس شرطاً وشطراً في صحة التوبة.

ولذا قال المحقق الطوسي في التجريد بعد ذكر أداء الحقوق مطلقاً: وليس ذلك إجزاء، يعني ليس تلك الأمور إجزاء التوبة حتى لا يصح التوبة بدونها لإنتفاء الكل بدون الجزء.

وهذا رد على المعتزلة لأنهم ذهبوا كما في رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أن رد المظالم شرط في صحة التوبة فقالوا: لا تصح التوبة عن مظلمة دون الخروج عن تلك المظلمة كرد المال والإستبراء منه أو الإعتذار إلى المغتاب واسترضائه أن بلغه الغيبة ونحو ذلك.

وذهب أصحابنا الإمامية ووافقهم الأشعرية إلى أن ذلك واجب برأسه لا مدخل له في الندم على ذنب آخر.

قال الآمدي: إذا أتى بالمظلمة كالقتل والضرب مثلاً وجب عليه أمران: التوبة، والخروج عن المظلمة، وهو تسليم نفسه مع الإمكان ليقتص منه، ومن أتى بالتوبة فقد أتى بأحد الواجبين ومن أتى بأحد الواجبين فلا تكون صحة ما أتى به متوقفة على الإتيان بالواجب الآخر كما لو وجب عليه صلاتان فأتى بإحداهما دون الأخرى.

وقال شيخنا البهائي (قُدِّسَ سِرُّهُ): واعلم أن الإتيان بما يستتبعه الذنوب من قضاء الفوائت وأداء الحقوق والتمكين من القصاص والحد ونحو ذلك، ليس شرطاً في صحة التوبة بل هذه واجبات برأسها والتوبة صحيحة بدونها وبها تصير أكمل وأتم.

قال بعض العلماء: التوبة تنتظم من أمور ثلاثة: علم وحال، وعمل أما العلم فهو اليقين بأن الذنوب سموم مهلكة وحجاب بين العبد ومحبوبه، وهذا اليقين يثمر حالة ثانية هي التألم لفوات المطلوب والتأسف عن فعل الذنوب، ويعبر عن هذه الحالة بالندم وهي تثمر حالة ثالثة هی ترك الذنوب في الحال والعزم على عدم العود إليها في الإستقبال وتدارك في الماضي من حقوق الله تعالى وحقوق الناس ولو لم يمكنه ذلك أي تدارك حقوق الناس كان عليه أن يكثر من العبادة ليبقى له قدر الكفاية في القيامة بعد أخذ حقوقهم منها.

وهذه الأمور مرتبة في الحصول ويطلق إسم التوبة تارة على مجموعها وتارة على الندم وحده ويجعل العلم كالمقدمة والترك كالثمرة فيكون الندم محفوفاً بالطرفين الطرف الأول مثمر الندم والطرف الآخر ثمرته كما قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): »إن الندم على الشر يدعو إلى ترکه«.

وترتب هذه الأمور غير مختص بالتوبة بل إنتظام الصبر والشكر والتوكل والرضا وغير ذلك من المقامات الدينية ينتظم من علم وحال وعمل.

وهذه الأمور الثلاثة إذا قيس بعضها إلى بعض لاح للناظرين إلى الظواهر إن العلوم مطلقاً إنما تراد للأحوال والأحوال إنما تراد للأعمال وأما أهل البصائر وأولو الألباب فالأمر عندهم بالعكس فإن الأعمال عندهم تراد للأحوال والأحوال تراد للعلوم، فالأفضل العلوم ثم الأحوال ثم الأعمال لأن كل مراد لغيره يكون ذلك الغير لا محالة أفضل منه.

الثالث: إختلفوا في أن التوبة المبعضة أي التوبة من قبيح دون قبيح تصح أم لا فذهب أبو هاشم المعتزلي وجماعة إلى عدم صحتها وذهب أبو علي وجماعة إلى جواز ذلك وصحتها.

واحتج القائلون بعدم الجواز: على أن التوبة والندم عن القبيح إنما هو لقبحه وإلا لم یكن توبة حقيقة والقبح عام متحقق في الكل وحاصل في الجميع فلو تاب من بعضها دون بعض كشف ذلك عن كونه غير تائب عن القبيح لعلة القبح لأن الإشتراك في العلة يوجب الإشتراك في المعلول وعند التبعيض تنتفي التوبة لأنها لم تحصل لعلة القبح بل لأمر آخر يوجد في هذا دون ذاك، كمن يتوب من المعصية حفظاً لسلامة بدنه أو لعرضه بحيث لا ينثلم عند الناس أو لأمر آخر، فإن مثل هذا لا يعد توبة لانتفاء الندم على القبيح لقبحه فلو كان لكان عاماً في الجميع في الجميع حتى قالوا: إن تاب خوفاً من النار فإن كان الخوف هو الغاية في توبته بحيث لولا خوفها لم يتب من الذنوب فلا تصح توبته، لأنه لم يتب منها ولم يندم عنها لقبحها وإن لم يكن خوف النار هو الغاية للتوبة بل يندم ويتوب لأنها قبيح ومع ذلك فيها عذاب النار بحيث لو لم يكن القبح لما ندم عليها وإن كان فيها عذاب النار صحت توبته.

وكذلك الحكم في الإخلال بالواجب بمعنى أنه: إن ندم عليه لأنه أخل بالواجب وأجمع على فعل الواجب فالتوبة صحيحة، وإن تاب خوفاً من النار أو من قوات الجنة فإن كان ذلك الخوف هو الغاية لم تصح توبته أيضاً، وإلا لكانت صحيحة ولذا لو اعتذر المسيء إلى المظلم لا لأجل إساءته بل لخوفه من عقوبة لم يقبل العقلاء عذره كما في شرح التجريد للعلامة (رَحمَةُ اللّه) والمجلي وغيرهما.

واحتج المثبتون على جوازه قياساً على جواز الإتيان بواجب دون واجب يعنون بذلك أنه لو لم يصح التوبة عن قبيح دون قبيح لم يصح الإتيان بواجب دون واجب والتالي باطل فالمقدم مثله بيان الشرطية إذ كما يجب على التائب ترك القبيح لقبحه كذا يجب عليه فعل الواجب لوجوبه فلو لزم من اشتراك القبائح في القبح عدم صحة التوبة من بعضها دون بعض لزم من إشتراك الواجبات في الوجوب عدم صحة الإتيان بواجب دون واجب آخر وأما بطلان التالي فبالإجماع إذ لا خلاف في صحة صلاة من أخل بالصوم.

وأجابهم القائلون بعدم الجواز بالفرق بين ترك القبيح لقبحه وفعل الواجب لوجوبه، بأن

التعميم في الترك واجب دون الفعل فإن من قال لا آكل الرمان لحموضته يجب عليه الإمتناع من مجموعه لعلة الحموضة التي هي سبب لجهة الإتحاد في الترك والمنع بخلاف من قال أنا آكله لحموضته فإنه لا يجب أن يأكل جميعه بل يحصل الفعل بأكل رمانة واحدة فافترقا.

قال في المجلى: مع أن القياس لا يكون حجة في أمثال هذه المباحث فقال: أقول تحقيق حصول الفرق في هذا القياس أن التعليل المذكور كان قياساً لترك القبيح على فعل الواجب، لاشتراكهما في العلة وهي وجوب فعل الواجب لوجوبه ووجوب ترك القبيح لقبحه، وهذا القياس لا يتم الحصول الفرق بين الأصل والفرع فيه لأن أحدهما في باب الفعل والآخر في باب الترك فلا يتحدان في العلة، لأن الإختلاف في الأصل والفرع موجب لاختلافهما في العلة فيوجب الإختلاف في الحكم فلا يتم القياس مع وجود الفارق فلا يتم التعليل به.

أقول: والصواب صحة التوبة المعيضة كا ذهب إليه المحقق الطوسي والعلّامة الحلي والشيخ البهائي في شرح الأربعين والجمهور من الفريقين، وذلك لأن الأفعال تقع بحسب الدواعي وتنتفي بحسب الصوارف فإذا ترجح الداعي وقع الفعل فجاز أن يرجح فاعل القبائح داعيه إلى الندم عليها، وذلك بأن يقترن بعض القبائح بأمر زائد كعظم الذنب وكثرة الزواجر عنه أو الشناعة عند العقلاء فعله فإن الأفعال الكثيرة قد تشترك في الداعي ثم يؤثر صاحب الدواعي بعض تلك الأفعال على بعض بأن يرجح دواعيه إلى ذلك الفعل بما يقترن به من زيادة الدواعي فلا استبعاد في كون قبح الفعل داعياً إلى الندم على ذلك البعض، ولو اشتركت القبائح في قوة الدواعي إشتركت في وقوع الندم ولم يصح الندم على بعض دون آخر.

وقال العلّامة الشيخ البهائي في شرح الأربعين والأصح صحة المبعضة وإلا لما صحت عن الكفر مع الإصرار على صغيرة وقال العلّامة الحلي ولأن اليهودي لو سرق درهماً ثم تاب عن اليهودية دون السرقة فإنه يكون مسلماً بالإجماع.

والمحقق الطوسي (رَحمَةُ اللّه) في التجرد بعد ما اختار هذا المذهب أعني صحة التوبة المبعضة:قال وبه يتأول كلام أمير المؤمنين وأولاده (عَلَيهِم السَّلَامُ) وهو أن التوبة لا تصح عن بعض دون بعض وإلا لزم الحكم ببقاء الكفر على التائب منه المقيم على صغيرة.

وقال العلامة في شرحه بعد تفسير مختاره وعلى هذا ينبغي أن يحمل كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكلام أولاده كالرضا وغيره (عَلَيهِم السَّلَامُ) حيث نقل عنهم: نفي تصحيح التوبة عن بعض القبائح دون بعض لأنه لولا ذلك لزم خرق الإجماع والتالي باطل فالمقدم مثله بيان الملازمة أن الكافر إذا تاب عن كفره وأسلم وهو مقيم على الكذب فأما أن يحكم بإسلامه

ويقبل توبته عن الكفر أولاً والثاني: خرق للإجماع لإتفاق المسلمين على إجراء أحكام المسلمين عليه فالأول هو المطلوب، وقد التزم أبو هاشم إستحقاقه عقاب الكفر وعدم قبول توبته وإسلامه لكن لا يمتنع إطلاق إسم الإسلام عليه (1).

نقل ابن أبي جمهور الإحسائي في المجلي عن بعض المشايخ أن القبيحين إذا اشتركا في علة القبيح لم يصح التوبة من أحدهما دون الآخر ولو اختلفا في العلة بأن يكون علة القبح في أحدهما غير علة قبح الآخر، صح التوبة من أحدهما دون الآخر، مثال الأول الزنا واللواط فإن العلة في قبحهما لحفظ النسب فاتحدا في علة القبح ومثال الثاني الزنا والشرب فإن العلة في الثاني لحفظ العقل والأول لحفظ النسب ولا تعلق لأحدهما بالآخر.

ثم قال ابن أبي جمهور: وهذا القول عن ذلك البعض قريب من الصواب بل هو التحقيق، وحمل كلام أئمة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ) على هذا الوجه أنسب مما ذكر في الأول يعني على ما ذهب إليه المحقق الطوسي وغيره في حمل كلامهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليه فتأمل.

فإن قلت: يأتي عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حكمه ومواعظه قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقائل قال بحضرته: «أستغفر الله»: ثكلتك أمك أتدري ما الإستغفار؟ إن الإستغفار درجة العليين وهو إسم واقع على ستة معان:

أولها: الندم على ما مضى.

والثاني: العزم على ترك العود إليه أبداً.

والثالث: أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة

والرابع: أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقها.

والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينها لحم جيد.

والسادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول أستغفر الله (2).

وكلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا دليل على عدم جواز التوبة عن قبيح دون قبيح، وأن تلك الشرائط الستة كلها شروط في حصول حقيقة التوبة والانتفاع بالاستغفار وأنه بدون اجتماعها غير نافع فكيف التوفيق؟


1) بحار الأنوار: 45/6.

2) مكارم الأخلاق 314، وبحار الأنوار: 37/6.

قلت: هذا إشارة إلى حقيقة التوبة الكاملة لا مطلق التوبة كما دريت إجماع المسلمين على قبول توبة يهودي لو سرق درهاً حيث تاب عن اليهودية دون السرقة ونظائرها.

الرابع: إختلف في التوبة المؤقتة مثل أن لا بذنب إلى سنة فذهب بعضهم إلى بطلانها لأنها إذا ندم على ذنب في وقت ولم يندم عليه في وقت آخر ظهر أنه لم يندم عليه لقبحه ولا ندم عليه في جميع الواجبات الأوقات وإذ لم يكن ندمه لقبحه لم يكن توبة، وذهب آخرون إلى صحتها كما في الواجبات فإنه قد يأتي المأمور ببعضها في بعض الأوقات دون بعضها ويكون المؤتى به صحيحاً في نفسه بلا توقف على غيره مع أن العلة المقتضية للإتيان بالواجب هي كون الفعل حسناً واجباً غايته أنه إذا عصى بعد ذلك جدد ذلك الذنب وجوب توبة أخرى عليه.

وتحقيق الحق في ذلك يبتني على تمهيد مقدمة، وهي: أن الإمامية والمعتزلة وبالجملة العدلية اشترطوا في صحة التوبة ترك المعاودة لذلك الذنب الذي تاب منه أي ذنب كان ومنعه الأشاعرة لأن الشخص قد يندم على الأمر زماناً ثم يبدو له والله مقلب القلوب، قال الآمدي: التوبة مأمور بها فتكون عبادة وليس من شرط صحة العبادة المؤتى بها في وقت عدم المعصية في وقت آخر بل غايته إذا ارتكب ذلك الذنب مرة ثانية وجب عليه توبة أخرى وإذا دريت هذه المقدمة فنقول:

الحق في ذلك عند أصحابنا الإمامية رضي الله عنهم والمعتزلة: الأول أي بطلان التوبة المؤقتة لأنهم قالوا: التوبة هي الندم على المعصية لكونها معصية والعزم على ترك المعاودة في المستقبل، كما علمت فهم اشترطوا العزم على عدم العود أبداً وهذا الشرط يقتضي بطلانها، وأما الأشاعرة فحيث لم يشترطوا ذلك قالوا بالصحة لكن صرح بعضهم إن النادم على المعصية لا يخلو من ذلك العزم البتة على تقدير الخطور والإقتدار.

في الكافي للكليني (قُدِّسَ سِرُّهُ) عن الكناني قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله تعالى: یأَيُّها الَّذِينَ ءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم: 8] قال: يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود فيه.

قال محمد بن الفضيل: سألت عنها أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه وأحب العباد إلى الله تعالى المنيبون التوابون.

وفيه أبو بو بصير سأل أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنها فقال: هو الذنب الذي لا يعود إليه أبداً قال: قلت وأينا لم يعد ؟ فقال: يأبا محمد إن الله تعالى يحب من عباده المفتن التواب (1).

«المفتن» من الإفتنان أو التفتين بمعنى الإيقاع في الفتنة أي الذنب. فتأمل.


1) الكافي: 432/20 ح4، ووسائل الشيعة: 72/16 ح 21011.

الخامس: ذهب جماعة من المعتزلة إلى أن التوبة إنما تجب من الكبائر المعلوم كونها كبائر والمظنون فيها ذلك، ولا تجب من الصغائر المعلوم كونها صغائر، لأن التوبة إنما تجب رفعاً للضرر وهو غير حاصل في الصغيرة. وقال آخرون إنها لا تجب من ذنوب تاب عنها من قبل.

والحق عندنا الإمامية أنها تجب من جميع الكبائر والصغائر، والإخلال بالواجب سواء تاب عنها قبل أو لم يتب، لأن ترك التوبة من المعصية صغيرة كانت أو كبيرة إصرار عليها، وهو قبيح لا خلاص منه إلا بالتوبة فهي واجبة في جميع المعاصي، ولأن التوبة عن القبيح إنما تجب لكونه قبيحاً وهو عام، ولأن وجه الوجوب هو اشتمال الصغيرة على القبح سواء اشتمل على ضرر أم لا.

السادس: ذهب قاضي القضاة المعتزلي: إلى أن التائب إن كان عالماً بذنوبه على التفصيل وجب عليه التوبة عن كل واحد منها مفصلاً وإن علم بعضها مفصلاً وبعضها مجملاً وجب عليه التفصيل فيما علم مفصلاً والإجمال فيما علم مجملاً.

وقال العلّامة البهائي (قُدِّسَ سِرُّهُ): أما التوبة المجملة كأن يتوب عن الذنوب على الإجمال من دون تفصيلها وهو ذاكر للتفصيل، فقد توقف فيها المحقق الطوسي والقول بصحتها غير بعيد، إذ لا دليل على اشتراط التفصيل.

أقول: ولعله (قُدِّسَ سِرُّهُ) استفاد توقف المحقق الطوسي فيها من قوله في التجريد: وفي إيجاب التفصيل مع الذكر إشكال، حيث إنه لم ينجز في ذلك بل عبر بلفظة إشكال وقال العلّامة الحلي في شرحه بعد ما نقل مذهب قاضي القضاة على ما مر آنفاً واستشكل المصنف - يعني به المحقق الطوسي - إيجاب التفصيل مع الذكر لإمكان الإجراء بالندم على كل قبيح وقع منه وإن لم يذكره مفصلاً. إنتهى (1).

والصواب صحة التوبة المجملة والقول باشتراط التفصيل موهون جداً نظير قصد الصوم إذ يكفي فيه نية الكف عن المفطرات وإن لم يحضرها بباله على التفصيل على أنه لا دليل على اشتراط التفصيل وإنّى لذلك البعض المعتزلي إثبات ذلك.

السابع: إختلف في أن المكلف إذا تاب عن معصية ثم ذكرها هل يجب عليه تجديد التوبة أم لا ؟ قال المحقق الطوسي وفي وجوب التجديد أيضاً إشكال. وقال العلامة تقتله في


1) راجع البحار: 47/6.

الشرح، قال أبو علي: نعم - أي يشترط تجديد التوبة عند تذكر الذنب - بناء على أن المكلف القادر بقدرة لا ينفك عن الضدين إما الفعل أو الترك فعند ذكر المعصية إما أن يكون نادماً عليها أو مصراً عليها والثاني قبيح فيجب الأول.

وقال أبو هاشم: لا يجب لجواز خلو القادر بقدرة عنها فجاز أنه إذا ذكرها لم يندم عليها ولا يشتهي إليها ولا يبتهج بها.

وقال في رياض السالكين في الروضة الحادية والثلاثين عند قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فاجعل توبتي هذه توبة لا أحتاج بعدها إلى توبة» قد يستفاد من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاجعل توبتي «الخ» عدم وجوب تجديد التوبة عند تذكر الذنب خلافاً لمن ذهب إلى أن المتذكر للذنب كالمقارف له فيجب عليه تجديد التوبة (1).

قال الآمدي: يدل على بطلان ذلك أنا نعلم بالضرورة أن الصحابة ومن أسلم بعد،كفره كانوا يتذكرون ما كانوا عليه في الجاهلية من الكفر ولم يجب عليهم تجديد الإسلام ولا أُمروا بذلك وكذلك في كل ذنب وقعت التوبة عنه.

أقول: ولا كلام أن التوبة إنما تكون عن ذنب فمن عمل ذنباً فتاب عنه ثم تذكر ذلك الذنب لا يكون صرف تذكره ذنباً بالإتفاق، فلم يفعل عملاً قبيحاً ولم يرتكب ذنباً حتى يتوب عنه، فما قال أبو علي كان بمعزل عن التحقيق وما توسل به الآمدي مؤيد سديد لما اخترناه وحققناه.

الثامن: قال في رياض السالكين قال شيخنا البهائي في شرح الأربعين العزم على عدم العود إلى الذنب فيما بقي من الأمر لا بد منه بد منه في التوبة وهل إمكان صدوره منه في بقية العمر شرط حتى لو زنا ثم جب وعزم على أن لا يعود إلى الزنا على تقدير قدرته عليه لم تصح توبته أم ليس بشرط فتصح ؟ الأكثر على الثاني بل نقل بعض المتكلمين إجماع السلف عليه، وأولى من هذا بصحة التوبة من تاب في مرض مخوف غلب على ظنه الموت فيه.

أما التوبة عند حضور الموت وتيقن الفوت وهو المعبر عنه بالمعاينة، فقد انعقد الإجماع على عدم صحتها ونطق بذلك القرآن العزيز، قال سبحانه: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ التَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَارُ أَوْلَيكَ أَعْتَدْنَا هُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء: 18].


1) المصدر السابق.

وفي الحديث عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغره» (1)، والغرغرة تردد الماء وغيره من الأجسام المائعة في الحلق، والمراد تردد الروح وقت النزع وقد روى محدثوا الإمامية عن أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أحديث كثيرة في أنه لا تقبل التوبة عند حضور الموت وظهور علاماته ومشاهدة أهواله.

وكذا قوله تعالى في سورة يونس في غرق فرعون وتوبته: وَجَوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَويلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدُوا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْفَرَقُ قَالَ وَامَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي مَامَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿90 وَالْكَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ صريح في أن التوبة حين الإيقان بالهلاك والموت واليأس من الحياة ليست بمقبولة، لأنه يكون العبد هناك ملجئاً إلى فعل الحسنات وترك القبائح فيكون خارجاً عن حد التكليف، إذ لا يستحق على فعله المدح ولا الذم وإذا زال عنه التكليف لم تصح منه التوبة، فعند ظهور علامات الموت ومشاهدة أهواله تصير الأمر عياناً فيسقط التكليف كما أن أهل الآخرة لما صارت معارفهم ضرورية سقطت التكليف عنهم.

وفي الفقيه سئل الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الئَنَ قال ذلك إذا عاين أمر الآخرة.

وفي الحديث: من تاب قبل أن يعاين، قبل الله توبته، وفسر قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): قبل أن يعاين بمعاينة ملك الموت، وهو المروي عن ابن عباس (2).

ويمكن أن يراد بالمعاينة علمه بحلول الموت وقطعه الطمع من الحياة وتيقنه ذلك، كأنه،يعاينه، وأن يرد معاينة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) والوصي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد روي أنهما يحضران عند كل محتضر ويبشران بما يؤل إليه من خير وشر، ومعاينة منزلته في الآخرة كما روي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه قال: لن يخرج أحدكم من الدنيا حتى يعلم أين مصيره وحتى يرى الجنة أو النار.

وبالجملة تصريح الآيات والأخبار وبرهان العقل والإجماع على أن التوبة عند المعاينة ليست بمقبولة، ولو كان في ذلك خبر ظاهره يوهم خلافه، فمأول إلى ذلك المعنى المبرهن الصحيح على العقل والنقل.

ثم الظاهر أن المرض المهلك ليس من باب المعاينة لأن الموت منه ليس بمتحقق قطعاً فيمكن إنصراف بعض الأخبار المخالف ظاهرها الكتاب، والعقل والإجماع على تلك الحال.


1) الإيضاح: 361، ح،2 وميزان الحكمة: 340/1.

2) الكافي: 2/ 440 ح2، ووسائل الشيعة: 87/16 ح 21057.

وما في الكافي عن زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إذا بلغت النفس هذه - وأومى بيده إلى حلقه - لم يكن للعالم توبة وكانت للجاهل توبة فتشديد للعالم دون الجاهل للفرق البين بينهما.

التاسع: المراد بقبول التوبة إسقاط العقاب المترتب على الذنب الذي تاب منه وسقوط العقاب بالتوبة مما أجمع عليه أهل الإسلام ولكن اختلفوا في أن التوبة تسقط العقاب بذاتها لا على معني أنها لذاتها تؤثر في أسقاط العقاب، بل على معنى أنها إذا وقعت على شروطها والصفة التي بها تؤثر في إسقاط العقاب من غير اعتبار أمر زائد، وقال آخرون إنها تسقط العقاب لكثرة ثوابها وذهب المحقق الطوسي إلى الأول واستدل عليه كما في التجريد وشرحه للعلّامة بوجوه:

الأول: إن التوبة قد تقع محبطة بغير ثواب كتوبة الخارجي من الزنا فإنه يسقط بها عقابه من الزنا ولا ثواب لها.

الثاني: أنه لو أسقطت العقاب بكثرة ثوابها لم يبق فرق بين تقدم التوبة على المعصية وتأخرها عنها كغيرها من الطاعات التي يسقط العقاب بكثرة ثوابها، ولو صح ذلك لكان التائب عن المعاصي إذا كفر أو فسق أسقط عنه العقاب.

الثالث: لو أسقطت العقاب لعظم ثوابها لما اختص بها بعض الذنوب عن بعض، فلم يكن إسقاطها لما هي توبة عنه بأولى من غيره لأن الثواب لا اختصاص له ببعض العقاب دون بعض.

والمحقق الطوسي أجاب عن حجة المخالف تقرير تلك الحجة أن التوبة لو أسقطت العقاب لذاتها وسقطته في حال المعاينة وفي الدار الآخرة والجواب عنها أنها تؤثر في الإسقاط إذا وقعت على وجهها وهي أن تقع ندماً على القبيح لقبحه وفي الآخرة يقع الإلجاء فلا يكون الندم للقبيح.

وبالجملة لا خلاف في سقوط العقاب بالتوبة وإنما الخلاف في أنه هل يجب على الله تعالى حتى لو عاقب بعد التوبة كان ظلماً أو هو تفضل يفعله سبحانه كرماً منه ورحمة بعباده؟ المعتزلة على الأول والأشاعرة على الثاني، وإليه ذهب الشيخ أبو جعفر الطوسي قدس الله روحه في كتاب الاقتصاد والعلّامة في بعض كتب الكلامية، وتوقف المحقق الطوسي في التجريد ومختار الشيخين هو الظاهر ودليل الوجوب مدخول.

قال ابن أبي جمهور الإحسائي في المجلى: والمعتزلة بنوه على أصلهم من منع العفو عن الفاسق فلو لم يجب سقوط العقاب بها قبح تكليف العاصي فإن حسنه للتوصل به إلى

حصول الثواب وهو لا يجتمع مع استحقاق العقاب عندهم فلا خلاص من العقاب حينئذ فيقبح التكليف هذا خلف.

وأيضاً فإن سقوط الذنب عقيب التوبة واجب فكذا العقاب لأنهما معلولاً علة واحدة هو فعل القبيح، وسقوط أحد المعلولين يستلزم سقوط المعلول الآخر، لارتفاع العلة بارتفاع أحدهما فيرتفع الآخر بارتفاعها ولهذا أنه متى اعتذر إلى من متى اعتذر إلى من أساء إليه وعرف صحة نیته و خلوص اعتذاره و ندمه وجب أن يسقط ذمه على تلك الإساءة، ولهذا أن العقلاء يذمون من يذمه عقيب ذلك.

والاعتراض عليه أما أولاً فلابتنائه على منع العفو وهو ممنوع مع جواز أن بعض القبائح يقتضي الذم ولا يقتضي العقاب كما في حقه تعالى مع العفو. وعلم من هذا أن الذم والعقاب لا تلازم بينهما في الوقوع ومع عدم التلازم جاز ارتفاع أحدهما دون الآخر نعم هما متلازمان في الإستحقاق فيتم الكلام على تقديره وقريب من ما في المجلي في كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد.

فإن قلت لو لم يجب قبولها وجب قبول الإسلام من الكافر فلا يصح تكليفه وذلك مخالف للإجماع ؟

قلت: الفرق ثابت فإنه لما ثبت دوام عقاب الكافر وعدم جواز انقطاعه بالأدلة النقلية لم يكن ثم طريق إلى حسن تكليفه إلا بوجوب قبول إسلامه ولا كذلك العاصي لوجوب انقطاع عقابه بل جواز العفو عنه فلا يقبح تكليفه حينئذ لثبوت استحقاق الثواب له، وإن لم تجب قبول توبته فمع هذا الفرق لا يتحقق الإيراد.

والحق عندنا أن سقوط العقاب بالتوبة تفضل من الله تعالى فإنه لو وجب لكان:

إما لوجوب قبوله والقول بالوجوب ممنوع فإن من عصا أمر غيره وأساء إليه بأعظم الإساءات ثم اعتذر إليه لا يجب عقلاً على ذلك الغير قبول عذره والإغماض عنه، وإن لم يعف عنه لا يذمه العقلاء بل قديرون حسن رده المسيء وعدم العفو عنه.

أو لكثرة ثوابها فهو أيضاً ممنوع لابتنائه على التحابط وهو باطل كما حقق في محله.

العاشر: قال في رياض السالكين صرح أكثر علمائنا باستحباب الغسل للتوبة بعدها سواء كان عن كفر أو فسق وسواء كان الفسق عن صغيرة أو كبيرة، بل صرح الشهيد الثاني رحمه الله في شرح اللمعة باستحبابه للتوبة عن مطلق الذنب وإن لم يوجب الفسق كالصغيرة النادرة، وخصه المفيد بالتوبة عن الكبائر قيل ولعل ملحوظه إن الذنوب كلها كبائر لاشتراكها في الخروج عن طاعة الله، وإنما يطلق الكبر والصغر على الذنب بالإضافة إلى ما تحته وما

فوقه، فالقبلة صغيرة بالنسبة إلى الزنا وكبيرة بالنسبة إلى النظر، وقد نسب الشيخ أبو علي الطبرسي رضوان الله عليه القول بذلك إلى أصحابنا رضي الله عنهم.

الحادي عشر: في رياض السالكين أيضاً: قال بعض الناصحين إذا أردت توبة فبرىء نفسك من التبعات وقلبك من الذنوب ووجه وجهك إلى علام الغيوب بعزم صادق ورجاء واثق، وعد أنك عبد آبق من مولى كريم رحيم حليم يحب عودك إلى بابه واستجارتك به من عذابه، وقد طلب منك العود مراراً عديدة وأنت معرض عن الرجوع إليه مدة مديدة مع أنه وعدك إن رجعت إليه وأقلعت عما أنت عليه بالعفو عن جميع ما صدر عنك والصفح عن كل ما وقع منك، وقم واغتسل إحتياطاً وطهر ثوبك وصل بعض الفرائض واتبعها بشيء من النوافل ولتكن تلك الصلاة على الأرض بخشوع وخضوع واستحياء وانكسار وبكاء وفاقة وافتقار في مكان لا يراك فيه ولا يسمع صوتك إلا الله سبحانه، فإذا سلمت فعقب صلاتكم وأنت حزين مستحي رجل راج ثم إقرأ الدعاء المأثور عن زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي أوله «يا من برحمته يستغيث المذنبون« (1).

ثم ضع وجهك على الأرض واجعل التراب على رأسك ومرغ وجهك الذي هو أكرم أعضائك في التراب بدمع جار وقلب حزين وصوت عال وأنت تقول: عظم الذنب من عبدك فليحسن العفو من عندك، تكرر ذلك وتعدد ما تذكره من ذنوبك لائماً نفسك موبخاً لها نائحاً عليها نادماً على ما صدر منها وابق على ذلك ساعة طويلة ثم قم وارفع يديك إلى التواب الرحيم، وقل: إلهي عبدك الآبق رجع إلى بابك عبدك العاصي رجع إلى الصلح عبدك المذنب أتاك بالعذر وأنت أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين ثم تدعو ودموعك تنهمل بالدعاء المأثور عن زين العابدين وهو الذي أوله اللهم يا من لا يصفه نعت الواصفين».

واجهد في توجه قلبك إليه وإقبالك بكليتك عليه مشعراً نفسك سعة الجود الرحمة، اسجد سجدة تكثر فيها البكاء والعويل والإنتحات بصوت عالٍ لا يسمعه إلا الله تعالى ثم إرفع رأسك واثقاً بالقبول فرحاً ببلوغ المأمول والله ولي التوفيق.

الثاني عشر: وفيه أيضاً: قال بعض أرباب القلوب الناس في التوبة على أحوال: رجل مسوف بالتوبة مدافع بها إغتر بطول الأمل ونسي هجوم الأجل، فهذا متى أدركه الموت أدركه على الإصرار فهو هالك، وآخر تائب ما لم يجد شهوة فإذا وجد ركب هواه وأضاع المحاسبة لنفسه، فهذا مستوجب للعقوبة من الله، ورجل تائب بقلبه إلا أن نفسه تدعوه إلى الشيء مما يكره، فهذا يحتاح إلى الأدب لنفسه وفائدته على قدر مجاهدته ورجل مديم


1) فضل الكوفة ومساجدها: 69، والمزار: 156.

للحساب قد قام على ساق مقام الخصم فهذا مستوجب للعصمة من الله ورجل قد هام به خوفه من ذنوبه ولم تبق فيه باقية فهذا المتوحد بولاية الله.

وقال العلّامة الشيخ البهائي (قُدِّسَ سِرُّهُ): من أهمل المبادرة إلى التوبة وسوفها من وقت إلى وقت فهو بين خطرين عظيمين إن سلم من واحد فلعله لا يسلم من الآخر:

أحدهما: أن يعاجله الأجل فلا يتنبه من غفلته إلا وقد حضره الموت وفات وقت التدارك وانسدت أبواب التلافي وجاء الوقت الذي أشار إليه سبحانه بقوله: وَحِيلَ بينهم وبين مَا يَشْتَهُونَ وصار يطلب المهلة يوماً أو ساعة فلا يجاب إليها كما قال تعالى: مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَرْتَنِي إِلَى أَجَلِ قَرِيبٍ.

قال بعض المفسرين في تفسيره هذه الآية: إن المحتضر يقول عند كشف الغطاء يا ملك الموت أخرني يوماً أعتذر فيه إلى ربي وأتوب إليه وأتزود صالحاً، فيقول فنيت الأيام فيقول أخرني ساعة فيقول فنيت الساعات فيغلق عنه باب التوبة ويغرغر بروحه إلى النار ويتجرع غصة اليأس وحسرة الندامة على تضييع العمر وربما اضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك الأهوال.

وثانيهما: أن يتراكم ظلم المعاصي على قلبه إلى أن تصير ريناً وطبعاً فلا يقبل المحو، فإن كل معصية يفعلها الإنسان تحصل منها ظلمة في قلبه كما تحصل من نفس الإنسان ظلمة في المرآة، فإذا تراكمت ظلمة الذنوب صارت ريناً كما يصير بخار النفس عند تراكمه على المرآة صداً، وإذا تراكم الرين صار طبعاً فيطبع على قلبه كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم بعضه فوق بعض وطال مكثه وغاض في جرمها وأفسدها فصارت لا تقبل الصيقل أبداً.

وقد يعبر عن هذا بالقلب المنكوس والقلب الأسود كما روي عن الباقر(عَلَيهِ السَّلَامُ): ما من أفسد للقلب من خطيئة إن القلب ليواقع الخطيئة فلا تزال به حتى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله.

وعنه(عَلَيهِ السَّلَامُ): ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء فإذا أذنب ذنباً خرج في النكتة نكتة سوداء فإن تاب ذهب ذلك السواد وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض، فإذا غطي البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً وهو قول الله عزّ وجلّ: كَلَّا بَلْ رَأَنَّ عَلَى قُلُوهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (1).

فقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً، يدل على أن صاحب هذا القلب لا يرجع


1) الاختصاص: 243، وبحار الأنوار: 332/70، ح 17.

عن المعاصي ولا يتوب منها أبداً، ولو قال بلسانه تبت إلى الله يكون هذا القول منه مجرد تحريك اللسان من دون موافقة القلب فلا أثر له أصلاً كما أن قول الغسال غسلت الثوب لا يصير الثوب نقياً من الأوساخ.

وربما يؤول صاحب هذا القلب إلى عدم المبالاة بأوامر الشريعة ونواهيها فيسهل أمر الدين في نظره ويزول وقع الأحكام الإلهية من قلبه وينفر عن قبولها طبعه وينجر ذلك إلى اختلال عقيدته وزوال، أيمانه فيموت على غير الملة وهو المعبر عنه بسو الخاتمة، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا

ومن كلام بعضهم: إغتنموا التوبة قبل أن يصير القريب تائباً والمقيم ماضياً وقبل أن يكون المحصول ندماً والموجود عدماً وقبل أن يضرب الأدبار على المصرين سرادق الخسار فلا إقالة عثار ولا توفيق إنابة واعتذار.

وفي آخر كشكول الشيخ البهائي (قُدِّسَ سِرُّهُ) في الحديث: إذا تاب الشيخ الهرم قالت الملائكة الآن وقد خمدت حواسك وبردت أنفاسك.

ذكر العطبي أنه قيل لرجل عند الوفاة: قل لا له إلا الله فقال: آه ويلي على الشباب وفي أي زمان فقدت شرخ الشباب حين مات الغيور وارتخص المهر وغاب الحجاب عن كل باب.

وقيل لآخر وقد قرب خروج نفسه وانقطاع نفسه قل: لا إله إلا الله، فقال لهف نفسي على الزمان وفي أي زمان دهتني الأزمان حين ولي الشتاء واستقبل الصيف وطاب المدام والريحان.

واحتضر آخر فقيل له قل: لا إله إلا الله فقال برد الليل وطاب الماء والتذ الشراب ومضي عنا حزيران وتموز، وآب ثم قضى لوقته.

وقالت إمرأة لرجل كان منزله قريباً من حمام منجاب ببغداد: يا رجل أين الطريق إلى حمام منجاب؟ أومى إليها وأرشدها إلى طريق غيره في سكة خراب لا منفذ لها وتبعها إليها ففجر بها فلما حضرته الوفاة قيل له قل: لا إله إلا الله فقال:

يا رب قائلة يوماً وقد لقيت *** أين الطريق إلى حمام منجاب

ومات لوقته. هكذا يدرك سوء الخاتمة وتهوى بالمخذولين مدرجة العاقبة نعوذ بالله من ذلك.

قال بعض أرباب القلوب: التائبون المنيبون على أنواع: تائب يتوب من الذنوب

والسيئات، وتائب يتوب من الزلل، والغفلات وتائب يتوب من رؤية الحسنات ومشاهدة الطاعات وعلى هذا سئل بعضهم أي الأعمال أرفع ثواباً فأنشد:

إذا محاسني اللاتي أدل بها *** كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر

قوله: أدل بها من الدلال أي التغنج وبالفارسية ناز كردن وكأنه يشير إلى الحديث المشهور حسنات الأبرار سيئات المقربين.

الثالث عشر في ذكر بعض الآيات والأخبار في الحث على التوبة.

قال عزّ من قائل: قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: 53].

وقال جل جلاله: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222].

وقال تعالى شأنه: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: 104].

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَتَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم رَبَّنَا وَأَدْخِلُهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ الَّتي وَعَدلَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ مَابَابِهِمْ وَأَزْوَجهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَيذٍ فَقَدْ رَحْمَتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [غافر: 7 - 9].

في الكافي عن ابن وهب قال: سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: إذا تاب العبد توبة نصوحاً أحبه الله تعالى فستر عليه فقلت: وكيف يستر عليه قال: ينسى ملكيه ما كانا يكتبان عليه ثم يوحي الله إلى جوارحه وإلى بقاع الأرض أن اكتيم عليه ذنوبه فيلقى الله تعالى حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيء من الذنوب (1).

وفيه عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: يا محمد بن مسلم ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفورة له فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة أما والله أنها ليست إلا لأهل الإيمان قلت فإن عاد بعد التوبة والإستغفار في الذنوب عاد في التوبة فقال: يا محمد بن مسلم أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه ويستغفر الله تعالى منه ويتوب ثم لا يقبل الله تعالى توبته؟ قلت: فإنه فعل ذلك مراراً يذنب ثم يتوب ويستغفر فقال: كلما عاد المؤمن بالإستغفار والتوبة عاد الله تعالى عليه بالمغفرة وإن الله غفور رحيم يقبل التوبة ويعفو عن


1) مشكاة الأنوار: 202، وبحار الأنوار: 2/6، ح 31.

السيئات قال: فإياك أن تقنط المؤمنين من رحمة الله تعالى (1).

وفيه عن جابر عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سمعته يقول: التائب من الذنب كمن لا ذنب له والمقيم على الذنب وهو يستغفر منه كالمستهزىء. إلى غير ذلك من الآيات والأخبار وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى (2).

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (والمدبر يدعى) أي من أسرف على نفسه فأدبر عن طاعة الله وأعرض عن جانب جنابه يدعى إليه وينادي يا فلان أقبل إلى طاعة الله وارجع إلى رحمة الله وإلى ما يصلحك من الكمالات اللائقة لك وخلص نفسك من سجن الدنيا وقيد الهوى:

بال بگشا وصفیر از شجر طوبی زن *** حيف باشد چو تو مر غی که اسیر قفسی

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (والمسيء يرجى) أي من أساء يرجى عوده عن الإساءة وإقلاعه عن المعصية فإنه جل جلاله أرحم الراحمين ويحب التوابين هذا إن أخذ يرجى من رجو وإن كان من الأرجاء بمعنى التأخير والإمهال كما مر بيانه في اللغة، فمعناه إن من عصى فأساء يؤخر عقابه فلعله يتوب كما هو مضمون عدة الأخبار في ذلك ومضى بعضها من قبل وهذا كله تحضيض وحث على الرجوع عن المعصية والتوبة إليه تعالى والله برحمته الواسعة يعفو السيئات وسبقت رحمته غضبه ويقبل التوبة عن عباده وهو أرأف من الوالد بولده ونعم ما عن نظمه العارف السعدي:

خداوند بخشنده دستگیر *** کریم خطا بخش پوزش پیذیر

نه گرد نکشا ترا بگیرد بفور *** نه عذر آوران را براند بجور

وگر خشم گیرد ز کردر زشت *** چو باز آمدی ما جری در نوشت

وگر با پدر جنگ جوید کسی *** پدر بیگمان خشم گیرد بسی

وگر بنده چابك نيايد بكار *** عزیزش ندارد خداوندگار

وگر بر رفیقن نباشی شفیق *** بفرسنگ بگریزد از تو رفیق

وگر ترك خدمت کند لشکری *** شود شاه فشکر کش از وی بری

ولیکن خداوند بالا و پست *** بعصیان در رزق بر کس نبست

وفي مجمع البيان للطبرسي رضوان الله عليه في ضمن قول الله عزّ وجلّ: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ


1) بحار الأنوار: 40/6، ح 71، وتفسير الميزان: 252/4.

2) مكارم الأخلاق 313، وبحار الأنوار: 41/6، ح 75.

كُل شَيءٍ [الأعراف: 156] قال: وفي الحديث أن النبي قام في الصلاة فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فلما سلم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال للإعرابي: لقد تحجرت واسعاً يريد رحمة الله عزّ وجلّ أورده البخاري في الصحيح إنتهى. وجاء في بعض الأخبار - كما في باب العقل والجهل من الوافي-: لولا أنكم تذنبون لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم.

أقول: وذلك لأن أسماء الله الحسنى وصفاته العليا يقتضي مظاهر حتى تظهر آثارها وبعض تلك الصفات العفو والغفور والتواب ونعم ما قاله الشيخ العارف فريد الدين العطار في هذا المعنى:

بود عين عفوتو عاصی طلب *** عرصه عصیان گرفتم را نسبب

چون بستاریت دیدم پرده ساز *** هم بدست خود دریدم پرده باز

رحمتت را تشنه دیدم آبخواه *** آبروی خویش بردم از گناه

وفي المقام كلام لا يدركها إلا أهل الشهود العارفين بأسرار الأخبار والأولى أن نعرض عن بيانه ونطويه طياً خوفاً من أن يزل بعض الأقدام وما مرت من الإشارة إليه إيجازاً كفاية لمن أخذت الفطانة بيده.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (قبل أن يخمد العمل) الظرف متعلق بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاعملوا أي فاعملوا قبل أن يخمد العمل أي فاغتنموا العمل وبادروا إليه قبل أن يطفأ مصباح العمل ويأتي الأجل فأنكم تنتقلون إلى دار ليست بدار العمل بل دار الجزاء.

وفي مادة ولد من سفينة البحار عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلا ثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته فهي تجرى بعد موته، وسنة هدى سنها فهي تعمل بها بعد موته وولد صالح يستغفر له (1).

وفي أمالي الصدوق عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: ست خصال ينتفع بها المؤمن من بعد موته: ولد صالح يستغفر له، ومصحف يقرأ منه وقليب يحفره، وغرس يغرسه، وصدقة ماء يجريه، وسنّة حسنة يؤخذ بها بعده (2).

ولعل ما في الرواية الأولى من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) صدقة أجراها، يشمل بعض ما في الرواية الثانية كان الأولى إجمال. والثاني: تفصيل له فتأمل.


1) عوالي اللتالي: 260/3، وبحار الأنوار: 294/6، ح 4.

2) بحار الأنوار: 293/6، ح 2، ودرر الأخبار: 716.

ويتنبه النبيه من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل أن يخمد العمل بأن الدنيا متجر أولياء الله ومكسب أولى الألباب فطوبى لمن أخذها متجره واغتنم حياته قبل موته، وخسرت صفقة من باع حظه بالأرذل الأدنى وشرى آخرته بالثمن الأوكس.

والشارح المعتزلي قرأ يحمد بالحاء المهملة وعلمه أولى من المعجمة وقال: قبل أن يحمد العمل إستعارة مليحة لأن الميت يحمد عمله ويقف ويروى يخمد بالخاء، من خمدت النار والأول أحسن. ومضى الكلام منا أن المعجمة أولى من المهملة بقرينة ينقطع.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وينقطع المهل) أي قبل أن ينقطع عمركم الذي أمهلتم فيه كأنما شبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) العمر بالسبب أي قبل أن ينقطع سبب عمركم قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأبي ذر: كن على عمرك أشح منك على درهمك، ودينارك.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وينقضي الأجل) أي اعملوا قبل أن يفنى وينصرم أجلكم المضروب وإذا انصرم لا يستأخرون ساعة.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ويسد باب التوبة ) أي اعملوا قبل أن يسد باب التوبة وذلك لما مر من أن التوبة حين المعاينة وإشراف الموت ليست بمقبولة قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلى أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَابِلُهَا [المؤمنون: 99، 100].

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وتصعد الملائكة) أي اعملوا قبل أن يصعد الملائكة الذين هم حفظة من الطاعات والمعاصي إلى السماء لأنه إذا مات الإنسان لم يبق لكتبة أفعاله أعمالكم من وأقواله في الأرض شغل.

أقول: لا ريب إن الإنسان لم يترك سدى ووكل بكل فرد منه ملائكة يكتبون أعماله وهم موكلون لذلك الأمر نطق بذلك الفرقان العظيم والأخبار من الرسول الكريم وآله الطاهرين قال عزّ من قائل: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَذِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الإنفطار: 10 - 12] وقال جلّ جلاله: إذ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِدُ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 17 - 18].

وفي مجمع البيان في التفسير للطبرسي (رَحمَةُ اللّه) في ضمن هذه الآية: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): إن الله تعالى وكل بعيده ملكين يكتبان عليه فإذا مات قالا: يا رب قد قبضت عبدك فلاناً فإلى أين؟ قال: سمائي مملوءة بملائكتي يعبدونني وأرضي مملوءة من خلقي يطيعونني إذهبا إلى قبر عبدي فسبحاني وكبراني وهللاني فاكتبا ذلك في حسنات عبدي إلى يوم القيامة (1).


1) كنز العمال: 748/15، وتفسير مجمع البيان: 240/9.

وفيه عن أبي أمامة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطيء أو المسيء فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها وإلا كتب واحدة وفي رواية أخرى قال صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال فإذا عمل حسنة كتبها له صاحب اليمين بعشر أمثالها، وإذا عمل سيئةً فأراد صاحب الشمال أن يكتبها قال له صاحب اليمين أمسك فيمسك عنه سبع ساعات فإن استغفر الله منها لم يكتب عليه شيء وإن لم يستغفر الله كتب له سيئة واحدة (1).

وفي الكافي عن زرارة عن أحدهما (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إن الله تعالى جعل لآدم في ذريته من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة ومن هم بحسنة وعملها كتبت له عشراً ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه ومن عمل بها كتبت عليه سيئة (2).

وقال في الوافي في بيان كون الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها - والله در قائله: لعل السر في كون الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها إن الجوهر الإنساني بطبعه مائل إلى العالم العلوي لأنه مقتبس منه وهبوطه إلى القالب الجسماني غريب من طبيعته، والحسنة إنما يرتقى إلى ما يوافق طبيعة ذلك الجوهر لأنها من جنسه والقوة التي تحرك الحجر مثلاً إلى ما فوق ذراعاً واحداً هي بعينها إن استعملت في تحريكه إلى أسفل حركته عشرة أذرع وزيادة فلذلك كانت الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ومنها ما يوفي أجرها بغير حساب، والحسنة التي لا يدفع تأثيرها سمعة أو رياء أو عجب كالحجر الذي يدحرج من شاهق لا يصادفه دافع فإنه لا يتقدر مقدار هويه بحساب حتى يبلغ الغاية.

وفي الكافي عن عبد الله بن موسى بن جعفر عن أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: وسألته عن الملكين هل يعلمان بالذنب إذا أراد العبد أن يعمله أو الحسنة ؟ فقال: ريح الكنيف وريح الطيب سواء فقلت لا، قال: إن العبد إذا هم بالحسنة خرج نفسه طيب الريح فقال: صاحب اليمين لصاحب الشمال قف فإنه قدهم بالحسنة فإذا هو عملها كان لسانه قلمه وريقه مداده فأثبتها له، وإذا هم بالسيئة خرج نفسه منتن الريح فيقول صاحب الشمال لصاحب اليمين قف فإنه قدهم بالسيئة فإذا هو عملها كان ريقه مداده ولسانه قلمه فأثبته عليه (3).

وفي الوافي في بيانه إنما جعل الريق واللسان آلة لإثبات الحسنة والسيئة لأن بناء الأعمال إنما هو على ما عقد في القلب من التكلم بها وإليه الإشارة بقوله سبحانه: إِلَيهِ


1) بحار الأنوار: 321/5، ودرر الأخبار: 74.

2) الإحتجاج: 329/1، وبحار الأنوار: 19/6.

3) التفسير الصافي: 296/5، وبحار الأنوار: 325/5، ح 16.

يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: 10] وهذا الريق واللسان الظاهر صورة لذلك المعنى كما قيل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما *** جعل اللسان على الفؤاد دليلا

وفي الكافي أيضاً عن الفضيل بن عثمان المرادي قال: سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): أربع من كن فيه لم يهلك على الله عزّ وجلّ بعد هن إلا هالك: يهم العبد بالحسنة فيعملها فإن هو لم يعملها كتب الله له حسنة بحسن نيته وإن هو عملها كتب الله عزّ وجلّ له عشراً، ويهم بالسيئة أن يعملها فإن لم يعملها لم يكتب عليه وإن هو وإن هو عملها أجل سبع ساعات، وقال صاحب الحسنات لصاحب السيئات وهو صاحب الشمال: لا تعجل عسى يتبعها بحسنة تمحوها فإن الله يقول: وإِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: 114] أو الإستغفار فإن هو قال: أستغفر الله الذي لا إله هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم الغفور الرحيم ذو الجلال والإكرام وأتوب إليه لم يكتب عليه شيء وإن مضت سبع ساعات ولم يتبعها بحسنة وإستغفار قال صاحب الحسنات لصاحب السيئات أكتب على الشقي المحروم (1).

وفيه أيضاً عن أبي النعمان قال: قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا أبا النعمان لا يغرنك الناس من نفسك فإن الأمر يصل إليك دونهم ولا تقطع نهارك بكذا وكذا، فإن معك من يحفظ عليك عملك فأحسن فإني لم أرَ شيئاً أحسن دركاً ولا أسرع طلباً من حسنة محدثة لذنب قديم (2).

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فأخذ امرؤ نفسه لنفسه) هذا تحضيض منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى طاعة الله والتوجه إلى جناب الرب والتزود للدار الآخرة. أي إذا كان كذلك فليأخذ امرؤ من نفسه لنفسه أي يتعب نفسه في الطاعات وترك الشهوات وعمل الخيرات والمبرات وينفق ماله في سبيل الله لأنه بمنزلة نفسه ذخيرة لنفسه یوم المعاد قال الله عزّ وجلّ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴿19 إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ 20 فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةِ 21 فِي جَنَّةٍ عَالِیَةِ 22 قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ 23 كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَة 24 ﴾ [الحاقة: 19 - 24]

ولما كان الإنسان في عباداته ورياضاته يأخذ من قوى نفسه أي ينقص ويضعف تلك القوى حيث أنفقها في سبيل الله ذخرة له یوم المعاد فحق أنه أخذ نفسه لنفسه ولا يخفى لطف كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحسن إفادته لفظاً ومعنى.

في الكافي (في الوافي ص 63 م) عن الشحام قال: قال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): خذ


1) بحار الأنوار: 326/5، ح 17، وميزان الحكمة: 2277/3.

2) الأمالي: 68، ومشكاة الأنوار: 139.

لنفسك من نفسك خذ منها في الصحة قبل السقم وفي القوة قبل الضعف وفي الحياة قبل الممات (1).

وفيه أيضاً عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحمل نفسك لنفسك فإن لم تفعل لم يحمل غيرك.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وأخذ من حي لميت) المراد بالحي والميت هو المرء نفسه أي يأخذ في حال حياته لحال مماته كما مر الحديث عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفي الحياة قبل الممات وكقول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأبي ذر (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) اغتنم خمساً قبل خمس إلى إن قال حياتك قبل موتك.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ومن فان لباقٍ ومن ذاهب لدائم) المراد بالفاني والذاهب هذه الدار الدنيا وبالأخيرين الآخرة وللدنيا والآخرة أسام عديدة باعتبارات شتى أي فليأخذ من دنياه لآخرته. فالدنيا ممدوحة من حيث أنها متجر ومكسب لمن أخذها كذلك وسيأتي البحث في الدنيا المذمومة والممدوحة إن شاء الله تعالى في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): وقد سمع رجلاً يذم الدنيا؛ أيها الذام للدنيا المغتر بغرورها أو المراد من الفاني والذاهب البدن ومن الأخيرين الروح فيكون إشارة إلى بقاء الروح وتجرده.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (امرؤ خاف الله وهو معمر إلى أجله ومنظور إلى عمله) بدل امرؤ فى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخذ امرؤ أي: فليأخذ امرؤ خاف الله أي يأخذ من نفس، لنفسه لنفسه ومن دنياه دنياه لآخرته رجل يخاف الله وهو أمهل إلى أجله وفي الغد ينظر إلى عمله لأن كل نفس بما كسبت رهينة فإن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى، وإن طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوي.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (امرؤ ألجم نفسه) إلى آخره شبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) النفس بالدابة الحرون فإن ألجمتها وأمسكتها عن معاصي الله وقدتها إلى طاعته وإلا فهي تذهب بك إلى حيث شاءت ولنعم ما نظم العارف الرومي في المثنوي حيث شبه الروح بعيسى روح الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) والنفس بالحمار الحرون فقال:

ترك عیسی کرده خر پرورده *** لا جرم چون خر برون پرده

طالع عیسی است علم ومعرفت *** طالع خر نیست ای تو خرصفت

ناله خربشنوی رحم آیدت *** پس ندانی خرخری فرمایدت

رحم بر عیسی کن وبر خر مکن *** طبع را بر عقل خود سرور مکن

طبع را هل تابريد زار زار *** تو ازو بستان و وام جان گذار


1) ميزان الحكمة 1976/3، ح 2725.

سالها خر بنده بودی بس بود *** زانکه خربنده ز خر واپس بود

هم مزاج خر شدت این عقل پست *** فرکش اینکه چون علف آرد بدست

گردن خر گیر و سوی راه کش *** سوی رهبانان و رهدانان خوش

هین مهل خررا و دست ازوی مدار *** زانکه عشق او است سوی سبزه زار

گر یکی دم تو بغفلت واهليش *** او رود فرسنگها سوی حشیش

دشمن راهست خرمست علف *** اي بسأخر بنده کز وی شد تلف

گر ندانی وه هر آنچه خر بخواست *** عکس آنراکن که هست آن راه راست

نقل نفيس بن عوض الطبيب في شرح الأسباب في الطب لعلاء الدين علي بن أبي الحزم القرشي المتطبب في مبحث العشق عن الحكماء: النفس إن لم تشتغلها شغلتك وذلك لأنها لا يكاد تفتر ساعة من تدبير فإن شغلتها بالأمور النافعة إشتغلت بها وإلا اشتغلت بالأمور الفاسدة الهلكة، والنفس خصم ألد وأمارة بالسوء وقطاع الطريق للسالك إلى الله فلو تركها الإنسان بحالها ولم يمسكها عن معاصي الله وعن ما تشتهيه لذهبت به إلى المهالك فالحرى بالعاقل اليقظان أن يجاهد أولاً هذا العدو الفظ الذي كن جاره في داره:

تو با دشمن نفس همخانه *** چه دربند پیکار بیگانه

وروى عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كتاب الأربعين للعلامة بهاء الدين العاملي (رَحمَةُ اللّه): إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعث سرية فلما رجعوا قال: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر قيل: يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وما الجهاد الأكبر قال جهاد النفس، ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه (1).

ومما قلته في ذم متابعة النفس على صنعة التعريب:

من كرَّد نفسه پیرویا *** فليقعدن في الدوزخ جثيا

من افکند بدستها زمامه *** فماله الخوشي والسلامة

لأنها لحية لدغاء *** أن بگزد ليس لها دواء

إن جاوزت عن صدها بموئي *** فإنها أمارة بالسوء

رب پنهت بك من هواها *** بدبخت من لا يترس عقباها


1) مشكاة الأنوار: 431، وبحار الأنوار: 65/67، ح 7.

الترجمة

یکی از خطبه های آن حضرت است:

اکنون که در فراخی بقا هستید (کنایه از این که زنده اید) و نامههای اعمال گسترده است و پیچیده نشده و تو به پهن است و در آن بسته نشد (کنایه از این که هنوز اجل شما فرا نرسیده) و آن که از حق تعالی و فرمان او پشت کرده خوانده میشود که برگرد و به سوی ما بیا و آن که بد کرده است امیدواری به او داده شد که اگر دست از بدی بردارد و به خوبی گراید و تدارك،كند از او پذیرفته است و عاقبت به خیر خواهد بود پس کار کنید و تلافی گذشته نمایید پیش از آن که مرگ گریبان شما را بگیرد و چراغ عمل خاموش گردد و طناب عمر بریده شود و وقت به سرآید و فرصت از دست رود و در توبه بسته شود و فرشتگان اعمال دست از کار بکشند و به آسمان برشوند کنایه از این که تن به کار دهید پیش از آن که عمر به سرآید و مرگ به درآید پس باید بگیرد هر کسی از خود برای خود (یعنی خویشتن را رنج دهد و کار کند تا در آخرت او را به کار آید) و باید بگیرد از زنده برای مرده (یعنی تا زنده است کاری کند که چون بمیرد او را به کار آید) و از دنیای فانی برای سرای جاودانی یا از بدن فانی برای روح باقی و از رونده و گذرنده برای دائم همیشگی (یعنی از دنیا برای عقبی یا از تن برای جان).

مردی که از خدا بترسد و حال آن که تا هنگام اجل فرصت دارد و عمل او مورد نظر است (یعنی تا زنده است به عمل کوشد و برای روز تنگدستی خویش کاری کند)، مردی که چارپای سرکش نفس را لگام زده و مهار کرده پس به لگامش وی را از معاصی باز میدارد و به مهارش به سوی طاعت خدا می کشاند.

الخطبة السادسة والثلاثون والمائتان ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شأن الحكمين وذم أهل الشام

اشارة:

جُفاةٌ طَعَامٌ، عَبِيدٌ قِرَامٌ، جُمِعُوا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ، وتُلُقْطُوا مِنْ كُلِّ شَوْبٍ مِمَّنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَقهَ ويُؤَدِّبَ، ويُعَلَم ويُدَرَّبَ، ويُولّى عَلَيْهِ ويُأخَذَ عَلى يَدَيْهِ لَيْسُوا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ، ولا مِن الَّذِينَ تَبَوَّلُوا الدّارَ، أَلا وإنَّ الْقَوْمَ اخْتارُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمّا يُحِبُّونَ، وإِنَّكُمُ الخَتَرْتُم لأَنْفُسِكُمْ أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمّا تَكْرَهُونَ، وإِنَّما عَهْدُكُمْ بِعَبْدِ اللهِ بْن قَيْس بِالْأَمْسِ يَقُولُ: «إنها فِتْنَة فَقَطْعُوا أَوْتَارَكُمْ وشيمُوا سُيُوفَكُمْ» فَإِنْ كانَ صدِقاً فَقَدْ أَخطأَ بِمَسِيرِهِ غَيْرَ مُسْتَكْرَه، وإِنْ كانَ كاذباً فَقَدْ لَزِمَتْهُ التَّهْمَةُ، فَادْفَعُوا في صَدْرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ العباس، وخُذُوا مَهَلَ الأَيَّام، وحُوطُوا قَواصِيَ الْإِسْلامِ، أَلا تَرَوْنَ إِلى بِلادِكُمْ تُغْزى، وإِلى صَفاتِكُمْ تُرْمى (1).

اللغة

(جفاة) جمع جاف كقضاة جم قاض وطغاة جمع طاغ من قولك جفت الرجل أجفوه جفاءً وقيل أصله من جفا الثوب يجفو إذا غلط فهو جاف ومنه جفاء البدو وهو غلظتهم وفظاظتهم.

أقول: ويمكن أن يكون الجفاء مهموز اللام وهو ما يعلو السيل ويحتمله من سقط الأرض قال الله تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَةٌ [الرعد: 17] وقال الشاعر (الحماسة 75):

حميت على العهار أطهار أمه *** وبعض الرجال المدعين جفاء

فيكون المراد أنهم رذال الناس وسفلتهم.

(طغام) بالطاء المشالة المهملة المفتوحة كطعام، قال في الصحاح الطعام أوغاد الناس «الأوغاد جمع الوغد بسكون الغين كوفد وأوفاد والوغد الرجل الدني الذي يخدم بطعام بطنه» وأنشد أبو العباس: فما فضل اللبيب على الطَّعام الواحد والجمع سواء والطغام أيضاً رذال الطير الواحدة طغامة للذكر والأنثى مثل نعامة ونعام ولا ينطق منه بفعل ولا يعرف له اشتقاق فالطغام أراذل الناس ودنيهم وخسيسهم.

(عبيد) جمع العبد ككلب وكليب يقال عبد، وأعبد، وعباد، وعبيد وعبدی، وعبداء، وعبدان، وعُيدان ومعبوداء، ومعبدة، وعبد، فبعض هذه الأسماء مما صيغ للجمع


1) بحار الأنوار: 324/33، وشرح نهج البلاغة: 309/13.

وبعضها جمع في الحقيقة.

والعبد في أصل اللغة خلاف الحر وهم يكنون كثيراً عن اللثام وإن كانوا أحراراً بالعبيد، والعبدان وبالقزم والقزمان كم صرح به المرزوقي في شرح الحماسة قال معدان بن عبيد (الحماسة 613)

عجبت لعبدان هجوني سفاهة *** أن اصطحبوا من شأنهم وتقيلوا

بجاد وريسان وفهر وغالب *** وعون وهدم وابن صفوة أخيل

فسمى هؤلاء ألست عبداناً مع أنهم أحرار تخضيعاً وتشنيعاً لهم.

(قزام) في الصحاح: القزم محركة رذال الناس وسفلتهم قال زياد بن منقذ:

وهم إذا الخيل حالوا في كواثبها *** فوارس الخيل لاميل ولا قزم

يقال: رجل قزم والذكر والأنثى والواحد والجمع فيه سواء لأنه في الأصل مصدر، والقزام اللئام، وفي أكثر النسخ المتداولة عبيد أقزام ولكن لم يذكر المعاجم المتداولة هذا الجمع ولذا اخترنا رواية قزام ورجحناه على أقزام لأن القزام قد ذكرت في المعاجم قال الشاعر:

أحصنوا أمهم من عبدهم *** تلك أفعال القزام الوكعة

على أن في الجمع بين الطغام والقزام موازنة بديعة أولى من الطغام والأقزام وذكر المرزوقي في شرحه على الحماسة كما مر آنفاً القزم والقزمان كسبحان على هيئة الجمع، وقال بعض المحشين لم تذكر المعاجم المتداولة هذا الجمع والمعروف أقزام وقزامي وقزم بضمتين.

(أوب) يقال جاؤوا من كل أوب أي من كل ناحية.

(تلقطوا) في الصحاح تلقط فلان التمر أي التقطه من ها هنا وها هنا.

(شوب) الشوب: الخلط، يقال شبت الشيء أشوبه فهو مشوب أي مخلوط وفي المثل هو يشوب ويروب يضرب لمن يخلط في القول أو العمل.

( يدرب) أي يؤدب ويعود بالعادات الجميلة ويمرن بمحاسن الأفعال، يقال دربته الشدائد حتى قوي ومرن عليها ودربت البازي على الصيد أي ضريته وروى كان يدرب يذرب بالذال المعجمة من ذريت معدته إذا فسدت والتذريب.

(تبوأت) منزلاً أي اتخذته والمباءة المنزل.

و (العهد) اللقاء والمعرفة وعهدته بمكان كذا أي لقيته وعهدي به قريب أي لقائي وهو قريب العهد بكذا أي قريب العلم والحال وعهدت إلى فلان أي أوصيته.

(أوتار) جع الوتر بالتحريك وهو شرعة القوس ويقال بالفارسي «زه» فالمراد من أوتاركم أوتار قسيكم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

)شيموا سيوفكم( تقول شمت السيف كبعت إذا أعمدته ومنه المشيمة أي الغرس والشيام أي الكناس لانشيامه فيه ودخوله وأيضاً تقول شمت السيف إذا سللته وهو من الأضداد.

)مهل الأيام( المهل بالتحريك: التؤودة ومهل الأيام فسحتها، يقال أمهله إذا أنظره.

(قواصي) جمع قاصية كنواحي جمع ناحية لفظاً ومعنى يقال: كنت منه في قاصيته أي في ناحيته.

(تغزى) من الغزو أي، ألحرب تغزي بلادكم أي تقاتل لها ويمكن أن يكون بمعنى القصد يقال: عرفت ما يغزي من هذا الكلام أي: يراد ومغزى الكلام مقصده فالمعنى تراد وتقصد بلادكم أي يطمع العدو فيها.

(صفاتكم) الصفاة الصخرة الملساء لا يؤثر فيها السهام ولا يرميها الرامي إلا بعد أن مهل غيرها يقال قد رمى فلان صفاة فلان إذا دهاه بداهية قال الشاعر:

والدهر موتر قوسه *** یرمی صفاتك بالمعابل

الإعراب

(جفاة طغام عبيد قزام) أخيار المبتدأ محذوف أي هم جفاة والعرب يأتون لمبتدأ واحد بأخبار كثيرة قال ابن مالك:

وأخبروا بإثنين أو بأكثرا *** لواحد کهم سرأة شعرا

جملتا جمعوا وتلقطوا في محل رفع صفة له وكلمة من في ممن ينبغي للتبيين ومن موصولة أي هم هؤلاء والظرف مستقر صفة لهم ولا يجوز أن تكون حالاً لهم لأنها محفوفة بالجمل التي كلها صفات لهم أعني جمل جمعوا وتنقطوا وليسوا من المهاجرين الخ.

وقال المعربون الجمل بعد النكرات صفات وبعد المعارف أحوال فالجمل ها هنا صفات فلو كان ذلك الظرف غير الوصف للزم خروج الكلام عن أسلوبه المنساق له.

و (يفقه) والأفعال الخمسة الأخر منصوبة بأن الناصبة تأولها إلى مصادرها فاعلاً لينبغي

ومن المهاجرين ظرف مستقر منصوب محله خبر لليس، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولا من الذين عطف عليه والجار للتبعيض لا مكان سد بعض مسده.

كلمة الجار في مما يحبون ومما تكرهون متعلقة بقرب لأن صلته تكون من قال الله تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وكلمة ما في الموضعين موصوفة أو موصولة والعائد محذوف أي ما يحبونه وتكرهونه، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنفسكم في كلام الموضعين متعلق بيحبون وتكرهون أي يحبون لأنفسكم وتكرهون لأنفسكم قدم الظرف على عامله توسعاً للظروف ويمكن أن يكونا صلة لاخترتم (بالأمس) متعلق بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعهدكم والجار للظرف بمعنى في والجار في إلى بلادكم وصفاتكم متعلق بقوله ترون لا بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) تغزى وترمى.

المعنى

الحكمان هما عمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري المسمى بعبد الله بن عباس ونذكر ترجمتهما بعد المعني.

قال الطبري في في تاريخه بايع عمرو بن العاص معاوية في سنة ست وثلاثين ووافقه على محاربة علي.

وكان السبب في ذلك أنه لما أحيط بعثمان خرج عمرو بن العاص من المدينة متوجهاً نحو الشام وقال: والله يا أهل المدينة ما يقيم بها أحد فيدركه قتل هذا الرجل إلا ضربه الله عزّ وجلّ بذل ومن لم يستطع نصره فليهرب فسار وسار معه إبنا عبد ب فسار وسار معه إبنا عبد الله، ومحمد وخرج بعده حسان بن ثابت وتتابع على ذلك ما شاء الله.

فبينا عمرو بن العاص جالس بعجلان ومعه ابناه إذ مر بهم راكب فقالوا: من أين؟ قال: من المدينة. فقال عمرو: ما اسمك؟ قال: حصيرة قال عمرو حصر الرجل قال: فما الخبر؟ قال: تركت الرجل محصوراً. قال عمرو: يقتل.

ثم مكثوا أياماً فمر بهم راكب فقالوا: من أين؟ قال: من المدينة. قال عمرو ما اسمك؟ قال: قتال قال عمرو: قتل الرجل فما الخبر؟ قال: قتل الرجل. ثم لم يكن إلا ذلك إلى أن خرجت.

ثم مكثوا أياماً فمر بهم راكب، فقالوا: من أين؟ قال: من المدينة. قال عمرو: ما اسمك؟ قال: حرب. قال عمرو: يكون حرب. فما الخبر؟ قال: قتل عثمان بن عفان، وبويع لعلي بن أبي طالب. قال:عمرو: أنا أبو عبد الله يكون حرب من حكِّ فيها قرحة نكأها رحم الله عثمان و(رَضِیَ اللهُ عَنهُ) وغفر له فقال سلامة بن زنباع الجذامي: يا معشر قريش أنه والله قد

كان بينكم وبين العرب باب فاتخذوا باباً إذاً كسرب الباب. فقال عمرو: وذاك الذي نريد ولا يصلح الباب إلا أشاف تخرج الحق من حافرة البأس ويكون الناس في العدل سواء ثم تمثل عمرو في بعض ذلك:

یا لهفَ نفسي على مالكٍ *** وهل يصرفُ اللّهفُ حفظ القدر

أنزع من الحر أودى بهم *** فاعذرُهم أم بقومی سكر

ثم ارتحل راجلاً يبكي كما تبكي المرأة ويقول واعثماناه أنعى الحياء والدين حتى قدم دمشق وقد كان سقط إليه من الذي يكون علم فعمل عليه.

ثم نقل عن الواقدي: لما بلغ عمراً قتل عثمن قال: أنا عبد الله (أنا أبو عبد الله) قتلته وأنا بوادي السباع من يلي هذا الأمر من بعده إن يله طلحة فهو فتى العرب سيباً، وإن يَله ابن أبي طالب فلا أراه إلا سيستنطق الحق وهو أكره من يليه إلي.

قال: فبلغه أن علياً قد له فاشتد عليه وتربص أياماً ينظر ما يصنع الناس فبلغه مسير طلحة والزبير، وعائشة وقال: استأني وأنظرها ما يصنعون فأتاه الخبر أن طلحة والزبير قد قتلا فارتج عليه أمره.

فقال له: قائل أن معاوية بالشام لا يريد يبايع لعلي فلو قارنت معاوية فكانت معاوية أحب إليه من علي بن أبي طالب وقيل له أن معاوية يعظم شأن قتل عثمان بن عفان ويحرض على الطلب بدمه. فقال عمرو: أدعوا لي محمداً وعبد الله فدعيا له فقال: قد كان ما قد بلغكما من قتل عثمان وبيعة الناس لعلي وما يرصد معاوية من مخالفة علي وقال ما تريان أما عليّ فلا خير عنده وهو رجل يدل بسابقته وهو غير مشركي في شيء من أمره.

فقال عبد الله بن عمرو: توفي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهو عنك راض وتوفي أبو بكر وهو عنك راض وتوفي عمر وهو عنك راض أرى أن تكف يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس على إمام فتبايعه وقال محمد بن عمرو أنت ناب من أنياب العرب فلا أرى أن يجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صوت ولا ذكر.

قال عمرو: أما أنت يا عبد الله فأمرتني بالذي هو خي- خير لي في آخرتي وأسلم في ديني. وأما أنت يا محمد فأمرتني بالذي أنبه لي في دنياي وأشر لي في آخرتي.

ثم خرج عمرو بن العاص ومعه أبناه حتى قدم على معاوية فوجد أهل الشام يحضون معاوية على الطلب بدم عثمان فقال عمرو بن العاص أنتم على الحق أطلبوا بدم الخليفة المظلوم ومعاوية لا يلتفت إلى قول عمرو فقال: إبنا عمرو لعمرو ألا ترى إلى معاوية لا يلتفت إلى قولك إنصرف إلى غيره فدخل عمرو على معاوية فقال: والله لعجب لك إني أرفدك

بما أرفدك وأنت معرض عني أما والله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة إن في النفس من ذلك ما فيها حيث نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا فصالحه معاوية وعطف عليه (1).

ويأتي في ذلك كتاب أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عمرو بن العاص في باب المختار من كتبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو الكتاب التاسع والثلاثون حيث يقول:

فإنك جعلت دينك تبعاً لدنيا أمراً ظاهر غيه مهتوك ستره يشين الكريم بمجلسه ويسفه الحليم بخلطته فاتبعت أثره وطلبت فضله أتباع الكلب للضرغام يلوذ إلى مخالبه وينتظر ما يلقى إليه من فضل فريسته إلى آخر ما (عَلَيهِ السَّلَامُ).

«حكم الحكمين واجتماعهما وما جرى في ذلك»

واعلم أن التحكيم كان برأي عمرو بن العاص حين رأى أن دلائل الفتح والنصر لأهل العراق أعني عسكر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ظهرت ودلائل الخذلان والأدبار على أهل الشام وهم عسكر معاوية قد وضحت وكان ذلك عقيب ليلة الهرير وهي ليلة عظيمة يضرب بها المثل فرفع أهل الشام برأي عمرو مصاحف إعتصاماً من سيوف أهل العراق حين رأوا أن عسكر العراق غلبوا عليهم.

فلا بد لنا إلا أن نذكر ما جرى بينهما في الصفين لأن عدة من كتبه علي يأتي في ذلك من بعد كما مضت عدة من الخطب في ذلك من قبل وسنشير إلى مواضعها ومداركها إن شاء الله تعالى ونحن نذكر ما أورده في ذلك أبو جعفر الطبري في تاريخه ونصر بن مزاحم في كتاب الصفين والمسعودي في مروج الذهب حتى يتبين شأن الحكمين وخديعة عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري وغير ذلك ما تسمعه.

في تاريخ أبي جعفر محمد بن الجرير الطبري: وفي هذه السنة يعني السنة السادسة والثلاثين وجه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند منصرفه من البصرة إلى الكوفة وفراغه من الجمل جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية يدعوه إلى بيعته وكان جرير حين خرج علي إلى البصرة لقتال من قاتله بها بهمدان عاملاً عليها كان عثمان استعمله عليها فلما قدم علي الكوفة منصرفاً إليها من البصرة كتب إليهما يأمرها بأخذ البيعة له على من قبلهما من الناس والإنصراف إليه ففعلا ذلك وانصرفا إليه.

فلما أراد علي توجيه الرسول إلى معاوية قال جرير بن عبد الله إبعثني إليه فأنه لي ود


1) الغدير 154/2، ونهج السعادة: 70/2.

حتى آتيه فأدعوه إلى الدخول في طاعتك فقال الأشتر لعلي: لا تبعثه فوالله إني وظن هواه معه فقال علي: دعه حتى ننظر ما الذي يرجع به إلينا بعثه إليه وكتب معه كتاباً يعلمه اجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته ونكث طلحة، والزبير وما كان من حربه إياهما ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار من طاعته.

فشخص إليه جرير فلما قدم عليه ماطله واستنظره ودعا عمراً فاستشاره فيما كتب به إليه فأشار عليه أن يرسل إلى وجه الشام ويلزم علياً دم عثمان ويقاتله بهم ففعل ذلك معاوية وكان أهل الشام لما قدم عليهم النعمان بن بشير بقميص عثمان الذي قتل فيه مخضباً بدمه وبأصابع نائلة زوجته مقطوعة بالبراجم إصبعان منها وشيء من الكف وأصبعان مقطوعتان من أصولهما ونصف الإبهام وضع معاوية القميص على المنبر وكتب بالخبر إلى الأجناد وثاب إليه الناس وبكوا سنة وهو على المنبر والأصابع معلقة فيه.

وآلى الرجال من أهل الشام ألا يأتوا النساء ولا يمسهم الماء للغسل إلا من احتلام ولا يناموا على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان ومن عرض دونهم بشيء أو تفنى أرواحهم فمكثوا حول القميص سنة والقميص يوضع كل يوم على المنبر ويجلله أحياناً فيلبسه وعلق في أردانه أصبع نائلة.

فلما قدم جرير بن عبد الله على علي فأخبره خبر معاوية واجتماع أهل الشام معه على قتاله وأنهم يبكون على عثمان ويقولون أن علياً قتله وآوى قتلته وأنهم لا ينتهون عنه حتى يقتلهم أو يقتلوه.

فقال الأشتر لعلي قد كنت نهيتك أن تبعث جريراً وأخبرتك بعداوته وغشه ولو كنت بعثتني كان خيراً من هذا الذي أقام عنده حتى لم يدع باباً يرجو فتحه إلا فتحه لا باباً يخاف منه إلا أغلقه.

فقال جرير: لو كنت ثم لقتلوك لقد ذكروا أنك من قتلة عثمان. فقال الأشتر: لو أتيتهم والله يا جرير لم يعيني جوابهم ولحملت معاوية على خطة أعجله فيها عن الفكر ولو أطاعني فيك أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لحبسك وأشباهك في محبس لا تخرجون منه حتى تستقيم هذه الأمور فخرج جرير بن عبد الله إلى قرقيساء وكتب إلى معاوية فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه وخرج أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فعسكر بالنخيلة وقدم عليه عبد الله بن عباس بمن نهض معه من أهل البصرة.

واستخلف عبد الله بن عباس على البصرة ثم سار منها إلى الكوفة فتهيأ فيها إلى صفين فاستشار الناس في ذلك فأشار عليه قوم أن يبعث الجنود ويقيم وأشار آخرون بالمسير فأبى

إلَّا المباشرة فجهز الناس (1).

وقال المسعودي في مروج الذهب: وكان سير علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الكوفة إلى صفين لخمس خلون من شوال سنة ست وثلاثين واستخلف على الكوفة أبا مسعود عقبة بن عامر الأنصاري.

فبلغ ذلك معاوية فدعا عمرو بن العاص فاستشاره فقال: أما إذ بلغك أنه يسير فسر بنفسك ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك. قال أما إذاً يا أبا عبد الله فجهز الناس فجاء عمرو فحضض الناس وضعف علياً وأصحابه وقال: إن أهل العراق قد فرقوا جمعهم وأوهنوا شوكتهم وفلوا حدهم ثم إن أهل البصرة مخالفون لعلي قد وترهم وقللهم وقد تفانت صناديدهم وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل وإنما سار في شرذمة قليلة منهم من قد قتل خليفتكم فالله الله في حقكم أن تضيعوه وفي دمكم أن تبطلوه وكتب في أجناد أهل الشام وعقد لواءه لعمرو فعقد لوردان غلامه فيمن عقد ولا بنيه عبد الله ومحمد وعقد علي لغلامه ننبر ثم قال عمرو:

هل يغنين وردان عنى قنبرا *** وتغني السكون عني حميراً

إذا الکماة لبسوا السّنوّرا

فبلغ ذلك علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال:

لأصبحن بن العاصي *** سبعين ألفاً عاقدي النواصي

مجننين الخيل بالقلاص *** مستحقبين حلق الدَّلاص

فلما سمع ذلك معاوية قال: ما أرى ابن أبي طالب إلا قد وفى لك فجاء معاوية يتأنى في مسيره وكتب إلى كل من كان يرى أنه يخاف علياً أو طعن عليه ومن أعظم دم عثمان واستغواهم إليه (2).

فبعث علي زياد بن النضر الحارثي طليعة في ثمانية آلاف وبعث معه شريح بن هاني في أربعة آلاف وخرج علي من النخيلة بمن معه فلما دخل المدائن شخص معه من فيها من المقاتلة وولى على المدائن سعد بن مسعود الثقفي عم المختار بن أبي عبيد ووجه علي من المدائن معقل بن قيس في ثلاثة آلاف وأمره أن يأخذ على الموصل حتى يوافيه (3).


1) تاريخ الطبري: 0562/3.

2) تاریخ دمشق: 43/22.

3) تاريخ الطبري: 0563/3.

قال المسعودي في مروج الذهب: وقد تنوزع في مقدار ما كان مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الجيش فمكثر ومقلل والمتفق عليه من قول الجميع تسعون ألفاً وقال رجل من علي لما استقروا مما يلي الشام من أبيات كتب بها إلى معاوية: أصحاب (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أثبت معاوي قد أتاك الحافل *** تسعون عون ألفاً كلهم مقاتل

عما قليل يضمحل الباطل

وسار معاوية من الشام، وقد تنوزع في مقدار من كان معه فمكثر ومقلل والمتفق عليه من قول الجميع خمس وثمانون ألفاً.

«ما أمر به علي بن أبي طالب من عمل الجسر على الفرات»

فلما انتهى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الرقة قال لأهل الرقة أجسروا لي جسراً حتى أعبر من هذا المكان إلى الشام فأبوا وقد كانوا ضموا إليهم السفن فنهض من عندهم ليعبر من جسر منبج وخلف عليهم الأشتر وذهب ليمضي بالناس كيما يعبر بهم على جسر منبج فناداهم الأشتر فقال: يا أهل هذا الحصن ألا أني أقسم لكم بالله عزّ وجلّ لئن مضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولم تجسروا له عند مدينتكم جسراً حتى يعبر لأجردن فيكم السيف ثم لأقتلن الرجال ولأخربن الأرض ولآخذن الأموال فلقي بعضهم بعضاً فقالوا: أليس الأشتر يفي بما حلف عليه ويأتي بشر منه قالوا: نعم، فبعثوا إليه إنا ناصبون لكم جسراً فأقبلوا وجاء علي فنصبوا له الجسر فعبر عليه بالأثقال والرجال ثم أمر علي الأشتر فوقف في ثلاثة آلاف فارس حتى لم يبق من الناس أحد إلا عبر ثم أنه عبر آخر الناس رجلاً.

قال أبو جعفر الطبري: قال أبو مخنف فحدثني خالد قطن الحارثي أن علياً لما قطع الفرات دعا زياد بن النضر، وشريح بن هاني فسرحهما أمامه نحو معاوية على حالهما التي كانا خرجا عليه من الكوفة قال: وقد كانا حيث شرحهما من الكوفة أخذا على شاطىء الفرات من قبل البر مما يلي الكوفة حتى بلغا عانات فبلغهما أخذ علي على طريق الجزيرة وبلغهما أن معاوية قد أقبل من دمشق في جنود أهل الشام لاستقبال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقالا: لا والله ما هذا لنا برأي أن نسير وبيننا وبين المسلمين وأمير المؤمنين هذا البحر وما لنا خير في أن نلقي جنود أهل الشام بقلة من معنا منقطعين من العدد والمدد فذهبوا ليعبروا من عانات فمنعهم أهل عانات وحبسوا عنهم السفن فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هيت ثم لحقوا علياً بقرية دون قرقيسياء وقد أرادوا أهل عانات فتحصنوا وفروا ولما لحقت المقدمة علياً قال مقدمتي تأتيني من ورائي.

فتقدم إليه زياد بن النضر الحارثي وشريح بن هاني فأخبراه بالذي رأيا حين بلغهما من

الأمر ما بلغهما فقال: سددتما.

ثم مضى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلما عبر الفرات قدمهما أمامه نحو معاوية فلما انتهيا إلى سور الروم لقيهما أبو الأعور السلمي عمرو بن سفيان في جند من أهل الشام فأرسلا إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنا قد لقينا أبا الأعور السلمي في جند من أهل الشام وقد دعوناهم فلم يجبنا منهم أحد فمرنا بأمرك.

فأرسل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الأشتر فقال: «يا مالك إن زياداً وشريحاً أرسلا إلي يعلماني أنهما لقيا أبا الأعور السلمي في جمع من أهل الشام وأنبأني الرسول أنه تركهم متواقفين فالنجاء إلى أصحابك النجاء فإذا قدمت عليهم فأنت عليهم وإياك أن تبدأ القوم بقتال إلا أن يبدأوك حتى تلقاهم فتدعوهم وتسمع ولا يجر منكم شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم والأعذار إليهم مرة بعد مرة واجعل على ميمنتك زياداً وعلى ميسرتك شريحاً وقف من أصحابك وسطاً ولا تدنو منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب ولا تباعد منهم بعد من يهاب الناس حتى أقدم عليك فإني حثيث السير في أثرك إن شاء الله»

قال: وكان الرسول الحارث بن جمهان الجعفي فكتب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى زياد، وشريح: أما بعد فإني قد أمرت عليكما مالكاً فاسمعا له وأطيعا فأنه مما لا يخاف رهقه ولا سقاطه ولا بطؤه عما الإسراع إليه أحزم ولا الإسراع إلى ما البطاء عنه أمثل وقد أمرته بمثل الذي كنت أمرتكما به ألا يبدأ القوم حتى يلقاهم فيدعوهم ويعذر إليهم (1).

أقول: قال نصر في كتاب صفين بإسناده عن عبد الله بن جندب عن أبيه، وكذا الطبري في تاريخه بإسناده عن عبد الرحمن بن جندب الأزدي عن أبيه: أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يأمرنا في كل موطن لقينا معه عدوه يقول:

«لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم فأنكم بحمد الله على حجة وترككم إياهم حتى يبدؤوكم حجة أرى لكم عليهم فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مديراً ولا تجهزوا على جريح تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا ستراً ولا تدخلوا داراً إلا بإذن ولا تأخذوا شيئاً من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم ولا تهيجوا إمرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وتناولن أمراءكم وصلحاءكم فأنهن ضعاف القوى والأنفس ولقد كنا وإنا لنؤمر بالكف عنهن وأنهن لمشركات وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالهراوة أو الحديد فيعير بها عقبه من بعده» (2).


1) نهج السعادة: 239/4، ح 87 و تاريخ الطبري: 565/3.

2) بحار الأنوار: 458/33، ح 674، ونهج السعادة: 33/8.

أقول: يأتي شرح كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا في باب المختار من كتبه ورسائله بعون الملك الوهاب. وقال الرضي (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) قاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعسكره قبل العدو بصفين.

قال نصر بإسناده عن الحضرمي: قال: سمعت علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) عرض في الناس في ثلاثة مواطن في يوم الجمل ويوم صفين، ويوم النهرواني فقال: «عباد الله إتقوا الله عزّ وجلّ وغضوا الأبصار وافضوا الأصوات وأقلوا الكلام ووطنوا أنفسكم على المنازلة، والمجاولة والمبارزة والمعانقة، والمكارمة وأثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين اللهم ألهمهم الصبر وأنزل عليهم النصر وأعظم لهم الأجر. ولنعد إلى قول الطبري.

وخرج الأشتر حتى قدم على القوم فاتبع ما أمره علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكف عن القتال فلم يزالوا متواقفين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الأعور السلمي فثبتوا له واضطربوا ساعة ثم إن أهل الشام انصرفوا ثم خرج إليهم من الغد هاشم بن عتبة الزهري في خيل ورجال عددها وعدتها وخرج إليه أبو الأعور فاقتتلوا يومهم ذلك تحمل الخيل على الخيل والرجال على الرجال وصبر القوم بعضهم لبعض ثم انصرفوا وحمل عليهم الأشتر فقتل عبد الله بن المنذر التنوخي قتله يومئذ ظبيان بن عمار التميمي وما هو إلا فتى حدث وإن كان التنوخي لفارس أهل الشام.

وأخذ الأشتر يقول: ويحكم أروني أبا الأعور ثم أن أبا الأعور دعا الناس فرجوا نحوه.

فوقف من وراء المكان الذي كان فيه أول مرة وجاء الأشتر حتى صف أصحابه في المكان الذي كان فيه أبو الأعور فقال الأشتر لسنان بن مالك النخعي: إنطلق إلى أبي الأعور فادعه إلى المبارزة فقال: إلى مبارزتي أو مبارزتك فقال له الأشتر: لو أمرتك بمبارزته فعلت؟ قال: نعم والله لو أمرتني أن اعترض صفهم بسيفي ما رجعت أبداً حتى أضرب بسيفي في صفهم قال له:الأشتر يا ابن أخي أطال الله بقاءك قد والله ازددت رغبة فيك لا أمرتك بمبارزته إنما أمرتك أن تدعوه إلى مبارزتي إنه لا يبرز إن كان ذلك من شأنه إلا لذوي الأسنان والكفاءة والشرف وأنت لربك الحمد من أهل الكفاءة والشرف غير أنك فتى حدث السن فليس بمبارز الأحداث ولكن أدعه إلى مبارزتي، فأتاه فنادى آمنوني فإني رسول فأومن فجاء حتى انتهى إلى أبي الأعور (1).

قال أبو مخنف فحدثني النضر بن صالح أبو زهير العبسي قال: حدثني سنان. قال:


1) تاريخ الطبري: 0566/3.

فدنوت منه فقلت: إن الأشتر يدعوك إلى مبارزته قال فسكت عني طويلاً ثم قال: إن خفة الأشتر وسوء رأيه هو حمله على إجلاء عمال ابن عفان من العراق وانتزائه عليه بقبح محاسنه، ومن خفة الأشتر وسوء رأيه أن سار إلى ابن عفان في داره وقراره حتى قتله فيمن قتله فأصبح متبعاً بدمه ألا لا حاجة لي في مبارزته.

قال: قلت إنك قد تكلمت فاسمع حتى أجيبك فقال: لا لا حاجة لي في الإستماع منك ولا في جوابك إذهب عني فصاح بي أصحابه فانصرفت عنه ولو سمع إلي لأخبرته بعذر صاحبي ولحجته.

فرجعت إلى الأشتر فأخبرته أنه قد أبى المبارزة فقال: لنفسه نظر. فوافقناهم حتى جز الليل بيننا وبينهم وبتنا متحارسين فلما أصبحنا نظرنا فإذا القوم قد انصرفوا من تحت ليلتهم ويصبحنا علي بن أبي طالب غدوة فقدم الأشتر فيمن كان معه في في تلك المقدمة حتى انتهى إلى معاوية فوافقه وجاء علي في أثره فلحق بالأشتر سريعاً فوقف وتواقفوا طويلاً.

ثم أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) طلب موضعاً لعسكره فلما وجده أمر الناس فوضعوا الأثقال فلما فعلوا ذهب شباب الناس وغلمتهم يستقون فمنعهم أهل الشام فاقتتل الناس على الماء وقد كان الأشتر قال له: قبل ذلك إن القوم قد سبقوا إلى الشريعة وإلى سهولة الأرض وسعة المنزل فإن رأيت سرنا نجوزهم إلى القرية التي خرجوا منها فأنهم يشخصون في أثرنا فإذا هم لحقونا نزلنا فكنا نحن وهم على السواء فكره ذلك علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال ليس كل الناس يقوى على المسير فنزل بهم (1).

«القتال على الماء»

قال الطبري قال: أبو مخنف وحدثني تميم بن الحارث الأزدي عن جندب بن عبد الله قال: إنا لما انتهينا إلى معاوية وجدناه قد عسكر في موضع سهل أفيح قد اختاره قبل قدومنا إلى جانب شريعة في الفرات ليس في ذلك الصقع شريعة غيرها وجعلها في حيزة وبعث عليها أبا الأعور يمنعها ويحميها فارتفعنا على الفرات رجاء أن نجد شريعة غيرها نستغني بها عن شريعتهم فلم نجدها فأتينا علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخبرناه بعطش الناس وأنا لا نجد غير شريعة القوم:قال فقاتلوهم عليها فجاءه الأشعث بن قيس الكندي فقال: أنا أسير إليهم، فقال له علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): فسر إليهم فسار وسرنا معه حتى إذا دنونا من الماء ثاروا في وجوهنا ينصحوننا بالنبل ورشقناهم والله بالنبل ساعة ثم أطعنا الله بالرماح طويلاً ثم صرنا آخر ذلك نحن والقوم


1) تاريخ الطبري: 566/3.

إلى السيوف فاجتلدنا بها ساعة.

ثم إن القوم أتاهم يزيد بن أسد البجلي ممداً في الخيل والرجال فأقبلوا نحونا فقلت في نفسي: فأمير المؤمنين لا يبعث إلينا بمن يغني عنا هؤلاء فذهبت والتفت فإذا عدة القوم أو أكثر قد سرحهم إلينا ليغنوا عنا يزيد بن أسد وأصحابه عليهم شبث بن ربعي الرياحي فوالله ما ازداد القتال إلا شدة وخرج إلينا عمرو بن العاص من عسكر معاوية في جند كثير فأخذ يمد أبا الأعور ويزيد بن أسد وخرج الأشتر من قبل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جمع عظيم فلما رأى الأشتر عمرو بن العاص يمد أبا الأعور ويزيد بن أسد أمد الأشعث بن قيس وشبث بن ربعي فاشتد قتالنا وقتالهم فما أنسى قول عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزدي:

خلوا لنا ماء الفرات الجاري *** أو أثبتوا لجحفل جرار

لکل قرم مستميت شاري *** مطاعن برمــحـه کــرار

ضراب ها مات ال ات العدی مغوار

قال أبو مخنف: وحدثني رجل من آل خارجة بن التميمي أن ظبيان بن عمارة جعل يومئذ يقاتل وهو يقول:

هل لك يا ظبیان من بقاء *** في ساكن الأرض بغير ماء

لا وإله الأرض والسماء *** فاضرب وجوه الغدر الأعداء

بالسيف عند حمس الوغاء *** حتى يُجيبوك إلى السِّواء

قال ظبیان: فضربناهم والله حتى خلونا وإياه، وقال محمد محتف بن بن سليم: فقاتلناهم فما أمسينا حتى رأينا سقاتنا وسقاتهم يزدحمون على الشريعة وما يؤذي إنسان إنساناً، وقال أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي في مروج الذهب: وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يدور في سكره بالليل فسمع قائلاً وهو يقول:

أیمنعنا القوم ماء الفرات *** وفينا الرماح وفينا الحجف

و فینا علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) له صولة *** إذا خوفوه الردى لم يخف

و نحن غداة لقینا الزبیر *** وطلحة خضنا غمار التلف

فما بالنا الأمس أسد العرين *** وما بالنا اليوم شاه النجف

قال أبو مخنف: وحدثني يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن الأحمر قال: لما قدمنا على معاوية وأهل الشام بصفين وجدناهم قد نزلوا منزلاً إختاروه مستوياً بساطاً واسعاً أخذا الشريعة فهي في أيديهم.

وقال المسعودي في مروج الذهب وعسكر معاوية في موضع سهل أفيح إختاره قبل

قدوم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على شريعة لم يكن على الفرات في ذلك الموضع أسهل منها للوارد إلى الماء وما عداها أخراق عالية ومواضع إلى الماء وعرة ووكل أبا الأعور السلمي بالشريعة مع أربعين ألفاً وكان على مقدمته.

وقال أبو مخنف: وقد صف أبو الأعور السلمي عليها الخيل والرجال وقد قدم المرامية أمام من معه وصف صفاً معهم من الرماح والدرق وعلى رؤوسهم البيض وقد أجمعوا على أن يمنعونا الماء ففزعنا إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فخبرناه بذلك، فدعا صعصعة بن صوحان فقال له: إنت معاوية وقل له: إنا سرنا مسيرنا هذا إليك ونحن نكره قتالك قبل الأعذار إليك، وإنك قدمت إلينا خيلك ورجالك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك وبدأتنا بالقتال ونحن من رأينا الكف عنك حتى ندعوك ونحتج عليك، وهذه أخرى قد فعلتموها قد حلتم بين الناس وبين الماء والناس غير منتهين أو يشربوا فابعث إلى أصحابك فليخلو بين الناس وبين الماء ويكفوا حتى ننظر فيما بيننا وبينكم وفيما قدمنا له وقدمتم له وإن كان أعجب إليك أن نترك ما جئنا له ونترك الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا.

فقال معاوية لأصحابه: ما ترون؟ فقال الوليد بن عقبة أمنعهم الماء كما منعوه عثمان بن عفان حصروه أربعين صباحاً يمنعونه برد الماء ولين الطعام، اقتلهم عطشاً قتلهم الله عطشاً، فقال له عمرو بن العاص: خل بينهم وبين الماء فإن القوم لن يعطشوا وأنت ريان ولكن بغير الماء فانظر ما بينك وبينهم فأعاد الوليد بن عقبة مقالته.

وقال المسعودي: ووكل معاوية أبا الأعور السلمي بالشريعة مع أربعين ألفاً وكان على مقدمته، وبات علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجيشه في البر عطاشاً قد حيل بينهم وبين الورود إلى الماء فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أن علياً لا يموت عطشاً هو تسعون ألفاً من أهل العراق وسيوفهم على عواتقهم ولكن دعهم يشربون ونشرب فقال معاوية: لا والله أو يموتوا عطشاً كما مات عثمان.

وقال عبد الله بن أبي سرح: أمنعهم الماء إلى الليل فأنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا ولو قد رجعوا كان رجوعهم فلا أمنعهم الماء منعهم الله يوم القيامة.

فقال صعصعة: إنما يمنعه الله عزّ وجلّ يوم القيامة الكفرة الفسقة وشربة الخمر ضربك وضرب هذا الفاسق يعني الوليد بن عقبة قال: فتواثبوا إليه يشتمونه ويتهددونه فقال معاوية: كفوا عن الرجل فإنه رسول.

قال أبو مخنف: وحدثني يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن الأحمر أن صعصعة رجع إلينا فحدثنا عما قال لمعاوية وما كان منه وما رد فقلنا: فما رد عليك فقال: لما أردت

الإنصراف من عنده قلت ما ترد عليّ؟ قال معاوية: سيأتيكم رأيي فوالله ما راعنا إلا تسريته الخيل إلى أبي الأعور ليكفهم عن الماء قال: فأبرزنا علی (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليهم فارتمينا ثم أطعنا ثم اضطربنا بالسيوف فنصرنا عليهم فصار الماء في أيدينا فقلنا: لا والله لا نسقيهم فأرسل إلينا الماء حاجتكم وارجعوا إلى عسكركم وخلوا عنهم فإن الله عزّ وجلّ قد علي أن خذوا من نصركم عليهم بظلمهم وبغيهم.

وقال المسعودي في مروج الذهب: قال معاوية لعمرو بن العاص يا أبا عبد الله ما ظنك بالرجل (يعني بالرجل علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أتراه يمنعنا الماء لمنعنا إياه وقد انحاز بأهل الشام إلى ناحية في البر نائياً عن الماء، فقال له عمرو: لا أن الرجل جاء لغير هذا وأنه لا يرضى حتى تدخل في طاعته أو يقطع حبال عاتقك فأرسل إليه معاوية يستأذنه في وروده مشرعته واستقاء الناس من طريقه، ودخل رسله عسكره فأباحه على كل ما سأل وطلب منه.

أقول: أنظر إلى سيرة ولي الله الأعظم أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع الناس حتى مع الأعداء بعينالمعرفة والبصيرة، وإلى دأب معاوية أيضاً، حتى يتبين لك الفرق بين رجل إلهي وبين الذي استحوذ عليه الشيطان وتردى في هواه حيث ترى أن معاوية قدم أولاً واختار منزلاً مستوياً بساطاً واسعاً وأخذ الشريعة ومنع علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأصحابه الماء، مع أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) جعل الناس في الماء والكلأ والنار شرعاً سواء.

ولما غلب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعسكره عليهم، خلوا بينهم وبين الماء ثم وعظ علي عسكره بأن الظالم والباغي منكوب ومغلوب لا محالة وإن كان له جولان في برهة من الزمان حيث قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فإن الله عزّ وجلّ قد نصركم عليهم بظلمهم وبغيهم«.

وأما منع الناس عثمان من الطعام والشراب وحصرهم إياه أربعين صباحاً أو أكثر، فيأتي كلامنا فيه في المباحث الآتية، مع أن أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أنكر منع الماء والطعام على عثمان وأنفذ من مكن من حمل ذلك، لأنه كان في الدار من الحرم والنسوان والصبيان من لا يحل منعه من الطعام والشراب.

وقال ابن قتيبة الدينوري في كتابه الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء: وبعث عثمان إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخبره أنه منع الماء ويستغيث به فبعث إليه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثلاث قرب مملوءة ماء فما كادت تصل إليه، فقال طلحة: ما أنت وهذا ؟

والعجب من هؤلاء الطغام (1)كيف تمسكوا بالأباطيل والأضاليل فخدعوا أتباعهم،


1) الطغام: الضعيف العقل.

ومن تتبع في الآثار الأخيار يرى بعين اليقين أن معاوية لم يلف شيئاً يستضل ويستغوى به الناس إلا أن يتمسك بتلك الأقوال كما استمسك بها سخلته يزيد لما أراد أن يحرض الناس في قتل حسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والعجب أن معاوية منع أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ا وأصحابه من الماء، ولما استولى عليهم خلى بينهم وبين الماء ويزيد بن معاوية منع حسين بن علي وأشياعه من الماء وهم سقوا قومه وأرووهم من الماء حتى رشفوا خيلهم حذو النعل بالنعل.

قال الطبري في حديث إقبال الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى كربلاء ومجيء الحر مع قومه إليه في أثناء الطريق بإسناده عن عبد الله بن سليم والمذري المشمعل الأسديين: قالا: أقبل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى نزل شراف فلما كان في السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء فأكثروا ثم ساروا منها فرسموا صدر يومهم حتى انتصف النهار ثم إن رجلاً قال الله أكبر فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): الله أكبر ما كبرت؟ قال: رأيت النخل فقال له الأسديان: إن هذا المكان ما رأينا به نخلة قط قالا: فقال لنا الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فما تريانه رأى؟ قلنا نراه رأی هوادی الخيل فقال: وأنا والله أرى ذلك فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و أما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد؟ فقلنا:له بلى هذا ذو حسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد.

قال: فأخذ إليه ذات اليسار. قال وملنا معه فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادى الخيل فتبيناها وعدلنا فلما رأونا وقد عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا كأن أسنتهم اليعاسيب وكان راياتهم أجنحة الطير قال: فاستبقنا إلى ذي حُسم فسبقناهم إليه فنزل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأمر بأبنيته فضربت وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي اليربوعي حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حر الظهيرة، والحسين وأصحابه معتمون متقلدوا أسيافهم، فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفتيانه أسقوا القوم وارووهم من الماء ورشفوا الخيل ترشيفاً فقام فتيانه فرشفوا الخيل ترشيفاً فقام فتية وسقوا القوم من الماء حتى حتى أرووهم وأقبلوا يملؤون القصاع والأتوار والطساس من الماء ثم يدنونها من الفرس فإذا عب فيه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت عنه وسقوا آخر حتى سقوا الخيل كلها.

ثم قال: قال علي بن الطعان المحاربي: كنت مع الحر بن يزيد فجئت في آخر من جاء من أصحابه فلما رأى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما بي وبفرسي من العطش قال: أنخ الراوية والراوية عندي السقاء ثم قال: يا ابن أخي أنخ الجمل فأنخته فقال: إشرب فجعلت كلما شربت سال الماء من السقاء فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخنث السقاء أي أعطفه قال: فجعلت لا أدري كيف أفعل قال: فقام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فخنته فشربت وسقيت فرسي إلى أن قال الطبري بإسناده عن حميد بن مسلم الأزدي قال:

جاء من عبيد الله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد أما بعد فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء ولا يذوقوا منه قطرة، كما صنع بالتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عثمان بن عفان. قال: فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة الماء وحالوا بين حسين وأصحابه وبين أن يسقوا منه قطرة وذلك قبل قتل الحسين بثلاث. قال: ونازله عبد الله بن أبي حصين الأزدي وعداده في بجيلة فقال: يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشاً، فقال حسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اللهم اقتله عطشاً ولا تغفر له أبداً. قال حميد بن مسلم والله لعُدته بعد ذلك في مرضه فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته يشر لقد رأيته يشرب حتى بغر ثم يقيء ثم يعود فيشرب حتى يبغر فما يروى فما زال ذلك دأبه حتى لفظ غُصْتَهُ يعني نفسه (1).

وأقول: لا يخفى على الباحث في السير والآثار، أن دأب بني هاشم كان على تأليف قلوب الناس والأخذ بأيديهم وإيصال الخير إليهم وإفشاء المعروف فيهم، وكانوا من بيت علم، وحلم، وكرم وسخاوة بحيث يؤثرون الناس في شدائد الأحوال على أنفسهم، وخصال صفاتهم لا يحصى وأن شيمة بني أُميّة كانت على ضدّ ما كان في بني هاشم وكانوا عبيد الدنيا وأسرة الهوى. ولنعد إلى القصة

«دعاء علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) معاوية إلى الطاعة والجماعة»

قال الطبري: قال أبو مخنف: حدثني عبد الملك بن أبي حرة الحنفي أن علياً قال: هذا يوم نصرتم فيه بالحمية وجاء الناس حتى أتوا عسكرهم فمكث علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يومين لا يرسل إلى معاوية أحداً ولا يرسل إليه معاوية.

ثم إن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) دعا بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري، وسعيد بن قيس الهمداني وشبث بن ربعي التميمي فقال: ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الله وإلى الطاعة والجماعة فقال له شبث بن ربعي يا أمير المؤمنين ألا تطمعه في سلطان توليه إياه ومنزلة يكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك؟ فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنتوه فألقوه واحتجوا عليه وانظروا ما رأيه؟ وهذا وهذا في أول ذي الحجة فأتوه ودخلوا عليه فحمد الله وأثنى عليه أبو عمرة بشير بن عمرو وقال: يا معاوية إن الدنيا عنك زائلة وإنك راجع إلى الآخرة وإن الله عزّ وجلّ محاسبك بعملك وجازيكم بما قدمت يداك وإني أنشدك الله عزّ وجلّ أن تفرق جماعة هذه الأمة وأن تسفك دماءها بينها فقطع عليه الكلام وقال هلا أوصيت بذلك صاحبك؟ فقال أبو عمرة: إن صاحبي ليس مثلك إن صاحبي أحق البرية كلها بهذا الأمر في الفضل والدين والسابقة في


1) الإرشاد: 87/2، وبحار الأنوار: 389/44.

الإسلام والقرابة من الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: فيقول ماذا ؟ قال: يأمرك بتقوى الله عزّ وجلّ وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق فإنه أسلم لك في دنياك وخير لك في عاقبة أمرك.

قال معاوية: ونطل دم عثمان لا والله لا أفعل ذلك أبداً. فذهب سعيد بن قيس يتكلم فبادره شبث بن ربعي فتكلم فحمد الله وأثنى عليه وقال يا معاوية إني قد فهمت ما رددت علی ابن محصن أنه والله لا يخفى علينا ما تغزو وما تطلب إنك لم تجد شيئاً تستغوى به الناس وتستميل به أهوائهم وتستخلص به طاعتهم إلا قولك قتل إمامكم مظلوماً فنحن نطلب بدمه، فاستجاب له سفهاء طغام وقد علمنا أن قد أبطأت عنه بالنصر وأحببت له القتل لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب ورب متمني أمر وطالبه الله عزّ وجلّ يحول دونه بقدرته وربما أوتى المتمني أمنيته وفوق أمنيته ووالله مالك في واحدة منهما خير لئن أخطأت ما ترجو أنك لشر العرب حالاً في ذلك ولئن أصبت ما تمنى لا تصيبه حتى تستحق من ربك صلي النار فاتق الله يا معاوية ودع ما أنت عليه ولا تنازع الأمر أهله.

فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن أول ما عرفت فيه سفهك وخفة حلمك قطعك على هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه ثم عنيت بعد فيما لا علم لك به فقد كذبت ولو مت أيها الأعرابي الجلف الجافي في كل ما ذكرت ووصفت إنصرفوا من عندي فإنه ليس بيني وبينكم إلا السيف وغضب.

وخرج القوم وشبث يقول أفعلينا تهول بالسيف أقسم بالله ليعجلن بها إليك فأتوا علياً وأخبروه بالذي كان من قوله وذلك في ذي الحجة.

فأخذ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يأمر الرجل ذا الشرف فيخرج معه جماعة ويخرج إليه من أصحاب معاوية آخر معه جماعة فيقتلان في خيلهما ورجالهما ثم ينصرفان وأخذوا يكرهون أن يلقوا بجمع أهل العراق أهل الشام لما يتخوفون أن يكون في ذلك من الاستئصال والهلاك، فكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخرج مرة، ألأشتر ومرة حجر بن عدي الكندي ومرة شبث بن ربعي ومرة المعمر، ومرة زياد بن النضر الحارثي، ومرة زياد بن خصفة التيمي، ومرة سعيد بن خالد بن قيس، ومرة معقل بن قيس الرياحي، ومرة قيس بن سعد وكان أكثر القوم خروجاً إليهم الأشتر.

وكان معاوية يخرج إليهم عبد الرحمن بن خالد المخزومي وأبا الأعور، ألسلمي، ومرة مسلمة، ألفهري ومرة ابن ذي الكلاع، ألحميري ومرة عبيد الله بن عمر بن حبيب بن الخطاب، ومرة شرحبيل بن السمط الكندي ومرة حمزة بن مالك الهمداني فاقتتلوا من ذي الحجة كلها وربما اقتتلوا في اليوم الواحد مرتين أوله وآخره.

قال أبو مخنف: حدثني عبد الله بن عامر الفائشي قال: حدثني رجل من قومي أن الأشتر خرج يوماً يقاتل بصفين في رجال من القراء ورجال من فرسان العرب فاشتد قتالهم، فخرج علينا رجل والله لقل ما رأيت رجلاً قط هو أطول ولا أعظم منه فدعا إلى المبارزة فلم يخرج إليه أحد إلا الأشتر فاختلفا ضربتين فضربه الأشتر فقتله وأيم الله لقد كنا أشفقنا عليه وسألناه ألا يخرج إليه فلما قتله الأشتر نادى مناد من أصحابه:

يا سهم سهم ابن أبي العيزار *** يا خير من نعلمه من زار

وزاره حي من الأزد وقال: أقسم بالله لأقتلن قاتلك أو ليقتلني فخرج فحمل على الأشتر وعطف عليه الأشتر فضربه فإذا هو بين يدي فرسه وحمل عليه أصحابه فاستنقذوه جريحاً فقال: أبو رفيقة الفهمي هذا كان ناراً فصادف إعصاراً.

واقتتل الناس ذا الحجة كلها فلما انقضى ذو الحجة تداعى الناس إلى أن يكف بعضهم عن بعض المحرم، لعل الله أن يجري صلحاً أو إجتماعاً فكف بعضهم عن بعض. وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بأمر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إياه بذلك.

ثم دخلت سنة سبع وثلاثين فكان في أول شهر منها وهو المحرم موادعة الحرب بين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومعاوية قد توادعا على ترك الحرب فيه إلى انقضائه طمعاً في الصلح.

قال المسعودي في مروج الذهب: ولما كان أول يوم من ذي الحجة بعد نزول علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا الموضع بيومين بعث إلى معاوية يدعوه إلى اتحاد الكلمة والدخول في جماعة المسلمين، وطالت المراسلة بينهما فاتفقوا على الموادعة إلى آخر المحرم في سنة سبع وثلاثين، وامتنع المسلمون عن الغزو في البحر، والبر لشغلهم بالحروب وقد كان معاوية صالح ملك الروم على مال يحمله إليه لشغله بعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولم يتم بين علي ومعاوية صلح على غير ما اتفقا عليه من الموادعة في المحرم وعزم القوم على الحرب بعد انقضاء المحرم، ففي ذلك يقول حابس بن سعد الطائي صاحب راية معاوية:

فما دون المنايا غير سبع *** بقين من المحرم أو ثمان

وقال أبو جعفر الطبري: فذكر هشام بن محمد عن أبي مخنف الأزدي قال: حدثني سعد أبو المجاهد الطائي عن المُحل بن خليفة الطائي قال: لما توادع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومعاوية يوم صفين إختلف فيما بينهما الرسل رجاء الصلح، فبعث علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عدي بن حاتم، ويزيد بن قيس الأرحبي، وشبث بن ربعي وزياد بن خصفة إلى معاوية فلما دخلوا حمد الله عدي بن حاتم ثم قال: أما بعد فإنا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع الله عزّ وجلّ به كلمتنا وأمتنا ويحقن به الدماء ويأمن به السبل ويصلح به ذات البين، إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة

وأحسنها في الإسلام أثراً وقد استجمع له الناس وقد أرشدهم الله عزّ وجلّ بالذي رأوا فلم يبق أحد غيرك وغير من معك فانته يا معاوية لا يصبك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل.

فقال معاوية: كأنك إنما جئت متهدداً لم تأت، مصلحاً هيهات يا عدي كلا والله إني لابن حرب ما يقعقع لي بالشنان، أما والله إنك لمن المجلبين على ابن عفان وإنك لمن قتلته وإني لأرجو أن تكون ممن يقتل الله عزّ وجلّ به هيهات يا عدي بن حاتم قد حلبت بالساعد الأشد.

فقال له شبث بن ربعي، وزياد بن خصفة وتنازعا جواباً واحداً أتيناك فيما يصلحنا وإياك، فأقبلت تضرب لنا الأمثال دع ما لا ينتفع به من القول والفعل وأجبنا فيما يعمنا وإياك نفعه.

وتكلم يزيد بن قيس فقال: إنا لم نأتك إلا لنبلغك ما بعثنا به إليك ولنؤدي عنك ما سمعنا منك ونحن على ذلك لم ندع أن ننصح لك وأن نذكر ما ظننا أن لنا عليك حجة وأنك راجع به إلى الإلفة والجماعة إن صاحبنا من قد عرفت وعرف المسلمون فضله، ولا أظنه يخفى عليك إن أهل الدين والفضل لن يعدلوا بعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولن يميلوا بينك وبينه فاتق الله يا معاوية ولا تخالف علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإنا والله ما رأينا رجلاً قط أعمل بالتقوى ولا أزهد في الدنيا ولا أجمع لخصال الخير كلها منه.

فحمد الله معاوية وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فأنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة فأما الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا هي وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها إن صاحبكم قتل خليفتنا وفرق جماعتنا وآوى ثأرنا وقتلتنا وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله، فنحن لا نرد ذلك عليه أرأيتم قتلة صاحبنا ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة.

فقال له شبث: أيسرك يا معاوية أنك أمكنت من عمار تقتله ؟ فقال معاوية: وما يمنعني من ذلك والله لو أمكنت من ابن سمية ما قتلته بعثمان ولكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان (1).

أقول: عمار هذا هو أبو اليقظان عمار بن ياسر (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) وهو من خيار أصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الذي قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيه: أن عماراً مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه وجلالة قدره وكثرة ثباته واستقامته في الدين مما لا يخفى على أحد.

وسمية على التصغير رضي الله عنها كانت أمه وهي من عذب في الله، بل ذكر نقلة


1) بحار الأنوار 454/32، وخلاصة عبقات الأنوار: 38/3.

الآثار إن أول شهيد استشهد في الإسلام أم عمار سمية طعنها أبو جهل بطعنة في قبلها أو قلبها وإنما قال شبث لمعاوية: أيسرك أنك أمكنت من عمار تقتله، لأن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال فيه: إنما تقتلك الفئة الباغية. وهذا هو المنقول عن الفريقين بلا كلام فكأنما شبث قال لمعاوية: أنت تعلم أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال فيه كذا، أفترضى أن تكون أنت وقومك الفئة الباغية وتحب أن تكونوا منهم وقاتل عمار بنص رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الفئة الباغية.

فأجابه معاوية بقوله لو أمكنت من ابن سمية يعني عماراً ما قتلته بدل عثمان بل كنت قاتله بدل ناتل مولى عثمان يعني أن عماراً لا يليق أن يقتل بدل عثمان بل بدل مولاه.

فانظر أيها البصير في الأمور في قساوة معاوية وتجريه وهتكه وفظاظته، كيف يعترف ببغيه وعناده على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومع ذلك ينسبه إلى الدين ويعرفه خليفة المسلمين وأمير المؤمنين.

والبصير في السير يعلم أن علياً لم يكن في قتل عثمان شريكاً بل كان ناهياً عن ذلك، وقال غير واحد من نقلة الآثار من الفريقين إنه كان ينهي الناس عن قتله، وسيجيء الكلام فيه في محله وإنما معاوية لم يجد شيئاً يستغوي به الناس ويستميل به إهوائهم وتستخلص به طاعتهم إلا قوله: قتل إمامكم عثمان مظلوماً فنحن نطلب بدمه.

وسيأتي من عمار رحمه الله كما في تاريخ الطبري حيث يقول عمار لقوم معاوية في صفين ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم فخدعوا أتباعهم أن قالوا إمامنا قتل مظلوماً ليكونوا بذلك جبابرة ملوكاً وتلك مكيدة بلغوا بها ما ترون ولولا هي ما تبعهم من الناس رجلان.

ويأتي ترجمة عمار وأبوه ياسر وأمه سمية ونسبه وقتله في سبيل الله عن قريب فلنعد إلى القصة.

فقال له شيث: وإله الأرض وإله السماء أما عدلت معتدلاً لا والذي لا إله إلا هو لا تصل إلى عمار حتى تندر الهام عن كواهل الأقوام وتضيق الأرض الفضاء عليك برحبها. فقال له معاوية أنه لو قد كان ذلك كانت الأرض عليك أضيق. وتفرق القوم عن، معاوية، فلما انصرفوا بعث معاوية إلى زياد بن خصفة التيمي فخلا به فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد يا أخا ربيعة فإن علياً قطع أرحامنا وآوى قتلة صاحبنا يعني بالصاحب عثمان وإني أسألك النصر عليه بأسرتك وعشيرتك ثم لك عهد الله جل وعزّ ميثاقه أن أُوليك إذا ظهرت أي غلبت أي المصرين أحببت.

قال الطبري: قال أبو مخنف فحدثني سعد أبو المجاهد عن المحل بن خليفة قال:

سمعت زیاد بن خصفة يحدث بهذا الحديث قال: فلما قضى معاوية كلامه حمدت الله عزّ وجلّ وأثنيت عليه ثم قلت: أما بعد فإني على بينة من ربي وبما أنعم علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين ثم قمت.

فقال معاوية لعمرو بن العاص وكان إلى جنبه جالساً يكلم رجل منا رجلاً منهم فيجيب إلى خير ما لهم عضبهم الله بشر ما قلوبهم إلا كقلب رجل واحد.

قال الطبري: قال أبو مخنف فحدثني سليمان بن راشد الأزدي عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود: أن معاوية بعث إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حبيب بن مسلة الفهري وشرحبيل السمط ومعن بن يزيد بن الأخنس فدخلوا عليه وأنا عنده فحمد الله حبيب وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن عثمان بن عفان كان خليفة مهدياً يعمل بكتاب الله عزّ وجلّ وينيب إلى أمر الله تعالى فاستثقلتم حياته واستبطأتم وفاته فعدوتم عليه فقتلتموه فادفع إلينا قتلة عثمان إن زعمت أنك لم تقتله نقتلهم به ثم اعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم يولى الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم.

فقال له علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ): وما أنت لا أم لك والعزل وهذا الأمر أسكت فإنك لست هناك ولا بأهل له.

فقام وقال له: والله لتريني بحيث تكره.

فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): وما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك لا أبقى الله عليك إن أبقيت علي أحقُرة وسوءاً أذهب فصوّب وصعد ما بدا لك.

وقال شرحبيل بن السمط: إني إن كلمتك فلعمري ما كلامي إلا مثل كلام صاحبي قبل، فهل عندك جواب غير الذي أجبته به؟

فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فإن الله جل ثناؤه بعث محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالحق فأنقذ به من الضلالة وانتاش به من الهلكة وجمع به من الفرقة ثم قبضه الله إليه وقد أدى ما عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)ثم استخلف الناس أبا بكر واستخلف أبو بكر عمر فأحسنا السيرة وعدلا في الأمة وقد وجدنا عليهما أن توليا علينا ونحن آل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فغفرنا ذلك لهما وولي عثمان فعمل بأشياء عابها الناس عليه، فساروا إليه فقتلوه، ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمورهم فقالوا لي: بايع فأبيت عليهم فقالوا لي بايع فإن الأمة لا ترضى إلا بك وإنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس فبايعتهم فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني وخلاف معاوية الذي لم يجعل الله عزّ وجلّ له سابقة في الدين ولا سلف صدق في الإسلام، طليق ابن طليق حزب من هذه الأحزاب لم يزل الله عزّ وجلّ ولرسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وللمسلمين عدو هو وأبوه حتى دخلا في الإسلام

کارهین، فلا غرو إلا خلافكم معه وانقيادكم له وتدعون آل نبيكم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الذين لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم ولا أن تعدلوا بهم من الناس أحداً، ألا أني أدعوكم إلى كتاب الله عزّ وجل وسنة نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وإماتة الباطل وإحياء معالم الدين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكل مؤمن ومؤمنة، ومسلم، ومسلمة».

أقول: كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا ليس في نهج البلاغة وكم له (عَلَيهِ السَّلَامُ) من كلام لم يأتي به الرضي رضوان الله عليه في النهج ولم يعثر عليه وهو (رَحمَةُ اللّه) معترف بذلك حيث يقول في مقدمته على النهح: فضلاً فيه أوراقاً لتكون مقدمة لاستدراك عساه يشذ عني عاجلاً ويقع إلي آجلاً. ولنعد إلى القصة:

فقال شرحبيل أتشهد أن عثمان قتل مظلوماً ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهما لا أقول أنه قتل مظلوماً ولا أنه قتل ظالماً قالا: فمن لم يزعم أن عثمان قتل مظلوماً فنحن منه براء ثم قاما فانصرفا، فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴿80 وَمَا أَنتَ بِهْدِى الْعُمّيِ عَن ضَلَلَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِنَايَنِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ 81 ﴾ [النمل: 80 - 81].

ثم أقبل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أصحابه فقال: لا يكون هؤلاء أولى بالجد في ضلالهم منكم بالجد في حقكم وطاعة ربكم.

«تكتيب الكتائب وتعبية الناس للقتال»

ومكث الناس حتى إذا دنا انسلاخ المحرم، أمر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مرثد بن الحارث الجشمي فنادى أهل الشام عند غروب الشمس ألا إن أمير المؤمنين يقول لكم: إني قد استدمتكم لتراجعوا الحق وتنيبوا إليه واحتججت عليكم بكتاب الله عزّ وجلّ فدعوتكم إليه فلم تناهوا عن طغيان ولم تجيبوا إلى حق وإني قد نبذت إليكم على سواء إن الله لا يحب الخائنين.

ففزع أهل الشام إلى أمرائهم ورؤسائهم وخرج معاوية، وعمرو بن العاص في الناس يكتبان الكتائب ويعبيان الناس وأوقدوا النيران وبات علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليلته كلها يعبى الناس ويكتب الكتائب ويدور في الناس يحرضهم.

قال الطبري: قال أبو مخنف وحدثني إسماعيل بن يزيد عن أبي صادق عن الحضرمي قال: سمعت علياً يحرض الناس في ثلاثة مواطن يحرض الناس يوم صفين، يوم الجمل، ويوم النهر، يقول: عباد الله اتقوا الله وغضوا الأبصار واخفضوا الأصوات وأقلوا الكلام ووطنوا أنفسكم على المنازلة والمجاولة والمبارزة والمناضلة والمبالدة، والمعانقة والمكارمة، الملازمة فأثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين، اللهم ألهمهم الصبر وأنزل عليهم النصر وأعظم لهم

الأجر فأصبح علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الغد فبعث على الميمنة والميسرة والرجالة والخيل.

قال أبو مخنف: فحدثني فضيل بن خديج الكندي أن علياً بعث على خيل أهل الكوفة الأشتر، وعلى خيل أهل البصرة سهل بن حنيف وعلى رجالة أهل الكوفة عمار بن ياسر وعلى رجالة أهل البصرة قيس بن سعد وهاشم بن عتبة معه رايته ومسعر بن فدكي التميمي على قراء أهل البصرة وصار أهل الكوفة إلى عبد الله بن بديل وعمار بن ياسر.

قال أبو مخنف: وحدثني عبد الله بن يزيد بن جابر الأزدي عن القاسم مولى يزيد بن معاوية: أن معاوية بعث على ميمنته ابن ذي الكلاع، ألحميري وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهري، وعلى مقدمته يوم أقبل من دمشق أبا الأعور السلمي وكان على خيل أهل دمشق وعمرو بن العاص على خيول أهل الشام كلها، ومسلم بن عقبة المري على رجالة أهل دمشق، والضحاك بن قيس على رجالة الناس كلها، وبايع رجال من أهل الشام على الموت فعقلوا أنفسهم بالعمائم فكان المعقلون خمسة صفوف وكانوا يخرجون ويصفون عشرة صفوف ويخرج أهل العراق أحد عشر صفاً، فخرجوا أول يوم من صفر فاقتتلوا وعلى من خرج يومئذ من أهل الكوفة الأشتر وعلى أهل الشام حبيب بن مسلمة الفهري، وذلك يوم الأربعاء فاقتتلوا قتالاً شديداً جل النهار ثم تراجعوا وقد إنتصف بعضهم من بعض.

«اليوم الثاني»

فلما كان الخميس وهو اليوم الثاني من صفر، أخرج علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري المرقال في خيل ورجال حسن عددها، وعدتها وهو ابن أخي سعد بن أبي وقاص وإنما سمي المرقال لأنه كان يرقل في الحرب وكان أعور ذهبت عينه یوم اليرموك وكان من شيعة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأخرج إليه معاوية أبا الأعور السلمي وهو سفيان بن عوف وكان من شيعة معاوية والمنحرفين عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان بينهم الحرب سجالاً يحمل الخيل على الخيل والرجال على الرجال وانصرفوا في آخر يومهم عن قتلي كثير.

«اليوم الثالث»

وأخرج علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في اليوم الثالث من صفر وهو يوم الجمعة أبا اليقظان عمار بن ياسر رضوان الله عليه في عدة من البدريين وغيرهم من المهاجرين والأنصار فيمن شرع معهم من الناس، وأخرج إليه معاوية عمرو بن العاص في تنوخ ونهر وغيرها من أهل الشام فاقتتل الناس كأشد القتال وأخذ عمار يقول: يا أهل العراق أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما وبغى على المسلمين وظاهر المشركين فلما رأى الله عزّ وجلّ عن دينه ويظهر رسوله أتى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأسلم هو فيما نرى راهب غير راغب، ثم قبض الله عزّ وجلّ

رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فوالله إن زال بعده معروفاً بعداوة المسلم وهوادة المجرم فأثبتوا له وقاتلوه فإنه يطفىء نور الله ويظاهر أعداء الله عزّ وجلّ.

أقول: الظاهر أن كلمه إن في قوله إن زال نافية أي ما زال ثم نقول قد مضى الكلام منا عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في حق عمار أنه مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه الحديث. فهو صادق مصدق في قوله أن معاوية كان كذا وكذا وأن إسلامه لم يكن عن رغبة بل عن رهبة لأنه لما رأى الله عزّ وجلّ يعز دينه ويظهر رسوله أتى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأسلم ولما آخى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بين نفر من أصحابه من المهاجرين آخى بين معاوية بن أبي سفيان والحتات بن يزيد المجاشعي فمات الحتات عند معاوية في جلافته فأخذ معاوية ما ترك وارثة بهذه الأخوة فقال الفرزدق لمعاوية:

أبوك ومي يا معاوي أورثا *** تراثا فيحتا زالتراث أقاربه

فما بال ميراث الحتات أكلته *** وميراث حرب جامد لك ذائبه

وكذا كان إسلام أبيه أبي سفيان عن رهبه من المسلمين ولم يؤمن واقعاً، وما نقلنا عمار في معاوية نقله أبو جعفر الطبري في تاريخه وغير واحد من حملة الأخبار ونقلة الآثار.

فالعجب من شرذمة من المسلمين قائلين: بأنا نتوقف في معاوية ولا نقول فيه شيئاً بل نرى عن قوم بله في تصانيفهم يترحمون له ويذكرونه بالخير والرحمة، نعم من لم يجعل الله له نوراً فماله من نور، وسيأتي من عمار رحمه الله في هؤلاء السفهاء كلام آخر، فلنعد إلى القصة.

فكان مع عمار زياد بن النضر على الخيل فأمره أن يحمل في الخيل، فحمل وقاتله الناس وصبروا له وشد عمار في الرجال فأزال عمرو بن العاص عن موقفه وبارز يومئذ زياد بن النضر أخاً له لأمه يقال له: عمرو بن معاوية المنتفق بن عامر بن عقيل وكانت أمهما إمرأة من بني يزيد فلما التقيا تعارفا فتوافقا ثم انصرف كل واحد منهما عن صاحبه وتراجع الناس (1).

«اليوم الرابع»

وأخرج علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في اليوم الرابع من صفر وهو يوم السبت، إبنه محمد ابن الحنفية في همدان وغيرها ممن خف معه من الناس فأخرج إليه معاوية عبيد الله بن عمر بن الخطاب في حمير ولخم وجذام فاقتتلوا كأشد القتال.


1) تاريخ الطبري: 8/4.

أقول: إنما اشتهر محمد بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بابن الحنفية لأن أمه كانت خولة الحنفية وحنيفة كان جدها الأعلى وهي خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.

وقال الشارح المعتزلي في الجزء الأول من شرحه واختلف في أمر خولة فقال قوم: أنها سبية من سبايا الردة قوتل أهلها على يد خالد بن الوليد في أيام أبي بكر لما منع كثير من العرب الزكاة، وارتدت بنو حنيفة وادعت نبوة مسيلمة وأن أبا بكر دفعها إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من سهمه في المغنم.

وقال قوم منهم: أبو الحسن علي بن محمد بن سيف المدائني هي سبية في أيام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، قالوا: بعث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لعليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى اليمن فأصاب خولة في بني زبيد وقد ارتدوا مع عمر بن معدي كرب وكانت زبيد سبتها من بني حنيفة في غارة لهم عليهم، فصارت في سهم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): إن ولدت منك غلاماً فسمه باسمي وكنّه بكنيتي فولدت له بعد موت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) محمداً فكناه أبا القاسم.

وقال قوم وهم المحققون وقولهم الأظهر: أن بني أسد أغارت على بني حنيفة في خلافة أبي بكر فسبوا خولة بنت جعفر وقدموا بها المدينة فباعوها من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبلغ قومها خبرها فقدموا المدينة على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فعرفوها وأخبروه بموضعها منهم فأعتقها ومهرها وتزوجها فولدت له محمد فكناه أبا القاسم وهذا القول هو اختيار اختيار أحمد بن يحیی البلاذري في كتابه المعروف بتاريخ الأشراف.

دفع أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) له يوم الجمل رايته إلى ابنه محمد ابن الحنفية، وقد استوت الصفوف وقال له إحمل فتوقف قليلاً، فقال له إحمل فقال يا أمير المؤمنين أما ترى السهام كأنها شابيب المطر فدفع في صدره فقال: أدركك عرق من أمك ثم أخذ الراية فهزها ثم قال:

أطعن بها طعن أبيك تحمد *** لاخير في الحرب إذا كم توقد

بالمشر في والقنا والمسد

وفي مادة «حنف» من سفينة البحار: وقريب منه ما في المجلي لابن أبي جمهور الإحسائي لما حضرت السبي وقد أدخلت الحنفية فيمن أدخل عدلت إلى تربة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فرنت رنة وزفرت زفرة وأعلنت بالبكاء والنحيب تشكو إليها ذل الأسر. وقالت يا رسول الله نشكو إليك أفعال هؤلاء القوم سبونا من غير ذنب ونحن مسلمون.

ثم قالت: أيها الناس لم سبيتمونا ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟

فقال أبو بكر: منعتم الزكاة فقالت: ليس الأمر على ما زعمت وهب الرجال منعوكم الزكاة فما بال النساء المسلمات تسبين؟

ثم ذهب إليها طلحة وخالد يرميان بالتزويج إليها ثوبين فقالت: لست بعريانة فتكسوني، قيل أنهما يريدان أن يتزايدا عليك فأيهما زاد على صاحبه أخذك من السبي قالت هيهات والله لا يكون ذلك أبداً، ولا يملكني ولا يكون لي ببعل إلا من يخبرني بالكلام الذي قلته ساعة خرجت من بطن أمي، فسكت الناس ينظر بعضهم إلى بعض وأخذ طلحة وخالد ثوبيهما وجلست الحنفية ناحية من القوم فدخل علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فذكروا له حالها، فقال: هي صادقة فيما قالت وكان حالها وقصتها كيت وكيت في حال ولادتها وكل ذلك مكتوب على لوح معها فرمت باللوح إليهم لما سمعت كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقر أوها على ما حكى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يزيد حرفاً ولا ينقص فقال أبو بكر: خذها يا أبا الحسن بارك الله لك فيها فبعث علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) خولة إلى أسماء بنت عميس قال لها خذي هذه المرأة واكرمي مثواها فلم تزل خولة عندها إلى أن قدم أخوها فتزوجها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ). إنتهى (1).

والقصة بالتفصيل مذكورة في المجلى فراجع.

ولا يخفى أن في صحة هذا النقل الأخير كلاماً ولو سلمنا ولا يبعدان يقال: أن فيه بعض زيادات كتكلمها حين ولادتها ويمكن أن يكون فيها علامات ذكرها على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فحرف إلى هذه الصورة والله تعالى أعلم.

فائدة أدبية: تكتب ألف الوصل من «ابن» خَطَّاً في سبعة مواضع:

الأول: إذا أضيف إلى مضمر كقولك هذا إبنك.

الثاني: إذا نسب إلى الأب الأعلى كقولك محمد ابن شهاب التابعي فشهاب جد جده.

الثالث: إذا أُضيف إلى غير أبيه كقولك المقداد ابن الأسود، أبوه الحقيقي عمرو، والأسود جده وكقولك محمد ابن الحنفية فعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبوه والحنفية أمه على البيان الذي دریت.

الرابع: إذا عدل به عن الصفة إلى الخبر كقولك أظن زيداً ابن عمرو.

الخامس: إذا عدل به عن الصفة إلى نحو الإستفهام كقولك هل تميم ابن عمر.

السادس: إذا ثنى كقولك زيد وعمر وابنا محمد


1) مدينة المعاجز: 179/5، وبحار الأنوار: 87/42.

السابع: إذا ذكرته دون إسم قبله كقولك جاءني ابن عبد الله.

وفي ما عداها تسقط الألف بين العلمين خطاً كما تسقط لفظاً مطلقاً، إلا ما اصطلح في المطابع من أنه إذا وقعت كلمة ابن أول السطر تكتب ألفها مطلقاً، فلنعد إلى القصة.

ثم إن عبيد الله بن عمر أرسل إلى ابن الحنفية أن أخرج إلي فقال: نعم، ثم خرج يمشي فبصر به أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: من هذان المبارزان؟ فقيل: ابن الحنفية وعبيد الله بن عمر فحرك دابته ثم نادى محمداً فوقف له فقال: إمسك دابتي فأمسكها ثم مشي إليه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ). فقال: أبرز لك هلم إلي فقال: ليست لي في مبارزتك حاجة فقال: بلى، فقال: لا فرجع ابن عمر فأخذ ابن ابن الحنفية يقول لأبيه: يا أبت لم منعتني من مبارزته فوالله لو تركتني لرجوت أن أقتله. فقال: لو بارزته لرجوت أن تقتله وما كنت آمن أن يقتلك. فقال: يا أبت أو تبرز لهذا الفاسق والله لو أبوه سألك المبارزة لرغبت بك عنه، فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا بني لا تقل فيه إلا خيراً.

ثم إن الناس تحاجزوا وتراجعوا قال المسعودي: فاقتتلوا في ذلك اليوم وكانت على أهل الشام ونجا ابن عمر في آخر النهار هرباً.

أقول: إنما لحق عبيد الله بن عمر بمعاوية خوفاً من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يقيده بالهرمزان وذلك أن أبا لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة قتل عمر كان في أرض العجم غلاماً للهرمزان فلما قتل عمر شد عبيد الله على الهرمزان فقتله، وكذلك قتل جفينة وابنة أبي لؤلؤة وقال: لا أترك بالمدينة فارسياً ولا في غيرها إلا قتلته وكان الهرمزان عليلاً في الوقت الذي قتل فيه عمر فلما صارت الخلافة إلى على أراد قتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان لقتله إياه ظلماً من غير سبب إستحقه، فلجأ إلى معاوية.

وفي تاريخ الطبري: لما بويع لعثمان بالخلافة دعا عبيد الله بن عمر وكان محبوساً في دار سعد بن أبي وقاص وهو الذي نزع السيف من يده بعد قتله جفينة والهرمزان وابنة أبي لؤلؤة، وكان يقول والله لأقتلن رجالاً ممن شرك في دم أبي يعرض بالمهاجرين والأنصار. فقام إليه سعد فنزع السيف من يده وجذب شعره حتى أضجعه إلى الأرض وحبسه في داره حتى أخرجه عثمان إليه فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والأنصار أشيروا عليّ في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق «يعني به عبيد الله بن عمر» فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): أرى أن تقتله، فقال بعض المهاجرين: قتل عمر أمس ويقال إبنه اليوم فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان، إنما كان هذ الحدث ولا سلطان لك. قال عثمان وأنا وليهم وقد جعلتها دية واحتملتها في مالي.

وقال الطبري: بإسناده إن عبد الرحمن بن أبي بكر. قال: غداة طعن عمر مررت على أبي لؤلؤة عشي أمس ومعه جفينة والهرمزان وهم نجى فلما رهقتهم ثاروا وسقط منهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه فانظروا بأي شيء قتل وقد تخلل أهل المسجد خرج في طلبه رجل من بني تميم فرجع إليهم التميمي وقد كان ألظ بأبي لؤلؤة منصرفه عن عمر حتى أخذه فقتله، وجاء بالخنجر الذي وصف عبد الرحمن بن أبي بكر فسمع بذلك عبيد الله بن عمر فأمسك حتى مات عمر ثم اشتمل على السيف فأتى الهرمزان فقتله فلما عضه السيف قال: لا إله إلا الله ثم مضى حتى أتى جفينة وكان نصرانياً من أهل الحيرة ظئراً لسعد بن مالك أقدمه إلى المدينة للصلح الذي بينه وبينهم وليعلم بالمدينة الكتابة فلما علاه بالسيف صلب بين عينيه وبلغ ذلك صهيباً فبعث إليه عمرو بن العاص فلم يزل به وعنه ويقول السيف بأبي وأمي حتى ناوله إياه وثاوره سعد فأخذ بشعره وجاؤوا إلى صهيب.

وقال: كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي منصور قال سمعت القماذبان يحدث عن قتل أبيه الهرمزان:قال كانت العجم بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض فمر فيروز: «وهو أبو لؤلؤة» بأبي ومعه خنجر له رأسان فتناوله منه وقال: ما تصنع بهذا في البلاد؟ فقال: أبس به فرآه رجل فلما أصيب عمر قال: رأيت هذا مع الهرمزان دفعه إلى فيروز فأقبل عبيد الله فقتله فلما ولى عثمان دعاني فأمكنني منه، ثم قال: يا بني هذا قاتل أبيك وأنت أولى به منا فاذهب فاقتله فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي إلا أنهم يطلبون إلى فيه فقلت لهم: ألي قتله؟ قالوا: نعم وسبوا عبيد الله فقلت: أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا وسبوه فتركته الله ولهم فاحتملوني فوالله ما بلغت المنزل إلا على رؤوس الرجال وأكفهم (1).

وفي البحار كما في السفينة: عبيد الله بن عمر قتل هرمزان مولى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأراد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قتله فامتنع عثمان من تسليمه، فلما صارت الخلافة لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لحق عبيد الله بمعاوية وقتل بصفين.

وفيه أيضاً قال ابن الأثير في الكامل وابن عبد البر في الإستيعاب وصاحب روضة الأحباب وكثير من أرباب السير قتل عبيد الله بن عمر بأبيه ابنة أبي لؤلؤة وقتل جفينة والهرمزان وأشار علي على عثمان بقتله بهم فأبى (2).

وقال بن أبي جمهور الإحسائي في المجلى: ومن قوادح عثمان قصة قتل الهرمزان


1) الغدير: 139/8، وعبد الله بن سبأ: 283/1.

2) مستدرك سفينة البحار: 215/9، وبحار الأنوار: 226/31.

وذلك أن الهرمزان كان من عظماء فارس وكان قد أسر في بعض الغزوات وجيء به إلى المدينة فأخذه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأسلم على يديه فأعتقه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان عمر قد منعه من قسمة الفيء فلم يعطه منه شيء بسبب ميله إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلما ضرب عمر في غلس الصبح واشتبه الأمر في ضربه سمع إبنه عبيد الله قوم يقولون قتله العلج فظن أنهم يعنون الهرمزان فبادر عبيد الله إليه فقتله قبل أن يموت عمر فسمع عمر بما فعله ابنه فقال: قد أخطأ عبيد الله إن الذي ضربني أبو لؤلؤة وإن عشت لأقيدنه به فإن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يقبل منه الدية وهو موليه.

فلما مات عمر وتولى عثمان طالبه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقود عبيد الله وقال إنه قتل مولاي ظلماً وأنا وليه فقال عثمان: قتل بالأمس عمر واليوم تقتل إبنه حسب آل عمر مصابهم به وامتنع من تسليمه إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومنع علياً حقه ظلماً وعدواناً، ولهذا قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لئن أمكنني الدهر نه يوماً لأقتلنه به.

فلما ولى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هرب عبيد الله منه إلى الشام والتجأ إلى معاوية، وخرج معه إلى حرب صفين فقتله علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حرب صفين.

فانظر إلى عثمان كيف عطل حق علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وخالف الكتاب والسنّة برأيه والله تعالى يقول: وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَنَا إنتهى كلامه.

ولا يخفى على البصير في أحكام خاتم النبيين والعارف بشريعة سيد المرسلين أن القصاص يجب أن يكون بمثل ما عمل من الجنس والمقدار والصفة لأنه دین عدل ليقوم الناس بالقسط فلا يجوز معاقبة أحد على وجه المجازاة بأكثر ما جنى. قال عز من قائل: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: 194].

وقال عز من قائل: وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِيتُم بِهِ [النحل: 126].

قال ابن هشام في السيرة في قتلى أحد وتمثيل هند بنت عتبة زوج أبي سفيان بحمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله رضوان الله عليه:

إن هنداً والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يجد عن الآذان والأنف حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنفهم خدماً وقلائد وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشياً غلام جبير بن مطعم قاتل حمزة رضوان الله عليه وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها، إلى أن قال:

وخرج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فجدع أنفه وأذناه إلى أن قال:

قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حين رأى ما رأى: ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلاً منهم فلما رأى المسلمون حزن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وغيظه على من فعل بعمه ما فعل قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوماً من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثله أحدٌ من العرب، إلى أن قال:

إن الله عزّ وجلّ أنزل في ذلك من قول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقول أصحابه: وَإِن عَاقَبتُم فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُونِبْتُم بِهِ وَلَن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّبِرِينَ ﴿ 126 وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ 127﴾ [النحل: 126 - 127] فعفا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وصبر ونهى عن المثلة.

وفي مجمع البيان: قال المسلمون لئن أمكننا الله منهم لنمثلن بالأحياء فضلاً عن الأموات، فنزلت الآية. وقيل: إن الآية عامة في كل ظلم كغصب أو نحوه فإنما يجازى بمثل ما عمل (1).

وفي تفسير الصافي للفيض (رَحمَةُ اللّه) وعن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه قال يوم أحد: من له علم بعمي حمزة؟ فقال الحرث الصمت أنا أعرف موضعه، فجاء حتى وقف على حمزة فكره أن يرجع إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيخبره فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يا علي أطلب عمك فجاء علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فوقف على حمزة فكره أن يرجع إليه، فجاء رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حتى وقف عليه فلما رأى ما فعل به بكى ثم قال: ما وقفت موقفاً قط أغيظ عليّ من هذا المكان لئن أمكنني الله من قريش لأمثلن سبعين رجلاً منهم فنزل عليه جبرائیل (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: وَإِن عَافَتُمْ الآية (2).

والعياشي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما رأى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما صنع بحمزة بن عبد المطلب قال: اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وإنك المستعان على ما نرى ثم قال: لئن ظفرت لأمثلن وأمثلن. قال: فأنزل الله وَإِن عَافَتُمْ الآية (3).

وبالجملة وعبيد الله عمر لم يكن في قتل الهرمزان وجفينة وابنة أبي لؤلؤة بمصاب وما عمله إلا التجاوز عن النهج القويم والمخالف عن الكتاب الكريم وعليه أن يعاقب أبا لؤلؤة بمثل ما عوقب به فقط أن فيروز أبا لؤلؤة لما طعن عمر نحر نفسه وقتئذ أيضاً كما قال المسعودي في مروج الذهب أخذ خنجراً فاشتمل عليه ثم قعد لعمر في زاوية من زوايا


1) بحار الأنوار: 297/72، والتبيان: 441/6.

2) التفسير الصافي: 165/3، وتفسير نور الثقلين: 96/3، ح 268.

3) موسوعة التاريخ: 328/2، وبحار الأنوار: 93/20، ح 27.

المسجد في الغلس وكان عمر يخرج في السحر فيوقظ الناس فمر به فثار إليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت سرته وهي التي قتلته وطعن إثني عشر رجلاً من أهل المسجد فمات منهم ستة وبقي ستة ونحر نفسه بخنجره فمات فأني لابن عمر أن يقتل غير واحد من الناس.

قال الطبري: وكان رجل من الأنصار يقال له: زياد بن لبيد البياضي إذا رأى عبيد الله بن عمر قال:

ألا يا عبيد الله مالك مهرب ولا ملجأ من ابن أروى ولا خفر

أصبت دماً والله في غير حله حراماً وقتل الهرمزان له خطر

على غير شيء غير أن قال قائل أتتهمون الهرمزان علی عمر

فقال سفيه والحوادث جمة نعم أتهمه قد أشار وقد أمر

وكان سلاح العبد في جوب بيته يقلبها والأمر بالأمر يعتبر

فشكا عبيد الله بن عمر إلى عثمان زياد بن لبيد وشعره فدعا عثمان زياد بن لبيد فنهاه فأنشأ زياد يقول في عثمان:

أبا عمرو عبید الله رهن *** فلا تشكك بقتل الهرمزان

فإنك إن غفرت الجرم عنه *** وأسباب الخطا فرسا رهان

أتعفو إذ عفوت بغير حق *** فمالك بالذي تحكى يدان

فدعا عثمان زياد بن لبيد فنهاه وشذبه.

ثم إن الهرمزان كان لك فارس وفي تاريخ الطبري كان الهرمزان أحد البيوتات السبعة في أهل فارس وكانت أمته مهرجان قذق وكور الأهواز فهؤلاء بيوتات دون سائر أهل فارس والهرمزان إنهزم في خلافة عمر من المسلمين غير مرة ونقض العهد كل مرة وحارب المسلمين إلى أن حاصره وجنده المسلمون في قلعة بتستر فأخذوه وشدوه وثاقاً على التفصيل الذي ذكر في السير والتواريخ فأتوا به في المدينة عند عمر وقال له عمر: ما عذرك وحجتك في انتقاضك مرة بعد مرة ؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك. قال: لا تخف ذلك واستسقى ماءً فأتى به في قدح غليظ فقال: لو مت عطشاً لم أستطع أن أشرب في مثل هذا فأتي به في إناء يرضاه فجعلت يده ترجف وقال: إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب الماء. فقال عمر لا بأس عليك حتى تشربه فأكفاه فقال عمر: أعيدوا عليه ولا تجمعوا عليه القتل والعطش فقال: لا حجة لي في الماء إنما أردت أن أستأمن به فقال له عمر: إني قاتلك قد آمنتني. قال: خدعتني إن للمخدوع في الحرب حكمه لا والله لا أؤمنك حتى تسلّم فأيقن أنه القتل أو الإسلام فأسلم ففرض له على ألفين وأنزله المدينة.

وفي البحار نقلاً عن المناقب كما في سفينة البحار أن عمر أراد قتل الهرمزان فاستسقى فأتي بقدح فجعل تر عديده فقال له في ذلك فقال: إني خائف أن تقتلني قبل أن أشربه فقال: إشرب ولا بأس عليك فرمى القدح من يده فكسره فقال: ما كنت لأشربه أبداً وقد أمنتني. فقال: قاتلك الله لقد أخذت أمناً ولم أشعر به.

ثم قال: وفي روايتنا أنه شكى ذلك إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فدعا الله تعالى فصار القدح صحيحاً مملؤاً من الماء فلما رأى الهرمزان المعجز أسلم.

وأبو لؤلؤة كان إسمه فيروز ولقبه بابا شجاع الدين وكان النهاوندي الأصل والمولد وتنوزع في مذهبه.

قال المسعودي في مروج الذهب: وكان عمر لا يترك أحداً من العجم يدخل المدينة فكتب إليه المغيرة بن شعبة أن عندي غلاماً نقاشاً نجاراً حداداً فيه منافع لأهل المدينة فإن رأيت أن تأذن لي في الإرسال به فعلت فأذن له وقد كان المغيرة جعل عليه كل يوم در همين وكان يدعى أبا لؤلؤة وكان مجوسياً من أهل نهاوند فلبث ما شاء الله ثم أتى عمر يشكو إليه ثقل خراجه فقال له عمر وما تحسن من الأعمال ؟ قال نقاش: نجار حداد فقال له عمر ما خراجك بكثير في كنه ما تحسن من الأعمال فمضى عنه وهو مدبر قال: ثم مر بعمر يوماً آخر وهو قاعد فقال له عمر ألم أحدث عنك أنك تقول لو شئت أن أصنع رحا تطحن بالريح لفعلت؟ فقال: أبو لؤلؤة لأصنعن لك رحا يتحدث الناس به ومضى أبو لؤلؤة. فقال: أما العلج فقد توعدني آنفاً فلما أزمع بالذي أوعد به أخذ خنجراً فاشتمل عليه ثم قعد لعمر في زاوية من زوايا المسجد إلى آخر ما نقلناه عنه آنفاً (1).

وفي سفينة البحار: الذي رأيت في بعض الكتب أن أبا لؤلؤة كان غلام المغيرة بن شعبة إسمه الفيروز الفارسي أصله من نهاوند فأسرته الروم وأسره المسلمون من الروم ولذلك لما قدم سبى نهاوند إلى المدينة في السنة الحادية والعشرين كان أبو لؤلؤة لا يلى منهم صغيراً إلا مسح له: رأسه وبكى وقال له: أكل رمع كبدي وذلك لأن الرجل يعني به عمر وضع عليه من الخراج كل يوم در همين فثقل عليه الأمر فأتى إليه فقال له الرجل: «أي عمر ليس بكثير في حقك فإني سمعت عنك أنك لو أردت أن تدير الرحى بالريح لقدرت على ذلك فقال أبو لؤلؤة: لأديرن لك رحى لا تسكن إلى يوم القيامة، فقال: إن العبد قد أوعد ولو كنت أقتل أحداً بالتهمة لقتلت.

وفي خبر آخر قال له أبو لؤلؤة: لأعملن لك رحي يتحدث بها من بالمشرق والمغرب


1) المصنف: 475/5، ح 9775، وحياة الإمام الحسين: 302/1.

ثم أنه قتله بعد ذلك.

ثم نقل عن بعض الأعلام أن فيروز هذا قد كان من أكابر المسلمين والمجاهدين بل من خلص أتباع أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان أخاً لذكوان وهو أبو أبي الزناد عبد الله بن ذكوان عالم أهل المدينة بالحساب والفرائض والنحو والشعر والحديث والفقه فراجع الإستيعاب.

وقل الذهبي في كتابه المختصر في الرجال: عبد الله بن ذكوان أبو عبد الرحمن هو الإمام أبو الزناد المدني مولى بني أمية وذكوان هو أخو أبي لؤلؤة قاتل عمر ثقة ثبت روى عنه مالك والسفيانان مات فجأة في شهر رمضان في السنة الحادية والثلاثين بعد المائة. ثم قال: قال صاحب الرياض وهذا أجلي دليل على كون فيروز المذكور من الشيعة، وحينئذ فلا اعتماد بما قاله الذهبي من أن أبا لؤلؤة كان عبداً نصرانياً لمغيرة بن شعبة وكذا لا اعتداد بما قاله السيوطي في تاريخ الخلفاء من أن أبا لؤلؤة كان عبداً لمغيرة ويصنع الأرحاء، ثم روى عن ابن عباس أن أبا لؤلؤة كان مجوسياً (1).

ثم إن في المقام كلام آخر وهو أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد أمر بإخراج مطلق الكفار من مكة والمدينة فضلاً عن مسجدهما والعامة قد نقلوا ذلك وأذعنوا بصحة الخبر الوارد في ذلك الباب، فإذا كان أبو لؤلؤة نصرانياً مجوسياً كيف رخصه عمر في أيام خلافته أن يدخل مدينة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من غير مضايقة ولا نكير فضلاً عن مسجده وهذا منه إما يدل على عدم مبالاته في الدين أو على عدم صحة ما نسبوه إليه، ولو تنزلنا عن ذلك نقول كان أول أمره من الكفار ومن مجوس بلاد نهاوند ثم تشرف بعد بدين الإسلام إنتهى ما أردنا نقله من السفينة.

وهذا جملة الأقوال في قتل عبيد الله بن عمر الهرمزان ومذهب أبي لؤلؤة وسبب قتله عمر وعلة لحوق عبيد الله بمعاوية.

وسيأتي (2)أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الصفين نادى عبيد الله بن عمر وقال له: ويحك يا ابن عمر علام تقتلني والله لو كان أبوك حياً ما قاتلني. قال: أطلب بدم عثمان، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنت تطلب بدم عثمان والله يطلب بدم الهرمزان، ولنعد إلى القصة.

«اليوم الخامس»

وأخرج علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في اليوم الخامس من صفر وهو يوم الأحد عبد الله عباس فأخرج بن


1) مستدرك سفينة البحار 215/9.

2) تقدم ذلك.

إليه معاوية الوليد بن عقبة بن أبي معيط فاقتتلوا قتالاً شديداً، ودنا ابن عباس من الوليد بن عقبة فأخذ الوليد يسب بني عبد المطلب وأخذ يقول يا ابن عباس قطعتم أرحامكم وقتلتم إمامكم «يعني به عثمان عفان» فكيف رأيتم الله صنع بكم لم تعطوا ما طلبتم ولم تدركوا ما أملتم، والله إن شاء الله مهلككم وناصر عليكم، فأرسل إليه ابن عباس أن أبرز لي يا صفوان وكان صفون لقب الوليد فأبى وقاتل ابن عباس يومئذ قتالاً شديداً وغشى الناس بنفسه وكانت الغلية لابن عباس وكان يوماً صعباً.

«اليوم السادس»

وأخرج علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في اليوم السادس من صفر وهو يوم الإثنين سعيد بن قيس الهمداني وهو سيد همدان يومئذٍ فأخرج إليه معاوية ذا الكلاع، فاقتتلا قتالاً شديداً وكانت بينها إلى آخر النهار وأسفرت عن قتلى وانصرف الفريقان جميعاً.

«اليوم السابع»

وأخرج علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في اليوم السابع وهو يوم الثلاثاء الأشتر رضوان الله عليه في النخع وغيرهم فأخرج إليه معاوية حبيب بن مسلمة الفهري فكانت سجالاً وصبر كلا الفريقين وتكاثروا وتوافقوا للحرب وأسفرت عن قتلى منهما والجراح في أهل الشام أعم وقال الطبري: إنصرفا عند الظهر وكل غير غالب.

قال الطبري: قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين الجهني عن زيد بن وهب أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا فقام في الناس عشية الثلاثاء ليلة الأربعاء بعد العصر فقال: الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض وما أبرم لا ينقضه الناقضون لو شاء ما اختلف إثنان من خلقه ولا تنازعت الأمة في شيء من أمره ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار فلفت بيننا في هذا المكان فنحن من ربنا بمرأى ومسمع ولو شاء عجل النقمة وكان منه التغيير حتى يكذب الله الظالم ويعلم الحق أين مصيره، ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال وجعل الآخرة عنده هي دار القرار ليجزى الذين أساؤوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى ألا إنكم لاقوا القوم غداً فأطيلوا الليلة القيام وأكثروا تلاوة القرآن وسلوا الله عزّ وجلّ النصر والصبر والقوهم بالجد والحزم وكونوا صادقين.

ثم انصرف ووثب الناس إلى سيوفهم، ورماحهم ونبالهم يصلحونها ومر بهم كعب بن جعيل التغلبي وهو يقول:

أصبحت الأمة في أمر عجب *** والملك مجموع غدا لمن غلب

فقلت قولاً صادقاً غير كذب *** إن غداً تهـلك أعلامُ العرب

أقول: لما بلغت إلى قول ولي الله الأعظم ومظهره الأكمل الأتم أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) روحي له الفداء ونفسي له الوقاء: «فأطيلوا القيام وأكثروا تلاوة القرآن» أذكرني قول من ربي في حجره ونشأ من عنده والولد سر أبيه مولانا أبي عبد الله الحسين بن علي سلام الله عليه وعلى أعوانه وأنصاره والأرواح التي حلت بفنائه وهو كما ذكره أبو جعفر الطبري في تاريخه والشيخ الجليل محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالمفيد رحمه الله في إرشاده وغيرهما من علماء الفريقين في كتبهم مع إختلاف يسير في بعض الألفاظ:

إن عشية الخميس لتسع مضين من المحرم 61 من الهجرة نادى عمر بن عمر بن سعد: يا خيل الله إركبي وابشري فركب في الناس ثم زحف نحوهم بعد صلاة العصر وحسين جالس أمام بيته محتبياً بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه وسمعت أخته زينب الصيحة فدنت من أخيها فقالت: يا أخي أما تسمع الأصوات قد اقتربت فرفع الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رأسه فقال: إني رأيت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الساعة في المنام فقال لي: إنك تروح إلينا قال: فلطمت أخته وجهها.

وقالت: يا ويلتا فقال: ليس لك الويل يا أخيتي إسكني رحمك الرحمن، ثم قال له العباس بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا أخي أتاك القوم فنهض ثم قال: يا عباس إركب بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم مالكم وما بدا لكم وتسألهم عما جاء بهم؟ فأتاهم العباس فاستقبلهم في نحو من عشرين فارساً فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر فقال لهم العباس: ما بدا لكم وما تريدون قالوا قد جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم قال: فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأعرض عليه ما ذكرتم فوقفوا ثم

قالوا: ألقه فأعلمه ذلك ثم ألقنا بما يقول، فانصرف العباس راجعاً يركض إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخبره بالخبر ووقف أصحابه يخاطبون القوم ويعظونهم ويكفونهم عن قتال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فجاء العباس إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخبره بما قال القوم، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) إرجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة وتدفعهم عنا العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم أني قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والإستغفار.

وانظر أيها الأخ الكريم إلى سيرة أولياء الله كيف يلجأون إلى الله ويفزعون إليه ويدعونه يسجدون له ويعبدونه ويستغفرونه حتى في هزائز الأمور وشدائد الأحوال، ألا بذكر الله تطمئن القلوب فهؤلاء الموحدون المتألهون الفانون في الله شأنهم أجل وقدرهم أعظم عن أن يقاتلوا في غير الله، أو أن يعملوا عملاً لغير رضا الله، وبذلك فليعمل العاملون ويبقظ النائمون ولنعد إلى القصة:

فلما كان من الليل خرج علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فعبى الناس ليلته كلها حتى إذا أصبح زحف بالناس وخرج إليه معاوية في أهل الشام فأخذ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول من هذه القبيلة ومن هذه القبيلة؟ فنسيت له قبائل أهل الشام حتى إذا عرفهم ورأى مراكزهم قال للأزد أكفوني الأزد وقال لخثعم أكفوني خثعم وأمر كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام إلا أن تكون قبيلة ليس منها بالشام أحد فيصرفها إلى قبيلة أخرى تكون بالشام ليس منهم بالعراق واحد مثل بجيلة لم يكن منهم بالشام إلا عدد قليل صرفهم إلى لخم ثم تناهض الناس يوم الأربعاء وهو اليوم الثامن من صفر فاقتتلوا قتالاً شديداً نهارهم كله ثم انصرفوا عند المساء وكل غير غالب.

«اليوم الثامن»

في مروج الذهب للمسعودي وخرج في اليوم الثامن وهو يوم الأربعاء علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنفسه في الصحابة من البدريين وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وربيعة وهمدان، وقال ابن عباس رأيت في هذا اليوم علياً وعليه عمامة بيضاء وكان عيينه سراجاً سليط وهو يقف على طوائف الناس في مراتبهم يحثهم ويحرضهم حتى انتهى إلي وأنا في كثيف من الناس فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يا معشر المسلمين عموا الأصوات واكملوا اللامة واستشعروا الخشية واقلقوا يا السيوف في الأجفان قبل السلة والحظو الشزر واطعنوا الهبر ونافحوا الصبا وصلوا السيف بالخطاء والنبال بالرماح وطيبوا عن أنفسكم أنفسنا فإنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، عاودوا الكر واستقبحوا الفر فإنه عار في الأحقاب ونار يوم الحساب ودونكم هذا السواد الأعظم والرواق المطنب فاضربوا نهجه فإن الشيطان راكب صعيده معترض ذراعيه قد قدم للوثبة يداً وأخر للتكوص رجلاً فصبراً جميلاً حتى تنجلي عن وجه الحق وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم»، وتقدم علی (عَلَيهِ السَّلَامُ) للحرب على بغلة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الشهباء وخرج معاوية في عدد أهل الشام فانصرفوا عند المساء وكل غير ظافر (1).

أقول كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا مذكور في نهج البلاغة في باب الخطب مع اختلاف في بعض العبارات والجمل وأوله في نهج البلاغة: معاشر المسلمين أستشعروا الخشية وتجلببوا السكينة وعضوا على النواجذ إلى آخره ولنعد إلى القصة:

وفي تاريخ الطبري قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين عن زيد بن وهب الجهني أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) خرج إليهم غداة الأربعاء فاستقبلهم فقال:


1) تاريخ الطبري: 10/4 ط. مؤسسة الأعلمي.

«اللهم رب السقف المرفوع المحفوظ المكفوف الذي جعلته مغيضاً لليل والنهار وجعلت فيه مجرى الشمس والقمر ومنازل النجوم وجعلت سكانه سبطاً من الملائكة لا يسأمون العبادة ورب هذه الأرض التي جعلتها قراراً للأنام والهوام والأنعام، وما لا يحصى مما لا يرى ومما يرى من خلقك العظيم ورب الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ورب السحاب المسخر بين السماء والأرض ورب البحر المسجور المحيط بالعالم، ورب الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتاداً وللخلق متاعاً إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغي وسددنا للحق وإن أظهرتهم علينا فارزقني الشهادة واعصم بقية أصحابي من الفتنة» (1).

وازدلف الناس يوم الأربعاء فاقتتلوا كأشد القتال يومهم حتى الليل لا ينصرف بعضهم عن بعض إلا للصلاة وكثرت القتلى بينهم وتحاجزوا عند الليل وكل غير غالب.

أقول: كلامه هذا مذكور أيضاً في نهج البلاغة في باب الخطب مع تفاوت يسير:أوله: اللهم رب السقف المرفوع والجو المكفوف الذي جعلته مغيضاً لليل والنهار ومجرى للشمس والقمر إلى آخره، ولنعد إلى القصة:

«اليوم التاسع»

قال الطبري: فأصبحوا من الغد غداة الخميس و هو اليوم التاسع، فصلى بهم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) غداة الخميس فغلس بالصلاة أشد التغليس، وقال أبو مخنف حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي عن أبيه قال ما رأيت علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) غلس بالصلاة أشد من تغليسه يومئذ.

أقول: الغلس محركة كفرس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح وفي النهاية الأثيرية أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لو كان يصلي الصبح بغلس والتغليس: السير بغلس يقال: غلسنا الماء أي: وردناه بغلس ومنه حديث الإفاضة كنا نغلس من جمع إلى منى أي نسير إليها ذلك الوقت كما في النهاية وغلسنا الصلاة إذا فعلناها بغلس فالمراد أن أمير المؤمنين علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) صلى بهم صلاة الصبح في ذلك اليوم في وقت كان أقدم من سائر أيامه الماضية، فلنعد إلى القصة.

ثم بدأ أهل الشام بالخروج، فلما رأى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجنوده أنهم أقبلوا إليهم خرجوا إليهم بوجوههم وعلى ميمنتهم عبد الله بن بديل وعلى ميسرتهم عبد الله بن عباس وقراء أهل العراق مع ثلاثة بن بديل والناس على ثلاثة نفر عمار بن ياسر مع قيس بن سعد ومع عبد الله مع راياتهم ومراكزهم وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في القلب في أهل المدينة بين أهل الكوفة، وأهل البصرة


1) نهج السعادة: 317/6، وتاريخ الطبري: 10/4.

وعظم من معه من أهل المدينة الأنصار معه من خزاعة عدد حسن ومن كنانة وغيرهم من أهل المدينة ثم زحف إليهم بالناس.

ورفع معاوية قبة عظيمة قد ألقى عليها الكرابيس وبايعه عظم الناس من أهل الشام على الموت، وبعث خيل أهل دمشق فاحتاطت بقبته وزحف عبد الله بن بيل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة فلم يزل يحوزه ويكشف خيله من الميسرة حتى اضطرهم إلى قبة معاوية عند الظهر.

قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين عن زيد بن وهب الجهني أن ابن بديل قام في أصحابه فقال: ألا إن معاوية ادعى ما ليس أهله ونزع هذا الأمر من ليس مثله وجادل بالباطل ليدحض به الحق وصال عليكم بالأعراب والأحزاب قد زين لهم الضلالة وزرع في قلوبهم حب الفتنة ولبس عليهم الأمر وزادهم رجساً إلى رجسهم وأنتم على نور من ربكم وبرهان مبين فقاتلوا الطغاة الجفاة ولا تخشوهم فكيف تخشونه وفي أيديكم كتاب الله عزّ وجلّ طاهراً مبروراً أَتَخشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴿4﴾ وقد قاتلناهم مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مرة وهذه ثانية والله ما هم في هذه بأتقى ولا أزكى ولا أرشد قوموا إلى عدوكم بارك الله عليكم فقاتل قتالاً شديداً هو وأصحابه.

قال أبو مخنف حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري عن أبيه ومولى له: أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) حرض الناس يوم صفين فقال: «إن الله عزّ وجلّ قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تشفي بكم على الخير الإيمان بالله عزّ وجلّ وبرسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) والجهاد في سبيل الله تعالى ذكره وجعل ثوابه مغفرة الذنب ومساكن طيبة في جنات عدن، ثم أخبركم أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنیان مرصوص فسووا صفوفكم كالبيان المرصوص وقدموا الدارع وأخروا الحاسر، وعضوا على الأضراس فإنه أبنا للسيوف عن الهام والتووا في أطراف الرماح فإنه أصون للأسنة وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار راياتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم، فإن المانع للذمار والصابر عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ الذين يحفون براياتهم ويكتفونها، يضربون حفافيها خلفها وأمامها ولا يضعونها أجزأ أمرؤ وقد قرنه رحمكم الله وآسى أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيكسب بذلك لأمة ويأتي به دناءة، وأنى لا يكون هذا هكذا وهذا يقاتل إثنين وهذا ممسك بيده يدخل قرنه على أخيه هارباً منه أو قائماً ينظر إليه من يفعل هذا يمقته الله عزّ وجلّ فلا تعرضوا لمقت الله سبحانه فإنما مردكم إلى الله قال الله عزّ من قائل لقوم: لَن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ

الْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب: 16] وأيم الله لئن سئلتم (1)من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة أستعينوا بالصدق والصبر فإن بعد الصبر ينزل الله النصر» (2). أقول: كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا مذكور في نهج البلاغة في باب الخطب مع إختلاف في الكم وبعض الألفاظ والجمل وأوله: فقدموا الدارع وأخروا الحاسر وعضوا على الأضراس فإنه بنا للسيوف إلى آخره ولنعد إلى القصة:

قال المسعودي في مروج الذهب: وخرج في اليوم التاسع علي وهوم يوم الخميس وخرج معاوية فاقتتلوا إلى ضحوة من النهار وبرز أمام الناس عبيد الله بن عمر بن الخطاب في أربعة آلاف من الحضرية معممين بشق الحرير الأخضر متقدمين للموت يطلبون بدم عثمان وابن عمر يقدمهم وهو يقول:

أنا عبيد الله ينميني عمر *** خير قريش من مضي ومن غبر

غیر نبی الله والشیخ والأغر *** قد أبطأت في نصر عثمان مضر

و الربعیون فلا أسقوا المطر

فناداه علي: ويحك يا ابن عمر علام تقاتلني والله لو كان أبوك حياً ما قاتلني. قال: أطلب بدم عثمان. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنت تطلب بدم عثمان والله يطلبك بدم الهرمزان وأمر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأشتر النخعي بالخروج إليه فخرج الأشتر إليه وهو يقول:

إني أنا الأشتر معروف السیر *** إني أنا الأفعى العراقي الذكر

لست من الحي ربيع أو مضر *** لكنني من مذحج البيض الغرر

فانصرف عنه عبيد الله ولم يبارزه وكثرت القتلى يومئذ.

قال الطبري: قال أبو مخنف: حدثني أبو روق الهمداني: أن يزيد بن قيس الأرحبي حرض الناس فقال: إن المسلم السليم من سلم دينه ورأيه وإن هؤلاء القوم والله إن يقاتلوننا على إقامة دين رأونا ضيعناه وإحياء حق رأونا أمتناه وإن يقاتلوننا إلا على هذه الدنيا ليكونوا جبابرة فيها ملوكاً، فلو ظهروا عليكم لا أراهم الله ظهوراً ولا سروراً لزموكم بمثل سعيد والوليد وعبد الله بن عامر السفيه الضال يجيز أحدهم في مجلسه بمثل ديته ودية أبيه وجده يقول هذا لي ولا إثم عليَّ، كأنما أعطى تراثه عن أبيه وأمه وإنما هو مال الله عزّ وجلّ أفاءه علينا بأسيافنا وأرماحنا فقاتلوا عباد الله القوم الظالمين الحاكمين بغير ما أنزل الله ولا يأخذكم


1) في نسخة: سلمنم.

2) الإرشاد: 266/1، وبحار الأنوار: 567/32.

في جهادهم لوم لائم فإنهم إن يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم ودنياكم وهم من قد عرفتم وخبرتم وأيم الله ما ازدادوا إلى يومهم هذا إلا شراً.

وقاتلهم عبد الله بن بديل في الميمنة قتالاً شديداً حتى انتهى إلى قبة معاوية. ثم إن الذين تبايعوا معاوية على الموت أقبلوا إلى معاوية فأمرهم أن يصمدوا لابن بديل في الميمنة وبعث معاوية إلى حبيب بن مسلمة الفهري في الميسرة فحمل بهم وبمن كان معه على ميمنة الناس فهزمهم وانكشف أهل العراق من قبل الميمنة حتى لم يبق منهم إلا ابن بديل في مائتين أو ثلاثمائة من القراء قد أسند بعضهم ظهره إلى بعض وانجفل الناس فأمر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) سهل بن حنيف فاستقدم فيمن كان معه من أهل المدينة فاستقبهلم جموع لأهل الشام عظيمة فاحتملتهم حتى ألحقتهم بالميمنة وكان في الميمنة إلى موقف علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في القلب أهل اليمن فلما كشفوا انتهت الهزيمة إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فانصرف يتمشى نحو الميسرة فانكشفت عنه مضر من الميسرة وثبتت ربيعة.

قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين الجهني عن زيد بن وهب الجهني قال مر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) معه بنوه نحو الميسرة، وإني لأرى النبل يمر بين عاتقه ومنكبه وما من بنيه أحد إلا يقيه بنفسه فيتقدم فيحول بين أهل الشام وبينه فيأخذه بيده إذا فعل ذلك فيلقيه بين يديه ومن ورائه فبصر به أحمر مولى أبي سفيان أو عثمان أو بعض بني أمية فقال: ورب الكعبة قتلني الله إن لم أقتلك أو تقتلني فأقبل نحوه فخر إليه كيسان مولى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاختلفا ضربتين فقتله مولى بني أمية وينتهزه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيقع بيده في جيب درعه فيجذبه ثم حمله على عاتقه فكأني أنظر إلى رجيلتيه تختلفان على عنق علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثم ضرب به الأرض فكسر منكبه وعضديه وشدا إبنا علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليه حسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومحمد فضرباه بأسيافهما فكأني أنظر إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائماً وإلى شبليه يضربان الرجل حتى إذا قتلاه وأقبلا إلى أبيهما والحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائماً، قائماً، قل له يا بني ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك؟ قال: كفياني يا أمير المؤمنين.

ثم إن أهل الشام دنوا منه ووالله ما يزيده قربهم منه سرعة في مشيه فقال له الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما ضرك لو سعيت حتى تنتهي إلى هؤلاء الذين قد صبروا لعدوك من أصحابك ؟ فقال: يا بني إن لأبيك يوماً لن يعدوه ولا يبطيء به عنه السعي ولا يعجل به إليه المشي إن أباك والله ما يبالي أوقع على الموت أو وقع الموت عليه.

قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج السكندي عن مولى للأشتر قال: لما إنهزمت ميمنة العراق وأقبل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نحو الميسرة مر به الأشتر يركض نحو الفزع قبل الميمنة. فقال له علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يا مالك قال: لبيك قال: إنت هؤلاء القوم فقل لهم أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه إلى الحياة التي لن تبقي لكم فمضى فاستقبل الناس منهزمين فقال لهم هذه

الكلمات التي قالها له علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وقال: إلي أيها الناس أنا مالك بن الحارث أنا مالك بن الحارث، ثم ظن أنه بالأشتر أعرف في الناس فقال: أنا الأشتر إلي أيها الناس فأقبلت إليه طائفة وذهبت عنه طائفة فنادى أيها الناس عضضتم بهن آباءكم ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم أيها الناس أخلصوا إلي مذحجاً فأقبلت إليه مذحج فقال: عضضتم بصم الجندل ما أرضيتم ربكم ولا نصحتم له في عدوكم وكيف بذلك وأنتم بناء الحروب وأصحاب الغارات وفتيان الصباح وفرسان الطراد وحتوف الأقران ومذحج الطعان الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم ولا تطل دماؤهم ولا يعرفون في موطن بخس وأنتم حد أهل مصركم وأعد حي في قومكم وما تفعلوا في هذا اليوم فإنه مأثور بعد اليوم فاتقوا مأثور بعد اليوم فاتقوا مأثور الأحاديث في غد وأصدقوا عدوكم اللقاء فإن الله الصادقين والذي نفس مالك بيده ما من هؤلاء - وأشار بيده إلى أهل الشام - رجل على مثل جناح بعوضة من محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنتم ما أحسنتم القراع أجلوا سواد وجهي يرجع في وجهي دمي عليكم بهذا السواد الأعظم فإن الله عزّ وجلّ لو قد فضه تبعه من بجانبيه كما يتبع مؤخر السيل مقدمه.

قالوا: خذ بنا حيث أحببت وصمد نحو عظمهم فيما يلي الميمنة فأخذ يزحف إليهم ويردهم ويستقبله شباب من همدان وكانوا ثمانمائة مقاتل يومئذ وقد انهزموا آخر الناس وكانوا قد صبروا في الميمنة حتى أصيب منهم ثمانون ومائة رجل وقتل منهم أحد عشر رئيساً، كلما قتل منهم رجل أخذ الراية آخر فكان الأول كريب بن شريح ثم شرحبيل بن شريح ثم مرثد بن شريح ثم هبيرة بن شريح ثم يريم بن شريح ثم سمير بن شريح فقتل هؤلاء الأخوة الستة جميعاً، ثم أخذ الراية سفيان بن زيد، ثم عبد بن زيد، ثم كريم بن زيد فقتل هؤلاء الأخوة الثلاثة جميعاً ثم أخذ الراية عمير بن بشير، ثم الحارث بن بشير فقتلا ثم أخذ الراية وهب بن كريب أخو القلوص فأراد أن يستقبل فقال له رجل من قومه إنصرف بهذه الراية رحمك الله فقد قتل أشراف قومك حولها فلا تقتل نفسك ولا من بقي من قومك فانصرفوا وهم يقولون ليت لنا عدتنا من العرب يحالفوننا على الموت ثم نستقدم نحن وهم فلا ننصرف حتى نقتل أو نظفر فمروا بالأشتر وهم يقولون هذا القول فقال لهم الأشتر: إلي أنا أحالفكم وأعاقدكم على أن لا ترجع أبداً حتى نظفر أو نهلك فأتوه فوقفوا معه.

وزحف الأشتر نحو الميمنة وثاب إليه ناس تراجعوا من أهل الصبر والحياء والوفاء فأخذ لا يصمد لكتيبة إلا كشفها ولا لجمع إلا حازه ورده فإنه لكذلك إذا مر بزياد بن النضر يحمل إلى العسكر فقال: من هذا؟ فقيل: زياد بن النضر إستلحم عبد الله بن بديل وأصحابه في الميمنة فتقدم زياد فرفع لأهل الميمنة رايته فصبروا وقاتل حتى صرع، ثم لم يمشكوا إلا

كلا شيء حتى مر بيزيد بن قيس الأرحبي محمولاً نحو العسكر فقال: الأشتر من هذا ؟ فقالوا: يزيد بن قيس لما صرع زياد بن النضر رفع لأهل الميمنة رايته فقاتل حتى صرع فقال الأشتر: هذا والله الصبر الجميل والفعل الكريم ألا يستحي الرجل أن ينصرف لا يقتل ولا يقتل أو يشفي به على القتل.

قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي عن الحر بن الصياح النخعي أن الأشتر يومئذٍ كان يقاتل على فرس له في يده صفيحة يمانية إذا طأطأها خلت فيها ماءً منصباً وإذا رفعها كاد يغشى البصر شعاعها وجعل يضرب بسيفه ويقول: الغمرات ثم ينجلينا. قال: بصر به الحارث بن جمهان الجعفي والأشتر متقنع في الحديد فلم يعرفه فدنا منه فقال له: جزاك الله خيراً منذ اليوم عن أمير المؤمنين وجماعة المسلمين فعرفه الأشتر فقال ابن جمهان فعرفه فكان من أعظم الرجال وأطوله وكان في لحيته حفها قليلاً فقال: جعلت فداك لا والله ما علمت بمكانك إلا الساعة ولا أفارقك حتى أموت قال ورآه منقذ وحمير إبنا قيس الناعطيان فقال منقذ لحمير ما في العرب مثل هذا إن كان ما أرى من قتاله فقال له حمير وهل النية إلا ما تراه يصنع قال: إني أخاف أن يكون يحاول ملكاً.

قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج عن مولى للأشتر أنه لما اجتمع إليه عظم من كان انهزم عن الميمنة حرضهم ثم قال عضوا على النواجذ من الأضراس واستقبلوا القوم بهامكم وشدوا شدة قوم موتورين ثأراً بآبائهم وإخوانهم حناقاً على عدوهم قد وطنوا على الموت أنفسهم كيلا يسبقوا بوتر ولا يلحقوا في الدنيا عاراً، وأيم الله ما وتر قوم قط بشيء أشد عليهم من أن يوتروا دينهم، وإن هؤلاء القوم لا يقاتلونكم إلا عن دينكم ليميتوا السنة ويحبوا البدعة ويعيدوكم في ضلالة قد أخرجكم الله عزّ وجلّ منها بحسن البصيرة فطيبوا عباد الله أنفساً بدمائكم دون دينكم فإن ثوابكم على الله، والله عنده جنات النعيم وإن الفرار من الزحف فيه السلب للعز والغلبة على الفيء وذل المحيا والممات وعار الدنيا والآخرة وحمل عليهم حتى كشفهم فألحقهم بصفوف معاوية بين صلاة العصر والمغرب وانتهى إلى عبد الله بن بديل وهو في عصبة من القراء بين المائتين والثلاثمائة وقد لصقوا بالأرض كأنهم جثا، فكشف عنهم أهل الشام فأبصروا إخوانهم قد دنو منهم فقالوا: ما فعل أمير المؤمنين ؟ قالوا: حي صالح في الميسرة يقاتل الناس أمامه ؛ فقالوا: الحمد لله قد كنا ظننا أن قد هلك وهلكتم (1).

وقال عبد الله بن بديل لأصحابه إستقدموا بنا فأرسل الأشتر إليه أن لا تفعل أثبت مع


1) تاريخ الطبري: 16/4.

الناس فقاتل فإنه خير لهم وأبقى لك ولأصحابك فأبى، فمضى كما هو نحو معاوية وحوله كأمثال الجبال وفي يده سيفان وقد خرج فهو أمام أصحابه فأخذ كلما دنا منه رجل ضربه فقتله حتى قتل، سبعة ودنا من معاوية فنهض إليه الناس من كل جانب وأحيط به وبطائفة من أصحابه فقاتل حتى قتل وقتل ناس من أصحابه ورجعت طائفة قد خرجوا منهزمين، فبعث الأشتر ابن جمهان الجعفي فحمل على أهل الشام الذين يتبعون من نجا من أصحاب ابن بديل حتینفسوا عنهم وانتهوا إلى الأشتر فقال لهم: ألم يكن رأيي لكم خير من رأيكم لأنفسكم ألم آمركم أن تثبتوا مع الناس؟ وكان معاوية قال لابن بديل وهو يضرب قدماً: أترونه كبش القوم فلما قتل أرسل إليه فقال: أنظروا من هو فنظر إليه ناس من أهل الشام فقالوا: لا نعرفه فأقبل إليه حتى وقف عليه فقال بلى هذا عبد الله بن بديل والله لو استطاعت نساء خزاعة أن تقاتلنا فضلاً على رجالها لفعلت مدوه فمدوه فقال: هذا والله كما قل الشاعر:

أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضها *** وإن شمرت يوماً به الحرب شمرا

والبيت لحاتم طيء، وأن الأشتر زحف إليهم فاستقبله معاوية بعك والأشعريين فقال الأشتر لمذحج: أكفونا عكاً ووقف في همدان وقال لكندة أكفونا الأشعرين فاقتتلوا قتالاً شديداً وأخذ يخرج إلى قومه فيقول: إنما هم عك فاحملوا عليهم فيجثون على الركب ويرتجزون:

يا ويل أم مذحج من عك *** هاتيك أم مذحج تبكی

فقاتلوهم حتى المساء ثم إنه قاتلهم في همدان وناس من طوائف الناس فحمل عليهم فأزالهم عن مواقفهم حتى لحقهم بالصفوف الخمسة المعقلة بالعمائم حول معاوية، ثم شد عليهم شدة أخرى فصرع الصفوف الأربعة وكانوا معقلين بالعمائم حتى انتهوا إلى الخامس الذي حول معاوية ودعا معاوية بفرس فركب وكان يقول أردت أن أنهزم فذكرت قول ابن الأطنابة من الأنصار كان جاهلياً والأطنابة إمرأة من بلقين:

أبت لي عفتي وحياء نفسي *** وإقدامي على البطل المشیح

وإعطائي على المكره مالي *** وأخذي الحمد بالثمن الربيح

وقولي كلما جشات وجاشت *** مكانك تحمدي أو تستریحی

فمنعني هذا القول من الفرار.

قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين الجهني عن زيد بن وهب أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما رأى ميمنته قد عادت إلى مواقفهم ومراكزهم أقبل حتى انتهى إليهم. فقال إني قد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم يحوزكم الطغاة الجفاة وأعراب أهل الشام وأنتم لها میم العرب

والسنام الأعظم وعمار الليل بتلاوة القرآن وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون فلولا إقبالكم بعد إدباركم وكركم بعد انحيازكم وجب عليكم ما وجب على المولى يوم الزحف دبره وكنتم من الهالكين، ولكن هون وجدي وشفي بعض أحاح نفسي أني رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالواكم تحسونهم بالسيوف تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطردة فالآن فاصبروا نزلت عليكم السكينة وثبتكم الله عزّ وجلّ باليقين ليعلم المنهزم أنه مسخط ربه ومويق نفسه إن في الفرار موجدة الله عزّ وجلّ عليه والذل اللازم والعار الباقي واعتصار الفيء من يده وفساد العيش عليه وأن الفار منه لا يزيد في عمره ولا يرضي ربه فموت المرء محقاً قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا بالتأنيس لها والإقرار عليها (1).

قال الطبري: قال أبو مخنف: حدثنا عبد السلام بن عبد الله بن جابر الأحمسي أن راية بجيلة بصفين كانت في أحمس بن الغوث بن أنمار مع أبي شداد وهو قيس بن مكشوح بن هلال بن الحارث بن عمرو بن جابر بن علي بن أسلم بن أحمس بن الغوث وقال له بجيلة: خذ رايتنا فقال غيري لكم مني قالوا ما نريد غيرك. قال: والله لئن أعطيتونيها لا أنتهي بكم دون صاحب الترس المذهب قالوا: إصنع ما شئت فأخذها ثم زحف حتى انتهى بهم إلى صاحب الترس المذهب وكان في جماعة عظيمة من أصحاب معاوية وذكروا أنه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي فاقتتل الناس هنالك قتالاً شديداً فشد بسيفه نحو صاحب الترس فتعرض له رومي مولى لمعاوية فيضرب قدم أبي شداد فيقطعها ويضربه أبو شداد فيقتله وأشرعت إليه الأسنة فقتل وأخذ الراية عبد الله (2)بن قلع الأحمسي وهو يقول:

لا یبعد الله أبا شداد *** حيث أجاب دعوة المنادي

و شد بالسيف على الأعادي *** نعم الفتى كان لدى الطراد

وفي طعان الرجل والجلاد

فقاتل حتى قتل فأخذ الراية أخوه عبد الرحمن بن قلع فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عفيف بن إياس فلم تزل في يده حتى تحاجز الناس وقتل حازم بن أبي حازم الأحمسي أخو قيس بن أبي حازم يومئذٍ وقتل نعيم بن صهيب بن العلية البجلي يومئذ فأتى ابن عمه وسميه نعيم بن الحارث ابن العلية معاوية وكان معه فقال إن هذا القتيل ابن عمي فهبه لي أدفنه فقال: لا تدفنه فليسوا لذلك أهلاً والله ما قدرنا على دفن ابن عفان إلا سراً قال والله


1) بحار الأنوار: 473/32، ح 412، وتاريخ الطبري: 017/4.

2) تاريخ الطبري: 18/4، ووقعة صفين: 258

لتأذنن في دفنه أو لألحقن بهم ولأدعنك قال معاوية: أترى أشياخ العرب قد أحالتهم أمورهم فأنت تسألني في دفن ابن عمك أدفنه إن شئت أو دع فدفنه.

قال أبو مخنف: حدثني الحارث بن حصيرة الأزدي عن أشياخ من النمر من الأزد أن مخنف بن سليم لما ندبت الأزد للأزد حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن من الخطأ الجليل والبلاء العظيم أنا صرفنا إلى قومنا وصرفوا إلينا والله ما هي إلا أيدينا نقطعها بأيدينا وما هي إلا أجنحتنا نجدها بأسيافنا فإن نحن لم نواس جماعتنا ولم نناصح صاحبنا كفرنا وإن نحن فعلنا فعزنا أبحنا ونارنا أخمدنا فقال له جندب بن زهير والله لو كنا آباءهم وولدناه أو كنا أبناءهم وولدونا ثم خرجوا من جماعتنا وطعنوا على إمامنا وإذا هم الحاكمون بالجور على أهل ملتنا وذمتنا ما افترقنا بعد أن اجتمعنا، حتى يرجعوا عما هم عليه ويدخلوا فيما ندعوهم أو تكثر القتلى بيننا وبينهم.

قال أبو مخنف: وكان ابن خالته عز الله بك النية أما والله ما عملت صغيراً وكبيراً إلا مشؤوماً والله ما ميلنا الرأي قط أيهما نأتي أو أيهما ندع في الجاهلية ولا بعد أن أسلمنا إلا اخترت أعسرهما وأنكدهما، اللهم إن تعافى أحب إلينا من أن تبتلى فاعط كل امرىء منا ما يسألك، وقال أبو بريدة بن عوف اللهم أحكم بيننا بما هو أرضى لك يا قوم إنكم تبصرون بما يصنع الناس وإن لنا الأسوة بما عليه الجماعة إن كنا على حق وإن يكونوا صادقين فإن أسوة في الشر والله ما علمنا ضرر في المحيا والممات.

وتقدم جندب بن زهير فبارز رأس أزد الشام فقتله الشامي، وقتل من رهطه عجل وسعد إبنا عبد الله من بني ثعلبة وقتل مع مخنف من رهطه عبد الله وخالد إبنا ثاجد وعمرو، وعامر إبنا عويف وعبد الله بن الحجاج وجندب بن زهير وأبو زينب بن عوف بن الحارث وخرج عبد الله بن أبي الحصين الأزدي في القراء الذين مع عمار بن ياسر فأصيب

قال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن حصيرة عن أشياخ النمر أن عقبة بن حديد النمري قال يوم صفين ألا إن مرعي الدنيا أصبح هشيماً وأصبح شجرها خضيداً وجديدها سملاً، وحلوها مر المذاق ألا وإني أنبئكم نبأ امرىء صادق إني قد سئمنا الدنيا وعزفت نفسي عنها وقد كنت أتمنى الشهادة وأتعرض لها في كل جيش وغارة فأبى الله عزّ وجلّ إلا أن يبلغني هذا اليوم، ألا وإني متعرض لها من ساعتي هذه قد طمعت ألا أحرمها فما تنتظرون عباد الله بجهاد من عادى الله خوفاً من الموت القادم عليكم الذاهب بأنفسكم لا محالة، أو من ضربة كف بالسيف تستبدلون الدنيا بالنظر في وجه الله عزّ وجلّ وموافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في دار القرار ما هذا بالرأي السديد.

ثم مضي، فقال: يا إخوتي قد بعت هذه الدار بالتي أمامها وهذا وجهي إليها لا تبرح

وجوهكم ولا يقطع الله عزّ وجلّ رجاءكم فتبعه إخوته عبيد الله وعوف ومالك وقالوا: لا تطلب رزق الدنيا بعدك فقبح الله العيش بعدك، اللهم إنا نحتسب أنفسنا عندك فاستقدموا فقاتلوا حتى قتلوا.

قال أبو مخنف حدثني ملة بن زهير النهدي عن أبي مسلم بن عبد الله الضبابي قال: شهدت صفين مع الحي ومعنا شمر بن ذي الجوشن الضبابي فبارزه أدهم بن محرز الباهلي فضرب أدهم وجه الشمر بالسيف وضربه شمر ضربة لم تضرره فرجع شمر إلى رحله فشرب شربة وكان قد ظميء ثم أخذ الرمح فأقبل وهو يقول:

إني زعيم لأخي بأهله *** بطعنة إن لم أصب عاجله

أو ضربة تحت القنا والوغى *** شبيهة بالقتل أو قاتله

ثم حمل على أدهم فصرعه ثم قال: هذه بتلك.

قال أبو مخنف حدثني عمرو بن عوف بن مالك الجشمي: أن بشر بن بشر بن عصمة المزني كان لحق بمعاوية فلما اقتتل الناس بصفين بصر بشر بن عصمة بمالك العقدية وهو مالك بن الجلاح الجشمي ولكن العقدية غلبت عليه فرآه بشر وهو يفري في أهل الشام فرياً عجيباً وكان رجلاً مسلماً شجاعاً فغاظ بشر ما رأى منه، فحمل عليه فطعته فصرعه ثم انصرف فندم لطعنته إياه جباراً فقال:

وإني لأرجو من مليكي تجاوزاً *** ومن صاحب الموسوم في الصدر هاجس

دلفت له تحت الغبار بطعنة *** على ساعة فيها الطعان تخالس

فبلغت مقالته ابن العقدية فقال:

الا بلغا بشر بن عصة أنني *** شغلت والهـاني الذين أمارس

قصادفت مني غرة وأصبتها *** كذلك والأبطال ماض وخالس

ثم حمل عبد الله بن الطفيل البكائي على جمع لأهل الشام، فلما انصرف حمل عليه رجل من بني تميم يقال له قيس بن قرة ممن لحق بمعاوية من أهل العراق فيضع الرمح بين كتفي عبد الله بن الطفيل ويعترضه يزيد بن معاوية ابن عم عبد الله الطفيل فيضع الرمح بين كتفي التميمي فقال: والله لئن طعنته لأطعننك فقال: عليك عهد الله وميثاقه لئن رفعت السنان عن ظهر صاحبك لترفعن سنانك عني فقال له: نعم، لك بذلك عهد الله فرفع السنان عن ابن الطفيل ورفع يزيد السنان عن التميمي فقال ممن أنت؟ قال: من بني عامر فقال له: جعلني الله فداكم أبتما الفكم الفكم كراماً وإني لحادي عشر رجلاً من أهل بيتي ورهطي قتلتموهم اليوم وأنا كنت آخرهم فلما رجع الناس إلى الكوفة عتب على يزيد بن الطفيل في

بعض ما يعتب فيه الرجل على ابن عمه فقال:

ألم ترني حاميت عنك مناصحاً *** بصفين إذ خلاك كل حميم

ونهنت عنك الحنظلي وقد أتي *** علی سبح ذي ميعة وهزيم

قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج قال: خرج رجل من أهل الشام يدعو إلى المبارزة فخرج إليه عبد الرحمن بن محرز الكندي ثم الطحمي فتجاولا ساعة ثم إن عبد الرحمن حمل على الشامي فطعنه في ثغرة نحره فصرعه ثم نزل إليه فسلبه درعه وسلاحه فإذا هو حبشي. فقال: إنا الله لمن أخطرت نفسي لعبد أسود وخرج رجل من عك يسأل المبارزة فخرج إليه قيس بن فهدان الكناني ثم البدني فحمل عليه العكي فضربه واحتمله أصحابه فقال قيس بن فهدان:

لقد علمت عك بصفين أننا *** إذا التقت الخيلان نطعنها شزراً

ونحمل رايات الطعان بحقها *** فنوردها بيضاً ونصدرها حمراً

قال أبو مخنف: وحدثني فضيل بن خديج أن قيس بن فهدان كان يحرض أصحابه فيقول: شدوا إذا شددتم جميعاً وإذا انصرفتم فاقبلوا معاً وغضوا الأبصار وأقلوا اللفظ واعتوروا الأقران ولا يؤتين من قبلكم العرب، قال: وقتل نهيك بن عزير من بني الحارث بن عدي وعمرو بن يزيد من بني ذهل، وسعيد بن عمرو وخرج قيس بن يزيد وهو ممن فر إلى معاوية من علي فدعا إلى المبارزة فخرج إليه أخوه أبو العمرصة بن يزيد فتعارفا فتواقفا وانصرفا إلى الناس فأخبر كل واحد منهما أنه لقي أخاه.

قال أبو مخنف: حدثني جعفر بن حذيفة من آل عامر بن جوين الطائي أن طيئاً يوم صفين قاتلت قتالاً شديداً فعبيت لهم جموع كثيرة فجاءهم حمزة بن مالك الهمداني فقال: ممن أنتم لله أنتم؟ فقال عبد الله بن خليفة البولاني وكان شيعياً شاعراً خطيباً نحن طيء السهل وطيء الرمل وطيء الجبل الممنوع ذي النخل نحن حماة الجبلين إلى ما بين العذيب والعين نحن طيء الرماح وطيء النطاح وفرسان الصباح.

فقال حمزة بن مالك: بخ بخ إنك لحسن الثناء على قومك فقال:

إن كنت لم تشعر بنجدة معشر *** فأقدم علينا ويب غيرك تشعر

ثم اقتتل الناس أشد القتال فأخذ يناديهم ويقول يا معشر طيء فدى لكم طار في وتالدي قاتلوا على الأحساب وأخذ يقول:

أنا الذي كنت إذ الداعي دعا *** صمماً بالسيف ندباً أروعا

فأنزل المستلثم المقنعا *** وأقتل المبالط السمبدعا

وقال بشر بن العسوس الطائي ثم الملقطي:

یا طيء السهول والأجبال

ألا انهدوا بالبيض و الموالی *** وبالكماة منكم الأبطال

فقارعوا أئمة الجهال *** السالکین سبل الضلال

ففقئت يومئذٍ عين أبي العسوس فقال في ذلك:

الا ليت عيني هذه مثل هذه *** فلم أمش في الآناس إلا بقائد

ويا ليتني لم أبق بعد مطرف *** وسعد وبعد المستنیرین خالد

فوارس لم تغذ الحواضن مثلهم *** إذا الحرب أبدت عن خدام الخرائد

وياليت رجلي ثم طنت بنصفها *** ويا ليت كفي ثم طاحت بساعدي

قال أبو مخنف: حدثني أبو الصلت التيمي قال: حدثني أشياخ محارب أنه كان منهم رجل يقال له: خنثر بن عبيدة بن خالد وكان من أشجع الناس فلما اقتتل الناس يوم صفين جعل يرى أصحابه منهزمين فأخذ ينادي يا معشر قيس أطاعة الشيطان أثر عندكم من طاعة الرحمن، الفرار فيه معصية الله سبحانه وسخطه والصبر فيه طاعة الله عزّ وجلّ ورضوانه فتختارون سخط الله تعالى على رضوانه، معصيته على طاعته فإنما الراحة بعد الموت لمن مات محاسباً لنفسه قال:

لا وألت نفس امرى ولى الدبر *** أنا الذي لا ينثني و لايفر

ولا يرى مع المعازیل الغدر

فقاتل حتى ارتث ثم إنه خرج مع الخمسمائة الذين كانوا اعتزلوا مع فروة بن نوفل الأشجعي فنزلوا بالدسكرة والبندنيجين فقاتلت النخع، يومئذٍ قتالاً شديد فأصيب منهم يومئذ بكر بن هوذة، وحيان بن هوذة، وشعيب بن نعيم من بني بكر النخع وربيعة بن مالك بن وهبيل وأبي بن قيس أخو علقة بن قيس الفقيه وقطعت رجل علقمة يومئذ فكان يقول ما أحب أن رجلي أصح ما كانت وإنها لمما أرجو به حسن الثواب من ربي عزّ وجلّ وقال: لقد كنت أحب أن أرى في نومي أخي أو بعض إخواني فرأيت أخي في النوم. فقلت: يا أخي ماذا قدمتم عليه ؟ فقال لي: إنا التقينا نحن والقوم فاحتججنا فما سررت منذ علقت سروري بتلك الرؤيا.

قال أبو مخنف: حدثني سويد بن حية الأسدي عن الحضين بن المنذر أن أناساً كانوا أتوا عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل الوقعة فقالوا له إنا لا نرى خالد بن المعمر إلا قد كاتب معاوية وقد خشينا أن يتابعه، فبعث إليه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإلى رجال من أشرافنا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

«أما بعد يا معشر ربيعة فأنتم أنصاري ومجيبو دعوتي ومن أوثق حي في العرب في نفسي، وقد بلغني أن معاوية قد كاتب صاحبكم خالد بن المعمر وقد أتيت به وجمعتكم لأشهدكم عليه ولتسمعوا أيضاً ما أقوله».

ثم أقبل عليه فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يا خالد بن المعمر إن كان ما بلغني حقاً فإني أشهد الله و من حضرني من المسلمين أنك آمن حتى تلحق بأرض العراق أو الحجاز أو أرض لا سلطان لمعاوية فيها، وإن كنت مكذوباً عليك فإن صدورنا تطمئن إليك فحلف بالله ما فعل وقال رجال منا كثير لو كنا نعلم أنه فعل أمثلناه.

فقال شقيق بن ثور السدوسي: ما وفق خالد بن المعمر إن نصر معاوية وأهل الشام على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وربيعة، فقال زياد بن خصفة التيمي: يا أمير المؤمنين إستوثق من ابن المعمر بالإيمان لا يغدرنك فاستوثق منه ثم انصرفنا.

فلما كان يوم الخميس «وهو اليوم التاسع من صفر» إنهزم الناس من قبل الميمنة فجاءنا علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى انتهى إلينا ومعه بنوه فنادى بصوت عال جهير كغير المكترث لما فيه الناس: لمن هذه الرايات؟ قلنا رايات ربيعة فقال: بل هي رايات الله عزّ وجلّ عصم الله أهلها، فصبرهم وثبت أقدامهم، ثم قال لي يا فتى ألا تدني رايتك هذه ذراعاً ؟ قلت: نعم والله وعشر، أذرع فقمت بها فأدنيتها حتى قال: إن حسبك مكانك فثبت حيث أمرني واجتمع أصحابي.

قال أبو مخنف: حدثنا أبو الصلت التيمي قال سمعت أشياخ الحي من تيم الله ابن ثعلبة يقولون: إن راية ربيعة أهل كوفتها وبصرتها كانت مع خالد بن المعمر من أهل البصرة قال: وسمعتهم يقولون: إن خالد بن المعمر وسفيان بن ثور اصطلحا على أن ولياً راية بكر بن وائل من أهل البصرة الحصين بن المنذر الذهلي وتنافسا في الراية وقالا: هذا فتى مناله حسب نجعلها له حتى نرى من رأينا.

ثم إن علياً ولى خالد بن المعمر بعد راية ربيعة كلها وضرب معاوية لحمير بسهمهم على ثلاث قبائل لم تكن لأهل العراق قبائل أكثر عدداً منها يومئذ ربيعة، وهمدان، ومذحج فوقع سهم حمير على ربيعة فقال ذو الكلاع قبحك الله من سهم كرهت الضراب، فقبل ذو الكلاع في حمير ومن تعلقها ومعهم عبيد عبيد الله بن عمر بن الخطاب في أربعة آلاف من قراء أهل الشام وعلى ميمنتهم ذو الكلاع فحملوا على ربيعة وهم ميسرة أهل العراق وفيهم ابن عباس وهو على الميسرة فحمل عليهم ذو الكلاع وعبيد الله بن عمر حملة شديدة بخيلهم ورجلهم فتضعضعت رايات ربيعة إلا قليلاً عت رايات ربيعة إلا قليلاً من الأخيار والأبدال.

ثم إن أهل الشام إنصرفوا فلم يمكثوا إلا قليلاً حتى كروا، وعبيد الله بن عمر يقول: يا أهل الشام إن هذا الحي من أهل العراق قتلة عثمان بن عفان وأنصار علي بن أبي طالب وإن هزمتم هذه القبيلة أدركتم ثأركم في عثمان وهلك علي بن أبي طالب وأهل العراق فشدوا على الناس شدة فثبتت لهم ربيعة وصبروا صبراً حسناً، إلا قليلاً من الضعفاء والفشلة وثبت أهل الرايات وأهل الصبر منهم والحفاظ فلم يزولوا وقاتلوا قتالاً شديداً.

فلما رأى خالد بن المعمر ناساً من قومه إنصرفوا إنصرف فلما رأى أصحاب الرايات قد ثبتوا ورأى قومه قد صبروا رجع وصاح بمن انهزم وأمرهم بالرجوع فقال: من أراد من قومه أن يتهمه أراد الإنصراف، فلما رآنا قد ثبتنا رجع إلينا وقال: هو لما رأيت رجالاً منا إنهزموا رأيت أن أستقبلهم وأردهم إليكم وأقبلت إليكم فيمن أطاعني منهم فجاء بأمر مشبه.

قال أبو مخنف: حدثتي رجل من بكر بن وائل عن محرز بن عبد الرحمن العجلي أن خالداً قال يومئذٍ: يا معشر ربيعة إن الله عزّ وجلّ قد أتى بكل رجل منكم من منبته ومسقط رأسه فجمعكم في هذا المكان جمعاً لم يجمعكم مثله منذ نشركم في الأرض فإن تمسكوا بأيديكم وتنكلوا عن عدوكم وتزولوا عن مصافكم لا يرضى الله فعلكم ولا تقدموا من الناس صغيراً أو كبيراً ألا يقول: فضحت ربيعة الذمار، وصاحت عن القتال وأتيت من قبلها العرب فإياكم أن تتشأم بكم العرب والمسلمون اليوم وأنكم إن تمضوا مقبلين مقدمين وتصيروا محتسبين فإن الإقدام لكم عادة والصبر منكم سجية، واصبروا ونيتكم أن توجروا فإن ثواب من نوى ما عند الله شرف الدنيا وكرامة الآخرة ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً.

فقام رجل فقال: ضاع والله أمر ربيعة حين جعلت إليك أمورها تأمرنا ألا نزول ولا نحول حتى تقتل أنفسنا وتسفك دماءنا ألا ترى الناس قد انصرف جلهم.

فقام إليه رجال من قومه فنهروه وتناولوه بألسنتهم فقال لهم: خالد أخرجوا هذا من بينكم فإن هذا إن بقي فيكم ضركم وإن خرج منكم لم ينقصكم هذا الذي لا ينقص العدد ولا يملأ البلد برحك الله من خطيب قوم كرام كيف جنبت السداد.

واشتد قتال ربيعة وحمير وعبيد الله بن عمر حتى كثرت بينهم القتلى فقتل سمير بن الريان بن الحارث العجلي وكان من أشد الناس بأساً.

قال أبو مخنف: حدثني جعفر بن أبي القاسم العبيد عن يزيد بن علقمة عن زيد بن بدر العبدي أن زياد بن خصفة أتى عبد القيس يوم صفين وقد عبيت قبائل حمير مع ذي الكلاع وفيهم عبيد عبيد الله بن عمر بن الخطاب لبكر بن وائل فقوتلوا شديداً خافوا فيه الهلاك، فقال زیاد بن خصفة يا عبد القيس لا يكر بعد اليوم فركبنا الخيول ثم مضينا فواقفنا.

فما لبثنا إلا قليلاً حتى أصيب ذو الكلاع وقتل عبيد الله بن عمر فقالت همدان: قتله هاني بن خطاب الأرحبى وقالت: حضرموت حضر موت قتله مالك بن عمر والتنعي وقالت: بكر بن وائل قتله محرز بن الصحصح من بني عائش بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة وأخذ سيفه ذا الوشاح فأخذ به معاوية بالكوفة بكر بن وائل فقالوا: إنما قتله رجل منا من أهل البصرة يقال له محرز بن الصحصح فبعث إليه بالبصرة فأخذ منه السيف وكان رأس النمر بن قاسط عبد الله بن عمرو من بني تميم.

قال هشام بن محمد الذي قتل عبيد الله بن عمر محرز بن الصحصح وأخذ سيفه ذا الوشاح سيف عمرو في ذلك قول كعب بن جعيل التغلبي:

ألا إنما تبكي العيون لفارس *** بصفين أجلت خيله وهو واقف

يبدل من أسماء أسياف وائل *** وكان فتى لو أخطأته المتالف

ترکن عبید الله بالقاع مسنداً *** تمج دم الخرق العروق الذوارف

أقول: إن إسماء في البيت الثاني هي زوجة عبيد الله بن عمر كما سيأتي عن قريب ولنعد إلى القصة.

وقتل منهم يومئذ بشر بن مرة بن شرحبيل والحارث بن شرحبيل وكانت أسماء إبنة عطارد بن حاجب التميمي تحت عبيد الله بن عمر ثم خلف عليها الحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

قال أبو مخنف: حدثني ابن أخي غياث بن لفيط البكري أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث انتهى إلى ربيعة تبارت ربيعة بينها فقالوا: إن أصيب علي فيكم وقد لجأ إلى راينكم أفتضحتم وقال لهم شقيق بن ثور يا معشر ربيعة لا عذر لكم في العرب إن وصل إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيكم وفيكم رجل حي وإن منعتموه فمجد الحياة اكتسبتموه، فقاتلوا قتالاً شديداً حين جاءهم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكونوا قاتلوا مثله ففي ذلك قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ):

لمن راية سوداء يخفق ظلها *** إذا قيل قدمها حضين تقدما

يقدمها في الموت حتى يزيرها ***حياض المنايا تقطر الموت والدما

أذقنا ابن حرب طعتنا وضرابنا *** أسيافتا حتى تولى وأحجما

جزى الله قوماً صابروا في لقائهم *** لدا الموت قوماً ما أعف وأكرما

وأطيب أحباراً وأكرم شیمة *** إذا كان أصوات الرجال تغمغما

ربيعة أعني أنهم أهل نجدة *** وبأس إذا لاقوا جشيما عرمرما (1)


1) الغارات: 7922، وبحار الأنوار: 499/32.

مقتل أبي اليقظان عمار بن ياسر رضوان الله عليه ونسبه وإسلامه وطائفة ما جاء فيه من الأخبار الأحوال

هو (رَحمَةُ اللّه) من كبار الفقهاء وعظام العلماء، صحب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأخذ منه ومن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) معالم الدين ومعارف اليقين وكان من شيعة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقتله الفئة الباغية في صفين مجاهداً في سبيل الله ناصراً لوليه خير خلقه بعد رسوله علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وسيتضح لك جلالة شأنه وعلو مقامه وثبت قدمه في الدين وخلوصه في حب علي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما نذكر من الأخبار المأثورة عن الفريقين وفي الدر المنثور: وكان أبو هريرة يقول إن عمار بن ياسر أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وقال ابن هشام في السيرة: أسلم قبل الهجرة في مكة بدعوة أبي بكر وقال في موضعين من كتابه السيرة النبوية: عمار بن ياسر عنسي من مذحج، حليف بني مخزوم بن يقظة.

وقال المسعودي في مروج الذهب وقد تنوزع في نسبه فمن الناس من ألحقه ببني مخزوم ومنهم من رأى أنه من حلفائهم ومنهم من رأى غير ذلك.

وعمار، والحويرث «مصغر حارث» وعبود: بنو ياسر، ومن ولد عمار عبد الله بن سعدوهو المقتول بالأندلس قتله عبد الرحمن بن معاوية ويكنى عمار الله بأبي اليقظان.

قال الواقدي وابن الأثير في أسد الغابة وطائفة من أهل العلم بالنسب والخبر: إن ياسراً والد عمار عرني قحطاني مذحج من عنس في مذحج إلا أن ابنه عماراً مولى لبني مخزوم لأن أباه ياسراً تزوج أمة لبعض بني مخزوم فولدت له عماراً وذلك أن ياسراً والد عمار قدم مكة مع أخوين له أحدهما يقال له الحارث، والثاني مالك فرجع الحارث ومالك إلى اليمن وأقام ياسر بمكة فحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فزوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها سمية «على التصغير» بنت خيط فولدت له عمار فأعتقه أبو حذيفة فمن هذا هو عمار مولى لبني مخزوم، وللحلف والولاء الذي بين بني مخزوم وابن عمار وأبيه ياسر كان اجتماع بني مخزوم، إلى عثمان نال حين من عمار غلمان عثمان ما نالوا بالضرب حتى انفتق له فتق في بطنه فاجتمعت بنو مخزوم وقالوا والله لئن مات ما قتلنا به أحداً غير عثمان (1).

وكان إسم أبي حذيفة مولى سمية: مهشم، وهو عم أبي جهل وقال بعض أهل التحقيق: قد غلط ابن قتيبة فيها فزعم أن الأزرق مولى الحارث بن كلدة خلف عليها بعد


1) الغدير 16/9، ح 2، وشرح نهج البلاغة: 102/10.

ياسر فولدت له سلمة بن الأزرق، والصحيح أن أم سلمة بن الأزرق سمية أخرى وهي أم زياد بن أبي سفيان لا أم عمار.

قال أبو جعفر الطبري في تاريخه ( ص 428 ج 3 طبع 1357هـ): كتب إلى السري عن شعيب عن سيف عن عبد الله بن سعيد بن ثابت ويحيى بن سعيد قالا: سأل سائل سعيد بن المسيب عن عمار بن ياسر ما دعاه إلى الخروج على عثمان؟ قال: كان بينه وبين عباس بن عتبة ابن أبي لهب كلام فضربهما عثمان فأورث ذاك بين آل عمار وآل عتبة شراً حتى اليوم وكنا عما ضربا عليه وفيه.

وقال الشارح المعتزلي في الجزء الثاني من شرحه فضربهما عثمان فأورث ذلك تعاديا بین عمار، وعثمان وقد كانا تقاذفا قبل ذلك.

أقول: وفي كثير من أسفار الفريقين أن عثمان بن عفان ضربه حتى غشي عليه وأنه أمر غلمانه فمدوا بيديه ورجليه ثم ضربه برجليه وهما في الخفين على مذاكيره فأصابه الفتق وكسر ضلعاً من أضلاعه وهذا هو غير مختلف فيه بين رواة الفريقين وإنما اختلفوا في سببه ولعلنا نأتي بها في مباحثنا الآتية إن شاء الله تعالى وهذا أحد المطاعن الواردة على عثمان بلا كلام ومن أعذره فيه فقد تعصب فيه وتعسف وما له في قوله بسلطان.

وقال غير واحد من المفسرين ومنهم الطبرسي في مجمع البيان أن قوله تعالى: من كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَانٌ بِالإِيمَنِ [النحل: 106] نزل في جماعة أكرهوا وهم عمار، وياسر أبوه، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، وخباب عذبوا وقتل أبو عمار، ياسر وأمه سمية، وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا منه، ثم أخبر سبحانه بذلك رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال قوم كفر عمار فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): كلا إن عماراً مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه، وجاء عمار إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهو يبكي فقال: وما ورائك فقال: شر يا رسول الله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير فجعل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يمسح عينيه ويقول إن عادوا لك فعد لهم بما قلت فنزلت الآية عن ابن عباس، وقتادة، وكذا في أسد الغابة بإسناده إلى علي بن أحمد بن متويه.

وفي كتاب نصر بن مزاحم بإسناده عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قول الله عزّ وجلّ: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَسْرِى نَفْسَهُ ابتغاء مرضات الله والله رَسُوفُ بِالْعِبَادِ [البقرة: 207] قال نزلت في رجل وهو صهيب بن سنان مولى عبد الله بن 207] جذعان أخذه المشركون في رهط من المسلمين فيهم خير مولى قريش لبني الحضرمي وخباب بن الأرت مولى ثابت بن أم أنمار وبلال مولى أبي بكر وعايش مولى حويطب بن عبد العزى، وعمار بن ياسر، وأبي عمار، وسمية أم عمار فقتل أبو عمار، وأم عمار وهما

أول قتيلين قتلا من المسلمين وعذب الآخرون بعد ما خرج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من مكة إلى المدينة فأرادوهم على الكفر.

فأما صهيب فكان شيخاً كبيراً ذا متاع فقال للمشركين: هل لكم إلى خير؟ فقالوا: ما هو ؟ قال: أنا شيخ كبير ضعيف لا يضركم منكم كنت أؤمن عدوكم وقد تكلمت بكلام أكره أن أنزل عنه فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني، ففعلوا فنزلت هذه الآية، فلقاء أبو بكر حين دخل المدينة فقال: ربح البيع يا صهيب وقال: وبيعك لا يخسر وقرأ هذه الآية ففرح بها.

وأما بلال، وخباب، وعايش، وعمار وأصحابهم فعذبوا حتى قالوا بعض ما أراد المشركون ثم أرسلوا، ففيهم نزلت هذه الآية: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبوتَنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [النحل: 41].

أقول: أكثر المفسرين ذهبوا إلى أن الآية الأولى نزلت في علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليلة المبيت، وإن ما نزل في عمار وأصحابه آية النحل الماضية ولا يبعد أن يقال أن الراوي سهى في ذلك وأخذ آية: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى مكان آية وَمَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ والله تعالى يعلم.

وفي السيرة الهشامية (ص 319 ج 1 طبع مصر 1375هـ ) في تعذيب قريش لعمار بن ياسر وتصبير رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) له، قال ابن إسحاق: وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه وكانوا أهل بيت إسلام إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة فيمر بهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيقول فيما بلغني: صبراً آل ياسر، موعدكم الجنة فأما أمه فقتلوها وهي تأبي إلا الإسلام.

وروى غيره أن عماراً قال لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): قد بلغ منا العذاب كل مبلغ فقال له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) صبراً أبا اليقطان، ثم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) اللهم لا تعذب أحداً من آل عمار بالنار.

وروى الفريقان أن ياسراً وسمية أبوي عمار رضوان الله عليهم أول شهيدين في الإسلام بل قبل أول شهيد إستشهد في الإسلام أم عمار سمية طعنها أبو جهل بطعنة في قبلها أو في قلبها على إختلاف النسخ.

وفي أسد الغابة: وكان إسلام عمار بعد بضعة وثلاثين رجلاً وهو وأبوه وأمه من السابقين وأسلم عمار، ورسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في دار الأرقم هو وصهيب بن هو وصهيب بن سنان في وقت واحد.

وفيه: قال عمار لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم ورسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيها فقلت ما تريد؟ فقال: وما تريد أنت؟ فقلت: أردت أن أدخل على محمد وأسمع كلامه

فقال: وأنا أريد ذلك فدخلنا عليه فعرض علينا الإسلام فأسلمنا (1).

أقول: أرقم هذا هو أرقم بن أبي الأرقم واسم أبي الأرقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي، كان من السابقين الأولين إلى الإسلام قيل كان ثاني عشر.

وفي مجالس المؤمنين للقاضي نور الله الشهيد الله نقلاً عن الإستيعاب أسلم أرقم بعد سبعة أو عشرة.

وكان من المهاجرين الأولين وهو الذي استخفى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في داره وهي في أصل الصفا والمسلمون معه بمكة لما خافوا المشركين فلم يزالوا بها حتى كملوا أربعين رجلاً، وكان آخرهم إسلاماً عمر بن الخطاب، فلما كملوا به أربعين خرجوا وتوفي الأرقم سنة ثلاث وخمسين وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، ولنعد إلى القصة:

وفي أسد الغابة بإسناده إلى علقمة عن خالد بن الوليد قال: كان بيني وبين عمار كلام فأغلظت له في القول فانطلق عمار يشكوني إلى النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فجاء خالد وهو يشكوه إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: فجعل يغلظ له ولا يزيده إلا غلظة والنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ساكت لا يتكلم فيكي عمار وقال يا رسول الله: ألا تراه، فرفع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) رأسه وقال: من عادى عماراً عاداه الله و من أبغض عماراً أبغضه الله، قال خالد: فخرجت فما كان شيء أحب إلي من رضى عمار لقيته فرضي.

وفيه بإسناده عن عطاء بن يسار عن عائشة قالت: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما (2).

وفي كتاب نصر بن مزاح بإسناده عن هاني بن هاني عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: جاء عمار بن ياسر يستأذن على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: إنذنوا له مرحباً بالطيب ابن الطيب، وفي أسد الغابة: مرحباً بالطيب المطيب (3).

وفي كتاب نصر: قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): لقد ملى عمار إيماناً إلى مشاشه وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة: علي، وعمار، وسلمان (4).

شهد عمار قتال مسيلمة الكذاب وأصيبت أذنه يوم اليمامة فقطعت وتدلت على كتفه،


1) أسد الغابة: 44/4، والطبقات الكبرى: 227/3.

2) الغدير: 259/9، وكنز العمال: 721/11، وكنز العمال: 721/11، ح 33527.

3) الإحتجاج: 267/1، وكتاب الأربعين: 236.

4) كتاب الأربعين 236، وبحار الأنوار: 25/33.

ففي مجالس المؤمنين للقاضي نور الله وفي أسد الغابة لابن الأثير بإسناده عن ابن عمر قال: رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة قد أشرف يصيح يا معشر المسلمين - وكانوا قد هربوا من الحرب - أمن الجنة تفرون إلي إليّ أنا عمار ابن ياسر هلموا إلي قال: وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهي تذبذب وهو يقاتل أشد القتال (1).

أقول: أما أن ما عنون في الكتب الرجالية في كنيته رضوان الله عليه بأبي اليقظان فما وجدت في كتاب أن يكون له ولد كان اسمه يقظان حتى يكنى بأبي اليقظان وجاء في كتب الأدب واللغة أن أبا اليقظان يكون كنية للديك وظني أن عمار رضوان الله عليه لما كان رجلاً نبيهاً يقظان عارفاً بدين الله كنى به، وكان أيضاً في الحروب بطلاً فحلاً وشجاعاً يهابه الناس وكمياً لم ير فى معسكر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد الأشتر مثله، بل هو ممن قاتل في سبيل الله من بدء ظهور الإسلام إلى يوم صفين في المشاهد مما يتحير فيه العقول في ثباته في الدين وخلوصه وكان يتقيه ويحذره الأبطال في المعارك والمهالك، كنى بأبي اليقظان كما نقول نحن في الفارسية بالرجل الشجاع المصارع خروس جنگی وهذا مما تفردت به ولم أجده في كتاب وما سمعت من أحد والله هو العالم.

وهاجر عمار إلى أرض الحبشة وقال ابن هشام في السيرة فلما رأى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه العافية بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها من ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفراراً إلى الله فكانت أول هجرة كانت في الإسلام «إلى أن قال» في (ص 330 ج 1 طبع 1375هـ ) بدينهم بعد عد من هاجر من المسلمين إلى الحبشة: فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من السملمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهمم معهم صغاراً وولدوا بها ثلاثة وثمانين رجلاً، إن كان عمار بن ياسر فيهم وهو يشك فيه.

وكذا قال في ذكر من عاد من أرض الحبشة لما بلغهم إسلام أهل مكة، بعد عد عدة منهم: ومن حلفاء بني مخزوم: عمار بن ياسر، يشك فيه أكان خرج إلى الحبشة أم لا؟

ولقد شهد عمار رحمه الله تعالى بدراً والمشاهد كلها وأبلى ببدر بلاء حسناً وقتل في بدر كما في السيرة الهشامية عامر ابن الحضرمي ورجلاً شجاعاً آخر أحد بني عمرو بن تميم، وعلي بن أمية بن خلف.


1) شرح نهج البلاغة: 10/ 103، والفوائد الرجالية: 172/3.

قال ابن هشام: ويقال إن زيد بن حارثة وعمار بن ياسر قتلا معاوية بن المغيرة بعد حمراء الأسد، كان لجأ إلى عثمان بن عفان، فاستأمن له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على أنه إن وجد بعد ثلاث قتل فأقام بعد ثلاث وتوارى فبعثهما النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقال: إنكما ستجد إنه بموضع كذا وكذا فوجداه فقتلاه.

وفي غزوة ذات الرقاع كان عمار بن ياسر وعباد بن بشر قاما على حراسة جيش الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأصيبا في ذلك من الألم والأذى.

في السيرة الهشامية: قال ابن إسحاق وحدثني عمي صدقة بن ياسر عن عقيل بن جابر عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال:

خرجنا مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في غزوة ذات الرقاع من نخل، فأصاب رجل إمرأة رجل من المشركين فلما انصرف رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قافلاً أتى زوجها وكان غائباً، فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) دماً فخرج يتبع أثر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فنزل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) منزلاً فقال: من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه ؟ قال: فانتدب رجل من المهاجرين ورجل آخر من الأنصار فقالا: نحن يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال فكونا في فم الشعب قال: وكان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد نزلوا إلى شعب من الوادي وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر فيما قال ابن هشام.

قال ابن إسحاق: فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الأنصاري للمهاجري: «يعني قال عباد بن بشر لعمار بن ياسر» أي الليل تحب أن أكفيكه أوله أم آخره؟ قال: بل أكفنى أوله قال: فاضطجع المهاجري فنام وقام الأنصاري يصلي قال: وأتى الرجل فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم «أي الطليعة الذي يحرس القوم قال فرمى بسهم فوضعه فيه قال فنزعه ووضعه فثبت قائماً، قال: ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه، قال فنزعه فوضعه وثبت قائماً، ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه قال فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه يعني أيقظ عماراً فقال: إجلس فقد أثبت «يعني جرحت جرحاً لا يمكن التحرك معه» قال: فوتب فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذرا به «أي علما به« فهرب.

ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء، قال: سبحان الله أفلا أهيبتني أول ما رماك؟ قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفدها فلما تابع على الرمي ركعت فأذنتك وأيم الله لولا أن أضيع ثغراً، أمرني رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفدها (1).

وفي السيرة الهشامية أيضاً في تكنية الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأبي تراب في غزوة


1) صحيح ابن خزيمة 25/1، وموارد الظمآن: 86..

العشيرة:

قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن محمد بن خيثم المحاربي عن محمد بن كعب القرظي عن محمد بن خيثم أبي يزيد عن عمار بن ياسر، قال:

كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة، فلما نزلها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأقام بها رأينا أناساً من بني مدلج يعملون في عين لهم وفي نخل، فقال لي علي بن أبي طالب يا أبا اليقظان هل لك في أن تأتي هؤلاء القوم فننظر كيف يعملون؟ قال: قلت إن شئت ؛ قال: فجئناهم فنظرنا إلى عملهم ساعة ثم غشينا النوم فانطلقت أنا وعلي حتى اضطجعنا في صور من النخل وفي دقعاقعاء من التراب فنمنا فوالله ما أهبنا إلا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يحركنا برجله وقد تتربنا من تلك الدقعاء التي ننام فيها فيومئذ قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لعلي بن أبي طالب مالك يا أبا تراب لما يرى عليه من التراب ثم قال: ألا أحدثكما بأشقى الناس رجلين؟ قلنا: بلى، يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضر بك يا علي على هذه ووضع يده على قرنه حتى يبل منها هذه وأخذ بلحيته «أحيمر ثمود هو الذي عقر ناقة صالح واسمه قدار بن سالف» (1).

وفي السيرة الهشامية (ص 392/ 1 طبع 1375هـ) قال ابن إسحاق وكان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إذا جلس في المسجد فجلس إليه المستضعفون من أصحابه: خباب، وعمار، وأبو فكيهة يسار مولى صفوان بن أمية بن محرث وصهيب وأشباههم من المسلمين هزأت بهم قريش، وقال بعضهم لبعض: هؤلاء أصحابه كما ترون أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى والحق! لو كان ما جاء به محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) خيراً ما سبقنا هؤلاء إليه وما خصهم الله به دوننا فأنزل الله تعالى فيهم: وَلَا تَطْرُو الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْفَدَوةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام: 52] إلى قوله تعالى: فَاتَهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ [الأنعام: 54].

ولما آخى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، كان عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أخوين ويقال عمار، وثابت بن قيس كانا أخوين وفي الدر المنثور كما في مادة «عمر» من سفينة البحار وكان أبو هريرة يقول إن عمار بن ياسر أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

ولما هاجر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى المدينة أمر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن يبني في المدينة مسجداً، وفي السيرة الهشامية ( ص 496 ج 1 ) ونزل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه فعمل فيه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ليرغب المسلمين في العمل فيه فعمل فيه المهاجرون والأنصار


1) کتاب سليم بن قيس: 439، وبحار الأنوار: 376/11.

ودأبوا فيه «إلى أن قال»: فدخل عمار بن ياسر وقد أثقلوه باللبن فقال يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قتلوني، يحملون علي ما لا يحملون قالت أم سلمة زوج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأين رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ينفض وفرته بيده وكان رجلاً جعداً وهو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول: «ويح ابن سمية، ليسوا بالذين يقتلونك إنما تقتلك الفئة الباغية».

وفي تاريخ الطبري: الناس ينقلون حجراً حجراً ولبنة لبنة وعمار ينقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين رغبة في الأجر، وسيأتي تفصيله ثم قال ابن هشام وارتجز علي بن أبي طالب يومئذ:

لا يستوى من یعمرالمسجدا *** يدأب فيه قائماً وقاعداً

ومن يُرى عن الغبار حائداَ

فأخذها عمار بن ياسر فجعل يرتجز بها فلما أكثر ظن رجل من أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إنما يعرض به، فقال له الرجل: سمعت ما تقول منذ اليوم يا ابن سمية والله إني لأراني أعرض هذه العصا لأنفك، وفي يده عصا فغضب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثم قال: ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، وإن عماراً جلدة ما بين عيني وأنفي فإذا بلغ ذلك من الرجل فلم يستبق فاجتنبوه (1).

أقول: ذلك الرجل هو عثمان بن عفان كما صرح به غير واحد من الفريقين، وقال السهيلي وقد سمي ابن إسحاق الرجل وكره ابن هشام أن يسميه كي لا يذكر. يذكر أحداً أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بمكروه، وقال أبو ذر: وقد سمي ابن إسحاق الرجل، فقال إن هذا الرجل هو عثمان بن عفان وفي المواهب اللدنية أن الرجل هو عثمان بن مظعون وهو خطأ جداً، وظن محض لا يساعده خبر ولا أثر وعدل إليه لبعض شأنه.

قال ابن هشام في السيرة: وذكر سفيان بن عيينة عن زكريا عن الشعبي قال: إن أول من بنی مسجداً عمار بن ياسر.

أقول: يعني بهذا الحديث مسجد قبا، لأن عماراً هو الذي أشار على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ببنيانه وهو جمع الحجارة له فلما أسسه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إستتم بنيانه عمار، كما في روض الأنف، وقال في أسد الغابة؛ ومن مناقبه أنه أول من بنى مسجداً في الإسلام، وقال بإسناده عن الحكم بن عيينة قال: قدم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) المدينة أول ما قدمها ضحى. فقال عمار ما الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بد من أن نجعل له مكاناً إذا استظل من قائلته ليستظل فيه، ويصلي فيه فجمع حجارة فبنى مسجد قبا فهو أول مسجد بني وعمار بناه.


1) المسترشد: 658، ح 328، وبحار الأنوار: 124/19.

وفي مادة «عمر» من سفينة البحار: عن أبي عبيدة بن محمد بن حمد بن عمار عن أبيه عن جده عمار قال: كنت مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في بعض غزواته وقتل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحاب الألوية وفرق جمعهم، وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي وقتل شيبة بن نافع أتيت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقلت: يا رسول الله إن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد جاهد في الله حق جهده فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): لأنه مني وأنا منه وارث علمي وقاضي ديني ومنجز وعدي والخليفة بعدي ولولاه لم يعرف المؤمن المحض بعدي حربه حربي وحربي حرب الله وسلمه سلمي وسلمي سلم الله، إلا أنه أبو سبطي والأئمة بعدي من صلبه يخرج الله تعالى الأئمة الراشدين ومنهم مهدي هذه الأمة.

فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا المهدي؟

قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): يا عمار إن الله تبارك وتعالى عهد إلى أنه يخرج من صلب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأئمة تسعة والتاسع من ولده يغيب عنهم وذلك قوله عزّ وجلّ: أَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَا مَّعِين [الملك: 30] يكون لن غيبة طويلة يرجع عنها قوم ويثبت عليها آخرون، فإذا كان في آخر الزمان يخرج فيملأ الدنيا قسطاً وعدلاً ويقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل، وأشبه الناس بي يا عمار ستكون بعدي فتنة فإذا كان كذلك فاتبع علياً وحزبه فإنه وهو سمي مع الحق الحق معه يا عمار إنك ستقاتل مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) صنفين: الناكثين والقاسطين، ثم تقتلك الفئة الباغية.

قلت: يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أليس ذلك على رضا الله ورضاك؟ قال: نعم، على رضا الله ورضاي ويكون آخر زادك شربة من لبن تشربه.

فلما كان یوم صفين خرج عمار بن ياسر إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له: يا أخا فلما كان يوم رسول الله أتأذن لي في القتال؟ قال: مهلاً رحمك الله فلما كان بعد ساعة أعاد عليه الكلام فأجابه بمثله فأعاده ثالثاً فبكى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فنظر إليه عمار فقال: يا أمير المؤمنين أنه اليوم الذي وصف لي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

فنزل أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بغلته وعانق عماراً وودعه ثم قال: يا أبا اليقظان جزاك الله عن وعن نبيك خيراً، فنعم الأخ كنت ونعم الصاحب كنت ثم بكى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبكى عمار، ثم برز إلى القتال وذكر قتاله إلى أن قتل (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) فلما كان الليل طاف أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في القتلى فوجد عماراً ملقى فجعل رأسه على فخذه ثم بكى وأنشأ:

أيا موت كم هذا التفرق عنوة *** فلست تبقى لي خليل خليل

ألا يا أيها الموت الذي ليس تاركي *** أرحني فقد أفنيت كل ت كل خليل

أراك بصيراً بالذين أحبهم *** كأنك تمضي نحوهم بدلیل

وفي رواية ابن أعثم: فأتاه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون إن امرءاً لم يدخلعليه مصيبة من قتل عمار فما هو في الإسلام من شيء، ثم صلى عليه وقرأ هاتين البيتين.

ونقل أنه لما قتل يوم صفين احتمله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى خيمته، وجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول:

وما ظبية تسبي الظباء بطرفها *** إذا انبعثت خلنا بأجفاتها سحراً

بأحسن ممن خضب السيف وجهه *** دماً في سبيل الله حتى قضى صبراً

وقتل (رَحمَةُ اللّه) في صفين في اليوم التاسع من صفر عند المساء سنة سبع وثلاثين وسنة إذ ذاك تزيد على التسعين فقال بعض: وهو يومئذ ابن أربع وتسعين سنة وقال آخر: وله ثلاث وتسعون سنة والظاهر أن الثاني أخذ السنين تامة دون الأول ونقل ابن الأثير في أسد الغابة قولاً آخر بعد القولين: وقيل إحدى وتسعون.

قال أبو جعفر الطبري في تاريخه: قال أبو مخنف: حدثني عبد الملك بن أبي حر الحنفي أن عمار بن ياسر خرج إلى الناس فقال: اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلته اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفي في صدري ثم أنحني عليها حتى تخرج من ظهري لفعلت، وإني لا أعلم اليوم عملاً هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين ولو أعلم أن عملاً الأعمال هو أرضى لك منه لفعلته.

ثم قال: قال أبو مخنف: وحدثني الصقعب بن زهير الأزدي قال: سمعت عماراً يقول والله إني لأرى قوماً ليضر بنكم ضرباً يرتاب منه المبطلون وأيم الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل (1)سعفات هجر

وفي مروج الذهب قال عمار بن ياسر: إني لأرى وجوه قوم لا يزالون يقاتلون حتى يرتاب المبطلون، والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لكنا على الحق وكانوا على الباطل.

أقول: هجر محركة بلد باليمن مذكر مصروف وقد يؤنث ويمنع من الصرف، وهجر هذه معروفة بكثرة التمر والنخيل ومنه المثل المعروف: كناقل التمر إلى هجر، وفي النهاية الأثيرية هجر إسم بلد معروف بالبحرين وهو مذكر مصروف، والظاهر إنما صحف من النساخ اليمن بالبحرين ولا بعد فيه وكم له من نظير، وهجر أيضاً قرية من قرى المدينة تنسب إليها


1) مناقب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): 352/2. والإختصاص: 14.

القلال، والمراد هنا هجر الأولى بقرينة السعفات كما هو ظاهر كلام ابن الأثير في مادة «سعف» من النهاية:قال وفي حديث عمار لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر، السعفات جمع سعفة بالتحريك وهي أغصان النخيل وقيل: إذا يبست سميت سعفة وإذا كانت رطبة فهي شطب وإنما خص هجر للمباعدة في المسافة ولأنها موصوفة بكثرة النخيل.

وفي أسد الغابة: حتى يبلغوا بنا شعاب هجر ولكن في كتاب نصر بن مزاحم، ونهاية ابن الأثير، وتاريخ الطبري، وبحار المجلسي وغيرها سعفات هجر وهذه أولى من الأولى لمكان النخيل ويشبه أن تكون الأولى مصحفة ويؤيد قولنا ترجمة القاضي نور الله الشهيد الحديث بالفارسية حيث قال فى مجالس المؤمنين والله أكر شما بر ما چنان غالب میشدید که تا نخلستان هجر ما را میگریزانید بیقین خواهیم دانست که ما برحقيم وشما بر باطل.

ومعنى قوله رضوان الله عليه: «حتى يرتاب المبطلون» أن هؤلاء الفئة الباغية أعني جنود معاوية لما ضربوا وقتلوا من كان ناصراً وممداً لأهل الحق أعني أحزاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فعند ذلك يقول: من لم يكن على النهج القويم والصراط المستقيم لو لم يكن معاوية وأتباعه على حق لما ظهروا على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأشياعه وهذا ريب يعتريه كما نرى كثيراً من رذلة الناس وسفلتهم عند منازعة أهل الحق من عمله وإنفاذ أمره يقولون لو كانوا على حق لما ظهر هؤلاء عليهم وأما من كان على بصيرة كان على بصيرة في دينه فيقول: والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سعفان هجر لكنا على الحق وكانوا على الباطل. ولنعد إلى القصة:

قال الطبري بإسناده عن زيد بن وهب الجهني: أن عمار بن ياسر رحمه الله قال: يومئذ أين من يبتغي رضوان الله عليه ولا يؤب إلى مال ولا؟ ولد فأتته عصابة من الناس فقال: أيها الناس أقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم ابن عفان ويزعمون أنه قتل مظلوماً، والله ما طلبتم بدمه ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها واستمرؤها وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه من دنياهم ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم، فخدعوا أتباعهم أن قالوا إمامنا قتل مظلوماً ليكونوا بذلك جبابرة ملوكاً، وتلك مكيدة بلغوا بها ما ترون ولولا هي ما تبعهم من الناس رجلان، اللهم إن تنصرنا فطال ما نصرت وإن تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم، ثم مضى ومضت تلك العصابة التي أجابته حتى دنا من عمرو فقال: يا عمرو بعت دينك بمصرتباً لك تباً طالما بغيت في الإسلام عوجاً.

وقال الطبري ونصر بن مزاحم: ثم قال عمار لعبيد الله بن عمر بن الخطاب صرعك الله بعت دينك من عدو الإسلام وابن عدوه.

قال: كلا. ولكن أطلب بدم عثمان بن عفان الشهيد المظلوم قال له: أشهد على علمي

فيك أنك أصبحت لا تطلب بشيء من فعلك وجه الله عزّ وجلّ وأنك إن لم تقتل اليوم فستموت غداً فانظر إذا أعطى الله العباد على قدر نياتهم ما نيتك

وقال الطبري في تاريخه بإسناده عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: سمعت عمار بن ياسر بصفين وهو يقول لعمرو بن العاص لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثاً مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهذه الرابعة ما هي بأبر ولا أتقى(1).

أقول: كان عمرو بن العاص عامل عمر بن الخطاب على مصر إلى السنة التي قتل فیها، فلما ولى عثمان أقره سنتين من إمارته ثم عزل عمراً واستعمل عبد الله بن سعد بن بي السرح وكان عثمان لا يعزل أحداً إلا عن شكاة، أو إستعفاء من غير شكاة ولم يكن عزله عمراً عن استعفائه، وكتب عبد الله بن سعد إلى عثمان يقول: إن عمراً كسر الخراج فكتب عثمان إلى عمرو انصرف وولى عبد الله بن السعد الخراج والجند فقدم عمرو مغضبا فدخل عمرو على عثمان وعليه جبة يمانية محشوة قطناً فقال له عثمان ما حشو جبتك؟ قال: عمرو قال عثمان قد علمت أن حشوها عمرو ولم أرد هذا إنما سألت أقطن هو أم غيره. قال الطبري في تاريخه بعث عبد الله بن سعد إلى عثمان بمال من مصر قد حشد فيه، فدخل عمرو على عثمان فقال عثمان يا عمرو هل تعلم أن تلك اللقاح درت بعدك ؟ فقال: عمرو إن فصالها هلكت.

ثم شايع عمرو معاوية في حرب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) طمعاً أن طمعاً أن يجعل عاملاً على مصر ثانياً، ويتولى أمرها فمراد عمار له من قوله: يا عمرو بعت دينك بمصر» أن عمراً باع دينه بإزاء إمارة مصر، كقولك بعت هذا الثوب بهذا الدرهم وأصدق شاهد لنا على ذلك ما نص به نصر بن مزاحم في كتابه صفين والنصر هذا من رجال أصحاب الحديث الأقدمين، وكان من معاصري محمد بن علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) باقر علوم الأولين والآخرين، وكتابه سند لمن جاء بعده من المؤرخين وتعرض لترجمته وتوثيقه غير واحد من العلماء الشامخين كالشيخ الطوسي (رَحمَةُ اللّه) في الفهرست والعلّامة في الخلاصة والنجاشي في رجاله وابن النديم في الفهرست، وقال ابن أبي الحديد في شرحه على النهج نصر بن مزاحم في نفسه ثبت صحيح النقل غير منسوب إلى هوى ولا أدغال وهو من رجال أصحاب الحديث.

وبالجملة قال نصر في ذلك الكتاب (ص22 الطبع الناصري) بإسناده قال: قال معاوية لعمرو: يا عبد الله إني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربه وقتل الخليفة وأظهر الفتنة وفرق الجماعة وقطع الرحم قال عمرو إلى من؟ قال: إلى جهاد علي، قال: فقال


1) بحار الأنوار: 14/33، وكشف الغمة: 262/1.

عمرو والله يا معاوية ما أنت وعلي بعكمي بعير مالك هجرته ولا سابقته ولا صحبته ولا جهادته ولا فقهه ولا علمه والله إن له مع ذلك حداً وحدوداً وحظاً وحظوة وبلاء من الله حسناً، فما تجعل لي إن شايعتك على حربه وأنت تعلم ما فيه من الغرر والخطر وقال حلمك قال: مصر طعمة فتلكأ عليه معاوية.

ومضى من تاريخ الطبري أيضاً أن عمراً قال لمعاوية: أن في النفس من ذلك ما فيها حيث نقاتل من تعلم سابقته، وقرابته ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا فصالحه معاوية وعطف عليه.

ويأتي في ذلك كتابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عمرو حيث يقول: فإنك جعلت دينك تبعاً لدنيا أمرىء ظاهر غيه إلى آخر ما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ)، نعوذ بالله من الوساوس النفسانية والتسويلات الشيطانية فانظر كيف أستحوذ الشيطان على ابن العاصي الداهي المارد فباع حظه بالأرذل الأدنى وشری آخرته بالثمن الأوكس وتغطرس وتردى في هواه.

قال المسعودي في مروج الذهب: وقد كان عمرو بن العاص إنحرف عن عثمان لانحرافه وتوليه مصر غيره، فنزل الشام فلما اتصل به أمر عثمان وما كان من بيعة على كتب إلى معاوية يهزه ويشير إليه بالمطالبة بدم عثمان وكان فيما كتب به إليه: ما كنت صانعاً إذا قشرت من كل شيء تملكه فاصنع ما أنت صانع، فبعث إليه معاوية فسر إليه فقال له معاوية: بايعني. قال: والله لا أعينك من ديني حتى أنل من دنياك، قال: سل، قال: مصر طعمة فأجابه إلى ذلك وكتب له به كتاباً وقال عمرو بن العاص في ذلك:

معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل *** به منك دنیا فانظرن كيف تصنع

فإن تعطني مصراً فاربح صفقة *** أخذت بها شيخاً يضر وينفع (1)

ومراد عمار (رَحمَةُ اللّه) من قوله: «عدو الإسلام وابن عدوه» معاوية، وأبوه أبو سفيان ومراده من قوله: «لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثاً» المواطن الثلاثة: بدر واحد وحنين. كما في كتاب نصر بن مزاحم حيث قال: بإسناده عن زيد بن أبي رجاء عن أسماء بن الحكم الفزاري قال كنا بصفين مع علي بن أبي طالب تحت راية عمار بن ياسر إرتفاع الضحى إستظللنا ببرد أحر، إذ أقبل رجل يستقري الصف حتى انتهى إلينا فقال: أيكم عمار بن ياسر ؟ فقال عمار بن ياسر ؟ هذا عمار قال أبو اليقظان؟ قال نعم قال: إن لي حاجة إليك فأنطق بها علانية أو سراً؟ قال: إختر لنفسك أي ذلك شئت قال لا بل علانية قال فانطق قال إني خرجت من أهلي مستبصراً في الحق الذي نحن عليه لا أشك في ضلالة هؤلاء القوم وإنهم على الباطل فلم أزل على ذلك مستبصراً حتى كان ليلتي هذه صباح يومنا


1) الغدير: 140/2، ونهج السعادة 65/2.

هذا، فتقدم منادينا فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ونادي بالصلاة، فنادى مناديهم بمثل ذلك ثم أقيمت الصلاة فصلينا صلاة واحدة ودعونا دعوة واحدة وتلونا كتاباً واحداً ورسولنا، واحد فأدركني الشك في ليلتي فبت بليلة لا يعلمها إلا الله حتی أصبحت فأتيت أمير المؤمنين فذكرت ذلك له فقال: هل لقيت عمار بن ياسر ؟ قلت: لا، قال: فالقه فانظر ما يقول لك فاتبعه فجئتك لذلك قال له عمار هل تعرف صاحب الراية السوداء لمقابلتي؟ فإنها راية عمرو بن العاص قاتلتها مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثلاث مرات وهذه الرابعة ما هي بخيرهن ولا أبرهن بل هي شرهن وأفجرهن أشهدت بدراً وأُحداً وحنيناً أو شهدها لك أب فيخبرك عنها ؟ قال: لا، قال: فإن مراكزنا على مراكز رايات رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوم بدر، ويوم أحد، أحد، ويوم حنين وإن هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب هل ترى هذا العسكر ومن فيه فوالله لوددت أن فيه فوالله لوددت أن جميع من أقبل مع معاوية ممن يريد قتالنا مفارقاً للذي نحن عليه كانوا خلقاً واحداً فقطعته وذبحته والله لدماؤهم جميعاً أحل من دم عصفور أفترى دم عصفور حراماً؟ قال: لا بل حلال قال: فأنهم كذلك حلال دماؤهم أتراني قد بينت لك؟ قال: قد بينت لي، قال: فاختر أي ذلك أحببت قال: فانصرف الرجل ثم دعاه عمار بن ياسر فقال: أما إنهم سيضربوننا بأسيافهم حتى يرتاب المبطلون منكم فيقولون لو لم يكونوا على حق ما ظهروا علينا والله ما هم من الحق على ما يقذي عين ذباب والله لو ضربونا بأسيافهم حتى يبلغونا سعفات هجر لعرفت أنا على حق وهم على باطل وأيم الله لا يكون سلماً سلماً أبداً حتى يبوء أحد الفريقين (كذا) على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين وحتى يشهدوا على الفريق الآخر بأنهم على الحق وأن قتلاهم في الجنة وأن موتى أعدائهم وقتلاهم في النار وكان أحياؤهم على الباطل.

وقال نصر بن مزاحم بإسناده عن عبد خير الهمداني قال نظرت إلى عمار بن ياسر يوماً من أيام صفين رمى رمية فأغمي عليه ولم يصل الظهر والعصر، والمغرب، ولا العشاء، ولا الفجر ثم أفاق فقضاهن جميعاً يبدأ بأول شيء فاته ثم التي يليها.

أقول: إن عماراً متى ضربه عثمان غشي عليه وأدركته هذه الحالة أيضاً، كما في الشافي للشريف المرتضى علم الهدى، كما نقله الشارح المعتزلي في الجزء الثالث من شرح النهج في مطاعن عثمان.

قال علم الهدى: وهذا الفعل أعني ضرب عمار لم تختلف الرواة فيه، وإنما اختلفوا سببه فروی عباس بن هشام الكلبي عن أبي مخنف في إسناده أنه كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلى وجوهر فأخذ منه عثمان ما حلى به بعض أهله فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك فكلموه فيه بكل كلام شديد حتى غضبوه: فخطب فقال لنأخذن حاجتنا من هذا

الفيء وإن رغمت به أنوف أقوام فقال له: إذن تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه فقال عمار: شهد الله أن أنفي أول راقم من ذلك فقال عثمان: أعلي يا ابن ياسر تجري؟ خذوه فأخذ ودخل عثمان فدعا به فضربه حتى غشي عليه، ثم أخرج فحمل حتى أتي به منزل أم سلمة فلم يصل الظهر والعصر والمغرب فلما أفاق توضأ وصلى وقال الحمد لله ليس هذا أول يوم أوذينا، إنتهى (1).

وفي البحار كما في السفينة نقلاً عن رجال الكشي عن قيس بن أبي حازم قال: قال عمار أدفنوني في ثيابي فإني، مخاصم، وكذا في أسد الغابة وعن أبي البختري قال: أتى عمار يومئذٍ بلبن فضحك.، ثم قال: قال لي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) آخر شراب تشربه من الدنيا مذقة من لبن حتى تموت (2)

وفيه وفي خبر آخر أنه قال: آخر زادك من الدنيا ضياح لبن، وفي كشف الغمة عن حبة العرني قال شهدته يوم قتل يقول: إيتوني بآخر رزق لي من الدنيا فأتي بضياح من لبن في قدح أروح بحلقة حمراء فقال اليوم: ألقى الأحبة محمداً وحزبه، وقال والله لو ضربونا حتى بلغونا سعفات هجر لعلمت أننا على الحق وأنهم على الباطل، ثم قتل (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) به قتله أبو العادية واحتر رأسه أبو جوى السكسكي.

وفيه وكان الذي قتل عماراً أبو عادية المري، طعنه برمح فسقط وكان يومئذ قاتل وهو ابن أربع وتسعين سنة فلما وقع أكب عليه رجل فاحتز رأسه فأقبلا يختصمان كلاهما يقول: أنا قتلته. فقال عمرو بن العاص والله أن يختصمان إلا في النار (3).

وفي تاريخ الطبري بإسناده عن حبة بن جوين العرني قال: إنطلقت أنا وأبو مسعود إلى حذيفة بالمدائن فدخلنا عليه فقال: مرحباً بكما ما خلفتما من قبائل العرب أحداً أحب إليّ منكما، فأسندته إلى أبي مسعود فقلنا: يا أبا عبد الله حدثنا فإنا نخاف الفتن فقال: عليكما بالفتنة التي فيها ابن سمية إني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول: تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق وإن آخر رزقه ضياح من لبن قال حبة فشهدته يوم صفين وهو يقول: إئتوني بآخر رزق لي من الدنيا فأتى بضياح من لبن في قدح أروح له حلقة حمراء فما أخطأ حذيفة مقياس شعرة فقال: اليوم ألقى الأحبة محمداً وحزبه والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر


1) الغدير: 1/9، ح 1، وشرح نهج البلاغة: 49/3.

2) الإحتجاج: 268/1، وبحار الأنوار: 11/33، ح 31/3.

3) بحار الأنوار 1533، وأحاديث أم المؤمنين عائشة: 132/1.

لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل، وجعل يقول الموت تحت الأسل والجنة تحت البارقة (1).

وفيه بإسناده عن الأعمش قال: قال أبو عبد الرحمن السلمي كنا مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصفين فكنا قد وكلنا بفرسه رجلين يحفظانه ويمنعانه من أن يحمل فكان إذا حانت منهما غفلة يحمل فلا يرجع حتى يخضب سيفه وإنه حمل ذات يوم فلم يرجع حتى انثنى سيفه فألقاه إليهم، وقال لولا أنه انثنى ما رجعت فقال الأعمش: هذا والله ضرب غير مرتاب فقال أبو عبد الرحمن سمع القوم شيئاً فأدوه وما كانوا بكذا بين قال ورأيت عماراً لا يأخذ وادياً من أودية صفين إلا تبعه من كان هناك من أصحاب محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ورأيته جاء إلى المرقال هاشم بن عتبة وهو صاحب راية علي فقال: يا هاشم أعوراً وجبناً لا خير في أعور لا يغشى البأس فإذا رجل بين الصفين قال هذا والله ليخلفن إمامه وليخذلن جنده وليصرن جهده أركب يا هاشم فركب ومضى هاشم يقول:

أعور يبغي أهله محلا *** قد عالج الحیاة حتی ملا

لا بد أن یفل أو یفلاً

وعمار يقول: تقدم يا هاشم الجنة تحت ظلال السيوف والموت في أطراف الأسل وقد فتحت أبواب السماء وتزينت الحور العين اليوم ألقى الأحبة محمداً وحزبه فلم يرجعا وقتلا، يفيد لك عليهما من كان هناك من أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنهما كانا علماً فلما كان الليل قلت: لأدخلن إليهم حتى أعلم هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا، وكنا إذا توادعنا من القتال تحدثوا إلينا وتحدثنا إليهم فركبت فرسي وقد هدأت الرجل ثم دخلت، فإذا أنا بأربعة يتسايرون: معاوية وأبو الأعور السلمي وعمرو بن العاص وعبد الله بن عمرو هو خير الأربعة فأدخلت فرسي بينهم مخافة أن يفوتني ما يقول أحد الشقين فقال عبد الله لأبيه يا أبت قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا وقد قال فيه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما قال، قال: وما قال ؟ قال: ألم تكن معنا ونحن نبني المسجد والناس ينقلون حجراً حجراً ولبنة لبنة وعمار ينقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين فغشى عليه فأتاهن فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول ويحك يا ابن سمية الناس ينقلون حجراً حجراً ولبنة لبنة وأنت تنقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين رغبة منك في الأجر وأنت ويحك مع ذلك تقتلك الفئة الباغية، فدفع عمر وصدر فرسه ثم جذب معاوية إليه فقال: يا معاوية أما تسمع ما يقول عبد الله؟ قال: وما يقول؟ فأخبره الخبر، فقال معاوية: إنك شيخ أخرق ولا تزال تحدث بالحديث وأنت تدحض في بولك أو نحن قتلنا عماراً إنما


1) مناقب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): 352/2، ونهج السعادة: 89/8.

قتل عماراً من جاء به، فخرج الناس من فساطيطهم وأخبيتهم يقولون إنما قتل عماراً من جاء به فلا أدري من كان أعجب هو أو هم (1).

وفي كتاب نصر بن مزاحم بإسناده عن حبيب بن أبي ثابت قال: لما بيب بن أبي ثابت قال: لما بنى المسجد جعل عمار يحمل حجرين فقال له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): يا أبا اليقظان لا تشقق على نفسك قال: يا رسول الله إني أحب أن أعمل في هذا المسجد. قال: ثم مسح ظهره ثم قال: إنك من أهل الجنة تقتلك الفئة الباغية.

قال نصر بإسناده عن ابن أبي مليكة قال: قال عبد الله بن عمرو بن العاص: لولا أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أمر بطواعيتك ما سرت معك هذا المسير سرت معك هذا المسير أما سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول لعمار: يقتلك الفئة الباغية.

أقول: الطواعية مثل الثمانية: الطاعة، يقال: فلان حسن الطواعية أي حسن الطاعة.

وروی أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال له: أطع أباك، كما في أسد الغابة حيث قال: وشهد عبد الله بن عمرو معأبيه فتح الشام وكانت معه راية أبيه يوم اليرموك وشهد معه أيضاً صفين وكان على الميمنة، قال له أبوه يا عبد الله أخرج فقاتل فقال: يا أبتاه أتأمرني أن أخرج فأقاتل وقد سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يعهد إليك ما عهد ؟ قال: أنشدك بالله يا عبد الله ألم يكن آخر ما عهد إليك رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن أخذ بيدك فوضعها في يدي وقال: أطع أباك قال: اللهم بلى قال: فإني أعزم عليك أن تخرج فتقاتل، فخرج فقاتل وتقلد بسيفين وندم بعد ذلك فكان يقول: ما لي ولصفين ما لي ولقتال المسلمين لوددت أني مت قبله بعشرين سنة.

وفيه أيضاً بإسناده عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال: كنت في مسجد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في حلقة فيها أبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمرو، فمر بنا حسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسلم فرد القوم السلام فسكت عبد الله حتى فرغوا رفع صوته وقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.

ثم أقبل على القوم فقال: ألا أخبركم بأحب أهل الأرض إلى أهل السماء قالوا: بلى. قال: هو هذا الماشي ما كلمني كلمة منذ ليالي صفين ولأن يرضى عني، أحب إلي من أن يكون لي حمر حمر النعم.

فقال أبو سعيد: ألا تعتذر إليه ؟ قال: بلى، قال: فتواعد أن يغدوا إليه. قال: فغدوت معهما فاستأذن أبو سعيد فأذن له فدخل ثم استأذن لعبد الله فلم يزل به حتى أذن له فلما دخل قال أبو سعيد يا ابن رسول الله إنك لما مررت بنا أمس - فأخبره بالذي كان من قول


1) تاريخ الطبري،29/4، والبداية والنهاية: 299/7.

عبد الله بن عمرو - فقال حسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أعلمت يا عبد الله أني أحب أهل الأرض إلى أهل السماء؟ قال: أي ورب الكعبة قال فما حملك على أن قاتلتني وأبي يوم صفين فوالله لأبي كان خيراً مني، قال: أجل ولكن عمرو - يعني أباه - شكاني إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال: يا رسول الله إن عبد الله يقوم الليل ويصوم النهار، فقال: لي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): يا عبد الله صل ونم وصم وافطر وأطع عمراً، قال: فلما كان يوم صفين أقسم علي فخرجت أما والله ما اخترطت سيفاً ولا طعنت برمح ولا رميت بسهم (1).

ولا يخفى سوء استدلاله وقبحه على ما ذهب إليه مع اعترافه بأن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال لعمار: تقتلك الفئة الباغية، وكيف يجوز عليه أن ينهض لقتل عمار أما علم هذا الرجل أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حين أمره بطواعية أبيه لم يأمره بما يخالف الحق الصريح مع أن محاربي علي كفرة لقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): يا علي حربك حربي (2)، وغيره من الأخبار، التي سمعوها من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مما لا يعد ولا يحصى على أن الله تعالى كما أوجب إطاعة الأبوين وقال: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ مِنَ الرَّحْمَةِ كذا حرم على الولد إطاعتهما فيما يخالف الدين وقال: وان جَهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وأما علم الرجل إنما أمره رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بطواعية أبيه فيما يجب أو يجوز أو رأيت أن عمراً لو أمر عبد الله أن يقتله هل كان يقتل أباه لامتثال أمر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إياه بطواعية أبيه وليس هذا إلا لما طبع الله على قلوبهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب أليم ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.

ثم إن قوله: «ما اخترطت سيفاً ولا طعنت برمح لا رميت بسهم» كذب محض اختلقه ليخرجن نفسه من الفئة الباغية ومن سب الناس وتعييرهم كيف وقد نقل غير واحد من حملة الآثار ونقلة الأخبار أن معه سيفين كان متقلداً بأحدهما ويضرب بالآخر، ومنهم نصر بن مزاحم في كتاب صفين وهو الأصل في ذلك وكفي به شهيداً، قال بإسناده عن عمرو بن شمر عن جابر قال سمعت الشعبي يقول.. قال الأحنف بن قيس:.. والله إني لإلى جانب عمار بن ياسر بيني وبينه رجل من بني السفير فتقدمنا حتى إذا دنونا من هاشم بن عتبة قال له عمار إحمل فداك أبي وأمي ونظر عمار إلى رقة في الميمنة فقال له هاشم: رحمك الله يا عمار إنك رجل تأخذك خفة في الحرب وإني إنما أزحف باللواء زحفاً وأرجو أن أنال بذلك حاجتي وإني إن خففت لم آمن الهلكة وقد كان قال معاوية لعمرو: ويحك أن اللواء اليوم مع هاشم بن عتبة وقد كان من قبل يرقل به إرقالاً، وأنه إن زحف به اليوم زحف إنه لليوم الأطول لأهل الشام وإن زحف في عنق من أصحابه إني لأطمع أن تقتطع، فلم يزل به عمار


1) مكاتيب الرسول: 474/1، والمعجم الأوسط: 181/4.

2) أمالي الصدوق: 156، والصراط المستقيم: 220/1گ.

حتى حمل، فبصر به معاوية فوجه إليه حماة أصحابه ومن يزن بالناس منهم في ناحيته، وكان في ذلك الجمع عبد الله بن عمرو بن العاص ومعه سيفان قد تقلد واحداً وهو يضرب بالآخر وأطافت به خيل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال عمرو يا الله يا رحمن إبني، أبني قال: ويقول معاوية أصبر، أصبر فإنه لا بأس عليه قال عمرو: لو كان يزيد بن معاوية إذاً لصبرت، ولم يزل حماة أهل الشام يذبون عنه حتى نجا هارباً على فرسه.

وقال نصر: حمل عمار بن ياسر اليوم فضربوا أهل الشام حتى اضطروهم إلى الفرات ومشى عبد الله بن سويد سيد جرش إلى ذي الكلاع فقال له: لم جمعت بين الرجلين؟ قال: لحديث سمعته من عمرو ذكر أنه سمعه من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهو يقول لعمار بن ياسر يقتلك الفئة الباغية، فخرج عبد الله بن عمر العنسي وكان من عباد أهل زمانه ليلاً فأصبح في عسكر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فحدث الناس بقول عمرو في عمار، فلما سمع معاوية بهذا القول بعث إلى عمرو فقال: أفسدت عليّ أهل الشام أكل ما سمعت من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) تقوله، فقال عمرو: قلتها ولست والله أعلم الغيب ولا أدري أن صفين تكون قلتها وعمار يومئذ لك ولي، وقد رويت أنت فيه مثل الذي رويت فيه فاسأل أهل الشام فغضب معاوية وتنمر لعمرو ومنعه خيره، فقال:عمرو: لا خير لي في جوار معاوية إن تجلت هذه الحرب عنا.

ثم قال نصر بن مزاحم: وقريب مما أتى به ذكره المسعودي في مروج الذهب وخرج عمار إلى القتال وصفت الخيول بعضها لبعض وزحف الناس، وعلى عمار درع وهو يقول: أيها الناس الرواح إلى الجنة فاقتتل الناس قتالاً شديداً لم يسمع الناس بمثله، وكثرت القتلى حتى أن كان الرجل ليشد طنب فسطاطه بيد الرجل أو برجله فقال الأشعث: لقد رأيت أخبية صفين وأروقتهم وما منها خباء ولا رواق ولا بناء ولا فسطاط إلا مربوطاً بيد رجل أو رجله، وجعل أبو سماك الأسدي يأخذ أداوة من ماء ونشتره حديد فيطوف في القتلى فإذا رأى رجلاً جريحاً وبه رمق، أقعده فيقول مَنْ أمير المؤمنين؟ فإن قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)غسل عنه الدم وسقاه من الماء، وإن سكت وجاه بسكين حتى يموت فكان يسمى المخضخض.

وحين نظر عمار إلى راية عمرو بن العاص قال: والله إن هذه الراية قد قاتلتها ثلاثة عركات وما هذه بأشدهن ثم قال عمار:

نحن ضربناكم على تنزيله *** فاليوم نضر بكم على تأويله

ضرباً يزيل الهام عن مقيله *** ويذهل الخليل عن خلیله

أو ير جع الحق إلى سبیله

ثم استسقى وقد اشتد ظمأه فأتته إمرأة طويلة اليدين قال الرازي: ما أدري عس معها أو أداوة فيها ضياح من لبن فقال حين شرب الجنة تحت الأسنة اليوم ألقى الأحبة لمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)

وحبه والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وهم على الباطل، ثم حمل عليه ابن جون (أبو حواء.) السكسكي وأبو العادية الفزاري فأما أبو العادية فطعنه وأما ابن جون فإنه اجتز رأسه.

قال المسعودي: واختلفا في سلبه فاحتكما إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فقال لهما: أخرجا عني فإني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول أو قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وبغت قريش بعمار: ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار وكان قتله عند المساء وقبره بصفين وصلى عليه أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولم يغسله وكان يغير شيبه، وقال القاضي نور الله ودفنه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيده.

أقول: يعني بقوله: «وكان يغير شيبه» أن عمار رضوان الله عليه كان يخضب لما ورد في فضيلة الخضاب وروى عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): غيروا الشيب ولا تتشبهوا باليهود ولكن قال ابن الأثير في أسد الغابة في معرفة الصحابة أن عمار كان آدم طويلاً مضطرباً أشهل العينين بعيد ما بين المنكبين وكان لا يغير شيبه وقيل: كان أصلع في مقدم رأسه شعرات. والله أعلم.

قال القاضي نور الله الشهيد نَوَّرَ الله مرقده في مجالس المؤمنين ومن اللطائف المناسبة للمقام أنه لما قتل عمار رحمه الله، أقبل ابن عباس إلى عسكر معاوية حتى قرب منهم وقرأ عليهم حديث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في عمار ستقتلك الفئة الباغية وأنذرهم وخوفهم من بغيهم ولما كان هذا الحديث في غاية الشهرة بل من الأحاديث المتواترة ولم يمكن لمعاوية إنكاره فأجابه بمقتضى الغريق يتشبث بكل حشيش بأن من أتى بعمار في هذه المعركة فهو قاتله «يعني به أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)»، فقال له ابن عباس، فعلى هذا ترى أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان قاتل حمزة (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) لأنه أتى به في أحد لقتال الكفار حتى قتل فبهت الذي كفر وكأنه التقم

الحجر (1).

وفي كامل البهائي للحسن بن علي عماد الدين الطبري نقلاً عن كتاب المحيط للقاضي عبد الجبار المعتزلي: أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يبدأ بقتال أهل البغي قط ولما قتل عمار رضوان الله عليه كان يجري حكم الكفار عليهم ويبتدأ بالقتال حتى قتل منهم في ليلة خمسمائة وثلاثين رجلاً ويكبر في قتل كل واحد منهم كما يكبرون في قتال الكفار ويقول: من أصابه سيفي فهو فی النار.

قال المسعودي في مروج الذهب: وفي قتل عمار يقول الحجاج بن عربة الأنصاري


1) اصوارم المهرقة، وترجمة القاضي نو الله: 21.

أبياتاً رثاه بها:

يا للرجال لعين دمعها جاري *** قد هاج حزني أبو اليقظان عمار

أهوى إليه أبو حوا فوارسه *** يدعو السكون وللجيشين إعصار

فاختل صدر أبي اليقظان معترضاً *** للرمح قد وجبت فیناله نار

الله عن جمع هم لا شك كن عفا *** أتت بذلك آيات و آثار

من ینزع الله غلاً من صدورهم *** على الأسرة لم تمسسهم النار

قال النبي له تقتلك شرذمة *** سيطت لحومهم بالبغي فجار

فاليوم يعرف أهل الشام أنهم *** أصحاب تلك وفيها النار والعار

ومناقب عمار المروية كثيرة اقتصرنا منها، ولو نأتي بها لينجر إلى كتاب ضخم ويليق أن يؤلف كتاب بحياله فيه.

ثم نقول إن حديث تقتلك الفئة الباغية مما لا ينال يد الإنكار إليه ورواه البخاري والمسلم في صحيحهما وغيرهما من أكابر نقلة الأحاديث، وقال الحافظ السيوطي: أنه من الأخبار المتواترة ونقله أكثر من عشرة من الصحابة ومع ذلك كله في عمار فالعجب كل العجب من العامة، يذكرون معاوية وأتباعه وأمثاله بالخير ويعتذرون عنهم في مقاتلتهم أهل الحق، والرشاد على أنهم كانوا مجتهدين في تلك الوقائع غاية ما في الباب كانوا مخطين في اجتهادهم وللمجتهد المصيب ثوابان وللمخطي ثواب واحد ولما لم يكن لأصحاب البصيرة والإيقان وأرباب الخبرة والعرفان وهن ما تمسكوا به مخفياً بل يعلمون أن مقاتلتهم كان من غاية المكابرة والعناد وفرط المخاصمة، واللداد فالأعراض عن ما ذكره الغزالي في الإحياء والميبدي في مقدمة شرح ديوان المولى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأمثالهما ممن يسلك طريقة عمياء ويرى بعين حولاء أجدر وأولى ولنعد إلى القصة:

وقال المسعودي في مروج الذهب ولما صرع عمار تقدم سعيد بن قيس الهمداني في همدان وتقدم سعد بن عبادة الأنصاري في الأنصار وربيعة وعدي بن حاتم في طي وسعيد بن قيس الهمداني في أول الناس، فخلطوا الجمع بالجمع واشتد القتال وحطمت همدان أهل الشام حتى قذفتهم إلى معاوية، وقد كان معاوية صمد فيمن كان من معه لسعيد بن قيس ومن معه همدان وأمر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأشتر أن يتقدم باللواء إلى أهل حمص وغيرهم من أهل قنسرين فأكثر القتل في أهل حمص وقنسرين بمن معه من القراء وأتى المرقل يومئذ بمن معه فلا يقوم له شيء، وجعل يرقل كما يرقل الفحل في قيده وعلي وراءه يقول يا أعور لا تكن جباناً تقدم والمرقال يقول:

قد أكثر القوم وما أقلا *** أعور يبغي أهله محلا

قد عالج الحیة حتی ملا *** لا بد أن يفعل أو یفلا

أسلهم بذي الکعوب سلا

«کلام هاشم بن عتبة المرقال»

قال نصر بن مزاحم في كتاب الصفين وأبو جعفر الطبري في التاريخ: أن هاشم بن عتبة دعا في الناس عند المساء «يعني مساء اليوم التاسع، ألا من كان يريد الله والدار الآخرة فليقبل، فأقبل إليه ناس فشد في عصابة من أصحابه على أهل الشام مراراً، فليس من وجه يحمل عليهم إلا صبروا له وقوتل فيه قتالاً شديداً فقال لأصحابه: لا يهولنكم ما ترون من صبرهم فالله ما ترون منهم إلا حمية العرب، وصبر ما تحت راياتها وعند مراكزها وأنهم لعلى الضلال وأنكم على الحق، يا قوم أصبروا وصابروا واجتمعوا وامشوا بنا إلى عدونا على تؤدة رويداً ثم تأسوا وتصابروا، اذكروا الله ولا يسلم رجل أخاه ولا تكثروا الإلتفات واصمد واصمدهم وجالدرهم محتسبين حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، ثم مضى في عصابة معه من القراء فقاتل قتالاً شديداً هو وأصحابه حتى رأى بعض ما يسرون به إذ خرج عليهم فتى شاب يقول:

أنا ابن أرباب اللوك غسان *** والدائن اليوم بدين عثمان

انی أتاني خبر فأشجان *** أن علياً قتل ابن عفان

ثم شد فلا ينثني يضرب بسيفه ثم يلعن ويشتم ويكثر الكلام فقال له هاشم بن عتبة: إن هذا الكلام بعده الخصام وإن هذا القتال بعده الحساب فاتق الله فإنك راكع إلى ربك فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به.

قال فإني أقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلي كما ذكر لي وأنكم لا تصلون وأقاتلكم أن صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم وازرتموه على قتله.

فقال له هاشم: وما أنت وابن عفان إنما قتله أصحاب محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقراء الناس حين أحدث أحداثاً وخالف حكم الكتاب، وأصحاب محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) هم أصحاب الدين وأولى بالنظر في أمور المسلمين وما أظن أن أمر هذه الأمة ولا أمر هذا الدين عناك طرفة عين قط.

قال الفتى: أجل أجل والله لا أكذب فإن الكذب يضر ولا ينفع ويشين ولا يزين، فقال له هاشم: إن هذا الأمر لا علم لك به فخله وأهل العلم، به قال أظنك والله قد نصحتني وقال له هاشم: وأما قولك إن صاحبنا لا يصلي فهو أول من صلى الله مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأفقهه في دين الله، وأولاه برسول الله وأما من ترى معه كلهم قارىء الكتاب لا ينامون الليل

تهجداً، فلا يغررك عن دينك الأشقياء المغرورون.

قال الفتى: يا عبد الله إني لأظنك أمراً صالحاً أخبرني هل تجد لي من توبة؟ قال: نعم تب إلى الله يتب عليك فإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويحب التوابين ويحب المتطهرين، فذهب الفتى بين الناس راجعاً فقال له رجل من أهل الشام: خدعك العراقي، قال: لا، ولكن نصحني العراقي (1).

أقول: كان أهل الدنيا المغرورون بزخارفها الردية والأشقياء المسجونون بقيود الأهواء المردية كمعاوية بن أبي سفيان وأشياعه، يغوون الناس عن الصراط السوي بزي أهل الله المخلصين له الدين حيث يميلون قلوب الناس عن عنصر التوحيد وهيكل الحق وكلمته التامة، بأنه وأصحابه لا يصلون كما تفوه به الفتى الشاب بقوله: لأن صاحبكم لا يصلي كما ذكر لي ونبهه هاشم بن عتبة بذلك حيث قال: فلا يغررك. وفي تاريخ الطبري فلا يغويك عن دينك الأشقياء المغرورون، ولعمري من لم يك شقياً مغروراً مغوياً لا يحرض الناس على قتل من قال فيه خاتم الأنبياء (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): الحق معه حيث دار.

وفي كتاب الصفين لنصر بن مزاحم وكذا في تاريخ الطبري: أن علياً مر على جماعة من أهل الشام فيه الوليد بن عقبة وهم يشتمونه فخبر بذلك فوقف فيمن يليهم من أصحابه فقال: إنهدوا إليهم عليكم السكينة والوقار وقار الإسلام، وسيما الصالحين فوالله لأقرب قوم من الجهل بالله قائدهم ومؤدبهم معاوية أبن النابغة وأبو الأعور السلمي وابن أبي معيط شارب الخمر المجلود حداً في الإسلام، وهم أولى من يقومون فيقصبونني ويشتمونني وقبل اليوم ما قاتلوني وشتموني وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الإسلام وهم يدعونني إلى عبادة الأصنام، الحمد لله قديماً عاداني الفاسقون فعبدهم الله ألم يفتحوا إن هذا لهو الخطب الجليل أن فساقاً كانوا عندنا غير مرضيين وعلى الإسلام وأهله متخوفين حتى خدعوا شطر هذه الأمة واشربوا قلوبهم حب الفتنة فاستمالوا أهواءهم بالإفك والبهتان قد نصبوا لنا الحرب في إطفاء نور الله عزّ وجلّ والله متم نوره ولو كره الكافرون، اللهم فافضض جمعهم وشتت كلمتهم وابسلهم بخطاياهم فإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت.

وكذلك نرى يزيد بن معاوية وأتباعه لقنوا الناس في ابن علي أمير المؤمنين أبي عبد الله الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما لقنه معاوية وأتباعه في أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأصحابه، قال غير واحد من حملة الأثر منهم الطبري في تاريخه: أنه لما دخل وقت صلاة الظهر من يوم العاشوراء قال أبو ثمامة الصيداوي (رَضِیَ اللهُ عَنهُ): للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يا أبا عبد الله نفسي لنفسك الفداء هؤلاء إقتربوا


1) الغدير: 10/ 291، وبحار الأنوار: 37/33.

منك لا والله لا تقتل حتى أقتل دونك وأحب أن ألقى الله ربي وقد صليت هذه الصلاة، فرفع الحسين علي رأسه إلى السماء وقال ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين نعم هذا أول وقتها ثم قال: سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي، فقال الحصين بن نمير: أنها لا تقبل فقال له حبيب بن مظاهر زعمت الصلاة من ابن رسول الله لا تقبل وتقبل منك ياختار. وفي تاريخ الطبري يا حمار مکان یاختار (1).

والحصين هذا كان هذا كان ممن انقاد إلى ملك يزيد وأطاع وهمه المردي وهواه الضال المضل، ويزيد يرى الناس بأنه جلس مجلس رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ويحذو حذوه.

وفي مروج الذهب أن يزيد كان صاحب طرب، وجوارح، وكلاب، وقرود، وفهود ومنادمة على الشراب وجلس ذات يوم على شرابه وعن يمينه ابن زياد، وذلك بعد قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأقبل على ساقيه فقال:

إسقنی شربة تروي مشاشي *** ثم صل فاسق مثلها ابن زیاد

صاحب السر والأمانة عندي *** ولتسديد مغنمي وجهادي

ثم أمر المغنين فغنوا، وغلب على أصحاب يزيد وعماله ما كان يفعله من الفسوق وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة واستعملت الملاهي وأظهر الناس شرب الشراب وكان له قرد يكنى بأبي قيس يحضره مجلس منادمته، ويطرح له متكاً وكان قرداً خبيثاً وكان يحمله على أتان وحشية قد ريضت وذللت لذلك بسرج ولجام ويسابق بها الخيل وعلى أبي قيس قباء من الحرير الأحمر والأصفر مشهر وعلى رأسه قلنسوة من الحرير ذات ألوان بشقائق وعلى الأتان سرج من الحرير الأحمر منقوش ملمع بأنواع من ألوان فقال في ذلك بعض شعراء الشام في ذلك اليوم:

تمسك أبا قيس بفضل عنانها *** فليس عليها إن سقطت ضمان

ألا من رأى القرد الذي سبقت به *** جياد أمير المومنين أتان

و كان أبوه معاوية في الختل أروغ منه، ولعب بالدين بالنكراء والشيطنة وبلغ إلى الإلحاد، والكفر، والعناد إلى مبلغ لم يكن بينه وبين فرعون إلا درجة، وما أسلم في الحقيقة ولكن استسلم وأسر الكفر، حتى يجد لأغراضه النفسانية وأهوائه الشيطانية أعواناً كما هو دأب أشباهه وأمثاله من الزعماء المرائين والأمراء المنافقين وسيأتي أخبار من الفريقين في استسلام معاوية وأبيه سنذكرها في محلها إن شاء الله فلنعد إلى القصة فإن الرويغات التي


1) بحار الأنوار: 21/45، ومعالم المدرستين: 111/3.

تمسك بها الأمراء الرواغون قديماً وحديثاً أكثر من أن تحصى.

وليعلم أن ما نقلنا من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الطبري ونصر: أنهدوا إليهم عليكم السكينة والوقار - إلى آخره - غير مذكور في النهج وبين نسختي نصر، والطبري يوجد إختلاف في شرذمة من العبارات والكلمات.

ثم قصد هاشم بن عتبة المرقال لذي الكلاع وهو من حمير، فحمل عليه صاحب لواء ذي الكلاع وكان رجلاً من عذرة وهو يقول:

أثبت فإني لست من فزعي مضر *** نحن الیمانیون ما فينا ضجر

كيف ترى وقع غلام من عذر *** ينعي ابن عفان ويلحى من غدر

يا أعور العين رمي فيها العور *** سيان عني من سعى ومن أمر

فاختلفا طعنتين فطعنه هاشم المرقال فقتله وقتل بعده سبعة عشر رجلاً وحمل هاشم المرقال وحمل ذو الكلاع ومع المرقال جماعة من أسلم قد آلوا أن لا يرجعوا أو يفتحوا أو يقتلوا فاجتلد الناس فقتل هاشم المرقال وقتل ذو الكلاع جميعاً.

وقال نصر بن مزاحم في كتاب الصفين وأبو جعفر الطبري في تاريخه: وقاتل هاشم هو وأصحابه قتالاً شديداً حتى أقبلت إليهم عند المغرب كتيبة لتنوخ فشدوا على الناس فقاتلهم حتى قتل تسعة نفر وعشرة وحمل عليه الحرث بن المنذر التنوخي فطعنه فسقط وبعث إليه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن قدم لواءك فقال لرسوله: أنظر إلى بطني فإذا هو قد انشق فأخذ الراية رجل من بكر بن وائل ورفع هاشم رأسه فإذا هو بعبيد الله بن عمر بن الخطاب قتيلاً إلى جانبه فجثا حتى دنا منه فعض على ثديه حتى تبينت فيه أنيابه ثم مات هاشم وهو على صدر عبيد الله بن عمر، وضرب البكري فوقع فرفع رأسه فأبصر عبيد الله بن عمر قريباً قريباً منه، فجثا إليه حتى عض على ثديه الآخر حتى تبينت أنيابه ومات أيضاً فوجدا جميعاً على صدر عبيد الله بن عمر هاشم والبكري قد ماتا جميعاً (1).

«تسلیم هاشم على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد صرعه»

قال نصر بإسناده عن السدي عن عبد الخير الهمداني قال: قال هاشم بن عتبة: أيها الناس إني رجل ضخم فلا يهولنكم مسقطي إن أنا سقطت فإنه لا يفزع مني أقل من نحر جزور حتى يفرغ الجزر من جزرها ثم حمل فصرع فمر عليه رجل وهو صريع بين القتلي فقال له إقرأ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) السلام ورحمة الله وقل له: أنشدك بالله إلا أصبحت وقد ربطت


1) بحار الأنوار: 3733، والدرجات الرفيعة: 381.

مقاوذ خيلك بأرجل القتلي، فإن الدبرة تصبح عندك لمن غلب على القتلى فأخبر الرجل علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك فسر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض الليل حتى جعل القتلى خلف ظهره وكانت الديرة له عليهم.

«قتل ذي الكلاع وحمل جثته»

وأما ذو الكلاع فقتله خندف البكري، وقال نصر: حدثنا عمرو بن شمر عن جابر قال: حمل ذو الكلاع ذلك اليوم بالفيلق العظيم من حمير على صفوف أهل العراق، فناداهم أبو شجاع الحميري وكان من ذوي البصائر مع علي فقال: يا معشر حمير تبت أيديكم أترون معاوية خيراً من علي، أضل الله سعيكم ثم أنت يا ذا الكلاع فوالله إنا كنا نرى أن لك نية في الدين فقال ذو الكلاع: إيها يا باشجاع والله لأعلم ما معاوية بأفضل من علي ولكني أقاتل على دم عثمان قال فأصيب ذو الكلاع حينئذ قتله خندف بن بكر البكري في المعركة.

قال نصر: فحدثنا عمرو، قال: حدثنا الحرث بن حصيرة أن ابن ذي الكلاع أرسل إلى الأشعث بن قيس رسولاً يسأله أن يسلم إليه جنة أبيه، فقال الأشعث: إني أخاف أن يتهمني أمير المؤمنين في أمره فاطلبه من سعيد بن قيس فهو في الميمنة فذهب إلى معاوية فاستأذنه أن يدخل إلى عسكر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يطلب أباه بين القتلى وقال له أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ): قد منع أن يدخل أحد منا إلى معسكره يخاف أن يفسد عليه جنده فخرج ابن ذي الكلاع، فأرسل إلى سعيد بن قيس الهمداني يستأذنه على ذلك، فقال سعيد إنا لا نمنعك من دخول العسكر إن أمير المؤمنين لا يبالي من دخل منكم إلى معسكره فأدخل، فدخل من قبل الميمنة فطاف في العسكر فلم يجده ثم أتى الميسرة فطاف في العسكر فوجده قد ربطت رجله بطنب من أطناب بعض فساطيط العسكر، فوقف على باب الفسطاط فقال: السلام عليكم يا أهل البيت فقيل له: وعليك السلام فقال: أتأذنون لنا في طنب من أطناب فسطاطكم ومعه عبد له أسود لم يكن معه غيره، فقالوا: قد آذنا لكم قالوا: له معذرة إلى الله وإليكم أما أنه لولا بغيه علينا ما صنعنا به ما ترون فنزل إبنه إليه فوجده قد انتفخ وكان من أعظم الناس خلقاً فلم يستطيعا إحتماله فقال إبنه: هل من فتى معوان فخرج إليه خندف البكري فقال: تنحوا عنه فقال له ابن ذي الكلاع ومن يحمله إذا تنحينا ؟ قال: يحمله قاتله فاحتمله خندف حتى رمى به علی ظهر بغل، ثم شده بالحبال فانطلقوا به.

قال نصر: وقال معاوية لما قتل ذو الكلاع: لأنا أشد فرحاً بقتل ذي الكلاع مني بفتح مصرلو فتحتها قال: لأن ذا الكلاع كان يحجر على معاوية في أشياء كان يأمر بها (1).


1) بحار الأنوار: 48132، وشرح نهج البلاغة: 238/5.

«أخذ ابن المرقال اللواء حين قتل أبوه رحمه الله وما قال في ذلك»

قال نصر بن مزاحم: ولما قتل هاشم جزع الناس عليه جزعاً شديداً وأصيب معه عصابة من أسلم من القراء فمر عليهم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهم قتلى حوله أصحابه الذين قتلوا معه فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

جزى الله خيار عصبة أسلمية *** صباح الوجوه صرعوا حول هاشم

يزيد وعبد الله بشر و مـعبد *** وسفيان وابنا هشام ذي المكارم

وعروة لا یـنـفــد ثناه وذكره *** إذا اخترطت يوماً خفاف الصوارم

ثم قام عبد الله بن هاشم وأخذ الراية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس إن هاشماً كان عبداً من عباد الله الذين قدر أرزاقهم وكتب آثارهم وأحصى أعمالهم وقضى آجالهم، فدعه الله ربه الذي لا يعصى، فأجابه وسلم لأمر الله وجاهد في طاعة ابن عم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأول من آمن به وأفقههم في دين الله المخالف لأعداء الله المستحلين ما حرم الله الذين عملوا في البلاد بالجور والفساد، واستحوذ عليهم الشيطان فزين لهم الإثم والعدوان فحق عليكم جهد من خالف سنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعطل حدود الله وخالف أولياء الله، فجودوا بمهج أنفسكم في طاعة الله في هذه الدنيا تصيبوا الآخر والمنزل الأعلى والملك الذي لا يبلى فلو لم يكن ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار لكان القتال مع على أفضل من القتال مع معاوية ابن آكالة الأكباد فكيف وأنتم ترجون.

أقول: جاءت الأبيات الثلاثة في الديوان المنسوب إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على اختلاف في بعض الألفاظ وزيد في آخرها:

إذا اختلف الأبطال واشتبك القنا *** وكان حديث القوم ضرب الجماجم

والأبيات الثلاثة تكون هكذا:

جزى الله خير عصبة أي عصبة *** حسان وجوه صر عوا حول هاشم

شقيق وعبد الله منهم ومعبد *** ونبهان وابنا هاشم ذي المكارم

وعروة لا ينأى فقد كان فارساً *** إذا الحرب هاجت بالقنا والصوارم

وقال الشارح الميبدي في شرحها هاشم بن عتبة بن أبي الوقاص المشهور بالمرقال.

وشقيق بن ثور العبدي، وعبد الله بن بديل الورقاء الخزاعي ثم نقل عن ابن أعثم أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعطى يوماً في الصفين الراية هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وقاتل قتالاً شديداً وقتل حمزة بن ملك الهمداني ثم قتل وبعده تناول الراية شقيق بن ثور العبدي فقاتل حتى قتل، وبعده أخذ الراية عتبة بن هاشم فقاتل حتى قتل ثم أخذها بعده أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني فقاتل ورجع وبعده أخذها عبد الله بن بديل بن الورقاء الخزاعي فقاتل قتالاً عظيماً حتى قتل وبعده

أقبل عمرو بن حمق الخزاعي إلى المعركة وأنشأ الأبيات الأربعة، إنتهى ما ذكره مترجماً.

فعلى ما ذكره الميبدي ليست الأبيات للمولى (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وليعلم أن الأبيات المجموعة في الديوان يوجد كثيراً منسوبة إلى غيره (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثلاً أن الأبيات المذكورة في أول الديوان:

الناس من جهة التمثال أكفاء *** أبوهم آدم والأم حواء

إلى آخر الأبيات منسوبة إلى علي القيرواني.

وأن الأبيات الست:

ثلاث عصی صففت بعد خاتم *** على رأسها مثل السنان المقوم

إلى آخرها، صرح محمد حسن النائيني في كتابه المسمى بگوهر شب چراغ: أن الأبيات نن ابن عباس وأسند إلى المولى أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وأن الأبيات السبع:

یا حار همدان من يمت يرني *** من مؤمن أو منافق قبلاً

إلى آخرها قالها الحميري كما نص به الشيخ المفيد (رَحمَةُ اللّه) في المجلس الأول من أماليه، وهذه الأبيات تتضمن بعض ما جاء فيه الخير من أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قاله الحارث الهمداني كما نقله المفيد (رَحمَةُ اللّه) بطوله في ذلك الكتاب وبعد نقل الخبر قال: قال جميل بن صالح وأنشدني أبو هاشم السيد الحميري رحمه الله فيما تضمنه هذا الخبر:

قول علی لحارث عجب *** كم ثم أعجوبة له حملا

یا حار همدان من من يمت يرني *** من مؤمن أو ن أو منافق قبلا

إلى آخرها والبيت الأول ليس في الديوان المنسوب إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولما كان هذه الأبيات متضمنة ما تضمنه هذا الخبر أسند الأبيات إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وما فى ذلك الديوان:

لا يستوى من يعمر المساجدا *** ومن یبیت راجعاً وساجداً

يدأب فها قائماً وقاعداً *** ومن يكرهكذا معاندا

ومن یرى عن الغبار حائداً

قال ابن هشام في السيرة ( ص 497 طبع مصر 1375هـ) سألت غير واحد من أهل العلم بالشعر عن هذا الرجز فقالوا: بلغنا أن علي بن أبي طالب إرتجز به فلا يدري أهو قائله

أم غيره.

وما في ذلك الديوان المنسوب إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ):

إذا اشتملت على اليأس القلوب *** وضاق لم مساب به الصدر الرحيب

إلى آخر الأبيات الخمس، ففي كشكول الشيخ البهائي (قُدِّسَ سِرُّهُ) (ص 279 طبع نجم الدولة) وكذا في خزائن النراقي (رَحمَةُ اللّه) أنها لأبي تمام وفي نامه دانشوران في ضمن ترجمة يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت (ص 257 ج 2 طبع قم) أنها لابن السكيت.

وما في ذلك الديوان المنسوب إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ):

لا تخضعن لمخلوق على طمع *** فإن ذلك وهن منك في الدين

إلى آخر الأبيات الست ففي مجاني الأدب (الباب الأول من ج 2 ص 9 طبع بیروت) وما أورده الأصبهاني عن أبي محمد التيمي قوله:

لا تخضعن لمخلوق على طمع *** فإن ذاك مضر منك بالدين

وأرغب الله مما في خزائنه *** فإنما هـو بين الكاف والنون

أما ترى كل من ترجو وتأمله *** من الخلائق مسكين بن مسكين

وهذه الأبيات الثلاثة الآتية:

عطارد أيم الله طال ترقبي *** صباحاً مساءً كي أراك فاغنما

فها أنا فامنحني قوى أبلغ المنى *** ودرك العلوم الغامضات تكرما

وإن تكفني المحذور والشر كله *** بأمر مليك خالق الأرض والسماء

قال النراقي (رَحمَةُ اللّه) في الخزائن (ص 114 طبع طهرن (1378هـ) إنها منسوبة إلى أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكذا قال المولى المظفر (رَحمَةُ اللّه) في آخر التنبيهات: وقيل إنها من أشعاره (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولكن الميبدي شارح الديوان المنسوب إلى المولى (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ص 370 طبع إيران 1285هـ) في ضمن هذه القطعة:

خوفني منجم أخو خبل *** تراجع المريخ في بيت الحمل

إلى آخرها قال ويعلم من هذه القطعة إن نسبة الأبيات المذكورة (عطارد أيم..) إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليست بصحيحة على أن هذه الأبيات ليست في الديوان.

وما في الديوان في اختيارات أيام الأسبوع:

لنعم اليوم يوم السبت حقاً ***نصید إن أردت بلا امتراء

إلى آخر الأبيات ففي بعض رسائل مؤلف لسان العرب أنها من منشأته لا من المولى (عَلَيهِ السَّلَامُ).

والمناجاة المنظومة:

لك الحمد يا ذا الجود والمجد والعلى *** تباركت تعطي من تشاء وتمنع

إلى آخرها فمما نسبت إلى الخاقاني وتوجد في ديوانه هذا البيت منها:

إلهي بحق الصطفى وابن عمه *** وحرمة أبرار هم لك خشع

ظاهر في أنها ليست من أشعاره (عَلَيهِ السَّلَامُ):

وهذا البيت المعروف:

كل علم ليس في القرطاس ضاع *** کل سر جاوز الإثنين شاع

مما أسند إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفيه مع أنه ليس في ديوانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال المولى محمد باقر الشريف في كتابه الشريف المسمى بجامع الشواهد بعد ذكر البيت لم يسم قائله مع أن اهتمامه فيه ذكر لقائل وهو (رَحمَةُ اللّه) متضلع رحب الباع في فنه.

وما في ديوانه (عَلَيهِ السَّلَامُ):

فإن تكن الديناتعد نفيسة *** فدار ثواب الله أعلى وأنبل

إلى آخر الأبيات ففي شرح الشافية لأبي فراس ( ص 146 طبع إيران 1296هـ) نقل عن قتل الخوارزمي أنها ما أنشأها أبو عبد الله الحسين بن علي (رَحمَةُ اللّه) وليس لأحد مثلها.

وقال المجلسي (رَحمَةُ اللّه) تخلله في المجلد العاشر من بحار الأنوار (ص 203 طبع کمپاني): قال محمد بن أبي طالب وذكر أبو علي السلامي في تاريخه أن هذه الأبيات للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من إنشائه وقال: ليس لأحد مثلها، إنتهى.

و مع ذلك قال بعض أهل الفضل والأدب في بعض مكتوباته: قال العلامة النيسابوري في ومع خلق الإنسان أن هذه الأبيات ليس للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولكنه يتمثل بها كثيراً ولذا ظن أنها من منشآته.

وينسب إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا البيت:

ولقد أمر على اللثيم یسبنی *** فمضيت ثمة قلت: لا يعنيني

وفيه مع أنه ليس في ديوانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال في جامع الشواهد في باب الواو مع اللام: هو لرجل من بني سلول وكان يتمثل به علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثيراً.

وما في ديوانه (عَلَيهِ السَّلَامُ):

إذ المرء لم يرض ما أمكنه *** ولم يأت من أمره أزينه

إلى آخرها، فقال الميداني: في مجمع الأمثال في ضمن مثال دع امرءاً وما اختار (ص 235 طبع طهران) كما قيل إذا المرء لم يرض ما أمكنه وبعيد من أن يكون الشعر منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويقول الميداني كما قيل.

في شرح ديوان المتنبي لعبد الرحمن البرقوقي (ج 4 ص 406 طبع مصر 1357هـ) قال أبو العباس ثعلب لم تختلف الرواة في أن هذه الأبيات:

أن الذي سمتنی أمی حیدرة *** کلیث غابات غليظ القصرة

أكيلكم بالسیف كيل السندرة

لعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه إنتهى. وفيه مع أن في البيتين إختلافاً كثيراً لأن نصر بن مزاحم نقل في كتاب صفين (ص 207 طبع طهران) هكذا:

أن الذي سمتنی أمی حیدرة *** رئیال آجام كريه المنظرة

عبد الذراعين شديد القسورة *** أكيلكم بالسيف كيل السندرة

وفي ديوانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) نقل كذا:

أنا الذي سمت أمي حيدرة *** ضرغام آجام وليث قسورة

عيل الذراعين شديد القصرة *** كليث غابات كريه المنظرة

يناقض ما ذهب إليه المازني والزمخشري، وذلك لأن عبد الرحيم بن عبد الكريم صفي بوري في مادة ودق من منتهى الأرب في لغة العرب قال: قال المازني لم يصح أي عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) تكلم بشيء من الشعر غير هذين البيتين وصوبه الزمخشري وهما:

تلکم قریش تمناني لتقتلني *** فلا وربك ما بزوا لا ظفروا

فإن هلكت فرهن ذمتي لهم *** بذات ودقين لا يعفو لها أثر

مع أن هذا القول ينقض أيضاً قول المسعودي في مروج الذهب حيث قال (ص 45 ج 2 طبع مصر 1346هـ) في ذكر مقتل أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما هذا لفظه: وكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثيراً ما يتمثل: تلكم قريش تمناني إلى آخر البيتين، فالمسعودي يرى البيتين لغيره (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يتمثل بهما.

وما في ديوانه(عَلَيهِ السَّلَامُ):

فإن تسأليني كيف أنت فإنني *** صبور على ريب الزمان صليب

عز علي أن ترى بي كآبة *** فیشمت عاد أو يساء حبیب

فهما مما نص (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنهما مما قال أخو بني سليم، كما في باب المختار من كتبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ورسائله من النهج في الكتاب السادس والعشرين المعنون بقول الرضى رضوان الله عليه: ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عقيل بن أبي طالب في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الأعداء، وهو جواب كتاب كتبه إليه أخوه. وقال الفاضل الشارح المعتزلي: والشعر ينسب إلى العباس بن مرداس السلمي. ولا يخفى أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) تمثل بأشعار الشعراء في عدة مواضع من خطبه وكتبه.

وما في ديوانه (عَلَيهِ السَّلَامُ):

قال الحبيب وكيف لي بجوابكم *** وأنا رهـين جنادل و تراب

إلى آخر الأبيات الثلاثة فقال الميبدي في الشرح: وذهب بعض إلى أن هذه الأبيات كانت من هاتف غيبي.

وما في ديوانه (عَلَيهِ السَّلَامُ):

أضربکم ولا أرى معاوية *** الأخزر العين العظیم الحاویة

هوت به فی النار أم هاویة *** جاوره فيها كلاب عاوية

فقال المسعودي في مروج الذهب (ص 25 ج 2 طبع مصر 1346هـ): وقيل إن هذا الشعر لبديل بن ورقاء قاله في اليوم التاسع من حرب صفين.

وفي كتاب صفين لنصر: أسند البيتين إلى محرز بن ثور ونقل الأول على اختلاف حيث قال: قال محرز بن ثور:

أضربهم ولا أرى معاوية *** الأبرح العين العظيم الحاوية

وكذا في شرح الشارح المعتزلي (ص 279 ج 1 طبع طهران) في شرح الديوان المنسوب إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) للميبدي: قال ابن أعثم أن هذين البيتين لعبد الله بن بدیل بن ورقاء، قالهما في يوم قتله ثم قال قال معاوية في شأنه: لله دره ودر أبيه أما والله لو استطاعت نساء خزاعة أن يقاتلنا فضلاً عن رجالها لفعلت (1).

وما في ديوانه (عَلَيهِ السَّلَامُ):

قال المنجم والطبیب كلاهما *** لن يحشر الأجساد قلت إليكما

إن صح قولكم فلست بخاسر *** إن صح قولي فالخسار عليكما

فقال الغزالي في إحياء العلوم كما في شرح الميبدي أيضاً: أنهما منسوبان إلى أبي


1) الغدير: 365/2، وشرح نهج البلاغة: 197/5.

العلي المعرّي. وفي بعض الرسائل العصرية أنهما للمغربي وفي بعض النسخ الحكيم مكان الطبيب.

وما في ديوانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعريضاً بعبد الرحمن بن ملجم المرادي:

أريد حياته ويريد قتلي *** عذيرك من خليلك من مراد

فقال الزمخشري في الأساس أن البيت منسوب إلى عمرو بن معد يكرب وكذا في شرح الديوان للميبدي.

وما في ديوانه (عَلَيهِ السَّلَامُ):

حیاز یمك للموت *** فإن الموت لا قیک

ولا تجزع من اموت *** إذا حل بوادیک

فإن الدرع والبیضة *** یوم الروع یکفیک

كما أضحكك الدهر *** كذاك الدهر یبکیک

فنص الشيخ المفيد رضوان الله عليه في الأرشاد في أخباره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بشهادته: أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قالها متمثلاً.

ثم أنه جاء في النسخ الكثيرة التي رأيناها المصراع الأول هكذا:

أشدد حياز يمك للموت،

والصواب عدم كلمة أشدد لأنه محذوف، ولو كان مذكوراً في العبارة لزاد المصرع الأول عن الثاني فتوجد في العبارة حزازة، كما نص به أيضاً المرزوقي في شرح الحماسة (ص 331 ج 1 طبع مصر) حيث قال: روى عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) حياز يمك للموت فإن الموت لاقيك يريد أشدد حياز يمك، وهذه الزيادة كانت من ناسخ فانتقل الحاشية إلى المتن.

وما في ديوانه (عَلَيهِ السَّلَامُ):

وحي ذوي الأضغان تشف قلوبهم *** تحيتك العظمى وقد يدبغ النغل

إلى آخر الأبيات الثلاثة، ففي شرح الميبدي: قال الشيخ محيي الدين في وصايا الفتوحات: أتى إعرابي مشرك من فصحاء العرب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقال له: هل فيما أنزل عليك ربك مثل ما قلته؟ فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): ما قلت؟ فقال الإعرابي: هذه الأبيات الثلاثة فأنزل الله تعالى:آيات: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ - إلى قوله - لا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: 34 - 35] فقال الإعرابي: هذا والله هو السحر الحلال فأسلم.

وما في ديوانه (عَلَيهِ السَّلَامُ):

أسد على أسد يصول بصارم *** عضب يمان في يمين يمان

فقال الشارح الميبدي: كلمة في يمين يمان مشعر بأن البيت ليس له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنه لم يكن يمنياً ثم ذكر وجوهاً في تصحيحه لا تخلو من تكلف فليرجع.

وهذه الأبيات الثلاثة:

هون الأمر تعش في الراحة *** قل ما هو نــت إلا سيهون

ليس أمر المرء سهلاً كله *** إنما الأمرسهول وحزون

تطلب الر حة في دار العناء *** خاب من يطلب شيئاً لا يكون

مما أسندها النراقي (رَحمَةُ اللّه) في الخزائن (ص 145 طبع طهران 1380 هـ) إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويوجد أيضاً في ديوانه وأتى به الشارح الميبدي إلا أن البيت الأخير لا يوجد في بعض النسخ من ديوانه، وأسند إلى غيره (عَلَيهِ السَّلَامُ).

«الكلام في جامع أشعار أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)»

ولما انجر الكلام إلى هنا فلا بأس أن نذكر جامع أشعاره لأنه لا يخلو من فائدة، فقال الشيخ الجليل أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد بن العباس النجاشي تغمده الله برحمته في رجاله عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى الجلودي الأزدي البصري أبو أحمد شيخ البصرة وأخباريها وجلود قرية في البحر وقال: قوم أن جلود بطن من الأزد ولا يعرف النسابون ذلك وله كتب منها كتاب شعر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وفي روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات لمؤلفه محمد باقر الموسوي الخوانساري في ذيل ترجمة حسين بن معين الدين الميبدي شارح ديوان أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالفارسي: والظاهر أن الديوان المبارك من جمع الفاضل الإمام أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الضجكردي الأديب النيسابوري وسماه كتاب تاج الأشعار وسلوة الشيعة، وقد كان مقارباً لعصر سيدنا الرضى صاحب كتاب نهج البلاغة، وله أيضاً في نعت الكتاب المذكور أبيات رائقة كما أفيد.

وقال المجلسي في مقدمات:بحاره وكتاب الديوان إنتسابه إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مشهور، وكثير من الأشعار المذكورة فيه مروية في سائر الكتب ويشكل الحكم بصحة جميعها ويستفاد من معالم ابن شهر آشوب أنه تأليف علي بن أحمد الأديب النيسابوري من علمائنا، والنجاشي عد من كتب عبد العزيز بن يحيى الجلودي كتاب شعر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنتهى (1).


1) بحار الأنوار: 42/1.

وقال الخوانساري المذكور في باب المحمدين من الروضات أبو الحسن محمد بن الحسين بن الحسن البيهقي النيسابوري المشتهر بقطب الدين الكيدري له كتب منها: كتاب جمع أشعار مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، سماه أنوار العقول، ولا يبعد كونه بعينه هو الديوان المرتضوي الموجود في هذا الزمان المنسوب إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ).

أقول: ولا يبعد صحة جمع الأشعار إليهم كلهم، كما أن جامع خطبه وكتبه ورسائله ومواعظه وحكمه يكون غير واحد من العلماء والكل صحيح والمجموع المشتهر الآن في لأيدي هو ما جمعها الشريف الرضى (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) وسماه نهج البلاغة.

ثم لا يخفى أن ما قاله عبد الله بن مرقال رضوان الله عليه: فلو لم يكن ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار لكان القتال مع علي أفضل من القتال مع معاوية ؛ كلام معاوية ؛ كلام خرج عن قلب يقظان وفطرة سليمة ورجل نبيه، ولعمري من لم يكن عميان القلب أن تدبر في ما صدر من أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يجده (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كل أمر إماماً وقدوة وخطبه ومواعظه وكتبه ورسائله وحكمه في شؤون المعاش والاجتماع وتنظيم أمور الملك والمملكة وتعليم التدبير والسياسة وتعبية العسكر، وآداب المعاشرة، قوام المدينة الفاضلة والدستور القويم فيها، والبد اللازم لمن يطلب الدرجة العليا والحياة الراقية ولو في هذه الحياة الدنيا، فلو دار الأمر القتال مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبينه مع معاوية لكان القتال مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فضل ولنعد إلى القصة.

قال المسعودي في مروج الذهب: واستشهد في ذلك اليوم صفوان وسعد إبنا حذيفة بن اليمان، وقد كان حذيفة عليلاً بالكوفة في سنة ست وثلاثين فبلغه قتل عثمان وبيعة الناس لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: أخرجوني وادعوا الصلاة جامعة فوضع على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و على آله ثم قال: أيها الناس إن الناس قد بايعوا علياً فعليكم بتقوى الله وانصروا علياً ووازروه فوالله أنه لعلى الحق آخراً وأولاً وأنه لخير من مضى بعد نبيكم ومن بقي إلى يوم القيامة، ثم أطبق يمينه على يساره ثم قال: اللهم أشهد أني قد بايعت علياً وقال: الحمد لله الذي أبقاني إلى هذا اليوم وقال لإبنيه صفوان، وسعد إحملاني وكونا معه فسيكون له حروب كثيرة فيهلك فيه خلق من الناس فاجتهدا أن تستشهدا معه فإنه والله على الحق ومن خالفه على الباطل. ومات حذيفة بعد هذا اليوم بسبعة أيام وقيل بأربعين يوماً. واستشهد فيه عبد عبد الله الحرث النخعي أخو الأشتر. واستشهد فيه عبد الله والرحمن إبنا بديل بن ورقاء الخزاعي في خلق من خزاعة وكان عبد الله في ميسرة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو يرتجز ويقول:

لم يبق إلا الصبر والتوكل *** وأخذك الترس وسيف مصقل

ثم التمشی فی الرعيل الأول

فقتل ثم قتل عبد الرحمن أخوه بعده (1).

قال نصر بعد قتل ذي الكلاع: ثم تمادى الناس في القتال فاضطربوا بالسيوف حتى تقطعت وصارت كالمناجل وتطاعنوا بالرماح حتى تكسرت ثم حثوا على الركبات فتحاتوا بالتراب يحث بعضهم في وجوه بعض التراب ثم تعانقوا وتكادموا وتراموا بالصخر والحجارة ثم تحاجزوا فجعل الرجل من أهل العراق يمر على أهل الشام فيقول من أين أحذ إلى رايات بني فلان فيقولون ها هنا لا هداك الله، ويمر الرجل من أهل الشام على أهل العراق فيقول كيف آخذ إلى رايات بني فلان فيقولون ها هنا لا حفظك الله ولا عافاك.

قال المسعودي: ولما قتل عمار ومن ذكرنا في هذا اليوم حرض علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الناس، وقال لربيعة: أنتم درعي ورمحي فانتدب له ما بين عشرة آلاف إلى أكثر من ذلك من ربيعة وغيرهم قد جادوا بأنفسهم لله عزّ وجلّ وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمام على البغلة الشهباء وهو يقول:

أي يومی من الموت أفر *** یوم لم يقدر أم يوم قدر

وحمل وحملوا معه حملة رجل واحد فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض واهمدوا كل ما أتوا عليه حتى أتوا إلى قبة معاوية، وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يمر بفارس إلا قده وهو يقول:

أضربهم ولا أرى معاوية *** الأخزر العين العظيم الهاوية

تهوى به فی النار أم هاویة

وقيل إن هذا الشعر لبديل بن ورقاء قاله في ذلك اليوم.

ثم نادى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا معاوية علام يقتل الناس بيني وبينك هلم أحاكمك إلى الله فأيَّنا قتل صاحبه إستقامت له الأمور ؟ فقال له عمرو: قد أنصفك، ألرجل، قال له معاوية ما أنصفت وأنك لتعلم أنه لم يبارزه رجل قط إلا قتله أو أسره، فقال له عمرو: وما تجمل بك إلا مبارزته. فقال له معاوية: طمعت فيها بعدي وحقدها عليه (2).

أقول: لا يخفى أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا ثم نادى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يا معاوية علام يقتل الناس، غاية الكرم والشجاعة والإنصاف والمروءة كما اعترف به الخصم العنود ويناسب المقام قول المتنبي:

كل يريد رجاله لحياته *** يا من يريد حياته لرجاله

وقال عبد الرحمن البرقوقي في شرح ديوان المتنبي (ص 234 ج 3 طبع مصر 1357هـ): وقد بنى المتنبي هذا البيت على حكاية وقعت لسيف الدولة مع الإخشيد، وذلك


1) راجع الغدير: 364/2، ووقعة صفين: 245.

2) تاريخ الطبري 29/4، والإمامة والسياسة: 126/1.

أنه جمع جيشاً وزحف به على بلاد سيف الدولة فبعث إليه سيف الدولة يقول: لا تقتل الناس بيني وبينك ولكن أبرز إلي فأينا قتل صاحبه ملك البلاد فامتنع الإخشيد ووجه إليه يقول: ما رأيت أعجب منك أأجمع مثل هذا الجيش العظيم لأقي به نفسي ثم أبارزك؟ والله لا فعلت ذلك أبداً.

ثم قال المسعودي: قد قيل في بعض الروايات أن معاوية أقسم على عمرو لما أشار عليه بهذا أن يبرز إلى علي فلم يجد عمرو من ذلك بداً، فبرز فلما التقيا عرفه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشال السيف ليضربه به فكشف عمرو عن عورته وقال: مكره أخوك لا بطل، فحول علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجهه وقال قبحت ورجع عمرو إلى مصافه (1).

وقد ذكر نصر بن مزاحم في كتاب الصفين: ثم أن معاوية لما أسرع أهل العراق في أهل الشام، قال: هذا يوم تمحيص إن القوم قد أسرع فيهم كما أسرع فيكم أصبروا يومكم هذا وخلاكم ذم، وحضض علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه فقام إليه الأصبغ بن نباتة التميمي فقال: يا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنك جعلتني على شرطة الخميس وقدمتني في الثقة دون الناس، وأنك اليوم لا تفقد لي صبراً ولا نصراً أما أهل الشام فقد هدهم ما أصبنا منهم ونحن ففينا بعض البقية فاطلب بنا أمرك، وائذن لي في التقدم فقال له علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) تقدم بسم الله.

وأقبل الأحنف بن قيس السعدي فقال: يا أهل العراق والله لا تصيبون هذا الأمر أذل عنقاً منه اليوم، قد كشف القوم عنكم قناع الحيا، وما يقاتلون على دين وما يصبرون الأحياء، فتقدموا فقالوا: إنا أن تقدمنا اليوم فقد تقدمنا أمس فما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: تقدموا في موضع التقدم وتأخروا في موضع التأخر تقدموا من قبل أن يتقدموا إليكم، وحمل أهل العراق وتلقاهم أهل الشام فاجتلدوا وحمل عمرو بن العاص معلماً وهو يقول:

شدوا علي شكتي لا تنكشف *** بعد طليح والزبير فاتلف

یوم لهمدان ويوم للصدف *** وفي تميم نحوه لا تنحرف

أضربها بالسيف حتی تنصرف *** إذا مشيت مشية العود الصلف

ومثلها لحمير أو شنحرف *** والربعيون لهم یوم عصف

فاعترضه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو يقول:

قد علمت ذات القرون الميل *** والحصر والأنامل الطفول

إني بنصل لسيف خنشلیل *** أحمي وأرمي أول الرعیل


1) الغدير: 159/2، وكشف الغمة 69/2.

بصارم ليس بذي فلول

ثم طعنه فصرعه وأتقاه عمرو برجله فبدت عورته، فصرف علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجهه عنه وارتث، فقال القوم: أفلت الرجل يا أمير المؤمنين قال: وهل تدرون من هو ؟ قالوا: لا، قال: فإنه عمرو بن العاص تلقاني بعورته فصرفت وجهي عنه، ورجع عمرو إلى معاوية فقال له: ما صنعت یا عمرو ؟ قال: لقاني علي فصر عني، قال: أحمد الله وعورتك أم والله أن لو عرفته ما اقتحمت عليه. وقال معاوية في ذلك شعر:

ألا الله من هفوات عمرو *** يعاتبني على تركي برازي

فقد لاقي أبا حسن علياً *** فآب الوائلي مآب خازي

فلو لم يبد عورته للاقي *** به ليناً يذلل كل نازي

له کف كان براحتيها *** منايا القوم يخطف خطف بازي

فإن تكن المنية أخطأته ***فقد غني بها أهل الحجاز

فغضب عمرو وقال: ما أشد تعظيمك علياً في كسرى هذا هل هو إلا رجل لقاه ابن عمه فصرعه أفترى السماء فاطرة لذلك دماً؟ قال: ولكنها تعقبك جبناً.

أقول: كان عمرو بن العاص في المكر والخديعة أروغ من الثعلب، وبه يضرب المثل فی الحيلة والشيطنة ولما رأى أن لا محيص له في يد أسد الله أحتال حيلة شنيعة غير لائقة للإبطال والرجال:

أي روبهك چرا ننشستی بجای خویش *** باشیر پنجه دادی و دیدی سزای خویش

قال أبو الفضل نصر بن مزاحم في كتاب الصفين: أن عمرو بن العاص مر بالحرث بن نصر الجشمي وكان عدواً لعمرو وكان عمرو قل ما يجلس مجلساً إلا ذكر فيه الحرث فقال الحرث، في ذلك:

لیس عمرو بتارك ذكره الحرب *** مدى الدهر أو يلاقي عليا

واضع السيف فوق منكبه *** الأيمن لا يحسب الفوارس شيئاً

ليس عمرو يلقاه في حمس النقع *** وقد صارت السيوف عصياً

حیث يدعو البراز حامية القوم *** إذا كان بالبراز ملیا

فوق شهب مثل السحوق من *** النخل ينادي المبارزين إليا

ثم يا عمرو تستريح من الفخر *** وتلقی به فتی هاشمیا

فألقه إن أردت مكرمة الدهر *** أو الموت كل ذاك علیا

فلما سمع عمرو شعره قال: والله لو علمت أني أموت ألف موتة، لبارزت علياً في أول

ما ألقاه فلما بارزه طعنه علي(عَلَيهِ السَّلَامُ) فصرعه، وأتقاه عمرو بعورته، فانصرف علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنه وقال علي حين بدت له عورة عمرو فصرف وجهه عنه:

ضرب ثبا الأبطال في المشاغب *** ضرب الغلام البطل الملاعب

أين الضراب في العجاج الثائب *** حين احمرار الحدق الثواقب

بالسيف في تهتهة الكتائب *** والصبر فيه الحمد للعواقب

قال المسعودي: وقد ذكر هشام بن محمد الكلبي عن الشرقي بن القطامي أن معاوية قال لعمرو بعد انقضاء الحرب هل غششتني منذ نصحتني؟ قال: لا، قال: بلى، والله يوم أشرت عليّ بمبارزة علي وأنت تعلم من هو قال: دعاك إلى المبارزة فكنت من مبارزته علي إحدى الحسنيين إما أن تقتله فتكون قد قتلت قاتل الأقران وتزداد شرفاً إلى شرفك وإما أن يقتلك فتكون قد استعجلت مرافقة الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. فقال معاوية: يا عمرو الثانية أشر من الأولى.

وبالجملة كان في هذا اليوم من القتال ما لم يكن قبل. وليعلم أنه مضت منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخطبة التاسعة والستين معنوناً من الشريف الرضى رضوان الله عليه: ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقوله لأصحابه في بعض أيام صفين: معاشر المسلمين إستشعروا الخشية وتجلببوا السكينة وعضوا النواجذ، آه:

وأجمل الرضى (رَحمَةُ اللّه) ذلك اليوم، وقال الشارح المعتزلي: هذا الكلام خطب به أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في اليوم الذي كان عشيته ليلة الهرير في كثير من الروايات. إنتهى يعني به اليوم التاسع. ومضى الكلام منا عن مروج الذهب وغيره خطب به (عَلَيهِ السَّلَامُ) في اليوم الثامن وهو يوم الأربعاء. وقال نصر في كتاب صفين أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطب به في أول أيام اللقاء والحرب بصفين، وذلك في صفر من سنة سبع وثلاثين والإختلاف في ألفاظ الخطبة كثير أيضاً والله أعلم.

«اليوم العاشر وليلتها: ليلة الهرير ويومها»

وهي الليلة العظيمة التي يضرب بها المثل وكانت ليلة الجمعة ويومها وقال المسعودي: فكان جملة من قتل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكفه في يومه وليلته خمسمائة وثلاثة وعشرين رجلاً أكثرهم في اليوم وذلك أنه كان إذا قتل رجلاً كبر إذا ضرب ولم يكن يضرب إلا قتل ذكر ذلك عنه من كان يليه في حربه ولا يفارقه من ولده وغيرهم.

وقال الطبري: ثم اقتتل الناس بعد المغرب قتالاً شديداً، فما صلى أكثر الناس إلا إيماء. وقال نصر حدثنا عمرو بن شمر. قال: حدثني أبو ضرار قال: حدثني عمار بن

ربيعة. قال غلس: علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالناس صلاة الغداة يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الأول الأول سنة سبع وثلاثين وقيل عاشر شهر صفر ثم زحف إلى أهل الشام بعكسر العراق والناس على راياتهم، زحف إليهم أهل الشام وقد كانت الحرب أكلت الفريقين ولكنها في أهل الشام أشد نكاية وأعظم وقعاً فقد ملوا الحرب وكرهوا القتال تضعضعت أركانهم.

قال: فخرج رجل من أهل العراق على فرس کمیت ذنوب، عليه السلاح لا يرى منه إلا عيناه وبيده الرمح فجعل يضرب رؤوس أصحاب علي بالقناة ويقول: سووا صفوفكم حتى إذا عدل الصفوف والرايات إستقبلهم بوجهه وولى أهل الشام ظهره، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: الحمد لله الذي جعل فيكم ابن عم نبيكم أقدمهم هجرة وأولهم إسلاماً سيف من سيوف الله صبه الله على أعدائه فانظروا إذا حمى حمى الوطيس وثار القتام وتكسران المران وجالت الخيل بالأبطال فلا أسمع إلا غمغمة أو همهمة قال: ثم حمل على أهل الشام وكسر فيهم رمحه ثم رجع فإذا هو الاشتر (1).

أقول: شجاعة الأشتر رضوان الله عليه بلغ مبلغ التواتر ولا يتأتى لأحد إنكاره، ويسميه المؤرخون كبش العراق، وذكرنا شمة من شجاعته يوم أخذ الماء وقتله أبطل أهل الشام وفوارس قائد أهل الكفر والنفاق، وشجعان رائد قوم البغي والشقاق وكان هو تقلله شديد البأس فارساً شجاعاً ومن تتبع وبحث عن وقائع الجمل والصفين وغيرهما علم أن الأشتر كان بعد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشجع الناس، فقد قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد موته: رحم الله مالكاً فلقد كان لي كما كنت الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ومن هذا التشبيه والمقايسة يعلم جلالة شأنه (رَحمَةُ اللّه) وعلو قدره إلى حد فوق أن يحوم حوله العبارة، وقال الشارح المعتزلي ابن أبي الحديد في شرح النهج: لو أن إنساناً يقسم أن الله تعالى ما خلق في العرب ولا في العجم أشجع منه «يعني من الأشتر» إلا أستاذه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم خشيت عليه الإثم والله در القائل، وقد سئل عن الأشتر: ما أقول في رجل هزمت حياته أهل الشام وهزم موته أهل العراق وبحق ما قال فيه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): كان الأشتر لي كما كنت لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وهذا هو الأشتر مجاهداً في الله قبال الفئة الباغية ولينظر إلى تخلقه بأخلاق الله وإنصافه بأوصافه كيف ارتقى في المدرسة الإلهية العلوية إلى الدرجات العلى والمراتب القصوى، ففي مجموعة ورام حكى أن مالكاً الأشتر (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) كان مجتازاً بسوق الكوفة وعليه قميص خام وعمامة منه، فرآه بعض أهل السوق فازدرى بزيه فرماه ببندقة تهاونا به فمضى ولم يلتفت فقيل له: ويلك أتدري بمن رميت؟ فقال: لا، فقيل له هذا مالك صاحب أمير


1) الإمام علي: 720، ووقعة صفين: 474.

المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فارتعد الرجل ومضى إليه ليعتذر منه فرآه وقد دخل المسجد وقائم يصلي، فلما انقتل أكب الرجل على قدميه ليقبلهما فقال: ما هذا الأمر؟ فقال: أعتذر إليك مما صنعت. فقال: لا بأس عليك فوالله ما دخلت المسجد إلا لأستغفرن لك. إنتهى وسيأتي ترجمته مستوفاة إن شاء الله تعالى في محله ولنعد إلى القصة:

قال نصر بإسناده السابق وخرج رجل من أهل الشام ينادي بين الصفين: يا أبا حسن يا علي أبرز لي فخرج إليه حتى إذا اختلف أعناق دابتيهما بين الصفين فقال: يا علي أن لك قدماً في الإسلام وهجرة فهل لك في الأمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء وتأخير هذه الحروب، حتى ترى من رأيك؟ فقال له علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): وما ذاك ؟ قال: ترجع إلى عراقك فنخلي بينك وبين العراق ونرجع إلى شامنا فتخلي بيننا وبين شامنا فقال له علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): لقد عرفت إنما عرضت هذا نصيحة وشفقة ولقد أهمني هذا الأمر وأسهرني وضربت أنفه وعينه فلم أجد إلا القتال أو الكفر بما أنزل على محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إن الله تبارك وتعالى لم يرض من يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن أوليائه أن يعصى في المنكر، فوجدت القتال أهون عليّ من معالجة الأغلال في جهنم، فرجع الشامي وهو يسترجع.

أقول: فانظر أيها القارىء الكريم نظر التأمل والتدبر في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن الله تبارك وتعالى لم يرض من أوليائه حتى تقف على سر بعثة الأنبياء وأوليائه، فهم بعثوا لينقذوا الناس من الوسواس والكفر والشقاق والنفاق، وليعالجوا نفوسهم من داء الجهل وينوروا عقولهم بنور العلم والمعارف والحكم، ويهدوهم إلى الصراط المستقيم ويوصلوهم إلى النهج القويم لطفاً من الله على العباد ليفوزوا فوزاً عظيماً وليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة، ويتم الحجة عليهم ولم يخلق الله الناس عبثاً، ولم يتركهم سدى ولم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت والعلماء بعدهم قائمون مقامهم فلم يرض الله منهم يعصى في الأرض وهم سكوت لأنهم حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها فإذا ظهرت البدع فعليهم أن يظهروا علمهم ويحثوا الناس إلى الطاعة ويزجروهم عن المعصية وإذا ظهرت البدع كانت الظلمات غالبة.

وفي الكافي لثقة الإسلام الكليني (رَحمَةُ اللّه) بإسناده عن عبد الرحيم القصير عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار (1).

وفيه قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): «إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل


1) الكافي: 56/1، ومن لا يحضره الفقيه: 137/2.

فعليه لعنة الله» (1).

وفيه بإسناده عن داود بن سرحان عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): «إذا رأيتم أهل البدع والريب من بعدي فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة وباهتوهم حتى لا يطمعوا في الفساد في الإسلام، ويحذر الناس ولا يتعلمون من بدعهم يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات« (2).

وفي البحار عن أبي محمد العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال جعفر بن محمد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): علماء شيعتنا مرابطون بالثغر الذي يلي إبليس وعفاريته يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته النواصب، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة لأنه يدفع عن أديان محبينا وذلك يدفع عن أبدانهم (3).

وسيأتي الكلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبحث عنهما وشرائطهما إن شاء الله تعالى ولنعد إلى القصة:

قال: نصر وزحف الناس بعضهم إلى بعض فارتموا بالنبل حتى فنيت ثم تطاعنوا بالرماح حتى تكسرت واندقت، ثم مشى القوم بعضهم إلى بعض بالسيف وعمد الحديد، فلم يسمع السامع إلا وقع الحديد بعضه على بعض لهو أشد هولاً في صدور الرجال من الصواعق،، ومن جبال تهامة يدك بعضها بعضاً، وانكسفت الشمس وثار القتام وضلت الألوية، والرايات، والأشتر فيما بين الميمنة والميسرة فيأمر كل قبيلة أو كتيبة من القراء بالإقدام على التي تليها فاجتلدوا بالسيوف وعمد الحديد من صلاة الغداة إلى نصف الليل لم يصلوا الله صلاة فلم يزل يفعل ذلك الأشتر بالناس حتى أصبح والمعركة خلف ظهره وافترقوا على سبعين ألف قتيل في ذلك اليوم وتلك الليلة وهي ليلة الهرير والأشتر في ميمنة الناس وابن عباس في الميسرة وعلي في القلب والناس يقتلون، ثم استمر القتال من نصف الليل الثاني إلى ارتفاع الضحى والأشتر يقول لأصحابه وهو يزحف بهم نحو أهل الشام إزحفوا قيد رمحي، هذا وإذا فعلوا قال: إزحفوا قاب هذا القوس فإذا فعلوا سألهم مثل ذلك حتى مل أكثر الناس من الإقدام فلما رأى ذلك قال: أعيذكم بالله أن ترضعوا الغنم سائر اليوم، ثم دعا بفرسه وركز رايته وكانت مع حيان بن هودة النخعي، وخرج يسير في الكتائب ويقول:


1) شرح الأخبار: 51/1، ح 12، واليقين: 10.

2) الفصول المهمة في أصول الأئمة: 232/2 1723، وبحار الأنوار: 202/71، ح 41.

3) عوالي اللثالي: 18/1، ومنية المريد: 117.

الا من يشرى نفسه الله ويقاتل مع الأشتر، حتى يظهر أو يلحق بالله فلا يزال الرجل من الناس يخرج إليه ويقاتل معه.

قال نصر بإسناده عن عمار بن ربيعة قال: مر بي والله الأشتر وأقبلت معه حتى رجع إلى المكان الذي كان به فقام في أصحابه فقال: شدوا فدا لكم عمي وخالي شدة ترضون بها الله وتعزون بها الدين فإذا شددت فشدوا، ثم نزل وضرب وجه دابته ثم قال لصاحب رايته أقدم، فأقدم بها ثم شد على القوم وشد معه أصحابه، يضرب أهل الشام حتى انتهى بهم إلى معسكرهم، ثم أنهم قاتلوا عند المعسكر قتالاً شديداً فقتل صاحب رايتهم وأخذ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما رأى الظفر قد جاء من قبله يمده بالرجال، وأن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال خطيباً فحمد الله وأثنى عليهم ثم قال:

أيها الناس قد بلغ بكم الأمر وبعدوكم ما قد رأيتم ولم يبق منهم إلا آخر نفس، وأن الأمور إذا أقبلت أعتبر آخرها بأولها وقد صبر لكم القوم على غير دين حق، بلغنا منهم ما بلغنا وأنا غار عليهم بالغداة أحاكمهم إلى الله عزّ وجلّ (1).

«رأى عمرو بن العاص في رجع الناس إلى كتاب الله لما ظهرت هزيمة أهل الشام»

فبلغ ذلك معاوية، فدعا عمرو بن العاص فقال: يا عمرو إنما هي الليلة حتى يغدو علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) علينا بالفيصل فما ترى؟ قال: أرى أن رجالك لا يقومون لرجاله ولست مثله هو يقاتلك على أمر وأنت تقاتله على غيره أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء، وأهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم وأهل الشام لا يخافون علياً إن ظفر بهم، ولكن ألق إليهم أمراً إن قبلوه اختلوا وإن ردوه، أختلفوا أدعهم إلى كتاب الله حكماً فيما بينك وبينهم فإنك بالغ به حاجتك في القوم، فإني لم أزل أؤخر هذا الأمر لحاجتك إليه فعرف ذلك معاوية فقال: صدقت.

أقول: كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) المذكور آنفاً: أيها الناس قد بلغ بكم الأمراء، غير مذكور في نهج البلاغة.

«حملة الجعفي على أهل الشام»

قال نصر: وفي حديث عمر بن سعد قال: ثم إن علياً صلى الغداة ثم زحف إليهم،


1) بحار الأنوار: 528/32، ح 444، ونهج السعادة 241/2.

فلما أبصروه قد خرج إستقبلوه بزحوفهم فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم إن خيل أهل الشام حملت على خيل أهل العراق فاقتطعوا من أصحاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ألف رجل أو أكثر فأحاطوا بهم وحالوا بينهم وبينه أصحابه فلم يروهم فنادى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يومئذ ألا رجل يشرى نفسه الله دنياه بآخرته؟ فأتاه رجل من جعف يقال له عبد العزيز بن الحارث على فرس أدهم كأنه غراب مقنعاً في الحديد لا يرى منه إلا عيناه فقال: يا أمير المؤمنين مرني بأمرك فوالله ما تراني بشيء إلا صنعته فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ):

سمحت بأمر لا يطاق حفيظة *** وصدقاً وأخوان الحفاظ قليل

جزاك إله الناس خيراً فقد وفت *** يداك بفضل ما هناك جزيل

أبا الحارث شد الله ركنك أحمل على أهل الشام حتى تأتي أصحابك فتقول لهم: أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ويقول لكم هللوا وكبروا من ناحيتكم، ونهلل نحن ونكبر ها هنا واحملوا من جانبكم ونحمل نحن من جانبنا على أهل الشام، فضرب الجعفي فرسه حتى إذ قام على السنابك حمل على أهل الشام المحيطين بأصحاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فطاعتهم ساعة وقاتلهم، فانفرجوا له حتى أتى أصحابه فلما رأوه إستبشروا به وفرحوا وقالوا ما فعل أمير المؤمنين؟ قال صالح يقرئكم السلام ويقول لكم هللوا وكبروا وهلل علي وأصحابه من ذلك الجانب ونهلل ونحن من جانبنا، ونكبر ونحمل من خلفكم فهللوا وكبروا وهلل علي وأصحابه من ذلك الجانب وحملوا على أهل الشام من ثم وحمل علي من ها هنا في أصحابه فانفرج أهل الشام عنهم فخرجوا وما أصيب منهم رجل واحد، ولقد قتل من فرسان أهل الشام يومئذ زهاء سبع مائة رجل. قال: وقال علي من أعظم الناس عناء؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين قال: كلا ولكنه الجعفي.

«ضرب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقتله الناس في يوم واحد»

قال نصر: عن عمرو بن شمر عن جابر بن نمير الأنصاري قال: والله لكأني أسمع علياً يوم الهرير حين سار أهل الشام، وذلك بعدما طحنت رحى مذحج فيما بيننا وبين عك ولخم وجذام والأشعريين بأمر عظيم تشيب منه النواصي، من حين استقبلت الشمس حتى قام قائم الظهيرة ثم أن علياً قال: حتى متى نخلي بين هذين الحيين قد فنيا وأنت موقوف تنظرون إليهم أما تخافون مقت الله ثم انفتل إلى القبلة ورفع يديه إلى الله ثم نادى:

«يا الله يا رحمن يا واحد يا صمد يا الله يا إله محمد اللهم إليك ثقلت الأقدام وأفضت القلوب ورفعت الأيدي وامتدت الأعناق وشخصت الأبصار وطلبت الحوائج، إنا نشكو إليك غيبة نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وكثرة عدونا وتشت أهوائنا ربنا إفتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير

الفاتحين، سيروا على بركة الله ثم نادى لا إله إلا الله والله أكبر كلمة التقوى».

ثم قال: لا والله الذي بعث محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالحق نبياً ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق الله السماوات والأرض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب أنه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمسة مائة من أعلام العرب، يخرج بسيفه منحنياً فيقول معذرة إلى الله عزّ وجلّ وإليكم من هذا، لقد هممت أن أفلقه ولكن حجزني عنه أني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول كثيراً: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي وأنا أقاتل به دونه قال فكنا نأخذه ثم يتناوله من أيدينا فيتقحم به في عرض الصف فلا والله ما ليث بأشد نكاية في دعوة منه رحمة الله عليه رحمة واسعة.

أقول: أتى بكلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) المذكور آنفاً يا الله يا رحمن، آه في باب الكتب والرسائل من نهج البلاغة وهو الكلام الخامس عشر منه.

«رفع أهل الشام المصاحف على الرماح ودعائهم إلى الحكومة لما ظهرت هزيمتهم واستبان ذلهم«

قال نصر: عن عمرو بن شمر عن جابر قال سمعت تميم بن حذيم يقول: لما أصبحنا: من ليلة الهرير نظرنا فإذا أشباه الرايات أمام صف أهل الشام وسط الفيلق من حيال موقف معاوية، فلما أن أسفرنا فإذا هي المصاحف قد ربطت على أطراف الرماح وهي عظام مصاحف العسكر، وقد شدوا ثلاثة رماح جميعاً وقد ربطوا عليها مصحف المسجد الأعظم يمسكه عشرة رهط وقال أبو جعفر وأبو الطفيل استقبلوا علياً بمائة مصحف، ووضعوا في كل مجنبة مائتي مصحف وكان جميعها خمس مائة مصحف قال أبو جعفر ثم قام الطفيل بن أدهم حيال علي وقام أبو شريح الجذامي من حيال الميمنة وقام ورقاء بن المعمر حيال الميسرة ثم نادوا: يا معشر العرب الله، الله في نسائكم وبناتكم فمن للروم والأتراك وأهل فارس غداً إذا فنيتم الله الله في دينكم هذا كتاب الله بيننا وبينكم، فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): اللهم إنك تعلم أنهم ما الكتاب يريدون فاحكم بيننا وبينهم إنك أنت الحكيم الحق المبين فاختلف أصحاب علي في الرأي طائفة قالت: القتال وطائفة قالت المحاكمة إلى الكتاب ولا يحل لنا الحرب وقد دعينا إلى حكم الكتاب، فعند ذلك بطلت الحروب ووضعت أوزارها فقال محمد بن علي: فعند ذلك حكم الحكمان.

قال نصر: وفي حديث عمرو بن شمر بإسناده:قال فلما أن كان اليوم الأعظم قال أصحاب معاوية: والله ما نحن لنبرح اليوم العرصة حتى يفتح الله لنا أو نموت وقال أصحاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): والله ما نحن بتاركي العرصة اليوم إن شاء الله حتى يفتح لنا أو نموت،

فباكروا القتال غداً يوماً من أيام الشعري طويلاً شديد الحر فتراموا حتى فنيت النبل ثم تطاعنوا حتى تقصفت رماحهم، ثم نزل القوم عن خيولهم فمشي بعضهم إلى بعض بالسيوف حتى كسرت جفونها، وقامت الفرسان في الركب ثم اضطربوا بالسيوف وبعمد الحديد، فلم يسمع السامع إلا تغمغم القوم وصليل الحديد في الهام وتكادم الأفواه، وكسفت الشمس وثار القتام وضلت الألوية في الرايات ومرت مواقيت أربع صلوات لم يسجد لله فيهن إلا تكبيراً ونادت المشيخة في تلك الغمرات يا معشر العرب الله الله في الحرمات من النساء والبنات.

قال جابر: فبكى أبو جعفر وهو يحدثني بهذا الحديث قال وأقبل الأشتر على فرس کمیت محذوف قد وضع مغفرة على قربوس السرج وهو يقول: أصبروا يا معشر المؤمنين فقد حمى الوطيس ورجعت الشمس من الكسوف، واشتد القتال وأخذت السباع بعضها بعضاً، فأنتم كما قال الشاعر:

مضت واستأخر الفرعاء عنها *** وخلي بینهم إلا الوزیع

قال: يقول واحد في تلك الحال أي رجل هذا لو كانت له نية فيقول له صاحبه وأي نية أعظم من هذه ثكلتك أمك وهبلتك أن رجلاً فيما قد ترى قد سبح في الدماء وما أضجرته الحرب، وقد غلت هام الكماة من الحر وبلغت قلوب الحناجر، وهو كما ترى جذعاً يقول هذه المقالة اللهم لا تبقنا بعد هذا.

أقول: قوله: يوماً من أيام الشعرى طويلاً شديد الحر. بيانه: أن الشعرى إسم لكوكبين إحداهما أكبر من الأخرى وهي الشعرى اليمانية، من كواكب الكلب الأكبر الواقعة عقيب الجبار ولذا يسمى الكلب الأكبر بكلب الجبار أيضاً كما أن الشعرى اليمانية وحدها قد تسمى بكلب الجبار وهي من كواكب القدر الأول وأحد كوكبي ذراع الأسد وفم المرزم وإنما وصف باليماني لأن مغيبها يكون إلى جانب اليمن وكواكب الكلب الأكبر ثمانية عشر كوكباً والشعرى واقعة في فيها وهذا الكوكب هو الذي قال فيه عزّ من قائل في سورة: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِعرَى [النجم: 49] وقال المفسرون: كانوا يعبدونها في الجاهلية وأن خزاعة كانت تعبدها وأول من عبدها أبو كبشة أحد أجداد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من قبل أمهاته وكان المشركون يسمونه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ابن أبي كبشة لمخالفته إياهم في الدين كما خالف أبو كبشة غيره في عبادة الشعرى فأنزل الله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشَّعَرَى أي: خالق الشعرى ومخترعها ومالكها فلا تتخذوا المربوب المملوك إلهاً.

أقول: لا يبعد أن يكون القرآن الكريم ناظراً أيضاً إلى عظمة قدرته عزّ وجلّ بأنه هو رب الشعرى وذلك لأن الشعرى من أكبر الثوابت المرصودة وفي رصد معاصرينا أنها أعظم من الشمس 1500 مرة مع أن الشمس أعظم من الأرض بكثير فالخط جناباً تبهرك عجائبه

ويناسب ما ذهبنا إليه أسلوب الآي الأخرى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوَجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمَى وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشَاةَ الأُخرَى وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشَّعرَى وظاهر أنها مسوقة لبيان لطائف صنعه وعظم قدرته في خلقه.

والأخرى هي الشعرى الشامية.

وهي من صورة كواكب الكلب الأصغر ويسمى الكلب المتقدم أيضاً وهي واقعة على جهة جنوب الجوزاء مشتملة على أربعة عشر كوكباً أحدها من القدر الأول وهو الشعرى الشامية لأن مغيبها من جانب الشام وتسمى غميضاً أيضاً كما أن اليمانية تسمى عبوراً أيضاً، لأن من الأسمر المنقولة من العرب أن الشعريين كانتا أختين لسهيل وتزوج أخوهما سهيل جوزاء فوقع بين سهيل وزوجته جوزاء نزاع فضربها سهيل فكسر ظهرها ففر من الشمال إلى الجنوب ثم أن أخته الشعرى اليمانية ذهبت في أثرها فعبرت من المجرة حتى قربت منه ولذا سمیت عبوراً وأن أخته الأخرى الشعرى الشامية بكت من فراقه حتى عميت عينها ولذا سميت غميضاً.

والمراد من الشعرى هو الأول وإنما كان أيام الشعرى طويلاً شديد الحر لأن الشعرى اليمانية واقعة في أواخر برج الجوزاء فإذا بلغت الشمس إليها كان اليوم قريباً من أطول أيام السنة للآفاق الشمالية لأن الجوزاء من البروج الشمالية.

ثم إن الكواكب الثابتة تتحرك بحركتها الخاصة نحو المغرب، فأسرعها حركة كما في (ص 565 من الزيج البهادري) في ثمانية أيام وثمانية أشهر وإحدى وستين سنة وسطية يقطع درجة واحدة، وأبطأها في سبعة عشر يوماً وثلاثة أشهر واثنتين وثمانين سنة يقطع درجة واحدة، ولذا تنتقل الصور عن مواضعها من البروج فيأتي الفرق بين البرج والصورة ولم يحضرني الآن ذلك الزيج ولا سائر أزياجي أحاسب تقويم الشعرى دقيقاً في سنة غزوة الصفين.

ثم إن تثنية الشعرى شعريان فإذا ثنيت فالمراد بهما الشعرى اليمانية والشامية وفي ديوان المنوچهري الدامغاني:

چو پاسی از شب دیر نده بگذشت *** بر آمد شعریان از کوه موصل

فلنعد إلى القصة:

«خطبة شعث بن قيس»

نصر عن عمرو بن شمر عن جابر عن الشعبي عن صعصعة قال: قام الأشعث بن قيس الكندي ليلة الهرير في أصحابه من كندة فقال:

الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه وأستنصره وأستغفره وأستخيره وأستهديه، فإنه من يهدى الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثم قال: قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي، وما قذفني فيه من العرب فوالله لقد بلغت من السن ما شاء الله أن أبلغ، فما رأيت مثل هذا اليوم قط، ألا فليبلغ الشاهد الغائب إنا نحن توافقنا غداً أنه لفناء العرب وضيعة، ألحرمان أما والله ما أقول هذه المقالة جزعاً من الحتف ولكني رجل أخاف على النساء وعلى الذراري غداً، إذا فنينا اللهم إنك تعلم أني قد نظرت لقومي ولأهل ديني فلم آل وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب والرأي يخطي ويصيب وإذ قضى الله أمراً أمضاه ما أحب العباد أو كرهوا أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

قال: قال:صعصعة: فانطلقت عيون معاوية إليه بخطبة الأشعث فقال: أصاب ورب الكعبة لثن نحن إلتقينا غداً لنمكن الروم على ذرارينا ونسائنا ولنمكن أهل الفارس على نساء أهل العراق وذراريهم، وإنما يبصر هذا ذوو الأحلام والنهي أربط المصاحف على رؤوس الرماح وقلدوها، ألخيل والناس على الرايات قد اشتهوا ما دعوا إليه، ورفع مصحف دمشق الأعظم تحمله عشرة رجال على رؤوس الرماح ونادوا يا أهل العراق بيننا وبينكم.

وأقبل أبو الأعور السلمي على برذون أبيض، وقد وضع المصحف على رأسه ينادي يا أهل العراق كتاب الله بيننا وبينكم.

وأقبل عدي بن خاتم فقال: يا أمير المؤمنين إن كان أهل الباطل لا يقومون بأهل الحق، فإنه لم يصب عصبة منا إلا وقد أصيب مثلها منهم وكل مقروح ولكنا أمثل بقية منهم، وقد جزع القوم وليس بعد الجزع إلا ما تحب فناجز القوم.

فقام الأشتر النخعي فقال: يا أمير المؤمنين إن معاوية لا خلف له من رجاله، ولك بحمد الله الخلف ولو كان له مثل رجالك لم يكن له مثل صبرك ولا بصرك، فأقرع الحديد بالحديد واستعن بالله الحميد.

ثم قام عمرو بن الحمق فقال: يا أمير المؤمنين إنا والله ما اخترناك ولا نصرناك عصبية على الباطل، ولا أجبنا إلا الله عزّ وجلّ ولا طلبنا إلا الحق ولو دعانا غيرك إلى ما دعوت إليه لكان فيه اللجاج، وطالت فيه النجوى وقد بلغ الحق مقطعه وليس لنا معك رأي.

فقام الأشعث بن قيس مغضباً فقال: يا أمير المؤمنين إنا لك اليوم على ما كنا عليه أمس وليس آخر أمرنا كأوله وما من القوم أحد أحنى على أهل العراق ولا أوتر لأهل الشام مني، فأجب القوم إلى كتاب الله فإنك أحق به منهم، وقد أحب الناس البقاء وكرهوا القتال، فقال علي: إن هذا أمر ينظر فيه.

«جزع أهل الشام من أهل العراق وكلام عبد الله بن عمرو»

قال نصر: وذكروا أن أهل الشام جزعوا فقالوا: يا معاوية ما نرى أهل العراق أجابوا إلى ما دعوناهم إليه، فأعدها جذعة فإنك قد غمرت بدعائك القوم وأطمعتهم فيك، فدعا معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص وأمره أين يكلم أهل العراق فأقبل حتى إذا كان بين الصفين نادى يا أهل العراق أنا عبد الله بن عمرو بن العاص إنها قد كانت بيننا وبينكم أمور للدين والدنيا، فإن تكن للدين فقد والله أعذرنا وأعذرتم وإن تكن للدنيا فقد والله أسرفنا وأسرفتم، وقد دعوناكم إلى أمر لو دعوتمونا إليه أجبناكم فإن يجمعنا وإياكم الرضا فذلك، ألله فاغتنموا هذه الفرجة لعله أن يعيش فيها المحترف وينسى فيها القتيل فإن بقاء المهلك بعد الهالك قليل.

«جواب سعيد بن قيس عبد الله بن عمرو بأمر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)»

فخرج سعيد بن قيس الهمداني فأتى علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخبره بقول عبد الله بن عمرو فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): أجب الرجل. فتقدم سعيد بن قيس فقال: يا أهل الشام أنه قد كان بيننا وبينكم أمور حامينا فيها على الدين والدنيا سميتموها غدراً، وسرفاً، وقد دعوتمونا الوم إلى ما قاتلناكم عليه بالأمس، ولم يكن ليرجع أهل العراق إلى عراقهم ولا أهل الشام إلى شامهم بأمر أجمل من أن يحكم بما أنزل الله فالأمر في أيدينا دونكم وإلا فنحن نحن وأنتم أنتم.

وقام الناس إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقالوا: أجب القوم إلى ما دعوك إليه، فإنا قد فنينا ونادى إنسان من أهل الشام في سواد الليل بشعر سمعه الناس وهو:

رؤوس العراق أجب وا الدعاء *** فقد بلغت غاية الشدة

وقد أودت الحرب بالعالمین *** وأهل الحفائظ والنجدة

فلسنا ولستم من المشرکین *** ولا المجمعين على الردة

ولكن أناس لقا مثلهم *** لنا عدة ولهم عدة

فقاتل كل على وجهه *** تقحمه الجد والجدة

فإن تقبلوها ففيها البقاء *** وأمن الفريقين والبلدة

وأن تدفعوها ففيها الفناء *** وكل بلاء إلى مدة

وحتى متى مخض هذا السقاء *** ولا بد أن يخرج الزبدة

ثلاثة رهط هم أهلها *** وإن يسكتوا تخمد الوقدة

سعید بن قيس وكبش العراق *** وذاك المسود من كندة

فحمد هؤلاء النفر المسمون في الصلح قال: فأما السود من يرض بالسكوت بل كان من أعظم الناس قولاً في إطفاء الحرب والركون إلى الموادعة. وأما كبش العراق وهو الأشتر فلم يكن يرى إلا الحرب ولكنه سكت على مضض، وأما سعيد بن قيس فتارة هكذا وتارة هكذا.

قال:نصر: ذكروا أن الناس قالوا أكلنا الحرب وقتلت الرجال وقال: قوم نقاتل القوم على ما قاتلناهم عليه أمس ولم يقل هذا إلا قليل من الناس ثم رجعوا عن قولهم مع الجماعة وثارت الجماعة بالموادعة فقام علي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال:

«إنه لم يزل أمري معكم على ما أحب إلي إن أخذت منكم الحرب وقد والله أخذت منكم وتركت وأخذت من عدوكم وأنها فيهم أنكى وأنهك ألا إني كنت أمس أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأصبحت اليوم مأموراً وكنت ناهياً فأصبحت منهياً، وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون» ثم قعد.

أقول كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) المذكور آنفاً ليس في النهج.

«كلام رؤساء القبائل»

قال نصر: ثم تكلم رؤساء القبائل فأما من ربيعة وهي الجبهة العظمى فقام كردوس بن هاني البكري فقال: أيها الناس إنا والله ما تولينا معاوية منذ تبرئنا منه ولا تبرئنا من علي منذ توليناه وإن قتلانا لشهداء وأن أحياءنا لأبرار وإن علياً لعلى بينة من ربه، وما أحدث إلا الإنصاف وكل محق منصف فمن سلم له نجا ومن خالفه هلك.

ثم قام شقيق بن الثور البكري فقال: أيها الناس إنا دعونا أهل الشام إلى كتاب الله فردوه علينا فقاتلناهم عليه وأنهم دعونا إلى كتاب الله وإن رددناه عليهم حل لهم منا ما حل لنا منهم ولسنا نخاف أن يحيف الله علينا ولا رسوله وأن علياً ليس بالراجع الناقص ولا الشاك الواقف، وهو اليوم على ما كان عليه أمس وقد أكلتنا هذه الحرب ولا نرى البقاء إلا في الموادعة.

ثم قام حريث بن جابر البكري فقال: أيها الناس إن علياً لو كان خلفاً من هذا ا هذا الأمر

لكان المفزع عليه، فكيف وهو قائده وسائقه وأنه والله ما قبل من القوم اليوم إلا ما دعاهم إليه أمس، ولو رده عليهم كنتم له أعنت ولا يلحد في هذا الأمر إلا راجع على عقبيه، أو مستدرج بغرور فما بيننا وبين من طغي علينا إلا السيف.

ثم قام خالد بن المعمر فقال: يا أمير المؤمنين إنا والله ما اخترنا هذا المقام، أن يكون أولى به منا غير أنا جعلناه ذخراً وقلنا أحب الأمور إلينا ما كفينا مؤنته، فأما إذ سبقنا في المقام فإنا لا نرى البقاء إلا فيما دعاك إليه القوم إن رأيت ذلك فإن لم تره فرأيك أفضل.

ثم إن الحصين الربعي وهو من أصغر القوم سنا، قام فقال: أيها الناس إنما بني هذا الدين على التسليم فلا توفروه بالقياس ولا تهموه بالشفقة فإنا والله لولا إنا لا نقبل إلا ما تعرف، لأصبح الحق في أيدينا قليلاً ولو تركنا وما نهوى لكن الباطل في أيدينا كثيراً، وأن لنا داعياً وهو المصدق على ما قال المأمون على ما فعل فإن قال: لا، قلنا لا، وإن قال: نعم، قلنا: نعم. فبلغ ذلك معاوية فبعث إلى مصقلة بن هبيرة فقال: يا مصقلة ما لقيت من أحدٍ ما لقيت من ربيعة:قال ما هم منك بأبعد من غيرهم وأنا باعث إليهم فيما صنعوا فبعث المصقلة إلى الربعيين فقال:

لن يهلك القوم أن تُبدي نصيحتهم *** إلا شقيق أخو ذهل وكردوس

وابن المعمر لا تنفك خطبته *** فيها البيان وأمر القوم ملبوس

أما حريث فإن الله ضلل *** إذ قام معترضاً والمرء كردوس

طاطا حصين هنا في فتنة *** جمحت إن ابن وعلة فيها كان محسوس

منوا علياً ومناهم وقال لهم *** قولاً يهيج له البزل القناعيس

كل القبائل قد أدى نصیحته *** إلا ربيعة رغم القوم محبوس

وقال النجاشي:

أن إلا راقام لا يغشاهم بوس *** ما دافع الله من حوباء كردوس

نمته من ثعلب العليا فوارسها *** تلك الرؤوس وأبناء المرائيس

ما بال كل أمير يستراب به *** دين صحيح ورأي ورأي غير ملبوس

علياً بغدر بذ منه إذا *** ماصرح العذر عن رد الضغاييس

نعم النصير لأهل الحق قد علمت *** عليا معد على أبصار إبليس

قل للذين تزفوا في تعنته *** إن البكارة ليست كالقناعيس

لن تدركوا الدهر كردوساً وأسرته *** بني ثعلبة الحادي وذو العيس

«كلام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما رفع المصاحف»

قال نصر: وفي حديث عمر بن سعد قال: لما رفع أهل الشام المصاحف على الرماح يدعون إلى حكم القرآن قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): عباد الله أنا أحق من أجاب إلى كتاب الله ولكن معاوية، وعمرو بن العاص، وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة، وابن أبي سرح ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني أعرف بهم منكم صحبتهم أطفالاً وصحبتهم رجالاً، فكانوا شر أطفال وشر رجال إنها كلمة حق يراد بها باطل، أنهم والله ما رفعوها إنهم يعرفونها ولا يعلمون بها، وما رفعوها لكم إلا خديعة ومكيدة أعيروني ساعدكم وجماجمكم ساعة واحدة، فقد بلغ الحق مقطعه ولم يبق إلا أن يقطع دابر الذين ظلموا.

فجاءه (عَلَيهِ السَّلَامُ) زهاء عشرين ألفاً مقنعين في الحديد شاكي السلاح سيوفهم على عواتقهم وقد سودت جباههم من السجود يقدمهم مسعر بن فدكي وزيد بن حصين وعصابة من القراء الذين صاروا خوارج من بعد فنادوه باسمه لا بأمرة المؤمنين يا علي أجب القوم إلى كتاب الله إذ دعيت إليه وإلا قتلناك كما قلتنا ابن عفان فوالله لنفعلنها إن لم تجبهم.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهم: ويحكم أنا أول من دعا إلى كتاب الله وأول من أجاب إليه، وليس يحل لي ولا يسعني في ديني أن أدعا إلى كتاب الله فلا أقبله إني إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن، فأنهم قد عصوا الله فيما أمرهم ونقضوا عهده ونبذوا كتابه ولكني قد أعلمتكم أنهم قد كادوكم وأنهم ليسوا العمل بالقرآن يريدون.

قالوا: فابعث إلى الأشتر ليأتينك وقد كان الأشتر صبيحة ليلة الهرير قد أشرف على عسكر معاوية ليدخله.

أقول: كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) المذكور آنفاً: عباد الله أنا أحق من أجاب، وكذا قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ويحكم أنا أول من دعا آه، ليسا في النهج.

قال نصر: فحدثني فضيل بن خديج عن رجل من النخع قال: رأيت إبراهيم بن الأشتر دخل على مصعب بن الزبير فسأله عن الحال كيف كانت؟ فقال: كنت عند علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين بعث إلى الأشتر أن يأتيه، وقد أشرف على عسكر معاوية ليدخله، فأرسل علي يزيد بن هاني أن ايتنى فأتاه فبلغه فقال الأشتر، أيته فقال له: ليس هذه الساعة ينبغي لك أن تزيلني فيها من موقفي أني قد رجوت أن يفتح الله لي فلا تعجلني فرجع يزيد بن هاني إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخبره فما هو إلا أن انتهى إلينا حتى ارتفع الرهج وعلت الأصوات من قبل الأشتر وظهرت دلائل الفتح والنصر لأهل العراق، ودلائل الخذلان والأدبار على أهل الشام، فقال له القوم: والله ما نراك إلا أمرته بقتال القوم قال: رأيتموني ساررت رسولي، أليس إنما كلمته

على رؤوسكم علانية وأنتم تسمعون، قالوا: فابعث إليه فليأتك وإلا فوالله اعتزلناك قال: ويحك يا يزيد قل له أقبل إليَّ فإن الفتنة قد وقعت، فأتاه فأخبره فقال له الأشتر: الرفع هذه المصاحف؟ قال نعم قال: أما والله لقد ظننت أنه حين رفعت ستوقع إختلافاً، وفرفة إنه لمشورة ابن النابغة يعني عمرو بن العاص.

قال: ثم قال ليزيد ألا ترى إلى الفتح ألا ترى إلى ما يلقون ألا ترى إلى الذي يصنع الله لنا أينبغي أن ندع هذا وننصرف عنه ؟ فقال له يزيد أتحب أنك ظفرتها هنا وأن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمكانه الذي هو به يفرج عنه ويسلم إلى عدوه؟ قال: سبحان الله والله ما أحب ذلك. قال: فأنهم قالوا لترسلن إلى الأشتر فليأتك أو لنقتلنك كما قتلنا عثمان أو لنسلمنك إلى عدوك.

«خطاب الأشتر إلى أهل الشام وجوابهم عنه»

قال: فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم فصاح فقال يا أهل الذل والوهن أحين علوتم القوم فظنوا أنكم لهم ظاهرون، ورفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها وقد والله تركوا، ما أمر الله فيها، وسنّة من أنزلت عليه فلا تجيبوهم أمهلوني فواقاً فإني قد أحسب بالفتح قالوا: لا. قال: فأمهلوني عدو الفرس فإني قد طمعت في النصر قالوا: إذا ندخل معك في خطيئتك قال: فحدثوني عنكم وقد قتل أماثلكم وبقي أراذلكم متى كنتم محقين حيث كنتم تقتلون أهل الشام فأنتم الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلون أم الآن محقون فقتلاكم إذن الذين لا تنكرون فضلهم وكانوا خيراً فيكم في النار.

قالوا: دعنا منك يا أشتر قاتلناهم في الله وندع قتالهم في الله إنا لسنا نطيع فاجتنبنا قال عدتم والله فانخدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم يا أصحاب الجباه السود كنا نظن أن صلاتكم زهادة إلى الدنيا وشوق إلى لقاء الله فلا أرى قراركم إلا إلى الدنيا من الموت ألا فقبحتا يا أشباه النيب الجلالة ما أنتم برائين بعده عزا أبداً، فأبعدوا كما بعد القوم الظالمين فسبوه وسبهم وضربوا بسياطهم وجه دابته وضرب بسوطه وجوه دوابهم فصاح بهم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكفوا.

وقال الأشتر: يا أمير المؤمنين أحمل الصف على الصف يصرع القوم فقالوا له: إن علياً أمير المؤمنين قد قبل الحكومة ورضي بحكم القرآن ولم يسعه إلا ذلك.

قال الأشتر: إن كان أمير المؤمنين قد قبل ورضي بحكم القرآن فقد رضيت بما رضي به أمير المؤمنين فأقبل الناس يقولون قد رضي أمير المؤمنين قد قبل أمير المؤمنين وهو ساكت لا يفيض بكلمة مطرق إلى الأرض.

أقول: قال القوم يا علي أجب القوم إلى كتاب الله إذ دعيت إليه وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان. آه إعتراف منهم بأنهم قد قتلوا عثمان بن عفان ولم يكن له (عَلَيهِ السَّلَامُ) يد في قتل عثمان، بل تمسك به ابن آكلة الأكباد وأتباعه من الثعالب الرواغة لتهييج الفتنة وتفريق الكلمة وهدم أساس الدين وتشتيت شمل المسلمين كما مر قول أبي اليقظان عمار بن ياسر رضوان الله عليه في ذلك.

نصر بإسناده عن إبراهيم بن الأشتر قال: قال الناس قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا حكماً، وبعث معاوية أبا الأعور السلمي على برذون أبيض، فسار بين الصفين صف أهل العراق وصف أهل الشام ويقول: كتاب الله بيننا وبينكم. وبينهم.

«كتاب معاوية إلى أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)»

فأرسل معاوية إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن هذا الأمر قد طال بيننا وبينك وكل واحد منا يرى أنه على الحق فيما يطلب من صاحبه ولن يعطي واحد منا الطاعة للآخر وقد قتل فيما بيننا بشر كثير وأنا أتخوف أن يكون ما بقي أشد مما مضى وأنا نسأل عن ذلك الموطن ولا يحاسب به غيري وغيرك فهل لك في أمر لنا ولك فيه حياة وعذر وبراءة وصلاح للأمة وحقن للداء والفة للدين وذهاب للضغائن والفتن أن يحكم بيننا، فإنه خير لي ولك وأقطع لهذه الفتن فاتق الله فيما دعيت له وأرض بحكم القرآن إن كنت من أهله والسلام.

«جواب أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إياه»

فكتب إليه علي بن أبي طالب(عَلَيهِ السَّلَامُ): من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فإن أفضل ما شغل به المرء نفسه أتباع ما حسن به فعله ويستوجب فضله ويسلم من عيبه وأن البغي والزور يزريان بالمرء في دينه ودنياه، ويبديان من خلله عند من يعنيه ما استرعاه الله ما لا يغني عنه تدبيره، فاحذر الدنيا فإنه لا فرح في شيء وصلت إليه منها ولقد علمت أنك غير مدرك ما قضى فواته وقد رام قوم أمراً بغير الحق، فتأولوا على الله تعالى فأكذبهم ومتعهم قليلاً ثم اضطرهم إلى عذاب غليظ، فاحذر يوماً يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله ويندم من أمكن الشيطان من قياده ولم يحاده فغرته الدنيا واطمأن إليها، ثم إنك قد دعوتني إلى حكم القرآن ولقد علمت أنك لست من أهل القرآن إلى حكمه، ولسنا إياك أجبنا من لم يرض بحكم القرآن فقد ضل ضلالاً بعيداً (1)

أقول: كتابه هذا مذكور في النهج في باب كتبه ورسائله الكتاب الثماني والأربعين


1) بحار الأنوار: 538/32، وشجرة طوبى: 343/2.

إلا أنما في النهج بعض ما ذكرنا ها هنا عن نصر

«الكلام في الحكمين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص»

قال نصر: جاءت عصابة من القراء قد سلوا سيوفهم واضعيها على عواتقهم فقالوا: يا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما تنتظر بهؤلاء القوم أن نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم بالحق، فقال لهم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد جعلنا حكم القرآن بيننا وبينهم ولا يحل قتالهم حتى تنظر بما يحكم القرآن.

«كتاب معاوية إلى أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)»

قال: وكتب معاوية إلى علي أما بعد عافانا الله وإياك، فقد آن لك أن تجيب إلى ما فيه صلاحنا وإلفة بيننا، وقد فعلت الذي فعلت وأنا أعرف حقي ولكن اشتريت بالعفو صلاح الأمة ولا أكثر فرحاً بشيء جاء ولا ذهب وإنما دخلني في هذا الأمر القيام بالحق فيما بين الباغي والمبغي عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فدعوت إلى كتاب الله فيما بيننا وبينك، فإنه لا يجمعنا وإياك إلا هو نحيي ما أحيى القرآن ونميت ما أمات القرآن السلام.

«كتاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عمرو بن العاص»

كتب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عمرو بن العاص: أما بعد فإن الدنيا مشغلة عن غيرها ولم يصب صاحبها منها شيئاً إلا فتحت له حرصاً يزيده فيها رغبة ولن يستغنى صاحبها بما نال عالم يبلغه ومن وراء ذلك فراق ما جمع والسعيد من وعظ بغيره فلا تخبط أبا عبد الله أجرك ولا تجار معاوية في باطله.

«جواب عمرو بن العاص علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ)»

فأجابه عمرو بن العاص: أما بعد فإن ما فيه صلاحنا وألفتنا الإنابة إلى الحق، وقد جعلنا القرآن حكماً بيننا فأجبنا إليه وصبر الرجل منا نفسه على ما حكم عليه القرآن وعذره الناس بعد المحاجزة.

«جواب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمرو بن العاص»

فكتب إليه أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): أما بعد فإن الذي أعجبك من الدنيا ما نازعتك إليه نفسك، ووثقت به منها لمنقلب عنك ومفارق لك، فلا تطمئن إلى الدنيا فإنها غرارة ولو اعتبرت بما مضى لحفظت ما بقي وانتفعت بما وعظت به والسلام.

«جواب عمرو بن العاص علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثانياً »

فأجابه عمرو: أما بعد فقد أنصف من جعل القرآن إماماً ودعا الناس إلى أحكامه، فاصبر أبا حسن وأنا غير منيليك إلا ما أنا لك القرآن.

أقول: كتاب أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عمرو بن العاص: أما بعد فإن الدنيا مشغلة عن غيرها، آه يأتي في باب الكتب والرسائل الكتاب التاسع والأربعين وأما جوابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمراً أما بعد فإن الذي أعجبكم آه غير مذكور في النهج.

ثم جاء الأشعث بن قيس إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: ما أرى الناس إلا وقد رضوا وسرهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن، فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد ونظرت ما الذي يسأل؟ قال لي أيته إن شئت، فأتاه فسأله فقال: يا معاوية لأي شيء رفعتم هذه المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه فابعثوا منكم رجلاً ترضون به ونبعث منا رجلاً ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدو أنه ثم نتبع ما اتفقا عليه.

«الإتفاق على الصلح واختلاف أهل العراق في الحكمين»

فقال الأشعث: هذا هو الحق فانصرف إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخبره بالذي قال: وقال الناس قد رضينا وقبلنا، فبعث علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قراء من أهل العراق وبعث معاوية قراء من أمل الشام فاجتمعوا بين الصفين ومعهم المصحف فنظروا فيه وتدارسوه، وأجمعوا على أن يحيوا ما أحيى القرآن وأن يميتوا ما أمات القرآن.

ثم رجع كل فريق إلى أصحابه وقال الناس قد رضينا بحكم القرآن، فقال أهل الشام فأنا قد رضينا واخترنا عمرو بن العاص.

وقال الأشعث والقراء الذين صاروا خوارج فيما بعد فإنا قد رضينا واخترنا أبا موسى الأشعري، فقال له علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إني لا أرضى بأبي موسى ولا أرى أن أوليه، فقال الأشعث ويزيد بن حصين ومسعر بن فدكي في عصابة من القراء إنا لا نرضى إلا به فإنه قد حذرنا ما وقعنا فيه، قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإنه ليس لي برضا وقد فارقني وخذل الناس عني، ثم هرب حتى أمنته بعد أشهر ولكن هذا ابن عباس أوليه ذلك قالوا: والله ما نبالي أنت كنت أو ابن عباس لا نريد إلا رجلاً هو منك ومن معاوية سواء ليس إلى واحد منكما بأدنى من الآخر، قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): فإني أجعل الأشتر قال الأشعث وهل سعر الأرض علينا غير الأشتر وهل نحن إلا في حكم الأشتر، قال له علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وما حكمه؟ قال: حكمه أن يضرب بعضنا بعضاً بالسيوف حتى يكونن ما أردت وما أراد.

نصر عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر محمد بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: لما أراد الناس علياً أن يضع حكمين قال لهم علي إن معاوية لم يكن ليضع لهذا الأمر أحداً هو أوثق برأيه ونظره من عمرو بن العاص، وأنه لا يصلح للقرشي إلا مثله فعليكم بعبد الله بن عباس فارموه به، فإن عمراً لا يعقد عقدة إلا حلها عبد الله ولا يحل عقدة إلا عقدها ولا يبرم أمراً إلا نقضه ولا ينقض أمراً إلا أبرمه فقال الأشعث لا والله لا نحكم فينا مضريان حتى تقوم الساعة ولكن إجعله رجلاً من أهل اليمن إذا جعلوا رجلاً من مضر، فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): إني أخاف أن يخدع يمنيكم فإن عمراً ليس من الله في شيء حتى إذا كان له في أمر هواه، فقال الأشعث: والله لأن يحكما ببعض ما نكره واحدهما من أهل اليمن أحب إلينا من أن يكون ما نحب في حكمهما وهما مضريان.

قال: قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): قد أبيتم إلا أبا موسى؟ قالوا: نعم قال: فاصنعوا ما أردتم فبعثوا إلى أبي موسى وقد اعتزل بأرض من أرض الشام يقال لها عرض واعتزل القتال فأتاه مولى له فقال: إن الناس قد اصطلحوا قال الحمد لله رب العالمين قال: وقد جعلوك حكماً، قال: إن الله وإنا إليه راجعون.

فجاء أبو موسى حتى دخل عسكر علي وجاء الأشتر حتى أتى علياً فقال له: يا أمير المؤمنين ألزني بعمرو بن العاص فوالله الذي لا إله إلا هو غيره لئن ملأت عيني منه لأقتلنه، وجاء الأحنف بن قيس التميمي فقال: يا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنك قد رميت بحجر الأرض ومن حارب الله ورسوله أنف الإسلام وإني قد عجمت هذا الرجل يعني أبا موسى وحلبت أشطره فوجدته كليل الشفرة قريب القعر وأنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يكون في أكفهم ويتباعد منهم حتى يكون بمنزلة النجم منهم، فإن شئت أن تجعلني حكماً فاجعلني فإن شئت أن تجعلني ثانياً أو ثالثاً فإنه لا يعقد عقدة إلا حللتها، ولن يحل عقدة إلا عقدتها وعقدت لك أخرى أشد منها، فعرض على (عَلَيهِ السَّلَامُ) لذلك على الناس فأبوه وقالوا: لا يكون إلا أبا موسى.

«صورة صحيفة الصلح واختلاف الناس في كتابتها»

قال نصر: فلما رضي أهل الشام بعمرو بن العاص ورضي أهل العراق بأبي موسى، أخذوا في كتاب الموادعة ورضوا بالحكم حكم القرآن.

قال أبو جعفر الطبري في تاريخه ونصر بن مزاحم في كتاب الصفين: فكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضي عليه علي أمير المؤمنين فقال معاوية: بئس الرجل أنا إن أقررت أنه أمير المؤمنين ثم قاتلته، وقال عمرو: أكتب إسمه واسم أبيه إنما هو أميركم وأما

أميرنا فلا فلما أعيد إليه الكتاب أمر بمحوه فقال الأحنف: لا تمح إسم أمرة المؤمنين عنك فإني أتخوف إن محوتها لا ترجع إليك أبداً لا تمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضاً فأبى ملياً من النهار أن يمحوها.

ثم إن الأشعث بن قيس جاء فقال: إمح هذا الإسم فقال علي(عَلَيهِ السَّلَامُ): لا إله إلا الله والله أكبر سنة بسنة، إنا والله لعلى يدي راد هذا الأمر يوم الحديبية، حين كتبت الكتاب عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): هذا ما تصالح عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو فقال سهيل: لا أجيبك إلى كتاب تسمى رسول الله ولو علم أنك رسول الله لم أقاتلك إني إذا ظلمتك إن منعتك أن تطوف ببيت الله وأنت رسول الله ولكن أكتب محمد بن عبد الله أجيبك، فقال محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): يا علي إني لرسول الله وإني لمحمد بن عبد الله ولن يمحو عن الرسالة كتابي إليهم من محمد بن عبد الله فاكتب محمد بن عبد الله فراجعني المشركون في عهد إلى مدة فاليوم أكتبها إلى أبنائهم كما كتبها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى آبائهم سنة ومثلاً.

فقال عمرو بن العاص: سبحان الله ومثل هذا أتشبهنا بالكفار ونحن مؤمنون، فقال له علي: يا ابن النابغة ومتى لم تكن للكافرين ولياً وللمسلمين عدواً، وهل تشبه إلا أمك التي وضعت بك؟ فقام عمرو فقال: والله لا يجمع بيني وبينك مجلس أبداً بعد هذا اليوم، فقال علي: والله إني لأرجو أن يظهر الله عليك وعلى أصحابك، ثم جاءت عصابة قد وضعوا سيوفهم على عواتقهم فقالوا: يا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مرنا بما شئت فقال لهم ابن حنيف أيها الناس اتهموا رأيكم فوالله لقد كنا مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوم الحديبية ولو نرى قتالاً لقاتلنا وذلك في الصلح الذي صالح عليه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

نصر بإسناده عن علقمة بن قيس النخعي قال: لما كتب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الصلح يوم صالح معاوية فدعا الأشتر ليكتب فقال قائل أكتب بينك وبين معاوية فقال: إني والله لأنا كتبت الكتاب بيدي يوم الحديبية وكتبت بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل: لا أرضى أكتب باسمك اللهم فكتبت هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو، فقال: لو شهدت أنك لرسول الله وأن رغم أنفك فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): أكتب ما يأمرك إن لك مثلها ستعطيها وأنت مضطهد (1).

وفي الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري قال في الاختلاف في كتابة صحيفة الصلح وكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضي عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان.فقال أبو الأعور: أو معاوية، وعلي فقال الأشعث: لا لعمر الله ولكن نبدأ


1) المسترشد 391، وبحار الأنوار: 542/32.

بأولهما إيماناً وهجرة وأدناه ما من الغلبة فقال معاوية: قدموا أو أخروا (1).

قال أبو جعفر الطبري في تاريخه فكتب كتاب القضية بين علي، ومعاوية فيما قيل يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة 37 من الهجرة وقال نصر يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين أما صورة تلك الصحيفة فقال نصر بن مزاحم المنقري في كتاب الصفين فكتبوا:

هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما فيما تراضيا به من الحكم بكتاب الله وسنّة نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قضية علي على أهل العراق ومن كان من من شيعته من شاهد أو غائب إنا رضينا أن ننزل عند حكم القرآن فيما حكم وأن نقف عند أمره فيما أمر، وأنه لا يجمع بيننا إلا ذلك وإنا جعلنا كتاب الله فيما بيننا حكماً فيما اختلفنا فيه من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيى ونميت ما أمات على ذلك تقاضياً وبه تراضياً وأن علياً وشيعته رضوا أن يبعثوا عبد الله بن قيس ناظراً ومحاكماً على أنهم أخذوا عليهما عهد الله وميثاقه وأعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه، ليتخذا الكتاب إماماً فيما بعث له لا يعدوانه إلى غيره في الحكم بما وجداه فيه مسطوراً وما لم يجداه مسمى في الكتاب رداه إلى سنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الجامعة لا يتعمدان لها خلافاً ولا يتبعان في ذلك لهما هوى ولا يدخلان في شبهة وأخذ عبدالله بن قيس وعمرو بن العاص على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومعاوية عهد الله وميثاقه بالرضا بما حكما به من كتاب الله وسنّة نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وليس لهما أن ينقضا ذلك ولا يخالفاه إلى غيره وأنهما آمنان في حكومتها على دمائهما وأموالهما وأهلهما ما لم يعدوا الحق رضي بذلك راض أو أنكره منكر، وأن الأمة أنصار لهما على ما قضيا به من العدل فإن توفي أحد الحكمين قبل انقضاء الحكومة فأمير شيعته وأصحابه يختارون مكانه رجلاً لا يألون عن أهل المعدلة والأقساط على ما كان عليه صاحبه من العهد والميثاق والحكم بكتاب الله وسنة رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وله مثل شرط صاحبه وإن مات أحد الأميرين قبل القضاء فلشيعته أن يولوا مكانه رجلاً يرضون عدله وقد وضعت القضية ومعها الأمن والتفاوض ووضع السلاح والسلام والموادعة وعلى الحكمين عهد الله وميثاقه أن لا يألوا اجتهاداً ولا يتعمدا جواباً ولا يدخلا في شبهة ولا يعدوا حكم الكتاب وسنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فإن لم يفعلا برأت الأمة من حكمهما ولا عهد لهما لا ذمة وقد وجبت القضية على ما قد سمي في هذا الكتاب مع مواقع الشروط عى الأميرين والحكيمن والفريقين والله أقرب شهيداً وأدنى حفيظاً، والناس آمنون على أنفسهم وأهليهم وأموالهم إلى انقضاء مدة الأجل والسلاح موضوع والسبل مخلاة والغائب والشاهد


1) الإمامة والسياسة: 152/1.

من الفريقين سواء في الأمن، وللحكمين أن ينزلا منزلاً عدلاً بين أهل العراق وأهل الشام ولا يحضرهما فيه إلا من أحبا عن ملا منهما وتراض وأن المسلمين قد أجلوا القاضيين إلى انسلاخ رمضان فإن رأى الحكمان تعجيل الحكومة فيما وجها له عجلاها، وأن أرادا تأخيره بعد رمضان إلى انقضاء الموسم فإن ذلك إليهما، فإن هما لم يحكما بكتاب الله وسنّة نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى انقضاء المرسم فالمسلمون على أمرهم الأول في الحرب ولا شرط بين واحد من الفريقين وعلى الأمة عهد الله وميثاقه على التمام والوفاء بما في هذا الكتاب، وهم يد على من أراد فيه إلحاداً وظلماً أو حاول له نقضاً.

فكتب أهل العراق كتاباً لأهل الشام وكتب أهل الشام كتاباً بهذا لأهل العراق، وشهد شهود أهل الشام على أهل العراق وشهد شهود أهل العراق على أهل الشام (1).

وقال ابن قتيبة الدينوري في الإمامة والسياسة: إن الكتاب كان بخط عمرو بن عبادة كاتب معاوية.

نصر عن عمر بن سعد قال: حدثني أبو إسحاق الشيباني قال: قرأت كتاب الصلح عند سعيد بن أبي بردة في صحيفة صفراء عليها خاتمان خاتم من أسفلها وخاتم من أعلاها ؛ في خاتم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) محمد رسول الله وفي خاتم معاوية محمد رسول الله فقيل لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين أراد أن يكتب الكتاب بينه وبين معاوية وأهل الشام أتقر أنهم مؤمنون مسلمون؟ فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما أقر لمعاوية ولا لأصحابه أنهم مؤمنون ولا مسلمون ولكن يكتب معاوية ما شاء ويقر بما شاء لنفسه وأصحابه ويسمى نفسه وأصحابه ما شاء.

«كلام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين أقر الناس بالصلح»

نصر عن عمر بن سعد عن إسحاق بن يزيد عن الشعبي: أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) صفين قال يوم حين أقر الناس بالصلح: إن هؤلاء القوم لم يكونوا ليفيؤا (لينيبوا - خ ل) إلى الحق ولا ليجيبوا إلى كلمة السواء حتى يرموا بالمناسر تتبعها العساكر وحتى يرجموا بالكتائب تقفوها الحلائب، وحتى يجر ببلادهم الخميس يتلوه الخميس حتى تدعق الخيول في نواحي أرضهم وبإحناء مساربهم ومسارحهم، وحتى تشن عليهم الغارات من كل فج وحتى تلقاهم قوم صدق صبر لا یزیدهم هلاك من هلك من قتلاهم، وموتاهم في سبيل الله إلا جداً في طاعة الله وحرصاً على لقاء الله ولقد كنا مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) نقتل (2)آبائنا وأبنائنا وإخواننا وأعمامنا ما


1) الإمامة والسياسة: 153/1.

2) في نسخة فقتل.

يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً ومضياً على أمض الألم وجداً على جهاد العدو والإستقلال بمبارزة الأقران ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون فمرة لنا من عدونا ومرة لعدونا منا، فلما رآنا الله صبراً صدقاً أنزل الله بعدونا الكبت وأنزل علينا النصر ولعمري لو كنا نأتي مثل الذي أتيتم ما قام الدين ولا عز الإسلام وأيم الله لتجلبنها دماً فاحفظوا ما أقول لكم يعني الخوارج.

أقول: بعض كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا مذكور في النهج في باب الخطب الخطبة الإثنتين والعشرين والمائة وأتى بفصل من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين رجع أصحابه عن القتال بصفين لما اغترهم معاوية برفع المصاحف فانصرفوا عن الحرب الشيخ المفيد (قُدِّسَ سِرُّهُ) في الإرشاد وهو:

لقد فعلتم فعلة ضعضعت من الإسلام قواه وسقطت منته وأورثت وهنا وذلة لما كنتم الأعلين وخاف عدوكم الإجتياح واستخر بهم القتل ووجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف، ودعوكم إلى ما فيها ليفيؤوكم عنهم ويقطعوا الحرب فيما بينكم وبينهم، ويتربصوا بكم ريب المنون خديعة ومكيدة فما أنتم إن جامعتموهم على ما أحبوا وأعطيتموهم الذين سألوا إلا المغرورين وأيم الله ما أظنكم بعد موافقي رشد ولا مصيب حزم.

«كلام الأشتر لما دعى للصحيفة»

قال نصر بإسناده عن عمار بن ربيعة الجرمي: لما كتبت الصحيفة دعى الصحيفة دعى لها الأشتر فقال: لا صحبتني يميني ولا نفعتني بعدها الشمال إن كتب لي في هذه الصحيفة إسم على صلح ولا، موادعة، أو لست على بينة من ربي ويقين من ضلالة عدوي، أو لستم قد رأيتم الظفران لم تجمعوا على الخور؟ فقال له رجل من الناس إنك والله ما رأيت ظفراً ولا خوراً هلم فأشهد على نفسك وأقرر بما كتب في هذه الصحيفة فإنه لا رغبة بك عن الناس فقال: بلى والله إن بي الرغبة عنك في الدنيا للدنيا وفي الآخرة للآخرة، ولقد سفك الله بسيفي هذا دماء رجال ما أنت بخير منهم عندي ولا أحرم دماً، فقال عمار بن ربيعة فنظرت إلى ذلك الرجل وكأنما قصع على أنفه الحمم وهو الأشعث بن قيس ثم قال: ولكن قد رضيت بما صنع علي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ودخلت فيما دخل فيه وخرجت ما خرج منه فإنه لا يدخل إلا في هدى وصواب.

«كلام أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الله في الأشتر رضوان الله عليه»

نصر عن عمر عن فضيل بن خديج قال: قيل لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ): لم اكتب الصحيفة إن الأشتر لم يرض بما في هذه الصحيفة ولا يرى إلا قتال القوم فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلى، إن الأشتر 293

ليرضى إذا رضيت وقد رضيت ورضيتم ولا يصلح الرجوع بعد الرضا ولا التبديل بعد الإقرار إلا أن عصى الله ويتعدى ما ويتعدى ما في كتابه، وأما الذي ذكرتم من تركه أمري وما أنا عليه فليس من أولئك وليس أتخوفه على ذلك وليت مثله إثنان بل ليت فيكم مثله واحد يرى في عدوه مثل رأيه إذاً لخفت على مؤتتكم ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم، وقد نهيتكم عما أتيتم فعصيتموني وكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن:

وهل أنا إلا من غزية إن غوت *** غويت وإن ترشد غزية أرشد

فقالت طائفة ممن معه: ونحن ما فعلنا يا أمير المؤمنين إلا ما فعلت قال نعم فلم كانت إجابتكم إياهم إلى وضع الحرب عنا، وأما القضية فقد استوثقنا لكم فيها وقد طمعت ألا تضلوا إن شاء الله رب العالمين.

ثم قالا: وكان الكتاب في صفر والأجل في شهر رمضان لثمانية أشهر يلتقي الحكمان ثم أن الناس أقبلوا على قتلاهم يدفنونهم.

أقول: أتى بكلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا الشيخ المفيد رضوان الله عليه في الإرشاد مع اختلاف يسير في بعض العبائر.

قال المسعودي: ولما وقع التحكيم تباغض القوم جميعاً يتبرأ الأخ من أخيه الابن من أبيه، وأمر علي ما لحقه بالرحيل لعلمه باختلاف الكلمة وتفاوت الرأي وعدم النظام لأمورهم، من الخلاف منهم وكثرة التحكيم في جيش أهل العراق وتضارب القوم بالمقارع ونعال السيوف وتسابوا ولام كل فريق منهم الآخر في رأيه وسار علي يؤم الكوفة، ولحق معاوية بدمشق من أرض الشام وفرق عسكره فلحق كل جند منهم ببلده.

وبالجملة لما اختار أهل العراق أبا موسى الأشعري واختار أهل الشام عمرو بن العاص، تفرق أهل صفين حين حكم الحكمان واشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن ويخفضا ما خفض القرآن وأن يختارا لأمة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأنهما مجتمعان بدومة الجندل وهي على عشرة أميال من دمشق فإن لم يجتمعا لذلك إجتمعا من العام المقبل بأذرح.

«إجتماع الفريقين والحكمين بدومة الجندل»

قال:نصر: إن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعث أربعمائة رجل وبعث عليهم شريح بن هاني الحارثي، وبعث عبد الله بن عباس يصلي بهم ويلي أمورهم وأبو موسى الأشعري معهم، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة رجل - إلى أن قال-: ثم إنهم خلوا بين الحكمين فكان رأى عبد الله بن قيس أبي موسى في عبد الله بن عمر بن الخطاب وكان يقول: والله إن استطعت لأحيين سنة عمر.

«وما وصی به شريح بن هاني أبا موسى»

قال نصر: وفي حديث محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال: لما أراد أبو موسى السير قام شريح بن هاني فأخذ بيد أبي موسى فقال: يا أبا موسى إنك قد نصبت لأمر عظيم لا يجبر صدعه ولا يستقل فتقه ومهما تقل شيئاً لك أو عليك ثبت حقه ويزول باطله، وأنه لا بقاء لأهل العراق إن ملكه، معاوية ولا بأس على أهل الشام إن ملكها علي، وقد كان منك تشبيطة أيام قدمت الكوفة فإن تشفعها بمثلها يكن الظن بك يقيناً والرجاء منك يأساً. ثم قال شريح في ذلك شعراً:

أبا موسى رمیت بشر خصم *** فلا تضع العراق فدتك نفسی

واعط الحق شامهم وخذه *** فإن اليوم في مهل كأمس

وإن غداً يجيء بما علیه *** يدور الأمر من سعد و نحس

ولا يخدعك عمرو إن عمراً *** عدو الله مطلع كل شمس

له خدع يحار العقل فيها *** مموهة مزخرفة فة بلبس

فلا تجعل معاوية بن حرب *** كشيخ في الحوادث غیر نکس

هداء الله للإسلام فرداً *** سوى بنت النبي وأي عرس

قال: نصر في غير كتاب ابن عقبة: سوى عرس النبي وأي عرس.

«ما قال أبو موسى في جوابه»

فقال أبو موسى ما ينبغي لقوم إنهموني أن يرسلوني لأدفع عنهم باطلاً أو أجر إليهم حقاً.

«ما وصى به الأحنف بن قيس أبا موسى»

قال نصر: وكان آخر من ودع أبا موسى الأحنف بن قيس أخذ بيده ثم قال له: يا أبا موسى أعرف خطب هذا الأمر واعلم أن له ما بعده وأنك إن ضيعت العراق فلا عراق، فاتق الله فإنها تجمع لك دنياك وآخرتك وإذا لقيت عمراً غداً فلا تبدأه بالسلام فإنها وإن كانت سنة إلا أنه ليس من أهلها ولا تعطه بيدك فإنها، أمانة، وإياك أن يقعدك على صدر الفراش، فإنها خدعة وتلقه وحده واحذره أن يكلمك في بيت فيه مخدع تخبأ فيه الرجال والشهود، ثم أراد يبور ما في نفسه لعلي فقال له: فإن لم يستقم لك عمرو على الرضا بعلي فخيره أن يختار أهل العراق من قريش الشام من شاؤوا فأنهم يولونا الخير أن فنختار من نريد وإن أبوا فليخير أهل الشام من قريش العراق من شاؤوا فإن فعلوا كان الأمر فينا.

قال أبو موسى: قد سمعت ما قلت ولم يتحاش لقول الأحنف. فرجع الأحنف فأتي عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال يا أمير المؤمنين أخرج والله أبو موسى زبدة سقائه في أول مخضه لا أرانا إلا بعثنا رجلاً لا ينكر خلعك. فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يا أحنف إن الله غالب على أمره.

«بعث الصلتان أشعاراً من الكوفة إلى دومة الجندل»

قال نصر: وفشا أمر الأحنف وأبي موسى في الناس - إلى أن قال-: وبعث الصلتان العبدي وهو بالكوفة بأبيات إلى دومة الجندل:

لعمرك لا ألقى مدى الدهر خالعاً *** علياً بقول الأشعري ولا عمرو

فإن يحكما بالحق نقبله منهما *** وإلا أثرناها كراغية البكر

ولسنا نقول الدهر ذاك إليهما *** وفي ذاك لو قلناه قاصمة الظهر

ولكن نقول الأمر بالحق كله *** إليه في كفيه عاقبة الأمر

وما اليوم إلا مثل أمس وإننا *** لفي رهق الضحضاح أو لجة الأمر

فلما سمع الناس قول الصلتان شحذهم ذلك على أبي موسى واستبطائه القوم وظنوا به الظنون، وأطبق الرجلان بدومة الجندل لا يقولان شيئاً.

«قصة سعد بن أبي وقاص وابنه عمر»

قال نصر: وكان سعد بن أبي وقاص قد اعتزل علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومعاوية، فنزل على ماء لبني سليم بأرض البادية يتشوف الأخبار وكان رجلاً له بأس ورأي في قريش ولم يكن له في علي ولا معاوية هوى، فأقبل راكب يوضع من بعيد فإذا هو بابنه عمر بن سعد فقال: يا أبي إلتقى الناس بصفين فكان بينهم ما قد بلغك حتى تفانوا ثم حكموا الحكمين عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص وقد حضر ناس من قريش عندها وأنت من أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومن أهل الشورى، ومن قال له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): إتقوا دعواته ولم تدخل في شيء مما تكن هذه الأمة فاحضر دومة الجندل فإنك صاحبها غداً فقال: مهلاً يا عمر إني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول: يكون من بعدي فتنة خير الناس فيها الخفي التقي، وهذا الأمر لم أشهد أوله ولن أشهد آخره ولو كنت غامساً يدي في هذا الأمر غمستها مع علي. قد رأيت القوم حملوني على حد السيف فاخترته على النار، فأقم عند أبيك ليلتك هذه فراجعه عمر حتى طمع في الشيخ فلما جنه الليل رفع صوته ليسمع أبوه فقال:

دعوت أباك ال يوم والله للذي *** دعاني إليه القوم والأمر مقبل

فقلت لهم للموت أهون جرعة *** من النار فاستبقوا أخاكم أو اقتلوا

فكفوا وقالوا إن سعد بن مالك *** مزخرف جهل والمجهل أجهل

فلما رأيت الأمر قد جد جده *** وكاشفنا يوم أغر مخجل

هريت بديني والحوادث جمة *** وفي الأرض أمن واسع ومعول

فقلت معاذ الله من شر فتنة *** لها آخر لا يستقال وأول

ولو كنت يوماً لا محالة وافداً *** تبعت علياً والهوى حيث يجعل

ولكنني زاولت نفساً شحيحة *** على دينها تأبى علي وتبخل

فأما ابن هند فالتراب بوجهه *** وإن هواي عن هـواه لأمیل

فيا عمر ارجع بالنصيحة إنني *** سأصبر هذا العام والصبر أجمل

فارتحل عمر وقد استبان له أمر أبيه (1).

أقول: عمر بن سعد هذا هو الذي أطاع أهل الشقاق والنفاق وحملة الأوزار المستوجبين النار، وتوازر على الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كربلاء، وقد أخبر بذلك أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما ورد في غير واحد من الأخبار.

في الإرشاد للمفيد والإحتجاج للطبرسي رضوان الله عليهما عن زكريا بن يحيى القطان عن فضل بن زبير عن أبي الحكم قال سمعت مشيختنا وعلماءنا يقولون خطب علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال في خطبة: سلوني قبل أن تفقدوني فوالله لا تسألوني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة إلا نبأتكم بناعقها وسايقها إلى يوم القيامة فقام إليه رجل فقال: أخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر فقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) والله لقد حدثني خليلي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بما سئلت عنه وأن على كل طاقة شعر من رأسك ملكاً يلعنك وعلى كل طقة شعر من لحيتك شيطاناً يستفزك وأن في بيتك لسخلا يقتل ابن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وآية ذلك مصداق ما أخبرتك به ولولا أن الذي سئلت عنه يعسر برهانه لأخبرتك به ولكن آية ذلك ما نبأت به من لعنتك وسخلك الملعون. ما

ثم قالا: وكان ابنه في ذلك الوقت صبياً صغيراً يحبو فلما كان من أمر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ماكان تولي قتله وكان الأمر كما قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

ذلك الرجل السائل هو سعد بن أبي وقاص وذلك السخل هو ابنه عمر كما صرح بهما في كثير من الأخبار.


1) وقعة صفين: 539.

2) الإحتجاج: 389/1، والإرشاد: 331/1.

«إرسال معاوية المغيرة بن شعبة إلى دومة الجندل»

قال نصر: وقد كانت الأخبار أبطأت على معاوية فبعث إلى رجال من قريش من الذين كرهوا أن يعينوه في حربه: إن الحرب قد وضعت أوزارها والتقى هذان الرجلان بدومة الجندل فأقدموا عليّ فأتاه عبد الله بن الزبير، وعبد الله وعبد الله بن عمر وأبو الجهم بن حذيفة وعبد الرحمن بن الأسود بن يغوث الزهري وعبد الله بن صفوان الجمحي ورجل من قريش وأتاه المغيرة بن شعبة وكان مقيماً بالطائف لم يشهد صفين، فقال: يا مغيرة ما ترى؟ قال: يا معاوية لو وسعني أن أنصرك لنصرتك ولكن عليّ أن آتيك بأمر الرجلين فركب حتى أتى دومة الجندل فدخل على أبي موسى كأنه زائر له فقال: يا أبا موسى ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر وكره الدماء؟ قال: أولئك خير الناس خفت ظهورهم من دمائهم وخمصت بطونهم من أموالهم.

ثم أتى عمرا فقال: يا أبا عبد الله ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر وكره هذه الدماء؟ قال: أولئك شر الناس لم يعرفوا حقاً ولم ينكروا باطلاً، فرجع المغيرة إلى معاوية فقال له: قد ذقت الرجلين أما عبد الله بن قيس فخالع صاحبه وجاعلها الرجل لم يشهد هذا الأمر وهواه في عبد الله بن عمر، وأما عمرو فهو صاحبك الذي تعرف وقد ظن الناس أنه يرومها لنفسه وأنه لا يرى أنك أحق بهذا منه.

«إبتداء المكالمة والمشاجرة بين أبي موسى وعمرو بن العاص»

قال نصر: أقبل أبو موسى إلى عمرو فقال: يا عمر وهل لك في أمر هو للأمة صلاح ولصلحاء الناس رضا يتولى هذا الأمر عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي لم يدخل في شيء من هذه الفتنة ولا هذه الفرقة؟ وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير قريبان يسمعان هذا الكلام فقال عمرو فأين أنت عن معاوية؟ فأبى عليه أبو موسى وشهدهم عبد الله بن هشام وعبد الرحمن بن يغوث وأبو الجهم بن حذيفة العدوي والمغيرة بن شعبة. فقال عمرو: ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوماً؟ قال بلى قال: أشهدوا فما يمنعك يا أبا موسى من معاوية ولي عثمان وبيته في قريش ما قد علمت فإن خشيت أن يقول الناس ولي معاوية وليست له سابقة، فإن لك بذلك حجة تقول إني وجدته ولي عثمان الخليفة المظلوم الطالب بدمه الحسن السياسة الحسن التدبير وهو أخو أم حبيبة أم المؤمنين زوج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وقد صحبه وهو أحد الصحابة ثم عرض له بالسلطان فقال: إن هو ولي الأمر أكرمك كرامة لم يكرمك أحد قط.

فقال أبو موسى: إتق الله يا عمرو أما ذكرك شرف معاوية فإن هذا الأمر ليس على

الشرف يولاه أهله ولو كان على الشرف كان أحق الناس بهذا الأمر أبرهة بن الصباح، إنما هو لأهل الدين والفضل مع إني لو كنت أعطيته أفضل قريش شرفاً أعطيته علي بن أبي طالب وأما قولك أن معاوية ولي عثمان فوله هذا الأمر فإني لم أكن أوليه معاوية وأدع المهاجرين الأولين، وأما تعريضك بالسلطان فوالله لو خرج لي من سلطانه ما وليته ولا كنت لأرتشي في الله، ولكنك إن شئت أحيينا سنة عمر بن الخطاب وفي رواية أخرى: إنه قال: والله إن استطعت لأحيين إسم عمر بن الخطاب.

فقال عمرو بن العاص: إن كنت تريد أن تبايع ابن عمر فما يمنعك من إبني وأنت تعرف فضله وصلاحه؟ قال: إن إبنك رجل صدق ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة.

قال أبو موسى لعمرو: إن شئت ولينا هذا الأمر الطيب بن الطيب عبد الله بن عمر، فقال عمرو: إن هذا الأمر لا يصلح له إلا رجل ضرس يأكل ويطعم وأن عبد الله ليس هناك وكانت في أبي موسى غفلة. فقال ابن الزبير لابن عمر: إذهب إلى عمرو بن العاص فأرشه. فقال عبد الله بن عمر لا والله ما أرشو عليها أبداً ما عشت ولكنه قال له ويلك يا ابن العاص، إن العرب قد أسدت إليك أمرها بعد ما ظ تقارعت بالسيوف وتشاجرت بالرماح فلا تردهم في فتنة واتق الله.

«ما أوصى به أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عمرو بن العاص»

نصر قال: عمر عن أبي زهير العبسي عن النضر بن صالح قال: كنت مع شريح بن هاني في غزوة سجستان فحدثني أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص قال له: قل لعمرو إن أنت لقيته إن علياً يقول لك:

إن أفضل الخلق عند الله من كان العمل بالحق أحب إليه وإن نقصه وإن أبعد الخلق من كان العمل بالباطل أحب إليه وإن زاده، والله يا عمرو إنك لتعلم أين موضع الحق فلم تتجاهل أبان أوتيت طمعاً يسيراً؟ فكنت الله ولأوليائه عدواً فكان والله ما أوتيت قد زال عنك فلا تكن للخائنين خصيماً ولا للظالمين ظهيراً، أما إني أعلم أن يومك الذي أنت فيه نادم هو يوم وفاتك، وسوف تتمنى أنك لم تظهر لمسلم عداوة ولم تأخذ على حكم رشوة.

قال شريح: فأبلغته ذلك فتعمر وجه عمرو وقال: ومتى كنت أقبل مشورة علي أو أنيب إلى أمره أو أعتد برأيه، فقلت: وما يمنعك يا ابن النابغة أن تقبل من مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مشورته، لقد كان من هو خير منك أبو بكر وعمر يستشيرانه ويعملان برأيه فقال: إن مثلي لا يكلم إلا مثلك فقلت: بأي أبويك ترغب عن كلامي بأبيك الوسيط يأمك النابغة؟ فقام من مكانه وقمت.

«روغان عمرو بن العاص ومكره في خلع أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونصب معاوية واغترار أبي موسى»

قال نصر: قال عمر بن سعد قال: حدثني أبو خباب الكلبي إن عمراً، وأبا موسى حيث التقيا بدومة الجندل أخذ عمر ويقدم عبد الله بن قيس في الكلام، ويقول إنك قد صحبت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قبلي وأنت أكبر مني فتكلم ثم أتكلم وكان عمر وقد أعد أبا موسى يقدمه في كل شيء وإنما اغتره بذلك ليقدمه فيبدأ بخلع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فنظرا في أمرهما وما اجتمعا عليه فأراده عمرو على معاوية فأبى، وأراده على ابنه فأبى، وأراده أبو موسى على عبد الله بن عمر ر فأبى عليه عمر، قال: فأخبرني ما رأيك يا أبا موسى؟ قال: رأيي أن أخلع هذين الرجلين علياً، ومعاوية ثم نجعل هذا الأمر شورى بين المسلمين يختارونه لأنفسهم من شاؤوا ومن أحبوا فقال له عمرو الرأي ما رأيت وقال:عمرو يا أبا موسى إنه ليس أهل العراق بأوثق بك من أهل الشام لغضبك لعثمان وبغضك للفرقة وقد عرفت حال معاوية في قريش وشرفه في عبد مناف وهو ابن هند وابن أبي سفيان فما ترى؟ قال: أرى خيراً أما ثقة أهل الشام بي فكيف يكون ذلك وقد سرت إليهم مع علي، وأما غضبي لعثمان فلو شهدته لنصرته وأما بغضي للفتن فقبح الله، الفتن وأما معاوية فليس بأشرف من علي وباعده أبو موسى فرجع عمرو مغموماً فخرج عمرو ومع ابن عم له غلام شاب وهو يقول:

یا عمرو إنك للأمور مجرب *** فارفق ولا تقذف برأيك أجمع

واستبق منه ما استطعت فإنه *** لاخير في رأي إذا لم نفع

واخلع معاوية بن حرب خدعة *** يخلع علياً ساعة وتصنع

واجعله قبلك ثم قل من بعده *** إذهب فمالك في ابن هند مطمع

تلك الخديعة إن أردت خداعه *** والراقصات إلى منى خذ أودع

فافترضها عمرو:وقال يا أبا موسى ما رأيك؟ قال: رأيي أن أخلع هذين الرجلين ثم يختار الناس لأنفسهم من أحبوا فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون فتكلم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه فقال: إن رأيي ورأي عمرو قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر هذه الأمة قال:عمرو صدق ثم قال يا أبا موسى فتكلم فتقدم أبو موسى ليتكلم، فدعاه ابن عباس فقال: ويحك والله إني لأظنه قد خدعك إن كنتما قد اتفقتما على أمر، فقدمه قبلك فيتكلم بذلك الأمر قبلك ثم تكلم أنت بعده، فإن عمراً رجل غدار ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه فإذا قمت به في الناس خالفك، وكان أبو موسى رجلا مغفلاً فقال: إنا قد اتفقنا فتقدم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

يا أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة، فلم نر شيئاً هو أصلح لأمر هؤلاء وألم لشعثها أن لا أمورها كذا) وقد أجمع رأيي ورأي صاحبي عمر وعلي خلع علي ومعاوية ونستقبل هذا الأمر، فيكون شورى بين المسلمين فيولون أمورهم من أحبوا وأني قد خلعت علياً ومعاوية فاستقبلوا أمركم وولوا من رأيتم له أهلاً ثم تنحى فقعد.

وقام عمرو بن العاص مقامه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا قال قد سمعتم وخلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية فإنه ولي عثمان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه فقال له أبو موسى مالك لا وفقك الله قد غدرت وفجرت وإنما مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث إلى آخر الآية فقال له:عمرو: إنما مثلك مثل الحمار يحمل أسفارا إلى آخر الآية، وحمل شريح بن هاني على عمرو فقنعه بالسوط، وحمل على شريح ابن لعمرو فقر به بالسوط وقام الناس فحجزوا بينهم، فكان شريح يقول بعد ذلك ما ندمت على شيء ندامتي أن لا ضربته بالسيف بدل السوط أتى الدهر بما أتى به والتمس أصحاب علي أبا موسى فركب ناقته فلحق بمكة، فكان ابن عباس:يقول: قبح الله أبا موسى حذرته وأمرته بالرأي فما عقل، وكان أبو موسى يقول: قد حذرني ابن عباس غدرة الفاسق ولكن اطمأننت إليه، وظننت أنه لن يؤثر شيئاً على نصيحة الأمة، ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة ورجع ابن عباس وشريح بن هاني إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال أصحاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإنا اليوم لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما كنا عليه أمس (1).

وفي الإمامة والسياسة للدينوري بعد نقل طائفة مما قال عمرو لأبي موسى: قال عمرو له: فهل لك أن تخلعهما جميعاً وتجعل الأمر لعبد الله بن عمر، فقد صحب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولم يبسط في هذه الحرب يداً ولا لساناً، وقد علمت من هو مع فضله وزهده وورعه وعلمه ؟

فقال أبو موسى: جزاك الله بنصيحتك خيراً وكان أبو موسى لا يعدل بعبد الله بن عمر أحداً، لمكانه من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومكانه من أبيه لفضل عبد الله في نفسه، وافترقا على هذا واجتمع رأيهما على ذلك.

ثم إن عمراً غدا على أبي موسى بالغد وجماعة الشهود فقال: يا أبا موسى ناشدتك الله تعالى من أحق بهذا الأمر من أوفى أو من غدر ؟ قال أبو موسى من أوفى قال عمرو: يا أبا موسى ناشدتك الله تعالى ما تقول في عثمان؟ قال أبو موسى قتل مظلوماً، قال عمرو: فما الحكم فيمن قتل ؟ قال أبو موسى يقتل بكتاب الله تعالى قال فمن يقتله؟ قال: أولياء عثمان قال: فإن الله يقول في كتابه العزيز وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيهِ سُلْطَنَا، قال:


1) شرح الأخبار: 8/2، وبحار الأنوار: 302/33.

فهل تعلم أن معاوية من أولياء عثمان؟ قال: نعم. قال عمرو للقوم: أشهدوا. قال أبو موسى للقوم: أشهدوا: أشهدوا على ما يقول عمرو.

ثم قال أبو موسى لعمرو: قم يا عمرو فقل وصرح بما اجتمع عليه رأيي ورأيك وما اتفقنا عليه فقال عمرو: سبحان الله أقوم قبلك وقد قدمك الله قبلي في الإيمان والهجرة وأنت وافد أهل اليمن إلى رسول الله، ووافد رسول الله إليهم وبك هداهم الله وعرفهم شرائح دينه وسنّة نبيه وصاحب مغانم أبي بكر وعمر ولكن قم أنت فقل ثم أقول فأقول، فقام أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن خير الناس للناس خيرهم لنفسه وإني لا أهلك ديني بصلاح غيري، وإن هذه الفتنة قد أكلت العرب وإني رأيت وعمراً أن نخلع علياً ومعاوية ونجعلهما لعبد الله بن عمر فإنه لم يبسط في هذه الحرب يداً ولا لساناً.

ثم قام عمرو فقال: أيها الناس هذا أبو موسى شيخ المسلمين وحكم أهل العراق، من يبيع الدين بالدنيا وقد خلع علياً وأثبت معاوية. فقال أبو موسى: مالك؟ عليك لعنة الله ما أنت إلا كمثل الكلب تلهث فقال عمرو: لكنك مثل الحمار يحمل أسفاراً، واختلط الناس فقالوا: والله لو اجتمعنا على هذا ما حولتمانا عما نحن عليه، وما صلحكما بلازمنا وإنا اليوم على ما كنا عليه أمس ولقد كنا ننظر إلى هذا قبل أن يقع وما أمات قولكما حقاً ولا أحيى باطلاً.

ثم تشاتم أبو موسى وعمرو ثم انصرف عمرو إلى معاوية ولحق أبو موسى بمكة وانصرف القوم إلى علي فقال عدي أما والله يا أمير المؤمنين لقد قدمت القرآن وأخرت الرجال، وجعلت الحكم الله فقال علي: أما إني قد أخبرتكم أن هذا يكون بالأمس وجهدت أن تبعثوا غير أبي موسى فأبيتم عليّ، ولا سبيل إلى حرب القوم حتى تنقضي المدة.

ثم إن قضية أبي موسى، وعمرو في ذلك نقلت بوجوه أخرى أيضاً منها ما في مروج الذهب للمسعودي - إلى أن قال: - فقام أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثم قال: أيها الناس إنا قد نظرنا في أمرنا فرأينا أقرب ما يحضرنا من الأمن والصلاح ولم الشعث، وحقن الدماء وجمع الإلفة خلعنا علياً ومعاوية وقد خلعت علياً كما خلعت عما متى هذه وأهوى إلى عمته فخلعها واستخلفا رجلاً قد صحب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بنفسه وصحب أبوه النبي فبرز في سابقته وهو عبد الله بن عمر، وأطراه ورغب الناس فيه ونزل، فقام عمرو فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثم قال: أيها الناس أن أبا موسى عبد الله بن قيس خلع علياً وأخرجه من هذا الأمر الذي يطلب وهو أعلم به ألا وإني خلعت علياً معه وأثبت معاوية عليّ وعليكم، وأن أبا موسى قد كتب في الصحيفة أن عثمان قد قتل مظلوماً شهيداً وأن لوليه أن يطلب بدمه حيث كان وقد صحب معاوية رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بنفسه وصحب أبوه

النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأطراه ورغب الناس فيه وقال: هو الخليفة علينا وله طاعتنا وبيعتنا على الطلب بدم عثمان، فقال أبو موسى: كذب عمرو لم نستخلف معاوية ولكنا خلعنا معاوية وعلياً معاً فقال عمرو: بل كذب عبد الله بن قيس قد خلع علياً ولم يخلع معاوية.

ومنها ما أتى به الميبدي في شرح الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند قوله:

لقد عجزت عجز من لا يقتدر *** سوف أكيس بعدهـا وأستمر

أرفع من ذيلي ما كان يجر ***دقد يجمع الأمر الشتيت المنتشر

فقام أبو موسى وقال: وقد خلعت علياً كما خلعت خاتمي هذا من يدي، ثم قام عمرو وقد خلع خاتمه من يده قبل فقال: أيها الناس إني أثبت معاوية عليّ وعليكم كما وضعت خاتمي هذا في يدي ثم تشاتم أبو موسى، وعمرو ولحق أبو موسى بمكة ولم يعد إلى الكوفة، وقد كانت خطته وأهله وولده بها والى أن لا ينظر إلى وجه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما بقي.

قال نصر: فتشاتم عمرو، وأبو موسى من ليلته فإذا ابن عم لأبي موسى يقول:

أبا موسی بلیت فكنت شيخاً *** قریب القعر مدهوش الجنان

رمى عمر وصفاتك يا ابن قیس *** بأمر لا تنوء به اليدان

وقد كنا نحم عن ظنون *** فصرحت الظنون عن العيان

فعض الكف من ندم وماذا *** يرد عليك عضك بالبنان

وشمت أهل الشام بأهل العراق وقال أبو موسى: إنما كان غدراً من عمرو.

قال نصر: وكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا صلى الغداة والمغرب وفرغ من الصلاة يقول: اللهم ألعن معاوية، وعمراً وأبا موسى، وحبيب بن مسلمة، والضحاك بن قيس، والوليد بن عقبة، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت لعن علياً، وابن عباس، وقيس بن سعد، والحسن والحسين، وفي نقل آخر لما أقنت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على خمسة ولعنهم وهم، معاوية وعمرو بن العاص، وأبو الأعور السلمي، وحبيب بن مسلمة، وبسر بن أرطأة أقنت معاوية على خمسة وهم علي والحسن والحسين، وعبد الله بن العباس والأشتر ولعنهم (1).

أقول بسر بن أرطأة هو الذي بعثه معاوية إلى اليمن في جيش كثيف، وأمره أن يقتل كل من كان في طاعة علي فقتل خلقاً كثيراً وقتل فيمن قتل إبني عبد الله بن العباس بن


1) وقعة صفين للمنقري: 548 ط. المؤسسة العربية الحديثة ( 1382هـ).

عبد المطلب وكانا غلامين صغيرين، وفعل بسر في الحجاز واليمن بأمر معاوية ما فعل، و بسر هذا تفوه به أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة الخامسة والعشرين حيث قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنبئت بسراً قد أطلع اليمن إلى آخرها.

ودعا أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على بسر هذا فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): اللهم إن بسرا باع دينه بالدنيا وانتهك محارمك، وكانت طاعة مخلوق فاجر آثر عنده مما عندك فلا تمته حتى تسلبه عقله ولا توجب له رحمتك ولا ساعة من نهار اللهم العن بسراً، وعمراً، ومعاوية وليحل عليهم غضبك ولتنزل بهم نقمتك، وليصبهم بأسك وزجرك الذي لا ترده عن القوم المجرمين.

فلم يلبث بسر بعد ذلك إلا يسيراً حتى وسوس وذهب عقله فكان يهدى بالسيف ويقول: أعطوني سيفاً أقتلبه، لا يزال يردد ذلك حتى اتخذ له سيف من خشب وكانوا يدنون منه المرفقة فلا يزال يضربها حتى يغشى عليه فلبث كذلك إلى أن مات، رواه أبو الحسن المدائني كما في الجزء الثاني من شرح الشارح المعتزلي (1).

وقريب من ذلك رواه أبو جعفر الطبري في تاريخه وغيره من نقلة الأخبار والآثار، عن حسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أنه بعث عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة وحالوا بين حسين وأصحابه وبين الماء أن يسقى منه قطرة وذلك قبل قتل الحسين بثلاث قال: ونازله عبد الله بن أبي حصين الأزدي وعداده في بجيلة فقال: يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشاً، فقال حسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اللهم اقتله عطشاً ولا تغفر له أبداً، قال: قال حميد بن مسلم: والله لعدته بعد ذلك في مرضه فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته يشرب حتى بغر، ثم يقيء ثم يعود فيشرب حتى يبغر فما يروى فما زال ذلك دأبه حتى لفظ غصته يعني نفسه.

وروى أيضاً في تاريخه: أن رجلاً من بني تميم يقال له عبد الله بن حوزة، جاء حتى وقف أمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال یا حسین یا حسین فقال حسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما تشاء؟ قال أبشر بالنار قال: كلا إني أقدم على رب رحيم وشفيع ومطاع من هذا ؟ قال له أصحابه هذا ابن حوزة قال: رب حزه إلى النار. قال: فاضطرب به فرسه في جدول فوقع فيه وتعلقت رجله بالركاب ووقع رأسه في الأرض، ونفر الفرس، فأخذه يمر به فيضرب برأسه كل حجر وكل شجرة حتى مات.

روى أيضاً في تاريخه ومكث الحسين طويلاً من النهار كلما انتهى إليه رجلاً من كندة يقال له: مالك بن النسير من بني بداء أتاه فضربه على رأسه بالسيف وعليه برنس له فقطع البرنس وأصاب السيف رأسه فأدمى رأسه فامتلأ البرنس دماً، فقال له الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا


1) الغارات: 642/2/2 ح 2، والغدير: 28/11.

أكلت بها لا شربت وحشرك الله مع الظالمين - إلى أن قال - فذكر أصحاب الكندي أنه لم يزل فقيراً بشر حتى مات.

ونظائر هذه مما صدر من حجج الله ورسله سيما من خاتم النبيين وآله الطاهرين من خوارق العادات كثيرة جداً، نقلت في كتب الفريقين بعضها بلغ إلى حد التواتر وبعضها إلى حد الشهرة.

وليعلم أن أهل الله لو تفوهوا بالدعاء لقوم أو عليهم لأثر ذلك عاجلاً، لأنهم بلغوا في إتصافهم بالصفات الملكوتية وتخلقهم بالأخلاق الإلهية وتقربهم إلى المباديء العالية سيما إلى مبدأ المبادىء وعلة العلل الله عزّ وجلّ إلى مرتبة منيعة ودرجة رفيعة حيث لا فرق بينهم وبين حبيبهم في صدور كثير من الأفعال عنهم، كما ورد في الحديث القدسي: عبدي أطعني حتى أجعلك مثلي، وفي الحديث النبوي العبودية جوهرة كنهها الربوبية وتأثير القوى النفسانية يصير إلى حد معجب لمن كان بمعزل عن العلم بأسرار النفس ونعم ما قال العارف السعدي:

حکایت کنند از بزرگان دین *** حقیقت شناسان عين اليقين

که صاحبدلی بر پلنگی نشست *** قمی راند هموار و ماری بدست

یکی گفتش ای مرد راه خدای *** بدین ره که رفتی مراره نمای

چه کردی که در نده رم تو شد *** نگین سعادت بنم تو شد

بگفتار پلنگم زبو نست ومار *** وگرفیل و کرکس شگفتی مدار

توم گردن از حکم داور بود *** خدایش نگهبان ویاور بود

محالست چون دوست دارد ترا *** که در دست دشمن گذارد ترا

یکی دیدم از عرصه رود بار *** که پیش آمدم بر پلنگی سوار

چنان هول از این حال بر من نشست *** که ترسیدنم پای رفتن ببست

تبسم کنان دست برلب گرفت *** که سعدی مدار آنچه دیدی شگفت

ره اینست رو از حقیقت متاب *** بنه گام و کامی که داری بیاب

ثم أن ظهور الآثار الغريبة أثر تكويني لهذه الجوهرة النفيسة القدسية فيعم الكل وكلما كانت أقوى كان فعلها أشد سيما إذا كان حجة الله على عباده من نبي أو وصي، فأنهم بسبب شدة إنسلاخهم عن النواسيت الإنسانية تدوم عليهم الإشراقات العلوية، بسبب الإستضاءة بضوء القدس والألف بسناء المجد، فتطيعهم مادة الكائنات القابلة للصور المفارقة بإذن الله تعالى، فيتأثر المواد عن أنفسهم كما يتأثر أبدانهم عنها فلهذا يكون دعاؤهم مسموعاً في العالم الأعلى والقضاء السابق ويتمكن في أنفسهم نور خلاق به يقدرون على الأشياء التي

يعجز عنها غيرهم قال عز من قائل في الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه خطاباً لعيسى بن مريم (عَلَيهِ السَّلَامُ): وَإِن تَخْلُقُ مِنَ الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَمَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي [المائدة: 110].

وقال الشيخ الرئيس في النمط العاشر من الإشارات إذا بلغك أن عارفاً أطلق بقوته فعلاً أو تحريكاً أو حركة تخرج عن وسع مثله فلا تتلقه بكل ذلك الإستنكار، فقد جد إلى سببه سبيلاً في اعتبارك مذاهب الطبيعة.

وقال المحقق الطوسي في شرحه: ثم لما كان فرح العارف ببهجة الحق أعظم من فرح غيره بغيرها، وكانت الحالة التي يعرض لها وتحركه إغتراراً بالحق أو حمية إلهية أشد مما يكون لغيره كان اقتداره على حركة لا يقدر غيره عليها أمراً ممكناً، و من ذلك تبين معنى الكلام المنسوب إلى علي عليه الصلاة والسلام: والله ما قلعت باب خیبر بقوة جسدانية ولكن قلعته بقوة ربانية (1).

وقال القوشجي في شرح التجريد: وعجز عن إعادته سبعون رجلاً من الأقوياء.

وأيضاً قال الفاضل القوشجي في شرح التجريد لمصنفه نصير الدين الطوسي في المقصد الخامس من كتابه في الإمامة عند قوله في عد فضائل أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ورفع الصخرة العظيمة عن القليب: روي أنه لما توجه إلى صفين مع أصحابه أصابهم عطش عظيم فأمرهم أن يحفروا بقرب دير فوجدوا صخرة عظيمة عجزوا عن نقلها، فنزل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأقلعها ورمي بها مسافة بعيدة فظهر قليب فيه ماء فشربوا عنها ثم أعادها ولما رأى ذلك صاحب الدير أسلم (2).

وقال العلّامة الحلي في شرحه المسمى بكشف المراد بعد قوله: فنزل صاحب الدير وأسلم: فسئل عنه ذلك، فقال: بني هذا الدير على قالع هذه الصخرة ومضى من قبلي ولم يدركوه.

وقل الشيخ المقتول في التلويحات: قد يحركون أجساماً يعجز عن تحريكها النوع ونعلم أننا إذا كنا على طرب وهزة نعمل ما نتقاصر عن عشرة حتى زالت عنا، فما ظنك بنفس طربت باهتزاز علوي واستضاءت بنور ربه فحركت ما عجز عنه النوع وقد اتصلت على الأفق المبين بذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم آمين.


1) شرح مئة كلمة: 257، وكتاب الأربعين: 410.

2) المسترشد: 666.

ثم إن سفراء الله وحججه على خلقه لصفاء جوهر نفوسهم القدسية وشدة صقالتها و نورانيتها الموصل لها إلى المبادىء العالية وشدة الإلتصاق بها من غير كسب وتعلم قدروا على الإطلاع على الأمور الغائبة من غير كسب وفكر.

قال الشيخ الرئيس في النمط العاشر من الإشارات: إذا بلغك أن عارفاً حدث عن غيب فأصاب متقدماً ببشرى أو نذير فصدّق ولا يتعسرن عليك الإيمان به فإن لذلك في مذاهب الطبيعة أسباباً معلومة.

وما يناسب المقام من الحديث عن غيب عن أمير المؤمنين، ورئيس الموحدين وقدوة العارفين علي بن أبي طالب(عَلَيهِ السَّلَامُ)، ما أتى به نصر بن المزاحم المنقري في كتاب صفين قال: حدثني مصعب بن سلم قال: أبو حيان التميمي عن أبي عبيدة عن هرثمة بن سليم قال: غزونا مع علي بن أبي طالب غزوة صفين فلما نزلنا بكربلاء صلى بنا صلاة فلما سلم رفع إليه من تربتها فشمها ثم قال: واهاً لك أيتها التربة ليحشرنك قوم يدخلون الجنة بغير حساب. فلما رجع هرثمة من غزوته إلى إمرأته وهي جرداء بنت سمير وكانت شيعة لعلي فقال لها زوجها هرثمة ألا أعجبك من صديقك أبي الحسن لما نزلنا بكربلاء رفع إليه من تربتها فشمها وقال: واهاً لك يا تربة ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب وما علمه بالغيب. فقالت له: دعنا منك أيها الرجل فإن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و لم يقل إلا حقاً، فلما بعث عبيد الله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين بن علي وأصحابه:قال كنت فيهم في الخيل التي بعث إليهم فلما انتهيت إلى القوم وحسين وأصحابه، عرفت المنزل الذي نزل بنا علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيه والبقعة التي رفع إليه من ترابها والقول الذي قاله فكرهت مسيري فأقبلت على فرسي حتى وقفت على الحسين فسلمت عليه وحدثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) معنا أنت أو علينا ؟ فقلت يا ابن رسول الله لا معك ولا عليك تركت أهلي وولدي أخاف عليهم من ابن زياد فقال الحسين فول هرباً فول هرباً حتى لا ترى لنا مقتلاً والذي نفس حسين بيده لا یری مقتلنا اليوم رجل ولا يغيثنا إلا أدخله الله النار قال: فأقبلت في الأرض هارباً حتى خفي علي مقتله.

نصر عن مصعب بن سلام قال حدثنا الأجلح بن عبد الله الكندي عن أبي جحيفة قال: جاء عروة البارقي إلى سعيد بن وهب فسأله وأنا أسمع فقال: حديث حدثنيه عن علي بن أبي طالب قال: نعم. بعثني مخنف بن سليم إلى علي فأتيته بكربلاء، فوجدته يشير بيده ويقولها هنا ها هنا فقال له رجل: وما ذلك يا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟ قال: ثقل لأن محمد ينزل ها هنا (كذا) فويل لهم منكم وويل لكم منهم. فقال له الرجل: ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟ قال: ويل لهم منكم تقتلونهم وويل لكم منهم يدخلكم الله بقتلهم إلى النار.

ثم قال: وقد روى هذا الكلام على وجه آخر أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: فويل لكم عليهم قال الرجل: أما ويل لنا منهم فقد عرفت وويل لنا عليهم ما هو ؟ قال: ترونهم يقتلون ولا تستطيعون نصرهم.

نصر عن سعيد بن حكيم العبسي عن الحسن بن كثير عن أبيه أن علياً أتى كربلاء فوقف بها، فقيل يا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه كربلاء. قال: ذات كرب وبلاء ثم أومأ بيده إلى مكان قال: ها هنا موضع رحالهم ومناخ ركابهم، وأوما بيده إلى موضع آخر فقال: ها هنا مهراق دمائهم (1).

وكذا ذكره المفيد في الإرشاد وقال: ومن أخباره (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الغيب ما رواه عثمان بن عيسى العامري عن جابر بن الحر، عن جويرية بن مسهر الفهدي قال: لما توجهنا مع أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى صفين، فبلغنا طفوف كربلاء وقف ناحية من المعسكر ثم نظر يميناً وشمالاً واستعبر ثم قال هذا والله مناخ ركابهم وموضع منيتهم فقيل له يا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما هذا الموضع ؟ فقال: هذا كربلاء يقتل فيه قوم يدخلون الجنة بغير حساب ثم سار، وكان الناس لا يعرفون تأويل ما قال كان حتى من أمر الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأصحابه بالطف ما كان فعرف حينئذٍ من سمع کلامه مصداق الخبر فيما أنبأهم به (2).

والأحاديث في أخبارهم عن الغيب مستفيضة بل بلغ كثير منها إلى حد التواتر ومن ذلك أخبار رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن قتل عمار رضوان الله عليه ونظائره كثيرة جداً، وإن وفقنا الله تعالى لنورد البحث عن ذلك مفصلاً في المقام المناسب له، فلنعد الآن إلى ما كنا فيه.

وفي شرح الشارح المعتزلي: ذكر أبو أحمد العسكري في كتاب الأمالي: أن سعد بن أبي وقاص دخل على معاوية عام الجماعة، فلم يسلم عليه بأمرة المؤمنين فقال له معاوية: لو شئت أن تقول في سلامك غير هذا لقلت فقال سعد: نحن المؤمنون ولم نؤمرك كأنك قد بهجت بما أنت فيه يا معاوية والله ما يسرني ما أنت فيه وإني هرقت محجمة دم، قال: لكني وابن عمك علياً يا أبا إسحاق قد هرقنا أكثر من محجمة ومحجمتين، هلم فاجلس معي علی السرير فجلس معه فذكر له معاوية إعتزاله الحرب يعاتبه فقال سعد: إنما كان مثلي ومثل الناس كقوم أصابتهم ظلمة، فقال واحد منهم لبعيره: إخ فأناخ حتى أضاء له الطريق فقال معاوية والله يا أبا إسحاق ما في كتاب الله إخ وإنما فيه وإن طَابِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا


1) بحار الأنوار: 33941، ومناقب أهل البيت: 204.

2) الإرشاد 1/332، وبحار الأنوار: 286/41، ح 6.

فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَتْهُمَا عَلَى الأَخرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ (1) فو الله ما قاتلت الباغية ولا المبغى عليها فأفحمه قال: وزاد ابن ديزيل في هذا الخبر زيادة ذكرها في کتاب صفين قال: فقال سعد: أتأمرني أن أقاتل رجلاً قال له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟» فقال معاوية: من سمع هذا معك؟ قال: فلان، وفلان وأم سلمة. فقال معاوية: لو كنت سمعت هذا لما قاتلته (2).

ذكر المقتولين في صفين

قال المسعودي في مروج الذهب: قتل بصفين سبعون ألفاً من أهل الشام ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفاً، وكان المقام بصفين مائة يوم وعشرة أيام وقتل بها من الصحابة ممن كان مع علي خمسة وعشرون رجلاً، منهم عمار بن ياسر أبو اليقظان المعروف بابن سمية.

وقال في موضع آخر من كتابه: وقد تنوزع في مقدار من قتل من أهل الشام والعراق بصفين، فذكر أحمد بن الدورقي عن يحيى بن معين أن عدة من قتل بها من الفريقين في مائة يوم وعشرة أيام مائة ألف وعشرة آلاف من الناس من أهل الشام تسعون ألفاً ألفاً ومن ومن أهل العراق عشرون ألفاً.

ثم قال: ونحن نذهب إلى أن عدد من حضر الحرب من أهل الشام بصفين أكثر مما قيل في هذا الباب، هو خمسون ومائة ألف مقاتل سوى الخدم والأتباع، وعلى هذا يجب أن يكون مقدار القوم جميعاً من مقاتل منهم ومن لم يقاتل من الخدم وغيرهم ثلاثمائة ألف بل أكثر من ذلك، لأن أقل من فيهم معه واحد يخدمه وفيهم من معه الخمسة والعشرة من الخدم والأتباع وأكثر من ذلك. وأهل العراق كانوا في عشرين ومائة ألف مقاتل دون الأ الأتباع والخدم.

وأما الهيثم بن عدي الطائي وغيره، مثل الشرقي ابن القطامي وأبي مخنف لوط بن يحيى فذكروا ما قدمنا وهو أن جملة من قتل من الفريقين جميعاً بين جميعاً سبعون ألفاً، من أهل الشام خمسة وأربعون ألفاً ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفاً أهل العراق خمسة وعشرون ألفاً، فيهم خمسة وعشرون بدرياً، وأن العدد كان يقع بالقضيب والإحصاء للقتلى في كل وقعة وتحصيل هذا يتفاوت لأن في قتلى الفريقين من يعرف ومن لا يعرف وفيهم من غرق وفيهم من قتل في البر فأكلته


1) الكافي: 11/5، ووسائل الشيعة: 18/11.

2) شرح نهج البلاغة: 364/2، والغدير: 201/3.

السباع فلم يدركهم الإحصاء وغير ذلك مما يعسر ما وصفنا إنتهى ما أردنا ذكره من مروج الذهب.

وقال نصر: في كتاب صفين وأصيب من أهل الشام خمسة وأربعون ألفاً، وأصيب به من أهل العراق خمسة وعشرون ألفاً.

أقول: لا خلاف في أن تلك الوقعة في صفين كانت وقعة عظمى، وقد أكلت الحرب الفريقين ولا يخفى أن ضبط عدد المقتولين وإحصائهم في مثل تلك الواقعة صعب جداً، فيتطرق فيه إختلاف لا محالة كما ترى تنازع الناس في مقدار ما قتل من الفريقين فمن مقلل ومكثر. ففي كتاب صفين لنصر بن مزحم المنقري عن عمر قال: حدثني عبد الله بن عاصم الفايشي قال: لما رجع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من صفين إلى الكوفة مر بالثورين يعني ثور همدان سمع البكاء فقال: ما هذه الأصوات قيل: هذا البكاء على من قتل بصفين قال: أما إني شهيد لمن قتل منهم صابراً محتسباً بالشهادة ثم مر بالفايشين فسمع الأصوات. فقال مثل ذلك، ثم بالشباميين فسمع رنة شديدة وصوتاً مرتفعاً عالياً فخرج إليه حارب بن الشرحبيل الشامي فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): أيغلبكم نساؤكم ألا تنهونهن عن هذا الصياح والرنين؟ قال: يا أمير المؤمنين لو كانت داراً أو دارين أو ثلاثاً قدرنا على ذلك، ولكن من هذا الحي ثمانون ومائة قتيل فليس من دار إلا وفيها بكاء، أما نحن معاشر الرجال فإنا لا نبكي ولكن نفرح لهم بالشهادة فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): رحم الله قتلاكم وموتاكم.

بحث كلامي

الحق أن محاربي علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومنهم أصحاب صفين والجمل بغاة كفرة، وإليه ذهب جل أصحابنا الإمامية رضوان الله عليهم وخالفهم في ذلك المعتزلة وسائر فرق العامة.

لنا قول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الا الا وهو المروي من فرق المسلمين عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): «حربك حربي يا علی» (1)ولا شك أن محارب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)کافر

قال المفيد رضوان الله عليه في كتابه الموسوم بالإفصاح ويدل أيضاً على ذلك ما تواترت به الأخبار من قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): حربك يا علي حربي وسلمك سلمي، وقد ثبت أنه لم يرد بذلك الخبر عن كون حرب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حربه على الحقيقة وإنما أراد التشبيه في الحكم دون ما عداه، وإلا لكان الكلام لغواً ظاهر الفساد وإذا كان حكم حربه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كحكم حرب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وجب إكفار محاربيه كما يجب بالإجماع إكفار محاربي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).


1) أمالي الصدوق: 156، ح 150، وتهذيب الأحكام: 10/1.

وروى ابن مسعود: «علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) خير البشر من أبي فقد كفر» (1).

وعن أبي الزبير المكي كما في منتهى المقال في علم الرجال لمحمد بن إسماعيل المدعو بأبي علي وغيره قال: رأيت جابراً يتوكأ على عصاه وهو يدور على سكك المدينة ومجالسهم ويقول: على خير البشر من أبى فقد كفر، معاشر الأنصار أدبوا أولادكم على حب علي فمن أبى فلينظر في شأن أمه (2).

وفي مناقب ابن المغازلي عن أبي ذر الغفاري رضوان الله عليه قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): «من ناصب علياً على الخلافة بعدي فهو كافر وقد حارب الله ورسوله ومن شك في علي فهو کافر» (3).

وفي خصائص وحي المبين في مناقب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمصنفه يحيى بن الحسن بن البطريق نقلاً من كتب العامة بإسناده عن قيس بن الربيع عن الأعمش عن عباية الربعي قال: بينا عبد الله بن عباس (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) جالس على شفير زمزم يقول: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إذ أقبل رجل معتم بعمامة فجعل ابن عباس (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) لا يقول قال رسول الله: إلا وقال الرجل قال رسول الله فقال له ابن عباس: سألتك بالله من أنت؟ قال: فكشف العمامة عن وجهه وقال يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بهاتين وإلا فصمتا ورأيته بهاتين وإلا فعميتا يقول: علي قائد البررة وقاتل الكفرة، الحديث (4).

وأيضاً أن مودته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مودة الله تعالى ورسوله ونطق بذلك قوله عزّ من قائل: قُل لَّا استلكُم عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبی ففي الخصائص نقلاً من مسند ابن حنبل بإسناده عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) قال: لما نزل: وقُل لا أَسْتكُم عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى 23]:قالوا يا رسول الله من قرابتك الذين وجب علينا مودتهم؟ قال علي وفاطمة وإبناهما، وكذا في غير واحد من الأخبار بهذا المعنى بالأسانيد الكثيرة، ولا شك أن حب الله ورسوله من ضروريات الدين، وكذا بغضه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعداوته عداوة الله تعالى ورسوله فبغضه وحربه كفر كبغض الله ورسوله وحربهما سواء كان باجتهاد أم لا، فإن تحريم ذلك ضروري ومنصوص فلا يجوز الإجتهاد فيه.


1) الإفصاح 128، وأوائل المقالات: 285.

2) الصراط المستقيم: 68/2، واختيار معرفة الرجال: 1/ 237.

3) الروضة في المعجزات والفضائل: 129، والطرائف: 23 ح 18.

4) العمدة: 120، ح،157، والطرائف: 47، ح 40.

وبذلك دريت وهن ما ذهب إليه شمس الدين محمود بن أبي القاسم أحمد الأصفهاني، والفاضل القوشجي في شرحهما على تجريد المحقق الطوسي: من أن الحق محارب علي يكون مخطئاً ظاهراً فيكون من الفئة الباغية إن كانت محاربته عن شبهة، والأخبار الواردة المتواترة فيما ذهبنا إليه حتى من العامة كثيرة غاية الكثرة، ولو خوف الإطالة لذكرناها وفي هذا القدر كفاية لمن لا يكون عميان القلب.

قال شیخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي (قُدِّسَ سِرُّهُ) في كتاب الباغي من الخلاف: الباغي من خرج على إمام عادل، وقاتله منع تسليم الحق إليه، وهو إسم ذم، وفي أصحابنا من يقول إنه كافر، ووافقنا على أنه إسم ذم جماعة من علماء المعتزلة بأسرهم ويسمونهم فساقاً، وكذلك جماعة من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي وقال أبو حنيفة: هم فساق على وجه التدين وقال أصحاب الشافعي: ليس باسم ذم عند الشافعي بل هو إسم من اجتهد فأخطأ بمنزلة من خالف من الفقهاء في بعض مسائل الإجتهاد (1).

ثم قال الشيخ رضوان الله: عليه دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله»، صريح بذلك، لأن المعاداة من الله لا تكون إلا للكفر دون المؤمنين، وأيضاً قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): «حربك يا علي حربي وسلمك سلمي، وحرب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كفر فيجب أن يكون حرب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثل ذلك

ثم قال: من سب الإمام العادل وجب قتله وقال الشافعي: يجب تعزیره و به قال جميع الفقهاء، دليلنا إجماع الفرقة وإخبارهم أيضاً قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من سب علياً فقد سبني ومن سبني فقد سب الله ومن سب الله وسب نبيه فقد كفر ويجب قتله، إنتهى (2).

وقد مضت عدة الأخبار في ذلك من نصر بن مزاحم وغيره، أن معاوية إذا قنت لعن علياً، والحسن والحسين وابن عباس، ومالكاً، وقيس بن سعد، وهذه المسألة مع أنها من المسائل الكلامية تتعلق بأصول الدين أتى به الشيخ في الخلاف من العلّامة في كتاب الجهاد من المختلف لتفرع كثير من المسائل الفقهية من ذلك الباب عليها، على أن فيها تبكيتاً للخصم وتحقيقاً للحق.

فإن قلت: يمكن أن يكون أصحاب الجمل وصفين جاهلين بمنزلة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومقامه، ولم تبلغ إليهم تلك الأخبار، وإلا لما حاربوه فلم يكونوا كافرين بل هما طائفتان من


1) بحار الأنوار: 327/32.

2) الخلاف للطوسي: 3405، والإعتقادات: 107، ومستدرك الحاكم: 121/3.

المؤمنين، أقتتلوا، وقال الله عز من قائل: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بغَتْ إِحْدَثَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَدِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللو [الحجرات: 9].

قلت: من جانب التعصب واللجاج واللداد، لا يشك إن هذا الإيراد بمراحل من الإنصاف كيف لا، والأخبار المتواترة في الباب والآثار المنقولة من الأصحاب في علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا ينكرها إلا ألد الخصام والعنود الطغام، ولو سلمنا إن بعضهم المستضعفين كانوا غافلين عالمين بذلك، فلا ريب أن معاوية وشيطانه عمرو بن العاص وأشياعهما فمن لا شبهة فى عرفانهم بحق علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلا ريب في كفرهم ومن تأمل ونظر بعين العلم والإنصاف، لا يرتاب أن معاوية كان في الختل والروغان أروغ من الثعلب ولعب بالدين بالنكراء والشيطنة وبلغ إلى الإلحاد والكفر والعناد إلى مبلغ لم يكن بينه وبين فرعون إلا درجة وفي الحقيقة ما أسلم ولكن إستسلم وأسر الكفر حتى يجد أعواناً لأغراضه النفسانية.

ولنذكر فيه ما أورده أبو الفضل نصر بن مزاحم المنقري الكوفي، في كتاب الصفين وذلك الكتاب معروف بين الفرق ونصر في نفسه ثقة ثبت صحيح النقل، وكان من معاصري الإمام محمد الباقر بن علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأثنى عليه الفريقان، وقال فيه الشارح المعتزلي فهو ثقة ثبت صحيح النقل غير منسوب إلى هوى ولا إدغال وهو من رجال أصحاب الحديث.

قال نصر: أخبرني عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال: لما كان قتال صفين قال رجل لعمار يا أبا اليقظان ألم يقل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قاتلوا الناس حتى يسلموا، فإذا أسلموا عصموا مني دمائهم وأموالهم؟ قال بلى ولكن والله ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر، حتى وجدوا عليه أعواناً. وروى عن قطر بن خليفة عن منذر الثوري عن عمار بن ياسر مثله (1).

وروى عن الحكم بن ظهير عن إسماعيل عن الحسن، والحكم عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قالا: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): «إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على منبري فاضربوا عنقه» (2). قال الحسن: فما فعلوا ولا أفلحوا.

وروى عن عمرو بن ثابت عن إسماعيل عن الحسن قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إذا رأيتم


1) مناقب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) 356/2، 356/2، ح 833، وشرح الأخبار: 155/2، ح 475.

2) المسترشد: 534، وبحار الأنوار: 186/33.

معاوية يخطب على منبري فاقتلوه« (1)، قال: فحدثني بعضهم قال: قال أبو سعيد الخدري فلم نفعل ولم تفلح.

وروى عن يحيى بن يعلى عن الأعمش عن خيثمة قال: قال عبد الله قال: قال عبد الله بن عمرو أن معاوية في تابوت في الدرك الأسفل من النار، ولولا كلمة فرعون أنار بكم الأعلى ما كان أحد أسفل من معاوية (2).

وروى عن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي حرب بن أبي الأسود عن رجل من أهل الشام عن أبيه قال: إني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول: شر خلق الله خسمة: إبليس، وابن آدم الذي قتل أخاه، وفرعون ذو الأوتاد، ورجل من بني إسرائيل ردهم عن دينهم ورجل من هذه الأمة يبايع على كفره عند باب لد، قال الرجل إني لما رأيت معاوية بايع عند باب لد ذكرت قول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلحقت بعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكنت معة (3).

وروى عن جعفر الأحمر عن ليث عن مجاهد عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يموت معاوية على غير الإسلام (4).

وروى عن جعفر الأحمر عن ليث عن محارب بن زياد عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): يموت معاوية على غير ملتي (5).

وروى عن عبد الغفار بن القاسم عن عدي بن ثابت عن البراء بن عاذب قال: أقبل أبو سفيان ومعه معاوية فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): اللهم العن التابع والمتبوع اللهم عليك بالأقيعس فقال ابن البراء لأبيه عن الأقيعس؟ قال معاوية (6).

بيان الأقيعس مصغر أقعس وهو نعت من القعس بالتحريك بمعنى خروج الصدر ودخول الظهر وهو ضد الحدب وكان معاوية أقعس ورسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قاله أقيع تخفيفاً وتحقيراً له.


1) مناقب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): 301/2، والمسترشد: 533 والمسترشد: 533، ح 210.

2) شرح الأخبار: 536/2، ووقعة صفين: 217.

3) بحار الأنوار: 167/33، ح 437.

4) مكاتيب الرسول: 651/1.

5) المسترشد: 534، ح 217، وشرح الأخبار: 153/2، ح 466.

6) شرح الأخبار: 527/2، ح 446، والغدير: 139/10.

وقال نصر: حدثني يحيى بن يعلى بن عبد الجبار بن عباس عن عمار الدهني، عن أبی المثنى عن أبي عبد الله بن عمر قال: ما بين تابوت معاوية وتابوت فرعون إلا درجة وما انخفضت تلك الدرجة إلا أنه قال أنار بكم الأعلى (1).

نصر أبو عبد الرحمن المسعودي حدثني يونس بن الأرقم بن عوف عن شيخ من بكر بن وائل قال: كنا مع فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصفين فرفع عمرو بن العاص شقة خميصة سوداء في رأس رمح فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هل تدرون ما أمر هذا اللواء؟ أن عدو الله عمرو بن العاص أخرج له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) هذه الشقة فقال: من يأخذها بما فيها؟ عمرو وما فيه يا رسول الله؟ قال: فيها أن لا تقاتل به مسلماً تقربه من كافر فأخذها، فقد والله قربه من المشركين وقاتل به اليوم المسلمين والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر، فلما وجدوا أعواناً رجعوا إلى عداوتهم منا إلا أنهم لم يدعوا الصلاة (2).

نصر عن أبي عبد الرحمن قال: حدثني العلاء بن يزيد القرشي عن جعفر بن محمد قال دخل زيد بن أرقم على معاوية، فإذا عمرو بن العاص جالس معه على السرير فلما رأى ذلك زيد جاء حتى رمى بنفسه بينهما فقال له عمرو بن العاص أما وجدت لك مجلساً إلا أن تقطع بيني وبين أمير المؤمنين؟ فقال زيد أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) غزا غزوة وأنتما معه فرآكما مجتمعين، فنظر إليكما نظراً شديداً ثم رآكما اليوم الثاني، واليوم الثالث كل ذلك يديم النظر إليكما فقال في اليوم الثالث: إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص مجتمعين ففرقوا بينهما فإنهما لن يجتمعا على خير (3).

نصر عن محمد بن فضيل عن يزيد بن أبي زياد عن سليمان بن عمرو بن الأحرص الأزدي قال: أخبرني أبو هلال أنه سمع أبا برزة الأسلمي أنهم كانوا مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قسمعوا غناء فتشرفوا له فقام رجل فاستمع له وذاك قبل أن يحرم الخمر فأتاهم ثم رجع، فقال هذا معاوية وعمرو بن العاص يجيب أحدهما الآخر وهو يقول:

يزال حواري تلوح عظامه *** روى الحرب عنه أن يحس فيقبرا

فرفع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يديه فقال: اللهم أركسهم في الفتنة ركساً اللهم دعهم إلى النار دعا (4)


1) بحار الأنوار: 188/33، ووقعة صفين: 218.

2) شرح الأخبار: 155/2، ح 475، وبحار الأنوار: 186/33.

3) شرح الأخبار: 537/2، ح 508، وبحار الأنوار: 188/33 537/2.

4) شرح الأخبار: 535/2، وبحار الأنوار: 189/33.

بیان قوله يزال حواري أصله لا يزال حواري حذف عنه لا كما حذف في قوله تعالى: و تَاللَّهِ تَفْتَوُا تَذْكُرُ يُوسُفَ [يوسف: 85] أي لا تفتؤ والحواري القريب والحميم ويقال لأنصار الأنبياء الحواريون قال الله تعالى: وَمَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِثُونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ [آل عمران: 52] وزوى الحرب عنه أي ستره موجبات الحرب ومنعه عن أن يحسويقبر، فكان عظامه بمرأى من الناس تلوح.

نصر عن محمد بن فضيل عن أبي حمزة الثمالي عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن عمر قال إن تابوت معاوية في النار فوق تابوت فرعون، وذلك بأن فرعون قال أنار بكم الأعلى (1).

نصر شريك عن ليث عن طاوس عن عبد الله بن عمر بن قال: أتيت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فسمعته يقول: يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت حين يموت وهو على غير سنتي فشق علي ذلك وتركت أبي يلبس ثيابه ويجيء فطلع معاوية (2).

نصر عن بليد بن سليمان حدثني الأعمش عن علي بن الأقمر قال: وفدنا على معاوية وقضينا حوائجنا، ثم قلنا لو مررنا برجل قد شهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعاينه فأتينا عبد الله بن عمر فقلنا: يا صاحب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حدثنا ما شهدت ورأيت قال إن هذا أرسل إلي يعني معاوية فقال: لئن بلغني أنك تحدث الأضربن عنقك فجثوت على ركبتي بين يديه ثم قلت: وددت أن أحد سيف في جسدك على عنقي فقال: والله ما كنت لأقاتلك ولا أقتلك، وأيم الله ما يمنعني أن أحدثكم ما سمعت من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: فيه رأيت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أرسل إليه يدعوه وكان يكتب بين يديه فجاء الرسول فقال: هو يأكل فأعاد عليه الرسول الثانية فقال: هو يأكل فأعاد عليه الرسول الثالثة فقال: هو يأكل فقال: لا أشيع الله بطنه فهل ترونه يشبع ؟ قال: وخرج من فج فنظر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى أبي سفيان وهو راكب ومعاوية وأخوه أحدهما قائد والآخر سائق، فلما نظر إليهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الله قال: اللهم العن القائد والسائق والراكب قلنا: أنت سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ؟ قال: نعم. وإلا فصمتا أذناي كما عميتا عيناي (3).

نصر عن عبد العزيز بن الخطاب عن صالح بن أبي الأسود عن إسماعيل عن الحسن قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): إذا رأيتم معاوية على منبري يخطب فاقتلوه (4).


1) المسترشد: 534، ج، وبحار الأنوار: 189/33.

2) بحار الأنوار: 190/33، ووقعة صفين: 220.

3) بحار الأنوار: 33 /190، والغدير: 139/10، ح 1.

4) بحار الأنوار: 191/33.

ثم قال الشيخ المفيد (قُدِّسَ سِرُّهُ) في كتابه الموسوم بالإفصاح في إمامة علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ): ومما يدل على كفر محاربي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) علمنا بإظهارهم التدين بحربه، والإستحلال لدمه ودماء المؤمنين من ولده وعترته وأصحابه وقد ثبت أن إستحلال دماء المؤمنين أعظم عند الله من إستحلال جرعة خمر لتعاظم المستحق عليه من العقاب بالإتفاق، وإذا كانت الأمة مجمعة على إكفار مستحل الخمر وإن شهد الشهادتين وأقام الصلاة وآتى الزكاة، فوجب القطع على كفر مستحلي دماء المؤمنين لأنه أكبر من ذلك وأعظم في العصيان بما ذكرناه، وإذا ثبت ذلك صح الحكم بإكفار محاربي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ما وصفناه.

«دلیل آخر»

ثم قال رضوان الله عليه: ويدل أيضاً على ذلك ما اجتمع عليه نقلة الآثار من قول الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من آذى علياً فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تعالى، ولا خلاف بين أهل الإسلام أن المؤذي للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالحرب السب والقصد له بالأذى والتعمد لذلك، كافر خارج عن ملة الإسلام فإذا ثبت ذلك وجب الحكم بإكفار محاربي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما أوجبه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من ذلك بما بيناه.

«دلیل آخر»

وقال رحمه الله: ويدل أيضاً على ذلك ما انتشرت به الأخبار وتلقاه العلماء بالقبول عن رواة الآثار، من قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وقد ثبت أن من عادى الله تعالى وعصاه على وجه المعاداة فهو كافر خارج عن الإيمان فإذا ثبت أن الله تعالى لا يهادي أولياءه وإنما يعادي أعداءه، وصح أنه معاد لمحاربي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و العداوتهم له، بما ذكرناه من حصول العلم بتدينهم بحربه بما ثبت به عداوة محاربي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ويزول معه الإرتياب وجب إكفارهم على ما قدمناه إنتهى ما أردنا نقله منه رحمه الله (1).

«إشكال وحل»

فإن قلت: إذا كان محاربوا علي كفرة، فلم لم يجر عليهم أحكام الكفر، لما غلب عليهم من نهب أموالهم وسبي نسائهم وغير ذلك؟


1) الإفصاح: 129.

قلت: كما أن للإيمان مراتب ودرجات كذلك للكفر والنهب والسبي وأمثالهما من الأحكام يختص بمحاريب المشركين دون غيرهم من الكفار، كما نرى من غزوات رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) المشركين.

قال الشيخ الطوسي (رَحمَةُ اللّه) في كتاب الباغي من الخلاف: إذا وقع أسير من أهل البغي في المقاتلة كان للإمام حبسه ولم يكن قتله وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة: له قتله.

ثم قال: دليلنا إجماع الفرقة وأيضاً روى عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): يا ابن أم عبد ما حكم من بغى من أمتي ؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): لا يتبع ولا يحاز (1)على جريحهم ولا يقتل أسيرهم ولا يقسم فيئهم، وهذا نص وروى أن رجلاً أسيراً جيء به إلى علي عليه الصلاة والسلام يوم صفين فقال: لا أقتلك صبراً إني أخاف الله رب العالمين (2).

وقال العلّامة (قُدِّسَ سِرُّهُ) في كتاب الجهاد من المختلف: المشهور بين علمائنا تحريم سبي نساء البغاة، وقال: إختلف علماؤنا في قسمة ما حواه العسكر من أموال البغاة فذهب السيد المرتضى في المسائل الناصرية إلى أنها لا تقسم ولا تغنم قال ومرجع الناس في ذلك كله إلى ما قضى به أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في محاربي أهل البصرة، فإنه منع من غنيمة أموالهم وقسمتها كما تقسم أموال الحرب، ولا أعلم خلافاً من الفقهاء في ذلك ولما رجع أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك قال: ذلك قال: أيكم تأخذ عائشة في سهمه ولا امتناع في مخالفة حكم قتال أهل البغي لقتال أهل الحرب كما خالفه في أنه لا يتبع موليهم، وإن كان أتباع المولى من باقي المحاربين جائر، وإنما اختلف الفقهاء في الإنتفاع بدواب أهل البغي وسلاحهم في دار الحرب - إلى أن قال: - وروى أن علياً له لما هزم الناس يوم الجمل قالوا له: يا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ألا تأخذ أموالهم ؟ قال: لا، لأنهم تحرموا بحرمة الإسلام فلا يحل أموالهم في دار الهجرة (3).

وبالجملة للبغاة الخارجين على الإمام العادل أحكام تخص بهم، وإن كانوا كافرين وللمشركين المحاربين أحكام تخص بهم، وعنون الشيخ المفيد (قُدِّسَ سِرُّهُ) في ذلك فصلاً، في كتابه الموسوم بالإفصاح وكذا الشيخ الطوسي في تلخيص الشافي، ولا بأس بنقل كلام المفيد لأنه رحمه الله أوجز وأفاد قال:


1) في نسخة: ولا يجهز.

2) إرواء الغليل: 114/8، ح،2462، وبحار الأنوار: 158/80.

3) المبسوط للطوسي: 266/7، وجواهر الكلام: 340/21.

فإن قالوا: فإذا كان محاربو أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كفاراً عندكم بحربه مرتكبي العناد فی خلافه، فما باله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يسر فيهم بسيرة الكفار فيجهز على جرحهم ويتبع مديرهم ويغنم جميع أموالهم ويسبي نسائهم وذراريهم وما أنكرتم أن يكون عدوله عن ذلك يمنع من صحة القول عليهم بالإكفار ؟

قيل لهم: إن الذي وصفتموه في حكم الكفر، إنما هو شيء يختص بمحاربي المشركين لم يوجد في حكم الإجماع والسنة فيمن سواهم في سائر الكفار فلا يجب أن يتعدى منهم إلى غيرهم بالقياس ألا ترون إن أحكام الكافرين تختلف فمنهم من يجب قتله على كل حال ومنهم من يجب قتله بعد الإمهال ومنهم من تؤخذ منه الجزية ويحقن دمه بها ولا يستباح ومنهم من لا يحل دمه ولا يؤخذ منه الجزية على حال ومنهم من يحل نكاحه ومنهم من يحرم بالإجماع فكيف يجب إتفاق الأحكام من الكافرين على ما أوجبتموه فيمن سميناه إذا كانوا كفاراً، وهي على ما بيناه في دين الإسلام من الإختلاف. ثم قال (رَحمَةُ اللّه):

ثم يقال لهم: خبرونا هل تجدون في السنة أو الكتاب أو الإجماع في طائفة الفساق من يقتل المقبلين منهم وترك المدبرين، وحظر الإجهاز على جرحى المقاتلين وغنيمة ما حوى عسكرهم دون ما سواه من أمتعتهم وأموالهم أجمعين فإن ادعوا معرفة ذلك ووجوده طولبوا بتعيينه، فيمن عدا البغاة من محاربي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنهم يعجزون عن ذلك ولا يستطيعون إلى إثباته سبيلاً، وإن قالوا: إن ذلك وإن كان غير موجود في طائفة من الفاسقين فحكم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) به في البغاة دليل على أنه في السنّة أو الكتاب وإن لم يعرف وجه التعيين، قيل لهم ما أنكرتم أن يكن حكم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الله في البغاة ممن سميتموه دليلاً بعد دليل أنه حكم الله في طائفة من الكافرين موجود في السنة والكتاب، وإن لم يعرف الجمهور الوجه في ذلك على التعيين فلا يجب أن يخرج القوم من الكفر، لتخصيصهم من الحكم بخلاف ما حكم الله تعالى فيمن سواهم من الفاسقين وهذا ما لا فصل فيه. إنتهى (1).

«إعتراض ورد»

أتى بهذا الإعتراض ورده الشيخ المفيد في الإفصاح أيضاً فقال:

فإن قالوا: كيف يصح لكم إكفار أهل البصرة والشام وقد سئل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنهم فقال: إخواننا بغوا علينا، لم ينف عنهم الإيمان ولا حكم عليهم بالشرك والإكفار ؟

قيل لهم هذا خبر شاذ لم يأت به التواتر من الأخبار ولا أجمع على صحته رواة


1) الإفصاح: 123.

الآثار، وقد قابله ما هو أشهر منه عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأكثر نقلة وأوضح طريقاً من الإسناد وهو أن رجلاً سأل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالبصرة والناس مصطفون للحرب، فقال له: على مَ نقاتل هؤلاء القوم يا أمير المؤمنين ونستحل دمائهم وهم يشهدون شهادتنا ويصلون إلى قبلتنا ؟

قتلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الآية رافعاً بها:صوته: وَإِن نَكَنُوا أَيْمَنَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَدِلُوا أَيمَّةَ الكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (1)[التوبة: 12].

فقال الرجل حين سمع ذلك: كفر ورب الكعبة وكسر جفن سيفه ولم يزل يقاتل حتى قتل، وتظاهر الخبر عنه أنه قال يوم البصرة: والله ما قوتل أهل هذه الآية حتى اليوم: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكفرين يجتهدونَ في سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَام ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمُ (2)[المائدة: 54] وجاء مثل ذلك عن عمار وحذيفة رحمه الله عليهما - إلى أن قال: -

على أنا لو سلمنا لهم الحديث في وصفهم بالأخوة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما منع من كفرهم كما لم يمنع من بغيهم ولم يضاد ضلالهم باتفاق مخالفينا ولا فسقهم عن الدين واستحقاقهم اللعنة والإستخفاف والإهانة وسلب إسم الإيمان عنهم والإسلام والقطع عليهم بالخلود في الجحيم قال الله تعالى: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُم هُودًا فأضافه إليهم بالأخوة وهو نبي الله وهم كفار بالله عزّ وجلّ وقال الله تعالى: وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحاً وقال: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شعيبا [الأعراف: 85] ولم يناف ذلك كفرهم ولا يضاد ضلالهم وشركهم، فأحرى أن لا يضاد تسمية أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمحاربيه بالإخوة مع كفرهم بحربه وضلالهم عن الدين بخلافه وهذا بين لا إشكال فيه إنتهى.

«إعتراض آخر ورده»

إن قلت: قد مضى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة الثالثة والثلاثين عند خروجه لقتال أهل البصرة: مالي ولقريش والله لقد قاتلتهم كافرين، ولأقاتلنهم مفتونين وإني لصاحبهم بالأ. كما أنا صاحبهم اليوم.

حيث إن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (لأقاتلتهم مفتونين) يدل على عدم كفرهم في تلك الحال كما استفاد منه الشارح المعتزلي وقال: لأن الباغي على الإمام مفتون فاسق ثم قال: وهذا الكلام يؤكد


1) المسترشد: 589، ودلائل الإمامة: 121.

2) المزار: 77، والإيضاح: 199.

قول أصحابنا أن أصحاب صفين، والجمل ليسوا بكفار خلافاً للإمامية فأنهم يزعمون أنهم کفار (1).

قلت: رد هذا الإعتراض في بهجة الحدائق بأن المفتون من أصابته الفتنة و هی تطلق على الإمتحان، والضلال، والكفر، والإثم، والفضيحة، والعذاب وغير ذلك والمراد بالمفتون ما يقابل الكافر الأصلي الذي لم يدخل في الإسلام أصلاً ولم يظهره، إذ لا شك في أن من حاربه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كافر لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) حربك حربي و وغير ذلك من الأخبار والأدلة.

إن قلت: لو أنهم كانوا كافرين فكيف خالطهم الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) والمؤمنون ولم يجتنبوا من ذبائحهم، وأسآرهم ويعاملون معهم معاملة المسلم في سائر الأمور على أنه لزم الحكم بعد قبول توبتهم، وبقسمة أموالهم وباعتداد زوجاتهم عدة الوفاة و وغير ذلك من الأحكام؟.

قلت: بعد ما دريت أن فرق الكفار مختلفة فأحكم بذلك، إن أحكام الكفر أيضاً، مختلفة، فحكم أهل الكتاب خلاف حكم من لا كتاب له من عبدة الأصنام، وإن كان الفريقان كافرين مثلاً إن أهل الكتاب يؤخذ منهم الجزية ويقرون على أديانهم ولا يفعل ذلك بعبدة الأصنام، وكذا حكم الحربي خلاف حكم الذمي وكذا حكم المرتد خلاف حكم الجميع، مع إتفاقهم في الكفر ولذا أفتى الشيخ في الخلاف أن الباغي إذا قتل غسل وصلى عليه.

وذهب غير واحد من علمائنا بأن البغاة محكوم بكفرهم باطناً، إلا أنه يعامل معهم في هذا الزمان المسمى بزمان الهدنة معاملة المسلم الحقيقي، حتى يظهر الدولة الحقة عجل الله تعالى، ظهورها فيجري عليهم حينئذ حكم الكفار الحربيين.

ويشهد بما ذكر عدة روايات، منها كما في الوسائل بإسناده عن أبي بكر الحضرمي قال: سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: لسيرة عليّ في أهل البصرة كانت خيراً لشيعته مما طلعت عليه الشمس، إنه علم أن للقوم دولة فلو سباهم لسبيت شيعته قلت: فأخبرني عن القائم يسير بسيرته؟ قال: لا. إن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) سار فيهم بالمن لما علم من دولتهم، وإن القائم يسير فيهم بخلاف تلك السيرة لأنه لا دولة لهم (2).

والمروي عن الدعائم عن علی (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه سئل عن الذين قاتلهم من أنه سئل عن الذين قاتلهم من أهل القبلة أكافرون هم؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): كفروا بالإحكام وكفروا بالنعم، ليس كفر المشركين الذين دفعوا النبوة، ولم


1) شرح نهج البلاغة: 187/2.

2) كتاب الغيبة: 232، ومناقب آل أبي طالب: 235/1.

يقروا بالإسلام ولو كانوا كذلك ما حلت لنا مناكحهم ولا ذبائحهم ولا مواريثهم (1)، وغيرهما من الأخبار الواردة في الباب مما يطول ذكرها.

«ترجمة الحكمين وبعض آخر»

قد حضر في صفين رجال مجاهدون في الله حق جهاده.

منهم أبو اليقظان عمار بن ياسر رضوان الله عليه قتلته الفئة الباغية، وقد مضى نبذة من الكلام في ترجمته بما يليق ويسع المقام.

ومنها عضد أسد الله مالك الأشتر (رَضِیَ اللهُ عَنهُ) وقد مضى بعض الأقوال في جلالة شأنه ونبالة قدره حسب ما يقتضى المقام، وسيأتي ترجمته تفصيلاً في باب المختار من كتبه ورسائله (عَلَيهِ السَّلَامُ) إن شاء الله تعالى ومنهم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال وابنه رضوان الله عليهما وقد علم جلالة شأنهما وثبات أمرهما وعزمهما في نصرة الدين والحماية عن الحق المبين بما ذكرنا من الآثار والأخبار في شهادتهما رضي الله عنها، وكذا غيرهم من حماة الحق وأعوان الدين الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ولزموا الصراط المستقيم والنهج القويم على حقيقة البصيرة، ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتيهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين.

وأبو وقاص جد هاشم المرقال إسمه مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وعم هاشم سعد بن أبي وقاص أحد العشرة، وأبوه عتبة بن أبي وقاص هو الذي كسر رباعية رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوم أٌحد، وكلم شفتيه وشج وجهه فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم فأنزل الله عزّ وجلّ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٍ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ [آل عمران: 128] وقال حسن بن ثابت في ذلك اليوم:

إذا الله حيا معشراً بفعالهم *** ونصرهم الرحمن رب المشرق

فهدك ربي يا عتيب بن مالك *** ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق

بسطت يميناً للنبي محمد *** فدمیت فاه قطعت بالبوارق

فهلا ذكرت الله والمنزل الذي *** تصير إليه عند إحدى الصفائق


1) دعائم الإسلام للنعمان: 388/1، ومستدرك الوسائل: 66/11، ح 12440.

فمن عاذري من عبد عذرة بعد ما *** هوى في دجوجي شديد المضائق

وأورث عاراً في الحياة لأهـله *** وفي النار يوم البعث أم البوائق

وإنما قال (عبد عذرة)، لأن عتبة بن أبي وقاص وأخوته وأقاربه في نسبهم كلام، ذكر قوم من أهل النسب، أنهم من عذرة وأنهم أدعياء في قريش ولهم خبر معروف وقصة مذكورة في كتب النسب، وتنازع عبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص في أيام عثمان في أمر، فاختصما فقال سعد لعبد الله: أسكت يا عبد هذيل فقال له عبد الله: أسكت يا عبد عذرة، هذا ما نقلنا من الفاضل الشارح المعتزلي.

وفي الإستيعاب: أن هاشم المرقال كان من أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) نزل الكوفة وكان من الفضلاء الخيار، وكان من الأبطال وفقئت عينه يوم اليرموك، وكان خيراً فاضلاً شهد مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الجمل وشهد صفين وأبلا بلاءً حسناً وبيده كانت راية علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الرجالة يوم صفين ويومئذ قتل (1).

وكفى في فضل هاشم رضوان الله عليه ما قال فيه يعسوب الدين أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة السادسة والستين: وقد أردت تولية مصر هاشم بن عتبة ولو وليته إياها لما خلى لهم العرصة ولا أنهزهم الفرصة.

وممن شهد بصفين من حواري أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) واستشهد بها وقتله الفئة الباغية أويس القرني رضوان الله عليه.

والمروي عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه كان يقول: تفوح روائح الجنة من قبل قرن، واشوقاء إليك يا أويس القرني ألا ومن لقيه فليقرأه مني السلام فقيل يا رسول الله ومن ومن أويس القرني؟

قال: «إن غاب عنكم لم تفتقدوه، وإن ظهر لكم لم تكثروا به يدخل الجنة في شفاعته مثل ربيعة ومضر يؤمن بي ولا يراني ويقتل بين يدي خليفتي أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بن أبي طالب في صفين» (2)، والروايات من الخاصة والعامة في مدحه أكثر من أن يذكر.

وممن استشهد بصفين من أصحاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): عبد الله بن بديل بن ورقاء وخزيمة بن ثابت، وجندب بن زهير وابن التيهان وغير ذلك رضوان الله عليهم أجمعين، وقال المسعودي في مروج الذهب: وقتل بصفين من الصحابة ممن كان مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخمسة


1) الدرجات الرفيعة: 376.

2) الروضة في المعجزت والفضائل: 123 وحلية الأبرار: 331/2،

وعشرون رجلاً.

وممن شهد مع علي صفين شبث بن ربعي كما مر قبل وهذا الرجل كان مضطرب الحال مشوش البال غير ثابت على طريق نافقاً متلوناً سفاكاً متجرياً تابع كل ناعق ومثير كل فتنة، عاش طويلاً حتى بلغ إلى أرذل العمر وحضر كربلاء مع عمر بن سعد فقاتل الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نستعيذ بالله من سوء الخاتمة، ومسجد شبث أحد المساجد الأربعة التي جددت فرحاً لقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتخلف هو وعمرو بن حريث، والأشعث، وجرير بن عبد الله عن أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مسيره إلى النهروان، وأخبره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنهم يريدون تثبيط الناس عنه وبيعتهم للضب، وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أما والله يا شبث ويا ابن حريث لتقاتلان إبني الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما في البحار للمجلسي رحمه الله تعالى (1).

قال أبو زهير العبسي: فأنا سمعت شبث في أمارة مصعب يقول: لا يعطى الله أهل هذا المصر خيراً أبداً ولا يسددهم لرشد، ألا تعجبون أنا قاتلنا مع علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومع إبنه من بعده آل أبي سفيان خمس سنين، ثم عدونا على ابنه وهو خير أهل الأرض نقاتله آل معاوية وابن سمية الزانية ضلال يا لك من ضلال.

وقال ابن حجر في التقريب: شبث بفتح أوله والموحدة ثم مثلثة ابن ربعي التميمياليربوعي، أبو عبد القدوس الكوفي مخضرم كان مؤذن سجاح ثم أسلم، ثم كان ممن أعان على عثمان، ثم صحب علياً ثم صار من الخوارج عليه ثم تاب فحضر قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثم كان ممن طلب بدم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع المختار، ثم ولى شرطة الكوفة ثم حضر قتل المختار ومات بالكوفة في حدود الثمانين إنتهي (2).

بیان: مخضرم بضم الميم وفتح الراء من أدرك الجاهلية والإسلام وسجاح بفتح أولها كسحاب إسم إمرأة أدعت النبوة وتنبى المسيلمة الكذاب أيضاً في زمانها.

قال أبو جعفر الطبري في ذكر أحداث السنة الحادية عشرة من الهجرة من تاريخه: وكانت سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان هي وبنو أبيها عقفان في بني تغلب فتنبت بعد موت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالجزيرة في بني تغلب فاستجاب لها الهذيل - إلى أن قال: إن مسيلمة الكذاب لما نزلت به سجاح أغلق الحصن دونها فقالت له سجاح أنزل قال: فنحى عنك أصحابك ففعلت فقال مسيلمة: أضربوا لها قبة وجمروها لعلها تذكر الباه ففعلوا فلما


1) الخرائج والجرائح: 226/12، والبحار: 384/33.

2) الغارات: 365/2، ح 5.

دخلت القبة نزل مسيلمة فقال: ليقفها هنا عشرة وها هنا عشرة ثم دارسها فقال: ما أوحى إليك؟ وقالت: هل تكون النساء يبتدئن ولكن أنت ما أوحى إليك؟ قال: ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشي.

قالت: وماذا أيضاً؟ قال: أوحى إلي أن الله خلق النساء أفراجاً وجعل الرجال لهن أزواجاً فتولج فيهن قعساً إيلاجاً ثم نخرجها إذا نشاء إخراجاً فينتجن لنا سخالاً إنتاجاً، قالت: أشهد أنك نبي، قال: هل لك أن أتزوجك فآكل بقومي وقومك العرب؟ قالت: نعم. قال:

ألا قومی إلی النیک *** فقد هییئ لک المضجع

وإن شئت ففی البیت *** وإن شئت ففی المخدع

وإن شئت سلقناک *** وإن شئت علی أربع

وإن شئت بثلثیه *** وإن شئت به أجمع

قالت: بل به أجمع، قال بذلك أوحى إلي، فأقامت عنده ثلاثاً ثم انصرفت إلى قومها فقالوا:ما عندك ؟ قالت: كان على الحق فاتبعته فتزوجته قالوا فهل أصدقك شيئاً؟ قالت: لا، قالوا إرجعي إليه فقبيح بمثلك أن ترجع بغير صداق (1)فرجعت فلما رآها مسيلمة أغلق الحصن وقال مالك؟ قالت أصدقني صداقاً، قال من مؤذنك؟ قالت: شبث بن ربعي الرياحي، قال علي به فجاء فقال ناد في أصحابك أن مسيلمة بن حبيب رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم، محمد صلاة العشاء الآخرة وصلاة الفجر، فانصرفت ومعها أصحابها فيهم الزبرقان وعطارد بن حاجب وعمرو بن الأهتم وغيلان بن خرشة وشبث بن ربعي فقال عطارد بن حاجب:

أمست نبيتنا أنثي نطيف بها *** وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا (2)

ثم إن ولد شبث عبد القدوس المعروف بأبي الهندي الشاعر كان زنديقاً سكيراً، وكذا سبطاه صالح بن عبد القدوس وغالب بن عبد القدوس فالصالح كان زنديقاً طالحاً قتله المهدي على الزندقة وصلبه على جسر بغداد وغالب كان غالب أمره في شرب الخمر وإدمانه، وعاقبه أمره أنه سقط عن السطح في حال سكره، فوجد ميتاً وحكي أنه كان مكتوباً على قبره:


1) في نسخة: أن تزوج بغير صداق.

2) تاريخ الطبري: 500/2، والتنبيه والأشراف: 248.

أجعلوا إن مت يوماً كفني *** ورق الكرم وقبري معصره

إنني أرجو من الله غداً *** بعد شرب الراح حسن المغفرة

كان الفتيان يجيئون إلى قبره فيشربون ويصبون القدح على قبره.

ونظير البيتين المذكورين ما قاله أبو محجن في أيام جاهليته كما في الجزء الثالث من تاريخ أبي جعفر الطبري من وقايع السنة الرابعة عشرة:

إذا مت فادفني إلى أصل كرمة *** تروي عظامي بعد موتي عروقها

ولا تدفنني بالفلاة فإنني *** أخاف إذا م إذا ما مت أن لا أذوقها

و تروي بخمر الحص لحدي فإنني *** أسير لها من بعد ما قد أسوقها

ثم إن أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يرسله إلى أمور خطيرة لجرأته، كما نقلنا من قبل أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعثه مع قشر بن عمرو، وسعيد بن قيس إلى معاوية ليدعوه إلى الطاعة والجماعة، وأتباع أمر الله، فلما وردوا على معاوية وذهب سعيد بن قيس ليتكلم بدره شبث بن ربعي وقال لمعاوية: أنه لا يخفى علينا ما تطلب أنك لا تجد شيئاً تستغوي به الناس وتستميل به أهواءهم، إلا أن قلت لهم قتل إمامكم مظلوماً فهلموا نطلب بدمه، فاستجاب لك سفلة طغام رذال، وقد علمنا أنك أبطأت عنه بالنصر وأجبت له القتل لهذه المنزلة التي تطلب.

وأما ترجمة أبي موسى الأشعري فنحن نذكر نقلاً عن الشارح المعتزلي، من كتاب الإستيعاب لابن عبد البر المحدث وغيره ثم نتبع ذلك بما نقلناه من غيره.

قال ابن عبد البر: هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حصار بن حرب بن عامر بن عمر بن بكر بن عمر بن عذر بن وابل بن ناجية بن الجاهر بن الأشعر، واختلف في أنه هل هو من مهاجرة الحبشة أم لا والصحيح أنه ليس منهم، ولكنه أسلم ثم رجع إلى بلاد قومه، فلم يزل به حتى قدم هو وناس من الأشعريين على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فوافق قدومهم قدوم أهل السفينتين جعفر بن أبي طالب وأصحابه من أرض حبشة، فوافوا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بخيبر، فظن قوم أن أبا موسى قدم من الحبشة مع جعفر وقيل: أنه لم يهاجر إلى الحبشة وإنما أقبل في سفينة مع قوم من الأشعريين فرمت الريح سفينتهم إلى أرض الحبشة وخرجوا منها مع جعفر وأصحابه فكان قدومهم معاً فظن قوم أنه كان من مهاجرة الحبشة.

قال: وولاه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من محاليف اليمن زبید، وولاه عمر البصرة لما عزل المغيرة عنها، فلم يزل عليها إلى صدر من خلافة عثمان فعزله عثمان عنها وولاها عبد الله بن عامر بن كريز فنزل أبا موسى الكوفة حينئذ، وسكنها فلما كره سعيد بن العاص ودفعوه عنها ولوا أبا، موسى وكتبوا إلى عثمان يسألونه أن يوليه فأقره على الكوفة، فلما قتل عثمان عزله

علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنها فلم يزل واجداً لذلك على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى جاء منه ما قال حذيفة فيه (1).

قال الشارح المعتزلي: والكلام الذي قال فيه وقد ذكر عنده بالدين: أما أنتم فتقولون ذلك وأما أنا فأشهد أنه عدو الله ولرسوله وحرب لهما في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد یوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار، وكان حذيفة عارفاً بالمنافقين أسر إليه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أمرهم وأعلمهم أسماءهم (2).

وروي أن عماراً سئل عن أبي موسى فقال: لقد سمعت فيه من حذيفة قولاً عظيماً سمعته يقول: صاحب البرنس الأسود ثم كلح كلوحاً علمت منه أنه كان ليلة العقبة بين ذلك الرهط (3).

وروي عن سويد بن غفلة قال: كنت مع أبي موسى على شاطىء الفرات في خلافة عثمان، فروى لي خبراً عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: سمعته يقول: إن بني إسرائيل إختلفوا فلم يزل الإختلاف بينهم حتى بعثوا حكمين ضالين، ضلاً وأضلا من أتبعهما ولا ينفك أمر أمتي حتى يبعثوا حكمين يضلان ويضلان من تبعهما، فقلت له: أحذر يا أبا موسى أن تكون أحدهما قال: فخلع قميصه وقال: أبرأ إلى الله من ذلك كما أبرأ من قميصي هذا (4).

وكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقنت عليه وعلى غيره فيقول: اللهم العن معاوية أولاً، وعمراً ثانياً، وأبا الأعور السلمي ثالثاً، وأبا موسى الأشعري رابعاً (5).

وقال نصر في كتاب صفين: قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إن عبد الله بن قيس رجل قد حلبت أشطره فوجدته قريب القعر كليل المدية. ونقل أيضاً أبياتاً عن بعض بعضها:

لو كان للقوم رأى يعظمون به *** بعد الخطار رموكم با بن عباس

لله در أبيه أيما رجل*** ما مثله لفصال الخطب في الناس

لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن *** لم يدر ما ضرب أخماس لأسداس

أن يخل عمرو به يقذفه في لجج *** یهوی به النجم تيساً بين أنياس

وفي السياسة والإمامة للدينوري: ذكروا أن معاوية كتب إلى أبي موسى بعد الحكومة وهو بمكة: أما بعد فأكره من أهل العراق ما كرهوا منك، وأقبل إلى الشام فإني خير لك من


1) بحار الأنوار: 321/28 ح،52 ومكاتيب الرسول: 603/1.

2) بحار الأنوار: 321/28، وشرح نهج البلاغة: 315/13.

3) بحار الأنوار: 321/28، والدرجات الرفيعة: 286.

4) المسترشد: 159 ح 28 و شرح نهج البلاغة: 315/13.

5) الإيضاح: 64، وشرح نهج البلاغة: 315/13.

علي والسلام.

فكتب إليه أبو موسى: أما بعد فإنه لم يكن مني في علي إلا ما كان من عمرو فيك، غیر أني أردت بما صنعت وجه الله وأراد عمرو بما صنع ما عندك وقد كان بيني وبينه شروط عن تراض فلما رجع عمرو رجعت وأما قولك: إن الحكمين إذا حكما على أمر فليس للمحكوم عليه أن يكون بالخيار إنما ذاك في الشاة والبعير وأما في أمر هذه الأمة فليست تساق إلى ما تكره ولن تذهب بين عجز عاجز ولا كيد كائد ولا خديعة فاجر، وأما دعاؤك إياي إلى الشام فليس لي بدل ولا إيثار عن قبر ابن إبراهيم أبي الأنبياء (1).

ثم إن الفاضل الشارح المعتزلي بعد ذكره ما تعتقده المعتزلة في أبي موسى نقلا من كتاب الكفاية لابن متويه أنه قال أما أبا موسى فإنه عظم جرمه بما فعله وأدى ذلك إلى الضرر الذي لم يخف حاله، وكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقنت عليه وعلى غيره - كما دريت - وروى عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه كان يقول في أبي موسى: صبغ بالعلم صبغاً وسلخ منه سلخاً كذا بعد ما ذكر رواية الحكمين الضالين المضلين في بني إسرائيل، وفي هذه الأمة من أبي موسى عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وكذا بعد ما ذكر أنه لم يثبت في توبته ما ثبت في توبة غيره، قال: وذكرته لك لتعلم أنه عند المعتزلة من أرباب الكبائر، وحكمه حكم أمثاله ممن واقع كبيرة ومات عليها. إنتهى (2).

أقول: وذكرنا طائفة من البراهين والأدلة في كفر الخارجين على الإمام العادل (عَلَيهِ السَّلَامُ) فليرجع.

قال ابن عبد البر واختلف في تاريخ موته، فقيل: سنة اثنتين وأربعين، وقيل: سنة إثنتين وخمسين، وقيل سنة أربع وأربعين، واختلف في قبره فقيل: مات بمكة ودفن بها وقيل: مات بالكوفة ودفن بها.

وأما عمرو بن العاص فلا يخفى على أحد أنه كان فاجراً غادراً ختالاً، وفي الروغان والخديعة والمكر يضرب به المثل وقد مضى شرذمة منها من قبل وسيأتي في باب المختار من الكتب والرسائل كتاب أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليه وهو الكتاب التاسع والثلاثون قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):من عبد الله على أمير المؤمنين إلى الأبترين: الأبتر عمرو بن العاص بن وائل شاني محمد وآل محمد في الجاهلية والإسلام - إلى آخر ما قال - ونحن نذكر في شرح ذلك الكتاب بعون الملك الوهاب ما قيل في عمرو بن العاص فلنعد إلى بيان جمل الخطبة.


1) الإمامة والسياسة: 160/1.

2) شرح نهج البلاغة: 316/13.

محتوى الجزء الخامس عشر من كتاب منهاج البراعة

مقدمة وتقريظ...5

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي المائتان والتاسعة والعشرون من المختار في باب الخطب...11

اللغة... 11

الإعراب... 12

المعنى... 12

الترجم... 21

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو المائتان والثلاثون من المختار في باب الخطب...22

اللغة... 22

الإعراب... 23

عبد الله بن زمعة من هو ؟...25

المعنى... 25

الترجمة...28

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو المائتان والواحد والثلاثون من المختار في باب الخطب... 29

اللغة... 29

الإعراب...30

المعنى... 30

الترجمة... 40

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو المائتان والإثنان والثلاثون من المختار في باب الخطب... 41

اللغة... 41

الإعراب... 42

المعنى...42

الأول... 42

الثاني...43

الثالث...45

الرابع...46

وصف علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)...50

الترجمة... 57

في باب الخطب... 58

اللغة... 58

الإعراب...60

المعنى...61

وفاة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) والأقوال في يوم وفاته مبلغ سنه حينئذ ومن يلي غسله وتجهيزه... 68

الكلام في أن عمر آذی رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) والمسلمين بقوله أنه يهجر...72

الكلام في لدود رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وما فيه...74

«آخر آية نزلت على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)»...87

الأقوال في مدة شكواه(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)...88

الأخبار في مبلغ سنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)یوم وفاته...88

ذكر الأقوال عن اليوم والشهر الذين توفي فيهما (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)...89

«الكلام في أن عمر أنكر موت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولو لم يكن عارفاً بالقرآن»...92

الكلام في أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الذي ولى غسل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهو الأصل في ذلك... 93

الكلام في من صلى عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)...98

الكلام في دفنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)...100

الكلام في تجهيزه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في أنه أي يوم كان والحق في ذلك...103

الترجمة...108

ومن كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) اقتص فيه ذكر ما كان منه بعد هجرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثم لحاقه به:...109

اللغة...109

الإعراب... 109

المعنی...110

الكلام في هجرة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى المدينة وما جرى في ذلك على الإيجاز

«بدء إسلام الأنصار»...110

«أمر العقبة الأولى»...111

«أمر العقبة الثانية»... 111

نزول الأمر لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في القتال...112

«خروج النبي واستخلافه عليا على فراشه»...114

«لطريقة في هجرته من مكة إلى المدينة»...124

«المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار»...128

«كلام بن أبي جمهور الإحسائي في المجلي»...128

«الكلام في أن مبيت عليا على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فراش رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) منقبة..... لم يحصل لغيره من الخلق فضل يعاد لها»...131

«مبدأ تاريخ السملمين والفرق بين الهجري القمري والهجري الشمسي»...134

«الفرق بين الشهر القمري الحقيقي والوسطي»...136

«فائدتان»...137

«ذكر الأخبار في ذلك»...140

الترجمة...142

المختار المائتان والخامس والثلاثون...144

اللغة...144

الإعراب...145

المعنى...146

الترجمة...179

الخطبة السادسة والثلاثون والمائتان ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شأن الحكمين وذم أهل الشام...180

اللغة...180

الإعراب...182

المعنى...183

«حكم الحكمين واجتماعهما وما جرى في ذلك»...185

«ما أمر به علي بن أبي طالب من عمل الجسر على الفرات»...188

«القتال على الماء»...191

«دعاء على معاوية إلى الطاعة والجماعة»...196

«تكتيب الكتائب وتعبية الناس للقتال»...202

«اليوم الثاني»...203

«اليوم الثالث»...203

«اليوم الرابع»...204

«اليوم الخامس»... 213

«اليوم السادس»... 214

«اليوم السابع»... 214

«اليوم الثامن»...216

«اليوم التاسع»...217

مقتل أبي اليقظان عمار بن ياسر رضوان الله عليه ونسبه وإسلامه وطائفة......... ما جاء فيه من الأخبار الأحوال...232

«کلام هاشم بن عتبة المرقال»...253

«لتسليم هاشم على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد صرعه »...256

«قتل ذي الكلاع وحمل جثته»...257

«أخذ ابن المرقال اللواء حين قتل أبوه رحمه الله وما قال في ذلك»... 258

«الكلام في جامع أشعار أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) »...265

«اليوم العاشر وليلتها: ليلة الهرير ويومها»...270

«رأی عمرو بن العاص في رجع الناس إلى كتاب الله لما ظهرت هزيمة أهل الشام»...274

«حملة الجعفي على أهل الشام ضرب علي وقتله الناس في يوم واحدة»...275

«رفع أهل الشام المصاحف على الرماح ودعائهم إلى الحكومة لما ظهرت هزيمتهم واستبان ذلهم»...276

«خطبة شعث بن قيس»...279

«جزع أهل الشام من أهل العراق وكلام عبد الله بن عمرو»... 280

«جواب سعيد بن قيس عبد الله بن عمرو بأمر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) »... 280

«كلام رؤساء القبائل»...281

«كلام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما رفع المصاحف»...283

«خطاب الأشتر إلى أهل الشام وجوابهم عنه»... 284

«كتاب معاوية إلى أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) »... 285

«جواب أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إياه»...285

«الكلام في الحكمين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص»...286

كتاب معاوية إلى أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) »... 286

كتاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عمرو بن العاص»...286

«جواب عمرو بن العاص علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) »...286

«جواب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمرو بن العاص»... 286

جواب عمرو بن العاص علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثانياً»...287

«الإتفاق على الصلح واختلاف أهل العراق في الحكمين»...287

«صورة صحيفة الصلح واختلاف الناس في كتابتها»... 288

«كلام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين أقر الناس بالصلح»... 288

«كلام الأشتر لما دعى للصحيفة»...292

«كلام أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الأشتر رضوان الله عليه»...292

«إجتماع الفريقين والحكمين بدومة الجندل»... 293

«وما أختي صی به شريح بن هاني أبا موسى»...294

«ما قال أبو موسى في جوابه»...294

«ما وصى به الأحنف بن قيس أبا موسى»...294

«بعث الصلتان أشعاراً من الكوفة إلى دومة الجندل»...295

«قصة سعد بن أبي وقاص وابنه عمر »...295

«إرسال معاوية المغيرة بن شعبة إلى دومة الجندل»...297

«إبتداء المكالمة والمشاجرة بين أبي موسى وعمرو بن العاص»...297

«ما أوصى به أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عمرو بن العاص»...298

«روغان عمرو بن العاص ومكره في خلع أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونصب معاوية واغترار أبي موسى»...299

«ذكر المقتولين في صفين»...308

«بحث كلامي»...309

«دلیل آخر»...316

«دلیل آخر»...316

«إشكال وحل»...316

«إعتراض ورد»...318

«إعتراض آخر ورده»...319

«ترجمة الحكمين وبعض آخر»...321